Tafsir Al-Razi — المطففين 83:27 – البروج 85:22
المحتويات
- المطففين 83:27
- المطففين 83:28
- المطففين 83:29
- المطففين 83:30
- المطففين 83:31
- المطففين 83:32
- المطففين 83:33
- المطففين 83:34
- المطففين 83:35
- المطففين 83:36
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:20
- الانشقاق 84:21
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:5
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:11
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:16
- البروج 85:17
- البروج 85:18
- البروج 85:19
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
المطففين 83:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَظَّمَ كِتابَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَظَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّعِيمِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ قالَ القَفّالُ: الأرائِكُ الأسِرَّةُ في الحِجالِ، ولا تُسَمّى أرِيكَةً فِيما زَعَمُوا إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: كُنّا لا نَدْرِي ما الأرِيكَةُ حَتّى لَقِينا رَجُلًا مِن أهْلِ اليَمَنِ أخْبَرَنا أنَّ الأرِيكَةَ عِنْدَهم ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: (يُنْظَرُونَ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: يَنْظُرُونَ إلى أنْواعِ نِعَمِهِمْ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ والوِلْدانِ، وأنْواعِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والمَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَلْحَظُ المُؤْمِنُ فَيُحِيطُ بِكُلِّ ما آتاهُ اللَّهُ وإنَّ أدْناهم يَتَراءى لَهُ مِثْلُ سَعَةِ الدُّنْيا» “ .
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَنْظُرُونَ إلى عَدُوِّهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ.
والثّالِثُ: إذا اشْتَهَوْا شَيْئًا نَظَرُوا إلَيْهِ فَيَحْضُرُهم ذَلِكَ الشَّيْءُ في الحالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ مِن بابِ أنْواعِ جِنْسٍ واحِدٍ وهو المَنظُورُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، ويَخْطُرُ بِبالِي تَفْسِيرٌ رابِعٌ: وهو أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ وهو أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما إنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ والنَّظَرُ المَقْرُونُ بِالنَّضْرَةِ هو رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]
صفحة ٩٠
ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ يَجِبُ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ أعْظَمِ اللَّذّاتِ، وما هو إلّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ؟ وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى إذا رَأيْتَهم عَرَفْتَ أنَّهم أهْلُ النِّعْمَةِ بِسَبَبِ ما تَرى في وُجُوهِهِمْ مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ في تِلْكَ القَرائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يُشاهَدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ الضَّحِكِ والِاسْتِبْشارِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] .
والثّانِي: قالَ عَطاءٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ النُّورِ والحُسْنِ والبَياضِ ما لا يَصِفُهُ واصِفٌ، وتَفْسِيرُ النَّضْرَةِ: قَدْ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ناضِرَةٌ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (تُعْرَفُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (جَنّاتُ النَّعِيمِ) بِالرَّفْعِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الرَّحِيقَ ما هو ؟ قالَ اللَّيْثُ: ”الرَّحِيقُ“ الخَمْرُ. وأنْشَدَ لِحَسّانَ.
بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: ”الرَّحِيقُ“ مِنَ الخَمْرِ ما لا غِشَّ فِيهِ ولا شَيْءَ يُفْسِدُهُ، ولَعَلَّهُ هو الخَمْرُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِهَذا: (الرَّحِيقِ) صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ هَؤُلاءِ يُسْقَوْنَ مِن شَرابٍ مَخْتُومٍ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ بِالصِّيانَةِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ، وهُناكَ خَمْرٌ آخَرُ تَجْرِي مِنها أنْهارٌ كَما قالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] إلّا أنَّ هَذا المَخْتُومَ أشْرَفُ في الجارِي.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ أيْ عاقِبَةٌ.
والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ في مَخْتُومٍ أنَّهُ مَمْزُوجٌ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِأنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ المَزْجَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ لَهُ عاقِبَةٌ هي رِيحُ المِسْكِ فَسَّرَهُ بِالمَمْزُوجِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَزِجْ بِالمِسْكِ لَما حَصَلَ فِيهِ رِيحُ المِسْكِ.
الرّابِعُ: قالَ مُجاهِدٌ: مَخْتُومٌ مُطَيَّنٌ، قالَ الواحِدِيُّ: كَأنَّ مُرادَهُ مِنَ الخَتْمِ بِالطِّينِ، هو أنْ لا تَمَسَّهُ يَدٌ إلى أنْ يَفُكَّ خَتْمَهُ الأبْرارُ، والأقْرَبُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِهَذا الرَّحِيقِ قَوْلُهُ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُءُوسُ القَوارِيرِ، فَكانَ ذَلِكَ المِسْكُ رَطْبًا يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ القَفّالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ .
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ عاقِبَتُهُ المِسْكُ أيْ يُخْتَمُ لَهُ آخِرُهُ بِرِيحِ المِسْكِ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ مِن رَحِيقٍ لَهُ عاقِبَةٌ، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ العاقِبَةَ فَقالَ: تِلْكَ العاقِبَةُ مِسْكٌ أيْ مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ، وهَذا قَوْلُ عَلْقَمَةَ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ قالُوا: إذا رَفَعَ الشّارِبُ فاهُ مِن آخِرِ شَرابِهِ وجَدَ رِيحَهُ كَرِيحِ المِسْكِ، والمَعْنى لَذاذَةُ
صفحة ٩١
المَقْطَعِ وذَكاءُ الرّائِحَةِ وأرَجُها، مَعَ طِيبِ الطَّعْمِ، والخِتامُ آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ: خَتَمْتُ القُرْآنَ، والأعْمالُ بِخَواتِيمِها ويُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتِيارُ الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَقْرَأُ: ”خاتَمُهُ مِسْكٌ“ أيْ آخِرُهُ كَما يُقالُ: خاتَمُ النَّبِيِّينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى إلّا أنَّ الخاتَمَ اسْمٌ والخِتامَ مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِمْ: هو كَرِيمُ الطِّباعِ والطّابَعِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ خَلَطَهُ مِسْكٌ، وذَكَرُوا أنَّ فِيهِ تَطْيِيبًا لِطَعْمِهِ. وقِيلَ: بَلْ لِرِيحِهِ وأقُولُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّ الخَمْرَ المَمْزُوجَ بِهَذِهِ الأفاوِيهِ الحارَّةِ مِمّا يُعِينُ عَلى الهَضْمِ وتَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى قُوَّةِ شَهْوَتِهِمْ وصِحَّةِ أبْدانِهِمْ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ، تَقُولُ المَرْأةُ لَقَدْ أخَذْتُ خَتْمَ طِينِيٍّ، أيْ لَقَدْ أخَذْتُ أخْلاطَ طِينِيٍّ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: هو شَرابٌ أبْيَضُ مِثْلُ الفِضَّةِ، يَخْتِمُونَ بِهِ آخِرَ شُرْبِهِمْ، لَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الدُّنْيا أدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ ثُمَّ أخْرَجَها لَمْ يَبْقَ ذُو رُوحٍ إلّا وجَدَ طِيبَ رِيحِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نَفَسْتُ عَلَيْهِ الشَّيْءَ أنْفَسُهُ نَفاسَةً إذا ضَنَنْتَ بِهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، والمَعْنى: وفي ذَلِكَ فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ مُبالَغَةَ اللَّهِ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَسْنِيمٌ عَلَمٌ لَعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَّمَهُ إذا رَفَعَهُ، إمّا لِأنَّها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ، عَلى ما رُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُسَنَّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ، وإمّا لِأنَّها لِأجْلِ كَثْرَةِ مَلْئِها وسُرْعَتِهِ تَعْلُو عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَمُرُّ بِهِ وهو تَسْنِيمُهُ، أوْ لِأنَّهُ عِنْدَ الجَرْيِ يُرى فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ، فَهو التَّسْنِيمُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِلْعُلُوِّ والِارْتِفاعِ، ومِنهُ سَنامُ البَعِيرِ وتَسَنَّمْتُ الحائِطَ إذا عَلَوْتُهُ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ: فَرَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَسْنِيمَ، فَقالَ هَذا مِمّا يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ويَقْرُبُ مِنهُ ما قالَ الحَسَنُ: وهو أنَّهُ أمْرٌ أخْفاهُ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ الجَنَّةِ قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ وهو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾“ مِن تَشْرِيفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تَسْنِيمَ عَيْنٌ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْرَفُ شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَسْنِيمُ، لِأنَّهُ يَشْرَبُهُ المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، ويُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: المُقَرَّبُونَ، وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَرامَةَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ يُمْزَجُ شَرابُهم مِن عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ؛ عَلِمْنا أنَّ المَذْكُورِينَ في هَذا المَوْضِعِ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْهارَ مُتَفاوِتَةٌ في الفَضِيلَةِ، فَتَسْنِيمُ أفْضَلُ أنْهارِ الجَنَّةِ، والمُقَرَّبُونَ أفْضَلُ أهْلِ الجَنَّةِ، والتَّسْنِيمُ في الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، والرَّحِيقُ هو الِابْتِهاجُ بِمُطالَعَةِ عالَمِ المَوْجُوداتِ، فالمُقَرَّبُونَ لا يَشْرَبُونَ إلّا مِنَ التَّسْنِيمِ، أيْ لا يَشْتَغِلُونَ إلّا بِمُطالَعَةِ وجْهِهِ الكَرِيمِ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَكُونُ شَرابُهم مَمْزُوجًا، فَتارَةً يَكُونُ نَظَرُهم إلَيْهِ وتارَةً إلى مَخْلُوقاتِهِ.
صفحة ٩٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (عَيْنًا) نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقَدْ مَرَّ.
المطففين 83:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَظَّمَ كِتابَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَظَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّعِيمِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ قالَ القَفّالُ: الأرائِكُ الأسِرَّةُ في الحِجالِ، ولا تُسَمّى أرِيكَةً فِيما زَعَمُوا إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: كُنّا لا نَدْرِي ما الأرِيكَةُ حَتّى لَقِينا رَجُلًا مِن أهْلِ اليَمَنِ أخْبَرَنا أنَّ الأرِيكَةَ عِنْدَهم ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: (يُنْظَرُونَ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: يَنْظُرُونَ إلى أنْواعِ نِعَمِهِمْ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ والوِلْدانِ، وأنْواعِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والمَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَلْحَظُ المُؤْمِنُ فَيُحِيطُ بِكُلِّ ما آتاهُ اللَّهُ وإنَّ أدْناهم يَتَراءى لَهُ مِثْلُ سَعَةِ الدُّنْيا» “ .
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَنْظُرُونَ إلى عَدُوِّهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ.
والثّالِثُ: إذا اشْتَهَوْا شَيْئًا نَظَرُوا إلَيْهِ فَيَحْضُرُهم ذَلِكَ الشَّيْءُ في الحالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ مِن بابِ أنْواعِ جِنْسٍ واحِدٍ وهو المَنظُورُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، ويَخْطُرُ بِبالِي تَفْسِيرٌ رابِعٌ: وهو أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ وهو أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما إنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ والنَّظَرُ المَقْرُونُ بِالنَّضْرَةِ هو رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]
صفحة ٩٠
ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ يَجِبُ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ أعْظَمِ اللَّذّاتِ، وما هو إلّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ؟ وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى إذا رَأيْتَهم عَرَفْتَ أنَّهم أهْلُ النِّعْمَةِ بِسَبَبِ ما تَرى في وُجُوهِهِمْ مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ في تِلْكَ القَرائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يُشاهَدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ الضَّحِكِ والِاسْتِبْشارِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] .
والثّانِي: قالَ عَطاءٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ النُّورِ والحُسْنِ والبَياضِ ما لا يَصِفُهُ واصِفٌ، وتَفْسِيرُ النَّضْرَةِ: قَدْ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ناضِرَةٌ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (تُعْرَفُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (جَنّاتُ النَّعِيمِ) بِالرَّفْعِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الرَّحِيقَ ما هو ؟ قالَ اللَّيْثُ: ”الرَّحِيقُ“ الخَمْرُ. وأنْشَدَ لِحَسّانَ.
بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: ”الرَّحِيقُ“ مِنَ الخَمْرِ ما لا غِشَّ فِيهِ ولا شَيْءَ يُفْسِدُهُ، ولَعَلَّهُ هو الخَمْرُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِهَذا: (الرَّحِيقِ) صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ هَؤُلاءِ يُسْقَوْنَ مِن شَرابٍ مَخْتُومٍ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ بِالصِّيانَةِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ، وهُناكَ خَمْرٌ آخَرُ تَجْرِي مِنها أنْهارٌ كَما قالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] إلّا أنَّ هَذا المَخْتُومَ أشْرَفُ في الجارِي.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ أيْ عاقِبَةٌ.
والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ في مَخْتُومٍ أنَّهُ مَمْزُوجٌ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِأنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ المَزْجَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ لَهُ عاقِبَةٌ هي رِيحُ المِسْكِ فَسَّرَهُ بِالمَمْزُوجِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَزِجْ بِالمِسْكِ لَما حَصَلَ فِيهِ رِيحُ المِسْكِ.
الرّابِعُ: قالَ مُجاهِدٌ: مَخْتُومٌ مُطَيَّنٌ، قالَ الواحِدِيُّ: كَأنَّ مُرادَهُ مِنَ الخَتْمِ بِالطِّينِ، هو أنْ لا تَمَسَّهُ يَدٌ إلى أنْ يَفُكَّ خَتْمَهُ الأبْرارُ، والأقْرَبُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِهَذا الرَّحِيقِ قَوْلُهُ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُءُوسُ القَوارِيرِ، فَكانَ ذَلِكَ المِسْكُ رَطْبًا يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ القَفّالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ .
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ عاقِبَتُهُ المِسْكُ أيْ يُخْتَمُ لَهُ آخِرُهُ بِرِيحِ المِسْكِ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ مِن رَحِيقٍ لَهُ عاقِبَةٌ، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ العاقِبَةَ فَقالَ: تِلْكَ العاقِبَةُ مِسْكٌ أيْ مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ، وهَذا قَوْلُ عَلْقَمَةَ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ قالُوا: إذا رَفَعَ الشّارِبُ فاهُ مِن آخِرِ شَرابِهِ وجَدَ رِيحَهُ كَرِيحِ المِسْكِ، والمَعْنى لَذاذَةُ
صفحة ٩١
المَقْطَعِ وذَكاءُ الرّائِحَةِ وأرَجُها، مَعَ طِيبِ الطَّعْمِ، والخِتامُ آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ: خَتَمْتُ القُرْآنَ، والأعْمالُ بِخَواتِيمِها ويُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتِيارُ الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَقْرَأُ: ”خاتَمُهُ مِسْكٌ“ أيْ آخِرُهُ كَما يُقالُ: خاتَمُ النَّبِيِّينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى إلّا أنَّ الخاتَمَ اسْمٌ والخِتامَ مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِمْ: هو كَرِيمُ الطِّباعِ والطّابَعِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ خَلَطَهُ مِسْكٌ، وذَكَرُوا أنَّ فِيهِ تَطْيِيبًا لِطَعْمِهِ. وقِيلَ: بَلْ لِرِيحِهِ وأقُولُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّ الخَمْرَ المَمْزُوجَ بِهَذِهِ الأفاوِيهِ الحارَّةِ مِمّا يُعِينُ عَلى الهَضْمِ وتَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى قُوَّةِ شَهْوَتِهِمْ وصِحَّةِ أبْدانِهِمْ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ، تَقُولُ المَرْأةُ لَقَدْ أخَذْتُ خَتْمَ طِينِيٍّ، أيْ لَقَدْ أخَذْتُ أخْلاطَ طِينِيٍّ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: هو شَرابٌ أبْيَضُ مِثْلُ الفِضَّةِ، يَخْتِمُونَ بِهِ آخِرَ شُرْبِهِمْ، لَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الدُّنْيا أدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ ثُمَّ أخْرَجَها لَمْ يَبْقَ ذُو رُوحٍ إلّا وجَدَ طِيبَ رِيحِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نَفَسْتُ عَلَيْهِ الشَّيْءَ أنْفَسُهُ نَفاسَةً إذا ضَنَنْتَ بِهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، والمَعْنى: وفي ذَلِكَ فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ مُبالَغَةَ اللَّهِ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَسْنِيمٌ عَلَمٌ لَعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَّمَهُ إذا رَفَعَهُ، إمّا لِأنَّها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ، عَلى ما رُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُسَنَّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ، وإمّا لِأنَّها لِأجْلِ كَثْرَةِ مَلْئِها وسُرْعَتِهِ تَعْلُو عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَمُرُّ بِهِ وهو تَسْنِيمُهُ، أوْ لِأنَّهُ عِنْدَ الجَرْيِ يُرى فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ، فَهو التَّسْنِيمُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِلْعُلُوِّ والِارْتِفاعِ، ومِنهُ سَنامُ البَعِيرِ وتَسَنَّمْتُ الحائِطَ إذا عَلَوْتُهُ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ: فَرَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَسْنِيمَ، فَقالَ هَذا مِمّا يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ويَقْرُبُ مِنهُ ما قالَ الحَسَنُ: وهو أنَّهُ أمْرٌ أخْفاهُ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ الجَنَّةِ قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ وهو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾“ مِن تَشْرِيفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تَسْنِيمَ عَيْنٌ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْرَفُ شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَسْنِيمُ، لِأنَّهُ يَشْرَبُهُ المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، ويُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: المُقَرَّبُونَ، وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَرامَةَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ يُمْزَجُ شَرابُهم مِن عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ؛ عَلِمْنا أنَّ المَذْكُورِينَ في هَذا المَوْضِعِ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْهارَ مُتَفاوِتَةٌ في الفَضِيلَةِ، فَتَسْنِيمُ أفْضَلُ أنْهارِ الجَنَّةِ، والمُقَرَّبُونَ أفْضَلُ أهْلِ الجَنَّةِ، والتَّسْنِيمُ في الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، والرَّحِيقُ هو الِابْتِهاجُ بِمُطالَعَةِ عالَمِ المَوْجُوداتِ، فالمُقَرَّبُونَ لا يَشْرَبُونَ إلّا مِنَ التَّسْنِيمِ، أيْ لا يَشْتَغِلُونَ إلّا بِمُطالَعَةِ وجْهِهِ الكَرِيمِ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَكُونُ شَرابُهم مَمْزُوجًا، فَتارَةً يَكُونُ نَظَرُهم إلَيْهِ وتارَةً إلى مَخْلُوقاتِهِ.
صفحة ٩٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (عَيْنًا) نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقَدْ مَرَّ.
المطففين 83:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ كَرامَةَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُبْحَ مُعامَلَةِ الكُفّارِ مَعَهم في الدُّنْيا في اسْتِهْزائِهِمْ وضَحِكِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ سَيَنْقَلِبُ عَلى الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أكابِرُ المُشْرِكِينَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
الثّانِي: جاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَخِرَ مِنهُمُ المُنافِقُونَ وضَحِكُوا وتَغامَزُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلى أصْحابِهِمْ فَقالُوا: رَأيْنا اليَوْمَ الأصْلَعَ فَضَحِكُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أرْبَعَةَ أشْياءَ مِنَ المُعامَلاتِ القَبِيحَةِ.
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وبِدِينِهِمْ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَتَفاعَلُونَ مِنَ الغَمْزِ، وهو الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ ويَكُونُ الغَمْزُ أيْضًا بِمَعْنى العَيْبِ وغَمَزَهُ إذا عابَهُ، وما في فُلانٍ غَمِيزَةٌ أيْ ما يُعابُ بِهِ، والمَعْنى أنَّهم يُشِيرُونَ إلَيْهِمْ بِالأعْيُنِ اسْتِهْزاءً ويَعِيبُونَهم، ويَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها لَذّاتِها ويُخاطِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ في طَلَبِ ثَوابٍ لا يَتَيَقَّنُونَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُعْجَبِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا، أوْ يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ المُسْلِمِينَ بِالسُّوءِ، قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: ”فَكِهِينَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ، وفي سائِرِ القُرْآنِ: (فاكِهِينَ) بِالألِفِ وقَرَأ الباقُونَ فاكِهِينَ بِالألِفِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: فاكِهِينَ أيْ مُتَنَعِّمِينَ مَشْغُولِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وفَكِهِينَ مُعْجَبِينَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ هم عَلى ضَلالٍ في تَرْكِهِمُ التَّنَعُّمَ الحاضِرَ بِسَبَبِ طَلَبِ ثَوابٍ لا يُدْرى هَلْ لَهُ وُجُودٌ أمْ لا، وهَذا آخِرُ ما حَكاهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ.
صفحة ٩٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ رُقَباءَ عَلى المُؤْمِنِينَ، يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويَتَفَقَّدُونَ ما يَصْنَعُونَهُ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَيَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ما يَعْتَقِدُونَهُ ضَلالًا، بَلْ إنَّما أُمِرُوا بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي هو يَوْمُ تَصْقَعُ الأعْمالُ والمُحاسَبَةُ يَضْحَكُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، وفي سَبَبِ هَذا الضَّحِكِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَضْحَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، وفي الآخِرَةِ يَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ عَلى الكافِرِينَ بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِن أنْواعِ العَذابِ والبَلاءِ، ولِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وأنَّهم قَدْ باعُوا باقِيًا بِفانٍ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم قَدْ فازُوا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ ونالُوا بِالتَّعَبِ اليَسِيرِ راحَةَ الأبَدِ، ودَخَلُوا الجَنَّةَ فَأُجْلِسُوا عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ وكَيْفَ يَصْطَرِخُونَ فِيها ويَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الثّانِي: قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لِأهْلِ النّارِ وهم فِيها اخْرُجُوا وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا رَأوْها قَدْ فُتِحَتْ أقْبَلُوا إلَيْها يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، والمُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ عَلى الأرائِكِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى أبْوابِها غُلِّقَتْ دُونَهم، فَذاكَ هو سَبَبُ الضَّحِكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن يَضْحَكُونَ أيْ يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثُوِّبَ بِمَعْنى أُثِيبَ أيِ اللَّهُ المُثِيبُ، قالَ أوْسٌ:
سَأجْزِيكِ أوْ يَجْزِيكِ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسْبُكِ أنْ يُثْنى عَلَيْكِ وتُحْمَدِي
قالَ المُبَرِّدُ: وهو فُعِّلَ مِنَ الثَّوابِ، وهو ما يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ إلى فاعِلِهِ جَزاءَ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والثَّوابُ يُسْتَعْمَلُ في المُكافَأةِ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
ألا أبْلِغْ أبا حَسَنٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَما لَكَ لا تَجِيءُ إلى الثَّوابِ
والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والمَعْنى كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ جازَيْنا الكُفّارَ عَلى عَمَلِهِمُ الَّذِي كانَ مِن جُمْلَتِهِ ضَحِكُهم بِكم واسْتِهْزاؤُهم بِطَرِيقَتِكم، كَما جازَيْناكم عَلى أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ؟ فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا في سُرُورِهِمْ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافَ بِأعْدائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنها أحْوالُ القِيامَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المطففين 83:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ كَرامَةَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُبْحَ مُعامَلَةِ الكُفّارِ مَعَهم في الدُّنْيا في اسْتِهْزائِهِمْ وضَحِكِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ سَيَنْقَلِبُ عَلى الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أكابِرُ المُشْرِكِينَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
الثّانِي: جاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَخِرَ مِنهُمُ المُنافِقُونَ وضَحِكُوا وتَغامَزُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلى أصْحابِهِمْ فَقالُوا: رَأيْنا اليَوْمَ الأصْلَعَ فَضَحِكُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أرْبَعَةَ أشْياءَ مِنَ المُعامَلاتِ القَبِيحَةِ.
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وبِدِينِهِمْ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَتَفاعَلُونَ مِنَ الغَمْزِ، وهو الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ ويَكُونُ الغَمْزُ أيْضًا بِمَعْنى العَيْبِ وغَمَزَهُ إذا عابَهُ، وما في فُلانٍ غَمِيزَةٌ أيْ ما يُعابُ بِهِ، والمَعْنى أنَّهم يُشِيرُونَ إلَيْهِمْ بِالأعْيُنِ اسْتِهْزاءً ويَعِيبُونَهم، ويَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها لَذّاتِها ويُخاطِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ في طَلَبِ ثَوابٍ لا يَتَيَقَّنُونَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُعْجَبِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا، أوْ يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ المُسْلِمِينَ بِالسُّوءِ، قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: ”فَكِهِينَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ، وفي سائِرِ القُرْآنِ: (فاكِهِينَ) بِالألِفِ وقَرَأ الباقُونَ فاكِهِينَ بِالألِفِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: فاكِهِينَ أيْ مُتَنَعِّمِينَ مَشْغُولِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وفَكِهِينَ مُعْجَبِينَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ هم عَلى ضَلالٍ في تَرْكِهِمُ التَّنَعُّمَ الحاضِرَ بِسَبَبِ طَلَبِ ثَوابٍ لا يُدْرى هَلْ لَهُ وُجُودٌ أمْ لا، وهَذا آخِرُ ما حَكاهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ.
صفحة ٩٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ رُقَباءَ عَلى المُؤْمِنِينَ، يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويَتَفَقَّدُونَ ما يَصْنَعُونَهُ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَيَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ما يَعْتَقِدُونَهُ ضَلالًا، بَلْ إنَّما أُمِرُوا بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي هو يَوْمُ تَصْقَعُ الأعْمالُ والمُحاسَبَةُ يَضْحَكُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، وفي سَبَبِ هَذا الضَّحِكِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَضْحَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، وفي الآخِرَةِ يَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ عَلى الكافِرِينَ بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِن أنْواعِ العَذابِ والبَلاءِ، ولِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وأنَّهم قَدْ باعُوا باقِيًا بِفانٍ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم قَدْ فازُوا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ ونالُوا بِالتَّعَبِ اليَسِيرِ راحَةَ الأبَدِ، ودَخَلُوا الجَنَّةَ فَأُجْلِسُوا عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ وكَيْفَ يَصْطَرِخُونَ فِيها ويَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الثّانِي: قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لِأهْلِ النّارِ وهم فِيها اخْرُجُوا وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا رَأوْها قَدْ فُتِحَتْ أقْبَلُوا إلَيْها يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، والمُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ عَلى الأرائِكِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى أبْوابِها غُلِّقَتْ دُونَهم، فَذاكَ هو سَبَبُ الضَّحِكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن يَضْحَكُونَ أيْ يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثُوِّبَ بِمَعْنى أُثِيبَ أيِ اللَّهُ المُثِيبُ، قالَ أوْسٌ:
سَأجْزِيكِ أوْ يَجْزِيكِ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسْبُكِ أنْ يُثْنى عَلَيْكِ وتُحْمَدِي
قالَ المُبَرِّدُ: وهو فُعِّلَ مِنَ الثَّوابِ، وهو ما يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ إلى فاعِلِهِ جَزاءَ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والثَّوابُ يُسْتَعْمَلُ في المُكافَأةِ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
ألا أبْلِغْ أبا حَسَنٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَما لَكَ لا تَجِيءُ إلى الثَّوابِ
والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والمَعْنى كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ جازَيْنا الكُفّارَ عَلى عَمَلِهِمُ الَّذِي كانَ مِن جُمْلَتِهِ ضَحِكُهم بِكم واسْتِهْزاؤُهم بِطَرِيقَتِكم، كَما جازَيْناكم عَلى أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ؟ فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا في سُرُورِهِمْ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافَ بِأعْدائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنها أحْوالُ القِيامَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المطففين 83:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ كَرامَةَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُبْحَ مُعامَلَةِ الكُفّارِ مَعَهم في الدُّنْيا في اسْتِهْزائِهِمْ وضَحِكِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ سَيَنْقَلِبُ عَلى الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أكابِرُ المُشْرِكِينَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
الثّانِي: جاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَخِرَ مِنهُمُ المُنافِقُونَ وضَحِكُوا وتَغامَزُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلى أصْحابِهِمْ فَقالُوا: رَأيْنا اليَوْمَ الأصْلَعَ فَضَحِكُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أرْبَعَةَ أشْياءَ مِنَ المُعامَلاتِ القَبِيحَةِ.
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وبِدِينِهِمْ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَتَفاعَلُونَ مِنَ الغَمْزِ، وهو الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ ويَكُونُ الغَمْزُ أيْضًا بِمَعْنى العَيْبِ وغَمَزَهُ إذا عابَهُ، وما في فُلانٍ غَمِيزَةٌ أيْ ما يُعابُ بِهِ، والمَعْنى أنَّهم يُشِيرُونَ إلَيْهِمْ بِالأعْيُنِ اسْتِهْزاءً ويَعِيبُونَهم، ويَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها لَذّاتِها ويُخاطِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ في طَلَبِ ثَوابٍ لا يَتَيَقَّنُونَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُعْجَبِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا، أوْ يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ المُسْلِمِينَ بِالسُّوءِ، قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: ”فَكِهِينَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ، وفي سائِرِ القُرْآنِ: (فاكِهِينَ) بِالألِفِ وقَرَأ الباقُونَ فاكِهِينَ بِالألِفِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: فاكِهِينَ أيْ مُتَنَعِّمِينَ مَشْغُولِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وفَكِهِينَ مُعْجَبِينَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ هم عَلى ضَلالٍ في تَرْكِهِمُ التَّنَعُّمَ الحاضِرَ بِسَبَبِ طَلَبِ ثَوابٍ لا يُدْرى هَلْ لَهُ وُجُودٌ أمْ لا، وهَذا آخِرُ ما حَكاهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ.
صفحة ٩٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ رُقَباءَ عَلى المُؤْمِنِينَ، يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويَتَفَقَّدُونَ ما يَصْنَعُونَهُ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَيَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ما يَعْتَقِدُونَهُ ضَلالًا، بَلْ إنَّما أُمِرُوا بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي هو يَوْمُ تَصْقَعُ الأعْمالُ والمُحاسَبَةُ يَضْحَكُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، وفي سَبَبِ هَذا الضَّحِكِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَضْحَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، وفي الآخِرَةِ يَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ عَلى الكافِرِينَ بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِن أنْواعِ العَذابِ والبَلاءِ، ولِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وأنَّهم قَدْ باعُوا باقِيًا بِفانٍ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم قَدْ فازُوا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ ونالُوا بِالتَّعَبِ اليَسِيرِ راحَةَ الأبَدِ، ودَخَلُوا الجَنَّةَ فَأُجْلِسُوا عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ وكَيْفَ يَصْطَرِخُونَ فِيها ويَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الثّانِي: قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لِأهْلِ النّارِ وهم فِيها اخْرُجُوا وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا رَأوْها قَدْ فُتِحَتْ أقْبَلُوا إلَيْها يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، والمُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ عَلى الأرائِكِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى أبْوابِها غُلِّقَتْ دُونَهم، فَذاكَ هو سَبَبُ الضَّحِكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن يَضْحَكُونَ أيْ يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثُوِّبَ بِمَعْنى أُثِيبَ أيِ اللَّهُ المُثِيبُ، قالَ أوْسٌ:
سَأجْزِيكِ أوْ يَجْزِيكِ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسْبُكِ أنْ يُثْنى عَلَيْكِ وتُحْمَدِي
قالَ المُبَرِّدُ: وهو فُعِّلَ مِنَ الثَّوابِ، وهو ما يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ إلى فاعِلِهِ جَزاءَ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والثَّوابُ يُسْتَعْمَلُ في المُكافَأةِ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
ألا أبْلِغْ أبا حَسَنٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَما لَكَ لا تَجِيءُ إلى الثَّوابِ
والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والمَعْنى كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ جازَيْنا الكُفّارَ عَلى عَمَلِهِمُ الَّذِي كانَ مِن جُمْلَتِهِ ضَحِكُهم بِكم واسْتِهْزاؤُهم بِطَرِيقَتِكم، كَما جازَيْناكم عَلى أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ؟ فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا في سُرُورِهِمْ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافَ بِأعْدائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنها أحْوالُ القِيامَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المطففين 83:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ كَرامَةَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُبْحَ مُعامَلَةِ الكُفّارِ مَعَهم في الدُّنْيا في اسْتِهْزائِهِمْ وضَحِكِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ سَيَنْقَلِبُ عَلى الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أكابِرُ المُشْرِكِينَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
الثّانِي: جاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَخِرَ مِنهُمُ المُنافِقُونَ وضَحِكُوا وتَغامَزُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلى أصْحابِهِمْ فَقالُوا: رَأيْنا اليَوْمَ الأصْلَعَ فَضَحِكُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أرْبَعَةَ أشْياءَ مِنَ المُعامَلاتِ القَبِيحَةِ.
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وبِدِينِهِمْ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَتَفاعَلُونَ مِنَ الغَمْزِ، وهو الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ ويَكُونُ الغَمْزُ أيْضًا بِمَعْنى العَيْبِ وغَمَزَهُ إذا عابَهُ، وما في فُلانٍ غَمِيزَةٌ أيْ ما يُعابُ بِهِ، والمَعْنى أنَّهم يُشِيرُونَ إلَيْهِمْ بِالأعْيُنِ اسْتِهْزاءً ويَعِيبُونَهم، ويَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها لَذّاتِها ويُخاطِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ في طَلَبِ ثَوابٍ لا يَتَيَقَّنُونَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُعْجَبِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا، أوْ يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ المُسْلِمِينَ بِالسُّوءِ، قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: ”فَكِهِينَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ، وفي سائِرِ القُرْآنِ: (فاكِهِينَ) بِالألِفِ وقَرَأ الباقُونَ فاكِهِينَ بِالألِفِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: فاكِهِينَ أيْ مُتَنَعِّمِينَ مَشْغُولِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وفَكِهِينَ مُعْجَبِينَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ هم عَلى ضَلالٍ في تَرْكِهِمُ التَّنَعُّمَ الحاضِرَ بِسَبَبِ طَلَبِ ثَوابٍ لا يُدْرى هَلْ لَهُ وُجُودٌ أمْ لا، وهَذا آخِرُ ما حَكاهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ.
صفحة ٩٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ رُقَباءَ عَلى المُؤْمِنِينَ، يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويَتَفَقَّدُونَ ما يَصْنَعُونَهُ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَيَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ما يَعْتَقِدُونَهُ ضَلالًا، بَلْ إنَّما أُمِرُوا بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي هو يَوْمُ تَصْقَعُ الأعْمالُ والمُحاسَبَةُ يَضْحَكُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، وفي سَبَبِ هَذا الضَّحِكِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَضْحَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، وفي الآخِرَةِ يَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ عَلى الكافِرِينَ بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِن أنْواعِ العَذابِ والبَلاءِ، ولِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وأنَّهم قَدْ باعُوا باقِيًا بِفانٍ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم قَدْ فازُوا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ ونالُوا بِالتَّعَبِ اليَسِيرِ راحَةَ الأبَدِ، ودَخَلُوا الجَنَّةَ فَأُجْلِسُوا عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ وكَيْفَ يَصْطَرِخُونَ فِيها ويَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الثّانِي: قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لِأهْلِ النّارِ وهم فِيها اخْرُجُوا وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا رَأوْها قَدْ فُتِحَتْ أقْبَلُوا إلَيْها يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، والمُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ عَلى الأرائِكِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى أبْوابِها غُلِّقَتْ دُونَهم، فَذاكَ هو سَبَبُ الضَّحِكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن يَضْحَكُونَ أيْ يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثُوِّبَ بِمَعْنى أُثِيبَ أيِ اللَّهُ المُثِيبُ، قالَ أوْسٌ:
سَأجْزِيكِ أوْ يَجْزِيكِ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسْبُكِ أنْ يُثْنى عَلَيْكِ وتُحْمَدِي
قالَ المُبَرِّدُ: وهو فُعِّلَ مِنَ الثَّوابِ، وهو ما يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ إلى فاعِلِهِ جَزاءَ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والثَّوابُ يُسْتَعْمَلُ في المُكافَأةِ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
ألا أبْلِغْ أبا حَسَنٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَما لَكَ لا تَجِيءُ إلى الثَّوابِ
والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والمَعْنى كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ جازَيْنا الكُفّارَ عَلى عَمَلِهِمُ الَّذِي كانَ مِن جُمْلَتِهِ ضَحِكُهم بِكم واسْتِهْزاؤُهم بِطَرِيقَتِكم، كَما جازَيْناكم عَلى أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ؟ فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا في سُرُورِهِمْ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافَ بِأعْدائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنها أحْوالُ القِيامَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المطففين 83:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ كَرامَةَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُبْحَ مُعامَلَةِ الكُفّارِ مَعَهم في الدُّنْيا في اسْتِهْزائِهِمْ وضَحِكِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ سَيَنْقَلِبُ عَلى الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أكابِرُ المُشْرِكِينَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
الثّانِي: جاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَخِرَ مِنهُمُ المُنافِقُونَ وضَحِكُوا وتَغامَزُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلى أصْحابِهِمْ فَقالُوا: رَأيْنا اليَوْمَ الأصْلَعَ فَضَحِكُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أرْبَعَةَ أشْياءَ مِنَ المُعامَلاتِ القَبِيحَةِ.
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وبِدِينِهِمْ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَتَفاعَلُونَ مِنَ الغَمْزِ، وهو الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ ويَكُونُ الغَمْزُ أيْضًا بِمَعْنى العَيْبِ وغَمَزَهُ إذا عابَهُ، وما في فُلانٍ غَمِيزَةٌ أيْ ما يُعابُ بِهِ، والمَعْنى أنَّهم يُشِيرُونَ إلَيْهِمْ بِالأعْيُنِ اسْتِهْزاءً ويَعِيبُونَهم، ويَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها لَذّاتِها ويُخاطِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ في طَلَبِ ثَوابٍ لا يَتَيَقَّنُونَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُعْجَبِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا، أوْ يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ المُسْلِمِينَ بِالسُّوءِ، قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: ”فَكِهِينَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ، وفي سائِرِ القُرْآنِ: (فاكِهِينَ) بِالألِفِ وقَرَأ الباقُونَ فاكِهِينَ بِالألِفِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: فاكِهِينَ أيْ مُتَنَعِّمِينَ مَشْغُولِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وفَكِهِينَ مُعْجَبِينَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ هم عَلى ضَلالٍ في تَرْكِهِمُ التَّنَعُّمَ الحاضِرَ بِسَبَبِ طَلَبِ ثَوابٍ لا يُدْرى هَلْ لَهُ وُجُودٌ أمْ لا، وهَذا آخِرُ ما حَكاهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ.
صفحة ٩٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ رُقَباءَ عَلى المُؤْمِنِينَ، يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويَتَفَقَّدُونَ ما يَصْنَعُونَهُ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَيَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ما يَعْتَقِدُونَهُ ضَلالًا، بَلْ إنَّما أُمِرُوا بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي هو يَوْمُ تَصْقَعُ الأعْمالُ والمُحاسَبَةُ يَضْحَكُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، وفي سَبَبِ هَذا الضَّحِكِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَضْحَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، وفي الآخِرَةِ يَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ عَلى الكافِرِينَ بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِن أنْواعِ العَذابِ والبَلاءِ، ولِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وأنَّهم قَدْ باعُوا باقِيًا بِفانٍ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم قَدْ فازُوا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ ونالُوا بِالتَّعَبِ اليَسِيرِ راحَةَ الأبَدِ، ودَخَلُوا الجَنَّةَ فَأُجْلِسُوا عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ وكَيْفَ يَصْطَرِخُونَ فِيها ويَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الثّانِي: قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لِأهْلِ النّارِ وهم فِيها اخْرُجُوا وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا رَأوْها قَدْ فُتِحَتْ أقْبَلُوا إلَيْها يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، والمُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ عَلى الأرائِكِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى أبْوابِها غُلِّقَتْ دُونَهم، فَذاكَ هو سَبَبُ الضَّحِكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن يَضْحَكُونَ أيْ يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثُوِّبَ بِمَعْنى أُثِيبَ أيِ اللَّهُ المُثِيبُ، قالَ أوْسٌ:
سَأجْزِيكِ أوْ يَجْزِيكِ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسْبُكِ أنْ يُثْنى عَلَيْكِ وتُحْمَدِي
قالَ المُبَرِّدُ: وهو فُعِّلَ مِنَ الثَّوابِ، وهو ما يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ إلى فاعِلِهِ جَزاءَ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والثَّوابُ يُسْتَعْمَلُ في المُكافَأةِ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
ألا أبْلِغْ أبا حَسَنٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَما لَكَ لا تَجِيءُ إلى الثَّوابِ
والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والمَعْنى كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ جازَيْنا الكُفّارَ عَلى عَمَلِهِمُ الَّذِي كانَ مِن جُمْلَتِهِ ضَحِكُهم بِكم واسْتِهْزاؤُهم بِطَرِيقَتِكم، كَما جازَيْناكم عَلى أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ؟ فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا في سُرُورِهِمْ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافَ بِأعْدائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنها أحْوالُ القِيامَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المطففين 83:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ كَرامَةَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُبْحَ مُعامَلَةِ الكُفّارِ مَعَهم في الدُّنْيا في اسْتِهْزائِهِمْ وضَحِكِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ سَيَنْقَلِبُ عَلى الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أكابِرُ المُشْرِكِينَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
الثّانِي: جاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَخِرَ مِنهُمُ المُنافِقُونَ وضَحِكُوا وتَغامَزُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلى أصْحابِهِمْ فَقالُوا: رَأيْنا اليَوْمَ الأصْلَعَ فَضَحِكُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أرْبَعَةَ أشْياءَ مِنَ المُعامَلاتِ القَبِيحَةِ.
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وبِدِينِهِمْ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَتَفاعَلُونَ مِنَ الغَمْزِ، وهو الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ ويَكُونُ الغَمْزُ أيْضًا بِمَعْنى العَيْبِ وغَمَزَهُ إذا عابَهُ، وما في فُلانٍ غَمِيزَةٌ أيْ ما يُعابُ بِهِ، والمَعْنى أنَّهم يُشِيرُونَ إلَيْهِمْ بِالأعْيُنِ اسْتِهْزاءً ويَعِيبُونَهم، ويَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها لَذّاتِها ويُخاطِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ في طَلَبِ ثَوابٍ لا يَتَيَقَّنُونَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُعْجَبِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا، أوْ يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ المُسْلِمِينَ بِالسُّوءِ، قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: ”فَكِهِينَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ، وفي سائِرِ القُرْآنِ: (فاكِهِينَ) بِالألِفِ وقَرَأ الباقُونَ فاكِهِينَ بِالألِفِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: فاكِهِينَ أيْ مُتَنَعِّمِينَ مَشْغُولِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وفَكِهِينَ مُعْجَبِينَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ هم عَلى ضَلالٍ في تَرْكِهِمُ التَّنَعُّمَ الحاضِرَ بِسَبَبِ طَلَبِ ثَوابٍ لا يُدْرى هَلْ لَهُ وُجُودٌ أمْ لا، وهَذا آخِرُ ما حَكاهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ.
صفحة ٩٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ رُقَباءَ عَلى المُؤْمِنِينَ، يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويَتَفَقَّدُونَ ما يَصْنَعُونَهُ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَيَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ما يَعْتَقِدُونَهُ ضَلالًا، بَلْ إنَّما أُمِرُوا بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي هو يَوْمُ تَصْقَعُ الأعْمالُ والمُحاسَبَةُ يَضْحَكُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، وفي سَبَبِ هَذا الضَّحِكِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَضْحَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، وفي الآخِرَةِ يَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ عَلى الكافِرِينَ بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِن أنْواعِ العَذابِ والبَلاءِ، ولِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وأنَّهم قَدْ باعُوا باقِيًا بِفانٍ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم قَدْ فازُوا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ ونالُوا بِالتَّعَبِ اليَسِيرِ راحَةَ الأبَدِ، ودَخَلُوا الجَنَّةَ فَأُجْلِسُوا عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ وكَيْفَ يَصْطَرِخُونَ فِيها ويَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الثّانِي: قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لِأهْلِ النّارِ وهم فِيها اخْرُجُوا وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا رَأوْها قَدْ فُتِحَتْ أقْبَلُوا إلَيْها يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، والمُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ عَلى الأرائِكِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى أبْوابِها غُلِّقَتْ دُونَهم، فَذاكَ هو سَبَبُ الضَّحِكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن يَضْحَكُونَ أيْ يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثُوِّبَ بِمَعْنى أُثِيبَ أيِ اللَّهُ المُثِيبُ، قالَ أوْسٌ:
سَأجْزِيكِ أوْ يَجْزِيكِ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسْبُكِ أنْ يُثْنى عَلَيْكِ وتُحْمَدِي
قالَ المُبَرِّدُ: وهو فُعِّلَ مِنَ الثَّوابِ، وهو ما يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ إلى فاعِلِهِ جَزاءَ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والثَّوابُ يُسْتَعْمَلُ في المُكافَأةِ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
ألا أبْلِغْ أبا حَسَنٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَما لَكَ لا تَجِيءُ إلى الثَّوابِ
والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والمَعْنى كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ جازَيْنا الكُفّارَ عَلى عَمَلِهِمُ الَّذِي كانَ مِن جُمْلَتِهِ ضَحِكُهم بِكم واسْتِهْزاؤُهم بِطَرِيقَتِكم، كَما جازَيْناكم عَلى أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ؟ فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا في سُرُورِهِمْ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافَ بِأعْدائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنها أحْوالُ القِيامَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المطففين 83:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ كَرامَةَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُبْحَ مُعامَلَةِ الكُفّارِ مَعَهم في الدُّنْيا في اسْتِهْزائِهِمْ وضَحِكِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ سَيَنْقَلِبُ عَلى الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أكابِرُ المُشْرِكِينَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
الثّانِي: جاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَخِرَ مِنهُمُ المُنافِقُونَ وضَحِكُوا وتَغامَزُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلى أصْحابِهِمْ فَقالُوا: رَأيْنا اليَوْمَ الأصْلَعَ فَضَحِكُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أرْبَعَةَ أشْياءَ مِنَ المُعامَلاتِ القَبِيحَةِ.
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وبِدِينِهِمْ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَتَفاعَلُونَ مِنَ الغَمْزِ، وهو الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ ويَكُونُ الغَمْزُ أيْضًا بِمَعْنى العَيْبِ وغَمَزَهُ إذا عابَهُ، وما في فُلانٍ غَمِيزَةٌ أيْ ما يُعابُ بِهِ، والمَعْنى أنَّهم يُشِيرُونَ إلَيْهِمْ بِالأعْيُنِ اسْتِهْزاءً ويَعِيبُونَهم، ويَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها لَذّاتِها ويُخاطِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ في طَلَبِ ثَوابٍ لا يَتَيَقَّنُونَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُعْجَبِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا، أوْ يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ المُسْلِمِينَ بِالسُّوءِ، قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: ”فَكِهِينَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ، وفي سائِرِ القُرْآنِ: (فاكِهِينَ) بِالألِفِ وقَرَأ الباقُونَ فاكِهِينَ بِالألِفِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: فاكِهِينَ أيْ مُتَنَعِّمِينَ مَشْغُولِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وفَكِهِينَ مُعْجَبِينَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ هم عَلى ضَلالٍ في تَرْكِهِمُ التَّنَعُّمَ الحاضِرَ بِسَبَبِ طَلَبِ ثَوابٍ لا يُدْرى هَلْ لَهُ وُجُودٌ أمْ لا، وهَذا آخِرُ ما حَكاهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ.
صفحة ٩٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ رُقَباءَ عَلى المُؤْمِنِينَ، يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويَتَفَقَّدُونَ ما يَصْنَعُونَهُ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَيَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ما يَعْتَقِدُونَهُ ضَلالًا، بَلْ إنَّما أُمِرُوا بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي هو يَوْمُ تَصْقَعُ الأعْمالُ والمُحاسَبَةُ يَضْحَكُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، وفي سَبَبِ هَذا الضَّحِكِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَضْحَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، وفي الآخِرَةِ يَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ عَلى الكافِرِينَ بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِن أنْواعِ العَذابِ والبَلاءِ، ولِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وأنَّهم قَدْ باعُوا باقِيًا بِفانٍ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم قَدْ فازُوا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ ونالُوا بِالتَّعَبِ اليَسِيرِ راحَةَ الأبَدِ، ودَخَلُوا الجَنَّةَ فَأُجْلِسُوا عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ وكَيْفَ يَصْطَرِخُونَ فِيها ويَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الثّانِي: قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لِأهْلِ النّارِ وهم فِيها اخْرُجُوا وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا رَأوْها قَدْ فُتِحَتْ أقْبَلُوا إلَيْها يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، والمُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ عَلى الأرائِكِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى أبْوابِها غُلِّقَتْ دُونَهم، فَذاكَ هو سَبَبُ الضَّحِكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن يَضْحَكُونَ أيْ يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثُوِّبَ بِمَعْنى أُثِيبَ أيِ اللَّهُ المُثِيبُ، قالَ أوْسٌ:
سَأجْزِيكِ أوْ يَجْزِيكِ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسْبُكِ أنْ يُثْنى عَلَيْكِ وتُحْمَدِي
قالَ المُبَرِّدُ: وهو فُعِّلَ مِنَ الثَّوابِ، وهو ما يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ إلى فاعِلِهِ جَزاءَ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والثَّوابُ يُسْتَعْمَلُ في المُكافَأةِ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
ألا أبْلِغْ أبا حَسَنٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَما لَكَ لا تَجِيءُ إلى الثَّوابِ
والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والمَعْنى كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ جازَيْنا الكُفّارَ عَلى عَمَلِهِمُ الَّذِي كانَ مِن جُمْلَتِهِ ضَحِكُهم بِكم واسْتِهْزاؤُهم بِطَرِيقَتِكم، كَما جازَيْناكم عَلى أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ؟ فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا في سُرُورِهِمْ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافَ بِأعْدائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنها أحْوالُ القِيامَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المطففين 83:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ كَرامَةَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُبْحَ مُعامَلَةِ الكُفّارِ مَعَهم في الدُّنْيا في اسْتِهْزائِهِمْ وضَحِكِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ سَيَنْقَلِبُ عَلى الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أكابِرُ المُشْرِكِينَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
الثّانِي: جاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَخِرَ مِنهُمُ المُنافِقُونَ وضَحِكُوا وتَغامَزُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلى أصْحابِهِمْ فَقالُوا: رَأيْنا اليَوْمَ الأصْلَعَ فَضَحِكُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أرْبَعَةَ أشْياءَ مِنَ المُعامَلاتِ القَبِيحَةِ.
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وبِدِينِهِمْ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَتَفاعَلُونَ مِنَ الغَمْزِ، وهو الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ ويَكُونُ الغَمْزُ أيْضًا بِمَعْنى العَيْبِ وغَمَزَهُ إذا عابَهُ، وما في فُلانٍ غَمِيزَةٌ أيْ ما يُعابُ بِهِ، والمَعْنى أنَّهم يُشِيرُونَ إلَيْهِمْ بِالأعْيُنِ اسْتِهْزاءً ويَعِيبُونَهم، ويَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها لَذّاتِها ويُخاطِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ في طَلَبِ ثَوابٍ لا يَتَيَقَّنُونَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُعْجَبِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا، أوْ يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ المُسْلِمِينَ بِالسُّوءِ، قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: ”فَكِهِينَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ، وفي سائِرِ القُرْآنِ: (فاكِهِينَ) بِالألِفِ وقَرَأ الباقُونَ فاكِهِينَ بِالألِفِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: فاكِهِينَ أيْ مُتَنَعِّمِينَ مَشْغُولِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وفَكِهِينَ مُعْجَبِينَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ هم عَلى ضَلالٍ في تَرْكِهِمُ التَّنَعُّمَ الحاضِرَ بِسَبَبِ طَلَبِ ثَوابٍ لا يُدْرى هَلْ لَهُ وُجُودٌ أمْ لا، وهَذا آخِرُ ما حَكاهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ.
صفحة ٩٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ رُقَباءَ عَلى المُؤْمِنِينَ، يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويَتَفَقَّدُونَ ما يَصْنَعُونَهُ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَيَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ما يَعْتَقِدُونَهُ ضَلالًا، بَلْ إنَّما أُمِرُوا بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي هو يَوْمُ تَصْقَعُ الأعْمالُ والمُحاسَبَةُ يَضْحَكُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، وفي سَبَبِ هَذا الضَّحِكِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَضْحَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، وفي الآخِرَةِ يَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ عَلى الكافِرِينَ بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِن أنْواعِ العَذابِ والبَلاءِ، ولِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وأنَّهم قَدْ باعُوا باقِيًا بِفانٍ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم قَدْ فازُوا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ ونالُوا بِالتَّعَبِ اليَسِيرِ راحَةَ الأبَدِ، ودَخَلُوا الجَنَّةَ فَأُجْلِسُوا عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ وكَيْفَ يَصْطَرِخُونَ فِيها ويَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الثّانِي: قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لِأهْلِ النّارِ وهم فِيها اخْرُجُوا وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا رَأوْها قَدْ فُتِحَتْ أقْبَلُوا إلَيْها يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، والمُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ عَلى الأرائِكِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى أبْوابِها غُلِّقَتْ دُونَهم، فَذاكَ هو سَبَبُ الضَّحِكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن يَضْحَكُونَ أيْ يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثُوِّبَ بِمَعْنى أُثِيبَ أيِ اللَّهُ المُثِيبُ، قالَ أوْسٌ:
سَأجْزِيكِ أوْ يَجْزِيكِ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسْبُكِ أنْ يُثْنى عَلَيْكِ وتُحْمَدِي
قالَ المُبَرِّدُ: وهو فُعِّلَ مِنَ الثَّوابِ، وهو ما يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ إلى فاعِلِهِ جَزاءَ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والثَّوابُ يُسْتَعْمَلُ في المُكافَأةِ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
ألا أبْلِغْ أبا حَسَنٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَما لَكَ لا تَجِيءُ إلى الثَّوابِ
والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والمَعْنى كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ جازَيْنا الكُفّارَ عَلى عَمَلِهِمُ الَّذِي كانَ مِن جُمْلَتِهِ ضَحِكُهم بِكم واسْتِهْزاؤُهم بِطَرِيقَتِكم، كَما جازَيْناكم عَلى أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ؟ فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا في سُرُورِهِمْ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافَ بِأعْدائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنها أحْوالُ القِيامَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الانشقاق 84:1
صفحة ٩٤
[ سُورَةُ الِانْشِقاقِ ]
وهِيَ عِشْرُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
أمّا انْشِقاقُ السَّماءِ فَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَنْشَقُّ مِنَ المَجَرَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ ومَعْنى أذِنَ لَهُ اسْتَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ» “ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ قَوْلَ قَعْنَبٍ:
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا
والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في جِرْمِ السَّماءِ ما يَمْنَعُ مِن تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في شَقِّها وتَفْرِيقِ أجْزائِها، فَكانَتْ في قَبُولِ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ كالعَبْدِ الطّائِعِ الَّذِي إذا ورَدَ عَلَيْهِ الأمْرُ مِن جِهَةِ المالِكِ أنْصَتَ لَهُ وأذْعَنَ، ولَمْ يَمْتَنِعْ فَقَوْلُهُ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] يَدُلُّ عَلى نَفاذِ القُدْرَةِ في الإيجادِ والإبْداعِ مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وقَوْلُهُ هاهُنا: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ يَدُلُّ عَلى نُفُوذِ القُدْرَةِ في التَّفْرِيقِ والإعْدامِ والإفْناءِ مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُقَّتْ﴾ فَهو مِن قَوْلِكَ هو مَحْقُوقٌ بِكَذا، وحَقِيقٌ بِهِ. يَعْنِي وهي حَقِيقَةٌ بِأنْ تَنْقادَ ولا تَمْتَنِعَ وذَلِكَ لِأنَّهُ جِسْمٌ، وكُلُّ جِسْمٍ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَإنَّ الوُجُودَ والعَدَمَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ، كانَ تَرْجِيحُ وجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ أوْ تَرْجِيحُ عَدَمِهِ عَلى وُجُودِهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَأْثِيرِ واجِبِ الوُجُودِ وتَرْجِيحِهِ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُ قُدْرَتِهِ في إيجادِهِ وإعْدامِهِ، نافِذًا سارِيًا مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وأمّا المُمْكِنُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا القَبُولُ والِاسْتِعْدادُ، ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ حَقِيقٌ بِهِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلْوُجُودِ تارَةً، ولِلْعَدَمِ
صفحة ٩٥
أُخْرى مِن واجِبِ الوُجُودِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَدَّ الشَّيْءَ فامْتَدَّ، وهو أنْ تُزالَ جِبالُها بِالنَّسْفِ كَما قالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] يُسَوِّي ظَهْرَها، كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٦] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ الكاظِمِيِّ، لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَدَّهُ بِمَعْنى أمَدَّهُ أيْ يُزادُ في سَعَتِها يَوْمَ القِيامَةِ لِوُقُوفِ الخَلائِقِ عَلَيْها لِلْحِسابِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الزِّيادَةِ في وجْهِ الأرْضِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِتَمْدِيدِها أوْ بِإمْدادِها، لِأنَّ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لَمّا كانُوا واقِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ظَهْرِها، فَلا بُدَّ مِنَ الزِّيادَةِ في طُولِها وعَرْضِها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ فالمَعْنى أنَّها لَمّا مُدَّتْ رَمَتْ بِما في جَوْفِها مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] ﴿بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَخَلَّتْ﴾ فالمَعْنى وخَلَتْ غايَةَ الخُلُوِّ حَتّى لَمْ يَبْقَ في باطِنِها شَيْءٌ كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جَهْدِها في الخُلُوِّ، كَما يُقالُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ، وتَرَحَّمَ الرَّحِيمُ، إذا بَلَغا جَهْدَهُما في الكَرَمِ والرَّحْمَةِ وتَكَلَّفا فَوْقَ ما في طَبْعِهِما، واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَطْنِ الأرْضِ إلى ظَهْرِها، لَكِنَّ الأرْضَ وُصِفَتْ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ إلّا أنَّ الأوَّلَ في السَّماءِ وهَذا في الأرْضِ، وإذا اخْتَلَفَ وجْهُ الكَلامِ لَمْ يَكُنْ تَكْرارًا.
الانشقاق 84:2
صفحة ٩٤
[ سُورَةُ الِانْشِقاقِ ]
وهِيَ عِشْرُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
أمّا انْشِقاقُ السَّماءِ فَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَنْشَقُّ مِنَ المَجَرَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ ومَعْنى أذِنَ لَهُ اسْتَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ» “ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ قَوْلَ قَعْنَبٍ:
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا
والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في جِرْمِ السَّماءِ ما يَمْنَعُ مِن تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في شَقِّها وتَفْرِيقِ أجْزائِها، فَكانَتْ في قَبُولِ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ كالعَبْدِ الطّائِعِ الَّذِي إذا ورَدَ عَلَيْهِ الأمْرُ مِن جِهَةِ المالِكِ أنْصَتَ لَهُ وأذْعَنَ، ولَمْ يَمْتَنِعْ فَقَوْلُهُ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] يَدُلُّ عَلى نَفاذِ القُدْرَةِ في الإيجادِ والإبْداعِ مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وقَوْلُهُ هاهُنا: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ يَدُلُّ عَلى نُفُوذِ القُدْرَةِ في التَّفْرِيقِ والإعْدامِ والإفْناءِ مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُقَّتْ﴾ فَهو مِن قَوْلِكَ هو مَحْقُوقٌ بِكَذا، وحَقِيقٌ بِهِ. يَعْنِي وهي حَقِيقَةٌ بِأنْ تَنْقادَ ولا تَمْتَنِعَ وذَلِكَ لِأنَّهُ جِسْمٌ، وكُلُّ جِسْمٍ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَإنَّ الوُجُودَ والعَدَمَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ، كانَ تَرْجِيحُ وجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ أوْ تَرْجِيحُ عَدَمِهِ عَلى وُجُودِهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَأْثِيرِ واجِبِ الوُجُودِ وتَرْجِيحِهِ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُ قُدْرَتِهِ في إيجادِهِ وإعْدامِهِ، نافِذًا سارِيًا مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وأمّا المُمْكِنُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا القَبُولُ والِاسْتِعْدادُ، ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ حَقِيقٌ بِهِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلْوُجُودِ تارَةً، ولِلْعَدَمِ
صفحة ٩٥
أُخْرى مِن واجِبِ الوُجُودِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَدَّ الشَّيْءَ فامْتَدَّ، وهو أنْ تُزالَ جِبالُها بِالنَّسْفِ كَما قالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] يُسَوِّي ظَهْرَها، كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٦] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ الكاظِمِيِّ، لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَدَّهُ بِمَعْنى أمَدَّهُ أيْ يُزادُ في سَعَتِها يَوْمَ القِيامَةِ لِوُقُوفِ الخَلائِقِ عَلَيْها لِلْحِسابِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الزِّيادَةِ في وجْهِ الأرْضِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِتَمْدِيدِها أوْ بِإمْدادِها، لِأنَّ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لَمّا كانُوا واقِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ظَهْرِها، فَلا بُدَّ مِنَ الزِّيادَةِ في طُولِها وعَرْضِها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ فالمَعْنى أنَّها لَمّا مُدَّتْ رَمَتْ بِما في جَوْفِها مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] ﴿بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَخَلَّتْ﴾ فالمَعْنى وخَلَتْ غايَةَ الخُلُوِّ حَتّى لَمْ يَبْقَ في باطِنِها شَيْءٌ كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جَهْدِها في الخُلُوِّ، كَما يُقالُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ، وتَرَحَّمَ الرَّحِيمُ، إذا بَلَغا جَهْدَهُما في الكَرَمِ والرَّحْمَةِ وتَكَلَّفا فَوْقَ ما في طَبْعِهِما، واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَطْنِ الأرْضِ إلى ظَهْرِها، لَكِنَّ الأرْضَ وُصِفَتْ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ إلّا أنَّ الأوَّلَ في السَّماءِ وهَذا في الأرْضِ، وإذا اخْتَلَفَ وجْهُ الكَلامِ لَمْ يَكُنْ تَكْرارًا.
الانشقاق 84:3
صفحة ٩٤
[ سُورَةُ الِانْشِقاقِ ]
وهِيَ عِشْرُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
أمّا انْشِقاقُ السَّماءِ فَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَنْشَقُّ مِنَ المَجَرَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ ومَعْنى أذِنَ لَهُ اسْتَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ» “ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ قَوْلَ قَعْنَبٍ:
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا
والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في جِرْمِ السَّماءِ ما يَمْنَعُ مِن تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في شَقِّها وتَفْرِيقِ أجْزائِها، فَكانَتْ في قَبُولِ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ كالعَبْدِ الطّائِعِ الَّذِي إذا ورَدَ عَلَيْهِ الأمْرُ مِن جِهَةِ المالِكِ أنْصَتَ لَهُ وأذْعَنَ، ولَمْ يَمْتَنِعْ فَقَوْلُهُ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] يَدُلُّ عَلى نَفاذِ القُدْرَةِ في الإيجادِ والإبْداعِ مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وقَوْلُهُ هاهُنا: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ يَدُلُّ عَلى نُفُوذِ القُدْرَةِ في التَّفْرِيقِ والإعْدامِ والإفْناءِ مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُقَّتْ﴾ فَهو مِن قَوْلِكَ هو مَحْقُوقٌ بِكَذا، وحَقِيقٌ بِهِ. يَعْنِي وهي حَقِيقَةٌ بِأنْ تَنْقادَ ولا تَمْتَنِعَ وذَلِكَ لِأنَّهُ جِسْمٌ، وكُلُّ جِسْمٍ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَإنَّ الوُجُودَ والعَدَمَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ، كانَ تَرْجِيحُ وجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ أوْ تَرْجِيحُ عَدَمِهِ عَلى وُجُودِهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَأْثِيرِ واجِبِ الوُجُودِ وتَرْجِيحِهِ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُ قُدْرَتِهِ في إيجادِهِ وإعْدامِهِ، نافِذًا سارِيًا مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وأمّا المُمْكِنُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا القَبُولُ والِاسْتِعْدادُ، ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ حَقِيقٌ بِهِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلْوُجُودِ تارَةً، ولِلْعَدَمِ
صفحة ٩٥
أُخْرى مِن واجِبِ الوُجُودِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَدَّ الشَّيْءَ فامْتَدَّ، وهو أنْ تُزالَ جِبالُها بِالنَّسْفِ كَما قالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] يُسَوِّي ظَهْرَها، كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٦] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ الكاظِمِيِّ، لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَدَّهُ بِمَعْنى أمَدَّهُ أيْ يُزادُ في سَعَتِها يَوْمَ القِيامَةِ لِوُقُوفِ الخَلائِقِ عَلَيْها لِلْحِسابِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الزِّيادَةِ في وجْهِ الأرْضِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِتَمْدِيدِها أوْ بِإمْدادِها، لِأنَّ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لَمّا كانُوا واقِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ظَهْرِها، فَلا بُدَّ مِنَ الزِّيادَةِ في طُولِها وعَرْضِها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ فالمَعْنى أنَّها لَمّا مُدَّتْ رَمَتْ بِما في جَوْفِها مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] ﴿بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَخَلَّتْ﴾ فالمَعْنى وخَلَتْ غايَةَ الخُلُوِّ حَتّى لَمْ يَبْقَ في باطِنِها شَيْءٌ كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جَهْدِها في الخُلُوِّ، كَما يُقالُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ، وتَرَحَّمَ الرَّحِيمُ، إذا بَلَغا جَهْدَهُما في الكَرَمِ والرَّحْمَةِ وتَكَلَّفا فَوْقَ ما في طَبْعِهِما، واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَطْنِ الأرْضِ إلى ظَهْرِها، لَكِنَّ الأرْضَ وُصِفَتْ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ إلّا أنَّ الأوَّلَ في السَّماءِ وهَذا في الأرْضِ، وإذا اخْتَلَفَ وجْهُ الكَلامِ لَمْ يَكُنْ تَكْرارًا.
الانشقاق 84:4
صفحة ٩٤
[ سُورَةُ الِانْشِقاقِ ]
وهِيَ عِشْرُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
أمّا انْشِقاقُ السَّماءِ فَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَنْشَقُّ مِنَ المَجَرَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ ومَعْنى أذِنَ لَهُ اسْتَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ» “ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ قَوْلَ قَعْنَبٍ:
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا
والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في جِرْمِ السَّماءِ ما يَمْنَعُ مِن تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في شَقِّها وتَفْرِيقِ أجْزائِها، فَكانَتْ في قَبُولِ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ كالعَبْدِ الطّائِعِ الَّذِي إذا ورَدَ عَلَيْهِ الأمْرُ مِن جِهَةِ المالِكِ أنْصَتَ لَهُ وأذْعَنَ، ولَمْ يَمْتَنِعْ فَقَوْلُهُ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] يَدُلُّ عَلى نَفاذِ القُدْرَةِ في الإيجادِ والإبْداعِ مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وقَوْلُهُ هاهُنا: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ يَدُلُّ عَلى نُفُوذِ القُدْرَةِ في التَّفْرِيقِ والإعْدامِ والإفْناءِ مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُقَّتْ﴾ فَهو مِن قَوْلِكَ هو مَحْقُوقٌ بِكَذا، وحَقِيقٌ بِهِ. يَعْنِي وهي حَقِيقَةٌ بِأنْ تَنْقادَ ولا تَمْتَنِعَ وذَلِكَ لِأنَّهُ جِسْمٌ، وكُلُّ جِسْمٍ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَإنَّ الوُجُودَ والعَدَمَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ، كانَ تَرْجِيحُ وجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ أوْ تَرْجِيحُ عَدَمِهِ عَلى وُجُودِهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَأْثِيرِ واجِبِ الوُجُودِ وتَرْجِيحِهِ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُ قُدْرَتِهِ في إيجادِهِ وإعْدامِهِ، نافِذًا سارِيًا مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وأمّا المُمْكِنُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا القَبُولُ والِاسْتِعْدادُ، ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ حَقِيقٌ بِهِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلْوُجُودِ تارَةً، ولِلْعَدَمِ
صفحة ٩٥
أُخْرى مِن واجِبِ الوُجُودِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَدَّ الشَّيْءَ فامْتَدَّ، وهو أنْ تُزالَ جِبالُها بِالنَّسْفِ كَما قالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] يُسَوِّي ظَهْرَها، كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٦] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ الكاظِمِيِّ، لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَدَّهُ بِمَعْنى أمَدَّهُ أيْ يُزادُ في سَعَتِها يَوْمَ القِيامَةِ لِوُقُوفِ الخَلائِقِ عَلَيْها لِلْحِسابِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الزِّيادَةِ في وجْهِ الأرْضِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِتَمْدِيدِها أوْ بِإمْدادِها، لِأنَّ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لَمّا كانُوا واقِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ظَهْرِها، فَلا بُدَّ مِنَ الزِّيادَةِ في طُولِها وعَرْضِها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ فالمَعْنى أنَّها لَمّا مُدَّتْ رَمَتْ بِما في جَوْفِها مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] ﴿بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَخَلَّتْ﴾ فالمَعْنى وخَلَتْ غايَةَ الخُلُوِّ حَتّى لَمْ يَبْقَ في باطِنِها شَيْءٌ كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جَهْدِها في الخُلُوِّ، كَما يُقالُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ، وتَرَحَّمَ الرَّحِيمُ، إذا بَلَغا جَهْدَهُما في الكَرَمِ والرَّحْمَةِ وتَكَلَّفا فَوْقَ ما في طَبْعِهِما، واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَطْنِ الأرْضِ إلى ظَهْرِها، لَكِنَّ الأرْضَ وُصِفَتْ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ إلّا أنَّ الأوَّلَ في السَّماءِ وهَذا في الأرْضِ، وإذا اخْتَلَفَ وجْهُ الكَلامِ لَمْ يَكُنْ تَكْرارًا.
الانشقاق 84:5
صفحة ٩٤
[ سُورَةُ الِانْشِقاقِ ]
وهِيَ عِشْرُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
أمّا انْشِقاقُ السَّماءِ فَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَنْشَقُّ مِنَ المَجَرَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ ومَعْنى أذِنَ لَهُ اسْتَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ» “ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ قَوْلَ قَعْنَبٍ:
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا
والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في جِرْمِ السَّماءِ ما يَمْنَعُ مِن تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في شَقِّها وتَفْرِيقِ أجْزائِها، فَكانَتْ في قَبُولِ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ كالعَبْدِ الطّائِعِ الَّذِي إذا ورَدَ عَلَيْهِ الأمْرُ مِن جِهَةِ المالِكِ أنْصَتَ لَهُ وأذْعَنَ، ولَمْ يَمْتَنِعْ فَقَوْلُهُ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] يَدُلُّ عَلى نَفاذِ القُدْرَةِ في الإيجادِ والإبْداعِ مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وقَوْلُهُ هاهُنا: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ يَدُلُّ عَلى نُفُوذِ القُدْرَةِ في التَّفْرِيقِ والإعْدامِ والإفْناءِ مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُقَّتْ﴾ فَهو مِن قَوْلِكَ هو مَحْقُوقٌ بِكَذا، وحَقِيقٌ بِهِ. يَعْنِي وهي حَقِيقَةٌ بِأنْ تَنْقادَ ولا تَمْتَنِعَ وذَلِكَ لِأنَّهُ جِسْمٌ، وكُلُّ جِسْمٍ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَإنَّ الوُجُودَ والعَدَمَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ، كانَ تَرْجِيحُ وجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ أوْ تَرْجِيحُ عَدَمِهِ عَلى وُجُودِهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَأْثِيرِ واجِبِ الوُجُودِ وتَرْجِيحِهِ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُ قُدْرَتِهِ في إيجادِهِ وإعْدامِهِ، نافِذًا سارِيًا مِن غَيْرِ مُمانِعَةٍ أصْلًا، وأمّا المُمْكِنُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا القَبُولُ والِاسْتِعْدادُ، ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ حَقِيقٌ بِهِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلْوُجُودِ تارَةً، ولِلْعَدَمِ
صفحة ٩٥
أُخْرى مِن واجِبِ الوُجُودِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَدَّ الشَّيْءَ فامْتَدَّ، وهو أنْ تُزالَ جِبالُها بِالنَّسْفِ كَما قالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] يُسَوِّي ظَهْرَها، كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٦] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ الكاظِمِيِّ، لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَدَّهُ بِمَعْنى أمَدَّهُ أيْ يُزادُ في سَعَتِها يَوْمَ القِيامَةِ لِوُقُوفِ الخَلائِقِ عَلَيْها لِلْحِسابِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الزِّيادَةِ في وجْهِ الأرْضِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِتَمْدِيدِها أوْ بِإمْدادِها، لِأنَّ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لَمّا كانُوا واقِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ظَهْرِها، فَلا بُدَّ مِنَ الزِّيادَةِ في طُولِها وعَرْضِها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ فالمَعْنى أنَّها لَمّا مُدَّتْ رَمَتْ بِما في جَوْفِها مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] ﴿بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَخَلَّتْ﴾ فالمَعْنى وخَلَتْ غايَةَ الخُلُوِّ حَتّى لَمْ يَبْقَ في باطِنِها شَيْءٌ كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جَهْدِها في الخُلُوِّ، كَما يُقالُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ، وتَرَحَّمَ الرَّحِيمُ، إذا بَلَغا جَهْدَهُما في الكَرَمِ والرَّحْمَةِ وتَكَلَّفا فَوْقَ ما في طَبْعِهِما، واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَطْنِ الأرْضِ إلى ظَهْرِها، لَكِنَّ الأرْضَ وُصِفَتْ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ إلّا أنَّ الأوَّلَ في السَّماءِ وهَذا في الأرْضِ، وإذا اخْتَلَفَ وجْهُ الكَلامِ لَمْ يَكُنْ تَكْرارًا.
الانشقاق 84:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ شَرْطٌ ولا بُدَّ لَهُ مِن جَزاءٍ واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: حُذِفَ جَوابُ إذا لِيَذْهَبَ الوَهْمُ إلى كُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ أدْخَلَ في التَّهْوِيلِ.
وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إنَّما تُرِكَ الجَوابُ لِأنَّ هَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ قَدْ تَرَدَّدَ في القُرْآنِ مَعْناهُ فَعُرِفَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] تُرِكَ ذِكْرُ القُرْآنِ لِأنَّ التَّصْرِيحَ بِهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سائِرِ المَواضِعِ.
وثالِثُها: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الجَوابُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ مُعْتَرِضٌ، وهو كَقَوْلِ القائِلِ: إذا كانَ كَذا وكَذا يا أيُّها الإنْسانُ تَرى عِنْدَ ذَلِكَ ما عَمِلْتَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَكَذا هاهُنا. والتَّقْدِيرُ إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ لَقِيَ الإنْسانُ عَمَلَهُ.
ورابِعُها: أنَّ المَعْنى مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وقامَتِ القِيامَةُ.
وخامِسُها: قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ الجَوابَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ واعْتَرَضَ في الكَلامِ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ والمَعْنى إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وكانَ كَذا وكَذا ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ فَهو كَذا ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَهو كَذا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] .
وسادِسُها: قالَ القاضِي: إنَّ الجَوابَ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها الإنْسانُ تَرى ما عَمِلْتَ فاكْدَحْ لِذَلِكَ اليَوْمِ أيُّها الإنْسانُ لِتَفُوزَ بِالنَّعِيمِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ جِنْسُ النّاسِ كَما يُقالُ: أيُّها الرَّجُلُ،
صفحة ٩٦
وكُلُّكم ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَكَذا هاهُنا. وكَأنَّهُ خِطابٌ خُصَّ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، قالَ القَفّالُ: وهو أبْلَغُ مِنَ العُمُومِ لِأنَّهُ قائِمٌ مَقامَ التَّخْصِيصِ عَلى مُخاطَبَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى التَّعْيِينِ بِخِلافِ اللَّفْظِ العامِّ فَإنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وهاهُنا فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ والمَعْنى أنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ وإرْشادِ عِبادِهِ وتَحَمُّلِ الضَّرَرِ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وكَدْحُهُ جِدُّهُ واجْتِهادُهُ في طَلَبِ الدُّنْيا، وإيذاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والإصْرارُ عَلى الكُفْرِ، والأقْرَبُ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الجِنْسِ لِأنَّهُ أكْثَرُ فائِدَةً، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ كالنَّوْعَيْنِ لَهُ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ جِنْسًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الكَدْحَ جُهْدُ النّاسِ في العَمَلِ والكَدْحِ فِيهِ حَتّى يُؤَثِّرَ فِيها مِن كَدَحَ جِلْدَهُ إذا خَدَشَهُ، أمّا قَوْلُهُ: (إلى رَبِّكُ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: إنَّكَ كادِحٌ إلى لِقاءِ رَبِّكَ وهو المَوْتُ أيْ هَذا الكَدْحُ يَسْتَمِرُّ ويَبْقى إلى هَذا الزَّمانِ، وأقُولُ في هَذا التَّفْسِيرِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها عَنِ الكَدْحِ والمَشَقَّةِ والتَّعَبِ، ولَمّا كانَتْ كَلِمَةُ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَهي تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ انْتِهاءِ الكَدْحِ والمَشَقَّةِ بِانْتِهاءِ هَذِهِ الحَياةِ، وأنْ يَكُونَ الحاصِلُ بَعْدَ هَذِهِ الدُّنْيا مَحْضَ السَّعادَةِ والرَّحْمَةِ، وذَلِكَ مَعْقُولٌ، فَإنَّ نِسْبَةَ الآخِرَةِ إلى الدُّنْيا كَنِسْبَةِ الدُّنْيا إلى رَحِمِ الأُمِّ، فَكَما صَحَّ أنْ يُقالَ: يا أيُّها الجَنِينُ إنَّكَ كادِحٌ إلى أنْ تَنْفَصِلَ مِنَ الرَّحِمِ، فَكانَ ما بَعْدَ الِانْفِصالِ عَنِ الرَّحِمِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَهُ خالِصًا عَنِ الكَدْحِ والظُّلْمَةِ فَنَرْجُو مِن فَضْلِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ الحالُ فِيما بَعْدَ المَوْتِ كَذَلِكَ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: التَّقْدِيرُ إنَّكَ كادِحٌ في دُنْياكَ كَدْحًا تَصِيرُ بِهِ إلى رَبِّكَ فَبِهَذا التَّأْوِيلِ حَسُنَ اسْتِعْمالُ حَرْفِ إلى هاهُنا.
وثالِثُها: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُخُولُ إلى عَلى مَعْنى أنَّ الكَدْحَ هو السَّعْيُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ساعٍ بِعَمَلِكَ (إلى رَبِّكُ) أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: فَمُلاقٍ رَبَّكَ أيْ مُلاقٍ حُكْمَهُ لا مَفَرَّ لَكَ مِنهُ، وقالَ آخَرُونَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكَدْحِ، إلّا أنَّ الكَدْحَ عَمَلٌ وهو عَرَضٌ لا يَبْقى فَمُلاقاتُهُ مُمْتَنِعَةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُلاقاةَ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ تِلْكَ الأعْمالِ، ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ .
الانشقاق 84:7
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ .
فالمَعْنى فَأمّا مَن أُعْطِيَ كِتابَ أعْمالِهِ بِيَمِينِهِ: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ وسَوْفَ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ وهو كَقَوْلِ القائِلِ: اتَّبِعْنِي فَسَوْفَ نَجِدُ خَيْرًا، فَإنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ الشَّكَّ، وإنَّما يُرِيدُ تَرْقِيقَ الكَلامِ. والحِسابُ اليَسِيرُ هو أنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ أعْمالُهُ، ويَعْرِفَ أنَّ الطّاعَةَ مِنها هَذِهِ، والمَعْصِيَةَ هَذِهِ، ثُمَّ يُثابُ عَلى الطّاعَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ المَعْصِيَةِ فَهَذا هو الحِسابُ اليَسِيرُ لِأنَّهُ لا شِدَّةَ عَلى صاحِبِهِ ولا مُناقَشَةَ، ولا يُقالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولا يُطالَبُ بِالعُذْرِ فِيهِ ولا بِالحُجَّةِ عَلَيْهِ.
فَإنَّهُ مَتى طُولِبَ بِذَلِكَ لَمْ يَجِدْ عُذْرًا ولا حُجَّةً فَيُفْتَضَحُ، ثُمَّ إنَّهُ عِنْدَ هَذا الحِسابِ اليَسِيرِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا فائِزًا بِالثَّوابِ آمِنًا مِنَ العَذابِ، والمُرادُ مِن أهْلِهِ أهْلُ الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ أوْ مِن زَوْجاتِهِ وذُرِّيّاتِهِ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أعَدَّ لَهُ ولِأهْلِهِ في الجَنَّةِ
صفحة ٩٧
ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ، «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: ”سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا، قُلْتُ وما الحِسابُ اليَسِيرُ ؟ قالَ: يَنْظُرُ في كِتابِهِ ويُتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِ، فَأمّا مَن نُوقِشَ في الحِسابِ فَقَدْ هَلَكَ“» «وعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَقَدْ هَلَكَ“ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَ: ”ذَلِكَ العَرْضُ، ولَكِنَّ مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ» “ وفي قَوْلِهِ: ”يُحاسَبُ“ إشْكالٌ لِأنَّ المُحاسَبَةَ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ولَيْسَ في القِيامَةِ لِأحَدٍ قِبَلَ رَبِّهِ مُطالَبَةٌ فَيُحاسِبَهُ. وجَوابُهُ: أنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي فَعَلْتُ المَعْصِيَةَ الفُلانِيَّةَ، فَكَأنَّ ذَلِكَ بَيْنَ الرَّبِّ والعَبْدِ مُحاسِبَةٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى خَصَّ الكُفّارَ بِأنَّهُ لا يُكَلِّمُهم، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يُكَلِّمُ المُطِيعِينَ والعَبْدُ يُكَلِّمُهُ فَكانَتِ المُكالَمَةُ مُحاسَبَةً.
الانشقاق 84:8
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ .
فالمَعْنى فَأمّا مَن أُعْطِيَ كِتابَ أعْمالِهِ بِيَمِينِهِ: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ وسَوْفَ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ وهو كَقَوْلِ القائِلِ: اتَّبِعْنِي فَسَوْفَ نَجِدُ خَيْرًا، فَإنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ الشَّكَّ، وإنَّما يُرِيدُ تَرْقِيقَ الكَلامِ. والحِسابُ اليَسِيرُ هو أنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ أعْمالُهُ، ويَعْرِفَ أنَّ الطّاعَةَ مِنها هَذِهِ، والمَعْصِيَةَ هَذِهِ، ثُمَّ يُثابُ عَلى الطّاعَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ المَعْصِيَةِ فَهَذا هو الحِسابُ اليَسِيرُ لِأنَّهُ لا شِدَّةَ عَلى صاحِبِهِ ولا مُناقَشَةَ، ولا يُقالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولا يُطالَبُ بِالعُذْرِ فِيهِ ولا بِالحُجَّةِ عَلَيْهِ.
فَإنَّهُ مَتى طُولِبَ بِذَلِكَ لَمْ يَجِدْ عُذْرًا ولا حُجَّةً فَيُفْتَضَحُ، ثُمَّ إنَّهُ عِنْدَ هَذا الحِسابِ اليَسِيرِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا فائِزًا بِالثَّوابِ آمِنًا مِنَ العَذابِ، والمُرادُ مِن أهْلِهِ أهْلُ الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ أوْ مِن زَوْجاتِهِ وذُرِّيّاتِهِ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أعَدَّ لَهُ ولِأهْلِهِ في الجَنَّةِ
صفحة ٩٧
ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ، «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: ”سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا، قُلْتُ وما الحِسابُ اليَسِيرُ ؟ قالَ: يَنْظُرُ في كِتابِهِ ويُتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِ، فَأمّا مَن نُوقِشَ في الحِسابِ فَقَدْ هَلَكَ“» «وعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَقَدْ هَلَكَ“ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَ: ”ذَلِكَ العَرْضُ، ولَكِنَّ مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ» “ وفي قَوْلِهِ: ”يُحاسَبُ“ إشْكالٌ لِأنَّ المُحاسَبَةَ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ولَيْسَ في القِيامَةِ لِأحَدٍ قِبَلَ رَبِّهِ مُطالَبَةٌ فَيُحاسِبَهُ. وجَوابُهُ: أنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي فَعَلْتُ المَعْصِيَةَ الفُلانِيَّةَ، فَكَأنَّ ذَلِكَ بَيْنَ الرَّبِّ والعَبْدِ مُحاسِبَةٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى خَصَّ الكُفّارَ بِأنَّهُ لا يُكَلِّمُهم، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يُكَلِّمُ المُطِيعِينَ والعَبْدُ يُكَلِّمُهُ فَكانَتِ المُكالَمَةُ مُحاسَبَةً.
الانشقاق 84:9
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ .
فالمَعْنى فَأمّا مَن أُعْطِيَ كِتابَ أعْمالِهِ بِيَمِينِهِ: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ وسَوْفَ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ وهو كَقَوْلِ القائِلِ: اتَّبِعْنِي فَسَوْفَ نَجِدُ خَيْرًا، فَإنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ الشَّكَّ، وإنَّما يُرِيدُ تَرْقِيقَ الكَلامِ. والحِسابُ اليَسِيرُ هو أنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ أعْمالُهُ، ويَعْرِفَ أنَّ الطّاعَةَ مِنها هَذِهِ، والمَعْصِيَةَ هَذِهِ، ثُمَّ يُثابُ عَلى الطّاعَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ المَعْصِيَةِ فَهَذا هو الحِسابُ اليَسِيرُ لِأنَّهُ لا شِدَّةَ عَلى صاحِبِهِ ولا مُناقَشَةَ، ولا يُقالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولا يُطالَبُ بِالعُذْرِ فِيهِ ولا بِالحُجَّةِ عَلَيْهِ.
فَإنَّهُ مَتى طُولِبَ بِذَلِكَ لَمْ يَجِدْ عُذْرًا ولا حُجَّةً فَيُفْتَضَحُ، ثُمَّ إنَّهُ عِنْدَ هَذا الحِسابِ اليَسِيرِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا فائِزًا بِالثَّوابِ آمِنًا مِنَ العَذابِ، والمُرادُ مِن أهْلِهِ أهْلُ الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ أوْ مِن زَوْجاتِهِ وذُرِّيّاتِهِ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أعَدَّ لَهُ ولِأهْلِهِ في الجَنَّةِ
صفحة ٩٧
ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ، «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: ”سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا، قُلْتُ وما الحِسابُ اليَسِيرُ ؟ قالَ: يَنْظُرُ في كِتابِهِ ويُتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِ، فَأمّا مَن نُوقِشَ في الحِسابِ فَقَدْ هَلَكَ“» «وعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَقَدْ هَلَكَ“ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَ: ”ذَلِكَ العَرْضُ، ولَكِنَّ مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ» “ وفي قَوْلِهِ: ”يُحاسَبُ“ إشْكالٌ لِأنَّ المُحاسَبَةَ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ولَيْسَ في القِيامَةِ لِأحَدٍ قِبَلَ رَبِّهِ مُطالَبَةٌ فَيُحاسِبَهُ. وجَوابُهُ: أنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي فَعَلْتُ المَعْصِيَةَ الفُلانِيَّةَ، فَكَأنَّ ذَلِكَ بَيْنَ الرَّبِّ والعَبْدِ مُحاسِبَةٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى خَصَّ الكُفّارَ بِأنَّهُ لا يُكَلِّمُهم، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يُكَلِّمُ المُطِيعِينَ والعَبْدُ يُكَلِّمُهُ فَكانَتِ المُكالَمَةُ مُحاسَبَةً.
الانشقاق 84:10
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ فَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: السَّبَبُ فِيهِ لِأنَّ يَمِينَهُ مَغْلُولَةٌ إلى عُنُقِهِ ويَدَهُ اليُسْرى خَلْفَ ظَهْرِهِ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: تُخْلَعُ يَدُهُ اليُسْرى فَتُجْعَلُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمٌ: يَتَحَوَّلُ وجْهُهُ في قَفاهُ، فَيَقْرَأُ كِتابَهُ كَذَلِكَ.
ورابِعُها: أنَّهُ يُؤْتى كِتابُهُ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ لِأنَّهُ إذا حاوَلَ أخْذَهُ بِيَمِينِهِ كالمُؤْمِنِينَ يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ وأُوتِيَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ بِشِمالِهِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ في سُورَةِ الحاقَّةِ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] ولَمْ يَذْكُرِ الظَّهْرَ.
والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: يَحْتَمِلُ أنْ يُؤْتى بِشِمالِهِ وراءَ ظَهْرِهِ عَلى ما حَكَيْناهُ عَنِ الكَلْبِيِّ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ بَعْضُهم يُعْطى بِشِمالِهِ، وبَعْضُهم مِن وراءِ ظَهْرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾
فاعْلَمْ أنَّ الثُّبُورَ هو الهَلاكُ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا أُوتِيَ كِتابَهُ مِن غَيْرِ يَمِينِهِ عَلِمَ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ فَيَقُولُ: واثُبُوراهْ، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ فُلانٌ يَدْعُو لَهْفَهُ، إذا قالَ: والَهْفاهْ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ القَفّالُ، فَقالَ: الثُّبُورُ مُشْتَقٌّ مِنَ المُثابَرَةِ عَلى شَيْءٍ، وهي المُواظَبَةُ عَلَيْهِ فَسُمِّيَ هَلاكُ الآخِرَةِ ثُبُورًا لِأنَّهُ لازِمٌ لا يَزُولُ، كَما قالَ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] وأصْلُ الغَرامِ اللُّزُومُ والوُلُوعُ.
الانشقاق 84:11
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ فَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: السَّبَبُ فِيهِ لِأنَّ يَمِينَهُ مَغْلُولَةٌ إلى عُنُقِهِ ويَدَهُ اليُسْرى خَلْفَ ظَهْرِهِ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: تُخْلَعُ يَدُهُ اليُسْرى فَتُجْعَلُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمٌ: يَتَحَوَّلُ وجْهُهُ في قَفاهُ، فَيَقْرَأُ كِتابَهُ كَذَلِكَ.
ورابِعُها: أنَّهُ يُؤْتى كِتابُهُ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ لِأنَّهُ إذا حاوَلَ أخْذَهُ بِيَمِينِهِ كالمُؤْمِنِينَ يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ وأُوتِيَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ بِشِمالِهِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ في سُورَةِ الحاقَّةِ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] ولَمْ يَذْكُرِ الظَّهْرَ.
والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: يَحْتَمِلُ أنْ يُؤْتى بِشِمالِهِ وراءَ ظَهْرِهِ عَلى ما حَكَيْناهُ عَنِ الكَلْبِيِّ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ بَعْضُهم يُعْطى بِشِمالِهِ، وبَعْضُهم مِن وراءِ ظَهْرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾
فاعْلَمْ أنَّ الثُّبُورَ هو الهَلاكُ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا أُوتِيَ كِتابَهُ مِن غَيْرِ يَمِينِهِ عَلِمَ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ فَيَقُولُ: واثُبُوراهْ، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ فُلانٌ يَدْعُو لَهْفَهُ، إذا قالَ: والَهْفاهْ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ القَفّالُ، فَقالَ: الثُّبُورُ مُشْتَقٌّ مِنَ المُثابَرَةِ عَلى شَيْءٍ، وهي المُواظَبَةُ عَلَيْهِ فَسُمِّيَ هَلاكُ الآخِرَةِ ثُبُورًا لِأنَّهُ لازِمٌ لا يَزُولُ، كَما قالَ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] وأصْلُ الغَرامِ اللُّزُومُ والوُلُوعُ.
الانشقاق 84:12
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: صَلى الكافِرُ النّارَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقالَ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١١٥] وقالَ: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] وقالَ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦] والمَعْنى أنَّهُ إذا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَإنَّهُ يَدْعُو الثُّبُورَ ثُمَّ يَدْخُلُ النّارَ، وهو في النّارِ أيْضًا يَدْعُو ثُبُورًا، كَما قالَ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] وأحَدُهُما لا يَنْفِي الآخَرَ، وإنَّما هو عَلى اجْتِماعِهِما قَبْلَ دُخُولِ النّارِ وبَعْدَ دُخُولِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها ومِمّا قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ.
صفحة ٩٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ويُصْلى بِضَمِّ الياءِ والتَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] وهَذِهِ القِراءَةُ مُطابِقَةٌ لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ؛ لِأنَّهُ يُصْلى فَيَصْلى أيْ يَدْخُلُ النّارَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ مُثَقَّلَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ فَقَدْ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا أيْ مُنَعَّمًا مُسْتَرِيحًا مِنَ التَّعَبِ بِأداءِ العِباداتِ واحْتِمالِ مَشَقَّةِ الفَرائِضِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ والجِهادِ مُقَدَّمًا عَلى المَعاصِي آمِنًا مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ لا يَخافُ اللَّهَ ولا يَرْجُوهُ فَأبْدَلَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ السُّرُورِ الفانِي غَمًّا باقِيًا لا يَنْقَطِعُ، وكانَ المُؤْمِنُ الَّذِي أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ مُتَّقِيًا مِنَ المَعاصِي غَيْرَ آمِنٍ مِنَ العَذابِ ولَمْ يَكُنْ في دُنْياهُ مَسْرُورًا في أهْلِهِ فَجَعَلَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مَسْرُورًا فَأبْدَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِالغَمِّ الفانِي سُرُورًا دائِمًا لا يَنْفَذُ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] أيْ مُتَنَعِّمِينَ في الدُّنْيا مُعْجَبِينَ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَكَذَلِكَ هاهُنا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والتَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ يَضْحَكُ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وصَدَّقَ بِالحِسابِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الحَوْرَ هو الرُّجُوعُ والمَحارُ المَرْجِعُ والمَصِيرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أدْرِي ما مَعْنى يَحُورُ، حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِابْنَتِها: حُورِي أيِ ارْجِعِي، ونَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الحَوْرَ هو الرُّجُوعُ إلى خِلافِ ما كانَ عَلَيْهِ المَرْءُ كَما قالُوا: ”«نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ» “ فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى الآخِرَةِ أيْ لَنْ يُبْعَثَ، وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ عَبّاسٍ: حَسِبَ أنْ لا يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ السُّرُورِ والتَّنَعُّمِ.
الانشقاق 84:13
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: صَلى الكافِرُ النّارَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقالَ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١١٥] وقالَ: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] وقالَ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦] والمَعْنى أنَّهُ إذا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَإنَّهُ يَدْعُو الثُّبُورَ ثُمَّ يَدْخُلُ النّارَ، وهو في النّارِ أيْضًا يَدْعُو ثُبُورًا، كَما قالَ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] وأحَدُهُما لا يَنْفِي الآخَرَ، وإنَّما هو عَلى اجْتِماعِهِما قَبْلَ دُخُولِ النّارِ وبَعْدَ دُخُولِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها ومِمّا قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ.
صفحة ٩٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ويُصْلى بِضَمِّ الياءِ والتَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] وهَذِهِ القِراءَةُ مُطابِقَةٌ لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ؛ لِأنَّهُ يُصْلى فَيَصْلى أيْ يَدْخُلُ النّارَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ مُثَقَّلَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ فَقَدْ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا أيْ مُنَعَّمًا مُسْتَرِيحًا مِنَ التَّعَبِ بِأداءِ العِباداتِ واحْتِمالِ مَشَقَّةِ الفَرائِضِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ والجِهادِ مُقَدَّمًا عَلى المَعاصِي آمِنًا مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ لا يَخافُ اللَّهَ ولا يَرْجُوهُ فَأبْدَلَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ السُّرُورِ الفانِي غَمًّا باقِيًا لا يَنْقَطِعُ، وكانَ المُؤْمِنُ الَّذِي أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ مُتَّقِيًا مِنَ المَعاصِي غَيْرَ آمِنٍ مِنَ العَذابِ ولَمْ يَكُنْ في دُنْياهُ مَسْرُورًا في أهْلِهِ فَجَعَلَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مَسْرُورًا فَأبْدَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِالغَمِّ الفانِي سُرُورًا دائِمًا لا يَنْفَذُ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] أيْ مُتَنَعِّمِينَ في الدُّنْيا مُعْجَبِينَ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَكَذَلِكَ هاهُنا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والتَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ يَضْحَكُ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وصَدَّقَ بِالحِسابِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الحَوْرَ هو الرُّجُوعُ والمَحارُ المَرْجِعُ والمَصِيرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أدْرِي ما مَعْنى يَحُورُ، حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِابْنَتِها: حُورِي أيِ ارْجِعِي، ونَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الحَوْرَ هو الرُّجُوعُ إلى خِلافِ ما كانَ عَلَيْهِ المَرْءُ كَما قالُوا: ”«نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ» “ فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى الآخِرَةِ أيْ لَنْ يُبْعَثَ، وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ عَبّاسٍ: حَسِبَ أنْ لا يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ السُّرُورِ والتَّنَعُّمِ.
الانشقاق 84:14
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: صَلى الكافِرُ النّارَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقالَ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١١٥] وقالَ: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] وقالَ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦] والمَعْنى أنَّهُ إذا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَإنَّهُ يَدْعُو الثُّبُورَ ثُمَّ يَدْخُلُ النّارَ، وهو في النّارِ أيْضًا يَدْعُو ثُبُورًا، كَما قالَ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] وأحَدُهُما لا يَنْفِي الآخَرَ، وإنَّما هو عَلى اجْتِماعِهِما قَبْلَ دُخُولِ النّارِ وبَعْدَ دُخُولِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها ومِمّا قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ.
صفحة ٩٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ويُصْلى بِضَمِّ الياءِ والتَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] وهَذِهِ القِراءَةُ مُطابِقَةٌ لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ؛ لِأنَّهُ يُصْلى فَيَصْلى أيْ يَدْخُلُ النّارَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ مُثَقَّلَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ فَقَدْ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا أيْ مُنَعَّمًا مُسْتَرِيحًا مِنَ التَّعَبِ بِأداءِ العِباداتِ واحْتِمالِ مَشَقَّةِ الفَرائِضِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ والجِهادِ مُقَدَّمًا عَلى المَعاصِي آمِنًا مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ لا يَخافُ اللَّهَ ولا يَرْجُوهُ فَأبْدَلَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ السُّرُورِ الفانِي غَمًّا باقِيًا لا يَنْقَطِعُ، وكانَ المُؤْمِنُ الَّذِي أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ مُتَّقِيًا مِنَ المَعاصِي غَيْرَ آمِنٍ مِنَ العَذابِ ولَمْ يَكُنْ في دُنْياهُ مَسْرُورًا في أهْلِهِ فَجَعَلَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مَسْرُورًا فَأبْدَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِالغَمِّ الفانِي سُرُورًا دائِمًا لا يَنْفَذُ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] أيْ مُتَنَعِّمِينَ في الدُّنْيا مُعْجَبِينَ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَكَذَلِكَ هاهُنا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والتَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ يَضْحَكُ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وصَدَّقَ بِالحِسابِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الحَوْرَ هو الرُّجُوعُ والمَحارُ المَرْجِعُ والمَصِيرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أدْرِي ما مَعْنى يَحُورُ، حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِابْنَتِها: حُورِي أيِ ارْجِعِي، ونَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الحَوْرَ هو الرُّجُوعُ إلى خِلافِ ما كانَ عَلَيْهِ المَرْءُ كَما قالُوا: ”«نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ» “ فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى الآخِرَةِ أيْ لَنْ يُبْعَثَ، وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ عَبّاسٍ: حَسِبَ أنْ لا يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ السُّرُورِ والتَّنَعُّمِ.
الانشقاق 84:15
ثُمَّ قالَ تَعالى: (بَلى) أيْ لَيُبْعَثُنَّ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبَدِّلُ سُرُورَهُ بِغَمٍّ لا يَنْقَطِعُ وتَنَعُّمَهُ بِبَلاءٍ لا يَنْتَهِي ولا يَزُولُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ فَقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَصِيرًا بِهِ مِن يَوْمِ خَلَقَهُ إلى أنْ بَعَثَهُ، وقالَ عَطاءٌ: بَصِيرًا بِما سَبَقَ عَلَيْهِ في أُمِّ الكِتابِ مِنَ الشَّقاءِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَصِيرًا مَتى بَعَثَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عالِمًا بِأنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ. ولا فائِدَةَ في هَذِهِ الأقْوالِ، إنَّما الفائِدَةُ في وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما القَفّالُ.
الأوَّلُ: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَجْزِيهِ.
والثّانِي: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِما يَعْمَلُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يُهْمِلَهُ فَلا يُعاقِبَهُ عَلى سُوءِ أعْمالِهِ، وهَذا زَجْرٌ لِكُلِّ المُكَلَّفِينَ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي.
صفحة ٩٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذا قَسَمٌ، وأمّا حَرْفُ لا فَقْدَ تَكَلَّمْنا فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] ومِن جُمْلَةِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ هُناكَ أنْ لا نَفْيَ ورَدَ لِكَلامٍ قَبْلَ القَسَمِ وتَوْجِيهُ هَذا الوَجْهِ هَهُنا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى هَهُنا عَنِ المُشْرِكِ أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ فَقَوْلُهُ لا رَدٌّ لِذَلِكَ القَوْلِ وإبْطالٌ لِذَلِكَ الظَّنِّ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ عَرَفْتَ اخْتِلافَ العُلَماءِ في أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ يُخالِفُها، وعَرَفْتَ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ زَعَمُوا أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِرَبِّ الشَّفَقِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن حَيْثُ ورَدَ الحَظْرُ بِأنْ يُقْسِمَ الإنْسانُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَرْكِيبُ لَفْظِ الشَّفَقِ في أصْلِ اللُّغَةِ لِرِقَّةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ يُقالُ: ثَوْبٌ شَفَقٌ كَأنَّهُ لا تَماسُكَ لِرِقَّتِهِ، ويُقالُ لِلرَّدِيءِ مِنَ الأشْياءِ شَفَقٌ، وأشْفَقَ عَلَيْهِ إذا رَقَّ قَلْبُهُ عَلَيْهِ والشَّفَقَةُ رِقَّةُ القَلْبِ ثُمَّ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْأثَرِ الباقِي مِنَ الشَّمْسِ في الأُفُقِ بَعْدَ غُرُوبِها إلّا ما يُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الشَّفَقُ هو النَّهارُ، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَهَبَ إلى هَذا لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ أوَّلًا هو النَّهارَ فالقَسَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ واقِعٌ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ اللَّذَيْنِ أحَدُهُما مَعاشٌ والثّانِي سَكَنٌ وبِهِما قِوامُ أُمُورِ العالَمِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ هو الحُمْرَةُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ قَوْلُ اللَّيْثِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ إلّا ما يُرْوى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ أنَّهُ البَياضُ ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: عَلَيْهِ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ كَأنَّهُ الشَّفَقُ وكانَ أحْمَرَ، قالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّفَقَ هو الحُمْرَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ جَعْلَ الشَّفَقَ وقْتًا لِلْعِشاءِ الأخِيرَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ هو الحُمْرَةَ لا البَياضَ لِأنَّ البَياضَ يَمْتَدُّ وقْتُهُ ويَطُولُ لُبْثُهُ، والحُمْرَةُ لَمّا كانَتْ بَقِيَّةَ ضَوْءِ الشَّمْسِ ثُمَّ بَعُدَتِ الشَّمْسُ عَنِ الأُفُقِ ذَهَبَتِ الحُمْرَةُ.
وثالِثُها: أنَّ اشْتِقاقَ الشَّفَقِ لَمّا كانَ مِنَ الرِّقَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الضَّوْءَ يَأْخُذُ في الرِّقَّةِ والضَّعْفِ مِن عِنْدِ غَيْبَةِ الشَّمْسِ فَتَكُونُ الحُمْرَةُ شَفَقًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وسَقَ أيْ جَمَعَ ومِنهُ الوَسْقُ وهو الطَّعامُ المُجْتَمِعُ الَّذِي يُكالُ ويُوزَنُ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْحِمْلِ واسْتَوْسَقَتِ الإبِلُ إذا اجْتَمَعَتْ وانْضَمَّتْ والرّاعِي يَسُقْها أيْ يَجْمَعُها قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ وسَقَهُ فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ ونَظِيرُهُ في وُقُوعِ افْتَعَلَ واسْتَفْعَلَ مُطاوِعَيْنِ اتَّسَعَ واسْتَوْسَعَ.
وأمّا المَعْنى فَقالَ القَفّالُ: مَجْمُوعُ أقاوِيلِ المُفَسِّرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما وسَقَ﴾ عَلى جَمِيعِ ما يَجْمَعُهُ اللَّيْلُ مِنَ النُّجُومِ ورُجُوعِ الحَيَوانِ عَنِ الِانْتِشارِ وتَحَرُّكِ ما يَتَحَرَّكُ فِيهِ الهَوامُّ، ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما عُمِلَ فِيهِ، قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو تَهَجُّدُ العِبادِ فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِها المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ فَيَجُوزُ أنْ يَحْلِفَ بِهِمْ وإنَّما قُلْنا: إنَّ اللَّيْلَ جَمَعَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها لِأنَّ ظُلْمَتَهُ كَأنَّها تُجَلِّلُ
صفحة ١٠٠
الجِبالَ والبِحارَ والشَّجَرَ والحَيَواناتِ، فَلا جَرَمَ صَحَّ أنْ يُقالَ: وسَقَ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ الِاجْتِماعِ يُقالُ: وسَقْتُهُ فاتَّسَقَ كَما يُقالُ: وصَلْتُهُ فاتَّصَلَ، أيْ جَمَعْتُهُ فاجْتَمَعَ ويُقالُ: أُمُورُ فُلانٍ مُتَّسِقَةٌ أيْ مُجْتَمِعَةٌ عَلى الصَّلاحِ كَما يُقالُ: مُنْتَظِمَةٌ، وأمّا أهْلُ المَعانِي فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا اتَّسَقَ أيِ اسْتَوى واجْتَمَعَ وتَكامَلَ وتَمَّ واسْتَدارَ وذَلِكَ لَيْلَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ إلى سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما بِهِ أقْسَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما عَلَيْهِ أقْسَمَ قالَ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”لَتَرْكَبَنَّ“عَلى خِطابِ الإنْسانِ في يا أيُّها الإنْسانُ: ”ولَتَرْكَبُنَّ“ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ النِّداءَ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ لِلْجِنْسِ ”ولَتَرْكَبِنَّ“ بِالكَسْرِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، ولَيَرْكَبَنَّ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ أيْ لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّبَقُ ما طابَقَ غَيْرَهُ، يُقالُ: ما هَذا يَطْبُقُ كَذا أيْ لا يُطابِقُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْغِطاءِ: الطَّبَقُ وطِباقُ الثَّرى ما يُطابِقُ مِنهُ، قِيلَ: لِلْحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها طَبَقٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ حالًا بَعْدَ حالِ كُلِّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٍ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ هو عَلى طَبَقاتٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، ولْنَذْكُرِ الآنَ وُجُوهَ المُفَسِّرِينَ فَنَقُولُ: أمّا القِراءَةُ بِرَفْعِ الباءِ وهو خِطابُ الجَمْعِ فَتَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ أُمُورًا وأحْوالًا أمْرًا بَعْدَ أمْرٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ ومَنزِلًا بَعْدَ مَنزِلٍ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ الأمْرُ عَلى ما يُقْضى بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الدَّوامُ والخُلُودُ، إمّا في دارِ الثَّوابِ أوْ في دارِ العِقابِ ويَدْخُلُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أحْوالُ الإنْسانِ، مَن يَكُونُ نُطْفَةً إلى أنْ يَصِيرَ شَخْصًا ثُمَّ يَمُوتُ فَيَكُونُ في البَرْزَخِ، ثُمَّ يُحْشَرُ ثُمَّ يُنْقَلُ، إمّا إلى جَنَّةٍ وإمّا إلى نارٍ.
وثانِيها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ أحْوالًا وشَدائِدَ حالًا بَعْدَ حالٍ وشِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ كَأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ أقْسَمَ اللَّهُ أنَّ البَعْثَ كائِنٌ وأنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ فِيها الشَّدائِدَ والأهْوالَ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ فَيَصِيرَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما أُعِدَّ لَهُ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ وهو نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ النّاسَ تَنْتَقِلُ أحْوالُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا فَمِن وضِيعٍ في الدُّنْيا يَصِيرُ رَفِيعًا في الآخِرَةِ، ومِن رَفِيعٍ يَتَّضِعُ، ومِن مُتَنَعِّمٍ يَشْقى، ومِن شَقِيٍّ يَتَنَعَّمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] وهَذا التَّأْوِيلُ مُناسِبٌ لِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُؤْتى كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا، وكانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَحُورَ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يَحُورُ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى النّاسِ أنَّهم يَرْكَبُونَ في الآخِرَةِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أيْ حالًا بَعْدَ حالِهِمْ في الدُّنْيا.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم في التَّكْذِيبِ بِالنُّبُوَّةِ والقِيامَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِنَصْبِ الباءِ فَفِيها قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ عَلى المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أُقْسِمُ يا مُحَمَّدُ لَتَرْكَبَنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ حَتّى يُخْتَمَ لَكَ بِجَمِيلِ العافِيَةِ فَلا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم وتَمادِيهِمْ في كُفْرِهِمْ.
وفِي هَذا الوَجْهِ احْتِمالٌ آخَرُ يَقْرُبُ مِمّا ذَكَرْنا، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يَرْكَبُ حالَ ظَفَرٍ وغَلَبَةٍ بَعْدَ حالِ خَوْفٍ وشِدَّةٍ.
صفحة ١٠١
واحْتِمالٌ ثالِثٌ: وهو يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْدِلُهُ بِالمُشْرِكِينَ أنْصارًا مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَكُونُ مَجازُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ طَبَقاتُ النّاسِ، وقَدْ يَصْلُحُ هَذا التَّأْوِيلُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ، كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَعْرِيفِ تَنَقُّلِ الأحْوالِ بِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ إلى الظَّفَرِ بِعَدُوِّهِمْ بَعْدَ الشِّدَّةِ الَّتِي يَلْقَوْنَها مِنهم، كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِصُعُودِهِ إلى السَّماءِ لِمُشاهَدَةِ مَلَكُوتِها، وإجْلالِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فِيها، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ السَّماواتِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.
وثالِثُها: لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ دَرَجَةً ورُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ القِراءَةِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في السَّماءِ وتَغَيُّرِها مِن حالٍ إلى حالٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ السَّماءَ يَوْمَ القِيامَةِ حالَةً بَعْدِ حالَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها أوَّلًا تَنْشَقُّ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ثُمَّ تَنْفَطِرُ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] ثُمَّ تَصِيرُ: ﴿ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وتارَةً: ﴿كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّها تَنْشَقُّ أقْسَمَ في آخِرِ السُّورَةِ أنَّها تَنْتَقِلُ مِن أحْوالٍ إلى أحْوالٍ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ بَعْدَ طَبَقٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ
ووَجْهُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ صارَ إلى الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ فَصَلُحَتْ بَعْدُ وعَنْ مُعاقَبَةً، وأيْضًا فَلَفْظَةُ عَنْ تُفِيدُ البُعْدَ والمُجاوَزَةَ فَكانَتْ مُشابِهَةً لِلَفْظَةِ بَعْدُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ثُمَّ أفْتى سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يَحُورُ فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَذا إنَّما يَحْسُنُ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، الأمْرُ هاهُنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِتَغْيِيراتٍ واقِعَةٍ في الأفْلاكِ والعَناصِرِ، فَإنَّ الشَّفَقَ حالَةٌ مُخالِفَةٌ لِما قَبْلَها وهو ضَوْءُ النَّهارِ، ولِما بَعْدَها وهو ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ ظُلْمَةٍ بَعْدَ نُورٍ، وعَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الحَيَواناتِ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ كَمالِ القَمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَإنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المُتَغَيِّرَةِ عَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الخَلْقِ، وهَذا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ، لِأنَّ القادِرَ عَلى تَغْيِيرِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وصِفَةٍ إلى صِفَةٍ بِحَسَبِ المَصالِحِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لا جَرَمَ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الحَكِيمُ فِيمَن كانَ عاجِزًا عَنِ الإيمانِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلَمّا قالَ ذَلِكَ دَلَّ عَلى كَوْنِهِمْ قادِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ، وأنْ يَكُونُوا
صفحة ١٠٢
مُوجِدِينَ لِأفْعالِهِمْ، وأنْ لا يَكُونَ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ فِيهِمْ. فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحْكَماتِ الَّتِي لا احْتِمالَ فِيها البَتَّةَ، وجَوابُهُ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
الانشقاق 84:16
ثُمَّ قالَ تَعالى: (بَلى) أيْ لَيُبْعَثُنَّ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبَدِّلُ سُرُورَهُ بِغَمٍّ لا يَنْقَطِعُ وتَنَعُّمَهُ بِبَلاءٍ لا يَنْتَهِي ولا يَزُولُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ فَقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَصِيرًا بِهِ مِن يَوْمِ خَلَقَهُ إلى أنْ بَعَثَهُ، وقالَ عَطاءٌ: بَصِيرًا بِما سَبَقَ عَلَيْهِ في أُمِّ الكِتابِ مِنَ الشَّقاءِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَصِيرًا مَتى بَعَثَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عالِمًا بِأنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ. ولا فائِدَةَ في هَذِهِ الأقْوالِ، إنَّما الفائِدَةُ في وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما القَفّالُ.
الأوَّلُ: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَجْزِيهِ.
والثّانِي: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِما يَعْمَلُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يُهْمِلَهُ فَلا يُعاقِبَهُ عَلى سُوءِ أعْمالِهِ، وهَذا زَجْرٌ لِكُلِّ المُكَلَّفِينَ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي.
صفحة ٩٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذا قَسَمٌ، وأمّا حَرْفُ لا فَقْدَ تَكَلَّمْنا فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] ومِن جُمْلَةِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ هُناكَ أنْ لا نَفْيَ ورَدَ لِكَلامٍ قَبْلَ القَسَمِ وتَوْجِيهُ هَذا الوَجْهِ هَهُنا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى هَهُنا عَنِ المُشْرِكِ أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ فَقَوْلُهُ لا رَدٌّ لِذَلِكَ القَوْلِ وإبْطالٌ لِذَلِكَ الظَّنِّ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ عَرَفْتَ اخْتِلافَ العُلَماءِ في أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ يُخالِفُها، وعَرَفْتَ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ زَعَمُوا أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِرَبِّ الشَّفَقِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن حَيْثُ ورَدَ الحَظْرُ بِأنْ يُقْسِمَ الإنْسانُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَرْكِيبُ لَفْظِ الشَّفَقِ في أصْلِ اللُّغَةِ لِرِقَّةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ يُقالُ: ثَوْبٌ شَفَقٌ كَأنَّهُ لا تَماسُكَ لِرِقَّتِهِ، ويُقالُ لِلرَّدِيءِ مِنَ الأشْياءِ شَفَقٌ، وأشْفَقَ عَلَيْهِ إذا رَقَّ قَلْبُهُ عَلَيْهِ والشَّفَقَةُ رِقَّةُ القَلْبِ ثُمَّ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْأثَرِ الباقِي مِنَ الشَّمْسِ في الأُفُقِ بَعْدَ غُرُوبِها إلّا ما يُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الشَّفَقُ هو النَّهارُ، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَهَبَ إلى هَذا لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ أوَّلًا هو النَّهارَ فالقَسَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ واقِعٌ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ اللَّذَيْنِ أحَدُهُما مَعاشٌ والثّانِي سَكَنٌ وبِهِما قِوامُ أُمُورِ العالَمِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ هو الحُمْرَةُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ قَوْلُ اللَّيْثِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ إلّا ما يُرْوى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ أنَّهُ البَياضُ ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: عَلَيْهِ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ كَأنَّهُ الشَّفَقُ وكانَ أحْمَرَ، قالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّفَقَ هو الحُمْرَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ جَعْلَ الشَّفَقَ وقْتًا لِلْعِشاءِ الأخِيرَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ هو الحُمْرَةَ لا البَياضَ لِأنَّ البَياضَ يَمْتَدُّ وقْتُهُ ويَطُولُ لُبْثُهُ، والحُمْرَةُ لَمّا كانَتْ بَقِيَّةَ ضَوْءِ الشَّمْسِ ثُمَّ بَعُدَتِ الشَّمْسُ عَنِ الأُفُقِ ذَهَبَتِ الحُمْرَةُ.
وثالِثُها: أنَّ اشْتِقاقَ الشَّفَقِ لَمّا كانَ مِنَ الرِّقَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الضَّوْءَ يَأْخُذُ في الرِّقَّةِ والضَّعْفِ مِن عِنْدِ غَيْبَةِ الشَّمْسِ فَتَكُونُ الحُمْرَةُ شَفَقًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وسَقَ أيْ جَمَعَ ومِنهُ الوَسْقُ وهو الطَّعامُ المُجْتَمِعُ الَّذِي يُكالُ ويُوزَنُ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْحِمْلِ واسْتَوْسَقَتِ الإبِلُ إذا اجْتَمَعَتْ وانْضَمَّتْ والرّاعِي يَسُقْها أيْ يَجْمَعُها قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ وسَقَهُ فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ ونَظِيرُهُ في وُقُوعِ افْتَعَلَ واسْتَفْعَلَ مُطاوِعَيْنِ اتَّسَعَ واسْتَوْسَعَ.
وأمّا المَعْنى فَقالَ القَفّالُ: مَجْمُوعُ أقاوِيلِ المُفَسِّرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما وسَقَ﴾ عَلى جَمِيعِ ما يَجْمَعُهُ اللَّيْلُ مِنَ النُّجُومِ ورُجُوعِ الحَيَوانِ عَنِ الِانْتِشارِ وتَحَرُّكِ ما يَتَحَرَّكُ فِيهِ الهَوامُّ، ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما عُمِلَ فِيهِ، قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو تَهَجُّدُ العِبادِ فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِها المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ فَيَجُوزُ أنْ يَحْلِفَ بِهِمْ وإنَّما قُلْنا: إنَّ اللَّيْلَ جَمَعَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها لِأنَّ ظُلْمَتَهُ كَأنَّها تُجَلِّلُ
صفحة ١٠٠
الجِبالَ والبِحارَ والشَّجَرَ والحَيَواناتِ، فَلا جَرَمَ صَحَّ أنْ يُقالَ: وسَقَ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ الِاجْتِماعِ يُقالُ: وسَقْتُهُ فاتَّسَقَ كَما يُقالُ: وصَلْتُهُ فاتَّصَلَ، أيْ جَمَعْتُهُ فاجْتَمَعَ ويُقالُ: أُمُورُ فُلانٍ مُتَّسِقَةٌ أيْ مُجْتَمِعَةٌ عَلى الصَّلاحِ كَما يُقالُ: مُنْتَظِمَةٌ، وأمّا أهْلُ المَعانِي فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا اتَّسَقَ أيِ اسْتَوى واجْتَمَعَ وتَكامَلَ وتَمَّ واسْتَدارَ وذَلِكَ لَيْلَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ إلى سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما بِهِ أقْسَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما عَلَيْهِ أقْسَمَ قالَ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”لَتَرْكَبَنَّ“عَلى خِطابِ الإنْسانِ في يا أيُّها الإنْسانُ: ”ولَتَرْكَبُنَّ“ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ النِّداءَ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ لِلْجِنْسِ ”ولَتَرْكَبِنَّ“ بِالكَسْرِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، ولَيَرْكَبَنَّ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ أيْ لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّبَقُ ما طابَقَ غَيْرَهُ، يُقالُ: ما هَذا يَطْبُقُ كَذا أيْ لا يُطابِقُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْغِطاءِ: الطَّبَقُ وطِباقُ الثَّرى ما يُطابِقُ مِنهُ، قِيلَ: لِلْحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها طَبَقٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ حالًا بَعْدَ حالِ كُلِّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٍ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ هو عَلى طَبَقاتٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، ولْنَذْكُرِ الآنَ وُجُوهَ المُفَسِّرِينَ فَنَقُولُ: أمّا القِراءَةُ بِرَفْعِ الباءِ وهو خِطابُ الجَمْعِ فَتَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ أُمُورًا وأحْوالًا أمْرًا بَعْدَ أمْرٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ ومَنزِلًا بَعْدَ مَنزِلٍ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ الأمْرُ عَلى ما يُقْضى بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الدَّوامُ والخُلُودُ، إمّا في دارِ الثَّوابِ أوْ في دارِ العِقابِ ويَدْخُلُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أحْوالُ الإنْسانِ، مَن يَكُونُ نُطْفَةً إلى أنْ يَصِيرَ شَخْصًا ثُمَّ يَمُوتُ فَيَكُونُ في البَرْزَخِ، ثُمَّ يُحْشَرُ ثُمَّ يُنْقَلُ، إمّا إلى جَنَّةٍ وإمّا إلى نارٍ.
وثانِيها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ أحْوالًا وشَدائِدَ حالًا بَعْدَ حالٍ وشِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ كَأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ أقْسَمَ اللَّهُ أنَّ البَعْثَ كائِنٌ وأنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ فِيها الشَّدائِدَ والأهْوالَ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ فَيَصِيرَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما أُعِدَّ لَهُ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ وهو نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ النّاسَ تَنْتَقِلُ أحْوالُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا فَمِن وضِيعٍ في الدُّنْيا يَصِيرُ رَفِيعًا في الآخِرَةِ، ومِن رَفِيعٍ يَتَّضِعُ، ومِن مُتَنَعِّمٍ يَشْقى، ومِن شَقِيٍّ يَتَنَعَّمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] وهَذا التَّأْوِيلُ مُناسِبٌ لِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُؤْتى كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا، وكانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَحُورَ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يَحُورُ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى النّاسِ أنَّهم يَرْكَبُونَ في الآخِرَةِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أيْ حالًا بَعْدَ حالِهِمْ في الدُّنْيا.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم في التَّكْذِيبِ بِالنُّبُوَّةِ والقِيامَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِنَصْبِ الباءِ فَفِيها قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ عَلى المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أُقْسِمُ يا مُحَمَّدُ لَتَرْكَبَنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ حَتّى يُخْتَمَ لَكَ بِجَمِيلِ العافِيَةِ فَلا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم وتَمادِيهِمْ في كُفْرِهِمْ.
وفِي هَذا الوَجْهِ احْتِمالٌ آخَرُ يَقْرُبُ مِمّا ذَكَرْنا، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يَرْكَبُ حالَ ظَفَرٍ وغَلَبَةٍ بَعْدَ حالِ خَوْفٍ وشِدَّةٍ.
صفحة ١٠١
واحْتِمالٌ ثالِثٌ: وهو يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْدِلُهُ بِالمُشْرِكِينَ أنْصارًا مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَكُونُ مَجازُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ طَبَقاتُ النّاسِ، وقَدْ يَصْلُحُ هَذا التَّأْوِيلُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ، كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَعْرِيفِ تَنَقُّلِ الأحْوالِ بِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ إلى الظَّفَرِ بِعَدُوِّهِمْ بَعْدَ الشِّدَّةِ الَّتِي يَلْقَوْنَها مِنهم، كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِصُعُودِهِ إلى السَّماءِ لِمُشاهَدَةِ مَلَكُوتِها، وإجْلالِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فِيها، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ السَّماواتِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.
وثالِثُها: لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ دَرَجَةً ورُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ القِراءَةِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في السَّماءِ وتَغَيُّرِها مِن حالٍ إلى حالٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ السَّماءَ يَوْمَ القِيامَةِ حالَةً بَعْدِ حالَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها أوَّلًا تَنْشَقُّ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ثُمَّ تَنْفَطِرُ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] ثُمَّ تَصِيرُ: ﴿ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وتارَةً: ﴿كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّها تَنْشَقُّ أقْسَمَ في آخِرِ السُّورَةِ أنَّها تَنْتَقِلُ مِن أحْوالٍ إلى أحْوالٍ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ بَعْدَ طَبَقٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ
ووَجْهُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ صارَ إلى الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ فَصَلُحَتْ بَعْدُ وعَنْ مُعاقَبَةً، وأيْضًا فَلَفْظَةُ عَنْ تُفِيدُ البُعْدَ والمُجاوَزَةَ فَكانَتْ مُشابِهَةً لِلَفْظَةِ بَعْدُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ثُمَّ أفْتى سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يَحُورُ فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَذا إنَّما يَحْسُنُ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، الأمْرُ هاهُنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِتَغْيِيراتٍ واقِعَةٍ في الأفْلاكِ والعَناصِرِ، فَإنَّ الشَّفَقَ حالَةٌ مُخالِفَةٌ لِما قَبْلَها وهو ضَوْءُ النَّهارِ، ولِما بَعْدَها وهو ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ ظُلْمَةٍ بَعْدَ نُورٍ، وعَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الحَيَواناتِ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ كَمالِ القَمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَإنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المُتَغَيِّرَةِ عَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الخَلْقِ، وهَذا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ، لِأنَّ القادِرَ عَلى تَغْيِيرِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وصِفَةٍ إلى صِفَةٍ بِحَسَبِ المَصالِحِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لا جَرَمَ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الحَكِيمُ فِيمَن كانَ عاجِزًا عَنِ الإيمانِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلَمّا قالَ ذَلِكَ دَلَّ عَلى كَوْنِهِمْ قادِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ، وأنْ يَكُونُوا
صفحة ١٠٢
مُوجِدِينَ لِأفْعالِهِمْ، وأنْ لا يَكُونَ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ فِيهِمْ. فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحْكَماتِ الَّتِي لا احْتِمالَ فِيها البَتَّةَ، وجَوابُهُ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
الانشقاق 84:17
ثُمَّ قالَ تَعالى: (بَلى) أيْ لَيُبْعَثُنَّ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبَدِّلُ سُرُورَهُ بِغَمٍّ لا يَنْقَطِعُ وتَنَعُّمَهُ بِبَلاءٍ لا يَنْتَهِي ولا يَزُولُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ فَقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَصِيرًا بِهِ مِن يَوْمِ خَلَقَهُ إلى أنْ بَعَثَهُ، وقالَ عَطاءٌ: بَصِيرًا بِما سَبَقَ عَلَيْهِ في أُمِّ الكِتابِ مِنَ الشَّقاءِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَصِيرًا مَتى بَعَثَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عالِمًا بِأنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ. ولا فائِدَةَ في هَذِهِ الأقْوالِ، إنَّما الفائِدَةُ في وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما القَفّالُ.
الأوَّلُ: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَجْزِيهِ.
والثّانِي: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِما يَعْمَلُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يُهْمِلَهُ فَلا يُعاقِبَهُ عَلى سُوءِ أعْمالِهِ، وهَذا زَجْرٌ لِكُلِّ المُكَلَّفِينَ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي.
صفحة ٩٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذا قَسَمٌ، وأمّا حَرْفُ لا فَقْدَ تَكَلَّمْنا فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] ومِن جُمْلَةِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ هُناكَ أنْ لا نَفْيَ ورَدَ لِكَلامٍ قَبْلَ القَسَمِ وتَوْجِيهُ هَذا الوَجْهِ هَهُنا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى هَهُنا عَنِ المُشْرِكِ أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ فَقَوْلُهُ لا رَدٌّ لِذَلِكَ القَوْلِ وإبْطالٌ لِذَلِكَ الظَّنِّ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ عَرَفْتَ اخْتِلافَ العُلَماءِ في أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ يُخالِفُها، وعَرَفْتَ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ زَعَمُوا أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِرَبِّ الشَّفَقِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن حَيْثُ ورَدَ الحَظْرُ بِأنْ يُقْسِمَ الإنْسانُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَرْكِيبُ لَفْظِ الشَّفَقِ في أصْلِ اللُّغَةِ لِرِقَّةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ يُقالُ: ثَوْبٌ شَفَقٌ كَأنَّهُ لا تَماسُكَ لِرِقَّتِهِ، ويُقالُ لِلرَّدِيءِ مِنَ الأشْياءِ شَفَقٌ، وأشْفَقَ عَلَيْهِ إذا رَقَّ قَلْبُهُ عَلَيْهِ والشَّفَقَةُ رِقَّةُ القَلْبِ ثُمَّ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْأثَرِ الباقِي مِنَ الشَّمْسِ في الأُفُقِ بَعْدَ غُرُوبِها إلّا ما يُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الشَّفَقُ هو النَّهارُ، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَهَبَ إلى هَذا لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ أوَّلًا هو النَّهارَ فالقَسَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ واقِعٌ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ اللَّذَيْنِ أحَدُهُما مَعاشٌ والثّانِي سَكَنٌ وبِهِما قِوامُ أُمُورِ العالَمِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ هو الحُمْرَةُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ قَوْلُ اللَّيْثِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ إلّا ما يُرْوى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ أنَّهُ البَياضُ ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: عَلَيْهِ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ كَأنَّهُ الشَّفَقُ وكانَ أحْمَرَ، قالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّفَقَ هو الحُمْرَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ جَعْلَ الشَّفَقَ وقْتًا لِلْعِشاءِ الأخِيرَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ هو الحُمْرَةَ لا البَياضَ لِأنَّ البَياضَ يَمْتَدُّ وقْتُهُ ويَطُولُ لُبْثُهُ، والحُمْرَةُ لَمّا كانَتْ بَقِيَّةَ ضَوْءِ الشَّمْسِ ثُمَّ بَعُدَتِ الشَّمْسُ عَنِ الأُفُقِ ذَهَبَتِ الحُمْرَةُ.
وثالِثُها: أنَّ اشْتِقاقَ الشَّفَقِ لَمّا كانَ مِنَ الرِّقَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الضَّوْءَ يَأْخُذُ في الرِّقَّةِ والضَّعْفِ مِن عِنْدِ غَيْبَةِ الشَّمْسِ فَتَكُونُ الحُمْرَةُ شَفَقًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وسَقَ أيْ جَمَعَ ومِنهُ الوَسْقُ وهو الطَّعامُ المُجْتَمِعُ الَّذِي يُكالُ ويُوزَنُ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْحِمْلِ واسْتَوْسَقَتِ الإبِلُ إذا اجْتَمَعَتْ وانْضَمَّتْ والرّاعِي يَسُقْها أيْ يَجْمَعُها قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ وسَقَهُ فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ ونَظِيرُهُ في وُقُوعِ افْتَعَلَ واسْتَفْعَلَ مُطاوِعَيْنِ اتَّسَعَ واسْتَوْسَعَ.
وأمّا المَعْنى فَقالَ القَفّالُ: مَجْمُوعُ أقاوِيلِ المُفَسِّرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما وسَقَ﴾ عَلى جَمِيعِ ما يَجْمَعُهُ اللَّيْلُ مِنَ النُّجُومِ ورُجُوعِ الحَيَوانِ عَنِ الِانْتِشارِ وتَحَرُّكِ ما يَتَحَرَّكُ فِيهِ الهَوامُّ، ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما عُمِلَ فِيهِ، قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو تَهَجُّدُ العِبادِ فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِها المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ فَيَجُوزُ أنْ يَحْلِفَ بِهِمْ وإنَّما قُلْنا: إنَّ اللَّيْلَ جَمَعَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها لِأنَّ ظُلْمَتَهُ كَأنَّها تُجَلِّلُ
صفحة ١٠٠
الجِبالَ والبِحارَ والشَّجَرَ والحَيَواناتِ، فَلا جَرَمَ صَحَّ أنْ يُقالَ: وسَقَ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ الِاجْتِماعِ يُقالُ: وسَقْتُهُ فاتَّسَقَ كَما يُقالُ: وصَلْتُهُ فاتَّصَلَ، أيْ جَمَعْتُهُ فاجْتَمَعَ ويُقالُ: أُمُورُ فُلانٍ مُتَّسِقَةٌ أيْ مُجْتَمِعَةٌ عَلى الصَّلاحِ كَما يُقالُ: مُنْتَظِمَةٌ، وأمّا أهْلُ المَعانِي فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا اتَّسَقَ أيِ اسْتَوى واجْتَمَعَ وتَكامَلَ وتَمَّ واسْتَدارَ وذَلِكَ لَيْلَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ إلى سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما بِهِ أقْسَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما عَلَيْهِ أقْسَمَ قالَ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”لَتَرْكَبَنَّ“عَلى خِطابِ الإنْسانِ في يا أيُّها الإنْسانُ: ”ولَتَرْكَبُنَّ“ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ النِّداءَ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ لِلْجِنْسِ ”ولَتَرْكَبِنَّ“ بِالكَسْرِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، ولَيَرْكَبَنَّ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ أيْ لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّبَقُ ما طابَقَ غَيْرَهُ، يُقالُ: ما هَذا يَطْبُقُ كَذا أيْ لا يُطابِقُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْغِطاءِ: الطَّبَقُ وطِباقُ الثَّرى ما يُطابِقُ مِنهُ، قِيلَ: لِلْحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها طَبَقٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ حالًا بَعْدَ حالِ كُلِّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٍ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ هو عَلى طَبَقاتٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، ولْنَذْكُرِ الآنَ وُجُوهَ المُفَسِّرِينَ فَنَقُولُ: أمّا القِراءَةُ بِرَفْعِ الباءِ وهو خِطابُ الجَمْعِ فَتَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ أُمُورًا وأحْوالًا أمْرًا بَعْدَ أمْرٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ ومَنزِلًا بَعْدَ مَنزِلٍ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ الأمْرُ عَلى ما يُقْضى بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الدَّوامُ والخُلُودُ، إمّا في دارِ الثَّوابِ أوْ في دارِ العِقابِ ويَدْخُلُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أحْوالُ الإنْسانِ، مَن يَكُونُ نُطْفَةً إلى أنْ يَصِيرَ شَخْصًا ثُمَّ يَمُوتُ فَيَكُونُ في البَرْزَخِ، ثُمَّ يُحْشَرُ ثُمَّ يُنْقَلُ، إمّا إلى جَنَّةٍ وإمّا إلى نارٍ.
وثانِيها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ أحْوالًا وشَدائِدَ حالًا بَعْدَ حالٍ وشِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ كَأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ أقْسَمَ اللَّهُ أنَّ البَعْثَ كائِنٌ وأنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ فِيها الشَّدائِدَ والأهْوالَ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ فَيَصِيرَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما أُعِدَّ لَهُ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ وهو نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ النّاسَ تَنْتَقِلُ أحْوالُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا فَمِن وضِيعٍ في الدُّنْيا يَصِيرُ رَفِيعًا في الآخِرَةِ، ومِن رَفِيعٍ يَتَّضِعُ، ومِن مُتَنَعِّمٍ يَشْقى، ومِن شَقِيٍّ يَتَنَعَّمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] وهَذا التَّأْوِيلُ مُناسِبٌ لِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُؤْتى كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا، وكانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَحُورَ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يَحُورُ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى النّاسِ أنَّهم يَرْكَبُونَ في الآخِرَةِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أيْ حالًا بَعْدَ حالِهِمْ في الدُّنْيا.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم في التَّكْذِيبِ بِالنُّبُوَّةِ والقِيامَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِنَصْبِ الباءِ فَفِيها قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ عَلى المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أُقْسِمُ يا مُحَمَّدُ لَتَرْكَبَنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ حَتّى يُخْتَمَ لَكَ بِجَمِيلِ العافِيَةِ فَلا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم وتَمادِيهِمْ في كُفْرِهِمْ.
وفِي هَذا الوَجْهِ احْتِمالٌ آخَرُ يَقْرُبُ مِمّا ذَكَرْنا، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يَرْكَبُ حالَ ظَفَرٍ وغَلَبَةٍ بَعْدَ حالِ خَوْفٍ وشِدَّةٍ.
صفحة ١٠١
واحْتِمالٌ ثالِثٌ: وهو يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْدِلُهُ بِالمُشْرِكِينَ أنْصارًا مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَكُونُ مَجازُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ طَبَقاتُ النّاسِ، وقَدْ يَصْلُحُ هَذا التَّأْوِيلُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ، كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَعْرِيفِ تَنَقُّلِ الأحْوالِ بِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ إلى الظَّفَرِ بِعَدُوِّهِمْ بَعْدَ الشِّدَّةِ الَّتِي يَلْقَوْنَها مِنهم، كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِصُعُودِهِ إلى السَّماءِ لِمُشاهَدَةِ مَلَكُوتِها، وإجْلالِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فِيها، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ السَّماواتِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.
وثالِثُها: لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ دَرَجَةً ورُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ القِراءَةِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في السَّماءِ وتَغَيُّرِها مِن حالٍ إلى حالٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ السَّماءَ يَوْمَ القِيامَةِ حالَةً بَعْدِ حالَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها أوَّلًا تَنْشَقُّ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ثُمَّ تَنْفَطِرُ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] ثُمَّ تَصِيرُ: ﴿ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وتارَةً: ﴿كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّها تَنْشَقُّ أقْسَمَ في آخِرِ السُّورَةِ أنَّها تَنْتَقِلُ مِن أحْوالٍ إلى أحْوالٍ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ بَعْدَ طَبَقٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ
ووَجْهُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ صارَ إلى الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ فَصَلُحَتْ بَعْدُ وعَنْ مُعاقَبَةً، وأيْضًا فَلَفْظَةُ عَنْ تُفِيدُ البُعْدَ والمُجاوَزَةَ فَكانَتْ مُشابِهَةً لِلَفْظَةِ بَعْدُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ثُمَّ أفْتى سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يَحُورُ فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَذا إنَّما يَحْسُنُ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، الأمْرُ هاهُنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِتَغْيِيراتٍ واقِعَةٍ في الأفْلاكِ والعَناصِرِ، فَإنَّ الشَّفَقَ حالَةٌ مُخالِفَةٌ لِما قَبْلَها وهو ضَوْءُ النَّهارِ، ولِما بَعْدَها وهو ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ ظُلْمَةٍ بَعْدَ نُورٍ، وعَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الحَيَواناتِ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ كَمالِ القَمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَإنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المُتَغَيِّرَةِ عَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الخَلْقِ، وهَذا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ، لِأنَّ القادِرَ عَلى تَغْيِيرِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وصِفَةٍ إلى صِفَةٍ بِحَسَبِ المَصالِحِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لا جَرَمَ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الحَكِيمُ فِيمَن كانَ عاجِزًا عَنِ الإيمانِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلَمّا قالَ ذَلِكَ دَلَّ عَلى كَوْنِهِمْ قادِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ، وأنْ يَكُونُوا
صفحة ١٠٢
مُوجِدِينَ لِأفْعالِهِمْ، وأنْ لا يَكُونَ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ فِيهِمْ. فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحْكَماتِ الَّتِي لا احْتِمالَ فِيها البَتَّةَ، وجَوابُهُ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
الانشقاق 84:18
ثُمَّ قالَ تَعالى: (بَلى) أيْ لَيُبْعَثُنَّ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبَدِّلُ سُرُورَهُ بِغَمٍّ لا يَنْقَطِعُ وتَنَعُّمَهُ بِبَلاءٍ لا يَنْتَهِي ولا يَزُولُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ فَقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَصِيرًا بِهِ مِن يَوْمِ خَلَقَهُ إلى أنْ بَعَثَهُ، وقالَ عَطاءٌ: بَصِيرًا بِما سَبَقَ عَلَيْهِ في أُمِّ الكِتابِ مِنَ الشَّقاءِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَصِيرًا مَتى بَعَثَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عالِمًا بِأنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ. ولا فائِدَةَ في هَذِهِ الأقْوالِ، إنَّما الفائِدَةُ في وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما القَفّالُ.
الأوَّلُ: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَجْزِيهِ.
والثّانِي: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِما يَعْمَلُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يُهْمِلَهُ فَلا يُعاقِبَهُ عَلى سُوءِ أعْمالِهِ، وهَذا زَجْرٌ لِكُلِّ المُكَلَّفِينَ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي.
صفحة ٩٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذا قَسَمٌ، وأمّا حَرْفُ لا فَقْدَ تَكَلَّمْنا فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] ومِن جُمْلَةِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ هُناكَ أنْ لا نَفْيَ ورَدَ لِكَلامٍ قَبْلَ القَسَمِ وتَوْجِيهُ هَذا الوَجْهِ هَهُنا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى هَهُنا عَنِ المُشْرِكِ أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ فَقَوْلُهُ لا رَدٌّ لِذَلِكَ القَوْلِ وإبْطالٌ لِذَلِكَ الظَّنِّ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ عَرَفْتَ اخْتِلافَ العُلَماءِ في أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ يُخالِفُها، وعَرَفْتَ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ زَعَمُوا أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِرَبِّ الشَّفَقِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن حَيْثُ ورَدَ الحَظْرُ بِأنْ يُقْسِمَ الإنْسانُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَرْكِيبُ لَفْظِ الشَّفَقِ في أصْلِ اللُّغَةِ لِرِقَّةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ يُقالُ: ثَوْبٌ شَفَقٌ كَأنَّهُ لا تَماسُكَ لِرِقَّتِهِ، ويُقالُ لِلرَّدِيءِ مِنَ الأشْياءِ شَفَقٌ، وأشْفَقَ عَلَيْهِ إذا رَقَّ قَلْبُهُ عَلَيْهِ والشَّفَقَةُ رِقَّةُ القَلْبِ ثُمَّ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْأثَرِ الباقِي مِنَ الشَّمْسِ في الأُفُقِ بَعْدَ غُرُوبِها إلّا ما يُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الشَّفَقُ هو النَّهارُ، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَهَبَ إلى هَذا لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ أوَّلًا هو النَّهارَ فالقَسَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ واقِعٌ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ اللَّذَيْنِ أحَدُهُما مَعاشٌ والثّانِي سَكَنٌ وبِهِما قِوامُ أُمُورِ العالَمِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ هو الحُمْرَةُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ قَوْلُ اللَّيْثِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ إلّا ما يُرْوى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ أنَّهُ البَياضُ ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: عَلَيْهِ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ كَأنَّهُ الشَّفَقُ وكانَ أحْمَرَ، قالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّفَقَ هو الحُمْرَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ جَعْلَ الشَّفَقَ وقْتًا لِلْعِشاءِ الأخِيرَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ هو الحُمْرَةَ لا البَياضَ لِأنَّ البَياضَ يَمْتَدُّ وقْتُهُ ويَطُولُ لُبْثُهُ، والحُمْرَةُ لَمّا كانَتْ بَقِيَّةَ ضَوْءِ الشَّمْسِ ثُمَّ بَعُدَتِ الشَّمْسُ عَنِ الأُفُقِ ذَهَبَتِ الحُمْرَةُ.
وثالِثُها: أنَّ اشْتِقاقَ الشَّفَقِ لَمّا كانَ مِنَ الرِّقَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الضَّوْءَ يَأْخُذُ في الرِّقَّةِ والضَّعْفِ مِن عِنْدِ غَيْبَةِ الشَّمْسِ فَتَكُونُ الحُمْرَةُ شَفَقًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وسَقَ أيْ جَمَعَ ومِنهُ الوَسْقُ وهو الطَّعامُ المُجْتَمِعُ الَّذِي يُكالُ ويُوزَنُ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْحِمْلِ واسْتَوْسَقَتِ الإبِلُ إذا اجْتَمَعَتْ وانْضَمَّتْ والرّاعِي يَسُقْها أيْ يَجْمَعُها قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ وسَقَهُ فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ ونَظِيرُهُ في وُقُوعِ افْتَعَلَ واسْتَفْعَلَ مُطاوِعَيْنِ اتَّسَعَ واسْتَوْسَعَ.
وأمّا المَعْنى فَقالَ القَفّالُ: مَجْمُوعُ أقاوِيلِ المُفَسِّرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما وسَقَ﴾ عَلى جَمِيعِ ما يَجْمَعُهُ اللَّيْلُ مِنَ النُّجُومِ ورُجُوعِ الحَيَوانِ عَنِ الِانْتِشارِ وتَحَرُّكِ ما يَتَحَرَّكُ فِيهِ الهَوامُّ، ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما عُمِلَ فِيهِ، قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو تَهَجُّدُ العِبادِ فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِها المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ فَيَجُوزُ أنْ يَحْلِفَ بِهِمْ وإنَّما قُلْنا: إنَّ اللَّيْلَ جَمَعَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها لِأنَّ ظُلْمَتَهُ كَأنَّها تُجَلِّلُ
صفحة ١٠٠
الجِبالَ والبِحارَ والشَّجَرَ والحَيَواناتِ، فَلا جَرَمَ صَحَّ أنْ يُقالَ: وسَقَ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ الِاجْتِماعِ يُقالُ: وسَقْتُهُ فاتَّسَقَ كَما يُقالُ: وصَلْتُهُ فاتَّصَلَ، أيْ جَمَعْتُهُ فاجْتَمَعَ ويُقالُ: أُمُورُ فُلانٍ مُتَّسِقَةٌ أيْ مُجْتَمِعَةٌ عَلى الصَّلاحِ كَما يُقالُ: مُنْتَظِمَةٌ، وأمّا أهْلُ المَعانِي فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا اتَّسَقَ أيِ اسْتَوى واجْتَمَعَ وتَكامَلَ وتَمَّ واسْتَدارَ وذَلِكَ لَيْلَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ إلى سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما بِهِ أقْسَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما عَلَيْهِ أقْسَمَ قالَ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”لَتَرْكَبَنَّ“عَلى خِطابِ الإنْسانِ في يا أيُّها الإنْسانُ: ”ولَتَرْكَبُنَّ“ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ النِّداءَ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ لِلْجِنْسِ ”ولَتَرْكَبِنَّ“ بِالكَسْرِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، ولَيَرْكَبَنَّ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ أيْ لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّبَقُ ما طابَقَ غَيْرَهُ، يُقالُ: ما هَذا يَطْبُقُ كَذا أيْ لا يُطابِقُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْغِطاءِ: الطَّبَقُ وطِباقُ الثَّرى ما يُطابِقُ مِنهُ، قِيلَ: لِلْحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها طَبَقٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ حالًا بَعْدَ حالِ كُلِّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٍ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ هو عَلى طَبَقاتٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، ولْنَذْكُرِ الآنَ وُجُوهَ المُفَسِّرِينَ فَنَقُولُ: أمّا القِراءَةُ بِرَفْعِ الباءِ وهو خِطابُ الجَمْعِ فَتَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ أُمُورًا وأحْوالًا أمْرًا بَعْدَ أمْرٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ ومَنزِلًا بَعْدَ مَنزِلٍ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ الأمْرُ عَلى ما يُقْضى بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الدَّوامُ والخُلُودُ، إمّا في دارِ الثَّوابِ أوْ في دارِ العِقابِ ويَدْخُلُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أحْوالُ الإنْسانِ، مَن يَكُونُ نُطْفَةً إلى أنْ يَصِيرَ شَخْصًا ثُمَّ يَمُوتُ فَيَكُونُ في البَرْزَخِ، ثُمَّ يُحْشَرُ ثُمَّ يُنْقَلُ، إمّا إلى جَنَّةٍ وإمّا إلى نارٍ.
وثانِيها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ أحْوالًا وشَدائِدَ حالًا بَعْدَ حالٍ وشِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ كَأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ أقْسَمَ اللَّهُ أنَّ البَعْثَ كائِنٌ وأنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ فِيها الشَّدائِدَ والأهْوالَ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ فَيَصِيرَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما أُعِدَّ لَهُ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ وهو نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ النّاسَ تَنْتَقِلُ أحْوالُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا فَمِن وضِيعٍ في الدُّنْيا يَصِيرُ رَفِيعًا في الآخِرَةِ، ومِن رَفِيعٍ يَتَّضِعُ، ومِن مُتَنَعِّمٍ يَشْقى، ومِن شَقِيٍّ يَتَنَعَّمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] وهَذا التَّأْوِيلُ مُناسِبٌ لِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُؤْتى كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا، وكانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَحُورَ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يَحُورُ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى النّاسِ أنَّهم يَرْكَبُونَ في الآخِرَةِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أيْ حالًا بَعْدَ حالِهِمْ في الدُّنْيا.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم في التَّكْذِيبِ بِالنُّبُوَّةِ والقِيامَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِنَصْبِ الباءِ فَفِيها قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ عَلى المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أُقْسِمُ يا مُحَمَّدُ لَتَرْكَبَنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ حَتّى يُخْتَمَ لَكَ بِجَمِيلِ العافِيَةِ فَلا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم وتَمادِيهِمْ في كُفْرِهِمْ.
وفِي هَذا الوَجْهِ احْتِمالٌ آخَرُ يَقْرُبُ مِمّا ذَكَرْنا، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يَرْكَبُ حالَ ظَفَرٍ وغَلَبَةٍ بَعْدَ حالِ خَوْفٍ وشِدَّةٍ.
صفحة ١٠١
واحْتِمالٌ ثالِثٌ: وهو يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْدِلُهُ بِالمُشْرِكِينَ أنْصارًا مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَكُونُ مَجازُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ طَبَقاتُ النّاسِ، وقَدْ يَصْلُحُ هَذا التَّأْوِيلُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ، كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَعْرِيفِ تَنَقُّلِ الأحْوالِ بِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ إلى الظَّفَرِ بِعَدُوِّهِمْ بَعْدَ الشِّدَّةِ الَّتِي يَلْقَوْنَها مِنهم، كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِصُعُودِهِ إلى السَّماءِ لِمُشاهَدَةِ مَلَكُوتِها، وإجْلالِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فِيها، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ السَّماواتِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.
وثالِثُها: لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ دَرَجَةً ورُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ القِراءَةِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في السَّماءِ وتَغَيُّرِها مِن حالٍ إلى حالٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ السَّماءَ يَوْمَ القِيامَةِ حالَةً بَعْدِ حالَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها أوَّلًا تَنْشَقُّ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ثُمَّ تَنْفَطِرُ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] ثُمَّ تَصِيرُ: ﴿ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وتارَةً: ﴿كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّها تَنْشَقُّ أقْسَمَ في آخِرِ السُّورَةِ أنَّها تَنْتَقِلُ مِن أحْوالٍ إلى أحْوالٍ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ بَعْدَ طَبَقٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ
ووَجْهُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ صارَ إلى الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ فَصَلُحَتْ بَعْدُ وعَنْ مُعاقَبَةً، وأيْضًا فَلَفْظَةُ عَنْ تُفِيدُ البُعْدَ والمُجاوَزَةَ فَكانَتْ مُشابِهَةً لِلَفْظَةِ بَعْدُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ثُمَّ أفْتى سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يَحُورُ فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَذا إنَّما يَحْسُنُ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، الأمْرُ هاهُنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِتَغْيِيراتٍ واقِعَةٍ في الأفْلاكِ والعَناصِرِ، فَإنَّ الشَّفَقَ حالَةٌ مُخالِفَةٌ لِما قَبْلَها وهو ضَوْءُ النَّهارِ، ولِما بَعْدَها وهو ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ ظُلْمَةٍ بَعْدَ نُورٍ، وعَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الحَيَواناتِ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ كَمالِ القَمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَإنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المُتَغَيِّرَةِ عَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الخَلْقِ، وهَذا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ، لِأنَّ القادِرَ عَلى تَغْيِيرِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وصِفَةٍ إلى صِفَةٍ بِحَسَبِ المَصالِحِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لا جَرَمَ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الحَكِيمُ فِيمَن كانَ عاجِزًا عَنِ الإيمانِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلَمّا قالَ ذَلِكَ دَلَّ عَلى كَوْنِهِمْ قادِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ، وأنْ يَكُونُوا
صفحة ١٠٢
مُوجِدِينَ لِأفْعالِهِمْ، وأنْ لا يَكُونَ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ فِيهِمْ. فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحْكَماتِ الَّتِي لا احْتِمالَ فِيها البَتَّةَ، وجَوابُهُ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
الانشقاق 84:19
ثُمَّ قالَ تَعالى: (بَلى) أيْ لَيُبْعَثُنَّ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبَدِّلُ سُرُورَهُ بِغَمٍّ لا يَنْقَطِعُ وتَنَعُّمَهُ بِبَلاءٍ لا يَنْتَهِي ولا يَزُولُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ فَقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَصِيرًا بِهِ مِن يَوْمِ خَلَقَهُ إلى أنْ بَعَثَهُ، وقالَ عَطاءٌ: بَصِيرًا بِما سَبَقَ عَلَيْهِ في أُمِّ الكِتابِ مِنَ الشَّقاءِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَصِيرًا مَتى بَعَثَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عالِمًا بِأنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ. ولا فائِدَةَ في هَذِهِ الأقْوالِ، إنَّما الفائِدَةُ في وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما القَفّالُ.
الأوَّلُ: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَجْزِيهِ.
والثّانِي: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِما يَعْمَلُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يُهْمِلَهُ فَلا يُعاقِبَهُ عَلى سُوءِ أعْمالِهِ، وهَذا زَجْرٌ لِكُلِّ المُكَلَّفِينَ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي.
صفحة ٩٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذا قَسَمٌ، وأمّا حَرْفُ لا فَقْدَ تَكَلَّمْنا فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] ومِن جُمْلَةِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ هُناكَ أنْ لا نَفْيَ ورَدَ لِكَلامٍ قَبْلَ القَسَمِ وتَوْجِيهُ هَذا الوَجْهِ هَهُنا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى هَهُنا عَنِ المُشْرِكِ أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ فَقَوْلُهُ لا رَدٌّ لِذَلِكَ القَوْلِ وإبْطالٌ لِذَلِكَ الظَّنِّ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ عَرَفْتَ اخْتِلافَ العُلَماءِ في أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ يُخالِفُها، وعَرَفْتَ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ زَعَمُوا أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِرَبِّ الشَّفَقِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن حَيْثُ ورَدَ الحَظْرُ بِأنْ يُقْسِمَ الإنْسانُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَرْكِيبُ لَفْظِ الشَّفَقِ في أصْلِ اللُّغَةِ لِرِقَّةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ يُقالُ: ثَوْبٌ شَفَقٌ كَأنَّهُ لا تَماسُكَ لِرِقَّتِهِ، ويُقالُ لِلرَّدِيءِ مِنَ الأشْياءِ شَفَقٌ، وأشْفَقَ عَلَيْهِ إذا رَقَّ قَلْبُهُ عَلَيْهِ والشَّفَقَةُ رِقَّةُ القَلْبِ ثُمَّ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْأثَرِ الباقِي مِنَ الشَّمْسِ في الأُفُقِ بَعْدَ غُرُوبِها إلّا ما يُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الشَّفَقُ هو النَّهارُ، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَهَبَ إلى هَذا لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ أوَّلًا هو النَّهارَ فالقَسَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ واقِعٌ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ اللَّذَيْنِ أحَدُهُما مَعاشٌ والثّانِي سَكَنٌ وبِهِما قِوامُ أُمُورِ العالَمِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ هو الحُمْرَةُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ قَوْلُ اللَّيْثِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ إلّا ما يُرْوى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ أنَّهُ البَياضُ ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: عَلَيْهِ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ كَأنَّهُ الشَّفَقُ وكانَ أحْمَرَ، قالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّفَقَ هو الحُمْرَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ جَعْلَ الشَّفَقَ وقْتًا لِلْعِشاءِ الأخِيرَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ هو الحُمْرَةَ لا البَياضَ لِأنَّ البَياضَ يَمْتَدُّ وقْتُهُ ويَطُولُ لُبْثُهُ، والحُمْرَةُ لَمّا كانَتْ بَقِيَّةَ ضَوْءِ الشَّمْسِ ثُمَّ بَعُدَتِ الشَّمْسُ عَنِ الأُفُقِ ذَهَبَتِ الحُمْرَةُ.
وثالِثُها: أنَّ اشْتِقاقَ الشَّفَقِ لَمّا كانَ مِنَ الرِّقَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الضَّوْءَ يَأْخُذُ في الرِّقَّةِ والضَّعْفِ مِن عِنْدِ غَيْبَةِ الشَّمْسِ فَتَكُونُ الحُمْرَةُ شَفَقًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وسَقَ أيْ جَمَعَ ومِنهُ الوَسْقُ وهو الطَّعامُ المُجْتَمِعُ الَّذِي يُكالُ ويُوزَنُ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْحِمْلِ واسْتَوْسَقَتِ الإبِلُ إذا اجْتَمَعَتْ وانْضَمَّتْ والرّاعِي يَسُقْها أيْ يَجْمَعُها قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ وسَقَهُ فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ ونَظِيرُهُ في وُقُوعِ افْتَعَلَ واسْتَفْعَلَ مُطاوِعَيْنِ اتَّسَعَ واسْتَوْسَعَ.
وأمّا المَعْنى فَقالَ القَفّالُ: مَجْمُوعُ أقاوِيلِ المُفَسِّرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما وسَقَ﴾ عَلى جَمِيعِ ما يَجْمَعُهُ اللَّيْلُ مِنَ النُّجُومِ ورُجُوعِ الحَيَوانِ عَنِ الِانْتِشارِ وتَحَرُّكِ ما يَتَحَرَّكُ فِيهِ الهَوامُّ، ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما عُمِلَ فِيهِ، قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو تَهَجُّدُ العِبادِ فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِها المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ فَيَجُوزُ أنْ يَحْلِفَ بِهِمْ وإنَّما قُلْنا: إنَّ اللَّيْلَ جَمَعَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها لِأنَّ ظُلْمَتَهُ كَأنَّها تُجَلِّلُ
صفحة ١٠٠
الجِبالَ والبِحارَ والشَّجَرَ والحَيَواناتِ، فَلا جَرَمَ صَحَّ أنْ يُقالَ: وسَقَ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ الِاجْتِماعِ يُقالُ: وسَقْتُهُ فاتَّسَقَ كَما يُقالُ: وصَلْتُهُ فاتَّصَلَ، أيْ جَمَعْتُهُ فاجْتَمَعَ ويُقالُ: أُمُورُ فُلانٍ مُتَّسِقَةٌ أيْ مُجْتَمِعَةٌ عَلى الصَّلاحِ كَما يُقالُ: مُنْتَظِمَةٌ، وأمّا أهْلُ المَعانِي فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا اتَّسَقَ أيِ اسْتَوى واجْتَمَعَ وتَكامَلَ وتَمَّ واسْتَدارَ وذَلِكَ لَيْلَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ إلى سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما بِهِ أقْسَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما عَلَيْهِ أقْسَمَ قالَ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”لَتَرْكَبَنَّ“عَلى خِطابِ الإنْسانِ في يا أيُّها الإنْسانُ: ”ولَتَرْكَبُنَّ“ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ النِّداءَ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ لِلْجِنْسِ ”ولَتَرْكَبِنَّ“ بِالكَسْرِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، ولَيَرْكَبَنَّ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ أيْ لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّبَقُ ما طابَقَ غَيْرَهُ، يُقالُ: ما هَذا يَطْبُقُ كَذا أيْ لا يُطابِقُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْغِطاءِ: الطَّبَقُ وطِباقُ الثَّرى ما يُطابِقُ مِنهُ، قِيلَ: لِلْحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها طَبَقٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ حالًا بَعْدَ حالِ كُلِّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٍ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ هو عَلى طَبَقاتٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، ولْنَذْكُرِ الآنَ وُجُوهَ المُفَسِّرِينَ فَنَقُولُ: أمّا القِراءَةُ بِرَفْعِ الباءِ وهو خِطابُ الجَمْعِ فَتَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ أُمُورًا وأحْوالًا أمْرًا بَعْدَ أمْرٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ ومَنزِلًا بَعْدَ مَنزِلٍ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ الأمْرُ عَلى ما يُقْضى بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الدَّوامُ والخُلُودُ، إمّا في دارِ الثَّوابِ أوْ في دارِ العِقابِ ويَدْخُلُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أحْوالُ الإنْسانِ، مَن يَكُونُ نُطْفَةً إلى أنْ يَصِيرَ شَخْصًا ثُمَّ يَمُوتُ فَيَكُونُ في البَرْزَخِ، ثُمَّ يُحْشَرُ ثُمَّ يُنْقَلُ، إمّا إلى جَنَّةٍ وإمّا إلى نارٍ.
وثانِيها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ أحْوالًا وشَدائِدَ حالًا بَعْدَ حالٍ وشِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ كَأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ أقْسَمَ اللَّهُ أنَّ البَعْثَ كائِنٌ وأنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ فِيها الشَّدائِدَ والأهْوالَ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ فَيَصِيرَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما أُعِدَّ لَهُ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ وهو نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ النّاسَ تَنْتَقِلُ أحْوالُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا فَمِن وضِيعٍ في الدُّنْيا يَصِيرُ رَفِيعًا في الآخِرَةِ، ومِن رَفِيعٍ يَتَّضِعُ، ومِن مُتَنَعِّمٍ يَشْقى، ومِن شَقِيٍّ يَتَنَعَّمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] وهَذا التَّأْوِيلُ مُناسِبٌ لِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُؤْتى كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا، وكانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَحُورَ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يَحُورُ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى النّاسِ أنَّهم يَرْكَبُونَ في الآخِرَةِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أيْ حالًا بَعْدَ حالِهِمْ في الدُّنْيا.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم في التَّكْذِيبِ بِالنُّبُوَّةِ والقِيامَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِنَصْبِ الباءِ فَفِيها قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ عَلى المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أُقْسِمُ يا مُحَمَّدُ لَتَرْكَبَنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ حَتّى يُخْتَمَ لَكَ بِجَمِيلِ العافِيَةِ فَلا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم وتَمادِيهِمْ في كُفْرِهِمْ.
وفِي هَذا الوَجْهِ احْتِمالٌ آخَرُ يَقْرُبُ مِمّا ذَكَرْنا، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يَرْكَبُ حالَ ظَفَرٍ وغَلَبَةٍ بَعْدَ حالِ خَوْفٍ وشِدَّةٍ.
صفحة ١٠١
واحْتِمالٌ ثالِثٌ: وهو يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْدِلُهُ بِالمُشْرِكِينَ أنْصارًا مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَكُونُ مَجازُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ طَبَقاتُ النّاسِ، وقَدْ يَصْلُحُ هَذا التَّأْوِيلُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ، كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَعْرِيفِ تَنَقُّلِ الأحْوالِ بِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ إلى الظَّفَرِ بِعَدُوِّهِمْ بَعْدَ الشِّدَّةِ الَّتِي يَلْقَوْنَها مِنهم، كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِصُعُودِهِ إلى السَّماءِ لِمُشاهَدَةِ مَلَكُوتِها، وإجْلالِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فِيها، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ السَّماواتِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.
وثالِثُها: لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ دَرَجَةً ورُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ القِراءَةِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في السَّماءِ وتَغَيُّرِها مِن حالٍ إلى حالٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ السَّماءَ يَوْمَ القِيامَةِ حالَةً بَعْدِ حالَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها أوَّلًا تَنْشَقُّ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ثُمَّ تَنْفَطِرُ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] ثُمَّ تَصِيرُ: ﴿ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وتارَةً: ﴿كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّها تَنْشَقُّ أقْسَمَ في آخِرِ السُّورَةِ أنَّها تَنْتَقِلُ مِن أحْوالٍ إلى أحْوالٍ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ بَعْدَ طَبَقٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ
ووَجْهُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ صارَ إلى الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ فَصَلُحَتْ بَعْدُ وعَنْ مُعاقَبَةً، وأيْضًا فَلَفْظَةُ عَنْ تُفِيدُ البُعْدَ والمُجاوَزَةَ فَكانَتْ مُشابِهَةً لِلَفْظَةِ بَعْدُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ثُمَّ أفْتى سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يَحُورُ فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَذا إنَّما يَحْسُنُ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، الأمْرُ هاهُنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِتَغْيِيراتٍ واقِعَةٍ في الأفْلاكِ والعَناصِرِ، فَإنَّ الشَّفَقَ حالَةٌ مُخالِفَةٌ لِما قَبْلَها وهو ضَوْءُ النَّهارِ، ولِما بَعْدَها وهو ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ ظُلْمَةٍ بَعْدَ نُورٍ، وعَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الحَيَواناتِ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ كَمالِ القَمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَإنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المُتَغَيِّرَةِ عَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الخَلْقِ، وهَذا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ، لِأنَّ القادِرَ عَلى تَغْيِيرِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وصِفَةٍ إلى صِفَةٍ بِحَسَبِ المَصالِحِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لا جَرَمَ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الحَكِيمُ فِيمَن كانَ عاجِزًا عَنِ الإيمانِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلَمّا قالَ ذَلِكَ دَلَّ عَلى كَوْنِهِمْ قادِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ، وأنْ يَكُونُوا
صفحة ١٠٢
مُوجِدِينَ لِأفْعالِهِمْ، وأنْ لا يَكُونَ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ فِيهِمْ. فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحْكَماتِ الَّتِي لا احْتِمالَ فِيها البَتَّةَ، وجَوابُهُ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
الانشقاق 84:20
ثُمَّ قالَ تَعالى: (بَلى) أيْ لَيُبْعَثُنَّ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبَدِّلُ سُرُورَهُ بِغَمٍّ لا يَنْقَطِعُ وتَنَعُّمَهُ بِبَلاءٍ لا يَنْتَهِي ولا يَزُولُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ فَقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَصِيرًا بِهِ مِن يَوْمِ خَلَقَهُ إلى أنْ بَعَثَهُ، وقالَ عَطاءٌ: بَصِيرًا بِما سَبَقَ عَلَيْهِ في أُمِّ الكِتابِ مِنَ الشَّقاءِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَصِيرًا مَتى بَعَثَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عالِمًا بِأنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ. ولا فائِدَةَ في هَذِهِ الأقْوالِ، إنَّما الفائِدَةُ في وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما القَفّالُ.
الأوَّلُ: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَجْزِيهِ.
والثّانِي: أنَّ رَبَّهُ كانَ عالِمًا بِما يَعْمَلُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يُهْمِلَهُ فَلا يُعاقِبَهُ عَلى سُوءِ أعْمالِهِ، وهَذا زَجْرٌ لِكُلِّ المُكَلَّفِينَ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي.
صفحة ٩٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذا قَسَمٌ، وأمّا حَرْفُ لا فَقْدَ تَكَلَّمْنا فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] ومِن جُمْلَةِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ هُناكَ أنْ لا نَفْيَ ورَدَ لِكَلامٍ قَبْلَ القَسَمِ وتَوْجِيهُ هَذا الوَجْهِ هَهُنا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى هَهُنا عَنِ المُشْرِكِ أنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ فَقَوْلُهُ لا رَدٌّ لِذَلِكَ القَوْلِ وإبْطالٌ لِذَلِكَ الظَّنِّ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ عَرَفْتَ اخْتِلافَ العُلَماءِ في أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ يُخالِفُها، وعَرَفْتَ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ زَعَمُوا أنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِرَبِّ الشَّفَقِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن حَيْثُ ورَدَ الحَظْرُ بِأنْ يُقْسِمَ الإنْسانُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَرْكِيبُ لَفْظِ الشَّفَقِ في أصْلِ اللُّغَةِ لِرِقَّةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ يُقالُ: ثَوْبٌ شَفَقٌ كَأنَّهُ لا تَماسُكَ لِرِقَّتِهِ، ويُقالُ لِلرَّدِيءِ مِنَ الأشْياءِ شَفَقٌ، وأشْفَقَ عَلَيْهِ إذا رَقَّ قَلْبُهُ عَلَيْهِ والشَّفَقَةُ رِقَّةُ القَلْبِ ثُمَّ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْأثَرِ الباقِي مِنَ الشَّمْسِ في الأُفُقِ بَعْدَ غُرُوبِها إلّا ما يُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الشَّفَقُ هو النَّهارُ، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَهَبَ إلى هَذا لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ أوَّلًا هو النَّهارَ فالقَسَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ واقِعٌ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ اللَّذَيْنِ أحَدُهُما مَعاشٌ والثّانِي سَكَنٌ وبِهِما قِوامُ أُمُورِ العالَمِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ هو الحُمْرَةُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ قَوْلُ اللَّيْثِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ إلّا ما يُرْوى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ أنَّهُ البَياضُ ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: عَلَيْهِ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ كَأنَّهُ الشَّفَقُ وكانَ أحْمَرَ، قالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّفَقَ هو الحُمْرَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ جَعْلَ الشَّفَقَ وقْتًا لِلْعِشاءِ الأخِيرَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ هو الحُمْرَةَ لا البَياضَ لِأنَّ البَياضَ يَمْتَدُّ وقْتُهُ ويَطُولُ لُبْثُهُ، والحُمْرَةُ لَمّا كانَتْ بَقِيَّةَ ضَوْءِ الشَّمْسِ ثُمَّ بَعُدَتِ الشَّمْسُ عَنِ الأُفُقِ ذَهَبَتِ الحُمْرَةُ.
وثالِثُها: أنَّ اشْتِقاقَ الشَّفَقِ لَمّا كانَ مِنَ الرِّقَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الضَّوْءَ يَأْخُذُ في الرِّقَّةِ والضَّعْفِ مِن عِنْدِ غَيْبَةِ الشَّمْسِ فَتَكُونُ الحُمْرَةُ شَفَقًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وسَقَ أيْ جَمَعَ ومِنهُ الوَسْقُ وهو الطَّعامُ المُجْتَمِعُ الَّذِي يُكالُ ويُوزَنُ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْحِمْلِ واسْتَوْسَقَتِ الإبِلُ إذا اجْتَمَعَتْ وانْضَمَّتْ والرّاعِي يَسُقْها أيْ يَجْمَعُها قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ وسَقَهُ فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ ونَظِيرُهُ في وُقُوعِ افْتَعَلَ واسْتَفْعَلَ مُطاوِعَيْنِ اتَّسَعَ واسْتَوْسَعَ.
وأمّا المَعْنى فَقالَ القَفّالُ: مَجْمُوعُ أقاوِيلِ المُفَسِّرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما وسَقَ﴾ عَلى جَمِيعِ ما يَجْمَعُهُ اللَّيْلُ مِنَ النُّجُومِ ورُجُوعِ الحَيَوانِ عَنِ الِانْتِشارِ وتَحَرُّكِ ما يَتَحَرَّكُ فِيهِ الهَوامُّ، ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما عُمِلَ فِيهِ، قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو تَهَجُّدُ العِبادِ فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِها المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ فَيَجُوزُ أنْ يَحْلِفَ بِهِمْ وإنَّما قُلْنا: إنَّ اللَّيْلَ جَمَعَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها لِأنَّ ظُلْمَتَهُ كَأنَّها تُجَلِّلُ
صفحة ١٠٠
الجِبالَ والبِحارَ والشَّجَرَ والحَيَواناتِ، فَلا جَرَمَ صَحَّ أنْ يُقالَ: وسَقَ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ الِاجْتِماعِ يُقالُ: وسَقْتُهُ فاتَّسَقَ كَما يُقالُ: وصَلْتُهُ فاتَّصَلَ، أيْ جَمَعْتُهُ فاجْتَمَعَ ويُقالُ: أُمُورُ فُلانٍ مُتَّسِقَةٌ أيْ مُجْتَمِعَةٌ عَلى الصَّلاحِ كَما يُقالُ: مُنْتَظِمَةٌ، وأمّا أهْلُ المَعانِي فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا اتَّسَقَ أيِ اسْتَوى واجْتَمَعَ وتَكامَلَ وتَمَّ واسْتَدارَ وذَلِكَ لَيْلَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ إلى سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما بِهِ أقْسَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما عَلَيْهِ أقْسَمَ قالَ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”لَتَرْكَبَنَّ“عَلى خِطابِ الإنْسانِ في يا أيُّها الإنْسانُ: ”ولَتَرْكَبُنَّ“ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ النِّداءَ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ لِلْجِنْسِ ”ولَتَرْكَبِنَّ“ بِالكَسْرِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، ولَيَرْكَبَنَّ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ أيْ لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّبَقُ ما طابَقَ غَيْرَهُ، يُقالُ: ما هَذا يَطْبُقُ كَذا أيْ لا يُطابِقُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْغِطاءِ: الطَّبَقُ وطِباقُ الثَّرى ما يُطابِقُ مِنهُ، قِيلَ: لِلْحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها طَبَقٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ حالًا بَعْدَ حالِ كُلِّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٍ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ هو عَلى طَبَقاتٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، ولْنَذْكُرِ الآنَ وُجُوهَ المُفَسِّرِينَ فَنَقُولُ: أمّا القِراءَةُ بِرَفْعِ الباءِ وهو خِطابُ الجَمْعِ فَتَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ أُمُورًا وأحْوالًا أمْرًا بَعْدَ أمْرٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ ومَنزِلًا بَعْدَ مَنزِلٍ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ الأمْرُ عَلى ما يُقْضى بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الدَّوامُ والخُلُودُ، إمّا في دارِ الثَّوابِ أوْ في دارِ العِقابِ ويَدْخُلُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أحْوالُ الإنْسانِ، مَن يَكُونُ نُطْفَةً إلى أنْ يَصِيرَ شَخْصًا ثُمَّ يَمُوتُ فَيَكُونُ في البَرْزَخِ، ثُمَّ يُحْشَرُ ثُمَّ يُنْقَلُ، إمّا إلى جَنَّةٍ وإمّا إلى نارٍ.
وثانِيها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ أحْوالًا وشَدائِدَ حالًا بَعْدَ حالٍ وشِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ كَأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ أقْسَمَ اللَّهُ أنَّ البَعْثَ كائِنٌ وأنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ فِيها الشَّدائِدَ والأهْوالَ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ فَيَصِيرَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما أُعِدَّ لَهُ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ وهو نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ النّاسَ تَنْتَقِلُ أحْوالُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا فَمِن وضِيعٍ في الدُّنْيا يَصِيرُ رَفِيعًا في الآخِرَةِ، ومِن رَفِيعٍ يَتَّضِعُ، ومِن مُتَنَعِّمٍ يَشْقى، ومِن شَقِيٍّ يَتَنَعَّمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] وهَذا التَّأْوِيلُ مُناسِبٌ لِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُؤْتى كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، أنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا، وكانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَحُورَ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يَحُورُ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى النّاسِ أنَّهم يَرْكَبُونَ في الآخِرَةِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أيْ حالًا بَعْدَ حالِهِمْ في الدُّنْيا.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم في التَّكْذِيبِ بِالنُّبُوَّةِ والقِيامَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِنَصْبِ الباءِ فَفِيها قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ عَلى المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أُقْسِمُ يا مُحَمَّدُ لَتَرْكَبَنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ حَتّى يُخْتَمَ لَكَ بِجَمِيلِ العافِيَةِ فَلا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم وتَمادِيهِمْ في كُفْرِهِمْ.
وفِي هَذا الوَجْهِ احْتِمالٌ آخَرُ يَقْرُبُ مِمّا ذَكَرْنا، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يَرْكَبُ حالَ ظَفَرٍ وغَلَبَةٍ بَعْدَ حالِ خَوْفٍ وشِدَّةٍ.
صفحة ١٠١
واحْتِمالٌ ثالِثٌ: وهو يَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْدِلُهُ بِالمُشْرِكِينَ أنْصارًا مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَكُونُ مَجازُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ طَبَقاتُ النّاسِ، وقَدْ يَصْلُحُ هَذا التَّأْوِيلُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ، كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَعْرِيفِ تَنَقُّلِ الأحْوالِ بِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ إلى الظَّفَرِ بِعَدُوِّهِمْ بَعْدَ الشِّدَّةِ الَّتِي يَلْقَوْنَها مِنهم، كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشارَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِصُعُودِهِ إلى السَّماءِ لِمُشاهَدَةِ مَلَكُوتِها، وإجْلالِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فِيها، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ السَّماواتِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.
وثالِثُها: لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ دَرَجَةً ورُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ القِراءَةِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في السَّماءِ وتَغَيُّرِها مِن حالٍ إلى حالٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبَنَّ السَّماءَ يَوْمَ القِيامَةِ حالَةً بَعْدِ حالَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها أوَّلًا تَنْشَقُّ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ثُمَّ تَنْفَطِرُ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] ثُمَّ تَصِيرُ: ﴿ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وتارَةً: ﴿كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّها تَنْشَقُّ أقْسَمَ في آخِرِ السُّورَةِ أنَّها تَنْتَقِلُ مِن أحْوالٍ إلى أحْوالٍ، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ بَعْدَ طَبَقٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ
ووَجْهُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ صارَ إلى الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ فَصَلُحَتْ بَعْدُ وعَنْ مُعاقَبَةً، وأيْضًا فَلَفْظَةُ عَنْ تُفِيدُ البُعْدَ والمُجاوَزَةَ فَكانَتْ مُشابِهَةً لِلَفْظَةِ بَعْدُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ثُمَّ أفْتى سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يَحُورُ فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَذا إنَّما يَحْسُنُ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، الأمْرُ هاهُنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِتَغْيِيراتٍ واقِعَةٍ في الأفْلاكِ والعَناصِرِ، فَإنَّ الشَّفَقَ حالَةٌ مُخالِفَةٌ لِما قَبْلَها وهو ضَوْءُ النَّهارِ، ولِما بَعْدَها وهو ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ ظُلْمَةٍ بَعْدَ نُورٍ، وعَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الحَيَواناتِ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ كَمالِ القَمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَإنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المُتَغَيِّرَةِ عَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الخَلْقِ، وهَذا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ، لِأنَّ القادِرَ عَلى تَغْيِيرِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وصِفَةٍ إلى صِفَةٍ بِحَسَبِ المَصالِحِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لا جَرَمَ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الحَكِيمُ فِيمَن كانَ عاجِزًا عَنِ الإيمانِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلَمّا قالَ ذَلِكَ دَلَّ عَلى كَوْنِهِمْ قادِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ، وأنْ يَكُونُوا
صفحة ١٠٢
مُوجِدِينَ لِأفْعالِهِمْ، وأنْ لا يَكُونَ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ فِيهِمْ. فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحْكَماتِ الَّتِي لا احْتِمالَ فِيها البَتَّةَ، وجَوابُهُ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
الانشقاق 84:21
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهم أرْبابُ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ فَعِنْدَ سَماعِهِمُ القُرْآنَ لا بُدَّ وأنْ يَعْلَمُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا، وإذا عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووُجُوبَ طاعَتِهِ في الأوامِرِ والنَّواهِي، فَلا جَرَمَ اسْتَبْعَدَ اللَّهُ مِنهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ تَرْكَ السُّجُودِ والطّاعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنَ السُّجُودِ الصَّلاةُ وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الخُضُوعُ والِاسْتِكانَةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ نَفْسُ السُّجُودِ عِنْدَ آياتٍ مَخْصُوصَةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مِنها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قَرَأ ذاتَ يَوْمٍ: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] فَسَجَدَ هو ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقُرَيْشٌ تُصَفِّقُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ وتُصَفِّرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» “ واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى وُجُوبِ السَّجْدَةِ بِهَذا مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِعْلَهُ ﷺ يَقْتَضِي الوُجُوبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ مَن يَسْمَعُهُ فَلا يَسْجُدُ، وحُصُولُ الذَّمِّ عِنْدَ التَّرْكِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَيْسَ في المُفَصَّلِ سَجْدَةٌ، «وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَجَدَ هاهُنا، وقالَ: واللَّهِ ما سَجَدْتُ فِيها إلّا بَعْدَ أنْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيها»، وعَنْ أنَسٍ صَلَّيْتُ خَلْفَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، فَسَجَدُوا وعَنِ الحَسَنِ هي غَيْرُ واجِبَةٍ.
الانشقاق 84:22
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ الدَّلائِلَ المُوجِبَةَ لِلْإيمانِ، وإنْ كانَتْ جَلِيَّةً ظاهِرَةً لَكِنَّ الكُفّارَ يُكَذِّبُونَ بِها إمّا لِتَقْلِيدِ الأسْلافِ، وإمّا لِلْحَسَدِ وإمّا لِلْخَوْفِ مِن أنَّهم لَوْ أظْهَرُوا الإيمانَ لَفاتَتْهم مَناصِبُ الدُّنْيا ومَنافِعُها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ فَأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الوِعاءِ، فَيُقالُ: أوْعَيْتُ الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتُهُ في وِعاءٍ كَما قالَ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ في صُدُورِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ اسْتَحَقُّوهُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقالَ: الأكْثَرُونَ مَعْناهُ إلّا مَن تابَ مِنهم فَإنَّهم وإنْ كانُوا في الحالِ كُفّارًا إلّا أنَّهم
صفحة ١٠٣
مَتى تابُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ وهو الثَّوابُ العَظِيمُ.
وفِي مَعْنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الثَّوابَ يَصِلُ إلَيْهِمْ بِلا مَنٍّ ولا أذًى.
وثانِيها: مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ.
وثالِثُها: مِن غَيْرِ تَنْغِيصٍ.
ورابِعُها: مِن غَيْرِ نُقْصانٍ؛ والأوْلى أنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ مِن شَرْطِ الثَّوابِ حُصُولَ الكُلِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى وعَدَهم بِأجْرٍ خالِصٍ مِنَ الشَّوائِبِ دائِمٍ لا انْقِطاعَ فِيهِ ولا نَقْصَ ولا بَخْسَ، وهَذا نِهايَةُ الوَعْدِ فَصارَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في العِباداتِ، كَما أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ هو زَجْرٌ عَنِ المَعاصِي واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الانشقاق 84:23
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ الدَّلائِلَ المُوجِبَةَ لِلْإيمانِ، وإنْ كانَتْ جَلِيَّةً ظاهِرَةً لَكِنَّ الكُفّارَ يُكَذِّبُونَ بِها إمّا لِتَقْلِيدِ الأسْلافِ، وإمّا لِلْحَسَدِ وإمّا لِلْخَوْفِ مِن أنَّهم لَوْ أظْهَرُوا الإيمانَ لَفاتَتْهم مَناصِبُ الدُّنْيا ومَنافِعُها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ فَأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الوِعاءِ، فَيُقالُ: أوْعَيْتُ الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتُهُ في وِعاءٍ كَما قالَ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ في صُدُورِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ اسْتَحَقُّوهُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقالَ: الأكْثَرُونَ مَعْناهُ إلّا مَن تابَ مِنهم فَإنَّهم وإنْ كانُوا في الحالِ كُفّارًا إلّا أنَّهم
صفحة ١٠٣
مَتى تابُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ وهو الثَّوابُ العَظِيمُ.
وفِي مَعْنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الثَّوابَ يَصِلُ إلَيْهِمْ بِلا مَنٍّ ولا أذًى.
وثانِيها: مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ.
وثالِثُها: مِن غَيْرِ تَنْغِيصٍ.
ورابِعُها: مِن غَيْرِ نُقْصانٍ؛ والأوْلى أنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ مِن شَرْطِ الثَّوابِ حُصُولَ الكُلِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى وعَدَهم بِأجْرٍ خالِصٍ مِنَ الشَّوائِبِ دائِمٍ لا انْقِطاعَ فِيهِ ولا نَقْصَ ولا بَخْسَ، وهَذا نِهايَةُ الوَعْدِ فَصارَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في العِباداتِ، كَما أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ هو زَجْرٌ عَنِ المَعاصِي واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الانشقاق 84:24
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ الدَّلائِلَ المُوجِبَةَ لِلْإيمانِ، وإنْ كانَتْ جَلِيَّةً ظاهِرَةً لَكِنَّ الكُفّارَ يُكَذِّبُونَ بِها إمّا لِتَقْلِيدِ الأسْلافِ، وإمّا لِلْحَسَدِ وإمّا لِلْخَوْفِ مِن أنَّهم لَوْ أظْهَرُوا الإيمانَ لَفاتَتْهم مَناصِبُ الدُّنْيا ومَنافِعُها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ فَأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الوِعاءِ، فَيُقالُ: أوْعَيْتُ الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتُهُ في وِعاءٍ كَما قالَ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ في صُدُورِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ اسْتَحَقُّوهُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقالَ: الأكْثَرُونَ مَعْناهُ إلّا مَن تابَ مِنهم فَإنَّهم وإنْ كانُوا في الحالِ كُفّارًا إلّا أنَّهم
صفحة ١٠٣
مَتى تابُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ وهو الثَّوابُ العَظِيمُ.
وفِي مَعْنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الثَّوابَ يَصِلُ إلَيْهِمْ بِلا مَنٍّ ولا أذًى.
وثانِيها: مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ.
وثالِثُها: مِن غَيْرِ تَنْغِيصٍ.
ورابِعُها: مِن غَيْرِ نُقْصانٍ؛ والأوْلى أنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ مِن شَرْطِ الثَّوابِ حُصُولَ الكُلِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى وعَدَهم بِأجْرٍ خالِصٍ مِنَ الشَّوائِبِ دائِمٍ لا انْقِطاعَ فِيهِ ولا نَقْصَ ولا بَخْسَ، وهَذا نِهايَةُ الوَعْدِ فَصارَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في العِباداتِ، كَما أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ هو زَجْرٌ عَنِ المَعاصِي واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الانشقاق 84:25
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ الدَّلائِلَ المُوجِبَةَ لِلْإيمانِ، وإنْ كانَتْ جَلِيَّةً ظاهِرَةً لَكِنَّ الكُفّارَ يُكَذِّبُونَ بِها إمّا لِتَقْلِيدِ الأسْلافِ، وإمّا لِلْحَسَدِ وإمّا لِلْخَوْفِ مِن أنَّهم لَوْ أظْهَرُوا الإيمانَ لَفاتَتْهم مَناصِبُ الدُّنْيا ومَنافِعُها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ فَأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الوِعاءِ، فَيُقالُ: أوْعَيْتُ الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتُهُ في وِعاءٍ كَما قالَ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ في صُدُورِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ اسْتَحَقُّوهُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقالَ: الأكْثَرُونَ مَعْناهُ إلّا مَن تابَ مِنهم فَإنَّهم وإنْ كانُوا في الحالِ كُفّارًا إلّا أنَّهم
صفحة ١٠٣
مَتى تابُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ وهو الثَّوابُ العَظِيمُ.
وفِي مَعْنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الثَّوابَ يَصِلُ إلَيْهِمْ بِلا مَنٍّ ولا أذًى.
وثانِيها: مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ.
وثالِثُها: مِن غَيْرِ تَنْغِيصٍ.
ورابِعُها: مِن غَيْرِ نُقْصانٍ؛ والأوْلى أنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ مِن شَرْطِ الثَّوابِ حُصُولَ الكُلِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى وعَدَهم بِأجْرٍ خالِصٍ مِنَ الشَّوائِبِ دائِمٍ لا انْقِطاعَ فِيهِ ولا نَقْصَ ولا بَخْسَ، وهَذا نِهايَةُ الوَعْدِ فَصارَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في العِباداتِ، كَما أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ هو زَجْرٌ عَنِ المَعاصِي واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
البروج 85:1
صفحة ١٠٤
[ سُورَةُ البُرُوجِ ]
عِشْرُونَ وآيَتانِ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ عَنْ إيذاءِ الكُفّارِ، وكَيْفِيَّةُ تِلْكَ التَّسْلِيَةِ هي أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سائِرَ الأُمَمِ السّالِفَةِ كانُوا كَذَلِكَ مِثْلَ أصْحابِ الأُخْدُودِ ومِثْلَ فِرْعَوْنَ ومِثْلَ ثَمُودَ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ الكُفّارِ كانُوا في التَّكْذِيبِ، ثُمَّ عَقَّبَ هَذا الوَجْهَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ذَكَرَ وجْهًا ثالِثًا وهو أنَّ هَذا شَيْءٌ مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مُمْتَنِعُ التَّغْيِيرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] فَهَذا تَرْتِيبُ السُّورَةِ.
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ في البُرُوجِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها هي البُرُوجُ الِاثْنا عَشَرَ وهي مَشْهُورَةٌ وإنَّما حَسُنَ القَسَمُ بِها لِما فِيها مِن عَجِيبِ الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ سَيْرَ الشَّمْسِ فِيها ولا شَكَّ أنَّ مَصالِحَ العالَمِ السُّفْلِيِّ مُرْتَبِطَةٌ بِسَيْرِ الشَّمْسِ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَها صانِعًا حَكِيمًا، قالَ الجُبّائِيُّ: وهَذِهِ اليَمِينُ واقِعَةٌ عَلى السَّماءِ الدُّنْيا لِأنَّ البُرُوجَ فِيها، واعْلَمْ أنَّ هَذا خَطَأٌ وتَحْقِيقُهُ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ البُرُوجَ هي مَنازِلُ القَمَرِ، وإنَّما حَسُنَ القَسَمُ بِها لِما في سَيْرِ القَمَرِ وحَرَكَتِهِ مِنَ الآثارِ العَجِيبَةِ.
وثالِثُها: أنَّ البُرُوجَ هي عِظامُ الكَواكِبِ سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها.
وأمّا اليَوْمُ المَوْعُودُ فَهو يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ لِانْشِقاقِ السَّماءِ وفَنائِها وبُطْلانِ بُرُوجِها.
وأمّا الشّاهِدُ والمَشْهُودُ، فَقَدِ اضْطَرَبَتْ أقاوِيلُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ، والقَفّالُ أحْسَنُ النّاسِ كَلامًا فِيهِ، قالَ: إنَّ الشّاهِدَ يَقَعُ عَلى شَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: الشّاهِدُ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الدَّعاوى والحُقُوقُ.
والثّانِي: الشّاهِدُ الَّذِي هو بِمَعْنى الحاضِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] ويُقالُ: فُلانٌ شاهِدٌ وفُلانٌ غائِبٌ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ الثّانِي أوْلى، إذْ لَوْ كانَ المُرادُ هو الأوَّلَ لَما خَلا لَفْظُ المَشْهُودِ عَنْ حَرْفِ الصِّلَةِ، فَيُقالُ: مَشْهُودٌ عَلَيْهِ، أوْ مَشْهُودٌ لَهُ. هَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ مَعْناهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ فَحُذِفَتِ الصِّلَةُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] أيْ مَسْئُولًا عَنْهُ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: إنْ حَمَلْنا الشُّهُودَ عَلى الحُضُورِ احْتَمَلَتِ الآيَةُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ.
أحَدُها: أنَّ المَشْهُودَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والشّاهِدَ هو الجَمْعُ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ
صفحة ١٠٥
والضَّحّاكِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِمالِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا حُضُورَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ الحُضُورِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ فِيهِ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والجِنِّ والإنْسِ، وصَرْفُ اللَّفْظِ إلى المُسَمّى الأكْمَلِ أوْلى.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ اليَوْمَ المَوْعُودَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ: ”﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾“ وهَذا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشّاهِدِ مَن يَحْضُرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الخَلائِقِ، وبِالمَشْهُودِ ما في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ العَجائِبِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ بِكَوْنِهِ مَشْهُودًا في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] وقالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وقالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] وقالَ: ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] وطَرِيقُ تَنْكِيرِهِما إمّا ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] كَأنَّهُ قِيلَ: وما أفْرَطَتْ كَثْرَتُهُ مِن شاهِدٍ ومَشْهُودٍ، وإمّا الإبْهامُ في الوَصْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: وشاهِدٌ ومَشْهُودٌ لا يُكْتَنَهُ وصْفُهُما، وإنَّما حَسُنَ القَسَمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى القُدْرَةِ إذْ كانَ هو يَوْمُ الفَصْلِ والجَزاءِ ويَوْمُ تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ بِالمُلْكِ والحُكْمِ، وهَذا الوَجْهُ اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وابْنِ المُسَيَّبِ والضَّحّاكِ والنَّخَعِيِّ والثَّوْرِيِّ.
وثانِيها: أنْ يُفَسَّرَ المَشْهُودُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ الزُّبَيْرِ: وذَلِكَ لِأنَّهُ يَوْمٌ يَشْهَدُهُ المُسْلِمُونَ لِلصَّلاةِ ولِذِكْرِ اللَّهِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا اليَوْمِ مُسَمًّى بِالمَشْهُودِ خَبَرانِ.
الأوَّلُ: ما رَوى أبُو الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«أكْثِرُوا الصَّلاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ» “ .
والثّانِي: ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«تَحْضُرُ المَلائِكَةُ أبْوابَ المَسْجِدِ فَيَكْتُبُونَ النّاسَ فَإذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ» “ وهَذِهِ الخاصِّيَّةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ إلّا في هَذا اليَوْمِ فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى مَشْهُودًا لِهَذا المَعْنى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ورُوِيَ: ”«أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ والنَّهارِ يَحْضُرُونَ وقْتَ صَلاةِ الفَجْرِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الصَّلاةُ مَشْهُودَةً لِشَهادَةِ المَلائِكَةِ» “ فَكَذا يَوْمُ الجُمُعَةِ.
وثالِثُها: أنْ يُفَسَّرَ المَشْهُودُ بِيَوْمِ عَرَفَةَ والشّاهِدُ مَن يَحْضُرُهُ مِنَ الحاجِّ وحَسُنَ القَسَمُ بِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الحَجِّ. رُوِيَ أنَّ «اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ: ”انْظُرُوا إلى عِبادِي شُعْثًا غُبْرًا أتَوْنِي مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم وأنَّ إبْلِيسَ يَصْرُخُ ويَضَعُ التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ لِما يَرى مِن ذَلِكَ» “ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ مُسَمًّى بِأنَّهُ مَشْهُودٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ يَوْمَ النَّحْرِ وذَلِكَ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَشاهِدِ في الدُّنْيا فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ أهْلُ الشَّرْقِ والغَرْبِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِمِنًى والمُزْدَلِفَةِ وهو عِيدُ المُسْلِمِينَ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِنَ القَسَمِ بِهِ تَعْظِيمَ أمْرِ الحَجِّ.
وخامِسُها: حَمْلُ الآيَةِ عَلى يَوْمِ الجُمُعَةِ ويَوْمِ عَرَفَةَ ويَوْمِ النَّحْرِ جَمِيعًا لِأنَّها أيّامٌ عِظامٌ فَأقْسَمَ اللَّهُ بِها كَما أقْسَمَ بِاللَّيالِي العَشْرِ والشَّفْعِ والوَتْرِ، ولَعَلَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا ولِكُلِّ مَقامٍ جَلِيلٍ مِن مَقاماتِها ولِيَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا لِأنَّهُ يَوْمٌ عَظِيمٌ كَما قالَ: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٥ - ٦] وقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ خُرُوجُ اللَّفْظِ في الشّاهِدِ والمَشْهُودِ عَلى النَّكِرَةِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ القَصْدَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ إلى يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَيَكُونَ مُعَرَّفًا.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنْ يُحْمَلَ الشّاهِدُ عَلى مَن تَثْبُتُ الدَّعْوى بِقَوْلِهِ، فَقَدْ ذَكَرُوا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وُجُوهًا كَثِيرَةً.
أحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ هو اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
صفحة ١٠٦
[فصلت: ٥٣] والمَشْهُودُ هو التَّوْحِيدُ، لِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أوِ النُّبُوَّةُ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الشّاهِدَ مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ سائِرُ الأنْبِياءِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو الأنْبِياءُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ هو الأُمَمُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو جَمِيعُ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ واجِبُ الوُجُودِ، وهَذا احْتِمالٌ ذَكَرْتُهُ أنا وأخَذْتُهُ مِن قَوْلِ الأُصُولِيِّينَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَلْقِ والخالِقِ، والصُّنْعِ والصّانِعِ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو المَلَكُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] والمَشْهُودُ عَلَيْهِ هُمُ المُكَلَّفُونَ.
وسادِسُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو المَلَكُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ هو الإنْسانُ الَّذِي تَشْهَدُ عَلَيْهِ جَوارِحُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أقْوالٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى الرِّواياتِ لا عَلى الِاشْتِقاقِ.
فَأحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، ويَوْمُ الجُمُعَةِ ذَخِيرَةُ اللَّهِ لَنا» “ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: ”«المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ ولا غَرَبَتْ عَلى أفْضَلِ مِنهُ فِيهِ ساعَةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إلّا اسْتَجابَ لَهُ، ولا يَسْتَعِيذُ مِن شَرٍّ إلّا أعاذَهُ مِنهُ» “ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: ”«سَيِّدُ الأيّامِ يَوْمُ الجُمُعَةِ وهو الشّاهِدُ، والمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ» “ وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ كَعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ البَصْرِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، قالَ قَتادَةُ: شاهِدٌ ومَشْهُودٌ، يَوْمانِ عَظَّمَهُما اللَّهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا، كَما يُحَدِّثُ أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ الجُمُعَةِ والمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وثانِيها: أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ عَرَفَةَ والمَشْهُودَ يَوْمُ النَّحْرِ وذَلِكَ لِأنَّهُما يَوْمانِ عَظَّمَهُما اللَّهُ وجَعَلَهُما مِن أيّامِ أرْكانِ أيّامِ الحَجِّ، فَهَذانِ اليَوْمانِ يَشْهَدانِ لِمَن يَحْضُرُ فِيهِما بِالإيمانِ واسْتِحْقاقِ الرَّحْمَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَبَحَ كَبْشَيْنِ، وقالَ في أحَدِهِما: ”هَذا عَمَّنْ يَشْهَدُ لِي بِالبَلاغِ“ فَيَحْتَمِلُ لِهَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ يَوْمُ النَّحْرِ شاهِدًا لِمَن حَضَرَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِهَذا الخَبَرِ.
وثالِثُها: أنَّ الشّاهِدَ هو عِيسى لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧] .
ورابِعُها: الشّاهِدُ هو اللَّهُ والمَشْهُودُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [المجادلة: ٧] .
وخامِسُها: أنَّ الشّاهِدَ هو الإنْسانُ، والمَشْهُودَ هو التَّوْحِيدُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
وسادِسُها: أنَّ الشّاهِدَ الإنْسانُ والمَشْهُودَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أمّا كَوْنُ الإنْسانِ شاهِدًا فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] وأمّا كَوْنُ يَوْمِ القِيامَةِ مَشْهُودًا فَلِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ المُلَخَّصَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ القُرْآنِ.
البروج 85:2
صفحة ١٠٤
[ سُورَةُ البُرُوجِ ]
عِشْرُونَ وآيَتانِ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ عَنْ إيذاءِ الكُفّارِ، وكَيْفِيَّةُ تِلْكَ التَّسْلِيَةِ هي أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سائِرَ الأُمَمِ السّالِفَةِ كانُوا كَذَلِكَ مِثْلَ أصْحابِ الأُخْدُودِ ومِثْلَ فِرْعَوْنَ ومِثْلَ ثَمُودَ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ الكُفّارِ كانُوا في التَّكْذِيبِ، ثُمَّ عَقَّبَ هَذا الوَجْهَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ذَكَرَ وجْهًا ثالِثًا وهو أنَّ هَذا شَيْءٌ مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مُمْتَنِعُ التَّغْيِيرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] فَهَذا تَرْتِيبُ السُّورَةِ.
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ في البُرُوجِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها هي البُرُوجُ الِاثْنا عَشَرَ وهي مَشْهُورَةٌ وإنَّما حَسُنَ القَسَمُ بِها لِما فِيها مِن عَجِيبِ الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ سَيْرَ الشَّمْسِ فِيها ولا شَكَّ أنَّ مَصالِحَ العالَمِ السُّفْلِيِّ مُرْتَبِطَةٌ بِسَيْرِ الشَّمْسِ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَها صانِعًا حَكِيمًا، قالَ الجُبّائِيُّ: وهَذِهِ اليَمِينُ واقِعَةٌ عَلى السَّماءِ الدُّنْيا لِأنَّ البُرُوجَ فِيها، واعْلَمْ أنَّ هَذا خَطَأٌ وتَحْقِيقُهُ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ البُرُوجَ هي مَنازِلُ القَمَرِ، وإنَّما حَسُنَ القَسَمُ بِها لِما في سَيْرِ القَمَرِ وحَرَكَتِهِ مِنَ الآثارِ العَجِيبَةِ.
وثالِثُها: أنَّ البُرُوجَ هي عِظامُ الكَواكِبِ سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها.
وأمّا اليَوْمُ المَوْعُودُ فَهو يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ لِانْشِقاقِ السَّماءِ وفَنائِها وبُطْلانِ بُرُوجِها.
وأمّا الشّاهِدُ والمَشْهُودُ، فَقَدِ اضْطَرَبَتْ أقاوِيلُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ، والقَفّالُ أحْسَنُ النّاسِ كَلامًا فِيهِ، قالَ: إنَّ الشّاهِدَ يَقَعُ عَلى شَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: الشّاهِدُ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الدَّعاوى والحُقُوقُ.
والثّانِي: الشّاهِدُ الَّذِي هو بِمَعْنى الحاضِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] ويُقالُ: فُلانٌ شاهِدٌ وفُلانٌ غائِبٌ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ الثّانِي أوْلى، إذْ لَوْ كانَ المُرادُ هو الأوَّلَ لَما خَلا لَفْظُ المَشْهُودِ عَنْ حَرْفِ الصِّلَةِ، فَيُقالُ: مَشْهُودٌ عَلَيْهِ، أوْ مَشْهُودٌ لَهُ. هَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ مَعْناهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ فَحُذِفَتِ الصِّلَةُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] أيْ مَسْئُولًا عَنْهُ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: إنْ حَمَلْنا الشُّهُودَ عَلى الحُضُورِ احْتَمَلَتِ الآيَةُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ.
أحَدُها: أنَّ المَشْهُودَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والشّاهِدَ هو الجَمْعُ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ
صفحة ١٠٥
والضَّحّاكِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِمالِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا حُضُورَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ الحُضُورِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ فِيهِ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والجِنِّ والإنْسِ، وصَرْفُ اللَّفْظِ إلى المُسَمّى الأكْمَلِ أوْلى.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ اليَوْمَ المَوْعُودَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ: ”﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾“ وهَذا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشّاهِدِ مَن يَحْضُرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الخَلائِقِ، وبِالمَشْهُودِ ما في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ العَجائِبِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ بِكَوْنِهِ مَشْهُودًا في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] وقالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وقالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] وقالَ: ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] وطَرِيقُ تَنْكِيرِهِما إمّا ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] كَأنَّهُ قِيلَ: وما أفْرَطَتْ كَثْرَتُهُ مِن شاهِدٍ ومَشْهُودٍ، وإمّا الإبْهامُ في الوَصْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: وشاهِدٌ ومَشْهُودٌ لا يُكْتَنَهُ وصْفُهُما، وإنَّما حَسُنَ القَسَمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى القُدْرَةِ إذْ كانَ هو يَوْمُ الفَصْلِ والجَزاءِ ويَوْمُ تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ بِالمُلْكِ والحُكْمِ، وهَذا الوَجْهُ اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وابْنِ المُسَيَّبِ والضَّحّاكِ والنَّخَعِيِّ والثَّوْرِيِّ.
وثانِيها: أنْ يُفَسَّرَ المَشْهُودُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ الزُّبَيْرِ: وذَلِكَ لِأنَّهُ يَوْمٌ يَشْهَدُهُ المُسْلِمُونَ لِلصَّلاةِ ولِذِكْرِ اللَّهِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا اليَوْمِ مُسَمًّى بِالمَشْهُودِ خَبَرانِ.
الأوَّلُ: ما رَوى أبُو الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«أكْثِرُوا الصَّلاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ» “ .
والثّانِي: ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«تَحْضُرُ المَلائِكَةُ أبْوابَ المَسْجِدِ فَيَكْتُبُونَ النّاسَ فَإذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ» “ وهَذِهِ الخاصِّيَّةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ إلّا في هَذا اليَوْمِ فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى مَشْهُودًا لِهَذا المَعْنى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ورُوِيَ: ”«أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ والنَّهارِ يَحْضُرُونَ وقْتَ صَلاةِ الفَجْرِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الصَّلاةُ مَشْهُودَةً لِشَهادَةِ المَلائِكَةِ» “ فَكَذا يَوْمُ الجُمُعَةِ.
وثالِثُها: أنْ يُفَسَّرَ المَشْهُودُ بِيَوْمِ عَرَفَةَ والشّاهِدُ مَن يَحْضُرُهُ مِنَ الحاجِّ وحَسُنَ القَسَمُ بِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الحَجِّ. رُوِيَ أنَّ «اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ: ”انْظُرُوا إلى عِبادِي شُعْثًا غُبْرًا أتَوْنِي مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم وأنَّ إبْلِيسَ يَصْرُخُ ويَضَعُ التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ لِما يَرى مِن ذَلِكَ» “ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ مُسَمًّى بِأنَّهُ مَشْهُودٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ يَوْمَ النَّحْرِ وذَلِكَ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَشاهِدِ في الدُّنْيا فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ أهْلُ الشَّرْقِ والغَرْبِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِمِنًى والمُزْدَلِفَةِ وهو عِيدُ المُسْلِمِينَ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِنَ القَسَمِ بِهِ تَعْظِيمَ أمْرِ الحَجِّ.
وخامِسُها: حَمْلُ الآيَةِ عَلى يَوْمِ الجُمُعَةِ ويَوْمِ عَرَفَةَ ويَوْمِ النَّحْرِ جَمِيعًا لِأنَّها أيّامٌ عِظامٌ فَأقْسَمَ اللَّهُ بِها كَما أقْسَمَ بِاللَّيالِي العَشْرِ والشَّفْعِ والوَتْرِ، ولَعَلَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا ولِكُلِّ مَقامٍ جَلِيلٍ مِن مَقاماتِها ولِيَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا لِأنَّهُ يَوْمٌ عَظِيمٌ كَما قالَ: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٥ - ٦] وقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ خُرُوجُ اللَّفْظِ في الشّاهِدِ والمَشْهُودِ عَلى النَّكِرَةِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ القَصْدَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ إلى يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَيَكُونَ مُعَرَّفًا.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنْ يُحْمَلَ الشّاهِدُ عَلى مَن تَثْبُتُ الدَّعْوى بِقَوْلِهِ، فَقَدْ ذَكَرُوا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وُجُوهًا كَثِيرَةً.
أحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ هو اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
صفحة ١٠٦
[فصلت: ٥٣] والمَشْهُودُ هو التَّوْحِيدُ، لِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أوِ النُّبُوَّةُ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الشّاهِدَ مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ سائِرُ الأنْبِياءِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو الأنْبِياءُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ هو الأُمَمُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو جَمِيعُ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ واجِبُ الوُجُودِ، وهَذا احْتِمالٌ ذَكَرْتُهُ أنا وأخَذْتُهُ مِن قَوْلِ الأُصُولِيِّينَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَلْقِ والخالِقِ، والصُّنْعِ والصّانِعِ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو المَلَكُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] والمَشْهُودُ عَلَيْهِ هُمُ المُكَلَّفُونَ.
وسادِسُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو المَلَكُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ هو الإنْسانُ الَّذِي تَشْهَدُ عَلَيْهِ جَوارِحُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أقْوالٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى الرِّواياتِ لا عَلى الِاشْتِقاقِ.
فَأحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، ويَوْمُ الجُمُعَةِ ذَخِيرَةُ اللَّهِ لَنا» “ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: ”«المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ ولا غَرَبَتْ عَلى أفْضَلِ مِنهُ فِيهِ ساعَةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إلّا اسْتَجابَ لَهُ، ولا يَسْتَعِيذُ مِن شَرٍّ إلّا أعاذَهُ مِنهُ» “ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: ”«سَيِّدُ الأيّامِ يَوْمُ الجُمُعَةِ وهو الشّاهِدُ، والمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ» “ وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ كَعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ البَصْرِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، قالَ قَتادَةُ: شاهِدٌ ومَشْهُودٌ، يَوْمانِ عَظَّمَهُما اللَّهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا، كَما يُحَدِّثُ أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ الجُمُعَةِ والمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وثانِيها: أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ عَرَفَةَ والمَشْهُودَ يَوْمُ النَّحْرِ وذَلِكَ لِأنَّهُما يَوْمانِ عَظَّمَهُما اللَّهُ وجَعَلَهُما مِن أيّامِ أرْكانِ أيّامِ الحَجِّ، فَهَذانِ اليَوْمانِ يَشْهَدانِ لِمَن يَحْضُرُ فِيهِما بِالإيمانِ واسْتِحْقاقِ الرَّحْمَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَبَحَ كَبْشَيْنِ، وقالَ في أحَدِهِما: ”هَذا عَمَّنْ يَشْهَدُ لِي بِالبَلاغِ“ فَيَحْتَمِلُ لِهَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ يَوْمُ النَّحْرِ شاهِدًا لِمَن حَضَرَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِهَذا الخَبَرِ.
وثالِثُها: أنَّ الشّاهِدَ هو عِيسى لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧] .
ورابِعُها: الشّاهِدُ هو اللَّهُ والمَشْهُودُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [المجادلة: ٧] .
وخامِسُها: أنَّ الشّاهِدَ هو الإنْسانُ، والمَشْهُودَ هو التَّوْحِيدُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
وسادِسُها: أنَّ الشّاهِدَ الإنْسانُ والمَشْهُودَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أمّا كَوْنُ الإنْسانِ شاهِدًا فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] وأمّا كَوْنُ يَوْمِ القِيامَةِ مَشْهُودًا فَلِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ المُلَخَّصَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ القُرْآنِ.
البروج 85:3
صفحة ١٠٤
[ سُورَةُ البُرُوجِ ]
عِشْرُونَ وآيَتانِ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ عَنْ إيذاءِ الكُفّارِ، وكَيْفِيَّةُ تِلْكَ التَّسْلِيَةِ هي أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سائِرَ الأُمَمِ السّالِفَةِ كانُوا كَذَلِكَ مِثْلَ أصْحابِ الأُخْدُودِ ومِثْلَ فِرْعَوْنَ ومِثْلَ ثَمُودَ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ الكُفّارِ كانُوا في التَّكْذِيبِ، ثُمَّ عَقَّبَ هَذا الوَجْهَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ذَكَرَ وجْهًا ثالِثًا وهو أنَّ هَذا شَيْءٌ مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مُمْتَنِعُ التَّغْيِيرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] فَهَذا تَرْتِيبُ السُّورَةِ.
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ في البُرُوجِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها هي البُرُوجُ الِاثْنا عَشَرَ وهي مَشْهُورَةٌ وإنَّما حَسُنَ القَسَمُ بِها لِما فِيها مِن عَجِيبِ الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ سَيْرَ الشَّمْسِ فِيها ولا شَكَّ أنَّ مَصالِحَ العالَمِ السُّفْلِيِّ مُرْتَبِطَةٌ بِسَيْرِ الشَّمْسِ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَها صانِعًا حَكِيمًا، قالَ الجُبّائِيُّ: وهَذِهِ اليَمِينُ واقِعَةٌ عَلى السَّماءِ الدُّنْيا لِأنَّ البُرُوجَ فِيها، واعْلَمْ أنَّ هَذا خَطَأٌ وتَحْقِيقُهُ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ البُرُوجَ هي مَنازِلُ القَمَرِ، وإنَّما حَسُنَ القَسَمُ بِها لِما في سَيْرِ القَمَرِ وحَرَكَتِهِ مِنَ الآثارِ العَجِيبَةِ.
وثالِثُها: أنَّ البُرُوجَ هي عِظامُ الكَواكِبِ سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها.
وأمّا اليَوْمُ المَوْعُودُ فَهو يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ لِانْشِقاقِ السَّماءِ وفَنائِها وبُطْلانِ بُرُوجِها.
وأمّا الشّاهِدُ والمَشْهُودُ، فَقَدِ اضْطَرَبَتْ أقاوِيلُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ، والقَفّالُ أحْسَنُ النّاسِ كَلامًا فِيهِ، قالَ: إنَّ الشّاهِدَ يَقَعُ عَلى شَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: الشّاهِدُ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الدَّعاوى والحُقُوقُ.
والثّانِي: الشّاهِدُ الَّذِي هو بِمَعْنى الحاضِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] ويُقالُ: فُلانٌ شاهِدٌ وفُلانٌ غائِبٌ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ الثّانِي أوْلى، إذْ لَوْ كانَ المُرادُ هو الأوَّلَ لَما خَلا لَفْظُ المَشْهُودِ عَنْ حَرْفِ الصِّلَةِ، فَيُقالُ: مَشْهُودٌ عَلَيْهِ، أوْ مَشْهُودٌ لَهُ. هَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ مَعْناهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ فَحُذِفَتِ الصِّلَةُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] أيْ مَسْئُولًا عَنْهُ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: إنْ حَمَلْنا الشُّهُودَ عَلى الحُضُورِ احْتَمَلَتِ الآيَةُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ.
أحَدُها: أنَّ المَشْهُودَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والشّاهِدَ هو الجَمْعُ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ
صفحة ١٠٥
والضَّحّاكِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِمالِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا حُضُورَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ الحُضُورِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ فِيهِ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والجِنِّ والإنْسِ، وصَرْفُ اللَّفْظِ إلى المُسَمّى الأكْمَلِ أوْلى.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ اليَوْمَ المَوْعُودَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ: ”﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾“ وهَذا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشّاهِدِ مَن يَحْضُرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الخَلائِقِ، وبِالمَشْهُودِ ما في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ العَجائِبِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ بِكَوْنِهِ مَشْهُودًا في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] وقالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وقالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] وقالَ: ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] وطَرِيقُ تَنْكِيرِهِما إمّا ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] كَأنَّهُ قِيلَ: وما أفْرَطَتْ كَثْرَتُهُ مِن شاهِدٍ ومَشْهُودٍ، وإمّا الإبْهامُ في الوَصْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: وشاهِدٌ ومَشْهُودٌ لا يُكْتَنَهُ وصْفُهُما، وإنَّما حَسُنَ القَسَمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى القُدْرَةِ إذْ كانَ هو يَوْمُ الفَصْلِ والجَزاءِ ويَوْمُ تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ بِالمُلْكِ والحُكْمِ، وهَذا الوَجْهُ اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وابْنِ المُسَيَّبِ والضَّحّاكِ والنَّخَعِيِّ والثَّوْرِيِّ.
وثانِيها: أنْ يُفَسَّرَ المَشْهُودُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ الزُّبَيْرِ: وذَلِكَ لِأنَّهُ يَوْمٌ يَشْهَدُهُ المُسْلِمُونَ لِلصَّلاةِ ولِذِكْرِ اللَّهِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا اليَوْمِ مُسَمًّى بِالمَشْهُودِ خَبَرانِ.
الأوَّلُ: ما رَوى أبُو الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«أكْثِرُوا الصَّلاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ» “ .
والثّانِي: ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«تَحْضُرُ المَلائِكَةُ أبْوابَ المَسْجِدِ فَيَكْتُبُونَ النّاسَ فَإذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ» “ وهَذِهِ الخاصِّيَّةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ إلّا في هَذا اليَوْمِ فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى مَشْهُودًا لِهَذا المَعْنى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ورُوِيَ: ”«أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ والنَّهارِ يَحْضُرُونَ وقْتَ صَلاةِ الفَجْرِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الصَّلاةُ مَشْهُودَةً لِشَهادَةِ المَلائِكَةِ» “ فَكَذا يَوْمُ الجُمُعَةِ.
وثالِثُها: أنْ يُفَسَّرَ المَشْهُودُ بِيَوْمِ عَرَفَةَ والشّاهِدُ مَن يَحْضُرُهُ مِنَ الحاجِّ وحَسُنَ القَسَمُ بِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الحَجِّ. رُوِيَ أنَّ «اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ: ”انْظُرُوا إلى عِبادِي شُعْثًا غُبْرًا أتَوْنِي مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم وأنَّ إبْلِيسَ يَصْرُخُ ويَضَعُ التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ لِما يَرى مِن ذَلِكَ» “ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ مُسَمًّى بِأنَّهُ مَشْهُودٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ يَوْمَ النَّحْرِ وذَلِكَ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَشاهِدِ في الدُّنْيا فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ أهْلُ الشَّرْقِ والغَرْبِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِمِنًى والمُزْدَلِفَةِ وهو عِيدُ المُسْلِمِينَ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِنَ القَسَمِ بِهِ تَعْظِيمَ أمْرِ الحَجِّ.
وخامِسُها: حَمْلُ الآيَةِ عَلى يَوْمِ الجُمُعَةِ ويَوْمِ عَرَفَةَ ويَوْمِ النَّحْرِ جَمِيعًا لِأنَّها أيّامٌ عِظامٌ فَأقْسَمَ اللَّهُ بِها كَما أقْسَمَ بِاللَّيالِي العَشْرِ والشَّفْعِ والوَتْرِ، ولَعَلَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا ولِكُلِّ مَقامٍ جَلِيلٍ مِن مَقاماتِها ولِيَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا لِأنَّهُ يَوْمٌ عَظِيمٌ كَما قالَ: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٥ - ٦] وقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ خُرُوجُ اللَّفْظِ في الشّاهِدِ والمَشْهُودِ عَلى النَّكِرَةِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ القَصْدَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ إلى يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَيَكُونَ مُعَرَّفًا.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنْ يُحْمَلَ الشّاهِدُ عَلى مَن تَثْبُتُ الدَّعْوى بِقَوْلِهِ، فَقَدْ ذَكَرُوا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وُجُوهًا كَثِيرَةً.
أحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ هو اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
صفحة ١٠٦
[فصلت: ٥٣] والمَشْهُودُ هو التَّوْحِيدُ، لِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أوِ النُّبُوَّةُ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الشّاهِدَ مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ سائِرُ الأنْبِياءِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو الأنْبِياءُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ هو الأُمَمُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو جَمِيعُ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ واجِبُ الوُجُودِ، وهَذا احْتِمالٌ ذَكَرْتُهُ أنا وأخَذْتُهُ مِن قَوْلِ الأُصُولِيِّينَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَلْقِ والخالِقِ، والصُّنْعِ والصّانِعِ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو المَلَكُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] والمَشْهُودُ عَلَيْهِ هُمُ المُكَلَّفُونَ.
وسادِسُها: أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو المَلَكُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ هو الإنْسانُ الَّذِي تَشْهَدُ عَلَيْهِ جَوارِحُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أقْوالٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى الرِّواياتِ لا عَلى الِاشْتِقاقِ.
فَأحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، ويَوْمُ الجُمُعَةِ ذَخِيرَةُ اللَّهِ لَنا» “ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: ”«المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ ولا غَرَبَتْ عَلى أفْضَلِ مِنهُ فِيهِ ساعَةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إلّا اسْتَجابَ لَهُ، ولا يَسْتَعِيذُ مِن شَرٍّ إلّا أعاذَهُ مِنهُ» “ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: ”«سَيِّدُ الأيّامِ يَوْمُ الجُمُعَةِ وهو الشّاهِدُ، والمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ» “ وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ كَعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ البَصْرِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، قالَ قَتادَةُ: شاهِدٌ ومَشْهُودٌ، يَوْمانِ عَظَّمَهُما اللَّهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا، كَما يُحَدِّثُ أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ الجُمُعَةِ والمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وثانِيها: أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ عَرَفَةَ والمَشْهُودَ يَوْمُ النَّحْرِ وذَلِكَ لِأنَّهُما يَوْمانِ عَظَّمَهُما اللَّهُ وجَعَلَهُما مِن أيّامِ أرْكانِ أيّامِ الحَجِّ، فَهَذانِ اليَوْمانِ يَشْهَدانِ لِمَن يَحْضُرُ فِيهِما بِالإيمانِ واسْتِحْقاقِ الرَّحْمَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَبَحَ كَبْشَيْنِ، وقالَ في أحَدِهِما: ”هَذا عَمَّنْ يَشْهَدُ لِي بِالبَلاغِ“ فَيَحْتَمِلُ لِهَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ يَوْمُ النَّحْرِ شاهِدًا لِمَن حَضَرَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِهَذا الخَبَرِ.
وثالِثُها: أنَّ الشّاهِدَ هو عِيسى لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧] .
ورابِعُها: الشّاهِدُ هو اللَّهُ والمَشْهُودُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [المجادلة: ٧] .
وخامِسُها: أنَّ الشّاهِدَ هو الإنْسانُ، والمَشْهُودَ هو التَّوْحِيدُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
وسادِسُها: أنَّ الشّاهِدَ الإنْسانُ والمَشْهُودَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أمّا كَوْنُ الإنْسانِ شاهِدًا فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] وأمّا كَوْنُ يَوْمِ القِيامَةِ مَشْهُودًا فَلِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ المُلَخَّصَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ القُرْآنِ.
البروج 85:4
صفحة ١٠٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَسَمِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما ذَكَرَهُ الأخْفَشُ وهو أنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ واللّامُ مُضْمَرَةٌ فِيهِ، كَما قالَ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] يُرِيدُ: لَقَدْ أفْلَحَ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى التَّقْدِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ.
وثانِيها: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وهو أنَّ جَوابَ القَسَمِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَتادَةَ.
وثالِثُها: أنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ الآيَةَ. كَما تَقُولُ: واللَّهِ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، إلّا أنَّهُ اعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ .
ورابِعُها: ما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أنَّ جَوابَ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، وهَذا اخْتِيارُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ إلّا أنَّ المُتَقَدِّمِينَ، قالُوا: ذَلِكَ المَحْذُوفُ هو أنَّ الأمْرَ حَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ القَسَمِ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمُهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ حَتّى يَقْتَدُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى أذى قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في الأُمَمِ السّالِفَةِ يَحْرِقُونَ أهْلَ الإيمانِ بِالنّارِ، وأحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ كَما: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا قِصَّةَ أصْحابِ الأُخْدُودِ عَلى طُرُقٍ مُتَبايِنَةٍ ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها ثَلاثَةً:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ لِبَعْضِ المُلُوكِ ساحِرٌ، فَلَمّا كَبُرَ ضُمَّ إلَيْهِ غُلامٌ لِيُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، وكانَ في طَرِيقِ الغُلامِ راهِبٌ، فَمالَ قَلْبُ الغُلامِ إلى ذَلِكَ الرّاهِبِ ثُمَّ رَأى الغُلامُ في طَرِيقِهِ ذاتَ يَوْمٍ حَيَّةً قَدْ حَبَسَتِ النّاسَ فَأخَذَ حَجَرًا، وقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ الرّاهِبُ أحَبَّ إلَيْكَ مِنَ السّاحِرِ فَقَوِّنِي عَلى قَتْلِها بِواسِطَةِ رَمْيِ الحَجَرِ إلَيْها، ثُمَّ رَمى فَقَتَلَها، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإعْراضِ الغُلامِ عَنِ السِّحْرِ واشْتِغالِهِ بِطَرِيقَةِ الرّاهِبِ، ثُمَّ صارَ إلى حَيْثُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويَشْفِي مِنَ الأدْواءِ، فاتَّفَقَ أنْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَأبْرَأهُ فَلَمّا رَآهُ المَلِكُ قالَ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ نَظَرَكَ ؟ فَقالَ رَبِّي فَغَضِبَ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الغُلامِ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الرّاهِبِ فَأحْضَرَ الرّاهِبَ وزَجَرَهُ عَنْ دِينِهِ فَلَمْ يَقْبَلِ الرّاهِبُ قَوْلَهُ فَقُدَّ بِالمِنشارِ، ثُمَّ أتَوْا بِالغُلامِ إلى جَبَلٍ لِيُطْرَحَ مِن ذُرْوَتِهِ فَدَعا اللَّهَ، فَرَجَفَ بِالقَوْمِ فَهَلَكُوا ونَجا، فَذَهَبُوا بِهِ إلى سَفِينَةٍ لَجَّجُوا بِها لِيُغْرِقُوهُ، فَدَعا اللَّهَ فانْكَفَأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا ونَجا، فَقالَ لِلْمَلِكِ: لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَجْمَعَ النّاسَ في صَعِيدٍ وتَصْلُبَنِي عَلى جِذْعٍ وتَأْخُذَ سَهْمًا مِن كِنانَتِي، وتَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ ثُمَّ تَرْمِينِي بِهِ، فَرَماهُ فَوَقَعَ في صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وماتَ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِّ الغُلامِ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: نَزَلَ بِكَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ، فَأمَرَ بِأخادِيدَ في أفْواهِ السِّكَكِ، وأُوقِدَتْ فِيها النِّيرانُ، فَمَن لَمْ يَرْجِعْ مِنهم طَرَحَهُ فِيها، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ فَتَقاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فِيها فَقالَ الصَّبِيُّ: يا أُمّاهُ اصْبِرِي فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ، فَصَبَرَتْ عَلى ذَلِكَ.
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم حِينَ اخْتَلَفُوا في أحْكامِ المَجُوسِ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ
صفحة ١٠٨
وكانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِكِتابِهِمْ وكانَتِ الخَمْرُ قَدْ أُحِلِّتْ لَهم فَتَناوَلَها بَعْضُ مُلُوكِها فَسَكِرَ فَوَقَعَ عَلى أُخْتِهِ فَلَمّا صَحا نَدِمَ وطَلَبَ المَخْرَجَ فَقالَتْ لَهُ: المَخْرَجُ أنْ تَخْطُبَ النّاسَ فَتَقُولُ: إنِ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ ثُمَّ تَخْطُبُهم بَعْدَ ذَلِكَ فَتَقُولُ: بَعْدَ ذَلِكَ حَرَّمَهُ، فَخَطَبَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقالَتْ لَهُ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّوْطَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَقالَتِ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّيْفَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَأمَرَتْهُ بِالأخادِيدِ وإيقادِ النِّيرانِ وطَرْحِ مَن أتى فِيها الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ .
الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ وقَعَ إلى نَجْرانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ عَلى دِينِ عِيسى فَدَعاهم فَأجابُوهُ فَصارَ إلَيْهِمْ ذُو نُواسٍ اليَهُودِيُّ بِجُنُودٍ مِن حِمْيَرَ فَخَيَّرَهم بَيْنَ النّارِ واليَهُودِيَّةِ فَأبَوْا، فَأحْرَقَ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا في الأخادِيدِ، وقِيلَ سَبْعِينَ ألْفًا، وذُكِرَ أنَّ طُولَ الأُخْدُودِ أرْبَعُونَ ذِراعًا وعَرْضَهُ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«أنَّهُ كانَ إذا ذُكِرَ أصْحابُ الأُخْدُودِ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِن جَهْدِ البَلاءِ» “ فَإنْ قِيلَ: تَعارُضُ هَذِهِ الرِّواياتِ يَدُلُّ عَلى كَذِبِها، قُلْنا: لا تَعارُضَ فَقِيلَ: إنَّ هَذا كانَ في ثَلاثِ طَوائِفَ ثَلاثَ مَرّاتٍ مَرَّةً بِاليَمَنِ، ومَرَّةً بِالعِراقِ، ومَرَّةً بِالشّامِ، ولَفْظُ الأُخْدُودِ، وإنْ كانَ واحِدًا إلّا أنَّ المُرادَ هو الجَمْعُ وهو كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ القَفّالُ: ذَكَرُوا في قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها ما يَصِحُّ إلّا أنَّها مُتَّفِقَةٌ في أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ خالَفُوا قَوْمَهم أوْ مَلِكًا كافِرًا كانَ حاكِمًا عَلَيْهِمْ فَألْقاهم في أُخْدُودٍ وحَفَرَ لَهم، ثُمَّ قالَ: وأظُنُّ أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ كانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ قُرَيْشٍ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِأصْحابِ رَسُولِهِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى ما يَلْزَمُهم مِنَ الصَّبْرِ عَلى دِينِهِمْ واحْتِمالِ المَكارِهِ فِيهِ فَقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى حَسَبِ ما اشْتَهَرَتْ بِهِ الأخْبارُ مِن مُبالَغَتِهِمْ في إيذاءِ عَمّارٍ وبِلالٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأُخْدُودُ: الشَّقُّ في الأرْضِ يُحْفَرُ مُسْتَطِيلًا وجَمْعُهُ الأخادِيدُ ومَصْدَرُهُ الخَدُّ وهو الشَّقُّ يُقالُ: خَدَّ في الأرْضِ خَدًّا وتَخَدَّدَ لَحْمُهُ إذا صارَ طَرائِقَ كالشُّقُوقِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأصْحابِ الأُخْدُودِ القاتِلِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ المَقْتُولِينَ، والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ أنَّ المَقْتُولِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ المَقْتُولِينَ هُمُ الجَبابِرَةُ لِأنَّهم لَمّا ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في النّارِ عادَتِ النّارُ عَلى الكَفَرَةِ فَأحْرَقَتْهم ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنها سالِمِينَ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والواقِدِيُّ وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ أيْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وُجُوهًا ثَلاثَةً وذَلِكَ لِأنّا إمّا أنْ نُفَسِّرَ أصْحابَ الأُخْدُودِ بِالقاتِلِينَ أوْ بِالمَقْتُولِينَ.
أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَفِيهِ تَفْسِيرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هَذا دُعاءٌ عَلَيْهِمْ أيْ لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أُولَئِكَ القاتِلِينَ قُتِلُوا بِالنّارِ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ الجَبابِرَةَ لَمّا أرادُوا قَتْلَ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ عادَتِ النّارُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَتْهم، وأمّا إذا فَسَّرْنا أصْحابَ الأُخْدُودِ بِالمَقْتُولِينَ كانَ المَعْنى أنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ قُتِلُوا بِالإحْراقِ بِالنّارِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَبَرًا لا دُعاءً.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ قُتِّلَ بِالتَّشْدِيدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: النّارُ إنَّما تَكُونُ عَظِيمَةً إذا كانَ هُناكَ شَيْءٌ يَحْتَرِقُ بِها إمّا حَطَبٌ أوْ غَيْرُهُ، فالوَقُودُ اسْمٌ
صفحة ١٠٩
لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وفي: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ تَعْظِيمُ أمْرِ ما كانَ في ذَلِكَ الأُخْدُودِ مِنَ الحَطَبِ الكَثِيرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا بَدَلُ الِاشْتِمالِ كَقَوْلِكَ: سُلِبَ زَيْدٌ ثَوْبُهُ فَإنَّ الأُخْدُودَ مُشْتَمِلٌ عَلى النّارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ الوُقُودِ بِالضَّمِّ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في ”إذْ“ ”قُتِلَ“ والمَعْنى لُعِنُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي هم فِيهِ قُعُودٌ عِنْدَ الأُخْدُودِ يُعَذِّبُونَ المُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: (هم) ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ المَذْكُوراتِ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (عَلَيْها) عائِدٌ إلى النّارِ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ كانُوا قاعِدِينَ عَلى النّارِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الضَّمِيرَ في هم عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، لَكِنَّ المُرادَ هاهُنا مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ المَقْتُولُونَ لا القاتِلُونَ فَيَكُونُ المَعْنى إذِ المُؤْمِنُونَ قُعُودٌ عَلى النّارِ يَحْتَرِقُونَ مُطَّرِحُونَ عَلى النّارِ.
وثانِيها: أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ في (عَلَيْها) عائِدًا إلى طَرَفِ النّارِ وشَفِيرِها والمَواضِعِ الَّتِي يُمْكِنُ الجُلُوسُ فِيها، ولَفْظُ ”عَلى“ مَشْعِرٌ بِذَلِكَ تَقُولُ مَرَرْتُ عَلَيْها تُرِيدُ مُسْتَعْلِيًا بِمَكانٍ يَقْرُبُ مِنهُ، فالقائِلُونَ كانُوا جالِسِينَ فِيها وكانُوا يَعْرِضُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى النّارِ، فَمَن كانَ يَتْرُكُ دِينَهُ تَرَكُوهُ ومَن كانَ يَصْبِرُ عَلى دِينِهِ ألْقَوْهُ في النّارِ.
وثالِثُها: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّ الضَّمِيرَ في هم عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِمَعْنى القاتِلِينَ، والضَّمِيرَ في عَلَيْها عائِدٌ إلى النّارِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ القاتِلِينَ كانُوا قاعِدِينَ عَلى النّارِ، فَإنّا بَيَّنّا أنَّهم لَمّا ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في النّارِ ارْتَفَعَتِ النّارُ إلَيْهِمْ فَهَلَكُوا بِنَفْسِ ما فَعَلُوهُ بِأيْدِيهِمْ لِأجْلِ إهْلاكِ غَيْرِهِمْ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهم في تِلْكَ الحالَةِ كانُوا مَلْعُونِينَ أيْضًا، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ.
ورابِعُها: أنْ تَكُونَ عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] أيْ عِنْدِي.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شُهُودٌ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ حُضُورًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الشُّهُودَ الَّذِينَ تَثْبُتُ الدَّعْوى بِشَهادَتِهِمْ، أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالمَعْنى إنَّ أُولَئِكَ الجَبابِرَةَ القاتِلِينَ كانُوا حاضِرِينَ عِنْدَ ذَلِكَ العَمَلِ يُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ أحَدَ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: إمّا وصْفُهم بِقَسْوَةِ القَلْبِ إذْ كانُوا عِنْدَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ لَهُ، وإمّا وصْفُهم بِالجِدِّ في تَقْرِيرِ كُفْرِهِمْ وباطِلِهِمْ حَيْثُ حَضَرُوا في تِلْكَ المَواطِنِ المُنَفِّرَةِ والأفْعالِ المُوحِشَةِ، وأمّا وصْفُ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ المَقْتُولِينَ بِالجِدِّ دِينُهم والإصْرارِ عَلى حَقِّهِمْ، فَإنَّ الكُفّارَ إنَّما حَضَرُوا في ذَلِكَ المَوْضِعِ طَمَعًا في أنَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ إذا نَظَرُوا إلَيْهِمْ هابُوا حُضُورَهم واحْتَشَمُوا مِن مُخالَفَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ وبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى دِينِهِمُ الحَقِّ، فَإنْ قُلْتَ المُرادُ مِنَ الشُّهُودِ إنْ كانَ هَذا المَعْنى، فَكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: وهم لِما يَفْعَلُونَ شُهُودٌ ولا يُقالُ: وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ شُهُودٌ ؟ قُلْنا: إنَّما ذَكَرَ لَفْظَةَ عَلى بِمَعْنى أنَّهم عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ بِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، وهو إحْراقُهم بِالنّارِ كانُوا حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ لِتِلْكَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ.
أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّهُودِ الشَّهادَةَ الَّتِي تَثْبُتُ الدَّعْوى بِها فَفِيهِ وُجُوهٌ:
صفحة ١١٠
أحَدُها: أنَّهم جُعِلُوا شُهُودًا يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ أنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، وفُوِّضَ إلَيْهِ مِنَ التَّعْذِيبِ وثانِيها: أنَّهم شُهُودٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ يُؤَدُّونَ شَهادَتَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وثالِثُها: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مُشاهِدُونَ لِما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الإحْراقِ بِالنّارِ حَتّى لَوْ كانَ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ لَكانُوا شُهُودًا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَعَ هَذا لَمْ تَأْخُذْهم بِهِمْ رَأْفَةٌ، ولا حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ ولا شَفَقَةٌ.
البروج 85:5
صفحة ١٠٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَسَمِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما ذَكَرَهُ الأخْفَشُ وهو أنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ واللّامُ مُضْمَرَةٌ فِيهِ، كَما قالَ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] يُرِيدُ: لَقَدْ أفْلَحَ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى التَّقْدِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ.
وثانِيها: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وهو أنَّ جَوابَ القَسَمِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَتادَةَ.
وثالِثُها: أنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ الآيَةَ. كَما تَقُولُ: واللَّهِ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، إلّا أنَّهُ اعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ .
ورابِعُها: ما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أنَّ جَوابَ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، وهَذا اخْتِيارُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ إلّا أنَّ المُتَقَدِّمِينَ، قالُوا: ذَلِكَ المَحْذُوفُ هو أنَّ الأمْرَ حَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ القَسَمِ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمُهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ حَتّى يَقْتَدُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى أذى قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في الأُمَمِ السّالِفَةِ يَحْرِقُونَ أهْلَ الإيمانِ بِالنّارِ، وأحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ كَما: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا قِصَّةَ أصْحابِ الأُخْدُودِ عَلى طُرُقٍ مُتَبايِنَةٍ ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها ثَلاثَةً:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ لِبَعْضِ المُلُوكِ ساحِرٌ، فَلَمّا كَبُرَ ضُمَّ إلَيْهِ غُلامٌ لِيُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، وكانَ في طَرِيقِ الغُلامِ راهِبٌ، فَمالَ قَلْبُ الغُلامِ إلى ذَلِكَ الرّاهِبِ ثُمَّ رَأى الغُلامُ في طَرِيقِهِ ذاتَ يَوْمٍ حَيَّةً قَدْ حَبَسَتِ النّاسَ فَأخَذَ حَجَرًا، وقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ الرّاهِبُ أحَبَّ إلَيْكَ مِنَ السّاحِرِ فَقَوِّنِي عَلى قَتْلِها بِواسِطَةِ رَمْيِ الحَجَرِ إلَيْها، ثُمَّ رَمى فَقَتَلَها، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإعْراضِ الغُلامِ عَنِ السِّحْرِ واشْتِغالِهِ بِطَرِيقَةِ الرّاهِبِ، ثُمَّ صارَ إلى حَيْثُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويَشْفِي مِنَ الأدْواءِ، فاتَّفَقَ أنْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَأبْرَأهُ فَلَمّا رَآهُ المَلِكُ قالَ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ نَظَرَكَ ؟ فَقالَ رَبِّي فَغَضِبَ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الغُلامِ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الرّاهِبِ فَأحْضَرَ الرّاهِبَ وزَجَرَهُ عَنْ دِينِهِ فَلَمْ يَقْبَلِ الرّاهِبُ قَوْلَهُ فَقُدَّ بِالمِنشارِ، ثُمَّ أتَوْا بِالغُلامِ إلى جَبَلٍ لِيُطْرَحَ مِن ذُرْوَتِهِ فَدَعا اللَّهَ، فَرَجَفَ بِالقَوْمِ فَهَلَكُوا ونَجا، فَذَهَبُوا بِهِ إلى سَفِينَةٍ لَجَّجُوا بِها لِيُغْرِقُوهُ، فَدَعا اللَّهَ فانْكَفَأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا ونَجا، فَقالَ لِلْمَلِكِ: لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَجْمَعَ النّاسَ في صَعِيدٍ وتَصْلُبَنِي عَلى جِذْعٍ وتَأْخُذَ سَهْمًا مِن كِنانَتِي، وتَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ ثُمَّ تَرْمِينِي بِهِ، فَرَماهُ فَوَقَعَ في صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وماتَ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِّ الغُلامِ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: نَزَلَ بِكَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ، فَأمَرَ بِأخادِيدَ في أفْواهِ السِّكَكِ، وأُوقِدَتْ فِيها النِّيرانُ، فَمَن لَمْ يَرْجِعْ مِنهم طَرَحَهُ فِيها، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ فَتَقاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فِيها فَقالَ الصَّبِيُّ: يا أُمّاهُ اصْبِرِي فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ، فَصَبَرَتْ عَلى ذَلِكَ.
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم حِينَ اخْتَلَفُوا في أحْكامِ المَجُوسِ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ
صفحة ١٠٨
وكانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِكِتابِهِمْ وكانَتِ الخَمْرُ قَدْ أُحِلِّتْ لَهم فَتَناوَلَها بَعْضُ مُلُوكِها فَسَكِرَ فَوَقَعَ عَلى أُخْتِهِ فَلَمّا صَحا نَدِمَ وطَلَبَ المَخْرَجَ فَقالَتْ لَهُ: المَخْرَجُ أنْ تَخْطُبَ النّاسَ فَتَقُولُ: إنِ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ ثُمَّ تَخْطُبُهم بَعْدَ ذَلِكَ فَتَقُولُ: بَعْدَ ذَلِكَ حَرَّمَهُ، فَخَطَبَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقالَتْ لَهُ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّوْطَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَقالَتِ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّيْفَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَأمَرَتْهُ بِالأخادِيدِ وإيقادِ النِّيرانِ وطَرْحِ مَن أتى فِيها الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ .
الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ وقَعَ إلى نَجْرانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ عَلى دِينِ عِيسى فَدَعاهم فَأجابُوهُ فَصارَ إلَيْهِمْ ذُو نُواسٍ اليَهُودِيُّ بِجُنُودٍ مِن حِمْيَرَ فَخَيَّرَهم بَيْنَ النّارِ واليَهُودِيَّةِ فَأبَوْا، فَأحْرَقَ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا في الأخادِيدِ، وقِيلَ سَبْعِينَ ألْفًا، وذُكِرَ أنَّ طُولَ الأُخْدُودِ أرْبَعُونَ ذِراعًا وعَرْضَهُ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«أنَّهُ كانَ إذا ذُكِرَ أصْحابُ الأُخْدُودِ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِن جَهْدِ البَلاءِ» “ فَإنْ قِيلَ: تَعارُضُ هَذِهِ الرِّواياتِ يَدُلُّ عَلى كَذِبِها، قُلْنا: لا تَعارُضَ فَقِيلَ: إنَّ هَذا كانَ في ثَلاثِ طَوائِفَ ثَلاثَ مَرّاتٍ مَرَّةً بِاليَمَنِ، ومَرَّةً بِالعِراقِ، ومَرَّةً بِالشّامِ، ولَفْظُ الأُخْدُودِ، وإنْ كانَ واحِدًا إلّا أنَّ المُرادَ هو الجَمْعُ وهو كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ القَفّالُ: ذَكَرُوا في قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها ما يَصِحُّ إلّا أنَّها مُتَّفِقَةٌ في أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ خالَفُوا قَوْمَهم أوْ مَلِكًا كافِرًا كانَ حاكِمًا عَلَيْهِمْ فَألْقاهم في أُخْدُودٍ وحَفَرَ لَهم، ثُمَّ قالَ: وأظُنُّ أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ كانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ قُرَيْشٍ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِأصْحابِ رَسُولِهِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى ما يَلْزَمُهم مِنَ الصَّبْرِ عَلى دِينِهِمْ واحْتِمالِ المَكارِهِ فِيهِ فَقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى حَسَبِ ما اشْتَهَرَتْ بِهِ الأخْبارُ مِن مُبالَغَتِهِمْ في إيذاءِ عَمّارٍ وبِلالٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأُخْدُودُ: الشَّقُّ في الأرْضِ يُحْفَرُ مُسْتَطِيلًا وجَمْعُهُ الأخادِيدُ ومَصْدَرُهُ الخَدُّ وهو الشَّقُّ يُقالُ: خَدَّ في الأرْضِ خَدًّا وتَخَدَّدَ لَحْمُهُ إذا صارَ طَرائِقَ كالشُّقُوقِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأصْحابِ الأُخْدُودِ القاتِلِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ المَقْتُولِينَ، والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ أنَّ المَقْتُولِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ المَقْتُولِينَ هُمُ الجَبابِرَةُ لِأنَّهم لَمّا ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في النّارِ عادَتِ النّارُ عَلى الكَفَرَةِ فَأحْرَقَتْهم ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنها سالِمِينَ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والواقِدِيُّ وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ أيْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وُجُوهًا ثَلاثَةً وذَلِكَ لِأنّا إمّا أنْ نُفَسِّرَ أصْحابَ الأُخْدُودِ بِالقاتِلِينَ أوْ بِالمَقْتُولِينَ.
أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَفِيهِ تَفْسِيرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هَذا دُعاءٌ عَلَيْهِمْ أيْ لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أُولَئِكَ القاتِلِينَ قُتِلُوا بِالنّارِ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ الجَبابِرَةَ لَمّا أرادُوا قَتْلَ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ عادَتِ النّارُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَتْهم، وأمّا إذا فَسَّرْنا أصْحابَ الأُخْدُودِ بِالمَقْتُولِينَ كانَ المَعْنى أنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ قُتِلُوا بِالإحْراقِ بِالنّارِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَبَرًا لا دُعاءً.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ قُتِّلَ بِالتَّشْدِيدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: النّارُ إنَّما تَكُونُ عَظِيمَةً إذا كانَ هُناكَ شَيْءٌ يَحْتَرِقُ بِها إمّا حَطَبٌ أوْ غَيْرُهُ، فالوَقُودُ اسْمٌ
صفحة ١٠٩
لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وفي: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ تَعْظِيمُ أمْرِ ما كانَ في ذَلِكَ الأُخْدُودِ مِنَ الحَطَبِ الكَثِيرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا بَدَلُ الِاشْتِمالِ كَقَوْلِكَ: سُلِبَ زَيْدٌ ثَوْبُهُ فَإنَّ الأُخْدُودَ مُشْتَمِلٌ عَلى النّارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ الوُقُودِ بِالضَّمِّ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في ”إذْ“ ”قُتِلَ“ والمَعْنى لُعِنُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي هم فِيهِ قُعُودٌ عِنْدَ الأُخْدُودِ يُعَذِّبُونَ المُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: (هم) ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ المَذْكُوراتِ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (عَلَيْها) عائِدٌ إلى النّارِ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ كانُوا قاعِدِينَ عَلى النّارِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الضَّمِيرَ في هم عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، لَكِنَّ المُرادَ هاهُنا مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ المَقْتُولُونَ لا القاتِلُونَ فَيَكُونُ المَعْنى إذِ المُؤْمِنُونَ قُعُودٌ عَلى النّارِ يَحْتَرِقُونَ مُطَّرِحُونَ عَلى النّارِ.
وثانِيها: أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ في (عَلَيْها) عائِدًا إلى طَرَفِ النّارِ وشَفِيرِها والمَواضِعِ الَّتِي يُمْكِنُ الجُلُوسُ فِيها، ولَفْظُ ”عَلى“ مَشْعِرٌ بِذَلِكَ تَقُولُ مَرَرْتُ عَلَيْها تُرِيدُ مُسْتَعْلِيًا بِمَكانٍ يَقْرُبُ مِنهُ، فالقائِلُونَ كانُوا جالِسِينَ فِيها وكانُوا يَعْرِضُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى النّارِ، فَمَن كانَ يَتْرُكُ دِينَهُ تَرَكُوهُ ومَن كانَ يَصْبِرُ عَلى دِينِهِ ألْقَوْهُ في النّارِ.
وثالِثُها: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّ الضَّمِيرَ في هم عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِمَعْنى القاتِلِينَ، والضَّمِيرَ في عَلَيْها عائِدٌ إلى النّارِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ القاتِلِينَ كانُوا قاعِدِينَ عَلى النّارِ، فَإنّا بَيَّنّا أنَّهم لَمّا ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في النّارِ ارْتَفَعَتِ النّارُ إلَيْهِمْ فَهَلَكُوا بِنَفْسِ ما فَعَلُوهُ بِأيْدِيهِمْ لِأجْلِ إهْلاكِ غَيْرِهِمْ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهم في تِلْكَ الحالَةِ كانُوا مَلْعُونِينَ أيْضًا، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ.
ورابِعُها: أنْ تَكُونَ عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] أيْ عِنْدِي.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شُهُودٌ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ حُضُورًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الشُّهُودَ الَّذِينَ تَثْبُتُ الدَّعْوى بِشَهادَتِهِمْ، أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالمَعْنى إنَّ أُولَئِكَ الجَبابِرَةَ القاتِلِينَ كانُوا حاضِرِينَ عِنْدَ ذَلِكَ العَمَلِ يُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ أحَدَ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: إمّا وصْفُهم بِقَسْوَةِ القَلْبِ إذْ كانُوا عِنْدَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ لَهُ، وإمّا وصْفُهم بِالجِدِّ في تَقْرِيرِ كُفْرِهِمْ وباطِلِهِمْ حَيْثُ حَضَرُوا في تِلْكَ المَواطِنِ المُنَفِّرَةِ والأفْعالِ المُوحِشَةِ، وأمّا وصْفُ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ المَقْتُولِينَ بِالجِدِّ دِينُهم والإصْرارِ عَلى حَقِّهِمْ، فَإنَّ الكُفّارَ إنَّما حَضَرُوا في ذَلِكَ المَوْضِعِ طَمَعًا في أنَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ إذا نَظَرُوا إلَيْهِمْ هابُوا حُضُورَهم واحْتَشَمُوا مِن مُخالَفَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ وبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى دِينِهِمُ الحَقِّ، فَإنْ قُلْتَ المُرادُ مِنَ الشُّهُودِ إنْ كانَ هَذا المَعْنى، فَكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: وهم لِما يَفْعَلُونَ شُهُودٌ ولا يُقالُ: وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ شُهُودٌ ؟ قُلْنا: إنَّما ذَكَرَ لَفْظَةَ عَلى بِمَعْنى أنَّهم عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ بِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، وهو إحْراقُهم بِالنّارِ كانُوا حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ لِتِلْكَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ.
أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّهُودِ الشَّهادَةَ الَّتِي تَثْبُتُ الدَّعْوى بِها فَفِيهِ وُجُوهٌ:
صفحة ١١٠
أحَدُها: أنَّهم جُعِلُوا شُهُودًا يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ أنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، وفُوِّضَ إلَيْهِ مِنَ التَّعْذِيبِ وثانِيها: أنَّهم شُهُودٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ يُؤَدُّونَ شَهادَتَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وثالِثُها: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مُشاهِدُونَ لِما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الإحْراقِ بِالنّارِ حَتّى لَوْ كانَ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ لَكانُوا شُهُودًا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَعَ هَذا لَمْ تَأْخُذْهم بِهِمْ رَأْفَةٌ، ولا حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ ولا شَفَقَةٌ.
البروج 85:6
صفحة ١٠٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَسَمِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما ذَكَرَهُ الأخْفَشُ وهو أنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ واللّامُ مُضْمَرَةٌ فِيهِ، كَما قالَ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] يُرِيدُ: لَقَدْ أفْلَحَ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى التَّقْدِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ.
وثانِيها: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وهو أنَّ جَوابَ القَسَمِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَتادَةَ.
وثالِثُها: أنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ الآيَةَ. كَما تَقُولُ: واللَّهِ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، إلّا أنَّهُ اعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ .
ورابِعُها: ما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أنَّ جَوابَ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، وهَذا اخْتِيارُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ إلّا أنَّ المُتَقَدِّمِينَ، قالُوا: ذَلِكَ المَحْذُوفُ هو أنَّ الأمْرَ حَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ القَسَمِ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمُهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ حَتّى يَقْتَدُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى أذى قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في الأُمَمِ السّالِفَةِ يَحْرِقُونَ أهْلَ الإيمانِ بِالنّارِ، وأحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ كَما: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا قِصَّةَ أصْحابِ الأُخْدُودِ عَلى طُرُقٍ مُتَبايِنَةٍ ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها ثَلاثَةً:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ لِبَعْضِ المُلُوكِ ساحِرٌ، فَلَمّا كَبُرَ ضُمَّ إلَيْهِ غُلامٌ لِيُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، وكانَ في طَرِيقِ الغُلامِ راهِبٌ، فَمالَ قَلْبُ الغُلامِ إلى ذَلِكَ الرّاهِبِ ثُمَّ رَأى الغُلامُ في طَرِيقِهِ ذاتَ يَوْمٍ حَيَّةً قَدْ حَبَسَتِ النّاسَ فَأخَذَ حَجَرًا، وقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ الرّاهِبُ أحَبَّ إلَيْكَ مِنَ السّاحِرِ فَقَوِّنِي عَلى قَتْلِها بِواسِطَةِ رَمْيِ الحَجَرِ إلَيْها، ثُمَّ رَمى فَقَتَلَها، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإعْراضِ الغُلامِ عَنِ السِّحْرِ واشْتِغالِهِ بِطَرِيقَةِ الرّاهِبِ، ثُمَّ صارَ إلى حَيْثُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويَشْفِي مِنَ الأدْواءِ، فاتَّفَقَ أنْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَأبْرَأهُ فَلَمّا رَآهُ المَلِكُ قالَ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ نَظَرَكَ ؟ فَقالَ رَبِّي فَغَضِبَ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الغُلامِ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الرّاهِبِ فَأحْضَرَ الرّاهِبَ وزَجَرَهُ عَنْ دِينِهِ فَلَمْ يَقْبَلِ الرّاهِبُ قَوْلَهُ فَقُدَّ بِالمِنشارِ، ثُمَّ أتَوْا بِالغُلامِ إلى جَبَلٍ لِيُطْرَحَ مِن ذُرْوَتِهِ فَدَعا اللَّهَ، فَرَجَفَ بِالقَوْمِ فَهَلَكُوا ونَجا، فَذَهَبُوا بِهِ إلى سَفِينَةٍ لَجَّجُوا بِها لِيُغْرِقُوهُ، فَدَعا اللَّهَ فانْكَفَأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا ونَجا، فَقالَ لِلْمَلِكِ: لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَجْمَعَ النّاسَ في صَعِيدٍ وتَصْلُبَنِي عَلى جِذْعٍ وتَأْخُذَ سَهْمًا مِن كِنانَتِي، وتَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ ثُمَّ تَرْمِينِي بِهِ، فَرَماهُ فَوَقَعَ في صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وماتَ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِّ الغُلامِ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: نَزَلَ بِكَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ، فَأمَرَ بِأخادِيدَ في أفْواهِ السِّكَكِ، وأُوقِدَتْ فِيها النِّيرانُ، فَمَن لَمْ يَرْجِعْ مِنهم طَرَحَهُ فِيها، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ فَتَقاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فِيها فَقالَ الصَّبِيُّ: يا أُمّاهُ اصْبِرِي فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ، فَصَبَرَتْ عَلى ذَلِكَ.
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم حِينَ اخْتَلَفُوا في أحْكامِ المَجُوسِ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ
صفحة ١٠٨
وكانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِكِتابِهِمْ وكانَتِ الخَمْرُ قَدْ أُحِلِّتْ لَهم فَتَناوَلَها بَعْضُ مُلُوكِها فَسَكِرَ فَوَقَعَ عَلى أُخْتِهِ فَلَمّا صَحا نَدِمَ وطَلَبَ المَخْرَجَ فَقالَتْ لَهُ: المَخْرَجُ أنْ تَخْطُبَ النّاسَ فَتَقُولُ: إنِ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ ثُمَّ تَخْطُبُهم بَعْدَ ذَلِكَ فَتَقُولُ: بَعْدَ ذَلِكَ حَرَّمَهُ، فَخَطَبَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقالَتْ لَهُ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّوْطَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَقالَتِ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّيْفَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَأمَرَتْهُ بِالأخادِيدِ وإيقادِ النِّيرانِ وطَرْحِ مَن أتى فِيها الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ .
الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ وقَعَ إلى نَجْرانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ عَلى دِينِ عِيسى فَدَعاهم فَأجابُوهُ فَصارَ إلَيْهِمْ ذُو نُواسٍ اليَهُودِيُّ بِجُنُودٍ مِن حِمْيَرَ فَخَيَّرَهم بَيْنَ النّارِ واليَهُودِيَّةِ فَأبَوْا، فَأحْرَقَ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا في الأخادِيدِ، وقِيلَ سَبْعِينَ ألْفًا، وذُكِرَ أنَّ طُولَ الأُخْدُودِ أرْبَعُونَ ذِراعًا وعَرْضَهُ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«أنَّهُ كانَ إذا ذُكِرَ أصْحابُ الأُخْدُودِ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِن جَهْدِ البَلاءِ» “ فَإنْ قِيلَ: تَعارُضُ هَذِهِ الرِّواياتِ يَدُلُّ عَلى كَذِبِها، قُلْنا: لا تَعارُضَ فَقِيلَ: إنَّ هَذا كانَ في ثَلاثِ طَوائِفَ ثَلاثَ مَرّاتٍ مَرَّةً بِاليَمَنِ، ومَرَّةً بِالعِراقِ، ومَرَّةً بِالشّامِ، ولَفْظُ الأُخْدُودِ، وإنْ كانَ واحِدًا إلّا أنَّ المُرادَ هو الجَمْعُ وهو كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ القَفّالُ: ذَكَرُوا في قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها ما يَصِحُّ إلّا أنَّها مُتَّفِقَةٌ في أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ خالَفُوا قَوْمَهم أوْ مَلِكًا كافِرًا كانَ حاكِمًا عَلَيْهِمْ فَألْقاهم في أُخْدُودٍ وحَفَرَ لَهم، ثُمَّ قالَ: وأظُنُّ أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ كانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ قُرَيْشٍ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِأصْحابِ رَسُولِهِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى ما يَلْزَمُهم مِنَ الصَّبْرِ عَلى دِينِهِمْ واحْتِمالِ المَكارِهِ فِيهِ فَقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى حَسَبِ ما اشْتَهَرَتْ بِهِ الأخْبارُ مِن مُبالَغَتِهِمْ في إيذاءِ عَمّارٍ وبِلالٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأُخْدُودُ: الشَّقُّ في الأرْضِ يُحْفَرُ مُسْتَطِيلًا وجَمْعُهُ الأخادِيدُ ومَصْدَرُهُ الخَدُّ وهو الشَّقُّ يُقالُ: خَدَّ في الأرْضِ خَدًّا وتَخَدَّدَ لَحْمُهُ إذا صارَ طَرائِقَ كالشُّقُوقِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأصْحابِ الأُخْدُودِ القاتِلِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ المَقْتُولِينَ، والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ أنَّ المَقْتُولِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ المَقْتُولِينَ هُمُ الجَبابِرَةُ لِأنَّهم لَمّا ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في النّارِ عادَتِ النّارُ عَلى الكَفَرَةِ فَأحْرَقَتْهم ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنها سالِمِينَ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والواقِدِيُّ وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ أيْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وُجُوهًا ثَلاثَةً وذَلِكَ لِأنّا إمّا أنْ نُفَسِّرَ أصْحابَ الأُخْدُودِ بِالقاتِلِينَ أوْ بِالمَقْتُولِينَ.
أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَفِيهِ تَفْسِيرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هَذا دُعاءٌ عَلَيْهِمْ أيْ لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أُولَئِكَ القاتِلِينَ قُتِلُوا بِالنّارِ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ الجَبابِرَةَ لَمّا أرادُوا قَتْلَ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ عادَتِ النّارُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَتْهم، وأمّا إذا فَسَّرْنا أصْحابَ الأُخْدُودِ بِالمَقْتُولِينَ كانَ المَعْنى أنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ قُتِلُوا بِالإحْراقِ بِالنّارِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَبَرًا لا دُعاءً.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ قُتِّلَ بِالتَّشْدِيدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: النّارُ إنَّما تَكُونُ عَظِيمَةً إذا كانَ هُناكَ شَيْءٌ يَحْتَرِقُ بِها إمّا حَطَبٌ أوْ غَيْرُهُ، فالوَقُودُ اسْمٌ
صفحة ١٠٩
لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وفي: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ تَعْظِيمُ أمْرِ ما كانَ في ذَلِكَ الأُخْدُودِ مِنَ الحَطَبِ الكَثِيرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا بَدَلُ الِاشْتِمالِ كَقَوْلِكَ: سُلِبَ زَيْدٌ ثَوْبُهُ فَإنَّ الأُخْدُودَ مُشْتَمِلٌ عَلى النّارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ الوُقُودِ بِالضَّمِّ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في ”إذْ“ ”قُتِلَ“ والمَعْنى لُعِنُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي هم فِيهِ قُعُودٌ عِنْدَ الأُخْدُودِ يُعَذِّبُونَ المُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: (هم) ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ المَذْكُوراتِ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (عَلَيْها) عائِدٌ إلى النّارِ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ كانُوا قاعِدِينَ عَلى النّارِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الضَّمِيرَ في هم عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، لَكِنَّ المُرادَ هاهُنا مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ المَقْتُولُونَ لا القاتِلُونَ فَيَكُونُ المَعْنى إذِ المُؤْمِنُونَ قُعُودٌ عَلى النّارِ يَحْتَرِقُونَ مُطَّرِحُونَ عَلى النّارِ.
وثانِيها: أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ في (عَلَيْها) عائِدًا إلى طَرَفِ النّارِ وشَفِيرِها والمَواضِعِ الَّتِي يُمْكِنُ الجُلُوسُ فِيها، ولَفْظُ ”عَلى“ مَشْعِرٌ بِذَلِكَ تَقُولُ مَرَرْتُ عَلَيْها تُرِيدُ مُسْتَعْلِيًا بِمَكانٍ يَقْرُبُ مِنهُ، فالقائِلُونَ كانُوا جالِسِينَ فِيها وكانُوا يَعْرِضُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى النّارِ، فَمَن كانَ يَتْرُكُ دِينَهُ تَرَكُوهُ ومَن كانَ يَصْبِرُ عَلى دِينِهِ ألْقَوْهُ في النّارِ.
وثالِثُها: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّ الضَّمِيرَ في هم عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِمَعْنى القاتِلِينَ، والضَّمِيرَ في عَلَيْها عائِدٌ إلى النّارِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ القاتِلِينَ كانُوا قاعِدِينَ عَلى النّارِ، فَإنّا بَيَّنّا أنَّهم لَمّا ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في النّارِ ارْتَفَعَتِ النّارُ إلَيْهِمْ فَهَلَكُوا بِنَفْسِ ما فَعَلُوهُ بِأيْدِيهِمْ لِأجْلِ إهْلاكِ غَيْرِهِمْ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهم في تِلْكَ الحالَةِ كانُوا مَلْعُونِينَ أيْضًا، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ.
ورابِعُها: أنْ تَكُونَ عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] أيْ عِنْدِي.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شُهُودٌ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ حُضُورًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الشُّهُودَ الَّذِينَ تَثْبُتُ الدَّعْوى بِشَهادَتِهِمْ، أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالمَعْنى إنَّ أُولَئِكَ الجَبابِرَةَ القاتِلِينَ كانُوا حاضِرِينَ عِنْدَ ذَلِكَ العَمَلِ يُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ أحَدَ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: إمّا وصْفُهم بِقَسْوَةِ القَلْبِ إذْ كانُوا عِنْدَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ لَهُ، وإمّا وصْفُهم بِالجِدِّ في تَقْرِيرِ كُفْرِهِمْ وباطِلِهِمْ حَيْثُ حَضَرُوا في تِلْكَ المَواطِنِ المُنَفِّرَةِ والأفْعالِ المُوحِشَةِ، وأمّا وصْفُ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ المَقْتُولِينَ بِالجِدِّ دِينُهم والإصْرارِ عَلى حَقِّهِمْ، فَإنَّ الكُفّارَ إنَّما حَضَرُوا في ذَلِكَ المَوْضِعِ طَمَعًا في أنَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ إذا نَظَرُوا إلَيْهِمْ هابُوا حُضُورَهم واحْتَشَمُوا مِن مُخالَفَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ وبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى دِينِهِمُ الحَقِّ، فَإنْ قُلْتَ المُرادُ مِنَ الشُّهُودِ إنْ كانَ هَذا المَعْنى، فَكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: وهم لِما يَفْعَلُونَ شُهُودٌ ولا يُقالُ: وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ شُهُودٌ ؟ قُلْنا: إنَّما ذَكَرَ لَفْظَةَ عَلى بِمَعْنى أنَّهم عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ بِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، وهو إحْراقُهم بِالنّارِ كانُوا حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ لِتِلْكَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ.
أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّهُودِ الشَّهادَةَ الَّتِي تَثْبُتُ الدَّعْوى بِها فَفِيهِ وُجُوهٌ:
صفحة ١١٠
أحَدُها: أنَّهم جُعِلُوا شُهُودًا يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ أنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، وفُوِّضَ إلَيْهِ مِنَ التَّعْذِيبِ وثانِيها: أنَّهم شُهُودٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ يُؤَدُّونَ شَهادَتَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وثالِثُها: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مُشاهِدُونَ لِما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الإحْراقِ بِالنّارِ حَتّى لَوْ كانَ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ لَكانُوا شُهُودًا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَعَ هَذا لَمْ تَأْخُذْهم بِهِمْ رَأْفَةٌ، ولا حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ ولا شَفَقَةٌ.
البروج 85:7
صفحة ١٠٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَسَمِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما ذَكَرَهُ الأخْفَشُ وهو أنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ واللّامُ مُضْمَرَةٌ فِيهِ، كَما قالَ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] يُرِيدُ: لَقَدْ أفْلَحَ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى التَّقْدِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ.
وثانِيها: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وهو أنَّ جَوابَ القَسَمِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَتادَةَ.
وثالِثُها: أنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ الآيَةَ. كَما تَقُولُ: واللَّهِ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، إلّا أنَّهُ اعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ .
ورابِعُها: ما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أنَّ جَوابَ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، وهَذا اخْتِيارُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ إلّا أنَّ المُتَقَدِّمِينَ، قالُوا: ذَلِكَ المَحْذُوفُ هو أنَّ الأمْرَ حَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ القَسَمِ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمُهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ حَتّى يَقْتَدُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى أذى قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في الأُمَمِ السّالِفَةِ يَحْرِقُونَ أهْلَ الإيمانِ بِالنّارِ، وأحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ كَما: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا قِصَّةَ أصْحابِ الأُخْدُودِ عَلى طُرُقٍ مُتَبايِنَةٍ ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها ثَلاثَةً:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ لِبَعْضِ المُلُوكِ ساحِرٌ، فَلَمّا كَبُرَ ضُمَّ إلَيْهِ غُلامٌ لِيُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، وكانَ في طَرِيقِ الغُلامِ راهِبٌ، فَمالَ قَلْبُ الغُلامِ إلى ذَلِكَ الرّاهِبِ ثُمَّ رَأى الغُلامُ في طَرِيقِهِ ذاتَ يَوْمٍ حَيَّةً قَدْ حَبَسَتِ النّاسَ فَأخَذَ حَجَرًا، وقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ الرّاهِبُ أحَبَّ إلَيْكَ مِنَ السّاحِرِ فَقَوِّنِي عَلى قَتْلِها بِواسِطَةِ رَمْيِ الحَجَرِ إلَيْها، ثُمَّ رَمى فَقَتَلَها، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإعْراضِ الغُلامِ عَنِ السِّحْرِ واشْتِغالِهِ بِطَرِيقَةِ الرّاهِبِ، ثُمَّ صارَ إلى حَيْثُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويَشْفِي مِنَ الأدْواءِ، فاتَّفَقَ أنْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَأبْرَأهُ فَلَمّا رَآهُ المَلِكُ قالَ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ نَظَرَكَ ؟ فَقالَ رَبِّي فَغَضِبَ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الغُلامِ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الرّاهِبِ فَأحْضَرَ الرّاهِبَ وزَجَرَهُ عَنْ دِينِهِ فَلَمْ يَقْبَلِ الرّاهِبُ قَوْلَهُ فَقُدَّ بِالمِنشارِ، ثُمَّ أتَوْا بِالغُلامِ إلى جَبَلٍ لِيُطْرَحَ مِن ذُرْوَتِهِ فَدَعا اللَّهَ، فَرَجَفَ بِالقَوْمِ فَهَلَكُوا ونَجا، فَذَهَبُوا بِهِ إلى سَفِينَةٍ لَجَّجُوا بِها لِيُغْرِقُوهُ، فَدَعا اللَّهَ فانْكَفَأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا ونَجا، فَقالَ لِلْمَلِكِ: لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَجْمَعَ النّاسَ في صَعِيدٍ وتَصْلُبَنِي عَلى جِذْعٍ وتَأْخُذَ سَهْمًا مِن كِنانَتِي، وتَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ ثُمَّ تَرْمِينِي بِهِ، فَرَماهُ فَوَقَعَ في صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وماتَ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِّ الغُلامِ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: نَزَلَ بِكَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ، فَأمَرَ بِأخادِيدَ في أفْواهِ السِّكَكِ، وأُوقِدَتْ فِيها النِّيرانُ، فَمَن لَمْ يَرْجِعْ مِنهم طَرَحَهُ فِيها، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ فَتَقاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فِيها فَقالَ الصَّبِيُّ: يا أُمّاهُ اصْبِرِي فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ، فَصَبَرَتْ عَلى ذَلِكَ.
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم حِينَ اخْتَلَفُوا في أحْكامِ المَجُوسِ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ
صفحة ١٠٨
وكانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِكِتابِهِمْ وكانَتِ الخَمْرُ قَدْ أُحِلِّتْ لَهم فَتَناوَلَها بَعْضُ مُلُوكِها فَسَكِرَ فَوَقَعَ عَلى أُخْتِهِ فَلَمّا صَحا نَدِمَ وطَلَبَ المَخْرَجَ فَقالَتْ لَهُ: المَخْرَجُ أنْ تَخْطُبَ النّاسَ فَتَقُولُ: إنِ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ ثُمَّ تَخْطُبُهم بَعْدَ ذَلِكَ فَتَقُولُ: بَعْدَ ذَلِكَ حَرَّمَهُ، فَخَطَبَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقالَتْ لَهُ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّوْطَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَقالَتِ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّيْفَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَأمَرَتْهُ بِالأخادِيدِ وإيقادِ النِّيرانِ وطَرْحِ مَن أتى فِيها الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ .
الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ وقَعَ إلى نَجْرانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ عَلى دِينِ عِيسى فَدَعاهم فَأجابُوهُ فَصارَ إلَيْهِمْ ذُو نُواسٍ اليَهُودِيُّ بِجُنُودٍ مِن حِمْيَرَ فَخَيَّرَهم بَيْنَ النّارِ واليَهُودِيَّةِ فَأبَوْا، فَأحْرَقَ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا في الأخادِيدِ، وقِيلَ سَبْعِينَ ألْفًا، وذُكِرَ أنَّ طُولَ الأُخْدُودِ أرْبَعُونَ ذِراعًا وعَرْضَهُ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«أنَّهُ كانَ إذا ذُكِرَ أصْحابُ الأُخْدُودِ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِن جَهْدِ البَلاءِ» “ فَإنْ قِيلَ: تَعارُضُ هَذِهِ الرِّواياتِ يَدُلُّ عَلى كَذِبِها، قُلْنا: لا تَعارُضَ فَقِيلَ: إنَّ هَذا كانَ في ثَلاثِ طَوائِفَ ثَلاثَ مَرّاتٍ مَرَّةً بِاليَمَنِ، ومَرَّةً بِالعِراقِ، ومَرَّةً بِالشّامِ، ولَفْظُ الأُخْدُودِ، وإنْ كانَ واحِدًا إلّا أنَّ المُرادَ هو الجَمْعُ وهو كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ القَفّالُ: ذَكَرُوا في قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها ما يَصِحُّ إلّا أنَّها مُتَّفِقَةٌ في أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ خالَفُوا قَوْمَهم أوْ مَلِكًا كافِرًا كانَ حاكِمًا عَلَيْهِمْ فَألْقاهم في أُخْدُودٍ وحَفَرَ لَهم، ثُمَّ قالَ: وأظُنُّ أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ كانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ قُرَيْشٍ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِأصْحابِ رَسُولِهِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى ما يَلْزَمُهم مِنَ الصَّبْرِ عَلى دِينِهِمْ واحْتِمالِ المَكارِهِ فِيهِ فَقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى حَسَبِ ما اشْتَهَرَتْ بِهِ الأخْبارُ مِن مُبالَغَتِهِمْ في إيذاءِ عَمّارٍ وبِلالٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأُخْدُودُ: الشَّقُّ في الأرْضِ يُحْفَرُ مُسْتَطِيلًا وجَمْعُهُ الأخادِيدُ ومَصْدَرُهُ الخَدُّ وهو الشَّقُّ يُقالُ: خَدَّ في الأرْضِ خَدًّا وتَخَدَّدَ لَحْمُهُ إذا صارَ طَرائِقَ كالشُّقُوقِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأصْحابِ الأُخْدُودِ القاتِلِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ المَقْتُولِينَ، والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ أنَّ المَقْتُولِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ المَقْتُولِينَ هُمُ الجَبابِرَةُ لِأنَّهم لَمّا ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في النّارِ عادَتِ النّارُ عَلى الكَفَرَةِ فَأحْرَقَتْهم ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنها سالِمِينَ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والواقِدِيُّ وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ أيْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وُجُوهًا ثَلاثَةً وذَلِكَ لِأنّا إمّا أنْ نُفَسِّرَ أصْحابَ الأُخْدُودِ بِالقاتِلِينَ أوْ بِالمَقْتُولِينَ.
أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَفِيهِ تَفْسِيرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هَذا دُعاءٌ عَلَيْهِمْ أيْ لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أُولَئِكَ القاتِلِينَ قُتِلُوا بِالنّارِ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ الجَبابِرَةَ لَمّا أرادُوا قَتْلَ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ عادَتِ النّارُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَتْهم، وأمّا إذا فَسَّرْنا أصْحابَ الأُخْدُودِ بِالمَقْتُولِينَ كانَ المَعْنى أنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ قُتِلُوا بِالإحْراقِ بِالنّارِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَبَرًا لا دُعاءً.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ قُتِّلَ بِالتَّشْدِيدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: النّارُ إنَّما تَكُونُ عَظِيمَةً إذا كانَ هُناكَ شَيْءٌ يَحْتَرِقُ بِها إمّا حَطَبٌ أوْ غَيْرُهُ، فالوَقُودُ اسْمٌ
صفحة ١٠٩
لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وفي: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ تَعْظِيمُ أمْرِ ما كانَ في ذَلِكَ الأُخْدُودِ مِنَ الحَطَبِ الكَثِيرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا بَدَلُ الِاشْتِمالِ كَقَوْلِكَ: سُلِبَ زَيْدٌ ثَوْبُهُ فَإنَّ الأُخْدُودَ مُشْتَمِلٌ عَلى النّارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ الوُقُودِ بِالضَّمِّ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في ”إذْ“ ”قُتِلَ“ والمَعْنى لُعِنُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي هم فِيهِ قُعُودٌ عِنْدَ الأُخْدُودِ يُعَذِّبُونَ المُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: (هم) ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ المَذْكُوراتِ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (عَلَيْها) عائِدٌ إلى النّارِ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ كانُوا قاعِدِينَ عَلى النّارِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الضَّمِيرَ في هم عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، لَكِنَّ المُرادَ هاهُنا مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ المَقْتُولُونَ لا القاتِلُونَ فَيَكُونُ المَعْنى إذِ المُؤْمِنُونَ قُعُودٌ عَلى النّارِ يَحْتَرِقُونَ مُطَّرِحُونَ عَلى النّارِ.
وثانِيها: أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ في (عَلَيْها) عائِدًا إلى طَرَفِ النّارِ وشَفِيرِها والمَواضِعِ الَّتِي يُمْكِنُ الجُلُوسُ فِيها، ولَفْظُ ”عَلى“ مَشْعِرٌ بِذَلِكَ تَقُولُ مَرَرْتُ عَلَيْها تُرِيدُ مُسْتَعْلِيًا بِمَكانٍ يَقْرُبُ مِنهُ، فالقائِلُونَ كانُوا جالِسِينَ فِيها وكانُوا يَعْرِضُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى النّارِ، فَمَن كانَ يَتْرُكُ دِينَهُ تَرَكُوهُ ومَن كانَ يَصْبِرُ عَلى دِينِهِ ألْقَوْهُ في النّارِ.
وثالِثُها: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّ الضَّمِيرَ في هم عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِمَعْنى القاتِلِينَ، والضَّمِيرَ في عَلَيْها عائِدٌ إلى النّارِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ القاتِلِينَ كانُوا قاعِدِينَ عَلى النّارِ، فَإنّا بَيَّنّا أنَّهم لَمّا ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في النّارِ ارْتَفَعَتِ النّارُ إلَيْهِمْ فَهَلَكُوا بِنَفْسِ ما فَعَلُوهُ بِأيْدِيهِمْ لِأجْلِ إهْلاكِ غَيْرِهِمْ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهم في تِلْكَ الحالَةِ كانُوا مَلْعُونِينَ أيْضًا، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ.
ورابِعُها: أنْ تَكُونَ عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] أيْ عِنْدِي.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شُهُودٌ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ حُضُورًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الشُّهُودَ الَّذِينَ تَثْبُتُ الدَّعْوى بِشَهادَتِهِمْ، أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالمَعْنى إنَّ أُولَئِكَ الجَبابِرَةَ القاتِلِينَ كانُوا حاضِرِينَ عِنْدَ ذَلِكَ العَمَلِ يُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ أحَدَ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: إمّا وصْفُهم بِقَسْوَةِ القَلْبِ إذْ كانُوا عِنْدَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ لَهُ، وإمّا وصْفُهم بِالجِدِّ في تَقْرِيرِ كُفْرِهِمْ وباطِلِهِمْ حَيْثُ حَضَرُوا في تِلْكَ المَواطِنِ المُنَفِّرَةِ والأفْعالِ المُوحِشَةِ، وأمّا وصْفُ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ المَقْتُولِينَ بِالجِدِّ دِينُهم والإصْرارِ عَلى حَقِّهِمْ، فَإنَّ الكُفّارَ إنَّما حَضَرُوا في ذَلِكَ المَوْضِعِ طَمَعًا في أنَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ إذا نَظَرُوا إلَيْهِمْ هابُوا حُضُورَهم واحْتَشَمُوا مِن مُخالَفَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ وبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى دِينِهِمُ الحَقِّ، فَإنْ قُلْتَ المُرادُ مِنَ الشُّهُودِ إنْ كانَ هَذا المَعْنى، فَكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: وهم لِما يَفْعَلُونَ شُهُودٌ ولا يُقالُ: وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ شُهُودٌ ؟ قُلْنا: إنَّما ذَكَرَ لَفْظَةَ عَلى بِمَعْنى أنَّهم عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ بِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، وهو إحْراقُهم بِالنّارِ كانُوا حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ لِتِلْكَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ.
أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّهُودِ الشَّهادَةَ الَّتِي تَثْبُتُ الدَّعْوى بِها فَفِيهِ وُجُوهٌ:
صفحة ١١٠
أحَدُها: أنَّهم جُعِلُوا شُهُودًا يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ أنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، وفُوِّضَ إلَيْهِ مِنَ التَّعْذِيبِ وثانِيها: أنَّهم شُهُودٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ يُؤَدُّونَ شَهادَتَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وثالِثُها: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مُشاهِدُونَ لِما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الإحْراقِ بِالنّارِ حَتّى لَوْ كانَ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ لَكانُوا شُهُودًا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَعَ هَذا لَمْ تَأْخُذْهم بِهِمْ رَأْفَةٌ، ولا حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ ولا شَفَقَةٌ.
البروج 85:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المَعْنى وما عابُوا مِنهم وما أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنَّما قالَ: ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أنْ يَدُومُوا عَلى إيمانِهِمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”نَقِمُوا“ بِالكَسْرِ، والفَصِيحُ هو الفَتْحُ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي بِها يَسْتَحِقُّ الإلَهُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُعْبَدَ.
فَأوَّلُها: العَزِيزُ وهو القادِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، والقاهِرُ الَّذِي لا يُدْفَعُ، وبِالجُمْلَةِ فَهو إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ.
وثانِيها: الحَمِيدُ وهو الَّذِي يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ عَلى ألْسِنَةِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ بَعْضُ الأشْياءِ لا يَحْمَدُهُ بِلِسانِهِ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلى أنَّ المَحْمُودَ في الحَقِيقَةِ هو هو، كَما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وذَلِكَ إشارَةٌ إلى العِلْمِ لِأنَّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا بِعَواقِبِ الأشْياءِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَ الأفْعالَ الحَمِيدَةَ، فالحَمِيدُ يَدُلُّ عَلى العِلْمِ التّامِّ مِن هَذا الوَجْهِ.
وثالِثُها: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وهو مالِكُها والقَيِّمُ بِهِما ولَوْ شاءَ لَأفْناهُما، وهو إشارَةٌ إلى المُلْكِ التّامِّ وإنَّما أخَّرَ هَذِهِ الصِّفَةَ عَنِ الأوَّلَيْنِ لِأنَّ المُلْكَ التّامَّ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الكَمالِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ، فَثَبَتَ أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْإيمانِ بِهِ وغَيْرُهُ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ البَتَّةَ، فَكَيْفَ حَكَمَ أُولَئِكَ الكُفّارُ الجُهّالُ بِكَوْنِ مِثْلِ هَذا الإيمانِ ذَنْبًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أشارَ بِقَوْلِهِ: (العَزِيزِ) إلى أنَّهُ لَوْ شاءَ لَمَنَعَ أُولَئِكَ الجَبابِرَةَ مِن تَعْذِيبِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ، ولَأطْفَأ نِيرانَهم ولَأماتَهم وأشارَ بِقَوْلِهِ: (الحَمِيدِ) إلى أنَّ المُعْتَبَرَ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأفْعالِ عَواقِبُها فَهو وإنْ كانَ قَدْ أمْهَلَ لَكِنَّهُ ما أهْمَلَ، فَإنَّهُ تَعالى يُوصِلُ ثَوابَ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ، وعِقابَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ إلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يُعالِجْهم بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ إلّا عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ أوِ المَصْلَحَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فَهو وعْدٌ عَظِيمٌ لِلْمُطِيعِينَ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْمُجْرِمِينَ.
البروج 85:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المَعْنى وما عابُوا مِنهم وما أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنَّما قالَ: ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أنْ يَدُومُوا عَلى إيمانِهِمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”نَقِمُوا“ بِالكَسْرِ، والفَصِيحُ هو الفَتْحُ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي بِها يَسْتَحِقُّ الإلَهُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُعْبَدَ.
فَأوَّلُها: العَزِيزُ وهو القادِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، والقاهِرُ الَّذِي لا يُدْفَعُ، وبِالجُمْلَةِ فَهو إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ.
وثانِيها: الحَمِيدُ وهو الَّذِي يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ عَلى ألْسِنَةِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ بَعْضُ الأشْياءِ لا يَحْمَدُهُ بِلِسانِهِ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلى أنَّ المَحْمُودَ في الحَقِيقَةِ هو هو، كَما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وذَلِكَ إشارَةٌ إلى العِلْمِ لِأنَّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا بِعَواقِبِ الأشْياءِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَ الأفْعالَ الحَمِيدَةَ، فالحَمِيدُ يَدُلُّ عَلى العِلْمِ التّامِّ مِن هَذا الوَجْهِ.
وثالِثُها: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وهو مالِكُها والقَيِّمُ بِهِما ولَوْ شاءَ لَأفْناهُما، وهو إشارَةٌ إلى المُلْكِ التّامِّ وإنَّما أخَّرَ هَذِهِ الصِّفَةَ عَنِ الأوَّلَيْنِ لِأنَّ المُلْكَ التّامَّ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الكَمالِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ، فَثَبَتَ أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْإيمانِ بِهِ وغَيْرُهُ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ البَتَّةَ، فَكَيْفَ حَكَمَ أُولَئِكَ الكُفّارُ الجُهّالُ بِكَوْنِ مِثْلِ هَذا الإيمانِ ذَنْبًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أشارَ بِقَوْلِهِ: (العَزِيزِ) إلى أنَّهُ لَوْ شاءَ لَمَنَعَ أُولَئِكَ الجَبابِرَةَ مِن تَعْذِيبِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ، ولَأطْفَأ نِيرانَهم ولَأماتَهم وأشارَ بِقَوْلِهِ: (الحَمِيدِ) إلى أنَّ المُعْتَبَرَ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأفْعالِ عَواقِبُها فَهو وإنْ كانَ قَدْ أمْهَلَ لَكِنَّهُ ما أهْمَلَ، فَإنَّهُ تَعالى يُوصِلُ ثَوابَ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ، وعِقابَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ إلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يُعالِجْهم بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ إلّا عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ أوِ المَصْلَحَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فَهو وعْدٌ عَظِيمٌ لِلْمُطِيعِينَ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْمُجْرِمِينَ.
البروج 85:10
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ أصْحابِ الأُخْدُودِ، أتْبَعَها بِما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن أحْكامِ الثَّوابِ والعِقابِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أصْحابَ الأُخْدُودِ فَقَطْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ والحُكْمَ عامٌّ فالتَّخْصِيصُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ الفِتْنَةِ الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ، وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ امْتَحَنُوا أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ وعَرَضُوهم عَلى النّارِ وأحْرَقُوهم، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الفِتْنَةُ هي الإحْراقُ بِالنّارِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: ﴿فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ حَرَّقُوهم بِالنّارِ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ فَتَنْتُ الشَّيْءَ أحْرَقْتُهُ والفَتْنُ أحْجارٌ سُودٌ كَأنَّها مُحْتَرِقَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَوْ تابُوا لَخَرَجُوا عَنْ هَذا الوَعِيدِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى القَطْعِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ تَوْبَةَ القاتِلِ عَمْدًا مَقْبُولَةٌ خِلافَ ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كِلا العَذابَيْنِ يَحْصُلانِ في الآخِرَةِ، إلّا أنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ وهو العَذابُ الحاصِلُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وعَذابُ الحَرِيقُ هو العَذابُ الزّائِدُ عَلى عَذابِ الكُفْرِ بِسَبَبِ أنَّهم أحْرَقُوا المُؤْمِنِينَ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ العَذابُ الأوَّلُ عَذابَ بَرْدٍ والثّانِي عَذابَ إحْراقٍ وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ عَذابَ إحْراقٍ والزّائِدُ عَلى الإحْراقِ أيْضًا إحْراقٌ، إلّا أنَّ العَذابَ الأوَّلَ كَأنَّهُ خَرَجَ عَنْ أنْ يُسَمّى إحْراقًا بِالنِّسْبَةِ إلى الثّانِي، لِأنَّ الثّانِي قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ نَوْعا الإحْراقِ فَتَكامَلَ جِدًّا فَكانَ الأوَّلُ ضَعِيفًا، فَلا جَرَمَ لَمْ يُسَمَّ إحْراقًا.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ إشارَةٌ إلى عَذابِ الآخِرَةِ: ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْنا أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ ارْتَفَعَتْ عَلَيْهِمْ نارُ الأُخْدُودِ فاحْتَرَقُوا بِها.
البروج 85:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ المُجْرِمِينَ ذَكَرَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ وهو ظاهِرٌ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ﴾ ولَمْ يَقُلْ تِلْكَ لِدَقِيقَةٍ لَطِيفَةٍ وهي أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى إخْبارِ اللَّهِ تَعالى بِحُصُولِ هَذِهِ الجَنّاتِ، وقَوْلَهُ: (تِلْكَ) إشارَةٌ إلى الجَنّاتِ وإخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ راضِيًا والفَوْزُ الكَبِيرُ هو رِضا اللَّهِ لا حُصُولَ الجَنَّةِ.
صفحة ١١٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ ولا سِيَّما هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ بِالإهْلاكِ العَظِيمِ الأوْلى بِهِ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما خُوِّفَ مِنهُ، وأنَّ إظْهارَ كَلِمَةِ الكُفْرِ كالرُّخْصَةِ في ذَلِكَ، «رَوى الحَسَنُ أنَّ مُسَيْلِمَةَ أخَذَ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لِأحَدِهِما: تَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: نَعَمْ، فَتَرَكَهُ، وقالَ لِلْآخَرِ مِثْلَهُ فَقالَ: لا بَلْ أنْتَ كَذّابٌ فَقَتَلَهُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أمّا الَّذِي تُرِكَ فَأخَذَ بِالرُّخْصَةِ فَلا تَبِعَةَ عَلَيْهِ، وأمّا الَّذِي قُتِلَ فَأخَذَ بِالفَضْلِ فَهَنِيئًا لَهُ“» .
البروج 85:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ أوَّلًا وذَكَرَ وعْدَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثانِيًا أرْدَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ والوَعِيدَ بِالتَّأْكِيدِ فَقالَ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ والبَطْشُ هو الأخْذُ بِالعُنْفِ فَإذا وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ثُمَّ إنَّ هَذا القادِرَ لا يَكُونُ إمْهالُهُ لِأجْلِ الإهْمالِ، لَكِنْ لِأجْلِ أنَّهُ حَكِيمٌ إمّا بِحُكْمِ المَشِيئَةِ أوْ بِحُكْمِ المَصْلَحَةِ، وتَأْخِيرُ هَذا الأمْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ أيْ إنَّهُ يَخْلُقُ خَلْقَهُ ثُمَّ يُفْنِيهِمْ ثُمَّ يُعِيدُهم أحْياءً لِيُجازِيَهم في القِيامَةِ، فَذَلِكَ الإمْهالُ لِهَذا السَّبَبِ لا لِأجْلِ الإهْمالِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أهْلَ جَهَنَّمَ تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ .
ثُمَّ قالَ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ فَذَكَرَ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ خَمْسَةً.
أوَّلُها: الغَفُورُ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو الغَفُورُ لِمَن تابَ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ غَفُورٌ مُطْلَقًا لِمَن تابَ ولِمَن لَمْ يَتُبْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولِأنَّ غُفْرانَ التّائِبِ واجِبٌ وأداءَ الواجِبِ لا يُوجِبُ التَّمَدُّحَ والآيَةُ مَذْكُورَةٌ في مَعْرِضِ التَّمَدُّحِ.
وثانِيها: الوَدُودُ وفِيهِ أقْوالٌ.
أحَدُها: المُحِبُّ هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وهو مُطابِقٌ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَإنَّ الخَيْرَ مُقْتَضًى بِالذّاتِ والشَّرَّ بِالعَرَضِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الشَّرُّ أقَلَّ مِنَ الخَيْرِ فالغالِبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَيْرًا فَيَكُونَ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ.
وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: الوَدُودُ هو المُتَوَدِّدُ إلى أوْلِيائِهِ بِالمَغْفِرَةِ والجَزاءِ، والقَوْلُ هو الأوَّلُ.
وثالِثُها: قالَ الأزْهَرِيُّ: قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِما عَرَفُوا مِن كَمالِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، قالَ: وكِلْتا الصِّفَتَيْنِ مَدْحٌ لِأنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إذا أحَبَّ عِبادَهُ المُطِيعِينَ فَهو فَضْلٌ مِنهُ، وإنْ أحَبَّهُ عِبادُهُ العارِفُونَ فَلِما تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن كَرِيمِ إحْسانِهِ.
ورابِعُها: قالَ القَفّالُ: قِيلَ الوَدُودُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحَلِيمِ مِن قَوْلِهِمْ: دابَّةٌ ودُودٌ وهي المُطِيعَةُ القِيادِ الَّتِي كَيْفَ عَطَفْتَها انْعَطَفَتْ وأنْشَدَ قُطْرُبٌ:
وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ خَيْفانَةً ذَلُولَ القِيادِ وقاحًا ودُودًا
صفحة ١١٣
وثالِثُها: ذُو العَرْشِ، قالَ القَفّالُ: ذُو العَرْشِ أيْ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ كَما يُقالُ: فُلانٌ عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّرِيرِ، وكَما يُقالُ: ثُلَّ عَرْشُ فُلانٍ إذا ذَهَبَ سُلْطانُهُ، وهَذا مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلى صِحَّتِهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَرْشِ السَّرِيرَ، ويَكُونُ جَلَّ جَلالُهُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ والجَلالَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ.
ورابِعُها: المَجِيدُ، وفِيهِ قِراءَتانِ.
إحْداهُما: الرَّفْعُ فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ القُرّاءِ والمُفَسِّرِينَ لِأنَّ المَجْدَ مِن صِفاتِ التَّعالِي والجَلالِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، والفَصْلُ والِاعْتِراضُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ في هَذا النَّحْوِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِالخَفْضِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةَ العَرْشِ، وهَؤُلاءِ قالُوا: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ غَيْرِ اللَّهِ بِالمَجِيدِ حَيْثُ قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ورَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ العَرْشَ بِأنَّهُ كَرِيمٌ فَلا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَصِفَهُ بِأنَّهُ مَجِيدٌ، ثُمَّ قالُوا: إنَّ مَجْدَ اللَّهِ عَظَمَتُهُ بِحَسَبِ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ، وعَظَمَةَ العَرْشِ عُلُوُّهُ في الجِهَةِ وعَظَمَةُ مِقْدارِهِ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبِهِ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ تَرْكِيبًا وصُورَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَعّالٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن قالَ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإسْنادِ إلى المُبْتَدَأِ إمّا أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَها أوْ كُلُّ واحِدٍ واحِدٌ مِنهُما، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ الخَبَرُ واحِدَ الآخَرِينَ وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَتِ القَضِيَّةُ لا واحِدَ قَبْلَ قَضِيَّتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْإيمانِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ وإذا كانَ فاعِلًا لِلْإيمانِ وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، قالَ القاضِي: ولا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى مِن طاعَةِ الخَلْقِ لا بُدَّ مِن أنْ يَقَعَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا ما إذا وقَعَ كانَ فِعْلُهُ دُونَ ما إذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لَهُ هَذِهِ ألْفاظُ القاضِي ولا يَخْفى ضَعْفُها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يُرِيدُ أنْ لا يُعْطِيَ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ: فَعّالٌ لِما يُرِيدُ عَلى ما يَراهُ لا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ ولا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، فَهو يُدْخِلُ أوْلِياءَهُ الجَنَّةَ لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ويُدْخِلُ أعْداءَهُ النّارَ لا يَنْصُرُهم مِنهُ ناصِرٌ، ويُمْهِلُ العُصاةَ عَلى ما يَشاءُ إلى أنْ يُجازِيَهم ويُعاجِلَ بَعْضَهم بِالعُقُوبَةِ إذا شاءَ ويُعَذِّبُ مَن شاءَ مِنهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ يَفْعَلُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ومِن غَيْرِها ما يُرِيدُ.
البروج 85:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ أوَّلًا وذَكَرَ وعْدَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثانِيًا أرْدَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ والوَعِيدَ بِالتَّأْكِيدِ فَقالَ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ والبَطْشُ هو الأخْذُ بِالعُنْفِ فَإذا وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ثُمَّ إنَّ هَذا القادِرَ لا يَكُونُ إمْهالُهُ لِأجْلِ الإهْمالِ، لَكِنْ لِأجْلِ أنَّهُ حَكِيمٌ إمّا بِحُكْمِ المَشِيئَةِ أوْ بِحُكْمِ المَصْلَحَةِ، وتَأْخِيرُ هَذا الأمْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ أيْ إنَّهُ يَخْلُقُ خَلْقَهُ ثُمَّ يُفْنِيهِمْ ثُمَّ يُعِيدُهم أحْياءً لِيُجازِيَهم في القِيامَةِ، فَذَلِكَ الإمْهالُ لِهَذا السَّبَبِ لا لِأجْلِ الإهْمالِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أهْلَ جَهَنَّمَ تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ .
ثُمَّ قالَ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ فَذَكَرَ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ خَمْسَةً.
أوَّلُها: الغَفُورُ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو الغَفُورُ لِمَن تابَ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ غَفُورٌ مُطْلَقًا لِمَن تابَ ولِمَن لَمْ يَتُبْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولِأنَّ غُفْرانَ التّائِبِ واجِبٌ وأداءَ الواجِبِ لا يُوجِبُ التَّمَدُّحَ والآيَةُ مَذْكُورَةٌ في مَعْرِضِ التَّمَدُّحِ.
وثانِيها: الوَدُودُ وفِيهِ أقْوالٌ.
أحَدُها: المُحِبُّ هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وهو مُطابِقٌ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَإنَّ الخَيْرَ مُقْتَضًى بِالذّاتِ والشَّرَّ بِالعَرَضِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الشَّرُّ أقَلَّ مِنَ الخَيْرِ فالغالِبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَيْرًا فَيَكُونَ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ.
وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: الوَدُودُ هو المُتَوَدِّدُ إلى أوْلِيائِهِ بِالمَغْفِرَةِ والجَزاءِ، والقَوْلُ هو الأوَّلُ.
وثالِثُها: قالَ الأزْهَرِيُّ: قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِما عَرَفُوا مِن كَمالِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، قالَ: وكِلْتا الصِّفَتَيْنِ مَدْحٌ لِأنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إذا أحَبَّ عِبادَهُ المُطِيعِينَ فَهو فَضْلٌ مِنهُ، وإنْ أحَبَّهُ عِبادُهُ العارِفُونَ فَلِما تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن كَرِيمِ إحْسانِهِ.
ورابِعُها: قالَ القَفّالُ: قِيلَ الوَدُودُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحَلِيمِ مِن قَوْلِهِمْ: دابَّةٌ ودُودٌ وهي المُطِيعَةُ القِيادِ الَّتِي كَيْفَ عَطَفْتَها انْعَطَفَتْ وأنْشَدَ قُطْرُبٌ:
وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ خَيْفانَةً ذَلُولَ القِيادِ وقاحًا ودُودًا
صفحة ١١٣
وثالِثُها: ذُو العَرْشِ، قالَ القَفّالُ: ذُو العَرْشِ أيْ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ كَما يُقالُ: فُلانٌ عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّرِيرِ، وكَما يُقالُ: ثُلَّ عَرْشُ فُلانٍ إذا ذَهَبَ سُلْطانُهُ، وهَذا مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلى صِحَّتِهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَرْشِ السَّرِيرَ، ويَكُونُ جَلَّ جَلالُهُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ والجَلالَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ.
ورابِعُها: المَجِيدُ، وفِيهِ قِراءَتانِ.
إحْداهُما: الرَّفْعُ فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ القُرّاءِ والمُفَسِّرِينَ لِأنَّ المَجْدَ مِن صِفاتِ التَّعالِي والجَلالِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، والفَصْلُ والِاعْتِراضُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ في هَذا النَّحْوِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِالخَفْضِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةَ العَرْشِ، وهَؤُلاءِ قالُوا: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ غَيْرِ اللَّهِ بِالمَجِيدِ حَيْثُ قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ورَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ العَرْشَ بِأنَّهُ كَرِيمٌ فَلا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَصِفَهُ بِأنَّهُ مَجِيدٌ، ثُمَّ قالُوا: إنَّ مَجْدَ اللَّهِ عَظَمَتُهُ بِحَسَبِ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ، وعَظَمَةَ العَرْشِ عُلُوُّهُ في الجِهَةِ وعَظَمَةُ مِقْدارِهِ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبِهِ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ تَرْكِيبًا وصُورَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَعّالٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن قالَ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإسْنادِ إلى المُبْتَدَأِ إمّا أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَها أوْ كُلُّ واحِدٍ واحِدٌ مِنهُما، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ الخَبَرُ واحِدَ الآخَرِينَ وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَتِ القَضِيَّةُ لا واحِدَ قَبْلَ قَضِيَّتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْإيمانِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ وإذا كانَ فاعِلًا لِلْإيمانِ وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، قالَ القاضِي: ولا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى مِن طاعَةِ الخَلْقِ لا بُدَّ مِن أنْ يَقَعَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا ما إذا وقَعَ كانَ فِعْلُهُ دُونَ ما إذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لَهُ هَذِهِ ألْفاظُ القاضِي ولا يَخْفى ضَعْفُها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يُرِيدُ أنْ لا يُعْطِيَ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ: فَعّالٌ لِما يُرِيدُ عَلى ما يَراهُ لا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ ولا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، فَهو يُدْخِلُ أوْلِياءَهُ الجَنَّةَ لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ويُدْخِلُ أعْداءَهُ النّارَ لا يَنْصُرُهم مِنهُ ناصِرٌ، ويُمْهِلُ العُصاةَ عَلى ما يَشاءُ إلى أنْ يُجازِيَهم ويُعاجِلَ بَعْضَهم بِالعُقُوبَةِ إذا شاءَ ويُعَذِّبُ مَن شاءَ مِنهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ يَفْعَلُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ومِن غَيْرِها ما يُرِيدُ.
البروج 85:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ أوَّلًا وذَكَرَ وعْدَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثانِيًا أرْدَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ والوَعِيدَ بِالتَّأْكِيدِ فَقالَ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ والبَطْشُ هو الأخْذُ بِالعُنْفِ فَإذا وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ثُمَّ إنَّ هَذا القادِرَ لا يَكُونُ إمْهالُهُ لِأجْلِ الإهْمالِ، لَكِنْ لِأجْلِ أنَّهُ حَكِيمٌ إمّا بِحُكْمِ المَشِيئَةِ أوْ بِحُكْمِ المَصْلَحَةِ، وتَأْخِيرُ هَذا الأمْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ أيْ إنَّهُ يَخْلُقُ خَلْقَهُ ثُمَّ يُفْنِيهِمْ ثُمَّ يُعِيدُهم أحْياءً لِيُجازِيَهم في القِيامَةِ، فَذَلِكَ الإمْهالُ لِهَذا السَّبَبِ لا لِأجْلِ الإهْمالِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أهْلَ جَهَنَّمَ تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ .
ثُمَّ قالَ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ فَذَكَرَ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ خَمْسَةً.
أوَّلُها: الغَفُورُ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو الغَفُورُ لِمَن تابَ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ غَفُورٌ مُطْلَقًا لِمَن تابَ ولِمَن لَمْ يَتُبْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولِأنَّ غُفْرانَ التّائِبِ واجِبٌ وأداءَ الواجِبِ لا يُوجِبُ التَّمَدُّحَ والآيَةُ مَذْكُورَةٌ في مَعْرِضِ التَّمَدُّحِ.
وثانِيها: الوَدُودُ وفِيهِ أقْوالٌ.
أحَدُها: المُحِبُّ هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وهو مُطابِقٌ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَإنَّ الخَيْرَ مُقْتَضًى بِالذّاتِ والشَّرَّ بِالعَرَضِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الشَّرُّ أقَلَّ مِنَ الخَيْرِ فالغالِبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَيْرًا فَيَكُونَ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ.
وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: الوَدُودُ هو المُتَوَدِّدُ إلى أوْلِيائِهِ بِالمَغْفِرَةِ والجَزاءِ، والقَوْلُ هو الأوَّلُ.
وثالِثُها: قالَ الأزْهَرِيُّ: قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِما عَرَفُوا مِن كَمالِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، قالَ: وكِلْتا الصِّفَتَيْنِ مَدْحٌ لِأنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إذا أحَبَّ عِبادَهُ المُطِيعِينَ فَهو فَضْلٌ مِنهُ، وإنْ أحَبَّهُ عِبادُهُ العارِفُونَ فَلِما تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن كَرِيمِ إحْسانِهِ.
ورابِعُها: قالَ القَفّالُ: قِيلَ الوَدُودُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحَلِيمِ مِن قَوْلِهِمْ: دابَّةٌ ودُودٌ وهي المُطِيعَةُ القِيادِ الَّتِي كَيْفَ عَطَفْتَها انْعَطَفَتْ وأنْشَدَ قُطْرُبٌ:
وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ خَيْفانَةً ذَلُولَ القِيادِ وقاحًا ودُودًا
صفحة ١١٣
وثالِثُها: ذُو العَرْشِ، قالَ القَفّالُ: ذُو العَرْشِ أيْ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ كَما يُقالُ: فُلانٌ عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّرِيرِ، وكَما يُقالُ: ثُلَّ عَرْشُ فُلانٍ إذا ذَهَبَ سُلْطانُهُ، وهَذا مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلى صِحَّتِهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَرْشِ السَّرِيرَ، ويَكُونُ جَلَّ جَلالُهُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ والجَلالَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ.
ورابِعُها: المَجِيدُ، وفِيهِ قِراءَتانِ.
إحْداهُما: الرَّفْعُ فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ القُرّاءِ والمُفَسِّرِينَ لِأنَّ المَجْدَ مِن صِفاتِ التَّعالِي والجَلالِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، والفَصْلُ والِاعْتِراضُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ في هَذا النَّحْوِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِالخَفْضِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةَ العَرْشِ، وهَؤُلاءِ قالُوا: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ غَيْرِ اللَّهِ بِالمَجِيدِ حَيْثُ قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ورَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ العَرْشَ بِأنَّهُ كَرِيمٌ فَلا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَصِفَهُ بِأنَّهُ مَجِيدٌ، ثُمَّ قالُوا: إنَّ مَجْدَ اللَّهِ عَظَمَتُهُ بِحَسَبِ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ، وعَظَمَةَ العَرْشِ عُلُوُّهُ في الجِهَةِ وعَظَمَةُ مِقْدارِهِ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبِهِ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ تَرْكِيبًا وصُورَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَعّالٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن قالَ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإسْنادِ إلى المُبْتَدَأِ إمّا أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَها أوْ كُلُّ واحِدٍ واحِدٌ مِنهُما، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ الخَبَرُ واحِدَ الآخَرِينَ وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَتِ القَضِيَّةُ لا واحِدَ قَبْلَ قَضِيَّتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْإيمانِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ وإذا كانَ فاعِلًا لِلْإيمانِ وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، قالَ القاضِي: ولا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى مِن طاعَةِ الخَلْقِ لا بُدَّ مِن أنْ يَقَعَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا ما إذا وقَعَ كانَ فِعْلُهُ دُونَ ما إذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لَهُ هَذِهِ ألْفاظُ القاضِي ولا يَخْفى ضَعْفُها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يُرِيدُ أنْ لا يُعْطِيَ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ: فَعّالٌ لِما يُرِيدُ عَلى ما يَراهُ لا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ ولا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، فَهو يُدْخِلُ أوْلِياءَهُ الجَنَّةَ لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ويُدْخِلُ أعْداءَهُ النّارَ لا يَنْصُرُهم مِنهُ ناصِرٌ، ويُمْهِلُ العُصاةَ عَلى ما يَشاءُ إلى أنْ يُجازِيَهم ويُعاجِلَ بَعْضَهم بِالعُقُوبَةِ إذا شاءَ ويُعَذِّبُ مَن شاءَ مِنهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ يَفْعَلُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ومِن غَيْرِها ما يُرِيدُ.
البروج 85:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ أوَّلًا وذَكَرَ وعْدَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثانِيًا أرْدَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ والوَعِيدَ بِالتَّأْكِيدِ فَقالَ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ والبَطْشُ هو الأخْذُ بِالعُنْفِ فَإذا وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ثُمَّ إنَّ هَذا القادِرَ لا يَكُونُ إمْهالُهُ لِأجْلِ الإهْمالِ، لَكِنْ لِأجْلِ أنَّهُ حَكِيمٌ إمّا بِحُكْمِ المَشِيئَةِ أوْ بِحُكْمِ المَصْلَحَةِ، وتَأْخِيرُ هَذا الأمْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ أيْ إنَّهُ يَخْلُقُ خَلْقَهُ ثُمَّ يُفْنِيهِمْ ثُمَّ يُعِيدُهم أحْياءً لِيُجازِيَهم في القِيامَةِ، فَذَلِكَ الإمْهالُ لِهَذا السَّبَبِ لا لِأجْلِ الإهْمالِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أهْلَ جَهَنَّمَ تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ .
ثُمَّ قالَ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ فَذَكَرَ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ خَمْسَةً.
أوَّلُها: الغَفُورُ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو الغَفُورُ لِمَن تابَ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ غَفُورٌ مُطْلَقًا لِمَن تابَ ولِمَن لَمْ يَتُبْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولِأنَّ غُفْرانَ التّائِبِ واجِبٌ وأداءَ الواجِبِ لا يُوجِبُ التَّمَدُّحَ والآيَةُ مَذْكُورَةٌ في مَعْرِضِ التَّمَدُّحِ.
وثانِيها: الوَدُودُ وفِيهِ أقْوالٌ.
أحَدُها: المُحِبُّ هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وهو مُطابِقٌ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَإنَّ الخَيْرَ مُقْتَضًى بِالذّاتِ والشَّرَّ بِالعَرَضِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الشَّرُّ أقَلَّ مِنَ الخَيْرِ فالغالِبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَيْرًا فَيَكُونَ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ.
وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: الوَدُودُ هو المُتَوَدِّدُ إلى أوْلِيائِهِ بِالمَغْفِرَةِ والجَزاءِ، والقَوْلُ هو الأوَّلُ.
وثالِثُها: قالَ الأزْهَرِيُّ: قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِما عَرَفُوا مِن كَمالِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، قالَ: وكِلْتا الصِّفَتَيْنِ مَدْحٌ لِأنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إذا أحَبَّ عِبادَهُ المُطِيعِينَ فَهو فَضْلٌ مِنهُ، وإنْ أحَبَّهُ عِبادُهُ العارِفُونَ فَلِما تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن كَرِيمِ إحْسانِهِ.
ورابِعُها: قالَ القَفّالُ: قِيلَ الوَدُودُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحَلِيمِ مِن قَوْلِهِمْ: دابَّةٌ ودُودٌ وهي المُطِيعَةُ القِيادِ الَّتِي كَيْفَ عَطَفْتَها انْعَطَفَتْ وأنْشَدَ قُطْرُبٌ:
وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ خَيْفانَةً ذَلُولَ القِيادِ وقاحًا ودُودًا
صفحة ١١٣
وثالِثُها: ذُو العَرْشِ، قالَ القَفّالُ: ذُو العَرْشِ أيْ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ كَما يُقالُ: فُلانٌ عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّرِيرِ، وكَما يُقالُ: ثُلَّ عَرْشُ فُلانٍ إذا ذَهَبَ سُلْطانُهُ، وهَذا مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلى صِحَّتِهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَرْشِ السَّرِيرَ، ويَكُونُ جَلَّ جَلالُهُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ والجَلالَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ.
ورابِعُها: المَجِيدُ، وفِيهِ قِراءَتانِ.
إحْداهُما: الرَّفْعُ فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ القُرّاءِ والمُفَسِّرِينَ لِأنَّ المَجْدَ مِن صِفاتِ التَّعالِي والجَلالِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، والفَصْلُ والِاعْتِراضُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ في هَذا النَّحْوِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِالخَفْضِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةَ العَرْشِ، وهَؤُلاءِ قالُوا: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ غَيْرِ اللَّهِ بِالمَجِيدِ حَيْثُ قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ورَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ العَرْشَ بِأنَّهُ كَرِيمٌ فَلا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَصِفَهُ بِأنَّهُ مَجِيدٌ، ثُمَّ قالُوا: إنَّ مَجْدَ اللَّهِ عَظَمَتُهُ بِحَسَبِ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ، وعَظَمَةَ العَرْشِ عُلُوُّهُ في الجِهَةِ وعَظَمَةُ مِقْدارِهِ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبِهِ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ تَرْكِيبًا وصُورَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَعّالٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن قالَ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإسْنادِ إلى المُبْتَدَأِ إمّا أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَها أوْ كُلُّ واحِدٍ واحِدٌ مِنهُما، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ الخَبَرُ واحِدَ الآخَرِينَ وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَتِ القَضِيَّةُ لا واحِدَ قَبْلَ قَضِيَّتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْإيمانِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ وإذا كانَ فاعِلًا لِلْإيمانِ وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، قالَ القاضِي: ولا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى مِن طاعَةِ الخَلْقِ لا بُدَّ مِن أنْ يَقَعَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا ما إذا وقَعَ كانَ فِعْلُهُ دُونَ ما إذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لَهُ هَذِهِ ألْفاظُ القاضِي ولا يَخْفى ضَعْفُها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يُرِيدُ أنْ لا يُعْطِيَ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ: فَعّالٌ لِما يُرِيدُ عَلى ما يَراهُ لا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ ولا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، فَهو يُدْخِلُ أوْلِياءَهُ الجَنَّةَ لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ويُدْخِلُ أعْداءَهُ النّارَ لا يَنْصُرُهم مِنهُ ناصِرٌ، ويُمْهِلُ العُصاةَ عَلى ما يَشاءُ إلى أنْ يُجازِيَهم ويُعاجِلَ بَعْضَهم بِالعُقُوبَةِ إذا شاءَ ويُعَذِّبُ مَن شاءَ مِنهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ يَفْعَلُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ومِن غَيْرِها ما يُرِيدُ.
البروج 85:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ أوَّلًا وذَكَرَ وعْدَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثانِيًا أرْدَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ والوَعِيدَ بِالتَّأْكِيدِ فَقالَ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ والبَطْشُ هو الأخْذُ بِالعُنْفِ فَإذا وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ثُمَّ إنَّ هَذا القادِرَ لا يَكُونُ إمْهالُهُ لِأجْلِ الإهْمالِ، لَكِنْ لِأجْلِ أنَّهُ حَكِيمٌ إمّا بِحُكْمِ المَشِيئَةِ أوْ بِحُكْمِ المَصْلَحَةِ، وتَأْخِيرُ هَذا الأمْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ أيْ إنَّهُ يَخْلُقُ خَلْقَهُ ثُمَّ يُفْنِيهِمْ ثُمَّ يُعِيدُهم أحْياءً لِيُجازِيَهم في القِيامَةِ، فَذَلِكَ الإمْهالُ لِهَذا السَّبَبِ لا لِأجْلِ الإهْمالِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أهْلَ جَهَنَّمَ تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ .
ثُمَّ قالَ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ فَذَكَرَ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ خَمْسَةً.
أوَّلُها: الغَفُورُ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو الغَفُورُ لِمَن تابَ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ غَفُورٌ مُطْلَقًا لِمَن تابَ ولِمَن لَمْ يَتُبْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولِأنَّ غُفْرانَ التّائِبِ واجِبٌ وأداءَ الواجِبِ لا يُوجِبُ التَّمَدُّحَ والآيَةُ مَذْكُورَةٌ في مَعْرِضِ التَّمَدُّحِ.
وثانِيها: الوَدُودُ وفِيهِ أقْوالٌ.
أحَدُها: المُحِبُّ هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وهو مُطابِقٌ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَإنَّ الخَيْرَ مُقْتَضًى بِالذّاتِ والشَّرَّ بِالعَرَضِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الشَّرُّ أقَلَّ مِنَ الخَيْرِ فالغالِبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَيْرًا فَيَكُونَ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ.
وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: الوَدُودُ هو المُتَوَدِّدُ إلى أوْلِيائِهِ بِالمَغْفِرَةِ والجَزاءِ، والقَوْلُ هو الأوَّلُ.
وثالِثُها: قالَ الأزْهَرِيُّ: قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِما عَرَفُوا مِن كَمالِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، قالَ: وكِلْتا الصِّفَتَيْنِ مَدْحٌ لِأنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إذا أحَبَّ عِبادَهُ المُطِيعِينَ فَهو فَضْلٌ مِنهُ، وإنْ أحَبَّهُ عِبادُهُ العارِفُونَ فَلِما تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن كَرِيمِ إحْسانِهِ.
ورابِعُها: قالَ القَفّالُ: قِيلَ الوَدُودُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحَلِيمِ مِن قَوْلِهِمْ: دابَّةٌ ودُودٌ وهي المُطِيعَةُ القِيادِ الَّتِي كَيْفَ عَطَفْتَها انْعَطَفَتْ وأنْشَدَ قُطْرُبٌ:
وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ خَيْفانَةً ذَلُولَ القِيادِ وقاحًا ودُودًا
صفحة ١١٣
وثالِثُها: ذُو العَرْشِ، قالَ القَفّالُ: ذُو العَرْشِ أيْ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ كَما يُقالُ: فُلانٌ عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّرِيرِ، وكَما يُقالُ: ثُلَّ عَرْشُ فُلانٍ إذا ذَهَبَ سُلْطانُهُ، وهَذا مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلى صِحَّتِهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَرْشِ السَّرِيرَ، ويَكُونُ جَلَّ جَلالُهُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ والجَلالَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ.
ورابِعُها: المَجِيدُ، وفِيهِ قِراءَتانِ.
إحْداهُما: الرَّفْعُ فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ القُرّاءِ والمُفَسِّرِينَ لِأنَّ المَجْدَ مِن صِفاتِ التَّعالِي والجَلالِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، والفَصْلُ والِاعْتِراضُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ في هَذا النَّحْوِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِالخَفْضِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةَ العَرْشِ، وهَؤُلاءِ قالُوا: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ غَيْرِ اللَّهِ بِالمَجِيدِ حَيْثُ قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ورَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ العَرْشَ بِأنَّهُ كَرِيمٌ فَلا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَصِفَهُ بِأنَّهُ مَجِيدٌ، ثُمَّ قالُوا: إنَّ مَجْدَ اللَّهِ عَظَمَتُهُ بِحَسَبِ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ، وعَظَمَةَ العَرْشِ عُلُوُّهُ في الجِهَةِ وعَظَمَةُ مِقْدارِهِ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبِهِ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ تَرْكِيبًا وصُورَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَعّالٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن قالَ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإسْنادِ إلى المُبْتَدَأِ إمّا أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَها أوْ كُلُّ واحِدٍ واحِدٌ مِنهُما، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ الخَبَرُ واحِدَ الآخَرِينَ وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَتِ القَضِيَّةُ لا واحِدَ قَبْلَ قَضِيَّتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْإيمانِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ وإذا كانَ فاعِلًا لِلْإيمانِ وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، قالَ القاضِي: ولا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى مِن طاعَةِ الخَلْقِ لا بُدَّ مِن أنْ يَقَعَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا ما إذا وقَعَ كانَ فِعْلُهُ دُونَ ما إذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لَهُ هَذِهِ ألْفاظُ القاضِي ولا يَخْفى ضَعْفُها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يُرِيدُ أنْ لا يُعْطِيَ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ: فَعّالٌ لِما يُرِيدُ عَلى ما يَراهُ لا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ ولا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، فَهو يُدْخِلُ أوْلِياءَهُ الجَنَّةَ لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ويُدْخِلُ أعْداءَهُ النّارَ لا يَنْصُرُهم مِنهُ ناصِرٌ، ويُمْهِلُ العُصاةَ عَلى ما يَشاءُ إلى أنْ يُجازِيَهم ويُعاجِلَ بَعْضَهم بِالعُقُوبَةِ إذا شاءَ ويُعَذِّبُ مَن شاءَ مِنهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ يَفْعَلُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ومِن غَيْرِها ما يُرِيدُ.
البروج 85:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
صفحة ١١٤
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ أصْحابِ الأُخْدُودِ في تَأذِّي المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ، بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم كانُوا أيْضًا كَذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وأرادَ بِفِرْعَوْنَ إيّاهُ وقَوْمَهُ كَما في قَوْلِهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وثَمُودُ كانُوا في بِلادِ العَرَبِ، وقِصَّتُهم عِنْدَهم مَشْهُورَةٌ فَذَكَرَ تَعالى مِنَ المُتَأخِّرِينَ فِرْعَوْنَ، ومِنَ المُتَقَدِّمِينَ ثَمُودَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكُفّارِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى هَذا النَّهْجِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ولَمّا طَيَّبَ قَلْبَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحِكايَةِ أحْوالِ الأوَّلِينَ في هَذا البابِ سَلّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ فَسُدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكُهُ، فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا يَقُولُ تَعالى: فَهو كَذا في قَبْضَتِي وأنا قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ ومُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ فَلا تَجْزَعْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، فَلَيْسُوا يَفُوتُونَنِي إذا أرَدْتُ الِانْتِقامَ مِنهم.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الإحاطَةِ قُرْبَ هَلاكِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] فَهَذا كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُشارَفَةِ الهَلاكِ، يَقُولُ: فَهَؤُلاءِ في تَكْذِيبِكَ قَدْ شارَفُوا الهَلاكَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ واللَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، أيْ عالِمٌ بِها، فَهو مُرْصِدٌ بِعِقابِهِمْ عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى رَسُولَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذا بِما قَبْلَهُ، هو أنَّ هَذا القُرْآنَ مَجِيدٌ مَصُونٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، فَلَمّا حَكَمَ فِيهِ بِسَعادَةِ قَوْمٍ وشَقاوَةِ قَوْمٍ، وبِتَأذِّي قَوْمٍ مِن قَوْمٍ، امْتَنَعَ تَغَيُّرُهُ وتَبَدُّلُهُ، فَوَجَبَ الرِّضا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ التَّسْلِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”قُرْآنُ مَجِيدٍ“ بِالإضافَةِ، أيْ قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ في لَوْحٍ واللَّوْحُ الهَواءُ يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقُرِئَ مَحْفُوظٌ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْقُرْآنِ كَما قُلْنا: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ هاهُنا: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ المَكْنُونُ واللَّوْحُ المَحْفُوظُ واحِدًا ثُمَّ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا عَنْ أنْ يَمَسَّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا مِنَ اطِّلاعِ الخَلْقِ عَلَيْهِ سِوى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَجْرِيَ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ وتَبْدِيلٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إنِّ اللَّوْحَ شَيْءٌ يَلُوحُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَقْرَءُونَهُ ولَمّا كانَتِ الأخْبارُ والآثارُ وارِدَةً بِذَلِكَ وجَبَ التَّصْدِيقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
البروج 85:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
صفحة ١١٤
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ أصْحابِ الأُخْدُودِ في تَأذِّي المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ، بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم كانُوا أيْضًا كَذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وأرادَ بِفِرْعَوْنَ إيّاهُ وقَوْمَهُ كَما في قَوْلِهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وثَمُودُ كانُوا في بِلادِ العَرَبِ، وقِصَّتُهم عِنْدَهم مَشْهُورَةٌ فَذَكَرَ تَعالى مِنَ المُتَأخِّرِينَ فِرْعَوْنَ، ومِنَ المُتَقَدِّمِينَ ثَمُودَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكُفّارِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى هَذا النَّهْجِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ولَمّا طَيَّبَ قَلْبَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحِكايَةِ أحْوالِ الأوَّلِينَ في هَذا البابِ سَلّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ فَسُدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكُهُ، فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا يَقُولُ تَعالى: فَهو كَذا في قَبْضَتِي وأنا قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ ومُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ فَلا تَجْزَعْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، فَلَيْسُوا يَفُوتُونَنِي إذا أرَدْتُ الِانْتِقامَ مِنهم.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الإحاطَةِ قُرْبَ هَلاكِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] فَهَذا كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُشارَفَةِ الهَلاكِ، يَقُولُ: فَهَؤُلاءِ في تَكْذِيبِكَ قَدْ شارَفُوا الهَلاكَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ واللَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، أيْ عالِمٌ بِها، فَهو مُرْصِدٌ بِعِقابِهِمْ عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى رَسُولَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذا بِما قَبْلَهُ، هو أنَّ هَذا القُرْآنَ مَجِيدٌ مَصُونٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، فَلَمّا حَكَمَ فِيهِ بِسَعادَةِ قَوْمٍ وشَقاوَةِ قَوْمٍ، وبِتَأذِّي قَوْمٍ مِن قَوْمٍ، امْتَنَعَ تَغَيُّرُهُ وتَبَدُّلُهُ، فَوَجَبَ الرِّضا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ التَّسْلِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”قُرْآنُ مَجِيدٍ“ بِالإضافَةِ، أيْ قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ في لَوْحٍ واللَّوْحُ الهَواءُ يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقُرِئَ مَحْفُوظٌ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْقُرْآنِ كَما قُلْنا: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ هاهُنا: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ المَكْنُونُ واللَّوْحُ المَحْفُوظُ واحِدًا ثُمَّ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا عَنْ أنْ يَمَسَّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا مِنَ اطِّلاعِ الخَلْقِ عَلَيْهِ سِوى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَجْرِيَ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ وتَبْدِيلٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إنِّ اللَّوْحَ شَيْءٌ يَلُوحُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَقْرَءُونَهُ ولَمّا كانَتِ الأخْبارُ والآثارُ وارِدَةً بِذَلِكَ وجَبَ التَّصْدِيقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
البروج 85:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
صفحة ١١٤
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ أصْحابِ الأُخْدُودِ في تَأذِّي المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ، بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم كانُوا أيْضًا كَذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وأرادَ بِفِرْعَوْنَ إيّاهُ وقَوْمَهُ كَما في قَوْلِهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وثَمُودُ كانُوا في بِلادِ العَرَبِ، وقِصَّتُهم عِنْدَهم مَشْهُورَةٌ فَذَكَرَ تَعالى مِنَ المُتَأخِّرِينَ فِرْعَوْنَ، ومِنَ المُتَقَدِّمِينَ ثَمُودَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكُفّارِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى هَذا النَّهْجِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ولَمّا طَيَّبَ قَلْبَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحِكايَةِ أحْوالِ الأوَّلِينَ في هَذا البابِ سَلّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ فَسُدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكُهُ، فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا يَقُولُ تَعالى: فَهو كَذا في قَبْضَتِي وأنا قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ ومُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ فَلا تَجْزَعْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، فَلَيْسُوا يَفُوتُونَنِي إذا أرَدْتُ الِانْتِقامَ مِنهم.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الإحاطَةِ قُرْبَ هَلاكِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] فَهَذا كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُشارَفَةِ الهَلاكِ، يَقُولُ: فَهَؤُلاءِ في تَكْذِيبِكَ قَدْ شارَفُوا الهَلاكَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ واللَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، أيْ عالِمٌ بِها، فَهو مُرْصِدٌ بِعِقابِهِمْ عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى رَسُولَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذا بِما قَبْلَهُ، هو أنَّ هَذا القُرْآنَ مَجِيدٌ مَصُونٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، فَلَمّا حَكَمَ فِيهِ بِسَعادَةِ قَوْمٍ وشَقاوَةِ قَوْمٍ، وبِتَأذِّي قَوْمٍ مِن قَوْمٍ، امْتَنَعَ تَغَيُّرُهُ وتَبَدُّلُهُ، فَوَجَبَ الرِّضا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ التَّسْلِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”قُرْآنُ مَجِيدٍ“ بِالإضافَةِ، أيْ قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ في لَوْحٍ واللَّوْحُ الهَواءُ يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقُرِئَ مَحْفُوظٌ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْقُرْآنِ كَما قُلْنا: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ هاهُنا: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ المَكْنُونُ واللَّوْحُ المَحْفُوظُ واحِدًا ثُمَّ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا عَنْ أنْ يَمَسَّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا مِنَ اطِّلاعِ الخَلْقِ عَلَيْهِ سِوى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَجْرِيَ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ وتَبْدِيلٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إنِّ اللَّوْحَ شَيْءٌ يَلُوحُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَقْرَءُونَهُ ولَمّا كانَتِ الأخْبارُ والآثارُ وارِدَةً بِذَلِكَ وجَبَ التَّصْدِيقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
البروج 85:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
صفحة ١١٤
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ أصْحابِ الأُخْدُودِ في تَأذِّي المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ، بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم كانُوا أيْضًا كَذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وأرادَ بِفِرْعَوْنَ إيّاهُ وقَوْمَهُ كَما في قَوْلِهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وثَمُودُ كانُوا في بِلادِ العَرَبِ، وقِصَّتُهم عِنْدَهم مَشْهُورَةٌ فَذَكَرَ تَعالى مِنَ المُتَأخِّرِينَ فِرْعَوْنَ، ومِنَ المُتَقَدِّمِينَ ثَمُودَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكُفّارِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى هَذا النَّهْجِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ولَمّا طَيَّبَ قَلْبَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحِكايَةِ أحْوالِ الأوَّلِينَ في هَذا البابِ سَلّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ فَسُدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكُهُ، فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا يَقُولُ تَعالى: فَهو كَذا في قَبْضَتِي وأنا قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ ومُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ فَلا تَجْزَعْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، فَلَيْسُوا يَفُوتُونَنِي إذا أرَدْتُ الِانْتِقامَ مِنهم.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الإحاطَةِ قُرْبَ هَلاكِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] فَهَذا كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُشارَفَةِ الهَلاكِ، يَقُولُ: فَهَؤُلاءِ في تَكْذِيبِكَ قَدْ شارَفُوا الهَلاكَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ واللَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، أيْ عالِمٌ بِها، فَهو مُرْصِدٌ بِعِقابِهِمْ عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى رَسُولَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذا بِما قَبْلَهُ، هو أنَّ هَذا القُرْآنَ مَجِيدٌ مَصُونٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، فَلَمّا حَكَمَ فِيهِ بِسَعادَةِ قَوْمٍ وشَقاوَةِ قَوْمٍ، وبِتَأذِّي قَوْمٍ مِن قَوْمٍ، امْتَنَعَ تَغَيُّرُهُ وتَبَدُّلُهُ، فَوَجَبَ الرِّضا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ التَّسْلِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”قُرْآنُ مَجِيدٍ“ بِالإضافَةِ، أيْ قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ في لَوْحٍ واللَّوْحُ الهَواءُ يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقُرِئَ مَحْفُوظٌ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْقُرْآنِ كَما قُلْنا: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ هاهُنا: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ المَكْنُونُ واللَّوْحُ المَحْفُوظُ واحِدًا ثُمَّ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا عَنْ أنْ يَمَسَّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا مِنَ اطِّلاعِ الخَلْقِ عَلَيْهِ سِوى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَجْرِيَ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ وتَبْدِيلٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إنِّ اللَّوْحَ شَيْءٌ يَلُوحُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَقْرَءُونَهُ ولَمّا كانَتِ الأخْبارُ والآثارُ وارِدَةً بِذَلِكَ وجَبَ التَّصْدِيقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
البروج 85:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
صفحة ١١٤
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ أصْحابِ الأُخْدُودِ في تَأذِّي المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ، بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم كانُوا أيْضًا كَذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وأرادَ بِفِرْعَوْنَ إيّاهُ وقَوْمَهُ كَما في قَوْلِهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وثَمُودُ كانُوا في بِلادِ العَرَبِ، وقِصَّتُهم عِنْدَهم مَشْهُورَةٌ فَذَكَرَ تَعالى مِنَ المُتَأخِّرِينَ فِرْعَوْنَ، ومِنَ المُتَقَدِّمِينَ ثَمُودَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكُفّارِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى هَذا النَّهْجِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ولَمّا طَيَّبَ قَلْبَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحِكايَةِ أحْوالِ الأوَّلِينَ في هَذا البابِ سَلّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ فَسُدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكُهُ، فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا يَقُولُ تَعالى: فَهو كَذا في قَبْضَتِي وأنا قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ ومُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ فَلا تَجْزَعْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، فَلَيْسُوا يَفُوتُونَنِي إذا أرَدْتُ الِانْتِقامَ مِنهم.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الإحاطَةِ قُرْبَ هَلاكِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] فَهَذا كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُشارَفَةِ الهَلاكِ، يَقُولُ: فَهَؤُلاءِ في تَكْذِيبِكَ قَدْ شارَفُوا الهَلاكَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ واللَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، أيْ عالِمٌ بِها، فَهو مُرْصِدٌ بِعِقابِهِمْ عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى رَسُولَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذا بِما قَبْلَهُ، هو أنَّ هَذا القُرْآنَ مَجِيدٌ مَصُونٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، فَلَمّا حَكَمَ فِيهِ بِسَعادَةِ قَوْمٍ وشَقاوَةِ قَوْمٍ، وبِتَأذِّي قَوْمٍ مِن قَوْمٍ، امْتَنَعَ تَغَيُّرُهُ وتَبَدُّلُهُ، فَوَجَبَ الرِّضا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ التَّسْلِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”قُرْآنُ مَجِيدٍ“ بِالإضافَةِ، أيْ قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ في لَوْحٍ واللَّوْحُ الهَواءُ يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقُرِئَ مَحْفُوظٌ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْقُرْآنِ كَما قُلْنا: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ هاهُنا: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ المَكْنُونُ واللَّوْحُ المَحْفُوظُ واحِدًا ثُمَّ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا عَنْ أنْ يَمَسَّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا مِنَ اطِّلاعِ الخَلْقِ عَلَيْهِ سِوى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَجْرِيَ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ وتَبْدِيلٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إنِّ اللَّوْحَ شَيْءٌ يَلُوحُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَقْرَءُونَهُ ولَمّا كانَتِ الأخْبارُ والآثارُ وارِدَةً بِذَلِكَ وجَبَ التَّصْدِيقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
البروج 85:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
صفحة ١١٤
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ أصْحابِ الأُخْدُودِ في تَأذِّي المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ، بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم كانُوا أيْضًا كَذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وأرادَ بِفِرْعَوْنَ إيّاهُ وقَوْمَهُ كَما في قَوْلِهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وثَمُودُ كانُوا في بِلادِ العَرَبِ، وقِصَّتُهم عِنْدَهم مَشْهُورَةٌ فَذَكَرَ تَعالى مِنَ المُتَأخِّرِينَ فِرْعَوْنَ، ومِنَ المُتَقَدِّمِينَ ثَمُودَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكُفّارِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى هَذا النَّهْجِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ولَمّا طَيَّبَ قَلْبَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحِكايَةِ أحْوالِ الأوَّلِينَ في هَذا البابِ سَلّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ فَسُدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكُهُ، فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا يَقُولُ تَعالى: فَهو كَذا في قَبْضَتِي وأنا قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ ومُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ فَلا تَجْزَعْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، فَلَيْسُوا يَفُوتُونَنِي إذا أرَدْتُ الِانْتِقامَ مِنهم.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الإحاطَةِ قُرْبَ هَلاكِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] فَهَذا كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُشارَفَةِ الهَلاكِ، يَقُولُ: فَهَؤُلاءِ في تَكْذِيبِكَ قَدْ شارَفُوا الهَلاكَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ واللَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، أيْ عالِمٌ بِها، فَهو مُرْصِدٌ بِعِقابِهِمْ عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى رَسُولَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذا بِما قَبْلَهُ، هو أنَّ هَذا القُرْآنَ مَجِيدٌ مَصُونٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، فَلَمّا حَكَمَ فِيهِ بِسَعادَةِ قَوْمٍ وشَقاوَةِ قَوْمٍ، وبِتَأذِّي قَوْمٍ مِن قَوْمٍ، امْتَنَعَ تَغَيُّرُهُ وتَبَدُّلُهُ، فَوَجَبَ الرِّضا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ التَّسْلِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”قُرْآنُ مَجِيدٍ“ بِالإضافَةِ، أيْ قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ في لَوْحٍ واللَّوْحُ الهَواءُ يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقُرِئَ مَحْفُوظٌ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْقُرْآنِ كَما قُلْنا: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ هاهُنا: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ المَكْنُونُ واللَّوْحُ المَحْفُوظُ واحِدًا ثُمَّ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا عَنْ أنْ يَمَسَّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا مِنَ اطِّلاعِ الخَلْقِ عَلَيْهِ سِوى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَجْرِيَ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ وتَبْدِيلٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إنِّ اللَّوْحَ شَيْءٌ يَلُوحُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَقْرَءُونَهُ ولَمّا كانَتِ الأخْبارُ والآثارُ وارِدَةً بِذَلِكَ وجَبَ التَّصْدِيقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.