Tafsir Al-Razi — النصر 110:1 – الناس 114:6
المحتويات
النصر 110:1
صفحة ١٣٨
(سُورَةُ النَّصْرِ) .
وهِيَ ثَلاثُ آياتٍ، مَدَنِيَّةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ في الآيَةِ لَطائِفُ:
إحْداها: أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ مُحَمَّدًا بِالتَّرْبِيَةِ العَظِيمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] لا جَرَمَ كانَ يَزْدادُ كُلَّ يَوْمٍ أمْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ لِمَ يَضِيقُ قَلْبُكَ، ألَسْتَ حِينَ لَمْ تَكُنْ مَبْعُوثًا لَمْ أُضَيِّعْكَ بَلْ نَصَرْتُكَ بِالطَّيْرِ الأبابِيلِ، وفي أوَّلِ الرِّسالَةِ زِدْتُ فَجَعَلْتُ الطَّيْرَ مَلائِكَةً: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ [آل عمران: ١٢٤] ثُمَّ الآنَ أزِيدُ فَأقُولُ: إنِّي أكُونُ ناصِرًا لَكَ بِذاتِي: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَقالَ: إلَهِي إنَّما تَتِمُّ النِّعْمَةُ إذا فَتَحْتَ لِي دارَ مَوْلِدِي ومَسْكَنِي، فَقالَ: (والفَتْحُ) فَقالَ: إلَهِي لَكِنَّ القَوْمَ إذا خَرَجُوا، فَأيُّ لَذَّةٍ في ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ثُمَّ كَأنَّهُ قالَ: هَلْ تَعْلَمُ يا مُحَمَّدُ بِأيِّ سَبَبٍ وجَدْتَ هَذِهِ التَّشْرِيفاتِ الثَّلاثَةَ ؟ إنَّما وجَدْتَها لِأنَّكَ قُلْتَ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١] وهَذا يَشْتَمِلُ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: نَصَرْتَنِي بِلِسانِكَ فَكانَ جَزاؤُهُ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ .
وثانِيها: فَتَحَتْ مَكَّةُ قَلْبَكَ بِعَسْكَرِ التَّوْحِيدِ فَأعْطَيْناكَ فَتْحَ مَكَّةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ، ﴿والفَتْحُ﴾ .
والثّالِثُ: أدْخَلْتَ رَعِيَّةَ جَوارِحِكَ وأعْضائِكَ في طاعَتِي وعُبُودِيَّتِي فَأنا أيْضًا أدْخَلْتُ عِبادِي في طاعَتِكَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ثُمَّ إنَّكَ بَعْدَ أنْ وجَدْتَ هَذِهِ الخُلَعَ الثَّلاثَةَ فابْعَثْ إلى حَضْرَتِي بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ العُبُودِيَّةِ: تَهادَوْا تَحابُّوا، إنْ نَصَرْتُكَ فَسَبِّحْ، وإنْ فَتَحْتَ مَكَّةَ فاحْمَدْ، وإنْ أسْلَمُوا، فاسْتَغْفِرْ، وإنَّما وضَعَ في مُقابَلَةِ: ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ تَسْبِيحَهُ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ هو تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ مُشابَهَةِ المُحْدَثاتِ، يَعْنِي تُشاهِدُ أنَّهُ نَصَرَكَ، فَإيّاكَ أنْ تَظُنَّ أنَّهُ
صفحة ١٣٩
إنَّما نَصَرَكَ؛ لِأنَّكَ تَسْتَحِقُّ مِنهُ ذَلِكَ النَّصْرَ، بَلِ اعْتَقِدْ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنْ أنْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ شَيْئًا، ثُمَّ جَعَلَ في مُقابِلِ فَتْحِ مَكَّةَ الحَمْدَ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تُقابَلَ إلّا بِالحَمْدِ، ثُمَّ جَعَلَ في مُقابَلَةِ دُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ الِاسْتِغْفارَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] أيْ كَثْرَةُ الأتْباعِ مِمّا يَشْغَلُ القَلْبَ بِلَذَّةِ الجاهِ والقَبُولِ، فاسْتَغْفِرْ لِهَذا القَدْرِ مِن ذَنْبِكَ، واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِهِمْ فَإنَّهم كُلَّما كانُوا أكْثَرَ كانَتْ ذُنُوبُهم أكْثَرَ فَكانَ احْتِياجُهم إلى اسْتِغْفارِكَ أكْثَرَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَبَرَّأ عَنِ الكُفْرِ وواجَهَهم بِالسُّوءِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [ الكافِرُونَ: ١ ] كَأنَّهُ خافَ بَعْضَ القَوْمِ فَقَلَّلَ مِن تِلْكَ الخُشُونَةِ، فَقالَ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٣] فَقِيلَ: يا مُحَمَّدُ لا تَخَفْ فَإنِّي لا أذْهَبُ بِكَ إلى النَّصْرِ بَلْ أجِيءُ بِالنَّصْرِ إلَيْكَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ نَظِيرُهُ: ”زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ“ يَعْنِي لا تَذْهَبْ إلى الأرْضِ بَلْ تَجِيءُ الأرْضُ إلَيْكَ، فَإنْ سَئِمْتَ المُقامَ وأرَدْتَ الرِّحْلَةَ، فَمِثْلُكَ لا يَرْتَحِلُ إلّا إلى قابِ قَوْسَيْنِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] بَلْ أزِيدُ عَلى هَذا فَأُفَضِّلُ فُقَراءَ أُمَّتِكَ عَلى أغْنِيائِهِمْ ثُمَّ آمُرُ الأغْنِياءَ بِالضَّحايا لِيَتَّخِذُوها مَطايا فَإذا بَقِيَ الفَقِيرُ مِن غَيْرِ مَطِيَّةٍ أسُوقُ الجَنَّةَ إلَيْهِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] .
الوَجْهُ الثّالِثُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ الدُّنْيا لا يَصْفُو كَدَرُها ولا تَدُومُ مِحَنُها ولا نَعِيمُها فَرِحْتَ بِالكَوْثَرِ فَتَحَمَّلْ مَشَقَّةَ سَفاهَةِ السُّفَهاءِ حَيْثُ قالُوا: اعْبُدْ آلِهَتَنا حَتّى نَعْبُدَ إلَهَكَ فَلَمّا تَبَرَّأ عَنْهم وضاقَ قَلْبُهُ مِن جِهَتِهِمْ قالَ: أبْشِرْ فَقَدْ جاءَ نَصْرُ اللَّهِ، فَلَمّا اسْتَبْشَرَ قالَ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ أما عَلِمْتَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ الكَمالِ مِنَ الزَّوالِ، فاسْتَغْفِرْهُ، أيُّها الإنْسانُ لا تَحْزَنْ مِن جُوعِ الرَّبِيعِ فَعَقِيبَهُ غِنى الخَرِيفِ، ولا تَفْرَحْ بِغِنى الخَرِيفِ فَعَقِيبَهُ وحْشَةُ الشِّتاءِ، فَكَذا مَن تَمَّ إقْبالُهُ لا يَبْقى لَهُ إلّا الغِيَرُ ومِنهُ:
إذا تَمَّ أمْرٌ دَنا نَقْصُهُ تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ تَمَّ
إلَهِي لِمَ فَعَلْتَ كَذَلِكَ ؟
قالَ: حَتّى لا نَضَعَ قَلْبَكَ عَلى الدُّنْيا بَلْ تَكُونُ أبَدًا عَلى جَناحِ الِارْتِحالِ والسَّفَرِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: لَمّا قالَ في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] فَكَأنَّهُ قالَ: إلَهِي وما جَزائِي ؟ فَقالَ: نَصْرُ اللَّهِ، فَيَقُولُ: وما جَزاءُ عَمِّي حِينَ دَعانِي إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ؟ فَقالَ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ بَدَأ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ ؟ قُلْنا: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ.
والثّانِي: لِيَكُونَ الجِنْسُ مُتَّصِلًا بِالجِنْسِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿ولِيَ دِينِ﴾ وهو النَّصْرُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] .
وثالِثُها: الوَفاءُ بِالوَعْدِ أهَمُّ في الكَرَمِ مِنَ الوَفاءِ بِالِانْتِقامِ، فَتَأمَّلْ في هَذِهِ المُجانَساتِ الحاصِلَةِ بَيْنَ هَذِهِ السُّوَرِ مَعَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ وتِلْكَ السُّورَةُ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ لِيُعْلَمَ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ السُّوَرِ مِنَ اللَّهِ وبِأمْرِهِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِن أسْماءِ اللَّهِ، بَلْ قالَ: ”ما أعْبُدُ“ بِلَفْظٍ ما، كَأنَّهُ قالَ: لا أذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ حَتّى لا يَسْتَخِفُّوا فَتَزْدادَ عُقُوبَتُهم، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ أعْظَمَ أسامِيهِ؛ لِأنَّها مُنَزَّلَةٌ عَلى الأحْبابِ لِيَكُونَ ثَوابُهم بِقِراءَتِهِ أعْظَمَ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: لا تَذْكُرِ اسْمِي مَعَ الكافِرِينَ حَتّى لا يُهِينُوهُ واذْكُرْهُ مَعَ الأوْلِياءِ حَتّى يُكْرِمُوهُ.
الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: إذا مَنصُوبٌ بِسَبِّحْ، والتَّقْدِيرُ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: جَعَلْتُ الوَقْتَ ظَرْفًا لِما تُرِيدُهُ وهو النَّصْرُ والفَتْحُ والظَّفَرُ، ومَلَأْتُ ذَلِكَ الظَّرْفَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، وبَعَثْتُهُ إلَيْكَ فَلا تَرُدَّهُ عَلَيَّ فارِغًا، بَلِ امْلَأْهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنى: تَهادَوْا تَحابُّوا فَكَأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: بِأيِّ شَيْءٍ
صفحة ١٤٠
أمْلَأُ ظَرْفَ هَدِيَّتِكَ وأنا فَقِيرٌ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ في المَعْنى: إنْ لَمْ تَجِدْ شَيْئًا آخَرَ فَلا أقَلَّ مِن تَحْرِيكِ اللِّسانِ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ والِاسْتِغْفارِ، فَلَمّا فَعَلَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ حَصَلَ مَعْنى تَهادَوْا، لا جَرَمَ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ، فَلِهَذا كانَ مُحَمَّدٌ حَبِيبَ اللَّهِ.
الوَجْهُ السّابِعُ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إذا جاءَكَ النَّصْرُ والفَتْحُ ودُخُولُ النّاسِ في دِينِكَ، فاشْتَغِلْ أنْتَ أيْضًا بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ والِاسْتِغْفارِ، فَإنِّي قُلْتُ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ فَيَصِيرُ اشْتِغالُكَ بِهَذِهِ الطّاعاتِ سَبَبًا لِمَزِيدِ دَرَجاتِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا تَزالُ تَكُونُ في التَّرَقِّي حَتّى يَصِيرَ الوَعْدُ بِقَوْلِي: ﴿أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ .
الوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ الإيمانَ إنَّما يَتِمُّ بِأمْرَيْنِ: بِالنَّفْيِ والإثْباتِ وبِالبَراءَةِ والوِلايَةِ، فالنَّفْيُ والبَراءَةُ قَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ والإثْباتُ والوِلايَةُ قَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ الكُلِّيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِهَذِهِ السُّورَةِ.
واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ أسْرارًا، وإنَّما يُمْكِنُ بَيانُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ النَّصْرِ والفَتْحِ حَتّى عَطَفَ الفَتْحَ عَلى النَّصْرِ ؟
الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: النَّصْرُ هو الإعانَةُ عَلى تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ، والفَتْحُ هو تَحْصِيلُ المَطْلُوبِ الَّذِي كانَ مُتَعَلِّقًا، وظاهِرٌ أنَّ النَّصْرَ كالسَّبَبِ لِلْفَتْحِ، فَلِهَذا بَدَأ بِذِكْرِ النَّصْرِ وعَطَفَ الفَتْحَ عَلَيْهِ.
وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: النَّصْرُ كَمالُ الدِّينِ، والفَتْحُ الإقْبالُ الدُّنْيَوِيُّ الَّذِي هو تَمامُ النِّعْمَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]
وثالِثُها: النَّصْرُ هو الظَّفَرُ في الدُّنْيا عَلى المُنى، والفَتْحُ بِالجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] وأظْهَرُ الأقْوالِ في النَّصْرِ أنَّهُ الغَلَبَةُ عَلى قُرَيْشٍ أوْ عَلى جَمِيعِ العَرَبِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أبَدًا مَنصُورًا بِالدَّلائِلِ والمُعْجِزاتِ، فَما المَعْنى مِن تَخْصِيصِ لَفْظِ النَّصْرِ بِفَتْحِ مَكَّةَ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: المُرادُ مِن هَذا النَّصْرِ هو النَّصْرُ المُوافِقُ لِلطَّبْعِ، إنَّما جُعِلَ لَفْظُ النَّصْرِ المُطْلَقِ دالًّا عَلى هَذا النَّصْرِ المَخْصُوصِ؛ لِأنَّ هَذا النَّصْرَ لِعِظَمِ مَوْقِعِهِ مِن قُلُوبِ أهْلِ الدُّنْيا جُعِلَ ما قَبْلَهُ كالمَعْدُومِ، كَما أنَّ المُثابَ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ يُتَصَوَّرُ كَأنَّهُ لَمْ يَذُقْ نِعْمَةً قَطُّ، وإلى هَذا المَعْنى الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] .
وثانِيهِما: لَعَلَّ المُرادَ نَصْرُ اللَّهِ في أُمُورِ الدُّنْيا الَّذِي حَكَمَ بِهِ لِأنْبِيائِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: النَّصْرُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّقْيِيدِ وهو قَوْلُهُ: ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ ؟ والجَوابُ مَعْناهُ نَصْرٌ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ ولا يَلِيقُ أنْ يَفْعَلَهُ إلّا اللَّهُ أوْ لا يَلِيقُ إلّا بِحِكْمَتِهِ، ويُقالُ: هَذا صَنْعَةُ زَيْدٍ إذا كانَ زَيْدٌ مَشْهُورًا بِإحْكامِ الصَّنْعَةِ، والمُرادُ مِنهُ تَعْظِيمُ حالِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ، فَكَذا هَهُنا، أوْ نَصْرُ اللَّهِ لِأنَّهُ إجابَةٌ لِدُعائِهِمْ: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَيَقُولُ هَذا الَّذِي سَألْتُمُوهُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: وصْفُ النَّصْرِ بِالمَجِيءِ مَجازٌ وحَقِيقَتُهُ إذا وقَعَ نَصْرُ اللَّهِ فَما الفائِدَةُ في تَرْكِ الحَقِيقَةِ وذِكْرِ المَجازِ ؟
الجَوابُ فِيهِ إشاراتٌ:
إحْداها: أنَّ الأُمُورَ مَرْبُوطَةٌ بِأوْقاتِها وأنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّرَ لِحُدُوثِ كُلِّ حادِثٍ أسْبابًا مُعَيَّنَةً وأوْقاتًا مُقَدَّرَةً يَسْتَحِيلُ فِيها التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ والتَّغَيُّرُ والتَّبَدُّلُ فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ الوَقْتُ وجاءَ ذَلِكَ الزَّمانُ
صفحة ١٤١
حَضَرَ مَعَهُ ذَلِكَ الأثَرُ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
وثانِيها: أنَّ اللَّفْظَ دَلَّ عَلى أنَّ النَّصْرَ كانَ كالمُشْتاقِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ النَّصْرَ كانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِحُكْمِ الوَعْدِ فالمُقْتَضى كانَ مَوْجُودًا إلّا أنَّ تَخَلُّفَ الأثَرِ كانَ لِفُقْدانِ الشَّرْطِ، فَكانَ كالثَّقِيلِ المُعَلَّقِ فَإنَّ ثِقَلَهُ يُوجِبُ الهُوِيَّ إلّا أنَّ العَلاقَةَ مانِعَةٌ فالثَّقِيلُ يَكُونُ كالمُشْتاقِ إلى الهُوِيِّ، فَكَذا هَهُنا النَّصْرُ كانَ كالمُشْتاقِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
وثالِثُها: أنَّ عالَمَ العَدَمِ عالَمٌ لا نِهايَةَ لَهُ وهو عالَمُ الظُّلُماتِ إلّا أنَّ في قَعْرِها يَنْبُوعَ الجُودِ والرَّحْمَةِ وهو يَنْبُوعُ جُودِ اللَّهِ وإيجادِهِ، ثُمَّ انْشَعَبَتْ بِحارُ الجُودِ والأنْوارِ وأخَذَتْ في السَّيَلانِ، وسَيَلانُها يَقْتَضِي في كُلِّ حِينٍ وُصُولَها إلى مَوْضِعٍ ومَكانٍ مُعَيَّنٍ فَبِحارُ رَحْمَةِ اللَّهِ ونُصْرَتِهِ كانَتْ آخِذَةً في السَّيَلانِ مِنَ الأزَلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا مُحَمَّدُ قَرُبَ وُصُولُها إلَيْكَ ومَجِيئُها إلَيْكَ فَإذا جاءَتْكَ أمْواجُ هَذا البَحْرِ فاشْتَغِلْ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والِاسْتِغْفارِ فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي السَّفِينَةُ الَّتِي لا يُمْكِنُ الخَلاصُ مِن بِحارِ الرُّبُوبِيَّةِ إلّا بِها، ولِهَذا السَّبَبِ لَمّا رَكِبَ أبُوكَ نُوحُ بَحْرَ القَهْرِ والكِبْرِياءِ اسْتَعانَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ . [هود: ٤١] .
السُّؤالُ الخامِسُ: لا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ أعانُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ هُمُ الصَّحابَةُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ثُمَّ إنَّهُ سَمّى نُصْرَتَهم لِرَسُولِ اللَّهِ: ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَما السَّبَبُ في أنْ صارَ الفِعْلُ الصّادِرُ عَنْهم مُضافًا إلى اللَّهِ ؟
الجَوابُ: هَذا بَحْرٌ يَتَفَجَّرُ مِنهُ بَحْرُ سِرِّ القَضاءِ والقَدَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ فِعْلَهم فِعْلُ اللَّهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ أفْعالَهم مُسْنَدَةٌ إلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، وتِلْكَ الدَّواعِي والصَّوارِفُ أُمُورٌ حادِثَةٌ فَلا بُدَّ لَها مِن مُحْدِثٍ ولَيْسَ هو العَبْدَ، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ اللَّهَ تَعالى، فَيَكُونُ المَبْدَأُ الأوَّلُ والمُؤَثِّرُ الأبْعَدُ هو اللَّهُ تَعالى، ويَكُونُ المَبْدَأُ الأقْرَبُ هو العَبْدُ، فَمِن هَذا الِاعْتِبارِ صارَتِ النُّصْرَةُ المُضافَةُ إلى الصَّحابَةِ بِعَيْنِها مُضافَةً إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ يَكُونُ فِعْلُ العَبْدِ مُفَرَّعًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يُخالِفُ النَّصْرَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] فَجَعَلَ نَصْرَنا لَهُ مُقَدَّمًا عَلى نَصْرِهِ لَنا والجَوابُ: أنَّهُ لا امْتِناعَ في أنْ يَصْدُرَ عَنِ الحَقِّ فِعْلٌ، فَيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِصُدُورِ فِعْلٍ عَنّا، ثُمَّ الفِعْلُ عَنّا يَنْساقُ إلى فِعْلٍ آخَرَ يَصْدُرُ عَنِ الرَّبِّ، فَإنَّ أسْبابَ الحَوادِثِ ومُسَبَّباتِها مُتَسَلْسِلَةٌ عَلى تَرْتِيبٍ عَجِيبٍ يَعْجِزُ عَنْ إدْراكِ كَيْفِيَّتِهِ أكْثَرُ العُقُولِ البَشَرِيَّةِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: كَلِمَةُ: (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَهَهُنا لَمّا ذَكَرَ وعْدًا مُسْتَقْبَلًا بِالنَّصْرِ، قالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَذَكَرَ ذاتَهُ بِاسْمِ اللَّهِ، ولَمّا ذَكَرَ النَّصْرَ الماضِيَ حِينَ قالَ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ﴾ [العنكبوت: ١٠] فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الرَّبِّ، فَما السَّبَبُ في ذَلِكَ ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ تَعالى بَعْدَ وُجُودِ الفِعْلِ صارَ رَبًّا، وقَبْلَهُ ما كانَ رَبًّا لَكِنْ كانَ إلَهًا.
السُّؤالُ السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ وإنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ نَصَرَ اللَّهَ حِينَ قالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ فَكانَ واجِبًا بِحُكْمِ هَذا الوَعْدِ أنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَهَلْ تَقُولُ بِأنَّ هَذا النَّصْرَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ ؟
الجَوابُ: أنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ قَدْ يَصِيرُ واجِبًا بِالوَعْدِ، ولِهَذا قِيلَ: وعْدُ الكَرِيمِ ألْزَمُ مِن دَيْنِ الغَرِيمِ، كَيْفَ ويَجِبُ عَلى الوالِدِ نُصْرَةُ ولَدِهِ، وعَلى المَوْلى نُصْرَةُ عَبْدِهِ، بَلْ يَجِبُ النَّصْرُ عَلى الأجْنَبِيِّ إذا تَعَيَّنَ بِأنْ كانَ واحِدًا اتِّفاقًا، وإنْ كانَ مَشْغُولًا بِصَلاةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ
صفحة ١٤٢
اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأسْبابُ في حَقِّهِ تَعالى فَوَعَدَهُ مَعَ الكَرَمِ وهو أرْأفُ بِعَبْدِهِ مِنَ الوالِدِ بِوَلَدِهِ والمَوْلى بِعَبْدِهِ وهو ولِيٌّ بِحَسَبِ المُلْكِ ومَوْلًى بِحَسَبِ السَّلْطَنَةِ، وقَيُّومٌ لِلتَّدْبِيرِ وواحِدٌ فَرْدٌ لا ثانِيَ لَهُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ وُجُوبَ الكَرَمِ نُصْرَةُ عَبْدِهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ .
* *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (والفَتْحُ) فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الفَتْحَ هو فَتْحُ مَكَّةَ، وهو الفَتْحُ الَّذِي يُقالُ لَهُ: فَتْحُ الفُتُوحِ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا كانَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أغارَ بَعْضُ مَن كانَ في عَهْدِ قُرَيْشٍ عَلى خُزاعَةَ وكانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ سَفِيرُ ذَلِكَ القَوْمِ وأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أما إنَّ هَذا العارِضَ لَيُخْبِرُنِي أنَّ الظَّفَرَ يَجِيءُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: انْظُرُوا فَإنَّ أبا سُفْيانَ يَجِيءُ ويَلْتَمِسُ أنْ يُجَدِّدَ العَهْدَ فَلَمْ تَمْضِ ساعَةٌ أنْ جاءَ الرَّجُلُ مُلْتَمِسًا لِذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْهُ الرَّسُولُ ولا أكابِرُ الصَّحابَةِ فالتَجَأ إلى فاطِمَةَ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، ورَجَعَ إلى مَكَّةَ آيِسًا وتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَسِيرِ لِمَكَّةَ»، ثُمَّ يُرْوى «أنَّ سارَّةَ - مُوَلّاةُ بَعْضِ بَنِي هاشِمٍ - أتَتِ المَدِينَةَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَها: جِئْتِ مُسْلِمَةً ؟ قالَتْ: لا لَكِنْ كُنْتُمُ المَوالِيَ وبِي حاجَةٌ، فَحَثَّ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَكَسَوْها وحَمَلُوها وزَوَّدُوها فَأتاها حاطِبٌ بِعَشَرَةِ دَنانِيرَ واسْتَحْمَلَها كِتابًا إلى مَكَّةَ نُسْخَتُهُ: اعْلَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم، فَخَرَجَتْ سارَّةُ ونَزَلَ جِبْرِيلُ بِالخَبَرِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ وعَمّارًا في جَماعَةٍ وأمَرَهم أنْ يَأْخُذُوا الكِتابَ وإلّا فاضْرِبُوا عُنُقَها، فَلَمّا أدْرَكُوها جَحَدَتْ وحَلَفَتْ فَسَلَّ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيْفَهُ، وقالَ واللَّهِ: ما كُذِبْنا فَأخْرَجَتْهُ مِن عَقِيصَةِ شَعْرِها، واسْتَحْضَرَ النَّبِيُّ حاطِبًا وقالَ: ما حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ ولا أحْبَبْتُهم مُنْذُ فارَقْتُهم، لَكِنْ كُنْتُ غَرِيبًا في قُرَيْشٍ وكُلُّ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قَراباتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ أهالِيَهم فَخَشِيتُ عَلى أهْلِي فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا، فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ: وما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم، فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إلى أنْ نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وقَدِمَ العَبّاسُ وأبُو سُفْيانَ إلَيْهِ فاسْتَأْذَنا فَأذِنَ لِعَمِّهِ خاصَّةً فَقالَ أبُو سُفْيانَ: إمّا أنْ تَأْذَنَ لِي وإلّا أذْهَبُ بِوَلَدِي إلى المَفازَةِ فَيَمُوتَ جُوعًا وعَطَشًا فَرَقَّ قَلْبُهُ، فَأذِنَ لَهُ وقالَ لَهُ: ألَمْ يَأْنِ أنْ تُسْلِمَ وتُوَحِّدَ ؟ فَقالَ: أظُنُّ أنَّهُ واحِدٌ، ولَوْ كانَ هَهُنا غَيْرُ اللَّهِ لَنَصَرَنا، فَقالَ: ألَمْ يَأْنِ أنْ تَعْرِفَ أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَقالَ: إنَّ لِي شَكًّا في ذَلِكَ، فَقالَ العَبّاسُ: أسْلِمْ قَبْلَ أنْ يَقْتُلَكَ عُمَرُ، فَقالَ: وماذا أصْنَعُ بِالعُزّى ؟ فَقالَ عُمَرُ: لَوْلا أنَّكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ألَيْسَ الأوْلى أنْ تَتْرُكَ هَؤُلاءِ الأوْباشَ وتُصالِحَ قَوْمَكَ وعَشِيرَتَكَ ؟ فَسُكّانُ مَكَّةَ عَشِيرَتُكَ وأقارِبُكَ، و(لا) تَعَرِّضْهم لِلشَّنِّ والغارَةِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَؤُلاءِ نَصَرُونِي وأعانُونِي وذَبُّوا عَنْ حَرِيمِي، وأهْلُ مَكَّةَ أخْرَجُونِي وظَلَمُونِي، فَإنْ هم أُسِرُوا فَبِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، وأمَرَ العَبّاسَ بِأنْ يَذْهَبَ بِهِ ويُوقِفَهُ عَلى المِرْصادِ لِيُطالِعَ العَسْكَرَ، فَكانَتِ الكَتِيبَةُ تَمُرُّ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ مَن هَذا ؟ فَيَقُولُ العَبّاسُ: هو فُلانٌ مِن أُمَراءِ الجُنْدِ إلى أنْ جاءَتِ الكَتِيبَةُ الخَضْراءُ الَّتِي لا يُرى مِنها إلّا الحَدَقُ، فَسَألَ عَنْهم، فَقالَ العَبّاسُ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: لَقَدْ أُوتِيَ ابْنُ أخِيكَ مُلْكًا عَظِيمًا، فَقالَ العَبّاسُ: هو النُّبُوَّةُ، فَقالَ هَيْهاتَ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ
صفحة ١٤٣
ودَخَلَ مَكَّةَ، وقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا جاءَ بِعَسْكَرٍ لا يُطِيقُهُ أحَدٌ، فَصاحَتْ هِنْدٌ وقالَتْ: اقْتُلُوا هَذا المُبَشِّرَ، وأخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ فَصاحَ الرَّجُلُ ودَفَعَها عَنْ نَفْسِهِ، ولَمّا سَمِعَ أبُو سُفْيانَ أذانَ القَوْمِ لِلْفَجْرِ، وكانُوا عَشَرَةَ آلافِ فَزِعَ لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وسَألَ العَبّاسَ، فَأخْبَرَهُ بِأمْرِ الصَّلاةِ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ عَلى راحِلَتِهِ ولِحْيَتُهُ عَلى قُرْبُوسِ سَرْجِهِ كالسّاجِدِ تَواضُعًا وشُكْرًا، ثُمَّ التَمَسَ أبُو سُفْيانَ الأمانَ، فَقالَ: مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، فَقالَ: ومَن تَسَعُ دارِي، فَقالَ: ومَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهو آمِنٌ، فَقالَ: ومَن يَسَعُ المَسْجِدُ، فَقالَ: مَن ألْقى سِلاحَهُ فَهو آمِنٌ، ومَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ، ثُمَّ وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ صَدَقَ وعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، ثُمَّ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ ما تَرَوْنَ أنِّي فاعِلٌ بِكم ؟ فَقالُوا: خَيْرًا أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ، فَقالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ» فَأعْتَقَهم؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أهْلُ مَكَّةَ الطُّلَقاءَ، ومِن ذَلِكَ كانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ لِمُعاوِيَةَ: أنّى يَسْتَوِي المَوْلى والمُعْتَقُ يَعْنِي أعْتَقْناكم حِينَ مَكَّنَنا اللَّهُ مِن رِقابِكم ولَمْ يَقُلِ: اذْهَبُوا فَأنْتُمْ مُعْتَقُونَ، بَلْ قالَ: الطُّلَقاءُ؛ لِأنَّ المُعْتَقَ يَجُوزُ أنْ يُرَدَّ إلى الرِّقِّ، والمُطَلَّقَةُ يَجُوزُ أنْ تُعادَ إلى رِقِّ النِّكاحِ وكانُوا بَعْدُ عَلى الكُفْرِ، فَكانَ يَجُوزُ أنْ يَخُونُوا فَيُسْتَباحَ رِقُّهم مَرَّةً أُخْرى؛ ولِأنَّ الطَّلاقَ يَخُصُّ النِّسْوانَ، وقَدْ ألْقَوُا السِّلاحَ وأخَذُوا المَساكِنَ كالنِّسْوانِ؛ ولِأنَّ المُعْتَقَ يُخْلى سَبِيلُهُ يَذْهَبُ حَيْثُ شاءَ، والمُطَلَّقَةُ تَجْلِسُ في البَيْتِ لِلْعِدَّةِ، وهم أُمِرُوا بِالجُلُوسِ بِمَكَّةَ كالنِّسْوانِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ، فَصارُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلّى ثَمانِ رَكَعاتٍ: أرْبَعَةٌ صَلاةُ الضُّحى، وأرْبَعَةٌ أُخْرى شُكْرًا لِلَّهِ نافِلَةً»، فَهَذِهِ هي قِصَّةُ فَتْحِ مَكَّةَ.
والمَشْهُورُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ مِنَ الفَتْحِ في هَذِهِ السُّورَةِ هو فَتْحُ مَكَّةَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِالنَّصْرِ، وقَدْ كانَ يَجِدُ النَّصْرَ دُونَ الفَتْحِ كَبَدْرٍ، والفَتْحَ دُونَ النَّصْرِ كَإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، فَإنَّهُ فَتَحَ البَلَدَ لَكِنْ لَمْ يَأْخُذِ القَوْمَ، أمّا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ اجْتَمَعَ لَهُ الأمْرانِ النَّصْرُ والفَتْحُ، وصارَ الخَلْقُ لَهُ كالأرِقّاءِ حَتّى أعْتَقَهم.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ فَتْحُ خَيْبَرَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى يَدِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، رُوِيَ أنَّهُ اسْتَصْحَبَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، وكانَ يُسامِيهِ في الشَّجاعَةِ، فَلَمّا نُصِبَ السُّلَّمُ قالَ لِخالِدٍ: أتَتَقَدَّمُ ؟ قالَ: لا، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَهُ كَمْ صَعِدْتَ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي لِشِدَّةِ الخَوْفِ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ ألا تُصارِعَنِي ؟ فَقالَ: ألَسْتُ صَرَعْتُكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ لَكِنَّ ذاكَ قَبْلَ إسْلامِي، ولَعَلَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما امْتَنَعَ عَنْ مُصارَعَتِهِ لِيَقَعَ صِيتُهُ في الإسْلامِ أنَّهُ رَجُلٌ يَمْتَنِعُ عَنْهُ عَلِيٌّ، أوْ كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: صَرَعْتُكَ حِينَ كُنْتَ كافِرًا، أمّا الآنَ وأنْتَ مُسْلِمٌ فَلا يَحْسُنُ أنْ أصْرَعَكَ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ فَتَحَ الطّائِفَ وقِصَّتُهُ طَوِيلَةٌ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: المُرادُ النَّصْرُ عَلى الكُفّارِ، وفَتْحُ بِلادِ الشِّرْكِ عَلى الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أرادَ بِالفَتْحِ ما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] لَكِنَّ حُصُولَ العِلْمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِانْشِراحِ الصَّدْرِ وصَفاءِ القَلْبِ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِنَصْرِ اللَّهِ إعانَتَهُ عَلى الطّاعَةِ والخَيْراتِ، والفَتْحُ هو انْتِفاعُ عالَمِ المَعْقُولاتِ والرُّوحانِيّاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا حَمَلْنا الفَتْحَ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، فَلِلنّاسِ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ سَنَةَ ثَمانٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سَنَةَ عَشْرٍ، ورُوِيَ أنَّهُ عاشَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبْعِينَ يَوْمًا، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ التَّوْدِيعِ
والقَوْلُ الثّانِيَ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وهو وعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ أنْ يَنْصُرَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، وأنْ يَفْتَحَها عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾
صفحة ١٤٤
[القصص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ، إذْ لا يُقالُ فِيما وقَعَ: إذا جاءَ وإذا وقَعَ، وإذا صَحَّ هَذا القَوْلُ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ وُجِدَ مُخْبَرُهُ بَعْدَ حِينٍ مُطابِقًا لَهُ، والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذُكِرَ النَّصْرُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ الفَتْحُ بِالألِفِ واللّامِ ؟
الجَوابُ: الألِفُ واللّامُ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، فَيَنْصَرِفُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.
النصر 110:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رَأيْتَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أبْصَرْتَ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ عَلِمْتَ، فَإنْ كانَ مَعْناهُ أبْصَرْتَ كانَ يَدْخُلُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ورَأيْتَ النّاسَ حالَ دُخُولِهِمْ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وإنْ كانَ مَعْناهُ عَلِمْتَ كانَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ مَفْعُولًا ثانِيًا لَعَلِمْتَ، والتَّقْدِيرُ: عَلِمْتَ النّاسَ داخِلِينَ في دِينِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ لَفْظِ النّاسِ لِلْعُمُومِ، فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ النّاسِ كانُوا قَدْ دَخَلُوا في الوُجُودِ مَعَ أنَّ الأمْرَ ما كانَ كَذَلِكَ ؟
الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإنْسانِيَّةِ والعَقْلِ، إنَّما هو الدِّينُ والطّاعَةُ، عَلى ما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فَمَن أعْرَضَ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ وبَقِيَ عَلى الكُفْرِ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ، وهَذا المَعْنى هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا﴾ [البقرة: ١٣] وسُئِلَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَنِ النّاسُ ؟ فَقالَ: نَحْنُ النّاسُ، وأشْياعُنا أشْباهُ النّاسِ، وأعْداؤُنا النَّسْناسُ، فَقَبَّلَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهم إنَّما دَخَلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وتَقْصِيرٍ كَثِيرٍ، فَكَيْفَ اسْتَحَقُّوا هَذا المَدْحَ العَظِيمَ ؟ قُلْنا: هَذا فِيهِ إشارَةٌ إلى سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإنَّ العَبْدَ بَعْدَ أنْ أتى بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ طُولَ عُمْرِهِ، فَإذا أتى بِالإيمانِ في آخِرِ عُمْرِهِ يَقْبَلُ إيمانَهُ، ويَمْدَحُهُ هَذا المَدْحَ العَظِيمَ، ويُرْوى أنَّ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِمِثْلِ هَذا الإنْسانِ: أتَيْتَ وإنْ كُنْتَ قَدْ أبَيْتَ، ويُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«لَلَّهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ أحَدِكم مِنَ الضّالِّ الواجِدِ، والظَّمْآنِ الوارِدِ» “ والمَعْنى كانَ الرَّبُّ تَعالى يَقُولُ: رَبَّيْتُهُ سَبْعِينَ سَنَةً، فَإنْ ماتَ عَلى كُفْرِهِ فَلا بُدَّ وأنْ أبْعَثَهُ إلى النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَضِيعُ إحْسانِي إلَيْهِ في سَبْعِينَ سَنَةً، فَكُلَّما كانَتْ مُدَّةُ الكُفْرِ والعِصْيانِ أكْثَرَ كانَتِ التَّوْبَةُ عَنْها أشَدَّ قَبُولًا.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: رُوِيَ أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ أهْلُ اليَمَنِ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُ أكْبَرُ جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، وجاءَ أهْلُ اليَمَنِ قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمُ الإيمانُ يَمانٍ والفِقْهُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَّةٌ»، وقالَ: «أجِدُ نَفَسَ رَبِّكم مِن قِبَلِ اليَمَنِ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ إيمانَ المُقَلِّدِ صَحِيحٌ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِصِحَّةِ إيمانِ أُولَئِكَ الأفْواجِ وجَعَلَهُ مِن أعْظَمِ المِنَنِ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إيمانُهم صَحِيحًا لَما ذَكَرَهُ في هَذا المَعْرِضِ، ثُمَّ إنّا نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ حُدُوثَ الأجْسادِ بِالدَّلِيلِ ولا إثْباتَ كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الجِسْمِيَّةِ والمَكانِ والحَيِّزِ ولا إثْباتَ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها ولا إثْباتَ قِيامِ المُعْجِزِ التّامِّ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا إثْباتَ أنَّ قِيامَ المُعْجِزِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، والعِلْمُ بِأنَّ أُولَئِكَ الأعْرابَ ما كانُوا عالِمِينَ بِهَذِهِ الدَّقائِقِ ضَرُورِيٌّ، فَعَلِمْنا أنَّ إيمانَ المُقَلِّدِ
صفحة ١٤٥
صَحِيحٌ، ولا يُقالُ: إنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأُصُولِ دَلائِلِ هَذِهِ المَسائِلِ؛ لِأنَّ أُصُولَ هَذِهِ الدَّلائِلِ ظاهِرَةٌ، بَلْ إنَّما كانُوا جاهِلِينَ بِالتَّفاصِيلِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِ الإنْسانِ مُسْتَدِلًّا كَوْنُهُ عالِمًا بِهَذِهِ التَّفاصِيلِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الدَّلِيلَ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، فَإنَّ الدَّلِيلَ إذا كانَ مَثَلًا مُرَكَّبًا مِن عَشْرِ مُقَدِّماتٍ، فَمَن عَلِمَ تِسْعَةً مِنها، وكانَ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ مُقَلِّدًا كانَ في النَّتِيجَةِ مُقَلِّدًا لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ فَرْعَ التَّقْلِيدِ أوْلى أنْ يَكُونَ تَقْلِيدًا، وإنْ كانَ عالِمًا بِمَجْمُوعِ تِلْكَ المُقَدِّماتِ العَشْرَةِ اسْتَحالَ كَوْنُ غَيْرِهِ أعْرَفَ مِنهُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ لِأنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ إنْ كانَتْ جُزْءًا مُعْتَبَرًا في دَلالَةِ هَذا الدَّلِيلِ لَمْ تَكُنِ المُقْدِماتُ العَشَرَةُ الأُولى تَمامَ الدَّلِيلِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ مَعَها مِن هَذِهِ المُقَدِّمَةِ الزّائِدَةِ، وقَدْ كُنّا فَرَضْنا تِلْكَ العَشَرَةَ كافِيَةً، وإنْ لَمْ تَكُنِ الزِّيادَةُ مُعْتَبَرَةً في دَلالَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ كانَ ذَلِكَ أمْرًا مُنْفَصِلًا عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ في كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ المَدْلُولِ، فَثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الدَّلِيلِ دَلِيلًا لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ الأعْرابَ كانُوا عالِمِينَ بِجَمِيعِ مُقَدِّماتِ دَلائِلِ هَذِهِ المَسائِلِ بِحَيْثُ ما شَذَّ عَنْهم مِن تِلْكَ المُقَدِّماتِ واحِدَةٌ، وذَلِكَ مُكابَرَةٌ أوْ ما كانُوا كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّهم كانُوا مُقَلِّدِينَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ أقْبَلَتِ العَرَبُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَقالُوا: إذا ظَفِرَ بِأهْلِ الحَرَمِ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ، وقَدْ كانَ اللَّهُ أجارَهم مِن أصْحابِ الفِيلِ، وكُلِّ مَن أرادَهم بِسُوءٍ ثُمَّ أخَذُوا يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ أفْواجًا مِن غَيْرِ قِتالٍ، هَذا ما رَواهُ الحَسَنُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِأنَّهُ لَمّا ظَفِرَ بِأهْلِ مَكَّةَ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَعَلِمْنا أنَّهم ما كانُوا مُسْتَدِلِّينَ بَلْ مُقَلِّدِينَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دِينُ اللَّهِ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ولِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ولِلدِّينِ أسْماءٌ أُخْرى، مِنها الإيمانُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ومِنها الصِّراطُ قالَ تَعالى: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣] ومِنها كَلِمَةُ اللَّهِ، ومِنها النُّورُ: ﴿لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] ومِنها الهُدى لِقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [النحل: ٩٣] ومِنها العُرْوَةُ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [لقمان: ٢٢] ومِنها الحَبْلُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] ومِنها صِبْغَةُ اللَّهِ، وفِطْرَةُ اللَّهِ، وإنَّما قالَ: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: في دِينِ الرَّبِّ، ولا سائِرَ الأسْماءِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا الِاسْمَ أعْظَمُ الأسْماءِ لِدَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ والصِّفاتِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا الدِّينُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَصْلَةٌ سِوى أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَإنَّهُ يَكُونُ واجِبَ القَبُولِ.
والثّانِي: لَوْ قالَ: دِينُ الرَّبِّ لَكانَ يُشْعِرُ ذَلِكَ بِأنَّ هَذا الدِّينَ إنَّما يَجِبُ عَلَيْكَ قَبُولُهُ لِأنَّهُ رَبّاكَ، وأحْسَنَ إلَيْكَ وحِينَئِذٍ تَكُنْ طاعَتُكَ لَهُ مُعَلَّلَةً بِطَلَبِ النَّفْعِ، فَلا يَكُونُ الإخْلاصُ حاصِلًا، فَكَأنَّهُ يَقُولُ أخْلِصِ الخِدْمَةَ بِمُجَرَّدِ أنِّي إلَهٌ لا لِنَفْعٍ يَعُودُ إلَيْكَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الفَوْجُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ كانَتْ تَدْخُلُ فِيهِ القَبِيلَةُ بِأسْرِها بَعْدَما كانُوا يَدْخُلُونَ فِيهِ واحِدًا واحِدًا واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، «وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ بَكى ذاتَ يَوْمٍ فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ ؟ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: دَخَلَ النّاسُ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وسَيَخْرُجُونَ مِنهُ أفْواجًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ السَّلْبِ بَعْدَ العَطاءِ» .
النصر 110:3
صفحة ١٤٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ ثُمَّ بِالحَمْدِ ثُمَّ بِالِاسْتِغْفارِ، ولِهَذا التَّرْتِيبِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ تَأْخِيرَ النَّصْرِ سِنِينَ مَعَ أنَّ مُحَمَّدًا كانَ عَلى الحَقِّ مِمّا يَثْقُلُ عَلى القَلْبِ ويَقَعُ في القَلْبِ أنِّي إذا كُنْتُ عَلى الحَقِّ فَلِمَ لا تَنْصُرُنِي ؟ ولِمَ سَلَّطْتَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ عَلَيَّ ؟ فَلِأجْلِ الِاعْتِذارِ عَنْ هَذا الخاطِرِ أُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ، أمّا عَلى قَوْلِنا: فالمُرادُ مِن هَذا التَّنْزِيهِ أنَّكَ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَسْتَحِقَّ أحَدٌ عَلَيْكَ شَيْئًا بَلْ كُلُّ ما تَفْعَلُهُ فَإنَّما تَفْعَلُهُ بِحُكْمِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ، فَلَكَ أنْ تَفْعَلَ ما تَشاءُ كَما تَشاءُ فَفائِدَةُ التَّسْبِيحِ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ أحَدٌ شَيْئًا، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: ما فائِدَةُ التَّنْزِيهِ هو أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّ ذَلِكَ التَّأْخِيرَ كانَ بِسَبَبِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ لا بِسَبَبِ البُخْلِ وتَرْجِيحِ الباطِلِ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ إذا فَرَغَ العَبْدُ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَنْبَغِي فَحِينَئِذٍ يَشْتَغِلُ بِحَمْدِهِ عَلى ما أعْطى مِنَ الإحْسانِ والبِرِّ، ثُمَّ حِينَئِذٍ يَشْتَغِلُ بِالِاسْتِغْفارِ لِذُنُوبِ نَفْسِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ لِلسّائِرِينَ طَرِيقَيْنِ فَمِنهم مَن قالَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ بَعْدَهُ، ومِنهم مَن قالَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ أكْمَلُ، أمّا بِحَسَبِ المَعالِمِ الحِكْمِيَّةِ، فَلِأنَّ النُّزُولَ مِنَ المُؤَثِّرِ إلى الأثَرِ أجَلُّ مَرْتَبَةً مِنَ الصُّعُودِ مِنَ الأثَرِ إلى المُؤَثِّرِ، وأمّا بِحَسَبِ أفْكارِ أرْبابِ الرِّياضاتِ فَلِأنَّ يَنْبُوعَ النُّورِ هو واجِبُ الوُجُودِ ويَنْبُوعَ الظُّلْمَةِ مُمْكِنُ الوُجُودِ، فالِاسْتِغْراقُ في الأوَّلِ يَكُونُ أشْرَفَ لا مَحالَةَ، ولِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالأصْلِ عَلى التَّبَعِ يَكُونُ أقْوى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالتَّبَعِ عَلى الأصْلِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ الطَّرِيقَيْنِ وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدَّمَ الِاشْتِغالَ بِالخالِقِ عَلى الِاشْتِغالِ بِالنَّفْسِ فَذَكَرَ أوَّلًا مِنَ الخالِقِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: التَّسْبِيحُ.
والثّانِي: التَّحْمِيدُ، ثُمَّ ذَكَرُوا في المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ الِاسْتِغْفارَ وهو حالَةٌ مَمْزُوجَةٌ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الخالِقِ وإلى الخَلْقِ.
واعْلَمْ أنَّ صِفاتِ الحَقِّ مَحْصُورَةٌ في السَّلْبِ والإيجابِ والنَّفْيِ والإثْباتِ، والسُّلُوبُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الإيجاباتِ فالتَّسْبِيحُ إشارَةٌ إلى التَّعَرُّضِ لِلصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي لِواجِبِ الوُجُودِ وهي صِفاتُ الجَلالِ، والتَّحْمِيدُ إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ الثُّبُوتِيَّةِ لَهُ، وهي صِفاتُ الإكْرامِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ الجَلالِ عَلى الإكْرامِ، ولَمّا أشارَ إلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ بِمَعْرِفَةِ واجِبِ الوُجُودِ نَزَلَ مِنهُ إلى الِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ فِيهِ رُؤْيَةُ قُصُورِ النَّفْسِ، وفِيهِ رُؤْيَةُ جُودِ الحَقِّ، وفِيهِ طَلَبٌ لِما هو الأصْلَحُ والأكْمَلُ لِلنَّفْسِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ بِقَدْرِ اشْتِغالِ العَبْدِ بِمُطالَعَةِ غَيْرِ اللَّهِ يَبْقى مَحْرُومًا عَنْ مُطالَعَةِ حَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ، فَلِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ أخَّرَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفارِ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ إرْشادٌ لِلْبَشَرِ إلى التَّشَبُّهِ بِالمَلَكِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أعْلى كُلِّ نَوْعٍ أسْفَلُ مُتَّصِلٌ بِأسْفَلِ النَّوْعِ الأعْلى ولِهَذا قِيلَ: آخِرُ مَراتِبِ الإنْسانِيَّةِ أوَّلُ مَراتِبِ المَلَكِيَّةِ ثُمَّ المَلائِكَةُ ذَكَرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَقَوْلُهُ هَهُنا: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّشَبُّهِ بِالمَلائِكَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقَوْلُهُ هَهُنا: (واسْتَغْفِرْهُ) إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ لِأنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ أيْ نَجْعَلُ أنْفُسَنا مُقَدِّسَةً لِأجْلِ رِضاكَ، والِاسْتِغْفارُ يَرْجِعُ مَعْناهُ أيْضًا إلى تَقْدِيسِ النَّفْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُمُ ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنَّهم سَبَّحُوا بِحَمْدِي ورَأوْا ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِمْ، وأمّا أنْتَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِي، واسْتَغْفِرْ مِن أنْ تَرى تِلْكَ الطّاعَةَ مِن نَفْسِكَ بَلْ يَجِبُ أنْ تَراها مِن تَوْفِيقِي وإحْسانِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المَلائِكَةُ كَما قالُوا في حَقِّ أنْفُسِهِمْ:
صفحة ١٤٧
﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ قالَ اللَّهُ في حَقِّهِمْ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ اسْتَغْفِرْ لِلَّذِينِ جاءُوا أفْواجًا كالمَلائِكَةِ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا ويَقُولُونَ: رَبَّنا ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] .
الوَجْهُ الرّابِعُ: التَّسْبِيحُ هو التَّطْهِيرُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ طَهِّرِ الكَعْبَةَ مِنَ الأصْنامِ وكَسِّرْها ثُمَّ قالَ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقْدامُكَ عَلى ذَلِكَ التَّطْهِيرِ بِواسِطَةِ الِاسْتِغْفارِ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وإعانَتِهِ وتَقْوِيَتِهِ، ثُمَّ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَرى نَفْسَكَ آتِيًا بِالطّاعَةِ اللّائِقَةِ بِهِ، بَلْ يَجِبُ أنْ تَرى نَفْسَكَ في هَذِهِ الحالَةِ مُقَصِّرَةً، فاطْلُبِ الِاسْتِغْفارَ عَنْ تَقْصِيرِكَ في طاعَتِهِ.
والوَجْهُ الخامِسُ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إمّا أنْ تَكُونَ مَعْصُومًا أوْ لَمْ تَكُنْ مَعْصُومًا فَإنْ كُنْتَ مَعْصُومًا فاشْتَغِلْ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَعْصُومًا فاشْتَغِلْ بِالِاسْتِغْفارِ، فَتَكُونُ الآيَةُ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا فَراغَ عَنِ التَّكْلِيفِ في العُبُودِيَّةِ كَما قالَ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ مِنَ التَّسْبِيحِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ذَكَرَ اللَّهَ بِالتَّنَزُّهِ، سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَقالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وأصْلُهُ مِن سَبَحَ فَإنَّ السّابِحَ يَسْبَحُ في الماءِ كالطَّيْرِ في الهَواءِ ويَضْبُطُ نَفْسَهُ مِن أنْ يَرْسُبَ فِيهِ فَيَهْلِكَ أوْ يَتَلَوَّثَ مِن مَقَرِّ الماءِ ومَجْراهُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّبْعِيدِ لِأنَّكَ تُسَبِّحُهُ أيْ تُبْعِدُهُ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وإنَّما حَسُنَ اسْتِعْمالُهُ في تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِن صِفاتِ الذّاتِ والفِعْلِ نَفْيًا وإثْباتًا لِأنَّ السَّمَكَةَ كَما أنَّها لا تَقْبَلُ النَّجاسَةَ فَكَذا الحَقُّ سُبْحانَهُ لا يَقْبَلُ ما لا يَنْبَغِي البَتَّةَ فاللَّفْظُ يُفِيدُ التَّنْزِيهَ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ وارِدٌ في القُرْآنِ بِمَعْنى الصَّلاةِ قالَ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وقالَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] والَّذِي يُؤَكِّدُهُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، «وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ في آخِرِ مَرَضِهِ يَقُولُ: الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم جَعَلَ يُلَجْلِجُها في صَدْرِهِ وما يَقْبِضُ بِها لِسانَهُ»، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: عُنِيَ بِهِ صَلاةُ الشُّكْرِ صَلّاها يَوْمَ الفَتْحِ ثَمانِ رَكَعاتٍ وقالَ آخَرُونَ: هي صَلاةُ الضُّحى، وقالَ آخَرُونَ: صَلّى ثَمانِ رَكَعاتٍ أرْبَعَةٌ لِلشُّكْرِ، وأرْبَعَةٌ الضُّحى، وتَسْمِيَةُ الصَّلاةِ بِالتَّسْبِيحِ لِما أنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْهُ وفِيهِ تَنْبِيهٌ: عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ صَلاتِكَ عَنْ أنْواعِ النَّقائِصِ في الأقْوالِ والأفْعالِ، واحْتَجَّ أصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ بِالأخْبارِ الكَثِيرَةِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ، رَوَتْ عائِشَةُ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ»، وقالَتْ أيْضًا: «كانَ الرَّسُولُ يَقُولُ كَثِيرًا في رُكُوعِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»، وعَنْها أيْضًا «كانَ نَبِيُّ اللَّهِ في آخِرِ أمْرِهِ لا يَقُومُ ولا يَقْعُدُ ولا يَذْهَبُ ولا يَجِيءُ إلّا قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تُكْثِرُ مِن قَوْلِكَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ قالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِها، وقَرَأ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ»﴾ .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الغَفُورُ»
ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» .
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَضْلِ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ حَيْثُ جُعِلَ كافِيًا في أداءِ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِن شُكْرِ نِعْمَةِ النَّصْرِ والفَتْحِ، ولِمَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ: الصَّوْمُ لِي مِن أعْظَمِ الفَضائِلِ لِلصَّوْمِ فَإنَّهُ أضافَهُ إلى ذاتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ جَعَلَ صَدَفَ الصَّلاةِ مُساوِيًا لِلصَّوْمِ في هَذا التَّشْرِيفِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ أفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ بِكَثِيرٍ، ثُمَّ إنَّ الصَّلاةَ صَدَفٌ لِلْأذْكارِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، والثَّناءُ عَلَيْهِ مِمّا مَدَحَهُ مَعْلُومٌ عَقْلًا وشَرْعًا أمّا كَيْفِيَّةُ الصَّلاةِ فَلا
صفحة ١٤٨
سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالشَّرْعِ ولِذَلِكَ جُعِلَتِ الصَّلاةُ كالمُرَصَّعَةِ مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّكْبِيرِ، فَإنْ قِيلَ: عَدَمُ وُجُوبِ التَّسْبِيحاتِ يَقْتَضِي أنَّها أقَلُّ دَرَجَةً مِن سائِرِ أعْمالِ الصَّلاةِ، قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ سائِرَ أفْعالِ الصَّلاةِ مِمّا لا يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ فاحْتِيجَ فِيها إلى الإيجابِ، أمّا التَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ فالعَقْلُ داعٍ إلَيْهِ والرُّوحُ عاشِقٌ عَلَيْهِ فاكْتَفى بِالحُبِّ الطَّبِيعِيِّ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا﴾ [البقرة: ١٦٥] .
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: (فَسَبِّحْ) أمْرٌ والأمْرُ المُطْلَقُ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ الفُقَهاءِ، ومَن قالَ: الأمْرُ المُطْلَقُ لِلنَّدْبِ قالَ: إنَّهُ هَهُنا لِلْوُجُوبِ بِقَرِينَةِ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ الِاسْتِغْفارَ، والِاسْتِغْفارُ واجِبٌ ومِن حَقِّ العَطْفِ التَّشْرِيكُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وثالِثُها: أنَّها لَوْ وجَبَتْ لَكانَ العِقابُ الحاصِلُ بِتَرْكِها أعْظَمَ إظْهارًا لِمَزِيدِ تَعْظِيمِها فَتَرَكَ الإيجابَ خَوْفًا مِن هَذا المَحْذُورِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا الحَمْدُ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وأمّا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ أيْ قُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، مُتَعَجِّبًا مِمّا أراكَ مِن عَجِيبِ إنْعامِهِ أيِ اجْمَعْ بَيْنَهُما تَقُولُ: شَرِبْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ إذا جَمَعْتَ بَيْنَهُما خَلْطًا وشُرْبًا.
وثانِيها: إنَّكَ إذا حَمِدْتَ اللَّهَ فَقَدْ سَبَّحْتَهُ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ داخِلٌ في الحَمْدِ؛ لِأنَّ الثَّناءَ عَلَيْهِ والشُّكْرَ لَهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَضَمَّنَ تَنْزِيهَهُ عَنِ النَّقائِصِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ إلّا إذا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقْصِ ولِذَلِكَ جَعَلَ مِفْتاحَ القُرْآنِ بِالحَمْدِ لِلَّهِ وعِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَ عَبْدَهُ، ولَمْ يَفْتَتِحْ كَلامَهُ بِالتَّسْبِيحِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ مَعْناهُ سَبِّحْهِ بِواسِطَةِ أنْ تَحْمَدَهُ أيْ سَبِّحْهِ بِهَذا الطَّرِيقِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ حالًا، ومَعْناهُ سَبِّحْ حامِدًا كَقَوْلِكَ: اخْرُجْ بِسِلاحِكَ أيْ مُتَسَلِّحًا.
ورابِعُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ سَبِّحْ مُقَدِّرًا أنْ تَحْمَدَ بَعْدَ التَّسْبِيحِ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا يَتَأتّى لَكَ الجَمْعُ لَفْظًا فاجْمَعْهُما نِيَّةً كَما أنَّكَ يَوْمَ النَّحْرِ تَنْوِي الصَّلاةَ مُقَدِّرًا أنْ تَنْحَرَ بَعْدَها، فَيَجْتَمِعُ لَكَ الثَّوابانِ في تِلْكَ السّاعَةِ كَذا هَهُنا.
وخامِسُها: أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي الَّتِي في قَوْلِكَ: فَعَلْتُ هَذا بِفَضْلِ اللَّهِ، أيْ سَبِّحْهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وإرْشادِهِ وإنْعامِهِ، لا بِحَمْدِ غَيْرِهِ، ونَظِيرُهُ في حَدِيثِ الإفْكِ قَوْلُ عائِشَةَ: ”بِحَمْدِ اللَّهِ لا بِحَمْدِكَ“ والمَعْنى: فَسَبِّحْهُ بِحَمْدِهِ، فَإنَّهُ الَّذِي هَداكَ دُونَ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى الحَمْدِ لِلَّهِ» .
وسادِسُها: رَوى السُّدِّيُّ: بِحَمْدِ رَبِّكَ، أيْ بِأمْرِ رَبِّكَ.
وسابِعُها: أنْ تَكُونَ الباءُ صِلَةً زائِدَةً، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: سَبِّحْ حَمْدَ رَبِّكَ، ثُمَّ فِيهِ احْتِمالاتٌ:
أحَدُها: اخْتَرْ لَهُ أطْهَرَ المَحامِدِ وأزْكاها.
والثّانِي: طَهِّرْ مَحامِدَ رَبِّكَ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، والتَّوَسُّلِ بِذِكْرِها إلى الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ الفاسِدَةِ.
والثّالِثُ: طَهِّرْ مَحامِدَ رَبِّكَ عَنْ أنْ تَقُولَ: جِئْتُ بِها كَما يَلِيقُ بِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
وثامِنُها: أيِ ائْتِ بِالتَّسْبِيحِ بَدَلًا عَنِ الحَمْدِ الواجِبِ عَلَيْكَ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَمْدَ إنَّما يَجِبُ في مُقابَلَةِ النِّعَمِ، ونِعَمُ اللَّهِ عَلَيْنا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَحَمْدُها لا يَكُونُ في وُسْعِ البَشَرِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنْتَ عاجِزٌ عَنِ الحَمْدِ، فَأْتِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ بَدَلًا عَنِ الحَمْدِ.
وتاسِعُها: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ أمْرانِ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ أحَدِهِما عَنِ الثّانِي، ولا يُتَصَوَّرُ أيْضًا أنْ يُؤْتى بِهِما مَعًا، فَنَظِيرُهُ مَن ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ وحَقُّ الرَّدِّ بِالعَيْبِ وجَبَ أنْ يَقُولَ: اخْتَرْتُ الشُّفْعَةَ بِرَدِّي ذَلِكَ المَبِيعَ، كَذا قالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ لِيَقَعا مَعًا، فَيَصِيرَ حامِدًا مُسَبِّحًا في وقْتٍ واحِدٍ مَعًا.
وعاشِرُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ سَبِّحْ قَلْبَكَ، أيْ طَهِّرْ قَلْبَكَ بِواسِطَةِ مُطالَعَةِ حَمْدِ رَبِّكَ، فَإنَّكَ إذا رَأيْتَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، فَقَدْ طَهَّرْتَ قَلْبَكَ عَنِ الِالتِفاتِ إلى نَفْسِكَ وجُهْدِكَ، فَقَوْلُهُ: (فَسَبِّحْ) إشارَةٌ إلى نَفْيِ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ إشارَةٌ
صفحة ١٤٩
إلى رُؤْيَةِ كُلِّ الأشْياءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: (واسْتَغْفِرْهُ) وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَمَنّى أنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ آذاهُ، ويَسْألَ اللَّهَ أنْ يَنْصُرَهُ، فَلَمّا سَمِعَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ اسْتَبْشَرَ، لَكِنْ لَوْ قَرَنَ بِهَذِهِ البِشارَةِ شَرْطَ أنْ لا يَنْتَقِمَ لَتَنَغَّصَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ البِشارَةُ، فَذَكَرَ لَفْظَ النّاسِ وأنَّهم يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ وأمَرَهُ بِأنْ يَسْتَغْفِرَ لِلدّاخِلِينَ، لَكِنْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِمَن لا ذَنْبَ لَهُ لا يَحْسُنُ فَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّهُ تَعالى نَدَبَهُ إلى العَفْوِ وتَرْكِ الِانْتِقامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَشْتَغِلَ بِالِانْتِقامِ مِنهم ؟ ثُمَّ خَتَمَ بِلَفْظِ التَّوّابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ حِرْفَتُهُ فَكُلُّ مَن طَلَبَ مِنهُ التَّوْبَةَ أعْطاهُ كَما أنَّ البَيّاعَ حِرْفَتُهُ بَيْعُ الأمْتِعَةِ الَّتِي عِنْدَهُ فَكُلُّ مَن طَلَبَ مِنهُ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأمْتِعَةِ باعَهُ مِنهُ، سَواءٌ كانَ المُشْتَرِي عَدُوًّا أوْ ولِيًّا، فَكَذا الرَّبُّ سُبْحانَهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ سَواءٌ كانَ التّائِبُ مَكِّيًّا أوْ مَدَنِيًّا، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ امْتَثَلَ أمْرَ الرَّبِّ تَعالى فَحِينَ قالُوا لَهُ: أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ قالَ لَهم: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] أيْ أمَرَنِي أنْ أسْتَغْفِرَ لَكم فَلا يَجُوزُ أنْ يَرُدَّنِي.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: (واسْتَغْفِرْهُ) إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِنَفْسِكَ أوْ لِأُمَّتِكَ، فَإنْ كانَ المُرادُ هو الأوَّلَ فَهو يَتَفَرَّعُ عَلى أنَّهُ هَلْ صَدَرَتْ عَنْهُ مَعْصِيَةٌ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ: صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ ذَكَرَ في فائِدَةِ الِاسْتِغْفارِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ كَثْرَةُ الِاسْتِغْفارِ مِنهُ تُؤَثِّرُ في جَعْلِ ذَنْبِهِ صَغِيرَةً.
وثانِيها: لَزِمَهُ الِاسْتِغْفارُ لِيَنْجُوَ عَنْ ذَنْبِ الإصْرارِ
وثالِثُها: لَزِمَ الِاسْتِغْفارُ لِيَصِيرَ الِاسْتِغْفارُ جابِرًا لِلذَّنْبِ الصَّغِيرِ فَلا يَنْتَقِضُ مِن ثَوابِهِ شَيْءٌ أصْلًا، وأمّا مَن قالَ: ما صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ فَذَكَرَ في هَذا الِاسْتِغْفارِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ اسْتِغْفارَ النَّبِيِّ جارٍ مُجْرى التَّسْبِيحِ وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ اللَّهَ بِأنَّهُ غَفّارٌ.
وثانِيها: تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ إذْ لا يَأْمَنُ كُلُّ مُكَلَّفٍ عَنْ تَقْصِيرٍ يَقَعُ مِنهُ في عِبادَتِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مَعَ شِدَّةِ اجْتِهادِهِ وعِصْمَتِهِ ما كانَ يَسْتَغْنِي عَنِ الِاسْتِغْفارِ فَكَيْفَ مَن دُونَهُ ؟ .
وثالِثُها: أنَّ الِاسْتِغْفارَ كانَ عَنْ تَرْكِ الأفْضَلِ.
ورابِعُها: أنَّ الِاسْتِغْفارَ كانَ بِسَبَبِ أنَّ كُلَّ طاعَةٍ أتى بِها العَبْدُ فَإذا قابَلَها بِإحْسانِ الرَّبِّ وجَدَها قاصِرَةً عَنِ الوَفاءِ بِأداءِ شُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِأجْلِ ذَلِكَ.
وخامِسُها: الِاسْتِغْفارُ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ الواقِعِ في السُّلُوكِ؛ لِأنَّ السّائِرَ إلى اللَّهِ إذا وصَلَ إلى مَقامٍ في العُبُودِيَّةِ، ثُمَّ تَجاوَزَ عَنْهُ فَبَعْدَ تَجاوُزِهِ عَنْهُ يَرى ذَلِكَ المَقامَ قاصِرًا فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْهُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ السَّيْرِ إلى اللَّهِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا الِاسْتِغْفارِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ.
أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ واسْتَغْفِرْهُ لِذَنْبِ أُمَّتِكَ فَهو أيْضًا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لِذَنْبِ أُمَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] فَهَهُنا لَمّا كَثُرَتِ الأُمَّةُ صارَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ أوْجَبَ وأهَمَّ، وهَكَذا إذا قُلْنا: المُرادُ هَهُنا أنْ يَسْتَغْفِرَ لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ التَّوْبَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى جَمِيعِ الطّاعاتِ، ثُمَّ الحَمْدُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّسْبِيحِ؛ لِأنَّ الحَمْدَ يَكُونُ بِسَبَبِ الإنْعامِ، والإنْعامُ كَما يَصْدُرُ عَنِ المُنَزَّهِ فَقَدْ يَصْدُرُ عَنْ غَيْرِهِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ الِابْتِداءُ بِالِاسْتِغْفارِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَذْكُرُ الحَمْدَ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَذْكُرُ التَّسْبِيحَ، فَما السَّبَبُ في أنْ صارَ مَذْكُورًا عَلى العَكْسِ مِن هَذا التَّرْتِيبِ ؟
وجَوابُهُ: مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: لَعَلَّهُ ابْتَدَأ بِالأشْرَفِ، فالأشْرَفِ نازِلًا إلى الأخَسِّ فالأخَسِّ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النُّزُولَ مِنَ الخالِقِ إلى الخَلْقِ أشْرَفُ مِنَ الصُّعُودِ مِنَ الخَلْقِ إلى الخالِقِ.
وثانِيها: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ الصّادِرَ عَنِ العَبْدِ إذا صارَ مُقابَلًا بِجَلالِ اللَّهِ وعِزَّتِهِ صارَ عَيْنَ الذَّنْبِ، فَوَجَبَ الِاسْتِغْفارُ مِنهُ.
وثالِثُها: التَّسْبِيحُ والحَمْدُ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والِاسْتِغْفارُ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ
صفحة ١٥٠
[ اللَّهِ ]، والأوَّلُ كالصَّلاةِ، والثّانِي كالزَّكاةِ، وكَما أنَّ الصَّلاةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى الزَّكاةِ، فَكَذا هَهُنا.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإعْلانُ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِإبْلاغِ السُّورَةِ إلى كُلِّ الأُمَّةِ حَتّى يَبْقى نَقْلُ القُرْآنِ مُتَواتِرًا، وحَتّى نَعْلَمَ أنَّهُ أحْسَنَ القِيامَ بِتَبْلِيغِ الوَحْيِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الإتْيانُ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ عَلى وجْهِ الإظْهارِ لِيَحْصُلَ هَذا الغَرَضُ.
وثانِيها: أنَّهُ مِن جُمْلَةِ المَقاصِدِ أنْ يَصِيرَ الرَّسُولُ قُدْوَةً لِلْأُمَّةِ حَتّى يَفْعَلُوا عِنْدَ النِّعْمَةِ والمِحْنَةِ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ مِن تَجْدِيدِ الشُّكْرِ والحَمْدِ عِنْدَ تَجْدِيدِ النِّعْمَةِ.
وثالِثُها: أنَّ الأغْلَبَ في الشّاهِدِ أنْ يَأْتِيَ بِالحَمْدِ في ابْتِداءِ الأمْرِ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالحَمْدِ والِاسْتِغْفارِ دائِمًا، وفي كُلِّ حِينٍ وأوانٍ لِيَقَعَ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: واسْتَغْفِرْهُ حِينَ نُعِيَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ لِيَفْعَلَ الأُمَّةُ عِنْدَ اقْتِرابِ آجالِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
أحَدُها: وهو أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ عَلى الماضِي وحاجَتُنا إلى قَبُولِهِ في المُسْتَقْبَلِ.
وثانِيها: هَلّا قالَ: غَفّارًا كَما قالَهُ: في سُورَةِ نُوحٍ ؟
وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: بِحَمْدِ اللَّهِ بَلْ قالَ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا أبْلَغُ كَأنَّهُ يَقُولُ: ألَسْتُ أثْنَيْتُ عَلَيْكم بِأنَّكم: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ثُمَّ مَن كانَ دُونَكم كُنْتُ أقْبَلُ تَوْبَتَهم كاليَهُودِ فَإنَّهم بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ، وفَلْقِ البَحْرِ ونَتْقِ الجَبَلِ، ونُزُولِ المَنِّ والسَّلْوى عَصَوْا رَبَّهم، وأتَوْا بِالقَبائِحِ، فَلَمّا تابُوا قَبِلْتُ تَوْبَتَهم فَإذا كُنْتُ قابِلًا لِلتَّوْبَةِ مِمَّنْ دُونَكم أفَلا أقْبَلُها مِنكم ؟
وثانِيها: مُنْذُ كَثِيرٍ كُنْتُ شَرَعْتُ في قَبُولِ تَوْبَةِ العُصاةِ والشُّرُوعُ مُلْزِمٌ عَلى قَبُولِ النُّعْمانِ فَكَيْفَ في كَرَمِ الرَّحْمَنِ ؟ .
وثالِثُها: كُنْتُ تَوّابًا قَبْلَ أنْ آمُرَكم بِالِاسْتِغْفارِ أفَلا أقْبَلُ وقَدْ أمَرْتُكم بِالِاسْتِغْفارِ ؟
ورابِعُها: كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى تَخْفِيفِ جِنايَتِهِمْ أيْ لَسْتُمْ بِأوَّلِ مَن جَنى وتابَ بَلْ هو حِرْفَتِي، والجِنايَةُ مُصِيبَةٌ لِلِجانِي والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.
وخامِسُها: كَأنَّهُ نَظِيرُ ما يُقالُ:
لَقَدْ أحْسَنَ اللَّهُ فِيما مَضى كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيما بَقِي
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: لَعَلَّهُ خَصَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِزِيادَةِ شَرَفٍ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ في صِفاتِ العَبْدِ غَفّارٌ، ويُقالُ: تَوّابٌ إذا كانَ آتِيًا بِالتَّوْبَةِ، فَيَقُولُ تَعالى: كُنْتَ لِي سَمِيًّا مِن أوَّلِ الأمْرِ أنْتَ مُؤْمِنٌ، وأنا مُؤْمِنٌ، وإنْ كانَ المَعْنى مُخْتَلِفًا فَتُبْ حَتّى تَصِيرَ سَمِيًّا لِي آخِرَ الأمْرِ، فَأنْتَ تَوّابٌ، وأنا تَوّابٌ، ثُمَّ إنَّ التَّوّابَ في حَقِّ اللَّهِ، هو أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ كَثِيرًا فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ إتْيانُهُ بِالتَّوْبَةِ كَثِيرًا.
وثانِيها: إنَّما قِيلَ: تَوّابًا لِأنَّ القائِلَ قَدْ يَقُولُ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ولَيْسَ بِتائِبٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ”«المُسْتَغْفِرُ بِلِسانِهِ المُصِرُّ بِقَلْبِهِ كالمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ» “ إنْ قِيلَ: فَقَدْ يَقُولُ: أتُوبُ، ولَيْسَ بِتائِبٍ، قُلْنا: فَإذًا يَكُونُ كاذِبًا؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ اسْمٌ لِلرُّجُوعِ والنَّدَمِ، بِخِلافِ الِاسْتِغْفارِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ كاذِبًا فِيهِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الكَلامِ، واسْتَغْفِرْهُ بِالتَّوْبَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ خَواتِيمَ الأعْمالِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وكَذا خَواتِيمُ الأعْمالِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَجْلِسْ مَجْلِسًا إلّا خَتَمَهُ بِالِاسْتِغْفارِ
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ: أنَّهُ تَعالى راعى العَدْلَ فَذَكَرَ اسْمَ الذّاتِ مَرَّتَيْنِ وذَكَرَ اسْمَ الفِعْلِ مَرَّتَيْنِ؛ أحَدُهُما الرَّبُّ، والثّانِي التَّوّابُ، ولَمّا كانَتِ التَّرْبِيَةُ تَحْصُلُ أوَّلًا والتَّوّابِيَّةُ آخِرًا، لا جَرَمَ ذَكَرَ اسْمَ الرَّبِّ أوَّلًا واسْمَ التَّوّابِ آخِرًا.
* * *
صفحة ١٥١
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: الصَّحابَةُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ نَعْيٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُوِيَ «أنَّ العَبّاسَ عَرَفَ ذَلِكَ وبَكى فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما يُبْكِيكَ ؟ فَقالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ فَقالَ: الأمْرُ كَما تَقُولُ»، وقِيلَ: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ هو الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَقَدْ أُوتِيَ هَذا الغُلامُ عِلْمًا كَثِيرًا» .
رُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ يُعَظِّمُ ابْنَ عَبّاسٍ ويُقَرِّبُهُ ويَأْذَنُ لَهُ مَعَ أهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أتَأْذَنُ لِهَذا الفَتى مَعَنا، وفي أبْنائِنا مَن هو مِثْلُهُ ؟ فَقالَ: لِأنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأذِنَ لَهم ذاتَ يَوْمٍ وأذِنَ لِي مَعَهم فَسَألَهم عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وكَأنَّهُ ما سَألَهم إلّا مِن أجْلِي فَقالَ بَعْضُهم: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إذا فَتَحَ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ ويَتُوبَ إلَيْهِ، فَقُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ ولَكِنْ نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ فَقالَ عُمَرُ: ما أعْلَمُ مِنها إلّا مِثْلَ ما تَعْلَمُ، ثُمَّ قالَ: كَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلَيْهِ بَعْدَ ما تَرَوْنَ ؟
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ خَطَبَ وقالَ: ”«إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيا وبَيْنَ لِقائِهِ والآخِرَةِ فاخْتارَ لِقاءَ اللَّهِ» “ فَقالَ السّائِلُ: وكَيْفَ دَلَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى هَذا المَعْنى ؟
الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: إنَّما عَرَفُوا ذَلِكَ لِما رَوَيْنا أنَّ الرَّسُولَ خَطَبَ عَقِيبَ السُّورَةِ وذَكَرَ التَّخْيِيرَ.
وثانِيها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حُصُولَ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولَ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى حُصُولِ الكَمالِ والتَّمامِ، وذَلِكَ يَعْقُبُهُ الزَّوالُ كَما قِيلَ:
إذا تَمَّ شَيْءٌ دَنا نَقْصُهُ تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ تَمَّ
وثالِثُها: أنَّهُ أمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ والِاسْتِغْفارِ مُطْلَقًا واشْتِغالُهُ بِهِ يَمْنَعُهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِأمْرِ الأُمَّةِ فَكانَ هَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أمْرَ التَّبْلِيغِ قَدْ تَمَّ وكَمُلَ، وذَلِكَ يُوجِبُ المَوْتَ؛ لِأنَّهُ لَوْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لَكانَ كالمَعْزُولِ عَنِ الرِّسالَةِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: (واسْتَغْفِرْهُ) تَنْبِيهٌ عَلى قُرْبِ الأجَلِ كَأنَّهُ يَقُولُ قَرُبَ الوَقْتُ ودَنا الرَّحِيلُ فَتَأهَّبْ لِلْأمْرِ، ونَبَّهَهُ بِهِ عَلى أنَّ سَبِيلَ العاقِلِ إذا قَرُبَ أجَلُهُ أنْ يَسْتَكْثِرَ مِنَ التَّوْبَةِ.
وخامِسُها: كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: كانَ مُنْتَهى مَطْلُوبِكَ في الدُّنْيا هَذا الَّذِي وجَدْتَهُ، وهو النَّصْرُ والفَتْحُ والِاسْتِيلاءُ، واللَّهُ تَعالى وعَدَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ فَلَمّا وجَدْتَ أقْصى مُرادِكَ في الدُّنْيا فانْتَقِلْ إلى الآخِرَةِ لِتَفُوزَ بِتِلْكَ السَّعاداتِ العالِيَةِ.
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: ذَكَرْنا أنَّ الأصَحَّ هو أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ إلّا سِتِّينَ يَوْمًا مُسْتَدِيمًا لِلتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ، وقالَ مُقاتِلٌ: عاشَ بَعْدَها حَوْلًا ونَزَلَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَ آيَةُ الكَلالَةِ، فَعاشَ بَعْدَها خَمْسِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فَعاشَ بَعْدَها خَمْسَةً وثَلاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فَعاشَ بَعْدَها أحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وفي رِوايَةٍ أُخْرى عاشَ بَعْدَها سَبْعَةَ أيّامٍ، واللَّهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ ذَلِكَ.
المسد 111:1
صفحة ١٥٢
(سُورَةُ المَسَدِ) .
خَمْسُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ثُمَّ بَيَّنَ في سُورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أطاعَ رَبَّهُ وصَرَّحَ بِنَفْيِ عِبادَةِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ وأنَّ الكافِرَ عَصى رَبَّهُ واشْتَغَلَ بِعِبادَةِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلَهَنا ما ثَوابُ المُطِيعِ، وما عِقابُ العاصِي ؟ فَقالَ: ثَوابُ المُطِيعِ حُصُولُ النَّصْرِ والفَتْحِ والِاسْتِيلاءِ في الدُّنْيا والثَّوابُ الجَزِيلِ في العُقْبى، كَما دَلَّ عَلَيْهِ سُورَةُ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وأمّا عِقابُ العاصِي فَهو الخَسارُ في الدُّنْيا والعِقابُ العَظِيمُ في العُقْبى، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ سُورَةُ: (تَبَّتْ) ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلَهَنا أنْتَ الجَوادُ المُنَزَّهُ عَنِ البُخْلِ والقادِرُ المُنَزَّهُ عَنِ العَجْزِ، فَما السَّبَبُ في هَذا التَّفاوُتِ ؟ فَقالَ: ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلَهَنا فَإذا كانَ العَبْدُ مُذْنِبًا عاصِيًا فَكَيْفَ حالُهُ ؟
فَقالَ في الجَوابِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وإنْ كانَ مُطِيعًا مُنْقادًا كانَ جَزاؤُهُ أنَّ الرَّبَّ تَعالى يَكُونُ غَفُورًا لِسَيِّئاتِهِ في الدُّنْيا رَحِيمًا كَرِيمًا في الآخِرَةِ.
وذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَكْتُمُ أمْرَهُ في أوَّلِ المَبْعَثِ ويُصَلِّي في شِعابِ مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فَصَعِدَ الصَّفا ونادى يا آلَ غالِبٍ فَخَرَجَتْ إلَيْهِ غالِبٌ مِنَ المَسْجِدِ فَقالَ أبُو لَهَبٍ: هَذِهِ غالِبٌ قَدْ أتَتْكَ فَما عِنْدَكَ ؟ ثُمَّ نادى يا آلَ لُؤَيٍّ فَرَجَعَ مَن لَمْ يَكُنْ مِن لُؤَيٍّ فَقالَ أبُو لَهَبٍ: هَذِهِ لُؤَيٌّ قَدْ أتَتْكَ فَما عِنْدَكَ ؟ ثُمَّ قالَ يا آلَ مُرَّةَ فَرَجَعَ مَن لَمْ يَكُنْ مِن مُرَّةَ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: هَذِهِ مُرَّةُ قَدْ أتَتْكَ فَما عِنْدَكَ ؟ ثُمَّ قالَ يا آلَ كِلابٍ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: يا آلَ قُصَيٍّ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: هَذِهِ قُصَيٌّ قَدْ أتَتْكَ فَما عِنْدَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الأقْرَبِينَ وأنْتُمُ الأقْرَبُونَ، اعْلَمُوا أنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ الدُّنْيا حَظًّا ولا مِنَ الآخِرَةِ نَصِيبًا إلّا أنْ تَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأشْهَدُ بِها لَكم عِنْدَ رَبِّكم، فَقالَ أبُو لَهَبٍ عِنْدَ ذَلِكَ: تَبًّا لَكَ ألِهَذا دَعَوْتَنا ؟ فَنَزَلَتِ السُّورَةُ» .
وثانِيها: «رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَعِدَ الصَّفا ذاتَ يَوْمٍ وقالَ: يا صَباحاهُ فاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقالُوا: ما لَكَ ؟ قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ أخْبَرْتُكم أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكم أوْ مُمَسِّيكم أما كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي ؟ قالُوا: بَلى قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ
صفحة ١٥٣
شَدِيدٍ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ أبُو لَهَبٍ ما قالَ فَنَزَلَتِ السُّورَةُ» .
وثالِثُها: «أنَّهُ جَمَعَ أعْمامَهُ وقَدَّمَ إلَيْهِمْ طَعامًا في صَحْفَةٍ فاسْتَحْقَرُوهُ وقالُوا: إنَّ أحَدَنا يَأْكُلُ كُلَّ الشّاةِ، فَقالَ: كُلُوا فَأكَلُوا حَتّى شَبِعُوا ولَمْ يَنْقُصْ مِنَ الطَّعامِ إلّا اليَسِيرُ، ثُمَّ قالُوا: فَما عِنْدَكَ ؟ فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَقالَ أبُو لَهَبٍ ما قالَ»، ورُوِيَ أنَّهُ «قالَ أبُو لَهَبٍ: فَما لِي إنْ أسْلَمْتُ ؟ فَقالَ: ما لِلْمُسْلِمِينَ، فَقالَ: أفَلا أُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: بِماذا تُفَضَّلُ ؟ فَقالَ: تَبًّا لِهَذا الدِّينِ يَسْتَوِي فِيهِ أنا وغَيْرِي» .
ورابِعُها: كانَ إذا وفَدَ عَلى النَّبِيِّ وفْدٌ سَألُوا عَمَّهُ عَنْهُ وقالُوا: أنْتَ أعْلَمُ بِهِ فَيَقُولُ لَهم: إنَّهُ ساحِرٌ فَيَرْجِعُونَ عَنْهُ ولا يَلْقَوْنَهُ، فَأتاهُ وفْدٌ فَقالَ لَهم مِثْلَ ذَلِكَ فَقالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَراهُ، فَقالَ: إنّا لَمْ نَزَلْ نُعالِجُهُ مِنَ الجُنُونِ فَتَبًّا لَهُ وتَعْسًا، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَحَزِنَ، ونَزَلَتِ السُّورَةُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (تَبَّتْ) فِيهِ أقاوِيلُ:
أحَدُها: التَّبابُ الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُهم شابَّةٌ أمْ تابَّةٌ أيْ هالِكَةٌ مِنَ الهَرَمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ في هَلاكٍ، والَّذِي يُقَرِّرُ ذَلِكَ أنَّ الأعْرابِيَّ لَمّا واقَعَ أهْلَهُ في نَهارِ رَمَضانَ قالَ: هَلَكْتُ وأهْلَكْتُ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أنْكَرَ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ صادِقًا في ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ العَمَلَ إمّا أنْ يَكُونَ داخِلًا في الإيمانِ، أوْ إنْ كانَ داخِلًا لَكِنَّهُ أضْعَفُ أجْزائِهِ، فَإذا كانَ بِتَرْكِ العَمَلِ حَصَلَ الهَلاكُ، فَفي حَقِّ أبِي لَهَبٍ حَصَلَ تَرْكُ الِاعْتِقادِ والقَوْلِ والعَمَلِ، وحَصَلَ وُجُودُ الِاعْتِقادِ الباطِلِ، والقَوْلِ الباطِلِ، والعَمَلِ الباطِلِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ لا يَحْصُلَ مَعْنى الهَلاكِ، فَلِهَذا قالَ: (تَبَّتْ) .
وثانِيها: تَبَّتْ خَسِرَتْ، والتَّبابُ هو الخُسْرانُ المُفْضِي إلى الهَلاكِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أيْ: تَخْسِيرٍ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ.
وثالِثُها: تَبَّتْ خابَتْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّهُ كانَ يَدْفَعُ القَوْمَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ ساحِرٌ، فَيَنْصَرِفُونَ عَنْهُ قَبْلَ لِقائِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ شَيْخَ القَبِيلَةِ وكانَ لَهُ كالأبِ فَكانَ لا يُتَّهَمُ، فَلَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ وسَمِعَ بِها غَضِبَ وأظْهَرَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ فَصارَ مُتَّهَمًا فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ في الرَّسُولِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ خابَ سَعْيُهُ وبَطَلَ غَرَضُهُ، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ اليَدَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلى كَتِفِ الوافِدِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: انْصَرِفْ راشِدًا فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، فَإنَّ المُعْتادَ أنَّ مَن يَصْرِفُ إنْسانًا عَنْ مَوْضِعٍ وضَعَ يَدَهُ عَلى كَتِفِهِ ودَفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ.
ورابِعُها: عَنْ عَطاءٍ: تَبَّتْ أيْ: غَلَبَتْ لِأنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ يَدَهُ هي العُلْيا وأنَّهُ يُخْرِجُهُ مِن مَكَّةَ ويُذِلُّهُ ويَغْلِبُ عَلَيْهِ.
وخامِسُها: عَنِ ابْنِ وثّابٍ؛ صَفِرَتْ يَداهُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، وإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ ذِكْرِ اليَدِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ما يُرْوى أنَّهُ أخَذَ حَجَرًا لِيَرْمِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، رُوِيَ عَنْ طارِقٍ المُحارِبِيِّ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في السُّوقِ يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، ورَجُلٌ خَلْفَهُ يَرْمِيهِ بِالحِجارَةِ وقَدْ أدْمى عَقِبَيْهِ، [ وهو يَقُولُ ] لا تُطِيعُوهُ فَإنَّهُ كَذّابٌ، فَقُلْتُ: مَن هَذا ؟ فَقالُوا: مُحَمَّدٌ وعَمُّهُ أبُو لَهَبٍ» .
وثانِيها: المُرادُ مِنَ اليَدَيْنِ الجُمْلَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] ومِنهُ قَوْلُهم: يَداكَ أوْكَتا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ: (وتَبَّ) .
وثالِثُها: تَبَّتْ يَداهُ أيْ دِينُهُ ودُنْياهُ أُولاهُ وعُقْباهُ، أوْ لِأنَّ بِإحْدى اليَدَيْنِ تُجَرُّ المَنفَعَةُ، وبِالأُخْرى تُدْفَعُ المَضَرَّةُ، أوْ لِأنَّ اليُمْنى سِلاحٌ والأُخْرى جُنَّةٌ.
ورابِعُها: رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهُ نَهارًا فَأتى، فَلَمّا جَنَّ اللَّيْلُ ذَهَبَ إلى دارِهِ مَسْتَنًّا بِسُنَّةِ نُوحٍ لِيَدْعُوَهُ لَيْلًا كَما دَعاهُ نَهارًا، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ لَهُ: جِئْتَنِي مُعْتَذِرًا فَجَلَسَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ
صفحة ١٥٤
السَّلامُ أمامَهُ كالمُحْتاجِ، وجَعَلَ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ وقالَ: إنْ كانَ يَمْنَعُكَ العارُ، فَأجِبْنِي في هَذا الوَقْتِ واسْكُتْ، فَقالَ: لا أُومِنُ بِكَ حَتّى يُؤْمِنَ بِكَ هَذا الجَدْيُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْجَدْيِ: مَن أنا ؟ فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ وأطْلَقَ لِسانَهُ يُثْنِي عَلَيْهِ، فاسْتَوْلى الحَسَدُ عَلى أبِي لَهَبٍ، فَأخَذَ يَدَيِ الجَدْيِ ومَزَّقَهُ وقالَ: تَبًّا لَكَ أثَّرَ فِيكَ السِّحْرُ، فَقالَ الجَدْيُ: بَلْ تَبًّا لَكَ، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ عَلى وفْقِ ذَلِكَ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ لِتَمْزِيقِهِ يَدَيِ الجَدْيِ» .
وخامِسُها: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: يُرْوى أنَّ أبا لَهَبٍ كانَ يَقُولُ: يَعِدُنِي مُحَمَّدٌ أشْياءَ لا أرى أنَّها كائِنَةٌ يَزْعُمُ أنَّها بَعْدَ المَوْتِ، فَلَمْ يَضَعْ في يَدِي مِن ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ يَنْفُخُ في يَدَيْهِ ويَقُولُ: تَبًّا لَكُما ما أرى فِيكُما شَيْئًا، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ.
(وتَبَّ)
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (وتَبَّ) فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَ الأوَّلَ مَخْرَجَ الدُّعاءِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والثّانِيَ مَخْرَجَ الخَبَرِ أيْ كانَ ذَلِكَ وحَصَلَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (وقَدْ تَبَّ) .
وثانِيها: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إخْبارٌ ولَكِنْ أرادَ بِالأوَّلِ هَلاكَ عَمَلِهِ، وبِالثّانِي هَلاكَ نَفْسِهِ، ووَجْهُهُ أنَّ المَرْءَ إنَّما يَسْعى لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وعَمَلِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ مَحْرُومٌ مِنَ الأمْرَيْنِ.
وثالِثُها: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ يَعْنِي مالَهُ ومِنهُ يُقالُ: ذاتُ اليَدِ (وتَبَّ) هو بِنَفْسِهِ كَما يُقالُ: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ [الشورى: ٤٥] وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
ورابِعُها: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ: (وتَبَّ) يَعْنِي ولَدَهُ عُتْبَةَ عَلى ما رُوِيَ «أنَّ عُتْبَةَ بْنَ أبِي لَهَبٍ خَرَجَ إلى الشَّأْمِ مَعَ أُناسٍ مِن قُرَيْشٍ فَلَمّا هَمُّوا أنْ يَرْجِعُوا قالَ لَهم عُتْبَةُ: بَلِّغُوا مُحَمَّدًا عَنِّي أنِّي قَدْ كَفَرْتُ بِالنَّجْمِ إذا هَوى»، ورُوِيَ «أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ وتَفَلَ في وجْهِهِ، وكانَ مُبالِغًا في عَداوَتِهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ فَوَقَعَ الرُّعْبُ في قَلْبِ عُتْبَةَ وكانَ يَحْتَرِزُ فَسارَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي فَلَمّا كانَ قَرِيبًا مِنَ الصُّبْحِ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: هَلَكَتِ الرِّكابُ فَما زالُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ وهو مَرْعُوبٌ وأناخَ الإبِلَ حَوْلَهُ كالسُّرادِقِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ الأسَدَ وألْقى السَّكِينَةَ عَلى الإبِلِ فَجَعَلَ الأسَدُ يَتَخَلَّلُ حَتّى افْتَرَسَهُ ومَزَّقَهُ»، فَإنْ قِيلَ: نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ كانَ قَبْلَ هَذِهِ الوَقْعَةِ، وقَوْلُهُ: (وتَبَّ) إخْبارٌ عَنِ الماضِي، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ كانَ في مَعْلُومِهِ تَعالى أنَّهُ يَحْصُلُ ذَلِكَ.
وخامِسُها: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ حَقَّ رَبِّهِ (وتَبَّ) حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ حَقَّ رَسُولِهِ.
وفِي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِماذا كَنّاهُ مَعَ أنَّهُ كالكَذِبِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ اسْمُهُ لَهَبٌ، وأيْضًا فالتَّكْنِيَةُ مِن بابِ التَّعْظِيمِ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ التَّكْنِيَةَ قَدْ تَكُونُ اسْمًا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (تَبَّتْ يَدا أبُو لَهَبٍ) كَما يُقالُ: عَلِيُّ بْنُ أبُو طالِبٍ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبُو سُفْيانَ، فَإنَّ هَؤُلاءِ أسْماؤُهم كُناهم.
وأمّا مَعْنى التَّعْظِيمِ فَأُجِيبَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا كانَ اسْمًا خَرَجَ عَنْ إفادَةِ التَّعْظِيمِ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ اسْمُهُ عَبْدَ العُزّى فَعَدَلَ عَنْهُ إلى كُنْيَتِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ مِن أهْلِ النّارِ ومَآلُهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ وافَقَتْ حالُهُ كُنْيَتَهُ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُذْكَرَ بِها، ويُقالَ أبُو لَهَبٍ: كَما يُقالُ: أبُو الشَّرِّ لِلشِّرِّيرِ، وأبُو الخَيْرِ لِلْخَيِّرِ.
الرّابِعُ: كُنِّيَ بِذَلِكَ لِتَلَهُّبِ وجْنَتَيْهِ وإشْراقِهِما، فَيَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ بِذَلِكَ تَهَكُّمًا بِهِ واحْتِقارًا لَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ والخُلُقِ العَظِيمِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ
صفحة ١٥٥
يُشافِهَ عَمَّهُ بِهَذا التَّغْلِيظِ الشَّدِيدِ، وكانَ نُوحٌ مَعَ أنَّهُ في نِهايَةِ التَّغْلِيظِ عَلى الكُفّارِ قالَ في ابْنِهِ الكافِرِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُخاطِبُ أباهُ بِالشَّفَقَةِ في قَوْلِهِ: يا أبَتِ، يا أبَتِ، وأبُوهُ كانَ يُخاطِبُهُ بِالتَّغْلِيظِ الشَّدِيدِ، ولَمّا قالَ لَهُ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] قالَ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ قالَ لَهُ ولِهارُونَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] مَعَ أنَّ جُرْمَ فِرْعَوْنَ كانَ أغْلَظَ مِن جُرْمِ أبِي لَهَبٍ، كَيْفَ ومِن شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ الأبَ لا يُقْتَلُ بِابْنِهِ قِصاصًا ولا يُقِيمُ الرَّجْمَ عَلَيْهِ، وإنْ خاصَمَهُ أبُوهُ وهو كافِرٌ في الحَرْبِ فَلا يَقْتُلُهُ بَلْ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ حَتّى يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَصْرِفُ النّاسَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ مَجْنُونٌ والنّاسُ ما كانُوا يَتَّهِمُونَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ كالأبِ لَهُ، فَصارَ ذَلِكَ كالمانِعِ مِن أداءِ الرِّسالَةِ إلى الخَلْقِ فَشافَهَهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ حَتّى عَظُمَ غَضَبُهُ وأظْهَرَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ، فَصارَ بِسَبَبِ تِلْكَ العَداوَةِ مُتَّهَمًا في القَدْحِ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّ الحِكْمَةَ في ذَلِكَ، أنَّ مُحَمَّدًا لَوْ كانَ يُداهِنُ أحَدًا في الدِّينِ ويُسامِحُهُ فِيهِ، لَكانَتْ تِلْكَ المُداهَنَةُ والمُسامَحَةُ مَعَ عَمِّهِ الَّذِي هو قائِمٌ مَقامَ أبِيهِ، فَلَمّا لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ المُداهَنَةُ مَعَهُ انْقَطَعَتِ الأطْماعُ وعَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ لا يُسامِحُ أحَدًا في شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ أصْلًا.
وثالِثُها: أنَّ الوَجْهَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ كالمُتَعارِضِ، فَإنَّ كَوْنَهُ عَمّا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ الشَّفَقَةُ العَظِيمَةُ عَلَيْهِ، فَلَمّا انْقَلَبَ الأمْرُ وحَصَلَتِ العَداوَةُ العَظِيمَةُ، لا جَرَمَ اسْتَحَقَّ التَّغْلِيظَ العَظِيمَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: (قُلْ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ) وقالَ في سُورَةِ الكافِرُونَ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ؟
الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لِأنَّ قَرابَةَ العُمُومَةِ تَقْتَضِي رِعايَةَ الحُرْمَةِ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ لَهُ: قُلْ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ مُشافِهًا لِعَمِّهِ بِالشَّتْمِ بِخِلافِ السُّورَةِ الأُخْرى فَإنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ ما كانُوا أعْمامًا لَهُ.
الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ في تِلْكَ السُّورَةِ طَعَنُوا في اللَّهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: يا مُحَمَّدُ أجِبْ عَنْهم: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ وفي هَذِهِ السُّورَةِ طَعَنُوا في مُحَمَّدٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى اسْكُتْ أنْتَ فَإنِّي أشْتُمُهم: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾
الثّالِثُ: لَمّا شَتَمُوكَ، فاسْكُتْ حَتّى تَنْدَرِجَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وإذا سَكَتَّ أنْتَ أكُونُ أنا المُجِيبَ عَنْكَ، يُرْوى «أنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يُؤْذِيهِ واحِدٌ فَبَقِيَ ساكِتًا، فَجَعَلَ الرَّسُولُ يَدْفَعُ ذَلِكَ الشّاتِمَ ويَزْجُرُهُ، فَلَمّا شَرَعَ أبُو بَكْرٍ في الجَوابِ سَكَتَ الرَّسُولُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما السَّبَبُ في ذَلِكَ ؟ قالَ: لِأنَّكَ حِينَ كُنْتَ ساكِتًا كانَ المَلَكُ يُجِيبُ عَنْكَ، فَلَمّا شَرَعْتَ في الجَوابِ انْصَرَفَ المَلَكُ وجاءَ الشَّيْطانُ» .
واعْلَمْ أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ مَن لا يُشافِهُ السَّفِيهَ كانَ اللَّهُ ذابًّا عَنْهُ وناصِرًا لَهُ ومُعِينًا.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الوَجْهُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ المَكِّيِّ حَيْثُ كانَ يَقْرَأُ: (أبِي لَهْبٍ) ساكِنَةَ الهاءِ ؟
الجَوابُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ لَهَبٌ ولَهْبٌ لُغَتَيْنِ كالشَّمَعِ والشَّمْعِ والنَّهَرِ والنَّهْرِ، وأجْمَعُوا في قَوْلِهِ: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ عَلى فَتْحِ الهاءِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَتْحَ أوْجَهُ مِنَ الإسْكانِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في الثّانِيَةِ مُراعاةً لِوِفاقِ الفَواصِلِ.
المسد 111:2
صفحة ١٥٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى الإنْكارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: أيُّ تَأْثِيرٍ كانَ لِمالِهِ وكَسْبِهِ في دَفْعِ البَلاءِ عَنْهُ ؟ فَإنَّهُ لا أحَدَ أكْثَرُ مالًا مِن قارُونَ فَهَلْ دَفَعَ المَوْتَ عَنْهُ ؟ ولا أعْظَمَ مُلْكًا مِن سُلَيْمانَ، فَهَلْ دَفَعَ المَوْتَ عَنْهُ ؟ .
وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي يَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا بِأنَّ المالَ والكَسْبَ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (ما كَسَبَ) مَرْفُوعٌ و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ يَعْنِي مَكْسُوبَهُ أوْ كَسْبَهُ، يُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا فَأنا أفْتَدِي مِنهُ نَفْسِي بِمالِي وأوْلادِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ ذَكَرُوا في المَعْنى وُجُوهًا:
أحَدُها: لَمْ يَنْفَعْهُ مالُهُ وما كَسَبَ بِمالِهِ، يَعْنِي رَأْسَ المالِ والأرْباحِ.
وثانِيها: أنَّ المالَ هو الماشِيَةُ وما كَسَبَ مِن نَسْلِها، ونِتاجِها، فَإنَّهُ كانَ صاحِبَ النَّعَمِ والنِّتاجِ.
وثالِثُها: (مالُهُ) الَّذِي ورِثَهُ مِن أبِيهِ والَّذِي كَسَبَهُ بِنَفْسِهِ.
ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (ما كَسَبَ) ولَدُهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ» “، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ» “ ورُوِيَ أنَّ بَنِي أبِي لَهَبٍ احْتَكَمُوا إلَيْهِ فاقْتَتَلُوا فَقامَ يَحْجِزُ بَيْنَهم فَدَفَعَهُ بَعْضُهم فَوَقَعَ: فَغَضِبَ فَقالَ: أخْرِجُوا عَنِّي الكَسْبَ الخَبِيثَ.
وخامِسُها: قالَ الضَّحّاكُ: ما يَنْفَعُهُ مالُهُ وعَمَلُهُ الخَبِيثُ يَعْنِي كَيْدَهُ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ.
وسادِسُها: قالَ قَتادَةُ: ﴿وما كَسَبَ﴾ أيْ عَمَلُهُ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ [الفرقان: ٢٣] وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ هَهُنا: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ وقالَ في سُورَةِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] فَما الفَرْقُ ؟ الجَوابُ: التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الماضِي يَكُونُ آكَدَ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
السُّؤالُ الثّانِي: ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وكَسْبُهُ في ماذا ؟ الجَوابُ: قالَ بَعْضُهم في عَداوَةِ الرَّسُولِ: فَلَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ لَمْ يُغْنِيا عَنْهُ في دَفْعِ النّارِ ولِذَلِكَ قالَ: (سَيَصْلى) .
المسد 111:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ.
المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ أبِي لَهَبٍ في الماضِي بِالتَّبابِ وبِأنَّهُ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وكَسْبُهُ، أخْبَرَ عَنْ حالِهِ في المُسْتَقْبَلِ بِأنَّهُ: ﴿سَيَصْلى نارًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (سَيَصْلى) قُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ وبِضَمِّها مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآياتُ تَضَمَّنَتِ الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: الإخْبارُ عَنْهُ بِالتَّبابِ والخَسارِ، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ.
وثانِيها: الإخْبارُ عَنْهُ بِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِمالِهِ ووَلَدِهِ، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ، رَوى أبُو رافِعٍ
صفحة ١٥٧
مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: كُنْتُ غُلامًا لِلْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وكانَ الإسْلامُ دَخَلَ بَيْتَنا، فَأسْلَمَ العَبّاسُ وأسْلَمَتْ أُمُّ الفَضْلِ وأسْلَمْتُ أنا، وكانَ العَبّاسُ يَهابُ القَوْمَ ويَكْتُمُ إسْلامَهُ، وكانَ أبُو لَهَبٍ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، فَبَعَثَ مَكانَهُ العاصَ بْنَ هِشامٍ، ولَمْ يَتَخَلَّفْ رَجُلٌ مِنهم إلّا بَعَثَ مَكانُهُ رَجُلًا آخَرَ، فَلَمّا جاءَ الخَبَرُ عَنْ واقِعَةِ أهْلِ بَدْرٍ وجَدْنا في أنْفُسِنا قُوَّةً، وكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا وكُنْتُ أعْمَلُ القِداحَ ألْحِيها في حُجْرَةِ زَمْزَمَ، فَكُنْتُ جالِسًا هُناكَ وعِنْدِي أُمُّ الفَضْلِ جالِسَةٌ، وقَدْ سَرَّنا ما جاءَنا مِنَ الخَبَرِ إذا أقْبَلَ أبُو لَهَبٍ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ، فَجَلَسَ عَلى طُنُبِ الحُجْرَةِ وكانَ ظَهْرِي إلى ظَهْرِهِ، فَبَيْنا هو جالِسٌ إذْ قالَ النّاسُ: هَذا أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالَ لَهُ أبُو لَهَبٍ: كَيْفَ الخَبَرُ يا ابْنَ أخِي ؟ فَقالَ: لَقِينا القَوْمَ ومَنَحْناهم أكْتافَنا يَقْتُلُونَنا كَيْفَ أرادُوا، وايْمُ اللَّهِ مَعَ ذَلِكَ تَأمَّلْتُ النّاسَ، لَقِيَنا رِجالٌ بِيضٌ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ثُمَّ بَرَكَ عَلَيَّ فَضَرَبَنِي وكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، فَقامَتْ أُمُّ الفَضْلِ إلى عَمُودٍ فَضَرَبَتْهُ عَلى رَأْسِهِ وشَجَّتْهُ، وقالَتْ: تَسْتَضْعِفُهُ أنْ غابَ سَيِّدُهُ، واللَّهِ نَحْنُ مُؤْمِنُونَ مُنْذُ أيّامٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ صَدَقَ فِيما قالَ: فانْصَرَفَ ذَلِيلًا، فَواللَّهِ ما عاشَ إلّا سَبْعَ لَيالٍ حَتّى رَماهُ اللَّهُ بِالعَدَسَةِ فَقَتَلَتْهُ، ولَقَدْ تَرَكَهُ ابْناهُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ما يَدْفِناهُ حَتّى أنْتَنَ في بَيْتِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَتَّقِي العَدَسَةَ وعَدْواها كَما يَتَّقِي النّاسُ الطّاعُونَ، وقالُوا نَخْشى هَذِهِ القُرْحَةَ، ثُمَّ دَفَنُوهُ وتَرَكُوهُ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ .
وثالِثُها: الإخْبارُ بِأنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى وُقُوعِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّفَ أبا لَهَبٍ بِالإيمانِ، ومِن جُمْلَةِ الإيمانِ تَصْدِيقُ اللَّهِ في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ومِمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ وأنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، فَقَدْ صارَ مُكَلَّفًا بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وهَذا تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وأجابَ الكَعْبِيُّ وأبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ بِأنَّهُ لَوْ آمَنَ أبُو لَهَبٍ لَكانَ لِهَذا الخَبَرِ خَبَرٌ بِأنَّهُ آمَنَ، لا بِأنَّهُ ما آمَنَ، وأجابَ القاضِي عَنْهُ فَقالَ: مَتى قِيلَ لَوْ فَعَلَ اللَّهُ ما أخْبَرَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ ؟
فَجَوابُنا: أنَّهُ لا يَصِحُّ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ بِلا أوْ نَعَمْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ الجَوابَيْنِ في غايَةِ السُّقُوطِ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ خَبَرَ اللَّهِ عَنْ عَدَمِ إيمانِهِ واقِعٌ، والخَبَرُ الصِّدْقُ عَنْ عَدَمِ إيمانِهِ يُنافِيهِ وُجُودُ الإيمانِ مُنافاةً ذاتِيَّةً مُمْتَنِعَةَ الزَّوالِ فَإذا كانَ كَلَّفَهُ أنْ يَأْتِيَ بِالإيمانِ مَعَ وُجُودِ هَذا الخَبَرِ فَقَدْ كَلَّفَهُ بِالجَمْعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ.
وأمّا الجَوابُ الثّانِي فَأرَكُّ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنّا لَسْنا في طَلَبِ أنْ يَذْكُرُوا بِلِسانِهِمْ لا أوْ نَعَمْ، بَلْ صَرِيحُ العَقْلِ شاهِدٌ بِأنَّ بَيْنَ كَوْنِ الخَبَرِ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ صِدْقًا، وبَيْنَ وُجُودِ الإيمانِ مُنافاةً ذاتِيَّةً، فَكانَ التَّكْلِيفُ بِتَحْصِيلِ أحَدِ المُتَضادَّيْنِ حالَ حُصُولِ الآخَرِ تَكْلِيفًا بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وهَذا الإشْكالُ قائِمٌ سَواءٌ ذَكَرَ الخَصْمُ بِلِسانِهِ شَيْئًا أمْ بَقِيَ ساكِتًا.
المسد 111:4
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ومُرَيْئَتُهُ بِالتَّصْغِيرِ وقُرِئَ حَمّالَةَ الحَطَبِ بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وأنا أسْتَحِبُّ هَذِهِ القِراءَةَ وقَدْ تَوَسَّلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجَمِيلٍ مَن أحَبَّ شَتْمَ أُمِّ جَمِيلٍ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ والرَّفْعِ.
صفحة ١٥٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ عَمَّةُ مُعاوِيَةَ، وكانَتْ في غايَةِ العَداوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ كَوْنِها حَمّالَةَ الحَطَبِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةً مِنَ الشَّوْكِ والحَسَكِ فَتَنْثُرُها بِاللَّيْلِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّها كانَتْ مِن بَيْتِ العِزِّ فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّها حَمّالَةُ الحَطَبِ ؟ قُلْنا: لَعَلَّها كانَتْ مَعَ كَثْرَةِ مالِها خَسِيسَةً أوْ كانَتْ لِشِدَّةِ عَداوَتِها تَحْمِلُ بِنَفْسِها الشَّوْكَ والحَطَبَ، لِأجْلِ أنْ تُلْقِيَهُ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ.
وثانِيها: أنَّها كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ يُقالُ لِلْمَشّاءِ بِالنَّمائِمِ المُفْسِدِ بَيْنَ النّاسِ: يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَهم، أيْ يُوقِدُ بَيْنَهُمُ النّائِرَةَ، ويُقالُ لِلْمِكْثارِ: هو حاطِبُ لَيْلٍ.
وثالِثُها: قَوْلُ قَتادَةَ: أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ بِالفَقْرِ، فَعُيِّرَتْ بِأنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ.
والرّابِعُ: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ المُرادَ ما حَمَلَتْ مِنَ الآثامِ في عَداوَةِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ كالحَطَبِ في تَصْيِيرِها إلى النّارِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ فاعِلَ الإثْمِ بِمَن يَمْشِي وعَلى ظَهْرِهِ حِمْلٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وقالَ تَعالى: ﴿يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] وقالَ تَعالى: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: امْرَأتُهُ إنْ رَفَعْتَهُ، فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ في سَيَصْلى، أيْ سَيَصْلى هو وامْرَأتُهُ. وفي جِيدِها في مَوْضِعِ الحالِ.
والثّانِي: الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وفي جِيدِها الخَبَرُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: عَنْ أسْماءَ «لَمّا نَزَلَتْ (تَبَّتْ) جاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ ولَها ولْوَلَةٌ وبِيَدِها حَجَرٌ، فَدَخَلَتِ المَسْجِدَ، ورَسُولُ اللَّهِ جالِسٌ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وهي تَقُولُ:
مُذَمَّمًا قَلَيْنا، ودِينَهُ أبَيْنا، وحُكْمَهُ عَصَيْنا.
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أقْبَلَتْ إلَيْكَ فَأنا أخافُ أنْ تَراكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّها لا تَرانِي“ وقَرَأ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ وقالَتْ لِأبِي بَكْرٍ: قَدْ ذُكِرَ لِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ ما هَجاكِ، فَوَلَّتْ وهي تَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها» .
وفِي هَذِهِ الحِكايَةِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: كَيْفَ جازَ في أُمِّ جَمِيلٍ أنْ لا تَرى الرَّسُولَ، وتَرى أبا بَكْرٍ والمَكانُ واحِدٌ ؟ الجَوابُ: أمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا فالسُّؤالُ زائِلٌ؛ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرائِطِ يَكُونُ الإدْراكُ جائِزًا لا واجِبًا، فَإنْ خَلَقَ اللَّهُ الإدْراكَ رَأى وإلّا فَلا، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
أحَدُها: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْرَضَ وجْهَهُ عَنْها ووَلّاها ظَهْرَهُ، ثُمَّ إنَّها كانَتْ لِغايَةِ غَضَبِها لَمْ تُفَتِّشْ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ ألْقى في قَلْبِها خَوْفًا، فَصارَ ذَلِكَ صارِفًا لَها عَنِ النَّظَرِ.
وثانِيها: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى ألْقى شَبَهَ إنْسانٍ آخَرَ عَلى الرَّسُولِ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِعِيسى.
وثالِثُها: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى حَوَّلَ شُعاعَ بَصَرِها عَنْ ذَلِكَ السَّمْتِ حَتّى إنَّها ما رَأتْهُ.
واعْلَمْ أنَّ الإشْكالَ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ لازِمٌ؛ لِأنَّ بِهَذِهِ الوُجُوهِ عَرَفْنا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ حاضِرًا ولا نَراهُ، وإذا جَوَّزْنا ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا فِيلاتٌ وبُوقاتٌ، ولا نَراها ولا نَسْمَعُها.
صفحة ١٥٩
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ أبا بَكْرٍ حَلَفَ أنَّهُ ما هَجاكِ، وهَذا مِن بابِ المَعارِيضِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ لا يُسَمّى هَجْوًا؛ ولِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ لا كَلامُ الرَّسُولِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الحِكايَةُ عَلى جَوازِ المَعارِيضِ.
بَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: (وامْرَأتُهُ) بَلْ وصَفَها بِأنَّها حَمّالَةُ الحَطَبِ ؟
الجَوابُ: قِيلَ: كانَ لَهُ امْرَأتانِ سِواها فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهُ أرادَ كُلَّ مَن كانَتِ امْرَأةً لَهُ، بَلْ لَيْسَ المُرادُ إلّا هَذِهِ الواحِدَةَ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ ذِكْرَ النِّساءِ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الكَرَمِ والمُرُوءَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذِكْرُها بِكَلامِ اللَّهِ، ولا سِيَّما امْرَأةُ العَمِّ ؟ الجَوابُ: لَمّا لَمْ يُسْتَبْعَدْ في امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ بِسَبَبِ كُفْرِ تَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ، فَلِأنْ لا يُسْتَبْعَدَ في امْرَأةٍ كافِرَةٍ زَوْجُها رَجُلٌ كافِرٌ أوْلى.
المسد 111:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿في جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المَسَدُ في كَلامِ العَرَبِ الفَتْلُ، يُقالُ مَسَدَ الحَبْلَ يَمْسُدُهُ مَسْدًا إذا أجادَ فَتْلَهُ، ورَجُلٌ مَمْسُودٌ إذا كانَ مَجْدُولَ الخَلْقِ، والمَسَدُ ما مُسِدَ أيْ فُتِلَ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، فَيُقالُ لِما فُتِلَ مِن جُلُودِ الإبِلِ، ومِنَ اللِّيفِ والخُوصِ مَسَدٌ، ولِما فُتِلَ مِنَ الحَدِيدِ أيْضًا مَسَدٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا:
أحَدُها: في جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مُسِدَ مِنَ الحِبالِ؛ لِأنَّها كانَتْ تَحْمِلُ تِلْكَ الحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ وتَرْبُطُها في جِيدِها كَما يَفْعَلُ الحَطّابُونَ، والمَقْصُودُ بَيانُ خَساسَتِها تَشْبِيهًا لَها بِالحَطّاباتِ إيذاءً لَها ولِزَوْجِها.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ حالَها يَكُونُ في نارِ جَهَنَّمَ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها حِينَ كانَتْ تَحْمِلُ الحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ، فَلا تَزالُ عَلى ظَهْرِها حُزْمَةٌ مِن حَطَبِ النّارِ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وفي جِيدِها حَبْلٌ مِن سَلاسِلِ النّارِ.
فَإنْ قِيلَ: الحَبْلُ المُتَّخَذُ مِنَ المَسَدِ كَيْفَ يَبْقى أبَدًا في النّارِ ؟ قُلْنا: كَما يَبْقى الجِلْدُ واللَّحْمُ والعَظْمُ أبَدًا في النّارِ، ومِنهم مَن قالَ: ذَلِكَ المَسَدُ يَكُونُ مِنَ الحَدِيدِ، وظَنُّ مَن ظَنَّ أنَّ المَسَدَ لا يَكُونُ مِنَ الحَدِيدِ خَطَأٌ؛ لِأنَّ المَسَدَ هو المَفْتُولُ سَواءٌ كانَ مِنَ الحَدِيدِ أوْ مِن غَيْرِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الإخلاص 112:1
صفحة ١٦٠
(سُورَةُ الإخْلاصِ) .
أرْبَعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ.
﷽
﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ .
﷽
﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ قَبْلَ الخَوْضِ في التَّفْسِيرِ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: رَوى أُبَيٌّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن قَرَأ سُورَةَ“ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ”فَكَأنَّما قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ وأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن أشَرَكَ بِاللَّهِ وآمَنَ بِاللَّهِ» وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «مَن قَرَأ ”﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾“ مَرَّةً واحِدَةً أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وأُعْطِي مِنَ الأجْرِ مِثْلَ مِائَةِ شَهِيدٍ» ”، ورُوِيَ:“ «أنَّهُ كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ أقْبَلَ أبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ، فَقالَ جِبْرِيلُ: هَذا أبُو ذَرٍّ قَدْ أقْبَلَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أوَتَعْرِفُونَهُ ؟ قالَ: هو أشْهَرُ عِنْدَنا مِنهُ عِنْدَكم، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: بِماذا نالَ هَذِهِ الفَضِيلَةَ ؟ قالَ لِصِغَرِهِ في نَفْسِهِ وكَثْرَةِ قِراءَتِهِ ”﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ»﴾ “ ورَوى أنَسٌ قالَ: ”«كُنّا في تَبُوكَ فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ ما لَها شُعاعٌ وضِياءٌ وما رَأيْناها عَلى تِلْكَ الحالَةِ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ فَعَجِبَ كُلُّنا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ أنْ يَنْزِلَ مِنَ المَلائِكَةِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلِكٍ فَيُصَلُّوا عَلى مُعاوِيَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ، فَهَلْ لَكَ أنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ ؟ ثُمَّ ضَرَبَ بِجَناحِهِ الأرْضَ فَأزالَ الجِبالَ وصارَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَأنَّهُ مُشْرِفٌ عَلَيْهِ فَصَلّى هو وأصْحابُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: بِمَ بَلَغَ ما بَلَغَ ؟ فَقالَ جِبْرِيلُ: كانَ يُحِبُّ سُورَةَ الإخْلاصِ» “ «ورُوِيَ: ”أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو ويَقُولُ أسْألُكَ يا اللَّهُ يا أحَدُ يا صَمَدُ يا مَن لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ، فَقالَ: غَفَرَ لَكَ غَفَرَ لَكَ غَفَرَ لَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» “ وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: ”«جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وشَكا إلَيْهِ الفَقْرَ فَقالَ: إذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ إنْ كانَ فِيهِ أحَدٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أحَدٌ فَسَلِّمْ عَلى نَفْسِكَ، واقْرَأْ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ مَرَّةً واحِدَةً فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَأدَرَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رِزْقًا حَتّى أفاضَ عَلى جِيرانِهِ» “ وعَنْ أنَسٍ: ”«أنَّ رَجُلًا كانَ يَقْرَأُ في جَمِيعِ صِلاتِهِ:
صفحة ١٦١
﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَسَألَهُ الرَّسُولُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّها، فَقالَ: حُبُّكَ إيّاها يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ“ وقِيلَ مَن قَرَأها في المَنامِ: أُعْطِيَ التَّوْحِيدَ وقِلَّةَ العِيالِ وكَثْرَةَ الذِّكْرِ لِلَّهِ، وكانَ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ» .
الفَصْلُ الثّانِي: في سَبَبِ نُزُولِها وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ المُشْرِكِينَ، قالَ الضَّحّاكُ: «إنَّ المُشْرِكِينَ أرْسَلُوا عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقالُوا: شَقَقْتَ عَصانا وسَبَبْتَ آلِهَتَنا، وخالَفْتَ دِينَ آبائِكَ، فَإنْ كُنْتَ فَقِيرًا أغْنَيْناكَ، وإنْ كُنْتَ مَجْنُونًا داوَيْناكَ، وإنْ هَوَيْتَ امْرَأةً زَوَّجْناكَها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتُ بِفَقِيرٍ، ولا مَجْنُونٍ، ولا هَوَيْتُ امْرَأةً، أنا رَسُولُ اللَّهِ أدْعُوكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ إلى عِبادَتِهِ، فَأرْسَلُوهُ ثانِيَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا جِنْسَ مَعْبُودِكَ، أمِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالُوا لَهُ: ثَلَثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا لا تَقُومُ بِحَوائِجِنا، فَكَيْفَ يَقُومُ الواحِدُ بِحَوائِجِ الخَلْقِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] فَأرْسَلُوهُ أُخْرى، وقالُوا: بَيِّنْ لَنا أفْعالَهُ فَنَزَلَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [ يُونُسَ»: ٣ ] .
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ اليَهُودِ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ اليَهُودَ جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ومَعَهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَذا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَن خَلَقَ اللَّهَ ؟ فَغَضِبَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَسَكَّنَهُ، وقالَ: اخْفِضْ جَناحَكَ يا مُحَمَّدُ، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَلَمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ قالُوا: صِفْ لَنا رَبَّكَ كَيْفَ عَضُدُهُ، وكَيْفَ ذِراعُهُ ؟ فَغَضِبَ أشَدَّ مِن غَضَبِهِ الأوَّلِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ»﴾ ) [الأنعام: ٩١] .
الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ النَّصارى، رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ، فَقالُوا: صِفْ لَنا رَبَّكَ أمِن زَبَرْجَدٍ أوْ ياقُوتٍ، أوْ ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ ؟ فَقالَ: إنَّ رَبِّي لَيْسَ مِن شَيْءٍ لِأنَّهُ خالِقُ الأشْياءِ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ قالُوا: هو واحِدٌ، وأنْتَ واحِدٌ، فَقالَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، قالُوا: زِدْنا مِنَ الصِّفَةِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فَقالُوا: وما الصَّمَدُ ؟ فَقالَ: الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ الخَلْقُ في الحَوائِجِ، فَقالُوا: زِدْنا فَنَزَلَ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ كَما ولَدَتْ مَرْيَمُ: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ كَما وُلِدَ عِيسى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ يُرِيدُ نَظِيرًا مِن خَلْقِهِ» .
الفَصْلُ الثّالِثُ: في أسامِيها، اعْلَمْ أنَّ كَثْرَةَ الألْقابِ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الفَضِيلَةِ، والعُرْفُ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْناهُ فَأحَدُها: سُورَةُ التَّفْرِيدِ.
وثانِيها: سُورَةُ التَّجْرِيدِ.
وثالِثُها: سُورَةُ التَّوْحِيدِ.
ورابِعُها: سُورَةُ الإخْلاصِ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ السُّورَةِ سِوى صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي هي صِفاتُ الجَلالِ؛ ولِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَهُ كانَ مُخْلِصًا في دِينِ اللَّهِ؛ ولِأنَّ مَن ماتَ عَلَيْهِ كانَ خَلاصَهُ مِنَ النّارِ؛ ولِأنَّ ما قَبْلَهُ خَلَصَ في ذَمِّ أبِي لَهَبٍ فَكانَ جَزاءُ مَن قَرَأهُ أنْ لا يُجْمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي لَهَبٍ.
وخامِسُها: سُورَةُ النَّجاةِ؛ لِأنَّها تُنْجِيكَ عَنِ التَّشْبِيهِ والكُفْرِ في الدُّنْيا، وعَنِ النّارِ في الآخِرَةِ.
وسادِسُها: سُورَةُ الوِلايَةِ؛ لِأنَّ مَن قَرَأها صارَ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ؛ ولِأنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَقَدْ والاهُ فَبَعْدَ مِحْنَةٍ رَحْمَةٌ كَما بَعْدَ مِنحَةٍ نِعْمَةٌ.
وسابِعُها: سُورَةُ النِّسْبَةِ لِما رُوِّينا أنَّهُ ورَدَ جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ؛ «ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِرَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ: ”يا أخا بَنِي سُلَيْمٍ اسْتَوْصِ بِنِسْبَةِ اللَّهِ خَيْرًا» “ وهو مِن لَطِيفِ المَبانِي؛ لِأنَّهم لَمّا قالُوا: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَقالَ: نِسْبَةُ اللَّهِ هَذا والمُحافَظَةُ عَلى الأنْسابِ مِن شَأْنِ العَرَبِ، وكانُوا يَتَشَدَّدُونَ عَلى مَن يَزِيدُ في بَعْضِ الأنْسابِ أوْ يَنْقُصُ، فَنِسْبَةُ اللَّهِ في هَذِهِ السُّورَةِ أوْلى بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها.
وثامِنُها: سُورَةُ المَعْرِفَةِ لِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تَتِمُّ إلّا بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، «رَوى جابِرٌ أنَّ رَجُلًا صَلّى فَقَرَأ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ هَذا عَبْدٌ عَرَفَ رَبَّهُ» فَسُمِّيَتْ سُورَةَ المَعْرِفَةِ لِذَلِكَ.
وتاسِعُها: سُورَةُ الجَمالِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» “ فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ
صفحة ١٦٢
فَقالَ: أحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ واحِدًا عَدِيمَ النَّظِيرِ جازَ أنْ يَنُوبَ ذَلِكَ المِثْلُ مَنابَهُ.
وعاشِرُها: سُورَةُ المُقَشْقِشَةِ، يُقالُ: تَقَشْقَشَ المَرِيضُ مِمّا بِهِ، فَمَن عَرَفَ هَذا حَصَلَ لَهُ البُرْءُ مِنَ الشِّرْكَ والنِّفاقِ لِأنَّ النِّفاقَ مَرَضٌ كَما قالَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] .
الحادِيَ عَشَرَ: المُعَوِّذَةُ، «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونَ فَعَوَّذَهُ بِها وبِاللَّتَيْنِ بَعْدَها، ثُمَّ قالَ: ”تَعَوَّذْ بِهِنَّ فَما تَعَوَّذْتُ بِخَيْرٍ مِنهُنَّ» “ .
والثّانِيَ عَشَرَ: سُورَةُ الصَّمَدِ؛ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِذِكْرِهِ تَعالى.
والثّالِثَ عَشَرَ: سُورَةُ الأساسِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُسِّسَتِ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُونَ السَّبْعُ عَلى ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ»﴾ “ ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ القَوْلَ بِالثَّلاثَةِ سَبَبٌ لِخَرابِ السَّماواتِ والأرْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ﴾ [مريم: ٩٠] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّوْحِيدُ سَبَبًا لِعِمارَةِ هَذِهِ الأشْياءِ وقِيلَ السَّبَبُ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
الرّابِعَ عَشَرَ: سُورَةُ المانِعَةِ «رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ حِينَ عُرِجَ بِهِ: أعْطَيْتُكَ سُورَةَ الإخْلاصِ وهي مِن ذَخائِرِ كُنُوزِ عَرْشِي، وهي المانِعَةُ تَمْنَعُ عَذابَ القَبْرِ ولَفَحاتِ النِّيرانِ» .
الخامِسَ عَشَرَ: سُورَةُ المَحْضَرِ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَحْضُرُ لِاسْتِماعِها إذا قُرِئَتْ.
السّادِسَ عَشَرَ: المُنَفِّرَةُ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ عِنْدَ قِراءَتِها.
السّابِعَ عَشَرَ: البَراءَةُ لِأنَّهُ «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى رَجُلًا يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ: أمّا هَذا فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ»، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ ”﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾“ مِائَةَ مَرَّةٍ في صَلاةٍ أوْ في غَيْرِها كُتِبَتْ لَهُ بَراءَةٌ مِنَ النّارِ» .
الثّامِنَ عَشَرَ: سُورَةُ المُذَكِّرَةِ لِأنَّها تُذَكِّرُ العَبْدَ خالِصَ التَّوْحِيدِ، فَقِراءَةُ السُّورَةِ كالوَسْمَةِ تُذَكِّرُكَ ما تَتَغافَلُ عَنْهُ مِمّا أنْتَ مُحْتاجٌ إلَيْهِ.
التّاسِعَ عَشَرَ: سُورَةُ النُّورِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] فَهو المُنَوِّرُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والسُّورَةُ تُنَوِّرُ قَلْبَكَ وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ نُورًا، ونُورُ القُرْآنِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ»﴾ “ ونَظِيرُهُ أنَّ نُورَ الإنْسانِ في أصْغَرِ أعْضائِهِ وهو الحَدَقَةُ، فَصارَتِ السُّورَةُ لِلْقُرْآنِ كالحَدَقَةِ لِلْإنْسانِ.
العِشْرُونَ: سُورَةُ الأمانِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا قالَ العَبْدُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ دَخَلَ حِصْنِي ومَن دَخَلَ حِصْنِي أمِنَ مِن عَذابِي» “ .
الفَصْلُ الرّابِعُ: في فَضائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ وهي مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: اشْتُهِرَ في الأحادِيثِ أنَّ قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ تَعْدِلُ قِراءَةَ ثُلُثِ القُرْآنِ، ولَعَلَّ الغَرَضَ مِنهُ أنَّ المَقْصُودَ الأشْرَفَ مِن جَمِيعِ الشَّرائِعِ والعِباداتِ، مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ ومَعْرِفَةُ صِفاتِهِ ومَعْرِفَةُ أفْعالِهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ، فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُعادِلَةً لِثُلُثِ القُرْآنِ، وأمّا سُورَةُ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَهي مُعادِلَةٌ لِرُبْعِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ القُرْآنِ إمّا الفِعْلُ وإمّا التَّرْكُ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما فَهو إمّا في أفْعالِ القُلُوبِ، وإمّا في أفْعالِ الجَوارِحِ فالأقْسامُ أرْبَعَةٌ، وسُورَةُ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ لِبَيانِ ما يَنْبَغِي تَرْكُهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَكانَتْ في الحَقِيقَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى رُبْعِ القُرْآنِ، ومِن هَذا السَّبَبِ اشْتَرَكَتِ السُّورَتانِ أعْنِي: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ في بَعْضِ الأسامِي فَهُما المُقَشْقِشَتانِ والمُبَرِّئَتانِ، مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما تُفِيدُ بَراءَةَ القَلْبِ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ يُفِيدُ بِلَفْظِهِ البَراءَةَ عَمّا سِوى اللَّهِ ومُلازَمَةَ الِاشْتِغالِ بِاللَّهِ و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ يُفِيدُ بِلَفْظِهِ الِاشْتِغالَ بِاللَّهِ ومُلازَمَةَ الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ أوْ مِن حَيْثُ إنَّ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ تُفِيدُ بَراءَةَ القَلْبِ عَنْ سائِرِ المَعْبُودِينَ سِوى اللَّهِ، و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ تُفِيدُ بَراءَةَ المَعْبُودِ عَنْ
صفحة ١٦٣
كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ لِكَوْنِها صِدْقًا لِلْقُرْآنِ كانَتْ خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ فالقُرْآنُ كُلُّهُ صَدَفٌ والدُّرُّ هو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَلا جَرَمَ حَصَلَتْ لَها هَذِهِ الفَضِيلَةُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ دَلَّ عَلى أنَّ أعْظَمَ دَرَجاتِ العَبْدِ أنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُسْتَنِيرًا بِنُورِ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا مِن هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أعْظَمَ السُّوَرِ، فَإنْ قِيلَ: فَصِفاتُ اللَّهِ أيْضًا مَذْكُورَةٌ في سائِرِ السُّوَرِ، قُلْنا: لَكِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَها خاصِّيَّةٌ وهي أنَّها لِصِغَرِها في الصُّورَةِ تَبْقى مَحْفُوظَةً في القُلُوبِ مَعْلُومَةً لِلْعُقُولِ فَيَكُونُ ذِكْرُ جَلالِ اللَّهِ حاضِرًا أبَدًا بِهَذا السَّبَبِ، فَلا جَرَمَ امْتازَتْ عَنْ سائِرِ السُّوَرِ بِهَذِهِ الفَضائِلِ ولْيُرْجَعِ الآنَ إلى التَّفْسِيرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى جَنَّةٌ حاضِرَةٌ إذِ الجَنَّةُ أنْ تَنالَ ما يُوافِقُ عَقْلَكَ وشَهْوَتَكَ، ولِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الجَنَّةُ جَنَّةً لِآدَمَ لَمّا نازَعَ عَقْلَهُ هَواهُ، ولا كانَ القَبْرُ سِجْنًا عَلى المُؤْمِنِ لِأنَّهُ حَصَلَ لَهُ هُناكَ ما يُلائِمُ عَقْلَهُ وهَواهُ، ثُمَّ إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى مِمّا يُرِيدُها الهَوى والعَقْلُ، فَصارَتْ جَنَّةً مُطْلَقَةً، وبَيانُ ما قُلْنا: أنَّ العَقْلَ يُرِيدُ أمِينًا تُودَعُ عِنْدَهُ الحَسَناتُ، والشَّهْوَةُ تُرِيدُ غَنِيًّا يُطْلَبُ مِنهُ المُسْتَلَذّاتُ، بَلِ العَقْلُ كالإنْسانِ الَّذِي لَهُ هِمَّةٌ عالِيَةٌ فَلا يَنْقادُ إلّا لِمَوْلاهُ، والهَوى كالمُنْتَجِعِ الَّذِي إذا سَمِعَ حُضُورَ غَنِيٍّ، فَإنَّهُ يَنْشَطُ لِلِانْتِجاعِ إلَيْهِ، بَلِ العَقْلُ يَطْلُبُ مَعْرِفَةَ المَوْلى لِيَشْكُرَ لَهُ النِّعَمَ الماضِيَةَ والهَوى يَطْلُبُها لِيَطْمَعَ مِنهُ في النِّعَمِ المُتَرَبَّصَةِ، فَلَمّا عَرَفاهُ كَما أرادَهُ عالِمًا وغَنِيًّا تَعَلَّقا بِذَيْلِهِ، فَقالَ العَقْلُ: لا أشْكُرُ أحَدًا سِواكَ، وقالَتِ الشَّهْوَةُ: لا أسْألُ أحَدًا إلّا إيّاكَ، ثُمَّ جاءَتِ الشُّبْهَةُ فَقالَتْ: يا عَقْلُ كَيْفَ أفْرَدْتَهُ بِالشُّكْرِ ولَعَلَّ لَهُ مِثْلًا ؟ ويا شَهْوَةُ كَيْفَ اقْتَصَرْتِ عَلَيْهِ ولَعَلَّ هَهُنا بابًا آخَرَ ؟ فَبَقِيَ العَقْلُ مُتَحَيِّرًا وتَنَغَّصَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الرّاحَةُ، فَأرادَ أنْ يُسافِرَ في عالَمِ الِاسْتِدْلالِ لِيَفُوزَ بِجَوْهَرَةِ اليَقِينِ فَكَأنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ قالَ: كَيْفَ أُنَغِّصُ عَلى عَبْدِي لَذَّةَ الِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِي وشُكْرِي ؟ فَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ وقالَ: لا تَقُلْهُ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، بَلْ قُلْ هو الَّذِي عَرَفْتَهُ صادِقًا يَقُولُ لِي: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَعَرَّفَكَ الوَحْدانِيَّةَ بِالسَّمْعِ وكَفاكَ مُؤْنَةَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالعَقْلِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المَطالِبَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ، قِسْمٌ مِنها لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِالسَّمْعِ وهو كُلُّ ما تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ السَّمْعِ عَلى صِحَّتِهِ كالعِلْمِ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وصِحَّةِ المُعْجِزاتِ، وقِسْمٌ مِنها لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ إلّا بِالسَّمْعِ وهو وُقُوعُ كُلِّ ما عُلِمَ بِالعَقْلِ جَوازُ وُقُوعِهِ، وقِسْمٌ ثالِثٌ يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِالعَقْلِ والسَّمْعِ مَعًا، وهو كالعِلْمِ بِأنَّهُ واحِدٌ وبِأنَّهُ مَرْئِيٌّ إلى غَيْرِهِما، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في تَقْرِيرِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في سُورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ مِن ”قُلْ“ وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَفْظُ ”قُلْ“ في سُورَةِ: (تَبَّتْ) وأمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فالقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ، بِغَيْرِ ”قُلْ“ هَكَذا: (هو اللَّهُ أحَدٌ) وقَرَأ النَّبِيُّ ﷺ، بِدُونِ ”قُلْ هو“ هَكَذا: (اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ) فَمَن أثْبَتَ (قُلْ) قالَ: السَّبَبُ فِيهِ بَيانُ أنَّ النَّظْمَ لَيْسَ في مَقْدُورِهِ، بَلْ يَحْكِي كُلَّ ما يُقالُ لَهُ، ومَن حَذَفَهُ قالَ: لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ مَعْلُومًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ هو كِنايَةٌ عَنِ اسْمِ اللَّهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: اللَّهُ مُرْتَفِعًا بِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ويَجُوزُ في قَوْلِهِ: (أحَدٌ) ما يَجُوزُ في قَوْلِكَ: زَيْدٌ أخُوكَ قائِمٌ.
الثّانِي: أنَّ
صفحة ١٦٤
هُوَ كِنايَةٌ عَنِ الشَّأْنِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ يَكُونُ اللَّهُ مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ وأحَدٌ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ تَكُونُ خَبَرًا عَنْ هو، والتَّقْدِيرُ الشَّأْنُ والحَدِيثُ: هو أنَّ اللَّهَ أحَدٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧] إلّا أنَّ هي جاءَتْ عَلى التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ في التَّفْسِيرِ: اسْمًا مُؤَنَّثًا، وعَلى هَذا جاءَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] أمّا إذا لَمْ يَكُنْ في التَّفْسِيرِ مُؤَنَّثٌ لَمْ يُؤَنَّثْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤] .
والثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا الَّذِي سَألْتُمْ عَنْهُ هو اللَّهُ أحَدٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في (أحَدٌ) وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى واحِدٍ، قالَ الخَلِيلُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أحَدٌ اثْنانِ وأصْلُ أحَدٍ وحَدٌ إلّا أنَّهُ قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لِلتَّخْفِيفِ وأكْثَرُ ما يَفْعَلُونَ هَذا بِالواوِ المَضْمُومَةِ والمَكْسُورَةِ كَقَوْلِهِمْ: وُجُوهٌ وأُجُوهٌ، وِسادَةٌ وإسادَةٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الواحِدَ والأحَدَ لَيْسا اسْمَيْنِ مُتَرادِفَيْنِ قالَ الأزْهَرِيُّ: لا يُوصَفُ شَيْءٌ بِالأحَدِيَّةِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى لا يُقالُ: رَجُلٌ أحَدٌ ولا دِرْهَمٌ أحَدٌ كَما يُقالُ: رَجُلٌ واحِدٌ أيْ فَرْدٌ بِهِ بَلْ أحَدٌ صِفَةٌ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى اسْتَأْثَرَ بِها فَلا يُشْرِكُهُ فِيها شَيْءٌ ثُمَّ ذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الواحِدِ والأحَدِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الواحِدَ يَدْخُلُ في الأحَدِ، والأحَدُ لا يَدْخُلُ فِيهِ.
وثانِيها: أنَّكَ إذا قُلْتَ: فُلانٌ لا يُقاوِمُهُ واحِدٌ، جازَ أنْ يُقالَ: لَكِنَّهُ يُقاوِمُهُ اثْنانِ بِخِلافِ الأحَدِ، فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يُقاوِمُهُ أحَدٌ، لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَكِنَّهُ يُقاوِمُهُ اثْنانِ.
وثالِثُها: أنَّ الواحِدَ يُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ، والأحَدَ في النَّفْيِ، تَقُولُ في الإثْباتِ رَأيْتُ رَجُلًا واحِدًا، وتَقُولُ في النَّفْيِ: ما رَأيْتُ أحَدًا، فَيُفِيدُ العُمُومَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ) فَقِراءَةُ العامَّةِ بِالتَّنْوِينِ وتَحْرِيكِهِ بِالكَسْرِ هَكَذا (أحَدُنِ اللَّهُ)، وهو القِياسُ الَّذِي لا إشْكالَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّنْوِينَ مِن ”أحَدٌ“ ساكِنٌ ولامُ المَعْرِفَةِ مِنَ اللَّهِ ساكِنَةٌ، ولَمّا التَقى ساكِنانِ حُرِّكَ الأوَّلُ مِنهُما بِالكَسْرِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو، ”أحَدُ اللَّهُ“ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وذَلِكَ أنَّ النُّونَ شابَهَتْ حُرُوفَ اللِّينِ في أنَّها تُزادُ كَما يُزَدْنَ فَلَمّا شابَهَتْها أُجْرِيَتْ مُجْراها في أنْ حُذِفَتْ ساكِنَةً لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما حُذِفَتِ الألِفُ والواوُ والياءُ لِذَلِكَ نَحْوُ: غَزا القَوْمَ ويَغْزُو القَوْمَ، ويَرْمِي القَوْمَ، ولِهَذا حُذِفَتِ النُّونُ السّاكِنَةُ في الفِعْلِ نَحْوُ: (لَمْ يَكُ) ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ [هود: ١٠٩] فَكَذا هَهُنا حُذِفَتْ في ”أحَدُ اللَّهُ“ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما حُذِفَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ.
وقَدْ ذَكَرْنا هَذا مُسْتَقْصًى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي عَمْرٍو: (أحَدْ اللَّهُ) وقالَ: أدْرَكْتُ القُرّاءَ يَقْرَءُونَها كَذَلِكَ وصْلًا عَلى السُّكُونِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَدْ تَجْرِي الفَواصِلُ في الإدْراجِ مُجْراها في الوَقْفِ وعَلى هَذا قالَ مَن قالَ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ﴾ [القارعة: ١٠] فَكَذَلِكَ ( أحَدٌ اللَّهُ) لَمّا كانَ أكْثَرُ القُرّاءِ فِيما حَكاهُ أبُو عَمْرٍو عَلى الوَقْفِ أجْراهُ في الوَصْلِ مُجْراهُ في الوَقْفِ لِاسْتِمْرارِ الوَقْفِ عَلَيْهِ وكَثْرَتِهِ في ألْسِنَتِهِمْ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (قُلْ هو اللَّهُ الواحِدُ) فَإنْ قِيلَ: لِماذا ؟ قِيلَ: أحَدٌ عَلى النَّكِرَةِ، قالَ الماوَرْدِيُّ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَذْفُ لامِ التَّعْرِيفِ عَلى نِيَّةِ إضْمارِها والتَّقْدِيرُ قُلْ: هو اللَّهُ الأحَدُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو التَّنْكِيرُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (هو اللَّهُ أحَدٌ) ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ وكُلُّ واحِدٍ مِنها إشارَةٌ إلى مَقامٍ مِن مَقاماتِ الطّالِبِينَ:
فالمَقامُ الأوَّلُ: مَقامُ المُقَرَّبِينَ وهو أعْلى مَقاماتِ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إلى ماهِيّاتِ الأشْياءِ وحَقائِقِها مِن حَيْثُ هي هي، فَلا جَرَمَ ما رَأوْا مَوْجُودًا سِوى اللَّهِ لِأنَّ الحَقَّ هو الَّذِي لِذاتِهِ
صفحة ١٦٥
يَجِبُ وُجُودُهُ، وأمّا ما عَداهُ فَمُمْكِنٌ لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ إذا نُظِرَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو هو كانَ مَعْدُومًا، فَهَؤُلاءِ لَمْ يَرَوْا مَوْجُودًا سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ، وقَوْلُهُ: (هو) إشارَةٌ مُطْلَقَةٌ والإشارَةُ وإنْ كانَتْ مُطْلَقَةً إلّا أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لَمّا كانَ مُعَيَّنًا انْصَرَفَ ذَلِكَ المُطْلَقُ إلى ذَلِكَ المُعَيَّنِ، فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُنا: ”هو“ إشارَةً مِن هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ فَلَمْ يَفْتَقِرُوا في تِلْكَ الإشارَةِ إلى مُمَيِّزٍ؛ لِأنَّ الِافْتِقارَ إلى المُمَيِّزِ إنَّما يَحْصُلُ حِينَ حَصَلَ هُناكَ مَوْجُودانِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَؤُلاءِ ما شاهَدُوا بِعُيُونِ عُقُولِهِمْ إلّا الواحِدَ فَقَطْ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَتْ لَفْظَةُ: (هو) كافِيَةً في حُصُولِ العِرْفانِ التّامِّ لِهَؤُلاءِ.
المَقامُ الثّانِي: وهو مَقامُ أصْحابِ اليَمِينِ وهو دُونُ المَقامِ الأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَؤُلاءِ شاهَدُوا الحَقَّ مَوْجُودًا وشاهَدُوا الخَلْقَ أيْضًا مَوْجُودًا، فَحَصَلَتْ كَثْرَةٌ في المَوْجُوداتِ فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ هو كافِيًا في الإشارَةِ إلى الحَقِّ، بَلْ لا بُدَّ هُناكَ مِن مُمَيِّزٍ بِهِ يَتَمَيَّزُ الحَقُّ عَنِ الخَلْقِ: فَهَؤُلاءِ احْتاجُوا إلى أنْ يَقْرِنُوا لَفْظَةَ اللَّهِ بِلَفْظَةِ هو، فَقِيلَ لِأجْلِهِمْ: هو اللَّهُ لِأنَّ اللَّهَ هو المَوْجُودُ الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَيْهِ ما عَداهُ، ويَسْتَغْنِي هو عَنْ كُلِّ ما عَداهُ.
والمَقامُ الثّالِثُ: وهو مَقامُ أصْحابِ الشِّمالِ وهو أخَسُّ المَقاماتِ وأدْوَنُها، وهُمُ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ أنْ يَكُونَ واجِبُ الوُجُودِ أكْثَرَ مِن واحِدٍ وأنْ يَكُونَ الإلَهُ أكْثَرَ مِن واحِدٍ فَقَرَنَ لَفْظَ الأحَدِ بِما تَقَدَّمَ رَدًّا عَلى هَؤُلاءِ وإبْطالًا لِمَقالاتِهِمْ فَقِيلَ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ .
وهَهُنا بَحْثٌ آخَرُ أشْرَفُ وأعْلى مِمّا ذَكَرْناهُ وهو أنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى إمّا أنْ تَكُونَ إضافِيَّةً وإمّا أنْ تَكُونَ سَلْبِيَّةً، أمّا الإضافِيَّةُ فَكَقَوْلِنا: عالِمٌ، قادِرٌ مُرِيدٌ خَلّاقٌ، وأمّا السَّلْبِيَّةُ فَكَقَوْلِنا: لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجَوْهَرٍ ولا بِعَرَضٍ والمَخْلُوقاتُ تَدُلُّ أوَّلًا عَلى النَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ الصِّفاتِ وثانِيًا عَلى النَّوْعِ الثّانِي مِنها، وقَوْلُنا: اللَّهُ يَدُلُّ عَلى مَجامِعِ الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، وقَوْلُنا: أحَدٌ يَدُلُّ عَلى مَجامِعِ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، فَكانَ قَوْلُنا: (اللَّهُ أحَدٌ) تامًّا في إفادَةِ العِرْفانِ الَّذِي يَلِيقُ بِالعُقُولِ البَشَرِيَّةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ لَفْظَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى مَجامِعِ الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، واسْتِحْقاقُ العِبادَةِ لَيْسَ إلّا لِمَن يَكُونُ مُسْتَبِدًّا بِالإيجادِ والإبْداعِ، والِاسْتِبْدادُ بِالإيجادِ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ والإرادَةِ النّافِذَةِ والعِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وهَذِهِ مَجامِعُ الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، وأمّا مَجامِعُ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ فَهي الأحَدِيَّةُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الأحَدِيَّةِ كَوْنُ تِلْكَ الحَقِيقَةِ في نَفْسِها مُفْرَدَةً مُنَزَّهَةً عَنْ أنْحاءِ التَّرْكِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ماهِيَّةٍ مُرَكَّبَةٍ فَهي مُفْتَقِرَةٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالإلَهُ الَّذِي هو مَبْدَأٌ لِجَمِيعِ الكائِناتِ مُمْتَنِعٌ أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، فَهو في نَفْسِهِ فَرْدٌ أحَدٌ وإذا ثَبَتَتِ الأحَدِيَّةُ، وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُتَحَيِّزًا؛ لِأنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَإنَّ يَمِينَهُ مُغايِرٌ لِيَسارِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُنْقَسِمٌ، فالأحَدُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وإذا لَمْ يَكُنْ مُتَحَيِّزًا لَمْ يَكُنْ في شَيْءٍ مِنَ الأحْيازِ والجِهاتِ، ويَجِبُ أنْ لا يَكُونَ حالًّا في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ مَعَ مَحَلِّهِ لا يَكُونُ أحَدًا، ولا يَكُونُ مَحَلًّا لِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ مَعَ حالِّهِ لا يَكُونُ أحَدًا، وإذا لَمْ يَكُنْ حالًّا ولا مَحَلًّا لَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرًا البَتَّةَ لِأنَّ التَّغَيُّرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، وأيْضًا إذا كانَ أحَدًا وجَبَ أنْ يَكُونَ واحِدًا إذْ لَوْ فُرِضَ مَوْجُودانِ واجِبا الوُجُودِ لاشْتَرَكا في الوُجُوبِ ولَتَمايَزا في التَّعَيُّنِ وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ أحَدًا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ واحِدًا فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ كَوْنُ الشَّيْءِ أحَدًا، فَإنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ تُوصَفُ بِالأحَدِيَّةِ فَهُناكَ تِلْكَ الحَقِيقَةُ مِن تِلْكَ الأحَدِيَّةِ ومَجْمُوعِهِما فَذاكَ ثالِثُ ثَلاثٍ لا أحَدٌ.
الجَوابُ: أنَّ الأحَدِيَّةَ لازِمَةٌ لِتِلْكَ الحَقِيقَةِ فالمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالأحَدِيَّةِ هو تِلْكَ الحَقِيقَةُ لا المَجْمُوعُ الحاصِلُ مِنها ومِن تِلْكَ الأحَدِيَّةِ، فَقَدْ لاحَ بِما
صفحة ١٦٦
ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: (اللَّهُ أحَدٌ) كَلامٌ مُتَضَمِّنٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الإضافِيّاتِ والسُّلُوبِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ مَذْكُورٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] .
الإخلاص 112:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ: (الصَّمَدُ) وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن صَمَدَ إلَيْهِ إذا قَصَدَهُ، وهو السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، قالَ الشّاعِرُ:
ألا بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدٍ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ
وقالَ أيْضًا:
عَلَوْتُهُ بِحُسامِي ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها حُذَيْفُ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ
والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما «رَوى ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: ما الصَّمَدُ ؟ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ» وقالَ اللَّيْثُ: صَمَدْتُ صَمَدَ هَذا الأمْرِ أيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الصَّمَدَ هو الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، ومِنهُ يُقالُ: لِسِدادِ القارُورَةِ الصِّمادُ، وشَيْءٌ مُصْمَدٌ أيْ صُلْبٌ لَيْسَ فِيهِ رَخاوَةٌ، وقالَ قَتادَةُ: وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ: الدّالُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنَ التّاءِ وهو المُصْمَتُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الصَّمَدُ هو الأمْلَسُ مِنَ الحَجَرِ الَّذِي لا يَقْبَلُ الغُبارَ ولا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ ولا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ، واعْلَمْ أنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِن جُهّالِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ تَعالى جِسْمٌ، وهَذا باطِلٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ أحَدًا يُنافِي [ كَوْنَهُ ] جِسْمًا فَمُقَدِّمَةُ هَذا الآيَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّمَدِ هَذا المَعْنى، ولِأنَّ الصَّمَدَ بِهَذا التَّفْسِيرِ صِفَةُ الأجْسامِ المُتَضاغِطَةِ وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإذَنْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى مَجازِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ عَدِيمَ الِانْفِعالِ والتَّأثُّرِ عَنِ الغَيْرِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ واجِبًا لِذاتِهِ مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ في وُجُودِهِ وبَقائِهِ وجَمِيعِ صِفاتِهِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِالبَحْثِ اللُّغَوِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ.
وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ نُقِلَ عَنْهم وُجُوهٌ، بَعْضُها يَلِيقُ بِالوَجْهِ الأوَّلِ وهو كَوْنُهُ تَعالى سَيِّدًا مَرْجُوعًا إلَيْهِ في دَفْعِ الحاجاتِ، وهو إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، وبَعْضُها بِالوَجْهِ الثّانِي وهو كَوْنُهُ تَعالى واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ فِيهِما وهو إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، وتارَةً يُفَسِّرُونَ الصَّمَدَ بِما يَكُونُ جامِعًا لِلْوَجْهَيْنِ.
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: الصَّمَدُ هو العالِمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لِأنَّ كَوْنَهُ سَيِّدًا مَرْجُوعًا إلَيْهِ في قَضاءِ الحاجاتِ لا يَتِمُّ إلّا بِذَلِكَ.
الثّانِي: الصَّمَدُ هو الحَلِيمُ لِأنَّ كَوْنَهُ سَيِّدًا يَقْتَضِي الحِلْمَ والكَرَمَ.
الثّالِثُ: وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والضَّحّاكِ: الصَّمَدُ هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهى سُؤْدُدُهُ.
الرّابِعُ: قالَ الأصَمُّ: الصَّمَدُ هو الخالِقُ لِلْأشْياءِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ سَيِّدًا يَقْتَضِي ذَلِكَ.
الخامِسُ: قالَ السُّدِّيُّ: الصَّمَدُ هو المَقْصُودُ في الرَّغائِبِ، المُسْتَغاثُ بِهِ عِنْدَ المَصائِبِ.
السّادِسُ: قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ البَجَلِيُّ: الصَّمَدُ هو الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا رادَّ لِقَضائِهِ.
السّابِعُ: أنَّهُ السَّيِّدُ المُعَظَّمُ.
الثّامِنُ: أنَّهُ
صفحة ١٦٧
الفَرْدُ الماجِدُ لا يُقْضى في أمْرٍ دُونَهُ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو الإشارَةُ إلى الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: الصَّمَدُ هو الغَنِيُّ عَلى ما قالَ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤] .
الثّانِي: الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ولا يَخافُ مَن فَوْقَهُ، ولا يَرْجُو مَن دُونَهُ تُرْفَعُ الحَوائِجُ إلَيْهِ.
الثّالِثُ: قالَ قَتادَةُ: لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] .
الرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] .
الخامِسُ: قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الزَّوالُ كانَ ولا مَكانَ، ولا أيْنَ ولا أوانَ، ولا عَرْشَ ولا كُرْسِيَّ، ولا جِنِّيَّ ولا إنْسِيَّ وهو الآنَ كَما كانَ.
السّادِسُ: قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: الَّذِي لا يَمُوتُ ولا يُورَثُ ولَهُ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ.
السّابِعُ: قالَ يَمانٌ وأبُو مالِكٍ: الَّذِي لا يَنامُ ولا يَسْهُو.
الثّامِنُ: قالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو الَّذِي لا يُوصَفُ بِصِفَةِ أحَدٍ.
التّاسِعُ: قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هو الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ.
العاشِرُ: قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو الَّذِي لا تَعْتَرِيهِ الآفاتُ.
الحادِيَ عَشَرَ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ، وفي جَمِيعِ أفْعالِهِ.
الثّانِيَ عَشَرَ: قالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: إنَّهُ الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ.
الثّالِثَ عَشَرَ: قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: إنَّهُ المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ.
الرّابِعَ عَشَرَ: قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: إنَّهُ الَّذِي أيِسَ الخَلائِقُ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى كَيْفِيَّتِهِ.
الخامِسَ عَشَرَ: هو الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ.
السّادِسَ عَشَرَ: قالَ أبُو العالِيَةِ ومُحَمَّدٌ القُرَظِيُّ: هو الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إلّا سَيُورَثُ، ولا شَيْءٌ يُولَدُ إلّا وسَيَمُوتُ.
السّابِعَ عَشَرَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ الكَبِيرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ.
الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّهُ المُنَزَّهُ عَنْ قَبُولِ النُّقْصاناتِ والزِّياداتِ، وعَنْ أنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لِلتَّغَيُّراتِ والتَّبَدُّلاتِ، وعَنْ إحاطَةِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والآناتِ والجِهاتِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الصَّمَدِ عَلى الكُلِّ وهو مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّهُ بِحَسَبِ دَلالَتِهِ عَلى الوُجُوبِ الذّاتِيِّ يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ السُّلُوبِ، وبِحَسَبِ دَلالَتِهِ عَلى كَوْنِهِ مَبْدَأً لِلْكُلِّ يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ النُّعُوتِ الإلَهِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ في الوُجُودِ صَمَدٌ سِوى اللَّهِ، وإذا كانَ الصَّمَدُ مُفَسَّرًا بِالمَصْمُودِ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، أوْ بِما لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ في ذاتِهِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ في الوُجُودِ مَوْجُودٌ هَكَذا سِوى اللَّهِ تَعالى.
فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ سِوى الواحِدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ واحِدًا، بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ في ذاتِهِ تَرْكِيبٌ ولا تَأْلِيفٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ واحِدًا، بِمَعْنى نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ والأضْدادِ. وبَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ جاءَ أحَدٌ مُنَكَّرًا، وجاءَ الصَّمَدُ مُعَرَّفًا ؟ الجَوابُ: الغالِبُ عَلى أكْثَرِ أوْهامِ الخَلْقِ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مَحْسُوسٌ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَحْسُوسٍ فَهو مُنْقَسِمٌ، فَإذًا ما لا يَكُونُ مُنْقَسِمًا لا يَكُونُ خاطِرًا بِبالِ أكْثَرِ الخَلْقِ، وأمّا الصَّمَدُ فَهو الَّذِي يَكُونُ مَصْمُودًا إلَيْهِ في الحَوائِجِ، وهَذا كانَ مَعْلُومًا لِلْعَرَبِ بَلْ لِأكْثَرِ الخَلْقِ عَلى ما قالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وإذا كانَتِ الأحَدِيَّةُ مَجْهُولَةً مُسْتَنْكَرَةً عِنْدَ أكْثَرِ الخَلْقِ، وكانَتِ الصَّمَدِيَّةُ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ عِنْدَ جُمْهُورِ الخَلْقِ، لا جَرَمَ جاءَ لَفْظُ أحَدٍ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ ولَفْظُ الصَّمَدِ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيفِ.
صفحة ١٦٨
السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ لَفْظَةِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ؟ .
الجَوابُ: لَوْ لَمْ تُكَرَّرْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَوَجَبَ في لَفْظِ (أحَدٌ وصَمَدٌ) أنْ يَرِدا إمّا نَكِرَتَيْنِ أوْ مَعْرِفَتَيْنِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَلا جَرَمَ كُرِّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ حَتّى يُذْكَرَ لَفْظُ أحَدٍ مُنَكَّرًا ولَفْظُ الصَّمَدِ مُعَرَّفًا.
الإخلاص 112:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ فِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قُدِّمَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ مَعَ أنَّ في الشّاهِدِ يَكُونُ أوَّلًا مَوْلُودًا، ثُمَّ يَكُونُ والِدًا ؟ الجَوابُ: إنَّما وقَعَتِ البَداءَةُ بِأنَّهُ لَمْ يَلِدْ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لَهُ ولَدًا، وذَلِكَ لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولَمْ يَدَّعِ أحَدٌ أنَّ لَهُ والِدًا فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِالأهَمِّ فَقالَ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ثُمَّ أشارَ إلى الحُجَّةِ فَقالَ: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِ الوَلَدِيَّةِ اتِّفاقُنا عَلى أنَّهُ ما كانَ ولَدًا لِغَيْرِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِماذا اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الماضِي فَقالَ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَنْ يَلِدَ ؟
الجَوابُ: إنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ ورَدَ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١] فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَكْذِيبَ قَوْلِهِمْ وهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ في الماضِي، لا جَرَمَ ورَدَتِ الآيَةُ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ هَهُنا: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وقالَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] ؟
الجَوابُ: أنَّ الوَلَدَ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُ مِثْلُهُ وهَذا هو الوَلَدُ الحَقِيقِيُّ.
والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ مُتَوَلِّدًا مِنهُ ولَكِنَّهُ يَتَّخِذُهُ ولَدًا ويُسَمِّيهِ هَذا الِاسْمَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ولَدًا لَهُ في الحَقِيقَةِ، والنَّصارى فَرِيقانِ: مِنهم مَن قالَ: عِيسى ولَدُ اللَّهِ حَقِيقَةً، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ ولَدًا تَشْرِيفًا لَهُ، كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا تَشْرِيفًا لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الوالِدِ في الحَقِيقَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ القِسْمِ الثّانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَتَّخِذُ ولَدًا لِيَكُونَ ناصِرًا ومُعِينًا لَهُ عَلى الأمْرِ المَطْلُوبِ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨] وإشارَةٌ إلى ما ذَكَرْنا أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ الحاجَةِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: نَفْيُ كَوْنِهِ تَعالى والِدًا ومَوْلُودًا، هَلْ يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ بِالسَّمْعِ أمْ لا، وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِ هَهُنا ؟ الجَوابُ: نَفِيُ كَوْنِهِ تَعالى والِدًا مُسْتَفادٌ مِنَ العِلْمِ بِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا مُتَبَعِّضٍ ولا مُنْقَسِمٍ، ونَفْيُ كَوْنِهِ تَعالى مَوْلُودًا مُسْتَفادٌ مِنَ العِلْمِ بِأنَّهُ تَعالى قَدِيمٌ، والعِلْمُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ مُتَقَدِّمٌ عَلى العِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونا مُسْتَفادَيْنِ مِنَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَلَمّا لَمْ يَكُنِ اسْتِفادَتُهُما مِنَ السَّمْعِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِما في هَذِهِ السُّورَةِ ؟
قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ أحَدًا كَوْنُهُ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ وماهِيَّتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ أنْحاءِ التَّراكِيبِ، وكَوْنُهُ تَعالى صَمَدًا مَعْناهُ كَوْنُهُ واجِبًا لِذاتِهِ مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ في ذاتِهِ وجَمِيعِ صِفاتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالأحَدِيَّةُ والصَّمَدِيَّةُ يُوجِبانِ نَفْيَ الوَلَدِيَّةِ
صفحة ١٦٩
والمَوْلُودِيَّةِ، فَلَمّا ذَكَرَ السَّبَبَ المُوجِبَ لِانْتِفاءِ الوالِدِيَّةِ والمَوْلُودِيَّةِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ، فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِما تَنْبِيهُ اللَّهِ تَعالى عَلى الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى انْتِفائِهِما.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ فائِدَةٌ أزْيَدُ مِن نَفِيِ الوَلَدِيَّةِ ونَفِيِ المَوْلُودِيَّةِ ؟ قُلْنا: فِيهِ فَوائِدُ كَثِيرَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: (اللَّهُ أحَدٌ) إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى في ذاتِهِ وماهِيَّتِهِ مُنَزَّهًا عَنِ التَّرْكِيبِ، وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الأضْدادِ والأنْدادِ والشُّرَكاءِ والأمْثالِ، وهَذانَ المَقامانِ الشَّرِيفانِ مِمّا حَصَلَ الِاتِّفاقُ فِيهِما بَيْنَ أرْبابِ المِلَلِ والأدْيانِ، وبَيْنَ الفَلاسِفَةِ، إلّا أنَّ مِن بَعْدِ هَذا المَوْضِعِ حَصَلَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ أرْبابِ المِلَلِ وبَيْنَ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّ الفَلاسِفَةَ قالُوا: إنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْ واجِبِ الوُجُودِ عَقْلٌ، وعَنِ العَقْلِ عَقْلٌ آخَرُ ونَفْسٌ وفَلَكٌ، وهَكَذا عَلى هَذا التَّرْتِيبِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى العَقْلِ الَّذِي هو مُدَبِّرٌ ما تَحْتَ كُرَةِ القَمَرِ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ واجِبُ الوُجُودِ قَدْ ولَدَ العَقْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو تَحْتَهُ، ويَكُونُ العَقْلُ الَّذِي هو مُدَبِّرٌ لِعالَمِنا هَذا كالمَوْلُودِ مِنَ العُقُولِ الَّتِي فَوْقَهُ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفى الوالِدِيَّةَ أوَّلًا، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَلِدِ العُقُولَ والنُّفُوسَ، ثُمَّ قالَ: والشَّيْءُ الَّذِي هو مُدَبِّرُ أجْسادِكم وأرْواحِكم وعالَمِكم هَذا لَيْسَ مَوْلُودًا مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَلا والِدَ ولا مَوْلُودَ ولا مُؤَثِّرَ إلّا الواحِدُ الَّذِي هو الحَقُّ سُبْحانَهُ.
الإخلاص 112:4
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ فِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الكَلامُ العَرَبِيُّ الفَصِيحُ أنْ يُؤَخَّرَ الظَّرْفُ الَّذِي هو لَغْوٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ولا يُقَدَّمَ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ، فَما بالُهُ ورَدَ مُقَدَّمًا في أفْصَحِ الكَلامِ ؟ والجَوابُ: هَذا الكَلامُ إنَّما سِيقَ لِنَفْيِ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِ اللَّهِ، واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى هَذا المَعْنى هو هَذا الظَّرْفُ، وتَقْدِيمُ الأهَمِّ أوْلى، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ هَذا الظَّرْفُ مُسْتَحِقًّا لِلتَّقْدِيمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ القِراءَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟
الجَوابُ: قُرِئَ: (كُفُوًا) بِضَمِّ الكافِ والفاءِ وبِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ الفاءِ، والأصْلُ هو الضَّمُّ ثُمَّ يُخَفَّفُ مِثْلُ طُنُبٍ وطُنْبٍ وعُنُقٍ وعُنْقٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ كُفُوٌ وكُفْءٌ وكِفاءٌ كُلُّهُ بِمَعْنى واحِدٍ وهو المِثْلُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ أقاوِيلُ:
أحَدُها: قالَ كَعْبٌ وعَطاءٌ: لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ ولا عَدِيلٌ، ومِنهُ المُكافَأةُ في الجَزاءِ لِأنَّهُ يُعْطِيهِ ما يُساوِي ما أعْطاهُ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُؤًا لَهُ فَيُصاهِرَهُ، رَدًّا عَلى مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] فَتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ .
وثالِثُها: وهو التَّحْقِيقُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ هو المَصْمُودُ إلَيْهِ في قَضاءِ الحَوائِجِ ونَفْيِ الوَسائِطِ مِنَ البَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَحِينَئِذٍ خَتَمَ السُّورَةَ بِأنَّ شَيْئًا مِنَ المَوْجُوداتِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لَهُ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، أمّا الوُجُودُ فَلا مُساواةَ فِيهِ لِأنَّ وجُودَهُ مِن مُقْتَضَياتِ حَقِيقَتِهِ فَإنَّ حَقِيقَتَهُ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلْعَدَمِ مِن حَيْثُ هي هي، وأمّا سائِرُ الحَقائِقِ، فَإنَّها قابِلَةٌ لِلْعَدَمِ، وأمّا العِلْمُ فَلا مُساواةَ فِيهِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ ولا بِاسْتِدْلالِيٍّ ولا مُسْتَفادٍ مِنَ الحِسِّ ولا مِنَ الرُّؤْيَةِ ولا يَكُونُ في مَعْرِضِ الغَلَطِ والزَّلَلِ وعُلُومُ المُحْدَثاتِ كَذَلِكَ، وأمّا القُدْرَةُ فَلا مُساواةَ فِيها وكَذا الرَّحْمَةُ والجُودُ والعَدْلُ والفَضْلُ وْالإحْسانُ، واعْلَمْ أنَّ
صفحة ١٧٠
هَذِهِ السُّورَةَ أرْبَعُ آياتٍ، وفي تَرْتِيبِها أنْواعٌ مِنَ الفَوائِدِ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ واحِدٌ، والصَّمَدُ عَلى أنَّهُ كَرِيمٌ رَحِيمٌ؛ لِأنَّهُ لا يُصْمَدُ إلَيْهِ حَتّى يَكُونَ مُحْسِنًا و﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ ومُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّراتِ فَلا يَبْخَلُ بِشَيْءٍ أصْلًا، ولا يَكُونُ جُودُهُ لِأجْلِ جَرِّ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، بَلْ بِمَحْضِ الإحْسانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: نَفى اللَّهُ تَعالى عَنْ ذاتِهِ أنْواعَ الكَثْرَةِ بِقَوْلِهِ: (أحَدٌ) ونَفى النَّقْصَ والمَغْلُوبِيَّةَ بِلَفْظِ الصَّمَدِ، ونَفى المَعْلُولِيَّةَ والعِلِّيَّةَ بِ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾، ونَفى الأضْدادَ والأنْدادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ .
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (أحَدٌ) يُبْطِلُ مَذْهَبَ الثَّنَوِيَّةِ القائِلِينَ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ، والنَّصارى في التَّثْلِيثِ، والصّابِئِينَ في الأفْلاكِ والنُّجُومِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ تُبْطِلُ مَذْهَبَ مَن أثْبَتَ خالِقًا سِوى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ خالِقٌ آخَرُ لَما كانَ الحَقُّ مَصْمُودًا إلَيْهِ في طَلَبِ جَمِيعِ الحاجاتِ، والثّالِثَةُ تُبْطِلُ مَذْهَبَ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، والنَّصارى في المَسِيحِ، والمُشْرِكِينَ في أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والآيَةُ الرّابِعَةُ تُبْطِلُ مَذْهَبَ المُشْرِكِينَ حَيْثُ جَعَلُوا الأصْنامَ أكْفاءً لَهُ وشُرَكاءً.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ في حَقِّ اللَّهِ مِثْلُ سُورَةِ الكَوْثَرِ في حَقِّ الرَّسُولِ، لَكِنَّ الطَّعْنَ في حَقِّ الرَّسُولِ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا: إنَّهُ أبْتَرُ لا ولَدَ لَهُ، وهَهُنا الطَّعْنُ بِسَبَبِ أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا، وذَلِكَ لِأنَّ عَدَمَ الوَلَدِ في حَقِّ الإنْسانِ عَيْبٌ، ووُجُودَ الوَلَدِ عَيْبٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ هَهُنا: (قُلْ) حَتّى تَكُونَ ذابّا عَنِّي، وفي سُورَةِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ أنا أقُولُ ذَلِكَ الكَلامَ حَتّى أكُونَ أنا ذابّا عَنْكَ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
* * *
صفحة ١٧١
(مُقَدِّمَةٌ) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَبْلَ الخَوْضِ في التَّفْسِيرِ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ فَصْلَيْنِ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العارِفِينَ فَسَّرَ هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى وجْهٍ عَجِيبٍ، فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ أمْرَ الإلَهِيَّةِ في سُورَةِ الإخْلاصِ ذَكَرَ هَذِهِ السُّورَةَ عَقِيبَها في شَرْحِ مَراتِبِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ فَقالَ أوَّلًا: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ ظُلُماتِ العَدَمِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والحَقُّ سُبْحانَهُ هو الَّذِي فَلَقَ تِلْكَ الظُّلُماتِ بِنُورِ التَّكْوِينِ والإيجادِ والإبْداعِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ والوَجْهُ فِيهِ أنَّ عالَمَ المُمْكِناتِ عَلى قِسْمَيْنِ؛ عالَمُ الأمْرِ وعالَمُ الخَلْقِ عَلى ما قالَ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وعالَمُ الأمْرِ كُلُّهُ خَيْراتٌ مَحْضَةٌ بَرِيئَةٌ عَنِ الشُّرُورِ والآفاتِ، أمّا عالَمُ الخَلْقِ وهو عالَمُ الأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ، فالشَّرُّ لا يَحْصُلُ إلّا فِيهِ، وإنَّما سُمِّيَ عالَمُ الأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ بِعالَمِ الخَلْقِ، لِأنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ، والمِقْدارُ مِن لَواحِقِ الجِسْمِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لا جَرَمَ قالَ: أعُوذُ بِالرَّبِّ الَّذِي فَلَقَ ظُلُماتِ بَحْرِ العَدَمِ بِنُورِ الإيجادِ والإبْداعِ مِنَ الشُّرُورِ الواقِعَةِ في عالَمِ الخَلْقِ وهو عالَمُ الأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ الأجْسامَ، إمّا أثَرِيَّةٌ أوْ عُنْصُرِيَّةٌ والأجْسامُ الأثَرِيَّةٌ خَيْراتٌ؛ لِأنَّها بَرِيئَةٌ عَنِ الِاخْتِلالِ والفُطُورِ، عَلى ما قالَ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] وأمّا العُنْصُرِيّاتُ فَهي إمّا جَمادٌ أوْ نَباتٌ أوْ حَيَوانٌ، أمّا الجَماداتُ فَهي خالِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ، فالظُّلْمَةُ فِيها خالِصَةٌ والأنْوارُ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ زائِلَةٌ، وهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ وأمّا النَّباتُ فالقُوَّةُ العادِيَّةُ النَّباتِيَّةُ هي الَّتِي تَزِيدُ في الطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ مَعًا، فَهَذِهِ النَّباتِيَّةُ كَأنَّها تَنْفُثُ في العُقَدِ الثَّلاثَةِ، وأمّا الحَيَوانُ فالقُوى الحَيَوانِيَّةُ هي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ والحَواسُّ الباطِنِيَّةُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ وكُلُّها تَمْنَعُ الرُّوحَ الإنْسانِيَّةَ عَنِ الِانْصِبابِ إلى عالَمِ الغَيْبِ، والِاشْتِغالِ بِقُدْسِ جَلالِ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ السُّفْلِيّاتِ بَعْدَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ سِوى النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، وهي المُسْتَعِيذَةُ، فَلا تَكُونُ مُسْتَعاذًا مِنها، فَلا جَرَمَ قَطَعَ هَذِهِ السُّورَةَ وذَكَرَ بَعْدَها في سُورَةِ النّاسِ مَراتِبَ دَرَجاتِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ في التَّرَقِّي، وذَلِكَ لِأنَّها بِأصْلِ فِطْرَتِها مُسْتَعِدَّةٌ لِأنْ تَنْتَقِشَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ إلّا أنَّها تَكُونُ أوَّلَ الأمْرِ خالِيَةً عَنْ هَذِهِ المَعارِفِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ مِنَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ يَحْصُلُ فِيها عُلُومٌ أوَّلِيَّةٌ بَدِيهِيَّةٌ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِها إلى اسْتِعْلامِ المَجْهُولاتِ الفِكْرِيَّةِ، ثُمَّ في آخِرِ تِلْكَ المَجْهُولاتِ الفِكْرِيَّةِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى مِن مَراتِبِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ وهي حالُ كَوْنِها خالِيَةً مِن جَمِيعِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ والكَسْبِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّفْسَ في تِلْكَ المَرْتَبَةِ تَحْتاجُ إلى مُرَبٍّ يُرَبِّيها ويُزَيِّنُها بِتِلْكَ المَعارِفِ البَدِيهِيَّةِ، ثُمَّ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ وهي عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ يَحْصُلُ لَها مَلَكَةٌ مِنَ الِانْتِقالِ مِنها إلى اسْتِعْلامِ العُلُومِ الفِكْرِيَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ٢] ثُمَّ في المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ وهي عِنْدَ خُرُوجِ تِلْكَ العُلُومِ الفِكْرِيَّةِ مِنَ القَوْلِ إلى الفِعْلِ يَحْصُلُ الكَمالُ
صفحة ١٧٢
التّامُّ لِلنَّفْسِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ [الناس: ٣] فَكَأنَّ الحَقَّ يُسَمِّي نَفْسَهُ بِحَسَبِ كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِما يَلِيقُ بِتِلْكَ المَرْتَبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ [الناس: ٤] والمُرادُ مِنهُ القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ، والسَّبَبُ في إطْلاقِ اسْمِ الخَنّاسِ عَلى الوَهْمِ أنَّ العَقْلَ والوَهْمَ، قَدْ يَتَساعَدانِ عَلى تَسْلِيمِ بَعْضِ المُقَدِّماتِ، ثُمَّ إذا آلَ الأمْرُ إلى النَّتِيجَةِ فالعَقْلُ يُساعِدُ عَلى النَّتِيجَةِ والوَهْمُ يَخْنَسُ، ويَرْجِعُ ويَمْتَنِعُ عَنْ تَسْلِيمِ النَّتِيجَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُسَمّى الوَهْمُ: بِالخَنّاسِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ ضَرَرَ هَذا الخَنّاسِ عَظِيمٌ عَلى العَقْلِ، وأنَّهُ قَلَّما يَنْفَكُّ أحَدٌ عَنْهُ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَراتِبَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ ونَبَّهَ عَلى عَدُوِّها ونَبَّهَ عَلى ما بِهِ يَقَعُ الِامْتِيازُ بَيْنَ العَقْلِ وبَيْنَ الوَهْمِ، وهُناكَ آخِرُ دَرَجاتِ مَراتِبِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ خَتْمُ الكِتابِ الكَرِيمِ والفُرْقانِ العَظِيمِ عَلَيْهِ.
الفَصْلُ الثّانِي: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: «رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتاهُ وقالَ: إنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ يَكِيدُكَ، فَقالَ إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ السُّورَتَيْنِ» . .
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُما عَلَيْهِ لِيَكُونا رُقْيَةً مِنَ العَيْنِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: تَعالَوْا نَتَجَوَّعُ فَنَعِينُ مُحَمَّدًا فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْهُ وقالُوا ما أشَدَّ عَضُدَكَ، وأقْوى ظَهْرَكَ وأنْضَرَ وجْهَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المُعَوِّذَتَيْنِ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، «أنَّ لَبِيدَ بْنَ أعْصَمَ اليَهُودِيَّ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ في إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً وفي وتَرٍ دَسَّهُ في بِئْرٍ يُقالُ لَها ذِرْوانُ فَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، واشْتَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ فَنَزَلَتِ المُعَوِّذَتانِ لِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِمَوْضِعِ السِّحْرِ فَأرْسَلَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ وطَلْحَةَ وجاءا بِهِ، وقالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ حِلَّ عُقْدَةً، واقْرَأْ آيَةً فَفَعَلَ وكانَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَكانَ يَجِدُ بَعْضَ الخِفَّةِ والرّاحَةِ» .
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ أنْكَرُوا ذَلِكَ بِأسْرِهِمْ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الرِّوايَةُ باطِلَةٌ، وكَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِصِحَّتِها، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ ؟ [المائدة: ٦٧] وقالَ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] ولِأنَّ تَجْوِيزَهُ يُفْضِي إلى القَدْحِ في النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَصِلُوا إلى الضَّرَرِ لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، ولَقَدَرُوا عَلى تَحْصِيلِ المُلْكِ العَظِيمِ لِأنْفُسِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ، ولِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يُعَيِّرُونَهُ بِأنَّهُ مَسْحُورٌ، فَلَوْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ لَكانَ الكُفّارُ صادِقِينَ في تِلْكَ الدَّعْوَةِ، ولَحَصَلَ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ العَيْبُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. قالَ الأصْحابُ: هَذِهِ القِصَّةُ قَدْ صَحَّتْ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ النَّقْلِ، والوُجُوهُ المَذْكُورَةُ قَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ البَقَرَةِ أمّا قَوْلُهُ: الكُفّارُ كانُوا يَعِيبُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ مَسْحُورٌ، فَلَوْ وقَعَ ذَلِكَ لَكانَ الكُفّارُ صادِقِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ.
فَجَوابُهُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُرِيدُونَ بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا أنَّهُ مَجْنُونٌ أُزِيلَ عَقْلُهُ بِواسِطَةِ السِّحْرِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ دِينَهم، فَأمّا أنْ يَكُونَ مَسْحُورًا بِألَمٍ يَجِدُهُ في بَدَنِهِ فَذَلِكَ مِمّا لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ، وبِالجُمْلَةِ فاللَّهُ تَعالى ما كانَ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ لا شَيْطانًا ولا إنْسِيًّا ولا جِنِّيًّا يُؤْذِيهِ في دِينِهِ وشَرْعِهِ ونَبُوَّتِهِ، فَأمّا في الإضْرارِ بِبَدَنِهِ فَلا يَبْعُدُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
الفلق 113:1
صفحة ١٧٣
(سُورَةُ الفَلَقِ) .
خَمْسُ آياتٍ، مَدَنِيَّةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ .
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (قُلْ) فَوائِدُ:
أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِقِراءَةِ سُورَةِ الإخْلاصِ تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ، وكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الطّاعاتِ، فَكَأنَّ العَبْدَ قالَ: إلَهَنا هَذِهِ الطّاعَةُ عَظِيمَةٌ جِدًّا لا أثِقُ بِنَفْسِي في الوَفاءِ بِها، فَأجابَ بِأنْ قالَ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ أيِ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ، والتَجِئْ إلَيْهِ حَتّى يُوَفِّقَكَ لِهَذِهِ الطّاعَةِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَألُوا الرَّسُولَ عَنْ نِسَبِ اللَّهِ وصِفَتِهِ، فَكَأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: كَيْفَ أنْجُو مِن هَؤُلاءِ الجُهّالِ الَّذِينَ تَجاسَرُوا وقالُوا فِيكَ ما لا يَلِيقُ بِكَ ؟ فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ أيِ اسْتَعِذْ بِي حَتّى أصُونَكَ عَنْ شَرِّهِمْ.
وثالِثُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَنِ التَجَأ إلى بَيْتِي شَرَّفْتُهُ وجَعَلْتُهُ آمِنًا فَقُلْتُ: ومَنَ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، فالتَجِئْ أنْتَ أيْضًا إلَيَّ حَتّى أجْعَلَكَ آمِنًا: فَ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الِاسْتِعانَةُ بِالرُّقى والعُوَذِ أمْ لا ؟ مِنهم قالَ: إنَّهُ يَجُوزُ واحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: ما «رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشْتَكى فَرَقاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، واللَّهُ يَشْفِيكَ» .
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنا مِنَ الأوْجاعِ كُلِّها والحُمّى هَذا الدُّعاءَ: بِسْمِ اللَّهِ الكَرِيمِ، أعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ مِن شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعّارٍ، ومِن شَرِّ حَرِّ النّارِ» .
وثالِثُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن دَخَلَ عَلى مَرِيضٍ لَمْ يَحْضُرْهُ أجَلُهُ، فَقالَ: أسْألُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أنْ يَشْفِيَكَ سَبْعَ مَرّاتٍ شُفِيَ» .
ورابِعُها: عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا دَخَلَ عَلى مَرِيضٍ قالَ: أذْهِبِ
صفحة ١٧٤
الباسَ رَبَّ النّاسِ، اشْفِ أنْتَ الشّافِي، لا شافِيَ إلّا أنْتَ» .
وخامِسُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَوِّذُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ يَقُولُ: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ، ويَقُولُ: هَكَذا كانَ أبِي إبْراهِيمُ يُعَوِّذُ ابْنَيْهِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ» .
وسادِسُها: «قالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي العاصِ الثَّقَفِيُّ: قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وبِي وجَعٌ قَدْ كادَ يُبْطِلُنِي فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلْ يَدَكَ اليُمْنى عَلَيْهِ، وقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ مِن شَرِّ ما أجِدُ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَشَفانِي اللَّهُ» .
وسابِعُها: «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا سافَرَ فَنَزَلَ مَنزِلًا يَقُولُ: يا أرْضُ، رَبِّي ورَبُّكِ اللَّهُ أعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّكِ وشَرِّ ما فِيكِ وشَرِّ ما يَخْرُجُ مِنكِ، وشَرِّ ما يَدِبُّ عَلَيْكِ، وأعُوذُ بِاللَّهِ مِن أسَدٍ وأُسُودٍ وحَيَّةٍ وعَقْرَبٍ، ومِن شَرِّ ساكِنِي البَلَدِ ووالِدٍ وما ولَدَ» .
وثامِنُها: قالَتْ عائِشَةُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا اشْتَكى شَيْئًا مِن جَسَدِهِ قَرَأ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] والمُعَوِّذَتَيْنِ في كَفِّهِ اليُمْنى ومَسَحَ بِها المَكانَ الَّذِي يَشْتَكِي» .
ومِنَ النّاسِ مَن مَنَعَ مِنَ الرُّقى لِما رُوِيَ عَنْ جابِرٍ، قالَ «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّقى، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ لِلَّهِ عِبادًا لا يَكْتَوُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ مَنِ اكْتَوى واسْتَرْقى» . وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الرُّقى المَجْهُولَةِ الَّتِي لا تُعْرَفُ حَقائِقُها، فَأمّا ما كانَ لَهُ أصْلٌ مَوْثُوقٌ، فَلا نَهْيَ عَنْهُ، واخْتَلَفُوا في التَّعْلِيقِ، فَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «مَن عَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ»، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ رَأى عَلى أُمِّ ولَدِهِ تَمِيمَةً مَرْبُوطَةً بِعَضُدِها، فَجَذَبَها جَذْبًا عَنِيفًا فَقَطَعَها.
ومِنهم مَن جَوَّزَهُ، سُئِلَ الباقِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ التَّعْوِيذِ يُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ فَرَخَّصَ فِيهِ.
واخْتَلَفُوا في النَّفْثِ أيْضًا، فَرُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْفُثُ عَلى نَفْسِهِ إذا اشْتَكى بِالمُعَوِّذاتِ ويَمْسَحُ بِيَدِهِ، فَلَمّا اشْتَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْتُ أنْفُثُ عَلَيْهِ بِالمُعَوِّذاتِ الَّتِي كانَ يَنْفُثُ بِها عَلى نَفْسِهِ» .
وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنَّهُ كانَ إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ في يَدَيْهِ وقَرَأ فِيهِما بِالمُعَوِّذاتِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِما جَسَدَهُ» .
ومِنهم مَن أنْكَرَ النَّفْثَ، قالَ عِكْرِمَةُ: لا يَنْبَغِي لِلرّاقِي أنْ يَنْفُثَ ولا يَمْسَحَ ولا يَعْقِدَ. وعَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ النَّفْثَ في الرُّقى، وقالَ بَعْضُهم: دَخَلْتُ عَلى الضَّحّاكِ وهو وجِيعٌ، فَقُلْتُ: ألا أُعَوِّذُكَ يا أبا مُحَمَّدٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ لا تَنْفُثْ، فَعَوَّذْتُهُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ. قالَ الحَلِيمِيُّ: الَّذِي رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلرّاقِي أنْ لا يَنْفُثَ ولا يَمْسَحَ ولا يَعْقِدَ، فَكَأنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ النَّفْثَ في العَقْدِ مِمّا يُسْتَعاذُ مِنهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَنهِيًّا عَنْهُ إلّا أنَّ هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ النَّفْثَ في العُقَدِ إنَّما يَكُونُ مَذْمُومًا إذا كانَ سِحْرًا مُضِرًّا بِالأرْواحِ والأبْدانِ، فَأمّا إذا كانَ هَذا النَّفْثُ لِإصْلاحِ الأرْواحِ والأبْدانِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ حَرامًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في مِفْتاحِ القِراءَةِ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٦٩] وجاءَ في الأحادِيثِ: (أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ) ولا شَكَّ أنَّ أفْضَلَ أسْماءِ اللَّهِ هو اللَّهُ، وأمّا الرَّبُّ فَإنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف: ٣٩] فَما السَّبَبُ في أنَّهُ تَعالى عِنْدَ الأمْرِ بِالتَّعَوُّذِ لَمْ يَقُلْ: أعُوذُ بِاللَّهِ بَلْ قالَ: ﴿بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] إنَّما أمَرَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ هُناكَ لِأجْلِ قِراءَةِ القُرْآنِ، وإنَّما أمَرَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ هَهُنا في هَذِهِ السُّورَةِ لِأجْلِ حِفْظِ النَّفْسِ والبَدَنِ عَنِ السِّحْرِ، والمُهِمُّ الأوَّلُ أعْظَمُ، فَلا جَرَمَ ذَلِكَ هُناكَ الِاسْمُ الأعْظَمُ.
وثانِيها: أنَّ الشَّيْطانَ يُبالِغُ حالَ مَنعِكَ مِنَ العِبادَةِ أشَدَّ مُبالَغَةً في إيصالِ الضُّرِّ إلى بَدَنِكَ ورُوحِكَ، فَلا جَرَمَ ذُكِرَ الِاسْمُ
صفحة ١٧٥
الأعْظَمُ هُناكَ دُونَ هَهُنا.
وثالِثُها: أنَّ اسْمَ الرَّبِّ يُشِيرُ إلى التَّرْبِيَةِ فَكَأنَّهُ جَعَلَ تَرْبِيَةَ اللَّهِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ وسِيلَةً إلى تَرْبِيَتِهِ لَهُ في الزَّمانِ الآتِي، أوْ كانَ العَبْدُ يَقُولُ: التَّرْبِيَةُ والإحْسانُ حِرْفَتُكَ فَلا تُهْمِلْنِي، ولا تُخَيِّبْ رَجائِي.
ورابِعُها: أنَّ بِالتَّرْبِيَةِ صارَ شارِعًا في الإحْسانِ، والشُّرُوعُ مُلْزِمٌ.
وخامِسُها: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ آخِرُ سُوَرِ القُرْآنِ فَذَكَرَ لَفْظَ الرَّبِّ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا تَنْقَطِعُ عَنْكَ تَرْبِيَتُهُ وإحْسانُهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ خَتَمَ القُرْآنَ عَلى اسْمِ الإلَهِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ [الناس: ٣] قُلْنا: فِيهِ لَطِيفَةٌ وهي كَوْنُهُ تَعالى قالَ: قُلْ أعُوذُ بِمَن هو رَبِّي ولَكِنَّهُ إلَهٌ قاهِرٌ لِوَسْوَسَةِ الخَنّاسِ فَهو كالأبِ المُشْفِقِ الَّذِي يَقُولُ ارْجِعْ عِنْدَ مُهِمّاتِكَ إلى أبِيكَ المُشْفِقِ عَلَيْكَ الَّذِي هو كالسَّيْفِ القاطِعِ والنّارِ المُحْرِقَةِ لِأعْدائِكَ فَيَكُونُ هَذا مِن أعْظَمِ أنْواعِ الوَعْدِ بِالإحْسانِ والتَّرْبِيَةِ.
وسادِسُها: كَأنَّ الحَقَّ قالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَلْبُكَ لِي فَلا تُدْخِلْ فِيهِ حُبَّ غَيْرِي، ولِسانُكَ لِي فَلا تَذْكُرْ بِهِ أحَدًا غَيْرِي، وبَدَنُكَ لِي فَلا تَشْغَلْهُ بِخِدْمَةِ غَيْرِي، وإنْ أرَدْتَ شَيْئًا فَلا تَطْلُبْهُ إلّا مِنِّي، فَإنْ أرَدْتَ العِلْمَ فَقُلْ: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وإنْ أرَدْتَ الدُّنْيا فاسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، وإنْ خِفْتَ ضَرَرًا فَقُلْ: ﴿أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فَإنِّي أنا الَّذِي وصَفْتُ نَفْسِي بِأنِّي خالِقُ الإصْباحِ، وبِأنِّي فالِقُ الحَبِّ والنَّوى، وما فَعَلْتُ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا لِأجْلِكَ، فَإذا كُنْتُ أفْعَلُ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ لِأجْلِكَ، أفَلا أصُونُكَ عَنِ الآفاتِ والمَخافاتِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في: (الفَلَقِ) وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ الصُّبْحُ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ اللَّيْلَ يُفْلَقُ عَنْهُ الصُّبْحُ ويُفْرَقُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يُقالُ: هو أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ ومِن فَرَقِ الصُّبْحِ وتَخْصِيصُهُ في التَّعَوُّذِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القادِرَ عَلى إزالَةِ هَذِهِ الظُّلُماتِ الشَّدِيدَةِ عَنْ كُلِّ هَذا العالَمِ يَقْدِرُ أيْضًا أنْ يَدْفَعَ عَنِ العائِذِ كُلَّ ما يَخافُهُ ويَخْشاهُ.
الثّانِي: أنَّ طُلُوعَ الصُّبْحِ كالمِثالِ لِمَجِيءِ الفَرَجِ، فَكَما أنَّ الإنْسانَ في اللَّيْلِ يَكُونُ مُنْتَظِرًا لِطُلُوعِ الصَّباحِ كَذَلِكَ الخائِفُ يَكُونُ مُتَرَقِّبًا لِطُلُوعِ صَباحِ النَّجاحِ.
الثّالِثُ: أنَّ الصُّبْحَ كالبُشْرى فَإنَّ الإنْسانَ في الظَّلامِ يَكُونُ كَلَحْمٍ عَلى وضْمٍ، فَإذا ظَهَرَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ صاحَ بِالأمانِ وبَشَّرَ بِالفَرَجِ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَجِدُ كُلُّ مَرِيضٍ ومَهْمُومٍ خِفَّةً في وقْتِ السَّحَرِ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ يَقُولُ: قُلْ أعُوذُ بِرَبٍّ يُعْطِي إنْعامَ فَلَقِ الصُّبْحِ قَبْلَ السُّؤالِ، فَكَيْفَ بَعْدَ السُّؤالِ.
الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: إنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ وُجِعَتْ رُكْبَتُهُ وجَعًا شَدِيدًا فَباتَ لَيْلَتَهُ ساهِرًا فَلَمّا قَرُبَ طُلُوعُ الصُّبْحِ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإذْنِ اللَّهِ يُسَلِّيهِ ويَأْمُرُهُ بِأنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ ادْعُ أنْتَ وأُؤَمِّنُ أنا فَدَعا جِبْرِيلُ وأمَّنَ يُوسُفُ فَكَشَفَ اللَّهُ ما كانَ بِهِ مِنَ الضُّرِّ، فَلَمّا طابَ وقْتُ يُوسُفَ قالَ جِبْرِيلُ: وأنا أدْعُو أيْضًا وتُؤَمِّنُ أنْتَ، فَسَألَ يُوسُفُ رَبَّهُ أنْ يَكْشِفَ الضُّرَّ عَنْ جَمِيعِ أهْلِ البَلاءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَلا جَرَمَ ما مِن مَرِيضٍ إلّا ويَجِدُ نَوْعَ خِفَّةٍ في آخِرِ اللَّيْلِ، ورُوِيَ أنَّ دُعاءَهُ في الجُبِّ: يا عُدَّتِي في شِدَّتِي ويا مُؤْنِسِي في وحْشَتِي ويا راحِمَ غُرْبَتِي ويا كاشِفَ كُرْبَتِي ويا مُجِيبَ دَعْوَتِي، ويا إلَهِي وإلَهَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ارْحَمْ صِغَرَ سِنِّي وضَعْفَ رُكْنِي وقِلَّةَ حِيلَتِي يا حَيُّ يا قَيُّومُ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ.
الخامِسُ: لَعَلَّ تَخْصِيصَ الصُّبْحِ بِالذِّكْرِ في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّهُ وقْتُ دُعاءِ المُضْطَرِّينَ وإجابَةِ المَلْهُوفِينَ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الوَقْتِ الَّذِي يُفَرَّجُ فِيهِ عَنْ كُلِّ مَهْمُومٍ.
السّادِسُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ خَصَّ الصُّبْحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أُنْمُوذَجٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ كالأمْواتِ والدُّورَ كالقُبُورِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَخْرُجُ مِن دارِهِ مُفْلِسًا عُرْيانًا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ومِنهم مَن كانَ مَدْيُونًا فَيُجَرُّ إلى الحَبْسِ، ومِنهم مَن كانَ مَلِكًا مُطاعًا فَتُقَدَّمُ إلَيْهِ المَراكِبُ ويَقُومُ النّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَذا في يَوْمِ القِيامَةِ بَعْضُهم مُفْلِسٌ عَنِ الثَّوابِ عارٍ عَنْ لِباسِ التَّقْوى يُجَرُّ إلى المَلِكِ الجَبّارِ، ومَن عَبَدَ كانَ مُطِيعًا لِرَبِّهِ في الدُّنْيا فَصارَ مَلِكًا مُطاعًا في العُقْبى
صفحة ١٧٦
يُقَدَّمُ إلَيْهِ البُراقُ.
السّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَعالى خَصَّ الصُّبْحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ وقْتُ الصَّلاةِ الجامِعَةِ لِأحْوالِ القِيامَةِ، فالقِيامُ في الصَّلاةِ يُذَكِّرُ القِيامَ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] والقِراءَةُ في الصَّلاةِ تُذَكِّرُ قِراءَةَ الكُتُبِ، والرُّكُوعُ في الصَّلاةِ يُذَكِّرُ مِنَ القِيامَةِ قَوْلَهُ: ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] والسُّجُودُ في الصَّلاةِ يُذَكِّرُ قَوْلَهُ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] والقُعُودُ يَذَكِّرُ قَوْلَهُ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] فَكانَ العَبْدُ يَقُولُ: إلَهِي كَما خَلَّصْتَنِي مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَخَلِّصْنِي مِن هَذِهِ الأهْوالِ، وإنَّما خُصَّ وقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّ لَها مَزِيدَ شَرَفٍ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ تَحْضُرُها مَلائِكَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ.
الثّامِنُ: أنَّهُ وقْتُ الِاسْتِغْفارِ والتَّضَرُّعِ عَلى ما قالَ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] .
القَوْلُ الثّانِي في الفَلَقِ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يَفْلِقُهُ اللَّهُ كالأرْضِ عَنِ النَّباتِ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] والجِبالِ عَنِ العُيُونِ، وإنَّ مِنَ الأحْجارِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، والسَّحابِ عَنِ الأمْطارِ والأرْحامِ عَنِ الأوْلادِ، والبَيْضِ عَنِ الفَرْخِ، والقُلُوبِ عَنِ المَعارِفِ، وإذا تَأمَّلْتَ الخَلْقَ تَبَيَّنَ لَكَ أنَّ أكْثَرَهُ عَنِ انْقِلابٍ، بَلِ العَدَمُ كَأنَّهُ ظُلْمَةٌ والنُّورُ كَأنَّهُ الوُجُودُ، وثَبَتَ أنَّهُ كانَ اللَّهُ في الأزَلِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ البَتَّةَ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي فَلَقَ بِحارَ ظُلُماتِ العَدَمِ بِأنْوارِ الإيجادِ والتَّكْوِينِ والإبْداعِ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الفَلَقِ، وهَذا التَّأْوِيلُ أقْرَبُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: هو أنَّ المَوْجُودَ إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَإذا فَسَّرْنا الفَلَقَ بِهَذا التَّفْسِيرِ صارَ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ جَمِيعِ المُمْكِناتِ، ومُكَوِّنِ كُلِّ المُحْدَثاتِ والمُبْدَعاتِ، فَيَكُونُ التَّعْظِيمُ فِيهِ أعْظَمَ، ويَكُونُ الصُّبْحُ أحَدَ الأُمُورِ الدّاخِلَةِ في هَذا المَعْنى.
وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ يَكُونُ مَوْجُودًا بِغَيْرِهِ، مَعْدُومًا في حَدِّ ذاتِهِ، فَإذَنْ كُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ يُؤَثِّرُ فِيهِ حالَ حُدُوثِهِ ويُبْقِيهِ حالَ بَقائِهِ، فَإنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ يَفْتَقِرُ إلى المُؤَثِّرِ، والتَّرْبِيَةُ إشارَةٌ لا إلى حالِ الحُدُوثِ بَلْ إلى حالِ البَقاءِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّكَ لَسْتَ مُحْتاجًا إلى حالِ الحُدُوثِ فَقَطْ بَلْ في حالِ الحُدُوثِ وحالِ البَقاءِ مَعًا في الذّاتِ وفي جَمِيعِ الصِّفاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ يَدُلُّ عَلى احْتِياجِ كُلِّ ما عَداهُ إلَيْهِ حالَتَيِ الحُدُوثِ والبَقاءِ في الماهِيَّةِ والوُجُودِ بِحَسَبِ الذَّواتِ والصِّفاتِ، وسِرُّ التَّوْحِيدِ لا يَصْفُو عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ إلّا عِنْدَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ المَعانِي.
وثالِثُها: أنَّ التَّصْوِيرَ والتَّكْوِينَ في الظُّلْمَةِ أصْعَبُ مِنهُ في النُّورِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: أنا الَّذِي أفْعَلُ ما أفْعَلُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الأنْوارِ وظُهُورِ الأضْواءِ ومِثْلُ ذَلِكَ مِمّا لا يَتَأتّى إلّا بِالعِلْمِ التّامِّ والحِكْمَةِ البالِغَةِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] .
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ أوْ جُبٌّ فِيها مِن قَوْلِهِمْ لِما اطْمَأنَّ مِنَ الأرْضِ: الفَلَقُ والجَمْعُ فُلْقانٌ، وعَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ أنَّهُ قَدِمَ الشّامَ فَرَأى دُورَ أهْلِ الذِّمَّةِ وما هم فِيهِ مِن خِصْبِ العَيْشِ، فَقالَ: لا أُبالِي، ألَيْسَ مِن ورائِهِمُ الفَلَقُ، فَقِيلَ: وما الفَلَقُ ؟ قالَ: بَيْتٌ في جَهَنَّمَ إذا فُتِحَ صاحَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ، وإنَّما خَصَّهُ بِالذِّكْرِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ هو القادِرُ عَلى مِثْلِ هَذا التَّعْذِيبِ العَظِيمِ الخارِجِ عَنْ حَدِّ أوْهامِ الخَلْقِ، ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ أنَّ رَحْمَتَهُ أعْظَمُ وأكْمَلُ وأتَمُّ مِن عَذابِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: يا صاحِبَ العَذابِ الشَّدِيدِ أعُوذُ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي هي أعْظَمُ وأكْمَلُ وأتَمُّ وأسْبَقُ وأقْدَمُ مِن عَذابِكَ.
الفلق 113:2
صفحة ١٧٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إبْلِيسَ خاصَّةً؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقًا هو شَرٌّ مِنهُ؛ ولِأنَّ السُّورَةَ إنَّما نَزَلَتْ في الِاسْتِعاذَةِ مِنَ السِّحْرِ، وذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ بِإبْلِيسَ وبِأعْوانِهِ وجُنُودِهِ.
وثانِيها: يُرِيدُ جَهَنَّمَ كَأنَّهُ يَقُولُ: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ جَهَنَّمَ ومِن شَدائِدِ ما خَلَقَ فِيها.
وثالِثُها: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ يُرِيدُ مِن شَرِّ أصْنافِ الحَيَواناتِ المُؤْذِياتِ كالسِّباعِ والهَوامِّ وغَيْرِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن يُؤْذِينِي مِنَ الجِنِّ والإنْسِ أيْضًا، ووَصَفَ أفْعالَها بِأنَّها شَرٌّ، وإنَّما جازَ إدْخالُ الجِنِّ والإنْسانِ تَحْتَ لَفْظَةِ ما؛ لِأنَّ الغَلَبَةَ لَمّا حَصَلَتْ في جانِبِ غَيْرِ العُقَلاءِ حَسُنَ اسْتِعْمالُ لَفْظَةِ ما فِيهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالأغْلَبِ أيْضًا ويَدْخُلُ فِيهِ شُرُورُ الأطْعِمَةِ المُمْرِضَةِ وشُرُورُ الماءِ والنّارِ، فَإنْ قِيلَ: الآلامُ الحاصِلَةُ عَقِيبَ الماءِ والنّارِ، ولَدْغِ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ حاصِلَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً عَلى قَوْلِ أكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ، أوْ مُتَوَلِّدَةٌ مِن قُوًى خَلَقَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الأجْرامِ، عَلى ما هو قَوْلُ جُمْهُورِ الحُكَماءِ وبَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَصِيرُ حاصِلُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنَ اللَّهِ، فَما مَعْناهُ ؟ قُلْنا: وأيُّ بَأْسٍ بِذَلِكَ، ولَقَدْ صَرَّحَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ، فَقالَ: وأعُوذُ بِكَ مِنكَ.
ورابِعُها: أرادَ بِهِ ما خَلَقَ مِنَ الأمْراضِ والأسْقامِ والقَحْطِ وأنْواعِ المِحَنِ والآفاتِ، وزَعَمَ الجُبّائِيُّ والقاضِي أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ باطِلٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ شَرٌّ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الَّذِي أمَرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ هو الَّذِي أمَرَنا أنْ نَتَعَوَّذَ بِهِ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ.
والثّانِي: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ كُلَّها حِكْمَةٌ وصَوابٌ، وذَلِكَ لا يُجَوِّزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ شَرٌّ.
والثّالِثُ: أنَّ فِعْلَ اللَّهِ لَوْ كانَ شَرًّا لَوُصِفَ فاعِلُهُ بِأنَّهُ شِرِّيرٌ ويَتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ لا امْتِناعَ في قَوْلِهِ: أعُوذُ بِكَ مِنكَ ؟
وعَنِ الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ لَمّا تَألَّمَ بِهِ فَإنَّهُ يُعَدُّ شَرًّا، فَوَرَدَ اللَّفْظُ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ لا اصْطِلاحِيَّةٌ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ الأمْراضِ والأسْقامِ بِأنَّها شُرُورٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ طَوارِقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: طَعَنَ بَعْضُ المُلْحِدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ أهُوَ واقِعٌ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرَهِ، أوْ لا بِقَضاءِ اللَّهِ ولا بِقَدَرِهِ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَكَيْفَ أمَرَ بِأنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنهُ، وذَلِكَ لِأنَّ ما قَضى اللَّهُ بِهِ وقَدَّرَهُ فَهو واقِعٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الشَّيْءُ الَّذِي قَضَيْتُ بِوُقُوعِهِ، وهو لا بُدَّ واقِعٌ فاسْتَعِذْ بِي مِنهُ حَتّى لا أُوقِعَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ فَذَلِكَ يَقْدَحُ في مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ.
وثانِيها: أنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فَلا دافِعَ لَهُ، فَلا فائِدَةَ في الِاسْتِعاذَةِ وإنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ، فَلا حاجَةَ إلى الِاسْتِعاذَةِ.
وثالِثُها: أنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ إنْ كانَ مَصْلَحَةً فَكَيْفَ رَغِبَ المُكَلَّفُ في طَلَبِ دَفْعِهِ ومَنعِهِ، وإنْ كانَ مَفْسَدَةً فَكَيْفَ خَلَقَهُ وقَدَّرَهُ، واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ، أنْ يُقالَ إنَّهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الكَلامُ في هَذا الكِتابِ.
الفلق 113:3
صفحة ١٧٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ذَكَرُوا في الغاسِقِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الغاسِقَ هو اللَّيْلُ إذا عَظُمَ ظَلامُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ومِنهُ غَسَقَتِ العَيْنُ إذا امْتَلَأتْ دَمْعًا وغَسَقَتِ الجِراحَةُ إذا امْتَلَأتْ دَمًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةِ، وأنْشَدَ ابْنُ قَيْسٍ:
إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وقالَ الزَّجّاجُ: الغاسِقُ في اللُّغَةِ هو البارِدُ، وسُمِّيَ اللَّيْلُ غاسِقًا؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: إنَّهُ الزَّمْهَرِيرُ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمٌ: الغاسِقُ والغَسّاقُ هو السّائِلُ مِن قَوْلِهِمْ: غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ غَسْقًا إذا سالَتْ بِالماءِ، وسُمِّيَ اللَّيْلُ غاسِقًا لِانْصِبابِ ظَلامِهِ عَلى الأرْضِ، أمّا الوُقُوبُ فَهو الدُّخُولُ في شَيْءٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَغِيبُ عَنِ العَيْنِ، يُقالُ: وقَبَ يَقِبُ وُقُوبًا إذا دَخَلَ، والوَقْبَةُ النُّقْرَةُ لِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيها الماءُ، والإيقابُ إدْخالُ الشَّيْءِ في الوَقْبَةِ، هَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ ولِلْمُفَسِّرِينَ في الآيَةِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّ الغاسِقَ إذا وقَبَ هو اللَّيْلُ إذا دَخَلَ، وإنَّما أمَرَ أنْ يُتَعَوَّذَ مِن شَرِّ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ في اللَّيْلِ تَخْرُجُ السِّباعُ مِن آجامِها والهَوامُّ مِن مَكانِها، ويَهْجُمُ السّارِقُ والمُكابِرُ ويَقَعُ الحَرِيقُ ويَقِلُّ فِيهِ الغَوْثُ، ولِذَلِكَ لَوْ شَهَرَ (مُعْتَدٍ) سِلاحًا عَلى إنْسانٍ لَيْلًا فَقَتَلَهُ المَشْهُورُ عَلَيْهِ لا يَلْزَمُهُ قِصاصٌ، ولَوْ كانَ نَهارًا يَلْزَمُهُ لِأنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ الغَوْثُ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ في اللَّيْلِ تَنْتَشِرُ الأرْواحُ المُؤْذِيَةُ المُسَمّاةُ بِالجِنِّ والشَّياطِينِ، وذَلِكَ لِأنَّ قُوَّةَ شُعاعِ الشَّمْسِ كَأنَّها تَقْهَرُهم، أمّا في اللَّيْلِ فَيَحْصُلُ لَهم نَوْعُ اسْتِيلاءٍ.
وثانِيها: أنَّ الغاسِقَ إذا وقَبَ هو القَمَرُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الغاسِقُ القَمَرُ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُكْسَفُ فَيُغْسَقُ، أيْ يَذْهَبُ ضَوْءُهُ ويَسْوَدُّ، [ ووُقُوبُهُ ] دُخُولُهُ في ذَلِكَ الِاسْوِدادِ، رَوى أبُو سَلَمَةَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِها وأشارَ إلى القَمَرِ، وقالَ: اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذا فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ»، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى قَوْلِهِ: تَعَوَّذِي بِاللَّهِ مِن شَرِّهِ إذا وقَبَ أيْ إذا دَخَلَ في الكُسُوفِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ صَحَّ أنَّ القَمَرَ في جِرْمِهِ غَيْرُ مُسْتَنِيرٍ بَلْ هو مُظْلِمٌ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ غاسِقًا، وأمّا وُقُوبُهُ فَهو انْمِحاءُ نُورِهِ في آخِرِ الشَّهْرِ، والمُنَجِّمُونَ يَقُولُونَ: إنَّهُ في آخِرِ الشَّهْرِ يَكُونُ مَنحُوسًا قَلِيلَ القُوَّةِ لِأنَّهُ لا يَزالُ يَنْتَقِصُ نُورُهُ فَبِسَبَبِ ذَلِكَ تَزْدادُ نُحُوسَتُهُ، ولِذَلِكَ فَإنَّ السَّحَرَةَ إنَّما يَشْتَغِلُونَ بِالسِّحْرِ المُوَرِّثِ لِلتَّمْرِيضِ في هَذا الوَقْتِ، وهَذا مُناسِبٌ لِسَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ فَإنَّها إنَّما نَزَلَتْ لِأجْلِ أنَّهم سَحَرُوا النَّبِيَّ ﷺ لِأجْلِ التَّمْرِيضِ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الغاسِقُ إذا وقَبَ يَعْنِي الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ قالَ، وكانَتِ الأسْقامُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، وعَلى هَذا تُسَمّى الثُّرَيّا غاسِقًا، لِانْصِبابِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِ في المَغْرِبِ، ووُقُوبُهُ دُخُولُهُ تَحْتَ الأرْضِ وغَيْبُوبَتُهُ عَنِ الأعْيُنِ.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالغاسِقِ الأسْوَدُ مِنَ الحَيّاتِ ووُقُوبُهُ ضَرْبُهُ ونَقْبُهُ، والوَقْبُ والنَّقْبُ واحِدٌ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ أضْعَفُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.
وخامِسُها: الغاسِقُ: ﴿إذا وقَبَ﴾ هو الشَّمْسُ إذا غابَتْ وإنَّما سُمِّيَتْ غاسِقًا؛ لِأنَّها في الفَلَكِ تَسْبَحُ فَسَمّى حَرَكَتَها وجَرَيانَها بِالغَسَقِ، ووُقُوبُها غَيْبَتُها ودُخُولُها تَحْتَ الأرْضِ.
الفلق 113:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّفْثَ النَّفْخُ مَعَ رِيقٍ، هَكَذا قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ومِنهم
صفحة ١٧٩
مَن قالَ: إنَّهُ النَّفْخُ فَقَطْ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ جِبْرِيلَ نَفَثَ في رُوعِي»، والعُقَدُ جَمْعُ عُقْدَةٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ السّاحِرَ إذا أخَذَ في قِراءَةِ الرُّقْيَةِ أخَذَ خَيْطًا، ولا يَزالُ يَعْقِدُ عَلَيْهِ عَقْدًا بَعْدَ عَقْدٍ ويَنْفُثُ في تِلْكَ العُقَدِ، وإنَّما أنَّثَ النَّفّاثاتِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الصِّناعَةَ إنَّما تُعْرَفُ بِالنِّساءِ؛ لِأنَّهُنَّ يَعْقِدْنَ ويَنْفُثْنَ، وذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ الأعْظَمَ فِيهِ رَبْطُ القَلْبِ بِذَلِكَ الأمْرِ وإحْكامُ الهِمَّةِ والوَهْمِ فِيهِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَأتّى مِنَ النِّساءِ لِقِلَّةِ عِلْمِهِنَّ وشِدَّةِ شَهْوَتِهِنَّ، فَلا جَرَمَ كانَ هَذا العَمَلُ مِنهُنَّ أقْوى، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿النَّفّاثاتِ﴾ هُنَّ بَناتُ لَبِيدِ بْنِ أعْصَمَ اليَهُودِيِّ سَحَرْنَ النَّبِيَّ ﷺ .
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ: ﴿النَّفّاثاتِ﴾ النُّفُوسُ.
وثالِثُها: المُرادُ مِنها الجَماعاتُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كُلَّما كانَ اجْتِماعُ السَّحَرَةِ عَلى العَمَلِ الواحِدِ أكْثَرَ كانَ التَّأْثِيرُ أشَدَّ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ: ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ﴾ أيِ النِّساءِ في العُقَدِ، أيْ في عَزائِمِ الرِّجالِ وآرائِهِمْ وهو مُسْتَعارٌ مِن عَقْدِ الحِبالِ، والنَّفْثُ وهو تَلْيِينُ العُقْدَةِ مِنَ الحَبْلِ بِرِيقٍ يَقْذِفُهُ عَلَيْهِ لِيَصِيرَ حَلُّهُ سَهْلًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ النِّساءَ لِأجْلِ كَثْرَةِ حُبِّهِنَّ في قُلُوبِ الرِّجالِ يَتَصَرَّفْنَ في الرِّجالِ يُحَوِّلْنَهم مِن رَأْيٍ إلى رَأْيٍ، ومِن عَزِيمَةٍ إلى عَزِيمَةٍ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالتَّعَوُّذِ مِن شَرِّهِنَّ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] فَلِذَلِكَ عَظَّمَ اللَّهُ كَيْدَهُنَّ فَقالَ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ حَسَنٌ، لَوْلا أنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنْكَرَتِ المُعْتَزِلَةُ تَأْثِيرَ السِّحْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ، ثُمَّ قالُوا: سَبَبُ الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِنَّ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يُسْتَعاذَ مِن إثْمِ عَمَلِهِنَّ في السِّحْرِ.
والثّانِي: أنْ يُسْتَعاذَ مِن فِتْنَتِهِنَّ النّاسَ بِسِحْرِهِنَّ.
والثّالِثُ: أنْ يُسْتَعاذَ مِن إطْعامِهِنَّ الأطْعِمَةَ الرَّدِيئَةَ المُوَرِّثَةَ لِلْجُنُونِ والمَوْتِ.
الفلق 113:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحاسِدَ هو الَّذِي تَشْتَدُّ مَحَبَّتُهُ لِإزالَةِ نِعْمَةِ الغَيْرِ إلَيْهِ، ولا يَكادُ يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا ولَوْ تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِالحِيَلِ لَفَعَلَ، فَلِذَلِكَ أمَرَ اللَّهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ، وقَدْ دَخَلَ في هَذِهِ السُّورَةِ كُلُّ شَرٍّ يُتَوَقّى ويُتَحَرَّزُ مِنهُ دِينًا ودُنْيا، فَلِذَلِكَ لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنُزُولِها لِكَوْنِها مَعَ ما يَلِيها جامِعَةً في التَّعَوُّذِ لِكُلِّ أمْرٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِشَرِّ الحاسِدِ إثْمُهُ وسَماجَةُ حالِهِ في وقْتِ حَسَدِهِ وإظْهارِهِ أثَرَهُ.
بَقِيَ هُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ عامٌّ في كُلِّ ما يُسْتَعاذُ مِنهُ، فَما مَعْنى الِاسْتِعاذَةِ بَعْدَهُ مِنَ الغاسِقِ والنَّفّاثاتِ والحاسِدِ.
الجَوابُ: تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الشُّرُورَ أعْظَمُ أنْواعِ الشَّرِّ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ عَرَّفَ بَعْضَ المُسْتَعاذِ مِنهُ ونَكَّرَ بَعْضَهُ ؟ .
الجَوابُ: عَرَّفَ النَّفّاثاتِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَفّاثَةٍ شِرِّيرَةٌ، ونَكَّرَ غاسِقًا لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ غاسِقٍ شِرِّيرًا، وأيْضًا لَيْسَ كُلُّ حاسِدٍ شِرِّيرًا، بَلْ رُبَّ حَسَدٍ يَكُونُ مَحْمُودًا وهو الحَسَدُ في الخَيْراتِ.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
الناس 114:1
صفحة ١٨٠
(سُورَةُ النّاسِ) .
وهِيَ سِتُّ آياتٍ، مَدَنِيَّةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: (قُلْ أعُوذُ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ ونَظِيرُهُ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ وأيْضًا أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى تَرْكِ الإمالَةِ في النّاسِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ الإمالَةُ في النّاسِ إذا كانَ في مَوْضِعِ الخَفْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى رَبُّ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، ولَكِنَّهُ هَهُنا ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ عَلى التَّخْصِيصِ وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الِاسْتِعاذَةَ وقَعَتْ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ في صُدُورِ النّاسِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أعُوذُ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ إلى النّاسِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ أُمُورَهم وهو إلَهُهم ومَعْبُودُهم كَما يَسْتَغِيثُ بَعْضُ المَوالِي إذا اعْتَراهم خَطْبٌ بِسَيِّدِهِمْ ومَخْدُومِهِمْ ووالِي أمْرِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ أشْرَفَ المَخْلُوقاتِ في العالَمِ هُمُ النّاسُ.
وثالِثُها: أنَّ المَأْمُورَ بِالِاسْتِعاذَةِ هو الإنْسانُ، فَإذا قَرَأ الإنْسانُ هَذِهِ صارَ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا رَبِّ يا مَلِكِي يا إلَهِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ هُما عَطْفُ بَيانٍ كَقَوْلِهِ: سِيرَةُ أبِي حَفْصٍ عُمَرَ الفارُوقِ، فَوُصِفَ أوَّلًا بِأنَّهُ رَبُّ النّاسِ ثُمَّ الرَّبُّ قَدْ يَكُونُ مَلِكًا وقَدْ لا يَكُونُ، كَما يُقالُ: رَبُّ الدّارِ ورَبُّ المَتاعِ قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] فَلا جَرَمَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ثُمَّ المَلِكُ قَدْ يَكُونُ إلَهًا، وقَدْ لا يَكُونُ فَلا جَرَمَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ لِأنَّ الإلَهَ خاصٌّ بِهِ وهو سُبْحانُهُ لا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وأيْضًا بَدَأ بِذِكْرِ الرَّبِّ وهو اسْمٌ لِمَن قامَ بِتَدْبِيرِهِ وإصْلاحِهِ، وهو مِن أوائِلِ نِعَمِهِ إلى أنْ رَبّاهُ وأعْطاهُ العَقْلَ فَحِينَئِذٍ عَرَفَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ وهو مِلْكُهُ، فَثَنّى بِذِكْرِ المُلْكِ، ثُمَّ لَمّا عَلِمَ أنَّ
صفحة ١٨١
العِبادَةَ لازِمَةٌ لَهُ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، وعَرَفَ أنَّ مَعْبُودَهُ مُسْتَحِقٌّ لِتِلْكَ العِبادَةِ عَرَفَ أنَّهُ إلَهٌ، فَلِهَذا خَتَمَ بِهِ، وأيْضًا أوَّلُ ما يَعْرِفُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ كَوْنُهُ مُطِيعًا لِما عِنْدَهُ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وهَذا هو الرَّبُّ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَنَقَّلُ مِن مَعْرِفَةِ هَذِهِ الصِّفاتِ إلى مَعْرِفَةِ جَلالَتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الخَلْقِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مَلِكًا؛ لِأنَّ المَلِكَ هو الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَيْهِ غَيْرُهُ ويَكُونُ هو غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ إذا عَرَفَهُ العَبْدُ كَذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ في الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ فَوْقَ وصْفِ الواصِفِينَ وأنَّهُ هو الَّذِي ولِهَتِ العُقُولُ في عِزَّتِهِ وعَظَمَتِهِ، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُهُ إلَهًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: السَّبَبُ في تَكْرِيرِ لَفْظِ النّاسِ أنَّهُ إنَّما تَكَرَّرَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ الإظْهارِ؛ ولِأنَّ هَذا التَّكْرِيرَ يَقْتَضِي مَزِيدَ شَرَفِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَأنَّهُ عَرَّفَ ذاتَهُ بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلنّاسِ، مَلِكًا لِلنّاسِ، إلَهًا لِلنّاسِ، ولَوْلا أنَّ النّاسَ أشْرَفُ مَخْلُوقاتِهِ وإلّا لَما خَتَمَ كِتابَهُ بِتَعْرِيفِ ذاتِهِ بِكَوْنِهِ رَبًّا ومَلِكًا وإلَهًا لَهم.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لا يَجُوزُ هَهُنا مالِكُ النّاسِ ويَجُوزُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] في سُورَةِ الفاتِحَةِ، والفَرْقُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ أفادَ كَوْنَهُ مالِكًا لَهم فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَذْكُورُ عَقِيبَهُ هَذا المَلِكَ لِيُفِيدَ أنَّهُ مالِكٌ ومَعَ كَوْنِهِ مالِكًا فَهو مَلِكٌ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ثُمَّ قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ التِّكْرارِ هُناكَ ؟ قُلْنا: اللَّفْظُ دَلَّ عَلى أنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، وهي الأشْياءُ المَوْجُودَةُ في الحالِ، وعَلى أنَّهُ مالِكٌ لِيَوْمِ الدِّينِ أيْ قادِرٌ عَلَيْهِ فَهُناكَ الرَّبُّ مُضافٌ إلى شَيْءٍ والمالِكُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَلَمْ يَلْزَمِ التَّكْرِيرُ، وأمّا هَهُنا لَوْ ذَكَرَ المالِكَ لَكانَ الرَّبُّ والمالِكُ مُضافَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَيَلْزَمُ مِنهُ التَّكْرِيرُ فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأيْضًا فَجَوازُ القِراءاتِ يَتْبَعُ النُّزُولَ لا القِياسَ، وقَدْ قُرِئَ: ”مالِكِ“ لَكِنْ في الشَّواذِّ.
الناس 114:2
صفحة ١٨٠
(سُورَةُ النّاسِ) .
وهِيَ سِتُّ آياتٍ، مَدَنِيَّةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: (قُلْ أعُوذُ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ ونَظِيرُهُ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ وأيْضًا أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى تَرْكِ الإمالَةِ في النّاسِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ الإمالَةُ في النّاسِ إذا كانَ في مَوْضِعِ الخَفْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى رَبُّ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، ولَكِنَّهُ هَهُنا ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ عَلى التَّخْصِيصِ وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الِاسْتِعاذَةَ وقَعَتْ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ في صُدُورِ النّاسِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أعُوذُ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ إلى النّاسِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ أُمُورَهم وهو إلَهُهم ومَعْبُودُهم كَما يَسْتَغِيثُ بَعْضُ المَوالِي إذا اعْتَراهم خَطْبٌ بِسَيِّدِهِمْ ومَخْدُومِهِمْ ووالِي أمْرِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ أشْرَفَ المَخْلُوقاتِ في العالَمِ هُمُ النّاسُ.
وثالِثُها: أنَّ المَأْمُورَ بِالِاسْتِعاذَةِ هو الإنْسانُ، فَإذا قَرَأ الإنْسانُ هَذِهِ صارَ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا رَبِّ يا مَلِكِي يا إلَهِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ هُما عَطْفُ بَيانٍ كَقَوْلِهِ: سِيرَةُ أبِي حَفْصٍ عُمَرَ الفارُوقِ، فَوُصِفَ أوَّلًا بِأنَّهُ رَبُّ النّاسِ ثُمَّ الرَّبُّ قَدْ يَكُونُ مَلِكًا وقَدْ لا يَكُونُ، كَما يُقالُ: رَبُّ الدّارِ ورَبُّ المَتاعِ قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] فَلا جَرَمَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ثُمَّ المَلِكُ قَدْ يَكُونُ إلَهًا، وقَدْ لا يَكُونُ فَلا جَرَمَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ لِأنَّ الإلَهَ خاصٌّ بِهِ وهو سُبْحانُهُ لا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وأيْضًا بَدَأ بِذِكْرِ الرَّبِّ وهو اسْمٌ لِمَن قامَ بِتَدْبِيرِهِ وإصْلاحِهِ، وهو مِن أوائِلِ نِعَمِهِ إلى أنْ رَبّاهُ وأعْطاهُ العَقْلَ فَحِينَئِذٍ عَرَفَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ وهو مِلْكُهُ، فَثَنّى بِذِكْرِ المُلْكِ، ثُمَّ لَمّا عَلِمَ أنَّ
صفحة ١٨١
العِبادَةَ لازِمَةٌ لَهُ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، وعَرَفَ أنَّ مَعْبُودَهُ مُسْتَحِقٌّ لِتِلْكَ العِبادَةِ عَرَفَ أنَّهُ إلَهٌ، فَلِهَذا خَتَمَ بِهِ، وأيْضًا أوَّلُ ما يَعْرِفُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ كَوْنُهُ مُطِيعًا لِما عِنْدَهُ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وهَذا هو الرَّبُّ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَنَقَّلُ مِن مَعْرِفَةِ هَذِهِ الصِّفاتِ إلى مَعْرِفَةِ جَلالَتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الخَلْقِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مَلِكًا؛ لِأنَّ المَلِكَ هو الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَيْهِ غَيْرُهُ ويَكُونُ هو غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ إذا عَرَفَهُ العَبْدُ كَذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ في الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ فَوْقَ وصْفِ الواصِفِينَ وأنَّهُ هو الَّذِي ولِهَتِ العُقُولُ في عِزَّتِهِ وعَظَمَتِهِ، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُهُ إلَهًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: السَّبَبُ في تَكْرِيرِ لَفْظِ النّاسِ أنَّهُ إنَّما تَكَرَّرَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ الإظْهارِ؛ ولِأنَّ هَذا التَّكْرِيرَ يَقْتَضِي مَزِيدَ شَرَفِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَأنَّهُ عَرَّفَ ذاتَهُ بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلنّاسِ، مَلِكًا لِلنّاسِ، إلَهًا لِلنّاسِ، ولَوْلا أنَّ النّاسَ أشْرَفُ مَخْلُوقاتِهِ وإلّا لَما خَتَمَ كِتابَهُ بِتَعْرِيفِ ذاتِهِ بِكَوْنِهِ رَبًّا ومَلِكًا وإلَهًا لَهم.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لا يَجُوزُ هَهُنا مالِكُ النّاسِ ويَجُوزُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] في سُورَةِ الفاتِحَةِ، والفَرْقُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ أفادَ كَوْنَهُ مالِكًا لَهم فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَذْكُورُ عَقِيبَهُ هَذا المَلِكَ لِيُفِيدَ أنَّهُ مالِكٌ ومَعَ كَوْنِهِ مالِكًا فَهو مَلِكٌ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ثُمَّ قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ التِّكْرارِ هُناكَ ؟ قُلْنا: اللَّفْظُ دَلَّ عَلى أنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، وهي الأشْياءُ المَوْجُودَةُ في الحالِ، وعَلى أنَّهُ مالِكٌ لِيَوْمِ الدِّينِ أيْ قادِرٌ عَلَيْهِ فَهُناكَ الرَّبُّ مُضافٌ إلى شَيْءٍ والمالِكُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَلَمْ يَلْزَمِ التَّكْرِيرُ، وأمّا هَهُنا لَوْ ذَكَرَ المالِكَ لَكانَ الرَّبُّ والمالِكُ مُضافَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَيَلْزَمُ مِنهُ التَّكْرِيرُ فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأيْضًا فَجَوازُ القِراءاتِ يَتْبَعُ النُّزُولَ لا القِياسَ، وقَدْ قُرِئَ: ”مالِكِ“ لَكِنْ في الشَّواذِّ.
الناس 114:3
صفحة ١٨٠
(سُورَةُ النّاسِ) .
وهِيَ سِتُّ آياتٍ، مَدَنِيَّةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: (قُلْ أعُوذُ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ ونَظِيرُهُ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ وأيْضًا أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى تَرْكِ الإمالَةِ في النّاسِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ الإمالَةُ في النّاسِ إذا كانَ في مَوْضِعِ الخَفْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى رَبُّ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، ولَكِنَّهُ هَهُنا ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ عَلى التَّخْصِيصِ وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الِاسْتِعاذَةَ وقَعَتْ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ في صُدُورِ النّاسِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أعُوذُ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ إلى النّاسِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ أُمُورَهم وهو إلَهُهم ومَعْبُودُهم كَما يَسْتَغِيثُ بَعْضُ المَوالِي إذا اعْتَراهم خَطْبٌ بِسَيِّدِهِمْ ومَخْدُومِهِمْ ووالِي أمْرِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ أشْرَفَ المَخْلُوقاتِ في العالَمِ هُمُ النّاسُ.
وثالِثُها: أنَّ المَأْمُورَ بِالِاسْتِعاذَةِ هو الإنْسانُ، فَإذا قَرَأ الإنْسانُ هَذِهِ صارَ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا رَبِّ يا مَلِكِي يا إلَهِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ هُما عَطْفُ بَيانٍ كَقَوْلِهِ: سِيرَةُ أبِي حَفْصٍ عُمَرَ الفارُوقِ، فَوُصِفَ أوَّلًا بِأنَّهُ رَبُّ النّاسِ ثُمَّ الرَّبُّ قَدْ يَكُونُ مَلِكًا وقَدْ لا يَكُونُ، كَما يُقالُ: رَبُّ الدّارِ ورَبُّ المَتاعِ قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] فَلا جَرَمَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ثُمَّ المَلِكُ قَدْ يَكُونُ إلَهًا، وقَدْ لا يَكُونُ فَلا جَرَمَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ لِأنَّ الإلَهَ خاصٌّ بِهِ وهو سُبْحانُهُ لا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وأيْضًا بَدَأ بِذِكْرِ الرَّبِّ وهو اسْمٌ لِمَن قامَ بِتَدْبِيرِهِ وإصْلاحِهِ، وهو مِن أوائِلِ نِعَمِهِ إلى أنْ رَبّاهُ وأعْطاهُ العَقْلَ فَحِينَئِذٍ عَرَفَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ وهو مِلْكُهُ، فَثَنّى بِذِكْرِ المُلْكِ، ثُمَّ لَمّا عَلِمَ أنَّ
صفحة ١٨١
العِبادَةَ لازِمَةٌ لَهُ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، وعَرَفَ أنَّ مَعْبُودَهُ مُسْتَحِقٌّ لِتِلْكَ العِبادَةِ عَرَفَ أنَّهُ إلَهٌ، فَلِهَذا خَتَمَ بِهِ، وأيْضًا أوَّلُ ما يَعْرِفُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ كَوْنُهُ مُطِيعًا لِما عِنْدَهُ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وهَذا هو الرَّبُّ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَنَقَّلُ مِن مَعْرِفَةِ هَذِهِ الصِّفاتِ إلى مَعْرِفَةِ جَلالَتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الخَلْقِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مَلِكًا؛ لِأنَّ المَلِكَ هو الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَيْهِ غَيْرُهُ ويَكُونُ هو غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ إذا عَرَفَهُ العَبْدُ كَذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ في الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ فَوْقَ وصْفِ الواصِفِينَ وأنَّهُ هو الَّذِي ولِهَتِ العُقُولُ في عِزَّتِهِ وعَظَمَتِهِ، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُهُ إلَهًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: السَّبَبُ في تَكْرِيرِ لَفْظِ النّاسِ أنَّهُ إنَّما تَكَرَّرَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ الإظْهارِ؛ ولِأنَّ هَذا التَّكْرِيرَ يَقْتَضِي مَزِيدَ شَرَفِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَأنَّهُ عَرَّفَ ذاتَهُ بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلنّاسِ، مَلِكًا لِلنّاسِ، إلَهًا لِلنّاسِ، ولَوْلا أنَّ النّاسَ أشْرَفُ مَخْلُوقاتِهِ وإلّا لَما خَتَمَ كِتابَهُ بِتَعْرِيفِ ذاتِهِ بِكَوْنِهِ رَبًّا ومَلِكًا وإلَهًا لَهم.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لا يَجُوزُ هَهُنا مالِكُ النّاسِ ويَجُوزُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] في سُورَةِ الفاتِحَةِ، والفَرْقُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ أفادَ كَوْنَهُ مالِكًا لَهم فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَذْكُورُ عَقِيبَهُ هَذا المَلِكَ لِيُفِيدَ أنَّهُ مالِكٌ ومَعَ كَوْنِهِ مالِكًا فَهو مَلِكٌ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ثُمَّ قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ التِّكْرارِ هُناكَ ؟ قُلْنا: اللَّفْظُ دَلَّ عَلى أنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، وهي الأشْياءُ المَوْجُودَةُ في الحالِ، وعَلى أنَّهُ مالِكٌ لِيَوْمِ الدِّينِ أيْ قادِرٌ عَلَيْهِ فَهُناكَ الرَّبُّ مُضافٌ إلى شَيْءٍ والمالِكُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَلَمْ يَلْزَمِ التَّكْرِيرُ، وأمّا هَهُنا لَوْ ذَكَرَ المالِكَ لَكانَ الرَّبُّ والمالِكُ مُضافَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَيَلْزَمُ مِنهُ التَّكْرِيرُ فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأيْضًا فَجَوازُ القِراءاتِ يَتْبَعُ النُّزُولَ لا القِياسَ، وقَدْ قُرِئَ: ”مالِكِ“ لَكِنْ في الشَّواذِّ.
الناس 114:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الوَسْواسُ اسْمٌ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ، كالزِّلْزالِ بِمَعْنى الزَّلْزَلَةِ، وأمّا المَصْدَرُ فَوِسْواسٌ بِالكَسْرِ كَزِلْزالٍ والمُرادُ بِهِ الشَّيْطانُ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ وسْوَسَةٌ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّها صَنْعَتُهُ وشُغْلُهُ الَّذِي هو عاكِفٌ عَلَيْهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] والمُرادُ ذُو الوَسْواسِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في الوَسْوَسَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] وأمّا الخَنّاسُ فَهو الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ مَنسُوبٌ إلى الخُنُوسِ وهو التَّأخُّرُ كالعَوّاجِ والنَّفّاثاتِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ خَنَسَ الشَّيْطانُ ووَلّى، فَإذا غَفَلَ وسْوَسَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ﴾ يَجُوزُ في مَحَلِّهِ الحَرَكاتُ الثَّلاثُ فالجَرُّ عَلى الصِّفَةِ والرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الشَّتْمِ، ويَحْسُنُ أنْ يَقِفَ القارِئُ عَلى الخَنّاسِ، ويَبْتَدِئَ: الَّذِي يُوَسْوِسُ، عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
الناس 114:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الوَسْواسُ اسْمٌ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ، كالزِّلْزالِ بِمَعْنى الزَّلْزَلَةِ، وأمّا المَصْدَرُ فَوِسْواسٌ بِالكَسْرِ كَزِلْزالٍ والمُرادُ بِهِ الشَّيْطانُ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ وسْوَسَةٌ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّها صَنْعَتُهُ وشُغْلُهُ الَّذِي هو عاكِفٌ عَلَيْهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] والمُرادُ ذُو الوَسْواسِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في الوَسْوَسَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] وأمّا الخَنّاسُ فَهو الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ مَنسُوبٌ إلى الخُنُوسِ وهو التَّأخُّرُ كالعَوّاجِ والنَّفّاثاتِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ خَنَسَ الشَّيْطانُ ووَلّى، فَإذا غَفَلَ وسْوَسَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ﴾ يَجُوزُ في مَحَلِّهِ الحَرَكاتُ الثَّلاثُ فالجَرُّ عَلى الصِّفَةِ والرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الشَّتْمِ، ويَحْسُنُ أنْ يَقِفَ القارِئُ عَلى الخَنّاسِ، ويَبْتَدِئَ: الَّذِي يُوَسْوِسُ، عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
الناس 114:6
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: كَأنَّهُ يَقُولُ الوَسْواسُ الخَنّاسُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الجِنَّةِ وقَدْ يَكُونُ مِنَ النّاسِ كَما قالَ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وكَما أنَّ شَيْطانَ الجِنِّ قَدْ يُوَسْوِسُ تارَةً ويَخْنِسُ أُخْرى فَشَيْطانُ الإنْسِ يَكُونُ كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَرى نَفْسَهُ كالنّاصِحِ المُشْفِقِ، فَإنْ زَجَرَهُ السّامِعُ يَخْنِسُ، ويَتْرُكُ الوَسْوَسَةَ، وإنْ قَبِلَ السّامِعُ كَلامَهُ بالَغَ فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ قِسْمانِ مُنْدَرِجانِ تَحْتَ قَوْلِهِ في: ﴿صُدُورِ النّاسِ﴾ كَأنَّ القَدْرَ المُشْتَرَكَ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ، يُسَمّى إنْسانًا والإنْسانُ أيْضًا يُسَمّى إنْسانًا فَيَكُونُ لَفْظُ الإنْسانِ واقِعًا عَلى الجِنْسِ والنَّوْعِ بِالِاشْتِراكِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ لَفْظَ الإنْسانِ يَنْدَرِجُ فِيهِ الجِنُّ والإنْسُ ما رُوِيَ أنَّهُ جاءَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقِيلَ لَهم: مَن أنْتُمْ ؟ فَقالُوا: أُناسٌ مِنَ الجِنِّ، وأيْضًا قَدْ سَمّاهُمُ اللَّهُ رِجالًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] فَجازَ أيْضًا أنْ يُسَمِّيَهم هَهُنا ناسًا، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ هَذا الوَسْواسَ الخَنّاسَ شَدِيدُ الخَنْثِ لا يَقْتَصِرُ عَلى إضْلالِ الإنْسِ بَلْ يُضِلُّ جِنْسَهُ وهُمُ الجِنُّ، فَجَدِيرٌ أنْ يَحْذَرَ العاقِلُ شَرَّهُ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ جَعْلَ الإنْسانِ اسْمًا لِلْجِنْسِ الَّذِي يَنْدَرِجُ فِيهِ الجِنُّ والإنْسُ بَعِيدٌ مِنَ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ الجِنَّ سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنانِهِمْ، والإنْسانُ إنْسانًا لِظُهُورِهِ مِنَ الإيناسِ وهو الإبْصارُ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَن أرادَ تَقْرِيرَ هَذا الوَجْهِ، فالأوْلى أنْ يَقُولَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ أيْ في صُدُورِ النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وإذا كانَ المُرادُ مِنَ النّاسِ النّاسِيَ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إلى الجِنِّ والإنْسِ؛ لِأنَّهُما هُما النَّوْعانِ المَوْصُوفانِ بِنِسْيانِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ مِنَ الوَسْواسِ الخَنّاسِ ومِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ كَأنَّهُ اسْتَعاذَ بِرَبِّهِ مِن ذَلِكَ الشَّيْطانِ الواحِدِ، ثُمَّ اسْتَعاذَ بِرَبِّهِ مِنَ الجَمِيعِ الجِنَّةِ والنّاسِ.
واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ السُّورَةِ لَطِيفَةً أُخْرى: وهي أنَّ المُسْتَعاذَ بِهِ في السُّورَةِ الأُولى مَذْكُورٌ بِصِفَةٍ واحِدَةٍ وهي أنَّهُ رَبُّ الفَلَقِ، والمُسْتَعاذَ مِنهُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ الآفاتِ، وهي الغاسِقُ والنَّفّاثاتُ والحاسِدُ، وأمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فالمُسْتَعاذُ بِهِ مَذْكُورٌ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: وهي الرَّبُّ والمَلِكُ والإلَهُ والمُسْتَعاذُ مِنهُ آفَةٌ واحِدَةٌ، وهي الوَسْوَسَةُ، والفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّ الثَّناءَ يَجِبُ أنْ يَتَقَدَّرَ بِقَدْرِ المَطْلُوبِ، فالمَطْلُوبُ في السُّورَةِ الأُولى سَلامَةُ النَّفْسِ والبَدَنِ، والمَطْلُوبُ في السُّورَةِ الثّانِيَةِ سَلامَةُ الدِّينِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَضَرَّةَ الدِّينِ وإنْ قَلَّتْ أعْظَمُ مِن مَضارِّ الدُّنْيا وإنْ عَظُمَتْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
انْتَهى