Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الطارق 86:1 – الغاشية 88:26

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الطارق 86:1
  2. الطارق 86:2
  3. الطارق 86:3
  4. الطارق 86:4
  5. الطارق 86:5
  6. الطارق 86:6
  7. الطارق 86:7
  8. الطارق 86:8
  9. الطارق 86:9
  10. الطارق 86:10
  11. الطارق 86:11
  12. الطارق 86:12
  13. الطارق 86:13
  14. الطارق 86:14
  15. الطارق 86:15
  16. الطارق 86:16
  17. الطارق 86:17
  18. الأعلى 87:1
  19. الأعلى 87:2
  20. الأعلى 87:3
  21. الأعلى 87:4
  22. الأعلى 87:5
  23. الأعلى 87:6
  24. الأعلى 87:7
  25. الأعلى 87:8
  26. الأعلى 87:9
  27. الأعلى 87:10
  28. الأعلى 87:11
  29. الأعلى 87:12
  30. الأعلى 87:13
  31. الأعلى 87:14
  32. الأعلى 87:15
  33. الأعلى 87:16
  34. الأعلى 87:17
  35. الأعلى 87:18
  36. الأعلى 87:19
  37. الغاشية 88:1
  38. الغاشية 88:2
  39. الغاشية 88:3
  40. الغاشية 88:4
  41. الغاشية 88:5
  42. الغاشية 88:6
  43. الغاشية 88:7
  44. الغاشية 88:8
  45. الغاشية 88:9
  46. الغاشية 88:10
  47. الغاشية 88:11
  48. الغاشية 88:12
  49. الغاشية 88:13
  50. الغاشية 88:14
  51. الغاشية 88:15
  52. الغاشية 88:16
  53. الغاشية 88:17
  54. الغاشية 88:18
  55. الغاشية 88:19
  56. الغاشية 88:20
  57. الغاشية 88:21
  58. الغاشية 88:22
  59. الغاشية 88:23
  60. الغاشية 88:24
  61. الغاشية 88:25
  62. الغاشية 88:26

الطارق 86:1

صفحة ١١٥ [ سُورَةُ الطّارِقِ ] سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّرْغِيبِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﷽ ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﷽ ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْثَرَ في كِتابِهِ ذِكْرَ السَّماءِ والشَّمْسِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ أحْوالَها في أشْكالِها وسَيْرِها ومَطالِعِها ومَغارِبِها عَجِيبَةٌ، وأمّا الطّارِقُ فَهو كُلُّ ما أتاكَ لَيْلًا سَواءً كانَ كَوْكَبًا أوْ غَيْرَهُ فَلا يَكُونُ الطّارِقُ نَهارًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ المُسْلِمِينَ في دُعائِهِمْ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن طَوارِقِ اللَّيْلِ ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَهى عَنْ أنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا» “ والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الطُّرُوقُ في صِفَةِ الخَيالِ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ إنَّما تَحْصُلُ في الأكْثَرِ في اللَّيْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والطّارِقِ﴾ كانَ هَذا مِمّا لا يَسْتَغْنِي سامِعُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنهُ، فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ما أدْراكَ فَقَدْ أخْبَرَ الرَّسُولُ بِهِ وكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ ما يُدْرِيكَ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أيْ هو طارِقٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، رَفِيعُ القَدْرِ وهو النَّجْمُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ويُوقَفُ بِهِ عَلى أوْقاتِ الأمْطارِ، وهاهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما وُصِفَ النَّجْمُ بِكَوْنِهِ ثاقِبًا لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ فَيَنْفُذُ فِيهِ كَما قِيلَ: دُرِّيٌّ لِأنَّهُ يَدْرَؤُهُ أيْ يَدْفَعُهُ. وثانِيها: أنَّهُ يَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ نافِذًا في الهَواءِ كالشَّيْءِ الَّذِي يَثْقُبُ الشَّيْءَ. وثالِثُها: أنَّهُ الَّذِي يُرى بِهِ الشَّيْطانُ فَيَثْقُبُهُ أيْ يَنْفُذُ فِيهِ ويَحْرِقُهُ. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: ”النَّجْمُ الثّاقِبُ“ هو النَّجْمُ المُرْتَفِعُ عَلى النُّجُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلطّائِرِ إذا لَحِقَ بِبَطْنِ السَّماءِ ارْتِفاعًا: قَدْ ثَقَبَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما وُصِفَ النَّجْمُ بِكَوْنِهِ طارِقًا، لِأنَّهُ يَبْدُو بِاللَّيْلِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ يُسَمّى طارِقًا، أوْ لِأنَّهُ يَطْرُقُ الجِنِّيَّ، أيْ يَصُكُّهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ قالَ بَعْضُهم: أُشِيرَ بِهِ إلى جَماعَةِ النَّحْوِ فَقِيلَ صفحة ١١٦ الطّارِقُ، كَما قِيلَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ نَجْمٌ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّهُ الثُّرَيّا، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ زُحَلُ، لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ سَبْعِ سَماواتٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها الشَّياطِينُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ «أنَّ أبا طالِبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ، فَأتْحَفَهُ بِخُبْزٍ ولَبَنٍ، فَبَيْنَما هو جالِسٌ يَأْكُلُ إذِ انْحَطَّ نَجْمٌ فامْتَلَأ ماءً ثُمَّ نارًا، فَفَزِعَ أبُو طالِبٍ، وقالَ: أيُّ شَيْءٍ هَذا ؟ فَقالَ: هَذا نَجْمٌ رُمِيَ بِهِ، وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ، فَعَجِبَ أبُو طالِبٍ، ونَزَلَتِ السُّورَةُ» . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (لَمّا) قِراءَتانِ: إحْداهُما: قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ والكِسائِيِّ، وهي بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والثّانِيَةُ: قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والنَّخَعِيِّ بِتَشْدِيدِ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن خَفَّفَ كانَتْ ”إنْ“ عِنْدَهُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمّا“ هي الَّتِي تَدْخُلُ مَعَ هَذِهِ المُخَفَّفَةِ لِتُخَلِّصَها مِن إنِ النّافِيَةِ، وما صِلَةٌ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (وعَمّا قَلِيلٍ) وتَكُونُ (إنْ) مُتَلَقِّيَةً لِلْقَسَمِ، كَما تَتَلَقّاهُ مُثَقَّلَةً. وأمّا مَن ثَقَّلَ فَتَكُونُ (إنْ) عِنْدَهُ النّافِيَةَ، كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فِيما إنْ مَكَّنّاكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] و(لَمّا) في مَعْنى ألّا، قالَ: وتُسْتَعْمَلُ (لَمّا) بِمَعْنى ألّا في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ، تَقُولُ: سَألْتُكَ بِاللَّهِ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ألّا فَعَلْتَ. ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ والكِسائِيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ أنَّهم قالُوا: لَمْ تُوجَدْ لَمّا بِمَعْنى ألّا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَوْنٍ: قَرَأْتُ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ ”لَمّا“ بِالتَّشْدِيدِ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، سُبْحانَ اللَّهِ، وزَعَمَ العُتْبِيُّ أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ألّا، مَعَ أنَّ الخَفِيفَةَ الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنى ما مَوْجُودَةٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَذا الحافِظَ مَن هو، ولَيْسَ فِيها أيْضًا بَيانُ أنَّ الحافِظَ يَحْفَظُ النَّفْسَ عَمّاذا. أمّا الأوَّلُ: فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هو اللَّهُ تَعالى. أمّا في التَّحْقِيقِ فَلِأنَّ كُلَّ وُجُودٍ سِوى اللَّهِ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَإنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا لِمُرَجِّحٍ ويَنْتَهِي ذَلِكَ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، فَهو سُبْحانُهُ القَيُّومُ الَّذِي بِحِفْظِهِ وإبْقائِهِ تَبْقى المَوْجُوداتُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ هَذا المَعْنى في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] وبَيَّنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في حَقِّ الإنْسانِ عَلى الخُصُوصِ وحَقِيقَةُ الكَلامِ تَرْجِعُ إلى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ، فَإنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ مُحْدَثٌ مُحْتاجٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، هَذا إذا حَمَلْنا النَّفْسَ عَلى مُطْلَقِ الذّاتِ، أمّا إذا حَمَلْناها عَلى النَّفْسِ المُتَنَفِّسَةِ وهي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى حافِظًا لَها كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِأحْوالِها ومُوَصِّلًا إلَيْها جَمِيعَ مَنافِعِها ودافِعًا عَنْها جَمِيعَ مَضارِّها. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هُمُ المَلائِكَةُ كَما قالَ: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] وقالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وقالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] وقالَ: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] . صفحة ١١٧ وأمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ ما الَّذِي يَحْفَظُهُ هَذا الحافِظُ ؟ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ الحَفَظَةَ يَكْتُبُونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ دَقِيقَها وجَلِيلَها حَتّى تَخْرُجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا. وثانِيها: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ يَحْفَظُ عَمَلَها ورِزْقَها وأجَلَها، فَإذا اسْتَوْفى الإنْسانُ أجَلَهُ ورِزْقَهُ قَبَضَهُ إلى رَبِّهِ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى وعِيدِ الكُفّارِ وتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤] ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ عَنْ قَرِيبٍ إلى الآخِرَةِ فَيُجازَوْنَ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ. وثالِثُها: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ، يَحْفَظُها مِنَ المَعاطِبِ والمَهالِكِ فَلا يُصِيبُها إلّا ما قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْها. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى المَقابِرِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقْسَمَ عَلى أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ حافِظًا يُراقِبُها ويَعُدُّ عَلَيْها أعْمالَها، فَحِينَئِذٍ يَحِقُّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَجْتَهِدَ ويَسْعى في تَحْصِيلِ أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ تَطابَقَتِ الشَّرائِعُ والعُقُولُ عَلى أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ ومَعْرِفَةُ المَعادِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ المَبْدَأِ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المَبْدَأِ.

الطارق 86:2

صفحة ١١٥ [ سُورَةُ الطّارِقِ ] سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّرْغِيبِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﷽ ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﷽ ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْثَرَ في كِتابِهِ ذِكْرَ السَّماءِ والشَّمْسِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ أحْوالَها في أشْكالِها وسَيْرِها ومَطالِعِها ومَغارِبِها عَجِيبَةٌ، وأمّا الطّارِقُ فَهو كُلُّ ما أتاكَ لَيْلًا سَواءً كانَ كَوْكَبًا أوْ غَيْرَهُ فَلا يَكُونُ الطّارِقُ نَهارًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ المُسْلِمِينَ في دُعائِهِمْ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن طَوارِقِ اللَّيْلِ ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَهى عَنْ أنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا» “ والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الطُّرُوقُ في صِفَةِ الخَيالِ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ إنَّما تَحْصُلُ في الأكْثَرِ في اللَّيْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والطّارِقِ﴾ كانَ هَذا مِمّا لا يَسْتَغْنِي سامِعُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنهُ، فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ما أدْراكَ فَقَدْ أخْبَرَ الرَّسُولُ بِهِ وكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ ما يُدْرِيكَ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أيْ هو طارِقٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، رَفِيعُ القَدْرِ وهو النَّجْمُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ويُوقَفُ بِهِ عَلى أوْقاتِ الأمْطارِ، وهاهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما وُصِفَ النَّجْمُ بِكَوْنِهِ ثاقِبًا لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ فَيَنْفُذُ فِيهِ كَما قِيلَ: دُرِّيٌّ لِأنَّهُ يَدْرَؤُهُ أيْ يَدْفَعُهُ. وثانِيها: أنَّهُ يَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ نافِذًا في الهَواءِ كالشَّيْءِ الَّذِي يَثْقُبُ الشَّيْءَ. وثالِثُها: أنَّهُ الَّذِي يُرى بِهِ الشَّيْطانُ فَيَثْقُبُهُ أيْ يَنْفُذُ فِيهِ ويَحْرِقُهُ. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: ”النَّجْمُ الثّاقِبُ“ هو النَّجْمُ المُرْتَفِعُ عَلى النُّجُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلطّائِرِ إذا لَحِقَ بِبَطْنِ السَّماءِ ارْتِفاعًا: قَدْ ثَقَبَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما وُصِفَ النَّجْمُ بِكَوْنِهِ طارِقًا، لِأنَّهُ يَبْدُو بِاللَّيْلِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ يُسَمّى طارِقًا، أوْ لِأنَّهُ يَطْرُقُ الجِنِّيَّ، أيْ يَصُكُّهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ قالَ بَعْضُهم: أُشِيرَ بِهِ إلى جَماعَةِ النَّحْوِ فَقِيلَ صفحة ١١٦ الطّارِقُ، كَما قِيلَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ نَجْمٌ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّهُ الثُّرَيّا، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ زُحَلُ، لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ سَبْعِ سَماواتٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها الشَّياطِينُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ «أنَّ أبا طالِبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ، فَأتْحَفَهُ بِخُبْزٍ ولَبَنٍ، فَبَيْنَما هو جالِسٌ يَأْكُلُ إذِ انْحَطَّ نَجْمٌ فامْتَلَأ ماءً ثُمَّ نارًا، فَفَزِعَ أبُو طالِبٍ، وقالَ: أيُّ شَيْءٍ هَذا ؟ فَقالَ: هَذا نَجْمٌ رُمِيَ بِهِ، وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ، فَعَجِبَ أبُو طالِبٍ، ونَزَلَتِ السُّورَةُ» . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (لَمّا) قِراءَتانِ: إحْداهُما: قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ والكِسائِيِّ، وهي بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والثّانِيَةُ: قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والنَّخَعِيِّ بِتَشْدِيدِ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن خَفَّفَ كانَتْ ”إنْ“ عِنْدَهُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمّا“ هي الَّتِي تَدْخُلُ مَعَ هَذِهِ المُخَفَّفَةِ لِتُخَلِّصَها مِن إنِ النّافِيَةِ، وما صِلَةٌ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (وعَمّا قَلِيلٍ) وتَكُونُ (إنْ) مُتَلَقِّيَةً لِلْقَسَمِ، كَما تَتَلَقّاهُ مُثَقَّلَةً. وأمّا مَن ثَقَّلَ فَتَكُونُ (إنْ) عِنْدَهُ النّافِيَةَ، كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فِيما إنْ مَكَّنّاكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] و(لَمّا) في مَعْنى ألّا، قالَ: وتُسْتَعْمَلُ (لَمّا) بِمَعْنى ألّا في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ، تَقُولُ: سَألْتُكَ بِاللَّهِ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ألّا فَعَلْتَ. ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ والكِسائِيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ أنَّهم قالُوا: لَمْ تُوجَدْ لَمّا بِمَعْنى ألّا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَوْنٍ: قَرَأْتُ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ ”لَمّا“ بِالتَّشْدِيدِ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، سُبْحانَ اللَّهِ، وزَعَمَ العُتْبِيُّ أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ألّا، مَعَ أنَّ الخَفِيفَةَ الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنى ما مَوْجُودَةٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَذا الحافِظَ مَن هو، ولَيْسَ فِيها أيْضًا بَيانُ أنَّ الحافِظَ يَحْفَظُ النَّفْسَ عَمّاذا. أمّا الأوَّلُ: فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هو اللَّهُ تَعالى. أمّا في التَّحْقِيقِ فَلِأنَّ كُلَّ وُجُودٍ سِوى اللَّهِ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَإنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا لِمُرَجِّحٍ ويَنْتَهِي ذَلِكَ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، فَهو سُبْحانُهُ القَيُّومُ الَّذِي بِحِفْظِهِ وإبْقائِهِ تَبْقى المَوْجُوداتُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ هَذا المَعْنى في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] وبَيَّنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في حَقِّ الإنْسانِ عَلى الخُصُوصِ وحَقِيقَةُ الكَلامِ تَرْجِعُ إلى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ، فَإنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ مُحْدَثٌ مُحْتاجٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، هَذا إذا حَمَلْنا النَّفْسَ عَلى مُطْلَقِ الذّاتِ، أمّا إذا حَمَلْناها عَلى النَّفْسِ المُتَنَفِّسَةِ وهي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى حافِظًا لَها كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِأحْوالِها ومُوَصِّلًا إلَيْها جَمِيعَ مَنافِعِها ودافِعًا عَنْها جَمِيعَ مَضارِّها. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هُمُ المَلائِكَةُ كَما قالَ: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] وقالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وقالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] وقالَ: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] . صفحة ١١٧ وأمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ ما الَّذِي يَحْفَظُهُ هَذا الحافِظُ ؟ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ الحَفَظَةَ يَكْتُبُونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ دَقِيقَها وجَلِيلَها حَتّى تَخْرُجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا. وثانِيها: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ يَحْفَظُ عَمَلَها ورِزْقَها وأجَلَها، فَإذا اسْتَوْفى الإنْسانُ أجَلَهُ ورِزْقَهُ قَبَضَهُ إلى رَبِّهِ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى وعِيدِ الكُفّارِ وتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤] ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ عَنْ قَرِيبٍ إلى الآخِرَةِ فَيُجازَوْنَ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ. وثالِثُها: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ، يَحْفَظُها مِنَ المَعاطِبِ والمَهالِكِ فَلا يُصِيبُها إلّا ما قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْها. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى المَقابِرِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقْسَمَ عَلى أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ حافِظًا يُراقِبُها ويَعُدُّ عَلَيْها أعْمالَها، فَحِينَئِذٍ يَحِقُّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَجْتَهِدَ ويَسْعى في تَحْصِيلِ أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ تَطابَقَتِ الشَّرائِعُ والعُقُولُ عَلى أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ ومَعْرِفَةُ المَعادِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ المَبْدَأِ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المَبْدَأِ.

الطارق 86:3

صفحة ١١٥ [ سُورَةُ الطّارِقِ ] سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّرْغِيبِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﷽ ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﷽ ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْثَرَ في كِتابِهِ ذِكْرَ السَّماءِ والشَّمْسِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ أحْوالَها في أشْكالِها وسَيْرِها ومَطالِعِها ومَغارِبِها عَجِيبَةٌ، وأمّا الطّارِقُ فَهو كُلُّ ما أتاكَ لَيْلًا سَواءً كانَ كَوْكَبًا أوْ غَيْرَهُ فَلا يَكُونُ الطّارِقُ نَهارًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ المُسْلِمِينَ في دُعائِهِمْ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن طَوارِقِ اللَّيْلِ ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَهى عَنْ أنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا» “ والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الطُّرُوقُ في صِفَةِ الخَيالِ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ إنَّما تَحْصُلُ في الأكْثَرِ في اللَّيْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والطّارِقِ﴾ كانَ هَذا مِمّا لا يَسْتَغْنِي سامِعُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنهُ، فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ما أدْراكَ فَقَدْ أخْبَرَ الرَّسُولُ بِهِ وكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ ما يُدْرِيكَ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أيْ هو طارِقٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، رَفِيعُ القَدْرِ وهو النَّجْمُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ويُوقَفُ بِهِ عَلى أوْقاتِ الأمْطارِ، وهاهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما وُصِفَ النَّجْمُ بِكَوْنِهِ ثاقِبًا لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ فَيَنْفُذُ فِيهِ كَما قِيلَ: دُرِّيٌّ لِأنَّهُ يَدْرَؤُهُ أيْ يَدْفَعُهُ. وثانِيها: أنَّهُ يَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ نافِذًا في الهَواءِ كالشَّيْءِ الَّذِي يَثْقُبُ الشَّيْءَ. وثالِثُها: أنَّهُ الَّذِي يُرى بِهِ الشَّيْطانُ فَيَثْقُبُهُ أيْ يَنْفُذُ فِيهِ ويَحْرِقُهُ. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: ”النَّجْمُ الثّاقِبُ“ هو النَّجْمُ المُرْتَفِعُ عَلى النُّجُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلطّائِرِ إذا لَحِقَ بِبَطْنِ السَّماءِ ارْتِفاعًا: قَدْ ثَقَبَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما وُصِفَ النَّجْمُ بِكَوْنِهِ طارِقًا، لِأنَّهُ يَبْدُو بِاللَّيْلِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ يُسَمّى طارِقًا، أوْ لِأنَّهُ يَطْرُقُ الجِنِّيَّ، أيْ يَصُكُّهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ قالَ بَعْضُهم: أُشِيرَ بِهِ إلى جَماعَةِ النَّحْوِ فَقِيلَ صفحة ١١٦ الطّارِقُ، كَما قِيلَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ نَجْمٌ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّهُ الثُّرَيّا، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ زُحَلُ، لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ سَبْعِ سَماواتٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها الشَّياطِينُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ «أنَّ أبا طالِبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ، فَأتْحَفَهُ بِخُبْزٍ ولَبَنٍ، فَبَيْنَما هو جالِسٌ يَأْكُلُ إذِ انْحَطَّ نَجْمٌ فامْتَلَأ ماءً ثُمَّ نارًا، فَفَزِعَ أبُو طالِبٍ، وقالَ: أيُّ شَيْءٍ هَذا ؟ فَقالَ: هَذا نَجْمٌ رُمِيَ بِهِ، وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ، فَعَجِبَ أبُو طالِبٍ، ونَزَلَتِ السُّورَةُ» . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (لَمّا) قِراءَتانِ: إحْداهُما: قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ والكِسائِيِّ، وهي بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والثّانِيَةُ: قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والنَّخَعِيِّ بِتَشْدِيدِ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن خَفَّفَ كانَتْ ”إنْ“ عِنْدَهُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمّا“ هي الَّتِي تَدْخُلُ مَعَ هَذِهِ المُخَفَّفَةِ لِتُخَلِّصَها مِن إنِ النّافِيَةِ، وما صِلَةٌ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (وعَمّا قَلِيلٍ) وتَكُونُ (إنْ) مُتَلَقِّيَةً لِلْقَسَمِ، كَما تَتَلَقّاهُ مُثَقَّلَةً. وأمّا مَن ثَقَّلَ فَتَكُونُ (إنْ) عِنْدَهُ النّافِيَةَ، كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فِيما إنْ مَكَّنّاكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] و(لَمّا) في مَعْنى ألّا، قالَ: وتُسْتَعْمَلُ (لَمّا) بِمَعْنى ألّا في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ، تَقُولُ: سَألْتُكَ بِاللَّهِ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ألّا فَعَلْتَ. ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ والكِسائِيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ أنَّهم قالُوا: لَمْ تُوجَدْ لَمّا بِمَعْنى ألّا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَوْنٍ: قَرَأْتُ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ ”لَمّا“ بِالتَّشْدِيدِ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، سُبْحانَ اللَّهِ، وزَعَمَ العُتْبِيُّ أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ألّا، مَعَ أنَّ الخَفِيفَةَ الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنى ما مَوْجُودَةٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَذا الحافِظَ مَن هو، ولَيْسَ فِيها أيْضًا بَيانُ أنَّ الحافِظَ يَحْفَظُ النَّفْسَ عَمّاذا. أمّا الأوَّلُ: فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هو اللَّهُ تَعالى. أمّا في التَّحْقِيقِ فَلِأنَّ كُلَّ وُجُودٍ سِوى اللَّهِ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَإنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا لِمُرَجِّحٍ ويَنْتَهِي ذَلِكَ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، فَهو سُبْحانُهُ القَيُّومُ الَّذِي بِحِفْظِهِ وإبْقائِهِ تَبْقى المَوْجُوداتُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ هَذا المَعْنى في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] وبَيَّنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في حَقِّ الإنْسانِ عَلى الخُصُوصِ وحَقِيقَةُ الكَلامِ تَرْجِعُ إلى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ، فَإنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ مُحْدَثٌ مُحْتاجٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، هَذا إذا حَمَلْنا النَّفْسَ عَلى مُطْلَقِ الذّاتِ، أمّا إذا حَمَلْناها عَلى النَّفْسِ المُتَنَفِّسَةِ وهي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى حافِظًا لَها كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِأحْوالِها ومُوَصِّلًا إلَيْها جَمِيعَ مَنافِعِها ودافِعًا عَنْها جَمِيعَ مَضارِّها. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هُمُ المَلائِكَةُ كَما قالَ: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] وقالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وقالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] وقالَ: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] . صفحة ١١٧ وأمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ ما الَّذِي يَحْفَظُهُ هَذا الحافِظُ ؟ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ الحَفَظَةَ يَكْتُبُونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ دَقِيقَها وجَلِيلَها حَتّى تَخْرُجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا. وثانِيها: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ يَحْفَظُ عَمَلَها ورِزْقَها وأجَلَها، فَإذا اسْتَوْفى الإنْسانُ أجَلَهُ ورِزْقَهُ قَبَضَهُ إلى رَبِّهِ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى وعِيدِ الكُفّارِ وتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤] ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ عَنْ قَرِيبٍ إلى الآخِرَةِ فَيُجازَوْنَ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ. وثالِثُها: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ، يَحْفَظُها مِنَ المَعاطِبِ والمَهالِكِ فَلا يُصِيبُها إلّا ما قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْها. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى المَقابِرِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقْسَمَ عَلى أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ حافِظًا يُراقِبُها ويَعُدُّ عَلَيْها أعْمالَها، فَحِينَئِذٍ يَحِقُّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَجْتَهِدَ ويَسْعى في تَحْصِيلِ أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ تَطابَقَتِ الشَّرائِعُ والعُقُولُ عَلى أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ ومَعْرِفَةُ المَعادِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ المَبْدَأِ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المَبْدَأِ.

الطارق 86:4

صفحة ١١٥ [ سُورَةُ الطّارِقِ ] سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّرْغِيبِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﷽ ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﷽ ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْثَرَ في كِتابِهِ ذِكْرَ السَّماءِ والشَّمْسِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ أحْوالَها في أشْكالِها وسَيْرِها ومَطالِعِها ومَغارِبِها عَجِيبَةٌ، وأمّا الطّارِقُ فَهو كُلُّ ما أتاكَ لَيْلًا سَواءً كانَ كَوْكَبًا أوْ غَيْرَهُ فَلا يَكُونُ الطّارِقُ نَهارًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ المُسْلِمِينَ في دُعائِهِمْ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن طَوارِقِ اللَّيْلِ ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَهى عَنْ أنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا» “ والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الطُّرُوقُ في صِفَةِ الخَيالِ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ إنَّما تَحْصُلُ في الأكْثَرِ في اللَّيْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والطّارِقِ﴾ كانَ هَذا مِمّا لا يَسْتَغْنِي سامِعُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنهُ، فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ما أدْراكَ فَقَدْ أخْبَرَ الرَّسُولُ بِهِ وكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ ما يُدْرِيكَ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أيْ هو طارِقٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، رَفِيعُ القَدْرِ وهو النَّجْمُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ويُوقَفُ بِهِ عَلى أوْقاتِ الأمْطارِ، وهاهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما وُصِفَ النَّجْمُ بِكَوْنِهِ ثاقِبًا لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ فَيَنْفُذُ فِيهِ كَما قِيلَ: دُرِّيٌّ لِأنَّهُ يَدْرَؤُهُ أيْ يَدْفَعُهُ. وثانِيها: أنَّهُ يَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ نافِذًا في الهَواءِ كالشَّيْءِ الَّذِي يَثْقُبُ الشَّيْءَ. وثالِثُها: أنَّهُ الَّذِي يُرى بِهِ الشَّيْطانُ فَيَثْقُبُهُ أيْ يَنْفُذُ فِيهِ ويَحْرِقُهُ. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: ”النَّجْمُ الثّاقِبُ“ هو النَّجْمُ المُرْتَفِعُ عَلى النُّجُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلطّائِرِ إذا لَحِقَ بِبَطْنِ السَّماءِ ارْتِفاعًا: قَدْ ثَقَبَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما وُصِفَ النَّجْمُ بِكَوْنِهِ طارِقًا، لِأنَّهُ يَبْدُو بِاللَّيْلِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ يُسَمّى طارِقًا، أوْ لِأنَّهُ يَطْرُقُ الجِنِّيَّ، أيْ يَصُكُّهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ قالَ بَعْضُهم: أُشِيرَ بِهِ إلى جَماعَةِ النَّحْوِ فَقِيلَ صفحة ١١٦ الطّارِقُ، كَما قِيلَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ نَجْمٌ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّهُ الثُّرَيّا، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ زُحَلُ، لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ سَبْعِ سَماواتٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها الشَّياطِينُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ «أنَّ أبا طالِبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ، فَأتْحَفَهُ بِخُبْزٍ ولَبَنٍ، فَبَيْنَما هو جالِسٌ يَأْكُلُ إذِ انْحَطَّ نَجْمٌ فامْتَلَأ ماءً ثُمَّ نارًا، فَفَزِعَ أبُو طالِبٍ، وقالَ: أيُّ شَيْءٍ هَذا ؟ فَقالَ: هَذا نَجْمٌ رُمِيَ بِهِ، وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ، فَعَجِبَ أبُو طالِبٍ، ونَزَلَتِ السُّورَةُ» . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (لَمّا) قِراءَتانِ: إحْداهُما: قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ والكِسائِيِّ، وهي بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والثّانِيَةُ: قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والنَّخَعِيِّ بِتَشْدِيدِ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن خَفَّفَ كانَتْ ”إنْ“ عِنْدَهُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمّا“ هي الَّتِي تَدْخُلُ مَعَ هَذِهِ المُخَفَّفَةِ لِتُخَلِّصَها مِن إنِ النّافِيَةِ، وما صِلَةٌ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (وعَمّا قَلِيلٍ) وتَكُونُ (إنْ) مُتَلَقِّيَةً لِلْقَسَمِ، كَما تَتَلَقّاهُ مُثَقَّلَةً. وأمّا مَن ثَقَّلَ فَتَكُونُ (إنْ) عِنْدَهُ النّافِيَةَ، كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فِيما إنْ مَكَّنّاكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] و(لَمّا) في مَعْنى ألّا، قالَ: وتُسْتَعْمَلُ (لَمّا) بِمَعْنى ألّا في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ، تَقُولُ: سَألْتُكَ بِاللَّهِ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ألّا فَعَلْتَ. ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ والكِسائِيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ أنَّهم قالُوا: لَمْ تُوجَدْ لَمّا بِمَعْنى ألّا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَوْنٍ: قَرَأْتُ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ ”لَمّا“ بِالتَّشْدِيدِ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، سُبْحانَ اللَّهِ، وزَعَمَ العُتْبِيُّ أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ألّا، مَعَ أنَّ الخَفِيفَةَ الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنى ما مَوْجُودَةٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَذا الحافِظَ مَن هو، ولَيْسَ فِيها أيْضًا بَيانُ أنَّ الحافِظَ يَحْفَظُ النَّفْسَ عَمّاذا. أمّا الأوَّلُ: فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هو اللَّهُ تَعالى. أمّا في التَّحْقِيقِ فَلِأنَّ كُلَّ وُجُودٍ سِوى اللَّهِ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَإنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا لِمُرَجِّحٍ ويَنْتَهِي ذَلِكَ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، فَهو سُبْحانُهُ القَيُّومُ الَّذِي بِحِفْظِهِ وإبْقائِهِ تَبْقى المَوْجُوداتُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ هَذا المَعْنى في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] وبَيَّنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في حَقِّ الإنْسانِ عَلى الخُصُوصِ وحَقِيقَةُ الكَلامِ تَرْجِعُ إلى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ، فَإنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ مُحْدَثٌ مُحْتاجٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، هَذا إذا حَمَلْنا النَّفْسَ عَلى مُطْلَقِ الذّاتِ، أمّا إذا حَمَلْناها عَلى النَّفْسِ المُتَنَفِّسَةِ وهي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى حافِظًا لَها كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِأحْوالِها ومُوَصِّلًا إلَيْها جَمِيعَ مَنافِعِها ودافِعًا عَنْها جَمِيعَ مَضارِّها. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هُمُ المَلائِكَةُ كَما قالَ: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] وقالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وقالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] وقالَ: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] . صفحة ١١٧ وأمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ ما الَّذِي يَحْفَظُهُ هَذا الحافِظُ ؟ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ الحَفَظَةَ يَكْتُبُونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ دَقِيقَها وجَلِيلَها حَتّى تَخْرُجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا. وثانِيها: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ يَحْفَظُ عَمَلَها ورِزْقَها وأجَلَها، فَإذا اسْتَوْفى الإنْسانُ أجَلَهُ ورِزْقَهُ قَبَضَهُ إلى رَبِّهِ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى وعِيدِ الكُفّارِ وتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤] ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ عَنْ قَرِيبٍ إلى الآخِرَةِ فَيُجازَوْنَ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ. وثالِثُها: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ، يَحْفَظُها مِنَ المَعاطِبِ والمَهالِكِ فَلا يُصِيبُها إلّا ما قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْها. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى المَقابِرِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقْسَمَ عَلى أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ حافِظًا يُراقِبُها ويَعُدُّ عَلَيْها أعْمالَها، فَحِينَئِذٍ يَحِقُّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَجْتَهِدَ ويَسْعى في تَحْصِيلِ أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ تَطابَقَتِ الشَّرائِعُ والعُقُولُ عَلى أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ ومَعْرِفَةُ المَعادِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ المَبْدَأِ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المَبْدَأِ.

الطارق 86:5

فَقالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الدَّفْقُ صَبُّ الماءِ، يُقالُ: دَفَقْتُ الماءَ، أيْ صَبَبْتُهُ وهو مَدْفُوقٌ، أيْ مَصْبُوبٌ، ومُنْدَفِقٌ أيْ مُنْصَبٌّ، ولَمّا كانَ هَذا الماءُ مَدْفُوقًا اخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ وُصِفَ بِأنَّهُ دافِقٌ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ذُو انْدِفاقٍ، كَما يُقالُ: دارِعٌ وفارِسٌ ونابِلٌ ولابِنٌ وتامِرٌ، أيْ دَرَعَ وفَرَسَ ونَبَلَ ولَبَنَ وتَمَرَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. الثّانِي: أنَّهم يُسَمُّونَ المَفْعُولَ بِاسْمِ الفاعِلِ. قالَ الفَرّاءُ: وأهْلُ الحِجازِ أفْعَلُ لِهَذا مِن غَيْرِهِمْ، يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا إذا كانَ في مَذْهَبِ النَّعْتِ، كَقَوْلِهِ سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ مَرْضِيَّةٍ. الثّالِثُ: ذَكَرَ الخَلِيلُ في الكِتابِ المَنسُوبِ إلَيْهِ: دَفَقَ الماءُ دَفْقًا ودُفُوقًا إذا انْصَبَّ بِمَرَّةٍ، وانْدَفَقَ الكُوزُ إذا انْصَبَّ بِمَرَّةٍ، ويُقالُ في الطِّيَرَةِ عِنْدَ انْصِبابِ الكُوزِ ونَحْوِهِ: دافِقُ خَيْرٍ، وفي كِتابِ قُطْرُبٍ: دَفَقَ الماءُ يَدْفُقُ إذا انْصَبَّ. الرّابِعُ: صاحِبُ الماءِ لَمّا كانَ دافِقًا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلى الماءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ الصَّلَبِ بِفَتْحَتَيْنِ، والصُّلُبِ بِضَمَّتَيْنِ، وفِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ: صُلْبٌ وصَلَبٌ وصُلُبٌ وصالِبٌ: المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَرائِبُ المَرْأةِ عِظامُ صَدْرِها حَيْثُ تَكُونُ القِلادَةُ، وكُلُّ عَظْمٍ مِن ذَلِكَ تَرِيبَةٌ، وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِ صفحة ١١٨ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ، واحْتَجَّ صاحِبُ القَوْلِ الثّانِي عَلى مَذْهَبِهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ماءَ الرَّجُلِ خارِجٌ مِنَ الصُّلْبِ فَقَطْ، وماءَ المَرْأةِ خارِجٌ مِنَ التَّرائِبِ فَقَطْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ خارِجٌ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ الآيَةِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ والَّذِي يُوصَفُ بِذَلِكَ هو ماءُ الرَّجُلِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِأنْ وصَفَهُ بِأنَّهُ يَخْرُجُ، يَعْنِي هَذا الدّافِقَ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِن ماءِ الرَّجُلِ فَقَطْ. أجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ عَنِ الحُجَّةِ الأُولى: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلشَّيْئَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ: أنَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، ولِأنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ عِنْدَ اجْتِماعِهِما يَصِيرانِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَحَسُنَ هَذا اللَّفْظُ هُناكَ، وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ: بِأنَّ هَذا مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ، فَلَمّا كانَ أحَدُ قِسْمَيِ المَنِيِّ دافِقًا أُطْلِقَ هَذا الِاسْمُ عَلى المَجْمُوعِ، ثُمَّ قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِن مَجْمُوعِ الماءَيْنِ أنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ وحْدَهُ صَغِيرٌ فَلا يَكْفِي، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا غَلَبَ ماءُ الرَّجُلِ يَكُونُ الوَلَدُ ذَكَرًا، ويَعُودُ الشَّبَهُ إلَيْهِ وإلى أقارِبِهِ، وإذا غَلَبَ ماءُ المَرْأةِ فَإلَيْها وإلى أقارِبِها يَعُودُ الشَّبَهُ» “ وذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ القَوْلِ الأوَّلِ. واعْلَمْ أنَّ المُلْحِدِينَ طَعَنُوا في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ أنَّ المَنِيَّ إنَّما يَنْفَصِلُ مِن تِلْكَ المَواضِعِ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن فَضْلَةِ الهَضْمِ الرّابِعِ، ويَنْفَصِلُ عَنْ جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ حَتّى يَأْخُذَ مِن كُلِّ عُضْوٍ طَبِيعَتَهُ وخاصِّيَّتَهُ، فَيَصِيرُ مُسْتَعِدًّا لِأنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُ مِثْلُ تِلْكَ الأعْضاءِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ المُفْرِطَ في الجِماعِ يَسْتَوْلِي الضَّعْفُ عَلى جَمِيعِ أعْضائِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مُعْظَمَ أجْزاءِ المَنِيِّ يَتَوَلَّدُ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ، بَلْ مُعْظَمُ أجْزائِهِ إنَّما يَتَرَبّى في الدِّماغِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ صُورَتَهُ يُشْبِهُ الدِّماغَ، ولِأنَّ المُكْثِرَ مِنهُ يَظْهَرُ الضَّعْفُ أوَّلًا في عَيْنَيْهِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مُسْتَقَرَّ المَنِيِّ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُسْتَقَرَّ المَنِيِّ هو أوْعِيَةُ المَنِيِّ، وهي عُرُوقٌ مُلْتَفٌّ بَعْضُها بِالبَعْضِ عِنْدَ البَيْضَتَيْنِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مَخْرَجَ المَنِيِّ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. الجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ أعْظَمَ الأعْضاءِ مَعُونَةً في تَوْلِيدِ المَنِيِّ هو الدِّماغُ، والدِّماغُ خَلِيفَةٌ وهي النُّخاعُ، وهو في الصُّلْبِ، ولَهُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ نازِلَةٌ إلى مُقَدَّمِ البَدَنِ وهو التَّرِيبَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِالذِّكْرِ، عَلى أنَّ كَلامَكم في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ المَنِيِّ، وكَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ الأعْضاءِ مِنَ المَنِيِّ مَحْضُ الوَهْمِ والظَّنِّ الضَّعِيفِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالقَبُولِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدْ بَيَّنّا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّ دَلالَةَ تَوَلُّدِ الإنْسانِ عَنِ النُّطْفَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ التَّرْكِيباتِ العَجِيبَةَ في بَدَنِ الإنْسانِ أكْثَرُ، فَيَكُونُ تَوَلُّدُهُ عَنِ المادَّةِ البَسِيطَةِ أدَلَّ عَلى القادِرِ المُخْتارِ. وثانِيها: أنَّ اطِّلاعَ الإنْسانِ عَلى أحْوالِ نَفْسِهِ أكْثَرُ مِنَ اطِّلاعِهِ عَلى أحْوالِ غَيْرِهِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ أتَمَّ. وثالِثُها: أنَّ مُشاهَدَةَ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأحْوالِ في أوْلادِهِ وأوْلادِ سائِرِ الحَيَواناتِ دائِمَةٌ، فَكانَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى الصّانِعِ المُخْتارِ أقْوى. ورابِعُها: وهو أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا البابِ، كَما أنَّهُ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ الحَكِيمِ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ حُدُوثَ الإنْسانِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ اجْتِماعِ أجْزاءٍ كانَتْ مُتَفَرِّقَةً في بَدَنِ الوالِدَيْنِ، بَلْ صفحة ١١٩ فِي جَمِيعِ العالَمِ، فَلَمّا قَدَرَ الصّانِعُ عَلى جَمْعِ تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ حَتّى خَلَقَ مِنها إنْسانًا سَوِيًّا، وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وتَفَرُّقِ أجْزائِهِ لا بُدَّ وأنْ يَقْدِرَ الصّانِعُ عَلى جَمْعِ تِلْكَ الأجْزاءِ وجَعْلِها خَلْقًا سَوِيًّا كَما كانَ أوَّلًا، ولِهَذا السِّرِّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلالَتَهُ عَلى المَبْدَأِ، فَرَّعَ عَلَيْهِ أيْضًا دَلالَتَهُ عَلى صِحَّةِ المَعادِ.

الطارق 86:6

فَقالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الدَّفْقُ صَبُّ الماءِ، يُقالُ: دَفَقْتُ الماءَ، أيْ صَبَبْتُهُ وهو مَدْفُوقٌ، أيْ مَصْبُوبٌ، ومُنْدَفِقٌ أيْ مُنْصَبٌّ، ولَمّا كانَ هَذا الماءُ مَدْفُوقًا اخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ وُصِفَ بِأنَّهُ دافِقٌ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ذُو انْدِفاقٍ، كَما يُقالُ: دارِعٌ وفارِسٌ ونابِلٌ ولابِنٌ وتامِرٌ، أيْ دَرَعَ وفَرَسَ ونَبَلَ ولَبَنَ وتَمَرَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. الثّانِي: أنَّهم يُسَمُّونَ المَفْعُولَ بِاسْمِ الفاعِلِ. قالَ الفَرّاءُ: وأهْلُ الحِجازِ أفْعَلُ لِهَذا مِن غَيْرِهِمْ، يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا إذا كانَ في مَذْهَبِ النَّعْتِ، كَقَوْلِهِ سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ مَرْضِيَّةٍ. الثّالِثُ: ذَكَرَ الخَلِيلُ في الكِتابِ المَنسُوبِ إلَيْهِ: دَفَقَ الماءُ دَفْقًا ودُفُوقًا إذا انْصَبَّ بِمَرَّةٍ، وانْدَفَقَ الكُوزُ إذا انْصَبَّ بِمَرَّةٍ، ويُقالُ في الطِّيَرَةِ عِنْدَ انْصِبابِ الكُوزِ ونَحْوِهِ: دافِقُ خَيْرٍ، وفي كِتابِ قُطْرُبٍ: دَفَقَ الماءُ يَدْفُقُ إذا انْصَبَّ. الرّابِعُ: صاحِبُ الماءِ لَمّا كانَ دافِقًا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلى الماءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ الصَّلَبِ بِفَتْحَتَيْنِ، والصُّلُبِ بِضَمَّتَيْنِ، وفِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ: صُلْبٌ وصَلَبٌ وصُلُبٌ وصالِبٌ: المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَرائِبُ المَرْأةِ عِظامُ صَدْرِها حَيْثُ تَكُونُ القِلادَةُ، وكُلُّ عَظْمٍ مِن ذَلِكَ تَرِيبَةٌ، وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِ صفحة ١١٨ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ، واحْتَجَّ صاحِبُ القَوْلِ الثّانِي عَلى مَذْهَبِهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ماءَ الرَّجُلِ خارِجٌ مِنَ الصُّلْبِ فَقَطْ، وماءَ المَرْأةِ خارِجٌ مِنَ التَّرائِبِ فَقَطْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ خارِجٌ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ الآيَةِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ والَّذِي يُوصَفُ بِذَلِكَ هو ماءُ الرَّجُلِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِأنْ وصَفَهُ بِأنَّهُ يَخْرُجُ، يَعْنِي هَذا الدّافِقَ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِن ماءِ الرَّجُلِ فَقَطْ. أجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ عَنِ الحُجَّةِ الأُولى: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلشَّيْئَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ: أنَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، ولِأنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ عِنْدَ اجْتِماعِهِما يَصِيرانِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَحَسُنَ هَذا اللَّفْظُ هُناكَ، وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ: بِأنَّ هَذا مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ، فَلَمّا كانَ أحَدُ قِسْمَيِ المَنِيِّ دافِقًا أُطْلِقَ هَذا الِاسْمُ عَلى المَجْمُوعِ، ثُمَّ قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِن مَجْمُوعِ الماءَيْنِ أنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ وحْدَهُ صَغِيرٌ فَلا يَكْفِي، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا غَلَبَ ماءُ الرَّجُلِ يَكُونُ الوَلَدُ ذَكَرًا، ويَعُودُ الشَّبَهُ إلَيْهِ وإلى أقارِبِهِ، وإذا غَلَبَ ماءُ المَرْأةِ فَإلَيْها وإلى أقارِبِها يَعُودُ الشَّبَهُ» “ وذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ القَوْلِ الأوَّلِ. واعْلَمْ أنَّ المُلْحِدِينَ طَعَنُوا في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ أنَّ المَنِيَّ إنَّما يَنْفَصِلُ مِن تِلْكَ المَواضِعِ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن فَضْلَةِ الهَضْمِ الرّابِعِ، ويَنْفَصِلُ عَنْ جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ حَتّى يَأْخُذَ مِن كُلِّ عُضْوٍ طَبِيعَتَهُ وخاصِّيَّتَهُ، فَيَصِيرُ مُسْتَعِدًّا لِأنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُ مِثْلُ تِلْكَ الأعْضاءِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ المُفْرِطَ في الجِماعِ يَسْتَوْلِي الضَّعْفُ عَلى جَمِيعِ أعْضائِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مُعْظَمَ أجْزاءِ المَنِيِّ يَتَوَلَّدُ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ، بَلْ مُعْظَمُ أجْزائِهِ إنَّما يَتَرَبّى في الدِّماغِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ صُورَتَهُ يُشْبِهُ الدِّماغَ، ولِأنَّ المُكْثِرَ مِنهُ يَظْهَرُ الضَّعْفُ أوَّلًا في عَيْنَيْهِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مُسْتَقَرَّ المَنِيِّ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُسْتَقَرَّ المَنِيِّ هو أوْعِيَةُ المَنِيِّ، وهي عُرُوقٌ مُلْتَفٌّ بَعْضُها بِالبَعْضِ عِنْدَ البَيْضَتَيْنِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مَخْرَجَ المَنِيِّ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. الجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ أعْظَمَ الأعْضاءِ مَعُونَةً في تَوْلِيدِ المَنِيِّ هو الدِّماغُ، والدِّماغُ خَلِيفَةٌ وهي النُّخاعُ، وهو في الصُّلْبِ، ولَهُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ نازِلَةٌ إلى مُقَدَّمِ البَدَنِ وهو التَّرِيبَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِالذِّكْرِ، عَلى أنَّ كَلامَكم في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ المَنِيِّ، وكَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ الأعْضاءِ مِنَ المَنِيِّ مَحْضُ الوَهْمِ والظَّنِّ الضَّعِيفِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالقَبُولِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدْ بَيَّنّا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّ دَلالَةَ تَوَلُّدِ الإنْسانِ عَنِ النُّطْفَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ التَّرْكِيباتِ العَجِيبَةَ في بَدَنِ الإنْسانِ أكْثَرُ، فَيَكُونُ تَوَلُّدُهُ عَنِ المادَّةِ البَسِيطَةِ أدَلَّ عَلى القادِرِ المُخْتارِ. وثانِيها: أنَّ اطِّلاعَ الإنْسانِ عَلى أحْوالِ نَفْسِهِ أكْثَرُ مِنَ اطِّلاعِهِ عَلى أحْوالِ غَيْرِهِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ أتَمَّ. وثالِثُها: أنَّ مُشاهَدَةَ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأحْوالِ في أوْلادِهِ وأوْلادِ سائِرِ الحَيَواناتِ دائِمَةٌ، فَكانَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى الصّانِعِ المُخْتارِ أقْوى. ورابِعُها: وهو أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا البابِ، كَما أنَّهُ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ الحَكِيمِ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ حُدُوثَ الإنْسانِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ اجْتِماعِ أجْزاءٍ كانَتْ مُتَفَرِّقَةً في بَدَنِ الوالِدَيْنِ، بَلْ صفحة ١١٩ فِي جَمِيعِ العالَمِ، فَلَمّا قَدَرَ الصّانِعُ عَلى جَمْعِ تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ حَتّى خَلَقَ مِنها إنْسانًا سَوِيًّا، وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وتَفَرُّقِ أجْزائِهِ لا بُدَّ وأنْ يَقْدِرَ الصّانِعُ عَلى جَمْعِ تِلْكَ الأجْزاءِ وجَعْلِها خَلْقًا سَوِيًّا كَما كانَ أوَّلًا، ولِهَذا السِّرِّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلالَتَهُ عَلى المَبْدَأِ، فَرَّعَ عَلَيْهِ أيْضًا دَلالَتَهُ عَلى صِحَّةِ المَعادِ.

الطارق 86:7

فَقالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الدَّفْقُ صَبُّ الماءِ، يُقالُ: دَفَقْتُ الماءَ، أيْ صَبَبْتُهُ وهو مَدْفُوقٌ، أيْ مَصْبُوبٌ، ومُنْدَفِقٌ أيْ مُنْصَبٌّ، ولَمّا كانَ هَذا الماءُ مَدْفُوقًا اخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ وُصِفَ بِأنَّهُ دافِقٌ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ذُو انْدِفاقٍ، كَما يُقالُ: دارِعٌ وفارِسٌ ونابِلٌ ولابِنٌ وتامِرٌ، أيْ دَرَعَ وفَرَسَ ونَبَلَ ولَبَنَ وتَمَرَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. الثّانِي: أنَّهم يُسَمُّونَ المَفْعُولَ بِاسْمِ الفاعِلِ. قالَ الفَرّاءُ: وأهْلُ الحِجازِ أفْعَلُ لِهَذا مِن غَيْرِهِمْ، يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا إذا كانَ في مَذْهَبِ النَّعْتِ، كَقَوْلِهِ سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ مَرْضِيَّةٍ. الثّالِثُ: ذَكَرَ الخَلِيلُ في الكِتابِ المَنسُوبِ إلَيْهِ: دَفَقَ الماءُ دَفْقًا ودُفُوقًا إذا انْصَبَّ بِمَرَّةٍ، وانْدَفَقَ الكُوزُ إذا انْصَبَّ بِمَرَّةٍ، ويُقالُ في الطِّيَرَةِ عِنْدَ انْصِبابِ الكُوزِ ونَحْوِهِ: دافِقُ خَيْرٍ، وفي كِتابِ قُطْرُبٍ: دَفَقَ الماءُ يَدْفُقُ إذا انْصَبَّ. الرّابِعُ: صاحِبُ الماءِ لَمّا كانَ دافِقًا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلى الماءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ الصَّلَبِ بِفَتْحَتَيْنِ، والصُّلُبِ بِضَمَّتَيْنِ، وفِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ: صُلْبٌ وصَلَبٌ وصُلُبٌ وصالِبٌ: المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَرائِبُ المَرْأةِ عِظامُ صَدْرِها حَيْثُ تَكُونُ القِلادَةُ، وكُلُّ عَظْمٍ مِن ذَلِكَ تَرِيبَةٌ، وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِ صفحة ١١٨ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ، واحْتَجَّ صاحِبُ القَوْلِ الثّانِي عَلى مَذْهَبِهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ماءَ الرَّجُلِ خارِجٌ مِنَ الصُّلْبِ فَقَطْ، وماءَ المَرْأةِ خارِجٌ مِنَ التَّرائِبِ فَقَطْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ خارِجٌ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ الآيَةِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ والَّذِي يُوصَفُ بِذَلِكَ هو ماءُ الرَّجُلِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِأنْ وصَفَهُ بِأنَّهُ يَخْرُجُ، يَعْنِي هَذا الدّافِقَ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِن ماءِ الرَّجُلِ فَقَطْ. أجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ عَنِ الحُجَّةِ الأُولى: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلشَّيْئَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ: أنَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، ولِأنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ عِنْدَ اجْتِماعِهِما يَصِيرانِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَحَسُنَ هَذا اللَّفْظُ هُناكَ، وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ: بِأنَّ هَذا مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ، فَلَمّا كانَ أحَدُ قِسْمَيِ المَنِيِّ دافِقًا أُطْلِقَ هَذا الِاسْمُ عَلى المَجْمُوعِ، ثُمَّ قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِن مَجْمُوعِ الماءَيْنِ أنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ وحْدَهُ صَغِيرٌ فَلا يَكْفِي، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا غَلَبَ ماءُ الرَّجُلِ يَكُونُ الوَلَدُ ذَكَرًا، ويَعُودُ الشَّبَهُ إلَيْهِ وإلى أقارِبِهِ، وإذا غَلَبَ ماءُ المَرْأةِ فَإلَيْها وإلى أقارِبِها يَعُودُ الشَّبَهُ» “ وذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ القَوْلِ الأوَّلِ. واعْلَمْ أنَّ المُلْحِدِينَ طَعَنُوا في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ أنَّ المَنِيَّ إنَّما يَنْفَصِلُ مِن تِلْكَ المَواضِعِ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن فَضْلَةِ الهَضْمِ الرّابِعِ، ويَنْفَصِلُ عَنْ جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ حَتّى يَأْخُذَ مِن كُلِّ عُضْوٍ طَبِيعَتَهُ وخاصِّيَّتَهُ، فَيَصِيرُ مُسْتَعِدًّا لِأنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُ مِثْلُ تِلْكَ الأعْضاءِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ المُفْرِطَ في الجِماعِ يَسْتَوْلِي الضَّعْفُ عَلى جَمِيعِ أعْضائِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مُعْظَمَ أجْزاءِ المَنِيِّ يَتَوَلَّدُ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ، بَلْ مُعْظَمُ أجْزائِهِ إنَّما يَتَرَبّى في الدِّماغِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ صُورَتَهُ يُشْبِهُ الدِّماغَ، ولِأنَّ المُكْثِرَ مِنهُ يَظْهَرُ الضَّعْفُ أوَّلًا في عَيْنَيْهِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مُسْتَقَرَّ المَنِيِّ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُسْتَقَرَّ المَنِيِّ هو أوْعِيَةُ المَنِيِّ، وهي عُرُوقٌ مُلْتَفٌّ بَعْضُها بِالبَعْضِ عِنْدَ البَيْضَتَيْنِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مَخْرَجَ المَنِيِّ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. الجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ أعْظَمَ الأعْضاءِ مَعُونَةً في تَوْلِيدِ المَنِيِّ هو الدِّماغُ، والدِّماغُ خَلِيفَةٌ وهي النُّخاعُ، وهو في الصُّلْبِ، ولَهُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ نازِلَةٌ إلى مُقَدَّمِ البَدَنِ وهو التَّرِيبَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِالذِّكْرِ، عَلى أنَّ كَلامَكم في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ المَنِيِّ، وكَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ الأعْضاءِ مِنَ المَنِيِّ مَحْضُ الوَهْمِ والظَّنِّ الضَّعِيفِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالقَبُولِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدْ بَيَّنّا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّ دَلالَةَ تَوَلُّدِ الإنْسانِ عَنِ النُّطْفَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ التَّرْكِيباتِ العَجِيبَةَ في بَدَنِ الإنْسانِ أكْثَرُ، فَيَكُونُ تَوَلُّدُهُ عَنِ المادَّةِ البَسِيطَةِ أدَلَّ عَلى القادِرِ المُخْتارِ. وثانِيها: أنَّ اطِّلاعَ الإنْسانِ عَلى أحْوالِ نَفْسِهِ أكْثَرُ مِنَ اطِّلاعِهِ عَلى أحْوالِ غَيْرِهِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ أتَمَّ. وثالِثُها: أنَّ مُشاهَدَةَ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأحْوالِ في أوْلادِهِ وأوْلادِ سائِرِ الحَيَواناتِ دائِمَةٌ، فَكانَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى الصّانِعِ المُخْتارِ أقْوى. ورابِعُها: وهو أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا البابِ، كَما أنَّهُ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ الحَكِيمِ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ حُدُوثَ الإنْسانِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ اجْتِماعِ أجْزاءٍ كانَتْ مُتَفَرِّقَةً في بَدَنِ الوالِدَيْنِ، بَلْ صفحة ١١٩ فِي جَمِيعِ العالَمِ، فَلَمّا قَدَرَ الصّانِعُ عَلى جَمْعِ تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ حَتّى خَلَقَ مِنها إنْسانًا سَوِيًّا، وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وتَفَرُّقِ أجْزائِهِ لا بُدَّ وأنْ يَقْدِرَ الصّانِعُ عَلى جَمْعِ تِلْكَ الأجْزاءِ وجَعْلِها خَلْقًا سَوِيًّا كَما كانَ أوَّلًا، ولِهَذا السِّرِّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلالَتَهُ عَلى المَبْدَأِ، فَرَّعَ عَلَيْهِ أيْضًا دَلالَتَهُ عَلى صِحَّةِ المَعادِ.

الطارق 86:8

فَقالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْخالِقِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، والسَّبَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: دَلالَةُ (خُلِقَ) عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الَّذِي خَلَقَ قادِرٌ عَلى رَجْعِهِ. الثّانِي: أنَّهُ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لَفْظًا، ولَكِنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في بَداءَةِ العُقُولِ أنَّ القادِرَ عَلى هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ، هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ كانَ كالمَذْكُورِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رَجَعْتُ الشَّيْءَ إذا رَدَدْتَهُ، والكِنايَةُ في قَوْلِهِ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ تَرْجِعُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: أوَّلُهُما: وهو الأقْرَبُ أنَّهُ راجِعٌ إلى الإنْسانِ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَقْدِرَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى رَدِّهِ حَيًّا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . وثانِيهِما: أنَّ الضَّمِيرَ غَيْرُ عائِدٍ إلى الإنْسانِ، ثُمَّ قالَ مُجاهِدٌ: قادِرٌ عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الإحْلِيلِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الصُّلْبِ. ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى رَدِّ الإنْسانِ ماءً كَما كانَ قَبْلُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: إنْ شِئْتُ رَدَدْتُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أصَحُّ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ أيْ أنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وصَفَ حالَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِرَجْعِهِ ومَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في رَجْعِهِ لِلْماءِ وفَسَّرَهُ بِرَجْعِهِ إلى مَخْرَجِهِ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ أوْ إلى الحالَةِ الأُولى نَصَبَ الظَّرْفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ ما لَهُ مِن قُوَّةٍ ذَلِكَ اليَوْمَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿تُبْلى﴾ أيْ تُخْتَبَرُ، والسَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ، وفي كَيْفِيَّةِ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ هاهُنا أقْوالٌ: الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ مَعْنى الِاخْتِبارِ هاهُنا أنَّ أعْمالَ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ويَنْظُرُ أيْضًا في الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبَتِ المَلائِكَةُ فِيها تَفاصِيلَ أعْمالِهِمْ لِيَعْلَمَ أنَّ المَذْكُورَ هَلْ هو مُطابِقٌ لِلْمَكْتُوبِ، ولَمّا كانَتِ المُحاسَبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ واقِعَةً عَلى هَذا الوَجْهِ جازَ أنْ يُسَمّى هَذا المَعْنى ابْتِلاءً، وهَذِهِ التَّسْمِيَةُ غَيْرُ بَعِيدَةٍ لِعِبادِهِ لِأنَّها ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ، وإنْ كانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِ ما عَمِلُوهُ وما لَمْ يَعْمَلُوهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأفْعالَ إنَّما يَسْتَحِقُّ عَلَيْها الثَّوابَ والعِقابَ لِوُجُوهِها، فَرُبَّ فِعْلٍ يَكُونُ ظاهِرُهُ حَسَنًا صفحة ١٢٠ وباطِنُهُ قَبِيحًا، ورُبَّما كانَ بِالعَكْسِ. فاخْتِبارُها ما يُعْتَبَرُ بَيْنَ تِلْكَ الوُجُوهِ المُتَعارِضَةِ مِنَ المُعارَضَةِ والتَّرْجِيحِ، حَتّى يَظْهَرَ أنَّ الوَجْهَ الرّاجِحَ ما هو، والمَرْجُوحَ ما هو. الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلَوْتُ يَقَعُ عَلى إظْهارِ الشَّيْءِ ويَقَعُ عَلى امْتِحانِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: ”السَّرائِرُ“ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ تُخْتَبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يَظْهَرَ خَبَرُها مِن سِرِّها ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُبْدِي اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُلَّ سِرٍّ مِنها، فَيَكُونُ زَيْنًا في الوُجُوهِ وشَيْنًا في الوُجُوهِ، يَعْنِي مَن أدّاها كانَ وجْهُهُ مُشْرِقًا ومَن ضَيَّعَها كانَ وجْهُهُ أغْبَرَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا قُوَّةَ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ اليَوْمَ، لِأنَّ قُوَّةَ الإنْسانِ إمّا أنْ تَكُونَ لَهُ لِذاتِهِ أوْ مُسْتَفادَةً مِن غَيْرِهِ، فالأوَّلُ مَنفِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ والثّانِي مَنفِيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ والمَعْنى ما لَهُ مِن قُوَّةٍ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ ما حَلَّ مِنَ العَذابِ ﴿ولا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ في دَفْعِهِ ولا شَكَّ أنَّهُ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ، ومَعْنى دُخُولِ مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن قُوَّةٍ﴾ عَلى وجْهِ النَّفْيِ لِقَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ مِن شَيْءٍ مِنَ القُوَّةِ ولا أحَدٍ مِنَ الأنْصارِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُمْكِنُ أنْ يُتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]، الجَوابُ: ما تَقَدَّمَ.

الطارق 86:9

فَقالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْخالِقِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، والسَّبَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: دَلالَةُ (خُلِقَ) عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الَّذِي خَلَقَ قادِرٌ عَلى رَجْعِهِ. الثّانِي: أنَّهُ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لَفْظًا، ولَكِنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في بَداءَةِ العُقُولِ أنَّ القادِرَ عَلى هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ، هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ كانَ كالمَذْكُورِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رَجَعْتُ الشَّيْءَ إذا رَدَدْتَهُ، والكِنايَةُ في قَوْلِهِ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ تَرْجِعُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: أوَّلُهُما: وهو الأقْرَبُ أنَّهُ راجِعٌ إلى الإنْسانِ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَقْدِرَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى رَدِّهِ حَيًّا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . وثانِيهِما: أنَّ الضَّمِيرَ غَيْرُ عائِدٍ إلى الإنْسانِ، ثُمَّ قالَ مُجاهِدٌ: قادِرٌ عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الإحْلِيلِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الصُّلْبِ. ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى رَدِّ الإنْسانِ ماءً كَما كانَ قَبْلُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: إنْ شِئْتُ رَدَدْتُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أصَحُّ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ أيْ أنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وصَفَ حالَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِرَجْعِهِ ومَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في رَجْعِهِ لِلْماءِ وفَسَّرَهُ بِرَجْعِهِ إلى مَخْرَجِهِ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ أوْ إلى الحالَةِ الأُولى نَصَبَ الظَّرْفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ ما لَهُ مِن قُوَّةٍ ذَلِكَ اليَوْمَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿تُبْلى﴾ أيْ تُخْتَبَرُ، والسَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ، وفي كَيْفِيَّةِ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ هاهُنا أقْوالٌ: الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ مَعْنى الِاخْتِبارِ هاهُنا أنَّ أعْمالَ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ويَنْظُرُ أيْضًا في الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبَتِ المَلائِكَةُ فِيها تَفاصِيلَ أعْمالِهِمْ لِيَعْلَمَ أنَّ المَذْكُورَ هَلْ هو مُطابِقٌ لِلْمَكْتُوبِ، ولَمّا كانَتِ المُحاسَبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ واقِعَةً عَلى هَذا الوَجْهِ جازَ أنْ يُسَمّى هَذا المَعْنى ابْتِلاءً، وهَذِهِ التَّسْمِيَةُ غَيْرُ بَعِيدَةٍ لِعِبادِهِ لِأنَّها ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ، وإنْ كانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِ ما عَمِلُوهُ وما لَمْ يَعْمَلُوهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأفْعالَ إنَّما يَسْتَحِقُّ عَلَيْها الثَّوابَ والعِقابَ لِوُجُوهِها، فَرُبَّ فِعْلٍ يَكُونُ ظاهِرُهُ حَسَنًا صفحة ١٢٠ وباطِنُهُ قَبِيحًا، ورُبَّما كانَ بِالعَكْسِ. فاخْتِبارُها ما يُعْتَبَرُ بَيْنَ تِلْكَ الوُجُوهِ المُتَعارِضَةِ مِنَ المُعارَضَةِ والتَّرْجِيحِ، حَتّى يَظْهَرَ أنَّ الوَجْهَ الرّاجِحَ ما هو، والمَرْجُوحَ ما هو. الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلَوْتُ يَقَعُ عَلى إظْهارِ الشَّيْءِ ويَقَعُ عَلى امْتِحانِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: ”السَّرائِرُ“ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ تُخْتَبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يَظْهَرَ خَبَرُها مِن سِرِّها ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُبْدِي اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُلَّ سِرٍّ مِنها، فَيَكُونُ زَيْنًا في الوُجُوهِ وشَيْنًا في الوُجُوهِ، يَعْنِي مَن أدّاها كانَ وجْهُهُ مُشْرِقًا ومَن ضَيَّعَها كانَ وجْهُهُ أغْبَرَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا قُوَّةَ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ اليَوْمَ، لِأنَّ قُوَّةَ الإنْسانِ إمّا أنْ تَكُونَ لَهُ لِذاتِهِ أوْ مُسْتَفادَةً مِن غَيْرِهِ، فالأوَّلُ مَنفِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ والثّانِي مَنفِيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ والمَعْنى ما لَهُ مِن قُوَّةٍ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ ما حَلَّ مِنَ العَذابِ ﴿ولا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ في دَفْعِهِ ولا شَكَّ أنَّهُ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ، ومَعْنى دُخُولِ مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن قُوَّةٍ﴾ عَلى وجْهِ النَّفْيِ لِقَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ مِن شَيْءٍ مِنَ القُوَّةِ ولا أحَدٍ مِنَ الأنْصارِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُمْكِنُ أنْ يُتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]، الجَوابُ: ما تَقَدَّمَ.

الطارق 86:10

فَقالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْخالِقِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، والسَّبَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: دَلالَةُ (خُلِقَ) عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الَّذِي خَلَقَ قادِرٌ عَلى رَجْعِهِ. الثّانِي: أنَّهُ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لَفْظًا، ولَكِنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في بَداءَةِ العُقُولِ أنَّ القادِرَ عَلى هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ، هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ كانَ كالمَذْكُورِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رَجَعْتُ الشَّيْءَ إذا رَدَدْتَهُ، والكِنايَةُ في قَوْلِهِ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ تَرْجِعُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: أوَّلُهُما: وهو الأقْرَبُ أنَّهُ راجِعٌ إلى الإنْسانِ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَقْدِرَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى رَدِّهِ حَيًّا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . وثانِيهِما: أنَّ الضَّمِيرَ غَيْرُ عائِدٍ إلى الإنْسانِ، ثُمَّ قالَ مُجاهِدٌ: قادِرٌ عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الإحْلِيلِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الصُّلْبِ. ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى رَدِّ الإنْسانِ ماءً كَما كانَ قَبْلُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: إنْ شِئْتُ رَدَدْتُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أصَحُّ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ أيْ أنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وصَفَ حالَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِرَجْعِهِ ومَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في رَجْعِهِ لِلْماءِ وفَسَّرَهُ بِرَجْعِهِ إلى مَخْرَجِهِ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ أوْ إلى الحالَةِ الأُولى نَصَبَ الظَّرْفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ ما لَهُ مِن قُوَّةٍ ذَلِكَ اليَوْمَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿تُبْلى﴾ أيْ تُخْتَبَرُ، والسَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ، وفي كَيْفِيَّةِ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ هاهُنا أقْوالٌ: الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ مَعْنى الِاخْتِبارِ هاهُنا أنَّ أعْمالَ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ويَنْظُرُ أيْضًا في الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبَتِ المَلائِكَةُ فِيها تَفاصِيلَ أعْمالِهِمْ لِيَعْلَمَ أنَّ المَذْكُورَ هَلْ هو مُطابِقٌ لِلْمَكْتُوبِ، ولَمّا كانَتِ المُحاسَبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ واقِعَةً عَلى هَذا الوَجْهِ جازَ أنْ يُسَمّى هَذا المَعْنى ابْتِلاءً، وهَذِهِ التَّسْمِيَةُ غَيْرُ بَعِيدَةٍ لِعِبادِهِ لِأنَّها ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ، وإنْ كانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِ ما عَمِلُوهُ وما لَمْ يَعْمَلُوهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأفْعالَ إنَّما يَسْتَحِقُّ عَلَيْها الثَّوابَ والعِقابَ لِوُجُوهِها، فَرُبَّ فِعْلٍ يَكُونُ ظاهِرُهُ حَسَنًا صفحة ١٢٠ وباطِنُهُ قَبِيحًا، ورُبَّما كانَ بِالعَكْسِ. فاخْتِبارُها ما يُعْتَبَرُ بَيْنَ تِلْكَ الوُجُوهِ المُتَعارِضَةِ مِنَ المُعارَضَةِ والتَّرْجِيحِ، حَتّى يَظْهَرَ أنَّ الوَجْهَ الرّاجِحَ ما هو، والمَرْجُوحَ ما هو. الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلَوْتُ يَقَعُ عَلى إظْهارِ الشَّيْءِ ويَقَعُ عَلى امْتِحانِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: ”السَّرائِرُ“ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ تُخْتَبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يَظْهَرَ خَبَرُها مِن سِرِّها ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُبْدِي اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُلَّ سِرٍّ مِنها، فَيَكُونُ زَيْنًا في الوُجُوهِ وشَيْنًا في الوُجُوهِ، يَعْنِي مَن أدّاها كانَ وجْهُهُ مُشْرِقًا ومَن ضَيَّعَها كانَ وجْهُهُ أغْبَرَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا قُوَّةَ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ اليَوْمَ، لِأنَّ قُوَّةَ الإنْسانِ إمّا أنْ تَكُونَ لَهُ لِذاتِهِ أوْ مُسْتَفادَةً مِن غَيْرِهِ، فالأوَّلُ مَنفِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ والثّانِي مَنفِيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ والمَعْنى ما لَهُ مِن قُوَّةٍ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ ما حَلَّ مِنَ العَذابِ ﴿ولا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ في دَفْعِهِ ولا شَكَّ أنَّهُ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ، ومَعْنى دُخُولِ مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن قُوَّةٍ﴾ عَلى وجْهِ النَّفْيِ لِقَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ مِن شَيْءٍ مِنَ القُوَّةِ ولا أحَدٍ مِنَ الأنْصارِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُمْكِنُ أنْ يُتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]، الجَوابُ: ما تَقَدَّمَ.

الطارق 86:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا فَرَغَ مِن دَلِيلِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، أقْسَمَ قَسَمًا آخَرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ فَنَقُولُ: قالَ الزَّجّاجُ الرَّجْعُ المَطَرُ لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَتَكَرَّرُ. واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الزَّجّاجِ وسائِرِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ صَرِيحٌ في أنَّ الرَّجْعَ لَيْسَ اسْمًا مَوْضُوعًا لِلْمَطَرِ بَلْ سُمِّيَ رَجْعًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ولِحُسْنِ هَذا المَجازِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ القَفّالُ: كَأنَّهُ مِن تَرْجِيعِ الصَّوْتِ وهو إعادَتُهُ ووَصْلُ الحُرُوفِ بِهِ، فَكَذا المَطَرُ لِكَوْنِهِ عائِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى سُمِّيَ رَجْعًا. وثانِيها: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ. وثالِثُها: أنَّهم أرادُوا التَّفاؤُلَ فَسَمَّوْهُ رَجْعًا لِيَرْجِعَ. ورابِعُها: أنَّ المَطَرَ يَرْجِعُ في كُلِّ عامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ لِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ. أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ“ أيْ ذاتِ المَطَرِ يَرْجِعُ لِمَطَرٍ بَعْدَ مَطَرٍ. وثانِيها: رَجْعُ السَّماءِ إعْطاءُ الخَيْرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِهَتِها حالًا بَعْدَ حالٍ عَلى مُرُورِ الأزْمانِ تُرْجِعُهُ رَجْعًا، أيْ تُعْطِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو أنَّها تَرُدُّ وتُرْجِعُ شَمْسَها وقَمَرَها بَعْدَ مَغِيبِهِما، والقَوْلُ هو الأوَّلُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصَّدْعَ هو الشَّقُّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ يَتَفَرَّقُونَ ولِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَنْشَقُّ عَنِ النَّباتِ والأشْجارِ، صفحة ١٢١ وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجَبَلانِ بَيْنَهُما شَقٌّ وطَرِيقٌ نافِذٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] وقالَ اللَّيْثُ: الصَّدْعُ نَباتُ الأرْضِ، لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ فَتَنْصَدِعُ بِهِ، وعَلى هَذا سُمِّيَ النَّباتُ صَدْعًا لِأنَّهُ صادِعٌ لِلْأرْضِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ الحَيَوانِ دَلِيلًا عَلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ في هَذا القِسْمِ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ النَّباتِ، فالسَّماءُ ذاتُ الرَّجْعِ كالأبِ، والأرْضُ ذاتُ الصَّدْعِ كالأُمِّ وكِلاهُما مِنَ النِّعَمِ العِظامِ لِأنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَوْقُوفَةٌ عَلى ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَطَرِ مُتَكَرِّرًا، وعَلى ما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ هَذا القَسَمَ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا الضَّمِيرِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: ما قالَ القَفّالُ وهو: أنَّ المَعْنى أنَّ ما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن قُدْرَتِي عَلى إحْيائِكم في اليَوْمِ الَّذِي تُبْلى فِيهِ سَرائِرُكم قَوْلٌ فَصْلٌ وحَقٌّ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ أيِ القُرْآنُ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَما قِيلَ لَهُ: فُرْقانٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ السّالِفِ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أيْ حُكْمٌ يَنْفَصِلُ بِهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ، ومِنهُ فَصْلُ الخُصُوماتِ وهو قَطْعُها بِالحُكْمِ، ويُقالُ: هَذا قَوْلٌ فَصْلٌ أيْ قاطِعٌ لِلْمِراءِ والنِّزاعِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَدٌّ حَقٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ بِاللَّعِبِ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِالجَدِّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ والمَعْنى أنَّ البَيانَ الفَصْلَ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الجَدِّ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ وقَدْ يَكُونُ عَلى غَيْرِ سَبِيلِ الجَدِّ وهَذا المَوْضِعُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وذَلِكَ الكَيْدُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ومِنها بِالطَّعْنِ فِيهِ بِكَوْنِهِ ساحِرًا وشاعِرًا ومَجْنُونًا، ومِنها بِقَصْدِ قَتْلِهِ عَلى ما قالَهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ثُمَّ قالَ: ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ الكَيْدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: دَفْعُهُ تَعالى كَيْدَ الكَفَرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويُقابِلُ ذَلِكَ الكَيْدَ بِنُصْرَتِهِ وإعْلاءِ دِينِهِ تَسْمِيَةً لِأحَدِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ [ مُقابِلِهِ ] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقالَ الشّاعِرُ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وثانِيها: أنَّ كَيْدَهُ تَعالى بِهِمْ هو إمْهالُهُ إيّاهم عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى يَأْخُذَهم عَلى غِرَّةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ أيْ لا تَدْعُ بِهَلاكِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِإمْهالِهِمْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإمْهالَ المَأْمُورَ بِهِ قَلِيلٌ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ فَكَرَّرَ وخالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِزِيادَةِ التَّسْكِينِ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والتَّصَبُّرُ وهاهُنا مَسائِلُ: صفحة ١٢٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ تَكْبِيرَ رُوَيْدٍ رَوْدٌ، وأنْشَدَ: يَمْشِي ولا تُكَلِّمُ البَطْحاءُ مِشْيَتَهُ ∗∗∗ كَأنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي عَلى رَوْدٍ أيْ عَلى مَهْلَةٍ ورِفْقٍ وتُؤَدَةٍ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في بابِ أسْماءِ الأفْعالِ رُوَيْدًا زَيْدًا يُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا، ومَعْناهُ أمْهِلْهُ وارْفُقْ بِهِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: رُوَيْدٌ في كَلامِ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْأمْرِ كَقَوْلِكَ: رُوَيْدَ زَيْدًا تُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا أيْ خَلِّهِ ودَعْهُ وأرْفِقْ بِهِ ولا تَنْصَرِفُ رُوَيْدَ في هَذا الوَجْهِ لِأنَّها غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ المَصادِرِ فَيُضافُ إلى ما بَعْدَهُ كَما تُضافُ المَصادِرُ تَقُولُ: رُوَيْدَ زَيْدٍ، كَما تَقُولُ: ضَرْبُ زَيْدٍ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] . والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَعْتًا مَنصُوبًا كَقَوْلِكَ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، ويَقُولُونَ أيْضًا: سارُوا رُوَيْدًا، يَحْذِفُونَ المَنعُوتَ ويُقِيمُونَ رُوَيْدًا مَقامَهُ كَما يَفْعَلُونَ بِسائِرِ النُّعُوتِ المُتَمَكِّنَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ضَعْهُ رُوَيْدًا أيْ وضْعًا رُوَيْدًا، وتَقُولُ لِلرَّجُلِ: يُعالِجُ الشَّيْءَ رُوَيْدًا، أيْ عِلاجًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ في هَذا الوَجْهِ أمْرانِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رُوَيْدًا حالًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا فَإنْ أظْهَرْتَ المَنعُوتَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ، والَّذِي في الآيَةِ هو ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ الثّالِثِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إمْهالًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ أيْ أمْهِلْهم غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وإنَّما صُغِّرَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ عَلِمَ أنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ومِنهم مَن قالَ: أمْهِلْهم رُوَيْدًا إلى يَوْمِ بَدْرٍ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الَّذِي جَرى يَوْمَ بَدْرٍ وفي سائِرِ الغَزَواتِ لا يَعُمُّ الكُلَّ، وإذا حُمِلَ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ عَمَّ الكُلَّ، ولا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَدْخُلَ في جُمْلَتِهِ أمْرُ الدُّنْيا، مِمّا نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ لِلْقَوْمِ، وكَما أنَّهُ تَحْذِيرٌ لَهم فَهو تَرْغِيبٌ في خِلافِ طَرِيقِهِمْ في الطّاعاتِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الطارق 86:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا فَرَغَ مِن دَلِيلِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، أقْسَمَ قَسَمًا آخَرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ فَنَقُولُ: قالَ الزَّجّاجُ الرَّجْعُ المَطَرُ لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَتَكَرَّرُ. واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الزَّجّاجِ وسائِرِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ صَرِيحٌ في أنَّ الرَّجْعَ لَيْسَ اسْمًا مَوْضُوعًا لِلْمَطَرِ بَلْ سُمِّيَ رَجْعًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ولِحُسْنِ هَذا المَجازِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ القَفّالُ: كَأنَّهُ مِن تَرْجِيعِ الصَّوْتِ وهو إعادَتُهُ ووَصْلُ الحُرُوفِ بِهِ، فَكَذا المَطَرُ لِكَوْنِهِ عائِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى سُمِّيَ رَجْعًا. وثانِيها: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ. وثالِثُها: أنَّهم أرادُوا التَّفاؤُلَ فَسَمَّوْهُ رَجْعًا لِيَرْجِعَ. ورابِعُها: أنَّ المَطَرَ يَرْجِعُ في كُلِّ عامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ لِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ. أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ“ أيْ ذاتِ المَطَرِ يَرْجِعُ لِمَطَرٍ بَعْدَ مَطَرٍ. وثانِيها: رَجْعُ السَّماءِ إعْطاءُ الخَيْرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِهَتِها حالًا بَعْدَ حالٍ عَلى مُرُورِ الأزْمانِ تُرْجِعُهُ رَجْعًا، أيْ تُعْطِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو أنَّها تَرُدُّ وتُرْجِعُ شَمْسَها وقَمَرَها بَعْدَ مَغِيبِهِما، والقَوْلُ هو الأوَّلُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصَّدْعَ هو الشَّقُّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ يَتَفَرَّقُونَ ولِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَنْشَقُّ عَنِ النَّباتِ والأشْجارِ، صفحة ١٢١ وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجَبَلانِ بَيْنَهُما شَقٌّ وطَرِيقٌ نافِذٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] وقالَ اللَّيْثُ: الصَّدْعُ نَباتُ الأرْضِ، لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ فَتَنْصَدِعُ بِهِ، وعَلى هَذا سُمِّيَ النَّباتُ صَدْعًا لِأنَّهُ صادِعٌ لِلْأرْضِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ الحَيَوانِ دَلِيلًا عَلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ في هَذا القِسْمِ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ النَّباتِ، فالسَّماءُ ذاتُ الرَّجْعِ كالأبِ، والأرْضُ ذاتُ الصَّدْعِ كالأُمِّ وكِلاهُما مِنَ النِّعَمِ العِظامِ لِأنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَوْقُوفَةٌ عَلى ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَطَرِ مُتَكَرِّرًا، وعَلى ما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ هَذا القَسَمَ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا الضَّمِيرِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: ما قالَ القَفّالُ وهو: أنَّ المَعْنى أنَّ ما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن قُدْرَتِي عَلى إحْيائِكم في اليَوْمِ الَّذِي تُبْلى فِيهِ سَرائِرُكم قَوْلٌ فَصْلٌ وحَقٌّ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ أيِ القُرْآنُ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَما قِيلَ لَهُ: فُرْقانٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ السّالِفِ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أيْ حُكْمٌ يَنْفَصِلُ بِهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ، ومِنهُ فَصْلُ الخُصُوماتِ وهو قَطْعُها بِالحُكْمِ، ويُقالُ: هَذا قَوْلٌ فَصْلٌ أيْ قاطِعٌ لِلْمِراءِ والنِّزاعِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَدٌّ حَقٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ بِاللَّعِبِ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِالجَدِّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ والمَعْنى أنَّ البَيانَ الفَصْلَ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الجَدِّ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ وقَدْ يَكُونُ عَلى غَيْرِ سَبِيلِ الجَدِّ وهَذا المَوْضِعُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وذَلِكَ الكَيْدُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ومِنها بِالطَّعْنِ فِيهِ بِكَوْنِهِ ساحِرًا وشاعِرًا ومَجْنُونًا، ومِنها بِقَصْدِ قَتْلِهِ عَلى ما قالَهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ثُمَّ قالَ: ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ الكَيْدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: دَفْعُهُ تَعالى كَيْدَ الكَفَرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويُقابِلُ ذَلِكَ الكَيْدَ بِنُصْرَتِهِ وإعْلاءِ دِينِهِ تَسْمِيَةً لِأحَدِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ [ مُقابِلِهِ ] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقالَ الشّاعِرُ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وثانِيها: أنَّ كَيْدَهُ تَعالى بِهِمْ هو إمْهالُهُ إيّاهم عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى يَأْخُذَهم عَلى غِرَّةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ أيْ لا تَدْعُ بِهَلاكِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِإمْهالِهِمْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإمْهالَ المَأْمُورَ بِهِ قَلِيلٌ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ فَكَرَّرَ وخالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِزِيادَةِ التَّسْكِينِ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والتَّصَبُّرُ وهاهُنا مَسائِلُ: صفحة ١٢٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ تَكْبِيرَ رُوَيْدٍ رَوْدٌ، وأنْشَدَ: يَمْشِي ولا تُكَلِّمُ البَطْحاءُ مِشْيَتَهُ ∗∗∗ كَأنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي عَلى رَوْدٍ أيْ عَلى مَهْلَةٍ ورِفْقٍ وتُؤَدَةٍ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في بابِ أسْماءِ الأفْعالِ رُوَيْدًا زَيْدًا يُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا، ومَعْناهُ أمْهِلْهُ وارْفُقْ بِهِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: رُوَيْدٌ في كَلامِ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْأمْرِ كَقَوْلِكَ: رُوَيْدَ زَيْدًا تُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا أيْ خَلِّهِ ودَعْهُ وأرْفِقْ بِهِ ولا تَنْصَرِفُ رُوَيْدَ في هَذا الوَجْهِ لِأنَّها غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ المَصادِرِ فَيُضافُ إلى ما بَعْدَهُ كَما تُضافُ المَصادِرُ تَقُولُ: رُوَيْدَ زَيْدٍ، كَما تَقُولُ: ضَرْبُ زَيْدٍ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] . والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَعْتًا مَنصُوبًا كَقَوْلِكَ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، ويَقُولُونَ أيْضًا: سارُوا رُوَيْدًا، يَحْذِفُونَ المَنعُوتَ ويُقِيمُونَ رُوَيْدًا مَقامَهُ كَما يَفْعَلُونَ بِسائِرِ النُّعُوتِ المُتَمَكِّنَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ضَعْهُ رُوَيْدًا أيْ وضْعًا رُوَيْدًا، وتَقُولُ لِلرَّجُلِ: يُعالِجُ الشَّيْءَ رُوَيْدًا، أيْ عِلاجًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ في هَذا الوَجْهِ أمْرانِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رُوَيْدًا حالًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا فَإنْ أظْهَرْتَ المَنعُوتَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ، والَّذِي في الآيَةِ هو ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ الثّالِثِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إمْهالًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ أيْ أمْهِلْهم غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وإنَّما صُغِّرَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ عَلِمَ أنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ومِنهم مَن قالَ: أمْهِلْهم رُوَيْدًا إلى يَوْمِ بَدْرٍ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الَّذِي جَرى يَوْمَ بَدْرٍ وفي سائِرِ الغَزَواتِ لا يَعُمُّ الكُلَّ، وإذا حُمِلَ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ عَمَّ الكُلَّ، ولا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَدْخُلَ في جُمْلَتِهِ أمْرُ الدُّنْيا، مِمّا نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ لِلْقَوْمِ، وكَما أنَّهُ تَحْذِيرٌ لَهم فَهو تَرْغِيبٌ في خِلافِ طَرِيقِهِمْ في الطّاعاتِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الطارق 86:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا فَرَغَ مِن دَلِيلِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، أقْسَمَ قَسَمًا آخَرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ فَنَقُولُ: قالَ الزَّجّاجُ الرَّجْعُ المَطَرُ لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَتَكَرَّرُ. واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الزَّجّاجِ وسائِرِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ صَرِيحٌ في أنَّ الرَّجْعَ لَيْسَ اسْمًا مَوْضُوعًا لِلْمَطَرِ بَلْ سُمِّيَ رَجْعًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ولِحُسْنِ هَذا المَجازِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ القَفّالُ: كَأنَّهُ مِن تَرْجِيعِ الصَّوْتِ وهو إعادَتُهُ ووَصْلُ الحُرُوفِ بِهِ، فَكَذا المَطَرُ لِكَوْنِهِ عائِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى سُمِّيَ رَجْعًا. وثانِيها: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ. وثالِثُها: أنَّهم أرادُوا التَّفاؤُلَ فَسَمَّوْهُ رَجْعًا لِيَرْجِعَ. ورابِعُها: أنَّ المَطَرَ يَرْجِعُ في كُلِّ عامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ لِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ. أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ“ أيْ ذاتِ المَطَرِ يَرْجِعُ لِمَطَرٍ بَعْدَ مَطَرٍ. وثانِيها: رَجْعُ السَّماءِ إعْطاءُ الخَيْرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِهَتِها حالًا بَعْدَ حالٍ عَلى مُرُورِ الأزْمانِ تُرْجِعُهُ رَجْعًا، أيْ تُعْطِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو أنَّها تَرُدُّ وتُرْجِعُ شَمْسَها وقَمَرَها بَعْدَ مَغِيبِهِما، والقَوْلُ هو الأوَّلُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصَّدْعَ هو الشَّقُّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ يَتَفَرَّقُونَ ولِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَنْشَقُّ عَنِ النَّباتِ والأشْجارِ، صفحة ١٢١ وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجَبَلانِ بَيْنَهُما شَقٌّ وطَرِيقٌ نافِذٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] وقالَ اللَّيْثُ: الصَّدْعُ نَباتُ الأرْضِ، لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ فَتَنْصَدِعُ بِهِ، وعَلى هَذا سُمِّيَ النَّباتُ صَدْعًا لِأنَّهُ صادِعٌ لِلْأرْضِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ الحَيَوانِ دَلِيلًا عَلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ في هَذا القِسْمِ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ النَّباتِ، فالسَّماءُ ذاتُ الرَّجْعِ كالأبِ، والأرْضُ ذاتُ الصَّدْعِ كالأُمِّ وكِلاهُما مِنَ النِّعَمِ العِظامِ لِأنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَوْقُوفَةٌ عَلى ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَطَرِ مُتَكَرِّرًا، وعَلى ما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ هَذا القَسَمَ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا الضَّمِيرِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: ما قالَ القَفّالُ وهو: أنَّ المَعْنى أنَّ ما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن قُدْرَتِي عَلى إحْيائِكم في اليَوْمِ الَّذِي تُبْلى فِيهِ سَرائِرُكم قَوْلٌ فَصْلٌ وحَقٌّ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ أيِ القُرْآنُ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَما قِيلَ لَهُ: فُرْقانٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ السّالِفِ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أيْ حُكْمٌ يَنْفَصِلُ بِهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ، ومِنهُ فَصْلُ الخُصُوماتِ وهو قَطْعُها بِالحُكْمِ، ويُقالُ: هَذا قَوْلٌ فَصْلٌ أيْ قاطِعٌ لِلْمِراءِ والنِّزاعِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَدٌّ حَقٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ بِاللَّعِبِ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِالجَدِّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ والمَعْنى أنَّ البَيانَ الفَصْلَ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الجَدِّ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ وقَدْ يَكُونُ عَلى غَيْرِ سَبِيلِ الجَدِّ وهَذا المَوْضِعُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وذَلِكَ الكَيْدُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ومِنها بِالطَّعْنِ فِيهِ بِكَوْنِهِ ساحِرًا وشاعِرًا ومَجْنُونًا، ومِنها بِقَصْدِ قَتْلِهِ عَلى ما قالَهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ثُمَّ قالَ: ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ الكَيْدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: دَفْعُهُ تَعالى كَيْدَ الكَفَرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويُقابِلُ ذَلِكَ الكَيْدَ بِنُصْرَتِهِ وإعْلاءِ دِينِهِ تَسْمِيَةً لِأحَدِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ [ مُقابِلِهِ ] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقالَ الشّاعِرُ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وثانِيها: أنَّ كَيْدَهُ تَعالى بِهِمْ هو إمْهالُهُ إيّاهم عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى يَأْخُذَهم عَلى غِرَّةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ أيْ لا تَدْعُ بِهَلاكِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِإمْهالِهِمْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإمْهالَ المَأْمُورَ بِهِ قَلِيلٌ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ فَكَرَّرَ وخالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِزِيادَةِ التَّسْكِينِ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والتَّصَبُّرُ وهاهُنا مَسائِلُ: صفحة ١٢٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ تَكْبِيرَ رُوَيْدٍ رَوْدٌ، وأنْشَدَ: يَمْشِي ولا تُكَلِّمُ البَطْحاءُ مِشْيَتَهُ ∗∗∗ كَأنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي عَلى رَوْدٍ أيْ عَلى مَهْلَةٍ ورِفْقٍ وتُؤَدَةٍ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في بابِ أسْماءِ الأفْعالِ رُوَيْدًا زَيْدًا يُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا، ومَعْناهُ أمْهِلْهُ وارْفُقْ بِهِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: رُوَيْدٌ في كَلامِ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْأمْرِ كَقَوْلِكَ: رُوَيْدَ زَيْدًا تُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا أيْ خَلِّهِ ودَعْهُ وأرْفِقْ بِهِ ولا تَنْصَرِفُ رُوَيْدَ في هَذا الوَجْهِ لِأنَّها غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ المَصادِرِ فَيُضافُ إلى ما بَعْدَهُ كَما تُضافُ المَصادِرُ تَقُولُ: رُوَيْدَ زَيْدٍ، كَما تَقُولُ: ضَرْبُ زَيْدٍ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] . والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَعْتًا مَنصُوبًا كَقَوْلِكَ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، ويَقُولُونَ أيْضًا: سارُوا رُوَيْدًا، يَحْذِفُونَ المَنعُوتَ ويُقِيمُونَ رُوَيْدًا مَقامَهُ كَما يَفْعَلُونَ بِسائِرِ النُّعُوتِ المُتَمَكِّنَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ضَعْهُ رُوَيْدًا أيْ وضْعًا رُوَيْدًا، وتَقُولُ لِلرَّجُلِ: يُعالِجُ الشَّيْءَ رُوَيْدًا، أيْ عِلاجًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ في هَذا الوَجْهِ أمْرانِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رُوَيْدًا حالًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا فَإنْ أظْهَرْتَ المَنعُوتَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ، والَّذِي في الآيَةِ هو ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ الثّالِثِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إمْهالًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ أيْ أمْهِلْهم غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وإنَّما صُغِّرَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ عَلِمَ أنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ومِنهم مَن قالَ: أمْهِلْهم رُوَيْدًا إلى يَوْمِ بَدْرٍ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الَّذِي جَرى يَوْمَ بَدْرٍ وفي سائِرِ الغَزَواتِ لا يَعُمُّ الكُلَّ، وإذا حُمِلَ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ عَمَّ الكُلَّ، ولا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَدْخُلَ في جُمْلَتِهِ أمْرُ الدُّنْيا، مِمّا نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ لِلْقَوْمِ، وكَما أنَّهُ تَحْذِيرٌ لَهم فَهو تَرْغِيبٌ في خِلافِ طَرِيقِهِمْ في الطّاعاتِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الطارق 86:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا فَرَغَ مِن دَلِيلِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، أقْسَمَ قَسَمًا آخَرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ فَنَقُولُ: قالَ الزَّجّاجُ الرَّجْعُ المَطَرُ لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَتَكَرَّرُ. واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الزَّجّاجِ وسائِرِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ صَرِيحٌ في أنَّ الرَّجْعَ لَيْسَ اسْمًا مَوْضُوعًا لِلْمَطَرِ بَلْ سُمِّيَ رَجْعًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ولِحُسْنِ هَذا المَجازِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ القَفّالُ: كَأنَّهُ مِن تَرْجِيعِ الصَّوْتِ وهو إعادَتُهُ ووَصْلُ الحُرُوفِ بِهِ، فَكَذا المَطَرُ لِكَوْنِهِ عائِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى سُمِّيَ رَجْعًا. وثانِيها: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ. وثالِثُها: أنَّهم أرادُوا التَّفاؤُلَ فَسَمَّوْهُ رَجْعًا لِيَرْجِعَ. ورابِعُها: أنَّ المَطَرَ يَرْجِعُ في كُلِّ عامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ لِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ. أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ“ أيْ ذاتِ المَطَرِ يَرْجِعُ لِمَطَرٍ بَعْدَ مَطَرٍ. وثانِيها: رَجْعُ السَّماءِ إعْطاءُ الخَيْرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِهَتِها حالًا بَعْدَ حالٍ عَلى مُرُورِ الأزْمانِ تُرْجِعُهُ رَجْعًا، أيْ تُعْطِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو أنَّها تَرُدُّ وتُرْجِعُ شَمْسَها وقَمَرَها بَعْدَ مَغِيبِهِما، والقَوْلُ هو الأوَّلُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصَّدْعَ هو الشَّقُّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ يَتَفَرَّقُونَ ولِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَنْشَقُّ عَنِ النَّباتِ والأشْجارِ، صفحة ١٢١ وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجَبَلانِ بَيْنَهُما شَقٌّ وطَرِيقٌ نافِذٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] وقالَ اللَّيْثُ: الصَّدْعُ نَباتُ الأرْضِ، لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ فَتَنْصَدِعُ بِهِ، وعَلى هَذا سُمِّيَ النَّباتُ صَدْعًا لِأنَّهُ صادِعٌ لِلْأرْضِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ الحَيَوانِ دَلِيلًا عَلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ في هَذا القِسْمِ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ النَّباتِ، فالسَّماءُ ذاتُ الرَّجْعِ كالأبِ، والأرْضُ ذاتُ الصَّدْعِ كالأُمِّ وكِلاهُما مِنَ النِّعَمِ العِظامِ لِأنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَوْقُوفَةٌ عَلى ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَطَرِ مُتَكَرِّرًا، وعَلى ما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ هَذا القَسَمَ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا الضَّمِيرِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: ما قالَ القَفّالُ وهو: أنَّ المَعْنى أنَّ ما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن قُدْرَتِي عَلى إحْيائِكم في اليَوْمِ الَّذِي تُبْلى فِيهِ سَرائِرُكم قَوْلٌ فَصْلٌ وحَقٌّ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ أيِ القُرْآنُ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَما قِيلَ لَهُ: فُرْقانٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ السّالِفِ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أيْ حُكْمٌ يَنْفَصِلُ بِهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ، ومِنهُ فَصْلُ الخُصُوماتِ وهو قَطْعُها بِالحُكْمِ، ويُقالُ: هَذا قَوْلٌ فَصْلٌ أيْ قاطِعٌ لِلْمِراءِ والنِّزاعِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَدٌّ حَقٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ بِاللَّعِبِ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِالجَدِّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ والمَعْنى أنَّ البَيانَ الفَصْلَ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الجَدِّ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ وقَدْ يَكُونُ عَلى غَيْرِ سَبِيلِ الجَدِّ وهَذا المَوْضِعُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وذَلِكَ الكَيْدُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ومِنها بِالطَّعْنِ فِيهِ بِكَوْنِهِ ساحِرًا وشاعِرًا ومَجْنُونًا، ومِنها بِقَصْدِ قَتْلِهِ عَلى ما قالَهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ثُمَّ قالَ: ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ الكَيْدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: دَفْعُهُ تَعالى كَيْدَ الكَفَرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويُقابِلُ ذَلِكَ الكَيْدَ بِنُصْرَتِهِ وإعْلاءِ دِينِهِ تَسْمِيَةً لِأحَدِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ [ مُقابِلِهِ ] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقالَ الشّاعِرُ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وثانِيها: أنَّ كَيْدَهُ تَعالى بِهِمْ هو إمْهالُهُ إيّاهم عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى يَأْخُذَهم عَلى غِرَّةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ أيْ لا تَدْعُ بِهَلاكِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِإمْهالِهِمْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإمْهالَ المَأْمُورَ بِهِ قَلِيلٌ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ فَكَرَّرَ وخالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِزِيادَةِ التَّسْكِينِ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والتَّصَبُّرُ وهاهُنا مَسائِلُ: صفحة ١٢٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ تَكْبِيرَ رُوَيْدٍ رَوْدٌ، وأنْشَدَ: يَمْشِي ولا تُكَلِّمُ البَطْحاءُ مِشْيَتَهُ ∗∗∗ كَأنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي عَلى رَوْدٍ أيْ عَلى مَهْلَةٍ ورِفْقٍ وتُؤَدَةٍ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في بابِ أسْماءِ الأفْعالِ رُوَيْدًا زَيْدًا يُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا، ومَعْناهُ أمْهِلْهُ وارْفُقْ بِهِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: رُوَيْدٌ في كَلامِ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْأمْرِ كَقَوْلِكَ: رُوَيْدَ زَيْدًا تُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا أيْ خَلِّهِ ودَعْهُ وأرْفِقْ بِهِ ولا تَنْصَرِفُ رُوَيْدَ في هَذا الوَجْهِ لِأنَّها غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ المَصادِرِ فَيُضافُ إلى ما بَعْدَهُ كَما تُضافُ المَصادِرُ تَقُولُ: رُوَيْدَ زَيْدٍ، كَما تَقُولُ: ضَرْبُ زَيْدٍ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] . والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَعْتًا مَنصُوبًا كَقَوْلِكَ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، ويَقُولُونَ أيْضًا: سارُوا رُوَيْدًا، يَحْذِفُونَ المَنعُوتَ ويُقِيمُونَ رُوَيْدًا مَقامَهُ كَما يَفْعَلُونَ بِسائِرِ النُّعُوتِ المُتَمَكِّنَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ضَعْهُ رُوَيْدًا أيْ وضْعًا رُوَيْدًا، وتَقُولُ لِلرَّجُلِ: يُعالِجُ الشَّيْءَ رُوَيْدًا، أيْ عِلاجًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ في هَذا الوَجْهِ أمْرانِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رُوَيْدًا حالًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا فَإنْ أظْهَرْتَ المَنعُوتَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ، والَّذِي في الآيَةِ هو ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ الثّالِثِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إمْهالًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ أيْ أمْهِلْهم غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وإنَّما صُغِّرَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ عَلِمَ أنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ومِنهم مَن قالَ: أمْهِلْهم رُوَيْدًا إلى يَوْمِ بَدْرٍ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الَّذِي جَرى يَوْمَ بَدْرٍ وفي سائِرِ الغَزَواتِ لا يَعُمُّ الكُلَّ، وإذا حُمِلَ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ عَمَّ الكُلَّ، ولا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَدْخُلَ في جُمْلَتِهِ أمْرُ الدُّنْيا، مِمّا نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ لِلْقَوْمِ، وكَما أنَّهُ تَحْذِيرٌ لَهم فَهو تَرْغِيبٌ في خِلافِ طَرِيقِهِمْ في الطّاعاتِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الطارق 86:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا فَرَغَ مِن دَلِيلِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، أقْسَمَ قَسَمًا آخَرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ فَنَقُولُ: قالَ الزَّجّاجُ الرَّجْعُ المَطَرُ لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَتَكَرَّرُ. واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الزَّجّاجِ وسائِرِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ صَرِيحٌ في أنَّ الرَّجْعَ لَيْسَ اسْمًا مَوْضُوعًا لِلْمَطَرِ بَلْ سُمِّيَ رَجْعًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ولِحُسْنِ هَذا المَجازِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ القَفّالُ: كَأنَّهُ مِن تَرْجِيعِ الصَّوْتِ وهو إعادَتُهُ ووَصْلُ الحُرُوفِ بِهِ، فَكَذا المَطَرُ لِكَوْنِهِ عائِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى سُمِّيَ رَجْعًا. وثانِيها: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ. وثالِثُها: أنَّهم أرادُوا التَّفاؤُلَ فَسَمَّوْهُ رَجْعًا لِيَرْجِعَ. ورابِعُها: أنَّ المَطَرَ يَرْجِعُ في كُلِّ عامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ لِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ. أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ“ أيْ ذاتِ المَطَرِ يَرْجِعُ لِمَطَرٍ بَعْدَ مَطَرٍ. وثانِيها: رَجْعُ السَّماءِ إعْطاءُ الخَيْرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِهَتِها حالًا بَعْدَ حالٍ عَلى مُرُورِ الأزْمانِ تُرْجِعُهُ رَجْعًا، أيْ تُعْطِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو أنَّها تَرُدُّ وتُرْجِعُ شَمْسَها وقَمَرَها بَعْدَ مَغِيبِهِما، والقَوْلُ هو الأوَّلُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصَّدْعَ هو الشَّقُّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ يَتَفَرَّقُونَ ولِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَنْشَقُّ عَنِ النَّباتِ والأشْجارِ، صفحة ١٢١ وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجَبَلانِ بَيْنَهُما شَقٌّ وطَرِيقٌ نافِذٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] وقالَ اللَّيْثُ: الصَّدْعُ نَباتُ الأرْضِ، لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ فَتَنْصَدِعُ بِهِ، وعَلى هَذا سُمِّيَ النَّباتُ صَدْعًا لِأنَّهُ صادِعٌ لِلْأرْضِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ الحَيَوانِ دَلِيلًا عَلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ في هَذا القِسْمِ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ النَّباتِ، فالسَّماءُ ذاتُ الرَّجْعِ كالأبِ، والأرْضُ ذاتُ الصَّدْعِ كالأُمِّ وكِلاهُما مِنَ النِّعَمِ العِظامِ لِأنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَوْقُوفَةٌ عَلى ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَطَرِ مُتَكَرِّرًا، وعَلى ما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ هَذا القَسَمَ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا الضَّمِيرِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: ما قالَ القَفّالُ وهو: أنَّ المَعْنى أنَّ ما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن قُدْرَتِي عَلى إحْيائِكم في اليَوْمِ الَّذِي تُبْلى فِيهِ سَرائِرُكم قَوْلٌ فَصْلٌ وحَقٌّ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ أيِ القُرْآنُ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَما قِيلَ لَهُ: فُرْقانٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ السّالِفِ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أيْ حُكْمٌ يَنْفَصِلُ بِهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ، ومِنهُ فَصْلُ الخُصُوماتِ وهو قَطْعُها بِالحُكْمِ، ويُقالُ: هَذا قَوْلٌ فَصْلٌ أيْ قاطِعٌ لِلْمِراءِ والنِّزاعِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَدٌّ حَقٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ بِاللَّعِبِ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِالجَدِّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ والمَعْنى أنَّ البَيانَ الفَصْلَ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الجَدِّ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ وقَدْ يَكُونُ عَلى غَيْرِ سَبِيلِ الجَدِّ وهَذا المَوْضِعُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وذَلِكَ الكَيْدُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ومِنها بِالطَّعْنِ فِيهِ بِكَوْنِهِ ساحِرًا وشاعِرًا ومَجْنُونًا، ومِنها بِقَصْدِ قَتْلِهِ عَلى ما قالَهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ثُمَّ قالَ: ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ الكَيْدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: دَفْعُهُ تَعالى كَيْدَ الكَفَرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويُقابِلُ ذَلِكَ الكَيْدَ بِنُصْرَتِهِ وإعْلاءِ دِينِهِ تَسْمِيَةً لِأحَدِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ [ مُقابِلِهِ ] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقالَ الشّاعِرُ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وثانِيها: أنَّ كَيْدَهُ تَعالى بِهِمْ هو إمْهالُهُ إيّاهم عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى يَأْخُذَهم عَلى غِرَّةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ أيْ لا تَدْعُ بِهَلاكِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِإمْهالِهِمْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإمْهالَ المَأْمُورَ بِهِ قَلِيلٌ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ فَكَرَّرَ وخالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِزِيادَةِ التَّسْكِينِ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والتَّصَبُّرُ وهاهُنا مَسائِلُ: صفحة ١٢٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ تَكْبِيرَ رُوَيْدٍ رَوْدٌ، وأنْشَدَ: يَمْشِي ولا تُكَلِّمُ البَطْحاءُ مِشْيَتَهُ ∗∗∗ كَأنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي عَلى رَوْدٍ أيْ عَلى مَهْلَةٍ ورِفْقٍ وتُؤَدَةٍ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في بابِ أسْماءِ الأفْعالِ رُوَيْدًا زَيْدًا يُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا، ومَعْناهُ أمْهِلْهُ وارْفُقْ بِهِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: رُوَيْدٌ في كَلامِ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْأمْرِ كَقَوْلِكَ: رُوَيْدَ زَيْدًا تُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا أيْ خَلِّهِ ودَعْهُ وأرْفِقْ بِهِ ولا تَنْصَرِفُ رُوَيْدَ في هَذا الوَجْهِ لِأنَّها غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ المَصادِرِ فَيُضافُ إلى ما بَعْدَهُ كَما تُضافُ المَصادِرُ تَقُولُ: رُوَيْدَ زَيْدٍ، كَما تَقُولُ: ضَرْبُ زَيْدٍ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] . والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَعْتًا مَنصُوبًا كَقَوْلِكَ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، ويَقُولُونَ أيْضًا: سارُوا رُوَيْدًا، يَحْذِفُونَ المَنعُوتَ ويُقِيمُونَ رُوَيْدًا مَقامَهُ كَما يَفْعَلُونَ بِسائِرِ النُّعُوتِ المُتَمَكِّنَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ضَعْهُ رُوَيْدًا أيْ وضْعًا رُوَيْدًا، وتَقُولُ لِلرَّجُلِ: يُعالِجُ الشَّيْءَ رُوَيْدًا، أيْ عِلاجًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ في هَذا الوَجْهِ أمْرانِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رُوَيْدًا حالًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا فَإنْ أظْهَرْتَ المَنعُوتَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ، والَّذِي في الآيَةِ هو ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ الثّالِثِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إمْهالًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ أيْ أمْهِلْهم غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وإنَّما صُغِّرَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ عَلِمَ أنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ومِنهم مَن قالَ: أمْهِلْهم رُوَيْدًا إلى يَوْمِ بَدْرٍ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الَّذِي جَرى يَوْمَ بَدْرٍ وفي سائِرِ الغَزَواتِ لا يَعُمُّ الكُلَّ، وإذا حُمِلَ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ عَمَّ الكُلَّ، ولا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَدْخُلَ في جُمْلَتِهِ أمْرُ الدُّنْيا، مِمّا نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ لِلْقَوْمِ، وكَما أنَّهُ تَحْذِيرٌ لَهم فَهو تَرْغِيبٌ في خِلافِ طَرِيقِهِمْ في الطّاعاتِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الطارق 86:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا فَرَغَ مِن دَلِيلِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، أقْسَمَ قَسَمًا آخَرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ فَنَقُولُ: قالَ الزَّجّاجُ الرَّجْعُ المَطَرُ لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَتَكَرَّرُ. واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الزَّجّاجِ وسائِرِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ صَرِيحٌ في أنَّ الرَّجْعَ لَيْسَ اسْمًا مَوْضُوعًا لِلْمَطَرِ بَلْ سُمِّيَ رَجْعًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ولِحُسْنِ هَذا المَجازِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ القَفّالُ: كَأنَّهُ مِن تَرْجِيعِ الصَّوْتِ وهو إعادَتُهُ ووَصْلُ الحُرُوفِ بِهِ، فَكَذا المَطَرُ لِكَوْنِهِ عائِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى سُمِّيَ رَجْعًا. وثانِيها: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ. وثالِثُها: أنَّهم أرادُوا التَّفاؤُلَ فَسَمَّوْهُ رَجْعًا لِيَرْجِعَ. ورابِعُها: أنَّ المَطَرَ يَرْجِعُ في كُلِّ عامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ لِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ. أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ“ أيْ ذاتِ المَطَرِ يَرْجِعُ لِمَطَرٍ بَعْدَ مَطَرٍ. وثانِيها: رَجْعُ السَّماءِ إعْطاءُ الخَيْرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِهَتِها حالًا بَعْدَ حالٍ عَلى مُرُورِ الأزْمانِ تُرْجِعُهُ رَجْعًا، أيْ تُعْطِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو أنَّها تَرُدُّ وتُرْجِعُ شَمْسَها وقَمَرَها بَعْدَ مَغِيبِهِما، والقَوْلُ هو الأوَّلُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصَّدْعَ هو الشَّقُّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ يَتَفَرَّقُونَ ولِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَنْشَقُّ عَنِ النَّباتِ والأشْجارِ، صفحة ١٢١ وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجَبَلانِ بَيْنَهُما شَقٌّ وطَرِيقٌ نافِذٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] وقالَ اللَّيْثُ: الصَّدْعُ نَباتُ الأرْضِ، لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ فَتَنْصَدِعُ بِهِ، وعَلى هَذا سُمِّيَ النَّباتُ صَدْعًا لِأنَّهُ صادِعٌ لِلْأرْضِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ الحَيَوانِ دَلِيلًا عَلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ في هَذا القِسْمِ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ النَّباتِ، فالسَّماءُ ذاتُ الرَّجْعِ كالأبِ، والأرْضُ ذاتُ الصَّدْعِ كالأُمِّ وكِلاهُما مِنَ النِّعَمِ العِظامِ لِأنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَوْقُوفَةٌ عَلى ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَطَرِ مُتَكَرِّرًا، وعَلى ما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ هَذا القَسَمَ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا الضَّمِيرِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: ما قالَ القَفّالُ وهو: أنَّ المَعْنى أنَّ ما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن قُدْرَتِي عَلى إحْيائِكم في اليَوْمِ الَّذِي تُبْلى فِيهِ سَرائِرُكم قَوْلٌ فَصْلٌ وحَقٌّ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ أيِ القُرْآنُ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَما قِيلَ لَهُ: فُرْقانٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ السّالِفِ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أيْ حُكْمٌ يَنْفَصِلُ بِهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ، ومِنهُ فَصْلُ الخُصُوماتِ وهو قَطْعُها بِالحُكْمِ، ويُقالُ: هَذا قَوْلٌ فَصْلٌ أيْ قاطِعٌ لِلْمِراءِ والنِّزاعِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَدٌّ حَقٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ بِاللَّعِبِ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِالجَدِّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ والمَعْنى أنَّ البَيانَ الفَصْلَ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الجَدِّ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ وقَدْ يَكُونُ عَلى غَيْرِ سَبِيلِ الجَدِّ وهَذا المَوْضِعُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وذَلِكَ الكَيْدُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ومِنها بِالطَّعْنِ فِيهِ بِكَوْنِهِ ساحِرًا وشاعِرًا ومَجْنُونًا، ومِنها بِقَصْدِ قَتْلِهِ عَلى ما قالَهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ثُمَّ قالَ: ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ الكَيْدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: دَفْعُهُ تَعالى كَيْدَ الكَفَرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويُقابِلُ ذَلِكَ الكَيْدَ بِنُصْرَتِهِ وإعْلاءِ دِينِهِ تَسْمِيَةً لِأحَدِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ [ مُقابِلِهِ ] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقالَ الشّاعِرُ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وثانِيها: أنَّ كَيْدَهُ تَعالى بِهِمْ هو إمْهالُهُ إيّاهم عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى يَأْخُذَهم عَلى غِرَّةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ أيْ لا تَدْعُ بِهَلاكِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِإمْهالِهِمْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإمْهالَ المَأْمُورَ بِهِ قَلِيلٌ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ فَكَرَّرَ وخالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِزِيادَةِ التَّسْكِينِ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والتَّصَبُّرُ وهاهُنا مَسائِلُ: صفحة ١٢٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ تَكْبِيرَ رُوَيْدٍ رَوْدٌ، وأنْشَدَ: يَمْشِي ولا تُكَلِّمُ البَطْحاءُ مِشْيَتَهُ ∗∗∗ كَأنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي عَلى رَوْدٍ أيْ عَلى مَهْلَةٍ ورِفْقٍ وتُؤَدَةٍ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في بابِ أسْماءِ الأفْعالِ رُوَيْدًا زَيْدًا يُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا، ومَعْناهُ أمْهِلْهُ وارْفُقْ بِهِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: رُوَيْدٌ في كَلامِ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْأمْرِ كَقَوْلِكَ: رُوَيْدَ زَيْدًا تُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا أيْ خَلِّهِ ودَعْهُ وأرْفِقْ بِهِ ولا تَنْصَرِفُ رُوَيْدَ في هَذا الوَجْهِ لِأنَّها غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ المَصادِرِ فَيُضافُ إلى ما بَعْدَهُ كَما تُضافُ المَصادِرُ تَقُولُ: رُوَيْدَ زَيْدٍ، كَما تَقُولُ: ضَرْبُ زَيْدٍ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] . والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَعْتًا مَنصُوبًا كَقَوْلِكَ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، ويَقُولُونَ أيْضًا: سارُوا رُوَيْدًا، يَحْذِفُونَ المَنعُوتَ ويُقِيمُونَ رُوَيْدًا مَقامَهُ كَما يَفْعَلُونَ بِسائِرِ النُّعُوتِ المُتَمَكِّنَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ضَعْهُ رُوَيْدًا أيْ وضْعًا رُوَيْدًا، وتَقُولُ لِلرَّجُلِ: يُعالِجُ الشَّيْءَ رُوَيْدًا، أيْ عِلاجًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ في هَذا الوَجْهِ أمْرانِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رُوَيْدًا حالًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا فَإنْ أظْهَرْتَ المَنعُوتَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ، والَّذِي في الآيَةِ هو ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ الثّالِثِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إمْهالًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ أيْ أمْهِلْهم غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وإنَّما صُغِّرَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ عَلِمَ أنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ومِنهم مَن قالَ: أمْهِلْهم رُوَيْدًا إلى يَوْمِ بَدْرٍ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الَّذِي جَرى يَوْمَ بَدْرٍ وفي سائِرِ الغَزَواتِ لا يَعُمُّ الكُلَّ، وإذا حُمِلَ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ عَمَّ الكُلَّ، ولا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَدْخُلَ في جُمْلَتِهِ أمْرُ الدُّنْيا، مِمّا نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ لِلْقَوْمِ، وكَما أنَّهُ تَحْذِيرٌ لَهم فَهو تَرْغِيبٌ في خِلافِ طَرِيقِهِمْ في الطّاعاتِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الطارق 86:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا فَرَغَ مِن دَلِيلِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، أقْسَمَ قَسَمًا آخَرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ فَنَقُولُ: قالَ الزَّجّاجُ الرَّجْعُ المَطَرُ لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَتَكَرَّرُ. واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الزَّجّاجِ وسائِرِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ صَرِيحٌ في أنَّ الرَّجْعَ لَيْسَ اسْمًا مَوْضُوعًا لِلْمَطَرِ بَلْ سُمِّيَ رَجْعًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ولِحُسْنِ هَذا المَجازِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ القَفّالُ: كَأنَّهُ مِن تَرْجِيعِ الصَّوْتِ وهو إعادَتُهُ ووَصْلُ الحُرُوفِ بِهِ، فَكَذا المَطَرُ لِكَوْنِهِ عائِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى سُمِّيَ رَجْعًا. وثانِيها: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ. وثالِثُها: أنَّهم أرادُوا التَّفاؤُلَ فَسَمَّوْهُ رَجْعًا لِيَرْجِعَ. ورابِعُها: أنَّ المَطَرَ يَرْجِعُ في كُلِّ عامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ لِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ. أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ“ أيْ ذاتِ المَطَرِ يَرْجِعُ لِمَطَرٍ بَعْدَ مَطَرٍ. وثانِيها: رَجْعُ السَّماءِ إعْطاءُ الخَيْرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِهَتِها حالًا بَعْدَ حالٍ عَلى مُرُورِ الأزْمانِ تُرْجِعُهُ رَجْعًا، أيْ تُعْطِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو أنَّها تَرُدُّ وتُرْجِعُ شَمْسَها وقَمَرَها بَعْدَ مَغِيبِهِما، والقَوْلُ هو الأوَّلُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصَّدْعَ هو الشَّقُّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ يَتَفَرَّقُونَ ولِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَنْشَقُّ عَنِ النَّباتِ والأشْجارِ، صفحة ١٢١ وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجَبَلانِ بَيْنَهُما شَقٌّ وطَرِيقٌ نافِذٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] وقالَ اللَّيْثُ: الصَّدْعُ نَباتُ الأرْضِ، لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ فَتَنْصَدِعُ بِهِ، وعَلى هَذا سُمِّيَ النَّباتُ صَدْعًا لِأنَّهُ صادِعٌ لِلْأرْضِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ الحَيَوانِ دَلِيلًا عَلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ في هَذا القِسْمِ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ النَّباتِ، فالسَّماءُ ذاتُ الرَّجْعِ كالأبِ، والأرْضُ ذاتُ الصَّدْعِ كالأُمِّ وكِلاهُما مِنَ النِّعَمِ العِظامِ لِأنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَوْقُوفَةٌ عَلى ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَطَرِ مُتَكَرِّرًا، وعَلى ما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ هَذا القَسَمَ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا الضَّمِيرِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: ما قالَ القَفّالُ وهو: أنَّ المَعْنى أنَّ ما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن قُدْرَتِي عَلى إحْيائِكم في اليَوْمِ الَّذِي تُبْلى فِيهِ سَرائِرُكم قَوْلٌ فَصْلٌ وحَقٌّ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ أيِ القُرْآنُ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَما قِيلَ لَهُ: فُرْقانٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ السّالِفِ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أيْ حُكْمٌ يَنْفَصِلُ بِهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ، ومِنهُ فَصْلُ الخُصُوماتِ وهو قَطْعُها بِالحُكْمِ، ويُقالُ: هَذا قَوْلٌ فَصْلٌ أيْ قاطِعٌ لِلْمِراءِ والنِّزاعِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَدٌّ حَقٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ بِاللَّعِبِ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِالجَدِّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ والمَعْنى أنَّ البَيانَ الفَصْلَ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الجَدِّ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ وقَدْ يَكُونُ عَلى غَيْرِ سَبِيلِ الجَدِّ وهَذا المَوْضِعُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وذَلِكَ الكَيْدُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ومِنها بِالطَّعْنِ فِيهِ بِكَوْنِهِ ساحِرًا وشاعِرًا ومَجْنُونًا، ومِنها بِقَصْدِ قَتْلِهِ عَلى ما قالَهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ثُمَّ قالَ: ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ الكَيْدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: دَفْعُهُ تَعالى كَيْدَ الكَفَرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويُقابِلُ ذَلِكَ الكَيْدَ بِنُصْرَتِهِ وإعْلاءِ دِينِهِ تَسْمِيَةً لِأحَدِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ [ مُقابِلِهِ ] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقالَ الشّاعِرُ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وثانِيها: أنَّ كَيْدَهُ تَعالى بِهِمْ هو إمْهالُهُ إيّاهم عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى يَأْخُذَهم عَلى غِرَّةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ أيْ لا تَدْعُ بِهَلاكِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِإمْهالِهِمْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإمْهالَ المَأْمُورَ بِهِ قَلِيلٌ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ فَكَرَّرَ وخالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِزِيادَةِ التَّسْكِينِ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والتَّصَبُّرُ وهاهُنا مَسائِلُ: صفحة ١٢٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ تَكْبِيرَ رُوَيْدٍ رَوْدٌ، وأنْشَدَ: يَمْشِي ولا تُكَلِّمُ البَطْحاءُ مِشْيَتَهُ ∗∗∗ كَأنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي عَلى رَوْدٍ أيْ عَلى مَهْلَةٍ ورِفْقٍ وتُؤَدَةٍ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في بابِ أسْماءِ الأفْعالِ رُوَيْدًا زَيْدًا يُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا، ومَعْناهُ أمْهِلْهُ وارْفُقْ بِهِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: رُوَيْدٌ في كَلامِ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْأمْرِ كَقَوْلِكَ: رُوَيْدَ زَيْدًا تُرِيدُ أرْوِدْ زَيْدًا أيْ خَلِّهِ ودَعْهُ وأرْفِقْ بِهِ ولا تَنْصَرِفُ رُوَيْدَ في هَذا الوَجْهِ لِأنَّها غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ المَصادِرِ فَيُضافُ إلى ما بَعْدَهُ كَما تُضافُ المَصادِرُ تَقُولُ: رُوَيْدَ زَيْدٍ، كَما تَقُولُ: ضَرْبُ زَيْدٍ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] . والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَعْتًا مَنصُوبًا كَقَوْلِكَ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، ويَقُولُونَ أيْضًا: سارُوا رُوَيْدًا، يَحْذِفُونَ المَنعُوتَ ويُقِيمُونَ رُوَيْدًا مَقامَهُ كَما يَفْعَلُونَ بِسائِرِ النُّعُوتِ المُتَمَكِّنَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ضَعْهُ رُوَيْدًا أيْ وضْعًا رُوَيْدًا، وتَقُولُ لِلرَّجُلِ: يُعالِجُ الشَّيْءَ رُوَيْدًا، أيْ عِلاجًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ في هَذا الوَجْهِ أمْرانِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رُوَيْدًا حالًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا فَإنْ أظْهَرْتَ المَنعُوتَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ، والَّذِي في الآيَةِ هو ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ الثّالِثِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إمْهالًا رُوَيْدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ أيْ أمْهِلْهم غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وإنَّما صُغِّرَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ عَلِمَ أنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ومِنهم مَن قالَ: أمْهِلْهم رُوَيْدًا إلى يَوْمِ بَدْرٍ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الَّذِي جَرى يَوْمَ بَدْرٍ وفي سائِرِ الغَزَواتِ لا يَعُمُّ الكُلَّ، وإذا حُمِلَ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ عَمَّ الكُلَّ، ولا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَدْخُلَ في جُمْلَتِهِ أمْرُ الدُّنْيا، مِمّا نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ لِلْقَوْمِ، وكَما أنَّهُ تَحْذِيرٌ لَهم فَهو تَرْغِيبٌ في خِلافِ طَرِيقِهِمْ في الطّاعاتِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الأعلى 87:1

صفحة ١٢٣ [ سُورَةُ الأعْلى ] تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً ﷽ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﷽ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِتَنْزِيهِ اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيسِهِ. والثّانِي: أنَّ الِاسْمَ صِلَةٌ والمُرادُ الأمْرُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى. أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَفي اللَّفْظِ احْتِمالاتٌ. أحَدُها: أنَّ المُرادَ نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عَنْ أنْ تُسَمِّيَ بِهِ غَيْرَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَهْيًا عَلى أنْ يُدْعى غَيْرُهُ بِاسْمِهِ، كَما كانَ المُشْرِكُونَ يُسَمُّونَ الصَّنَمَ بِاللّاتِ، ومُسَيْلِمَةَ بِرَحْمانِ اليَمامَةِ. وثانِيها: أنْ لا يُفَسَّرُ أسْماؤُهُ بِما لا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ نَحْوَ أنْ يُفَسَّرَ الأعْلى بِالعُلُوِّ في المَكانِ والِاسْتِواءُ بِالِاسْتِقْرارِ بَلْ يُفَسَّرُ العُلُوُّ بِالقَهْرِ والِاقْتِدارِ والِاسْتِواءُ بِالِاسْتِيلاءِ. وثالِثُها: أنْ يُصانَ عَنِ الِابْتِذالِ والذِّكْرِ لا عَلى وجْهِ الخُشُوعِ والتَّعْظِيمِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنْ يَذْكُرَ تِلْكَ الأسْماءَ عِنْدَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ الوُقُوفِ عَلى مَعانِيها وحَقائِقِها. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، أيْ مَجِّدْهُ بِأسْمائِهِ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلَيْكَ وعَرَّفْتُكَ أنَّها أسْماؤُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] ونَظِيرُ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] ومَقْصُودُ الكَلامِ مِن هَذا التَّأْوِيلِ أمْرانِ: أحَدُهُما: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، أيْ صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ، لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ. والثّانِي: أنْ لا يَذْكُرَ العَبْدُ رَبَّهُ إلّا بِالأسْماءِ الَّتِي ورَدَ التَّوْقِيفُ بِها، قالَ الفَرّاءُ: لا فَرْقَ بَيْنَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ وبَيْنَ (سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ) قالَ الواحِدِيُّ: وبَيْنَهُما فَرْقٌ لِأنَّ مَعْنى (سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ) نَزِّهِ اللَّهَ تَعالى بِذِكْرِ اسْمِهِ المُنْبِئِ عَنْ تَنْزِيهِهِ وعُلُوِّهِ عَمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ نَزِّهِ الِاسْمَ صفحة ١٢٤ مِنَ السُّوءِ وخامِسُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ الِاسْمِ هاهُنا الصِّفَةُ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] أمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي وهو أنْ يَكُونَ الِاسْمُ صِلَةً ويَكُونُ المَعْنى سَبِّحْ رَبَّكَ وهو اخْتِيارُ جَمْعٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، قالُوا: لِأنَّ الِاسْمَ في الحَقِيقَةِ لَفْظَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفٍ ولا يَجِبُ تَنْزِيهُها كَما يَجِبُ في اللَّهِ تَعالى، ولَكِنَّ المَذْكُورَ إذا كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ لا يُذْكَرُ هو بَلْ يُذْكَرُ اسْمُهُ فَيُقالُ: سَبِّحِ اسْمَهُ، ومَجِّدْ ذِكْرَهُ، كَما يُقالُ: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي، وقالَ لَبِيدٌ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمِ السَّلامِ عَلَيْكُما أيِ السَّلامُ وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ في اللُّغَةِ، ونَقُولُ عَلى هَذا الوَجْهِ: تَسْبِيحُ اللَّهِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ لا يُعامِلَ الكُفّارَ مُعامَلَةً يُقْدِمُونَ بِسَبَبِها عَلى ذِكْرِ اللَّهِ بِما لا يَنْبَغِي عَلى ما قالَ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . الثّانِي: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وفي أفْعالِهِ، وفي أسْمائِهِ وفي أحْكامِهِ، أمّا في ذاتِهِ فَأنْ يَعْتَقِدَ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ، وأمّا في صِفاتِهِ، فَأنْ يَعْتَقِدَ أنَّها لَيْسَتْ مُحْدَثَةً ولا مُتَناهِيَةً ولا ناقِصَةً، وأمّا في أفْعالِهِ فَأنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ مالِكٌ مُطْلَقٌ، فَلا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ فَهو صَوابٌ حَسَنٌ، وأنَّهُ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ ولا يَرْضى بِهِ، وأمّا في أسْمائِهِ فَأنْ لا يُذْكَرَ سُبْحانَهُ إلّا بِالأسْماءِ الَّتِي ورَدَ التَّوْقِيفُ بِها، هَذا عِنْدَنا وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَهو أنْ لا يُذْكَرَ إلّا بِالأسْماءِ الَّتِي لا تُوهِمُ نَقْصًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ سَواءً ورَدَ الإذْنُ بِها أوْ لَمْ يَرِدْ، وأمّا في أحْكامِهِ فَهو أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ ما كَلَّفَنا لِنَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ. بَلْ إمّا لِمَحْضِ المالِكِيَّةِ عَلى ما هو قَوْلُنا، أوْ لِرِعايَةِ مَصالِحِ العِبادِ عَلى ما [ هو ] قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ الِاسْمَ نَفْسُ المُسَمّى، فَأقُولُ: إنَّ الخَوْضَ في الِاسْتِدْلالِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزاعِ، فَلا بُدَّ هاهُنا مِن بَيانِ أنَّ الِاسْمَ ما هو والمُسَمّى ما هو حَتّى يُمْكِنَنا أنْ نَخُوضَ في الِاسْمِ هَلْ هو نَفْسُ المُسَمّى أمْ لا، فَنَقُولُ: وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ هو هَذا اللَّفْظُ، وبِالمُسَمّى تِلْكَ الذّاتُ، فالعاقِلُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: الِاسْمُ هو المُسَمّى، وإنْ كانَ المُرادُ، مِنَ الِاسْمِ هو تِلْكَ الذّاتُ، وبِالمُسَمّى أيْضًا تِلْكَ الذّاتُ كانَ قَوْلُنا الِاسْمُ نَفْسُ المُسَمّى، هو أنَّ تِلْكَ الذّاتِ نَفْسُ تِلْكَ الذّاتِ، وهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يُنازِعَ فِيهِ عاقِلٌ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ في وصْفِها رَكِيكَةٌ. وإنْ كانَ كَذَلِكَ كانَ الخَوْضُ في ذِكْرِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ أرَكَّ وأبْعَدَ بَلْ هاهُنا دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ قَوْلَنا: اسْمٌ لَفْظَةٌ جَعَلْناها اسْمًا لِكُلِّ ما دَلَّ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُقْتَرِنٍ بِزَمانٍ، والِاسْمُ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ اسْمًا لِنَفْسِهِ فَهاهُنا الِاسْمُ نَفْسُ المُسَمّى فَلَعَلَّ العُلَماءَ الأوَّلِينَ ذَكَرُوا ذَلِكَ فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلى المُتَأخِّرِينَ، وظَنُّوا أنَّ الِاسْمَ في جَمِيعِ المَواضِعِ نَفْسُ المُسَمّى، هَذا حاصِلُ التَّحْقِيقِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى الكَلامِ المَأْلُوفِ، قالُوا: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ نَفْسُ المُسَمّى أنَّ أحَدًا لا يَقُولُ سُبْحانَ اسْمِ اللَّهِ وسُبْحانَ اسْمِ رَبِّنا فَمَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَبِّحْ رَبَّكَ، والرَّبُّ أيْضًا اسْمٌ فَلَوْ كانَ غَيْرَ المُسَمّى لَمْ يَجُزْ أنْ يَقَعَ التَّسْبِيحُ عَلَيْهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ لِما بَيَّنّا في المَسْألَةِ الأُولى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ وارِدًا بِتَسْبِيحِ الِاسْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَسْبِيحَ المُسَمّى وذُكِرَ الِاسْمُ صِلَةً فِيهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ كَما يُقالُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ويَكُونُ المَعْنى سَبِّحْ رَبَّكَ بِذِكْرِ أسْمائِهِ. صفحة ١٢٥ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اجْعَلُوها في رُكُوعِكم“ ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: ”اجْعَلُوها في سُجُودِكم“» ثُمَّ رُوِيَ في الأخْبارِ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ: في رُكُوعِهِ: ”سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ“ وفي سُجُودِهِ: ”سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى“» ثُمَّ مِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الأحادِيثَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ، ويَتَأكَّدُ هَذا الِاحْتِمالُ بِإطْباقِ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ورَدَ في بَيانِ أوْقاتِ الصَّلاةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنُ عُمَرَ: (سُبْحانَ الأعْلى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى) ولَعَلَّ الوَجْهَ فِيهِ أنَّ قَوْلَهُ: (سَبِّحْ) أمْرٌ بِالتَّسْبِيحِ فَلا بُدَّ وأنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ التَّسْبِيحُ وما هو إلّا قَوْلُهُ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ في إثْباتِ العُلُوِّ بِالمَكانِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّكَ الأعْلى﴾ والحَقُّ أنَّ العُلُوَّ بِالجِهَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لِأنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا أوْ غَيْرَ مُتَناهٍ، فَإنْ كانَ مُتَناهِيًا كانَ طَرَفُهُ الفَوْقانِيُّ مُتَناهِيًا، فَكانَ فَوْقَهُ جِهَةً فَلا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ أعْلى مِن جَمِيعِ الأشْياءِ وأمّا إنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ فالقَوْلُ: بِوُجُودِ أبْعادٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ مُحالٌ وأيْضًا فَلِأنَّهُ إنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ذاتُهُ تَعالى مُخْتَلِطَةً بِالقاذُوراتِ تَعالى اللَّهَ عَنْهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن بَعْضِ الجِهاتِ ومُتَناهِيًا مِن بَعْضِ الجِهاتِ كانَ الجانِبُ المُتَناهِي مُغايِرًا لِلْجانِبِ غَيْرِ المُتَناهِي فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ، وهَذا مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ العُلُوَّ هاهُنا لَيْسَ بِمَعْنى العُلُوِّ في الجِهَةِ، مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يُنافِي أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ بِالجِهَةِ، أمّا ما قَبْلَ الآيَةِ فَلِأنَّ العُلُوَّ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ العالَمِ، وهَذا لا يُناسِبُ اسْتِحْقاقَ التَّسْبِيحِ والثَّناءِ والتَّعْظِيمِ، أمّا العُلُوُّ بِمَعْنى كَمالِ القُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالتَّخْلِيقِ والإبْداعِ فَيُناسِبُ ذَلِكَ، والسُّورَةُ هاهُنا مَذْكُورَةٌ لِبَيانِ وصْفِهِ تَعالى بِما لِأجْلِهِ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ والتَّعْظِيمَ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ أرْدَفَ قَوْلَهُ: (الأعْلى) بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ والخالِقِيَّةُ تُناسِبُ العُلُوَّ بِحَسَبِ القُدْرَةِ لا العُلُوَّ بِحَسَبِ الجِهَةِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مِنَ المُلْحِدِينَ مَن قالَ: بِأنَّ القُرْآنَ مُشْعِرٌ بِأنَّ لِلْعالَمِ رَبَّيْنِ أحَدُهُما عَظِيمٌ والآخَرُ أعْلى مِنهُ، أمّا العَظِيمُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وأمّا الأعْلى مِنهُ فَقَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَهَذا يَقْتَضِي وُجُوبَ رَبٍّ آخَرَ يَكُونُ هَذا أعْلى بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ الصّانِعَ تَعالى واحِدٌ سَقَطَ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ نَقُولُ لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلى مِن رَبٍّ آخَرَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ أعْلى، ثُمَّ لَنا فِيهِ تَأْوِيلاتٌ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أعْلى وأجَلُّ وأعْظَمُ مِن كُلِّ ما يَصِفُهُ بِهِ الواصِفُونَ، ومِن كُلِّ ذِكْرٍ يَذْكُرُهُ بِهِ الذّاكِرُونَ، فَجَلالُ كِبْرِيائِهِ أعْلى مِن مَعارِفِنا وإدْراكاتِنا، وأصْنافُ آلائِهِ ونَعْمائِهِ أعْلى مِن حَمْدِنا وشُكْرِنا، وأنْواعُ حُقُوقِهِ أعْلى مِن طاعاتِنا وأعْمالِنا. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (الأعْلى) تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ التَّنْزِيهَ مِن كُلِّ نَقْصٍ فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ: (الأعْلى) أيْ فَإنَّهُ العالِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِمُلْكِهِ وسُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ، وهو كَما تَقُولُ: اجْتَنَبْتُ الخَمْرَ المُزِيلَةَ لِلْعَقْلِ أيِ اجْتَنَبْتُها بِسَبَبِ كَوْنِها مُزِيلَةً لِلْعَقْلِ. صفحة ١٢٦ والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأعْلى العالِيَ كَما أنَّ المُرادَ بِالأكْبَرِ الكَبِيرُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ويَقُولُ: ”«لَوْ عَلِمَ النّاسُ عِلْمَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى لَرَدَّدَها أحَدُهم سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً» “ ورُوِيَ: ”أنَّ عائِشَةَ مَرَّتْ بِأعْرابِيٍّ يُصَلِّي بِأصْحابِهِ فَقَرَأ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، الَّذِي يُسِرُّ عَلى الحُبْلى، فَأخْرَجَ مِنها نَسَمَةً تَسْعى، مِن بَيْنِ صِفاقٍ وحَشا، ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى، ألا بَلى ألا بَلى) فَقالَتْ عائِشَةُ: لا آبَ غائِبُكم، ولا زالَتْ نِساؤُكم في لَزْبَةٍ“ واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّسْبِيحِ، فَكَأنَّ سائِلًا قالَ: الِاشْتِغالُ بِالتَّسْبِيحِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ ؟ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالخَلْقِ والهِدايَةِ هي الطَّرِيقَةُ المُعْتَمَدَةُ عِنْدَ أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وحَكى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا قالَ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ [طه: ٤٩] ؟ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَعالى أوَّلُ ما أنْزَلَ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] هَذا إشارَةٌ إلى الخَلْقِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٣] وهَذا إشارَةٌ إلى الهِدايَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ ذِكْرَ تِلْكَ الحُجَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ وإنَّما وقَعَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ كَثِيرًا لِما ذَكَرْنا أنَّ العَجائِبَ والغَرائِبَ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أكْثَرُ، ومُشاهَدَةَ الإنْسانِ لَها، واطِّلاعَهُ عَلَيْها أتَمُّ، فَلا جَرَمَ كانَتْ أقْوى في الدَّلالَةِ، ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:

الأعلى 87:2

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ النّاسَ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الحَيَوانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَمَن حَمَلَهُ عَلى الإنْسانِ ذَكَرَ لِلتَّسْوِيَةِ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ قامَتَهُ مُسْتَوِيَةً مُعْتَدِلَةً وخِلْقَتَهُ حَسَنَةً، عَلى ما قالَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وأثْنى عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبِ خَلْقِهِ إيّاهُ، فَقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . وثانِيها: أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ فَقَطْ، وغَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِسائِرِ الأعْمالِ، أمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ خُلِقَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ أفْعالِ الحَيَواناتِ بِواسِطَةِ آلاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فالتَّسْوِيَةُ إشارَةٌ إلى هَذا. وثالِثُها: أنَّهُ هُيِّئَ لِلتَّكْلِيفِ والقِيامِ بِأداءِ العِباداتِ. وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ، قالَ: المُرادُ أنَّهُ أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أعْضاءٍ وآلاتٍ وحَواسٍّ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا القَوْلَ في هَذا البابِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ، وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، قالَ: المُرادُ مِنَ التَّسْوِيَةِ هو أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، خَلَقَ ما أرادَ عَلى وفْقِ ما أرادَ مَوْصُوفًا بِوَصْفِ الإحْكامِ والإتْقانِ، مُبَرَّأً عَنِ الفَسْخِ والِاضْطِرابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الجُمْهُورُ: ”قَدَّرَ“ مُشَدَّدَةً وقَرَأ الكِسائِيُّ عَلى التَّخْفِيفِ، أمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ فالمَعْنى أنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ بِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وأمّا التَّخْفِيفُ فَقالَ القَفّالُ: مَعْناهُ مَلَكَ فَهَدى وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُ خَلَقَ فَسَوّى، ومَلَكَ ما خَلَقَ، أيْ تَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، وهَذا هو المِلْكُ فَهَداهُ لِمَنافِعِهِ ومَصالِحِهِ، ومِنهم مَن قالَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ. صفحة ١٢٧ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: (قَدَّرَ) يَتَناوَلُ المَخْلُوقاتِ في ذَواتِها وصِفاتِها كُلَّ واحِدٍ عَلى حَسَبِهِ فَقَدَّرَ السَّماواتِ والكَواكِبَ والعَناصِرَ والمَعادِنَ والنَّباتَ والحَيَوانَ والإنْسانَ بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الجُثَّةِ والعِظَمِ، وقَدَّرَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ البَقاءِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ومِنَ الصِّفاتِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ والأُيُونِ والأوْضاعِ والحُسْنِ والقُبْحِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والهِدايَةِ والضَّلالَةِ مِقْدارًا مَعْلُومًا عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا لا يَفِي بِشَرْحِهِ المُجَلَّداتُ، بَلِ العالَمُ كُلُّهُ مِن أعْلى عِلِّيِّينَ إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ. وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. أمّا قَوْلُهُ: (فَهَدى) فالمُرادُ أنَّ كُلَّ مِزاجٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِقُوَّةٍ خاصَّةٍ وكُلَّ قُوَّةٍ فَإنَّها لا تَصْلُحُ إلّا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، فالتَّسْوِيَةُ والتَّقْدِيرُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في الأجْزاءِ الجُسْمانِيَّةِ وتَرْكِيبِها عَلى وجْهٍ خاصٍّ لِأجْلِهِ تَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ تِلْكَ القُوى، وقَوْلُهُ: (فَهَدى) عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ تِلْكَ القُوى في تِلْكَ الأعْضاءِ بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّ قُوَّةٍ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، ويَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِها تَمامُ المَصْلَحَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ، قالَ مُقاتِلٌ: هَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها، وقالَ آخَرُونَ: هَداهُ لِلْمَعِيشَةِ ورَعاهُ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى الإنْسانَ لِسُبُلِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جَعَلَهُ حَسّاسًا دَرّاكًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الإقْدامِ عَلى ما يَسُرُّهُ والإحْجامِ عَمّا يَسُوءُهُ كَما قالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] وقالَ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ وقالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فاكْتَفى بِذِكْرِ إحْداهُما: كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقالَ آخَرُونَ: الهِدايَةُ بِمَعْنى الدُّعاءِ إلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى: ٥٢] أيْ تَدْعُو، وقَدْ دُعِيَ الكُلُّ إلى الإيمانِ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى أيْ دَلَّهم بِأفْعالِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ وجَلالِ كِبْرِيائِهِ، ونُعُوتِ صَمَدِيَّتِهِ، وفَرْدانِيَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العاقِلَ يَرى في العالَمِ أفْعالًا مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً مُنْتَسِقَةً مُنْتَظِمَةً، فَهي لا مَحالَةَ تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ، وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: (فَهَدى) إنَّ اللَّهَ تَعالى ما أكْرَهَ عَبْدًا عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى ضَلالَةٍ، ولا رَضِيَها لَهُ ولا أمَرَهُ بِها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم بِالطّاعَةِ، وأمَرَكم بِها، ونَهاكم عَنِ المَعْصِيَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ عَلى كَثْرَتِها لا تَخْرُجُ عَنْ قِسْمَيْنِ، فَمِنهم مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: (فَهَدى) عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ما يَرْجِعُ إلى مَصالِحِ الدُّنْيا، والأوَّلُ أقْوى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ يَرْجِعُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيهِ إكْمالُ العَقْلِ والقُوى، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (فَهَدى) أيْ كَلَّفَهُ ودَلَّهُ عَلى الدِّينِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ ما يَخْتَصُّ بِهِ النّاسُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَخْتَصُّ بِهِ غَيْرُ النّاسِ مِنَ النَّعَمِ: فَقالَ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ هو القادِرُ عَلى إنْباتِ العُشْبِ لا الأصْنامُ الَّتِي عَبَدَتْها الكَفَرَةُ، والمَرْعى ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ ومِنَ الثِّمارِ والزُّرُوعِ والحَشِيشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْعى الكَلَأُ الأخْضَرُ، ثُمَّ قالَ: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى وفِيهِ مَسْألَتانِ: * * * المَسْألَةُ الأُولى: الغُثاءُ ما يَبُسَ مِنَ النَّبْتِ فَحَمَلَتْهُ الأوْدِيَةُ والمِياهُ وألْوَتْ بِهِ الرِّياحُ، وقالَ قُطْرُبٌ واحِدُ الغُثاءِ غُثاءَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَوَّةُ السَّوادُ، وقالَ بَعْضُهم: الأحْوى هو الَّذِي يَضْرِبُ إلى السَّوادِ إذا أصابَتْهُ رُطُوبَةٌ، وفي أحْوى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتُ الغُثاءِ أيْ صارَ بَعْدَ الخُضْرَةِ يابِسًا فَتَغَيَّرَ إلى السَّوادِ، وسَبَبُ ذَلِكَ صفحة ١٢٨ السَّوادِ أُمُورٌ. أحَدُها: أنَّ العُشْبَ إنَّما يَجِفُّ عِنْدَ اسْتِيلاءِ البَرْدِ عَلى الهَواءِ، ومِن شَأْنِ البُرُودَةِ أنَّها تُبَيِّضُ الرَّطِبَ وتُسَوِّدُ اليابِسَ. وثانِيها: أنْ يَحْمِلَها السَّيْلُ فَيَلْصَقُ بِها أجْزاءٌ كَدِرَةٌ فَتَسْوَدُّ. وثالِثُها: أنْ يَحْمِلَها الرِّيحُ فَتَلْصَقُ بِها الغُبارُ الكَثِيرُ فَتَسْوَدُّ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ، وهو أنْ يَكُونَ الأحْوى هو الأسْوَدُ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِ، كَما قِيلَ: ”مُدْهامَّتانِ“ أيْ سَوْداوانِ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِما، والتَّقْدِيرُ الَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحْوى فَجَعَلَهُ غُثاءً، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] أيْ أُنْزِلَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.

الأعلى 87:3

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ النّاسَ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الحَيَوانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَمَن حَمَلَهُ عَلى الإنْسانِ ذَكَرَ لِلتَّسْوِيَةِ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ قامَتَهُ مُسْتَوِيَةً مُعْتَدِلَةً وخِلْقَتَهُ حَسَنَةً، عَلى ما قالَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وأثْنى عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبِ خَلْقِهِ إيّاهُ، فَقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . وثانِيها: أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ فَقَطْ، وغَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِسائِرِ الأعْمالِ، أمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ خُلِقَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ أفْعالِ الحَيَواناتِ بِواسِطَةِ آلاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فالتَّسْوِيَةُ إشارَةٌ إلى هَذا. وثالِثُها: أنَّهُ هُيِّئَ لِلتَّكْلِيفِ والقِيامِ بِأداءِ العِباداتِ. وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ، قالَ: المُرادُ أنَّهُ أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أعْضاءٍ وآلاتٍ وحَواسٍّ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا القَوْلَ في هَذا البابِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ، وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، قالَ: المُرادُ مِنَ التَّسْوِيَةِ هو أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، خَلَقَ ما أرادَ عَلى وفْقِ ما أرادَ مَوْصُوفًا بِوَصْفِ الإحْكامِ والإتْقانِ، مُبَرَّأً عَنِ الفَسْخِ والِاضْطِرابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الجُمْهُورُ: ”قَدَّرَ“ مُشَدَّدَةً وقَرَأ الكِسائِيُّ عَلى التَّخْفِيفِ، أمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ فالمَعْنى أنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ بِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وأمّا التَّخْفِيفُ فَقالَ القَفّالُ: مَعْناهُ مَلَكَ فَهَدى وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُ خَلَقَ فَسَوّى، ومَلَكَ ما خَلَقَ، أيْ تَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، وهَذا هو المِلْكُ فَهَداهُ لِمَنافِعِهِ ومَصالِحِهِ، ومِنهم مَن قالَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ. صفحة ١٢٧ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: (قَدَّرَ) يَتَناوَلُ المَخْلُوقاتِ في ذَواتِها وصِفاتِها كُلَّ واحِدٍ عَلى حَسَبِهِ فَقَدَّرَ السَّماواتِ والكَواكِبَ والعَناصِرَ والمَعادِنَ والنَّباتَ والحَيَوانَ والإنْسانَ بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الجُثَّةِ والعِظَمِ، وقَدَّرَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ البَقاءِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ومِنَ الصِّفاتِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ والأُيُونِ والأوْضاعِ والحُسْنِ والقُبْحِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والهِدايَةِ والضَّلالَةِ مِقْدارًا مَعْلُومًا عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا لا يَفِي بِشَرْحِهِ المُجَلَّداتُ، بَلِ العالَمُ كُلُّهُ مِن أعْلى عِلِّيِّينَ إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ. وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. أمّا قَوْلُهُ: (فَهَدى) فالمُرادُ أنَّ كُلَّ مِزاجٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِقُوَّةٍ خاصَّةٍ وكُلَّ قُوَّةٍ فَإنَّها لا تَصْلُحُ إلّا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، فالتَّسْوِيَةُ والتَّقْدِيرُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في الأجْزاءِ الجُسْمانِيَّةِ وتَرْكِيبِها عَلى وجْهٍ خاصٍّ لِأجْلِهِ تَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ تِلْكَ القُوى، وقَوْلُهُ: (فَهَدى) عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ تِلْكَ القُوى في تِلْكَ الأعْضاءِ بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّ قُوَّةٍ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، ويَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِها تَمامُ المَصْلَحَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ، قالَ مُقاتِلٌ: هَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها، وقالَ آخَرُونَ: هَداهُ لِلْمَعِيشَةِ ورَعاهُ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى الإنْسانَ لِسُبُلِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جَعَلَهُ حَسّاسًا دَرّاكًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الإقْدامِ عَلى ما يَسُرُّهُ والإحْجامِ عَمّا يَسُوءُهُ كَما قالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] وقالَ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ وقالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فاكْتَفى بِذِكْرِ إحْداهُما: كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقالَ آخَرُونَ: الهِدايَةُ بِمَعْنى الدُّعاءِ إلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى: ٥٢] أيْ تَدْعُو، وقَدْ دُعِيَ الكُلُّ إلى الإيمانِ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى أيْ دَلَّهم بِأفْعالِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ وجَلالِ كِبْرِيائِهِ، ونُعُوتِ صَمَدِيَّتِهِ، وفَرْدانِيَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العاقِلَ يَرى في العالَمِ أفْعالًا مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً مُنْتَسِقَةً مُنْتَظِمَةً، فَهي لا مَحالَةَ تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ، وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: (فَهَدى) إنَّ اللَّهَ تَعالى ما أكْرَهَ عَبْدًا عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى ضَلالَةٍ، ولا رَضِيَها لَهُ ولا أمَرَهُ بِها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم بِالطّاعَةِ، وأمَرَكم بِها، ونَهاكم عَنِ المَعْصِيَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ عَلى كَثْرَتِها لا تَخْرُجُ عَنْ قِسْمَيْنِ، فَمِنهم مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: (فَهَدى) عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ما يَرْجِعُ إلى مَصالِحِ الدُّنْيا، والأوَّلُ أقْوى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ يَرْجِعُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيهِ إكْمالُ العَقْلِ والقُوى، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (فَهَدى) أيْ كَلَّفَهُ ودَلَّهُ عَلى الدِّينِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ ما يَخْتَصُّ بِهِ النّاسُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَخْتَصُّ بِهِ غَيْرُ النّاسِ مِنَ النَّعَمِ: فَقالَ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ هو القادِرُ عَلى إنْباتِ العُشْبِ لا الأصْنامُ الَّتِي عَبَدَتْها الكَفَرَةُ، والمَرْعى ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ ومِنَ الثِّمارِ والزُّرُوعِ والحَشِيشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْعى الكَلَأُ الأخْضَرُ، ثُمَّ قالَ: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى وفِيهِ مَسْألَتانِ: * * * المَسْألَةُ الأُولى: الغُثاءُ ما يَبُسَ مِنَ النَّبْتِ فَحَمَلَتْهُ الأوْدِيَةُ والمِياهُ وألْوَتْ بِهِ الرِّياحُ، وقالَ قُطْرُبٌ واحِدُ الغُثاءِ غُثاءَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَوَّةُ السَّوادُ، وقالَ بَعْضُهم: الأحْوى هو الَّذِي يَضْرِبُ إلى السَّوادِ إذا أصابَتْهُ رُطُوبَةٌ، وفي أحْوى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتُ الغُثاءِ أيْ صارَ بَعْدَ الخُضْرَةِ يابِسًا فَتَغَيَّرَ إلى السَّوادِ، وسَبَبُ ذَلِكَ صفحة ١٢٨ السَّوادِ أُمُورٌ. أحَدُها: أنَّ العُشْبَ إنَّما يَجِفُّ عِنْدَ اسْتِيلاءِ البَرْدِ عَلى الهَواءِ، ومِن شَأْنِ البُرُودَةِ أنَّها تُبَيِّضُ الرَّطِبَ وتُسَوِّدُ اليابِسَ. وثانِيها: أنْ يَحْمِلَها السَّيْلُ فَيَلْصَقُ بِها أجْزاءٌ كَدِرَةٌ فَتَسْوَدُّ. وثالِثُها: أنْ يَحْمِلَها الرِّيحُ فَتَلْصَقُ بِها الغُبارُ الكَثِيرُ فَتَسْوَدُّ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ، وهو أنْ يَكُونَ الأحْوى هو الأسْوَدُ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِ، كَما قِيلَ: ”مُدْهامَّتانِ“ أيْ سَوْداوانِ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِما، والتَّقْدِيرُ الَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحْوى فَجَعَلَهُ غُثاءً، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] أيْ أُنْزِلَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.

الأعلى 87:4

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ النّاسَ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الحَيَوانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَمَن حَمَلَهُ عَلى الإنْسانِ ذَكَرَ لِلتَّسْوِيَةِ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ قامَتَهُ مُسْتَوِيَةً مُعْتَدِلَةً وخِلْقَتَهُ حَسَنَةً، عَلى ما قالَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وأثْنى عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبِ خَلْقِهِ إيّاهُ، فَقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . وثانِيها: أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ فَقَطْ، وغَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِسائِرِ الأعْمالِ، أمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ خُلِقَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ أفْعالِ الحَيَواناتِ بِواسِطَةِ آلاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فالتَّسْوِيَةُ إشارَةٌ إلى هَذا. وثالِثُها: أنَّهُ هُيِّئَ لِلتَّكْلِيفِ والقِيامِ بِأداءِ العِباداتِ. وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ، قالَ: المُرادُ أنَّهُ أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أعْضاءٍ وآلاتٍ وحَواسٍّ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا القَوْلَ في هَذا البابِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ، وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، قالَ: المُرادُ مِنَ التَّسْوِيَةِ هو أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، خَلَقَ ما أرادَ عَلى وفْقِ ما أرادَ مَوْصُوفًا بِوَصْفِ الإحْكامِ والإتْقانِ، مُبَرَّأً عَنِ الفَسْخِ والِاضْطِرابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الجُمْهُورُ: ”قَدَّرَ“ مُشَدَّدَةً وقَرَأ الكِسائِيُّ عَلى التَّخْفِيفِ، أمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ فالمَعْنى أنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ بِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وأمّا التَّخْفِيفُ فَقالَ القَفّالُ: مَعْناهُ مَلَكَ فَهَدى وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُ خَلَقَ فَسَوّى، ومَلَكَ ما خَلَقَ، أيْ تَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، وهَذا هو المِلْكُ فَهَداهُ لِمَنافِعِهِ ومَصالِحِهِ، ومِنهم مَن قالَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ. صفحة ١٢٧ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: (قَدَّرَ) يَتَناوَلُ المَخْلُوقاتِ في ذَواتِها وصِفاتِها كُلَّ واحِدٍ عَلى حَسَبِهِ فَقَدَّرَ السَّماواتِ والكَواكِبَ والعَناصِرَ والمَعادِنَ والنَّباتَ والحَيَوانَ والإنْسانَ بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الجُثَّةِ والعِظَمِ، وقَدَّرَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ البَقاءِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ومِنَ الصِّفاتِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ والأُيُونِ والأوْضاعِ والحُسْنِ والقُبْحِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والهِدايَةِ والضَّلالَةِ مِقْدارًا مَعْلُومًا عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا لا يَفِي بِشَرْحِهِ المُجَلَّداتُ، بَلِ العالَمُ كُلُّهُ مِن أعْلى عِلِّيِّينَ إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ. وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. أمّا قَوْلُهُ: (فَهَدى) فالمُرادُ أنَّ كُلَّ مِزاجٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِقُوَّةٍ خاصَّةٍ وكُلَّ قُوَّةٍ فَإنَّها لا تَصْلُحُ إلّا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، فالتَّسْوِيَةُ والتَّقْدِيرُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في الأجْزاءِ الجُسْمانِيَّةِ وتَرْكِيبِها عَلى وجْهٍ خاصٍّ لِأجْلِهِ تَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ تِلْكَ القُوى، وقَوْلُهُ: (فَهَدى) عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ تِلْكَ القُوى في تِلْكَ الأعْضاءِ بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّ قُوَّةٍ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، ويَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِها تَمامُ المَصْلَحَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ، قالَ مُقاتِلٌ: هَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها، وقالَ آخَرُونَ: هَداهُ لِلْمَعِيشَةِ ورَعاهُ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى الإنْسانَ لِسُبُلِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جَعَلَهُ حَسّاسًا دَرّاكًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الإقْدامِ عَلى ما يَسُرُّهُ والإحْجامِ عَمّا يَسُوءُهُ كَما قالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] وقالَ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ وقالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فاكْتَفى بِذِكْرِ إحْداهُما: كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقالَ آخَرُونَ: الهِدايَةُ بِمَعْنى الدُّعاءِ إلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى: ٥٢] أيْ تَدْعُو، وقَدْ دُعِيَ الكُلُّ إلى الإيمانِ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى أيْ دَلَّهم بِأفْعالِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ وجَلالِ كِبْرِيائِهِ، ونُعُوتِ صَمَدِيَّتِهِ، وفَرْدانِيَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العاقِلَ يَرى في العالَمِ أفْعالًا مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً مُنْتَسِقَةً مُنْتَظِمَةً، فَهي لا مَحالَةَ تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ، وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: (فَهَدى) إنَّ اللَّهَ تَعالى ما أكْرَهَ عَبْدًا عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى ضَلالَةٍ، ولا رَضِيَها لَهُ ولا أمَرَهُ بِها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم بِالطّاعَةِ، وأمَرَكم بِها، ونَهاكم عَنِ المَعْصِيَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ عَلى كَثْرَتِها لا تَخْرُجُ عَنْ قِسْمَيْنِ، فَمِنهم مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: (فَهَدى) عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ما يَرْجِعُ إلى مَصالِحِ الدُّنْيا، والأوَّلُ أقْوى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ يَرْجِعُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيهِ إكْمالُ العَقْلِ والقُوى، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (فَهَدى) أيْ كَلَّفَهُ ودَلَّهُ عَلى الدِّينِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ ما يَخْتَصُّ بِهِ النّاسُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَخْتَصُّ بِهِ غَيْرُ النّاسِ مِنَ النَّعَمِ: فَقالَ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ هو القادِرُ عَلى إنْباتِ العُشْبِ لا الأصْنامُ الَّتِي عَبَدَتْها الكَفَرَةُ، والمَرْعى ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ ومِنَ الثِّمارِ والزُّرُوعِ والحَشِيشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْعى الكَلَأُ الأخْضَرُ، ثُمَّ قالَ: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى وفِيهِ مَسْألَتانِ: * * * المَسْألَةُ الأُولى: الغُثاءُ ما يَبُسَ مِنَ النَّبْتِ فَحَمَلَتْهُ الأوْدِيَةُ والمِياهُ وألْوَتْ بِهِ الرِّياحُ، وقالَ قُطْرُبٌ واحِدُ الغُثاءِ غُثاءَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَوَّةُ السَّوادُ، وقالَ بَعْضُهم: الأحْوى هو الَّذِي يَضْرِبُ إلى السَّوادِ إذا أصابَتْهُ رُطُوبَةٌ، وفي أحْوى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتُ الغُثاءِ أيْ صارَ بَعْدَ الخُضْرَةِ يابِسًا فَتَغَيَّرَ إلى السَّوادِ، وسَبَبُ ذَلِكَ صفحة ١٢٨ السَّوادِ أُمُورٌ. أحَدُها: أنَّ العُشْبَ إنَّما يَجِفُّ عِنْدَ اسْتِيلاءِ البَرْدِ عَلى الهَواءِ، ومِن شَأْنِ البُرُودَةِ أنَّها تُبَيِّضُ الرَّطِبَ وتُسَوِّدُ اليابِسَ. وثانِيها: أنْ يَحْمِلَها السَّيْلُ فَيَلْصَقُ بِها أجْزاءٌ كَدِرَةٌ فَتَسْوَدُّ. وثالِثُها: أنْ يَحْمِلَها الرِّيحُ فَتَلْصَقُ بِها الغُبارُ الكَثِيرُ فَتَسْوَدُّ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ، وهو أنْ يَكُونَ الأحْوى هو الأسْوَدُ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِ، كَما قِيلَ: ”مُدْهامَّتانِ“ أيْ سَوْداوانِ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِما، والتَّقْدِيرُ الَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحْوى فَجَعَلَهُ غُثاءً، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] أيْ أُنْزِلَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.

الأعلى 87:5

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ النّاسَ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الحَيَوانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَمَن حَمَلَهُ عَلى الإنْسانِ ذَكَرَ لِلتَّسْوِيَةِ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ قامَتَهُ مُسْتَوِيَةً مُعْتَدِلَةً وخِلْقَتَهُ حَسَنَةً، عَلى ما قالَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وأثْنى عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبِ خَلْقِهِ إيّاهُ، فَقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . وثانِيها: أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ فَقَطْ، وغَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِسائِرِ الأعْمالِ، أمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ خُلِقَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ أفْعالِ الحَيَواناتِ بِواسِطَةِ آلاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فالتَّسْوِيَةُ إشارَةٌ إلى هَذا. وثالِثُها: أنَّهُ هُيِّئَ لِلتَّكْلِيفِ والقِيامِ بِأداءِ العِباداتِ. وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ، قالَ: المُرادُ أنَّهُ أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أعْضاءٍ وآلاتٍ وحَواسٍّ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا القَوْلَ في هَذا البابِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ، وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، قالَ: المُرادُ مِنَ التَّسْوِيَةِ هو أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، خَلَقَ ما أرادَ عَلى وفْقِ ما أرادَ مَوْصُوفًا بِوَصْفِ الإحْكامِ والإتْقانِ، مُبَرَّأً عَنِ الفَسْخِ والِاضْطِرابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الجُمْهُورُ: ”قَدَّرَ“ مُشَدَّدَةً وقَرَأ الكِسائِيُّ عَلى التَّخْفِيفِ، أمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ فالمَعْنى أنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ بِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وأمّا التَّخْفِيفُ فَقالَ القَفّالُ: مَعْناهُ مَلَكَ فَهَدى وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُ خَلَقَ فَسَوّى، ومَلَكَ ما خَلَقَ، أيْ تَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، وهَذا هو المِلْكُ فَهَداهُ لِمَنافِعِهِ ومَصالِحِهِ، ومِنهم مَن قالَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ. صفحة ١٢٧ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: (قَدَّرَ) يَتَناوَلُ المَخْلُوقاتِ في ذَواتِها وصِفاتِها كُلَّ واحِدٍ عَلى حَسَبِهِ فَقَدَّرَ السَّماواتِ والكَواكِبَ والعَناصِرَ والمَعادِنَ والنَّباتَ والحَيَوانَ والإنْسانَ بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الجُثَّةِ والعِظَمِ، وقَدَّرَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ البَقاءِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ومِنَ الصِّفاتِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ والأُيُونِ والأوْضاعِ والحُسْنِ والقُبْحِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والهِدايَةِ والضَّلالَةِ مِقْدارًا مَعْلُومًا عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا لا يَفِي بِشَرْحِهِ المُجَلَّداتُ، بَلِ العالَمُ كُلُّهُ مِن أعْلى عِلِّيِّينَ إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ. وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. أمّا قَوْلُهُ: (فَهَدى) فالمُرادُ أنَّ كُلَّ مِزاجٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِقُوَّةٍ خاصَّةٍ وكُلَّ قُوَّةٍ فَإنَّها لا تَصْلُحُ إلّا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، فالتَّسْوِيَةُ والتَّقْدِيرُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في الأجْزاءِ الجُسْمانِيَّةِ وتَرْكِيبِها عَلى وجْهٍ خاصٍّ لِأجْلِهِ تَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ تِلْكَ القُوى، وقَوْلُهُ: (فَهَدى) عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ تِلْكَ القُوى في تِلْكَ الأعْضاءِ بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّ قُوَّةٍ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، ويَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِها تَمامُ المَصْلَحَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ، قالَ مُقاتِلٌ: هَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها، وقالَ آخَرُونَ: هَداهُ لِلْمَعِيشَةِ ورَعاهُ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى الإنْسانَ لِسُبُلِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جَعَلَهُ حَسّاسًا دَرّاكًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الإقْدامِ عَلى ما يَسُرُّهُ والإحْجامِ عَمّا يَسُوءُهُ كَما قالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] وقالَ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ وقالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فاكْتَفى بِذِكْرِ إحْداهُما: كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقالَ آخَرُونَ: الهِدايَةُ بِمَعْنى الدُّعاءِ إلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى: ٥٢] أيْ تَدْعُو، وقَدْ دُعِيَ الكُلُّ إلى الإيمانِ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى أيْ دَلَّهم بِأفْعالِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ وجَلالِ كِبْرِيائِهِ، ونُعُوتِ صَمَدِيَّتِهِ، وفَرْدانِيَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العاقِلَ يَرى في العالَمِ أفْعالًا مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً مُنْتَسِقَةً مُنْتَظِمَةً، فَهي لا مَحالَةَ تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ، وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: (فَهَدى) إنَّ اللَّهَ تَعالى ما أكْرَهَ عَبْدًا عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى ضَلالَةٍ، ولا رَضِيَها لَهُ ولا أمَرَهُ بِها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم بِالطّاعَةِ، وأمَرَكم بِها، ونَهاكم عَنِ المَعْصِيَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ عَلى كَثْرَتِها لا تَخْرُجُ عَنْ قِسْمَيْنِ، فَمِنهم مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: (فَهَدى) عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ما يَرْجِعُ إلى مَصالِحِ الدُّنْيا، والأوَّلُ أقْوى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ يَرْجِعُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيهِ إكْمالُ العَقْلِ والقُوى، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (فَهَدى) أيْ كَلَّفَهُ ودَلَّهُ عَلى الدِّينِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ ما يَخْتَصُّ بِهِ النّاسُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَخْتَصُّ بِهِ غَيْرُ النّاسِ مِنَ النَّعَمِ: فَقالَ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ هو القادِرُ عَلى إنْباتِ العُشْبِ لا الأصْنامُ الَّتِي عَبَدَتْها الكَفَرَةُ، والمَرْعى ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ ومِنَ الثِّمارِ والزُّرُوعِ والحَشِيشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْعى الكَلَأُ الأخْضَرُ، ثُمَّ قالَ: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى وفِيهِ مَسْألَتانِ: * * * المَسْألَةُ الأُولى: الغُثاءُ ما يَبُسَ مِنَ النَّبْتِ فَحَمَلَتْهُ الأوْدِيَةُ والمِياهُ وألْوَتْ بِهِ الرِّياحُ، وقالَ قُطْرُبٌ واحِدُ الغُثاءِ غُثاءَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَوَّةُ السَّوادُ، وقالَ بَعْضُهم: الأحْوى هو الَّذِي يَضْرِبُ إلى السَّوادِ إذا أصابَتْهُ رُطُوبَةٌ، وفي أحْوى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتُ الغُثاءِ أيْ صارَ بَعْدَ الخُضْرَةِ يابِسًا فَتَغَيَّرَ إلى السَّوادِ، وسَبَبُ ذَلِكَ صفحة ١٢٨ السَّوادِ أُمُورٌ. أحَدُها: أنَّ العُشْبَ إنَّما يَجِفُّ عِنْدَ اسْتِيلاءِ البَرْدِ عَلى الهَواءِ، ومِن شَأْنِ البُرُودَةِ أنَّها تُبَيِّضُ الرَّطِبَ وتُسَوِّدُ اليابِسَ. وثانِيها: أنْ يَحْمِلَها السَّيْلُ فَيَلْصَقُ بِها أجْزاءٌ كَدِرَةٌ فَتَسْوَدُّ. وثالِثُها: أنْ يَحْمِلَها الرِّيحُ فَتَلْصَقُ بِها الغُبارُ الكَثِيرُ فَتَسْوَدُّ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ، وهو أنْ يَكُونَ الأحْوى هو الأسْوَدُ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِ، كَما قِيلَ: ”مُدْهامَّتانِ“ أيْ سَوْداوانِ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِما، والتَّقْدِيرُ الَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحْوى فَجَعَلَهُ غُثاءً، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] أيْ أُنْزِلَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.

الأعلى 87:6

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ النّاسَ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الحَيَوانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَمَن حَمَلَهُ عَلى الإنْسانِ ذَكَرَ لِلتَّسْوِيَةِ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ قامَتَهُ مُسْتَوِيَةً مُعْتَدِلَةً وخِلْقَتَهُ حَسَنَةً، عَلى ما قالَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وأثْنى عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبِ خَلْقِهِ إيّاهُ، فَقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . وثانِيها: أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ فَقَطْ، وغَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِسائِرِ الأعْمالِ، أمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ خُلِقَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ أفْعالِ الحَيَواناتِ بِواسِطَةِ آلاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فالتَّسْوِيَةُ إشارَةٌ إلى هَذا. وثالِثُها: أنَّهُ هُيِّئَ لِلتَّكْلِيفِ والقِيامِ بِأداءِ العِباداتِ. وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ، قالَ: المُرادُ أنَّهُ أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أعْضاءٍ وآلاتٍ وحَواسٍّ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا القَوْلَ في هَذا البابِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ، وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، قالَ: المُرادُ مِنَ التَّسْوِيَةِ هو أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، خَلَقَ ما أرادَ عَلى وفْقِ ما أرادَ مَوْصُوفًا بِوَصْفِ الإحْكامِ والإتْقانِ، مُبَرَّأً عَنِ الفَسْخِ والِاضْطِرابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الجُمْهُورُ: ”قَدَّرَ“ مُشَدَّدَةً وقَرَأ الكِسائِيُّ عَلى التَّخْفِيفِ، أمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ فالمَعْنى أنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ بِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وأمّا التَّخْفِيفُ فَقالَ القَفّالُ: مَعْناهُ مَلَكَ فَهَدى وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُ خَلَقَ فَسَوّى، ومَلَكَ ما خَلَقَ، أيْ تَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، وهَذا هو المِلْكُ فَهَداهُ لِمَنافِعِهِ ومَصالِحِهِ، ومِنهم مَن قالَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ. صفحة ١٢٧ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: (قَدَّرَ) يَتَناوَلُ المَخْلُوقاتِ في ذَواتِها وصِفاتِها كُلَّ واحِدٍ عَلى حَسَبِهِ فَقَدَّرَ السَّماواتِ والكَواكِبَ والعَناصِرَ والمَعادِنَ والنَّباتَ والحَيَوانَ والإنْسانَ بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الجُثَّةِ والعِظَمِ، وقَدَّرَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ البَقاءِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ومِنَ الصِّفاتِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ والأُيُونِ والأوْضاعِ والحُسْنِ والقُبْحِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والهِدايَةِ والضَّلالَةِ مِقْدارًا مَعْلُومًا عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا لا يَفِي بِشَرْحِهِ المُجَلَّداتُ، بَلِ العالَمُ كُلُّهُ مِن أعْلى عِلِّيِّينَ إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ. وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. أمّا قَوْلُهُ: (فَهَدى) فالمُرادُ أنَّ كُلَّ مِزاجٍ فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِقُوَّةٍ خاصَّةٍ وكُلَّ قُوَّةٍ فَإنَّها لا تَصْلُحُ إلّا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، فالتَّسْوِيَةُ والتَّقْدِيرُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في الأجْزاءِ الجُسْمانِيَّةِ وتَرْكِيبِها عَلى وجْهٍ خاصٍّ لِأجْلِهِ تَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ تِلْكَ القُوى، وقَوْلُهُ: (فَهَدى) عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ تِلْكَ القُوى في تِلْكَ الأعْضاءِ بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّ قُوَّةٍ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، ويَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِها تَمامُ المَصْلَحَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ، قالَ مُقاتِلٌ: هَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها، وقالَ آخَرُونَ: هَداهُ لِلْمَعِيشَةِ ورَعاهُ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى الإنْسانَ لِسُبُلِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جَعَلَهُ حَسّاسًا دَرّاكًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الإقْدامِ عَلى ما يَسُرُّهُ والإحْجامِ عَمّا يَسُوءُهُ كَما قالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] وقالَ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ وقالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فاكْتَفى بِذِكْرِ إحْداهُما: كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقالَ آخَرُونَ: الهِدايَةُ بِمَعْنى الدُّعاءِ إلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى: ٥٢] أيْ تَدْعُو، وقَدْ دُعِيَ الكُلُّ إلى الإيمانِ، وقالَ آخَرُونَ: هَدى أيْ دَلَّهم بِأفْعالِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ وجَلالِ كِبْرِيائِهِ، ونُعُوتِ صَمَدِيَّتِهِ، وفَرْدانِيَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العاقِلَ يَرى في العالَمِ أفْعالًا مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً مُنْتَسِقَةً مُنْتَظِمَةً، فَهي لا مَحالَةَ تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ، وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: (فَهَدى) إنَّ اللَّهَ تَعالى ما أكْرَهَ عَبْدًا عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى ضَلالَةٍ، ولا رَضِيَها لَهُ ولا أمَرَهُ بِها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم بِالطّاعَةِ، وأمَرَكم بِها، ونَهاكم عَنِ المَعْصِيَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ عَلى كَثْرَتِها لا تَخْرُجُ عَنْ قِسْمَيْنِ، فَمِنهم مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: (فَهَدى) عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ما يَرْجِعُ إلى مَصالِحِ الدُّنْيا، والأوَّلُ أقْوى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ يَرْجِعُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيهِ إكْمالُ العَقْلِ والقُوى، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (فَهَدى) أيْ كَلَّفَهُ ودَلَّهُ عَلى الدِّينِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ ما يَخْتَصُّ بِهِ النّاسُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَخْتَصُّ بِهِ غَيْرُ النّاسِ مِنَ النَّعَمِ: فَقالَ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ هو القادِرُ عَلى إنْباتِ العُشْبِ لا الأصْنامُ الَّتِي عَبَدَتْها الكَفَرَةُ، والمَرْعى ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ ومِنَ الثِّمارِ والزُّرُوعِ والحَشِيشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْعى الكَلَأُ الأخْضَرُ، ثُمَّ قالَ: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى وفِيهِ مَسْألَتانِ: * * * المَسْألَةُ الأُولى: الغُثاءُ ما يَبُسَ مِنَ النَّبْتِ فَحَمَلَتْهُ الأوْدِيَةُ والمِياهُ وألْوَتْ بِهِ الرِّياحُ، وقالَ قُطْرُبٌ واحِدُ الغُثاءِ غُثاءَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَوَّةُ السَّوادُ، وقالَ بَعْضُهم: الأحْوى هو الَّذِي يَضْرِبُ إلى السَّوادِ إذا أصابَتْهُ رُطُوبَةٌ، وفي أحْوى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتُ الغُثاءِ أيْ صارَ بَعْدَ الخُضْرَةِ يابِسًا فَتَغَيَّرَ إلى السَّوادِ، وسَبَبُ ذَلِكَ صفحة ١٢٨ السَّوادِ أُمُورٌ. أحَدُها: أنَّ العُشْبَ إنَّما يَجِفُّ عِنْدَ اسْتِيلاءِ البَرْدِ عَلى الهَواءِ، ومِن شَأْنِ البُرُودَةِ أنَّها تُبَيِّضُ الرَّطِبَ وتُسَوِّدُ اليابِسَ. وثانِيها: أنْ يَحْمِلَها السَّيْلُ فَيَلْصَقُ بِها أجْزاءٌ كَدِرَةٌ فَتَسْوَدُّ. وثالِثُها: أنْ يَحْمِلَها الرِّيحُ فَتَلْصَقُ بِها الغُبارُ الكَثِيرُ فَتَسْوَدُّ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ، وهو أنْ يَكُونَ الأحْوى هو الأسْوَدُ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِ، كَما قِيلَ: ”مُدْهامَّتانِ“ أيْ سَوْداوانِ لِشِدَّةِ خُضْرَتِهِما، والتَّقْدِيرُ الَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحْوى فَجَعَلَهُ غُثاءً، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] أيْ أُنْزِلَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.

الأعلى 87:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا بِالتَّسْبِيحِ فَقالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ وعَلَّمَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لا يَتِمُّ ولا يَكْمُلُ إلّا بِقِراءَةِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، لِما بَيَّنّا أنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ هو الَّذِي يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ يَتَذَكَّرُ القُرْآنَ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى فَأزالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْ قَلْبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: ”﴿سَنُقْرِئُكَ﴾“ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ تَقْرَؤُهُ فَلا تَنْساهُ، قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ أكْثَرَ تَحْرِيكَ لِسانِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، وكانَ جِبْرِيلُ لا يَفْرَغُ مِن آخِرِ الوَحْيِ حَتّى يَتَكَلَّمَ هو بِأوَّلِهِ مَخافَةَ النِّسْيانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنُعَلِّمُكَ هَذا القُرْآنَ حَتّى تَحْفَظَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ثُمَّ ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الِاسْتِقْراءِ والتَّعْلِيمِ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيَقْرَأُ عَلَيْكَ القُرْآنَ مَرّاتٍ حَتّى تَحْفَظَهُ حِفْظًا لا تَنْساهُ. وثانِيها: أنّا نَشْرَحُ صَدْرَكَ ونُقَوِّي خاطِرَكَ حَتّى تَحْفَظَ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ حِفْظًا لا تَنْساهُ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ بِالتَّسْبِيحِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: واظِبْ عَلى ذَلِكَ ودُمْ عَلَيْهِ فَإنّا سَنُقْرِئُكَ القُرْآنَ الجامِعَ لِعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ ويَكُونُ فِيهِ ذِكْرُكَ وذِكْرُ قَوْمِكَ ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ، ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى وهو العَمَلُ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ مِن غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ وقَدْ وقَعَ فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ فَقالَ بَعْضُهم: ﴿فَلا تَنْسى﴾ مَعْناهُ النَّهْيُ، والألِفُ مَزِيدَةٌ لِلْفاصِلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تُغْفِلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِكَهُ، والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ والمَعْنى سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى أيْ فَتَأْمَنُ العُرْيَ، واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ مِنها أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ صفحة ١٢٩ التَّذَكُّرِ. وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ. ومِنها أنْ تُجْعَلَ الألِفُ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ ومِنها أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ، وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ، وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ، وتَعْظِيمُ حالِهِ مِثْلُ الأوَّلِ، ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] . أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ غَيْرُ حاصِلٍ في الحَقِيقَةِ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْسَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْسَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الغَرَضُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أحَدَ أُمُورٍ: أحَدُها: التَّبَرُّكُ بِذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] وكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا مَعَ أنِّي عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وعالِمٌ بِعَواقِبِ الأُمُورِ عَلى التَّفْصِيلِ لا أُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ إلّا مَعَ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَأنْتَ وأُمَّتُكَ يا مُحَمَّدُ أوْلى بِها. وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا، إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لِذَلِكَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ وقالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أشْرَكَ البَتَّةَ، وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ لا مِن قُوَّتِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو المُسْتَثْنى، فَلا جَرَمَ كانَ يُبالِغُ في التَّثَبُّتِ والتَّحَفُّظِ والتَّيَقُّظِ في جَمِيعِ المَواضِعِ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَقاءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى التَّيَقُّظِ في جَمِيعِ الأحْوالِ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ نَفْيَ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أنْتَ سَهِيمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ [ اللَّهُ ]، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ في الحَقِيقَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى، فَإنَّهُ يَنْسى ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذًا قَدْ يَنْسى ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ فَلا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا، رُوِيَ أنَّهُ أسْقَطَ آيَةً في قِراءَتِهِ في الصَّلاةِ، فَحَسِبَ أُبَيٌّ أنَّها نُسِخَتْ، فَسَألَهُ فَقالَ: نَسِيتُها. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَهُ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الإنْساءِ هَهُنا نُسْخَةً، كَما قالَ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ [البقرة: ١٠٦] فَيَكُونُ المَعْنى إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ عَلى الأوْقاتِ كُلِّها، فَيَأْمُرُكَ أنْ لا تَقْرَأهُ ولا تُصَلِّيَ بِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِنِسْيانِهِ وزَوالِهِ عَنِ الصُّدُورِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ القِلَّةَ والنُّدْرَةَ، ويُشْتَرَطُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ القَلِيلُ مِن واجِباتِ الشَّرْعِ، بَلْ مِنَ الآدابِ والسُّنَنِ، فَإنَّهُ لَوْ نَسِيَ شَيْئًا مِنَ الواجِباتِ ولَمْ يَتَذَكَّرْهُ أدّى ذَلِكَ إلى الخَلَلِ في الشَّرْعِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِجَهْرِكَ في القِراءَةِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعالِمٌ بِالسِّرِّ الَّذِي في قَلْبِكَ وهو أنَّكَ تَخافُ النِّسْيانَ، فَلا تَخَفْ فَأنا أكْفِيكَ ما تَخافُهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ، فَإنَّهُ أعْلَمُ بِمَصالِحِ العَبِيدِ، فَيَنْسَخُ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ المَصْلَحَةَ في النَّسْخِ.

الأعلى 87:8

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اليُسْرى هي أعْمالُ الخَيْرِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى اليُسْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ اعْتِراضٌ، والتَّقْدِيرُ: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى، ونُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أسْهَلُ وأيْسَرُ، يَعْنِي في حِفْظِ القُرْآنِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اليُسْرى الجَنَّةُ، والمَعْنى نُيَسِّرُكَ لِلْعَمَلِ المُؤَدِّي إلَيْها. وثالِثُها: نُهَوِّنُ عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْلَمَهُ وتَعْمَلَ بِهِ. ورابِعُها: نُوَفِّقُكَ لِلشَّرِيعَةِ وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ السَّمْحَةُ، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ العِبارَةَ المُعْتادَةَ أنْ يُقالَ: جُعِلَ الفِعْلُ الفُلانِيُّ مُيَسَّرًا لِفُلانٍ، ولا يُقالُ: جُعِلَ فُلانٌ مُيَسَّرًا لِلْفِعْلِ الفُلانِيِّ فَما الفائِدَةُ فِيهِ هَهُنا ؟ . الجَوابُ: أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ كَما أنَّها اخْتِيارُ القُرْآنِ في هَذا المَوْضِعِ، وفي سُورَةِ اللَّيْلِ أيْضًا، فَكَذا هي اخْتِيارُ الرَّسُولِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ وفِيهِ لَطِيفَةٌ عِلْمِيَّةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ في نَفْسِهِ ماهِيَّةٌ مُمْكِنَةٌ قابِلَةٌ لِلْوُجُودِ والعَدَمِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَما دامَ القادِرُ يَبْقى بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِها وتَرْكِها عَلى السَّوِيَّةِ امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ عَنْهُ، فَإذا تَرَجَّحَ جانِبُ الفاعِلِيَّةِ عَلى جانِبِ التّارِكِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الفِعْلُ، فَثَبَتَ أنَّ الفِعْلَ ما لَمْ يَجِبْ لَمْ يُوجَدْ، وذَلِكَ الرُّجْحانُ هو المُسَمّى بِالتَّيْسِيرِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ بِالتَّحْقِيقِ هو أنَّ الفاعِلَ يَصِيرُ مُيَسَّرًا لِلْفِعْلِ، لا أنَّ الفِعْلَ يَصِيرُ مُيَسَّرًا لِلْفاعِلِ، فَسُبْحانَ مَن لَهُ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ حِكْمَةٌ خَفِيَّةٌ وسِرٌّ عَجِيبٌ يُبْهِرُ العُقُولَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ بِنُونِ التَّعْظِيمِ لِتَكُونَ عَظَمَةُ المُعْطِي دالَّةً عَلى عَظَمَةِ العَطاءِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ فَتَحَ عَلَيْهِ مِن أبْوابِ التَّيْسِيرِ والتَّسْهِيلِ ما لَمْ يَفْتَحْهُ عَلى أحَدٍ غَيْرِهِ، وكَيْفَ لا وقَدْ كانَ صَبِيًّا لا أبَ لَهُ ولا أُمَّ لَهُ نَشَأ في قَوْمٍ جُهّالٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ قُدْوَةً لِلْعالَمِينَ، وهَدْيًا لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.

الأعلى 87:9

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَفَّلَ بِتَيْسِيرِ جَمِيعِ مَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أمَرَ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، لِأنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ في أنْ يَتَخَلَّقَ بِأخْلاقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، فَلَمّا صارَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تامًّا بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ فَوْقَ التَّمامِ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: (فَذَكِّرْ) لِأنَّ التَّذْكِيرَ يَقْتَضِي تَكْمِيلَ النّاقِصِينَ وهِدايَةَ الجاهِلِينَ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ فَيّاضًا لِلْكَمالِ، فَكانَ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ: صفحة ١٣١ السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُذَكِّرَهم سَواءٌ نَفَعَتْهُمُ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْهم، فَما المُرادُ مِن تَعْلِيقِهِ عَلى الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ المُعَلَّقَ بِـ ”إنْ“ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ وإنْ لَمْ يُوجَدِ الخَوْفُ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والرَّهْنُ جائِزٌ مَعَ الكِتابَةِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ ذَكَرُوا لِذِكْرِ هَذا الشَّرْطِ فَوائِدَ: إحْداها: أنَّ مَن باشَرَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَلا شَكَّ أنَّ الصُّورَةَ الَّتِي عُلِمَ فِيها إفْضاءُ تِلْكَ الوَسِيلَةِ إلى ذَلِكَ الغَرَضِ كانَ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ أوْجَبَ مِنَ الصُّورَةِ الَّتِي عُلِمَ فِيها عَدَمُ ذَلِكَ الإفْضاءِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ . وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أشْرَفَ الحالَتَيْنِ، ونَبَّهَ عَلى الأُخْرى كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ والتَّقْدِيرُ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أوْ لَمْ تَنْفَعْ. وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى، كَما يَقُولُ المَرْءُ لِغَيْرِهِ إذا بَيَّنَ لَهُ الحَقَّ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ فَيَكُونُ مُرادُهُ البَعْثَ عَلى القَبُولِ والِانْتِفاعِ بِهِ. ورابِعُها: أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى تَنْبِيهِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: ادْعُ فُلانًا إنْ أجابَكَ، والمَعْنى: وما أراهُ يُجِيبُكَ. وخامِسُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعاهم إلى اللَّهِ كَثِيرًا، وكُلَّما كانَتْ دَعْوَتُهُ أكْثَرَ كانَ عُتُوُّهم أكْثَرَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَحَرَّقُ حَسْرَةً عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] إذِ التَّذْكِيرُ العامُّ واجِبٌ في أوَّلِ الأمْرِ فَأمّا التَّكْرِيرُ فَلَعَلَّهُ إنَّما يَجِبُ عِنْدَ رَجاءِ حُصُولِ المَقْصُودِ فَلِهَذا المَعْنى قَيَّدَهُ بِهَذا الشَّرْطِ. السُّؤالُ الثّانِي: التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ إنَّما يَحْسُنُ في حَقِّ مَن يَكُونُ جاهِلًا بِالعَواقِبِ، أمّا عَلّامُ الغُيُوبِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ: رُوِيَ في الكُتُبِ أنَّهُ تَعالى كانَ يَقُولُ لِمُوسى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وأنا أشْهَدُ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى. فَأمْرُ الدَّعْوَةِ والبَعْثَةِ شَيْءٌ وعِلْمُهُ تَعالى بِالمُغَيَّباتِ وعَواقِبِ الأُمُورِ غَيْرُهُ ولا يُمْكِنُ بِناءُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: التَّذْكِيرُ المَأْمُورُ بِهِ هَلْ مَضْبُوطٌ مِثْلُ أنْ يُذَكِّرَهم عَشَراتِ المَرّاتِ، أوْ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، وحِينَئِذٍ كَيْفَ يَكُونُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ ؟ والجَوابُ: أنَّ الضّابِطَ فِيهِ هو العُرْفُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الأعلى 87:10

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ في أمْرِ المَعادِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ مِنهم مَن قَطَعَ بِصِحَّتِهِ، ومِنهم مَن جَوَّزَ وُجُودَهُ ولَكِنَّهُ غَيْرُ قاطِعٍ فِيهِ لا بِالنَّفْيِ ولا بِالثَّباتِ، ومِنهم مَن أصَرَّ عَلى إنْكارِهِ وقَطَعَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ فالقِسْمانِ الأوَّلانِ تَكُونُ الخَشْيَةُ حاصِلَةً لَهُما، وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ فَلا خَشْيَةَ لَهُ ولا خَوْفَ، إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ صفحة ١٣٢ الآيَةَ تَحْتَمِلُ تَفْسِيرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: الَّذِي يَخْشى هو الَّذِي يَكُونُ عارِفًا بِاللَّهِ وعارِفًا بِكَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ قاطِعًا بِصِحَّةِ المَعادِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي تَنْفَعُهُ الذِّكْرى مَن هو، ولَمّا كانَ الِانْتِفاعُ بِالذِّكْرى مَبْنِيًّا عَلى حُصُولِ الخَشْيَةِ في القَلْبِ، وصِفاتُ القُلُوبِ مِمّا لا اطِّلاعَ لِأحَدٍ عَلَيْها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَبَ عَلى الرَّسُولِ تَعْمِيمُ الدَّعْوَةِ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ، فَإنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ مَن يَنْتَفِعُ بِالتَّذْكِيرِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِتَعْمِيمِ التَّذْكِيرِ. الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّ الخَشْيَةَ حاصِلَةٌ لِلْعامِلِينَ ولِلْمُتَوَقِّفِينَ غَيْرِ المُعانِدِينَ وأكْثَرُ الخَلْقِ مُتَوَقِّفُونَ غَيْرُ مُعانِدِينَ، والمُعانِدُ فِيهِمْ قَلِيلٌ، فَإذا ضُمَّ إلى المُتَوَقِّفِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الغَلَبَةُ العارِفُونَ كانَتِ الغَلَبَةُ العَظِيمَةُ لِغَيْرِ المُعانِدِينَ، ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنَ المُعانِدِينَ، إنَّما يُعانِدُونَ بِاللِّسانِ، فَأمّا المُعانِدُ في قَلْبِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ فَذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ أوْ إنْ كانَ فَهو في غايَةِ النُّدْرَةِ والقِلَّةِ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَ التَّخْوِيفَ بِأنَّهُ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ وأنَّهُ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ انْكَسَرَ قَلْبُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَسْتَمِعَ ويَنْتَفِعَ أغْلَبُ الخَلْقِ في أغْلَبِ الأحْوالِ، وأمّا ذَلِكَ المُعْرِضُ فَنادِرٌ، وتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فَمِن هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ يُوجِبُ تَعْمِيمَ التَّذْكِيرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السِّينُ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: سَوْفَ يَذَّكَّرُ، وسَوْفَ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ كَقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَن خَشِيَ اللَّهَ فَإنَّهُ يَتَذَكَّرُ وإنْ كانَ بَعْدَ حِينٍ بِما يَسْتَعْمِلُهُ مِنَ التَّدَبُّرِ والنَّظَرِ فَهو بَعْدَ طُولِ المُدَّةِ يَذَّكَّرُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ إنَّما يُسَمّى تَذَكُّرًا إذا كانَ قَدْ حَصَلَ العِلْمُ أوَّلًا ثُمَّ نَسِيَهُ وهَذِهِ الحالَةُ غَيْرُ حاصِلَةٍ لِلْكَفّارِ فَكَيْفَ سَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالتَّذَكُّرِ ؟ وجَوابُهُ: أنَّ لِقُوَّةِ الدَّلائِلِ وظُهُورِها كَأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ كانَ حاصِلًا، ثُمَّ إنَّهُ زالَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ والعِنادِ. فَلِهَذا أسْماهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّذَكُّرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ.

الأعلى 87:11

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ فاعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ أقْسامَ الخَلْقِ ثَلاثَةٌ؛ العارِفُونَ والمُتَوَقِّفُونَ والمُعانِدُونَ، وبَيَّنّا أنَّ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهُما خَوْفٌ وخَشْيَةٌ، وصاحِبُ الخَشْيَةِ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَمِعَ إلى الدَّعْوَةِ ويَنْتَفِعَ بِها، فَيَكُونُ الأشْقى هو المُعانِدُ الَّذِي لا يَسْتَمِعُ إلى الدَّعْوَةِ ولا يَنْتَفِعُ بِها، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ﴿النّارَ الكُبْرى﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وثانِيها: أنَّ في الآخِرَةِ نِيرانًا ودَرَكاتٍ مُتَفاضِلَةً كَما أنَّ في الدُّنْيا ذُنُوبًا ومَعاصِيَ مُتَفاضِلَةً، وكَما أنَّ الكافِرَ أشْقى العُصاةِ كَذَلِكَ يَصْلى أعْظَمَ النِّيرانِ. وثالِثُها: أنَّ النّارَ الكُبْرى هي النّارُ السُّفْلى، وهي تُصِيبُ الكُفّارَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] . صفحة ١٣٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الوَلِيدِ وعَتَبَةَ وأُبَيٍّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لا سِيَّما وقَدْ بَيَّنّا صِحَّةَ هَذا التَّرْتِيبِ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَذَّكَّرُ ويَخْشى. والثّانِي: الأشْقى الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى، لَكِنَّ وُجُودَ الأشْقى يَسْتَدْعِي وُجُودَ الشَّقِيِّ فَكَيْفَ حالُ هَذا القِسْمِ ؟ وجَوابُهُ: أنَّ لَفْظَةَ الأشْقى لا تَقْتَضِي وُجُودَ الشَّقِيِّ إذْ قَدْ يَجْرِي مِثْلُ هَذا اللَّفْظِ مِن غَيْرِ مُشارِكَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقِيلَ: المَعْنى: ويَتَجَنَّبُها الشَّقِيُّ الَّذِي يَصْلى كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، ومِثْلَ قَوْلِ القائِلِ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ هَذا ما قِيلَ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ ما ذَكَرْنا أنَّ الفِرَقَ الثَّلاثَةَ، العارِفُ والمُتَوَقِّفُ والمُعانِدُ؛ فالسَّعِيدُ هو العارِفُ، والمُتَوَقِّفُ لَهُ بَعْضُ الشَّقاءِ والأشْقى هو المُعانِدُ الَّذِي بَيَّنا أنَّهُ هو الَّذِي لا يَلْتَفِتُ إلى الدَّعْوَةِ ولا يَصْغى إلَيْها ويَتَجَنَّبُها. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾

الأعلى 87:12

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ فاعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ أقْسامَ الخَلْقِ ثَلاثَةٌ؛ العارِفُونَ والمُتَوَقِّفُونَ والمُعانِدُونَ، وبَيَّنّا أنَّ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهُما خَوْفٌ وخَشْيَةٌ، وصاحِبُ الخَشْيَةِ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَمِعَ إلى الدَّعْوَةِ ويَنْتَفِعَ بِها، فَيَكُونُ الأشْقى هو المُعانِدُ الَّذِي لا يَسْتَمِعُ إلى الدَّعْوَةِ ولا يَنْتَفِعُ بِها، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ﴿النّارَ الكُبْرى﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وثانِيها: أنَّ في الآخِرَةِ نِيرانًا ودَرَكاتٍ مُتَفاضِلَةً كَما أنَّ في الدُّنْيا ذُنُوبًا ومَعاصِيَ مُتَفاضِلَةً، وكَما أنَّ الكافِرَ أشْقى العُصاةِ كَذَلِكَ يَصْلى أعْظَمَ النِّيرانِ. وثالِثُها: أنَّ النّارَ الكُبْرى هي النّارُ السُّفْلى، وهي تُصِيبُ الكُفّارَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] . صفحة ١٣٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الوَلِيدِ وعَتَبَةَ وأُبَيٍّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لا سِيَّما وقَدْ بَيَّنّا صِحَّةَ هَذا التَّرْتِيبِ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَذَّكَّرُ ويَخْشى. والثّانِي: الأشْقى الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى، لَكِنَّ وُجُودَ الأشْقى يَسْتَدْعِي وُجُودَ الشَّقِيِّ فَكَيْفَ حالُ هَذا القِسْمِ ؟ وجَوابُهُ: أنَّ لَفْظَةَ الأشْقى لا تَقْتَضِي وُجُودَ الشَّقِيِّ إذْ قَدْ يَجْرِي مِثْلُ هَذا اللَّفْظِ مِن غَيْرِ مُشارِكَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقِيلَ: المَعْنى: ويَتَجَنَّبُها الشَّقِيُّ الَّذِي يَصْلى كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، ومِثْلَ قَوْلِ القائِلِ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ هَذا ما قِيلَ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ ما ذَكَرْنا أنَّ الفِرَقَ الثَّلاثَةَ، العارِفُ والمُتَوَقِّفُ والمُعانِدُ؛ فالسَّعِيدُ هو العارِفُ، والمُتَوَقِّفُ لَهُ بَعْضُ الشَّقاءِ والأشْقى هو المُعانِدُ الَّذِي بَيَّنا أنَّهُ هو الَّذِي لا يَلْتَفِتُ إلى الدَّعْوَةِ ولا يَصْغى إلَيْها ويَتَجَنَّبُها. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾

الأعلى 87:13

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ ولا يَحْيا حَياةً تَنْفَعُهُ، كَما قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] وهَذا عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ تَقُولُ لِلْمُبْتَلى بِالبَلاءِ الشَّدِيدِ: لا هو حَيٌّ ولا هو مَيِّتٌ. وثانِيهِما: مَعْناهُ أنَّ نَفْسَ أحَدِهِمْ في النّارِ تَصِيرُ في حَلْقِهِ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُ ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قِيلَ: (ثُّمَ) لِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ أفْظَعُ وأعْظَمُ مِنَ الصَّلى فَهو مُتَراخٍ عَنْهُ في مَراتِبِ الشِّدَّةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ مَن أعْرَضَ عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ في دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ لِمَن تَزَكّى وتَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ. وثانِيهِما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: تُكْثِرُ مِنَ التَّقْوى لِأنَّ مَعْنى الزّاكِي النّامِي الكَثِيرُ، وهَذا الوَجْهُ مُعْتَضِدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١] أثْبَتَ الفَلاحَ لِلْمُسْتَجْمِعِينَ لِتِلْكَ الخِصالِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ البَقَرَةِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] . وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَإنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَذْكُرْ في الآيَةِ ما يَجِبُ التَّزَكِّي عَنْهُ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ هو التَّزَكِّي عَمّا مَرَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ الآيَةِ، وذَلِكَ هو الكُفْرُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ هَهُنا: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ عَنِ الكُفْرِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ. والثّانِي: أنَّ الِاسْمَ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى المُسَمّى الكامِلِ، وأكْمَلُ أنْواعِ التَّزْكِيَةِ هو تَزْكِيَةُ القَلْبِ عَنْ ظُلْمَةِ الكُفْرِ فَوَجَبَ صَرْفُ هَذا المُطْلَقِ إلَيْهِ، ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ مَعْنى: ﴿تَزَكّى﴾ قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

الأعلى 87:14

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ ولا يَحْيا حَياةً تَنْفَعُهُ، كَما قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] وهَذا عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ تَقُولُ لِلْمُبْتَلى بِالبَلاءِ الشَّدِيدِ: لا هو حَيٌّ ولا هو مَيِّتٌ. وثانِيهِما: مَعْناهُ أنَّ نَفْسَ أحَدِهِمْ في النّارِ تَصِيرُ في حَلْقِهِ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُ ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قِيلَ: (ثُّمَ) لِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ أفْظَعُ وأعْظَمُ مِنَ الصَّلى فَهو مُتَراخٍ عَنْهُ في مَراتِبِ الشِّدَّةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ مَن أعْرَضَ عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ في دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ لِمَن تَزَكّى وتَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ. وثانِيهِما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: تُكْثِرُ مِنَ التَّقْوى لِأنَّ مَعْنى الزّاكِي النّامِي الكَثِيرُ، وهَذا الوَجْهُ مُعْتَضِدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١] أثْبَتَ الفَلاحَ لِلْمُسْتَجْمِعِينَ لِتِلْكَ الخِصالِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ البَقَرَةِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] . وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَإنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَذْكُرْ في الآيَةِ ما يَجِبُ التَّزَكِّي عَنْهُ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ هو التَّزَكِّي عَمّا مَرَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ الآيَةِ، وذَلِكَ هو الكُفْرُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ هَهُنا: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ عَنِ الكُفْرِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ. والثّانِي: أنَّ الِاسْمَ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى المُسَمّى الكامِلِ، وأكْمَلُ أنْواعِ التَّزْكِيَةِ هو تَزْكِيَةُ القَلْبِ عَنْ ظُلْمَةِ الكُفْرِ فَوَجَبَ صَرْفُ هَذا المُطْلَقِ إلَيْهِ، ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ مَعْنى: ﴿تَزَكّى﴾ قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

الأعلى 87:15

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَكَرَ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وأقُولُ: هَذا التَّفْسِيرُ مُتَعَيِّنٌ وذَلِكَ لِأنَّ مَراتِبَ أعْمالِ المُكَلَّفِ ثَلاثَةٌ: أوَّلُها: إزالَةُ العَقائِدِ الفاسِدَةِ عَنِ القَلْبِ. وثانِيها: اسْتِحْضارُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ. وثالِثُها: الِاشْتِغالُ بِخِدْمَتِهِ. فالمَرْتَبَةُ الأُولى: هي المُرادُ بِالتَّزْكِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ . وثانِيها: هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ فَإنَّ الذِّكْرَ بِالقَلْبِ لَيْسَ إلّا المَعْرِفَةَ. وثالِثُها: الخِدْمَةُ وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَصَلّى﴾ فَإنَّ الصَّلاةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّواضُعِ والخُشُوعِ فَمَنِ اسْتَنارَ قَلْبُهُ بِمَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ، لا بُدَّ وأنْ يَظْهَرَ في جَوارِحِهِ وأعْضائِهِ أثَرُ الخُضُوعِ والخُشُوعِ. وثانِيها: قالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ يَعْنِي مَن تَصَدَّقَ قَبْلَ مُرُورِهِ إلى العِيدِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ يَعْنِي ثُمَّ صَلّى صَلاةَ العِيدِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ الإمامِ. وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ وأبِي العالِيَةِ وابْنِ سِيرِينَ وابْنِ عُمَرَ ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا التَّفْسِيرُ فِيهِ إشْكالٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى في القُرْآنِ تَقْدِيمُ ذِكْرِ الصَّلاةِ عَلى ذِكْرِ الزَّكاةِ لا تَقْدِيمُ الزَّكاةِ عَلى الصَّلاةِ. والثّانِي: قالَ الثَّعْلَبِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ عِيدٌ ولا زَكاةُ فِطْرٍ. أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: لَمّا كانَ في مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ أثْنى عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أيْ تَصَدَّقَ مِن مالِهِ وذَكَرَ رَبَّهُ بِالتَّوْحِيدِ في الصَّلاةِ فَصَلّى لَهُ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وما قَبْلَهُ أنَّ هَذا يَتَناوَلُ الزَّكاةَ والصَّلاةَ المَفْرُوضَتَيْنِ، والوَجْهُ الأوَّلُ لَيْسَ كَذَلِكَ. ورابِعُها: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ زَكاةَ المالِ بَلْ زَكاةَ الأعْمالِ أيْ مَن تَطَهَّرَ في أعْمالِهِ مِنَ الرِّياءِ والتَّقْصِيرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ المُعْتادَ أنْ يُقالَ: في المالِ ”زَكّى“ ولا يُقالُ ”تَزَكّى“ قالَ تَعالى: ﴿ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨] . وخامِسُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ كَبَّرَ في خُرُوجِهِ إلى العِيدِ وصَلّى صَلاةَ العِيدِ. وسادِسُها: المَعْنى: وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في صِلاتِهِ، ولا تَكُونُ صِلاتُهُ كَصَلاةِ المُنافِقِينَ حَيْثُ يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفُقَهاءُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِها عَلى أنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتاحِ لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ: لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها والعَطْفَ يَسْتَدْعِي المُغايَرَةَ، واحْتَجَّ أيْضًا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الِافْتِتاحَ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ، وصَلّى فَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تَقُولَ أكْرَمْتَنِي فَزُرْتَنِي وبَيْنَ أنْ تَقُولَ زُرْتَنِي فَأكْرَمْتَنِي، ولِأبِي حَنِيفَةَ أنْ يَقُولَ: تَرْكُ العَمَلِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لا يَجُوزُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ والأوْلى في الجَوابِ أنْ يُقالَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى مَدْحِ كُلِّ مَن ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ فَصَلّى عَقِيبَهُ ولَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الذِّكْرَ هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ. فَلَعَلَّ المُرادَ بِهِ أنَّ مَن ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وذَكَرَ ثَوابَهُ وعِقابَهُ دَعاهُ ذَلِكَ إلى فِعْلِ الصَّلاةِ، فَحِينَئِذٍ يَأْتِي بِالصَّلاةِ الَّتِي أحَدُ أجْزائِها التَّكْبِيرُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الِاسْتِدْلالُ.

الأعلى 87:16

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ قِراءَتانِ: قِراءَةُ العامَّةِ بِالتّاءِ ويُؤَكِّدُهُ حَرْفُ أُبَيٍّ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ عَمَلَ الدُّنْيا عَلى عَمَلِ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا أُحْضِرَتْ، وعُجِّلَ لَنا طَعامُها وشَرابُها ونِساؤُها ولَذّاتُها وبَهْجَتُها، وإنَّ الآخِرَةَ لَغَيْبٌ لَنا وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ وتَرَكْنا الآجِلَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”يُؤْثِرُونَ“ بِالياءِ يَعْنِي: الأشْقى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ وتَمامُهُ أنَّ كُلَّ ما كانَ خَيْرًا وأبْقى فَهو آثَرُ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآخِرَةُ آثَرَ مِنَ الدُّنْيا وهم كانُوا يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ، والدُّنْيا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فالآخِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا. وثانِيها: أنَّ الدُّنْيا لَذّاتُها مَخْلُوطَةٌ بِالآلامِ، والآخِرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ، والآخِرَةَ باقِيَةٌ، والباقِيَ خَيْرٌ مِنَ الفانِي. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ واخْتَلَفُوا في المُشارِ إلَيْهِ بِلَفْظِ ”هَذا“ مِنهم مَن قالَ: جَمِيعُ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والوَعْدِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُشارُ إلَيْهِ بِهَذِهِ الإشارَةِ هو مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إشارَةً إلى تَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي. أمّا القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ فَعَنْ جَمِيعِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، وأمّا في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَعَنْ جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ الرُّوحِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَصَلّى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ الجَوارِحِ وتَزْيِينِها بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى الزَّجْرِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ وفي ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ أُمُورٌ لا يَجُوزُ أنْ تَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ وهَذا الوَجْهُ كَما تَأكَّدَ بِالفِعْلِ فالخَبَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ: هَلْ في الدُّنْيا مِمّا في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ؟ فَقالَ: اقْرَأْ يا أبا ذَرٍّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ وقالَ آخَرُونَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإشارَةَ راجِعَةٌ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وذَلِكَ هو هَذِهِ الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ فَهو نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وقَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] .

الأعلى 87:17

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ قِراءَتانِ: قِراءَةُ العامَّةِ بِالتّاءِ ويُؤَكِّدُهُ حَرْفُ أُبَيٍّ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ عَمَلَ الدُّنْيا عَلى عَمَلِ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا أُحْضِرَتْ، وعُجِّلَ لَنا طَعامُها وشَرابُها ونِساؤُها ولَذّاتُها وبَهْجَتُها، وإنَّ الآخِرَةَ لَغَيْبٌ لَنا وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ وتَرَكْنا الآجِلَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”يُؤْثِرُونَ“ بِالياءِ يَعْنِي: الأشْقى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ وتَمامُهُ أنَّ كُلَّ ما كانَ خَيْرًا وأبْقى فَهو آثَرُ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآخِرَةُ آثَرَ مِنَ الدُّنْيا وهم كانُوا يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ، والدُّنْيا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فالآخِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا. وثانِيها: أنَّ الدُّنْيا لَذّاتُها مَخْلُوطَةٌ بِالآلامِ، والآخِرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ، والآخِرَةَ باقِيَةٌ، والباقِيَ خَيْرٌ مِنَ الفانِي. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ واخْتَلَفُوا في المُشارِ إلَيْهِ بِلَفْظِ ”هَذا“ مِنهم مَن قالَ: جَمِيعُ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والوَعْدِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُشارُ إلَيْهِ بِهَذِهِ الإشارَةِ هو مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إشارَةً إلى تَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي. أمّا القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ فَعَنْ جَمِيعِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، وأمّا في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَعَنْ جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ الرُّوحِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَصَلّى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ الجَوارِحِ وتَزْيِينِها بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى الزَّجْرِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ وفي ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ أُمُورٌ لا يَجُوزُ أنْ تَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ وهَذا الوَجْهُ كَما تَأكَّدَ بِالفِعْلِ فالخَبَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ: هَلْ في الدُّنْيا مِمّا في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ؟ فَقالَ: اقْرَأْ يا أبا ذَرٍّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ وقالَ آخَرُونَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإشارَةَ راجِعَةٌ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وذَلِكَ هو هَذِهِ الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ فَهو نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وقَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] .

الأعلى 87:18

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ قِراءَتانِ: قِراءَةُ العامَّةِ بِالتّاءِ ويُؤَكِّدُهُ حَرْفُ أُبَيٍّ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ عَمَلَ الدُّنْيا عَلى عَمَلِ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا أُحْضِرَتْ، وعُجِّلَ لَنا طَعامُها وشَرابُها ونِساؤُها ولَذّاتُها وبَهْجَتُها، وإنَّ الآخِرَةَ لَغَيْبٌ لَنا وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ وتَرَكْنا الآجِلَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”يُؤْثِرُونَ“ بِالياءِ يَعْنِي: الأشْقى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ وتَمامُهُ أنَّ كُلَّ ما كانَ خَيْرًا وأبْقى فَهو آثَرُ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآخِرَةُ آثَرَ مِنَ الدُّنْيا وهم كانُوا يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ، والدُّنْيا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فالآخِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا. وثانِيها: أنَّ الدُّنْيا لَذّاتُها مَخْلُوطَةٌ بِالآلامِ، والآخِرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ، والآخِرَةَ باقِيَةٌ، والباقِيَ خَيْرٌ مِنَ الفانِي. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ واخْتَلَفُوا في المُشارِ إلَيْهِ بِلَفْظِ ”هَذا“ مِنهم مَن قالَ: جَمِيعُ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والوَعْدِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُشارُ إلَيْهِ بِهَذِهِ الإشارَةِ هو مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إشارَةً إلى تَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي. أمّا القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ فَعَنْ جَمِيعِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، وأمّا في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَعَنْ جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ الرُّوحِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَصَلّى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ الجَوارِحِ وتَزْيِينِها بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى الزَّجْرِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ وفي ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ أُمُورٌ لا يَجُوزُ أنْ تَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ وهَذا الوَجْهُ كَما تَأكَّدَ بِالفِعْلِ فالخَبَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ: هَلْ في الدُّنْيا مِمّا في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ؟ فَقالَ: اقْرَأْ يا أبا ذَرٍّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ وقالَ آخَرُونَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإشارَةَ راجِعَةٌ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وذَلِكَ هو هَذِهِ الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ فَهو نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وقَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] .

الأعلى 87:19

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ . والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَذْكُورٌ في صُحُفِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ الَّتِي مِنها صُحُفُ إبْراهِيمَ ومُوسى صفحة ١٣٦ رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ «سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ فَقالَ: مِائَةً وأرْبَعَةَ كُتُبٍ عَلى آدَمَ عَشْرَ صُحُفٍ وعَلى شِيثٍ خَمْسِينَ صَحِيفَةً وعَلى إدْرِيسَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً وعَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفَرْقانَ»، وقِيلَ: إنَّ في صُحُفِ إبْراهِيمَ: يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَكُونَ حافِظًا لِلِسانِهِ عارِفًا بِزَمانِهِ مُقْبِلًا عَلى شَأْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الغاشية 88:1

صفحة ١٣٧ سُورَةُ الغاشِيَةِ وهِيَ عِشْرُونَ وسِتُّ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﷽ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ مَسْألَتَيْنِ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الغاشِيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها القِيامَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٥] إنَّما سُمِّيَتِ القِيامَةُ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّ ما أحاطَ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ فَهو غاشٍ لَهُ، والقِيامَةُ كَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّها تَرِدُ عَلى الخَلْقِ بَغْتَةً وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧] . والثّانِي: أنَّها تَغْشى النّاسَ جَمِيعًا مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ. والثّالِثُ: أنَّها تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ والشَّدائِدِ. القَوْلُ الثّانِي: الغاشِيَةُ هي النّارُ أيْ تَغْشى وُجُوهَ الكَفَرَةِ وأهْلِ النّارِ قالَ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ. القَوْلُ الثّالِثُ: الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ يَغْشَوْنَها ويَقَعُونَ فِيها، والأوَّلُ أقْرَبُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ المَعْنى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ بَعْضُ النّاسِ في الشَّقاوَةِ، وبَعْضُهم في السَّعادَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عَرَّفَ رَسُولَ اللَّهِ مِن حالِها وحالِ النّاسِ فِيها ما لَمْ يَكُنْ هو ولا قَوْمُهُ عارِفًا بِهِ عَلى التَّفْصِيلِ، لِأنَّ العَقْلَ إنْ دَلَّ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ حالَ العُصاةِ مُخالِفَةٌ لِحالِ المُطِيعِينَ. فَأمّا كَيْفِيَّةُ تِلْكَ التَّفاصِيلِ فَلا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلَيْها، فَلَمّا عَرَّفَهُ اللَّهُ تَفْصِيلَ تِلْكَ الأحْوالِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ وصْفٌ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالوُجُوهِ أصْحابُ الوُجُوهِ وهُمُ الكُفّارُ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ الوُجُوهَ بِأنَّها صفحة ١٣٨ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُكَلَّفِ، لَكِنَّ الخُشُوعَ يَظْهَرُ في الوَجْهِ فَعَلَّقَهُ بِالوَجْهِ لِذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] . وقَوْلُهُ: ﴿خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ قَدْ عَراهُمُ الخِزْيُ والهَوانُ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] وقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤١] وإنَّما يَظْهَرُ الذُّلُّ في الوَجْهِ، لِأنَّهُ ضِدُّ الكِبْرِ الَّذِي مَحَلُّهُ الرَّأْسُ والدِّماغُ. وأمّا العامِلَةُ فَهي الَّتِي تَعْمَلُ الأعْمالَ، ومَعْنى النَّصَبِ: الدَّؤُوبُ في العَمَلِ مَعَ التَّعَبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوُجُوهُ المُمْكِنَةُ في هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ لا تَزِيدُ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يُقالَ: هَذِهِ الصِّفاتُ بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الآخِرَةِ، أوْ هي بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا، أوْ بَعْضُها في الآخِرَةِ وبَعْضُها في الدُّنْيا. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنَّها بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الآخِرَةِ فَهو أنَّ الكُفّارَ يَكُونُونَ يَوْمَ القِيامَةِ خاشِعِينَ أيْ ذَلِيلِينَ، وذَلِكَ لِأنَّها في الدُّنْيا تَكَبَّرَتْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، وعامِلِينَ لِأنَّها تَعْمَلُ في النّارِ عَمَلًا تَتْعَبُ فِيهِ وهو جَرُّها السَّلاسِلَ والأغْلالَ الثَّقِيلَةَ، عَلى ما قالَ: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] وخَوْضُها في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ بِحَيْثُ تَرْتَقِي عَنْهُ تارَةً وتَغُوصُ فِيهِ أُخْرى والتَّقَحُّمُ في حَرِّ جَهَنَّمَ والوُقُوفُ عُراةً حُفاةً جِياعًا عِطاشًا في العَرَصاتِ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، وناصِبِينَ لِأنَّهم دائِمًا يَكُونُونَ في ذَلِكَ العَمَلِ قالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ حاصِلَةً في الدُّنْيا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ سَلَّطَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى سَبِيلِ العِقابِ. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّها بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا، فَقِيلَ: هم أصْحابُ الصَّوامِعِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ والمَجُوسِ، والمَعْنى أنَّها خَشَعَتْ لِلَّهِ وعَمِلَتْ ونَصِبَتْ في أعْمالِها مِنَ الصَّوْمِ الدّائِبِ والتَّهَجُّدِ الواصِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا في اللَّهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَكَأنَّهم أطاعُوا ذاتًا مَوْصُوفَةً بِالصِّفاتِ الَّتِي تَخَيَّلُوها فَهم في الحَقِيقَةِ ما عَبَدُوا اللَّهَ وإنَّما عَبَدُوا ذَلِكَ المُتَخَيَّلَ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ، فَلا جَرَمَ لا تَنْفَعُهم تِلْكَ العِبادَةُ أصْلًا. وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ بَعْضَ تِلْكَ الصِّفاتِ حاصِلٌ في الآخِرَةِ وبَعْضَها في الدُّنْيا فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها خاشِعَةٌ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّها كانَتْ في الدُّنْيا عامِلَةً ناصِبَةً، والمَعْنى أنَّها لَمْ تَنْتَفِعْ بِعَمَلِها ونَصَبِها في الدُّنْيا، ولا يَمْتَنِعُ وصْفُهم بِبَعْضِ أوْصافِ الآخِرَةِ، ثُمَّ يُذْكَرُ بَعْضُ أوْصافِ الدُّنْيا ثُمَّ يُعادُ ذِكْرُ الآخِرَةِ، إذا كانَ المَعْنى في ذَلِكَ مَفْهُومًا فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وُجُوهٌ يَوْمَ القِيامَةِ خاشِعَةٌ، لِأنَّها كانَتْ في الدُّنْيا عامِلَةً ناصِبَةً في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، فَهي إذَنْ تَصْلى نارًا حامِيَةً في الآخِرَةِ. ثانِيها: أنَّها خاشِعَةٌ عامِلَةٌ في الدُّنْيا، ولَكِنَّها ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، فَخُشُوعُها في الدُّنْيا خَوْفُها الدّاعِي لَها إلى الإعْراضِ عَنْ لَذائِذِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، وعَمَلُها هو صَلاتُها وصَوْمُها، ونَصَبُها في الآخِرَةِ هو مُقاساةُ العَذابِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وقُرِئَ ”عامِلَةٌ ناصِبَةٌ“ عَلى الشَّتْمِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفِيَّةَ مَكانِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ ومَطْعَمِهِمْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها.

الغاشية 88:2

صفحة ١٣٧ سُورَةُ الغاشِيَةِ وهِيَ عِشْرُونَ وسِتُّ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﷽ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ مَسْألَتَيْنِ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الغاشِيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها القِيامَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٥] إنَّما سُمِّيَتِ القِيامَةُ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّ ما أحاطَ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ فَهو غاشٍ لَهُ، والقِيامَةُ كَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّها تَرِدُ عَلى الخَلْقِ بَغْتَةً وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧] . والثّانِي: أنَّها تَغْشى النّاسَ جَمِيعًا مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ. والثّالِثُ: أنَّها تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ والشَّدائِدِ. القَوْلُ الثّانِي: الغاشِيَةُ هي النّارُ أيْ تَغْشى وُجُوهَ الكَفَرَةِ وأهْلِ النّارِ قالَ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ. القَوْلُ الثّالِثُ: الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ يَغْشَوْنَها ويَقَعُونَ فِيها، والأوَّلُ أقْرَبُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ المَعْنى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ بَعْضُ النّاسِ في الشَّقاوَةِ، وبَعْضُهم في السَّعادَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عَرَّفَ رَسُولَ اللَّهِ مِن حالِها وحالِ النّاسِ فِيها ما لَمْ يَكُنْ هو ولا قَوْمُهُ عارِفًا بِهِ عَلى التَّفْصِيلِ، لِأنَّ العَقْلَ إنْ دَلَّ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ حالَ العُصاةِ مُخالِفَةٌ لِحالِ المُطِيعِينَ. فَأمّا كَيْفِيَّةُ تِلْكَ التَّفاصِيلِ فَلا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلَيْها، فَلَمّا عَرَّفَهُ اللَّهُ تَفْصِيلَ تِلْكَ الأحْوالِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ وصْفٌ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالوُجُوهِ أصْحابُ الوُجُوهِ وهُمُ الكُفّارُ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ الوُجُوهَ بِأنَّها صفحة ١٣٨ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُكَلَّفِ، لَكِنَّ الخُشُوعَ يَظْهَرُ في الوَجْهِ فَعَلَّقَهُ بِالوَجْهِ لِذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] . وقَوْلُهُ: ﴿خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ قَدْ عَراهُمُ الخِزْيُ والهَوانُ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] وقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤١] وإنَّما يَظْهَرُ الذُّلُّ في الوَجْهِ، لِأنَّهُ ضِدُّ الكِبْرِ الَّذِي مَحَلُّهُ الرَّأْسُ والدِّماغُ. وأمّا العامِلَةُ فَهي الَّتِي تَعْمَلُ الأعْمالَ، ومَعْنى النَّصَبِ: الدَّؤُوبُ في العَمَلِ مَعَ التَّعَبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوُجُوهُ المُمْكِنَةُ في هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ لا تَزِيدُ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يُقالَ: هَذِهِ الصِّفاتُ بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الآخِرَةِ، أوْ هي بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا، أوْ بَعْضُها في الآخِرَةِ وبَعْضُها في الدُّنْيا. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنَّها بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الآخِرَةِ فَهو أنَّ الكُفّارَ يَكُونُونَ يَوْمَ القِيامَةِ خاشِعِينَ أيْ ذَلِيلِينَ، وذَلِكَ لِأنَّها في الدُّنْيا تَكَبَّرَتْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، وعامِلِينَ لِأنَّها تَعْمَلُ في النّارِ عَمَلًا تَتْعَبُ فِيهِ وهو جَرُّها السَّلاسِلَ والأغْلالَ الثَّقِيلَةَ، عَلى ما قالَ: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] وخَوْضُها في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ بِحَيْثُ تَرْتَقِي عَنْهُ تارَةً وتَغُوصُ فِيهِ أُخْرى والتَّقَحُّمُ في حَرِّ جَهَنَّمَ والوُقُوفُ عُراةً حُفاةً جِياعًا عِطاشًا في العَرَصاتِ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، وناصِبِينَ لِأنَّهم دائِمًا يَكُونُونَ في ذَلِكَ العَمَلِ قالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ حاصِلَةً في الدُّنْيا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ سَلَّطَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى سَبِيلِ العِقابِ. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّها بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا، فَقِيلَ: هم أصْحابُ الصَّوامِعِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ والمَجُوسِ، والمَعْنى أنَّها خَشَعَتْ لِلَّهِ وعَمِلَتْ ونَصِبَتْ في أعْمالِها مِنَ الصَّوْمِ الدّائِبِ والتَّهَجُّدِ الواصِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا في اللَّهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَكَأنَّهم أطاعُوا ذاتًا مَوْصُوفَةً بِالصِّفاتِ الَّتِي تَخَيَّلُوها فَهم في الحَقِيقَةِ ما عَبَدُوا اللَّهَ وإنَّما عَبَدُوا ذَلِكَ المُتَخَيَّلَ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ، فَلا جَرَمَ لا تَنْفَعُهم تِلْكَ العِبادَةُ أصْلًا. وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ بَعْضَ تِلْكَ الصِّفاتِ حاصِلٌ في الآخِرَةِ وبَعْضَها في الدُّنْيا فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها خاشِعَةٌ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّها كانَتْ في الدُّنْيا عامِلَةً ناصِبَةً، والمَعْنى أنَّها لَمْ تَنْتَفِعْ بِعَمَلِها ونَصَبِها في الدُّنْيا، ولا يَمْتَنِعُ وصْفُهم بِبَعْضِ أوْصافِ الآخِرَةِ، ثُمَّ يُذْكَرُ بَعْضُ أوْصافِ الدُّنْيا ثُمَّ يُعادُ ذِكْرُ الآخِرَةِ، إذا كانَ المَعْنى في ذَلِكَ مَفْهُومًا فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وُجُوهٌ يَوْمَ القِيامَةِ خاشِعَةٌ، لِأنَّها كانَتْ في الدُّنْيا عامِلَةً ناصِبَةً في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، فَهي إذَنْ تَصْلى نارًا حامِيَةً في الآخِرَةِ. ثانِيها: أنَّها خاشِعَةٌ عامِلَةٌ في الدُّنْيا، ولَكِنَّها ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، فَخُشُوعُها في الدُّنْيا خَوْفُها الدّاعِي لَها إلى الإعْراضِ عَنْ لَذائِذِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، وعَمَلُها هو صَلاتُها وصَوْمُها، ونَصَبُها في الآخِرَةِ هو مُقاساةُ العَذابِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وقُرِئَ ”عامِلَةٌ ناصِبَةٌ“ عَلى الشَّتْمِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفِيَّةَ مَكانِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ ومَطْعَمِهِمْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها.

الغاشية 88:3

صفحة ١٣٧ سُورَةُ الغاشِيَةِ وهِيَ عِشْرُونَ وسِتُّ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﷽ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ مَسْألَتَيْنِ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الغاشِيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها القِيامَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٥] إنَّما سُمِّيَتِ القِيامَةُ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّ ما أحاطَ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ فَهو غاشٍ لَهُ، والقِيامَةُ كَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّها تَرِدُ عَلى الخَلْقِ بَغْتَةً وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧] . والثّانِي: أنَّها تَغْشى النّاسَ جَمِيعًا مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ. والثّالِثُ: أنَّها تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ والشَّدائِدِ. القَوْلُ الثّانِي: الغاشِيَةُ هي النّارُ أيْ تَغْشى وُجُوهَ الكَفَرَةِ وأهْلِ النّارِ قالَ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ. القَوْلُ الثّالِثُ: الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ يَغْشَوْنَها ويَقَعُونَ فِيها، والأوَّلُ أقْرَبُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ المَعْنى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ بَعْضُ النّاسِ في الشَّقاوَةِ، وبَعْضُهم في السَّعادَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عَرَّفَ رَسُولَ اللَّهِ مِن حالِها وحالِ النّاسِ فِيها ما لَمْ يَكُنْ هو ولا قَوْمُهُ عارِفًا بِهِ عَلى التَّفْصِيلِ، لِأنَّ العَقْلَ إنْ دَلَّ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ حالَ العُصاةِ مُخالِفَةٌ لِحالِ المُطِيعِينَ. فَأمّا كَيْفِيَّةُ تِلْكَ التَّفاصِيلِ فَلا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلَيْها، فَلَمّا عَرَّفَهُ اللَّهُ تَفْصِيلَ تِلْكَ الأحْوالِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ وصْفٌ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالوُجُوهِ أصْحابُ الوُجُوهِ وهُمُ الكُفّارُ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ الوُجُوهَ بِأنَّها صفحة ١٣٨ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُكَلَّفِ، لَكِنَّ الخُشُوعَ يَظْهَرُ في الوَجْهِ فَعَلَّقَهُ بِالوَجْهِ لِذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] . وقَوْلُهُ: ﴿خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ قَدْ عَراهُمُ الخِزْيُ والهَوانُ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] وقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤١] وإنَّما يَظْهَرُ الذُّلُّ في الوَجْهِ، لِأنَّهُ ضِدُّ الكِبْرِ الَّذِي مَحَلُّهُ الرَّأْسُ والدِّماغُ. وأمّا العامِلَةُ فَهي الَّتِي تَعْمَلُ الأعْمالَ، ومَعْنى النَّصَبِ: الدَّؤُوبُ في العَمَلِ مَعَ التَّعَبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوُجُوهُ المُمْكِنَةُ في هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ لا تَزِيدُ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يُقالَ: هَذِهِ الصِّفاتُ بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الآخِرَةِ، أوْ هي بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا، أوْ بَعْضُها في الآخِرَةِ وبَعْضُها في الدُّنْيا. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنَّها بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الآخِرَةِ فَهو أنَّ الكُفّارَ يَكُونُونَ يَوْمَ القِيامَةِ خاشِعِينَ أيْ ذَلِيلِينَ، وذَلِكَ لِأنَّها في الدُّنْيا تَكَبَّرَتْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، وعامِلِينَ لِأنَّها تَعْمَلُ في النّارِ عَمَلًا تَتْعَبُ فِيهِ وهو جَرُّها السَّلاسِلَ والأغْلالَ الثَّقِيلَةَ، عَلى ما قالَ: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] وخَوْضُها في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ بِحَيْثُ تَرْتَقِي عَنْهُ تارَةً وتَغُوصُ فِيهِ أُخْرى والتَّقَحُّمُ في حَرِّ جَهَنَّمَ والوُقُوفُ عُراةً حُفاةً جِياعًا عِطاشًا في العَرَصاتِ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، وناصِبِينَ لِأنَّهم دائِمًا يَكُونُونَ في ذَلِكَ العَمَلِ قالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ حاصِلَةً في الدُّنْيا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ سَلَّطَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى سَبِيلِ العِقابِ. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّها بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا، فَقِيلَ: هم أصْحابُ الصَّوامِعِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ والمَجُوسِ، والمَعْنى أنَّها خَشَعَتْ لِلَّهِ وعَمِلَتْ ونَصِبَتْ في أعْمالِها مِنَ الصَّوْمِ الدّائِبِ والتَّهَجُّدِ الواصِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا في اللَّهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَكَأنَّهم أطاعُوا ذاتًا مَوْصُوفَةً بِالصِّفاتِ الَّتِي تَخَيَّلُوها فَهم في الحَقِيقَةِ ما عَبَدُوا اللَّهَ وإنَّما عَبَدُوا ذَلِكَ المُتَخَيَّلَ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ، فَلا جَرَمَ لا تَنْفَعُهم تِلْكَ العِبادَةُ أصْلًا. وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ بَعْضَ تِلْكَ الصِّفاتِ حاصِلٌ في الآخِرَةِ وبَعْضَها في الدُّنْيا فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها خاشِعَةٌ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّها كانَتْ في الدُّنْيا عامِلَةً ناصِبَةً، والمَعْنى أنَّها لَمْ تَنْتَفِعْ بِعَمَلِها ونَصَبِها في الدُّنْيا، ولا يَمْتَنِعُ وصْفُهم بِبَعْضِ أوْصافِ الآخِرَةِ، ثُمَّ يُذْكَرُ بَعْضُ أوْصافِ الدُّنْيا ثُمَّ يُعادُ ذِكْرُ الآخِرَةِ، إذا كانَ المَعْنى في ذَلِكَ مَفْهُومًا فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وُجُوهٌ يَوْمَ القِيامَةِ خاشِعَةٌ، لِأنَّها كانَتْ في الدُّنْيا عامِلَةً ناصِبَةً في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، فَهي إذَنْ تَصْلى نارًا حامِيَةً في الآخِرَةِ. ثانِيها: أنَّها خاشِعَةٌ عامِلَةٌ في الدُّنْيا، ولَكِنَّها ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، فَخُشُوعُها في الدُّنْيا خَوْفُها الدّاعِي لَها إلى الإعْراضِ عَنْ لَذائِذِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، وعَمَلُها هو صَلاتُها وصَوْمُها، ونَصَبُها في الآخِرَةِ هو مُقاساةُ العَذابِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وقُرِئَ ”عامِلَةٌ ناصِبَةٌ“ عَلى الشَّتْمِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفِيَّةَ مَكانِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ ومَطْعَمِهِمْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها.

الغاشية 88:4

أمّا مَكانُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ يُقالُ: صَلى بِالنّارِ يَصْلى أيْ لَزِمَها واحْتَرَقَ بِها وقُرِئَ بِنَصْبِ التّاءِ وحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِرَفْعِ التّاءِ صفحة ١٣٩ مِن أصْلَيْتُهُ النّارَ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] و”صِلُوهُ“ مِثْلُ ”أصْلُوهُ“، وقَرَأ قَوْمٌ ”تَصَلّى“ بِالتَّشْدِيدِ، وقِيلَ: المَصْلى عِنْدَ العَرَبِ أنْ يَحْفِرُوا حَفِيرًا فَيَجْمَعُوا فِيهِ جَمْرًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَعْمِدُوا إلى شاةٍ فَيَدُسُّوها وسَطَهُ، فَأمّا ما يُشْوى فَوْقَ الجَمْرِ أوْ عَلى المِقْلاةِ أوْ في التَّنُّورِ فَلا يُسَمّى مَصْلى. وقَوْلُهُ: ﴿حامِيَةً﴾ أيْ قَدْ أُوقِدَتْ وأُحْمِيَتِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، فَلا حَرَّ يَعْدِلُ حَرَّها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ.

الغاشية 88:5

وأمّا مَشْرُوبُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ الآنِي الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ. وفي الحَدِيثِ: ”«أنَّ رَجُلًا أخَّرَ حُضُورَ الجُمُعَةِ ثُمَّ تَخَطّى رِقابَ النّاسِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: آنَيْتَ وآذَيْتَ» “ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ حَرَّها بَلَغَ إلى حَيْثُ لَوْ وقَعَتْ مِنها قَطْرَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ. وأمّا مَطْعُومُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّرِيعَ. ما هو ؟ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: لا أدْرِي ما الضَّرِيعُ ولَمْ أسْمَعْ فِيهِ مِنَ الصَّحابَةِ شَيْئًا. وثانِيها: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الضَّرِيعُ بِمَعْنى المُضْرِعِ كالألِيمِ والسَّمِيعِ والبَدِيعِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ والمُسْمِعِ والمُبْدِعِ، ومَعْناهُ إلّا مِن طَعامٍ يَحْمِلُهم عَلى أنْ يَضْرَعُوا ويَذِلُّوا عِنْدَ تَناوُلِهِ لِما فِيهِ مِنَ الخُشُونَةِ والمَرارَةِ والحَرارَةِ. وثالِثُها: أنَّ الضَّرِيعَ ما يَبِسَ مِنَ الشِّبْرِقِ، وهو جِنْسٌ مِنَ الشَّوْكِ تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: رَعى الشِّبْرِقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا عادَ عَنْهُ النَّحائِصُ جَمْعُ نُحُوصٍ وهي الحائِلُ مِنَ الإبِلِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ وأكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ. ورابِعُها: قالَ الخَلِيلُ في كِتابِهِ: ويُقالُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَّحْمِ هي الضَّرِيعُ، فَكَأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِالقِلَّةِ، فَلا جَرَمَ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ. وخامِسُها: قالَ أبُو الجَوْزاءِ: الضَّرِيعُ السَّلا، ويَقْرُبُ مِنهُ ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ شَجَرَةٌ ذاتُ شَوْكٍ، ثُمَّ قالَ أبُو الجَوْزاءِ: وكَيْفَ يَسْمَنُ مَن كانَ يَأْكُلُ الشَّوْكَ ! وفي الخَبَرِ: الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ في النّارِ شَبِيهُ الشَّوْكِ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وأنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ وأشَدُّ حَرًّا مِنَ النّارِ، قالَ القَفّالُ: والمَقْصِدُ مِن ذِكْرِ هَذا الشَّرابِ وهَذا الطَّعامِ بَيانُ نِهايَةِ ذُلِّهِمْ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا أقامُوا في تِلْكَ السَّلاسِلِ والأغْلالِ تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ عِطاشًا جِياعًا، ثُمَّ أُلْقُوا في النّارِ فَرَأوْا فِيها ماءً وشَيْئًا مِنَ النَّباتِ، فَأحَبَّ أُولَئِكَ القَوْمُ تَسْكِينَ ما بِهِمْ مِنَ العَطَشِ والجُوعِ فَوَجَدُوا الماءَ حَمِيمًا لا يَرْوِي بَلْ يَشْوِي، ووَجَدُوا النَّباتَ مِمّا لا يُشْبِعُ ولا يُغْنِي مَن جُوعٍ، فَأيِسُوا وانْقَطَعَتْ أطْماعُهم في إزالَةِ ما بِهِمْ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ، كَما قالَ: ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] وبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ لا تَزُولُ ولا تَنْقَطِعُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وقالَ هَهُنا: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] والضَّرِيعُ غَيْرُ الغِسْلِينِ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ فَمِن أهْلِ النّارِ مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ، صفحة ١٤٠ ومِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ، لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ. الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الغِسْلِينُ مِنَ الضَّرِيعِ ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: مالِي طَعامٌ إلّا مِنَ الشّاةِ، ثُمَّ يَقُولُ: مالِي طَعامٌ إلّا مِنَ اللَّبَنِ، ولا تَناقُضَ لِأنَّ اللَّبَنَ مِنَ الشّاةِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يُوجَدُ النَّبْتُ في النّارِ ؟ الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ الضَّرِيعَ نَبْتٌ في النّارِ يَأْكُلُونَهُ، ولَكِنَّهُ ضَرْبٌ مِثْلُهُ، أيْ: أنَّهم يَقْتاتُونَ بِما لا يُشْبِعُهم أوْ يُعَذَّبُونَ بِالجُوعِ كَما يُعَذَّبُ مَن قُوتُهُ الضَّرِيعُ. الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّبْتَ يُوجَدُ في النّارِ ؟ فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يُسْتَبْعَدْ بَقاءُ بَدَنِ الإنْسانِ مَعَ كَوْنِهِ لَحْمًا ودَمًا في النّارِ أبَدَ الآبادِ، فَكَذا هَهُنا وكَذا القَوْلُ في سَلاسِلِ النّارِ وأغْلالِها وعَقارِبِها وحَيّاتِها.

الغاشية 88:6

وأمّا مَشْرُوبُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ الآنِي الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ. وفي الحَدِيثِ: ”«أنَّ رَجُلًا أخَّرَ حُضُورَ الجُمُعَةِ ثُمَّ تَخَطّى رِقابَ النّاسِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: آنَيْتَ وآذَيْتَ» “ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ حَرَّها بَلَغَ إلى حَيْثُ لَوْ وقَعَتْ مِنها قَطْرَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ. وأمّا مَطْعُومُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّرِيعَ. ما هو ؟ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: لا أدْرِي ما الضَّرِيعُ ولَمْ أسْمَعْ فِيهِ مِنَ الصَّحابَةِ شَيْئًا. وثانِيها: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الضَّرِيعُ بِمَعْنى المُضْرِعِ كالألِيمِ والسَّمِيعِ والبَدِيعِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ والمُسْمِعِ والمُبْدِعِ، ومَعْناهُ إلّا مِن طَعامٍ يَحْمِلُهم عَلى أنْ يَضْرَعُوا ويَذِلُّوا عِنْدَ تَناوُلِهِ لِما فِيهِ مِنَ الخُشُونَةِ والمَرارَةِ والحَرارَةِ. وثالِثُها: أنَّ الضَّرِيعَ ما يَبِسَ مِنَ الشِّبْرِقِ، وهو جِنْسٌ مِنَ الشَّوْكِ تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: رَعى الشِّبْرِقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا عادَ عَنْهُ النَّحائِصُ جَمْعُ نُحُوصٍ وهي الحائِلُ مِنَ الإبِلِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ وأكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ. ورابِعُها: قالَ الخَلِيلُ في كِتابِهِ: ويُقالُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَّحْمِ هي الضَّرِيعُ، فَكَأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِالقِلَّةِ، فَلا جَرَمَ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ. وخامِسُها: قالَ أبُو الجَوْزاءِ: الضَّرِيعُ السَّلا، ويَقْرُبُ مِنهُ ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ شَجَرَةٌ ذاتُ شَوْكٍ، ثُمَّ قالَ أبُو الجَوْزاءِ: وكَيْفَ يَسْمَنُ مَن كانَ يَأْكُلُ الشَّوْكَ ! وفي الخَبَرِ: الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ في النّارِ شَبِيهُ الشَّوْكِ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وأنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ وأشَدُّ حَرًّا مِنَ النّارِ، قالَ القَفّالُ: والمَقْصِدُ مِن ذِكْرِ هَذا الشَّرابِ وهَذا الطَّعامِ بَيانُ نِهايَةِ ذُلِّهِمْ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا أقامُوا في تِلْكَ السَّلاسِلِ والأغْلالِ تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ عِطاشًا جِياعًا، ثُمَّ أُلْقُوا في النّارِ فَرَأوْا فِيها ماءً وشَيْئًا مِنَ النَّباتِ، فَأحَبَّ أُولَئِكَ القَوْمُ تَسْكِينَ ما بِهِمْ مِنَ العَطَشِ والجُوعِ فَوَجَدُوا الماءَ حَمِيمًا لا يَرْوِي بَلْ يَشْوِي، ووَجَدُوا النَّباتَ مِمّا لا يُشْبِعُ ولا يُغْنِي مَن جُوعٍ، فَأيِسُوا وانْقَطَعَتْ أطْماعُهم في إزالَةِ ما بِهِمْ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ، كَما قالَ: ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] وبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ لا تَزُولُ ولا تَنْقَطِعُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وقالَ هَهُنا: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] والضَّرِيعُ غَيْرُ الغِسْلِينِ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ فَمِن أهْلِ النّارِ مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ، صفحة ١٤٠ ومِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ، لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ. الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الغِسْلِينُ مِنَ الضَّرِيعِ ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: مالِي طَعامٌ إلّا مِنَ الشّاةِ، ثُمَّ يَقُولُ: مالِي طَعامٌ إلّا مِنَ اللَّبَنِ، ولا تَناقُضَ لِأنَّ اللَّبَنَ مِنَ الشّاةِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يُوجَدُ النَّبْتُ في النّارِ ؟ الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ الضَّرِيعَ نَبْتٌ في النّارِ يَأْكُلُونَهُ، ولَكِنَّهُ ضَرْبٌ مِثْلُهُ، أيْ: أنَّهم يَقْتاتُونَ بِما لا يُشْبِعُهم أوْ يُعَذَّبُونَ بِالجُوعِ كَما يُعَذَّبُ مَن قُوتُهُ الضَّرِيعُ. الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّبْتَ يُوجَدُ في النّارِ ؟ فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يُسْتَبْعَدْ بَقاءُ بَدَنِ الإنْسانِ مَعَ كَوْنِهِ لَحْمًا ودَمًا في النّارِ أبَدَ الآبادِ، فَكَذا هَهُنا وكَذا القَوْلُ في سَلاسِلِ النّارِ وأغْلالِها وعَقارِبِها وحَيّاتِها.

الغاشية 88:7

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ فَهو مَرْفُوعُ المَحَلِّ أوْ مَجْرُورُهُ عَلى وصْفِ طَعامٍ أوْ ضَرِيعٍ، وأمّا المَعْنى فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ طَعامَهم لَيْسَ مِن جِنْسِ مَطاعِمِ الإنْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ الشَّوْكِ والشَّوْكُ مِمّا يَرْعاهُ الإبِلُ، وهَذا النَّوْعُ مِمّا يَنْفِرُ عَنْهُ الإبِلُ، فَإذَنْ مَنفَعَتا الغِذاءِ مُنْتَفِيَتانِ عَنْهُ، وهُما إماطَةُ الجُوعِ وإفادَةُ القُوَّةِ والسِّمَنِ في البَدَنِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا طَعامَ لَهم أصْلًا لِأنَّ الضَّرِيعَ لَيْسَ بِطَعامٍ لِلْبَهائِمِ فَضْلًا عَنِ الإنْسِ لِأنَّ الطَّعامَ ما أشْبَعَ وأسْمَنَ وهو مِنهُما بِمَعْزِلٍ، كَما تَقُولُ: لَيْسَ لِفُلانٍ ظِلٌّ إلّا الشَّمْسَ تُرِيدُ نَفْيَ الظِّلِّ عَلى التَّوْكِيدِ. وثالِثُها: رُوِيَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالَتْ: إنَّ الضَّرِيعَ لَتَسْمَنُ عَلَيْهِ إبِلُنا، فَنَزَلَتْ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَتَعَنَّتُوا بِذَلِكَ الكَلامِ كَذِبًا فَيُرَدُّ قَوْلُهم بِنَفْيِ السِّمَنِ والشِّبَعِ، وإمّا أنْ يَصْدُقُوا فَيَكُونَ المَعْنى أنَّ طَعامَهم مِن ضَرِيعٍ لَيْسَ مِن جِنْسِ ضَرِيعِكم، إنَّما هو مِن ضَرِيعٍ غَيْرِ مُسْمِنٍ ولا مُغْنٍ مِن جُوعٍ، قالَ القاضِي: يَجِبُ في كُلِّ طَعامِهِمْ أنْ لا يُغْنِيَ مِن جُوعٍ لِأنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ ورَأْفَةٌ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في العِقابِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ، أتْبَعَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، فَذَكَرَ وصْفَ أهْلِ الثَّوابِ أوَّلًا، ثُمَّ وصَفَ دارَ الثَّوابِ ثانِيًا، أمّا وصْفُ أهْلِ الثَّوابِ فَبِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: في ظاهِرِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ بَهْجَةٍ وحُسْنٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] أوْ مُتَنَعِّمَةٌ.

الغاشية 88:8

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ فَهو مَرْفُوعُ المَحَلِّ أوْ مَجْرُورُهُ عَلى وصْفِ طَعامٍ أوْ ضَرِيعٍ، وأمّا المَعْنى فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ طَعامَهم لَيْسَ مِن جِنْسِ مَطاعِمِ الإنْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ الشَّوْكِ والشَّوْكُ مِمّا يَرْعاهُ الإبِلُ، وهَذا النَّوْعُ مِمّا يَنْفِرُ عَنْهُ الإبِلُ، فَإذَنْ مَنفَعَتا الغِذاءِ مُنْتَفِيَتانِ عَنْهُ، وهُما إماطَةُ الجُوعِ وإفادَةُ القُوَّةِ والسِّمَنِ في البَدَنِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا طَعامَ لَهم أصْلًا لِأنَّ الضَّرِيعَ لَيْسَ بِطَعامٍ لِلْبَهائِمِ فَضْلًا عَنِ الإنْسِ لِأنَّ الطَّعامَ ما أشْبَعَ وأسْمَنَ وهو مِنهُما بِمَعْزِلٍ، كَما تَقُولُ: لَيْسَ لِفُلانٍ ظِلٌّ إلّا الشَّمْسَ تُرِيدُ نَفْيَ الظِّلِّ عَلى التَّوْكِيدِ. وثالِثُها: رُوِيَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالَتْ: إنَّ الضَّرِيعَ لَتَسْمَنُ عَلَيْهِ إبِلُنا، فَنَزَلَتْ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَتَعَنَّتُوا بِذَلِكَ الكَلامِ كَذِبًا فَيُرَدُّ قَوْلُهم بِنَفْيِ السِّمَنِ والشِّبَعِ، وإمّا أنْ يَصْدُقُوا فَيَكُونَ المَعْنى أنَّ طَعامَهم مِن ضَرِيعٍ لَيْسَ مِن جِنْسِ ضَرِيعِكم، إنَّما هو مِن ضَرِيعٍ غَيْرِ مُسْمِنٍ ولا مُغْنٍ مِن جُوعٍ، قالَ القاضِي: يَجِبُ في كُلِّ طَعامِهِمْ أنْ لا يُغْنِيَ مِن جُوعٍ لِأنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ ورَأْفَةٌ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في العِقابِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ، أتْبَعَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، فَذَكَرَ وصْفَ أهْلِ الثَّوابِ أوَّلًا، ثُمَّ وصَفَ دارَ الثَّوابِ ثانِيًا، أمّا وصْفُ أهْلِ الثَّوابِ فَبِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: في ظاهِرِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ بَهْجَةٍ وحُسْنٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] أوْ مُتَنَعِّمَةٌ.

الغاشية 88:9

والثّانِي: في باطِنِهِمْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَمِدُوا سَعْيَهم واجْتِهادَهم في العَمَلِ لِلَّهِ؛ لِما فازُوا بِسَبَبِهِ مِنَ العاقِبَةِ الحَمِيدَةِ، كالرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُجْزى عَلَيْهِ بِالجَمِيلِ، ويُظْهِرُ لَهُ مِنهُ عاقِبَةً مَحْمُودَةً فَيَقُولُ: ما أحْسَنَ ما عَمِلْتُ، ولَقَدْ وُفِّقْتُ لِلصَّوابِ فِيما صَنَعْتُ، فَيُثَنِي عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ ويَرْضاهُ. والثّانِي: المُرادُ لِثَوابِ سَعْيِها في الدُّنْيا راضِيَةٌ إذا شاهَدُوا ذَلِكَ الثَّوابَ، وهَذا أوْلى إذِ المُرادُ أنَّ الَّذِي يُشاهِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ يَبْلُغُ حَدَّ الرِّضا حَتّى لا يُرِيدُوا أكْثَرَ مِنهُ، وأمّا وصْفُ دارِ الثَّوابِ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَها بِأُمُورٍ سَبْعَةٍ: صفحة ١٤١ أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في المَكانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ والمَنقَبَةِ، أمّا العُلُوُّ في المَكانِ فَذاكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، قالَ عَطاءٌ: الدَّرَجَةُ مِثْلُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ”لا تَسْمَعُ“ ثَلاثُ قِراءاتٍ: أحَدُها: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ”لاغِيَةً“ بِالنَّصْبِ والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو النَّبِيَّ ﷺ وأنْ يَكُونَ لا تَسْمَعُ يا مُخاطَبَ فِيها لاغِيَةً، وهَذا يُفِيدُ السَّماعَ في الخِطابِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهُمْ﴾ [الإنسان: ١٩] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التّاءُ عائِدَةً إلى وُجُوهِ، والمَعْنى لا تَسْمَعُ الوُجُوهُ فِيها لاغِيَةً. وثانِيها: قَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ مَرْفُوعَةً عَلى التَّأْنِيثِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”لا يُسْمَعُ“ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ مَضْمُومَةً عَلى التَّذْكِيرِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وذَلِكَ جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الضَّرْبَ مِنَ المُؤَنَّثِ إذا تَقَدَّمَ فِعْلُهُ وكانَ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ حائِلٌ حَسُنَ التَّذْكِيرُ، قالَ الشّاعِرُ: إنِ امْرَأٌ غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِاللّاغِيَةِ اللَّغْوُ، فالتَّأْنِيثُ عَلى اللَّفْظِ والتَّذْكِيرُ عَلى المَعْنى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِأهْلِ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لاغِيَةً﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُقالُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا ولاغِيَةً، فاللّاغِيَةُ واللَّغْوُ شَيْءٌ واحِدٌ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ صِفَةً والمَعْنى لا يَسْمَعُ كَلِمَةً لاغِيَةً. وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لاغِيَةً“ أيْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ كَما تَقُولُ: فارِسٌ ودارِعٌ لِصاحِبِ الفَرَسِ والدِّرْعِ، وأمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ فَلَهم وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الجَنَّةَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ اللَّغْوِ لِأنَّها مَنزِلُ جِيرانِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما نالُوها بِالجِدِّ والحَقِّ لا بِاللَّغْوِ والباطِلِ، وهَكَذا كُلُّ مَجْلِسٍ في الدُّنْيا شَرِيفٌ مُكَرَّمٌ فَإنَّهُ يَكُونُ مُبَرَّأً عَنِ اللَّغْوِ وكُلُّ ما كانَ أبْلَغَ في هَذا كانَ أكْثَرَ جَلالَةً، هَذا ما قَرَّرَهُ القَفّالُ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ لا يَتَكَلَّمُ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا بِالحِكْمَةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ. والثّالِثُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ لا تَسْمَعُ فِيها كَذِبًا ولا بُهْتانًا ولا كُفْرًا بِاللَّهِ ولا شَتْمًا. والرّابِعُ: قالَ مُقاتِلٌ: لا يَسْمَعُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ الحَلِفَ عِنْدَ شَرابٍ كَما يَحْلِفُ أهْلُ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ ما قَرَّرَهُ القَفّالُ. الخامِسُ: قالَ القاضِي: اللَّغْوُ ما لا فائِدَةَ فِيهِ، فاللَّهُ تَعالى نَفى عَنْهم ذَلِكَ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يُؤْذِي سامِعَهُ عَلى طَرِيقِ الأوْلى.

الغاشية 88:10

والثّانِي: في باطِنِهِمْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَمِدُوا سَعْيَهم واجْتِهادَهم في العَمَلِ لِلَّهِ؛ لِما فازُوا بِسَبَبِهِ مِنَ العاقِبَةِ الحَمِيدَةِ، كالرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُجْزى عَلَيْهِ بِالجَمِيلِ، ويُظْهِرُ لَهُ مِنهُ عاقِبَةً مَحْمُودَةً فَيَقُولُ: ما أحْسَنَ ما عَمِلْتُ، ولَقَدْ وُفِّقْتُ لِلصَّوابِ فِيما صَنَعْتُ، فَيُثَنِي عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ ويَرْضاهُ. والثّانِي: المُرادُ لِثَوابِ سَعْيِها في الدُّنْيا راضِيَةٌ إذا شاهَدُوا ذَلِكَ الثَّوابَ، وهَذا أوْلى إذِ المُرادُ أنَّ الَّذِي يُشاهِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ يَبْلُغُ حَدَّ الرِّضا حَتّى لا يُرِيدُوا أكْثَرَ مِنهُ، وأمّا وصْفُ دارِ الثَّوابِ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَها بِأُمُورٍ سَبْعَةٍ: صفحة ١٤١ أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في المَكانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ والمَنقَبَةِ، أمّا العُلُوُّ في المَكانِ فَذاكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، قالَ عَطاءٌ: الدَّرَجَةُ مِثْلُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ”لا تَسْمَعُ“ ثَلاثُ قِراءاتٍ: أحَدُها: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ”لاغِيَةً“ بِالنَّصْبِ والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو النَّبِيَّ ﷺ وأنْ يَكُونَ لا تَسْمَعُ يا مُخاطَبَ فِيها لاغِيَةً، وهَذا يُفِيدُ السَّماعَ في الخِطابِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهُمْ﴾ [الإنسان: ١٩] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التّاءُ عائِدَةً إلى وُجُوهِ، والمَعْنى لا تَسْمَعُ الوُجُوهُ فِيها لاغِيَةً. وثانِيها: قَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ مَرْفُوعَةً عَلى التَّأْنِيثِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”لا يُسْمَعُ“ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ مَضْمُومَةً عَلى التَّذْكِيرِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وذَلِكَ جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الضَّرْبَ مِنَ المُؤَنَّثِ إذا تَقَدَّمَ فِعْلُهُ وكانَ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ حائِلٌ حَسُنَ التَّذْكِيرُ، قالَ الشّاعِرُ: إنِ امْرَأٌ غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِاللّاغِيَةِ اللَّغْوُ، فالتَّأْنِيثُ عَلى اللَّفْظِ والتَّذْكِيرُ عَلى المَعْنى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِأهْلِ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لاغِيَةً﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُقالُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا ولاغِيَةً، فاللّاغِيَةُ واللَّغْوُ شَيْءٌ واحِدٌ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ صِفَةً والمَعْنى لا يَسْمَعُ كَلِمَةً لاغِيَةً. وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لاغِيَةً“ أيْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ كَما تَقُولُ: فارِسٌ ودارِعٌ لِصاحِبِ الفَرَسِ والدِّرْعِ، وأمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ فَلَهم وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الجَنَّةَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ اللَّغْوِ لِأنَّها مَنزِلُ جِيرانِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما نالُوها بِالجِدِّ والحَقِّ لا بِاللَّغْوِ والباطِلِ، وهَكَذا كُلُّ مَجْلِسٍ في الدُّنْيا شَرِيفٌ مُكَرَّمٌ فَإنَّهُ يَكُونُ مُبَرَّأً عَنِ اللَّغْوِ وكُلُّ ما كانَ أبْلَغَ في هَذا كانَ أكْثَرَ جَلالَةً، هَذا ما قَرَّرَهُ القَفّالُ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ لا يَتَكَلَّمُ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا بِالحِكْمَةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ. والثّالِثُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ لا تَسْمَعُ فِيها كَذِبًا ولا بُهْتانًا ولا كُفْرًا بِاللَّهِ ولا شَتْمًا. والرّابِعُ: قالَ مُقاتِلٌ: لا يَسْمَعُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ الحَلِفَ عِنْدَ شَرابٍ كَما يَحْلِفُ أهْلُ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ ما قَرَّرَهُ القَفّالُ. الخامِسُ: قالَ القاضِي: اللَّغْوُ ما لا فائِدَةَ فِيهِ، فاللَّهُ تَعالى نَفى عَنْهم ذَلِكَ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يُؤْذِي سامِعَهُ عَلى طَرِيقِ الأوْلى.

الغاشية 88:11

والثّانِي: في باطِنِهِمْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَمِدُوا سَعْيَهم واجْتِهادَهم في العَمَلِ لِلَّهِ؛ لِما فازُوا بِسَبَبِهِ مِنَ العاقِبَةِ الحَمِيدَةِ، كالرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُجْزى عَلَيْهِ بِالجَمِيلِ، ويُظْهِرُ لَهُ مِنهُ عاقِبَةً مَحْمُودَةً فَيَقُولُ: ما أحْسَنَ ما عَمِلْتُ، ولَقَدْ وُفِّقْتُ لِلصَّوابِ فِيما صَنَعْتُ، فَيُثَنِي عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ ويَرْضاهُ. والثّانِي: المُرادُ لِثَوابِ سَعْيِها في الدُّنْيا راضِيَةٌ إذا شاهَدُوا ذَلِكَ الثَّوابَ، وهَذا أوْلى إذِ المُرادُ أنَّ الَّذِي يُشاهِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ يَبْلُغُ حَدَّ الرِّضا حَتّى لا يُرِيدُوا أكْثَرَ مِنهُ، وأمّا وصْفُ دارِ الثَّوابِ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَها بِأُمُورٍ سَبْعَةٍ: صفحة ١٤١ أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في المَكانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ والمَنقَبَةِ، أمّا العُلُوُّ في المَكانِ فَذاكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، قالَ عَطاءٌ: الدَّرَجَةُ مِثْلُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ”لا تَسْمَعُ“ ثَلاثُ قِراءاتٍ: أحَدُها: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ”لاغِيَةً“ بِالنَّصْبِ والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو النَّبِيَّ ﷺ وأنْ يَكُونَ لا تَسْمَعُ يا مُخاطَبَ فِيها لاغِيَةً، وهَذا يُفِيدُ السَّماعَ في الخِطابِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهُمْ﴾ [الإنسان: ١٩] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التّاءُ عائِدَةً إلى وُجُوهِ، والمَعْنى لا تَسْمَعُ الوُجُوهُ فِيها لاغِيَةً. وثانِيها: قَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ مَرْفُوعَةً عَلى التَّأْنِيثِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”لا يُسْمَعُ“ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ مَضْمُومَةً عَلى التَّذْكِيرِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وذَلِكَ جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الضَّرْبَ مِنَ المُؤَنَّثِ إذا تَقَدَّمَ فِعْلُهُ وكانَ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ حائِلٌ حَسُنَ التَّذْكِيرُ، قالَ الشّاعِرُ: إنِ امْرَأٌ غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِاللّاغِيَةِ اللَّغْوُ، فالتَّأْنِيثُ عَلى اللَّفْظِ والتَّذْكِيرُ عَلى المَعْنى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِأهْلِ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لاغِيَةً﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُقالُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا ولاغِيَةً، فاللّاغِيَةُ واللَّغْوُ شَيْءٌ واحِدٌ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ صِفَةً والمَعْنى لا يَسْمَعُ كَلِمَةً لاغِيَةً. وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لاغِيَةً“ أيْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ كَما تَقُولُ: فارِسٌ ودارِعٌ لِصاحِبِ الفَرَسِ والدِّرْعِ، وأمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ فَلَهم وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الجَنَّةَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ اللَّغْوِ لِأنَّها مَنزِلُ جِيرانِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما نالُوها بِالجِدِّ والحَقِّ لا بِاللَّغْوِ والباطِلِ، وهَكَذا كُلُّ مَجْلِسٍ في الدُّنْيا شَرِيفٌ مُكَرَّمٌ فَإنَّهُ يَكُونُ مُبَرَّأً عَنِ اللَّغْوِ وكُلُّ ما كانَ أبْلَغَ في هَذا كانَ أكْثَرَ جَلالَةً، هَذا ما قَرَّرَهُ القَفّالُ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ لا يَتَكَلَّمُ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا بِالحِكْمَةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ. والثّالِثُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ لا تَسْمَعُ فِيها كَذِبًا ولا بُهْتانًا ولا كُفْرًا بِاللَّهِ ولا شَتْمًا. والرّابِعُ: قالَ مُقاتِلٌ: لا يَسْمَعُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ الحَلِفَ عِنْدَ شَرابٍ كَما يَحْلِفُ أهْلُ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ ما قَرَّرَهُ القَفّالُ. الخامِسُ: قالَ القاضِي: اللَّغْوُ ما لا فائِدَةَ فِيهِ، فاللَّهُ تَعالى نَفى عَنْهم ذَلِكَ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يُؤْذِي سامِعَهُ عَلى طَرِيقِ الأوْلى.

الغاشية 88:12

والثّانِي: في باطِنِهِمْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَمِدُوا سَعْيَهم واجْتِهادَهم في العَمَلِ لِلَّهِ؛ لِما فازُوا بِسَبَبِهِ مِنَ العاقِبَةِ الحَمِيدَةِ، كالرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُجْزى عَلَيْهِ بِالجَمِيلِ، ويُظْهِرُ لَهُ مِنهُ عاقِبَةً مَحْمُودَةً فَيَقُولُ: ما أحْسَنَ ما عَمِلْتُ، ولَقَدْ وُفِّقْتُ لِلصَّوابِ فِيما صَنَعْتُ، فَيُثَنِي عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ ويَرْضاهُ. والثّانِي: المُرادُ لِثَوابِ سَعْيِها في الدُّنْيا راضِيَةٌ إذا شاهَدُوا ذَلِكَ الثَّوابَ، وهَذا أوْلى إذِ المُرادُ أنَّ الَّذِي يُشاهِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ يَبْلُغُ حَدَّ الرِّضا حَتّى لا يُرِيدُوا أكْثَرَ مِنهُ، وأمّا وصْفُ دارِ الثَّوابِ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَها بِأُمُورٍ سَبْعَةٍ: صفحة ١٤١ أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في المَكانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ والمَنقَبَةِ، أمّا العُلُوُّ في المَكانِ فَذاكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، قالَ عَطاءٌ: الدَّرَجَةُ مِثْلُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ”لا تَسْمَعُ“ ثَلاثُ قِراءاتٍ: أحَدُها: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ”لاغِيَةً“ بِالنَّصْبِ والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو النَّبِيَّ ﷺ وأنْ يَكُونَ لا تَسْمَعُ يا مُخاطَبَ فِيها لاغِيَةً، وهَذا يُفِيدُ السَّماعَ في الخِطابِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهُمْ﴾ [الإنسان: ١٩] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التّاءُ عائِدَةً إلى وُجُوهِ، والمَعْنى لا تَسْمَعُ الوُجُوهُ فِيها لاغِيَةً. وثانِيها: قَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ مَرْفُوعَةً عَلى التَّأْنِيثِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”لا يُسْمَعُ“ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ مَضْمُومَةً عَلى التَّذْكِيرِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وذَلِكَ جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الضَّرْبَ مِنَ المُؤَنَّثِ إذا تَقَدَّمَ فِعْلُهُ وكانَ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ حائِلٌ حَسُنَ التَّذْكِيرُ، قالَ الشّاعِرُ: إنِ امْرَأٌ غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِاللّاغِيَةِ اللَّغْوُ، فالتَّأْنِيثُ عَلى اللَّفْظِ والتَّذْكِيرُ عَلى المَعْنى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِأهْلِ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لاغِيَةً﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُقالُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا ولاغِيَةً، فاللّاغِيَةُ واللَّغْوُ شَيْءٌ واحِدٌ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ صِفَةً والمَعْنى لا يَسْمَعُ كَلِمَةً لاغِيَةً. وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لاغِيَةً“ أيْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ كَما تَقُولُ: فارِسٌ ودارِعٌ لِصاحِبِ الفَرَسِ والدِّرْعِ، وأمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ فَلَهم وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الجَنَّةَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ اللَّغْوِ لِأنَّها مَنزِلُ جِيرانِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما نالُوها بِالجِدِّ والحَقِّ لا بِاللَّغْوِ والباطِلِ، وهَكَذا كُلُّ مَجْلِسٍ في الدُّنْيا شَرِيفٌ مُكَرَّمٌ فَإنَّهُ يَكُونُ مُبَرَّأً عَنِ اللَّغْوِ وكُلُّ ما كانَ أبْلَغَ في هَذا كانَ أكْثَرَ جَلالَةً، هَذا ما قَرَّرَهُ القَفّالُ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ لا يَتَكَلَّمُ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا بِالحِكْمَةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ. والثّالِثُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ لا تَسْمَعُ فِيها كَذِبًا ولا بُهْتانًا ولا كُفْرًا بِاللَّهِ ولا شَتْمًا. والرّابِعُ: قالَ مُقاتِلٌ: لا يَسْمَعُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ الحَلِفَ عِنْدَ شَرابٍ كَما يَحْلِفُ أهْلُ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ ما قَرَّرَهُ القَفّالُ. الخامِسُ: قالَ القاضِي: اللَّغْوُ ما لا فائِدَةَ فِيهِ، فاللَّهُ تَعالى نَفى عَنْهم ذَلِكَ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يُؤْذِي سامِعَهُ عَلى طَرِيقِ الأوْلى.

الغاشية 88:13

والثّانِي: في باطِنِهِمْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَمِدُوا سَعْيَهم واجْتِهادَهم في العَمَلِ لِلَّهِ؛ لِما فازُوا بِسَبَبِهِ مِنَ العاقِبَةِ الحَمِيدَةِ، كالرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُجْزى عَلَيْهِ بِالجَمِيلِ، ويُظْهِرُ لَهُ مِنهُ عاقِبَةً مَحْمُودَةً فَيَقُولُ: ما أحْسَنَ ما عَمِلْتُ، ولَقَدْ وُفِّقْتُ لِلصَّوابِ فِيما صَنَعْتُ، فَيُثَنِي عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ ويَرْضاهُ. والثّانِي: المُرادُ لِثَوابِ سَعْيِها في الدُّنْيا راضِيَةٌ إذا شاهَدُوا ذَلِكَ الثَّوابَ، وهَذا أوْلى إذِ المُرادُ أنَّ الَّذِي يُشاهِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ يَبْلُغُ حَدَّ الرِّضا حَتّى لا يُرِيدُوا أكْثَرَ مِنهُ، وأمّا وصْفُ دارِ الثَّوابِ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَها بِأُمُورٍ سَبْعَةٍ: صفحة ١٤١ أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في المَكانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ والمَنقَبَةِ، أمّا العُلُوُّ في المَكانِ فَذاكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، قالَ عَطاءٌ: الدَّرَجَةُ مِثْلُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ”لا تَسْمَعُ“ ثَلاثُ قِراءاتٍ: أحَدُها: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ”لاغِيَةً“ بِالنَّصْبِ والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو النَّبِيَّ ﷺ وأنْ يَكُونَ لا تَسْمَعُ يا مُخاطَبَ فِيها لاغِيَةً، وهَذا يُفِيدُ السَّماعَ في الخِطابِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهُمْ﴾ [الإنسان: ١٩] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التّاءُ عائِدَةً إلى وُجُوهِ، والمَعْنى لا تَسْمَعُ الوُجُوهُ فِيها لاغِيَةً. وثانِيها: قَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ مَرْفُوعَةً عَلى التَّأْنِيثِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”لا يُسْمَعُ“ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ مَضْمُومَةً عَلى التَّذْكِيرِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وذَلِكَ جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الضَّرْبَ مِنَ المُؤَنَّثِ إذا تَقَدَّمَ فِعْلُهُ وكانَ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ حائِلٌ حَسُنَ التَّذْكِيرُ، قالَ الشّاعِرُ: إنِ امْرَأٌ غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِاللّاغِيَةِ اللَّغْوُ، فالتَّأْنِيثُ عَلى اللَّفْظِ والتَّذْكِيرُ عَلى المَعْنى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِأهْلِ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لاغِيَةً﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُقالُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا ولاغِيَةً، فاللّاغِيَةُ واللَّغْوُ شَيْءٌ واحِدٌ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ صِفَةً والمَعْنى لا يَسْمَعُ كَلِمَةً لاغِيَةً. وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لاغِيَةً“ أيْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ كَما تَقُولُ: فارِسٌ ودارِعٌ لِصاحِبِ الفَرَسِ والدِّرْعِ، وأمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ فَلَهم وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الجَنَّةَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ اللَّغْوِ لِأنَّها مَنزِلُ جِيرانِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما نالُوها بِالجِدِّ والحَقِّ لا بِاللَّغْوِ والباطِلِ، وهَكَذا كُلُّ مَجْلِسٍ في الدُّنْيا شَرِيفٌ مُكَرَّمٌ فَإنَّهُ يَكُونُ مُبَرَّأً عَنِ اللَّغْوِ وكُلُّ ما كانَ أبْلَغَ في هَذا كانَ أكْثَرَ جَلالَةً، هَذا ما قَرَّرَهُ القَفّالُ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ لا يَتَكَلَّمُ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا بِالحِكْمَةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ. والثّالِثُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ لا تَسْمَعُ فِيها كَذِبًا ولا بُهْتانًا ولا كُفْرًا بِاللَّهِ ولا شَتْمًا. والرّابِعُ: قالَ مُقاتِلٌ: لا يَسْمَعُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ الحَلِفَ عِنْدَ شَرابٍ كَما يَحْلِفُ أهْلُ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ ما قَرَّرَهُ القَفّالُ. الخامِسُ: قالَ القاضِي: اللَّغْوُ ما لا فائِدَةَ فِيهِ، فاللَّهُ تَعالى نَفى عَنْهم ذَلِكَ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يُؤْذِي سامِعَهُ عَلى طَرِيقِ الأوْلى.

الغاشية 88:14

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ لِلْجَنَّةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يُرِيدُ عُيُونًا في غايَةِ الكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [الانفطار: ٥] قالَ القَفّالُ: فِيها عَيْنُ شَرابٍ جارِيَةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ في غَيْرِ أُخْدُودٍ وتَجْرِي لَهم كَما أرادُوا، قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ غَيْرِهِ. صفحة ١٤٢ الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ في الهَواءِ وذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَرى المُؤْمِنَ إذا جَلَسَ عَلَيْها جَمِيعَ ما أعْطاهُ رَبُّهُ في الجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ، وقالَ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ: بَلَغَنا أنَّها بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَيَرْتَفِعُ ما شاءَ اللَّهُ فَإذا جاءَ ولِيُّ اللَّهِ لِيَجْلِسَ عَلَيْها تَطامَنَتْ لَهُ فَإذا اسْتَوى عَلَيْها ارْتَفَعَتْ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ كانَ الثّانِي أيْضًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لِأنَّ ذَلِكَ بِما كانَ أعْظَمَ في سُرُورِ المُكَلَّفِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي سُرُرٌ ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ مُرْتَفِعَةٌ في السَّماءِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ الأكْوابُ الكِيزانُ الَّتِي لا عُرى لَها قالَ قَتادَةُ: فَهي دُونُ الأبارِيقِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها مُعَدَّةٌ لِأهْلِها كالرَّجُلِ يَلْتَمِسُ مِنَ الرَّجُلِ شَيْئًا فَيَقُولُ هو هَهُنا مَوْضُوعٌ بِمَعْنى مُعَدٍّ. وثانِيها: مَوْضُوعَةٌ عَلى حافّاتِ العُيُونِ الجارِيَةِ كُلَّما أرادُوا الشُّرْبَ وجَدُوها مَمْلُوءَةً مِنَ الشَّرابِ. وثالِثُها: مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِاسْتِحْسانِهِمْ إيّاها بِسَبَبِ كَوْنِها مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ أوْ مِن جَوْهَرٍ، وتَلَذُّذِهِمْ بِالشَّرابِ مِنها. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَوْضُوعَةً عَنْ حَدِّ الكِبَرِ أيْ هي أوْساطٌ بَيْنَ الصِّغَرِ والكِبَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ . النَّمارِقُ هي الوَسائِدُ في قَوْلِ الجَمِيعِ واحِدُها ”نُمْرُقَةٌ“ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ ”نِمْرِقَةً“ بِكَسْرِ النُّونِ، قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى جانِبِ بَعْضٍ أيْنَما أرادَ أنْ يَجْلِسَ جَلَسَ عَلى واحِدَةٍ واسْتَنَدَ إلى أُخْرى. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ والطَّنافِسَ واحِدُها زِرْبِيَّةٌ وزِرْبِيٌّ بِكَسْرِ الزّايِ في قَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، وتَفْسِيرُ ”مَبْثُوثَةٌ“ مَبْسُوطَةٌ مَنشُورَةٌ أوْ مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.

الغاشية 88:15

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ لِلْجَنَّةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يُرِيدُ عُيُونًا في غايَةِ الكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [الانفطار: ٥] قالَ القَفّالُ: فِيها عَيْنُ شَرابٍ جارِيَةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ في غَيْرِ أُخْدُودٍ وتَجْرِي لَهم كَما أرادُوا، قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ غَيْرِهِ. صفحة ١٤٢ الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ في الهَواءِ وذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَرى المُؤْمِنَ إذا جَلَسَ عَلَيْها جَمِيعَ ما أعْطاهُ رَبُّهُ في الجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ، وقالَ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ: بَلَغَنا أنَّها بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَيَرْتَفِعُ ما شاءَ اللَّهُ فَإذا جاءَ ولِيُّ اللَّهِ لِيَجْلِسَ عَلَيْها تَطامَنَتْ لَهُ فَإذا اسْتَوى عَلَيْها ارْتَفَعَتْ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ كانَ الثّانِي أيْضًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لِأنَّ ذَلِكَ بِما كانَ أعْظَمَ في سُرُورِ المُكَلَّفِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي سُرُرٌ ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ مُرْتَفِعَةٌ في السَّماءِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ الأكْوابُ الكِيزانُ الَّتِي لا عُرى لَها قالَ قَتادَةُ: فَهي دُونُ الأبارِيقِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها مُعَدَّةٌ لِأهْلِها كالرَّجُلِ يَلْتَمِسُ مِنَ الرَّجُلِ شَيْئًا فَيَقُولُ هو هَهُنا مَوْضُوعٌ بِمَعْنى مُعَدٍّ. وثانِيها: مَوْضُوعَةٌ عَلى حافّاتِ العُيُونِ الجارِيَةِ كُلَّما أرادُوا الشُّرْبَ وجَدُوها مَمْلُوءَةً مِنَ الشَّرابِ. وثالِثُها: مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِاسْتِحْسانِهِمْ إيّاها بِسَبَبِ كَوْنِها مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ أوْ مِن جَوْهَرٍ، وتَلَذُّذِهِمْ بِالشَّرابِ مِنها. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَوْضُوعَةً عَنْ حَدِّ الكِبَرِ أيْ هي أوْساطٌ بَيْنَ الصِّغَرِ والكِبَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ . النَّمارِقُ هي الوَسائِدُ في قَوْلِ الجَمِيعِ واحِدُها ”نُمْرُقَةٌ“ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ ”نِمْرِقَةً“ بِكَسْرِ النُّونِ، قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى جانِبِ بَعْضٍ أيْنَما أرادَ أنْ يَجْلِسَ جَلَسَ عَلى واحِدَةٍ واسْتَنَدَ إلى أُخْرى. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ والطَّنافِسَ واحِدُها زِرْبِيَّةٌ وزِرْبِيٌّ بِكَسْرِ الزّايِ في قَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، وتَفْسِيرُ ”مَبْثُوثَةٌ“ مَبْسُوطَةٌ مَنشُورَةٌ أوْ مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.

الغاشية 88:16

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ لِلْجَنَّةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يُرِيدُ عُيُونًا في غايَةِ الكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [الانفطار: ٥] قالَ القَفّالُ: فِيها عَيْنُ شَرابٍ جارِيَةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ في غَيْرِ أُخْدُودٍ وتَجْرِي لَهم كَما أرادُوا، قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ غَيْرِهِ. صفحة ١٤٢ الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ في الهَواءِ وذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَرى المُؤْمِنَ إذا جَلَسَ عَلَيْها جَمِيعَ ما أعْطاهُ رَبُّهُ في الجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ، وقالَ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ: بَلَغَنا أنَّها بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَيَرْتَفِعُ ما شاءَ اللَّهُ فَإذا جاءَ ولِيُّ اللَّهِ لِيَجْلِسَ عَلَيْها تَطامَنَتْ لَهُ فَإذا اسْتَوى عَلَيْها ارْتَفَعَتْ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ كانَ الثّانِي أيْضًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لِأنَّ ذَلِكَ بِما كانَ أعْظَمَ في سُرُورِ المُكَلَّفِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي سُرُرٌ ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ مُرْتَفِعَةٌ في السَّماءِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ الأكْوابُ الكِيزانُ الَّتِي لا عُرى لَها قالَ قَتادَةُ: فَهي دُونُ الأبارِيقِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها مُعَدَّةٌ لِأهْلِها كالرَّجُلِ يَلْتَمِسُ مِنَ الرَّجُلِ شَيْئًا فَيَقُولُ هو هَهُنا مَوْضُوعٌ بِمَعْنى مُعَدٍّ. وثانِيها: مَوْضُوعَةٌ عَلى حافّاتِ العُيُونِ الجارِيَةِ كُلَّما أرادُوا الشُّرْبَ وجَدُوها مَمْلُوءَةً مِنَ الشَّرابِ. وثالِثُها: مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِاسْتِحْسانِهِمْ إيّاها بِسَبَبِ كَوْنِها مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ أوْ مِن جَوْهَرٍ، وتَلَذُّذِهِمْ بِالشَّرابِ مِنها. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَوْضُوعَةً عَنْ حَدِّ الكِبَرِ أيْ هي أوْساطٌ بَيْنَ الصِّغَرِ والكِبَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ . النَّمارِقُ هي الوَسائِدُ في قَوْلِ الجَمِيعِ واحِدُها ”نُمْرُقَةٌ“ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ ”نِمْرِقَةً“ بِكَسْرِ النُّونِ، قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى جانِبِ بَعْضٍ أيْنَما أرادَ أنْ يَجْلِسَ جَلَسَ عَلى واحِدَةٍ واسْتَنَدَ إلى أُخْرى. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ والطَّنافِسَ واحِدُها زِرْبِيَّةٌ وزِرْبِيٌّ بِكَسْرِ الزّايِ في قَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، وتَفْسِيرُ ”مَبْثُوثَةٌ“ مَبْسُوطَةٌ مَنشُورَةٌ أوْ مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.

الغاشية 88:17

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِمَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ وقَسَّمَ أهْلَ القِيامَةِ إلى قِسْمَيْنِ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ، ووَصَفَ أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ وعُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِ ذَلِكَ إلّا بِواسِطَةِ إثْباتِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، لا جَرَمَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلالَةِ فَقالَ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ المَعادِ أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ المَعادِ. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِالوَصْفِ الَّذِي لِأجْلِهِ امْتازَ عَلى الآخَرِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وإيجادِ قادِرٍ، ولَمّا رَأيْنا هَذِهِ الأجْسامَ مَخْلُوقَةً عَلى وجْهِ الإتْقانِ والإحْكامِ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الصّانِعَ عالِمٌ، ولَمّا عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الصّانِعَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخالِفًا لِخَلْقِهِ في نَعْتِ الحاجَةِ والحُدُوثِ والإمْكانِ عَلِمْنا أنَّهُ غَنِيٌّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْعالَمِ صانِعًا قادِرًا عالِمًا غَنِيًّا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في غايَةِ الحِكْمَةِ، ثُمَّ إنّا نَرى النّاسَ بَعْضَهم مُحْتاجًا إلى البَعْضِ، فَإنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِمُهِمّاتِ نَفْسِهِ، بَلْ لا بُدَّ مِن بَلْدَةٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِن أهْلِها مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ آخَرَ حَتّى يَنْتَظِمَ مِن مَجْمُوعِهِمْ مَصْلَحَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وذَلِكَ صفحة ١٤٣ الِانْتِظامُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ التَّكْلِيفِ المُشْتَمِلِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ، ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ وخَلْقِ الجَنَّةِ والنّارِ فَثَبَتَ أنَّ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ تُوجِبُ القَوْلَ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ دَلالَةَ التَّوْحِيدِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ مُجانَسَةٍ بَيْنَ الإبِلِ والسَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ، ثُمَّ لِمَ بَدَأ بِذِكْرِ الإبِلِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ مُتَساوِيَةٌ في هَذِهِ الدَّلالَةِ وذِكْرَ جَمِيعِها غَيْرُ مُمْكِنٍ لِكَثْرَتِها وأيُّ واحِدٍ مِنها ذُكِرَ دُونَ غَيْرِهِ كانَ هَذا السُّؤالُ عائِدًا، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِسُقُوطِ هَذا السُّؤالِ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ، وأيْضًا فَلَعَلَّ الحِكْمَةَ في ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي غَيْرُ مُتَناسِبَةٍ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا الوَجْهَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ بَلْ هو عامٌّ في الكُلِّ عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولَوْ ذَكَرَ غَيْرَها لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أُمُورًا غَيْرَ مُتَناسِبَةٍ بَلْ مُتَباعِدَةً جِدًّا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ جَمِيعَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ صَغِيرِها وكَبِيرِها حَسَنِها وقَبِيحِها مُتَساوِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ وعَلَيْهِ الِاعْتِمادُ. الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ نُبَيِّنَ ما في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ المَنافِعِ والخَواصِّ الدّالَّةِ عَلى الحاجَةِ إلى الصّانِعِ المُدَبِّرِ، ثُمَّ نُبَيِّنَ أنَّهُ كَيْفَ يُجانِسُ بَعْضُها بَعْضًا. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَنَقُولُ: الإبِلُ لَهُ خَواصٌّ مِنها أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الحَيَوانَ الَّذِي يُقْتَنى أصْنافًا شَتّى، فَتارَةً يُقْتَنى لِيُؤْكَلَ لَحْمُهُ وتارَةً لِيُشْرَبَ لَبَنُهُ وتارَةً لِيَحْمِلَ الإنْسانَ في الأسْفارِ وتارَةً لِيَنْقُلَ أمْتِعَةَ الإنْسانِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ وتارَةً لِيَكُونَ لَهُ بِهِ زِينَةٌ وجَمالٌ، وهَذِهِ المَنافِعُ بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الإبِلِ، وقَدْ أبانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢]، وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] وإنَّ شَيْئًا مِن سائِرِ الحَيَواناتِ لا يَجْتَمِعُ فِيهِ هَذِهِ الخِصالُ فَكانَ اجْتِماعُ هَذِهِ الخِصالِ فِيهِ مِنَ العَجائِبِ. وثانِيها: أنَّهُ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ أفْضَلُ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُوجَدُ فِيهِ إلّا تِلْكَ الخَصْلَةُ لِأنَّها إنْ جُعِلَتْ حَلُوبَةً سَقَتْ فَأرْوَتِ الكَثِيرَ، وإنْ جُعِلَتْ أكُولَةً أطْعَمَتْ وأشْبَعَتِ الكَثِيرَ، وإنْ جُعِلَتْ رَكُوبَةً أمْكَنَ أنْ يُقْطَعَ بِها مِنَ المَسافاتِ المَدِيدَةِ ما لا يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِحَيَوانٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِما رُكِّبَ فِيها مِن قُوَّةِ احْتِمالِ المُداوَمَةِ عَلى السَّيْرِ والصَّبْرِ عَلى العَطَشِ والِاجْتِزاءِ مِنَ العُلُوفاتِ بِما لا يَجْتَزِئُ حَيَوانٌ آخَرُ، وإنْ جُعِلَتْ حَمَلَةً اسْتُغِلَّتْ بِحَمْلِ الأحْمالِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي لا يَسْتَقِلُّ بِها سِواها، ومِنها أنَّ هَذا الحَيَوانَ كانَ أعْظَمَ الحَيَواناتِ وقْعًا في قَلْبِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم جَعَلُوا دِيَةَ قَتْلِ الإنْسانِ إبِلًا، وكانَ الواحِدُ مِن مُلُوكِهِمْ إذا أرادَ المُبالَغَةَ في إعْطاءِ الشّاعِرِ الَّذِي جاءَهُ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ أعْطاهُ مِائَةَ بَعِيرٍ، لِأنَّ امْتِلاءَ العَيْنِ مِنهُ أشَدُّ مِنِ امْتِلاءِ العَيْنِ مِن غَيْرِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ومِنها أنِّي كُنْتُ مَعَ جَماعَةٍ في مَفازَةٍ فَضَلَلْنا الطَّرِيقَ فَقَدَّمُوا جَمَلًا وتَبِعُوهُ فَكانَ ذَلِكَ الجَمَلُ يَنْعَطِفُ مِن تَلٍّ إلى تَلٍّ ومِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، والجَمِيعُ كانُوا يَتْبَعُونَهُ حَتّى وصَلَ إلى الطَّرِيقِ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ فَتَعَجَّبْنا مِن قُوَّةِ تَخَيُّلِ ذَلِكَ بِالحَيَوانِ أنَّهُ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ كَيْفَ انْحَفَظَتْ في خَيالِهِ صُورَةُ تِلْكَ المَعاطِفِ حَتّى أنَّ الَّذِي عَجَزَ جَمْعٌ مِنَ العُقَلاءِ إلى الِاهْتِداءِ إلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ اهْتَدى إلَيْهِ، ومِنها أنَّها مَعَ كَوْنِها في غايَةِ القُوَّةِ عَلى العَمَلِ مُبايِنَةٌ لِغَيْرِها في الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لِأضْعَفِ الحَيَواناتِ كالصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ومُبايَنَةٌ لِغَيْرِها أيْضًا في أنَّها يُحْمَلُ عَلَيْها وهي بارِكَةٌ ثُمَّ تَقُومُ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ صفحة ١٤٤ الكَثِيرَةُ المَوْجُودَةُ فِيها تُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَنْظُرَ في خِلْقَتِها وتَرْكِيبِها ويَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ مِن أعْرِفِ النّاسِ بِأحْوالِ الإبِلِ في صِحَّتِها وسَقَمِها ومَنافِعِها ومَضارِّها فَلِهَذِهِ الأسْبابِ حَسُنَ مِنَ الحَكِيمِ تَعالى أنْ يَأْمُرَ بِالتَّأمُّلِ في خِلْقَتِها.

الغاشية 88:18

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِمَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ وقَسَّمَ أهْلَ القِيامَةِ إلى قِسْمَيْنِ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ، ووَصَفَ أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ وعُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِ ذَلِكَ إلّا بِواسِطَةِ إثْباتِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، لا جَرَمَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلالَةِ فَقالَ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ المَعادِ أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ المَعادِ. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِالوَصْفِ الَّذِي لِأجْلِهِ امْتازَ عَلى الآخَرِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وإيجادِ قادِرٍ، ولَمّا رَأيْنا هَذِهِ الأجْسامَ مَخْلُوقَةً عَلى وجْهِ الإتْقانِ والإحْكامِ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الصّانِعَ عالِمٌ، ولَمّا عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الصّانِعَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخالِفًا لِخَلْقِهِ في نَعْتِ الحاجَةِ والحُدُوثِ والإمْكانِ عَلِمْنا أنَّهُ غَنِيٌّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْعالَمِ صانِعًا قادِرًا عالِمًا غَنِيًّا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في غايَةِ الحِكْمَةِ، ثُمَّ إنّا نَرى النّاسَ بَعْضَهم مُحْتاجًا إلى البَعْضِ، فَإنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِمُهِمّاتِ نَفْسِهِ، بَلْ لا بُدَّ مِن بَلْدَةٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِن أهْلِها مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ آخَرَ حَتّى يَنْتَظِمَ مِن مَجْمُوعِهِمْ مَصْلَحَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وذَلِكَ صفحة ١٤٣ الِانْتِظامُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ التَّكْلِيفِ المُشْتَمِلِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ، ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ وخَلْقِ الجَنَّةِ والنّارِ فَثَبَتَ أنَّ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ تُوجِبُ القَوْلَ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ دَلالَةَ التَّوْحِيدِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ مُجانَسَةٍ بَيْنَ الإبِلِ والسَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ، ثُمَّ لِمَ بَدَأ بِذِكْرِ الإبِلِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ مُتَساوِيَةٌ في هَذِهِ الدَّلالَةِ وذِكْرَ جَمِيعِها غَيْرُ مُمْكِنٍ لِكَثْرَتِها وأيُّ واحِدٍ مِنها ذُكِرَ دُونَ غَيْرِهِ كانَ هَذا السُّؤالُ عائِدًا، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِسُقُوطِ هَذا السُّؤالِ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ، وأيْضًا فَلَعَلَّ الحِكْمَةَ في ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي غَيْرُ مُتَناسِبَةٍ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا الوَجْهَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ بَلْ هو عامٌّ في الكُلِّ عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولَوْ ذَكَرَ غَيْرَها لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أُمُورًا غَيْرَ مُتَناسِبَةٍ بَلْ مُتَباعِدَةً جِدًّا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ جَمِيعَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ صَغِيرِها وكَبِيرِها حَسَنِها وقَبِيحِها مُتَساوِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ وعَلَيْهِ الِاعْتِمادُ. الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ نُبَيِّنَ ما في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ المَنافِعِ والخَواصِّ الدّالَّةِ عَلى الحاجَةِ إلى الصّانِعِ المُدَبِّرِ، ثُمَّ نُبَيِّنَ أنَّهُ كَيْفَ يُجانِسُ بَعْضُها بَعْضًا. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَنَقُولُ: الإبِلُ لَهُ خَواصٌّ مِنها أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الحَيَوانَ الَّذِي يُقْتَنى أصْنافًا شَتّى، فَتارَةً يُقْتَنى لِيُؤْكَلَ لَحْمُهُ وتارَةً لِيُشْرَبَ لَبَنُهُ وتارَةً لِيَحْمِلَ الإنْسانَ في الأسْفارِ وتارَةً لِيَنْقُلَ أمْتِعَةَ الإنْسانِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ وتارَةً لِيَكُونَ لَهُ بِهِ زِينَةٌ وجَمالٌ، وهَذِهِ المَنافِعُ بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الإبِلِ، وقَدْ أبانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢]، وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] وإنَّ شَيْئًا مِن سائِرِ الحَيَواناتِ لا يَجْتَمِعُ فِيهِ هَذِهِ الخِصالُ فَكانَ اجْتِماعُ هَذِهِ الخِصالِ فِيهِ مِنَ العَجائِبِ. وثانِيها: أنَّهُ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ أفْضَلُ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُوجَدُ فِيهِ إلّا تِلْكَ الخَصْلَةُ لِأنَّها إنْ جُعِلَتْ حَلُوبَةً سَقَتْ فَأرْوَتِ الكَثِيرَ، وإنْ جُعِلَتْ أكُولَةً أطْعَمَتْ وأشْبَعَتِ الكَثِيرَ، وإنْ جُعِلَتْ رَكُوبَةً أمْكَنَ أنْ يُقْطَعَ بِها مِنَ المَسافاتِ المَدِيدَةِ ما لا يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِحَيَوانٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِما رُكِّبَ فِيها مِن قُوَّةِ احْتِمالِ المُداوَمَةِ عَلى السَّيْرِ والصَّبْرِ عَلى العَطَشِ والِاجْتِزاءِ مِنَ العُلُوفاتِ بِما لا يَجْتَزِئُ حَيَوانٌ آخَرُ، وإنْ جُعِلَتْ حَمَلَةً اسْتُغِلَّتْ بِحَمْلِ الأحْمالِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي لا يَسْتَقِلُّ بِها سِواها، ومِنها أنَّ هَذا الحَيَوانَ كانَ أعْظَمَ الحَيَواناتِ وقْعًا في قَلْبِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم جَعَلُوا دِيَةَ قَتْلِ الإنْسانِ إبِلًا، وكانَ الواحِدُ مِن مُلُوكِهِمْ إذا أرادَ المُبالَغَةَ في إعْطاءِ الشّاعِرِ الَّذِي جاءَهُ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ أعْطاهُ مِائَةَ بَعِيرٍ، لِأنَّ امْتِلاءَ العَيْنِ مِنهُ أشَدُّ مِنِ امْتِلاءِ العَيْنِ مِن غَيْرِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ومِنها أنِّي كُنْتُ مَعَ جَماعَةٍ في مَفازَةٍ فَضَلَلْنا الطَّرِيقَ فَقَدَّمُوا جَمَلًا وتَبِعُوهُ فَكانَ ذَلِكَ الجَمَلُ يَنْعَطِفُ مِن تَلٍّ إلى تَلٍّ ومِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، والجَمِيعُ كانُوا يَتْبَعُونَهُ حَتّى وصَلَ إلى الطَّرِيقِ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ فَتَعَجَّبْنا مِن قُوَّةِ تَخَيُّلِ ذَلِكَ بِالحَيَوانِ أنَّهُ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ كَيْفَ انْحَفَظَتْ في خَيالِهِ صُورَةُ تِلْكَ المَعاطِفِ حَتّى أنَّ الَّذِي عَجَزَ جَمْعٌ مِنَ العُقَلاءِ إلى الِاهْتِداءِ إلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ اهْتَدى إلَيْهِ، ومِنها أنَّها مَعَ كَوْنِها في غايَةِ القُوَّةِ عَلى العَمَلِ مُبايِنَةٌ لِغَيْرِها في الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لِأضْعَفِ الحَيَواناتِ كالصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ومُبايَنَةٌ لِغَيْرِها أيْضًا في أنَّها يُحْمَلُ عَلَيْها وهي بارِكَةٌ ثُمَّ تَقُومُ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ صفحة ١٤٤ الكَثِيرَةُ المَوْجُودَةُ فِيها تُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَنْظُرَ في خِلْقَتِها وتَرْكِيبِها ويَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ مِن أعْرِفِ النّاسِ بِأحْوالِ الإبِلِ في صِحَّتِها وسَقَمِها ومَنافِعِها ومَضارِّها فَلِهَذِهِ الأسْبابِ حَسُنَ مِنَ الحَكِيمِ تَعالى أنْ يَأْمُرَ بِالتَّأمُّلِ في خِلْقَتِها.

الغاشية 88:19

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِمَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ وقَسَّمَ أهْلَ القِيامَةِ إلى قِسْمَيْنِ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ، ووَصَفَ أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ وعُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِ ذَلِكَ إلّا بِواسِطَةِ إثْباتِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، لا جَرَمَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلالَةِ فَقالَ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ المَعادِ أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ المَعادِ. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِالوَصْفِ الَّذِي لِأجْلِهِ امْتازَ عَلى الآخَرِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وإيجادِ قادِرٍ، ولَمّا رَأيْنا هَذِهِ الأجْسامَ مَخْلُوقَةً عَلى وجْهِ الإتْقانِ والإحْكامِ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الصّانِعَ عالِمٌ، ولَمّا عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الصّانِعَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخالِفًا لِخَلْقِهِ في نَعْتِ الحاجَةِ والحُدُوثِ والإمْكانِ عَلِمْنا أنَّهُ غَنِيٌّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْعالَمِ صانِعًا قادِرًا عالِمًا غَنِيًّا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في غايَةِ الحِكْمَةِ، ثُمَّ إنّا نَرى النّاسَ بَعْضَهم مُحْتاجًا إلى البَعْضِ، فَإنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِمُهِمّاتِ نَفْسِهِ، بَلْ لا بُدَّ مِن بَلْدَةٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِن أهْلِها مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ آخَرَ حَتّى يَنْتَظِمَ مِن مَجْمُوعِهِمْ مَصْلَحَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وذَلِكَ صفحة ١٤٣ الِانْتِظامُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ التَّكْلِيفِ المُشْتَمِلِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ، ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ وخَلْقِ الجَنَّةِ والنّارِ فَثَبَتَ أنَّ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ تُوجِبُ القَوْلَ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ دَلالَةَ التَّوْحِيدِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ مُجانَسَةٍ بَيْنَ الإبِلِ والسَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ، ثُمَّ لِمَ بَدَأ بِذِكْرِ الإبِلِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ مُتَساوِيَةٌ في هَذِهِ الدَّلالَةِ وذِكْرَ جَمِيعِها غَيْرُ مُمْكِنٍ لِكَثْرَتِها وأيُّ واحِدٍ مِنها ذُكِرَ دُونَ غَيْرِهِ كانَ هَذا السُّؤالُ عائِدًا، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِسُقُوطِ هَذا السُّؤالِ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ، وأيْضًا فَلَعَلَّ الحِكْمَةَ في ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي غَيْرُ مُتَناسِبَةٍ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا الوَجْهَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ بَلْ هو عامٌّ في الكُلِّ عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولَوْ ذَكَرَ غَيْرَها لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أُمُورًا غَيْرَ مُتَناسِبَةٍ بَلْ مُتَباعِدَةً جِدًّا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ جَمِيعَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ صَغِيرِها وكَبِيرِها حَسَنِها وقَبِيحِها مُتَساوِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ وعَلَيْهِ الِاعْتِمادُ. الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ نُبَيِّنَ ما في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ المَنافِعِ والخَواصِّ الدّالَّةِ عَلى الحاجَةِ إلى الصّانِعِ المُدَبِّرِ، ثُمَّ نُبَيِّنَ أنَّهُ كَيْفَ يُجانِسُ بَعْضُها بَعْضًا. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَنَقُولُ: الإبِلُ لَهُ خَواصٌّ مِنها أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الحَيَوانَ الَّذِي يُقْتَنى أصْنافًا شَتّى، فَتارَةً يُقْتَنى لِيُؤْكَلَ لَحْمُهُ وتارَةً لِيُشْرَبَ لَبَنُهُ وتارَةً لِيَحْمِلَ الإنْسانَ في الأسْفارِ وتارَةً لِيَنْقُلَ أمْتِعَةَ الإنْسانِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ وتارَةً لِيَكُونَ لَهُ بِهِ زِينَةٌ وجَمالٌ، وهَذِهِ المَنافِعُ بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الإبِلِ، وقَدْ أبانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢]، وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] وإنَّ شَيْئًا مِن سائِرِ الحَيَواناتِ لا يَجْتَمِعُ فِيهِ هَذِهِ الخِصالُ فَكانَ اجْتِماعُ هَذِهِ الخِصالِ فِيهِ مِنَ العَجائِبِ. وثانِيها: أنَّهُ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ أفْضَلُ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُوجَدُ فِيهِ إلّا تِلْكَ الخَصْلَةُ لِأنَّها إنْ جُعِلَتْ حَلُوبَةً سَقَتْ فَأرْوَتِ الكَثِيرَ، وإنْ جُعِلَتْ أكُولَةً أطْعَمَتْ وأشْبَعَتِ الكَثِيرَ، وإنْ جُعِلَتْ رَكُوبَةً أمْكَنَ أنْ يُقْطَعَ بِها مِنَ المَسافاتِ المَدِيدَةِ ما لا يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِحَيَوانٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِما رُكِّبَ فِيها مِن قُوَّةِ احْتِمالِ المُداوَمَةِ عَلى السَّيْرِ والصَّبْرِ عَلى العَطَشِ والِاجْتِزاءِ مِنَ العُلُوفاتِ بِما لا يَجْتَزِئُ حَيَوانٌ آخَرُ، وإنْ جُعِلَتْ حَمَلَةً اسْتُغِلَّتْ بِحَمْلِ الأحْمالِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي لا يَسْتَقِلُّ بِها سِواها، ومِنها أنَّ هَذا الحَيَوانَ كانَ أعْظَمَ الحَيَواناتِ وقْعًا في قَلْبِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم جَعَلُوا دِيَةَ قَتْلِ الإنْسانِ إبِلًا، وكانَ الواحِدُ مِن مُلُوكِهِمْ إذا أرادَ المُبالَغَةَ في إعْطاءِ الشّاعِرِ الَّذِي جاءَهُ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ أعْطاهُ مِائَةَ بَعِيرٍ، لِأنَّ امْتِلاءَ العَيْنِ مِنهُ أشَدُّ مِنِ امْتِلاءِ العَيْنِ مِن غَيْرِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ومِنها أنِّي كُنْتُ مَعَ جَماعَةٍ في مَفازَةٍ فَضَلَلْنا الطَّرِيقَ فَقَدَّمُوا جَمَلًا وتَبِعُوهُ فَكانَ ذَلِكَ الجَمَلُ يَنْعَطِفُ مِن تَلٍّ إلى تَلٍّ ومِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، والجَمِيعُ كانُوا يَتْبَعُونَهُ حَتّى وصَلَ إلى الطَّرِيقِ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ فَتَعَجَّبْنا مِن قُوَّةِ تَخَيُّلِ ذَلِكَ بِالحَيَوانِ أنَّهُ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ كَيْفَ انْحَفَظَتْ في خَيالِهِ صُورَةُ تِلْكَ المَعاطِفِ حَتّى أنَّ الَّذِي عَجَزَ جَمْعٌ مِنَ العُقَلاءِ إلى الِاهْتِداءِ إلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ اهْتَدى إلَيْهِ، ومِنها أنَّها مَعَ كَوْنِها في غايَةِ القُوَّةِ عَلى العَمَلِ مُبايِنَةٌ لِغَيْرِها في الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لِأضْعَفِ الحَيَواناتِ كالصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ومُبايَنَةٌ لِغَيْرِها أيْضًا في أنَّها يُحْمَلُ عَلَيْها وهي بارِكَةٌ ثُمَّ تَقُومُ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ صفحة ١٤٤ الكَثِيرَةُ المَوْجُودَةُ فِيها تُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَنْظُرَ في خِلْقَتِها وتَرْكِيبِها ويَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ مِن أعْرِفِ النّاسِ بِأحْوالِ الإبِلِ في صِحَّتِها وسَقَمِها ومَنافِعِها ومَضارِّها فَلِهَذِهِ الأسْبابِ حَسُنَ مِنَ الحَكِيمِ تَعالى أنْ يَأْمُرَ بِالتَّأمُّلِ في خِلْقَتِها.

الغاشية 88:20

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رَفْعًا بَعِيدَ المَدى بِلا إمْساكٍ وبِغَيْرِ عَمَدٍ. ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ نَصْبًا ثابِتًا فَهي راسِخَةٌ لا تَمِيلُ ولا تَزُولُ. ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ سَطْحًا بِتَمْهِيدٍ وتَوْطِئَةٍ، فَهي مِهادٌ لِلْمُتَقَلِّبِ عَلَيْها، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الأرْضَ لَيْسَتْ بِكُرَةٍ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الكُرَةَ إذا كانَتْ في غايَةِ العَظَمَةِ يَكُونُ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها كالسَّطْحِ، وقَرَأ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وتاءُ الضَّمِيرِ، والتَّقْدِيرُ: فَعَلْتُها، فَحُذِفَ المَفْعُولُ. المَقامُ الثّانِي: في بَيانِ ما بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ المُناسَبَةِ اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الإبِلَ بِالسَّحابِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ولَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ أنَّ الإبِلَ مِن أسْماءِ السَّحابِ، كالغَمامِ والمُزْنِ والرَّبابِ والغَيْمِ والغَيْنِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإنَّما رَأى السَّحابَ مُشَبَّهًا بِالإبِلِ في كَثِيرٍ مِن أشْعارِهِمْ، فَجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها السَّحابُ عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ والمَجازِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُناسِبَةُ ظاهِرَةٌ. أمّا إذا حَمَلْنا الإبِلَ عَلى مَفْهُومِهِ المَشْهُورِ، فَوَجْهُ المُناسَبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ السَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلى لُغَةِ العَرَبِ وكانُوا يُسافِرُونَ كَثِيرًا، لِأنَّ بَلْدَتَهم بَلْدَةٌ خالِيَةٌ مِنَ الزَّرْعِ، وكانَتْ أسْفارُهم في أكْثَرِ الأمْرِ عَلى الإبِلِ، فَكانُوا كَثِيرًا ما يَسِيرُونَ عَلَيْها في المَهامِهِ والقِفارِ مُسْتَوْحِشِينَ مُنْفَرِدِينَ عَنِ النّاسِ، ومِن شَأْنِ الإنْسانِ إذا انْفَرَدَ أنْ يُقْبِلَ عَلى التَّفَكُّرِ في الأشْياءِ، لِأنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَن يُحادِثُهُ، ولَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ يُشْغِلُ بِهِ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِن أنْ يُشْغِلَ بالَهُ بِالفِكْرَةِ، فَإذا فَكَّرَ في ذَلِكَ الحالِ وقَعَ بَصَرُهُ أوَّلَ الأمْرِ عَلى الجَمَلِ الَّذِي رَكِبَهُ، فَيَرى مَنظَرًا عَجِيبًا، وإذا نَظَرَ إلى فَوْقُ لَمْ يَرَ غَيْرَ السَّماءِ، وإذا نَظَرَ يَمِينًا وشِمالًا لَمْ يَرَ غَيْرَ الجِبالِ، وإذا نَظَرَ إلى ما تَحْتُ لَمْ يَرَ غَيْرَ الأرْضِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالنَّظَرِ وقْتَ الخَلْوَةِ والِانْفِرادِ عَنِ الغَيْرِ حَتّى لا تَحْمِلَهُ داعِيَةُ الكِبْرِ والحَسَدِ عَلى تَرْكِ النَّظَرِ، ثُمَّ إنَّهُ في وقْتِ الخَلْوَةِ في المَفازَةِ البَعِيدَةِ لا يَرى شَيْئًا سِوى هَذِهِ الأشْياءِ، فَلا جَرَمَ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَها في هَذِهِ الآيَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ دالَّةٌ عَلى الصّانِعِ إلّا أنَّها عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَكُونُ لِلْحِكْمَةِ ولِلشَّهْوَةِ فِيها نَصِيبٌ مَعًا، ومِنها ما يَكُونُ لِلْحِكْمَةِ فِيها نَصِيبٌ، ولَيْسَ لِلشَّهْوَةِ فِيها نَصِيبٌ. والقِسْمُ الأوَّلُ: كالإنْسانِ الحَسَنِ الوَجْهِ، وبَساتِينِ النُّزْهَةِ، والذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِها، فَهَذِهِ الأشْياءُ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، إلّا أنَّها مُتَعَلَّقُ الشَّهْوَةِ ومَطْلُوبَةٌ لِلنَّفْسِ، فَلَمْ يَأْمُرْ تَعالى بِالنَّظَرِ فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمِن عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها وفِيها أنْ تَصِيرَ داعِيَةُ الشَّهْوَةِ غالِبَةً عَلى داعِيَةِ الحِكْمَةِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ مانِعًا عَنْ إتْمامِ النَّظَرِ والفِكْرِ وسَبَبًا لِاسْتِغْراقِ النَّفْسِ في مَحَبَّتِهِ. صفحة ١٤٥ أمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو كالحَيَواناتِ الَّتِي لا يَكُونُ في صُورَتِها حُسْنٌ، ولَكِنْ يَكُونُ في داعِيَةِ تَرْكِيبِها حِكَمٌ بِالِغَةٌ وهي مِثْلُ الإبِلِ وغَيْرِها، إلّا أنَّ ذِكْرَ الإبِلِ هَهُنا أوْلى لِأنَّ إلْفَ العَرَبِ بِها أكْثَرُ وكَذا السَّماءُ والجِبالُ والأرْضُ، فَإنَّ دَلائِلَ الحُدُوثِ والحاجَةِ فِيها ظاهِرَةٌ، ولَيْسَ فِيها ما يَكُونُ نَصِيبًا لِلشَّهْوَةِ، فَلَمّا كانَ هَذا القِسْمُ بِحَيْثُ يَكْمُلُ نَصِيبُ الحِكْمَةِ فِيهِ مَعَ الأمْنِ مِن زَحْمَةِ الشَّهْوَةِ لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ بِالتَّدَبُّرِ فِيها، فَهَذا ما يَحْضُرُنا في هَذا المَوْضِعِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الغاشية 88:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الدَّلائِلَ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ وتَذْكِيرُ الرَّسُولِ إنَّما يَكُونُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأدِلَّةِ وأمْثالِها والبَعْثِ عَلى النَّظَرِ فِيها والتَّحْذِيرِ مِن تَرْكِ تِلْكَ، وذَلِكَ بَعْثٌ مِنهُ تَعالى لِلرَّسُولِ عَلى التَّذْكِيرِ والصَّبْرِ عَلى كُلِّ عارِضٍ مَعَهُ، وبَيانِ أنَّهُ إنَّما بُعِثَ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿بِمُسَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقِيلَ: هو في لُغَةِ تَمِيمٍ مَفْتُوحُ الطّاءِ عَلى أنَّ سَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهم، والمَعْنى أنَّكَ ما أُمِرْتَ إلّا بِالتَّذْكِيرِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّطًا عَلَيْهِمْ حَتّى تَقْتُلَهم، أوْ تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ فَلا، قالُوا: ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، والكَلامُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ قَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ هَذا الِاسْتِثْناءُ اسْتِثْناءٌ عَنْ ماذا ؟ فِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ التَّقْدِيرُ: فَذَكِّرْ إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ. والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ عَنِ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا مَن تَوَلّى. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِالقِتالِ وجَوابُهُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّكَ لا تَصِيرُ مُسَلَّطًا إلّا عَلى مَن تَوَلّى. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَما تَقُولُ في الكَلامِ: قَعَدْنا نَتَذاكَرُ العِلْمَ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَرْغَبُ، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ لَسْتَ بِمَسْئُولٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ مَن تَوَلّى مِنهم فَإنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ الَّذِي هو عَذابُ جَهَنَّمَ، قالُوا وعَلامَةُ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا حُسْنُ دُخُولِ ”أنَّ“ في المُسْتَثْنى، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِائَتانِ إلّا دِرْهُمًا، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ ”أنَّ“، وهَهُنا يَحْسُنُ ”أنَّ“، فَإنَّكَ تَقُولُ: إلّا أنَّ مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (ألا مَن تَوَلّى) عَلى التَّنْبِيهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما سَمّاهُ العَذابَ الأكْبَرَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ بَلَغَ حَدَّ عَذابِ الكُفْرِ وهو الأكْبَرُ، لِأنَّ صفحة ١٤٦ ما عَداهُ مِن عَذابِ الفِسْقِ دُونَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] . وثانِيها: هو العَذابُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ في النّارِ. وثالِثُها: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ العَذابُ الأكْبَرُ حاصِلًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِالقَتْلِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وغَنِيمَةِ الأمْوالِ، القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى وأقْرَبُ.

الغاشية 88:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الدَّلائِلَ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ وتَذْكِيرُ الرَّسُولِ إنَّما يَكُونُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأدِلَّةِ وأمْثالِها والبَعْثِ عَلى النَّظَرِ فِيها والتَّحْذِيرِ مِن تَرْكِ تِلْكَ، وذَلِكَ بَعْثٌ مِنهُ تَعالى لِلرَّسُولِ عَلى التَّذْكِيرِ والصَّبْرِ عَلى كُلِّ عارِضٍ مَعَهُ، وبَيانِ أنَّهُ إنَّما بُعِثَ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿بِمُسَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقِيلَ: هو في لُغَةِ تَمِيمٍ مَفْتُوحُ الطّاءِ عَلى أنَّ سَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهم، والمَعْنى أنَّكَ ما أُمِرْتَ إلّا بِالتَّذْكِيرِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّطًا عَلَيْهِمْ حَتّى تَقْتُلَهم، أوْ تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ فَلا، قالُوا: ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، والكَلامُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ قَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ هَذا الِاسْتِثْناءُ اسْتِثْناءٌ عَنْ ماذا ؟ فِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ التَّقْدِيرُ: فَذَكِّرْ إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ. والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ عَنِ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا مَن تَوَلّى. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِالقِتالِ وجَوابُهُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّكَ لا تَصِيرُ مُسَلَّطًا إلّا عَلى مَن تَوَلّى. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَما تَقُولُ في الكَلامِ: قَعَدْنا نَتَذاكَرُ العِلْمَ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَرْغَبُ، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ لَسْتَ بِمَسْئُولٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ مَن تَوَلّى مِنهم فَإنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ الَّذِي هو عَذابُ جَهَنَّمَ، قالُوا وعَلامَةُ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا حُسْنُ دُخُولِ ”أنَّ“ في المُسْتَثْنى، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِائَتانِ إلّا دِرْهُمًا، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ ”أنَّ“، وهَهُنا يَحْسُنُ ”أنَّ“، فَإنَّكَ تَقُولُ: إلّا أنَّ مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (ألا مَن تَوَلّى) عَلى التَّنْبِيهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما سَمّاهُ العَذابَ الأكْبَرَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ بَلَغَ حَدَّ عَذابِ الكُفْرِ وهو الأكْبَرُ، لِأنَّ صفحة ١٤٦ ما عَداهُ مِن عَذابِ الفِسْقِ دُونَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] . وثانِيها: هو العَذابُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ في النّارِ. وثالِثُها: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ العَذابُ الأكْبَرُ حاصِلًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِالقَتْلِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وغَنِيمَةِ الأمْوالِ، القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى وأقْرَبُ.

الغاشية 88:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الدَّلائِلَ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ وتَذْكِيرُ الرَّسُولِ إنَّما يَكُونُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأدِلَّةِ وأمْثالِها والبَعْثِ عَلى النَّظَرِ فِيها والتَّحْذِيرِ مِن تَرْكِ تِلْكَ، وذَلِكَ بَعْثٌ مِنهُ تَعالى لِلرَّسُولِ عَلى التَّذْكِيرِ والصَّبْرِ عَلى كُلِّ عارِضٍ مَعَهُ، وبَيانِ أنَّهُ إنَّما بُعِثَ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿بِمُسَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقِيلَ: هو في لُغَةِ تَمِيمٍ مَفْتُوحُ الطّاءِ عَلى أنَّ سَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهم، والمَعْنى أنَّكَ ما أُمِرْتَ إلّا بِالتَّذْكِيرِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّطًا عَلَيْهِمْ حَتّى تَقْتُلَهم، أوْ تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ فَلا، قالُوا: ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، والكَلامُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ قَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ هَذا الِاسْتِثْناءُ اسْتِثْناءٌ عَنْ ماذا ؟ فِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ التَّقْدِيرُ: فَذَكِّرْ إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ. والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ عَنِ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا مَن تَوَلّى. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِالقِتالِ وجَوابُهُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّكَ لا تَصِيرُ مُسَلَّطًا إلّا عَلى مَن تَوَلّى. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَما تَقُولُ في الكَلامِ: قَعَدْنا نَتَذاكَرُ العِلْمَ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَرْغَبُ، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ لَسْتَ بِمَسْئُولٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ مَن تَوَلّى مِنهم فَإنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ الَّذِي هو عَذابُ جَهَنَّمَ، قالُوا وعَلامَةُ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا حُسْنُ دُخُولِ ”أنَّ“ في المُسْتَثْنى، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِائَتانِ إلّا دِرْهُمًا، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ ”أنَّ“، وهَهُنا يَحْسُنُ ”أنَّ“، فَإنَّكَ تَقُولُ: إلّا أنَّ مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (ألا مَن تَوَلّى) عَلى التَّنْبِيهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما سَمّاهُ العَذابَ الأكْبَرَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ بَلَغَ حَدَّ عَذابِ الكُفْرِ وهو الأكْبَرُ، لِأنَّ صفحة ١٤٦ ما عَداهُ مِن عَذابِ الفِسْقِ دُونَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] . وثانِيها: هو العَذابُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ في النّارِ. وثالِثُها: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ العَذابُ الأكْبَرُ حاصِلًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِالقَتْلِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وغَنِيمَةِ الأمْوالِ، القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى وأقْرَبُ.

الغاشية 88:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الدَّلائِلَ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ وتَذْكِيرُ الرَّسُولِ إنَّما يَكُونُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأدِلَّةِ وأمْثالِها والبَعْثِ عَلى النَّظَرِ فِيها والتَّحْذِيرِ مِن تَرْكِ تِلْكَ، وذَلِكَ بَعْثٌ مِنهُ تَعالى لِلرَّسُولِ عَلى التَّذْكِيرِ والصَّبْرِ عَلى كُلِّ عارِضٍ مَعَهُ، وبَيانِ أنَّهُ إنَّما بُعِثَ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿بِمُسَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقِيلَ: هو في لُغَةِ تَمِيمٍ مَفْتُوحُ الطّاءِ عَلى أنَّ سَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهم، والمَعْنى أنَّكَ ما أُمِرْتَ إلّا بِالتَّذْكِيرِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّطًا عَلَيْهِمْ حَتّى تَقْتُلَهم، أوْ تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ فَلا، قالُوا: ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، والكَلامُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ قَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ هَذا الِاسْتِثْناءُ اسْتِثْناءٌ عَنْ ماذا ؟ فِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ التَّقْدِيرُ: فَذَكِّرْ إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ. والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ عَنِ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا مَن تَوَلّى. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِالقِتالِ وجَوابُهُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّكَ لا تَصِيرُ مُسَلَّطًا إلّا عَلى مَن تَوَلّى. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَما تَقُولُ في الكَلامِ: قَعَدْنا نَتَذاكَرُ العِلْمَ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَرْغَبُ، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ لَسْتَ بِمَسْئُولٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ مَن تَوَلّى مِنهم فَإنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ الَّذِي هو عَذابُ جَهَنَّمَ، قالُوا وعَلامَةُ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا حُسْنُ دُخُولِ ”أنَّ“ في المُسْتَثْنى، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِائَتانِ إلّا دِرْهُمًا، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ ”أنَّ“، وهَهُنا يَحْسُنُ ”أنَّ“، فَإنَّكَ تَقُولُ: إلّا أنَّ مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (ألا مَن تَوَلّى) عَلى التَّنْبِيهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما سَمّاهُ العَذابَ الأكْبَرَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ بَلَغَ حَدَّ عَذابِ الكُفْرِ وهو الأكْبَرُ، لِأنَّ صفحة ١٤٦ ما عَداهُ مِن عَذابِ الفِسْقِ دُونَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] . وثانِيها: هو العَذابُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ في النّارِ. وثالِثُها: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ العَذابُ الأكْبَرُ حاصِلًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِالقَتْلِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وغَنِيمَةِ الأمْوالِ، القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى وأقْرَبُ.

الغاشية 88:25

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ وهَذا كَأنَّهُ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ لِيُزِيلَ بِهِ عَنْ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ حُزْنَهُ عَلى كُفْرِهِمْ، فَقالَ: طِبْ نَفْسًا عَلَيْهِمْ، وإنْ عانَدُوا وكَذَّبُوا وجَحَدُوا فَإنَّ مَرْجِعَهم إلى المَوْعِدِ الَّذِي وعَدْنا، فَإنَّ عَلَيْنا حِسابَهم وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ مُحاسَبَةَ الكُفّارِ إنَّما تَكُونُ لِإيصالِ العِقابِ إلَيْهِمْ وذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجِبُ عَلى المالِكِ أنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّ نَفْسِهِ والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ إمّا بِحُكْمِ الوَعْدِ الَّذِي يَمْتَنِعُ وُقُوعُ الخُلْفِ فِيهِ، وإمّا في الحِكْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ لَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِكَوْنِهِ تَعالى راضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ وتَعالى اللَّهُ عَنْهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَتِ المُحاسَبَةُ واجِبَةً وهَهُنا مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ: (إيّابَهم) بِالتَّشْدِيدِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ فَيْعالًا مَصْدَرُ ”أيَّبَ“ فَيْعَلَ مِنَ الإيابِ، أوْ يَكُونُ أصْلُهُ أوّابًا فَعّالًا مِن أوَّبَ، ثُمَّ قِيلَ: إيوابًا كَدِيوانٍ في دَوَنَ، ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِأصْلِ سَيَدَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فائِدَةُ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ التَّشْدِيدُ بِالوَعِيدِ، فَإنَّ ﴿إيابَهُمْ﴾ لَيْسَ إلّا إلى الجَبّارِ المُقْتَدِرِ عَلى الِانْتِقامِ، وأنَّ حِسابَهم لَيْسَ بِواجِبٍ إلّا عَلَيْهِ، وهو الَّذِي يُحاسِبُ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الغاشية 88:26

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ وهَذا كَأنَّهُ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ لِيُزِيلَ بِهِ عَنْ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ حُزْنَهُ عَلى كُفْرِهِمْ، فَقالَ: طِبْ نَفْسًا عَلَيْهِمْ، وإنْ عانَدُوا وكَذَّبُوا وجَحَدُوا فَإنَّ مَرْجِعَهم إلى المَوْعِدِ الَّذِي وعَدْنا، فَإنَّ عَلَيْنا حِسابَهم وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ مُحاسَبَةَ الكُفّارِ إنَّما تَكُونُ لِإيصالِ العِقابِ إلَيْهِمْ وذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجِبُ عَلى المالِكِ أنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّ نَفْسِهِ والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ إمّا بِحُكْمِ الوَعْدِ الَّذِي يَمْتَنِعُ وُقُوعُ الخُلْفِ فِيهِ، وإمّا في الحِكْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ لَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِكَوْنِهِ تَعالى راضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ وتَعالى اللَّهُ عَنْهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَتِ المُحاسَبَةُ واجِبَةً وهَهُنا مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ: (إيّابَهم) بِالتَّشْدِيدِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ فَيْعالًا مَصْدَرُ ”أيَّبَ“ فَيْعَلَ مِنَ الإيابِ، أوْ يَكُونُ أصْلُهُ أوّابًا فَعّالًا مِن أوَّبَ، ثُمَّ قِيلَ: إيوابًا كَدِيوانٍ في دَوَنَ، ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِأصْلِ سَيَدَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فائِدَةُ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ التَّشْدِيدُ بِالوَعِيدِ، فَإنَّ ﴿إيابَهُمْ﴾ لَيْسَ إلّا إلى الجَبّارِ المُقْتَدِرِ عَلى الِانْتِقامِ، وأنَّ حِسابَهم لَيْسَ بِواجِبٍ إلّا عَلَيْهِ، وهو الَّذِي يُحاسِبُ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.