Lafzullah

Tafsir Al-Razi — العصر 103:1 – الكافرون 109:6

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. العصر 103:1
  2. العصر 103:2
  3. العصر 103:3
  4. الهمزة 104:1
  5. الهمزة 104:2
  6. الهمزة 104:3
  7. الهمزة 104:4
  8. الهمزة 104:5
  9. الهمزة 104:6
  10. الهمزة 104:7
  11. الهمزة 104:8
  12. الهمزة 104:9
  13. الفيل 105:1
  14. الفيل 105:2
  15. الفيل 105:3
  16. الفيل 105:4
  17. الفيل 105:5
  18. قريش 106:1
  19. قريش 106:2
  20. قريش 106:3
  21. قريش 106:4
  22. الماعون 107:1
  23. الماعون 107:2
  24. الماعون 107:3
  25. الماعون 107:4
  26. الماعون 107:5
  27. الماعون 107:6
  28. الماعون 107:7
  29. الكوثر 108:1
  30. الكوثر 108:2
  31. الكوثر 108:3
  32. الكافرون 109:1
  33. الكافرون 109:2
  34. الكافرون 109:3
  35. الكافرون 109:4
  36. الكافرون 109:5
  37. الكافرون 109:6

العصر 103:1

صفحة ٨٠ (سُورَةُ العَصْرِ) ثَلاثُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿والعَصْرِ﴾ ﷽ ﴿والعَصْرِ﴾ اعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ العَصْرِ أقْوالًا: الأوَّلُ: أنَّهُ الدَّهْرُ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: ما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أقْسَمَ بِالدَّهْرِ»، «وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -يَقْرَأُ: والعَصْرِ ونَوائِبِ الدَّهْرِ» . إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا مُفْسِدٌ لِلصَّلاةِ، فَلا نَقُولُ: إنَّهُ قَرَأهُ قُرْآنًا بَلْ تَفْسِيرًا، ولَعَلَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرِ الدَّهْرَ لِعِلْمِهِ بِأنَّ المُلْحِدَ مُولَعٌ بِذِكْرِهِ وتَعْظِيمِهِ ومِن ذَلِكَ ذَكَرَهُ في: ﴿هَلْ أتى﴾ [ الإنْسانِ: ١] رَدًّا عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ بِالطَّبْعِ والدَّهْرِ. وثانِيها: أنَّ الدَّهْرَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأعاجِيبِ لِأنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ السَّرّاءُ والضَّرّاءُ، والصِّحَّةُ والسُّقْمُ، والغِنى والفَقْرُ، بَلْ فِيهِ ما هو أعْجَبُ مِن كُلِّ عَجَبٍ، وهو أنَّ العَقْلَ لا يَقْوى عَلى أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالعَدَمِ، فَإنَّهُ مُجَزَّأٌ مُقَسَّمٌ بِالسَّنَةِ، والشَّهْرِ، واليَوْمِ، والسّاعَةِ، ومَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والمُطابَقَةِ، وكَوْنِهِ ماضِيًا ومُسْتَقْبَلًا، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْدُومًا ؟ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالوُجُودِ لِأنَّ الحاضِرَ غَيْرُ قابِلٍ لِلْقِسْمَةِ والماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ مَعْدُومانِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِالوُجُودِ ؟ . وثالِثُها: أنَّ بَقِيَّةَ عُمُرِ المَرْءِ لا قِيمَةَ لَهُ، فَلَوْ ضَيَّعْتَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ تُبْتَ في اللَّمْحَةِ الأخِيرَةِ مِنَ العُمُرِ بَقِيتَ في الجَنَّةِ أبَدَ الآبادِ فَعَلِمْتَ حِينَئِذٍ أنَّ أشْرَفَ الأشْياءِ حَياتُكَ في تِلْكَ اللَّمْحَةِ، فَكَأنَّ الدَّهْرَ والزَّمانَ مِن جُمْلَةِ أُصُولِ النِّعَمِ، فَلِذَلِكَ أقْسَمَ بِهِ ونَبَّهَ عَلى أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ فُرْصَةٌ يُضَيِّعُها المُكَلَّفُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] ورابِعُها: وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] إشارَةٌ إلى المَكانِ والمَكانِيّاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الأنعام: ١٣] وهو إشارَةٌ إلى الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ، وقَدْ بَيَّنّا هُناكَ أنَّ الزَّمانَ صفحة ٨١ أعْلى وأشْرَفُ مِنَ المَكانِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ كانَ القَسَمُ بِالعَصْرِ قَسَمًا بِأشْرَفِ النِّصْفَيْنِ مِن مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ. وخامِسُها: أنَّهم كانُوا يُضِيفُونَ الخُسْرانَ إلى نَوائِبِ الدَّهْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ عَلى أنَّ الدَّهْرَ والعَصْرَ نِعْمَةٌ حاصِلَةٌ لا عَيْبَ فِيها، إنَّما الخاسِرُ المَعِيبُ هو الإنْسانُ. وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ العَصْرَ الَّذِي بِمُضِيِّهِ يَنْتَقِصُ عُمُرُكُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ في مُقابَلَتِهِ كَسْبٌ صارَ ذَلِكَ النُّقْصانُ عَيْنَ الخُسْرانِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ: إنّا لَنَفْرَحُ بِالأيّامِ نَقْطَعُها وكُلُّ يَوْمٍ مَضى نَقْصٌ مِنَ الأجَلِ فَكَأنَّ المَعْنى: والعَصْرِ العَجِيبِ أمْرُهُ حَيْثُ يَفْرَحُ الإنْسانُ بِمُضِيِّهِ لِظَنِّهِ أنَّهُ وجَدَ الرِّبْحَ مَعَ أنَّهُ هَدْمٌ لِعُمُرِهِ وإنَّهُ لَفي خُسْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالعَصْرِ أحَدُ طَرَفَيِ النَّهارِ، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ أقْسَمَ تَعالى بِالعَصْرِ كَما أقْسَمَ بِالضُّحى لِما فِيهِما جَمِيعًا مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ فَإنَّ كُلَّ بَكْرَةٍ كَأنَّها القِيامَةُ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ وتَصِيرُ الأمْواتُ أحْياءً ويُقامُ المَوازِينُ، وكُلَّ عَشِيَّةٍ تُشْبِهُ تَخْرِيبَ الدُّنْيا بِالصَّعْقِ والمَوْتِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ شاهِدُ عَدْلٍ، ثُمَّ إذا لَمْ يَحْكُمِ الحاكِمُ عَقِيبَ الشّاهِدَيْنِ عُدَّ خاسِرًا فَكَذا الإنْسانُ الغافِلُ عَنْهُما في خُسْرٍ. وثانِيها: قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّما أقْسَمَ بِهَذا الوَقْتِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأسْواقَ قَدْ دَنا وقْتُ انْقِطاعِها وانْتِهاءُ التِّجارَةِ والكَسْبِ فِيها، فَإذا لَمْ تَكْتَسِبْ ودَخَلْتَ الدّارَ وطافَ العِيالُ عَلَيْكَ يَسْألُكَ كُلُّ أحَدٍ ما هو حَقُّهُ فَحِينَئِذٍ تَخْجَلُ فَتَكُونُ مِنَ الخاسِرِينَ، فَكَذا نَقُولُ: والعَصْرِ؛ أيْ: عَصْرِ الدُّنْيا قَدْ دَنَتِ القِيامَةُ و(أنْتَ) بَعْدُ لَمْ تَسْتَعِدَّ وتَعْلَمْ أنَّكَ تُسْألُ غَدًا عَنِ النَّعِيمِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ في دُنْياكَ، وتُسْألُ في مُعامَلَتِكَ مَعَ الخَلْقِ، وكُلُّ أحَدٍ مِنَ المَظْلُومِينَ يَدَّعِي ما عَلَيْكَ فَإذًا أنْتَ خاسِرٌ، ونَظِيرُهُ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] . وثالِثُها: أنَّ هَذا الوَقْتَ مُعَظَّمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن حَلَفَ بَعْدَ العَصْرِ كاذِبًا لا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» فَكَما أقْسَمَ في حَقِّ الرّابِحِ بِالضُّحى فَكَذا أقْسَمَ في حَقِّ الخاسِرِ بِالعَصْرِ وذَلِكَ لِأنَّهُ أقْسَمَ بِالضُّحى في حَقِّ الرّابِحِ وبَشَّرَ الرَّسُولُ أنَّ أمْرَهُ إلى الإقْبالِ وهَهُنا في حَقِّ الخاسِرِ تَوَعَّدَهُ أنْ أمْرَهُ إلى الإدْبارِ، ثُمَّ كَأنَّهُ يَقُولُ: بَعْضُ النَّهارِ باقٍ، فَيَحُثُّهُ عَلى التَّدارُكِ في البَقِيَّةِ بِالتَّوْبَةِ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: تَعَلَّمْتُ مَعْنى السُّورَةِ مِن بائِعِ الثَّلْجِ كانَ يَصِيحُ ويَقُولُ: ارْحَمُوا مَن يَذُوبُ رَأْسُ مالِهِ، ارْحَمُوا مَن يَذُوبُ رَأْسُ مالِهِ فَقُلْتُ: هَذا مَعْنى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ يَمُرُّ بِهِ العَصْرُ فَيَمْضِي عُمُرُهُ ولا يَكْتَسِبُ فَإذًا هو خاسِرٌ. القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ: أرادَ صَلاةَ العَصْرِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِصَلاةِ العَصْرِ لِفَضْلِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] صَلاةِ العَصْرِ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] إنَّها صَلاةُ العَصْرِ. وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» . وثالِثُها: أنَّ التَّكْلِيفَ في أدائِها أشَقُّ لِتَهافُتِ النّاسِ في تِجاراتِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ آخِرَ النَّهارِ واشْتِغالِهِمْ بِمَعايِشِهِمْ. ورابِعُها: رُوِيَ «أنَّ امْرَأةً كانَتْ تَصِيحُ في سِكَكِ المَدِينَةِ وتَقُولُ: دُلُّونِي عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَرَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَألَها ماذا حَدَثَ ؟ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي غابَ عَنِّي فَزَنَيْتُ فَجاءَنِي ولَدٌ مِنَ الزِّنا فَألْقَيْتُ الوَلَدَ في دَنٍّ مِنَ الخَلِّ حَتّى ماتَ، ثُمَّ بِعْنا ذَلِكَ الخَلَّ فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا الزِّنا فَعَلَيْكِ الرَّجْمُ، أمّا قَتْلُ الوَلَدِ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ، وأمّا بَيْعُ الخَلِّ فَقَدِ ارْتَكَبْتِ صفحة ٨٢ كَبِيرًا، لَكِنْ ظَنَنْتُ أنَّكِ تَرَكْتِ صَلاةَ العَصْرِ» فَفي هَذا الحَدِيثِ إشارَةٌ إلى تَفْخِيمِ أمْرِ هَذِهِ الصَّلاةِ. وخامِسُها: أنَّ صَلاةَ العَصْرِ بِها يَحْصُلُ خَتْمُ طاعاتِ النَّهارِ، فَهي كالتَّوْبَةِ، بِها يُخْتَمُ الأعْمالُ، فَكَما تَجِبُ الوَصِيَّةُ بِالتَّوْبَةِ كَذا بِصَلاةِ العَصْرِ لِأنَّ الأُمُورَ بِخَواتِيمِها، فَأقْسَمَ بِهَذِهِ الصَّلاةِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وزِيادَةَ تَوْصِيَةِ المُكَلَّفِ عَلى أدائِها وإشارَةً مِنهُ أنَّكَ إنْ أدَّيْتَها عَلى وجْهِها عادَ خُسْرانُكَ رِبْحًا، كَما قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وسادِسُها: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُكَلِّمُهم ولا يُزَكِّيهِمْ [ عُدَّ ] مِنهم رَجُلٌ حَلَفَ بَعْدَ العَصْرِ كاذِبًا» . (فَإنْ قِيلَ) صَلاةُ العَصْرِ فِعْلُنا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ لَيْسَ قِسْمًا مِن حَيْثُ إنَّها فِعْلُنا، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها أمْرٌ شَرِيفٌ تَعَبَّدَنا اللَّهُ تَعالى بِها. القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ قَسَمٌ بِزَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّما مَثَلُكم ومَثَلُ مَن كانَ قَبْلَكم مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا، فَقالَ: مَن يَعْمَلُ مِنَ الفَجْرِ إلى الظُّهْرِ بِقِيراطٍ ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ مِنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ بِقِيراطٍ ؟ فَعَمِلَتِ النَّصارى، ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ مِنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ بِقِيراطَيْنِ ؟ فَعَمِلْتُمْ أنْتُمْ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارى، وقالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ أجْرًا ! فَقالَ اللَّهُ: وهَلْ نَقَصْتُ مِن أجْرِكم شَيْئًا ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَهَذا فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ، فَكُنْتُمْ أقَلَّ عَمَلًا وأكْثَرَ أجْرًا» فَهَذا الخَبَرُ دَلَّ عَلى أنَّ العَصْرَ هو الزَّمانُ المُخْتَصُّ بِهِ وبِأُمَّتِهِ، فَلا جَرَمَ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والعَصْرِ﴾ أيْ والعَصْرِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ فَهو تَعالى أقْسَمَ بِزَمانِهِ في هَذِهِ الآيَةِ وبِمَكانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] وبِعُمُرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] فَكَأنَّهُ قالَ: وعَصْرِكَ وبَلَدِكَ وعُمُرِكَ، وذَلِكَ كُلُّهُ كالظَّرْفِ لَهُ، فَإذا وجَبَ تَعْظِيمُ حالِ الظَّرْفِ فَقِسْ حالَ المَظْرُوفِ، ثُمَّ وجَّهَ القَسَمَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ حَضَرْتَهم ودَعَوْتَهم، وهم أعْرَضُوا عَنْكَ وما التَفَتُوا إلَيْكَ، فَما أعْظَمَ خُسْرانَهم وما أجَلَّ خِذْلانَهم.

العصر 103:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الألِفُ واللّامُ في الإنْسانِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، وأنْ تَكُونَ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، فَلِهَذا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الجِنْسُ وهو كَقَوْلِهِمْ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ اسْتِثْناءُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الإنْسانِ. والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ جَماعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ، والأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي لَهَبٍ، وفي خَبَرٍ مَرْفُوعٍ إنَّهُ أبُو جَهْلٍ، ورُوِيَ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَفي خُسْرٍ، فَأقْسَمَ تَعالى أنَّ الأمْرَ بِالضِّدِّ مِمّا يَتَوَهَّمُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخُسْرُ الخُسْرانُ، كَما قِيلَ: الكُفْرُ في الكُفْرانِ، ومَعْناهُ النُّقْصانُ وذَهابُ رَأْسِ المالِ، ثُمَّ صفحة ٨٣ فِيهِ تَفْسِيرانِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا حَمَلْنا الإنْسانَ عَلى الجِنْسِ كانَ مَعْنى الخُسْرِ هَلاكَ نَفْسِهِ وعُمُرِهِ، إلّا المُؤْمِنَ العامِلَ فَإنَّهُ ما هَلَكَ عُمُرُهُ ومالُهُ: لِأنَّهُ اكْتَسَبَ بِهِما سَعادَةً أبَدِيَّةً، وإنْ حَمَلْنا لَفْظَ الإنْسانِ عَلى الكافِرِ كانَ المُرادُ كَوْنَهُ في الضَّلالَةِ والكُفْرِ إلّا مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ، فَحِينَئِذٍ يَتَخَلَّصُ مِن ذَلِكَ الخَسارِ إلى الرِّبْحِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَفي الخُسْرِ، لِأنَّ التَّنْكِيرَ يُفِيدُ التَّهْوِيلَ تارَةً والتَّحْقِيرَ أُخْرى، فَإنْ حَمَلْنا عَلى الأوَّلِ كانَ المَعْنى إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ عَظِيمٍ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الذَّنْبَ يَعْظُمُ بِعِظَمِ مَن في حَقِّهِ الذَّنْبُ، أوْ لِأنَّهُ وقَعَ في مُقابَلَةِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وكِلا الوَجْهَيْنِ حاصِلانِ في ذَنْبِ العَبْدِ في حَقِّ رَبِّهِ، فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ الذَّنْبُ في غايَةِ العِظَمِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الثّانِي كانَ المَعْنى أنَّ خُسْرانَ الإنْسانِ دُونَ خُسْرانِ الشَّيْطانِ، وفِيهِ بِشارَةٌ أنَّ في خَلْقِي مَن هو أعْصى مِنكَ، والتَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ يُفِيدُ التَّوْحِيدَ، مَعَ أنَّهُ في أنْواعٍ مِنَ الخُسْرِ. والجَوابُ: أنَّ الخُسْرَ الحَقِيقِيَّ هو حِرْمانُهُ عَنْ خِدْمَةِ رَبِّهِ، وأمّا البَواقِي وهو الحِرْمانُ عَنِ الجَنَّةِ، والوُقُوعُ في النّارِ، فَبِالنِّسْبَةِ إلى الأوَّلِ كالعَدَمِ، وهَذا كَما أنَّ الإنْسانَ في وُجُودِهِ فَوائِدُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أيْ لَمّا كانَ هَذا المَقْصُودُ أجَلَّ المَقاصِدِ كانَ سائِرُ المَقاصِدِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كالعَدَمِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ بِهَذِهِ الآيَةِ قَرائِنَ تَدُلُّ عَلى مُبالَغَتِهِ تَعالى في بَيانِ كَوْنِ الإنْسانِ في خُسْرٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ كالمَغْمُورِ في الخُسْرانِ، وأنَّهُ أحاطَ بِهِ مِن كُلِّ جانِبٍ. وثانِيها: كَلِمَةُ ”إنَّ“ فَإنَّها لِلتَّأْكِيدِ. وثالِثُها: حَرْفُ اللّامِ في لَفي خُسْرٍ. وهَهُنا احْتِمالانِ: الأوَّلُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ أيْ في طَرِيقِ الخُسْرِ، وهَذا كَقَوْلِهِ في أكْلِ أمْوالِ اليَتامى: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] لَمّا كانَتْ عاقِبَتُهُ النّارَ. الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ عَنْ خُسْرٍ، لِأنَّ الخُسْرَ هو تَضْيِيعُ رَأْسِ المالِ، ورَأْسُ مالِهِ هو عُمُرُهُ، وهو قَلَّما يَنْفَكُّ عَنْ تَضْيِيعِ عُمُرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ساعَةٍ تَمُرُّ بِالإنْسانِ: فَإنْ كانَتْ مَصْرُوفَةً إلى المَعْصِيَةِ فَلا شَكَّ في الخُسْرانِ، وإنْ كانَتْ مَشْغُولَةً بِالمُباحاتِ فالخُسْرانُ أيْضًا حاصِلٌ، لِأنَّهُ كَما ذَهَبَ لَمْ يَبْقَ مِنهُ أثَرٌ، مَعَ أنَّهُ كانَ مُتَمَكِّنًا مِن أنْ يَعْمَلَ فِيهِ عَمَلًا يَبْقى أثَرُهُ دائِمًا، وإنْ كانَتْ مَشْغُولَةً بِالطّاعاتِ فَلا طاعَةَ إلّا ويُمْكِنُ الإتْيانُ بِها، أوْ بِغَيْرِها عَلى وجْهٍ أحْسَنَ مِن ذَلِكَ، لِأنَّ مَراتِبَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ لِلَّهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَإنَّ مَراتِبَ جَلالِ اللَّهِ وقَهْرِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وكُلَّما كانَ عِلْمُ الإنْسانِ بِها أكْثَرَ كانَ خَوْفُهُ مِنهُ تَعالى أكْثَرَ، فَكانَ تَعْظِيمُهُ عِنْدَ الإتْيانِ بِالطّاعاتِ أتَمَّ وأكْمَلَ، وتَرْكُ الأعْلى والِاقْتِصارُ بِالأدْنى نَوْعُ خُسْرانٍ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ البَتَّةَ عَنْ نَوْعِ خُسْرانٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ أنْ يَكُونَ في الخُسْرانِ والخَيْبَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ سَعادَةَ الإنْسانِ في حُبِّ الآخِرَةِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ الأسْبابَ الدّاعِيَةَ إلى الآخِرَةِ خَفِيَّةٌ، والأسْبابَ الدّاعِيَةَ إلى حُبِّ الدُّنْيا ظاهِرَةٌ، وهي الحَواسُّ الخَمْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، فَلِهَذا السَّبَبِ صارَ أكْثَرُ الخَلْقِ مُشْتَغِلِينَ بِحُبِّ الدُّنْيا مُسْتَغْرِقِينَ في طَلَبِها، فَكانُوا في الخُسْرانِ والبَوارِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ صفحة ٨٤ التِّينِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤، ٥] فَهُناكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ مِنَ الكَمالِ، والِانْتِهاءَ إلى النُّقْصانِ، وهَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ مِنَ النُّقْصانِ والِانْتِهاءَ إلى الكَمالِ، فَكَيْفَ وجْهُ الجَمْعِ ؟ قُلْنا: المَذْكُورُ في سُورَةِ التِّينِ أحْوالُ البَدَنِ، وهَهُنا أحْوالُ النَّفْسِ فَلا تَناقُضَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ.

العصر 103:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الإيمانَ والأعْمالَ الصّالِحَةَ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما مِرارًا، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ مَن قالَ: العَمَلُ غَيْرُ داخِلٍ في مُسَمّى الإيمانِ، بِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَطَفَ عَمَلَ الصّالِحاتِ عَلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ عَمَلُ الصّالِحاتِ داخِلًا في مُسَمّى الإيمانِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذا التَّكْرِيرُ واقِعٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] لِأنّا نَقُولُ هُناكَ: إنَّما حَسُنَ، لِأنَّ إعادَتَهُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أشْرَفَ أنْواعِ ذَلِكَ الكُلِّيِّ، وعَمَلُ الصّالِحاتِ لَيْسَ أشْرَفَ أنْواعِ الأُمُورِ المُسَمّاةِ بِالإيمانِ، فَبَطَلَ هَذا التَّأْوِيلُ. قالَ الحَلِيمِيُّ: هَذا التَّكْرِيرُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، لِأنَّ الإيمانَ وإنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلى عَمَلِ الصّالِحاتِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَشْتَمِلُ عَلى الإيمانِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ قَوْلِهِ: (الَّذِينَ آمَنُوا) وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَشْتَمِلُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرارًا، أجابَ الأوَّلُونَ وقالُوا: إنّا لا نَمْنَعُ وُرُودَ التَّكْرِيرِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، لَكِنَّ الأصْلَ عَدَمُهُ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في الِاسْتِدْلالِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القاطِعُونَ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الإنْسانَ في الخَسارَةِ مُطْلَقًا، ثُمَّ اسْتَثْنى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ والمُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطَيْنِ مَفْقُودٌ عِنْدَ فَقْدِ أحَدِهِما، فَعَلِمْنا أنَّ مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الإيمانُ والأعْمالُ الصّالِحَةُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في الخَسارِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ولَمّا كانَ المُسْتَجْمِعُ لِهاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ في غايَةِ القِلَّةِ، وكانَ الخَسارُ لازِمًا لِمَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَجْمِعًا لَهُما كانَ النّاجِي أقَلَّ مِنَ الهالِكِ، ثُمَّ لَوْ كانَ النّاجِي أكْثَرَ كانَ الخَوْفُ عَظِيمًا حَتّى لا تَكُونَ أنْتَ مِنَ القَلِيلِ، كَيْفَ والنّاجِي أقَلُّ ؟ أفَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الخَوْفُ أشَدَّ ! المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ فِيهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِ مَن فَوْتِ عُمُرِهِ وشَبابِهِ، لِأنَّ العَمَلَ قَدْ أوْصَلَهُ إلى خَيْرٍ مِن عُمُرِهِ وشَبابِهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما دَعاكَ إلى طاعَةِ اللَّهِ فَهو الصَّلاحُ، وكُلَّ ما شَغَلَكَ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِهِ فَهو الفَسادُ. وثالِثُها: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: تَسْمِيَةُ الأعْمالِ بِالصّالِحاتِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ وجْهَ حُسْنِها لَيْسَ هو الأمْرَ عَلى ما يَقُولُهُ الأشْعَرِيَّةُ، لَكِنَّ الأمْرَ إنَّما ورَدَ لِكَوْنِها في أنْفُسِها مُشْتَمِلَةً عَلى وُجُوهِ الصَّلاحِ، وأجابَتِ الأشْعَرِيَّةُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَها بِكَوْنِها صالِحَةً، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّها صالِحَةٌ بِسَبَبِ وُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْها أوْ بِسَبَبِ الأمْرِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: إنَّهُ في جانِبِ الخُسْرِ ذَكَرَ الحُكْمَ ولَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ وفي جانِبِ صفحة ٨٥ الرِّبْحِ ذَكَرَ السَّبَبَ، وهو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، ولَمْ يَذْكُرِ الحُكْمَ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ الخُسْرِ لِأنَّ الخُسْرَ كَما يَحْصُلُ بِالفِعْلِ، وهو الإقْدامُ عَلى المَعْصِيَةِ يَحْصُلُ بِالتَّرْكِ، وهو عَدَمُ الإقْدامِ عَلى الطّاعَةِ، أمّا الرِّبْحُ فَلا يَحْصُلُ إلّا بِالفِعْلِ، فَلِهَذا ذَكَرَ سَبَبَ الرِّبْحِ وهو العَمَلُ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ تَعالى في جانِبِ الخُسْرِ أبْهَمَ ولَمْ يُفَصِّلْ، وفي جانِبِ الرِّبْحِ فَصَّلَ وبَيَّنَ، وهَذا هو اللّائِقُ بِالكَرَمِ. * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في أهْلِ الِاسْتِثْناءِ أنَّهم بِإيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ خَرَجُوا عَنْ أنْ يَكُونُوا في خُسْرٍ وصارُوا أرْبابَ السَّعادَةِ مِن حَيْثُ إنَّهم تَمَسَّكُوا بِما يُؤَدِّيهِمْ إلى الفَوْزِ بِالثَّوابِ والنَّجاةِ مِنَ العِقابِ وصَفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِأنَّهم قَدْ صارُوا لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ لِلطّاعَةِ لا يَقْتَصِرُونَ عَلى ما يَخُصُّهم بَلْ يُوصُونَ غَيْرَهم بِمِثْلِ طَرِيقَتِهِمْ لِيَكُونُوا أيْضًا سَبَبًا لِطاعاتِ الغَيْرِ كَما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أهْلُ الدِّينِ وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] فالتَّواصِي بِالحَقِّ يَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الدِّينِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ، والتَّواصِي بِالصَّبْرِ يَدْخُلُ فِيهِ حَمْلُ النَّفْسِ عَلى مَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ في القِيامِ بِما يَجِبُ، وفي اجْتِنابِهِمْ ما يَحْرُمُ؛ إذِ الإقْدامُ عَلى المَكْرُوهِ والإحْجامُ عَنِ المُرادِ كِلاهُما شاقٌّ شَدِيدٌ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ فِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِالخَسارِ عَلى جَمِيعِ النّاسِ إلّا مَن كانَ آتِيًا بِهَذِهِ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ، وهي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ والتَّواصِي بِالحَقِّ والتَّواصِي بِالصَّبْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النَّجاةَ مُعَلَّقَةٌ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ وإنَّهُ كَما يَلْزَمُ المُكَلَّفَ تَحْصِيلُ ما يَخُصُّ نَفْسَهُ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ في غَيْرِهِ أُمُورٌ، مِنها الدُّعاءُ إلى الدِّينِ، والنَّصِيحَةُ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وأنْ يُحِبَّ لَهُ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ كَرَّرَ التَّواصِيَ لِيُضَمِّنَ الأوَّلَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ، والثّانِيَ الثَّباتَ عَلَيْهِ، والأوَّلُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والثّانِي النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ﴾ [لقمان: ١٧] وقالَ عُمَرُ: رَحِمَ اللَّهُ مَن أهْدى إلَيَّ عُيُوبِي. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الحَقَّ ثَقِيلٌ، وأنَّ المِحَنَ تُلازِمُهُ، فَلِذَلِكَ قَرَنَ بِهِ التَّواصِيَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: (وتَواصَوْا) ولَمْ يَقُلْ: ويَتَواصَوْنَ؛ لِئَلّا يَقَعَ أمْرًا بَلِ الغَرَضُ مَدْحُهم بِما صَدَرَ عَنْهم في الماضِي، وذَلِكَ يُفِيدُ رَغْبَتَهم في الثَّباتِ عَلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”بِالصَّبْرِ“ بِشَمِّ الباءِ شَيْئًا مِنَ الحَرْفِ لا يُشْبَعُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا يَجُوزُ في الوَقْفِ، ولا يَكُونُ في الوَصْلِ إلّا عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وهَذا لا يَكادُ يَكُونُ في القِراءَةِ، وعَلى هَذا ما يُرْوى عَنْ سَلّامِ بْنِ المُنْذِرِ أنَّهُ قَرَأ، ”والعَصِرْ“ بِكَسْرِ الصّادِ ولَعَلَّهُ وقَفَ لِانْقِطاعِ نَفَسٍ أوْ لِعارِضٍ مَنَعَهُ مِن إدْراجِ القِراءَةِ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ لا عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الهمزة 104:1

صفحة ٨٦ (سُورَةُ الهُمَزَةِ) تِسْعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الوَيْلُ لَفْظَةُ الذَّمِّ والسُّخْطِ، وهي كَلِمَةُ كُلِّ مَكْرُوبٍ يَتَوَلَّوْنَ فَيَدْعُو بِالوَيْلِ وأصْلُهُ ويْ لِفُلانٍ ثُمَّ كَثُرَتْ في كَلامِهِمْ فَوُصِلَتْ بِاللّامِ، ورُوِيَ أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ. إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ هَهُنا: (ويْلٌ) وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ﴾ ؟ [ الأنْبِياءِ: ١٨] قُلْنا: لِأنَّ ثَمَّةَ قالُوا: ﴿ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤] فَقالَ: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ﴾ وهَهُنا نَكَّرَ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: في ويْلٍ إنَّها كَلِمَةُ تَقْبِيحٍ، ووَيْسٌ اسْتِصْغارٌ ووَيْحٌ تَرَحُّمٌ، فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى قُبْحِ هَذا الفِعْلِ، واخْتَلَفُوا في الوَعِيدِ الَّذِي في هَذِهِ السُّورَةِ هَلْ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن يَتَمَسَّكُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ في الأفْعالِ الرَّدِيئَةِ أوْ هو مَخْصُوصٌ بِأقْوامٍ مُعَيَّنِينَ، أمّا المُحَقِّقُونَ فَقالُوا: إنَّهُ عامٌّ لِكُلِّ مَن يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ كائِنًا مَن كانَ وذَلِكَ لِأنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأُناسٍ مُعَيَّنِينَ، ثُمَّ قالَ عَطاءٌ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ كانَ يَلْمِزُ النّاسَ ويَغْتابُهم وخاصَّةً رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كانَ يَغْتابُ النَّبِيَّ ﷺ مِن ورائِهِ ويَطْعَنُ عَلَيْهِ في وجْهِهِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ما زِلْنا نَسْمَعُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قالَ الفَرّاءُ: وكَوْنُ اللَّفْظِ عامًّا لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا، كَما أنَّ إنْسانًا لَوْ قالَ لَكَ: لا أزُورُكَ أبَدًا. فَتَقُولُ أنْتَ: كُلُّ مَن لَمْ يَزُرْنِي لا أزُورُهُ. وأنْتَ إنَّما تُرِيدُهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ العامَّةِ وهَذا هو المُسَمّى في أُصُولِ الفِقْهِ بِتَخْصِيصِ العامِّ بِقَرِينَةِ العُرْفِ. صفحة ٨٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهَمْزُ الكَسْرُ قالَ تَعالى: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ﴾ [القلم: ١١] واللَّمْزُ الطَّعْنُ والمُرادُ الكَسْرُ مِن أعْراضِ النّاسِ والغَضُّ مِنهم والطَّعْنُ فِيهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وبِناءُ فِعْلِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَةٌ مِنهُ قَدْ ضَرِيَ بِها ونَحْوُهُما اللُّعَنَةُ والضُّحَكَةُ، وقُرِئَ: ”ويْلٌ لِكُلِّ هُمْزَةٍ لُمْزَةٍ“ بِسُكُونِ المِيمِ وهي المَسْخَرَةُ الَّتِي تَأْتِي بِالأوابِدِ والأضاحِيكِ فَيُضْحَكُ مِنهُ ويُشْتَمُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ ألْفاظًا: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهُمَزَةُ المُغْتابُ، واللُّمَزَةُ العَيّابُ. وثانِيها: قالَ أبُو زَيْدٍ: الهُمَزَةُ بِاليَدِ واللُّمَزَةُ بِاللِّسانِ. وثالِثُها: قالَ أبُو العالِيَةِ: الهُمَزَةُ بِالمُواجَهَةِ واللُّمَزَةُ بِظَهْرِ الغَيْبِ. ورابِعُها: الهُمَزَةُ جَهْرًا واللُّمَزَةُ سِرًّا بِالحاجِبِ والعَيْنِ. وخامِسُها: الهُمَزَةُ واللُّمَزَةُ الَّذِي يُلَقِّبُ النّاسَ بِما يَكْرَهُونَ وكانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ الرِّياسَةِ إنَّما ذَلِكَ مِن عادَةِ السُّقّاطِ ويَدْخُلُ فِيهِ مَن يُحاكِي النّاسَ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وأصْواتِهِمْ لِيَضْحَكُوا. وقَدْ حَكى الحَكَمُ بْنُ العاصِ مِشْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَفاهُ عَنِ المَدِينَةِ ولَعَنَهُ. وسادِسُها: قالَ الحَسَنُ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَهْمِزُ جَلِيسَهُ يَكْسِرُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ واللُّمَزَةُ الَّذِي يَذْكُرُ أخاهُ بِالسُّوءِ ويَعِيبُهُ. وسابِعُها: عَنْ أبِي الجَوْزاءِ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَذُمُّهُمُ اللَّهُ بِالوَيْلِ فَقالَ: هُمُ المَشّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ النّاعِتُونَ لِلنّاسِ بِالعَيْبِ. واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الوُجُوهِ مُتَقارِبَةٌ راجِعَةٌ إلى أصْلٍ واحِدٍ وهو الطَّعْنُ وإظْهارُ العَيْبِ، ثُمَّ هَذا عَلى قِسْمَيْنِ: فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالجِدِّ كَما يَكُونُ عِنْدَ الحَسَدِ والحِقْدِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِالهَزْلِ كَما يَكُونُ عِنْدَ السُّخْرِيَةِ والإضْحاكِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ، إمّا أنْ يَكُونَ في أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِالصُّورَةِ أوِ المَشْيِ أوِ الجُلُوسِ، وأنْواعُهُ كَثِيرَةٌ وهي غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ، ثُمَّ إظْهارُ العَيْبِ في هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ قَدْ يَكُونُ لِحاضِرٍ، وقَدْ يَكُونُ لِغائِبٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ يَكُونُ بِاللَّفْظِ، وقَدْ يَكُونُ بِإشارَةِ الرَّأْسِ والعَيْنِ وغَيْرِهِما، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ والزَّجْرِ، إنَّما البَحْثُ في أنَّ اللَّفْظَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِماذا، فَما كانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لَهُ كانَ مَنهِيًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وما لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لَهُ كانَ داخِلًا تَحْتَ النَّهْيِ بِحَسَبِ القِياسِ الجَلِيِّ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ أعْظَمَ النّاسِ مَنصِبًا في الدِّينِ كانَ الطَّعْنُ فِيهِ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ .

الهمزة 104:2

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: (الَّذِي) بَدَلٌ مِن كُلٍّ أوْ نَصْبٌ عَلى ذَمٍّ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ والعِلَّةِ في الهَمْزِ واللَّمْزِ وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ، وظَنُّهُ أنَّ الفَضْلَ فِيهِ لِأجْلِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِصُ غَيْرَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ ”جَمَّعَ“ بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى في جَمَّعَ وجَمَعَ واحِدٌ مُتَقارِبٌ، والفَرْقُ أنَّ ”جَمَّعَ“ بِالتَّشْدِيدِ يُفِيدُ أنَّهُ جَمَعَهُ مِن هَهُنا وهَهُنا، وأنَّهُ لَمْ يَجْمَعْهُ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولا في يَوْمَيْنِ، ولا في شَهْرٍ ولا في شَهْرَيْنِ، يُقالُ: فُلانٌ يُجَمِّعُ الأمْوالَ أيْ يَجْمَعُها مِن هَهُنا وهَهُنا، وأمّا جَمَعَ بِالتَّخْفِيفِ، فَلا يُفِيدُ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ: (مالًا) فالتَّنْكِيرُ فِيهِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: صفحة ٨٨ المالُ اسْمٌ لِكُلِّ ما في الدُّنْيا كَما قالَ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٩] فَمالُ الإنْسانِ الواحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلى مالِ كُلِّ الدُّنْيا حَقِيرٌ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَفْتَخِرَ بِذَلِكَ القَلِيلِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّعْظِيمَ؛ أيْ: مالٌ بَلَغَ في الخُبْثِ والفَسادِ أقْصى النِّهاياتِ. فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَفْتَخِرَ بِهِ ؟ أمّا قَوْلُهُ: (وعَدَّدَهُ) فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العُدَّةِ وهي الذَّخِيرَةُ يُقالُ: أعْدَدْتُ الشَّيْءَ لِكَذا وعَدَدْتُهُ إذا أمْسَكْتَهُ لَهُ وجَعَلْتَهُ عُدَّةً وذَخِيرَةً لِحَوادِثِ الدَّهْرِ. وثانِيها: عَدَّدَهُ أيْ: أحْصاهُ وجاءَ التَّشْدِيدُ لِكَثْرَةِ المَعْدُودِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يُعَدِّدُ فَضائِلَ فُلانٍ، ولِهَذا قالَ السُّدِّيُّ: وعَدَّدَهُ أيْ أحْصاهُ يَقُولُ: هَذا لِي وهَذا لِي يُلْهِيهِ مالُهُ بِالنَّهارِ فَإذا جاءَ اللَّيْلُ كانَ يُخْفِيهِ. وثالِثُها: عَدَّدَهُ أيْ كَثَّرَهُ يُقالُ: في بَنِي فُلانٍ عَدَدٌ أيْ كَثْرَةٌ، وهَذانِ القَوْلانِ الأخِيرانِ راجِعانِ إلى مَعْنى العَدَدِ، والقَوْلُ الثّالِثُ إلى مَعْنى العُدَّةِ، وقَرَأ بَعْضُهم ”وعَدَدَهُ“ بِالتَّخْفِيفِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ وأحْصاهُ. وثانِيهِما: جَمَعَ مالَهُ وعَدَدَ قَوْمِهِ الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ ذُو عَدَدٍ وعُدَدٍ إذا كانَ لَهُ عَدَدٌ وافِرٌ مِنَ الأنْصارِ، والرَّجُلُ مَتى كانَ كَذَلِكَ كانَ أدْخَلَ في التَّفاخُرِ.

الهمزة 104:3

ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الجَهْلِ فَقالَ: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ . واعْلَمْ أنْ أخْلَدَهُ وخَلَّدَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، ثُمَّ في التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى طُولَ المالِ أمَّلَهُ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ، يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ وإنَّما قالَ: (أخْلَدَهُ) ولَمْ يَقُلْ: يُخَلِّدُهُ؛ لِأنَّ المُرادَ يَحْسَبُ هَذا الإنْسانُ أنَّ المالَ ضَمِنَ لَهُ الخُلُودَ وأعْطاهُ الأمانَ مِنَ المَوْتِ وكَأنَّهُ حُكْمٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، ولِذَلِكَ ذَكَرَهُ عَلى الماضِي. قالَ الحَسَنُ: ما رَأيْتُ يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ أشْبَهَ بِشَكٍّ لا يَقِينَ فِيهِ كالمَوْتِ. وثانِيها: يَعْمَلُ الأعْمالَ المُحْكَمَةَ كَتَشْيِيدِ البُنْيانِ بِالآجُرِّ والجِصِّ، عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ يَبْقى حَيًّا أوْ لِأجْلِ أنْ يُذْكَرَ بِسَبَبِهِ بَعْدَ المَوْتِ. وثالِثُها: أحَبَّ المالَ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى اعْتَقَدَ أنَّهُ: إنِ انْتَقَصَ مالِي أمُوتُ، فَلِذَلِكَ يَحْفَظُهُ مِنَ النُّقْصانِ لِيَبْقى حَيًّا، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنِ اعْتِقادِ البَخِيلِ. ورابِعُها: أنَّ هَذا تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ وأنَّهُ هو الَّذِي يُخَلِّدُ صاحِبَهُ في الدُّنْيا بِالذِّكْرِ الجَمِيلِ وفي الآخِرَةِ في النَّعِيمِ المُقِيمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (كَلّا) فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَظُنُّ أنَّ المالَ يُخَلِّدُهُ بَلِ العِلْمُ والصَّلاحُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ماتَ خُزّانُ المالِ وهم أحْياءٌ والعُلَماءُ باقُونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ والقَوْلُ الثّانِي مَعْناهُ: حَقًّا (لَيُنْبَذَنَّ) واللّامُ في: (لَيُنْبَذَنَّ) جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى حُصُولِ مَعْنى القَسَمِ في ”كَلّا“ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ فَإنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ النَّبْذِ الدّالِّ عَلى الإهانَةِ، لِأنَّ الكافِرَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مِن أهْلِ الكَرامَةِ، وقُرِئَ ”لَيُنْبَذانِ“ أيْ هو ومالُهُ، و”لَيُنْبَذُنَّ“ بِضَمِّ الذّالِ أيْ هو وأنْصارُهُ، وأمّا: (الحُطَمَةِ) فَقالَ المُبَرِّدُ: إنَّها النّارُ الَّتِي تَحْطِمُ كُلَّ مَن وقَعَ فِيها ورَجُلٌ حُطَمَةٌ أيْ شَدِيدُ الأكْلِ يَأْتِي عَلى زادِ القَوْمِ، وأصْلُ الحَطْمِ في اللُّغَةِ الكَسْرُ، ويُقالُ: شَرُّ الرِّعاءِ الحُطَمَةُ، يُقالُ: راعٍ حُطَمَةٌ وحُطَمٌ بِغَيْرِ هاءٍ كَأنَّهُ يَحْطِمُ الماشِيَةَ أيْ يَكْسِرُها عِنْدَ سَوْقِها لِعُنْفِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: الحُطَمَةُ اسْمٌ مِن أسْماءِ النّارِ وهي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وقالَ مُقاتِلٌ: هي تَحْطِمُ العِظامَ وتَأْكُلُ اللُّحُومَ حَتّى تَهْجُمَ عَلى القُلُوبِ، صفحة ٨٩ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنِ المَلَكَ لَيَأْخُذُ الكافِرَ فَيَكْسِرُهُ عَلى صُلْبِهِ كَما تُوضَعُ الخَشَبَةُ عَلى الرُّكْبَةِ فَتُكْسَرُ، ثُمَّ يُرْمى بِهِ في النّارِ» .

الهمزة 104:4

ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الجَهْلِ فَقالَ: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ . واعْلَمْ أنْ أخْلَدَهُ وخَلَّدَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، ثُمَّ في التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى طُولَ المالِ أمَّلَهُ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ، يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ وإنَّما قالَ: (أخْلَدَهُ) ولَمْ يَقُلْ: يُخَلِّدُهُ؛ لِأنَّ المُرادَ يَحْسَبُ هَذا الإنْسانُ أنَّ المالَ ضَمِنَ لَهُ الخُلُودَ وأعْطاهُ الأمانَ مِنَ المَوْتِ وكَأنَّهُ حُكْمٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، ولِذَلِكَ ذَكَرَهُ عَلى الماضِي. قالَ الحَسَنُ: ما رَأيْتُ يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ أشْبَهَ بِشَكٍّ لا يَقِينَ فِيهِ كالمَوْتِ. وثانِيها: يَعْمَلُ الأعْمالَ المُحْكَمَةَ كَتَشْيِيدِ البُنْيانِ بِالآجُرِّ والجِصِّ، عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ يَبْقى حَيًّا أوْ لِأجْلِ أنْ يُذْكَرَ بِسَبَبِهِ بَعْدَ المَوْتِ. وثالِثُها: أحَبَّ المالَ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى اعْتَقَدَ أنَّهُ: إنِ انْتَقَصَ مالِي أمُوتُ، فَلِذَلِكَ يَحْفَظُهُ مِنَ النُّقْصانِ لِيَبْقى حَيًّا، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنِ اعْتِقادِ البَخِيلِ. ورابِعُها: أنَّ هَذا تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ وأنَّهُ هو الَّذِي يُخَلِّدُ صاحِبَهُ في الدُّنْيا بِالذِّكْرِ الجَمِيلِ وفي الآخِرَةِ في النَّعِيمِ المُقِيمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (كَلّا) فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَظُنُّ أنَّ المالَ يُخَلِّدُهُ بَلِ العِلْمُ والصَّلاحُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ماتَ خُزّانُ المالِ وهم أحْياءٌ والعُلَماءُ باقُونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ والقَوْلُ الثّانِي مَعْناهُ: حَقًّا (لَيُنْبَذَنَّ) واللّامُ في: (لَيُنْبَذَنَّ) جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى حُصُولِ مَعْنى القَسَمِ في ”كَلّا“ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ فَإنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ النَّبْذِ الدّالِّ عَلى الإهانَةِ، لِأنَّ الكافِرَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مِن أهْلِ الكَرامَةِ، وقُرِئَ ”لَيُنْبَذانِ“ أيْ هو ومالُهُ، و”لَيُنْبَذُنَّ“ بِضَمِّ الذّالِ أيْ هو وأنْصارُهُ، وأمّا: (الحُطَمَةِ) فَقالَ المُبَرِّدُ: إنَّها النّارُ الَّتِي تَحْطِمُ كُلَّ مَن وقَعَ فِيها ورَجُلٌ حُطَمَةٌ أيْ شَدِيدُ الأكْلِ يَأْتِي عَلى زادِ القَوْمِ، وأصْلُ الحَطْمِ في اللُّغَةِ الكَسْرُ، ويُقالُ: شَرُّ الرِّعاءِ الحُطَمَةُ، يُقالُ: راعٍ حُطَمَةٌ وحُطَمٌ بِغَيْرِ هاءٍ كَأنَّهُ يَحْطِمُ الماشِيَةَ أيْ يَكْسِرُها عِنْدَ سَوْقِها لِعُنْفِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: الحُطَمَةُ اسْمٌ مِن أسْماءِ النّارِ وهي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وقالَ مُقاتِلٌ: هي تَحْطِمُ العِظامَ وتَأْكُلُ اللُّحُومَ حَتّى تَهْجُمَ عَلى القُلُوبِ، صفحة ٨٩ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنِ المَلَكَ لَيَأْخُذُ الكافِرَ فَيَكْسِرُهُ عَلى صُلْبِهِ كَما تُوضَعُ الخَشَبَةُ عَلى الرُّكْبَةِ فَتُكْسَرُ، ثُمَّ يُرْمى بِهِ في النّارِ» .

الهمزة 104:5

﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ الفائِدَةَ في ذِكْرِ جَهَنَّمَ بِهَذا الِاسْمِ هَهُنا وُجُوهٌ: أحَدُها: الِاتِّحادُ في الصُّورَةِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتَ هُمَزَةً لُمَزَةً فَوَراءَكَ الحُطَمَةُ. والثّانِي: أنَّ الهامِزَ بِكَسْرِ عَيْنٍ لَيَضَعُ قَدْرَهُ فَيُلْقِيهِ في الحَضِيضِ فَيَقُولُ تَعالى: وراءَكَ الحُطَمَةُ، وفي الحَطْمِ كَسْرٌ، فالحُطَمَةُ تَكْسِرُكَ وتُلْقِيكَ في حَضِيضِ جَهَنَّمَ لَكِنَّ الهُمَزَةَ لَيْسَ إلّا الكَسْرَ بِالحاجِبِ، أمّا الحُطَمَةُ فَإنَّها تَكْسِرُ كَسْرًا لا تُبْقِي ولا تَذَرُ. الثّالِثُ: أنَّ الهَمّازَ اللَّمّازَ يَأْكُلُ لَحْمَ النّاسِ والحُطَمَةُ أيْضًا اسْمٌ لِلنّارِ مِن حَيْثُ إنَّها تَأْكُلُ الجِلْدَ واللَّحْمَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ وصْفَيْنِ الهَمْزَ واللَّمْزَ، ثُمَّ قابَلَهُما بِاسْمٍ واحِدٍ وقالَ: خُذْ واحِدًا مِنِّي بِالِاثْنَيْنِ مِنكَ فَإنَّهُ يَفِي ويَكْفِي، فَكَأنَّ السّائِلَ يَقُولُ: كَيْفَ يَفِي الواحِدُ بِالِاثْنَيْنِ ؟ فَقالَ: إنَّما تَقُولُ هَذا لِأنَّكَ لا تَعْرِفُ هَذا الواحِدَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ﴾ فالإضافَةُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ هي نارٌ لا كَسائِرِ النِّيرانِ: (المُوقَدَةُ) الَّتِي لا تَخْمَدُ أبَدًا أوْ: (المُوقَدَةُ) بِأمْرِهِ أوْ بِقُدْرَتِهِ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: عَجَبًا مِمَّنْ يَعْصِي اللَّهَ عَلى وجْهِ الأرْضِ والنّارُ تُسَعَّرُ مِن تَحْتِهِ، وفي الحَدِيثِ: «أُوقِدَ عَلَيْها ألْفَ سَنَةٍ حَتّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى اسْوَدَّتْ فَهي الآنَ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ» . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ . فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: طَلَعَ الجَبَلَ واطَّلَعَ عَلَيْهِ إذا عَلاهُ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ النّارَ تَدْخُلُ في أجْوافِهِمْ حَتّى تَصِلَ إلى صُدُورِهِمْ وتَطَّلِعَ عَلى أفْئِدَتِهِمْ، ولا شَيْءَ في بَدَنِ الإنْسانِ ألْطَفُ مِنَ الفُؤادِ، ولا أشَدُّ تَألُّمًا مِنهُ بِأدْنى أذًى يُماسُّهُ، فَكَيْفَ إذا اطَّلَعَتْ نارُ جَهَنَّمَ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ الفُؤادَ مَعَ اسْتِيلاءِ النّارِ عَلَيْهِ لا يَحْتَرِقُ إذْ لَوِ احْتَرَقَ لَماتَ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ومَعْنى الِاطِّلاعِ هو أنَّ النّارَ تَنْزِلُ مِنَ اللَّحْمِ إلى الفُؤادِ. والثّانِي: أنَّ سَبَبَ تَخْصِيصِ الأفْئِدَةِ بِذَلِكَ هو أنَّها مَواطِنُ الكُفْرِ والعَقائِدِ الخَبِيثَةِ والنِّيّاتِ الفاسِدَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ لَحْمَهم وعَظْمَهم مَرَّةً أُخْرى» . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فَقالَ الحَسَنُ: ”مُؤْصَدَةٌ“ أيْ مُطْبَقَةٌ مِن أصَدْتُ البابَ وأوْصَدْتُهُ لُغَتانِ، ولَمْ يَقُلْ: مُطْبَقَةٌ لِأنَّ المُؤْصَدَةَ هي الأبْوابُ المُغْلَقَةُ، والإطْباقُ لا يُفِيدُ مَعْنى البابِ. واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في العَذابِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: (لَيُنْبَذَنَّ) يَقْتَضِي أنَّهُ مَوْضِعٌ لَهُ قَعْرٌ عَمِيقٌ جِدًّا كالبِئْرِ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ شاءَ يَجْعَلُ ذَلِكَ المَوْضِعَ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ بابٌ لَكِنَّهُ بِالبابِ يُذَكِّرُهُمُ الخُرُوجَ، فَيَزِيدُ في حَسْرَتِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مُؤْصَدَةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ يُفِيدُ أنَّ المَقْصُودَ أوَّلًا كَوْنُهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وقَوْلُهُ مُؤْصَدَةٌ عَلَيْهِمْ لا يُفِيدُ هَذا المَعْنى بِالقَصْدِ الأوَّلِ.

الهمزة 104:6

﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ الفائِدَةَ في ذِكْرِ جَهَنَّمَ بِهَذا الِاسْمِ هَهُنا وُجُوهٌ: أحَدُها: الِاتِّحادُ في الصُّورَةِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتَ هُمَزَةً لُمَزَةً فَوَراءَكَ الحُطَمَةُ. والثّانِي: أنَّ الهامِزَ بِكَسْرِ عَيْنٍ لَيَضَعُ قَدْرَهُ فَيُلْقِيهِ في الحَضِيضِ فَيَقُولُ تَعالى: وراءَكَ الحُطَمَةُ، وفي الحَطْمِ كَسْرٌ، فالحُطَمَةُ تَكْسِرُكَ وتُلْقِيكَ في حَضِيضِ جَهَنَّمَ لَكِنَّ الهُمَزَةَ لَيْسَ إلّا الكَسْرَ بِالحاجِبِ، أمّا الحُطَمَةُ فَإنَّها تَكْسِرُ كَسْرًا لا تُبْقِي ولا تَذَرُ. الثّالِثُ: أنَّ الهَمّازَ اللَّمّازَ يَأْكُلُ لَحْمَ النّاسِ والحُطَمَةُ أيْضًا اسْمٌ لِلنّارِ مِن حَيْثُ إنَّها تَأْكُلُ الجِلْدَ واللَّحْمَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ وصْفَيْنِ الهَمْزَ واللَّمْزَ، ثُمَّ قابَلَهُما بِاسْمٍ واحِدٍ وقالَ: خُذْ واحِدًا مِنِّي بِالِاثْنَيْنِ مِنكَ فَإنَّهُ يَفِي ويَكْفِي، فَكَأنَّ السّائِلَ يَقُولُ: كَيْفَ يَفِي الواحِدُ بِالِاثْنَيْنِ ؟ فَقالَ: إنَّما تَقُولُ هَذا لِأنَّكَ لا تَعْرِفُ هَذا الواحِدَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ﴾ فالإضافَةُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ هي نارٌ لا كَسائِرِ النِّيرانِ: (المُوقَدَةُ) الَّتِي لا تَخْمَدُ أبَدًا أوْ: (المُوقَدَةُ) بِأمْرِهِ أوْ بِقُدْرَتِهِ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: عَجَبًا مِمَّنْ يَعْصِي اللَّهَ عَلى وجْهِ الأرْضِ والنّارُ تُسَعَّرُ مِن تَحْتِهِ، وفي الحَدِيثِ: «أُوقِدَ عَلَيْها ألْفَ سَنَةٍ حَتّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى اسْوَدَّتْ فَهي الآنَ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ» . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ . فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: طَلَعَ الجَبَلَ واطَّلَعَ عَلَيْهِ إذا عَلاهُ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ النّارَ تَدْخُلُ في أجْوافِهِمْ حَتّى تَصِلَ إلى صُدُورِهِمْ وتَطَّلِعَ عَلى أفْئِدَتِهِمْ، ولا شَيْءَ في بَدَنِ الإنْسانِ ألْطَفُ مِنَ الفُؤادِ، ولا أشَدُّ تَألُّمًا مِنهُ بِأدْنى أذًى يُماسُّهُ، فَكَيْفَ إذا اطَّلَعَتْ نارُ جَهَنَّمَ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ الفُؤادَ مَعَ اسْتِيلاءِ النّارِ عَلَيْهِ لا يَحْتَرِقُ إذْ لَوِ احْتَرَقَ لَماتَ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ومَعْنى الِاطِّلاعِ هو أنَّ النّارَ تَنْزِلُ مِنَ اللَّحْمِ إلى الفُؤادِ. والثّانِي: أنَّ سَبَبَ تَخْصِيصِ الأفْئِدَةِ بِذَلِكَ هو أنَّها مَواطِنُ الكُفْرِ والعَقائِدِ الخَبِيثَةِ والنِّيّاتِ الفاسِدَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ لَحْمَهم وعَظْمَهم مَرَّةً أُخْرى» . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فَقالَ الحَسَنُ: ”مُؤْصَدَةٌ“ أيْ مُطْبَقَةٌ مِن أصَدْتُ البابَ وأوْصَدْتُهُ لُغَتانِ، ولَمْ يَقُلْ: مُطْبَقَةٌ لِأنَّ المُؤْصَدَةَ هي الأبْوابُ المُغْلَقَةُ، والإطْباقُ لا يُفِيدُ مَعْنى البابِ. واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في العَذابِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: (لَيُنْبَذَنَّ) يَقْتَضِي أنَّهُ مَوْضِعٌ لَهُ قَعْرٌ عَمِيقٌ جِدًّا كالبِئْرِ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ شاءَ يَجْعَلُ ذَلِكَ المَوْضِعَ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ بابٌ لَكِنَّهُ بِالبابِ يُذَكِّرُهُمُ الخُرُوجَ، فَيَزِيدُ في حَسْرَتِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مُؤْصَدَةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ يُفِيدُ أنَّ المَقْصُودَ أوَّلًا كَوْنُهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وقَوْلُهُ مُؤْصَدَةٌ عَلَيْهِمْ لا يُفِيدُ هَذا المَعْنى بِالقَصْدِ الأوَّلِ.

الهمزة 104:7

﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ الفائِدَةَ في ذِكْرِ جَهَنَّمَ بِهَذا الِاسْمِ هَهُنا وُجُوهٌ: أحَدُها: الِاتِّحادُ في الصُّورَةِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتَ هُمَزَةً لُمَزَةً فَوَراءَكَ الحُطَمَةُ. والثّانِي: أنَّ الهامِزَ بِكَسْرِ عَيْنٍ لَيَضَعُ قَدْرَهُ فَيُلْقِيهِ في الحَضِيضِ فَيَقُولُ تَعالى: وراءَكَ الحُطَمَةُ، وفي الحَطْمِ كَسْرٌ، فالحُطَمَةُ تَكْسِرُكَ وتُلْقِيكَ في حَضِيضِ جَهَنَّمَ لَكِنَّ الهُمَزَةَ لَيْسَ إلّا الكَسْرَ بِالحاجِبِ، أمّا الحُطَمَةُ فَإنَّها تَكْسِرُ كَسْرًا لا تُبْقِي ولا تَذَرُ. الثّالِثُ: أنَّ الهَمّازَ اللَّمّازَ يَأْكُلُ لَحْمَ النّاسِ والحُطَمَةُ أيْضًا اسْمٌ لِلنّارِ مِن حَيْثُ إنَّها تَأْكُلُ الجِلْدَ واللَّحْمَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ وصْفَيْنِ الهَمْزَ واللَّمْزَ، ثُمَّ قابَلَهُما بِاسْمٍ واحِدٍ وقالَ: خُذْ واحِدًا مِنِّي بِالِاثْنَيْنِ مِنكَ فَإنَّهُ يَفِي ويَكْفِي، فَكَأنَّ السّائِلَ يَقُولُ: كَيْفَ يَفِي الواحِدُ بِالِاثْنَيْنِ ؟ فَقالَ: إنَّما تَقُولُ هَذا لِأنَّكَ لا تَعْرِفُ هَذا الواحِدَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ﴾ فالإضافَةُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ هي نارٌ لا كَسائِرِ النِّيرانِ: (المُوقَدَةُ) الَّتِي لا تَخْمَدُ أبَدًا أوْ: (المُوقَدَةُ) بِأمْرِهِ أوْ بِقُدْرَتِهِ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: عَجَبًا مِمَّنْ يَعْصِي اللَّهَ عَلى وجْهِ الأرْضِ والنّارُ تُسَعَّرُ مِن تَحْتِهِ، وفي الحَدِيثِ: «أُوقِدَ عَلَيْها ألْفَ سَنَةٍ حَتّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى اسْوَدَّتْ فَهي الآنَ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ» . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ . فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: طَلَعَ الجَبَلَ واطَّلَعَ عَلَيْهِ إذا عَلاهُ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ النّارَ تَدْخُلُ في أجْوافِهِمْ حَتّى تَصِلَ إلى صُدُورِهِمْ وتَطَّلِعَ عَلى أفْئِدَتِهِمْ، ولا شَيْءَ في بَدَنِ الإنْسانِ ألْطَفُ مِنَ الفُؤادِ، ولا أشَدُّ تَألُّمًا مِنهُ بِأدْنى أذًى يُماسُّهُ، فَكَيْفَ إذا اطَّلَعَتْ نارُ جَهَنَّمَ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ الفُؤادَ مَعَ اسْتِيلاءِ النّارِ عَلَيْهِ لا يَحْتَرِقُ إذْ لَوِ احْتَرَقَ لَماتَ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ومَعْنى الِاطِّلاعِ هو أنَّ النّارَ تَنْزِلُ مِنَ اللَّحْمِ إلى الفُؤادِ. والثّانِي: أنَّ سَبَبَ تَخْصِيصِ الأفْئِدَةِ بِذَلِكَ هو أنَّها مَواطِنُ الكُفْرِ والعَقائِدِ الخَبِيثَةِ والنِّيّاتِ الفاسِدَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ لَحْمَهم وعَظْمَهم مَرَّةً أُخْرى» . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فَقالَ الحَسَنُ: ”مُؤْصَدَةٌ“ أيْ مُطْبَقَةٌ مِن أصَدْتُ البابَ وأوْصَدْتُهُ لُغَتانِ، ولَمْ يَقُلْ: مُطْبَقَةٌ لِأنَّ المُؤْصَدَةَ هي الأبْوابُ المُغْلَقَةُ، والإطْباقُ لا يُفِيدُ مَعْنى البابِ. واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في العَذابِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: (لَيُنْبَذَنَّ) يَقْتَضِي أنَّهُ مَوْضِعٌ لَهُ قَعْرٌ عَمِيقٌ جِدًّا كالبِئْرِ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ شاءَ يَجْعَلُ ذَلِكَ المَوْضِعَ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ بابٌ لَكِنَّهُ بِالبابِ يُذَكِّرُهُمُ الخُرُوجَ، فَيَزِيدُ في حَسْرَتِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مُؤْصَدَةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ يُفِيدُ أنَّ المَقْصُودَ أوَّلًا كَوْنُهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وقَوْلُهُ مُؤْصَدَةٌ عَلَيْهِمْ لا يُفِيدُ هَذا المَعْنى بِالقَصْدِ الأوَّلِ.

الهمزة 104:8

﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ الفائِدَةَ في ذِكْرِ جَهَنَّمَ بِهَذا الِاسْمِ هَهُنا وُجُوهٌ: أحَدُها: الِاتِّحادُ في الصُّورَةِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتَ هُمَزَةً لُمَزَةً فَوَراءَكَ الحُطَمَةُ. والثّانِي: أنَّ الهامِزَ بِكَسْرِ عَيْنٍ لَيَضَعُ قَدْرَهُ فَيُلْقِيهِ في الحَضِيضِ فَيَقُولُ تَعالى: وراءَكَ الحُطَمَةُ، وفي الحَطْمِ كَسْرٌ، فالحُطَمَةُ تَكْسِرُكَ وتُلْقِيكَ في حَضِيضِ جَهَنَّمَ لَكِنَّ الهُمَزَةَ لَيْسَ إلّا الكَسْرَ بِالحاجِبِ، أمّا الحُطَمَةُ فَإنَّها تَكْسِرُ كَسْرًا لا تُبْقِي ولا تَذَرُ. الثّالِثُ: أنَّ الهَمّازَ اللَّمّازَ يَأْكُلُ لَحْمَ النّاسِ والحُطَمَةُ أيْضًا اسْمٌ لِلنّارِ مِن حَيْثُ إنَّها تَأْكُلُ الجِلْدَ واللَّحْمَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ وصْفَيْنِ الهَمْزَ واللَّمْزَ، ثُمَّ قابَلَهُما بِاسْمٍ واحِدٍ وقالَ: خُذْ واحِدًا مِنِّي بِالِاثْنَيْنِ مِنكَ فَإنَّهُ يَفِي ويَكْفِي، فَكَأنَّ السّائِلَ يَقُولُ: كَيْفَ يَفِي الواحِدُ بِالِاثْنَيْنِ ؟ فَقالَ: إنَّما تَقُولُ هَذا لِأنَّكَ لا تَعْرِفُ هَذا الواحِدَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ﴾ فالإضافَةُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ هي نارٌ لا كَسائِرِ النِّيرانِ: (المُوقَدَةُ) الَّتِي لا تَخْمَدُ أبَدًا أوْ: (المُوقَدَةُ) بِأمْرِهِ أوْ بِقُدْرَتِهِ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: عَجَبًا مِمَّنْ يَعْصِي اللَّهَ عَلى وجْهِ الأرْضِ والنّارُ تُسَعَّرُ مِن تَحْتِهِ، وفي الحَدِيثِ: «أُوقِدَ عَلَيْها ألْفَ سَنَةٍ حَتّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى اسْوَدَّتْ فَهي الآنَ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ» . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ . فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: طَلَعَ الجَبَلَ واطَّلَعَ عَلَيْهِ إذا عَلاهُ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ النّارَ تَدْخُلُ في أجْوافِهِمْ حَتّى تَصِلَ إلى صُدُورِهِمْ وتَطَّلِعَ عَلى أفْئِدَتِهِمْ، ولا شَيْءَ في بَدَنِ الإنْسانِ ألْطَفُ مِنَ الفُؤادِ، ولا أشَدُّ تَألُّمًا مِنهُ بِأدْنى أذًى يُماسُّهُ، فَكَيْفَ إذا اطَّلَعَتْ نارُ جَهَنَّمَ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ الفُؤادَ مَعَ اسْتِيلاءِ النّارِ عَلَيْهِ لا يَحْتَرِقُ إذْ لَوِ احْتَرَقَ لَماتَ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ومَعْنى الِاطِّلاعِ هو أنَّ النّارَ تَنْزِلُ مِنَ اللَّحْمِ إلى الفُؤادِ. والثّانِي: أنَّ سَبَبَ تَخْصِيصِ الأفْئِدَةِ بِذَلِكَ هو أنَّها مَواطِنُ الكُفْرِ والعَقائِدِ الخَبِيثَةِ والنِّيّاتِ الفاسِدَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ لَحْمَهم وعَظْمَهم مَرَّةً أُخْرى» . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فَقالَ الحَسَنُ: ”مُؤْصَدَةٌ“ أيْ مُطْبَقَةٌ مِن أصَدْتُ البابَ وأوْصَدْتُهُ لُغَتانِ، ولَمْ يَقُلْ: مُطْبَقَةٌ لِأنَّ المُؤْصَدَةَ هي الأبْوابُ المُغْلَقَةُ، والإطْباقُ لا يُفِيدُ مَعْنى البابِ. واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في العَذابِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: (لَيُنْبَذَنَّ) يَقْتَضِي أنَّهُ مَوْضِعٌ لَهُ قَعْرٌ عَمِيقٌ جِدًّا كالبِئْرِ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ شاءَ يَجْعَلُ ذَلِكَ المَوْضِعَ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ بابٌ لَكِنَّهُ بِالبابِ يُذَكِّرُهُمُ الخُرُوجَ، فَيَزِيدُ في حَسْرَتِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مُؤْصَدَةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ يُفِيدُ أنَّ المَقْصُودَ أوَّلًا كَوْنُهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وقَوْلُهُ مُؤْصَدَةٌ عَلَيْهِمْ لا يُفِيدُ هَذا المَعْنى بِالقَصْدِ الأوَّلِ.

الهمزة 104:9

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”في عُمُدٍ“ بِضَمَّتَيْنِ و”عُمْدٍ“ بِسُكُونِ المِيمِ و”عَمَدٍ“ بِفَتْحَتَيْنِ، قالَ الفَرّاءُ: عُمُدٌ وعُمْدٌ وعَمَدٌ مِثْلُ الأدِيمِ والأُدْمِ والأدَمِ والإهابِ والأُهْبِ والأهَبِ، والعَقِيمِ والعُقْمِ والعَقَمِ، وقالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ: العُمْدُ جَمْعُ عَمُودٍ عَلى غَيْرِ واحِدٍ: أمّا الجَمْعُ عَلى واحِدٍ فَهو العُمُدُ مِثْلُ زَبُورٍ وزُبُرٍ ورَسُولٍ ورُسُلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ، وهو أصْلٌ لِلْبِناءِ، يُقالُ: عَمُودُ البَيْتِ لِلَّذِي يَقُومُ بِهِ البَيْتُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها عَمَدٌ أُغْلِقَتْ بِها تِلْكَ الأبْوابُ كَنَحْوِ ما تُغْلَقُ بِهِ الدُّرُوبُ، و”في“ بِمَعْنى الباءِ أيْ أنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُدَّتْ عَلَيْها، ولَمْ يَقُلْ: بِعَمَدٍ لِأنَّها لِكَثْرَتِها صارَتْ كَأنَّ البابَ فِيها. والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ مُوَثَّقِينَ: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ مِثْلِ المَقاطِرِ الَّتِي تُقْطَرُ فِيها اللُّصُوصُ، اللَّهُمَّ أجِرْنا مِنها يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ.

الفيل 105:1

صفحة ٩١ (سُورَةُ الفِيلِ) خَمْسُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﷽ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ رُوِيَ أنَّ أبْرَهَةَ بْنَ الصَّبّاحِ الأشْرَمِ مَلِكَ اليَمَنِ مِن قِبَلِ أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ بَنى كَنِيسَةً بِصَنْعاءَ وسَمّاها القُلَّيْسَ وأرادَ أنْ يَصْرِفَ إلَيْها الحاجَّ فَخَرَجَ مِن بَنِي كِنانَةَ رَجُلٌ وتَغَوَّطَ فِيها لَيْلًا فَأغْضَبَهُ ذَلِكَ. وقِيلَ: أجَّجَتْ رُفْقَةٌ مِنَ العَرَبِ نارًا فَحَمَلَتْها الرِّيحُ فَأحْرَقَتْها فَحَلَفَ لَيَهْدِمَنَّ الكَعْبَةَ فَخَرَجَ بِالحَبَشَةِ ومَعَهُ فِيلٌ اسْمُهُ مَحْمُودٌ وكانَ قَوِيًّا عَظِيمًا، وثَمانِيَةٌ أُخْرى، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ، وقِيلَ: ألْفٌ، فَلَمّا بَلَغَ قَرِيبًا مِن مَكَّةَ خَرَجَ إلَيْهِ عَبْدُ المُطَّلِبِ وعَرَضَ عَلَيْهِ ثُلُثَ أمْوالِ تِهامَةَ لِيَرْجِعَ فَأبى وعَبَّأ جَيْشَهُ، وقَدَّمَ الفِيلَ فَكانُوا كُلَّما وجَّهُوهُ إلى جِهَةِ الحَرَمِ بَرَكَ ولَمْ يَبْرَحْ، وإذا وجَّهُوهُ إلى جِهَةِ اليَمَنِ أوْ إلى سائِرِ الجِهاتِ هَرْوَلَ، ثُمَّ إنَّ أبْرَهَةَ أخَذَ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ مِائَتَيْ بَعِيرٍ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيها فَعَظُمَ في عَيْنِ أبْرَهَةَ وكانَ رَجُلًا جَسِيمًا وسِيمًا، وقِيلَ: هَذا سَيِّدُ قُرَيْشٍ، وصاحِبُ عِيرِ مَكَّةَ فَلَمّا ذَكَرَ حاجَتَهُ، قالَ: سَقَطْتَ مِن عَيْنِي جِئْتُ لِأهْدِمَ البَيْتَ الَّذِي هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ فَألْهاكَ عَنْهُ ذَوْدٌ أُخِذَ لَكَ، فَقالَ أنا رَبُّ الإبِلِ ولِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُكَ عَنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ وأتى البَيْتَ وأخَذَ بِحَلْقَتِهِ وهو يَقُولُ: صفحة ٩٢ لاهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْـ ـنَعُ حِلَّهُ فامْنَعْ حَلالَكْ وانْصُرْ عَلى آلِ الصَّلِيـ ∗∗∗ ـبِ وعابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكْ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم عَدْوًا مِحالَكْ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وكَعْـ ∗∗∗ ـبَتَنا فَأْمُرْ ما بَدا لَكْ ويَقُولُ: يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ عَنْهم حِماكا فالتَفَتَ وهو يَدْعُو، فَإذا هو بِطَيْرٍ مِن نَحْوِ اليَمَنِ، فَقالَ: واللَّهِ إنَّها لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ ما هي بِنَجْدِيَّةٍ ولا تِهامِيَّةٍ، وكانَ مَعَ كُلِّ طائِرٍ حَجَرٌ في مِنقارِهِ وحَجَرانِ في رِجْلَيْهِ أكْبَرَ مِنَ العَدَسَةِ وأصْغَرَ مِنَ الحِمِّصَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى مِنها عِنْدَ أُمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مُخَطَّطَةٍ بِحُمْرَةٍ كالجَزَعِ الظَّفارِيِّ، فَكانَ الحَجَرُ يَقَعُ عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، وعَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن يَقَعُ عَلَيْهِ فَهَلَكُوا في كُلِّ طَرِيقٍ ومَنهَلٍ، ودَوّى أبْرَهَةُ فَتَساقَطَتْ أنامِلُهُ، وما ماتَ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وانْفَلَتَ وزِيرُهُ أبُو يَكْسُومَ وطائِرٌ يُحَلِّقُ فَوْقَهُ، حَتّى بَلَغَ النَّجاشِيَّ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَلَمّا أتَمَّها وقَعَ عَلَيْهِ الحَجَرُ وخَرَّ مَيِّتًا بَيْنَ يَدَيْهِ. وعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ”رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِسَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ“ ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (ألَمْ تَرَ) مَعَ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ وقَعَتْ قَبْلَ المَبْعَثِ بِزَمانٍ طَوِيلٍ ؟ الجَوابُ: المُرادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ العِلْمُ والتَّذْكِيرُ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الخَبَرَ بِهِ مُتَواتِرٌ فَكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِهِ ضَرُورِيًّا مُساوِيًا في القُوَّةِ والجَلاءِ لِلرُّؤْيَةِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ لِغَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ [يس: ٣١] لا يُقالُ: فَلِمَ قالَ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] لِأنّا نَقُولُ: الفَرْقُ أنَّ ما لا يُتَصَوَّرُ إدْراكُهُ لا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إلّا العِلْمُ لِكَوْنِهِ قادِرًا، وأمّا الَّذِي يُتَصَوَّرُ إدْراكُهُ كَفِرارِ الفِيلِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ الرُّؤْيَةُ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ألَمْ تَرَ ما فَعَلَ رَبُّكَ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ الأشْياءَ لَها ذَواتٌ، ولَها كَيْفِيّاتٌ بِاعْتِبارِها يَدُلُّ عَلى مُداوَمَتِها، وهَذِهِ الكَيْفِيَّةُ هي الَّتِي يُسَمِّيها المُتَكَلِّمُونَ وجْهَ الدَّلِيلِ، واسْتِحْقاقُ المَدْحِ إنَّما يَحْصُلُ بِرُؤْيَةِ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ لا بِرُؤْيَةِ الذَّواتِ ولِهَذا قالَ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ [ق: ٦] ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ دالَّةً عَلى قُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وكانَتْ دالَّةً عَلى شَرَفِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّ مَذْهَبَنا أنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ المُعْجِزاتِ عَلى زَمانِ البَعْثَةِ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِمْ وإرْهاصًا لَها، ولِذَلِكَ قالُوا: كانَتِ الغَمامَةُ تُظِلُّهُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَلا جَرَمَ زَعَمُوا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقالَ: كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ نَبِيٌّ (أوْ خَطِيبٌ) كَخالِدِ بْنِ سِنانٍ أوْ قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ثُمَّ قالُوا: ولا يَجِبُ أنْ يَشْتَهِرَ وُجُودُهُما ويَبْلُغَ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، لِاحْتِمالِ أنَّهُ كانَ مَبْعُوثًا إلى جَمْعٍ قَلِيلِينَ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَشْتَهِرْ خَبَرُهُ. واعْلَمْ أنَّ قِصَّةَ الفِيلِ واقِعَةٌ عَلى المُلْحِدِينَ جِدًّا، لِأنَّهم ذَكَرُوا في الزَّلازِلِ والرِّياحِ والصَّواعِقِ وسائِرِ صفحة ٩٣ الأشْياءِ الَّتِي عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى بِها الأُمَمَ أعْذارًا ضَعِيفَةً، أمّا هَذِهِ الواقِعَةُ فَلا تَجْرِي فِيها تِلْكَ الأعْذارُ، لِأنَّها لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الطَّبائِعِ والحِيَلِ أنْ يُقْبِلَ طَيْرٌ مَعَها حِجارَةٌ، فَتَقْصِدُ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ فَتَقْتُلُهم، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كَسائِرِ الأحادِيثِ الضَّعِيفَةِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ عامِ الفِيلِ ومَبْعَثِ الرَّسُولِ إلّا نَيِّفٌ وأرْبَعُونَ سَنَةً، ويَوْمَ تَلا الرَّسُولُ هَذِهِ السُّورَةَ كانَ قَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ جَمْعٌ شاهَدُوا تِلْكَ الواقِعَةَ، ولَوْ كانَ النَّقْلُ ضَعِيفًا لَشافَهُوهُ بِالتَّكْذِيبِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا سَبَبَ لِلطَّعْنِ فِيهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: (فَعَلَ) ولَمْ يَقُلْ: جَعَلَ ولا خَلَقَ ولا عَمِلَ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ خَلَقَ يُسْتَعْمَلُ لِابْتِداءِ الفِعْلِ، وجَعَلَ لِلْكَيْفِيّاتِ. قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وعَمِلَ بَعْدَ الطَّلَبِ وفَعَلَ عامٌّ فَكانَ أوْلى لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ الطُّيُورَ وجَعَلَ طَبْعَ الفِيلِ عَلى خِلافِ ما كانَتْ عَلَيْهِ، وسَألُوهُ أنْ يَحْفَظَ البَيْتَ، ولَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَسْتَحِقُّ الإجابَةَ، فَلَوْ ذَكَرَ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ لَطالَ الكَلامُ فَذَكَرَ لَفْظًا يَشْمَلُ الكُلَّ. السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ: رَبُّكَ، ولَمْ يَقُلْ: الرَّبُّ ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهم لَمّا شاهَدُوا هَذا الِانْتِقامَ ثُمَّ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَةَ الأوْثانِ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ ما شاهَدْتَهُ ثُمَّ اعْتَرَفْتَ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ، فَكَأنَّكَ أنْتَ الَّذِي رَأيْتَ ذَلِكَ الِانْتِقامَ، فَلا جَرَمَ تَبَرَّأْتُ عَنْهم واخْتَرْتُكَ مِنَ الكُلِّ، فَأقُولُ: رَبُّكَ، أيْ أنا لَكَ ولَسْتُ لَهم بَلْ عَلَيْهِمْ. وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّما فَعَلْتُ بِأصْحابِ الفِيلِ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَكَ وتَشْرِيفًا لِمَقْدَمِكَ، فَأنا كُنْتُ مُرَبِّيًا لَكَ قَبْلَ قَوْمِكِ، فَكَيْفَ أتْرُكُ تَرْبِيَتَكَ بَعْدَ ظُهُورِكَ، فَفِيهِ بِشارَةٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ سَيَظْفَرُ. السُّؤالُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ، وهَذِهِ الأشْياءُ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ عَجِيبَةً، فَما السَّبَبُ لِهَذا التَّعَجُّبِ ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَعْبَةَ تَبَعٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ يُؤَدّى بِدُونِ المَسْجِدِ أمّا لا مَسْجِدَ بِدُونِ العالِمِ، فالعالِمُ هو الدُّرُّ والمَسْجِدُ هو الصَّدَفُ، ثُمَّ الرَّسُولُ الَّذِي هو الدُّرُّ هَمَزَهُ الوَلِيدُ ولَمَزَهُ حَتّى ضاقَ قَلْبُهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ المَلِكَ العَظِيمَ لَمّا طَعَنَ في المَسْجِدِ هَزَمْتُهُ وأفْنَيْتُهُ، فَمَن طَعَنَ فِيكَ وأنْتَ المَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ ألا أُفْنِيهِ وأُعْدِمُهُ ! إنَّ هَذا لَعَجِيبٌ. وثانِيها: أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةُ صَلاتِكَ، وقَلْبُكَ قِبْلَةُ مَعْرِفَتِكَ، ثُمَّ أنا حَفِظْتُ قِبْلَةَ عَمَلِكَ عَنِ الأعْداءِ، أفَلا نَسْعى في حِفْظِ قِبْلَةِ دِينِكَ عَنِ الآثامِ والمَعاصِي ! . السُّؤالُ السّادِسُ: لِمَ قالَ: ﴿بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أرْبابُ الفِيلِ أوْ مُلّاكُ الفِيلِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ الصّاحِبَ يَكُونُ مِنَ الجِنْسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا مِن جِنْسِ الفِيلِ في البَهِيمِيَّةِ وعَدَمِ الفَهْمِ والعَقْلِ، بَلْ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي: أنَّهُ إذا حَصَلَتِ المُصاحَبَةُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، فَيُقالُ لِلْأدْوَنِ: إنَّهُ صاحِبُ الأعْلى، ولا يُقالُ لِلْأعْلى: إنَّهُ صاحِبُ الأدْوَنِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِمَن صَحِبَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُمُ الصَّحابَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا أقَلَّ حالًا وأدْوَنَ مَنزِلَةً مِنَ الفِيلِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهم كُلَّما وجَّهُوا الفِيلَ إلى جِهَةِ صفحة ٩٤ الكَعْبَةِ كانَ يَتَحَوَّلُ عَنْهُ ويَفِرُّ عَنْهُ، كَأنَّهُ كانَ يَقُولُ: لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ عَزْمِي حَمِيدٌ فَلا أتْرُكُهُ وهم ما كانُوا يَتْرُكُونَ تِلْكَ العَزِيمَةَ الرَّدِيَّةَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الفِيلَ كانَ أحْسَنَ حالًا مِنهم. السُّؤالُ السّابِعُ: ألَيْسَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا مَلَأُوا الكَعْبَةَ مِنَ الأوْثانِ مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ كانَ أقْبَحَ مِن تَخْرِيبِ جُدْرانِ الكَعْبَةِ، فَلِمَ سَلَّطَ اللَّهُ العَذابَ عَلى مَن قَصَدَ التَّخْرِيبَ، ولَمْ يُسَلِّطِ العَذابَ عَلى مَن مَلَأها مِنَ الأوْثانِ ؟ والجَوابُ: لِأنَّ وضْعَ الأوْثانِ فِيها تَعَدٍّ عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وتَخْرِيبَها تَعَدٍّ عَلى حَقِّ الخَلْقِ، ونَظِيرُهُ قاطِعُ الطَّرِيقِ، والباغِي والقاتِلُ يُقْتَلُونَ مَعَ أنَّهم مُسْلِمُونَ، ولا يُقْتَلُ الشَّيْخُ الكَبِيرُ والأعْمى وصاحِبُ الصَّوْمَعَةِ والمَرْأةُ، وإنْ كانُوا كُفّارًا، لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى ضَرَرُهم إلى الخَلْقِ. السُّؤالُ الثّامِنُ: كَيْفَ القَوْلُ في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ ؟ الجَوابُ: قالَ الزَّجّاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ لا بِقَوْلِهِ: (ألَمْ تَرَ) لِأنَّ كَيْفَ مِن حُرُوفِ الِاسْتِفْهامِ.

الفيل 105:2

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما فَعَلَ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكَيْدَ هو إرادَةٌ مُضِرَّةٌ بِالغَيْرِ عَلى الخُفْيَةِ، إنْ قِيلَ: فَلِمَ سَمّاهُ كَيْدًا وأمْرُهُ كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ كانَ يُصَرِّحُ أنَّهُ يَهْدِمُ البَيْتَ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، لَكِنَّ الَّذِي كانَ في قَلْبِهِ شَرٌّ مِمّا أظْهَرَ، لِأنَّهُ كانَ يُضْمِرُ الحَسَدَ لِلْعَرَبِ، وكانَ يُرِيدُ صَرْفَ الشَّرَفِ الحاصِلِ لَهم بِسَبَبِ الكَعْبَةِ مِنهم ومِن بَلَدِهِمْ إلى نَفْسِهِ وإلى بَلْدَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إضافَةُ الكَيْدِ إلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَرْضى بِالقَبِيحِ، إذْ لَوْ رَضِيَ لَأضافَهُ إلى ذاتِهِ، كَقَوْلِهِ: ”الصَّوْمُ لِي“ والجَوابُ: أنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فَلِمَ لا يَكْفِي في حُسْنِ هَذِهِ الإضافَةِ وُقُوعُهُ مُطابِقًا لِإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ ؟ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أيْ في تَضْيِيعٍ وإبْطالٍ يُقالُ: ضَلَّلَ كَيْدَهُ إذا جَعَلَهُ ضالًّا ضائِعًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [ غافِرٍ: ٥٠] وقِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ: المَلِكُ الضَّلِيلُ: لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ أيْ ضَيَّعَهُ. بِمَعْنى أنَّهم كادُوا البَيْتَ أوَّلًا بِبِناءِ القُلَّيْسِ وأرادُوا أنْ يَفْتَتِحُوا أمْرَهُ بِصَرْفِ وُجُوهِ الحاجِّ إلَيْهِ، فَضَلَّلَ كَيْدَهم بِإيقاعِ الحَرِيقِ فِيهِ، ثُمَّ كادُوهُ ثانِيًا بِإرادَةِ هَدْمِهِ فَضَلَّلَ بِإرْسالِ الطَّيْرِ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى حَرْفِ الظَّرْفِ كَما يُقالُ: سَعْيُ فُلانٍ في ضَلالٍ، أيْ سَعْيُهم كانَ قَدْ ظَهَرَ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ كانَ ضَلالٌ وخَطَأٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (طَيْرًا) عَلى التَّنْكِيرِ ؟ والجَوابُ: إمّا لِلتَّحْقِيرِ فَإنَّهُ مَهْما كانَ أحْقَرَ كانَ صُنْعُ اللَّهِ أعْجَبَ وأكْبَرَ، أوْ لِلتَّفْخِيمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: طَيْرًا وأيُّ طَيْرٍ تَرْمِي بِحِجارَةٍ صَغِيرَةٍ فَلا تُخْطِئُ المَقْتَلَ. السُّؤالُ الثّانِي: ما الأبابِيلُ ؟ الجَوابُ: أمّا أهْلُ اللُّغَةِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أبابِيلُ جَماعَةٌ في تَفْرِقَةٍ، يُقالُ: جاءَتْ صفحة ٩٥ الخَيْلُ أبابِيلَ أبابِيلَ مِن هَهُنا وهَهُنا، وهَلْ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ واحِدٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ: أنَّهُ لا واحِدَ لَها وهو مِثْلُ الشَّماطِيطِ والعَبادِيدِ، لا واحِدَ لَها. والثّانِي: أنَّهُ لَهُ واحِدٌ، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: زَعَمَ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ وكانَ ثِقَةً مَأْمُونًا أنَّهُ سَمِعَ واحِدَها إبّالَةٌ، وفي أمْثالِهِمْ: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ، وهي الحُزْمَةُ الكَبِيرَةُ سُمِّيَتِ الجَماعَةُ مِنَ الطَّيْرِ في نِظامِها بِالإبّالَةِ. وثانِيها: قالَ الكِسائِيُّ: كُنْتُ أسْمَعُ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُونَ: إبُولٌ وأبابِيلُ كَعُجُولٍ وعَجاجِيلَ. وثالِثُها: قالَ الفَرّاءُ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: واحِدُ الأبابِيلِ إيبالَةٌ كانَ صَوابًا كَما قالَ: دِينارٌ ودَنانِيرُ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما صِفَةُ تِلْكَ الطَّيْرِ ؟ الجَوابُ: رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ طَيْرًا لَها خَراطِيمُ كَخَراطِيمِ الفِيلِ وأكُفٌّ كَأكُفِّ الكِلابِ، ورَوى عَطاءٌ عَنْهُ قالَ: طَيْرٌ سُودٌ جاءَتْ مِن قِبَلِ البَحْرِ فَوْجًا فَوْجًا، ولَعَلَّ السَّبَبَ أنَّها أُرْسِلَتْ إلى قَوْمٍ كانَ في صُورَتِهِمْ سَوادُ اللَّوْنِ وفي سِرِّهِمْ سَوادُ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها بِيضٌ صِغارٌ ولَعَلَّ السَّبَبَ أنَّ ظُلْمَةَ الكُفْرِ انْهَزَمَتْ بِها، والبَياضُ ضِدُّ السَّوادِ، وقِيلَ: كانَتْ خُضْرًا ولَها رُؤُوسٌ مِثْلُ رُؤُوسِ السِّباعِ، وأقُولُ: إنَّها لَمّا كانَتْ أفْواجًا، فَلَعَلَّ كُلَّ فَوْجٍ مِنها كانَ عَلى شَكْلٍ آخَرَ فَكُلُّ أحَدٍ وصَفَ ما رَأى، وقِيلَ: كانَتْ بَلْقاءَ كالخَطاطِيفِ.

الفيل 105:3

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما فَعَلَ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكَيْدَ هو إرادَةٌ مُضِرَّةٌ بِالغَيْرِ عَلى الخُفْيَةِ، إنْ قِيلَ: فَلِمَ سَمّاهُ كَيْدًا وأمْرُهُ كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ كانَ يُصَرِّحُ أنَّهُ يَهْدِمُ البَيْتَ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، لَكِنَّ الَّذِي كانَ في قَلْبِهِ شَرٌّ مِمّا أظْهَرَ، لِأنَّهُ كانَ يُضْمِرُ الحَسَدَ لِلْعَرَبِ، وكانَ يُرِيدُ صَرْفَ الشَّرَفِ الحاصِلِ لَهم بِسَبَبِ الكَعْبَةِ مِنهم ومِن بَلَدِهِمْ إلى نَفْسِهِ وإلى بَلْدَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إضافَةُ الكَيْدِ إلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَرْضى بِالقَبِيحِ، إذْ لَوْ رَضِيَ لَأضافَهُ إلى ذاتِهِ، كَقَوْلِهِ: ”الصَّوْمُ لِي“ والجَوابُ: أنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فَلِمَ لا يَكْفِي في حُسْنِ هَذِهِ الإضافَةِ وُقُوعُهُ مُطابِقًا لِإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ ؟ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أيْ في تَضْيِيعٍ وإبْطالٍ يُقالُ: ضَلَّلَ كَيْدَهُ إذا جَعَلَهُ ضالًّا ضائِعًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [ غافِرٍ: ٥٠] وقِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ: المَلِكُ الضَّلِيلُ: لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ أيْ ضَيَّعَهُ. بِمَعْنى أنَّهم كادُوا البَيْتَ أوَّلًا بِبِناءِ القُلَّيْسِ وأرادُوا أنْ يَفْتَتِحُوا أمْرَهُ بِصَرْفِ وُجُوهِ الحاجِّ إلَيْهِ، فَضَلَّلَ كَيْدَهم بِإيقاعِ الحَرِيقِ فِيهِ، ثُمَّ كادُوهُ ثانِيًا بِإرادَةِ هَدْمِهِ فَضَلَّلَ بِإرْسالِ الطَّيْرِ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى حَرْفِ الظَّرْفِ كَما يُقالُ: سَعْيُ فُلانٍ في ضَلالٍ، أيْ سَعْيُهم كانَ قَدْ ظَهَرَ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ كانَ ضَلالٌ وخَطَأٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (طَيْرًا) عَلى التَّنْكِيرِ ؟ والجَوابُ: إمّا لِلتَّحْقِيرِ فَإنَّهُ مَهْما كانَ أحْقَرَ كانَ صُنْعُ اللَّهِ أعْجَبَ وأكْبَرَ، أوْ لِلتَّفْخِيمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: طَيْرًا وأيُّ طَيْرٍ تَرْمِي بِحِجارَةٍ صَغِيرَةٍ فَلا تُخْطِئُ المَقْتَلَ. السُّؤالُ الثّانِي: ما الأبابِيلُ ؟ الجَوابُ: أمّا أهْلُ اللُّغَةِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أبابِيلُ جَماعَةٌ في تَفْرِقَةٍ، يُقالُ: جاءَتْ صفحة ٩٥ الخَيْلُ أبابِيلَ أبابِيلَ مِن هَهُنا وهَهُنا، وهَلْ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ واحِدٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ: أنَّهُ لا واحِدَ لَها وهو مِثْلُ الشَّماطِيطِ والعَبادِيدِ، لا واحِدَ لَها. والثّانِي: أنَّهُ لَهُ واحِدٌ، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: زَعَمَ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ وكانَ ثِقَةً مَأْمُونًا أنَّهُ سَمِعَ واحِدَها إبّالَةٌ، وفي أمْثالِهِمْ: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ، وهي الحُزْمَةُ الكَبِيرَةُ سُمِّيَتِ الجَماعَةُ مِنَ الطَّيْرِ في نِظامِها بِالإبّالَةِ. وثانِيها: قالَ الكِسائِيُّ: كُنْتُ أسْمَعُ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُونَ: إبُولٌ وأبابِيلُ كَعُجُولٍ وعَجاجِيلَ. وثالِثُها: قالَ الفَرّاءُ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: واحِدُ الأبابِيلِ إيبالَةٌ كانَ صَوابًا كَما قالَ: دِينارٌ ودَنانِيرُ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما صِفَةُ تِلْكَ الطَّيْرِ ؟ الجَوابُ: رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ طَيْرًا لَها خَراطِيمُ كَخَراطِيمِ الفِيلِ وأكُفٌّ كَأكُفِّ الكِلابِ، ورَوى عَطاءٌ عَنْهُ قالَ: طَيْرٌ سُودٌ جاءَتْ مِن قِبَلِ البَحْرِ فَوْجًا فَوْجًا، ولَعَلَّ السَّبَبَ أنَّها أُرْسِلَتْ إلى قَوْمٍ كانَ في صُورَتِهِمْ سَوادُ اللَّوْنِ وفي سِرِّهِمْ سَوادُ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها بِيضٌ صِغارٌ ولَعَلَّ السَّبَبَ أنَّ ظُلْمَةَ الكُفْرِ انْهَزَمَتْ بِها، والبَياضُ ضِدُّ السَّوادِ، وقِيلَ: كانَتْ خُضْرًا ولَها رُؤُوسٌ مِثْلُ رُؤُوسِ السِّباعِ، وأقُولُ: إنَّها لَمّا كانَتْ أفْواجًا، فَلَعَلَّ كُلَّ فَوْجٍ مِنها كانَ عَلى شَكْلٍ آخَرَ فَكُلُّ أحَدٍ وصَفَ ما رَأى، وقِيلَ: كانَتْ بَلْقاءَ كالخَطاطِيفِ.

الفيل 105:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: يَرْمِيهِمْ أيِ اللَّهُ أوِ الطَّيْرُ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ مُذَكَّرٌ، وإنَّما يُؤَنَّثُ عَلى المَعْنى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ الرَّمْيِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: كانَ كُلُّ طائِرٍ يَحْمِلُ ثَلاثَةَ أحْجارٍ، واحِدٌ في مِنقارِهِ واثْنانِ في رِجْلَيْهِ يَقْتُلُ كُلُّ واحِدٍ رَجُلًا، مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ صاحِبِهِ ما وقَعَ مِنها حَجَرٌ عَلى مَوْضِعٍ إلّا خَرَجَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وإنْ وقَعَ عَلى رَأْسِهِ خَرَجَ مِن دُبُرِهِ. وثانِيها: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا أرْسَلَ اللَّهُ الحِجارَةَ عَلى أصْحابِ الفِيلِ لَمْ يَقَعْ حَجَرٌ عَلى أحَدٍ مِنهم إلّا نَفِطَ جِلْدُهُ وثارَ بِهِ الجُدَرِيُّ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وكانَتْ تِلْكَ الأحْجارُ أصْغَرُها مِثْلُ العَدَسَةِ، وأكْبَرُها مِثْلُ الحِمِّصَةِ. واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، وقالَ: لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَكُونَ في الحِجارَةِ الَّتِي تَكُونُ مِثْلَ العَدَسَةِ مِنَ الثِّقَلِ ما يَقْوى بِهِ عَلى أنْ يَنْفُذَ مِن رَأْسِ الإنْسانِ ويَخْرُجَ مِن أسْفَلِهِ، لَجَوَّزْنا أنْ يَكُونَ الجَبَلُ العَظِيمُ خالِيًا عَنِ الثِّقَلِ وأنْ يَكُونَ في وزْنِ التِّبْنَةِ، وذَلِكَ يَرْفَعُ الأمانَ عَنِ المُشاهَداتِ، فَإنَّهُ مَتى جازَ ذَلِكَ فَلْيَجُزْ أنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنا شُمُوسٌ وأقْمارٌ ولا نَراها، وأنْ يَحْصُلَ الإدْراكُ في عَيْنِ الضَّرِيرِ حَتّى يَكُونَ هو بِالمُشْرِقِ ويَرى بُقْعَةً في الأنْدَلُسِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ. واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ عَلى مَذْهَبِنا إلّا أنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّها لا تَقَعُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في السِّجِّيلِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ السِّجِّيلَ كَأنَّهُ عَلَمٌ لِلدِّيوانِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ عَذابُ الكُفّارِ، كَما أنَّ سِجِّينًا عَلَمٌ لِدِيوانِ أعْمالِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: بِحِجارَةٍ مِن جُمْلَةِ العَذابِ المَكْتُوبِ المُدَوَّنِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسْجالِ، وهو الإرْسالُ، ومِنهُ السِّجِلُّ الدَّلْوُ المَمْلُوءُ ماءً، وإنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ الكِتابُ بِهَذا الِاسْمِ صفحة ٩٦ لِأنَّهُ كُتِبَ فِيهِ العَذابُ، والعَذابُ مَوْصُوفٌ بِالإرْسالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] فَقَوْلُهُ: ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أيْ مِمّا كَتَبَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ الكِتابِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سِجِّيلٌ مَعْناهُ سَنْكِ وكِلْ، يَعْنِي بَعْضُهُ حَجَرٌ وبَعْضُهُ طِينٌ. وثالِثُها: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ. ورابِعُها: السِّجِّيلُ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا. وخامِسُها: السِّجِّيلُ حِجارَةٌ مِن جَهَنَّمَ، فَإنَّ سِجِّيلَ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ فَأُبْدِلَتِ النُّونُ بِاللّامِ.

الفيل 105:5

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ العَصْفِ وُجُوهًا ذَكَرْناها في قَوْلِهِ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] وذَكَرُوا هَهُنا وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ ورَقُ الزَّرْعِ الَّذِي يَبْقى في الأرْضِ بَعْدَ الحَصادِ وتَعْصِفُهُ الرِّياحُ فَتَأْكُلُهُ المَواشِي. وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: العَصْفُ التِّبْنُ لِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] لِأنَّهُ تَعْصِفُ بِهِ الرِّيحُ عِنْدَ الذَّرِّ فَتُفَرِّقُهُ عَنِ الحَبِّ، وهو إذا كانَ مَأْكُولًا فَقَدْ بَطَلَ ولا رَجْعَةَ لَهُ ولا مَنَعَةَ فِيهِ. وثالِثُها: قالَ الفَرّاءُ: هو أطْرافُ الزَّرْعِ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ السُّنْبُلَ. ورابِعُها: هو الحَبُّ الَّذِي أُكِلَ لُبُّهُ وبَقِيَ قِشْرُهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ المَأْكُولِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي أُكِلَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَفِيهِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى كَزَرْعٍ وتِبْنٍ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ، ثُمَّ ألْقَتْهُ رَوْثًا، ثُمَّ يَجِفُّ وتَتَفَرَّقُ أجْزاؤُهُ، شَبَّهَ تَقَطُّعَ أوْصالِهِمْ بِتَفَرُّقِ أجْزاءِ الرَّوْثِ، إلّا أنَّ العِبارَةَ عَنْهُ جاءَتْ عَلى ما عَلَيْهِ آدابُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَتادَةَ وعَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ واقِعًا بِوَرَقِ الزَّرْعِ إذا وقَعَ فِيهِ الأكّالُ، وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (مَأْكُولٍ) هو أنَّهُ جَعَلَهم كَزَرْعٍ قَدْ أُكِلَ حَبُّهُ وبَقِيَ تِبْنُهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: كَعَصْفٍ مَأْكُولِ الحَبِّ كَما يُقالُ: فُلانٌ حَسَنٌ أيْ حَسَنُ الوَجْهِ، فَأجْرى مَأْكُولٍ عَلى العَصْفِ مِن أجْلِ أنَّهُ أُكِلَ حَبُّهُ لِأنَّ هَذا المَعْنى مَعْلُومٌ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ مَعْنى: (مَأْكُولٍ) أنَّهُ مِمّا يُؤْكَلُ، يَعْنِي تَأْكُلُهُ الدَّوابُّ يُقالُ: لِكُلِّ شَيْءٍ يَصْلُحُ لِلْأكْلِ هو مَأْكُولٌ، والمَعْنى جَعَلَهم كَتِبْنٍ تَأْكُلُهُ الدَّوابُّ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ الحَجّاجَ خَرَّبَ الكَعْبَةَ، ولَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قِصَّةَ الفِيلِ ما كانَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ وإنْ كانَتْ هَكَذا إلّا أنَّ السَّبَبَ لِتِلْكَ الواقِعَةِ أمْرٌ آخَرُ سِوى تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ، والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ وقَعَ إرْهاصًا لِأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والإرْهاصُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ قَبْلَ قُدُومِهِ، أمّا بَعْدَ قُدُومِهِ وتَأكُّدِ نُبُوَّتِهِ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ فَلا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ وأحْكَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

قريش 106:1

صفحة ٩٧ (سُورَةُ قُرَيْشٍ) وهِيَ أرْبَعُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﷽ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَهُنا مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِإيلافِ) تَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً: فَإنَّها إمّا أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِالسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها أوْ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَها، أوْ لا تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً لا بِما قَبْلَها، ولا بِما بَعْدَها. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها، فَفِيهِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ وأبِي عُبَيْدَةَ أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ لِإلْفِ قُرَيْشٍ أيْ أهْلَكَ اللَّهُ أصْحابَ الفِيلِ لِتَبْقى قُرَيْشٌ، وما قَدْ ألِفُوا مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهم إنَّما جُعِلُوا: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ لِكُفْرِهِمْ ولَمْ يُجْعَلُوا كَذَلِكَ لِتَأْلِيفِ قُرَيْشٍ. قُلْنا: هَذا السُّؤالُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ الجَزاءَ عَلى الكُفْرِ مُؤَخَّرٌ لِلْقِيامَةِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وقالَ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] ولِأنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ، لَكانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الكُفّارِ، بَلْ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ولِتَعْظِيمِ مَنصِبِهِمْ وإظْهارِ قَدْرِهِمْ. وثانِيها: هَبْ أنَّ زَجْرَهم عَنِ الكُفْرِ مَقْصُودٌ لَكِنْ لا يُنافِي كَوْنَ شَيْءٍ آخَرَ مَقْصُودٍ حَتّى يَكُونَ الحُكْمُ واقِعًا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مَعًا. وثالِثُها: هَبْ أنَّهم أُهْلِكُوا لِكُفْرِهِمْ فَقَطْ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الإهْلاكَ لَمّا أدّى إلى إيلافِ قُرَيْشٍ، جازَ أنْ يُقالَ: أُهْلِكُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهم لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِذَلِكَ، لَكِنْ لَمّا آلَ الأمْرُ إلَيْهِ حَسُنَ أنْ يُمَهِّدَ عَلَيْهِ الِالتِقاطَ. صفحة ٩٨ الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ لِإيلافِ قُرَيْشٍ“ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كُلُّ ما فَعَلْنا بِهِمْ فَقَدْ فَعَلْناهُ، لِإيلافِ قُرَيْشٍ، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ، حَتّى صارُوا كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ إيلافِ قُرَيْشٍ. الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِإيلافِ) بِمَعْنى إلى كَأنَّهُ قالَ: فَعَلْنا كُلَّ ما فَعَلْنا في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى نِعْمَةٍ أُخْرى عَلَيْهِمْ وهي إيلافُهم: ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ تَقُولُ: نِعْمَةُ اللَّهِ نِعْمَةٌ، ونِعْمَةٌ لِنِعْمَةٍ سَواءٌ في المَعْنى، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، فَهَذِهِ احْتِمالاتٌ ثَلاثَةٌ تَوَجَّهَتْ عَلى تَقْدِيرِ تَعْلِيقِ اللّامِ بِالسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وبَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذا القَوْلِ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنَّ لِلنّاسِ في تَعْلِيقِ هَذِهِ اللّامِ بِالسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ جَعَلُوا السُّورَتَيْنِ سُورَةً واحِدَةً واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ السُّورَتَيْنِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها، ومَطْلَعُ هَذِهِ السُّورَةِ لَمّا كانَ مُتَعَلِّقًا بِالسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وجَبَ أنْ لا تَكُونَ سُورَةً مُسْتَقِلَّةً. وثانِيها: أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ جَعَلَهُما في مُصْحَفِهِ سُورَةً واحِدَةً. وثالِثُها: ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ قَرَأ في صَلاةِ المَغْرِبِ في الرَّكْعَةِ الأُولى والتِّينِ، وفي الثّانِيَةِ ألَمْ تَرَ ولِإيلافِ قُرَيْشٍ مَعًا، مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُما بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو المَشْهُورُ المُسْتَفِيضُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ سُورَةِ الفِيلِ، وأمّا تَعَلُّقُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلى ما قالُوهُ، لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ وكالآيَةِ الواحِدَةِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا ويُبَيِّنُ بَعْضُها مَعْنى بَعْضٍ، ألا تَرى أنَّ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى الوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ، ثُمَّ إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِآياتِ التَّوْبَةِ وبِآياتِ العَفْوِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ [القدر: ١] مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ القُرْآنِ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ أُبَيًّا لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما فَهو مُعارَضٌ بِإطْباقِ الكُلِّ عَلى الفَصْلِ بَيْنَهُما، وأمّا قِراءَةُ عُمَرَ فَإنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ لِأنَّ الإمامَ قَدْ يَقْرَأُ سُورَتَيْنِ. البَحْثُ الثّانِي: فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا القَوْلِ: بَيانُ أنَّهُ لِمَ صارَ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِأصْحابِ الفِيلِ سَبَبًا لِإيلافِ قُرَيْشٍ ؟ فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ مَكَّةَ كانَتْ خالِيَةً عَنِ الزَّرْعِ والضَّرْعِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] فَكانَ أشْرافُ أهْلِ مَكَّةَ يَرْتَحِلُونَ لِلتِّجارَةِ هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ، ويَأْتُونَ لِأنْفُسِهِمْ ولِأهْلِ بَلَدِهِمْ بِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الأطْعِمَةِ والثِّيابِ، وهم إنَّما كانُوا يَرْبَحُونَ في أسْفارِهِمْ، ولِأنَّ مُلُوكَ النَّواحِي كانُوا يُعَظِّمُونَ أهْلَ مَكَّةَ، ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ جِيرانُ بَيْتِ اللَّهِ وسُكّانُ حَرَمِهِ ووُلاةُ الكَعْبَةِ حَتّى إنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ أهْلَ مَكَّةَ أهْلَ اللَّهِ، فَلَوْ تَمَّ لِلْحَبَشَةِ ما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِن هَدْمِ الكَعْبَةِ، لَزالَ عَنْهم هَذا العِزُّ ولَبَطَلَتْ تِلْكَ المَزايا في التَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ، ولَصارَ سُكّانُ مَكَّةَ كَسُكّانِ سائِرِ النَّواحِي يُتَخَطَّفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ ويُتَعَرَّضُ لَهم في نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَلَمّا أهْلَكَ اللَّهُ أصْحابَ الفِيلِ ورَدَّ كَيْدَهم في نَحْرِهِمُ ازْدادَ وقْعُ أهْلِ مَكَّةَ في القُلُوبِ، وازْدادَ تَعْظِيمُ مُلُوكِ الأطْرافِ لَهم فازْدادَتْ تِلْكَ المَنافِعُ والمَتاجِرُ، فَلِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ . . . ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ . والوَجْهُ الثّانِي فِيما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ سُورَةِ الفِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: صفحة ٩٩ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ، الَّذِي قَصَدَهُ أصْحابُ الفِيلِ، ثُمَّ إنَّ رَبَّ البَيْتِ دَفَعَهم عَنْ مَقْصُودِهِمْ لِأجْلِ إيلافِكم ونَفْعِكم لِأنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ إنَّما يَحْسُنُ مُرَتَّبًا عَلى إيصالِ المَنفَعَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ اللّامَ في: (لِإيلافِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: (فَلْيَعْبُدُوا) وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والتَّقْدِيرُ: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ، لِإيلافِ قُرَيْشٍ. أيْ لِيَجْعَلُوا عِبادَتَهم شُكْرًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ واعْتِرافًا بِها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: (فَلْيَعْبُدُوا) ؟ قُلْنا: لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ الواحِدَةِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللّامُ غَيْرَ مُتَعَلِّقَةٍ، لا بِما قَبْلَها ولا بِما بَعْدَها، قالَ الزَّجّاجُ: قالَ قَوْمٌ: هَذِهِ اللّامُ لامُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّ المَعْنى: اعْجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّ يَوْمٍ يَزْدادُونَ غَيًّا وجَهْلًا وانْغِماسًا في عِبادَةِ الأوْثانِ، واللَّهُ تَعالى يُؤَلِّفُ شَمْلَهم ويَدْفَعُ الآفاتِ عَنْهم، ويُنَظِّمُ أسْبابَ مَعايِشِهِمْ، وذَلِكَ لا شَكَّ أنَّهُ في غايَةِ التَّعَجُّبِ مِن عَظِيمِ حِلْمِ اللَّهِ وكَرَمِهِ، ونَظِيرُهُ في اللُّغَةِ قَوْلُكَ: لِزَيْدٍ وما صَنَعْنا بِهِ ! ولِزَيْدٍ وكَرامَتِنا إيّاهُ ! وهَذا اخْتِيارُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ والفَرّاءِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الإيلافِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الإيلافَ هو الإلْفُ. قالَ عُلَماءُ اللُّغَةِ: ألِفْتُ الشَّيْءَ وألَفْتُهُ إلْفًا وإلافًا وإيلافًا بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ لَزِمْتُهُ فَيَكُونُ المَعْنى لِإلْفِ قُرَيْشٍ هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ فَتَتَّصِلا ولا تَنْقَطِعا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ”لِإلْفِ قُرَيْشٍ“ وقَرَأ الآخَرُونَ: ”لِإلافِ قُرَيْشٍ“، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ”لِيلافِ قُرَيْشٍ“ . وثانِيها: أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِكَ: لَزِمْتُ مَوْضِعَ كَذا وألْزَمَنِيهِ اللَّهُ، كَذا تَقُولُ: ألِفْتُ كَذا، وألَفَنِيهِ اللَّهُ ويَكُونُ المَعْنى إثْباتَ الأُلْفَةِ بِالتَّدْبِيرِ الَّذِي فِيهِ لُطْفٌ. ألِفَ بِنَفْسِهِ إلْفًا وآلَفَهُ غَيْرُهُ إيلافًا، والمَعْنى أنَّ هَذِهِ الإلْفَةَ إنَّما حَصَلَتْ في قُرَيْشٍ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] وقالَ: ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقَدْ تَكُونُ المَسَرَّةُ سَبَبًا لِلْمُؤانَسَةِ والِاتِّفاقِ، كَما وقَعَتْ عِنْدَ انْهِزامِ أصْحابِ الفِيلِ لِقُرَيْشٍ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ هَهُنا مُضافًا إلى المَفْعُولِ ويَكُونُ المَعْنى لِأجْلِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ قُرَيْشًا مُلازِمِينَ لِرِحْلَتَيْهِمْ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الإيلافُ هو التَّهْيِئَةُ والتَّجْهِيزُ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأعْرابِيِّ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ عَلى هَذا القَوْلِ مُضافًا إلى الفاعِلِ، والمَعْنى: لِتَجْهِيزِ قُرَيْشٍ رِحْلَتَيْها حَتّى تَتَّصِلا ولا تَنْقَطِعا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”لِيلافِ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَحَذَفَ هَمْزَةَ الإفْعالِ حَذْفًا كُلِّيًّا وهو كَمَذْهَبِهِ في ”يَسْتَهْزِءُونَ“ وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: التَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ﴾ هو أنَّهُ أطْلَقَ الإيلافَ أوَّلًا ثُمَّ جَعَلَ المُقَيَّدَ بَدَلًا لِذَلِكَ المُطْلَقِ تَفْخِيمًا لِأمْرِ الإيلافِ وتَذْكِيرًا لِعَظِيمِ المِنَّةِ فِيهِ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ عامًّا يَجْمَعُ كُلَّ مُؤانَسَةٍ ومُوافَقَةٍ كانَ بَيْنَهم، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَقامُهم وسِيَرُهم وجَمِيعُ أحْوالِهِمْ، ثُمَّ خَصَّ إيلافِ الرِّحْلَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِسَبَبِ أنَّهُ قِوامُ مَعاشِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وفائِدَةُ تَرْكِ واوِ العَطْفِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ كُلُّ النِّعْمَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: ألِفْتُ كَذا أيْ لَزِمْتُهُ، والإلْزامُ ضَرْبانِ: إلْزامٌ بِالتَّكْلِيفِ والأمْرِ، وإلْزامٌ بِالمَوَدَّةِ والمُؤانَسَةِ فَإنَّهُ إذا أحَبَّ المَرْءُ شَيْئًا لَزِمَهُ، ومِنهُ: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦]، كَما أنَّ الإلْجاءَ ضَرْبانِ: أحَدُهُما: لِدَفْعِ الضَّرَرِ كالهَرَبِ مِنَ السَّبُعِ. والثّانِي: لِطَلَبِ النَّفْعِ العَظِيمِ، كَمَن يَجِدُ مالًا عَظِيمًا ولا مانِعَ مِن أخْذِهِ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا حِسًّا فَإنَّهُ يَكُونُ كالمُلْجَأِ إلى الأخْذِ، وكَذا الدَّواعِي الَّتِي صفحة ١٠٠ تَكُونُ دُونَ الإلْجاءِ، مَرَّةً تَكُونُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وأُخْرى لِجَلْبِ النَّفْعِ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ: (إيلافِهِمْ) . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قُرَيْشًا ولَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنّا بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ لا نَقْفُوا أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» وذَكَرُوا في سَبَبِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَصْغِيرُ القِرْشِ وهو دابَّةٌ عَظِيمَةٌ في البَحْرِ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ، ولا تَنْطَلِقُ إلّا بِالنّارِ، وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: بِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ ؟ قالَ: بِدابَّةٍ في البَحْرِ تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، تَعْلُو ولا تُعْلى، وأنْشَدَ: وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ ـرَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا والتَّصْغِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ قُرَيْشًا مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ لِأنَّها تَلِي أمْرَ الأُمَّةِ، فَإنَّ الأئِمَّةَ مِن قُرَيْشٍ. وثانِيها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ القِرْشِ وهو الكَسْبُ لِأنَّهم كانُوا كاسِبِينَ بِتِجاراتِهِمْ وضَرْبِهِمْ في البِلادِ. وثالِثُها: قالَ اللَّيْثُ: كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ، فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوها مَسْكَنًا، فَسَمُّوها قُرَيْشًا لِأنَّ التَّقَرُّشَ هو التَّجَمُّعُ، يُقالُ: تَقَرَّشَ القَوْمُ إذا اجْتَمَعُوا، ولِذَلِكَ سُمِّيَ قُصَيٌّ مُجَمِّعًا، قالَ الشّاعِرُ: أبُوكم قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَّعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ ورابِعُها: أنَّهم كانُوا يَسُدُّونَ خَلَّةَ مَحاوِيجِ الحاجِّ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ قُرَيْشًا، لِأنَّ القِرْشَ التَّفْتِيشُ قالَ ابْنُ حُرَّةَ: أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو وهَلْ لِذاكَ بَقاءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الرِّحْلَةُ اسْمُ الِارْتِحالِ مِنَ القَوْمِ لِلْمَسِيرِ، وفي المُرادِ مِن هَذِهِ الرِّحْلَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ رِحْلَةٌ بِالشِّتاءِ إلى اليَمَنِ لِأنَّ اليَمَنَ أدْفَأُ وبِالصَّيْفِ إلى الشَّأْمِ، وذَكَرَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ هو أنَّ قُرَيْشًا إذا أصابَ واحِدًا مِنهم مَخْمَصَةٌ خَرَجَ هو وعِيالُهُ إلى مَوْضِعٍ وضَرَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ خِباءً حَتّى يَمُوتُوا، إلى أنْ جاءَ هاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وكانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ، وكانَ لَهُ ابْنٌ يُقالُ لَهُ: أسَدٌ، وكانَ لَهُ تِرْبٌ مِن بَنِي مَخْزُومٍ يُحِبُّهُ ويَلْعَبُ مَعَهُ فَشَكا إلَيْهِ الضَّرَرَ والمَجاعَةَ فَدَخَلَ أسَدٌ عَلى أُمِّهِ يَبْكِي فَأرْسَلَتْ إلى أُولَئِكَ بِدَقِيقٍ وشَحْمٍ فَعاشُوا فِيهِ أيّامًا، ثُمَّ أتى تِرْبُ أسَدٍ إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى وشَكا إلَيْهِ مِنَ الجُوعِ فَقامَ هاشِمٌ خَطِيبًا في قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنَّكم أجْدَبْتُمْ جَدْبًا تُقِلُّونَ فِيهِ وتَذِلُّونَ، وأنْتُمْ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وأشْرافُ ولَدِ آدَمَ والنّاسُ لَكم تَبَعٌ. قالُوا: نَحْنُ تَبَعٌ لَكَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنّا خِلافٌ فَجَمَعَ كُلَّ بَنِي أبٍ عَلى الرِّحْلَتَيْنِ في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ وفي الصَّيْفِ إلى الشّامِ لِلتِّجاراتِ، فَما رَبِحَ الغَنِيُّ قَسَمَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ حَتّى كانَ فَقِيرُهم كَغَنِيِّهِمْ، فَجاءَ الإسْلامُ وهم عَلى ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ في العَرَبِ بَنُو أبٍ أكْثَرَ مالًا ولا أعَزَّ مِن قُرَيْشٍ، قالَ الشّاعِرُ فِيهِمْ: الخالِطِينَ فَقِيرَهم بِغَنِيِّهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَكُونَ فَقِيرُهم كالكافِي واعْلَمْ أنَّ وجْهَ النِّعْمَةِ والمِنَّةِ فِيهِ أنَّهُ لَوْ تَمَّ لِأصْحابِ الفِيلِ ما أرادُوا، لَتَرَكَ أهْلُ الأقْطارِ تَعْظِيمَهم وأيْضًا لَتَفَرَّقُوا وصارَ حالُهم كَحالِ اليَهُودِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨] صفحة ١٠١ واجْتِماعُ القَبِيلَةِ الواحِدَةِ في مَكانٍ واحِدٍ أدْخَلُ في النِّعْمَةِ مِن أنْ يَكُونَ الِاجْتِماعُ مِن قَبائِلَ شَتّى، ونَبَّهَ تَعالى أنَّ مِن شَرْطِ السَّفَرِ المُؤانَسَةَ والأُلْفَةَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٩٧] والسَّفَرُ أحْوَجُ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ مِنَ الإقامَةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ رِحْلَةُ النّاسِ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَرِحْلَةُ الشِّتاءِ والصَّيْفِ عُمْرَةُ رَجَبٍ وحَجُّ ذِي الحِجَّةِ لِأنَّهُ كانَ أحَدُهُما شِتاءً والآخَرُ صَيْفًا، ومَوْسِمُ مَنافِعِ مَكَّةَ يَكُونُ بِهِما، ولَوْ كانَ يَتِمُّ لِأصْحابِ الفِيلِ ما أرادُوا لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ المَنفَعَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَصْبُ الرِّحْلَةِ بِإيلافِهِمْ مَفْعُولًا بِهِ، وأرادَ رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَأفْرَدَ لِأمْنِ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم، وقِيلَ: مَعْناهُ رِحْلَةُ الشِّتاءِ ورِحْلَةُ الصَّيْفِ، وقُرِئَ ”رِحْلَةُ“ بِضَمِّ الرّاءِ وهي الجِهَةُ.

قريش 106:2

صفحة ٩٧ (سُورَةُ قُرَيْشٍ) وهِيَ أرْبَعُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﷽ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَهُنا مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِإيلافِ) تَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً: فَإنَّها إمّا أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِالسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها أوْ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَها، أوْ لا تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً لا بِما قَبْلَها، ولا بِما بَعْدَها. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها، فَفِيهِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ وأبِي عُبَيْدَةَ أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ لِإلْفِ قُرَيْشٍ أيْ أهْلَكَ اللَّهُ أصْحابَ الفِيلِ لِتَبْقى قُرَيْشٌ، وما قَدْ ألِفُوا مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهم إنَّما جُعِلُوا: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ لِكُفْرِهِمْ ولَمْ يُجْعَلُوا كَذَلِكَ لِتَأْلِيفِ قُرَيْشٍ. قُلْنا: هَذا السُّؤالُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ الجَزاءَ عَلى الكُفْرِ مُؤَخَّرٌ لِلْقِيامَةِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وقالَ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] ولِأنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ، لَكانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الكُفّارِ، بَلْ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ولِتَعْظِيمِ مَنصِبِهِمْ وإظْهارِ قَدْرِهِمْ. وثانِيها: هَبْ أنَّ زَجْرَهم عَنِ الكُفْرِ مَقْصُودٌ لَكِنْ لا يُنافِي كَوْنَ شَيْءٍ آخَرَ مَقْصُودٍ حَتّى يَكُونَ الحُكْمُ واقِعًا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مَعًا. وثالِثُها: هَبْ أنَّهم أُهْلِكُوا لِكُفْرِهِمْ فَقَطْ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الإهْلاكَ لَمّا أدّى إلى إيلافِ قُرَيْشٍ، جازَ أنْ يُقالَ: أُهْلِكُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهم لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِذَلِكَ، لَكِنْ لَمّا آلَ الأمْرُ إلَيْهِ حَسُنَ أنْ يُمَهِّدَ عَلَيْهِ الِالتِقاطَ. صفحة ٩٨ الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ لِإيلافِ قُرَيْشٍ“ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كُلُّ ما فَعَلْنا بِهِمْ فَقَدْ فَعَلْناهُ، لِإيلافِ قُرَيْشٍ، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ، حَتّى صارُوا كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ إيلافِ قُرَيْشٍ. الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِإيلافِ) بِمَعْنى إلى كَأنَّهُ قالَ: فَعَلْنا كُلَّ ما فَعَلْنا في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى نِعْمَةٍ أُخْرى عَلَيْهِمْ وهي إيلافُهم: ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ تَقُولُ: نِعْمَةُ اللَّهِ نِعْمَةٌ، ونِعْمَةٌ لِنِعْمَةٍ سَواءٌ في المَعْنى، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، فَهَذِهِ احْتِمالاتٌ ثَلاثَةٌ تَوَجَّهَتْ عَلى تَقْدِيرِ تَعْلِيقِ اللّامِ بِالسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وبَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذا القَوْلِ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنَّ لِلنّاسِ في تَعْلِيقِ هَذِهِ اللّامِ بِالسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ جَعَلُوا السُّورَتَيْنِ سُورَةً واحِدَةً واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ السُّورَتَيْنِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها، ومَطْلَعُ هَذِهِ السُّورَةِ لَمّا كانَ مُتَعَلِّقًا بِالسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وجَبَ أنْ لا تَكُونَ سُورَةً مُسْتَقِلَّةً. وثانِيها: أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ جَعَلَهُما في مُصْحَفِهِ سُورَةً واحِدَةً. وثالِثُها: ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ قَرَأ في صَلاةِ المَغْرِبِ في الرَّكْعَةِ الأُولى والتِّينِ، وفي الثّانِيَةِ ألَمْ تَرَ ولِإيلافِ قُرَيْشٍ مَعًا، مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُما بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو المَشْهُورُ المُسْتَفِيضُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ سُورَةِ الفِيلِ، وأمّا تَعَلُّقُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلى ما قالُوهُ، لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ وكالآيَةِ الواحِدَةِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا ويُبَيِّنُ بَعْضُها مَعْنى بَعْضٍ، ألا تَرى أنَّ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى الوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ، ثُمَّ إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِآياتِ التَّوْبَةِ وبِآياتِ العَفْوِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ [القدر: ١] مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ القُرْآنِ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ أُبَيًّا لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما فَهو مُعارَضٌ بِإطْباقِ الكُلِّ عَلى الفَصْلِ بَيْنَهُما، وأمّا قِراءَةُ عُمَرَ فَإنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ لِأنَّ الإمامَ قَدْ يَقْرَأُ سُورَتَيْنِ. البَحْثُ الثّانِي: فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا القَوْلِ: بَيانُ أنَّهُ لِمَ صارَ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِأصْحابِ الفِيلِ سَبَبًا لِإيلافِ قُرَيْشٍ ؟ فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ مَكَّةَ كانَتْ خالِيَةً عَنِ الزَّرْعِ والضَّرْعِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] فَكانَ أشْرافُ أهْلِ مَكَّةَ يَرْتَحِلُونَ لِلتِّجارَةِ هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ، ويَأْتُونَ لِأنْفُسِهِمْ ولِأهْلِ بَلَدِهِمْ بِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الأطْعِمَةِ والثِّيابِ، وهم إنَّما كانُوا يَرْبَحُونَ في أسْفارِهِمْ، ولِأنَّ مُلُوكَ النَّواحِي كانُوا يُعَظِّمُونَ أهْلَ مَكَّةَ، ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ جِيرانُ بَيْتِ اللَّهِ وسُكّانُ حَرَمِهِ ووُلاةُ الكَعْبَةِ حَتّى إنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ أهْلَ مَكَّةَ أهْلَ اللَّهِ، فَلَوْ تَمَّ لِلْحَبَشَةِ ما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِن هَدْمِ الكَعْبَةِ، لَزالَ عَنْهم هَذا العِزُّ ولَبَطَلَتْ تِلْكَ المَزايا في التَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ، ولَصارَ سُكّانُ مَكَّةَ كَسُكّانِ سائِرِ النَّواحِي يُتَخَطَّفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ ويُتَعَرَّضُ لَهم في نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَلَمّا أهْلَكَ اللَّهُ أصْحابَ الفِيلِ ورَدَّ كَيْدَهم في نَحْرِهِمُ ازْدادَ وقْعُ أهْلِ مَكَّةَ في القُلُوبِ، وازْدادَ تَعْظِيمُ مُلُوكِ الأطْرافِ لَهم فازْدادَتْ تِلْكَ المَنافِعُ والمَتاجِرُ، فَلِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ . . . ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ . والوَجْهُ الثّانِي فِيما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ سُورَةِ الفِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: صفحة ٩٩ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ، الَّذِي قَصَدَهُ أصْحابُ الفِيلِ، ثُمَّ إنَّ رَبَّ البَيْتِ دَفَعَهم عَنْ مَقْصُودِهِمْ لِأجْلِ إيلافِكم ونَفْعِكم لِأنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ إنَّما يَحْسُنُ مُرَتَّبًا عَلى إيصالِ المَنفَعَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ اللّامَ في: (لِإيلافِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: (فَلْيَعْبُدُوا) وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والتَّقْدِيرُ: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ، لِإيلافِ قُرَيْشٍ. أيْ لِيَجْعَلُوا عِبادَتَهم شُكْرًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ واعْتِرافًا بِها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: (فَلْيَعْبُدُوا) ؟ قُلْنا: لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ الواحِدَةِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللّامُ غَيْرَ مُتَعَلِّقَةٍ، لا بِما قَبْلَها ولا بِما بَعْدَها، قالَ الزَّجّاجُ: قالَ قَوْمٌ: هَذِهِ اللّامُ لامُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّ المَعْنى: اعْجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّ يَوْمٍ يَزْدادُونَ غَيًّا وجَهْلًا وانْغِماسًا في عِبادَةِ الأوْثانِ، واللَّهُ تَعالى يُؤَلِّفُ شَمْلَهم ويَدْفَعُ الآفاتِ عَنْهم، ويُنَظِّمُ أسْبابَ مَعايِشِهِمْ، وذَلِكَ لا شَكَّ أنَّهُ في غايَةِ التَّعَجُّبِ مِن عَظِيمِ حِلْمِ اللَّهِ وكَرَمِهِ، ونَظِيرُهُ في اللُّغَةِ قَوْلُكَ: لِزَيْدٍ وما صَنَعْنا بِهِ ! ولِزَيْدٍ وكَرامَتِنا إيّاهُ ! وهَذا اخْتِيارُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ والفَرّاءِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الإيلافِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الإيلافَ هو الإلْفُ. قالَ عُلَماءُ اللُّغَةِ: ألِفْتُ الشَّيْءَ وألَفْتُهُ إلْفًا وإلافًا وإيلافًا بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ لَزِمْتُهُ فَيَكُونُ المَعْنى لِإلْفِ قُرَيْشٍ هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ فَتَتَّصِلا ولا تَنْقَطِعا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ”لِإلْفِ قُرَيْشٍ“ وقَرَأ الآخَرُونَ: ”لِإلافِ قُرَيْشٍ“، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ”لِيلافِ قُرَيْشٍ“ . وثانِيها: أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِكَ: لَزِمْتُ مَوْضِعَ كَذا وألْزَمَنِيهِ اللَّهُ، كَذا تَقُولُ: ألِفْتُ كَذا، وألَفَنِيهِ اللَّهُ ويَكُونُ المَعْنى إثْباتَ الأُلْفَةِ بِالتَّدْبِيرِ الَّذِي فِيهِ لُطْفٌ. ألِفَ بِنَفْسِهِ إلْفًا وآلَفَهُ غَيْرُهُ إيلافًا، والمَعْنى أنَّ هَذِهِ الإلْفَةَ إنَّما حَصَلَتْ في قُرَيْشٍ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] وقالَ: ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقَدْ تَكُونُ المَسَرَّةُ سَبَبًا لِلْمُؤانَسَةِ والِاتِّفاقِ، كَما وقَعَتْ عِنْدَ انْهِزامِ أصْحابِ الفِيلِ لِقُرَيْشٍ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ هَهُنا مُضافًا إلى المَفْعُولِ ويَكُونُ المَعْنى لِأجْلِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ قُرَيْشًا مُلازِمِينَ لِرِحْلَتَيْهِمْ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الإيلافُ هو التَّهْيِئَةُ والتَّجْهِيزُ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأعْرابِيِّ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ عَلى هَذا القَوْلِ مُضافًا إلى الفاعِلِ، والمَعْنى: لِتَجْهِيزِ قُرَيْشٍ رِحْلَتَيْها حَتّى تَتَّصِلا ولا تَنْقَطِعا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”لِيلافِ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَحَذَفَ هَمْزَةَ الإفْعالِ حَذْفًا كُلِّيًّا وهو كَمَذْهَبِهِ في ”يَسْتَهْزِءُونَ“ وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: التَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ﴾ هو أنَّهُ أطْلَقَ الإيلافَ أوَّلًا ثُمَّ جَعَلَ المُقَيَّدَ بَدَلًا لِذَلِكَ المُطْلَقِ تَفْخِيمًا لِأمْرِ الإيلافِ وتَذْكِيرًا لِعَظِيمِ المِنَّةِ فِيهِ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ عامًّا يَجْمَعُ كُلَّ مُؤانَسَةٍ ومُوافَقَةٍ كانَ بَيْنَهم، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَقامُهم وسِيَرُهم وجَمِيعُ أحْوالِهِمْ، ثُمَّ خَصَّ إيلافِ الرِّحْلَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِسَبَبِ أنَّهُ قِوامُ مَعاشِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وفائِدَةُ تَرْكِ واوِ العَطْفِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ كُلُّ النِّعْمَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: ألِفْتُ كَذا أيْ لَزِمْتُهُ، والإلْزامُ ضَرْبانِ: إلْزامٌ بِالتَّكْلِيفِ والأمْرِ، وإلْزامٌ بِالمَوَدَّةِ والمُؤانَسَةِ فَإنَّهُ إذا أحَبَّ المَرْءُ شَيْئًا لَزِمَهُ، ومِنهُ: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦]، كَما أنَّ الإلْجاءَ ضَرْبانِ: أحَدُهُما: لِدَفْعِ الضَّرَرِ كالهَرَبِ مِنَ السَّبُعِ. والثّانِي: لِطَلَبِ النَّفْعِ العَظِيمِ، كَمَن يَجِدُ مالًا عَظِيمًا ولا مانِعَ مِن أخْذِهِ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا حِسًّا فَإنَّهُ يَكُونُ كالمُلْجَأِ إلى الأخْذِ، وكَذا الدَّواعِي الَّتِي صفحة ١٠٠ تَكُونُ دُونَ الإلْجاءِ، مَرَّةً تَكُونُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وأُخْرى لِجَلْبِ النَّفْعِ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ: (إيلافِهِمْ) . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قُرَيْشًا ولَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنّا بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ لا نَقْفُوا أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» وذَكَرُوا في سَبَبِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَصْغِيرُ القِرْشِ وهو دابَّةٌ عَظِيمَةٌ في البَحْرِ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ، ولا تَنْطَلِقُ إلّا بِالنّارِ، وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: بِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ ؟ قالَ: بِدابَّةٍ في البَحْرِ تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، تَعْلُو ولا تُعْلى، وأنْشَدَ: وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ ـرَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا والتَّصْغِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ قُرَيْشًا مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ لِأنَّها تَلِي أمْرَ الأُمَّةِ، فَإنَّ الأئِمَّةَ مِن قُرَيْشٍ. وثانِيها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ القِرْشِ وهو الكَسْبُ لِأنَّهم كانُوا كاسِبِينَ بِتِجاراتِهِمْ وضَرْبِهِمْ في البِلادِ. وثالِثُها: قالَ اللَّيْثُ: كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ، فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوها مَسْكَنًا، فَسَمُّوها قُرَيْشًا لِأنَّ التَّقَرُّشَ هو التَّجَمُّعُ، يُقالُ: تَقَرَّشَ القَوْمُ إذا اجْتَمَعُوا، ولِذَلِكَ سُمِّيَ قُصَيٌّ مُجَمِّعًا، قالَ الشّاعِرُ: أبُوكم قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَّعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ ورابِعُها: أنَّهم كانُوا يَسُدُّونَ خَلَّةَ مَحاوِيجِ الحاجِّ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ قُرَيْشًا، لِأنَّ القِرْشَ التَّفْتِيشُ قالَ ابْنُ حُرَّةَ: أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو وهَلْ لِذاكَ بَقاءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الرِّحْلَةُ اسْمُ الِارْتِحالِ مِنَ القَوْمِ لِلْمَسِيرِ، وفي المُرادِ مِن هَذِهِ الرِّحْلَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ رِحْلَةٌ بِالشِّتاءِ إلى اليَمَنِ لِأنَّ اليَمَنَ أدْفَأُ وبِالصَّيْفِ إلى الشَّأْمِ، وذَكَرَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ هو أنَّ قُرَيْشًا إذا أصابَ واحِدًا مِنهم مَخْمَصَةٌ خَرَجَ هو وعِيالُهُ إلى مَوْضِعٍ وضَرَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ خِباءً حَتّى يَمُوتُوا، إلى أنْ جاءَ هاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وكانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ، وكانَ لَهُ ابْنٌ يُقالُ لَهُ: أسَدٌ، وكانَ لَهُ تِرْبٌ مِن بَنِي مَخْزُومٍ يُحِبُّهُ ويَلْعَبُ مَعَهُ فَشَكا إلَيْهِ الضَّرَرَ والمَجاعَةَ فَدَخَلَ أسَدٌ عَلى أُمِّهِ يَبْكِي فَأرْسَلَتْ إلى أُولَئِكَ بِدَقِيقٍ وشَحْمٍ فَعاشُوا فِيهِ أيّامًا، ثُمَّ أتى تِرْبُ أسَدٍ إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى وشَكا إلَيْهِ مِنَ الجُوعِ فَقامَ هاشِمٌ خَطِيبًا في قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنَّكم أجْدَبْتُمْ جَدْبًا تُقِلُّونَ فِيهِ وتَذِلُّونَ، وأنْتُمْ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وأشْرافُ ولَدِ آدَمَ والنّاسُ لَكم تَبَعٌ. قالُوا: نَحْنُ تَبَعٌ لَكَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنّا خِلافٌ فَجَمَعَ كُلَّ بَنِي أبٍ عَلى الرِّحْلَتَيْنِ في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ وفي الصَّيْفِ إلى الشّامِ لِلتِّجاراتِ، فَما رَبِحَ الغَنِيُّ قَسَمَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ حَتّى كانَ فَقِيرُهم كَغَنِيِّهِمْ، فَجاءَ الإسْلامُ وهم عَلى ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ في العَرَبِ بَنُو أبٍ أكْثَرَ مالًا ولا أعَزَّ مِن قُرَيْشٍ، قالَ الشّاعِرُ فِيهِمْ: الخالِطِينَ فَقِيرَهم بِغَنِيِّهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَكُونَ فَقِيرُهم كالكافِي واعْلَمْ أنَّ وجْهَ النِّعْمَةِ والمِنَّةِ فِيهِ أنَّهُ لَوْ تَمَّ لِأصْحابِ الفِيلِ ما أرادُوا، لَتَرَكَ أهْلُ الأقْطارِ تَعْظِيمَهم وأيْضًا لَتَفَرَّقُوا وصارَ حالُهم كَحالِ اليَهُودِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨] صفحة ١٠١ واجْتِماعُ القَبِيلَةِ الواحِدَةِ في مَكانٍ واحِدٍ أدْخَلُ في النِّعْمَةِ مِن أنْ يَكُونَ الِاجْتِماعُ مِن قَبائِلَ شَتّى، ونَبَّهَ تَعالى أنَّ مِن شَرْطِ السَّفَرِ المُؤانَسَةَ والأُلْفَةَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٩٧] والسَّفَرُ أحْوَجُ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ مِنَ الإقامَةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ رِحْلَةُ النّاسِ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَرِحْلَةُ الشِّتاءِ والصَّيْفِ عُمْرَةُ رَجَبٍ وحَجُّ ذِي الحِجَّةِ لِأنَّهُ كانَ أحَدُهُما شِتاءً والآخَرُ صَيْفًا، ومَوْسِمُ مَنافِعِ مَكَّةَ يَكُونُ بِهِما، ولَوْ كانَ يَتِمُّ لِأصْحابِ الفِيلِ ما أرادُوا لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ المَنفَعَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَصْبُ الرِّحْلَةِ بِإيلافِهِمْ مَفْعُولًا بِهِ، وأرادَ رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَأفْرَدَ لِأمْنِ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم، وقِيلَ: مَعْناهُ رِحْلَةُ الشِّتاءِ ورِحْلَةُ الصَّيْفِ، وقُرِئَ ”رِحْلَةُ“ بِضَمِّ الرّاءِ وهي الجِهَةُ.

قريش 106:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ اعْلَمْ أنَّ الإنْعامَ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: دَفْعُ الضَّرَرِ. والثّانِي: جَلْبُ النَّفْعِ، والأوَّلُ أهَمُّ وأقْدَمُ، ولِذَلِكَ قالُوا: دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ واجِبٌ أمّا جَلْبُ النَّفْعِ (فَإنَّهُ) غَيْرُ واجِبٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ تَعالى نِعْمَةَ دَفْعِ الضَّرَرِ في سُورَةِ الفِيلِ ونِعْمَةَ جَلْبِ النَّفْعِ في هَذِهِ السُّورَةِ، ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ الإنْعامَ لا بُدَّ وأنْ يُقابَلَ بِالشُّكْرِ والعُبُودِيَّةِ، لا جَرَمَ أتْبَعَ ذِكْرَ النِّعْمَةِ بِطَلَبِ العُبُودِيَّةِ فَقالَ: (فَلْيَعْبُدُوا) وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرْنا أنَّ العِبادَةَ هي التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ لِلْمَعْبُودِ عَلى غايَةِ ما يَكُونُ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: أرادَ فَلْيُوَحِّدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِأنَّهُ هو الَّذِي حَفِظَ البَيْتَ دُونَ الأوْثانِ، ولِأنَّ التَّوْحِيدَ مِفْتاحُ العِباداتِ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ العِباداتُ المُتَعَلِّقَةُ بِأعْمالِ الجَوارِحِ ثُمَّ ذَكَرَ كُلَّ قِسْمٍ مِن أقْسامِ العِباداتِ، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ لِأنَّ اللَّفْظَ مُتَناوِلٌ لِلْكُلِّ إلّا ما أخْرَجَهُ الدَّلِيلُ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْنى فَلْيَعْبُدُوا أيْ فَلْيَتْرُكُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ولْيَشْتَغِلُوا بِعِبادَةِ رَبِّ هَذا البَيْتِ فَإنَّهُ يُطْعِمُهم مِن جُوعٍ ويُؤَمِّنُهم مِن خَوْفٍ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ لَفْظِ الرَّبِّ تَقْرِيرٌ لِما قالُوهُ لِأبْرَهَةَ: إنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَحْفَظُهُ، ولَمْ يُعَوِّلُوا في ذَلِكَ عَلى الأصْنامِ فَلَزِمَهم لِإقْرارِهِمْ أنْ لا يَعْبُدُوا سِواهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا عَوَّلْتُمْ في الحِفْظِ عَلَيَّ فاصْرِفُوا العِبادَةَ والخِدْمَةَ إلَيَّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإشارَةُ إلى البَيْتِ في هَذا النَّظْمِ تُفِيدُ التَّعْظِيمَ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ تارَةً أضافَ العَبْدَ إلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: يا عِبادِي، وتارَةً يُضِيفُ نَفْسَهُ إلى العَبْدِ فَيَقُولُ: وإلَهُكم، كَذا في البَيْتِ (تارَةً) يُضِيفُ نَفْسَهُ إلى البَيْتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ وتارَةً يُضِيفُ البَيْتَ إلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]

قريش 106:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ وفي هَذا الإطْعامِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا آمَنَهم بِالحَرَمِ حَتّى لا يَتَعَرَّضَ لَهم في رِحْلَتَيْهِمْ كانَ ذَلِكَ سَبَبَ إطْعامِهِمْ بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ الجُوعِ. ثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: شَقَّ عَلَيْهِمُ الذَّهابُ إلى اليَمَنِ والشّامِ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، فَقَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِ الحَبَشَةِ أنْ يَحْمِلُوا الطَّعامَ في السُّفُنِ إلى مَكَّةَ فَحَمَلُوهُ، وجَعَلَ أهْلُ مَكَّةَ يَخْرُجُونَ إلَيْهِمْ بِالإبِلِ والخَمْرِ، ويَشْتَرُونَ طَعامَهم مِن جُدَّةَ عَلى مَسِيرَةِ لَيْلَتَيْنِ وتَتابَعَ ذَلِكَ، فَكَفاهُمُ اللَّهُ مَؤُونَةَ الرِّحْلَتَيْنِ. ثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ: صفحة ١٠٢ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها أنَّهم لَمّا كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ دَعا عَلَيْهِمْ، فَقالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ القَحْطُ وأصابَهُمُ الجَهْدُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ادْعُ اللَّهَ فَإنّا مُؤْمِنُونَ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخْصَبَتِ البِلادُ وأخْصَبَ أهْلُ مَكَّةَ بَعْدَ القَحْطِ»، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: العِبادَةُ إنَّما وجَبَتْ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى أُصُولَ النِّعَمِ، والإطْعامُ لَيْسَ مِن أُصُولِ النِّعَمِ، فَلِماذا عَلَّلَ وُجُوبَ العِبادَةِ بِالإطْعامِ ؟ والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إنْعامَهُ عَلَيْهِمْ بِحَبْسِ الفِيلِ وإرْسالِ الطَّيْرِ وإهْلاكِ الحَبَشَةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ لِإيلافِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِالعِبادَةِ، فَكَأنَّ السّائِلَ يَقُولُ: لَكِنْ نَحْنُ مُحْتاجُونَ إلى كَسْبِ الطَّعامِ والذَّبِّ عَنِ النَّفْسِ، فَلَوِ اشْتَغَلْنا بِالعِبادَةِ فَمَن ذا الَّذِي يُطْعِمُنا ؟ فَقالَ: الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ، قَبْلَ أنْ يَعْبُدُوهُ، ألا يُطْعِمُهم إذا عَبَدُوهُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أعْطى العَبْدَ أُصُولَ النِّعَمِ أساءَ العَبْدُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ يُطْعِمُهم مَعَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إذا لَمْ تَسْتَحِ مِن أُصُولِ النِّعَمِ ألا تَسْتَحِي مِن إحْسانِي إلَيْكَ بَعْدَ إساءَتِكَ ؟ ! وثالِثُها: إنَّما ذَكَرَ الإنْعامَ، لِأنَّ البَهِيمَةَ تُطِيعُ مَن يَعْلِفُها، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَسْتُ دُونَ البَهِيمَةِ. السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّهُ جَعَلَ الدُّنْيا مِلْكًا لَنا بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَكَيْفَ تَحْسُنُ المِنَّةُ عَلَيْنا بِأنْ أعْطانا مِلْكَنا ؟ الجَوابُ: انْظُرْ في الأشْياءِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها قَبْلَ الأكْلِ حَتّى يَتِمَّ الطَّعامُ ويَتَهَيَّأ، وفي الأشْياءِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها بَعْدَ الأكْلِ حَتّى يَتِمَّ الِانْتِفاعُ بِالطَّعامِ المَأْكُولِ، فَإنَّكَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، ولا بُدَّ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ حَتّى يَتِمَّ ذَلِكَ الطَّعامُ، ولا بُدَّ مِن جُمْلَةِ الأعْضاءِ عَلى اخْتِلافِ أشْكالِها وصُوَرِها حَتّى يَتِمَّ الِانْتِفاعُ بِالطَّعامِ، وحِينَئِذٍ تَعْلَمُ أنَّ الإطْعامَ يُناسِبُ الأمْرَ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: المِنَّةُ بِالإطْعامِ لا تَلِيقُ بِمَن لَهُ شَيْءٌ مِنَ الكَرَمِ، فَكَيْفَ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ المِنَّةَ، بَلِ الإرْشادَ إلى الأصْلَحِ، لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الأكْلِ تَقْوِيَةَ الشَّهْوَةِ المانِعَةِ عَنِ الطّاعَةِ، بَلْ تَقْوِيَةَ البِنْيَةِ عَلى أداءِ الطّاعاتِ، فَكَأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ ذَلِكَ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: (مِن جُوعٍ) ؟ الجَوابُ: فِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أمْرَ الجُوعِ شَدِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] وقَوْلُهُ ﷺ: «مَن أصْبَحَ آمِنًا في سِرْبِهِ» الحَدِيثَ. وثانِيها: تَذْكِيرُهُمُ الحالَةَ الأُولى الرَّدِيئَةَ المُؤْلِمَةَ وهي الجُوعُ حَتّى يَعْرِفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ الحاضِرَةِ. وثالِثُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ خَيْرَ الطَّعامِ ما سَدَّ الجَوْعَةَ: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وأشْبَعَهم لِأنَّ الطَّعامَ يُزِيلُ الجُوعَ، أمّا الإشْباعُ فَإنَّهُ يُورِثُ البِطْنَةَ. * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ فَفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يُسافِرُونَ آمِنِينَ لا يَتَعَرَّضُ لَهم أحَدٌ، ولا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ لا في سَفَرِهِمْ، ولا في حَضَرِهِمْ، وكانَ غَيْرُهم لا يَأْمَنُونَ مِنَ الغارَةِ في السَّفَرِ والحَضَرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] . ثانِيها: أنَّهُ آمَنَهم مِن زَحْمَةِ أصْحابِ الفِيلِ. وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ: وآمَنَهم مِن خَوْفِ الجُذامِ، فَلا يُصِيبُهم بِبَلْدَتِهِمْ صفحة ١٠٣ الجُذامُ. ورابِعُها: آمَنَهم مِن خَوْفِ أنْ تَكُونَ الخِلافَةُ في غَيْرِهِمْ. وخامِسُها: آمَنَهم بِالإسْلامِ، فَقَدْ كانُوا في الكُفْرِ يَتَفَكَّرُونَ، فَيَعْلَمُونَ أنَّ الدِّينَ الَّذِي هم عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إلّا أنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَ الدِّينَ الَّذِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ. وسادِسُها: أطْعَمَهم مِن جُوعِ الجَهْلِ بِطَعامِ الوَحْيِ، وآمَنَهم مِن خَوْفِ الضَّلالِ بِبَيانِ الهُدى، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا أهْلَ مَكَّةَ كُنْتُمْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ تُسَمَّوْنَ جُهّالَ العَرَبِ وأجْلافَهم، ومَن كانَ يُنازِعُكم كانُوا يُسَمَّوْنَ أهْلَ الكِتابِ، ثُمَّ أنْزَلْتُ الوَحْيَ عَلى نَبِيِّكم، وعَلَّمْتُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ حَتّى صِرْتُمُ الآنَ تُسَمَّوْنَ أهْلَ العِلْمِ والقُرْآنِ، وأُولَئِكَ يُسَمَّوْنَ جُهّالَ اليَهُودِ والنَّصارى، ثُمَّ إطْعامُ الطَّعامِ الَّذِي يَكُونُ غِذاءَ الجَسَدِ يُوجِبُ الشُّكْرَ، فَإطْعامُ الطَّعامِ الَّذِي هو غِذاءُ الرُّوحِ، ألا يَكُونُ مُوجِبًا لِلشُّكْرِ ! وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: عَنْ جُوعٍ وعَنْ خَوْفٍ ؟ قُلْنا: لِأنَّ مَعْنى ”عَنْ“ أنَّهُ جَعَلَ الجُوعَ بَعِيدًا عَنْهم، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّبْعِيدُ مَسْبُوقًا بِمُقاساةِ الجُوعِ زَمانًا، ثُمَّ يَصْرِفُهُ عَنْهُ، و”مِن“ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، بَلْ مَعْناهُ أنَّهم عِنْدَما يَجُوعُونَ يُطْعَمُونَ، وحِينَ ما يَخافُونَ يُؤَمَّنُونَ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: مِن جُوعٍ، مِن خَوْفٍ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ ؟ الجَوابُ: المُرادُ مِنَ التَّنْكِيرِ التَّعْظِيمُ. أمّا الجُوعُ فَلِما رَوَيْنا: أنَّهُ أصابَتْهم شِدَّةٌ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والعِظامَ المُحْرَقَةَ. وأمّا الخَوْفُ، فَهو الخَوْفُ الشَّدِيدُ الحاصِلُ مِن أصْحابِ الفِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ التَّنْكِيرِ التَّحْقِيرَ، يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يُجَوِّزْ لِغايَةِ كَرَمِهِ إبْقاءَهم في ذَلِكَ الجُوعِ القَلِيلِ والخَوْفِ القَلِيلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ في كَرَمِهِ لَوْ عَبَدُوهُ أنْ يُهْمِلَ أمْرَهم ؟ ! ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ: ﴿أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ دُونَ جُوعٍ ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ دُونَ خَوْفٍ، لِيَكُونَ الجُوعُ الثّانِي، والخَوْفُ الثّانِي مُذَكِّرًا ما كانُوا فِيهِ أوَّلًا مِن أنْواعِ الجُوعِ والخَوْفِ، حَتّى يَكُونُوا شاكِرِينَ مِن وجْهٍ، وصابِرِينَ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَيَسْتَحِقُّوا ثَوابَ الخَصْلَتَيْنِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما أطْعَمَهم وآمَنَهم إجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أمّا في الإطْعامِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ﴾ [البقرة: ١٢٦] وأمّا الأمانُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ مِنَّةً عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ مِنَّةً عَلى أُولَئِكَ الحاضِرِينَ ؟ والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] قالَ إبْراهِيمُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [ البَقَرَةِ: ١٢٤] فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] فَنادى إبْراهِيمُ بِهَذا الأدَبِ، فَحِينَ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٢٦] فَقالَ اللَّهُ: لا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْيِيدِ، بَلْ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمّا نِعْمَةُ الأمانِ فَهي دِينِيَّةٌ فَلا تَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ تَقِيًّا، وأمّا نِعْمَةُ الدُّنْيا فَهي تَصِلُ إلى البَرِّ والفاجِرِ والصّالِحِ والطّالِحِ، وإنْ كانَ كَذَلِكَ كانَ إطْعامُ الكافِرِ مِنَ الجُوعِ، وأمانُهُ مِنَ الخَوْفِ إنْعامًا مِنَ اللَّهِ ابْتِداءً عَلَيْهِ لا بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، فَزالَ السُّؤالُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الماعون 107:1

صفحة ١٠٤ (سُورَةُ الماعُونِ) سَبْعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﷽ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ بَعْضُهم ”أرَيْتَ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَيْسَ بِالِاخْتِيارِ، لِأنَّ الهَمْزَةَ إنَّما طُرِحَتْ مِنَ المُسْتَقْبَلِ نَحْوَ يَرى وأرى وتَرى، فَأمّا رَأيْتُ فَلَيْسَ يَصِحُّ عَنِ العَرَبِ فِيها رَيْتُ، ولَكِنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ في أوَّلِ الكَلامِ سَهَّلَ إلْغاءَ الهَمْزَةِ، ونَظِيرُهُ: صاحَ هَلْ رَيْتَ أوْ سَمِعْتَ بِراعٍ رَدَّ في الضَّرْعِ ما قَرى في العِلابِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”أرَأيْتَكَ“ بِزِيادَةِ حَرْفِ الخِطابِ كَقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (أرَأيْتَ) مَعْناهُ هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ مَن هو، فَإنْ لَمْ تَعْرِفْهُ فَهو: ﴿الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا اللَّفْظَ وإنْ كانَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ، لَكِنَّ الغَرَضَ بِمِثْلِهِ المُبالَغَةُ في التَّعَجُّبِ كَقَوْلِكَ: أرَأيْتَ فُلانًا ماذا ارْتَكَبَ ولِماذا عَرَّضَ نَفْسَهُ ؟ ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ خِطابٌ لِكُلِّ عاقِلٍ أيْ أرَأيْتَ يا عاقِلُ هَذا الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بَعْدَ ظُهُورِ دَلائِلِهِ ووُضُوحِ تِبْيانِهِ أيَفْعَلُ ذَلِكَ لا لِغَرَضٍ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ جَرُّ العُقُوبَةِ الأبَدِيَّةِ إلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ غَرَضٍ أوْ لِأجْلِ الدُّنْيا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَبِيعَ الكَثِيرَ الباقِيَ بِالقَلِيلِ الفانِي. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا صفحة ١٠٥ أشْخاصًا، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ كانَ يَنْحَرُ جَزُورَيْنِ في كُلِّ أُسْبُوعٍ، فَأتاهُ يَتِيمٌ فَسَألَهُ لَحْمًا فَقَرَعَهُ بِعَصاهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، وكانَ مِن صِفَتِهِ الجَمْعُ بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ القِيامَةِ والإتْيانِ بِالأفْعالِ القَبِيحَةِ، وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، ورُوِيَ «أنَّهُ كانَ وصِيًّا لِيَتِيمٍ، فَجاءَهُ وهو عُرْيانٌ يَسْألُهُ شَيْئًا مِن مالِ نَفْسِهِ، فَدَفَعَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ فَأيِسَ الصَّبِيُّ، فَقالَ لَهُ أكابِرُ قُرَيْشٍ: قُلْ لِمُحَمَّدٍ يَشْفَعْ لَكَ، وكانَ غَرَضُهُمُ الِاسْتِهْزاءَ ولَمْ يَعْرِفِ اليَتِيمُ ذَلِكَ، فَجاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ والتَمَسَ مِنهُ ذَلِكَ، وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما كانَ يَرُدُّ مُحْتاجًا فَذَهَبَ مَعَهُ إلى أبِي جَهْلٍ فَرَحَّبَ بِهِ وبَذَلَ المالَ لِلْيَتِيمِ فَعَيَّرَهُ قُرَيْشٌ، فَقالُوا: صَبَوْتَ، فَقالَ: لا واللَّهِ ما صَبَوْتُ، لَكِنْ رَأيْتُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسارِهِ حَرْبَةً خِفْتُ إنْ لَمْ أُجِبْهُ يَطْعَنْها فِيَّ»، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُنافِقٍ جَمَعَ بَيْنَ البُخْلِ والمُراءاةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ لِكُلِّ مَن كانَ مُكَذِّبًا بِيَوْمِ الدِّينِ، وذَلِكَ لِأنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى الطّاعاتِ وإحْجامَهُ عَنِ المَحْظُوراتِ إنَّما يَكُونُ لِلرَّغْبَةِ في الثَّوابِ والرَّهْبَةِ عَنِ العِقابِ، فَإذا كانَ مُنْكِرًا لِلْقِيامَةِ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ المُشْتَهَياتِ واللَّذّاتِ، فَثَبَتَ أنَّ إنْكارَ القِيامَةِ كالأصْلِ لِجَمِيعِ أنْواعِ الكُفْرِ والمَعاصِي. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَفْسِيرِ الدِّينِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يُكَذِّبُ بِنَفْسِ الدِّينِ والإسْلامِ إمّا لِأنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِلصّانِعِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِلنُّبُوَّةِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِلْمَعادِ أوْ لِشَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِكُلِّ أحَدٍ دِينٌ ؟ والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الدِّينَ المُطْلَقَ في اصْطِلاحِ أهْلِ الإسْلامِ والقُرْآنِ هو الإسْلامُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] أمّا سائِرُ المَذاهِبِ فَلا تُسَمّى دِينًا إلّا بِضَرْبٍ مِنَ التَّقْيِيدِ كَدِينِ النَّصارى واليَهُودِ. وثانِيها: أنْ يُقالَ: هَذِهِ المَقالاتُ الباطِلَةُ لَيْسَتْ بِدِينٍ، لِأنَّ الدِّينَ هو الخُضُوعُ لِلَّهِ وهَذِهِ المَذاهِبُ إنَّما هي خُضُوعٌ لِلشَّهْوَةِ أوْ لِلشُّبْهَةِ. وثالِثُها: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُرادَ أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ والجَزاءِ، قالُوا: وحَمْلُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى لِأنَّ مَن يُنْكِرُ الإسْلامَ قَدْ يَأْتِي بِالأفْعالِ الحَمِيدَةِ ويَحْتَرِزُ عَنْ مَقابِحِها إذا كانَ مُقِرًّا بِالقِيامَةِ والبَعْثِ، أمّا المُقْدِمُ عَلى كُلِّ قَبِيحٍ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ فَلَيْسَ هو إلّا المُنْكِرَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ.

الماعون 107:2

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في تَعْرِيفِ مَن يُكَذِّبُ بِالدِّينِ وصْفَيْنِ: أحَدُهُما: مِن بابِ الأفْعالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ . والثّانِي: مِن بابِ التُّرُوكِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَذَلِكَ“ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ لَمّا كانَ كافِرًا مُكَذِّبًا كانَ كُفْرُهُ سَبَبًا لِدَعِّ اليَتِيمِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلَيْهِما عَلى مَعْنى أنَّ الصّادِرَ عَمَّنْ يُكَذِّبُ بِالدِّينِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، لِأنّا نَعْلَمُ أنَّ المُكَذِّبَ بِالدِّينِ لا يَقْتَصِرُ عَلى هَذَيْنِ بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ مِثالًا واحِدًا تَنْبِيهًا بِذِكْرِهِ عَلى سائِرِ القَبائِحِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ، كَما أنَّهُما قَبِيحانِ مُنْكَرانِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ فَهُما أيْضًا مُسْتَنْكَرانِ بِحَسَبِ المُرُوءَةِ والإنْسانِيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَدْفَعُهُ بِعُنْفٍ وجَفْوَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] وحاصِلُ الأمْرِ في دَعِّ اليَتِيمِ أُمُورٌ: أحَدُها: دَفْعُهُ عَنْ حَقِّهِ ومالِهِ بِالظُّلْمِ. والثّانِي: تَرْكُ المُواساةِ صفحة ١٠٦ مَعَهُ، وإنْ لَمْ تَكُنِ المُواساةُ واجِبَةً. وقَدْ يُذَمُّ المَرْءُ بِتَرْكِ النَّوافِلِ لا سِيَّما إذا أُسْنِدَ إلى النِّفاقِ وعَدَمِ الدِّينِ. والثّالِثُ: يَزْجُرُهُ ويَضْرِبُهُ ويَسْتَخِفُّ بِهِ، وقُرِئَ ”يَدَعُ“ أيْ يَتْرُكُهُ، ولا يَدْعُوهُ بِدَعْوَةٍ، أيْ يَدْعُوا جَمِيعَ الأجانِبِ ويَتْرُكُ اليَتِيمَ مَعَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «ما مِن مائِدَةٍ أعْظَمُ مِن مائِدَةٍ عَلَيْها يَتِيمٌ» وقُرِئَ ”يَدْعُو اليَتِيمَ“ أيْ يَدْعُوهُ رِياءً ثُمَّ لا يُطْعِمُهُ وإنَّما يَدْعُوهُ اسْتِخْدامًا أوْ قَهْرًا أوِ اسْتِطالَةً. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: (يَدُعُّ) بِالتَّشْدِيدِ فائِدَةً، وهي أنَّ ”يَدُعُّ“ بِالتَّشْدِيدِ مَعْناهُ أنَّهُ يَعْتادُ ذَلِكَ فَلا يَتَناوَلُ الوَعِيدَ مَن وُجِدَ مِنهُ ذَلِكَ ونَدِمَ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] سُمِّيَ ذَنْبُ المُؤْمِنِ لَمَمًا لِأنَّهُ كالطَّيْفِ والخَيالِ يَطْرَأُ ولا يَبْقى، لِأنَّ المُؤْمِنَ كَما يَفْرُغُ مِنَ الذَّنْبِ يَنْدَمُ، إنَّما المُكَذِّبُ هو الَّذِي يُصِرُّ عَلى الذَّنْبِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَحُضُّ نَفْسَهُ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، وإضافَةُ الطَّعامِ إلى المِسْكِينِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّعامَ حَقُّ المِسْكِينِ، فَكَأنَّهُ مَنَعَ المِسْكِينَ مِمّا هو حَقُّهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ بُخْلِهِ وقَساوَةِ قَلْبِهِ وخَساسَةِ طَبْعِهِ. والثّانِي: لا يَحُضُّ غَيْرَهُ عَلى إطْعامِ ذَلِكَ المِسْكِينِ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ في ذَلِكَ الفِعْلِ ثَوابًا، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالقِيامَةِ الإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ ومَنعَ المَعْرُوفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ لَما صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ، فَمَوْضِعُ الذَّنْبِ هو التَّكْذِيبُ بِالقِيامَةِ، وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ قَدْ لا يَحُضُّ المَرْءُ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ ولا يَكُونُ آثِمًا ؟ الجَوابُ: لِأنَّ غَيْرَهُ يَنُوبُ مَنابَهُ أوْ لِأنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أوْ لِمَفْسَدَةٍ أُخْرى يَتَوَقَّعُها، أمّا هَهُنا فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ (إلّا) لِما أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِالدِّينِ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ ؟ والجَوابُ: إذا مَنَعَ اليَتِيمَ حَقَّهُ فَكَيْفَ يُطْعِمُ المِسْكِينَ مِن مالِ نَفْسِهِ، بَلْ هو بَخِيلٌ مِن مالِ غَيْرِهِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في الخِسَّةِ، فَلِأنْ يَكُونَ بَخِيلًا بِمالِ نَفْسِهِ أوْلى، وضِدُّهُ في مَدْحِ المُؤْمِنِينَ: ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ] البَلَدِ: ١٧ ]، ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ [العصر: ٣]، ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . [العصر: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَفْعَلُ إيذاءَ اليَتِيمِ والمَنعَ مِنَ الإطْعامِ دَلِيلًا عَلى النِّفاقِ، فالصَّلاةُ لا مَعَ الخُضُوعِ، والخُضُوعُ أوْلى، أنْ تَدُلَّ عَلى النِّفاقِ؛ لِأنَّ الإيذاءَ والمَنعَ مِنَ النَّفْعِ مُعامَلَةٌ مَعَ المَخْلُوقِ، أمّا الصَّلاةُ فَإنَّها خِدْمَةٌ لِلْخالِقِ. وثانِيها: كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ إيذاءَ اليَتِيمِ وتَرْكَهُ لِلْحَضِّ كَأنَّ سائِلًا قالَ: ألَيْسَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ؟ فَقالَ لَهُ: الصَّلاةُ كَيْفَ تَنْهاهُ عَنْ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ وهي مَصْنُوعَةٌ مِن عَيْنِ الرِّياءِ والسَّهْوِ. وثالِثُها: كَأنَّهُ يَقُولُ: إقْدامُهُ عَلى إيذاءِ اليَتِيمِ وتَرْكُهُ لِلْحَضِّ، تَقْصِيرٌ فِيما يَرْجِعُ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وسَهْوُهُ في الصَّلاةِ تَقْصِيرٌ فِيما يَرْجِعُ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَلَمّا وقَعَ التَّقْصِيرُ في الأمْرَيْنِ فَقَدْ كَمُلَتْ شَقاوَتُهُ: فَلِهَذا قالَ: (فَوَيْلٌ) واعْلَمْ أنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما صفحة ١٠٧ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الجَرِيمَةِ الشَّدِيدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] ويُرْوى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَنُوحُ في النّارِ بِحَسَبِ جَرِيمَتِهِ، فَقائِلٌ يَقُولُ: ويْلِي مِن حُبِّ الشَّرَفِ، وآخَرُ يَقُولُ: ويْلِي مِنَ الحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، وآخَرُ يَقُولُ: ويْلِي مِن صَلاتِي، فَلِهَذا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ سَماعِ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، أنْ يَقُولَ المَرْءُ ويْلِي إنْ لَمْ يُغْفَرْ لِي. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ بِفِعْلِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها: السَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ. وثانِيها: فِعْلُ المُراءاةِ. وثالِثُها: مَنعُ الماعُونِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ الذُّنُوبِ، ولا يَصِيرُ المَرْءُ بِهِ مُنافِقًا، فَلِمَ حَكَمَ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذا الوَعِيدِ عَلى فاعِلِ هَذِهِ الأفْعالِ ؟ ولِأجْلِ هَذا الإشْكالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الأفْعالِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ لَهُ مَزِيدُ عُقُوبَةٍ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى مَحْظُوراتِ الشَّرْعِ وتَرْكِهِ لِواجِباتِ الشَّرْعِ، وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ: إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وهَذا الجَوابُ هو المُعْتَمَدُ. وثانِيها: ما رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَوْ قالَ اللَّهُ: في صَلاتِهِمْ ساهُونَ، لَكانَ هَذا الوَعِيدُ في المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ قالَ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ والسّاهِي عَنِ الصَّلاةِ هو الَّذِي لا يَتَذَكَّرُها ويَكُونُ فارِغًا عَنْها، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ السَّهْوَ عَنِ الصَّلاةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِتَرْكِ الصَّلاةِ، لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُمُ الصَّلاةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وأيْضًا فالسَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ بِمَعْنى التَّرْكِ لا يَكُونُ نِفاقًا ولا كُفْرًا فَيَعُودُ الإشْكالُ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنِ الِاعْتِراضِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُصَلِّينَ نَظَرًا إلى الصُّورَةِ وبِأنَّهم نَسُوا الصَّلاةَ بِالكُلِّيَّةِ نَظَرًا إلى المَعْنى كَما قالَ: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] ويُجابُ عَنِ الِاعْتِراضِ الثّانِي بِأنَّ النِّسْيانَ عَنِ الصَّلاةِ هو أنْ يَبْقى ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ في جَمِيعِ أجْزاءِ الصَّلاةِ، وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ المُنافِقِ الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الصَّلاةِ، أمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُ فِيها فائِدَةً عَيْنِيَّةً يَمْتَنِعُ أنْ لا يَتَذَكَّرَ أمْرَ الدِّينِ والثَّوابَ والعِقابَ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الصَّلاةِ، بَلْ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ السَّهْوُ في الصَّلاةِ بِمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ ساهِيًا في بَعْضِ أجْزاءِ الصَّلاةِ، فَثَبَتَ أنَّ السَّهْوَ في الصَّلاةِ مِن أفْعالِ المُؤْمِنِ، والسَّهْوَ عَنِ الصَّلاةِ مِن أفْعالِ الكافِرِ. ثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَعْنى: (ساهُونَ) أيْ لا يَتَعَهَّدُونَ أوْقاتَ صَلَواتِهِمْ ولا شَرائِطَها، ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءٌ صَلّى أوْ لَمْ يُصَلِّ، وهو قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ومَسْرُوقٍ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في سَهْوِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في صَلاتِهِ، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما سَها، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى يَفْعَلَ ما يَفْعَلُهُ السّاهِي فَيَصِيرَ ذَلِكَ بَيانًا لِذَلِكَ الشَّرْعِ بِالفِعْلِ، والبَيانُ بِالفِعْلِ أقْوى، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ السَّهْوِ مِنهُ، فالسَّهْوُ عَلى أقْسامٍ: أحَدُها: سَهْوُ الرَّسُولِ والصَّحابَةِ وذَلِكَ مُنْجَبِرٌ تارَةً بِسُجُودِ السَّهْوِ وتارَةً بِالسُّنَنِ والنَّوافِلِ. والثّانِي: ما يَكُونُ في الصَّلاةِ مِنَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ اسْتِحْضارِ المَعارِفِ والنِّيّاتِ. والثّالِثُ: التَّرْكُ لا إلى قَضاءٍ والإخْراجُ عَنِ الوَقْتِ، ومِن ذَلِكَ صَلاةُ المُنافِقِ وهي شَرٌّ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِالدِّينِ بِتِلْكَ الصَّلاةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ المُنافِقِ والمُرائِي: أنَّ المُنافِقَ هو المُظْهِرُ لِلْإيمانِ المُبْطِنُ لِلْكُفْرِ، والمُرائِي المُظْهِرُ ما لَيْسَ في قَلْبِهِ مِن زِيادَةِ خُشُوعٍ لِيَعْتَقِدَ فِيهِ مَن يَراهُ أنَّهُ مُتَدَيِّنٌ، أوْ تَقُولُ: المُنافِقُ لا يُصَلِّي سِرًّا والمُرائِي تَكُونُ صَلاتُهُ عِنْدَ النّاسِ أحْسَنَ. صفحة ١٠٨ اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ إظْهارُ الفَرائِضِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ لِأنَّها شَعائِرُ الإسْلامِ، وتارِكُها مُسْتَحِقٌّ لِلَّعْنِ فَيَجِبُ نَفْيُ التُّهْمَةِ بِالإظْهارِ. إنَّما الإخْفاءُ في النَّوافِلِ إلّا إذا أظْهَرَ النَّوافِلَ لِيُقْتَدى بِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَأى في المَسْجِدِ رَجُلًا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وأطالَها، فَقالَ: ما أحْسَنَ هَذا لَوْ كانَ في بَيْتِكَ ! لَكِنَّ مَعَ هَذا قالُوا: لا يَتْرُكُ النَّوافِلَ حَياءً ولا يَأْتِي بِها رِياءً، وقَلَّما يَتَيَسَّرُ اجْتِنابُ الرِّياءِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الرِّياءُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْداءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ عَلى المَسْحِ الأسْوَدِ» فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المُراءاةِ ؟ قُلْنا: هي مُفاعَلَةٌ مِنَ الإراءَةِ لِأنَّ المُرائِيَ يُرِي النّاسَ عَمَلَهُ، وهم يُرُونَهُ الثَّناءَ عَلَيْهِ والإعْجابَ بِهِ.

الماعون 107:3

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في تَعْرِيفِ مَن يُكَذِّبُ بِالدِّينِ وصْفَيْنِ: أحَدُهُما: مِن بابِ الأفْعالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ . والثّانِي: مِن بابِ التُّرُوكِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَذَلِكَ“ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ لَمّا كانَ كافِرًا مُكَذِّبًا كانَ كُفْرُهُ سَبَبًا لِدَعِّ اليَتِيمِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلَيْهِما عَلى مَعْنى أنَّ الصّادِرَ عَمَّنْ يُكَذِّبُ بِالدِّينِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، لِأنّا نَعْلَمُ أنَّ المُكَذِّبَ بِالدِّينِ لا يَقْتَصِرُ عَلى هَذَيْنِ بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ مِثالًا واحِدًا تَنْبِيهًا بِذِكْرِهِ عَلى سائِرِ القَبائِحِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ، كَما أنَّهُما قَبِيحانِ مُنْكَرانِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ فَهُما أيْضًا مُسْتَنْكَرانِ بِحَسَبِ المُرُوءَةِ والإنْسانِيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَدْفَعُهُ بِعُنْفٍ وجَفْوَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] وحاصِلُ الأمْرِ في دَعِّ اليَتِيمِ أُمُورٌ: أحَدُها: دَفْعُهُ عَنْ حَقِّهِ ومالِهِ بِالظُّلْمِ. والثّانِي: تَرْكُ المُواساةِ صفحة ١٠٦ مَعَهُ، وإنْ لَمْ تَكُنِ المُواساةُ واجِبَةً. وقَدْ يُذَمُّ المَرْءُ بِتَرْكِ النَّوافِلِ لا سِيَّما إذا أُسْنِدَ إلى النِّفاقِ وعَدَمِ الدِّينِ. والثّالِثُ: يَزْجُرُهُ ويَضْرِبُهُ ويَسْتَخِفُّ بِهِ، وقُرِئَ ”يَدَعُ“ أيْ يَتْرُكُهُ، ولا يَدْعُوهُ بِدَعْوَةٍ، أيْ يَدْعُوا جَمِيعَ الأجانِبِ ويَتْرُكُ اليَتِيمَ مَعَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «ما مِن مائِدَةٍ أعْظَمُ مِن مائِدَةٍ عَلَيْها يَتِيمٌ» وقُرِئَ ”يَدْعُو اليَتِيمَ“ أيْ يَدْعُوهُ رِياءً ثُمَّ لا يُطْعِمُهُ وإنَّما يَدْعُوهُ اسْتِخْدامًا أوْ قَهْرًا أوِ اسْتِطالَةً. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: (يَدُعُّ) بِالتَّشْدِيدِ فائِدَةً، وهي أنَّ ”يَدُعُّ“ بِالتَّشْدِيدِ مَعْناهُ أنَّهُ يَعْتادُ ذَلِكَ فَلا يَتَناوَلُ الوَعِيدَ مَن وُجِدَ مِنهُ ذَلِكَ ونَدِمَ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] سُمِّيَ ذَنْبُ المُؤْمِنِ لَمَمًا لِأنَّهُ كالطَّيْفِ والخَيالِ يَطْرَأُ ولا يَبْقى، لِأنَّ المُؤْمِنَ كَما يَفْرُغُ مِنَ الذَّنْبِ يَنْدَمُ، إنَّما المُكَذِّبُ هو الَّذِي يُصِرُّ عَلى الذَّنْبِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَحُضُّ نَفْسَهُ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، وإضافَةُ الطَّعامِ إلى المِسْكِينِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّعامَ حَقُّ المِسْكِينِ، فَكَأنَّهُ مَنَعَ المِسْكِينَ مِمّا هو حَقُّهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ بُخْلِهِ وقَساوَةِ قَلْبِهِ وخَساسَةِ طَبْعِهِ. والثّانِي: لا يَحُضُّ غَيْرَهُ عَلى إطْعامِ ذَلِكَ المِسْكِينِ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ في ذَلِكَ الفِعْلِ ثَوابًا، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالقِيامَةِ الإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ ومَنعَ المَعْرُوفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ لَما صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ، فَمَوْضِعُ الذَّنْبِ هو التَّكْذِيبُ بِالقِيامَةِ، وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ قَدْ لا يَحُضُّ المَرْءُ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ ولا يَكُونُ آثِمًا ؟ الجَوابُ: لِأنَّ غَيْرَهُ يَنُوبُ مَنابَهُ أوْ لِأنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أوْ لِمَفْسَدَةٍ أُخْرى يَتَوَقَّعُها، أمّا هَهُنا فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ (إلّا) لِما أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِالدِّينِ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ ؟ والجَوابُ: إذا مَنَعَ اليَتِيمَ حَقَّهُ فَكَيْفَ يُطْعِمُ المِسْكِينَ مِن مالِ نَفْسِهِ، بَلْ هو بَخِيلٌ مِن مالِ غَيْرِهِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في الخِسَّةِ، فَلِأنْ يَكُونَ بَخِيلًا بِمالِ نَفْسِهِ أوْلى، وضِدُّهُ في مَدْحِ المُؤْمِنِينَ: ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ] البَلَدِ: ١٧ ]، ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ [العصر: ٣]، ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . [العصر: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَفْعَلُ إيذاءَ اليَتِيمِ والمَنعَ مِنَ الإطْعامِ دَلِيلًا عَلى النِّفاقِ، فالصَّلاةُ لا مَعَ الخُضُوعِ، والخُضُوعُ أوْلى، أنْ تَدُلَّ عَلى النِّفاقِ؛ لِأنَّ الإيذاءَ والمَنعَ مِنَ النَّفْعِ مُعامَلَةٌ مَعَ المَخْلُوقِ، أمّا الصَّلاةُ فَإنَّها خِدْمَةٌ لِلْخالِقِ. وثانِيها: كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ إيذاءَ اليَتِيمِ وتَرْكَهُ لِلْحَضِّ كَأنَّ سائِلًا قالَ: ألَيْسَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ؟ فَقالَ لَهُ: الصَّلاةُ كَيْفَ تَنْهاهُ عَنْ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ وهي مَصْنُوعَةٌ مِن عَيْنِ الرِّياءِ والسَّهْوِ. وثالِثُها: كَأنَّهُ يَقُولُ: إقْدامُهُ عَلى إيذاءِ اليَتِيمِ وتَرْكُهُ لِلْحَضِّ، تَقْصِيرٌ فِيما يَرْجِعُ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وسَهْوُهُ في الصَّلاةِ تَقْصِيرٌ فِيما يَرْجِعُ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَلَمّا وقَعَ التَّقْصِيرُ في الأمْرَيْنِ فَقَدْ كَمُلَتْ شَقاوَتُهُ: فَلِهَذا قالَ: (فَوَيْلٌ) واعْلَمْ أنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما صفحة ١٠٧ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الجَرِيمَةِ الشَّدِيدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] ويُرْوى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَنُوحُ في النّارِ بِحَسَبِ جَرِيمَتِهِ، فَقائِلٌ يَقُولُ: ويْلِي مِن حُبِّ الشَّرَفِ، وآخَرُ يَقُولُ: ويْلِي مِنَ الحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، وآخَرُ يَقُولُ: ويْلِي مِن صَلاتِي، فَلِهَذا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ سَماعِ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، أنْ يَقُولَ المَرْءُ ويْلِي إنْ لَمْ يُغْفَرْ لِي. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ بِفِعْلِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها: السَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ. وثانِيها: فِعْلُ المُراءاةِ. وثالِثُها: مَنعُ الماعُونِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ الذُّنُوبِ، ولا يَصِيرُ المَرْءُ بِهِ مُنافِقًا، فَلِمَ حَكَمَ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذا الوَعِيدِ عَلى فاعِلِ هَذِهِ الأفْعالِ ؟ ولِأجْلِ هَذا الإشْكالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الأفْعالِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ لَهُ مَزِيدُ عُقُوبَةٍ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى مَحْظُوراتِ الشَّرْعِ وتَرْكِهِ لِواجِباتِ الشَّرْعِ، وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ: إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وهَذا الجَوابُ هو المُعْتَمَدُ. وثانِيها: ما رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَوْ قالَ اللَّهُ: في صَلاتِهِمْ ساهُونَ، لَكانَ هَذا الوَعِيدُ في المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ قالَ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ والسّاهِي عَنِ الصَّلاةِ هو الَّذِي لا يَتَذَكَّرُها ويَكُونُ فارِغًا عَنْها، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ السَّهْوَ عَنِ الصَّلاةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِتَرْكِ الصَّلاةِ، لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُمُ الصَّلاةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وأيْضًا فالسَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ بِمَعْنى التَّرْكِ لا يَكُونُ نِفاقًا ولا كُفْرًا فَيَعُودُ الإشْكالُ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنِ الِاعْتِراضِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُصَلِّينَ نَظَرًا إلى الصُّورَةِ وبِأنَّهم نَسُوا الصَّلاةَ بِالكُلِّيَّةِ نَظَرًا إلى المَعْنى كَما قالَ: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] ويُجابُ عَنِ الِاعْتِراضِ الثّانِي بِأنَّ النِّسْيانَ عَنِ الصَّلاةِ هو أنْ يَبْقى ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ في جَمِيعِ أجْزاءِ الصَّلاةِ، وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ المُنافِقِ الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الصَّلاةِ، أمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُ فِيها فائِدَةً عَيْنِيَّةً يَمْتَنِعُ أنْ لا يَتَذَكَّرَ أمْرَ الدِّينِ والثَّوابَ والعِقابَ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الصَّلاةِ، بَلْ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ السَّهْوُ في الصَّلاةِ بِمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ ساهِيًا في بَعْضِ أجْزاءِ الصَّلاةِ، فَثَبَتَ أنَّ السَّهْوَ في الصَّلاةِ مِن أفْعالِ المُؤْمِنِ، والسَّهْوَ عَنِ الصَّلاةِ مِن أفْعالِ الكافِرِ. ثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَعْنى: (ساهُونَ) أيْ لا يَتَعَهَّدُونَ أوْقاتَ صَلَواتِهِمْ ولا شَرائِطَها، ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءٌ صَلّى أوْ لَمْ يُصَلِّ، وهو قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ومَسْرُوقٍ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في سَهْوِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في صَلاتِهِ، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما سَها، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى يَفْعَلَ ما يَفْعَلُهُ السّاهِي فَيَصِيرَ ذَلِكَ بَيانًا لِذَلِكَ الشَّرْعِ بِالفِعْلِ، والبَيانُ بِالفِعْلِ أقْوى، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ السَّهْوِ مِنهُ، فالسَّهْوُ عَلى أقْسامٍ: أحَدُها: سَهْوُ الرَّسُولِ والصَّحابَةِ وذَلِكَ مُنْجَبِرٌ تارَةً بِسُجُودِ السَّهْوِ وتارَةً بِالسُّنَنِ والنَّوافِلِ. والثّانِي: ما يَكُونُ في الصَّلاةِ مِنَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ اسْتِحْضارِ المَعارِفِ والنِّيّاتِ. والثّالِثُ: التَّرْكُ لا إلى قَضاءٍ والإخْراجُ عَنِ الوَقْتِ، ومِن ذَلِكَ صَلاةُ المُنافِقِ وهي شَرٌّ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِالدِّينِ بِتِلْكَ الصَّلاةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ المُنافِقِ والمُرائِي: أنَّ المُنافِقَ هو المُظْهِرُ لِلْإيمانِ المُبْطِنُ لِلْكُفْرِ، والمُرائِي المُظْهِرُ ما لَيْسَ في قَلْبِهِ مِن زِيادَةِ خُشُوعٍ لِيَعْتَقِدَ فِيهِ مَن يَراهُ أنَّهُ مُتَدَيِّنٌ، أوْ تَقُولُ: المُنافِقُ لا يُصَلِّي سِرًّا والمُرائِي تَكُونُ صَلاتُهُ عِنْدَ النّاسِ أحْسَنَ. صفحة ١٠٨ اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ إظْهارُ الفَرائِضِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ لِأنَّها شَعائِرُ الإسْلامِ، وتارِكُها مُسْتَحِقٌّ لِلَّعْنِ فَيَجِبُ نَفْيُ التُّهْمَةِ بِالإظْهارِ. إنَّما الإخْفاءُ في النَّوافِلِ إلّا إذا أظْهَرَ النَّوافِلَ لِيُقْتَدى بِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَأى في المَسْجِدِ رَجُلًا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وأطالَها، فَقالَ: ما أحْسَنَ هَذا لَوْ كانَ في بَيْتِكَ ! لَكِنَّ مَعَ هَذا قالُوا: لا يَتْرُكُ النَّوافِلَ حَياءً ولا يَأْتِي بِها رِياءً، وقَلَّما يَتَيَسَّرُ اجْتِنابُ الرِّياءِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الرِّياءُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْداءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ عَلى المَسْحِ الأسْوَدِ» فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المُراءاةِ ؟ قُلْنا: هي مُفاعَلَةٌ مِنَ الإراءَةِ لِأنَّ المُرائِيَ يُرِي النّاسَ عَمَلَهُ، وهم يُرُونَهُ الثَّناءَ عَلَيْهِ والإعْجابَ بِهِ.

الماعون 107:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في تَعْرِيفِ مَن يُكَذِّبُ بِالدِّينِ وصْفَيْنِ: أحَدُهُما: مِن بابِ الأفْعالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ . والثّانِي: مِن بابِ التُّرُوكِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَذَلِكَ“ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ لَمّا كانَ كافِرًا مُكَذِّبًا كانَ كُفْرُهُ سَبَبًا لِدَعِّ اليَتِيمِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلَيْهِما عَلى مَعْنى أنَّ الصّادِرَ عَمَّنْ يُكَذِّبُ بِالدِّينِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، لِأنّا نَعْلَمُ أنَّ المُكَذِّبَ بِالدِّينِ لا يَقْتَصِرُ عَلى هَذَيْنِ بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ مِثالًا واحِدًا تَنْبِيهًا بِذِكْرِهِ عَلى سائِرِ القَبائِحِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ، كَما أنَّهُما قَبِيحانِ مُنْكَرانِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ فَهُما أيْضًا مُسْتَنْكَرانِ بِحَسَبِ المُرُوءَةِ والإنْسانِيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَدْفَعُهُ بِعُنْفٍ وجَفْوَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] وحاصِلُ الأمْرِ في دَعِّ اليَتِيمِ أُمُورٌ: أحَدُها: دَفْعُهُ عَنْ حَقِّهِ ومالِهِ بِالظُّلْمِ. والثّانِي: تَرْكُ المُواساةِ صفحة ١٠٦ مَعَهُ، وإنْ لَمْ تَكُنِ المُواساةُ واجِبَةً. وقَدْ يُذَمُّ المَرْءُ بِتَرْكِ النَّوافِلِ لا سِيَّما إذا أُسْنِدَ إلى النِّفاقِ وعَدَمِ الدِّينِ. والثّالِثُ: يَزْجُرُهُ ويَضْرِبُهُ ويَسْتَخِفُّ بِهِ، وقُرِئَ ”يَدَعُ“ أيْ يَتْرُكُهُ، ولا يَدْعُوهُ بِدَعْوَةٍ، أيْ يَدْعُوا جَمِيعَ الأجانِبِ ويَتْرُكُ اليَتِيمَ مَعَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «ما مِن مائِدَةٍ أعْظَمُ مِن مائِدَةٍ عَلَيْها يَتِيمٌ» وقُرِئَ ”يَدْعُو اليَتِيمَ“ أيْ يَدْعُوهُ رِياءً ثُمَّ لا يُطْعِمُهُ وإنَّما يَدْعُوهُ اسْتِخْدامًا أوْ قَهْرًا أوِ اسْتِطالَةً. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: (يَدُعُّ) بِالتَّشْدِيدِ فائِدَةً، وهي أنَّ ”يَدُعُّ“ بِالتَّشْدِيدِ مَعْناهُ أنَّهُ يَعْتادُ ذَلِكَ فَلا يَتَناوَلُ الوَعِيدَ مَن وُجِدَ مِنهُ ذَلِكَ ونَدِمَ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] سُمِّيَ ذَنْبُ المُؤْمِنِ لَمَمًا لِأنَّهُ كالطَّيْفِ والخَيالِ يَطْرَأُ ولا يَبْقى، لِأنَّ المُؤْمِنَ كَما يَفْرُغُ مِنَ الذَّنْبِ يَنْدَمُ، إنَّما المُكَذِّبُ هو الَّذِي يُصِرُّ عَلى الذَّنْبِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَحُضُّ نَفْسَهُ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، وإضافَةُ الطَّعامِ إلى المِسْكِينِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّعامَ حَقُّ المِسْكِينِ، فَكَأنَّهُ مَنَعَ المِسْكِينَ مِمّا هو حَقُّهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ بُخْلِهِ وقَساوَةِ قَلْبِهِ وخَساسَةِ طَبْعِهِ. والثّانِي: لا يَحُضُّ غَيْرَهُ عَلى إطْعامِ ذَلِكَ المِسْكِينِ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ في ذَلِكَ الفِعْلِ ثَوابًا، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالقِيامَةِ الإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ ومَنعَ المَعْرُوفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ لَما صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ، فَمَوْضِعُ الذَّنْبِ هو التَّكْذِيبُ بِالقِيامَةِ، وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ قَدْ لا يَحُضُّ المَرْءُ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ ولا يَكُونُ آثِمًا ؟ الجَوابُ: لِأنَّ غَيْرَهُ يَنُوبُ مَنابَهُ أوْ لِأنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أوْ لِمَفْسَدَةٍ أُخْرى يَتَوَقَّعُها، أمّا هَهُنا فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ (إلّا) لِما أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِالدِّينِ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ ؟ والجَوابُ: إذا مَنَعَ اليَتِيمَ حَقَّهُ فَكَيْفَ يُطْعِمُ المِسْكِينَ مِن مالِ نَفْسِهِ، بَلْ هو بَخِيلٌ مِن مالِ غَيْرِهِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في الخِسَّةِ، فَلِأنْ يَكُونَ بَخِيلًا بِمالِ نَفْسِهِ أوْلى، وضِدُّهُ في مَدْحِ المُؤْمِنِينَ: ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ] البَلَدِ: ١٧ ]، ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ [العصر: ٣]، ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . [العصر: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَفْعَلُ إيذاءَ اليَتِيمِ والمَنعَ مِنَ الإطْعامِ دَلِيلًا عَلى النِّفاقِ، فالصَّلاةُ لا مَعَ الخُضُوعِ، والخُضُوعُ أوْلى، أنْ تَدُلَّ عَلى النِّفاقِ؛ لِأنَّ الإيذاءَ والمَنعَ مِنَ النَّفْعِ مُعامَلَةٌ مَعَ المَخْلُوقِ، أمّا الصَّلاةُ فَإنَّها خِدْمَةٌ لِلْخالِقِ. وثانِيها: كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ إيذاءَ اليَتِيمِ وتَرْكَهُ لِلْحَضِّ كَأنَّ سائِلًا قالَ: ألَيْسَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ؟ فَقالَ لَهُ: الصَّلاةُ كَيْفَ تَنْهاهُ عَنْ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ وهي مَصْنُوعَةٌ مِن عَيْنِ الرِّياءِ والسَّهْوِ. وثالِثُها: كَأنَّهُ يَقُولُ: إقْدامُهُ عَلى إيذاءِ اليَتِيمِ وتَرْكُهُ لِلْحَضِّ، تَقْصِيرٌ فِيما يَرْجِعُ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وسَهْوُهُ في الصَّلاةِ تَقْصِيرٌ فِيما يَرْجِعُ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَلَمّا وقَعَ التَّقْصِيرُ في الأمْرَيْنِ فَقَدْ كَمُلَتْ شَقاوَتُهُ: فَلِهَذا قالَ: (فَوَيْلٌ) واعْلَمْ أنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما صفحة ١٠٧ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الجَرِيمَةِ الشَّدِيدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] ويُرْوى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَنُوحُ في النّارِ بِحَسَبِ جَرِيمَتِهِ، فَقائِلٌ يَقُولُ: ويْلِي مِن حُبِّ الشَّرَفِ، وآخَرُ يَقُولُ: ويْلِي مِنَ الحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، وآخَرُ يَقُولُ: ويْلِي مِن صَلاتِي، فَلِهَذا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ سَماعِ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، أنْ يَقُولَ المَرْءُ ويْلِي إنْ لَمْ يُغْفَرْ لِي. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ بِفِعْلِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها: السَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ. وثانِيها: فِعْلُ المُراءاةِ. وثالِثُها: مَنعُ الماعُونِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ الذُّنُوبِ، ولا يَصِيرُ المَرْءُ بِهِ مُنافِقًا، فَلِمَ حَكَمَ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذا الوَعِيدِ عَلى فاعِلِ هَذِهِ الأفْعالِ ؟ ولِأجْلِ هَذا الإشْكالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الأفْعالِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ لَهُ مَزِيدُ عُقُوبَةٍ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى مَحْظُوراتِ الشَّرْعِ وتَرْكِهِ لِواجِباتِ الشَّرْعِ، وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ: إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وهَذا الجَوابُ هو المُعْتَمَدُ. وثانِيها: ما رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَوْ قالَ اللَّهُ: في صَلاتِهِمْ ساهُونَ، لَكانَ هَذا الوَعِيدُ في المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ قالَ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ والسّاهِي عَنِ الصَّلاةِ هو الَّذِي لا يَتَذَكَّرُها ويَكُونُ فارِغًا عَنْها، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ السَّهْوَ عَنِ الصَّلاةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِتَرْكِ الصَّلاةِ، لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُمُ الصَّلاةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وأيْضًا فالسَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ بِمَعْنى التَّرْكِ لا يَكُونُ نِفاقًا ولا كُفْرًا فَيَعُودُ الإشْكالُ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنِ الِاعْتِراضِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُصَلِّينَ نَظَرًا إلى الصُّورَةِ وبِأنَّهم نَسُوا الصَّلاةَ بِالكُلِّيَّةِ نَظَرًا إلى المَعْنى كَما قالَ: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] ويُجابُ عَنِ الِاعْتِراضِ الثّانِي بِأنَّ النِّسْيانَ عَنِ الصَّلاةِ هو أنْ يَبْقى ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ في جَمِيعِ أجْزاءِ الصَّلاةِ، وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ المُنافِقِ الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الصَّلاةِ، أمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُ فِيها فائِدَةً عَيْنِيَّةً يَمْتَنِعُ أنْ لا يَتَذَكَّرَ أمْرَ الدِّينِ والثَّوابَ والعِقابَ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الصَّلاةِ، بَلْ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ السَّهْوُ في الصَّلاةِ بِمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ ساهِيًا في بَعْضِ أجْزاءِ الصَّلاةِ، فَثَبَتَ أنَّ السَّهْوَ في الصَّلاةِ مِن أفْعالِ المُؤْمِنِ، والسَّهْوَ عَنِ الصَّلاةِ مِن أفْعالِ الكافِرِ. ثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَعْنى: (ساهُونَ) أيْ لا يَتَعَهَّدُونَ أوْقاتَ صَلَواتِهِمْ ولا شَرائِطَها، ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءٌ صَلّى أوْ لَمْ يُصَلِّ، وهو قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ومَسْرُوقٍ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في سَهْوِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في صَلاتِهِ، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما سَها، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى يَفْعَلَ ما يَفْعَلُهُ السّاهِي فَيَصِيرَ ذَلِكَ بَيانًا لِذَلِكَ الشَّرْعِ بِالفِعْلِ، والبَيانُ بِالفِعْلِ أقْوى، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ السَّهْوِ مِنهُ، فالسَّهْوُ عَلى أقْسامٍ: أحَدُها: سَهْوُ الرَّسُولِ والصَّحابَةِ وذَلِكَ مُنْجَبِرٌ تارَةً بِسُجُودِ السَّهْوِ وتارَةً بِالسُّنَنِ والنَّوافِلِ. والثّانِي: ما يَكُونُ في الصَّلاةِ مِنَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ اسْتِحْضارِ المَعارِفِ والنِّيّاتِ. والثّالِثُ: التَّرْكُ لا إلى قَضاءٍ والإخْراجُ عَنِ الوَقْتِ، ومِن ذَلِكَ صَلاةُ المُنافِقِ وهي شَرٌّ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِالدِّينِ بِتِلْكَ الصَّلاةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ المُنافِقِ والمُرائِي: أنَّ المُنافِقَ هو المُظْهِرُ لِلْإيمانِ المُبْطِنُ لِلْكُفْرِ، والمُرائِي المُظْهِرُ ما لَيْسَ في قَلْبِهِ مِن زِيادَةِ خُشُوعٍ لِيَعْتَقِدَ فِيهِ مَن يَراهُ أنَّهُ مُتَدَيِّنٌ، أوْ تَقُولُ: المُنافِقُ لا يُصَلِّي سِرًّا والمُرائِي تَكُونُ صَلاتُهُ عِنْدَ النّاسِ أحْسَنَ. صفحة ١٠٨ اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ إظْهارُ الفَرائِضِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ لِأنَّها شَعائِرُ الإسْلامِ، وتارِكُها مُسْتَحِقٌّ لِلَّعْنِ فَيَجِبُ نَفْيُ التُّهْمَةِ بِالإظْهارِ. إنَّما الإخْفاءُ في النَّوافِلِ إلّا إذا أظْهَرَ النَّوافِلَ لِيُقْتَدى بِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَأى في المَسْجِدِ رَجُلًا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وأطالَها، فَقالَ: ما أحْسَنَ هَذا لَوْ كانَ في بَيْتِكَ ! لَكِنَّ مَعَ هَذا قالُوا: لا يَتْرُكُ النَّوافِلَ حَياءً ولا يَأْتِي بِها رِياءً، وقَلَّما يَتَيَسَّرُ اجْتِنابُ الرِّياءِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الرِّياءُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْداءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ عَلى المَسْحِ الأسْوَدِ» فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المُراءاةِ ؟ قُلْنا: هي مُفاعَلَةٌ مِنَ الإراءَةِ لِأنَّ المُرائِيَ يُرِي النّاسَ عَمَلَهُ، وهم يُرُونَهُ الثَّناءَ عَلَيْهِ والإعْجابَ بِهِ.

الماعون 107:5

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في تَعْرِيفِ مَن يُكَذِّبُ بِالدِّينِ وصْفَيْنِ: أحَدُهُما: مِن بابِ الأفْعالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ . والثّانِي: مِن بابِ التُّرُوكِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَذَلِكَ“ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ لَمّا كانَ كافِرًا مُكَذِّبًا كانَ كُفْرُهُ سَبَبًا لِدَعِّ اليَتِيمِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلَيْهِما عَلى مَعْنى أنَّ الصّادِرَ عَمَّنْ يُكَذِّبُ بِالدِّينِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، لِأنّا نَعْلَمُ أنَّ المُكَذِّبَ بِالدِّينِ لا يَقْتَصِرُ عَلى هَذَيْنِ بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ مِثالًا واحِدًا تَنْبِيهًا بِذِكْرِهِ عَلى سائِرِ القَبائِحِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ، كَما أنَّهُما قَبِيحانِ مُنْكَرانِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ فَهُما أيْضًا مُسْتَنْكَرانِ بِحَسَبِ المُرُوءَةِ والإنْسانِيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَدْفَعُهُ بِعُنْفٍ وجَفْوَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] وحاصِلُ الأمْرِ في دَعِّ اليَتِيمِ أُمُورٌ: أحَدُها: دَفْعُهُ عَنْ حَقِّهِ ومالِهِ بِالظُّلْمِ. والثّانِي: تَرْكُ المُواساةِ صفحة ١٠٦ مَعَهُ، وإنْ لَمْ تَكُنِ المُواساةُ واجِبَةً. وقَدْ يُذَمُّ المَرْءُ بِتَرْكِ النَّوافِلِ لا سِيَّما إذا أُسْنِدَ إلى النِّفاقِ وعَدَمِ الدِّينِ. والثّالِثُ: يَزْجُرُهُ ويَضْرِبُهُ ويَسْتَخِفُّ بِهِ، وقُرِئَ ”يَدَعُ“ أيْ يَتْرُكُهُ، ولا يَدْعُوهُ بِدَعْوَةٍ، أيْ يَدْعُوا جَمِيعَ الأجانِبِ ويَتْرُكُ اليَتِيمَ مَعَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «ما مِن مائِدَةٍ أعْظَمُ مِن مائِدَةٍ عَلَيْها يَتِيمٌ» وقُرِئَ ”يَدْعُو اليَتِيمَ“ أيْ يَدْعُوهُ رِياءً ثُمَّ لا يُطْعِمُهُ وإنَّما يَدْعُوهُ اسْتِخْدامًا أوْ قَهْرًا أوِ اسْتِطالَةً. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: (يَدُعُّ) بِالتَّشْدِيدِ فائِدَةً، وهي أنَّ ”يَدُعُّ“ بِالتَّشْدِيدِ مَعْناهُ أنَّهُ يَعْتادُ ذَلِكَ فَلا يَتَناوَلُ الوَعِيدَ مَن وُجِدَ مِنهُ ذَلِكَ ونَدِمَ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] سُمِّيَ ذَنْبُ المُؤْمِنِ لَمَمًا لِأنَّهُ كالطَّيْفِ والخَيالِ يَطْرَأُ ولا يَبْقى، لِأنَّ المُؤْمِنَ كَما يَفْرُغُ مِنَ الذَّنْبِ يَنْدَمُ، إنَّما المُكَذِّبُ هو الَّذِي يُصِرُّ عَلى الذَّنْبِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَحُضُّ نَفْسَهُ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، وإضافَةُ الطَّعامِ إلى المِسْكِينِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّعامَ حَقُّ المِسْكِينِ، فَكَأنَّهُ مَنَعَ المِسْكِينَ مِمّا هو حَقُّهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ بُخْلِهِ وقَساوَةِ قَلْبِهِ وخَساسَةِ طَبْعِهِ. والثّانِي: لا يَحُضُّ غَيْرَهُ عَلى إطْعامِ ذَلِكَ المِسْكِينِ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ في ذَلِكَ الفِعْلِ ثَوابًا، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالقِيامَةِ الإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ ومَنعَ المَعْرُوفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ لَما صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ، فَمَوْضِعُ الذَّنْبِ هو التَّكْذِيبُ بِالقِيامَةِ، وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ قَدْ لا يَحُضُّ المَرْءُ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ ولا يَكُونُ آثِمًا ؟ الجَوابُ: لِأنَّ غَيْرَهُ يَنُوبُ مَنابَهُ أوْ لِأنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أوْ لِمَفْسَدَةٍ أُخْرى يَتَوَقَّعُها، أمّا هَهُنا فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ (إلّا) لِما أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِالدِّينِ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ ؟ والجَوابُ: إذا مَنَعَ اليَتِيمَ حَقَّهُ فَكَيْفَ يُطْعِمُ المِسْكِينَ مِن مالِ نَفْسِهِ، بَلْ هو بَخِيلٌ مِن مالِ غَيْرِهِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في الخِسَّةِ، فَلِأنْ يَكُونَ بَخِيلًا بِمالِ نَفْسِهِ أوْلى، وضِدُّهُ في مَدْحِ المُؤْمِنِينَ: ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ] البَلَدِ: ١٧ ]، ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ [العصر: ٣]، ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . [العصر: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَفْعَلُ إيذاءَ اليَتِيمِ والمَنعَ مِنَ الإطْعامِ دَلِيلًا عَلى النِّفاقِ، فالصَّلاةُ لا مَعَ الخُضُوعِ، والخُضُوعُ أوْلى، أنْ تَدُلَّ عَلى النِّفاقِ؛ لِأنَّ الإيذاءَ والمَنعَ مِنَ النَّفْعِ مُعامَلَةٌ مَعَ المَخْلُوقِ، أمّا الصَّلاةُ فَإنَّها خِدْمَةٌ لِلْخالِقِ. وثانِيها: كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ إيذاءَ اليَتِيمِ وتَرْكَهُ لِلْحَضِّ كَأنَّ سائِلًا قالَ: ألَيْسَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ؟ فَقالَ لَهُ: الصَّلاةُ كَيْفَ تَنْهاهُ عَنْ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ وهي مَصْنُوعَةٌ مِن عَيْنِ الرِّياءِ والسَّهْوِ. وثالِثُها: كَأنَّهُ يَقُولُ: إقْدامُهُ عَلى إيذاءِ اليَتِيمِ وتَرْكُهُ لِلْحَضِّ، تَقْصِيرٌ فِيما يَرْجِعُ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وسَهْوُهُ في الصَّلاةِ تَقْصِيرٌ فِيما يَرْجِعُ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَلَمّا وقَعَ التَّقْصِيرُ في الأمْرَيْنِ فَقَدْ كَمُلَتْ شَقاوَتُهُ: فَلِهَذا قالَ: (فَوَيْلٌ) واعْلَمْ أنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما صفحة ١٠٧ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الجَرِيمَةِ الشَّدِيدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] ويُرْوى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَنُوحُ في النّارِ بِحَسَبِ جَرِيمَتِهِ، فَقائِلٌ يَقُولُ: ويْلِي مِن حُبِّ الشَّرَفِ، وآخَرُ يَقُولُ: ويْلِي مِنَ الحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، وآخَرُ يَقُولُ: ويْلِي مِن صَلاتِي، فَلِهَذا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ سَماعِ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، أنْ يَقُولَ المَرْءُ ويْلِي إنْ لَمْ يُغْفَرْ لِي. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ بِفِعْلِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها: السَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ. وثانِيها: فِعْلُ المُراءاةِ. وثالِثُها: مَنعُ الماعُونِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ الذُّنُوبِ، ولا يَصِيرُ المَرْءُ بِهِ مُنافِقًا، فَلِمَ حَكَمَ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذا الوَعِيدِ عَلى فاعِلِ هَذِهِ الأفْعالِ ؟ ولِأجْلِ هَذا الإشْكالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الأفْعالِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ لَهُ مَزِيدُ عُقُوبَةٍ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى مَحْظُوراتِ الشَّرْعِ وتَرْكِهِ لِواجِباتِ الشَّرْعِ، وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ: إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وهَذا الجَوابُ هو المُعْتَمَدُ. وثانِيها: ما رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَوْ قالَ اللَّهُ: في صَلاتِهِمْ ساهُونَ، لَكانَ هَذا الوَعِيدُ في المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ قالَ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ والسّاهِي عَنِ الصَّلاةِ هو الَّذِي لا يَتَذَكَّرُها ويَكُونُ فارِغًا عَنْها، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ السَّهْوَ عَنِ الصَّلاةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِتَرْكِ الصَّلاةِ، لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُمُ الصَّلاةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وأيْضًا فالسَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ بِمَعْنى التَّرْكِ لا يَكُونُ نِفاقًا ولا كُفْرًا فَيَعُودُ الإشْكالُ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنِ الِاعْتِراضِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُصَلِّينَ نَظَرًا إلى الصُّورَةِ وبِأنَّهم نَسُوا الصَّلاةَ بِالكُلِّيَّةِ نَظَرًا إلى المَعْنى كَما قالَ: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] ويُجابُ عَنِ الِاعْتِراضِ الثّانِي بِأنَّ النِّسْيانَ عَنِ الصَّلاةِ هو أنْ يَبْقى ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ في جَمِيعِ أجْزاءِ الصَّلاةِ، وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ المُنافِقِ الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الصَّلاةِ، أمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُ فِيها فائِدَةً عَيْنِيَّةً يَمْتَنِعُ أنْ لا يَتَذَكَّرَ أمْرَ الدِّينِ والثَّوابَ والعِقابَ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الصَّلاةِ، بَلْ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ السَّهْوُ في الصَّلاةِ بِمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ ساهِيًا في بَعْضِ أجْزاءِ الصَّلاةِ، فَثَبَتَ أنَّ السَّهْوَ في الصَّلاةِ مِن أفْعالِ المُؤْمِنِ، والسَّهْوَ عَنِ الصَّلاةِ مِن أفْعالِ الكافِرِ. ثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَعْنى: (ساهُونَ) أيْ لا يَتَعَهَّدُونَ أوْقاتَ صَلَواتِهِمْ ولا شَرائِطَها، ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءٌ صَلّى أوْ لَمْ يُصَلِّ، وهو قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ومَسْرُوقٍ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في سَهْوِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في صَلاتِهِ، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما سَها، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى يَفْعَلَ ما يَفْعَلُهُ السّاهِي فَيَصِيرَ ذَلِكَ بَيانًا لِذَلِكَ الشَّرْعِ بِالفِعْلِ، والبَيانُ بِالفِعْلِ أقْوى، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ السَّهْوِ مِنهُ، فالسَّهْوُ عَلى أقْسامٍ: أحَدُها: سَهْوُ الرَّسُولِ والصَّحابَةِ وذَلِكَ مُنْجَبِرٌ تارَةً بِسُجُودِ السَّهْوِ وتارَةً بِالسُّنَنِ والنَّوافِلِ. والثّانِي: ما يَكُونُ في الصَّلاةِ مِنَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ اسْتِحْضارِ المَعارِفِ والنِّيّاتِ. والثّالِثُ: التَّرْكُ لا إلى قَضاءٍ والإخْراجُ عَنِ الوَقْتِ، ومِن ذَلِكَ صَلاةُ المُنافِقِ وهي شَرٌّ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِالدِّينِ بِتِلْكَ الصَّلاةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ المُنافِقِ والمُرائِي: أنَّ المُنافِقَ هو المُظْهِرُ لِلْإيمانِ المُبْطِنُ لِلْكُفْرِ، والمُرائِي المُظْهِرُ ما لَيْسَ في قَلْبِهِ مِن زِيادَةِ خُشُوعٍ لِيَعْتَقِدَ فِيهِ مَن يَراهُ أنَّهُ مُتَدَيِّنٌ، أوْ تَقُولُ: المُنافِقُ لا يُصَلِّي سِرًّا والمُرائِي تَكُونُ صَلاتُهُ عِنْدَ النّاسِ أحْسَنَ. صفحة ١٠٨ اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ إظْهارُ الفَرائِضِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ لِأنَّها شَعائِرُ الإسْلامِ، وتارِكُها مُسْتَحِقٌّ لِلَّعْنِ فَيَجِبُ نَفْيُ التُّهْمَةِ بِالإظْهارِ. إنَّما الإخْفاءُ في النَّوافِلِ إلّا إذا أظْهَرَ النَّوافِلَ لِيُقْتَدى بِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَأى في المَسْجِدِ رَجُلًا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وأطالَها، فَقالَ: ما أحْسَنَ هَذا لَوْ كانَ في بَيْتِكَ ! لَكِنَّ مَعَ هَذا قالُوا: لا يَتْرُكُ النَّوافِلَ حَياءً ولا يَأْتِي بِها رِياءً، وقَلَّما يَتَيَسَّرُ اجْتِنابُ الرِّياءِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الرِّياءُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْداءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ عَلى المَسْحِ الأسْوَدِ» فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المُراءاةِ ؟ قُلْنا: هي مُفاعَلَةٌ مِنَ الإراءَةِ لِأنَّ المُرائِيَ يُرِي النّاسَ عَمَلَهُ، وهم يُرُونَهُ الثَّناءَ عَلَيْهِ والإعْجابَ بِهِ.

الماعون 107:6

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ يُفِيدُ أمْرَيْنِ: إخْراجَها عَنِ الوَقْتِ، وكَوْنَ الإنْسانِ غافِلًا فِيها، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ يُفِيدُ المُراءاةَ، فَظَهَرَ أنَّ الصَّلاةَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ خالِيَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ. ثُمَّ لَمّا شَرَحَ أمْرَ الصَّلاةِ أعْقَبَهُ بِذِكْرِ الصِّلاتِ فَقالَ: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الحَنَفِيَّةِ وابْنِ عَمْرٍو والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ: هو الزَّكاةُ، وفي حَدِيثِ أُبَيٍّ: «مَن قَرَأ سُورَةَ (أرَأيْتَ) غَفَرَ اللَّهُ لَهُ إنْ كانَ لِلزَّكاةِ مُؤَدِّيًا» وذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ (الماعُونَ) هو الزَّكاةُ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَهُ عَقِيبَ الصَّلاةِ، فالظّاهِرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو الزَّكاةَ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، أنَّ (الماعُونَ) اسْمٌ لِما لا يُمْنَعُ في العادَةِ ويَسْألُهُ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، يُنْسَبُ مانِعُهُ إلى سُوءِ الخُلُقِ ولُؤْمِ الطَّبِيعَةِ كالفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ والمِقْدَحَةِ والغِرْبالِ والقَدُّومِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المِلْحُ والماءُ والنّارُ. فَإنَّهُ رُوِيَ: «ثَلاثَةٌ لا يَحِلُّ مَنعُها: الماءُ والنّارُ والمِلْحُ» ومِن ذَلِكَ أنْ يَلْتَمِسَ جارُكَ أنْ يَخْبِزَ في تَنُّورِكَ، أوْ يَضَعَ مَتاعَهُ عِنْدَكَ يَوْمًا أوْ نِصْفَ يَوْمٍ، وأصْحابُ هَذا القَوْلِ قالُوا: الماعُونُ فاعُولٌ مِنَ المَعَنِ. وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ ومِنهُ ما لَهُ سَعْنَةٌ ولا مَعْنَةٌ أيْ كَثِيرٌ و(لا) قَلِيلٌ، وسُمِّيَتِ الزَّكاةُ ماعُونًا، لِأنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ المالِ رُبُعُ العُشْرِ، فَهو قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، ويُسَمّى ما يُسْتَعارُ في العُرْفِ كالفَأْسِ والشَّفْرَةِ ماعُونًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ الزَّجْرَ عَنِ البُخْلِ بِهَذِهِ الأشْياءِ القَلِيلَةِ، فَإنَّ البُخْلَ بِها يَكُونُ في نِهايَةِ الدَّناءَةِ والرَّكاكَةِ، والمُنافِقُونَ كانُوا كَذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٤] وقالَ: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] قالَ العُلَماءُ: ومِنَ الفَضائِلِ أنْ يَسْتَكْثِرَ الرَّجُلُ في مَنزِلِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ الجِيرانُ، فَيُعِيرُهم ذَلِكَ ولا يَقْتَصِرُ عَلى الواجِبِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: الماعُونُ هو الماءُ وأنْشَدَنِي فِيهِ: يَمُجُّ بَعِيرُهُ الماعُونَ مَجًّا ولَعَلَّهُ خَصَّهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أعَزُّ مَفْقُودٍ وأرْخَصُ مَوْجُودٍ، وأوَّلُ شَيْءٍ يَسْألُهُ أهْلُ النّارِ الماءُ، كَما قالَ: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ [الأعراف: ٥٠] وأوَّلُ لَذَّةٍ يَجِدُها أهْلُ الجَنَّةِ هو الماءُ، كَما قالَ: ﴿وسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ [الإنسان: ٢١] . القَوْلُ الرّابِعُ: (الماعُونَ) حُسْنُ الِانْقِيادِ، يُقالُ: رَضِّ بَعِيرَكَ حَتّى يُعْطِيَكَ الماعُونَ، أيْ حَتّى يُعْطِيَكَ الطّاعَةَ. صفحة ١٠٩ واعْلَمْ أنَّ الأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ طاعَةٍ يَخِفُّ فِعْلُها؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ فائِدَةً، ثُمَّ قالَ المُحَقِّقُونَ في المُلاءَمَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: (يُراءُونَ) وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الصَّلاةُ لِي والماعُونُ لِلْخَلْقِ، فَما يَجِبُ جَعْلُهُ لِي يَعْرِضُونَهُ عَلى الخَلْقِ وما هو حَقُّ الخَلْقِ يَسْتُرُونَهُ عَنْهم فَكَأنَّهُ لا يُعامِلُ الخَلْقَ والرَّبَّ إلّا عَلى العَكْسِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ اسْمَ الكافِرِ بِعَيْنِهِ ؟ فَإنْ قُلْتَ لِلسَّتْرِ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لِمَ لَمْ يَسْتُرْ عَلى آدَمَ بَلْ قالَ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ زَلَّةَ آدَمَ لَكِنْ بَعْدَ مَوْتِهِ مَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ لِيَكُونَ لُطْفًا لِأوْلادِهِ، أنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ بِسَبَبِ الصَّغِيرَةِ فَكَيْفَ يَطْمَعُونَ في الدُّخُولِ مَعَ الكَبِيرَةِ ؟ وأيْضًا فَإنَّ وصْفَ تِلْكَ الزَّلَّةِ رِفْعَةٌ لَهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا تَلْكَ الزَّلَّةُ الواحِدَةُ ثُمَّ تابَ عَنْها مِثْلَ هَذِهِ التَّوْبَةِ. ولْنَخْتِمْ تَفْسِيرَ هَذِهِ السُّورَةِ بِالدُّعاءِ: إلَهَنا، هَذِهِ السُّورَةُ في ذِكْرِ المُنافِقِينَ والسُّورَةُ الَّتِي بَعْدَها في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَنَحْنُ وإنْ لَمْ نَصِلْ في الطّاعَةِ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإلى أصْحابِهِ، لَمْ نَصِلْ في الأفْعالِ القَبِيحَةِ إلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، فاعْفُ عَنّا بِفَضْلِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ.

الماعون 107:7

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ يُفِيدُ أمْرَيْنِ: إخْراجَها عَنِ الوَقْتِ، وكَوْنَ الإنْسانِ غافِلًا فِيها، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ يُفِيدُ المُراءاةَ، فَظَهَرَ أنَّ الصَّلاةَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ خالِيَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ. ثُمَّ لَمّا شَرَحَ أمْرَ الصَّلاةِ أعْقَبَهُ بِذِكْرِ الصِّلاتِ فَقالَ: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الحَنَفِيَّةِ وابْنِ عَمْرٍو والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ: هو الزَّكاةُ، وفي حَدِيثِ أُبَيٍّ: «مَن قَرَأ سُورَةَ (أرَأيْتَ) غَفَرَ اللَّهُ لَهُ إنْ كانَ لِلزَّكاةِ مُؤَدِّيًا» وذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ (الماعُونَ) هو الزَّكاةُ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَهُ عَقِيبَ الصَّلاةِ، فالظّاهِرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو الزَّكاةَ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، أنَّ (الماعُونَ) اسْمٌ لِما لا يُمْنَعُ في العادَةِ ويَسْألُهُ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، يُنْسَبُ مانِعُهُ إلى سُوءِ الخُلُقِ ولُؤْمِ الطَّبِيعَةِ كالفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ والمِقْدَحَةِ والغِرْبالِ والقَدُّومِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المِلْحُ والماءُ والنّارُ. فَإنَّهُ رُوِيَ: «ثَلاثَةٌ لا يَحِلُّ مَنعُها: الماءُ والنّارُ والمِلْحُ» ومِن ذَلِكَ أنْ يَلْتَمِسَ جارُكَ أنْ يَخْبِزَ في تَنُّورِكَ، أوْ يَضَعَ مَتاعَهُ عِنْدَكَ يَوْمًا أوْ نِصْفَ يَوْمٍ، وأصْحابُ هَذا القَوْلِ قالُوا: الماعُونُ فاعُولٌ مِنَ المَعَنِ. وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ ومِنهُ ما لَهُ سَعْنَةٌ ولا مَعْنَةٌ أيْ كَثِيرٌ و(لا) قَلِيلٌ، وسُمِّيَتِ الزَّكاةُ ماعُونًا، لِأنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ المالِ رُبُعُ العُشْرِ، فَهو قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، ويُسَمّى ما يُسْتَعارُ في العُرْفِ كالفَأْسِ والشَّفْرَةِ ماعُونًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ الزَّجْرَ عَنِ البُخْلِ بِهَذِهِ الأشْياءِ القَلِيلَةِ، فَإنَّ البُخْلَ بِها يَكُونُ في نِهايَةِ الدَّناءَةِ والرَّكاكَةِ، والمُنافِقُونَ كانُوا كَذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٤] وقالَ: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] قالَ العُلَماءُ: ومِنَ الفَضائِلِ أنْ يَسْتَكْثِرَ الرَّجُلُ في مَنزِلِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ الجِيرانُ، فَيُعِيرُهم ذَلِكَ ولا يَقْتَصِرُ عَلى الواجِبِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: الماعُونُ هو الماءُ وأنْشَدَنِي فِيهِ: يَمُجُّ بَعِيرُهُ الماعُونَ مَجًّا ولَعَلَّهُ خَصَّهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أعَزُّ مَفْقُودٍ وأرْخَصُ مَوْجُودٍ، وأوَّلُ شَيْءٍ يَسْألُهُ أهْلُ النّارِ الماءُ، كَما قالَ: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ [الأعراف: ٥٠] وأوَّلُ لَذَّةٍ يَجِدُها أهْلُ الجَنَّةِ هو الماءُ، كَما قالَ: ﴿وسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ [الإنسان: ٢١] . القَوْلُ الرّابِعُ: (الماعُونَ) حُسْنُ الِانْقِيادِ، يُقالُ: رَضِّ بَعِيرَكَ حَتّى يُعْطِيَكَ الماعُونَ، أيْ حَتّى يُعْطِيَكَ الطّاعَةَ. صفحة ١٠٩ واعْلَمْ أنَّ الأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ طاعَةٍ يَخِفُّ فِعْلُها؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ فائِدَةً، ثُمَّ قالَ المُحَقِّقُونَ في المُلاءَمَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: (يُراءُونَ) وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الصَّلاةُ لِي والماعُونُ لِلْخَلْقِ، فَما يَجِبُ جَعْلُهُ لِي يَعْرِضُونَهُ عَلى الخَلْقِ وما هو حَقُّ الخَلْقِ يَسْتُرُونَهُ عَنْهم فَكَأنَّهُ لا يُعامِلُ الخَلْقَ والرَّبَّ إلّا عَلى العَكْسِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ اسْمَ الكافِرِ بِعَيْنِهِ ؟ فَإنْ قُلْتَ لِلسَّتْرِ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لِمَ لَمْ يَسْتُرْ عَلى آدَمَ بَلْ قالَ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ زَلَّةَ آدَمَ لَكِنْ بَعْدَ مَوْتِهِ مَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ لِيَكُونَ لُطْفًا لِأوْلادِهِ، أنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ بِسَبَبِ الصَّغِيرَةِ فَكَيْفَ يَطْمَعُونَ في الدُّخُولِ مَعَ الكَبِيرَةِ ؟ وأيْضًا فَإنَّ وصْفَ تِلْكَ الزَّلَّةِ رِفْعَةٌ لَهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا تَلْكَ الزَّلَّةُ الواحِدَةُ ثُمَّ تابَ عَنْها مِثْلَ هَذِهِ التَّوْبَةِ. ولْنَخْتِمْ تَفْسِيرَ هَذِهِ السُّورَةِ بِالدُّعاءِ: إلَهَنا، هَذِهِ السُّورَةُ في ذِكْرِ المُنافِقِينَ والسُّورَةُ الَّتِي بَعْدَها في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَنَحْنُ وإنْ لَمْ نَصِلْ في الطّاعَةِ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإلى أصْحابِهِ، لَمْ نَصِلْ في الأفْعالِ القَبِيحَةِ إلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، فاعْفُ عَنّا بِفَضْلِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ.

الكوثر 108:1

صفحة ١١٠ (سُورَةُ الكَوْثَرِ) . ثَلاثٌ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ عَلى اخْتِصارِها فِيها لِطائِفُ: إحْداها: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كالمُقابِلَةِ لِلسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وصَفَ اللَّهُ تَعالى المُنافِقَ بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: البُخْلُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] . الثّانِي: تَرْكُ الصَّلاةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] . والثّالِثُ: المُرَآةُ في الصَّلاةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] . والرّابِعُ: المَنعُ مِنَ الزَّكاةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] فَذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ في مُقابَلَةِ تِلْكَ الصِّفاتِ الأرْبَعِ صِفاتٍ أرْبَعَةً، فَذَكَرَ في مُقابَلَةِ البُخْلِ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيْ إنّا أعْطَيْناكَ الكَثِيرَ، فَأعْطِ أنْتَ الكَثِيرَ ولا تَبْخَلْ، وذَكَرَ في مُقابَلَةِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] قَوْلَهُ: (فَصَلِّ) أيْ دُمْ عَلى الصَّلاةِ، وذَكَرَ في مُقابَلَةِ: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ قَوْلَهُ: (لِرَبِّكَ) أيِ ائْتِ بِالصَّلاةِ لِرِضا رَبِّكَ، لا لِمُراءاةِ النّاسِ، وذَكَرَ في مُقابَلَةِ: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ قَوْلَهُ: (وانْحَرْ) وأرادَ بِهِ التَّصَدُّقَ بِلَحْمِ الأضاحِيِّ، فاعْتَبِرْ هَذِهِ المُناسَبَةَ العَجِيبَةَ، ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ أيِ المُنافِقُ الَّذِي يَأْتِي بِتِلْكَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ المَذْكُورَةِ في تِلْكَ السُّورَةِ سَيَمُوتُ ولا يَبْقى مِن دُنْياهُ أثَرٌ ولا خَبَرٌ، وأمّا أنْتَ فَيَبْقى لَكَ في الدُّنْيا الذِّكْرُ الجَمِيلُ، وفي الآخِرَةِ الثَّوابُ الجَزِيلُ. والوَجْهُ الثّانِي: في لَطائِفِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ تَعالى لَهم ثَلاثُ دَرَجاتٍ: أعْلاها: أنْ صفحة ١١١ يَكُونُوا مُسْتَغْرِقِينَ بِقُلُوبِهِمْ وأرْواحِهِمْ في نُورِ جَلالِ اللَّهِ. وثانِيها: أنْ يَكُونُوا مُشْتَغِلِينَ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ البَدَنِيَّةِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونُوا في مَقامِ مَنعِ النَّفْسِ عَنِ الِانْصِبابِ إلى اللَّذّاتِ المَحْسُوسَةِ والشَّهَواتِ العاجِلَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الأوَّلِ وهو كَوْنُ رُوحِهِ القُدُسِيَّةِ مُتَمَيِّزَةً عَنْ سائِرِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ بِالكَمِّ والكَيْفِ، أمّا بِالكَمِّ فَلِأنَّها أكْثَرُ مُقَدِّماتٍ، وأمّا بِالكَيْفِ فَلِأنَّها أسْرَعُ انْتِقالًا مِن تِلْكَ المُقَدِّماتِ إلى النَّتائِجِ مِن سائِرِ الأرْواحِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ، وقَوْلُهُ: (وانْحَرْ) إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ، فَإنَّ مَنعَ النَّفْسِ عَنِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ جارٍ مُجْرى النَّحْرِ والذَّبْحِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ ومَعْناهُ أنَّ النَّفْسَ الَّتِي تَدْعُوكَ إلى طَلَبِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ والشَّهَواتِ العاجِلَةِ، أنَّها دائِرَةٌ فانِيَةٌ، وإنَّما الباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ، وهي السَّعاداتُ الرُّوحانِيَّةُ والمَعارِفُ الرَّبّانِيَّةُ الَّتِي هي باقِيَةٌ أبَدِيَّةٌ، ولْنَشْرَعِ الآنَ في التَّفْسِيرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ اعْلَمْ أنَّ فِيهِ فَوائِدَ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كالتَّتِمَّةِ لِما قَبْلَها مِنَ السُّوَرِ، وكالأصْلِ لِما بَعْدَها مِنَ السُّوَرِ أمّا أنَّها كالتَّتِمَّةِ لِما قَبْلَها مِنَ السُّوَرِ؛ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ سُورَةَ: (والضُّحى) في مَدْحِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَفْصِيلِ أحْوالِهِ، فَذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ ثَلاثَةَ أشْياءَ تَتَعَلَّقُ بِنُبُوَّتِهِ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٢] . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٣] . وثالِثُها: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٤] ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِذِكْرِ ثَلاثَةِ أحْوالٍ مِن أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا وهي قَوْلُهُ: (﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ . [الضحى: ٦] . ثُمَّ ذَكَرَ في سُورَةِ: (ألَمْ نَشْرَحْ) أنَّهُ شَرَّفَهُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: أوَّلُها: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . وثانِيها: ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾، [الشرح: ٣] . وثالِثُها: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَّفَهُ في سُورَةِ التِّينِ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ التَّشْرِيفِ: أوَّلُها: أنَّهُ أقْسَمَ بِبَلَدِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] . وثانِيها: أنَّهُ أخْبَرَ عَنْ خَلاصِ أُمَّتِهِ عَنِ النّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين: ٦] . وثالِثُها: وُصُولُهم إلى الثَّوابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] . ثُمَّ شَرَّفَهُ في سُورَةِ ”اقْرَأْ“ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ التَّشْرِيفاتِ: أوَّلُها: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ عَلى الحَقِّ مُسْتَعِينًا بِاسْمِ رَبِّكَ. وثانِيها: أنَّهُ قَهَرَ خَصْمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٩] . وثالِثُها: أنَّهُ خَصَّهُ بِالقُرْبَةِ التّامَّةِ وهو: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] . وشَرَّفَهُ في سُورَةِ القَدْرِ بِلَيْلَةِ القَدْرِ الَّتِي لَها ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ الفَضِيلَةِ: أوَّلُها: كَوْنُها: ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] . وثانِيها: نُزُولُ: ﴿المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤] . وثالِثُها: كَوْنُها: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] . * * * وشَرَّفَهُ في سُورَةِ: (لَمْ يَكُنْ) بِأنْ شَرَّفَ أُمَّتَهُ بِثَلاثَةِ تَشْرِيفاتٍ: أوَّلُها: أنَّهم: ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] وثانِيها أنَّ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ﴾ [البينة: ٨] . وثالِثُها: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ . صفحة ١١٢ وشَرَّفَهُ في سُورَةِ ”إذا زُلْزِلَتْ“ بِثَلاثِ تَشْرِيفاتٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الأرْضَ تَشْهَدُ يَوْمَ القِيامَةِ لِأُمَّتِهِ بِالطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ طاعاتُهم فَيَحْصُلُ لَهُمُ الفَرَحُ والسُّرُورُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ومَعْرِفَةُ اللَّهِ لا شَكَّ أنَّها أعْظَمُ مِن كُلِّ عَظِيمٍ فَلا بُدَّ وأنْ يَصِلُوا إلى ثَوابِها، ثُمَّ شَرَّفَهُ في سُورَةِ العادِياتِ بِأنْ أقْسَمَ بِخَيْلِ الغُزاةِ مِن أُمَّتِهِ فَوَصَفَ تِلْكَ الخَيْلَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ [العاديات: ١] . ثُمَّ شَرَّفَ أُمَّتَهُ في سُورَةِ (القارِعَةِ) بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ . وثانِيها: أنَّهم ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ . وثالِثُها: أنَّهم يَرَوْنَ أعْداءَهم في ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ . ثُمَّ شَرَّفَهُ في سُورَةِ (ألْهاكم) بِأنْ بَيَّنَ أنَّ المُعْرِضِينَ عَنْ دِينِهِ وشَرْعِهِ يَصِيرُونَ مُعَذَّبِينَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أوَّلُها: أنَّهم يَرَوْنَ الجَحِيمَ. وثانِيها: أنَّهم يَرَوْنَها عَيْنَ اليَقِينِ. وثالِثُها: أنَّهم يُسْألُونَ عَنِ النَّعِيمِ. ثُمَّ شَرَّفَ أُمَّتَهُ في سُورَةِ (والعَصْرِ) بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: الإيمانُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين: ٦] . وثانِيها: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ . وثالِثُها: إرْشادُ الخَلْقِ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهو التَّواصِي بِالحَقِّ، والتَّواصِي بِالصَّبْرِ. ثُمَّ شَرَّفَهُ في سُورَةِ الهُمَزَةِ بِأنْ ذَكَرَ أنَّ مَن هَمَزَ ولَمَزَ، فَلَهُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ: أوَّلُها: أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِدُنْياهُ البَتَّةَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا﴾ [الهمزة: ٣، ٤] . وثانِيها: أنَّهُ يُنْبَذُ في الحُطَمَةِ. وثالِثُها: أنَّهُ يُغْلَقُ عَلَيْهِ تِلْكَ الأبْوابُ حَتّى لا يَبْقى لَهُ رَجاءٌ في الخُرُوجِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ . [الهمزة: ٨] . ثُمَّ شَرَّفَهُ في سُورَةِ (الفِيلِ) بِأنْ رَدَّ كَيْدَ أعْدائِهِ في نَحْرِهِمْ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أوَّلُها: جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ. وثانِيها: أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ. وثالِثُها: (جَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) . ثُمَّ شَرَّفَهُ في سُورَةِ قُرَيْشٍ بِأنَّهُ راعى مَصْلَحَةَ أسْلافِهِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أوَّلُها: جَعَلَهم مُؤْتَلِفِينَ مُتَوافِقِينَ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ . وثانِيها: ﴿أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ (آمَنَهم مِن خَوْفٍ) . وشَرَّفَهُ في سُورَةِ الماعُونِ، بِأنْ وصَفَ المُكَذِّبِينَ بِدِينِهِ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ: أوَّلُها: الدَّناءَةُ واللُّؤْمُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] . وثانِيها: تَرْكُ تَعْظِيمِ الخالِقِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٥] . وثالِثُها: تَرْكُ انْتِفاعِ الخَلْقِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٦] . * * * ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَرَّفَهُ في هَذِهِ السُّوَرِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ العَظِيمَةِ، قالَ بَعْدَها: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيْ: إنّا أعْطَيْناكَ هَذِهِ المَناقِبَ المُتَكاثِرَةَ المَذْكُورَةَ في السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها أعْظَمُ مِن مُلْكِ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها، فاشْتَغِلْ أنْتَ بِعِبادَةِ هَذا الرَّبِّ، وبِإرْشادِ عِبادِهِ إلى ما هو الأصْلَحُ لَهم، أمّا عِبادَةُ الرَّبِّ فَإمّا بِالنَّفْسِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ وإمّا بِالمالِ، وهو قَوْلُهُ: (وانْحَرْ) وأمّا إرْشادُ عِبادِهِ إلى ما هو الأصْلَحُ لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كالتَّتِمَّةِ لِما قَبْلَها مِنَ السُّورِ، وأمّا أنَّها كالأصْلِ لِما بَعْدَها، فَهو أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهُ بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ بِأنْ صفحة ١١٣ يُكَفِّرَ جَمِيعَ أهْلِ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ عَسْفَ النّاسِ عَلى مَذاهِبِهِمْ وأدْيانِهِمْ أشَدُّ مِن عَسْفِهِمْ عَلى أرْواحِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم يَبْذُلُونَ أمْوالَهم وأرْواحَهم في نُصْرَةِ أدْيانِهِمْ، فَلا جَرَمَ كانَ الطَّعْنُ في مَذاهِبِ النّاسِ يُثِيرُ مِنَ العَداوَةِ والغَضَبِ ما لا يُثِيرُ سائِرُ المَطاعِنِ، فَلَمّا أمَرَهُ بِأنْ يُكَفِّرَ جَمِيعَ أهْلِ الدُّنْيا، ويُبْطِلَ أدْيانَهم لَزِمَ أنْ يَصِيرَ جَمِيعُ أهْلِ الدُّنْيا في غايَةِ العَداوَةِ لَهُ، وذَلِكَ مِمّا يَحْتَرِفُ عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فَلا يَكادُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ، وانْظُرْ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ كانَ يَخافُ مِن فِرْعَوْنَ وعَسْكَرِهِ، وأمّا هَهُنا فَإنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ أهْلِ الدُّنْيا، كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَلْقِ، كَفِرْعَوْنَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَدَبَّرَ تَعالى في إزالَةِ هَذا الخَوْفِ الشَّدِيدِ تَدْبِيرًا لَطِيفًا، وهو أنَّهُ قَدَّمَ عَلى تِلْكَ السُّورَةِ، هَذِهِ السُّورَةَ فَإنَّ قَوْلَهُ: (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ الخَوْفَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيِ الخَيْرَ الكَثِيرَ في الدُّنْيا والدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وعْدًا مِنَ اللَّهِ إيّاهُ بِالنُّصْرَةِ والحِفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠] ومَن كانَ اللَّهُ تَعالى ضامِنًا لِحِفْظِهِ، فَإنَّهُ لا يَخْشى أحَدًا. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ وهَذا اللَّفْظُ يَتَناوَلُ خَيْراتِ الدُّنْيا وخَيْراتِ الآخِرَةِ، وأنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا ما كانَتْ واصِلَةً إلَيْهِ حِينَ كانَ بِمَكَّةَ، والخُلْفُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَوَجَبَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى إبْقاؤُهُ في دارِ الدُّنْيا إلى حَيْثُ يَصِلُ إلَيْهِ تِلْكَ الخَيْراتُ، فَكانَ ذَلِكَ كالبِشارَةِ لَهُ والوَعْدِ بِأنَّهم لا يَقْتُلُونَهُ، ولا يَقْهَرُونَهُ، ولا يَصِلُ إلَيْهِ مَكْرُهم بَلْ يَصِيرُ أمْرُهُ كُلَّ يَوْمٍ في الِازْدِيادِ والقُوَّةِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَفَّرَهم وزَيَّفَ أدْيانَهم ودَعاهم إلى الإيمانِ اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ، وقالُوا: إنْ كُنْتَ تَفْعَلُ هَذا طَلَبًا لِلْمالِ فَنُعْطِيكَ مِنَ المالِ ما تَصِيرُ بِهِ أغْنى النّاسِ، وإنْ كانَ مَطْلُوبُكَ الزَّوْجَةَ نُزَوِّجُكَ أكْرَمَ نِسائِنا، وإنْ كانَ مَطْلُوبُكَ الرِّياسَةَ فَنَحْنُ نَجْعَلُكَ رَئِيسًا عَلى أنْفُسِنا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاكَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلا تَغْتَرَّ بِمالِهِمْ ومُراعاتِهِمْ. ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَهُ لا بِواسِطَةٍ، فَهَذا يَقُومُ مَقامَ قَوْلِهِ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] بَلْ هَذا أشْرَفُ؛ لِأنَّ المَوْلى إذا شافَهَ عَبْدَهُ بِالتِزامِ التَّرْبِيَةِ والإحْسانِ كانَ ذَلِكَ أعْلى مِمّا إذا شافَهَهُ في غَيْرِ هَذا المَعْنى، بَلْ يُفِيدُ قُوَّةً في القَلْبِ ويُزِيلُ الجُبْنَ عَنِ النَّفْسِ، فَثَبَتَ أنَّ مُخاطَبَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ مِمّا يُزِيلُ الخَوْفَ عَنِ القَلْبِ والجُبْنَ عَنِ النَّفْسِ، فَقَدَّمَ هَذِهِ السُّورَةَ عَلى سُورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] حَتّى يُمْكِنَهُ الِاشْتِغالُ بِذَلِكَ التَّكْلِيفِ الشّاقِّ والإقْدامِ عَلى تَكْفِيرِ جَمِيعِ العالَمِ، وإظْهارِ البَراءَةِ عَنْ مَعْبُودِهِمْ فَلَمّا امْتَثَلْتَ أمْرِي، فانْظُرْ كَيْفَ أنْجَزْتُ لَكَ الوَعْدَ، وأعْطَيْتُكَ كَثْرَةَ الأتْباعِ والأشْياعِ، إنَّ أهْلَ الدُّنْيا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا تَمَّ أمْرُ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ الشَّرِيعَةِ، شَرَعَ في بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القَلْبِ والباطِنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الطّالِبَ إمّا أنْ يَكُونَ طَلَبُهُ مَقْصُورًا عَلى الدُّنْيا، أوْ يَكُونَ طالِبًا لِلْآخِرَةِ، أمّا طالِبُ الدُّنْيا فَلَيْسَ لَهُ إلّا الخَسارُ والذُّلُّ والهَوانُ، ثُمَّ يَكُونُ مَصِيرُهُ إلى النّارِ، وهو المُرادُ مِن سُورَةِ تَبَّتْ، وأمّا طالِبُ الآخِرَةِ فَأعْظَمُ أحْوالِهِ أنْ تَصِيرَ نَفْسُهُ كالمِرْآةِ الَّتِي تَنْتَقِشُ فِيها صُوَرُ المَوْجُوداتِ، وقَدْ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ طَرِيقَ الخَلْقِ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ عَلى وجْهَيْنِ: مِنهم مَن عَرَفَ الصّانِعَ، ثُمَّ تَوَسَّلَ بِمَعْرِفَتِهِ إلى مَعْرِفَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا هو الطَّرِيقُ الأشْرَفُ الأعْلى، ومِنهم مَن عَكَسَ وهو طَرِيقُ الجُمْهُورِ. صفحة ١١٤ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ كِتابَهُ الكَرِيمَ بِتِلْكَ الطَّرِيقِ الَّتِي هي أشْرَفُ الطَّرِيقَيْنِ، فَبَدَأ بِذِكْرِ صِفاتِ اللَّهِ وشَرْحِ جَلالِهِ، وهو سُورَةُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَراتِبِ مَخْلُوقاتِهِ في سُورَةِ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] ثُمَّ خَتَمَ الأمْرَ بِذِكْرِ مَراتِبِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ خَتَمَ الكِتابَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إنَّما يَتَّضِحُ تَفْصِيلُها عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّفْصِيلِ، فَسُبْحانَ مَن أرْشَدَ العُقُولَ إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ الشَّرِيفَةِ المُودَعَةِ في كِتابِهِ الكَرِيمِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ هي أنَّ كَلِمَةَ: (إنّا) تارَةً يُرادُ بِها الجَمْعُ وتارَةً يُرادُ بِها التَّعْظِيمُ. أمّا الأوَّلُ: فَقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ، إلّا إذا أُرِيدَ أنَّ هَذِهِ العَطِيَّةَ مِمّا سَعى في تَحْصِيلِها المَلائِكَةُ وجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ والأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ، حِينَ سَألَ إبْراهِيمُ إرْسالَكَ، فَقالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقالَ مُوسى: رَبِّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ أحْمَدَ. وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] وبَشَّرَ بِكَ المَسِيحُ في قَوْلِهِ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى التَّعْظِيمِ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عَظَمَةِ العَطِيَّةِ لِأنَّ الواهِبَ هو جَبّارُ السَّماواتِ والأرْضِ والمَوْهُوبَ مِنهُ، هو المُشارُ إلَيْهِ بِكافِ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ والهِبَةُ هي الشَّيْءُ المُسَمّى بِالكَوْثَرِ، وهو ما يُفِيدُ المُبالَغَةَ في الكَثْرَةِ، ولَمّا أشْعَرَ اللَّفْظُ بِعِظَمِ الواهِبِ والمَوْهُوبِ مِنهُ والمَوْهُوبِ، فَيا لَها مِن نِعْمَةٍ ما أعْظَمَها، وما أجَلَّها، ويا لَهُ مِن تَشْرِيفٍ ما أعْلاهُ. * * * الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الهَدِيَّةَ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً لَكِنَّها بِسَبَبِ كَوْنِها واصِلَةً مِنَ المُهْدِي العَظِيمِ تَصِيرُ عَظِيمَةً، ولِذَلِكَ فَإنَّ المَلِكَ العَظِيمَ إذا رَمى تُفّاحَةً لِبَعْضِ عَبِيدِهِ عَلى سَبِيلِ الإكْرامِ يُعَدُّ ذَلِكَ إكْرامًا عَظِيمًا، لا لِأنَّ لَذَّةَ الهَدِيَّةِ في نَفْسِها، بَلْ لِأنَّ صُدُورَها مِنَ المُهْدِي العَظِيمِ يُوجِبُ كَوْنَها عَظِيمَةً، فَهَهُنا الكَوْثَرُ وإنْ كانَ في نَفْسِهِ في غايَةِ الكَثْرَةِ، لَكِنَّهُ بِسَبَبِ صُدُورِهِ مِن مَلِكِ الخَلائِقِ يَزْدادُ عَظْمَةً وكَمالًا. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: (أعْطَيْناكَ) قَرَنَ بِهِ قَرِينَةً دالَّةً عَلى أنَّهُ لا يَسْتَرْجِعُها، وذَلِكَ لِأنَّ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأجْنَبِيِّ أنْ يَسْتَرْجِعَ مَوْهُوبَهُ، فَإنْ أخَذَ عِوَضًا وإنْ قَلَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ الرُّجُوعُ؛ لِأنَّ مَن وهَبَ شَيْئًا يُساوِي ألْفَ دِينارٍ إنْسانًا، ثُمَّ طَلَبَ مِنهُ مُشْطًا يُساوِي فَلْسًا فَأعْطاهُ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ فَهَهُنا لَمّا قالَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ طَلَبَ مِنهُ الصَّلاةَ والنَّحْرَ، وفائِدَتُهُ إسْقاطُ حَقِّ الرُّجُوعِ. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ بَنى الفِعْلَ عَلى المُبْتَدَأِ، وذَلِكَ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ لَمّا ذَكَرْتَ الِاسْمَ المُحَدَّثَ عَنْهُ عَرَفَ العَقْلُ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْهُ بِأمْرٍ فَيَصْبِرُ مُشْتاقًا إلى مَعْرِفَةِ أنَّهُ بِماذا يُخْبِرُ عَنْهُ، فَإذا ذَكَرَ ذَلِكَ الخَبَرَ قَبِلَهُ قَبُولَ العاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في التَّحْقِيقِ ونَفْيِ الشُّبْهَةِ ومِن هَهُنا تَعْرِفُ الفَخامَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] فَإنَّهُ أكْثَرُ فَخامَةً مِمّا لَوْ قالَ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، ومِمّا يُحَقِّقُ قَوْلَنا قَوْلُ المَلِكِ العَظِيمِ لِمَن يَعِدُهُ ويَضْمَنُ لَهُ: أنا أُعْطِيكَ، أنا أكْفِيكَ، أنا أقُومُ بِأمْرِكَ، وذَلِكَ إذا كانَ المَوْعُودُ بِهِ أمْرًا عَظِيمًا قَلَّما تَقَعُ المُسامَحَةُ بِهِ فَعِظَمُهُ يُورِثُ الشَّكَّ في الوَفاءِ بِهِ، فَإذا أُسْنِدَ إلى المُتَكَفِّلِ العَظِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ ذَلِكَ الشَّكُّ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا البابِ لِأنَّ الكَوْثَرَ شَيْءٌ عَظِيمٌ، قَلَّما تَقَعُ المُسامَحَةُ بِهِ، فَلَمّا صفحة ١١٥ قَدَّمَ المُبْتَدَأ، وهو قَوْلُهُ: (إنّا) صارَ ذَلِكَ الإسْنادُ مُزِيلًا لِذَلِكَ الشَّكِّ ودافِعًا لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى صَدَّرَ الجُمْلَةَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ الجارِي مُجْرى القَسَمِ، وكَلامُ الصّادِقِ مَصُونٌ عَنِ الخُلْفِ، فَكَيْفَ إذا بالَغَ في التَّأْكِيدِ ؟ الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قالَ: (أعْطَيْناكَ) ولَمْ يَقُلْ: سَنُعْطِيكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أعْطَيْناكَ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإعْطاءَ كانَ حاصِلًا في الماضِي، وهَذا فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الفَوائِدِ: إحْداها: أنَّ مَن كانَ في الزَّمانِ الماضِي أبَدًا عَزِيزًا مَرْعِيَّ الجانِبِ مَقْضِيَّ الحاجَّةِ أشْرَفُ مِمَّنْ سَيَصِيرُ كَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ» . وثانِيها: أنَّها إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالإسْعادِ والإشْقاءِ والإغْناءِ والإفْقارِ، لَيْسَ أمْرًا يَحْدُثُ الآنَ، بَلْ كانَ حاصِلًا في الأزَلِ. وثالِثُها: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا قَدْ هَيَّأْنا أسْبابَ سَعادَتِكَ قَبْلَ دُخُولِكَ في الوُجُودِ فَكَيْفَ نُهْمِلُ أمْرَكَ بَعْدَ وُجُودِكَ واشْتِغالِكَ بِالعُبُودِيَّةِ ؟ . ورابِعُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَحْنُ ما اخْتَرْناكَ وما فَضَّلْناكَ، لِأجْلِ طاعَتِكَ، وإلّا كانَ يَجِبُ أنْ لا نُعْطِيَكَ إلّا بَعْدَ إقْدامِكَ عَلى الطّاعَةِ، بَلْ إنَّما اخْتَرْناكَ بِمُجَرَّدِ الفَضْلِ والإحْسانِ مِنّا إلَيْكَ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «قَبِلَ مَن قَبِلَ لا لِعِلَّةٍ، ورَدَّ مَن رَدَّ لا لِعِلَّةٍ» . * * * الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: قالَ: (أعْطَيْناكَ) ولَمْ يَقُلْ أعْطَيْنا الرَّسُولَ أوِ النَّبِيَّ أوِ العالِمَ أوِ المُطِيعَ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ ذَلِكَ لَأشْعَرَ أنَّ تِلْكَ العَطِيَّةَ وقَعَتْ مُعَلَّلَةً بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَلَمّا قالَ: (أعْطَيْناكَ) عُلِمَ أنَّ تِلْكَ العَطِيَّةَ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِعِلَّةٍ أصْلًا بَلْ هي مَحْضُ الِاخْتِيارِ والمَشِيئَةِ، كَما قالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا﴾ [الزخرف: ٣٢]، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] . الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: قالَ أوَّلًا: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ ثُمَّ قالَ ثانِيًا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إعْطاءَهُ لِلتَّوْفِيقِ والإرْشادِ سابِقٌ عَلى طاعاتِنا، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وإعْطاؤُهُ إيّانا صِفَتُهُ، وطاعَتُنا لَهُ صِفَتُنا، وصِفَةُ الخَلْقِ لا تَكُونُ مُؤَثِّرَةً في صِفَةِ الخالِقِ إنَّما المُؤَثِّرُ هو صِفَةُ الخالِقِ في صِفَةِ الخَلْقِ، ولِهَذا نُقِلَ عَنِ الواسِطِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ رَبًّا يُرْضِيهِ طاعَتِي ويُسْخِطُهُ مَعْصِيَتِي، ومَعْناهُ أنَّ رِضاهُ وسُخْطَهُ قَدِيمانِ وطاعَتِي ومَعْصِيَتِي مُحْدَثَتانِ والمُحْدَثُ لا أثَرَ لَهُ في قَدِيمٍ، بَلْ رِضاهُ عَنِ العَبْدِ هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى طاعَتِهِ فِيما لا يَزالُ، وكَذا القَوْلُ في السُّخْطِ والمَعْصِيَةِ. الفائِدَةُ العاشِرَةُ: قالَ: ﴿أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: آتَيْناكَ الكَوْثَرَ، والسَّبَبُ فِيهِ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإيتاءَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واجِبًا وأنْ يَكُونَ تَفَضُّلًا، وأمّا الإعْطاءُ فَإنَّهُ بِالتَّفَضُّلِ أشْبَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يَعْنِي: هَذِهِ الخَيْراتُ الكَثِيرَةُ وهي الإسْلامُ والقُرْآنُ والنُّبُوَّةُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، مَحْضُ التَّفَضُّلِ مِنّا إلَيْكَ ولَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ والوُجُوبِ، وفِيهِ بِشارَةٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكَرِيمَ إذا شَرَعَ في التَّرْبِيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يُبْطِلُها، بَلْ كانَ كُلَّ يَوْمٍ يَزِيدُ فِيها الثّانِي: أنَّ ما يَكُونُ سَبَبَ الِاسْتِحْقاقِ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ، وفِعْلُ العَبْدِ مُتَناهٍ، فَيَكُونُ الِاسْتِحْقاقُ الحاصِلُ بِسَبَبِهِ مُتَناهِيًا، أمّا التَّفَضُّلُ فَإنَّهُ نَتِيجَةُ كَرَمِ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهٍ، فَيَكُونُ تَفَضُّلُهُ أيْضًا غَيْرَ مُتَناهٍ، فَلَمّا دَلَّ قَوْلُهُ: (أعْطَيْناكَ) عَلى أنَّهُ تَفَضُّلٌ لا اسْتِحْقاقٌ أشْعَرَ ذَلِكَ بِالدَّوامِ والتَّزايُدِ أبَدًا. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ: ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ﴾ [الحجر: ٨٧] ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الإعْطاءَ يُوجِبُ التَّمْلِيكَ، صفحة ١١٦ والمِلْكُ سَبَبُ الِاخْتِصاصِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ سُلَيْمانُ: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] فَقالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] ولِهَذا السَّبَبِ مَن حَمَلَ الكَوْثَرَ عَلى الحَوْضِ قالَ: الأُمَّةُ تَكُونُ أضْيافًا لَهُ، أمّا الإيتاءُ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ المِلْكَ، فَلِهَذا قالَ في القُرْآنِ: (آتَيْناكَ) [الحجر: ٨٧] فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ أنْ يَكْتُمَ شَيْئًا مِنهُ. الثّانِي: أنَّ الشَّرِكَةَ في القُرْآنِ شَرِكَةٌ في العُلُومِ ولا عَيْبَ فِيها، أمّا الشَّرِكَةُ في النَّهْرِ، فَهي شَرِكَةٌ في الأعْيانِ وهي عَيْبٌ. الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ الإعْطاءَ ألْيَقُ بِهَذا المَقامِ مِنَ الإيتاءِ، هو أنَّ الإعْطاءَ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] أمّا الإيتاءُ، فَلا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّيْءِ العَظِيمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠] والأتِيُّ السَّيْلُ المُنْصَبُّ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يُفِيدُ تَعْظِيمَ حالِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: يَعْنِي: هَذا الحَوْضُ كالشَّيْءِ القَلِيلِ الحَقِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو مُدَّخَرٌ لَكَ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الشَّرِيفَةِ، فَهو يَتَضَمَّنُ البِشارَةَ بِأشْياءَ هي أعْظَمُ مِن هَذا المَذْكُورِ. وثانِيها: أنَّ الكَوْثَرَ إشارَةٌ إلى الماءِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الماءُ في الدُّنْيا دُونَ الطَّعامِ، فَإذا كانَ نَعِيمُ الماءِ كَوْثَرًا، فَكَيْفَ سائِرُ النَّعِيمِ ؟ . وثالِثُها: أنَّ نَعِيمَ الماءِ إعْطاءٌ ونَعِيمَ الجَنَّةِ إيتاءٌ. ورابِعُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هَذا الَّذِي أعْطَيْتُكَ، وإنْ كانَ كَوْثَرًا لَكِنَّهُ في حَقِّكَ إعْطاءٌ لا إيتاءٌ؛ لِأنَّهُ دُونَ حَقِّكَ، وفي العادَةِ أنَّ المُهْدِي إذا كانَ عَظِيمًا فالهَدِيَّةُ وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً، إلّا أنَّهُ يُقالُ: إنَّها حَقِيرَةٌ أيْ هي حَقِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ المُهْدى لَهُ فَكَذا هَهُنا. وخامِسُها: أنْ نَقُولَ: إنَّما قالَ فِيما أعْطاهُ مِنَ الكَوْثَرِ أعْطَيْناكَ؛ لِأنَّهُ دُنْيا، والقُرْآنُ إيتاءٌ لِأنَّهُ دِينٌ. وسادِسُها: كَأنَّهُ يَقُولُ: جَمِيعُ ما نِلْتَ مِنِّي عَطِيَّةٌ وإنْ كانَتْ كَوْثَرًا إلّا أنَّ الأعْظَمَ مِن ذَلِكَ الكَوْثَرِ أنْ تَبْقى مُظَفَّرًا وخَصْمُكَ أبْتَرُ، فَإنّا أعْطَيْناكَ بِالتَّقْدِمَةِ هَذا الكَوْثَرَ، أمّا الذِّكْرُ الباقِي والظَّفَرُ عَلى العَدُوِّ فَلا يَحْسُنُ إعْطاؤُهُ إلّا بَعْدَ التَّقْدِمَةِ بِطاعَةٍ تَحْصُلُ مِنكَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ أيْ فاعْبُدْ لِي وسَلِ الظَّفَرَ بَعْدَ العِبادَةِ فَإنِّي أوْجَبْتُ عَلى كَرَمِي أنَّ بَعْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ دَعْوَةً مُسْتَجابَةً، كَذا رُوِيَ في الحَدِيثِ المُسْنَدِ، فَحِينَئِذٍ أسْتَجِيبُ فَيَصِيرُ خَصْمُكَ أبْتَرَ وهو الإيتاءُ، فَهَذا ما يَخْطُرُ بِالبالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ أمّا الكَوْثَرُ فَهو في اللُّغَةِ فَوَعْلٌ مِنَ الكَثْرَةِ وهو المُفْرِطُ في الكَثْرَةِ، قِيلَ لِأعْرابِيَّةٍ رَجَعَ ابْنُها مِنَ السَّفَرِ، بِمَ آبَ ابْنُكم ؟ قالَتْ: آبَ بِكَوْثَرٍ، أيْ بِالعَدَدِ الكَثِيرِ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الكَثِيرِ العَطاءِ: كَوْثَرٌ، قالَ الكُمَيْتُ: وأنْتَ كَثِيرٌ يا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبُ وكانَ أبُوكَ ابْنُ الفَضائِلِ كَوْثَرا ويُقالُ لِلْغُبارِ إذا سَطَعَ وكَثُرَ كَوْثَرٌ هَذا مَعْنى الكَوْثَرِ في اللُّغَةِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ والمُسْتَفِيضُ عِنْدَ السَّلَفِ والخَلَفِ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، رَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: («رَأيْتُ نَهْرًا في الجَنَّةِ حافَتاهُ قِبابُ اللُّؤْلُؤِ المُجَوَّفِ فَضَرَبْتُ بِيَدِي إلى مَجْرى الماءِ فَإذا أنا بِمِسْكٍ أذْفَرَ، فَقُلْتُ: ما هَذا ؟ قِيلَ: الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَ اللَّهُ» ) وفي رِوايَةِ أنَسٍ: «أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ وأحْلى مِنَ العَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ خُضْرٌ لَها أعْناقٌ كَأعْناقِ البُخْتِ مَن أكَلَ مِن ذَلِكَ الطَّيْرِ وشَرِبَ مِن ذَلِكَ الماءِ فازَ بِالرِّضْوانِ»، ولَعَلَّهُ إنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ النَّهْرُ كَوْثَرًا إمّا لِأنَّهُ أكْثَرُ أنْهارِ الجَنَّةِ ماءً وخَيْرًا، أوْ لِأنَّهُ انْفَجَرَ مِنهُ أنْهارُ الجَنَّةِ، كَما رُوِيَ أنَّهُ ما في الجَنَّةِ بُسْتانٌ إلّا وفِيهِ مِنَ الكَوْثَرِ نَهْرٌ جارٍ، أوْ لِكَثْرَةِ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ مِنها، أوْ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّهُ نَهْرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ» القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ حَوْضٌ والأخْبارُ فِيهِ مَشْهُورَةٌ ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذا القَوْلِ، والقَوْلِ الأوَّلِ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ النَّهْرَ يَنْصَبُّ في الحَوْضِ أوْ لَعَلَّ الأنْهارَ إنَّما تَسِيلُ مِن ذَلِكَ صفحة ١١٧ الحَوْضِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الحَوْضُ كالمَنبَعِ والقَوْلُ الثّالِثُ: الكَوْثَرُ أوْلادُهُ قالُوا: لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ إنَّما نَزَلَتْ رَدًّا عَلى مَن عابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَدَمِ الأوْلادِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْطِيهِ نَسْلًا يَبْقَوْنَ عَلى مَرِّ الزَّمانِ، فانْظُرْ كَمْ قُتِلَ مِن أهْلِ البَيْتِ، ثُمَّ العالَمُ مُمْتَلِئٌ مِنهم، ولَمْ يَبْقَ مِن بَنِي أُمَيَّةَ في الدُّنْيا أحَدٌ يُعْبَأُ بِهِ، ثُمَّ انْظُرْ كَمْ كانَ فِيهِمْ مِنَ الأكابِرِ مِنَ العُلَماءِ كالباقِرِ والصّادِقِ والكاظِمِ والرِّضا عَلَيْهِمُ السَّلامُ والنَّفْسُ الزَّكِيَّةُ وأمْثالُهم. القَوْلُ الرّابِعُ: الكَوْثَرُ عُلَماءُ أُمَّتِهِ وهو لَعَمْرِي الخَيْرُ الكَثِيرِ؛ لِأنَّهم كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم يُحِبُّونَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَنْشُرُونَ آثارَ دِينِهِ وأعْلامَ شَرْعِهِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى أُصُولِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ مُخْتَلِفِينَ في الشَّرِيعَةِ رَحْمَةً عَلى الخَلْقِ لِيَصِلَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما هو صَلاحُهُ، كَذا عُلَماءُ أُمَّتِهِ مُتَّفِقُونَ بِأسْرِهِمْ عَلى أُصُولِ شَرْعِهِ، لَكِنَّهم مُخْتَلِفُونَ في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ رَحْمَةً عَلى الخَلْقِ، ثُمَّ الفَضِيلَةُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرْوى أنَّهُ يُجاءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِكُلِّ نَبِيٍّ ويَتْبَعُهُ أُمَّتُهُ فَرُبَّما يَجِيءُ الرَّسُولُ ومَعَهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ، ويُجاءُ بِكُلِّ عالِمٍ مِن عُلَماءِ أُمَّتِهِ ومَعَهُ الأُلُوفُ الكَثِيرَةُ فَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَ الرَّسُولِ فَرُبَّما يَزِيدُ عَدَدُ مُتَّبِعِي بَعْضِ العُلَماءِ عَلى عَدَدِ مُتَّبِعِي ألْفٍ مِنَ الأنْبِياءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم كانُوا مُصِيبِينَ لِاتِّباعِهِمُ النُّصُوصَ المَأْخُوذَةَ مِنَ الوَحْيِ، وعُلَماءُ هَذِهِ الأُمَّةِ يَكُونُونَ مُصِيبِينَ مَعَ كَدِّ الِاسْتِنْباطِ والِاجْتِهادِ، أوْ عَلى قَوْلِ البَعْضِ: إنْ كانَ بَعْضُهم مُخْطِئًا لَكِنَّ المُخْطِئَ يَكُونُ أيْضًا مَأْجُورًا القَوْلُ الخامِسُ: الكَوْثَرُ هي النُّبُوَّةُ، ولا شَكَّ أنَّها الخَيْرُ الكَثِيرُ؛ لِأنَّها المَنزِلَةُ الَّتِي هي ثانِيَةُ الرُّبُوبِيَّةِ؛ ولِهَذا قالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وهو شَطْرُ الإيمانِ بَلْ هي كالغُصْنِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ النُّبُوَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَتَقَدَّمَها مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ إذا حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ النُّبُوَّةِ فَحِينَئِذٍ يُسْتَفادُ مِنها مَعْرِفَةُ بَقِيَّةِ الصِّفاتِ كالسَّمْعِ والبَصَرِ والصِّفاتِ الخَيْرِيَّةِ، والوِجْدانِيَّةِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، تَمَّ لِرَسُولِنا الحَظُّ الأوْفَرُ مِن هَذِهِ المَنقَبَةِ؛ لِأنَّهُ المَذْكُورُ قَبْلَ سائِرِ الأنْبِياءِ والمَبْعُوثُ بَعْدَهم، ثُمَّ هو مَبْعُوثٌ إلى الثَّقَلَيْنِ، وهو الَّذِي يُحْشَرُ قَبْلَ كُلِّ الأنْبِياءِ، ولا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ عَلى نَسْخِهِ، وفَضائِلُهُ أكْثَرُ مِن أنْ تُعَدَّ وتُحْصى، ولْنَذْكُرْ هَهُنا قَلِيلًا مِنها، فَنَقُولُ: * * * إنَّ كِتابَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَلِماتٍ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وكِتابَ إبْراهِيمَ أيْضًا كانَ كَلِماتٍ عَلى ما قالَ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] وكِتابَ مُوسى كانَ صُحُفًا، كَما قالَ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] أمّا كِتابُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ هو الكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى الكُلِّ، قالَ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وأيْضًا فَإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تَحَدّى بِالأسْماءِ المَنثُورَةِ فَقالَ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٣١] ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما تَحَدّى بِالمَنظُومِ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] وأمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ بِأنْ أمْسَكَ سَفِينَتَهُ عَلى الماءِ، وفَعَلَ في مُحَمَّدٍ ﷺ ما هو أعْظَمُ مِنهُ، رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كانَ عَلى شَطِّ ماءٍ، ومَعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، فَقالَ: لَئِنْ كُنْتَ صادِقًا فادْعُ ذَلِكَ الحَجَرَ الَّذِي هو في الجانِبِ الآخَرِ فَلْيَسْبَحْ ولا يَغْرَقْ، فَأشارَ الرَّسُولُ إلَيْهِ، فانْقَلَعَ الحَجَرُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مِن مَكانِهِ، وسَبَحَ حَتّى صارَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَلَّمَ عَلَيْهِ، وشَهِدَ لَهُ بِالرِّسالَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَكْفِيكَ هَذا ؟ قالَ: حَتّى يَرْجِعَ إلى مَكانِهِ، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَرَجَعَ إلى مَكانِهِ»، وأكْرَمَ إبْراهِيمَ فَجَعَلَ النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وفَعَلَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ قالَ: ”«كُنْتُ طِفْلًا فانْصَبَّ القِدْرُ عَلَيَّ مِنَ النّارِ، فاحْتَرَقَ جِلْدِي كُلُّهُ فَحَمَلَتْنِي أُمِّي إلى الرَّسُولِ ﷺ وقالَتْ: هَذا ابْنُ حاطِبٍ احْتَرَقَ كَما تَرى فَتَفَلَ صفحة ١١٨ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جِلْدِي ومَسَحَ بِيَدِهِ عَلى المُحْتَرِقِ مِنهُ، وقالَ: أذْهِبِ الباسَ، رَبَّ النّاسِ، فَصِرْتُ صَحِيحًا لا بَأْسَ بِي» “ وأكْرَمَ مُوسى فَفَلَقَ لَهُ البَحْرَ في الأرْضِ، وأكْرَمَ مُحَمَّدًا فَفَلَقَ لَهُ القَمَرَ في السَّماءِ، ثُمَّ انْظُرْ إلى فَرْقِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وفَجَّرَ لَهُ الماءَ مِنَ الحَجَرِ، وفَجَّرَ لِمُحَمَّدٍ أصابِعَهُ عُيُونًا، وأكْرَمَ مُوسى بِأنْ ظَلَّلَ عَلَيْهِ الغَمامَ، وكَذا أكْرَمَ مُحَمَّدًا بِذَلِكَ فَكانَ الغَمامُ يُظَلِّلُهُ، وأكْرَمَ مُوسى بِاليَدِ البَيْضاءِ، وأكْرَمَ مُحَمَّدًا بِأعْظَمَ مِن ذَلِكَ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، الَّذِي وصَلَ نُورُهُ إلى الشَّرْقِ والغَرْبِ، وقَلَبَ اللَّهُ عَصا مُوسى ثُعْبانًا، ولَمّا أرادَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَرْمِيَهُ بِالحَجَرِ رَأى عَلى كَتِفَيْهِ ثُعْبانَيْنِ، فانْصَرَفَ مَرْعُوبًا، وسَبَّحَتِ الجِبالُ مَعَ داوُدَ وسَبَّحَتِ الأحْجارُ في يَدِهِ ويَدِ أصْحابِهِ، وكانَ داوُدُ إذا مَسَكَ الحَدِيدَ لانَ، وكانَ هو لَمّا مَسَحَ الشّاةَ الجَرْباءَ دَرَّتْ، وأكْرَمَ داوُدَ بِالطَّيْرِ المَحْشُورَةِ ومُحَمَّدًا بِالبُراقِ، وأكْرَمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإحْياءِ المَوْتى، وأكْرَمَهُ بِجِنْسِ ذَلِكَ حِينَ أضافَهُ اليَهُودُ بِالشّاةِ المَسْمُومَةِ، فَلَمّا وضَعَ اللُّقْمَةَ في فَمِهِ أخْبَرَتْهُ، وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، رُوِيَ «أنَّ امْرَأةَ مُعاذِ بْنِ عَفْراءَ أتَتْهُ وكانَتْ بَرْصاءَ، وشَكَتْ ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ ﷺ فَمَسَحَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ بِغُصْنٍ فَأذْهَبَ اللَّهُ البَرَصَ»، وحِينَ سَقَطَتْ حَدَقَةُ الرَّجُلِ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَرَفَها وجاءَ بِها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَدَّها إلى مَكانِها، وكانَ عِيسى يَعْرِفُ ما يُخْفِيهِ النّاسُ في بُيُوتِهِمْ، والرَّسُولُ عَرَفَ ما أخَفاهُ عَمُّهُ مَعَ أُمِّ الفَضْلِ، فَأخْبَرَهُ فَأسْلَمَ العَبّاسُ لِذَلِكَ، وأمّا سُلَيْمانُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ لَهُ الشَّمْسَ مَرَّةً، وفَعَلَ ذَلِكَ أيْضًا لِلرَّسُولِ حِينَ نامَ ورَأْسُهُ في حِجْرِ عَلِيٍّ فانْتَبَهَ وقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَرَدَّها حَتّى صَلّى، ورَدَّها مَرَّةً أُخْرى لِعَلِيٍّ فَصَلّى العَصْرَ في وقْتِهِ، وعَلَّمَ سُلَيْمانَ مَنطِقَ الطَّيْرِ، وفَعَلَ ذَلِكَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ، رُوِيَ «أنَّ طَيْرًا فُجِعَ بِوَلَدِهِ فَجَعَلَ يُرَفْرِفُ عَلى رَأْسِهِ ويُكَلِّمُهُ فَقالَ: أيُّكم فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِها ؟ فَقالَ رَجُلٌ: أنا، فَقالَ: ارْدُدْ إلَيْها ولَدَها»، وكَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ مَشْهُورٌ، وأكْرَمَ سُلَيْمانَ بِمَسِيرِهِ غُدْوَةً شَهْرًا وأكْرَمَهُ بِالمَسِيرِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ في ساعَةٍ، وكانَ حِمارُهُ يَعْفُورُ يُرْسِلُهُ إلى مَن يُرِيدُ فَيَجِيءُ بِهِ، وقَدْ شَكَوْا إلَيْهِ مِن ناقَةٍ أنَّها أُغِيلَتْ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلَيْها فَذَهَبَ إلَيْها، فَلَمّا رَأتْهُ خَضَعَتْ لَهُ، وأرْسَلَ مُعاذًا إلى بَعْضِ النَّواحِي، فَلَمّا وصَلَ إلى المَفازَةِ، فَإذا أسَدٌ جاثِمٌ فَهالَهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْتَجْرِئْ أنْ يَرْجِعَ، فَتَقَدَّمَ وقالَ: إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ فَتَبَصْبَصَ، وكَما انْقادَ الجِنُّ لِسُلَيْمانَ، فَكَذَلِكَ انْقادُوا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحِينَ جاءَ الأعْرابِيُّ بِالضَّبِّ، وقالَ: لا أُؤْمِنُ بِكَ حَتّى يُؤْمِنَ بِكَ هَذا الضَّبُّ، فَتَكَلَّمَ الضَّبُّ مُعْتَرِفًا بِرِسالَتِهِ، وحِينَ كَفَلَ الظَّبْيَةَ حِينَ أرْسَلَها الأعْرابِيُّ رَجَعَتْ تَعْدُو حَتّى أخْرَجَتْهُ مِنَ الكَفالَةِ وحَنَّتِ الحِنايَةُ لِفِراقِهِ، وحِينَ لَسَعَتِ الحَيَّةُ عَقِبَ الصِّدِّيقِ في الغارِ، قالَتْ: كُنْتُ مُشْتاقَةً إلَيْهِ مُنْذُ كَذا سِنِينَ فَلِمَ حَجَبْتَنِي عَنْهُ ؟ . وأطْعَمَ الخَلْقَ الكَثِيرَ، مِنَ الطَّعامِ القَلِيلِ، ومُعْجِزاتُهُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى وتُعَدَّ، فَلِهَذا قَدَّمَهُ اللَّهُ عَلى الَّذِينَ اصْطَفاهم فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] فَلَمّا كانَتْ رِسالَتُهُ كَذَلِكَ جازَ أنْ يُسَمِّيَها اللَّهُ تَعالى كَوْثَرًا، فَقالَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ . * * * القَوْلُ السّادِسُ: الكَوْثَرُ هو القُرْآنُ، وفَضائِلُهُ لا تُحْصى ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] . القَوْلُ السّابِعُ: الكَوْثَرُ الإسْلامُ، وهو لَعَمْرِي الخَيْرُ الكَثِيرُ، فَإنَّ بِهِ يَحْصُلُ خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبِفَواتِهِ يَفُوتُ خَيْرُ الدُّنْيا وخَيْرُ الآخِرَةِ، وكَيْفَ لا والإسْلامُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْرِفَةِ ؟ أوْ ما لا بُدَّ فِيهِ مِنَ المَعْرِفَةِ، قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وإذا كانَ الإسْلامُ خَيْرًا كَثِيرًا فَهو الكَوْثَرُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّهُ بِالإسْلامِ، مَعَ أنَّ نِعَمَهُ عَمَّتِ الكُلَّ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإسْلامَ وصَلَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ، فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالأصْلِ فِيهِ. القَوْلُ الثّامِنُ: صفحة ١١٩ الكَوْثَرُ كَثْرَةُ الأتْباعِ والأشْياعِ، ولا شَكَّ أنَّ لَهُ مِنَ الأتْباعِ ما لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ: «أنا دَعْوَةُ خَلِيلِ اللَّهِ إبْراهِيمَ، وأنا بُشْرى عِيسى، وأنا مَقْبُولُ الشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَبَيْنا أكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ، إذْ تَظْهَرُ لَنا أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ فَنَبْتَدِرُهم بِأبْصارِنا ما مِنّا مِن نَبِيٍّ إلّا وهو يَرْجُو أنْ تَكُونَ أُمَّتَهُ، فَإذا هم غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ، فَأقُولُ: أُمَّتِي ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ لَنا مِثْلُ ما ظَهَرَ أوَّلًا فَنَبْتَدِرُهم بِأبْصارِنا ما مِن نَبِيٍّ إلّا ويَرْجُو أنْ تَكُونَ أُمَّتَهُ، فَإذا هم غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ فَأقُولُ: أُمَّتِي ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يُرْفَعُ لَنا ثَلاثَةُ أمْثالِ ما قَدْ رُفِعَ فَنَبْتَدِرُهم، وذَكَرَ كَما ذَكَرَ في المَرَّةِ الأُولى والثّانِيَةِ، ثُمَّ قالَ: لَتَدْخُلَنَّ ثَلاثُ فِرَقٍ مِن أُمَّتِي الجَنَّةَ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها أحَدٌ مِنَ النّاسِ» ولَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «تَناكَحُوا تَناسَلُوا تَكْثُرُوا، فَإنِّي أُباهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ ولَوْ بِالسِّقْطِ» . فَإذا كانَ يُباهِي بِمَن لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ، فَكَيْفَ بِمِثْلِ هَذا الجَمِّ الغَفِيرِ ؟ فَلا جَرَمَ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يُذَكِّرَهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ، فَقالَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ . القَوْلُ التّاسِعُ: (الكَوْثَرَ) الفَضائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي فِيهِ، فَإنَّهُ بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ، قالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: يُقالُ رَجُلٌ كَوْثَرٌ إذا كانَ سَخِيًّا كَثِيرَ الخَيْرِ، وفي صِحاحِ اللُّغَةِ: (الكَوْثَرُ) السَّيِّدُ الكَثِيرُ الخَيْرِ، فَلَمّا رَزَقَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا هَذِهِ الفَضائِلَ العَظِيمَةَ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يُذَكِّرَهُ تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ، فَيَقُولَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ . القَوْلُ العاشِرُ: الكَوْثَرُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . القَوْلُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّهُ العِلْمُ قالُوا: وحَمْلُ الكَوْثَرِ عَلى هَذا أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ العِلْمَ هو الخَيْرُ الكَثِيرُ قالَ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وأمَرَهُ بِطَلَبِ العِلْمِ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وسَمّى الحِكْمَةَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَقالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] . وثانِيها: أنّا إمّا أنْ نَحْمِلَ الكَوْثَرَ عَلى نِعَمِ الآخِرَةِ، أوْ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: أعْطَيْنا، ونِعَمُ الجَنَّةِ سَيُعْطِيها لا أنَّهُ أعْطاها، فَوَجَبَ حَمْلُ الكَوْثَرِ عَلى ما وصَلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا، وأشْرَفُ الأُمُورِ الواصِلَةِ إلَيْهِ في الدُّنْيا هو العِلْمُ والنُّبُوَّةُ داخِلَةٌ في العِلْمِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى العِلْمِ. وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ والشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلى العِبادَةِ هو المَعْرِفَةُ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ في طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] فَقَدَّمَ في السُّورَتَيْنِ المَعْرِفَةَ عَلى العِبادَةِ؛ ولِأنَّ فاءَ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: (فَصَلِّ) تَدُلُّ عَلى أنَّ إعْطاءَ الكَوْثَرِ كالمُوجِبِ لِهَذِهِ العِبادَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُوجِبَ لِلْعِبادَةِ لَيْسَ إلّا العِلْمَ. القَوْلُ الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ الكَوْثَرَ هو الخُلُقُ الحَسَنُ، قالُوا: الِانْتِفاعُ بِالخُلُقِ الحَسَنِ عامٌّ يَنْتَفِعُ بِهِ العالِمُ والجاهِلُ والبَهِيمَةُ والعاقِلُ، فَأمّا الِانْتِفاعُ بِالعِلْمِ، فَهو مُخْتَصٌّ بِالعُقَلاءِ، فَكانَ نَفْعُ الخُلُقِ الحَسَنِ أعَمَّ، فَوَجَبَ حَمْلُ الكَوْثَرِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ كانَ لِلْأجانِبِ كالوالِدِ يَحُلُّ عُقَدَهم ويَكْفِي مُهِمَّهَمُ، وبَلَغَ حُسْنُ خُلُقِهِ إلى أنَّهم لَمّا كَسَرُوا سِنَّهُ، قالَ: ”«اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» “ . القَوْلُ الثّالِثَ عَشَرَ: الكَوْثَرُ هو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي هو الشَّفاعَةُ، فَقالَ في الدُّنْيا: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وقالَ في الآخِرَةِ: «شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجابَةً وإنِّي خَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ» . القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ المُرادَ مِنَ الكَوْثَرِ هو هَذِهِ السُّورَةُ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّها مَعَ قِصَرِها وافِيَةٌ بِجَمِيعِ مَنافِعِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى المُعْجِزِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنّا إذا حَمَلْنا صفحة ١٢٠ الكَوْثَرَ عَلى كَثْرَةِ الأتْباعِ، أوْ عَلى كَثْرَةِ الأوْلادِ، وعَدَمِ انْقِطاعِ النَّسْلِ كانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُطابِقًا لَهُ، فَكانَ مُعْجِزًا. وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى زَوالِ الفَقْرِ حَتّى يَقْدِرَ عَلى النَّحْرِ، وقَدْ وقَعَ فَيَكُونُ هَذا أيْضًا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وكانَ الأمْرُ عَلى ما أخْبَرَ فَكانَ مُعْجِزًا. ورابِعُها: أنَّهم عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِها مَعَ صِغَرِها، فَثَبَتَ أنَّ وجْهَ الإعْجازِ في كَمالِ القُرْآنِ، إنَّما تَقَرَّرَ بِها لِأنَّهم لَمّا عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِها مَعَ صِغَرِها فَبِأنْ يَعْجِزُوا عَنْ مُعارَضَةِ كُلِّ القُرْآنِ أوْلى، ولَمّا ظَهَرَ وجْهُ الإعْجازِ فِيها مِن هَذِهِ الوُجُوهِ فَقَدْ تَقَرَّرَتِ النُّبُوَّةُ، وإذا تَقَرَّرَتِ النُّبُوَّةُ فَقَدْ تَقَرَّرَ التَّوْحِيدُ ومَعْرِفَةُ الصّانِعِ، وتَقَرَّرَ الدَّيْنُ والإسْلامُ، وتَقَرَّرَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، وإذا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الأشْياءُ تَقَرَّرَ جَمِيعُ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَهَذِهِ السُّورَةُ جارِيَةٌ مُجْرى النُّكْتَةِ المُخْتَصَرَةِ القَوِيَّةِ الوافِيَةِ بِإثْباتِ جَمِيعِ المَقاصِدِ، فَكانَتْ صَغِيرَةً في الصُّورَةِ كَبِيرَةً في المَعْنى، ثُمَّ لَها خاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِها، وهي أنَّها ثَلاثُ آياتٍ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها مُعْجِزٌ فَهي بِكُلِّ واحِدَةٍ مِن آياتِها مُعْجِزٌ وبِمَجْمُوعِها مُعْجِزٌ وهَذِهِ الخاصِّيَّةُ لا تُوجَدُ في سائِرِ السُّوَرِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَوْثَرِ هو هَذِهِ السُّورَةُ. القَوْلُ الخامِسَ عَشَرَ: أنَّ المُرادَ مِنَ الكَوْثَرِ جَمِيعُ نِعَمِ اللَّهِ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّ لَفْظَ الكَوْثَرِ يَتَناوَلُ الكَثْرَةَ الكَثِيرَةَ، فَلَيْسَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى بَعْضِ هَذِهِ النِّعَمِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى الباقِي فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى الكُلِّ، ورُوِيَ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، لَمّا رَوى هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ لَهُ بَعْضُهم: إنْ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ سَعِيدٌ: النَّهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى قَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ الكَوْثَرَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الأقْرَبُ حَمْلَهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ والقُرْآنِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ، وأمّا الحَوْضُ وسائِرُ ما أُعِدَّ لَهُ مِنَ الثَّوابِ فَهو وإنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ داخِلٌ فِيهِ لِأنَّ ما ثَبَتَ بِحُكْمِ وعْدِ اللَّهِ فَهو كالواقِعِ إلّا أنَّ الحَقِيقَةَ ما قَدَّمْناهُ لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ أُعِدَّ لَهُ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ عَلى الحَقِيقَةِ إنَّهُ أعْطاهُ في حالِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَكَّةَ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ مَن أقَرَّ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ بِضَيْعَةٍ لَهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أعْطاهُ تِلْكَ الضَّيْعَةَ مَعَ أنَّ الصَّبِيَّ في تِلْكَ الحالِ لا يَكُونُ أهْلًا لِلتَّصَرُّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الكوثر 108:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (فَصَلِّ) وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو الأمْرُ بِالصَّلاةِ، فَإنْ قِيلَ: اللّائِقُ عِنْدَ النِّعْمَةِ الشُّكْرُ، فَلِمَ قالَ: فَصَلِّ ولَمْ يَقُلْ: فاشْكُرْ ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الشُّكْرَ عِبارَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ ولَهُ ثَلاثَةُ أرْكانٍ: أحَدُها: يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ وهو أنْ يَعْلَمَ أنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ. والثّانِي: بِاللِّسانِ وهو أنْ يَمْدَحَهُ. والثّالِثُ: بِالعَمَلِ وهو أنْ يَخْدِمَهُ ويَتَواضَعَ لَهُ، والصَّلاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذِهِ المَعانِي، وعَلى ما هو أزْيَدُ مِنها فالأمْرُ بِالصَّلاةِ أمْرٌ بِالشُّكْرِ وزِيادَةٌ فَكانَ الأمْرُ بِالصَّلاةِ أحْسَنَ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ قالَ فاشْكُرْ، لَكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّهُ ما كانَ شاكِرًا لَكِنَّهُ كانَ مِن أوَّلِ أمْرِهِ عارِفًا بِرَبِّهِ مُطِيعًا لَهُ شاكِرًا لِنِعَمِهِ، أمّا الصَّلاةُ فَإنَّهُ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ، قالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] . الثّالِثُ: أنَّهُ في أوَّلِ ما أمَرَهُ بِالصَّلاةِ قالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كَيْفَ أُصَلِّي ولَسْتُ عَلى الوُضُوءِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ صفحة ١٢١ [الكوثر: ١] ثُمَّ ضَرَبَ جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ عَلى الأرْضِ فَنَبَعَ ماءُ الكَوْثَرِ فَتَوَضَّأ فَقِيلَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: فَصَلِّ، فَأمّا إذا حَمَلْنا الكَوْثَرَ عَلى الرِّسالَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أعْطَيْتُكَ الرِّسالَةَ لِتَأْمُرَ نَفْسَكَ وسائِرَ الخَلْقِ بِالطّاعاتِ، وأشْرَفُها الصَّلاةُ فَصَلِّ لِرَبِّكَ. القَوْلُ الثّانِي: فَصَلِّ لِرَبِّكَ أيْ فاشْكُرْ لِرَبِّكَ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، وعَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في فائِدَةِ الفاءِ في قَوْلِهِ: ”فَصَلِّ“ وُجُوهًا: أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ يَجِبُ عَلى الفَوْرِ لا عَلى التَّراخِي. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن فاءِ التَّعْقِيبِ هَهُنا الإشارَةُ، إلى ما قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ثُمَّ إنَّهُ خَصَّ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذا البابِ بِمَزِيدِ مُبالَغَةٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] ولِأنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أيْ فَعَلَيْكَ بِأُخْرى عَقِيبَ الأُولى فَكَيْفَ بَعْدَ وُصُولِ نِعْمَتِي إلَيْكَ، ألا يَجِبَ عَلَيْكَ أنْ تَشْرَعَ في الشُّكْرِ عَقِيبَ ذَلِكَ. القَوْلُ الثّالِثُ: فَصَلِّ أيْ: فادْعُ اللَّهَ لِأنَّ الصَّلاةَ هي الدُّعاءُ، وفائِدَةُ الفاءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: قَبْلَ سُؤالِكَ ودُعائِكَ ما بَخِلْنا عَلَيْكَ: (بِالكَوْثَرِ) فَكَيْفَ بَعْدَ سُؤالِكَ لَكِنْ: ”«سَلْ تُعْطَهْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» “ وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ أبَدًا في هَمِّ أُمَّتِهِ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى عُرْفِ الشَّرْعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُرادَ هو نَحْرُ البُدْنِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (وانْحَرْ) فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلاةِ، إمّا قَبْلَها أوْ فِيها أوْ بَعْدَها، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناها اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ. وثانِيها: رَوى الأصْبَغُ بْنُ نُباتَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجِبْرِيلَ: ”«ما هَذِهِ النَّحِيرَةُ الَّتِي أمَرَنِي بِها رَبِّي ؟ قالَ لَيْسَتْ بِنَحِيرَةٍ ولَكِنَّهُ يَأْمُرُكَ إذا تَحَرَّمْتَ لِلصَّلاةِ أنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ إذا كَبَّرْتَ وإذا رَكَعْتَ وإذا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ وإذا سَجَدْتَ فَإنَّهُ صَلاتُنا، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ في السَّماواتِ السَّبْعِ وإنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةً، وزِينَةُ الصَّلاةِ رَفْعُ اليَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ» “ . وثالِثُها: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ فَسَّرَ هَذا النَّحْرَ بِوَضْعِ اليَدَيْنِ عَلى النَّحْرِ في الصَّلاةِ، وقالَ: رَفْعُ اليَدَيْنِ قَبْلَ الصَّلاةِ عادَةُ المُسْتَجِيرِ العائِذِ، ووَضْعُها عَلى النَّحْرِ عادَةُ الخاضِعِ الخاشِعِ. ورابِعُها: قالَ عَطاءٌ: مَعْناهُ اقْعُدْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتّى يَبْدُوَ نَحْرُكَ. وخامِسُها: رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، وسُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ أنَّهُما قالا: (انْحَرْ) مَعْناهُ ارْفَعْ يَدَيْكَ عَقِيبَ الدُّعاءِ إلى نَحْرِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها مِنَ النَّحْرِ الَّذِي هو الصَّدْرُ يُقالُ لِمَذْبَحِ البَعِيرِ النَّحْرُ؛ لِأنَّ مَنحَرَهُ في صَدْرِهِ حَيْثُ يَبْدُو الحُلْقُومُ مِن أعْلى الصَّدْرِ فَمَعْنى النَّحْرِ في هَذا المَوْضِعِ هو إصابَةُ النَّحْرِ كَما يُقالُ: رَأْسُهُ وبَطْنُهُ إذا أصابَ ذَلِكَ مِنهُ، وأمّا قَوْلُ الفَرّاءِ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ فَقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: النَّحْرُ انْتِصابُ الرَّجُلِ في الصَّلاةِ بِإزاءِ المِحْرابِ وهو أنْ يَنْصِبَ نَحْرَهُ بِإزاءِ القِبْلَةِ، ولا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شِمالًا، وقالَ الفَرّاءُ: مَنازِلُهم تَتَناحَرُ أيْ تَتَقابَلُ وأنْشَدَ: أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهْلِ الأبْطَحِ المُتَناحِرِ والنُّكْتَةُ المَعْنَوِيَّةُ فِيهِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الكَعْبَةُ بَيْتِي وهي قِبْلَةُ صَلاتِكَ وقَلْبِكَ وقِبْلَةُ رَحْمَتِي ونَظَرُ عِنايَتِي، فَلْتَكُنِ القِبْلَتانِ مُتَناحِرَتَيْنِ قالَ الأكْثَرُونَ: حَمْلُهُ عَلى نَحْرِ البُدْنِ أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى كُلَّما ذَكَرَ الصَّلاةَ في كِتابِهِ ذَكَرَ الزَّكاةَ بَعْدَها. وثانِيها: أنَّ القَوْمَ كانُوا يُصَلُّونَ ويَنْحَرُونَ لِلْأوْثانِ فَقِيلَ لَهُ: فَصَلٍّ وانْحَرْ لِرَبِّكَ. وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ آدابُ الصَّلاةِ وأبْعاضُها فَكانَتْ داخِلَةً تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ فَوَجَبَ صفحة ١٢٢ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النَّحْرِ غَيْرَها؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُعْطَفَ بَعْضُ الشَّيْءِ عَلى جَمِيعِهِ. ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: (فَصَلِّ) إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: (وانْحَرْ) إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ وجُمْلَةُ العُبُودِيَّةِ لا تَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ. وخامِسُها: أنَّ اسْتِعْمالَ لَفْظَةِ النَّحْرِ عَلى نَحْرِ البُدْنِ أشْهَرُ مِنِ اسْتِعْمالِهِ في سائِرِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، فَيَجِبُ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: اسْتَدَلَّتِ الحَنَفِيَّةُ عَلى وُجُوبِ الأُضْحِيَّةِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِالنَّحْرِ، ولا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَهُ؛ لِأنَّ تَرْكَ الواجِبِ عَلَيْهِ غَيْرُ جائِزٍ، وإذا فَعَلَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَبَ عَلَيْنا مِثْلُهُ لِقَوْلِهِ: (واتَّبِعُوهُ) [الأعراف: ١٥٨] ولِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وأصْحابُنا قالُوا: الأمْرُ بِالمُتابَعَةِ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ”«ثَلاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمُ، الضُّحى والأضْحى والوِتْرُ» “ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ: (فَصَلِّ) بِالصَّلاةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ أرادَ بِالصَّلاةِ جِنْسَ الصَّلاةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ، ويَنْحَرُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأمَرَهُ أنْ لا يُصَلِّيَ ولا يَنْحَرَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، واحْتَجَّ مَن جَوَّزَ تَأْخِيرَ بَيانِ المُجْمَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالصَّلاةِ مَعَ أنَّهُ ما بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الصَّلاةِ، أجابَ أبُو مُسْلِمٍ، وقالَ: أرادَ بِهِ الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ أعْنِي الخَمْسَ وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الكَيْفِيَّةَ؛ لِأنَّ الكَيْفِيَّةَ كانَتْ مَعْلُومَةً مِن قَبْلُ. القَوْلُ الثّانِي: أرادَ صَلاةَ العِيدِ والأُضْحِيَّةَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُقَدِّمُونَ الأُضْحِيَّةَ عَلى الصَّلاةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ المُحَقِّقُونَ: هَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ بِالواوِ لا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ. القَوْلُ الثّالِثُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ صَلِّ الفَجْرَ بِالمُزْدَلِفَةِ وانْحَرْ بِمِنى، والأقْرَبُ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ لا يَجِبُ إذا قُرِنَ ذِكْرُ النَّحْرِ بِالصَّلاةِ أنْ تُحْمَلَ الصَّلاةُ عَلى ما يَقَعُ يَوْمَ النَّحْرِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّكَ﴾ فِيها فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: هَذِهِ اللّامُ لِلصَّلاةِ كالرُّوحِ لِلْبَدَنِ، فَكَما أنَّ البَدَنَ مِنَ الفَرْقِ إلى القَدَمِ، إنَّما يَكُونُ حَسَنًا مَمْدُوحًا إذا كانَ فِيهِ رُوحٌ أمّا إذا كانَ مَيِّتًا فَيَكُونُ مَرْمِيًّا، كَذا الصَّلاةُ والرُّكُوعُ والسُّجُودُ، وإنْ حَسُنَتْ في الصُّورَةِ وطالَتْ، لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها لامُ لِرَبِّكَ، كانَتْ مَيْتَةً مَرْمِيَّةً، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وقِيلَ: إنَّهُ كانَتْ صَلاتُهم ونَحْرُهم لِلصَّنَمِ، فَقِيلَ لَهُ: لِتَكُنْ صَلاتُكَ ونَحْرُكَ لِلَّهِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ذَكَرَ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ لِلْمُراءاةِ، فَصَلِّ أنْتَ لا لِلرِّياءِ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ﴾ تُفِيدُ سَبَبِيَّةَ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: سَبَبِيَّةُ العِبادَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَكْثِيرُ الإنْعامِ عَلَيْكَ يُوجِبُ عَلَيْكَ الِاشْتِغالَ بِالعُبُودِيَّةِ. والثّانِي: سَبَبِيَّةُ تَرْكِ المُبالاةِ كَأنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: إنَّكَ أبْتَرُ فَقِيلَ لَهُ: كَما أنْعَمْنا عَلَيْكَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ، فاشْتَغِلْ أنْتَ بِطاعَتِكَ، ولا تُبالِ بِقَوْلِهِمْ وهَذَيانِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَتِ النِّعَمُ الكَثِيرَةُ مَحْبُوبَةً ولازِمُ المَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ﴾ اقْتَضَتْ كَوْنَ الصَّلاةِ مِن لَوازِمِ تِلْكَ النِّعَمِ، لا جَرَمَ صارَتِ الصَّلاةُ أحَبَّ الأشْياءِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ”«وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» “ «ولَقَدْ صَلّى حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، فَقِيلَ لَهُ: أوَلَيْسَ قَدْ غُفِرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ؟ فَقالَ: ”أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» “ فَقَوْلُهُ: ”«أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» “ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ الِاشْتِغالُ بِالطّاعَةِ بِمُقْتَضى الفاءِ في قَوْلِهِ: (فَصَلِّ) . صفحة ١٢٣ المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كانَ الألْيَقُ في الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ، فَصَلِّ لَنا وانْحَرْ، لَكِنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ لِفَوائِدَ: إحْداها: أنَّ وُرُودَهُ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مِن أُمَّهاتِ أبْوابِ الفَصاحَةِ. وثانِيها: أنَّ صَرْفَ الكَلامِ مِنَ المُضْمَرِ إلى المُظْهَرِ يُوجِبُ نَوْعَ عَظَمَةٍ ومَهابَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الخُلَفاءِ لِمَن يُخاطِبُونَهم: يَأْمُرُكَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، ويَنْهاكَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ لَيْسَ في صَرِيحِ لَفْظِهِ أنَّ هَذا القائِلَ هو اللَّهُ أوْ غَيْرُهُ، وأيْضًا كَلِمَةُ: ”إنّا“ تَحْتَمِلُ الجَمْعَ كَما تَحْتَمِلُ الواحِدَ المُعَظِّمَ نَفْسَهُ، فَلَوْ قالَ: صَلِّ لَنا، لَنُفِيَ ذَلِكَ الِاحْتِمالُ وهو أنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُ أنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لِلَّهِ وحْدَهُ أمْ لَهُ ولِغَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيكِ، فَلِهَذا تَرَكَ اللَّفْظَ، وقالَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ لِيَكُونَ ذَلِكَ إزالَةً لِذَلِكَ الِاحْتِمالِ وتَصْرِيحًا بِالتَّوْحِيدِ في الطّاعَةِ والعَمَلِ لِلَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: فَصَلِّ لِلَّهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الرَّبِّ يُفِيدُ التَّرْبِيَةَ المُتَقَدِّمَةَ المُشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ويُفِيدُ الوَعْدَ الجَمِيلَ في المُسْتَقْبَلِ أنَّهُ يُرَبِّيهِ ولا يَتْرُكُهُ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في الآيَةِ سُؤالانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَذْكُورَ عَقِبَ الصَّلاةِ هو الزَّكاةُ، فَلِمَ كانَ المَذْكُورُ هَهُنا هو النَّحْرَ ؟ . والثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ضَحِّ حَتّى يَشْمَلَ جَمِيعَ أنْواعِ الضَّحايا ؟ والجَوابُ: عَنِ الأوَّلِ، أمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: المُرادُ مِنَ الصَّلاةِ صَلاةُ العِيدِ، فالأمْرُ ظاهِرٌ فِيهِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَهُ عَلى مُطْلَقِ الصَّلاةِ، فَلِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ كانَتْ صَلَواتُهم وقَرابِينُهم لِلْأوْثانِ، فَقِيلَ لَهُ: اجْعَلْهُما لِلَّهِ. وثانِيها: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَدْخُلُ في مِلْكِهِ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا، بَلْ كانَ يَمْلِكُ بِقَدْرِ الحاجَةِ، فَلا جَرَمَ لَمْ تَجِبِ الزَّكاةُ عَلَيْهِ، أمّا النَّحْرُ فَقَدْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: ”«ثَلاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ ولَمْ تُكْتَبْ عَلى أُمَّتِي: الضُّحى والأضْحى والوِتْرُ» “ . وثالِثُها: أنَّ أعَزَّ الأمْوالِ عِنْدَ العَرَبِ، هو الإبِلُ فَأمَرَهُ بِنَحْرِها وصَرَفَها إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى تَنْبِيهًا عَلى قَطْعِ العَلائِقِ النَّفْسانِيَّةِ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أهْدى مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيها جَمَلٌ لِأبِي جَهْلٍ في أنْفِهِ بُرَةٌ مِن ذَهَبٍ فَنَحَرَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أعْيا، ثُمَّ أمَرَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ، وكانَتِ النُّوقُ يَزْدَحِمْنَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَلَمّا أخَذَ عَلِيٌّ السِّكِّينَ تَباعَدَتْ مِنهُ» . والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الصَّلاةَ أعْظَمُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ فَقَرَنَ بِها أعْظَمَ أنْواعِ الضَّحايا، وأيْضًا فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّكَ بَعْدَ فَقْرِكَ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَنْحَرُ المِائَةَ مِنَ الإبِلِ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّلاةِ عَلى النَّحْرِ، لا لِأنَّ الواوَ تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، بَلْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» . المَسْألَةُ العاشِرَةُ: السُّورَةُ مَكِّيَّةُ في أصَحِّ الأقْوالِ، وكانَ الأمْرُ بِالنَّحْرِ جارِيًا مُجْرى البِشارَةِ بِحُصُولِ الدَّوْلَةِ، وزَوالِ الفَقْرِ والخَوْفِ.

الكوثر 108:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا: أحَدُها: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ يَدْخُلُ فالتَقَيا فَتَحَدَّثا، وصَنادِيدُ قُرَيْشٍ في المَسْجِدِ، فَلَمّا دَخَلَ قالُوا مَنِ الَّذِي كُنْتَ صفحة ١٢٤ تَتَحَدَّثُ مَعَهُ ؟ فَقالَ: ذَلِكَ الأبْتَرُ»، وأقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مِن إسْرارِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَهُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزًا، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ العاصَ بْنَ وائِلٍ كانَ يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا أبْتَرُ لا ابْنَ لَهُ يَقُومُ مَقامَهُ بَعْدَهُ، فَإذا ماتَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ واسْتَرَحْنا مِنهُ، وكانَ قَدْ ماتَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ مِن خَدِيجَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وعامَّةِ أهْلِ التَّفْسِيرِ. القَوْلُ الثّانِي: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ أتاهُ جَماعَةُ قُرَيْشٍ فَقالُوا: نَحْنُ أهْلُ السِّقايَةِ والسَّدانَةِ وأنْتَ سَيِّدُ أهْلِ المَدِينَةِ، فَنَحْنُ خَيْرٌ أمْ هَذا الأبْتَرُ مِن قَوْمِهِ، يَزْعُمُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنّا ؟ فَقالَ: بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ فَنَزَلَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ ونَزَلَ أيْضًا: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] . والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ عِكْرِمَةُ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: لَمّا أوْحى اللَّهُ إلى رَسُولِهِ ودَعا قُرَيْشًا إلى الإسْلامِ، قالُوا: بَتَرَ مُحَمَّدٌ أيْ خالَفَنا وانْقَطَعَ عَنّا، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم هُمُ المَبْتُورُونَ. القَوْلُ الرّابِعُ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ فَإنَّهُ لَمّا ماتَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ، قالَ أبُو جَهْلٍ: إنِّي أُبْغِضُهُ لِأنَّهُ أبْتَرُ، وهَذا مِنهُ حَماقَةٌ حَيْثُ أبْغَضَهُ بِأمْرٍ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيارِهِ فَإنَّ مَوْتَ الِابْنِ لَمْ يَكُنْ مُرادَهُ. القَوْلُ الخامِسُ: نَزَلَتْ في عَمِّهِ أبِي لَهَبٍ فَإنَّهُ لَمّا شافَهَهُ بِقَوْلِهِ: تَبًّا لَكَ، كانَ يَقُولُ في غَيْبَتِهِ: إنَّهُ أبْتَرُ. والقَوْلُ السّادِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ؛ وإنَّهُ هو الَّذِي كانَ يَقُولُ ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ في كُلِّ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ أنْ يَقُولُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ ما هو أسْوَأُ مِن ذَلِكَ، ولَعَلَّ العاصَ بْنَ وائِلٍ كانَ أكْثَرَهم مُواظَبَةً عَلى هَذا القَوْلِ؛ فَلِذَلِكَ اشْتَهَرَتِ الرِّواياتُ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الشَّنَآنُ هو البُغْضُ، والشّانِئُ هو المُبْغِضُ، وأمّا البَتْرُ فَهو في اللُّغَةِ اسْتِئْصالُ القَطْعِ يُقالُ: بَتَرْتُهُ أبْتُرُهُ بَتْرًا وبُتِرَ أيْ صارَ أبْتَرَ وهو مَقْطُوعُ الذَّنَبِ، ويُقالُ: لِلَّذِي لا عَقِبَ لَهُ أبْتَرُ، ومِنهُ الحِمارُ الأبْتَرُ الَّذِي لا ذَنَبَ لَهُ، وكَذَلِكَ لِمَنِ انْقَطَعَ عَنْهُ الخَيْرُ. ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ لَمّا وصَفُوهُ بِذَلِكَ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هو ذَلِكَ المُبَغِضُ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ فِيهِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: زَيْدٌ هو العالِمُ يُفِيدُ أنَّهُ لا عالِمَ غَيْرُهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُ الكُفّارِ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّهُ أبْتَرُ لا شَكَّ أنَّهم - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - أرادُوا بِهِ أنَّهُ انْقَطَعَ الخَيْرُ عَنْهُ. ثُمَّ ذَلِكَ إمّا أنْ يُحْمَلَ عَلى خَيْرٍ مُعَيَّنٍ، أوْ عَلى جَمِيعِ الخَيْراتِ. أمّا الأوَّلُ: فَيَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ قُرَيْشٌ يَقُولُونَ لِمَن ماتَ الذُّكُورُ مِن أوْلادِهِ بُتِرَ، فَلَمّا ماتَ ابْنُهُ القاسِمُ وعَبْدُ اللَّهِ بِمَكَّةَ وإبْراهِيمُ بِالمَدِينَةِ قالُوا: بُتِرَ فَلَيْسَ لَهُ مَن يَقُومُ مَقامَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ عَدُوَّهُ هو المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإنّا نَرى أنَّ نَسْلَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ قَدِ انْقَطَعَ، ونَسْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلَّ يَوْمٍ يَزْدادُ ويَنْمُو وهَكَذا يَكُونُ إلى قِيامِ القِيامَةِ. وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: عَنَوْا بِكَوْنِهِ أبْتَرَ أنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنِ المَقْصُودِ قَبْلَ بُلُوغِهِ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ خَصْمَهُ هو الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنَّهم صارُوا مُدْبِرِينَ مَغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ، وصارَتْ راياتُ الإسْلامِ عالِيَةً، وأهْلُ الشَّرْقِ والغَرْبِ لَها مُتَواضِعَةٌ. وثالِثُها: زَعَمُوا أنَّهُ أبْتَرُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ ناصِرٌ ومُعِينٌ، وقَدْ كَذَّبُوا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو مَوْلاهُ، وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكَفَرَةُ فَلَمْ يَبْقَ لَهم ناصِرٌ ولا حَبِيبٌ. ورابِعُها: الأبْتَرُ هو الحَقِيرُ الذَّلِيلُ، رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ اتَّخَذَ ضِيافَةً لِقَوْمٍ، ثُمَّ إنَّهُ وصَفَ رَسُولَ اللَّهِ بِهَذا الوَصْفِ، ثُمَّ قالَ: قُومُوا حَتّى نَذْهَبَ إلى مُحَمَّدٍ وأُصارِعَهُ وأجْعَلَهُ ذَلِيلًا حَقِيرًا، فَلَمّا وصَلُوا إلى دارِ خَدِيجَةَ وتَوافَقُوا عَلى ذَلِكَ أخْرَجَتْ خَدِيجَةُ بِساطًا، فَلَمّا تَصارَعا جَعَلَ أبُو جَهْلٍ يَجْتَهِدُ في أنْ يَصْرَعَهُ، وبَقِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واقِفًا صفحة ١٢٥ كالجَبَلِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَماهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أقْبَحِ وجْهٍ، فَلَمّا رَجَعَ أخَذَهُ بِاليَدِ اليُسْرى؛ لِأنَّ اليُسْرى لِلِاسْتِنْجاءِ، فَكانَ نَجِسًا فَصَرَعَهُ عَلى الأرْضِ مَرَّةً أُخْرى ووَضَعَ قَدَمَهُ عَلى صَدْرِهِ»، فَذَكَرَ بَعْضُ القُصّاصِ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ هَذِهِ الواقِعَةُ. وخامِسُها: أنَّ الكَفَرَةَ لَمّا وصَفُوهُ بِهَذا الوَصْفِ، قِيلَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ أيِ الَّذِي قالُوهُ فِيكَ كَلامٌ فاسِدٌ يَضْمَحِلُّ ويَفْنى، وأمّا المَدْحُ الَّذِي ذَكَرْناهُ فِيكَ، فَإنَّهُ باقٍ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ. وسادِسُها: أنَّ رَجُلًا قامَ إلى الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقالَ: سَوَّدْتَ وُجُوهَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ تَرَكْتَ الإمامَةَ لِمُعاوِيَةَ، فَقالَ: لا تُؤْذِنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأى بَنِي أُمَيَّةَ في المَنامِ يَصْعَدُونَ مِنبَرَهُ رَجُلًا فَرَجُلًا فَساءَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾، ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] فَكانَ مُلْكُ بَنِي أُمَيَّةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ انْقَطَعُوا وصارُوا مَبْتُورِينَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكُفّارُ لَمّا شَتَمُوهُ، فَهو تَعالى أجابَ عَنْهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، فَقالَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وهَكَذا سُنَّةُ الأحْبابِ، فَإنَّ الحَبِيبَ إذا سَمِعَ مَن يَشْتُمُ حَبِيبَهُ تَوَلّى بِنَفْسِهِ جَوابَهُ، فَهَهُنا تَوَلّى الحَقُّ سُبْحانَهُ جَوابَهم، وذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ في مَواضِعَ حِينَ قالُوا: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٧] فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨] وحِينَ قالُوا: هو مَجْنُونٌ أقْسَمَ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] ولَمّا قالُوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣] أجابَ فَقالَ: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] وحِينَ قالُوا: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] رَدَّ عَلَيْهِمْ وقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] فَصَدَّقَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ وعِيدَ خُصَمائِهِ، وقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] وحِينَ قالَ حاكِيًا: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطور: ٣٠] قالَ: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] ولَمّا حَكى عَنْهم قَوْلَهم: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] سَمّاهم كاذِبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ [الفرقان: ٤] ولَمّا قالُوا: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] أجابَهم فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] فَما أجَلَّ هَذِهِ الكَرامَةَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَهُ بِالنِّعَمِ العَظِيمَةِ، وعَلِمَ تَعالى أنَّ النِّعْمَةَ لا تَهْنَأُ إلّا إذا صارَ العَدُوُّ مَقْهُورًا، لا جَرَمَ وعَدَهُ بِقَهْرِ العَدُوِّ، فَقالَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وفِيهِ لَطائِفُ: إحْداها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لا أفْعَلُهُ لِكَيْ يَرى بَعْضَ أسْبابِ دَوْلَتِكَ، وبَعْضَ أسْبابِ مِحْنَةِ نَفْسِهِ فَيَقْتُلَهُ الغَيْظُ. وثانِيها: وصَفَهُ بِكَوْنِهِ شانِئًا، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هَذا الَّذِي يُبْغِضُكَ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ آخَرَ سِوى أنَّهُ يُبْغِضُكَ، والمُبْغِضُ إذا عَجَزَ عَنِ الإيذاءِ، فَحِينَئِذٍ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ غَيْظًا وحَسَدًا، فَتَصِيرُ تِلْكَ العَداوَةُ مِن أعْظَمِ أسْبابِ حُصُولِ المِحْنَةِ لِذَلِكَ العَدُوِّ. وثالِثُها: أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما صارَ أبْتَرَ؛ لِأنَّهُ كانَ شانِئًا لَهُ ومُبْغِضًا، والأمْرُ بِالحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، فَإنَّ مَن عادى مَحْسُودًا فَقَدْ عادى اللَّهَ تَعالى، لا سِيَّما مَن تَكَفَّلَ بِإعْلاءِ شَأْنِهِ وتَعْظِيمِ مَرْتَبَتِهِ. ورابِعُها: أنَّ العَدُوَّ وصَفَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقِلَّةِ والذِّلَّةِ، ونَفْسَهُ بِالكَثْرَةِ والدَّوْلَةِ، فَقَلَبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلَيْهِ، وقالَ العَزِيزُ مَن أعَزَّهُ اللَّهُ، والذَّلِيلُ مَن أذَلَّهُ اللَّهُ، فالكَثْرَةُ والكَوْثَرُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والأبْتَرِيَّةُ والدَّناءَةُ والذِّلَّةُ لِلْعَدُوِّ، فَحَصَلَ بَيْنَ أوَّلِ السُّورَةِ وآخِرِها نَوْعٌ مِنَ المُطابَقَةِ لِطَيْفٌ. * * * صفحة ١٢٦ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَن تَأمَّلَ في مَطالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ ومَقاطِعِها عَرَفَ أنَّ الفَوائِدَ الَّتِي ذَكَرْناها بِالنِّسْبَةِ إلى ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِن فَوائِدِ هَذِهِ السُّورَةِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، رُوِيَ عَنْ مُسَيْلِمَةَ أنَّهُ عارَضَها فَقالَ: إنّا أعْطَيْناكَ الجَماهِرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وجاهِرْ، إنَّ مُبْغَضَكَ رَجُلٌ كافِرٌ، ولَمْ يَعْرِفِ المَخْذُولُ أنَّهُ مَحْرُومٌ عَنِ المَطْلُوبِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الألْفاظَ والتَّرْتِيبَ مَأْخُوذانِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهَذا لا يَكُونُ مُعارَضَةً. وثانِيها: أنّا ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كالتَّتِمَّةِ لِما قَبْلَها، وكالأصْلِ لِما بَعْدَها، فَذِكْرُ هَذِهِ الكَلِماتِ وحْدَها يَكُونُ إهْمالًا لِأكْثَرِ لِطائِفِ هَذِهِ السُّورَةِ. وثالِثُها: التَّفاوُتُ العَظِيمُ الَّذِي يُقِرُّ بِهِ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: إنَّ مُبْغِضَكَ رَجُلٌ كافِرٌ، ومِن لَطائِفِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنَ الكُفّارِ وصَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوَصْفٍ آخَرَ، فَوَصَفَهُ بِأنَّهُ لا ولَدَ لَهُ، وآخَرُ بِأنَّهُ لا مُعِينَ لَهُ ولا ناصِرَ لَهُ، وآخَرُ بِأنَّهُ لا يَبْقى مِنهُ ذِكْرٌ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ مَدَحَهُ مَدْحًا أدْخَلَ فِيهِ كُلَّ الفَضائِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يُقَيِّدُ ذَلِكَ الكَوْثَرَ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، لا جَرَمَ تَناوَلَ جَمِيعَ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ أمَرَهُ حالَ حَياتِهِ بِمَجْمُوعِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ الطّاعاتِ إمّا أنْ تَكُونَ طاعَةَ البَدَنِ أوْ طاعَةَ القَلْبِ، أمّا طاعَةُ البَدَنِ فَأفْضَلُهُ شَيْئانِ؛ لِأنَّ طاعَةَ البَدَنِ هي الصَّلاةُ، وطاعَةَ المالِ هي الزَّكاةُ، وأمّا طاعَةُ القَلْبِ فَهو أنْ لا يَأْتِيَ بِشَيْءٍ إلّا لِأجْلِ اللَّهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِرَبِّكَ) يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، ثُمَّ كَأنَّهُ نَبَّهَ عَلى أنَّ طاعَةَ القَلْبِ لا تَحْصُلُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ طاعَةِ البَدَنِ، فَقَدَّمَ طاعَةَ البَدَنِ في الذِّكْرِ، وهو قَوْلُهُ: (فَصَلِّ) وأخَّرَ اللّامَ الدّالَّةَ عَلى طاعَةِ القَلْبِ تَنْبِيهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِ أهْلِ الإباحَةِ في أنَّ العَبْدَ قَدْ يَسْتَغْنِي بِطاعَةِ قَلْبِهِ عَنْ طاعَةِ جَوارِحِهِ، فَهَذِهِ اللّامُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ الإباحَةِ، وعَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإخْلاصِ، ثُمَّ نَبَّهَ بِلَفْظِ الرَّبِّ عَلى عُلُوِّ حالِهِ في المَعادِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: كُنْتُ رَبَّيْتُكَ قَبْلَ وُجُودِكَ، أفَأتْرُكُ تَرْبِيَتَكَ بَعْدَ مُواظَبَتِكَ عَلى هَذِهِ الطّاعاتِ، ثُمَّ كَما تَكَفَّلَ أوَّلًا بِإفاضَةِ النِّعَمِ عَلَيْهِ تَكَفَّلَ في آخِرِ السُّورَةِ بِالذَّبِّ عَنْهُ وإبْطالِ قَوْلِ أعْدائِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الأوَّلُ بِإفاضَةِ النِّعَمِ، والآخِرُ بِتَكْمِيلِ النِّعَمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

الكافرون 109:1

صفحة ١٢٧ (سُورَةُ الكافِرُونَ) . سِتُّ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ. ﷽ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ المُنابِذَةِ وسُورَةَ الإخْلاصِ والمُقَشْقِشَةَ، ورُوِيَ أنَّ مَن قَرَأها فَكَأنَّما قَرَأ رُبْعَ القُرْآنِ، والوَجْهُ فِيهِ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ بِالمَأْمُوراتِ والنَّهْيِ عَنِ المُحَرَّماتِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْقَسِمُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالقُلُوبِ وإلى ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ المُحَرَّماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأفْعالِ القُلُوبِ فَتَكُونُ رُبْعًا لِلْقُرْآنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (قُلْ) فِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِالرِّفْقِ واللِّينِ في جَمِيعِ الأُمُورِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾، ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ثُمَّ كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يَدْعُوَ إلى اللَّهِ بِالوَجْهِ الأحْسَنِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ خاطَبَهم بِـ ”﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾“ فَكانُوا يَقُولُونَ: كَيْفَ يَلِيقُ هَذا التَّغْلِيظُ بِذَلِكَ الرِّفْقِ ؟ فَأجابَ بِأنِّي مَأْمُورٌ بِهَذا الكَلامِ لا أنِّي ذَكَرْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ (قُلْ) تَقْرِيرَ هَذا المَعْنى. وثانِيها: أنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وهو كانَ يُحِبُّ أقْرِباءَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ صفحة ١٢٨ [الشورى: ٢٣] فَكانَتِ القَرابَةُ ووَحْدَةُ النَّسَبِ كالمانِعِ مِن إظْهارِ الخُشُونَةِ فَأُمِرَ بِالتَّصْرِيحِ بِتِلْكَ الخُشُونَةِ والتَّغْلِيظِ فَقِيلَ لَهُ: (قُلْ) . وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] فَأُمِرَ بِتَبْلِيغِ كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ نَقَلَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الكَلامَ بِجُمْلَتِهِ كَأنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَنِي بِتَبْلِيغِ كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ والَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ هو مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ فَأنا أيْضًا أُبَلِّغُهُ إلى الخَلْقِ هَكَذا. ورابِعُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ، وأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] والعَبْدُ يَتَحَمَّلُ مِن مَوْلاهُ ما لا يَتَحَمَّلُهُ مِن غَيْرِهِ، فَلَوْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ابْتِداءً: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ لَجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَلَعَلَّهم ما كانُوا يَتَحَمَّلُونَهُ مِنهُ وكانُوا يُؤْذُونَهُ. أمّا لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾ عَلِمُوا أنَّهُ يَنْقُلُ هَذا التَّغْلِيظَ عَنْ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَكانُوا يَتَحَمَّلُونَهُ ولا يَعْظُمُ تَأذِّيهِمْ بِهِ. وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾ يُوجِبُ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ﴾ كانَ ذَلِكَ كالمَنشُورِ الجَدِيدِ في ثُبُوتِ رِسالَتِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ الرَّسُولِ، فَإنَّ المَلِكَ إذا فَوَّضَ مَمْلَكَتَهُ إلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، فَإذا كانَ يَكْتُبُ لَهُ كُلَّ شَهْرٍ وسَنَةٍ مَنشُورًا جَدِيدًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى غايَةِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِهِ، وأنَّهُ عَلى عَزْمٍ أنْ يَزِيدَهُ كُلَّ يَوْمٍ تَعْظِيمًا وتَشْرِيفًا. وسادِسُها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: نَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: اسْتَأْمَرْتُ إلَهِي فِيهِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . وسابِعُها: الكُفّارُ قالُوا فِيهِ السُّوءَ، فَهو تَعالى زَجَرَهم عَنْ ذَلِكَ، وأجابَهم وقالَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] وكَأنَّهُ تَعالى قالَ: حِينَ ذَكَرُوكَ بِسُوءٍ، فَأنا كُنْتُ المُجِيبَ بِنَفْسِي، فَحِينَ ذَكَرُونِي بِالسُّوءِ وأثْبَتُوا لِيَ الشُّرَكاءَ، فَكُنْ أنْتَ المُجِيبَ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . وثامِنُها: أنَّهم سَمَّوْكَ أبْتَرَ، فَإنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَوْفِيَ مِنهُمُ القِصاصَ، فاذْكُرْهم بِوَصْفِ ذَمٍّ بِحَيْثُ تَكُونُ صادِقًا فِيهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ لَكِنَّ الفَرْقَ أنَّهم عابُوكَ بِما لَيْسَ مِن فِعْلِكَ وأنْتَ تَعِيبُهم بِما هو فِعْلُهم. وتاسِعُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَقُولَ: يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَهُ، والكُفّارُ يَقُولُونَ: هَذا كَلامُ رَبِّكَ أمْ كَلامُكَ، فَإنْ كانَ كَلامَ رَبِّكَ فَرَبُّكَ يَقُولُ: أنا لا أعْبُدُ هَذِهِ الأصْنامَ، ونَحْنُ لا نَطْلُبُ هَذِهِ العِبادَةَ مِن رَبِّكَ إنَّما نَطْلُبُها مِنكَ، وإنْ كانَ هَذا كَلامَكَ فَأنْتَ قُلْتَ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ: إنِّي لا أعْبُدُ هَذِهِ الأصْنامَ، فَلِمَ قُلْتَ: إنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي أمَرَكَ بِذَلِكَ، أمّا لِما قالَ: قُلْ، سَقَطَ هَذا الِاعْتِراضُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَعْبُدَها ويَتَبَرَّأ مِنها. وعاشِرُها: أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ لَكانَ يَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخُونَ في الوَحْيِ إلّا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿قُلْ﴾ كانَ ذَلِكَ كالتَّأْكِيدِ في إيجابِ تَبْلِيغِ هَذا الوَحْيِ إلَيْهِمْ، والتَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَدُلُّ هَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى أنَّ الَّذِي قالُوهُ وطَلَبُوهُ مِنَ الرَّسُولِ أمْرٌ مُنْكَرٌ في غايَةِ القُبْحِ ونِهايَةِ الفُحْشِ. الحادِيَ عَشَرَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: كانَتِ التَّقِيَّةُ جائِزَةً عِنْدَ الخَوْفِ، أمّا الآنَ لَمّا قَوَّيْنا قَلْبَكَ بِقَوْلِنا: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] وبِقَوْلِنا: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ خِطابَ اللَّهِ تَعالى مَعَ العَبْدِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ يُوجِبُ التَّعْظِيمَ ألا تَرى أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أقْسامِ إهانَةِ الكُفّارِ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُهم، فَلَوْ قالَ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ لَكانَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ خِطابُ مُشافَهَةٍ يُوجِبُ التَّعْظِيمَ، ومِن حَيْثُ إنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالكُفْرِ يُوجِبُ الإيذاءَ فَيَنْجَبِرُ الإيذاءُ بِالإكْرامِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ تَشْرِيفُ صفحة ١٢٩ المُخاطَبَةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وتَرْجِعُ الإهانَةُ الحاصِلَةُ لَهم بِسَبَبِ وصْفِهِمْ بِالكُفْرِ إلى الكُفّارِ، فَيَحْصُلُ فِيهِ تَعْظِيمُ الأوْلِياءِ، وإهانَةُ الأعْداءِ، وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في الحُسْنِ. الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنهم، وكانَ في غايَةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ والرَّأْفَةِ بِهِمْ، وكانُوا يَعْلَمُونَ مِنهُ أنَّهُ شَدِيدُ الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ، والأبُ الَّذِي يَكُونُ في غايَةِ الشَّفَقَةِ بِوَلَدِهِ، ويَكُونُ في نِهايَةِ الصِّدْقِ والبُعْدِ عَنِ الكَذِبِ، ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُ ولَدَهُ بِعَيْبٍ عَظِيمٍ فالوَلَدُ إنْ كانَ عاقِلًا يَعْلَمُ أنَّهُ ما وصَفَهُ بِذَلِكَ مَعَ غايَةِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ إلّا لِصِدْقِهِ في ذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يَقْدِرُ عَلى إخْفائِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ لَهم: ﴿أيُّها الكافِرُونَ﴾ لِيَعْلَمُوا أنَّكَ لَمّا وصَفْتَهم بِذَلِكَ مَعَ غايَةِ شَفَقَتِكَ عَلَيْهِمْ وغايَةِ احْتِرازِكَ عَنِ الكَذِبِ فَهم مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ القَبِيحَةِ، فَرُبَّما يَصِيرُ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى البَراءَةِ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ والِاحْتِرازِ عَنْها. الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الإيذاءَ والإيحاشَ مِن ذَوِي القُرْبى أشَدُّ وأصْعَبُ مِنَ الغَيْرِ فَأنْتَ مِن قَبِيلَتِهِمْ، ونَشَأْتَ فِيما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَقُلْ لَهم: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ فَلَعَلَّهُ يَصْعُبُ ذَلِكَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى البَحْثِ والنَّظَرِ والبَراءَةِ عَنِ الكُفْرِ. الخامِسَ عَشَرَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ألَسْنا بَيَّنّا في سُورَةِ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وفي سُورَةِ الكَوْثَرِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ وأتَيْتَ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ، بِمُقْتَضى قَوْلِنا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] بَقِيَ عَلَيْكَ التَّواصِي بِالحَقِّ والتَّواصِي بِالصَّبْرِ، وذَلِكَ هو أنْ تَمْنَعَهم بِلِسانِكَ وبُرْهانِكَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَقُلْ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . السّادِسَ عَشَرَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ أنَسِيتَ أنَّنِي لَمّا أخَّرْتُ الوَحْيَ عَلَيْكَ مُدَّةً قَلِيلَةً، قالَ الكافِرُونَ: إنَّهُ ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ، فَشَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ غايَةَ المَشَقَّةِ، حَتّى أنْزَلْتُ عَلَيْكَ السُّورَةَ، وأقْسَمْتُ بِ ﴿الضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] أنَّهُ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] فَلَمّا لَمْ تَسْتَجِزْ أنْ أتْرُكَكَ شَهْرًا ولَمْ يَطِبْ قَلْبُكَ حَتّى نادَيْتُ في العالَمِ بِأنَّهُ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ أفَتَسْتَجِيزُ أنْ تَتْرُكَنِي شَهْرًا وتَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ، فَلَمّا نادَيْتُ بِنَفْيِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، فَنادِ أنْتَ أيْضًا في العالَمِ بِنَفْيِ هَذِهِ التُّهْمَةِ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . * * * السّابِعَ عَشَرَ: لَمّا سَألُوا مِنهُ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم سَنَةً ويَعْبُدُوا إلَهَهُ سَنَةً، فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ سَكَتَ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا، لا لِأنَّهُ جَوَّزَ في قَلْبِهِ أنْ يَكُونَ الَّذِي قالُوهُ حَقًّا، فَإنَّهُ كانَ قاطِعًا بِفَسادِ ما قالُوهُ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، تَوَقَّفَ في أنَّهُ بِماذا يُجِيبُهم ؟ أبِأنْ يُقِيمَ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ ؟ أوْ بِأنْ يَزْجُرَهم بِالسَّيْفِ ؟ أوْ بِأنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَذابًا ؟ فاغْتَنَمَ الكُفّارُ ذَلِكَ السُّكُوتَ وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا مالَ إلى دِينِنا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ تَوَقُّفَكَ عَنِ الجَوابِ في نَفْسِ الأمْرِ حَقٌّ، ولَكِنَّهُ أوْهَمَ باطِلًا، فَتَدارَكْ إزالَةَ ذَلِكَ الباطِلِ، وصَرِّحْ بِما هو الحَقُّ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ رَبُّهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ: أثْنِ عَلَيَّ اسْتَوْلى عَلَيْهِ هَيْبَةُ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، فَقالَ: لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ السُّكُوتُ مِنهُ في غايَةِ الحُسْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنْ سَكَتَّ عَنِ الثَّناءِ رِعايَةً لِهَيْبَةِ الحَضْرَةِ، فَأطْلِقْ لِسانَكَ في مَذَمَّةِ الأعْداءِ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ حَتّى يَكُونَ سُكُوتُكَ لِلَّهِ وكَلامُكَ لِلَّهِ، وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّ هَيْبَةَ الحَضْرَةِ سَلَبَتْ عَنْكَ قُدْرَةَ القَوْلِ فَقُلْ هَهُنا حَتّى إنَّ هَيْبَةَ قَوْلِكَ تَسْلُبُ قُدْرَةَ القَوْلِ عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ. التّاسِعَ عَشَرَ: لَوْ قالَ لَهُ: لا تَعْبُدْ ما يَعْبُدُونَ لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنْ يَقُولَ بِلِسانِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أمّا لَمّا أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ بِلِسانِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ يَلْزَمُهُ أنْ لا يَعْبُدَ ما يَعْبُدُونَ إذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَصارَ كَلامُهُ كَذِبًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمّا قالَ لَهُ قُلْ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ فَلَزِمَهُ أنْ يَكُونَ مُنْكِرًا لِذَلِكَ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَوارِحِهِ. ولَوْ قالَ لَهُ: لا تَعْبُدْ ما يَعْبُدُونَ لَزِمَهُ تَرْكُهُ، صفحة ١٣٠ أمّا لا يَلْزَمُهُ إظْهارُ إنْكارِهِ بِاللِّسانِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ غايَةَ الإنْكارِ إنَّما تَحْصُلُ إذا تَرَكَهُ في نَفْسِهِ وأنْكَرَهُ بِلِسانِهِ فَقَوْلُهُ لَهُ: (قُلْ) يَقْتَضِي المُبالَغَةَ في الإنْكارِ، فَلِهَذا قالَ: قُلْ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . العِشْرُونَ: ذِكْرُ التَّوْحِيدِ ونَفْيُ الأنْدادِ جَنَّةٌ لِلْعارِفِينَ ونارٌ لِلْمُشْرِكِينَ فاجْعَلْ لَفْظَكَ جَنَّةً لِلْمُوَحِّدِينَ ونارًا لِلْمُشْرِكِينَ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الحادِي والعِشْرُونَ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً سَكَتَ مُحَمَّدٌ فَقالَ: إنْ شافَهْتُهم بِالرَّدِّ تَأذَّوْا، وحَصَلَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الإسْلامِ في قُلُوبِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ لِمَ سَكَتَّ عَنِ الرَّدِّ، أمّا الطَّمَعُ فِيما يَعِدُونَكَ مِن قَبُولِ دِينِكَ، فَلا حاجَةَ بِكَ في هَذا المَعْنى إلَيْهِمْ: فَ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ وأمّا الخَوْفُ مِنهم فَقَدْ أزَلْنا عَنْكَ، الخَوْفَ بِقَوْلِنا: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ، ولا تُبالِ بِكَلامِهِمْ، و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الثّانِي والعِشْرُونَ: أنَسِيتَ يا مُحَمَّدُ أنِّي قَدَّمْتُ حَقَّكَ عَلى حَقِّ نَفْسِي ؟ فَقُلْتُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] فَقَدَّمْتُ أهْلَ الكِتابِ في الكُفْرِ عَلى المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ طَعْنَ أهْلِ الكِتابِ فِيكَ، وطَعْنَ المُشْرِكِينَ فِيَّ، فَقَدَّمْتُ حَقَّكَ عَلى حَقِّ نَفْسِي وقَدَّمْتُ أهْلَ الكِتابِ في الذَّمِّ عَلى المُشْرِكِينَ، وأنْتَ أيْضًا هَكَذا كُنْتَ تَفْعَلُ فَإنَّهم لَمّا كَسَرُوا سِنَّكَ قُلْتَ: ”«اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي» “ ولَمّا شَغَلُوكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ قُلْتَ: ”«اللَّهُمَّ امْلَأْ بُطُونَهم نارًا» “ فَهَهُنا أيْضًا قَدِّمْ حَقِّي عَلى حَقِّ نَفْسِكَ وسَواءٌ كُنْتَ خائِفًا مِنهم، أوْ لَسْتَ خائِفًا مِنهم فَأظْهِرْ إنْكارَ قَوْلِهِمْ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الثّالِثُ والعِشْرُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: قِصَّةُ امْرَأةِ زَيْدٍ واقِعَةٌ حَقِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ الواقِعَةِ، ثُمَّ إنَّنِي هُناكَ ما رَضِيتُ مِنكَ أنْ تُضْمِرَ في قَلْبِكَ شَيْئًا ولا تُظْهِرَهُ بِلِسانِكَ، بَلْ قُلْتُ لَكَ عَلى سَبِيلِ العِتابِ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فَإذا كُنْتُ لَمْ أرْضَ مِنكَ في تِلْكَ الواقِعَةِ الحَقِيرَةِ إلّا بِالإظْهارِ، وتَرْكِ المُبالاةِ بِأقْوالِ النّاسِ فَكَيْفَ أرْضى مِنكَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهي أعْظَمُ المَسائِلِ خَطَرًا بِالسُّكُوتِ ؟ قُلْ بِصَرِيحِ لِسانِكَ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الرّابِعُ والعِشْرُونَ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتُ قُلْتُ لَكَ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١] ثُمَّ إنِّي في هَذِهِ القُدْرَةِ راعَيْتُ جانِبَكَ وطَيَّبْتُ قَلْبَكَ ونادَيْتُ في العالَمِينَ بِأنِّي لا أجْعَلُ الرِّسالَةَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، بَلِ الرِّسالَةُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ حَيْثُ قُلْتُ: ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] فَأنْتَ مَعَ عِلْمِكَ بِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا أنْ يُشارِكَنِي غَيْرِي في المَعْبُودِيَّةِ أوْلى أنْ تُنادِيَ في العالَمِينَ بِنَفْيِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ. فَقُلْ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الخامِسُ والعِشْرُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: القَوْمُ جاءُوكَ وأطْمَعُوكَ في مُتابَعَتِهِمْ لَكَ ومُتابَعَتِكَ لِدِينِهِمْ فَسَكَتَّ عَنِ الإنْكارِ والرَّدِّ، ألَسْتُ أنا جَعَلْتُ البَيْعَةَ مَعَكَ بَيْعَةً مَعِي حَيْثُ قُلْتُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وجَعَلْتُ مُتابَعَتَكَ مُتابَعَةً لِي حَيْثُ قُلْتُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ثُمَّ إنِّي نادَيْتُ في العالَمِينَ وقُلْتُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] فَصَرِّحْ أنْتَ أيْضًا بِذَلِكَ، و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . السّادِسُ والعِشْرُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ألَسْتُ أرْأفُ بِكَ مِنَ الوالِدِ بِوَلَدِهِ، ثُمَّ العُرْيُ والجُوعُ مَعَ الوالِدِ أحْسَنُ مِنَ الشِّبَعِ مَعَ الأجانِبِ، كَيْفَ والجُوعُ لَهم لِأنَّ أصْنامَهم جائِعَةٌ عَنِ الحَياةِ عارِيَةٌ عَنِ الصِّفاتِ وهم جائِعُونَ عَنِ العِلْمِ عارُونَ عَنِ التَّقْوى، فَقَدْ جَرَّبْتَنِي، ألَمْ أجِدْكَ صفحة ١٣١ يَتِيمًا وضالًّا وعائِلًا ؟ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ ألَمْ أُعْطِكَ بِالصِّدِّيقِ خَزِينَةً وبِالفارُوقِ هَيْبَةً وبِعُثْمانَ مَعُونَةً، وبِعَلِيٍّ عِلْمًا ؟ ألَمْ أكْفِ أصْحابَ الفِيلِ حِينَ حاوَلُوا تَخْرِيبَ بَلْدَتِكَ ؟ ألَمْ أكْفِ أسْلافَكَ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ؟ ألَمْ أُعْطِكَ الكَوْثَرَ ؟ ألَمْ أضْمَن أنَّ خَصْمَكَ أبْتَرُ ؟ ألَمْ يَقُلْ جَدُّكَ في هَذِهِ الأصْنامِ بَعْدَ تَخْرِيبِها: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] فَصَرِّحْ بِالبَراءَةِ عَنْها و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . * * * السّابِعُ والعِشْرُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتُ قَدْ نَزَّلْتُ عَلَيْكَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] . ثُمَّ إنَّ واحِدًا لَوْ نَسَبَكَ إلى والِدَيْنِ لَغَضِبْتَ ولَأظْهَرْتَ الإنْكارَ ولَبالَغْتَ فِيهِ، حَتّى قُلْتَ: ”«وُلِدْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أُولَدْ مِن سِفاحٍ» “ فَإذا لَمْ تَسْكُتْ عِنْدَ التَّشْرِيكِ في الوِلادَةِ، فَكَيْفَ سَكَتَّ عِنْدَ التَّشْرِيكِ في العِبادَةِ ؟ بَلْ أظْهِرِ الإنْكارَ، وبالِغْ في التَّصْرِيحِ بِهِ، و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الثّامِنُ والعِشْرُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتُ قَدْ أنْزَلْتُ عَلَيْكَ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] فَحَكَمْتُ بِأنَّ مَن سَوّى بَيْنَ الإلَهِ الخالِقِ وبَيْنَ الوَثَنِ الجَمادِ في المَعْبُودِيَّةِ لا يَكُونُ عاقِلًا بَلْ يَكُونُ مَجْنُونًا، ثُمَّ إنِّي أقْسَمْتُ وقُلْتُ: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] والكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّكَ مَجْنُونٌ، فَصَرِّحْ بِرَدِّ مَقالَتِهِمْ فَإنَّها تُفِيدُ بَراءَتِي عَنْ عَيْبِ الشِّرْكِ، وبَراءَتِكَ عَنْ عَيْبِ الجُنُونِ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . التّاسِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ سَمَّوُا الأوْثانَ آلِهَةً، والمُشارَكَةُ في الِاسْمِ لا تُوجِبُ المُشارَكَةَ في المَعْنى، ألا تَرى أنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ يَشْتَرِكانِ في الإنْسانِيَّةِ حَقِيقَةً، ثُمَّ القَيِّمِيَّةُ كُلُّها حَظُّ الزَّوْجِ؛ لِأنَّهُ أعْلَمُ وأقْدَرُ، ثُمَّ مَن كانَ أعْلَمَ وأقْدَرَ كانَ لَهُ كُلُّ الحَقِّ في القَيِّمِيَّةِ، فَمَن لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ البَتَّةَ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ حَقٌّ في القَيُّومِيَّةِ، بَلْ هَهُنا شَيْءٌ آخَرُ: وهو أنَّ امْرَأةً لَوِ ادَّعاها رَجُلانِ فاصْطَلَحا عَلَيْها لا يَجُوزُ، ولَوْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بَيِّنَةً عَلى أنَّها زَوْجَتُهُ لَمْ يُقْضَ لِواحِدٍ مِنهُما، والجارِيَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ لا تَحِلُّ لِواحِدٍ مِنهُما، فَإذا لَمْ يَجُزْ حُصُولُ زَوْجَةٍ لِزَوْجَيْنِ، ولا أمَةٍ بَيْنَ مَوْلَيَيْنِ في حِلِّ الوَطْءِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ عابِدٌ واحِدٌ بَيْنَ مَعْبُودِينَ ؟ بَلْ مَن جَوَّزَ أنْ يَصْطَلِحَ الزَّوْجانِ عَلى أنْ تَحِلَّ الزَّوْجَةُ لِأحَدِهِما شَهْرًا، ثُمَّ الثّانِي شَهْرًا آخَرَ كانَ كافِرًا، فَمَن جَوَّزَ الصُّلْحَ بَيْنَ الإلَهِ والصَّنَمِ ألا يَكُونَ كافِرًا فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِرَسُولِهِ: إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ في غايَةِ القُبْحِ فَصَرِّحْ بِالإنْكارِ وقُلْ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الثَّلاثُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنَسِيتَ أنِّي لَمّا خَيَّرْتُ نِساءَكَ حِينَ أنْزَلْتُ عَلَيْكَ: ﴿قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ [الأحزاب: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] ثُمَّ خَشِيتَ مِن عائِشَةَ أنْ تَخْتارَ الدُّنْيا، فَقُلْتَ لَها: لا تَقُولِي شَيْئًا حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، فَقالَتْ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، بَلْ أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ ! فَناقِصَةُ العَقْلِ ما تَوَقَّفَتْ فِيما يُخالِفُ رِضايَ أتَتَوَقَّفُ فِيما يُخالِفُ رِضايَ وأمْرِي ؟ مَعَ أنِّي جَبّارُ السَّماواتِ والأرْضِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الحادِي والثَّلاثُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ أنْتَ الَّذِي قُلْتَ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ فَلا يُوقَفَنَّ مَواقِفَ التُّهَمِ»، وحَتّى إنَّ بَعْضَ المَشايِخِ قالَ لِمُرِيدِهِ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يُفارِقَهُ: لا تَخَفِ السُّلْطانَ قالَ: ولِمَ ؟ قالَ: لِأنَّهُ يُوقِعُ النّاسَ في أحَدِ الخَطَأيْنِ، وإمّا أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ السُّلْطانَ مُتَدَيِّنٌ؛ لِأنَّهُ يُخالِطُهُ العالِمُ الزّاهِدُ، أوْ يَعْتَقِدُوا أنَّكَ فاسِقٌ مِثْلُهُ، وكِلاهُما خَطَأٌ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ البَراءَةُ عَنْ مَوْقِفِ التُّهَمِ فَسُكُوتُكَ يا مُحَمَّدُ عَنْ هَذا الكَلامِ يَجُرُّ إلَيْكَ تُهْمَةَ الرِّضا بِذَلِكَ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى فِيما بَيْنَ قِراءَتِكَ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى، فَأزِلْ عَنْ نَفْسِكَ هَذِهِ التُّهْمَةَ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ صفحة ١٣٢ الثّانِي والثَّلاثُونَ: الحُقُوقُ في الشّاهِدِ نَوْعانِ حَقُّ مَن أنْتَ تَحْتَ يَدِهِ، وهو مَوْلاكَ، وحَقُّ مَن هو تَحْتَ يَدِكَ وهو الوَلَدُ، ثُمَّ أجْمَعْنا عَلى أنَّ خِدْمَةَ المَوْلى مُقَدَّمَةٌ عَلى تَرْبِيَةِ الوَلَدِ، فَإذا كانَ حَقُّ المَوْلى المَجازِيِّ مُقَدَّمًا، فَبِأنْ يَكُونَ حَقُّ المَوْلى الحَقِيقِيِّ مُقَدَّمًا كانَ أوْلى، ثُمَّ رُوِيَ «أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَأْذَنَ الرَّسُولَ ﷺ في التَّزَوُّجِ بِابْنَةِ أبِي جَهْلٍ فَضَجِرَ، وقالَ: لا آذَنُ لا آذَنُ لا آذَنُ إنَّ فاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها ويَسُرُّنِي ما يَسُرُّها، واللَّهِ لا يُجْمَعُ بَيْنَ بِنْتِ عَدُوِّ اللَّهِ، وبِنْتِ حَبِيبِ اللَّهِ»، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: صَرَّحْتَ هُناكَ بِالرَّدِّ وكَرَّرْتَهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ رِعايَةً لِحَقِّ الوَلَدِ، فَهَهُنا أوْلى أنْ تُصَرِّحَ بِالرَّدِّ، وتُكَرِّرَهُ رِعايَةً لِحَقِّ المَوْلى فَقُلْ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ولا أجْمَعُ في القَلْبِ بَيْنَ طاعَةِ الحَبِيبِ وطاعَةِ العَدُوِّ. الثّالِثُ والثَّلاثُونَ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ قُلْتَ لِعُمَرَ: «رَأيْتُ قَصْرًا في الجَنَّةِ، فَقُلْتُ: لِمَن ؟ فَقِيلَ: لِفَتًى مِن قُرَيْشٍ، فَقُلْتَ: مَن هو ؟ فَقالُوا: عُمَرُ فَخَشِيتُ غَيْرَتَكَ فَلَمْ أدْخُلْها حَتّى قالَ عُمَرُ: أوَأغارُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ»، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: خَشِيتَ غَيْرَةَ عُمَرَ فَما دَخَلْتَ قَصْرَهُ أفَما تَخْشى غَيْرَتِي في أنْ تُدْخِلَ قَلْبَكَ طاعَةَ غَيْرِي، ثُمَّ هُناكَ أظْهَرْتَ الِامْتِناعَ فَهَهُنا أيْضًا أظْهِرِ الِامْتِناعَ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الرّابِعُ والثَّلاثُونَ: أتَرى أنَّ نِعْمَتِي عَلَيْكَ دُونَ نِعْمَةِ الوالِدَةِ ؟ ألَمْ أُرَبِّكَ ؟ ألَمْ أخْلُقْكَ ؟ ألَمْ أُرْزَقْكَ ؟ ألَمْ أُعْطِكَ الحَياةَ والقُدْرَةَ والعَقْلَ والهِدايَةَ والتَّوْفِيقَ ؟ ثُمَّ حِينَ كُنْتَ طِفْلًا عَدِيمَ العَقْلِ وعَرَفْتَ تَرْبِيَةَ الأُمِّ فَلَوْ أخَذَتْكَ امْرَأةٌ أجْمَلُ وأحْسَنُ وأكْرَمُ مِن أُمِّكَ لَأظْهَرْتَ النَّفْرَةَ ولَبَكَيْتَ ولَوْ أعْطَتْكَ الثَّدْيَ لَسَدَدْتَ فَمَكَ تَقُولُ لا أُرِيدُ غَيْرَ الأُمِّ؛ لِأنَّها أوَّلُ المُنْعِمِ عَلَيَّ، فَهَهُنا أوْلى أنْ تُظْهِرَ النَّفْرَةَ، فَتَقُولَ: لا أعْبُدُ سِوى رَبِّي؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مُنْعِمٍ عَلَيَّ فَقُلْ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الخامِسُ والثَّلاثُونَ: نِعْمَةُ الإطْعامِ دُونَ نِعْمَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ، ثُمَّ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الشّاةَ والكَلْبَ لا يَنْسَيانِ نِعْمَةَ الإطْعامِ ولا يَمِيلانِ إلى غَيْرِ مَن أطْعَمَهُما فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَنْسى نِعْمَةَ الإيجادِ والإحْسانِ ؟ فَكَيْفَ في حَقِّ أفْضَلِ الخَلْقِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . السّادِسُ والثَّلاثُونَ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَثْبُتُ حَقُّ الفُرْقَةِ بِواسِطَةِ الإعْسارِ بِالنَّفَقَةِ فَإذا لَمْ تَجِدْ مِنَ الأنْصارِ تَرْبِيَةً حَصَّلْتُ لَكَ حَقَّ الفُرْقَةِ لَوْ كُنْتَ مُتَّصِلًا بِها، ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ فَبِتَقْدِيرِ أنْ كُنْتَ مُتَّصِلًا بِها، كانَ يَجِبُ أنْ تَنْفَصِلَ عَنْها وتَتْرُكَها، فَكَيْفَ وما كُنْتَ مُتَّصِلًا بِها ؟ أيَلِيقُ بِكَ أنْ تُقَرِّبَ الِاتِّصالَ بِها ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . السّابِعُ والثَّلاثُونَ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِفَرْطِ حَماقَتِهِمْ ظَنُّوا أنَّ الكَثْرَةَ في الإلَهِيَّةِ كالكَثْرَةِ في المالِ يَزِيدُ بِهِ الغِنى ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هو كالكَثْرَةِ في العِيالِ تَزِيدُ بِهِ الحاجَةُ فَقُلْ: يا مُحَمَّدُ: لِي إلَهٌ واحِدٌ أقُومُ لَهُ في اللَّيْلِ وأصُومُ لَهُ في النَّهارِ، ثُمَّ بَعْدُ لَمْ أتَفَرَّغْ مِن قَضاءِ حَقِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ نِعَمِهِ، فَكَيْفَ ألْتَزِمُ عِبادَةَ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ الثّامِنُ والثَّلاثُونَ: أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ لَمّا تَمَثَّلَ لَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] فاسْتَعاذَتْ أنْ تَمِيلَ إلى جِبْرِيلَ دُونَ اللَّهِ أفَتَسْتَجِيزُ مَعَ كَمالِ رُجُولِيَّتِكَ أنْ تَمِيلَ إلى الأصْنامِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ التّاسِعُ والثَّلاثُونَ: مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لا يُثْبِتُ حَقَّ الفُرْقَةِ بِالعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ ولا بِالعُنَّةِ الطّارِئَةِ يَقُولُ: لِأنَّهُ كانَ قَيِّمًا فَلا يَحْسُنُ الإعْراضُ عَنْهُ مَعَ أنَّهُ تَعَيَّبَ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ يَقُولُ: كُنْتُ قَيِّمًا ولَمْ أتَعَيَّبْ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الإعْراضُ عَنِّي: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الأرْبَعُونَ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: صفحة ١٣٣ هَذِهِ الشَّرِكَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُزارَعَةً وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ البَذْرَ مِنِّي والتَّرْبِيَةَ والسَّقْيَ مِنِّي، والحِفْظَ مِنِّي، فَأيُّ شَيْءٍ لِلصَّنَمِ، أوْ شَرِكَةَ الوُجُوهِ وذَلِكَ أيْضًا باطِلٌ أتُرى أنَّ الصَّنَمَ أكْثَرُ شُهْرَةً وظُهُورًا مِنِّي، أوْ شَرِكَةَ الأبْدانِ وذَلِكَ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي الجِنْسِيَّةَ، أوْ شَرِكَةَ العِنانِ، وذَلِكَ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن نِصابٍ فَما نِصابُ الأصْنامِ، أوْ يَقُولُ: لَيْسَ هَذِهِ مِن بابِ الشَّرِكَةِ لَكِنَّ الصَّنَمَ يَأْخُذُ بِالتَّغَلُّبِ نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ، فَكَأنَّ الرَّبَّ يَقُولُ: ما أشَدَّ جَهْلَكم، إنَّ هَذا الصَّنَمَ أكْثَرُ عَجْزًا مِنَ الذُّبابَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ [الحج: ٧٣] فَأنا أخْلُقُ البَذْرَ ثُمَّ أُلْقِيهِ في الأرْضِ، فالتَّرْبِيَةُ والسَّقْيُ والحِفْظُ مِنِّي، ثُمَّ إنَّ مَن هو أعْجَزُ مِنَ الذُّبابَةِ يَأْخُذُ بِالقَهْرِ والتَّغَلُّبِ نَصِيبًا مِنِّي، ما هَذا بِقَوْلٍ يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الحادِي والأرْبَعُونَ: أنَّهُ لا ذَرَّةَ في عالَمِ المُحْدَثاتِ إلّا وهي تَدْعُو العُقُولَ إلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ، وأمّا الدُّعاةُ إلى مَعْرِفَةِ أحْكامِ اللَّهِ فَهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَمّا كانَ كُلُّ بَقٍّ وبَعُوضَةٍ داعِيًا إلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة: ٢٦] ذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ البَعُوضَةَ بِحَسَبِ حُدُوثِ ذاتِها وصِفاتِها تَدْعُو إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وبِحَسَبِ تَرْكِيبِها العَجِيبِ تَدْعُو إلى عِلْمِ اللَّهِ وبِحَسَبِ تَخْصِيصِ ذاتِها وصِفاتِها بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ تَدْعُو إلى إرادَةِ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مِثْلُ هَذا الشَّيْءِ كَيْفَ يُسْتَحْيا مِنهُ ؟ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ في أيّامِ خِلافَتِهِ دَخَلَ السُّوقَ فاشْتَرى كَرِشًا وحَمَلَهُ بِنَفْسِهِ فَرَآهُ عَلِيٌّ مِن بَعِيدٍ فَتَنَكَّبَ عَلِيٌّ عَنِ الطَّرِيقِ فاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ، وقالَ لَهُ: لِمَ تَنَكَّبْتَ عَنِ الطَّرِيقِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: حَتّى لا تَسْتَحْيِيَ، فَقالَ: وكَيْفَ أسْتَحْيِي مِن حَمْلِ ما هو غِذائِي ؟ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إذا كانَ عُمَرُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الكَرِشِ الَّذِي هو غِذاؤُهُ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ أسْتَحْيِي عَنْ ذِكْرِ البَعُوضِ الَّذِي يُعْطِيكَ غِذاءَ دِينِكَ ؟ ثُمَّ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّ نُمْرُوذَ لَمّا ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ صاحَ عَلَيْهِ البَعُوضُ بِالإنْكارِ، فَهَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا دَعَوْكَ إلى الشِّرْكَ أفَلا تَصِيحُ عَلَيْهِمْ ! أفَلا تُصَرِّحُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا ادَّعى الإلَهِيَّةَ فَجِبْرِيلُ مَلَأ فاهُ مِنَ الطِّينِ فَإنْ كُنْتَ ضَعِيفًا فَلَسْتَ أضْعَفَ مِن بَعُوضَةِ نُمْرُوذَ، وإنْ كُنْتَ قَوِيًّا فَلَسْتَ أقْوى مِن جِبْرِيلَ، فَأظْهِرِ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الثّانِي والأرْبَعُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ: (قُلْ) بِلِسانِكَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ واتْرُكْهُ قَرْضًا عَلَيَّ فَإنِّي أقْضِيكَ هَذا القَرْضَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ألا تَرى أنَّ النَّصْرانِيَّ إذا قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَأقُولُ أنا لا أكْتَفِي بِهَذا ما لَمْ تُصَرِّحْ بِالبَراءَةِ عَنِ النَّصْرانِيَّةِ، فَلَمّا أوْجَبْتُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَتَبَرَّأ بِصَرِيحِ لِسانِهِ عَنْ كُلِّ دِينٍ يُخالِفُ دِينَكَ فَأنْتَ أيْضًا أوْجِبْ عَلى نَفْسِكَ أنْ تُصَرِّحَ بِرَدِّ كُلِّ مَعْبُودٍ غَيْرِي فَقُلْ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . الثّالِثُ والأرْبَعُونَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في طَبْعِهِ الخُشُونَةُ فَلَمّا أُرْسِلَ إلى فِرْعَوْنَ قِيلَ لَهُ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا أُرْسِلَ إلى الخَلْقِ أُمِرَ بِإظْهارِ الخُشُونَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ في غايَةِ الرَّحْمَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (يا أيُّها)، قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها في مَواضِعَ، والَّذِي نَزِيدُهُ هَهُنا أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”يا“ نِداءُ النَّفْسِ و”أيُّ“ نِداءُ القَلْبِ، ”وها“ نِداءُ الرُّوحِ، وقِيلَ: ”يا“ نِداءُ الغائِبِ ”وأيُّ“ لِلْحاضِرِ، ”وها“ لِلتَّنْبِيهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أدْعُوكَ ثَلاثًا ولا تُجِيبُنِي مَرَّةً ما هَذا إلّا لِجَهْلِكَ الخَفِيِّ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى جَمَعَ بَيْنَ ”يا“ الَّذِي هو لِلْبَعِيدِ، ”وأيِّ“ الَّذِي هو لِلْقَرِيبِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مُعامَلَتُكَ مَعِي وفِرارُكَ عَنِّي يُوجِبُ صفحة ١٣٤ البُعْدَ البَعِيدَ، لَكِنَّ إحْسانِي إلَيْكَ، ووُصُولَ نِعْمَتِي إلَيْكَ تُوجِبُ القُرْبَ القَرِيبَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وإنَّما قَدَّمَ (يا) الَّذِي يُوجِبُ البُعْدَ عَلى (أيِّ) الَّذِي يُوجِبُ القُرْبَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: التَّقْصِيرُ مِنكَ والتَّوْفِيقُ مِنِّي، ثُمَّ ذَكَرَها بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ (يا) يُوجِبُ البُعْدَ الَّذِي هو كالمَوْتِ و(أيُّ) يُوجِبُ القُرْبَ الَّذِي هو كالحَياةِ، فَلَمّا حَصَلا حَصَلَتْ حالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ، وتِلْكَ الحالَةُ هي النَّوْمُ، والنّائِمُ لا بُدَّ وأنْ يُنَبَّهَ و(ها) كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ خُتِمَتْ حُرُوفُ النِّداءِ بِهَذا الحَرْفِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: تَعالَ حَتّى نَعْبُدَ إلَهَكَ مُدَّةً، وتَعْبُدَ آلِهَتَنا مُدَّةً، فَيَحْصُلَ مَصْلَحَةٌ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، وتَزُولَ العَداوَةُ مِن بَيْنِنا، فَإنْ كانَ أمْرُكَ رَشِيدًا أخَذْنا مِنهُ حَظًّا، وإنْ كانَ أمْرُنا رَشِيدًا أخَذْتَ مِنهُ حَظًّا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، ونَزَلَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ»﴾ [الزمر: ٦٤] فَتارَةً وصَفَهم بِالجَهْلِ وتارَةً بِالكُفْرِ، واعْلَمْ أنَّ الجَهْلَ كالشَّجَرَةِ، والكُفْرَ كالثَّمَرَةِ، فَلَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ وقَرَأها عَلى رُءُوسِهِمْ شَتَمُوهُ وأيِسُوا مِنهُ، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ ذَكَرَهم في هَذِهِ السُّورَةِ بِالكافِرِينَ، وفي الأُخْرى بِالجاهِلِينَ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ بِتَمامِها نازِلَةٌ فِيهِمْ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ المُبالَغَةُ هَهُنا أشَدَّ، ولَيْسَ في الدُّنْيا لَفْظٌ أشْنَعَ ولا أبْشَعَ مِن لَفْظِ الكافِرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ عِنْدَ جَمِيعِ الخَلْقِ سَواءٌ كانَ مُطْلَقًا أوْ مُقَيَّدًا، أمّا لَفْظُ الجَهْلِ فَإنَّهُ عِنْدَ التَّقْيِيدِ قَدْ لا يُذَمُّ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عِلْمِ الأنْسابِ: «عِلْمٌ لا يَنْفَعُ وجَهْلٌ لا يَضُرُّ» . السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا قالَ تَعالى في سُورَةِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾: يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا ولَمْ يَذْكُرْ ”قُلْ“، وهَهُنا ذَكَرَ ”قُلْ“ وذَكَرَهُ بِاسْمِ الفاعِلِ. والجَوابُ: الآيَةُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ ”﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾“: إنَّما تُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وثَمَّةَ لا يَكُونُ الرَّسُولُ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَأزالَ الواسِطَةَ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُونَ مُطِيعِينَ لا كافِرِينَ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الماضِي، وأمّا هَهُنا فَهم كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالكُفْرِ، وكانَ الرَّسُولُ رَسُولًا إلَيْهِمْ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ . السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ هَهُنا: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ خِطابٌ مَعَ الكُلِّ أوْ مَعَ البَعْضِ ؟ الجَوابُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ خِطابًا مَعَ الكُلِّ؛ لِأنَّ في الكُفّارِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ كاليَهُودِ والنَّصارى فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ خِطابًا مَعَ الكُلِّ؛ لِأنَّ في الكُفّارِ مَن آمَنَ وصارَ بِحَيْثُ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإذَنْ وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ مَعَ أقْوامٍ مَخْصُوصِينَ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: نَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً، والحاصِلُ أنّا لَوْ حَمَلْنا الخِطابَ عَلى العُمُومِ دَخَلَ التَّخْصِيصُ، ولَوْ حَمَلْنا عَلى أنَّهُ خِطابُ مُشافَهَةٍ لَمْ يَلْزَمْنا ذَلِكَ، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَحْمَلِ أوْلى.

الكافرون 109:2

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ صفحة ١٣٥ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا تِكْرارَ فِيها. والثّانِي: أنَّ فِيها تِكْرارًا أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الأوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، والثّانِيَ لِلْحالِ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ أنَّ ”لا“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أنْ تَرى أنَّ ”لَنْ“ تَأْكِيدٌ فِيما يَنْفِيهِ ”لا“ وقالَ الخَلِيلُ في ”لَنْ“: أصْلُهُ لا أنْ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أيْ لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أطْلُبُهُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدٍ مَعْبُودَكم، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِينَ لِمَعْبُودِي. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَقْلِبَ الأمْرَ فَتَجْعَلَ الأوَّلَ لِلْحالِ، والثّانِيَ لِلِاسْتِقْبالِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ أنَّهُ رُفِعَ لِمَفْهُومِ قَوْلِنا: أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ولا شَكَّ أنَّ هَذا لِلِاسْتِقْبالِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ: أنا قاتِلٌ زَيْدًا فُهِمَ مِنهُ الِاسْتِقْبالُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ لِلْحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ، ولَكِنّا نَخُصُّ أحَدَهُما بِالحالِ، والثّانِي بِالِاسْتِقْبالِ دَفْعًا لِلتِّكْرارِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الحالِ، ثُمَّ عَنِ الِاسْتِقْبالِ، فَهو التَّرْتِيبُ، وإنْ قُلْنا: أخْبَرَ أوَّلًا عَنِ الِاسْتِقْبالِ؛ فَلِأنَّهُ هو الَّذِي دَعَوْهُ إلَيْهِ، فَهو الأهَمُّ فَبَدَأ بِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الإخْبارِ عَنِ الحالِ وكانَ مَعْلُومًا أنَّهُ ما كانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، وأمّا الكُفّارُ فَكانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ في بَعْضِ الأحْوالِ ؟ قُلْنا: أمّا الحِكايَةُ عَنْ نَفْسِهِ فَلِئَلّا يَتَوَهَّمَ الجاهِلُ أنَّهُ يَعْبُدُها سِرًّا خَوْفًا مِنها أوْ طَمَعًا إلَيْها، وأمّا نَفْيُهُ عِبادَتَهم؛ فَلِأنَّ فِعْلَ الكافِرِ لَيْسَ بِعِبادَةٍ أصْلًا. الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأوَّلَيْنِ المَعْبُودُ ”وما“ بِمَعْنى الَّذِي، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الأصْنامَ ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ، وأمّا في الأخِيرَيْنِ ”فَما“ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشِّرْكَ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةَ عَلى اليَقِينِ، فَإنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم تَعْبُدُونَ إلَهِي، كانَ ذَلِكَ باطِلًا؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وما تَفْعَلُونَهُ أنْتُمْ فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، وغَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ تُحْمَلَ الأُولى عَلى نَفْيِ الِاعْتِبارِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، والثّانِيَةُ عَلى النَّفْيِ العامِّ المُتَناوِلِ لِجَمِيعِ الجِهاتِ فَكَأنَّهُ أوَّلًا قالَ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ اللَّهَ رَجاءَ أنْ أعْبُدَ أصْنامَكم، ثُمَّ قالَ: ولا أنا عابِدٌ صَنَمَكم لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ومَقْصُودٍ مِنَ المَقاصِدِ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واعْتِبارٍ مِنَ الِاعْتِباراتِ، ومِثالُهُ مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى الظُّلْمِ لِغَرَضِ التَّنْعِيمِ، فَيَقُولُ: لا أظْلِمُ لِغَرَضِ التَّنَعُّمِ بَلْ لا أظْلِمُ أصْلًا لا لِهَذا الغَرَضِ ولا لِسائِرِ الأغْراضِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ نُسَلِّمَ حُصُولَ التِّكْرارِ، وعَلى هَذا القَوْلِ العُذْرُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ التَّكْرِيرَ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ وكُلَّما كانَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ أشَدَّ كانَ التَّكْرِيرُ أحْسَنَ، ولا مَوْضِعَ أحْوَجُ إلى التَّأْكِيدِ مِن هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذا المَعْنى مِرارًا، وسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الجَوابِ، فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ مالَ إلى دِينِهِمْ بَعْضَ المَيْلِ، فَلا جَرَمَ دَعَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ والتَّكْرِيرِ في هَذا النَّفْيِ والإبْطالِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وآيَةً بَعْدَ آيَةٍ جَوابًا عَمّا يَسْألُونَ فالمُشْرِكُونَ قالُوا: اسْتَلِمْ بَعْدُ آلِهَتَنا حَتّى نُؤْمِنَ بِإلَهِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثُمَّ قالُوا بَعْدَ مُدَّةٍ: تَعْبُدُ آلِهَتَنا شَهْرًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ شَهْرًا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مُحْتَمَلًا لَمْ يَكُنِ التِّكْرارُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُضِرًّا البَتَّةَ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ ذَكَرُوا تِلْكَ الكَلِمَةَ مَرَّتَيْنِ تَعْبُدُ آلِهَتَنا شَهْرًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ شَهْرًا وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، فَأتى صفحة ١٣٦ الجَوابُ عَلى التَّكْرِيرِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِمْ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ فَإنَّ مَن كَرَّرَ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ يُجازى بِدَفْعِ تِلْكَ الكَلِمَةِ عَلى سَبِيلِ التِّكْرارِ اسْتِخْفافًا بِهِ واسْتِحْقارًا لِقَوْلِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كَلِمَةَ: (ما) لا تَتَناوَلُ مَن يَعْلَمُ فَهَبْ أنَّ مَعْبُودَهم كانَ كَذَلِكَ فَصَحَّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ ”ما“ لَكِنَّ مَعْبُودَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو أعْلَمُ العالَمِينَ فَكَيْفَ قالَ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ وأنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ الحَقَّ. وثانِيها: أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ في الجُمْلَتَيْنِ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي في المُسْتَقْبَلِ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي في الحالِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى الَّذِي وحِينَئِذٍ يَصِحُّ الكَلامُ. ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ حُمِلَ الثّانِي عَلَيْهِ لِيَتَّسِقَ الكَلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أهْلُ الجَبْرِ بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم مَرَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ والخَبَرُ الصِّدْقُ عَنْ عَدَمِ الشَّيْءِ يُضادُّ وُجُودَ ذَلِكَ الشَّيِّ فالتَّكْلِيفُ بِتَحْصِيلِ العِبادَةِ مَعَ وُجُودِ الخَبَرِ الصِّدْقِ بِعَدَمِ العِبادَةِ تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، واعْلَمْ أنَّهُ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ ذِكْرَ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ تُقَبَّحُ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ كانَ أوْلى مِن هَذا التَّكْرِيرِ ؟ الجَوابُ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ والتَّكْرِيرُ أوْلى مِن ذِكْرِ الحُجَّةِ، إمّا لِأنَّ المُخاطَبَ بَلِيدٌ يَنْتَفِعُ بِالمُبالَغَةِ والتَّكْرِيرِ ولا يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الحُجَّةِ أوْ لِأجْلِ أنَّ مَحَلَّ النِّزاعِ يَكُونُ في غايَةِ الظُّهُورِ فالمُناظَرَةُ في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ حَسَنَةٌ، أمّا القائِلُ بِالصَّنَمِ فَهو إمّا مَجْنُونٌ يَجِبُ شَدُّهُ أوْ عاقِلٌ مُعانِدٌ فَيَجِبُ قَتْلُهُ، وإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلى قَتْلِهِ فَيَجِبُ شَتْمُهُ، والمُبالَغَةُ في الإنْكارِ عَلَيْهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ اشْتَمَلَ عَلى التَّشْدِيدِ، وهو النِّداءُ بِالكُفْرِ والتَّكْرِيرُ، وآخِرَها عَلى اللُّطْفِ والتَّساهُلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَكَيْفَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي قَدْ بالَغْتُ في تَحْذِيرِكم عَلى هَذا الأمْرِ القَبِيحِ، وما قَصَّرْتُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ تَقْبَلُوا قَوْلِي، فاتْرُكُونِي سَواءً بِسَواءٍ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لَمّا كانَ التِّكْرارُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: لَنْ أعْبُدَ ما تَعْبُدُونَ؛ لِأنَّ هَذا أبْلَغُ، ألا تَرى أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ لَمّا بالَغُوا قالُوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] . والجَوابُ: المُبالَغَةُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْها في مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما كانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَكَيْفَ يَعْبُدُهُ بَعْدَ ظُهُورِ الشَّرْعِ، بِخِلافِ أصْحابِ الكَهْفِ فَإنَّهُ وُجِدَ مِنهم ذَلِكَ فِيما قَبْلُ.

الكافرون 109:3

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ صفحة ١٣٥ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا تِكْرارَ فِيها. والثّانِي: أنَّ فِيها تِكْرارًا أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الأوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، والثّانِيَ لِلْحالِ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ أنَّ ”لا“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أنْ تَرى أنَّ ”لَنْ“ تَأْكِيدٌ فِيما يَنْفِيهِ ”لا“ وقالَ الخَلِيلُ في ”لَنْ“: أصْلُهُ لا أنْ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أيْ لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أطْلُبُهُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدٍ مَعْبُودَكم، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِينَ لِمَعْبُودِي. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَقْلِبَ الأمْرَ فَتَجْعَلَ الأوَّلَ لِلْحالِ، والثّانِيَ لِلِاسْتِقْبالِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ أنَّهُ رُفِعَ لِمَفْهُومِ قَوْلِنا: أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ولا شَكَّ أنَّ هَذا لِلِاسْتِقْبالِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ: أنا قاتِلٌ زَيْدًا فُهِمَ مِنهُ الِاسْتِقْبالُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ لِلْحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ، ولَكِنّا نَخُصُّ أحَدَهُما بِالحالِ، والثّانِي بِالِاسْتِقْبالِ دَفْعًا لِلتِّكْرارِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الحالِ، ثُمَّ عَنِ الِاسْتِقْبالِ، فَهو التَّرْتِيبُ، وإنْ قُلْنا: أخْبَرَ أوَّلًا عَنِ الِاسْتِقْبالِ؛ فَلِأنَّهُ هو الَّذِي دَعَوْهُ إلَيْهِ، فَهو الأهَمُّ فَبَدَأ بِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الإخْبارِ عَنِ الحالِ وكانَ مَعْلُومًا أنَّهُ ما كانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، وأمّا الكُفّارُ فَكانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ في بَعْضِ الأحْوالِ ؟ قُلْنا: أمّا الحِكايَةُ عَنْ نَفْسِهِ فَلِئَلّا يَتَوَهَّمَ الجاهِلُ أنَّهُ يَعْبُدُها سِرًّا خَوْفًا مِنها أوْ طَمَعًا إلَيْها، وأمّا نَفْيُهُ عِبادَتَهم؛ فَلِأنَّ فِعْلَ الكافِرِ لَيْسَ بِعِبادَةٍ أصْلًا. الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأوَّلَيْنِ المَعْبُودُ ”وما“ بِمَعْنى الَّذِي، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الأصْنامَ ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ، وأمّا في الأخِيرَيْنِ ”فَما“ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشِّرْكَ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةَ عَلى اليَقِينِ، فَإنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم تَعْبُدُونَ إلَهِي، كانَ ذَلِكَ باطِلًا؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وما تَفْعَلُونَهُ أنْتُمْ فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، وغَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ تُحْمَلَ الأُولى عَلى نَفْيِ الِاعْتِبارِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، والثّانِيَةُ عَلى النَّفْيِ العامِّ المُتَناوِلِ لِجَمِيعِ الجِهاتِ فَكَأنَّهُ أوَّلًا قالَ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ اللَّهَ رَجاءَ أنْ أعْبُدَ أصْنامَكم، ثُمَّ قالَ: ولا أنا عابِدٌ صَنَمَكم لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ومَقْصُودٍ مِنَ المَقاصِدِ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واعْتِبارٍ مِنَ الِاعْتِباراتِ، ومِثالُهُ مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى الظُّلْمِ لِغَرَضِ التَّنْعِيمِ، فَيَقُولُ: لا أظْلِمُ لِغَرَضِ التَّنَعُّمِ بَلْ لا أظْلِمُ أصْلًا لا لِهَذا الغَرَضِ ولا لِسائِرِ الأغْراضِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ نُسَلِّمَ حُصُولَ التِّكْرارِ، وعَلى هَذا القَوْلِ العُذْرُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ التَّكْرِيرَ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ وكُلَّما كانَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ أشَدَّ كانَ التَّكْرِيرُ أحْسَنَ، ولا مَوْضِعَ أحْوَجُ إلى التَّأْكِيدِ مِن هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذا المَعْنى مِرارًا، وسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الجَوابِ، فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ مالَ إلى دِينِهِمْ بَعْضَ المَيْلِ، فَلا جَرَمَ دَعَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ والتَّكْرِيرِ في هَذا النَّفْيِ والإبْطالِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وآيَةً بَعْدَ آيَةٍ جَوابًا عَمّا يَسْألُونَ فالمُشْرِكُونَ قالُوا: اسْتَلِمْ بَعْدُ آلِهَتَنا حَتّى نُؤْمِنَ بِإلَهِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثُمَّ قالُوا بَعْدَ مُدَّةٍ: تَعْبُدُ آلِهَتَنا شَهْرًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ شَهْرًا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مُحْتَمَلًا لَمْ يَكُنِ التِّكْرارُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُضِرًّا البَتَّةَ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ ذَكَرُوا تِلْكَ الكَلِمَةَ مَرَّتَيْنِ تَعْبُدُ آلِهَتَنا شَهْرًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ شَهْرًا وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، فَأتى صفحة ١٣٦ الجَوابُ عَلى التَّكْرِيرِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِمْ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ فَإنَّ مَن كَرَّرَ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ يُجازى بِدَفْعِ تِلْكَ الكَلِمَةِ عَلى سَبِيلِ التِّكْرارِ اسْتِخْفافًا بِهِ واسْتِحْقارًا لِقَوْلِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كَلِمَةَ: (ما) لا تَتَناوَلُ مَن يَعْلَمُ فَهَبْ أنَّ مَعْبُودَهم كانَ كَذَلِكَ فَصَحَّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ ”ما“ لَكِنَّ مَعْبُودَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو أعْلَمُ العالَمِينَ فَكَيْفَ قالَ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ وأنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ الحَقَّ. وثانِيها: أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ في الجُمْلَتَيْنِ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي في المُسْتَقْبَلِ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي في الحالِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى الَّذِي وحِينَئِذٍ يَصِحُّ الكَلامُ. ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ حُمِلَ الثّانِي عَلَيْهِ لِيَتَّسِقَ الكَلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أهْلُ الجَبْرِ بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم مَرَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ والخَبَرُ الصِّدْقُ عَنْ عَدَمِ الشَّيْءِ يُضادُّ وُجُودَ ذَلِكَ الشَّيِّ فالتَّكْلِيفُ بِتَحْصِيلِ العِبادَةِ مَعَ وُجُودِ الخَبَرِ الصِّدْقِ بِعَدَمِ العِبادَةِ تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، واعْلَمْ أنَّهُ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ ذِكْرَ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ تُقَبَّحُ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ كانَ أوْلى مِن هَذا التَّكْرِيرِ ؟ الجَوابُ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ والتَّكْرِيرُ أوْلى مِن ذِكْرِ الحُجَّةِ، إمّا لِأنَّ المُخاطَبَ بَلِيدٌ يَنْتَفِعُ بِالمُبالَغَةِ والتَّكْرِيرِ ولا يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الحُجَّةِ أوْ لِأجْلِ أنَّ مَحَلَّ النِّزاعِ يَكُونُ في غايَةِ الظُّهُورِ فالمُناظَرَةُ في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ حَسَنَةٌ، أمّا القائِلُ بِالصَّنَمِ فَهو إمّا مَجْنُونٌ يَجِبُ شَدُّهُ أوْ عاقِلٌ مُعانِدٌ فَيَجِبُ قَتْلُهُ، وإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلى قَتْلِهِ فَيَجِبُ شَتْمُهُ، والمُبالَغَةُ في الإنْكارِ عَلَيْهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ اشْتَمَلَ عَلى التَّشْدِيدِ، وهو النِّداءُ بِالكُفْرِ والتَّكْرِيرُ، وآخِرَها عَلى اللُّطْفِ والتَّساهُلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَكَيْفَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي قَدْ بالَغْتُ في تَحْذِيرِكم عَلى هَذا الأمْرِ القَبِيحِ، وما قَصَّرْتُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ تَقْبَلُوا قَوْلِي، فاتْرُكُونِي سَواءً بِسَواءٍ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لَمّا كانَ التِّكْرارُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: لَنْ أعْبُدَ ما تَعْبُدُونَ؛ لِأنَّ هَذا أبْلَغُ، ألا تَرى أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ لَمّا بالَغُوا قالُوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] . والجَوابُ: المُبالَغَةُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْها في مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما كانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَكَيْفَ يَعْبُدُهُ بَعْدَ ظُهُورِ الشَّرْعِ، بِخِلافِ أصْحابِ الكَهْفِ فَإنَّهُ وُجِدَ مِنهم ذَلِكَ فِيما قَبْلُ.

الكافرون 109:4

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ صفحة ١٣٥ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا تِكْرارَ فِيها. والثّانِي: أنَّ فِيها تِكْرارًا أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الأوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، والثّانِيَ لِلْحالِ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ أنَّ ”لا“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أنْ تَرى أنَّ ”لَنْ“ تَأْكِيدٌ فِيما يَنْفِيهِ ”لا“ وقالَ الخَلِيلُ في ”لَنْ“: أصْلُهُ لا أنْ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أيْ لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أطْلُبُهُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدٍ مَعْبُودَكم، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِينَ لِمَعْبُودِي. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَقْلِبَ الأمْرَ فَتَجْعَلَ الأوَّلَ لِلْحالِ، والثّانِيَ لِلِاسْتِقْبالِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ أنَّهُ رُفِعَ لِمَفْهُومِ قَوْلِنا: أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ولا شَكَّ أنَّ هَذا لِلِاسْتِقْبالِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ: أنا قاتِلٌ زَيْدًا فُهِمَ مِنهُ الِاسْتِقْبالُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ لِلْحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ، ولَكِنّا نَخُصُّ أحَدَهُما بِالحالِ، والثّانِي بِالِاسْتِقْبالِ دَفْعًا لِلتِّكْرارِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الحالِ، ثُمَّ عَنِ الِاسْتِقْبالِ، فَهو التَّرْتِيبُ، وإنْ قُلْنا: أخْبَرَ أوَّلًا عَنِ الِاسْتِقْبالِ؛ فَلِأنَّهُ هو الَّذِي دَعَوْهُ إلَيْهِ، فَهو الأهَمُّ فَبَدَأ بِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الإخْبارِ عَنِ الحالِ وكانَ مَعْلُومًا أنَّهُ ما كانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، وأمّا الكُفّارُ فَكانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ في بَعْضِ الأحْوالِ ؟ قُلْنا: أمّا الحِكايَةُ عَنْ نَفْسِهِ فَلِئَلّا يَتَوَهَّمَ الجاهِلُ أنَّهُ يَعْبُدُها سِرًّا خَوْفًا مِنها أوْ طَمَعًا إلَيْها، وأمّا نَفْيُهُ عِبادَتَهم؛ فَلِأنَّ فِعْلَ الكافِرِ لَيْسَ بِعِبادَةٍ أصْلًا. الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأوَّلَيْنِ المَعْبُودُ ”وما“ بِمَعْنى الَّذِي، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الأصْنامَ ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ، وأمّا في الأخِيرَيْنِ ”فَما“ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشِّرْكَ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةَ عَلى اليَقِينِ، فَإنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم تَعْبُدُونَ إلَهِي، كانَ ذَلِكَ باطِلًا؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وما تَفْعَلُونَهُ أنْتُمْ فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، وغَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ تُحْمَلَ الأُولى عَلى نَفْيِ الِاعْتِبارِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، والثّانِيَةُ عَلى النَّفْيِ العامِّ المُتَناوِلِ لِجَمِيعِ الجِهاتِ فَكَأنَّهُ أوَّلًا قالَ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ اللَّهَ رَجاءَ أنْ أعْبُدَ أصْنامَكم، ثُمَّ قالَ: ولا أنا عابِدٌ صَنَمَكم لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ومَقْصُودٍ مِنَ المَقاصِدِ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واعْتِبارٍ مِنَ الِاعْتِباراتِ، ومِثالُهُ مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى الظُّلْمِ لِغَرَضِ التَّنْعِيمِ، فَيَقُولُ: لا أظْلِمُ لِغَرَضِ التَّنَعُّمِ بَلْ لا أظْلِمُ أصْلًا لا لِهَذا الغَرَضِ ولا لِسائِرِ الأغْراضِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ نُسَلِّمَ حُصُولَ التِّكْرارِ، وعَلى هَذا القَوْلِ العُذْرُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ التَّكْرِيرَ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ وكُلَّما كانَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ أشَدَّ كانَ التَّكْرِيرُ أحْسَنَ، ولا مَوْضِعَ أحْوَجُ إلى التَّأْكِيدِ مِن هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذا المَعْنى مِرارًا، وسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الجَوابِ، فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ مالَ إلى دِينِهِمْ بَعْضَ المَيْلِ، فَلا جَرَمَ دَعَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ والتَّكْرِيرِ في هَذا النَّفْيِ والإبْطالِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وآيَةً بَعْدَ آيَةٍ جَوابًا عَمّا يَسْألُونَ فالمُشْرِكُونَ قالُوا: اسْتَلِمْ بَعْدُ آلِهَتَنا حَتّى نُؤْمِنَ بِإلَهِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثُمَّ قالُوا بَعْدَ مُدَّةٍ: تَعْبُدُ آلِهَتَنا شَهْرًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ شَهْرًا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مُحْتَمَلًا لَمْ يَكُنِ التِّكْرارُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُضِرًّا البَتَّةَ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ ذَكَرُوا تِلْكَ الكَلِمَةَ مَرَّتَيْنِ تَعْبُدُ آلِهَتَنا شَهْرًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ شَهْرًا وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، فَأتى صفحة ١٣٦ الجَوابُ عَلى التَّكْرِيرِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِمْ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ فَإنَّ مَن كَرَّرَ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ يُجازى بِدَفْعِ تِلْكَ الكَلِمَةِ عَلى سَبِيلِ التِّكْرارِ اسْتِخْفافًا بِهِ واسْتِحْقارًا لِقَوْلِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كَلِمَةَ: (ما) لا تَتَناوَلُ مَن يَعْلَمُ فَهَبْ أنَّ مَعْبُودَهم كانَ كَذَلِكَ فَصَحَّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ ”ما“ لَكِنَّ مَعْبُودَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو أعْلَمُ العالَمِينَ فَكَيْفَ قالَ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ وأنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ الحَقَّ. وثانِيها: أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ في الجُمْلَتَيْنِ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي في المُسْتَقْبَلِ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي في الحالِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى الَّذِي وحِينَئِذٍ يَصِحُّ الكَلامُ. ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ حُمِلَ الثّانِي عَلَيْهِ لِيَتَّسِقَ الكَلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أهْلُ الجَبْرِ بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم مَرَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ والخَبَرُ الصِّدْقُ عَنْ عَدَمِ الشَّيْءِ يُضادُّ وُجُودَ ذَلِكَ الشَّيِّ فالتَّكْلِيفُ بِتَحْصِيلِ العِبادَةِ مَعَ وُجُودِ الخَبَرِ الصِّدْقِ بِعَدَمِ العِبادَةِ تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، واعْلَمْ أنَّهُ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ ذِكْرَ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ تُقَبَّحُ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ كانَ أوْلى مِن هَذا التَّكْرِيرِ ؟ الجَوابُ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ والتَّكْرِيرُ أوْلى مِن ذِكْرِ الحُجَّةِ، إمّا لِأنَّ المُخاطَبَ بَلِيدٌ يَنْتَفِعُ بِالمُبالَغَةِ والتَّكْرِيرِ ولا يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الحُجَّةِ أوْ لِأجْلِ أنَّ مَحَلَّ النِّزاعِ يَكُونُ في غايَةِ الظُّهُورِ فالمُناظَرَةُ في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ حَسَنَةٌ، أمّا القائِلُ بِالصَّنَمِ فَهو إمّا مَجْنُونٌ يَجِبُ شَدُّهُ أوْ عاقِلٌ مُعانِدٌ فَيَجِبُ قَتْلُهُ، وإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلى قَتْلِهِ فَيَجِبُ شَتْمُهُ، والمُبالَغَةُ في الإنْكارِ عَلَيْهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ اشْتَمَلَ عَلى التَّشْدِيدِ، وهو النِّداءُ بِالكُفْرِ والتَّكْرِيرُ، وآخِرَها عَلى اللُّطْفِ والتَّساهُلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَكَيْفَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي قَدْ بالَغْتُ في تَحْذِيرِكم عَلى هَذا الأمْرِ القَبِيحِ، وما قَصَّرْتُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ تَقْبَلُوا قَوْلِي، فاتْرُكُونِي سَواءً بِسَواءٍ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لَمّا كانَ التِّكْرارُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: لَنْ أعْبُدَ ما تَعْبُدُونَ؛ لِأنَّ هَذا أبْلَغُ، ألا تَرى أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ لَمّا بالَغُوا قالُوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] . والجَوابُ: المُبالَغَةُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْها في مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما كانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَكَيْفَ يَعْبُدُهُ بَعْدَ ظُهُورِ الشَّرْعِ، بِخِلافِ أصْحابِ الكَهْفِ فَإنَّهُ وُجِدَ مِنهم ذَلِكَ فِيما قَبْلُ.

الكافرون 109:5

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ صفحة ١٣٥ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا تِكْرارَ فِيها. والثّانِي: أنَّ فِيها تِكْرارًا أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الأوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، والثّانِيَ لِلْحالِ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ أنَّ ”لا“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أنْ تَرى أنَّ ”لَنْ“ تَأْكِيدٌ فِيما يَنْفِيهِ ”لا“ وقالَ الخَلِيلُ في ”لَنْ“: أصْلُهُ لا أنْ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أيْ لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أطْلُبُهُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدٍ مَعْبُودَكم، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِينَ لِمَعْبُودِي. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَقْلِبَ الأمْرَ فَتَجْعَلَ الأوَّلَ لِلْحالِ، والثّانِيَ لِلِاسْتِقْبالِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ أنَّهُ رُفِعَ لِمَفْهُومِ قَوْلِنا: أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ولا شَكَّ أنَّ هَذا لِلِاسْتِقْبالِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ: أنا قاتِلٌ زَيْدًا فُهِمَ مِنهُ الِاسْتِقْبالُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ لِلْحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ، ولَكِنّا نَخُصُّ أحَدَهُما بِالحالِ، والثّانِي بِالِاسْتِقْبالِ دَفْعًا لِلتِّكْرارِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الحالِ، ثُمَّ عَنِ الِاسْتِقْبالِ، فَهو التَّرْتِيبُ، وإنْ قُلْنا: أخْبَرَ أوَّلًا عَنِ الِاسْتِقْبالِ؛ فَلِأنَّهُ هو الَّذِي دَعَوْهُ إلَيْهِ، فَهو الأهَمُّ فَبَدَأ بِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الإخْبارِ عَنِ الحالِ وكانَ مَعْلُومًا أنَّهُ ما كانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، وأمّا الكُفّارُ فَكانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ في بَعْضِ الأحْوالِ ؟ قُلْنا: أمّا الحِكايَةُ عَنْ نَفْسِهِ فَلِئَلّا يَتَوَهَّمَ الجاهِلُ أنَّهُ يَعْبُدُها سِرًّا خَوْفًا مِنها أوْ طَمَعًا إلَيْها، وأمّا نَفْيُهُ عِبادَتَهم؛ فَلِأنَّ فِعْلَ الكافِرِ لَيْسَ بِعِبادَةٍ أصْلًا. الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأوَّلَيْنِ المَعْبُودُ ”وما“ بِمَعْنى الَّذِي، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الأصْنامَ ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ، وأمّا في الأخِيرَيْنِ ”فَما“ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشِّرْكَ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةَ عَلى اليَقِينِ، فَإنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم تَعْبُدُونَ إلَهِي، كانَ ذَلِكَ باطِلًا؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وما تَفْعَلُونَهُ أنْتُمْ فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، وغَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ تُحْمَلَ الأُولى عَلى نَفْيِ الِاعْتِبارِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، والثّانِيَةُ عَلى النَّفْيِ العامِّ المُتَناوِلِ لِجَمِيعِ الجِهاتِ فَكَأنَّهُ أوَّلًا قالَ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ اللَّهَ رَجاءَ أنْ أعْبُدَ أصْنامَكم، ثُمَّ قالَ: ولا أنا عابِدٌ صَنَمَكم لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ومَقْصُودٍ مِنَ المَقاصِدِ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واعْتِبارٍ مِنَ الِاعْتِباراتِ، ومِثالُهُ مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى الظُّلْمِ لِغَرَضِ التَّنْعِيمِ، فَيَقُولُ: لا أظْلِمُ لِغَرَضِ التَّنَعُّمِ بَلْ لا أظْلِمُ أصْلًا لا لِهَذا الغَرَضِ ولا لِسائِرِ الأغْراضِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ نُسَلِّمَ حُصُولَ التِّكْرارِ، وعَلى هَذا القَوْلِ العُذْرُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ التَّكْرِيرَ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ وكُلَّما كانَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ أشَدَّ كانَ التَّكْرِيرُ أحْسَنَ، ولا مَوْضِعَ أحْوَجُ إلى التَّأْكِيدِ مِن هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذا المَعْنى مِرارًا، وسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الجَوابِ، فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ مالَ إلى دِينِهِمْ بَعْضَ المَيْلِ، فَلا جَرَمَ دَعَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ والتَّكْرِيرِ في هَذا النَّفْيِ والإبْطالِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وآيَةً بَعْدَ آيَةٍ جَوابًا عَمّا يَسْألُونَ فالمُشْرِكُونَ قالُوا: اسْتَلِمْ بَعْدُ آلِهَتَنا حَتّى نُؤْمِنَ بِإلَهِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثُمَّ قالُوا بَعْدَ مُدَّةٍ: تَعْبُدُ آلِهَتَنا شَهْرًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ شَهْرًا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مُحْتَمَلًا لَمْ يَكُنِ التِّكْرارُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُضِرًّا البَتَّةَ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ ذَكَرُوا تِلْكَ الكَلِمَةَ مَرَّتَيْنِ تَعْبُدُ آلِهَتَنا شَهْرًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ شَهْرًا وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، فَأتى صفحة ١٣٦ الجَوابُ عَلى التَّكْرِيرِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِمْ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ فَإنَّ مَن كَرَّرَ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ يُجازى بِدَفْعِ تِلْكَ الكَلِمَةِ عَلى سَبِيلِ التِّكْرارِ اسْتِخْفافًا بِهِ واسْتِحْقارًا لِقَوْلِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كَلِمَةَ: (ما) لا تَتَناوَلُ مَن يَعْلَمُ فَهَبْ أنَّ مَعْبُودَهم كانَ كَذَلِكَ فَصَحَّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ ”ما“ لَكِنَّ مَعْبُودَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو أعْلَمُ العالَمِينَ فَكَيْفَ قالَ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ وأنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ الحَقَّ. وثانِيها: أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ في الجُمْلَتَيْنِ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي في المُسْتَقْبَلِ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي في الحالِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى الَّذِي وحِينَئِذٍ يَصِحُّ الكَلامُ. ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ حُمِلَ الثّانِي عَلَيْهِ لِيَتَّسِقَ الكَلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أهْلُ الجَبْرِ بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم مَرَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ والخَبَرُ الصِّدْقُ عَنْ عَدَمِ الشَّيْءِ يُضادُّ وُجُودَ ذَلِكَ الشَّيِّ فالتَّكْلِيفُ بِتَحْصِيلِ العِبادَةِ مَعَ وُجُودِ الخَبَرِ الصِّدْقِ بِعَدَمِ العِبادَةِ تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، واعْلَمْ أنَّهُ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ ذِكْرَ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ تُقَبَّحُ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ كانَ أوْلى مِن هَذا التَّكْرِيرِ ؟ الجَوابُ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ والتَّكْرِيرُ أوْلى مِن ذِكْرِ الحُجَّةِ، إمّا لِأنَّ المُخاطَبَ بَلِيدٌ يَنْتَفِعُ بِالمُبالَغَةِ والتَّكْرِيرِ ولا يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الحُجَّةِ أوْ لِأجْلِ أنَّ مَحَلَّ النِّزاعِ يَكُونُ في غايَةِ الظُّهُورِ فالمُناظَرَةُ في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ حَسَنَةٌ، أمّا القائِلُ بِالصَّنَمِ فَهو إمّا مَجْنُونٌ يَجِبُ شَدُّهُ أوْ عاقِلٌ مُعانِدٌ فَيَجِبُ قَتْلُهُ، وإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلى قَتْلِهِ فَيَجِبُ شَتْمُهُ، والمُبالَغَةُ في الإنْكارِ عَلَيْهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ اشْتَمَلَ عَلى التَّشْدِيدِ، وهو النِّداءُ بِالكُفْرِ والتَّكْرِيرُ، وآخِرَها عَلى اللُّطْفِ والتَّساهُلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَكَيْفَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي قَدْ بالَغْتُ في تَحْذِيرِكم عَلى هَذا الأمْرِ القَبِيحِ، وما قَصَّرْتُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ تَقْبَلُوا قَوْلِي، فاتْرُكُونِي سَواءً بِسَواءٍ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لَمّا كانَ التِّكْرارُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: لَنْ أعْبُدَ ما تَعْبُدُونَ؛ لِأنَّ هَذا أبْلَغُ، ألا تَرى أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ لَمّا بالَغُوا قالُوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] . والجَوابُ: المُبالَغَةُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْها في مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما كانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَكَيْفَ يَعْبُدُهُ بَعْدَ ظُهُورِ الشَّرْعِ، بِخِلافِ أصْحابِ الكَهْفِ فَإنَّهُ وُجِدَ مِنهم ذَلِكَ فِيما قَبْلُ.

الكافرون 109:6

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَكم كُفْرُكم بِاللَّهِ ولِيَ التَّوْحِيدُ والإخْلاصُ لَهُ، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يُقالُ: إنَّهُ أذِنَ لَهم في الكُفْرِ قُلْنا: كَلّا فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما بُعِثَ إلّا لِلْمَنعِ مِنَ الكُفْرِ فَكَيْفَ يَأْذَنُ فِيهِ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أحَدُ أُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ. وثانِيها: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ صفحة ١٣٧ إلَيْكم لِأدْعُوَكم إلى الحَقِّ والنَّجاةِ، فَإذا لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي ولَمْ تَتْبَعُونِي فاتْرُكُونِي ولا تَدْعُونِي إلى الشِّرْكِ. وثالِثُها: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ فَكُونُوا عَلَيْهِ إنْ كانَ الهَلاكُ خَيْرًا لَكم ﴿ولِيَ دِينِ﴾ لِأنِّي لا أرْفُضُهُ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ الدِّينَ هو الحِسابُ أيْ لَكم حِسابُكم ولِي حِسابِي، ولا يَرْجِعُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنّا مِن عَمَلِ صاحِبِهِ أثَرٌ البَتَّةَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ أيْ لَكم جَزاءُ دِينِكم ولِي جَزاءُ دِينِي وحَسْبُهم جَزاءُ دِينِهِمْ وبالًا وعِقابًا كَما حَسْبُكَ جَزاءُ دِينِكَ تَعْظِيمًا وثَوابًا. القَوْلُ الرّابِعُ: الدِّينُ العُقُوبَةُ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] يَعْنِي الحَدَّ فَلَكُمُ العُقُوبَةُ مِن رَبِّي ولِيَ العُقُوبَةُ مِن أصْنامِكم لَكِنَّ أصْنامَكم جَماداتٌ فَأنا لا أخْشى عُقُوبَةَ الأصْنامِ، فَأمّا أنْتُمْ فَيَحِقُّ لَكم عَقْلًا أنْ تَخافُوا عُقُوبَةَ جَبّارِ السَّماواتِ والأرْضِ. القَوْلُ الخامِسُ الدِّينُ الدُّعاءُ، فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، أيْ لَكم دُعاؤُكم ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] ثُمَّ لَيْتَها تَبْقى عَلى هَذِهِ الحالَةِ فَلا يَضُرُّونَكم، بَلْ يَوْمَ القِيامَةِ يَجِدُونَ لِسانًا فَيَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم، وأمّا رَبِّي فَيَقُولُ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] . القَوْلُ السّادِسُ: الدِّينُ العادَةُ، قالَ الشّاعِرُ: يَقُولُ لَها وقَدْ دارَتْ وضِينِي أهَذا دِينُها أبَدًا ودِينِي مَعْناهُ لَكم عادَتُكُمُ المَأْخُوذَةُ مِن أسْلافِكم ومِنَ الشَّياطِينِ، ولِي عادَتِي المَأْخُوذَةُ مِنَ المَلائِكَةِ والوَحْيِ، ثُمَّ يَبْقى كُلُّ واحِدٍ مِنّا عَلى عادَتِهِ، حَتّى تَلْقَوُا الشَّياطِينَ والنّارَ، وألْقى المَلائِكَةَ والجَنَّةَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ لَكم دِينُكم لا لِغَيْرِكم، ولِي دِينِي لا لِغَيْرِي، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ٦٤] أيْ أنا مَأْمُورٌ بِالوَحْيِ والتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِالِامْتِثالِ والقَبُولِ، فَأنا لَمّا فَعَلْتُ ما كُلِّفْتُ بِهِ خَرَجْتُ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ، وأمّا إصْرارُكم عَلى كُفْرِكم، فَذَلِكَ مِمّا لا يَرْجِعُ إلَيَّ مِنهُ ضَرَرٌ البَتَّةَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَرَتْ عادَةُ النّاسِ بِأنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ المُتارَكَةِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيُتَمَثَّلَ بِهِ بَلْ لِيُتَدَبَّرَ فِيهِ، ثُمَّ يُعْمَلَ بِمُوجَبِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ وأحْكَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.