Lafzullah

Tafsir Al-Razi — البينة 98:1 – التكاثر 102:8

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. البينة 98:1
  2. البينة 98:2
  3. البينة 98:3
  4. البينة 98:4
  5. البينة 98:5
  6. البينة 98:6
  7. البينة 98:7
  8. البينة 98:8
  9. الزلزلة 99:1
  10. الزلزلة 99:2
  11. الزلزلة 99:3
  12. الزلزلة 99:4
  13. الزلزلة 99:5
  14. الزلزلة 99:6
  15. الزلزلة 99:7
  16. الزلزلة 99:8
  17. العاديات 100:1
  18. العاديات 100:2
  19. العاديات 100:3
  20. العاديات 100:4
  21. العاديات 100:5
  22. العاديات 100:6
  23. العاديات 100:7
  24. العاديات 100:8
  25. العاديات 100:9
  26. العاديات 100:10
  27. العاديات 100:11
  28. القارعة 101:1
  29. القارعة 101:2
  30. القارعة 101:3
  31. القارعة 101:4
  32. القارعة 101:5
  33. القارعة 101:6
  34. القارعة 101:7
  35. القارعة 101:8
  36. القارعة 101:9
  37. القارعة 101:10
  38. القارعة 101:11
  39. التكاثر 102:1
  40. التكاثر 102:2
  41. التكاثر 102:3
  42. التكاثر 102:4
  43. التكاثر 102:5
  44. التكاثر 102:6
  45. التكاثر 102:7
  46. التكاثر 102:8

البينة 98:1

صفحة ٣٧ [ سُورَةُ البَيِّنَةِ ] وهِيَ ثَمانِ آياتٍ مَدَنِيَّةٌ ﷽ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﷽ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لَمْ يُلَخِّصْ كَيْفِيَّةَ الإشْكالِ فِيها وأنا أقُولُ: وجْهُ الإشْكالِ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ”لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ“ الَّتِي هي الرَّسُولُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أنَّهم مُنْفَكُّونَ عَنْ ماذا لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ، إذِ المُرادُ هو الكُفْرُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي هي الرَّسُولُ، ثُمَّ إنَّ كَلِمَةَ حَتّى لِانْتِهاءِ الغايَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهم صارُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُفْرَهم قَدِ ازْدادَ عِنْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى والآيَةِ الثّانِيَةِ مُناقَضَةٌ في الظّاهِرِ، هَذا مُنْتَهى الإشْكالِ فِيما أظُنُّ. والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها وأحْسَنُها الوَجْهُ الَّذِي لَخَّصَهُ صاحِبُ الكَشّافِ: وهو أنَّ الكُفّارَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ أهْلِ الكِتابِ وعَبَدَةِ الأوْثانِ، كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ: لا نَنْفَكُّ عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ مِن دِينِنا، ولا نَتْرُكُهُ حَتّى صفحة ٣٨ يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى ما كانُوا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ، ونَظِيرُهُ في الكَلامِ أنْ يَقُولَ الفَقِيرُ الفاسِقُ لِمَن يَعِظُهُ: لَسْتُ أمْتَنِعُ مِمّا أنا فِيهِ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ حَتّى يَرْزُقَنِي اللَّهُ الغِنى، فَلَمّا رَزَقَهُ اللَّهُ الغِنى ازْدادَ فِسْقًا فَيَقُولُ واعِظُهُ: لَمْ تَكُنْ مُنْفَكًّا عَنِ الفِسْقِ حَتّى تُوسِرَ، وما غَمَسْتَ رَأْسَكَ في الفِسْقِ إلّا بَعْدَ اليَسارِ يُذَكِّرُهُ ما كانَ يَقُولُهُ تَوْبِيخًا وإلْزامًا، وحاصِلُ هَذا الجَوابِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ”لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ“ مَذْكُورَةٌ حِكايَةً عَنْهم، وقَوْلَهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هو إخْبارٌ عَنِ الواقِعِ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي وقَعَ كانَ عَلى خِلافِ ما ادَّعَوْا. وثانِيها: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ، لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وإنْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ الإشْكالُ هَكَذا ذَكَرَهُ القاضِي إلّا أنَّ تَفْسِيرَ لَفْظَةِ حَتّى بِهَذا لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ. وثالِثُها: أنّا لا نَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ عَلى الكُفْرِ بَلْ عَلى كَوْنِهِمْ مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ بِالمَناقِبِ والفَضائِلِ والمَعْنى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ بِالمَناقِبِ والفَضائِلِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أيْ حَتّى أتَتْهم، فاللَّفْظُ لَفْظُ المُضارِعِ ومَعْناهُ الماضِي، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] أيْ ما تَلَتْ، والمَعْنى أنَّهم ما كانُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مَناقِبِهِ، ثُمَّ لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ تَفَرَّقُوا فِيهِ، وقالَ كُلُّ واحِدٍ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ رَدِيًّا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٩] والقَوْلُ المُخْتارُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الأوَّلُ. وفِي الآيَةِ وجْهٌ رابِعٌ وهو أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الكُفّارِ أنَّهم ما كانُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ إلى وقْتِ مَجِيءِ الرَّسُولِ، وكَلِمَةُ ”حَتّى“ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحالُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلافِ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، والأمْرُ هَكَذا كانَ لِأنَّ ذَلِكَ المَجْمُوعَ ما بَقُوا عَلى الكُفْرِ بَلْ تَفَرَّقُوا فَمِنهم مَن صارَ مُؤْمِنًا، ومِنهم مَن صارَ كافِرًا، ولَمّا لَمْ يَبْقَ حالُ أُولَئِكَ الجَمْعِ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ كَما كانَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، كَفى ذَلِكَ في العَمَلِ بِمَدْلُولِ لَفْظِ حَتّى. وفِيها وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ مُنْفَكِّينَ عَنِ التَّرَدُّدِ في كُفْرِهِمْ بَلْ كانُوا جازِمِينَ بِهِ مُعْتَقِدِينَ حَقِيقَتَهُ، ثُمَّ زالَ ذَلِكَ الجَزْمُ بَعْدَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ، بَلْ بَقُوا شاكِّينَ مُتَحَيِّرِينَ في ذَلِكَ الدِّينِ وفي سائِرِ الأدْيانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٣] والمَعْنى أنَّ الدِّينَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ صارَ كَأنَّهُ اخْتَلَطَ بِلَحْمِهِمْ ودَمِهِمْ فاليَهُودِيُّ كانَ جازِمًا في يَهُودِيَّتِهِ وكَذا النَّصْرانِيُّ وعابِدُ الوَثَنِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اضْطَرَبَتِ الخَواطِرُ والأفْكارُ وتَشَكَّكَ كُلُّ أحَدٍ في دِينِهِ ومَذْهَبِهِ ومَقالَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ مُشْعِرٌ بِهَذا لِأنَّ انْفِكاكَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ هو انْفِصالُهُ عَنْهُ، فَمَعْناهُ أنَّ قُلُوبَهم ما خَلَتْ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ وما انْفَصَلَتْ عَنِ الجَزْمِ بِصِحَّتِها، ثُمَّ إنَّ بَعْدَ المَبْعَثِ لَمْ يَبْقَ الأمْرُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكُفّارُ كانُوا جِنْسَيْنِ: أحَدُهُما: أهْلُ الكِتابِ كَفِرَقِ اليَهُودِ والنَّصارى وكانُوا كُفّارًا بِإحْداثِهِمْ في دِينِهِمْ ما كَفَرُوا بِهِ كَقَوْلِهِمْ: ”عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ“ و”المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ“ وتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ ودِينَهُ. والثّانِي: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا لا يُنْسَبُونَ إلى كِتابٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الجِنْسَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى الإجْمالِ ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ الإجْمالَ بِالتَّفْصِيلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وهَهُنا سُؤالانِ: صفحة ٣٩ السُّؤالُ الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ أهْلَ الكِتابِ مِنهم كافِرٌ ومِنهم لَيْسَ بِكافِرٍ، وهَذا حَقٌّ، وأنَّ المُشْرِكِينَ مِنهم كافِرٌ ومِنهم لَيْسَ بِكافِرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لَيْسَ بِحَقٍّ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠] . وثانِيها: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَعْضُهم مِن أهْلِ الكِتابِ وبَعْضُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإدْخالُ كَلِمَةِ مِن لِهَذا السَّبَبِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْضًا وصْفًا لِأهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى مُثَلِّثَةٌ واليَهُودَ عامَّتُهم مُشَبِّهَةٌ، وهَذا كُلُّهُ شِرْكٌ، وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: جاءَنِي العُقَلاءُ والظُّرَفاءُ يُرِيدُ بِذَلِكَ قَوْمًا بِأعْيانِهِمْ يَصِفُهم بِالأمْرَيْنِ. وقالَ تَعالى: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٢] وهَذا وصْفٌ لِطائِفَةٍ واحِدَةٍ، وفي القُرْآنِ مِن هَذا البابِ كَثِيرٌ، وهو أنْ يُنْعَتَ قَوْمٌ بِنُعُوتٍ شَتّى، يُعْطَفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِواوِ العَطْفِ ويَكُونُ الكُلُّ وصْفًا لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ. السُّؤالُ الثّانِي: المَجُوسُ هَلْ يَدْخُلُونَ في أهْلِ الكِتابِ ؟ قُلْنا: ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّهم داخِلُونَ في أهْلِ الكِتابِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سَنُوَلِّيهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» “ وأنْكَرَهُ الآخَرُونَ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ مِنَ الكُفّارِ مَن كانَ في بِلادِ العَرَبِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنْعامِ: ١٥٦] والطّائِفَتانِ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ أهْلِ الكِتابِ في الكُفْرِ عَلى المُشْرِكِينَ ؟ حَيْثُ قالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ومَعَ هَذا فَفِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ فَكَأنَّ أهْلَ الكِتابِ هُمُ المَقْصُودُونَ بِالذِّكْرِ. وثانِيها: أنَّهم كانُوا عُلَماءَ بِالكُتُبِ فَكانَتْ قُدْرَتُهم عَلى مَعْرِفَةِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ أتَمَّ، فَكانَ إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ أقْبَحَ. وثالِثُها: أنَّهم لِكَوْنِهِمْ عُلَماءَ يَقْتَدِي غَيْرُهم بِهِمْ فَكانَ كُفْرُهم أصْلًا لِكُفْرِ غَيْرِهِمْ، فَلِهَذا قُدِّمُوا في الذِّكْرِ. ورابِعُها: أنَّهم لِكَوْنِهِمْ عُلَماءَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ فَقُدِّمُوا في الذِّكْرِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَقُلْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ؟ الجَوابُ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ عُلَماءَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي إمّا مَزِيدَ تَعْظِيمٍ، فَلا جَرَمَ ذُكِرُوا بِهَذا اللَّقَبِ دُونَ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ لِأنَّ كَوْنَهُ عالِمًا يَقْتَضِي مَزِيدَ قُبْحٍ في كُفْرِهِ، فَذُكِرُوا بِهَذا الوَصْفِ تَنْبِيهًا عَلى تِلْكَ الزِّيادَةِ مِنَ العِقابِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ فِيها أحْكامٌ تَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِأهْلِ الكِتابِ وبِالمُشْرِكِينَ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الكُلِّ واحِدًا في الكُفْرِ، فَمِن ذَلِكَ قالَ العُلَماءُ: الكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ، فالمُشْرِكُ يَرِثُ اليَهُودِيَّ وبِالعَكْسِ. والثّانِي: أنَّ العَطْفَ أوْجَبَ المُغايَرَةَ، فَلِذَلِكَ نَقُولُ: الذِّمِّيُّ لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ» “ فَأثْبَتَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الكِتابِيِّ والمُشْرِكِ. الثّالِثُ: نَبَّهَ بِذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاغْتِرارُ بِأهْلِ العِلْمِ إذْ قَدْ حَدَثَ في أهْلِ القُرْآنِ مِثْلُ ما حَدَثَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القَفّالُ: الِانْفِكاكُ هو انْفِراجُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ وأصْلُهُ مِنَ الفَكِّ وهو الفَتْحُ صفحة ٤٠ والزَّوالُ، ومِنهُ فَكَكْتُ الكِتابَ إذا أزَلْتُ خَتْمَهُ فَفَتَحْتُهُ، ومِنهُ فِكاكُ الرَّهْنِ وهو زَوالُ الِانْغِلاقِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ ألا تَرى أنَّ ضِدَّ قَوْلِهِ: انْفَكَّ الرَّهْنُ، ومِنهُ فِكاكُ الأسِيرِ وفَكُّهُ، فَثَبَتَ أنَّ انْفِكاكَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ هو أنْ يُزِيلَهُ بَعْدَ التِحامِهِ بِهِ، كالعَظْمِ إذا انْفَكَّ مِن مَفْصِلِهِ، والمَعْنى أنَّهم مُتَشَبِّثُونَ بِدِينِهِمْ تَشَبُّثًا قَوِيًّا لا يُزِيلُونَهُ إلّا عِنْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ، أمّا البَيِّنَةُ فَهي الحُجَّةُ الظّاهِرَةُ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ فَهي مِنَ البَيانِ أوِ البَيْنُونَةِ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، وفي المُرادِ مِنَ البَيِّنَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها هي الرَّسُولُ، ثُمَّ ذَكَرُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الرَّسُولُ بِالبَيِّنَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ ذاتَهُ كانَتْ بَيِّنَةً عَلى نُبُوَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ الجِدِّ في تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ومَن كانَ كَذّابًا مُتَصَنِّعًا فَإنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ الجِدُّ المُتَناهِي، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ صادِقًا أوْ مَعْتُوهًا. والثّانِي مَعْلُومُ البُطْلانِ لِأنَّهُ كانَ في غايَةِ كَمالِ العَقْلِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ كانَ صادِقًا. الثّانِي: أنَّ مَجْمُوعَ الأخْلاقِ الحاصِلَةِ فِيهِ كانَ بالِغًا إلى حَدِّ كَمالِ الإعْجازِ، والجاحِظُ قَرَّرَ هَذا المَعْنى، والغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصَرَهُ في كِتابِ المُنْقِذِ، فَإذًا لِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ سُمِّيَ هو في نَفْسِهِ بِأنَّهُ بَيِّنَةٌ. الثّالِثُ: أنَّ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَتْ في غايَةِ الظُّهُورِ وكانَتْ أيْضًا في غايَةِ الكَثْرَةِ فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ جُعِلَ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿سِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٦] . واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ البَيِّنَةِ هو الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فَهو رَفْعٌ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”رَسُولًا“ حالٌ مِنَ البَيِّنَةِ قالُوا: والألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿البَيِّنَةُ﴾ لِلتَّعْرِيفِ أيْ هو الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ مُوسى وعِيسى، أوْ يُقالُ: إنَّها لِلتَّفْخِيمِ أيْ هو ”البَيِّنَةُ“ الَّتِي لا مَزِيدَ عَلَيْها أوِ البَيِّنَةُ كُلُّ البَيِّنَةِ لِأنَّ التَّعْرِيفَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّفْخِيمِ وكَذا التَّنْكِيرُ وقَدْ جَمَعَهُما اللَّهُ هَهُنا في حَقِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَدَأ بِالتَّعْرِيفِ وهو لَفْظُ البَيِّنَةِ ثُمَّ ثَنّى بِالتَّنْكِيرِ فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ هو رَسُولٌ وأيُّ رَسُولٍ، ونَظِيرُهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الثَّناءِ عَلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البُرُوجِ: ١٥] ثُمَّ قالَ: ﴿فَعّالٌ﴾ فَنَكَّرَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ ﴿البَيِّنَةُ﴾ مُطْلَقُ الرُّسُلِ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ قالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيْ حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ تَتْلُو عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٣] وكَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المُدَّثِّرِ: ٥٢] . القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: (البَيِّنَةُ) هي القُرْآنُ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن مُضافٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: وتِلْكَ البَيِّنَةُ وحْيٌ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصُّحُفَ جَمْعُ صَحِيفَةٍ وهي ظَرْفٌ لِلْمَكْتُوبِ، وفي: (المُطَهَّرَةِ) وُجُوهٌ: أحَدُها: (مُطَهَّرَةً) عَنِ الباطِلِ وهي كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١٤] . وثانِيها: (مُطَهَّرَةً ) عَنِ الذِّكْرِ القَبِيحِ فَإنَّ القُرْآنَ يُذْكَرُ بِأحْسَنِ الذِّكْرِ ويُثْنى عَلَيْهِ أحْسَنَ الثَّناءِ. وثالِثُها: أنْ يُقالَ: (مُطَهَّرَةً) أيْ يَنْبَغِي أنْ لا يَمَسَّها إلّا المُطَهَّرُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٨] . صفحة ٤١ واعْلَمْ أنَّ المُطَهَّرَةَ وإنْ جَرَتْ نَعْتًا لِلصُّحُفِ في الظّاهِرِ فَهي نَعْتٌ لِما في الصُّحُفِ وهو القُرْآنُ وقَوْلُهُ: ﴿كُتُبٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (أحَدُهُما) المُرادُ مِنَ الكُتُبِ الآياتُ المَكْتُوبَةُ في الصُّحُفِ. والثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحُكْمِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢١] ومِنهُ حَدِيثُ العَسِيفِ: ”«لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ» “ أيْ بِحُكْمِ اللَّهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أيْ أحْكامٌ قَيِّمَةٌ أمّا القَيِّمَةُ فَفِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مُسْتَقِيمَةٌ لا عِوَجَ فِيها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ مِن قامَ يَقُومُ كالسَّيِّدِ والمَيِّتِ، وهو كَقَوْلِهِمْ: قامَ الدَّلِيلُ عَلى كَذا إذا ظَهَرَ واسْتَقامَ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ القَيِّمَةُ بِمَعْنى القائِمَةِ أيْ هي قائِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِالحُجَّةِ والدَّلالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: قامَ فُلانٌ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا أجْراهُ عَلى وجْهِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْقائِمِ بِأمْرِ القَوْمِ: القَيِّمُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نَسَبَ تِلاوَةَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ إلى الرَّسُولِ مَعَ أنَّهُ كانَ أُمِّيًّا ؟ قُلْنا: إذا تَلا مَثَلًا المَسْطُورَ في تِلْكَ الصُّحُفِ كانَ تالِيًا ما فِيها وقَدْ جاءَ في كِتابٍ مَنسُوبٍ إلى جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ مِنَ الكِتابِ، وإنْ كانَ لا يَكْتُبُ، ولَعَلَّ هَذا كانَ مِن مُعْجِزاتِهِ ﷺ . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أهْلَ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وهَهُنا ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ فَقَطْ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يُقَرُّوا عَلى دِينِهِمْ فَمَن آمَنَ فَهو المُرادُ ومَن لَمْ يُؤْمِن قُتِلَ، بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُقَرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ بِبَذْلِ الجِزْيَةِ. وثانِيها: أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا عالِمِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ أنَّهم وجَدُوها في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ مَعَ العِلْمِ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ النّاسَ تَفَرَّقُوا في الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ في أصْلابِ الآباءِ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، والجَوابُ: أنَّ هَذا رَكِيكٌ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ وإرادَتَهُ لَهُ حاصِلٌ في الأزَلِ، أمّا ظُهُورُهُ مِنَ المُكَلَّفِ فَإنَّما وقَعَ بَعْدَ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ والتَّفَرُّقَ فِعْلُهم لا أنَّهُ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ آتاهم ذَلِكَ فالخَيْرُ والتَّوْفِيقُ مُضافٌ إلى اللَّهِ، والشَّرُّ والتَّفَرُّقُ والكُفْرُ مُضافٌ إلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ أيْ: لا يَغُمَّنَّكَ تَفَرُّقُهم فَلَيْسَ ذَلِكَ لِقُصُورٍ في الحُجَّةِ بَلْ لِعِنادِهِمْ، فَسَلَفُهم هَكَذا كانُوا لَمْ يَتَفَرَّقُوا في السَّبْتِ وعِبادَةِ العِجْلِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ فَهي عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهم.

البينة 98:2

صفحة ٣٧ [ سُورَةُ البَيِّنَةِ ] وهِيَ ثَمانِ آياتٍ مَدَنِيَّةٌ ﷽ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﷽ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لَمْ يُلَخِّصْ كَيْفِيَّةَ الإشْكالِ فِيها وأنا أقُولُ: وجْهُ الإشْكالِ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ”لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ“ الَّتِي هي الرَّسُولُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أنَّهم مُنْفَكُّونَ عَنْ ماذا لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ، إذِ المُرادُ هو الكُفْرُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي هي الرَّسُولُ، ثُمَّ إنَّ كَلِمَةَ حَتّى لِانْتِهاءِ الغايَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهم صارُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُفْرَهم قَدِ ازْدادَ عِنْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى والآيَةِ الثّانِيَةِ مُناقَضَةٌ في الظّاهِرِ، هَذا مُنْتَهى الإشْكالِ فِيما أظُنُّ. والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها وأحْسَنُها الوَجْهُ الَّذِي لَخَّصَهُ صاحِبُ الكَشّافِ: وهو أنَّ الكُفّارَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ أهْلِ الكِتابِ وعَبَدَةِ الأوْثانِ، كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ: لا نَنْفَكُّ عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ مِن دِينِنا، ولا نَتْرُكُهُ حَتّى صفحة ٣٨ يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى ما كانُوا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ، ونَظِيرُهُ في الكَلامِ أنْ يَقُولَ الفَقِيرُ الفاسِقُ لِمَن يَعِظُهُ: لَسْتُ أمْتَنِعُ مِمّا أنا فِيهِ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ حَتّى يَرْزُقَنِي اللَّهُ الغِنى، فَلَمّا رَزَقَهُ اللَّهُ الغِنى ازْدادَ فِسْقًا فَيَقُولُ واعِظُهُ: لَمْ تَكُنْ مُنْفَكًّا عَنِ الفِسْقِ حَتّى تُوسِرَ، وما غَمَسْتَ رَأْسَكَ في الفِسْقِ إلّا بَعْدَ اليَسارِ يُذَكِّرُهُ ما كانَ يَقُولُهُ تَوْبِيخًا وإلْزامًا، وحاصِلُ هَذا الجَوابِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ”لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ“ مَذْكُورَةٌ حِكايَةً عَنْهم، وقَوْلَهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هو إخْبارٌ عَنِ الواقِعِ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي وقَعَ كانَ عَلى خِلافِ ما ادَّعَوْا. وثانِيها: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ، لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وإنْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ الإشْكالُ هَكَذا ذَكَرَهُ القاضِي إلّا أنَّ تَفْسِيرَ لَفْظَةِ حَتّى بِهَذا لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ. وثالِثُها: أنّا لا نَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ عَلى الكُفْرِ بَلْ عَلى كَوْنِهِمْ مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ بِالمَناقِبِ والفَضائِلِ والمَعْنى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ بِالمَناقِبِ والفَضائِلِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أيْ حَتّى أتَتْهم، فاللَّفْظُ لَفْظُ المُضارِعِ ومَعْناهُ الماضِي، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] أيْ ما تَلَتْ، والمَعْنى أنَّهم ما كانُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مَناقِبِهِ، ثُمَّ لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ تَفَرَّقُوا فِيهِ، وقالَ كُلُّ واحِدٍ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ رَدِيًّا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٩] والقَوْلُ المُخْتارُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الأوَّلُ. وفِي الآيَةِ وجْهٌ رابِعٌ وهو أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الكُفّارِ أنَّهم ما كانُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ إلى وقْتِ مَجِيءِ الرَّسُولِ، وكَلِمَةُ ”حَتّى“ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحالُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلافِ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، والأمْرُ هَكَذا كانَ لِأنَّ ذَلِكَ المَجْمُوعَ ما بَقُوا عَلى الكُفْرِ بَلْ تَفَرَّقُوا فَمِنهم مَن صارَ مُؤْمِنًا، ومِنهم مَن صارَ كافِرًا، ولَمّا لَمْ يَبْقَ حالُ أُولَئِكَ الجَمْعِ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ كَما كانَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، كَفى ذَلِكَ في العَمَلِ بِمَدْلُولِ لَفْظِ حَتّى. وفِيها وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ مُنْفَكِّينَ عَنِ التَّرَدُّدِ في كُفْرِهِمْ بَلْ كانُوا جازِمِينَ بِهِ مُعْتَقِدِينَ حَقِيقَتَهُ، ثُمَّ زالَ ذَلِكَ الجَزْمُ بَعْدَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ، بَلْ بَقُوا شاكِّينَ مُتَحَيِّرِينَ في ذَلِكَ الدِّينِ وفي سائِرِ الأدْيانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٣] والمَعْنى أنَّ الدِّينَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ صارَ كَأنَّهُ اخْتَلَطَ بِلَحْمِهِمْ ودَمِهِمْ فاليَهُودِيُّ كانَ جازِمًا في يَهُودِيَّتِهِ وكَذا النَّصْرانِيُّ وعابِدُ الوَثَنِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اضْطَرَبَتِ الخَواطِرُ والأفْكارُ وتَشَكَّكَ كُلُّ أحَدٍ في دِينِهِ ومَذْهَبِهِ ومَقالَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ مُشْعِرٌ بِهَذا لِأنَّ انْفِكاكَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ هو انْفِصالُهُ عَنْهُ، فَمَعْناهُ أنَّ قُلُوبَهم ما خَلَتْ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ وما انْفَصَلَتْ عَنِ الجَزْمِ بِصِحَّتِها، ثُمَّ إنَّ بَعْدَ المَبْعَثِ لَمْ يَبْقَ الأمْرُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكُفّارُ كانُوا جِنْسَيْنِ: أحَدُهُما: أهْلُ الكِتابِ كَفِرَقِ اليَهُودِ والنَّصارى وكانُوا كُفّارًا بِإحْداثِهِمْ في دِينِهِمْ ما كَفَرُوا بِهِ كَقَوْلِهِمْ: ”عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ“ و”المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ“ وتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ ودِينَهُ. والثّانِي: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا لا يُنْسَبُونَ إلى كِتابٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الجِنْسَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى الإجْمالِ ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ الإجْمالَ بِالتَّفْصِيلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وهَهُنا سُؤالانِ: صفحة ٣٩ السُّؤالُ الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ أهْلَ الكِتابِ مِنهم كافِرٌ ومِنهم لَيْسَ بِكافِرٍ، وهَذا حَقٌّ، وأنَّ المُشْرِكِينَ مِنهم كافِرٌ ومِنهم لَيْسَ بِكافِرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لَيْسَ بِحَقٍّ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠] . وثانِيها: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَعْضُهم مِن أهْلِ الكِتابِ وبَعْضُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإدْخالُ كَلِمَةِ مِن لِهَذا السَّبَبِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْضًا وصْفًا لِأهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى مُثَلِّثَةٌ واليَهُودَ عامَّتُهم مُشَبِّهَةٌ، وهَذا كُلُّهُ شِرْكٌ، وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: جاءَنِي العُقَلاءُ والظُّرَفاءُ يُرِيدُ بِذَلِكَ قَوْمًا بِأعْيانِهِمْ يَصِفُهم بِالأمْرَيْنِ. وقالَ تَعالى: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٢] وهَذا وصْفٌ لِطائِفَةٍ واحِدَةٍ، وفي القُرْآنِ مِن هَذا البابِ كَثِيرٌ، وهو أنْ يُنْعَتَ قَوْمٌ بِنُعُوتٍ شَتّى، يُعْطَفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِواوِ العَطْفِ ويَكُونُ الكُلُّ وصْفًا لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ. السُّؤالُ الثّانِي: المَجُوسُ هَلْ يَدْخُلُونَ في أهْلِ الكِتابِ ؟ قُلْنا: ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّهم داخِلُونَ في أهْلِ الكِتابِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سَنُوَلِّيهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» “ وأنْكَرَهُ الآخَرُونَ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ مِنَ الكُفّارِ مَن كانَ في بِلادِ العَرَبِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنْعامِ: ١٥٦] والطّائِفَتانِ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ أهْلِ الكِتابِ في الكُفْرِ عَلى المُشْرِكِينَ ؟ حَيْثُ قالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ومَعَ هَذا فَفِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ فَكَأنَّ أهْلَ الكِتابِ هُمُ المَقْصُودُونَ بِالذِّكْرِ. وثانِيها: أنَّهم كانُوا عُلَماءَ بِالكُتُبِ فَكانَتْ قُدْرَتُهم عَلى مَعْرِفَةِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ أتَمَّ، فَكانَ إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ أقْبَحَ. وثالِثُها: أنَّهم لِكَوْنِهِمْ عُلَماءَ يَقْتَدِي غَيْرُهم بِهِمْ فَكانَ كُفْرُهم أصْلًا لِكُفْرِ غَيْرِهِمْ، فَلِهَذا قُدِّمُوا في الذِّكْرِ. ورابِعُها: أنَّهم لِكَوْنِهِمْ عُلَماءَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ فَقُدِّمُوا في الذِّكْرِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَقُلْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ؟ الجَوابُ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ عُلَماءَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي إمّا مَزِيدَ تَعْظِيمٍ، فَلا جَرَمَ ذُكِرُوا بِهَذا اللَّقَبِ دُونَ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ لِأنَّ كَوْنَهُ عالِمًا يَقْتَضِي مَزِيدَ قُبْحٍ في كُفْرِهِ، فَذُكِرُوا بِهَذا الوَصْفِ تَنْبِيهًا عَلى تِلْكَ الزِّيادَةِ مِنَ العِقابِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ فِيها أحْكامٌ تَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِأهْلِ الكِتابِ وبِالمُشْرِكِينَ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الكُلِّ واحِدًا في الكُفْرِ، فَمِن ذَلِكَ قالَ العُلَماءُ: الكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ، فالمُشْرِكُ يَرِثُ اليَهُودِيَّ وبِالعَكْسِ. والثّانِي: أنَّ العَطْفَ أوْجَبَ المُغايَرَةَ، فَلِذَلِكَ نَقُولُ: الذِّمِّيُّ لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ» “ فَأثْبَتَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الكِتابِيِّ والمُشْرِكِ. الثّالِثُ: نَبَّهَ بِذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاغْتِرارُ بِأهْلِ العِلْمِ إذْ قَدْ حَدَثَ في أهْلِ القُرْآنِ مِثْلُ ما حَدَثَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القَفّالُ: الِانْفِكاكُ هو انْفِراجُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ وأصْلُهُ مِنَ الفَكِّ وهو الفَتْحُ صفحة ٤٠ والزَّوالُ، ومِنهُ فَكَكْتُ الكِتابَ إذا أزَلْتُ خَتْمَهُ فَفَتَحْتُهُ، ومِنهُ فِكاكُ الرَّهْنِ وهو زَوالُ الِانْغِلاقِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ ألا تَرى أنَّ ضِدَّ قَوْلِهِ: انْفَكَّ الرَّهْنُ، ومِنهُ فِكاكُ الأسِيرِ وفَكُّهُ، فَثَبَتَ أنَّ انْفِكاكَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ هو أنْ يُزِيلَهُ بَعْدَ التِحامِهِ بِهِ، كالعَظْمِ إذا انْفَكَّ مِن مَفْصِلِهِ، والمَعْنى أنَّهم مُتَشَبِّثُونَ بِدِينِهِمْ تَشَبُّثًا قَوِيًّا لا يُزِيلُونَهُ إلّا عِنْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ، أمّا البَيِّنَةُ فَهي الحُجَّةُ الظّاهِرَةُ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ فَهي مِنَ البَيانِ أوِ البَيْنُونَةِ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، وفي المُرادِ مِنَ البَيِّنَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها هي الرَّسُولُ، ثُمَّ ذَكَرُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الرَّسُولُ بِالبَيِّنَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ ذاتَهُ كانَتْ بَيِّنَةً عَلى نُبُوَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ الجِدِّ في تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ومَن كانَ كَذّابًا مُتَصَنِّعًا فَإنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ الجِدُّ المُتَناهِي، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ صادِقًا أوْ مَعْتُوهًا. والثّانِي مَعْلُومُ البُطْلانِ لِأنَّهُ كانَ في غايَةِ كَمالِ العَقْلِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ كانَ صادِقًا. الثّانِي: أنَّ مَجْمُوعَ الأخْلاقِ الحاصِلَةِ فِيهِ كانَ بالِغًا إلى حَدِّ كَمالِ الإعْجازِ، والجاحِظُ قَرَّرَ هَذا المَعْنى، والغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصَرَهُ في كِتابِ المُنْقِذِ، فَإذًا لِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ سُمِّيَ هو في نَفْسِهِ بِأنَّهُ بَيِّنَةٌ. الثّالِثُ: أنَّ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَتْ في غايَةِ الظُّهُورِ وكانَتْ أيْضًا في غايَةِ الكَثْرَةِ فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ جُعِلَ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿سِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٦] . واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ البَيِّنَةِ هو الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فَهو رَفْعٌ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”رَسُولًا“ حالٌ مِنَ البَيِّنَةِ قالُوا: والألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿البَيِّنَةُ﴾ لِلتَّعْرِيفِ أيْ هو الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ مُوسى وعِيسى، أوْ يُقالُ: إنَّها لِلتَّفْخِيمِ أيْ هو ”البَيِّنَةُ“ الَّتِي لا مَزِيدَ عَلَيْها أوِ البَيِّنَةُ كُلُّ البَيِّنَةِ لِأنَّ التَّعْرِيفَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّفْخِيمِ وكَذا التَّنْكِيرُ وقَدْ جَمَعَهُما اللَّهُ هَهُنا في حَقِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَدَأ بِالتَّعْرِيفِ وهو لَفْظُ البَيِّنَةِ ثُمَّ ثَنّى بِالتَّنْكِيرِ فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ هو رَسُولٌ وأيُّ رَسُولٍ، ونَظِيرُهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الثَّناءِ عَلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البُرُوجِ: ١٥] ثُمَّ قالَ: ﴿فَعّالٌ﴾ فَنَكَّرَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ ﴿البَيِّنَةُ﴾ مُطْلَقُ الرُّسُلِ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ قالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيْ حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ تَتْلُو عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٣] وكَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المُدَّثِّرِ: ٥٢] . القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: (البَيِّنَةُ) هي القُرْآنُ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن مُضافٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: وتِلْكَ البَيِّنَةُ وحْيٌ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصُّحُفَ جَمْعُ صَحِيفَةٍ وهي ظَرْفٌ لِلْمَكْتُوبِ، وفي: (المُطَهَّرَةِ) وُجُوهٌ: أحَدُها: (مُطَهَّرَةً) عَنِ الباطِلِ وهي كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١٤] . وثانِيها: (مُطَهَّرَةً ) عَنِ الذِّكْرِ القَبِيحِ فَإنَّ القُرْآنَ يُذْكَرُ بِأحْسَنِ الذِّكْرِ ويُثْنى عَلَيْهِ أحْسَنَ الثَّناءِ. وثالِثُها: أنْ يُقالَ: (مُطَهَّرَةً) أيْ يَنْبَغِي أنْ لا يَمَسَّها إلّا المُطَهَّرُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٨] . صفحة ٤١ واعْلَمْ أنَّ المُطَهَّرَةَ وإنْ جَرَتْ نَعْتًا لِلصُّحُفِ في الظّاهِرِ فَهي نَعْتٌ لِما في الصُّحُفِ وهو القُرْآنُ وقَوْلُهُ: ﴿كُتُبٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (أحَدُهُما) المُرادُ مِنَ الكُتُبِ الآياتُ المَكْتُوبَةُ في الصُّحُفِ. والثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحُكْمِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢١] ومِنهُ حَدِيثُ العَسِيفِ: ”«لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ» “ أيْ بِحُكْمِ اللَّهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أيْ أحْكامٌ قَيِّمَةٌ أمّا القَيِّمَةُ فَفِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مُسْتَقِيمَةٌ لا عِوَجَ فِيها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ مِن قامَ يَقُومُ كالسَّيِّدِ والمَيِّتِ، وهو كَقَوْلِهِمْ: قامَ الدَّلِيلُ عَلى كَذا إذا ظَهَرَ واسْتَقامَ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ القَيِّمَةُ بِمَعْنى القائِمَةِ أيْ هي قائِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِالحُجَّةِ والدَّلالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: قامَ فُلانٌ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا أجْراهُ عَلى وجْهِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْقائِمِ بِأمْرِ القَوْمِ: القَيِّمُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نَسَبَ تِلاوَةَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ إلى الرَّسُولِ مَعَ أنَّهُ كانَ أُمِّيًّا ؟ قُلْنا: إذا تَلا مَثَلًا المَسْطُورَ في تِلْكَ الصُّحُفِ كانَ تالِيًا ما فِيها وقَدْ جاءَ في كِتابٍ مَنسُوبٍ إلى جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ مِنَ الكِتابِ، وإنْ كانَ لا يَكْتُبُ، ولَعَلَّ هَذا كانَ مِن مُعْجِزاتِهِ ﷺ . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أهْلَ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وهَهُنا ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ فَقَطْ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يُقَرُّوا عَلى دِينِهِمْ فَمَن آمَنَ فَهو المُرادُ ومَن لَمْ يُؤْمِن قُتِلَ، بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُقَرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ بِبَذْلِ الجِزْيَةِ. وثانِيها: أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا عالِمِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ أنَّهم وجَدُوها في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ مَعَ العِلْمِ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ النّاسَ تَفَرَّقُوا في الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ في أصْلابِ الآباءِ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، والجَوابُ: أنَّ هَذا رَكِيكٌ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ وإرادَتَهُ لَهُ حاصِلٌ في الأزَلِ، أمّا ظُهُورُهُ مِنَ المُكَلَّفِ فَإنَّما وقَعَ بَعْدَ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ والتَّفَرُّقَ فِعْلُهم لا أنَّهُ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ آتاهم ذَلِكَ فالخَيْرُ والتَّوْفِيقُ مُضافٌ إلى اللَّهِ، والشَّرُّ والتَّفَرُّقُ والكُفْرُ مُضافٌ إلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ أيْ: لا يَغُمَّنَّكَ تَفَرُّقُهم فَلَيْسَ ذَلِكَ لِقُصُورٍ في الحُجَّةِ بَلْ لِعِنادِهِمْ، فَسَلَفُهم هَكَذا كانُوا لَمْ يَتَفَرَّقُوا في السَّبْتِ وعِبادَةِ العِجْلِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ فَهي عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهم.

البينة 98:3

صفحة ٣٧ [ سُورَةُ البَيِّنَةِ ] وهِيَ ثَمانِ آياتٍ مَدَنِيَّةٌ ﷽ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﷽ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لَمْ يُلَخِّصْ كَيْفِيَّةَ الإشْكالِ فِيها وأنا أقُولُ: وجْهُ الإشْكالِ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ”لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ“ الَّتِي هي الرَّسُولُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أنَّهم مُنْفَكُّونَ عَنْ ماذا لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ، إذِ المُرادُ هو الكُفْرُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي هي الرَّسُولُ، ثُمَّ إنَّ كَلِمَةَ حَتّى لِانْتِهاءِ الغايَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهم صارُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُفْرَهم قَدِ ازْدادَ عِنْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى والآيَةِ الثّانِيَةِ مُناقَضَةٌ في الظّاهِرِ، هَذا مُنْتَهى الإشْكالِ فِيما أظُنُّ. والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها وأحْسَنُها الوَجْهُ الَّذِي لَخَّصَهُ صاحِبُ الكَشّافِ: وهو أنَّ الكُفّارَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ أهْلِ الكِتابِ وعَبَدَةِ الأوْثانِ، كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ: لا نَنْفَكُّ عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ مِن دِينِنا، ولا نَتْرُكُهُ حَتّى صفحة ٣٨ يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى ما كانُوا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ، ونَظِيرُهُ في الكَلامِ أنْ يَقُولَ الفَقِيرُ الفاسِقُ لِمَن يَعِظُهُ: لَسْتُ أمْتَنِعُ مِمّا أنا فِيهِ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ حَتّى يَرْزُقَنِي اللَّهُ الغِنى، فَلَمّا رَزَقَهُ اللَّهُ الغِنى ازْدادَ فِسْقًا فَيَقُولُ واعِظُهُ: لَمْ تَكُنْ مُنْفَكًّا عَنِ الفِسْقِ حَتّى تُوسِرَ، وما غَمَسْتَ رَأْسَكَ في الفِسْقِ إلّا بَعْدَ اليَسارِ يُذَكِّرُهُ ما كانَ يَقُولُهُ تَوْبِيخًا وإلْزامًا، وحاصِلُ هَذا الجَوابِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ”لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ“ مَذْكُورَةٌ حِكايَةً عَنْهم، وقَوْلَهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هو إخْبارٌ عَنِ الواقِعِ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي وقَعَ كانَ عَلى خِلافِ ما ادَّعَوْا. وثانِيها: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ، لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وإنْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ الإشْكالُ هَكَذا ذَكَرَهُ القاضِي إلّا أنَّ تَفْسِيرَ لَفْظَةِ حَتّى بِهَذا لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ. وثالِثُها: أنّا لا نَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ عَلى الكُفْرِ بَلْ عَلى كَوْنِهِمْ مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ بِالمَناقِبِ والفَضائِلِ والمَعْنى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ بِالمَناقِبِ والفَضائِلِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أيْ حَتّى أتَتْهم، فاللَّفْظُ لَفْظُ المُضارِعِ ومَعْناهُ الماضِي، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] أيْ ما تَلَتْ، والمَعْنى أنَّهم ما كانُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مَناقِبِهِ، ثُمَّ لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ تَفَرَّقُوا فِيهِ، وقالَ كُلُّ واحِدٍ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ رَدِيًّا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٩] والقَوْلُ المُخْتارُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الأوَّلُ. وفِي الآيَةِ وجْهٌ رابِعٌ وهو أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الكُفّارِ أنَّهم ما كانُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ إلى وقْتِ مَجِيءِ الرَّسُولِ، وكَلِمَةُ ”حَتّى“ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحالُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلافِ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، والأمْرُ هَكَذا كانَ لِأنَّ ذَلِكَ المَجْمُوعَ ما بَقُوا عَلى الكُفْرِ بَلْ تَفَرَّقُوا فَمِنهم مَن صارَ مُؤْمِنًا، ومِنهم مَن صارَ كافِرًا، ولَمّا لَمْ يَبْقَ حالُ أُولَئِكَ الجَمْعِ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ كَما كانَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، كَفى ذَلِكَ في العَمَلِ بِمَدْلُولِ لَفْظِ حَتّى. وفِيها وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ مُنْفَكِّينَ عَنِ التَّرَدُّدِ في كُفْرِهِمْ بَلْ كانُوا جازِمِينَ بِهِ مُعْتَقِدِينَ حَقِيقَتَهُ، ثُمَّ زالَ ذَلِكَ الجَزْمُ بَعْدَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ، بَلْ بَقُوا شاكِّينَ مُتَحَيِّرِينَ في ذَلِكَ الدِّينِ وفي سائِرِ الأدْيانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٣] والمَعْنى أنَّ الدِّينَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ صارَ كَأنَّهُ اخْتَلَطَ بِلَحْمِهِمْ ودَمِهِمْ فاليَهُودِيُّ كانَ جازِمًا في يَهُودِيَّتِهِ وكَذا النَّصْرانِيُّ وعابِدُ الوَثَنِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اضْطَرَبَتِ الخَواطِرُ والأفْكارُ وتَشَكَّكَ كُلُّ أحَدٍ في دِينِهِ ومَذْهَبِهِ ومَقالَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ مُشْعِرٌ بِهَذا لِأنَّ انْفِكاكَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ هو انْفِصالُهُ عَنْهُ، فَمَعْناهُ أنَّ قُلُوبَهم ما خَلَتْ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ وما انْفَصَلَتْ عَنِ الجَزْمِ بِصِحَّتِها، ثُمَّ إنَّ بَعْدَ المَبْعَثِ لَمْ يَبْقَ الأمْرُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكُفّارُ كانُوا جِنْسَيْنِ: أحَدُهُما: أهْلُ الكِتابِ كَفِرَقِ اليَهُودِ والنَّصارى وكانُوا كُفّارًا بِإحْداثِهِمْ في دِينِهِمْ ما كَفَرُوا بِهِ كَقَوْلِهِمْ: ”عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ“ و”المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ“ وتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ ودِينَهُ. والثّانِي: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا لا يُنْسَبُونَ إلى كِتابٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الجِنْسَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى الإجْمالِ ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ الإجْمالَ بِالتَّفْصِيلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وهَهُنا سُؤالانِ: صفحة ٣٩ السُّؤالُ الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ أهْلَ الكِتابِ مِنهم كافِرٌ ومِنهم لَيْسَ بِكافِرٍ، وهَذا حَقٌّ، وأنَّ المُشْرِكِينَ مِنهم كافِرٌ ومِنهم لَيْسَ بِكافِرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لَيْسَ بِحَقٍّ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠] . وثانِيها: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَعْضُهم مِن أهْلِ الكِتابِ وبَعْضُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإدْخالُ كَلِمَةِ مِن لِهَذا السَّبَبِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْضًا وصْفًا لِأهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى مُثَلِّثَةٌ واليَهُودَ عامَّتُهم مُشَبِّهَةٌ، وهَذا كُلُّهُ شِرْكٌ، وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: جاءَنِي العُقَلاءُ والظُّرَفاءُ يُرِيدُ بِذَلِكَ قَوْمًا بِأعْيانِهِمْ يَصِفُهم بِالأمْرَيْنِ. وقالَ تَعالى: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٢] وهَذا وصْفٌ لِطائِفَةٍ واحِدَةٍ، وفي القُرْآنِ مِن هَذا البابِ كَثِيرٌ، وهو أنْ يُنْعَتَ قَوْمٌ بِنُعُوتٍ شَتّى، يُعْطَفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِواوِ العَطْفِ ويَكُونُ الكُلُّ وصْفًا لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ. السُّؤالُ الثّانِي: المَجُوسُ هَلْ يَدْخُلُونَ في أهْلِ الكِتابِ ؟ قُلْنا: ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّهم داخِلُونَ في أهْلِ الكِتابِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سَنُوَلِّيهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» “ وأنْكَرَهُ الآخَرُونَ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ مِنَ الكُفّارِ مَن كانَ في بِلادِ العَرَبِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنْعامِ: ١٥٦] والطّائِفَتانِ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ أهْلِ الكِتابِ في الكُفْرِ عَلى المُشْرِكِينَ ؟ حَيْثُ قالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ومَعَ هَذا فَفِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ فَكَأنَّ أهْلَ الكِتابِ هُمُ المَقْصُودُونَ بِالذِّكْرِ. وثانِيها: أنَّهم كانُوا عُلَماءَ بِالكُتُبِ فَكانَتْ قُدْرَتُهم عَلى مَعْرِفَةِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ أتَمَّ، فَكانَ إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ أقْبَحَ. وثالِثُها: أنَّهم لِكَوْنِهِمْ عُلَماءَ يَقْتَدِي غَيْرُهم بِهِمْ فَكانَ كُفْرُهم أصْلًا لِكُفْرِ غَيْرِهِمْ، فَلِهَذا قُدِّمُوا في الذِّكْرِ. ورابِعُها: أنَّهم لِكَوْنِهِمْ عُلَماءَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ فَقُدِّمُوا في الذِّكْرِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَقُلْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ؟ الجَوابُ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ عُلَماءَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي إمّا مَزِيدَ تَعْظِيمٍ، فَلا جَرَمَ ذُكِرُوا بِهَذا اللَّقَبِ دُونَ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ لِأنَّ كَوْنَهُ عالِمًا يَقْتَضِي مَزِيدَ قُبْحٍ في كُفْرِهِ، فَذُكِرُوا بِهَذا الوَصْفِ تَنْبِيهًا عَلى تِلْكَ الزِّيادَةِ مِنَ العِقابِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ فِيها أحْكامٌ تَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِأهْلِ الكِتابِ وبِالمُشْرِكِينَ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الكُلِّ واحِدًا في الكُفْرِ، فَمِن ذَلِكَ قالَ العُلَماءُ: الكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ، فالمُشْرِكُ يَرِثُ اليَهُودِيَّ وبِالعَكْسِ. والثّانِي: أنَّ العَطْفَ أوْجَبَ المُغايَرَةَ، فَلِذَلِكَ نَقُولُ: الذِّمِّيُّ لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ» “ فَأثْبَتَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الكِتابِيِّ والمُشْرِكِ. الثّالِثُ: نَبَّهَ بِذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاغْتِرارُ بِأهْلِ العِلْمِ إذْ قَدْ حَدَثَ في أهْلِ القُرْآنِ مِثْلُ ما حَدَثَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القَفّالُ: الِانْفِكاكُ هو انْفِراجُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ وأصْلُهُ مِنَ الفَكِّ وهو الفَتْحُ صفحة ٤٠ والزَّوالُ، ومِنهُ فَكَكْتُ الكِتابَ إذا أزَلْتُ خَتْمَهُ فَفَتَحْتُهُ، ومِنهُ فِكاكُ الرَّهْنِ وهو زَوالُ الِانْغِلاقِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ ألا تَرى أنَّ ضِدَّ قَوْلِهِ: انْفَكَّ الرَّهْنُ، ومِنهُ فِكاكُ الأسِيرِ وفَكُّهُ، فَثَبَتَ أنَّ انْفِكاكَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ هو أنْ يُزِيلَهُ بَعْدَ التِحامِهِ بِهِ، كالعَظْمِ إذا انْفَكَّ مِن مَفْصِلِهِ، والمَعْنى أنَّهم مُتَشَبِّثُونَ بِدِينِهِمْ تَشَبُّثًا قَوِيًّا لا يُزِيلُونَهُ إلّا عِنْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ، أمّا البَيِّنَةُ فَهي الحُجَّةُ الظّاهِرَةُ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ فَهي مِنَ البَيانِ أوِ البَيْنُونَةِ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، وفي المُرادِ مِنَ البَيِّنَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها هي الرَّسُولُ، ثُمَّ ذَكَرُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الرَّسُولُ بِالبَيِّنَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ ذاتَهُ كانَتْ بَيِّنَةً عَلى نُبُوَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ الجِدِّ في تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ومَن كانَ كَذّابًا مُتَصَنِّعًا فَإنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ الجِدُّ المُتَناهِي، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ صادِقًا أوْ مَعْتُوهًا. والثّانِي مَعْلُومُ البُطْلانِ لِأنَّهُ كانَ في غايَةِ كَمالِ العَقْلِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ كانَ صادِقًا. الثّانِي: أنَّ مَجْمُوعَ الأخْلاقِ الحاصِلَةِ فِيهِ كانَ بالِغًا إلى حَدِّ كَمالِ الإعْجازِ، والجاحِظُ قَرَّرَ هَذا المَعْنى، والغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصَرَهُ في كِتابِ المُنْقِذِ، فَإذًا لِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ سُمِّيَ هو في نَفْسِهِ بِأنَّهُ بَيِّنَةٌ. الثّالِثُ: أنَّ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَتْ في غايَةِ الظُّهُورِ وكانَتْ أيْضًا في غايَةِ الكَثْرَةِ فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ جُعِلَ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿سِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٦] . واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ البَيِّنَةِ هو الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فَهو رَفْعٌ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”رَسُولًا“ حالٌ مِنَ البَيِّنَةِ قالُوا: والألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿البَيِّنَةُ﴾ لِلتَّعْرِيفِ أيْ هو الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ مُوسى وعِيسى، أوْ يُقالُ: إنَّها لِلتَّفْخِيمِ أيْ هو ”البَيِّنَةُ“ الَّتِي لا مَزِيدَ عَلَيْها أوِ البَيِّنَةُ كُلُّ البَيِّنَةِ لِأنَّ التَّعْرِيفَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّفْخِيمِ وكَذا التَّنْكِيرُ وقَدْ جَمَعَهُما اللَّهُ هَهُنا في حَقِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَدَأ بِالتَّعْرِيفِ وهو لَفْظُ البَيِّنَةِ ثُمَّ ثَنّى بِالتَّنْكِيرِ فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ هو رَسُولٌ وأيُّ رَسُولٍ، ونَظِيرُهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الثَّناءِ عَلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البُرُوجِ: ١٥] ثُمَّ قالَ: ﴿فَعّالٌ﴾ فَنَكَّرَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ ﴿البَيِّنَةُ﴾ مُطْلَقُ الرُّسُلِ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ قالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيْ حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ تَتْلُو عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٣] وكَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المُدَّثِّرِ: ٥٢] . القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: (البَيِّنَةُ) هي القُرْآنُ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن مُضافٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: وتِلْكَ البَيِّنَةُ وحْيٌ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصُّحُفَ جَمْعُ صَحِيفَةٍ وهي ظَرْفٌ لِلْمَكْتُوبِ، وفي: (المُطَهَّرَةِ) وُجُوهٌ: أحَدُها: (مُطَهَّرَةً) عَنِ الباطِلِ وهي كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١٤] . وثانِيها: (مُطَهَّرَةً ) عَنِ الذِّكْرِ القَبِيحِ فَإنَّ القُرْآنَ يُذْكَرُ بِأحْسَنِ الذِّكْرِ ويُثْنى عَلَيْهِ أحْسَنَ الثَّناءِ. وثالِثُها: أنْ يُقالَ: (مُطَهَّرَةً) أيْ يَنْبَغِي أنْ لا يَمَسَّها إلّا المُطَهَّرُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٨] . صفحة ٤١ واعْلَمْ أنَّ المُطَهَّرَةَ وإنْ جَرَتْ نَعْتًا لِلصُّحُفِ في الظّاهِرِ فَهي نَعْتٌ لِما في الصُّحُفِ وهو القُرْآنُ وقَوْلُهُ: ﴿كُتُبٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (أحَدُهُما) المُرادُ مِنَ الكُتُبِ الآياتُ المَكْتُوبَةُ في الصُّحُفِ. والثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحُكْمِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢١] ومِنهُ حَدِيثُ العَسِيفِ: ”«لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ» “ أيْ بِحُكْمِ اللَّهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أيْ أحْكامٌ قَيِّمَةٌ أمّا القَيِّمَةُ فَفِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مُسْتَقِيمَةٌ لا عِوَجَ فِيها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ مِن قامَ يَقُومُ كالسَّيِّدِ والمَيِّتِ، وهو كَقَوْلِهِمْ: قامَ الدَّلِيلُ عَلى كَذا إذا ظَهَرَ واسْتَقامَ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ القَيِّمَةُ بِمَعْنى القائِمَةِ أيْ هي قائِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِالحُجَّةِ والدَّلالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: قامَ فُلانٌ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا أجْراهُ عَلى وجْهِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْقائِمِ بِأمْرِ القَوْمِ: القَيِّمُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نَسَبَ تِلاوَةَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ إلى الرَّسُولِ مَعَ أنَّهُ كانَ أُمِّيًّا ؟ قُلْنا: إذا تَلا مَثَلًا المَسْطُورَ في تِلْكَ الصُّحُفِ كانَ تالِيًا ما فِيها وقَدْ جاءَ في كِتابٍ مَنسُوبٍ إلى جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ مِنَ الكِتابِ، وإنْ كانَ لا يَكْتُبُ، ولَعَلَّ هَذا كانَ مِن مُعْجِزاتِهِ ﷺ . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أهْلَ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وهَهُنا ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ فَقَطْ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يُقَرُّوا عَلى دِينِهِمْ فَمَن آمَنَ فَهو المُرادُ ومَن لَمْ يُؤْمِن قُتِلَ، بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُقَرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ بِبَذْلِ الجِزْيَةِ. وثانِيها: أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا عالِمِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ أنَّهم وجَدُوها في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ مَعَ العِلْمِ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ النّاسَ تَفَرَّقُوا في الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ في أصْلابِ الآباءِ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، والجَوابُ: أنَّ هَذا رَكِيكٌ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ وإرادَتَهُ لَهُ حاصِلٌ في الأزَلِ، أمّا ظُهُورُهُ مِنَ المُكَلَّفِ فَإنَّما وقَعَ بَعْدَ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ والتَّفَرُّقَ فِعْلُهم لا أنَّهُ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ آتاهم ذَلِكَ فالخَيْرُ والتَّوْفِيقُ مُضافٌ إلى اللَّهِ، والشَّرُّ والتَّفَرُّقُ والكُفْرُ مُضافٌ إلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ أيْ: لا يَغُمَّنَّكَ تَفَرُّقُهم فَلَيْسَ ذَلِكَ لِقُصُورٍ في الحُجَّةِ بَلْ لِعِنادِهِمْ، فَسَلَفُهم هَكَذا كانُوا لَمْ يَتَفَرَّقُوا في السَّبْتِ وعِبادَةِ العِجْلِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ فَهي عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهم.

البينة 98:4

صفحة ٣٧ [ سُورَةُ البَيِّنَةِ ] وهِيَ ثَمانِ آياتٍ مَدَنِيَّةٌ ﷽ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﷽ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لَمْ يُلَخِّصْ كَيْفِيَّةَ الإشْكالِ فِيها وأنا أقُولُ: وجْهُ الإشْكالِ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ”لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ“ الَّتِي هي الرَّسُولُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أنَّهم مُنْفَكُّونَ عَنْ ماذا لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ، إذِ المُرادُ هو الكُفْرُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي هي الرَّسُولُ، ثُمَّ إنَّ كَلِمَةَ حَتّى لِانْتِهاءِ الغايَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهم صارُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُفْرَهم قَدِ ازْدادَ عِنْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى والآيَةِ الثّانِيَةِ مُناقَضَةٌ في الظّاهِرِ، هَذا مُنْتَهى الإشْكالِ فِيما أظُنُّ. والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها وأحْسَنُها الوَجْهُ الَّذِي لَخَّصَهُ صاحِبُ الكَشّافِ: وهو أنَّ الكُفّارَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ أهْلِ الكِتابِ وعَبَدَةِ الأوْثانِ، كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ: لا نَنْفَكُّ عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ مِن دِينِنا، ولا نَتْرُكُهُ حَتّى صفحة ٣٨ يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى ما كانُوا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ، ونَظِيرُهُ في الكَلامِ أنْ يَقُولَ الفَقِيرُ الفاسِقُ لِمَن يَعِظُهُ: لَسْتُ أمْتَنِعُ مِمّا أنا فِيهِ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ حَتّى يَرْزُقَنِي اللَّهُ الغِنى، فَلَمّا رَزَقَهُ اللَّهُ الغِنى ازْدادَ فِسْقًا فَيَقُولُ واعِظُهُ: لَمْ تَكُنْ مُنْفَكًّا عَنِ الفِسْقِ حَتّى تُوسِرَ، وما غَمَسْتَ رَأْسَكَ في الفِسْقِ إلّا بَعْدَ اليَسارِ يُذَكِّرُهُ ما كانَ يَقُولُهُ تَوْبِيخًا وإلْزامًا، وحاصِلُ هَذا الجَوابِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ”لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ“ مَذْكُورَةٌ حِكايَةً عَنْهم، وقَوْلَهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هو إخْبارٌ عَنِ الواقِعِ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي وقَعَ كانَ عَلى خِلافِ ما ادَّعَوْا. وثانِيها: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ، لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وإنْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ الإشْكالُ هَكَذا ذَكَرَهُ القاضِي إلّا أنَّ تَفْسِيرَ لَفْظَةِ حَتّى بِهَذا لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ. وثالِثُها: أنّا لا نَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ عَلى الكُفْرِ بَلْ عَلى كَوْنِهِمْ مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ بِالمَناقِبِ والفَضائِلِ والمَعْنى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ بِالمَناقِبِ والفَضائِلِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أيْ حَتّى أتَتْهم، فاللَّفْظُ لَفْظُ المُضارِعِ ومَعْناهُ الماضِي، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] أيْ ما تَلَتْ، والمَعْنى أنَّهم ما كانُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ مَناقِبِهِ، ثُمَّ لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ تَفَرَّقُوا فِيهِ، وقالَ كُلُّ واحِدٍ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ رَدِيًّا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٩] والقَوْلُ المُخْتارُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الأوَّلُ. وفِي الآيَةِ وجْهٌ رابِعٌ وهو أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الكُفّارِ أنَّهم ما كانُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ إلى وقْتِ مَجِيءِ الرَّسُولِ، وكَلِمَةُ ”حَتّى“ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحالُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلافِ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، والأمْرُ هَكَذا كانَ لِأنَّ ذَلِكَ المَجْمُوعَ ما بَقُوا عَلى الكُفْرِ بَلْ تَفَرَّقُوا فَمِنهم مَن صارَ مُؤْمِنًا، ومِنهم مَن صارَ كافِرًا، ولَمّا لَمْ يَبْقَ حالُ أُولَئِكَ الجَمْعِ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ كَما كانَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، كَفى ذَلِكَ في العَمَلِ بِمَدْلُولِ لَفْظِ حَتّى. وفِيها وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ مُنْفَكِّينَ عَنِ التَّرَدُّدِ في كُفْرِهِمْ بَلْ كانُوا جازِمِينَ بِهِ مُعْتَقِدِينَ حَقِيقَتَهُ، ثُمَّ زالَ ذَلِكَ الجَزْمُ بَعْدَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ، بَلْ بَقُوا شاكِّينَ مُتَحَيِّرِينَ في ذَلِكَ الدِّينِ وفي سائِرِ الأدْيانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٣] والمَعْنى أنَّ الدِّينَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ صارَ كَأنَّهُ اخْتَلَطَ بِلَحْمِهِمْ ودَمِهِمْ فاليَهُودِيُّ كانَ جازِمًا في يَهُودِيَّتِهِ وكَذا النَّصْرانِيُّ وعابِدُ الوَثَنِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اضْطَرَبَتِ الخَواطِرُ والأفْكارُ وتَشَكَّكَ كُلُّ أحَدٍ في دِينِهِ ومَذْهَبِهِ ومَقالَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ مُشْعِرٌ بِهَذا لِأنَّ انْفِكاكَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ هو انْفِصالُهُ عَنْهُ، فَمَعْناهُ أنَّ قُلُوبَهم ما خَلَتْ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ وما انْفَصَلَتْ عَنِ الجَزْمِ بِصِحَّتِها، ثُمَّ إنَّ بَعْدَ المَبْعَثِ لَمْ يَبْقَ الأمْرُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكُفّارُ كانُوا جِنْسَيْنِ: أحَدُهُما: أهْلُ الكِتابِ كَفِرَقِ اليَهُودِ والنَّصارى وكانُوا كُفّارًا بِإحْداثِهِمْ في دِينِهِمْ ما كَفَرُوا بِهِ كَقَوْلِهِمْ: ”عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ“ و”المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ“ وتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ ودِينَهُ. والثّانِي: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا لا يُنْسَبُونَ إلى كِتابٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الجِنْسَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى الإجْمالِ ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ الإجْمالَ بِالتَّفْصِيلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وهَهُنا سُؤالانِ: صفحة ٣٩ السُّؤالُ الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ أهْلَ الكِتابِ مِنهم كافِرٌ ومِنهم لَيْسَ بِكافِرٍ، وهَذا حَقٌّ، وأنَّ المُشْرِكِينَ مِنهم كافِرٌ ومِنهم لَيْسَ بِكافِرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لَيْسَ بِحَقٍّ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠] . وثانِيها: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَعْضُهم مِن أهْلِ الكِتابِ وبَعْضُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإدْخالُ كَلِمَةِ مِن لِهَذا السَّبَبِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْضًا وصْفًا لِأهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى مُثَلِّثَةٌ واليَهُودَ عامَّتُهم مُشَبِّهَةٌ، وهَذا كُلُّهُ شِرْكٌ، وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: جاءَنِي العُقَلاءُ والظُّرَفاءُ يُرِيدُ بِذَلِكَ قَوْمًا بِأعْيانِهِمْ يَصِفُهم بِالأمْرَيْنِ. وقالَ تَعالى: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٢] وهَذا وصْفٌ لِطائِفَةٍ واحِدَةٍ، وفي القُرْآنِ مِن هَذا البابِ كَثِيرٌ، وهو أنْ يُنْعَتَ قَوْمٌ بِنُعُوتٍ شَتّى، يُعْطَفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِواوِ العَطْفِ ويَكُونُ الكُلُّ وصْفًا لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ. السُّؤالُ الثّانِي: المَجُوسُ هَلْ يَدْخُلُونَ في أهْلِ الكِتابِ ؟ قُلْنا: ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّهم داخِلُونَ في أهْلِ الكِتابِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سَنُوَلِّيهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» “ وأنْكَرَهُ الآخَرُونَ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ مِنَ الكُفّارِ مَن كانَ في بِلادِ العَرَبِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنْعامِ: ١٥٦] والطّائِفَتانِ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ أهْلِ الكِتابِ في الكُفْرِ عَلى المُشْرِكِينَ ؟ حَيْثُ قالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ومَعَ هَذا فَفِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ فَكَأنَّ أهْلَ الكِتابِ هُمُ المَقْصُودُونَ بِالذِّكْرِ. وثانِيها: أنَّهم كانُوا عُلَماءَ بِالكُتُبِ فَكانَتْ قُدْرَتُهم عَلى مَعْرِفَةِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ أتَمَّ، فَكانَ إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ أقْبَحَ. وثالِثُها: أنَّهم لِكَوْنِهِمْ عُلَماءَ يَقْتَدِي غَيْرُهم بِهِمْ فَكانَ كُفْرُهم أصْلًا لِكُفْرِ غَيْرِهِمْ، فَلِهَذا قُدِّمُوا في الذِّكْرِ. ورابِعُها: أنَّهم لِكَوْنِهِمْ عُلَماءَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ فَقُدِّمُوا في الذِّكْرِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَقُلْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ؟ الجَوابُ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ عُلَماءَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي إمّا مَزِيدَ تَعْظِيمٍ، فَلا جَرَمَ ذُكِرُوا بِهَذا اللَّقَبِ دُونَ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ لِأنَّ كَوْنَهُ عالِمًا يَقْتَضِي مَزِيدَ قُبْحٍ في كُفْرِهِ، فَذُكِرُوا بِهَذا الوَصْفِ تَنْبِيهًا عَلى تِلْكَ الزِّيادَةِ مِنَ العِقابِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ فِيها أحْكامٌ تَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِأهْلِ الكِتابِ وبِالمُشْرِكِينَ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الكُلِّ واحِدًا في الكُفْرِ، فَمِن ذَلِكَ قالَ العُلَماءُ: الكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ، فالمُشْرِكُ يَرِثُ اليَهُودِيَّ وبِالعَكْسِ. والثّانِي: أنَّ العَطْفَ أوْجَبَ المُغايَرَةَ، فَلِذَلِكَ نَقُولُ: الذِّمِّيُّ لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ» “ فَأثْبَتَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الكِتابِيِّ والمُشْرِكِ. الثّالِثُ: نَبَّهَ بِذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاغْتِرارُ بِأهْلِ العِلْمِ إذْ قَدْ حَدَثَ في أهْلِ القُرْآنِ مِثْلُ ما حَدَثَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القَفّالُ: الِانْفِكاكُ هو انْفِراجُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ وأصْلُهُ مِنَ الفَكِّ وهو الفَتْحُ صفحة ٤٠ والزَّوالُ، ومِنهُ فَكَكْتُ الكِتابَ إذا أزَلْتُ خَتْمَهُ فَفَتَحْتُهُ، ومِنهُ فِكاكُ الرَّهْنِ وهو زَوالُ الِانْغِلاقِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ ألا تَرى أنَّ ضِدَّ قَوْلِهِ: انْفَكَّ الرَّهْنُ، ومِنهُ فِكاكُ الأسِيرِ وفَكُّهُ، فَثَبَتَ أنَّ انْفِكاكَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ هو أنْ يُزِيلَهُ بَعْدَ التِحامِهِ بِهِ، كالعَظْمِ إذا انْفَكَّ مِن مَفْصِلِهِ، والمَعْنى أنَّهم مُتَشَبِّثُونَ بِدِينِهِمْ تَشَبُّثًا قَوِيًّا لا يُزِيلُونَهُ إلّا عِنْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ، أمّا البَيِّنَةُ فَهي الحُجَّةُ الظّاهِرَةُ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ فَهي مِنَ البَيانِ أوِ البَيْنُونَةِ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، وفي المُرادِ مِنَ البَيِّنَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها هي الرَّسُولُ، ثُمَّ ذَكَرُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الرَّسُولُ بِالبَيِّنَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ ذاتَهُ كانَتْ بَيِّنَةً عَلى نُبُوَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ الجِدِّ في تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ومَن كانَ كَذّابًا مُتَصَنِّعًا فَإنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ الجِدُّ المُتَناهِي، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ صادِقًا أوْ مَعْتُوهًا. والثّانِي مَعْلُومُ البُطْلانِ لِأنَّهُ كانَ في غايَةِ كَمالِ العَقْلِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ كانَ صادِقًا. الثّانِي: أنَّ مَجْمُوعَ الأخْلاقِ الحاصِلَةِ فِيهِ كانَ بالِغًا إلى حَدِّ كَمالِ الإعْجازِ، والجاحِظُ قَرَّرَ هَذا المَعْنى، والغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصَرَهُ في كِتابِ المُنْقِذِ، فَإذًا لِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ سُمِّيَ هو في نَفْسِهِ بِأنَّهُ بَيِّنَةٌ. الثّالِثُ: أنَّ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَتْ في غايَةِ الظُّهُورِ وكانَتْ أيْضًا في غايَةِ الكَثْرَةِ فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ جُعِلَ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿سِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٦] . واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ البَيِّنَةِ هو الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فَهو رَفْعٌ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”رَسُولًا“ حالٌ مِنَ البَيِّنَةِ قالُوا: والألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿البَيِّنَةُ﴾ لِلتَّعْرِيفِ أيْ هو الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ مُوسى وعِيسى، أوْ يُقالُ: إنَّها لِلتَّفْخِيمِ أيْ هو ”البَيِّنَةُ“ الَّتِي لا مَزِيدَ عَلَيْها أوِ البَيِّنَةُ كُلُّ البَيِّنَةِ لِأنَّ التَّعْرِيفَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّفْخِيمِ وكَذا التَّنْكِيرُ وقَدْ جَمَعَهُما اللَّهُ هَهُنا في حَقِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَدَأ بِالتَّعْرِيفِ وهو لَفْظُ البَيِّنَةِ ثُمَّ ثَنّى بِالتَّنْكِيرِ فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ هو رَسُولٌ وأيُّ رَسُولٍ، ونَظِيرُهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الثَّناءِ عَلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البُرُوجِ: ١٥] ثُمَّ قالَ: ﴿فَعّالٌ﴾ فَنَكَّرَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ ﴿البَيِّنَةُ﴾ مُطْلَقُ الرُّسُلِ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ قالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيْ حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ تَتْلُو عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٣] وكَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المُدَّثِّرِ: ٥٢] . القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: (البَيِّنَةُ) هي القُرْآنُ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن مُضافٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: وتِلْكَ البَيِّنَةُ وحْيٌ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصُّحُفَ جَمْعُ صَحِيفَةٍ وهي ظَرْفٌ لِلْمَكْتُوبِ، وفي: (المُطَهَّرَةِ) وُجُوهٌ: أحَدُها: (مُطَهَّرَةً) عَنِ الباطِلِ وهي كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١٤] . وثانِيها: (مُطَهَّرَةً ) عَنِ الذِّكْرِ القَبِيحِ فَإنَّ القُرْآنَ يُذْكَرُ بِأحْسَنِ الذِّكْرِ ويُثْنى عَلَيْهِ أحْسَنَ الثَّناءِ. وثالِثُها: أنْ يُقالَ: (مُطَهَّرَةً) أيْ يَنْبَغِي أنْ لا يَمَسَّها إلّا المُطَهَّرُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٨] . صفحة ٤١ واعْلَمْ أنَّ المُطَهَّرَةَ وإنْ جَرَتْ نَعْتًا لِلصُّحُفِ في الظّاهِرِ فَهي نَعْتٌ لِما في الصُّحُفِ وهو القُرْآنُ وقَوْلُهُ: ﴿كُتُبٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (أحَدُهُما) المُرادُ مِنَ الكُتُبِ الآياتُ المَكْتُوبَةُ في الصُّحُفِ. والثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحُكْمِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢١] ومِنهُ حَدِيثُ العَسِيفِ: ”«لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ» “ أيْ بِحُكْمِ اللَّهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أيْ أحْكامٌ قَيِّمَةٌ أمّا القَيِّمَةُ فَفِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مُسْتَقِيمَةٌ لا عِوَجَ فِيها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ مِن قامَ يَقُومُ كالسَّيِّدِ والمَيِّتِ، وهو كَقَوْلِهِمْ: قامَ الدَّلِيلُ عَلى كَذا إذا ظَهَرَ واسْتَقامَ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ القَيِّمَةُ بِمَعْنى القائِمَةِ أيْ هي قائِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِالحُجَّةِ والدَّلالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: قامَ فُلانٌ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا أجْراهُ عَلى وجْهِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْقائِمِ بِأمْرِ القَوْمِ: القَيِّمُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نَسَبَ تِلاوَةَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ إلى الرَّسُولِ مَعَ أنَّهُ كانَ أُمِّيًّا ؟ قُلْنا: إذا تَلا مَثَلًا المَسْطُورَ في تِلْكَ الصُّحُفِ كانَ تالِيًا ما فِيها وقَدْ جاءَ في كِتابٍ مَنسُوبٍ إلى جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ مِنَ الكِتابِ، وإنْ كانَ لا يَكْتُبُ، ولَعَلَّ هَذا كانَ مِن مُعْجِزاتِهِ ﷺ . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أهْلَ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وهَهُنا ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ فَقَطْ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يُقَرُّوا عَلى دِينِهِمْ فَمَن آمَنَ فَهو المُرادُ ومَن لَمْ يُؤْمِن قُتِلَ، بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُقَرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ بِبَذْلِ الجِزْيَةِ. وثانِيها: أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا عالِمِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ أنَّهم وجَدُوها في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ مَعَ العِلْمِ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ النّاسَ تَفَرَّقُوا في الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ في أصْلابِ الآباءِ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، والجَوابُ: أنَّ هَذا رَكِيكٌ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ وإرادَتَهُ لَهُ حاصِلٌ في الأزَلِ، أمّا ظُهُورُهُ مِنَ المُكَلَّفِ فَإنَّما وقَعَ بَعْدَ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ والتَّفَرُّقَ فِعْلُهم لا أنَّهُ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ آتاهم ذَلِكَ فالخَيْرُ والتَّوْفِيقُ مُضافٌ إلى اللَّهِ، والشَّرُّ والتَّفَرُّقُ والكُفْرُ مُضافٌ إلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ أيْ: لا يَغُمَّنَّكَ تَفَرُّقُهم فَلَيْسَ ذَلِكَ لِقُصُورٍ في الحُجَّةِ بَلْ لِعِنادِهِمْ، فَسَلَفُهم هَكَذا كانُوا لَمْ يَتَفَرَّقُوا في السَّبْتِ وعِبادَةِ العِجْلِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ فَهي عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهم.

البينة 98:5

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٤٢ المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ: ﴿وما أُمِرُوا﴾ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا بِالدِّينِ الحَنِيفِيِّ، فَيَكُونُ المُرادُ أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ كَما أنَّهُ كانَ مَشْرُوعًا في حَقِّهِمْ فَهو مَشْرُوعٌ في حَقِّنا. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ: وما أُمِرَ أهْلُ الكِتابِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا بِهَذِهِ الأشْياءِ، وهَذا أوْلى، لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الآيَةَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تُفِيدُ شَرْعًا جَدِيدًا وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلى ما يَكُونُ أكْثَرَ فائِدَةً أوْلى. وثانِيها: وهو أنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ مَرَّ هَهُنا وهو قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وذِكْرَ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يَتَقَدَّمْ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ فَحَكَمَ بِكَوْنِ ما هو مُتَعَلِّقُ هَذِهِ الآيَةِ دِينًا قَيِّمًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ شَرْعًا في حَقِّنا سَواءٌ قُلْنا: بِأنَّهُ شَرْعُ مَن قَبْلَنا أوْ شَرْعٌ جَدِيدٌ يَكُونُ هَذا بَيانًا لِشَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ دَقِيقَةٌ وهي أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ الغَرَضِ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ كُلَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَهو ناقِصٌ لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلٌ بِذَلِكَ الغَرَضِ، فَلَوْ فَعَلَ اللَّهُ فِعْلًا لَكانَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِالغَيْرِ وهو مُحالٌ، لِأنَّ ذَلِكَ الغَرَضَ إنْ كانَ قَدِيمًا لَزِمَ مِن قِدَمِهِ قِدَمُ الفِعْلِ، وإنْ كانَ مُحْدَثًا افْتَقَرَ إلى غَرَضٍ آخَرَ فَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ ولِأنَّهُ إنْ عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ إلّا بِتِلْكَ الواسِطَةِ فَهو عاجِزٌ، وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِ كانَ تَوْسِيطُ تِلْكَ الواسِطَةِ عَبَثًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ. ثُمَّ قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَجْعَلُ اللّامَ في مَوْضِعِ ”أنْ“ في الأمْرِ والإرادَةِ كَثِيرًا، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٦]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصِّفِّ: ٨] وقالَ في الأمْرِ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنْعامِ: ٧١] وهي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ”وما أُمِرُوا إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ“ فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ: وما أُمِرُوا إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. والإخْلاصُ عِبارَةٌ عَنِ النِّيَّةِ الخالِصَةِ، والنِّيَّةُ الخالِصَةُ لَمّا كانَتْ مُعْتَبَرَةً كانَتِ النِّيَّةُ مُعْتَبَرَةً، فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِهِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَنوِيًّا، ثُمَّ قالَتِ الشّافِعِيَّةُ: الوُضُوءُ مَأْمُورٌ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٦] ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنوِيًّا، فَيَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ وُجُوبُ كَوْنِ الوُضُوءِ مَنوِيًّا، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم يُوجِبُونَ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ وأحْكامِهِ بِالأغْراضِ، لا جَرَمَ أجْرَوُا الآيَةَ عَلى ظاهِرِها فَقالُوا مَعْنى الآيَةِ: وما أُمِرُوا بِشَيْءٍ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، والِاسْتِدْلالُ عَلى هَذا القَوْلِ أيْضًا قَوِيٌّ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ وما أُمِرُوا بِشَيْءٍ إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ في ذَلِكَ الشَّيْءِ، وهَذا أيْضًا يَقْتَضِي اعْتِبارَ النِّيَّةِ في جَمِيعِ المَأْمُوراتِ. فَإنْ قِيلَ: النَّظَرُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ مَأْمُورٌ بِهِ ويَسْتَحِيلُ اعْتِبارُ النِّيَّةِ فِيهِ؛ لِأنَّ النِّيَّةَ لا يُمْكِنُ اعْتِبارُها إلّا بَعْدَ المَعْرِفَةِ، فَما كانَ قَبْلَ المَعْرِفَةِ لا يُمْكِنُ اعْتِبارُ النِّيَّةِ فِيهِ. قُلْنا: هَبْ أنَّهُ خَصَّ عُمُومَ الآيَةِ في هَذِهِ الصُّورَةِ بِحُكْمِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ الَّذِي ذَكَرْتُمْ فَيَبْقى في الباقِي حُجَّةٌ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أُمِرُوا﴾ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهو: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] قالُوا: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: العِبادَةُ شاقَّةٌ ولا أُرِيدُ مَشَقَّتَكَ إرادَةً أصْلِيَّةً بَلْ إرادَتِي لِعِبادَتِكَ كَإرادَةِ الوالِدَةِ لِحِجامَتِكَ، ولِهَذا لَمّا آلَ الأمْرُ إلى الرَّحْمَةِ قالَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٤]، ﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢٢] وذُكِرَ في الواقِعاتِ إذا أرادَ الأبُ مِنِ ابْنِهِ عَمَلًا يَقُولُ لَهُ أوَّلًا: يَنْبَغِي أنَّ تَفْعَلَ هَذا ولا يَأْمُرَهُ صفحة ٤٣ صَرِيحًا، لِأنَّهُ رُبَّما يَرُدُّ عَلَيْهِ فَتَعْظُمُ جِنايَتُهُ، فَهَهُنا أيْضًا لَمْ يُصَرِّحْ بِالأمْرِ لِتَخِفَّ جِنايَةُ الرّادِّ. وثانِيها: أنّا عَلى القَوْلِ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ، نَقُولُ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَسْتُ أنا الآمِرَ لِلْعِبادَةِ فَقَطْ، بَلْ عَقْلُكَ أيْضًا يَأْمُرُكَ لِأنَّ النِّهايَةَ في التَّعْظِيمِ لِمَن أوْصَلَ إلَيْكَ [أنَّ] نِهايَةَ الإنْعامِ واجِبَةٌ في العُقُولِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ تَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ حَيْثُ قالُوا: العِبادَةُ ما وجَبَتْ لِكَوْنِها مُفْضِيَةً إلى ثَوابِ الجَنَّةِ، أوْ إلى البُعْدِ عَنْ عِقابِ النّارِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّكَ عَبْدٌ وهو رَبٌّ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ في الدِّينِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ البَتَّةَ، ثُمَّ أمَرَكَ بِالعِبادَةِ. وجَبَتْ لِمَحْضِ العُبُودِيَّةِ، وفِيها أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ مَن عَبَدَ اللَّهَ لِلثَّوابِ والعِقابِ، فالمَعْبُودُ في الحَقِيقَةِ هو الثَّوابُ والعِقابُ، والحَقُّ واسِطَةٌ، ونِعْمَ ما قِيلَ: مَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَقَدْ قالَ بِالثّانِي ومَن آثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ، بَلْ لِلْمَعْرُوفِ، فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العِبادَةُ هي التَّذَلُّلُ، ومِنهُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ، أيْ مُذَلَّلٌ، ومَن زَعَمَ أنَّها الطّاعَةُ فَقَدْ أخْطَأ، لِأنَّ جَماعَةً عَبَدُوا المَلائِكَةَ والمَسِيحَ والأصْنامَ وما أطاعُوهم، ولَكِنْ في الشَّرْعِ صارَتِ اسْمًا لِكُلِّ طاعَةٍ لِلَّهِ أُدِّيَتْ لَهُ عَلى وجْهِ التَّذَلُّلِ والنِّهايَةِ في التَّعْظِيمِ، واعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ بِهَذا المَعْنى لا يَسْتَحِقُّها إلّا مَن يَكُونُ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، فَإنْ كانَ مِثْلٌ لَمْ يَجُزْ أنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ النِّهايَةُ في التَّعْظِيمِ، ثُمَّ نَقُولُ: لا بُدَّ في كَوْنِ الفِعْلِ عِبادَةً مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: غايَةُ التَّعْظِيمِ، ولِذَلِكَ قُلْنا: إنَّ صَلاةَ الصَّبِيِّ لَيْسَتْ بِعِبادَةٍ، لِأنَّهُ لا يَعْرِفُ عَظَمَةَ اللَّهِ، فَلا يَكُونُ فِعْلُهُ في غايَةِ التَّعْظِيمِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ، فَفِعْلُ اليَهُودِيِّ لَيْسَ بِعِبادَةٍ، وإنْ تَضَمَّنَ نِهايَةَ التَّعْظِيمِ، لِأنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، والنُّكْتَةُ الوَعْظِيَّةُ فِيهِ أنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِعِبادَةٍ لِفَقْدِ التَّعْظِيمِ وفِعْلَ اليَهُودِيِّ لَيْسَ بِعِبادَةٍ لِفَقْدِ الأمْرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ رُكُوعُكَ النّاقِصُ عِبادَةً ولا أمْرٌ ولا تَعْظِيمٌ ؟ * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الإخْلاصُ هو أنْ يَأْتِيَ بِالفِعْلِ خالِصًا لِداعِيَةٍ واحِدَةٍ، ولا يَكُونُ لِغَيْرِها مِنَ الدَّواعِي تَأْثِيرٌ في الدُّعاءِ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ، والنُّكَتُ الوَعْظِيَّةُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ عَبْدِي لا تَسْعَ في إكْثارِ الطّاعَةِ بَلْ في إخْلاصِها لِأنِّي ما بَذَلْتُ كُلَّ مَقْدُورِي لَكَ حَتّى أطْلُبَ مِنكَ كُلَّ مَقْدُورِكَ، بَلْ بَذَلْتُ لَكَ البَعْضَ، فَأطْلُبُ مِنكَ البَعْضَ نِصْفًا مِنَ العِشْرِينَ، وشاةً مِنَ الأرْبَعِينَ، لَكِنَّ القَدْرَ الَّذِي فَعَلْتُهُ لَمْ أُرِدْ بِفِعْلِهِ سِواكَ، فَلا تُرِدْ بِطاعَتِكَ سِوايَ، فَلا تَسْتَثْنِ مِن طاعَتِكَ لِنَفْسِكَ فَضْلًا مِن أنْ تَسْتَثْنِيَهُ لِغَيْرِكَ، فَمِن ذَلِكَ المُباحُ الَّذِي يُوجَدُ مِنكَ في الصَّلاةِ كالحَكَّةِ والتَّنَحْنُحِ فَهو حَظٌّ اسْتَثْنَيْتَهُ لِنَفْسِكَ فانْتَفى الإخْلاصُ، وأمّا الِالتِفاتُ المَكْرُوهُ فَذا حَظُّ الشَّيْطانِ. وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا عَقْلُ أنْتَ حَكِيمٌ لا تَمِيلُ إلى الجَهْلِ والسَّفَهِ وأنا حَكِيمٌ لا أفْعَلُ ذَلِكَ البَتَّةَ، فَإذًا لا تُرِيدُ إلّا ما أُرِيدُ ولا أُرِيدُ إلّا ما تُرِيدُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ مَلِكُ العالَمِينَ، والعَقْلُ مَلِكٌ لِهَذا البَدَنِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بِفَضْلِهِ قالَ: المَلِكُ لا يَخْدُمُ المَلِكَ لَكِنْ [لِكَيْ] نَصْطَلِحَ أجْعَلُ جَمِيعَ ما أفْعَلُهُ لِأجْلِكَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٩] فاجْعَلْ أنْتَ أيْضًا جَمِيعَ ما تَفْعَلُهُ لِأجْلِي: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ فَهو تَنْبِيهٌ عَلى ما يَجِبُ مِن تَحْصِيلِ الإخْلاصِ مِنِ ابْتِداءِ الفِعْلِ إلى انْتِهائِهِ، والمُخْلِصُ هو الَّذِي يَأْتِي بِالحَسَنِ لِحُسْنِهِ، والواجِبِ لِوُجُوبِهِ، فَيَأْتِي بِالفِعْلِ لِوَجْهِهِ صفحة ٤٤ مُخْلِصًا لِرَبِّهِ، لا يُرِيدُ رِياءً ولا سُمْعَةً ولا غَرَضًا آخَرَ، بَلْ قالُوا: لا يُجْعَلُ طَلَبُ الجَنَّةِ مَقْصُودًا ولا النَّجاةُ عَنِ النّارِ مَطْلُوبًا وإنْ كانَ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ، وفي التَّوْراةِ: ما أُرِيدَ بِهِ وجْهِي فَقَلِيلُهُ كَثِيرٌ وما أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ وجْهِي فَكَثِيرُهُ قَلِيلٌ. وقالُوا مِنَ الإخْلاصِ أنْ لا يَزِيدَ في العِباداتِ عِبادَةً أُخْرى لِأجْلِ الغَيْرِ، مِثْلَ: الواجِبُ مِنَ الأُضْحِيَّةِ شاةٌ، فَإذا ذَبَحْتَ اثْنَتَيْنِ واحِدَةً لِلَّهِ وواحِدَةً لِلْأمِيرِ لَمْ يَجُزْ لِأنَّهُ شِرْكٌ، وإنْ زِدْتَ في الخُشُوعِ، لِأنَّ النّاسَ يَرَوْنَهُ لَمْ يَجُزْ، فَهَذا إذا خَلَطْتَ بِالعِبادَةِ عِبادَةً أُخْرى، فَكَيْفَ ولَوْ خَلَطْتَ بِها مَحْظُورًا مِثْلَ أنْ تَتَقَدَّمَ عَلى إمامِكَ، بَلْ لا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إلى الوالِدَيْنِ والمَوْلُودِينَ ولا إلى العَبِيدِ ولا الإماءِ لِأنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ، فَإذا طَلَبْتَ بِذَلِكَ سُرُورَ والِدِكَ أوْ ولَدِكَ يَزُولُ الإخْلاصُ، فَكَيْفَ إذا طَلَبْتَ مَسَرَّةَ شَهْوَتِكَ كَيْفَ يَبْقى الإخْلاصُ ؟ وقَدِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ السَّلَفِ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مُخْلِصِينَ﴾: قالَ بَعْضُهم: مُقِرِّينَ لَهُ بِالعِبادَةِ، وقالَ آخَرُونَ: قاصِدِينَ بِقُلُوبِهِمْ رِضا اللَّهِ في العِبادَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ يَعْبُدُونَهُ مُوَحِّدِينَ لَهُ لا يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٣١] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: مُتَّبِعِينَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] وهَذا التَّفْسِيرُ فِيهِ لَطِيفَةٌ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا عَلِمَ أنَّ التَّقْلِيدَ مُسْتَوْلٍ عَلى الطِّباعِ لَمْ يَسْتَجِزْ مَنعَهُ عَنِ التَّقْلِيدِ بِالكُلِّيَّةِ ولَمْ يَسْتَجِزِ التَّعْوِيلَ عَلى التَّقْلِيدِ أيْضًا بِالكُلِّيَّةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ قَوْمًا أجْمَعَ الخَلْقُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ، وهو إبْراهِيمُ ومَن مَعَهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [المُمْتَحِنَةِ: ٤] فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنْ كُنْتَ تُقَلِّدُ أحَدًا في دِينِكَ، فَكُنْ مُقَلِّدًا إبْراهِيمَ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِنَ الأصْنامِ وهَذا غَيْرُ عَجِيبٍ فَإنَّهُ قَدْ تَبَرَّأ مِن نَفْسِهِ حِينَ سَلَّمَها إلى النِّيرانِ، ومِن مالِهِ حِينَ بَذَلَهُ لِلضِّيفانِ، ومِن ولَدِهِ حِينَ بَذَلَهُ لِلْقُرْبانِ، بَلْ رُوِيَ أنَّهُ سَمِعَ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ فاسْتَطابَهُ، ولَمْ يَرَ شَخْصًا فاسْتَعادَهُ، فَقالَ: أمّا بِغَيْرِ أجْرٍ فَلا، فَبَذَلَ كُلَّ ما مَلَكَهُ، فَظَهَرَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: حُقَّ لَكَ حَيْثُ سَمّاكَ خَلِيلًا فَخُذْ مالَكَ، فَإنَّ القائِلَ كُنْتُ أنا، بَلِ انْقَطَعَ إلى اللَّهِ حَتّى عَنْ جِبْرِيلَ حِينَ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فالحَقُّ سُبْحانَهُ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كُنْتَ عابِدًا فاعْبُدْ كَعِبادَتِهِ، فَإذا لَمْ تَتْرُكِ الحَلالَ وأبْوابَ السَّلاطِينِ، أما تَتْرُكُ الحَرامَ ومُوافَقَةَ الشَّياطِينِ، فَإنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى مُتابَعَةِ إبْراهِيمَ، فاجْتَهِدْ في مُتابَعَةِ ولَدِهِ الصَّبِيِّ، كَيْفَ انْقادَ لِحُكْمِ رَبِّهِ مَعَ صِغَرِهِ، فَمَدَّ عُنُقَهُ لِحُكْمِ الرُّؤْيا، وإنْ كُنْتَ دُونَ الرَّجُلِ فاتَّبِعِ المَوْسُومَ بِنُقْصانِ العَقْلِ، وهو أُمُّ الذَّبِيحِ، كَيْفَ تَجَرَّعَتْ تِلْكَ الغُصَّةَ، ثُمَّ إنَّ المَرْأةَ الحُرَّةَ نِصْفُ الرَّجُلِ فَإنَّ الِاثْنَتَيْنِ تَقُومانِ مَقامَ الرَّجُلِ الواحِدِ في الشَّهادَةِ والإرْثِ، والرَّقِيقَةُ نِصْفُ الحُرَّةِ بِدَلِيلِ أنَّ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ مِنَ القَسْمِ، فَهاجَرُ كانَتْ رُبُعَ الرَّجُلِ، ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ أطاعَتْ رَبَّها فَتَحَمَّلَتِ المِحْنَةَ في أوْلادِها ثُمَّ صَبَرَتْ حِينَ تَرَكَها الخَلِيلُ وحِيدَةً فَرِيدَةً في جِبالِ مَكَّةَ بِلا ماءٍ ولا زادٍ وانْصَرَفَ لا يُكَلِّمُها ولا يَعْطِفُ عَلَيْها، قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ فَأوْمَأ بِرَأْسِهِ نَعَمْ، فَرَضِيَتْ بِذَلِكَ وصَبَرَتْ عَلى تِلْكَ المَشاقِّ. والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُنَفاءَ﴾ أيْ مُسْتَقِيمِينَ والحَنَفُ هو الِاسْتِقامَةُ، وإنَّما سُمِّيَ مائِلُ القَدَمِ أحْنَفَ عَلى سَبِيلِ التَّفاؤُلِ، كَقَوْلِنا لِلْأعْمى بَصِيرٌ ولِلْمَهْلَكَةِ مَفازَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠]، ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] . صفحة ٤٥ والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم حُجّاجًا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ذَكَرَ العِبادَ أوَّلًا ثُمَّ قالَ: ﴿حُنَفاءَ﴾ وإنَّما قَدَّمَ الحَجَّ عَلى الصَّلاةِ لِأنَّ في الحَجِّ صَلاةً وإنْفاقَ مالٍ. الرّابِعُ: قالَ أبُو قِلابَةَ: الحَنِيفُ الَّذِي آمَنَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ ولَمْ يَسْتَثْنِ أحَدًا مِنهم، فَمَن لَمْ يُؤْمِن بِأفْضَلِ الأنْبِياءِ كَيْفَ يَكُونُ حَنِيفًا. الخامِسُ: حُنَفاءَ أيْ جامِعِينَ لِكُلِّ الدِّينِ إذِ الحَنِيفِيَّةُ كُلُّ الدِّينِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ» السّادِسُ: قالَ قَتادَةُ: هي الخِتانُ وتَحْرِيمُ نِكاحِ المَحارِمِ أيْ مَخْتُونِينَ مُحَرِّمِينَ لِنِكاحِ الأُمِّ والمَحارِمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حُنَفاءَ﴾ إشارَةٌ إلى النَّفْيِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالإثْباتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ . السّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أصْلُهُ مِنَ الحَنَفِ في الرِّجْلِ، وهو إدْبارُ إبْهامِها عَنْ أحْوانِها حَتّى يُقْبِلَ عَلى إبْهامِ الأُخْرى، فَيَكُونُ الحَنِيفُ هو الَّذِي يَعْدِلُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها إلى الإسْلامِ. الثّامِنُ: قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أُنَيْسٍ: الحَنِيفُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِصَلاتِهِ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ يَقُولُ: وجَّهْتُ وجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا، وأمّا الكَلامُ في إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ فَقَدْ مَرَّ مِرارًا كَثِيرَةً، ثُمَّ قالَ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: ذَلِكَ دِينُ المِلَّةِ القَيِّمَةِ، فالقَيِّمَةُ نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمُرادُ مِنَ القَيِّمَةِ إمّا المُسْتَقِيمَةُ أوِ القائِمَةُ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: هَذا مِن إضافَةِ النَّعْتِ إلى المَنعُوتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ . * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ لَطائِفُ: إحْداها: أنَّ الكَمالَ في كُلِّ شَيْءٍ إنَّما يَحْصُلُ إذا حَصَلَ الأصْلُ والفَرْعُ مَعًا، فَقَوْمٌ أطْنَبُوا في الأعْمالِ مِن غَيْرِ إحْكامِ الأُصُولِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، فَإنَّهم رُبَّما أتْعَبُوا أنْفُسَهم في الطّاعاتِ، ولَكِنَّهم ما حَصَّلُوا الدِّينَ الحَقَّ، وقَوْمٌ حَصَّلُوا الأُصُولَ وأهْمَلُوا الفُرُوعَ، وهُمُ المُرْجِئَةُ الَّذِينَ قالُوا: لا يَضُرُّ الذَّنْبُ مَعَ الإيمانِ، واللَّهُ تَعالى خَطَّأ الفَرِيقَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ العِلْمِ والإخْلاصِ في قَوْلِهِ: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ ومِنَ العَمَلِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ المَجْمُوعُ كُلُّهُ هو ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيِ البَيِّنَةِ المُسْتَقِيمَةِ المُعْتَدِلَةِ، فَكَما أنَّ مَجْمُوعَ الأعْضاءِ بَدَنٌ واحِدٌ، كَذا هو المَجْمُوعُ دِينٌ واحِدٌ، فَقَلْبُ دِينِكَ الِاعْتِقادُ ووَجْهُهُ الصَّلاةُ ولِسانُهُ الواصِفُ لِحَقِيقَتِهِ الزَّكاةُ؛ لِأنَّ بِاللِّسانِ يَظْهَرُ قَدْرُ فَضْلِكَ، وبِالصَّدَقَةِ يَظْهَرُ قَدْرُ دِينِكَ، ثُمَّ إنَّ القَيِّمَ مَن يَقُومُ بِمَصالِحِ مَن يَعْجِزُ عَنْ إقامَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: القائِمُ بِتَحْصِيلِ مَصالِحِكَ عاجِلًا وآجِلًا هو هَذا المَجْمُوعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ وقَوْلُهُ في القُرْآنِ: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ لِأنَّ القُرْآنَ هو القَيِّمُ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن كانَ في عَمَلِ اللَّهِ كانَ اللَّهُ في عَمَلِهِ وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا دُنْيا، مَن خَدَمَكِ فاسْتَخْدِمِيهِ، ومَن خَدَمَنِي فاخْدِمِيهِ» “ وثانِيها: أنَّ المُحْسِنِينَ في أفْعالِهِمْ هم مِثْلُ الحَقِّ سُبْحانَهُ وذَلِكَ بِالإحْسانِ إلى عَبِيدِهِ والمَلائِكَةِ، وذَلِكَ بِأنَّهُمُ اشْتَغَلُوا بِالتَّسْبِيحِ لِخالِقِهِمْ، فالإحْسانُ مِنَ اللَّهِ لا مِنَ المَلائِكَةِ، والتَّعْظِيمُ والعُبُودِيَّةُ مِنَ المَلائِكَةِ لا مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ إذا حَضَرَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ مُباهِيًا بِهِمْ: مَلائِكَتِي هَؤُلاءِ أمْثالُكم سَبَّحُوا وهَلَّلُوا، بَلْ في بَعْضِ الأفْعالِ أمْثالِي أحْسَنُوا وتَصَدَّقُوا، ثُمَّ إنِّي أُكْرِمُكم يا مَلائِكَتِي بِمُجَرَّدِ ما أتَيْتُمْ بِهِ مِنَ العُبُودِيَّةِ وأنْتُمْ تُعَظِّمُونِي بِمُجَرَّدِ ما فَعَلْتُ مِنَ الإحْسانِ، فَأنْتُمْ صَبَرْتُمْ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ: أقامُوا الصَّلاةَ أتَوْا بِالعُبُودِيَّةِ وآتَوُا الزَّكاةَ أتَوْا بِالإحْسانِ، فَأنْتُمْ صَبَرْتُمْ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ وهم صَبَرُوا عَلى الأمْرَيْنِ، فَتَتَعَجَّبُ المَلائِكَةُ مِنهم ويَنْصِبُونَ إلَيْهِمُ النَّظّارَةَ، صفحة ٤٦ فَلِهَذا قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٣٢-٤٢] أفَلا يَكُونُ هَذا الدِّينُ قَيِّمًا. وثالِثُها: أنَّ الدِّينَ كالنَّفْسِ فَحَياةُ الدِّينِ بِالمَعْرِفَةِ، ثُمَّ النَّفْسُ العالِمَةُ بِلا قُدْرَةٍ كالزَّمِنِ العاجِزِ، والقادِرَةُ بِلا عِلْمٍ مَجْنُونَةٌ، فَإذا اجْتَمَعَ العِلْمُ والقُدْرَةُ كانَتِ النَّفْسُ كامِلَةً فَكَذا الصَّلاةُ لِلدِّينِ كالعِلْمِ، والزَّكاةُ كالقُدْرَةِ، فَإذا اجْتَمَعَتا سُمِّيَ الدِّينُ قَيِّمَةً. ورابِعُها: وهو فائِدَةُ التَّرْتِيبِ أنَّ الحَكِيمَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى أسْهَلِ شَيْءٍ، وهو القَوْلُ والِاعْتِقادُ فَقالَ: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ ثُمَّ لَمّا أجابُوهُ زادَهُ، فَسَألَهُمُ الصَّلاةَ الَّتِي بَعْدَ أدائِها تَبْقى النَّفْسُ سالِمَةً كَما كانَتْ، ثُمَّ لَمّا أجابُوهُ وأرادَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ وعَلِمَ أنَّها تَشُقُّ عَلَيْهِمْ قالَ: «لا زَكاةَ في مالٍ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ الكُلَّ قالَ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: الإيمانُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ القَوْلِ والِاعْتِقادِ والعَمَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: مَجْمُوعُ القَوْلِ والفِعْلِ والعَمَلِ هو الدِّينُ، والدِّينُ هو الإسْلامُ والإسْلامُ هو الإيمانُ، فَإذًا مَجْمُوعُ القَوْلِ والفِعْلِ والعَمَلِ هو الإيمانُ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ وذَلِكَ المَذْكُورُ هو دِينُ القَيِّمَةِ وإنَّما قُلْنا: إنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وإنَّما قُلْنا: إنَّ الإسْلامَ هو الإيمانُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الإيمانَ لَوْ كانَ غَيْرَ الإسْلامِ لَما كانَ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] لَكِنَّ الإيمانَ بِالإجْماعِ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَهو إذًا عَيْنُ الإسْلامِ. والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] فاسْتِثْناءُ المُسْلِمِ مِنَ المُؤْمِنِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ، وإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ ظَهَرَ أنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ أعْنِي القَوْلَ والفِعْلَ والعَمَلَ هو الإيمانُ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُ مَن قالَ: الإيمانُ اسْمٌ لِمُجَرَّدِ المَعْرِفَةِ، أوْ لِمُجَرَّدِ الإقْرارِ أوْ لَهُما مَعًا. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ﴾ إلى الإخْلاصِ فَقَطْ ؟ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا نَحْتاجُ إلى الإضْمارِ أوْلى، وأنْتُمْ تَحْتاجُونَ إلى الإضْمارِ، فَتَقُولُونَ: المُرادُ: وذَلِكَ المَذْكُورُ، ولا شَكَّ أنَّ عَدَمَ الإضْمارِ أوْلى، سَلَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَجْمُوعَ هو الدِّينُ القَيِّمُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ المَجْمُوعَ هو الدِّينُ، وذَلِكَ لِأنَّ الدِّينَ غَيْرٌ؛ الدِّينُ القَيِّمُ، فالدِّينُ القَيِّمُ هو الدِّينُ الكامِلُ المُسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ الدِّينُ حاصِلًا، وكانَتْ آثارُهُ ونَتائِجُهُ مَعَهُ حاصِلَةً أيْضًا، وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وإذا لَمْ يُوجَدْ هَذا المَجْمُوعُ، لَمْ يَكُنِ الدِّينُ القَيِّمُ حاصِلًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ أصْلَ الدِّينِ لا يَكُونُ حاصِلًا والنِّزاعُ ما وقَعَ إلّا فِيهِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.

البينة 98:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا حالَ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أعادَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ صفحة ٤٧ ذِكْرَ كِلا الفَرِيقَيْنِ، فَبَدَأ أيْضًا بِحالِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِهِمْ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: الخُلُودُ في نارِ جَهَنَّمَ والثّانِي: أنَّهم شَرُّ الخَلْقِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قَدَّمَ أهْلَ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ في الذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يُقَدِّمُ حَقَّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى حَقِّ نَفْسِهِ، ألا تَرى أنَّ القَوْمَ لَمّا كَسَرُوا رُباعِيَتَهُ قالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» ولَمّا فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ يَوْمَ الخَنْدَقِ قالَ: «اللَّهُمَّ امْلَأْ بُطُونَهم وقُبُورَهم نارًا» فَكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -قالَ: كانَتِ الضَّرْبَةُ ثَمَّ عَلى وجْهِ الصُّورَةِ، وفي يَوْمِ الخَنْدَقِ عَلى وجْهِ السِّيرَةِ الَّتِي هي الصَّلاةُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَضاهُ ذَلِكَ فَقالَ: كَما قَدَّمْتَ حَقِّي عَلى حَقِّكَ فَأنا أيْضًا أُقَدِّمُ حَقَّكَ عَلى حَقِّ نَفْسِي، فَمَن تَرَكَ الصَّلاةَ طُولَ عُمُرِهِ لا يَكْفُرُ ومَن طَعَنَ في شَعْرَةٍ مِن شَعَراتِكَ يَكْفُرُ. إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: أهْلُ الكِتابِ ما كانُوا يَطْعَنُونَ في اللَّهِ بَلْ في الرَّسُولِ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَإنَّهم كانُوا يَطْعَنُونَ في اللَّهِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَذْكُرَ سُوءَ حالِهِمْ بَدَأ أوَّلًا في النِّكايَةِ بِذِكْرِ مَن طَعَنَ في مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -وهم أهْلُ الكِتابِ، ثُمَّ ثانِيًا بِذِكْرِ مَن طَعَنَ فِيهِ تَعالى وهُمُ المُشْرِكُونَ. وثانِيها: أنَّ جِنايَةَ أهْلِ الكِتابِ في حَقِّ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَتْ أعْظَمَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ رَأوْهُ صَغِيرًا ونَشَأ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ سَفَّهَ أحْلامَهم وأبْطَلَ أدْيانَهم، وهَذا أمْرٌ شاقٌّ، أمّا أهْلُ الكِتابِ فَقَدْ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِرِسالَتِهِ ويُقِرُّونَ بِمَبْعَثِهِ فَلَمّا جاءَهم أنْكَرُوهُ مَعَ العِلْمِ بِهِ فَكانَتْ جِنايَتُهم أشَدَّ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ ذَكَرَ: ﴿كَفَرُوا﴾ بِلَفْظِ الفِعْلِ: ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ باسْمِ الفاعِلِ ؟ والجَوابُ: تَنْبِيهًا عَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ ما كانُوا كافِرِينَ مِن أوَّلِ الأمْرِ لِأنَّهم كانُوا مُصَدِّقِينَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ومُقِرِّينَ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهم كَفَرُوا بِذَلِكَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم وُلِدُوا عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ وإنْكارِ الحَشْرِ والقِيامَةِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُنْكِرُونَ الصّانِعَ ويُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ ويُنْكِرُونَ القِيامَةَ، أمّا أهْلُ الكِتابِ فَكانُوا مُقِرِّينَ بِكُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ إلّا أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكانَ كُفْرُ أهْلِ الكِتابِ أخَفَّ مِن كُفْرِ المُشْرِكِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في العَذابِ ؟ والجَوابُ: يُقالُ: بِئْرٌ جَهَنّامٌ إذا كانَ بَعِيدَ القَعْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَكَبَّرُوا طَلَبًا لِلرِّفْعَةِ فَصارُوا إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، ثُمَّ إنَّ الفَرِيقَيْنِ وإنِ اشْتَرَكا في ذَلِكَ لَكِنَّهُ لا يُنافِي اشْتِراكَهم في هَذا القَدْرِ تَفاوُتُهم في مَراتِبِ العَذابِ، واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ في حُسْنِ هَذا العَذابِ أنَّ الإساءَةَ عَلى قِسْمَيْنِ: إساءَةٌ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ وإساءَةٌ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، وهَذا القِسْمُ الثّانِي هو أقْبَحُ القِسْمَيْنِ، والإحْسانُ أيْضًا عَلى قِسْمَيْنِ: إحْسانٌ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، وإحْسانٌ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ، وهَذا أحْسَنُ القِسْمَيْنِ، فَكانَ إحْسانُ اللَّهِ إلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ أعْظَمَ أنْواعِ الإحْسانِ، وإساءَتُهم وكُفْرُهم أقْبَحَ أنْواعِ الإساءَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ العُقُوبَةَ إنَّما تَكُونُ بِحَسَبِ الجِنايَةِ، فَبِالشَّتْمِ تَعْزِيرٌ، وبِالقَذْفِ حَدٌّ وبِالسَّرِقَةِ قَطْعٌ، وبِالزِّنا رَجْمٌ، وبِالقَتْلِ قِصاصٌ، بَلْ شَتْمُ المُماثِلِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ، والنَّظَرُ الشَّزْرُ إلى الرَّسُولِ يُوجِبُ القَتْلَ، فَلَمّا كانَتْ جِنايَةُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أعْظَمَ الجِناياتِ، لا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ العُقُوباتِ، وهو نارُ صفحة ٤٨ جَهَنَّمَ، فَإنَّها نارٌ في مَوْضِعٍ عَمِيقٍ مُظْلِمٍ هائِلٍ لا مَفَرَّ عَنْهُ البَتَّةَ، ثُمَّ كَأنَّهُ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ رَجاءُ الفِرارِ، فَهَلْ هُناكَ رَجاءُ الإخْراجِ ؟ فَقالَ: لا، بَلْ يَبْقَوْنَ خالِدِينَ فِيها، ثُمَّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ هُناكَ أحَدٌ يَرِقُّ قَلْبُهُ عَلَيْهِمْ ؟ فَقالَ: لا بَلْ يَذُمُّونَهم، ويَلْعَنُونَهم لِأنَّهم شَرُّ البَرِيَّةِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَهُنا: خالِدِينَ فِيها أبَدًا، وقالَ في صِفَةِ أهْلِ الثَّوابِ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ ؟ والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ أزْيَدُ مِن غَضَبِهِ. وثانِيها: أنَّ العُقُوباتِ والحُدُودَ والكَفّاراتِ تَتَداخَلُ، أمّا الثَّوابُ فَأقْسامُهُ لا تَتَداخَلُ. وثالِثُها: رُوِيَ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: يا داوُدُ، حَبِّبْنِي إلى خَلْقِي، قالَ: وكَيْفَ أفْعَلُ ذَلِكَ ؟ قالَ: اذْكُرْ لَهم سَعَةَ رَحْمَتِي، فَكانَ هَذا مِن هَذا البابِ. السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ القِراءَةُ في لَفْظِ البَرِيَّةِ ؟ الجَوابُ: قَرَأ نافِعٌ ”البَرِيئَةِ“ بِالهَمْزِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ وهو مِن بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، والقِياسُ فِيها الهَمْزُ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ هَمْزَهُ، كالنَّبِيِّ والذُّرِّيَّةِ والخابِيَةِ، والهَمْزَةُ فِيهِ كالرَّدِّ إلى الأصْلِ المَتْرُوكِ في الِاسْتِعْمالِ، كَما أنَّ مَن هَمَزَ النَّبِيَّ كانَ كَذَلِكَ، وتَرْكُ الهَمْزِ فِيهِ أجْوَدُ، وإنْ كانَ الهَمْزُ هو الأصْلَ، لِأنَّ ذَلِكَ صارَ كالشَّيْءِ المَرْفُوضِ المَتْرُوكِ. وهَمْزُ مَن هَمَزَ البَرِّيَّةَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِنَ البَرا الَّذِي هو التُّرابُ. السُّؤالُ السّادِسُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: هم شَرُّ البَرِيَّةِ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ يُفِيدُ النَّفْيَ والإثْباتَ أيْ هم دُونَ غَيْرِهِمْ، واعْلَمْ أنَّ شَرَّ البَرِيَّةِ جُمْلَةٌ يَطُولُ تَفْصِيلُها، شَرٌّ مِنَ السُّرّاقِ، لِأنَّهم سَرَقُوا مِن كِتابِ اللَّهِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وشَرٌّ مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ، لِأنَّهم قَطَعُوا طَرِيقَ الحَقِّ عَلى الخَلْقِ، وشَرٌّ مِنَ الجُهّالِ الأجْلافِ، لِأنَّ الكِبْرَ مَعَ العِلْمِ يَكُونُ كُفْرَ عِنادٍ فَيَكُونُ أقْبَحَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ وعِيدَ عُلَماءِ السُّوءِ أعْظَمُ مِن وعِيدِ كُلِّ أحَدٍ. السُّؤالُ السّابِعُ: هَذِهِ الآيَةُ هَلْ هي مُجْراةٌ عَلى عُمُومِها ؟ الجَوابُ: لا بَلْ هي مَخْصُوصَةٌ بِصُورَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّ مَن تابَ مِنهم وأسْلَمَ خَرَجَ عَنِ الوَعِيدِ. والثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ في الآيَةِ مَن مَضى مِنَ الكُفّارِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ شَرًّا مِنهم، فَأمّا الآيَةُ الثّانِيَةُ وهي الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى ثَوابِ المُؤْمِنِينَ فَعامَّةٌ فِيمَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ، لِأنَّهم أفْضَلُ الأُمَمِ.

البينة 98:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الوَجْهُ في حُسْنِ تَقْدِيمِ الوَعِيدِ عَلى الوَعْدِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الوَعِيدَ كالدَّواءِ، والوَعْدَ كالغِذاءِ، ويَجِبُ تَقْدِيمُ الدَّواءِ حَتّى إذا صارَ البَدَنُ نَقِيًّا انْتَفَعَ بِالغِذاءِ، فَإنَّ البَدَنَ غَيْرَ النَّقِيِّ كُلَّما غَذَوْتَهُ زِدْتَهُ شَرًّا، هَكَذا قالَهُ بُقْراطُ في كِتابِ الفُصُولِ. وثانِيها: أنَّ الجِلْدَ بَعْدَ الدَّبْغِ يَصِيرُ صالِحًا لِلْمَدارِسِ والخُفِّ، أمّا قَبْلَهُ فَلا، ولِذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ مَتى وقَعَ في مِحْنَةٍ أوْ شَدَّةٍ رَجَعَ إلى اللَّهِ، فَإذا نالَ الدُّنْيا أعْرَضَ، عَلى ما قالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] . وثالِثُها: أنَّ فِيهِ بِشارَةً، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَمّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ خَتَمْتُ بِالوَعْدِ الَّذِي هو بِشارَةٌ مِنِّي في أنِّي أخْتِمُ أمْرَكَ بِالخَيْرِ، ألَسْتَ كُنْتَ نَجِسًا في صفحة ٤٩ مَكانٍ نَجِسٍ، ثُمَّ أخْرَجْتُكَ إلى الدُّنْيا طاهِرًا، أفَلا أُخْرِجُكَ إلى الجَنَّةِ طاهِرًا! . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ الطّاعاتِ لَيْسَتْ داخِلَةً في مُسَمّى الإيمانِ بِأنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مَعْطُوفَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنَّ المُؤْمِنِينَ إشارَةً إلى أنَّهم أقامُوا سُوقَ الإسْلامِ حالَ كَسادِهِ، وبَذَلُوا الأمْوالَ والمُهَجَ لِأجْلِهِ، ولِهَذا السَّبَبِ اسْتَحَقُّوا الفَضِيلَةَ العُظْمى كَما قالَ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] ولَفْظَةُ: ﴿آمَنُوا﴾ أيْ فَعَلُوا الإيمانَ مَرَّةً. واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ المُوافاةَ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أتى بِالإيمانِ مَرَّةً واحِدَةً فَلَهُ هَذا الثَّوابُ، والَّذِي يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ لا يَكُونُ لَهُ هَذا الثَّوابُ، فَعَلِمْنا أنَّهُ ما صَدَرَ الإيمانُ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ قَبْلَ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فَلا يُكَلَّفُ الواحِدُ بِجَمِيعِ الصّالِحاتِ، بَلْ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ حَظٌّ، فَحَظُّ الغَنِيِّ الإعْطاءُ، وحَظُّ الفَقِيرِ الأخْذُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ في تَفْضِيلِ البَشَرِ عَلى المَلَكِ، قالُوا: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: «أتَعْجَبُونَ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ! والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنزِلَةُ العَبْدِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ»﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: ما رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ أنَّ البَرِّيَّةَ بَنُو آدَمَ مِنَ البَرا وهو التُّرابُ، فَلا يَدْخُلُ المَلَكُ فِيهِ البَتَّةَ. وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالبَشَرِ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ المَلَكُ. وثالِثُها: أنَّ المَلَكَ خَرَجَ عَنِ النَّصِّ بِسائِرِ الدَّلائِلِ، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّ الفَضِيلَةَ إمّا مُكْتَسَبَةٌ أوْ مَوْهُوبَةٌ، فَإنْ نَظَرْتَ إلى المَوْهُوبَةِ فَأصْلُهم مِن نُورٍ وأصْلُكَ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ، ومَسْكَنُهم دارٌ لَمْ يُتْرَكْ فِيها أبُوكَ مَعَ الزَّلَّةِ ومَسْكَنُكم أرْضٌ هي مَسْكَنُ الشَّياطِينِ، وأيْضًا فَمَصالِحُنا مُنْتَظِمَةٌ بِهِمْ ورِزْقُنا في يَدِ البَعْضِ ورُوحُنا في يَدِ البَعْضِ، ثُمَّ هُمُ العُلَماءُ ونَحْنُ المُتَعَلِّمُونَ، ثُمَّ انْظُرْ إلى عَظِيمِ هِمَّتِهِمْ لا يَمِيلُونَ إلى مُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ، ومِن ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَحْكِ عَنْهم سِوى دَعْوى الإلَهِيَّةِ حِينَ قالَ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ أيْ لَوْ أقْدَمُوا عَلى ذَنْبٍ فَهِمَّتُهم بَلَغَتْ غايَةً لا يَلِيقُ بِها إلّا دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ، وأنْتَ أبَدًا عَبْدُ البَطْنِ والفَرْجِ، وأمّا العِبادَةُ فَهم أكْثَرُ عِبادَةً مِنَ النَّبِيِّ لِأنَّهُ تَعالى مَدَحَ النَّبِيِّ بِإحْياءِ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وقالَ فِيهِمْ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ومَرَّةً: ﴿لا يَسْأمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] وتَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

البينة 98:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ . صفحة ٥٠ اعْلَمْ أنَّ التَّفْسِيرَ ظاهِرٌ ونَحْنُ نَذْكُرُ ما فِيها مِنَ اللَّطائِفِ في مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُكَلَّفَ لَمّا تَأمَّلَ وجَدَ نَفْسَهُ مَخْلُوقًا مِنَ المِحَنِ والآفاتِ، فَصاغَهُ مِن أنْجَسِ شَيْءٍ في أضْيَقِ مَكانٍ إلى أنْ خَرَجَ باكِيًا لا لِلْفِراقِ ولَكِنْ مُشْتَكِيًا مِن وحْشَةِ الحَبْسِ لِيُرْحَمَ، كالَّذِي يُطْلَقُ مِنَ الحَبْسِ يَغْلِبُهُ البُكاءُ لِيُرْحَمَ، ثُمَّ لَمْ يُرْحَمْ بَلْ شَدَّتْهُ القابِلَةُ ولَمْ يَكُنْ مَشْدُودًا في الرَّحِمِ ثُمَّ لَمْ يَمْضِ قَلِيلُ مُدَّةٍ حَتّى ألْقَوْهُ في المَهْدِ وشَدُّوهُ بِالقِماطِ، ثُمَّ لَمْ يَمْضِ قَلِيلٌ حَتّى أسْلَمُوهُ إلى أُسْتاذٍ يَحْبِسُهُ في المَكْتَبِ ويَضْرِبُهُ عَلى التَّعْلِيمِ وهَكَذا إلى أنْ بَلَغَ الحُلُمَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ شُدَّ بِمَسامِيرِ العَقْلِ والتَّكْلِيفِ، ثُمَّ إنَّ المُكَلَّفَ يَصِيرُ كالمُتَحَيِّرِ، يَقُولُ: مَنِ الَّذِي يَفْعَلُ فِيَّ هَذِهِ الأفْعالَ مَعَ أنَّهُ ما صَدَرَتْ عَنِّي جِنايَةٌ ! فَلَمْ يَزَلْ يَتَفَكَّرُ حَتّى ظَفِرَ بِالفاعِلِ، فَوَجَدَهُ عالِمًا لا يُشْبِهُ العالِمِينَ، وقادِرًا لا يُشْبِهُ القادِرِينَ، وعَرَفَ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ صُورَتُهُ صُورَةَ المِحْنَةِ، لَكِنَّ حَقِيقَتَهُ مَحْضُ الكَرَمِ والرَّحْمَةِ، فَتَرَكَ الشِّكايَةَ وأقْبَلَ عَلى الشُّكْرِ، ثُمَّ وقَعَ في قَلْبِ العَبْدِ أنْ يُقابِلَ إحْسانَهُ بِالخِدْمَةِ لَهُ والطّاعَةِ، فَجَعَلَ قَلْبَهُ مَسْكَنًا لِسُلْطانِ عِرْفانِهِ، فَكَأنَّ الحَقَّ قالَ: عَبْدِي أنْزِلْ مَعْرِفَتِي في قَلْبِكَ حَتّى لا يُخْرِجَها مِنهُ شَيْءٌ أوْ يَسْبِقَها هُناكَ، فَيَقُولُ العَبْدُ: يا رَبِّ أنْزَلْتَ حُبَّ الثَّدْيِ في قَلْبِي ثُمَّ أخْرَجْتَهُ، وكَذا حُبُّ الأبِ والأُمِّ، وحُبُّ الدُّنْيا وشَهَواتِها وأخْرَجْتَ الكُلَّ. أمّا حُبُّكَ وعِرْفانُكَ فَلا أُخْرِجُهُما مِن قَلْبِي، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا بَقِيَتِ المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ في أرْضِ القَلْبِ انْفَجَرَ مِن هَذا اليَنْبُوعِ أنْهارٌ وجَداوِلُ، فالجَدْوَلُ الَّذِي وصَلَ إلى العَيْنِ حَصَلَ مِنهُ الِاعْتِبارُ، والَّذِي وصَلَ إلى الأُذُنِ حَصَلَ مِنهُ اسْتِماعُ مُناجاةِ المَوْجُوداتِ وتَسْبِيحاتِهِمْ، وهَكَذا في جَمِيعِ الأعْضاءِ والجَوارِحِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي جَعَلْتُ قَلْبَكَ كالجَنَّةِ لِي وأجْرَيْتُ فِيهِ تِلْكَ الأنْهارَ دائِمَةً مُخَلَّدَةً، فَأنْتَ مَعَ عَجْزِكَ وقُصُورِكَ فَعَلْتَ هَذا، فَأنا أوْلى بِالجُودِ والكَرَمِ والرَّحْمَةِ فَجَنَّةٌ بِجَنَّةٍ، فَلِهَذا قالَ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ بَلْ كَأنَّ الكَرِيمَ الرَّحِيمَ يَقُولُ: عَبْدِي أعْطانِي كُلَّ ما مَلَكَهُ، وأنا أعْطَيْتُهُ بَعْضَ ما في مِلْكِي، وأنا أوْلى مِنهُ بِالكَرَمِ والجُودِ، فَلا جَرَمَ جَعَلْتُ هَذا البَعْضَ مِنهُ مَوْهُوبًا دائِمًا مُخَلَّدًا، حَتّى يَكُونَ دَوامُهُ وخُلُودُهُ جابِرًا لِما فِيهِ مِنَ النُّقْصانِ الحاصِلِ بِسَبَبِ البَعْضِيَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَزاءُ اسْمٌ لِما يَقَعُ بِهِ الكِفايَةُ، ومِنهُ اجْتَزَتِ الماشِيَةُ بِالحَشِيشِ الرَّطْبِ عَنِ الماءِ، فَهَذا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُعْطِيهِ الجَزاءَ الوافِرَ مِن غَيْرِ نَقْصٍ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ ما يَقَعُ بِهِ الكِفايَةُ، فَلا يَبْقى في نَفْسِهِ شَيْءٌ إلّا والمَطْلُوبُ يَكُونُ حاصِلًا، عَلى ما قالَ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ فَأضافَ الجَزاءَ إلَيْهِمْ، والإضافَةُ المُطْلَقَةُ تَدُلُّ عَلى المِلْكِيَّةِ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥] والجَوابُ: أمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ لَوْ قالَ المَلِكُ الكَرِيمُ: مَن حَرَّكَ أُصْبُعَهُ أعْطَيْتُهُ ألْفَ دِينارٍ، فَهَذا شَرْطٌ وجَزاءٌ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وبِحَسَبِ الوَضْعِ لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ الذّاتِيِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ هَذا المَعْنى وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم قالُوا: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ إنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، فالمَعْنى أنَّ اسْتِحْقاقَ هَذِهِ الجِنانِ، إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ فَضْلِكَ السّابِقِ فَإنَّكَ لَوْلا أنَّكَ خَلَقْتَنا وأعْطَيْتَنا القُدْرَةَ والعَقْلَ وأزَلْتَ الأعْذارَ وأعْطَيْتَ الألْطافَ وإلّا لَما وصَلْنا إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ لا حَقَّ صفحة ٥١ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في مَذْهَبِكم، فَما السَّبَبُ في التِزامِ مِثْلِ هَذا الإنْعامِ ؟ قُلْنا: أتَسْألُ عَنْ إنْعامِهِ الأمْسِيِّ حالَ عَدَمِنا ؟ أوْ عَنْ إنْعامِهِ اليَوْمِيِّ حالَ التَّكْلِيفِ ؟ أوْ عَنْ إنْعامِهِ في غَدِ القِيامَةِ ؟ فَإنْ سَألْتَ عَنِ الأمْسِيِّ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: أنا مُنَزَّهٌ عَنِ الِانْتِفاعِ، والمائِدَةُ مَمْلُوءَةٌ مِنَ المَنافِعِ فَلَوْ لَمْ أخْلُقِ الخَلْقَ لَضاعَتْ هَذِهِ المَنافِعُ، فَكَما أنَّ مَن لَهُ مالٌ ولا عِيالَ لَهُ فَإنَّهُ يَشْتَرِي العَبِيدَ والجَوارِيَ لِيَنْتَفِعُوا بِمالِهِ، فَهو سُبْحانُهُ اشْتَرى مِن دارِ العَدَمِ هَذا الخَلْقَ لِيَنْتَفِعُوا بِمُلْكِهِ، كَما رُوِيَ: ”«الخَلْقُ عِيالُ اللَّهِ» “ وأمّا اليَوْمِيُّ فالنُّعْمانُ يُوجِبُ الإتْمامَ بَعْدَ الشُّرُوعِ. فالرَّحْمَنُ أوْلى. وأمّا الغَدُ فَأنا مَدْيُونُهم بِحُكْمِ الوَعْدِ والإخْبارِ فَكَيْفَ لا أفِي بِذَلِكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لَطائِفُ: أحَدُها: قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لَوْ قالَ: لا شَيْءَ لِي عَلى فُلانٍ، فَهَذا يَخْتَصُّ بِالدُّيُونِ ولَهُ أنْ يَدَّعِيَ الوَدِيعَةَ، ولَوْ قالَ: لا شَيْءَ لِي عِنْدَ فُلانٍ انْصَرَفَ إلى الوَدِيعَةِ دُونَ الدَّيْنِ، ولَوْ قالَ: لا شَيْءَ لِي قِبَلَ فُلانٍ انْصَرَفَ إلى الدَّيْنِ والوَدِيعَةِ مَعًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ ودِيعَةٌ والوَدِيعَةُ عَيْنٌ، ولَوْ قالَ: لِفُلانٍ عَلَيَّ فَهو إقْرارٌ بِالدَّيْنِ، والعَيْنُ أشْرَفُ مِنَ الدَّيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ كالمالِ المُعَيَّنِ الحاضِرِ العَتِيدِ، فَإنْ قِيلَ: الوَدِيعَةُ أمانَةٌ وغَيْرُ مَضْمُونَةٍ والدَّيْنُ مَضْمُونٌ والمَضْمُونُ خَيْرٌ مِمّا كانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ، قُلْنا: المَضْمُونُ خَيْرٌ إذا تُصُوِّرَ الهَلاكُ فِيهِ وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا جَرَمَ قُلْنا: الوَدِيعَةُ هُناكَ خَيْرٌ مِنَ المَضْمُونِ. وثانِيها: إذا وقَعَتِ الفِتْنَةُ في البَلْدَةِ، فَوَضَعْتَ مالَكَ عِنْدَ إمامِ المَحَلَّةِ عَلى سَبِيلِ الوَدِيعَةِ صِرْتَ فارِغَ القَلْبِ، فَهَهُنا سَتَقَعُ الفِتْنَةُ في بَلْدَةِ بَدَنِكَ، وحِينَئِذٍ تَخافُ الشَّياطِينَ مِن أنْ يُغِيرُوا عَلَيْها، فَضَعْ ودِيعَةَ أمانَتِكَ عِنْدِي فَإنِّي أكْتُبُ لَكَ بِهِ كِتابًا يُتْلى في المَحارِيبِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حَتّى أُسَلِّمَهُ إلَيْكَ أحْوَجَ ما تَكُونُ إلَيْهِ وهو في عَرْصَةِ القِيامَةِ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وفِيهِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا الَّذِي رَبَّيْتُكَ أوَّلًا حِينَ كُنْتَ مَعْدُومًا صِفْرَ اليَدِ مِنَ الوُجُودِ والحَياةِ والعَقْلِ والقُدْرَةِ، فَخَلَقْتُكَ وأعْطَيْتُكَ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ، فَحِينَ كُنْتَ مُطْلَقًا أعْطَيْتُكَ هَذِهِ الأشْياءَ، وما ضَيَّعْتُكَ أتَرى أنَّكَ إذا اكْتَسَبْتَ شَيْئًا وجَعَلْتَهُ ودِيعَةً عِنْدِي فَأنا أُضَيِّعُها، كَلّا إنَّ هَذا مِمّا لا يَكُونُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قابَلَ الجَمْعَ بِالجَمْعِ، وهو يَقْتَضِي مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ، كَما لَوْ قالَ لِامْرَأتَيْهِ أوْ عَبْدَيْهِ: إنْ دَخَلْتُما هاتَيْنِ الدّارَيْنِ فَأنْتُما كَذا فَيُحْمَلُ هَذا عَلى أنْ يَدْخُلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما دارًا عَلى حِدَةٍ، وعَنْ أبِي يُوسُفَ لَمْ يَحْنَثْ حَتّى يَدْخُلا الدّارَيْنِ، وعَلى هَذا إنْ مَلَكْتُما هَذَيْنِ العَبْدَيْنِ. ودَلِيلُ القَوْلِ الأوَّلِ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ بَيْنَ أنَّ الجَزاءَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ جَنَّةٌ واحِدَةٌ، لَكِنَّ أدْنى تِلْكَ الجَنّاتِ مِثْلُ الدُّنْيا بِما فِيها عَشْرَ مَرّاتٍ كَذا رُوِيَ مَرْفُوعًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ صفحة ٥٢ [الإنسان: ٢٠] ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ جَنّاتٌ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ وعَلَيْهِ يَدُلُّ القُرْآنُ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٦ ] ثُمَّ قالَ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فَذَكَرَ أرْبَعًا لِلْواحِدِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ بَكى مِن خَوْفِ اللَّهِ، وذَلِكَ البُكاءُ إنَّما نَزَلَ مِن أرْبَعَةِ أجْفانٍ: اثْنانِ دُونَ الِاثْنَيْنِ، فاسْتَحَقَّ جَنَّتَيْنِ دُونَ الجَنَّتَيْنِ، فَحَصَلَتْ لَهُ أرْبَعُ جَنّاتٍ، لِسَكْبِهِ البُكاءَ مِن أرْبَعَةِ أجْفانٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الخَوْفَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وأخَّرَ الخَوْفَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن دَوامِ الخَوْفِ، أمّا قَبْلَ العَمَلِ فالحاصِلُ خَوْفُ الِاخْتِلالِ، وأمّا بَعْدَ العَمَلِ فالحاصِلُ خَوْفُ الخِلالِ، إذْ هَذِهِ العِبادَةُ لا تَلِيقُ بِتِلْكَ الحَضْرَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَدْنٍ﴾ يُفِيدُ الإقامَةَ ﴿لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ [ الجاثِيَةِ: ٣٥]، ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ [ الكَهْفِ: ١٠٨] يُقالُ: عَدَنَ بِالمَكانِ أقامَ، «ورُوِيَ أنَّ جَنّاتِ عَدْنٍ وسَطُ الجَنَّةِ»، وقِيلَ: عَدْنٌ مِنَ المَعْدِنِ أيْ هي مَعْدِنُ النَّعِيمِ والأمْنِ والسَّلامَةِ، قالَ بَعْضُهم: إنَّها سُمِّيَتْ جَنَّةً إمّا مِنَ الجِنِّ أوِ الجُنُونِ أوِ الجُنَّةِ أوِ الجَنِينِ، فَإنْ كانَتْ مِنَ الجِنِّ فَهُمُ المَخْصُوصُونَ بِسُرْعَةِ الحَرَكَةِ يَطُوفُونَ العالَمَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّها في إيصالِ المُكَلَّفِ إلى مُشْتَهَياتِهِ في غايَةِ الإسْراعِ. مِثْلَ حَرَكَةِ الجِنِّ، مَعَ أنَّها دارُ إقامَةٍ وعَدْنٍ، وإمّا مِنَ الجُنُونِ فَهو أنَّ الجَنَّةَ بِحَيْثُ لَوْ رَآها العاقِلُ يَصِيرُ كالمَجْنُونِ، لَوْلا أنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ يُثَبِّتُهُ، وإمّا مِنَ الجُنَّةِ فَلِأنَّها جُنَّةٌ واقِيَةٌ تَقِيكَ مِنَ النّارِ، أوْ مِنَ الجَنِينِ، فَلِأنَّ المُكَلَّفَ يَكُونُ في الجَنَّةِ في غايَةِ التَّنَعُّمِ، ويَكُونُ كالجَنِينِ لا يَمَسُّهُ بَرْدٌ ولا حَرٌّ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ . [ الإنْسانِ: ١٣] المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الماءَ الجارِيَ ألْطَفُ مِنَ الرّاكِدِ، ومِن ذَلِكَ النَّظَرُ إلى الماءِ الجارِي يَزِيدُ نُورًا في البَصَرِ بَلْ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: طاعَتُكَ كانَتْ جارِيَةً ما دُمْتَ حَيًّا عَلى ما قالَ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [ الحِجْرِ: ٩٩] فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أنْهارُ إكْرامِي جارِيَةً إلى الأبَدِ، ثُمَّ قالَ: مِن تَحْتِها إشارَةً إلى عَدَمِ التَّنْغِيصِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّنْغِيصَ في البُسْتانِ، إمّا بِسَبَبِ عَدَمِ الماءِ الجارِي فَذَكَرَ الجَرْيَ الدّائِمَ، وإمّا بِسَبَبِ الغَرَقِ والكَثْرَةِ، فَذَكَرَ مِن تَحْتِها، ثُمَّ الألِفُ واللّامُ في الأنْهارِ لِلتَّعْرِيفِ فَتَكُونُ مُنْصَرِفَةً إلى الأنْهارِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهي نَهْرُ الماءِ واللَّبَنِ والعَسَلِ والخَمْرِ، واعْلَمْ أنَّ النَّهارَ والأنْهارَ مِنَ السَّعَةِ والضِّياءِ، فَلا تُسَمّى السّاقِيَةُ نَهَرًا، بَلِ العَظِيمُ هو الَّذِي يُسَمّى نَهَرًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٣٢] فَعَطَفَ ذَلِكَ عَلى البَحْرِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ أتْبَعَهُ بِما هو أفْضَلُ مِنَ الجَنَّةِ وهو الخُلُودُ أوَّلًا والرِّضا ثانِيًا، ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -قالَ: «إنَّ الخُلُودَ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الجَنَّةِ، ورِضا اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الجَنَّةِ» . ٥٠ أمّا الصِّفَةُ الأُولى: وهي الخُلُودُ، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ الجَنَّةَ مَرَّةً بِجَنّاتِ عَدْنٍ، ومَرَّةً بِجَنّاتِ النَّعِيمِ، ومَرَّةً بِدارِ السَّلامِ، وهَذِهِ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّكَ رَكَّبْتَ إيمانَكَ مِن أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: اعْتِقادٍ وقَوْلٍ وعَمَلٍ. وأمّا الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: وهي الرِّضا، فاعْلَمْ أنَّ العَبْدَ مَخْلُوقٌ مِن جَسَدٍ ورُوحٍ، فَجَنَّةُ الجَسَدِ هي الجَنَّةُ المَوْصُوفَةُ، وجَنَّةُ الرُّوحِ هي رِضا الرَّبِّ، والإنْسانُ مُبْتَدَأُ أمْرِهِ مِن عالَمِ الجَسَدِ ومُنْتَهى أمْرِهِ مِن عالَمِ العَقْلِ والرُّوحِ، فَلا جَرَمَ ابْتَدَأ بِالجَنَّةِ وجَعَلَ المُنْتَهى هو رِضا اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ قَدَّمَ رِضى اللَّهِ عَنْهم عَلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ صفحة ٥٣ لِأنَّ الأزَلِيَّ هو المُؤَثِّرُ في المُحْدَثِ، والمُحْدَثُ لا يُؤَثِّرُ في الأزَلِيِّ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: إنَّما قالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: رَضِيَ الرَّبُّ عَنْهم ولا سائِرَ الأسْماءِ؛ لِأنَّ أشَدَّ الأسْماءِ هَيْبَةً وجَلالَةً لَفْظُ اللَّهِ، لِأنَّهُ هو الِاسْمُ الدّالُّ عَلى الذّاتِ والصِّفاتِ بِأسْرِها أعْنِي صِفاتِ الجَلالِ وصِفاتِ الإكْرامِ، فَلَوْ قالَ: رَضِيَ الرَّبُّ عَنْهم لَمْ يُشْعِرْ ذَلِكَ بِكَمالِ طاعَةِ العَبْدِ لِأنَّ المُرَبِّيَ قَدْ يَكْتَفِي بِالقَلِيلِ، أمّا لَفْظُ اللَّهِ فَيُفِيدُ غايَةَ الجَلالَةِ والهَيْبَةِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحَضْرَةِ لا يَحْصُلُ الرِّضا إلّا بِالفِعْلِ الكامِلِ والخِدْمَةِ التّامَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ يُفِيدُ تَطْرِيَةَ فِعْلِ العَبْدِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ رَضِيَ أعْمالَهم، وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ رَضِيَ بِأنْ يَمْدَحَهم ويُعَظِّمَهم، قالَ: لِأنَّ الرِّضا عَنِ الفاعِلِ غَيْرُ الرِّضا بِفِعْلِهِ، وهَذا هو الأقْرَبُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ رَضُوا بِما جازاهم مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الخَوْفُ في الطّاعَةِ حالٌ حَسَنَةٌ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ولَعَلَّ الخَشْيَةَ أشَدُّ مِنَ الخَوْفِ: لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ في صِفاتِ المَلائِكَةِ مَقْرُونًا بِالإشْفاقِ الَّذِي هو أشَدُّ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧] والكَلامُ في الخَوْفِ والخَشْيَةِ مَشْهُورٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ إذا ضُمَّ إلَيْها آيَةٌ أُخْرى صارَ المَجْمُوعُ دَلِيلًا عَلى فَضْلِ العِلْمِ والعُلَماءِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ العالِمَ يَكُونُ صاحِبَ الخَشْيَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الخَشْيَةِ تَكُونُ لَهُ الجَنَّةُ، فَيَتَوَلَّدُ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أنَّ الجَنَّةَ حَقُّ العُلَماءِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَرْءَ لا يَنْتَهِي إلى حَدٍّ يَصِيرُ مَعَهُ آمِنًا بِأنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وجَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةً عَلَيْهِ. وهَذا المَذْهَبُ غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وهم مَعَ ذَلِكَ مِن أشَدِّ العِبادِ خَشْيَةً لِلَّهِ تَعالى، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أعْرَفُكم بِاللَّهِ أخْوَفُكم مِنَ اللَّهِ، وأنا أخْوَفُكم مِنهُ» واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الزلزلة 99:1

صفحة ٥٤ (سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ) وهِيَ ثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﷽ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في المُناسَبَةِ بَيْنَ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البينة: ٨] فَكَأنَّ المُكَلَّفَ قالَ: ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ يا رَبِّ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ فالعالَمُونَ كُلُّهم يَكُونُونَ في الخَوْفِ، وأنْتَ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَنالُ جَزاءَكَ وتَكُونُ آمِنًا فِيهِ، كَما قالَ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٨٩ ] وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وعِيدَ الكافِرِ ووَعْدَ المُؤْمِنِ أرادَ أنْ يَزِيدَ في وعِيدِ الكافِرِ، فَقالَ: أُجازِيهِ حِينَ يَقُولُ الكافِرُ السّابِقُ ذِكْرُهُ: ما لِلْأرْضِ تُزَلْزَلُ، نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٠٦] ثُمَّ ذَكَرَ الطّائِفَتَيْنِ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٠٦]، ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٠٧] ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهم في آخِرِ السُّورَةِ فَذَكَرَ الذَّرَّةَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿إذا﴾ بَحْثانِ: أحَدُهُما: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿إذا﴾ لِلْوَقْتِ فَكَيْفَ وجْهُ البِدايَةِ بِها في أوَّلِ السُّورَةِ ؟ وجَوابُهُ: مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: كانُوا يَسْألُونَهُ مَتى السّاعَةُ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا سَبِيلَ إلى تَعْيِينِهِ بِحَسَبِ وقْتِهِ ولَكِنِّي أُعَيِّنُهُ بِحَسَبِ عَلاماتِهِ، الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُخْبِرَ المُكَلَّفَ أنَّ الأرْضَ تُحَدِّثُ وتَشْهَدُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ أنَّها في هَذِهِ السّاعَةِ جَمادٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَتى يَكُونُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾ . البَحْثُ الثّانِي: قالُوا: كَلِمَةُ: ”إنْ“ في المُجَوَّزِ، و”إذا“ في المَقْطُوعِ بِهِ، تَقُولُ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ صفحة ٥٥ طالِقٌ لِأنَّ الدُّخُولَ يَجُوزُ، أمّا إذا أرَدْتَ التَّعْلِيقَ بِما يُوجَدُ قَطْعًا لا تَقُولُ إنْ بَلْ تَقُولُ إذا، نَحْوَ: إذا جاءَ غَدٌ فَأنْتِ طالِقٌ لِأنَّهُ يُوجَدُ لا مَحالَةَ. هَذا هو الأصْلُ، فَإنِ اشْتَمَلَ عَلى خِلافِهِ فَمَجازٌ، فَلَمّا كانَ الزِّلْزالُ مَقْطُوعًا بِهِ قالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الفَرّاءُ: الزِّلْزالُ بِالكَسْرِ المَصْدَرُ والزَّلْزالِ بِالفَتْحِ الِاسْمُ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، وكَذَلِكَ الوَسْواسُ هو الِاسْمُ أيِ اسْمُ الشَّيْطانِ الَّذِي يُوَسْوِسُ إلَيْكَ، والوِسْواسُ بِالكَسْرِ المَصْدَرُ، والمَعْنى: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، كَما قالَ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ المُرادُ مِن زُلْزِلَتْ حُرِّكَتْ، بَلِ المُرادُ: تَحَرَّكَتْ واضْطَرَبَتْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يُخْبِرُ عَنْها في جَمِيعِ السُّورَةِ كَما يُخْبِرُ عَنِ المُخْتارِ القادِرِ، ولِأنَّ هَذا أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ الجَمادَ لَيَضْطَرِبُ لِأوائِلِ القِيامَةِ، أما آنَ لَكَ أنْ تَضْطَرِبَ وتَتَيَقَّظَ مِن غَفْلَتِكَ ؟ ويَقْرُبُ مِنهُ: ﴿لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] واعْلَمْ أنْ ”زَلَّ“ لِلْحَرَكَةِ المُعْتادَةِ، وزَلْزَلَ لِلْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ العَظِيمَةِ، لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّكْرِيرِ، وهو كالصَّرْصَرِ في الرِّيحِ، ولِأجْلِ شِدَّةِ هَذِهِ الحَرَكَةِ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِالعِظَمِ فَقالَ: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ مِنَ الزَّلْزَلَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ النَّفْخَةُ الأُولى كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] أيْ تُزَلْزَلُ في النَّفْخَةِ الأُولى، ثُمَّ تُزَلْزَلُ ثانِيًا فَتُخْرِجُ مَوْتاها وهي الأثْقالُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ هي الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ مِن لَوازِمِها أنَّها تُخْرِجُ الأرْضُ أثْقالَها، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الزَّلْزَلَةِ الثّانِيَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿زِلْزالَها﴾ بِالإضافَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: القَدْرُ اللّائِقُ بِها في الحِكْمَةِ، كَقَوْلِكَ: أكْرِمِ التَّقِيَّ إكْرامَهُ وأهِنِ الفاسِقَ إهانَتَهُ، تُرِيدُ ما يَسْتَوْجِبانِهِ مِنَ الإكْرامِ والإهانَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى زِلْزالَها كُلَّهُ وجَمِيعَ ما هو مُمْكِنٌ مِنهُ، والمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ مِنَ الزَّلْزَلَةِ كُلُّ ما يَحْتَمِلُهُ المَحَلُّ. والثّالِثُ: ﴿زِلْزالَها﴾ المَوْعُودَ أوِ المَكْتُوبَ عَلَيْها إذا قُدِّرَتْ تَقْدِيرَ الحَيِّ، تَقْرِيرُهُ ما رُوِيَ أنَّها تُزَلْزِلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ لِما أنَّها قُدِّرَتْ تَقْدِيرَ الحَيِّ.

الزلزلة 99:2

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الأثْقالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ ثَقَلٍ وهو مَتاعُ البَيْتِ: ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] جَعَلَ ما في جَوْفِها مِنَ الدَّفائِنِ أثْقالًا لَها، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: إذا كانَ المَيِّتُ في بَطْنِ الأرْضِ فَهو ثِقْلٌ لَها، وإذا كانَ فَوْقَها فَهو ثِقْلٌ عَلَيْها، وقِيلَ: سُمِّيَ الجِنُّ والإنْسُ بِالثَّقَلَيْنِ لِأنَّ الأرْضَ تَثْقُلُ بِهِمْ إذا كانُوا في بَطْنِها ويَثْقُلُونَ عَلَيْها إذا كانُوا فَوْقَها، ثُمَّ قالَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ الزَّلْزَلَةُ الأُولى، يَقُولُ: أخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها، يَعْنِي الكُنُوزَ فَيَمْتَلِئُ ظَهْرُ الأرْضِ ذَهَبًا ولا أحَدَ يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، كَأنَّ الذَّهَبَ يَصِيحُ ويَقُولُ: أما كُنْتَ تُخَرِّبُ دِينَكَ ودُنْياكَ لِأجْلِي ! أوْ تَكُونُ الفائِدَةُ في إخْراجِها كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٣٥] ومَن قالَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ الثّانِيَةُ وهي بَعْدَ القِيامَةِ، قالَ: تُخْرِجُ الأثْقالَ يَعْنِي المَوْتى أحْياءً كالأُمِّ تَلِدُهُ حَيًّا، وقِيلَ: تَلْفِظُهُ الأرْضُ مَيِّتًا كَما دُفِنَ ثُمَّ يُحْيِيهِ اللَّهُ تَعالى. والقَوْلُ الثّانِي: صفحة ٥٦ أثْقالَها: أسْرارَها فَيَوْمَئِذَ تُكْشَفُ الأسْرارُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ فَتَشْهَدُ لَكَ أوْ عَلَيْكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الأرْضِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٢٥] ثُمَّ صارَتْ بِحالٍ تَرْمِيكَ وهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [ الحَجِّ: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ . [ عَبَسَ: ٣٤]

الزلزلة 99:3

أمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما لَها تُزَلْزَلُ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ الشَّدِيدَةَ ولَفَظَتْ ما في بَطْنِها ؟ وذَلِكَ إمّا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى حِينَ تَلْفِظُ ما فِيها مِنَ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، أوْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ حِينَ تَلْفِظُ ما فِيها مِنَ الأمْواتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: هَذا قَوْلُ الكافِرِ وهو كَما يَقُولُونَ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] وقِيلَ: بَلْ هو عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي هو كَنُودٌ جَزُوعٌ ظَلُومٌ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الغَفْلَةُ والجَهالَةُ، يَقُولُ: ما لَها وهو لَيْسَ بِسُؤالٍ بَلْ هو لِلتَّعَجُّبِ، لِما يَرى مِنَ العَجائِبِ الَّتِي لَمْ تَسْمَعْ بِها الآذانُ، ولا تَطَلَّقَ بِها لِسانٌ، ولِهَذا قالَ الحَسَنُ: إنَّهُ لِلْكافِرِ والفاجِرِ مَعًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ما لَها﴾ عَلى غَيْرِ المُواجَهَةِ لِأنَّهُ يُعاتِبُ بِهَذا الكَلامِ نَفْسَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يا نَفْسُ ما لِلْأرْضِ تَفْعَلُ ذَلِكَ ؟ يَعْنِي: يا نَفْسُ أنْتِ السَّبَبُ فِيهِ فَإنَّهُ لَوْلا مَعاصِيكِ لَما صارَتِ الأرْضُ كَذَلِكَ فالكُفّارُ يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ، والمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ . [ فاطِرٍ: ٣٤] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ فاعْلَمْ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: ”تُنْبِئُ أخْبارَها“ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ”تُنَبِّئُ“ ثُمَّ فِيهِ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: أيْنَ مَفْعُولا تُحَدِّثُ ؟ الجَوابُ: قَدْ حُذِفَ أوَّلُهُما، والثّانِي: ”أخْبارَها“، وأصْلُهُ تُحَدِّثُ الخَلْقَ أخْبارَها إلّا أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ تَحْدِيثِها الأخْبارَ لا ذِكْرُ الخَلْقِ تَعْظِيمًا. السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى تَحْدِيثِ الأرْضِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ يَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ أحَدٍ جَزاءُ عَمَلِهِ فَكَأنَّها حَدَّثَتْ بِذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: الدّارُ تُحَدِّثُنا بِأنَّها كانَتْ مَسْكُونَةً فَكَذا انْتِقاضُ الأرْضِ بِسَبَبِ الزَّلْزَلَةِ تُحَدِّثُ أنَّ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ وأنَّ الآخِرَةَ قَدْ أقْبَلَتْ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ الأرْضَ حَيَوانًا عاقِلًا ناطِقًا ويُعَرِّفُها جَمِيعَ ما عَمِلَ أهْلُها فَحِينَئِذٍ تَشْهَدُ لِمَن أطاعَ وعَلى مَن عَصى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ الأرْضَ لَتُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِكُلِّ عَمَلٍ عُمِلَ عَلَيْها» ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وهَذا عَلى مَذْهَبِنا غَيْرُ بَعِيدٍ لِأنَّ البِنْيَةَ عِنْدَنا لَيْسَتْ شَرْطًا لِقَبُولِ الحَياةِ، فالأرْضُ مَعَ بَقائِها عَلى شَكْلِها ويُبْسِها وقَشَفِها يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الحَياةَ والنُّطْقَ، والمَقْصُودُ كَأنَّ الأرْضَ تَشْكُو مِنَ العُصاةِ وتَشْكُرُ مَن أطاعَ اللَّهَ، فَتَقُولُ: إنَّ فُلانًا صَلّى وزَكّى وصامَ صفحة ٥٧ وحَجَّ فِيَّ، وإنَّ فُلانًا كَفَرَ وزَنى وسَرَقَ وجارَ، حَتّى يَوَدَّ الكافِرُ أنْ يُساقَ إلى النّارِ، وكانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا فَرَغَ بَيْتُ المالِ صَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ويَقُولُ: لَتَشْهَدَنَّ أنِّي مَلَأْتُكَ بِحَقٍّ وفَرَّغْتُكَ بِحَقٍّ. والقَوْلُ الثّالِثُ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ: أنَّ الكَلامَ يَجُوزُ خَلْقُهُ في الجَمادِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ حالَ كَوْنِها جَمادًا أصْواتًا مُقَطَّعَةً مَخْصُوصَةً فَيَكُونُ المُتَكَلِّمُ والشّاهِدُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ هو اللَّهَ تَعالى. السُّؤالُ الثّالِثُ: ”إذا“ و”يَوْمَئِذٍ“ ما ناصِبُهُما ؟ الجَوابُ: يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن إذا وناصِبُهُما تُحَدِّثُ. السُّؤالُ الرّابِعُ: لَفْظُ التَّحْدِيثِ يُفِيدُ الِاسْتِئْناسَ وهُناكَ لا اسْتِئْناسَ فَما وجْهُ هَذا اللَّفْظِ ؟ الجَوابُ: أنَّ الأرْضَ كَأنَّها تَبُثُّ شَكْواها إلى أوْلِياءِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ.

الزلزلة 99:4

أمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما لَها تُزَلْزَلُ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ الشَّدِيدَةَ ولَفَظَتْ ما في بَطْنِها ؟ وذَلِكَ إمّا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى حِينَ تَلْفِظُ ما فِيها مِنَ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، أوْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ حِينَ تَلْفِظُ ما فِيها مِنَ الأمْواتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: هَذا قَوْلُ الكافِرِ وهو كَما يَقُولُونَ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] وقِيلَ: بَلْ هو عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي هو كَنُودٌ جَزُوعٌ ظَلُومٌ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الغَفْلَةُ والجَهالَةُ، يَقُولُ: ما لَها وهو لَيْسَ بِسُؤالٍ بَلْ هو لِلتَّعَجُّبِ، لِما يَرى مِنَ العَجائِبِ الَّتِي لَمْ تَسْمَعْ بِها الآذانُ، ولا تَطَلَّقَ بِها لِسانٌ، ولِهَذا قالَ الحَسَنُ: إنَّهُ لِلْكافِرِ والفاجِرِ مَعًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ما لَها﴾ عَلى غَيْرِ المُواجَهَةِ لِأنَّهُ يُعاتِبُ بِهَذا الكَلامِ نَفْسَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يا نَفْسُ ما لِلْأرْضِ تَفْعَلُ ذَلِكَ ؟ يَعْنِي: يا نَفْسُ أنْتِ السَّبَبُ فِيهِ فَإنَّهُ لَوْلا مَعاصِيكِ لَما صارَتِ الأرْضُ كَذَلِكَ فالكُفّارُ يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ، والمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ . [ فاطِرٍ: ٣٤] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ فاعْلَمْ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: ”تُنْبِئُ أخْبارَها“ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ”تُنَبِّئُ“ ثُمَّ فِيهِ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: أيْنَ مَفْعُولا تُحَدِّثُ ؟ الجَوابُ: قَدْ حُذِفَ أوَّلُهُما، والثّانِي: ”أخْبارَها“، وأصْلُهُ تُحَدِّثُ الخَلْقَ أخْبارَها إلّا أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ تَحْدِيثِها الأخْبارَ لا ذِكْرُ الخَلْقِ تَعْظِيمًا. السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى تَحْدِيثِ الأرْضِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ يَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ أحَدٍ جَزاءُ عَمَلِهِ فَكَأنَّها حَدَّثَتْ بِذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: الدّارُ تُحَدِّثُنا بِأنَّها كانَتْ مَسْكُونَةً فَكَذا انْتِقاضُ الأرْضِ بِسَبَبِ الزَّلْزَلَةِ تُحَدِّثُ أنَّ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ وأنَّ الآخِرَةَ قَدْ أقْبَلَتْ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ الأرْضَ حَيَوانًا عاقِلًا ناطِقًا ويُعَرِّفُها جَمِيعَ ما عَمِلَ أهْلُها فَحِينَئِذٍ تَشْهَدُ لِمَن أطاعَ وعَلى مَن عَصى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ الأرْضَ لَتُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِكُلِّ عَمَلٍ عُمِلَ عَلَيْها» ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وهَذا عَلى مَذْهَبِنا غَيْرُ بَعِيدٍ لِأنَّ البِنْيَةَ عِنْدَنا لَيْسَتْ شَرْطًا لِقَبُولِ الحَياةِ، فالأرْضُ مَعَ بَقائِها عَلى شَكْلِها ويُبْسِها وقَشَفِها يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الحَياةَ والنُّطْقَ، والمَقْصُودُ كَأنَّ الأرْضَ تَشْكُو مِنَ العُصاةِ وتَشْكُرُ مَن أطاعَ اللَّهَ، فَتَقُولُ: إنَّ فُلانًا صَلّى وزَكّى وصامَ صفحة ٥٧ وحَجَّ فِيَّ، وإنَّ فُلانًا كَفَرَ وزَنى وسَرَقَ وجارَ، حَتّى يَوَدَّ الكافِرُ أنْ يُساقَ إلى النّارِ، وكانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا فَرَغَ بَيْتُ المالِ صَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ويَقُولُ: لَتَشْهَدَنَّ أنِّي مَلَأْتُكَ بِحَقٍّ وفَرَّغْتُكَ بِحَقٍّ. والقَوْلُ الثّالِثُ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ: أنَّ الكَلامَ يَجُوزُ خَلْقُهُ في الجَمادِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ حالَ كَوْنِها جَمادًا أصْواتًا مُقَطَّعَةً مَخْصُوصَةً فَيَكُونُ المُتَكَلِّمُ والشّاهِدُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ هو اللَّهَ تَعالى. السُّؤالُ الثّالِثُ: ”إذا“ و”يَوْمَئِذٍ“ ما ناصِبُهُما ؟ الجَوابُ: يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن إذا وناصِبُهُما تُحَدِّثُ. السُّؤالُ الرّابِعُ: لَفْظُ التَّحْدِيثِ يُفِيدُ الِاسْتِئْناسَ وهُناكَ لا اسْتِئْناسَ فَما وجْهُ هَذا اللَّفْظِ ؟ الجَوابُ: أنَّ الأرْضَ كَأنَّها تَبُثُّ شَكْواها إلى أوْلِياءِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ.

الزلزلة 99:5

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: بِمَ تَعَلَّقَتِ الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ ؟ الجَوابُ: بِـ”تُحَدِّثُ“، ومَعْناهُ تُحَدِّثُ أخْبارَها بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ أوْحى إلَيْها ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أوْحى لَها﴾ أيْ أوْحى إلَيْها وأنْشَدَ العَجّاجُ: أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ الثّانِي: لَعَلَّهُ إنَّما قالَ: لَها؛ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِأجْلِها حَتّى تَتَوَسَّلَ الأرْضُ بِذَلِكَ إلى التَّشَفِّي مِنَ العُصاةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ الصُّدُورُ ضِدُّ الوُرُودِ، فالوارِدُ: الجائِي، والصّادِرُ: المُنْصَرِفُ، وأشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَرِدُوا الأرْضَ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنِ الأرْضِ إلى عَرْصَةِ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَرِدُوا عَرْصَةَ القِيامَةِ لِلْمُحاسَبَةِ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها إلى مَوْضِعِ الثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أشْتاتًا﴾ أقْرَبُ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ ولَفْظَةُ الصَّدْرِ أقْرَبُ إلى الوَجْهِ الثّانِي، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ أقْرَبُ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِأنَّ رُؤْيَةَ أعْمالِهِمْ مَكْتُوبَةً في الصَّحائِفِ أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ مِن رُؤْيَةِ جَزاءِ الأعْمالِ، وإنْ صَحَّ أيْضًا أنْ يُحْمَلَ عَلى رُؤْيَةِ جَزاءِ الأعْمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿أشْتاتًا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ بَعْضَهم يَذْهَبُ إلى المَوْقِفِ راكِبًا مَعَ الثِّيابِ الحَسَنَةِ وبَياضِ الوَجْهِ والمُنادِي يُنادِي بَيْنَ يَدَيْهِ: هَذا ولِيُّ اللَّهِ، وآخَرُونَ يُذْهَبُ بِهِمْ سُودَ الوُجُوهِ حُفاةً عُراةً مَعَ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والمُنادِي يُنادِي بَيْنَ يَدَيْهِ هَذا عَدُوُّ اللَّهِ. وثانِيها: أشْتاتًا أيْ: كُلُّ فَرِيقٍ مَعَ شَكْلِهِ؛ اليَهُودِيُّ مَعَ اليَهُودِيِّ، والنَّصْرانِيُّ مَعَ النَّصْرانِيِّ. وثالِثُها: أشْتاتًا مِن أقْطارِ الأرْضِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ المَقْصُودَ وقالَ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ قالَ بَعْضُهم: لِيُرَوْا صَحائِفَ أعْمالِهِمْ، لِأنَّ الكِتابَةَ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: هَذا طَلاقُكَ وبَيْعُكَ هَلْ تَراهُ والمَرْئِيُّ وهو الكِتابُ. وقالَ آخَرُونَ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ، وهو الجَنَّةُ أوِ النّارُ، وإنَّما أوْقَعَ اسْمَ العَمَلِ عَلى الجَزاءِ لِأنَّهُ الجَزاءُ وِفاقٌ، فَكَأنَّهُ نَفْسُ العَمَلِ، بَلِ المَجازُ في ذَلِكَ أدْخَلُ مِنَ الحَقِيقَةِ، وفي قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ: ”لِيَرَوْا“ بِالفَتْحِ. صفحة ٥٨

الزلزلة 99:6

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: بِمَ تَعَلَّقَتِ الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ ؟ الجَوابُ: بِـ”تُحَدِّثُ“، ومَعْناهُ تُحَدِّثُ أخْبارَها بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ أوْحى إلَيْها ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أوْحى لَها﴾ أيْ أوْحى إلَيْها وأنْشَدَ العَجّاجُ: أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ الثّانِي: لَعَلَّهُ إنَّما قالَ: لَها؛ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِأجْلِها حَتّى تَتَوَسَّلَ الأرْضُ بِذَلِكَ إلى التَّشَفِّي مِنَ العُصاةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ الصُّدُورُ ضِدُّ الوُرُودِ، فالوارِدُ: الجائِي، والصّادِرُ: المُنْصَرِفُ، وأشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَرِدُوا الأرْضَ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنِ الأرْضِ إلى عَرْصَةِ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَرِدُوا عَرْصَةَ القِيامَةِ لِلْمُحاسَبَةِ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها إلى مَوْضِعِ الثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أشْتاتًا﴾ أقْرَبُ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ ولَفْظَةُ الصَّدْرِ أقْرَبُ إلى الوَجْهِ الثّانِي، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ أقْرَبُ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِأنَّ رُؤْيَةَ أعْمالِهِمْ مَكْتُوبَةً في الصَّحائِفِ أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ مِن رُؤْيَةِ جَزاءِ الأعْمالِ، وإنْ صَحَّ أيْضًا أنْ يُحْمَلَ عَلى رُؤْيَةِ جَزاءِ الأعْمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿أشْتاتًا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ بَعْضَهم يَذْهَبُ إلى المَوْقِفِ راكِبًا مَعَ الثِّيابِ الحَسَنَةِ وبَياضِ الوَجْهِ والمُنادِي يُنادِي بَيْنَ يَدَيْهِ: هَذا ولِيُّ اللَّهِ، وآخَرُونَ يُذْهَبُ بِهِمْ سُودَ الوُجُوهِ حُفاةً عُراةً مَعَ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والمُنادِي يُنادِي بَيْنَ يَدَيْهِ هَذا عَدُوُّ اللَّهِ. وثانِيها: أشْتاتًا أيْ: كُلُّ فَرِيقٍ مَعَ شَكْلِهِ؛ اليَهُودِيُّ مَعَ اليَهُودِيِّ، والنَّصْرانِيُّ مَعَ النَّصْرانِيِّ. وثالِثُها: أشْتاتًا مِن أقْطارِ الأرْضِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ المَقْصُودَ وقالَ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ قالَ بَعْضُهم: لِيُرَوْا صَحائِفَ أعْمالِهِمْ، لِأنَّ الكِتابَةَ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: هَذا طَلاقُكَ وبَيْعُكَ هَلْ تَراهُ والمَرْئِيُّ وهو الكِتابُ. وقالَ آخَرُونَ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ، وهو الجَنَّةُ أوِ النّارُ، وإنَّما أوْقَعَ اسْمَ العَمَلِ عَلى الجَزاءِ لِأنَّهُ الجَزاءُ وِفاقٌ، فَكَأنَّهُ نَفْسُ العَمَلِ، بَلِ المَجازُ في ذَلِكَ أدْخَلُ مِنَ الحَقِيقَةِ، وفي قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ: ”لِيَرَوْا“ بِالفَتْحِ. صفحة ٥٨

الزلزلة 99:7

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ أيْ زِنَةَ ذَرَّةٍ قالَ الكَلْبِيُّ: الذَّرَّةُ أصْغَرُ النَّمْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا وضَعْتَ راحَتَكَ عَلى الأرْضِ ثُمَّ رَفَعْتَها فَكُلُّ واحِدٍ مِمّا لَزِقَ بِهِ مِنَ التُّرابِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فَلَيْسَ مِن عَبْدٍ عَمِلَ خَيْرًا أوْ شَرًّا قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا إلّا أراهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في رِوايَةٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يُرَهُ“ بِرَفْعِ الياءِ وقَرَأ الباقُونَ: ﴿يَرَهُ﴾ بِفَتْحِها وقَرَأ بَعْضُهم: ”يَرَهْ“ بِالجَزْمِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ وهو أنَّ حَسَناتِ الكافِرِ مُحْبَطَةٌ بِكُفْرِهِ وسَيِّئاتِ المُؤْمِنِ مَغْفُورَةٌ، إمّا ابْتِداءً وإمّا بِسَبَبِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ، فَما مَعْنى الجَزاءِ بِمَثاقِيلِ الذَّرَّةِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ؟ واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن خَيْرٍ وهو كافِرٌ فَإنَّهُ يَرى ثَوابَ ذَلِكَ في الدُّنْيا حَتّى يَلْقى الآخِرَةَ، ولَيْسَ لَهُ فِيها شَيْءٌ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «يا أبا بَكْرٍ ما رَأيْتَ في الدُّنْيا مِمّا تَكْرَهُ فَبِمَثاقِيلِ ذَرِّ الشَّرِّ ويَدَّخِرُ اللَّهُ لَكَ مَثاقِيلَ الخَيْرِ حَتّى تُوَفّاها يَوْمَ القِيامَةِ» وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ عَمِلَ خَيْرًا أوْ شَرًّا إلّا أراهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَغْفِرُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ ويُثِيبُهُ بِحَسَناتِهِ، وأمّا الكافِرُ فَتُرَدُّ حَسَناتُهُ ويُعَذَّبُ بِسَيِّئاتِهِ. وثالِثُها: أنَّ حَسَناتِ الكافِرِ وإنْ كانَتْ مُحْبَطَةً بِكُفْرِهِ ولَكِنَّ المُوازَنَةَ مُعْتَبَرَةٌ فَتُقَدَّرُ تِلْكَ الحَسَناتُ انْحَبَطَتْ مِن عِقابِ كُفْرِهِ، وكَذا القَوْلُ في الجانِبِ الآخَرِ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ قادِحًا في عُمُومِ الآيَةِ. ورابِعُها: أنْ نُخَصِّصَ عُمُومَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ونَقُولَ: المُرادُ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ السُّعَداءِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، ومَن يَعْمَلْ مِنَ الأشْقِياءِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا كانَ الأمْرُ إلى هَذا الحَدِّ فَأيْنَ الكَرَمُ ؟ والجَوابُ: هَذا هو الكَرَمُ، لِأنَّ المَعْصِيَةَ وإنْ قَلَّتْ فَفِيها اسْتِخْفافٌ، والكَرِيمُ لا يَحْتَمِلُهُ وفي الطّاعَةِ تَعْظِيمٌ، وإنْ قَلَّ فالكَرِيمُ لا يُضَيِّعُهُ، وكَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ لا تَحْسَبْ مِثْقالَ الذَّرَّةِ مِنَ الخَيْرِ صَغِيرًا، فَإنَّكَ مَعَ لُؤْمِكَ وضَعْفِكَ لَمْ تُضَيِّعْ مِنِّي الذَّرَّةَ، بَلِ اعْتَبَرْتَها ونَظَرْتَ فِيها، واسْتَدْلَلْتَ بِها عَلى ذاتِي وصِفاتِي واتَّخَذْتَها مَرْكَبًا بِهِ وصَلْتَ إلَيَّ، فَإذا لَمْ تُضَيِّعْ ذَرَّتِي أفَأُضَيِّعُ ذَرَّتَكَ ! ثُمَّ التَّحْقِيقُ أنَّ المَقْصُودَ هو النِّيَّةُ والقَصْدُ، فَإذا كانَ العَمَلُ قَلِيلًا لَكِنَّ النِّيَّةَ خالِصَةٌ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ كانَ العَمَلُ كَثِيرًا والنِّيَّةَ دائِرَةٌ فالمَقْصُودُ فائِتٌ، ومِن ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ: لا تُحَقِّرُوا شَيْئًا مِنَ المَعْرُوفِ، فَإنَّ رَجُلًا دَخَلَ الجَنَّةَ بِإعارَةِ إبْرَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنَّ امْرَأةً أعانَتْ بِحَبَّةٍ في بِناءِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَدَخَلَتِ الجَنَّةَ. وعَنْ عائِشَةَ: ”كانَتْ بَيْنَ يَدَيْها عِنَبٌ فَقَدَّمَتْهُ إلى نِسْوَةٍ بِحَضْرَتِها، فَجاءَ سائِلٌ فَأمَرَتْ لَهُ بِحَبَّةٍ مِن ذَلِكَ العِنَبِ فَضَحِكَ بَعْضُ مَن كانَ عِنْدَها، فَقالَتْ: إنَّ فِيما تَرَوْنَ مَثاقِيلَ الذَّرَّةِ وتَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ“ ولَعَلَّها كانَ غَرَضُها التَّعْلِيمَ، وإلّا فَهي كانَتْ في غايَةِ السَّخاوَةِ. رُوِيَ: ”أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعَثَ إلَيْها بِمِائَةِ ألْفٍ وثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في غِرارَتَيْنِ، فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وجَعَلَتْ تَقْسِمُهُ بَيْنَ النّاسِ، فَلَمّا أمْسَتْ قالَتْ: يا جارِيَةُ فُطُورِي هَلُمِّي فَجاءَتْ بِخُبْزٍ وزَيْتٍ، فَقِيلَ لَها: أما أمْسَكْتِ لَنا دِرْهَمًا نَشْتَرِي بِهِ لَحْمًا نُفْطِرُ عَلَيْهِ، فَقالَتْ: لَوْ ذَكَّرْتِينِي لَفَعَلْتُ صفحة ٥٩ ذَلِكَ“ وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلَيْنِ كانَ أحَدُهُما يَأْتِيهِ السّائِلُ فَيَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَهُ التَّمْرَةَ والكِسْرَةَ والجَوْزَةَ، ويَقُولَ ما هَذا بِشَيْءٍ، وإنَّما نُؤْجَرُ عَلى ما نُعْطِي وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، ويَقُولُ: لا شَيْءَ عَلَيَّ مِن هَذا إنَّما الوَعِيدُ بِالنّارِ عَلى الكَبائِرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَرْغِيبًا في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَكْثُرَ، وتَحْذِيرًا مِنَ اليَسِيرِ مِنَ الذَّنْبِ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَكْبُرَ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَن لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الزلزلة 99:8

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ أيْ زِنَةَ ذَرَّةٍ قالَ الكَلْبِيُّ: الذَّرَّةُ أصْغَرُ النَّمْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا وضَعْتَ راحَتَكَ عَلى الأرْضِ ثُمَّ رَفَعْتَها فَكُلُّ واحِدٍ مِمّا لَزِقَ بِهِ مِنَ التُّرابِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فَلَيْسَ مِن عَبْدٍ عَمِلَ خَيْرًا أوْ شَرًّا قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا إلّا أراهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في رِوايَةٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يُرَهُ“ بِرَفْعِ الياءِ وقَرَأ الباقُونَ: ﴿يَرَهُ﴾ بِفَتْحِها وقَرَأ بَعْضُهم: ”يَرَهْ“ بِالجَزْمِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ وهو أنَّ حَسَناتِ الكافِرِ مُحْبَطَةٌ بِكُفْرِهِ وسَيِّئاتِ المُؤْمِنِ مَغْفُورَةٌ، إمّا ابْتِداءً وإمّا بِسَبَبِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ، فَما مَعْنى الجَزاءِ بِمَثاقِيلِ الذَّرَّةِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ؟ واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن خَيْرٍ وهو كافِرٌ فَإنَّهُ يَرى ثَوابَ ذَلِكَ في الدُّنْيا حَتّى يَلْقى الآخِرَةَ، ولَيْسَ لَهُ فِيها شَيْءٌ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «يا أبا بَكْرٍ ما رَأيْتَ في الدُّنْيا مِمّا تَكْرَهُ فَبِمَثاقِيلِ ذَرِّ الشَّرِّ ويَدَّخِرُ اللَّهُ لَكَ مَثاقِيلَ الخَيْرِ حَتّى تُوَفّاها يَوْمَ القِيامَةِ» وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ عَمِلَ خَيْرًا أوْ شَرًّا إلّا أراهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَغْفِرُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ ويُثِيبُهُ بِحَسَناتِهِ، وأمّا الكافِرُ فَتُرَدُّ حَسَناتُهُ ويُعَذَّبُ بِسَيِّئاتِهِ. وثالِثُها: أنَّ حَسَناتِ الكافِرِ وإنْ كانَتْ مُحْبَطَةً بِكُفْرِهِ ولَكِنَّ المُوازَنَةَ مُعْتَبَرَةٌ فَتُقَدَّرُ تِلْكَ الحَسَناتُ انْحَبَطَتْ مِن عِقابِ كُفْرِهِ، وكَذا القَوْلُ في الجانِبِ الآخَرِ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ قادِحًا في عُمُومِ الآيَةِ. ورابِعُها: أنْ نُخَصِّصَ عُمُومَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ونَقُولَ: المُرادُ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ السُّعَداءِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، ومَن يَعْمَلْ مِنَ الأشْقِياءِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا كانَ الأمْرُ إلى هَذا الحَدِّ فَأيْنَ الكَرَمُ ؟ والجَوابُ: هَذا هو الكَرَمُ، لِأنَّ المَعْصِيَةَ وإنْ قَلَّتْ فَفِيها اسْتِخْفافٌ، والكَرِيمُ لا يَحْتَمِلُهُ وفي الطّاعَةِ تَعْظِيمٌ، وإنْ قَلَّ فالكَرِيمُ لا يُضَيِّعُهُ، وكَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ لا تَحْسَبْ مِثْقالَ الذَّرَّةِ مِنَ الخَيْرِ صَغِيرًا، فَإنَّكَ مَعَ لُؤْمِكَ وضَعْفِكَ لَمْ تُضَيِّعْ مِنِّي الذَّرَّةَ، بَلِ اعْتَبَرْتَها ونَظَرْتَ فِيها، واسْتَدْلَلْتَ بِها عَلى ذاتِي وصِفاتِي واتَّخَذْتَها مَرْكَبًا بِهِ وصَلْتَ إلَيَّ، فَإذا لَمْ تُضَيِّعْ ذَرَّتِي أفَأُضَيِّعُ ذَرَّتَكَ ! ثُمَّ التَّحْقِيقُ أنَّ المَقْصُودَ هو النِّيَّةُ والقَصْدُ، فَإذا كانَ العَمَلُ قَلِيلًا لَكِنَّ النِّيَّةَ خالِصَةٌ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ كانَ العَمَلُ كَثِيرًا والنِّيَّةَ دائِرَةٌ فالمَقْصُودُ فائِتٌ، ومِن ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ: لا تُحَقِّرُوا شَيْئًا مِنَ المَعْرُوفِ، فَإنَّ رَجُلًا دَخَلَ الجَنَّةَ بِإعارَةِ إبْرَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنَّ امْرَأةً أعانَتْ بِحَبَّةٍ في بِناءِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَدَخَلَتِ الجَنَّةَ. وعَنْ عائِشَةَ: ”كانَتْ بَيْنَ يَدَيْها عِنَبٌ فَقَدَّمَتْهُ إلى نِسْوَةٍ بِحَضْرَتِها، فَجاءَ سائِلٌ فَأمَرَتْ لَهُ بِحَبَّةٍ مِن ذَلِكَ العِنَبِ فَضَحِكَ بَعْضُ مَن كانَ عِنْدَها، فَقالَتْ: إنَّ فِيما تَرَوْنَ مَثاقِيلَ الذَّرَّةِ وتَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ“ ولَعَلَّها كانَ غَرَضُها التَّعْلِيمَ، وإلّا فَهي كانَتْ في غايَةِ السَّخاوَةِ. رُوِيَ: ”أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعَثَ إلَيْها بِمِائَةِ ألْفٍ وثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في غِرارَتَيْنِ، فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وجَعَلَتْ تَقْسِمُهُ بَيْنَ النّاسِ، فَلَمّا أمْسَتْ قالَتْ: يا جارِيَةُ فُطُورِي هَلُمِّي فَجاءَتْ بِخُبْزٍ وزَيْتٍ، فَقِيلَ لَها: أما أمْسَكْتِ لَنا دِرْهَمًا نَشْتَرِي بِهِ لَحْمًا نُفْطِرُ عَلَيْهِ، فَقالَتْ: لَوْ ذَكَّرْتِينِي لَفَعَلْتُ صفحة ٥٩ ذَلِكَ“ وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلَيْنِ كانَ أحَدُهُما يَأْتِيهِ السّائِلُ فَيَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَهُ التَّمْرَةَ والكِسْرَةَ والجَوْزَةَ، ويَقُولَ ما هَذا بِشَيْءٍ، وإنَّما نُؤْجَرُ عَلى ما نُعْطِي وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، ويَقُولُ: لا شَيْءَ عَلَيَّ مِن هَذا إنَّما الوَعِيدُ بِالنّارِ عَلى الكَبائِرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَرْغِيبًا في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَكْثُرَ، وتَحْذِيرًا مِنَ اليَسِيرِ مِنَ الذَّنْبِ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَكْبُرَ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَن لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

العاديات 100:1

صفحة ٦٠ (سُورَةُ العادِياتِ) إحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ . اعْلَمْ أنَّ الضَّبْحَ أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَتْ، وهو صَوْتٌ لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا حَمْحَمَةٍ، ولَكِنَّهُ صَوْتُ نَفَسٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالعادِياتِ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها الإبِلُ، وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ والقُرَظِيِّ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”بَيْنا أنا جالِسٌ في الحِجْرِ إذْ أتانِي رَجُلٌ فَسَألَنِي عَنِ العادِياتِ ضَبْحًا، فَفَسَّرْتُها بِالخَيْلِ فَذَهَبَ إلى عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو تَحْتَ سِقايَةِ زَمْزَمَ فَسَألَهُ وذَكَرَ لَهُ ما قُلْتُ، فَقالَ: ادْعُهُ لِي فَلَمّا وقَفْتُ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: تُفْتِي النّاسَ بِما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، واللَّهِ إنْ كانَتْ لَأوَّلَ غَزْوَةٍ في الإسْلامِ بَدْرٌ وما كانَ مَعَنا إلّا فَرَسانِ فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٌ لِلْمِقْدادِ، ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ الإبِلُ مِن عَرَفَةَ إلى مُزْدَلِفَةَ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى، يَعْنِي إبِلَ الحاجِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَرَجَعْتُ عَنْ قَوْلِي إلى قَوْلِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ“ ويَتَأكَّدُ هَذا القَوْلُ بِما رَوى أُبَيٌّ في فَضْلِ السُّورَةِ مَرْفُوعًا: ”مَن قَرَأها أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَن باتَ بِالمُزْدَلِفَةِ وشَهِدَ جَمْعًا“ وعَلى هَذا القَوْلِ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ أنَّ الحَوافِرَ تَرْمِي بِالحَجَرِ مِن شِدَّةِ العَدْوِ فَتَضْرِبُ بِهِ حَجَرًا آخَرَ فَتُورِي النّارَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الإبِلَ وهُمُ الحَجِيجُ إذا أوْقَدُوا نِيرانَهم بِالمُزْدَلِفَةِ ﴿فالمُغِيراتِ﴾ الإغارَةُ سُرْعَةُ السَّيْرِ وهم يَنْدَفِعُونَ صَبِيحَةَ يَوْمِ النَّحْرِ مُسْرِعِينَ إلى مِنًى ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ يَعْنِي غُبارًا بِالعَدْوِ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: النَّقْعُ ما بَيْنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ لِأنَّها تُسَمّى الجَمْعَ لِاجْتِماعِ الحاجِّ بِها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَوَجْهُ القَسَمِ بِهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: ما ذَكَرْنا مِنَ المَنافِعِ الكَثِيرَةِ فِيهِ في قَوْلِهِ: صفحة ٦١ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ﴾ [الغاشية: ١٧] وثانِيها: كَأنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالآدَمِيِّ الكَنُودِ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنِّي سَخَّرْتُ مِثْلَ هَذا لَكَ وأنْتَ مُتَمَرِّدٌ عَنْ طاعَتِي. وثالِثُها: الغَرَضُ بِذِكْرِ إبِلِ الحَجِّ التَّرْغِيبُ في الحَجِّ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: جَعَلْتُ ذَلِكَ الإبِلَ مُقْسَمًا بِهِ، فَكَيْفَ أُضَيِّعُ عَمَلَكَ ! وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَن يَرْغَبُ في الحَجِّ، فَإنَّ الكَنُودَ هو الكَفُورُ، والَّذِي لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الوُجُوبِ مَوْصُوفٌ بِذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ . [آل عمران: ٩٧] القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وعَطاءٍ وأكْثَرِ المُحَقِّقِينَ: أنَّهُ الخَيْلُ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا. قالَ الكَلْبِيُّ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى أُناسٍ مِن كِنانَةَ فَمَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثَ لا يَأْتِيهِ مِنهم خَبَرٌ فَتَخَوَّفَ عَلَيْها. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِخَبَرِ مَسِيرِها» . فَإنْ جَعَلْنا الألِفَ واللّامَ في: ﴿والعادِياتِ﴾ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ كانَ مَحَلُّ القَسَمِ خَيْلَ تِلْكَ السَّرِيَّةِ، وإنْ جَعَلْناهُما لِلْجِنْسِ كانَ ذَلِكَ قَسَمًا بِكُلِّ خَيْلٍ عَدَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الآياتِ تُنادِي أنَّ المُرادَ هو الخَيْلُ، وذَلِكَ لِأنَّ الضَّبْحَ لا يَكُونُ إلّا لِلْفَرَسِ، واسْتِعْمالُ هَذا اللَّفْظِ في الإبِلِ يَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، كَما اسْتُعِيرَ المَشافِرُ والحافِرُ لِلْإنْسانِ، والشَّفَتانِ لِلْمُهْرِ، والعُدُولُ مِنَ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لا يَجُوزُ، وأيْضًا فالقَدْحُ يَظْهَرُ بِالحافِرِ ما لا يَظْهَرُ بِخُفِّ الإبِلِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ لِأنَّهُ بِالخَيْلِ أسْهَلُ مِنهُ بِغَيْرِهِ، وقَدْ رُوِّينا أنَّهُ ورَدَ في بَعْضِ السَّرايا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالأقْرَبُ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، لِأنَّ الإذْنَ بِالقِتالِ كانَ بِالمَدِينَةِ، وهو الَّذِي قالَهُ الكَلْبِيُّ: إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى إنَّما أقْسَمَ بِالخَيْلِ لِأنَّ لَها في العَدْوِ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ ما لَيْسَ لِسائِرِ الدَّوابِّ، فَإنَّها تَصْلُحُ لِلطَّلَبِ والهَرَبِ والكَرِّ والفَرِّ، فَإذا ظَنَنْتَ أنَّ النَّفْعَ في الطَّلَبِ عَدَوْتَ إلى الخَصْمِ لِتَفُوزَ بِالغَنِيمَةِ، وإذا ظَنَنْتَ أنَّ المَصْلَحَةَ في الهَرَبِ قَدَرْتَ عَلى أشَدِّ العَدْوِ، ولا شَكَّ أنَّ السَّلامَةَ إحْدى الغَنِيمَتَيْنِ، فَأقْسَمَ تَعالى بِفَرَسِ الغازِي لِما فِيهِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا والدِّينِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُمْسِكَهُ لا لِلزِّينَةِ والتَّفاخُرِ، بَلْ لِهَذِهِ المَنفَعَةِ، وقَدْ نَبَّهَ تَعالى عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] فَأدْخَلَ لامَ التَّعْلِيلِ عَلى الرُّكُوبِ وما أدْخَلَهُ عَلى الزِّينَةِ وإنَّما قالَ: ﴿ضَبْحًا﴾ لِأنَّهُ أمارَةٌ يُظْهِرُ بِهِ التَّعَبَ وأنَّهُ يَبْذُلُ كُلَّ الوُسْعِ ولا يَقِفُ عِنْدَ التَّعَبِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّهُ مَعَ ضَعْفِهِ لا يَتْرُكُ طاعَتَكَ، فَلْيَكُنِ العَبْدُ في طاعَةِ مَوْلاهُ أيْضًا كَذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في انْتِصابِ ﴿ضَبْحًا﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: والعادِياتِ تَضْبَحُ ضَبْحًا. وثانِيها: أنْ يَكُونَ ﴿والعادِياتِ﴾ في مَعْنى والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ. وثالِثُها: قالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: والعادِياتِ ضابِحَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿ضَبْحًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ.

العاديات 100:2

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ . فاعْلَمْ أنَّ الإيراءَ إخْراجُ النّارِ، والقَدْحَ الصَّكُّ تَقُولُ: قَدَحَ فَأوْرى وقَدَّ فَأصْلَدَ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهٌ: صفحة ٦٢ أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ضَرْبَ الخَيْلِ بِحَوافِرِها الجَبَلَ فَأوْرَتْ مِنهُ النّارَ مِثْلَ الزَّنْدِ إذا قُدِحَ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الخَيْلَ تَقْدَحْنَ بِحَوافِرِهِنَّ في الحِجارَةِ نارًا كَنارِ الحُباحِبِ، والحُباحِبُ اسْمُ رَجُلٍ كانَ بَخِيلًا لا يُوقِدُ النّارَ إلّا إذا نامَ النّاسُ، فَإذا انْتَبَهَ أحَدٌ أطْفَأ نارَهُ لِئَلّا يَنْتَفِعَ بِها أحَدٌ. فَشُبِّهَتْ هَذِهِ النّارُ الَّتِي تَنْقَدِحُ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ بِتِلْكَ النّارِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيها نَفْعٌ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّها نَعْلُ الحَدِيدِ يَصُكُّ الحَجَرَ فَتَخْرُجُ النّارُ، والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ تَكُونُ السَّنابِكُ نَفْسُها كالحَدِيدِ. وثالِثُها: قالَ قَوْمٌ: هَذِهِ الآياتُ في الخَيْلِ، ولَكِنْ إيراؤُها أنْ تُهِيجَ الحَرْبَ بَيْنَ أصْحابِها وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ومِنهُ يُقالُ لِلْحَرْبِ إذا التَحَمَتْ: حَمِيَ الوَطِيسُ. وثالِثُها: هُمُ الَّذِينَ يَغْزُونَ فَيُورُونَ بِاللَّيْلِ نِيرانَهم لِحاجَتِهِمْ وطَعامِهِمْ ﴿فالمُورِياتِ﴾ هُمُ الجَماعَةُ مِنَ الغُزاةِ. ورابِعُها: إنَّها هي الألْسِنَةُ تُورِي نارَ العَداوَةِ لِعِظَمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ. وخامِسُها: هي أفْكارُ الرِّجالِ تُورِي نارَ المَكْرِ والخَدِيعَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُقالُ: لَأقْدَحَنَّ لَكَ ثُمَّ لَأُورِيَنَّ لَكَ، أيْ لَأُهَيِّجَنَّ عَلَيْكَ شَرًّا وحَرْبًا، وقِيلَ: هو المَكْرُ إلّا أنَّهُ مَكْرٌ بِإيقادِ النّارِ لِيَراهُمُ العَدُوُّ كَثِيرًا، ومِن عادَةِ العَرَبِ عِنْدَ الغَزْوِ إذا قَرُبُوا مِنَ العَدُوِّ أنْ يُوقِدُوا نِيرانًا كَثِيرَةً، لِكَيْ إذا نَظَرَ العَدُوُّ إلَيْهِمْ ظَنَّهم كَثِيرًا. وسادِسُها: قالَ عِكْرِمَةُ: المُورِياتِ قَدْحًا: الأسِنَّةُ. وسابِعُها: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ أيْ فالمُنْجِحاتِ أمْرًا، يَعْنِي الَّذِينَ وجَدُوا مَقْصُودَهم وفازُوا بِمَطْلُوبِهِمْ مِنَ الغَزْوِ والحَجِّ، ويُقالُ لِلْمُنْجِحِ في حاجَتِهِ: ورى زَنْدَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ هَذا إلى الجَماعَةِ المُنْجِحَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى الخَيْلِ يَنْجَحُ رُكْبانُها قالَ جَرِيرٌ: وجَدْنا الأزْدَ أكْرَمَهم جَوادا وأوْراهم إذا قَدَحُوا زِنادا ويُقالُ: فُلانٌ إذا قَدَحَ أوْرى، وإذا مَنَحَ أرْوى، واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ أقْرَبُ لِأنَّ لَفْظَ الإيراءِ حَقِيقَةٌ في إيراءِ النّارِ، وفي غَيْرِهِ مَجازٌ، ولا يَجُوزُ تَرْكُ الحَقِيقَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.

العاديات 100:3

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ يَعْنِي الخَيْلَ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ وقْتَ الصُّبْحِ، وكانُوا يُغِيرُونَ صَباحًا لِأنَّهم في اللَّيْلِ يَكُونُونَ في الظُّلْمَةِ فَلا يُبْصِرُونَ شَيْئًا، وأمّا النَّهارُ فالنّاسُ يَكُونُونَ فِيهِ كالمُسْتَعِدِّينَ لِلْمُدافَعَةِ والمُحارَبَةِ، أمّا هَذا الوَقْتُ فالنّاسُ يَكُونُونَ فِيهِ في الغَفْلَةِ وعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ. وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا هَذِهِ الآياتِ عَلى الإبِلِ، قالُوا: المُرادُ هو الإبِلُ تَدْفَعُ بِرُكْبانِها يَوْمَ النَّحْرِ مِن جَمْعٍ إلى مِنًى، والسُّنَّةُ أنْ لا تُغِيرَ حَتّى تُصْبِحَ، ومَعْنى الإغارَةِ في اللُّغَةِ الإسْراعُ، يُقالُ: أغارَ إذا أسْرَعَ وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ: أيْ نُسْرِعُ في الإفاضَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في النَّقْعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هو الغُبارُ وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن نَقْعِ الصَّوْتِ إذا ارْتَفَعَ، صفحة ٦٣ فالغُبارُ يُسَمّى نَقْعًا لِارْتِفاعِهِ، وقِيلَ: هو مِنَ النَّقْعِ في الماءِ، فَكَأنَّ صاحِبَ الغُبارِ غاصَ فِيهِ، كَما يَغُوصُ الرَّجُلُ في الماءِ. والثّانِي: النَّقْعُ الصِّياحُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ ولا لَقَلَقَةٌ» أيْ فَهَيَّجْنَ في المُغارِ عَلَيْهِمْ صِياحَ النَّوائِحِ، وارْتَفَعَتْ أصْواتُهُنَّ، ويُقالُ: ثارَ الغُبارُ والدُّخانُ، أيِ ارْتَفَعَ وثارَ القَطا عَنْ مِفْحَصِهِ، وأثَرْنَ الغُبارَ أيْ هَيَّجْنَهُ، والمَعْنى أنَّ الخَيْلَ أثَرْنَ الغُبارَ لِشِدَّةِ العَدْوِ في المَوْضِعِ الَّذِي أغَرْنَ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”بِهِ“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّهُ عائِدٌ إلى المَكانِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ، والمَوْضِعِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ الإغارَةُ، لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ دَلِيلًا عَلى أنَّ الإغارَةَ لا بُدَّ لَها مِن وضْعٍ، وإذا عُلِمَ المَعْنى جازَ أنْ يُكَنّى عَمّا لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ بِالتَّصْرِيحِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [ القَدْرِ: ١] وثانِيها: إنَّهُ عائِدٌ إلى ذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ الإغارَةُ، أيْ فَأثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَقْعًا. وثالِثُها: وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ أنَّهُ عائِدٌ إلى العَدْوِ، أيْ فَأثَرْنَ بِالعَدْوِ نَقْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ العَدْوِ في قَوْلِهِ: ﴿والعادِياتِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَإنْ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ، والتَّقْدِيرُ: واللّائِي عَدَوْنَ فَأوْرَيْنَ، وأغَرْنَ فَأثَرْنَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”فَأثَّرْنَ“ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا، لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارِ، أوْ قَلَبَ ثَوَّرْنَ إلى وثَّرْنَ وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً.

العاديات 100:4

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ يَعْنِي الخَيْلَ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ وقْتَ الصُّبْحِ، وكانُوا يُغِيرُونَ صَباحًا لِأنَّهم في اللَّيْلِ يَكُونُونَ في الظُّلْمَةِ فَلا يُبْصِرُونَ شَيْئًا، وأمّا النَّهارُ فالنّاسُ يَكُونُونَ فِيهِ كالمُسْتَعِدِّينَ لِلْمُدافَعَةِ والمُحارَبَةِ، أمّا هَذا الوَقْتُ فالنّاسُ يَكُونُونَ فِيهِ في الغَفْلَةِ وعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ. وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا هَذِهِ الآياتِ عَلى الإبِلِ، قالُوا: المُرادُ هو الإبِلُ تَدْفَعُ بِرُكْبانِها يَوْمَ النَّحْرِ مِن جَمْعٍ إلى مِنًى، والسُّنَّةُ أنْ لا تُغِيرَ حَتّى تُصْبِحَ، ومَعْنى الإغارَةِ في اللُّغَةِ الإسْراعُ، يُقالُ: أغارَ إذا أسْرَعَ وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ: أيْ نُسْرِعُ في الإفاضَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في النَّقْعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هو الغُبارُ وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن نَقْعِ الصَّوْتِ إذا ارْتَفَعَ، صفحة ٦٣ فالغُبارُ يُسَمّى نَقْعًا لِارْتِفاعِهِ، وقِيلَ: هو مِنَ النَّقْعِ في الماءِ، فَكَأنَّ صاحِبَ الغُبارِ غاصَ فِيهِ، كَما يَغُوصُ الرَّجُلُ في الماءِ. والثّانِي: النَّقْعُ الصِّياحُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ ولا لَقَلَقَةٌ» أيْ فَهَيَّجْنَ في المُغارِ عَلَيْهِمْ صِياحَ النَّوائِحِ، وارْتَفَعَتْ أصْواتُهُنَّ، ويُقالُ: ثارَ الغُبارُ والدُّخانُ، أيِ ارْتَفَعَ وثارَ القَطا عَنْ مِفْحَصِهِ، وأثَرْنَ الغُبارَ أيْ هَيَّجْنَهُ، والمَعْنى أنَّ الخَيْلَ أثَرْنَ الغُبارَ لِشِدَّةِ العَدْوِ في المَوْضِعِ الَّذِي أغَرْنَ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”بِهِ“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّهُ عائِدٌ إلى المَكانِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ، والمَوْضِعِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ الإغارَةُ، لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ دَلِيلًا عَلى أنَّ الإغارَةَ لا بُدَّ لَها مِن وضْعٍ، وإذا عُلِمَ المَعْنى جازَ أنْ يُكَنّى عَمّا لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ بِالتَّصْرِيحِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [ القَدْرِ: ١] وثانِيها: إنَّهُ عائِدٌ إلى ذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ الإغارَةُ، أيْ فَأثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَقْعًا. وثالِثُها: وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ أنَّهُ عائِدٌ إلى العَدْوِ، أيْ فَأثَرْنَ بِالعَدْوِ نَقْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ العَدْوِ في قَوْلِهِ: ﴿والعادِياتِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَإنْ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ، والتَّقْدِيرُ: واللّائِي عَدَوْنَ فَأوْرَيْنَ، وأغَرْنَ فَأثَرْنَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”فَأثَّرْنَ“ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا، لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارِ، أوْ قَلَبَ ثَوَّرْنَ إلى وثَّرْنَ وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً.

العاديات 100:5

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: وسَطْتُ النَّهَرَ والمَفازَةَ أوْسُطُها وسَطًا وسِطَةً، أيْ صِرْتُ في وسَطِها، وكَذَلِكَ وسَّطْتُها وتَوَسَّطْتُها، ونَحْوُ هَذا، قالَ الفَرّاءُ: والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بِهِ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بِالعَدْوِ، وذَلِكَ أنَّ العادِياتِ تَدُلُّ عَلى العَدْوِ، فَجازَتِ الكِنايَةُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ: ﴿جَمْعًا﴾ يَعْنِي جَمْعَ العَدُوِّ، والمَعْنى صِرْنَ بَعْدُ وهُنَّ وسَطَ جَمْعِ العَدُوِّ، ومَن حَمَلَ الآياتِ عَلى الإبِلِ، قالَ: يَعْنِي جَمْعَ مِنًى. وثانِيها: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى النَّقْعِ أيْ: ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِالنَّقْعِ الجَمْعَ. وثالِثُها: المُرادُ أنَّ العادِياتِ وسَطْنَ مُلَبَّسًا بِالنَّقْعِ جَمْعًا مِن جُمُوعِ الأعْداءِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”فَوَسَّطْنَ“ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِهِ﴾ [الأنبياء: ٦١] وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ، واعْلَمْ أنَّ النّاسَ أكْثَرُوا في صِفَةِ الفَرَسِ، وهَذا القَدْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ أحْسَنُ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ»، وقالَ أيْضًا: «ظَهْرُها حِرْزٌ وبَطْنُها كَنْزٌ» واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ، ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ وهو أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:

العاديات 100:6

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الكُنُودِ مَنعُ الحَقِّ والخَيْرِ، والكَنُودُ الَّذِي صفحة ٦٤ يَمْنَعُ ما عَلَيْهِ، والأرْضُ الكَنُودُ هي الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: الكَنُودُ هو الكَفُورُ قالُوا: ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ المَشْهُورُ كِنْدَةَ لِأنَّهُ كَنَدَ أباهُ فَفارَقَهُ، وعَنِ الكَلْبِيِّ الكَنُودُ -بِلِسانِ كِنْدَةَ-: العاصِي، وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ ”«الكَنُودَ“ هو الكَفُورُ الَّذِي يَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ»، وقالَ الحَسَنُ: ”الكَنُودُ“ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المِحَنَ والمَصائِبَ، ويَنْسى النِّعَمَ والرّاحاتِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] واعْلَمْ أنَّ مَعْنى الكَنُودِ لا يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ كُفْرًا أوْ فِسْقًا، وكَيْفَما كانَ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ النّاسِ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِ إلى كافِرٍ مُعَيَّنٍ، أوْ إنْ حَمَلْناهُ عَلى الكُلِّ كانَ المَعْنى أنَّ طَبْعَ الإنْسانِ يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ إلّا إذا عَصَمَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ وتَوْفِيقِهِ مِن ذَلِكَ، والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ قالُوا: لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ: لِأنَّ ذَلِكَ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الأمْرِ. الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنْسانَ عَلى ذَلِكَ أيْ: عَلى كُنُودِهِ لَشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، إمّا لِأنَّهُ أمْرٌ ظاهِرٌ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَجْحَدَهُ، أوْ لِأنَّهُ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ في الآخِرَةِ ويَعْتَرِفُ بِذُنُوبِهِ. القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ قالُوا: وهَذا أوْلى لِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، والأقْرَبُ هَهُنا هو لَفْظُ الرَّبِّ تَعالى ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ لَهُ عَنِ المَعاصِي مِن حَيْثُ إنَّهُ يُحْصِي عَلَيْهِ أعْمالَهُ، وأمّا النّاصِرُونَ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِيَكُونَ النَّظْمُ أحْسَنَ. الأمْرُ الثّالِثُ: مِمّا أقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ الخَيْرُ المالُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] وهَذا لِأنَّ النّاسَ يَعُدُّونَ المالَ فِيما بَيْنَهم خَيْرًا كَما أنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَنالُ المُجاهِدَ مِنَ الجِراحِ وأذى الحَرْبِ سُوءًا في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] والشَّدِيدُ البَخِيلُ المُمْسِكُ، يُقالُ: فُلانٌ شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، قالَ طَرَفَةُ: أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ ثُمَّ في التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ مُمْسِكٌ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشَّدِيدِ القَوِيَّ، ويَكُونُ المَعْنى وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِ الدُّنْيا وطَلَبِها قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ، إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. وثالِثُها: أرادَ إنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَنِيٍّ مُنْبَسِطٍ ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ يَعْنِي أنَّهُ يُحِبُّ المالَ، ويُحِبُّ كَوْنَهُ مُحِبًّا لَهُ، إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِالحُبِّ الأوَّلِ عَنِ الثّانِي، كَما قالَ: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] أيْ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ فاكْتَفى بِالأُولى عَنِ الثّانِيَةِ. وخامِسُها: قالَ قُطْرُبٌ: أيْ إنَّهُ شَدِيدُ حُبِّ الخَيْرِ، كَقَوْلِكَ إنَّهُ لِزَيْدٍ ضَرُوبٌ أيْ إنَّهُ ضَرُوبُ زَيْدٍ.

العاديات 100:7

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الكُنُودِ مَنعُ الحَقِّ والخَيْرِ، والكَنُودُ الَّذِي صفحة ٦٤ يَمْنَعُ ما عَلَيْهِ، والأرْضُ الكَنُودُ هي الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: الكَنُودُ هو الكَفُورُ قالُوا: ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ المَشْهُورُ كِنْدَةَ لِأنَّهُ كَنَدَ أباهُ فَفارَقَهُ، وعَنِ الكَلْبِيِّ الكَنُودُ -بِلِسانِ كِنْدَةَ-: العاصِي، وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ ”«الكَنُودَ“ هو الكَفُورُ الَّذِي يَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ»، وقالَ الحَسَنُ: ”الكَنُودُ“ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المِحَنَ والمَصائِبَ، ويَنْسى النِّعَمَ والرّاحاتِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] واعْلَمْ أنَّ مَعْنى الكَنُودِ لا يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ كُفْرًا أوْ فِسْقًا، وكَيْفَما كانَ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ النّاسِ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِ إلى كافِرٍ مُعَيَّنٍ، أوْ إنْ حَمَلْناهُ عَلى الكُلِّ كانَ المَعْنى أنَّ طَبْعَ الإنْسانِ يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ إلّا إذا عَصَمَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ وتَوْفِيقِهِ مِن ذَلِكَ، والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ قالُوا: لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ: لِأنَّ ذَلِكَ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الأمْرِ. الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنْسانَ عَلى ذَلِكَ أيْ: عَلى كُنُودِهِ لَشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، إمّا لِأنَّهُ أمْرٌ ظاهِرٌ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَجْحَدَهُ، أوْ لِأنَّهُ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ في الآخِرَةِ ويَعْتَرِفُ بِذُنُوبِهِ. القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ قالُوا: وهَذا أوْلى لِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، والأقْرَبُ هَهُنا هو لَفْظُ الرَّبِّ تَعالى ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ لَهُ عَنِ المَعاصِي مِن حَيْثُ إنَّهُ يُحْصِي عَلَيْهِ أعْمالَهُ، وأمّا النّاصِرُونَ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِيَكُونَ النَّظْمُ أحْسَنَ. الأمْرُ الثّالِثُ: مِمّا أقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ الخَيْرُ المالُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] وهَذا لِأنَّ النّاسَ يَعُدُّونَ المالَ فِيما بَيْنَهم خَيْرًا كَما أنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَنالُ المُجاهِدَ مِنَ الجِراحِ وأذى الحَرْبِ سُوءًا في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] والشَّدِيدُ البَخِيلُ المُمْسِكُ، يُقالُ: فُلانٌ شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، قالَ طَرَفَةُ: أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ ثُمَّ في التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ مُمْسِكٌ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشَّدِيدِ القَوِيَّ، ويَكُونُ المَعْنى وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِ الدُّنْيا وطَلَبِها قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ، إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. وثالِثُها: أرادَ إنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَنِيٍّ مُنْبَسِطٍ ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ يَعْنِي أنَّهُ يُحِبُّ المالَ، ويُحِبُّ كَوْنَهُ مُحِبًّا لَهُ، إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِالحُبِّ الأوَّلِ عَنِ الثّانِي، كَما قالَ: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] أيْ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ فاكْتَفى بِالأُولى عَنِ الثّانِيَةِ. وخامِسُها: قالَ قُطْرُبٌ: أيْ إنَّهُ شَدِيدُ حُبِّ الخَيْرِ، كَقَوْلِكَ إنَّهُ لِزَيْدٍ ضَرُوبٌ أيْ إنَّهُ ضَرُوبُ زَيْدٍ.

العاديات 100:8

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الكُنُودِ مَنعُ الحَقِّ والخَيْرِ، والكَنُودُ الَّذِي صفحة ٦٤ يَمْنَعُ ما عَلَيْهِ، والأرْضُ الكَنُودُ هي الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: الكَنُودُ هو الكَفُورُ قالُوا: ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ المَشْهُورُ كِنْدَةَ لِأنَّهُ كَنَدَ أباهُ فَفارَقَهُ، وعَنِ الكَلْبِيِّ الكَنُودُ -بِلِسانِ كِنْدَةَ-: العاصِي، وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ ”«الكَنُودَ“ هو الكَفُورُ الَّذِي يَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ»، وقالَ الحَسَنُ: ”الكَنُودُ“ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المِحَنَ والمَصائِبَ، ويَنْسى النِّعَمَ والرّاحاتِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] واعْلَمْ أنَّ مَعْنى الكَنُودِ لا يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ كُفْرًا أوْ فِسْقًا، وكَيْفَما كانَ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ النّاسِ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِ إلى كافِرٍ مُعَيَّنٍ، أوْ إنْ حَمَلْناهُ عَلى الكُلِّ كانَ المَعْنى أنَّ طَبْعَ الإنْسانِ يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ إلّا إذا عَصَمَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ وتَوْفِيقِهِ مِن ذَلِكَ، والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ قالُوا: لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ: لِأنَّ ذَلِكَ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الأمْرِ. الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنْسانَ عَلى ذَلِكَ أيْ: عَلى كُنُودِهِ لَشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، إمّا لِأنَّهُ أمْرٌ ظاهِرٌ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَجْحَدَهُ، أوْ لِأنَّهُ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ في الآخِرَةِ ويَعْتَرِفُ بِذُنُوبِهِ. القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ قالُوا: وهَذا أوْلى لِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، والأقْرَبُ هَهُنا هو لَفْظُ الرَّبِّ تَعالى ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ لَهُ عَنِ المَعاصِي مِن حَيْثُ إنَّهُ يُحْصِي عَلَيْهِ أعْمالَهُ، وأمّا النّاصِرُونَ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِيَكُونَ النَّظْمُ أحْسَنَ. الأمْرُ الثّالِثُ: مِمّا أقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ الخَيْرُ المالُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] وهَذا لِأنَّ النّاسَ يَعُدُّونَ المالَ فِيما بَيْنَهم خَيْرًا كَما أنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَنالُ المُجاهِدَ مِنَ الجِراحِ وأذى الحَرْبِ سُوءًا في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] والشَّدِيدُ البَخِيلُ المُمْسِكُ، يُقالُ: فُلانٌ شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، قالَ طَرَفَةُ: أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ ثُمَّ في التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ مُمْسِكٌ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشَّدِيدِ القَوِيَّ، ويَكُونُ المَعْنى وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِ الدُّنْيا وطَلَبِها قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ، إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. وثالِثُها: أرادَ إنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَنِيٍّ مُنْبَسِطٍ ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ يَعْنِي أنَّهُ يُحِبُّ المالَ، ويُحِبُّ كَوْنَهُ مُحِبًّا لَهُ، إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِالحُبِّ الأوَّلِ عَنِ الثّانِي، كَما قالَ: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] أيْ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ فاكْتَفى بِالأُولى عَنِ الثّانِيَةِ. وخامِسُها: قالَ قُطْرُبٌ: أيْ إنَّهُ شَدِيدُ حُبِّ الخَيْرِ، كَقَوْلِكَ إنَّهُ لِزَيْدٍ ضَرُوبٌ أيْ إنَّهُ ضَرُوبُ زَيْدٍ.

العاديات 100:9

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّ عَلَيْهِ قَبائِحَ أفْعالِهِ خَوَّفَهُ، فَقالَ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: القَوْلُ في: ”بُعْثِرَ“ مَضى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] وذَكَرْنا أنَّ مَعْنى: ﴿بُعْثِرَتْ﴾ بُعِثَ وأُثِيرَ وأُخْرِجَ، وقُرِئَ ”بُحْثِرَ“ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَسْألَ لِمَ قالَ: ﴿بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بُعْثِرَ مَن في القُبُورِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا قالَ: ما في القُبُورِ، فَلِمَ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنَّ رَبَّها بِها يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ؟ الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: هو أنَّ ما في الأرْضِ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِينَ أكْثَرُ فَأخْرَجَ الكَلامَ عَلى الأغْلَبِ، أوْ يُقالُ: إنَّهم حالَ ما يُبْعَثُونَ لا يَكُونُونَ أحْياءً عُقَلاءَ بَلْ بَعْدَ البَعْثِ يَصِيرُونَ كَذَلِكَ، فَلا جَرَمَ كانَ الضَّمِيرُ الأوَّلُ ضَمِيرَ غَيْرِ العُقَلاءِ، والضَّمِيرُ الثّانِي ضَمِيرَ العُقَلاءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ مُيِّزَ ما في الصُّدُورِ، وقالَ اللَّيْثُ: الحاصِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما بَقِيَ وثَبَتَ وذَهَبَ سِواهُ، والتَّحْصِيلُ تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ والِاسْمُ الحَصِيلَةُ قالَ لَبِيدٌ: وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا سَيَعْلَمُ سَعْيَهُ إذا حَصَلَتْ عِنْدَ الإلَهِ الحَصائِلُ وفِي التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: مَعْنى حُصِّلَ جُمِعَ في الصُّحُفِ، أيْ أُظْهِرَتْ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الواجِبِ، والمَندُوبِ، والمُباحِ، والمَكْرُوهِ، والمَحْظُورِ، فَإنَّ لِكُلٍّ واحِدٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المُحَصِّلُ. وثالِثُها: أنَّ كَثِيرًا ما يَكُونُ باطِنُ الإنْسانِ بِخِلافِ ظاهِرِهِ، أمّا في يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ تَتَكَشَّفُ الأسْرارُ وتُنْتَهَكُ الأسْتارُ، ويَظْهَرُ ما في البَواطِنِ، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . [الطارق: ٩] واعْلَمْ أنَّ حَظَّ الوَعْظِ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّكَ تَسْتَعِدُّ فِيما لا فائِدَةَ لَكَ فِيهِ، فَتَبْنِي المَقْبَرَةَ وتَشْتَرِي التّابُوتَ، وتُفَصِّلُ الكَفَنَ، وتَغْزِلُ العَجُوزُ الكَفَنَ، فَيُقالُ: هَذا كُلُّهُ لِلدِّيدانِ، فَأيْنَ حَظُّ الرَّحْمَنِ ! بَلِ المَرْأةُ إذا كانَتْ حامِلًا فَإنَّها تُعِدُّ لِلطِّفْلِ ثِيابًا، فَإذا قُلْتَ لَها: لا طِفْلَ لَكِ فَما هَذا الِاسْتِعْدادُ ؟ فَتَقُولُ: ألَيْسَ يُبَعْثَرُ ما في بَطْنِي ؟ فَيَقُولُ الرَّبُّ لَكَ: ألا يُبَعْثَرُ ما في بَطْنِ الأرْضِ، فَأيْنَ الِاسْتِعْدادُ، وقُرِئَ ”وحَصَلَ“ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ بِمَعْنى ظَهَرَ.

العاديات 100:10

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّ عَلَيْهِ قَبائِحَ أفْعالِهِ خَوَّفَهُ، فَقالَ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: القَوْلُ في: ”بُعْثِرَ“ مَضى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] وذَكَرْنا أنَّ مَعْنى: ﴿بُعْثِرَتْ﴾ بُعِثَ وأُثِيرَ وأُخْرِجَ، وقُرِئَ ”بُحْثِرَ“ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَسْألَ لِمَ قالَ: ﴿بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بُعْثِرَ مَن في القُبُورِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا قالَ: ما في القُبُورِ، فَلِمَ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنَّ رَبَّها بِها يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ؟ الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: هو أنَّ ما في الأرْضِ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِينَ أكْثَرُ فَأخْرَجَ الكَلامَ عَلى الأغْلَبِ، أوْ يُقالُ: إنَّهم حالَ ما يُبْعَثُونَ لا يَكُونُونَ أحْياءً عُقَلاءَ بَلْ بَعْدَ البَعْثِ يَصِيرُونَ كَذَلِكَ، فَلا جَرَمَ كانَ الضَّمِيرُ الأوَّلُ ضَمِيرَ غَيْرِ العُقَلاءِ، والضَّمِيرُ الثّانِي ضَمِيرَ العُقَلاءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ مُيِّزَ ما في الصُّدُورِ، وقالَ اللَّيْثُ: الحاصِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما بَقِيَ وثَبَتَ وذَهَبَ سِواهُ، والتَّحْصِيلُ تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ والِاسْمُ الحَصِيلَةُ قالَ لَبِيدٌ: وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا سَيَعْلَمُ سَعْيَهُ إذا حَصَلَتْ عِنْدَ الإلَهِ الحَصائِلُ وفِي التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: مَعْنى حُصِّلَ جُمِعَ في الصُّحُفِ، أيْ أُظْهِرَتْ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الواجِبِ، والمَندُوبِ، والمُباحِ، والمَكْرُوهِ، والمَحْظُورِ، فَإنَّ لِكُلٍّ واحِدٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المُحَصِّلُ. وثالِثُها: أنَّ كَثِيرًا ما يَكُونُ باطِنُ الإنْسانِ بِخِلافِ ظاهِرِهِ، أمّا في يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ تَتَكَشَّفُ الأسْرارُ وتُنْتَهَكُ الأسْتارُ، ويَظْهَرُ ما في البَواطِنِ، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . [الطارق: ٩] واعْلَمْ أنَّ حَظَّ الوَعْظِ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّكَ تَسْتَعِدُّ فِيما لا فائِدَةَ لَكَ فِيهِ، فَتَبْنِي المَقْبَرَةَ وتَشْتَرِي التّابُوتَ، وتُفَصِّلُ الكَفَنَ، وتَغْزِلُ العَجُوزُ الكَفَنَ، فَيُقالُ: هَذا كُلُّهُ لِلدِّيدانِ، فَأيْنَ حَظُّ الرَّحْمَنِ ! بَلِ المَرْأةُ إذا كانَتْ حامِلًا فَإنَّها تُعِدُّ لِلطِّفْلِ ثِيابًا، فَإذا قُلْتَ لَها: لا طِفْلَ لَكِ فَما هَذا الِاسْتِعْدادُ ؟ فَتَقُولُ: ألَيْسَ يُبَعْثَرُ ما في بَطْنِي ؟ فَيَقُولُ الرَّبُّ لَكَ: ألا يُبَعْثَرُ ما في بَطْنِ الأرْضِ، فَأيْنَ الِاسْتِعْدادُ، وقُرِئَ ”وحَصَلَ“ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ بِمَعْنى ظَهَرَ.

العاديات 100:11

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ فِيهِ سُؤالاتٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ يُوهِمُ أنَّ عِلْمَهُ بِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ الخِبْرَةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي سَبْقَ الجَهْلِ وهو عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ مَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا، فَإنَّهُ يَصِيرُ بِسَبَبِ الِاخْتِبارِ عالِمًا، فَمَن كانَ لَمْ يَزَلْ عالِمًا أنْ يَكُونَ خَبِيرًا بِأحْوالِكَ ! وثانِيهِما: أنَّ فائِدَةَ تَخْصِيصِ ذَلِكَ الوَقْتِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَعَ كَوْنِهِ عالِمًا لَمْ يَزَلْ أنَّهُ وقْتَ الجَزاءِ، وتَقْرِيرُهُ لِمَنِ المُلْكُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا حاكِمَ صفحة ٦٦ يَرُوجُ حُكْمُهُ ولا عالِمَ تَرُوجُ فَتْواهُ يَوْمَئِذٍ إلّا هو، وكَمْ عالِمٍ لا يَعْرِفُ الجَوابَ وقْتَ الواقِعَةِ ثُمَّ يَتَذَكَّرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَسْتُ كَذَلِكَ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ أعْمالَ القُلُوبِ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ وأهْمَلَ ذِكْرَ أعْمالِ الجَوارِحِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ تابِعَةٌ لِأعْمالِ القَلْبِ. فَإنَّهُ لَوْلا البَواعِثُ والإراداتُ في القُلُوبِ لَما حَصَلَتْ أفْعالُ الجَوارِحِ، ولِذَلِكَ إنَّهُ تَعالى جَعَلَها الأصْلَ في الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والأصْلُ في المَدْحِ، فَقالَ: ﴿وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ . [الأنْفالِ: ٢ ] السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وحُصِّلَ ما في القُلُوبِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ القَلْبَ مَطِيَّةُ الرُّوحِ وهو بِالطَّبْعِ مُحِبٌّ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وخِدْمَتِهِ، إنَّما المُنازِعُ في هَذا البابِ هو النَّفْسُ ومَحِلُّها ما يَقْرُبُ مِنَ الصَّدْرِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ [الناس: ٥] وقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [ الزُّمَرِ: ٢٢] فَجَعَلَ الصَّدْرَ مَوْضِعًا لِلْإسْلامِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ﴾ عائِدٌ إلى الإنْسانِ وهو واحِدٌ. والجَوابُ: الإنْسانُ في مَعْنى الجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [ العَصْرِ: ٢] ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٣] ولَوْلا أنَّهُ لِلْجَمْعِ وإلّا لَما صَحَّ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ بَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ الزَّمانِيّاتِ، لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ أحْوالِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَيَكُونُ مُنْكِرُهُ كافِرًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ أنَّ الحَجّاجَ سَبَقَ عَلى لِسانِهِ أنَّ بِالنَّصْبِ، فَأسْقَطَ اللّامَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَخَبِيرٌ﴾ حَتّى لا يَكُونَ الكَلامُ لَحْنًا، وهَذا يُذْكَرُ في تَقْرِيرِ فَصاحَتِهِ، فَزَعَمَ بَعْضُ المَشايِخِ أنَّ هَذا كُفْرٌ لِأنَّهُ قَصْدٌ لِتَغْيِيرِ المُنْزَلِ. ونُقِلَ عَنْ أبِي السَّمَوْءَلِ أنَّهُ قَرَأ عَلى هَذا الوَجْهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

القارعة 101:1

صفحة ٦٧ (سُورَةُ القارِعَةِ) إحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا خَتَمَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقِيلَ: هي القارِعَةُ. ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ اعْلَمْ أنَّ فِيهِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: القَرْعُ الضَّرْبُ بِشِدَّةٍ واعْتِمادٍ، ثُمَّ سُمِّيَتِ الحادِثَةُ العَظِيمَةُ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ قارِعَةً، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] ومِنهُ قَوْلُهم: العَبْدُ يُقْرَعُ بِالعَصا، ومِنهُ المِقْرَعَةُ وقَوارِعُ القُرْآنِ وقَرَعَ البابَ، وتَقارَعُوا: تَضارَبُوا بِالسُّيُوفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ القارِعَةَ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في لِمِّيَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو الصَّيْحَةُ الَّتِي تَمُوتُ مِنها الخَلائِقُ: لِأنَّ في الصَّيْحَةِ الأُولى تَذْهَبُ العُقُولُ، قالَ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] وفي الثّانِيَةِ تَمُوتُ الخَلائِقُ سِوى إسْرافِيلَ، ثُمَّ يُمِيتُهُ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَنْفُخُ الثّالِثَةَ فَيَقُومُونَ. ورُوِيَ أنَّ الصُّورَ لَهُ ثُقْبٌ عَلى عَدَدِ الأمْواتِ لِكُلِّ واحِدٍ ثُقْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، فَيُحْيِي اللَّهُ كُلَّ جَسَدٍ بِتِلْكَ النَّفْخَةِ الواصِلَةِ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الثُّقْبَةِ المُعَيَّنَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]، ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] وثانِيها: أنَّ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ يَصْطَكّانِ اصْطِكاكًا شَدِيدًا عِنْدَ تَخْرِيبِ العالَمِ، فَبِسَبَبِ تِلْكَ القَرْعَةِ سُمِّيَ يَوْمُ القِيامَةِ بِالقارِعَةِ. وثالِثُها: أنَّ القارِعَةَ هي الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِالأهْوالِ والإفْزاعِ، وذَلِكَ في السَّماواتِ بِالِانْشِقاقِ والِانْفِطارِ، وفي الشَّمْسِ والقَمَرِ بِالتَّكَوُّرِ، وفي الكَواكِبِ بِالِانْتِثارِ، وفي الجِبالِ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، وفي الأرْضِ بِالطَّيِّ والتَّبْدِيلِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ. ورابِعُها: أنَّها تَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ والخِزْيِ والنَّكالِ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ صفحة ٦٨ الكَلْبِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . [النمل: ٨٩] المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إعْرابِ قَوْلِهِ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَحْذِيرٌ وقَدْ جاءَ التَّحْذِيرُ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ تَقُولُ: الأسَدُ الأسَدُ، فَيَجُوزُ الرَّفْعُ والنَّصْبُ. وثانِيها: فِيهِ إضْمارٌ أيْ سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ عَلى ما أخْبَرْتُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ . [العاديات: ٩] وثالِثُها: رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وعَلى قَوْلِ قُطْرُبٍ الخَبَرُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنْ قِيلَ: إذا أخْبَرْتَ عَنْ شَيْءٍ بِشَيْءٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَسْتَفِيدَ مِنهُ عِلْمًا زائِدًا، وقَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ جاهِلًا بِهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ هَذا خَبَرًا ؟ قُلْنا: قَدْ حَصَلَ لَنا بِهَذا الخَبَرِ عِلْمٌ زائِدٌ: لِأنّا كُنّا نَظُنُّ أنَّها قارِعَةٌ كَسائِرِ القَوارِعِ، فَبِهَذا التَّجْهِيلِ عَلِمْنا أنَّها قارِعَةٌ فاقَتِ القَوارِعَ في الهَوْلِ والشِّدَّةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: مَعْناهُ لا عِلْمَ لَكَ بِكُنْهِها، لِأنَّها في الشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا يَبْلُغُها وهْمُ أحَدٍ ولا فَهْمُهُ، وكَيْفَما قَدَّرْتَهُ فَهو أعْظَمُ مِن تَقْدِيرِكَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَوارِعُ الدُّنْيا في جَنْبِ تِلْكَ القارِعَةِ كَأنَّها لَيْسَتْ بِقَوارِعَ، ونارُ الدُّنْيا في جَنْبِ نارِ الآخِرَةِ كَأنَّها لَيْسَتْ بِنارٍ، ولِذَلِكَ قالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ نارَ الدُّنْيا في جَنْبِ تِلْكَ لَيْسَتْ بِحامِيَةٍ، وصارَ آخِرُ السُّورَةِ مُطابِقًا لِأوَّلِها مِن هَذا الوَجْهِ. فَإنْ قِيلَ: هَهُنا قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وما أدْراكَ ما هاوِيَةٌ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: الفَرْقُ أنَّ كَوْنَها قارِعَةً أمْرٌ مَحْسُوسٌ، أمّا كَوْنُها هاوِيَةً فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ. وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى العِلْمِ بِهِ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ وبَيانِهِ: لِأنَّهُ بَحْثٌ عَنْ وُقُوعِ الوَقَعاتِ لا عَنْ وُجُوبِ الواجِباتِ، فَلا يَكُونُ إلى مَعْرِفَتِهِ دَلِيلٌ إلّا بِالسَّمْعِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١- ٣] ثُمَّ قالَ المُحَقِّقُونَ: قَوْلُهُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ أشَدُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ لِأنَّ النّازِلَ آخِرًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أبْلَغَ: لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ زِيادَةُ التَّنْبِيهِ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ لا تَحْصُلُ إلّا إذا كانَتْ أقْوى، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى المَعْنى، فالحاقَّةُ أشَدُّ لِكَوْنِهِ راجِعًا إلى مَعْنى العَدْلِ، والقارِعَةُ أشَدُّ لِما أنَّها تَهْجُمُ عَلى القُلُوبِ بِالأمْرِ الهائِلِ.

القارعة 101:2

صفحة ٦٧ (سُورَةُ القارِعَةِ) إحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا خَتَمَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقِيلَ: هي القارِعَةُ. ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ اعْلَمْ أنَّ فِيهِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: القَرْعُ الضَّرْبُ بِشِدَّةٍ واعْتِمادٍ، ثُمَّ سُمِّيَتِ الحادِثَةُ العَظِيمَةُ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ قارِعَةً، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] ومِنهُ قَوْلُهم: العَبْدُ يُقْرَعُ بِالعَصا، ومِنهُ المِقْرَعَةُ وقَوارِعُ القُرْآنِ وقَرَعَ البابَ، وتَقارَعُوا: تَضارَبُوا بِالسُّيُوفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ القارِعَةَ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في لِمِّيَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو الصَّيْحَةُ الَّتِي تَمُوتُ مِنها الخَلائِقُ: لِأنَّ في الصَّيْحَةِ الأُولى تَذْهَبُ العُقُولُ، قالَ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] وفي الثّانِيَةِ تَمُوتُ الخَلائِقُ سِوى إسْرافِيلَ، ثُمَّ يُمِيتُهُ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَنْفُخُ الثّالِثَةَ فَيَقُومُونَ. ورُوِيَ أنَّ الصُّورَ لَهُ ثُقْبٌ عَلى عَدَدِ الأمْواتِ لِكُلِّ واحِدٍ ثُقْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، فَيُحْيِي اللَّهُ كُلَّ جَسَدٍ بِتِلْكَ النَّفْخَةِ الواصِلَةِ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الثُّقْبَةِ المُعَيَّنَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]، ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] وثانِيها: أنَّ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ يَصْطَكّانِ اصْطِكاكًا شَدِيدًا عِنْدَ تَخْرِيبِ العالَمِ، فَبِسَبَبِ تِلْكَ القَرْعَةِ سُمِّيَ يَوْمُ القِيامَةِ بِالقارِعَةِ. وثالِثُها: أنَّ القارِعَةَ هي الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِالأهْوالِ والإفْزاعِ، وذَلِكَ في السَّماواتِ بِالِانْشِقاقِ والِانْفِطارِ، وفي الشَّمْسِ والقَمَرِ بِالتَّكَوُّرِ، وفي الكَواكِبِ بِالِانْتِثارِ، وفي الجِبالِ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، وفي الأرْضِ بِالطَّيِّ والتَّبْدِيلِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ. ورابِعُها: أنَّها تَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ والخِزْيِ والنَّكالِ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ صفحة ٦٨ الكَلْبِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . [النمل: ٨٩] المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إعْرابِ قَوْلِهِ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَحْذِيرٌ وقَدْ جاءَ التَّحْذِيرُ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ تَقُولُ: الأسَدُ الأسَدُ، فَيَجُوزُ الرَّفْعُ والنَّصْبُ. وثانِيها: فِيهِ إضْمارٌ أيْ سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ عَلى ما أخْبَرْتُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ . [العاديات: ٩] وثالِثُها: رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وعَلى قَوْلِ قُطْرُبٍ الخَبَرُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنْ قِيلَ: إذا أخْبَرْتَ عَنْ شَيْءٍ بِشَيْءٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَسْتَفِيدَ مِنهُ عِلْمًا زائِدًا، وقَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ جاهِلًا بِهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ هَذا خَبَرًا ؟ قُلْنا: قَدْ حَصَلَ لَنا بِهَذا الخَبَرِ عِلْمٌ زائِدٌ: لِأنّا كُنّا نَظُنُّ أنَّها قارِعَةٌ كَسائِرِ القَوارِعِ، فَبِهَذا التَّجْهِيلِ عَلِمْنا أنَّها قارِعَةٌ فاقَتِ القَوارِعَ في الهَوْلِ والشِّدَّةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: مَعْناهُ لا عِلْمَ لَكَ بِكُنْهِها، لِأنَّها في الشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا يَبْلُغُها وهْمُ أحَدٍ ولا فَهْمُهُ، وكَيْفَما قَدَّرْتَهُ فَهو أعْظَمُ مِن تَقْدِيرِكَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَوارِعُ الدُّنْيا في جَنْبِ تِلْكَ القارِعَةِ كَأنَّها لَيْسَتْ بِقَوارِعَ، ونارُ الدُّنْيا في جَنْبِ نارِ الآخِرَةِ كَأنَّها لَيْسَتْ بِنارٍ، ولِذَلِكَ قالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ نارَ الدُّنْيا في جَنْبِ تِلْكَ لَيْسَتْ بِحامِيَةٍ، وصارَ آخِرُ السُّورَةِ مُطابِقًا لِأوَّلِها مِن هَذا الوَجْهِ. فَإنْ قِيلَ: هَهُنا قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وما أدْراكَ ما هاوِيَةٌ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: الفَرْقُ أنَّ كَوْنَها قارِعَةً أمْرٌ مَحْسُوسٌ، أمّا كَوْنُها هاوِيَةً فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ. وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى العِلْمِ بِهِ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ وبَيانِهِ: لِأنَّهُ بَحْثٌ عَنْ وُقُوعِ الوَقَعاتِ لا عَنْ وُجُوبِ الواجِباتِ، فَلا يَكُونُ إلى مَعْرِفَتِهِ دَلِيلٌ إلّا بِالسَّمْعِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١- ٣] ثُمَّ قالَ المُحَقِّقُونَ: قَوْلُهُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ أشَدُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ لِأنَّ النّازِلَ آخِرًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أبْلَغَ: لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ زِيادَةُ التَّنْبِيهِ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ لا تَحْصُلُ إلّا إذا كانَتْ أقْوى، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى المَعْنى، فالحاقَّةُ أشَدُّ لِكَوْنِهِ راجِعًا إلى مَعْنى العَدْلِ، والقارِعَةُ أشَدُّ لِما أنَّها تَهْجُمُ عَلى القُلُوبِ بِالأمْرِ الهائِلِ.

القارعة 101:3

صفحة ٦٧ (سُورَةُ القارِعَةِ) إحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا خَتَمَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقِيلَ: هي القارِعَةُ. ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ اعْلَمْ أنَّ فِيهِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: القَرْعُ الضَّرْبُ بِشِدَّةٍ واعْتِمادٍ، ثُمَّ سُمِّيَتِ الحادِثَةُ العَظِيمَةُ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ قارِعَةً، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] ومِنهُ قَوْلُهم: العَبْدُ يُقْرَعُ بِالعَصا، ومِنهُ المِقْرَعَةُ وقَوارِعُ القُرْآنِ وقَرَعَ البابَ، وتَقارَعُوا: تَضارَبُوا بِالسُّيُوفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ القارِعَةَ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في لِمِّيَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو الصَّيْحَةُ الَّتِي تَمُوتُ مِنها الخَلائِقُ: لِأنَّ في الصَّيْحَةِ الأُولى تَذْهَبُ العُقُولُ، قالَ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] وفي الثّانِيَةِ تَمُوتُ الخَلائِقُ سِوى إسْرافِيلَ، ثُمَّ يُمِيتُهُ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَنْفُخُ الثّالِثَةَ فَيَقُومُونَ. ورُوِيَ أنَّ الصُّورَ لَهُ ثُقْبٌ عَلى عَدَدِ الأمْواتِ لِكُلِّ واحِدٍ ثُقْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، فَيُحْيِي اللَّهُ كُلَّ جَسَدٍ بِتِلْكَ النَّفْخَةِ الواصِلَةِ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الثُّقْبَةِ المُعَيَّنَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]، ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] وثانِيها: أنَّ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ يَصْطَكّانِ اصْطِكاكًا شَدِيدًا عِنْدَ تَخْرِيبِ العالَمِ، فَبِسَبَبِ تِلْكَ القَرْعَةِ سُمِّيَ يَوْمُ القِيامَةِ بِالقارِعَةِ. وثالِثُها: أنَّ القارِعَةَ هي الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِالأهْوالِ والإفْزاعِ، وذَلِكَ في السَّماواتِ بِالِانْشِقاقِ والِانْفِطارِ، وفي الشَّمْسِ والقَمَرِ بِالتَّكَوُّرِ، وفي الكَواكِبِ بِالِانْتِثارِ، وفي الجِبالِ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، وفي الأرْضِ بِالطَّيِّ والتَّبْدِيلِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ. ورابِعُها: أنَّها تَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ والخِزْيِ والنَّكالِ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ صفحة ٦٨ الكَلْبِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . [النمل: ٨٩] المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إعْرابِ قَوْلِهِ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَحْذِيرٌ وقَدْ جاءَ التَّحْذِيرُ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ تَقُولُ: الأسَدُ الأسَدُ، فَيَجُوزُ الرَّفْعُ والنَّصْبُ. وثانِيها: فِيهِ إضْمارٌ أيْ سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ عَلى ما أخْبَرْتُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ . [العاديات: ٩] وثالِثُها: رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وعَلى قَوْلِ قُطْرُبٍ الخَبَرُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنْ قِيلَ: إذا أخْبَرْتَ عَنْ شَيْءٍ بِشَيْءٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَسْتَفِيدَ مِنهُ عِلْمًا زائِدًا، وقَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ جاهِلًا بِهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ هَذا خَبَرًا ؟ قُلْنا: قَدْ حَصَلَ لَنا بِهَذا الخَبَرِ عِلْمٌ زائِدٌ: لِأنّا كُنّا نَظُنُّ أنَّها قارِعَةٌ كَسائِرِ القَوارِعِ، فَبِهَذا التَّجْهِيلِ عَلِمْنا أنَّها قارِعَةٌ فاقَتِ القَوارِعَ في الهَوْلِ والشِّدَّةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: مَعْناهُ لا عِلْمَ لَكَ بِكُنْهِها، لِأنَّها في الشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا يَبْلُغُها وهْمُ أحَدٍ ولا فَهْمُهُ، وكَيْفَما قَدَّرْتَهُ فَهو أعْظَمُ مِن تَقْدِيرِكَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَوارِعُ الدُّنْيا في جَنْبِ تِلْكَ القارِعَةِ كَأنَّها لَيْسَتْ بِقَوارِعَ، ونارُ الدُّنْيا في جَنْبِ نارِ الآخِرَةِ كَأنَّها لَيْسَتْ بِنارٍ، ولِذَلِكَ قالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ نارَ الدُّنْيا في جَنْبِ تِلْكَ لَيْسَتْ بِحامِيَةٍ، وصارَ آخِرُ السُّورَةِ مُطابِقًا لِأوَّلِها مِن هَذا الوَجْهِ. فَإنْ قِيلَ: هَهُنا قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وما أدْراكَ ما هاوِيَةٌ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: الفَرْقُ أنَّ كَوْنَها قارِعَةً أمْرٌ مَحْسُوسٌ، أمّا كَوْنُها هاوِيَةً فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ. وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى العِلْمِ بِهِ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ وبَيانِهِ: لِأنَّهُ بَحْثٌ عَنْ وُقُوعِ الوَقَعاتِ لا عَنْ وُجُوبِ الواجِباتِ، فَلا يَكُونُ إلى مَعْرِفَتِهِ دَلِيلٌ إلّا بِالسَّمْعِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١- ٣] ثُمَّ قالَ المُحَقِّقُونَ: قَوْلُهُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ أشَدُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ لِأنَّ النّازِلَ آخِرًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أبْلَغَ: لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ زِيادَةُ التَّنْبِيهِ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ لا تَحْصُلُ إلّا إذا كانَتْ أقْوى، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى المَعْنى، فالحاقَّةُ أشَدُّ لِكَوْنِهِ راجِعًا إلى مَعْنى العَدْلِ، والقارِعَةُ أشَدُّ لِما أنَّها تَهْجُمُ عَلى القُلُوبِ بِالأمْرِ الهائِلِ.

القارعة 101:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَذا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: كَوْنُ النّاسِ فِيهِ: ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الفَراشُ هو الحَيَوانُ الَّذِي يَتَهافَتُ في النّارِ، وسُمِّيَ فَراشًا لِتَفَرُّشِهِ وانْتِشارِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَبَّهَ الخَلْقَ وقْتَ البَعْثِ هَهُنا بِالفَراشِ المَبْثُوثِ، وفي آيَةٍ أُخْرى بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ. أمّا وجْهُ التَّشْبِيهِ بِالفَراشِ، فَلِأنَّ الفَراشَ صفحة ٦٩ إذا ثارَ لَمْ يَتَّجِهْ لِجِهَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تَذْهَبُ إلى غَيْرِ جِهَةِ الأُخْرى، يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهم إذا بُعِثُوا فَزِعُوا، واخْتَلَفُوا في المَقاصِدِ عَلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ، والمَبْثُوثُ المُفَرَّقُ، يُقالُ: بَثَّهُ إذا فَرَّقَهُ. وأمّا وجْهُ التَّشْبِيهِ بِالجَرادِ فَهو في الكَثْرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: كَغَوْغاءِ الجَرادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبِالجُمْلَةِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وبِالفَراشِ المَبْثُوثِ، لِأنَّهم لَمّا بُعِثُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ كالجَرادِ والفَراشِ، ويُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ [النبأ: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] وقَوْلِهِ في قِصَّةِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] فَإنْ قِيلَ: الجَرادُ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَراشِ كِبارٌ، فَكَيْفَ شَبَّهَ الشَّيْءَ الواحِدَ بِالصَّغِيرِ والكَبِيرِ مَعًا ؟ قُلْنا: شَبَّهَ الواحِدَ بِالصَّغِيرِ والكَبِيرِ لَكِنْ في وصْفَيْنِ. أمّا التَّشْبِيهُ بِالفَراشِ فَبِذَهابِ كُلِّ واحِدَةٍ إلى غَيْرِ جِهَةِ الأُخْرى. وأمّا بِالجَرادِ فَبِالكَثْرَةِ والتَّتابُعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّها تَكُونُ كِبارًا أوَّلًا كالجَرادِ، ثُمَّ تَصِيرُ صِغارًا كالفَراشِ بِسَبَبِ احْتِراقِهِمْ بِحَرِّ الشَّمْسِ، وذَكَرُوا في التَّشْبِيهِ بِالفَراشِ وُجُوهًا أُخْرى: أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: «النّاسُ عالِمٌ ومُتَعَلِّمٌ، وسائِرُ النّاسِ هَمَجٌ رَعاعٌ» فَجَعَلَهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ كَذَلِكَ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [ النَّبَأِ: ٢٦] وثانِيها: أنَّهُ تَعالى إنَّما أدْخَلَ حَرْفَ التَّشْبِيهِ، فَقالَ: ﴿كالفَراشِ﴾ لِأنَّهم يَكُونُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أذَلَّ مِنَ الفَراشِ، لِأنَّ الفَراشَ لا يُعَذَّبُ، وهَؤُلاءِ يُعَذَّبُونَ، ونَظِيرُهُ: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ . [الأعراف: ١٧٩] الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ العِهْنُ الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ والنَّفْشُ فَكُّ الصُّوفِ حَتّى يَنْتَفِشَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”كالصُّوفِ المَنفُوشِ“ . واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ الجِبالَ مُخْتَلِفَةُ الألْوانِ عَلى ما قالَ: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ يُفَرِّقُ أجْزاءَها ويُزِيلُ التَّأْلِيفَ والتَّرْكِيبَ عَنْها فَيَصِيرُ ذَلِكَ مُشابِهًا لِلصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ إذا جُعِلَ مَنفُوشًا، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما ضَمَّ بَيْنَ حالِ النّاسِ وبَيْنَ حالِ الجِبالِ، كَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ تَأْثِيرَ تِلْكَ القَرْعَةِ في الجِبالِ هو أنَّها صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها فالوَيْلُ ثُمَّ الوَيْلُ لِابْنِ آدَمَ إنْ لَمْ تَتَدارَكْهُ رَحْمَةُ رَبِّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ جِبالَ النّارِ تَصِيرُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ لِشِدَّةِ حُمْرَتِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى تَغَيُّرَ الأحْوالِ عَلى الجِبالِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنْ تَصِيرَ قِطَعًا، كَما قالَ: ﴿دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] . وثانِيها: أنْ تَصِيرَ كَثِيبًا مَهِيلًا، كَما قالَ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، وهي أجْزاءٌ كالذَّرِّ تَدْخُلُ مِن كُوَّةِ البَيْتِ لا تَمَسُّها الأيْدِي، ثُمَّ قالَ في الرّابِعِ: تَصِيرُ سَرابًا، كَما قالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [ النَّبَأِ: ٢٠] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ: يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ والجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ بَلْ قالَ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِأنَّ التَّكْرِيرَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ أبْلَغُ في التَّحْذِيرِ. صفحة ٧٠

القارعة 101:5

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَذا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: كَوْنُ النّاسِ فِيهِ: ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الفَراشُ هو الحَيَوانُ الَّذِي يَتَهافَتُ في النّارِ، وسُمِّيَ فَراشًا لِتَفَرُّشِهِ وانْتِشارِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَبَّهَ الخَلْقَ وقْتَ البَعْثِ هَهُنا بِالفَراشِ المَبْثُوثِ، وفي آيَةٍ أُخْرى بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ. أمّا وجْهُ التَّشْبِيهِ بِالفَراشِ، فَلِأنَّ الفَراشَ صفحة ٦٩ إذا ثارَ لَمْ يَتَّجِهْ لِجِهَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تَذْهَبُ إلى غَيْرِ جِهَةِ الأُخْرى، يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهم إذا بُعِثُوا فَزِعُوا، واخْتَلَفُوا في المَقاصِدِ عَلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ، والمَبْثُوثُ المُفَرَّقُ، يُقالُ: بَثَّهُ إذا فَرَّقَهُ. وأمّا وجْهُ التَّشْبِيهِ بِالجَرادِ فَهو في الكَثْرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: كَغَوْغاءِ الجَرادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبِالجُمْلَةِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وبِالفَراشِ المَبْثُوثِ، لِأنَّهم لَمّا بُعِثُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ كالجَرادِ والفَراشِ، ويُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ [النبأ: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] وقَوْلِهِ في قِصَّةِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] فَإنْ قِيلَ: الجَرادُ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَراشِ كِبارٌ، فَكَيْفَ شَبَّهَ الشَّيْءَ الواحِدَ بِالصَّغِيرِ والكَبِيرِ مَعًا ؟ قُلْنا: شَبَّهَ الواحِدَ بِالصَّغِيرِ والكَبِيرِ لَكِنْ في وصْفَيْنِ. أمّا التَّشْبِيهُ بِالفَراشِ فَبِذَهابِ كُلِّ واحِدَةٍ إلى غَيْرِ جِهَةِ الأُخْرى. وأمّا بِالجَرادِ فَبِالكَثْرَةِ والتَّتابُعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّها تَكُونُ كِبارًا أوَّلًا كالجَرادِ، ثُمَّ تَصِيرُ صِغارًا كالفَراشِ بِسَبَبِ احْتِراقِهِمْ بِحَرِّ الشَّمْسِ، وذَكَرُوا في التَّشْبِيهِ بِالفَراشِ وُجُوهًا أُخْرى: أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: «النّاسُ عالِمٌ ومُتَعَلِّمٌ، وسائِرُ النّاسِ هَمَجٌ رَعاعٌ» فَجَعَلَهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ كَذَلِكَ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [ النَّبَأِ: ٢٦] وثانِيها: أنَّهُ تَعالى إنَّما أدْخَلَ حَرْفَ التَّشْبِيهِ، فَقالَ: ﴿كالفَراشِ﴾ لِأنَّهم يَكُونُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أذَلَّ مِنَ الفَراشِ، لِأنَّ الفَراشَ لا يُعَذَّبُ، وهَؤُلاءِ يُعَذَّبُونَ، ونَظِيرُهُ: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ . [الأعراف: ١٧٩] الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ العِهْنُ الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ والنَّفْشُ فَكُّ الصُّوفِ حَتّى يَنْتَفِشَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”كالصُّوفِ المَنفُوشِ“ . واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ الجِبالَ مُخْتَلِفَةُ الألْوانِ عَلى ما قالَ: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ يُفَرِّقُ أجْزاءَها ويُزِيلُ التَّأْلِيفَ والتَّرْكِيبَ عَنْها فَيَصِيرُ ذَلِكَ مُشابِهًا لِلصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ إذا جُعِلَ مَنفُوشًا، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما ضَمَّ بَيْنَ حالِ النّاسِ وبَيْنَ حالِ الجِبالِ، كَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ تَأْثِيرَ تِلْكَ القَرْعَةِ في الجِبالِ هو أنَّها صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها فالوَيْلُ ثُمَّ الوَيْلُ لِابْنِ آدَمَ إنْ لَمْ تَتَدارَكْهُ رَحْمَةُ رَبِّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ جِبالَ النّارِ تَصِيرُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ لِشِدَّةِ حُمْرَتِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى تَغَيُّرَ الأحْوالِ عَلى الجِبالِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنْ تَصِيرَ قِطَعًا، كَما قالَ: ﴿دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] . وثانِيها: أنْ تَصِيرَ كَثِيبًا مَهِيلًا، كَما قالَ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، وهي أجْزاءٌ كالذَّرِّ تَدْخُلُ مِن كُوَّةِ البَيْتِ لا تَمَسُّها الأيْدِي، ثُمَّ قالَ في الرّابِعِ: تَصِيرُ سَرابًا، كَما قالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [ النَّبَأِ: ٢٠] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ: يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ والجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ بَلْ قالَ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِأنَّ التَّكْرِيرَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ أبْلَغُ في التَّحْذِيرِ. صفحة ٧٠

القارعة 101:6

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ قَسَّمَ النّاسَ فِيهِ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ في المَوازِينِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ قالَ: ونَظِيرُهُ يُقالُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ بِمِيزانِ دِرْهَمِكَ ووَزْنِ دِرْهَمِكَ ودارِي بِمِيزانِ دارِكَ ووَزْنِ دارِكَ أيْ بِحِذائِها. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مِيزانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المِيزانُ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ لا يُوزَنُ فِيهِ إلّا الأعْمالُ فَيُؤْتى بِحَسَناتِ المُطِيعِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَإذا رَجَحَ فالجَنَّةُ لَهُ، ويُؤْتى بِسَيِّئاتِ الكافِرِ في أقْبَحِ صُورَةٍ فَيَخِفُّ وزْنُهُ فَيَدْخُلُ النّارَ. وقالَ الحَسَنُ في المِيزانِ: لَهُ كِفَّتانِ ولا يُوصَفُ، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّ نَفْسَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لا يَصِحُّ وزْنُهُما، خُصُوصًا وقَدِ انْقَضَيا، بَلِ المُرادُ أنَّ الصُّحُفَ المَكْتُوبَ فِيها الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تُوزَنُ، أوْ يُجْعَلُ النُّورُ عَلامَةَ الحَسَناتِ والظُّلْمَةُ عَلامَةَ السَّيِّئاتِ، أوْ تُصَوَّرُ صَحِيفَةُ الحَسَناتِ بِالصُّورَةِ الحَسَنَةِ وصَحِيفَةُ السَّيِّئاتِ بِالصُّورَةِ القَبِيحَةِ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ الثِّقَلُ والخِفَّةُ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في ذَلِكَ ظُهُورَ حالِ صاحِبِ الحَسَناتِ في الجَمْعِ العَظِيمِ فَيَزْدادُ سُرُورًا، وظُهُورَ حالِ صاحِبِ السَّيِّئاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كالفَضِيحَةِ لَهُ عِنْدَ الخَلائِقِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فالعِيشَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى العَيْشِ، كالخِيفَةِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وأمّا الرّاضِيَةُ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أيْ: عِيشَةٍ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها وهي كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ، وتامِرٌ بِمَعْنى: ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ، ولِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: تَفْسِيرُها: مَرْضِيَّةٌ عَلى مَعْنى يَرْضاها صاحِبُها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ قَلَّتْ حَسَناتُهُ فَرَجَحَتِ السَّيِّئاتُ عَلى الحَسَناتِ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما ثَقُلَتْ مَوازِينُ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الحَقَّ في الدُّنْيا وثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وإنَّما خَفَّتْ مَوازِينُ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ في الدُّنْيا وخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ يُوضَعُ فِيهِ الباطِلُ أنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ ثَقِيلٌ والباطِلَ خَفِيفٌ. ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الهاوِيَةَ مِن أسْماءِ النّارِ وكَأنَّها النّارُ العَمِيقَةُ يَهْوِي أهْلُ النّارِ فِيها مَهْوًى بَعِيدًا، والمَعْنى فَمَأْواهُ النّارُ، وقِيلَ لِلْمَأْوى ”أُمٌّ“ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُمِّ الَّتِي لا يَقَعُ الفَزَعُ مِنَ الوَلَدِ إلّا إلَيْها. وثانِيها: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في النّارِ ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ قالَ: لِأنَّهم يَهْوُونَ في النّارِ عَلى رُءُوسِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهم إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلاكِ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ: سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ حُزْنًا وثُكْلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ فَقَدْ هَلَكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”هِيَهْ“ ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: صفحة ٧١ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ في التَّفْسِيرِ الثّالِثِ: أوْ ضَمِيرُ ”هاوِيَةٌ“ والهاءُ لِلسَّكْتِ فَإذا وصَلَ جازَ حَذْفُها، والِاخْتِيارُ الوَقْفُ بِالهاءِ لِاتِّباعِ المُصْحَفِ والهاءُ ثابِتَةٌ فِيهِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذِهِ الهاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٠]، ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ والمَعْنى أنَّ سائِرَ النِّيرانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَأنَّها لَيْسَتْ حامِيَةً، وهَذا القَدْرُ كافٍ في التَّنْبِيهِ عَلى قُوَّةِ سُخُونَتِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها ومِن جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، ونَسْألُهُ التَّوْفِيقَ وحُسْنَ المَآبِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]

القارعة 101:7

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ قَسَّمَ النّاسَ فِيهِ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ في المَوازِينِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ قالَ: ونَظِيرُهُ يُقالُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ بِمِيزانِ دِرْهَمِكَ ووَزْنِ دِرْهَمِكَ ودارِي بِمِيزانِ دارِكَ ووَزْنِ دارِكَ أيْ بِحِذائِها. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مِيزانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المِيزانُ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ لا يُوزَنُ فِيهِ إلّا الأعْمالُ فَيُؤْتى بِحَسَناتِ المُطِيعِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَإذا رَجَحَ فالجَنَّةُ لَهُ، ويُؤْتى بِسَيِّئاتِ الكافِرِ في أقْبَحِ صُورَةٍ فَيَخِفُّ وزْنُهُ فَيَدْخُلُ النّارَ. وقالَ الحَسَنُ في المِيزانِ: لَهُ كِفَّتانِ ولا يُوصَفُ، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّ نَفْسَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لا يَصِحُّ وزْنُهُما، خُصُوصًا وقَدِ انْقَضَيا، بَلِ المُرادُ أنَّ الصُّحُفَ المَكْتُوبَ فِيها الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تُوزَنُ، أوْ يُجْعَلُ النُّورُ عَلامَةَ الحَسَناتِ والظُّلْمَةُ عَلامَةَ السَّيِّئاتِ، أوْ تُصَوَّرُ صَحِيفَةُ الحَسَناتِ بِالصُّورَةِ الحَسَنَةِ وصَحِيفَةُ السَّيِّئاتِ بِالصُّورَةِ القَبِيحَةِ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ الثِّقَلُ والخِفَّةُ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في ذَلِكَ ظُهُورَ حالِ صاحِبِ الحَسَناتِ في الجَمْعِ العَظِيمِ فَيَزْدادُ سُرُورًا، وظُهُورَ حالِ صاحِبِ السَّيِّئاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كالفَضِيحَةِ لَهُ عِنْدَ الخَلائِقِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فالعِيشَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى العَيْشِ، كالخِيفَةِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وأمّا الرّاضِيَةُ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أيْ: عِيشَةٍ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها وهي كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ، وتامِرٌ بِمَعْنى: ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ، ولِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: تَفْسِيرُها: مَرْضِيَّةٌ عَلى مَعْنى يَرْضاها صاحِبُها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ قَلَّتْ حَسَناتُهُ فَرَجَحَتِ السَّيِّئاتُ عَلى الحَسَناتِ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما ثَقُلَتْ مَوازِينُ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الحَقَّ في الدُّنْيا وثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وإنَّما خَفَّتْ مَوازِينُ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ في الدُّنْيا وخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ يُوضَعُ فِيهِ الباطِلُ أنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ ثَقِيلٌ والباطِلَ خَفِيفٌ. ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الهاوِيَةَ مِن أسْماءِ النّارِ وكَأنَّها النّارُ العَمِيقَةُ يَهْوِي أهْلُ النّارِ فِيها مَهْوًى بَعِيدًا، والمَعْنى فَمَأْواهُ النّارُ، وقِيلَ لِلْمَأْوى ”أُمٌّ“ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُمِّ الَّتِي لا يَقَعُ الفَزَعُ مِنَ الوَلَدِ إلّا إلَيْها. وثانِيها: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في النّارِ ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ قالَ: لِأنَّهم يَهْوُونَ في النّارِ عَلى رُءُوسِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهم إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلاكِ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ: سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ حُزْنًا وثُكْلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ فَقَدْ هَلَكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”هِيَهْ“ ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: صفحة ٧١ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ في التَّفْسِيرِ الثّالِثِ: أوْ ضَمِيرُ ”هاوِيَةٌ“ والهاءُ لِلسَّكْتِ فَإذا وصَلَ جازَ حَذْفُها، والِاخْتِيارُ الوَقْفُ بِالهاءِ لِاتِّباعِ المُصْحَفِ والهاءُ ثابِتَةٌ فِيهِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذِهِ الهاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٠]، ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ والمَعْنى أنَّ سائِرَ النِّيرانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَأنَّها لَيْسَتْ حامِيَةً، وهَذا القَدْرُ كافٍ في التَّنْبِيهِ عَلى قُوَّةِ سُخُونَتِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها ومِن جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، ونَسْألُهُ التَّوْفِيقَ وحُسْنَ المَآبِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]

القارعة 101:8

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ قَسَّمَ النّاسَ فِيهِ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ في المَوازِينِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ قالَ: ونَظِيرُهُ يُقالُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ بِمِيزانِ دِرْهَمِكَ ووَزْنِ دِرْهَمِكَ ودارِي بِمِيزانِ دارِكَ ووَزْنِ دارِكَ أيْ بِحِذائِها. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مِيزانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المِيزانُ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ لا يُوزَنُ فِيهِ إلّا الأعْمالُ فَيُؤْتى بِحَسَناتِ المُطِيعِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَإذا رَجَحَ فالجَنَّةُ لَهُ، ويُؤْتى بِسَيِّئاتِ الكافِرِ في أقْبَحِ صُورَةٍ فَيَخِفُّ وزْنُهُ فَيَدْخُلُ النّارَ. وقالَ الحَسَنُ في المِيزانِ: لَهُ كِفَّتانِ ولا يُوصَفُ، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّ نَفْسَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لا يَصِحُّ وزْنُهُما، خُصُوصًا وقَدِ انْقَضَيا، بَلِ المُرادُ أنَّ الصُّحُفَ المَكْتُوبَ فِيها الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تُوزَنُ، أوْ يُجْعَلُ النُّورُ عَلامَةَ الحَسَناتِ والظُّلْمَةُ عَلامَةَ السَّيِّئاتِ، أوْ تُصَوَّرُ صَحِيفَةُ الحَسَناتِ بِالصُّورَةِ الحَسَنَةِ وصَحِيفَةُ السَّيِّئاتِ بِالصُّورَةِ القَبِيحَةِ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ الثِّقَلُ والخِفَّةُ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في ذَلِكَ ظُهُورَ حالِ صاحِبِ الحَسَناتِ في الجَمْعِ العَظِيمِ فَيَزْدادُ سُرُورًا، وظُهُورَ حالِ صاحِبِ السَّيِّئاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كالفَضِيحَةِ لَهُ عِنْدَ الخَلائِقِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فالعِيشَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى العَيْشِ، كالخِيفَةِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وأمّا الرّاضِيَةُ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أيْ: عِيشَةٍ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها وهي كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ، وتامِرٌ بِمَعْنى: ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ، ولِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: تَفْسِيرُها: مَرْضِيَّةٌ عَلى مَعْنى يَرْضاها صاحِبُها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ قَلَّتْ حَسَناتُهُ فَرَجَحَتِ السَّيِّئاتُ عَلى الحَسَناتِ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما ثَقُلَتْ مَوازِينُ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الحَقَّ في الدُّنْيا وثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وإنَّما خَفَّتْ مَوازِينُ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ في الدُّنْيا وخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ يُوضَعُ فِيهِ الباطِلُ أنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ ثَقِيلٌ والباطِلَ خَفِيفٌ. ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الهاوِيَةَ مِن أسْماءِ النّارِ وكَأنَّها النّارُ العَمِيقَةُ يَهْوِي أهْلُ النّارِ فِيها مَهْوًى بَعِيدًا، والمَعْنى فَمَأْواهُ النّارُ، وقِيلَ لِلْمَأْوى ”أُمٌّ“ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُمِّ الَّتِي لا يَقَعُ الفَزَعُ مِنَ الوَلَدِ إلّا إلَيْها. وثانِيها: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في النّارِ ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ قالَ: لِأنَّهم يَهْوُونَ في النّارِ عَلى رُءُوسِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهم إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلاكِ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ: سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ حُزْنًا وثُكْلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ فَقَدْ هَلَكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”هِيَهْ“ ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: صفحة ٧١ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ في التَّفْسِيرِ الثّالِثِ: أوْ ضَمِيرُ ”هاوِيَةٌ“ والهاءُ لِلسَّكْتِ فَإذا وصَلَ جازَ حَذْفُها، والِاخْتِيارُ الوَقْفُ بِالهاءِ لِاتِّباعِ المُصْحَفِ والهاءُ ثابِتَةٌ فِيهِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذِهِ الهاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٠]، ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ والمَعْنى أنَّ سائِرَ النِّيرانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَأنَّها لَيْسَتْ حامِيَةً، وهَذا القَدْرُ كافٍ في التَّنْبِيهِ عَلى قُوَّةِ سُخُونَتِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها ومِن جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، ونَسْألُهُ التَّوْفِيقَ وحُسْنَ المَآبِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]

القارعة 101:9

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ قَسَّمَ النّاسَ فِيهِ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ في المَوازِينِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ قالَ: ونَظِيرُهُ يُقالُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ بِمِيزانِ دِرْهَمِكَ ووَزْنِ دِرْهَمِكَ ودارِي بِمِيزانِ دارِكَ ووَزْنِ دارِكَ أيْ بِحِذائِها. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مِيزانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المِيزانُ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ لا يُوزَنُ فِيهِ إلّا الأعْمالُ فَيُؤْتى بِحَسَناتِ المُطِيعِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَإذا رَجَحَ فالجَنَّةُ لَهُ، ويُؤْتى بِسَيِّئاتِ الكافِرِ في أقْبَحِ صُورَةٍ فَيَخِفُّ وزْنُهُ فَيَدْخُلُ النّارَ. وقالَ الحَسَنُ في المِيزانِ: لَهُ كِفَّتانِ ولا يُوصَفُ، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّ نَفْسَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لا يَصِحُّ وزْنُهُما، خُصُوصًا وقَدِ انْقَضَيا، بَلِ المُرادُ أنَّ الصُّحُفَ المَكْتُوبَ فِيها الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تُوزَنُ، أوْ يُجْعَلُ النُّورُ عَلامَةَ الحَسَناتِ والظُّلْمَةُ عَلامَةَ السَّيِّئاتِ، أوْ تُصَوَّرُ صَحِيفَةُ الحَسَناتِ بِالصُّورَةِ الحَسَنَةِ وصَحِيفَةُ السَّيِّئاتِ بِالصُّورَةِ القَبِيحَةِ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ الثِّقَلُ والخِفَّةُ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في ذَلِكَ ظُهُورَ حالِ صاحِبِ الحَسَناتِ في الجَمْعِ العَظِيمِ فَيَزْدادُ سُرُورًا، وظُهُورَ حالِ صاحِبِ السَّيِّئاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كالفَضِيحَةِ لَهُ عِنْدَ الخَلائِقِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فالعِيشَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى العَيْشِ، كالخِيفَةِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وأمّا الرّاضِيَةُ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أيْ: عِيشَةٍ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها وهي كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ، وتامِرٌ بِمَعْنى: ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ، ولِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: تَفْسِيرُها: مَرْضِيَّةٌ عَلى مَعْنى يَرْضاها صاحِبُها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ قَلَّتْ حَسَناتُهُ فَرَجَحَتِ السَّيِّئاتُ عَلى الحَسَناتِ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما ثَقُلَتْ مَوازِينُ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الحَقَّ في الدُّنْيا وثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وإنَّما خَفَّتْ مَوازِينُ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ في الدُّنْيا وخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ يُوضَعُ فِيهِ الباطِلُ أنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ ثَقِيلٌ والباطِلَ خَفِيفٌ. ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الهاوِيَةَ مِن أسْماءِ النّارِ وكَأنَّها النّارُ العَمِيقَةُ يَهْوِي أهْلُ النّارِ فِيها مَهْوًى بَعِيدًا، والمَعْنى فَمَأْواهُ النّارُ، وقِيلَ لِلْمَأْوى ”أُمٌّ“ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُمِّ الَّتِي لا يَقَعُ الفَزَعُ مِنَ الوَلَدِ إلّا إلَيْها. وثانِيها: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في النّارِ ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ قالَ: لِأنَّهم يَهْوُونَ في النّارِ عَلى رُءُوسِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهم إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلاكِ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ: سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ حُزْنًا وثُكْلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ فَقَدْ هَلَكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”هِيَهْ“ ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: صفحة ٧١ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ في التَّفْسِيرِ الثّالِثِ: أوْ ضَمِيرُ ”هاوِيَةٌ“ والهاءُ لِلسَّكْتِ فَإذا وصَلَ جازَ حَذْفُها، والِاخْتِيارُ الوَقْفُ بِالهاءِ لِاتِّباعِ المُصْحَفِ والهاءُ ثابِتَةٌ فِيهِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذِهِ الهاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٠]، ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ والمَعْنى أنَّ سائِرَ النِّيرانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَأنَّها لَيْسَتْ حامِيَةً، وهَذا القَدْرُ كافٍ في التَّنْبِيهِ عَلى قُوَّةِ سُخُونَتِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها ومِن جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، ونَسْألُهُ التَّوْفِيقَ وحُسْنَ المَآبِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]

القارعة 101:10

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ قَسَّمَ النّاسَ فِيهِ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ في المَوازِينِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ قالَ: ونَظِيرُهُ يُقالُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ بِمِيزانِ دِرْهَمِكَ ووَزْنِ دِرْهَمِكَ ودارِي بِمِيزانِ دارِكَ ووَزْنِ دارِكَ أيْ بِحِذائِها. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مِيزانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المِيزانُ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ لا يُوزَنُ فِيهِ إلّا الأعْمالُ فَيُؤْتى بِحَسَناتِ المُطِيعِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَإذا رَجَحَ فالجَنَّةُ لَهُ، ويُؤْتى بِسَيِّئاتِ الكافِرِ في أقْبَحِ صُورَةٍ فَيَخِفُّ وزْنُهُ فَيَدْخُلُ النّارَ. وقالَ الحَسَنُ في المِيزانِ: لَهُ كِفَّتانِ ولا يُوصَفُ، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّ نَفْسَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لا يَصِحُّ وزْنُهُما، خُصُوصًا وقَدِ انْقَضَيا، بَلِ المُرادُ أنَّ الصُّحُفَ المَكْتُوبَ فِيها الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تُوزَنُ، أوْ يُجْعَلُ النُّورُ عَلامَةَ الحَسَناتِ والظُّلْمَةُ عَلامَةَ السَّيِّئاتِ، أوْ تُصَوَّرُ صَحِيفَةُ الحَسَناتِ بِالصُّورَةِ الحَسَنَةِ وصَحِيفَةُ السَّيِّئاتِ بِالصُّورَةِ القَبِيحَةِ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ الثِّقَلُ والخِفَّةُ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في ذَلِكَ ظُهُورَ حالِ صاحِبِ الحَسَناتِ في الجَمْعِ العَظِيمِ فَيَزْدادُ سُرُورًا، وظُهُورَ حالِ صاحِبِ السَّيِّئاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كالفَضِيحَةِ لَهُ عِنْدَ الخَلائِقِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فالعِيشَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى العَيْشِ، كالخِيفَةِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وأمّا الرّاضِيَةُ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أيْ: عِيشَةٍ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها وهي كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ، وتامِرٌ بِمَعْنى: ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ، ولِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: تَفْسِيرُها: مَرْضِيَّةٌ عَلى مَعْنى يَرْضاها صاحِبُها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ قَلَّتْ حَسَناتُهُ فَرَجَحَتِ السَّيِّئاتُ عَلى الحَسَناتِ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما ثَقُلَتْ مَوازِينُ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الحَقَّ في الدُّنْيا وثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وإنَّما خَفَّتْ مَوازِينُ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ في الدُّنْيا وخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ يُوضَعُ فِيهِ الباطِلُ أنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ ثَقِيلٌ والباطِلَ خَفِيفٌ. ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الهاوِيَةَ مِن أسْماءِ النّارِ وكَأنَّها النّارُ العَمِيقَةُ يَهْوِي أهْلُ النّارِ فِيها مَهْوًى بَعِيدًا، والمَعْنى فَمَأْواهُ النّارُ، وقِيلَ لِلْمَأْوى ”أُمٌّ“ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُمِّ الَّتِي لا يَقَعُ الفَزَعُ مِنَ الوَلَدِ إلّا إلَيْها. وثانِيها: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في النّارِ ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ قالَ: لِأنَّهم يَهْوُونَ في النّارِ عَلى رُءُوسِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهم إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلاكِ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ: سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ حُزْنًا وثُكْلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ فَقَدْ هَلَكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”هِيَهْ“ ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: صفحة ٧١ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ في التَّفْسِيرِ الثّالِثِ: أوْ ضَمِيرُ ”هاوِيَةٌ“ والهاءُ لِلسَّكْتِ فَإذا وصَلَ جازَ حَذْفُها، والِاخْتِيارُ الوَقْفُ بِالهاءِ لِاتِّباعِ المُصْحَفِ والهاءُ ثابِتَةٌ فِيهِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذِهِ الهاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٠]، ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ والمَعْنى أنَّ سائِرَ النِّيرانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَأنَّها لَيْسَتْ حامِيَةً، وهَذا القَدْرُ كافٍ في التَّنْبِيهِ عَلى قُوَّةِ سُخُونَتِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها ومِن جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، ونَسْألُهُ التَّوْفِيقَ وحُسْنَ المَآبِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]

القارعة 101:11

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ قَسَّمَ النّاسَ فِيهِ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ في المَوازِينِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ قالَ: ونَظِيرُهُ يُقالُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ بِمِيزانِ دِرْهَمِكَ ووَزْنِ دِرْهَمِكَ ودارِي بِمِيزانِ دارِكَ ووَزْنِ دارِكَ أيْ بِحِذائِها. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مِيزانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المِيزانُ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ لا يُوزَنُ فِيهِ إلّا الأعْمالُ فَيُؤْتى بِحَسَناتِ المُطِيعِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَإذا رَجَحَ فالجَنَّةُ لَهُ، ويُؤْتى بِسَيِّئاتِ الكافِرِ في أقْبَحِ صُورَةٍ فَيَخِفُّ وزْنُهُ فَيَدْخُلُ النّارَ. وقالَ الحَسَنُ في المِيزانِ: لَهُ كِفَّتانِ ولا يُوصَفُ، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّ نَفْسَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لا يَصِحُّ وزْنُهُما، خُصُوصًا وقَدِ انْقَضَيا، بَلِ المُرادُ أنَّ الصُّحُفَ المَكْتُوبَ فِيها الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تُوزَنُ، أوْ يُجْعَلُ النُّورُ عَلامَةَ الحَسَناتِ والظُّلْمَةُ عَلامَةَ السَّيِّئاتِ، أوْ تُصَوَّرُ صَحِيفَةُ الحَسَناتِ بِالصُّورَةِ الحَسَنَةِ وصَحِيفَةُ السَّيِّئاتِ بِالصُّورَةِ القَبِيحَةِ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ الثِّقَلُ والخِفَّةُ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في ذَلِكَ ظُهُورَ حالِ صاحِبِ الحَسَناتِ في الجَمْعِ العَظِيمِ فَيَزْدادُ سُرُورًا، وظُهُورَ حالِ صاحِبِ السَّيِّئاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كالفَضِيحَةِ لَهُ عِنْدَ الخَلائِقِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فالعِيشَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى العَيْشِ، كالخِيفَةِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وأمّا الرّاضِيَةُ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أيْ: عِيشَةٍ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها وهي كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ، وتامِرٌ بِمَعْنى: ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ، ولِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: تَفْسِيرُها: مَرْضِيَّةٌ عَلى مَعْنى يَرْضاها صاحِبُها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ قَلَّتْ حَسَناتُهُ فَرَجَحَتِ السَّيِّئاتُ عَلى الحَسَناتِ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما ثَقُلَتْ مَوازِينُ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الحَقَّ في الدُّنْيا وثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وإنَّما خَفَّتْ مَوازِينُ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ في الدُّنْيا وخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ يُوضَعُ فِيهِ الباطِلُ أنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ ثَقِيلٌ والباطِلَ خَفِيفٌ. ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الهاوِيَةَ مِن أسْماءِ النّارِ وكَأنَّها النّارُ العَمِيقَةُ يَهْوِي أهْلُ النّارِ فِيها مَهْوًى بَعِيدًا، والمَعْنى فَمَأْواهُ النّارُ، وقِيلَ لِلْمَأْوى ”أُمٌّ“ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُمِّ الَّتِي لا يَقَعُ الفَزَعُ مِنَ الوَلَدِ إلّا إلَيْها. وثانِيها: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في النّارِ ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ قالَ: لِأنَّهم يَهْوُونَ في النّارِ عَلى رُءُوسِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهم إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلاكِ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ: سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ حُزْنًا وثُكْلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ فَقَدْ هَلَكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”هِيَهْ“ ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: صفحة ٧١ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ في التَّفْسِيرِ الثّالِثِ: أوْ ضَمِيرُ ”هاوِيَةٌ“ والهاءُ لِلسَّكْتِ فَإذا وصَلَ جازَ حَذْفُها، والِاخْتِيارُ الوَقْفُ بِالهاءِ لِاتِّباعِ المُصْحَفِ والهاءُ ثابِتَةٌ فِيهِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذِهِ الهاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٠]، ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ والمَعْنى أنَّ سائِرَ النِّيرانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَأنَّها لَيْسَتْ حامِيَةً، وهَذا القَدْرُ كافٍ في التَّنْبِيهِ عَلى قُوَّةِ سُخُونَتِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها ومِن جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، ونَسْألُهُ التَّوْفِيقَ وحُسْنَ المَآبِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]

التكاثر 102:1

صفحة ٧٢ (سُورَةُ التَّكاثُرِ) ثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﷽ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الإلْهاءُ الصَّرْفُ إلى اللَّهْوِ. واللَّهْوُ الِانْصِرافُ إلى ما يَدْعُو إلَيْهِ الهَوى، ومَعْلُومٌ أنَّ الِانْصِرافَ إلى الشَّيْءِ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنْ غَيْرِهِ، فَلِهَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ألْهانِي فُلانٌ عَنْ كَذا أيْ أنْسانِي وشَغَلَنِي، ومِنهُ الحَدِيثُ: ”أنَّ الزُّبَيْرَ كانَ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ لَهى عَنْ حَدِيثِهِ“ أيْ تَرَكَهُ وأعْرَضَ عَنْهُ، وكُلُّ شَيْءٍ تَرَكْتَهُ فَقَدْ لَهَيْتَ عَنْهُ، والتَّكاثُرُ التَّباهِي بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ والمَناقِبِ يُقالُ: تَكاثَرَ القَوْمُ تَكاثُرًا إذا تَعادَلُوا ما لَهم مِن كَثْرَةِ المَناقِبِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: التَّكاثُرُ تَفاعُلٌ عَنِ الكَثْرَةِ، والتَّفاعُلُ يَقَعُ عَلى أحَدِ وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَيَكُونُ مُفاعَلَةً، ويَحْتَمِلُ تَكَلُّفَ الفِعْلِ تَقُولُ: تَكارَهْتُ عَلى كَذا إذا فَعَلْتَهُ وأنْتَ كارِهٌ، وتَقُولُ: تَباعَدْتُ عَنِ الأمْرِ إذا تَكَلَّفْتَ العَمى عَنْهُ وتَقُولُ: تَغافَلْتُ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا الفِعْلَ بِنَفْسِهِ كَما تَقُولُ: تَباعَدْتُ عَنِ الأمْرِ أيْ بَعُدْتُ عَنْهُ، ولَفْظُ التَّكاثُرِ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ، فَيَحْتَمِلُ التَّكاثُرَ بِمَعْنى المُفاعَلَةِ لِأنَّهُ كَمْ مِنِ اثْنَيْنِ يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ويَحْتَمِلُ تَكَلُّفَ الكَثْرَةِ فَإنَّ الحَرِيصَ يَتَكَلَّفُ جَمِيعَ عُمُرِهِ تَكْثِيرَ مالِهِ، واعْلَمْ أنَّ التَّفاخُرَ والتَّكاثُرَ شَيْءٌ واحِدٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ [ الحَدِيدِ: ٢٠] المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّفاخُرَ إنَّما يَكُونُ بِإثْباتِ الإنْسانِ نَوْعًا مِن أنْواعِ السَّعادَةِ لِنَفْسِهِ، وأجْناسُ السَّعادَةِ ثَلاثَةٌ: فَأحَدُها: في النَّفْسِ. والثّانِيَةُ: في البَدَنِ. والثّالِثَةُ: فِيما يُطِيفُ بِالبَدَنِ مِن خارِجٍ، أمّا الَّتِي في النَّفْسِ صفحة ٧٣ فَهِيَ العُلُومُ والأخْلاقُ الفاضِلَةُ وهُما المُرادانِ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وبِهِما يُنالُ البَقاءُ الأبَدِيُّ والسَّعادَةُ السَّرْمَدِيَّةُ. وأمّا الَّتِي في البَدَنِ فَهي الصِّحَّةُ والجَمالُ وهي المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ، وأمّا الَّتِي تُطِيفُ بِالبَدَنِ مِن خارِجٍ فَقِسْمانِ: أحَدُهُما: ضَرُورِيٌّ وهو المالُ والجاهُ والآخَرُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ وهو الأقْرِباءُ والأصْدِقاءُ وهَذا الَّذِي عَدَدْناهُ في المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ إنَّما يُرادُ كُلُّهُ لِلْبَدَنِ بِدَلِيلِ أنَّهُ إذا تَألَّمَ عُضْوٌ مِن أعْضائِهِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ المالَ والجاهَ فِداءً لَهُ. وأمّا السَّعادَةُ البَدَنِيَّةُ فالفُضَلاءُ مِنَ النّاسِ إنَّما يُرِيدُونَها لِلسَّعادَةِ النَّفْسانِيَّةِ فَإنَّهُ ما لَمْ يَكُنْ صَحِيحَ البَدَنِ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِاكْتِسابِ السَّعاداتِ النَّفْسانِيَّةِ الباقِيَةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: العاقِلُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سَعْيُهُ في تَقْدِيمِ الأهَمِّ عَلى المُهِمِّ، فالتَّفاخُرُ بِالمالِ والجاهِ والأعْوانِ والأقْرِباءِ تَفاخُرٌ بِأخَسِّ المَراتِبِ مِن أسْبابِ السَّعاداتِ، والِاشْتِغالُ بِهِ يَمْنَعُ الإنْسانَ مِن تَحْصِيلِ السَّعادَةِ النَّفْسانِيَّةِ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِأخَسِّ المَراتِبِ في السَّعاداتِ عَلى أشْرَفِ المَراتِبِ فِيها، وذَلِكَ يَكُونُ عَكْسَ الواجِبِ ونَقِيضَ الحَقِّ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ التَّكاثُرُ بِالعَدَدِ وبِالمالِ والجاهِ والأقْرِباءِ والأنْصارِ والجَيْشِ، وبِالجُمْلَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ التَّكاثُرُ بِكُلِّ ما يَكُونُ مِنَ الدُّنْيا ولَذّاتِها وشَهَواتِها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ألْهاكُمُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ أيْ ”أألْهاكُمْ“ كَما قُرِئَ ”أنْذَرْتَهم“ و”أأنْذَرْتَهم“ و”إذا كُنّا عِظامًا“ و”أئِذا كُنّا عِظامًا“ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ مَذْمُومٌ، والعَقْلُ دَلَّ عَلى أنَّ التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ في السَّعاداتِ الحَقِيقِيَّةِ غَيْرُ مَذْمُومٍ، ومِن ذَلِكَ ما رُوِيَ مِن تَفاخُرِ العَبّاسِ بِأنَّ السِّقايَةَ بِيَدِهِ، وتَفاخُرِ شَيْبَةَ بِأنَّ المِفْتاحَ بِيَدِهِ إلى أنْ قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: وأنا قَطَعْتُ خُرْطُومَ الكُفْرِ بِسَيْفِي فَصارَ الكُفْرُ مُثْلَةً فَأسْلَمْتُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ [ التَّوْبَةِ: ١٩] الآيَةَ وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [ الضُّحى: ١١] أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْتَخِرَ بِطاعاتِهِ ومَحاسِنِ أخْلاقِهِ إذا كانَ يَظُنُّ أنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ مُطْلَقَ التَّكاثُرِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ، بَلِ التَّكاثُرُ في العِلْمِ والطّاعَةِ والأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، هو المَحْمُودُ، وهو أصْلُ الخَيْراتِ، فالألِفُ واللّامُ في التَّكاثُرِ لَيْسا لِلِاسْتِغْراقِ، بَلْ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، وهو التَّكاثُرُ في الدُّنْيا ولَذّاتِها وعَلائِقِها، فَإنَّهُ هو الَّذِي يَمْنَعُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعُبُودِيَّتِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُقَرَّرًا في العُقُولِ ومُتَّفَقًا عَلَيْهِ في الأدْيانِ، لا جَرَمَ حَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ بِالعَدَدِ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي سَهْمٍ وبَنِي عَبْدِ مَنافٍ تَفاخَرُوا أيُّهم أكْثَرُ فَكانَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ أكْثَرَ فَقالَ بَنُو سَهْمٍ: عُدُّوا مَجْمُوعَ أحْيائِنا وأمْواتِنا مَعَ مَجْمُوعِ أحْيائِكم وأمْواتِكم، فَفَعَلُوا فَزادَ بَنُو سَهْمٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُطابِقَةٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مَضى. فَكَأنَّهُ تَعالى يُعَجِّبُهم مِن أنْفُسِهِمْ، ويَقُولُ هَبْ أنَّكم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا فَماذا يَنْفَعُ ؟ والزِّيارَةُ إتْيانُ المَوْضِعِ، وذَلِكَ يَكُونُ لِأغْراضٍ كَثِيرَةٍ، وأهَمُّها وأوْلاها بِالرِّعايَةِ تَرْقِيقُ القَلْبِ وإزالَةُ حُبِّ الدُّنْيا، فَإنَّ مُشاهَدَةَ القُبُورِ تُورِثُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ ألا فَزُورُوها فَإنَّ في زِيارَتِها تَذْكِرَةً» ثُمَّ إنَّكم زُرْتُمُ القُبُورَ، بِسَبَبِ قَساوَةِ القَلْبِ والِاسْتِغْراقِ في صفحة ٧٤ حُبِّ الدُّنْيا فَلَمّا انْعَكَسَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في مَعْرِضِ التَّعْجِيبِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هو التَّكاثُرُ بِالمالِ واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما رَوى مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَ يَقْرَأُ: ﴿ألْهاكُمُ﴾ وقالَ: «ابْنُ آدَمَ يَقُولُ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ»، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى مُتُّمْ، وزِيارَةُ القَبْرِ عِبارَةٌ عَنِ المَوْتِ، يُقالُ لِمَن ماتَ: زارَ قَبْرَهُ وزارَ رَمْسَهُ، قالَ جَرِيرٌ لِلْأخْطَلِ: زارَ القُبُورَ أبُو مالِكٍ فَأصْبَحَ ألْأمَ زُوّارِها أيْ ماتَ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: ألْهاكم حِرْصُكم عَلى تَكْثِيرِ أمْوالِكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ، وأنْتُمْ عَلى ذَلِكَ، يُقالُ: حَمْلُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُشْكِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الزّائِرَ هو الَّذِي يَزُورُ ساعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ، والمَيِّتُ يَبْقى في قَبْرِهِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ زارَ القَبْرَ ؟ والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلى المُسْتَقْبَلِ ؟ والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّهُ قَدْ يَمْكُثُ الزّائِرُ، لَكِنْ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الرَّحِيلِ، وكَذا أهْلُ القُبُورِ يَرْحَلُونَ عَنْها إلى مَكانِ الحِسابِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن كانَ مُشْرِفًا عَلى المَوْتِ بِسَبَبِ الكِبَرِ، ولِذَلِكَ يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ عَلى شَفِيرِ القَبْرِ وثانِيها: أنَّ الخَبَرَ عَمَّنْ تَقَدَّمَهم وعْظًا لَهم، فَهو كالخَبَرِ عَنْهم، لِأنَّهم كانُوا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٦١] . وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ القِيامَةِ تَعْيِيرًا لِلْكُفّارِ، وهم في ذَلِكَ الوَقْتِ قَدْ تَقَدَّمَتْ مِنهم زِيارَةُ القُبُورِ. القَوْلُ الثّالِثُ: ﴿ألْهاكُمُ﴾ الحِرْصُ عَلى المالِ وطَلَبُ تَكْثِيرِهِ حَتّى مَنَعْتُمُ الحُقُوقَ المالِيَّةَ إلى حِينِ المَوْتِ، ثُمَّ تَقُولُ في تِلْكَ الحالَةِ: أوْصَيْتُ لِأجْلِ الزَّكاةِ بِكَذا، ولِأجْلِ الحَجِّ بِكَذا. القَوْلُ الرّابِعُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَلا تَلْتَفِتُونَ إلى الدِّينِ، بَلْ قُلُوبُكم كَأنَّها أحْجارٌ لا تَنْكَسِرُ البَتَّةَ إلّا إذا زُرْتُمُ المَقابِرَ، هَكَذا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ حالُكم، وهو أنْ يَكُونَ حَظُّكم مِن دِينِكم ذَلِكَ القَدْرَ القَلِيلَ مِنَ الِانْكِسارِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠] أيْ لا أقْنَعُ مِنكم بِهَذا القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الشُّكْرِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ عَنْ كَذا وإنَّما لَمْ يَذْكُرْهُ، لِأنَّ المُطْلَقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَوْضِعُ، أيْ: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ في المَعْرِفَةِ والطّاعَةِ والتَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ، أوْ نَقُولُ: إنْ نَظَرْنا إلى ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فالمَعْنى: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ عَنِ التَّدَبُّرِ في أمْرِ القارِعَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها قَبْلَ المَوْتِ، وإنْ نَظَرْنا إلى الأسْفَلِ فالمَعْنى ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَنَسِيتُمُ القَبْرَ حَتّى زُرْتُمُوهُ.

التكاثر 102:2

صفحة ٧٢ (سُورَةُ التَّكاثُرِ) ثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﷽ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الإلْهاءُ الصَّرْفُ إلى اللَّهْوِ. واللَّهْوُ الِانْصِرافُ إلى ما يَدْعُو إلَيْهِ الهَوى، ومَعْلُومٌ أنَّ الِانْصِرافَ إلى الشَّيْءِ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنْ غَيْرِهِ، فَلِهَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ألْهانِي فُلانٌ عَنْ كَذا أيْ أنْسانِي وشَغَلَنِي، ومِنهُ الحَدِيثُ: ”أنَّ الزُّبَيْرَ كانَ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ لَهى عَنْ حَدِيثِهِ“ أيْ تَرَكَهُ وأعْرَضَ عَنْهُ، وكُلُّ شَيْءٍ تَرَكْتَهُ فَقَدْ لَهَيْتَ عَنْهُ، والتَّكاثُرُ التَّباهِي بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ والمَناقِبِ يُقالُ: تَكاثَرَ القَوْمُ تَكاثُرًا إذا تَعادَلُوا ما لَهم مِن كَثْرَةِ المَناقِبِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: التَّكاثُرُ تَفاعُلٌ عَنِ الكَثْرَةِ، والتَّفاعُلُ يَقَعُ عَلى أحَدِ وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَيَكُونُ مُفاعَلَةً، ويَحْتَمِلُ تَكَلُّفَ الفِعْلِ تَقُولُ: تَكارَهْتُ عَلى كَذا إذا فَعَلْتَهُ وأنْتَ كارِهٌ، وتَقُولُ: تَباعَدْتُ عَنِ الأمْرِ إذا تَكَلَّفْتَ العَمى عَنْهُ وتَقُولُ: تَغافَلْتُ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا الفِعْلَ بِنَفْسِهِ كَما تَقُولُ: تَباعَدْتُ عَنِ الأمْرِ أيْ بَعُدْتُ عَنْهُ، ولَفْظُ التَّكاثُرِ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ، فَيَحْتَمِلُ التَّكاثُرَ بِمَعْنى المُفاعَلَةِ لِأنَّهُ كَمْ مِنِ اثْنَيْنِ يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ويَحْتَمِلُ تَكَلُّفَ الكَثْرَةِ فَإنَّ الحَرِيصَ يَتَكَلَّفُ جَمِيعَ عُمُرِهِ تَكْثِيرَ مالِهِ، واعْلَمْ أنَّ التَّفاخُرَ والتَّكاثُرَ شَيْءٌ واحِدٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ [ الحَدِيدِ: ٢٠] المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّفاخُرَ إنَّما يَكُونُ بِإثْباتِ الإنْسانِ نَوْعًا مِن أنْواعِ السَّعادَةِ لِنَفْسِهِ، وأجْناسُ السَّعادَةِ ثَلاثَةٌ: فَأحَدُها: في النَّفْسِ. والثّانِيَةُ: في البَدَنِ. والثّالِثَةُ: فِيما يُطِيفُ بِالبَدَنِ مِن خارِجٍ، أمّا الَّتِي في النَّفْسِ صفحة ٧٣ فَهِيَ العُلُومُ والأخْلاقُ الفاضِلَةُ وهُما المُرادانِ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وبِهِما يُنالُ البَقاءُ الأبَدِيُّ والسَّعادَةُ السَّرْمَدِيَّةُ. وأمّا الَّتِي في البَدَنِ فَهي الصِّحَّةُ والجَمالُ وهي المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ، وأمّا الَّتِي تُطِيفُ بِالبَدَنِ مِن خارِجٍ فَقِسْمانِ: أحَدُهُما: ضَرُورِيٌّ وهو المالُ والجاهُ والآخَرُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ وهو الأقْرِباءُ والأصْدِقاءُ وهَذا الَّذِي عَدَدْناهُ في المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ إنَّما يُرادُ كُلُّهُ لِلْبَدَنِ بِدَلِيلِ أنَّهُ إذا تَألَّمَ عُضْوٌ مِن أعْضائِهِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ المالَ والجاهَ فِداءً لَهُ. وأمّا السَّعادَةُ البَدَنِيَّةُ فالفُضَلاءُ مِنَ النّاسِ إنَّما يُرِيدُونَها لِلسَّعادَةِ النَّفْسانِيَّةِ فَإنَّهُ ما لَمْ يَكُنْ صَحِيحَ البَدَنِ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِاكْتِسابِ السَّعاداتِ النَّفْسانِيَّةِ الباقِيَةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: العاقِلُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سَعْيُهُ في تَقْدِيمِ الأهَمِّ عَلى المُهِمِّ، فالتَّفاخُرُ بِالمالِ والجاهِ والأعْوانِ والأقْرِباءِ تَفاخُرٌ بِأخَسِّ المَراتِبِ مِن أسْبابِ السَّعاداتِ، والِاشْتِغالُ بِهِ يَمْنَعُ الإنْسانَ مِن تَحْصِيلِ السَّعادَةِ النَّفْسانِيَّةِ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِأخَسِّ المَراتِبِ في السَّعاداتِ عَلى أشْرَفِ المَراتِبِ فِيها، وذَلِكَ يَكُونُ عَكْسَ الواجِبِ ونَقِيضَ الحَقِّ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ التَّكاثُرُ بِالعَدَدِ وبِالمالِ والجاهِ والأقْرِباءِ والأنْصارِ والجَيْشِ، وبِالجُمْلَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ التَّكاثُرُ بِكُلِّ ما يَكُونُ مِنَ الدُّنْيا ولَذّاتِها وشَهَواتِها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ألْهاكُمُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ أيْ ”أألْهاكُمْ“ كَما قُرِئَ ”أنْذَرْتَهم“ و”أأنْذَرْتَهم“ و”إذا كُنّا عِظامًا“ و”أئِذا كُنّا عِظامًا“ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ مَذْمُومٌ، والعَقْلُ دَلَّ عَلى أنَّ التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ في السَّعاداتِ الحَقِيقِيَّةِ غَيْرُ مَذْمُومٍ، ومِن ذَلِكَ ما رُوِيَ مِن تَفاخُرِ العَبّاسِ بِأنَّ السِّقايَةَ بِيَدِهِ، وتَفاخُرِ شَيْبَةَ بِأنَّ المِفْتاحَ بِيَدِهِ إلى أنْ قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: وأنا قَطَعْتُ خُرْطُومَ الكُفْرِ بِسَيْفِي فَصارَ الكُفْرُ مُثْلَةً فَأسْلَمْتُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ [ التَّوْبَةِ: ١٩] الآيَةَ وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [ الضُّحى: ١١] أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْتَخِرَ بِطاعاتِهِ ومَحاسِنِ أخْلاقِهِ إذا كانَ يَظُنُّ أنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ مُطْلَقَ التَّكاثُرِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ، بَلِ التَّكاثُرُ في العِلْمِ والطّاعَةِ والأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، هو المَحْمُودُ، وهو أصْلُ الخَيْراتِ، فالألِفُ واللّامُ في التَّكاثُرِ لَيْسا لِلِاسْتِغْراقِ، بَلْ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، وهو التَّكاثُرُ في الدُّنْيا ولَذّاتِها وعَلائِقِها، فَإنَّهُ هو الَّذِي يَمْنَعُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعُبُودِيَّتِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُقَرَّرًا في العُقُولِ ومُتَّفَقًا عَلَيْهِ في الأدْيانِ، لا جَرَمَ حَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ بِالعَدَدِ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي سَهْمٍ وبَنِي عَبْدِ مَنافٍ تَفاخَرُوا أيُّهم أكْثَرُ فَكانَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ أكْثَرَ فَقالَ بَنُو سَهْمٍ: عُدُّوا مَجْمُوعَ أحْيائِنا وأمْواتِنا مَعَ مَجْمُوعِ أحْيائِكم وأمْواتِكم، فَفَعَلُوا فَزادَ بَنُو سَهْمٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُطابِقَةٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مَضى. فَكَأنَّهُ تَعالى يُعَجِّبُهم مِن أنْفُسِهِمْ، ويَقُولُ هَبْ أنَّكم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا فَماذا يَنْفَعُ ؟ والزِّيارَةُ إتْيانُ المَوْضِعِ، وذَلِكَ يَكُونُ لِأغْراضٍ كَثِيرَةٍ، وأهَمُّها وأوْلاها بِالرِّعايَةِ تَرْقِيقُ القَلْبِ وإزالَةُ حُبِّ الدُّنْيا، فَإنَّ مُشاهَدَةَ القُبُورِ تُورِثُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ ألا فَزُورُوها فَإنَّ في زِيارَتِها تَذْكِرَةً» ثُمَّ إنَّكم زُرْتُمُ القُبُورَ، بِسَبَبِ قَساوَةِ القَلْبِ والِاسْتِغْراقِ في صفحة ٧٤ حُبِّ الدُّنْيا فَلَمّا انْعَكَسَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في مَعْرِضِ التَّعْجِيبِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هو التَّكاثُرُ بِالمالِ واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما رَوى مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَ يَقْرَأُ: ﴿ألْهاكُمُ﴾ وقالَ: «ابْنُ آدَمَ يَقُولُ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ»، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى مُتُّمْ، وزِيارَةُ القَبْرِ عِبارَةٌ عَنِ المَوْتِ، يُقالُ لِمَن ماتَ: زارَ قَبْرَهُ وزارَ رَمْسَهُ، قالَ جَرِيرٌ لِلْأخْطَلِ: زارَ القُبُورَ أبُو مالِكٍ فَأصْبَحَ ألْأمَ زُوّارِها أيْ ماتَ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: ألْهاكم حِرْصُكم عَلى تَكْثِيرِ أمْوالِكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ، وأنْتُمْ عَلى ذَلِكَ، يُقالُ: حَمْلُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُشْكِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الزّائِرَ هو الَّذِي يَزُورُ ساعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ، والمَيِّتُ يَبْقى في قَبْرِهِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ زارَ القَبْرَ ؟ والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلى المُسْتَقْبَلِ ؟ والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّهُ قَدْ يَمْكُثُ الزّائِرُ، لَكِنْ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الرَّحِيلِ، وكَذا أهْلُ القُبُورِ يَرْحَلُونَ عَنْها إلى مَكانِ الحِسابِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن كانَ مُشْرِفًا عَلى المَوْتِ بِسَبَبِ الكِبَرِ، ولِذَلِكَ يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ عَلى شَفِيرِ القَبْرِ وثانِيها: أنَّ الخَبَرَ عَمَّنْ تَقَدَّمَهم وعْظًا لَهم، فَهو كالخَبَرِ عَنْهم، لِأنَّهم كانُوا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٦١] . وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ القِيامَةِ تَعْيِيرًا لِلْكُفّارِ، وهم في ذَلِكَ الوَقْتِ قَدْ تَقَدَّمَتْ مِنهم زِيارَةُ القُبُورِ. القَوْلُ الثّالِثُ: ﴿ألْهاكُمُ﴾ الحِرْصُ عَلى المالِ وطَلَبُ تَكْثِيرِهِ حَتّى مَنَعْتُمُ الحُقُوقَ المالِيَّةَ إلى حِينِ المَوْتِ، ثُمَّ تَقُولُ في تِلْكَ الحالَةِ: أوْصَيْتُ لِأجْلِ الزَّكاةِ بِكَذا، ولِأجْلِ الحَجِّ بِكَذا. القَوْلُ الرّابِعُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَلا تَلْتَفِتُونَ إلى الدِّينِ، بَلْ قُلُوبُكم كَأنَّها أحْجارٌ لا تَنْكَسِرُ البَتَّةَ إلّا إذا زُرْتُمُ المَقابِرَ، هَكَذا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ حالُكم، وهو أنْ يَكُونَ حَظُّكم مِن دِينِكم ذَلِكَ القَدْرَ القَلِيلَ مِنَ الِانْكِسارِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠] أيْ لا أقْنَعُ مِنكم بِهَذا القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الشُّكْرِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ عَنْ كَذا وإنَّما لَمْ يَذْكُرْهُ، لِأنَّ المُطْلَقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَوْضِعُ، أيْ: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ في المَعْرِفَةِ والطّاعَةِ والتَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ، أوْ نَقُولُ: إنْ نَظَرْنا إلى ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فالمَعْنى: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ عَنِ التَّدَبُّرِ في أمْرِ القارِعَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها قَبْلَ المَوْتِ، وإنْ نَظَرْنا إلى الأسْفَلِ فالمَعْنى ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَنَسِيتُمُ القَبْرَ حَتّى زُرْتُمُوهُ.

التكاثر 102:3

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَهو يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ وبِما بَعْدَهُ، أمّا الأوَّلُ صفحة ٧٥ فَعَلى وجْهِ الرَّدِّ والتَّكْذِيبِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَتَوَهَّمُهُ هَؤُلاءِ مِن أنَّ السَّعادَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ والأوْلادِ، وأمّا اتِّصالُهُ بِما بَعْدَهُ، فَعَلى مَعْنى القَسَمِ أيْ حَقًّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ لَكِنْ حِينَ يَصِيرُ الفاسِقُ تائِبًا، والكافِرُ مُسْلِمًا، والحَرِيصُ زاهِدًا، ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: لا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ مَن تَرى حَوْلَكَ فَإنَّكَ تَمُوتُ وحْدَكَ، وتُحاسَبُ وحْدَكَ، وتَقْرِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ [عبس: ٣٤]، ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] إلى أنْ قالَ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٤] وهَذا يَمْنَعُكَ عَنِ التَّكاثُرِ، وذَكَرُوا في التَّكْرِيرِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ، ثُمَّ أقُولُ لَكَ: لا تَفْعَلْ. وثانِيها: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ المَوْتِ حَيْثُ يُقالُ لَهُ: لا بُشْرى، والثّانِي في سُؤالِ القَبْرِ: مَن رَبُّكَ ؟ والثّالِثُ عِنْدَ النُّشُورِ حِينَ يُنادِي المُنادِي، فُلانٌ شَقِيٌّ شَقاوَةً لا سَعادَةَ بَعْدَها أبَدًا وحِينَ يُقالُ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ [يس: ٥٩] وثالِثُها: عَنِ الضَّحّاكِ سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّها الكُفّارُ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ، وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فالأوَّلُ وعِيدٌ والثّانِي وعْدٌ. ورابِعُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ قُبْحَ الظُّلْمِ والكَذِبِ وحُسْنَ العَدْلِ والصِّدْقِ، لَكِنْ لا يَعْرِفُ قَدْرَ آثارِها ونَتائِجِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَمُ العِلْمَ المُفَصَّلَ لَكِنَّ التَّفْصِيلَ يَحْتَمِلُ الزّائِدَ، فَمَهْما حَصَلَتْ زِيادَةُ لَذَّةٍ، ازْدادَ عِلْمًا، وكَذا في جانِبِ العُقُوبَةِ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلى الأحْوالِ، فَعِنْدَ المُعايَنَةِ يَزْدادُ، ثُمَّ عِنْدَ البَعْثِ، ثُمَّ عِنْدَ الحِسابِ، ثُمَّ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَّكْرِيرُ. وخامِسُها: أنَّ إحْدى الحالَتَيْنِ عَذابُ القَبْرِ والأُخْرى عَذابُ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أشُكُّ في عَذابِ القَبْرِ، حَتّى سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، وإنَّما قالَ: ﴿ثُمَّ﴾ لِأنَّ بَيْنَ العالَمَيْنِ والحَياتَيْنِ مَوْتًا. ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ جَوابَ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابَ ”لَوْ“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما كانَ جَوابَ ”لَوْ“ فَنَفْيُهُ إثْباتٌ، وإثْباتُهُ نَفْيٌ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابًا لِـ ”لَوْ“ لَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ واقِعَةٌ قَطْعًا، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَتُها بِالقَلْبِ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ غَيْرُ واقِعَةٍ قُلْنا: تَرْكُ الظّاهِرِ خِلافُ الأصْلِ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ سَيَقَعُ قَطْعًا، فَعَطْفُهُ عَلى ما لا يُوجَدُ ولا يَقَعُ قَبِيحٌ في النَّظْمِ، واعْلَمْ أنَّ تَرْكَ الجَوابِ في مِثْلِ هَذا المَكانِ أحْسَنُ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَوْ فَعَلْتَ هَذا أيْ لَكانَ كَذا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٩ ] ولَمْ يَجِئْ لَهُ جَوابٌ وقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٣٠] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في جَوابِ ”لَوْ“ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ“ ما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ. وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَوْ عَلِمْتُمْ ماذا يَجِبُ عَلَيْكم لَتَمَسَّكْتُمْ بِهِ أوْ لَوْ عَلِمْتُمْ لِأيِّ أمْرٍ خُلِقْتُمْ لاشْتَغَلْتُمْ بِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ حَذَفَ الجَوابَ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ فَيَكُونُ التَّهْوِيلُ أعْظَمَ، وكَأنَّهُ قالَ: ”لَوْ عَلِمْتُمْ عِلْمَ اليَقِينِ لَفَعَلْتُمْ ما لا يُوصَفُ ولا يُكْتَنَهُ، ولَكِنَّكم ضُلّالٌ وجَهَلَةٌ“، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فاللّامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ لِتَوْكِيدِ الوَعِيدِ، وأنَّ ما أُوعَدا بِهِ مِمّا لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلرَّيْبِ وكَرَّرَهُ مَعْطُوفًا بِـ ”ثُمَّ“ تَغْلِيظًا لِلتَّهْدِيدِ وزِيادَةً في التَّهْوِيلِ. صفحة ٧٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ لَفْظَ ”كَلّا“ وهو لِلزَّجْرِ، وإنَّما حَسُنَتِ الإعادَةُ: لِأنَّهُ عَقَّبَهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بِغَيْرِ ما عَقَّبَ بِهِ المَوْضِعَ الآخَرَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا تَفْعَلُوا هَذا فَإنَّكم تَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ العَذابِ كَذا لا تَفْعَلُوا هَذا فَإنَّكم تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ ضَرَرًا آخَرَ، وهَذا التَّكْرِيرُ لَيْسَ بِالمَكْرُوهِ بَلْ هو مَرْضِيٌّ عِنْدَهم، وكانَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْعَلُ مَعْنى ﴿كَلّا﴾ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى ”حَقًّا“ كَأنَّهُ قِيلَ حَقًّا: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ عِلْمًا يَقِينًا فَأُضِيفَ المَوْصُوفُ إلى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ يُوسُفَ: ١٠٩] وكَمّا يُقالُ: مَسْجِدُ الجامِعِ وعامُ الأوَّلِ. والثّانِي: أنَّ اليَقِينَ هَهُنا هو المَوْتُ والبَعْثُ والقِيامَةُ، وقَدْ سُمِّيَ المَوْتُ يَقِينًا في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحِجْرِ: ٩٩ ] ولِأنَّهُما إذا وقَعا جاءَ اليَقِينُ وزالَ الشَّكُّ، فالمَعْنى لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ المَوْتِ وما يَلْقى الإنْسانُ مَعَهُ وبَعْدَهُ في القَبْرِ وفي الآخِرَةِ لَمْ يُلْهِكُمُ التَّكاثُرُ والتَّفاخُرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ: أنا أعْلَمُ عِلْمَ كَذا أيْ: أتَحَقَّقُهُ، وفُلانٌ يَعْلَمُ عِلْمَ الطِّبِّ وعِلْمَ الحِسابِ، لِأنَّ العُلُومَ أنْواعٌ، فَيَصْلُحُ لِذَلِكَ أنْ يُقالَ: عَلِمْتُ عِلْمَ كَذا. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ مِن أشَدِّ البَواعِثِ عَلى العَمَلِ، فَإذا كانَ وقْتُ العَمَلِ أمامَهُ كانَ وعْدًا وعِظَةً، وإنْ كانَ بَعْدَ وفاةِ وقْتِ العَمَلِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَسْرَةً ونَدامَةً، كَما ذُكِرَ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا دَخَلَ الظُّلُماتِ (وجَدَ خَرَزًا)، فالَّذِينَ كانُوا مَعَهُ أخَذُوا مِن تِلْكَ الخَرَزِ فَلَمّا خَرَجُوا مِنَ الظُّلُماتِ وجَدُوها جَواهِرَ، ثُمَّ الآخِذُونَ كانُوا في الغَمِّ أيْ لَمّا لَمْ يَأْخُذُوا أكْثَرَ مِمّا أخَذُوا، والَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا كانُوا أيْضًا في الغَمِّ، فَهَكَذا يَكُونُ أحْوالُ أهْلِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الآيَةِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُلَماءِ فَإنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لَوْ حَصَلَ اليَقِينُ بِما في التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ مِنَ الآفَةِ لَتَرَكُوا التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يَتْرُكِ التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ لا يَكُونُ اليَقِينُ حاصِلًا لَهُ فالوَيْلُ لِلْعالِمِ الَّذِي لا يَكُونُ عامِلًا ثُمَّ الوَيْلُ لَهُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في تَكْرارِ الرُّؤْيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ أيْضًا لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا يَكْرَهُونَ سَماعَ الوَعِيدِ فَكَرَّرَ لِذَلِكَ، ونُونُ التَّأْكِيدِ تَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ اضْطِرارِيَّةً، يَعْنِي لَوْ خُلِّيتُمْ ورَأْيَكم ما رَأيْتُمُوها لَكِنَّكم تُحْمَلُونَ عَلى رُؤْيَتِها شِئْتُمْ أمْ أبَيْتُمْ. وثانِيها: أنَّ أوَّلَهُما الرُّؤْيَةُ مِنَ البَعِيدِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] والرُّؤْيَةُ الثّانِيَةُ إذا صارُوا إلى شَفِيرِ النّارِ. وثالِثُها: أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُولى عِنْدَ الوُرُودِ والثّانِيَةَ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيها، وقِيلَ: هَذا التَّفْسِيرُ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ والسُّؤالُ يَكُونُ قَبْلَ الدُّخُولِ. ورابِعُها: الرُّؤْيَةُ الأُولى الوَعْدُ والثّانِيَةُ المُشاهَدَةُ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ الرُّؤْيَةِ مَرَّتَيْنِ عِبارَةً عَنْ تَتابُعِ الرُّؤْيَةِ واتِّصالِها لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في الجَحِيمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ: لَئِنْ كُنْتُمُ اليَوْمَ شاكِّينَ فِيها غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِها فَسَتَرَوْنَها رُؤْيَةً دائِمَةً مُتَّصِلَةً فَتَزُولُ عَنْكُمُ الشُّكُوكُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٣، ٤] بِمَعْنى لَوْ أعَدْتَ النَّظَرَ فِيها ما شِئْتَ لَمْ تَجِدْ فُطُورًا ولَمْ يُرِدْ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، فَكَذا هَهُنا، إنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَخْصِيصِ الرُّؤْيَةِ الثّانِيَةِ بِاليَقِينِ ؟ قُلْنا: لِأنَّهم في المَرَّةِ الأُولى رَأوْا لَهَبًا لا غَيْرُ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ رَأوْا نَفْسَ الحُفْرَةِ وكَيْفِيَّةَ السُّقُوطِ فِيها وما فِيها مِنَ الحَيَواناتِ المُؤْذِيَةِ، ولا شَكَّ صفحة ٧٧ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ أجْلى، والحِكْمَةُ في النَّقْلِ مِنَ العِلْمِ الأخْفى إلى الأجْلى التَّفْرِيعُ عَلى تَرْكِ النَّظَرِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلى الظَّنِّ ولا يَطْلُبُونَ الزِّيادَةَ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها مِن رَأيْتُهُ الشَّيْءَ، والمَعْنى أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْها فَيَرَوْنَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُرْوى عَنِ ابْنِ عامِرٍ والكِسائِيِّ كَأنَّهُما أرادا لَتُرَوُنَّها فَتَرَوْنَها، ولِذَلِكَ قَرَأ الثّانِيَةَ: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّها) بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الثّانِيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم إذا أُرُوها رَأوْها، وفي قِراءَةِ العامَّةِ؛ الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِسائِرِ الفَوائِدِ الَّتِي عَدَدْناها، واعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ العامَّةِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: قِراءَةُ العامَّةِ أشْبَهُ بِكَلامِ العَرَبِ لِأنَّهُ تَغْلِيظٌ، فَلا يَنْبَغِي أنَّ الجَحِيمَ لَفْظُهُ. الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى في: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ لَتَرَوُنَّ عَذابَ الجَحِيمِ، ألا تَرى أنَّ الجَحِيمَ يَراها المُؤْمِنُونَ أيْضًا بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الوَعِيدُ في رُؤْيَةِ عَذابِها لا في رُؤْيَةِ نَفْسِها، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَتَرَوُنَّ أرْجَحُ مَن لَتُرَوُنَّ.

التكاثر 102:4

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَهو يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ وبِما بَعْدَهُ، أمّا الأوَّلُ صفحة ٧٥ فَعَلى وجْهِ الرَّدِّ والتَّكْذِيبِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَتَوَهَّمُهُ هَؤُلاءِ مِن أنَّ السَّعادَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ والأوْلادِ، وأمّا اتِّصالُهُ بِما بَعْدَهُ، فَعَلى مَعْنى القَسَمِ أيْ حَقًّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ لَكِنْ حِينَ يَصِيرُ الفاسِقُ تائِبًا، والكافِرُ مُسْلِمًا، والحَرِيصُ زاهِدًا، ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: لا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ مَن تَرى حَوْلَكَ فَإنَّكَ تَمُوتُ وحْدَكَ، وتُحاسَبُ وحْدَكَ، وتَقْرِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ [عبس: ٣٤]، ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] إلى أنْ قالَ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٤] وهَذا يَمْنَعُكَ عَنِ التَّكاثُرِ، وذَكَرُوا في التَّكْرِيرِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ، ثُمَّ أقُولُ لَكَ: لا تَفْعَلْ. وثانِيها: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ المَوْتِ حَيْثُ يُقالُ لَهُ: لا بُشْرى، والثّانِي في سُؤالِ القَبْرِ: مَن رَبُّكَ ؟ والثّالِثُ عِنْدَ النُّشُورِ حِينَ يُنادِي المُنادِي، فُلانٌ شَقِيٌّ شَقاوَةً لا سَعادَةَ بَعْدَها أبَدًا وحِينَ يُقالُ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ [يس: ٥٩] وثالِثُها: عَنِ الضَّحّاكِ سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّها الكُفّارُ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ، وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فالأوَّلُ وعِيدٌ والثّانِي وعْدٌ. ورابِعُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ قُبْحَ الظُّلْمِ والكَذِبِ وحُسْنَ العَدْلِ والصِّدْقِ، لَكِنْ لا يَعْرِفُ قَدْرَ آثارِها ونَتائِجِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَمُ العِلْمَ المُفَصَّلَ لَكِنَّ التَّفْصِيلَ يَحْتَمِلُ الزّائِدَ، فَمَهْما حَصَلَتْ زِيادَةُ لَذَّةٍ، ازْدادَ عِلْمًا، وكَذا في جانِبِ العُقُوبَةِ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلى الأحْوالِ، فَعِنْدَ المُعايَنَةِ يَزْدادُ، ثُمَّ عِنْدَ البَعْثِ، ثُمَّ عِنْدَ الحِسابِ، ثُمَّ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَّكْرِيرُ. وخامِسُها: أنَّ إحْدى الحالَتَيْنِ عَذابُ القَبْرِ والأُخْرى عَذابُ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أشُكُّ في عَذابِ القَبْرِ، حَتّى سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، وإنَّما قالَ: ﴿ثُمَّ﴾ لِأنَّ بَيْنَ العالَمَيْنِ والحَياتَيْنِ مَوْتًا. ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ جَوابَ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابَ ”لَوْ“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما كانَ جَوابَ ”لَوْ“ فَنَفْيُهُ إثْباتٌ، وإثْباتُهُ نَفْيٌ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابًا لِـ ”لَوْ“ لَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ واقِعَةٌ قَطْعًا، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَتُها بِالقَلْبِ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ غَيْرُ واقِعَةٍ قُلْنا: تَرْكُ الظّاهِرِ خِلافُ الأصْلِ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ سَيَقَعُ قَطْعًا، فَعَطْفُهُ عَلى ما لا يُوجَدُ ولا يَقَعُ قَبِيحٌ في النَّظْمِ، واعْلَمْ أنَّ تَرْكَ الجَوابِ في مِثْلِ هَذا المَكانِ أحْسَنُ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَوْ فَعَلْتَ هَذا أيْ لَكانَ كَذا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٩ ] ولَمْ يَجِئْ لَهُ جَوابٌ وقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٣٠] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في جَوابِ ”لَوْ“ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ“ ما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ. وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَوْ عَلِمْتُمْ ماذا يَجِبُ عَلَيْكم لَتَمَسَّكْتُمْ بِهِ أوْ لَوْ عَلِمْتُمْ لِأيِّ أمْرٍ خُلِقْتُمْ لاشْتَغَلْتُمْ بِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ حَذَفَ الجَوابَ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ فَيَكُونُ التَّهْوِيلُ أعْظَمَ، وكَأنَّهُ قالَ: ”لَوْ عَلِمْتُمْ عِلْمَ اليَقِينِ لَفَعَلْتُمْ ما لا يُوصَفُ ولا يُكْتَنَهُ، ولَكِنَّكم ضُلّالٌ وجَهَلَةٌ“، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فاللّامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ لِتَوْكِيدِ الوَعِيدِ، وأنَّ ما أُوعَدا بِهِ مِمّا لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلرَّيْبِ وكَرَّرَهُ مَعْطُوفًا بِـ ”ثُمَّ“ تَغْلِيظًا لِلتَّهْدِيدِ وزِيادَةً في التَّهْوِيلِ. صفحة ٧٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ لَفْظَ ”كَلّا“ وهو لِلزَّجْرِ، وإنَّما حَسُنَتِ الإعادَةُ: لِأنَّهُ عَقَّبَهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بِغَيْرِ ما عَقَّبَ بِهِ المَوْضِعَ الآخَرَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا تَفْعَلُوا هَذا فَإنَّكم تَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ العَذابِ كَذا لا تَفْعَلُوا هَذا فَإنَّكم تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ ضَرَرًا آخَرَ، وهَذا التَّكْرِيرُ لَيْسَ بِالمَكْرُوهِ بَلْ هو مَرْضِيٌّ عِنْدَهم، وكانَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْعَلُ مَعْنى ﴿كَلّا﴾ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى ”حَقًّا“ كَأنَّهُ قِيلَ حَقًّا: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ عِلْمًا يَقِينًا فَأُضِيفَ المَوْصُوفُ إلى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ يُوسُفَ: ١٠٩] وكَمّا يُقالُ: مَسْجِدُ الجامِعِ وعامُ الأوَّلِ. والثّانِي: أنَّ اليَقِينَ هَهُنا هو المَوْتُ والبَعْثُ والقِيامَةُ، وقَدْ سُمِّيَ المَوْتُ يَقِينًا في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحِجْرِ: ٩٩ ] ولِأنَّهُما إذا وقَعا جاءَ اليَقِينُ وزالَ الشَّكُّ، فالمَعْنى لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ المَوْتِ وما يَلْقى الإنْسانُ مَعَهُ وبَعْدَهُ في القَبْرِ وفي الآخِرَةِ لَمْ يُلْهِكُمُ التَّكاثُرُ والتَّفاخُرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ: أنا أعْلَمُ عِلْمَ كَذا أيْ: أتَحَقَّقُهُ، وفُلانٌ يَعْلَمُ عِلْمَ الطِّبِّ وعِلْمَ الحِسابِ، لِأنَّ العُلُومَ أنْواعٌ، فَيَصْلُحُ لِذَلِكَ أنْ يُقالَ: عَلِمْتُ عِلْمَ كَذا. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ مِن أشَدِّ البَواعِثِ عَلى العَمَلِ، فَإذا كانَ وقْتُ العَمَلِ أمامَهُ كانَ وعْدًا وعِظَةً، وإنْ كانَ بَعْدَ وفاةِ وقْتِ العَمَلِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَسْرَةً ونَدامَةً، كَما ذُكِرَ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا دَخَلَ الظُّلُماتِ (وجَدَ خَرَزًا)، فالَّذِينَ كانُوا مَعَهُ أخَذُوا مِن تِلْكَ الخَرَزِ فَلَمّا خَرَجُوا مِنَ الظُّلُماتِ وجَدُوها جَواهِرَ، ثُمَّ الآخِذُونَ كانُوا في الغَمِّ أيْ لَمّا لَمْ يَأْخُذُوا أكْثَرَ مِمّا أخَذُوا، والَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا كانُوا أيْضًا في الغَمِّ، فَهَكَذا يَكُونُ أحْوالُ أهْلِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الآيَةِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُلَماءِ فَإنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لَوْ حَصَلَ اليَقِينُ بِما في التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ مِنَ الآفَةِ لَتَرَكُوا التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يَتْرُكِ التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ لا يَكُونُ اليَقِينُ حاصِلًا لَهُ فالوَيْلُ لِلْعالِمِ الَّذِي لا يَكُونُ عامِلًا ثُمَّ الوَيْلُ لَهُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في تَكْرارِ الرُّؤْيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ أيْضًا لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا يَكْرَهُونَ سَماعَ الوَعِيدِ فَكَرَّرَ لِذَلِكَ، ونُونُ التَّأْكِيدِ تَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ اضْطِرارِيَّةً، يَعْنِي لَوْ خُلِّيتُمْ ورَأْيَكم ما رَأيْتُمُوها لَكِنَّكم تُحْمَلُونَ عَلى رُؤْيَتِها شِئْتُمْ أمْ أبَيْتُمْ. وثانِيها: أنَّ أوَّلَهُما الرُّؤْيَةُ مِنَ البَعِيدِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] والرُّؤْيَةُ الثّانِيَةُ إذا صارُوا إلى شَفِيرِ النّارِ. وثالِثُها: أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُولى عِنْدَ الوُرُودِ والثّانِيَةَ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيها، وقِيلَ: هَذا التَّفْسِيرُ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ والسُّؤالُ يَكُونُ قَبْلَ الدُّخُولِ. ورابِعُها: الرُّؤْيَةُ الأُولى الوَعْدُ والثّانِيَةُ المُشاهَدَةُ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ الرُّؤْيَةِ مَرَّتَيْنِ عِبارَةً عَنْ تَتابُعِ الرُّؤْيَةِ واتِّصالِها لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في الجَحِيمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ: لَئِنْ كُنْتُمُ اليَوْمَ شاكِّينَ فِيها غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِها فَسَتَرَوْنَها رُؤْيَةً دائِمَةً مُتَّصِلَةً فَتَزُولُ عَنْكُمُ الشُّكُوكُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٣، ٤] بِمَعْنى لَوْ أعَدْتَ النَّظَرَ فِيها ما شِئْتَ لَمْ تَجِدْ فُطُورًا ولَمْ يُرِدْ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، فَكَذا هَهُنا، إنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَخْصِيصِ الرُّؤْيَةِ الثّانِيَةِ بِاليَقِينِ ؟ قُلْنا: لِأنَّهم في المَرَّةِ الأُولى رَأوْا لَهَبًا لا غَيْرُ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ رَأوْا نَفْسَ الحُفْرَةِ وكَيْفِيَّةَ السُّقُوطِ فِيها وما فِيها مِنَ الحَيَواناتِ المُؤْذِيَةِ، ولا شَكَّ صفحة ٧٧ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ أجْلى، والحِكْمَةُ في النَّقْلِ مِنَ العِلْمِ الأخْفى إلى الأجْلى التَّفْرِيعُ عَلى تَرْكِ النَّظَرِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلى الظَّنِّ ولا يَطْلُبُونَ الزِّيادَةَ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها مِن رَأيْتُهُ الشَّيْءَ، والمَعْنى أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْها فَيَرَوْنَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُرْوى عَنِ ابْنِ عامِرٍ والكِسائِيِّ كَأنَّهُما أرادا لَتُرَوُنَّها فَتَرَوْنَها، ولِذَلِكَ قَرَأ الثّانِيَةَ: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّها) بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الثّانِيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم إذا أُرُوها رَأوْها، وفي قِراءَةِ العامَّةِ؛ الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِسائِرِ الفَوائِدِ الَّتِي عَدَدْناها، واعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ العامَّةِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: قِراءَةُ العامَّةِ أشْبَهُ بِكَلامِ العَرَبِ لِأنَّهُ تَغْلِيظٌ، فَلا يَنْبَغِي أنَّ الجَحِيمَ لَفْظُهُ. الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى في: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ لَتَرَوُنَّ عَذابَ الجَحِيمِ، ألا تَرى أنَّ الجَحِيمَ يَراها المُؤْمِنُونَ أيْضًا بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الوَعِيدُ في رُؤْيَةِ عَذابِها لا في رُؤْيَةِ نَفْسِها، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَتَرَوُنَّ أرْجَحُ مَن لَتُرَوُنَّ.

التكاثر 102:5

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَهو يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ وبِما بَعْدَهُ، أمّا الأوَّلُ صفحة ٧٥ فَعَلى وجْهِ الرَّدِّ والتَّكْذِيبِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَتَوَهَّمُهُ هَؤُلاءِ مِن أنَّ السَّعادَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ والأوْلادِ، وأمّا اتِّصالُهُ بِما بَعْدَهُ، فَعَلى مَعْنى القَسَمِ أيْ حَقًّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ لَكِنْ حِينَ يَصِيرُ الفاسِقُ تائِبًا، والكافِرُ مُسْلِمًا، والحَرِيصُ زاهِدًا، ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: لا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ مَن تَرى حَوْلَكَ فَإنَّكَ تَمُوتُ وحْدَكَ، وتُحاسَبُ وحْدَكَ، وتَقْرِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ [عبس: ٣٤]، ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] إلى أنْ قالَ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٤] وهَذا يَمْنَعُكَ عَنِ التَّكاثُرِ، وذَكَرُوا في التَّكْرِيرِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ، ثُمَّ أقُولُ لَكَ: لا تَفْعَلْ. وثانِيها: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ المَوْتِ حَيْثُ يُقالُ لَهُ: لا بُشْرى، والثّانِي في سُؤالِ القَبْرِ: مَن رَبُّكَ ؟ والثّالِثُ عِنْدَ النُّشُورِ حِينَ يُنادِي المُنادِي، فُلانٌ شَقِيٌّ شَقاوَةً لا سَعادَةَ بَعْدَها أبَدًا وحِينَ يُقالُ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ [يس: ٥٩] وثالِثُها: عَنِ الضَّحّاكِ سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّها الكُفّارُ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ، وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فالأوَّلُ وعِيدٌ والثّانِي وعْدٌ. ورابِعُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ قُبْحَ الظُّلْمِ والكَذِبِ وحُسْنَ العَدْلِ والصِّدْقِ، لَكِنْ لا يَعْرِفُ قَدْرَ آثارِها ونَتائِجِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَمُ العِلْمَ المُفَصَّلَ لَكِنَّ التَّفْصِيلَ يَحْتَمِلُ الزّائِدَ، فَمَهْما حَصَلَتْ زِيادَةُ لَذَّةٍ، ازْدادَ عِلْمًا، وكَذا في جانِبِ العُقُوبَةِ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلى الأحْوالِ، فَعِنْدَ المُعايَنَةِ يَزْدادُ، ثُمَّ عِنْدَ البَعْثِ، ثُمَّ عِنْدَ الحِسابِ، ثُمَّ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَّكْرِيرُ. وخامِسُها: أنَّ إحْدى الحالَتَيْنِ عَذابُ القَبْرِ والأُخْرى عَذابُ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أشُكُّ في عَذابِ القَبْرِ، حَتّى سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، وإنَّما قالَ: ﴿ثُمَّ﴾ لِأنَّ بَيْنَ العالَمَيْنِ والحَياتَيْنِ مَوْتًا. ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ جَوابَ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابَ ”لَوْ“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما كانَ جَوابَ ”لَوْ“ فَنَفْيُهُ إثْباتٌ، وإثْباتُهُ نَفْيٌ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابًا لِـ ”لَوْ“ لَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ واقِعَةٌ قَطْعًا، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَتُها بِالقَلْبِ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ غَيْرُ واقِعَةٍ قُلْنا: تَرْكُ الظّاهِرِ خِلافُ الأصْلِ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ سَيَقَعُ قَطْعًا، فَعَطْفُهُ عَلى ما لا يُوجَدُ ولا يَقَعُ قَبِيحٌ في النَّظْمِ، واعْلَمْ أنَّ تَرْكَ الجَوابِ في مِثْلِ هَذا المَكانِ أحْسَنُ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَوْ فَعَلْتَ هَذا أيْ لَكانَ كَذا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٩ ] ولَمْ يَجِئْ لَهُ جَوابٌ وقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٣٠] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في جَوابِ ”لَوْ“ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ“ ما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ. وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَوْ عَلِمْتُمْ ماذا يَجِبُ عَلَيْكم لَتَمَسَّكْتُمْ بِهِ أوْ لَوْ عَلِمْتُمْ لِأيِّ أمْرٍ خُلِقْتُمْ لاشْتَغَلْتُمْ بِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ حَذَفَ الجَوابَ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ فَيَكُونُ التَّهْوِيلُ أعْظَمَ، وكَأنَّهُ قالَ: ”لَوْ عَلِمْتُمْ عِلْمَ اليَقِينِ لَفَعَلْتُمْ ما لا يُوصَفُ ولا يُكْتَنَهُ، ولَكِنَّكم ضُلّالٌ وجَهَلَةٌ“، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فاللّامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ لِتَوْكِيدِ الوَعِيدِ، وأنَّ ما أُوعَدا بِهِ مِمّا لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلرَّيْبِ وكَرَّرَهُ مَعْطُوفًا بِـ ”ثُمَّ“ تَغْلِيظًا لِلتَّهْدِيدِ وزِيادَةً في التَّهْوِيلِ. صفحة ٧٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ لَفْظَ ”كَلّا“ وهو لِلزَّجْرِ، وإنَّما حَسُنَتِ الإعادَةُ: لِأنَّهُ عَقَّبَهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بِغَيْرِ ما عَقَّبَ بِهِ المَوْضِعَ الآخَرَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا تَفْعَلُوا هَذا فَإنَّكم تَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ العَذابِ كَذا لا تَفْعَلُوا هَذا فَإنَّكم تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ ضَرَرًا آخَرَ، وهَذا التَّكْرِيرُ لَيْسَ بِالمَكْرُوهِ بَلْ هو مَرْضِيٌّ عِنْدَهم، وكانَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْعَلُ مَعْنى ﴿كَلّا﴾ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى ”حَقًّا“ كَأنَّهُ قِيلَ حَقًّا: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ عِلْمًا يَقِينًا فَأُضِيفَ المَوْصُوفُ إلى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ يُوسُفَ: ١٠٩] وكَمّا يُقالُ: مَسْجِدُ الجامِعِ وعامُ الأوَّلِ. والثّانِي: أنَّ اليَقِينَ هَهُنا هو المَوْتُ والبَعْثُ والقِيامَةُ، وقَدْ سُمِّيَ المَوْتُ يَقِينًا في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحِجْرِ: ٩٩ ] ولِأنَّهُما إذا وقَعا جاءَ اليَقِينُ وزالَ الشَّكُّ، فالمَعْنى لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ المَوْتِ وما يَلْقى الإنْسانُ مَعَهُ وبَعْدَهُ في القَبْرِ وفي الآخِرَةِ لَمْ يُلْهِكُمُ التَّكاثُرُ والتَّفاخُرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ: أنا أعْلَمُ عِلْمَ كَذا أيْ: أتَحَقَّقُهُ، وفُلانٌ يَعْلَمُ عِلْمَ الطِّبِّ وعِلْمَ الحِسابِ، لِأنَّ العُلُومَ أنْواعٌ، فَيَصْلُحُ لِذَلِكَ أنْ يُقالَ: عَلِمْتُ عِلْمَ كَذا. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ مِن أشَدِّ البَواعِثِ عَلى العَمَلِ، فَإذا كانَ وقْتُ العَمَلِ أمامَهُ كانَ وعْدًا وعِظَةً، وإنْ كانَ بَعْدَ وفاةِ وقْتِ العَمَلِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَسْرَةً ونَدامَةً، كَما ذُكِرَ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا دَخَلَ الظُّلُماتِ (وجَدَ خَرَزًا)، فالَّذِينَ كانُوا مَعَهُ أخَذُوا مِن تِلْكَ الخَرَزِ فَلَمّا خَرَجُوا مِنَ الظُّلُماتِ وجَدُوها جَواهِرَ، ثُمَّ الآخِذُونَ كانُوا في الغَمِّ أيْ لَمّا لَمْ يَأْخُذُوا أكْثَرَ مِمّا أخَذُوا، والَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا كانُوا أيْضًا في الغَمِّ، فَهَكَذا يَكُونُ أحْوالُ أهْلِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الآيَةِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُلَماءِ فَإنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لَوْ حَصَلَ اليَقِينُ بِما في التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ مِنَ الآفَةِ لَتَرَكُوا التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يَتْرُكِ التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ لا يَكُونُ اليَقِينُ حاصِلًا لَهُ فالوَيْلُ لِلْعالِمِ الَّذِي لا يَكُونُ عامِلًا ثُمَّ الوَيْلُ لَهُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في تَكْرارِ الرُّؤْيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ أيْضًا لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا يَكْرَهُونَ سَماعَ الوَعِيدِ فَكَرَّرَ لِذَلِكَ، ونُونُ التَّأْكِيدِ تَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ اضْطِرارِيَّةً، يَعْنِي لَوْ خُلِّيتُمْ ورَأْيَكم ما رَأيْتُمُوها لَكِنَّكم تُحْمَلُونَ عَلى رُؤْيَتِها شِئْتُمْ أمْ أبَيْتُمْ. وثانِيها: أنَّ أوَّلَهُما الرُّؤْيَةُ مِنَ البَعِيدِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] والرُّؤْيَةُ الثّانِيَةُ إذا صارُوا إلى شَفِيرِ النّارِ. وثالِثُها: أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُولى عِنْدَ الوُرُودِ والثّانِيَةَ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيها، وقِيلَ: هَذا التَّفْسِيرُ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ والسُّؤالُ يَكُونُ قَبْلَ الدُّخُولِ. ورابِعُها: الرُّؤْيَةُ الأُولى الوَعْدُ والثّانِيَةُ المُشاهَدَةُ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ الرُّؤْيَةِ مَرَّتَيْنِ عِبارَةً عَنْ تَتابُعِ الرُّؤْيَةِ واتِّصالِها لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في الجَحِيمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ: لَئِنْ كُنْتُمُ اليَوْمَ شاكِّينَ فِيها غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِها فَسَتَرَوْنَها رُؤْيَةً دائِمَةً مُتَّصِلَةً فَتَزُولُ عَنْكُمُ الشُّكُوكُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٣، ٤] بِمَعْنى لَوْ أعَدْتَ النَّظَرَ فِيها ما شِئْتَ لَمْ تَجِدْ فُطُورًا ولَمْ يُرِدْ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، فَكَذا هَهُنا، إنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَخْصِيصِ الرُّؤْيَةِ الثّانِيَةِ بِاليَقِينِ ؟ قُلْنا: لِأنَّهم في المَرَّةِ الأُولى رَأوْا لَهَبًا لا غَيْرُ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ رَأوْا نَفْسَ الحُفْرَةِ وكَيْفِيَّةَ السُّقُوطِ فِيها وما فِيها مِنَ الحَيَواناتِ المُؤْذِيَةِ، ولا شَكَّ صفحة ٧٧ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ أجْلى، والحِكْمَةُ في النَّقْلِ مِنَ العِلْمِ الأخْفى إلى الأجْلى التَّفْرِيعُ عَلى تَرْكِ النَّظَرِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلى الظَّنِّ ولا يَطْلُبُونَ الزِّيادَةَ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها مِن رَأيْتُهُ الشَّيْءَ، والمَعْنى أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْها فَيَرَوْنَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُرْوى عَنِ ابْنِ عامِرٍ والكِسائِيِّ كَأنَّهُما أرادا لَتُرَوُنَّها فَتَرَوْنَها، ولِذَلِكَ قَرَأ الثّانِيَةَ: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّها) بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الثّانِيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم إذا أُرُوها رَأوْها، وفي قِراءَةِ العامَّةِ؛ الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِسائِرِ الفَوائِدِ الَّتِي عَدَدْناها، واعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ العامَّةِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: قِراءَةُ العامَّةِ أشْبَهُ بِكَلامِ العَرَبِ لِأنَّهُ تَغْلِيظٌ، فَلا يَنْبَغِي أنَّ الجَحِيمَ لَفْظُهُ. الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى في: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ لَتَرَوُنَّ عَذابَ الجَحِيمِ، ألا تَرى أنَّ الجَحِيمَ يَراها المُؤْمِنُونَ أيْضًا بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الوَعِيدُ في رُؤْيَةِ عَذابِها لا في رُؤْيَةِ نَفْسِها، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَتَرَوُنَّ أرْجَحُ مَن لَتُرَوُنَّ.

التكاثر 102:6

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَهو يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ وبِما بَعْدَهُ، أمّا الأوَّلُ صفحة ٧٥ فَعَلى وجْهِ الرَّدِّ والتَّكْذِيبِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَتَوَهَّمُهُ هَؤُلاءِ مِن أنَّ السَّعادَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ والأوْلادِ، وأمّا اتِّصالُهُ بِما بَعْدَهُ، فَعَلى مَعْنى القَسَمِ أيْ حَقًّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ لَكِنْ حِينَ يَصِيرُ الفاسِقُ تائِبًا، والكافِرُ مُسْلِمًا، والحَرِيصُ زاهِدًا، ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: لا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ مَن تَرى حَوْلَكَ فَإنَّكَ تَمُوتُ وحْدَكَ، وتُحاسَبُ وحْدَكَ، وتَقْرِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ [عبس: ٣٤]، ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] إلى أنْ قالَ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٤] وهَذا يَمْنَعُكَ عَنِ التَّكاثُرِ، وذَكَرُوا في التَّكْرِيرِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ، ثُمَّ أقُولُ لَكَ: لا تَفْعَلْ. وثانِيها: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ المَوْتِ حَيْثُ يُقالُ لَهُ: لا بُشْرى، والثّانِي في سُؤالِ القَبْرِ: مَن رَبُّكَ ؟ والثّالِثُ عِنْدَ النُّشُورِ حِينَ يُنادِي المُنادِي، فُلانٌ شَقِيٌّ شَقاوَةً لا سَعادَةَ بَعْدَها أبَدًا وحِينَ يُقالُ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ [يس: ٥٩] وثالِثُها: عَنِ الضَّحّاكِ سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّها الكُفّارُ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ، وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فالأوَّلُ وعِيدٌ والثّانِي وعْدٌ. ورابِعُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ قُبْحَ الظُّلْمِ والكَذِبِ وحُسْنَ العَدْلِ والصِّدْقِ، لَكِنْ لا يَعْرِفُ قَدْرَ آثارِها ونَتائِجِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَمُ العِلْمَ المُفَصَّلَ لَكِنَّ التَّفْصِيلَ يَحْتَمِلُ الزّائِدَ، فَمَهْما حَصَلَتْ زِيادَةُ لَذَّةٍ، ازْدادَ عِلْمًا، وكَذا في جانِبِ العُقُوبَةِ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلى الأحْوالِ، فَعِنْدَ المُعايَنَةِ يَزْدادُ، ثُمَّ عِنْدَ البَعْثِ، ثُمَّ عِنْدَ الحِسابِ، ثُمَّ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَّكْرِيرُ. وخامِسُها: أنَّ إحْدى الحالَتَيْنِ عَذابُ القَبْرِ والأُخْرى عَذابُ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أشُكُّ في عَذابِ القَبْرِ، حَتّى سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، وإنَّما قالَ: ﴿ثُمَّ﴾ لِأنَّ بَيْنَ العالَمَيْنِ والحَياتَيْنِ مَوْتًا. ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ جَوابَ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابَ ”لَوْ“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما كانَ جَوابَ ”لَوْ“ فَنَفْيُهُ إثْباتٌ، وإثْباتُهُ نَفْيٌ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابًا لِـ ”لَوْ“ لَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ واقِعَةٌ قَطْعًا، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَتُها بِالقَلْبِ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ غَيْرُ واقِعَةٍ قُلْنا: تَرْكُ الظّاهِرِ خِلافُ الأصْلِ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ سَيَقَعُ قَطْعًا، فَعَطْفُهُ عَلى ما لا يُوجَدُ ولا يَقَعُ قَبِيحٌ في النَّظْمِ، واعْلَمْ أنَّ تَرْكَ الجَوابِ في مِثْلِ هَذا المَكانِ أحْسَنُ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَوْ فَعَلْتَ هَذا أيْ لَكانَ كَذا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٩ ] ولَمْ يَجِئْ لَهُ جَوابٌ وقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٣٠] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في جَوابِ ”لَوْ“ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ“ ما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ. وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَوْ عَلِمْتُمْ ماذا يَجِبُ عَلَيْكم لَتَمَسَّكْتُمْ بِهِ أوْ لَوْ عَلِمْتُمْ لِأيِّ أمْرٍ خُلِقْتُمْ لاشْتَغَلْتُمْ بِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ حَذَفَ الجَوابَ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ فَيَكُونُ التَّهْوِيلُ أعْظَمَ، وكَأنَّهُ قالَ: ”لَوْ عَلِمْتُمْ عِلْمَ اليَقِينِ لَفَعَلْتُمْ ما لا يُوصَفُ ولا يُكْتَنَهُ، ولَكِنَّكم ضُلّالٌ وجَهَلَةٌ“، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فاللّامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ لِتَوْكِيدِ الوَعِيدِ، وأنَّ ما أُوعَدا بِهِ مِمّا لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلرَّيْبِ وكَرَّرَهُ مَعْطُوفًا بِـ ”ثُمَّ“ تَغْلِيظًا لِلتَّهْدِيدِ وزِيادَةً في التَّهْوِيلِ. صفحة ٧٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ لَفْظَ ”كَلّا“ وهو لِلزَّجْرِ، وإنَّما حَسُنَتِ الإعادَةُ: لِأنَّهُ عَقَّبَهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بِغَيْرِ ما عَقَّبَ بِهِ المَوْضِعَ الآخَرَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا تَفْعَلُوا هَذا فَإنَّكم تَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ العَذابِ كَذا لا تَفْعَلُوا هَذا فَإنَّكم تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ ضَرَرًا آخَرَ، وهَذا التَّكْرِيرُ لَيْسَ بِالمَكْرُوهِ بَلْ هو مَرْضِيٌّ عِنْدَهم، وكانَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْعَلُ مَعْنى ﴿كَلّا﴾ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى ”حَقًّا“ كَأنَّهُ قِيلَ حَقًّا: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ عِلْمًا يَقِينًا فَأُضِيفَ المَوْصُوفُ إلى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ يُوسُفَ: ١٠٩] وكَمّا يُقالُ: مَسْجِدُ الجامِعِ وعامُ الأوَّلِ. والثّانِي: أنَّ اليَقِينَ هَهُنا هو المَوْتُ والبَعْثُ والقِيامَةُ، وقَدْ سُمِّيَ المَوْتُ يَقِينًا في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحِجْرِ: ٩٩ ] ولِأنَّهُما إذا وقَعا جاءَ اليَقِينُ وزالَ الشَّكُّ، فالمَعْنى لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ المَوْتِ وما يَلْقى الإنْسانُ مَعَهُ وبَعْدَهُ في القَبْرِ وفي الآخِرَةِ لَمْ يُلْهِكُمُ التَّكاثُرُ والتَّفاخُرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ: أنا أعْلَمُ عِلْمَ كَذا أيْ: أتَحَقَّقُهُ، وفُلانٌ يَعْلَمُ عِلْمَ الطِّبِّ وعِلْمَ الحِسابِ، لِأنَّ العُلُومَ أنْواعٌ، فَيَصْلُحُ لِذَلِكَ أنْ يُقالَ: عَلِمْتُ عِلْمَ كَذا. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ مِن أشَدِّ البَواعِثِ عَلى العَمَلِ، فَإذا كانَ وقْتُ العَمَلِ أمامَهُ كانَ وعْدًا وعِظَةً، وإنْ كانَ بَعْدَ وفاةِ وقْتِ العَمَلِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَسْرَةً ونَدامَةً، كَما ذُكِرَ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا دَخَلَ الظُّلُماتِ (وجَدَ خَرَزًا)، فالَّذِينَ كانُوا مَعَهُ أخَذُوا مِن تِلْكَ الخَرَزِ فَلَمّا خَرَجُوا مِنَ الظُّلُماتِ وجَدُوها جَواهِرَ، ثُمَّ الآخِذُونَ كانُوا في الغَمِّ أيْ لَمّا لَمْ يَأْخُذُوا أكْثَرَ مِمّا أخَذُوا، والَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا كانُوا أيْضًا في الغَمِّ، فَهَكَذا يَكُونُ أحْوالُ أهْلِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الآيَةِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُلَماءِ فَإنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لَوْ حَصَلَ اليَقِينُ بِما في التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ مِنَ الآفَةِ لَتَرَكُوا التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يَتْرُكِ التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ لا يَكُونُ اليَقِينُ حاصِلًا لَهُ فالوَيْلُ لِلْعالِمِ الَّذِي لا يَكُونُ عامِلًا ثُمَّ الوَيْلُ لَهُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في تَكْرارِ الرُّؤْيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ أيْضًا لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا يَكْرَهُونَ سَماعَ الوَعِيدِ فَكَرَّرَ لِذَلِكَ، ونُونُ التَّأْكِيدِ تَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ اضْطِرارِيَّةً، يَعْنِي لَوْ خُلِّيتُمْ ورَأْيَكم ما رَأيْتُمُوها لَكِنَّكم تُحْمَلُونَ عَلى رُؤْيَتِها شِئْتُمْ أمْ أبَيْتُمْ. وثانِيها: أنَّ أوَّلَهُما الرُّؤْيَةُ مِنَ البَعِيدِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] والرُّؤْيَةُ الثّانِيَةُ إذا صارُوا إلى شَفِيرِ النّارِ. وثالِثُها: أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُولى عِنْدَ الوُرُودِ والثّانِيَةَ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيها، وقِيلَ: هَذا التَّفْسِيرُ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ والسُّؤالُ يَكُونُ قَبْلَ الدُّخُولِ. ورابِعُها: الرُّؤْيَةُ الأُولى الوَعْدُ والثّانِيَةُ المُشاهَدَةُ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ الرُّؤْيَةِ مَرَّتَيْنِ عِبارَةً عَنْ تَتابُعِ الرُّؤْيَةِ واتِّصالِها لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في الجَحِيمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ: لَئِنْ كُنْتُمُ اليَوْمَ شاكِّينَ فِيها غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِها فَسَتَرَوْنَها رُؤْيَةً دائِمَةً مُتَّصِلَةً فَتَزُولُ عَنْكُمُ الشُّكُوكُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٣، ٤] بِمَعْنى لَوْ أعَدْتَ النَّظَرَ فِيها ما شِئْتَ لَمْ تَجِدْ فُطُورًا ولَمْ يُرِدْ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، فَكَذا هَهُنا، إنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَخْصِيصِ الرُّؤْيَةِ الثّانِيَةِ بِاليَقِينِ ؟ قُلْنا: لِأنَّهم في المَرَّةِ الأُولى رَأوْا لَهَبًا لا غَيْرُ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ رَأوْا نَفْسَ الحُفْرَةِ وكَيْفِيَّةَ السُّقُوطِ فِيها وما فِيها مِنَ الحَيَواناتِ المُؤْذِيَةِ، ولا شَكَّ صفحة ٧٧ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ أجْلى، والحِكْمَةُ في النَّقْلِ مِنَ العِلْمِ الأخْفى إلى الأجْلى التَّفْرِيعُ عَلى تَرْكِ النَّظَرِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلى الظَّنِّ ولا يَطْلُبُونَ الزِّيادَةَ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها مِن رَأيْتُهُ الشَّيْءَ، والمَعْنى أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْها فَيَرَوْنَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُرْوى عَنِ ابْنِ عامِرٍ والكِسائِيِّ كَأنَّهُما أرادا لَتُرَوُنَّها فَتَرَوْنَها، ولِذَلِكَ قَرَأ الثّانِيَةَ: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّها) بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الثّانِيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم إذا أُرُوها رَأوْها، وفي قِراءَةِ العامَّةِ؛ الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِسائِرِ الفَوائِدِ الَّتِي عَدَدْناها، واعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ العامَّةِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: قِراءَةُ العامَّةِ أشْبَهُ بِكَلامِ العَرَبِ لِأنَّهُ تَغْلِيظٌ، فَلا يَنْبَغِي أنَّ الجَحِيمَ لَفْظُهُ. الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى في: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ لَتَرَوُنَّ عَذابَ الجَحِيمِ، ألا تَرى أنَّ الجَحِيمَ يَراها المُؤْمِنُونَ أيْضًا بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الوَعِيدُ في رُؤْيَةِ عَذابِها لا في رُؤْيَةِ نَفْسِها، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَتَرَوُنَّ أرْجَحُ مَن لَتُرَوُنَّ.

التكاثر 102:7

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَهو يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ وبِما بَعْدَهُ، أمّا الأوَّلُ صفحة ٧٥ فَعَلى وجْهِ الرَّدِّ والتَّكْذِيبِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَتَوَهَّمُهُ هَؤُلاءِ مِن أنَّ السَّعادَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ والأوْلادِ، وأمّا اتِّصالُهُ بِما بَعْدَهُ، فَعَلى مَعْنى القَسَمِ أيْ حَقًّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ لَكِنْ حِينَ يَصِيرُ الفاسِقُ تائِبًا، والكافِرُ مُسْلِمًا، والحَرِيصُ زاهِدًا، ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: لا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ مَن تَرى حَوْلَكَ فَإنَّكَ تَمُوتُ وحْدَكَ، وتُحاسَبُ وحْدَكَ، وتَقْرِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ [عبس: ٣٤]، ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] إلى أنْ قالَ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٤] وهَذا يَمْنَعُكَ عَنِ التَّكاثُرِ، وذَكَرُوا في التَّكْرِيرِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ، ثُمَّ أقُولُ لَكَ: لا تَفْعَلْ. وثانِيها: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ المَوْتِ حَيْثُ يُقالُ لَهُ: لا بُشْرى، والثّانِي في سُؤالِ القَبْرِ: مَن رَبُّكَ ؟ والثّالِثُ عِنْدَ النُّشُورِ حِينَ يُنادِي المُنادِي، فُلانٌ شَقِيٌّ شَقاوَةً لا سَعادَةَ بَعْدَها أبَدًا وحِينَ يُقالُ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ [يس: ٥٩] وثالِثُها: عَنِ الضَّحّاكِ سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّها الكُفّارُ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ، وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فالأوَّلُ وعِيدٌ والثّانِي وعْدٌ. ورابِعُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ قُبْحَ الظُّلْمِ والكَذِبِ وحُسْنَ العَدْلِ والصِّدْقِ، لَكِنْ لا يَعْرِفُ قَدْرَ آثارِها ونَتائِجِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَمُ العِلْمَ المُفَصَّلَ لَكِنَّ التَّفْصِيلَ يَحْتَمِلُ الزّائِدَ، فَمَهْما حَصَلَتْ زِيادَةُ لَذَّةٍ، ازْدادَ عِلْمًا، وكَذا في جانِبِ العُقُوبَةِ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلى الأحْوالِ، فَعِنْدَ المُعايَنَةِ يَزْدادُ، ثُمَّ عِنْدَ البَعْثِ، ثُمَّ عِنْدَ الحِسابِ، ثُمَّ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَّكْرِيرُ. وخامِسُها: أنَّ إحْدى الحالَتَيْنِ عَذابُ القَبْرِ والأُخْرى عَذابُ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أشُكُّ في عَذابِ القَبْرِ، حَتّى سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، وإنَّما قالَ: ﴿ثُمَّ﴾ لِأنَّ بَيْنَ العالَمَيْنِ والحَياتَيْنِ مَوْتًا. ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ جَوابَ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابَ ”لَوْ“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما كانَ جَوابَ ”لَوْ“ فَنَفْيُهُ إثْباتٌ، وإثْباتُهُ نَفْيٌ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابًا لِـ ”لَوْ“ لَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ واقِعَةٌ قَطْعًا، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَتُها بِالقَلْبِ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ غَيْرُ واقِعَةٍ قُلْنا: تَرْكُ الظّاهِرِ خِلافُ الأصْلِ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ سَيَقَعُ قَطْعًا، فَعَطْفُهُ عَلى ما لا يُوجَدُ ولا يَقَعُ قَبِيحٌ في النَّظْمِ، واعْلَمْ أنَّ تَرْكَ الجَوابِ في مِثْلِ هَذا المَكانِ أحْسَنُ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَوْ فَعَلْتَ هَذا أيْ لَكانَ كَذا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٩ ] ولَمْ يَجِئْ لَهُ جَوابٌ وقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٣٠] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في جَوابِ ”لَوْ“ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ“ ما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ. وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَوْ عَلِمْتُمْ ماذا يَجِبُ عَلَيْكم لَتَمَسَّكْتُمْ بِهِ أوْ لَوْ عَلِمْتُمْ لِأيِّ أمْرٍ خُلِقْتُمْ لاشْتَغَلْتُمْ بِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ حَذَفَ الجَوابَ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ فَيَكُونُ التَّهْوِيلُ أعْظَمَ، وكَأنَّهُ قالَ: ”لَوْ عَلِمْتُمْ عِلْمَ اليَقِينِ لَفَعَلْتُمْ ما لا يُوصَفُ ولا يُكْتَنَهُ، ولَكِنَّكم ضُلّالٌ وجَهَلَةٌ“، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فاللّامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ لِتَوْكِيدِ الوَعِيدِ، وأنَّ ما أُوعَدا بِهِ مِمّا لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلرَّيْبِ وكَرَّرَهُ مَعْطُوفًا بِـ ”ثُمَّ“ تَغْلِيظًا لِلتَّهْدِيدِ وزِيادَةً في التَّهْوِيلِ. صفحة ٧٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ لَفْظَ ”كَلّا“ وهو لِلزَّجْرِ، وإنَّما حَسُنَتِ الإعادَةُ: لِأنَّهُ عَقَّبَهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بِغَيْرِ ما عَقَّبَ بِهِ المَوْضِعَ الآخَرَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا تَفْعَلُوا هَذا فَإنَّكم تَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ العَذابِ كَذا لا تَفْعَلُوا هَذا فَإنَّكم تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ ضَرَرًا آخَرَ، وهَذا التَّكْرِيرُ لَيْسَ بِالمَكْرُوهِ بَلْ هو مَرْضِيٌّ عِنْدَهم، وكانَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْعَلُ مَعْنى ﴿كَلّا﴾ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى ”حَقًّا“ كَأنَّهُ قِيلَ حَقًّا: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ عِلْمًا يَقِينًا فَأُضِيفَ المَوْصُوفُ إلى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ يُوسُفَ: ١٠٩] وكَمّا يُقالُ: مَسْجِدُ الجامِعِ وعامُ الأوَّلِ. والثّانِي: أنَّ اليَقِينَ هَهُنا هو المَوْتُ والبَعْثُ والقِيامَةُ، وقَدْ سُمِّيَ المَوْتُ يَقِينًا في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحِجْرِ: ٩٩ ] ولِأنَّهُما إذا وقَعا جاءَ اليَقِينُ وزالَ الشَّكُّ، فالمَعْنى لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ المَوْتِ وما يَلْقى الإنْسانُ مَعَهُ وبَعْدَهُ في القَبْرِ وفي الآخِرَةِ لَمْ يُلْهِكُمُ التَّكاثُرُ والتَّفاخُرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ: أنا أعْلَمُ عِلْمَ كَذا أيْ: أتَحَقَّقُهُ، وفُلانٌ يَعْلَمُ عِلْمَ الطِّبِّ وعِلْمَ الحِسابِ، لِأنَّ العُلُومَ أنْواعٌ، فَيَصْلُحُ لِذَلِكَ أنْ يُقالَ: عَلِمْتُ عِلْمَ كَذا. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ مِن أشَدِّ البَواعِثِ عَلى العَمَلِ، فَإذا كانَ وقْتُ العَمَلِ أمامَهُ كانَ وعْدًا وعِظَةً، وإنْ كانَ بَعْدَ وفاةِ وقْتِ العَمَلِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَسْرَةً ونَدامَةً، كَما ذُكِرَ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا دَخَلَ الظُّلُماتِ (وجَدَ خَرَزًا)، فالَّذِينَ كانُوا مَعَهُ أخَذُوا مِن تِلْكَ الخَرَزِ فَلَمّا خَرَجُوا مِنَ الظُّلُماتِ وجَدُوها جَواهِرَ، ثُمَّ الآخِذُونَ كانُوا في الغَمِّ أيْ لَمّا لَمْ يَأْخُذُوا أكْثَرَ مِمّا أخَذُوا، والَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا كانُوا أيْضًا في الغَمِّ، فَهَكَذا يَكُونُ أحْوالُ أهْلِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الآيَةِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُلَماءِ فَإنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لَوْ حَصَلَ اليَقِينُ بِما في التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ مِنَ الآفَةِ لَتَرَكُوا التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يَتْرُكِ التَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ لا يَكُونُ اليَقِينُ حاصِلًا لَهُ فالوَيْلُ لِلْعالِمِ الَّذِي لا يَكُونُ عامِلًا ثُمَّ الوَيْلُ لَهُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في تَكْرارِ الرُّؤْيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ أيْضًا لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا يَكْرَهُونَ سَماعَ الوَعِيدِ فَكَرَّرَ لِذَلِكَ، ونُونُ التَّأْكِيدِ تَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ اضْطِرارِيَّةً، يَعْنِي لَوْ خُلِّيتُمْ ورَأْيَكم ما رَأيْتُمُوها لَكِنَّكم تُحْمَلُونَ عَلى رُؤْيَتِها شِئْتُمْ أمْ أبَيْتُمْ. وثانِيها: أنَّ أوَّلَهُما الرُّؤْيَةُ مِنَ البَعِيدِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] والرُّؤْيَةُ الثّانِيَةُ إذا صارُوا إلى شَفِيرِ النّارِ. وثالِثُها: أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُولى عِنْدَ الوُرُودِ والثّانِيَةَ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيها، وقِيلَ: هَذا التَّفْسِيرُ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ والسُّؤالُ يَكُونُ قَبْلَ الدُّخُولِ. ورابِعُها: الرُّؤْيَةُ الأُولى الوَعْدُ والثّانِيَةُ المُشاهَدَةُ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ الرُّؤْيَةِ مَرَّتَيْنِ عِبارَةً عَنْ تَتابُعِ الرُّؤْيَةِ واتِّصالِها لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في الجَحِيمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ: لَئِنْ كُنْتُمُ اليَوْمَ شاكِّينَ فِيها غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِها فَسَتَرَوْنَها رُؤْيَةً دائِمَةً مُتَّصِلَةً فَتَزُولُ عَنْكُمُ الشُّكُوكُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٣، ٤] بِمَعْنى لَوْ أعَدْتَ النَّظَرَ فِيها ما شِئْتَ لَمْ تَجِدْ فُطُورًا ولَمْ يُرِدْ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، فَكَذا هَهُنا، إنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَخْصِيصِ الرُّؤْيَةِ الثّانِيَةِ بِاليَقِينِ ؟ قُلْنا: لِأنَّهم في المَرَّةِ الأُولى رَأوْا لَهَبًا لا غَيْرُ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ رَأوْا نَفْسَ الحُفْرَةِ وكَيْفِيَّةَ السُّقُوطِ فِيها وما فِيها مِنَ الحَيَواناتِ المُؤْذِيَةِ، ولا شَكَّ صفحة ٧٧ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ أجْلى، والحِكْمَةُ في النَّقْلِ مِنَ العِلْمِ الأخْفى إلى الأجْلى التَّفْرِيعُ عَلى تَرْكِ النَّظَرِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلى الظَّنِّ ولا يَطْلُبُونَ الزِّيادَةَ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها مِن رَأيْتُهُ الشَّيْءَ، والمَعْنى أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْها فَيَرَوْنَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُرْوى عَنِ ابْنِ عامِرٍ والكِسائِيِّ كَأنَّهُما أرادا لَتُرَوُنَّها فَتَرَوْنَها، ولِذَلِكَ قَرَأ الثّانِيَةَ: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّها) بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الثّانِيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم إذا أُرُوها رَأوْها، وفي قِراءَةِ العامَّةِ؛ الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِسائِرِ الفَوائِدِ الَّتِي عَدَدْناها، واعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ العامَّةِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: قِراءَةُ العامَّةِ أشْبَهُ بِكَلامِ العَرَبِ لِأنَّهُ تَغْلِيظٌ، فَلا يَنْبَغِي أنَّ الجَحِيمَ لَفْظُهُ. الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى في: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ لَتَرَوُنَّ عَذابَ الجَحِيمِ، ألا تَرى أنَّ الجَحِيمَ يَراها المُؤْمِنُونَ أيْضًا بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الوَعِيدُ في رُؤْيَةِ عَذابِها لا في رُؤْيَةِ نَفْسِها، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَتَرَوُنَّ أرْجَحُ مَن لَتُرَوُنَّ.

التكاثر 102:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في أنَّ الَّذِي يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ مَن هو ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو الأظْهَرُ أنَّهُمُ الكُفّارُ، قالَ الحَسَنُ: لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: ما رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ أكْلَةً أكَلْتُها مَعَكَ في بَيْتِ أبِي الهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهانِ مِن خُبْزِ شَعِيرٍ ولَحْمٍ وبُسْرٍ وماءٍ عَذْبٍ أنْ تَكُونَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي نُسْألُ عَنْهُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما ذَلِكَ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ [ سَبَأٍ»: ١٧] والثّانِي: وهو أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ دَلَّ عَلى ما ذَكَرْناهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ ألْهاهُمُ التَّكاثُرُ بِالدُّنْيا والتَّفاخُرُ بِلَذّاتِها عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى والِاشْتِغالِ بِشُكْرِهِ، فاللَّهُ تَعالى يَسْألُهم عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُظْهِرَ لَهم أنَّ الَّذِي ظَنُّوهُ سَبَبًا لِسَعادَتِهِمْ هو كانَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الشَّقاءِ لَهم في الآخِرَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ واحْتَجُّوا بِأحادِيثَ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أوَّلُ ما يُسْألُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنِ النَّعِيمِ فَيُقالُ لَهُ: ألَمْ نُصَحِّحْ لَكَ جِسْمَكَ ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ» وقالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أيِّ نَعِيمٍ نُسْألُ ؟ إنَّما هُما الماءُ والتَّمْرُ وسُيُوفُنا عَلى عَواتِقِنا والعَدُوُّ حاضِرٌ، فَعَنْ أيِّ نَعِيمٍ نُسْألُ ؟ قالَ: إنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ» ورُوِيَ «عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: أيُّ نَعِيمٍ نُسْألُ عَنْهُ يا رَسُولَ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأمْوالِنا ؟ فَقالَ ﷺ: مَن أصْبَحَ آمِنًا في سِرْبِهِ مُعافًى في بَدَنِهِ وعِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها» ورُوِيَ «أنَّ شابًّا أسْلَمَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ سُورَةَ ألْهاكم، ثُمَّ زَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ امْرَأةً فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها ورَأى الجَهازَ العَظِيمَ والنَّعِيمَ الكَثِيرَ خَرَجَ وقالَ: لا أُرِيدُ ذَلِكَ فَسَألَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنْهُ فَقالَ: ألَسْتَ عَلَّمْتَنِي: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ صفحة ٧٨ وأنا لا أُطِيقُ الجَوابَ عَنْ ذَلِكَ» . وعَنْ أنَسٍ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ قامَ مُحْتاجٌ فَقالَ: هَلْ عَلَيَّ مِنَ النِّعْمَةِ شَيْءٌ ؟ قالَ: الظِّلُّ والنَّعْلانِ والماءُ البارِدُ. وأشْهَرُ الأخْبارِ في هَذا ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «خَرَجَ ذاتَ لَيْلَةٍ إلى المَسْجِدِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: ما أخْرَجَكَ يا أبا بَكْرٍ ؟ قالَ: الجُوعُ، قالَ: واللَّهِ ما أخْرَجَنِي إلّا الَّذِي أخْرَجَكَ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ: قُومُوا بِنا إلى مَنزِلِ أبِي الهَيْثَمِ، فَدَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البابَ وسَلَّمَ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَلَمْ يُجِبْ أحَدٌ فانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ تَصِيحُ: كُنّا نَسْمَعُ صَوْتَكَ لَكِنْ أرَدْنا أنْ تَزِيدَ مِن سَلامِكَ فَقالَ لَها خَيْرًا، ثُمَّ قالَتْ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي إنَّ أبا الهَيْثَمِ خَرَجَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ، ثُمَّ عَمَدَتْ إلى صاعٍ مِن شَعِيرٍ فَطَحَنَتْهُ وخَبَزَتْهُ ورَجَعَ أبُو الهَيْثَمِ فَذَبَحَ عَناقًا وأتاهم بِالرُّطَبِ فَأكَلُوا وشَرِبُوا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ» ورُوِيَ أيْضًا: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ ومالِهِ وشَبابِهِ وعَمَلِهِ» وعَنْ مُعاذٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ العَبْدَ لَيُسْألُ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى عَنْ كُحْلِ عَيْنَيْهِ، وعَنْ فُتاتِ الطِّينَةِ بِأُصْبُعِهِ، وعَنْ لَمْسِ ثَوْبِ أخِيهِ» واعْلَمْ أنَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، لَكِنَّ سُؤالَ الكافِرِ تَوْبِيخٌ؛ لِأنَّهُ تَرَكَ الشُّكْرَ، وسُؤالُ المُؤْمِنِ سُؤالُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّهُ شَكَرَ وأطاعَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في النَّعِيمِ المَسْئُولِ عَنْهُ وُجُوهًا: أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّهُ خَمْسٌ: شِبَعُ البُطُونِ وبارِدُ الشَّرابِ ولَذَّةُ النَّوْمِ وإظْلالُ المَساكِنِ واعْتِدالُ الخَلْقِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ والفَراغُ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ الصِّحَّةُ وسائِرُ مَلاذِّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ. ورابِعُها: قالَ بَعْضُهم: الِانْتِفاعُ بِإدْراكِ السَّمْعِ والبَصَرِ. وخامِسُها: قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: تَخْفِيفُ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرُ القُرْآنِ. وسادِسُها: قالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّهُ الماءُ البارِدُ. وسابِعُها: قالَ الباقِرُ: إنَّهُ العافِيَةُ، ويُرْوى أيْضًا عَنْ جابِرٍ الجُعْفِيِّ قالَ: دَخَلْتُ عَلى الباقِرِ فَقالَ: ما تَقُولُ أرْبابُ التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ؟ فَقُلْتُ: يَقُولُونَ: الظِّلُّ والماءُ البارِدُ فَقالَ: لَوْ أنَّكَ أدْخَلْتَ بَيْتَكَ أحَدًا وأقْعَدْتَهُ في ظِلٍّ وأسْقَيْتَهُ ماءً بارِدًا أتَمُنُّ عَلَيْهِ ؟ فَقُلْتُ: لا، قالَ: فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُطْعِمَ عَبْدَهُ ويَسْقِيَهُ ثُمَّ يَسْألُهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ: ما تَأْوِيلُهُ ؟ قالَ: النَّعِيمُ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا العالَمِ فاسْتَنْقَذَهم بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، أما سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآيَةَ. القَوْلُ الثّامِنُ: إنَّما يُسْألُونَ عَنِ الزّائِدِ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ مِن مَطْعَمٍ ومَلْبَسٍ ومَسْكَنٍ. والتّاسِعُ: وهو الأوْلى أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ النِّعَمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الألِفَ واللّامَ يُفِيدانِ الِاسْتِغْراقَ. وثانِيها: أنَّهُ لَيْسَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى البَعْضِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى الباقِي لا سِيَّما وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ مِن مَنافِعِ هَذِهِ الدُّنْيا اشْتِغالُ العَبْدِ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ جَمِيعُ النِّعَمِ مِن فَلْقِ البَحْرِ والإنْجاءِ مِن فِرْعَوْنَ وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى فَكَذا هَهُنا. ورابِعُها: أنَّ النَّعِيمَ التّامَّ كالشَّيْءِ الواحِدِ الَّذِي لَهُ أبْعاضٌ وأعْضاءٌ فَإذا أُشِيرَ إلى النَّعِيمِ فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ الكُلُّ، كَما أنَّ التِّرْياقَ اسْمٌ لِلْمَعْجُونِ المُرَكَّبِ مِنَ الأدْوِيَةِ الكَثِيرَةِ فَإذا ذُكِرَ التِّرْياقُ فَقَدْ دَخَلَ الكُلُّ فِيهِ. واعْلَمْ أنَّ النِّعَمَ أقْسامٌ فَمِنها ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ، ومِنها مُتَّصِلَةٌ ومُنْفَصِلَةٌ، ومِنها دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ، وقَدْ ذَكَرْنا أقْسامَ السَّعاداتِ بِحَسَبِ الجِنْسِ في تَفْسِيرِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا تَعْدِيدُها بِحَسَبِ النَّوْعِ والشَّخْصِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ عَلى ما قالَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] واسْتَعِنْ في مَعْرِفَةِ نِعَمِ اللَّهِ صفحة ٧٩ عَلَيْكَ في صِحَّةِ بَدَنِكَ بِالأطِبّاءِ، ثُمَّ هم أشَدُّ الخَلْقِ غَفْلَةً، وفي مَعْرِفَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والكَواكِبِ بِالمُنَجِّمِينَ، وهم أشَدُّ النّاسِ جَهْلًا بِالصّانِعِ، وفي مَعْرِفَةِ سُلْطانِ اللَّهِ بِالمُلُوكِ، ثُمَّ هم أجْهَلُ الخَلْقِ، وأمّا الَّذِي يُرْوى عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ الماءُ البارِدُ فَمَعْناهُ هَذا مِن جُمْلَتِهِ، ولَعَلَّهُ إنَّما خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أهْوَنُ مَوْجُودٍ وأعَزُّ مَفْقُودٍ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ السَّمّاكِ لِلرَّشِيدِ: أرَأيْتَ لَوِ احْتَجْتَ إلى شَرْبَةِ ماءٍ في فَلاةٍ أكُنْتَ تَبْذُلُ فِيهِ نِصْفَ المُلْكِ ؟ وإذا شَرِقْتَ بِها أكُنْتَ تَبْذُلُ نِصْفَ المُلْكِ ؟ وإنِ احْتَبَسَ بَوْلُكَ أكُنْتَ تَبْذُلُ كُلَّ المُلْكِ ؟ فَلا تَغْتَرَّ بِمُلْكٍ كانَتِ الشَّرْبَةُ الواحِدَةُ مِنَ الماءِ قِيمَتَهُ مَرَّتَيْنِ. أوْ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَطْلُبُونَ الماءَ أشَدَّ مِن طَلَبِهِمْ لِغَيْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ [الأعراف: ٥٠] أوْ لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ في المُتْرَفِينَ، وهُمُ المُخْتَصُّونَ بِالماءِ البارِدِ والظِّلِّ، والحَقُّ أنَّ السُّؤالَ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ عَنْ جَمِيعِ النَّعِيمِ سَواءٌ كانَ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ [ أوْ لا ]، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا إلى طاعَةِ اللَّهِ لا إلى مَعْصِيَتِهِ، فَيَكُونُ السُّؤالُ واقِعًا عَنِ الكُلِّ، ويُؤَكِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ قالَ: «لا تَزُولُ قَدَما العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أفْناهُ، وعَنْ شَبابِهِ فِيمَ أبْلاهُ، وعَنْ مالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ ماذا عَمِلَ بِهِ» فَكُلُّ النَّعِيمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى داخِلٌ فِيما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا السُّؤالَ أيْنَ يَكُونُ ؟ فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا السُّؤالَ إنَّما يَكُونُ في مَوْقِفِ الحِسابِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا لا يَسْتَقِيمُ، لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ هَذا السُّؤالَ مُتَأخِّرٌ عَنْ مُشاهَدَةِ جَهَنَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ ومَوْقِفُ السُّؤالِ مُتَقَدِّمٌ عَلى مُشاهَدَةِ جَهَنَّمَ ؟ قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ ثُمَّ أُخْبِرُكم أنَّكم تُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم إذا دَخَلُوا النّارَ سُئِلُوا عَنِ النَّعِيمِ تَوْبِيخًا لَهم، كَما قالَ: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها﴾ [الملك: ٨] وقالَ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ولا شَكَّ أنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَقَدْ سُئِلُوا عَنْهُ بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ، أوْ يُقالُ: إنَّهم إذا صارُوا في الجَحِيمِ وشاهَدُوها، يُقالُ لَهم: إنَّما حَلَّ بِكم هَذا العَذابُ لِأنَّكم في دارِ الدُّنْيا اشْتَغَلْتُمْ بِالنَّعِيمِ عَنِ العَمَلِ الَّذِي يُنْجِيكم مِن هَذِهِ النّارِ، ولَوْ صَرَفْتُمْ عُمُرَكم إلى طاعَةِ رَبِّكم لَكُنْتُمُ اليَوْمَ مِن أهْلِ النَّجاةِ الفائِزِينَ بِالدَّرَجاتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ سُؤالًا عَنْ نَعِيمِهِمْ في الدُّنْيا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.