Tafsir Al-Sam'ani — آل عمران 3:1 – النساء 4:176
المحتويات
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:129
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:132
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:136
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:149
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:157
- آل عمران 3:158
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:160
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:167
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:177
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:182
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:197
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:120
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
آل عمران 3:1
تَفْسِير سُورَة آل عمرَان
وَهِي مَدَنِيَّة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل - رَضِي الله عَنهُ - لقد ورد فِي فضل هَذِه السُّورَة وَسورَة الْبَقَرَة أَخْبَار مِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله [أَنه] قَالَ: " تعملوا الْبَقَرَة وَآل عمرَان فَإِنَّهُمَا الزهروان تظلان صَاحبهمَا يَوْم الْقِيَامَة ".
وروى عَنهُ أَنه قَالَ: " تَجِيء الْبَقَرَة وَآل عمرَان يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو غيايتان أَو فرقان من طير صواف ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿آلم الله﴾
فالألف: هُوَ الله، وَاللَّام: جِبْرِيل، وَالْمِيم: مُحَمَّد، وَفِيه إِشَارَة لما أنزل الله، على لِسَان جِبْرِيل، على مُحَمَّد.
وَقد ذكرنَا الْأَقْوَال فِي حُرُوف التهجي.
وَإِنَّمَا فتح الْمِيم عِنْد الْوَصْل، وَإِن كَانَ السَّاكِن إِذا حرك حرك إِلَى الْكسر؛ لأَنهم استثقلوا الكسرة بعد [الْجَزْم، وَالْيَاء فِيهِ جزم] .
﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ لَا معبود سواهُ. ﴿الْحَيّ القيوم﴾ فالحي: الدَّائِم الَّذِي لَا يزل. .
وَأما القيوم فقد سبق تَفْسِيره، وَقيل: هُوَ الَّذِي لَا يَزُول وَلَا يحول. وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد [بن] الزبير: هُوَ دَائِم الْوُجُود. وَقَرَأَ عمر، وَابْن مَسْعُود ﴿الْحَيّ الْقيام﴾ وَهُوَ فِي الشواذ.
آل عمران 3:2
تَفْسِير سُورَة آل عمرَان
وَهِي مَدَنِيَّة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل - رَضِي الله عَنهُ - لقد ورد فِي فضل هَذِه السُّورَة وَسورَة الْبَقَرَة أَخْبَار مِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله [أَنه] قَالَ: " تعملوا الْبَقَرَة وَآل عمرَان فَإِنَّهُمَا الزهروان تظلان صَاحبهمَا يَوْم الْقِيَامَة ".
وروى عَنهُ أَنه قَالَ: " تَجِيء الْبَقَرَة وَآل عمرَان يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو غيايتان أَو فرقان من طير صواف ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿آلم الله﴾
فالألف: هُوَ الله، وَاللَّام: جِبْرِيل، وَالْمِيم: مُحَمَّد، وَفِيه إِشَارَة لما أنزل الله، على لِسَان جِبْرِيل، على مُحَمَّد.
وَقد ذكرنَا الْأَقْوَال فِي حُرُوف التهجي.
وَإِنَّمَا فتح الْمِيم عِنْد الْوَصْل، وَإِن كَانَ السَّاكِن إِذا حرك حرك إِلَى الْكسر؛ لأَنهم استثقلوا الكسرة بعد [الْجَزْم، وَالْيَاء فِيهِ جزم] .
﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ لَا معبود سواهُ. ﴿الْحَيّ القيوم﴾ فالحي: الدَّائِم الَّذِي لَا يزل. .
وَأما القيوم فقد سبق تَفْسِيره، وَقيل: هُوَ الَّذِي لَا يَزُول وَلَا يحول. وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد [بن] الزبير: هُوَ دَائِم الْوُجُود. وَقَرَأَ عمر، وَابْن مَسْعُود ﴿الْحَيّ الْقيام﴾ وَهُوَ فِي الشواذ.
آل عمران 3:3
قَوْله تَعَالَى: ﴿نزل عَلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ الْكتاب: الْقُرْآن، وسمى كتابا؛ لِأَنَّهُ يجمع الْآي والحروف، وَهُوَ من الْكتب وَهُوَ: الْجمع، وَمِنْه: الكتيبة و [هِيَ] السّريَّة لِاجْتِمَاعِهِمْ.
وَمِنْه يُقَال: كتبت البغلة، إِذا جمع بَين شفريها بِحَلقَة. وَقَوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالصّدقِ فِي الدلالات والإخبارات، والوعد والوعيد.
وَقَوله: ﴿مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن مُصدق لما قبله من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿لما بَين يَدَيْهِ﴾ ؛ لِأَنَّهُ فِي تَصْدِيق مَا قبله، وَإِظْهَار صدقه، كالشيء الْحَاضِر بَين يَدَيْهِ.
﴿وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من قبل هدى للنَّاس﴾ فَذكر هَا هُنَا ﴿أنزل﴾ وَذكر فِي الِابْتِدَاء ﴿نزل الْكتاب﴾ ، لِأَنَّهُ أنزل التَّوْرَاة جملَة وَالْإِنْجِيل جملَة، وَنزل الْقُرْآن مفصلا.
وَأما التَّوْرَاة أَصْلهَا وورية من الورى، من قَوْلهم ورى الزند إِذا أَضَاء، وَخرجت ناره، وَيُقَال: ورى زندي عِنْد فلَان؛ إِذا أَضَاء أمره عِنْده.
فَسمى وورية؛ لضيائها وَكَونهَا نورا، وقلبت الْوَاو تَاء فَصَارَت تورية. وَأما الْإِنْجِيل من " النجل " وَهُوَ الأَصْل فَسمى بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أصلا من الْأُصُول فِي الْعلم.
﴿وَأنزل الْفرْقَان﴾ قيل: هُوَ الْقُرْآن، وَهُوَ المفرق بَين الْحَلَال وَالْحرَام، وَقيل: كل مَا أنزل الله فَهُوَ فرقان؛ لكَونه مفرقا بَين الْحَلَال وَالْحرَام، وَفِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من قبل، وَأنزل الْفرْقَان هدى للنَّاس.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا بآيَات الله لَهُم عَذَاب شَدِيد﴾ " نزلت فِي وَفد نَجْرَان من النَّصَارَى، قدمُوا على رَسُول الله، وَفِيهِمْ السَّيِّد وَالْعَاقِب: كَانَا رجلَيْنِ مِنْهُم، وهم سِتُّونَ رَاكِبًا، وَقيل قَرِيبا من عشْرين رَاكِبًا، فَدَخَلُوا الْمَسْجِد، وَالنَّبِيّ قد صلى الْعَصْر، فوقفوا يصلونَ نَحْو الْمشرق صلَاتهم، فَلَمَّا فرغوا سَأَلَهُمْ رَسُول الله عَن عِيسَى، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: الله. وَقَالَ بَعضهم: ابْن الله، وَقَالَ بَعضهم: ثَالِث ثَلَاثَة، فَقَالَ: أَسْلمُوا، فَقَالُوا نَحن مُسلمُونَ، فَقَالَ: كَذبْتُمْ؛ يمنعكم من ذَلِك قَوْلكُم عِيسَى ولد الله. فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم بضع وَثَمَانِينَ آيَة، من أول سُورَة آل عمرَان فِي الْحجَّاج، وَالدّلَالَة عَلَيْهِم، ورد قَوْلهم، وَهَذِه الْآيَة من جملها نزلت فيهم ".
﴿وَالله عَزِيز ذُو انتقام﴾ فالعزيز: المنيع الَّذِي لَا يقدر عَلَيْهِ، وَمِنْه: الأَرْض العزاء، وَهِي الصلبة الشاقة المسلك، وَقيل: الْعَزِيز: الْغَالِب الَّذِي لَا يفوتهُ شَيْء، وَمِنْه: يُقَال: من عز بز أَي من غلب سلب، والمنتقم المعاقب على (الْجِنَايَة} ، والنقمة: الْعقُوبَة.
آل عمران 3:4
قَوْله تَعَالَى: ﴿نزل عَلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ الْكتاب: الْقُرْآن، وسمى كتابا؛ لِأَنَّهُ يجمع الْآي والحروف، وَهُوَ من الْكتب وَهُوَ: الْجمع، وَمِنْه: الكتيبة و [هِيَ] السّريَّة لِاجْتِمَاعِهِمْ.
وَمِنْه يُقَال: كتبت البغلة، إِذا جمع بَين شفريها بِحَلقَة. وَقَوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالصّدقِ فِي الدلالات والإخبارات، والوعد والوعيد.
وَقَوله: ﴿مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن مُصدق لما قبله من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿لما بَين يَدَيْهِ﴾ ؛ لِأَنَّهُ فِي تَصْدِيق مَا قبله، وَإِظْهَار صدقه، كالشيء الْحَاضِر بَين يَدَيْهِ.
﴿وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من قبل هدى للنَّاس﴾ فَذكر هَا هُنَا ﴿أنزل﴾ وَذكر فِي الِابْتِدَاء ﴿نزل الْكتاب﴾ ، لِأَنَّهُ أنزل التَّوْرَاة جملَة وَالْإِنْجِيل جملَة، وَنزل الْقُرْآن مفصلا.
وَأما التَّوْرَاة أَصْلهَا وورية من الورى، من قَوْلهم ورى الزند إِذا أَضَاء، وَخرجت ناره، وَيُقَال: ورى زندي عِنْد فلَان؛ إِذا أَضَاء أمره عِنْده.
فَسمى وورية؛ لضيائها وَكَونهَا نورا، وقلبت الْوَاو تَاء فَصَارَت تورية. وَأما الْإِنْجِيل من " النجل " وَهُوَ الأَصْل فَسمى بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أصلا من الْأُصُول فِي الْعلم.
﴿وَأنزل الْفرْقَان﴾ قيل: هُوَ الْقُرْآن، وَهُوَ المفرق بَين الْحَلَال وَالْحرَام، وَقيل: كل مَا أنزل الله فَهُوَ فرقان؛ لكَونه مفرقا بَين الْحَلَال وَالْحرَام، وَفِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من قبل، وَأنزل الْفرْقَان هدى للنَّاس.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا بآيَات الله لَهُم عَذَاب شَدِيد﴾ " نزلت فِي وَفد نَجْرَان من النَّصَارَى، قدمُوا على رَسُول الله، وَفِيهِمْ السَّيِّد وَالْعَاقِب: كَانَا رجلَيْنِ مِنْهُم، وهم سِتُّونَ رَاكِبًا، وَقيل قَرِيبا من عشْرين رَاكِبًا، فَدَخَلُوا الْمَسْجِد، وَالنَّبِيّ قد صلى الْعَصْر، فوقفوا يصلونَ نَحْو الْمشرق صلَاتهم، فَلَمَّا فرغوا سَأَلَهُمْ رَسُول الله عَن عِيسَى، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: الله. وَقَالَ بَعضهم: ابْن الله، وَقَالَ بَعضهم: ثَالِث ثَلَاثَة، فَقَالَ: أَسْلمُوا، فَقَالُوا نَحن مُسلمُونَ، فَقَالَ: كَذبْتُمْ؛ يمنعكم من ذَلِك قَوْلكُم عِيسَى ولد الله. فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم بضع وَثَمَانِينَ آيَة، من أول سُورَة آل عمرَان فِي الْحجَّاج، وَالدّلَالَة عَلَيْهِم، ورد قَوْلهم، وَهَذِه الْآيَة من جملها نزلت فيهم ".
﴿وَالله عَزِيز ذُو انتقام﴾ فالعزيز: المنيع الَّذِي لَا يقدر عَلَيْهِ، وَمِنْه: الأَرْض العزاء، وَهِي الصلبة الشاقة المسلك، وَقيل: الْعَزِيز: الْغَالِب الَّذِي لَا يفوتهُ شَيْء، وَمِنْه: يُقَال: من عز بز أَي من غلب سلب، والمنتقم المعاقب على (الْجِنَايَة} ، والنقمة: الْعقُوبَة.
آل عمران 3:5
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يخفي عَلَيْهِ شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء﴾ وَهَذَا لَا شكّ فِيهِ.
آل عمران 3:6
﴿هُوَ الَّذِي يصوركم فِي الْأَرْحَام كَيفَ يَشَاء﴾ هَذَا فِي الرَّد على وَفد نَجْرَان؛ حَيْثُ قَالُوا: عِيسَى ولد الله، فَكَأَنَّهُ يَقُول: هُوَ الَّذِي صوره فِي الرَّحِم، (فَكيف يكون ولد لَهُ) ؟ !
وَقد روى عَن ابْن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: إِن النُّطْفَة إِذا وَقعت فِي الرَّحِم تكون أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة، ثمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا علقَة، ثمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُضْغَة، ثمَّ يبْعَث الله تَعَالَى ملكا يَأْخُذ تُرَابا بَين أصبعيه فيخلطه بالمضغة، ثمَّ يصوره بِإِذن الله كَيفَ (شَاءَ) ، أَحْمَر أَو أسود أَو أَبيض، طَويلا أَو قَصِيرا، حسنا أَو قبيحا، ثمَّ يكْتب رزقه وَعَمله وأثره وأجله وشقى أَو سعيد، ثمَّ إِذا مَاتَ يدْفن فِي التربة الَّتِي أَخذ مِنْهَا التُّرَاب. (٦ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز) فِي أمره ﴿الْحَكِيم﴾ فِي سُلْطَانه.
آل عمران 3:7
قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْكُم الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ اخْتلفُوا فِي المحكمات والمتشابهات، قَالَ ابْن عَبَّاس: المحكمات هِيَ الْآيَات الثَّلَاث الَّتِي فِي آخر سُورَة الْأَنْعَام، وَذَلِكَ قَوْله: ﴿قل تَعَالَوْا﴾ إِلَى ﴿آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون﴾
آخر الْآيَات الثَّلَاث، وَأما المتشابهات: حُرُوف التهجي فِي اوائل السُّور. وَقَالَ عِكْرِمَة وَمُجاهد: المحكمات: الْحَلَال وَالْحرَام، وَمَا سواهُ كُله من المتشابهات؛ لِأَنَّهُ يشبه بَعْضهَا بَعْضًا فِي الْحق، والتصديق، يصدق بعضه بَعْضهَا.
وَقَالَ الضَّحَّاك: المحكمات: الناسخات، والمتشابهات: المنسوخات.
وَقَالَ جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ: المحكمات مَا أوقف الله تَعَالَى الْخلق على مَعْنَاهَا، والمتشابهات مَا لَا يعقل مَعْنَاهَا، وَلَا يعلمهَا إِلَّا الله. وَفِيه قَولَانِ آخرَانِ: أَحدهمَا: أَن المحكمات مَا لَا يشْتَبه مَعْنَاهَا، والمتشابهات مَا يشْتَبه ويلتبس مَعْنَاهَا. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المحكمات مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي الْمَعْنى، [والمتشابهات] مَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي الْمَعْنى إِلَّا بِنَوْع اسْتِدْلَال، أَو رد إِلَى غَيره؛ وَإِنَّمَا سميت محكمات من الإحكام؛ (كَأَنَّهُ) أحكمها؛ فَمنع الْخلق من التَّصَرُّف فِيهَا؛ لظهورها (ووضوح) مَعْنَاهَا.
﴿هن أم الْكتاب﴾ أَي: أصل الْكتاب، فَإِن قَالَ قَائِل: لم لم يقل: هن أُمَّهَات الْكتاب؟ قيل: قَالَ الْفراء: تَقْدِيره: هن الشَّيْء الَّذِي هُوَ أصل الْكتاب. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ أصل الْكتاب، كَمَا يُقَال: الْقَوْم أَسد على، أَي: كل وَاحِد مِنْهُم أَسد على، وَمَعْنَاهُ: هن أصل الْكتاب؛ لِأَن الْخلق يفزعون إِلَيْهِ، كَمَا تفزع الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ فرق هَا هُنَا بَين المحكمات والمتشابهات، وسمى كل الْقُرْآن متشابها فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها﴾ . وسمى الْكل محكما حَيْثُ قَالَ: ﴿الر. كتاب أحكمت آيَاته﴾ ؟ قُلْنَا: لما ذكر هُنَالك ﴿كتابا متشابه﴾ على معنى: أَنه يشبه بعضه بَعْضًا فِي الْحق والصدق، وَإِنَّمَا ذكر فِي الْموضع الآخر ﴿أحكمت آيَاته﴾ على معنى أَن الْكل حق وجد، لَيْسَ فِيهِ عَبث وَلَا هزل، ثمَّ ذكر تَفْصِيلًا آخر بعده، فَجعل الْبَعْض محكما وَالْبَعْض متشابها.
﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ﴾ قَالَ مُجَاهِد: الزيغ: اللّبْس. وَقيل: هُوَ الشّرك، وَقيل: هُوَ الشُّبُهَات الَّتِي تتَعَلَّق بِالْقَلْبِ ﴿فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله﴾ يَعْنِي: أَن الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ يغلون فِي طلب التَّأْوِيل للمتشابه؛ فيقعون على التَّأْوِيل المظلم؛ فَذَلِك ابْتِغَاء الْفِتْنَة؛ لِأَن من غلا فِي الدّين، وَطلب تَأْوِيل مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله، يَقع فِي الْفِتْنَة، وَيكون مفتونا، وَخير الدّين: النمط الْأَوْسَط الَّذِي لَيْسَ فِيهِ غلو وَلَا تَقْصِير.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الَّذين يتبعُون مَا تشابه من هم؟ قيل: هم الْيَهُود الَّذين قَالُوا: مُدَّة أمة مُحَمَّد على حُرُوف التهجي، وَقيل: هم النَّصَارَى من وَفد نَجْرَان، حَيْثُ قَالُوا لرَسُول الله: مَا تَقول فِي عِيسَى؟ فَقَالَ: عبد الله وَرَسُوله، قَالُوا: فَهَل تَقول: أَنه كلمة الله وروح مِنْهُ؟ فَقَالَ: نعم، قَالُوا: حَسبنَا الله. وَاتبعُوا مَا تشابه من قَوْله: كلمة الله وروح مِنْهُ. وَقيل: هم الغالون فِي طلب التَّأْوِيل وَاتِّبَاع الْمُتَشَابه، وروت عَائِشَة " أَن النَّبِي قَرَأَ هَذِه الْآيَة، ثمَّ قَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ الَّذين يجادلون فِي الْآيَات فاحذروهم فهم هم ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ اسْتَأْثر الله تَعَالَى بِعلم التَّأْوِيل، وَقطع أفهام الْعباد عَنهُ، وَالْفرق بَين التَّأْوِيل وَالتَّفْسِير: أَن التَّفْسِير: هُوَ ذكر الْمَعْنى الْوَاضِح، كَمَا تَقول فِي قَوْله: ﴿لَا ريب فِيهِ﴾ أَي: لَا شكّ فِيهِ، وَأما التَّأْوِيل: هُوَ مَا يؤول الْمَعْنى إِلَيْهِ، ويستقر عَلَيْهِ. ثمَّ الْكَلَام فِي الْوَقْف، فَاعْلَم: أَن أبي بن كَعْب وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة طَاوس عَنهُ - (رأو) الْوَقْف على قَول ﴿إِلَّا الله﴾ ، وَهُوَ قَول الْحسن، وَأكْثر التَّابِعين، وَبِه قَالَ الْكسَائي، وَالْفراء، والأخفش، وَأَبُو عبيد، وَأَبُو حَاتِم، قَالُوا: إِن الْوَاو فِي قَوْله: ﴿والراسخون﴾ وَاو الإبتداء؛ وَالدَّلِيل على صِحَّته قِرَاءَة ابْن عَبَّاس " وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم آمنا بِهِ " وروى ابْن جريج، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة أُخْرَى -: الْوَاو للنسق، وَلَا وقف (على قَوْله) ﴿إِلَّا الله﴾ (وَأَن الراسخون) فِي الْعلم يعلمُونَ التَّأْوِيل، قَالَ ابْن عَبَّاس: وَأَنا مِمَّن يعلم تَأْوِيله، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل "، قَالُوا: وَالصَّحِيح رِوَايَة طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس، كَمَا ذكرنَا، وَعَلِيهِ إِجْمَاع الْقُرَّاء؛ وَلِأَن على قَضِيَّة قَول مُجَاهِد لَا يَسْتَقِيم.
قَوْله: ﴿والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ﴾ قَالَ النُّحَاة: وَإِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن تَقول: وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم قائلين ﴿أمنا بِهِ﴾ (و) لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ ؛ وَلَو علمُوا التَّأْوِيل لم يكن لقَولهم هَذَا معنى، وَقد روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " أنزل الْقُرْآن على أَرْبَعَة أوجه " الْحَلَال وَالْحرَام، وعربية تعرفها الْعَرَب، وَمِمَّا يعلم الْعباد تَأْوِيله، وَمَا لَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله " وَهَذَا يشْهد لما قُلْنَا؛ فَدلَّ أَن الْوَقْف على قَوْله: ﴿إِلَّا الله﴾ . وَالْوَاو: وَاو الِابْتِدَاء فِي قَول ﴿والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ قَالُوا: وَمن رسوخهم فِي الْعلم يَقُولُونَ ذَلِك ﴿وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾ .
آل عمران 3:8
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا﴾ أَي: لَا تمل قُلُوبنَا ﴿بعد إِذْ هديتنا﴾ وَهَذَا دُعَاء للتثبيت والإدامة عَلَيْهِ، وَقد رَوَت أم سَلمَة عَن النَّبِي أَنه كَانَ يَقُول: " يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي على دينك " ﴿وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة﴾ نصْرَة ومعونة ﴿إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب﴾ .
آل عمران 3:9
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا إِنَّك جَامع النَّاس ليَوْم لَا ريب فِيهِ﴾ أَي: لَا شكّ فِيهِ عِنْد أهل الْحق، وَقيل: أَرَادَ لَا ريب فِيهِ: يَوْم الْقِيَامَة إِذا قَامَت وَظَهَرت.
﴿إِن الله لَا يخلف الميعاد﴾ فَلَا تزغ قُلُوبنَا، وارحمنا، وَلكنه أوجزه وَلم يذكر تَمام الدُّعَاء.
آل عمران 3:10
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا﴾ هُوَ قَول الْكَافرين يَوْم الْقِيَامَة: شَغَلَتْنَا عَن الْحق أَمْوَالنَا وَأَهْلُونَا، يَقُول لَا عذر لَهُم فِيهِ، وَلَا يغنيهم ذَلِك ﴿وَأُولَئِكَ هم وقود النَّار﴾ .
آل عمران 3:11
قَوْله تَعَالَى: ﴿كدأب آل فِرْعَوْن﴾ الدأب: الشَّأْن، والدأب: الْعَادة، وَمعنى الْآيَة: أَن هَؤُلَاءِ الْكفَّار فِي تَكْذِيب الرَّسُول، وَجحد الْحق، والتظاهر على الْكفْر؛ كعادة آل فِرْعَوْن، وَآل فِرْعَوْن: فِرْعَوْن وَقَومه.
﴿وَالَّذين من قبلهم﴾ يَعْنِي: عادا وَثَمُود ﴿كذبُوا بآيتنا فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ ، عاقبهم بجرائمهم، ﴿وَالله شَدِيد الْعقَاب﴾ لِأَنَّهُ دَائِم، عِقَابه لَا يَنْقَطِع؛ وكل دَائِم شَدِيد.
آل عمران 3:12
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل للَّذين كفرُوا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى: " أَنه لما فرغ رَسُول الله من قتال الْمُشْركين يَوْم بدر جمع الْيَهُود بقينقاع، وَقَالَ لَهُم: أَسْلمُوا قبل أَن ينزل بكم مَا نزل بالمشركين من بَأْس الله، فَقَالُوا: إِنَّك لقِيت قوما أَغْمَارًا لَا يعْرفُونَ الْقِتَال، فَلَو قَاتَلْتنَا لَوَلَّيْت " فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿قل للَّذين كفرُوا ستغلبون وتحشرون إِلَى جَهَنَّم وَبئسَ المهاد﴾ يَعْنِي: ستغلبون فِي الدُّنْيَا، وتحشرون فِي الْآخِرَة إِلَى جَهَنَّم، ﴿وَبئسَ المهاد﴾ وَقَالَ مقَاتل وَجَمَاعَة: هُوَ خطاب لأولئك الْمُشْركين يَوْم بدر، يَقُول الله: قا للْمُشْرِكين: ستغلبون، وتحشرون إِلَى جَهَنَّم، وَقد غلبوا وحشروا إِلَى جَهَنَّم، وَيقْرَأ: " سيغلبون ويحشرون " بِالْيَاءِ - وَهُوَ بِمَعْنى الأول، قَالَ الْفراء: وَهُوَ مثل قَول الرجل: قل لزيد: إِنَّك قَائِم. هُوَ بِمَعْنى قَوْله: قل لزيد: إِنَّه قَائِم؛ فهما فِي الْمَعْنى سَوَاء، وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا خطاب للْيَهُود، يَعْنِي: قل للَّذين كفرُوا من الْيَهُود: سيغلب الْمُشْركُونَ، ويحشرون إِلَى جَهَنَّم، وَبئسَ المهاد، أَي: بئْسَمَا مهدوا لأَنْفُسِهِمْ، أَو بئْسَمَا مهد لَهُم.
آل عمران 3:13
قَوْله تَعَالَى: ﴿قد كَانَ لكم آيَة﴾ أَي: معْجزَة وعلامة، ﴿فِي فئتين﴾ فِي فرْقَتَيْن ﴿التقتا﴾ أجتمعتا، من الالتقاء: وَهُوَ الإجتماع، وَمِنْه: " يَوْم التلاق "؛ لِأَنَّهُ يجْتَمع فِيهِ أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض ﴿فِئَة تقَاتل فِي سَبِيل الله﴾ يَعْنِي: الْمُسلمين يَوْم بدر ﴿وَأُخْرَى كَافِرَة﴾ يَعْنِي الْمُشْركين ﴿يرونهم مثليهم رأى الْعين﴾ يَعْنِي الْمُسلمين رأو الْمُشْركين مثلى عَددهمْ، وَكَانُوا ثَلَاثَة أمثالهم؛ لِأَن عدد الْمُسلمين يَوْم بدر كَانَ ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر نَفرا أَو أَرْبَعَة عشر نَفرا، وَكَانَ عدد الْمُشْركين تِسْعمائَة وَخمسين {يرونهم مثليهم رَأْي الْعين وَالله يُؤَيّد بنصره من يَشَاء إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي
نَفرا، وَعَن عَليّ وَابْن مَسْعُود: أَن عدد الْمُشْركين كَانُوا ألفا، فَرَآهُمْ الْمُسلمُونَ نيفا وسِتمِائَة. قَالَ ابْن مَسْعُود: رأيناهم ضعفى عددنا، ثمَّ رأيناهم مثل عددنا؛ رجل [بِرَجُل] وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْفَال ﴿وَإِذا يريكهم إِذْ التقيتم فِي أعينكُم قَلِيلا ويقللكم فِي أَعينهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ فَرَآهُمْ الْمُسلمُونَ أقل من عَددهمْ، وَكَذَلِكَ الْمُشْركُونَ رَأَوْا الْمُسلمين أقل من عَددهمْ، وَكَانَت الْحِكْمَة فِيهِ إِذا رَأَوْهُمْ أقل مِمَّا كَانُوا لَا يحجمون، وَلَا يفترون عَن الْقِتَال؛ لِأَن الله تَعَالَى قد أخْبرهُم أَن الْوَاحِد مِنْهُم يُقَاوم اثْنَيْنِ من الْمُشْركين، وَكَذَلِكَ الْمُشْركُونَ إِذا رَأَوْا الْمُسلمين أقل مِمَّا كَانُوا لَا يمتنعون عَن الْقِتَال؛ ﴿ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ ، وَذَلِكَ من قتل رُؤَسَائِهِمْ وَقَادَتهمْ، بِإِذن الله تَعَالَى.
قَالَ الْفراء: إِنَّمَا رَأَوْهُمْ على عَددهمْ كَمَا كَانُوا، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿يرونهم مثليهم﴾ يَعْنِي: مثليهم سوى عَددهمْ، وَهَذَا مثل قَول الرجل - وَعِنْده دِرْهَم -: أَنا أحتاج إِلَى مثلى هَذَا الدِّرْهَم، يَعْنِي إِلَى مثلَيْهِ سواهُ. وَالْأول أصح.
وقرىء: " ترونهم " بِالتَّاءِ فَيكون خطابا للْيَهُود، وَكَانَ جمَاعَة مِنْهُم حَضَرُوا قتال بدر؛ لينظروا على من الدبرة، فرأو الْمُشْركين مثلى عدد الْمُسلمين، ورأو النُّصْرَة مَعَ ذَلِك للْمُسلمين، وَكَانَ ذَلِك معْجزَة، وَآيَة للرسول فِي أَعينهم. وعَلى الْقِرَاءَة الأولى يكون الْخطاب مَعَ الْمُسلمين فِي قَوْله: ( ﴿قد كَانَ لكم آيَة فِي فئتين﴾ وَالله يُؤَيّد بنصره من يَشَاء) ؛ لِأَنَّهُ نصر الْمُؤمنِينَ يَوْمئِذٍ.
﴿إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولى الْأَبْصَار﴾ أَي: عَلامَة لأولى البصائر فِي الدّين، ولذوي الْعُقُول أَجْمَعِينَ.
آل عمران 3:14
قَوْله تَعَالَى: ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين﴾ قَالَ الْحسن: المزين: هُوَ الشَّيْطَان؛ لِأَن الله تَعَالَى ذمّ الدُّنْيَا بأبلغ ذمّ، فَلَا يزينه فِي الْأَعْين. وَقَالَ عَامَّة الْمُفَسّرين: المزين: هُوَ الله تَعَالَى، وتزيينه: أَنه حبب فِي قُلُوبهم شَهْوَة النِّسَاء والبنين ﴿والقناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة﴾ ، فالقناطير: جمع القنطار، وَهُوَ مَال كثير، ثمَّ اخْتلفُوا؛ قَالَ معَاذ وَأبي بن كَعْب: القنطار: ألف وَمِائَتَا أُوقِيَّة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك: هُوَ ألف دِينَار أَو اثْنَا عشر ألف دِرْهَم. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: هُوَ ثَمَانُون ألف دِرْهَم. وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ سَبْعُونَ ألف دِينَار. وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ مائَة رَطْل من ذهب أَو فضَّة. وَقَالَ أَبُو نَضرة: هُوَ ملْء مسك ثَوْر من ذهب أَو فضَّة. وسمى قِنْطَارًا؛ من الْأَحْكَام والتوثيق، وَأما المقنطرة: فَهِيَ الْمَجْمُوعَة المملكة. قَالَ الْفراء: القناطير ثَلَاثَة، والمقنطرة تِسْعَة.
قَوْله: ﴿وَالْخَيْل المسمومة﴾ قَالَ مُجَاهِد: هِيَ الحسان المطهمة، وَقَالَ سعيد ابْن جُبَير: المسومة: الراعية. يُقَال: أسام الْخَيل من الرعى. وَفِيه قَول ثَالِث، المسومة: المعلمة من السيما، وَهِي الْعَلامَة. مِنْهُم من قَالَ: سيماها: الشّبَه. وَمِنْهُم من قَالَ: سيماها الكي ﴿والأنعام﴾ : هِيَ الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم ﴿والحرث﴾ : هِيَ الْأَرَاضِي المهيأة للزِّرَاعَة ﴿ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنه مَتَاع يفنى.
﴿وَالله عِنْده حسن المآب﴾ فِيهِ تزهيد فِي الدُّنْيَا وترغيب فِي الْآخِرَة، ثمَّ أكده
آل عمران 3:15
بقوله تَعَالَى: ﴿قل أؤنبئكم بِخَير من ذَلِكُم للَّذين اتَّقوا عِنْد رَبهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَأَزْوَاج مطهرة ورضوان من الله﴾ وقرىء " رضوَان " بِضَم الرَّاء، وهما فِي الْمَعْنى سَوَاء يُقَال: رضى يرضى رِضَاء ورضوانا. ورضوانا، وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي: " أَن أهل الْجنَّة؛ إِذا دخلُوا الْجنَّة يَقُول الله تَعَالَى: إِن لكم عِنْدِي موعدا، وَأَنا منجزكموه، فَيَقُولُونَ: قد أَعطيتنَا كل مَا نتمنى، فَمَا هُوَ يارب؟ فَيَقُول: أنزل عَلَيْكُم رِضْوَانِي وَلَا أَسخط عَلَيْكُم أبدا ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله بَصِير بالعباد الَّذين يَقُولُونَ﴾
آل عمران 3:16
فَقَوله: ﴿الَّذين يَقُولُونَ﴾ يحْتَمل أَن يكون فِي مَوضِع الْخَفْض، وَتَقْدِيره: بالعباد الَّذين يَقُولُونَ، وَيحْتَمل أَن يكون فِي مَوضِع الرّفْع، وَتَقْدِيره: يَقُولُونَ على الِابْتِدَاء، وَيحْتَمل أَن يكون فِي مَوضِع النصب، وَتَقْدِيره: أعنى: الَّذين يَقُولُونَ: ﴿رَبنَا إننا آمنا فَاغْفِر لنا ذنوبنا وقنا عَذَاب النَّار﴾ .
آل عمران 3:17
﴿الصابرين﴾ يحْتَمل أَن يكون فِي مَوضِع الْخَفْض، وَيحْتَمل فِي مَوضِع النصب، يَعْنِي: الصابرين على الشدائد والمصائب، وعَلى الطَّاعَات، وَعَن الْمعاصِي ﴿والصادقين﴾ الَّذين استقامت أَحْوَالهم وأفعالهم ﴿والقانتين﴾ : المقيمين على الطَّاعَة، المداومين عَلَيْهَا ﴿والمنفقين﴾ يَعْنِي: المتصدقين، قيل فِي الْجِهَاد، وَقيل: فِي كل أَبْوَاب الْبر ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هم المصلون بِاللَّيْلِ. وَقَالَ أنس: هم السائلون بالمغفرة. وَقَالَ زيد بن أسلم: المصلون صَلَاة الصُّبْح فِي الْجَمَاعَة، وَإِنَّمَا قَيده ﴿بالأسحار﴾ لقرب صَلَاة الصُّبْح من السحر.
آل عمران 3:18
قَوْله تَعَالَى: ﴿شهد الله﴾ أَي: بَين وَأعلم؛ وكل شَاهد مُبين ومعلم ﴿أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ لنَفسِهِ بالوحدانية؛ وَذَلِكَ أَن وَفد نَجْرَان قد أَنْكَرُوا وحدانيته، وَهَذِه الْآيَة من الْآيَات الَّتِي نزلت فِي شَأْنهمْ، وَالْحجاج عَلَيْهِم ﴿وَالْمَلَائِكَة﴾ أَي: وَشهِدت الْمَلَائِكَة، ﴿وَأولُوا الْعلم﴾ قيل: هم عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل، وَذَلِكَ مثل: عبد الله بن سَلام، وَمن ﴿أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَأولُوا الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم حاجوك فَقل أسلمت وَجْهي لله وَمن اتبعن وَقل للَّذين أُوتُوا الْكتاب والأميين﴾
آمن مَعَه، وَقيل: هم الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار، وَقيل: هم جَمِيع عُلَمَاء الْأمة.
﴿قَائِما﴾ نصب على الْحَال، فَهُوَ الله تَعَالَى قَائِم بتدبير الْخلق ﴿بِالْقِسْطِ﴾ : بِالْعَدْلِ، يُقَال: قسط يقسط إِذا جَار. وأقسط يقسط؛ إِذا عدل، فالقاسط: الجائر، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا﴾ والمقسط: الْعَادِل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ( ﴿إِن الله يحب المقسطين﴾ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم)
آل عمران 3:19
﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ وَيقْرَأ: " أَن الدّين " بِفَتْح الْألف، فَمن قَرَأَ بِكَسْر الْألف؛ فَهُوَ على الِابْتِدَاء وَقَرَأَ الْكسَائي بِالنّصب، وَتَقْدِيره: شهد الله أَن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام؛ فَإِنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْإِسْلَام: هُوَ الأنقياد والإستسلام، وَقد يكون مُجَرّد الاستسلام من غير العقيدة فرقا بَينه وَبَين الْإِيمَان على مَا سَيَأْتِي.
وَالْإِسْلَام الْمَعْرُوف فِي الشَّرْع: هُوَ الْإِتْيَان بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ سَائِر الْأَركان الْخمس، وَفِي الْأَخْبَار: " أَنه يُؤْتى بِالْأَعْمَالِ يَوْم الْقِيَامَة، فَيُؤتى بِالصَّلَاةِ على صُورَة، فَتَقول: يَا رب، إِنِّي الصَّلَاة، فَيَقُول الله تَعَالَى: إِنَّك بِخَير، وَيُؤْتى بِالزَّكَاةِ على صُورَة، فَتَقول: يَا رب، إِنِّي الزَّكَاة، فَيَقُول الله: إِنَّك بِخَير، وَهَكَذَا الصَّوْم وَالْحج، ثمَّ يُؤْتى بِالْإِسْلَامِ على أحسن الصُّور، فَيَقُول يَا رب، إِنِّي الْإِسْلَام، فَيَقُول الله تَعَالَى: إِنَّك إِلَى خير، بك أَخذ الْيَوْم وَبِك أعطي ".
وَحكي عَن غَالب الْقطَّان أَنه قَالَ: أتيت الْكُوفَة للتِّجَارَة فَنزلت قَرِيبا من الْأَعْمَش، فَكنت أختلف إِلَيْهِ وأسمع مِنْهُ الحَدِيث، فقصدت مِنْهُ لَيْلَة أَن أنحدر مِنْهُ إِلَى الْبَصْرَة، فَوَجَدته يتجهد فِي الْمَسْجِد، فَمر بِهَذِهِ الْآيَة ﴿شهد الله انه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة {وألوا الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ ثمَّ قَالَ: وَأشْهد بِمَا شهد الله بِهِ، وأستودع الله هَذِه الشَّهَادَة؛ لتَكون وَدِيعَة لي عِنْده، ثمَّ قَالَ: ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ كَرَّرَه مرَارًا، فَقلت فِي نَفسِي: لقد سمع فِيهِ شَيْئا، فَمَكثَ، وَصليت مَعَه الصُّبْح، ثمَّ قلت لَهُ: مَرَرْت بِهَذِهِ الْآيَة، وَكنت تكررها ﴿فَقَالَ: أما بلغك مَا ورد فِيهَا؟﴾
قلت: أَنا عنْدك مُنْذُ سنتَيْن وَلم تُحَدِّثنِي، وَقد قصدت الإنحدار إِلَى الْبَصْرَة، فَقَالَ: وَالله لَا أحَدثك سنة، فَمَكثت بِالْكُوفَةِ وكتبت على بَابه ذَلِك الْيَوْم، فَلَمَّا تمت السّنة أَتَيْته، فَقلت: يَا أَبَا مُحَمَّد، قد تمت السّنة. فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو وَائِل، عَن عبد الله بن مَسْعُود، عَن النَّبِي - أَنه قَالَ: " يجاء بصاحبها يَوْم الْقِيَامَة، فَيَقُول الله تَعَالَى: إِن لعبدي هَذَا عِنْدِي عهدا (وَأَنا) أَحَق من وفى بالعهد، أدخلُوا عَبدِي الْجنَّة ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أختلف الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم﴾ أَي: حسدا بَينهم. ﴿وَمن يكفر بآيَات الله فَإِن الله سريع الْحساب﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آل عمران 3:20
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن حاجوك﴾ أَي: فَإِن جادلوك ﴿فَقل أسلمت وَجْهي لله وَمن أتبعن﴾ أَي: قصدت بعبادتي الله تَعَالَى ﴿وَقل للَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿والأميين﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين.
﴿أأسلمتم يَعْنِي: أَسْلمُوا، وَقيل: ذكره على التهديد؛ كَمَا يُقَال: أَقبلت هَذَا مني؟ على وَجه التهديد {فَإِن أَسْلمُوا فقد اهتدوا وَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ وَالله بَصِير بالعباد﴾ أَي: عَلَيْك تَبْلِيغ الرسَالَة وَلَيْسَ عَلَيْك الْهِدَايَة (وَالله بَصِير بالعباد) بالضال مِنْهُم والمهتدي.
وتلخيص معنى الْآيَة: أَن الله تَعَالَى يَقُول: " فَإِن جادلوك بِالْبَاطِلِ، فَقل: أسلمت وَجْهي لله، أَي: أخلصت عَمَلي لله، أَو قصدت بعبادتي إِلَى الله الَّذِي لَا تقرون لَهُ بالخلق والتربية؛ فَإِنَّهُم كَانُوا مقرين بِأَن الله خالقهم ومربيهم، فَأَنا أقصد إِلَيْهِ بعبادي وَلَا أتبع هواى كَمَا تتبعون أهواءكم.
ثمَّ قَالَ: ﴿وَقل للَّذين أوتو الْكتاب والأميين أأسلمتم﴾ أَي: أَسْلمُوا. كَمَا قَالَ: ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ أَي: انْتَهوا، وَإِنَّمَا سمى الْمُشْركين أُمِّيين؛ لأَنهم لم يَكُونُوا قراء، وَقيل: نسبهم إِلَى أم الْقرى وَهِي مَكَّة لسكونهم فِيهَا.
آل عمران 3:21
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يكفرون بآيَات الله﴾ أَرَادَ بِهِ الْيَهُود م بني إِسْرَائِيل. ﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر حق﴾ إِنَّمَا قَالَ: بِغَيْر حق تَأْكِيدًا، لِأَن قتل النَّبِيين لَا يَنْقَسِم إِلَى الْحق وَالْبَاطِل.
وروى أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة من قتل نَبيا أَو قَتله نَبِي ". ثمَّ روى فِي هَذَا الْخَبَر أَنه قَالَ: " قتلت بَنو إِسْرَائِيل اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين نَبيا فِي سَاعَة وَاحِدَة، فَقَامَ إِلَيْهِم مائَة وَاثنا عشر رجلا من زهادهم وعبادهم، وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ، فَقَتَلُوهُمْ " فَهَذَا قَوْله تَعَالَى: (وَيقْتلُونَ الَّذين يأمرون بِالْقِسْطِ من النَّاس) أَي: بِالْعَدْلِ ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ وَإِنَّمَا خَاطب أَبْنَاءَهُم بِهِ، مَعَ أَن (الْجِنَايَة) وجدت من آبَائِهِم؛ (لأَنهم) رَضوا بفعلهم، ودانوا بدينهم، فاستوجبوا هَذَا (الْعَذَاب) .
آل عمران 3:22
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين حبطت أَعْمَالهم﴾ أَي: بطلت، والحبوط والبطلان، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَبطلَان الْعَمَل فِي الدُّنْيَا: أَلا يقبل، وَفِي الْآخِرَة: أَنه لَا يجازى عَلَيْهِ بالثواب، ﴿وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ من يمْنَع عَنْهُم الْعَذَاب.
آل عمران 3:23
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب﴾ قيل: ورد هَذَا فِي يهود بني قُرَيْظَة وَالنضير؛ " فَإِن النَّبِي أَتَى بَيت مدارسهم، فَقَالَ لَهُ نعيم بن عَمْرو الْحَارِث بن يزِيد: على أَي مِلَّة أَنْت؟ فَقَالَ: على مِلَّة إِبْرَاهِيم. فَقَالَ نعيم: إِن إِبْرَاهِيم كَانَ يَهُودِيّا. فَقَالَ: بيني وَبَيْنكُم التَّوْرَاة، أخرجُوا التَّوْرَاة. فَأَبَوا أَن يخرجوها "، فَهَذَا هُوَ قَوْله ﴿يدعونَ إِلَى كتاب الله ليحكم بَينهم﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة.
وَفِيه قَول آخر: أَن الْآيَة فِي نَصَارَى وَفد نَجْرَان، وَقَوله ﴿يدعونَ إِلَى كتاب الله﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ليحكم بَينهم.
﴿ثمَّ يتَوَلَّى فريق مِنْهُم وهم معرضون﴾ وَذَلِكَ أَن بَعضهم قد أَسْلمُوا.
آل عمران 3:24
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا معدودات﴾ يرجع هَذَا إِلَى الْيَهُود، وَقد ذَكرْنَاهُ من قبل. ﴿وغرهم فِي دينهم﴾ الْغرُور: هُوَ الإطماع فِيمَا لَا يحصل مِنْهُ شَيْء، والغرور: الشَّيْطَان، وغر الثَّوْب: طيه، فَيُقَال: أعد الثَّوْب إِلَى غره، أَي: إِلَى طيه، والغرور: ركُوب الْخطر. ﴿مَا كَانُوا يفترون﴾ الافتراء: اخْتِلَاق الْكَذِب؛ وَمِنْه الْفِرْيَة: تَسْوِيَة الْكَذِب، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلَا أَنْت تفري مَا خلقت ... وَبَعض الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفرى)
أَي: لَا يكذب وَلَا يسوى.
آل عمران 3:25
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكيف إِذا جمعناهم﴾ أَي: فَكيف حَالهم ﴿إِذا جمعناهم ليَوْم لَا ريب فِيهِ ووفيت كل نفس مَا كسبت﴾ من الْجَزَاء ﴿وهم لَا يظْلمُونَ﴾ .
آل عمران 3:26
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك﴾ فِي سَبَب نزُول الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه لما فتح مَكَّة وعد أَصْحَابه ملك الْفرس: فَسَمعهُ الْيَهُود، وَقَالُوا: هَيْهَات الْفرس وَالروم أعز وَأَمْنَع جانبا مِمَّا تظنون؛ فَنزلت هَذِه الْآيَة.
وَقَالَ الْحسن: إِنَّه سَأَلَ ربه لأَصْحَابه ملك فَارس وَالروم.
فَأَما قَوْله: ﴿قل اللَّهُمَّ﴾ فأصله: يَا الله؛ فَلَمَّا حذف حرف النداء زيدت الْمِيم فِي آخِره، قَالَ الْفراء: للميم فِيهِ معنى، وَمَعْنَاهُ: يَا الله، أعنا بالمغفرة أَي: اقصدنا.
﴿مَالك الْملك﴾ تَقْدِيره يَا مَالك الْملك، وَمَعْنَاهُ: مَالك الْعباد؛ وَمَا ملكوه، وَقيل: أَرَادَ بِالْملكِ: النُّبُوَّة، وَقيل: ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض. ﴿تؤتي الْملك من تشَاء﴾ أَي: من تشَاء أَن تؤتيه من الْمُسلمين. ﴿وتنزع الْملك مِمَّن تشَاء﴾ أَي: مِمَّن تشَاء أَن تنزعه، وهم فَارس وَالروم. ﴿وتعز من تشَاء وتذل من تشَاء﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهمَا: تعز من تشَاء بالنصر، وتذل من تشَاء بالقهر. وَالثَّانِي: تعز من تشَاء بالغنى، وتذل من تشَاء بالفقر.
وَالثَّالِث: تعز من تشَاء بالهداية، وتذل من تشَاء بالضلالة.
﴿بِيَدِك الْخَيْر﴾ أَي بِيَدِك الْخَيْر وَالشَّر، كَمَا قَالَ: ﴿سرابيل تقيكم الْحر﴾ أَي: تقيكم الْحر وَالْبرد، فَاكْتفى بِأحد الْمَذْكُورين عَن الآخر.
﴿إِنَّك على كل شَيْء قدير﴾ ، وَقد ورد فِي فضل هَذِه الْآيَة من الْأَخْبَار: مَا روى عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق، عَن أَبِيه، عَن على، عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " فَاتِحَة الْكتاب، وَآيَة الْكُرْسِيّ، وآيتان من آل عمرَان - شهد الله، وَهَذِه الْآيَة - متشفعات لمن قَرَأَهَا يَوْم الْقِيَامَة، لَيْسَ بَينهمَا وَبَين الله حجاب ". وروى فِي هَذَا الْخَبَر: أَنه قَالَ: " لما أنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَات تعلقن بالعرش، وقلن: يَا رب، تهبطنا إِلَى أَرْضك وعبادك، فَقَالَ الله تَعَالَى: " وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا قرأكن عبد من عبَادي إِلَّا أسكنته جنتي؛ على مَا كَانَ عَلَيْهِ، وقضيت لَهُ كل يَوْم سبعين حَاجَة، أدناها الْمَغْفِرَة ".
آل عمران 3:27
قَوْله تَعَالَى: ﴿تولج اللَّيْل فِي النَّهَار وتولج النَّهَار فِي اللَّيْل﴾ الْإِيلَاج: الإدخال، وَمَعْنَاهُ: تنقص من أَحدهمَا وتزيد فِي الآخر، وَقيل مَعْنَاهُ: تغطي اللَّيْل بِالنَّهَارِ، وَالنَّهَار بِاللَّيْلِ.
﴿وَتخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَتخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ قَالَ الْحسن: مَعْنَاهُ: تخرج الْكَافِر من الْمُؤمن، وَالْمُؤمن من الْكَافِر، وَالْقَوْل الثَّانِي: تخرج النُّطْفَة من الْحَيّ، والحي من النُّطْفَة، وَفِيه قَول غَرِيب: تخرج الفطن الْكيس من البليد الْفَاجِر، والبليد من الفطن؛ لِأَن البليد ميت فهما؛ والفطن حَيّ فهما. وَيقْرَأ ﴿من الْمَيِّت﴾ : مخففا ومشددا، وَفرق نحاة الْكُوفَة بَين الْمَيِّت وَالْمَيِّت، فَقَالُوا: الْمَيِّت - بِالتَّشْدِيدِ -: هُوَ الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت، وَالْمَيِّت مخففا: هُوَ الَّذِي مَاتَ؛ وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّك ميت وَأَنَّهُمْ ميتون﴾ وَأنكر ذَلِك نحاة الْبَصْرَة وَقَالُوا: هما بِمَعْنى وَاحِد.
وَأنْشد الْمبرد لبَعض الشُّعَرَاء:
(لَيْسَ من مَاتَ فاستراح بميت ... إِنَّمَا الْمَيِّت ميت الْأَحْيَاء)
(إِنَّمَا الْمَيِّت من يعِيش كئيبا ... كاسفا باله قَلِيل الرَّجَاء)
فَجمع بَين الْمَيِّت وَالْمَيِّت على معنى وَاحِد.
﴿وترزق من تشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ : من غير تضييق وَلَا تقتير.
آل عمران 3:28
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ﴾ هَذَا فِي قوم مخصوصين، أَسْلمُوا على مُوالَاة الْيَهُود وَالْمُشْرِكين، فنهاهم الله عَن ذَلِك، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله﴾ .
﴿وَمن يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء﴾ أَي: لَيْسَ من حزب الله {إِلَّا أَن وقرىء: تقية، ومعناهما وَاحِد، يَعْنِي: إِلَّا أَن يَقع فِي أَيْديهم، فيخافهم، فيوافقهم بِاللِّسَانِ وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان، فَلَا بَأْس بِهِ، وَلَكِن لَو صَبر حَتَّى قتل، فَلهُ من الْأجر الْعَظِيم، مَا الله بِهِ عليم.
وَقد روى: " أَن مُسَيْلمَة الْكذَّاب - لعنة الله - أَخذ رجلَيْنِ من أَصْحَاب رَسُول الله وَقَالَ لأَحَدهمَا: أَتَشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله؟ قَالَ: نعم، فَقَالَ: أَتَشهد أَنِّي رَسُول الله؟ قَالَ: نعم، تقية مِنْهُ، فخلى سَبيله. ثمَّ قَالَ للْآخر: أَتَشهد أَن مُحَمَّد رَسُول الله فَقَالَ: نعم نعم نعم، قَالَ أَتَشهد أَنِّي رَسُول الله، فَقَالَ: أَنا أَصمّ، فَقتله؛ فَبلغ ذَلِك رَسُول الله، فَذكر دَرَجَة الَّذِي صَبر على الْقَتْل، وَقَالَ: إِن الأول أَخذ بِرُخْصَة الله ".
وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله: أَنه قَالَ: " أفضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر ". وَقَالَ: " إِن فضل الشُّهَدَاء بعد شُهَدَاء أحد: من قَامَ إِلَى سُلْطَان جَائِر وَأمره بِالْمَعْرُوفِ، فَقتله عَلَيْهِ ".
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ أَي: يخوفكم إِيَّاه {وَإِلَى الله لمصير) أَي: الْمرجع.
آل عمران 3:29
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن تخفوا مَا فِي صدوركم أَو تبدوه يُعلمهُ الله﴾ أَي: يجازى عَلَيْهِ ﴿وَيعلم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آل عمران 3:30
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ أَي: محْضر لَهَا مَا عملت من الْخَيْر وَالشَّر، فتسر بِمَا عملت من الْخَيْر.
﴿وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا﴾ أَي: غَايَة مديدة، قَالَ السّديّ: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب. وَفِي الْأَخْبَار: أَن الْأَعْمَال يُؤْتى بهَا يَوْم الْقِيَامَة على صور فَمَا كَانَ مِنْهَا حسنا، فعلى الصُّورَة الْحَسَنَة، وَمَا كَانَ قبيحا، فعلى الصُّورَة القبيحة.
﴿ويحذركم الله نَفسه وَالله رءوف بالعباد﴾ وَمن رأفته أَن حذرهم، ورغبهم ورهبهم، وَوَعدهمْ وأوعدهم.
آل عمران 3:31
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه خطاب للْيَهُود وَالنَّصَارَى من وَفد نَجْرَان، وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه، فَنزل قَوْله: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحبكم﴾ وَالثَّانِي: أَنه خطاب لمشركي قُرَيْش؛ فَإِنَّهُ رَآهُمْ يعْبدُونَ الْأَصْنَام؛ فَقَالَ لَهُم: " خالفتم مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم، فَقَالُوا: إِنَّمَا نعبدهم تقربا إِلَى الله؛ فَإنَّا نحبه؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم وَالله غَفُور رَحِيم) ".
وَاعْلَم أَن محبَّة الله العَبْد، ومحبة العَبْد الله لَا يكون بلذة شَهْوَة، وَلَكِن محبَّة العَبْد فِي حق الله: هُوَ إتْيَان طَاعَته، وابتغاء مرضاته، وَاتِّبَاع أمره، ومحبة الله فِي حق العَبْد: هُوَ الْعَفو عَنهُ، وَالْمَغْفِرَة، وَالثنَاء الْحسن، وأكده
آل عمران 3:32
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أطِيعُوا الله وَالرَّسُول﴾ ؛ بَين أَن محبته فِي طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله.
﴿فَإِن توَلّوا فَإِن الله لَا يحب الْكَافرين﴾ ، فَإِن قَالَ قَائِل: لم كرر اسْم الله مرَارًا، وَكَانَ يَكْفِيهِ: أَن يَقُول فَإِنَّهُ لَا يحب الْكَافرين؟ قيل: هُوَ على عَادَة الْعَرَب؛ فَإِن من عَادَتهم أَنهم إِذا عظموا شَيْئا كرروا ذكره، وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ فِي مثل ذَلِك:
(لَا أرى الْمَوْت سبق الْمَوْت شَيْء ... نغص الْمَوْت زلته الْغَنِيّ وَالْفَقِير)
آل عمران 3:33
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الله أصطفى آدم ونوحا﴾ الاصطفاء: الِاخْتِيَار. والصفوة: الْخيرَة: وَلم اخْتَار آدم؟ اخْتلفُوا؛ فَمنهمْ من قَالَ: اخْتَارَهُ للدّين، وَمِنْهُم من قَالَ: اخْتَارَهُ للنبوة. فَإِن قَالَ قَائِل: إِلَى من كَانَ مَبْعُوثًا؟ قيل: الْمَلَائِكَة؛ حَتَّى علمهمْ الْأَسْمَاء، وَإِلَى أَوْلَاده. قَالَ: وَآل إِبْرَاهِيم: هم إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب.
وَآل عمرَان: مُوسَى وَهَارُون، وَآل عمرَان من آل إِبْرَاهِيم، وَقيل: أَرَادَ بِهِ عِيسَى؛ لِأَنَّهُ ابْن مَرْيَم بنت عمرَان ﴿على الْعَالمين﴾ على عالمي أهل زمانهم.
آل عمران 3:34
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض﴾ قيل: هُوَ مُشْتَقّ من ذَرأ بِمَعْنى: خلق، وَقيل: هُوَ من الذَّر، لِأَنَّهُ خلقهمْ؛ واستخرجهم من صلب آدم كالذر، وَالْأَبْنَاء يسمون ذُرِّيَّة، وَكَذَلِكَ الأباء، قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآيَة لَهُم أَنا حملنَا ذُرِّيتهمْ فِي الْفلك المشحون) يَعْنِي: آبَاءَهُم، وَالْأَبْنَاء: ذُرِّيَّة، لِأَنَّهُ ذرأهم، والآباء ذُرِّيَّة؛ لِأَنَّهُ ذَرأ الْأَبْنَاء مِنْهُم، (بَعْضهَا من بعض) فِي التَّفَاضُل، وَقيل: فِي التناسل. {وَالله سميع﴾ بِمَا قَالُوا ﴿عليم﴾ بِمَا اضمروا.
آل عمران 3:35
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَت امرأت عمرَان﴾ وَهِي: حنة زَوْجَة عمرَان، وَكَانَت أُخْتهَا تَحت زَكَرِيَّا ﴿رب إِنِّي نذرت لَك مَا فِي بَطْني محررا﴾ قَالَ الشّعبِيّ: مَعْنَاهُ مخلصا لعبادة الله تَعَالَى. وَقَالَ مُجَاهِد مَعْنَاهُ: مُسَمّى لخدمة الْبَيْت، مفرغا لَهَا عَن سَائِر الأشغال. ﴿فَتقبل مني إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آل عمران 3:36
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا وَضَعتهَا قَالَت رب إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى﴾ وَذَلِكَ أَن زَوجهَا عمرَان كَانَ قد (عاتبها) . على مَا نذرت، وَقَالَ لَهَا: لَا تدرين أَنه يخلق ولدك ذكرا أَو أُنْثَى، وَقد نذرت مُطلقًا.
﴿وَالله أعلم بِمَا وضعت﴾ هَذَا إِخْبَار من الله تَعَالَى عَن علمه وَيقْرَأ " وَالله أعلم بِمَا وضعت " على الْخَبَر؛ وَذَلِكَ من قَول الْمَرْأَة ﴿وَلَيْسَ الذّكر كالأنثى﴾ فَإِن الذّكر أقوم وَأقوى لخدمة الْبيعَة من الْأُنْثَى، وَقيل: لِأَنَّهُ أبعد عَن الْمَوَانِع من الْعِبَادَة بِخِلَاف الْأُنْثَى، يمْنَعهَا الْحيض وَالنّفاس.
﴿وَإِنِّي سميتها مَرْيَم﴾ ، فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى قَوْلهَا: وَإِنِّي سميتها مَرْيَم؟ قيل: حَتَّى تعرف هَل وَقع ذَلِك الِاسْم بِرِضا الله تَعَالَى حَتَّى يُغير أَو يُقرر.
﴿وأنبتها نباتا حسنا وكلفها زَكَرِيَّا كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا قَالَ﴾
﴿وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ فالشيطان: المطرود، والرجيم: المرجوم بِالشُّهُبِ، وروى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا من ولد يُولد إِلَّا ويطعن الشَّيْطَان فِي خاصرته؛ فَيَسْتَهِل صَارِخًا إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا، فَإِنَّهُ ضربهما فَوَقع الضَّرْب فِي الْحجاب، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ ".
آل عمران 3:37
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتقبلها رَبهَا بِقبُول حسن﴾ أَي: رضى بهَا وَقبلهَا ﴿وأنبتها نباتا حسنا﴾ ، أَي وأنبتها فَنَبَتَتْ نباتا حسنا.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن عَطاء الصُّوفِي: لما أنبتها الله نباتا حسنا، فانظروا إِلَى ثَمَرَته كَيفَ أثمر النَّبَات؟ يَعْنِي: عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ.
﴿وكفلها﴾ - مشدد - ﴿زَكَرِيَّا﴾ بِنصب الْألف، وتقرأ مخففا " وكفلها زَكَرِيَّا " بِضَم الْألف، وَمعنى الْكفَالَة: الضَّم، يَعْنِي: وَضمّهَا زَكَرِيَّاء إِلَى نَفسه، وَمن قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ، مَعْنَاهُ: ضمهَا الله إِلَى زَكَرِيَّا، وَقَالَ النَّبِي: " أَنا وكافل الْيَتِيم كهاتين ".
وَمن الْأَسْبَاب الَّتِي خص بهَا زَكَرِيَّا بكفالة مَرْيَم؛ أَن خَالَتهَا كَانَت تَحْتَهُ، وَهِي أُخْت حنة امْرَأَة عمرَان، ولكفالة زَكَرِيَّا مَرْيَم قصَّة مَعْرُوفَة ستأتي فِي سُورَة مَرْيَم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب﴾ يقْرَأ " زَكَرِيَّا " بِالْمدِّ وَالْقصر، والمحراب: غرفَة يرتقي إِلَيْهَا بالسلم، وَكَانَ زَكَرِيَّا قد اتخذ لِمَرْيَم مثل تِلْكَ الغرفة، وَكَانَ يرقى إِلَيْهَا بالسلم، قَالَ الشَّاعِر فِي مَعْنَاهُ:
(ربة محراب إِذا جِئْتهَا ... لم ألقها أَو أرتقى سلما)
إِي: ربة غرفَة، وَقيل: الْمِحْرَاب: أشرف الْمجَالِس، وَقيل: هُوَ الْمِحْرَاب الْمَعْرُوف.
﴿وجد عِنْدهَا رزقا﴾ والرزق: مَا يُؤْكَل، قَالَ قَتَادَة: فَاكِهَة الشتَاء فِي الصَّيف، وَفَاكِهَة الصَّيف فِي الشتَاء، كَانَ قد رَآهَا عِنْدهَا، قَالَ الْحسن: حِين ولدت مَرْيَم لم تلقم ثديا، وَكَانَ يَأْتِيهَا الله تَعَالَى برزقها.
﴿قَالَ يَا مَرْيَم أَنى لَك هَذَا﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: من أَيْن لَك هَذَا؟ {وَأنْكرت النُّحَاة هَذَا، وَقَالُوا: هَذَا تساهل من أبي عُبَيْدَة، وَبَينهمَا فرق، ف " أَنى " للسؤال عَن الْجِهَة، و " أَيْن " للسؤال عَن الْمَكَان، وَأنْشد الْمبرد لبَعْضهِم.
(أَنى وَمن أَيْن آنك الطَّرب ... )
فرق بَينهمَا، قَوْله: ﴿أَنِّي لَك هَذَا﴾ أَي: من أَي جِهَة لَك هَذَا؟} ﴿قَالَت هُوَ من عِنْد الله إِن الله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ .
آل عمران 3:38
قَوْله تَعَالَى: ﴿هُنَالك دَعَا زَكَرِيَّا ربه﴾ وَذَلِكَ أَن زَكَرِيَّا لما رأى مَرْيَم يَأْتِيهَا رزقها فِي غير حِينه نَحْو فَاكِهَة الصَّيف فِي الشتَاء - طمع أَن يرْزق الْوَلَد فِي غير حِينه - على الْكبر - فَدَعَا الله أَن يرزقه ولدا، وَكَانَ قد بلغ مائَة وَعشْرين سنة، وَبَلغت امْرَأَته ثَمَان وَتِسْعين سنة.
﴿قَالَ رب هَب لي من لَدُنْك﴾ من عنْدك ﴿ذُرِّيَّة طيبَة﴾ أَي: ولدا صَالحا تقيا نقيا، والذرية تشْتَمل على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿طيبَة﴾ بنعت الْمُؤَنَّث على لفظ ﴿فنادته الْمَلَائِكَة وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب أَن الله يبشرك بِيَحْيَى مُصدقا بِكَلِمَة من﴾
الذُّرِّيَّة.
﴿إِنَّك سميع الدُّعَاء﴾
آل عمران 3:39
﴿فنادته الْمَلَائِكَة﴾ ، وَيقْرَأ: " فناداه الْمَلَائِكَة " بِالْألف وَاخْتلفُوا فِي المنادى، مِنْهُم من قَالَ: كَانَ جِبْرِيل. وَمِنْهُم من قَالَ: جمع من الْمَلَائِكَة ﴿وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب أَن الله يبشرك﴾ يقْرَأ " أَن " بِكَسْر الْألف وَفتحهَا، فَمن قَرَأَ بِالْكَسْرِ، فتقديره: فنادته الْمَلَائِكَة وَقَالُوا: إِن الله يبشرك، وَمن قَرَأَ بِالْفَتْح، فَهُوَ على النسق، ﴿يبشرك﴾ يقْرَأ مخففا ومشددا، وهما فِي الْمَعْنى سَوَاء.
والبشارة: خبر سَار يظْهر أَثَره على بشرة الْوَجْه، ﴿يبشرك بِيَحْيَى﴾ سَمَّاهُ يحيى قبل أَن يُولد، ﴿مُصدقا بِكَلِمَة من الله﴾ قيل: مُصدقا بِكِتَاب الله وَكَلَامه. وَقيل: مَعْنَاهُ مُصدقا بِعِيسَى، وَهُوَ كلمة الله فَإِن قَالَ قَائِل: " كلمة الله " لَا يكون مخلوقا، وَقد أَنْكَرْنَا على النَّصَارَى قَوْلهم: " الْمَسِيح ابْن الله "، وَقَوْلهمْ: " إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة "، فَكيف نَعْرِف أَن عِيسَى كلمة الله؟ قيل: فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهمَا: أَنه كلمة الله على معنى: أَنه يكون بِكَلِمَة من الله حَيْثُ قَالَ لَهُ: " كن فَكَانَ "، من غير سَبَب وَلَا عِلّة، وصنع بشر وإلقاء نُطْفَة.
الثَّانِي: أَنه كلمة الله على معنى: أَنه يهتدى بِهِ، كَمَا يهتدى بِكَلَام الله.
وَالثَّالِث: أَن الله تَعَالَى كَانَ قد أخبر سَائِر الْأَنْبِيَاء، وَوَعدهمْ فِي كتبه أَنه يخلق نَبيا بِلَا أَب، ووعد مَرْيَم أَنه يُولد لَهَا ولد بِلَا أَب، فَلَمَّا تكون عِيسَى سَمَّاهُ كلمة؛ لِأَنَّهُ حصل بِتِلْكَ الْكَلِمَة، وَذَلِكَ الْوَعْد، وَهُوَ كَمَا تَقول الْعَرَب: أَنْشدني كلمتك، أَي: قصيدتك، وَقيل لحسان: إِن الحوديرة أنشأ قصيدة، فَقَالَ: لعن الله كَلمته، أَي: قصيدته، فَلَمَّا حصلت القصيدة بكلمته سمى ذَلِك كلمة.
قَوْله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا من الصَّالِحين﴾ أما السَّيِّد: قَالَ سعيد بن جُبَير: السَّيِّد: التقي، وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ الْكَرِيم، وَقيل: هُوَ الْعَلِيم الَّذِي لَا يغضبه شَيْء، وَقيل: هُوَ الَّذِي يفوق قومه فِي جَمِيع خِصَال الْخَيْر.
والحصور: قَالَ سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَالضَّحَّاك وَعَطَاء وَجَمَاعَة: هُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاء، والحصور بِمَعْنى: المحصور، وَكَانَ مَمْنُوعًا من النِّسَاء، وَهُوَ مثل قَول الشَّاعِر
(فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حلوبة ... سُودًا كخافية الْغُرَاب الأسحم)
فالحلوبة بِمَعْنى: المحلوب، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: كَانَ لَهُ مثل هدبة الثَّوْب، وَقد تزوج مَعَ ذَلِك؛ ليَكُون أَغضّ لبصره، وَقَالَ الشّعبِيّ: الحصور الْعنين، وَفِيه قَول آخر: الحصور: هُوَ الْمُمْتَنع من الْوَطْء مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ، وَهَذَا يُوَافق قَول الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة التخلي لعبادة الله.
واختاروا هَذَا القَوْل لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يكون أقرب إِلَى اسْتِحْقَاق الثَّنَاء، لِأَن الْكَلَام خرج مخرج الثَّنَاء.
وَالثَّانِي: أَنه يكون أبعد من إِلْحَاق الآفة بالأنبياء؛ لبعدهم عَن الْآفَات.
آل عمران 3:40
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب أَنى يكون لي غُلَام وَقد بَلغنِي الْكبر وامرأتي عَاقِر﴾ وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿بَلغنِي الْكبر﴾ ؛ لِأَن الْكبر فِي طلب الْإِنْسَان، فَإِذا أَصَابَهُ فقد بلغه.
وَأما العاقر: فَهِيَ الَّتِي عقم رَحمهَا من الْكبر، فَإِن قيل: كَانَ شاكا فِي وعد الله تَعَالَى حِين قَالَ: ﴿رب أَنى يكون لي غُلَام﴾ قيل: إِنَّمَا قَالَه على سَبِيل التَّوَاضُع، يَعْنِي: مثلي على هَذَا الْكبر من مثل هَذِه الْعَجُوز يكون لَهُ الْوَلَد، وَقيل مَعْنَاهُ: كَيفَ يكون لي هَذَا الْغُلَام؟ أتردني لحالة الشَّبَاب، أم يكون الْغُلَام على حَال الْكبر؟ .
﴿قَالَ كَذَلِك يفعل الله مَا يَشَاء﴾ .
آل عمران 3:41
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي اجْعَل لي آيَة﴾ أَي: عَلامَة. قيل: إِنَّمَا سَأَلَ الْعَلامَة؛ لِأَن إِبْلِيس وسوس إِلَيْهِ أَن الَّذِي ناداك هُوَ الشَّيْطَان، دون الْملك وَكَانَ يديم عَلَيْهِ وسوسته، فَسَأَلَ الْعَلامَة؛ دفعا لتِلْك الوسوسة. وَقيل: إِنَّمَا سَأَلَ الْعَلامَة؛ لمعْرِفَة وَقت الْولادَة حَتَّى يزْدَاد لله شكرا.
﴿قَالَ آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام﴾ وَقيل: [إِن الله أمسك] لِسَانه وَحبس عَنهُ الْكَلَام ثَلَاثَة أَيَّام، وَهُوَ سوى صَحِيح؛ وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة مَرْيَم ﴿ثَلَاث لَيَال سويا﴾ .
﴿إِلَّا رمزا﴾ أَي: إِشَارَة، وَالْإِشَارَة تكون بِاللِّسَانِ، وَتَكون بِالْيَدِ، وَتَكون بِالْعينِ وَالْمرَاد هَا هُنَا: الْإِشَارَة بالإصبع المسبحة، قَالَ قَتَادَة: إِنَّمَا أمسك لِسَانه عَن الْكَلَام عُقُوبَة لَهُ على مَا سَأَلَ من الْآيَة بَعْدَمَا أوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ، وشافهته الْمَلَائِكَة بالبشارة.
﴿وَاذْكُر رَبك كثيرا﴾ قيل: إِنَّمَا أمسك لِسَانه عَن الْكَلَام مَعَ النَّاس، وَلم يمسِكهُ عَن ذكر الله تَعَالَى، فَأمره بِالذكر.
﴿وَسبح بالعشى وَالْإِبْكَار﴾ المُرَاد بالتسبيح: الصَّلَاة، وَأما العشى: مَا بَين زَوَال الشَّمْس إِلَى غرُوب الشَّمْس، وَمِنْه صَلَاة الظّهْر وَالْعصر صَلَاتي العشى، وَأما الإبكار: مَا بَين طُلُوع الْفجْر إِلَى الضُّحَى الْأَعْلَى.
آل عمران 3:42
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم﴾ أَي: وَاذْكُر إِذْ قَالَت الْمَلَائِكَة: ﴿يَا مَرْيَم إِن الله اصطفاك﴾ اختارك وطهرك من الْحيض وَالنّفاس، وَقيل: من الذُّنُوب. ﴿وطهرك واصطفاك على نسَاء الْعَالمين﴾ مِنْهُم من قَالَ: على نسَاء عالمي زمانها، وَمِنْهُم من قَالَ: على (جَمِيع نسَاء) الْعَالمين؛ فِي أَنَّهَا ولدت بِلَا أَب، وَلم يكن ذَلِك لأحد من نسَاء الْعَالم.
آل عمران 3:43
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا مَرْيَم اقتني لِرَبِّك﴾ أَي: أطيعي رَبك، وقومي لطاعته. والقنوت: طول الْقيام، قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ أطيلي الْقيام لِرَبِّك، وَقيل: إِنَّهَا قَامَت حَتَّى انتفخت قدماها وتورمت. وسمى الْقُنُوت فِي الصَّلَاة؛ لِأَنَّهُ فِي حَال الْقيام، وَعَن النَّبِي " أَنه سُئِلَ عَن أفضل الصَّلَاة، فَقَالَ: طول الْقُنُوت " أَي: طول الْقيام.
﴿واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ قيل: إِنَّمَا قدم السُّجُود على الرُّكُوع؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِك فِي شريعتهم، وَقيل لَا، بل الرُّكُوع قبل السُّجُود فِي جَمِيع الشَّرَائِع، وَلَيْسَت الْوَاو للتَّرْتِيب، بل للْجمع، وَيجوز أَن يَقُول الرجل: رَأَيْت زيدا وعمرا، وَإِن كَانَ قد رأى عمرا قبل زيد، وَيجوز أَن نقُول: رَأَيْت عمرا وزيدا أَي زيدا وعمرا، قَالَ الشَّاعِر:
(أَلا يَا نَخْلَة من ذَات عرق ... عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَالسَّلَام)
أَي: عَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله، فَكَذَلِك قَوْله: ﴿واسجدي واركعي﴾ أَي: واركعي واسجدي، وَإِنَّمَا قَالَ: مَعَ الراكعين، وَلم يقل مَعَ الراكعات؛ ليَكُون أَعم وأشمل، وَقيل مَعْنَاهُ: مَعَ الْمُصَلِّين فِي الْجَمَاعَة.
آل عمران 3:44
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ذَلِك من أنباء الْغَيْب نوحيه إِلَيْك﴾ يَقُول لمُحَمد: ذَلِك من أَخْبَار الْغَيْب نوحيه إِلَيْك ﴿وَمَا كنت لديهم إِذْ يلقون أقلامهم أَيهمْ يكفل مَرْيَم وَمَا كنت لديهم إِذْ يختصمون﴾ فالأقلام: السِّهَام، وَإِنَّمَا سمى قَلما؛ لِأَنَّهُ يقطع ويبرى. وأصل الْقَلَم: الْقطع، وَمِنْه قلم الظفر.
والقصة فِي ذَلِك: أَنهم تشاحنوا واختصموا فِي كَفَالَة مَرْيَم، فَقَالَ زَكَرِيَّا: أَنا أولى بكفالتها مِنْكُم، لِأَن خَالَتهَا عِنْدِي، وَقَالَ أَحْبَارهم - وَقيل أولياؤهم -: نَحن أولى بكفالتها؛ لِأَن أَبَاهَا كَانَ إمامنا وحبرنا، فاقترعوا واستهموا، على أَن من يثبت قلمه فِي المَاء وَصعد، فَهُوَ أولى بكفالتها، فَألْقوا الأقلام على المَاء وعَلى كل قلم اسْم وَاحِد مِنْهُم، فانحدرت أقلامهم تجْرِي فِي المَاء، وَجرى قلم زَكَرِيَّا مصعدا إِلَى أَعلَى المَاء، قيل: غرقت أقلامهم، وارتد قلم زَكَرِيَّا، وَبَقِي فَوق المَاء، وَقيل إِنَّمَا اخْتَصَمُوا فِي كفالتها؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد أَصَابَهُم قحط وأزمة، وَكَانَت تضيق بهم النَّفَقَة؛ فاستهموا على كفالتها تدافعا حَتَّى أَن من خرج سَهْمه هُوَ الَّذِي يعولها، وَينْفق عَلَيْهَا، وَالْأول أصح وَأشهر.
آل عمران 3:45
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِن الله يبشرك بِكَلِمَة مِنْهُ﴾ قيل: أَن الْمَلَائِكَة قَالُوا لَهَا ذَلِك مشافهة وعيانا.
﴿أُسَمِّهِ الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: إِنَّمَا سمي مسيحا؛ لِأَنَّهُ مَا مسح ذَا عاهة إِلَّا برِئ، وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: سمي مسيحا؛ لِأَنَّهُ مسح بِالْبركَةِ، وَقيل: الْمَسِيح: الصّديق، وَيكون الْمَسِيح بِمَعْنى: الْكذَّاب، وَهُوَ من الأضداد، وَقيل: سمى مسيحا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يمسح وَجه الأَرْض، ويسيح فِيهَا، وَقيل: إِنَّمَا سمى مسيحا؛ لِأَنَّهُ مَمْسُوح الْقدَم لأخمص قَدَمَيْهِ، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(بَات يقاسيها غُلَام كالزلم ... خديج السَّاقَيْن مَمْسُوح الْقدَم)
وَمن ذَلِك سمى الدَّجَّال مسيحا؛ لِأَنَّهُ مسح أحد شقى وَجهه، لَا عين لَهُ.
﴿وجيها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ أَي: رفيعا ذَا جاه عِنْد الله ( ﴿وَمن المقربين﴾
آل عمران 3:46
ويكلم النَّاس فِي المهد وكهلا وَمن الصَّالِحين) أما كَلَامه فِي المهد هُوَ قَوْله فِي سُورَة مَرْيَم ﴿إِنِّي عبد الله﴾ وَأنكر النَّصَارَى كَلَامه فِي المهد سَيَأْتِي بَيَانه، وَأما كَلَامه وَهُوَ كهل، قيل: هُوَ إخْبَاره عَن الْأَشْيَاء المعجزة، وَقيل: هُوَ كَلَامه بعد نُزُوله من السَّمَاء.
والكهل: قيل: هُوَ مَا فَوق الْغُلَام، وَدون الشَّيْخ، وَهُوَ ابْن أَربع وَثَلَاثِينَ سنة، وَأَصله: الطول، وَمِنْه: اكتهل النَّبَات إِذا طَال.
آل عمران 3:47
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت رب أَنى يكون لي ولد وَلم يمسسني بشر﴾ قَالَت ذَلِك تَعَجبا؛ إِذْ لم تكن جرت الْعَادة بِأَن يُولد ولد بِلَا أَب ﴿قَالَ كَذَلِك الله يخلق مَا يَشَاء إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ: كن، فَيكون﴾ أَي: لَا يعسر عَلَيْهِ شَيْء، يفعل مَا يَشَاء، وَيحكم مَا يُرِيد.
آل عمران 3:48
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويعلمه الْكتاب﴾ يقْرَأ: بِالْيَاءِ وَالنُّون، وَالْكتاب: الْخط ﴿وَالْحكمَة﴾ : الْعلم وَالْفِقْه، ﴿والتوراة وَالْإِنْجِيل﴾ علمه الله التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل،
آل عمران 3:49
﴿ورسولا إِلَى بني إِسْرَائِيل﴾ . مِنْهُم من قَالَ: كَانَ رَسُولا فِي حَالَة الصِّبَا، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا كَانَ رَسُولا بعد الْبلُوغ.
﴿أَنِّي قد جِئتُكُمْ بِآيَة من ربكُم﴾ مَعْنَاهُ: بآيَات من ربكُم، وَإِنَّمَا اكْتفى بِذكر الْآيَة؛ لِأَن الْكل دَال على شَيْء وَاحِد.
﴿أَنِّي أخلق لكم من الطين﴾ أَي: أقدر وأصور ﴿كَهَيئَةِ الطير فأنفخ فِيهِ فَيكون طيرا بِإِذن الله﴾ قيل: إِن عِيسَى قَالَ لَهُم: أَي شَيْء أَشد خلقا؟ قَالُوا: الخفاش، فَقدر من الطين خفاشا وصوره، وَنفخ فِيهِ؛ فَقَامَ يطير بِإِذن الله.
( ﴿من ربكُم أَنِّي أخلق لكم من الطين كَهَيئَةِ الطير فأنفخ فِيهِ فَيكون طيرا بِإِذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الْمَوْتَى بِإِذن الله وأنبئكم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تدخرون فِي بُيُوتكُمْ﴾ وأبرىء الأكمه) قَالَ أَبُو عبيد: الأكمه الَّذِي ولد أعمى، وَقيل: هُوَ الْأَعْمَش الَّذِي يبصر بِالنَّهَارِ وَلَا يبصر بِاللَّيْلِ ﴿والأبرص﴾ : الَّذِي بِهِ وضح ﴿وأحيى الْمَوْتَى بِإِذن الله﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: قد أَحْيَا أَرْبَعَة: عازر وَابْن الْعَجُوز وَبنت الْعَاشِر وسام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام.
فَأَما عازر: فَكَانَ صديقا لعيسى، فَأخْبر بِمَوْتِهِ، فَدَعَا الله تَعَالَى فأحياه [الله] ، وَأما ابْن الْعَجُوز: كَانَ على السرير يحمل إِلَى الْمقْبرَة، فَرَآهُ عِيسَى، فَأمر بِوَضْع السرير، ودعا فأحياه، فَأخذ كفانه، ولبسها وَرجع إِلَى الْبَيْت، وَأما بنت الْعَاشِر: فقد كَانَ رجل يَأْخُذ العشور، مَاتَت لَهُ ابْنة فَدَعَا الله فأحياها، وَأما سَام بن نوح فَإِن عِيسَى جَاءَ إِلَى قَبره ودعا (الله فأحياه) ، فَقَامَ إِلَيْهِ وَقَالَ: أَقَامَت الْقِيَامَة؟ ! وَقد شَاب نصف رَأسه خوفًا من قيام السَّاعَة.
فَقَالَ: لَا، أَنا عِيسَى بن مَرْيَم؛ فَكَلمهُ؛ وَمَات من سَاعَته، وَأما الثَّلَاثَة الَّذين أحياهم عاشوا، وَولد لَهُم.
﴿وأنبئكم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تدخرون فِي بُيُوتكُمْ﴾ كَانَ عِيسَى يخبر الرجل بِمَا أكل فِي بَيته البارحة، وَمَا يَأْكُل الْيَوْم، وَمَا أدخره للعشاء، وَقيل أَنه كَانَ فِي الْمكتب يخبر الصَّبِي بِمَا أكل، وَمَا خبأت لَهُ أمه من الطَّعَام، حَتَّى كَانَ الصَّبِي يَأْتِي إِلَى أمه، فيبكي حَتَّى تعطيه الطَّعَام، فيحمله إِلَى عِيسَى، فحبسوا الصّبيان عَن الْمكتب، فجَاء عِيسَى فِي طَلَبهمْ، وَكَانُوا فِي دَار، فَقَالَ: من هَؤُلَاءِ الَّذين فِي الدَّار؟ فَقيل: خنازير، فَقَالَ عِيسَى: يكونُونَ كَذَلِك؛ فصاروا خنازير بِأَمْر الله - تَعَالَى - {إِن فِي ذَلِك لآيَة لكم إِن كُنْتُم مُؤمنين) .
آل عمران 3:50
قَوْله تَعَالَى: ﴿ومصدقا لما بَين يَدي من التَّوْرَاة﴾ يَعْنِي: وأكون مُصدقا، ﴿ولأحل لكم بعض الَّذِي حرم عَلَيْكُم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَرَادَ بِالْبَعْضِ: الْكل، يَعْنِي: كل الَّذِي حرم عَلَيْكُم، وَمثله قَول الشَّاعِر:
(أَو يرتبط بعض النُّفُوس حمامها ... )
أَي: كل النُّفُوس، وَقيل: هُوَ على حَقِيقَته، وَقد كَانَ أحل لَهُم بعض مَا حرم عَلَيْهِم فِي التَّوْرَاة من لُحُوم الْإِبِل وثروبها.
﴿وجئتكم بِآيَة من ربكُم﴾ يَعْنِي: بآيَات كَمَا بَينا، {فَاتَّقُوا الله وأطيعون
آل عمران 3:51
إِن الله رَبِّي وربكم فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم) أَي: طَرِيق وَاضح.
آل عمران 3:52
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أحس عِيسَى مِنْهُم الْكفْر﴾ أَي: أبْصر وَوجد مِنْهُم الْكفْر؛ قَالَ: ﴿قَالَ من أنصارى إِلَى الله﴾ قيل مَعْنَاهُ: من أنصارى مَعَ الله، وَقَالَ النحويون: " إِلَى " فِي موضعهَا، وَلَيْسَت بِمَعْنى " مَعَ "، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: من يضم نصرته إِلَى نصْرَة الله لي ﴿قَالَ الحواريون نَحن أنصار الله﴾ قَالَ ابْن أبي نجيح: الحواريون: كَانُوا قوما قصارين، سموا بذلك لأَنهم كَانُوا يقصرون الثِّيَاب.
وَقيل: كَانُوا صيادين يصطادون السّمك. وَالصَّحِيح أَن الحوارى: صفوة كل شَيْء وخالصته وَمِنْه قَوْله فِي الزبير: " هُوَ ابْن عَمَّتي وَحَوَارِيي من أمتِي "، أَي: صفوتي وخالصتي.
وأصل الحوارى: النَّقَاء والنظافة؛ فسموا حواريين؛ لنقاء قُلُوبهم، وَمِنْه يُقَال لِنسَاء الْأَمْصَار: حواريات. قَالَ الشَّاعِر:
(فَقل للحواريات يبْكين غَيرنَا ... وَلَا تبكينا إِلَّا الْكلاب النوابح)
وَمِنْه الْخبز الحوارى؛ لنقاوته وبياضه.
وَأما قَوْله: ﴿نَحن أنصار الله﴾ لأَنهم إِذا نصروا عِيسَى، فكأنهم نصروا الله ﴿آمنا بِاللَّه واشهد بِأَنا مُسلمُونَ﴾ .
آل عمران 3:53
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ قيل: مَعَ الشَّاهِدين من أمة مُحَمَّد؛ لأَنهم يشْهدُونَ للرسل بالبلاغ، وَقيل: من الشَّاهِدين على نبوة عِيسَى.
آل عمران 3:54
قَوْله تَعَالَى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ الْمَكْر من العَبْد: الْخبث وَالْخداع، وَمن الله تَعَالَى: أَن يَأْخُذ العَبْد بَغْتَة من حَيْثُ لَا يعلم، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ مكرا - على الْمُقَابلَة - لِأَنَّهُ جَزَاء مَكْرهمْ: كَمَا قَالَ: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَالْمرَاد بمكرهم هَا هُنَا: أَنهم احْتَالُوا لقتل عِيسَى، فَقَالَ رجل: أَلا أدلكم على الْبَيْت الَّذِي فِيهِ عِيسَى، فَجَاءُوا مَعَه الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ عِيسَى، فرفعه الله إِلَى السَّمَاء، وَألقى شبه عِيسَى على من دلهم عَلَيْهِ، فَأَخَذُوهُ، وَهُوَ يَصِيح: لست بِعِيسَى، فَقَتَلُوهُ، وَقيل: إِن الدَّال كَانَ وَاحِد من الحواريين؛ فَذَلِك مكر الله ﴿وَالله خير الماكرين﴾ .
آل عمران 3:55
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك﴾ أَي: وَاذْكُر قَول الله لعيسى: إِنِّي متوفيك ﴿ورافعك إِلَيّ﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى التوفي، وَعِيسَى فِي الْأَحْيَاء ﴿كفرُوا وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ إِلَيّ مرجعكم فأحكم﴾
على زعمكم؟ قُلْنَا: فِيهِ أَقْوَال، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَعْنَاهُ: إِنِّي قابضك من الأَرْض، وَهُوَ صَحِيح عِنْد أهل اللُّغَة، فَيُقَال: توفيت حَقي من فلَان. أَي: قبضت.
قَالَ الازهري: كَأَنَّهُ يَقُول: إِنِّي متوفى عدد آبَائِك فِي الأَرْض، وكل شَيْء تمّ فَهُوَ متوفى، ومستوفى، وَقَالَ الْفراء: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: إِنِّي رافعك إِلَى ومتوفيك " أَي: بعد النُّزُول من السَّمَاء.
وَقد ثَبت عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " ليهبطن عِيسَى بن مَرْيَم حكما مقسطا يكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير "، وَفِي رِوَايَة: " أَنه يقتل الدَّجَّال بِبَاب لد " من دمشق، وَفِي الْأَخْبَار: أَنه يعِيش بعد ذَلِك فِي الأَرْض سبع سِنِين، ويتزوج، ويولد لَهُ. ثمَّ يَمُوت، ويصلوا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ من هَذِه الْأمة.
وَهَذَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير الَّذِي ذكرنَا فِي الْآيَة محكى عَن ابْن عَبَّاس وَله قَول آخر: أَن الْآيَة على حَقِيقَة الْمَوْت، وَأَن عِيسَى قد مَاتَ، ثمَّ أَحْيَاهُ الله تَعَالَى وَرَفعه إِلَى السَّمَاء.
قَالَ وهب بن مُنَبّه: أَمَاتَهُ الله ثَلَاث سَاعَات من النَّهَار، ثمَّ أَحْيَاهُ الله، وَرَفعه إِلَيْهِ، وَقَالَ الرّبيع ابْن أنس: التوفي: هُوَ النّوم، وَكَانَ عِيسَى قد نَام، فرفعه الله نَائِما إِلَى السَّمَاء، وَالْمَعْرُوف: الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ.
وَقد روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " رَأَيْت ابْني الْخَالَة: عِيسَى، وَيحيى فِي السَّمَاء الثَّانِيَة لَيْلَة الْمِعْرَاج "، وروى أَيْضا: " أَنه رآهما فِي السَّمَاء الدُّنْيَا " وَالْأول أصح، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " رَأَيْت الْمَسِيح بن مَرْيَم يطوف بِالْبَيْتِ " فَدلَّ على أَن الصَّحِيح أَنه فِي الْأَحْيَاء، وَفِي أَخْبَار الْمِعْرَاج: " أَن النَّبِي لقى آدم فِي السَّمَاء الأولى وَعِيسَى فِي السَّمَاء الثَّانِيَة ويوسف فِي السَّمَاء الثَّالِثَة، وَإِدْرِيس فِي السَّمَاء الرَّابِعَة وَهَارُون فِي السَّمَاء الْخَامِسَة ومُوسَى فِي السَّمَاء السَّادِسَة، - وَفِي رِوَايَة السَّمَاء السَّابِعَة - وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاء السَّابِعَة ".
قَوْله: ﴿ومطهرك من الَّذين كفرُوا﴾ أَي: مخرجك من أرجاسهم وأنجاسهم، ﴿وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ .
وَقيل: أَرَادَ بِهِ النَّصَارَى، وهم فَوق الْيَهُود إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَالْيَهُود أذلّ الْفَرِيقَيْنِ؛ قد ذهب ملكهم، فَلَا يعود أبدا، وَملك النَّصَارَى دَائِم إِلَى قريب من قيام السَّاعَة، وَقيل: أَرَادَ بالذين اتَّبعُوهُ: أمة مُحَمَّد؛ حَيْثُ صدقوه ووافقوه على دين التَّوْحِيد، فهم فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم فَوْقهم بِالْحجَّةِ.
وَالثَّانِي: بالعز وَالْغَلَبَة، وَقد قَالَ: " أَنا أولى بِعِيسَى بن مَرْيَم، لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي ".
﴿ثمَّ إِلَى مرجعكم فأحكم بَيْنكُم فِيمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون﴾ .
آل عمران 3:56
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين كفرُوا فأعذبهم عذَابا شَدِيدا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ وَالْعَذَاب فِي الدُّنْيَا: الْقَتْل والأسر والجزية، وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة: عَذَاب النَّار.
قَوْله تَعَالَى: {وَمَا لَهُم من ناصرين
آل عمران 3:57
وَأما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم) أَي: جَزَاء أَعْمَالهم ﴿وَالله لَا يحب الظَّالِمين﴾ أَي: لَا يرحم الْكَافرين، وَلَا يثني عَلَيْهِم بالجميل.
آل عمران 3:58
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك نتلوه عَلَيْك من الْآيَات﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿وَالذكر الْحَكِيم﴾ أَي: الذّكر ذِي الْحِكْمَة، وَقيل: الذّكر الْمُحكم الَّذِي لَا يتخلله الْفساد.
آل عمران 3:59
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم﴾ ؛ سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى: أَن وَفد نَجْرَان لما قدمُوا على النَّبِي قَالَ لَهُم: " أَسْلمُوا، فَقَالُوا: نَحن مُسلمُونَ، قَالَ: كَذبْتُمْ؛ يمنعكم من ذَلِك ثَلَاث: قَوْلكُم إِن الله اتخذ ولدا، وسجودكم للصليب، وأكلكم الْخِنْزِير، فَقَالُوا: من أَبُو عِيسَى؟ فَنزلت هَذِه الْآيَة "، وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَيْهِم، ورد لقَولهم، فَقَوله: ﴿إِن مثل عِيسَى﴾ أَي: صفة عِيسَى ﴿عِنْد الله كَمثل آدم خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾ ، يَعْنِي: إِن خلق عِيسَى بِلَا أَب مثل خلق آدم بِلَا أَب، وَلَا أم، وَخلق عِيسَى بِلَا أَب لَيْسَ بأبدع من خلق آدم بِلَا أَب وَلَا أم.
فَأَما قَوْله: ﴿ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾ رَاجع إِلَى آدم، فَإِن قَالَ قَائِل: لما ذكر أَنه خلقه من تُرَاب، فَمَا معنى قَوْله بعده ﴿ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾ بعد الْخلق؟ قيل: مَعْنَاهُ: خلقه من تُرَاب، ثمَّ أخْبركُم أَنِّي قلت لَهُ: كن، فَكَانَ من غير تَرْتِيب فِي الْخلق: كَمَا يكون فِي أَوْلَاده، وَهُوَ مثل قَول الرجل: أَعطيتك الْيَوْم درهما، ثمَّ أَعطيتك أمس درهما، أَي: ثمَّ أخْبرك أَنِّي أَعطيتك أمس درهما.
آل عمران 3:60
قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحق من رَبك فَلَا تكن من الممترين﴾ ، فَإِن قيل: أَكَانَ شاكا فِي الْحق حَتَّى نَهَاهُ عَن الشَّك؟ قيل: الْخطاب مَعَ النَّبِي، وَالْمرَاد بِهِ: الْأمة، وَقيل مَعْنَاهُ: قل للشاك فِيهِ: الْحق من رَبك فَلَا تكن من الشاكين.
وَاعْلَم أَن فِيمَا سبق من التَّمْثِيل على جَوَاز الْقيَاس دَلِيل، على أَن الْقيَاس هُوَ رد فرع إِلَى أصل بِنَوْع شبه، وَقد رد الله تَعَالَى عِيسَى إِلَى آدم بِنَوْع؛ فَدلَّ على جَوَاز الْقيَاس. والمثل: هُوَ ذكر سَائِر يسْتَدلّ بِهِ على غَيره فِي مَعْنَاهُ.
آل عمران 3:61
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن حاجك فِيهِ﴾ أَي: جادلك فِي الْحق ﴿من بعد مَا جَاءَك من الْعلم فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَافرين﴾ .
هَذَا فِي دُعَاء النَّبِي بني نَجْرَان إِلَى المباهلة، روى سعد بن أبي وَقاص: " أَن النَّبِي أَخذ بيد الْحسن وَالْحُسَيْن وَفَاطِمَة وعَلى، ثمَّ دعاهم إِلَى المباهلة ".
فَقَوله: ﴿نَدع أبناءنا﴾ أَرَادَ بِهِ: الْحسن وَالْحُسَيْن، وَقَوله: ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ يَعْنِي: فَاطِمَة، وأنفسنا يَعْنِي: نَفسه وعَلى، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿وأنفسنا﴾ وَعلي - رَضِي الله عَنهُ - غَيره؟ قيل: الْعَرَب تسمى ابْن عَم الرجل نَفسه، وَعلي كَانَ ابْن عَمه، وَقيل: ذكره على الْعُمُوم لجَماعَة أهل الدّين. والإبتهال: الإلتعان، وَمِنْه البهلة: وَهِي اللَّعْنَة، يُقَال:
عَلَيْك بهلة الله، أَي: لعنة الله، والابتهال: الِاجْتِهَاد فِي دُعَاء اللَّعْنَة.
واللعنة: الإبعاد والطرد عَن الرَّحْمَة بطرِيق الْعقُوبَة، قَالَ لبيد:
(وكهول سادة من عَامر ... نظر الدَّهْر إِلَيْهِم فابتهل)
أَي: نظر الدَّهْر إِلَيْهِم بِالْهَلَاكِ فأفناهم بِاجْتِهَاد فِيهِ.
وَفِي الْقِصَّة وكهول " أَن النَّبِي لما دعاهم إِلَى الإبتهال، وَجعل اللَّعْنَة على الْكَاذِب من الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ الأسقف لَهُم: لَا تباهلوا؛ فَإِنَّكُم لَو ابتهلتهم؛ لاضطرم عَلَيْكُم الْوَادي نَارا، فَقَالُوا للنَّبِي: وَهل غير المباهلة؟ قَالَ الْإِسْلَام أَو الْحَرْب أَو الْجِزْيَة، فقبلوا الْجِزْيَة، وَانْصَرفُوا "، وَقَالَ النَّبِي: " لَو تلاعنوا لصاروا قردة وَخَنَازِير " وَفِي رِوَايَة " لَو تلاعنوا لم يبْق فِي الدُّنْيَا نَصْرَانِيّ وَلَا نَصْرَانِيَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".
آل عمران 3:62
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا لَهو الْقَصَص الْحق﴾ أَي: النبأ الْحق ﴿وَمَا من إِلَه إِلَّا الله﴾ " من " صلَة، وَتَقْدِيره: وَمَا إِلَه إِلَّا الله ﴿وَإِن الله لَهو الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ .
آل عمران 3:63
﴿فَإِن توَلّوا﴾ أَي: أَعرضُوا ﴿فَإِن الله عليم بالمفسدين﴾ أَي: بِمن يفْسد مِنْهُم.
آل عمران 3:64
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أهل الْكتاب﴾ الْخطاب مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿تَعَالَوْا إِلَى كلمة﴾ الْعَرَب تسمى كل قصَّة لَهَا شرح: كلمة، وَمِنْه سميت القصيد: كلمة.
﴿سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ أَي: عدل، وَمِنْه قَول زُهَيْر بن أبي سلمى: (أروني خطة لَا ضيم فِيهَا ... يسوى بَيْننَا فِيهَا السوَاء)
(فَإِن ترك السوَاء فَلَيْسَ بيني ... وَبَيْنكُم بني عَمْرو لِقَاء)
وَأَرَادَ بالسواء: الْعدْل.
﴿أَلا نعْبد إِلَّا الله﴾ سَبَب هَذَا: أَن الْيَهُود قَالُوا: لَا يُرِيد مُحَمَّد منا إِلَّا أَن نعبده، وَكَذَلِكَ قَالَت النَّصَارَى؛ فَنزلت الْآيَة ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ ، مَعْنَاهُ: تَعَالَوْا إِلَى أَمر نستوي فِيهِ: وَهُوَ أَن لَا نعْبد إِلَّا الله، ولنتفق جَمِيعًا على عِبَادَته ﴿وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا﴾ .
﴿وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله﴾ قَالَ عِكْرِمَة: أَي: لَا يسْجد بَعْضنَا لبَعض؛ فَإِن من سجد لغيره فقد اتَّخذهُ رَبًّا.
وَقيل: هُوَ طَاعَة الْخلق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق ﴿فَإِن توَلّوا﴾ أَي: فَإِن أَعرضُوا ﴿فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾ أَي: بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَهَذَا الْأَمر.
آل عمران 3:65
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أهل الْكتاب لم تحاجون فِي إِبْرَاهِيم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى اخْتَصَمُوا [إِلَى] النَّبِي فِي إِبْرَاهِيم، فَقَالَت الْيَهُود: هُوَ منا، وَقَالَت النَّصَارَى: لَا، بل منا؛ فَنزل قَوْله: ﴿لم تحاجون﴾ لم تجادلون ﴿فِي إِبْرَاهِيم وَمَا أنزلت التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إِلَّا من بعده أَفلا تعقلون﴾ ، مَعْنَاهُ أَن الْيَهُودِيَّة محرفة من التَّوْرَاة، والنصرانية محرفة من الْإِنْجِيل، والتوراة وَالْإِنْجِيل أَنْزَلَتَا بعد إِبْرَاهِيم.
فَكيف تدعون أَنه على الْيَهُودِيَّة أَو على النَّصْرَانِيَّة؟ وَأما التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فقد ذكرنَا اشتقاقها، وَقيل لَيْسَ لَهما اشتقاق، وهما اسمان بالسُّرْيَانيَّة.
آل عمران 3:66
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ﴾ " هَا " للتّنْبِيه، وَمَعْنَاهُ: يَا هَؤُلَاءِ، أَنْتُم ﴿حاججتم﴾ جادلتم ﴿فِيمَا لكم بِهِ علم فَلم تحاجون فِيمَا لَيْسَ لكم بِهِ علم﴾ أَي: جادلتم فِي أَمر مُوسَى وَعِيسَى، وادعيتم أَنا على دين مُوسَى وَعِيسَى، وَقد أنزلت أمره عَلَيْكُم، فَلم تجادلون فِي أَمر إِبْرَاهِيم، وَلم أنزلهُ عَلَيْكُم، وَلَا علم لكم بِهِ؟ ! ﴿وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ .
آل عمران 3:67
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا﴾ أخبر الله تَعَالَى أَنه لَيْسَ على مَا ادعوا من الْيَهُودِيَّة و [لَا] النَّصْرَانِيَّة، ﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما﴾ .
والحنيف: هُوَ المائل إِلَى الدّين، والمستقيم عَلَيْهِ، وَمِنْه: الْأَحْنَف: وَهُوَ المائل الْقدَم، وَقَالَ مُجَاهِد: الحنيف: المتبع، وَقَالَ الضَّحَّاك: الحنيف: الْحَاج. فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ ﴿حَنِيفا مُسلما﴾ وَالْمُسلم: هُوَ الَّذِي يكون على جَمِيع مَا أَتَى بِهِ مُحَمَّد رَسُول الله، وَإِبْرَاهِيم لم يكن على جملَة شَرِيعَته؟
قيل: قد كَانَ على بعض شَرِيعَته؛ فَيكون بذلك مُسلما؛ كمن مَاتَ من هَذِه الْأمة فِي بَدْء الْأَمر، كَانَ مُسلما بِبَعْض شَرِيعَته؛ فَإِنَّهَا إِنَّمَا تمت، واستقرت فِي آخر الْأَمر، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: ﴿مُسلما﴾ بِمَعْنى: الانقياد من قَوْله: ﴿أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين﴾ ؛ فَلذَلِك قَالَ: ﴿حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ .
آل عمران 3:68
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ﴾ : من اتبعهُ فِي زَمَانه. ﴿وَهَذَا النَّبِي﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا (وَالَّذين آمنُوا) يَعْنِي: من هَذِه الْأمة ﴿وَالله ولي الْمُؤمنِينَ﴾ .
آل عمران 3:69
قَوْله تَعَالَى: ﴿ودت طَائِفَة من أهل الْكتاب﴾ أَي: تمنت طَائِفَة من أهل الْكتاب. ﴿لَو يضلونكم﴾ لَو يردونكم إِلَى الضَّلَالَة، وَمَا هم عَلَيْهِ من الْيَهُودِيَّة والنصرانية ﴿وَمَا يضلون إِلَّا أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ .
آل عمران 3:70
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أهل الْكتاب لم تكفرون بآيَات الله وَأَنْتُم تَشْهَدُون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَعْنَاهُ: لم تكفرون بنعت مُحَمَّد وَصفته، وَأَنْتُم تشاهدونه فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل؟ {.
وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: لم تكفرون بِمَا ياتي [بِهِ] مُحَمَّد من الدلالات والمعجزات، وَأَنْتُم تقرون بِمِثْلِهَا مِمَّا اتى بِهِ مُوسَى وَعِيسَى؟}
آل عمران 3:71
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أهل الْكتاب لم تلبسُونَ الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتمون الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ مَعْنَاهُ: لم تخلطون الْإِيمَان بِعِيسَى - وَهُوَ الْحق - بالْكفْر بِمُحَمد - وَهُوَ الْبَاطِل -؟ وَقيل مَعْنَاهُ: لم تغطون " الْحق " من نعت مُحَمَّد بالتغيير " الْبَاطِل "؟ ! .
آل عمران 3:72
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت طَائِفَة من أهل الْكتاب آمنُوا بِالَّذِي أنزل على الَّذين آمنُوا وَجه النَّهَار، واكفروا آخِره لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أما وَجه النَّهَار: أَوله، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(من كَانَ مَسْرُورا بمقتل مَالك ... فليأت نسوتنا بِوَجْه نَهَار)
أَي: أول النَّهَار، وَهَذَا فِي الْيَهُود، قَالُوا: نؤمن بِمُحَمد فِي أول النَّهَار، ثمَّ نكفر بِهِ آخر النَّهَار؛ حَتَّى (يتهمه) النَّاس (ويقولوا) : قد ظهر مِنْهُ شَيْء؛ حَتَّى كفرُوا بِهِ، وَقيل: إِنَّهُم قَالُوا: نصدقه فِي الْبَعْض، ونكذبه فِي الْبَعْض؛ حَتَّى يَقُول النَّاس: صدقوه فِيمَا كَانَ صَادِقا، وكذبوه فِيمَا كَانَ كَاذِبًا (فيستريبون) بِحَالهِ.
﴿لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أَي: من تبعه فِي دينه، وَيكون وَجه النَّهَار وَآخره بِمَعْنى: الْبَعْض على القَوْل الثَّانِي.
آل عمران 3:73
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تؤمنوا إِلَّا لمن تبع دينكُمْ﴾ أَي: لَا تصدقوا إِلَّا من تبع دينكُمْ، " وَاللَّام " فِيهِ زَائِدَة كَمَا قَالَ: ﴿قَالَ عَسى أَن يكون ردف لكم﴾ أَي: ردفكم. وَهَذَا فِي الْيَهُود أَيْضا، قَالُوا: لَا تصدقوا إِلَّا من وافقكم فِي ملتكم.
ثمَّ ابْتَدَأَ الله تَعَالَى فَقَالَ: ﴿قل إِن الْهدى هدى الله﴾ أَي: إِن الْبَيَان بَيَان الله.
﴿أَن يُؤْتى أحد مثل مَا أُوتِيتُمْ﴾ أَي: وَلَا يحاجونكم عِنْد ربكُم؛ فَإِن الْحجَّة لكم عَلَيْهِم، وَلَيْسَت لَهُم عَلَيْكُم عِنْد الله.
وقتا مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير: قَوْله: ﴿وَلَا تؤمنوا﴾ أَي: لَا تصدقوا ﴿أَن يُؤْتى أحد مثل مل أُوتِيتُمْ﴾ من الدلالات والآيات من الْمَنّ والسلوى وَنَحْوه.
﴿إِلَّا لمن تبع دينكُمْ﴾ إِلَّا لمن وافقكم فِي الْيَهُودِيَّة ﴿أَو يحاجوكم عِنْد ربكُم﴾ أَي إِن صدقتموهم، يحاجونكم يَوْم الْقِيَامَة عِنْد ربكُم، فَيَقُولُونَ: نَحن مثلكُمْ، أَو خير مِنْكُم، فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ حَتَّى لَا يحاجوكم عِنْد ربكُم. إِلَى هَا هُنَا كَلَام الْيَهُود ثمَّ ابْتَدَأَ الله تَعَالَى فَقَالَ: ﴿قل: أَن الْهدى هدى الله﴾ وَقيل: مَعْنَاهُ ﴿وَلَا تؤمنوا إِلَّا لمن تبع دينكُمْ﴾ أَي: وَلَا تصدقوا أَن النُّبُوَّة فِي غير بني إِسْحَاق، وَأَنَّهَا فِي بني إِسْمَاعِيل.
[قَوْله تَعَالَى] {قل إِن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم
آل عمران 3:74
يخْتَص برحمته من يَشَاء) قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الدّين. وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ النُّبُوَّة. وَقَالَ ابْن جريج: هُوَ الْقُرْآن وَالْإِسْلَام (وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم) .
آل عمران 3:75
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أهل الْكتاب من إِن تأمنه بقنطار يؤده إِلَيْك﴾ قد ذكرنَا الْأَقْوَال فِي القنطار، وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: هُوَ سِتّ آلَاف دِينَار.
وَهَذَا فِي عبد الله بن سَلام؛ أودعهُ رجل أَلفَيْنِ ومأتي أُوقِيَّة من الذَّهَب فَأدى الْأَمَانَة فِيهِ.
﴿وَمِنْهُم من إِن تأمنه بِدِينَار لَا يؤده إِلَيْك﴾ هَذَا فِي فنحَاص بن عازوراء الْيَهُودِيّ؛ أودعهُ رجل دِينَارا فخان فِيهِ.
﴿إِلَّا مَا دمت عَلَيْهِ قَائِما﴾ أَي: لَا يؤده إِلَيْك إِلَّا مَا دمت على رَأسه قَائِما تطالبه. وَقيل: أَرَادَ بِالْقيامِ: الإلحاح والمطالبة.
﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا لَيْسَ علينا فِي الْأُمِّيين سَبِيل﴾ قَالَت الْيَهُود: لَيْسَ علينا فِي أَخذ أَمْوَال الْعَرَب حرج، كَأَنَّهُمْ استحلوا أَمْوَال الْأُمِّيين: وهم الْعَرَب، مُحَمَّد وَأَصْحَابه.
﴿وَيَقُولُونَ على الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ﴾
آل عمران 3:76
﴿بلَى﴾ عَلَيْهِم سَبِيل؛ ذكره جَوَابا لقَولهم.
قَالَت النُّحَاة: وَهُوَ وقف تَامّ، ثمَّ ابْتَدَأَ، فَقَالَ: ﴿من أوفى بعهده وَاتَّقَى﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَاتَّقَى الشّرك ﴿فَإِن الله يحب الْمُتَّقِينَ﴾ الْمُوَحِّدين.
آل عمران 3:77
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَإِيمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ روى أَبُو وأئل - وَهُوَ شَقِيق بن سَلمَة - عَن ابْن مَسْعُود، عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " من حلف على يَمِين كَاذِبَة؛ ليقتطع بهَا مَال امْرِئ مُسلم، لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، وتلا هَذِه الْآيَة قَالَ: وَكَانَ الْأَشْعَث بن قيس حَاضرا، فَقَالَ: فِي نزلت الْآيَة، وَذكر قصَّة " وَهَذَا حَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِرِوَايَة أُخْرَى، وَزَاد فِيهِ أَنه: " قيل: يَا رَسُول الله، وَإِن كَانَ فِي شَيْء يسير؟ قَالَ: وَإِن كَانَ فِي قضيب من أَرَاك ".
وروى مُسلم أَيْضا فِي كِتَابه بِرِوَايَة ثَالِثَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة، وَلَا يزكيهم [وَلَهُم عَذَاب أَلِيم] : المنان بِمَا أعْطى والمسبل إزَاره، والمنفق سلْعَته بِالْيمن الكاذبة ".
فَقَوله: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ أَي: شَيْء قَلِيل من حطام الدُّنْيَا ﴿أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم فِي الْآخِرَة﴾ أَي: لَا حَظّ لَهُم فِيهَا.
﴿وَلَا يكلمهم الله﴾ أَي: وَلَا يكلمهم كَمَا يكلم الْمُؤمنِينَ؛ وَقد صَحَّ أَنه جلّ جَلَاله - يكلم الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة من غير ترجمان، وَقيل: هُوَ بِمَعْنى: الْغَضَب، كَمَا يُقَال: أَنا لَا أكلم فلَانا، إِذا كَانَ غضبانا عَلَيْهِ ﴿وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة﴾ يَعْنِي: لَا ينظر إِلَيْهِم بِالرَّحْمَةِ.
﴿وَلَا يزكيهم﴾ لَا يثني عَلَيْهِم بالجميل، وَلَا يطهرهم من الذُّنُوب ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ .
آل عمران 3:78
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْهُم لفريقا يلوون ألسنتهم بِالْكتاب﴾ أَي: يغيرون، ويحرفون الْكتاب بألسنتهم. وَقيل: يعدلُونَ بألسنتهم عَن الْكتاب ﴿لتحسبوه﴾ لتظنوه ﴿من الْكتاب وَمَا هُوَ من الْكتاب وَيَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله وَمَا هُوَ من عِنْد الله وَيَقُولُونَ على الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى اجْتَمعُوا عِنْد النَّبِي واختصموا فِي إِبْرَاهِيم، فَقَالَت كل فرقة: هُوَ منا، فَقَالَ: كَذبْتُمْ؛ فغضبوا، وَقَالُوا: يَا مُحَمَّد، لَا تُرِيدُ منا إِلَّا أَن نتخذك رَبًّا؛ فَنزلت الْآيَة ".
آل عمران 3:79
﴿مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن، ﴿وَالْحكم﴾ الْأَحْكَام، وَالْحكمَة: السّنة ﴿والنبوة﴾ الْمنزلَة الرفيعة بالأنبياء.
﴿ثمَّ يَقُول للنَّاس كونُوا عبادا لي من دون الله﴾ أَي: عبيدا لي من دون الله وَقيل: أَرَادَ بالبشر: عِيسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - لأَنهم كَانُوا يدعونَ أَن عِيسَى أَمرهم أَن يعبدوه، ويتخذوه رَبًّا، فَقَالَ: ﴿مَا كَانَ لبشر﴾ يَعْنِي: عِيسَى.
﴿أَن يؤتيه الله الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْإِنْجِيل ﴿وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس كونُوا عبادا لي من دون الله وَلَكِن كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب﴾ .
قَالَ سعيد بن جُبَير: الرباني: الْفَقِيه الْعَالم الَّذِي يعْمل بِعِلْمِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاك: الرباني: الْعَالم الْحَكِيم. وَفِي الْخَبَر: " كونُوا عُلَمَاء حلماء ".
والرباني من طَرِيق المعني: هُوَ أَن يكون على دين الرب وعَلى طَرِيق الرب.
وَقيل هُوَ من التربية، فالرباني هُوَ الَّذِي رَبِّي بصغار الْعلم حَتَّى بلغ كباره، وروى: أَن ابْن عَبَّاس لما توفّي، قَامَ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة على قَبره، وَقَالَ: الْيَوْم مَاتَ رباني هَذِه الْأمة.
وَقَالَ مُجَاهِد: الربانيون فَوق الْأَحْبَار؛ فالأحبار: الْعلمَاء، والربانيون: الَّذين جمعُوا مَعَ الْعلم البصيرة بسياسة النَّاس.
﴿بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ﴾ - بِالتَّشْدِيدِ - من تَعْلِيم الْقُرْآن، وبالتخفيف من الْعلم.
﴿وَبِمَا كُنْتُم تدرسون﴾ تقرءون.
آل عمران 3:80
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْمُركُمْ﴾ يقْرَأ بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء، أَي: وَلَا يَأْمُركُمْ الله، وَيقْرَأ بِنصب الرَّاء على النسق، أَي: وَلَا يَأْمُركُمْ ذَلِك الْبشر ﴿أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة والنبيين أَرْبَابًا﴾ فالنصارى: هم الَّذين اتَّخذُوا النَّبِيين أَرْبَابًا، والصائبون: هم الَّذين اتَّخذُوا الْمَلَائِكَة أَرْبَابًا.
﴿أيامركم بالْكفْر بعد إِذْ أَنْتُم مُسلمُونَ﴾ أَي: لَا يَأْمُركُمْ بالْكفْر بعد الْإِسْلَام.
آل عمران 3:81
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب " ﴿لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة﴾ : هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِي معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: معنى الْآيَة: وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب مَعَ النَّبِيين. قَالَ ابْن عَبَّاس: لما استخرج الله الذُّرِّيَّة من صلب آدم كالذر، والأنبياء كَانُوا فيهم كالمصابيح والسرج، أَخذ الْمِيثَاق على النَّبِيين أَن يُؤمنُوا بِمُحَمد وَأَن يصدقوه، وينصروه إِن أدركوه. فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة﴾ ، وَقَرَأَ حَمْزَة " لما آتيتكم " مخففا بِكَسْر اللَّام، وَقَرَأَ غَيره: " لما آتيتكم " بِفَتْح اللَّام مشددا، وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: بِفَتْح اللَّام مخففا، وَمَعْنَاهُ: للَّذي آتيتكم بِمَعْنى الْخَبَر.
وَقيل: مَعْنَاهُ: لَئِن آتيتكم بِمَعْنى: الشَّرْط، ﴿ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا.
﴿قَالَ أأقررتم﴾ أَي: أقرُّوا ﴿وأخذتم على ذَلِكُم إصري﴾ أَي: عهدي. والإصر: الْعَهْد الثقيل ﴿قَالُوا أقررنا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنا مَعكُمْ من الشَّاهِدين﴾ .
وَقَالَ الضَّحَّاك: إِنَّمَا أَخذ الْمِيثَاق على النَّبِيين خَاصَّة كَمَا نطقت بِهِ الْآيَة، فَأخذ الْمِيثَاق على كل نَبِي أَن يُؤمن بِالَّذِي يَأْتِي بعده من الْأَنْبِيَاء وينصره، فَأخذ الْمِيثَاق على مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يُؤمن بِعِيسَى، وعَلى عِيسَى أَن يُؤمن بِمُحَمد وَنَحْو ذَلِك.
آل عمران 3:82
ثمَّ قَالَ: ﴿فَمن تولى بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ أفغير دين الله يَبْغُونَ﴾ يطْلبُونَ، يقْرَأ بِالْيَاءِ وَالتَّاء.
﴿وَله أسلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: لما خاطبهم بقوله: ﴿أَلَسْت بربكم﴾ أسلم الْكل، وَقَالُوا: بلَى، وَلَكِن بَعضهم قَالُوا: بلَى، طَوْعًا وَبَعْضهمْ كرها. وَقيل: أسلم من فِي السَّمَوَات طَوْعًا، وَأسلم من فِي الأَرْض كرها وطوعا، وَبَعْضهمْ طَوْعًا، وَبَعْضهمْ كرها؛ لخوف السَّيْف ﴿وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ .
آل عمران 3:83
ثمَّ قَالَ: ﴿فَمن تولى بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ أفغير دين الله يَبْغُونَ﴾ يطْلبُونَ، يقْرَأ بِالْيَاءِ وَالتَّاء.
﴿وَله أسلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: لما خاطبهم بقوله: ﴿أَلَسْت بربكم﴾ أسلم الْكل، وَقَالُوا: بلَى، وَلَكِن بَعضهم قَالُوا: بلَى، طَوْعًا وَبَعْضهمْ كرها. وَقيل: أسلم من فِي السَّمَوَات طَوْعًا، وَأسلم من فِي الأَرْض كرها وطوعا، وَبَعْضهمْ طَوْعًا، وَبَعْضهمْ كرها؛ لخوف السَّيْف ﴿وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ .
آل عمران 3:84
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل علينا وَمَا أنزل على إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط﴾ لما ذكر الْملك والأديان، واضطراب النَّاس فِيهَا، أَمر رَسُوله أَن يَقُول: ﴿آمنا بِاللَّه﴾ الْآيَة، وَقد ذكرنَا معنى الأسباط وَمَا قيل فِيهِ ﴿وَمَا أُوتى مُوسَى وَعِيسَى والنبيون من رَبهم لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ .
آل عمران 3:85
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ وَحقّ لمن يَبْتَغِي غير دين الْإِسْلَام أَن يصبح غَدا من الخاسرين.
آل عمران 3:86
قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم وشهدوا أَن الرَّسُول حق وجاءهم الْبَينَات﴾ يَعْنِي: لَا يهْدِيهم الله، وَهُوَ مثل قَول عبد الله بن قيس الرقيات:
(كَيفَ نومي على الْفراش ... وَلما تشْتَمل السآم غَارة شعواء؟)
أَي: لَا نوم لي على الْفراش.
وَالْآيَة نزلت فِي الْحَارِث بن أَوْس بن الصَّامِت؛ فَإِنَّهُ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام، وَلحق بِمَكَّة، وَأقَام مُدَّة، ثمَّ أرسل إِلَى الْمُسلمين فِي أَن يرجع إِلَى الْإِسْلَام؛ فَنزلت الْآيَة ﴿كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم﴾ .
قَالَ الزّجاج: يَعْنِي: أَنهم يسْتَحقُّونَ الضَّلَالَة، وَلَا يسْتَحقُّونَ الْهِدَايَة {وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين
آل عمران 3:87
أُولَئِكَ جزاؤهم أَن عَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) .
فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ: ﴿وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ فَكَذَلِك يتَنَاوَل نَفسه أَيْضا، فَكيف يلعن على نَفسه؟ قيل: أَرَادَ فِي الْقِيَامَة يلعن بَعضهم بَعْضًا، ويلعنون أنفسهم. وَقيل: إِنَّهُم يلعنون الظَّالِمين والكافرين؛ فَذَلِك لعنهم على أنفسهم؛ لِأَن من لعن الظَّالِمين والكافرين، وَهُوَ ظَالِم وَكَافِر فقد لعن نَفسه.
آل عمران 3:88
﴿خَالِدين فِيهَا لَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب وَلَا هم ينظرُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ يَعْنِي بِهَذَا: الْحَارِث بن أَوْس؛ فَإِنَّهُ تَابَ وَأسلم فَقبلت تَوْبَته.
آل عمران 3:89
﴿خَالِدين فِيهَا لَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب وَلَا هم ينظرُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ يَعْنِي بِهَذَا: الْحَارِث بن أَوْس؛ فَإِنَّهُ تَابَ وَأسلم فَقبلت تَوْبَته.
آل عمران 3:90
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين كفرُوا بعد إِيمَانهم ثمَّ ازدادوا كفرا لن تقبل تَوْبَتهمْ﴾ هَذَا فِي قوم كَانُوا مَعَ الْحَارِث بن أَوْس وَارْتَدوا، فَلَمَّا رَجَعَ هُوَ إِلَى الْإِسْلَام أَمْسكُوا عَن الْإِسْلَام أُولَئِكَ الْقَوْم، وَقَالُوا: نتربص الدَّهْر بِمُحَمد، فَإِن ساعده الزَّمَان، وَنفذ أمره نرْجِع إِلَى دينه؛ فَنزلت الْآيَة.
﴿إِن الَّذين كفرُوا بعد إِيمَانهم﴾ أَي: ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام بعد إِيمَانهم ﴿ثمَّ ازدادوا كفرا﴾ بقَوْلهمْ: إِنَّا نتربص بِمُحَمد ريب الْمنون ﴿لن تقبل تَوْبَتهمْ﴾ قَالَ أبوالعالية: لأَنهم لم يَكُونُوا محققين للتَّوْبَة، بل كَانُوا متربصين ﴿وَأُولَئِكَ هم الظالون﴾ وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الَّذين كفرُوا بعد إِيمَانهم بِعِيسَى؛ ازدادوا كفرا بِمُحَمد ﴿لن تقبل تَوْبَتهمْ﴾ عِنْد النَّاس ﴿وَأُولَئِكَ هم الظالون﴾ .
آل عمران 3:91
قَوْله تَعَالَى: (إِن الَّذين كفرُوا وماتوا وهم كفار فَلَنْ يقبل من أحدهم ملْء الأَرْض ذَهَبا وَلَو افتدى بِهِ) يَعْنِي: لَو افتدى بِهِ، و " الْوَاو " زَائِدَة مقحمة، وَقيل: تَقْدِير الْآيَة: فَلَنْ يقبل من أحدهم أَن يتَبَرَّع بملء الأَرْض ذَهَبا، وَلَو افتدى بِهِ أَيْضا لَا يقبل ﴿أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ .
آل عمران 3:92
قَوْله تَعَالَى: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود وَعَمْرو بن مَيْمُون ومسروق بن الأجدع أَبُو عَائِشَة: الْبر: الْجنَّة هَا هُنَا. وَقيل: هُوَ الْعَمَل الصَّالح. وَقيل: هُوَ الثَّوَاب، وَفِي الْخَبَر: " عَلَيْكُم بِالصّدقِ؛ فَأَنَّهُ يهدي إِلَى الْبر، وَالْبر يهدي إِلَى الجنه، وَإِيَّاكُم وَالْكذب؛ فَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور، والفجور يهدي إِلَى النَّار ".
﴿حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ قيل: أَرَادَ بِالْإِنْفَاقِ: أَدَاء الزَّكَاة. وَقيل: أَدَاء جَمِيع الصَّدقَات. وَقيل: كل إِنْفَاق يَبْتَغِي بِهِ مرضات الله تَعَالَى ينَال بِهِ هَذَا الْبر.
وروى أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ أَبُو طَلْحَة: " يَا رَسُول الله، إِنِّي أرى الله يسألنا أَمْوَالنَا، فأشهدك أَنِّي جعلت حَائِط كَذَا لله تَعَالَى فَقَالَ: اقسمه بَين الْفُقَرَاء قرابتك، فَقَسمهُ بَين أبي وَحسان ".
وروى أَن ابْن عمر - رَضِي الله عَنهُ - اشْترى جَارِيَة كَانَ قد هويها، فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا أعْتقهَا، وَزوجهَا رجلا، وتلا قَوْله تَعَالَى ( ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ وَمَا تنفقوا من شَيْء فَإِن الله بِهِ عليم) أَي: يُعلمهُ، أَي: يجازى عَلَيْهِ.
آل عمران 3:93
قَوْله تَعَالَى: (كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل) سَبَب نزُول الْآيَة: أَن الْيَهُود قَالُوا لرَسُول الله: إِنَّك تزْعم أَنَّك على مِلَّة إِبْرَاهِيم، وَكَانَ لَا يَأْكُل لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا وَأَنت تأكلها، فلست على مِلَّة إِبْرَاهِيم؛. فَنزلت الْآيَة ﴿كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إِلَّا مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه من قبل أَن تنزل التَّوْرَاة﴾ يَعْنِي: لَيْسَ الْأَمر على مَا قَالُوا من حُرْمَة لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا على إِبْرَاهِيم، بل كَانَ (الْكل) حَلَالا لَهُ ولبني إِسْرَائِيل، وَإِنَّمَا حرمهَا يَعْقُوب على نَفسه قبل نزُول التَّوْرَاة، يَعْنِي: أَن حرمتهَا لَيست فِي التَّوْرَاة، وَلَا فِي شرع إِبْرَاهِيم، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء حرمه إِسْرَائِيل على نَفسه، وَسبب تَحْرِيمه ذَلِك على نَفسه: أَنه أشتكى عرق النسا، وَكَانَ لَهُ من ذَلِك زقاء - أَي صياح - فَقَالَ: إِن شفاني الله مِنْهُ لأحرمن أحب الطَّعَام إِلَيّ لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا، فشفاه الله؛ فَحَرمهَا على نَفسه.
﴿قل فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ طالبهم بالإتيان بِالتَّوْرَاةِ حجَّة على مَا ادعوا فَلم يَأْتُوا بهَا؛ إِذْ لم يكن تَحْرِيمهَا فِي التَّوْرَاة، فعجزوا عَن الْإِتْيَان بِالتَّوْرَاةِ وَكَانَ ذَلِك كالمعجزة للرسول عَلَيْهِم.
آل عمران 3:94
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن افترى على الله الْكَذِب من بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَقد ذكرنَا معنى الافتراء وَالظُّلم.
آل عمران 3:95
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل صدق الله﴾ يَعْنِي: فِيمَا أخبر وَأنزل ﴿فاتبعوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ وَإِنَّمَا دعاهم إِلَى إتباع مِلَّة إِبْرَاهِيم؛ لِأَن فِي اتِّبَاع مِلَّته اتِّبَاعه، وَفِي اتِّبَاعه اتِّبَاع مِلَّته، ﴿وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ .
آل عمران 3:96
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أول بَيت وضع للنَّاس ببكة مُبَارَكًا﴾ روى أَبُو ذَر: " أَنه سَأَلَ رَسُول الله أَي الْمَسَاجِد وضع أَولا؟ فَقَالَ: الْمَسْجِد الْحَرَام. (قلت) : ثمَّ أَي؟ قَالَ: الْمَسْجِد الْأَقْصَى، قلت: كم بَينهمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ عَاما، ثمَّ قَالَ: أَيْنَمَا أَدْرَكتك الصَّلَاة، فصل؛ فَإِنَّهُ لَك مَسْجِد ".
وروى خَالِد بن عرْعرة عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: أَرَادَ بِهِ: أَن أول بَيت وضع للنَّاس مُبَارَكًا مَعَ الرَّحْمَة وَالْبركَة، والآيات الْبَينَات للَّذي ببكة.
وَقيل: أول مَا خلق الله تَعَالَى من الأَرْض مَوضِع الْبَيْت، ثمَّ مِنْهُ خلق جَمِيع الأَرْض، ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمن كفر فَإِن الله غَنِي﴾
وَأول مَا خلق من الْجبَال جبل أبي قبيس.
وَفِي الْقَصَص: أَن الله تَعَالَى أَمر الْمَلَائِكَة بِبِنَاء الْبَيْت قبل خلق آدم بألفي عَام، وَكَانَت الْمَلَائِكَة يحجونه، فَلَمَّا حجه آدم، قَالَت الْمَلَائِكَة: بر حجك، حجَجنَا هَذَا الْبَيْت قبلك بألفي عَام. وَأما بكة فَالصَّحِيح: أَن بكة وَمَكَّة بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَمثله: طين لازب ولازم، وسمل رَأسه وسبل بِمَعْنى وَاحِد.
وَقيل: (أَنه) مَوضِع الْبَيْت، وَمَكَّة جَمِيع الْقرْيَة. وَقيل: إِنَّمَا سميت ببكة، لِأَن النَّاس يتباكون فِيهَا، أَي: يزدحمون، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(إِذا الشريب أَخَذته أكه ... فخله حَتَّى يبك بكة)
وَقَوله: ﴿مُبَارَكًا وَهدى للْعَالمين﴾ أَي: وضع ذَلِك الْبَيْت ذَا بركَة وَهدى للْعَالمين.
آل عمران 3:97
﴿فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم﴾ قرىء: " فِيهِ آيَة بَيِّنَة " على الوحدان، وَهِي مقَام إِبْرَاهِيم، وَالْمَعْرُوف: ﴿فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم﴾ .
من تِلْكَ الْآيَات: مقَام إِبْرَاهِيم: وَهُوَ الْحجر الَّذِي فِيهِ أثر أَصَابِع قدم إِبْرَاهِيم، وَكَانَ قد بَقِي أَثَره فِيهِ، فاندرس من كَثْرَة الْمسْح بِالْأَيْدِي، وَقيل مقَام إِبْرَاهِيم: جَمِيع الْحرم.
وَمن الْآيَات فِي الْبَيْت أَيْضا: أَن الطير يطير فَلَا يَعْلُو فَوْقه، كَذَا قيل، وَمِنْهَا: أَن الْجَارِحَة إِذا قصدت صيدا، فَإِذا دخل الصَّيْد الْحرم كفت عَنهُ، وَمِنْهَا: أَنه مَا قَصده جَبَّار إِلَّا قصمه الله - تَعَالَى -، وَمِنْهَا: أَن الْمَطَر إِذا أصَاب الرُّكْن الْيَمَانِيّ؛ (كَانَ الخصب بِالْيمن، وَإِن أصَاب جَانب الشَّام) ؛ كَانَ الخصب بِالشَّام، وَإِن أصَاب جَمِيع الجوانب كَانَ الخصب جَمِيع الجوانب.
وَسبب هَذَا أَن الْيَهُود قَالُوا: قبلتنا أولى من قبلتكم؛ فَبين الله تَعَالَى للْمُسلمين شرف قبلتهم؛ فَإِنَّهَا خصت بأَشْيَاء لَيست تِلْكَ لقبلتهم، وَأَن بَيت الْمُقَدّس قد حرق وَهدم، وَأما الْكَعْبَة فَمَا قَصدهَا جَبَّار إِلَّا قصمه الله تَعَالَى. ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ (الْجَانِي) يدْخلهُ، فَيصير آمنا عَن الْقَتْل فِيهِ، وَلكنه لَا يؤاكل وَلَا يشارب، وَلَا يُبَاع وَلَا يشاري حَتَّى يخرج فَيقْتل.
وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَعَامة الْمُفَسّرين - وَهُوَ الْأَصَح -: إِنَّه أَرَادَ الْأَمْن عَن تخطف الْكفَّار بِالْقَتْلِ والغارة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ: وَمن دخله كَانَ آمنا فِي الْقِيَامَة من الْعَذَاب.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ قد ذكرنَا معنى الْحَج.
﴿من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ روى الْحسن مُرْسلا عَن النَّبِي " أَنه سُئِلَ عَن الِاسْتِطَاعَة، فَقَالَ: الزَّاد وَالرَّاحِلَة "، وروى ابْن عمر " أَنه سُئِلَ أَي الْحَاج أفضل؟ فَقَالَ: الشعث، التفل. فَقيل: أَي الْحَج أفضل؟ العج، والثج. قيل: مَا السَّبِيل؟ قَالَ: الزَّاد وَالرَّاحِلَة ".
وَقَالَ مَالك: الِاسْتِطَاعَة بِقُوَّة الْبدن، فَمَتَى وجد الزَّاد، وقوى على الْمَشْي لزمَه الْحَج، وَالأَصَح أَن الِاسْتِطَاعَة: هِيَ الْقُدْرَة على مَا يوصله إِلَى الْحَج، فَمِنْهَا: الزَّاد، وَالرَّاحِلَة، وَمِنْهَا: أَمن الطَّرِيق، وَنَفَقَة الْأَهْل، وَنَحْو ذَلِك.
﴿وَمن كفر فَإِن الله غَنِي عَن الْعَالمين﴾ الْأَصَح: أَنه أَرَادَ بالْكفْر: إِنْكَار وجوب الْحَج، وَقيل: " إِنَّه لما نزل (قَوْله: ﴿وَللَّه﴾ على النَّاس حج الْبَيْت) جمع رَسُول الله من جمع الْأَدْيَان، وَقَالَ: إِن الله كتب عَلَيْكُم الْحَج أَيهَا النَّاس فحجوا، فَصدقهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَكذبه الْكَافِرُونَ؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَمن كفر فَإِن الله غَنِي عَن الْعَالمين﴾ ".
آل عمران 3:98
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لم تكفرون بآيَات الله وَالله شَهِيد على مَا تَعْمَلُونَ﴾ أَي: لَا يخفي عَلَيْهِ مَا تَعْمَلُونَ، ويجازيكم عَلَيْهِ.
آل عمران 3:99
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لم تصدُّونَ عَن سَبِيل الله من آمن﴾ أَي: (لم تمْنَعُونَ من آمن عَن سَبِيل الله) بكتمان نعت مُحَمَّد ﴿تَبْغُونَهَا عوجا﴾ أَي: تطلبون الزيغ عَن السَّبِيل، والعدول عَنْهَا بتغيير صفة مُحَمَّد ﴿وَأَنْتُم شُهَدَاء﴾ يَعْنِي: أَنْتُم عالمون أَنه حق؛ على مَا ورد نَعته وَصفته ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
آل عمران 3:100
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا فريقا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب يردوكم بعد إيمَانكُمْ كَافِرين﴾ يَعْنِي: يردونكم إِلَى الْيَهُودِيَّة والنصرانية.
آل عمران 3:101
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَيف تكفرون﴾ قَالَ الْأَخْفَش سعيد بن مسْعدَة: على أَي حَال تكفرون؟ ! ﴿وَأَنْتُم تتلى عَلَيْكُم آيَات الله وَفِيكُمْ رَسُوله﴾ .
فَإِن قَالَ قَائِل: مَنعه إيَّاهُم عَن الْكفْر؛ يكون الرَّسُول فيهم، يُوهم إِبَاحَة الْكفْر فِي حَال لَا يكون الرَّسُول فيهم، قيل: وَلَا يَخْلُو حَال من كَون الرَّسُول فيهم، فَإِنَّهُ الْيَوْم وَإِن كَانَ خَارِجا من بَينهم، فشرعه قَائِم بَينهم، فَيكون كَأَنَّهُ فيهم.
﴿وَمن يعتصم بِاللَّه فقد هدى إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: وَمن يمْتَنع بِاللَّه، قيل: وَمن يَثِق بِاللَّه، فقد أرشد إِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم.
آل عمران 3:102
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: هُوَ أَن يطاع فَلَا يعْصى، وَيذكر فَلَا ينسى، ويشكر فَلَا يكفر. وَقَالَ قَتَادَة: (الْآيَة) مَنْسُوخَة بقوله: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: لَا يَسْتَقِيم النّسخ فِيهِ، وَقَوله ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ تَفْسِير لهَذِهِ الْآيَة؛ لِأَن من أطَاع الله فِي وَقت وجوب الطَّاعَة، وَذكره فِي وَقت وجوب الذّكر، وشكره فِي مَوضِع وجوب الشُّكْر، فقد اتَّقى الله حق تُقَاته.
وَهَذَا لم يصر مَنْسُوخا، وَقَوله: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ مُوَافق لَهُ؛ لِأَن التَّقْوَى إِن كَانَ فِي مَوضِع الْأَمر وَالْوُجُوب، والأوامر والواجبات على قدر الِاسْتِطَاعَة، فَتكون إِحْدَى الْآيَتَيْنِ مُوَافقَة لِلْأُخْرَى، فَلَا يَسْتَقِيم فِيهِ النّسخ.
﴿وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ ، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ نَهَاهُم عَن الْمَوْت على الْكفْر، وَالْمَوْت لَا يدْخل تَحت الْأَمر وَالنَّهْي؟ ! قيل: مَعْنَاهُ: دوموا على الْإِسْلَام، حَتَّى إِذا وافاكم الْمَوْت ألفاكم على الْإِسْلَام، هَذَا كَمَا يَقُول الرجل لغيره: لَا أريتك تفعل كَذَا. مَعْنَاهُ: لَا تفعل كَذَا، حَتَّى إِذا رَأَيْتُك (لَا) أَرَاك على فعله.
آل عمران 3:103
قَوْله تَعَالَى: ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: حَبل الله: هُوَ الْعَهْد. وَقَالَ قَتَادَة (والسدى) : حَبل الله: الْقُرْآن. وَفِي الْخَبَر " الْقُرْآن: حَبل مَمْدُود (طرف) بيد الله وطرف بِأَيْدِيكُمْ " وَقيل: الْحَبل: الطَّرِيق، حَبل الله: طَرِيق الله، وأنشدوا فِي ذكر النَّاقة قَول الشَّاعِر: (وَإِذا أجوزها حبال قَبيلَة ... نزلت من الْأُخْرَى إِلَيْك حبالها)
أَي: طريقها. وأصل الْحَبل كل مَا يوصلك إِلَى الشَّيْء، فتفوز بِهِ، والعهد: حَبل، وَالْقُرْآن: حَبل، (وَمِنْه) الْحَبل الْمَعْرُوف؛ لِأَنَّهُ يُوصل إِلَى الْمَقْصُود.
﴿وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعمت الله عَلَيْكُم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى " أَن رجلَيْنِ: أَحدهمَا من الْأَوْس، وَالْآخر من الْخَزْرَج تسابا، فَدَعَا كل وَاحِد مِنْهُمَا قبيلته؛ فثار الْحَيَّانِ، وضربوا بِأَيْدِيهِم إِلَى السيوف، وَكَاد يكون بَينهم قتال، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله فَخرج عَلَيْهِم وَهُوَ على حمَار، وَقَامَ بَينهم؛ فَنزلت الْآيَة، وتلا عَلَيْهِم، فبكوا، وَمَشى كل وَاحِد إِلَى صَاحبه وتعانقوا، واصطلحوا وَكفوا عَن الْقِتَال "، قَالَ جَابر: مَا كَانَ يَوْمًا أقبح أَولا من ذَلِك الْيَوْم، وَلَا أحسن آخر من ذَلِك الْيَوْم. فَقَوله: ﴿وَلَا تفَرقُوا﴾ الْخطاب مَعَهم (واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم) يَعْنِي: بِالْإِسْلَامِ وَبعث الرَّسُول وإنزال الْكتاب.
﴿إِذْ كُنْتُم أَعدَاء﴾ لِأَن الْأَوْس والخزرج كَانَ بَينهم قتال [دَامَ] مائَة وَعشْرين سنة ﴿فألف بَين قُلُوبكُمْ﴾ يَعْنِي: بِالْإِسْلَامِ ﴿فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا﴾ (أَي: فِي الدّين) .
﴿وكنتم على شفا حُفْرَة﴾ أَي: طرف حُفْرَة ﴿من النَّار فأنقذكم مِنْهَا﴾ .
وَقيل: نزلت الْآيَة فِي مُشْركي الْعَرَب، وَالْأول [أصح وَهُوَ] قَول عِكْرِمَة. ﴿كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ أَي: ترشدون، وتسلكون طَرِيق الْحق.
آل عمران 3:104
قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتكن مِنْكُم أمة﴾ أَي: كونُوا أمة، وَكلمَة " من " - فِيهِ - للْجِنْس، لَا للتَّبْعِيض، وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ وَالْمرَاد بِهِ الاجتناب من جنس الْأَوْثَان كلهَا لَا من بعض الْأَوْثَان، كَذَلِك قَوْله: ﴿ولتكن مِنْكُم أمة﴾ أَي: كونُوا أمة ﴿يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ أَي: وَأَنْتُم المفلحون.
آل عمران 3:105
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
﴿من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم تبيض وُجُوه﴾ يَعْنِي: وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ وصف ذَلِك الْيَوْم، فَقَالَ: ﴿يَوْم تبيض وُجُوه﴾ يَعْنِي: بِالتَّوْحِيدِ ﴿وَتسود وُجُوه﴾ بالشرك. وَقيل: تبيض وُجُوه بِالسنةِ، وَتسود وُجُوه بالبدعة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ: فِي الدُّنْيَا تبيض وُجُوه بالقناعة، وَتسود وُجُوه بالطمع. وَالْأول أصح، وَيشْهد لذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ مسفرة ضاحكة﴾ الْآيَة.
وَفِي رِوَايَة أبي أُمَامَة عَن النَّبِي " تسود وُجُوه الْخَوَارِج ". ﴿فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ﴾ أَي: يُقَال لَهُم: أكفرتم بعد إيمَانكُمْ؟ ! فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ كفرُوا بعد الْإِيمَان وَلم يَكُونُوا مُؤمنين قطّ؟ قيل أَرَادَ بِهِ إِيمَان يَوْم الْمِيثَاق، وَكَفرُوا بعده.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الْيَهُود؛ آمنُوا بِمَا كَانَ فِي التَّوْرَاة من نعت مُحَمَّد، ثمَّ كفرُوا، وغيروا. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ .
آل عمران 3:106
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
﴿من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم تبيض وُجُوه﴾ يَعْنِي: وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ وصف ذَلِك الْيَوْم، فَقَالَ: ﴿يَوْم تبيض وُجُوه﴾ يَعْنِي: بِالتَّوْحِيدِ ﴿وَتسود وُجُوه﴾ بالشرك. وَقيل: تبيض وُجُوه بِالسنةِ، وَتسود وُجُوه بالبدعة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ: فِي الدُّنْيَا تبيض وُجُوه بالقناعة، وَتسود وُجُوه بالطمع. وَالْأول أصح، وَيشْهد لذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ مسفرة ضاحكة﴾ الْآيَة.
وَفِي رِوَايَة أبي أُمَامَة عَن النَّبِي " تسود وُجُوه الْخَوَارِج ". ﴿فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ﴾ أَي: يُقَال لَهُم: أكفرتم بعد إيمَانكُمْ؟ ! فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ كفرُوا بعد الْإِيمَان وَلم يَكُونُوا مُؤمنين قطّ؟ قيل أَرَادَ بِهِ إِيمَان يَوْم الْمِيثَاق، وَكَفرُوا بعده.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الْيَهُود؛ آمنُوا بِمَا كَانَ فِي التَّوْرَاة من نعت مُحَمَّد، ثمَّ كفرُوا، وغيروا. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ .
آل عمران 3:107
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله﴾ أَي: فِي ثَوَاب الله ﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .
آل عمران 3:108
﴿تِلْكَ آيَات الله نتلوها عَلَيْك بِالْحَقِّ وَمَا الله يُرِيد ظلما للْعَالمين﴾ لِأَنَّهُ يُعَاقب من يُعَاقب عَن اسْتِحْقَاق بِالْعَدْلِ ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور﴾ .
آل عمران 3:109
﴿تِلْكَ آيَات الله نتلوها عَلَيْك بِالْحَقِّ وَمَا الله يُرِيد ظلما للْعَالمين﴾ لِأَنَّهُ يُعَاقب من يُعَاقب عَن اسْتِحْقَاق بِالْعَدْلِ ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور﴾ .
آل عمران 3:110
قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى قَوْله: ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ وَمَتى كَانُوا بِتِلْكَ الصّفة؟ قيل: أَرَادَ بِهِ: كُنْتُم خير أمة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَقيل: أَرَادَ بِهِ صرتم خير أمة إِذا آمنتم. وَقيل: يُقَال لَهُم يَوْم الْقِيَامَة: ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ فالمعروف: مَا عرفه الشَّرْع، وَالْمُنكر: مَا أنكرهُ الشَّرْع. وَفِي الحَدِيث: " لتأمرون بِالْمَعْرُوفِ، ولتنهون عَن الْمُنكر، أَو يُوشك أَن يعمكم الله بعقابه "، وَقَالَ: " أفضل الشُّهَدَاء بعد شُهَدَاء أحد: رجل قَامَ إِلَى إِمَام جَائِر، فَأمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُ عَن الْمُنكر فَقتله عَلَيْهِ ".
قَوْله: ﴿وتؤمنون بِاللَّه وَلَو آمن أهل الْكتاب لَكَانَ خيرا لَهُم﴾ وَهَذَا لاشك فِيهِ. ﴿مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهم الْفَاسِقُونَ﴾ لِأَنَّهُ آمن بَعضهم، وَكفر أَكْثَرهم.
آل عمران 3:111
﴿لن يضروكم إِلَّا أَذَى﴾ يَعْنِي: لَا يضرونكم بِأَكْثَرَ من أَذَى وَهُوَ إِضْرَار يسير، وأذى توقيعه بِاللِّسَانِ.
﴿وَإِن يقاتلونكم يولوكم الأدبار ثمَّ لَا ينْصرُونَ﴾ أَي: يهزمون وَتَكون النُّصْرَة لكم عَلَيْهِم.
آل عمران 3:112
قَوْله تَعَالَى: ﴿ضربت عَلَيْهِم الذلة﴾ يَعْنِي: ذل الْكفْر: بِالْقَتْلِ، والسبي، والاغتنام ﴿أَيْن مَا ثقفوا﴾ أَي: وجدوا.
﴿إِلَّا بِحَبل من الله﴾ يَعْنِي: عهد الذِّمَّة ﴿وحبل من النَّاس﴾ وَهُوَ عهد الْأمان، يَعْنِي: أَنهم يقتلُون، ويؤسرون، إِلَّا أَن تكون لَهُم ذمَّة أَو أَمَان.
﴿وباءوا بغضب من الله﴾ رجعُوا وَاحْتَملُوا غضب الله، (وَقيل: لَزِمَهُم غضب الله) من قَوْلهم تبوأ مَكَان كَذَا أَي: لزمَه ﴿وَضربت عَلَيْهِم المسكنة﴾ أَي: ذل الْكفْر، بزِي الْفقر، وَذَلِكَ على الْيَهُود، حَتَّى لَا يرى يَهُودِيّ إِلَّا على زِيّ الْفقر، وَإِن كَانَ غَنِيا ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون﴾ .
آل عمران 3:113
﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ يَعْنِي: (الْمُؤمنِينَ والكافرين) لَيْسُوا سَوَاء، وَهَذَا وقف تَامّ، ثمَّ ابْتِدَاء ﴿من أهل الْكتاب أمة قَائِمَة﴾ أَي: عادلة، وَقيل قَائِمَة: مُسْتَقِيمَة على الْحق، وَقيل الْأمة الطَّرِيقَة المستقيمة، وَهِي طَريقَة الْحق، وَتَقْدِيره: من أهل الْكتاب ذُو أمة قَائِمَة، وَمِنْه قَول النَّابِغَة:
(أكفلتني ذَنْب امْرِئ وَتركته ... وَهل يأثمن ذُو أمة وَهُوَ طائع) أَي: ذُو دين وَطَرِيقَة. ﴿يَتلون آيَات الله آنَاء اللَّيْل﴾ : سَاعَات اللَّيْل، وأحدها: إِنَّا، وَأَنا ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: يَعْنِي: يصلونَ صَلَاة الْعَتَمَة، وَقيل أَرَادَ بِهِ الصَّلَاة مَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء وَهُوَ فِي آنَاء اللَّيْل.
آل عمران 3:114
﴿يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويسارعون فِي الْخيرَات وَأُولَئِكَ من الصَّالِحين﴾ وَصفهم الله تَعَالَى وشكرهم
آل عمران 3:115
﴿وَمَا يَفْعَلُوا من خير فَلَنْ يكفروه﴾ أَي: يجازون عَلَيْهِ. وَالله تَعَالَى إِذا جازى العَبْد على صَنِيعه، فقد شكره ﴿وَالله عليم بالمتقين﴾ .
آل عمران 3:116
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا﴾ أَي: لَا تدفع أَمْوَالهم بالفدية، وَلَا أَوْلَادهم بالنصرة من عَذَاب الله؛ وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان يدْفع عَن نَفسه بِفِدَاء المَال، وَتارَة بالاستعانة بالأولاد ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .
آل عمران 3:117
(قَوْله) : ﴿مثل مَا يُنْفقُونَ فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمثل ريح فِيهَا صر﴾ الصر فِي الرّيح: الْبرد، وَقَول الشَّاعِر:
(أوقد فَإِن اللَّيْل ليل قر ... وَالرِّيح يَا وَاقد ريح صر)
(عَسى [مَا] نرى نَارا لمن يمر ... إِن جلبت ضيفا فَأَنت حر)
﴿أَصَابَت حرث قوم ظلمُوا أنفسهم فأهلكته﴾ شبه إنفاقهم بزرع اجتاحته جَائِحَة أَو أَصَابَته ريح بَارِدَة فأهلكته.
وَاخْتلفُوا فِي تِلْكَ النَّفَقَة: قَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ: إِنْفَاق أبي سُفْيَان يَوْم بدر وَأحد على الْمُشْركين فِي قتال الْمُسلمين، وَقيل أَرَادَ بِهِ: إِنْفَاق الْمَرْء الَّذِي ينْفق مَاله رِيَاء وَسُمْعَة، لَا يَبْتَغِي وَجه الله ﴿وَمَا ظلمهم الله وَلَكِن أنفسهم يظْلمُونَ﴾ .
آل عمران 3:118
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم﴾ أَي: خَواص من غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل: خاصته، وَالَّذين يستنبطون أمره، وَمِنْه: البطانة فِي الثَّوْب؛ لِأَنَّهُ يَلِي الْبَطن وَالْبَاطِن، وَهَذَا فِي النَّهْي عَن مُوالَاة الْكفَّار ﴿لَا يأولونكم خبالا﴾ أَي: يقصرون فِي (أَمركُم) ، فيفسدون عَلَيْكُم أَمركُم، والخبال: الْفساد ﴿ودوا مَا عنتم﴾ أَي: يودون مَا يشق عَلَيْكُم، والعنت: الْمَشَقَّة، وَمِنْه الأكمه العنوت وَهِي الشاقة الصعُود، قَالَ السّديّ: أَرَادَ بِهِ: أَنهم يودون ردكم إِلَى الْكفْر والضلالة.
﴿قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم﴾ يَعْنِي: الوقيعة بِاللِّسَانِ، ﴿وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر﴾ (يَعْنِي: الَّذِي: فِي صُدُورهمْ) من الغيظ أعظم من الوقيعة بِاللِّسَانِ ﴿قد بَينا لكم الْآيَات إِن كُنْتُم تعقلون﴾ .
آل عمران 3:119
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُم أولاء﴾ يَعْنِي: أَنْتُم يَا هَؤُلَاءِ، ﴿تحبونهم﴾ أَي: تحبون إِيمَانهم، ﴿وَلَا يحبونكم وتؤمنون بِالْكتاب كُله وَإِذا لقوكم قَالُوا آمنا﴾ يَعْنِي: بِاللِّسَانِ.
﴿وَإِذا خلوا عضوا عَلَيْكُم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم﴾ وَهُوَ عبارَة عَن شدَّة الغيظ ﴿إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور﴾ .
آل عمران 3:120
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تمسسكم حَسَنَة﴾ أبي: خصب ونصرة (تسؤهم) ﴿وَإِن تصبكم سَيِّئَة﴾ أَي: قحط وبلاء ﴿يفرحوا بهَا وَإِن تصبروا وتتقوا﴾ يَعْنِي: على الشدَّة وَالْبَلَاء ﴿لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾ وَيقْرَأ " لَا يضركم " بِكَسْر الضَّاد مخففا، وَالْمعْنَى وَاحِد ﴿إِن الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ .
آل عمران 3:121
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ غَدَوْت من أهلك﴾ يَعْنِي: وَاذْكُر إِذْ غَدَوْت، وَمَعْنَاهُ: خرجت غدْوَة من اهلك) ، أَي: من بَيت عَائِشَة ﴿تبوئ الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: تنزل الْمُؤمنِينَ ﴿مقاعد لِلْقِتَالِ﴾ يَعْنِي: تنزلهم فِي مَوَاضِع الْقِتَال ومراكزه، يُقَال: بوأ فلَانا مَكَان كَذَا، إِذا أنزلهُ فِيهِ، قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ النَّبِي يُسمى لكل وَاحِد من الْمُسلمين مَكَانا من [الْقِتَال] ، ويقيمه ".
وَهَذَا كَانَ فِي حَرْب أحد، وَهَذِه الْآيَة إِلَى قريب من آخر السُّورَة فِي حَرْب أحد ﴿وَالله سميع عليم﴾ أَي: سميع بِمَا قَالَه المُنَافِقُونَ، عليم بِمَا أضمروا؛ فَيكون على وَجه التهديد، وَقيل: مَعْنَاهُ: ﴿وَالله سميع﴾ بِمَا قَالَ الْمُؤْمِنُونَ، عَلَيْهِم بِمَا أضمروا؛ فَيكون على وَجه الْمَدْح.
آل عمران 3:122
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا﴾ يَعْنِي: أَرَادَت، وقصدت، والهم: الْقَصْد، وَأما الطائفتان، فقد صَحَّ عَن جَابر أَنه قَالَ: أَرَادَ بِهِ: بني سَلمَة، وَبني حَارِثَة. والقصة فِي ذَلِك: مَا روى " أَن رَسُول الله شاور أَصْحَابه فِي الْخُرُوج إِلَى حَرْب أحد، فَأَشَارَ بَعضهم بِالْخرُوجِ، وَبَعْضهمْ بالمكث بِالْمَدِينَةِ، فَاخْتَارَ الْخُرُوج، وَكَانَ جَيش الْمُسلمين ألفا، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول بِثلث الْجَيْش فهمت هَاتَانِ الطائفتان بَنو سَلمَة وَبَنُو حَارِثَة أَن يرجِعوا مَعَهم، فثبتهما الله تَعَالَى على الْمُضِيّ مَعَه، فَلم يرجِعوا "، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا﴾ أَي: أَن تضعفا: وتجبنا ﴿وَالله وليهما﴾ أَي: ناصرهما ومثبتهما على الْحَرْب.
قَالَ جَابر: مَا وَدِدْنَا أَن تَفْشَلَا، وَقَالَ الله: ﴿وَالله وليهما وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
آل عمران 3:123
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد نصركم الله ببدر﴾ يذكر عَلَيْهِم منته بالنصرة يَوْم بدر، وَهُوَ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وسمى بَدْرًا باسم الْموضع، وَقيل: سمى بَدْرًا بإسم رجل، وَقيل بإسم بِئْر ﴿وَأَنْتُم ذلة﴾ أَي: قَلِيل الْعدَد؛ لأَنهم كَانُوا يَوْم بدر ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر نَفرا، قَالَ عَليّ: وَلم يكن فِينَا فَارس إِلَى الْمِقْدَاد، وَكَانَ مِنْهُم سَبْعَة وَسَبْعُونَ من الْمُهَاجِرين وَالْبَاقُونَ من الْأَنْصَار، وَكَانَ صَاحب راية الْمُهَاجِرين أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ -، وَصَاحب راية الْأَنْصَار قيس بن سعد بن عبَادَة.
وَكَانَ لَهُم يَوْمئِذٍ قَلِيل سلَاح، فَمن الله عَلَيْهِم بالنصرة لَهُم؛ مَعَ قلَّة عَددهمْ وعدتهم، ﴿فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ .
آل عمران 3:124
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقول للْمُؤْمِنين ألن يكفيكم﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ: فِي يَوْم بدر، وَقيل: فِي يَوْم أحد، قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا قَاتَلت الْمَلَائِكَة فِي المعركة إِلَّا يَوْم بدر.
أَي: يكفيكم ﴿أَن يمدكم ربكُم﴾ الْإِمْدَاد: هُوَ إِعَانَة الْجَيْش بالجيش، وَمِنْه: المدد ﴿بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة منزلين﴾ .
آل عمران 3:125
قَوْله تَعَالَى: ﴿بلَى إِن تصبروا﴾ يَعْنِي: بلَى وَعدكُم إِن تصبروا على لِقَاء الْعَدو، ﴿وتتقوا﴾ أَي: وتحذروا مُخَالفَة الرَّسُول ﴿ويأتوكم من فورهم هَذَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَأكْثر الْمُفَسّرين: مَعْنَاهُ: ويأتوكم من وُجُوههم هَذَا، وَقيل مَعْنَاهُ: من غضبهم هَذَا؛ لأَنهم إِنَّمَا رجعُوا للحرب يَوْم أحد من غضبهم ليَوْم بدر.
﴿يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف﴾ لم يرد بِهِ خَمْسَة آلَاف سوى مَا ذكر من ثَلَاثَة آلَاف؛ لأَنهم أَجمعُوا على أَن عدد الْمَلَائِكَة يَوْمئِذٍ خَمْسَة آلَاف، وَهَذَا نَظِير قَوْله تَعَالَى: ﴿بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ ، ثمَّ قَالَ بعده: ﴿وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام﴾ وَلم يرد بِهِ أَرْبَعَة أَيَّام سوى ذَلِك الْيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بعده: ﴿فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَأَجْمعُوا على أَن خلق الْكل كَانَ فِي سِتَّة أَيَّام لَا فِي ثَمَانِيَة أَيَّام، بل أَرَادَ بِهِ أَرْبَعَة أَيَّام مَعَ ذَلِك الْيَوْمَيْنِ كَذَا هَذَا.
﴿من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ يقْرَأ بِفَتْح الْوَاو، وَالْمرَاد بِهِ المعلمين، وَيقْرَأ بِكَسْر الْوَاو فَيكون فعل التسويم: من الْمَلَائِكَة، والتسويم الْإِعْلَام بالعلامة، وَهُوَ من السومة، وَالسَّمَاء: وَهُوَ الْعَلامَة، وَاخْتلفُوا فِي عَلامَة الْمَلَائِكَة يَوْمئِذٍ كَيفَ كَانَت؟ قَالَ عُرْوَة بن الزبير: كَانَت الْمَلَائِكَة على خيل يلق عَلَيْهِم عمائم صفر.
وَقَالَ الْحسن: كَانَت عمائم بيض مُرْسلَة خلف الظُّهُور. وَقَالَ مُجَاهِد: كَانُوا قد أعلمُوا من الصُّوف على أَذْنَاب الْخَيل ونواصيها؛ وَذَلِكَ سنة فِي خلق الشجعان، وَقد قَالَ: " سوموا فَإِن الْمَلَائِكَة قد سومت ".
آل عمران 3:126
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى لكم﴾ أَي: بِشَارَة لكم ﴿ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ " أَي: بوعده النُّصْرَة {وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ يَعْنِي: (لَا) تختلوا بالنصرة عَن الْمَلَائِكَة والجند، واعرفوا [أَن] النَّصْر من عِنْد الله.
آل عمران 3:127
﴿ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا﴾ أَي: قِطْعَة مِنْهُم، وَمِنْه أَطْرَاف الْإِنْسَان؛ لِأَنَّهَا قطع النَّفس، ثمَّ من حمل الْآيَة على حَرْب بدر، فقد كَانَ ذَلِك الْقطع مِنْهُم يَوْم بدر؛ فَإِنَّهُ قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ؛ أَكْثَرهم رؤساؤهم، وَمن حمل الْآيَة على حَرْب أحد، فقد قتل مِنْهُم سِتَّة عشر فيهم أَصْحَاب الرَّايَات، فَكَانَت النُّصْرَة للْمُسلمين مالم يخالفوا أَمر رَسُول الله، فَلَمَّا خالفوا أمره ذهبت النُّصْرَة عَنْهُم.
قَوْله: ﴿أَو يكبتهم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: يُهْلِكهُمْ، وَقيل مَعْنَاهُ: يخزيهم، وَهُوَ أصح، وَقيل مَعْنَاهُ: أَو يصرعنهم، والكب والكبت: الصرع على الْوَجْه، وَفِيه قَول رَابِع: يكبتهم بِمَعْنى: يكبدهم، وَذَلِكَ أَن يحزنهم حَتَّى وصل الْحزن إِلَى أكبادهم؛ وَالْعرب تسمي الحزين: أسود الكبد من تَأْثِير الْحزن فِيهِ [وَمِنْه] قَول الشَّاعِر:
(الْأَعْدَاء والأكباد سود ... )
﴿فينقلبوا خائبين﴾ أَي: لَا يدركون مَا أملوا، يُقَال: رَجَعَ فلَان من الْغَيْبَة بالخيبة، إِذا لم يدْرك أمله.
آل عمران 3:128
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ روى الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه عبد الله بن عمر: " ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ فَترك اللَّعْن فِي الْقُنُوت "، وروى أنس " أَنه شج رَأسه يَوْم أحد، وَكسرت رباعيته، وأدمي وَجهه، وَكَانَ يَأْخُذ الدَّم بكفه وَيَقُول: كَيفَ يفلح قوم خضبوا وَجه نَبِيّهم؟ ! فَنزل قَوْله: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء) وَقيل: أَرَادَ رَسُول الله أَن يدعوا عَلَيْهِم بِدُعَاء الاستئصال؛ فَنزل قَوْله: {لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ وَذَلِكَ أَنه تَعَالَى علم أَن فيهم من يسلم [أَو يَتُوب] ﴿أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم﴾ إِنَّمَا نَصبه على نصب قَوْله: ﴿ليقطع طرفا﴾ وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء؛ فَإِن تبت عَلَيْهِم، أَو عذبتهم، فأمرك متابع لأمري، أَي: إِن تبت عَلَيْهِم، فبرحمتي، وَإِن عذبتهم، فبظلمهم.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَي اتِّصَال لقَوْله: ﴿أَو يَتُوب عَلَيْهِم﴾ بقوله ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ ؟ قيل: مَعْنَاهُ: لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء، حَتَّى يَتُوب عَلَيْهِم، أَو إِلَى أَن يَتُوب عَلَيْهِم، وَمثله قَول امْرِئ الْقَيْس:
(فَقلت لَهَا لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا ... نحاول ملكا أَو نموت فنعذرا)
أَي: حَتَّى نموت، فنعذرا، وَيحْتَمل أَنه على نسق قَوْله: ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا أَو يكبتهم أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء.
وَالْأَمر أَمْرِي فِي ذَلِك كُله.
آل عمران 3:129
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَالله غَفُور رَحِيم﴾ .
آل عمران 3:130
يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافا مضاعفة) قد ذكر الرِّبَا فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَأعَاد ذكره هَا هُنَا تَأْكِيدًا، والأضعاف المضاعفة: هُوَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ من تبعيد الْأَجَل بِزِيَادَة الدّين.
﴿وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ أَي: كونُوا على رَجَاء الْفَلاح، يَعْنِي: من ترك الرِّبَا وَفِيه الْفَلاح، وَفِي عَطاء الرِّبَا الْهَلَاك.
وَعَن ابْن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ -: " مَا هلك قوم إِلَّا وَقد فَشَا فيهم الرِّبَا وَالزِّنَا "، [و] عَنهُ أَيْضا: " [كثير] الرِّبَا إِلَى قلَّة ".
آل عمران 3:131
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ﴾ وَهِي معدة للْكَافِرِينَ؛ فَإِنَّهَا دَار الخلود لَهُم
آل عمران 3:132
﴿وَأَطيعُوا الله وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ أَي: كونُوا على رَجَاء الرَّحْمَة.
آل عمران 3:133
قَوْله تَعَالَى: ﴿وسارعوا إِلَى الْمَغْفِرَة﴾ أَي: بَادرُوا إِلَى مغْفرَة ﴿من ربكُم﴾ ، قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: بَادرُوا إِلَى التَّوْبَة الَّتِي هِيَ سَبَب الْمَغْفِرَة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ: سُؤال الْمَغْفِرَة. وَفِيه قَول غَرِيب أَنه التَّكْبِيرَة الأولى.
﴿وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: سعتها كسعة السَّمَوَات وَالْأَرْض.
[وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي: سُئِلَ إِذا كَانَت الْجنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض] فَأَيْنَ النَّار؟ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام -: فَإِذا جَاءَ اللَّيْل، فَأَيْنَ يذهب النَّهَار؟ [وَإِذا] جَاءَ النَّهَار فَأَيْنَ يذهب اللَّيْل؟ " وَمَعْنَاهُ - وَالله أعلم - أَنه حَيْثُ يَشَاء الله.
فَإِن قيل: قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون﴾ ، وَأَرَادَ بِالَّذِي وعدنا الْجنَّة، فَإِذا كَانَت فِي السَّمَاء، فَكيف يكون عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ قيل: إِن بَاب الْجنَّة فِي السَّمَاء وعرضها السَّمَوَات وَالْأَرْض كَمَا أخبر.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ فِي الْقِيَامَة، فَإِن الله يزِيد فِيهَا، فَيصير عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض إِذا (وصلت السَّمَوَات وَالْأَرْض) بَعْضهَا بِبَعْض، وَأما طولهَا [فَلَا يُعلمهُ] إِلَّا الله.
آل عمران 3:134
﴿أعدت لِلْمُتقين الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء﴾ أَي: فِي (الْيُسْر والعسر) ﴿والكاظمين الغيظ﴾ كظم الغيظ: هُوَ أَن يمتلئ غيظا؛ فَيمْنَع نُفُوذه، من قَوْلهم: كظم الْبَعِير بجرته إِذا ردهَا إِلَى جَوْفه، وَفِي الْخَبَر: " من امْتَلَأَ غيظا، وكظمه خَيره الله فِي الْحور الْعين ".
﴿وَالْعَافِينَ عَن النَّاس﴾ قيل: عَن المماليك سوء الْأَدَب، وَقيل: على الْعُمُوم عَن كَافَّة النَّاس، ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ .
آل عمران 3:135
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم﴾ مَا دون الزِّنَا من الْقبْلَة، والمعانقة، واللمس، وَالضَّم، وَنَحْوه ﴿ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى: أَن رجلا بِالْمَدِينَةِ - يُقَال لَهُ: نَبهَان - كَانَ تمارا فَجَاءَتْهُ امْرَأَة تشتري مِنْهُ التَّمْر، فأعجبه جمَالهَا فقبلها، فَذكر الله، وَنَدم واستغفر؛ فَنزلت الْآيَة.
﴿وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله﴾ أَي: ذكرُوا وَعِيد الله ﴿فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا﴾ الْإِصْرَار هُوَ الْمقَام على الْمعْصِيَة من غير تَوْبَة، فَقَوله: ﴿وَلم يصروا﴾ أَي: وَلم يقيموا، وَلم يمضوا ﴿على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ أَن الله لَا يتعاظمه الْعَفو عَن الذَّنب، وَإِن أَكثر الذَّنب، وَقد روى عَن معبد بن صَبِيحَة أَنه قَالَ: صليت خلف عُثْمَان، فَلَمَّا أنصرف من صلَاته قَالَ: إِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلم يصروا على مَا فعلوا﴾ وَأَنا قد صليت من غير طَهَارَة نَاسِيا، وَهَا أَنا أتوضأ، فَذهب (وَتَوَضَّأ) وَأعَاد الصَّلَاة.
آل عمران 3:136
﴿أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر الْعَالمين﴾ ذكر فِي هَذِه الْآيَة جَزَاء الذَّاكِرِينَ، والمستغفرين، وَقد ورد فِي الاسْتِغْفَار أَخْبَار: مِنْهَا مَا روى مَرْفُوعا: " مَا أصر من اسْتغْفر، وَإِن عَاد فِي الْيَوْم سبعين مرّة ".
وروى أَسمَاء بن الحكم الفزازي عَن عَليّ أَنه قَالَ: إِذا سَمِعت من رَسُول الله حَدِيثا، يَنْفَعنِي الله بِهِ مَا شَاءَ، وَإِذا سَمِعت من غَيره (حلفته) عَلَيْهِ، فَإِذا حلف صدقته وحَدثني أَبُو بكر - وَهُوَ صَادِق -: أَن رَسُول الله قَالَ " مَا من عبد يُذنب ذَنبا، فيتوضأ، وَصلى رَكْعَتَيْنِ واستغفر (الله) إِلَّا غفر الله لَهُ ".
وَاعْلَم أَن الاسْتِغْفَار تسهيل لِلْأَمْرِ على هَذِه الْأمة، فَإِن الَّذين قبلنَا كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم إِذا أذْنب ذَنبا يطهر على بَابه (أَن اقْطَعْ) من نَفسك عُضْو كَذَا، وَكَانَ لَا بُد لَهُ مِنْهُ، وَقد أخرج الله - تَعَالَى - هَذِه الْأمة عَن الذُّنُوب بالاستغفار؛ كَرَامَة لَهُم؛ وتيسيرا عَلَيْهِم.
وَسُئِلَ ابْن المعتز: إِذا كَانَ الله - تَعَالَى - وَاسع الْمَغْفِرَة، وسعت رَحمته كل شَيْء فَمَا يمنعهُ أَن يرحم الْكَافِر؟ فَقَالَ: إِن رَحمته لَا تغلب حكمته.
آل عمران 3:137
قَوْله تَعَالَى: ﴿قد خلت من قبلكُمْ سنَن﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " قد مَضَت "، وَهُوَ بِمَعْنى خلت. السّنة: هِيَ الطَّرِيقَة المتبعة فِي الْخَيْر وَالشَّر.
وَقد قَالَ فِي الْمَجُوس: " سنوا بهم سنة أهل الْكتاب " وَكَانَت شرا لَهُم. وَقَالَ الشَّاعِر:
(وَإِن الآلى بالطف من آل هَاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا)
قَالَ ابْن عَبَّاس: سنَن [الَّذين] من قبلكُمْ، وَهِي وقائع الله على الْكفَّار. وَقَالَ غَيره: هِيَ الْأَعْلَام والْآثَار الَّتِي كَانَت. وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنَّهَا طرائق الله فِي الْكفَّار، وبقتلهم، وَسَبْيهمْ وتخريب دِيَارهمْ، وَنَحْوه، قَالَ الزّجاج: ﴿قد خلت من قبلكُمْ سنَن﴾ أَي: أهل سنَن. ﴿فسيروا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين﴾ .
آل عمران 3:138
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا بَيَان للنَّاس وَهدى وموعظة لِلْمُتقين﴾ قَالَ الشّعبِيّ: بَيَان من الْعَمى، وَهدى من الضَّلَالَة، وموعظة من الْجَهْل؛ فالبيان: هُوَ إِظْهَار معنى الْكَلَام، وَالْمَوْعِظَة: هِيَ الدُّعَاء إِلَى الْحق بالترغيب والترهيب.
آل عمران 3:139
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنهوا وَلَا تحزنوا﴾ أَي: وَلَا تضعفوا، وَلَا تجبنوا، وَلَا تحزنوا، ﴿وَأَنْتُم الأعلون﴾ أَي: تكون لكم الْعَاقِبَة والنصرة.
وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ﴿وَأَنْتُم الأعلون﴾ ؛ لِأَن الْمُسلمين كَانُوا على الْجَبَل، وَالْمُشْرِكين فِي أَسْفَل الْجَبَل، وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ أَي: لَا تهنوا إِن كُنْتُم مُؤمنين؛ لِأَن الْإِيمَان يزِيد الْقُوَّة فَلَا يُورث الوهن.
آل عمران 3:140
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن يمسسكم قرح﴾ تقْرَأ: بِفَتْح الْقَاف، وضمنها، وَقَالَ الْفراء: الْقرح - بِالْفَتْح -: الْجراحَة، والقرح: الْأَلَم، وَقَالَ الْكسَائي: هما عبارتان عَن معنى وَاحِد. وَالْأَكْثَرُونَ على القَوْل الأول، وَقَوله: ﴿إِن يمسسكم قرح﴾ خطاب للْمُسلمين فِيمَا مسهم يَوْم أحد ﴿فقد مس الْقَوْم قرح مثله﴾ أَي: مس الْكفَّار يَوْم بدر (قرح) مثل مَا مسكم يَوْم أحد.
﴿وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس﴾ فَتَارَة تكوم الدولة للْمُسلمين على الْكفَّار، وَتارَة للْكفَّار على الْمُسلمين، قَالَ الزّجاج: الدولة تكون للْمُسلمين على الْكفَّار، وَقد كَانَت الدولة للْكفَّار على الْمُسلمين؛ لما خالفوا أَمر الرَّسُول، فَإِن لم يخالفوا أمره كَانَت الدولة للْمُسلمين أبدا؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن جندنا لَهُم الغالبون﴾ ؛ وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ .
﴿وليعلم الله الَّذين آمنُوا﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وليبلي الله الَّذين آمنُوا "، وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: ﴿وليعلم﴾ ، فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى قَوْله: ﴿وليعلم الله الَّذين آمنُوا﴾ ، وَهُوَ عَالم بهم أبدا؟ قيل: مَعْنَاهُ: وليعلم الصابرين على الْجِهَاد فِي مَوَاطِن الْجِهَاد ليعاملهم مُعَاملَة من يبتليهم؛ فيعلمهم، وَالْعلم بِالْجِهَادِ فِي مَوَاطِن الْجِهَاد إِنَّمَا يَقع بعد وُقُوع الْجِهَاد، وَقيل: الْعلم الأول: علم الْغَيْب، وَقَوله: ﴿وليعلم﴾ يَعْنِي: علم الْمُشَاهدَة، والوقوع والمجازة على علم الْوُقُوع لَا على علم الْغَيْب.
﴿ويتخذ مِنْكُم شُهَدَاء وَالله لَا يحب الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: أَنه مَا جعل الْيَد للْكفَّار يَوْم أحد لحبه إيَّاهُم؛ وَلَكِن ليبتليكم، ويجعلكم شُهَدَاء.
آل عمران 3:141
قَوْله تَعَالَى: ﴿وليحمص الله الَّذين آمنُوا﴾ وكل هَذَا على نسق قَوْله: ﴿ليقطع طرفا﴾ (وَكَذَلِكَ) قَوْله: ﴿وليعلم الله الَّذين آمنُوا﴾ وَأما التمحيص: قيل: هُوَ [التخليص] وَهُوَ قَول الْحسن، وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ بِمَعْنى: الِابْتِلَاء، وَحَقِيقَة معنى التمحيص: التَّطْهِير من الذُّنُوب، تَقول الْعَرَب: محص عَنَّا ذنوبنا أَي: طهرنا من الذُّنُوب.
﴿ويمحق الْكَافرين﴾ [معنى] الْآيَة: أَنهم إِن قتلوكم؛ فَذَلِك تَطْهِير لكم، وَإِن قَتَلْتُمُوهُمْ فَذَلِك محق لَهُم واستئصال.
آل عمران 3:142
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسبتم﴾ أَي: [أحسبتم] ﴿أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم﴾ أَي: وَلم يعلم الله الَّذين وَقع مِنْهُم الْجِهَاد، ﴿وَيعلم الصابرين﴾ .
آل عمران 3:143
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت﴾ سَبَب نزُول الْآيَة أَن الَّذين تخلفوا من حَرْب بدر من الْمُسلمين قَالُوا لما انْقَضتْ حَرْب بدر: لَو كَانَ لنا يَوْم مثله فنقاتل ونقتل ونستشهد، فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد انْهَزمُوا، وهربوا؛ فَنزلت الْآيَة.
﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت﴾ أَي: سَبَب الْمَوْت وَهُوَ الْجِهَاد؛ إِذْ لَا يجوز أَن يتَمَنَّى الْمَوْت بقتل الْكَافِر إِيَّاه ﴿من قبل أَن تلقوهُ﴾ أَي: تلقونَ سَببه من الْجِهَاد ﴿فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ ، فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ ، وَقد قَالَ: ﴿فقد رَأَيْتُمُوهُ﴾ ؟ (قيل) : يحْتَمل [أَن تكون] الرُّؤْيَة بِمَعْنى الْعلم؛ فَقَالَ: ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ ليعلم أَن المُرَاد بِالرُّؤْيَةِ هَا هُنَا: التفكر، قَالَه الْأَخْفَش، وَقيل: إِنَّمَا قَالَه تَأْكِيدًا، وَقيل: مَعْنَاهُ: وَأَنْتُم تنْظرُون إِلَى مُحَمَّد.
آل عمران 3:144
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل﴾ سَبَب نزُول الْآيَة أَن الْمُسلمين يَوْم أحد لما وَقعت الْهَزِيمَة عَلَيْهِم، وَوَقع الْقَتْل فيهم؛ صَاح الشَّيْطَان - عَلَيْهِ مَا يسْتَحق -: أَلا إِن مُحَمَّدًا [قد] قتل، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: خُذُوا لنا الْأمان من أبي سُفْيَان، وَقَالَ من كَانَ فِي قلبه نفاق: ارْجعُوا إِلَى دينكُمْ الأول، فَإِن مُحَمَّدًا قد قتل؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ يَعْنِي: هُوَ على رسَالَته ونبوته مَاتَ أَو قتل، فَلم انقلبتم على أعقابكم؟ ! ﴿وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا﴾ أَي: إِنَّمَا ضرّ نَفسه، ﴿وسيجري الله الشَّاكِرِينَ﴾ .
وروى: أَن [أنس بن النَّضر] " لما سمع قَول الشَّيْطَان: إِن مُحَمَّدًا قتل، اخْتَرَطَ سَيْفه وَتوجه إِلَى الْكفَّار، وَقَالَ: إِن قَاتل مُحَمَّد وَقتل، وَوصل إِلَى مَا وصل، فَأَنا أقَاتل حَتَّى أقتل، وأصل إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ، فقاتل حَتَّى قتل ".
وَقَالَ كَعْب بن مَالك: أَنا أول من رأى رَسُول الله يَوْم أحد بعد صياح الشَّيْطَان، عَرفته بِعَيْنيهِ تَحت المغفر، فَقلت: هَذَا رَسُول الله حَيّ، فَأَشَارَ إِلَى أَن اسْكُتْ ".
آل عمران 3:145
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله﴾ تَقْدِيره: وَمَا كَانَت نفس لتَمُوت إِلَّا بِإِذن الله بِقَضَائِهِ وَقدره ﴿كتابا مُؤَجّلا﴾ تَقْدِيره: كتب كتابا مُؤَجّلا.
(وَمن يرد ثَوَاب الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا) فَإِن قيل: نَحن نرى من يُرِيد الدُّنْيَا، فَلَا يُؤْتى؟ قيل: مَعْنَاهُ: لَا يمْنَع عَنهُ مَا قدر لَهُ من ثَوَاب الدُّنْيَا بِسَبَب كفره.
﴿وَمن يرد ثَوَاب الْآخِرَة نؤته مِنْهَا﴾ فَإِن قيل: وَهل يُؤْتى ثَوَاب الْآخِرَة بِمُجَرَّد الْإِرَادَة؟ قيل مَعْنَاهُ: وَمن يرد بِالْعَمَلِ، وَهَذَا كَمَا يُقَال: فلَان يُرِيد الْجنَّة، أَي: يعْمل للجنة ﴿وسنجزي الشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ، قَالَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ -: أَبُو بكر إِمَام الشَّاكِرِينَ. أَي: إِمَام الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله عَنهُ.
آل عمران 3:146
قَوْله تَعَالَى: ﴿وكأين من نَبِي [قَاتل] مَعَه ربيون كثير﴾ أَي: وَكم من نَبِي قتل قَالَ جرير:
(وكأين بالأباطح من صديق ... يراني إِن أصبت هُوَ المصابا)
قَالَ عِكْرِمَة: هَذَا وقف تَامّ، وَمَعْنَاهُ: كم نَبِي قتل وَمَعَهُ أَصْحَابه.
﴿فَمَا وهنوا لما أَصَابَهُم فِي سَبِيل الله﴾ أَي: مَا جبنوا ﴿وَمَا ضعفوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أَي: مَا ذلوا، وَمَا خضعوا، وَقَالَ الْحسن: مَا قتل نَبِي فِي معركة قطّ، وَإِنَّمَا معنى الْآيَة: وكأين من نَبِي قتل مَعَه ربيون كثير، وَأما الْقِرَاءَة الْأُخْرَى: " قَاتل مَعَه فَمَعْنَاه ظَاهر، وَأما الربيون قَالَ ابْن مَسْعُود: هم أُلُوف، وَقيل: هم عشرَة آلَاف. قَالَ الْحسن: الربيون من الْعلمَاء مَأْخُوذ من الرب؛ لأَنهم على دين الرب وَطَرِيقه.
قَوْله تَعَالَى: {وَالله يحب الصابرين
آل عمران 3:147
وَمَا كَانَ قَوْلهم إِلَّا أَن قَالُوا رَبنَا أَغفر لنا ذنوبنا) أَي: الصَّغَائِر ﴿وإسرافنا فِي أمرنَا﴾ أَي: الْكَبَائِر، ﴿وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين﴾ .
آل عمران 3:148
قَوْله تَعَالَى: ﴿فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: (النُّصْرَة) وَالْغنيمَة.
﴿وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ أَن الله ينزل النَّبِي وَأَصْحَابه فِي قباب من در وَيَاقُوت حَتَّى يفصل بَين الْخلق، وَقيل، حسن ثَوَاب الْآخِرَة: أَن يجازيهم على عَمَلهم ويزيدهم من فَضله ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ .
آل عمران 3:149
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا الَّذين كفرُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ يَعْنِي: إِلَى الْيَهُودِيَّة والنصرانية.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْمُنَافِقين الَّذين قَالُوا يَوْم أحد: ارْجعُوا إِلَى دينكُمْ الأول؛ فَإِن مُحَمَّدًا قد قتل، فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾ أَي: مغبونين. ﴿بل الله مولاكم وَهُوَ خير الناصرين﴾ .
آل عمران 3:150
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا الَّذين كفرُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ يَعْنِي: إِلَى الْيَهُودِيَّة والنصرانية.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْمُنَافِقين الَّذين قَالُوا يَوْم أحد: ارْجعُوا إِلَى دينكُمْ الأول؛ فَإِن مُحَمَّدًا قد قتل، فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾ أَي: مغبونين. ﴿بل الله مولاكم وَهُوَ خير الناصرين﴾ .
آل عمران 3:151
قَوْله تَعَالَى: (سنلقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب) يَعْنِي: الْخَوْف، قَالَ: " نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر " ﴿بِمَا أشركوا بِاللَّه﴾ أَي: بشركهم بِاللَّه ﴿مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا﴾ أَي: الَّذِي لم ينزل بِهِ حجَّة، وَالسُّلْطَان: الْحجَّة، قَالَ الله تَعَالَى (هلك عني سلطانيه) أَي: حجتي.
﴿ومأواهم النَّار﴾ مكانهم النَّار ﴿وَبئسَ مثوى الظَّالِمين﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن الْهَزِيمَة لما وَقعت على الْمُسلمين يَوْم أحد، وَوَقع الْقَتْل فيهم، تشَاور الْمُشْركُونَ فِيمَا بَينهم، وَأَجْمعُوا على أَن يعودوا لِلْقِتَالِ، فيستأصلوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه فَألْقى الله تَعَالَى الرعب فِي قُلُوبهم، فَمروا على وُجُوههم لَا يلوون على شَيْء حَتَّى بلغُوا مَكَّة، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿سنلقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب﴾ .
آل عمران 3:152
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده﴾ أَي: وعده صدقكُم بالظفر والنصرة؛ وَقد كَانَت النُّصْرَة فِي الِابْتِدَاء للْمُسلمين يَوْم أحد ﴿إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ﴾ أَي: تقتلونهم بِقَضَاء الله وَقدره، وألحس: الْقَتْل، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(تحسهم السيوف كَمَا تسامى ... لهيب النَّار فِي أجم الحصيد)
﴿حَتَّى إِذا فشلتم﴾ أَي: جبنتم، ﴿وتنازعتم فِي الْأَمر﴾ تَقْدِيره: حَتَّى إِذا فشلتم، تنازعتم فِي الْأَمر، و " الْوَاو " زَائِدَة قَالَه الْفراء، وَقيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَتَقْدِيره: حَتَّى إِذا تنازعتم فِي الْأَمر، فشلتم ﴿وعصيتم من بعد مَا أَرَاكُم مَا تحبون﴾ يَعْنِي: من الظفر وَالْغنيمَة.
﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾ ؛ لأَنهم اخْتلفُوا على مَا سنذكر ﴿ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم﴾ أَي: [كف] أَيْدِيكُم عَنْهُم؛ ليمتحنكم، وَقيل: لينزل الْبلَاء عَلَيْكُم، ﴿وَلَقَد عَفا عَنْكُم وَالله ذُو فضل على الْمُؤمنِينَ﴾ ، والقصة فِي ذَلِك: " أَن رَسُول الله رأى فِي مَنَامه: أَنه لبس درعا حَصِينَة حِين نزل الْمُشْركُونَ بِأحد؛ فأولها على الْمَدِينَة، وشاور أَصْحَابه فِي الْخُرُوج إِلَى أحد، فَقَالُوا: إِن هَذِه بَلْدَة مَا دخل علينا فِيهَا أحد، وَلَا تبع حَتَّى قدم وَحَتَّى يخرج إِلَيْهِم، فَلبس رَسُول الله درعين، وَوضع المغفر على رَأسه، وَخرج؛ فَنَدِمُوا وَعَلمُوا أَنه كَانَ مُرَاده أَن يُقيم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، (إِنَّا) تبع لرأيك، وطلبوا مِنْهُ أَن يرجع إِن شَاءَ، فَقَالَ: مَا كَانَ لنَبِيّ إِذا لبس لامته أَن يَنْزِعهَا حَتَّى يُقَاتل، أَو يحكم الله.
وَمضى مَعَه ألف نفر، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول [وَأَصْحَابه] بِثلث الْجَيْش ثلثمِائة نفر، وَبَقِي سَبْعمِائة، فَلَمَّا وصل إِلَى أحد بعث قوما من الرُّمَاة، وأجلسهم على مَوضِع من جبل يخَاف مِنْهُ الكمين، وَأمر عَلَيْهِم عبد الله بن جُبَير الْأنْصَارِيّ.
﴿الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم وَلَقَد عَفا عَنْكُم وَالله ذُو فضل﴾
ثمَّ ابْتَدَأَ الْقِتَال مَعَ الْمُشْركين، فظفر عَلَيْهِم، وَقتل جمَاعَة من رُؤَسَائِهِمْ، وانهزموا، ولاح الظفر للْمُسلمين، وَسَارُوا فِي أَثَرهم للغنيمة، فَلَمَّا رَآهُ الرُّمَاة، فَقَالُوا: إِن الْمُشْركين قد انْهَزمُوا، ولاح الظفر حَتَّى نسير على أَثَرهم؛ ونغنم، فَقَالَ عبد الله بن جُبَير: لَا تفارقوا هَذَا الْمَكَان؛ فَإِن رَسُول الله أَمركُم أَن تلزموا هَذَا الْمَكَان، فالزموه، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، وَذهب أَكْثَرهم، وَبَقِي عبد الله بن جُبَير مَعَ نفر قَلِيل من أَصْحَابه.
فَلَمَّا عرى مَوضِع الكمين عَن الرُّمَاة، خرج عَلَيْهِم خَالِد بن الْوَلِيد من الكمين، وَحمل عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ، فاستشهد عبد الله بن جُبَير، وَمن بَقِي مَعَه، وَعَاد الْمُشْركُونَ لِلْقِتَالِ، وَوَقع الْقَتْل فِي الْمُسلمين، وَقتل مِنْهُم سَبْعُونَ نَفرا، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَبَقِي مَعَ رَسُول الله نفر قَلِيل، فَذَلِك قَوْله ﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده﴾ أَي: فِي الِابْتِدَاء بالظفر والنصرة ﴿إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فشلتم وتنازعتم فِي الْأَمر﴾ يَعْنِي: أُولَئِكَ الرُّمَاة الَّذين اخْتلفُوا، ﴿وعصيتم﴾ يَعْنِي: عصيتم الرَّسُول، وخالفتم أمره ﴿من بعد مَا أَرَاكُم﴾ يَعْنِي: من بعد أَن أَرَاكُم الله تَعَالَى ﴿مَا تحبون﴾ من الظفر ﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا﴾ هم الَّذين ذَهَبُوا للغنيمة، ﴿ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾ : الَّذين صَبَرُوا مَعَ عبد الله بن جُبَير.
قَالَ ابْن مَسْعُود: مَا علمنَا أَن أحدا منا يُرِيد الدُّنْيَا حَتَّى أنزل الله هَذِه الْآيَة.
﴿ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم﴾ يَعْنِي: فِي الْوَقْعَة الثَّانِيَة حِين عَاد الْمُشْركُونَ، وَهَذَا دَلِيل لأهل السّنة على: أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة؛ حَيْثُ نسب الله تَعَالَى هزيمَة الْمُسلمين إِلَى نَفسه مَعَ وُقُوع الْفِعْل مِنْهُم، فَقَالَ: ﴿ثمَّ صرفكم عَنْهُم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ تصعدون﴾ وَيقْرَأ: بِفَتْح التَّاء وَالْعين. فالإصعاد: هُوَ الْمَشْي فِي مستو من الأَرْض، والصعود: المشى فِي مُرْتَفع من الأَرْض.
وَالْخطاب مَعَ الْمُسلمين الَّذين انْهَزمُوا،
آل عمران 3:153
بقوله: ﴿إِذْ تصعدون وَلَا تلوون على أحد﴾ أَي: لَا تعرجون، وَلَا تلتفتون إِلَى أحد، ثمَّ مِنْهُم من قَالَ: ﴿أَرَادَ بالأحد﴾ : الرَّسُول، وَمِنْهُم من قَالَ: مَعْنَاهُ: لَا تلوون على أحد من النَّاس.
﴿وَالرَّسُول يدعوكم فِي أخراكم﴾ يَعْنِي: فِي آخر الْجَيْش، وَكَانَ يَدعُوهُم: " عباد الله، إِلَيّ إِلَيّ، أَنا رَسُول الله، فَلم يلتفتوا إِلَيْهِ، ومضوا ".
﴿فأثابكم غما بغم﴾ أَي: جازاكم، ثمَّ اخْتلفُوا، مِنْهُم من قَالَ: الْغم الأول: هُوَ الْقَتْل، والهزيمة الَّتِي وَقعت على الْمُسلمين، وَالْغَم الثَّانِي: هُوَ الإرجاف من قَول الشَّيْطَان: إِن مُحَمَّدًا قد قتل. وَقيل: [إِن] الْغم الأول: هُوَ الْقَتْل والهزيمة، وَالْغَم الثَّانِي: هُوَ فَوَات الظفر على الْعَدو.
وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: أَنهم غموا الرَّسُول بمخافة أمره؛ فجازاهم الله تَعَالَى بذلك الْغم غم الْقَتْل والهزيمة؛ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ ثَوابًا؛ لِأَنَّهُ وَضعه مَوضِع الثَّوَاب، كَمَا قَالَ: ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ سمى الْعَذَاب: بِشَارَة؛ لِأَنَّهُ وَضعه مَوضِع الْبشَارَة ﴿ليكلا تحزنوا على مل فاتكم وَلَا مَا أَصَابَكُم﴾ من الْقَتْل والهزيمة، مَنعهم الله تَعَالَى من الْحزن على شَيْء ابْتَلَاهُم الله بِهِ، ووعد الثَّوَاب عَلَيْهِ ﴿وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
آل عمران 3:154
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أنزل عَلَيْكُم من بعد الْغم أَمَنَة﴾ قيل: الْأَمْن والأمنة بِمَعْنى ( ﴿١٥٣) ثمَّ أنزل عَلَيْكُم من بعد الْغم أَمَنَة نعاسا يغشى طَائِفَة مِنْكُم وَطَائِفَة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بِاللَّه غير الْحق ظن الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ هَل لنا من الْأَمر من شَيْء قل إِن الْأَمر كُله لله يخفون فِي أنفسهم مَا لَا يبدون لَك يَقُولُونَ لَو كَانَ لنا من الْأَمر شَيْء مَا قتلنَا هَا هُنَا قل لَو كُنْتُم فِي بُيُوتكُمْ لبرز الَّذين كتب عَلَيْهِم الْقَتْل إِلَى مضاجعهم وليبتلي﴾
وَاحِد، وَقيل: يكون مَعَ (زَوَال سَبَب الْخَوْف) ، فَأَما هَا هُنَا فَقَالَ: ﴿أَمَنَة نعاسا يغشى طَائِفَة مِنْكُم﴾ قيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: نعاسا أَمَنَة، وَقيل: هُوَ على نظمه مُسْتَقِيم، وَمعنى الْآيَة: أَن الله تَعَالَى أَرَادَ تميز الْمُؤمنِينَ من الْمُنَافِقين، فأوقع النعاس على الْمُؤمنِينَ أَمَنَة لَهُم، حَتَّى أمنُوا، وَلم يُوقع على الْمُنَافِقين فبقوا على الْخَوْف.
قَالَ أَبُو طَلْحَة: أوقع الله تَعَالَى علينا النعاس وَنحن تَحت الْحجر.
وَقيل: أوقع النعاس عَلَيْهِم حَتَّى كَانَ يسْقط السيوف من أَيْديهم، وَكَذَلِكَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزُّبَيْر أخبرا عَن ذَلِك النعاس، كَمَا أخبر أَبُو طَلْحَة.
وَعَن الزبير أَنه قَالَ: لما أوقع الله النعاس علينا، سمعنَا معتب بن قُشَيْر يَقُول: لَو كَانَ لنا من الْأَمر شَيْء مَا قتلنَا هَا هُنَا، وَكنت كَأَنِّي فِي النّوم أسمع، فَذَلِك قَوْله: ﴿يغشى طَائِفَة مِنْكُم﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ ﴿وَطَائِفَة قد أهمتهم أنفسهم﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين ﴿يظنون بِاللَّه غير الْحق ظن الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ هَل لنا من الْأَمر من شَيْء﴾ قَالَ: ﴿قل إِن الْأَمر كُله لله يخفون فِي أنفسهم مَا لَا يبدون لَك﴾ .
ثمَّ فسر ذَلِك فَقَالَ: ﴿يَقُولُونَ لَو كَانَ لنا من الْأَمر شَيْء مَا قتلنَا هَا هُنَا قل لَو كُنْتُم فِي بُيُوتكُمْ لبرز الَّذين كتب عَلَيْهِم الْقَتْل إِلَى مضاجعهم﴾ .
أَي: خرج الَّذين كتب عَلَيْهِم الْقِتَال إِلَى مصَارِعهمْ للْمَوْت، وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْأَجَل فِي الْقَتْل وَالْمَوْت وَاحِد، كَمَا قَالَ أهل السّنة.
قَوْله تَعَالَى: (وليبتلي الله مَا فِي صدوركم وليمحص مَا فِي قُلُوبكُمْ وَالله عليم بِذَات الصُّدُور) .
.
آل عمران 3:155
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ﴾ . يَعْنِي: الَّذين انْهَزمُوا من الْمُسلمين يَوْم أحد؛ فَإِنَّهُ لما وَقعت الْهَزِيمَة على الْمُسلمين انهزم أَكْثَرهم، وَلم يبْقى مَعَ رَسُول الله إِلَّا أَرْبَعَة عشر نَفرا: سَبْعَة من الْمُهَاجِرين وَسَبْعَة من الْأَنْصَار، وَقيل: ثَلَاثَة عشر، سِتَّة من الْمُهَاجِرين وهم أَبُو بكر، وَعمر، وَعلي، وَطَلْحَة، وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسعد بن أبي وَقاص.
وَفِي الرِّوَايَة الأولى: كَانَ السَّابِع الزبير، وَكَانَ طَلْحَة أَشد نكاية فِي الْكفَّار يَوْمئِذٍ.
وَقيل: إِن يَوْم أحد لطلْحَة، وَقيل: إِنَّه كَانَ وقاية رَسُول الله وَكَانَ قد ضرب على يَده فشلت وَبقيت كَذَلِك.
وَأما سعد وَهُوَ رامية، وَكَانَ يَرْمِي بَين يَدَيْهِ، وَيَقُول لَهُ رَسُول الله: " ارْمِ، فدَاك أبي وَأمي "
وَأما الَّذين انْهَزمُوا، فقد لحق بَعضهم بِالْمَدِينَةِ مِنْهُم عُثْمَان، وَرجع بَعضهم على الطَّرِيق مِنْهُم عمر؛ فَذَلِك قَوْله: ﴿إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان﴾ أَي: طلب زلتهم، يُقَال: استعجل فلَانا، أَي: طلب عجلته، وَمَعْنَاهُ: أَن الشَّيْطَان استزلهم حَتَّى انْهَزمُوا.
وَقَوله ﴿بِبَعْض مَا كسبوا﴾ يَعْنِي: من مُخَالفَة الرَّسُول ﴿وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم إِن الله غَفُور حَلِيم﴾ قَالَ الزّجاج: كَانَ سَبَب انهزامهم: أَن الشَّيْطَان وسوس إِلَيْهِم: إِن عَلَيْكُم ذنوبا؛ فكرهوا الْقَتْل قبل أَن يتوبوا من الذُّنُوب؛ فَذَلِك قَوْله: ﴿إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان بِبَعْض مَا كسبوا وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم إِن الله غَفُور حَلِيم﴾ .
روى: " أَن رجلا جَاءَ إِلَى ابْن عمر - وَقيل: إِلَى ابْن عَبَّاس، [و] الْأَصَح إِلَى ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: أَلَيْسَ عُثْمَان لم يشْهد بَدْرًا؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ: أَلَيْسَ لم يشْهد بيعَة الرضْوَان؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أَلَيْسَ انهزم يَوْم أحد؟ قَالَ: نعم.
فَقَالَ الرجل الله أكبر.
فَعرف ابْن عَبَّاس أَنه أَرَادَ النَّقْص؛ فَدَعَاهُ، قَالَ: أما يَوْم بدر؛ فَإِن النَّبِي كَانَ قد خَلفه على ابْنَته، وَكَانَت مَرِيضَة وَقَالَ لَهُ: لَك أجر وَاحِد مِمَّن شهد، وَسَهْم وَاحِد مِمَّا شهد، وَهُوَ بَدْرِي بقول الرَّسُول.
وَأما بيعَة الرضْوَان، فقد كَانَ الرَّسُول بعث عُثْمَان إِلَى مَكَّة رَسُولا، وَلَو كَانَ بَينهم فِي الْوَادي أعز مِنْهُ لبعثه، وَلما بايعهم ضرب رَسُول الله بِشمَالِهِ على يَمِينه، وَقَالَ: هَذِه يَد عُثْمَان، وَهَذِه يَدي، أما انهزامه يَوْم أحد، فقد عَفا الله عَنهُ، وَلَا عيب فِي شَيْء عَفا الله عَنهُ ".
فصل
" وَأما مَا أصَاب رَسُول الله يَوْم أحد، فَإِنَّهُ كَانَ قد هشمت الْبَيْضَة الَّتِي كَانَت على رَأسه، وأدمي وَجهه، وَكسر [ثنيته] ؛ فجَاء إِلَى الْمَدِينَة فَكَانَت فَاطِمَة تغسل وَجهه، وَعلي - رَضِي الله عَنهُ - يَأْتِي بِالْمَاءِ فِي الْمِجَن، وَكَانَ يغلب الدَّم، حَتَّى أحرقت حَصِيرا، فَلَمَّا صَار رَمَادا، جَعَلُوهُ فِي الْجراحَة فَاسْتَمْسك الدَّم ".
آل عمران 3:156
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين كفرُوا﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين ﴿وَقَالُوا لإخوانهم إِذا ضربوا فِي الأَرْض﴾ أَرَادَ: إخْوَانهمْ فِي النّسَب، لَا فِي الدّين ﴿ضربوا فِي الأَرْض﴾ أَي: سافروا ﴿أَو كَانُوا غزى﴾ جمع غاز ﴿لَو كَانُوا عندنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا﴾ وَهَذَا قَول المعتب بن قُشَيْر، وَعبد الله بن أبي بن سلول، وجد بن قيس؛ ﴿ليجعل الله ذَلِك حسرة فِي قُلُوبهم وَالله يحيي وَيُمِيت وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ .
آل عمران 3:157
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن قتلتم فِي سَبِيل الله أَو متم﴾ أَي: لَئِن خَرجْتُمْ، فقتلتم، أَو لم تخْرجُوا، فمتم ﴿لمغفرة من الله وَرَحْمَة خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ من الدُّنْيَا وَيطْلبُونَ الْحَيَاة لأَجله.
آل عمران 3:158
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن متم أَو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾ يَعْنِي: كَيْفَمَا خَرجْتُمْ من الدُّنْيَا، فحشركم إِلَى الله تَعَالَى.
آل عمران 3:159
قَوْله تَعَالَى: ﴿فبمَا رَحْمَة من الله﴾ أَي: فبرحمة، و " مَا " للصلة، ﴿لنت لَهُم﴾ وَهَذِه صفة الْمُؤمنِينَ، وَقد قَالَ: " الْمُؤْمِنُونَ هَينُونَ لَينُونَ، كَالْجمَلِ الْأنف، إِن قيد انْقَادَ، وَإِن أنخ على صَخْرَة استناخ ".
﴿وَلَو كنت فظا﴾ وَهُوَ الجافي ﴿غليظ الْقلب﴾ أَي: قاسي الْقلب ﴿لَا نفضوا﴾ لتفرقوا ﴿من حولك﴾ .
﴿فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاورهم فِي الْأَمر﴾ الْمُشَاورَة هِيَ اسْتِخْرَاج الرَّأْي، وَكَانَت الْمُشَاورَة جَائِزَة للنَّبِي فِي أُمُور الدُّنْيَا، فَأَما فِي أُمُور الدّين فعلى التَّفْصِيل إِن كَانَ فِي شَيْئَيْنِ يجوز كِلَاهُمَا، جَازَت الْمُشَاورَة، كَمَا شاورهم فِي أُسَارَى بدر، حَيْثُ كَانَ يجوز الْقَتْل وَالْفِدَاء.
وَالثَّانِي: فِي أُمُور ثبتَتْ نصا، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة، لَا تجوز فِيهَا الْمُشَاورَة.
وَالثَّالِث: فِي شَيْء لَا نَص فِيهِ، فَهُوَ بِنَاء على أَن اجْتِهَاده هَل كَانَ سائغا أم لَا؟ فَإِن سَاغَ اجْتِهَاده، جَازَت مشاورته، وَإِلَّا فَلَا.
ولأي كَانَ يشاور؟ قَالَ الضَّحَّاك: ليقتدى بِهِ، وليستن بسنته، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ، وَقَالَ قَتَادَة: تطييبا لقُلُوبِهِمْ.
﴿فَإِذا عزمت فتوكل على الله﴾ أَي: لَا تتوكل على الْمُشَاورَة، وَإِنَّمَا توكل على الله ﴿إِن الله يحب المتوكلين﴾ .
آل عمران 3:160
﴿إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم وَإِن يخذلكم فَمن ذَا الَّذِي ينصركم من بعده﴾ الخذلان: الِامْتِنَاع عَن النُّصْرَة عِنْد الْحَاجة ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤمنِينَ﴾ .
آل عمران 3:161
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ يقْرَأ بقراءتين، فَمن قَرَأَهُ: بِفَتْح الْيَاء وَضم الْغَيْن، فَمَعْنَاه: أَن يخون.
قَالَ ابْن عَبَّاس: سَبَب نزُول الْآيَة: أَنه يَوْم بدر فقدت قطيفة حَمْرَاء، فَقَالَ بعض أَصْحَاب رَسُول الله: الرَّسُول أَخذهَا؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ .
وَقَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: مَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكتم شَيْئا من الْوَحْي، ويخون فِيهِ.
وَفِيه قَول ثَالِث: " أَن النَّبِي كَانَ قد بعث طلائع، فهم ألايعطيهم من الْغَنَائِم ( ﴿١٦١) أَفَمَن اتبع رضوَان الله كمن بَاء بسخط من الله ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾
شَيْئا؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ " قَالَ قَتَادَة: أَن يخان مِنْهُ، أَي: لَا تخونوه، وَقيل مَعْنَاهُ: أَن ينْسب إِلَى الْغلُول، وَقيل مَعْنَاهُ: أَن يلقى غلا، وَهَذَا غَرِيب من معنى الْقِرَاءَة الأولى. والغلول: الْخِيَانَة، والغل: الحقد، والغلل: المَاء الَّذِي يجْرِي بَين الشّجر، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(لعب [السُّيُول] بِهِ فَأصْبح مَاؤُهُ ... غللا [يخلل] فِي أصُول الخروع)
وَفِي الْخَبَر: أَن النَّبِي قَالَ: " ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب امْرِئ مُسلم: إخلاص الْعَمَل لله، ونصيحة وُلَاة الْأَمر، وَلُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين؛ فَإِن دعوتهم تحيط من ورائهم ".
﴿وَمن يغلل﴾ أَي: وَمن يخن ﴿يَأْتِ بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة﴾ قيل: يَأْتِي مَا غل بِعَيْنِه يَوْم الْقِيَامَة، وَذَلِكَ معنى قَوْله فِيمَا روى عَنهُ: " لألقين أحدكُم يَوْم الْقِيَامَة، وعَلى رقبته فرس لَهُ حَمْحَمَة قد غله، فَيَقُول: يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، فَأَقُول: لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا، أَلا قد بلغت، ولألقين أحدكُم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة، وعَلى رقبته شَاة لَهَا ثُغَاء، قد غلها، فَيَقُول يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، فَأَقُول: لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا، أَلا قد بلغت، ولألقين أحدكُم يَوْم الْقِيَامَة وعَلى رقبته بعير لَهُ رُغَاء، قد غله، فَيَقُول: يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، فَأَقُول: لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا أَلا قد بلغت ".
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه أَرَادَ بِهِ: يَأْتِي بإثم مَا غل يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي الْخَبَر: " أَن رجلا كَانَ على ثقل رَسُول الله، فاستشهد فَقَالَ النَّاس هُوَ فِي الْجنَّة، فَقَالَ النَّبِي هُوَ فِي النَّار؛ فَطلب، فَإِذا هُوَ قد غل عباءة عَن الْمغنم ".
﴿ثمَّ توفى كل نفس مَا كسبت﴾ أَي: جَزَاء مَا كسبت، فالجزاء مُضْمر فِيهِ ﴿وهم لَا يظْلمُونَ﴾ .
آل عمران 3:162
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن اتبع رضوَان الله﴾ يَعْنِي: ترك الْغلُول ﴿كمن بَاء بسخط من الله﴾ يَعْنِي: بالغلول، وَقيل مَعْنَاهُ: أَفَمَن اتبع رضوَان الله بموافقة الرَّسُول، كمن بَاء بسخط من الله بمخالفة الرَّسُول ﴿ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ .
آل عمران 3:163
قَوْله تَعَالَى: ﴿هم دَرَجَات عِنْد الله﴾ قَالَ مُجَاهِد: لَهُم دَرَجَات عِنْد الله، يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ، وَقَالَ غَيره: تَقْدِيره: هم ذووا دَرَجَات عِنْد الله، يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، فالمؤمنون ذووا الدَّرَجَات الرفيعة، والمنافقون ذووا الدَّرَجَات الخسيسة، وَمثله قَول الشَّاعِر:
(أنصب للمنية تعتريهم ... رجالي، أم همو درج السُّيُول)
أَي: ذووا درج السُّيُول. ﴿وَالله بَصِير بِمَا يعْملُونَ﴾
آل عمران 3:164
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: أنعم، والمنه: النِّعْمَة، والمن: الْقطع؛ وَمِنْه قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَهُم أجر غير ممنون﴾ أَي: غير مَقْطُوع، وَسميت النِّعْمَة منَّة، لِأَنَّهَا مَقْطُوعَة عَن المحن والشدائد.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم﴾ قيل: هَذَا فِي الْعَرَب خَاصَّة؛ لِأَن الرَّسُول بعث من بني إِسْمَاعِيل إِلَى الْعَرَب، وَقيل: هُوَ على الْعُمُوم فِي حق الكافة؛ فَإِنَّهُ بعث بشر مثلهم.
وَمَوْضِع الْمِنَّة فِي بَعثه من أنفسهم للْعَرَب: أَنه كَانَ شرفا لَهُم، حَيْثُ بعث الرَّسُول مِنْهُم، وَأَيْضًا فَإِن الْقُرْآن نزل بِلِسَان الْعَرَب؛ إِذْ كَانَ الرَّسُول عَرَبيا، وَكَانَ التَّعَلُّم أسهل عَلَيْهِم؛ لكَونه أقرب إِلَى أفهامهم، فالمنة فِي السهولة عَلَيْهِم، وَلِأَنَّهُ لما نَشأ فيهم، وَعرفُوا صَدَقَة وأمانته، وَكَانَ أُمِّيا مثلهم مَا كَانَ يحسن الْخط، وَلَا يعلم شَيْئا، وَلَا سَافر، ثمَّ أَتَى بِكِتَاب يخبر عَن الْقُرُون الْمَاضِيَة وقصص الْأَوَّلين، وَوَافَقَ الْكتب الْمنزلَة قبله، كَانَ أقرب إِلَى قُلُوبهم، فَكَانَ يسهل طَرِيق الْإِيمَان عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم﴾ أَي: يشْهد بتزكية سَائِر الْأُمَم، ويجعلهم أزكياء، وَقيل: يطهرهم من الذُّنُوب ﴿وَيُعلمهُم الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿وَالْحكمَة﴾ ، قَالَ ابْن عَبَّاس: الْفِقْه والشرائع، وَقَالَ غَيره: الْحِكْمَة: السّنة. ﴿وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾ أَي: مَا كَانُوا من قبل إِلَّا فِي ضلال مُبين.
آل عمران 3:165
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة﴾ يَعْنِي: يَوْم أحد ﴿قد أصبْتُم مثليها﴾ يَعْنِي: يَوْم بدر: نزلت الْآيَة فِي تَسْلِيَة الْمُؤمنِينَ، وَذَلِكَ: أَن يَوْم أحد قتل من الْمُسلمُونَ سَبْعُونَ، وَقد أصَاب الْمُسلمُونَ مِنْهُم يَوْم بدر سبعين بِالْقَتْلِ، وَسبعين بالأسر، فَذَلِك مثليهم، فَجعل الْأسر مثل الْقَتْل؛ حَيْثُ جعل الْقَتْلَى والأسرى يَوْم بدر مثلي قَتْلَى أحد.
﴿قُلْتُمْ أَنى هَذَا﴾ من أَيْن هَذَا؟ ﴿قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم﴾ أَي: بمخالفة الرَّسُول مِنْكُم ". وَعَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم﴾ أَي: باختياركم الْفِدَاء؛ وَذَلِكَ أَن النَّبِي خير الْمُسلمين يَوْم بدر فِي الْأُسَارَى بَين الْقَتْل وَالْفِدَاء، وَقَالَ لَهُم: " إِن اخترتم الْفِدَاء أُصِيب مِنْكُم بِعدَّتِهِمْ فِي الْعَام الْقَابِل، فَاخْتَارُوا الْفِدَاء، وَقَالُوا: نتقوى بِهِ على الْعَدو، وَيسْتَشْهد منا " فَذَلِك قَوْله: ﴿قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم﴾ أَي: باختياركم، وَهُوَ قَول عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - ﴿إِن الله على كل شَيْء قدير﴾ .
آل عمران 3:166
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ﴾ يَعْنِي: يَوْم أحد ﴿فبإذن الله﴾ أَي: بِعلم الله، وروى " أَنه - لما نزل الْمُشْركُونَ بِأحد رأى فِي مَنَامه أَن بقرًا ينْحَر، فأوله على أَن يستشهد بعض أَصْحَابه. وَرَأى أَن سَيْفه ذَا الفقار انقصم فأوله على قتل حَمْزَة، وَرَأى كَأَن كَبْشًا أغبر قتل فأوله على قتل مبارز الْكفَّار، فَقتل يَوْم أحد مبارزهم عُثْمَان بن طَلْحَة الْعَبدَرِي من بني عبد الدَّار ".
آل عمران 3:167
﴿وليعلم الْمُؤمنِينَ وليعلم الَّذين نافقوا﴾ يَعْنِي: علم الْمُشَاهدَة، وَإِن كَانَ علمهمْ علم الْغَيْب.
﴿وَقيل لَهُم تَعَالَوْا قَاتلُوا فِي سَبِيل الله أَو ادفعوا﴾ قَائِل ذَلِك القَوْل: عبد الله بن حرَام أَبُو جَابر، قَالَ لِلْمُنَافِقين: قَاتلُوا فِي سَبِيل الله، وَإِن لم تقاتلوا لأجل الدّين، فادفعوا عَن الْأَهْل والحريم.
﴿قَالُوا لَو نعلم قتالا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ فَرَجَعُوا وهم يَقُولُونَ: لَا قتال، لَا قتال، حَتَّى يفشل الْمُسلمُونَ ﴿هم للكفر يَوْمئِذٍ أقرب مِنْهُم للْإيمَان﴾ يَعْنِي: بعد رجوعهم ومقالتهم تِلْكَ؛ لأَنهم كَانُوا من قبل من الْمُؤمنِينَ فِي الظَّاهِر؛ وَإِن كَانُوا منافقين فِي الْبَاطِن، فَلَمَّا فارقوا الْمُؤمنِينَ صَارُوا أقرب إِلَى الْكفْر مِنْهُم للْإيمَان.
﴿يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم وَالله أعلم بِمَا يكتمون﴾ .
آل عمران 3:168
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين قَالُوا لإخوانهم﴾ يَعْنِي: فِي النّسَب لَا فِي الدّين، وهم المُنَافِقُونَ، قَالُوا للْمُسلمين: لَو قعدوا قتلوا) ، كَمَا لم نقْتل، فَذَلِك قَوْله: ﴿الَّذين قَالُوا لإخوانهم وقعدوا لَو أطاعونا مَا قتلوا قل فادرءوا عَن أَنفسكُم الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ يَعْنِي: إِن قدرتم على دفع الْقَتْل، وتقدرون على دفع الْمَوْت، فادفعوا الْمَوْت عَن أَنفسكُم. والدرء: الدّفع، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(أَقُول وَقد درأت لَهَا وضيني ... أَهَذا دينكُمْ أبدا وديني؟)
آل عمران 3:169
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن أَصْحَاب رَسُول الله لما اسْتشْهدُوا يَوْم أحد، كَانَ النَّاس يَقُولُونَ: مَاتَ فلَان؛ وَمَات فلَان، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم﴾ قيل مَعْنَاهُ: يؤولون أَحيَاء يَوْم الْقِيَامَة. إِلَّا أَن هَذَا ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لَا يبْقى لَهُم فِيهِ تَخْصِيص، وَالأَصَح: أَنه على معنى مَا روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر تعلف من ثمار الْجنَّة - وَفِي رِوَايَة: تَأْكُل، وَفِي رِوَايَة: تسرح فِي الْجنَّة فَترد مياهها - ثمَّ تأوى إِلَى قناديل من ذهب معلقَة من الْعَرْش " وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه، وَزَاد " إِن الله تَعَالَى اطلع عَلَيْهِم اطلاعة، فَيَقُول: تمنوا عَليّ، فَيَقُولُونَ: مَاذَا نتمنى وَقد أَعطيتنَا هَذَا؟ ﴿فَيَقُول: تمنوا على، فَيَقُولُونَ: وماذا نتمنى وَقد أَعطيتنَا هَذَا؟﴾ فَيَقُول: تمنوا على، فَيَقُولُونَ: نتمنى أَن نرد إِلَى الدُّنْيَا ونقتل فِي سَبِيلك ثَانِيًا " الحَدِيث.
وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة: " أَن النَّبِي رأى جَابِرا حَزينًا، وَقتل أَبوهُ عبد الله بن حرَام يَوْم أحد، فَقَالَ: مَا لي أَرَاك حَزينًا، إِن الله تَعَالَى لم يكلم أحدا، إِلَّا من وَرَاء حجاب، وَقد كلم أَبَاك كفاحا، فَقَالَ: تمن عَليّ " الحَدِيث.
وروى: " أَن شُهَدَاء أحد قَالُوا: من يبلغ نَبينَا وإخواننا مَا وصلنا إِلَيْهِ؟ فَقَالَ الله تَعَالَى: أَنا أبلغهم - وَفِي رِوَايَة: أَنا رَسُولكُم - وَأنزل هَذِه الْآيَة ".
{بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ
آل عمران 3:170
فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم) قيل مَعْنَاهُ: أَنه يدْفع إِلَيْهِم كتاب فِيهِ أَسمَاء إخْوَانهمْ الَّذين يستشهدون من بعدهمْ، فيستبشرون بهم.
وَقَوله: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم﴾ وَقدر عَلَيْهِم أَن يلْحقُوا بهم. فِيهِ قَول آخر، أَن الشُّهَدَاء يَقُولُونَ: ياليت إِخْوَاننَا أصيبوا مثل مَا أَصَابَنَا؛ فيصلون إِلَى مَا وصلنا؛ فَذَلِك قَوْله: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم أَي: بِأَن لَا خوف عَلَيْهِم {ولاهم يَحْزَنُونَ﴾ .
آل عمران 3:171
﴿يستبشرون بِنِعْمَة من الله وَفضل﴾ وَقيل: أَرَادَ بِالنعْمَةِ: قدر الْكِفَايَة، وبالفضل: مَا زَاد على الْكِفَايَة، وَمَعْنَاهُ: لَا يضيق عَلَيْهِم، بل يُوسع فِي الْعَطاء، وَقيل: ذكر الْفضل تَأْكِيدًا للنعمة، ﴿وَأَن الله لَا يضيع أجر الْمُؤمنِينَ﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود:
" وَالله لَا يضيع أجر الْمُؤمنِينَ ".
آل عمران 3:172
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول﴾ قيل: سَبَب نزُول الْآيَة: أَن أَبَا سُفْيَان لما رَجَعَ إِلَى مَكَّة يَوْم أحد، قَالَ الْكفَّار بَعضهم لبَعض فِي الطَّرِيق: نرْجِع؛ فنستأصل مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله، فَقَالَ: من ينتدب إِلَى الْخُرُوج، فَانْتدبَ سَبْعُونَ نَفرا فيهم أَبُو بكر وَالزُّبَيْر.
وَقد قَالَت عَائِشَة لعروة: إِن أَبَوَيْك من الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول، وأرادت أَن أَبَا بكر وَالزُّبَيْر كَانَا فِي السّبْعين، فَخَرجُوا إِلَى حَمْرَاء الْأسد [وهم] على ثَمَانِيَة أَمْيَال من الْمَدِينَة، فَلَمَّا وصلوا (فَإِذا الله كَانَ قد ألْقى) الرعب فِي قُلُوب الْمُشْركين، وَكَانُوا مضوا إِلَى مَكَّة ".
وَقَالَ ابْن عَبَّاس (قولا آخر) : أَن أَبَا سُفْيَان لما أَرَادَ أَن يرجع يَوْم أحد، قَالَ: موعدنا وموعدكم الْعَام الْقَابِل ببدر، ثمَّ لم يتَّفق لَهُ الْخُرُوج فِي الْعَام الْقَابِل، وَخرج رَسُول الله لموعده إِلَى بدر مَعَ أَصْحَابه، فَأُولَئِك الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول ".
﴿من بعد مَا أَصَابَهُم الْقرح﴾ يَعْنِي: الْأَلَم يَوْم أحد، ﴿للَّذين أَحْسنُوا مِنْهُم﴾ باستجابة الرَّسُول، ﴿وَاتَّقوا﴾ يَعْنِي مُخَالفَة الرَّسُول ﴿أجر عَظِيم﴾ .
آل عمران 3:173
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ﴾ هَذَا قَول نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ، والقصة فِي ذَلِك: " أَن أَبَا سُفْيَان لما لم يتَّفق لَهُ الْخُرُوج لموعده ببدر بعث بنعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ لَهُ: ثبط أَصْحَاب مُحَمَّد عَن الْخُرُوج؛ كَيْلا يَظُنُّوا أَن بِنَا فشلا وَلَك عشر من الْإِبِل، فجَاء إِلَيْهِم، وَكَانَ النَّبِي وصاحبته يتهيئون لِلْخُرُوجِ، فَقَالَ لَهُم: تخرجُونَ إِلَيْهِم! قد خَرجُوا إِلَيْكُم فِي الْعَام الْمَاضِي، وفعلوا بكم مَا فعلوا فِي بُيُوتكُمْ، وَالله لَو خَرجْتُمْ إِلَيْهِم لَا يعود أحد مِنْكُم، فَقَالَ وَأَصْحَابه: حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، وَلم يمتنعوا من الْخُرُوج ".
فَقَوله: ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس﴾ هُوَ نعيم بن مَسْعُود وَحده، هَذَا قَول عِكْرِمَة وَمُجاهد وَمُقَاتِل والكلبي، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ قَول نفر قَلِيل من عبد الْقَيْس، وَقَوله: ﴿فَزَادَهُم إِيمَانًا﴾ مِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ: زادهم إِيمَانًا بتفويضهم، وَقَوْلهمْ: حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، وَقيل مَعْنَاهُ: زادهم يَقِينا بِمَا وعدهم الله من النَّصْر، ﴿وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ ، قَالَ ابْن عَبَّاس: وَهَذَا قَول إِبْرَاهِيم حِين ألْقى فِي النَّار، فَإِنَّهُ قَالَ: حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل.
آل عمران 3:174
قَوْله تَعَالَى: ﴿فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل﴾ معنى الْآيَة: " أَن النَّبِي وَأَصْحَابه خَرجُوا لموعد أبي سُفْيَان إِلَى بدر، وَهُوَ مجمع سوق الْعَرَب، فَلم يلْقوا هُنَالك (أحدا) إِذْ لم يتَّفق (خُرُوجهمْ) ، فاتجروا هُنَالك، وربحوا، وَانْصَرفُوا " فَذَلِك قَوْله: ﴿فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل﴾ فالنعمة: الْعَافِيَة، وَالْفضل: ربح التِّجَارَة ﴿لم يمسسهم سوء وَاتبعُوا رضوَان الله وَالله ذُو فضل عَظِيم﴾ .
آل عمران 3:175
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَان يخوف أولياءه﴾ فالشيطان: كل عَاتٍ متمرد من الْجِنّ وَالْإِنْس، وَالْمرَاد بالشيطان هَا هُنَا: نعيم بن مَسْعُود، وَقيل: هُوَ الشَّيْطَان الْمَعْرُوف؛ فَإِنَّهُ وسوس إِلَيْهِم: أَن لَا تخْرجُوا لذَلِك الْوَعْد.
وَقَوله: ﴿يخوف أولياءه﴾ قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: تَقْدِيره: يخوفكم أولياءه أَي: من أولياءه، وهم الْكفَّار، وَقَالَ أهل الْمعَانِي: هُوَ قَول حسن.
وَقَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: يخوفكم بأوليائه، وَكَذَا قَرَأَ أبي بن كَعْب. (وَمثله) قَوْله تَعَالَى: ﴿لينذر بَأْسا شَدِيدا﴾ أَي: ببأس شَدِيد، وَقَالَ الشَّاعِر:
(أَمرتك الْخَيْر فافعل مَا أمرت بِهِ ... فقد تركتك ذَا مَال وَذَا نسب)
أَي: أَمرتك بِالْخَيرِ، فَنزع الْبَاء ﴿فَلَا تخافوهم وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾
آل عمران 3:176
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يحزنك﴾ وَيقْرَأ: " وَلَا يحزنك) بِضَم الْيَاء، ومعناهما وَاحِد.
﴿الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر﴾ يَعْنِي: قَول الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر.
﴿إِنَّهُم لن يضروا الله شَيْئا﴾ أَي: لن ينقصوا الله شَيْئا ﴿يُرِيد الله أَلا يَجْعَل لَهُم حظا فِي الْآخِرَة﴾ أَي: نَصِيبا فِي الْآخِرَة ﴿وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ .
آل عمران 3:177
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين اشْتَروا الْكفْر بِالْإِيمَان﴾ أَي: استبدلوا وكل شِرَاء استبدال، وَلَيْسَ كل استبدال شِرَاء ﴿لن يضروا الله شَيْئا﴾ أَي: لن ينقصوا الله شَيْئا ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ .
آل عمران 3:178
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا﴾ أَي: لَا يظنن، من الحسبان: الظَّن ﴿أَنما نملي لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ﴾ الْإِمْلَاء: إطالة الْعُمر، والإمهال: التَّأْخِير، وَيُقَال لِليْل وَالنَّهَار: ملوان.
﴿إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا﴾ أَي: إِنَّمَا نطيل عمرهم ليزدادوا إِثْمًا. روى الْأسود عَن أبن مَسْعُود: " مَا من أحد إِلَّا وَالْمَوْت خير لَهُ؛ برا كَانَ أَو فَاجِرًا: أما الْبر، لقَوْله تَعَالَى -: ﴿وَمَا عِنْد الله خير للأبرار﴾ وَأما الْفَاجِر؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا﴾ ؛ وَذَلِكَ أَنه إِذا ازْدَادَ إِثْمًا اشتدت عُقُوبَته " ﴿وَلَهُم عَذَاب مهين﴾ .
آل عمران 3:179
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: على اخْتِلَاط الْمُنَافِقين بكم؛ فَإِنَّهُم كَانُوا مختلطين بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿حَتَّى يُمَيّز الْخَبيث من الطّيب﴾ قَالَ مُجَاهِد: حَتَّى يُمَيّز الْكَافِر من الْمُؤمن، وَقَالَ قَتَادَة: حَتَّى يُمَيّز، الْمُنَافِق من الْمُؤمن، وَيقْرَأ: حَتَّى " يُمَيّز " مشددا يُقَال: ماز يُمَيّز، وميز يُمَيّز، بِمَعْنى وَاحِد. وَفِي الحَدِيث: " من ماز أَذَى من الطَّرِيق، فَهُوَ لَهُ صَدَقَة " ﴿وَمَا كَانَ الله ليطلعكم على الْغَيْب﴾ سَبَب نُزُوله: أَن أَصْحَاب رَسُول الله قَالُوا: يَا رَسُول الله، أخبرنَا بِمن يَمُوت على الْإِيمَان، وَمن يَمُوت على الْكفْر؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ الله ليطلعكم على الْغَيْب وَلَكِن الله يجتبي من رسله من يَشَاء﴾ يَعْنِي: فيطلعه على الْغَيْب بِمَا شَاءَ، وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي آخر سُورَة الْجِنّ: ﴿فَلَا يظْهر على غيبه أحدا إِلَّا من ارتضى من رَسُول﴾ ﴿فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله وَإِن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عَظِيم﴾ .
آل عمران 3:180
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيرا لَهُم﴾ يَعْنِي: هُوَ يكون خيرا لَهُم ﴿بل هُوَ شرا لَهُم﴾ فِي معنى الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه فِي الْيَهُود، حَيْثُ كتموا نعت مُحَمَّد، وبخلوا بِهِ؛ فعلى هَذَا معنى قَوْله: ﴿سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَي: إِثْم مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْآيَة فِي مَا نعى الزَّكَاة، وَقَوله: ﴿سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ على حَقِيقَته، وَهُوَ معنى مَا روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " من منع الزَّكَاة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة، فيمثل لَهُ مَاله شجاعا أَقرع فيطوق فِي رقبته، [فينهسه] من قرنه إِلَى قَدَمَيْهِ ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ". ﴿وَللَّه مِيرَاث السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يكون لَهُ مِيرَاث السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ قيل: الْعَرَب تسمى كل مَا انْتقل من أحد إِلَى غَيره مِيرَاثا بِأَيّ سَبَب كَانَ، فَلَمَّا خلصت السَّمَوَات وَالْأَرْض لله تَعَالَى بعد هَلَاك الْعباد، سَمَّاهُ مِيرَاثا، كَأَنَّهُ انْتقل مِنْهُم إِلَيْهِ ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ .
آل عمران 3:181
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ قيل: سَبَب نزُول الْآيَة: أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ قَالَت الْيَهُود: إِن الله يستقرض منا أَمْوَالنَا؛ فَإِذن هُوَ فَقير وَنحن أَغْنِيَاء وَمَا قَالُوا ذَلِك عَن اعْتِقَاد، وَلَكِن تمويها على الْمُسلمين، وتشكيكا لَهُم فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد رَسُول الله، فَنزل قَوْله: ﴿لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ وَفِيه قَول آخر: أَنه عَلَيْهِ [الصَّلَاة و] السَّلَام لما اسْتَعَانَ بيهود بني قينقاع فِي الْحَرْب، قَالُوا: إِن الله فَقير إِذن؛ حَيْثُ يَسْتَعِين بِنَا فِي نصْرَة دينه، وَنحن أَغْنِيَاء؛ فَنزلت الْآيَة.
﴿سنكتب مَا قَالُوا﴾ : هُوَ الْكِتَابَة فِي صَحَائِف الْأَعْمَال، وَقيل: مَعْنَاهُ: نحصي مَا قَالُوا نجازى عَلَيْهِ، وَيقْرَأ: " سيكتب مَا قَالُوا " بِضَم الْيَاء. ﴿وقتلهم الْأَنْبِيَاء﴾ بِالرَّفْع أَي: وَيكْتب قَتلهمْ الْأَنْبِيَاء ﴿بِغَيْر حق ونقول ذوقوا عَذَاب الْحَرِيق﴾ أَي: بِعَذَاب النَّار؛ لِأَن عَذَاب النَّار محرق.
آل عمران 3:182
﴿ذَلِك بِمَا قدمت أَيْدِيكُم﴾ يَعْنِي: بِمَا قدمتم، وَذكر أَيْدِيكُم تَأْكِيدًا.
﴿وَأَن الله لَيْسَ بظلام للعبيد﴾ يَعْنِي: أَنه يفعل مَا يفعل بهم؛ مجازاة لَهُم على أَعْمَالهم.
آل عمران 3:183
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين قَالُوا إِن الله عهد إِلَيْنَا أَلا نؤمن لرَسُول حَتَّى يأتينا بقربان تَأْكُله النَّار﴾ الْآيَة فِي الْيَهُود، قَالَ السّديّ: كَانَ الله تَعَالَى عهد إِلَى الْيَهُود: أَن لَا يُؤمنُوا لرَسُول حَتَّى يَأْتِيهم بقربان تَأْكُله النَّار سوى عِيسَى وَمُحَمّد، فَأَنَّهُ أَمرهم أَن يُؤمنُوا بهما من غير هَذِه الشريطة.
وَقَالَ غَيره: كَانُوا يَتَقَرَّبُون بالقربان، ثمَّ يَأْخُذُونَ أطايب لَحْمه، فيضعونها فِي بَيت، ثمَّ يقوم نَبِيّهم فِي ذَلِك الْبَيْت يُنَاجِي ربه، فتأتي نَار بَيْضَاء لَهَا حفيف من السَّمَاء، فتأكله، وَيكون ذَلِك عَلامَة قبُول القربان.
﴿قل قد جَاءَكُم رسل من قبلي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات والمعجزات ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ يَعْنِي: من الْإِتْيَان بقربان تَأْكُله النَّار.
﴿فَلم قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أَي: فَلم كذبتموهم، وَقَتَلْتُمُوهُمْ ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فِي دعوتكم ذَلِك الْعَهْد.
آل عمران 3:184
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن كَذبُوك فقد كذب رسل من قبلك جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات والمعجزات ﴿والزبر﴾ : جمع الزبُور وَهُوَ كتاب فِيهِ الْحِكْمَة، وَبِه سمى كتاب دَاوُد: زبورا، وَفِي مصحف أهل الشَّام " وبالزبر ".
فَإِن قَالَ قَائِل: أَي فرق بَين الزبر وَالْكتاب؟ وَقد قَالَ: ﴿والزبر وَالْكتاب الْمُنِير﴾ قيل: الْكتاب اسْم لما كتب، وَضم بعض الْكَلِمَات فِيهِ إِلَى بعض من الْكتب (وَهُوَ) الضَّم، وَأما الزبر: مَأْخُوذ من الزبر وَهُوَ الزّجر، فالزبور: كتاب فِيهِ مزاجر.
آل عمران 3:185
قَوْله تَعَالَى: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ والذوق فِي الْمَوْت مجَاز، وَحَقِيقَة الذَّوْق: هُوَ الإحساس بالشَّيْء؛ فَلَمَّا كَانَ يحس بِالْمَوْتِ، سَمَّاهُ ذوقا مجَازًا، قَالَ الشَّاعِر:
(من لم يمت عبطة يمت هرما ... الْمَوْت كأس وكل النَّاس ذائقها)
فَإِن قَالَ قَائِل: لَا يخفي أَن كل نفس تَمُوت، فأيش الْفَائِدَة فِي قَوْله: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ ؟ قيل: أَرَادَ بِهِ: التزهيد بالدنيا، يَعْنِي: أَن النُّفُوس إِلَى الفناء؛ فتزهدوا بالدنيا، ﴿وَإِنَّمَا توفون أجوركم يَوْم الْقِيَامَة﴾ .
﴿فَمن زحزح عَن النَّار﴾ أَي: نجى، وَبعد عَن النَّار ﴿وَأدْخل الْجنَّة فقد فَازَ﴾ أَي: نجا ﴿وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور﴾ لِأَنَّهَا تغر الْإِنْسَان، وَهِي الإنقطاع.
آل عمران 3:186
قَوْله تَعَالَى: ﴿لتبلون﴾ أَي: لتختبرن، وَقيل: لتصابن ﴿فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ﴾ فِي أَمْوَالكُم بِالْإِنْفَاقِ، وَأَنْفُسكُمْ بِالْجِهَادِ، وَقيل: فِي أَمْوَالكُم (وَأَنْفُسكُمْ بالمصائب والأمراض، وَقَالَ بعض أَصْحَاب الخواطر: فِي أَمْوَالكُم) بِالْمَنْعِ عَن الْحق، وَأَنْفُسكُمْ بِاتِّبَاع الْهوى.
﴿ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا﴾ قَالَ الزُّهْرِيّ: هَذَا فِي كَعْب بن الْأَشْرَف، كَانَ يهجو النَّبِي وَيسمع الْمُسلمين هجاه "، وَقيل: هُوَ قَول الْيَهُود: عَزِيز ابْن الله، وَقَول النَّصَارَى: الْمَسِيح ابْن الله، وَقيل: هُوَ قَول أُولَئِكَ الَّذين قَالُوا: إِن الله فَقير.
﴿وَإِن تصبروا﴾ يَعْنِي: على الْأَذَى ﴿وتتقوا﴾ يَعْنِي: من مُخَالفَة الرَّسُول ﴿فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ أَي: من حقائق الْأُمُور، وشدائدها.
آل عمران 3:187
قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه. وَقيل: هُوَ فِي جَمِيع الْعلمَاء، أَخذ الله مِيثَاق الْعلمَاء: أَن يبينوا الْعلم للنَّاس وَلَا يكتمونه، وَفِي الحَدِيث: " من سُئِلَ عَن علم، فكتمه، ألْجم بلجام من نَار ".
﴿فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ﴾ أَي: تَرَكُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ (واشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا) يَعْنِي: الرشاء ﴿فبئس مَا يشْتَرونَ﴾ .
آل عمران 3:188
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تحسبن الَّذين يفرحون بِمَا أُوتُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود، بِمَا أُوتُوا أَي: الْعلم وَالْكتاب، وَلم يقومُوا بِمُوجبِه وَمَا يَقْتَضِيهِ، وَقيل: هُوَ فِي الْمُنَافِقين يفرحون بِمَا أَتَوا من التَّخَلُّف عَن رَسُول الله.
﴿وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا﴾ (يَعْنِي) : بالأعذار الكاذبة، ﴿فَلَا تحسبنهم بمفازة من الْعَذَاب﴾ أَي: بمنجاة من الْعَذَاب ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ .
وروى أَن مَرْوَان بعث إِلَى عَائِشَة: هلكنا إِذن؛ فَإنَّا نفرح بِمَا نأتي، ونحب أَن نحمد بِمَا لم نَفْعل؛ وَالله تَعَالَى يَقُول: ﴿فَلَا تحسبنهم بمفازة من الْعَذَاب﴾ فَذكرت عَائِشَة أَن الْآيَة فِي الْيَهُود
آل عمران 3:189
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ذكر هَذَا رد لقَولهم: إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء.
آل عمران 3:190
قَوْله تَعَالَى: (إِن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآيَات لأولي الْأَلْبَاب) يَعْنِي: أَن فِيهَا دلالات على وحدانيته لِذَوي الْعُقُول.
آل عمران 3:191
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يذكرُونَ الله قيَاما وقعودا وعَلى جنُوبهم﴾ روى ابْن مَسْعُود وَعمْرَان بن الْحصين أَن النَّبِي قَالَ: " صل قَائِما، فَإِن لم تستطع فقاعدا، فَإِن لم تستطع فعلى جَنْبك تومىء إِيمَاء " فَهَذَا معنى الْآيَة.
وَقيل: مَعْنَاهُ: الَّذين يوحدون الله على كل حَال.
﴿ويتفكرون فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فيستدلون بِهِ على وحدانيته، وَفِي الحَدِيث: " تَفَكَّرُوا فِي الْخلق، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِق ".
﴿رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا﴾ أَي: عَبَثا، وَقيل: (بَاطِلا) أَي: بباطل.
﴿سُبْحَانَكَ﴾ : هُوَ للتنزيه عَن كل سوء ﴿فقنا عَذَاب النَّار﴾ روى عَن ابْن عَبَّاس: أَنه قَالَ: " بَيت عِنْد خَالَتِي مَيْمُونَة، فَنَامَ رَسُول الله وَأَهله على عرض الوسادة، وَأَنا على طولهَا، ثمَّ قَامَ من اللَّيْل، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَات الْعشْر " وَفِي رِوَايَة قَالَ: " سُبْحَانَ الْملك القدوس رب الْمَلَائِكَة وَالروح، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَات الْعشْر إِلَى آخر السُّورَة ".
آل عمران 3:192
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ أَي: أهلكته. فَإِن قَالَ قَائِل: ألستم تَقولُونَ: إِن الْمُؤمنِينَ يخلدُونَ النَّار، وَلَا يدْخلُونَ فِيهَا، فَكيف يكون ذَلِك إهلاكا؟ قيل: قَالَ قَتَادَة: معنى الْآيَة: إِنَّك من تدخل النَّار للخلود فقد أخزيته أَي: أهلكته، وَقَالَ الضَّحَّاك: معنى الْآيَة ﴿إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ أَي: فضحته، وهتكت ستره؛ فعلى هَذَا يَسْتَوِي فِيهِ كل من دخل النَّار وَإِن لم يخلد فِيهَا ﴿وَمَا للظالمين من أنصار﴾ .
آل عمران 3:193
﴿رَبنَا إننا سمعنَا مناديا يُنَادى للْإيمَان أَن آمنُوا بربكم فَآمَنا﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن الْمُنَادِي: هُوَ الرَّسُول، وَقيل: هُوَ الْقُرْآن قَالَه مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ. لِأَن كثيرا من النَّاس لم ير الرَّسُول وَلم يسمعهُ.
﴿رَبنَا فَاغْفِر لنا ذنوبنا﴾ أَي: كبائرنا ﴿وَكفر عَنَّا سيئاتنا﴾ أَي: صغائرنا، وَقيل: الذُّنُوب: الْمعاصِي، والسيئات: التَّقْصِير فِي الطَّاعَات.
﴿وتوفنا مَعَ الْأَبْرَار﴾ الْبر الْمُطِيع، وَفِي الْآثَار: إِن الْبر لَا يُؤْذِي الذَّر. يَعْنِي: النَّمْل الصغار الْحمر.
آل عمران 3:194
﴿رَبنَا وآتنا مَا وعدتنا على رسلك﴾ أَي: على أَلْسِنَة رسلك ﴿وَلَا تخزنا يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَي: لَا تفضحنا، وَلَا تُهْلِكنَا.
﴿إِنَّك لَا تخلف الميعاد﴾ وَهُوَ على سَبِيل الْمَدْح لَهُ؛ لأَنا على الْقطع نعلم أَنَّك لَا تخلف الميعاد.
آل عمران 3:195
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَاب لَهُم رَبهم أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ روى أَن أم سَلمَة قَالَت لرَسُول الله: إِنِّي أرى الله لَا يذكر النِّسَاء فِي الْقُرْآن، فَنزل قَوْله: ( ﴿من ذكر أَو أُنْثَى﴾ بَعْضكُم من بعض) أَي: كلكُمْ كَنَفس وَاحِدَة، فَلَا أضيع عمل وَاحِد مِنْكُم.
﴿فَالَّذِينَ هَاجرُوا وأخرجوا من دِيَارهمْ وأوذوا فِي سبيلي وقاتلوا وَقتلُوا﴾ وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: " وَقتلُوا وقاتلوا " ﴿لأكفرن عَنْهُم سيئاتهم ولأدخلنهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار ثَوابًا من عِنْد الله﴾ أَي: جَزَاء من عِنْد الله، ﴿وَالله عِنْده حسن الثَّوَاب﴾ .
آل عمران 3:196
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يغرنك تقلب الَّذين كفرُوا فِي الْبِلَاد﴾ يَعْنِي: على مُرَادهم، فَإِن مصيرهم إِلَى النَّار
آل عمران 3:197
﴿مَتَاع قَلِيل ثمَّ مأواهم جَهَنَّم وَبئسَ المهاد﴾ وَفِيه دَلِيل على أَن أقل الْقَلِيل من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا، وَفِي الحَدِيث: " لموْضِع سَوط من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ".
آل عمران 3:198
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَكِن الَّذين اتَّقوا رَبهم لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا نزلا من عِنْد الله﴾ النزل هُوَ مَا يعد للضيف من النِّعْمَة؛ فَسمى الله تَعَالَى مَا أعده للْمُؤْمِنين من نعيم الْجنَّة: نزلا من عِنْد الله ﴿وَمَا عِنْد الله خير للأبرار﴾
آل عمران 3:199
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن من أهل الْكتاب لمن يُؤمن بِاللَّه﴾ قيل: أَرَادَ النَّجَاشِيّ، وروى أَنه لما مَاتَ قَالَ النَّبِي لأَصْحَابه: " صلوا على أَخ لكم مَاتَ، وَهُوَ أَصْحَمَة النَّجَاشِيّ " فَقَالَ المُنَافِقُونَ: انْظُرُوا يُصَلِّي على علج من النَّصَارَى ويدعوا لَهُ؛ فَنزلت الْآيَة.
وَقيل: هُوَ فِي عبد الله بن سَلام، وَمن أسلم مَعَه؛ فَذَلِك قَوْله: ﴿لمن يُؤمن بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْكُم وَمَا أنزل إِلَيْهِم خاشعين لله﴾ أَي: متواضعين لله ﴿لَا يشْتَرونَ بآيَات الله ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُم أجرهم عِنْد رَبهم إِن الله سريع الْحساب﴾ .
آل عمران 3:200
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اصْبِرُوا﴾ يَعْنِي: على الْجِهَاد، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أَي: مَعَ الْأَعْدَاء ﴿وَرَابطُوا﴾ أَي: فِي الثغور بالملازمة، وَقيل: اصْبِرُوا على دينكُمْ، وَصَابِرُوا مَعَ الْأَعْدَاء، وَرَابطُوا بالمحافظة على الصَّلَوَات، وَفِي الحَدِيث: قَالَ رَسُول الله: " أَلا أدلكم على مَا يمحو الله بِهِ السَّيِّئَات، وَيرْفَع الله بِهِ الدَّرَجَات، قيل: بلَى يَا رَسُول الله، قَالَ: إسباغ الْوضُوء فِي السبرات، وَنقل الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات، وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة فذلكم، الرِّبَاط، فذلكم الرِّبَاط، فذلكم الرِّبَاط ".
﴿وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ أَي: كونُوا على رَجَاء الْفَلاح.
النساء 4:1
تَفْسِير سورة النِّسَاء
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ: اعْلَم أَن هَذِه السُّورَة تسمى: سُورَة النِّسَاء، وَتسَمى سُورَة الْأَحْكَام، وَهِي مَدَنِيَّة على قَول أَكثر الْمُفَسّرين، إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ ؛ فَإِن هَذِه الْآيَة نزلت بِمَكَّة فِي مَفَاتِيح الْكَعْبَة، وَأورد النّحاس أَن السُّورَة مَكِّيَّة.
وَفِي الحَدِيث: " من قَرَأَ سُورَة الْبَقَرَة، وَآل عمرَان، وَالنِّسَاء فِي لَيْلَة؛ كتب من القانتين "، وَعَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: تعلمُوا سُورَة الْبَقَرَة، وَالنِّسَاء، والمائدة، وَسورَة النُّور، والأحزاب؛ فَإِن فِيهِنَّ الْفَرَائِض.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ قَالَ عَلْقَمَة: كل مَا نزل فِي الْقُرْآن: ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ فَإِنَّمَا نزل بِمَكَّة، وكل مَا ورد فِي الْقُرْآن: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فَإِنَّمَا نزل بِالْمَدِينَةِ.
وَقَوله: ﴿يَا أَيهَا﴾ " يَا " للنداء، و " أَي " للْإِشَارَة، و " هَا " للتّنْبِيه ﴿اتَّقوا ربكُم﴾ وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " اتَّقوا (الله) ربكُم ".
بَدَأَ من السُّورَة بالوعظ والتحذير، فَقَالَ: ﴿اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة﴾ ، وَأَرَادَ بِالنَّفسِ الْوَاحِدَة آدم - صلوَات الله عَلَيْهِ - وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَاحِدَة﴾ على التَّأْنِيث؛ لأجل اللَّفْظ؛ لِأَن النَّفس مُؤَنّثَة، وَهَذَا مثل قَول الشَّاعِر:
(أَبوك خَليفَة وَلدته أُخْرَى ... وَأَنت خَليفَة ذَاك الْكَمَال)
وَإِنَّمَا قَالَ: وَلدته للفظ الْخَلِيفَة، وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الذّكر ﴿وَخلق مِنْهَا زَوجهَا﴾ يَعْنِي: حَوَّاء، وَسميت حَوَّاء؛ لِأَنَّهَا خلقت من حَيّ، وَفِي الْقَصَص: أَن الله تَعَالَى خلق حَوَّاء من ضلع لآدَم فِي جنبه الْأَيْسَر يُسمى: " القصيراء " وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف " أَن الْمَرْأَة خلقت من ضلع أَعْوَج، فَإِن أردْت أَن تقيمها كسرتها، وَإِن تركتهَا استمتعت بهَا على اعوجاج " وَقيل: إِن حَوَّاء خلقت من التُّرَاب.
وَقَوله: ﴿وَخلق مِنْهَا زَوجهَا﴾ مَعْنَاهُ: وَخلق من جِنْسهَا زَوجهَا، يَعْنِي: التُّرَاب، وَالأَصَح الأول. وَفِي الْخَبَر: أَن الله تَعَالَى لما خلق آدم ألْقى عَلَيْهِ النّوم، ثمَّ أَخذ ضلعا من أضلاعه، وَخلق مِنْهُ حَوَّاء، فَجَلَست بجنبه، فَلَمَّا انتبه رَآهَا جالسه بجنبه، وَقيل: إِنَّه لم يؤذه أَخذ الضلع شَيْئا، وَلَو آذاه لما عطف رجل على امْرَأَة أبدا.
وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن الله تَعَالَى خلق الرجل من التُّرَاب؛ فهمه فِي التُّرَاب، وَخلق الْمَرْأَة من الرجل، فهمها فِي الرجل؛ فاحبسوا نساءكم.
﴿وَبث مِنْهُمَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء﴾ ذكر هَذَا كُله لبَيَان الْقُدْرَة؛ وَإِظْهَار الْمِنَّة ﴿وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ﴾ أَي: تسْأَلُون بِهِ، وَذَلِكَ مثل قَول الرجل: أَسأَلك بِاللَّه، ونشدتك بِاللَّه، وَقيل: مَعْنَاهُ: وَاتَّقوا الله الَّذِي تعاهدون بِهِ، وَذَلِكَ أَن تَقول: عَلَيْك عهد الله، وَعلي عهد الله، وَنَحْو ذَلِك.
وَأما قَوْله: ﴿والأرحام﴾ قَرَأَ حَمْزَة: " الْأَرْحَام " بِكَسْر الْمِيم وَتَقْدِيره: تساءلون بِهِ وبالأرحام، قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: تَقول الْعَرَب: نشدتك بِاللَّه وبالرحم. وضعفوا هَذِه الْقِرَاءَة، وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: بِنصب الْمِيم، وَتَقْدِيره: وَاتَّقوا الْأَرْحَام أَن تقطعوها.
وَفِي الْخَبَر: يَقُول الله تَعَالَى: " أَنا الرَّحْمَن، وخلقت الرَّحِم، واشتققت لَهَا اسْما من اسْمِي، فَمن وَصلهَا وصلته، وَمن قطعهَا قطعته ".
وروى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " إِن الله تَعَالَى يعمر الْكفَّار، وَيكثر أَمْوَالهم، وَلم ينظر إِلَيْهِم مُنْذُ خلقهمْ؛ بغضا لَهُم، فَقيل: مِم ذَاك يَا رَسُول الله؟ قَالَ: بصلَة الْأَرْحَام ".
﴿إِن الله كَانَ عَلَيْكُم رقيبا﴾ أَي: حفيظا.
النساء 4:2
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتوا الْيَتَامَى أَمْوَالهم﴾ أَرَادَ بِهِ: دفع المَال إِلَيْهِم بعد الْبلُوغ، وَسَمَّاهُمْ بعد الْبلُوغ يتامى؛ لقرب عَهدهم باليتيم، وَكَانَت قُرَيْش تسمي رَسُول الله يَتِيم أبي طَالب لذَلِك.
﴿وَلَا تتبدلوا الْخَبيث بالطيب﴾ وَفِي قِرَاءَة شَاذَّة: " وَلَا تشتروا الْخَبيث بالطيب " فالخبيث: الْحَرَام، وَالطّيب الْحَلَال، وَمعنى الْكَلَام: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَال الْيَتَامَى حَرَامًا، وَتَدعُوا أَمْوَالكُم الْحَلَال، وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: لَا تستعجلوا أكل الْحَرَام؛ فَإِن الْحَلَال يأتيكم.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم﴾ قَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: مَعَ أَمْوَالكُم، وَقَالَ غَيره: " إِلَى " لَا تكون بِمَعْنى " مَعَ "، وَهِي على حَقِيقَتهَا، وَمَعْنَاهُ: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم مُضَافَة إِلَى أَمْوَالكُم.
﴿إِنَّه كَانَ حوبا كَبِيرا﴾ فالحوب: الْإِثْم، وَفِي الْخَبَر: " أَن أَبَا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَرَادَ أَن يُطلق امْرَأَته أم أَيُّوب، فَقَالَ النَّبِي: إِن طَلَاق أم أَيُّوب لَحوب "
النساء 4:3
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَلا تقسطوا فِي الْيَتَامَى﴾ أَي: أَلا تعدلوا، يُقَال: أقسط، إِذا عدل، وقسط، إِذا جَار، وَفِي معنى الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا أوردهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح، وَهُوَ مَا روى الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة أَنه سَأَلَ عَائِشَة عَن شَأْن هَذِه الْآيَة، فَقَالَت: يَا ابْن أُخْتِي، نزلت الْآيَة فِي يتيمة تكون فِي حجر وَليهَا، ويرغب فِي مَالهَا وجمالها، وَلَا يقسط فِي صَدَاقهَا؛ فنهوا عَن نِكَاحهنَّ، وَأمرُوا أَن ينكحوا غَيْرهنَّ "
فعلى هَذَا تَقْدِير الْآيَة: وَإِن خِفْتُمْ أَلا تقسطوا فِي نِكَاح الْيَتَامَى؛ ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ .
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: قصر نِكَاح النِّسَاء على الْأَرْبَع من أجل أَمْوَال الْيَتَامَى، فَإِن قيل: كَيفَ يعرف هَذَا، وَكَيف يلتئم بِذَاكَ هَذَا؟ قيل: مَعْنَاهُ: أَن الله تَعَالَى لما شدد فِي أَمْوَال الْيَتَامَى، تحرج الْمُسلمُونَ عَنْهَا غَايَة التحرج، وشرعوا فِي نِكَاح النِّسَاء، واستهانوا بِهِ؛ فَنزلت الْآيَة، وَأَرَادَ: إِنَّكُم كَمَا تحرجتم عَن أَمْوَال الْيَتَامَى؛ خوفًا من الْجور، فتحرجوا عَن الزِّيَادَة على الْأَرْبَع أَيْضا؛ خوفًا من الْجور والميل، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم﴾ أَي: مَا حل لكم ﴿من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ أَي: لَا تجاوزوا الْأَرْبَع.
وَذهب بعض النَّاس إِلَى أَن نِكَاح التسع جَائِز بِظَاهِر هَذِه الْآيَة؛ لِأَن الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاث والأربع يكون تسعا لَيْسَ بِصَحِيح، بل فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: قَالَ الزّجاج: مثنى مثنى، ثَلَاث ثَلَاث، رباع رباع، يَعْنِي: لكل النَّاس، وَقيل: " الْوَاو " بِمَعْنى: " أَو " يَعْنِي: مثنى، أَو ثَلَاث، أَو رباع؛ وَلِأَن على التَّقْدِير الَّذِي ذكرُوا [عي] فِي الْكَلَام؛ لِأَن من أَرَادَ أَن يذكر التسع فَيَقُول: مثنى وَثَلَاث وَربَاع، عد ذَلِك عَيْبا فِي الْكَلَام وَقد قَالَ: ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة﴾ ؛ لِأَنَّهُ أخف مؤنه ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ لِأَن حُقُوق ملك الْيَمين أدنى من حُقُوق ملك النِّكَاح، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿ذَلِك أدنى أَلا تعولُوا﴾ أَي: ذَلِك أقرب أَن لَا تَجُورُوا، يُقَال: عَال، يعول إِذا جَار، وأعال يعيل إِذا كثر عِيَاله، قَالَ الشَّاعِر:
(إِنَّا اتَّبعنَا الرَّسُول واطرحوا ... أَمر الرَّسُول وعالوا فِي الموازين)
أَي جاروا، وروى: أَن أهل الْكُوفَة عتبوا على عُثْمَان فِي شَيْء، فَقَالَ: لست بقسطاء، فَلَا أعول، أَي لست بقسطاس؛ فَلَا أجور.
وَقَالَ الشَّافِعِي: مَعْنَاهُ: ذَلِك أدنى أَلا تكْثر عيالكم. وَحكى الْأَزْهَرِي عَن الْكسَائي إِنَّه حكى عَن الْعَرَب: عَال يعول: إِذا كثر عِيَاله، وَهَذَا يُؤَيّد قَول الشَّافِعِي.
النساء 4:4
﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ الصَّدَقَة وَالصَّدَاق وَاحِد ﴿نحلة﴾ أَي: تدينا، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: فَرِيضَة، وَالْخطاب مَعَ الْأزْوَاج على الْأَصَح وَقيل: هُوَ خطاب مَعَ الْأَوْلِيَاء، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يُعْطون الْمَرْأَة صَدَاقهَا، وَإِنَّمَا يَأْخُذ الْأَوْلِيَاء؛ فخطاب الْأَوْلِيَاء بِإِعْطَاء الْمَرْأَة صَدَاقهَا نحلة، أَي: هُوَ عَطِيَّة لَهَا من الله.
﴿فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا﴾ أَي: فَإِن أعطين عَن طيب نفس من الصَدَاق شَيْئا. و " من " للتَّخْيِير هَاهُنَا، لَا للتَّبْعِيض؛ حَتَّى يجوز للْمَرْأَة هبة كل الصَدَاق، ﴿فكلوه هَنِيئًا مريئا﴾ الهنيء: مَا أكلت من غير تنغيص، والمريء: هُوَ الْمَحْمُود الْعَاقِبَة؛ وَذَلِكَ أَلا يُورث تخمة. وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: إِذا مرض أحدكُم، فليستقرض من امْرَأَته ثَلَاثَة دَرَاهِم من صَدَاقهَا، وليشتري بهَا عسلا، وليخلطه بِمَاء السَّمَاء، ثمَّ ليَأْكُل؛ فَإِنَّهُ الشِّفَاء الْمُبَارك والهنيء المريء.
النساء 4:5
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد بالسفهاء: الصّبيان وَالنِّسَاء هَاهُنَا، وَقَالَ الشّعبِيّ: الْمَرْأَة أسفه من كل سَفِيه.
قَالَ سعيد بن جُبَير: معنى الْآيَة: أَن لَا تجْعَلُوا الْمَرْأَة قيمَة الْبَيْت فِي المعاش، بل كونُوا أَنْتُم قوامين على النِّسَاء فِي المعاش، وَقَوله: ﴿الَّتِي جعل الله لكم قيَاما﴾ فالقيام والقوام وَاحِد، يَعْنِي: أَمْوَالكُم الَّتِي جعلهَا الله قواما لمعاشكم، وَقَالَ الزّجاج: تَقْدِيره: الْأَمْوَال الَّتِي تقيمكم فتقومون بِهِ قيَاما ﴿وارزقوهم فِيهَا وأكسوهم﴾ قيل: مَعْنَاهُ: وارزقوهم مِنْهَا، وَقيل كلمة فِي حقيقتهما، وَمَعْنَاهُ: اجعلوا وظائفهم من الرزق وَالْكِسْوَة فِيهَا.
﴿وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ قيل: مَعْنَاهُ: تَعْلِيم الدّين والشرائع، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: وعد الْجَمِيل؛ وَذَلِكَ أَن تَقول لَهُم: إِن سَافَرت وربحت، أُعْطِيكُم كَذَا، وَإِن غزوت فَغنِمت، أُعْطِيكُم كَذَا، فَهَذَا هُوَ القَوْل الْمَعْرُوف.
النساء 4:6
قَوْله تَعَالَى: ﴿وابتلوا الْيَتَامَى﴾ يَعْنِي: واختبروا الْيَتَامَى، ثمَّ مِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا نختبرهم بعد الْبلُوغ، وَسَمَّاهُمْ يتامى؛ لقرب عَهدهم باليتيم، وَالصَّحِيح أَنه أَرَادَ بِهِ: الاختبار قبل الْبلُوغ، ثمَّ اخْتلفُوا، فَأَما الْفُقَهَاء قَالُوا: يدْفع إِلَيْهِ شَيْئا يَسِيرا، ويبعثه إِلَى السُّوق، حَتَّى يستام السّلْعَة، ثمَّ إِذا آل الْأَمر إِلَى العقد يعْقد الْوَلِيّ، وَمِنْهُم من قَالَ: يعْقد الصَّبِي، وَيجوز ذَلِك فِي الشَّيْء الْيَسِير؛ لأجل الاختبار.
وَأما الَّذِي قَالَه الْمُفَسِّرُونَ: أَنه يدْفع إِلَيْهِ مَالا، وَيجْعَل إِلَيْهِ نَفَقَة الْبَيْت، ويختبره فِيهَا، ﴿حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح﴾ أَي: أَوَان الْحلم ﴿فَإِن آنستم﴾ أَي: أحسستم، ووجدتم ﴿مِنْهُم رشدا﴾ قَالَ مُجَاهِد: عقلا، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: عقلا وإصلاحا فِي المَال. وَمذهب الشَّافِعِي: أَن الرشد: هُوَ الصّلاح فِي الدّين، والإصلاح فِي المَال.
﴿فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ أَمر الْأَوْلِيَاء بِدفع المَال إِلَيْهِم عِنْد الْبلُوغ والرشد. ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا﴾ أَي: لَا تَأْكُلُوهَا مسرفين ﴿وبدارا أَن يكبروا﴾ أَي: لَا تبَادرُوا إِلَى أكل أَمْوَال الْيَتَامَى، خوفًا من أَن يكبروا؛ فيأخذوا أَمْوَالهم.
﴿وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف﴾ أَي: فليستعفف بِمَالِه عَن مَال الْيَتِيم ﴿وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ إِذا كَانَ الْوَلِيّ فَقِيرا، يَأْكُل من مَال الْيَتِيم بِقدر الْحَاجة، وَقَالَ أَيْضا: أَنا فِي هَذَا المَال: كولي الْيَتِيم، إِن اسْتَغْنَيْت اسْتَعْفَفْت، وَإِن احتجت أكلت. وَإِلَى هَذَا ذهب قوم من الْعلمَاء، أَن لَهُ أَن يَأْكُل بِقدر مَا يسد بِهِ الْخلَّة، وَقَالَ بَعضهم: عباءا غليظا، وخبز الشّعير، وَقَالَ الشّعبِيّ وَجَمَاعَة: يَأْكُل من مَال الْيَتِيم على سَبِيل الْقَرْض، وَقَالَ مُجَاهِد: لَا يَأْكُل أصلا، لَا قرضا، وَلَا غير قرض، قَالَ: وَالْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن تراضي﴾ وَإِلَى هَذَا ذهب أَكثر الْعلمَاء، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى، أَنه لَا يَأْكُل أصلا، وَمن قَالَ: إِنَّه يَأْكُل، يَقُول: يَأْخُذ بِقدر أجرته على الْقيام، وَقد روى أَن رجلا (جَاءَ) إِلَى ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: (إِن) لي يَتِيما وَله إبل، فَمَاذَا أُصِيب مِنْهَا؟ فَقَالَ: أتلوط حَوْضهَا وَتَهْنَأ جَرْبَاهَا؟ قَالَ: نعم، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: أصب من رسلها غير مُضر بِنَسْل، وَلَا نَاهِك فِي حلب.
وَفِيه قَول رَابِع: أَن معنى قَوْله: ﴿فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي: يَأْكُل الْفَقِير من قوت نَفسه بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يستكثر مِنْهُ حَتَّى ينفذ مَاله؛ فَيحْتَاج إِلَى مَال الْيَتِيم.
﴿فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم﴾ ندب إِلَى الْإِشْهَاد؛ كَيْلا يجحدوا.
﴿وَكفى بِاللَّه حسيبا﴾ أَي: شَهِيدا.
النساء 4:7
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿للرِّجَال نصيب مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ وللنساء نصيب مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ﴾ سَبَب نزُول الْآيَة أَن أَوْس بن ثَابت الْأنْصَارِيّ مَاتَ وَخلف ثَلَاث بَنَات وَامْرَأَة يُقَال لَهَا: أم كجة وَابْني عَم: عرْفجَة، وسُويد، فجَاء ابْنا عَمه وأخذا جَمِيع المَال، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يورثون النِّسَاء من الْمَيِّت، وَيَقُولُونَ: لَا يَرث أَمْوَالنَا إِلَّا من طَاعن بِالرِّمَاحِ، وضارب بِالسُّيُوفِ؛ فَنزلت الْآيَة، وَهَذِه أول آيَة نزلت فِي تَوْرِيث النِّسَاء المَال.
﴿مِمَّا قل مِنْهُ أَو كثر نصيب مَفْرُوضًا﴾ وَقد بَين الأنصبة الْمَفْرُوضَة فِي آيَات الْمَوَارِيث.
النساء 4:8
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولُوا الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين فارزقوهم مِنْهُ﴾ يَعْنِي: قسْمَة التَّرِكَة فِي مَوَارِيث إِذا حضرها من لَا يَرث الْمَيِّت من أَقَاربه، أَو الْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِين ﴿فارزقوهم مِنْهُ﴾ فأعطوهم شَيْئا ﴿وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ أَي: قُولُوا لَهُم: بورك فِيكُم.
ثمَّ اخْتلفُوا، فَقَالَ بَعضهم: الْآيَة مَنْسُوخَة، فَيجوز أَن يُعْطوا، وَيجوز أَن لَا يُعْطوا، وَقيل: هُوَ على النّدب، وَيسْتَحب أَن يعطيهم شَيْئا، وَمِنْهُم من قَالَ: إِن قسموا الْعين وَالْوَرق وَنَحْوه يُوضح لَهُم، وَإِن قسموا الدّور وَالْعَقار، وَالْعَبِيد، وَالثيَاب، وَنَحْوهَا، يَقُول لَهُم: بورك فِيكُم.
النساء 4:9
قَوْله تَعَالَى: ﴿وليخش الَّذين لَو تركُوا من خَلفهم ذُرِّيَّة ضعافا خَافُوا عَلَيْهِم فليتقوا الله﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن أَصْحَاب رَسُول الله كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا حَضَره الْمَوْت، يأْتونَ إِلَيْهِ، وَيَقُولُونَ لَهُ: انْظُر لنَفسك أَيهَا الرجل، وأوصي بِمَالك، وَإِن وَرثتك لَا يغنون عَنْك من الله شَيْئا، وَرُبمَا يحملونه على أَن يُوصي بِجَمِيعِ المَال فَنزلت الْآيَة ﴿وليخش الَّذين لَو تركُوا من خَلفهم﴾ أَي: إِن تركُوا من خَلفهم ﴿ذُرِّيَّة ضعافا﴾ أَي: أَوْلَاد صغَارًا ﴿خَافُوا عَلَيْهِم﴾ أَو على أَوْلَادهم؛ فليخافوا على أَوْلَاد النَّاس كَمَا يخَافُونَ على أَوْلَادهم؛ فَإِن أَوْلَاد الْمَيِّت أَحَق بِمَالِه من الْأَجَانِب، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا﴾ أَي: عدلا.
النساء 4:10
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما﴾ نزلت الْآيَة فِي حَنْظَلَة ابْن الشمردل، كَانَ قد ولى يَتِيما، فَأكل جَمِيع مَاله، وَقيل: الْآيَة نزلت ابْتِدَاء فِي حق الْكَافِر ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا﴾ لِأَنَّهُ لما كَانَ أكلهم ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى النَّار، سماهم آكلين للنار، وَهَذَا كَقَوْل النَّبِي ": الَّذِي يشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، إِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم ". وفى الحَدِيث: " يخرج لهيب النَّار من جوفهم يَوْم الْقِيَامَة ". وفى رِوَايَة: " أَن الْملك يَأْتِيهم، فَيفتح أَفْوَاههم، ويلقمهم الْجَمْر، ﴿الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثلثا مَا ترك وَإِن كَانَت وَاحِدَة فلهَا النّصْف ولأبويه لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس مِمَّا ترك إِن كَانَ لَهُ ولد فَإِن لم يكن لَهُ ولد﴾ وَيَقُول: هَذَا بأكلكم مَال الْيَتِيم "
وَقَالَ: " من أبكى يَتِيما، فَحق على الله أَن يبكى عَيْنَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة ".
﴿وسيصلون سعيرا﴾ أَي: سيدخلون جَهَنَّم، وَقيل: يعاينون سعيرا، والسعير: النَّار المستعرة، وَهُوَ اسْم من أَسمَاء جَهَنَّم.
النساء 4:11
قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ مَعْنَاهُ: يفْرض الله عَلَيْكُم فِي أَوْلَادكُم، وَذَلِكَ مثل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ﴾ أَي: فرض عَلَيْكُم ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ .
سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن سعد بن الرّبيع لما اسْتشْهد يَوْم أحد خلف ابْنَتَيْن وَامْرَأَة وأخا، فجَاء الْأَخ وَأخذ جَمِيع المَال، فَجَاءَت الْمَرْأَة تَشكوا إِلَى رَسُول الله؛ فَنزلت الْآيَة ". فَدَعَا رَسُول الله الْأَخ، وَقَالَ: اعط الابنتين الثُّلثَيْنِ وَالْمَرْأَة الثّمن، وَخذ الْبَاقِي ".
وَقَوله: ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يَعْنِي: إِذا خلف ابْنا وَابْنه، فَالْمَال من ثَلَاثَة أسْهم: سَهْمَان للإبن، وَسَهْم للْبِنْت ﴿فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثلثا مَا ترك﴾ أَكثر الصَّحَابَة وَالْعُلَمَاء على أَن للابنتين، وَالثَّلَاث: الثُّلثَيْنِ.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: للابنتين النّصْف، وَإِنَّمَا الثُّلُثَانِ للثلاث وَمَا زَاد؛ تمسكا بِظَاهِر الْآيَة. وَالْأول أصح.
وَمعنى قَوْله: ﴿فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ﴾ يَعْنِي: كن نسَاء اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقهمَا، وَهَذَا كَقَوْلِه: ﴿فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق﴾ أَي: فاضربوا الْأَعْنَاق فَمَا فَوْقهَا، وَقيل: " فَوق " فِيهِ صلَة، وَتَقْدِيره: فَإِن كن نسَاء اثْنَتَيْنِ، وَاسم الْجمع ينْطَلق على الِاثْنَيْنِ؛ لِأَن الْجمع عبارَة عَن جمع الشَّيْء، وَيَسْتَوِي فِيهِ الِاثْنَان وَالثَّلَاث، ولأنا أجمعنا على أَن الْأُخْتَيْنِ ترثان الثُّلثَيْنِ، وهما ابنتا أَب الْمَيِّت، فالابنتان لِأَن يرثا الثُّلثَيْنِ أولى، وهما ابنتاه للصلب.
﴿وَإِن كَانَت وَاحِدَة فلهَا النّصْف﴾ وَفِيه إِجْمَاع ﴿ولأبويه لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس مِمَّا ترك وَإِن كَانَ لَهُ ولد﴾ يَعْنِي: للْمَيت، ﴿فَإِن لم يكن لَهُ ولد وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث﴾ وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ.
﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخوه فلأمه السُّدس﴾ أَكثر الصَّحَابَة وَالْعُلَمَاء على أَن الْأَخَوَيْنِ وَالثَّلَاثَة يردون الْأُم من الثُّلُث إِلَى السُّدس.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الثَّلَاثَة يردون، فَأَما الأخوان فَلَا يردان، لِأَنَّهُ ذكر بِلَفْظ الْجمع وَأقله ثَلَاثَة.
وَقد بَينا أَن اسْم الْجمع ينْطَلق على اثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة.
وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: " فلأمه السُّدس " بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ لُغَة فِي الْأُم، وَالْمَعْرُوف بِالضَّمِّ ﴿من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين﴾ يقْرَأ بقرآتين " يوصى " بِكَسْر الصَّاد على معنى: يوصيها الْمُوصى، وَيقْرَأ: " يوصى " بِفَتْح الصَّاد، على مَا لم يسم فَاعله.
﴿نصف مَا ترك أزواجكم إِن لم يكن لَهُنَّ ولد فَإِن كَانَ لَهَا ولد فلكم الرّبع مِمَّا تركن من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين ولهن الرّبع مِمَّا تركْتُم إِن لم يكن لكم ولد فَإِن كَانَ لكم ولد فَلَهُنَّ الثّمن مِمَّا﴾
وَعَن عَليّ رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ: إِنَّكُم تقرءون الْوَصِيَّة قبل الدّين، وَالدّين قبل الْوَصِيَّة، يَعْنِي: فِي الْقَضَاء، ثمَّ اخْتلفُوا، مِنْهُم من قَالَ: " أَو " بِمَعْنى " الْوَاو " وَالْمرَاد الْجمع بَينهمَا، وَبَيَان أَن الْإِرْث مُؤَخرا عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَمِنْهُم من قَالَ " أَو " على حَقِيقَته، وَمَعْنَاهُ: من بعد وَصِيَّة، إِن كَانَت وَصِيَّة، أَو دين إِن كَانَ دين، فالإرث مُؤخر عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا؛ من ذَلِك عرف تَأْخِيره عَنْهُمَا إِذا اجْتَمَعنَا بطرِيق الأولى.
وَقَوله: ﴿آباؤكم وأبناؤكم﴾ يَعْنِي: الَّذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم ﴿لَا تَدْرُونَ أَيهمْ أقرب لكم نفعا﴾ أَي: لَا تعلمُونَ أَيهمْ أَنْفَع لكم فِي الدّين وَالدُّنْيَا.
فَمنهمْ من يظنّ أَن الْآبَاء تَنْفَع فَتكون الْأَبْنَاء أَنْفَع، وَمِنْهُم من يظنّ أَن الْأَبْنَاء أَنْفَع، فَتكون الأباء أَنْفَع، وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ، وَأَنا أعلم بِمن هُوَ أَنْفَع لكم؛ وَقد دبرت أَمركُم على مَا فِيهِ الْحِكْمَة والمصلحة، فَخُذُوهُ، واتبعوه. وَفِي الْأَخْبَار " أَن فِي الْجنَّة يكون الْأَب على الدرجَة الْعَالِيَة، وَالِابْن فِي الدرجَة السافلة، فَيسْأَل الابْن الله تَعَالَى فيرفعه إِلَى دَرَجَة أَبِيه. وَيكون الابْن على الدرجَة الْعَالِيَة، وَالْأَب فِي الدرجَة السافلة، فَيسْأَل الْأَب الله تَعَالَى فيرفعه إِلَى دَرَجَة الابْن " فَهَذَا معنى الْآيَة لَا تَدْرُونَ أَيهمْ أَنْفَع لكم فِي الْآخِرَة، وَأَرْفَع دَرَجَة، فتصلون إِلَى دَرَجَته.
﴿فَرِيضَة من الله﴾ يَعْنِي: مَا قدر من الْمَوَارِيث ﴿إِن الله كَانَ عليما﴾ بِأَمْر الْعباد ﴿حكيما﴾ بِنصب الْأَحْكَام.
النساء 4:12
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم إِن لم يكن لَهُنَّ ولد فَإِن كَانَ لَهُنَّ ولد فلكم الرّبع مِمَّا تركن من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين﴾ هَذَا فِي مِيرَاث الْأزْوَاج، وَفِيه إِجْمَاع ﴿ولهن الرّبع مِمَّا تركْتُم إِن لم يكن لكم ولد فَإِن كَانَ لكم ولد فَلَهُنَّ الثّمن مِمَّا تركْتُم من بعد وَصِيَّة توصون بهَا أَو دين﴾ وَهَذَا فِي مِيرَاث الزَّوْجَات، وَلَا خلاف فِيهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة أَو امْرَأَة﴾ يعْنى: أَو امْرَأَة تورث كَلَالَة، قَالَ بعض الْعلمَاء: الْكَلَالَة لَا يعلم مَعْنَاهَا، وَعَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: خرج رَسُول الله من الدُّنْيَا وَلم يبين لنا ثَلَاثَة: الْكَلَالَة، والخلافة، والربا.
وَالصَّحِيح أَنَّهَا مَعْلُومَة الْمَعْنى، ثمَّ اخْتلفُوا، قَالَ ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن عمر: إِن الْكَلَالَة اسْم لمَيت لَا ولد لَهُ، وَورث الاخوة مَعَ الْأَب.
وَقَالَ الحكم بن عتيبة: والكلالة: اسْم لمَيت لَا ولد لَهُ، وَورث الاخوة مَعَ الْوَالِد، وهما قَولَانِ فِي شواذ الْخلاف، وَالصَّحِيح فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا قَول لأهل الْمَدِينَة والكوفة أَن الْكَلَالَة اسْم لوَرَثَة لَيْسَ فيهم ولد وَلَا وَالِد؛ مَأْخُوذ من الإكليل، وَهُوَ الَّذِي على جَانِبي الْوَجْه، فالكلالة اسْم لمن يُحِيط بجانبي الْمَيِّت من الاخوة وَالْأَخَوَات، والأعمام، وَنَحْوهم، وَلم يكن أَعلَى وَلَا أَسْفَل.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِحَدِيث جَابر " كَانَ مَرِيضا؛ فَدخل عَلَيْهِ رَسُول الله يعودهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَرِثنِي كَلَالَة ". وَلم يكن فِي ورثته ولد وَلَا وَالِد، وَجعل الْكَلَالَة اسْما للْوَارِث، وَيشْهد لهَذَا مَا قرئَ فِي الشواذ: " وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة " مشددا بِكَسْر الرَّاء.
وَقَالَ البصريون: وَهُوَ قَول أَبى بكر، وَعلي، وَابْن مَسْعُود، وَزيد، وفى أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْكَلَالَة: اسْم للْمَيت الَّذِي لَيْسَ لَهُ ولد وَلَا وَالِد، وَهُوَ ظَاهر الْآيَة، وَتشهد لَهُ الْقِرَاءَة الْأُخْرَى فِي الشواذ: " وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة " مشددا بِفَتْح الرَّاء. قَالَ الشَّاعِر:
(وَإِن أَبَا الْمَرْء أحمى لَهُ ... وَمولى الْكَلَالَة لَا يغْضب)
فَيجْعَل الْكَلَالَة اسْما للْمَيت.
وَفِيه قَول آخر: أَن الْكَلَالَة اسْم للتركة، قَالَه عَطاء. وَقَوله: ﴿وَله أَخ أَو أُخْت فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس﴾ أَجمعُوا على أَن المُرَاد بالأخ وَالْأُخْت هَاهُنَا أَوْلَاد الْأُم، وَفرض لكل وَاحِد مِنْهُم السُّدس ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى.
﴿فَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث﴾ وَفِيه إِجْمَاع، أَن فرضهم الثُّلُث إِذا تعددوا، وَإِن كَثُرُوا ﴿من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين غير مضار﴾ يَعْنِي: الْمُوصي لَا يضر بالورثة بمجاوزة الثُّلُث، وَنَحْوه ﴿وَصِيَّة من الله﴾ أَي: فَرِيضَة من الله ﴿وَالله عليم حَلِيم﴾
النساء 4:13
﴿تِلْكَ حُدُود الله﴾ يَعْنِي: مَا ذكر من الْفُرُوض المحدودة، (وَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجرى من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم) ذكر ثَوَاب من أطاعه، وَلم يُجَاوز حُدُوده
النساء 4:14
﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾ ذكر عِقَاب من عَصَاهُ، وَجَاوَزَ حُدُوده.
النساء 4:15
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة من نِسَائِكُم﴾ اللَّاتِي، وَالَّتِي، واللواتي: اسْم لجَماعَة النِّسَاء، قَالَ الشَّاعِر:
(هن اللواتي وَالَّتِي واللاتي ... زعمن أَنى قد كَبرت لداتي)
وَمثله: اللائي أَيْضا، قَالَ الشَّاعِر:
(من اللائي لم يحججن تبغين حسبَة ... وَلَكِن ليقْتلن البريء المغفلا)
وَقَوله: ﴿يَأْتِين الْفَاحِشَة﴾ أَرَادَ بالفاحشة هَاهُنَا الزِّنَا: ﴿فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُم﴾ هُوَ خطاب للحكام، يَعْنِي: فَاطْلُبُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة من الشُّهُود، وَهَذِه الْآيَة هِيَ الْحجَّة على أَن شُهُود الزِّنَا أَرْبَعَة ﴿فَإِن شهدُوا فأمسكوهن فِي الْبيُوت حَتَّى يتوفاهن الْمَوْت أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾ وَكَانَ هَذَا هُوَ الحكم فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، وَأَن الْمَرْأَة إِذا زنت حبست فِي الْبَيْت إِلَى أَن تَمُوت. ثمَّ نسخ ذَلِك فِي حق الْبكر بِالْجلدِ والتغريب، وَفِي حق الثّيّب بِالْجلدِ وَالرَّجم، وَهُوَ بَيَان السَّبِيل الْمَذْكُور فِي الْآيَة، وَالْحجّة عَلَيْهِ: حَدِيث عبَادَة: " خُذُوا عني خُذُوا عني، قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا: الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام؛ وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة ورجم بِالْحِجَارَةِ ".
ثمَّ نسخ الْجلد فِي حق الثّيّب، وَاسْتقر أمرهَا على الرَّجْم.
وَقَالَ بعض الْعلمَاء: الْجلد مَعَ الرَّجْم بَاقٍ على الحكم، وَالْأول أصح.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: التَّغْرِيب أَيْضا مَنْسُوخ فِي حق الْبكر، والخلوف مَذْكُور فِي الْفِقْه.
وَاخْتلفُوا فِي أَن ذَلِك الْإِمْسَاك فِي الْبَيْت كَانَ على سَبِيل الْحَد أم كَانَ حبسا؛ ليظْهر الْحَد؟ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه كَانَ حدا، وَالثَّانِي: أَنه كَانَ حبسا ليظْهر الْحَد.
النساء 4:16
قَوْله تَعَالَى: ﴿واللذان يأتيانها مِنْكُم فآذوهما﴾ اخْتلفُوا فِي المُرَاد من الْآيَتَيْنِ، قَالَ مُجَاهِد: الْآيَة الأولى فِي النِّسَاء، وَهَذِه الْآيَة فِي الرِّجَال إِذا زنوا.
وَقَالَ غَيره: الأولى فِي الثّيّب، وَهَذِه الْآيَة فِي الْأَبْكَار.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَن الْآيَة الأولى فِي الْمَرْأَة إِذا أَتَت الْمَرْأَة سحقا، وَالْآيَة الثَّانِيَة فِي الرجل إِذا أَتَى الرجل.
وَقد قَالَ: " إِذا أَتَى الرجل الرجل فهما زانيان؛ وَإِذا أَتَت الْمَرْأَة الْمَرْأَة فهما زانيتان ".
وَالْمرَاد بالإيذاء فِي هَذِه الْآيَة: هُوَ السب بِاللِّسَانِ، وإسماع الْمَكْرُوه، وَالتَّعْبِير، وَالضَّرْب بالنعال.
فَإِن قيل: ذكر الْحَبْس فِي الْآيَة الأولى، والإيذاء فِي الْآيَة الثَّانِيَة، فَكيف وَجه الْجمع؟ قيل: أما على قَول من قَالَ: إِن الْآيَة الأولى فِي صنف، وَالْآيَة الثَّانِيَة فِي صنف آخر، يَسْتَقِيم الْكَلَام.
وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ: الْجمع بَين الْإِيذَاء وَالْحَبْس فِي حق الزَّانِي فيؤذى أَولا، ثمَّ يحبس، وَالْآيَة الثَّانِيَة وَإِن كَانَت فِي التِّلَاوَة مُتَأَخِّرَة، فَهِيَ فِي الْمَعْنى مُتَقَدّمَة، كَأَنَّهُ قَالَ: واللذان يأتيان الْفَاحِشَة مِنْكُم فآذوهما وأمسكوهما فِي الْبَيْت ﴿فَإِن تابا وأصلحا فأعرضوا عَنْهُمَا﴾ أَي: أَعرضُوا عَن الْإِيذَاء ﴿إِن الله كَانَ تَوَّابًا رحِيما﴾ .
النساء 4:17
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَة على الله للَّذين يعْملُونَ السوء بِجَهَالَة﴾ قَالَ قَتَادَة: أجمع أَصْحَاب رَسُول الله على أَن من عصى الله فَهُوَ جَاهِل، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الْجُهَّال بكنه عُقُوبَة الله، وَقيل: الْجَهَالَة فِي الْمعْصِيَة: أَنه اخْتَار اللَّذَّة الفانية على اللَّذَّة الْبَاقِيَة.
﴿ثمَّ يتوبون من قريب﴾ يَعْنِي: قبل الْمَوْت، قَالَ الضَّحَّاك: كل مَا بَيْنك وَبَين الْمَوْت فَهُوَ قريب، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: التَّوْبَة قبل أَن يعاين ملك الْمَوْت، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: ثمَّ يتوبون قبل أَن يغرغروا.
وَفِي الْخَبَر: أَن النَّبِي قَالَ: " من تَابَ قبل مَوته بِسنة تَابَ الله عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن السّنة (لكثيرة) ، ثمَّ قَالَ: من تَابَ قبل مَوته بِشَهْر تَابَ الله عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن الشَّهْر لكثير، ثمَّ قَالَ: من تَابَ قبل مَوته بجمعة، تَابَ الله عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن الْجُمُعَة (لكثيرة) ، ثمَّ قَالَ: من تَابَ قبل مَوته بِيَوْم، تَابَ الله عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن الْيَوْم لكثير، (من تَابَ قبل مَوته بِنصْف يَوْم تَابَ الله عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن نصف الْيَوْم لكثير) من تَابَ قبل مَوته بساعة تَابَ الله عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن السَّاعَة لكثيرة، من تَابَ قبل أَن يُغَرْغر تَابَ الله عَلَيْهِ ". رَوَاهُ عبَادَة بن الصَّامِت، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿ثمَّ يتوبون من قريب فَأُولَئِك يَتُوب الله عَلَيْهِم وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ .
النساء 4:18
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَيْسَت التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات﴾ قيل: أَرَادَ بالسيئات: الشّرك، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ النِّفَاق، وَقيل: كل الْمعاصِي.
﴿حَتَّى إِذا حضر أحدهم الْمَوْت قَالَ إِنِّي تبت الْآن﴾ يَعْنِي: حَالَة الْمَوْت، يَتُوب حِين يساق، وَوجه ذَلِك: مثل تَوْبَة فِرْعَوْن حِين أدْركهُ الْغَرق، قَالَ: آمَنت أَنه لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنت بِهِ بَنو إِسْرَائِيل، يَقُول الله تَعَالَى لَيْسَ لهَؤُلَاء تَوْبَة.
﴿وَلَا الَّذين يموتون وهم كفار﴾ يَعْنِي: وَلَا الَّذين يموتون كفَّارًا لَهُم تَوْبَة ﴿أُولَئِكَ اعتدنا لَهُم﴾ أَي: أعددنا لَهُم ( ﴿عذَابا أَلِيمًا﴾
النساء 4:19
يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها) نزلت الْآيَة فِي الْأَنْصَار، كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا مَاتَ أَبوهُ؛ ورث امْرَأَة أَبِيه، ثمَّ إِن شَاءَ أمْسكهَا لنَفسِهِ زَوْجَة، وَإِن شَاءَ زَوجهَا من غَيره، وَأخذ صَدَاقهَا، وَإِن شَاءَ عضلها عَن الْأزْوَاج، حَتَّى تضجر [فتفدي] نَفسهَا بِمَال، حَتَّى مَاتَ أَبُو قيس بن الأسلت الْأنْصَارِيّ عَن امْرَأَته كبيشة بنت معن الْأنْصَارِيّ، فجَاء [ابْنه] حصن وَورث الْمَرْأَة؛ فَجَاءَت الْمَرْأَة تَشْكُو إِلَى النَّبِي فَنزل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها﴾ وَيقْرَأ: " كرها " بِضَم الْكَاف، فالكره بِالْفَتْح: الْإِكْرَاه، والكره بِالضَّمِّ الْمَشَقَّة. ﴿وَلَا تعضلوهن لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أَي: تمنعوهن من الْأزْوَاج حَتَّى يضجرن؛ فيفتدين بِبَعْض مالهن، فَيكون خطابا لأولياء الْمَيِّت.
وَالصَّحِيح أَنه خطاب للأزواج، يَعْنِي: إِذا لم تكن الزَّوْجَة بموافقة، فَلَا تمسكها ضِرَارًا؛ لتفتدى بِبَعْض مَالهَا ﴿إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ النُّشُوز، وَقيل: هُوَ الزِّنَا، يَعْنِي: إِذا نشزت أَو زنت، فَحِينَئِذٍ يحل أَن يفاديها، وَيَأْخُذ مَالهَا، وَكَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام إِذا زنت الْمَرْأَة أَخذ الزَّوْج جَمِيع صَدَاقهَا مِنْهَا ثمَّ نسخ ﴿وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي: الْإِجْمَال فِي الْمبيت، وَالْقَوْل، وَالنَّفقَة ﴿فَإِن كرهتموهن فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا﴾ .
النساء 4:20
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أردتم استبدال زوج مَكَان زوج﴾ أَرَادَ بِالزَّوْجِ هَاهُنَا: الزَّوْجَة، وَهُوَ اسْم للرجل وَالْمَرْأَة ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ يَعْنِي: من الصَدَاق، ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا أتأخذونه بهتانا﴾ أَي: ظلما ﴿وإثما مُبينًا﴾ .
النساء 4:21
﴿وَكَيف تأخذونه وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض﴾ أَي: وصل بَعْضكُم إِلَى بعض بِالدُّخُولِ، وَحكى عَن الزّجاج: أَنه الْخلْوَة، وَالْأول أصح.
﴿وأخذن مِنْكُم ميثاقا غليظا﴾ هُوَ قَول الْوَلِيّ: زوجتكها على أَن تمسكها بِمَعْرُوف، أَو تسرحها بِإِحْسَان، وَقيل: هُوَ معنى مَا روى: " اتَّقوا الله فِي النِّسَاء؛ فَإِنَّهُنَّ عنْدكُمْ عوان، أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله " فَهَذَا هُوَ الْمِيثَاق الغليظ.
النساء 4:22
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء﴾ كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة ينْكحُونَ أَزوَاج آبَائِهِم؛ فورد الشَّرْع بالنهى عَنهُ ﴿إِلَّا مَا قد سلف﴾ يعْنى: بَعْدَمَا سلف، وَقَالَ الْمبرد: وَمَعْنَاهُ: لَكِن مَا سلف فِي الْجَاهِلِيَّة؛ فَهُوَ مغْفُور.
﴿إِنَّه كَانَ فَاحِشَة ومقتا﴾ قيل " كَانَ ": فِيهِ صلَة، وَتَقْدِيره: إِنَّه فَاحِشَة، وَهَذَا كَمَا ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها وَلَا تعضلوهن لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا﴾ يَقُول الشَّاعِر:
(فَكيف إِذا رَأَيْت ديار قومِي ... وجيران لنا كَانُوا كرام)
وَقيل: " كَانَ " فِي مَوْضِعه، وَمَعْنَاهُ: أَنه كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يعدونه فَاحِشَة ومقتا، وَكَانُوا يسمون ولد امْرَأَة الْأَب: مقيتا، والفاحشة: أقبح مَعْصِيّة، وَأما المقت: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ المبغضة من الله، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ المقت من الْمَلَائِكَة ﴿وساء سَبِيلا﴾ أَي: بئس المسلك.
النساء 4:23
قَوْله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: حرم الله تَعَالَى سبعا بِالنّسَبِ، وَسبعا بِالْمهْرِ، وَقَالَ الْفُقَهَاء: سبعا بِالنّسَبِ، وَسبعا بِالسَّبَبِ.
أما السَّبع بِالنّسَبِ: مِنْهُنَّ الْأُمَّهَات: وَهِي كل امْرَأَة تنْسب إِلَيْهَا بِالْولادَةِ، سَوَاء قربت أَو بَعدت، سَوَاء كَانَ بَيْنك وَبَينهَا ذكر أَو أُنْثَى، أَو لم يكن أحد، فَالْكل حرَام.
قَالَ: ﴿وبناتكم﴾ وَمِنْهَا الْبَنَات: وهى كل امْرَأَة تنْسب إِلَيْكُم بِالْولادَةِ، سَوَاء قربت أَو سلفت، سَوَاء كَانَ بَيْنك وَبَينهَا ذكر أَو أُنْثَى، أَو لم يكن أحد، فَالْكل حرَام.
قَالَ ﴿وأخواتكم﴾ وَمِنْهَا الْأَخَوَات: وَهِي كل امْرَأَة تنْسب إِلَى من تنْسب إِلَيْهِ بِالْولادَةِ، فَالْكل حرَام. قَالَ: ﴿وعماتكم﴾ وَمِنْهَا العمات، والعمة: أُخْت كل ذكر تنْسب إِلَيْهِ بِالْولادَةِ، فَالْكل حرَام، قرب أم بعد، قَالَ: ﴿وخالاتكم﴾ وَمِنْهَا الخالات، وَالْخَالَة: أُخْت كل امْرَأَة تنْسب إِلَيْهَا بِالْولادَةِ، قربت أم بَعدت.
قَالَ: ﴿وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت﴾ وَمِنْهَا بَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت: وَهِي بنت كل من تنْسب إِلَى من تنْسب إِلَيْهِ، فَهَذِهِ السَّبْعَة بِالنّسَبِ.
وَأما السَّبع بِالسَّبَبِ: فإحداهن مَذْكُورَة قبل هَذِه الْآيَة فِي قَوْله: ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء﴾ ، وَالثَّانيَِة فِي قَوْله: ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ ، وَالثَّالِثَة: ﴿وأخواتكم من الرضَاعَة﴾ ، وَلَا خلاف أَن الْأُم وَالْأُخْت من الرضَاعَة حرَام على الرجل نِكَاحهَا، فَأَما مَا عدا الْأُمَّهَات وَالْأَخَوَات من الرضَاعَة حرَام أَيْضا عِنْد أَكثر الْعلمَاء؛ لقَوْله " يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب ".
قَالَ دَاوُد، وَأهل الظَّاهِر: لَا يحرم مَا عدا الْأُمَّهَات وَالْأَخَوَات بِالرّضَاعِ؛ تمسكا بِظَاهِر الْقُرْآن.
قَالَ ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم﴾ الرَّابِعَة: أم الزَّوْجَة، تحرم على الْإِطْلَاق بِنَفس العقد على قَول الْأَكْثَرين، وَحكى خلاس عَن عَليّ رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ: " لَا تحرم أم الزَّوْجَة إِلَّا بعد الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وربائبكم اللاتى فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ قَالَ: فَقَوله: ﴿من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ ينْصَرف إِلَيْهِمَا جَمِيعًا. وَالْأول أصح.
قَالَ ابْن عَبَّاس: أبهموا مَا أبهمه الله، أَي: أطْلقُوا مَا أطلقهُ الله، وَلِأَن قَوْله: ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم﴾ مُسْتَقل بِنَفسِهِ، مُعْتَد بِحكمِهِ، فيستغني عَن الْإِظْهَار؛ وَلِأَن قَوْله: وَأُمَّهَات نِسَائِكُم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن على هَذَا التَّقْدِير يكون عيا فِي الْكَلَام، فَلَا يَلِيق بِكَلَام الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ أفْصح أَنْوَاع الْكَلَام.
قَالَ: ﴿وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ .
الْخَامِسَة: الربيبة؛ وَهِي ابْنة الزَّوْجَة، وَسميت ربيبة؛ لِأَن الزَّوْج يربها فِي حجره على الْأَغْلَب، فَهِيَ حرَام بعد الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ، وَسَوَاء كَانَت فِي حجره، أَو فِي حجر غَيره.
وَقَالَ دَاوُد: يخْتَص التَّحْرِيم بِالَّتِي فِي حجره؛ لقَوْله: ﴿وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم﴾ ، وَهَذَا لَا يَصح؛ لِأَن الْكَلَام خرج على لأغلب.
﴿فَإِن لم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: فِي نِكَاحهنَّ.
وَقَالَ: ﴿وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم﴾ السَّادِسَة: حَلِيلَة الابْن، وَهِي حرَام، وَسميت حَلِيلَة؛ لِأَنَّهَا مَعَ الابْن يحلان فراشا وَاحِدًا، وَقيل: لِأَنَّهَا تحل إِزَار الابْن، وَالِابْن يحل إزَارهَا، وَقيل: سميت حَلِيلَة؛ لِأَنَّهَا تحل لَهُ.
وَقَوله ﴿الَّذين من أصلابكم﴾ إِنَّمَا قيد بالصلب، وَإِن كَانَ حَلِيلَة ولد الْوَلَد حَرَامًا، ليبين أَن حَلِيلَة ولد التبني حَلَال. وَقد تزوج رَسُول الله زَيْنَب بنت جحش امْرَأَة زيد بن حَارِثَة، وَكَانَ قد تبنى زيدا، حَتَّى قَالَ عبد الله بن أَبى بن سلول: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الرجل، كَيفَ وثب على امْرَأَة ابْنه وَتَزَوجهَا: فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم﴾ بذلك السَّبَب.
﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف﴾ السَّابِعَة: الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ حرَام بِالنِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ بِالْوَطْءِ فِي ملك الْيَمين؛ وَقَالَ أهل الظَّاهِر: لَا يحرم الْجمع بَينهمَا إِلَّا فِي النِّكَاح؛ لِأَن الْآيَة فِي التَّحْرِيم بِالنِّكَاحِ، قَالَ عُثْمَان: حرمتهَا آيَة وأحلتها آيَة، فآية التَّحْرِيم هَذِه؛ وَآيَة التَّحْلِيل قَوْله: ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ ﴿إِلَّا مَا قد سلف﴾ أَي: بَعْدَمَا سلف وَقد [بَينا لَك] ﴿إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ أَرَادَ بِهِ: ذَوَات الْأزْوَاج ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ عَليّ، وَابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ: إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم من سَبَايَا أَو طاس، وَفِيه نزلت الْآيَة، قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: " لما سبا رَسُول الله سَبَايَا أَو طاس، هرب الرِّجَال؛ فتحرج الْمُسلمُونَ من وَطْء النِّسَاء بمَكَان الْأزْوَاج؛ فَنزلت الْآيَة، وَأذن رَسُول الله فِي وطئهن ".
وَقَالَ ابْن مَسْعُود، وأبى بن كَعْب: إِن قَوْله: ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ هُوَ أَن يَبِيع الْجَارِيَة الْمُزَوجَة، فَتَقَع الْفرْقَة بَينهَا وَبَين زَوجهَا، وَيحل للمشترى وَطأهَا، وَيكون بيعهَا طَلَاقا لَهَا.
النساء 4:24
وَقيل: معنى الْآيَة ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ يَعْنِي: ذَوَات الْأزْوَاج يحرم الِاسْتِمْتَاع بِهن، ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ من مهرهن، فَيحل الِاسْتِمْتَاع بِهِ، فَكَأَنَّهُ حرم الِاسْتِمْتَاع ببعضهن وأباح الِاسْتِمْتَاع بمهرهن.
﴿كتاب الله عَلَيْكُم﴾ أَي: فرض الله عَلَيْكُم، وَيقْرَأ: " كتب الله عَلَيْكُم " أَي: فرض الله عَلَيْكُم ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ يَعْنِي: أحل لله لكم، وَيقْرَأ: " أحل لكم " - بِضَم الْألف - على نظم قَوْله: ( ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ أَن تَبْتَغُوا بأموالكم) قيل: الْإِحْلَال: بالابتغاء بالأموال، وَفِيه دَلِيل على أَن استحلال الْبضْع لَا يَخْلُو عَن عوض ﴿محصنين﴾ أَي: متزوجين متعففين ﴿غير مسافحين﴾ غير زانين، مَأْخُوذ من سفح المَاء، وَهُوَ الصب، وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس:
(وَإِن شفائي عِبْرَة إِن سفحتها ... فَهَل عِنْد رسم دارس من معول) أَي: صببتها ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ: فَمَا استمتعتم بِهِ بِالنِّكَاحِ مِنْهُنَّ، ﴿فأتوهن أُجُورهنَّ فَرِيضَة﴾ أَي: مهورهن، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الْمُتْعَة الْمَعْرُوفَة.
وَكَانَت الْمُتْعَة حَلَالا فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، وَصورتهَا: أَن يَقُول الرجل للْمَرْأَة: أجرتك أَو عقدت عَلَيْك لأستمتع بك عشرَة أَيَّام بِكَذَا، وَكَانَ هَذَا حَلَالا، ثمَّ نسخ، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يُفْتى بإباحتها، وَالصَّحِيح أَنه مَنْسُوخ.
وروى عَليّ، وَالربيع عَن سُبْرَة، عَن النَّبِي ": أَنه نهى عَن نِكَاح الْمُتْعَة "
وَقَالَ عَليّ لِابْنِ عَبَّاس: إِنَّك رجل تائه نهى رَسُول الله عَن نِكَاح الْمُتْعَة. وَقيل: إِن ابْن عَبَّاس رَجَعَ عَن إِبَاحَة الْمُتْعَة، وَتَابَ. وَقَالَ بعض السّلف: لَوْلَا أَن عمر نهى عَن الْمُتْعَة؛ مازنى أحد فِي الْعَالم.
﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا تراضيتم بِهِ من بعد الْفَرِيضَة﴾ فَمن حمل مَا قبله على الْمُتْعَة، قَالَ: المُرَاد بِهَذَا: أَن يزِيد الرجل فِي الْمهْر، وتزيد الْمَرْأَة فِي الْأَجَل، وَمن حمل ذَلِك على الِاسْتِمْتَاع بِالنِّكَاحِ؛ فَالْمُرَاد بقوله: ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا تراضيتم بِهِ﴾ يعْنى: من الْإِبْرَاء، والاعتياض عَن الْمهْر ﴿إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾ .
النساء 4:25
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ قَالَ مُجَاهِد: الطول: السعَة، والغنى.
وأصل الطول الْفضل، وَمِنْه الطول؛ لفضل الْقَامَة، وَيُقَال: لَا طائل تَحْتَهُ أَي، لَا معنى تَحْتَهُ.
وَمعنى الْآيَة: وَمن لم يقدر على مهر الْحرَّة المؤمنة؛ فليتزوج بالأمة المؤمنة، وَفِيه دَلِيل على أَن نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة بَاطِل.
قَالَ الشّعبِيّ: نِكَاح الْأمة مَعَ الْقُدْرَة على مهر الْحرَّة حرَام، كالميتة وَالدَّم، وَقَالَ عَطاء: الطول الْهوى، وَمعنى الْآيَة: وَمن لم يَسْتَطِيع من هَوَاهُ أَن ينْكح الْحرَّة؛ بِأَن كَانَ يهوى الْأمة دون الْحرَّة، فليتزوج بالأمة؛ فعلى هَذَا يجوز نِكَاح الْأمة، وَإِن كَانَ قَادِرًا على مهر الْحرَّة، والفتى: العَبْد، والفتاة الْجَارِيَة، فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ أَي: من جواريكم.
﴿وَالله أعلم بإيمانكم﴾ أَي: لَا تتعرضوا للباطن فِي الْإِيمَان، وخذوا بِالْإِيمَان الظَّاهِر؛ فَإِن الله أعلم بإيمانكم ﴿بَعْضكُم من بعض﴾ أَي: كلكُمْ من نفس وَاحِدَة؛ فَلَا تستنكفوا من نِكَاح الْإِمَاء، وَقيل: مَعْنَاهُ بَعْضكُم أخوة لبَعض.
﴿فانكحوهن﴾ أَي: الْإِمَاء ﴿بِإِذن أهلهن﴾ أَي: إِذن مواليهن ﴿وآتوهن أُجُورهنَّ﴾ أَي: مهورهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ محصنات﴾ يَعْنِي: عفائف بِالتَّزْوِيجِ ﴿غير مسافحات﴾ أَي: غير زانيات ﴿وَلَا متخذات أخدان﴾ فالمسافحة: هِيَ أَن تمكن مِنْهَا كل أحد، قَالَ الْحسن: المسافحة: هِيَ امْرَأَة كل من أَوَى إِلَيْهَا تَبعته، وَذَات الخدن: هِيَ أَن تخْتَص بصديق، وَالْعرب كَانَت تحرم الأولى وتستبيح الثَّانِيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا أحصن﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: فَإِذا أسلمن. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَإِذا تَزَوَّجن، وَيقْرَأ فَإِذا " أحصن " بِضَم الآلف، وَمَعْنَاهُ: زوجن.
﴿فَإِن أتين بِفَاحِشَة فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب﴾ وَمعنى الْآيَة على قَول ابْن عَبَّاس، وَهُوَ الْأَصَح: أَن الْإِمَاء إِذا تَزَوَّجن وصرن ثَيِّبًا ﴿فعليهن نصف﴾ ( ﴿الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات وَالله أعلم بإيمانكم بَعْضكُم من بعض فانكحوهن بِإِذن أهلهن وآتوهن أُجُورهنَّ بِالْمَعْرُوفِ محصنات غير مسافحات وَلَا متخذات﴾ مَا على الْمُحْصنَات) يَعْنِي: الْحَرَائِر ﴿من الْعَذَاب﴾ أَي: من عَذَاب الْحَد، وحد الْحَرَائِر: يكون بِالْجلدِ؛ وَيكون بِالرَّجمِ، وَالرَّجم لَا ينتصف؛ فَكَانَ المُرَاد تنصيف الْجلد. وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن الْأمة الْبكر إِذا زنت، لَا حد عَلَيْهَا؛ لظَاهِر هَذِه الْآيَة، وَهَذَا لَا يَصح.
قَالَ الزُّهْرِيّ: حد الْأمة الثّيّب ثَابت بِهَذِهِ الْآيَة، وحد الْأمة الْبكر ثَابت بِالسنةِ، وَالسّنة الْمَعْرُوفَة فِيهِ: قَوْله: " إِذا زنت أمة أحدكُم فليجلدها " ﴿ذَلِك لمن خشِي الْعَنَت مِنْكُم﴾ الْعَنَت: الزِّنَا، وَقد يكون بِمَعْنى الْمَشَقَّة، كَمَا بَينا ﴿وَأَن تصبروا﴾ يَعْنِي: عَن نِكَاح الْإِمَاء ﴿خير لكم﴾ كَيْلا يخلق الْوَلَد رَقِيقا ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ .
النساء 4:26
قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيد الله ليبين لكم﴾ يَعْنِي: أَن يبين لكم، وَمثله قَول الشَّاعِر:
(أُرِيد لأنسى ذكرهَا فَكَأَنَّمَا ... تمثل لي ليلى بِكُل سَبِيل)
يَعْنِي: أُرِيد أَن أنسى ذكرهَا.
قَوْله: ﴿ليبين لكم﴾ أَي: يُوضح لكم الْأَحْكَام ﴿وَيهْدِيكُمْ﴾ أَي: يرشدكم ﴿سنَن الَّذين من قبلكُمْ﴾ أَي: طرائق الَّذين من قبلكُمْ من النبين، وَالصَّالِحِينَ، وَقيل: من قوم مُوسَى، وَعِيسَى، الَّذين هُدُوا بِالْحَقِّ؛ وَذَلِكَ أَنه حرم عَلَيْهِم مَا حرم على الْمُسلمين من الْمَحَارِم الْمَذْكُورَات، وَقيل: مَعْنَاهُ: وَيهْدِيكُمْ إِلَى الْملَّة الحنيفية، مِلَّة إِبْرَاهِيم، ﴿وَيَتُوب عَلَيْكُم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: بداء من الله، وَمَعْنَاهُ: يوفقكم للتَّوْبَة، وَقيل: يرشدكم إِلَى السَّبِيل الَّذِي يدعوكم إِلَى التَّوْبَة ﴿وَالله عليم﴾ بمصالح أَمركُم ﴿حَكِيم﴾ فِيمَا دبر.
النساء 4:27
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم﴾ هُوَ مَا ذكرنَا. ﴿وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات﴾ قَالَ مُجَاهِد: هم الزناة، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الْيَهُود، وَالنَّصَارَى، قَالَ مقَاتل بن حَيَّان: الْيَهُود خَاصَّة؛ لأَنهم استحلوا نِكَاح الْأُخْت من الْأَب ﴿أَن تميلوا ميلًا عَظِيما﴾ الْميل الْعَظِيم: هُوَ أَن يفعل فعلا لَا يخَاف الله فِيهِ، وَلَا يرقب النَّاس، وَقيل: الْميل الْعَظِيم بِاتِّبَاع الشَّهَوَات.
النساء 4:28
قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم﴾ أَي: يسهل عَلَيْكُم، وَقد سهل هَذَا الدّين؛ قَالَ: " بعثت بالسمحة السهلة الحنيفية "، وروى: " بالحنيفية السمحة السهلة " وَقَالَ الله تَعَالَى: ( ﴿وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾ وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا) قَالَ طَاوس، وَمُجاهد: وَخلق ضَعِيفا فِي أَمر النِّسَاء؛ لَا يصبر عَنْهُن، وَقَالَ وَكِيع: يذهب عقله عِنْدهن؛ فَهُوَ ضَعِيف، وَقَالَ الزّجاج: يستميله هَوَاهُ وشهوته.
النساء 4:29
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ السدى: هُوَ الْقمَار، والربا، وَنَحْوه، وَقَالَ غَيره: كل الْعُقُود الْبَاطِلَة ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة﴾ يقْرَأ: بِالضَّمِّ وَالْفَتْح، قد ذكرنَا وَجه القرائتين فِي سُورَة الْبَقَرَة.
﴿عَن ترَاض مِنْكُم﴾ أَي: بِطيبَة نفس مِنْكُم ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ أَي: لَا يقتل بَعْضكُم بَعْضًا، وَقَرَأَ الْحسن: ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ مشددا على التكثير.
وَقيل: مَعْنَاهُ: وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم بِأَكْل المَال الْبَاطِل، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: قتل الرجل نَفسه على الْحَقِيقَة ﴿إِن الله كَانَ بكم رحِيما﴾ .
النساء 4:30
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يفعل ذَلِك﴾ يَعْنِي: مَا سبق من الْحَرَام ﴿عُدْوانًا وظلما﴾ فالعدوان: مُجَاوزَة الْحَد، وَالظُّلم: وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه.
﴿فَسَوف نصليه نَارا﴾ : ندخله نَارا، يصلى بهَا ﴿وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ أَي هينا، وروى عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: كُنَّا نشْهد لمن ارْتكب الْكَبَائِر بالنَّار بِهَذِهِ الْآيَات؛ حَتَّى نزل قَوْله تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فتوقفنا.
النساء 4:31
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر ماتنهون عَنهُ﴾ سُئِلَ رَسُول الله فَقيل لَهُ: " أَي الْكَبَائِر أكبر؟ فَقَالَ: أَن تَدْعُو لله ندا وَهُوَ خلقك، قيل: ثمَّ أَي؟ قَالَ: أَن تقتل ولدك مَخَافَة أَن يَأْكُل مَعَك، قيل: ثمَّ أَي؟ قَالَ: أَن تَزني بحليلة جَارك، ثمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون﴾ " وروى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " أكبر الْكَبَائِر: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، والفرار من الزَّحْف، وَكَانَ مُتكئا فَاسْتَوَى جَالِسا، وَقَالَ: وَشَهَادَة الزُّور، وَشَهَادَة الزُّور، فَمَا زَالَ يردده حَتَّى قُلْنَا: ليته سكت ".
وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الْكَبَائِر: مَا ذكر الله تَعَالَى فِي هَذِه السُّورَة إِلَى هَذِه الْآيَة: ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر﴾ .
وَعَن ابْن مَسْعُود أَيْضا أَنه قَالَ: الْكَبَائِر أَرْبَعَة: الْإِشْرَاك بِاللَّه، والقنوط من رَحْمَة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْكَبَائِر سبع: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وَقتل النَّفس بِغَيْر نفس، وَقذف المحصنة، وَأكل الرِّبَا، وَأكل مَال الْيَتِيم، والفرار من الزَّحْف، وَالتَّعَرُّب بعد الْهِجْرَة، يَعْنِي: إِلَى دَار الْحَرْب.
وَقَالَ ابْن عمر: الْكَبَائِر تسع فَذكر هَذِه السَّبع وَزَاد شَيْئَيْنِ أَحدهمَا: السحر، وَالثَّانِي: الْإِلْحَاد فِي الْحرم بالميل وَالظُّلم.
وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس، فَقيل لَهُ: الْكَبَائِر سبع؟ فَقَالَ: هِيَ إِلَى السّبْعين أقرب مِنْهَا إِلَى السَّبع، وَقَالَ الْمُغيرَة بن مقسم الضَّبِّيّ: شتم أبي بكر، وَعمر من الْكَبَائِر.
وَالْجُمْلَة أَن الْكَبَائِر: كل جريمة أوعد الله تَعَالَى عَلَيْهَا النَّار، وَقَالَ أَبُو صَالح: الْكَبِيرَة كل مَا أوجب الْحَد؛ غير أَنه لَا كَبِيرَة مَعَ الاسْتِغْفَار، وَلَا صَغِيرَة مَعَ الْإِصْرَار.
وَقَوله: ﴿نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ قَالَ السدى: أَرَادَ بالسيئات: الصَّغَائِر ﴿نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ إِن شِئْت؛ فالمشيئة مضمرة فِيهِ، وروى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة، والصلوات الْخمس، كَفَّارَة لما بَينهُنَّ مَا اجْتنبت الْكَبَائِر ".
وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن رَسُول الله قَالَ: " مَا من مُسلم يُصِيبهُ وصب، أَو نصب، إِلَّا كفر عَنهُ خطاياه حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها " وَقيل: باجتناب الْكَبَائِر، تقع الصَّغَائِر مكفرة، وَمذهب أهل السّنة: أَن تَكْفِير الصَّغَائِر معلقَة بِالْمَشِيئَةِ؛ فَيجوز أَن يعْفُو الله عَن الْكَبَائِر، وَيَأْخُذ بالصغائر، وَيجوز أَن يجْتَنب الرجل الْكَبَائِر، فَيُؤْخَذ بالصغائر.
﴿وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا﴾ وتقرأ: " مدخلًا " - بِفَتْح الْمِيم فالمدخل: الْجنَّة والمدخل بِضَم الْمِيم: الإدخال، يَعْنِي: إدخالا كَرِيمًا.
النساء 4:32
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فضل الله بِهِ بَعْضكُم على بعض﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: مَا روى عَن أم سَلمَة، قَالَت: يَا رَسُول الله: إِن الرِّجَال يغزون وَلَا نغزوا، وَلَهُم ضعف مالنا من الْمِيرَاث، فَلَو كُنَّا رجَالًا غزونا كَمَا غزوا، وأخذنا من الْمِيرَاث مثل مَا أخذُوا؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فضل الله بِهِ بَعْضكُم على بعض﴾ وَقيل: سَبَب نزُول الْآيَة: أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يورثون النِّسَاء؛ فَلَمَّا نزلت الْآيَة بتوريث النِّسَاء، وَجعل للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، قَالَت النِّسَاء: لَو كُنَّا رجَالًا لأخذنا من الْمِيرَاث مثل مَا أخذُوا، وَقَالَ الرِّجَال: كَمَا فضلنَا عليكن فِي الدُّنْيَا، نفضل عليكن فِي الْآخِرَة؛ فَنزلت الْآيَة.
قَالَ الْفراء: هَذَا نهي تَأْدِيب وتهذيب، وَقَالَ غَيره: إِنَّه نهي تَحْرِيم ﴿للرِّجَال نصيب مِمَّا اكتسبوا﴾ يَعْنِي: من الْأجر ﴿وللنساء نصيب مِمَّا اكتسبن﴾ يَعْنِي: من الْأجر، وَمعنى الْآيَة: أَن الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الْأجر فِي الْآخِرَة سَوَاء، وَإِن فضل الرِّجَال على النِّسَاء فِي الدُّنْيَا، فالحسنة بِعشر أَمْثَالهَا يَسْتَوِي فِيهَا الرجل وَالْمَرْأَة، وَقيل: مَعْنَاهُ: للرِّجَال نصيب مِمَّا اكتسبوا من أَمر الْجِهَاد، وللنساء نصيب مِمَّا اكتسبن من طَاعَة الْأزْوَاج، وَحفظ الْفروج، يَعْنِي: إِن كَانَ للرجل فضل الْجِهَاد، فللنساء فضل طَاعَة الْأزْوَاج، وَحفظ الْفروج.
﴿واسألوا الله من فَضله﴾ وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْحَسَد حرَام؛ والحسد: هُوَ أَن يتَمَنَّى زَوَال النِّعْمَة عَن صَاحبه، ويتمناها لنَفسِهِ، وَالْغِبْطَة: هُوَ أَن يتَمَنَّى لنَفسِهِ مثل مَا لصَاحبه، فالحسد حرَام، وَالْغِبْطَة لَا بَأْس بهَا، ثمَّ اخْتلفُوا فِي معنى الْفضل هَاهُنَا، قَالَ ابْن عَبَّاس: واسألوا الله من فَضله، أَي: من رزقه.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: مَعْنَاهُ: ﴿واسألوا الله من فَضله﴾ أَي: من عِبَادَته، وَقيل: هُوَ سُؤال التَّوْفِيق على الطَّاعَة ﴿إِن الله كَانَ بِكُل شئ عليما﴾ .
النساء 4:33
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكُل جعلنَا موالى﴾ وَلكُل من الرِّجَال وَالنِّسَاء جعلنَا وَرَثَة، قَالَ مُجَاهِد: الموالى هَاهُنَا: بَنو الْأَعْمَام، وَقَالَ الشَّاعِر:
(مهلا بني عمنَا مهلا موالينا ... لَا تنشبوا بَيْننَا مَا كَانَ مَدْفُونا)
وَقيل: هم جَمِيع الْأَقَارِب، وَمعنى الْآيَة: وَلكُل جعلنَا موَالِي يُعْطون ﴿مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم﴾ عاقدت، وعقدت، وحالفت بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ من الْحلف والعهد: وَهُوَ أَن يَقُول الرجل لصَاحبه: دمي دمك، وَمَالِي مَالك، وترثني وأرثك، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يُورث بِالْحلف، وَأقر عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَام، وَكَانَ للحليف السُّدس، ثمَّ نسخ ذَلِك بقوله تعالي: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ وَقيل: هَذَا فِي التوريث بالتبني، وَكَانَ ثَابتا، ثمَّ نسخ ﴿إِن الله كَانَ على كل شئ شَهِيدا﴾ .
النساء 4:34
قَوْله تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء بِمَا فضل الله بَعضهم على بعض﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن امْرَأَة سعد بن الرّبيع جَاءَت إِلَى النَّبِي وَقَالَت: " إِن زَوجي لطمني على وَجْهي، وَهَذَا أَثَره، فَقَالَ: اذهبي فاقتصي مِنْهُ؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء بِمَا فضل الله﴾ يَعْنِي: بالتأديب.
قَالَ الْحسن: لما قَالَ لَهَا: اذهبي فاقتصي مِنْهُ؛ نزل قَوْله: ﴿وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه﴾ أَي: لَا تحكم قبل أَن ينزل حكم الله.
والقوام والقيم بِمَعْنى وَاحِد، والقوام أبلغ: وَهُوَ الْقَائِم بالمصالح وَالتَّدْبِير، قَالَ الشَّاعِر:
(الله بيني وَبَين قيمها ... يفر مني وأتبع)
﴿بِمَا فضل الله بَعضهم على بعض﴾ يَعْنِي: الرِّجَال على النِّسَاء بِالْعقلِ، وَالْعلم، والحلم. ﴿وَبِمَا أَنْفقُوا من أَمْوَالهم﴾ يَعْنِي: بِإِعْطَاء الْمهْر، وَالنَّفقَة.
﴿فالصالحات قانتات﴾ يَعْنِي: مطيعات، وَقيل: مصليات ﴿حافظات للغيب﴾ أَي: حافظات للفروج فِي غيبَة الْأزْوَاج ﴿بِمَا حفظ الله﴾ يَعْنِي: بِمَا حفظهن الله من إيصاء الْأزْوَاج بأَدَاء حقهن من الْمهْر وَالنَّفقَة، وَقيل: مَعْنَاهُ: حافظات للغيب بِحِفْظ الله، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْمدنِي " بِمَا حفظ الله " بِفَتْح الْهَاء يَعْنِي: بِمَا حفظ الله من طاعتهن وعبادتهن.
﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ النُّشُوز: هُوَ الشقاق (فعظوهن) أَي: بالتخويف من الله، والوعظ بالْقَوْل، ﴿واهجروهن فِي الْمضَاجِع﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَمَعْنَاهُ: ولوهن ظهوركم فِي الْمضَاجِع؛ وَذَلِكَ بِأَن يوليها ظَهره فِي الْفراش، وَلَا يكلمها، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن يعتزل عَنْهَا فِي فرَاش آخر.
﴿واضربوهن﴾ يعْنى: ضربا غير مبرح، وَذَلِكَ ضرب، لَيْسَ فِيهِ جرح وَلَا كسر، قَالَ عَطاء: ضرب بِالسِّوَاكِ وَنَحْوه. ﴿فَإِن أطعنكم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ يَعْنِي: بالتعلل، والتجني، وَقيل: فَلَا تكلفوهن محبتكم؛ فَإِن الْقلب لَيْسَ بأيديهن ﴿إِن الله كَانَ عليا كَبِيرا﴾ أَي: متعاليا عَن أَن يُكَلف الْعباد مَا لَا يطيقُونَهُ، وَفِي الْخَبَر: " لَو جَازَ أَن يسْجد أحد لأحد لأمرت الزَّوْجَة أَن تسْجد لزَوجهَا؛ لما لَهُ عَلَيْهَا من الْحُقُوق ".
وروى مَرْفُوعا: " خير النِّسَاء من إِذا دخلت عَلَيْهَا سرتك، وَإِن أَمَرتهَا أَطَاعَتك وَإِن غبت عَنْهَا حفظتك ".
النساء 4:35
﴿وَإِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا﴾ : هُوَ النُّشُوز، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَرَادَ بِهِ: إِن تيقنتم شقَاق بَينهمَا، فالخوف بِمَعْنى: الْيَقِين، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(إِذا مت فارميني إِلَى جنب كرمة ... أَخَاف إِذا مَا مت أَن لَا أذوقها) أَي: أتيقن.
وَأنكر الزّجاج ذَلِك عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِذا تَيَقّن الشقاق، فَلَا معنى لبعث الْحكمَيْنِ، بل الْخَوْف بِمَعْنى الظَّن، يَعْنِي: إِن ظننتم شقَاق بَينهمَا ﴿فَابْعَثُوا حكما من أَهله﴾ يَعْنِي من أهل الزَّوْج، ﴿وَحكما من أَهلهَا﴾ يَعْنِي: من أهل الزَّوْجَة. ﴿إِن يريدا إصلاحا يوفق الله بَينهمَا إِن الله كَانَ عليما خَبِيرا﴾ وَهل يجوز لِلْحكمَيْنِ التَّفْرِيق؟ فللسلف فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه يجوز التَّفْرِيق، كَمَا يجوز الْجمع من غير رضَا الزَّوْج، وروى عَن عَليّ: أَنه بعث الْحكمَيْنِ، فَقَالَ الزَّوْج: أما الْفرْقَة فَلَا، فَقَالَ عَليّ: لَا حَتَّى ترْضى بِكِتَاب الله تَعَالَى؛ فعلى هَذَا معنى قَوْله: ﴿يوفق الله بَينهمَا﴾ يَعْنِي: يوفق الله بَين الْحكمَيْنِ بِمَا فِيهِ الصّلاح من الْفرْقَة أَو الْجمع، وَالصَّحِيح وَعَلِيهِ الْفَتْوَى: أَنه لَا يجوز التَّفْرِيق، وَهُوَ ظَاهر الْآيَة.
النساء 4:36
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ روى عَن معَاذ أَنه قَالَ: " كنت رَدِيف رَسُول الله، فَقَالَ لي: يَا معَاذ. فَقلت: لبيْك وَسَعْديك. فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا حق الله على الْعباد؟ قلت: الله وَرَسُوله أعلم. فَقَالَ: حق الله على الْعباد: أَن يعبدوه، وَلَا يشركوا بِهِ شَيْئا، ثمَّ قَالَ: يَا معَاذ، قلت: لبيْك وَسَعْديك، قَالَ: أَتَدْرِي مَا حق الْعباد على الله؟ قلت: الله وَرَسُوله أعلم. فَقَالَ: حق الْعباد على الله إِذا فعلوا ذَلِك أَن يدخلهم الْجنَّة، وَلَا يعذبهم ".
﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أَي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، وَمن الْإِحْسَان بالوالدين: لين الْجَانِب، وَألا يرفع صَوته فَوق صوتهما، وَلَا يجبهُ بِالرَّدِّ، وَيكون لَهما كَالْعَبْدِ الذَّلِيل لسَيِّده ﴿وبذي الْقُرْبَى﴾ أَي: أَحْسنُوا بِذِي الْقُرْبَى ﴿واليتامى وَالْمَسَاكِين {وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: انه الْجَار الَّذِي لَهُ قرَابَة. وَالثَّانِي: أَنه الْجَار الَّذِي بِقرب دَاره، وَهُوَ الملاصق، ﴿وَالْجَار الْجنب﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الْجَار الْغَرِيب الْأَجْنَبِيّ، وَالثَّانِي: أَنه الْجَار الَّذِي يبعد دَاره.
وَقد ورد فِي حق الْجَار أَخْبَار، مِنْهَا: مَا روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا زَالَ جِبْرِيل يوصيني بالجار، حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه " وَقَالَ: " من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يؤذ جَاره "، وَقَالَ لمناديه حَتَّى نَادَى: " أَلا إِن الْجِيرَان أَرْبَعُونَ دَارا، وَلم يُؤمن بِاللَّه من آذَى جَاره ".
وَقَالَت عَائِشَة لرَسُول الله: " إِن لي جارين، فَإلَى أَيهمَا أهدي؟ فَقَالَ: إِلَى أقربهما بَابا " فَحق الْجَار الْقَرِيب الْمُسلم ثَلَاثَة حُقُوق: حق الْقَرَابَة، وَحقّ الْإِسْلَام، وَحقّ الْجوَار، وللجار الْغَرِيب الْمُسلم حقان: حق الْإِسْلَام، وَحقّ الْجوَار، وللجار الذِّمِّيّ حق وَاحِد، وَهُوَ حق الْجوَار.
قَوْله تَعَالَى: ﴿والصاحب بالجنب﴾ قَالَ عَليّ، وَابْن مَسْعُود: هِيَ الْمَرْأَة، وَقَالَ الْحسن، وَمُجاهد، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة: هُوَ الرفيق فِي السّفر، ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الملازم للطريق، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقَالَ غَيره: هُوَ الضَّيْف، وَقَالَ " من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه " وَقَالَ " الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام، فَمَا زَاد فَهُوَ صَدَقَة ".
﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ يَعْنِي: أَحْسنُوا إِلَى المماليك، وَآخر مَا حفظ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " الصَّلَاة، وَمَا ملكت أَيْمَانكُم " أَي: الزموا الصَّلَاة، وَحقّ مَا ملكت أَيْمَانكُم.
﴿إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالا فخورا﴾ المختال: المتكبر، والفخور: الَّذِي يفخر بِنَفسِهِ تكبرا، قَالَ الشَّاعِر:
(وَإِن كنت سيدنَا سدتنا ... وَإِن كنت للخال فَاذْهَبْ فَخَل)
يعْنى: إِن كنت للخيلاء فَاذْهَبْ فَخَل، فَإِن قيل: أَي معنى لهَذَا بعد هَذِه الْأَحْكَام؟ قيل: لِأَن الْآدَمِيّ قد يقصر فِي أَدَاء الْحُقُوق تكبرا؛ فَنهى عَنهُ، وَفِي الْخَبَر: " أَن رجلا كَانَ يتبختر فِي حلَّة لَهُ، فَخسفَ الله بِهِ الأَرْض، فَهُوَ يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".
النساء 4:37
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يَبْخلُونَ ويأمرون النَّاس بالبخل﴾ قيل: هُوَ عَام فِي كل بخيل فِي الْعَالم، وَقيل أَرَادَ بِهِ: الْيَهُود وَالنَّصَارَى بخلوا بنعت مُحَمَّد، وَأمرُوا سفلتهم بذلك، ﴿ويكتمون مَا آتَاهُم الله من فَضله اعتدنا﴾ أَي: أعددنا ﴿للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾ .
النساء 4:38
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم رئاء النَّاس وَلَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر﴾ قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقَالَ غَيره: هم المُنَافِقُونَ.
﴿وَمن يكن الشَّيْطَان لَهُ قرينا فسَاء قرينا﴾ أَي: فبئس القرين، قَالَ الشَّاعِر:
(عَن الْمَرْء لَا تسْأَل وبصر قرينه ... فَكل قرين بالمقارن يَقْتَدِي)
النساء 4:39
قَوْله تَعَالَى: ﴿وماذا عَلَيْهِم﴾ أَي: وَأي شئ عَلَيْهِم ﴿لَو آمنُوا بِاللَّه﴾ وَهُوَ مثل مَا يُحَاسب الرجل نَفسه، فَينْظر فِيمَا لَهُ، وَفِيمَا عَلَيْهِ؛ يَقُول الله تَعَالَى أَي: شئ عَلَيْهِم لَو آمنُوا بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ﴿وأنفقوا مِمَّا رزقهم الله وَكَانَ الله بهم عليما﴾ .
النساء 4:40
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " مِثْقَال نملة " والذرة: هِيَ النملة الْحَمْرَاء، ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا﴾ وَقُرِئَ: " يضعفها " وهما فِي الْمَعْنى سَوَاء. ﴿وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما﴾ .
النساء 4:41
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ شَهِيدا﴾ مَعْنَاهُ: فَكيف الْحَال إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد؟ وَأَرَادَ بالشهيد من كل أمة نبيها، وشهيد هَذِه الْأمة: نَبينَا.
وأختلفوا على أَن شَهَادَتهم على مَاذَا؟ مِنْهُم من قَالَ: يشْهدُونَ على تَبْلِيغ الرسَالَة، وَمِنْهُم من قَالَ: يشْهدُونَ على الْأمة بِالْأَعْمَالِ.
وَاخْتلفُوا فِي أَن النَّبِي هَل يشْهد على من لم يره؟ مِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا يشْهد على من رَآهُ، وَالصَّحِيح: أَنه يشْهد على الْكل، على من رأى، وعَلى من لم ير.
وروى عَن ابْن مَسْعُود: " أَن النَّبِي قَالَ لي: اقْرَأ عَليّ الْقُرْآن " فَقلت: كَيفَ أَقرَأ عَلَيْك الْقُرْآن، وَعَلَيْك أنزل؟ ! فَقَالَ: أُرِيد أَن أسمعهُ من غَيْرِي. قَالَ ابْن مَسْعُود: فافتتحت سُورَة النِّسَاء، فَلَمَّا بلغت قَوْله: ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ شَهِيدا﴾ غمزني رَسُول الله بِيَدِهِ، وَقَالَ: حَسبك، فَنَظَرت إِلَيْهِ، فَإِذا عَيناهُ تَذْرِفَانِ "، وَفِي رِوَايَة: " لما قَرَأت هَذِه الْآيَة، قَرَأَ رَسُول الله: ﴿وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم﴾ " وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة: " هَذَا يَا رب فِيمَن رَأَيْته، فَكيف بِمن لم أره؟ " وأصل الحَدِيث صَحِيح.
النساء 4:42
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمئِذٍ﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة ﴿يود الَّذين كفرُوا وعصوا الرَّسُول لَو تسوى بهم الأَرْض﴾ وَيقْرَأ: " لَو تسوى بهم الأَرْض " أَي: تستوي، يَعْنِي: يودون أَن يصيروا تُرَابا، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا﴾ ، وَذَلِكَ حِين تحْشر الْبَهَائِم ثمَّ يَقُول الله تَعَالَى لَهُم: كونُوا تُرَابا، فيكونون تُرَابا؛ فيود الْكفَّار هُنَالك أَن يصيروا مثل الْبَهَائِم تُرَابا، وَقيل: يودون أَن ﴿تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء﴾ تنخرق الأَرْض؛ فساخوا فِيهَا وهلكوا، وتسوى بهم الأَرْض، أَي: عَلَيْهِم الأَرْض.
﴿وَلَا يكتمون الله حَدِيثا﴾ فَإِن قيل: قد أخبر هَاهُنَا أَنهم لَا يكتمون الله حَدِيثا، وَذكر فِي مَوضِع آخر قَوْلهم: ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ فقد كتموا، فَكيف وَجه الْجمع؟ قيل: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: وَهَذَا فِي موطن وَذَاكَ فِي موطن، آخر، وَفِي الْقِيَامَة مَوَاطِن، وَهَذَا جَوَاب مَعْرُوف أوردهُ القتيبي فِي مُشكل الْقُرْآن. وَقيل: مَعْنَاهُ: يودون أَن لَا يكتمون الله حَدِيثا، وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ: ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ وَنَحْو ذَلِك، فيختم الله على أَفْوَاههم، وينطق جوارحهم؛ فيودون أَنهم لم يكتموا الله حَدِيثا فَهُوَ رَاجع إِلَى قَوْله: ﴿يود الَّذين كفرُوا﴾ وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا يقدرُونَ أَن يكتموا الله حَدِيثا.
النساء 4:43
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى﴾ يَعْنِي: لَا تقربُوا مَوضِع الصَّلَاة، ﴿وَأَنْتُم سكارى﴾ فَالْأَصَحّ وَعَلِيهِ أَكثر الْمُفَسّرين أَنه أَرَادَ بِهِ: السكر من الشَّرَاب، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الضَّحَّاك: أَرَادَ بِهِ: السكر من النّوم.
وَالسكر من السكر فَهُوَ أَشد، فالسكر يسد الْعقل والمعرفة، وَالصَّحِيح أَنه فِي السكر من الشَّرَاب.
وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى: أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف صنع طَعَاما، وَاتخذ شرابًا، ودعا رهطا من أَصْحَاب رَسُول الله، فَأَكَلُوا، وَشَرِبُوا حَتَّى ثَمِلُوا، فَدخل وَقت الْمغرب، فَقَامُوا إِلَى الصَّلَاة، وَقدمُوا وَاحِدًا مِنْهُم، فَقَرَأَ سُورَة ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَقَرَأَ: أعبد مَا تَعْبدُونَ، وَأَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد، قَرَأَ هَكَذَا إِلَى آخر السُّورَة بطرح " لَا "؛ فَنزل قَوْله: ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ " أَي: حَتَّى تميزوا، وتعرفوا مَا تَقولُونَ.
فَإِن قيل: كَيفَ خَاطب السكارى، والسكران لَا يُخَاطب؟ قيل أَرَادَ بِهِ لَا تتعرضوا للسكر فِي أَوْقَات الصَّلَاة، فَكَانُوا يشربون بعد ذَلِك بعد صَلَاة الصُّبْح، ويصحون عِنْد الظّهْر، وَيَشْرَبُونَ بعد الْعشَاء الْآخِرَة، ويصحون عِنْد الصُّبْح.
﴿وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل﴾ يَعْنِي: وَلَا تقربُوا الْمَسْجِد مَوضِع الصَّلَاة جنبا، إِلَّا عابري سَبِيل، اخْتلفُوا فِيهِ: قَالَ جمَاعَة من التَّابِعين وَهُوَ قَول الشَّافِعِي: إِنَّه أَرَادَ بِهِ عبور: الْجنب فِي الْمَسْجِد من غير أَن يجلس؛ فَرخص فِيهِ، وَقَالَ بَعضهم إِنَّه يتَيَمَّم للعبور، ثمَّ يعبر إِذا لم يكن لَهُ بُد من العبور، وَالْآيَة فِي قوم من الْأَنْصَار كَانَت أَبْوَاب بُيُوتهم فِي الْمَسْجِد: فَرخص لَهُم فِي العبور بِالتَّيَمُّمِ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا﴾ .
﴿وَإِن كُنْتُم مرضى﴾ أَرَادَ بِهِ: المرضى من القروح والجروح، وَفِيه تفاصيل تذكر فِي الْفِقْه، ﴿أَو على سفر﴾ وحد السّفر: مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة، وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام ﴿أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط﴾ قَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: وَجَاء أحد مِنْكُم من الْغَائِط؛ حَتَّى يَسْتَقِيم الْكَلَام، وَالْغَائِط: اسْم للمطمئن من الأَرْض؛ فَلَمَّا جرت عَادَة الْعَرَب بإتيان الْغَائِط للْحَدَث؛ سمى الْحَدث غائطا باسم الْمَكَان.
﴿أَو لمستم النِّسَاء﴾ وَيقْرَأ: " أَو لامستم النِّسَاء " قَالَ عَليّ، وَابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ الْجِمَاع، قَالَ ابْن عَبَّاس: إِن الله حيى كريم، يكنى بالْحسنِ عَن الْقَبِيح؛ فكنى باللمس عَن الْجِمَاع، وَقَالَ ابْن مَسْعُود، وَابْن عمر: هُوَ اللَّمْس بِالْيَدِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، فَمن قَالَ بِالْأولِ قَالَ: إِن التَّيَمُّم للْجنب ثَابت بِنَصّ الْكتاب، وَمن قَالَ بِالثَّانِي قَالَ: إِن التَّيَمُّم للمحدث ثَابت بِالْكتاب، وللجنب ثَابت بِالسنةِ.
وَقَالَ عمر، وَابْن مَسْعُود: لَيْسَ للْجنب أَن يتَيَمَّم أصلا، وحملوا الْآيَة على اللَّمْس بِالْيَدِ، وتمسكوا بِظَاهِر الْآيَة.
وَالأَصَح أَن اللَّمْس وَالْمُلَامَسَة وَاحِد، وَقَالَ بَعضهم: وَمن قَرَأَ: ﴿أَو لامستم﴾ فَفِيهِ دَلِيل على انْتِقَاض طَهَارَة اللامس والملموس جَمِيعًا. وَمن قَرَأَ (أَو لمستم) فَفِيهِ دلَالَة على انْتِقَاض طَهَارَة اللامس فَحسب.
﴿فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ أَي: اقصدوا، وتعمدوا، وَالتَّيَمُّم: الْقَصْد، قَالَ الشَّاعِر:
(تيممت قيسا وَكم دونه ... من الأَرْض من مهمة ذِي شزن)
﴿صَعِيدا﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الصَّعِيد: التُّرَاب، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الصَّعِيد: مَا يصعد من وَجه الأَرْض، وَهُوَ اخْتِيَار الزّجاج، وَقَالَ الزّجاج: لَو ضرب يَده على صَخْرَة صماء حصل التَّيَمُّم، وَإِن لم يعلق بِهِ شئ، وَاسْتَدَلُّوا بقوله: ﴿صَعِيدا زلقا﴾ وَأَرَادَ بِهِ: وَجه الأَرْض، وَالْأول أصح؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ يَعْنِي: من الصَّعِيد؛ فَدلَّ أَنه التُّرَاب حَتَّى يكون التَّيَمُّم مِنْهُ وَقَوله: ﴿طيبا﴾ أَي: طَاهِرا، وَقَالَ بَعضهم: حَلَالا (فامسحوا بوجهكم وَأَيْدِيكُمْ إِن الله كَانَ عفوا غَفُورًا) فالعفو المسهل والغفور: السَّاتِر.
النساء 4:44
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يُسَمِّي الْيَهُود وَالنَّصَارَى: " أهل الْكتاب "، وَهُوَ اسْم مدح، وهم يسْتَحقُّونَ الذَّم؟
قيل: قَالَ ذَلِك لإلزام الْحجَّة، وَقيل: سماهم بذلك على زعمهم أَنهم أهل الْكتاب.
﴿يشْتَرونَ الضَّلَالَة﴾ لأَنهم لما استبدلوا الضَّلَالَة بِالْهدى، فكأنهم اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى، وكل مُشْتَر مستبدل.
{ويريدون أَن تضلوا السَّبِيل
النساء 4:45
وَالله أعلم بأعدائكم وَكفى بِاللَّه وليا وَكفى بِاللَّه نَصِيرًا) قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: اكتفوا بِاللَّه وليا واكتفوا بِهِ نَصِيرًا؛ لتَكون " الْبَاء " فِي موضعهَا، وَقَالَ غَيره: الْبَاء صلَة، وَتَقْدِيره: وَكفى الله وليا وَكفى الله نَصِيرًا.
النساء 4:46
قَوْله تَعَالَى: ﴿من الَّذين هادوا يحرفُونَ﴾ قيل تَقْدِيره: ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب من الَّذين هادوا يحرفُونَ، وَقيل مَعْنَاهُ: من الَّذين هادوا فريق يحرفُونَ ﴿الْكَلم عَن موَاضعه وَيَقُولُونَ سمعنَا وعصينا﴾ لأَنهم لما سمعُوا وَلم يطيعوا، فكأنهم قَالُوا: سمعنَا وعصينا.
﴿واسمع غير مسمع﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانُوا يَقُولُونَ لرَسُول الله: اسْمَع، ثمَّ يَقُولُونَ فِي أنفسهم: لَا سَمِعت، فَهَذَا مَعْنَاهُ، وَقَالَ الْحسن: اسْمَع غير مسمع مِنْك، يَعْنِي: اسْمَع منا، وَلَا نسْمع مِنْك ﴿وراعنا﴾ كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِك، ويريدون بِهِ: النِّسْبَة إِلَى الرعونة، فَذَلِك معنى قَوْله: ﴿ليا بألسنتهم وطعنا فِي الدّين﴾ ؛ لِأَن قَوْلهم: رَاعنا من المراعاة، فَلَمَّا حرفوه إِلَى الرعونة، فَذَلِك معنى قَوْله: ( ﴿ليا بألسنتهم﴾ وَلَو أَنهم قَالُوا سمعنَا وأطعنا واسمع وانظرنا) أَي: انْظُر إِلَيْنَا ﴿لَكَانَ خيرا لَهُم وأقوم﴾ أَي: أعدل (وَلَكِن لعنهم الله بكفرهم فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا قَلِيلا) فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلا، لَا يسْتَحقُّونَ بِهِ اسْم الْإِيمَان؛ وَذَلِكَ أَنهم يُؤمنُونَ بِاللَّه، وَالْآخِرَة، ومُوسَى، وَقيل: مَعْنَاهُ: فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا نفر قَلِيل مِنْهُم، وَأَرَادَ بِهِ: عبد الله بن سَلام، وقوما مِنْهُم أَسْلمُوا.
النساء 4:47
﴿يَا أَيهَا الَّذين أُوتُوا الْكتاب آمنُوا بِمَا نزلنَا﴾ يَعْنِي: من الْقُرْآن (مُصدقا لما ﴿مَعكُمْ﴾ من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ﴿من قبل أَن نطمس وُجُوهًا فنردها على أدبارها﴾ الطمس: المحو، وَمَعْنَاهُ: من قبل أَن نطمس الْوَجْه، ونرده إِلَى الْقَفَا، وَقيل: مَعْنَاهُ: نَبَات الشّعْر عَلَيْهِ، حَتَّى يصير كالقردة، وَقيل: يَجْعَل عَيْنَيْهِ على الْقَفَا ليمشي بقهقرى، وروى: أَن عبد الله بن سَلام لما سمع هَذِه الْآيَة، جَاءَ إِلَى النَّبِي وَيَده على وَجهه، فَأسلم، وَقَالَ: خفت أَن يطمس وَجْهي قبل أَن أصل إِلَيْك، وَكَذَلِكَ كَعْب الْأَحْبَار لما سمع هَذِه الْآيَة أسلم فِي زمن عمر رَضِي الله عَنهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد أوعد الْيَهُود بالطمس إِن لم يسلمُوا، وَلم يطمس وُجُوههم، فَكيف ذَلِك؟ قيل: هَذَا كَانَ فِي قوم معدودين أَسْلمُوا، وَذَلِكَ: عبد الله بن سَلام، وثعلبة بن سعيد، وَأَوْس بن سعيد، والمحيريق، وَجَمَاعَة، وَلَو لم يسلمُوا لطمسوا.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الطمس فِي الْقِيَامَة، قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بقوله ﴿نطمس وُجُوهًا﴾ أَي: نتركهم فِي الضَّلَالَة؛ فَيكون المُرَاد طمس الْقلب ﴿أَو نلعنهم كَمَا لعنا أَصْحَاب السبت﴾ أَي: نجعلهم قردة كَمَا جعلنَا أَصْحَاب السبت قردة ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ .
النساء 4:48
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ قيل: هَذِه أَرْجَى آيَة فِي الْقُرْآن، قَالَ ابْن عمر: كُنَّا نطلق القَوْل فِيمَن ارْتكب الْكَبَائِر بالخلود فِي النَّار، حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة، فتوقفنا ﴿وَمن يُشْرك بِاللَّه فقد افترى إِثْمًا عَظِيما﴾ أَي: اختلق إِثْمًا عَظِيما، فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ فَكيف وَجه الْجمع؟
قيل أَرَادَ بِهِ: يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا سوى الشّرك.
وَفِي الْخَبَر: " أَنه لما قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ فَقَالَ رجل: والشرك يَا رَسُول الله؟ فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ .
النساء 4:49
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يزكون أنفسهم﴾ نزلت الْآيَة فِي رحبي بن عَمْرو، ومرحب بن زيد، جَاءَا إِلَى النَّبِي بأطفالهما، وَقَالا: هَل على هَؤُلَاءِ ذَنْب؟ ، فَقَالَ: لَا. فَقَالَا: نَحن مثلهم؛ مَا فعلنَا بِاللَّيْلِ يكفر عَنَّا بِالنَّهَارِ، وَمَا فعلنَا بِالنَّهَارِ يكفر عَنَّا بِاللَّيْلِ، فَنزل قَوْله: ( ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يزكون أنفسهم﴾ بل الله يُزكي من يَشَاء) " يطهر من يَشَاء.
﴿وَلَا يظْلمُونَ فتيلا﴾ أَي: لَا ينقص من أُجُورهم شئ إِن أَسْلمُوا، وَلَا من أوزارهم إِن لم يسلمُوا. والفتيل والقطمير والنقير: ثَلَاثَة أسامي مَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فالفتيل: اسْم لما يكون فِي شقّ النواة، والقطمير: اسْم للقشرة الَّتِي تكون على النواة، والنقير: اسْم للنقطة الَّتِي تكون على ظهر النواة، هَذَا قَول ابْن عَبَّاس، وَقَالَ غَيره: الفتيل من الفتل، وَهُوَ اسْم لما يحصل من الْوَسخ بَين الإصبعين عِنْد الفتل، قَالَ الشَّاعِر:
(تجمع الْجَيْش ذَا الألوف وتغزو ... ثمَّ لَا ترزأ الْعَدو فتيلا)
قَالَه النَّابِغَة، وأنشده الْأَزْهَرِي.
النساء 4:50
قَوْله تَعَالَى: ﴿أنظر كَيفَ يفترون على الله الْكَذِب وَكفى بِهِ﴾ أَي: بِالْكَذِبِ ( ﴿إِثْمًا مُبينًا﴾
النساء 4:51
ألم تَرَ إِلَيّ الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت) قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ: الجبت: السحر والطاغوت: الشَّيْطَان، وَبِه قَالَ الشّعبِيّ، وَقَالَ قَتَادَة: الجبت: الشَّيْطَان والطاغوت: الكاهن، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: هما اسْما رجلَيْنِ من الْيَهُود، فالجبت: حيى بن أَخطب والطاغوت: كَعْب بن الْأَشْرَف، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن ابْن عَبَّاس: أَن الجبت: السَّاحر بلغَة الْحَبَشَة فعرب، وَذكر عبد الله بن وهب، عَن مَالك بن أنس رَحْمَة الله أَنه قَالَ: الطاغوت: كل مَا يعبد من دون الله، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنبُوا الطاغوت أَن يعبدوها﴾ فَقيل لَهُ: مَا " الجبت "؟ ، فَقَالَ سَمِعت أَنه الكاهن.
﴿وَيَقُولُونَ للَّذين كفرُوا هَؤُلَاءِ أهْدى من الَّذين آمنُوا سَبِيلا﴾ هَذَا قَول جمَاعَة من الْيَهُود وحضروا موسم الْحَج، فَقَالَ لَهُم الْمُشْركُونَ: نَحن أحسن طَريقَة أم مُحَمَّد وَأَصْحَابه؟ فَقَالُوا: أَنْتُم. وَهَذَا دَلِيل على شدَّة معاندة الْيَهُود؛ حَيْثُ فضلوا الْمُشْركين على الْمُسلمين، مَعَ علمهمْ أَنهم لم يُؤمنُوا بِشَيْء من الْكتب، وَأَن الْمُسلمين آمنُوا بالكتب الْمُتَقَدّمَة.
النساء 4:52
﴿أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله﴾ هم الْيَهُود ﴿وَمن يلعن الله فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا﴾ .
النساء 4:53
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لَهُم نصيب من الْملك فَإِذا لَا يُؤْتونَ النَّاس نقيرا﴾ فالنقير: اسْم تِلْكَ النقطة على ظهر النواة، وَمِنْهَا تنْبت النَّخْلَة، وَفِي الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه: اسْتِفْهَام بِمَعْنى الْإِنْكَار وَالنَّفْي، يعْنى: لَيْسَ لَهُم نصيب من الْملك؛ إِذْ لَو كَانَ الْملك لَهُم، فَإِذا لَا يُؤْتونَ النَّاس نقيرا، وَقد ذكرنَا نزع الْملك من الْيَهُود، وَالْقَوْل الثَّانِي: إِنَّه بِمَعْنى الْإِثْبَات، يَعْنِي: لَهُم نصيب من الْملك: وَأَرَادَ بِالْملكِ المَال، ثمَّ هم إِذا لَا يُؤْتونَ النَّاس نقيرا، وَصفهم بِشدَّة الْبُخْل، وَهَذَا على طَرِيق ضرب الْمثل؛ إِذْ من الْيَهُود من يُؤْتِي المَال.
النساء 4:54
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يحسدون النَّاس على مَا آتَاهُم الله من فَضله﴾ أَي: بل يحسدون، وَاخْتلفُوا فِي النَّاس هَاهُنَا، من المُرَاد بِهِ؟ قَالَ ابْن عَبَّاس، وَالْحسن، وَمُجاهد، وَجَمَاعَة: أَرَادَ بِهِ: مُحَمَّدًا وَحده، وَقَالَ قَتَادَة: أَرَادَ بِهِ الْعَرَب؛ حسدهم الْيَهُود ببعث النَّبِي مِنْهُم، وَفِيه قَول ثَالِث: أَرَادَ بِهِ: مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر: نَحن النَّاس؛ وَذَلِكَ أَنهم حسدوا، فَإِذا قُلْنَا بالْقَوْل الأول: أَنه مُحَمَّد وَحده؛ فَاخْتَلَفُوا فِي الْفضل الْمَذْكُور فِي الْآيَة مَا هُوَ؟ قَالَ بَعضهم: هُوَ النُّبُوَّة حسد الرَّسُول بهَا، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ تَحْلِيل الزَّوْجَات فِيمَا زَاد على الْأَرْبَع، حسده الْيَهُود عَلَيْهِ؛ فَقَالُوا: مَا بَال هَذَا الرجل همه فِي النِّكَاح، ينْكح، وينكح. ﴿فقد آتَيْنَا آل إِبْرَاهِيم الْكتاب وَالْحكمَة﴾ أَرَادَ بآل إِبْرَاهِيم: دَاوُد، وَسليمَان، وَالْكتاب: هُوَ الْكتاب الَّذِي أنزل عَلَيْهِم، وَأما الْحِكْمَة: قيل: هِيَ النُّبُوَّة، وَقيل هِيَ السّنة.
وَمعنى الْآيَة: أَنهم إِن حسدوا الرَّسُول بِمَا أُوتى من الْفضل، فليحسدوا آل إِبْرَاهِيم؛ فَإِنَّهُم قد أُوتُوا الْكتاب وَالْحكمَة ﴿وآتيناهم ملكا عَظِيما﴾ اخْتلفُوا فِي الْملك الْعَظِيم: فَمن فسر الْفضل بتحليل الزَّوْجَات، فسر الْملك الْعَظِيم بِهِ أَيْضا، وَقد كَانَ لداود تسع وَتسْعُونَ امْرَأَة، ولسليمان مائَة امْرَأَة، وَقيل: كَانَ لِسُلَيْمَان سَبْعمِائة امْرَأَة، وثلثمائة سَرِيَّة، وَقيل: أعْطى نَبينَا صلوَات الله عَلَيْهِ قُوَّة سبعين شَابًّا فِي المباضعة.
وَقيل: الْملك الْعَظِيم: ملك سُلَيْمَان، وَقيل: المُرَاد بِهِ تأييدهم بالجنود من الْمَلَائِكَة.
النساء 4:55
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمنهمْ من آمن بِهِ﴾ يعْنى: بِالْكتاب ﴿وَمِنْهُم من صد عَنهُ﴾ أَي: أعرض عَنهُ، وَقيل: مَعْنَاهُ: فَمنهمْ من آمن بِمُحَمد، وَمِنْهُم من صد عَنهُ ﴿وَكفى بجهنم سعيرا﴾ والسعير: هِيَ النَّار المسعرة.
النساء 4:56
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا بِآيَاتِنَا سَوف نصليهم نَارا﴾ أَي نلقيهم فِي النَّار، وَيُقَال: صلى النَّار، إِذا قرب مِنْهَا، قَالَ الشَّاعِر يصف امْرَأَة:
(تجْعَل الْمسك واليلنجوج والند ... صلاء لَهَا على الكانون)
﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ قيل: قُرِئت هَذِه الْآيَة عِنْد عمر رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ عِنْده معَاذ بن جبل، فَقَالَ: تبدل جُلُودهمْ فِي كل سَاعَة سبعين مرّة، قَالَ عمر: كَذَا سَمِعت رَسُول الله ".
وَقَالَ الْحسن: فِي كل يَوْم سبعين ألف مرّة.
فَإِن قيل: إِذا بدلت جُلُودهمْ، فَكيف يعذب غير الْجلد الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا؟ قيل: إِنَّمَا يعذب الشَّخْص فِي الْجلد دون الْجلد، وَقيل: يُعَاد الْجلد الأول فِي كل مرّة، إِلَّا أَنه سَمَّاهُ جلدا غَيره، وَمثله جَائِز، تَقول الْعَرَب: صغت من خَاتمِي خَاتمًا غَيره، وَإِن كَانَ الثَّانِي إِعَادَة للْأولِ، وَفِي الْخَبَر: " أَن بصر جلد الْكَافِر فِي النَّار أَرْبَعُونَ ذِرَاعا يَعْنِي: غلظه وضرسه مثل جبل أحد، وَمَا بَين مَنْكِبَيْه مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام ".
وَفِي الْأَخْبَار: " يكون عَلَيْهِ مائَة جلد، بَين كل جلدين لون من الْعَذَاب " ﴿إِن الله كَانَ عَزِيزًا حكيما﴾ عَزِيزًا: غَالِبا. حكيما: فِيمَا دبر،
النساء 4:57
قَوْله: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سندخلهم جنَّات تجرى من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا لَهُم فِيهَا أَزوَاج مطهرة﴾ وَقد ذكرنَا معنى الْجَمِيع، ﴿وندخلهم ظلا ظليلا﴾ وَهُوَ الْكن الَّذِي يقي من الْحر وَالْبرد.
النساء 4:58
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أقاويل: أَحدهَا: أَن المُرَاد مِنْهُ: جَمِيع الْأَمَانَات، وَعَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: يجاء بِالَّذِي خَان فِي الْأَمَانَة يَوْم الْقِيَامَة، فَيُقَال لَهُ: رد الْأَمَانَة. فَيَقُول: ذهبت الدُّنْيَا أَنى لي الْأَمَانَة، فتمثل لَهُ الْأَمَانَة فِي النَّار، وَيُقَال لَهُ: خُذ الْأَمَانَة وردهَا، فَيَأْتِي ليَأْخُذ الْأَمَانَة؛ فَيهْوِي فِي النَّار، ثمَّ يعود ليَأْخُذ فَيهْوِي فِيهَا أبدا.
وَفِي الْخَبَر أَنه قَالَ: " أد الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنك، وَلَا تخن من خانك ". وروى عَن ابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي أَن قَالَ: " لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ، وَلَا دين لمن لَا عهد لَهُ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه أَرَادَ بِهِ: تَفْوِيض الْأَمر إِلَى الْوُلَاة بِالطَّاعَةِ لَهُم، وَالْقَوْل الثَّالِث - وَهُوَ قَول عَامَّة الْمُفَسّرين -: أَن المُرَاد مِنْهُ رد مَفَاتِيح الْكَعْبَة.
وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى: " أَن رَسُول الله لما فتح مَكَّة، أَخذ مِفْتَاح الْكَعْبَة من عُثْمَان بن طَلْحَة، وَفتح الْبَاب، وَدخل الْكَعْبَة، فَلَمَّا خرج، قَالَ الْعَبَّاس: بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، اجْمَعْ لي بَين السدَانَة والسقاية فهم رَسُول الله أَن يدْفع الْمِفْتَاح إِلَيْهِ؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ ، فَدَعَا رَسُول الله عُثْمَان بن طَلْحَة، وَدفع إِلَيْهِ الْمِفْتَاح، وَقَالَ: خذوها يَا بني طَلْحَة، خالدة تالدة، لَا يَنْزِعهَا عَنْكُم إِلَّا ظَالِم " وَكَانَ مَعَ عُثْمَان حَيَاته، فَلَمَّا توفّي دَفعه إِلَى أَخِيه شيبَة، فَهُوَ فِي بني شيبَة إِلَى قيام السَّاعَة.
﴿وَإِذا حكمتم بَين النَّاس أَن تحكموا بِالْعَدْلِ﴾ أَي: بِالْقِسْطِ ﴿إِن الله نعما يعظكم بِهِ إِن الله كَانَ سميعا بَصيرًا﴾ .
النساء 4:59
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وَأولى الْأَمر مِنْكُم﴾ اخْتلفُوا فِي أولى الْأَمر، قَالَ ابْن عَبَّاس، وَجَابِر - وَهُوَ قَول جمَاعَة -: هم الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: هم الْوُلَاة والسلاطين، وَقيل: هم أُمَرَاء السَّرَايَا الَّذين بَعثهمْ رَسُول الله فِي الحروب، وَقد صَحَّ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ: " من عصى أَمِيري فقد عَصَانِي، وَمن عَصَانِي فقد عصى الله، وَمن أطَاع أَمِيري فقد أَطَاعَنِي، وَمن أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله ".
وَقَالَ عِكْرِمَة: أَرَادَ بِهِ: أَبَا بكر وَعمر.
﴿فَإِن تنازعتم فِي شئ فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ التَّنَازُع: هُوَ التشاجر، سمى تنَازعا؛ لِأَن كل وَاحِد من الْخَصْمَيْنِ ينْزع بِحجَّة وَآيَة.
وَقَوله: ﴿فَردُّوهُ إِلَى الله﴾ يعْنى: إِلَى الْكتاب، وَإِلَى الرَّسُول إِن كَانَ حَيا، وَإِلَى سنته إِن كَانَ مَيتا.
وَالرَّدّ إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَاجِب، مَا دَامَ فِي الْحَادِثَة شئ من الْكتاب وَالسّنة، فَإِن لم يكن فالسبيل فِيهِ الِاجْتِهَاد، وروى أَن مسلمة بن عبد الْملك قَالَ لرجل: إِنَّكُم أمرْتُم أَن تطيعونا، فَقَالَ الرجل: قد نَزعهَا الله مِنْكُم؛ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شئ فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ وَقد تنازعتم، فَقَالَ مسلمة: أَيْن الله؟ فَقَالَ: الْكتاب، وَقَالَ: أَيْن الرَّسُول؟ فَقَالَ: السّنة.
وَقيل: الرَّد إِلَى الله وَالرَّسُول: أَن يَقُول الرجل فِيمَا لَا يدرى: الله وَرَسُوله أعلم، وَهَذَا قَول حسن ﴿إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ أَي: أحسن مآل وعاقبة.
النساء 4:60
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ وَيُرِيد الشَّيْطَان أَن يضلهم ضلالا بَعيدا﴾ .
فِي الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه فِي جمَاعَة من الْمُنَافِقين مِنْهُم خلاس بن الصَّامِت، كَانَت لَهُم خُصُومَة مَعَ جمَاعَة من الْمُسلمين، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: نَتَحَاكَم إِلَى الرَّسُول، وَقَالَ المُنَافِقُونَ: نَتَحَاكَم إِلَى الكهنة.
وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَح: " أَن رجلا من الْيَهُود خَاصم رجلا من الْمُنَافِقين، فَقَالَ الْيَهُودِيّ: نَتَحَاكَم إِلَى أبي الْقَاسِم إِذْ عرف أَنه لَا يَأْخُذ الرِّشْوَة على الحكم فَيحكم بِالْحَقِّ، وَقَالَ الْمُنَافِق: نَتَحَاكَم إِلَى كَعْب بن الْأَشْرَف، فتحاكما إِلَى النَّبِي فَحكم لِلْيَهُودِيِّ، وَكَانَ الحكم لَهُ، فَقَالَ الْمُنَافِق: لَا أرْضى بِحكمِهِ، نَتَحَاكَم إِلَى أبي بكر، فتحاكما إِلَى أبي بكر، فَحكم لِلْيَهُودِيِّ بِمثل مَا حكم رَسُول الله فَقَالَ الْمُنَافِق: لَا أرْضى بِحكمِهِ، نَتَحَاكَم إِلَى عمر، فتحاكما إِلَى عمر، فَقَالَ عمر: هَل تحاكمتما إِلَى أحد؟ فَقَالَ الْيَهُودِيّ: نعم إِلَى أبي الْقَاسِم، وَإِلَى أبي بكر، وَقد حكما لي، وَهُوَ لَا يرضى، فَقَالَ عمر: مَكَانكُمَا حَتَّى أخرج إلَيْكُمَا، فَدخل الْبَيْت، واشتمل على السَّيْف، ثمَّ خرج، وَضرب عنق الْمُنَافِق، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله، فَقَالَ: أَنْت الْفَارُوق ".
النساء 4:61
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا﴾ هُوَ مَا ذكرنَا، أَن الْمُنَافِقين دعوا إِلَى التحاكم إِلَى الرَّسُول، فأعرضوا عَنهُ، وتحاكموا إِلَى الطاغوت.
النساء 4:62
قَوْله تَعَالَى ﴿فَكيف إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم﴾ قيل: هَذَا فِي الْمُنَافِقين الَّذين تحاكموا إِلَى الطاغوت، وَقَوله: ﴿أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم﴾ قيل: هُوَ قتل عمر رَضِي الله عَنهُ ذَلِك الْمُنَافِق؛ فَإِنَّهُم جَاءُوا يطْلبُونَ دَمه، وَقيل: هُوَ فِي جَمِيع الْمُنَافِقين، والمصيبة: كل مُصِيبَة تصيبهم فِي الدُّنْيَا والعقبى.
يَقُول الله تَعَالَى: فَكيف الْحَال إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم ﴿ثمَّ جاءوك يحلفُونَ بِاللَّه إِن أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا﴾ قيل: هُوَ إِحْسَان بَعضهم إِلَى بعض، وَقيل أَرَادوا بِالْإِحْسَانِ: تقريب الْأَمر من الْحق، لَا الْقَضَاء على مر الحكم.
وَأما التَّوْفِيق: مُوَافقَة الْحق، وَقيل: هُوَ التَّأْلِيف وَالْجمع بَين الْخَصْمَيْنِ. وَمعنى الْآيَة: أَن الْمُنَافِقين يحلفُونَ مَا أردنَا بالتحاكم إِلَى غَيْرك إِلَّا إحسانا وتوفيقا.
وقِي الْآيَة قَول آخر: أَنَّهَا فِي الْمُنَافِقين، حلفوا فِي الْمَسْجِد الَّذِي بنوا ضِرَارًا على مَا هُوَ مَذْكُور قي سُورَة التَّوْبَة ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى﴾ .
النساء 4:63
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يعلم الله مَا فِي قُلُوبهم﴾ خلاف مَا على ألسنتهم ﴿فَأَعْرض عَنْهُم وعظهم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يتَصَوَّر الْجمع بَين الْإِعْرَاض والوعظ وَقد أَمر الله تَعَالَى بهما؟
قيل مَعْنَاهُ: فَأَعْرض عَن عقوبتهم، وعظهم.
وَقيل: مَعْنَاهُ: فَأَعْرض عَن قبُول عذرهمْ، وعظهم ﴿وَقل لَهُم فِي أنفسهم قولا بليغا﴾ القَوْل البليغ: هُوَ مَا يبلغ الْإِنْسَان بِلِسَانِهِ كنه مَا فِي قلبه، وَقيل: هُوَ التخويف بِاللَّه تَعَالَى وَقيل: هُوَ أَن يَقُول: إِن رجعتم إِلَى هَذَا، فأمركم الْقَتْل.
النساء 4:64
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا ليطاع بِإِذن الله﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: قَوْله ﴿إِلَّا ليطاع﴾ كَلَام كَاف مُفِيد بِنَفسِهِ، وَقَوله: ﴿بِإِذن الله﴾ كَلَام آخر وَمَعْنَاهُ بِعلم الله وَقَضَاء الله يعْنى: أَن طَاعَته تقع بِإِذن الله.
﴿وَلَو أَنهم﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين ﴿إِذا ظلمُوا أنفسهم﴾ يعْنى: بالتحاكم إِلَى الطاغوت ﴿جاءوك فاستغفروا الله﴾ لأَنهم مَا جَاءُوا مستغفرين، وَإِنَّمَا جَاءُوا معتذرين بالأعذار الكاذبة.
قَوْله: ﴿فاستغفروا الله﴾ أَي: سَأَلُوا مغْفرَة الله، ﴿واستغفر لَهُم الرَّسُول﴾ أَي: دَعَا لَهُم الرَّسُول بالاستغفار ﴿لوجدوا الله تَوَّابًا رحِيما﴾ .
النساء 4:65
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا رَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ قَوْله: ﴿فَلَا﴾ : رد لقَوْل الْمُنَافِقين وَعذرهمْ، ثمَّ ابْتِدَاء بقوله: ﴿وَرَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ وَالْمرَاد بِهِ: الْإِيمَان الْكَامِل، أَي: لَا يكمل إِيمَانهم، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ أَي: اخْتلف، والاشتجار: الِاخْتِلَاف، وَمِنْه الشّجر لالتفاف أغصانه بَعْضهَا على بعض، قَالَ الشَّاعِر:
(هم الْحُكَّام أَرْبَاب الندي ... وسراة النَّاس إِذْ الْأَمر شجر) أَي: اخْتلف، (ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت) أَي: ضيقا، وَمِنْه الحرجة، روى أَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ لبَعض الْعَرَب: مَا الحرجة عنْدكُمْ؟ قَالَ: هِيَ شَجَرَة ملتفة، لَا يصل المَاء إِلَيْهَا.
وَمن ذَلِك قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ أَي: يضيق مسلكه بِحَيْثُ لَا تصل إِلَيْهِ الْهِدَايَة ﴿ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ وَمعنى الْآيَة: لَا يكمل إِيمَانهم حَتَّى يرْضوا بحكمك، وينقادوا لَك، قيل: هَذِه أبلغ آيَة فِي كتاب الله - تَعَالَى - فِي الْوَعيد.
وَاخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول الْآيَة، قَالَ عَطاء، وَمُجاهد: الْآيَة فِي الْمُنَافِقين الَّذين تحاكموا إِلَى الطاغوت، وَقَالَ عبد الله بن الزبير، وَعُرْوَة بن الزبير، وَجَمَاعَة: " الْآيَة نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: حَاطِب بن أبي بلتعة - وَكَانَ من أهل بدر - خَاصم الزبير بن الْعَوام فِي مَاء أَرض عِنْد النَّبِي، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - للزبير: اسْقِ أَرْضك المَاء ثمَّ أرْسلهُ إِلَى جَارك، وَكَانَت أَرض الْأنْصَارِيّ دون أرضه؛ فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: أَن كَانَ ابْن عَمَّتك، فَتَلَوَّنَ وَجه النَّبِي، وَقَالَ للزبير: اسْقِ أَرْضك، واحبس المَاء حَتَّى يبلغ الْجدر " - وَفِي رِوَايَة - حَتَّى يبلغ الْكَعْبَيْنِ ثمَّ سرحه يمر " كَانَ النَّبِي ساهل فِي حق الزبير فِي ابْتِدَاء الْأَمر، فَلَمَّا أغضبهُ الْأنْصَارِيّ استوعب جَمِيع حَقه، وكلا الْحكمَيْنِ كَانَ حَقًا، وَفِي الْخَبَر: قَالَ الزبير: " احسب أَن قَوْله: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ نزل فِي هَذَا.
وروى أَن الْيَهُود لما بَلغهُمْ ذَلِك، قَالُوا: انْظُرُوا إِلَى أَصْحَاب مُحَمَّد كَيفَ يخالفونه، وَإِن مُوسَى عتب علينا، فَأمرنَا بقتل أَنْفُسنَا، فَقَتَلْنَا أَنْفُسنَا حَتَّى بلغ الْقَتْلَى سبعين ألفا.
النساء 4:66
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو أَنا كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم أَو اخْرُجُوا من دِيَاركُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ مَعْنَاهُ: لَو كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم، أَو اخْرُجُوا من دِيَاركُمْ، بدل مَا أمرناهم بِهِ من طَاعَة الرَّسُول، والانقياد لحكمه ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ قَالَ ثَابت بن قيس بن شماس: لَو أَمرنِي رَسُول الله بقتل نَفسِي لقتلت، وَفِي الْخَبَر: أَن ابْن مَسْعُود وعمار بن يَاسر، وثابت بن قيس بن شماس، من ذَلِك الْقَلِيل، وروى أَن النَّبِي أَشَارَ إِلَى عبد الله بن رَوَاحه، فَقَالَ لَهُ: " أَنْت من ذَلِك الْقَلِيل ".
وَيقْرَأ " إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم " فَمن قَرَأَ بِالرَّفْع؛ فَلِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ وَذَلِكَ فِي مَحل الرّفْع، وَتَقْدِيره: مَا فَعَلُوهُ إِلَّا نفر قَلِيل مِنْهُم فَعَلُوهُ. وَمن قَرَأَ بِالنّصب، فعلى الِاسْتِثْنَاء.
﴿وَلَو أَنهم فعلوا مَا يوعظون بِهِ﴾ يعْنى: من طَاعَة الرَّسُول، وَالرِّضَا لحكمه (لَكَانَ خيرا لَهُم وَأَشد تثبيتا) أَي: تَصْدِيقًا
النساء 4:67
(وَإِذ لآتيناهم من لدنا أجرا عَظِيما) هُوَ الْجنَّة
النساء 4:68
﴿ولهديناهم صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ قيل: هُوَ الْقُرْآن، وَقيل: الْإِسْلَام.
النساء 4:69
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة، مَا روى: أَن بعض أَصْحَاب رَسُول الله قَالُوا: يَا رَسُول الله، كَيفَ يكون الْحَال فِي الْجنَّة، وَأَنت فِي الدَّرَجَات الْعلي، وَنحن أَسْفَل مِنْك، وَكَيف نرَاك؟ فَنزلت الْآيَة. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن ذَلِك الْقَائِل كَانَ عبد الله بن زيد بن عبد ربه الْأنْصَارِيّ.
وروى: أَن رجلا قَالَ: لرَسُول الله أَنْت أحب إِلَى من أَهلِي وَمَالِي وَوَلَدي، وَإِذا غبت عَنى يُصِيبنِي شبه الْجُنُون، حبا لَك، فَكيف حَالي مَعَك فِي الْجنَّة؟ فَنزلت الْآيَة " ﴿فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين﴾ قيل: ذَلِك بِأَن ينزل إِلَيْهِم النَّبِيُّونَ؛ حَتَّى يروهم، لَا أَن يرفعوا إِلَى درجاتهم، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَنهم لَا يفوتهُمْ رُؤْيَة النَّبِيين ومجالستهم، وَقَوله: ﴿وَالصديقين﴾ يعْنى: أَصْحَاب رَسُول الله، وَالصديق المبالغ فِي الصدْق، ﴿وَالشُّهَدَاء﴾ الَّذين اسْتشْهدُوا يَوْم أحد.
وَاخْتلفُوا فِي أَنهم لم سموا شُهَدَاء؟ قَالَ بَعضهم: لأَنهم قَامُوا بِشَهَادَة الْحق حَتَّى قتلوا، وَقيل: لِأَن أَرْوَاحهم تشهد الْجنَّة عقيب الْقَتْل، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ الصَّالح: من اسْتَوَت سريرتيه عَلَانِيَته ﴿وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الرفيق: الْوَاحِد، وَهُوَ بِمَعْنى الْجمع هَاهُنَا ﴿ذَلِك الْفضل من الله وَكفى بِاللَّه عليما﴾ .
النساء 4:70
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة، مَا روى: أَن بعض أَصْحَاب رَسُول الله قَالُوا: يَا رَسُول الله، كَيفَ يكون الْحَال فِي الْجنَّة، وَأَنت فِي الدَّرَجَات الْعلي، وَنحن أَسْفَل مِنْك، وَكَيف نرَاك؟ فَنزلت الْآيَة. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن ذَلِك الْقَائِل كَانَ عبد الله بن زيد بن عبد ربه الْأنْصَارِيّ.
وروى: أَن رجلا قَالَ: لرَسُول الله أَنْت أحب إِلَى من أَهلِي وَمَالِي وَوَلَدي، وَإِذا غبت عَنى يُصِيبنِي شبه الْجُنُون، حبا لَك، فَكيف حَالي مَعَك فِي الْجنَّة؟ فَنزلت الْآيَة " ﴿فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين﴾ قيل: ذَلِك بِأَن ينزل إِلَيْهِم النَّبِيُّونَ؛ حَتَّى يروهم، لَا أَن يرفعوا إِلَى درجاتهم، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَنهم لَا يفوتهُمْ رُؤْيَة النَّبِيين ومجالستهم، وَقَوله: ﴿وَالصديقين﴾ يعْنى: أَصْحَاب رَسُول الله، وَالصديق المبالغ فِي الصدْق، ﴿وَالشُّهَدَاء﴾ الَّذين اسْتشْهدُوا يَوْم أحد.
وَاخْتلفُوا فِي أَنهم لم سموا شُهَدَاء؟ قَالَ بَعضهم: لأَنهم قَامُوا بِشَهَادَة الْحق حَتَّى قتلوا، وَقيل: لِأَن أَرْوَاحهم تشهد الْجنَّة عقيب الْقَتْل، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ الصَّالح: من اسْتَوَت سريرتيه عَلَانِيَته ﴿وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الرفيق: الْوَاحِد، وَهُوَ بِمَعْنى الْجمع هَاهُنَا ﴿ذَلِك الْفضل من الله وَكفى بِاللَّه عليما﴾ .
النساء 4:71
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا خُذُوا حذركُمْ﴾ أَي: عدتكم، والحذر: مَا يتقى بِهِ من الْعَدو، نَحْو الْعدة وَالسِّلَاح، (فانفروا ثبات) جمع " ثبة " قَالَ ابْن عَبَّاس: " الثبة ": مَا فَوق الْعشْرَة، وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: " الثبة " النَّفر، وَمَعْنَاهُ: انفروا جماعات، نَفرا نَفرا (أَو انفروا جَمِيعًا) .
وَهَذَا دَلِيل على أَن الْجِهَاد فرض على الْكِفَايَة، وَقيل إِن الْآيَة صَارَت مَنْسُوخَة؛ لقَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤمنِينَ لينفروا كَافَّة﴾ .
النساء 4:72
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِن مِنْكُم لمن ليبطئن﴾ أَي: ليتأخرن، والبطء: التَّأْخِير.
وَقيل: هَذَا فِي عبد الله بن أبي بن سلول ﴿فَإِن أَصَابَتْكُم مُصِيبَة﴾ يعْنى: بِالْقَتْلِ وَالْجرْح فِي الْجِهَاد ﴿قَالَ قد أنعم الله على إِذْ لم أكن مَعَهم شَهِيدا﴾ أَي: حَاضرا
النساء 4:73
﴿وَلَئِن أَصَابَكُم فضل من الله﴾ أَي: الْغَنِيمَة (ليَقُولن) - بِنصب اللَّام - وَيقْرَأ فِي الشواذ: بِرَفْع اللَّام وَالْمعْنَى وَاحِد ﴿كَأَن لم تكن بَيْنكُم وَبَينه مَوَدَّة﴾ قيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: فَإِن أَصَابَتْكُم مُصِيبَة، قَالَ: قد أنعم الله على؛ إِذْ لم أكن مَعَهم شَهِيدا، كَأَن لم تكن بَيْنكُم وَبَينه مَوَدَّة، أَي: معاقدة ومعاهدة على الْجِهَاد، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: مَوَدَّة الصُّحْبَة. ثمَّ ابْتَدَأَ ﴿وَلَئِن أَصَابَكُم فضل من الله ليَقُولن يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز فوزا عَظِيما﴾ .
النساء 4:74
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فليقاتل فِي سَبِيل الله الَّذين يشرون الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: يبيعون ﴿بِالآخِرَة وَمن يُقَاتل فِي سَبِيل الله فَيقْتل أَو يغلب فَسَوف نؤتيه أجرا عَظِيما﴾ وَهُوَ معنى قَوْله فِي سُورَة التَّوْبَة: ﴿فيقتلون وَيقْتلُونَ﴾ .
النساء 4:75
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله﴾ عتب على أَصْحَاب رَسُول الله بترك الْقِتَال ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ وهم الَّذين أَسْلمُوا بِمَكَّة وَسَكنُوا بأعذار، وَبَعْضهمْ منعُوا من الْهِجْرَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: كنت أَنا وَأمي من الْمُسْتَضْعَفِينَ.
قَالَ الْأَزْهَرِي: معنى الْآيَة: لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله، وَفِي سَبِيل الْمُسْتَضْعَفِينَ؛ بتخليصهم من أَيدي الْمُشْركين ﴿من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان الَّذين يَقُولُونَ رَبنَا أخرجنَا من هَذِه الْقرْيَة﴾ وَهِي مَكَّة بِاتِّفَاق الْمُفَسّرين ﴿الظَّالِم أَهلهَا﴾ أَي: الْمُشرك أَهلهَا ﴿وَاجعَل لنا من لَدُنْك وليا﴾ أَي: من يَلِي أمرنَا ﴿وَاجعَل لنا من لَدُنْك {نَصِيرًا﴾ أَي: من يمْنَع الْعَدو عَنَّا؛ فَاسْتَجَاب الله دعوتهم، حَتَّى فتح رَسُول الله مَكَّة، وَولى عَلَيْهَا عتاب بن أسيد، فَكَانَ ينصف الْمَظْلُوم، وينتصف من الظَّالِم.
النساء 4:76
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الَّذين آمنُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله وَالَّذين كفرُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الطاغوت﴾ قد بَينا معنى الطاغوت ﴿فَقَاتلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَان﴾ أَي: الْكفَّار ﴿إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا﴾ قيل كَانَ ضَعِيفا بِمَعْنى: أَنه لَا يرد أحدا عَن الْإِسْلَام وَالْهِدَايَة، وَقيل: أَرَادَ بِهِ أَن كَيده كَانَ ضَعِيفا يَوْم بدر، حِين رأى الْمَلَائِكَة، وَخَافَ أَن يأخذوه، فهرب، فكيده ضَعِيف بِأحد هذَيْن الْمَعْنيين.
النساء 4:77
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين قيل لَهُم كفوا أَيْدِيكُم﴾ قيل: هَذَا فِي قوم أَسْلمُوا بِمَكَّة فآذاهم الْمُشْركُونَ؛ " فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، ائْذَنْ لنا نقاتلهم، فَقَالَ لَهُم: ﴿كفوا أَيْدِيكُم وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ ؛ فَإِنِّي لم أُؤمر بِالْقِتَالِ، ثمَّ لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، فَأمر بِالْقِتَالِ، فكرهوا الْقِتَال " قيل: أُولَئِكَ الَّذين أَسْلمُوا وَقَالُوا ذَلِك، مِنْهُم: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسعد بن أبي وَقاص، وَقُدَامَة بن مَظْعُون، والمقداد بن الْأسود الْكِنْدِيّ، وَجَمَاعَة.
﴿فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال﴾ يعْنى: بعد الْهِجْرَة ﴿إِذا فريق مِنْهُم يَخْشونَ النَّاس كخشية الله أَو أَشد خشيَة﴾ أَي: يَخْشونَ النَّاس كخشيتهم من الله، أَو أَشد خشيَة، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَا كَانُوا يَخْشونَ أَمر الله بِالْقِتَالِ، وَإِنَّمَا ذَلِك: خشيَة طبع البشرية.
﴿وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت علينا الْقِتَال لَوْلَا أخرتنا إِلَى أجل قريب﴾ أَي: هلا أخرتنا إِلَى أجل قريب؛ فنموت بآجالنا، قيل: هَذَا قَول الْمُنَافِقين، وَقيل: كَانَ ذَلِك قَول بعض أَصْحَاب رَسُول الله: قَالُوا ذَلِك خوفًا و (جبنا) لَا اعتقادا. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ قَول طَلْحَة بن عبيد الله؛ قَالَ ذَلِك خوفًا ثمَّ تَابَ عَنهُ.
﴿قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل﴾ يعْنى: أَن مَا تستمتعون بِهِ من الدُّنْيَا فَهُوَ قَلِيل، وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف: " مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا كَمَا يغمس أحدكُم الْمخيط فِي الْبَحْر، فَلْينْظر بِمَ يرجع؟ ! " ﴿وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى وَلَا تظْلمُونَ فتيلا﴾ أَي: لَا ينقص من أجرهم شئ، وَلَا مِقْدَار الفتيل.
النساء 4:78
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة﴾ مَعْنَاهُ: أَيْنَمَا كُنْتُم يأتيكم الْمَوْت، وَإِن كُنْتُم فِي بروج مشيدة، والبروج: الْحُصُون، قَالَ السّديّ: وَهِي قُصُور بيض فِي السَّمَاء، قَوْله: ﴿مشيدة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس - فِي القَوْل الْمَعْرُوف -: هِيَ الْمَعْرُوفَة المطولة، وَقَالَ عِكْرِمَة: المشيدة: المجصصة، والشيد: الجص. وَقَالَ بَعضهم: المشيد: المجصص، والمشيدة: المرفوعة، وَفِيه قَول آخر عَن ابْن عَبَّاس: أَنه أَرَادَ: فِي بروج من حَدِيد.
﴿وَإِن تصبهم حَسَنَة يَقُولُوا هَذِه من عِنْد الله وَإِن تصبهم سَيِّئَة يَقُولُوا هَذِه من عنْدك﴾ فالحسنة: الخصب، والسيئة: الجدب، وَقيل الْحَسَنَة: النَّصْر، وَالظفر يَوْم بدر، والسيئة: الْهَزِيمَة وَالْقَتْل يَوْم أحد، وَمعنى الْآيَة: أَن الْمُسلمين إِذا أَصَابَتْهُم حَسَنَة، فَقَالَ الْكفَّار: هَذَا من عِنْد الله وَإِن تصبهم سَيِّئَة قَالُوا هَذَا من عنْدك أَي: بشؤمك؛ وَذَلِكَ أَن النَّبِي لما قدم الْمَدِينَة أصَاب أَهلهَا نوع سوء؛ فَقَالَت الْيَهُود: مَا رَأينَا أشأم من هَذَا الرجل؛ مُنْذُ دخل دِيَارنَا، قد غلت أسعارنا، ونقصت ثمارنا؛ وَذَلِكَ بلية للْمُسلمين، وَهَذَا نَحْو مَا قَالُوا لصالح عَلَيْهِ السَّلَام ﴿اطيرنا بك وبمن مَعَك﴾ وَفِي قصَّة مُوسَى: ﴿يطيروا بمُوسَى وَمن مَعَه﴾ وَفِي سُورَة " يس ": ﴿إِنَّا تطيرنا بكم﴾ .
﴿قل كل من عِنْد الله﴾ أَي: الخصب، والجدب، والنصر، والهزيمة، كل من عِنْد الله، ﴿فَمَا لهَؤُلَاء الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا﴾ أَي: مَا لَهُم لَا يعلمُونَ حَدِيثا. والْحَدِيث: الْقُرْآن هَاهُنَا، أَي: لَا يعلمُونَ مَعَاني الْقُرْآن.
النساء 4:79
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله﴾ يَعْنِي: مَا أَصَابَك من خصب، فَمن فضل الله، ﴿وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة﴾ أَي: من جَدب ﴿فَمن نَفسك﴾ أَي: بذنبك.
وَالْخطاب وَإِن كَانَ مَعَ الرَّسُول، فَالْمُرَاد بِهِ: الْأمة؛ وَذَلِكَ معنى قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ قيل مَعْنَاهُ: وَمَا أَصَابَك من حَسَنَة أَيهَا الْإِنْسَان فَمن الله، وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة، فَمن نَفسك؛ فَيكون الْخطاب مَعَ كل أحد من النَّاس، وَقيل: مَعْنَاهُ ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة﴾ أَي: من النَّصْر، وَالظفر فَمن فضل الله ﴿وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة﴾ أَي: من هزيمَة، وَقتل يَوْم أحد ﴿فَمن نَفسك﴾ أَي: بذنب نَفسك من مُخَالفَة النَّبِي كَمَا سبق.
فَإِن قيل: كَيفَ وَجه الْجمع بَين الْآيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ قد قَالَ - فِي الْآيَة الأولى -: ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ قيل: معنى الْآيَة الأولى: أَن الخصب والجدب والنصر والهزيمة ﴿إِلَى الَّذين قيل لَهُم كفوا أَيْدِيكُم وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال إِذا فريق مِنْهُم يَخْشونَ النَّاس كخشية الله أَو أَشد خشيَة وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت علينا الْقِتَال لَوْلَا﴾ كلهَا تقع من عِنْد الله، وَمعنى الْآيَة الثَّانِيَة ﴿وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ أَي: مَا أَصَابَك من سَيِّئَة من الله، فبذنب نَفسك؛ عُقُوبَة لَك.
وَاعْلَم أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة مُتَعَلق لأهل الْقدر أصلا؛ فَإِن الْآيَة فِيمَا يُصِيب النَّاس من النعم والمحن، لَا فِي الطَّاعَات والمعاصي؛ إِذْ لَو كَانَ المُرَاد مَا توهموا، لقَالَ: مَا أصبت من حَسَنَة، فَمن الله وَمَا أصبت من سَيِّئَة؛ فَلَمَّا قَالَ: مَا أَصَابَك من حَسَنَة وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة؛ دلّ أَنه أَرَادَ: مَا يُصِيب الْعباد من النعم والمحن، لَا فِي الطَّاعَات والمعاصي، وَحكى عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد، عَن مُجَاهِد، أَن ابْن عَبَّاس قَرَأَ: " وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك وَأَنا كتبتها عَلَيْك " وَكَذَا حكى عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَرَأَ كَذَلِك، وَهُوَ مَعْرُوف عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ يُؤَيّد قَوْلنَا: إِن المُرَاد: بذنب نَفسك.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: مُضْمر فِيهِ، وَتَقْدِيره: فَمَال هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا؛ يَقُولُونَ: مَا أَصَابَك من حَسَنَة، فَمن الله، وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة، فَمن نَفسك فَيكون حِكَايَة لقَوْل الْكفَّار ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ .
النساء 4:80
قَوْله تَعَالَى: ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ روى: " أَن النَّبِي قَالَ: " من أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله تَعَالَى وَمن أَحبَّنِي فقد أحب الله، فَقَالَت الْيَهُود: إِن هَذَا الرجل يُرِيد أَن نتخذه رَبًّا وَحَنَانًا، كَمَا اتَّخذت النَّصَارَى عِيسَى بن مَرْيَم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة على وفَاق قَول الرَّسُول " ﴿وَمن تولى فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم حفيظا﴾ أَي: كل أمره إِلَى.
النساء 4:81
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَة﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين يَقُولُونَ بِاللِّسَانِ: مرنا، فَإِن أَمرك طَاعَة ﴿فَإِذا برزوا﴾ أَي: خَرجُوا ﴿من عنْدك بَيت طَائِفَة مِنْهُم غير الَّذِي {تَقول﴾ قَالَ أَبُو رزين: بَيت أَي: ألف. وَقَالَ غَيره: بَيت، أَي: بدل؛ وَالأَصَح أَنه من التبييت، وَهُوَ فعل الشَّيْء لَيْلًا، يُقَال: هَذَا أَمر بَيت لَيْلًا، قيل: أَي: فعل بِاللَّيْلِ، وَيجوز أَن يُقَال لما فعل بِالنَّهَارِ: تبييتا؛ لِأَن الْفِعْل بِاللَّيْلِ إِنَّمَا سمى تبييتا؛ لِأَن الْإِنْسَان بِاللَّيْلِ يكون أفرغ لتدبير أمره، فعلى هَذَا الْمَعْنى يجوز أَن يُقَال لما فعل بِالنَّهَارِ: تبييتا، قَالَ الشَّاعِر:
(بيتوا أَمرهم بلَيْل فَلَمَّا ... أَصْبحُوا أَصْبحُوا على ضوضاء)
وَمعنى ﴿بَيت طَائِفَة مِنْهُم غير الَّذِي تَقول﴾ أَي: خالفوا بِاللَّيْلِ مَا قَالُوا بِالنَّهَارِ ﴿وَالله يكْتب مَا يبيتُونَ﴾ أَي: يُحْصى ويحفظ؛ ليجازى عَلَيْهِ، وَقيل: يَأْمر الكتبة حَتَّى يكتبوا (فَأَعْرض عَنْهُم) قَالَ الضَّحَّاك: مَعْنَاهُ: لَا تخبر بِأَسْمَائِهِمْ، وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - يعرف الْمُنَافِقين، وَمَا كَانَ يخبر بِأَسْمَائِهِمْ ﴿وتوكل على الله وَكفى بِاللَّه وَكيلا﴾ أَي: اتَّخذهُ وَكيلا.
النساء 4:82
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ التدبر: النّظر فِي الْأَمر إِلَى آخِره، وَهُوَ من دبر الشَّيْء: آخِره، وَفِي الْخَبَر: " من أَشْرَاط السَّاعَة: وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة إِلَّا دبرا " أَي: آخرا وَمِنْه قَوْله: " لَا تدابروا " أَي: لَا يول بَعْضكُم ظَهره إِلَى بعض عَدَاوَة.
فَقَوله ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ أَي: أَفلا يتفكرون فِي الْقُرْآن ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَ فِي الْقُرْآن تنَاقض وَلَا تفَاوت؛ فَهَذَا معنى الْآيَة.
وَقَالَ الزّجاج: مَا أخبر عَن الْغَيْب فكله صدق، لَيْسَ بعضه صدقا، وَبَعضه كذبا، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن كُله بليغ صَحِيح، لَيْسَ فِيهِ مرذول وَلَا فَاسد.
النساء 4:83
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا جَاءَهُم أَمر وَخبر من أَمر السَّرَايَا الَّذين بَعثهمْ رَسُول الله، فَإِن كَانَ بالأمن والنصر، كتموا، وَقصرُوا فِي الْأَخْبَار، وَإِن كَانَ بالخوف والهزيمة أذاعوا بِهِ، وَزَادُوا.
وَفِي الْآيَة إِضْمَار، وتقديرها: وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن قصروا فِي الْإِخْبَار بِهِ، وكتموا، [وَإِذا] جَاءَهُم أَمر من الْخَوْف أذاعوا بِهِ ﴿وَلَو روده إِلَى الرَّسُول﴾ قيل أَرَادَ بقوله: ﴿وَلَو ردُّوهُ﴾ يَعْنِي: ضعفة الْمُسلمين الَّذين سمعُوا تِلْكَ الْأَخْبَار من الْمُنَافِقين قَالُوا مثل قَوْلهم؛ فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول﴾ وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ فِي الْكَلَام الْمُؤمنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، لَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول.
﴿وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم﴾ يَعْنِي: إِلَى أُمَرَاء السَّرَايَا ﴿لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ يَعْنِي: لَو طلبُوا تِلْكَ الْأَخْبَار من عِنْد أُمَرَاء السَّرَايَا، ووكلوا الْإِخْبَار بهَا إِلَيْهِم؛ لعلمه الَّذين يحبونَ أَن يعلموه على حَقِيقَته كَمَا هُوَ، والاستنباط: هُوَ اسْتِخْرَاج الْعلم وَمِنْه النبط، وهم قوم يستخرجون المَاء، وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْعلمَاء يَعْنِي: وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول، وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلم الَّذين يستنبطونه مِنْهُم مَا يَنْبَغِي أَن يكتم، ويعلمون مَا يَنْبَغِي أَن يفشي، يَعْنِي: الْعلمَاء.
﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ اسْتثْنى الْقَلِيل، وَلَوْلَا فَضله لاتبع الْكل الشَّيْطَان؟ قيل: اخْتلفُوا فِيهِ، قَالَ الْفراء: هَذَا الِاسْتِثْنَاء رَاجع إِلَى قَوْله: ﴿أذاعوا بِهِ﴾ إِلَّا قَلِيلا، وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لَا تبعتم الشَّيْطَان﴾ ، كَلَام تَامّ، وَقيل: هُوَ رَاجع إِلَى قَوْله: ﴿لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لَا تبعتم الشَّيْطَان﴾ وَقيل: هُوَ على نظمه، وَمَعْنَاهُ: وَلَوْلَا مَا تفضل الله عَلَيْكُم بِهِ من الْبَيَان لما يَنْبَغِي أَن يفعل وَمَا يَنْبَغِي أَن يجْتَنب ﴿لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا﴾ .
وَفِيه قَول رَابِع: أَنه أَرَادَ بِالْقَلِيلِ: قوما اهتدوا بِالْحَقِّ قبل بعث الرَّسُول، وإنزال الْقُرْآن، وأقروا بِالتَّوْحِيدِ، وَذَلِكَ مثل: زيد بن عَمْرو بن نفَيْل، وورقة بن نَوْفَل، وَجَمَاعَة، وَقد قَالَ فِي زيد بن عَمْرو بن نفَيْل: " إِنَّه يبْعَث أمة على حِدة ".
النساء 4:84
قَوْله تَعَالَى ﴿فقاتل فِي سَبِيل الله﴾ كَذَا يتَّصل بِمَا سبق من قَوْله: ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون﴾ لما عَاتَبَهُمْ على ترك الْقِتَال، قَالَ للرسول: إِن لم يُقَاتل هَؤُلَاءِ، فقاتل أَنْت وَحدك ﴿لَا تكلّف إِلَّا نَفسك وحرض الْمُؤمنِينَ عَسى الله أَن يكف بَأْس الَّذين كفرُوا﴾ يَعْنِي: عَذَاب الَّذين كفرُوا، وَعَسَى من الله وَاجِب، وَالْمرَاد بِهِ: تطميع الْمُؤمنِينَ، ﴿وَالله أَشد بَأْسا﴾ أَي: أَشد عذَابا ﴿وَأَشد تنكيلا﴾ التنكيل من النكل، وَهُوَ الْمَنْع، وَمِنْه النكال: وَهُوَ مَا يفعل بالإنسان، فَيمْنَع غَيره عَن فعله.
النساء 4:85
قَوْله تَعَالَى: ﴿من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا وَمن يشفع﴾ ﴿شَفَاعَة سَيِّئَة يكن لَهُ كفل مِنْهَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الشَّفَاعَة الْحَسَنَة: هِيَ الْإِصْلَاح بَين النَّاس، والشفاعة السَّيئَة: هِيَ الْمَشْي بالنميمة بَين النَّاس، وَقيل: هُوَ فِي كل الشفاعات، فالشفاعة الْحَسَنَة: هِيَ أَن يَقُول قولا حسنا؛ ينَال بِهِ الْخَيْر، والشفاعة السَّيئَة: هِيَ أَن يَقُول قولا قبيحا؛ يلْحق بِهِ سوء.
قَوْله: ﴿يكن لَهُ نصيب مِنْهَا﴾ أَي: من أجرهَا، وَقَوله: ﴿يكن لَهُ كفل مِنْهَا﴾ أَي: من وزرها، والكفل: النَّصِيب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته﴾ أَي نَصِيبين.
وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان يُؤجر على الشَّفَاعَة، وَإِن لم يشفع؛ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿من يشفع﴾ ، وَلم يقل: من يشفع، وَقد روى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " اشفعوا تؤجروا، وَيَقْضِي الله على لِسَان نبيه مَا شَاءَ ".
وَاعْلَم أَن الشَّفَاعَة مُسْتَحبَّة فِي كل الْحُقُوق إِلَّا فِي حُدُود الله تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ لَا يجوز فِيهَا الشَّفَاعَة ليترك الْحَد، وَقد قَالَ: " من شفع فِي حد من حُدُود من الله تَعَالَى فقد ضاد الله فِي ملكه " أَي: نازعه فِي ملكه.
﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء مقيتا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: المقيت: المقتدر، قَالَ الشَّاعِر:
(وَذي ضغن كَفَفْت النَّفس عَنهُ ... وَكنت على مساءته مقيتا)
وَالْقَوْل الثَّانِي عَن ابْن عَبَّاس: المقيت: الْحَافِظ، وَفِي الْخَبَر: " كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يضيع من يقوته " أَي: من قوته، وَفِي رِوَايَة: " من يقيت " أَي: من فِي حفظه، وَفِيه قَول ثَالِث: أَن الله تَعَالَى على كل حَيَوَان مقيت، أَي: يُوصل الْقُوت إِلَيْهِ؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء﴾ أَي: حَيَوَان ﴿مقيتا﴾ .
النساء 4:86
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد بالتحية هَاهُنَا: السَّلَام، وأصل التَّحِيَّة: هُوَ دُعَاء بِالْحَيَاةِ، وَهُوَ فِي الشَّرِيعَة عبارَة عَن السَّلَام، وَالسَّلَام: دُعَاء السَّلامَة، وَقد تكون التَّحِيَّة بِمَعْنى: الْملك والبقاء، وَمِنْه: التَّحِيَّات لله، وَقَالَ الشَّاعِر:
(وَلكُل مَا نَالَ الْفَتى ... قد نلته إِلَّا التَّحِيَّة)
يَعْنِي: إِلَّا الْملك، وعَلى معنى السَّلَام أنشدوا قَول الشَّاعِر:
(إِنَّا محيوك يَا سلمى فحيينا ... وَإِن سقيت كرام النَّاس فاسقينا)
﴿فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا﴾ أَرَادَ بِهِ: رد السَّلَام بِأَحْسَن مِمَّا سلم، أَو ترد كَمَا سلم، فَإِذا قَالَ: السَّلَام عَلَيْك، فالمستحب أَن تَقول: وَعَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله، وَإِذا قَالَ: السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله، تَقول: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، وَهُوَ الْأَحْسَن.
وَفِي الْخَبَر: " أَن رجلا جَاءَ، فَسلم على النَّبِي، فَقَالَ: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله، فَدخل آخر وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله، فَقَالَ: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، فَدخل ثَالِث، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، فَقَالَ: وَعَلَيْكُم؛ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَام - إِن الأول وَالثَّانِي تركا من التَّحِيَّة شَيْئا؛ فأجبت بِأَحْسَن، وَإِن الثَّالِث لم يتْرك من التَّحِيَّة شَيْئا فَرددت عَلَيْهِ ".
وَاعْلَم أَن السَّلَام، سنة ورد السَّلَام فَرِيضَة، لكنه فرض على الْكِفَايَة، حَتَّى إِذا سلم على جمَاعَة فَرد أحدهم؛ سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ، وَكَذَلِكَ السَّلَام سنة على الْكِفَايَة، حَتَّى إِذا كَانَت جمَاعَة، فَسلم أحدهم كفى فِي السّنة. وروى الْحسن مُرْسلا عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " السَّلَام سنة ورده فَرِيضَة ".
وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: أَرَادَ بالتحية: الهبات والهدايا، وَقَوله: ﴿فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا﴾ أَرَادَ بِهِ: الثَّوَاب على الْهَدِيَّة، وَهُوَ سنة، " وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يقبل الْهَدِيَّة، ويثيب عَلَيْهَا "، وَالأَصَح هُوَ القَوْل الأول.
﴿إِن الله كَانَ على شئ حسيبا﴾ أَي: محاسبا، وَقيل كَافِيا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿جَزَاء من رَبك عَطاء حسابا﴾ أَي: كَافِيا.
النساء 4:87
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ﴾ " اللَّام " لَام الْقسم، وَتَقْدِيره: وَالله ليجمعنكم الله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَاخْتلفُوا: أَنه فيمَ يجمعهُمْ؟ قَالَ بَعضهم: يجمعهُمْ فِي الإهلاك وَالْمَوْت إِلَى الْقِيَامَة، وَقَالَ بَعضهم: يجمعهُمْ فِي الْقُبُور إِلَى الْقِيَامَة.
وَاخْتلفُوا: لم سميت الْقِيَامَة قِيَامَة؟ قَالَ بَعضهم: لِأَن النَّاس يقومُونَ فِيهَا إِلَى رب الْعَالمين، كَمَا قَالَ الله تعالي: ﴿يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين﴾ وَقيل: إِن النَّاس يقومُونَ فِيهَا إِلَى الْحساب. ﴿وَمن أصدق من الله حَدِيثا﴾ أَي: قولا وخبرا.
النساء 4:88
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين﴾ اخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول الْآيَة على ثَلَاثَة أَقْوَال: قَالَ زيد بن ثَابت: هَذَا فِي الَّذين تخلفوا عَن رَسُول الله يَوْم أحد، فَقَالَ بعض الصَّحَابَة لرَسُول الله: اعْفُ عَنْهُم؛ فَإِنَّهُم تكلمُوا بِالْإِسْلَامِ. وَقَالَ بَعضهم: اقتلهم؛ فَإِنَّهُم مُنَافِقُونَ؛ فَنزلت الْآيَة ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين﴾ " أَي: مَا لكم افترقتم فيهم فرْقَتَيْن؟ عتب عَلَيْهِم بالاختلاف بَينهم، وَحكم بنفاقهم.
وَقَالَ مُجَاهِد: الْآيَة فِي جمَاعَة من أهل مَكَّة هَاجرُوا إِلَى الْمَدِينَة، وَأَسْلمُوا، ثمَّ اسْتَأْذنُوا رَسُول الله فِي الرُّجُوع إِلَى مَكَّة، بعلة أَن لَهُم بهَا بضائع؛ فَرَجَعُوا، وَارْتَدوا فَقَالَ بعض أَصْحَابه: هم مُسلمُونَ؛ لأَنهم تكلمُوا بِالْإِسْلَامِ، وَقَالَ بَعضهم: هم قد نافقوا؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين﴾ وَحكى مُجَاهِد هَذَا عَن ابْن عَبَّاس.
وَالْقَوْل الثَّالِث وَهُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْآيَة فِي قوم من الْمُشْركين أَسْلمُوا بِمَكَّة، وَكَانُوا يعاونون الْمُشْركين، ويظاهرونهم؛ فَاخْتلف الصَّحَابَة فيهم فرْقَتَيْن؛ فَنزل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين وَالله أركسهم بِمَا كسبوا﴾ أركسهم وركسهم بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود ﴿وَالله ركسهم﴾ قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: نكسهم، وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: مَعْنَاهُ: أعادهم، يعْنى: إِلَى الْكفْر بِمَا كسبوا، وَمِنْه: الركس؛ لِأَنَّهُ كَانَ طَعَاما فَصَارَ رجيعا.
﴿أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله﴾ يعْنى: أتريدون أَن ترشدوا من أضلّهُ الله ﴿وَمن يضلل الله﴾ يعْنى: وَمن يضلله ﴿فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا﴾ أَي: طَرِيقا إِلَى الْحق.
النساء 4:89
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا﴾ يعْنى: الَّذين عَادوا إِلَى الْكفْر ودوا أَن تعودوا إِلَى الْكفْر ﴿فتكونون سَوَاء﴾ يعْنى: فِي الْكفْر.
﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُم أَوْلِيَاء﴾ مَنعهم من الْمُوَالَاة مَعَهم ﴿حَتَّى يهاجروا فِي سَبِيل الله﴾ أَي: حَتَّى يسلمُوا ﴿فَإِن توَلّوا﴾ يعْنى: فِي الْكفْر ﴿فخذوهم﴾ أَي: فأسروهم، وَالْأَخْذ هَاهُنَا: الْأسر، وَيُقَال للأسير: أخيذ ﴿واقتلوهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُم وليا وَلَا نَصِيرًا﴾ .
النساء 4:90
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِلَّا الَّذين يصلونَ إِلَى قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق﴾ قَالَ أَبُو عبيده: مَعْنَاهُ إِلَّا الَّذين ينتسبون إِلَى قوم، وَأنْشد فِيهِ قَول الشَّاعِر:
(إِذا اتَّصَلت قَالَت لبكر بن وَائِل ... وَبكر سباها والأنوف رواغم)
يعْنى: إِذا انتسبت تِلْكَ الْقَبِيلَة.
وَأنكر أهل الْمعَانِي هَذَا على أَبى عبيده، وَقَالُوا: هَذَا لَا يَسْتَقِيم فِي معنى هَذَا الِاسْتِثْنَاء الْمَنْع من الْقَتْل، وَمَا كَانَ الْمَنْع لأجل النِّسْبَة، فَإِن النَّبِي كَانَ يُقَاتل الْمُشْركين من قُرَيْش، وَإِن كَانُوا من نسبه، بل معنى قَوْله: ﴿إِلَّا الَّذين يصلونَ﴾ أَي: يخالطون، ويتصلون بِقوم كَانَ بَينهم وَبَين النَّبِي موادعة وعهد.
وَذَلِكَ هِلَال بن عُوَيْمِر الْأَسْلَمِيّ، وَقَومه، وَكَانَ الله - تَعَالَى - منع من قتل أُولَئِكَ مِمَّن اتَّصل بهم، وَفِي ذمامهم ﴿أَو جاءوكم﴾ أَو يصلونَ بِقوم جاءوكم للمعاهدة وَالْمُوَادَعَة، ﴿حصرت صُدُورهمْ﴾ ضَاقَتْ، فضاقت صُدُورهمْ من الْقِتَال مَعكُمْ، وَمن معاونتكم على الْقِتَال مَعَ قَومهمْ؛ لأجل الرعب الَّذِي ألْقى الله - تَعَالَى - فِي قُلُوبهم، وَقَرَأَ الْحسن - وَهُوَ قِرَاءَة يَعْقُوب وَسَهل - " حصرة صُدُورهمْ " على الْحَال، أَي: ضيقَة صُدُورهمْ، قَالَ الْمبرد: حصرت صُدُورهمْ على سَبِيل الدُّعَاء، كَقَوْلِه: ﴿قَاتلهم الله﴾ كَأَن الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿حصرت صُدُورهمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَو يقاتلوا قَومهمْ﴾ على سَبِيل الدُّعَاء.
﴿وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم﴾ معنى هَذَا: أَن الله - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي ألْقى الرعب فِي قُلُوبهم، وكفهم عَن قتالكم، حَتَّى جَاءُوا معاهدين، وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم ﴿فلقاتلوكم﴾ ؛ فَإِذا لَا تقاتلوهم وَمن اتَّصل بهم ﴿فَإِن اعتزلوكم فَلم يُقَاتِلُوكُمْ وألقوا إِلَيْكُم السّلم﴾ يعْنى: الصُّلْح فانقادوا، واستسلموا ﴿فَمَا جعل الله لكم عَلَيْهِم سَبِيلا﴾ أَي: طَرِيقا عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ والقتال.
النساء 4:91
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرين يُرِيدُونَ أَن يأمنوكم ويأمنوا قَومهمْ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ: أَسد وغَطَفَان، جَاءُوا إِلَى النَّبِي وَأَسْلمُوا؛ فَلَمَّا رجعُوا إِلَى قَومهمْ قَالُوا: إِنَّا آمنا بالعقرب والخنفساء وَرَجَعُوا إِلَى الْكفْر.
وَقَالَ قَتَادَة: أَرَادَ بِهِ: سراقَة بن مَالك بن جعْشم، لما جَاءَ إِلَى النَّبِي، وَقَالَ: أَنا مِنْكُم، ثمَّ رَجَعَ إِلَى قومه، فَقَالَ أَنا مِنْكُم.
﴿إِلَّا الَّذين يصلونَ إِلَى قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق أَو جاءوكم حصرت صُدُورهمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَو يقاتلوا قَومهمْ وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم فلقاتلوكم فَإِن اعتزلوكم فَلم يُقَاتِلُوكُمْ وألقوا﴾
﴿يُرِيدُونَ أَن يأمنوكم ويأمنوا قَومهمْ﴾ أَي: يُرِيدُونَ أَن يأمنوا مِنْكُم، وَمن قَومهمْ. ﴿كلما ردوا إِلَى الْفِتْنَة أركسوا فِيهَا﴾ أَي كلما دعوا إِلَى الشّرك دخلُوا فِيهِ.
﴿فَإِن لم يعتزلوكم ويلقوا إِلَيْكُم السّلم﴾ يَعْنِي: القيادة والاستسلام ﴿ويكفوا أَيْديهم فخذوهم﴾ أَي: فأسروهم ﴿واقتلوهم حَيْثُ ثقفتموهم﴾ وَجَدْتُمُوهُمْ، ﴿وأولئكم جعلنَا لكم عَلَيْهِم سُلْطَانا مُبينًا﴾ حجَّة بَيِّنَة بِالْقَتْلِ والقتال.
النساء 4:92
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: مَا روى أَن عَيَّاش بن أبي ربيعَة قتل الْحَارِث بن يزِيد، وَكَانَ الْحَارِث يُؤْذِي عياشا فِي الْجَاهِلِيَّة، حَتَّى أسلم عَيَّاش؛ فَنَذر أَن يقْتله مَتى ظفر بِهِ، فظفر بِالْحَارِثِ وَقد أسلم الْحَارِث، وَلم يعلم هُوَ بِإِسْلَامِهِ، فَنزلت الْآيَة: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا﴾ وَهَذَا نهى عَن قتل الْمُؤمن على الْإِطْلَاق، وَقَوله: ﴿إِلَّا خطأ﴾ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن إِن وَقع خطأ. وَقَالَ بَعضهم: " إِلَّا " بِمَعْنى " وَلَا " يعْنى: وَلَا خطأ، وَلَا يعرف فِي كَلَام الْعَرَب " إِلَّا " بِمَعْنى " وَلَا "؛ وَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي النَّهْي عَن قتل الْخَطَأ، وَالْخَطَأ لَا يدْخل تَحت النَّهْي وَالْأَمر، وَالْأول أصح، ثمَّ ذكر حكم الْقَتْل الْخَطَأ، فَقَالَ: ﴿وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ أَي: فاعتقوا رَقَبَة مُؤمنَة، ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء، فَقَالَ الْحسن، وَالشعْبِيّ، وَالنَّخَعِيّ: أَرَادَ بِهِ: رَقَبَة بَالِغَة وَلَا تُجزئ الرَّقَبَة الصَّغِيرَة، وَإِن كَانَت مُؤمنَة، وَقَالَ عَطاء وَهُوَ الَّذِي أَخذ بِهِ الْفُقَهَاء: إِنَّه تُجزئ الصَّغِيرَة.
﴿ودية مسلمة إِلَى أَهله﴾ يَعْنِي: سلمُوا الدِّيَة إِلَى أَهله، وَظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي أَن تكون الدِّيَة قي قتل الْخَطَأ فِي مَال الْقَاتِل، كالكفارة، لَكِن عرفنَا بِالسنةِ أَن الْكَفَّارَة فِي مَال الْقَاتِل وَالدية على الْعَاقِلَة.
وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن يصدقُوا﴾ يَعْنِي: أَن يتصدقوا، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب كَذَلِك، وَمعنى التَّصَدُّق: الْعَفو عَن الدِّيَة ﴿فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ ﴿مُؤمنَة﴾ أَكثر الْمُفَسّرين وَهُوَ قَول الْحسن، وَقَتَادَة، وَمُجاهد وَجَمَاعَة: أَن المُرَاد بِهِ: وَإِن كَانَ من [نسب] قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن، وَمَعْنَاهُ الْمُؤمن يكون فِي دَار الْإِسْلَام، وقرابته فِي دَار الْحَرْب، فَيقْتل خطأ، قالواجب بقتْله الْكَفَّارَة، وَلَا دِيَة؛ لِأَنَّهَا إِذا سلمت إِلَى قرَابَته يقووا بهَا على الْمُسلمين، وَالأَصَح وَالَّذِي عرفه الْفُقَهَاء أَن المُرَاد بِهِ: الْمُؤمن الَّذِي أسلم فِي دَار الْحَرْب، فيقتله من لم يعلم إِسْلَامه، فَالْوَاجِب فِيهِ الْكَفَّارَة، دون الدِّيَة.
﴿وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق﴾ هَذَا فِي أهل الذِّمَّة والمعاهدين ﴿فديَة مسلمة إِلَى أَهله﴾ يَعْنِي: على الْقدر الَّذِي اخْتلف فِيهِ ﴿وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين تَوْبَة من الله﴾ يَعْنِي: ليتوبوا إِلَى الله ﴿وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ .
النساء 4:93
قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ نزلت الْآيَة فِي مقيس بن ضَبَابَة اللَّيْثِيّ، أسلم وَأَخُوهُ هِشَام، ثمَّ وجد أَخَاهُ مقتولا فِي بني النجار؛ فجَاء إِلَى النَّبِي فِي ذَلِك، فَبعث مَعَه رجلا فهربا إِلَى بني النجار، وَأمرهمْ أَن يدفعوا إِلَيْهِ قَاتل أَخِيه، أَو يسلمُوا الدِّيَة، فجاءا إِلَيْهِم، وبلغا الرسَالَة فَقَالُوا: سمعا وَطَاعَة لرَسُول الله، وَالله مَا نَعْرِف الْقَاتِل، وَسَاقُوا الدِّيَة إِلَيْهِ مائَة من الْإِبِل؛ فَلَمَّا رجعا أقبل مقيس وَقتل الفِهري، وَاسْتَاقَ الْإِبِل، وَلحق بِمَكَّة وارتد، وَقَالَ الشّعْر:
(قتلت بِهِ فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أَرْبَاب فارع)
(فأدركت ثَأْرِي واضطجعت مُوسِرًا ... وَكنت إِلَى الْأَوْثَان أول رَاجع)
فَنزلت الْآيَة فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي أَمر النَّبِي بقتْله؛ فجَاء الْجَمَاعَة الَّذين عينهم للْقَتْل يَوْم فتح مَكَّة؛ فَقتل وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَقَوله: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ فالقتل الْمُتَعَمد عِنْد أَكثر الْعلمَاء: هُوَ الَّذِي يحصل بِكُل مَا يقْصد بِهِ الْقَتْل، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب، وَطَاوُس: الْقَتْل الْعمد لَا يكون إِلَّا بالحديد ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه﴾ أَي: طرده عَن الرَّحْمَة ﴿وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾ وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَة مَدَنِيَّة لم ينسخها شئ؛ فَكَانَ يَقُول: لَيْسَ لقَاتل الْمُؤمن تَوْبَة، وَسُئِلَ عَن تَوْبَته؛ فَقَالَ: أَنى تكون لَهُ التَّوْبَة، فَقيل لَهُ: أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة ويخلد فِيهِ مهانا إِلَّا من تَابَ﴾ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: تِلْكَ آيَة مَكِّيَّة، وَهَذِه آيَة مَدَنِيَّة لم تنسخ بِشَيْء حَتَّى قبض رَسُول الله.
وَقَالَ زيد بن ثَابت: الشَّدِيدَة بعد الهينة بِسِتَّة أشهر، يَعْنِي بالهينة آيَة الْفرْقَان، وبالشديدة هَذِه الْآيَة.
وروى حميد، عَن أنس، عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَبى الله تَعَالَى أَن يكون لقَاتل الْمُؤمن تَوْبَة " وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي: " لقتل الْمُؤمن أعظم عِنْد الله من زَوَال الدُّنْيَا ".
وَالأَصَح، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة: أَن لقَاتل الْمُؤمن عمدا تَوْبَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن﴾ وَقَوله: ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَلِأَن الْقَتْل الْعمد لَيْسَ بأشد من الْكفْر، وَمن ﴿مسلمة إِلَى أَهله إِلَّا أَن يصدقُوا فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق فديَة مسلمة إِلَى أَهله وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة فَمن لم يجد﴾ الْكفْر تَوْبَة؛ فَمن الْقَتْل أولى، وَأما الَّذِي روى عَن ابْن عَبَّاس، فعلى سَبِيل التَّشْدِيد وَالْمُبَالغَة فِي الزّجر عَن الْقَتْل، وَهُوَ مثل مَا روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: إِن لم يقتل يُقَال لَهُ: لَا تَوْبَة لَك، منعا لَهُ عَن الْقَتْل، وَإِن قتل يُقَال لَهُ: لَك تَوْبَة، حَتَّى يَتُوب. وروى أَن رجلا جَاءَ إِلَى ابْن عَبَّاس وَسَأَلَهُ: هَل لقَاتل الْمُؤمن تَوْبَة، قَالَ: لَا، فَجَاءَهُ آخر، وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك، فَقَالَ: نعم، لَهُ تَوْبَة، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِن الأول لم يكن قتل؛ فمنعته عَن الْقَتْل، وَإِن الثَّانِي؛ قتل؛ فأرشدته إِلَى التَّوْبَة.
وَاعْلَم أَن لَا مُتَعَلق فِي هَذِه الْآيَة لمن يَقُول بالتخليد فِي النَّار لأهل الْكَبَائِر من الْمُسلمين؛ لأَنا إِن نَظرنَا إِلَى سَبَب نزُول الْآيَة، فالآية نزلت فِي قَاتل كَافِر كَمَا بَينا، وَقيل: إِنَّه فِيمَن يقتل مستحلا، وَالْأولَى أَن تَقول فِيهِ مَا قَالَه أَبُو صَالح: إِن معنى قَوْله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ إِن جازى، وَبِه نقُول: إِن الله تَعَالَى إِن جازاه ذَلِك خَالِدا، فَهُوَ جَزَاؤُهُ، وَلكنه رُبمَا لَا يجازي، وَقد وعد أَن لَا يجازى وَيغْفر لمن يَشَاء، وَهُوَ لَا يخلف الميعاد، وَحكى عَن قُرَيْش بن أنس رَحمَه الله أَنه قَالَ: كنت فِي مجْلِس فِيهِ عَمْرو بن عبيد، فَقَالَ: لَو قَالَ الله لي يَوْم الْقِيَامَة: لم قلت بتخليد الْقَاتِل الْمُتَعَمد فِي النَّار؟ فَأَقُول لَهُ: أَنْت الَّذِي قلت: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ قَالَ قُرَيْش: وَكنت أَصْغَر الْقَوْم، فَقلت لَهُ: أَرَأَيْت لَو قَالَ الله تَعَالَى لَك: أَلَسْت قلت ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فَمن أَيْن علمت أَنى لم أشأ مغْفرَة الْقَاتِل؟ فَسكت وَلم يسْتَطع الْجَواب.
وَحكى أَن عَمْرو بن عبيد جَاءَ إِلَى أبي عَمْرو بن الْعَلَاء رَحمَه الله وَقَالَ لَهُ: هَل يخلف الله وعده؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ فَأَنا على هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يخلف وعده، فَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَمن العجمة أتيت يَا أَبَا عُثْمَان؛ إِن الْعَرَب لَا تعد الإخلاف فِي الْوَعيد خلفا وذما، وَإِنَّمَا ذَلِك فِي الْخلف فِي الْوَعْد، وَأنْشد لَهُ قَول الْقَائِل فِيهِ:
(إِنِّي إِذا أوعدته وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي)
فقد تمدح بالخلف فِي الْوَعيد، وَقَالَ آخر:
(وَإِذا وعد السَّرَّاء أنْجز وعده ... وَإِن وعد الضراء فالعفو مانعه)
فَالله تَعَالَى يجوز أَن يخلف فِي الْوَعيد، وَإِنَّمَا لَا يخلف الميعاد.
النساء 4:94
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله﴾ أَي: سافرتم فِي سَبِيل الله، يَعْنِي: الْغَزْو ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وَيقْرَأ: " فتثبتوا " ومعناهما: ترك العجلة.
وَفِي الْخَبَر: " التأني من الله، والعجلة من الشَّيْطَان " ﴿فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا﴾ يقْرَأ " إِلَيْكُم السَّلَام " وَيقْرَأ " إِلَيْكُم السّلم "، فالسلام: هُوَ التَّسْلِيم الْمَعْهُود، وَالسّلم: المقادة والاستسلام، وَالسّلم: الصُّلْح، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْمدنِي يزِيد بن الْقَعْقَاع: " لست مُؤمنا " من الْأمان ﴿تَبْتَغُونَ عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: تَبْتَغُونَ الدُّنْيَا، وَفِي الْآثَار: " الدُّنْيَا عرض حَاضر، يَأْكُل مِنْهَا الْبر والفاجر، وَالْآخِرَة وعد صَادِق، يقْضِي فِيهَا ملك قَادر ".
( ﴿آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا تَبْتَغُونَ عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا فَعِنْدَ الله مَغَانِم كَثِيرَة كَذَلِك كُنْتُم من قبل فَمن الله عَلَيْكُم فَتَبَيَّنُوا إِن الله﴾ فَعِنْدَ الله مَغَانِم كَثِيرَة) أَي: غَنَائِم كَثِيرَة. ﴿كَذَلِك كُنْتُم من قبل فَمن الله عَلَيْكُم﴾ أَي: تفضل الله عَلَيْكُم، وَفِيه قَولَانِ: قَالَ سعيد بن جُبَير: مَعْنَاهُ كَذَلِك كُنْتُم من قبل تكتمون الْإِيمَان، فَمن الله عَلَيْكُم، وَفِيه قَولَانِ بالإظهار، وَقَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ: كَذَلِك كُنْتُم من قبل ضلالا، فَمن الله عَلَيْكُم بالهداية ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ إِعَادَة تَأْكِيد ﴿إِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى: " أَن النَّبِي بعث سَرِيَّة، فَلَقوا رجلا يُقَال لَهُ: مرداس بن عَمْرو من فدك، لَهُ غنيمات، فانحاز بهَا إِلَى الْجَبَل لما أحس بالسرية، ثمَّ تقدم إِلَيْهِم، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم أَنا مُؤمن، فبادر إِلَيْهِ أُسَامَة بن زيد وَهُوَ يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَقَتله، وَأخذ سلبه، والغنيمات الَّتِي لَهُ، فَلَمَّا رجعُوا إِلَى النَّبِي قَالَ لأسامة: أقتلت رجلا يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، فَقَالَ: إِنَّه إِنَّمَا أسلم مُتَعَوِّذًا، وَقَالَ: إِنَّمَا أسلم، ليحرز نَفسه وَمَاله، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: هلا شققت عَن قلبه؟ فَقَالَ أُسَامَة: اسْتغْفر لي يَا رَسُول الله، فَقَالَ كَيفَ لَك بِلَا إِلَه إِلَّا الله يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ: اسْتغْفر لي يَا رَسُول الله، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: كَيفَ بِلَا إِلَه إِلَّا الله يَوْم الْقِيَامَة؟ هَكَذَا حَتَّى أَعَادَهُ ثَلَاثًا - فَنزلت الْآيَة فِيهِ. ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام﴾ " وَلِأَن ذَلِك الرجل كَانَ قد سلم عَلَيْهِم، وَأسلم لَهُم ﴿لست مُؤمنا تَبْتَغُونَ عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ يعْنى: تَبْتَغُونَ بقتْله غنيمات كَانَت لَهُ.
وَفِي رِوَايَة أَن النَّبِي اسْتغْفر لأسامة، وَأمره بِإِعْتَاق رَقَبَة وَكَانَ أُسَامَة من علية الصَّحَابَة، وعاش إِلَى زمَان على - رضى الله عَنهُ - فَدَعَاهُ على إِلَى الْمُقَاتلَة مَعَه فِي الحروب، فَقَالَ لعلى: أَنْت أعز على من كل أحد، وَلَو قَاتَلت الْمُسلمين مَعَ أحد لقاتلت مَعَك، وَلَكِنِّي مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله قَالَ لي: كَيفَ بِلَا إِلَه إِلَّا الله يَوْم الْقِيَامَة، امْتنعت من الْقِتَال، فَإِن أَعْطَيْتنِي سَيْفا يُمَيّز الْمُسلم من الْكَافِر حَتَّى أقَاتل فَتَركه على.
وَكَانَ مِمَّن اعتزل الْفَرِيقَيْنِ هُوَ وَسعد بن أبي وَقاص، وَزيد بن ثَابت، وَعبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ.
وَقيل: إِن قَاتل صَاحب الغنيمات، كَانَ الْمِقْدَاد بن عَمْرو الْكِنْدِيّ - هُوَ ابْن الْأسود - هَذَا هُوَ القَوْل الْمَعْرُوف فِي سَبَب نزُول الْآيَة، وَفِي الْآيَة قَول آخر: " أَنَّهَا نزلت فِي محلم بن جثامة اللَّيْثِيّ، قتل رجلا وَهُوَ يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِي، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، اسْتغْفر لي، فَقَالَ: لَا غفر الله لَك، فَقَامَ يبكي، وَانْصَرف، فَلَمَّا مَاتَ دفن فِي الأَرْض، فلفظته الأَرْض، ثمَّ دفن فلفظته الأَرْض، ثمَّ دفن فلفظته الأَرْض - هَكَذَا ثَلَاثًا - فَأمر النَّبِي حَتَّى ألقِي عَلَيْهِ الْحِجَارَة، قَالَ: إِن الأَرْض لتنطبق على من هُوَ شَرّ مِنْهُ - يعْنى من محلم -، وَلَكِن الله - تَعَالَى - أَرَادَ أَن يريكم الْآيَة ".
النساء 4:95
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولى الضَّرَر﴾ اعْلَم أَن الَّذِي نزل فِي الِابْتِدَاء من هَذِه الْآيَة قَوْله: " لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ والمجاهدين فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم " قَالَ زيد بن ثَابت: " كَانَ النَّبِي يملى على هَذِه الْآيَة، وَفَخذه على فَخذي، فَدخل عبد الله بن أم مَكْتُوم، وَقَالَ يَا رَسُول الله، أَنا رجل ضَرِير، وَلَو اسْتَطَعْت أَن أقَاتل لقاتلت مَعَك؛ فتغشى رَسُول الله الْوَحْي؛ فثقل فَخذه على فَخذي حَتَّى كَاد يرضه؛ فَلَمَّا سرى عَنهُ، قَالَ لي: اكْتُبْ ﴿غير أولى الضَّرَر﴾ فَنزل هَذَا الْقدر فِي ابْن أم مَكْتُوم، وَكَانَ ضريرا من أولى الضَّرَر، وَقَوله: ﴿غير أولي الضَّرَر﴾ يقْرَأ على وُجُوه: " غير " - بِرَفْع الرَّاء - وَتَقْدِيره: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ الَّذين هم غير أولي الضَّرَر، وَيقْرَأ: بِفَتْح الرَّاء، على الِاسْتِثْنَاء، يعْنى: إِلَّا أولي الضَّرَر، وَقيل: هُوَ نصب على الْحَال، يعْنى: فِي حَال الصِّحَّة، وَانْتِفَاء الضَّرَر، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ أصحاء، وَهَذَا أشهر الْقِرَاءَتَيْن، وَكَذَلِكَ قَرَأَ النَّبِي " غير أولي الضَّرَر " - بِكَسْر الرَّاء يعْنى -، من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر، ﴿فضل الله الْمُجَاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم على القاعدين دَرَجَة﴾ أَرَادَ بالقاعدين هَاهُنَا: أولى الضَّرَر، فضل الْمُجَاهدين عَلَيْهِم بِدَرَجَة؛ لِأَن الْمُجَاهدين باشروا الْجِهَاد مَعَ النِّيَّة، وَأولُوا الضَّرَر كَانَت لَهُم نِيَّة الْجِهَاد، وَلَكِن لم يباشروا؛ فنزلوا عَنْهُم بِدَرَجَة ﴿وكلا وعد الله الْحسنى﴾ يعْنى: الْجنَّة ﴿وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما﴾ وَأَرَادَ بالقاعدين هُنَا: غير أولي الضَّرَر، فضل الله الْمُجَاهدين عَلَيْهِم أجرا عَظِيما
النساء 4:96
﴿دَرَجَات مِنْهُ ومغفرة وَرَحْمَة﴾ قَالَ ابْن محيريز: هِيَ سَبْعُونَ دَرَجَة، مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ حضر الْفرس الْمُضمر سبعين سنة، وَفِي الْخَبَر " فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة، مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، أعدهَا الله للمجاهدين فِي سَبيله "، وَقيل: أَرَادَ بالدرجات: الْإِسْلَام، وَالْهجْرَة، وَالْجهَاد، وَالشَّهَادَة فِي الْجِهَاد، وفاز بِتِلْكَ الدَّرَجَات المجاهدون ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ .
النساء 4:97
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة﴾ قَرَأَ عِيسَى بن عمر النَّحْوِيّ: " تتوفاهم " - بالتائين - وَالْمَعْرُوف " تَوَفَّاهُم " وَأَصله: تتوفاهم، فأدغمت إِحْدَى التائين تَخْفِيفًا، على الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة، فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ: تتوفاهم الْمَلَائِكَة والمتوفى ملك وَاحِد، كَمَا قَالَ: ﴿قل يتوفاكم ملك الْمَوْت﴾ ؟ قيل: ذكره بِلَفْظ الْجمع، وَالْمرَاد بِهِ الْوَاحِد، وَمثله شَائِع فِي كَلَام الْعَرَب، وَقيل: إِن لملك الْمَوْت أعوانا، فَلَعَلَّهُ أَرَادَهُ مَعَ أعوانه؛ فَلذَلِك ذكر بِلَفْظ الْجمع.
قَالَ عِكْرِمَة وَالضَّحَّاك: الْآيَة فِي قوم أَسْلمُوا بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة، فَلَمَّا هَاجر النَّبِي إِلَى الْمَدِينَة، تخلفوا عَن الْهِجْرَة، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر حملهمْ الْكفَّار مَعَ أنفسهم إِلَى بدر كرها، فَقتلُوا بَين الْكفَّار.
وَقَوله ﴿ظالمي أنفسهم﴾ يعْنى: بالشرك؛ فَإِنَّهُم قتلوا مُشْرِكين؛ إِذْ مَا كَانَ يقبل الْإِسْلَام بعد هِجْرَة النَّبِي إِلَّا بِالْهِجْرَةِ، ثمَّ أُبِيح ذَلِك بقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام -: " لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح ".
﴿قَالُوا فيمَ كُنْتُم﴾ يعْنى: الْمَلَائِكَة قَالُوا لأولئك الَّذين أَسْلمُوا وَلم يهاجروا: ﴿فيمَ كُنْتُم﴾ يعْنى: فِي أَي الْفَرِيقَيْنِ كُنْتُم، فِي الْمُسلمين أم الْمُشْركين؟ وَهَذَا سُؤال توبيخ، لَا سُؤال استعلام ﴿قَالُوا كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض﴾ يعْنى: كُنَّا بِمَكَّة مستضعفين بَين الْمُشْركين ﴿قَالُوا﴾ يعْنى: الْمَلَائِكَة ﴿ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا﴾ يعْنى: إِلَى الْمَدِينَة ﴿فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ حكم لَهُم بالنَّار؛ لأَنهم مَاتُوا مُشْرِكين
النساء 4:98
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ وهم أَصْحَاب الْأَعْذَار ﴿من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان﴾ مِنْهُم الْوَلِيد بن الْوَلِيد، وَسَلَمَة بن هِشَام، وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة.
قَالَ ابْن عَبَّاس: كنت أَنا وَأمي من الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة، وهم الَّذين دَعَا لَهُم النَّبِي فِي الْقُنُوت، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ انج الْوَلِيد بن الْوَلِيد وَسَلَمَة بن هِشَام، وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة، وأشدد وطأتك على مُضر، هَكَذَا كَانَ يدعوا لَهُم شهرا، حَتَّى نَجوا، وَقدمُوا؛ فَترك ذَلِك الدُّعَاء، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: أَلا ترونهم قد قدمُوا ". ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة﴾ يعْنى: لِلْخُرُوجِ ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ أَي: طَرِيقا إِلَى الْمَدِينَة
النساء 4:99
﴿فَأُولَئِك عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم﴾ " وَعَسَى " من الله وَاجِب؛ لِأَنَّهُ للإطماع، وَالله - تَعَالَى - إِذا أطمع عبدا أوجب لَهُ وأوصله إِلَيْهِ.
﴿وَكَانَ الله عفوا غَفُورًا﴾ روى: أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة، كتب بهَا أَصْحَاب رَسُول الله إِلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة، وَكَانَ فيهم شيخ كَبِير يُقَال لَهُ: جندع بن ضَمرَة وَيُقَال لَهُ حبيب بن ضَمرَة فَقَالَ: لست من الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنا أعرف طَرِيق الْمَدِينَة، وَقَالَ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي إِلَى الْمَدِينَة، فَحَمَلُوهُ يأْتونَ بِهِ، فَلَمَّا بلغ التَّنْعِيم؛ أدْركهُ الْمَوْت، فَبلغ ذَلِك أَصْحَاب رَسُول الله فَقَالُوا: لَو وصل إِلَى الْمَدِينَة لأتمم الله أجره؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ يعْنى: تمّ أجره.
النساء 4:100
وَقَوله: ﴿وَمن يُهَاجر فِي سَبِيل الله يجد فِي الأَرْض مراغما كثيرا وَسعه﴾ المراغم: المُهَاجر، والمراغمة: المهاجرة، المُهَاجر، قَالَ أَبُو عمر بن الْعَلَاء: وَإِنَّمَا سميت المهاجرة مراغمة؛ لِأَنَّهُ من هَاجر مراغم قومه وقرابته، وَقَالَ الشَّاعِر:
(كطود يلوذ بأركانه ... عَزِيز المراغم والمهرب)
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مراغما، أَي: متحولا يتَحَوَّل إِلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِد: مراغما، أَي: متزحزحا، وَقَوله: ﴿وسعة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: وسعة فِي الرزق، قَالَ قَتَادَة: وَمَعْنَاهُ: وسعة من الضَّلَالَة إِلَى الْهَدْي.
﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ قد ذكرنَا أَنه فيمَ نزل ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ .
النساء 4:101
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض﴾ أَي: سافرتم ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ .
قصر الصَّلَاة فِي السّفر لَا خلاف فِي جَوَازه فِي حَال الْخَوْف، وَأما فِي حَال الْأَمْن: قَالَ سعد بن أبي وَقاص: إِنَّه لَا يجوز، وَبِه قَالَ دَاوُد، وَأهل الظَّاهِر؛ تمسكا بِظَاهِر الْقُرْآن، وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء وَهُوَ قَول أَكثر الْأمة -: إِنَّه يجوز الْقصر فِي حَال الْأَمْن؛ لما روى عَن يعلي بن أُميَّة أَنه قَالَ لعمر - رَضِي الله عَنهُ -: " مَا بالنا نقصر، وَقد أمنا، وَالله - تَعَالَى - يَقُول فِي كِتَابه: ﴿أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ﴾ قَالَ عمر: عجبت مِمَّا تعجبت أَنْت، فَسَأَلت النَّبِي، فَقَالَ: صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم، فاقبلوا صدقته " وروى " أَن رَسُول الله سَافر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة - لَا يخَاف إِلَّا الله - وَقصر الصَّلَاة " وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَام - يقصر الصَّلَاة فِي جَمِيع أَسْفَاره، وَلم ينْقل أَنه أتم فِي سفر مَا؛ وَلذَلِك قَالَ الشَّافِعِي: الْقصر أولى؛ وَإِن جَازَ الْإِتْمَام.
وروى عَن جَابر، وَالْحسن - وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس -: أَن صَلَاة الْحَضَر أَربع رَكْعَات، وَصَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ، وَصَلَاة الْخَوْف رَكْعَة، وروى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " فرض الله - تَعَالَى - الصَّلَاة على لِسَان نبيه فِي الْحَضَر أَربع رَكْعَات، وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْف رَكْعَة " وَأكْثر الْأمة على أَن الْقصر فِي الْخَوْف رَكْعَتَانِ، مثل قصر السّفر، ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْقصر على قَوْلَيْنِ: أَنه إِبَاحَة، أم وَاجِب، قَالَ بَعضهم: هُوَ إِبَاحَة، وَهُوَ اخْتِيَار الشَّافِعِي، وَهُوَ أصح؛ لقَوْله عز ذكره: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح﴾ وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يتراجعا﴾ .
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ وَاجِب. وَالْخلاف بَين السّلف مَشْهُور فِيهِ.
وَقَوله: ﴿إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ أَي: يقتلكم، والفتنة بِمَعْنى: الْقَتْل هَاهُنَا، وَقَرَأَ أَبى بن كَعْب: " أَن تقصرُوا من الصَّلَاة أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا " - من غير قَوْله: ﴿إِن خِفْتُمْ﴾ - ويروى عَن أَبى أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَنه قَالَ: نزل قَوْله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ هَذَا الْقدر فَحسب، ثمَّ مضى حول، وَلم ينزل شئ؛ فَسئلَ رَسُول الله عَن صَلَاة الْخَوْف، ثمَّ نزل قَوْله: ( ﴿إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا إِن الْكَافرين كَانُوا لكم عدوا مُبينًا﴾ وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة) فَأَشَارَ إِلَى أَنه رَاجع إِلَى صَلَاة الْخَوْف، لَا إِلَى صَلَاة السّفر.
النساء 4:102
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة﴾ بَين فِي هَذِه الْآيَة كَيْفيَّة صَلَاة الْخَوْف، وَأعلم أَن صَلَاة الْخَوْف جَائِزَة بعد رَسُول الله على قَول أَكثر الْعلمَاء، وَقَالَ بَعضهم: صَلَاة الْخَوْف لَا تجوز لأحد بعده، وَهُوَ قَول أَبى يُوسُف؛ تمسكا بِظَاهِر الْآيَة، قَوْله: ﴿وَإِذا كنت فيهم﴾ فَشرط كَونه فيهم، وَالأَصَح هُوَ الأول. وَقَوله: ﴿وَإِذا كُنْتُم فيهم﴾ لَيْسَ على سَبِيل الشَّرْط، وَإِنَّمَا خرج الْكَلَام على وفْق الْحَال، وَقد ورد أَن أَصْحَاب رَسُول الله صلوا بعده صَلَاة الْخَوْف.
( ﴿من وَرَائِكُمْ ولتأت طَائِفَة أُخْرَى لم يصلوا فليصلوا مَعَك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الَّذين كفرُوا لَو تغفلون عَن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عَلَيْكُم مَيْلَة وَاحِدَة وَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك وليأخذوا أسلحتهم) وَسبب نزُول الْآيَة: مَا روى أَبُو عَيَّاش الزرقي: " أَن رَسُول الله نزل بعسفان، وَكَانَ على خيل الْمُشْركين خَالِد بن الْوَلِيد، فصلى النَّبِي مَعَ أَصْحَابه صَلَاة الظّهْر، فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد وجدنَا مِنْهُم غرَّة إِن قصدناهم، وحملنا عَلَيْهِم، فَقَالَ بَعضهم: سَتَأْتِيهِمْ صَلَاة هِيَ أحب إِلَيْهِم من أَوْلَادهم، وأهاليهم - يعنون صَلَاة الْعَصْر - فَنزل جِبْرِيل، وَأخْبرهُ بمقالتهم، وَأمر بِصَلَاة الْخَوْف ".
وَقد روى عَن رَسُول الله صَلَاة الْخَوْف بروايات شَتَّى، وَأخذ الشَّافِعِي بِرِوَايَة صَالح بن خَوات بن جُبَير عَن أَبِيه عَن النَّبِي: " أَنه صلى صَلَاة الْخَوْف، فَجعل أَصْحَابه فرْقَتَيْن، وَصلى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَة، فَقَامُوا، وَأَتمُّوا رَكْعَتَيْنِ، وذهبوا إِلَى وَجه الْعَدو؛ وَجَاءَت الطَّائِفَة الثَّانِيَة وَالنَّبِيّ ينتظرهم، فصلى بهم الرَّكْعَة الثَّانِيَة وانتظرهم جَالِسا حَتَّى قَامُوا وَأَتمُّوا رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ سلم بهم " فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك وليأخذوا أسلحتهم﴾ .
وَاخْتلفُوا فِي أَنهم مَتى يَأْخُذُونَ أسلحتهم؟ قَالَ بَعضهم: يأخذونه فِي الصَّلَاة؛ ليكونوا أهيب فِي عين الْعَدو؛ فعلى هَذَا يَأْخُذُونَ من السِّلَاح مَا لَا يمنعهُم من الْإِتْيَان بأركان الصَّلَاة، وَقَالَ آخَرُونَ: يَأْخُذُونَ السِّلَاح إِذا ذَهَبُوا إِلَى وَجه الْعَدو.
﴿فَإِذا سجدوا﴾ يعْنى: فَإِذا صلوا ﴿فليكونوا من وَرَائِكُمْ ولتأت طَائِفَة أُخْرَى لم يصلوا فليصلوا مَعَك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) والحذر: مَا يتقى بِهِ للحذر من الْعَدو {ود الَّذين كفرُوا لَو تغفلون﴾ لَو وجدوكم غافلين ﴿عَن أسلحتكم وأمتعتكم﴾ يَعْنِي: بِالصَّلَاةِ ﴿فيميلون عَلَيْكُم مَيْلَة وَاحِدَة﴾ أَي: فيحملون عَلَيْكُم حَملَة وَاحِدَة.
﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر أَو كُنْتُم مرضى أَن تضعوا أسلحتكم﴾ رخص لَهُم فِي وضع السِّلَاح فِي حَال الْمَطَر، وَالْمَرَض؛ لِأَن السِّلَاح يثقل حمله فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ. ﴿وخذوا حذركُمْ إِن الله أعد للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾ .
النساء 4:103
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيتم الصَّلَاة﴾ يَعْنِي: صَلَاة الْخَوْف، ﴿فاذكروا الله قيَاما وقعودا وعَلى جنوبكم﴾ يَعْنِي: الذّكر بالتسبيح والتهليل، والتحميد، والتمجيد. ﴿فَإِذا إطمأننتم﴾ يَعْنِي: فَإِذا سكنتم وأقمتم وأمنتم ﴿فأقيموا الصَّلَاة﴾ يَعْنِي على أَرْكَانهَا وهيئتها كَمَا عَرَفْتُمْ ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَي: فرضا مؤقتا يُؤدى (فِي) أوقاته، وَقَالَ زيد بن أسلم: أَرَادَ بِهِ: فرضا منجما يَأْتِي نجم بعد نجم.
النساء 4:104
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تهنوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْم إِن تَكُونُوا تألمون فَإِنَّهُم يألمون كَمَا تألمون﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن الْكفَّار يَوْم أحد لما انْهَزمُوا، بعث النَّبِي طَائِفَة من أَصْحَابه على إثرهم، فشكوا ألم الْجِرَاحَات؛ فَنزلت الْآيَة " ﴿وَلَا تهنوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْم﴾ أَي: لَا تضعفوا فِي طلب الْقَوْم. ﴿إِن تَكُونُوا تألمون﴾ أَي: توجعون وتشكون الْأَلَم، فَإِنَّهُم يألمون، أَي: يوجعون ويشكون الْأَلَم كَمَا تألمون، قَالَ الشَّاعِر فِي مَعْنَاهُ:
(قَاتل الْقَوْم يَا خزاع وَلَا يدخلنكم ... ) (من قِتَالهمْ، فَشد الْقَوْم أمثالكم لَهُم ... شعر فِي الرَّأْس لَا ينشرون إِن قتلوا)
﴿وترجون من الله مَا لَا يبرجون﴾ أَي: وتأملون من الله مَالا يأملون، من الظفر فِي الدُّنْيَا، وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة، وَقَالَ الْفراء وَالْكسَائِيّ: الرَّجَاء بِمَعْنى الْخَوْف، وكل راج خَائِف؛ لِأَنَّهُ يخَاف أَلا يدْرك المأمول، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا لكم لَا ترجون لله وقارا﴾ وَأَجْمعُوا على أَن مَعْنَاهُ: لَا تخافون لله عَظمَة، قَالَ الشَّاعِر:
(لَا ترتجي إِذا تلاقى الزائدا ... أسبعة تلقى مَعًا أم وَاحِدًا)
﴿وَكَانَ الله عليما حكيما﴾
النساء 4:105
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: مَا روى " أَن طعمة بن أُبَيْرِق من بني ظفر بن الْحَارِث سرق درعا، فَلَمَّا أَتَاهُم بِهِ أَلْقَاهُ فِي دَار يَهُودِيّ، وَقَالَ: إِنَّه سرق وَفِي رِوَايَة: أودعهُ عِنْد يَهُودِيّ فَلَمَّا ظهر، قَالَ: إِن الْيَهُودِيّ سَرقه؛ فجَاء قومه إِلَى النَّبِي وهم بَنو ظفر بن الْحَارِث؛ ليدافعوا عَنهُ، وهم النَّبِي بِدفع السّرقَة عَنهُ، وَقطع يَد الْيَهُودِيّ، وَكَانَ عِنْد قومه أَنه السَّارِق؛ فَنزل قَوْله: ﴿إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ أَي: لتَحكم بِالْحَقِّ. ﴿لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أَرَاك الله﴾ أَي: بِمَا علمك، وَحكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إياك والرأي فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿بِمَا أَرَاك الله﴾ وَلم يقل: بِمَا رَأَيْت، ﴿وَلَا تكن للخائنين خصيما﴾ يَعْنِي: طعمة من الخائنين، فَلَا تكن مدافعا عَنهُ
النساء 4:106
﴿واستغفر الله﴾ أمره بالاستغفار؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد هم أَن يدافع عَنهُ ﴿إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ .
النساء 4:107
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تجَادل عَن الَّذين يَخْتَانُونَ أنفسهم﴾ أَي: يخونون أنفسهم والاختيان: افتعال من الْخِيَانَة ﴿إِن الله لَا يحب﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: مَعْنَاهُ: إِن الله لَا يقرب ﴿من كَانَ خوانًا أَثِيمًا﴾ الخوان: الخائن والأثيم: ذُو الْإِثْم.
النساء 4:108
قَوْله تَعَالَى: ﴿يستخفون من النَّاس وَلَا يستخفون من الله وَهُوَ مَعَهم﴾ بشكوى بني ظفر بن الْحَارِث، مَعْنَاهُ: يستترون من النَّاس، وَلَا يستترون من الله، وَهُوَ مَعَهم ﴿إِذْ يبيتُونَ مَالا يرضى من القَوْل﴾ قد بَينا أَن التبييت: تَدْبِير الْفِعْل لَيْلًا؛ وَذَلِكَ التبييت مِنْهُم أَن قوم طعمة قَالُوا: ندفع أمره إِلَى النَّبِي؛ فَإِنَّهُ يسمع يَمِينه، وَقَوله؛ لِأَنَّهُ مُسلم، وَلَا يسمع من الْيَهُودِيّ؛ لِأَنَّهُ كَافِر، فَلم يرض الله تَعَالَى قَوْلهم ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ محيطا﴾ .
النساء 4:109
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ﴾ يَعْنِي: أَنْتُم يَا هَؤُلَاءِ، قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: هَا أَنْتُم الَّذين ﴿جادلتهم عَنْهُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: خاصمتم، وأصل الْجِدَال: الجدل، وَهُوَ الفتل، وَيُقَال: شخص أجدل، إِذا كَانَ وثيق الْخلق، وَيُقَال للصقر: أجدل؛ لِأَنَّهُ أقوى الطُّيُور على الصَّيْد.
﴿فَمن يُجَادِل الله عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة أم من يكون عَلَيْهِم وَكيلا﴾ يَعْنِي: من الَّذِي يتَوَلَّى أَمرهم، ويذب عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة؟
النساء 4:110
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه ثمَّ يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما﴾ عرض التَّوْبَة على طعمة وَقَومه فِي هَذِه الْآيَة، وَأمرهمْ بالاستغفار.
النساء 4:111
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يكْسب إِثْمًا فَإِنَّمَا يكسبه على نَفسه﴾ سَبَب هَذَا أَن قومه قَالُوا لَهُ: تب إِلَى الله، فَحلف أَنى مَا سَرقته، وَإِنَّمَا سَرقه الْيَهُودِيّ؛ فَذَلِك الَّذِي يَقُول الله - تَعَالَى - وَمن كَسبه الْإِثْم ﴿وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ .
النساء 4:112
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن يكْسب خَطِيئَة أَو إِثْمًا﴾ هُوَ سَرقته الَّتِي ذكرنَا، ﴿ثمَّ يرم بِهِ بَرِيئًا﴾ هُوَ نسبته السّرقَة إِلَى الْيَهُودِيّ الَّذِي كَانَ بَرِيئًا عَنْهَا ﴿فقد احْتمل بهتانا وإثما مُبينًا﴾ فالبهتان: الْكَذِب الَّذِي يتحير مِنْهُ الْإِنْسَان، وَهُوَ البهت، وَأَرَادَ بالإثم الْمُبين: الْيَمين الْفَاجِرَة.
النساء 4:113
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْك وَرَحمته﴾ هَذَا خطاب للرسول ﴿لهمت طَائِفَة مِنْهُم أَن يضلوك﴾ يعْنى: قوم طعمه، هموا أَن يلبسوا عَلَيْك؛ لتدافع عَنهُ ﴿وَمَا يضلون إِلَّا أنفسهم﴾ أَي: يرجع وباله عَلَيْهِم ﴿وَمَا يضرونك من شئ﴾ يعْنى: ضَرَره عَائِد عَلَيْهِم، وَلَا يَضرك؛ لِأَنَّك مَعْصُوم ﴿وَأنزل الله عَلَيْك الْكتاب وَالْحكمَة﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ: وَأنزل الله عَلَيْك الْكتاب بالحكمة، وَقيل: أَرَادَ بِالْكتاب: الْقُرْآن، وبالحكمة: السّنة ﴿وعلمك مَا لم تكن تعلم﴾ يعْنى: من أَحْكَام الْقُرْآن، وَقيل: من علم الْغَيْب، وَقيل: علمك قدرك، وَلم تكن تعلمه ﴿وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾ .
النساء 4:114
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بِصَدقَة﴾ . النَّجْوَى: السرائر فِي التَّدْبِير، قَالَ الزّجاج: كل مَا انْفَرد بتدبيره قوم يَخُوضُونَ فِيهِ؛ فَهُوَ نجوى: سرا كَانَ أَو عَلَانيَة، وَأَرَادَ هَاهُنَا: نجوى قوم طعمه وتدبيرهم، وَقيل: هُوَ فِي جَمِيع الْحَوَادِث.
﴿إِلَّا من أَمر بِصَدقَة﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ إِلَّا نجوى من أَمر بِصَدقَة، وَقيل: هُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، يعْنى: لَكِن من أَمر بِصَدقَة ﴿أَو مَعْرُوف﴾ وَهُوَ كل مَا عرفه الشَّرْع ﴿أَو إصْلَاح بَين النَّاس) وَفِي الْخَبَر: " كل كَلَام ابْن آدم عَلَيْهِ إِلَّا ثَلَاثَة: أَمر بِمَعْرُوف، أَو نهى عَن مُنكر، أَو ذكر الله " وَقيل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة - حِين روى هَذَا الحَدِيث؛ فَقَالُوا -: مَا أَشد هَذَا الحَدِيث؟ ! فَقَالَ: اقْرَءُوا قَوْله - تَعَالَى -: {لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بصدقه﴾ الْآيَة.
وروى: أَن رَسُول الله قَالَ لأبى أَيُّوب الْأنْصَارِيّ: " أَلا أدلك على صَدَقَة هِيَ خير لَك من حمر النعم - أَي: من الصَّدَقَة بحمر النعم؟ - قَالَ: بلَى يَا رَسُول الله، فَقَالَ: أَن تصلح بَين النَّاس إِذا تفاسدوا، وَأَن تقرب بَينهم إِذا تباعدوا ".
﴿وَمن يفعل ذَلِك ابْتِغَاء مرضات الله فَسَوف نؤتيه أجرا عَظِيما﴾ .
النساء 4:115
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ أَرَادَ بِهِ: طعمه، جادل النَّبِي، ثمَّ لحق بِمَكَّة، وارتد حِين ظهر عَلَيْهِ الحكم بِالْقطعِ.
قَالَ سعيد بن جُبَير: إِنَّه لما لحق بِمَكَّة سرق هُنَالك، فَوجدَ فِي نقب يسرق، فَقتل.
وَفِي بعض الْقَصَص: أَنه حِين لحق بِمَكَّة نزل على الْحجَّاج بن غلاط الْأَسْلَمِيّ، فَقَامَ فِي بعض اللَّيْل يسرق، فأحسوا بِهِ، فَأَخَذُوهُ واجتمعوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: إِنَّه ضيف، وتركوه؛ فلحق بحرة بني سليم، وَكَانَ يعبد الْأَصْنَام، وَمَات عَلَيْهِ؛ فَفِيهِ نزلت الْآيَة ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ لِأَنَّهُ لما ارْتَدَّ، فقد اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ.
وَاسْتدلَّ أهل الْعلم بِهَذِهِ الْآيَة على أَن الْإِجْمَاع حجَّة.
قَوْله: ﴿نوله مَا تولى﴾ أَي: نوله مَا اخْتَارَهُ، وَقيل: نكله إِلَى (من) تولاه ﴿ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ .
النساء 4:116
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقد ذكرنَا معنى الْآيَة فِيمَا سبق ﴿وَمن يُشْرك بِاللَّه فقد ضل ضلالا بَعيدا﴾ روى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ انه قَالَ: هَذِه أحب آيَة إِلَيّ فِي الْقُرْآن.
النساء 4:117
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن يدعونَ من دونه﴾ أَي: مَا يدعونَ من دونه ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قيل: مَعْنَاهُ الْأَوْثَان، وَإِنَّمَا سميت الْأَوْثَان إِنَاثًا؛ لأَنهم كَانُوا يسمونها باسم الْإِنَاث، فَيَقُولُونَ: اللات، والعزى، وَمَنَاة، وَكَانُوا يَقُولُونَ لصنم كل قَبيلَة: أُنْثَى بني فلَان، قَالَ أبي بن كَعْب: كَانَ مَعَ كل صنم جنية من الشَّيَاطِين، وَقيل: مَعْنَاهُ: الْموَات وَإِنَّمَا سمي الْموَات إِنَاثًا؛ لِأَن الْإِنَاث أرذل الجنسين، وأدونهما، فَكَذَلِك الْموَات أرذل من الْحَيَوَان، وَكَانَت أصنامهم من الْموَات والجماد.
قَالَ الضَّحَّاك: أَرَادَ بِهِ: الْمَلَائِكَة، وَكَانُوا يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَة إناث، وَكَانَ بَعضهم يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة، ويصورون الْأَصْنَام على صور الْمَلَائِكَة، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: " إِلَّا أنثا " جمع الْأَوْثَان، وَقَرَأَ فِي الشواذ أَيْضا " إِلَّا أنثا " جمع الْإِنَاث؛ فَيكون على جمع الْجمع كالمثل. ﴿وَإِن يدعونَ إِلَّا شَيْطَانا مرِيدا﴾ ؛ لأَنهم إِذا عبدُوا الْأَصْنَام، فقد أطاعوا الشَّيْطَان، وَأَرَادَ بِهِ: إِبْلِيس، والمريد العاتي المتمرد، وَحَقِيقَته: العاري من كل خير، وَمِنْه الْأَمْرَد، وَيُقَال: شَجَرَة مرداء، إِذا تساقطت أَغْصَانهَا.
النساء 4:118
﴿لَعنه الله﴾ أَي: أبعده الله من الرَّحْمَة؛ معاقبة، وَلذَلِك لَا يجوز لعن الْبَهَائِم؛ لِأَنَّهَا لَا تستوجب الْعقُوبَة، والطرد عَن الرَّحْمَة. ﴿وَقَالَ لأتخذن من عِبَادك نَصِيبا مَفْرُوضًا﴾ أَي: مِقْدَارًا مَعْلُوما، قيل فِي التَّفْسِير: من كل ألف تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ للشَّيْطَان وَوَاحِد لله. وأصل الْفَرْض: الحز وَالْقطع، وَمِنْه فرض الْقوس: وَهُوَ الشق الَّذِي يَجْعَل فِيهِ الْوتر. وَمِنْه فرض السِّوَاك: وَهُوَ الْموضع الَّذِي يَجْعَل فِيهِ الْخَيط، وَمِنْه فرضة الْبَحْر: وَهُوَ المشرع الَّذِي توقف إِلَيْهِ السَّفِينَة، وَالْفَرْض: نوع من التَّمْر يكون بعمان، قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا أكلت سمكًا وفرضا ... ذهبت طولا وَذَهَبت عرضا)
النساء 4:119
قَوْله تَعَالَى: ﴿ولأضلنهم﴾ أَي: لأغوينهم، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ نسب إِلَيْهِ الإضلال، وَلَيْسَ إِلَيْهِ الضَّلَالَة؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ: التزيين والدعوة إِلَى الضَّلَالَة، وَقد قَالَ: " بعثت دَاعيا، وَلَيْسَ إِلَى من الْهِدَايَة شئ، وَبعث الشَّيْطَان مزينا، وَلَيْسَ إِلَيْهِ من الضَّلَالَة شئ ". ﴿ولأمنينهم﴾ قيل: مَعْنَاهُ: أمنينهم ركُوب الْأَهْوَاء، وَقيل مَعْنَاهُ: أمنينهم طول الْعُمر فِي النَّعيم؛ ليؤثروا الدُّنْيَا على الْآخِرَة، وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: أمنيهم إِدْرَاك الْآخِرَة مَعَ ركُوب الْمعاصِي.
﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الْأَنْعَام﴾ أَرَادَ بِهِ: الْبحيرَة الَّتِي تَأتي فِي سُورَة الْمَائِدَة، والبتك: الْقطع، وَالْمرَاد بِهِ: شقّ الآذان، ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَول مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: فليغيرن دين الله، أَي: وضع الله فِي الدّين: بتحليل الْحَرَام، وَتَحْرِيم الْحَلَال، وَنَحْو ذَلِك، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ قَول أنس، وَعِكْرِمَة: أَرَادَ بِهِ: إخصاء الْأَنْعَام، وَكَانَ أنس يكره إخصاء الْبَهَائِم من أجل هَذَا، وَكَانَ يُجِيزهُ الْحسن، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: أَرَادَ بِهِ الوشم، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ تغير الْأَنْسَاب؛ وَذَلِكَ أَن ينْتَقل من نسب إِلَى نسب، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ: الخضاب بِالسَّوَادِ، وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ، وَإِنَّمَا الخضاب الْمُبَاح بالحمرة، والصفرة ﴿وَمن يتَّخذ الشَّيْطَان وليا من دون الله﴾ أَي: يواليه باتباعه ﴿فقد خسر خسرانا مُبينًا﴾ .
النساء 4:120
قَوْله تَعَالَى: ﴿يعدهم﴾ وعده قد يكون بالتخويف كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر﴾ وَقيل: أَنه يتَمَثَّل فِي صُورَة الْآدَمِيّ، فيعد، ويمنى، وَكَانَ قد ظهر يَوْم بدر فِي صُورَة سراقَة بن مَالك بن جعْشم وَظهر فِي الْيَوْم الَّذِي اجْتمعت فِيهِ قُرَيْش، وَتَشَاوَرُوا فِي إِخْرَاج النَّبِي، فِي صُورَة شيخ من نجد.
وَقَوله ﴿ويمنيهم﴾ قد ذكرنَا، وَمن ذَلِك تمنى الْإِنْسَان قَضَاء الشَّهَوَات.
وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان لَا يُؤَاخذ بِغَلَبَة الشَّهْوَة، واشتهاء الشَّهَوَات؛ لِأَن ذَلِك شئ جبل عَلَيْهِ، ويؤاخذ بالتمني، وَذَلِكَ أَن يتَمَنَّى خمرًا ليشربه، أَو امْرَأَة؛ ليزني بهَا، فَذَلِك من الْمعْصِيَة، ويؤاخذ بِهِ ﴿وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا﴾ الْغرُور: إِيهَام الْوُصُول إِلَى النَّفْع من مَوضِع الضّر
النساء 4:121
﴿أُولَئِكَ مأواهم جَهَنَّم وَلَا يَجدونَ عَنْهَا محيصا﴾ أَي: معدلا.
النساء 4:122
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سندخلهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا وعد الله حَقًا﴾ فَإِن قيل: مَا الْفَائِدَة فِي تكْرَار الْوَعْد والوعيد فِي الْقُرْآن؟ قيل: فَائِدَته: التوكيد، قطعا من سَوَاء التَّأْوِيل، وَقيل إِنَّمَا كرر الْوَعْد على تفاصيل الْإِيمَان، وَكرر الْوَعيد على تفاصيل الْكفْر، ﴿وَمن أصدق من الله قيلا﴾ أَي: قولا.
النساء 4:123
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب﴾ قَالَ مَسْرُوق هُوَ أَبُو عَائِشَة مَسْرُوق بن الأجدع الْهَمدَانِي: أَرَادَ بِهِ: لَيْسَ بأمانيكم أَيهَا الْمُسلمُونَ، وَلَا أماني أهل الْكتاب، وهم الْيَهُود، وَالنَّصَارَى.
وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بقوله: ﴿لَيْسَ بأمانيكم﴾ مُشْركي الْعَرَب، ﴿وَلَا أماني أهل الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود، وَالنَّصَارَى، فعلى القَوْل الأول معنى الْآيَة: أَن الْيَهُود قَالُوا: نَحن أولى؛ لِأَن ديننَا أقدم وَكِتَابنَا أقدم.
وَقَالَت النَّصَارَى: نَحن أولى؛ لأَنا على دين عِيسَى، وَهُوَ روح الله، وكلمته، وَكَانَ يحيي الْمَوْتَى.
وَقَالَ الْمُسلمُونَ: نَحن أولى؛ لِأَن نَبينَا خَاتم النَّبِيين، وَكِتَابنَا نَاسخ للكتب، وَقد آمنا بِكِتَابِكُمْ، وَلم تؤمنوا بكتابنا؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب﴾ يَعْنِي: لَيْسَ الْأَمر بالأماني، وَإِنَّمَا الْأَمر بِالْعَمَلِ الصَّالح، وَقد قَالَ: " لَيْسَ الدّين بالتمني، وَلَا بالتحلي. . " الْخَبَر.
وَأما على القَوْل الثَّانِي: معنى الْآيَة: أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى قَالُوا: نَحن أهل الْجنَّة، وَذَلِكَ قَول الله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى﴾ وَقَالَ الْمُشْركُونَ: لَا جنَّة، وَلَا نَار، وَلَا بعث؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب﴾ أَي: لَيْسَ كَمَا قَالَ الْمُشْركُونَ، وَلَا كَمَا قَالَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس، وَسَعِيد بن جُبَير، وقتاده، وَجَمَاعَة الْمُفَسّرين: إِن الْآيَة على الْعُمُوم فِي حق كل عَامل. وَقَالَ الْحسن: أَرَادَ بِهِ: أهل الشّرك.
وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: " أَن هَذِه الْآيَة لما نزلت، قَالَت الصَّحَابَة: أَيّنَا لم يعْمل سوءا؟ وَشقت عَلَيْهِم الْآيَة، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُول الله فِي ذَلِك، فَقَالَ: مَا مِنْكُم من أحد تصيبه مُصِيبَة، إِلَّا كفر عَنهُ، حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها، والنكبة ينكبها ".
وروى: " أَن أَبَا بكر دخل على رَسُول الله، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله: " أَلا أقرئك آيَة أنزلت عَليّ؟ قَالَ: بلَى فَقَرَأَ: ﴿من يعْمل سوءا يحز بِهِ﴾ قَالَ أَبُو بكر: فَوجدت انقصاما فِي ظَهْري، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَام -: مَالك يَا أَبَا بكر؟ فَقلت: كَيفَ النجَاة بعد هَذِه الْآيَة، هلكنا، وأينا لم يعْمل سوءا؟ فَقَالَ: أما أَنْت يَا أَبَا بكر، والمؤمنون تُجْزونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فتلقون الله تَعَالَى وَمَا عَلَيْكُم ذَنْب، وَأما الْكَافِرُونَ يجمع عَلَيْهِم، ثمَّ يجزون بِهِ فِي الْآخِرَة " وَفِي رِوَايَة قَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام: " أَلَسْت تنصب؟ أَلَسْت تحزن؟ أَلَسْت تمرض؟ أَلَيْسَ تصيبك اللأواء؟ فَذَلِك الَّذِي تُجْزونَ بِهِ " فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ وَلَا يجد لَهُ من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾ .
النساء 4:124
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا يظْلمُونَ نقيرا﴾ أَي: مِقْدَار النقير، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى لما أحَال الْخلق على الْعَمَل بَين الْعَمَل فِي هَذِه الْآيَات، وَجَزَاء الْعَمَل.
النساء 4:125
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أحسن دينا مِمَّن أسلم وَجهه لله﴾ أَي: أخْلص عِبَادَته لله، وَقيل: توجه عِبَادَته إِلَى الله، وَالْوَجْه يذكر بِمَعْنى: الدّين وَالْعِبَادَة، وَمِنْه قَول الْمصلى: وجهت وَجْهي، أَي: ديني وَهُوَ الصَّلَاة.
﴿وَهُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ وَإِنَّمَا خص إِبْرَاهِيم؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَقْبُول الْأُمَم أجمع، وَقيل: لِأَنَّهُ بعث على مِلَّة إِبْرَاهِيم؛ وَزيد لَهُ أَشْيَاء.
﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ يَعْنِي: حبيبا، لَا خلل فِي حبه، والخلة: صفاوة الْمَوَدَّة، فَمَعْنَاه: أَنه اتَّخذهُ حبيبا، وَجعله صَفيه، وخاص نَفسه، كَمَا يكون الحبيب مَعَ الحبيب، قَالَ الشَّاعِر:
(قد تخللت مَسْلَك الرّوح منى ... وبذا سمى الْخَلِيل خَلِيلًا)
وَقيل: الْمُحْتَاج من الْخلَّة، وَهِي الْحَاجة، يَعْنِي: جعل حَاجته إِلَى نَفسه، دون غَيره، وَقَالَ الشَّاعِر:
(وَإِن أَتَاهُ خَلِيل يَوْم مَسْأَلَة ... فَقَالَ لَا غَائِب مَالِي وَلَا حرم) يَعْنِي: وَإِن أَتَاهُ مُحْتَاج، وَالْأول أصح؛ لِأَن قَوْله ﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ يَقْتَضِي الْخلَّة من الْجَانِبَيْنِ. وَلَا يتَصَوَّر الْحَاجة من الْجَانِبَيْنِ. وَفِي الْخَبَر قَالَ: " إِن الله اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا، وَلَو كنت متخذا خَلِيلًا، لاتخذت أَبَا بكر؛ وَلَكِن ود وإخاء إِيمَان، وَإِن صَاحبكُم خَلِيل الله ".
النساء 4:126
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكَانَ الله بِكُل شئ محيطا﴾ الْمُحِيط: هُوَ الْعَالم بالشَّيْء بِجَمِيعِ مَا يتَصَوَّر الْعلم بِهِ.
النساء 4:127
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء﴾ أَي: يطْلبُونَ فتواك فِي النِّسَاء، قيل: هَذَا فِي أم كجة وَقد بَينا قصَّتهَا، وَأَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يورثون النِّسَاء وَالصبيان.
﴿قل الله يفتيكم فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب﴾ قَالَ الزّجاج: يعْنى: ويفتيكم كَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب ﴿فِي يتامى النِّسَاء﴾ هَذَا إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ باليتامى: النِّسَاء ﴿اللَّاتِي لَا تؤتونهن مَا كتب لَهُنَّ﴾ قَالَ الْحسن، وَجَمَاعَة: أَرَادَ بِهِ: لَا تؤتونهن حقهن من الْمِيرَاث ﴿وترغبون أَن تنكحوهن﴾ بِهِ، بِمَعْنى: عَن أَن تنكحوهن لدمامتهن، وحملوا الْآيَة على الْمِيرَاث.
وَقَالَت عَائِشَة: أَرَادَ بِهِ: لَا تؤتونهن مَا كتب لَهُنَّ من الصَدَاق. وَقَوله: ﴿وترغبون أَن تنكحوهن﴾ يَعْنِي: فِي أَن تنكحوهن، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْولدَان﴾ يَعْنِي: ويفتيكم فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ من الْوَالِدَان، وهم الصغار ﴿وَأَن تقوموا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ ﴿وَمَا تَفعلُوا من خير فَإِن الله كَانَ بِهِ عليما﴾ .
النساء 4:128
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا﴾ النُّشُوز: هُوَ الِارْتفَاع، وَالْمرَاد بِهِ، ارْتِفَاع الزَّوْج، والتكبر بِنَفسِهِ على الزَّوْجَة، وَمِنْه النشز. ﴿أَو إعْرَاضًا﴾ يعْنى: أَو خَافت إعْرَاضًا من الزَّوْج ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصلحا﴾ وَقُرِئَ: " أَن يصالحا بَينهمَا صلحا " يَعْنِي: بَين الزَّوْجَيْنِ، وَاخْتلفُوا فِيمَن نزلت الْآيَة، قَالَ بَعضهم: نزلت فِي امْرَأَة رَافع بن خديج، فَإِنَّهَا كَبرت، وَتزَوج رَافع عَلَيْهَا شَابة وخافت أَن يعرض عَنْهَا؛ فَنزلت الْآيَة.
وَقَوله: ﴿أَن يصلحا بَينهمَا صلحا﴾ يَعْنِي: أَن يتْرك شَيْئا من الْقسم، وترضى بِأَن يكون الْقسم للشابة أَكثر، وَقيل: هُوَ الصُّلْح عَن الْمهْر بِالْإِبْرَاءِ، وَنَحْوه، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْآيَة نزلت فِي سَوْدَة بنت زَمعَة؛ أَرَادَ النَّبِي أَن يطلقهَا؛ فَقَالَت: لَا تُطَلِّقنِي، قد وهبت لَيْلَتي لعَائِشَة، فَلَا تُطَلِّقنِي حَتَّى أحْشر يَوْم الْقِيَامَة فِي زمرة نِسَائِك.
﴿وَالصُّلْح خير﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ: الصُّلْح خير من الْفرْقَة، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الصُّلْح خير من النُّشُوز، والإعراض ﴿وأحضرت الْأَنْفس الشُّح﴾ وَالشح: الْبُخْل، وَقيل: هُوَ أقبح الْبُخْل، وَحَقِيقَته: الْحِرْص على منع الْخَيْر، وَأَرَادَ بِهِ: شح الزَّوْجَيْنِ على حقيهما ﴿وَإِن تحسنوا وتتقوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ .
النساء 4:129
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلنْ تستطيعوا أَن تعدلوا بَين النِّسَاء وَلَو حرصتم﴾ قَالَ عمر، وَعلي، وَابْن عَبَّاس، أَرَادَ بِالْعَدْلِ: الْمحبَّة فِي الْقلب ﴿فَلَا تميلوا كل الْميل﴾ يعْنى: إِن ملتم فِي الْمحبَّة، فَلَا تميلوا فِي الْقسم، وَقد قَالَ: " اللَّهُمَّ هَذَا قسمي فِيمَا أملك، فَلَا تؤاخذاني فِيمَا لَا أملك " ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ يَعْنِي لَا أَيّمَا وَلَا ذَات بعل، وَقيل: كالمحبوسة ﴿وَإِن تصلحوا وتتقوا فَإِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ .
النساء 4:130
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يغن الله كلا من سعته﴾ يَعْنِي: الزَّوْجَيْنِ إِذا تفَرقا، فالزوج يجد الزَّوْجَة، وَالزَّوْجَة تَجِد الزَّوْج ﴿وَكَانَ الله وَاسِعًا حكيما﴾ أَي: وَاسع الْفضل وَالرَّحْمَة وَالْقُدْرَة.
النساء 4:131
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَلَقَد وصينا الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَإِيَّاكُم أَن اتَّقوا الله﴾ هَذِه وَصِيَّة الله الْعباد بالتقوى، ( ﴿وَإِن تكفرُوا فَإِن لله مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكَانَ الله غَنِيا حميدا﴾
النساء 4:132
وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكفى بِاللَّه وَكيلا) فَإِن قيل: أَي فَائِدَة فِي تكْرَار قَوْله: ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ قيل: لكل وَاحِد مِنْهَا وَجه: أما الأول: فَمَعْنَاه: وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض، وَهُوَ يُوصِيكُم بالتقوى، فاتقوه، واقبلوا وَصيته.
وَأما الثَّانِي: يَقُول: فَإِن لله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض، وَكَانَ الله غَنِيا حميدا؛ فَاطْلُبُوا مِنْهُ مَا تطلبون.
وَأما الثَّالِث يَقُول: وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكفى بِاللَّه وَكيلا، أَي: اتخذوه وَكيلا وَلَا تتكلوا على غَيره.
النساء 4:133
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن يَشَاء يذهبكم أَيهَا النَّاس وَيَأْتِ بِآخَرين﴾ روى: " أَن النَّبِي كَانَ يضْرب بِيَدِهِ كتف سلمَان، وَيقْرَأ: ﴿وَيَأْتِ بِآخَرين﴾ وَيَقُول: سلمَان وَأَصْحَابه " ﴿وَكَانَ الله على ذَلِك قَدِيرًا﴾ .
النساء 4:134
قَوْله تَعَالَى: ﴿من كَانَ يُرِيد ثَوَاب الدُّنْيَا فَعِنْدَ الله ثَوَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ أَرَادَ بِهِ: الْكفَّار؛ فَإِنَّهُم يعْملُونَ ابْتِغَاء ثَوَاب الدُّنْيَا، وطلبا لنعيمها، وَلَا يطْلبُونَ ثَوَاب الْآخِرَة، وَلَا يُؤمنُونَ بهَا؛ فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿من كَانَ يُرِيد ثَوَاب الدُّنْيَا فَعِنْدَ الله ثَوَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَكَانَ الله سميعا بَصيرًا﴾ .
النساء 4:135
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ﴾ القوام: مُبَالغَة من الْقَائِم، والقسط: الْعدْل، وَمَعْنَاهُ: كونُوا قائلين بِالْعَدْلِ ﴿شُهَدَاء لله﴾ لأَنهم إِذا شهدُوا بِالْحَقِّ وَقَامُوا بِالْعَدْلِ، كَانُوا شُهَدَاء لله ﴿وَلَو على أَنفسكُم﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يشْهد على نَفسه؟ قيل: شَهَادَته على نَفسه: هُوَ الْإِقْرَار، وَهُوَ معنى مَا روى عَن ابْن عَبَّاس: " قُولُوا الْحق وَلَو على أَنفسكُم ".
﴿أَو الْوَالِدين والأقربين﴾ أَي: قُولُوا الْحق، وَلَو على الْوَالِدين والأقربين، قيل: نزلت الْآيَة فِي رجل كَانَت عِنْده شَهَادَة على أَبِيه، فهم أَن يمْتَنع عَنْهَا؛ فَنزل قَوْله: ﴿أَو الْوَالِدين والأقربين﴾ ، ﴿إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا﴾ قَالَ السّديّ: نزل ذَلِك فِي رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي، أَحدهمَا غَنِي، وَالْآخر فَقير، وَكَانَ ضلع النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْفَقِير، وَكَانَ عِنْده أَن الْفَقِير لَا يُخَاصم بِالْبَاطِلِ، وَكَانَ الْحق للغني فِي الْبَاطِن؛ فَنزلت الْآيَة ﴿إِن يكن غَنِيا أَو فَقير﴾ .
قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: لَا تجادلوا الْغَنِيّ لغناه، وَلَا ترحموا الْفَقِير لفقره، وَقَالَ عَطاء: لَا تحيفوا على الْفَقِير، وَلَا تعظموا الْغَنِيّ؛ فَهَذَا معنى الْآيَة، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: قومُوا بِالشَّهَادَةِ، سَوَاء كَانَ الْمَشْهُود عَلَيْهِ غَنِيا أَو فَقِيرا، وَسَوَاء كَانَ الْمَشْهُود لَهُ غَنِيا أَو فَقِيرا، وَلَا تمتنعوا عَن الشَّهَادَة للغني لغناه، وَلَا عَن الشَّهَادَة على الْفَقِير لفقره.
وَقَوله: ﴿إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا﴾ : يَعْنِي: إِن يكن الْمَشْهُود عَلَيْهِ غَنِيا، أَو فَقِيرا ﴿فَالله أولى بهما﴾ أَي: كلوا أَمرهمَا إِلَى الله، قَالَ الْحسن: مَعْنَاهُ: فَالله أعلم بهما. ﴿فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا﴾ قيل: مَعْنَاهُ: فَلَا تتبعوا الْهوى بِأَن تعدلوا، أَي: لِتَكُونُوا عادلين، كَمَا يُقَال: لَا تعص فترضى رَبك، وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا تتبعوا الْهوى لتميلوا من الْحق إِلَى الْبَاطِل ﴿وَإِن تلووا﴾ وَهِي من اللي قَالَ الشَّاعِر:
(وَكنت داينت بِهِ حسانا ... مَخَافَة الإفلاس والليانا)
وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه خطاب للحكام، وَمعنى ﴿وَإِن تلووا﴾ أَي: تميلوا إِلَى أحد الْخَصْمَيْنِ، أَو تعرضوا عَنهُ.
وَالثَّانِي وَهُوَ قَول أَكثر الْمُفَسّرين أَنه خطاب للشُّهُود، واللي مِنْهُم: تَحْرِيف الشَّهَادَة " والإعراض: كتمان الشَّهَادَة وَالْأول: قَول ابْن عَبَّاس، وَأما الْقِرَاءَة الثَّانِيَة: " وَإِن تلوا " فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن أَصله: " وَإِن تلووا " فإدخلت إِحْدَى الواوين فِي الْأُخْرَى تَخْفِيفًا، وَالْمعْنَى مَا بَينا، وَالثَّانِي: أَنه من الْولَايَة، يَعْنِي: وَإِن تلوا الْقيام بأَدَاء الشَّهَادَة ﴿أَو تعرضوا﴾ فتتركوا أَدَاء الشَّهَادَة ﴿فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ .
النساء 4:136
قَول تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله﴾ أَكثر الْمُفَسّرين عَليّ أَنه فِي الْمُؤمنِينَ، وَمَعْنَاهُ: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا آمنُوا، أَي اثبتوا على الْإِيمَان، كَمَا يُقَال: قف حَتَّى أرجع إِلَيْك للرجل الْوَاقِف أَي: أثبت وَاقِفًا.
وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ خطاب لِلْمُنَافِقين، وَمَعْنَاهُ: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا بِاللِّسَانِ آمنُوا بِالْقَلْبِ، وَقَالَ الضَّحَّاك وَهُوَ رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَن ابْن عَبَّاس: هُوَ خطاب لأهل الْكتاب، وَمَعْنَاهُ: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا بمُوسَى وَعِيسَى آمنُوا بِمُحَمد ﴿وَالْكتاب الَّذِي نزل على رَسُوله﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿وَالْكتاب الَّذِي أنزل من قبل﴾ يَعْنِي: الْكتب الْمنزلَة من قبل الْقُرْآن.
﴿وَمن يكفر بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر فقد ضل ضلالا بَعيدا﴾ أَي: بَعيدا عَن الْحق.
النساء 4:137
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا ثمَّ كفرُوا ثمَّ آمنُوا ثمَّ كفرُوا ثمَّ ازدادوا كفرا﴾ قَالَ قَتَادَة: هَذَا فِي الْيَهُود، آمنُوا بمُوسَى، ثمَّ كفرُوا بِهِ بِعبَادة الْعجل، ثمَّ آمنُوا بمُوسَى بِالتَّوْبَةِ، ثمَّ كفرُوا بِعِيسَى، ثمَّ ازدادوا كفرُوا بِمُحَمد، وَقيل: هُوَ فِي جَمِيع أهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى؛ آمنُوا بِنَبِيِّهِمْ، ثمَّ كفرُوا بِهِ، وآمنوا بِكِتَابِهِمْ، ثمَّ كفرُوا بِهِ ثمَّ ازدادوا كفرا بِمُحَمد. وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ فِي قوم مرتدين آمنُوا، ثمَّ ارْتَدُّوا، ثمَّ آمنُوا ثمَّ ارْتَدُّوا.
وَمثل هَذَا هَل تقبل تَوْبَته؟
قَالَ عَليّ: لَا تقبل تَوْبَته؛ فَإِنَّهُ إِذا آمن، ثمَّ كفر، ثمَّ آمن، ثمَّ كفر، فَلَو أَرَادَ أَن يُؤمن لَا يقبل مِنْهُ، وَيقتل؛ لقَوْله - تَعَالَى -: ﴿لم يكن الله ليغفر لَهُم﴾ .
وَأكْثر أهل الْعلم على أَنه: تقبل تَوْبَته، وَيحْتَمل أَن تكون الْآيَة فِي الْمُنَافِقين، وَقوم من أهل الْكتاب، كَانُوا يُؤمنُونَ بِاللِّسَانِ، ثمَّ يرجعُونَ إِلَى الْكفْر، ثمَّ يأْتونَ، فيؤمنون، ثمَّ يرجعُونَ إِلَى الْكفْر.
﴿لم يكن الله ليغفر لَهُم﴾ فَإِن قيل: أيش معنى قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لم يكن الله ليغفر لَهُم﴾ ، وَمَعْلُوم أَن الله لَا يغْفر الْكفْر؟ قيل: أجَاب النقاش فِي تَفْسِيره أَن مَعْنَاهُ: أَن الْكَافِر إِذا أسلم، يغْفر لَهُ كفره السَّابِق، فَهَذَا الَّذِي أسلم، ثمَّ كفر ثمَّ أسلم، ثمَّ كفر، لَا يغْفر كفره السَّابِق الَّذِي كَانَ يغْفر لَو ثَبت على الْإِسْلَام ﴿وَلَا يهْدِيهم سَبِيلا﴾ أَي: طَرِيقا إِلَى الْحق.
النساء 4:138
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿بشر الْمُنَافِقين بِأَن لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ فَإِن قيل: مَا معنى الْبشَارَة بِالْعَذَابِ الْأَلِيم؟ قيل: أصل الْبشَارَة: كل خبر تَتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه، سارا كَانَ أم مَكْرُوها، لكنه فِي الْغَالِب إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الْخَبَر السار، فَإِذا اسْتعْمل فِي الْخَبَر السيء كَانَ على الأَصْل، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: ضع هَذَا مَوضِع الْبشَارَة، كَمَا تَقول الْعَرَب: تحيتك السَّوْط، وعقابك السَّيْف.
يعْنى: وضعت السَّوْط مَعَ التَّحِيَّة، قَالَ الشَّاعِر:
(وخيل قد دلفت بهَا لخيل ... تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع)
النساء 4:139
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الَّذين يتخذون الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ﴾ هَذَا فِي الْمُنَافِقين، كَانُوا يوالون الْكفَّار، ويظنون أَن النُّصْرَة وَالْغَلَبَة لَهُم ﴿أيبتغون عِنْدهم الْعِزَّة﴾ يعْنى: أيطلبون عِنْدهم الْقُوَّة وَالْغَلَبَة ﴿فَإِن الْعِزَّة لله جَمِيعًا﴾ أَي: الْقُوَّة وَالْغَلَبَة كلهَا لله - تَعَالَى -.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد نرى فِي بعض الْأَحْوَال الْغَلَبَة للْكفَّار؛ فَمَا معنى قَوْله: ﴿فَإِن الْعِزَّة لله جَمِيعًا﴾ ؟ قيل: مَعْنَاهُ: أَن المقوى هُوَ الله - تَعَالَى - فِي الْأَحْوَال كلهَا.
وَقيل: مَعْنَاهُ: الْغَلَبَة بِالْحجَّةِ لله جَمِيعًا.
النساء 4:140
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا ويستهزأ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلهم﴾ .
هَذَا إِشَارَة إِلَى مَا أنزل فِي سُورَة الْأَنْعَام ﴿وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم ... .﴾ الْآيَة. نهى عَن الْقعُود مَعَهم، وَمَا حكم الْقعُود مَعَهم؟ أما إِذا قعد مَعَهم ... ورضى بِمَا يَخُوضُونَ فِيهِ، فَهُوَ كَافِر مثلهم، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿إِنَّكُم إِذا مثلهم﴾ . وَإِن قعد، وَلم يرض بِمَا يَخُوضُونَ فِيهِ، فَالْأولى أَن لَا يقْعد، وَلَكِن لَو قعد كَارِهًا، فَلَا يكفر، وَهَذَا هُوَ الحكم فِي كل بِدعَة يخاض فِيهَا، فَلَو تركُوا الْخَوْض فِيهِ وخاضوا فِي حَدِيث غَيره، فَلَا بَأْس بالقعود مَعَهم وَإِن كره؛ لقَوْله ﴿حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره﴾ قَالَ الْحسن: وَإِن خَاضُوا فِي حَدِيث غَيره لَا يجوز الْقعُود مَعَهم؛ لقَوْله فِي سُورَة الْأَنْعَام: ﴿وَإِمَّا ينسينك الشَّيْطَان فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه يجوز، وَآيَة الْأَنْعَام مَكِّيَّة وَهَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة، والمتأخر أولى.
{إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا
النساء 4:141
الَّذين يتربصون بكم) يعْنى: الْمُنَافِقين ينتظرون أَمركُم (فَإِن كَانَ لكم فتح من الله) يعْنى: ظفر ﴿قَالُوا ألم نَكُنْ مَعكُمْ﴾ يعْنى: كُنَّا مَعكُمْ، فاجعلوا لنا نَصِيبا من الْغَنِيمَة ﴿وَإِن كَانَ للْكَافِرِينَ نصيب﴾ يعْنى: وَإِن كَانَت الْقُوَّة للْكَافِرِينَ ﴿قَالُوا ألم نستحوذ عَلَيْكُم ونمنعكم من الْمُؤمنِينَ) الاستحواذ: الِاسْتِيلَاء وَالْغَلَبَة وَمِنْه قَوْله - تَعَالَى -: {استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان﴾ قَالَ الْمبرد: معنى هَذَا: قَالُوا: ألم نغلبكم على رَأْيكُمْ، ونمنعكم من الْمُؤمنِينَ، وَالدُّخُول فِي جُمْلَتهمْ، وتخذيل الْمُؤمنِينَ عَنْكُم.
وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: ألم نستول عَلَيْكُم بالنصرة لكم من جِهَة مراسلتنا إيَّاكُمْ بأخبار الْمُؤمنِينَ، وأمورهم، وتخذيلنا إيَّاهُم عَنْكُم. ( ﴿فَالله يحكم بَيْنكُم يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا) قَالَ على، وَابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ: فِي الْقِيَامَة، وَقيل: هُوَ سَبِيل الْحجَّة، أَي: لَا تكون الْحجَّة للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ أبدا.
النساء 4:142
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الْمُنَافِقين يخادعون الله وَهُوَ خادعهم﴾ يخادعون الله، أَي: يعاملون الله مُعَاملَة المخادعين حَيْثُ أظهرُوا الْإِيمَان، وأبطنوا الْكفْر، وَهُوَ خادعهم، أَي: يعاملهم مُعَاملَة المخادعين، وَذَلِكَ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه حكم بإيمَانهمْ فِي الظَّاهِر، وكفرهم فِي الْبَاطِن، كَمَا فعلوا هم وَالثَّانِي: أَنه فِي الْقِيَامَة يعطيهم نورا، كَمَا يعْطى الْمُؤمنِينَ، ثمَّ إِذا كَانُوا على الصِّرَاط طفئ نورهم، وَذهب الْمُؤْمِنُونَ بنورهم، وَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَهُوَ خادعهم﴾ وَقيل: مَعْنَاهُ: يخادعون رَسُول الله، وَهُوَ خادعهم، أَي: يجازيهم على مخادعتهم الرَّسُول، وسمى الثَّانِي خداعا على الازدواج، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَفِي حَدِيث عدى بن حَاتِم أَن النَّبِي قَالَ: " يُؤْتى بناس من النَّاس يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الْجنَّة، حَتَّى إِذا دنوا مِنْهَا، واستنشقوا رائحتها، وَرَأَوا فِيهَا من النَّعيم، يَأْمر الله - تَعَالَى - بصرفهم عَنْهَا، فيرجعون بحسرة مَا رَجَعَ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ بِمِثْلِهَا، فَيَقُولُونَ: يَا رب، لَو أدخلتنا النَّار قبل أَن ترينا مَا أريتنا كَانَ أَهْون علينا، فَيَقُول الله - تَعَالَى -: ذَاك أردْت لكم، وكنتم إِذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وَإِذا لَقِيتُم النَّاس، لقيتموهم مخبتين، هبتم النَّاس وَلم تهابوني، أجللتم النَّاس، وَلم تجلوني، تركْتُم للنَّاس، وَلم تتركوا لي؛ فاليوم أذيقكم الْعَذَاب، مَعَ مَا حرمتم من الثَّوَاب ".
وَقَوله: ﴿وَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى﴾ يعْنى: متثاقلين، وَهَذَا دأب الْمُنَافِقين؛ لقلَّة الدَّوَاعِي لَهُم، وَأما الْمُؤمنِينَ ينشطون إِلَى الْقيام إِلَى الصَّلَاة؛ لِكَثْرَة الدَّوَاعِي لَهُم، ﴿يراءون النَّاس﴾ أَي: يعْملُونَ مَا يعْملُونَ، مراءه للنَّاس، لَا اتبَاعا لأمر الله.
وَاعْلَم أَن الرِّيَاء لَا يُوجب الْكفْر، وَهُوَ عيب عَظِيم، وَأما النِّفَاق كفر مَحْض.
﴿وَلَا يذكرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا﴾ قَالَ الْحسن: لِأَنَّهُ لما لم يتَقَبَّل عَمَلهم، كَانَ قَلِيلا
النساء 4:143
﴿مذبذبين بَين ذَلِك﴾ أَي: متذبذبين وَكَذَلِكَ قَرَأَ أَبى بن كَعْب، وَمَعْنَاهُ: مضطربين متحيرين ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ ، يعْنى: لَا إِلَى الْكفَّار بالتصريح بالشرك، وَلَا إِلَى الْمُؤمنِينَ باعتقاد الْإِيمَان.
وروى ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مثل الْمُنَافِق كَمثل الشَّاة العائرة بَين ربيضين، إِن جَاءَت إِلَى هَذِه، نطحتها، وَإِن جَاءَت إِلَى هَذِه نطحتها " ﴿وَمن يضلل الله فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا﴾ أَي: وَمن يضلله الله، فَلَنْ تَجِد لَهُ طَرِيقا إِلَى الْحق.
النساء 4:144
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ) فِي الْآيَة نهى عَن مُوالَاة الْمُؤمنِينَ مَعَ الْكفَّار {أتريدون أَن تجْعَلُوا لله عَلَيْكُم سُلْطَانا مُبينًا﴾ السُّلْطَان: الْحجَّة، وَمِنْه يُقَال: للأمير سُلْطَان؛ لِأَنَّهُ ذُو الْحجَّة، وَمَعْنَاهُ: أتريدون أَن تجْعَلُوا لله عَلَيْكُم حجَّة بَيِّنَة فِي عذابكم، بِحَيْثُ لَا يبْقى لكم عذر عِنْده؟ ! .
النساء 4:145
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ وَيقْرَأ: " فِي الدَّرك " بجزم الرَّاء - قَالَ أَبُو عبيده، والأخفش: النَّار دركات، وَالْجنَّة دَرَجَات، قَالَ أهل الْعلم: يجوز أَن يكون فِرْعَوْن وهامان أَشد عذَابا من الْمُنَافِقين، وَإِن كَانَ المُنَافِقُونَ فِي الدَّرك الْأَسْفَل. قَالَ ابْن مَسْعُود: الدَّرك الْأَسْفَل: تَابُوت من حَدِيد مقفل عَلَيْهِم، وَقيل: تَابُوت من النَّار. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: والدرك الْأَسْفَل: بَيت مطبق عَلَيْهِم، تتوقد النَّار فِيهِ من فَوْقهم، وَمن تَحْتهم ﴿وَلنْ تَجِد لَهُم نَصِيرًا﴾ مَانِعا من الْعَذَاب.
النساء 4:146
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ أَي: أَسْلمُوا ﴿وَأَصْلحُوا﴾ أَي: داموا على التَّوْبَة ﴿واعتصموا بِاللَّه﴾ الِاعْتِصَام: هُوَ الِامْتِنَاع بالشَّيْء مِمَّا يخَاف، فالاعتصام بِاللَّه: هُوَ الِامْتِنَاع بِطَاعَتِهِ من كل مَا يخَاف عَاجلا، وآجلا ﴿وَأَخْلصُوا دينهم لله﴾ شَرط الْإِخْلَاص بِالْقَلْبِ؛ لِأَن الْآيَة فِي الْمُنَافِقين، والنفاق: كفر الْقلب، فزواله بالإخلاص ﴿فَأُولَئِك مَعَ الْمُؤمنِينَ وسوف يُؤْت الله الْمُؤمنِينَ أجرا عَظِيما﴾ ، وَإِنَّمَا لم يقل: فَأُولَئِك هم الْمُؤْمِنُونَ، وسوف يُؤْتِيهم الله أجرا عَظِيما؛ غيظا على الْمُنَافِقين.
النساء 4:147
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿مَا يفعل الله بعذابكم إِن شكرتم وآمنتم﴾ هَذَا اسْتِفْهَام بِمَعْنى التَّقْرِير، وَمَعْنَاهُ: لَا يعذب الله الْمُؤمن الشاكر، وَتَقْدِير قَوْله: ﴿إِن شكرتم وآمنتم﴾ أَي: إِن آمنتم وشكرتم، وَالشُّكْر ضد الْكفْر، وَالْكفْر: ستر النِّعْمَة وَالشُّكْر: إِظْهَار النِّعْمَة ﴿وَكَانَ الله شاكرا عليما﴾ الشُّكْر من الله قبُول الْعَمَل، وَمَعْنَاهُ: وَكَانَ الله قَابلا للطاعات، عليما بِالنِّيَّاتِ.
النساء 4:148
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إِلَّا من ظلم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: إِلَّا من ظلم، فَيجوز لَهُ أَن يجْهر بالسوء بالإخبار عَن ظلم الظَّالِم، وَالدُّعَاء عَلَيْهِ، قَالَ الْحسن: دعاؤه عَلَيْهِ: أَن يَقُول: اللَّهُمَّ اعني عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ استخرج حَقي مِنْهُ.
وَقيل: يجوز لَهُ أَن يشْتم، وَلَكِن بِمثل مَا شتم، لَا يزِيد عَلَيْهِ، بِمَا لم يكن قذفا، وَقد ورد فِي الحَدِيث: " السبتان بالسبة رَبًّا " قَالَ مُجَاهِد: هُوَ فِي الضَّيْف يَأْتِي قوما، فَلم يقروه، وَلم يحسنوا ضيافته، يجوز لَهُ أَن يجْهر بالسوء لَهُم.
وَيقْرَأ: " إِلَّا من ظلم " بِفَتْح الظَّاء وَاللَّام.
قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: إِلَّا من ظلم، فأجهر قَوْله بالسوء، وَقيل: هُوَ رَاجع إِلَى الْآيَة الْمُتَقَدّمَة، وَتَقْدِيره: مَا يفعل الله بعذابكم إِن شكرتم وآمنتم إِلَّا من ظلم وَقيل: هُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، يعْنى: لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل، لَكِن يجْهر بالسوء من ظلم ﴿وَكَانَ الله سميعا عليما﴾ سميعا لأقوالكم: عليما بنياتكم.
النساء 4:149
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن تبدوا خيرا أَو تُخْفُوهُ﴾ مَعْنَاهُ: إِن تبدوا شَيْئا من الصَّدقَات؛ ليقتدي بكم، أَو تُخْفُوهُ؛ مَخَافَة الرِّيَاء ﴿أَو تعفوا عَن سوء﴾ تصابون بِهِ ﴿فَإِن الله كَانَ عفوا قَدِيرًا﴾ .
النساء 4:150
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين يكفرون بِاللَّه وَرُسُله﴾ أَرَادَ بِهِ الْيَهُود لما كفرُوا بِمُحَمد فكأنهم كفرُوا بِاللَّه ﴿ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله﴾ يُرِيدُونَ أَن يُؤمنُوا بِاللَّه، ويكفروا بالرسول ﴿وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض﴾ يُؤمنُونَ بمُوسَى، ويكفرون بِعِيسَى، وَمُحَمّد ﴿ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا﴾ أَي: مذهبا يذهبون إِلَيْهِ.
النساء 4:151
﴿أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا﴾ إِنَّمَا حقق كفرهم، ليعلم أَنهم كفار مُطلقًا لِئَلَّا يظنّ ظان أَنهم لما آمنُوا بِاللَّه وَبَعض الرُّسُل لَا يكون كفرهم مُطلقًا ﴿اعتدنا للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾ .
النساء 4:152
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم أُولَئِكَ سَوف يُؤْتِيهم أُجُورهم﴾ إِنَّمَا سَمَّاهُ أجرا مجَازًا؛ لِأَنَّهُ ذكره بِإِزَاءِ الْعَمَل، لِأَن الْعَمَل يُوجِبهُ، وَهَذَا نَحْو قَوْله - تَعَالَى - فِي قصَّة مُوسَى: ﴿إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك أجر مَا سقيت لنا﴾ سَمَّاهُ أجرا على مُقَابلَة الْعَمَل؛ لِأَن مُوسَى عمل؛ ليؤجر عَلَيْهِ ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ .
النساء 4:153
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَسْأَلك أهل الْكتاب أَن تنزل عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء﴾ هم الْيَهُود، قَالُوا للنَّبِي لن نؤمن لَك حَتَّى تنزل علينا كتابا من السَّمَاء جملَة، كَمَا أنزلت التَّوْرَاة على مُوسَى جملَة.
قَالَ الْحسن: وَلم يكن ذَلِك سُؤال انقياد، وَإِنَّمَا ذَلِك سُؤال تحكم، واقتراح؛ فَإِنَّهُم لَو أنزل عَلَيْهِم الْكتاب جملَة، كَمَا سَأَلُوا؛ لم يُؤمنُوا، وَالله - تَعَالَى - لَا ينزل الْآيَات على اقتراح الْعباد، وَإِنَّمَا ينزلها على مَشِيئَته ﴿فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك﴾ أَي: أعظم من ذَلِك ﴿فَقَالُوا أرنا الله جهرة﴾ أَي: عيَانًا، وَذَلِكَ أَن الْعَرَب كَانَت تعد الْعلم بِالْقَلْبِ رُؤْيَة؛ فَقَالَ: ﴿جهرة﴾ ليعلم أَنه أَرَادَ العيان، وَقَالَ أَبُو عبيده: مَعْنَاهُ: فَقَالُوا جهرة: أرنا الله ﴿فَأَخَذتهم الصاعقة بظلمهم﴾ ، ﴿ثمَّ اتَّخذُوا الْعجل﴾ يعْنى: إِلَهًا ﴿من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات فعفونا عَن ذَلِك﴾ فِيهِ استدعاء للتَّوْبَة، وَمَعْنَاهُ: أَن أُولَئِكَ الَّذين اجترموا ذَلِك الإجرام، عَفَوْنَا عَنْهُم؛ فتوبوا أَنْتُم، حَتَّى نعفو عَنْكُم ﴿وآتينا مُوسَى سُلْطَانا مُبينًا﴾ حجَّة بَيِّنَة من المعجزات.
النساء 4:154
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ورفعنا فَوْقهم الطّور بميثاقهم﴾ الطّور: جبل الطّور، وَقيل: كل جبل ينْبت شَيْئا، فَهُوَ طور، فَإِن لم ينْبت، لَا يُسمى طورا، والميثاق: الْعَهْد الْمُؤَكّد بِالْيَمِينِ.
﴿وَقُلْنَا لَهُم ادخُلُوا الْبَاب سجدا﴾ قيل: إِنَّهُم سجدوا على أَنْصَاف وُجُوههم، حَتَّى دخلُوا الْبَاب، وَفِي الْقِصَّة: أَنهم قَالُوا: بِهَذَا السُّجُود رفع الْعَذَاب عَنَّا، فَلَا نَتْرُك هَذَا السُّجُود، وَكَانُوا يَسْجُدُونَ بعد ذَلِك على أَنْصَاف وُجُوههم.
﴿وَقُلْنَا لَهُم لَا تعدوا فِي السبت﴾ وَقَرَأَ نَافِع - بِرِوَايَة قَالُوا -: ﴿لَا تعدوا﴾ - بجزم الْعين، مُشَدّدَة الدَّال وَفِي رِوَايَة ورش عَنهُ ﴿لَا تعدوا﴾ - بِفَتْح الْعين مُشَدّدَة الدَّال وَمعنى الْكل: لَا يتعدوا فِي السبت ﴿وأخذنا مِنْهُم ميثاقا غليظا﴾ .
النساء 4:155
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم﴾ وَمَا للصلة، وَإِنَّمَا تدخل فِي الْكَلَام؛ لتفخيمه، وتجزيله ﴿وكفرهم بآيَات الله وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف﴾ قد ذكرنَا كل هَذَا ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ الطَّبْع: الْخَتْم، وَقَالَ لزجاج: جعل قُلُوبهم، كالمطبوع لَا يفلح، وَلَا يصلح أبدا، وَلَا يدخلهَا خير؛ فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا قَلِيلا
النساء 4:156
﴿وبكفرهم وَقَوْلهمْ على مَرْيَم بهتانا عَظِيما﴾ أَرَادَ بِهِ: نسبتهم مَرْيَم إِلَى الزِّنَا.
النساء 4:157
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَوْلهمْ إِنَّا قتلنَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ .
قيل: إِن الله - تَعَالَى - ألْقى شبه عِيسَى على الَّذِي دلهم عَلَيْهِ؛ فَقَتَلُوهُ وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا حبسوا عِيسَى فِي بَيت، وَجعلُوا عَلَيْهِ رقيبا، فَألْقى الله تَعَالَى شبه عِيسَى على الرَّقِيب؛ فَقَتَلُوهُ، وَقيل: إِنَّهُم مَا كَانُوا يعْرفُونَ عِيسَى بِعَيْنِه، وَكَانُوا يعرفونه باسمه، وَكَانُوا يطلبونه؛ فَقَالَ لَهُم يهوذا - وَهُوَ وَاحِد من أَصْحَاب عِيسَى -: أعطوني شَيْئا، أدلكم على عِيسَى؛ فَأَعْطوهُ ثَلَاثِينَ درهما؛ فدلهم على غَيره، فَقتلُوا ذَلِك الْغَيْر؛ فَهَذَا قَوْله: ﴿وَلَكِن شبه لَهُم﴾ ، ﴿وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ لفي شكّ مِنْهُ﴾ وَذَلِكَ أَن الرجل الَّذِي قَتَلُوهُ على ظن أَنه عِيسَى، كَانَ يُشبههُ بِوَجْهِهِ، وَلَا يُشبههُ بجسده، فَوَقع فيهم الِاخْتِلَاف، فَقَالَ بَعضهم: الَّذِي قَتَلْنَاهُ كَانَ عِيسَى، وَقَالَ بَعضهم: لم يكن عِيسَى. وَقيل: هُوَ الِاخْتِلَاف بَين عُلَمَائهمْ، وأغتامهم؛ فَإِن علماءهم كَانُوا يعلمُونَ أَنهم لم يصلبوا عِيسَى وَكَانَ عِنْد جهالهم وأغتامهم أَنهم قتلوا عِيسَى، ﴿وَمَا لَهُم بِهِ من علم﴾ يعْنى: من حَقِيقَة علم ﴿إِلَّا اتِّبَاع الظَّن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا﴾ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَوْله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ كَلَام تَامّ، وَقَوله: ﴿يَقِينا﴾ رَاجع إِلَى مَا بعد، وَتَقْدِيره: " بل رَفعه الله إِلَيْهِ يَقِينا، قَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: وَمَا قتلوا الَّذِي ظنُّوا أَنه عِيسَى يَقِينا أَنه عِيسَى، وَقيل: الْهَاء كِنَايَة عَن عِيسَى، أَي: وَمَا قتلوا عِيسَى يَقِينا ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ .
النساء 4:158
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَوْلهمْ إِنَّا قتلنَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ .
قيل: إِن الله - تَعَالَى - ألْقى شبه عِيسَى على الَّذِي دلهم عَلَيْهِ؛ فَقَتَلُوهُ وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا حبسوا عِيسَى فِي بَيت، وَجعلُوا عَلَيْهِ رقيبا، فَألْقى الله تَعَالَى شبه عِيسَى على الرَّقِيب؛ فَقَتَلُوهُ، وَقيل: إِنَّهُم مَا كَانُوا يعْرفُونَ عِيسَى بِعَيْنِه، وَكَانُوا يعرفونه باسمه، وَكَانُوا يطلبونه؛ فَقَالَ لَهُم يهوذا - وَهُوَ وَاحِد من أَصْحَاب عِيسَى -: أعطوني شَيْئا، أدلكم على عِيسَى؛ فَأَعْطوهُ ثَلَاثِينَ درهما؛ فدلهم على غَيره، فَقتلُوا ذَلِك الْغَيْر؛ فَهَذَا قَوْله: ﴿وَلَكِن شبه لَهُم﴾ ، ﴿وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ لفي شكّ مِنْهُ﴾ وَذَلِكَ أَن الرجل الَّذِي قَتَلُوهُ على ظن أَنه عِيسَى، كَانَ يُشبههُ بِوَجْهِهِ، وَلَا يُشبههُ بجسده، فَوَقع فيهم الِاخْتِلَاف، فَقَالَ بَعضهم: الَّذِي قَتَلْنَاهُ كَانَ عِيسَى، وَقَالَ بَعضهم: لم يكن عِيسَى. وَقيل: هُوَ الِاخْتِلَاف بَين عُلَمَائهمْ، وأغتامهم؛ فَإِن علماءهم كَانُوا يعلمُونَ أَنهم لم يصلبوا عِيسَى وَكَانَ عِنْد جهالهم وأغتامهم أَنهم قتلوا عِيسَى، ﴿وَمَا لَهُم بِهِ من علم﴾ يعْنى: من حَقِيقَة علم ﴿إِلَّا اتِّبَاع الظَّن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا﴾ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَوْله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ كَلَام تَامّ، وَقَوله: ﴿يَقِينا﴾ رَاجع إِلَى مَا بعد، وَتَقْدِيره: " بل رَفعه الله إِلَيْهِ يَقِينا، قَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: وَمَا قتلوا الَّذِي ظنُّوا أَنه عِيسَى يَقِينا أَنه عِيسَى، وَقيل: الْهَاء كِنَايَة عَن عِيسَى، أَي: وَمَا قتلوا عِيسَى يَقِينا ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ .
النساء 4:159
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ مَعْنَاهُ: وَأَن من أهل الْكتاب أحدا إِلَّا ليؤمن بِهِ، وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ أَي: وَأَن مِنْكُم أحد.
وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: ﴿قبل مَوته﴾ قَالَ الْحسن - وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس -: إِنَّه كِنَايَة عَن الْكِتَابِيّ، وَقَالَ: مَا من كتابي من الْيَهُود، إِلَّا وَهُوَ يُؤمن بِعِيسَى قبل مَوته فِي وَقت الْيَأْس، حِين لَا يَنْفَعهُ، حَتَّى قيل لِابْنِ عَبَّاس: وَإِن مَاتَ حرقا أَو غرقا أَو هدما؟ قَالَ: نعم.
وَقَالَ قَتَادَة - وَهُوَ رِوَايَة أُخْرَى عَن ابْن عَبَّاس -: إِن " الْهَاء " كِنَايَة عَن عِيسَى، يعْنى: مَا من كتابي إِلَّا يُؤمن بِعِيسَى قبل موت عِيسَى، وَذَلِكَ حِين ينزل من السَّمَاء، وَقَالَ عِكْرِمَة: هَذَا فِي مُحَمَّد مَا من كتابي إِلَّا ويؤمن بِهِ قبل الْمَوْت، وَهَذَا قَول ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لم يجر ذكر مُحَمَّد فِي الْآيَة ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة يكون عَلَيْهِم شَهِيدا﴾ يعْنى: عِيسَى.
النساء 4:160
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فبظلم من الَّذين هادوا﴾ يعْنى: مَا ذكر من إجرامهم ﴿حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات أحلّت لَهُم﴾ هُوَ مَا ذكرنَا فِي سُورَة الْأَنْعَام {وعَلى الَّذين هادوا حرمنا كل ذِي ظفر) الْآيَة على مَا سَيَأْتِي {وبصدهم عَن سَبِيل الله كثيرا
النساء 4:161
وَأَخذهم الرِّبَا وَقد نهوا عَنهُ وأكلهم أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ) يعْنى: الرشا ﴿اعتدنا للْكَافِرِينَ مِنْهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ .
النساء 4:162
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَكِن الراسخون فِي الْعلم مِنْهُم﴾ لَكِن للإضراب عَن كَلَام، وَالدُّخُول فِي كَلَام آخر، ﴿والراسخون﴾ : المبالغون فِي الْعلم أولُوا البصائر فِيهِ، وَأَرَادَ بِهِ: الَّذين أَسْلمُوا من عُلَمَاء الْيَهُود: مثل عبد الله بن سَلام، وَيَمِين بن يَمِين، وَأسد وَأسيد ابْني كَعْب، وَجَمَاعَة ﴿والمؤمنون﴾ أَرَادَ بِهِ: الْمُهَاجِرين، وَالْأَنْصَار ﴿يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ يعْنى: الْقُرْآن ﴿وَمَا أنزل من قبلك﴾ يعْنى: سَائِر الْكتب الْمنزلَة ﴿والمقيمين الصَّلَاة﴾ فِي هَذَا إِشْكَال من حَيْثُ النَّحْو، قيل: إِن هَذَا ذكر لعَائِشَة، وَأَبَان بن عُثْمَان، فادعيا الْغَلَط على الْكَاتِب، وَقَالا: يَنْبَغِي أَن يكْتب: " والمقيمون الصَّلَاة " وَلَيْسَ هَكَذَا؛ بل هُوَ صَحِيح فِي النَّحْو، وَهُوَ نصب على الْمَدْح، وَتَقْدِيره: واذْكُرُوا المقيمين الصَّلَاة، أَو أعنى: المقيمين الصَّلَاة، وهم المؤتون الزَّكَاة، وَمثله قَول الشَّاعِر:
(النازلين بِكُل معترك ... والطيبون [معاقد] الأزر)
أَي: أعنى النازلين بِكُل معترك، وهم الطيبون معاقد الأزر؛ فَيكون نصبا على الْمَدْح، وَقيل تَقْدِيره: وَمَا أنزل على المقيمين الصَّلَاة، قَوْله: ﴿والمؤتون الزَّكَاة﴾ رُجُوع إِلَى نسق الأول ﴿والمؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أُولَئِكَ سنؤتيهم أجرا عَظِيما﴾ .
النساء 4:163
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده﴾ هَذَا بِنَاء على مَا [سبق] من قَوْله ﴿يَسْأَلك أهل الْكتاب أَن تنزل عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء﴾ يَقُول الله - تَعَالَى -: قد جعلناك رَسُولا بِالطَّرِيقِ الَّذِي [قد] جعلنَا سَائِر الْأَنْبِيَاء رسلًا، وَهُوَ الْوَحْي، ﴿وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَعِيسَى وَأَيوب وَيُونُس وَهَارُون وَسليمَان﴾ ذكر عدَّة من الرُّسُل الَّذين أوحى إِلَيْهِم.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم قدم ذكر عِيسَى، وَهُوَ مُتَأَخّر؟ قيل: " الْوَاو " لَا توجب التَّرْتِيب، وَإِنَّمَا هِيَ للْجمع، وَقيل: ذكره اهتماما بأَمْره، وَكَانَ أَمر عِيسَى أهم ﴿وآتينا دَاوُد زبورا﴾ قَرَأَ حَمْزَة: " زبورا " - بِضَم الزَّاي - فالزبور: فعول بِمَعْنى الْمَفْعُول، وَهُوَ الْكتاب الَّذِي أنزل الله - تَعَالَى - على دَاوُد، فِيهِ التَّحْمِيد، والتمجيد، وثناء الله - تَعَالَى -، وَالزَّبُور: الْكِتَابَة، والزبرة قِطْعَة الْحَدِيد، وَيُقَال: مَا لَهُ زبر أَي: مَا لَهُ عقل، وَأما الزبُور: جمع الزبر.
النساء 4:164
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ورسلا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل﴾ وَأَرْسَلْنَا رسلًا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ﴿ورسلا لم نقصصهم عَلَيْك وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ إِنَّمَا كَلمه بِنَفسِهِ من غير وَاسِطَة، وَلَا وَحي، وَفِيه دَلِيل على من قَالَ: إِن الله خلق كلَاما فِي الشَّجَرَة؛ فَسَمعهُ مُوسَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ قَالَ الْفراء، وثعلب: إِن الْعَرَب تسمى مَا توصل إِلَى الْإِنْسَان: كلَاما، بِأَيّ طَرِيق وصل إِلَيْهِ، وَلَكِن لَا تحَققه بِالْمَصْدَرِ، فَإِذا حقق الْكَلَام بِالْمَصْدَرِ، لم تكن إِلَّا حَقِيقَة الْكَلَام، وَهَذَا كالإرادة، يُقَال: أَرَادَ فلَان إِرَادَة، فَيكون حَقِيقَة الْإِرَادَة، وَلَا يُقَال: أَرَادَ الْجِدَار أَن يسْقط إِرَادَة، وَإِنَّمَا يُقَال: أَرَادَ الْجِدَار، من غير ذكر الْمصدر؛ لِأَنَّهُ مجَاز، فَلَمَّا حقق الله كَلَامه مُوسَى بالتكليم، عرف أَنه حَقِيقَة الْكَلَام من غير وَاسِطَة، قَالَ ثَعْلَب: وَهَذَا دَلِيل من قَول الْفراء أَنه مَا كَانَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن.
فَإِن قَالَ قَائِل: بِأَيّ شئ عرف مُوسَى أَنه كَلَام الله؟ قيل: بتعريف الله - تَعَالَى - إِيَّاه، وإنزال آيَة عرف مُوسَى بِتِلْكَ الْآيَة أَنه كَلَام الله - تَعَالَى -، وَهَذَا مَذْهَب أهل السّنة أَنه سمع كَلَام الله حَقِيقَة، بِلَا كَيفَ، وَقَالَ وَائِل بن دَاوُد: معنى قَوْله: ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ أَي: مرَارًا، كلَاما بعد كَلَام.
النساء 4:165
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين﴾ أَي: أرسلنَا رسلًا ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن الله - تَعَالَى - لَا يعذب الْخلق قبل بَعثه الرُّسُل، وَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب من قبله لقالوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى﴾ .
﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا﴾ أَي: مقتدرا على معاونة الْخلق (حكيما) ببعث الرُّسُل. وَفِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء أَنه قَالَ: " سَأَلت رَسُول الله عَن عدد الْأَنْبِيَاء فَقَالَ: مائَة وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا، فَقلت: كم الرُّسُل مِنْهُم؟ قَالَ: ثلثمِائة وَخَمْسَة عشر [جما غفيرا] ".
النساء 4:166
قَوْله - تَعَالَى - ﴿لَكِن الله يشْهد بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن قوما من عُلَمَاء الْيَهُود حَضَرُوا عِنْد النَّبِي، فَقَالَ لَهُم: " أَنْتُم تعلمُونَ أَنى رَسُول الله؟ فَقَالُوا: لَا نعلم ذَلِك؛ فَنزل قَوْله: ﴿لَكِن الله يشْهد بِمَا أنزل إِلَيْك أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ " أَي: مَعَ علمه، كَمَا يُقَال: جَاءَنِي فلَان بِسَيْفِهِ، أَي: مَعَ سَيْفه، وَفِيه دَلِيل على أَن لله علما، هُوَ صفته، خلاف قَول الْمُعْتَزلَة خذلهم الله.
﴿وَالْمَلَائِكَة يشْهدُونَ وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ فَإِن قيل: إِذا شهد الله لَهُ بالرسالة، فَأَي حَاجَة إِلَى شَهَادَة الْمَلَائِكَة؟ قيل: لِأَن الَّذين حَضَرُوا عِنْد النَّبِي، كَانَ عِنْدهم أَنهم عُلَمَاء الأَرْض؛ فَقَالُوا: نَحن عُلَمَاء الأَرْض، وَنحن ننكر رِسَالَتك، فَقَالَ الله تَعَالَى: إِن أنكرهُ عُلَمَاء الأَرْض، يشْهد بِهِ عُلَمَاء السَّمَاء، وهم الْمَلَائِكَة، على مُقَابلَة زعمهم وظنهم؛ لَا للْحَاجة إِلَى شَهَادَتهم؛ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ .
النساء 4:167
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله﴾ صدهم عَن سَبِيل الله كَانَ بكتمان نعت مُحَمَّد ﴿قد ضلوا ضلالا بَعيدا﴾ أَي: هَلَكُوا، والضلال: الْهَلَاك.
النساء 4:168
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين كفرُوا وظلموا﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَي معنى لقَوْله: ﴿وظلموا﴾ وَقد قَالَ: ﴿كفرُوا﴾ وظلمهم كفرهم؟ قيل: مَعْنَاهُ: كفرُوا بِاللَّه، وظلموا مُحَمَّدًا بكتمان نَعته.
وَقيل: ذكره تَأْكِيدًا ﴿لم يكن الله ليغفر لَهُم﴾ فِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الله - تَعَالَى - لَو غفر للْكَافِرِينَ أجمع، كَانَ يسع ذَلِك رَحمته، لكنه قطع القَوْل بِأَن لَا يغْفر لَهُم، ﴿وَلَا ليهديهم طَرِيقا﴾ يعْنى: الْإِسْلَام
النساء 4:169
﴿إِلَّا طَرِيق جَهَنَّم﴾ يعْنى: الْيَهُودِيَّة ﴿خَالِدين فِيهَا أبدا وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ .
النساء 4:170
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم الرَّسُول بِالْحَقِّ من ربكُم فآمنوا خيرا لكم﴾ تَقْدِيره: يكن الْإِيمَان خيرا لكم ﴿وَإِن تكفرُوا فَإِن لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ .
النساء 4:171
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ﴾ الغلو: مُجَاوزَة الْحَد، وَالْآيَة فِي النَّصَارَى، قَالَ الْحسن: يجوز أَن تكون فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى؛ فَإِنَّهُم غلوا فِي أَمر عِيسَى، أما الْيَهُود بالتقصير فِي حَقه، وَأما النَّصَارَى بمجاوزة الْحَد فِيهِ.
الغلو غير مَحْمُود فِي الدّين، روى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إيَّاكُمْ والغلو فِي الدّين؛ فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بالغلو ".
﴿وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته﴾ وَقد بَينا أَقْوَال الْعلمَاء فِي كَونه " كلمة " وَجُمْلَته ثَلَاثَة أقاويل: أَحدهَا: أَنه بكلمته، وَهِي قَوْله: كن، فَكَانَ، وَالثَّانِي: أَنه يَهْتَدِي بِهِ، كَمَا يَهْتَدِي بِكَلِمَة الله، الثَّالِث: كَلمته: بشارته الَّتِي بشر بهَا فِي الْكتب " يكون عِيسَى " فَهَذَا معنى قَوْله: ( ﴿وكلمته﴾ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ) وَفِي تَسْمِيَته " روحا " ثَلَاثَة أقاويل: أَحدهَا: أَنه كَانَ لَهُ روح كَسَائِر الْأَرْوَاح، إِلَّا أَن الله - تَعَالَى - أَضَافَهُ إِلَى نَفسه تَشْرِيفًا.
وَالثَّانِي: أَنه تحيا بِهِ الْقُلُوب، كَمَا تحيا الْأَبدَان بِالروحِ.
الثَّالِث: أَن الرّوح: هُوَ النفخ الَّذِي نفخ فِي مَرْيَم جِبْرِيل بِإِذن الله؛ فَسمى ذَلِك النفخ روحا.
(فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة) وَكَانَت النَّصَارَى يَقُولُونَ بِالثَّلَاثَةِ، كَانُوا يَقُولُونَ: ابْن، وآب، وروح الْقُدس، وَهَذَا معنى قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ وَقَوله: ﴿انْتَهوا خيرا لكم﴾ تَقْدِيره: يكن الِانْتِهَاء خيرا لكم.
﴿إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ولد﴾ وَاعْلَم أَن الله - تَعَالَى - كَمَا لَا يجوز لَهُ أَن يتَّخذ ولدا، لَا يجوز عَلَيْهِ التبني؛ فَإِن التبني إِنَّمَا يكون حَيْثُ يكون بِهِ الْوَلَد، فَإِذا لم يتَصَوَّر لله ولد وَلم يجز عَلَيْهِ التبني ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكفى بِاللَّه وَكيلا﴾ .
النساء 4:172
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله﴾ الاستنكاف: التكبر مَعَ الأنفة، وَمَعْنَاهُ: لن يأنف الْمَسِيح أَن يكون عبدا ﴿وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون﴾ وَاسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة من ذهب إِلَى تَفْضِيل الْمَلَائِكَة على الْبشر؛ لِأَن الله تَعَالَى ارْتقى من عِيسَى إِلَى الْمَلَائِكَة، وَلَيْسَ فِي الْآيَة مستدل، وَإِنَّمَا قَالَ: (وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون) [لَا] لِامْتِنَاع مكانهم ومقامهم على مقَام الْبشر، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك على مَا عِنْد النَّصَارَى، وَلَعَلَّه كَانَ عِنْدهم أَن الْمَلَائِكَة أفضل من الْبشر، فَقَالَ ذَلِك على مَا فِي زعمهم.
وَقَوله: ﴿وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ الْفرق بَين الاستنكاف والاستكبار: أَن الاستنكاف هُوَ التكبر مَعَ الأنفة، والاستكبار: هُوَ الغلو، والتكبر من غير أَنَفَة.
النساء 4:173
﴿فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله﴾ قيل: زِيَادَة فَضله: مَا لَا عين رَأَتْ، وَلَا أذن سَمِعت، وَلَا خطر على قلب بشر.
وَقيل: هُوَ الشَّفَاعَة، وَفِي الحَدِيث: " يشفع الصالحون يَوْم الْقِيَامَة لمن يعْرفُونَ ".
﴿وَأما الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذَابا أَلِيمًا وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾ .
النساء 4:174
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم برهَان من ربكُم﴾ قيل: هُوَ مُحَمَّد، على هَذَا أَكثر الْمُفَسّرين. وَقيل: هُوَ الْقُرْآن.
والبرهان فِي اللُّغَة: هُوَ الْحجَّة ﴿وأنزلنا إِلَيْكُم نورا مُبينًا﴾ هُوَ الْقُرْآن.
النساء 4:175
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل﴾ يعْنى الْجنَّة ﴿ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ .
النساء 4:176
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ روى عَن الْبَراء بن عَازِب أَنه قَالَ: آخر سُورَة أنزلت كَامِلَة: سُورَة بَرَاءَة، وَآخر آيَة أنزلت هَذِه الْآيَة.
﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا ترك وَأَن كَانُوا اخوة رجَالًا وَنسَاء فللذكر مثل حَظّ﴾
وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى: " أَن النَّبِي دخل على جَابر وَهُوَ مَرِيض، وَكَانَ قد أغمى عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاء وَتَوَضَّأ، ثمَّ رشه عَلَيْهِ، فأفاق، فَقَالَ جَابر: يَا رَسُول الله، مَاذَا أصنع فِي مَالِي، وَإِنَّمَا ترثني كَلَالَة؟ فَنزلت الْآيَة "، وَقد سبق الْكَلَام فِي الْكَلَالَة.
وَتلك الْآيَة فِي تَوْرِيث الاخوة وَالْأَخَوَات من الْأُم، وَهَذِه الْآيَة فِي تَوْرِيث الاخوة وَالْأَخَوَات من الْأَب وَالأُم، وَمن الْأَب ﴿إِن امْرُؤ هلك لَيْسَ لَهُ ولد﴾ تَقْدِيره: لَيْسَ لَهُ ولد، وَلَا وَالِد، وعَلى هَذَا أَكثر الْعلمَاء، أَن الْكَلَالَة: هَذَا، وَأَن الْأُخوة وَالْأَخَوَات لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَب، إِلَّا مَا يحْكى عَن عمر - رضى الله عَنهُ -: أَنه ورثهم مَعَ الْأَب، وَقد سبق.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ لَهُ ولد﴾ أَرَادَ بِهِ: الذّكر، وعَلى هَذَا أَكثر الْعلمَاء: أَن الاخوة وَالْأَخَوَات إِنَّمَا لَا يَرِثُونَ مَعَ الابْن، ويرثون مَعَ الْبِنْت، وَحكى عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ دَاوُد وَأهل الظَّاهِر -: أَن الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات لَا يَرِثُونَ مَعَ الْبِنْت، تمسكا بِظَاهِر الْآيَة، وَقد بَينا أَن المُرَاد بِهِ: الابْن، وَالْآيَة فِي نفي الْفَرْض مَعَ الْوَلَد وَعِنْدنَا: إِنَّمَا يَرِثُونَ بِالتَّعْصِيبِ، فَإِن الْأَخَوَات مَعَ الْبَنَات عصبَة.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَله أُخْت فلهَا نصف مَا ترك وَهُوَ يَرِثهَا إِن لم يكن لَهَا ولد فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا ترك وَإِن كَانُوا اخوة رجَالًا وَنسَاء فللذكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ يبين الله لكم أَن تضلوا﴾ .
قَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: يبين الله لكم أَن لَا تضلوا، وَهُوَ قَول أبي عبيده، قَالَ أَبُو عبيده: وَذكر الْكسَائي حَدِيثا فِي مَعْنَاهُ؛ فأعجبه ذَلِك، وَذَلِكَ مَا روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا يدعونَ أحدكُم على ابْنه أَن يُوَافق قدرا " أَي: أَن لَا يُوَافق قدرا.
وَقَالَ البصريون: مَعْنَاهُ: يبين الله لكم كَرَاهِيَة أَن تضلوا ﴿وَالله بِكُل شئ عليم﴾ .
وَالله أعلم، صدق الله وَصدق رَسُول الله وعَلى آله أَجْمَعِينَ.