Tafsir Al-Razi — الضحى 93:1 – القدر 97:5
المحتويات
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:3
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:6
- الشرح 94:7
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- التين 95:7
- التين 95:8
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:9
- العلق 96:10
- العلق 96:11
- العلق 96:12
- العلق 96:13
- العلق 96:14
- العلق 96:15
- العلق 96:16
- العلق 96:17
- العلق 96:18
- العلق 96:19
- القدر 97:1
- القدر 97:2
- القدر 97:3
- القدر 97:4
- القدر 97:5
الضحى 93:1
صفحة ١٨٨
(سُورَةُ الضُّحى)
إحْدى عَشْرَةَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾
وأنا عَلى عَزْمٍ أنْ أضُمَّ إلى تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ ما فِيها مِنَ اللَّطائِفِ التِّذْكارِيَّةِ.
﷽
﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ لِأهْلِ التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿والضُّحى﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالضُّحى وقْتُ الضُّحى وهو صَدْرُ النَّهارِ حِينَ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ وتُلْقِي شُعاعَها.
وثانِيها: الضُّحى هو النَّهارُ كُلُّهُ بِدَلِيلِ أنَّهُ جُعِلَ في مُقابَلَةِ اللَّيْلِ كُلِّهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ فَذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ في ﴿سَجى﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ مُتَقارِبَةٍ: سَكَنَ وأظْلَمَ وغَطّى:
أمّا الأوَّلُ: فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: سَجى أيْ سَكَنَ يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ أيْ: ساكِنَةُ الرِّيحِ، وعَيْنٌ ساجِيَةٌ أيْ: فاتِرَةُ الطَّرْفِ. وسَجى البَحْرُ إذا سَكَنَتْ أمْواجُهُ، وقالَ في الدُّعاءِ:
يا مالِكَ البَحْرِ إذا البَحْرُ سَجى
وأمّا الثّانِي: وهو تَفْسِيرُ ”سَجى“ بِـ”أظْلَمَ“، فَقالَ الفَرّاءُ: سَجى أيْ: أظْلَمَ ورَكَدَ في طُولِهِ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو تَفْسِيرُ ”سَجى“ بِغَطّى، فَقالَ الأصْمَعِيُّ وابْنُ الأعْرابِيِّ: سَجى اللَّيْلُ تَغْطِيَتُهُ النَّهارَ، مِثْلَ ما يُسَجّى الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ، واعْلَمْ أنَّ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ غَيْرُ خارِجَةٍ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَطّى الدُّنْيا بِالظُّلْمَةِ، وقالَ الحَسَنُ: أُلْبِسَ النّاسُ ظَلامَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إذا أقْبَلَ اللَّيْلُ غَطّى كُلَّ شَيْءٍ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَكَنَ بِالنّاسِ ولِسُكُونِهِ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: سُكُونُ النّاسِ فَنُسِبَ إلَيْهِ كَما يُقالُ: لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ.
والثّانِي: هو أنَّ سُكُونَهُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِقْرارِ ظَلامِهِ
صفحة ١٨٩
واسْتِوائِهِ فَلا يَزْدادُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى في السُّورَةِ الماضِيَةِ قَدَّمَ ذِكْرَ اللَّيْلِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ أخَّرَهُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ يَنْتَظِمُ مَصالِحُ المُكَلَّفِينَ، واللَّيْلُ لَهُ فَضِيلَةُ السَّبْقِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] ولِلنَّهارِ فَضِيلَةُ النُّورِ، بَلِ اللَّيْلُ كالدُّنْيا والنَّهارُ كالآخِرَةِ، فَلَمّا كانَ لِكُلِّ واحِدٍ فَضِيلَةٌ لَيْسَتْ لِلْآخَرِ، لا جَرَمَ قُدِّمَ هَذا عَلى ذاكَ تارَةً، وذاكَ عَلى هَذا أُخْرى، ونَظِيرُهُ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣] ثُمَّ قَدَّمَ الرُّكُوعَ عَلى السُّجُودِ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] .
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ في سُورَةِ أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ أبا بَكْرٍ سَبَقَهُ كَفْرٌ، وهَهُنا قَدَّمَ الضُّحى لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما سَبَقَهُ ذَنْبٌ.
وثالِثُها: سُورَةُ ”واللَّيْلِ“ سُورَةُ أبِي بَكْرٍ، وسُورَةُ الضُّحى سُورَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ ما جُعِلَ بَيْنَهُما واسِطَةٌ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وأبِي بَكْرٍ، فَإذا ذَكَرْتَ اللَّيْلَ أوَّلًا وهو أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ صَعَدْتَ وجَدْتَ بَعْدَهُ النَّهارَ وهو مُحَمَّدٌ، وإنْ ذَكَرْتَ ”والضُّحى“ أوَّلًا وهو مُحَمَّدٌ، ثُمَّ نَزَلْتَ وجَدْتَ بَعْدَهُ اللَّيْلَ وهو أبُو بَكْرٍ، لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ هَهُنا في الحَلِفِ بِالضُّحى واللَّيْلِ فَقَطْ ؟
والجَوابُ: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الزَّمانُ ساعَةٌ، فَساعَةٌ ساعَةُ لَيْلٍ، وساعَةُ نَهارٍ، ثُمَّ يَزْدادُ فَمَرَّةً تَزْدادُ ساعاتُ اللَّيْلِ وتَنْقُصُ ساعاتُ النَّهارِ، ومَرَّةً بِالعَكْسِ فَلا تَكُونُ الزِّيادَةُ لِهَوًى ولا النُّقْصانُ لِقِلًى، بَلْ لِلْحِكْمَةِ، كَذا الرِّسالَةُ وإنْزالُ الوَحْيِ بِحَسَبِ المَصالِحِ فَمَرَّةً إنْزالٌ ومَرَّةً حَبْسٌ، فَلا كانَ الإنْزالُ عَنْ هَوًى، ولا كانَ الحَبْسُ عَنْ قِلًى.
وثانِيها: أنَّ العالِمَ لا يُؤَثِّرُ كَلامُهُ حَتّى يَعْمَلَ بِهِ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ البَيِّنَةَ عَلى المُدَّعِي واليَمِينَ عَلى مَن أنْكَرَ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن أنْ يَعْمَلَ بِهِ، فالكُفّارُ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ رَبَّهُ ودَّعَهُ وقَلاهُ، قالَ: هاتُوا الحُجَّةَ فَعَجَزُوا فَلَزِمَهُ اليَمِينُ بِأنَّهُ ما ودَّعَهُ وأنَّهُ ما قَلاهُ.
وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْظُرُوا إلى جِوارِ اللَّيْلِ مَعَ النَّهارِ لا يَسْلَمُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ بَلِ اللَّيْلُ تارَةً يَغْلِبُ وتارَةً يُغْلَبُ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ أنْ تَسْلَمَ عَلى الخَلْقِ ؟ !
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ خُصَّ وقْتُ الضُّحى بِالذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ وكَمالِ الأُنْسِ بَعْدَ الِاسْتِيحاشِ في زَمانِ اللَّيْلِ، فَبَشَّرُوهُ أنَّ بَعْدَ اسْتِيحاشِكَ بِسَبَبِ احْتِباسِ الوَحْيِ يَظْهَرُ ضُحى نُزُولِ الوَحْيِ.
وثانِيها: أنَّها السّاعَةُ الَّتِي كَلَّمَ فِيها مُوسى رَبَّهُ، وأُلْقِي فِيها السَّحَرَةُ سُجَّدًا، فاكْتَسى الزَّمانُ صِفَةَ الفَضِيلَةِ لِكَوْنِهِ ظَرْفًا، فَكَيْفَ فاعِلُ الطّاعَةِ ! وأفادَ أيْضًا أنَّ الَّذِي أكْرَمَ مُوسى لا يَدَعُ إكْرامَكَ، والَّذِي قَلَبَ قُلُوبَ السَّحَرَةِ حَتّى سَجَدُوا يَقْلِبُ قُلُوبَ أعْدائِكَ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ ذَكَرَ الضُّحى وهو ساعَةٌ مِنَ النَّهارِ، وذَكَرَ اللَّيْلَ بِكُلِّيَّتِهِ ؟
الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ تَوازِي جَمِيعَ اللَّيْلِ كَما أنَّ مُحَمَّدًا إذا وُزِنَ يُوازِي جَمِيعَ الأنْبِياءِ.
والثّانِي: أنَّ النَّهارَ وقْتُ السُّرُورِ والرّاحَةِ، واللَّيْلَ وقْتُ الوَحْشَةِ والغَمِّ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ هُمُومَ الدُّنْيا أدْوَمُ مِن سُرُورِها، فَإنَّ الضُّحى ساعَةٌ واللَّيْلَ هَكَذا ساعاتٌ، يُرْوى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ العَرْشَ أظَلَّتْ غَمامَةٌ سَوْداءُ عَنْ يَسارِهِ، ونادَتْ ماذا أُمْطِرُ ؟ فَأُجِيبَتْ أنْ أمْطِرِي الهُمُومَ والأحْزانَ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ انْكَشَفَتْ فَأُمِرَتْ مَرَّةً أُخْرى بِذَلِكَ وهَكَذا إلى تَمامِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أظَلَّتْ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ غَمامَةٌ بَيْضاءُ ونادَتْ: ماذا أُمْطِرُ ؟ فَأُجِيبَتْ أنْ أمْطِرِي السُّرُورَ ساعَةً، فَلِهَذا السَّبَبِ تَرى الغُمُومَ والأحْزانَ دائِمَةً والسُّرُورَ قَلِيلًا ونادِرًا.
صفحة ١٩٠
وثالِثُها: أنَّ وقْتَ الضُّحى وقْتَ حَرَكَةِ النّاسِ وتَعارُفِهِمْ فَصارَتْ نَظِيرَ وقْتِ الحَشْرِ، واللَّيْلُ إذا سَكَنَ نَظِيرُ سُكُونِ النّاسِ في ظُلْمَةِ القُبُورِ، فَكِلاهُما حِكْمَةٌ ونِعْمَةٌ، لَكِنَّ الفَضِيلَةَ لِلْحَياةِ عَلى المَوْتِ، ولَمّا بَعُدَ المَوْتُ عَلى ما قَبْلَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ الضُّحى عَلى ذِكْرِ اللَّيْلِ.
ورابِعُها: ذَكَرَ الضُّحى حَتّى لا يَحْصُلَ اليَأْسُ مِن رُوحِهِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِاللَّيْلِ حَتّى لا يَحْصُلَ الأمْنُ مِن مَكْرِهِ.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ أحَدٌ مِنَ المَذْكُورِينَ فَسَّرَ الضُّحى بِوَجْهِ مُحَمَّدٍ واللَّيْلَ بِشَعْرِهِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ ولا اسْتِبْعادَ فِيهِ، ومِنهم مَن زادَ عَلَيْهِ فَقالَ: ”والضُّحى“ ذُكُورُ أهْلِ بَيْتِهِ، ”واللَّيْلِ“ إناثُهم، ويُحْتَمَلُ: الضُّحى رِسالَتُهُ واللَّيْلُ زَمانُ احْتِباسِ الوَحْيِ؛ لِأنَّ في حالِ النُّزُولِ حَصَلَ الِاسْتِئْناسُ وفي زَمَنِ الِاحْتِباسِ حَصَلَ الِاسْتِيحاشُ، ويُحْتَمَلُ ”والضُّحى“ نُورُ عِلْمِهِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ المَسْتُورُ مِنَ الغُيُوبِ، ”واللَّيْلِ“ عَفْوُهُ الَّذِي بِهِ يَسْتُرُ جَمِيعَ العُيُوبِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ الضُّحى إقْبالُ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ كانَ غَرِيبًا ”واللَّيْلِ“ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيَعُودُ غَرِيبًا، ويُحْتَمَلُ ”والضُّحى“ كَمالُ العَقْلِ، ”واللَّيْلِ“ حالُ المَوْتِ، ويُحْتَمَلُ: أُقْسِمُ بِعَلانِيَتِكَ الَّتِي لا يَرى عَلَيْها الخَلْقُ عَيْبًا، وبِسِرِّكَ الَّذِي لا يَعْلَمُ عَلَيْهِ عالِمُ الغَيْبِ عَيْبًا.
الضحى 93:2
صفحة ١٨٨
(سُورَةُ الضُّحى)
إحْدى عَشْرَةَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾
وأنا عَلى عَزْمٍ أنْ أضُمَّ إلى تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ ما فِيها مِنَ اللَّطائِفِ التِّذْكارِيَّةِ.
﷽
﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ لِأهْلِ التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿والضُّحى﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالضُّحى وقْتُ الضُّحى وهو صَدْرُ النَّهارِ حِينَ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ وتُلْقِي شُعاعَها.
وثانِيها: الضُّحى هو النَّهارُ كُلُّهُ بِدَلِيلِ أنَّهُ جُعِلَ في مُقابَلَةِ اللَّيْلِ كُلِّهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ فَذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ في ﴿سَجى﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ مُتَقارِبَةٍ: سَكَنَ وأظْلَمَ وغَطّى:
أمّا الأوَّلُ: فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: سَجى أيْ سَكَنَ يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ أيْ: ساكِنَةُ الرِّيحِ، وعَيْنٌ ساجِيَةٌ أيْ: فاتِرَةُ الطَّرْفِ. وسَجى البَحْرُ إذا سَكَنَتْ أمْواجُهُ، وقالَ في الدُّعاءِ:
يا مالِكَ البَحْرِ إذا البَحْرُ سَجى
وأمّا الثّانِي: وهو تَفْسِيرُ ”سَجى“ بِـ”أظْلَمَ“، فَقالَ الفَرّاءُ: سَجى أيْ: أظْلَمَ ورَكَدَ في طُولِهِ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو تَفْسِيرُ ”سَجى“ بِغَطّى، فَقالَ الأصْمَعِيُّ وابْنُ الأعْرابِيِّ: سَجى اللَّيْلُ تَغْطِيَتُهُ النَّهارَ، مِثْلَ ما يُسَجّى الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ، واعْلَمْ أنَّ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ غَيْرُ خارِجَةٍ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَطّى الدُّنْيا بِالظُّلْمَةِ، وقالَ الحَسَنُ: أُلْبِسَ النّاسُ ظَلامَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إذا أقْبَلَ اللَّيْلُ غَطّى كُلَّ شَيْءٍ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَكَنَ بِالنّاسِ ولِسُكُونِهِ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: سُكُونُ النّاسِ فَنُسِبَ إلَيْهِ كَما يُقالُ: لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ.
والثّانِي: هو أنَّ سُكُونَهُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِقْرارِ ظَلامِهِ
صفحة ١٨٩
واسْتِوائِهِ فَلا يَزْدادُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى في السُّورَةِ الماضِيَةِ قَدَّمَ ذِكْرَ اللَّيْلِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ أخَّرَهُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ يَنْتَظِمُ مَصالِحُ المُكَلَّفِينَ، واللَّيْلُ لَهُ فَضِيلَةُ السَّبْقِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] ولِلنَّهارِ فَضِيلَةُ النُّورِ، بَلِ اللَّيْلُ كالدُّنْيا والنَّهارُ كالآخِرَةِ، فَلَمّا كانَ لِكُلِّ واحِدٍ فَضِيلَةٌ لَيْسَتْ لِلْآخَرِ، لا جَرَمَ قُدِّمَ هَذا عَلى ذاكَ تارَةً، وذاكَ عَلى هَذا أُخْرى، ونَظِيرُهُ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣] ثُمَّ قَدَّمَ الرُّكُوعَ عَلى السُّجُودِ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] .
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ في سُورَةِ أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ أبا بَكْرٍ سَبَقَهُ كَفْرٌ، وهَهُنا قَدَّمَ الضُّحى لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما سَبَقَهُ ذَنْبٌ.
وثالِثُها: سُورَةُ ”واللَّيْلِ“ سُورَةُ أبِي بَكْرٍ، وسُورَةُ الضُّحى سُورَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ ما جُعِلَ بَيْنَهُما واسِطَةٌ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وأبِي بَكْرٍ، فَإذا ذَكَرْتَ اللَّيْلَ أوَّلًا وهو أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ صَعَدْتَ وجَدْتَ بَعْدَهُ النَّهارَ وهو مُحَمَّدٌ، وإنْ ذَكَرْتَ ”والضُّحى“ أوَّلًا وهو مُحَمَّدٌ، ثُمَّ نَزَلْتَ وجَدْتَ بَعْدَهُ اللَّيْلَ وهو أبُو بَكْرٍ، لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ هَهُنا في الحَلِفِ بِالضُّحى واللَّيْلِ فَقَطْ ؟
والجَوابُ: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الزَّمانُ ساعَةٌ، فَساعَةٌ ساعَةُ لَيْلٍ، وساعَةُ نَهارٍ، ثُمَّ يَزْدادُ فَمَرَّةً تَزْدادُ ساعاتُ اللَّيْلِ وتَنْقُصُ ساعاتُ النَّهارِ، ومَرَّةً بِالعَكْسِ فَلا تَكُونُ الزِّيادَةُ لِهَوًى ولا النُّقْصانُ لِقِلًى، بَلْ لِلْحِكْمَةِ، كَذا الرِّسالَةُ وإنْزالُ الوَحْيِ بِحَسَبِ المَصالِحِ فَمَرَّةً إنْزالٌ ومَرَّةً حَبْسٌ، فَلا كانَ الإنْزالُ عَنْ هَوًى، ولا كانَ الحَبْسُ عَنْ قِلًى.
وثانِيها: أنَّ العالِمَ لا يُؤَثِّرُ كَلامُهُ حَتّى يَعْمَلَ بِهِ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ البَيِّنَةَ عَلى المُدَّعِي واليَمِينَ عَلى مَن أنْكَرَ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن أنْ يَعْمَلَ بِهِ، فالكُفّارُ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ رَبَّهُ ودَّعَهُ وقَلاهُ، قالَ: هاتُوا الحُجَّةَ فَعَجَزُوا فَلَزِمَهُ اليَمِينُ بِأنَّهُ ما ودَّعَهُ وأنَّهُ ما قَلاهُ.
وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْظُرُوا إلى جِوارِ اللَّيْلِ مَعَ النَّهارِ لا يَسْلَمُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ بَلِ اللَّيْلُ تارَةً يَغْلِبُ وتارَةً يُغْلَبُ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ أنْ تَسْلَمَ عَلى الخَلْقِ ؟ !
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ خُصَّ وقْتُ الضُّحى بِالذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ وكَمالِ الأُنْسِ بَعْدَ الِاسْتِيحاشِ في زَمانِ اللَّيْلِ، فَبَشَّرُوهُ أنَّ بَعْدَ اسْتِيحاشِكَ بِسَبَبِ احْتِباسِ الوَحْيِ يَظْهَرُ ضُحى نُزُولِ الوَحْيِ.
وثانِيها: أنَّها السّاعَةُ الَّتِي كَلَّمَ فِيها مُوسى رَبَّهُ، وأُلْقِي فِيها السَّحَرَةُ سُجَّدًا، فاكْتَسى الزَّمانُ صِفَةَ الفَضِيلَةِ لِكَوْنِهِ ظَرْفًا، فَكَيْفَ فاعِلُ الطّاعَةِ ! وأفادَ أيْضًا أنَّ الَّذِي أكْرَمَ مُوسى لا يَدَعُ إكْرامَكَ، والَّذِي قَلَبَ قُلُوبَ السَّحَرَةِ حَتّى سَجَدُوا يَقْلِبُ قُلُوبَ أعْدائِكَ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ ذَكَرَ الضُّحى وهو ساعَةٌ مِنَ النَّهارِ، وذَكَرَ اللَّيْلَ بِكُلِّيَّتِهِ ؟
الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ تَوازِي جَمِيعَ اللَّيْلِ كَما أنَّ مُحَمَّدًا إذا وُزِنَ يُوازِي جَمِيعَ الأنْبِياءِ.
والثّانِي: أنَّ النَّهارَ وقْتُ السُّرُورِ والرّاحَةِ، واللَّيْلَ وقْتُ الوَحْشَةِ والغَمِّ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ هُمُومَ الدُّنْيا أدْوَمُ مِن سُرُورِها، فَإنَّ الضُّحى ساعَةٌ واللَّيْلَ هَكَذا ساعاتٌ، يُرْوى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ العَرْشَ أظَلَّتْ غَمامَةٌ سَوْداءُ عَنْ يَسارِهِ، ونادَتْ ماذا أُمْطِرُ ؟ فَأُجِيبَتْ أنْ أمْطِرِي الهُمُومَ والأحْزانَ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ انْكَشَفَتْ فَأُمِرَتْ مَرَّةً أُخْرى بِذَلِكَ وهَكَذا إلى تَمامِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أظَلَّتْ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ غَمامَةٌ بَيْضاءُ ونادَتْ: ماذا أُمْطِرُ ؟ فَأُجِيبَتْ أنْ أمْطِرِي السُّرُورَ ساعَةً، فَلِهَذا السَّبَبِ تَرى الغُمُومَ والأحْزانَ دائِمَةً والسُّرُورَ قَلِيلًا ونادِرًا.
صفحة ١٩٠
وثالِثُها: أنَّ وقْتَ الضُّحى وقْتَ حَرَكَةِ النّاسِ وتَعارُفِهِمْ فَصارَتْ نَظِيرَ وقْتِ الحَشْرِ، واللَّيْلُ إذا سَكَنَ نَظِيرُ سُكُونِ النّاسِ في ظُلْمَةِ القُبُورِ، فَكِلاهُما حِكْمَةٌ ونِعْمَةٌ، لَكِنَّ الفَضِيلَةَ لِلْحَياةِ عَلى المَوْتِ، ولَمّا بَعُدَ المَوْتُ عَلى ما قَبْلَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ الضُّحى عَلى ذِكْرِ اللَّيْلِ.
ورابِعُها: ذَكَرَ الضُّحى حَتّى لا يَحْصُلَ اليَأْسُ مِن رُوحِهِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِاللَّيْلِ حَتّى لا يَحْصُلَ الأمْنُ مِن مَكْرِهِ.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ أحَدٌ مِنَ المَذْكُورِينَ فَسَّرَ الضُّحى بِوَجْهِ مُحَمَّدٍ واللَّيْلَ بِشَعْرِهِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ ولا اسْتِبْعادَ فِيهِ، ومِنهم مَن زادَ عَلَيْهِ فَقالَ: ”والضُّحى“ ذُكُورُ أهْلِ بَيْتِهِ، ”واللَّيْلِ“ إناثُهم، ويُحْتَمَلُ: الضُّحى رِسالَتُهُ واللَّيْلُ زَمانُ احْتِباسِ الوَحْيِ؛ لِأنَّ في حالِ النُّزُولِ حَصَلَ الِاسْتِئْناسُ وفي زَمَنِ الِاحْتِباسِ حَصَلَ الِاسْتِيحاشُ، ويُحْتَمَلُ ”والضُّحى“ نُورُ عِلْمِهِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ المَسْتُورُ مِنَ الغُيُوبِ، ”واللَّيْلِ“ عَفْوُهُ الَّذِي بِهِ يَسْتُرُ جَمِيعَ العُيُوبِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ الضُّحى إقْبالُ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ كانَ غَرِيبًا ”واللَّيْلِ“ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيَعُودُ غَرِيبًا، ويُحْتَمَلُ ”والضُّحى“ كَمالُ العَقْلِ، ”واللَّيْلِ“ حالُ المَوْتِ، ويُحْتَمَلُ: أُقْسِمُ بِعَلانِيَتِكَ الَّتِي لا يَرى عَلَيْها الخَلْقُ عَيْبًا، وبِسِرِّكَ الَّذِي لا يَعْلَمُ عَلَيْهِ عالِمُ الغَيْبِ عَيْبًا.
الضحى 93:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ: ودَّعَكَ مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُودَّعُ المُفارِقُ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ ما تَرَكَكَ، والتَّوْدِيعُ مُبالَغَةٌ في الوَداعِ؛ لِأنَّ مَن ودَّعَكَ مُفارِقًا فَقَدْ بالَغَ في تَرْكِكَ، والقِلى البُغْضُ، يُقالُ: قَلاهُ يَقْلِيهِ قِلًى ومَقْلِيَةً إذا أبْغَضَهُ، قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ وما قَلاكَ، وفي حَذْفِ الكافِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: حُذِفَتِ الكافُ اكْتِفاءً بِالكافِ الأُولى في ودَّعَكَ، ولِأنَّ رُؤُوسَ الآياتِ بِالياءِ، فَأوْجَبَ اتِّفاقُ الفَواصِلِ حَذْفَ الكافِ.
وثانِيها: فائِدَةُ الإطْلاقِ أنَّهُ ما قَلاكَ ولا [ قَلا ] أحَدًا مِن أصْحابِكَ، ولا أحَدًا مِمَّنْ أحَبَّكَ إلى قِيامِ القِيامَةِ، تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ”«المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: أبْطَأ جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ قَلاهُ اللَّهُ ووَدَّعَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ السُّدِّيُّ: أبْطَأ عَلَيْهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً فَشَكا ذَلِكَ إلى خَدِيجَةَ، فَقالَتْ: لَعَلَّ رَبَّكَ نَسِيَكَ أوْ قَلاكَ، وقِيلَ: إنَّ أُمَّ جَمِيلٍ امْرَأةَ أبِي لَهَبٍ قالَتْ لَهُ: يا مُحَمَّدُ ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: أبْطَأ عَلى الرَّسُولِ ﷺ الوَحْيُ، فَقالَ لِخَدِيجَةَ: ”«إنَّ رَبِّي ودَّعَنِي وقَلانِي - يَشْكُو إلَيْها - فَقالَتْ: كَلّا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما ابْتَدَأكَ اللَّهُ بِهَذِهِ الكَرامَةِ إلّا وهو يُرِيدُ أنْ يُتِمَّها لَكَ» “ فَنَزَلَ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ وطَعَنَ الأُصُولِيُّونَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وقالُوا: إنَّهُ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ ﷺ أنْ يَظُنَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى ودَّعَهُ وقَلاهُ، بَلْ يَعْلَمُ أنَّ عَزْلَ النَّبِيِّ عَنِ النُّبُوَّةِ غَيْرُ جائِزٍ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَعْلَمُ أنَّ نُزُولَ الوَحْيِ يَكُونُ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، ورُبَّما كانَ الصَّلاحُ تَأْخِيرَهُ، ورُبَّما كانَ خِلافَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ غَيْرُ لائِقٍ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ إنْ صَحَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ كانَ مَقْصُودُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُجَرِّبَها لِيَعْرِفَ قَدْرَ عِلْمِها، أوْ لِيَعْرِفَ النّاسُ قَدْرَ عِلْمِها، واخْتَلَفُوا في قَدْرِ مُدَّةِ انْقِطاعِ الوَحْيِ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اثْنا عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ الكَلْبِيُّ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، وقالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: أرْبَعُونَ يَوْمًا،
صفحة ١٩١
واخْتَلَفُوا في سَبَبِ احْتِباسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَذَكَرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ اليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّوحِ وذِي القَرْنَيْنِ وأصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ: ”«سَأُخْبِرُكم غَدًا ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ» “ فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَّبَبُ فِيهِ كَوْنُ جَرْوٍ في بَيْتِهِ لِلْحَسَنِ والحُسَيْنِ، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، عاتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: ”«أما عَلِمْتَ أنّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ» “، وقالَ جُنْدُبُ بْنُ سُفْيانَ: «رُمِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ بِحَجَرٍ في إصْبَعِهِ، فَقالَ:
هَلْ أنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ»
فَأبْطَأ عَنْهُ الوَحْيُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لا يُقَلِّمُ الأظْفارَ. وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الرِّواياتُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ تَدَلُّ عَلى أنَّ احْتِباسَ الوَحْيِ كانَ عَنْ قِلًى ؟ (قُلْنا): أقْصى ما في البابِ أنَّ ذَلِكَ كانَ تَرْكًا لِلْأفْضَلِ والأوْلى، وصاحِبُهُ لا يَكُونُ مَمْقُوتًا ولا مُبْغَضًا، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِجِبْرِيلَ: ”«ما جِئْتَنِي حَتّى اشْتَقْتُ إلَيْكَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: كُنْتُ إلَيْكَ أشْوَقَ ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ» “ وتَلا: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَحْسُنُ مِنَ السُّلْطانِ أنْ يَقُولَ لِأعْظَمِ الخَلْقِ قُرْبَةً عِنْدَهُ: إنِّي لا أُبْغِضُكَ تَشْرِيفًا لَهُ ؟ الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَحْسُنُ ابْتِداءً، لَكِنَّ الأعْداءَ إذا ألْقَوْا في الألْسِنَةِ أنَّ السُّلْطانَ يُبْغِضُهُ، ثُمَّ تَأسَّفَ ذَلِكَ المُقَرَّبُ فَلا لَفْظَ أقْرَبُ إلى تَشْرِيفِهِ مِن أنْ يَقُولَ لَهُ: إنِّي لا أُبْغِضُكَ ولا أدَعَكَ، وسَوْفَ تَرى مَنزِلَتَكَ عِنْدِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الواقِعَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كانَ مِن عِنْدِهِ لَما امْتَنَعَ.
الضحى 93:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾
واعْلَمْ أنَّ في اتِّصالِهِ بِما تَقَدَّمَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ انْقِطاعَ الوَحْيِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأنَّهُ عَزْلٌ عَنِ النُّبُوَّةِ، بَلْ أقْصى ما في البابِ، أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهُ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ أمارَةُ المَوْتِ فَكَأنَّهُ يُقالُ: انْقِطاعُ الوَحْيِ مَتى حَصَلَ دَلَّ عَلى المَوْتِ، لَكِنَّ المَوْتَ خَيْرٌ لَكَ، فَإنَّ ما لَكَ عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأفْضَلُ مِمّا لَكَ في الدُّنْيا.
وثانِيها: لَمّا نَزَلَ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ حَصَلَ لَهُ بِهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَكَأنَّهُ اسْتَعْظَمَ هَذا التَّشْرِيفَ فَقِيلَ لَهُ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ أيْ هَذا التَّشْرِيفُ وإنْ كانَ عَظِيمًا إلّا أنَّ ما لَكَ عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأعْظَمُ.
وثالِثُها: ما يَخْطُرُ بِبالِي، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَلْأحْوالُ الآتِيَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الماضِيَةِ كَأنَّهُ تَعالى وعَدَهُ بِأنَّهُ سَيَزِيدُهُ كُلَّ يَوْمٍ عِزًّا إلى عِزٍّ، ومَنصِبًا إلى مَنصِبٍ، فَيَقُولُ: لا تَظُنُّ أنِّي قَلَيْتُكَ بَلْ تَكُونُ كُلَّ يَوْمٍ يَأْتِي فَإنِّي أزِيدُكَ مَنصِبًا وجَلالًا، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: بِأيِّ طَرِيقٍ يُعْرَفُ أنَّ الآخِرَةَ كانَتْ لَهُ خَيْرًا مِنَ الأُولى ؟ الجَوابُ: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: إنَّكَ في الدُّنْيا عَلى خَيْرٍ لِأنَّكَ تَفْعَلُ فِيها ما تُرِيدُ، ولَكِنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَكَ لِأنّا نَفْعَلُ فِيها ما نُرِيدُ.
وثانِيها: الآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ يَجْتَمِعُ عِنْدَكَ أُمَّتُكَ إذِ الأُمَّةُ لَهُ كالأوْلادِ قالَ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾
صفحة ١٩٢
[الأحزاب: ٦] وهو أبٌ لَهم، وأُمَّتُهُ في الجَنَّةِ فَيَكُونُ كَأنَّ أوْلادَهُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ سَمّى الوَلَدَ قُرَّةَ أعْيُنٍ، حَيْثُ حَكى عَنْهم: ﴿هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] .
وثالِثُها: الآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ لِأنَّكَ اشْتَرَيْتَها، أمّا هَذِهِ لَيْسَتْ لَكَ، فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ لَوْ كانَتِ الآخِرَةُ أقَلَّ مِنَ الدُّنْيا لَكانَتِ الآخِرَةُ خَيْرًا لَكَ، لَأنَّ مَمْلُوكَكَ خَيْرٌ لَكَ مِمّا لا يَكُونُ مَمْلُوكًا لَكَ، فَكَيْفَ ولا نِسْبَةَ لِلْآخِرَةِ إلى الدُّنْيا في الفَضْلِ.
ورابِعُها: الآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى لِأنَّ في الدُّنْيا الكُفّارَ يَطْعَنُونَ فِيكَ، أمّا في الآخِرَةِ فَأجْعَلُ أُمَّتَكَ شُهَداءَ عَلى الأُمَمِ، وأجْعَلُكَ شَهِيدًا عَلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ أجْعَلُ ذاتِي شَهِيدًا لَكَ كَما قالَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩، ٢٨] .
وخامِسُها: أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ مَشُوبَةٌ مُنْقَطِعَةٌ، ولَذّاتِ الآخِرَةِ كَثِيرَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ﴾ ولَمْ يُقَلْ خَيْرٌ لَكم ؟
الجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ في جَماعَتِهِ مَن كانَتِ الآخِرَةُ شَرًّا لَهُ، فَلَوْ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَمَّمَ لَكانَ كَذِبًا، ولَوْ خَصَّصَ المُطِيعِينَ بِالذِّكْرِ لافْتُضِحَ المُذْنِبُونَ والمُنافِقُونَ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فالَّذِي كانَ مَعَهُ لَمّا كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ قَطْعًا، لا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] إذْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ إلّا نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ لِلِاسْتِسْقاءِ ومَعَهُ الأُلُوفُ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَلَمْ يَجِدُوا الإجابَةَ، فَسَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّبَبِ المُوجِبِ لِعَدَمِ الإجابَةِ، فَقالَ: لا أُجِيبُكم ما دامَ مَعَكم ساعٍ بِالنَّمِيمَةِ، فَسَألَ مُوسى مَن هو ؟ فَقالَ: [ إنِّي ] أبْغُضُهُ فَكَيْفَ أعْمَلُ عَمَلَهُ، فَما مَضَتْ مُدَّةٌ قَلِيلَةٌ حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ بِأنَّ ذَلِكَ النَّمّامَ قَدْ ماتَ، وهَذِهِ جِنازَتُهُ في مُصَلّى كَذا، فَذَهَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى تِلْكَ المُصَلّى، فَإذا فِيها سَبْعُونَ مِنَ الجَنائِزِ، فَهَذا سَتْرُهُ عَلى أعْدائِهِ فَكَيْفَ عَلى أوْلِيائِهِ، ثُمَّ تَأمَّلْ فَإنَّ فِيهِ دَقِيقَةً لَطِيفَةً، وهي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«لَوْلا شُيُوخٌ رُكَّعٌ» “ وفِيهِ إشارَةٌ إلى زِيادَةِ فَضِيلَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإنَّهُ تَعالى كانَ يَرُدُّ الأُلُوفَ لِمُذْنِبٍ واحِدٍ، وهَهُنا يَرْحَمُ المُذْنِبِينَ لِمُطِيعٍ واحِدٍ.
الضحى 93:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ واعْلَمِ اتِّصالَهُ بِما تَقَدَّمَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الآخِرَةَ ”خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى“ ولَكِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ ذَلِكَ التَّفاوُتَ إلى أيِّ حَدٍّ يَكُونُ، فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِقْدارَ ذَلِكَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ يَنْتَهِي إلى غايَةِ ما يَتَمَنّاهُ الرَّسُولُ ويَرْتَضِيهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ فَقِيلَ ولِمَ قُلْتَ إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَقالَ: لِأنَّهُ يُعْطِيهِ كُلَّ ما يُرِيدُهُ وذَلِكَ مِمّا لا تَتَّسِعُ الدُّنْيا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى، واعْلَمْ أنَّهُ إنْ حَمَلْنا هَذا الوَعْدَ عَلى الآخِرَةِ فَقَدْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المَنافِعِ، وقَدْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى التَّعْظِيمِ، أمّا المَنافِعُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْفُ قَصْرٍ في الجَنَّةِ مِن لُؤْلُؤٍ أبْيَضَ تُرابُهُمُ المِسْكُ وفِيها ما يَلِيقُ بِها، وأمّا التَّعْظِيمُ فالمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا هو الشَّفاعَةُ في الأُمَّةِ، يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: «إذًا لا أرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِي في النّارِ»، واعْلَمْ أنَّ الحَمْلَ عَلى الشَّفاعَةِ مُتَعَيِّنٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ في الدُّنْيا بِالِاسْتِغْفارِ فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] فَأمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، والِاسْتِغْفارُ عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ المَغْفِرَةِ، ومَن طَلَبَ شَيْئًا فَلا شَكَّ أنَّهُ لا يُرِيدُ الرَّدَّ ولا يَرْضى بِهِ وإنَّما
صفحة ١٩٣
يَرْضى بِالإجابَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الَّذِي يَرْضاهُ الرَّسُولُ ﷺ هو الإجابَةُ لا الرَّدُّ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ كُلَّ ما يَرْتَضِيهِ. عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الشَّفاعَةِ في حَقِّ المُذْنِبِينَ.
والثّانِي: وهو أنَّ مُقَدِّمَةَ الآيَةِ مُناسِبَةٌ لِذَلِكَ كَأنَّهُ تَعالى التَّفْسِيرُ يَقُولُ: لا أُوَدِّعُكَ ولا أبْغُضُكَ بَلْ لا أغْضَبُ عَلى أحَدٍ مِن أصْحابِكَ وأتْباعِكَ وأشْياعِكَ طَلَبًا لِمَرْضاتِكَ وتَطْيِيبًا لِقَلْبِكَ، فَهَذا أوْفَقُ لِمُقَدِّمَةِ الآيَةِ.
والثّالِثُ: الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ الوارِدَةُ في الشَّفاعَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ رِضا الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في العَفْوِ عَنِ المُذْنِبِينَ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ كُلَّ ما يَرْضاهُ الرَّسُولُ، فَتَحَصَّلَ مِن مَجْمُوعِ الآيَةِ والخَبَرِ حُصُولُ الشَّفاعَةِ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: رِضاءُ جَدِّي أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ مُوَحِّدٌ، وعَنِ الباقِرِ: أهْلُ القُرْآنِ يَقُولُونَ: أرْجى آيَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] وإنّا أهْلَ البَيْتِ نَقُولُ: أرْجى آيَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ واللَّهِ إنَّها الشَّفاعَةُ لَيُعْطاها في أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى يَقُولَ: رَضِيتُ، هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى أحْوالِ الآخِرَةِ، أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذا الوَعْدَ عَلى أحْوالِ الدُّنْيا فَهو إشارَةٌ إلى ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الظَّفَرِ بِأعْدائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ودُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا، والغَلَبَةِ عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وإجْلائِهِمْ وبَثِّ عَساكِرِهِ وسَراياهُ في بِلادِ العَرَبِ، وما فَتَحَ عَلى خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ في أقْطارِ الأرْضِ مِنَ المَدائِنِ، و[ما] هَدَمَ بِأيْدِيهِمْ مِن مَمالِكِ الجَبابِرَةِ، وأنْهَبَهم مِن كُنُوزِ الأكاسِرَةِ، وما قَذَفَ في أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ مِنَ الرُّعْبِ وتَهْيِيبِ الإسْلامِ وفُشُوِّ الدَّعْوَةِ، واعْلَمْ أنَّ الأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: يُعْطِيكم مَعَ أنَّ هَذِهِ السَّعاداتِ حَصَلَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا ؟
الجَوابُ: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَقْصُودُ وهم أتْباعٌ.
وثانِيها: أنِّي إذا أكْرَمْتُ أصْحابَكَ فَذاكَ في الحَقِيقَةِ إكْرامٌ لَكَ، لِأنِّي أعْلَمُ أنَّكَ بَلَغْتَ في الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ إلى حَيْثُ تَفْرَحُ بِإكْرامِهِمْ فَوْقَ ما تَفْرَحُ بِإكْرامِ نَفْسِكَ، ومِن ذَلِكَ حَيْثُ تَقُولُ الأنْبِياءُ: نَفْسِي نَفْسِي، أيِ ابْدَأْ بِجَزائِي وثَوابِي قَبْلَ أُمَّتِي، لِأنَّ طاعَتِي كانَتْ قَبْلَ طاعَةِ أُمَّتِي، وأنْتَ تَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، أيِ ابْدَأْ بِهِمْ، فَإنَّ سُرُورِي أنْ أراهم فائِزِينَ بِثَوابِهِمْ.
وثالِثُها: أنَّكَ عامَلْتَنِي مُعامَلَةً حَسَنَةً، فَإنَّهم حِينَ شَجُّوا وجْهَكَ، قُلْتَ: ”«اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» “ وحِينَ شَغَلُوكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ، قُلْتَ: ”«اللَّهُمَّ امْلَأْ بُطُونَهم نارًا» “ فَتَحَمَّلْتَ الشَّجَّةَ الحاصِلَةَ في وجْهِ جَسَدِكَ، وما تَحَمَّلْتَ الشَّجَّةَ الحاصِلَةَ في وجْهِ دِينِكَ، فَإنَّ وجْهَ الدِّينِ هو الصَّلاةُ، فَرَجَّحْتَ حَقِّي عَلى حَقِّكَ، لا جَرَمَ فَضَّلْتُكَ فَقُلْتُ: مَن تَرَكَ الصَّلاةَ سِنِينَ، أوْ حَبَسَ غَيْرَهُ عَنِ الصَّلاةِ سِنِينَ لا أُكَفِّرُهُ، ومَن آذى شَعْرَةً مِن شَعَراتِكَ، أوْ جُزْءًا مِن نَعْلِكَ أُكَفِّرُهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَسَوْفَ﴾ ولِمَ لَمْ يَقُلْ: وسَيُعْطِيكَ رَبُّكَ ؟
الجَوابُ: فِيهِ فَوائِدُ:
إحْداها: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما قَرُبَ أجَلُهُ، بَلْ يَعِيشُ بَعْدَ ذَلِكَ زَمانًا.
وثانِيها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا قالُوا: ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِ تِلْكَ اللَّفْظَةِ، فَقالَ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ثُمَّ قالَ المُشْرِكُونَ: سَوْفَ يَمُوتُ مُحَمَّدٌ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقالَ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ؟
الجَوابُ: هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ، لِأنَّهُ كانَ شَدِيدَ الِاشْتِياقِ إلَيْهِ وإلى كَلامِهِ كَما ذَكَرْنا، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَكُونَ هو المُخاطِبَ لَهُ بِهَذِهِ البِشاراتِ.
صفحة ١٩٤
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذِهِ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى سَوْفَ ؟ الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هي لامُ الِابْتِداءِ المُؤَكِّدَةُ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ والدَّلِيلُ عَلى ما قُلْنا أنَّها إمّا أنْ تَكُونَ لامَ القَسَمِ، أوْ لامَ الِابْتِداءِ، ولامُ القَسَمِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ نُونِ التَّوْكِيدِ، فَبَقِيَ أنْ تَكُونَ لامَ ابْتِداءٍ، ولامُ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمْلَةِ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ أصْلُهُ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّوْكِيدِ والتَّأْخِيرِ ؟ قُلْنا مَعْناهُ: أنَّ العَطاءَ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنْ تَأخَّرَ لِما في التَّأْخِيرِ مِنَ المَصْلَحَةِ.
الضحى 93:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اتِّصالَهُ بِما تَقَدَّمَ هو أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ فَقالَ الرَّسُولُ: بَلى يا رَبِّ، فَيَقُولُ: انْظُرْ [أ] كانَتْ طاعاتُكَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أكْرَمَ أمِ السّاعَةَ ؟ فَلا بُدَّ مِن أنْ يُقالَ: بَلِ السّاعَةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: حِينَ كُنْتَ صَبِيًّا ضَعِيفًا ما تَرَكْناكَ بَلْ رَبَّيْناكَ ورَقَّيْناكَ إلى حَيْثُ صِرْتَ مُشْرِفًا عَلى شُرُفاتِ العَرْشِ وقُلْنا لَكَ: لَوْلاكَ ما خَلَقْنا الأفْلاكَ، أتَظُنُّ أنّا بَعْدَ هَذِهِ الحالَةِ نَهْجُرُكَ ونَتْرُكُكَ ؟
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ﴾ مِنَ الوُجُودِ الَّذِي بِمَعْنى العِلْمِ، والمَنصُوبانِ مَفْعُولا وجَدَ والوُجُودُ مِنَ اللَّهِ، والمَعْنى ألَمْ يَعْلَمْكَ اللَّهُ يَتِيمًا فَآوى، وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ اليَتِيمِ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فِيما ذَكَرَهُ أهْلُ الأخْبارِ تُوُفِّيَ وأُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حامِلٌ بِهِ، ثُمَّ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ فَكانَ مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ومَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ، فَهَلَكَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ وهو ابْنُ سِتِّ سِنِينَ فَكانَ مَعَ جَدِّهِ، ثُمَّ هَلَكَ جَدُّهُ بَعْدَ أُمِّهِ بِسَنَتَيْنِ ورَسُولُ اللَّهِ ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ يُوصِي أبا طالِبٍ بِهِ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ وأبا طالِبٍ كانا مِن أُمٍّ واحِدَةٍ، فَكانَ أبُو طالِبٍ هو الَّذِي يَكْفُلُ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ جَدِّهِ إلى أنَّ بَعَثَهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ، فَقامَ بِنُصْرَتِهِ مُدَّةً مَدِيدَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ أبُو طالِبٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ يُتْمٌ البَتَّةَ فَأذْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ، رُوِيَ أنَّهُ قالَ أبُو طالِبٍ يَوْمًا لِأخِيهِ العَبّاسِ: ألا أُخْبِرُكَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِما رَأيْتُ مِنهُ ؟ فَقالَ: بَلى فَقالَ: إنِّي ضَمَمْتُهُ إلَيَّ فَكَيْفَ لا أُفارِقُهُ ساعَةً مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ؛ ولا أأْتَمِنُ عَلَيْهِ أحَدًا حَتّى أنِّي كُنْتُ أُنَوِّمُهُ في فِراشِي، فَأمَرْتُهُ لَيْلَةً أنْ يَخْلَعَ ثِيابَهُ ويَنامَ مَعِي، فَرَأيْتُ الكَراهَةَ في وجْهِهِ لَكِنَّهُ كَرِهَ أنْ يُخالِفَنِي، وقالَ: يا عَمّاهُ اصْرِفْ بِوَجْهِكَ عَنِّي حَتّى أخْلَعَ ثِيابِي إذْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَنْظُرَ إلى جَسَدِي، فَتَعَجَّبْتُ مِن قَوْلِهِ وصَرَفْتُ بَصَرِي حَتّى دَخَلَ الفِراشَ فَلَمّا دَخَلْتُ مَعَهُ الفِراشَ إذا بَيْنِي وبَيْنَهُ ثَوْبٌ واللَّهِ ما أدْخَلْتُهُ فِراشِي فَإذا هو في غايَةِ اللِّينِ وطِيبِ الرّائِحَةِ كَأنَّهُ غُمِسَ في المِسْكِ، فَجَهِدْتُ لِأنْظُرَ إلى جَسَدِهِ فَما كُنْتُ أرى شَيْئًا وكَثِيرًا ما كُنْتُ أفْتَقِدُهُ مِن فِراشِي فَإذا قُمْتُ لِأطْلُبَهُ نادانِي ها أنا يا عَمُّ فارْجِعْ، ولَقَدْ كُنْتُ كَثِيرًا ما أسْمَعُ مِنهُ كَلامًا يُعْجِبُنِي وذَلِكَ عِنْدَ مُضِيِّ اللَّيْلِ وكُنّا لا نُسَمِّي عَلى الطَّعامِ والشَّرابِ ولا نَحْمَدُهُ بَعْدَهُ، وكانَ يَقُولُ في أوَّلِ الطَّعامِ: بِسْمِ اللَّهِ الأحَدِ. فَإذا فَرَغَ مِن طَعامِهِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَتَعَجَّبْتُ مِنهُ، ثُمَّ لَمْ أرَ مِنهُ كِذْبَةً ولا ضَحِكًا ولا جاهِلِيَّةً ولا وقَفَ مَعَ صِبْيانٍ يَلْعَبُونَ.
واعْلَمْ أنَّ العَجائِبَ المَرْوِيَّةَ في حَقِّهِ مِن حَدِيثِ بَحِيرى الرّاهِبِ وغَيْرِهِ مَشْهُورَةٌ.
التَّفْسِيرُ الثّانِي لِلْيَتِيمِ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ، والمَعْنى ألَمْ يَجِدْكَ واحِدًا في قُرَيْشٍ عَدِيمَ النَّظِيرِ
صفحة ١٩٥
فَآواكَ ؟ أيْ جَعَلَ لَكَ مَن تَأْوِي إلَيْهِ وهو أبُو طالِبٍ، وقُرِئَ فَآوى وهو عَلى مَعْنَيَيْنِ: إمّا مِن أواهُ بِمَعْنى آواهُ، وإمّا مِن أوى لَهُ إذا رَحِمَهُ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَحْسُنُ مِنَ الجُودِ أنْ يَمُنَّ بِنِعْمَةٍ، فَيَقُولَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ؟ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا السُّؤالَ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشُّعَراءِ: ١٨] في مَعْرِضِ الذَّمِّ لِفِرْعَوْنَ، فَما كانَ مَذْمُومًا مِن فِرْعَوْنَ كَيْفَ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ ؟ الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ يَحْسُنُ إذا قَصَدَ بِذَلِكَ أنَّ يُقَوِّيَ قَلْبَهُ ويَعِدَهُ بِدَوامِ النِّعْمَةِ، وبِهَذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ هَذا الِامْتِنانِ وبَيْنَ امْتِنانِ فِرْعَوْنَ، لِأنَّ امْتِنانَ فِرْعَوْنَ مُحْبِطٌ، لِأنَّ الغَرَضَ فَما بالُكَ لا تَخْدُمُنِي، وامْتِنانُ اللَّهِ بِزِيادَةِ نِعَمِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ما لَكَ تَقْطَعُ عَنِّي رَجاءَكَ ألَسْتُ شَرَعْتُ في تَرْبِيَتِكَ، أتَظُنُّنِي تارِكًا لِما صَنَعْتُ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ أُتَمِّمَ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ النِّعْمَةَ، كَما قالَ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٠] أما عَلِمْتَ أنَّ الحامِلَ الَّتِي تُسْقِطُ الوَلَدَ قَبْلَ التَّمامِ مَعِيبَةٌ تُرَدُّ، ولَوْ أسْقَطَتْ أوِ الرَّجُلُ أسْقَطَ عَنْها بِعِلاجٍ تَجِبُ الغِرَّةُ وتَسْتَحِقُّ الذَّمَّ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ ذَلِكَ مِنَ الحَيِّ القَيُّومِ، فَما أعْظَمَ الفَرْقَ بَيْنَ مانٍّ هو اللَّهُ، وبَيْنَ مانٍّ هو فِرْعَوْنُ، ونَظِيرُهُ ما قالَهُ بَعْضُهم: ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] في تِلْكَ الأُمَّةِ، وفي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المُجادَلَةِ: ٧] فَشَتّانَ بَيْنَ أُمَّةٍ رابِعُهم كَلْبُهم، وبَيْنَ أُمَّةٍ رابِعُهم رَبُّهم.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى مَنَّ عَلَيْهِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَما وجْهُ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ ؟
الجَوابُ: وجْهُ المُناسَبَةِ أنْ نَقُولَ: قَضاءُ الدَّيْنِ واجِبٌ، ثُمَّ الدَّيْنُ نَوْعانِ مالِيٌّ وإنْعامِيٌّ، والثّانِي أقْوى وُجُوبًا، لِأنَّ المالِيَّ قَدْ يَسْقُطُ بِالإبْراءِ، والثّانِي يَتَأكَّدُ بِالإبْراءِ، والمالِيُّ يُقْضى مَرَّةً فَيَنْجُو الإنْسانُ مِنهُ، والثّانِي يَجِبُ عَلَيْكَ قَضاؤُهُ طُولَ عُمُرِكَ، ثُمَّ إذا تَعَذَّرَ قَضاءُ النِّعْمَةِ القَلِيلَةِ مِن مُنْعِمٍ هو مَمْلُوكٌ، فَكَيْفَ حالُ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ مِنَ المُنْعِمِ العَظِيمِ، فَكَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي أخْرَجْتَنِي مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ بَشَرًا سَوِيًّا، طاهِرَ الظّاهِرِ نَجِسَ الباطِنِ، بِشارَةٌ مِنكَ أنْ تَسْتُرَ عَلَيَّ ذُنُوبِي بِسِتْرِ عَفْوِكَ، كَما سَتَرْتَ نَجاسَتِي بِالجِلْدِ الظّاهِرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنِي قَضاءُ نِعْمَتِكَ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ ؟ فَيَقُولُ تَعالى: الطَّرِيقُ إلى ذَلِكَ أنْ تَفْعَلَ في حَقِّ عَبِيدِي ما فَعَلْتُهُ في حَقِّكَ، كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ فافْعَلْ في حَقِّ الأيْتامِ ذَلِكَ، وكُنْتَ ضالًّا فَهَدَيْتُكَ فافْعَلْ في حَقِّ عَبِيدِي ذَلِكَ، وكُنْتَ عائِلًا فَأغْنَيْتُكَ فافْعَلْ في حَقِّ عَبِيدِي ذَلِكَ ثُمَّ إنْ فَعَلْتَ كُلَّ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّكَ إنَّما فَعَلْتَها بِتَوْفِيقِي لَكَ ولُطْفِي وإرْشادِي، فَكُنْ أبَدًا ذاكِرًا لِهَذِهِ النِّعَمِ والألْطافِ.
الضحى 93:7
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ فاعْلَمْ أنَّ بَعْضَ النّاسِ ذَهَبَ إلى أنَّهُ كانَ كافِرًا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ هَداهُ اللَّهُ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا﴾ يَعْنِي: كافِرًا في قَوْمٍ ضُلّالٍ فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا﴾ عَنِ الهُدى لِدِينِهِ واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِآياتٍ أُخَرَ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشُّورى: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] فَهَذا يَقْتَضِي صِحَّةَ ذَلِكَ مِنهُ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الصِّحَّةِ وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا﴾ عَلَيْهِ، وأمّا الجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ
صفحة ١٩٦
فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كَفَرَ بِاللَّهِ لَحْظَةً واحِدَةً، ثُمَّ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا غَيْرُ جائِزٍ عَقْلًا لِما فِيهِ مِنَ التَّنْفِيرِ، وعِنْدَ أصْحابِنا هَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا لِأنَّهُ جائِزٌ في العُقُولِ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ كافِرًا فَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الإيمانَ ويُكْرِمَهُ بِالنُّبُوَّةِ، إلّا أنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ قامَ عَلى أنَّ هَذا الجائِزَ لَمْ يَقَعْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النَّجْمِ: ٢] ثُمَّ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا كَثِيرَةً:
أحَدُها: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: ”﴿ووَجَدَكَ ضالًّا﴾“ عَنْ مَعالِمِ النِّعْمَةِ وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ غافِلًا عَنْها فَهَداكَ إلَيْها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ .
وثانِيها: ضَلَّ عَنْ مُرْضِعَتِهِ حَلِيمَةَ حِينَ أرادَتْ أنْ تَرُدَّهُ إلى جَدِّهِ حَتّى دَخَلَتْ إلى هُبَلَ وشَكَتْ ذَلِكَ إلَيْهِ فَتَساقَطَتِ الأصْنامُ، وسَمِعَتْ صَوْتًا يَقُولُ: إنَّما هَلاكُنا بِيَدِ هَذا الصَّبِيِّ، وفِيهِ حِكايَةٌ طَوِيلَةٌ.
وثالِثُها: ما رُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«ضَلَلْتُ عَنْ جَدِّي عَبْدِ المُطَّلِبِ وأنا صَبِيٌّ ضائِعٌ، كادَ الجُوعُ يَقْتُلُنِي، فَهَدانِي اللَّهُ» “ ذَكَرَهُ الضَّحّاكُ، وذَكَرَ تَعَلُّقَهُ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وقَوْلُهُ:
يا رَبِّ رُدَّ ولَدِي مُحَمَّدا ارْدُدْهُ رَبِّي واصْطَنِعْ عِنْدِي يَدا
فَما زالَ يُرَدِّدُ هَذا عِنْدَ البَيْتِ حَتّى أتاهُ أبُو جَهْلٍ عَلى ناقَةٍ وبَيْنَ يَدَيْهِ مُحَمَّدٌ وهو يَقُولُ: لا نَدْرِي ماذا نَرى مِنِ ابْنِكَ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ ولِمَ ؟ قالَ: إنِّي أنَخْتُ النّاقَةَ وأرْكَبْتُهُ مِن خَلْفِي فَأبَتِ النّاقَةُ أنْ تَقُومَ، فَلَمّا أرْكَبْتُهُ أمامِي قامَتِ النّاقَةُ، كَأنَّ النّاقَةَ تَقُولُ: يا أحْمَقُ هو الإمامُ فَكَيْفَ يَقُومُ خَلْفَ المُقْتَدِي ! وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ بِيَدِ عَدُوِّهِ كَما فَعَلَ بِمُوسى حِينَ حَفِظَهُ عَلى يَدِ عَدُوِّهِ.
ورابِعُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَرَجَ مَعَ غُلامِ خَدِيجَةَ مَيْسَرَةَ أخَذَ كافِرٌ بِزِمامِ بَعِيرِهِ حَتّى ضَلَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَهَداهُ إلى القافِلَةِ، وقِيلَ: إنَّ أبا طالِبٍ خَرَجَ بِهِ إلى الشَّأْمِ فَضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ فَهَداهُ اللَّهُ تَعالى.
وخامِسُها: يُقالُ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ إذا صارَ مَغْمُورًا، فَمَعْنى الآيَةِ كُنْتَ مَغْمُورًا بَيْنَ الكُفّارِ بِمَكَّةَ فَقَوّاكَ اللَّهُ تَعالى حَتّى أظْهَرْتَ دِينَهُ.
وسادِسُها: العَرَبُ تُسَمِّي الشَّجَرَةَ الفَرِيدَةَ في الفَلاةِ ضالَّةً، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: كانَتْ تِلْكَ البِلادُ كالمَفازَةِ لَيْسَ فِيها شَجَرَةٌ تَحْمِلُ ثَمَرَ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَعْرِفَتَهُ إلّا أنْتَ، فَأنْتَ شَجَرَةٌ فَرِيدَةٌ في مَفازَةِ الجَهْلِ فَوَجَدْتُكَ ضالًّا عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى حِينَ كُنْتَ طِفْلًا صَبِيًّا، كَما قالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النَّحْلِ: ٧٨] فَخَلَقَ فِيكَ العَقْلَ والهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ، والمُرادُ مِنَ الضّالِّ الخالِي عَنِ العِلْمِ لا المَوْصُوفُ بِالِاعْتِقادِ الخَطَأِ.
وثامِنُها: كُنْتَ ضالًّا عَنِ النُّبُوَّةِ ما كُنْتَ تَطْمَعُ في ذَلِكَ ولا خَطَرَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في قَلْبِكَ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ النُّبُوَّةَ في بَنِي إسْرائِيلَ فَهَدَيْتُكَ إلى النُّبُوَّةِ الَّتِي ما كُنْتَ تَطْمَعُ فِيها البَتَّةَ.
وتاسِعُها: أنَّهُ قَدْ يُخاطَبُ السَّيِّدُ، ويَكُونُ المُرادُ قَوْمَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا﴾ أيْ وجَدَ قَوْمَكَ ضُلّالًا، فَهَداهم بِكَ وبِشَرْعِكَ.
وعاشِرُها: وجَدَكَ ضالًّا عَنِ الضّالِّينَ مُنْفَرِدًا عَنْهم مُجانِبًا لِدِينِهِمْ، فَكُلَّما كانَ بُعْدُكَ عَنْهم أشَدَّ كانَ ضَلالُهم أشَدَّ، فَهَداكَ إلى أنِ اخْتَلَطْتَ بِهِمْ ودَعَوْتَهم إلى الدِّينِ المُبِينِ.
الحادِي عَشَرَ: وجَدَكَ ضالًّا عَنِ الهِجْرَةِ، مُتَحَيِّرًا في يَدِ قُرَيْشٍ مُتَمَنِّيًا فِراقَهم وكانَ لا يُمْكِنُكَ الخُرُوجُ بِدُونِ إذْنِهِ تَعالى، فَلَمّا أذِنَ لَهُ ووافَقَهُ الصِّدِّيقُ عَلَيْهِ وهَداهُ إلى خَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَدٍ، وكانَ ما كانَ مِن حَدِيثِ سُراقَةَ، وظُهُورِ القُوَّةِ في الدِّينِ كانَ ذَلِكَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَدى﴾ .
الثّانِي عَشَرَ: ضالًّا عَنِ القِبْلَةِ، فَإنَّهُ كانَ يَتَمَنّى أنْ تُجْعَلَ الكَعْبَةُ قِبْلَةً لَهُ وما كانَ يَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ أمْ لا، فَهَداهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٤] فَكَأنَّهُ سُمِّيَ ذَلِكَ التَّحَيُّرُ بِالضَّلالِ.
الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّهُ حِينَ ظَهَرَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أوَّلِ أمْرِهِ ما كانَ يَعْرِفُ
صفحة ١٩٧
أهُوَ جِبْرِيلُ أمْ لا، وكانَ يَخافُهُ خَوْفًا شَدِيدًا، ورُبَّما أرادَ أنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنَ الجَبَلِ فَهَداهُ اللَّهُ حَتّى عَرَفَ أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الرّابِعَ عَشَرَ: الضَّلالُ بِمَعْنى المَحَبَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يُوسُفَ: ٩٥] أيْ مَحَبَّتِكَ، ومَعْناهُ أنَّكَ مُحِبٌّ فَهَدَيْتُكَ إلى الشَّرائِعِ الَّتِي بِها تَتَقَرَّبُ إلى خِدْمَةِ مَحْبُوبِكَ.
الخامِسَ عَشَرَ: ضالًّا عَنْ أُمُورِ الدُّنْيا لا تَعْرِفُ التِّجارَةَ ونَحْوَها، ثُمَّ هَدَيْتُكَ حَتّى رَبِحَتْ تِجارَتُكَ، وعَظُمَ رِبْحُكَ حَتّى رَغِبَتْ خَدِيجَةُ فِيكَ، والمَعْنى أنَّهُ ما كانَ لَكَ وُقُوفٌ عَلى الدُّنْيا، وما كُنْتَ تَعْرِفُ سِوى الدِّينِ، فَهَدَيْتُكَ إلى مَصالِحِ الدُّنْيا بَعْدَ ذَلِكَ.
السّادِسَ عَشَرَ: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا﴾ أيْ ضائِعًا في قَوْمِكَ، كانُوا يُؤْذُونَكَ، ولا يَرْضَوْنَ بِكَ رَعِيَّةً، فَقَوّى أمْرَكَ وهَداكَ إلى أنْ صِرْتَ آمِرًا والِيًا عَلَيْهِمْ.
السّابِعَ عَشَرَ: كُنْتَ ضالًّا ما كُنْتَ تَهْتَدِي عَلى طَرِيقِ السَّماواتِ فَهَدَيْتُكَ إذْ عَرَجْتُ بِكَ إلى السَّماواتِ لَيْلَةَ المِعْراجِ.
الثّامِنَ عَشَرَ: ووَجَدَكَ ضالًّا أيْ ناسِيًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢] فَهَدَيْتُكَ أيْ ذَكَّرْتُكَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ نَسِيَ ما يَجِبُ أنْ يُقالَ بِسَبَبِ الهَيْبَةِ، فَهَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى كَيْفِيَّةِ الثَّناءِ حَتّى قالَ: ”«لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ» “ .
التّاسِعَ عَشَرَ: أنَّهُ وإنْ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ بِقَلْبِهِ إلّا أنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ لا يُظْهِرُ لَهم خِلافًا، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالضَّلالِ.
العِشْرُونَ: رَوى عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما هَمَمْتُ بِشَيْءٍ مِمّا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ غَيْرَ مَرَّتَيْنِ، كُلُّ ذَلِكَ يَحُولُ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَ ما أُرِيدُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ ما هَمَمْتُ بَعْدَهُما بِسُوءٍ حَتّى أكْرَمَنِي اللَّهُ بِرِسالَتِهِ، فَإنِّي قُلْتُ لَيْلَةً لِغُلامٍ مِن قُرَيْشٍ، كانَ يَرْعى مَعِي بِأعْلى مَكَّةَ، لَوْ حَفِظْتَ لِي غَنَمِي حَتّى أدْخُلَ مَكَّةَ، فَأسْمُرَ بِها كَما يَسْمُرُ الشُّبّانُ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ذَلِكَ حَتّى أتَيْتُ أوَّلَ دارٍ مِن دُورِ مَكَّةَ، فَسَمِعْتُ عَزْفًا بِالدُّفُوفِ والمَزامِيرِ، فَقالُوا: فُلانُ ابْنُ فُلانٍ يُزَوَّجُ بِفُلانَةَ، فَجَلَسْتُ أنْظُرُ إلَيْهِمْ وضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِي فَنِمْتُ فَما أيْقَظَنِي إلّا مَسُّ الشَّمْسِ، قالَ: فَجِئْتُ صاحِبِي، فَقالَ ما فَعَلْتَ ؟ فَقُلْتُ ما صَنَعْتُ شَيْئًا، ثُمَّ أخْبَرْتُهُ الخَبَرَ، قالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ لَيْلَةً أُخْرى مِثْلَ ذَلِكَ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِي فَما أيْقَظَنِي إلّا مَسُّ الشَّمْسِ، ثُمَّ ما هَمَمْتُ بَعْدَهُما بِسُوءٍ حَتّى أكْرَمَنِي اللَّهُ تَعالى بِرِسالَتِهِ» “ .
الضحى 93:8
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: العائِلُ هو ذُو العَيْلَةِ، وذَكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعُولُوا﴾ [النِّساءِ: ٣] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] ثُمَّ أطْلَقَ العائِلَ عَلى الفَقِيرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِيالٌ، وهَهُنا في تَفْسِيرِ العائِلِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ هو الفَقِيرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”ووَجَدَكَ عَدِيمًا“ وقُرِئَ ”عَيِّلًا“ كَما قُرِئَ ”سَيِّحاتٍ“، ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ الإغْناءِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أغْناهُ بِتَرْبِيَةِ أبِي طالِبٍ، ولَمّا اخْتَلَّتْ أحْوالُ أبِي طالِبٍ أغْناهُ [اللَّهُ] بِمالِ خَدِيجَةَ، ولَمّا اخْتَلَّ ذَلِكَ أغْناهُ [اللَّهُ] بِمالِ أبِي بَكْرٍ، ولَمّا اخْتَلَّ ذَلِكَ أمَرَهُ بِالهِجْرَةِ وأغْناهُ بِإعانَةِ الأنْصارِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالجِهادِ، وأغْناهُ بِالغَنائِمِ، وإنْ كانَ إنَّما حَصَلَ
صفحة ١٩٨
بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ كانَ كالواقِعِ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ وهو مَغْمُومٌ، فَقالَتْ لَهُ ما لَكَ، فَقالَ: الزَّمانُ زَمانُ قَحْطٍ فَإنْ أنا بَذَلْتُ المالَ يَنْفُذُ مالُكِ فَأسْتَحِي مِنكِ، وإنْ لَمْ أبْذُلْ أخافُ اللَّهَ، فَدَعَتْ قُرَيْشًا وفِيهِمُ الصِّدِّيقُ، قالَ الصِّدِّيقُ: فَأخْرَجَتْ دَنانِيرَ وصَبَّتْها حَتّى بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَمْ يَقَعْ بَصَرِي عَلى مَن كانَ جالِسًا قُدّامِي لِكَثْرَةِ المالِ، ثُمَّ قالَتْ: اشْهَدُوا أنَّ هَذا المالَ مالُهُ إنْ شاءَ فَرَّقَهُ، وإنْ شاءَ أمْسَكَهُ» “ .
الثّانِي: أغْناهُ بِأصْحابِهِ كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ سِرًّا حَتّى قالَ عُمَرُ حِينَ أسْلَمَ: «ابْرُزْ أتُعْبَدُ اللّاتُ جَهْرًا ونَعْبُدُ اللَّهَ سِرًّا ! فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: حَتّى تَكْثُرَ الأصْحابُ، فَقالَ حَسْبُكَ اللَّهُ وأنا فَقالَ تَعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤] فَأغْناهُ اللَّهُ بِمالِ أبِي بَكْرٍ، وبِهَيْبَةِ عُمَرَ» ”.
الثّالِثُ: أغْناكَ بِالقَناعَةِ فَصِرْتَ بِحالٍ يَسْتَوِي عِنْدَكَ الحَجَرُ والذَّهَبُ، لا تَجِدُ في قَلْبِكَ سِوى رَبِّكَ، فَرَبُّكَ غَنِيٌّ عَنِ الأشْياءِ لا بِها، وأنْتَ بِقَناعَتِكَ اسْتَغْنَيْتَ عَنِ الأشْياءِ، وإنَّ الغِنى الأعْلى الغِنى عَنِ الشَّيْءِ لا بِهِ، ومِن ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خُيِّرَ بَيْنَ الغِنى والفَقْرِ، فاخْتارَ الفَقْرَ.
الرّابِعُ: كُنْتَ عائِلًا عَنِ البَراهِينِ والحُجَجِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ القُرْآنَ، وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ فَأغْناكَ.
القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ العائِلِ: أنْتَ كَنْتَ كَثِيرَ العِيالِ وهُمُ الأُمَّةُ، فَكَفاكَ. وقِيلَ: فَأغْناهم بِكَ لِأنَّهم فُقَراءُ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ، وأنْتَ صاحِبُ العِلْمِ، فَهَداهم عَلى يَدِكَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى اخْتارَ لَهُ اليُتْمَ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَعْرِفَ قَدْرَ اليَتامى فَيَقُومَ بِحَقِّهِمْ وصَلاحِ أمْرِهِمْ، ومِن ذَلِكَ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَشْبَعُ. فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ: فَقالَ أخافُ أنْ أشْبَعَ فَأنْسى الجِياعَ.
وثانِيها: لِيَكُونَ اليَتِيمُ مُشارِكًا لَهُ في الِاسْمِ فَيُكْرَمَ لِأجْلِ ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «إذا سَمَّيْتُمُ الوَلَدَ مُحَمَّدًا فَأكْرِمُوهُ، ووَسِّعُوا لَهُ في المَجْلِسِ» ”.
وثالِثُها: أنَّ مَن كانَ لَهُ أبٌ أوْ أُمٌّ كانَ اعْتِمادُهُ عَلَيْهِما، فَسَلَبَ عَنْهُ الوالِدانِ حَتّى لا يَعْتَمِدَ مِن أوَّلِ صِباهُ إلى آخِرِ عُمُرِهِ عَلى أحَدٍ سِوى اللَّهِ، فَيَصِيرُ في طُفُولِيَّتِهِ مُتَشَبِّهًا بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي، عِلْمُهُ بِحالِي، وكَجَوابِ مَرْيَمَ: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٧] .
ورابِعُها: أنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّ اليَتِيمَ لا تُخْفى عُيُوبُهُ بَلْ تَظْهَرُ، ورُبَّما زادُوا عَلى المَوْجُودِ فاخْتارَ تَعالى لَهُ اليُتْمَ، لِيَتَأمَّلَ كُلُّ أحَدٍ في أحْوالِهِ، ثُمَّ لا يَجِدُوا عَلَيْهِ عَيْبًا فَيَتَّفِقُونَ عَلى نَزاهَتِهِ، فَإذا اخْتارَهُ اللَّهُ لِلرِّسالَةِ لَمْ يَجِدُوا عَلَيْهِ مَطْعَنًا.
وخامِسُها: جَعَلَهُ يَتِيمًا لِيَعْلَمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ فَضِيلَتَهُ مِنَ اللَّهِ ابْتِداءً لِأنَّ الَّذِي لَهُ أبٌ، فَإنَّ أباهُ يَسْعى في تَعْلِيمِهِ وتَأْدِيبِهِ.
وسادِسُها: أنَّ اليُتْمَ والفَقْرَ نَقْصٌ في حَقِّ الخَلْقِ، فَلَمّا صارَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ أكْرَمَ الخَلْقِ، كانَ ذَلِكَ قَلْبًا لِلْعادَةِ، فَكانَ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ ؟ الجَوابُ: الحِكْمَةُ أنْ لا يَنْسى نَفْسَهُ فَيَقَعَ في العُجْبِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ:“ «سَألْتُ رَبِّي مَسْألَةً ودِدْتُ أنِّي لَمْ أسْألْها، قُلْتُ: اتَّخَذْتَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وكَلَّمْتَ مُوسى تَكْلِيمًا، وسَخَّرْتَ مَعَ داوُدَ الجِبالَ، وأعْطَيْتَ سُلَيْمانَ كَذا وكَذا، وأعْطَيْتَ فَلانًا كَذا وكَذا، فَقالَ: ألَمْ أجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ ؟ ألَمْ أجِدْكَ ضالًّا فَهَدَيْتُكَ ؟ ألَمْ أجِدْكَ عائِلًا فَأغْنَيْتُكَ ؟ قُلْتُ: بَلى. فَقالَ: ألَمْ أشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَ: ألَمْ أرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ: بَلى قالَ:
صفحة ١٩٩
ألَمْ أصْرِفْ عَنْكَ وِزْرَكَ ؟ قُلْتُ: بَلى، ألَمْ أُوتِكَ ما لَمْ أُوتِ نَبِيًّا قَبْلَكَ وهي خَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ ؟ ألَمْ أتَّخِذْكَ خَلِيلًا كَما اتَّخَذْتُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا» ؟ " فَهَلْ يَصِحُّ هَذا الحَدِيثُ. قُلْنا: طَعَنَ القاضِي في هَذا الخَبَرِ فَقالَ: إنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَسْألُونَ مِثْلَ ذَلِكَ إلّا عَنْ إذْنٍ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنَّ يَقَعَ مِنَ الرَّسُولِ مِثْلُ هَذا السُّؤالِ. ويَكُونُ مِنهُ تَعالى ما يَجْرِي مَجْرى المُعاتَبَةِ.
الضحى 93:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ وقُرِئَ فَلا تَكْهَرْ، أيْ لا تَعْبَسْ وجْهَكَ إلَيْهِ، والمَعْنى عامِلْهُ بِمِثْلِ ما عامَلَكَ بِهِ، ونَظِيرُهُ مِن وجْهٍ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القَصَصِ: ٧٧] ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«اللَّهَ اللَّهَ فِيمَن لَيْسَ لَهُ إلّا اللَّهُ» “ . ورُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ حِينَ صاحَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ولَدِ خَدِيجَةَ ومِنهُ حَدِيثُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ”إلَهِي بِمَ نِلْتُ ما نِلْتُ ؟ قالَ: أتَذْكُرُ حِينَ هَرَبَتْ مِنكَ السَّخْلَةُ، فَلَمّا قَدَرْتَ عَلَيْها قُلْتَ: أتْعَبْتِ نَفْسَكِ ثُمَّ حَمَلْتَها، فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلْتُكَ ولِيًّا عَلى الخَلْقِ، فَلَمّا نالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ النُّبُوَّةَ بِالإحْسانِ إلى الشّاةِ فَكَيْفَ بِالإحْسانِ إلى اليَتِيمِ، وإذا كانَ هَذا العِتابُ بِمُجَرَّدِ الصِّياحِ أوِ العُبُوسِيَّةِ في الوَجْهِ، فَكَيْفَ إذا أذَلَّهُ أوْ أكَلَ مالَهُ، عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «إذا بَكى اليَتِيمُ وقَعَتْ دُمُوعُهُ في كَفِّ الرَّحْمَنِ، ويَقُولُ تَعالى: مَن أبْكى هَذا اليَتِيمَ الَّذِي وارَيْتُ والِدَهُ التُّرابَ، مَن أسْكَتَهُ فَلَهُ الجَنَّةُ» " .
الضحى 93:10
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ، وفي المُرادِ مِنَ السّائِلِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: وهو اخْتِيارُ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن يَسْألُ العِلْمَ ونَظِيرُهُ مِن وجْهٍ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ [عَبَسَ: ١، ٢] وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّرْتِيبُ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ أوَّلًا: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ ثُمَّ اعْتَبَرَ هَذا التَّرْتِيبَ، فَأوْصاهُ بِرِعايَةِ حَقِّ اليَتِيمِ، ثُمَّ بِرِعايَةِ حَقِّ مَن يَسْألُهُ عَنِ العِلْمِ والهِدايَةِ، ثُمَّ أوْصاهُ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مُطْلَقُ السّائِلِ ولَقَدْ عاتَبَ اللَّهُ رَسُولَهُ في القُرْآنِ في شَأْنِ الفُقَراءِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ:
أحَدُها: أنَّهُ «كانَ جالِسًا وحَوْلَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، إذْ جاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الضَّرِيرُ، فَتَخَطّى رِقابَ النّاسِ حَتّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وقالَ: عَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَعَبَسَ وجْهُهُ فَنَزَلَ (﴿عَبَسَ وتَوَلّى»﴾ .
والثّانِي: حِينَ «قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: لَوْ جَعَلْتَ لَنا مَجْلِسًا ولِلْفُقَراءِ مَجْلِسًا آخَرَ فَهَمَّ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ»﴾ [الكَهْفِ: ٢٨] .
والثّالِثُ: «كانَ جالِسًا فَجاءَهُ عُثْمانُ بِعِذْقٍ مِن تَمْرٍ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأرادَ أنْ يَأْكُلَ فَوَقَفَ سائِلٌ بِالبابِ، فَقالَ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا يَرْحَمُنا، فَأمَرَ بِدَفْعِهِ إلى السّائِلِ فَكَرِهَ عُثْمانُ ذَلِكَ، وأرادَ أنْ يَأْكُلَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ واشْتَراهُ مِنَ السّائِلِ، ثُمَّ رَجَعَ السّائِلُ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وكانَ يُعْطِيهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أسائِلٌ أنْتَ أمْ بائِعٌ ؟ فَنَزَلَ: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ»﴾ .
الضحى 93:11
صفحة ٢٠٠
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ مُجاهِدٌ: تِلْكَ النِّعْمَةُ هي القُرْآنُ، فَإنَّ القُرْآنَ أعْظَمُ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّحْدِيثُ بِهِ أنْ يَقْرَأهُ ويُقْرِئَ غَيْرَهُ ويُبَيِّنَ حَقائِقَهُ لَهم.
وثانِيها: رُوِيَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ هي النُّبُوَّةُ، أيْ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ.
وثالِثُها: إذا وفَّقَكَ اللَّهُ فَراعَيْتَ حَقَّ اليَتِيمِ والسّائِلِ، وذَلِكَ التَّوْفِيقُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ فَحَدِّثْ بِها لِيَقْتَدِيَ بِكَ غَيْرُكَ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: إذا عَلِمْتَ خَيْرًا فَحَدِّثْ إخْوانَكَ لِيَقْتَدُوا بِكَ، إلّا أنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ إذا لَمْ يَتَضَمَّنْ رِياءً، وظَنَّ أنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ، ومِن ذَلِكَ لَمّا سُئِلَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الصَّحابَةِ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وذَكَرَ خِصالَهم، فَقالُوا لَهُ: فَحَدِّثْنا عَنْ نَفْسِكَ فَقالَ: مَهْلًا، فَقَدْ نَهى اللَّهُ عَنِ التَّزْكِيَةِ فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ فَقالَ: فَإنِّي أُحَدِّثُ، كُنْتُ إذا سُئِلْتُ أعْطَيْتُ وإذا سَكَتُّ ابْتَدَيْتُ، وبَيْنَ الجَوانِحِ عِلْمٌ جَمٌّ فاسْألُونِي، فَإنْ قِيلَ: فَما الحِكْمَةُ في أنْ أخَّرَ اللَّهُ تَعالى حَقَّ نَفْسِهِ عَنْ حَقِّ اليَتِيمِ والعائِلِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: كَأنَّهُ يَقُولُ: أنا غَنِيٌّ وهُما مُحْتاجانِ وتَقْدِيمُ حَقِّ المُحْتاجِ أوْلى.
وثانِيها: أنَّهُ وضَعَ في حَظِّهِما الفِعْلَ ورَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالقَوْلِ.
وثالِثُها: أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ الطّاعاتِ اسْتِغْراقُ القَلْبِ في ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَجَعَلَ خاتِمَةَ هَذِهِ الطّاعاتِ تَحَدُّثَ القَلْبِ واللِّسانِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَكُونَ خَتْمُ الطّاعاتِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، واخْتارَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَدِّثْ﴾ عَلى قَوْلِهِ فَخَبِّرْ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حَدِيثًا عِنْدَهُ لا يَنْساهُ، ويُعِيدَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
الشرح 94:1
صفحة ٣
[ سُورَةُ الشَّرْحِ ]
ثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
يُرْوى عَنْ طاوُوسٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُما كانا يَقُولانِ: هَذِهِ السُّورَةُ وسُورَةُ الضُّحى سُورَةٌ واحِدَةٌ وكانا يَقْرَآنِهِما في الرَّكْعَةِ الواحِدَةِ وما كانا يَفْصِلانِ بَيْنَهُما بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والَّذِي دَعاهُما إلى ذَلِكَ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ كالعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ [الضُّحى: ٦] ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الأوَّلَ كانَ نُزُولُهُ حالَ اغْتِمامِ الرَّسُولِ ﷺ مِن إيذاءِ الكُفّارِ فَكانَتْ حالَ مِحْنَةٍ وضِيقِ صَدْرٍ. والثّانِيَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حالَ النُّزُولِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ طَيِّبَ القَلْبِ، فَأنّى يَجْتَمِعانِ.
﷽
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾
اسْتَفْهَمَ عَنِ انْتِفاءِ الشَّرْحِ عَلى وجْهِ الإنْكارِ، فَأفادَ إثْباتَ الشَّرْحِ وإيجابَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، وفي شَرْحِ الصَّدْرِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: ما رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتاهُ وشَقَّ صَدْرَهُ وأخْرَجَ قَلْبَهُ وغَسَلَهُ وأنْقاهُ مِنَ المَعاصِي ثُمَّ مَلَأهُ عِلْمًا وإيمانًا ووَضَعَهُ في صَدْرِهِ.
واعْلَمْ أنَّ القاضِيَ طَعَنَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الرِّوايَةَ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ في حالِ صِغَرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلا يَجُوزُ أنْ تَتَقَدَّمَ نُبُوَّتُهُ.
وثانِيها: أنَّ تَأْثِيرَ الغَسْلِ في إزالَةِ الأجْسامِ، والمَعاصِي لَيْسَتْ بِأجْسامٍ فَلا يَكُونُ لِلْغَسْلِ فِيها أثَرٌ.
ثالِثُها: أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَمْلَأ القَلْبَ عِلْمًا، بَلِ
صفحة ٤
اللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ فِيهِ العُلُومَ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ تَقْوِيمَ المُعْجِزِ عَلى زَمانِ البِعْثَةِ جائِزٌ عِنْدَنا، وذَلِكَ هو المُسَمّى بِالإرْهاصِ، ومِثْلُهُ في حَقِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرٌ.
وأمّا الثّانِي والثّالِثُ: فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ حُصُولُ ذَلِكَ الدَّمِ الأسْوَدِ الَّذِي غَسَلُوهُ مِن قَلْبِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلامَةً لِلْقَلْبِ الَّذِي يَمِيلُ إلى المَعاصِي، ويُحْجِمُ عَنِ الطّاعاتِ، فَإذا أزالُوهُ عَنْهُ كانَ ذَلِكَ عَلامَةً لِكَوْنِ صاحِبِهِ مُواظِبًا عَلى الطّاعاتِ مُحْتَرِزًا عَنِ السَّيِّئاتِ، فَكانَ ذَلِكَ كالعَلامَةِ لِلْمَلائِكَةِ عَلى كَوْنِ صاحِبِهِ مَعْصُومًا، وأيْضًا فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ ما يَرْجِعُ إلى المَعْرِفَةِ والطّاعَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بُعِثَ إلى الجِنِّ والإنْسِ فَكانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ عَنْ مُنازَعَةِ الجِنِّ والإنْسِ والبَراءَةِ مِن كُلِّ عابِدٍ ومَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ، فَآتاهُ اللَّهُ مِن آياتِهِ ما اتَّسَعَ لِكُلِّ ما حَمَلَهُ وصَغَّرَهُ عِنْدَهُ كُلَّ شَيْءٍ احْتَمَلَهُ مِنَ المَشاقِّ، وذَلِكَ بِأنْ أخْرَجَ عَنْ قَلْبِهِ جَمِيعَ الهُمُومِ وما تَرَكَ فِيهِ إلّا هَذا الهَمَّ الواحِدَ، فَما كانَ يَخْطُرُ بِبالِهِ هَمُّ النَّفَقَةِ والعِيالِ، ولا يُبالِي بِما يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ مِن إيذائِهِمْ، حَتّى صارُوا في عَيْنِهِ دُونَ الذُّبابِ لَمْ يَجْبُنْ خَوْفًا مِن وعِيدِهِمْ، ولَمْ يَمِلْ إلى ما لَهم، وبِالجُمْلَةِ فَشَرْحُ الصَّدْرِ عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِحَقارَةِ الدُّنْيا وكَمالِ الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنْعامِ: ١٢٥] ورُوِيَ أنَّهم «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيَنْشَرِحُ الصَّدْرُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: ”التَّجافِي عَنِ الغُرُورِ، والإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والإعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ“» وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ صِدْقَ الإيمانِ بِاللَّهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ يُوجِبُ لِلْإنْسانِ الزُّهْدَ في الدُّنْيا والرَّغْبَةَ في الآخِرَةِ والِاسْتِعْدادَ لِلْمَوْتِ.
وثانِيها: أنَّهُ انْفَتَحَ صَدْرُهُ حَتّى أنَّهُ كانَ يَتَّسِعُ لِجَمِيعِ المُهِمّاتِ لا يَقْلَقُ ولا يَضْجَرُ ولا يَتَغَيَّرُ، بَلْ هو في حالَتَيِ البُؤْسِ والفَرَحِ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ مُشْتَغِلٌ بِأداءِ ما كُلِّفَ بِهِ، والشَّرْحُ التَّوْسِعَةُ، ومَعْناهُ الإراحَةُ مِنَ الهُمُومِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الغَمَّ والهَمَّ ضِيقَ صَدْرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ [الحِجْرِ: ٩٧] وهَهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: لِمَ ذَكَرَ الصَّدْرَ ولَمْ يَذْكُرِ القَلْبَ ؟ والجَوابُ: لِأنَّ مَحَلَّ الوَسْوَسَةِ هو الصَّدْرُ عَلى ما قالَ: ﴿يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ [النّاسِ: ٥] فَإزالَةُ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ وإبْدالُها بِدَواعِي الخَيْرِ هي الشَّرْحُ، فَلا جَرَمَ خُصَّ ذَلِكَ الشَّرْحُ بِالصَّدْرِ دُونَ القَلْبِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: القَلْبُ مَحَلُّ العَقْلِ والمَعْرِفَةِ، وهو الَّذِي يَقْصِدُهُ الشَّيْطانُ، فالشَّيْطانُ يَجِيءُ إلى الصَّدْرِ الَّذِي هو حِصْنُ القَلْبِ، فَإذا وجَدَ مَسْلَكًا أغارَ فِيهِ ونَزَلَ جُنْدُهُ فِيهِ، وبَثَّ فِيهِ مِنَ الهُمُومِ والغُمُومِ والحِرْصِ فَيَضِيقُ القَلْبُ حِينَئِذٍ ولا يَجِدُ لِلطّاعَةِ لَذَّةً ولا لِلْإسْلامِ حَلاوَةً، وإذا طُرِدَ العَدُوُّ في الِابْتِداءِ مُنِعَ وحَصَلَ الأمْنُ ويَزُولُ الضِّيقُ ويَنْشَرِحُ الصَّدْرُ ويَتَيَسَّرُ لَهُ القِيامُ بِأداءِ العُبُودِيَّةِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ ألَمْ نَشْرَحْ صَدْرَكَ ؟ والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لامٌ بِلامٍ، فَأنْتَ إنَّما تَفْعَلُ جَمِيعَ الطّاعاتِ لِأجْلِي كَما قالَ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٦] ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ٦٤] فَأنا أيْضًا جَمِيعُ ما أفْعَلُهُ لِأجْلِكَ.
وثانِيها: أنَّ فِيها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَنافِعَ الرِّسالَةِ عائِدَةٌ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّما شَرَحْنا صَدْرَكَ لِأجْلِكَ لا لِأجْلِي.
صفحة ٥
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ألَمْ أشْرَحْ ؟ والجَوابُ: إنْ حَمَلْناهُ عَلى نُونِ التَّعْظِيمِ، فالمَعْنى أنَّ عَظَمَةَ المُنْعِمِ تَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ النِّعْمَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّرْحَ نِعْمَةٌ لا تَصِلُ العُقُولُ إلى كُنْهِ جَلالَتِها، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى نُونِ الجَمِيعِ، فالمَعْنى كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَمْ أشْرَحْهُ وحْدِي بَلْ أعْمَلْتُ فِيهِ مَلائِكَتِي، فَكُنْتَ تَرى المَلائِكَةَ حَوالَيْكَ وبَيْنَ يَدَيْكَ حَتّى يَقْوى قَلْبُكَ، فَأدَّيْتَ الرِّسالَةَ وأنْتَ قَوِيُّ القَلْبِ ولَحِقَتْهم هَيْبَةٌ، فَلَمْ يُجِيبُوا لَكَ جَوابًا، فَلَوْ كُنْتَ ضَيِّقَ القَلْبِ لَضَحِكُوا مِنكَ، فَسُبْحانَ مَن جَعَلَ قُوَّةَ قَلْبِكَ جُبْنًا فِيهِمْ، وانْشِراحَ صَدْرِكَ ضِيقًا فِيهِمْ.
الشرح 94:2
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُبَرِّدُ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى ألَمْ نَشْرَحْ لا عَلى لَفْظِهِ، لِأنَّكَ لا تَقُولُ ألَمْ وضَعْنا ولَكِنْ مَعْنى ألَمْ نَشْرَحْ قَدْ شَرَحْنا، فَحُمِلَ الثّانِي عَلى مَعْنى الأوَّلِ لا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى ظاهِرِهِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: ”ونَضَعُ عَنْكَ وِزْرَكَ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الوِزْرِ: ثُقْلُ الذَّنْبِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهُمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٥] وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفَتْحِ: ٢] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ فَقالَ عُلَماءُ اللُّغَةِ: الأصْلُ فِيهِ أنَّ الظَّهْرَ إذا أُثْقِلَ الحِمْلَ سُمِعَ لَهُ نَقِيضٌ أيْ صَوْتٌ خَفِيٌّ، وهو صَوْتُ المَحامِلِ والرِّحالِ والأضْلاعِ، أوِ البَعِيرُ إذا أثْقَلَهُ الحِمْلُ فَهو مَثَلٌ لِما كانَ يَثْقُلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أوْزارِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أثْبَتَ المَعْصِيَةَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ الصَّغائِرَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَمَلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلَيْها، لا يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَظِيمًا. فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالصَّغائِرِ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّما وُصِفَ ذَلِكَ بِإنْقاضِ الظَّهْرِ مَعَ كَوْنِها مَغْفُورَةً لِشِدَّةِ اغْتِمامِ النَّبِيِّ ﷺ بِوُقُوعِهِ مِنهُ وتَحَسُّرِهِ مَعَ نَدَمِهِ عَلَيْهِ، وأمّا إنَّما وصَفَهُ بِذَلِكَ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ فِيما يَزُولُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ عَظِيمٌ، فَيَجُوزُ لِذَلِكَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى. هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وفِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ العَفْوَ عَنِ الصَّغِيرَةِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ القاضِي، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الِامْتِنانَ بِفِعْلِ الواجِبِ غَيْرُ جائِزٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ الذَّنْبِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ قَتادَةُ: كانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذُنُوبٌ سَلَفَتْ مِنهُ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها لَهُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنهُ تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تُثْقِلُ الظَّهْرَ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها وحِفْظِ مُوجِباتِها والمُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِها، فَسَهَّلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِ، وحَطَّ عَنْهُ ثِقَلَها بِأنْ يَسَّرَها عَلَيْهِ حَتّى تَيَسَّرَتْ لَهُ.
وثالِثُها: الوِزْرُ ما كانَ يَكْرَهُهُ مِن تَغْيِيرِهِمْ لِسُنَّةِ الخَلِيلِ. وكانَ لا يَقْدِرُ عَلى مَنعِهِمْ إلى أنْ قَوّاهُ اللَّهُ، وقالَ لَهُ: ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] .
ورابِعُها: أنَّها ذُنُوبُ أُمَّتِهِ صارَتْ كالوِزْرِ عَلَيْهِ، ماذا يَصْنَعُ في حَقِّهِمْ إلى أنْ قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنْفالِ: ٣٣ ] فَأمَّنَهُ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ، ووَعَدَ لَهُ الشَّفاعَةَ في الآجِلِ.
وخامِسُها: مَعْناهُ عَصَمْناكَ عَنِ الوِزْرِ الَّذِي يَنْقُضُ ظَهْرَكَ، لَوْ كانَ ذَلِكَ
صفحة ٦
الذَّنْبُ حاصِلًا، فَسَمّى العِصْمَةَ وضْعًا مَجازًا، فَمِن ذَلِكَ «ما رُوِيَ أنَّهُ حَضَرَ ولِيمَةً فِيها دُفٌّ ومَزامِيرُ قَبْلَ البِعْثَةِ لِيَسْمَعَ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ فَلَمْ يُوقِظْهُ إلّا حَرُّ الشَّمْسِ مِنَ الغَدِ» .
وسادِسُها: الوِزْرُ ما أصابَهُ مِنَ الهَيْبَةِ والفَزَعِ في أوَّلِ مُلاقاةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ أخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ، وكادَ يَرْمِي نَفْسَهُ مِنَ الجَبَلِ، ثُمَّ تَقَوّى حَتّى ألِفَهُ وصارَ بِحالَةٍ كادَ يَرْمِي بِنَفْسِهِ مِنَ الجَبَلِ لِشِدَّةِ اشْتِياقِهِ.
وسابِعُها: الوِزْرُ ما كانَ يَلْحَقُهُ مِنَ الأذى والشَّتْمِ حَتّى كادَ يَنْقُضَ ظَهْرَهُ وتَأْخُذَهُ الرِّعْدَةُ، ثُمَّ قَوّاهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى صارَ بِحَيْثُ كانُوا يُدْمُونَ وجْهَهُ، و[هُوَ] يَقُولُ: ”«اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي» “ .
وثامِنُها: لَئِنْ كانَ نُزُولُ السُّورَةِ بَعْدَ مَوْتِ أبِي طالِبٍ وخَدِيجَةَ، فَلَقَدْ كانَ فِراقُهُما عَلَيْهِ وِزْرًا عَظِيمًا، فَوَضَعَ عَنْهُ الوِزْرَ بِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ حَتّى لَقِيَهُ كُلُّ مَلَكٍ وحَيّاهُ فارْتَفَعَ لَهُ الذِّكْرُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ .
وتاسِعُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الوِزْرِ والثِّقَلِ الحَيْرَةُ الَّتِي كانَتْ لَهُ قَبْلَ البِعْثَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ بِكَمالِ عَقْلِهِ لَمّا نَظَرَ إلى عَظِيمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ أخْرَجَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ وأعْطاهُ الحَياةَ والعَقْلَ وأنْواعَ النِّعَمِ، ثَقُلَ عَلَيْهِ نِعَمُ اللَّهِ وكادَ يَنْقُضُ ظَهْرُهُ مِنَ الحَياءِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَرى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ لا تَنْقَطِعُ، وما كانَ يَعْرِفُ أنَّهُ كَيْفَ كانَ يُطِيعُ رَبَّهُ، فَلَمّا جاءَتْهُ النُّبُوَّةُ والتَّكْلِيفُ وعَرَفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُطِيعَ رَبَّهُ، فَحِينَئِذٍ قَلَّ حَياؤُهُ وسَهُلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الأحْوالُ، فَإنَّ اللَّئِيمَ لا يَسْتَحِي مِن زِيادَةِ النِّعَمِ بِدُونِ مُقابَلَتِها بِالخِدْمَةِ، والإنْسانُ الكَرِيمُ النَّفْسِ إذا كَثُرَ الإنْعامُ عَلَيْهِ وهو لا يُقابِلُها بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الخِدْمَةِ، فَإنَّهُ يَثْقُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ جِدًّا، بِحَيْثُ يُمِيتُهُ الحَياءُ، فَإذا كَلَّفَهُ المُنْعِمُ بِنَوْعِ خِدْمَةٍ سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وطابَ قَلْبُهُ.
الشرح 94:3
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُبَرِّدُ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى ألَمْ نَشْرَحْ لا عَلى لَفْظِهِ، لِأنَّكَ لا تَقُولُ ألَمْ وضَعْنا ولَكِنْ مَعْنى ألَمْ نَشْرَحْ قَدْ شَرَحْنا، فَحُمِلَ الثّانِي عَلى مَعْنى الأوَّلِ لا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى ظاهِرِهِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: ”ونَضَعُ عَنْكَ وِزْرَكَ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الوِزْرِ: ثُقْلُ الذَّنْبِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهُمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٥] وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفَتْحِ: ٢] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ فَقالَ عُلَماءُ اللُّغَةِ: الأصْلُ فِيهِ أنَّ الظَّهْرَ إذا أُثْقِلَ الحِمْلَ سُمِعَ لَهُ نَقِيضٌ أيْ صَوْتٌ خَفِيٌّ، وهو صَوْتُ المَحامِلِ والرِّحالِ والأضْلاعِ، أوِ البَعِيرُ إذا أثْقَلَهُ الحِمْلُ فَهو مَثَلٌ لِما كانَ يَثْقُلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أوْزارِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أثْبَتَ المَعْصِيَةَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ الصَّغائِرَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَمَلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلَيْها، لا يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَظِيمًا. فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالصَّغائِرِ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّما وُصِفَ ذَلِكَ بِإنْقاضِ الظَّهْرِ مَعَ كَوْنِها مَغْفُورَةً لِشِدَّةِ اغْتِمامِ النَّبِيِّ ﷺ بِوُقُوعِهِ مِنهُ وتَحَسُّرِهِ مَعَ نَدَمِهِ عَلَيْهِ، وأمّا إنَّما وصَفَهُ بِذَلِكَ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ فِيما يَزُولُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ عَظِيمٌ، فَيَجُوزُ لِذَلِكَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى. هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وفِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ العَفْوَ عَنِ الصَّغِيرَةِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ القاضِي، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الِامْتِنانَ بِفِعْلِ الواجِبِ غَيْرُ جائِزٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ الذَّنْبِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ قَتادَةُ: كانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذُنُوبٌ سَلَفَتْ مِنهُ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها لَهُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنهُ تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تُثْقِلُ الظَّهْرَ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها وحِفْظِ مُوجِباتِها والمُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِها، فَسَهَّلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِ، وحَطَّ عَنْهُ ثِقَلَها بِأنْ يَسَّرَها عَلَيْهِ حَتّى تَيَسَّرَتْ لَهُ.
وثالِثُها: الوِزْرُ ما كانَ يَكْرَهُهُ مِن تَغْيِيرِهِمْ لِسُنَّةِ الخَلِيلِ. وكانَ لا يَقْدِرُ عَلى مَنعِهِمْ إلى أنْ قَوّاهُ اللَّهُ، وقالَ لَهُ: ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] .
ورابِعُها: أنَّها ذُنُوبُ أُمَّتِهِ صارَتْ كالوِزْرِ عَلَيْهِ، ماذا يَصْنَعُ في حَقِّهِمْ إلى أنْ قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنْفالِ: ٣٣ ] فَأمَّنَهُ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ، ووَعَدَ لَهُ الشَّفاعَةَ في الآجِلِ.
وخامِسُها: مَعْناهُ عَصَمْناكَ عَنِ الوِزْرِ الَّذِي يَنْقُضُ ظَهْرَكَ، لَوْ كانَ ذَلِكَ
صفحة ٦
الذَّنْبُ حاصِلًا، فَسَمّى العِصْمَةَ وضْعًا مَجازًا، فَمِن ذَلِكَ «ما رُوِيَ أنَّهُ حَضَرَ ولِيمَةً فِيها دُفٌّ ومَزامِيرُ قَبْلَ البِعْثَةِ لِيَسْمَعَ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ فَلَمْ يُوقِظْهُ إلّا حَرُّ الشَّمْسِ مِنَ الغَدِ» .
وسادِسُها: الوِزْرُ ما أصابَهُ مِنَ الهَيْبَةِ والفَزَعِ في أوَّلِ مُلاقاةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ أخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ، وكادَ يَرْمِي نَفْسَهُ مِنَ الجَبَلِ، ثُمَّ تَقَوّى حَتّى ألِفَهُ وصارَ بِحالَةٍ كادَ يَرْمِي بِنَفْسِهِ مِنَ الجَبَلِ لِشِدَّةِ اشْتِياقِهِ.
وسابِعُها: الوِزْرُ ما كانَ يَلْحَقُهُ مِنَ الأذى والشَّتْمِ حَتّى كادَ يَنْقُضَ ظَهْرَهُ وتَأْخُذَهُ الرِّعْدَةُ، ثُمَّ قَوّاهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى صارَ بِحَيْثُ كانُوا يُدْمُونَ وجْهَهُ، و[هُوَ] يَقُولُ: ”«اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي» “ .
وثامِنُها: لَئِنْ كانَ نُزُولُ السُّورَةِ بَعْدَ مَوْتِ أبِي طالِبٍ وخَدِيجَةَ، فَلَقَدْ كانَ فِراقُهُما عَلَيْهِ وِزْرًا عَظِيمًا، فَوَضَعَ عَنْهُ الوِزْرَ بِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ حَتّى لَقِيَهُ كُلُّ مَلَكٍ وحَيّاهُ فارْتَفَعَ لَهُ الذِّكْرُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ .
وتاسِعُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الوِزْرِ والثِّقَلِ الحَيْرَةُ الَّتِي كانَتْ لَهُ قَبْلَ البِعْثَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ بِكَمالِ عَقْلِهِ لَمّا نَظَرَ إلى عَظِيمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ أخْرَجَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ وأعْطاهُ الحَياةَ والعَقْلَ وأنْواعَ النِّعَمِ، ثَقُلَ عَلَيْهِ نِعَمُ اللَّهِ وكادَ يَنْقُضُ ظَهْرُهُ مِنَ الحَياءِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَرى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ لا تَنْقَطِعُ، وما كانَ يَعْرِفُ أنَّهُ كَيْفَ كانَ يُطِيعُ رَبَّهُ، فَلَمّا جاءَتْهُ النُّبُوَّةُ والتَّكْلِيفُ وعَرَفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُطِيعَ رَبَّهُ، فَحِينَئِذٍ قَلَّ حَياؤُهُ وسَهُلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الأحْوالُ، فَإنَّ اللَّئِيمَ لا يَسْتَحِي مِن زِيادَةِ النِّعَمِ بِدُونِ مُقابَلَتِها بِالخِدْمَةِ، والإنْسانُ الكَرِيمُ النَّفْسِ إذا كَثُرَ الإنْعامُ عَلَيْهِ وهو لا يُقابِلُها بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الخِدْمَةِ، فَإنَّهُ يَثْقُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ جِدًّا، بِحَيْثُ يُمِيتُهُ الحَياءُ، فَإذا كَلَّفَهُ المُنْعِمُ بِنَوْعِ خِدْمَةٍ سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وطابَ قَلْبُهُ.
الشرح 94:4
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وشُهْرَتُهُ في الأرْضِ والسَّماواتِ، اسْمُهُ مَكْتُوبٌ عَلى العَرْشِ، وأنَّهُ يُذْكَرُ مَعَهُ في الشَّهادَةِ والتَّشَهُّدِ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، وانْتِشارُ ذِكْرِهِ في الآفاقِ، وأنَّهُ خُتِمَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ، وأنَّهُ يُذْكَرُ في الخُطَبِ والأذانِ ومَفاتِيحِ الرَّسائِلِ، وعِنْدَ الخَتْمِ وجَعَلَ ذِكْرَهُ في القُرْآنِ مَقْرُونًا بِذِكْرِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٢]، ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النِّساءِ: ١٣] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائِدَةِ: ٩٢] ويُنادِيهِ بِاسْمِ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ، حِينَ يُنادِي غَيْرَهُ بِالِاسْمِ يا مُوسى يا عِيسى، وأيْضًا جَعَلَهُ في القُلُوبِ بِحَيْثُ يَسْتَطِيبُونَ ذِكْرَهُ وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦] كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أمْلَأُ العالَمَ مِن أتْباعِكَ كُلُّهم يُثْنُونَ عَلَيْكَ ويُصَلُّونَ عَلَيْكَ ويَحْفَظُونَ سُنَّتَكَ، بَلْ ما مِن فَرِيضَةٍ مِن فَرائِضِ الصَّلاةِ إلّا ومَعَهُ سُنَّةٌ فَهم يَمْتَثِلُونَ في الفَرِيضَةِ أمْرِي، وفي السُّنَّةِ أمْرَكَ وجَعَلْتُ طاعَتَكَ طاعَتِي وبَيْعَتَكَ بَيْعَتِي ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النِّساءِ: ٨٠]، ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] لا تَأْنَفُ السَّلاطِينَ مِن أتْباعِكَ، بَلْ جَراءَةٌ لِأجْهَلِ المُلُوكِ أنْ يُنَصِّبَ خَلِيفَةً مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكَ، فالقُرّاءُ يَحْفَظُونَ ألْفاظَ مَنشُورِكَ، والمُفَسِّرُونَ يُفَسِّرُونَ مَعانِيَ فُرْقانِكَ، والوُعّاظُ يُبَلِّغُونَ وعْظَكَ بَلِ العُلَماءُ والسَّلاطِينُ يَصِلُونَ إلى خِدْمَتِكَ، ويُسَلِّمُونَ مِن وراءِ البابِ عَلَيْكَ، ويَمْسَحُونَ وُجُوهَهم بِتُرابِ رَوْضَتِكَ، ويَرْجُونَ شَفاعَتَكَ، فَشَرَفُكَ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الشرح 94:5
قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُعَيِّرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفَقْرِ، ويَقُولُونَ: إنْ كانَ غَرَضُكَ مِن هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ طَلَبَ الغِنى جَمَعْنا لَكَ مالًا حَتّى تَكُونَ كَأيْسَرِ أهْلِ مَكَّةَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى سَبَقَ إلى وهْمِهِ أنَّهم إنَّما رَغِبُوا عَنِ الإسْلامِ لِكَوْنِهِ فَقِيرًا حَقِيرًا عِنْدَهم، فَعَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَنَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقالَ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ أيْ ما كُنْتَ فِيهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، ثُمَّ وعَدَهُ بِالغِنى في الدُّنْيا لِيُزِيلَ عَنْ قَلْبِهِ ما حَصَلَ فِيهِ مِنَ التَّأذِّي بِسَبَبِ أنَّهم عَيَّرُوهُ بِالفَقْرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ دُخُولُ الفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا يَحْزُنْكَ ما يَقُولُ وما أنْتَ فِيهِ مِنَ القِلَّةِ، فَإنَّهُ يَحْصُلُ في الدُّنْيا يُسْرٌ كامِلٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: خَلَقْتُ عُسْرًا واحِدًا بَيْنَ يُسْرَيْنِ، فَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، ورَوى مُقاتِلٌ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» “ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وفي تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: العُسْرُ مَذْكُورٌ بِالألِفِ واللّامِ، ولَيْسَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ فَيَنْصَرِفُ إلى الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالعُسْرِ في اللَّفْظَيْنِ شَيْئًا واحِدًا. وأمّا اليُسْرُ فَإنَّهُ مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، فَكانَ أحَدُهُما غَيْرَ الآخَرِ، وزَيَّفَ الجُرْجانِيُّ هَذا وقالَ: إذا قالَ الرَّجُلُ: إنَّ مَعَ الفارِسِ سَيْفًا، إنَّ مَعَ الفارِسِ سَيْفًا، يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هُناكَ فارِسٌ واحِدٌ ومَعَهُ سَيْفانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ مِن وضْعِ العَرَبِيَّةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ تَكْرِيرًا لِلْأُولى، كَما كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ١٥] ويَكُونُ الغَرَضُ تَقْرِيرَ مَعْناها في النُّفُوسِ وتَمْكِينَها في القُلُوبِ، كَما يُكَرَّرُ المُفْرَدُ في قَوْلِكَ: جاءَنِي زَيْدٌ زَيْدٌ، والمُرادُ مِنَ اليُسْرَيْنِ: يُسْرُ الدُّنْيا وهو ما تَيَسَّرَ مِنِ اسْتِفْتاحِ البِلادِ، ويُسْرُ الآخِرَةِ وهو ثَوابُ الجَنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٢] وهُما حُسْنُ الظَّفَرِ وحُسْنُ الثَّوابِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ”«لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» “ هَذا، وذَلِكَ لِأنَّ عُمْرَ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى يُسْرِ الدُّنْيا ويُسْرِ الآخِرَةِ كالمَغْمُورِ القَلِيلِ، وهَهُنا سُؤالانِ.
الأوَّلُ: ما مَعْنى التَّنْكِيرِ في اليُسْرِ ؟ جَوابُهُ: التَّفْخِيمُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ مَعَ اليُسْرِ يُسْرًا، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا عَظِيمًا، وأيُّ يُسْرٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: اليُسْرُ لا يَكُونُ مَعَ العُسْرِ، لِأنَّهُما ضِدّانِ فَلا يَجْتَمِعانِ. الجَوابُ: لَمّا كانَ وُقُوعُ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ بِزَمانٍ قَلِيلٍ، كانَ مَقْطُوعًا بِهِ فَجُعِلَ كالمُقارِنِ لَهُ.
الشرح 94:6
قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُعَيِّرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفَقْرِ، ويَقُولُونَ: إنْ كانَ غَرَضُكَ مِن هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ طَلَبَ الغِنى جَمَعْنا لَكَ مالًا حَتّى تَكُونَ كَأيْسَرِ أهْلِ مَكَّةَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى سَبَقَ إلى وهْمِهِ أنَّهم إنَّما رَغِبُوا عَنِ الإسْلامِ لِكَوْنِهِ فَقِيرًا حَقِيرًا عِنْدَهم، فَعَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَنَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقالَ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ أيْ ما كُنْتَ فِيهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، ثُمَّ وعَدَهُ بِالغِنى في الدُّنْيا لِيُزِيلَ عَنْ قَلْبِهِ ما حَصَلَ فِيهِ مِنَ التَّأذِّي بِسَبَبِ أنَّهم عَيَّرُوهُ بِالفَقْرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ دُخُولُ الفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا يَحْزُنْكَ ما يَقُولُ وما أنْتَ فِيهِ مِنَ القِلَّةِ، فَإنَّهُ يَحْصُلُ في الدُّنْيا يُسْرٌ كامِلٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: خَلَقْتُ عُسْرًا واحِدًا بَيْنَ يُسْرَيْنِ، فَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، ورَوى مُقاتِلٌ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» “ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وفي تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: العُسْرُ مَذْكُورٌ بِالألِفِ واللّامِ، ولَيْسَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ فَيَنْصَرِفُ إلى الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالعُسْرِ في اللَّفْظَيْنِ شَيْئًا واحِدًا. وأمّا اليُسْرُ فَإنَّهُ مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، فَكانَ أحَدُهُما غَيْرَ الآخَرِ، وزَيَّفَ الجُرْجانِيُّ هَذا وقالَ: إذا قالَ الرَّجُلُ: إنَّ مَعَ الفارِسِ سَيْفًا، إنَّ مَعَ الفارِسِ سَيْفًا، يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هُناكَ فارِسٌ واحِدٌ ومَعَهُ سَيْفانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ مِن وضْعِ العَرَبِيَّةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ تَكْرِيرًا لِلْأُولى، كَما كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ١٥] ويَكُونُ الغَرَضُ تَقْرِيرَ مَعْناها في النُّفُوسِ وتَمْكِينَها في القُلُوبِ، كَما يُكَرَّرُ المُفْرَدُ في قَوْلِكَ: جاءَنِي زَيْدٌ زَيْدٌ، والمُرادُ مِنَ اليُسْرَيْنِ: يُسْرُ الدُّنْيا وهو ما تَيَسَّرَ مِنِ اسْتِفْتاحِ البِلادِ، ويُسْرُ الآخِرَةِ وهو ثَوابُ الجَنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٢] وهُما حُسْنُ الظَّفَرِ وحُسْنُ الثَّوابِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ”«لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» “ هَذا، وذَلِكَ لِأنَّ عُمْرَ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى يُسْرِ الدُّنْيا ويُسْرِ الآخِرَةِ كالمَغْمُورِ القَلِيلِ، وهَهُنا سُؤالانِ.
الأوَّلُ: ما مَعْنى التَّنْكِيرِ في اليُسْرِ ؟ جَوابُهُ: التَّفْخِيمُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ مَعَ اليُسْرِ يُسْرًا، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا عَظِيمًا، وأيُّ يُسْرٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: اليُسْرُ لا يَكُونُ مَعَ العُسْرِ، لِأنَّهُما ضِدّانِ فَلا يَجْتَمِعانِ. الجَوابُ: لَمّا كانَ وُقُوعُ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ بِزَمانٍ قَلِيلٍ، كانَ مَقْطُوعًا بِهِ فَجُعِلَ كالمُقارِنِ لَهُ.
الشرح 94:7
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا بِما قَبْلَهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ السّالِفَةَ، ووَعَدَهم بِالنِّعَمِ الآتِيَةِ، لا جَرَمَ بَعَثَهُ عَلى الشُّكْرِ والِاجْتِهادِ في العِبادَةِ، فَقالَ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ
صفحة ٨
فاتْعَبْ يُقالُ: نَصَبَ يَنْصِبُ، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ ﴿فانْصَبْ وإلى رَبِّكَ﴾ [الشَّرْحِ: ٧] في الدُّعاءِ وارْغَبْ إلَيْهِ في المَسْألَةِ يُعْطِكَ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِنَ التَّشَهُّدِ فادْعُ لِدُنْياكَ وآخِرَتِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ دُنْياكَ فانْصَبْ وصَلِّ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ، وقالَ الحَسَنُ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الغَزْوِ فاجْتَهِدْ في العِبادَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ: إذا كُنْتَ صَحِيحًا فانْصَبْ، يَعْنِي اجْعَلْ فَراغَكَ نَصَبًا في العِبادَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنْ شُرَيْحًا مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يَتَصارَعانِ، فَقالَ: الفارِغُ ما أُمِرَ بِهَذا إنَّما قالَ اللَّهُ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ وبِالجُمْلَةِ فالمَعْنى أنْ يُواصِلَ بَيْنَ بَعْضِ العِباداتِ وبَعْضٍ، وأنْ لا يُخَلِّيَ وقْتًا مِن أوْقاتِهِ مِنها، فَإذا فَرَغَ مِن عِبادَةٍ أتْبَعَها بِأُخْرى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلَيْهِ خُصُوصًا ولا تَسْألْ إلّا فَضْلَهُ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ.
وثانِيها: ارْغَبْ في سائِرِ ما تَلْتَمِسُهُ دِينًا ودُنْيا ونُصْرَةً عَلى الأعْداءِ إلى رَبِّكَ، وقُرِئَ فَرَغِّبْ أيْ رَغِّبِ النّاسَ إلى طَلَبِ ما عِنْدَهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
الشرح 94:8
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا بِما قَبْلَهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ السّالِفَةَ، ووَعَدَهم بِالنِّعَمِ الآتِيَةِ، لا جَرَمَ بَعَثَهُ عَلى الشُّكْرِ والِاجْتِهادِ في العِبادَةِ، فَقالَ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ
صفحة ٨
فاتْعَبْ يُقالُ: نَصَبَ يَنْصِبُ، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ ﴿فانْصَبْ وإلى رَبِّكَ﴾ [الشَّرْحِ: ٧] في الدُّعاءِ وارْغَبْ إلَيْهِ في المَسْألَةِ يُعْطِكَ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِنَ التَّشَهُّدِ فادْعُ لِدُنْياكَ وآخِرَتِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ دُنْياكَ فانْصَبْ وصَلِّ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ، وقالَ الحَسَنُ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الغَزْوِ فاجْتَهِدْ في العِبادَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ: إذا كُنْتَ صَحِيحًا فانْصَبْ، يَعْنِي اجْعَلْ فَراغَكَ نَصَبًا في العِبادَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنْ شُرَيْحًا مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يَتَصارَعانِ، فَقالَ: الفارِغُ ما أُمِرَ بِهَذا إنَّما قالَ اللَّهُ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ وبِالجُمْلَةِ فالمَعْنى أنْ يُواصِلَ بَيْنَ بَعْضِ العِباداتِ وبَعْضٍ، وأنْ لا يُخَلِّيَ وقْتًا مِن أوْقاتِهِ مِنها، فَإذا فَرَغَ مِن عِبادَةٍ أتْبَعَها بِأُخْرى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلَيْهِ خُصُوصًا ولا تَسْألْ إلّا فَضْلَهُ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ.
وثانِيها: ارْغَبْ في سائِرِ ما تَلْتَمِسُهُ دِينًا ودُنْيا ونُصْرَةً عَلى الأعْداءِ إلى رَبِّكَ، وقُرِئَ فَرَغِّبْ أيْ رَغِّبِ النّاسَ إلى طَلَبِ ما عِنْدَهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
التين 95:1
صفحة ٩
[سُورَةُ التِّينِ ]
وهِيَ ثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾
﷽
﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾
اعْلَمْ أنَّ الإشْكالَ هو أنَّ التِّينَ والزَّيْتُونَ لَيْسا مِنَ الأُمُورِ الشَّرِيفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ تَعالى بِهِما ؟ فَلِأجْلِ هَذا السُّؤالِ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ هَذانِ الشَّيْئانِ المَشْهُورانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو تِينُكم وزَيْتُونُكم هَذا، ثُمَّ ذَكَرُوا مِن خَواصِّ التِّينِ والزَّيْتُونِ أشْياءَ.
أمّا التِّينُ فَقالُوا: إنَّهُ غِذاءٌ وفاكِهَةٌ ودَواءٌ، أمّا كَوْنُهُ غِذاءً فالأطِبّاءُ زَعَمُوا أنَّهُ طَعامٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الهَضْمِ لا يَمْكُثُ في المَعِدَةِ يُلَيِّنُ الطَّبْعَ ويُخْرِجُ التَّرَشُّحَ ويُقَلِّلُ البَلْغَمَ ويُطَهِّرُ الكُلْيَتَيْنِ ويُزِيلُ ما في المَثانَةِ مِنَ الرَّمْلِ ويُسَمِّنُ البَدَنَ ويَفْتَحُ مَسامَّ الكَبِدِ والطِّحالِ وهو خَيْرُ الفَواكِهِ وأحْمَدُها، ورُوِيَ أنَّهُ «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَبَقٌ مِن تِينٍ فَأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: ”كُلُوا فَلَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً نَزَلَتْ مِنَ الجَنَّةِ لَقُلْتُ هَذِهِ لِأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ فَكُلُوها فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ وتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ» “ وعَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الرِّضا عَلَيْهِما السَّلامُ: التِّينُ يُزِيلُ نَكْهَةَ الفَمِ ويُطَوِّلُ الشَّعْرَ وهو أمانٌ مِنَ الفالِجِ، وأمّا كَوْنُهُ دَواءً، فَلِأنَّهُ يُتَداوى بِهِ في إخْراجِ فُضُولِ البَدَنِ.
واعْلَمْ أنَّ لَها بَعْدَما ذَكَرْنا خَواصَّ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَها كَباطِنِها لَيْسَتْ كالجَوْزِ ظاهِرُهُ قِشْرٌ ولا كالتَّمْرِ باطِنُهُ قِشْرٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ مِنَ الثِّمارِ ما يَخْبُثُ ظاهِرُهُ ويَطِيبُ باطِنُهُ، كالجَوْزِ والبِطِّيخِ ومِنهُ ما يَطِيبُ ظاهِرُهُ دُونَ باطِنِهِ كالتَّمْرِ والإجّاصِ.
أمّا التِّينُ فَإنَّهُ طَيِّبُ الظّاهِرِ والباطِنِ.
وثانِيها: أنَّ الأشْجارَ ثَلاثَةٌ: شَجَرَةٌ تَعِدُ وتُخْلِفُ وهي شَجَرَةُ
صفحة ١٠
الخِلافِ، وثانِيَةٌ تَعِدُ وتَفِي وهي الَّتِي تَأْتِي بِالنَّوْرِ أوَّلًا بَعْدَهُ بِالثَّمَرِ كالتُّفّاحِ وغَيْرِهِ، وشَجَرَةٌ تَبْذُلُ قَبْلَ الوَعْدِ، وهي التِّينُ لِأنَّها تُخْرِجُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أنْ تَعِدَ بِالوَرْدِ، بَلْ لَوْ غَيَّرْتَ العِبارَةَ لَقُلْتَ هي شَجَرَةٌ تُظْهِرُ المَعْنى قَبْلَ الدَّعْوى، بَلْ لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّها شَجَرَةٌ تُخْرِجُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أنْ تُلْبِسَ نَفْسَها بِوَرْدٍ أوْ بِوَرَقٍ، والتُّفّاحُ والمِشْمِشُ وغَيْرُهُما تَبْدَأُ بِنَفْسِها، ثُمَّ بِغَيْرِها، أمّا شَجَرَةُ التِّينِ فَإنَّها تَهْتَمُّ بِغَيْرِها قَبْلَ اهْتِمامِها بِنَفْسِها، فَسائِرُ الأشْجارِ كَأرْبابِ المُعامَلَةِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ» “ وشَجَرَةُ التِّينِ كالمُصْطَفى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَبْدَأُ بِغَيْرِهِ فَإنْ فَضَلَ صَرَفَهُ إلى نَفْسِهِ، بَلْ مِنَ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحَشْرِ: ٩] .
وثالِثُها: أنَّ مِن خَواصِّ هَذِهِ الشَّجَرَةِ أنَّ سائِرَ الأشْجارِ إذا أسْقَطَتِ الثَّمَرَةَ مِن مَوْضِعِها لَمْ تَعُدْ في تِلْكَ السَّنَةِ، إلّا التِّينَ فَإنَّهُ يُعِيدُ البَذْرَ ورُبَّما سَقَطَ ثُمَّ يَعُودُ مَرَّةً أُخْرى.
ورابِعُها: أنَّ التِّينَ في النَّوْمِ رَجُلٌ خَيِّرٌ غَنِيٌّ فَمَن نالَها في المَنامِ نالَ مالًا وسَعَةً، ومَن أكَلَها رَزَقَهُ اللَّهُ أوْلادًا.
وخامِسُها: رُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَصى وفارَقَتْهُ ثِيابُهُ تَسَتَّرَ بِوَرَقِ التِّينِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ وكانَ مُتَّزِرًا بِوَرَقِ التِّينِ اسْتَوْحَشَ فَطافَ الظِّباءُ حَوْلَهُ فاسْتَأْنَسَ بِها فَأطْعَمَها بَعْضَ ورَقِ التِّينِ، فَرَزَقَها اللَّهُ الجَمالَ صُورَةً والمَلاحَةَ مَعْنًى وغَيَّرَ دَمَها مِسْكًا، فَلَمّا تَفَرَّقَتِ الظِّباءُ إلى مَساكِنِها رَأى غَيْرَها عَلَيْها مِنَ الجَمالِ ما أعْجَبَها، فَلَمّا كانَتْ مِنَ الغَدِ جاءَتِ الظِّباءُ عَلى أثَرِ الأُولى إلى آدَمَ فَأطْعَمَها مِنَ الوَرَقِ فَغَيَّرَ اللَّهُ حالَها إلى الجَمالِ دُونَ المِسْكِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأُولى جاءَتْ لِآدَمَ لا لِأجْلِ الطَّمَعِ والطّائِفَةُ الأُخْرى جاءَتْ لِلطَّمَعِ سِرًّا وإلى آدَمَ ظاهِرَةً، فَلا جَرَمَ غَيَّرَ الظّاهِرَ دُونَ الباطِنِ.
وأمّا الزَّيْتُونُ فَشَجَرَتُهُ هي الشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ فاكِهَةٌ مِن وجْهٍ وإدامٌ مِن وجْهٍ ودَواءٌ مِن وجْهٍ، وهي في أغْلَبِ البِلادِ لا تَحْتاجُ إلى تَرْبِيَةِ النّاسِ، ثُمَّ لا تَقْتَصِرُ مَنفَعَتُها غِذاءَ بَدَنِكَ، بَلْ هي غِذاءُ السِّراجِ أيْضًا وتَوَلُّدُها في الجِبالِ الَّتِي لا تُوجَدُ فِيها شَيْءٌ مِنَ الدُّهْنِيَّةِ البَتَّةَ وقِيلَ: مَن أخَذَ ورَقَ الزَّيْتُونِ في المَنامِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، وقالَ مَرِيضٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّهُ قِيلَ لِي: كُلِ اللّامَيْنِ تُشْفَ، فَقالَ: كُلِ الزَّيْتُونَ فَإنَّهُ لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: التِّينُ والزَّيْتُونُ اسْمٌ لِهَذَيْنِ المَأْكُولَيْنِ وفِيهِما هَذِهِ المَنافِعُ الجَلِيلَةُ، فَوَجَبَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، والجَزْمُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أقْسَمَ بِهِما لِما فِيهِما مِن هَذِهِ المَصالِحِ والمَنافِعِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما جَبَلانِ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، يُقالُ لَهُما: بِالسُّرْيانِيَّةِ طُورَ تِينا، وطُورَ زِيتا، لِأنَّهُما مَنبَتا التِّينِ والزَّيْتُونِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِمَنابِتِ الأنْبِياءِ، فالجَبَلُ المُخْتَصُّ بِالتِّينِ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والزَّيْتُونُ الشَّأْمُ مَبْعَثُ أكْثَرِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، والطُّورُ مَبْعَثُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَلَدُ الأمِينُ مَبْعَثُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ القَسَمِ في الحَقِيقَةِ تَعْظِيمَ الأنْبِياءِ وإعْلاءَ دَرَجاتِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ مَسْجِدانِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ مَسْجِدُ دِمَشْقَ والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ آخَرُونَ: التِّينُ مَسْجِدُ أصْحابِ أهْلِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ التِّينُ مَسْجِدُ نُوحٍ المَبْنِيُّ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ بِالمَسْجِدِ أحْسَنُ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العِبادَةِ والطّاعَةِ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ المَساجِدُ في هَذِهِ المَواضِعِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيها التِّينُ والزَّيْتُونُ، لا جَرَمَ اكْتَفى بِذِكْرِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
وثالِثُها: المُرادُ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ بَلَدانِ، فَقالَ كَعْبٌ: التِّينُ دِمَشْقُ والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: التِّينُ الكُوفَةُ، والزَّيْتُونُ الشّامُ، وعَنِ الرَّبِيعِ هُما جَبَلانِ بَيْنَ هَمْدانَ وحُلْوانَ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ، إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ ومُشْرِكِي قُرَيْشٍ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعَظِّمُ بَلْدَةً مِن هَذِهِ البِلادِ،
صفحة ١١
فاللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ البِلادِ بِأسْرِها، أوْ يُقالُ: إنْ دِمَشْقَ وبَيْتَ المَقْدِسِ فِيهِما نِعَمُ الدُّنْيا، والطُّورَ ومَكَّةَ فِيهِما نِعَمُ الدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ فالمُرادُ مِن (الطُّورِ) الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ، واخْتَلَفُوا في ﴿سِينِينَ﴾ والأوْلى عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ سِينِينَ وسِينا اسْمَيْنِ لِلْمَكانِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الجَبَلُ أُضِيفا إلى ذَلِكَ المَكانِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: (الطُّورُ) الجَبَلُ (وسِينِينَ) الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿سِينِينَ﴾ المُبارَكُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الجَبَلُ المُشَجَّرُ ذُو الشَّجَرِ، وقالَ مُقاتِلٌ: كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينِينَ وسِينا بِلُغَةِ النَّبَطِ قالَ الواحِدِيُّ: والأوْلى أنْ يَكُونَ سِينِينَ اسْمًا لِلْمَكانِ الَّذِي بِهِ الجَبَلُ، ثُمَّ لِذَلِكَ سُمِّيَ سِينِينَ أوْ سِينا لِحُسْنِهِ أوْ لِكَوْنِهِ مُبارَكًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سِينِينَ نَعْتًا لِلطُّورِ لِإضافَتِهِ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ فالمُرادُ مَكَّةُ والأمِينُ: الآمِنُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مِن أمِنَ الرَّجُلَ أمانَةً فَهو أمِينٌ وأمانَتُهُ أنْ يَحْفَظَ مَن دَخَلَهُ كَما يَحْفَظُ الأمِينُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ، كَما وُصِفَ بِالأمْنِ في قَوْلِهِ: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القَصَصِ: ٥٧] يَعْنِي ذا أمْنٍ، وذَكَرُوا في كَوْنِهِ أمِينًا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفِظَهُ عَنِ الفِيلِ عَلى ما يَأْتِيكَ شَرْحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وثانِيها: أنَّها تَحْفَظُ لَكَ جَمِيعَ الأشْياءِ فَمُباحُ الدَّمِ عِنْدَ الِالتِجاءِ إلَيْها آمِنٌ مِنَ السِّباعِ، والصُّيُودُ تَسْتَفِيدُ مِنها الحِفْظَ عِنْدَ الِالتِجاءِ إلَيْها.
وثالِثُها: ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ يُقَبِّلُ الحَجَرَ، ويَقُولُ: إنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أما إنَّهُ يَضُرُّ ويَنْفُعُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخَذَ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ المِيثاقَ كَتَبَهُ في رِقٍّ أبْيَضَ، وكانَ لِهَذا الرُّكْنِ يَوْمَئِذٍ لِسانٌ وشَفَتانِ وعَيْنانِ، فَقالَ: افْتَحْ فاكَ فَألْقَمَهُ ذَلِكَ الرِّقَّ وقالَ: تَشْهَدُ لِمَن وافاكَ بِالمُوافاةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ عُمَرُ: لا بَقِيتُ في قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يا أبا الحَسَنِ.
التين 95:2
صفحة ٩
[سُورَةُ التِّينِ ]
وهِيَ ثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾
﷽
﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾
اعْلَمْ أنَّ الإشْكالَ هو أنَّ التِّينَ والزَّيْتُونَ لَيْسا مِنَ الأُمُورِ الشَّرِيفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ تَعالى بِهِما ؟ فَلِأجْلِ هَذا السُّؤالِ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ هَذانِ الشَّيْئانِ المَشْهُورانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو تِينُكم وزَيْتُونُكم هَذا، ثُمَّ ذَكَرُوا مِن خَواصِّ التِّينِ والزَّيْتُونِ أشْياءَ.
أمّا التِّينُ فَقالُوا: إنَّهُ غِذاءٌ وفاكِهَةٌ ودَواءٌ، أمّا كَوْنُهُ غِذاءً فالأطِبّاءُ زَعَمُوا أنَّهُ طَعامٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الهَضْمِ لا يَمْكُثُ في المَعِدَةِ يُلَيِّنُ الطَّبْعَ ويُخْرِجُ التَّرَشُّحَ ويُقَلِّلُ البَلْغَمَ ويُطَهِّرُ الكُلْيَتَيْنِ ويُزِيلُ ما في المَثانَةِ مِنَ الرَّمْلِ ويُسَمِّنُ البَدَنَ ويَفْتَحُ مَسامَّ الكَبِدِ والطِّحالِ وهو خَيْرُ الفَواكِهِ وأحْمَدُها، ورُوِيَ أنَّهُ «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَبَقٌ مِن تِينٍ فَأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: ”كُلُوا فَلَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً نَزَلَتْ مِنَ الجَنَّةِ لَقُلْتُ هَذِهِ لِأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ فَكُلُوها فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ وتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ» “ وعَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الرِّضا عَلَيْهِما السَّلامُ: التِّينُ يُزِيلُ نَكْهَةَ الفَمِ ويُطَوِّلُ الشَّعْرَ وهو أمانٌ مِنَ الفالِجِ، وأمّا كَوْنُهُ دَواءً، فَلِأنَّهُ يُتَداوى بِهِ في إخْراجِ فُضُولِ البَدَنِ.
واعْلَمْ أنَّ لَها بَعْدَما ذَكَرْنا خَواصَّ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَها كَباطِنِها لَيْسَتْ كالجَوْزِ ظاهِرُهُ قِشْرٌ ولا كالتَّمْرِ باطِنُهُ قِشْرٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ مِنَ الثِّمارِ ما يَخْبُثُ ظاهِرُهُ ويَطِيبُ باطِنُهُ، كالجَوْزِ والبِطِّيخِ ومِنهُ ما يَطِيبُ ظاهِرُهُ دُونَ باطِنِهِ كالتَّمْرِ والإجّاصِ.
أمّا التِّينُ فَإنَّهُ طَيِّبُ الظّاهِرِ والباطِنِ.
وثانِيها: أنَّ الأشْجارَ ثَلاثَةٌ: شَجَرَةٌ تَعِدُ وتُخْلِفُ وهي شَجَرَةُ
صفحة ١٠
الخِلافِ، وثانِيَةٌ تَعِدُ وتَفِي وهي الَّتِي تَأْتِي بِالنَّوْرِ أوَّلًا بَعْدَهُ بِالثَّمَرِ كالتُّفّاحِ وغَيْرِهِ، وشَجَرَةٌ تَبْذُلُ قَبْلَ الوَعْدِ، وهي التِّينُ لِأنَّها تُخْرِجُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أنْ تَعِدَ بِالوَرْدِ، بَلْ لَوْ غَيَّرْتَ العِبارَةَ لَقُلْتَ هي شَجَرَةٌ تُظْهِرُ المَعْنى قَبْلَ الدَّعْوى، بَلْ لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّها شَجَرَةٌ تُخْرِجُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أنْ تُلْبِسَ نَفْسَها بِوَرْدٍ أوْ بِوَرَقٍ، والتُّفّاحُ والمِشْمِشُ وغَيْرُهُما تَبْدَأُ بِنَفْسِها، ثُمَّ بِغَيْرِها، أمّا شَجَرَةُ التِّينِ فَإنَّها تَهْتَمُّ بِغَيْرِها قَبْلَ اهْتِمامِها بِنَفْسِها، فَسائِرُ الأشْجارِ كَأرْبابِ المُعامَلَةِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ» “ وشَجَرَةُ التِّينِ كالمُصْطَفى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَبْدَأُ بِغَيْرِهِ فَإنْ فَضَلَ صَرَفَهُ إلى نَفْسِهِ، بَلْ مِنَ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحَشْرِ: ٩] .
وثالِثُها: أنَّ مِن خَواصِّ هَذِهِ الشَّجَرَةِ أنَّ سائِرَ الأشْجارِ إذا أسْقَطَتِ الثَّمَرَةَ مِن مَوْضِعِها لَمْ تَعُدْ في تِلْكَ السَّنَةِ، إلّا التِّينَ فَإنَّهُ يُعِيدُ البَذْرَ ورُبَّما سَقَطَ ثُمَّ يَعُودُ مَرَّةً أُخْرى.
ورابِعُها: أنَّ التِّينَ في النَّوْمِ رَجُلٌ خَيِّرٌ غَنِيٌّ فَمَن نالَها في المَنامِ نالَ مالًا وسَعَةً، ومَن أكَلَها رَزَقَهُ اللَّهُ أوْلادًا.
وخامِسُها: رُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَصى وفارَقَتْهُ ثِيابُهُ تَسَتَّرَ بِوَرَقِ التِّينِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ وكانَ مُتَّزِرًا بِوَرَقِ التِّينِ اسْتَوْحَشَ فَطافَ الظِّباءُ حَوْلَهُ فاسْتَأْنَسَ بِها فَأطْعَمَها بَعْضَ ورَقِ التِّينِ، فَرَزَقَها اللَّهُ الجَمالَ صُورَةً والمَلاحَةَ مَعْنًى وغَيَّرَ دَمَها مِسْكًا، فَلَمّا تَفَرَّقَتِ الظِّباءُ إلى مَساكِنِها رَأى غَيْرَها عَلَيْها مِنَ الجَمالِ ما أعْجَبَها، فَلَمّا كانَتْ مِنَ الغَدِ جاءَتِ الظِّباءُ عَلى أثَرِ الأُولى إلى آدَمَ فَأطْعَمَها مِنَ الوَرَقِ فَغَيَّرَ اللَّهُ حالَها إلى الجَمالِ دُونَ المِسْكِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأُولى جاءَتْ لِآدَمَ لا لِأجْلِ الطَّمَعِ والطّائِفَةُ الأُخْرى جاءَتْ لِلطَّمَعِ سِرًّا وإلى آدَمَ ظاهِرَةً، فَلا جَرَمَ غَيَّرَ الظّاهِرَ دُونَ الباطِنِ.
وأمّا الزَّيْتُونُ فَشَجَرَتُهُ هي الشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ فاكِهَةٌ مِن وجْهٍ وإدامٌ مِن وجْهٍ ودَواءٌ مِن وجْهٍ، وهي في أغْلَبِ البِلادِ لا تَحْتاجُ إلى تَرْبِيَةِ النّاسِ، ثُمَّ لا تَقْتَصِرُ مَنفَعَتُها غِذاءَ بَدَنِكَ، بَلْ هي غِذاءُ السِّراجِ أيْضًا وتَوَلُّدُها في الجِبالِ الَّتِي لا تُوجَدُ فِيها شَيْءٌ مِنَ الدُّهْنِيَّةِ البَتَّةَ وقِيلَ: مَن أخَذَ ورَقَ الزَّيْتُونِ في المَنامِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، وقالَ مَرِيضٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّهُ قِيلَ لِي: كُلِ اللّامَيْنِ تُشْفَ، فَقالَ: كُلِ الزَّيْتُونَ فَإنَّهُ لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: التِّينُ والزَّيْتُونُ اسْمٌ لِهَذَيْنِ المَأْكُولَيْنِ وفِيهِما هَذِهِ المَنافِعُ الجَلِيلَةُ، فَوَجَبَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، والجَزْمُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أقْسَمَ بِهِما لِما فِيهِما مِن هَذِهِ المَصالِحِ والمَنافِعِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما جَبَلانِ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، يُقالُ لَهُما: بِالسُّرْيانِيَّةِ طُورَ تِينا، وطُورَ زِيتا، لِأنَّهُما مَنبَتا التِّينِ والزَّيْتُونِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِمَنابِتِ الأنْبِياءِ، فالجَبَلُ المُخْتَصُّ بِالتِّينِ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والزَّيْتُونُ الشَّأْمُ مَبْعَثُ أكْثَرِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، والطُّورُ مَبْعَثُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَلَدُ الأمِينُ مَبْعَثُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ القَسَمِ في الحَقِيقَةِ تَعْظِيمَ الأنْبِياءِ وإعْلاءَ دَرَجاتِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ مَسْجِدانِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ مَسْجِدُ دِمَشْقَ والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ آخَرُونَ: التِّينُ مَسْجِدُ أصْحابِ أهْلِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ التِّينُ مَسْجِدُ نُوحٍ المَبْنِيُّ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ بِالمَسْجِدِ أحْسَنُ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العِبادَةِ والطّاعَةِ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ المَساجِدُ في هَذِهِ المَواضِعِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيها التِّينُ والزَّيْتُونُ، لا جَرَمَ اكْتَفى بِذِكْرِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
وثالِثُها: المُرادُ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ بَلَدانِ، فَقالَ كَعْبٌ: التِّينُ دِمَشْقُ والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: التِّينُ الكُوفَةُ، والزَّيْتُونُ الشّامُ، وعَنِ الرَّبِيعِ هُما جَبَلانِ بَيْنَ هَمْدانَ وحُلْوانَ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ، إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ ومُشْرِكِي قُرَيْشٍ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعَظِّمُ بَلْدَةً مِن هَذِهِ البِلادِ،
صفحة ١١
فاللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ البِلادِ بِأسْرِها، أوْ يُقالُ: إنْ دِمَشْقَ وبَيْتَ المَقْدِسِ فِيهِما نِعَمُ الدُّنْيا، والطُّورَ ومَكَّةَ فِيهِما نِعَمُ الدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ فالمُرادُ مِن (الطُّورِ) الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ، واخْتَلَفُوا في ﴿سِينِينَ﴾ والأوْلى عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ سِينِينَ وسِينا اسْمَيْنِ لِلْمَكانِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الجَبَلُ أُضِيفا إلى ذَلِكَ المَكانِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: (الطُّورُ) الجَبَلُ (وسِينِينَ) الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿سِينِينَ﴾ المُبارَكُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الجَبَلُ المُشَجَّرُ ذُو الشَّجَرِ، وقالَ مُقاتِلٌ: كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينِينَ وسِينا بِلُغَةِ النَّبَطِ قالَ الواحِدِيُّ: والأوْلى أنْ يَكُونَ سِينِينَ اسْمًا لِلْمَكانِ الَّذِي بِهِ الجَبَلُ، ثُمَّ لِذَلِكَ سُمِّيَ سِينِينَ أوْ سِينا لِحُسْنِهِ أوْ لِكَوْنِهِ مُبارَكًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سِينِينَ نَعْتًا لِلطُّورِ لِإضافَتِهِ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ فالمُرادُ مَكَّةُ والأمِينُ: الآمِنُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مِن أمِنَ الرَّجُلَ أمانَةً فَهو أمِينٌ وأمانَتُهُ أنْ يَحْفَظَ مَن دَخَلَهُ كَما يَحْفَظُ الأمِينُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ، كَما وُصِفَ بِالأمْنِ في قَوْلِهِ: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القَصَصِ: ٥٧] يَعْنِي ذا أمْنٍ، وذَكَرُوا في كَوْنِهِ أمِينًا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفِظَهُ عَنِ الفِيلِ عَلى ما يَأْتِيكَ شَرْحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وثانِيها: أنَّها تَحْفَظُ لَكَ جَمِيعَ الأشْياءِ فَمُباحُ الدَّمِ عِنْدَ الِالتِجاءِ إلَيْها آمِنٌ مِنَ السِّباعِ، والصُّيُودُ تَسْتَفِيدُ مِنها الحِفْظَ عِنْدَ الِالتِجاءِ إلَيْها.
وثالِثُها: ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ يُقَبِّلُ الحَجَرَ، ويَقُولُ: إنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أما إنَّهُ يَضُرُّ ويَنْفُعُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخَذَ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ المِيثاقَ كَتَبَهُ في رِقٍّ أبْيَضَ، وكانَ لِهَذا الرُّكْنِ يَوْمَئِذٍ لِسانٌ وشَفَتانِ وعَيْنانِ، فَقالَ: افْتَحْ فاكَ فَألْقَمَهُ ذَلِكَ الرِّقَّ وقالَ: تَشْهَدُ لِمَن وافاكَ بِالمُوافاةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ عُمَرُ: لا بَقِيتُ في قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يا أبا الحَسَنِ.
التين 95:3
صفحة ٩
[سُورَةُ التِّينِ ]
وهِيَ ثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾
﷽
﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾
اعْلَمْ أنَّ الإشْكالَ هو أنَّ التِّينَ والزَّيْتُونَ لَيْسا مِنَ الأُمُورِ الشَّرِيفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ تَعالى بِهِما ؟ فَلِأجْلِ هَذا السُّؤالِ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ هَذانِ الشَّيْئانِ المَشْهُورانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو تِينُكم وزَيْتُونُكم هَذا، ثُمَّ ذَكَرُوا مِن خَواصِّ التِّينِ والزَّيْتُونِ أشْياءَ.
أمّا التِّينُ فَقالُوا: إنَّهُ غِذاءٌ وفاكِهَةٌ ودَواءٌ، أمّا كَوْنُهُ غِذاءً فالأطِبّاءُ زَعَمُوا أنَّهُ طَعامٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الهَضْمِ لا يَمْكُثُ في المَعِدَةِ يُلَيِّنُ الطَّبْعَ ويُخْرِجُ التَّرَشُّحَ ويُقَلِّلُ البَلْغَمَ ويُطَهِّرُ الكُلْيَتَيْنِ ويُزِيلُ ما في المَثانَةِ مِنَ الرَّمْلِ ويُسَمِّنُ البَدَنَ ويَفْتَحُ مَسامَّ الكَبِدِ والطِّحالِ وهو خَيْرُ الفَواكِهِ وأحْمَدُها، ورُوِيَ أنَّهُ «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَبَقٌ مِن تِينٍ فَأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: ”كُلُوا فَلَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً نَزَلَتْ مِنَ الجَنَّةِ لَقُلْتُ هَذِهِ لِأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ فَكُلُوها فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ وتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ» “ وعَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الرِّضا عَلَيْهِما السَّلامُ: التِّينُ يُزِيلُ نَكْهَةَ الفَمِ ويُطَوِّلُ الشَّعْرَ وهو أمانٌ مِنَ الفالِجِ، وأمّا كَوْنُهُ دَواءً، فَلِأنَّهُ يُتَداوى بِهِ في إخْراجِ فُضُولِ البَدَنِ.
واعْلَمْ أنَّ لَها بَعْدَما ذَكَرْنا خَواصَّ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَها كَباطِنِها لَيْسَتْ كالجَوْزِ ظاهِرُهُ قِشْرٌ ولا كالتَّمْرِ باطِنُهُ قِشْرٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ مِنَ الثِّمارِ ما يَخْبُثُ ظاهِرُهُ ويَطِيبُ باطِنُهُ، كالجَوْزِ والبِطِّيخِ ومِنهُ ما يَطِيبُ ظاهِرُهُ دُونَ باطِنِهِ كالتَّمْرِ والإجّاصِ.
أمّا التِّينُ فَإنَّهُ طَيِّبُ الظّاهِرِ والباطِنِ.
وثانِيها: أنَّ الأشْجارَ ثَلاثَةٌ: شَجَرَةٌ تَعِدُ وتُخْلِفُ وهي شَجَرَةُ
صفحة ١٠
الخِلافِ، وثانِيَةٌ تَعِدُ وتَفِي وهي الَّتِي تَأْتِي بِالنَّوْرِ أوَّلًا بَعْدَهُ بِالثَّمَرِ كالتُّفّاحِ وغَيْرِهِ، وشَجَرَةٌ تَبْذُلُ قَبْلَ الوَعْدِ، وهي التِّينُ لِأنَّها تُخْرِجُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أنْ تَعِدَ بِالوَرْدِ، بَلْ لَوْ غَيَّرْتَ العِبارَةَ لَقُلْتَ هي شَجَرَةٌ تُظْهِرُ المَعْنى قَبْلَ الدَّعْوى، بَلْ لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّها شَجَرَةٌ تُخْرِجُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أنْ تُلْبِسَ نَفْسَها بِوَرْدٍ أوْ بِوَرَقٍ، والتُّفّاحُ والمِشْمِشُ وغَيْرُهُما تَبْدَأُ بِنَفْسِها، ثُمَّ بِغَيْرِها، أمّا شَجَرَةُ التِّينِ فَإنَّها تَهْتَمُّ بِغَيْرِها قَبْلَ اهْتِمامِها بِنَفْسِها، فَسائِرُ الأشْجارِ كَأرْبابِ المُعامَلَةِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ» “ وشَجَرَةُ التِّينِ كالمُصْطَفى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَبْدَأُ بِغَيْرِهِ فَإنْ فَضَلَ صَرَفَهُ إلى نَفْسِهِ، بَلْ مِنَ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحَشْرِ: ٩] .
وثالِثُها: أنَّ مِن خَواصِّ هَذِهِ الشَّجَرَةِ أنَّ سائِرَ الأشْجارِ إذا أسْقَطَتِ الثَّمَرَةَ مِن مَوْضِعِها لَمْ تَعُدْ في تِلْكَ السَّنَةِ، إلّا التِّينَ فَإنَّهُ يُعِيدُ البَذْرَ ورُبَّما سَقَطَ ثُمَّ يَعُودُ مَرَّةً أُخْرى.
ورابِعُها: أنَّ التِّينَ في النَّوْمِ رَجُلٌ خَيِّرٌ غَنِيٌّ فَمَن نالَها في المَنامِ نالَ مالًا وسَعَةً، ومَن أكَلَها رَزَقَهُ اللَّهُ أوْلادًا.
وخامِسُها: رُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَصى وفارَقَتْهُ ثِيابُهُ تَسَتَّرَ بِوَرَقِ التِّينِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ وكانَ مُتَّزِرًا بِوَرَقِ التِّينِ اسْتَوْحَشَ فَطافَ الظِّباءُ حَوْلَهُ فاسْتَأْنَسَ بِها فَأطْعَمَها بَعْضَ ورَقِ التِّينِ، فَرَزَقَها اللَّهُ الجَمالَ صُورَةً والمَلاحَةَ مَعْنًى وغَيَّرَ دَمَها مِسْكًا، فَلَمّا تَفَرَّقَتِ الظِّباءُ إلى مَساكِنِها رَأى غَيْرَها عَلَيْها مِنَ الجَمالِ ما أعْجَبَها، فَلَمّا كانَتْ مِنَ الغَدِ جاءَتِ الظِّباءُ عَلى أثَرِ الأُولى إلى آدَمَ فَأطْعَمَها مِنَ الوَرَقِ فَغَيَّرَ اللَّهُ حالَها إلى الجَمالِ دُونَ المِسْكِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأُولى جاءَتْ لِآدَمَ لا لِأجْلِ الطَّمَعِ والطّائِفَةُ الأُخْرى جاءَتْ لِلطَّمَعِ سِرًّا وإلى آدَمَ ظاهِرَةً، فَلا جَرَمَ غَيَّرَ الظّاهِرَ دُونَ الباطِنِ.
وأمّا الزَّيْتُونُ فَشَجَرَتُهُ هي الشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ فاكِهَةٌ مِن وجْهٍ وإدامٌ مِن وجْهٍ ودَواءٌ مِن وجْهٍ، وهي في أغْلَبِ البِلادِ لا تَحْتاجُ إلى تَرْبِيَةِ النّاسِ، ثُمَّ لا تَقْتَصِرُ مَنفَعَتُها غِذاءَ بَدَنِكَ، بَلْ هي غِذاءُ السِّراجِ أيْضًا وتَوَلُّدُها في الجِبالِ الَّتِي لا تُوجَدُ فِيها شَيْءٌ مِنَ الدُّهْنِيَّةِ البَتَّةَ وقِيلَ: مَن أخَذَ ورَقَ الزَّيْتُونِ في المَنامِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، وقالَ مَرِيضٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّهُ قِيلَ لِي: كُلِ اللّامَيْنِ تُشْفَ، فَقالَ: كُلِ الزَّيْتُونَ فَإنَّهُ لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: التِّينُ والزَّيْتُونُ اسْمٌ لِهَذَيْنِ المَأْكُولَيْنِ وفِيهِما هَذِهِ المَنافِعُ الجَلِيلَةُ، فَوَجَبَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، والجَزْمُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أقْسَمَ بِهِما لِما فِيهِما مِن هَذِهِ المَصالِحِ والمَنافِعِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما جَبَلانِ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، يُقالُ لَهُما: بِالسُّرْيانِيَّةِ طُورَ تِينا، وطُورَ زِيتا، لِأنَّهُما مَنبَتا التِّينِ والزَّيْتُونِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِمَنابِتِ الأنْبِياءِ، فالجَبَلُ المُخْتَصُّ بِالتِّينِ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والزَّيْتُونُ الشَّأْمُ مَبْعَثُ أكْثَرِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، والطُّورُ مَبْعَثُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَلَدُ الأمِينُ مَبْعَثُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ القَسَمِ في الحَقِيقَةِ تَعْظِيمَ الأنْبِياءِ وإعْلاءَ دَرَجاتِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ مَسْجِدانِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ مَسْجِدُ دِمَشْقَ والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ آخَرُونَ: التِّينُ مَسْجِدُ أصْحابِ أهْلِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ التِّينُ مَسْجِدُ نُوحٍ المَبْنِيُّ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ بِالمَسْجِدِ أحْسَنُ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العِبادَةِ والطّاعَةِ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ المَساجِدُ في هَذِهِ المَواضِعِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيها التِّينُ والزَّيْتُونُ، لا جَرَمَ اكْتَفى بِذِكْرِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
وثالِثُها: المُرادُ مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ بَلَدانِ، فَقالَ كَعْبٌ: التِّينُ دِمَشْقُ والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: التِّينُ الكُوفَةُ، والزَّيْتُونُ الشّامُ، وعَنِ الرَّبِيعِ هُما جَبَلانِ بَيْنَ هَمْدانَ وحُلْوانَ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ، إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ ومُشْرِكِي قُرَيْشٍ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعَظِّمُ بَلْدَةً مِن هَذِهِ البِلادِ،
صفحة ١١
فاللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ البِلادِ بِأسْرِها، أوْ يُقالُ: إنْ دِمَشْقَ وبَيْتَ المَقْدِسِ فِيهِما نِعَمُ الدُّنْيا، والطُّورَ ومَكَّةَ فِيهِما نِعَمُ الدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ فالمُرادُ مِن (الطُّورِ) الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ، واخْتَلَفُوا في ﴿سِينِينَ﴾ والأوْلى عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ سِينِينَ وسِينا اسْمَيْنِ لِلْمَكانِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الجَبَلُ أُضِيفا إلى ذَلِكَ المَكانِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: (الطُّورُ) الجَبَلُ (وسِينِينَ) الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿سِينِينَ﴾ المُبارَكُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الجَبَلُ المُشَجَّرُ ذُو الشَّجَرِ، وقالَ مُقاتِلٌ: كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينِينَ وسِينا بِلُغَةِ النَّبَطِ قالَ الواحِدِيُّ: والأوْلى أنْ يَكُونَ سِينِينَ اسْمًا لِلْمَكانِ الَّذِي بِهِ الجَبَلُ، ثُمَّ لِذَلِكَ سُمِّيَ سِينِينَ أوْ سِينا لِحُسْنِهِ أوْ لِكَوْنِهِ مُبارَكًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سِينِينَ نَعْتًا لِلطُّورِ لِإضافَتِهِ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ فالمُرادُ مَكَّةُ والأمِينُ: الآمِنُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مِن أمِنَ الرَّجُلَ أمانَةً فَهو أمِينٌ وأمانَتُهُ أنْ يَحْفَظَ مَن دَخَلَهُ كَما يَحْفَظُ الأمِينُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ، كَما وُصِفَ بِالأمْنِ في قَوْلِهِ: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القَصَصِ: ٥٧] يَعْنِي ذا أمْنٍ، وذَكَرُوا في كَوْنِهِ أمِينًا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفِظَهُ عَنِ الفِيلِ عَلى ما يَأْتِيكَ شَرْحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وثانِيها: أنَّها تَحْفَظُ لَكَ جَمِيعَ الأشْياءِ فَمُباحُ الدَّمِ عِنْدَ الِالتِجاءِ إلَيْها آمِنٌ مِنَ السِّباعِ، والصُّيُودُ تَسْتَفِيدُ مِنها الحِفْظَ عِنْدَ الِالتِجاءِ إلَيْها.
وثالِثُها: ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ يُقَبِّلُ الحَجَرَ، ويَقُولُ: إنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أما إنَّهُ يَضُرُّ ويَنْفُعُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخَذَ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ المِيثاقَ كَتَبَهُ في رِقٍّ أبْيَضَ، وكانَ لِهَذا الرُّكْنِ يَوْمَئِذٍ لِسانٌ وشَفَتانِ وعَيْنانِ، فَقالَ: افْتَحْ فاكَ فَألْقَمَهُ ذَلِكَ الرِّقَّ وقالَ: تَشْهَدُ لِمَن وافاكَ بِالمُوافاةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ عُمَرُ: لا بَقِيتُ في قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يا أبا الحَسَنِ.
التين 95:4
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ هَذِهِ الماهِيَّةُ والتَّقْوِيمُ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في التَّأْلِيفِ والتَّعْدِيلِ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ تَقْوِيمًا فاسْتَقامَ وتَقَوَّمَ، وذَكَرُوا في شَرْحِ ذَلِكَ الحُسْنِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، وقالَ الأصَمُّ: في أكْمَلِ عَقْلٍ وفَهْمٍ وأدَبٍ وعِلْمٍ وبَيانٍ، والحاصِلُ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ راجِعٌ إلى الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ، والثّانِي إلى السِّيرَةِ الباطِنَةِ، وعَنْ يَحْيى بْنِ أكْثَمَ القاضِي أنَّهُ فَسَّرَ التَّقْوِيمَ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، فَإنَّهُ حَكى أنَّ مَلِكَ زَمانِهِ خَلا بِزَوْجَتِهِ في لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَقالَ: إنْ لَمْ تَكُونِي أحْسَنَ مِنَ القَمَرِ فَأنْتِ كَذا، فَأفْتى الكُلُّ بِالحِنْثِ إلّا يَحْيى بْنَ أكْثَمَ فَإنَّهُ قالَ: لا يَحْنَثُ، فَقِيلَ لَهُ: خالَفْتَ شُيُوخَكَ، فَقالَ: الفَتْوى بِالعِلْمِ ولَقَدْ أفْتى مَن هو أعْلَمُ مِنّا وهو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يَقُولُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وكانَ بَعْضُ الصّالِحِينَ يَقُولُ: إلَهَنا أعْطَيْتَنا في الأُولى أحْسَنَ الأشْكالِ، فَأعْطِنا في الآخِرَةِ أحْسَنَ الفِعالِ، وهو العَفْوُ عَنِ الذُّنُوبِ، والتَّجاوُزُ عَنِ العُيُوبِ.
التين 95:5
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أرْذَلَ العُمُرِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزَّمْنى، ومَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَجِدُ سَبِيلًا، يُقالُ: سَفَلَ يَسْفُلُ فَهو سافِلٌ وهم سافِلُونَ، كَما يُقالُ: عَلا يَعْلُو فَهو عالٍ وهم عالُونَ، أرادَ أنَّ الهَرِمَ يُخَرِّفُ ويَضْعُفُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وعَقْلُهُ وتَقِلُّ حِيلَتُهُ ويَعْجِزُ عَنْ عَمَلِ الصّالِحاتِ، فَيَكُونُ أسْفَلَ الجَمِيعِ، وقالَ الفَرّاءُ: ولَوْ كانَتْ أسْفَلَ سافِلٍ لَكانَ صَوابًا، لِأنَّ لَفْظَ الإنْسانِ واحِدٌ، وأنْتَ تَقُولُ: هَذا أفْضَلُ قائِمٍ ولا تَقُولُ: أفْضَلُ قائِمِينَ، إلّا أنَّهُ قِيلَ: سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى جَمْعٍ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٣] وقالَ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهُمْ﴾ [الشُّورى: ٤٨] .
والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ والحَسَنُ ثُمَّ رَدَدْناهُ إلى النّارِ، قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: وضَعَ أبْوابَ جَهَنَّمَ بَعْضَها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، فَيَبْدَأُ بِالأسْفَلِ فَيَمْلَأُ وهو أسْفَلُ سافِلِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى ثُمَّ رَدَدْناهُ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ إلى النّارِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى ولَكِنِ الَّذِينَ كانُوا صالِحِينَ مِنَ الهَرْمى فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ عَلى طاعَتِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى ابْتِلاءِ اللَّهِ إيّاهم بِالشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ، وعَلى مُقاساةِ المَشاقِّ والقِيامِ بِالعِبادَةِ وعَلى تَخاذُلِ نُهُوضِهِمْ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ظاهِرُ الِاتِّصالِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ.
وثانِيهِما: أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أيْ لا يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الثَّوابِ، لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ وأنْ لا يَكُونَ مُنَغَّصًا بِالمِنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأُولى: مَنِ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ ؟ الجَوابُ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ أنَّ كُلَّ مَن أخْبَرَ عَنِ الواقِعِ بِأنَّهُ لا يَقَعُ فَهو كاذِبٌ، والمَعْنى فَما الَّذِي يُلْجِئُكَ إلى هَذا الكَذِبِ.
والثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ أنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ يا أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ بِالدِّينِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما وجْهُ التَّعَجُّبِ ؟ الجَوابُ: أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ وتَقْوِيمَهُ بَشَرًا سَوِيًّا وتَدْرِيجَهُ في مَراتِبِ الزِّيادَةِ إلى أنْ يَكْمُلَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ تَنْكِيسَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ أرْذَلَ العُمُرِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَمَن شاهَدَ هَذِهِ الحالَةَ ثُمَّ بَقِيَ مُصِرًّا عَلى إنْكارِ الحَشْرِ فَلا شَيْءَ أعْجَبُ مِنهُ.
التين 95:6
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أرْذَلَ العُمُرِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزَّمْنى، ومَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَجِدُ سَبِيلًا، يُقالُ: سَفَلَ يَسْفُلُ فَهو سافِلٌ وهم سافِلُونَ، كَما يُقالُ: عَلا يَعْلُو فَهو عالٍ وهم عالُونَ، أرادَ أنَّ الهَرِمَ يُخَرِّفُ ويَضْعُفُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وعَقْلُهُ وتَقِلُّ حِيلَتُهُ ويَعْجِزُ عَنْ عَمَلِ الصّالِحاتِ، فَيَكُونُ أسْفَلَ الجَمِيعِ، وقالَ الفَرّاءُ: ولَوْ كانَتْ أسْفَلَ سافِلٍ لَكانَ صَوابًا، لِأنَّ لَفْظَ الإنْسانِ واحِدٌ، وأنْتَ تَقُولُ: هَذا أفْضَلُ قائِمٍ ولا تَقُولُ: أفْضَلُ قائِمِينَ، إلّا أنَّهُ قِيلَ: سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى جَمْعٍ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٣] وقالَ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهُمْ﴾ [الشُّورى: ٤٨] .
والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ والحَسَنُ ثُمَّ رَدَدْناهُ إلى النّارِ، قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: وضَعَ أبْوابَ جَهَنَّمَ بَعْضَها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، فَيَبْدَأُ بِالأسْفَلِ فَيَمْلَأُ وهو أسْفَلُ سافِلِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى ثُمَّ رَدَدْناهُ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ إلى النّارِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى ولَكِنِ الَّذِينَ كانُوا صالِحِينَ مِنَ الهَرْمى فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ عَلى طاعَتِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى ابْتِلاءِ اللَّهِ إيّاهم بِالشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ، وعَلى مُقاساةِ المَشاقِّ والقِيامِ بِالعِبادَةِ وعَلى تَخاذُلِ نُهُوضِهِمْ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ظاهِرُ الِاتِّصالِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ.
وثانِيهِما: أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أيْ لا يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الثَّوابِ، لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ وأنْ لا يَكُونَ مُنَغَّصًا بِالمِنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأُولى: مَنِ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ ؟ الجَوابُ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ أنَّ كُلَّ مَن أخْبَرَ عَنِ الواقِعِ بِأنَّهُ لا يَقَعُ فَهو كاذِبٌ، والمَعْنى فَما الَّذِي يُلْجِئُكَ إلى هَذا الكَذِبِ.
والثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ أنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ يا أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ بِالدِّينِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما وجْهُ التَّعَجُّبِ ؟ الجَوابُ: أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ وتَقْوِيمَهُ بَشَرًا سَوِيًّا وتَدْرِيجَهُ في مَراتِبِ الزِّيادَةِ إلى أنْ يَكْمُلَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ تَنْكِيسَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ أرْذَلَ العُمُرِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَمَن شاهَدَ هَذِهِ الحالَةَ ثُمَّ بَقِيَ مُصِرًّا عَلى إنْكارِ الحَشْرِ فَلا شَيْءَ أعْجَبُ مِنهُ.
التين 95:7
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أرْذَلَ العُمُرِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزَّمْنى، ومَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَجِدُ سَبِيلًا، يُقالُ: سَفَلَ يَسْفُلُ فَهو سافِلٌ وهم سافِلُونَ، كَما يُقالُ: عَلا يَعْلُو فَهو عالٍ وهم عالُونَ، أرادَ أنَّ الهَرِمَ يُخَرِّفُ ويَضْعُفُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وعَقْلُهُ وتَقِلُّ حِيلَتُهُ ويَعْجِزُ عَنْ عَمَلِ الصّالِحاتِ، فَيَكُونُ أسْفَلَ الجَمِيعِ، وقالَ الفَرّاءُ: ولَوْ كانَتْ أسْفَلَ سافِلٍ لَكانَ صَوابًا، لِأنَّ لَفْظَ الإنْسانِ واحِدٌ، وأنْتَ تَقُولُ: هَذا أفْضَلُ قائِمٍ ولا تَقُولُ: أفْضَلُ قائِمِينَ، إلّا أنَّهُ قِيلَ: سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى جَمْعٍ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٣] وقالَ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهُمْ﴾ [الشُّورى: ٤٨] .
والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ والحَسَنُ ثُمَّ رَدَدْناهُ إلى النّارِ، قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: وضَعَ أبْوابَ جَهَنَّمَ بَعْضَها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، فَيَبْدَأُ بِالأسْفَلِ فَيَمْلَأُ وهو أسْفَلُ سافِلِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى ثُمَّ رَدَدْناهُ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ إلى النّارِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى ولَكِنِ الَّذِينَ كانُوا صالِحِينَ مِنَ الهَرْمى فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ عَلى طاعَتِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى ابْتِلاءِ اللَّهِ إيّاهم بِالشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ، وعَلى مُقاساةِ المَشاقِّ والقِيامِ بِالعِبادَةِ وعَلى تَخاذُلِ نُهُوضِهِمْ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ظاهِرُ الِاتِّصالِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ.
وثانِيهِما: أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أيْ لا يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الثَّوابِ، لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ وأنْ لا يَكُونَ مُنَغَّصًا بِالمِنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأُولى: مَنِ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ ؟ الجَوابُ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ أنَّ كُلَّ مَن أخْبَرَ عَنِ الواقِعِ بِأنَّهُ لا يَقَعُ فَهو كاذِبٌ، والمَعْنى فَما الَّذِي يُلْجِئُكَ إلى هَذا الكَذِبِ.
والثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ أنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ يا أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ بِالدِّينِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما وجْهُ التَّعَجُّبِ ؟ الجَوابُ: أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ وتَقْوِيمَهُ بَشَرًا سَوِيًّا وتَدْرِيجَهُ في مَراتِبِ الزِّيادَةِ إلى أنْ يَكْمُلَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ تَنْكِيسَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ أرْذَلَ العُمُرِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَمَن شاهَدَ هَذِهِ الحالَةَ ثُمَّ بَقِيَ مُصِرًّا عَلى إنْكارِ الحَشْرِ فَلا شَيْءَ أعْجَبُ مِنهُ.
التين 95:8
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذا تَحْقِيقٌ لِما ذُكِرَ مِن خَلْقِ الإنْسانِ ثُمَّ رَدِّهِ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا، وإذا ثَبَتَتِ القُدْرَةُ والحِكْمَةُ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ صَحَّ القَوْلُ بِإمْكانِ الحَشْرِ ووُقُوعِهِ، أمّا الإمْكانُ فَبِالنَّظَرِ إلى القُدْرَةِ، وأمّا الوُقُوعُ فَبِالنَّظَرِ إلى الحِكْمَةِ لِأنَّ عَدَمَ ذَلِكَ يَقْدَحُ في الحِكْمَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] .
والثّانِي: أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُ وبَيْنَ خُصُومِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِالعَدْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ القَبِيحَ ولا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ مَعَ ما فِيها مِنَ السَّفَهِ والظُّلْمِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الفاعِلُ لِأفْعالِ العِبادِ هو اللَّهَ تَعالى لَكانَ كُلُّ سَفَهٍ وكُلُّ أمْرٍ بِسَفَهٍ وكُلُّ تَرْغِيبٍ في سَفَهٍ فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو أسْفَهُ السُّفَهاءِ، كَما أنَّهُ لا حِكْمَةٌ ولا أمْرٌ بِالحِكْمَةِ ولا تَرْغِيبٌ في الحِكْمَةِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو أحْكَمُ الحُكَماءِ، ولَمّا ثَبَتَ في حَقِّهِ تَعالى الأمْرانِ لَمْ يَكُنْ وصْفُهُ بِأنَّهُ أحْكَمُ الحُكَماءِ أوْلى مِن وصْفِهِ بِأنَّهُ أسْفَهُ السُّفَهاءِ. ولَمّا امْتَنَعَ هَذا الوَصْفُ في حَقِّهِ تَعالى عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ خالِقًا لِأفْعالِ العِبادِ والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي، ثُمَّ نَقُولُ: السَّفِيهُ مَن قامَتِ السَّفاهَةُ بِهِ لا مَن خَلَقَ السَّفاهَةَ، كَما أنَّ المُتَحَرِّكَ والسّاكِنَ مَن قامَتِ الحَرَكَةُ والسُّكُونُ بِهِ لا مَن خَلَقَهُما، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
العلق 96:1
صفحة ١٤
[ سُورَةُ العَلَقِ ]
تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾
زَعَمَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ آخَرُونَ: الفاتِحَةُ أوَّلُ ما نَزَلَ ثُمَّ سُورَةُ القَلَمِ.
﷽
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الباءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ، كَما قالَ الأخْطَلُ:
هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِرَةٍ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
ومَعْنى اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ، أيِ اذْكُرِ اسْمَهُ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ مَعْناهُ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ما حَسُنَ مِنهُ أنْ يَقُولَ: ما أنا بِقارِئٍ، أيْ لا أذْكُرُ اسْمَ رَبِّي.
وثانِيها: أنَّ هَذا الأمْرَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، لِأنَّهُ ما كانَ لَهُ شُغْلٌ سِوى ذِكْرِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ بِأنْ يَشْتَغِلَ بِما كانَ مَشْغُولًا بِهِ أبَدًا.
وثالِثُها: أنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ الباءِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: (اقْرَأْ) أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ، إذِ القِراءَةُ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القِيامَةِ: ١٨] وقالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٦] وقَوْلُهُ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَحَلُّ ”باسْمِ رَبِّكَ“ النَّصْبَ عَلى الحالِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: اقْرَأِ القُرْآنَ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ أيْ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ ثُمَّ اقْرَأْ، وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ قِراءَةُ التَّسْمِيَةِ
صفحة ١٥
فِي ابْتِداءِ كُلِّ سُورَةٍ كَما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وأمَرَ بِهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن لا يَرى ذَلِكَ واجِبًا ولا يَبْتَدِئُ بِها.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَعْنى اقْرَأِ القُرْآنَ مُسْتَعِينًا بِاسْمِ رَبِّكَ كَأنَّهُ يَجْعَلُ الِاسْمَ آلَةً فِيما يُحاوِلُهُ مِن أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا، ونَظِيرُهُ كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ لَمّا قالَ لَهُ: ﴿اقْرَأْ﴾ فَقالَ لَهُ: لَسْتُ بِقارِئٍ، فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ اسْتَعِنْ بِاسْمِ رَبِّكَ واتَّخِذْهُ آلَةً في تَحْصِيلِ هَذا الَّذِي عَسُرَ عَلَيْكَ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ اجْعَلْ هَذا الفِعْلَ لِلَّهِ وافْعَلْهُ لِأجْلِهِ كَما تَقُولُ: بَنَيْتُ هَذِهِ الدّارَ بِاسْمِ الأمِيرِ وصَنَعْتُ هَذا الكِتابَ بِاسْمِ الوَزِيرِ ولِأجْلِهِ، فَإنَّ العِبادَةَ إذا صارَتْ لِلَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَجْتَرِئُ الشَّيْطانُ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيما هو لِلَّهِ تَعالى ؟ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَمِرُّ هَذا التَّأْوِيلُ في قَوْلِكَ قَبْلَ الأكْلِ: بِسْمِ اللَّهِ، وكَذا قَبْلَ كُلِّ فِعْلٍ مُباحٍ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ إضافَةٌ مَجازِيَّةٌ كَما تُضِيفُ ضَيْعَتَكَ إلى بَعْضِ الكِبارِ لِتَدْفَعَ بِذَلِكَ ظُلْمَ الظَّلَمَةِ، كَذا تُضِيفُ فِعْلَكَ إلى اللَّهِ لِيَقْطَعَ الشَّيْطانُ طَمَعَهُ عَنْ مُشارَكَتِكَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ مَن لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ شارَكَهُ الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الطَّعامِ.
والثّانِي: أنَّهُ رُبَّما اسْتَعانَ بِذَلِكَ المُباحِ عَلى التَّقْوى عَلى طاعَةِ اللَّهِ فَيَصِيرُ المُباحُ طاعَةً فَيَصِحُّ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ فِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ: (رَبِّكَ) فَفِيهِ سُؤالانِ:
أحَدُها: وهو أنَّ الرَّبَّ مِن صِفاتِ الفِعْلِ، واللَّهُ مِن أسْماءِ الذّاتِ وأسْماءُ الذّاتِ أشْرَفُ مِن أسْماءِ الفِعْلِ، ولِأنّا قَدْ دَلَّلْنا بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ عَلى أنَّ اسْمَ اللَّهِ أشْرَفُ مِنَ اسْمِ الرَّبِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: اقْرَأْ بِاسْمِ اللَّهِ كَما قالَ في التَّسْمِيَةِ المَعْرُوفَةِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
وجَوابُهُ: أنَّهُ أمَرَ بِالعِبادَةِ، وبِصِفاتِ الذّاتِ، وهو لا يَسْتَوْجِبُ شَيْئًا، وإنَّما يَسْتَوْجِبُ العِبادَةَ بِصِفاتِ الفِعْلِ، فَكانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في الحَثِّ عَلى الطّاعَةِ، ولِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كانَتْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ عَلى ما كانَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ فَزِعَ فاسْتَمالَهُ لِيَزُولَ الفَزَعُ، فَقالَ: هو الَّذِي رَبّاكَ فَكَيْفَ يُفْزِعُكَ ؟ فَأفادَ هَذا الحَرْفُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: رَبَّيْتُكَ فَلَزِمَكَ القَضاءُ فَلا تَتَكاسَلُ.
والثّانِي: أنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ لِلْإتْمامِ، وقَدْ رَبَّيْتُكَ مُنْذُ كَذا فَكَيْفَ أُضَيِّعُكَ، أيْ حِينَ كُنْتَ عَلَقًا لَمْ أدَعْ تَرْبِيَتَكَ فَبَعْدَ أنْ صِرْتَ خَلْقًا نَفِيسًا مُوَحِّدًا عارِفًا بِي كَيْفَ أُضَيِّعُكَ ! .
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ أضافَ ذاتَهُ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ؟ الجَوابُ: تارَةً يُضِيفُ ذاتَهُ إلَيْهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ كَما هَهُنا، وتارَةً يُضِيفُهُ إلى نَفْسِهِ بِالعُبُودِيَّةِ، أسْرى بِعَبْدِهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«عَلِيٌّ مِنِّي وأنا مِنهُ» “ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو لِي وأنا لَهُ، يُقَرِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النِّساءِ: ٨٠] أوْ نَقُولُ: إضافَةُ ذاتِهِ إلى عَبْدِهِ أحْسَنُ مِن إضافَةِ العَبْدِ إلَيْهِ، إذْ قَدْ عُلِمَ في الشّاهِدِ أنَّ مَن لَهُ ابْنانِ يَنْفَعُهُ أكْبَرُهُما دُونَ الأصْغَرِ، يَقُولُ: هو ابْنِي فَحَسْبُ لِما أنَّهُ يَنالُ مِنهُ المَنفَعَةَ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: المَنفَعَةُ تَصِلُ مِنِّي إلَيْكَ، ولَمْ تَصِلْ مِنكَ إلَيَّ خِدْمَةٌ ولا طاعَةٌ إلى الآنَ، فَأقُولُ: أنا لَكَ ولا أقُولُ أنْتَ لِي، ثُمَّ إذا أتَيْتَ بِما طَلَبْتُهُ مِنكَ مِن طاعَةٍ أوْ تَوْبَةٍ أضَفْتُكَ إلى نَفْسِي فَقُلْتُ: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ ذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: (رَبِّكَ) قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ الجَوابُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّكَ رَبِّي ؟ فَيَقُولُ: لِأنَّكَ كُنْتَ بِذاتِكَ وصِفاتِكَ مَعْدُومًا. ثُمَّ صِرْتَ مَوْجُودًا فَلا بُدَّ لَكَ في ذاتِكَ وصِفاتِكَ مِن خالِقٍ، وهَذا الخَلْقُ والإيجادُ تَرْبِيَةٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنِّي رَبُّكَ وأنْتَ مَرْبُوبِي.
* *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ الَّذِي حَصَلَ مِنهُ الخَلْقُ واسْتَأْثَرَ بِهِ لا خالِقَ سِواهُ.
والثّانِي: أنْ يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعُولٌ ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ، لِأنَّهُ مُطْلَقٌ، فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الباقِي، كَقَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ، أيْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ تَخْصِيصٌ لِلْإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ جُمْلَةِ المَخْلُوقاتِ، إمّا لِأنَّ التَّنْزِيلَ إلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ أشْرَفُ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ مُبْهَمًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ تَفْخِيمًا لِخَلْقِ الإنْسانِ ودَلالَةً عَلى عَجِيبِ فِطْرَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا خالِقَ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الخالِقِيَّةَ صِفَةً مُمَيِّزَةً لِذاتِ اللَّهِ تَعالى عَنْ سائِرِ الذَّواتِ، وكُلُّ صِفَةٍ هَذا شَأْنُها فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ الشَّرِكَةِ فِيها، قالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ عَرَفْنا أنَّ خاصِّيَّةَ الإلَهِيَّةِ هي القُدْرَةُ عَلى الِاخْتِراعِ ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طَلَبَ حَقِيقَةَ الإلَهِ، فَقالَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٣] قالَ مُوسى: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٦] والرُّبُوبِيَّةُ إشارَةٌ إلى الخالِقِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَها هَهُنا، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُتَكَلِّمُونَ عَلى أنَّ أوَّلَ الواجِباتِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، أوِ النَّظَرُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ أوِ القَصْدُ إلى ذَلِكَ النَّظَرِ عَلى الِاخْتِلافِ المَشْهُورِ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ إنَّ الحَكِيمَ سُبْحانَهُ لَمّا أرادَ أنْ يَبْعَثَهُ رَسُولًا إلى المُشْرِكِينَ، لَوْ قالَ لَهُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ، لَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنهُ، لَكِنَّهُ تَعالى قَدَّمَ لِذَلِكَ مُقَدِّمَةً تُلْجِئُهم إلى الِاعْتِرافِ بِهِ كَما يُحْكى أنَّ زُفَرَ لَمّا بَعَثَهُ أبُو حَنِيفَةَ إلى البَصْرَةِ لِتَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ، فَلَمّا ذَكَرَ أبُو حَنِيفَةَ زَيَّفُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، فَرَجَعَ إلى أبِي حَنِيفَةَ. وأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقالَ: إنَّكَ لَمْ تَعْرِفْ طَرِيقَ التَّبْلِيغِ، لَكِنِ ارْجِعْ إلَيْهِمْ، واذْكُرْ في المَسْألَةِ أقاوِيلَ أئِمَّتِهِمْ ثُمَّ بَيِّنْ ضَعْفَها، ثُمَّ قُلْ بَعْدَ ذَلِكَ: هَهُنا قَوْلٌ آخَرُ، واذْكُرْ قَوْلِي وحُجَّتِي، فَإذا تَمَكَّنَ ذَلِكَ في قَلْبِهِمْ، فَقُلْ: هَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ لِأنَّهم حِينَئِذٍ يَسْتَحْيُونَ فَلا يَرُدُّونَ، فَكَذا هَهُنا أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ يَقُولُ: إنَّ هَؤُلاءِ عُبّادُ الأوْثانِ، فَلَوْ أثْنَيْتَ عَلَيَّ وأعْرَضْتَ عَنِ الأوْثانِ لَأبَوْا ذَلِكَ، لَكِنِ اذْكُرْ لَهم أنَّهم هُمُ الَّذِينَ خُلِقُوا مِنَ العَلَقَةِ فَلا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ، ثُمَّ قُلْ: ولا بُدَّ لِلْفِعْلِ مِن فاعِلٍ فَلا يُمْكِنُهم أنْ يُضِيفُوا ذَلِكَ إلى الوَثَنِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم نَحَتُوهُ، فَبِهَذا التَّدْرِيجِ يُقِرُّونَ بِأنِّي أنا المُسْتَحِقُّ لِلثَّناءِ دُونَ الأوْثانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٧] ثُمَّ لَمّا صارَتِ الإلَهِيَّةُ مَوْقُوفَةً عَلى الخالِقِيَّةِ وحَصَلَ القَطْعُ بِأنَّ مَن لَمْ يَخْلُقْ لَمْ يَكُنْ إلَهًا، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النَّحْلِ: ١٧] ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالطَّبْعِ باطِلٌ، لِأنَّ المُؤَثِّرَ فِيهِ إنْ كانَ حادِثًا افْتَقَرَ إلى مُؤَثِّرٍ آخَرَ، وإنْ كانَ قَدِيمًا فَإمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا أوْ قادِرًا، فَإنْ كانَ مُوجِبًا لَزِمَ أنْ يُقارِنَهُ الأثَرُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ مُخْتارٌ وهو عالِمٌ لِأنَّ التَّغَيُّرَ حَصَلَ عَلى التَّرْتِيبِ المُوافِقِ لِلْمَصْلَحَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قالَ: ﴿مِن عَلَقٍ﴾ عَلى الجَمْعِ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ: ٢] .
العلق 96:2
صفحة ١٤
[ سُورَةُ العَلَقِ ]
تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾
زَعَمَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ آخَرُونَ: الفاتِحَةُ أوَّلُ ما نَزَلَ ثُمَّ سُورَةُ القَلَمِ.
﷽
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الباءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ، كَما قالَ الأخْطَلُ:
هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِرَةٍ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
ومَعْنى اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ، أيِ اذْكُرِ اسْمَهُ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ مَعْناهُ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ما حَسُنَ مِنهُ أنْ يَقُولَ: ما أنا بِقارِئٍ، أيْ لا أذْكُرُ اسْمَ رَبِّي.
وثانِيها: أنَّ هَذا الأمْرَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، لِأنَّهُ ما كانَ لَهُ شُغْلٌ سِوى ذِكْرِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ بِأنْ يَشْتَغِلَ بِما كانَ مَشْغُولًا بِهِ أبَدًا.
وثالِثُها: أنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ الباءِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: (اقْرَأْ) أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ، إذِ القِراءَةُ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القِيامَةِ: ١٨] وقالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٦] وقَوْلُهُ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَحَلُّ ”باسْمِ رَبِّكَ“ النَّصْبَ عَلى الحالِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: اقْرَأِ القُرْآنَ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ أيْ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ ثُمَّ اقْرَأْ، وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ قِراءَةُ التَّسْمِيَةِ
صفحة ١٥
فِي ابْتِداءِ كُلِّ سُورَةٍ كَما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وأمَرَ بِهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن لا يَرى ذَلِكَ واجِبًا ولا يَبْتَدِئُ بِها.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَعْنى اقْرَأِ القُرْآنَ مُسْتَعِينًا بِاسْمِ رَبِّكَ كَأنَّهُ يَجْعَلُ الِاسْمَ آلَةً فِيما يُحاوِلُهُ مِن أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا، ونَظِيرُهُ كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ لَمّا قالَ لَهُ: ﴿اقْرَأْ﴾ فَقالَ لَهُ: لَسْتُ بِقارِئٍ، فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ اسْتَعِنْ بِاسْمِ رَبِّكَ واتَّخِذْهُ آلَةً في تَحْصِيلِ هَذا الَّذِي عَسُرَ عَلَيْكَ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ اجْعَلْ هَذا الفِعْلَ لِلَّهِ وافْعَلْهُ لِأجْلِهِ كَما تَقُولُ: بَنَيْتُ هَذِهِ الدّارَ بِاسْمِ الأمِيرِ وصَنَعْتُ هَذا الكِتابَ بِاسْمِ الوَزِيرِ ولِأجْلِهِ، فَإنَّ العِبادَةَ إذا صارَتْ لِلَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَجْتَرِئُ الشَّيْطانُ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيما هو لِلَّهِ تَعالى ؟ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَمِرُّ هَذا التَّأْوِيلُ في قَوْلِكَ قَبْلَ الأكْلِ: بِسْمِ اللَّهِ، وكَذا قَبْلَ كُلِّ فِعْلٍ مُباحٍ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ إضافَةٌ مَجازِيَّةٌ كَما تُضِيفُ ضَيْعَتَكَ إلى بَعْضِ الكِبارِ لِتَدْفَعَ بِذَلِكَ ظُلْمَ الظَّلَمَةِ، كَذا تُضِيفُ فِعْلَكَ إلى اللَّهِ لِيَقْطَعَ الشَّيْطانُ طَمَعَهُ عَنْ مُشارَكَتِكَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ مَن لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ شارَكَهُ الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الطَّعامِ.
والثّانِي: أنَّهُ رُبَّما اسْتَعانَ بِذَلِكَ المُباحِ عَلى التَّقْوى عَلى طاعَةِ اللَّهِ فَيَصِيرُ المُباحُ طاعَةً فَيَصِحُّ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ فِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ: (رَبِّكَ) فَفِيهِ سُؤالانِ:
أحَدُها: وهو أنَّ الرَّبَّ مِن صِفاتِ الفِعْلِ، واللَّهُ مِن أسْماءِ الذّاتِ وأسْماءُ الذّاتِ أشْرَفُ مِن أسْماءِ الفِعْلِ، ولِأنّا قَدْ دَلَّلْنا بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ عَلى أنَّ اسْمَ اللَّهِ أشْرَفُ مِنَ اسْمِ الرَّبِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: اقْرَأْ بِاسْمِ اللَّهِ كَما قالَ في التَّسْمِيَةِ المَعْرُوفَةِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
وجَوابُهُ: أنَّهُ أمَرَ بِالعِبادَةِ، وبِصِفاتِ الذّاتِ، وهو لا يَسْتَوْجِبُ شَيْئًا، وإنَّما يَسْتَوْجِبُ العِبادَةَ بِصِفاتِ الفِعْلِ، فَكانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في الحَثِّ عَلى الطّاعَةِ، ولِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كانَتْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ عَلى ما كانَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ فَزِعَ فاسْتَمالَهُ لِيَزُولَ الفَزَعُ، فَقالَ: هو الَّذِي رَبّاكَ فَكَيْفَ يُفْزِعُكَ ؟ فَأفادَ هَذا الحَرْفُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: رَبَّيْتُكَ فَلَزِمَكَ القَضاءُ فَلا تَتَكاسَلُ.
والثّانِي: أنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ لِلْإتْمامِ، وقَدْ رَبَّيْتُكَ مُنْذُ كَذا فَكَيْفَ أُضَيِّعُكَ، أيْ حِينَ كُنْتَ عَلَقًا لَمْ أدَعْ تَرْبِيَتَكَ فَبَعْدَ أنْ صِرْتَ خَلْقًا نَفِيسًا مُوَحِّدًا عارِفًا بِي كَيْفَ أُضَيِّعُكَ ! .
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ أضافَ ذاتَهُ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ؟ الجَوابُ: تارَةً يُضِيفُ ذاتَهُ إلَيْهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ كَما هَهُنا، وتارَةً يُضِيفُهُ إلى نَفْسِهِ بِالعُبُودِيَّةِ، أسْرى بِعَبْدِهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«عَلِيٌّ مِنِّي وأنا مِنهُ» “ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو لِي وأنا لَهُ، يُقَرِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النِّساءِ: ٨٠] أوْ نَقُولُ: إضافَةُ ذاتِهِ إلى عَبْدِهِ أحْسَنُ مِن إضافَةِ العَبْدِ إلَيْهِ، إذْ قَدْ عُلِمَ في الشّاهِدِ أنَّ مَن لَهُ ابْنانِ يَنْفَعُهُ أكْبَرُهُما دُونَ الأصْغَرِ، يَقُولُ: هو ابْنِي فَحَسْبُ لِما أنَّهُ يَنالُ مِنهُ المَنفَعَةَ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: المَنفَعَةُ تَصِلُ مِنِّي إلَيْكَ، ولَمْ تَصِلْ مِنكَ إلَيَّ خِدْمَةٌ ولا طاعَةٌ إلى الآنَ، فَأقُولُ: أنا لَكَ ولا أقُولُ أنْتَ لِي، ثُمَّ إذا أتَيْتَ بِما طَلَبْتُهُ مِنكَ مِن طاعَةٍ أوْ تَوْبَةٍ أضَفْتُكَ إلى نَفْسِي فَقُلْتُ: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ ذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: (رَبِّكَ) قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ الجَوابُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّكَ رَبِّي ؟ فَيَقُولُ: لِأنَّكَ كُنْتَ بِذاتِكَ وصِفاتِكَ مَعْدُومًا. ثُمَّ صِرْتَ مَوْجُودًا فَلا بُدَّ لَكَ في ذاتِكَ وصِفاتِكَ مِن خالِقٍ، وهَذا الخَلْقُ والإيجادُ تَرْبِيَةٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنِّي رَبُّكَ وأنْتَ مَرْبُوبِي.
* *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ الَّذِي حَصَلَ مِنهُ الخَلْقُ واسْتَأْثَرَ بِهِ لا خالِقَ سِواهُ.
والثّانِي: أنْ يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعُولٌ ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ، لِأنَّهُ مُطْلَقٌ، فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الباقِي، كَقَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ، أيْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ تَخْصِيصٌ لِلْإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ جُمْلَةِ المَخْلُوقاتِ، إمّا لِأنَّ التَّنْزِيلَ إلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ أشْرَفُ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ مُبْهَمًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ تَفْخِيمًا لِخَلْقِ الإنْسانِ ودَلالَةً عَلى عَجِيبِ فِطْرَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا خالِقَ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الخالِقِيَّةَ صِفَةً مُمَيِّزَةً لِذاتِ اللَّهِ تَعالى عَنْ سائِرِ الذَّواتِ، وكُلُّ صِفَةٍ هَذا شَأْنُها فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ الشَّرِكَةِ فِيها، قالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ عَرَفْنا أنَّ خاصِّيَّةَ الإلَهِيَّةِ هي القُدْرَةُ عَلى الِاخْتِراعِ ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طَلَبَ حَقِيقَةَ الإلَهِ، فَقالَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٣] قالَ مُوسى: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٦] والرُّبُوبِيَّةُ إشارَةٌ إلى الخالِقِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَها هَهُنا، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُتَكَلِّمُونَ عَلى أنَّ أوَّلَ الواجِباتِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، أوِ النَّظَرُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ أوِ القَصْدُ إلى ذَلِكَ النَّظَرِ عَلى الِاخْتِلافِ المَشْهُورِ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ إنَّ الحَكِيمَ سُبْحانَهُ لَمّا أرادَ أنْ يَبْعَثَهُ رَسُولًا إلى المُشْرِكِينَ، لَوْ قالَ لَهُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ، لَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنهُ، لَكِنَّهُ تَعالى قَدَّمَ لِذَلِكَ مُقَدِّمَةً تُلْجِئُهم إلى الِاعْتِرافِ بِهِ كَما يُحْكى أنَّ زُفَرَ لَمّا بَعَثَهُ أبُو حَنِيفَةَ إلى البَصْرَةِ لِتَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ، فَلَمّا ذَكَرَ أبُو حَنِيفَةَ زَيَّفُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، فَرَجَعَ إلى أبِي حَنِيفَةَ. وأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقالَ: إنَّكَ لَمْ تَعْرِفْ طَرِيقَ التَّبْلِيغِ، لَكِنِ ارْجِعْ إلَيْهِمْ، واذْكُرْ في المَسْألَةِ أقاوِيلَ أئِمَّتِهِمْ ثُمَّ بَيِّنْ ضَعْفَها، ثُمَّ قُلْ بَعْدَ ذَلِكَ: هَهُنا قَوْلٌ آخَرُ، واذْكُرْ قَوْلِي وحُجَّتِي، فَإذا تَمَكَّنَ ذَلِكَ في قَلْبِهِمْ، فَقُلْ: هَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ لِأنَّهم حِينَئِذٍ يَسْتَحْيُونَ فَلا يَرُدُّونَ، فَكَذا هَهُنا أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ يَقُولُ: إنَّ هَؤُلاءِ عُبّادُ الأوْثانِ، فَلَوْ أثْنَيْتَ عَلَيَّ وأعْرَضْتَ عَنِ الأوْثانِ لَأبَوْا ذَلِكَ، لَكِنِ اذْكُرْ لَهم أنَّهم هُمُ الَّذِينَ خُلِقُوا مِنَ العَلَقَةِ فَلا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ، ثُمَّ قُلْ: ولا بُدَّ لِلْفِعْلِ مِن فاعِلٍ فَلا يُمْكِنُهم أنْ يُضِيفُوا ذَلِكَ إلى الوَثَنِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم نَحَتُوهُ، فَبِهَذا التَّدْرِيجِ يُقِرُّونَ بِأنِّي أنا المُسْتَحِقُّ لِلثَّناءِ دُونَ الأوْثانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٧] ثُمَّ لَمّا صارَتِ الإلَهِيَّةُ مَوْقُوفَةً عَلى الخالِقِيَّةِ وحَصَلَ القَطْعُ بِأنَّ مَن لَمْ يَخْلُقْ لَمْ يَكُنْ إلَهًا، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النَّحْلِ: ١٧] ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالطَّبْعِ باطِلٌ، لِأنَّ المُؤَثِّرَ فِيهِ إنْ كانَ حادِثًا افْتَقَرَ إلى مُؤَثِّرٍ آخَرَ، وإنْ كانَ قَدِيمًا فَإمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا أوْ قادِرًا، فَإنْ كانَ مُوجِبًا لَزِمَ أنْ يُقارِنَهُ الأثَرُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ مُخْتارٌ وهو عالِمٌ لِأنَّ التَّغَيُّرَ حَصَلَ عَلى التَّرْتِيبِ المُوافِقِ لِلْمَصْلَحَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قالَ: ﴿مِن عَلَقٍ﴾ عَلى الجَمْعِ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ: ٢] .
العلق 96:3
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: اقْرَأْ أوَّلًا لِنَفْسِكَ، والثّانِيَ لِلتَّبْلِيغِ أوِ الأوَّلَ لِلتَّعَلُّمِ مِن جِبْرِيلَ والثّانِيَ لِلتَّعْلِيمِ. أوِ اقْرَأْ في صَلاتِكَ، والثّانِيَ خارِجَ صَلاتِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَرَمُ إفادَةُ ما يَنْبَغِي لا لِعِوَضٍ، فَمَن يَهَبُ السِّكِّينَ مِمَّنْ يَقْتُلُ بِهِ نَفْسَهُ فَهو لَيْسَ بِكَرِيمٍ، ومَن أعْطى ثُمَّ طَلَبَ عِوَضًا فَهو لَيْسَ بِكَرِيمٍ، ولَيْسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ العِوَضُ عَيْنًا بَلِ المَدْحُ والثَّوابُ والتَّخَلُّصُ عَنِ المَذَمَّةِ كُلُّهُ عِوَضٌ، ولِهَذا قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكانَ حُصُولُ ذَلِكَ الغَرَضِ أوْلى لَهُ مِن لا حُصُولِهِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَفِيدُ بِفِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ حُصُولَ تِلْكَ الأوْلَوِيَّةِ، ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الفِعْلَ لَما كانَ يَحْصُلُ لَهُ تِلْكَ الأوْلَوِيَّةُ، فَيَكُونُ ناقِصًا بِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، ثُمَّ ذَكَرُوا في بَيانِ أكْرَمِيَّتِهِ تَعالى وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ كَمْ مِن كَرِيمٍ يَحْلُمُ وقْتَ الجِنايَةِ، لَكِنَّهُ لا يَبْقى إحْسانُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ قَبْلَ الجِنايَةِ، وهو تَعالى أكْرَمُ لِأنَّهُ يَزِيدُ بِإحْسانِهِ بَعْدَ الجِنايَةِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ:
مَتى زِدْتُ تَقْصِيرًا تَزِدْ لِي تَفَضُّلا كَأنِّي بِالتَّقْصِيرِ أسْتَوْجِبُ الفَضْلا
وثانِيها: إنَّكَ كَرِيمٌ لَكِنَّ رَبَّكَ أكْرَمُ وكَيْفَ لا وكُلُّ كَرِيمٍ يَنالُ بِكَرَمِهِ نَفْعًا إمّا مَدْحًا أوْ ثَوابًا أوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا. أمّا أنا فالأكْرَمُ إذْ لا أفْعَلُهُ إلّا لِمَحْضِ الكَرَمِ.
وثالِثُها: أنَّهُ الأكْرَمُ لِأنَّ لَهُ الِابْتِداءَ في كُلِّ كَرَمٍ وإحْسانٍ وكَرَمُهُ غَيْرُ مَشُوبٍ بِالتَّقْصِيرِ.
ورابِعُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حَثًّا عَلى القِراءَةِ أيْ هَذا الأكْرَمُ لِأنَّهُ يُجازِيكَ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرًا أوْ حَثًّا عَلى الإخْلاصِ، أيْ لا تَقْرَأْ لِطَمَعٍ ولَكِنْ لِأجْلِي ودَعْ عَلَيَّ أمْرَكَ فَأنا أكْرَمُ مِن أنْ لا أُعْطِيَكَ ما لا يُخْطَرُ بِبالِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى تَجَرَّدْ لِدَعْوَةِ الخَلْقِ ولا تَخَفْ أحَدًا فَأنا أكْرَمُ مِن أنْ آمُرَكَ بِهَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ ثُمَّ لا أنْصُرُكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ .
وثانِيًا: بِأنَّهُ عَلَقَةٌ وهي ﴿بِالقَلَمِ﴾، ولا مُناسَبَةَ في الظّاهِرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ أوَّلَ أحْوالِ الإنْسانِ كَوْنُهُ عَلَقَةً وهي أخَسُّ الأشْياءِ وآخِرُ أمْرِهِ هو صَيْرُورَتُهُ عالِمًا بِحَقائِقِ الأشْياءِ، وهو أشْرَفُ مَراتِبِ المَخْلُوقاتِ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْتَقَلْتَ مِن أخَسِّ المَراتِبِ إلى أعْلى المَراتِبِ فَلا بُدَّ لَكَ مِن مُدَبِّرٍ مُقَدِّرٍ يَنْقُلُكَ مِن تِلْكَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ إلى هَذِهِ الحالَةِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الصِّفاتِ الإنْسانِيَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الإيجادُ والإحْياءُ والإقْدارُ والرِّزْقُ كَرَمٌ ورُبُوبِيَّةٌ، أمّا الأكْرَمُ هو الَّذِي أعْطاكَ العِلْمَ لِأنَّ العِلْمَ هو النِّهايَةُ في الشَّرَفِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَكْتُوبَةِ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها إلّا بِالسَّمْعِ، فالأوَّلُ كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، والثّانِي إلى النُّبُوَّةِ، وقُدِّمَ الأوَّلُ عَلى الثّانِي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ غَنِيَّةٌ عَنِ النُّبُوَّةِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنَ القَلَمِ الكِتابَةُ الَّتِي
صفحة ١٨
تُعْرَفُ بِها الأُمُورُ الغائِبَةُ، وجُعِلَ القَلَمُ كِنايَةً عَنْها.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ، إذِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى فَضِيلَةِ الكِتابَةِ، يُرْوى أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ عِفْرِيتًا عَنِ الكَلامِ، فَقالَ: رِيحٌ لا يَبْقى، قالَ: فَما قَيْدُهُ ؟ قالَ: الكِتابَةُ، فالقَلَمُ صَيّادٌ يَصِيدُ العُلُومَ يَبْكِي ويَضْحَكُ، بِرُكُوعِهِ تَسْجُدُ الأنامُ، وبِحَرَكَتِهِ تَبْقى العُلُومُ عَلى مَرِّ اللَّيالِي والأيّامِ، نَظِيرُهُ قَوْلُ زَكَرِيّا: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣] أخْفى وأسْمَعَ، فَكَذا القَلَمُ لا يَنْطِقُ ثُمَّ يُسْمِعُ الشَّرْقَ والغَرْبَ، فَسُبْحانَهُ مِن قادِرٍ بِسَوادِها جَعَلَ الدِّينَ مُنَوَّرًا، كَما أنَّهُ جَعَلَكَ بِالسَّوادِ مُبْصِرًا، فالقَلَمُ قَوامُ الإنْسانِ والإنْسانُ قَوامُ العَيْنِ، ولا تَقُلْ: القَلَمُ نائِبُ اللِّسانِ، فَإنَّ القَلَمَ يَنُوبُ عَنِ اللِّسانِ واللِّسانُ لا يَنُوبُ عَنِ القَلَمِ، التُّرابُ طَهُورٌ، ولَوْ إلى عَشْرِ حِجَجٍ، والقَلَمُ بَدَلٌ [عَنِ اللِّسانِ] ولَوْ [بُعِثَ] إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
العلق 96:4
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: اقْرَأْ أوَّلًا لِنَفْسِكَ، والثّانِيَ لِلتَّبْلِيغِ أوِ الأوَّلَ لِلتَّعَلُّمِ مِن جِبْرِيلَ والثّانِيَ لِلتَّعْلِيمِ. أوِ اقْرَأْ في صَلاتِكَ، والثّانِيَ خارِجَ صَلاتِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَرَمُ إفادَةُ ما يَنْبَغِي لا لِعِوَضٍ، فَمَن يَهَبُ السِّكِّينَ مِمَّنْ يَقْتُلُ بِهِ نَفْسَهُ فَهو لَيْسَ بِكَرِيمٍ، ومَن أعْطى ثُمَّ طَلَبَ عِوَضًا فَهو لَيْسَ بِكَرِيمٍ، ولَيْسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ العِوَضُ عَيْنًا بَلِ المَدْحُ والثَّوابُ والتَّخَلُّصُ عَنِ المَذَمَّةِ كُلُّهُ عِوَضٌ، ولِهَذا قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكانَ حُصُولُ ذَلِكَ الغَرَضِ أوْلى لَهُ مِن لا حُصُولِهِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَفِيدُ بِفِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ حُصُولَ تِلْكَ الأوْلَوِيَّةِ، ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الفِعْلَ لَما كانَ يَحْصُلُ لَهُ تِلْكَ الأوْلَوِيَّةُ، فَيَكُونُ ناقِصًا بِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، ثُمَّ ذَكَرُوا في بَيانِ أكْرَمِيَّتِهِ تَعالى وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ كَمْ مِن كَرِيمٍ يَحْلُمُ وقْتَ الجِنايَةِ، لَكِنَّهُ لا يَبْقى إحْسانُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ قَبْلَ الجِنايَةِ، وهو تَعالى أكْرَمُ لِأنَّهُ يَزِيدُ بِإحْسانِهِ بَعْدَ الجِنايَةِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ:
مَتى زِدْتُ تَقْصِيرًا تَزِدْ لِي تَفَضُّلا كَأنِّي بِالتَّقْصِيرِ أسْتَوْجِبُ الفَضْلا
وثانِيها: إنَّكَ كَرِيمٌ لَكِنَّ رَبَّكَ أكْرَمُ وكَيْفَ لا وكُلُّ كَرِيمٍ يَنالُ بِكَرَمِهِ نَفْعًا إمّا مَدْحًا أوْ ثَوابًا أوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا. أمّا أنا فالأكْرَمُ إذْ لا أفْعَلُهُ إلّا لِمَحْضِ الكَرَمِ.
وثالِثُها: أنَّهُ الأكْرَمُ لِأنَّ لَهُ الِابْتِداءَ في كُلِّ كَرَمٍ وإحْسانٍ وكَرَمُهُ غَيْرُ مَشُوبٍ بِالتَّقْصِيرِ.
ورابِعُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حَثًّا عَلى القِراءَةِ أيْ هَذا الأكْرَمُ لِأنَّهُ يُجازِيكَ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرًا أوْ حَثًّا عَلى الإخْلاصِ، أيْ لا تَقْرَأْ لِطَمَعٍ ولَكِنْ لِأجْلِي ودَعْ عَلَيَّ أمْرَكَ فَأنا أكْرَمُ مِن أنْ لا أُعْطِيَكَ ما لا يُخْطَرُ بِبالِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى تَجَرَّدْ لِدَعْوَةِ الخَلْقِ ولا تَخَفْ أحَدًا فَأنا أكْرَمُ مِن أنْ آمُرَكَ بِهَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ ثُمَّ لا أنْصُرُكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ .
وثانِيًا: بِأنَّهُ عَلَقَةٌ وهي ﴿بِالقَلَمِ﴾، ولا مُناسَبَةَ في الظّاهِرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ أوَّلَ أحْوالِ الإنْسانِ كَوْنُهُ عَلَقَةً وهي أخَسُّ الأشْياءِ وآخِرُ أمْرِهِ هو صَيْرُورَتُهُ عالِمًا بِحَقائِقِ الأشْياءِ، وهو أشْرَفُ مَراتِبِ المَخْلُوقاتِ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْتَقَلْتَ مِن أخَسِّ المَراتِبِ إلى أعْلى المَراتِبِ فَلا بُدَّ لَكَ مِن مُدَبِّرٍ مُقَدِّرٍ يَنْقُلُكَ مِن تِلْكَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ إلى هَذِهِ الحالَةِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الصِّفاتِ الإنْسانِيَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الإيجادُ والإحْياءُ والإقْدارُ والرِّزْقُ كَرَمٌ ورُبُوبِيَّةٌ، أمّا الأكْرَمُ هو الَّذِي أعْطاكَ العِلْمَ لِأنَّ العِلْمَ هو النِّهايَةُ في الشَّرَفِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَكْتُوبَةِ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها إلّا بِالسَّمْعِ، فالأوَّلُ كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، والثّانِي إلى النُّبُوَّةِ، وقُدِّمَ الأوَّلُ عَلى الثّانِي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ غَنِيَّةٌ عَنِ النُّبُوَّةِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنَ القَلَمِ الكِتابَةُ الَّتِي
صفحة ١٨
تُعْرَفُ بِها الأُمُورُ الغائِبَةُ، وجُعِلَ القَلَمُ كِنايَةً عَنْها.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ، إذِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى فَضِيلَةِ الكِتابَةِ، يُرْوى أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ عِفْرِيتًا عَنِ الكَلامِ، فَقالَ: رِيحٌ لا يَبْقى، قالَ: فَما قَيْدُهُ ؟ قالَ: الكِتابَةُ، فالقَلَمُ صَيّادٌ يَصِيدُ العُلُومَ يَبْكِي ويَضْحَكُ، بِرُكُوعِهِ تَسْجُدُ الأنامُ، وبِحَرَكَتِهِ تَبْقى العُلُومُ عَلى مَرِّ اللَّيالِي والأيّامِ، نَظِيرُهُ قَوْلُ زَكَرِيّا: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣] أخْفى وأسْمَعَ، فَكَذا القَلَمُ لا يَنْطِقُ ثُمَّ يُسْمِعُ الشَّرْقَ والغَرْبَ، فَسُبْحانَهُ مِن قادِرٍ بِسَوادِها جَعَلَ الدِّينَ مُنَوَّرًا، كَما أنَّهُ جَعَلَكَ بِالسَّوادِ مُبْصِرًا، فالقَلَمُ قَوامُ الإنْسانِ والإنْسانُ قَوامُ العَيْنِ، ولا تَقُلْ: القَلَمُ نائِبُ اللِّسانِ، فَإنَّ القَلَمَ يَنُوبُ عَنِ اللِّسانِ واللِّسانُ لا يَنُوبُ عَنِ القَلَمِ، التُّرابُ طَهُورٌ، ولَوْ إلى عَشْرِ حِجَجٍ، والقَلَمُ بَدَلٌ [عَنِ اللِّسانِ] ولَوْ [بُعِثَ] إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
العلق 96:5
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: اقْرَأْ أوَّلًا لِنَفْسِكَ، والثّانِيَ لِلتَّبْلِيغِ أوِ الأوَّلَ لِلتَّعَلُّمِ مِن جِبْرِيلَ والثّانِيَ لِلتَّعْلِيمِ. أوِ اقْرَأْ في صَلاتِكَ، والثّانِيَ خارِجَ صَلاتِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَرَمُ إفادَةُ ما يَنْبَغِي لا لِعِوَضٍ، فَمَن يَهَبُ السِّكِّينَ مِمَّنْ يَقْتُلُ بِهِ نَفْسَهُ فَهو لَيْسَ بِكَرِيمٍ، ومَن أعْطى ثُمَّ طَلَبَ عِوَضًا فَهو لَيْسَ بِكَرِيمٍ، ولَيْسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ العِوَضُ عَيْنًا بَلِ المَدْحُ والثَّوابُ والتَّخَلُّصُ عَنِ المَذَمَّةِ كُلُّهُ عِوَضٌ، ولِهَذا قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكانَ حُصُولُ ذَلِكَ الغَرَضِ أوْلى لَهُ مِن لا حُصُولِهِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَفِيدُ بِفِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ حُصُولَ تِلْكَ الأوْلَوِيَّةِ، ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الفِعْلَ لَما كانَ يَحْصُلُ لَهُ تِلْكَ الأوْلَوِيَّةُ، فَيَكُونُ ناقِصًا بِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، ثُمَّ ذَكَرُوا في بَيانِ أكْرَمِيَّتِهِ تَعالى وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ كَمْ مِن كَرِيمٍ يَحْلُمُ وقْتَ الجِنايَةِ، لَكِنَّهُ لا يَبْقى إحْسانُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ قَبْلَ الجِنايَةِ، وهو تَعالى أكْرَمُ لِأنَّهُ يَزِيدُ بِإحْسانِهِ بَعْدَ الجِنايَةِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ:
مَتى زِدْتُ تَقْصِيرًا تَزِدْ لِي تَفَضُّلا كَأنِّي بِالتَّقْصِيرِ أسْتَوْجِبُ الفَضْلا
وثانِيها: إنَّكَ كَرِيمٌ لَكِنَّ رَبَّكَ أكْرَمُ وكَيْفَ لا وكُلُّ كَرِيمٍ يَنالُ بِكَرَمِهِ نَفْعًا إمّا مَدْحًا أوْ ثَوابًا أوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا. أمّا أنا فالأكْرَمُ إذْ لا أفْعَلُهُ إلّا لِمَحْضِ الكَرَمِ.
وثالِثُها: أنَّهُ الأكْرَمُ لِأنَّ لَهُ الِابْتِداءَ في كُلِّ كَرَمٍ وإحْسانٍ وكَرَمُهُ غَيْرُ مَشُوبٍ بِالتَّقْصِيرِ.
ورابِعُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حَثًّا عَلى القِراءَةِ أيْ هَذا الأكْرَمُ لِأنَّهُ يُجازِيكَ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرًا أوْ حَثًّا عَلى الإخْلاصِ، أيْ لا تَقْرَأْ لِطَمَعٍ ولَكِنْ لِأجْلِي ودَعْ عَلَيَّ أمْرَكَ فَأنا أكْرَمُ مِن أنْ لا أُعْطِيَكَ ما لا يُخْطَرُ بِبالِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى تَجَرَّدْ لِدَعْوَةِ الخَلْقِ ولا تَخَفْ أحَدًا فَأنا أكْرَمُ مِن أنْ آمُرَكَ بِهَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ ثُمَّ لا أنْصُرُكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ .
وثانِيًا: بِأنَّهُ عَلَقَةٌ وهي ﴿بِالقَلَمِ﴾، ولا مُناسَبَةَ في الظّاهِرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ أوَّلَ أحْوالِ الإنْسانِ كَوْنُهُ عَلَقَةً وهي أخَسُّ الأشْياءِ وآخِرُ أمْرِهِ هو صَيْرُورَتُهُ عالِمًا بِحَقائِقِ الأشْياءِ، وهو أشْرَفُ مَراتِبِ المَخْلُوقاتِ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْتَقَلْتَ مِن أخَسِّ المَراتِبِ إلى أعْلى المَراتِبِ فَلا بُدَّ لَكَ مِن مُدَبِّرٍ مُقَدِّرٍ يَنْقُلُكَ مِن تِلْكَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ إلى هَذِهِ الحالَةِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الصِّفاتِ الإنْسانِيَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الإيجادُ والإحْياءُ والإقْدارُ والرِّزْقُ كَرَمٌ ورُبُوبِيَّةٌ، أمّا الأكْرَمُ هو الَّذِي أعْطاكَ العِلْمَ لِأنَّ العِلْمَ هو النِّهايَةُ في الشَّرَفِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَكْتُوبَةِ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها إلّا بِالسَّمْعِ، فالأوَّلُ كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، والثّانِي إلى النُّبُوَّةِ، وقُدِّمَ الأوَّلُ عَلى الثّانِي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ غَنِيَّةٌ عَنِ النُّبُوَّةِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنَ القَلَمِ الكِتابَةُ الَّتِي
صفحة ١٨
تُعْرَفُ بِها الأُمُورُ الغائِبَةُ، وجُعِلَ القَلَمُ كِنايَةً عَنْها.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ، إذِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى فَضِيلَةِ الكِتابَةِ، يُرْوى أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ عِفْرِيتًا عَنِ الكَلامِ، فَقالَ: رِيحٌ لا يَبْقى، قالَ: فَما قَيْدُهُ ؟ قالَ: الكِتابَةُ، فالقَلَمُ صَيّادٌ يَصِيدُ العُلُومَ يَبْكِي ويَضْحَكُ، بِرُكُوعِهِ تَسْجُدُ الأنامُ، وبِحَرَكَتِهِ تَبْقى العُلُومُ عَلى مَرِّ اللَّيالِي والأيّامِ، نَظِيرُهُ قَوْلُ زَكَرِيّا: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣] أخْفى وأسْمَعَ، فَكَذا القَلَمُ لا يَنْطِقُ ثُمَّ يُسْمِعُ الشَّرْقَ والغَرْبَ، فَسُبْحانَهُ مِن قادِرٍ بِسَوادِها جَعَلَ الدِّينَ مُنَوَّرًا، كَما أنَّهُ جَعَلَكَ بِالسَّوادِ مُبْصِرًا، فالقَلَمُ قَوامُ الإنْسانِ والإنْسانُ قَوامُ العَيْنِ، ولا تَقُلْ: القَلَمُ نائِبُ اللِّسانِ، فَإنَّ القَلَمَ يَنُوبُ عَنِ اللِّسانِ واللِّسانُ لا يَنُوبُ عَنِ القَلَمِ، التُّرابُ طَهُورٌ، ولَوْ إلى عَشْرِ حِجَجٍ، والقَلَمُ بَدَلٌ [عَنِ اللِّسانِ] ولَوْ [بُعِثَ] إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
العلق 96:6
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ وعَلَّمَهُ أيْضًا غَيْرَ ذَلِكَ ولَمْ يَذْكُرْ واوَ النَّسَقِ، وقَدْ يَجْرِي مِثْلُ هَذا في الكَلامِ تَقُولُ: أكْرَمْتُكَ، أحْسَنْتُ إلَيْكَ، مَلَّكْتُكَ الأمْوالَ، ولَّيْتُكَ الوِلاياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اللَّفْظَيْنِ واحِدًا ويَكُونُ المَعْنى: عَلَّمَ الإنْسانَ بِالقَلَمِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ .
قالَ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الإنْسانِ هَهُنا إنْسانٌ واحِدٌ وهو أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: نَزَلَتِ السُّورَةُ مِن هَهُنا إلى آخِرِها في أبِي جَهْلٍ. وقِيلَ: نَزَلَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا﴾ [العَلَقِ: ٩] إلى آخِرِ السُّورَةِ في أبِي جَهْلٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فَجاءَ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنِّي أكْثَرُ أهْلِ الوادِي نادِيًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ»﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ زَبانِيَةُ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَهُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن عَلَقٍ فَلا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ، فَهو عِنْدَ ذَلِكَ ازْدادَ طُغْيانًا وتَعَزُّزًا بِمالِهِ ورِياسَتِهِ في مَكَّةَ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِمَكَّةَ أكْرَمُ مِنِّي. ولَعَلَّهُ لَعَنَهُ اللَّهُ قالَ ذَلِكَ رَدًّا لِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ مِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ لَيْسَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ. ومِنهم مَن قالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَمْسُ آياتٍ مِن أوَّلِ السُّورَةِ نَزَلَتْ أوَّلًا، ثُمَّ نَزَلَتِ البَقِيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ في شَأْنِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِضَمِّ ذَلِكَ إلى أوَّلِ السُّورَةِ، لِأنَّ تَأْلِيفَ الآياتِ إنَّما كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨١] آخِرُ ما نَزَلَ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ ثُمَّ هو مَضْمُومٌ إلى ما نَزَلَ قَبْلَهُ بِزَمانٍ طَوِيلٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الإنْسانِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ جُمْلَةُ الإنْسانِ، والقَوْلُ الأوَّلُ وإنْ كانَ أظْهَرَ بِحَسَبِ الرِّواياتِ، إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن عَلَقَةٍ،
صفحة ١٩
وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِالنِّعَمِ الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها، إذْ أغْناهُ، وزادَ في النِّعْمَةِ عَلَيْهِ فَإنَّهُ يَطْغى ويَتَجاوَزُ الحَدَّ في المَعاصِي واتِّباعِ هَوى النَّفْسِ، وذَلِكَ وعِيدٌ وزَجْرٌ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا الزَّجْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيْ إلى حَيْثُ لا مالِكَ سِواهُ، فَتَقَعُ المُحاسَبَةُ عَلى ما كانَ مِنهُ مِنَ العَمَلِ والمُؤاخَذَةُ بِحَسَبِ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (كَلّا) فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِطُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: كَلّا لا يَعْلَمُ الإنْسانُ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُ مِنَ العَلَقَةِ وعَلَّمَهُ بَعْدَ الجَهْلِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ غَنِيًّا يَطْغى ويَتَكَبَّرُ، ويَصِيرُ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ في حُبِّ الدُّنْيا فَلا يَتَفَكَّرُ في هَذِهِ الأحْوالِ ولا يَتَأمَّلُ فِيها.
وثالِثُها: ذَكَرَ الجُرْجانِيُّ صاحِبُ النَّظْمِ أنَّ (كَلّا) هَهُنا بِمَعْنى حَقًّا لِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ تَكُونُ (كَلّا) رَدًّا لَهُ، وهَذا كَما قالُوهُ في: ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣٢] فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ بِمَعْنى: إي والقَمَرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الطُّغْيانُ هو التَّكَبُّرُ والتَّمَرُّدُ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في مُقَدِّمَةِ السُّورَةِ دَلائِلَ ظاهِرَةً عَلى التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ بِحَيْثُ يَبْعُدُ مِنَ العاقِلِ أنْ لا يَطَّلِعَ عَلَيْها ولا يَقِفَ عَلى حَقائِقِها. أتْبَعَها بِما هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ في الغَفْلَةِ عَنْها وهو حُبُّ الدُّنْيا والِاشْتِغالُ بِالمالِ والجاهِ والثَّرْوَةِ والقُدْرَةِ، فَإنَّهُ لا سَبَبَ لِعَمى القَلْبِ في الحَقِيقَةِ إلّا ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] وهَهُنا ذَكَرَ في أبِي جَهْلٍ: ﴿لَيَطْغى﴾ فَأكَّدَهُ بِهَذِهِ اللّامِ، فَما السَّبَبُ في هَذِهِ الزِّيادَةِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ قالَ لِمُوسى: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَلْقاهُ مُوسى وقَبْلَ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الأدِلَّةَ، وقَبْلَ أنْ يَدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ. وأمّا هَهُنا فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِهِ حِينَ رَدَّ عَلَيْهِ أقْبَحَ الرَّدِّ.
وثانِيها: أنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ كَمالِ سُلْطَتِهِ ما كانَ يَزِيدُ كُفْرُهُ عَلى القَوْلِ، وما كانَ لِيَتَعَرَّضَ لِقَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا لِإيذائِهِ. وأمّا أبُو جَهْلٍ فَهو مَعَ قِلَّةِ جاهِهِ كانَ يَقْصِدُ قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ وإيذاءَهُ.
وثالِثُها: أنَّ فِرْعَوْنَ أحْسَنَ إلى مُوسى أوَّلًا، وقالَ آخِرًا: ﴿آمَنتُ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] . وأمّا أبُو جَهْلٍ فَكانَ يَحْسُدُ النَّبِيَّ في صِباهُ، وقالَ في آخِرِ رَمَقِهِ: بَلِّغُوا عَنِّي مُحَمَّدًا أنِّي أمُوتُ ولا أحَدَ أبْغَضُ إلَيَّ مِنهُ.
ورابِعُها: أنَّهُما وإنْ كانا رَسُولَيْنِ لَكِنَّ الحَبِيبَ في مُقابَلَةِ الكَلِيمِ كاليَدِ في مُقابَلَةِ العَيْنِ، والعاقِلُ يَصُونُ عَيْنَهُ فَوْقَ ما يَصُونُ يَدَهُ، بَلْ يَصُونُ عَيْنَهُ بِاليَدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَتِ المُبالَغَةُ هَهُنا أكْثَرَ.
العلق 96:7
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأخْفَشُ: لِأنْ رَآهُ فَحَذَفَ اللّامَ، كَما يُقالُ: إنَّكم لَتَطْغُونَ إنْ رَأيْتُمْ غِناكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: ﴿أنْ رَآهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: رَأى نَفْسَهُ كَما يُقالُ: قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ ”رَأى“ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَسْتَدْعِي اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحِسْبانِ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ فَتَقُولُ: رَأيْتُنِي وظَنَنْتُنِي وحَسِبْتُنِي فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مِن هَذا البابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْنى﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ رَبِّهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ لَيْسَ هو الأوَّلَ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَنالُ الثَّرْوَةَ فَلا يَزِيدُ إلّا تَواضُعًا كَسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ يُجالِسُ
صفحة ٢٠
المَساكِينَ ويَقُولُ: ”مِسْكِينٌ جالَسَ مِسْكِينًا“ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ما طَغى مَعَ كَثْرَةِ أمْوالِهِ، بَلِ العاقِلُ يَعْلَمُ أنَّهُ عِنْدَ الغِنى يَكُونُ أكْثَرَ حاجَةً إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ حالَ فَقْرِهِ، لِأنَّهُ في حالِ فَقْرِهِ لا يَتَمَنّى إلّا سَلامَةَ نَفْسِهِ، وأمّا حالَ الغِنى فَإنَّهُ يَتَمَنّى سَلامَةَ نَفْسِهِ ومالِهِ ومَمالِيكِهِ.
وفِي الآيَةِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ سِينَ ﴿اسْتَغْنى﴾ سِينُ الطّالِبِ والمَعْنى أنَّ الإنْسانَ رَأى أنَّ نَفْسَهُ إنَّما نالَتِ الغِنى لِأنَّها طَلَبَتْهُ وبَذَلَتِ الجُهْدَ في الطَّلَبِ فَنالَتِ الثَّرْوَةَ والغِنى بِسَبَبِ ذَلِكَ الجُهْدِ، لا أنَّهُ نالَها بِإعْطاءِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ، وهَذا جَهْلٌ وحُمْقٌ فَكَمْ مِن باذِلٍ وُسْعَهُ في الحِرْصِ والطَّلَبِ وهو يَمُوتُ جُوعًا، ثُمَّ تَرى أكْثَرَ الأغْنِياءِ في الآخِرَةِ يَصِيرُونَ مُدْبِرِينَ خائِفِينَ، يُرِيهِمُ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ الغِنى ما كانَ بِفِعْلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أوَّلُ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى مَدْحِ العِلْمِ وآخِرُها عَلى مَذَمَّةِ المالِ، وكَفى بِذَلِكَ مُرَغِّبًا في الدِّينِ والعِلْمِ ومُنَفِّرًا عَنِ الدُّنْيا والمالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ واقِعٌ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلى الإنْسانِ تَهْدِيدًا لَهُ وتَحْذِيرًا مِن عاقِبَةِ الطُّغْيانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿الرُّجْعى﴾ المَرْجِعُ والرُّجُوعُ وهي بِأجْمَعِها مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ رُجُوعًا ومَرْجِعًا ورُجْعى عَلى وزْنِ فُعْلى، وفي مَعْنى الآيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَرى ثَوابَ طاعَتِهِ وعِقابَ تَمَرُّدِهِ وتَكَبُّرِهِ وطُغْيانِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٢] وهَذِهِ المَوْعِظَةُ لا تُؤَثِّرُ إلّا في قَلْبِ مَن لَهُ قَدَمُ صِدْقٍ، أمّا الجاهِلُ فَيَغْضَبُ ولا يَعْتَقِدُ إلّا الفَرَحَ العاجِلَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَرُدُّهُ ويُرْجِعُهُ إلى النُّقْصانِ والفَقْرِ والمَوْتِ، كَما رَدَّهُ مِنَ النُّقْصانِ إلى الكَمالِ، حَيْثُ نَقَلَهُ مِنَ الجَمادِيَّةِ إلى الحَياةِ، ومِنَ الفَقْرِ إلى الغِنى، ومِنَ الذُّلِّ إلى العِزِّ، فَما هَذا التَّعَزُّزُ والقُوَّةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أتَزْعُمُ أنَّ مَنِ اسْتَغْنى طَغى، فاجْعَلْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا وفِضَّةً لَعَلَّنا نَأْخُذُ مِنها فَنَطْغى، فَنَدَعُ دِينَنا ونَتَّبِعُ دِينَكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: إنْ شِئْتَ فَعَلْنا ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَعَلْنا بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِأصْحابِ المائِدَةِ، فَكَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدُّعاءِ إبْقاءً عَلَيْهِمْ» .
العلق 96:8
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأخْفَشُ: لِأنْ رَآهُ فَحَذَفَ اللّامَ، كَما يُقالُ: إنَّكم لَتَطْغُونَ إنْ رَأيْتُمْ غِناكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: ﴿أنْ رَآهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: رَأى نَفْسَهُ كَما يُقالُ: قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ ”رَأى“ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَسْتَدْعِي اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحِسْبانِ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ فَتَقُولُ: رَأيْتُنِي وظَنَنْتُنِي وحَسِبْتُنِي فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مِن هَذا البابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْنى﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ رَبِّهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ لَيْسَ هو الأوَّلَ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَنالُ الثَّرْوَةَ فَلا يَزِيدُ إلّا تَواضُعًا كَسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ يُجالِسُ
صفحة ٢٠
المَساكِينَ ويَقُولُ: ”مِسْكِينٌ جالَسَ مِسْكِينًا“ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ما طَغى مَعَ كَثْرَةِ أمْوالِهِ، بَلِ العاقِلُ يَعْلَمُ أنَّهُ عِنْدَ الغِنى يَكُونُ أكْثَرَ حاجَةً إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ حالَ فَقْرِهِ، لِأنَّهُ في حالِ فَقْرِهِ لا يَتَمَنّى إلّا سَلامَةَ نَفْسِهِ، وأمّا حالَ الغِنى فَإنَّهُ يَتَمَنّى سَلامَةَ نَفْسِهِ ومالِهِ ومَمالِيكِهِ.
وفِي الآيَةِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ سِينَ ﴿اسْتَغْنى﴾ سِينُ الطّالِبِ والمَعْنى أنَّ الإنْسانَ رَأى أنَّ نَفْسَهُ إنَّما نالَتِ الغِنى لِأنَّها طَلَبَتْهُ وبَذَلَتِ الجُهْدَ في الطَّلَبِ فَنالَتِ الثَّرْوَةَ والغِنى بِسَبَبِ ذَلِكَ الجُهْدِ، لا أنَّهُ نالَها بِإعْطاءِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ، وهَذا جَهْلٌ وحُمْقٌ فَكَمْ مِن باذِلٍ وُسْعَهُ في الحِرْصِ والطَّلَبِ وهو يَمُوتُ جُوعًا، ثُمَّ تَرى أكْثَرَ الأغْنِياءِ في الآخِرَةِ يَصِيرُونَ مُدْبِرِينَ خائِفِينَ، يُرِيهِمُ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ الغِنى ما كانَ بِفِعْلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أوَّلُ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى مَدْحِ العِلْمِ وآخِرُها عَلى مَذَمَّةِ المالِ، وكَفى بِذَلِكَ مُرَغِّبًا في الدِّينِ والعِلْمِ ومُنَفِّرًا عَنِ الدُّنْيا والمالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ واقِعٌ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلى الإنْسانِ تَهْدِيدًا لَهُ وتَحْذِيرًا مِن عاقِبَةِ الطُّغْيانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿الرُّجْعى﴾ المَرْجِعُ والرُّجُوعُ وهي بِأجْمَعِها مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ رُجُوعًا ومَرْجِعًا ورُجْعى عَلى وزْنِ فُعْلى، وفي مَعْنى الآيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَرى ثَوابَ طاعَتِهِ وعِقابَ تَمَرُّدِهِ وتَكَبُّرِهِ وطُغْيانِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٢] وهَذِهِ المَوْعِظَةُ لا تُؤَثِّرُ إلّا في قَلْبِ مَن لَهُ قَدَمُ صِدْقٍ، أمّا الجاهِلُ فَيَغْضَبُ ولا يَعْتَقِدُ إلّا الفَرَحَ العاجِلَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَرُدُّهُ ويُرْجِعُهُ إلى النُّقْصانِ والفَقْرِ والمَوْتِ، كَما رَدَّهُ مِنَ النُّقْصانِ إلى الكَمالِ، حَيْثُ نَقَلَهُ مِنَ الجَمادِيَّةِ إلى الحَياةِ، ومِنَ الفَقْرِ إلى الغِنى، ومِنَ الذُّلِّ إلى العِزِّ، فَما هَذا التَّعَزُّزُ والقُوَّةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أتَزْعُمُ أنَّ مَنِ اسْتَغْنى طَغى، فاجْعَلْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا وفِضَّةً لَعَلَّنا نَأْخُذُ مِنها فَنَطْغى، فَنَدَعُ دِينَنا ونَتَّبِعُ دِينَكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: إنْ شِئْتَ فَعَلْنا ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَعَلْنا بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِأصْحابِ المائِدَةِ، فَكَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدُّعاءِ إبْقاءً عَلَيْهِمْ» .
العلق 96:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنْ أبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فَوالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، ثُمَّ إنَّهُ رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ فَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالُوا لَهُ: ما لَكَ يا أبا الحَكَمِ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا شَدِيدًا. وعَنِ الحَسَنِ أنَّ أُمَيَّةَ بْنَ
صفحة ٢١
خَلَفٍ كانَ يَنْهى سَلْمانَ عَنِ الصَّلاةِ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو الإنْسانُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ ورَدَ في أبِي جَهْلٍ، وذَكَرُوا ما كانَ مِنهُ مِنَ التَّوَعُّدِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ رَآهُ يُصَلِّي، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ نُزُولُها في أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ يَعُمُّ في الكُلِّ، لَكِنْ ما بَعْدَهُ يَقْتَضِي أنَّهُ في رَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ﴾ خِطابٌ مَعَ الرَّسُولِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، ووَجْهُ التَّعَجُّبِ فِيهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامِ إمّا بِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ أوْ بِعُمَرَ»، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: كُنْتَ تَظُنُّ أنَّهُ يَعِزُّ بِهِ الإسْلامُ، أمِثْلُهُ يَعِزُّ بِهِ الإسْلامُ، وهو: ﴿يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ .
وثانِيها: أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِأبِي الحَكَمِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا اللَّقَبُ وهو يَنْهى العَبْدَ عَنْ خِدْمَةِ رَبِّهِ، أيُوصَفُ بِالحِكْمَةِ مَن يَمْنَعُ عَنْ طاعَةِ الرَّحْمَنِ ويَسْجُدُ لِلْأوْثانِ ! .
وثالِثُها: أنَّ ذَلِكَ الأحْمَقَ يَأْمُرُ ويَنْهى، ويَعْتَقِدُ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الغَيْرِ طاعَتُهُ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِخالِقٍ ولا رَبٍّ، ثُمَّ إنَّهُ يَنْهى عَنْ طاعَةِ الرَّبِّ والخالِقِ، ألا يَكُونُ هَذا غايَةَ الحَماقَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿يَنْهى عَبْدًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَنْهاكَ، وفِيهِ فَوائِدُ::
أحَدُها: أنَّ التَّنْكِيرَ في ”عَبْدًا“ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في العُبُودِيَّةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ عَبْدٌ لا يَفِي العالِمُ بِشَرْحِ بَيانِهِ وصِفَةِ إخْلاصِهِ في عُبُودِيَّتِهِ. يُرْوى في هَذا المَعْنى أنَّ يَهُودِيًّا مِن فُصَحاءِ اليَهُودِ جاءَ إلى عُمَرَ في أيّامِ خِلافَتِهِ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ أخْلاقِ رَسُولِكم، فَقالَ عُمَرُ: اطْلُبْهُ مِن بِلالٍ فَهو أعْلَمُ بِهِ مِنِّي. ثُمَّ إنَّ بِلالًا دَلَّهُ عَلى فاطِمَةَ ثُمَّ فاطِمَةُ دَلَّتْهُ عَلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا سَألَ عَلِيًّا عَنْهُ قالَ: صِفْ لِي مَتاعَ الدُّنْيا حَتّى أصِفَ لَكَ أخْلاقَهُ، فَقالَ الرَّجُلُ: هَذا لا يَتَيَسَّرُ لِي، فَقالَ عَلِيٌّ: عَجَزْتَ عَنْ وصْفِ مَتاعِ الدُّنْيا وقَدْ شَهِدَ اللَّهُ عَلى قِلَّتِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧] فَكَيْفَ أصِفُ أخْلاقَ النَّبِيِّ وقَدْ شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَظِيمٌ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ٤] فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يَنْهى أشَدَّ الخَلْقِ عُبُودِيَّةً عَنِ العُبُودِيَّةِ وذَلِكَ عَيْنُ الجَهْلِ والحُمْقِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا أبْلَغُ في الذَّمِّ لِأنَّ المَعْنى أنَّ هَذا دَأْبُهُ وعادَتُهُ فَيَنْهى كُلَّ مَن يَرى.
وثالِثُها: أنَّ هَذا تَخْوِيفٌ لِكُلِّ مَن نَهى عَنِ الصَّلاةِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ رَأى في المُصَلّى أقْوامًا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، فَقالَ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: ألا تَنْهاهم ؟ فَقالَ: أخْشى أنْ أدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ فَلَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ، وأخَذَ أبُو حَنِيفَةَ مِنهُ هَذا الأدَبَ الجَمِيلَ حَيْثُ قالَ لَهُ أبُو يُوسُفَ: أيَقُولُ المُصَلِّي حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ؟ قالَ: يَقُولُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ ويَسْجُدُ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ.
ورابِعُها: أيَظُنُّ أبُو جَهْلٍ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْجُدْ مُحَمَّدٌ لِي لا أجِدُ ساجِدًا غَيْرَهُ، إنَّ مُحَمَّدًا عَبْدٌ واحِدٌ، ولِي مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ما لا يُحْصِيهِمْ إلّا أنا وهم دائِمًا في الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ.
وخامِسُها: أنَّهُ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: إنَّهُ مَعَ التَّنْكِيرِ مُعَرَّفٌ، نَظِيرُهُ الكِنايَةُ في سُورَةِ القَدْرِ حُمِلَتْ عَلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١]، ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الكَهْفِ: ١]، ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجِنِّ: ١٩] .
العلق 96:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنْ أبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فَوالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، ثُمَّ إنَّهُ رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ فَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالُوا لَهُ: ما لَكَ يا أبا الحَكَمِ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا شَدِيدًا. وعَنِ الحَسَنِ أنَّ أُمَيَّةَ بْنَ
صفحة ٢١
خَلَفٍ كانَ يَنْهى سَلْمانَ عَنِ الصَّلاةِ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو الإنْسانُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ ورَدَ في أبِي جَهْلٍ، وذَكَرُوا ما كانَ مِنهُ مِنَ التَّوَعُّدِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ رَآهُ يُصَلِّي، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ نُزُولُها في أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ يَعُمُّ في الكُلِّ، لَكِنْ ما بَعْدَهُ يَقْتَضِي أنَّهُ في رَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ﴾ خِطابٌ مَعَ الرَّسُولِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، ووَجْهُ التَّعَجُّبِ فِيهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامِ إمّا بِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ أوْ بِعُمَرَ»، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: كُنْتَ تَظُنُّ أنَّهُ يَعِزُّ بِهِ الإسْلامُ، أمِثْلُهُ يَعِزُّ بِهِ الإسْلامُ، وهو: ﴿يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ .
وثانِيها: أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِأبِي الحَكَمِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا اللَّقَبُ وهو يَنْهى العَبْدَ عَنْ خِدْمَةِ رَبِّهِ، أيُوصَفُ بِالحِكْمَةِ مَن يَمْنَعُ عَنْ طاعَةِ الرَّحْمَنِ ويَسْجُدُ لِلْأوْثانِ ! .
وثالِثُها: أنَّ ذَلِكَ الأحْمَقَ يَأْمُرُ ويَنْهى، ويَعْتَقِدُ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الغَيْرِ طاعَتُهُ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِخالِقٍ ولا رَبٍّ، ثُمَّ إنَّهُ يَنْهى عَنْ طاعَةِ الرَّبِّ والخالِقِ، ألا يَكُونُ هَذا غايَةَ الحَماقَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿يَنْهى عَبْدًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَنْهاكَ، وفِيهِ فَوائِدُ::
أحَدُها: أنَّ التَّنْكِيرَ في ”عَبْدًا“ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في العُبُودِيَّةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ عَبْدٌ لا يَفِي العالِمُ بِشَرْحِ بَيانِهِ وصِفَةِ إخْلاصِهِ في عُبُودِيَّتِهِ. يُرْوى في هَذا المَعْنى أنَّ يَهُودِيًّا مِن فُصَحاءِ اليَهُودِ جاءَ إلى عُمَرَ في أيّامِ خِلافَتِهِ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ أخْلاقِ رَسُولِكم، فَقالَ عُمَرُ: اطْلُبْهُ مِن بِلالٍ فَهو أعْلَمُ بِهِ مِنِّي. ثُمَّ إنَّ بِلالًا دَلَّهُ عَلى فاطِمَةَ ثُمَّ فاطِمَةُ دَلَّتْهُ عَلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا سَألَ عَلِيًّا عَنْهُ قالَ: صِفْ لِي مَتاعَ الدُّنْيا حَتّى أصِفَ لَكَ أخْلاقَهُ، فَقالَ الرَّجُلُ: هَذا لا يَتَيَسَّرُ لِي، فَقالَ عَلِيٌّ: عَجَزْتَ عَنْ وصْفِ مَتاعِ الدُّنْيا وقَدْ شَهِدَ اللَّهُ عَلى قِلَّتِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧] فَكَيْفَ أصِفُ أخْلاقَ النَّبِيِّ وقَدْ شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَظِيمٌ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ٤] فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يَنْهى أشَدَّ الخَلْقِ عُبُودِيَّةً عَنِ العُبُودِيَّةِ وذَلِكَ عَيْنُ الجَهْلِ والحُمْقِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا أبْلَغُ في الذَّمِّ لِأنَّ المَعْنى أنَّ هَذا دَأْبُهُ وعادَتُهُ فَيَنْهى كُلَّ مَن يَرى.
وثالِثُها: أنَّ هَذا تَخْوِيفٌ لِكُلِّ مَن نَهى عَنِ الصَّلاةِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ رَأى في المُصَلّى أقْوامًا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، فَقالَ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: ألا تَنْهاهم ؟ فَقالَ: أخْشى أنْ أدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ فَلَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ، وأخَذَ أبُو حَنِيفَةَ مِنهُ هَذا الأدَبَ الجَمِيلَ حَيْثُ قالَ لَهُ أبُو يُوسُفَ: أيَقُولُ المُصَلِّي حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ؟ قالَ: يَقُولُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ ويَسْجُدُ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ.
ورابِعُها: أيَظُنُّ أبُو جَهْلٍ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْجُدْ مُحَمَّدٌ لِي لا أجِدُ ساجِدًا غَيْرَهُ، إنَّ مُحَمَّدًا عَبْدٌ واحِدٌ، ولِي مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ما لا يُحْصِيهِمْ إلّا أنا وهم دائِمًا في الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ.
وخامِسُها: أنَّهُ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: إنَّهُ مَعَ التَّنْكِيرِ مُعَرَّفٌ، نَظِيرُهُ الكِنايَةُ في سُورَةِ القَدْرِ حُمِلَتْ عَلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١]، ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الكَهْفِ: ١]، ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجِنِّ: ١٩] .
العلق 96:11
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٢
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ﴾ خِطابٌ لِمَن ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
والثّالِثُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَوْ جَعَلْنا الوَسَطَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ لَخَرَجَ الكَلامُ عَنِ النَّظْمِ الحَسَنِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يا مُحَمَّدُ: أرَأيْتَ إنْ كانَ هَذا الكافِرُ، ولَمْ يَقُلْ: لَوْ كانَ إشارَةً إلى المُسْتَقْبَلِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أرَأيْتَ إنْ صارَ عَلى الهُدى، واشْتَغَلَ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أما كانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ إذْ هو رَجُلٌ عاقِلٌ ذُو ثَرْوَةٍ، فَلَوِ اخْتارَ الدِّينَ والهُدى والأمْرَ بِالتَّقْوى، أما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والنَّهْيِ عَنْ خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَلَهَّفْ عَلَيْهِ كَيْفَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ المَراتِبَ العالِيَةَ وقَنِعَ بِالمَراتِبِ الدَّنِيئَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكافِرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كالمُشاهِدِ لِلظّالِمِ والمَظْلُومِ، وكالمَوْلى الَّذِي قامَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدانِ، وكالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَ عِنْدَهُ المُدَّعِي، والمُدَّعى عَلَيْهِ فَخاطَبَ هَذا مَرَّةً، وهَذا مَرَّةً. فَلَمّا قالَ لِلنَّبِيِّ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الكافِرِ، فَقالَ: أرَأيْتَ يا كافِرُ إنْ كانَتْ صَلاتُهُ هُدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ مَعَ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ. هو الصَّلاةُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ والمَذْكُورُ هَهُنا أمْرانِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ في فِعْلِ الصَّلاةِ، فَلِمَ ضَمَّ إلَيْهِ شَيْئًا ثانِيًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ ؟ .
جَوابُهُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الَّذِي شَقَّ عَلى أبِي جَهْلٍ مِن أفْعالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو هَذانِ الأمْرانِ الصَّلاةُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَهُما هَهُنا.
وثانِيها: أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ لا يُوجَدُ إلّا في أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا في إصْلاحِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ بِفِعْلِ الصَّلاةِ أوْ في إصْلاحِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى.
وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في صَلاتِهِ عَلى الهُدى وآمِرًا بِالتَّقْوى، لِأنَّ كُلَّ مَن رَآهُ وهو في الصَّلاةِ كانَ يَرِقُّ قَلْبُهُ. فَيَمِيلُ إلى الإيمانِ، فَكانَ فِعْلُ الصَّلاةِ دَعْوَةً بِلِسانِ الفِعْلِ، وهو أقْوى مِنَ الدَّعْوَةِ بِلِسانِ القَوْلِ.
العلق 96:12
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٢
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ﴾ خِطابٌ لِمَن ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
والثّالِثُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَوْ جَعَلْنا الوَسَطَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ لَخَرَجَ الكَلامُ عَنِ النَّظْمِ الحَسَنِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يا مُحَمَّدُ: أرَأيْتَ إنْ كانَ هَذا الكافِرُ، ولَمْ يَقُلْ: لَوْ كانَ إشارَةً إلى المُسْتَقْبَلِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أرَأيْتَ إنْ صارَ عَلى الهُدى، واشْتَغَلَ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أما كانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ إذْ هو رَجُلٌ عاقِلٌ ذُو ثَرْوَةٍ، فَلَوِ اخْتارَ الدِّينَ والهُدى والأمْرَ بِالتَّقْوى، أما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والنَّهْيِ عَنْ خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَلَهَّفْ عَلَيْهِ كَيْفَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ المَراتِبَ العالِيَةَ وقَنِعَ بِالمَراتِبِ الدَّنِيئَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكافِرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كالمُشاهِدِ لِلظّالِمِ والمَظْلُومِ، وكالمَوْلى الَّذِي قامَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدانِ، وكالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَ عِنْدَهُ المُدَّعِي، والمُدَّعى عَلَيْهِ فَخاطَبَ هَذا مَرَّةً، وهَذا مَرَّةً. فَلَمّا قالَ لِلنَّبِيِّ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الكافِرِ، فَقالَ: أرَأيْتَ يا كافِرُ إنْ كانَتْ صَلاتُهُ هُدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ مَعَ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ. هو الصَّلاةُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ والمَذْكُورُ هَهُنا أمْرانِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ في فِعْلِ الصَّلاةِ، فَلِمَ ضَمَّ إلَيْهِ شَيْئًا ثانِيًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ ؟ .
جَوابُهُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الَّذِي شَقَّ عَلى أبِي جَهْلٍ مِن أفْعالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو هَذانِ الأمْرانِ الصَّلاةُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَهُما هَهُنا.
وثانِيها: أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ لا يُوجَدُ إلّا في أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا في إصْلاحِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ بِفِعْلِ الصَّلاةِ أوْ في إصْلاحِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى.
وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في صَلاتِهِ عَلى الهُدى وآمِرًا بِالتَّقْوى، لِأنَّ كُلَّ مَن رَآهُ وهو في الصَّلاةِ كانَ يَرِقُّ قَلْبُهُ. فَيَمِيلُ إلى الإيمانِ، فَكانَ فِعْلُ الصَّلاةِ دَعْوَةً بِلِسانِ الفِعْلِ، وهو أقْوى مِنَ الدَّعْوَةِ بِلِسانِ القَوْلِ.
العلق 96:13
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٢
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ﴾ خِطابٌ لِمَن ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
والثّالِثُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَوْ جَعَلْنا الوَسَطَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ لَخَرَجَ الكَلامُ عَنِ النَّظْمِ الحَسَنِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يا مُحَمَّدُ: أرَأيْتَ إنْ كانَ هَذا الكافِرُ، ولَمْ يَقُلْ: لَوْ كانَ إشارَةً إلى المُسْتَقْبَلِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أرَأيْتَ إنْ صارَ عَلى الهُدى، واشْتَغَلَ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أما كانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ إذْ هو رَجُلٌ عاقِلٌ ذُو ثَرْوَةٍ، فَلَوِ اخْتارَ الدِّينَ والهُدى والأمْرَ بِالتَّقْوى، أما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والنَّهْيِ عَنْ خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَلَهَّفْ عَلَيْهِ كَيْفَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ المَراتِبَ العالِيَةَ وقَنِعَ بِالمَراتِبِ الدَّنِيئَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكافِرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كالمُشاهِدِ لِلظّالِمِ والمَظْلُومِ، وكالمَوْلى الَّذِي قامَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدانِ، وكالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَ عِنْدَهُ المُدَّعِي، والمُدَّعى عَلَيْهِ فَخاطَبَ هَذا مَرَّةً، وهَذا مَرَّةً. فَلَمّا قالَ لِلنَّبِيِّ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الكافِرِ، فَقالَ: أرَأيْتَ يا كافِرُ إنْ كانَتْ صَلاتُهُ هُدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ مَعَ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ. هو الصَّلاةُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ والمَذْكُورُ هَهُنا أمْرانِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ في فِعْلِ الصَّلاةِ، فَلِمَ ضَمَّ إلَيْهِ شَيْئًا ثانِيًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ ؟ .
جَوابُهُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الَّذِي شَقَّ عَلى أبِي جَهْلٍ مِن أفْعالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو هَذانِ الأمْرانِ الصَّلاةُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَهُما هَهُنا.
وثانِيها: أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ لا يُوجَدُ إلّا في أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا في إصْلاحِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ بِفِعْلِ الصَّلاةِ أوْ في إصْلاحِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى.
وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في صَلاتِهِ عَلى الهُدى وآمِرًا بِالتَّقْوى، لِأنَّ كُلَّ مَن رَآهُ وهو في الصَّلاةِ كانَ يَرِقُّ قَلْبُهُ. فَيَمِيلُ إلى الإيمانِ، فَكانَ فِعْلُ الصَّلاةِ دَعْوَةً بِلِسانِ الفِعْلِ، وهو أقْوى مِنَ الدَّعْوَةِ بِلِسانِ القَوْلِ.
العلق 96:14
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرَها في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ جَلِيَّةٌ ظاهِرَةٌ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ، أنَّ مَنعَ العَبْدِ مِن خِدْمَةِ مَوْلاهُ فِعْلٌ باطِلٌ وسَفَهٌ ظاهِرٌ، فَإذَنْ كُلُّ مَن كَذَّبَ بِتِلْكَ الدَّلائِلِ وتَوَلّى عَنْ خِدْمَةِ مَوْلاهُ بَلْ مَنَعَ غَيْرَهُ عَنْ خِدْمَةِ مَوْلاهُ يَعْلَمُ بِعَقْلِهِ السَّلِيمِ أنَّهُ عَلى الباطِلِ، وأنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا عِنادًا، فَلِهَذا قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: أرَأيْتَ يا مُحَمَّدُ إنْ كَذَّبَ هَذا الكافِرُ بِتِلْكَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ، وتَوَلّى عَنْ خِدْمَةِ خالِقِهِ، ألَمْ يَعْلَمْ بِعَقْلِهِ أنَّ اللَّهَ يَرى مِنهُ هَذِهِ الأعْمالَ القَبِيحَةَ ويَعْلَمُها، أفَلا يَزْجُرُهُ ذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الأعْمالِ القَبِيحَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكافِرِ، والمَعْنى إنْ كانَ يا كافِرُ مُحَمَّدٌ كاذِبًا أوْ مُتَوَلِّيًا، ألا يَعْلَمُ بِأنَّ اللَّهَ يَرى حَتّى يَنْتَهِيَ بَلِ احْتاجَ إلى نَهْيِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ التَّهْدِيدُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ
صفحة ٢٣
حَكِيمٌ لا يُهْمِلُ، عالِمٌ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، فَلا بُدَّ وأنَّ يُوصِلَ جَزاءَ كُلِّ أحَدٍ إلَيْهِ بِتَمامِهِ فَيَكُونُ هَذا تَخْوِيفًا شَدِيدًا لِلْعُصاةِ، وتَرْغِيبًا عَظِيمًا لِأهْلِ الطّاعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في حَقِّ أبِي جَهْلٍ فَكُلُّ مَن نَهى عَنْ طاعَةِ اللَّهِ فَهو شَرِيكُ أبِي جَهْلٍ في هَذا الوَعِيدِ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ المَنعُ مِنَ الصَّلاةِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ والأوْقاتِ المَكْرُوهَةِ، لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ الصَّلاةِ وهو المَعْصِيَةُ، ولا يَرُدُّ المَوْلى بِمَنعِ عَبْدِهِ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ وصَوْمِ التَّطَوُّعِ وزَوْجَتِهِ عَنِ الِاعْتِكافِ، لِأنَّ ذَلِكَ لِاسْتِيفاءِ مَصْلَحَتِهِ بِإذْنِ رَبِّهِ لا بُغْضًا لِعِبادَةِ رَبِّهِ.
العلق 96:15
ثُمَّ قالَ تَعالى: (كَلّا) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ رَدْعٌ لِأبِي جَهْلٍ ومَنعٌ لَهُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ بِعِبادَةِ اللّاتِ.
وثانِيها: كَلّا لَنْ يَصِلَ أبُو جَهْلٍ إلى ما يَقُولُ إنَّهُ يَقْتُلُ مُحَمَّدًا أوْ يَطَأُ عُنُقَهُ، بَلْ تِلْمِيذُ مُحَمَّدٍ هو الَّذِي يَقْتُلُهُ ويَطَأُ صَدْرَهُ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: كَلّا لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ يَرى وإنْ كانَ يَعْلَمُ لَكِنْ إذا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِما يَعْلَمُ فَكَأنَّهُ لا يَعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ عَمّا هو فِيهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ، والسَّفْعُ القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ، وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤١] .
وثانِيها: السَّفْعُ الضَّرْبُ، أيْ لَنَلْطِمَنَّ وجْهَهُ.
وثالِثُها: لَنُسَوِّدَنَّ وجْهَهُ، قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا لَفَحَتْهُ النّارُ لَفْحًا يَسِيرًا يُغَيِّرُ لَوْنَ البَشَرَةِ قَدْ سَفَعَتْهُ النّارُ، قالَ: والسَّفْعُ ثَلاثَةُ أحْجارٍ يُوضَعُ عَلَيْها القِدْرُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَوادِها، قالَ: والسَّفْعَةُ سَوادٌ في الخَدَّيْنِ. وبِالجُمْلَةِ فَتَسْوِيدُ الوَجْهِ عَلامَةُ الإذْلالِ والإهانَةِ.
ورابِعُها: لَنَسِمَنَّهُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القَلَمِ: ١٦] إنَّهُ أبُو جَهْلٍ.
خامِسُها: لَنُذِلَّنَّهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”لَنَسْفَعَنَّ“ بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، أيِ الفاعِلُ لِهَذا الفِعْلِ هو اللَّهُ والمَلائِكَةُ، كَما قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”لَأسْعَفَنَّ“، أيْ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يا مُحَمَّدُ. أنا الَّذِي أتَوَلّى إهانَتَهُ، نَظِيرُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢]، ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ [الفَتْحِ: ٤] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا السَّفْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ إلى النّارِ في الآخِرَةِ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ في الدُّنْيا، وهَذا أيْضًا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما «رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا قالَ: إنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وأمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقْرَأ عَلى أبِي جَهْلٍ ويَخِرَّ لِلَّهِ ساجِدًا في آخِرِها فَفَعَلَ، فَعَدا إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ لِيَطَأ عُنُقَهُ، فَلَمّا دَنا مِنهُ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ راجِعًا، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَحْلًا فاغِرًا فاهُ لَوْ مَشَيْتُ إلَيْهِ لالتَقَمَنِي، وقِيلَ: كانَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى كَتِفَيْهِ في صُورَةِ الأسَدِ» .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ يَوْمَ بَدْرٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِشارَةً بِأنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُ المُسْلِمِينَ مِن ناصِيَتِهِ حَتّى يَجُرُّونَهُ إلى القَتْلِ إذا عادَ إلى النَّهْيِ، فَلَمّا عادَ لا جَرَمَ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن ناصِيَتِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الرَّحْمَنِ:
صفحة ٢٤
﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢] قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأصْحابِهِ: ”مَن يَقْرَؤُها مِنكم عَلى رُؤَساءِ قُرَيْشٍ“، فَتَثاقَلُوا مَخافَةَ أذِيَّتِهِمْ، فَقامَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأجْلَسَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ: ”مَن يَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ“ فَلَمْ يَقُمْ إلّا ابْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ ثالِثًا كَذَلِكَ إلى أنَّ أذِنَ لَهُ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْقِي عَلَيْهِ لِما كانَ يَعْلَمُ مِن ضَعْفِهِ وصِغَرِ جُثَّتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ وصَلَ إلَيْهِمْ فَرَآهم مُجْتَمِعِينَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، فافْتَتَحَ قِراءَةَ السُّورَةِ، فَقامَ أبُو جَهْلٍ فَلَطَمَهُ فَشَقَّ أُذُنَهُ وأدْماهُ، فانْصَرَفَ وعَيْناهُ تَدْمَعُ، فَلَمّا رَآهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ رَقَّ قَلْبُهُ وأطْرَقَ رَأْسَهُ مَغْمُومًا، فَإذا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجِيءُ ضاحِكًا مُسْتَبْشِرًا، فَقالَ: ”يا جِبْرِيلُ تَضْحَكُ وابْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي“ فَقالَ: سَتَعْلَمُ، فَلَمّا ظَهَرَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ التَمَسَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ في المُجاهِدِينَ، فَأخَذَ يُطالِعُ القَتْلى. فَإذا أبُو جَهْلٍ، مَصْرُوعٌ يَخُورُ، فَخافَ أنَّ تَكُونَ بِهِ قُوَّةٌ فَيُؤْذِيَهُ فَوَضَعَ الرُّمْحَ عَلى مِنخَرِهِ مِن بَعِيدٍ فَطَعَنَهُ، ولَعَلَّ هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ ثُمَّ لَمّا عَرَفَ عَجْزَهُ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يَصْعَدَ عَلى صَدْرِهِ لِضَعْفِهِ فارْتَقى إلَيْهِ بِحِيلَةٍ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ قالَ: يا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ لَقَدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الإسْلامُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بَلِّغْ صاحِبَكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِنهُ في حَياتِي ولا أبْغَضَ إلَيَّ مِنهُ في حالِ مَماتِي، فَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: ”فِرْعَوْنِي أشَدُّ مِن فِرْعَوْنِ مُوسى فَإنَّهُ قالَ ﴿آمَنتُ﴾ وهو قَدْ زادَ عُتُوًّا“ ثُمَّ قالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: اقْطَعْ رَأْسِي بِسَيْفِي هَذا لِأنَّهُ أحَدُّ وأقْطَعُ، فَلَمّا قَطَعَ رَأْسَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى حَمْلِهِ»، ولَعَلَّ الحَكِيمَ سُبْحانَهُ إنَّما خَلَقَهُ ضَعِيفًا لِأجْلِ أنْ لا يَقْوى عَلى الحَمْلِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كَلْبٌ والكَلْبُ يُجَرُّ.
والثّانِي: لِشَقِّ الأُذُنِ فَيَقْتَصُّ الأُذُنَ بِالأُذُنِ.
والثّالِثُ: لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ فَتُجَرُّ تِلْكَ الرَّأْسُ عَلى مُقَدَّمِها، ثُمَّ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمّا لَمْ يُطِقْهُ شَقَّ أُذُنَهُ وجَعَلَ الخَيْطَ فِيهِ وجَعَلَ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجِبْرِيلُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَضْحَكُ، ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ أُذُنٌ بِأُذُنٍ لَكِنَّ الرَّأْسَ هَهُنا مَعَ الأُذُنِ، فَهَذا ما رُوِيَ في مَقْتَلِ أبِي جَهْلٍ نَقَلْتُهُ مَعْنًى لا لَفْظًا، الخاطِئُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: النّاصِيَةُ شَعْرُ الجَبْهَةِ وقَدْ يُسَمّى مَكانُ الشَّعْرِ النّاصِيَةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَنّى هَهُنا عَنِ الوَجْهِ والرَّأْسِ بِالنّاصِيَةِ، ولَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ شَدِيدَ الِاهْتِمامِ بِتَرْجِيلِ تِلْكَ النّاصِيَةِ وتَطْيِيبِها، ورُبَّما كانَ يَهْتَمُّ أيْضًا بِتَسْوِيدِها فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُسَوِّدُها مَعَ الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى عَرَّفَ النّاصِيَةَ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: النّاصِيَةُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَكم ذاتُها لَكِنَّها مَجْهُولَةٌ عِنْدَكم صِفاتُها ناصِيَةٌ وأيُّ ناصِيَةٍ، كاذِبَةٌ قَوْلًا خاطِئَةٌ فِعْلًا، وإنَّما وُصِفَ بِالكَذِبِ لِأنَّهُ كانَ كاذِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى في أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ مُحَمَّدًا وكاذِبًا عَلى رَسُولِهِ في أنَّهُ ساحِرٌ أوْ كَذّابٌ أوْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وقِيلَ: كَذَّبَهُ أنَّهُ قالَ: أنا أكْثَرُ أهْلِ هَذا الوادِي نادِيًا، ووَصَفَ النّاصِيَةَ بِأنَّها خاطِئَةٌ لِأنَّ صاحِبَها مُتَمَرِّدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقَّةِ: ٣٧] والفَرْقُ بَيْنَ الخاطِئِ والمُخْطِئِ أنَّ الخاطِئَ مُعاقَبٌ مُؤاخَذٌ والمُخْطِئَ غَيْرُ مُؤاخَذٍ، ووَصَفَ النّاصِيَةَ بِالخاطِئَةِ الكاذِبَةِ كَما وصَفَ الوُجُوهَ بِأنَّها ناظِرَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القِيامَةِ: ٢٣] .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿ناصِيَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وجازَ إبْدالُها مِنَ المَعْرِفَةِ وهي نَكِرَةٌ، لِأنَّها وُصِفَتْ فاسْتَقَلَّتْ بِفائِدَةٍ.
العلق 96:16
ثُمَّ قالَ تَعالى: (كَلّا) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ رَدْعٌ لِأبِي جَهْلٍ ومَنعٌ لَهُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ بِعِبادَةِ اللّاتِ.
وثانِيها: كَلّا لَنْ يَصِلَ أبُو جَهْلٍ إلى ما يَقُولُ إنَّهُ يَقْتُلُ مُحَمَّدًا أوْ يَطَأُ عُنُقَهُ، بَلْ تِلْمِيذُ مُحَمَّدٍ هو الَّذِي يَقْتُلُهُ ويَطَأُ صَدْرَهُ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: كَلّا لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ يَرى وإنْ كانَ يَعْلَمُ لَكِنْ إذا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِما يَعْلَمُ فَكَأنَّهُ لا يَعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ عَمّا هو فِيهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ، والسَّفْعُ القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ، وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤١] .
وثانِيها: السَّفْعُ الضَّرْبُ، أيْ لَنَلْطِمَنَّ وجْهَهُ.
وثالِثُها: لَنُسَوِّدَنَّ وجْهَهُ، قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا لَفَحَتْهُ النّارُ لَفْحًا يَسِيرًا يُغَيِّرُ لَوْنَ البَشَرَةِ قَدْ سَفَعَتْهُ النّارُ، قالَ: والسَّفْعُ ثَلاثَةُ أحْجارٍ يُوضَعُ عَلَيْها القِدْرُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَوادِها، قالَ: والسَّفْعَةُ سَوادٌ في الخَدَّيْنِ. وبِالجُمْلَةِ فَتَسْوِيدُ الوَجْهِ عَلامَةُ الإذْلالِ والإهانَةِ.
ورابِعُها: لَنَسِمَنَّهُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القَلَمِ: ١٦] إنَّهُ أبُو جَهْلٍ.
خامِسُها: لَنُذِلَّنَّهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”لَنَسْفَعَنَّ“ بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، أيِ الفاعِلُ لِهَذا الفِعْلِ هو اللَّهُ والمَلائِكَةُ، كَما قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”لَأسْعَفَنَّ“، أيْ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يا مُحَمَّدُ. أنا الَّذِي أتَوَلّى إهانَتَهُ، نَظِيرُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢]، ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ [الفَتْحِ: ٤] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا السَّفْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ إلى النّارِ في الآخِرَةِ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ في الدُّنْيا، وهَذا أيْضًا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما «رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا قالَ: إنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وأمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقْرَأ عَلى أبِي جَهْلٍ ويَخِرَّ لِلَّهِ ساجِدًا في آخِرِها فَفَعَلَ، فَعَدا إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ لِيَطَأ عُنُقَهُ، فَلَمّا دَنا مِنهُ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ راجِعًا، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَحْلًا فاغِرًا فاهُ لَوْ مَشَيْتُ إلَيْهِ لالتَقَمَنِي، وقِيلَ: كانَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى كَتِفَيْهِ في صُورَةِ الأسَدِ» .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ يَوْمَ بَدْرٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِشارَةً بِأنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُ المُسْلِمِينَ مِن ناصِيَتِهِ حَتّى يَجُرُّونَهُ إلى القَتْلِ إذا عادَ إلى النَّهْيِ، فَلَمّا عادَ لا جَرَمَ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن ناصِيَتِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الرَّحْمَنِ:
صفحة ٢٤
﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢] قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأصْحابِهِ: ”مَن يَقْرَؤُها مِنكم عَلى رُؤَساءِ قُرَيْشٍ“، فَتَثاقَلُوا مَخافَةَ أذِيَّتِهِمْ، فَقامَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأجْلَسَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ: ”مَن يَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ“ فَلَمْ يَقُمْ إلّا ابْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ ثالِثًا كَذَلِكَ إلى أنَّ أذِنَ لَهُ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْقِي عَلَيْهِ لِما كانَ يَعْلَمُ مِن ضَعْفِهِ وصِغَرِ جُثَّتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ وصَلَ إلَيْهِمْ فَرَآهم مُجْتَمِعِينَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، فافْتَتَحَ قِراءَةَ السُّورَةِ، فَقامَ أبُو جَهْلٍ فَلَطَمَهُ فَشَقَّ أُذُنَهُ وأدْماهُ، فانْصَرَفَ وعَيْناهُ تَدْمَعُ، فَلَمّا رَآهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ رَقَّ قَلْبُهُ وأطْرَقَ رَأْسَهُ مَغْمُومًا، فَإذا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجِيءُ ضاحِكًا مُسْتَبْشِرًا، فَقالَ: ”يا جِبْرِيلُ تَضْحَكُ وابْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي“ فَقالَ: سَتَعْلَمُ، فَلَمّا ظَهَرَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ التَمَسَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ في المُجاهِدِينَ، فَأخَذَ يُطالِعُ القَتْلى. فَإذا أبُو جَهْلٍ، مَصْرُوعٌ يَخُورُ، فَخافَ أنَّ تَكُونَ بِهِ قُوَّةٌ فَيُؤْذِيَهُ فَوَضَعَ الرُّمْحَ عَلى مِنخَرِهِ مِن بَعِيدٍ فَطَعَنَهُ، ولَعَلَّ هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ ثُمَّ لَمّا عَرَفَ عَجْزَهُ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يَصْعَدَ عَلى صَدْرِهِ لِضَعْفِهِ فارْتَقى إلَيْهِ بِحِيلَةٍ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ قالَ: يا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ لَقَدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الإسْلامُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بَلِّغْ صاحِبَكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِنهُ في حَياتِي ولا أبْغَضَ إلَيَّ مِنهُ في حالِ مَماتِي، فَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: ”فِرْعَوْنِي أشَدُّ مِن فِرْعَوْنِ مُوسى فَإنَّهُ قالَ ﴿آمَنتُ﴾ وهو قَدْ زادَ عُتُوًّا“ ثُمَّ قالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: اقْطَعْ رَأْسِي بِسَيْفِي هَذا لِأنَّهُ أحَدُّ وأقْطَعُ، فَلَمّا قَطَعَ رَأْسَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى حَمْلِهِ»، ولَعَلَّ الحَكِيمَ سُبْحانَهُ إنَّما خَلَقَهُ ضَعِيفًا لِأجْلِ أنْ لا يَقْوى عَلى الحَمْلِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كَلْبٌ والكَلْبُ يُجَرُّ.
والثّانِي: لِشَقِّ الأُذُنِ فَيَقْتَصُّ الأُذُنَ بِالأُذُنِ.
والثّالِثُ: لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ فَتُجَرُّ تِلْكَ الرَّأْسُ عَلى مُقَدَّمِها، ثُمَّ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمّا لَمْ يُطِقْهُ شَقَّ أُذُنَهُ وجَعَلَ الخَيْطَ فِيهِ وجَعَلَ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجِبْرِيلُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَضْحَكُ، ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ أُذُنٌ بِأُذُنٍ لَكِنَّ الرَّأْسَ هَهُنا مَعَ الأُذُنِ، فَهَذا ما رُوِيَ في مَقْتَلِ أبِي جَهْلٍ نَقَلْتُهُ مَعْنًى لا لَفْظًا، الخاطِئُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: النّاصِيَةُ شَعْرُ الجَبْهَةِ وقَدْ يُسَمّى مَكانُ الشَّعْرِ النّاصِيَةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَنّى هَهُنا عَنِ الوَجْهِ والرَّأْسِ بِالنّاصِيَةِ، ولَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ شَدِيدَ الِاهْتِمامِ بِتَرْجِيلِ تِلْكَ النّاصِيَةِ وتَطْيِيبِها، ورُبَّما كانَ يَهْتَمُّ أيْضًا بِتَسْوِيدِها فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُسَوِّدُها مَعَ الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى عَرَّفَ النّاصِيَةَ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: النّاصِيَةُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَكم ذاتُها لَكِنَّها مَجْهُولَةٌ عِنْدَكم صِفاتُها ناصِيَةٌ وأيُّ ناصِيَةٍ، كاذِبَةٌ قَوْلًا خاطِئَةٌ فِعْلًا، وإنَّما وُصِفَ بِالكَذِبِ لِأنَّهُ كانَ كاذِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى في أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ مُحَمَّدًا وكاذِبًا عَلى رَسُولِهِ في أنَّهُ ساحِرٌ أوْ كَذّابٌ أوْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وقِيلَ: كَذَّبَهُ أنَّهُ قالَ: أنا أكْثَرُ أهْلِ هَذا الوادِي نادِيًا، ووَصَفَ النّاصِيَةَ بِأنَّها خاطِئَةٌ لِأنَّ صاحِبَها مُتَمَرِّدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقَّةِ: ٣٧] والفَرْقُ بَيْنَ الخاطِئِ والمُخْطِئِ أنَّ الخاطِئَ مُعاقَبٌ مُؤاخَذٌ والمُخْطِئَ غَيْرُ مُؤاخَذٍ، ووَصَفَ النّاصِيَةَ بِالخاطِئَةِ الكاذِبَةِ كَما وصَفَ الوُجُوهَ بِأنَّها ناظِرَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القِيامَةِ: ٢٣] .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿ناصِيَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وجازَ إبْدالُها مِنَ المَعْرِفَةِ وهي نَكِرَةٌ، لِأنَّها وُصِفَتْ فاسْتَقَلَّتْ بِفائِدَةٍ.
العلق 96:17
ثُمَّ قالَ تَعالى: (كَلّا) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ رَدْعٌ لِأبِي جَهْلٍ ومَنعٌ لَهُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ بِعِبادَةِ اللّاتِ.
وثانِيها: كَلّا لَنْ يَصِلَ أبُو جَهْلٍ إلى ما يَقُولُ إنَّهُ يَقْتُلُ مُحَمَّدًا أوْ يَطَأُ عُنُقَهُ، بَلْ تِلْمِيذُ مُحَمَّدٍ هو الَّذِي يَقْتُلُهُ ويَطَأُ صَدْرَهُ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: كَلّا لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ يَرى وإنْ كانَ يَعْلَمُ لَكِنْ إذا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِما يَعْلَمُ فَكَأنَّهُ لا يَعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ عَمّا هو فِيهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ، والسَّفْعُ القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ، وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤١] .
وثانِيها: السَّفْعُ الضَّرْبُ، أيْ لَنَلْطِمَنَّ وجْهَهُ.
وثالِثُها: لَنُسَوِّدَنَّ وجْهَهُ، قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا لَفَحَتْهُ النّارُ لَفْحًا يَسِيرًا يُغَيِّرُ لَوْنَ البَشَرَةِ قَدْ سَفَعَتْهُ النّارُ، قالَ: والسَّفْعُ ثَلاثَةُ أحْجارٍ يُوضَعُ عَلَيْها القِدْرُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَوادِها، قالَ: والسَّفْعَةُ سَوادٌ في الخَدَّيْنِ. وبِالجُمْلَةِ فَتَسْوِيدُ الوَجْهِ عَلامَةُ الإذْلالِ والإهانَةِ.
ورابِعُها: لَنَسِمَنَّهُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القَلَمِ: ١٦] إنَّهُ أبُو جَهْلٍ.
خامِسُها: لَنُذِلَّنَّهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”لَنَسْفَعَنَّ“ بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، أيِ الفاعِلُ لِهَذا الفِعْلِ هو اللَّهُ والمَلائِكَةُ، كَما قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”لَأسْعَفَنَّ“، أيْ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يا مُحَمَّدُ. أنا الَّذِي أتَوَلّى إهانَتَهُ، نَظِيرُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢]، ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ [الفَتْحِ: ٤] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا السَّفْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ إلى النّارِ في الآخِرَةِ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ في الدُّنْيا، وهَذا أيْضًا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما «رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا قالَ: إنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وأمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقْرَأ عَلى أبِي جَهْلٍ ويَخِرَّ لِلَّهِ ساجِدًا في آخِرِها فَفَعَلَ، فَعَدا إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ لِيَطَأ عُنُقَهُ، فَلَمّا دَنا مِنهُ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ راجِعًا، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَحْلًا فاغِرًا فاهُ لَوْ مَشَيْتُ إلَيْهِ لالتَقَمَنِي، وقِيلَ: كانَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى كَتِفَيْهِ في صُورَةِ الأسَدِ» .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ يَوْمَ بَدْرٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِشارَةً بِأنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُ المُسْلِمِينَ مِن ناصِيَتِهِ حَتّى يَجُرُّونَهُ إلى القَتْلِ إذا عادَ إلى النَّهْيِ، فَلَمّا عادَ لا جَرَمَ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن ناصِيَتِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الرَّحْمَنِ:
صفحة ٢٤
﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢] قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأصْحابِهِ: ”مَن يَقْرَؤُها مِنكم عَلى رُؤَساءِ قُرَيْشٍ“، فَتَثاقَلُوا مَخافَةَ أذِيَّتِهِمْ، فَقامَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأجْلَسَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ: ”مَن يَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ“ فَلَمْ يَقُمْ إلّا ابْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ ثالِثًا كَذَلِكَ إلى أنَّ أذِنَ لَهُ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْقِي عَلَيْهِ لِما كانَ يَعْلَمُ مِن ضَعْفِهِ وصِغَرِ جُثَّتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ وصَلَ إلَيْهِمْ فَرَآهم مُجْتَمِعِينَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، فافْتَتَحَ قِراءَةَ السُّورَةِ، فَقامَ أبُو جَهْلٍ فَلَطَمَهُ فَشَقَّ أُذُنَهُ وأدْماهُ، فانْصَرَفَ وعَيْناهُ تَدْمَعُ، فَلَمّا رَآهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ رَقَّ قَلْبُهُ وأطْرَقَ رَأْسَهُ مَغْمُومًا، فَإذا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجِيءُ ضاحِكًا مُسْتَبْشِرًا، فَقالَ: ”يا جِبْرِيلُ تَضْحَكُ وابْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي“ فَقالَ: سَتَعْلَمُ، فَلَمّا ظَهَرَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ التَمَسَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ في المُجاهِدِينَ، فَأخَذَ يُطالِعُ القَتْلى. فَإذا أبُو جَهْلٍ، مَصْرُوعٌ يَخُورُ، فَخافَ أنَّ تَكُونَ بِهِ قُوَّةٌ فَيُؤْذِيَهُ فَوَضَعَ الرُّمْحَ عَلى مِنخَرِهِ مِن بَعِيدٍ فَطَعَنَهُ، ولَعَلَّ هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ ثُمَّ لَمّا عَرَفَ عَجْزَهُ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يَصْعَدَ عَلى صَدْرِهِ لِضَعْفِهِ فارْتَقى إلَيْهِ بِحِيلَةٍ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ قالَ: يا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ لَقَدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الإسْلامُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بَلِّغْ صاحِبَكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِنهُ في حَياتِي ولا أبْغَضَ إلَيَّ مِنهُ في حالِ مَماتِي، فَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: ”فِرْعَوْنِي أشَدُّ مِن فِرْعَوْنِ مُوسى فَإنَّهُ قالَ ﴿آمَنتُ﴾ وهو قَدْ زادَ عُتُوًّا“ ثُمَّ قالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: اقْطَعْ رَأْسِي بِسَيْفِي هَذا لِأنَّهُ أحَدُّ وأقْطَعُ، فَلَمّا قَطَعَ رَأْسَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى حَمْلِهِ»، ولَعَلَّ الحَكِيمَ سُبْحانَهُ إنَّما خَلَقَهُ ضَعِيفًا لِأجْلِ أنْ لا يَقْوى عَلى الحَمْلِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كَلْبٌ والكَلْبُ يُجَرُّ.
والثّانِي: لِشَقِّ الأُذُنِ فَيَقْتَصُّ الأُذُنَ بِالأُذُنِ.
والثّالِثُ: لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ فَتُجَرُّ تِلْكَ الرَّأْسُ عَلى مُقَدَّمِها، ثُمَّ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمّا لَمْ يُطِقْهُ شَقَّ أُذُنَهُ وجَعَلَ الخَيْطَ فِيهِ وجَعَلَ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجِبْرِيلُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَضْحَكُ، ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ أُذُنٌ بِأُذُنٍ لَكِنَّ الرَّأْسَ هَهُنا مَعَ الأُذُنِ، فَهَذا ما رُوِيَ في مَقْتَلِ أبِي جَهْلٍ نَقَلْتُهُ مَعْنًى لا لَفْظًا، الخاطِئُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: النّاصِيَةُ شَعْرُ الجَبْهَةِ وقَدْ يُسَمّى مَكانُ الشَّعْرِ النّاصِيَةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَنّى هَهُنا عَنِ الوَجْهِ والرَّأْسِ بِالنّاصِيَةِ، ولَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ شَدِيدَ الِاهْتِمامِ بِتَرْجِيلِ تِلْكَ النّاصِيَةِ وتَطْيِيبِها، ورُبَّما كانَ يَهْتَمُّ أيْضًا بِتَسْوِيدِها فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُسَوِّدُها مَعَ الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى عَرَّفَ النّاصِيَةَ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: النّاصِيَةُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَكم ذاتُها لَكِنَّها مَجْهُولَةٌ عِنْدَكم صِفاتُها ناصِيَةٌ وأيُّ ناصِيَةٍ، كاذِبَةٌ قَوْلًا خاطِئَةٌ فِعْلًا، وإنَّما وُصِفَ بِالكَذِبِ لِأنَّهُ كانَ كاذِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى في أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ مُحَمَّدًا وكاذِبًا عَلى رَسُولِهِ في أنَّهُ ساحِرٌ أوْ كَذّابٌ أوْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وقِيلَ: كَذَّبَهُ أنَّهُ قالَ: أنا أكْثَرُ أهْلِ هَذا الوادِي نادِيًا، ووَصَفَ النّاصِيَةَ بِأنَّها خاطِئَةٌ لِأنَّ صاحِبَها مُتَمَرِّدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقَّةِ: ٣٧] والفَرْقُ بَيْنَ الخاطِئِ والمُخْطِئِ أنَّ الخاطِئَ مُعاقَبٌ مُؤاخَذٌ والمُخْطِئَ غَيْرُ مُؤاخَذٍ، ووَصَفَ النّاصِيَةَ بِالخاطِئَةِ الكاذِبَةِ كَما وصَفَ الوُجُوهَ بِأنَّها ناظِرَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القِيامَةِ: ٢٣] .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿ناصِيَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وجازَ إبْدالُها مِنَ المَعْرِفَةِ وهي نَكِرَةٌ، لِأنَّها وُصِفَتْ فاسْتَقَلَّتْ بِفائِدَةٍ.
العلق 96:18
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قُرِئَ ”ناصِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ والتَّقْدِيرُ هي ناصِيَةٌ، ”وناصِيَةً“ بِالنَّصْبِ وكِلاهُما عَلى الشَّتْمِ، واعْلَمْ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أغْلَظَ في القَوْلِ لِأبِي جَهْلٍ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتِ، قالَ: يا مُحَمَّدُ بِمَن تُهَدِّدُنِي وإنِّي لَأكْثَرُ هَذا الوادِي نادِيًا، فافْتَخَرَ بِجَماعَتِهِ الَّذِينَ كانُوا يَأْكُلُونَ حُطامَهُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ النّادِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٩] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”نادِيَهُ“ أيْ أهْلَ مَجْلِسِهِ، وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنَ النّادِي أهْلُ النّادِي، ولا يُسَمّى المَكانُ نادِيًا حَتّى يَكُونَ فِيهِ أهْلُهُ، وسُمِّيَ نادِيًا لِأنَّ القَوْمَ يَنِدُّونَ إلَيْهِ نَدًّا ونَدْوَةً، ومِنهُ دارُ النَّدْوَةِ بِمَكَّةَ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ فِيها لِلتَّشاوُرِ، وقِيلَ: سُمِّيَ نادِيًا لِأنَّهُ مَجْلِسُ النَّدى والجُودِ، ذُكِرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أيْ: اجْمَعْ أهْلَ الكَرَمِ والدِّفاعِ في زَعْمِكَ لِيَنْصُرُوكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ: واحِدُ الزَّبانِيَةِ زِبْنِيَةٌ وأصْلُهُ مِن زَبَنْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ وهو مُتَمَرِّدٌ مِن إنْسٍ أوْ جِنٍّ، ومِثْلُهُ في المَعْنى والتَّقْدِيرِ عِفْرِيَةٌ يُقالُ: فُلانٌ زِبْنِيَةٌ عِفْرِيَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: قالَ بَعْضُهم: واحِدُهُ الزَّبانِيُّ، وقالَ آخَرُونَ: الزّابِنُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا مِنَ الجَمْعِ الَّذِي لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ في لُغَةِ العَرَبِ مِثْلُ أبابِيلَ وعَبادِيدَ وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مَلائِكَةُ العَذابِ، ولا شَكَّ أنَّهم مَخْصُوصُونَ بِقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أرْجُلُهم في الأرْضِ ورُءُوسُهم في السَّماءِ، وقالَ قَتادَةُ: الزَّبانِيَةُ هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ وهُمُ المَلائِكَةُ الغِلاظُ الشِّدادُ، ومَلائِكَةُ النّارِ سُمُّوا الزَّبانِيَةَ لِأنَّهم يَزْبِنُونَ الكُفّارَ أيْ يَدْفَعُونَهم في جَهَنَّمَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أيْ فَلْيَفْعَلْ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّهُ يَدْعُو أنْصارَهُ ويَسْتَعِينُ بِهِمْ في مُباطَلَةِ مُحَمَّدٍ، فَإنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَدْعُو الزَّبانِيَةَ الَّذِينَ لا طاقَةَ لِنادِيهِ وقَوْمِهِ بِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ الزَّبانِيَةُ مِن ساعَتِهِ مُعايَنَةً، وقِيلَ: هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يُجَرُّ في الدُّنْيا كالكَلْبِ وقَدْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بَلْ هَذا إخْبارٌ بِأنَّ الزَّبانِيَةَ يَجُرُّونَهُ في الآخِرَةِ إلى النّارِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا أيْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ وسَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ في الآخِرَةِ، فَلْيَدْعُ هو نادِيَهُ حِينَئِذٍ فَلْيَمْنَعُوهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ، لِأنَّ هَذا يَكُونُ تَحْرِيضًا لِلْكافِرِ عَلى دَعْوَةِ نادِيهِ وقَوْمِهِ، ومَتى فَعَلَ الكافِرُ ذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ دَعْوَةُ الزَّبانِيَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجْتَرِئِ الكافِرُ عَلى ذَلِكَ دَلَّ عَلى ظُهُورِ مُعْجِزَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قُرِئَ: ”سَتُدْعى“ عَلى المَجْهُولِ، وهَذِهِ السِّيَرُ لَيْسَتْ لِلشَّكِ أمّا عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبُ الوُقُوعِ، وخُصُوصًا عِنْدَ بِشارَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَنْتَقِمَ لَهُ مِن عَدُوِّهِ، ولَعَلَّ فائِدَةَ السِّينِ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَأنْصُرَنَّكَ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ» “ .
العلق 96:19
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ لِأبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَنْ يَصِلَ إلى ما يَتَصَلَّفُ بِهِ مِن أنَّهُ يَدْعُو نادِيَهُ ولَئِنْ دَعاهم لَنْ يَنْفَعُوهُ ولَنْ يَنْصُرُوهُ، وهو أذَلُّ وأحْقَرُ مِن أنْ يُقاوِمَكَ، ويُحْتَمَلُ: لَنْ يَنالَ ما يَتَمَنّى مِن طاعَتِكَ لَهُ حِينَ نَهاكَ عَنِ الصَّلاةِ، وقِيلَ مَعْناهُ: ألا لا تُطِعْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تُطِعْهُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القَلَمِ: ٨]، ﴿واسْجُدْ﴾ وعِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ التَّأْوِيلِ أرادَ بِهِ صَلِّ وتَوَفَّرْ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فِعْلًا وإبْلاغًا، ولْيَقِلَّ فِكْرُكَ في هَذا العَدُوِّ فَإنَّ اللَّهَ مُقَوِّيكَ وناصِرُكَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ الخُضُوعُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ نَفْسُ السُّجُودِ في الصَّلاةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واقْتَرِبْ﴾ والمُرادُ وابْتَغِ بِسُجُودِكَ قُرْبَ المَنزِلَةِ مِن رَبِّكَ، وفي الحَدِيثِ: ”«أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ» “ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ اسْجُدْ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ يا أبا جَهْلٍ مِنهُ حَتّى تُبْصِرَ ما يَنالُكَ مِن أخْذِ الزَّبانِيَةِ إيّاكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِيَزْدادَ غَيْظُ الكافِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] والسَّبَبُ المُوجِبُ لِازْدِيادِ الغَيْظِ هو أنَّ الكُفْرَ كانَ يَمْنَعُهُ مِنَ القِيامِ، فَيَكُونُ غَيْظُهُ وغَضَبُهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ السُّجُودِ أتَمَّ، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿واقْتَرِبْ﴾ مِنهُ يا أبا جَهْلٍ وضَعْ قَدَمَكَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الرَّجُلَ ساجِدٌ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ، وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِ واسْتِحْقارٌ لِشَأْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
القدر 97:1
صفحة ٢٧
[ سُورَةُ القَدْرِ ]
خَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾
﷽
﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ: إنّا أنْزَلْنا القُرْآنَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، ولَكِنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أسْنَدَ إنْزالَهُ إلَيْهِ وجَعَلَهُ مُخْتَصًّا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ جاءَ بِضَمِيرِهِ دُونَ اسْمِهِ الظّاهِرِ؛ شَهادَةً لَهُ بِالنَّباهَةِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّصْرِيحِ، ألا تَرى أنَّهُ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ أبِي جَهْلٍ ولَمْ يَخْفَ عَلى أحَدٍ لِاشْتِهارِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٣] لَمْ يَذْكُرِ المَوْتَ لِشُهْرَتِهِ، فَكَذا هَهُنا.
والثّالِثُ: تَعْظِيمُ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في بَعْضِ المَواضِعِ: (إنِّي) كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] وفي بَعْضِ المَواضِعِ ”إنّا“ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ . ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحِجْرِ: ٩]، ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نُوحٍ: ١]، ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكَوْثَرِ: ١] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (إنّا) تارَةً يُرادُ بِهِ التَّعْظِيمُ، وحَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ مُحالٌ لِأنَّ الدَّلائِلَ دَلَّتْ عَلى وحْدَةِ الصّانِعِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ في الآلِهَةِ كَثْرَةٌ لانْحَطَّتْ رُتْبَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَنِ الإلَهِيَّةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قادِرًا عَلى الكَمالِ لاسْتَغْنى بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وكَوْنُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ نَقْصٌ في حَقِّهِ فَيَكُونُ الكُلُّ ناقِصًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قادِرًا عَلى الكَمالِ كانَ ناقِصًا، فَعَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: (إنّا) مَحْمُولٌ عَلى التَّعْظِيمِ لا عَلى الجَمْعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى أنَّهُ أُنْزِلَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُنْزِلَ نُجُومًا ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
صفحة ٢٨
أحَدُها: قالَ الشَّعْبِيُّ: ابْتَدَأ بِإنْزالِهِ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ البَعْثَ كانَ في رَمَضانَ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُنْزِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ إلى الأرْضِ نُجُومًا، كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٥] وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في قَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] لا يُقالُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ لِمَ لَمْ يَقُلْ: أنْزَلْناهُ إلى السَّماءِ ؟ لِأنَّ إطْلاقَهُ يُوهِمُ الإنْزالَ إلى الأرْضِ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ إنْزالَهُ إلى السَّماءِ كَإنْزالِهِ إلى الأرْضِ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَشْرَعَ في أمْرٍ ثُمَّ لا يُتِمُّهُ، وهو كَغائِبٍ جاءَ إلى نَواحِي البَلَدِ. يُقالُ: جاءَ فُلانٌ، أوْ يُقالُ: الغَرَضُ مِن تَقْرِيبِهِ وإنْزالِهِ إلى سَماءِ الدُّنْيا أنْ يُشَوِّقَهم إلى نُزُولِهِ كَمَن يَسْمَعُ الخَبَرَ بِمَجِيءِ مَنشُورٍ لِوالِدِهِ أوْ أُمِّهِ، فَإنَّهُ يَزْدادُ شَوْقُهُ إلى مُطالَعَتِهِ كَما قالَ:
وأبْرَحُ ما يَكُونُ الشَّوْقُ يَوْمًا إذا دَنَتِ الدِّيارُ مِنَ الدِّيارِ
وهَذا لِأنَّ السَّماءَ كالمُشْتَرِكِ بَيْنَنا وبَيْنَ المَلائِكَةِ، فَهي لَهم مَسْكَنٌ ولَنا سَقْفٌ وزِينَةٌ، كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٢] فَإنْزالُهُ القُرْآنَ هُناكَ كَإنْزالِهِ هَهُنا.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ التَّقْدِيرَ أنْزَلْنا هَذا الذِّكْرَ: ﴿فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ أيْ في فَضِيلَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ وبَيانِ شَرَفِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القَدْرُ مَصْدَرُ قَدَرْتُ أقْدِرُ قَدْرًا، والمُرادُ بِهِ ما يُمْضِيهِ اللَّهُ مِنَ الأُمُورِ، قالَ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٩] والقَدَرُ والقَدْرُ واحِدٌ إلّا أنَّهُ بِالتَّسْكِينِ مَصْدَرٌ وبِالفَتْحِ اسْمٌ، قالَ الواحِدِيُّ: القَدْرُ في اللُّغَةِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، وهو جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مُساواةِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ القَدْرِ، عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّها لَيْلَةُ تَقْدِيرِ الأُمُورِ والأحْكامِ، قالَ عَطاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ما يَكُونُ في كُلِّ تِلْكَ السَّنَةِ مِن مَطَرٍ ورِزْقٍ وإحْياءٍ وإماتَةٍ إلى مِثْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ السَّنَةِ الآتِيَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدُّخانِ: ٤] واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ لا يَحْدُثُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدَّرَ المَقادِيرَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ في الأزَلِ، بَلِ المُرادُ إظْهارُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ المَقادِيرَ لِلْمَلائِكَةِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِأنْ يَكْتُبَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ عامَّةِ العُلَماءِ.
الثّانِي: نُقِلَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ العَظَمَةِ والشَّرَفِ مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ قَدْرٌ عِنْدَ فُلانٍ، أيْ مَنزِلَةٌ وشَرَفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلى الفاعِلِ أيْ مَن أتى فِيها بِالطّاعاتِ صارَ ذا قَدْرٍ وشَرَفٍ.
وثانِيهِما: إلى الفِعْلِ أيِ الطّاعاتُ لَها في تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَدْرٌ زائِدٌ وشَرَفٌ زائِدٌ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ فِيها كِتابٌ ذُو قَدْرٍ، عَلى لِسانِ مَلَكٍ ذِي قَدْرٍ، عَلى أُمَّةٍ لَها قَدْرٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ لَفْظَةَ القَدْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِهَذا السَّبَبِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: لَيْلَةُ القَدْرِ؛ أيِ الضِّيقِ فَإنَّ الأرْضَ تَضِيقُ عَنِ المَلائِكَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أخْفى هَذِهِ اللَّيْلَةَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أخْفاها، كَما أخْفى سائِرَ الأشْياءِ، فَإنَّهُ أخْفى رِضاهُ في الطّاعاتِ، حَتّى يَرْغَبُوا في الكُلِّ، وأخْفى غَضَبَهُ في المَعاصِي لِيَحْتَرِزُوا عَنِ الكُلِّ، وأخْفى ولِيَّهُ فِيما بَيْنَ النّاسِ حَتّى يُعَظِّمُوا الكُلَّ، وأخْفى الإجابَةَ في الدُّعاءِ لِيُبالِغُوا في كُلِّ الدَّعَواتِ، وأخْفى الِاسْمَ الأعْظَمَ لِيُعَظِّمُوا كُلَّ الأسْماءِ، وأخْفى الصَّلاةَ الوُسْطى لِيُحافِظُوا عَلى الكُلِّ، وأخْفى قَبُولَ التَّوْبَةِ لِيُواظِبَ المُكَلَّفُ عَلى جَمِيعِ أقْسامِ التَّوْبَةِ، وأخْفى وقْتَ المَوْتِ لِيَخافَ المُكَلَّفُ، فَكَذا أخْفى هَذِهِ
صفحة ٢٩
اللَّيْلَةَ لِيُعَظِّمُوا جَمِيعَ لَيالِي رَمَضانَ.
وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوْ عَيَّنْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وأنا عالِمٌ بِتَجاسُرِكم عَلى المَعْصِيَةِ، فَرُبَّما دَعَتْكَ الشَّهْوَةُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلى المَعْصِيَةِ، فَوَقَعْتَ في الذَّنْبِ، فَكانَتْ مَعْصِيَتُكَ مَعَ عِلْمِكَ أشَدَّ مِن مَعْصِيَتِكَ لا مَعَ عِلْمِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ أخْفَيْتُها عَلَيْكَ، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ المَسْجِدَ فَرَأى نائِمًا، فَقالَ: يا عَلِيُّ نَبِّهْهُ لِيَتَوَضَّأ، فَأيْقَظَهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ قالَ عَلِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ سَبّاقٌ إلى الخَيْراتِ، فَلِمَ لَمْ تُنَبِّهْهُ ؟ قالَ: لِأنَّ رَدَّهُ عَلَيْكَ لَيْسَ بِكُفْرٍ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ لِتَخِفَّ جِنايَتُهُ لَوْ أبى»، فَإذا كانَ هَذا رَحْمَةَ الرَّسُولِ، فَقِسْ عَلَيْهِ رَحْمَةَ الرَّبِّ تَعالى، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إذا عَلِمْتَ لَيْلَةَ القَدْرِ فَإنْ أطَعْتَ فِيها اكْتَسَبْتَ ثَوابَ ألْفِ شَهْرٍ، وإنْ عَصَيْتَ فِيها اكْتَسَبْتَ عِقابَ ألْفِ شَهْرٍ، ودَفْعُ العِقابِ أوْلى مِن جَلْبِ الثَّوابِ.
وثالِثُها: أنِّي أخْفَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ حَتّى يَجْتَهِدَ المُكَلَّفُ في طَلَبِها، فَيَكْتَسِبَ ثَوابَ الِاجْتِهادِ.
ورابِعُها: أنَّ العَبْدَ إذا لَمْ يَتَيَقَّنْ لَيْلَةَ القَدْرِ، فَإنَّهُ يَجْتَهِدُ في الطّاعَةِ في جَمِيعِ لَيالِي رَمَضانَ، عَلى رَجاءِ أنَّهُ رُبَّما كانَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ هي لَيْلَةَ القَدْرِ، فَيُباهِي اللَّهُ تَعالى بِهِمْ مَلائِكَتَهُ، ويَقُولُ: كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِيهِمْ يُفْسِدُونَ ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ. فَهَذا جِدُّهُ واجْتِهادُهُ في اللَّيْلَةِ المَظْنُونَةِ، فَكَيْفَ لَوْ جَعَلْتُها مَعْلُومَةً لَهُ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ سِرُّ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٣٠] .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هَلْ تَسْتَتْبِعُ اليَوْمَ ؟ قالَ الشَّعْبِيُّ: نَعَمْ يَوْمُها كَلَيْلَتِها، ولَعَلَّ الوَجْهَ فِيهِ أنَّ ذِكْرَ اللَّيالِي يَسْتَتْبِعُ الأيّامَ، ومِنهُ إذا نَذَرَ اعْتِكافَ لَيْلَتَيْنِ ألْزَمْناهُ بِيَوْمَيْهِما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفُرْقانِ: ٦٢] أيِ اليَوْمُ يَخْلُفُ لَيْلَتَهُ وبِالضِّدِّ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ هَلْ هي باقِيَةٌ ؟ قالَ الخَلِيلُ: مَن قالَ إنَّ فَضْلَها لِنُزُولِ القُرْآنِ فِيها يَقُولُ انْقَطَعَتْ وكانَتْ مَرَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها باقِيَةٌ، وعَلى هَذا هَلْ هي مُخْتَصَّةٌ بِرَمَضانَ أمْ لا ؟ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْها، وفَسَّرَها عِكْرِمَةُ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدُّخانِ: ٣] والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِرَمَضانَ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ وقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ فَوَجَبَ أنَّ تَكُونَ لَيْلَةُ القَدْرِ في رَمَضانَ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِها عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ، فَقالَ ابْنُ رَزِينٍ: لَيْلَةُ القَدْرِ هي اللَّيْلَةُ الأُولى مِن رَمَضانَ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: السّابِعَةَ عَشْرَةَ، وعَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: التّاسِعَةَ عَشْرَةَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقٍ: الحادِيَةُ والعِشْرُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الرّابِعَةُ والعِشْرُونَ، وقالَ أبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ: الخامِسَةُ والعِشْرُونَ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ: السّابِعَةُ والعِشْرُونَ، وقالَ بَعْضُهم: التّاسِعَةُ والعِشْرُونَ. أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّها اللَّيْلَةُ الأُولى [فَقَدْ] قالُوا: رَوى وهْبٌ أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ أُنْزِلَتْ في اللَّيْلَةِ الأُولى مِن رَمَضانَ والتَّوْراةَ لِسِتِّ لَيالٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ بَعْدَ صُحُفِ إبْراهِيمَ بِسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وأُنْزِلَ الزَّبُورُ عَلى داوُدَ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن رَمَضانَ بَعْدَ التَّوْراةِ بِخَمْسِمِائَةِ عامٍ وأُنْزِلَ الإنْجِيلُ عَلى عِيسى لِثَمانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ بَعْدَ الزَّبُورِ بِسِتِّمِائَةِ عامٍ وعِشْرِينَ عامًا، وكانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في كُلِّ لَيْلَةِ قَدْرٍ مِنَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ بِهِ مِن بَيْتِ العِزَّةِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى سَماءِ الدُّنْيا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى القُرْآنَ في عِشْرِينَ شَهْرًا في عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمّا كانَ هَذا الشَّهْرُ هو الشَّهْرَ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الخَيْراتُ العَظِيمَةُ، لا جَرَمَ كانَ في غايَةِ الشَّرَفِ والقَدْرِ والرُّتْبَةِ فَكانَتِ اللَّيْلَةُ الأُولى مِنهُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وأمّا الحَسَنُ البَصْرِيُّ فَإنَّهُ قالَ: هي لَيْلَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ، لِأنَّها لَيْلَةٌ كانَتْ صَبِيحَتُها وقْعَةَ بَدْرٍ، وأمّا التّاسِعَةَ
صفحة ٣٠
عَشْرَةَ فَقَدْ رَوى أنَسٌ فِيها خَبَرًا، وأمّا لَيْلَةُ السّابِعِ والعِشْرِينَ فَقَدْ مالَ الشّافِعِيُّ إلَيْهِ لِحَدِيثِ الماءِ والطِّينِ، والَّذِي عَلَيْهِ المُعْظَمُ أنَّها لَيْلَةُ السّابِعِ والعِشْرِينَ، وذَكَرُوا فِيهِ أماراتٍ ضَعِيفَةً:
أحَدُها: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السُّورَةَ ثَلاثُونَ كَلِمَةً، وقَوْلُهُ: ”هي“ هي السّابِعَةُ والعِشْرُونَ مِنها.
وثانِيها: رُوِيَ أنَّ عُمَرَ سَألَ الصَّحابَةَ ثُمَّ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: غُصْ يا غَوّاصُ فَقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: أحْضَرْتَ أوْلادَ المُهاجِرِينَ وما أحْضَرْتَ أوْلادَنا. فَقالَ عُمَرُ: لَعَلَّكَ تَقُولُ: إنَّ هَذا غُلامٌ، ولَكِنَّ عِنْدَهُ ما لَيْسَ عِنْدَكم. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبُّ الأعْدادِ إلى اللَّهِ تَعالى الوِتْرُ وأحَبُّ الوِتْرِ إلَيْهِ السَّبْعَةُ، فَذَكَرَ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرَضِينَ السَّبْعَ والأُسْبُوعَ ودَرَكاتِ النّارِ وعَدَدَ الطَّوافِ والأعْضاءَ السَّبْعَةَ، فَدَلَّ عَلى أنَّها السّابِعَةُ والعِشْرُونَ.
وثالِثُها: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: ﴿لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ تِسْعَةُ أحْرُفٍ، وهو مَذْكُورٌ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَتَكُونُ السّابِعَةَ والعِشْرِينَ.
ورابِعُها: أنَّهُ كانَ لِعُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ غُلامٌ، فَقالَ: يا مَوْلايَ إنَّ البَحْرَ يَعْذُبُ ماؤُهُ لَيْلَةً مِنَ الشَّهْرِ، قالَ: إذا كانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ فَأعْلِمْنِي فَإذا هي السّابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن رَمَضانَ. وأمّا مَن قالَ: إنَّها اللَّيْلَةُ الأخِيرَةُ قالَ: لِأنَّها هي اللَّيْلَةُ الَّتِي تَتِمُّ فِيها طاعاتُ هَذا الشَّهْرِ، بَلْ أوَّلُ رَمَضانَ كَآدَمَ وآخِرُهُ كَمُحَمَّدٍ، ولِذَلِكَ رُوِيَ في الحَدِيثِ، يُعْتَقُ في آخِرِ رَمَضانَ بِعَدَدِ ما أُعْتِقَ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، بَلِ اللَّيْلَةُ الأُولى كَمَن وُلِدَ لَهُ ذَكَرٌ، فَهي لَيْلَةُ شُكْرٍ، والأخِيرَةُ لَيْلَةُ الفِراقِ، كَمَن ماتَ لَهُ ولَدٌ، فَهي لَيْلَةُ صَبْرٍ، وقَدْ عَلِمْتَ فَرْقَ ما بَيْنَ الصَّبْرِ والشُّكْرِ.
القدر 97:2
صفحة ٢٧
[ سُورَةُ القَدْرِ ]
خَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾
﷽
﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ: إنّا أنْزَلْنا القُرْآنَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، ولَكِنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أسْنَدَ إنْزالَهُ إلَيْهِ وجَعَلَهُ مُخْتَصًّا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ جاءَ بِضَمِيرِهِ دُونَ اسْمِهِ الظّاهِرِ؛ شَهادَةً لَهُ بِالنَّباهَةِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّصْرِيحِ، ألا تَرى أنَّهُ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ أبِي جَهْلٍ ولَمْ يَخْفَ عَلى أحَدٍ لِاشْتِهارِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٣] لَمْ يَذْكُرِ المَوْتَ لِشُهْرَتِهِ، فَكَذا هَهُنا.
والثّالِثُ: تَعْظِيمُ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في بَعْضِ المَواضِعِ: (إنِّي) كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] وفي بَعْضِ المَواضِعِ ”إنّا“ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ . ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحِجْرِ: ٩]، ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نُوحٍ: ١]، ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكَوْثَرِ: ١] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (إنّا) تارَةً يُرادُ بِهِ التَّعْظِيمُ، وحَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ مُحالٌ لِأنَّ الدَّلائِلَ دَلَّتْ عَلى وحْدَةِ الصّانِعِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ في الآلِهَةِ كَثْرَةٌ لانْحَطَّتْ رُتْبَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَنِ الإلَهِيَّةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قادِرًا عَلى الكَمالِ لاسْتَغْنى بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وكَوْنُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ نَقْصٌ في حَقِّهِ فَيَكُونُ الكُلُّ ناقِصًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قادِرًا عَلى الكَمالِ كانَ ناقِصًا، فَعَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: (إنّا) مَحْمُولٌ عَلى التَّعْظِيمِ لا عَلى الجَمْعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى أنَّهُ أُنْزِلَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُنْزِلَ نُجُومًا ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
صفحة ٢٨
أحَدُها: قالَ الشَّعْبِيُّ: ابْتَدَأ بِإنْزالِهِ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ البَعْثَ كانَ في رَمَضانَ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُنْزِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ إلى الأرْضِ نُجُومًا، كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٥] وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في قَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] لا يُقالُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ لِمَ لَمْ يَقُلْ: أنْزَلْناهُ إلى السَّماءِ ؟ لِأنَّ إطْلاقَهُ يُوهِمُ الإنْزالَ إلى الأرْضِ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ إنْزالَهُ إلى السَّماءِ كَإنْزالِهِ إلى الأرْضِ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَشْرَعَ في أمْرٍ ثُمَّ لا يُتِمُّهُ، وهو كَغائِبٍ جاءَ إلى نَواحِي البَلَدِ. يُقالُ: جاءَ فُلانٌ، أوْ يُقالُ: الغَرَضُ مِن تَقْرِيبِهِ وإنْزالِهِ إلى سَماءِ الدُّنْيا أنْ يُشَوِّقَهم إلى نُزُولِهِ كَمَن يَسْمَعُ الخَبَرَ بِمَجِيءِ مَنشُورٍ لِوالِدِهِ أوْ أُمِّهِ، فَإنَّهُ يَزْدادُ شَوْقُهُ إلى مُطالَعَتِهِ كَما قالَ:
وأبْرَحُ ما يَكُونُ الشَّوْقُ يَوْمًا إذا دَنَتِ الدِّيارُ مِنَ الدِّيارِ
وهَذا لِأنَّ السَّماءَ كالمُشْتَرِكِ بَيْنَنا وبَيْنَ المَلائِكَةِ، فَهي لَهم مَسْكَنٌ ولَنا سَقْفٌ وزِينَةٌ، كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٢] فَإنْزالُهُ القُرْآنَ هُناكَ كَإنْزالِهِ هَهُنا.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ التَّقْدِيرَ أنْزَلْنا هَذا الذِّكْرَ: ﴿فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ أيْ في فَضِيلَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ وبَيانِ شَرَفِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القَدْرُ مَصْدَرُ قَدَرْتُ أقْدِرُ قَدْرًا، والمُرادُ بِهِ ما يُمْضِيهِ اللَّهُ مِنَ الأُمُورِ، قالَ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٩] والقَدَرُ والقَدْرُ واحِدٌ إلّا أنَّهُ بِالتَّسْكِينِ مَصْدَرٌ وبِالفَتْحِ اسْمٌ، قالَ الواحِدِيُّ: القَدْرُ في اللُّغَةِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، وهو جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مُساواةِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ القَدْرِ، عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّها لَيْلَةُ تَقْدِيرِ الأُمُورِ والأحْكامِ، قالَ عَطاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ما يَكُونُ في كُلِّ تِلْكَ السَّنَةِ مِن مَطَرٍ ورِزْقٍ وإحْياءٍ وإماتَةٍ إلى مِثْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ السَّنَةِ الآتِيَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدُّخانِ: ٤] واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ لا يَحْدُثُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدَّرَ المَقادِيرَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ في الأزَلِ، بَلِ المُرادُ إظْهارُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ المَقادِيرَ لِلْمَلائِكَةِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِأنْ يَكْتُبَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ عامَّةِ العُلَماءِ.
الثّانِي: نُقِلَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ العَظَمَةِ والشَّرَفِ مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ قَدْرٌ عِنْدَ فُلانٍ، أيْ مَنزِلَةٌ وشَرَفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلى الفاعِلِ أيْ مَن أتى فِيها بِالطّاعاتِ صارَ ذا قَدْرٍ وشَرَفٍ.
وثانِيهِما: إلى الفِعْلِ أيِ الطّاعاتُ لَها في تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَدْرٌ زائِدٌ وشَرَفٌ زائِدٌ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ فِيها كِتابٌ ذُو قَدْرٍ، عَلى لِسانِ مَلَكٍ ذِي قَدْرٍ، عَلى أُمَّةٍ لَها قَدْرٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ لَفْظَةَ القَدْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِهَذا السَّبَبِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: لَيْلَةُ القَدْرِ؛ أيِ الضِّيقِ فَإنَّ الأرْضَ تَضِيقُ عَنِ المَلائِكَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أخْفى هَذِهِ اللَّيْلَةَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أخْفاها، كَما أخْفى سائِرَ الأشْياءِ، فَإنَّهُ أخْفى رِضاهُ في الطّاعاتِ، حَتّى يَرْغَبُوا في الكُلِّ، وأخْفى غَضَبَهُ في المَعاصِي لِيَحْتَرِزُوا عَنِ الكُلِّ، وأخْفى ولِيَّهُ فِيما بَيْنَ النّاسِ حَتّى يُعَظِّمُوا الكُلَّ، وأخْفى الإجابَةَ في الدُّعاءِ لِيُبالِغُوا في كُلِّ الدَّعَواتِ، وأخْفى الِاسْمَ الأعْظَمَ لِيُعَظِّمُوا كُلَّ الأسْماءِ، وأخْفى الصَّلاةَ الوُسْطى لِيُحافِظُوا عَلى الكُلِّ، وأخْفى قَبُولَ التَّوْبَةِ لِيُواظِبَ المُكَلَّفُ عَلى جَمِيعِ أقْسامِ التَّوْبَةِ، وأخْفى وقْتَ المَوْتِ لِيَخافَ المُكَلَّفُ، فَكَذا أخْفى هَذِهِ
صفحة ٢٩
اللَّيْلَةَ لِيُعَظِّمُوا جَمِيعَ لَيالِي رَمَضانَ.
وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوْ عَيَّنْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وأنا عالِمٌ بِتَجاسُرِكم عَلى المَعْصِيَةِ، فَرُبَّما دَعَتْكَ الشَّهْوَةُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلى المَعْصِيَةِ، فَوَقَعْتَ في الذَّنْبِ، فَكانَتْ مَعْصِيَتُكَ مَعَ عِلْمِكَ أشَدَّ مِن مَعْصِيَتِكَ لا مَعَ عِلْمِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ أخْفَيْتُها عَلَيْكَ، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ المَسْجِدَ فَرَأى نائِمًا، فَقالَ: يا عَلِيُّ نَبِّهْهُ لِيَتَوَضَّأ، فَأيْقَظَهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ قالَ عَلِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ سَبّاقٌ إلى الخَيْراتِ، فَلِمَ لَمْ تُنَبِّهْهُ ؟ قالَ: لِأنَّ رَدَّهُ عَلَيْكَ لَيْسَ بِكُفْرٍ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ لِتَخِفَّ جِنايَتُهُ لَوْ أبى»، فَإذا كانَ هَذا رَحْمَةَ الرَّسُولِ، فَقِسْ عَلَيْهِ رَحْمَةَ الرَّبِّ تَعالى، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إذا عَلِمْتَ لَيْلَةَ القَدْرِ فَإنْ أطَعْتَ فِيها اكْتَسَبْتَ ثَوابَ ألْفِ شَهْرٍ، وإنْ عَصَيْتَ فِيها اكْتَسَبْتَ عِقابَ ألْفِ شَهْرٍ، ودَفْعُ العِقابِ أوْلى مِن جَلْبِ الثَّوابِ.
وثالِثُها: أنِّي أخْفَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ حَتّى يَجْتَهِدَ المُكَلَّفُ في طَلَبِها، فَيَكْتَسِبَ ثَوابَ الِاجْتِهادِ.
ورابِعُها: أنَّ العَبْدَ إذا لَمْ يَتَيَقَّنْ لَيْلَةَ القَدْرِ، فَإنَّهُ يَجْتَهِدُ في الطّاعَةِ في جَمِيعِ لَيالِي رَمَضانَ، عَلى رَجاءِ أنَّهُ رُبَّما كانَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ هي لَيْلَةَ القَدْرِ، فَيُباهِي اللَّهُ تَعالى بِهِمْ مَلائِكَتَهُ، ويَقُولُ: كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِيهِمْ يُفْسِدُونَ ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ. فَهَذا جِدُّهُ واجْتِهادُهُ في اللَّيْلَةِ المَظْنُونَةِ، فَكَيْفَ لَوْ جَعَلْتُها مَعْلُومَةً لَهُ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ سِرُّ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٣٠] .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هَلْ تَسْتَتْبِعُ اليَوْمَ ؟ قالَ الشَّعْبِيُّ: نَعَمْ يَوْمُها كَلَيْلَتِها، ولَعَلَّ الوَجْهَ فِيهِ أنَّ ذِكْرَ اللَّيالِي يَسْتَتْبِعُ الأيّامَ، ومِنهُ إذا نَذَرَ اعْتِكافَ لَيْلَتَيْنِ ألْزَمْناهُ بِيَوْمَيْهِما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفُرْقانِ: ٦٢] أيِ اليَوْمُ يَخْلُفُ لَيْلَتَهُ وبِالضِّدِّ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ هَلْ هي باقِيَةٌ ؟ قالَ الخَلِيلُ: مَن قالَ إنَّ فَضْلَها لِنُزُولِ القُرْآنِ فِيها يَقُولُ انْقَطَعَتْ وكانَتْ مَرَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها باقِيَةٌ، وعَلى هَذا هَلْ هي مُخْتَصَّةٌ بِرَمَضانَ أمْ لا ؟ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْها، وفَسَّرَها عِكْرِمَةُ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدُّخانِ: ٣] والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِرَمَضانَ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ وقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ فَوَجَبَ أنَّ تَكُونَ لَيْلَةُ القَدْرِ في رَمَضانَ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِها عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ، فَقالَ ابْنُ رَزِينٍ: لَيْلَةُ القَدْرِ هي اللَّيْلَةُ الأُولى مِن رَمَضانَ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: السّابِعَةَ عَشْرَةَ، وعَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: التّاسِعَةَ عَشْرَةَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقٍ: الحادِيَةُ والعِشْرُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الرّابِعَةُ والعِشْرُونَ، وقالَ أبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ: الخامِسَةُ والعِشْرُونَ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ: السّابِعَةُ والعِشْرُونَ، وقالَ بَعْضُهم: التّاسِعَةُ والعِشْرُونَ. أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّها اللَّيْلَةُ الأُولى [فَقَدْ] قالُوا: رَوى وهْبٌ أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ أُنْزِلَتْ في اللَّيْلَةِ الأُولى مِن رَمَضانَ والتَّوْراةَ لِسِتِّ لَيالٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ بَعْدَ صُحُفِ إبْراهِيمَ بِسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وأُنْزِلَ الزَّبُورُ عَلى داوُدَ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن رَمَضانَ بَعْدَ التَّوْراةِ بِخَمْسِمِائَةِ عامٍ وأُنْزِلَ الإنْجِيلُ عَلى عِيسى لِثَمانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ بَعْدَ الزَّبُورِ بِسِتِّمِائَةِ عامٍ وعِشْرِينَ عامًا، وكانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في كُلِّ لَيْلَةِ قَدْرٍ مِنَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ بِهِ مِن بَيْتِ العِزَّةِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى سَماءِ الدُّنْيا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى القُرْآنَ في عِشْرِينَ شَهْرًا في عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمّا كانَ هَذا الشَّهْرُ هو الشَّهْرَ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الخَيْراتُ العَظِيمَةُ، لا جَرَمَ كانَ في غايَةِ الشَّرَفِ والقَدْرِ والرُّتْبَةِ فَكانَتِ اللَّيْلَةُ الأُولى مِنهُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وأمّا الحَسَنُ البَصْرِيُّ فَإنَّهُ قالَ: هي لَيْلَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ، لِأنَّها لَيْلَةٌ كانَتْ صَبِيحَتُها وقْعَةَ بَدْرٍ، وأمّا التّاسِعَةَ
صفحة ٣٠
عَشْرَةَ فَقَدْ رَوى أنَسٌ فِيها خَبَرًا، وأمّا لَيْلَةُ السّابِعِ والعِشْرِينَ فَقَدْ مالَ الشّافِعِيُّ إلَيْهِ لِحَدِيثِ الماءِ والطِّينِ، والَّذِي عَلَيْهِ المُعْظَمُ أنَّها لَيْلَةُ السّابِعِ والعِشْرِينَ، وذَكَرُوا فِيهِ أماراتٍ ضَعِيفَةً:
أحَدُها: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السُّورَةَ ثَلاثُونَ كَلِمَةً، وقَوْلُهُ: ”هي“ هي السّابِعَةُ والعِشْرُونَ مِنها.
وثانِيها: رُوِيَ أنَّ عُمَرَ سَألَ الصَّحابَةَ ثُمَّ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: غُصْ يا غَوّاصُ فَقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: أحْضَرْتَ أوْلادَ المُهاجِرِينَ وما أحْضَرْتَ أوْلادَنا. فَقالَ عُمَرُ: لَعَلَّكَ تَقُولُ: إنَّ هَذا غُلامٌ، ولَكِنَّ عِنْدَهُ ما لَيْسَ عِنْدَكم. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبُّ الأعْدادِ إلى اللَّهِ تَعالى الوِتْرُ وأحَبُّ الوِتْرِ إلَيْهِ السَّبْعَةُ، فَذَكَرَ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرَضِينَ السَّبْعَ والأُسْبُوعَ ودَرَكاتِ النّارِ وعَدَدَ الطَّوافِ والأعْضاءَ السَّبْعَةَ، فَدَلَّ عَلى أنَّها السّابِعَةُ والعِشْرُونَ.
وثالِثُها: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: ﴿لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ تِسْعَةُ أحْرُفٍ، وهو مَذْكُورٌ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَتَكُونُ السّابِعَةَ والعِشْرِينَ.
ورابِعُها: أنَّهُ كانَ لِعُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ غُلامٌ، فَقالَ: يا مَوْلايَ إنَّ البَحْرَ يَعْذُبُ ماؤُهُ لَيْلَةً مِنَ الشَّهْرِ، قالَ: إذا كانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ فَأعْلِمْنِي فَإذا هي السّابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن رَمَضانَ. وأمّا مَن قالَ: إنَّها اللَّيْلَةُ الأخِيرَةُ قالَ: لِأنَّها هي اللَّيْلَةُ الَّتِي تَتِمُّ فِيها طاعاتُ هَذا الشَّهْرِ، بَلْ أوَّلُ رَمَضانَ كَآدَمَ وآخِرُهُ كَمُحَمَّدٍ، ولِذَلِكَ رُوِيَ في الحَدِيثِ، يُعْتَقُ في آخِرِ رَمَضانَ بِعَدَدِ ما أُعْتِقَ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، بَلِ اللَّيْلَةُ الأُولى كَمَن وُلِدَ لَهُ ذَكَرٌ، فَهي لَيْلَةُ شُكْرٍ، والأخِيرَةُ لَيْلَةُ الفِراقِ، كَمَن ماتَ لَهُ ولَدٌ، فَهي لَيْلَةُ صَبْرٍ، وقَدْ عَلِمْتَ فَرْقَ ما بَيْنَ الصَّبْرِ والشُّكْرِ.
القدر 97:3
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ يَعْنِي ولَمْ تَبْلُغْ دِرايَتُكَ غايَةَ فَضْلِها ومُنْتَهى عُلُوِّ قَدْرِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فَضِيلَتَها مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ العِبادَةَ فِيها ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ لَيْسَ فِيها هَذِهِ اللَّيْلَةُ، لِأنَّهُ كالمُسْتَحِيلِ أنْ يُقالَ إنَّها: ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ فِيها هَذِهِ اللَّيْلَةُ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِما يَزِيدُ اللَّهُ فِيها مِنَ المَنافِعِ والأرْزاقِ وأنْواعِ الخَيْرِ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتّى يُصْبِحَ ثُمَّ يُجاهِدُ حَتّى يُمْسِيَ فَعَلَ ذَلِكَ ألْفَ شَهْرٍ، فَتَعَجَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، أيْ لَيْلَةُ القَدْرِ لِأُمَّتِكَ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ لِذَلِكَ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي حَمَلَ السِّلاحَ ألْفَ شَهْرٍ.
وثالِثُها: قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: أُرِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعْمارَ النّاسِ، فاسْتَقْصَرَ أعْمارَ أُمَّتِهِ، وخافَ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ الأعْمالِ مِثْلَ ما بَلَغَهُ سائِرُ الأُمَمِ، فَأعْطاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ وهي خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ لِسائِرِ الأُمَمِ.
ورابِعُها: رَوى القاسِمُ بْنُ فَضْلٍ «عَنْ عِيسى بْنِ مازِنٍ، قالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ يا مُسَوِّدَ وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ عَمَدْتَ إلى هَذا الرَّجُلِ فَبايَعْتَ لَهُ يَعْنِي مُعاوِيَةَ، فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، رَأى في مَنامِهِ بَنِي أُمَيَّةَ يَطَئُونَ مِنبَرَهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وفي رِوايَةٍ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ»، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ يَعْنِي مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ، قالَ القاسِمُ: فَحَسَبْنا مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإذا هو ألْفُ شَهْرٍ.
طَعَنَ القاضِي في هَذِهِ الوُجُوهِ فَقالَ: ما ذُكِرَ مِن ﴿ألْفِ شَهْرٍ﴾ في أيّامِ بَنِي أُمَيَّةَ بَعِيدٌ، لِأنَّهُ تَعالى لا يَذْكُرُ فَضْلَها بِذِكْرِ ألْفِ شَهْرٍ مَذْمُومَةٍ، وأيّامُ بَنِي أُمَيَّةَ كانَتْ مَذْمُومَةً.
صفحة ٣١
واعْلَمْ أنَّ هَذا الطَّعْنَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ أيّامَ بَنِي أُمَيَّةَ كانَتْ أيّامًا عَظِيمَةً بِحَسَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَقُولَ اللَّهُ: إنِّي أعْطَيْتُكَ لَيْلَةً هي في السَّعاداتِ الدِّينِيَّةِ أفْضَلُ مِن تِلْكَ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ فِيها بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ وفِيها تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ، أمّا البِشارَةُ فَهي أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ خَيْرٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ الخَيْرِيَّةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَمُبارَزَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ [العامِرِيِّ ] أفْضَلُ مِن عَمَلِ أُمَّتِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَمْ يَقُلْ: مِثْلُ عَمَلِهِ بَلْ قالَ: أفْضَلُ كَأنَّهُ يَقُولُ: حَسْبُكَ هَذا مِنَ الوَزْنِ والباقِي جُزافٌ.
واعْلَمْ أنَّ مَن أحْياها فَكَأنَّما عَبَدَ اللَّهَ تَعالى نَيِّفًا وثَمانِينَ سَنَةً، ومَن أحْياها كُلَّ سَنَةٍ فَكَأنَّهُ رُزِقَ أعْمارًا كَثِيرَةً، ومَن أحْيا الشَّهْرَ لِيَنالَها بِيَقِينٍ فَكَأنَّهُ أحْيا ثَلاثِينَ قَدْرًا، يُرْوى أنَّهُ يُجاءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالإسْرائِيلِيِّ الَّذِي عَبَدَ اللَّهَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، ويُجاءُ بِرَجُلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَدْ عَبَدَ اللَّهَ أرْبَعِينَ سَنَةً فَيَكُونُ ثَوابُهُ أكْثَرَ، فَيَقُولُ الإسْرائِيلِيُّ: أنْتَ العَدْلُ، وأرى ثَوابَهُ أكْثَرَ، فَيَقُولُ: لِأنَّكم كُنْتُمْ تَخافُونَ العُقُوبَةَ المُعَجَّلَةَ فَتَعْبُدُونَ، وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ كانُوا آمِنِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنْفالِ: ٣٣] ثُمَّ إنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَتْ عِبادَتُهم أكْثَرَ ثَوابًا، وأمّا التَّهْدِيدُ فَهو أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَ صاحِبَ الكَبِيرَةِ بِالدُّخُولِ في النّارِ، وإنَّ إحْياءَ مِائَةِ لَيْلَةٍ مِنَ القَدْرِ لا يُخَلِّصُهُ عَنْ ذَلِكَ العَذابِ المُسْتَحَقِّ بِتَطْفِيفِ حَبَّةٍ واحِدَةٍ، فَلِهَذا فِيهِ إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ حالِ الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أجْرُكَ عَلى قَدْرِ نَصَبِكَ» “ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الطّاعَةَ في ألْفِ شَهْرٍ أشَقُّ مِنَ الطّاعَةِ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ اسْتِواؤُهُما ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الفِعْلَ الواحِدَ قَدْ يَخْتَلِفُ حالُهُ في الحُسْنِ والقُبْحِ بِسَبَبِ اخْتِلافِ الوُجُوهِ المُنْضَمَّةِ إلَيْهِ، ألا تَرى أنَّ صَلاةَ الجَماعَةِ تَفْضُلُ عَلى صَلاةِ الفَذِّ بِكَذا دَرَجَةٍ، مَعَ أنَّ الصُّورَةَ قَدْ تُنْتَقَضُ فَإنَّ المَسْبُوقَ سَقَطَتْ عَنْهُ رَكْعَةٌ واحِدَةٌ، وأيْضًا فَأنْتَ تَقُولُ لِمَن يُرْجَمُ: إنَّهُ إنَّما يُرْجَمُ لِأنَّهُ زانٍ فَهو قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَوْ قُلْتَهُ لِلنَّصْرانِيِّ فَقَذْفٌ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ، ولَوْ قُلْتَهُ لِلْمُحْصَنِ فَهو يُوجِبُ الحَدَّ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الأحْكامُ في هَذِهِ المَواضِعِ مَعَ أنَّ الصُّورَةَ واحِدَةٌ في الكُلِّ، بَلْ لَوْ قُلْتَهُ في حَقِّ عائِشَةَ كانَ كُفْرًا، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النُّورِ: ١٥] وذَلِكَ لِأنَّ هَذا طَعْنٌ في حَقِّ عائِشَةَ الَّتِي كانَتْ رُحْلَةً في العِلْمِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«خُذُوا ثُلُثَيْ دِينِكم مِن هَذِهِ الحُمَيْراءِ» “ وطَعْنٌ في صَفْوانَ مَعَ أنَّهُ كانَ رَجُلًا بَدْرِيًّا، وطَعْنٌ في كافَّةِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّها أُمُّ المُؤْمِنِينَ، ولِلْوَلَدِ حَقُّ المُطالَبَةِ بِقَذْفِ الأُمِّ وإنْ كانَ كافِرًا، بَلْ طَعْنٌ في النَّبِيِّ الَّذِي كانَ أشَدَّ خَلْقِ اللَّهِ غَيْرَةً، بَلْ طَعْنٌ في حِكْمَةِ اللَّهِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ حَتّى يَتَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ زانِيَةٍ، ثُمَّ القائِلُ بِقَوْلِهِ: هَذا زانٍ، فَقَدْ ظَنَّ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ سَهْلَةٌ مَعَ أنَّها أثْقَلُ مِنَ الجِبالِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذا أنَّ الأفْعالَ تَخْتَلِفُ آثارُها في الثَّوابِ والعِقابِ لِاخْتِلافِ وُجُوهِها، فَلا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الطّاعَةُ القَلِيلَةُ في الصُّورَةِ مُساوِيَةً في الثَّوابِ لِلطّاعاتِ الكَثِيرَةِ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ مَقْصُودَ الحَكِيمِ سُبْحانَهُ أنْ يَجُرَّ الخَلْقَ إلى الطّاعاتِ فَتارَةً يَجْعَلُ ثَمَنَ الطّاعَةِ ضِعْفَيْنِ، فَقالَ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْحِ: ٥، ٦] ومَرَّةً عَشْرًا، ومَرَّةً سَبْعَمِائَةٍ، وتارَةً بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ، وتارَةً بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ، والمَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ الكُلِّ جَرُّ المُكَلَّفِ إلى الطّاعَةِ وصَرْفُهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، فَتارَةً يُرَجِّحُ البَيْتَ وزَمْزَمَ عَلى سائِرِ البِلادِ، وتارَةً يُفَضِّلُ رَمَضانَ عَلى سائِرِ الشُّهُورِ، وتارَةً
صفحة ٣٢
يُفَضِّلُ الجُمُعَةَ عَلى سائِرِ الأيّامِ، وتارَةً يُفَضِّلُ لَيْلَةَ القَدْرِ عَلى سائِرِ اللَّيالِي، والمَقْصُودُ ما ذَكَرْناهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: مِن فَضائِلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ.
القدر 97:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ نَظَرَ المَلائِكَةِ عَلى الأرْواحِ، ونَظَرَ البَشَرِ عَلى الأشْباحِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا رَأوْا رُوحَكَ مَحَلًّا لِلصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ ما قَبِلُوكَ. فَقالُوا: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ، وأبَواكَ لَمّا رَأوْا قُبْحَ صُورَتِكَ في أوَّلِ الأمْرِ حِينَ كُنْتَ مَنِيًّا وعَلَقَةً ما قَبِلُوكَ أيْضًا، بَلْ أظْهَرُوا النُّفْرَةَ، واسْتَقْذَرُوا ذَلِكَ المَنِيَّ والعَلَقَةَ، وغَسَلُوا ثِيابَهم عَنْهُ، ثُمَّ كَمِ احْتالُوا لِلْإسْقاطِ والإبْطالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاكَ الصُّورَةَ الحَسَنَةَ فالأبَوانِ لَمّا رَأوْا تِلْكَ الصُّورَةَ الحَسَنَةَ قَبِلُوكَ ومالُوا إلَيْكَ، فَكَذا المَلائِكَةُ لَمّا رَأوْا في رُوحِكَ الصُّورَةَ الحَسَنَةَ وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ وطاعَتُهُ أحَبُّوكَ فَنَزَلُوا إلَيْكَ مُعْتَذِرِينَ عَمّا قالُوهُ أوَّلًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ فَإذا نَزَلُوا إلَيْكَ رَأوْا رُوحَكَ في ظُلْمَةِ لَيْلِ البَدَنِ، وظُلْمَةِ القُوى الجُسْمانِيَّةِ فَحِينَئِذٍ يَعْتَذِرُونَ عَمّا تَقَدَّمَ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ نُزُولَ كُلِّ المَلائِكَةِ، ثُمَّ المَلائِكَةُ لَهم كَثْرَةٌ عَظِيمَةٌ لا تَحْتَمِلُ كُلَّهُمُ الأرْضُ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها تَنْزِلُ بِأسْرِها إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ الإشْكالُ بَعْدُ باقٍ لِأنَّ السَّماءَ مَمْلُوءَةٌ بِحَيْثُ لا تُوجَدُ فِيها مَوْضِعُ إهابٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ، فَكَيْفَ تَسَعُ الجَمِيعَ سَماءٌ واحِدَةٌ ؟ قُلْنا: يُقْضى بِعُمُومِ الكِتابِ عَلى خَبَرِ الواحِدِ، كَيْفَ والمَرْوِيُّ أنَّهم يَنْزِلُونَ فَوْجًا فَوْجًا فَمِن نازِلٍ وصاعِدٍ كَأهْلِ الحَجِّ فَإنَّهم عَلى كَثْرَتِهِمْ يَدْخُلُونَ الكَعْبَةَ بِالكُلِّيَّةِ لَكِنَّ النّاسَ بَيْنَ داخِلٍ وخارِجٍ، ولِهَذا السَّبَبِ مُدَّتْ إلى غايَةِ طُلُوعِ الفَجْرِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ: ”تَنَزَّلُ“ الَّذِي يُفِيدُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الأكْثَرِينَ أنَّهم يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ وهو الأوْجَهُ، لِأنَّ الغَرَضَ هو التَّرْغِيبُ في إحْياءِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولِأنَّهُ دَلَّتِ الأحادِيثُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ في سائِرِ الأيّامِ إلى مَجالِسِ الذِّكْرِ والدِّينِ، فَلِأنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِها أوْلى، ولِأنَّ النُّزُولَ المُطْلَقَ لا يُفِيدُ إلّا النُّزُولَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ مَن قالَ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: يَنْزِلُونَ لِيَرَوْا عِبادَةَ البَشَرِ وجِدَّهم واجْتِهادَهم في الطّاعَةِ.
وثانِيها: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مَرْيَمَ: ٦٤] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ النُّزُولِ فَلا يَدُلُّ عَلى غايَةِ المَحَبَّةِ.
﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾
وأمّا هَذِهِ الآيَةُ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوا أوَّلًا فَأُذِنُوا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ المَحَبَّةِ، لِأنَّهم كانُوا يَرْغَبُونَ إلَيْنا ويَتَمَنَّوْنَ لِقاءَنا. لَكِنْ كانُوا يَنْتَظِرُونَ الإذْنَ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٥] يُنافِي قَوْلَهُ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ قُلْنا: نَصْرِفُ الحالَتَيْنِ إلى زَمانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
صفحة ٣٣
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وعَدَ في الآخِرَةِ أنَّ المَلائِكَةَ: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣] فَهَهُنا في الدُّنْيا إنِ اشْتَغَلْتَ بِعِبادَتِي نَزَلَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْكَ حَتّى يَدْخُلُوا عَلَيْكَ لِلتَّسَلُّمِ والزِّيارَةِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أنَّهم يَنْزِلُونَ لِيُسَلِّمُوا عَلَيْنا ولِيَشْفَعُوا لَنا فَمَن أصابَتْهُ التَّسْلِيمَةُ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ“ .
ورابِعُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَضِيلَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ في الِاشْتِغالِ بِطاعَتِهِ في الأرْضِ فَهم يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ لِتَصِيرَ طاعاتُهم أكْثَرَ ثَوابًا، كَما أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ إلى مَكَّةَ لِتَصِيرَ طاعَتُهُ هُناكَ أكْثَرَ ثَوابًا، وكُلُّ ذَلِكَ تَرْغِيبٌ لِلْإنْسانِ في الطّاعَةِ.
وخامِسُها: أنَّ الإنْسانَ يَأْتِي بِالطّاعاتِ والخَيْراتِ عِنْدَ حُضُورِ الأكابِرِ مِنَ العُلَماءِ والزُّهّادِ أحْسَنَ مِمّا يَكُونُ في الخَلْوَةِ فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ حَتّى أنَّ المُكَلَّفَ يَعْلَمُ أنَّهُ إنَّما يَأْتِي بِالطّاعاتِ في حُضُورِ أُولَئِكَ العُلَماءِ العُبّادِ الزُّهّادِ فَيَكُونُ أتَمَّ وعَنِ النُّقْصانِ أبْعَدَ.
وسادِسُها: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن خَصَّ لَفْظَ المَلائِكَةِ بِبَعْضِ فِرَقِ المَلائِكَةِ، عَنْ كَعْبٍ أنَّ سِدْرَةَ المُنْتَهى عَلى حَدِّ السَّماءِ السّابِعَةِ مِمّا يَلِي الجَنَّةَ، فَهي عَلى حَدِّ هَواءِ الدُّنْيا وهَواءِ الآخِرَةِ، وساقُها في الجَنَّةِ وأغْصانُها تَحْتَ الكُرْسِيِّ فِيها مَلائِكَةٌ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ ومَقامُ جِبْرِيلَ في وسَطِها، لَيْسَ فِيها مَلَكٌ إلّا وقَدْ أعْطى الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْزِلُونَ مَعَ جِبْرِيلَ لَيْلَةَ القَدْرِ، فَلا تَبْقى بُقْعَةٌ مِنَ الأرْضِ إلّا وعَلَيْها مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ يَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وجِبْرِيلُ لا يَدَعُ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا صافَحَهم، وعَلامَةُ ذَلِكَ مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ ورَقَّ قَلْبُهُ ودَمَعَتْ عَيْناهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُصافَحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَن قالَ فِيها ثَلاثَ مَرّاتٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ غُفِرَ لَهُ بِواحِدَةٍ، ونَجّاهُ مِنَ النّارِ بِواحِدَةٍ، وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ بِواحِدَةٍ، وأوَّلُ مَن يَصْعَدُ جِبْرِيلُ حَتّى يَصِيرَ أمامَ الشَّمْسِ فَيَبْسُطُ جَناحَيْنِ أخْضَرَيْنِ لا يَنْشُرُهُما إلّا تِلْكَ السّاعَةَ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ ثُمَّ يَدْعُو مَلَكًا مَلَكًا، فَيَصْعَدُ الكُلُّ ويَجْتَمِعُ نُورُ المَلائِكَةِ ونُورُ جَناحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيُقِيمُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ بَيْنَ الشَّمْسِ وسَماءِ الدُّنْيا يَوْمَهم ذَلِكَ مَشْغُولِينَ بِالدُّعاءِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِغْفارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِمَن صامَ رَمَضانَ احْتِسابًا، فَإذا أمْسَوْا دَخَلُوا سَماءَ الدُّنْيا فَيَجْلِسُونَ حِلَقًا حِلَقًا فَتُجْمَعُ إلَيْهِمْ مَلائِكَةُ السَّماءِ فَيَسْألُونَهم عَنْ رَجُلٍ رَجُلٍ وعَنِ امْرَأةٍ امْرَأةٍ، حَتّى يَقُولُوا: ما فَعَلَ فُلانٌ وكَيْفَ وجَدْتُمُوهُ ؟ فَيَقُولُونَ: وجَدْناهُ عامَ أوَّلٍ مُتَعَبِّدًا، وفي هَذا العامِ مُبْتَدِعًا، وفُلانٌ كانَ عامَ أوَّلٍ مُبْتَدِعًا، وهَذا العامَ مُتَعَبِّدًا، فَيَكُفُّونَ عَنِ الدُّعاءِ لِلْأوَّلِ، ويَشْتَغِلُونَ بِالدُّعاءِ لِلثّانِي، ووَجَدْنا فُلانًا تالِيًا، وفُلانًا راكِعًا، وفُلانًا ساجِدًا، فَهم كَذَلِكَ يَوْمَهم ولَيْلَتَهم حَتّى يَصْعَدُوا السَّماءَ الثّانِيَةَ وهَكَذا يَفْعَلُونَ في كُلِّ سَماءٍ حَتّى يَنْتَهُوا إلى السِّدْرَةِ. فَتَقُولُ لَهُمُ السِّدْرَةُ: يا سُكّانِي حَدِّثُونِي عَنِ النّاسِ فَإنَّ لِي عَلَيْكم حَقًّا، وإنِّي أُحِبُّ مَن أحَبَّ اللَّهَ، فَذَكَرَ كَعْبٌ أنَّهم يَعُدُّونَ لَها الرَّجُلَ والمَرْأةَ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ، ثُمَّ يَصِلُ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى الجَنَّةِ، فَتَقُولُ الجَنَّةُ: اللَّهُمَّ عِجِّلْهم إلَيَّ، والمَلائِكَةُ، وأهْلُ السِّدْرَةِ يَقُولُونَ: آمِينَ آمِينَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ، كُلَّما كانَ الجَمْعُ أعْظَمَ، كانَ نُزُولُ الرَّحْمَةِ هُناكَ أكْثَرَ، ولِذَلِكَ فَإنَّ أعْظَمَ الجُمُوعِ في مَوْثِقِ الحَجِّ، لا جَرَمَ كانَ نُزُولُ الرَّحْمَةِ هُناكَ أكْثَرَ، فَكَذا في لَيْلَةِ القَدْرِ يَحْصُلُ مَجْمَعُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فَلا جَرَمَ كانَ نُزُولُ الرَّحْمَةِ أكْثَرَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في الرُّوحِ أقْوالًا:
أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ عَظِيمٌ، لَوِ التَقَمَ السَّماواتِ والأرَضِينَ كانَ ذَلِكَ لَهُ لُقْمَةً واحِدَةً.
وثانِيها: طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ إلّا لَيْلَةَ القَدْرِ، كالزُّهّادِ الَّذِينَ لا نَراهم إلّا يَوْمَ العِيدِ.
وثالِثُها: خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَأْكُلُونَ ويَلْبَسُونَ لَيْسُوا مِنَ المَلائِكَةِ، ولا مِنَ الإنْسِ، ولَعَلَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ.
ورابِعُها: يُحْتَمَلُ أنَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ اسْمُهُ، ثُمَّ إنَّهُ يَنْزِلُ في مُواقَفَةِ المَلائِكَةِ لِيَطَّلِعَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ.
وخامِسُها: أنَّهُ القُرْآنُ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشُّورى: ٥٢] .
وسادِسُها: الرَّحْمَةُ
صفحة ٣٤
قُرِئَ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يُوسُفَ: ٨٧] بِالرَّفْعِ كَأنَّهُ تَعالى، يَقُولُ: المَلائِكَةُ يَنْزِلُونَ ورَحْمَتِي تَنْزِلُ في أثَرِهِمْ فَيَجِدُونَ سَعادَةَ الدُّنْيا وسَعادَةَ الآخِرَةِ.
وسابِعُها: الرُّوحُ أشْرَفُ المَلائِكَةِ.
وثامِنُها: عَنْ أبِي نَجِيحٍ: الرُّوحُ هُمُ الحَفَظَةُ والكِرامُ الكاتِبُونَ فَصاحِبُ اليَمِينِ يَكْتُبُ إتْيانَهُ بِالواجِبِ، وصاحِبُ الشِّمالِ يَكْتُبُ تَرْكَهُ لِلْقَبِيحِ، والأصَحُّ أنَّ الرُّوحَ هَهُنا جِبْرِيلُ. وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ شَرَفِهِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: المَلائِكَةُ في كِفَّةٍ والرُّوحُ في كِفَّةٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُشْتاقِينَ إلَيْنا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَرْغَبُونَ إلَيْنا مَعَ عِلْمِهِمْ بِكَثْرَةِ مَعاصِينا ؟ قُلْنا: إنَّهم لا يَقِفُونَ عَلى تَفْصِيلِ المَعاصِي رُوِيَ أنَّهم يُطالِعُونَ اللَّوْحَ، فَيَرَوْنَ فِيهِ طاعَةَ المُكَلَّفِ مُفَصَّلَةً، فَإذا وصَلُوا إلى مَعاصِيهِ أُرْخِيَ السِّتْرُ فَلا تَرَوْنَها، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ: سُبْحانَ مَن أظْهَرَ الجَمِيلَ، وسَتَرَ عَلى القَبِيحِ، ثُمَّ قَدْ ذَكَرْنا فَوائِدَ في نُزُولِهِمْ ونَذْكُرُ الآنَ فَوائِدَ أُخْرى وحاصِلُها أنَّهم يَرَوْنَ في الأرْضِ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ أشْياءَ ما رَأوْها في عالَمِ السَّماواتِ:
أحَدُها: أنَّ الأغْنِياءَ يَجِيئُونَ بِالطَّعامِ مِن بُيُوتِهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ ضِيافَةً لِلْفُقَراءِ والفُقَراءُ يَأْكُلُونَ طَعامَ الأغْنِياءِ ويَعْبُدُونَ اللَّهَ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ الطّاعَةِ لا يُوجَدُ في السَّماواتِ.
وثانِيها: أنَّهم يَسْمَعُونَ أنِينَ العُصاةِ وهَذا لا يُوجَدُ في السَّماواتِ.
وثالِثُها: «أنَّهُ تَعالى قالَ: ”لَأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلَيَّ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ» “ فَقالُوا: تَعالَوْا نَذْهَبْ إلى الأرْضِ فَنَسْمَعْ صَوْتًا هو أحَبُّ إلى رَبِّنا مِن صَوْتِ تَسْبِيحِنا، وكَيْفَ لا يَكُونُ أحَبَّ وزَجَلُ المُسَبِّحِينَ إظْهارٌ لِكَمالِ حالِ المُطِيعِينَ، وأنِينُ العُصاةِ إظْهارٌ لِغَفّارِيَّةِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ [وهَذِهِ هي المَسْألَةُ الأُولى] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى عِصْمَةِ المَلائِكَةِ ونَظِيرُها قَوْلُهُ: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] وفِيها دَقِيقَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: مَأْذُونِينَ بَلْ قالَ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يَتَصَرَّفُونَ تَصَرُّفًا ما إلّا بِإذْنِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ إنْ خَرَجْتِ إلّا بِإذْنِي، فَإنَّهُ يُعْتَبَرُ الإذْنُ في كُلِّ خَرْجَةٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّهِمْ﴾ يُفِيدُ تَعْظِيمًا لِلْمَلائِكَةِ وتَحْقِيرًا لِلْعُصاةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كانُوا لِي فَكُنْتُ لَهم، ونَظِيرُهُ في حَقِّنا: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [يُونُسَ: ٣] وقالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ [ص: ٧١] ونَظِيرُهُ ما رُوِيَ أنَّ داوُدَ لَمّا مَرِضَ مَرَضَ المَوْتِ قالَ: إلَهِي كُنْ لِسُلَيْمانَ كَما كُنْتَ لِي، فَنَزَلَ الوَحْيُ وقالَ: قُلْ لِسُلَيْمانَ فَلْيَكُنْ لِي كَما كُنْتَ لِي، ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ فَقَدَ الضَّيْفَ أيّامًا فَخَرَجَ بِالسُّفْرَةِ لِيَلْتَمِسَ ضَيْفًا فَإذا بِخَيْمَةٍ، فَنادى أتُرِيدُونَ الضَّيْفَ ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ لِلْمُضِيفِ: أيُوجَدُ عِنْدَكَ إدامُ لَبَنٍ أوْ عَسَلٍ ؟ فَرَفَعَ الرَّجُلُ صَخْرَتَيْنِ فَضَرَبَ إحْداهُما بِالأُخْرى فانْشَقّا فَخَرَجَ مِن إحْداهُما اللَّبَنُ ومِنَ الأُخْرى العَسَلُ، فَتَعَجَّبَ إبْراهِيمُ وقالَ: إلَهِي أنا خَلِيلُكَ ولَمْ أجِدْ مِثْلَ ذَلِكَ الإكْرامِ، فَما لَهُ ؟ فَنَزَلَ الوَحْيُ يا خَلِيلِي كانَ لَنا فَكُنّا لَهُ.
* *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ فَمَعْناهُ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ، والمَعْنى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم إنَّما نَزَلَ لِمُهِمٍّ آخَرَ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا في أشْغالٍ كَثِيرَةٍ فَبَعْضُهم لِلرُّكُوعِ وبَعْضُهم لِلسُّجُودِ، وبَعْضُهم بِالدُّعاءِ، وكَذا القَوْلُ في التَّفَكُّرِ والتَّعْلِيمِ، وإبْلاغِ الوَحْيِ، وبَعْضُهم لِإدْراكِ فَضِيلَةِ اللَّيْلَةِ أوْ لِيُسَلِّمُوا عَلى المُؤْمِنِينَ.
وثانِيها: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ قُدِّرَ في تِلْكَ السَّنَةِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُزُولَهم إنَّما كانَ عِبادَةً، فَكَأنَّهم قالُوا: ما نَزَلْنا إلى الأرْضِ لِهَوى أنْفُسِنا، لَكِنْ لِأجْلِ كُلِّ أمْرٍ فِيهِ مَصْلَحَةُ المُكَلَّفِينَ، وعَمَّ لَفْظُ الأمْرِ لِيَعُمَّ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَيانًا مِنهُ أنَّهم يَنْزِلُونَ بِما هو صَلاحُ المُكَلَّفِ في دِينِهِ ودُنْياهُ كَأنَّ السّائِلَ يَقُولُ: مِن أيْنَ جِئْتَ ؟ فَيَقُولُ: ما لَكَ وهَذا الفُضُولُ، ولَكِنْ قُلْ: لِأيِّ أمْرٍ جِئْتَ لِأنَّهُ حَظُّكَ.
وثالِثُها: قَرَأ بَعْضُهم: ”مِن كُلِّ امْرِئٍ“ أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، ورُوِيَ أنَّهم لا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةً إلّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ، قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ تُقَسَّمُ الآجالُ والأرْزاقُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، والآنَ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَيْلَةَ القَدْرِ ؟ قُلْنا: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ المَقادِيرَ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، فَإذا كانَ لَيْلَةُ القَدْرِ يُسَلِّمُها إلى أرْبابِها» “ وقِيلَ: يُقَدِّرُ لَيْلَةَ البَراءَةِ الآجالَ والأرْزاقَ، ولَيْلَةَ القَدْرِ يُقَدِّرُ الأُمُورَ الَّتِي فِيها الخَيْرُ والبَرَكَةُ والسَّلامَةُ، وقِيلَ: يُقَدِّرُ في لَيْلَةِ القَدْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ إعْزازُ الدِّينِ، وما فِيهِ النَّفْعُ العَظِيمُ لِلْمُسْلِمِينَ، وأمّا لَيْلَةَ البَراءَةِ فَيُكْتَبُ فِيها أسْماءُ مَن يَمُوتُ ويُسَلَّمُ إلى مَلَكِ المَوْتِ.
القدر 97:5
الوَجْهُ الثّالِثُ: مِن فَضائِلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ ﴿سَلامٌ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ سَلامٌ أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى المُطِيعِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ فَوْجًا فَوْجًا مِنِ ابْتِداءِ اللَّيْلِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ فَتَرادَفَ النُّزُولُ لِكَثْرَةِ السَّلامِ.
وثانِيها: وُصِفَتِ اللَّيْلَةُ بِأنَّها سَلامٌ، ثُمَّ يَجِبُ أنْ لا يُسْتَحْقَرَ هَذا السَّلامُ لِأنَّ سَبْعَةً مِنَ المَلائِكَةِ سَلَّمُوا عَلى الخَلِيلِ في قِصَّةِ العِجْلِ الحَنِيذِ، فازْدادَ فَرَحُهُ بِذَلِكَ عَلى فَرَحِهِ بِمُلْكِ الدُّنْيا، بَلِ الخَلِيلُ لَمّا سَلَّمَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِ صارَ نارُ نُمْرُوذَ عَلَيْهِ ﴿بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٦٩] أفَلا تَصِيرُ نارُهُ تَعالى بِبَرَكَةِ تَسْلِيمِ المَلائِكَةِ عَلَيْنا بَرْدًا وسَلامًا لَكِنَّ ضِيافَةَ الخَلِيلِ لَهم كانَتْ عِجْلًا مَشْوِيًّا وهم يُرِيدُونَ مِنّا قَلْبًا مَشْوِيًّا، بَلْ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي إظْهارُ فَضْلِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإنَّ هُناكَ المَلائِكَةَ، نَزَلُوا عَلى الخَلِيلِ، وهَهُنا نَزَلُوا عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وثالِثُها: أنَّهُ سَلامٌ مِنَ الشُّرُورِ والآفاتِ، أيْ سَلامَةٌ وهَذا كَما يُقالُ: إنَّما فُلانٌ حَجٌّ وغَزْوٌ أيْ هو أبَدًا مَشْغُولٌ بِهِما، ومِثْلُهُ:
فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
وقالُوا: تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ في لَيْلَةِ القَدْرِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ ولا يَنْزِلُ فِيها مِن تَقْدِيرِ المَضارِّ شَيْءٌ، فَما يَنْزِلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَهو سَلامٌ، أيْ سَلامَةٌ ونَفْعٌ وخَيْرٌ.
ورابِعُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: سَلامٌ أيِ اللَّيْلَةُ سالِمَةٌ عَنِ الرِّياحِ والأذى والصَّواعِقِ إلى ما شابَهَ ذَلِكَ.
وخامِسُها: سَلامٌ لا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطانُ فِيها سُوءًا.
وسادِسُها:
صفحة ٣٦
أنَّ الوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ سَلامٌ﴾ فَيَتَّصِلُ السَّلامُ بِما قَبْلَهُ ومَعْناهُ أنَّ تَقْدِيرَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ والسَّلامَةِ يَدُومُ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ.
وسابِعُها: أنَّها مِن أوَّلِها إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ سالِمَةٌ في أنَّ العِبادَةَ في كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَتْ كَسائِرِ اللَّيالِي في أنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْفَرْضِ الثُّلُثُ الأوَّلُ ولِلْعِبادَةِ النِّصْفُ ولِلدُّعاءِ السَّحَرُ بَلْ هي مُتَساوِيَةُ الأوْقاتِ والأجْزاءِ.
وثامِنُها: سَلامٌ هي، أيْ جَنَّةٌ هي لِأنَّ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ دارَ السَّلامِ؛ أيِ الجَنَّةُ المَصُوغَةُ مِنَ السَّلامَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَطْلَعُ الطُّلُوعُ يُقالُ: طَلَعَ الفَجْرُ طُلُوعًا ومَطْلَعًا، والمَعْنى أنَّهُ يَدُومُ ذَلِكَ السَّلامُ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومَن قَرَأ بِكَسْرِ اللّامِ فَهو اسْمٌ لِوَقْتِ الطُّلُوعِ وكَذا مَكانُ الطُّلُوعِ مَطْلَعٌ قالَهُ الزَّجّاجُ، أمّا أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما فَإنَّهُمُ اخْتارُوا فَتْحَ اللّامِ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَصْدَرِ، وقالُوا: الكَسْرُ اسْمٌ نَحْوَ المَشْرِقِ ولا مَعْنى لِاسْمِ مَوْضِعِ الطُّلُوعِ هَهُنا بَلْ إنْ حُمِلَ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِنَ اسْمِ وقْتِ الطُّلُوعِ صَحَّ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْضًا، لِأنَّ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عَلى المَفْعِلِ ما قَدْ كُسِرَ كَقَوْلِهِمْ: عَلاءُ المَكْبِرِ والمَعْجِزِ، قَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٢] فَكَذَلِكَ كَسْرُ المَطْلِعِ جاءَ شاذًّا عَمًّا عَلَيْهِ بابُهُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.