Lafzullah

Tafsir Al-Sam'ani — المائدة 5:1 – الأنعام 6:165

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Sam'ani

المحتويات
  1. المائدة 5:1
  2. المائدة 5:2
  3. المائدة 5:3
  4. المائدة 5:4
  5. المائدة 5:5
  6. المائدة 5:6
  7. المائدة 5:7
  8. المائدة 5:8
  9. المائدة 5:9
  10. المائدة 5:10
  11. المائدة 5:11
  12. المائدة 5:12
  13. المائدة 5:13
  14. المائدة 5:14
  15. المائدة 5:15
  16. المائدة 5:16
  17. المائدة 5:17
  18. المائدة 5:18
  19. المائدة 5:19
  20. المائدة 5:20
  21. المائدة 5:21
  22. المائدة 5:22
  23. المائدة 5:23
  24. المائدة 5:24
  25. المائدة 5:25
  26. المائدة 5:26
  27. المائدة 5:27
  28. المائدة 5:28
  29. المائدة 5:29
  30. المائدة 5:30
  31. المائدة 5:31
  32. المائدة 5:32
  33. المائدة 5:33
  34. المائدة 5:34
  35. المائدة 5:35
  36. المائدة 5:36
  37. المائدة 5:37
  38. المائدة 5:38
  39. المائدة 5:39
  40. المائدة 5:40
  41. المائدة 5:41
  42. المائدة 5:42
  43. المائدة 5:43
  44. المائدة 5:44
  45. المائدة 5:45
  46. المائدة 5:46
  47. المائدة 5:47
  48. المائدة 5:48
  49. المائدة 5:49
  50. المائدة 5:50
  51. المائدة 5:51
  52. المائدة 5:52
  53. المائدة 5:53
  54. المائدة 5:54
  55. المائدة 5:55
  56. المائدة 5:56
  57. المائدة 5:57
  58. المائدة 5:58
  59. المائدة 5:59
  60. المائدة 5:60
  61. المائدة 5:61
  62. المائدة 5:62
  63. المائدة 5:63
  64. المائدة 5:64
  65. المائدة 5:65
  66. المائدة 5:66
  67. المائدة 5:67
  68. المائدة 5:68
  69. المائدة 5:69
  70. المائدة 5:70
  71. المائدة 5:71
  72. المائدة 5:72
  73. المائدة 5:73
  74. المائدة 5:74
  75. المائدة 5:75
  76. المائدة 5:76
  77. المائدة 5:77
  78. المائدة 5:78
  79. المائدة 5:79
  80. المائدة 5:80
  81. المائدة 5:81
  82. المائدة 5:82
  83. المائدة 5:83
  84. المائدة 5:84
  85. المائدة 5:85
  86. المائدة 5:86
  87. المائدة 5:87
  88. المائدة 5:88
  89. المائدة 5:89
  90. المائدة 5:90
  91. المائدة 5:91
  92. المائدة 5:92
  93. المائدة 5:93
  94. المائدة 5:94
  95. المائدة 5:95
  96. المائدة 5:96
  97. المائدة 5:97
  98. المائدة 5:98
  99. المائدة 5:99
  100. المائدة 5:100
  101. المائدة 5:101
  102. المائدة 5:102
  103. المائدة 5:103
  104. المائدة 5:104
  105. المائدة 5:105
  106. المائدة 5:106
  107. المائدة 5:107
  108. المائدة 5:108
  109. المائدة 5:109
  110. المائدة 5:110
  111. المائدة 5:111
  112. المائدة 5:112
  113. المائدة 5:113
  114. المائدة 5:114
  115. المائدة 5:115
  116. المائدة 5:116
  117. المائدة 5:117
  118. المائدة 5:118
  119. المائدة 5:119
  120. المائدة 5:120
  121. الأنعام 6:1
  122. الأنعام 6:2
  123. الأنعام 6:3
  124. الأنعام 6:4
  125. الأنعام 6:5
  126. الأنعام 6:6
  127. الأنعام 6:7
  128. الأنعام 6:8
  129. الأنعام 6:9
  130. الأنعام 6:10
  131. الأنعام 6:11
  132. الأنعام 6:12
  133. الأنعام 6:13
  134. الأنعام 6:14
  135. الأنعام 6:15
  136. الأنعام 6:16
  137. الأنعام 6:17
  138. الأنعام 6:18
  139. الأنعام 6:19
  140. الأنعام 6:20
  141. الأنعام 6:21
  142. الأنعام 6:22
  143. الأنعام 6:23
  144. الأنعام 6:24
  145. الأنعام 6:25
  146. الأنعام 6:26
  147. الأنعام 6:27
  148. الأنعام 6:28
  149. الأنعام 6:29
  150. الأنعام 6:30
  151. الأنعام 6:31
  152. الأنعام 6:32
  153. الأنعام 6:33
  154. الأنعام 6:34
  155. الأنعام 6:35
  156. الأنعام 6:36
  157. الأنعام 6:37
  158. الأنعام 6:38
  159. الأنعام 6:39
  160. الأنعام 6:40
  161. الأنعام 6:41
  162. الأنعام 6:42
  163. الأنعام 6:43
  164. الأنعام 6:44
  165. الأنعام 6:45
  166. الأنعام 6:46
  167. الأنعام 6:47
  168. الأنعام 6:48
  169. الأنعام 6:49
  170. الأنعام 6:50
  171. الأنعام 6:51
  172. الأنعام 6:52
  173. الأنعام 6:53
  174. الأنعام 6:54
  175. الأنعام 6:55
  176. الأنعام 6:56
  177. الأنعام 6:57
  178. الأنعام 6:58
  179. الأنعام 6:59
  180. الأنعام 6:60
  181. الأنعام 6:61
  182. الأنعام 6:62
  183. الأنعام 6:63
  184. الأنعام 6:64
  185. الأنعام 6:65
  186. الأنعام 6:66
  187. الأنعام 6:67
  188. الأنعام 6:68
  189. الأنعام 6:69
  190. الأنعام 6:70
  191. الأنعام 6:71
  192. الأنعام 6:72
  193. الأنعام 6:73
  194. الأنعام 6:74
  195. الأنعام 6:75
  196. الأنعام 6:76
  197. الأنعام 6:77
  198. الأنعام 6:78
  199. الأنعام 6:79
  200. الأنعام 6:80
  201. الأنعام 6:81
  202. الأنعام 6:82
  203. الأنعام 6:83
  204. الأنعام 6:84
  205. الأنعام 6:85
  206. الأنعام 6:86
  207. الأنعام 6:87
  208. الأنعام 6:88
  209. الأنعام 6:89
  210. الأنعام 6:90
  211. الأنعام 6:91
  212. الأنعام 6:92
  213. الأنعام 6:93
  214. الأنعام 6:94
  215. الأنعام 6:95
  216. الأنعام 6:96
  217. الأنعام 6:97
  218. الأنعام 6:98
  219. الأنعام 6:99
  220. الأنعام 6:100
  221. الأنعام 6:101
  222. الأنعام 6:102
  223. الأنعام 6:103
  224. الأنعام 6:104
  225. الأنعام 6:105
  226. الأنعام 6:106
  227. الأنعام 6:107
  228. الأنعام 6:108
  229. الأنعام 6:109
  230. الأنعام 6:110
  231. الأنعام 6:111
  232. الأنعام 6:112
  233. الأنعام 6:113
  234. الأنعام 6:114
  235. الأنعام 6:115
  236. الأنعام 6:116
  237. الأنعام 6:117
  238. الأنعام 6:118
  239. الأنعام 6:119
  240. الأنعام 6:120
  241. الأنعام 6:121
  242. الأنعام 6:122
  243. الأنعام 6:123
  244. الأنعام 6:124
  245. الأنعام 6:125
  246. الأنعام 6:126
  247. الأنعام 6:127
  248. الأنعام 6:128
  249. الأنعام 6:129
  250. الأنعام 6:130
  251. الأنعام 6:131
  252. الأنعام 6:132
  253. الأنعام 6:133
  254. الأنعام 6:134
  255. الأنعام 6:135
  256. الأنعام 6:136
  257. الأنعام 6:137
  258. الأنعام 6:138
  259. الأنعام 6:139
  260. الأنعام 6:140
  261. الأنعام 6:141
  262. الأنعام 6:142
  263. الأنعام 6:143
  264. الأنعام 6:144
  265. الأنعام 6:145
  266. الأنعام 6:146
  267. الأنعام 6:147
  268. الأنعام 6:148
  269. الأنعام 6:149
  270. الأنعام 6:150
  271. الأنعام 6:151
  272. الأنعام 6:152
  273. الأنعام 6:153
  274. الأنعام 6:154
  275. الأنعام 6:155
  276. الأنعام 6:156
  277. الأنعام 6:157
  278. الأنعام 6:158
  279. الأنعام 6:159
  280. الأنعام 6:160
  281. الأنعام 6:161
  282. الأنعام 6:162
  283. الأنعام 6:163
  284. الأنعام 6:164
  285. الأنعام 6:165

المائدة 5:1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم غير﴾ تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة القَوْل فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة قَالَ الشَّيْخ الإِمَام - رَضِي الله عَنهُ - سُورَة الْمَائِدَة مَدَنِيَّة كلهَا إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ فَإِنَّهُ نزل بِعَرَفَات على مَا سنبين، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: كلهَا محكمَة لم ينْسَخ مِنْهَا شَيْء. وَقَالَ الشّعبِيّ: لم ننسخ مِنْهَا شَيْء. إِلَّا قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحلوا شَعَائِر الله﴾ على مَا سنبين. وروى عَن أبي ميسرَة أَنه قَالَ: أنزل الله - تَعَالَى - فِي هَذِه السُّورَة ثَمَانِيَة عشر حكما لم ينزلها فِي سَائِر الْقُرْآن. قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ قد ذكرنَا أَن كل مَا فِي الْقُرْآن من قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فَإِنَّمَا نزل بِالْمَدِينَةِ، وكل مَا نزل من قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ فَإِنَّمَا أنزل بِمَكَّة، وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: إِذا سَمِعت الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فارعه سَمعك، فَإِنَّهُ خير تُؤمر بِهِ أَو سوء تنْهى عَنهُ. وَقَوله: ﴿أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ يُقَال: " أوفى " و " وفى " بِمَعْنى وَاحِد، وَأما الْعُقُود: قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة الْوَالِبِي، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: أَرَادَ بِالْعُقُودِ: مَا أحل الله وَحرم، وَفرض وحد. وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِالْعُقُودِ: العهود، وَقيل الْفرق بَين العقد والعهد: أَن الْعَهْد: هُوَ الْأَمر بالشَّيْء، وَيُقَال: عهِدت إِلَى فلَان كَذَا، أَي: أَمرته بِهِ، وَالْعقد: هُوَ الْأَمر مَعَ الإستيثاق، وَيدخل فِي الْعُقُود النذور، وَسَائِر الْعُقُود اللَّازِمَة يجب الْوَفَاء بِكُل إِلَّا الْيَمين على شَيْء مُبَاح، لَا يجب الْوَفَاء بِهِ؛ للسّنة، وَهِي مَا روى عَن رَسُوله الله أَنه قَالَ: " من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا؛ فليكفر عَن يَمِينه، وليأت الَّذِي هُوَ خير ". قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ قَالَ الْحسن: أَرَادَ بِهِ الْإِبِل، وَالْبَقر وَالْغنم، وَحكى قطرب عَن يُونُس: هِيَ الْإِبِل، وَالْبَقر، وَالْغنم، وَالْخَيْل والبراذين، وروى الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: بَهِيمَة الْأَنْعَام وَهِي: بقر الْوَحْش، وحمر الْوَحْش، وظباء الْوَحْش، - وَسميت الْبَهِيمَة بَهِيمَة لاستبهام فِيهَا، حَيْثُ لَا نطق لَهَا يفهم، وَبِذَلِك سميت عجماء أَيْضا. وَالْمرَاد: ببهيمة الْأَنْعَام: هِيَ الْأَنْعَام، لَكِن أَضَافَهُ إِلَى نَفسه، كَمَا يُقَال: نفس الْإِنْسَان، وَحقّ الْيَقِين، وَنَحْو ذَلِك، وروى قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: بَهِيمَة الْأَنْعَام: هِيَ الأجنة: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي مَا ذكر فِي قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ ﴿غير محلى الصَّيْد﴾ قيل هُوَ نصب على الِاسْتِثْنَاء، وَقيل على الْحَال ويعنى " لَا محلي الصَّيْد " كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿غير ناظرين إناه﴾ أَي: لَا ناظرين إناه، ﴿وَأَنْتُم حرم﴾ فِيهِ تَحْرِيم الصَّيْد فِي حَال الْإِحْرَام ﴿إِن الله يحكم مَا يُرِيد﴾ .

المائدة 5:2

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحلوا شَعَائِر الله﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الشعائر الْهَدَايَا المشعرة، وَهِي المعلمة بالإشعار، وَكَانُوا (ينخسون) شَيْئا فِي سَنَام الْبَعِير حَتَّى يتطلخ بِالدَّمِ، فَذَلِك إِشْعَار الْهدى، وَهُوَ سنة، وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بالشعائر ﴿شَعَائِر الله وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام يَبْتَغُونَ﴾ مشاعر الْحرم من الصَّفَا والمروة وَغَيرهمَا، وَالْمرَاد بِهِ النَّهْي عَن الْقَتْل فِي الْحرم. ﴿وَلَا الشَّهْر الْحَرَام﴾ قَالَ عِكْرِمَة: أَرَادَ بِهِ: ذَا الْقعدَة، وَقَالَ غَيره: رَجَب، وَقيل: هُوَ عبارَة عَن جَمِيع الْأَشْهر الْحرم، وَقَوله: ﴿وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد﴾ فالهدي: جمع الْهَدِيَّة، وَالْمرَاد بِهِ: إبل الْهَدْي، وَأما القلائد: هِيَ الْإِبِل المقلدة، وَكَانُوا يقلدون إبل الْهَدْي، وَقَالَ عَطاء: أَرَادَ بِهِ: أَصْحَاب القلائد، وَكَانَت عَادَة أهل الْحرم أَن يقلدوا أنفسهم، وإبلهم بِشَيْء من لحاء شجر الْحرم إِذا أَرَادوا الْخُرُوج؛ لكيلا يتَعَرَّض لَهُم؛ فَنهى الشَّرْع عَن التَّعَرُّض لهَذِهِ الْأَشْيَاء. ﴿وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام﴾ أَي: وَلَا تتعرضوا للقاصدين إِلَى الْبَيْت الْحَرَام، وَسبب نزُول هَذَا: مَا رُوِيَ: " أَن الحطم بن ضبيعة جَاءَ فِي نفر إِلَى رَسُول الله بِالْمَدِينَةِ، فَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام، فَلم يقبلُوا وتعللوا وَانْصَرفُوا؛ حَتَّى قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَام - فِيهِ: لقد أقبل بِوَجْه كَافِر وَأدبر بقفا غادر. فَذهب وَاسْتَاقَ سرح الْمَدِينَة؛ فتبعوه فَلم يدركوه وَهُوَ يستاق الْإِبِل، ويرتجز وَيَقُول: (قد لفها اللَّيْل بسواق حطم ... لَيْسَ براعي إبل وَلَا غنم) (وَلَا بجزار على ظهر وَضم ... ) فَلَمَّا كَانَ بعد فتح مَكَّة، لقِيه الْمُسلمُونَ فِي الْمَوْسِم حَاجا، وَمَعَهُ إبل معشره وقلائد؛ فقصدوه، ولقيه النَّبِي فَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابه، وَقَالَ: دونكم الرجل؛ ليأخذوه؛ فَنزلت الْآيَة " منعا للتعرض لَهُ ولشعائره وقلائده، قَالَ الشّعبِيّ: كَانَ هَذَا ﴿فضلا من رَبهم ورضوانا وَإِذا حللتم فاصطادوا وَلَا يجرمنكم شنآن قوم أَن صدوكم عَن الْمَسْجِد الْحَرَام أَن تَعْتَدوا وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا﴾ كَذَلِك، ثمَّ نسخ بقوله: (اقْتُلُوا الْمُشْركين) . وَقَوله: ﴿يَبْتَغُونَ فضلا من رَبهم ورضوانا﴾ قَالَ ابْن عمر: أَرَادَ بِهِ فضل التِّجَارَة، وَقيل: هُوَ الْأجر ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ وَهَذَا أَمر إِبَاحَة؛ أَبَاحَ للْحَال الِاصْطِيَاد. ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: جرم أَي: كسب وَيُقَال: فلَان جارم أَهله، أَي: كاسب أَهله، و (أنْشد) (وَلَقَد طعنت أَبَا عُيَيْنَة طعنة ... جرمت فَزَارَة بعْدهَا أَن يغضبوا) أَي: كسبت، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: ﴿وَلَا يجرمنكم﴾ بِضَم الْيَاء، وَهُوَ صَحِيح فِي الْعَرَبيَّة، يُقَال: جرم وأجرم، بِمَعْنى وَاحِد، وَقيل: مَعْنَاهُ: وَلَا يحملنكم شنآن قوم، أَي: عَدَاوَة قوم. ﴿أَن صدوكم﴾ أَي: لِأَن صدوكم، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو: " إِن صدوكم " على الشَّرْط وَمعنى الْآيَة: لَا يحملنكم عَدَاوَة قوم صدوكم ﴿عَن الْمَسْجِد الْحَرَام أَن تَعْتَدوا﴾ عَلَيْهِم. (وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى) الْبر: الصدْق، وَقيل الْبر: الاجتناب عَن كل مَنْهِيّ. وَفِيه قَول آخر: أَن الْبر الْإِسْلَام، وَالتَّقوى: السّنة. ﴿وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ الْإِثْم: الْكفْر، والعدوان: الْبِدْعَة، وَقيل: الْإِثْم الْكفْر، والعدوان: الظُّلم ﴿وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ .

المائدة 5:3

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم﴾ فالميتة: هِيَ الْحَيَوَان الْمَيِّت، وَالدَّم: دم الْحَيَوَان يراق ويسفح فَهُوَ حرَام، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يجْعَلُونَ الدَّم فِي المباعر، ويسوونها ثمَّ يَأْكُلُون؛ فجَاء الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ، وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن الطحال، فَقَالَ: كلوه، فَقيل: أَلَيْسَ بِدَم؟ قَالَ: إِن الله - تَعَالَى - إِنَّمَا حرم الدَّم المسفوح. ﴿وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ يَعْنِي: سمى على ذبحه غير الله، وَقيل: هُوَ مَا يذبح على الْأَصْنَام؛ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة حرَام، وَقيل: إِنَّهَا مَا أبيحت فِي شرع مَا، حَتَّى قيل: إِن آدم - صلوَات الله عَلَيْهِ - نزل إِلَى الأَرْض وَمَعَهُ تَحْرِيم هَذِه الْأَرْبَعَة. ﴿والمنخنقة﴾ هِيَ الشَّاة الَّتِي تخنق بِحَبل فتموت ﴿والموقوذة﴾ هِيَ الَّتِي كَانَت يضربونها عِنْد الصَّنَم، حَتَّى إِذا مَاتَت أكلوها (والمتردية) الَّتِي تتردى من مَوضِع عَال فتموت. ﴿والنطيحة﴾ هِيَ الَّتِي تنطحها أُخْرَى فتموت ﴿وَمَا أكل السَّبع﴾ وَيقْرَأ بجزم الْبَاء على التَّخْفِيف، وَمَعْنَاهُ وَمَا بقى مِمَّا أكل السَّبع ﴿إِلَّا مَا ذكيتم﴾ حرم هَذِه الْأَنْوَاع، وَاسْتثنى المذكاة، وأصل التذكية: الْإِتْمَام، يُقَال: ذكيت النَّار، إِذا أتممت إيقادها، وَيُقَال: فلَان ذكى، إِذا كَانَ تَامّ الْفَهم، وَالزَّكَاة فِي الشَّرْع مَعْرُوفَة. ﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ يَعْنِي: على الْأَصْنَام، وَالنّصب: نوع من الْأَصْنَام، وَالْفرق بَينهَا وَبَين الْأَصْنَام: أَن الْأَصْنَام: هِيَ المصورة المنقوشة، وَالنّصب: لَا تكون منقوشة، وَلَا مصورة، وَقيل: كَانَت لَهُم أَحْجَار مَنْصُوبَة حول الْكَعْبَة، كَانُوا يعبدونها، ويتقربون إِلَيْهَا بالذبائح، ويلطخونها بالدماء؛ فحرمه الشَّرْع. ﴿وَأَن تستقسموا بالأزلام ذَلِكُم فسق﴾ الاستقسام: طلب النَّصِيب والأزلام: الأقداح وَاحِدهَا: " زلم " وَقيل: " زلم " أَيْضا وَهِي سِهَام كَانَت عِنْد سدنة الْكَعْبَة، وَكَانَ مَكْتُوبًا على وَاحِد اخْرُج، وعَلى آخر: لَا تخرج، وعَلى وَاحِد: أَمرنِي رَبِّي وعَلى آخر: نهاني رَبِّي، وَكَانَ فِيهَا وَاحِد غفل، وَيُسمى منتحا، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء مَكْتُوب، ﴿بالأزلام ذَلِكُم فسق الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ فَلَا تخشوهم واخشون الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا فَمن﴾ وَكَانَ الرجل مِنْهُم إِذا أَرَادَ سفرا يَأْتِي سَادِن الْبَيْت حَتَّى يجيل الأقداح؛ فَإِن خرج الغفل يجيله ثَانِيًا، حَتَّى يخرج آخر، فَإِن خرج الَّذِي عَلَيْهِ: " اخْرُج " خرج إِلَى السّفر، وَإِن خرج: " لَا تخرج " لم يخرج؛ فَنهى الشَّرْع عَنهُ، وَمن ذَلِك الحكم بالنجوم وَضرب الْحَصَا والطيرة وَالْكهَانَة، وكل ذَلِك مَنْهِيّ عَنهُ، قَالَ: " من تطير أَو تكهن أَو تعرف؛ لم ينظر إِلَى الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة " وَقَالَ الشّعبِيّ، وَغَيره: الأزلام للْعَرَب، والكعاب للعجم. وَقَوله: ﴿الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ فَلَا تخشوهم واخشون﴾ وَذَلِكَ أَن الْكفَّار كَانُوا يطمعون فِي عود الْمُسلمين إِلَى دينهم، حَتَّى فتحت مَكَّة، وَأظْهر الله الْإِسْلَام؛ أيسوا من ذَلِك؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ﴾ أَن يذهب، وتراجعوا إِلَى دينهم. قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ نزل هَذَا بِعَرَفَات، وَرَسُول الله على نَاقَته العضباء؛ فبركت من ثقل الْوَحْي، وروى " أَن رجلا من الْيَهُود قَالَ لعمر رَضِي الله عَنهُ: إِنَّكُم تقرءون آيَة لَو علينا أنزلت، لاتخذنا ذَلِك الْيَوْم عيدا، يَعْنِي الْيَوْم الَّذِي أنزلت فِيهِ، فَقَالَ عمر: أَنا أعلم أَنَّهَا أَي يَوْم أنزلت، أنزلت يَوْم الْجُمُعَة عَشِيَّة عَرَفَة، وَأَشَارَ إِلَى أَن ذَلِك الْيَوْم لنا عيد ". وَمعنى قَوْله: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ أَي: فِي الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام؛ لِأَنَّهَا نزلت بعد اسْتِقْرَار الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام، وَقيل: لم ينزل بعد هَذِه الْآيَة شَيْء من الْأَحْكَام حَتَّى قيل: إِن قَوْله: ﴿يستفتونك﴾ فِي آيَة الْكَلَالَة، إِنَّمَا نزل قبل هَذِه الْآيَة، وَقيل: بعْدهَا. وَاعْلَم أَن الشَّرَائِع لم تنزل جملَة، وَإِنَّمَا نزلت شَيْئا فَشَيْئًا، فَإِن فِي الِابْتِدَاء حِين كَانَ بِمَكَّة كَانَ الْوَاجِب الْإِتْيَان بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالْإِيمَان بِالْبَعْثِ، وَالْجنَّة وَالنَّار، وَرَكْعَتَيْنِ غدْوَة، وَرَكْعَتَيْنِ عَشِيَّة، وَأَن يكفوا أَيْديهم عَن الْقِتَال، ويصبروا على أَذَى الْمُشْركين، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْمِعْرَاج - وَهِي قبل الْهِجْرَة بِثمَانِيَة عشر شهرا - فرض الله عَلَيْهِ وعَلى أمته خمسين صَلَاة، ثمَّ ردَّتْ إِلَى خمس صلوَات، كَمَا عرف فِي الْقِصَّة، ثمَّ لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، فرض الله عَلَيْهِ الْجِهَاد، وَالزَّكَاة، ثمَّ الصَّوْم سنة الثَّالِث من الْهِجْرَة، وَفرض الْحَج سنة السَّابِع من الْهِجْرَة، ثمَّ فتح مَكَّة، فَلَمَّا حجَّة الْوَدَاع؛ أنزلت هَذِه الْآيَة سنة عشر من الْهِجْرَة، وَلم ينزل بعْدهَا شَيْء من الْأَحْكَام كَمَا بَينا، وعاش بعد ذَلِك رَسُول الله إِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَة، وَتُوفِّي فِي الْيَوْم الثَّانِي من ربيع الأول، وَقيل: توفّي فِي الثَّانِي عشر من ربيع الأول، وَهَذَا أصح. وَكَانَت هجرته فِي الثَّانِي عشر من ربيع الأول أَيْضا، واستكمل عشر سِنِين، وَخرج من الدُّنْيَا. وَفِيه قَول آخر: أَن معنى قَوْله: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ أَي: أمنتكم من الْعَدو، وأظهرت دينكُمْ، وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي، ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا، رَوَت عَائِشَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَقُول الله - تَعَالَى -: إِنِّي نظرت فِي الْأَدْيَان فارتضيت لكم الْإِسْلَام دينا؛ فأكرموه بالسخاء، وَحسن الْخلق مَا صحبتموه، فَإِن الْبَخِيل بعيد من الله، بعيد من النَّاس، بعيد من الْجنَّة، قريب من النَّار ". ﴿فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة﴾ : المخمصة: خلاء الْجوف عَن الْغذَاء، وَفِي الْمثل: " البطنة بعْدهَا الخمصة " ﴿غير متجانف لإثم﴾ أَي: غير مائل إِلَى إِثْم، وَهُوَ مُجَاوزَة الشِّبَع فِي أكل الْميتَة، أَو يأكلها تلذذا ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ .

المائدة 5:4

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَسْأَلُونَك مَاذَا أحل لَهُم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن زيد بن الْخَيل الطَّائِي، وعدي بن حَاتِم الطَّائِي سَأَلَا رَسُول الله وَقَالا: إِنَّا نصطاد بالكلاب، فَمَاذَا يحل (مِنْهُ) وَمَا يحرم مِنْهُ؟ فَنزلت الْآيَة، وَقيل: سَبَب نزُول الْآيَة: أَن النَّبِي ﴿علمكُم الله فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم واذْكُرُوا اسْم الله عَلَيْهِ وَاتَّقوا الله إِن الله﴾ لما أَمر بقتل الْكلاب، وَقَالُوا يَا رَسُول الله: مَاذَا يحل لنا من هَذِه الْأمة الَّتِي أمرت بقتلها؟ فَنزلت الْآيَة، وَالْأول أصح. ﴿قل أحل لكم الطَّيِّبَات﴾ فالطيبات: كل مَا تستطيبه الْعَرَب، وتستلذه من غير أَن يرد بِتَحْرِيمِهِ كتاب أَو سنة ﴿وَمَا علمْتُم من الْجَوَارِح﴾ أَي: الكواسب، يُقَال: جرح، واجترح، إِذا كسب، وَمِنْه سميت الْيَد جارحة؛ لِأَنَّهَا كاسبة، قَالَ الشَّاعِر: (ذَات حل حسن ميسمها ... يذكر الْجَارِح وَمَا كَانَ جرح) أَي: مَا كَانَ كسب ﴿مكلبين﴾ وَقُرِئَ فِي الشواذ " مكلبين " يُقَال: كَلْبه فَهُوَ مكلب، وأكلب فَهُوَ مكلب: إِذا كثر كلابه، وَهُوَ مثل قَوْلهم: أمشى إِذا كثرت مَاشِيَته، قَالَ الشَّاعِر: (وكل فَتى وَإِن أمشى وأثرى ... [سيخلجه] عَن الدُّنْيَا الْمنون) قَالَ الْأَزْهَرِي: وَمعنى الْكَلَام: وَأحل لكم مَا علتم من الْجَوَارِح فِي حَال تكليبكم وتضريتكم إِيَّاهَا على الصَّيْد، وَاعْلَم أَن حل الصَّيْد لَا يخْتَص بصيد الْكَلْب على قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَقَالَ طَاوُوس: يخْتَص بِهِ؛ تمسكا بقوله: ﴿مكلبين﴾ وَهَذَا خلاف شَاذ، وَمعنى قَوْله: ﴿مكلبين﴾ أَي: محرشين، ومغرين على الصَّيْد، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِك كل الْجَوَارِح ﴿تعلمونهن مِمَّا علمكُم الله﴾ تؤدبونهن مِمَّا أدبكم الله. ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم واذْكُرُوا اسْم الله عَلَيْهِ﴾ أَبَاحَ صيد الْجَوَارِح إِذا أمسكن على الْمَالِك، وَلَا خلاف فِيهِ، فَأَما إِذا أكل من الصَّيْد، هَل يكون ممسكا على الْمَالِك، وَهُوَ يحل؟ فِيهِ اخْتِلَاف بَين الصَّحَابَة، قَالَ سعد بن أبي وَقاص، وسلمان الْفَارِسِي: إِنَّه يحل، حَتَّى قَالَ سعد: كل مَا أَخذ كلبك، وَإِن بقيت مِنْهُ جدية أَي: قِطْعَة، وَهَذَا أحد قولي الشَّافِعِي - رَضِي الله عَنهُ - وَقَالَ ابْن عَبَّاس، وعدي بن حَاتِم: إِنَّه لَا يحل، وَهُوَ القَوْل الثَّانِي للشَّافِعِيّ، وَبِه قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين، وَأما الْكَلَام فِي التَّسْمِيَة سَيَأْتِي فِي الْأَنْعَام ﴿وَاتَّقوا الله إِن الله سريع الْحساب﴾ .

المائدة 5:5

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الْيَوْم أحل لكم الطَّيِّبَات﴾ ذكر الْيَوْم هَاهُنَا صلَة، وَقد بَينا معنى الطَّيِّبَات، وَفِيه قَول آخر: أَن الطَّيِّبَات عَن طاهرات، وكل طَاهِر حَلَال. ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم﴾ قَالَ مُجَاهِد، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أَرَادَ بِهِ: ذَبَائِح أهل الْكتاب ﴿وطعامكم حل لَهُم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ أحل لَهُم طعامنا وَشرع لَهُم ذَلِك وهم كفار، وَلَيْسوا من أهل الشَّرْع؟ أجَاب الزّجاج فَقَالَ: مَعْنَاهُ: حَلَال لكم أَن تطعموهم؛ فَيكون خطاب الْحل مَعَ الْمُسلمين، قَالَ غَيره: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ ذكر عَقِيبه (حكم) النِّسَاء، وَلم يذكر حل المسلمات لَهُم فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَلَال لكم أَن تطعموهم، حرَام لكم أَن تزوجوهم. ﴿وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات﴾ هَذَا رَاجع إِلَى النسق الأول، ومنقطع عَن قَوْله: ﴿وطعامكم حل لَهُم﴾ ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ قَالَ الْحسن: أَرَادَ بِهِ: العفائف، وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ: الْحَرَائِر، وَمِنْه إِبَاحَة الْحرَّة الْكِتَابِيَّة للْمُسلمِ وَقَضِيَّة تَحْرِيم الْأمة الْكِتَابِيَّة، وَعَلِيهِ أَكثر الْعلمَاء، وَهُوَ قَول عُلَمَاء الْكُوفَة مثل الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَجَمَاعَة. وَهَذَا فِي الْكِتَابِيَّة الذِّمِّيَّة؛ فَأَما الْحرَّة الْكِتَابِيَّة الحربية، فعلى قَول أَكثر الْعلمَاء تحل للْمُسلمِ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا تحل، وَقُرِئَ ﴿الْمُحْصنَات﴾ بِكَسْر الصَّاد، وإحصان الْكِتَابِيَّة أَن تستعفف عَن الزِّنَا، وتغتسل [من] الْجَنَابَة ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ أَي: مهورهن: ﴿محصنين غير مسافحين وَلَا متخذي أخذان﴾ . ﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ: من يكفر بِاللَّه الَّذِي يُؤمن بِهِ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أَرَادَ بِهِ: وَمن يكفر بِكَلِمَة الشَّهَادَة، وَقَالَ الرّبيع بن أنس: أَرَادَ بِهِ: وَمن يكفر بِالْقُرْآنِ، قَالَ الزّجاج: معنى قَوْله: ﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان﴾ يَعْنِي: بتحليل الْحَرَام، وَتَحْرِيم الْحَلَال، أَي: وَمن يسْتَحل الْحَرَام، أَو يحرم الْحَلَال ﴿فقد حَبط عمله﴾ وَهَذَا أقرب إِلَى نظم الْآيَة فِي الإباحات، وَتَحْلِيل الْمُحرمَات، وَقَوله ﴿فقد حَبط عمله﴾ أَي: بَطل عمله ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ .

المائدة 5:6

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة﴾ يَعْنِي: إِذا أردتم الْقيام إِلَى الصَّلَاة، وَذَلِكَ مثل قَوْله: ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه﴾ أَي: فَإِذا أردْت الْقِرَاءَة. تَقول: إِذا اتجرت فاتجر إِلَى الْبر، وَإِذا جالست، فجالس فلَانا، أَي: إِذا أردْت المجالسة. وَظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي أَنه يجب الْوضُوء عِنْد كل قيام إِلَى الصَّلَاة، وَلَكِن بِالسنةِ عرفنَا جَوَاز الْجمع بَين الصَّلَوَات بِوضُوء وَاحِد، فَإِن رَسُول الله جمع بَين أَربع صلوَات يَوْم الخَنْدَق بِوضُوء وَاحِد وَجمع بَين خمس صلوَات يَوْم فتح مَكَّة ﴿أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ بِوضُوء وَاحِد، وَحكى عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: الْوضُوء لكل صَلَاة مَكْتُوبَة. وَقيل: هُوَ على الِاسْتِحْبَاب. وَقَالَ زيد بن أسلم: تَقْدِير الْآيَة: إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة من الْمضَاجِع - يَعْنِي: من النّوم - فَيكون إِيجَاب الْوضُوء بِالْحَدَثِ؛ لِأَن النّوم حدث. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ يَعْنِي: مَعَ الْمرَافِق، قَالَ الْمبرد: إِذا مد الشَّيْء إِلَى جنسه تدخل فِيهِ الْغَايَة، وَإِذا مد إِلَى خلاف جنسه، لَا تدخل فِيهِ الْغَايَة، فَقَوله: ﴿إِلَى الْمرَافِق﴾ مد إِلَى جنسه، فَتدخل فِيهِ الْغَايَة. وَأما قَوْله: ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ مد إِلَى خلاف جنسه، فَلَا تدخل فِيهِ الْغَايَة. والمرفق سمى بذلك؛ لارتفاق الْإِنْسَان بِهِ بالاتكاء عَلَيْهِ. ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قَرَأَ نَافِع، وَابْن عَامر، وَالْكسَائِيّ، وَحَفْص: بِالنّصب؛ فَيكون تَقْدِيره: فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ وأرجلكم، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وأرجلكم﴾ بِالْكَسْرِ. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب غسل الرجل، فَأكْثر الْعلمَاء - وَعَلِيهِ الْإِجْمَاع الْيَوْم - أَن غسل الرجل وَاجِب، ويحكى عَن عَليّ أَنه قَالَ: يجوز الْمسْح على الرجل، وَهُوَ الْوَاجِب، وَحكى خلاف عَنهُ، قَالَ الشّعبِيّ: نزل الْقُرْآن بغسلين ومسحين، وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: يتَخَيَّر بَين الْمسْح وَالْغسْل؛ لاخْتِلَاف الْقِرَاءَة. وَالأَصَح أَنه يجب الْغسْل، وَقد دلّت السّنة عَلَيْهِ، فروى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا وَإِن كُنْتُم﴾ " ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار " وَرُوِيَ مَرْفُوعا: " لَا يقبل الله - تَعَالَى - صَلَاة أحدكُم حَتَّى يضع الطّهُور موَاضعه؛ فَيغسل وَجهه، ثمَّ يَدَيْهِ، ثمَّ يمسح بِرَأْسِهِ، ثمَّ يغسل رجلَيْهِ ". وَقَالَ: " مَا من رجل يتَوَضَّأ فَيغسل وَجهه إِلَّا (خرجت) خطاياه الَّتِي نظر إِلَيْهَا بِعَيْنيهِ مَعَ المَاء أَو مَعَ آخر قطر من المَاء - إِلَى أَن قَالَ -: وَإِذا غسل رجلَيْهِ، خرجت خطاياه الَّتِي مشت بهَا قدمه مَعَ المَاء، أَو مَعَ آخر قَطْرَة من المَاء "، وروى: " أَنه رأى رجلا تَوَضَّأ، وَبَقِي من رجله قدر ظفره لم يصبهُ المَاء؛ فَقَالَ: ارْجع فَأحْسن الْوضُوء " وَأمره بِالرُّجُوعِ دَلِيل وجوب. فَأَما قَوْله: ﴿وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ من قَرَأَ بِالنّصب فَهُوَ ظَاهر فِي وجوب الْغسْل، وَأما من قَرَأَ بالخفض فتقديره: فامسحوا برءوسكم، واغسلوا أَرْجُلكُم. وَيجوز أَن يعْطف الشَّيْء على الشَّيْء وَإِن كَانَ يُخَالِفهُ فِي الْفِعْل، قَالَ الشَّاعِر: (وَرَأَيْت زَوجك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا) أَي: مُتَقَلِّدًا سَيْفا، ومتنكبا رمحا، وَقَالَ آخر: (علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا ... ) أَي: وسقيتها ماءا بَارِدًا؛ فَكَذَلِك قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم﴾ أَي: واغسلوا أَرْجُلكُم؛ إِلَّا أَنه خفض على الِاتِّبَاع والمجاورة كَمَا قَالَت الْعَرَب: " جُحر ضَب خرب "، وَنَحْو ذَلِك. وَقَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ - وَهُوَ إِمَام اللُّغَة - الْعَرَب قد تسمي الْغسْل الْخَفِيف: مسحا، تَقول الْعَرَب: تمسح يَا هَذَا، يُرِيدُونَ بِهِ: اغْتسل، فعطفه على الْمسْح لَا يَنْفِي الْغسْل؛ فَيجوز أَن يكون المُرَاد بِهَذَا الْمسْح فِي الرَّأْس حَقِيقَة الْمسْح، وَفِي الرجل الْغسْل؛ وَلِأَن غسل الرجل على الْأَغْلَب لَا يَخْلُو عَن مسح؛ [وَلذَلِك] فساغ أَن يُسمى غسلهَا: مسحا، وَقَوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ يَعْنِي: مَعَ الْكَعْبَيْنِ، كَمَا بَينا فِي الْمرَافِق، والكعبان: هما العظمان الناتئان على جَانِبي الْقدَم. ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ أَي: فاغتسلوا ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ وَقد بَينا الْكَلَام فِيهِ. ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وَقَوله: مِنْهُ. دَلِيل على أَن الصَّعِيد هُوَ التُّرَاب؛ لتحَقّق الْمسْح مِنْهُ ﴿مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج﴾ أَي: ضيق ﴿وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ قَالَ مُحَمَّد ابْن كَعْب الْقرظِيّ: أَرَادَ بإتمام النِّعْمَة: تَكْفِير الْخَطَايَا بِالْوضُوءِ على مَا روينَا، وَهَذَا مثل قَوْله: ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر وَيتم نعْمَته عَلَيْك﴾ يَعْنِي: بغفران الذَّنب، وَفِي الْوضُوء تَكْفِير الْخَطَايَا الَّتِي ارتكبها فِي الدُّنْيَا، وَنور يَوْم الْقِيَامَة قَالَ: " أمتِي غر محجلون من آثَار الْوضُوء يَوْم الْقِيَامَة؛ فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل ".

المائدة 5:7

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم وميثاقه الَّذِي واثقكم بِهِ﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ: الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه الله - تَعَالَى على ذُرِّيَّة آدم قبل كَون الْخلق. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه رَسُول الله على كل من أسلم بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة فِي الْيُسْر والعسر، والمنشط وَالْمكْره ﴿إِذْ قُلْتُمْ سمعنَا وأطعنا وَاتَّقوا الله إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور﴾ أَي: [بِمَا] فِي الصُّدُور.

المائدة 5:8

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ﴾ أَي: كونُوا قوامين بِالْعَدْلِ، قوالين، للصدق ﴿وَلَا يجرمنكم﴾ أَي: وَلَا يحملنكم ﴿شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى وَاتَّقوا الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .

المائدة 5:9

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم مغْفرَة﴾ قيل هَذَا فِي مَوضِع النصب، وَفعل الْوَعْد وَاقع عَلَيْهِ، وَمثله قَول الشَّاعِر: (رَأَيْت الصَّالِحين لَهُم جَزَاء ... وجنات وعينا سلسبيلا) وَمِنْهُم من قَالَ: ﴿لَهُم مغْفرَة﴾ : ابْتِدَاء كَلَام، أَي: لَهُم مغْفرَة موعودة، وَمَوْضِع الرّفْع ( ﴿لَهُم مغْفرَة وَأجر عَظِيم﴾ وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم) .

المائدة 5:10

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم مغْفرَة﴾ قيل هَذَا فِي مَوضِع النصب، وَفعل الْوَعْد وَاقع عَلَيْهِ، وَمثله قَول الشَّاعِر: (رَأَيْت الصَّالِحين لَهُم جَزَاء ... وجنات وعينا سلسبيلا) وَمِنْهُم من قَالَ: ﴿لَهُم مغْفرَة﴾ : ابْتِدَاء كَلَام، أَي: لَهُم مغْفرَة موعودة، وَمَوْضِع الرّفْع ( ﴿لَهُم مغْفرَة وَأجر عَظِيم﴾ وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم) .

المائدة 5:11

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ هم قوم أَن يبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم﴾ الْهم: حَدِيث النَّفس بِالْفِعْلِ، وَيُقَال: أهم بالشَّيْء واهتم بِهِ، إِذا عَنى بِهِ. وَفِي سَبَب نزُول الْآيَة قَولَانِ: قَالَ جَابر: سَببه " أَن رَسُول الله كَانَ فِي بعض الْأَسْفَار، فَتفرق أَصْحَابه فِي الْعضَاة فِي منزل؛ فَنزل رَسُول الله تَحت شَجَرَة مِنْهَا، وعلق سَيْفه بهَا، فجَاء أَعْرَابِي، وسل سَيْفه، وَقَامَ على رَأسه، وَقَالَ: من يمنعك مني؟ فَقَالَ: الله تَعَالَى؛ فَسقط سَيْفه وَذهب، فَنزلت الْآيَة ". وَقَالَ ابْن عَبَّاس، وَمُجاهد، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة: نزلت الْآيَة على سَبَب آخر، وَذَلِكَ: " أَن النَّبِي كَانَ بَينه وَبَين بني قُرَيْظَة عهد على أَن يستعينوا بِهِ، وَهُوَ يَسْتَعِين بهم على الْمُشْركين؛ فجَاء يَوْمًا إِلَيْهِم ليستعين بهم فِي دِيَة الْعَامِرِيين (وَنزل) تَحت حَائِط؛ فَهموا أَن يفتكوا بِهِ، فَقَالَ وَاحِد مِنْهُم - يُقَال لَهُ عَمْرو بن حجاش -: أَنا ألقِي عَلَيْهِ حجرا؛ لتستريحوا مِنْهُ؛ فَنزل جِبْرِيل وَأخْبرهُ بذلك " فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِذْ هم قوم أَن يبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم فَكف أَيْديهم عَنْكُم وَاتَّقوا الله وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ .

المائدة 5:12

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد أَخذ الله مِيثَاق بني إِسْرَائِيل وبعثنا مِنْهُم اثنى عشر نَقِيبًا﴾ النَّقِيب للْقَوْم مثل الرئيس، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: النَّقِيب: الْكَفِيل، وَقَالَ غَيره: هُوَ الْأمين، والنقيب فَوق العريف، والمنكب عون العريف، وسمى نَقِيبًا؛ للبحث والاستخراج الَّذِي يكون مِنْهُ. ﴿أَخذ الله مِيثَاق بني إِسْرَائِيل وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا وَقَالَ الله إِنِّي مَعكُمْ لَئِن أقمتم الصَّلَاة وَآتَيْتُم الزَّكَاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ ولأدخلنكم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار فَمن كفر بعد﴾ والقصة فِي ذَلِك: أَن مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - جعل على قومه اثنى عشر نَقِيبًا على كل سبط نَقِيبًا، فروى أَنه بَعثهمْ إِلَى مَدِينَة الجبارين ليتعرفوا ويستخبروا عَن حَالهم، فَلَمَّا رجعُوا، خوفوا بني إِسْرَائِيل من قِتَالهمْ، وَقَالُوا: أَنْتُم لَا تقاومونهم، وخالفوا أَمر مُوسَى إِلَّا (رجلَانِ) مِنْهُم، أَحدهمَا: يُوشَع بن نون، وَالْآخر: كالب بن يوقنا، وَسَتَأْتِي قصتهم مشروحة. ﴿وَقَالَ الله﴾ تَعَالَى ﴿إِنِّي مَعكُمْ﴾ يَعْنِي: بالنصر ﴿لَئِن أقمتم الصَّلَاة وَآتَيْتُم الزَّكَاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: عظمتموهم، وَقَالَ غَيره: نصرتموهم، وَالتَّعْزِير: التَّأْدِيب فِي اللُّغَة، وأصل التَّعْزِير: الْمَنْع؛ وَلذَلِك سمى التَّأْدِيب. تعزيرا؛ لِأَنَّهُ يمْنَع الْمُؤَدب عَن فعل مَا أدب عَلَيْهِ وَعَن سعد بن أبي وَقاص: أَصبَحت بَنو أَسد تعزرني على الْإِسْلَام. أَي: تؤدبني. ﴿وأقرضتم الله قرضا حسنا﴾ وَهُوَ إِخْرَاج الزَّكَاة، وَقَالَ زيد بن أسلم: مَعْنَاهُ النَّفَقَة على الْأَهْل، وَعَن بعض السّلف أَنه سمع رجلا يَقُول: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر. ﴿لأكفرن عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ ولأدخلنكم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار فَمن كفر بعد ذَلِك [مِنْكُم] فقد ضل سَوَاء السَّبِيل﴾ أَي: أَخطَأ طَرِيق الْحق.

المائدة 5:13

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فبمَا نقضهم﴾ " مَا " صلَة، أَي: فبنقضهم ﴿ميثاقهم لعناهم﴾ أبعدناهم عَن الرَّحْمَة ﴿وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾ أَي: جافة غير لينَة لَا تدْخلهَا الرَّحْمَة، وتقرأ: " قسية " قيل: مَعْنَاهُ: قاسية، فعيل بِمَعْنى فَاعل، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن قُلُوبهم لَيست بخالصة الْإِيمَان؛ عاشوا بهَا بَين الْكفْر والنفاق، وَمِنْه " الدَّرَاهِم القسية " وَهِي المغشوشة، قَالَ الشَّاعِر: (لَهَا صواهل فِي صم الْخَيل ... كَمَا صَاح القسية فِي كف الصَّارِف) شبه صواهل الْخَيل فِي صم الْحِجَارَة بِصَوْت الدَّرَاهِم فِي كف الصَّيْرَفِي ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ تحريفهم الْكَلم: هُوَ تبديلهم نعت الرَّسُول، وَقيل المُرَاد بِهِ: تحريفهم بِسوء التَّأْوِيل ﴿ونسوا حظا مَا ذكرُوا بِهِ﴾ أَي: ونسوا نَصِيبا مِمَّا ذكرُوا بِهِ، والحظ: النَّصِيب. ﴿وَلَا تزَال تطلع على خَائِنَة مِنْهُم﴾ قيل الخائنة: الْخِيَانَة، فَاعل بِمَعْنى الْمصدر، مثل القائلة بِمَعْنى القيلولة، هَذَا قَول قَتَادَة، وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: فرقة خَائِنَة؛ لِأَن الْآيَة فِي الْيَهُود؛ فيستقيم هَذَا التَّقْدِير ﴿وَلَا تزَال تطلع﴾ على قَوْله: ﴿خَائِنَة مِنْهُم﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ يَعْنِي: الَّذين أَسْلمُوا مثل: عبد الله بن سَلام، وَجَمَاعَة. ﴿فَاعْفُ عَنْهُم وَاصْفَحْ﴾ أَي: أعرض عَنْهُم، وَلَا تتعرض لَهُم، وَقيل: صَار هَذَا مَنْسُوخا أَيْضا بقوله: ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه﴾ فِي سُورَة التَّوْبَة ﴿إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ .

المائدة 5:14

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ وَمن الْيَهُود، وَالصَّحِيح أَن الْآيَة فِي النَّصَارَى خَاصَّة؛ لِأَنَّهُ قد تقدم ذكر الْيَهُود، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ - رَحمَه الله -: فِي هَذَا دَلِيل على أَنهم نَصَارَى بتسميتهم؛ لَا بِتَسْمِيَة الله - تَعَالَى - ﴿أَخذنَا ميثاقهم فنسوا حظا مِمَّا ذكرُوا بِهِ﴾ هُوَ كَمَا بَينا فِي الْيَهُود ﴿فأغرينا﴾ أَي: أوقعنا ﴿بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ والإغراء: أَصله الإلصاق، وَمِنْه الغراء، وَمَعْنَاهُ: ألصقنا بهم الْعَدَاوَة حَتَّى صَارُوا فرقا، وأحزابا، مِنْهُم اليعقوبية والملكائية، والنسطورية. ﴿وسوف ينبئهم الله بِمَا كَانُوا يصنعون﴾ .

المائدة 5:15

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أهل الْكتاب﴾ وَالْمرَاد بِهِ: أهل الْكِتَابَيْنِ: التَّوْرَاة، وَالْإِنْجِيل، لَكِن ذكر الْكتاب، وَهُوَ اسْم الْجِنْس، فَيَنْصَرِف إِلَى الْفَرِيقَيْنِ ﴿قد جَاءَكُم رَسُولنَا يبين لكم كثيرا مِمَّا (كُنْتُم﴾ تخفون من الْكتاب) يَعْنِي: اللَّذين أخفوا من نعت مُحَمَّد وَآيَة الرَّجْم، وَنَحْو ذَلِك ﴿وَيَعْفُو عَن كثير﴾ يَعْنِي: يعرض عَن كثير مِمَّا أخفوا، فَلَا يتَعَرَّض لَهُ. ﴿قد جَاءَكُم من الله نور﴾ قيل: هُوَ الْإِسْلَام، (وَسمي نور لِأَنَّهُ يهتدى بِهِ كَمَا يَهْتَدِي بِالنورِ، وَقيل مُحَمَّد) وَسمي نورا لِأَنَّهُ يتَبَيَّن بِهِ الْأَشْيَاء، كَمَا يتَبَيَّن بِالنورِ. ﴿وَكتاب مُبين﴾ هُوَ الْقُرْآن.

المائدة 5:16

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يهدي بِهِ الله من اتبع رضوانه سبل السَّلَام﴾ أَي: يهدي بِهِ الله سبل السَّلَام من اتبع رضوانه، قَالَ السّديّ: السَّلَام هُوَ الله - تَعَالَى - وسبل السَّلَام: طَرِيق الله - تَعَالَى - وَقَالَ: السَّلَام: هُوَ السَّلامَة، كاللذاذ واللذاذة بِمَعْنى وَاحِد، وَالْمرَاد بِهِ: طرق السَّلامَة. ﴿ويخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ يَعْنِي: من الْكفْر إِلَى (الْإِسْلَام) ، وَسمي الْكفْر ظلمَة؛ لِأَنَّهُ يتحير فِي الظلمَة، [وَسمي] الْإِسْلَام نورا لما بَينا ﴿ويهديهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ قيل: هُوَ الْإِسْلَام، وَقيل: [هُوَ] الْقُرْآن.

المائدة 5:17

وَقَوله - تَعَالَى -: ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ قيل: هَذَا قَول اليعقوبية من النَّصَارَى، قَالُوا: إِن الْمَسِيح إِلَه، وَقيل: إِنَّهُم لما قَالُوا: الْمَسِيح ابْن الله، ابْن كل أحد يكون من جنسه، فكأنهم قَالُوا: الْمَسِيح هُوَ الله. ﴿قل فَمن يملك من الله شَيْئا﴾ أَي: فَمن يقدر أَن يدْفع أَمر الله ( ﴿إِن أَرَادَ أَن يهْلك الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَأمه وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا يخلق مَا يَشَاء وَالله على كل شَيْء قدير) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْمُسْتَحق للألوهية من لَهُ ملك السَّمَوَات، وَمن لَهُ هَذِه الْقُدْرَة فإياه فاعبدوا.

المائدة 5:18

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ يَعْنِي: أَن الله كَالْأَبِ لنا فِي الحنو، والعطف، وَنحن كالأبناء فِي الْقرب، والمنزلة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ - فِي الْيَهُود -: إِنَّهُم وجدوا فِي التَّوْرَاة: " يَا أَبنَاء أحبارى " فبدلوا، وقرءوا: " يَا أَبنَاء أبكارى "؛ فَمن ذَلِك قَالُوا: نَحن أَبنَاء الله. وأحباؤه، وَأما فِي النَّصَارَى فَإِنَّهُم حكوا عَن عِيسَى انه قَالَ: " أذهب إِلَى أبي وأبيكم "؛ فَمن ذَلِك قَالُوا: نَحن أَبنَاء الله. ﴿قل فَلم يعذبكم بذنوبكم﴾ يَعْنِي: أَن الْأَب لَا يعذب ابْنه، والحبيب لَا يعذب حَبِيبه، أَي: فَلم يعذبكم الله بذنوبكم، وَهُوَ على زعمكم أبوكم وحبيبكم، ثمَّ قَالَ: ﴿بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق﴾ أَي: آدميون من جملَة الْخلق ﴿يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَإِلَيْهِ الْمصير﴾ .

المائدة 5:19

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أهل الْكتاب قد جَاءَكُم رَسُولنَا يبين لكم على فَتْرَة من الرُّسُل﴾ أَي: على انْقِطَاع من الرُّسُل، وَاخْتلفُوا فِي زمَان الفترة، قَالَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ: زمَان الفترة: بَين عِيسَى وَمُحَمّد، وَكَانَ سِتّمائَة سنة، وَقيل خَمْسمِائَة سنة، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ زمَان الفترة، لِأَن الرُّسُل كَانُوا بعد مُوسَى تترى من غير انْقِطَاع، وَلم يكن بعد عِيسَى رَسُول سوى مُحَمَّد ﴿أَن تَقولُوا مَا جَاءَنَا من بشير وَلَا نَذِير﴾ قَالَ الْكُوفِيُّونَ: مَعْنَاهُ: أَن لَا تَقولُوا: وَقَالَ البصريون مَعْنَاهُ: كَرَاهَة أَن تَقولُوا، وَهُوَ كالقولين فِي قَوْله: ﴿يبين الله لكم أَن تضلوا﴾ ، ﴿فقد جَاءَكُم بشير ونذير وَالله على كل شَيْء قدير﴾ .

المائدة 5:20

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قوم اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ جعل فِيكُم أَنْبيَاء﴾ أَي: مِنْكُم أَنْبيَاء ﴿وجعلكم ملوكا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي أَصْحَاب خدم وحشم، قَالَ قَتَادَة: لم يكن لمن قبلهم خدم وحشم، فَلَمَّا كَانَ لَهُم خدم كَانُوا ملوكا، قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: لَا يدْخل عَلَيْكُم إِلَّا بإذنكم، وَمن لَا يدْخل عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَهُوَ ملك، وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من كَانَ لَهُ فِي بني إِسْرَائِيل خَادِم، وَامْرَأَة، ودابة، كَانَ ملكا " وروى أَن رجلا جَاءَ إِلَى عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: أَنا من فُقَرَاء الْمُهَاجِرين، فَقَالَ: أَلَك مسكن تأوي إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعم، فَقَالَ: أَلَك امْرَأَة تسكن إِلَيْهَا؟ قَالَ: نعم، فَقَالَ: أَنْت من الْأَغْنِيَاء. قَالَ الرجل: ولي خَادِم يخدمني، فَقَالَ: أَنْت من الْمُلُوك. وَقَالَ السّديّ - فِي الْمُتَقَدِّمين - مَعْنَاهُ: وجعلكم ملوكا تَمْلِكُونَ أَمر أَنفسكُم، وخلصكم من استعباد فِرْعَوْن. وَقَالَ المؤرج: أَرَادَ بِهِ: وجعلكم أخيارا، والملوك: الأخيار بلغَة هُذَيْل وكنانة. ﴿وآتاكم مَا لم يُؤْت أحدا من الْعَالمين﴾ يَعْنِي: من الْمَنّ والسلوى، وانفجار الْحجر وتظليل الْغَمَام، وَنَحْو ذَلِك.

المائدة 5:21

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا قوم ادخُلُوا الأَرْض المقدسة الَّتِي كتب الله لكم﴾ قيل: هِيَ دمشق، وفلسطين وَبَعض الْأُرْدُن، وَقَالَ قَتَادَة: هِيَ جَمِيع الشَّام، وَقيل: هِيَ بَيت الْمُقَدّس، وَأَرْض الطّور. وَقَوله ﴿كتب الله لكم﴾ أَي: وهب الله لكم، وَقيل: فرض الله لكم أَن تدخلوها ﴿وَلَا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾

المائدة 5:22

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِن فِيهَا قوما جبارين﴾ الْجَبَّار: هُوَ كل عَاتٍ يجْبر النَّاس على مُرَاده، وَالله - تَعَالَى - جَبَّار، يجْبر الْخلق على مُرَاده، وَذَلِكَ مِنْهُ حق وَله مدح، وَأما الجبروت لِلْخلقِ ذمّ، وأصل الْجَبَّار: المتعظم الْمُمْتَنع عَن الذل والقهر، وَمِنْه يُقَال: نَخْلَة جبارَة إِذا كَانَت طَوِيلَة ممتنعة على وُصُول الْأَيْدِي إِلَيْهَا، وسمى أُولَئِكَ الْقَوْم جبارين؛ لطولهم، وامتناعهم بِقُوَّة أَجْسَادهم، والقصة فِي ذَلِك: أَن هَؤُلَاءِ كَانُوا فِي مَدِينَة " أرِيحَا " بِالشَّام، وَكَانَ فِيهَا ألف قَرْيَة فِي كل قَرْيَة، ألف بُسْتَان، وَكَانَ فِيهَا العمالقة، وَبَقِيَّة من قوم عَاد وَهِي مَدِينَة الجبارين. روى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ قد بعث أُولَئِكَ النُّقَبَاء، وهم اثْنَا عشر نَقِيبًا إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَة؛ ليتعرفوا أَحْوَالهم، فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهَا لَقِيَهُمْ رجل مِنْهُم، فَأَخذهُم جملَة فِي كمه وأتى بهم إِلَى الْملك، ونثرهم بَين يَدَيْهِ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذين جَاءُوا ليقاتلونا؛ فَقَالَ الْملك: ارْجعُوا وأخبروهم بِمَا لَقِيتُم، فَرَجَعُوا. وَفِي بعض التفاسير: أَنهم أخذُوا عنقودا من الْعِنَب، وجعلوه على عَمُود بَين رجلَيْنِ حَتَّى قدرُوا على حمله، وَأخذُوا رمانتين، وحملوهما على دَابَّة كَادَت تعجز عَن حملهما فَلَمَّا رجعُوا إِلَى بني إِسْرَائِيل خوفوهم، وَقَالُوا: إِنَّكُم لَا تقاومونهم إِلَّا رجلَيْنِ مِنْهُم: يُوشَع بن نون وكالب بن يوقنا، وذكرهما فِي الْآيَة الْأُخْرَى، وَأما الْبَاقُونَ من بني إِسْرَائِيل خالفوا وامتنعوا من قِتَالهمْ، وَقَالُوا: يَا مُوسَى إِن فِيهَا قوما جبارين ﴿وَإِنَّا لن ندْخلهَا حَتَّى يخرجُوا مِنْهَا فَإِن يخرجُوا مِنْهَا فَإنَّا داخلون﴾ .

المائدة 5:23

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ رجلَانِ من الَّذين يخَافُونَ أنعم الله عَلَيْهِمَا﴾ هما يُوشَع وكالب (قَالَا) : ﴿ادخُلُوا عَلَيْهِم الْبَاب فَإِذا دخلتموه فَإِنَّكُم غالبون﴾ وَذَلِكَ بَاب كَانُوا عرفُوا أَنهم إِذا دخلُوا من ذَلِك الْبَاب غلبوا، (وَيقْرَأ) فِي الشواذ: " قَالَ رجلَانِ من الَّذين يخَافُونَ " - ضم الْيَاء - فَيكون مَعْنَاهُ: رجلَانِ من أُولَئِكَ العمالقة، قيل: أسلم رجلَانِ مِنْهُم، وَقَالا هَذِه الْمقَالة ﴿وعَلى الله فتوكلوا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ .

المائدة 5:24

قَوْله - تَعَالَى - ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لن ندْخلهَا أبدا مَا داموا فِيهَا﴾ وَهَذَا مَعْلُوم ﴿فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ قَالَ الْحسن: كفرُوا بِهَذِهِ الْمقَالة، وَقَالَ غَيره: بل فسقوا بمخالفة أمره، وَتَقْدِير قَوْله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا﴾ أَي: فَاذْهَبْ أَنْت، وليعنك رَبك على الْقِتَال، وَفِيه قَول آخر: أَن معنى قَوْله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك﴾ أَي: وكبيرك، وَأَرَادُوا أَخَاهُ الْأَكْبَر هَارُون، وَالْعرب تسمي الْكَبِير رَبًّا، قَالَ الله - تَعَالَى - فِي قصَّة يُوسُف: ﴿إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي﴾ أَي: كبيري وَأَرَادَ بِهِ " عَزِيز مصر " وَيحْتَمل أَنهم قَالُوا ذَلِك لمُوسَى؛ جهلا وغباوة، ففسقوا بِهِ، وروى ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي " أَنه لما خرج يَوْم بدر، قَالَ لَهُ الْمِقْدَاد بن عَمْرو: لَا نقُول لَك مَا قَالَت بَنو إِسْرَائِيل لمُوسَى: اذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِن نقُول: سر أَنْت حَيْثُ شِئْت [فَإنَّا] مَعَك سائرون " وروى: " أَن الْأَنْصَار قَالُوا يَا رَسُول الله: لَو ضربت بأكبادها إِلَى برك الغماد سرنا مَعَك " يَعْنِي: بأكباد الْإِبِل إِلَى برك الغماد، وَهُوَ مَوضِع.

المائدة 5:25

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ رب إِنِّي لَا أملك إِلَّا نَفسِي وَأخي﴾ مَعْنَاهُ: لَا أملك إِلَّا نَفسِي، وَأخي لَا يملك إِلَّا نَفسه، وَقيل مَعْنَاهُ: لَا تطيعني إِلَّا نَفسِي، وَلَا يطيعني إِلَّا أخي ﴿فافرق بَيْننَا وَبَين الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ أَي: فافصل بَيْننَا، و (قيل) مَعْنَاهُ: فَاقْض بَيْننَا وَبَين الْقَوْم الْفَاسِقين.

المائدة 5:26

قَوْله - تَعَالَى - ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحرمَة عَلَيْهِم﴾ قيل هَا هُنَا تمّ الْكَلَام، وَمَعْنَاهُ: أَن الأَرْض المقدسة مُحرمَة عَلَيْهِم أبدا، وَلم يرد بِهِ: تَحْرِيم تعبد، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ: تَحْرِيم منع، فَإِنَّهُم منعُوا عَنْهَا، فَلم يدخلوها أبدا، وَإِنَّمَا دَخلهَا أَوْلَادهم، وَقيل الْآيَة مُتَّصِلَة بَعْضهَا بِالْبَعْضِ. وَإِنَّمَا حرمت عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ سنة كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّهَا مُحرمَة عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ سنة﴾ (يتيهون فِي الأَرْض) وَقد أوقفهم الله - تَعَالَى - فِي التيه؛ عُقُوبَة لَهُم على مَا خالفوا، وَقيل: إِن أَرض التيه الَّتِي تاه فِيهَا بَنو إِسْرَائِيل كَانَت: سِتَّة فراسخ فِي طول اثنى عشر فرسخا، وَكَانَ عدد التائهين فِيهَا: سِتّمائَة ألف، قَامُوا فِيهَا، وَكَانُوا كلما أَمْسوا من مَوضِع للمسير، فَإِذا أَصْبحُوا (أَصْبحُوا) على ذَلِك الْموضع، وَكلما أَصْبحُوا من مَوضِع للمسير، فَإِذا أَمْسوا أَمْسوا على ذَلِك الْموضع، وَهَكَذَا كل يَوْم إِلَى أَن مَاتُوا فِيهَا، وَقيل: كَانَ مُوسَى وَهَارُون فيهم، وَإِنَّمَا توفيا فِي التيه، وَقيل: لم يَكُونَا فيهم، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك عُقُوبَة عَلَيْهِم، فَلَمَّا مَاتُوا فِي التيه وَنَشَأ أَوْلَادهم، أقبل يُوشَع بن نون بأولادهم إِلَى الأَرْض المقدسة، وَحَارب العمالقة وَنَصره الله تَعَالَى عَلَيْهِم حَتَّى فتح تِلْكَ الْمَدِينَة، وَكَانَ يَوْم الْجُمُعَة وضاق النَّهَار بهم فحبس الله - تَعَالَى - الشَّمْس سَاعَة حَتَّى فتح الْمَدِينَة ثمَّ غربت الشَّمْس من لَيْلَة السبت، إِذْ مَا كَانَ يجوز لَهُم عمل فِي السبت؛ فَفَزعَ الله قُلُوبهم يَوْم الْجُمُعَة؛ فَهَذَا جملَة الْكَلَام فِي قَوْله: ( ﴿أَرْبَعِينَ سنة يتيهون فِي الأَرْض﴾ فَلَا تأس) أَي فَلَا تحزن ﴿على الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ .

المائدة 5:27

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿واتل عَلَيْهِم نبأ ابْني آدم بِالْحَقِّ إِذْ قربا قربانا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس، وَابْن عمر، وَمُجاهد: أَرَادَ بِهِ ابنى آدم من صلبه هابيل، وقابيل، وَقَالَ الْحسن: أَرَادَ بِهِ رجلَيْنِ من بني إِسْرَائِيل، وَالأَصَح هُوَ الأول. والقصة فِي ذَلِك: قيل: إِن حَوَّاء كَانَت تَلد كل بطن غُلَاما وَجَارِيَة، فَولدت بَطنا هابيل وَأُخْته، وَولدت بَطنا قابيل وَأُخْته، فَأمر الله - تَعَالَى - آدم أَن يُزَوّج أُخْت هابيل من قابيل، وَأُخْت قابيل من هابيل، وَلم يرض قابيل، (وَقَالَ) : أَنا أَحَق بأختي، وَكَانَت أحسن من أُخْت هابيل، وَفِي بعض التفاسير: أَن قابيل قَالَ: أَنا أَحَق بأختي؛ لِأَنِّي من نسل الْجنَّة، وهابيل من نسل الأَرْض، وَقيل: إِن حَوَّاء علقت بِهِ فِي الْجنَّة؛ فَمن ذَلِك قَالَ: إِنِّي من نسل الْجنَّة، فَأَمرهمَا آدم أَن يقربا قربانا، فَكل من يقبل قربانه فَهُوَ أولى بِتِلْكَ الْأُخْت. وَكَانَ هابيل صَاحب غنم، وقابيل صَاحب زرع، فَعمد هابيل إِلَى كَبْش من أحسن غنمه، وَعمد قابيل إِلَى أَخبث زرعه، ووضعاه موضعا، فَجَاءَت النَّار، وأكلت قرْبَان هابيل، وَكَانَ ذَلِك عَلامَة الْقبُول يَوْمئِذٍ، وَلم تَأْكُل قرْبَان قابيل؛ (فَهَذَا) معنى قَوْله: ﴿إِذْ قربا قربانا فَتقبل من أَحدهمَا﴾ يَعْنِي هابيل ﴿وَلم يتَقَبَّل من الآخر﴾ يَعْنِي: قابيل ﴿قَالَ لأَقْتُلَنك﴾ حسده قابيل، وقصده ليَقْتُلهُ؛ فَأجَاب هابيل، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ عَن الْمعاصِي، وَعَن أبي الدَّرْدَاء أَنه [قَالَ] : " لِأَن أعلم [أَن] الله - تَعَالَى - قبل صَلَاة من صَلَاتي أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؛ لِأَن الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ قَالَ قَتَادَة: المتقون: أهل لَا إِلَه إِلَّا الله.

المائدة 5:28

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَئِن بسطت إِلَيّ يدك لتقتلني مَا أَنا بباسط يَدي إِلَيْك لأقتلك إِنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين﴾ قَالَ الْحسن، وَمُجاهد: كَانَ [من شرع آدم أَن] : من قصد بِالْقَتْلِ؛ فَوَاجِب عَلَيْهِ الْكَفّ عَن الدّفع، وَالصَّبْر على الْأَذَى، وَكَذَا كَانَ فِي شرع نَبينَا فِي الِابْتِدَاء، فَأَما قَوْله: ﴿مَا أَنا بباسط يَدي إِلَيْك﴾ يَعْنِي: بِالدفع. وَقيل: لم يكن ذَلِك شرعا، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك؛ استسلاما للْقَتْل؛ وطلبا لِلْأجرِ، وَهَذَا جَائِز لكل من يقْصد قَتله، أَن يستسلم وينقاد، وَكَذَا فعل عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ - وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وَفِيه قَول ثَالِث: أَن المُرَاد بِهِ: لَئِن ابتدأت بقتلي مَا أَنا بمبتدئ بقتلك، وَالصَّحِيح [آخر] الْقَوْلَيْنِ.

المائدة 5:29

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس، وَابْن مَسْعُود: مَعْنَاهُ: أَن ترجع بإثم قَتْلِي وإثم مَعَاصِيك الَّتِي سبقت، فَإِن قابيل كَانَ رجل سوء، وَقيل: كَانَ كَافِرًا، وَقيل: هُوَ أحد اللَّذين ذكرهمَا الله - تَعَالَى - فِي " حم السَّجْدَة ": ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا رَبنَا أرنا اللَّذين أضلانا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ فَالَّذِي من الْجِنّ إِبْلِيس، وَالَّذِي من الْإِنْس قابيل، وَقَالَ مُجَاهِد: معنى قَوْله: ﴿أَن تبوء بإثمي وإثمك﴾ : أَن ترجع بإثم قَتْلِي، وإثم معصيتك الَّتِي لم يتَقَبَّل لأَجلهَا قربانك، أَو إِثْم حسدك إيَّايَ، وَهَذَا اخْتِيَار الزّجاج، وَقَالَ ابْن كيسَان: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك؛ على طَرِيق التَّمْثِيل، يَعْنِي: لَو قتلت أَنا كَانَ عليّ الْإِثْم، وَلَو قتلت أَنْت كَانَ عَلَيْك الْإِثْم، فَأَنا لَا أقتل حَتَّى تقتل أَنْت؛ فتبوء بالإثمين، فَيكون كلا الإثمين عَلَيْك، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك، وَإِرَادَة الْقَتْل وَالْمَعْصِيَة لَا تجوز؟ أجابوا عَنهُ من وُجُوه: أَحدهَا: قَالُوا: لَيْسَ ذَلِك بِحَقِيقَة إِرَادَة، وَلكنه لما علم أَنه يقْتله لَا محَالة، ووطن نَفسه على الاستسلام؛ طلبا للثَّواب، فَكَأَنَّهُ مُرِيد لقَتله مجَازًا وَإِن لم يكن مرِيدا حَقِيقَة، وَقيل مَعْنَاهُ: إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بعقاب قَتْلِي، وعقاب قَتلك؛ فَتكون إِرَادَة على مُوَافقَة حكم الله - تَعَالَى - فِيهِ، وَلَا تكون إِرَادَة للْقَتْل بل لموجب الْقَتْل من الْإِثْم وَالْعِقَاب، وَفِيه قَول ثَالِث: أَن مَعْنَاهُ: إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك؛ فَكَأَنَّهُ كَانَ يمنعهُ عَن الْقَتْل، وَأَرَادَ ترك الْقَتْل؛ كَيْلا يبوء بالإثم.

المائدة 5:30

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فطوعت لَهُ نَفسه قتل أَخِيه﴾ قَالَ مُجَاهِد: فشجعت لَهُ نَفسه، وَقَالَ قَتَادَة: زينت لَهُ نَفسه، وَقيل: سهلت، وانقادت لَهُ نَفسه، وَمِنْه يُقَال: ظَبْيَة أطاعت لَهَا أصُول الشَّجَرَة، أَي: انقادت لأكلها. (فَقتله فَأصْبح من الخاسرين) أَي: خسر بقتْله الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، أما الدُّنْيَا: لِأَنَّهُ أَسخط وَالِديهِ، وَبَقِي بِلَا أَخ، وَأما الْآخِرَة: لِأَنَّهُ أَسخط ربه، واستوجب النَّار. والقصة فِي قَتله إِيَّاه: أَنه لما أَرَادَ قَتله لم يعرف كَيفَ يقْتله، فجَاء إِبْلِيس بِحجر، وَقَالَ: اشدخ بِهِ رَأسه، فَفِي رِوَايَة أَنه رَمَاه بذلك الْحجر، وَهُوَ مستسلم لَهُ؛ فشدخ رَأسه، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: اغتاله فِي النّوم، وشدخ رَأسه؛ فَقتله، وشربت الأَرْض دَمه فَلَمَّا جَاءَ إِلَى آدم، قَالَ لَهُ: أَيْن هابيل؟ فَقَالَ: أجعلتني رقيبا عَلَيْهِ، مَا أَدْرِي! قَالَ لَهُ آدم: إِن الأَرْض تصرخ بدمه إِلَيّ، ثمَّ لعن الأَرْض الَّتِي شربت دَمه، فَلَا تشرب الأَرْض بعد ذَلِك دَمًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَبكى آدم عَلَيْهِ كثيرا، وَأَنْشَأَ يَقُول: (تَغَيَّرت الْبِلَاد وَمن عَلَيْهَا ... وَوجه الأَرْض مغبر قَبِيح) (تغير كل ذِي لون وَطعم ... وَقل بشاشة الْوَجْه الْمليح) وَهَذَا أول قتل جرى فِي بني آدم، وَفِي الْخَبَر " مَا من رجل يقتل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة؛ إِلَّا وعَلى ابْن آدم كفل مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ أول من سنّ الْقَتْل ".

المائدة 5:31

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَبعث الله غرابا يبْحَث فِي الأَرْض﴾ فِي الْقَصَص: أَن قابيل لما (قَتله رَجَعَ إِلَيْهِ) ، وَأَخذه، وَجعله فِي جراب وَحمله على عَاتِقه أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالَ ابْن عَبَّاس، سنة كَامِلَة، قَالَ مُجَاهِد: مائَة سنة حَتَّى أنتن على عَاتِقه، وَمَا كَانَ يعرف مواراته: فَبعث الله غرابين فاقتتلا، [فَقتل] أَحدهمَا الآخر، ثمَّ إِن الْقَاتِل مِنْهُمَا بحث فِي الأَرْض ليواري الثَّانِي، وَقيل: كَانَ ملكا على صُورَة غراب ﴿يبْحَث فِي الأَرْض ليريه كَيفَ يواري سوأة أَخِيه﴾ أَي: جيفة أَخِيه، وَقيل: عَورَة أَخِيه؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد سلبه ثِيَابه. ﴿قَالَ يَا ويلتي﴾ وَهَذِه كلمة دُعَاء الْهَلَاك ﴿أعجزت أَن أكون﴾ أضعفت أَن أكون ﴿مثل هَذَا الْغُرَاب فأواري سوأة أخي فَأصْبح من النادمين﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: هَل كَانَ ندمه على الْقَتْل تَوْبَة مِنْهُ؟ قيل: لم يكن نَدم على الْقَتْل، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنه أصبح من النادمين على حمله على عَاتِقه، (والتطواف) بِهِ؛ لما (لحقه) من التَّعَب فِيهِ، وَقيل: إِنَّمَا نَدم لقلَّة النَّفْع بقتْله؛ فَإِنَّهُ أَسخط وَالِديهِ، وَمَا نفع بقتْله شَيْئا؛ فندم على ذَلِك، لَا أَنه نَدم على الْقَتْل، وَفِي الْقِصَّة أَنه لما قَتله استوحش من النَّاس، وَكَانَ كلما لَقِي إنْسَانا ظن أَنه يَأْتِي ليَقْتُلهُ فهرب مِنْهُ، وَكَانَ هَكَذَا أبدا حَتَّى قَتله بعض أَوْلَاده.

المائدة 5:32

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿من أجل ذَلِك﴾ أَي: من خِيَانَة ذَلِك ﴿كتبنَا على بني إِسْرَائِيل أَنه من قتل نفسا بِغَيْر نفس أَو فَسَاد فِي الأَرْض﴾ قَرَأَ الْحسن: " أَو فَسَاد فِي الأَرْض " تَقْدِيره بِغَيْر نفس، وَبِغير أَن عمل فَسَادًا فِي الأَرْض، وَالْمَعْرُوف: أَو فَسَاد فِي الأَرْض، وَتَقْدِيره: بِغَيْر نفس، وَبِغير فَسَاد فِي الأَرْض: من كفر، أَو زنا، وَنَحْوه، يُوجب إِبَاحَة قَتله على مَا قَالَه: " لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث كفر بعد إِيمَان أَو زنا بعد إِحْصَان أَو قتل نفس بِغَيْر نفس ". ﴿فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: من قتل نفسا بِغَيْر نفس فقد أوبق نَفسه كَمَا إِذا قتل النَّاس جَمِيعًا؛ (فقد أوبق نَفسه) ﴿وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا﴾ أَي: وَمن امْتنع عَن قتل وَاحِد من النَّاس؛ فَيكون كَأَنَّهُ أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا، وَقَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ من قتل نفسا فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا من الْإِثْم، وَمن أَحْيَاهَا، أَي: تعفف وَامْتنع عَن قَتلهَا، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا فِي الثَّوَاب، وَقيل: مَعْنَاهُ: من قتل نفسا، فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا على معنى أَن جَمِيع النَّاس خصماؤه فِيهِ، وَمن أَحْيَاهَا، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا، على معنى أَنهم يشكرونه، ويحمدونه على الْعَفو، أَو ترك الْقَتْل. ﴿وَلَقَد جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ ثمَّ إِن كثيرا مِنْهُم بعد ذَلِك فِي الأَرْض لمسرفون﴾ .

المائدة 5:33

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض﴾ . قَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَة فِي قوم من الْمُشْركين، كَانَ بَينهم وَبَين النَّبِي عهد، فنقضوا الْعَهْد، وَسعوا فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ، وَقَالَ أنس: " الْآيَة فِي رَهْط من عرينة، أَتَوا النَّبِي ووجوههم مصفرة، وبطونهم منتفخة؛ فبعثهم رَسُول الله إِلَى إبل الصَّدَقَة؛ ليشربوا من أبوالها، وَأَلْبَانهَا، فَفَعَلُوا فَلَمَّا صحوا، قتلوا الرَّاعِي، وَاسْتَاقُوا الذود؛ فَبعث سَوَّلَ الله فِي طَلَبهمْ، فأدركوهم، فَأتي بهم إِلَى النَّبِي، فَقتل بَعضهم (وَقطع) بَعضهم من خلاف وسمل أعين بَعضهم، وتركهم فِي الْحرَّة حَتَّى مَاتُوا " وَفِيهِمْ نزلت الْآيَة ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ . قيل: مَعْنَاهُ يُحَاربُونَ أَوْلِيَاء الله، وَقيل: هُوَ صَحِيح فِي الْعَرَبيَّة، فَإِن من عصى غَيره فقد حاربه، فَهَؤُلَاءِ إِذا عصوا الله وَرَسُوله، فكأنهم حَاربُوا الله وَرَسُوله، وَيدخل فِي جُمْلَتهمْ كل العاصين، وقطاع الطَّرِيق، وَغَيرهم. وَقَوله: ﴿أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، أَنه على التَّرْتِيب، أم على التَّخْيِير؟ قَالَ ابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول الْحسن، وَقَتَادَة، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَمُجاهد -: إِنَّهَا على التَّخْيِير، فَيُخَير الإِمَام فِي فعل هَذِه الْأَشْيَاء. القَوْل الثَّانِي: - وَهُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ أَبُو مجلز لَاحق بن حميد -: إِنَّه على التَّرْتِيب، فَإِن قتلوا: قتلوا وصلبوا، وَإِن أخذُوا المَال: قطعُوا من خلاف، وَإِن جمعُوا بَين الْأَخْذ وَالْقَتْل: قطعُوا، وَقتلُوا، إِن أخافوا السَّبِيل وَلم يَأْخُذُوا المَال وَلم يقتلُوا: ينفوا من الأَرْض. ثمَّ اخْتلفُوا فِي النَّفْي، قَالَ الزُّهْرِيّ: إِن الإِمَام يَطْلُبهُ فِي كل بلد يُؤْخَذ، وينفى عَنهُ، وَهَكَذَا فِي كل بلد يذكر بِهِ، يطْلب؛ فينفى عَنهُ، وَهَذَا قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: إِنَّه ينفى من جَمِيع بِلَاد الْإِسْلَام، وَقَالَ أهل الْكُوفَة: النَّفْي من الأَرْض هُوَ الْحَبْس، وَالْحَبْس نفي من الأَرْض، قَالَ الشَّاعِر يصف قوما محبوسين: (خرجنَا من الدُّنْيَا وَنحن من أَهلهَا ... فلسنا من الْأَحْيَاء فِيهَا وَلَا الْمَوْتَى) (إِذا جَاءَنَا السجان يَوْمًا لحَاجَة ... عجبنا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا من الدُّنْيَا) ﴿ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا﴾ أَي: فضيحة: ونكال ( ﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾

المائدة 5:34

إِلَّا الَّذين تَابُوا من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم) قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: إِلَّا الَّذين أَسْلمُوا؛ لِأَنَّهُ حمل الْآيَة الأولى على الْمُشْركين، وَقيل: هُوَ على حَقِيقَة التَّوْبَة، فَإِذا تَابَ قطاع الطَّرِيق قبل الظفر بهم؛ أَمنهم الإِمَام، وَهَذَا محكي عَن عَليّ بن أبي طَالب - رَضِي الله عَنهُ - فَإِنَّهُ أَمن [حَارِثَة] بن بدر لما قطع الطَّرِيق، ثمَّ تَابَ قبل قدرته عَلَيْهِ، وَقيل: إِنَّمَا تَنْفَعهُ التَّوْبَة من حُقُوق الله - تَعَالَى - فَأَما حق الْآدَمِيّ: من الْقود، وَالْمَال فَلَا يسْقط بِالتَّوْبَةِ، وَهَذَا قَول الشَّافِعِي. وَقَوله ﴿من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم﴾ خطاب للأئمة، أَي: من قبل الظفر بهم ﴿فاعلموا أَن الله غَفُور رَحِيم﴾ .

المائدة 5:35

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ الْوَسِيلَة: الْقرْبَة، وَقيل: هُوَ معنى مَا ورد فِي الْخَبَر " الْوَسِيلَة: دَرَجَة فِي الْجنَّة لَيْسَ فَوْقهَا دَرَجَة " وَقَالَ زيد بن أسلم: أَرَادَ بِهِ تحببوا إِلَى الله - تَعَالَى - فالوسيلة بِمَعْنى الْمحبَّة. ﴿وَجَاهدُوا فِي سَبيله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ .

المائدة 5:36

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين كفرُوا لَو أَن لَهُم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه ليفتدوا بِهِ﴾ أَي: لَو كَانُوا مفتدين بِهِ من عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة ﴿مَا تقبل مِنْهُم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ وَفِي الْخَبَر: " يَقُول الله - تَعَالَى - للْكَافِرِ يَوْم الْقِيَامَة: لَو كَانَ لَك ملْء الأَرْض ذَهَبا أَكنت مفتديا بِهِ الْيَوْم؟ فَيَقُول بلَى يَا رب، فَيَقُول الله - تَعَالَى - سُئِلت أَهْون من هَذَا ".

المائدة 5:37

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يُرِيدُونَ أَن يخرجُوا من النَّار وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ فَإِن قيل: إِذا لم يَكُونُوا خَارِجين مِنْهَا، كَيفَ يُرِيدُونَ الْخُرُوج؟ قيل: يُرِيدُونَ ذَلِك جهلا؛ ظنا أَنهم يخرجُون. وَقيل: يتمنون ذَلِك، فَهِيَ إِرَادَة بِمَعْنى التَّمَنِّي، وَلَيْسَ بِحَقِيقَة الْإِرَادَة.

المائدة 5:38

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ وَفِي مصحف ابْن مَسْعُود: فَاقْطَعُوا أيمانهما، وَهُوَ معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ ﴿أَيْدِيهِمَا﴾ وَالْمَذْكُور اثْنَان، وَلم يقل: يديهما؟ قيل: لم يرد بِهِ سَارِقا وَاحِدًا، أَو سارقة وَاحِدَة، وَإِنَّمَا ذكر الْجِنْس؛ فَلذَلِك ذكر الْأَيْدِي. قَالَ الْفراء، والزجاج: كل مَا يوحد فِي الْإِنْسَان، فَإِذا ذكر مِنْهُ اثْنَان يجمع؛ يَقُول الله - تَعَالَى - ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ وَتقول الْعَرَب: مَلَأت ظهورهما وبطونهما ضربا، وَلكُل وَاحِد ظهر وبطن وَاحِد، فَكَذَلِك الْيَمين للْإنْسَان وَاحِدَة؛ فَيجمع عِنْد التَّثْنِيَة، فَإِن قيل: قد أَمر هُنَا بِقطع آلَة السّرقَة، وَلم يَأْمر فِي الزِّنَا بِقطع آلَة الزِّنَا، فَمَا الْحِكْمَة فِيهِ؟ قيل: كِلَاهُمَا ثَبت شرعا، غير مَعْقُول الْمَعْنى. وَقيل: الْحِكْمَة فِيهِ: أَن من قطع الذّكر قطع النَّسْل، وَلَيْسَ ذَلِك فِي قطع الْيَد؛ أَو لِأَن الْيَد إِذا قطعت، وانزجر عَن السّرقَة، تبقى لَهُ الْيَسَار؛ عوضا عَن الْيَمين، وَأما الذّكر إِذا قطع، وَحصل الانزجار، لَا يبْقى لَهُ عوض عَن الذّكر [فَلذَلِك] افْتَرقَا ﴿جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله﴾ النكال: كل عُقُوبَة تمنع الْإِنْسَان عَن فعل مَا عُوقِبَ عَلَيْهِ ﴿وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ وَمَعْنَاهُ: مقتدر على معاقبة الْخلق، ﴿حَكِيم﴾ فِيمَا أوجب من الْعقُوبَة، وَحكى عَن الْأَصْمَعِي أَنه [قَالَ] : قد كنت أَقرَأ هَذِه الْآيَة وبجنبي أَعْرَابِي، فَقَرَأت: نكالا من الله وَالله غَفُور رَحِيم؛ فَقَالَ الْأَعرَابِي: هَذَا كَلَام من؟ فَقلت: كَلَام الله، فَقَالَ الْأَعرَابِي: لَيْسَ هَذَا من كَلَام الله. فتنبهت وقرأت ﴿نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ فَقَالَ الْأَعرَابِي: هَذَا كَلَام الله، ثمَّ سَأَلته عَن ذَلِك، فَقَالَ: إِن الله لَا يذكر الْعقُوبَة على العَبْد ثمَّ يَقُول: " وَالله غَفُور رَحِيم "، وَإِنَّمَا يَلِيق بِذكر الْعقُوبَة: الْعَزِيز الْحَكِيم.

المائدة 5:39

قَوْله - تَعَالَى -: (فَمن تَابَ من بعد ظلمه وَأصْلح فَإِن الله يَتُوب عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم) قَالَ مُجَاهِد: قطع السَّارِق تَوْبَته، فَإِذا قطع، فقد حصلت التَّوْبَة، وَالصَّحِيح: أَن الْقطع للجزاء على الْجِنَايَة، كَمَا قَالَ: ﴿جَزَاء بِمَا كسبا﴾ فَلَا بُد من التَّوْبَة بعده، وتوبته: النَّدَم على مَا مضى، والعزم على تَركه فِي الْمُسْتَقْبل.

المائدة 5:40

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ألم تعلم أَن الله لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ الْخطاب مَعَ الرَّسُول، وَالْمرَاد بِهِ الْجَمِيع، وَقيل (مَعْنَاهُ) : ألم تعلم أَيهَا الْإِنْسَان؛ فَيكون خطابا لكل وَاحِد من النَّاس. ﴿يعذب من يَشَاء وَيغْفر لمن يَشَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يعذب من يَشَاء على الصَّغِيرَة، وَيغْفر لمن يَشَاء الْكَبِيرَة، وَقَالَ غَيره: يعذب من يَشَاء: من مَاتَ مصرا، وَيغْفر لمن يَشَاء: من مَاتَ تَائِبًا ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ .

المائدة 5:41

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر﴾ أَي: لَا يحزنك مسارعتهم فِي الْكفْر؛ فَإِن قيل: كَيفَ لَا يحزنهُ كفرهم، وَالْإِنْسَان يحزن على كفر الْغَيْر ومعصيته؛ شَفَقَة على الدّين؟ قيل: مَعْنَاهُ: لَا يحزنك فعل الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر، على (معنى: أَن) فعلهم لَا يَضرك. ﴿من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين. ﴿وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود ﴿سماعون للكذب﴾ أَي: وهم سماعون للكذب، أَي: قَائِلُونَ للكذب، كَقَوْل الْمُصَلِّي: سمع الله لمن حَمده. أَي: قبل الله لمن حَمده. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: سماعون لأجل الْكَذِب؛ فَإِنَّهُم كَانُوا ﴿قُلُوبهم وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه يَقُولُونَ إِن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا وَمن يرد﴾ يسمعُونَ من الرَّسُول، وَيخرجُونَ، ويكذبون ﴿سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك﴾ أَي: جواسيس لقوم آخَرين لم يأتوك، وهم أهل خَيْبَر، يصف الْمُنَافِقين وَالْيَهُود، وَأما المُنَافِقُونَ: كَانُوا جواسيس الْيَهُود، وَأما الْيَهُود كَانُوا جواسيس لأهل خَيْبَر، وَسُئِلَ سُفْيَان: هَل فِي الْقُرْآن للجاسوس ذكر؟ فَقَالَ: (بلَى) وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة. ﴿يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه﴾ أَي: من بعد مَا وَضعه الله موَاضعه، وتحريفهم الْكَلم: هُوَ كتمان آيَة الرَّجْم. ﴿وَيَقُولُونَ إِن أويتم هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا﴾ . سَبَب نزُول الْآيَة [هَذِه] : أَن يهوديين زَنَيَا من أَشْرَاف الْيَهُود، فكرهوا رجمهما؛ فَقَالُوا: نبعث إِلَى مُحَمَّد نَسْأَلهُ، فَإِن أفتى بِالْجلدِ وتحميم الْوَجْه، نَأْخُذ بِهِ، وَإِن أفتى بِغَيْرِهِ، لَا نَأْخُذ بِهِ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِن أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يَعْنِي: مَا توافقوا عَلَيْهِ من الْجلد وَالتَّحْمِيم ﴿فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا﴾ أَي: إِن أفتى بِالرَّجمِ فَلَا تَأْخُذُوا بِهِ، وَقيل: " إِن هَذَا كَانَ فِي يهود خَيْبَر، فبعثوا إِلَى يهود الْمَدِينَة حَتَّى يسألوه، فسألوا رَسُول الله، فَأفْتى بِالرَّجمِ " وَتَمام الْقِصَّة: " أَنه - عَلَيْهِ السَّلَام - دَعَا ابْن صوريا الْأَعْوَر، وَقَالَ: أنْشدك بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى، مَا حد الزِّنَا فِي كتابكُمْ؟ فَقَالَ: أما إِنَّك إِذا أنشدتني بِاللَّه، فحد الزِّنَا فِي كتَابنَا: الرَّجْم، لَكِن كثر الزِّنَا فِي أشرافنا؛ فَكُنَّا إِذا زنى الشريف منا تَرَكْنَاهُ، وَإِذا زنا الوضيع رجمناه، ثمَّ اتفقنا على أَمر يَسْتَوِي فِيهِ الشريف والوضيع، وَهُوَ الْجلد وَالتَّحْمِيم، فَقَالَ: أَنا أَحَق بإحياء سنة أماتوها، ودعا باليهوديين اللَّذين زَنَيَا وَأمر برجمهما " والْحَدِيث فِي صَحِيح مُسلم. وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَنَّهَا فِي الْقَتْل، والقصة فِي ذَلِك: أَن بني النَّضِير كَانَ لَهُم قتل على بني قُرَيْظَة، وَكَانَ الْقرظِيّ إِذا قتل يسْأَل مُحَمَّدًا؛ فَإِن أفتى بِالدِّيَةِ يَأْخُذ بِهِ، وَإِن أفتى بغَيْرهَا يحذرهُ، فَسَأَلُوهُ. فَأفْتى بالقود. فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا﴾ وَالْأول أصح ﴿وَمن يرد الله فتنته﴾ قَالَ السّديّ: ضلالته، وَقَالَ الْحسن: عَذَابه، وَقَالَ الزّجاج: فضيحته ﴿فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا﴾ أَي: فَلَنْ تقدر على دفع أَمر الله فِيهِ. ﴿أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم﴾ وَفِيه دَلِيل على من يُنكر الْقدر ﴿لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي﴾ وَيرجع هَذَا إِلَى الْمُنَافِقين، وَالْيَهُود، أما خزي الْمُنَافِقين: أَنه أظهر نفاقهم فِي الدُّنْيَا، وَأما خزي الْيَهُود: أَنه بَين تحريفهم ﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ .

المائدة 5:42

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿سماعون للكذب﴾ (ذكره) ثَانِيًا مُبَالغَة وتأكيدا ﴿أكالون للسحت﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: هُوَ الرِّشْوَة، والسحت: الْحَرَام، قَالَ: (كل لحم نبت من سحت فَالنَّار أولى بِهِ " وأصل السُّحت: الاستئصال؛ فالحرام سحت؛ لِأَنَّهُ يستأصل الْبركَة، قَالَ الشَّاعِر: (وعضّ زمَان يَا بن مَرْوَان لم يدع ... من المَال إِلَّا مسحت أَو مجلف) يَعْنِي: إِلَّا مَال لَا بركَة فِيهِ، وَأَشْيَاء قَلَائِل ﴿فَإِن جاءوك فاحكم بَينهم أَو أعرض عَنْهُم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ مَنْسُوخ بقوله: ﴿وان احكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ وَبِه قَالَ مُجَاهِد، وَعِكْرِمَة. وَقَالَ الشّعبِيّ: وَالنَّخَعِيّ - وَهُوَ قَول الْحسن - إِنَّهَا لَيست بمنسوخة. قَالَ الْحسن: لَيْسَ فِي الْمَائِدَة آيَة مَنْسُوخَة، وَقَالُوا: معنى قَوْله: ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ يَعْنِي إِن حكمت واخترت الحكم، وَلَيْسَ بِأَمْر حتم هَذَا التَّخْيِير بَين الحكم والإعراض فِيمَا إِذا تحاكم ذميان، فَأَما إِذا تحاكم مُسلم وذمي يجب الحكم. وَقيل: هَذَا التَّخْيِير فِي الحكم بِحُقُوق الله - تَعَالَى - وَأما فِي حُقُوق الْآدَمِيّين فَلَا بُد من الحكم. ﴿وَإِن تعرض عَنْهُم فَلَنْ يضروك شَيْئا وَإِن حكمت فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ ﴿إِن الله يحب المقسطين﴾ .

المائدة 5:43

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَيف يحكمونك وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله﴾ هَذَا تعجيب للرسول، يَعْنِي: كَيفَ يتحاكمون إِلَيْك، وَفِي زعمهم أَن عِنْدهم التَّوْرَاة وَهِي الْحق، وَأَنَّك كَاذِب؟ ﴿ثمَّ يتولون من بعد ذَلِك﴾ أَي: لَا يرضون بحكمك ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَي: بمصدقين لَك.

المائدة 5:44

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا﴾ أَي: أَسْلمُوا لأمر الله، كَمَا قَالَ لإِبْرَاهِيم: ﴿أسلم قَالَ أسلمت لرب {أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلَا تخشوا النَّاس واخشون﴾ الْعَالمين) أَي: سلمت لأمر رب الْعَالمين، وَأَرَادَ بِهِ: النَّبِيين الَّذين بعثوا بعد مُوسَى؛ ليحكموا على حكم التَّوْرَاة، وَقَوله: ﴿للَّذين هادوا﴾ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: فِيهَا هدى، وَنور للَّذين هادوا، ثمَّ قَالَ: ﴿يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا والربانيون﴾ وَقيل: هُوَ على مَوْضِعه، وَمَعْنَاهُ: يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا على الَّذين هادوا، وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم اللَّعْنَة﴾ أَي: عَلَيْهِم اللَّعْنَة، وَقَالَ لعَائِشَة: " اشترطي لَهُم الْوَلَاء " أَي: عَلَيْهِم الْوَلَاء كَذَا قَالَ النّحاس، وَقيل: فِيهِ حذف، كَأَنَّهُ قَالَ: للَّذين هادوا على الَّذين هادوا؛ فَحذف أَحدهمَا؛ اختصارا ﴿والربانيون﴾ قَالَ أَبُو رزين: هم الْعلمَاء الْحُكَمَاء، وأصل الرباني: رب الْعلم، فزيد فِيهِ الْألف وَالنُّون؛ للْمُبَالَغَة، وَقيل: الربانيون من النَّصَارَى، والأحبار من الْيَهُود، وَقيل: كِلَاهُمَا من الْيَهُود، والربانيون فَوق الْأَبَّار. قَالَ الْمبرد: والأحبار: مَأْخُوذ من التحبير، وَهُوَ التحسين، وَمِنْه الحَدِيث: " يخرج من النَّار رجل قد ذهب حبره وسبره " أَي حسنه وجماله، وَقيل: هُوَ من التحبير بِمَعْنى التَّأْثِير، وَمِنْه الحبر، فَسمى الْعَالم: حبرًا؛ لتأثير علمه فِيهِ وَفِي غَيره، كَأَنَّهُ الْعَالم الْعَامِل، والحبر والحبر وَاحِد، وَجمعه الْأَحْبَار، قَالَ الْفراء: وَأكْثر مَا سَمِعت: الحبر - بِكَسْر الْحَاء - وَجمعه أَحْبَار. ﴿مَا استحفظوا﴾ أَي: بِمَا استودعوا ﴿من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلَا تخشوا النَّاس واخشون وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا﴾ . ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ الْبَراء بن عَازِب - وَهُوَ قَول الْحسن -: الْآيَة فِي الْمُشْركين. قَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَة فِي الْمُسلمين، وَأَرَادَ بِهِ كفر دون كفر، وَاعْلَم أَن الْخَوَارِج يستدلون بِهَذِهِ الْآيَة، وَيَقُولُونَ: من لم يحكم بِمَا أنزل الله فَهُوَ كَافِر، وَأهل السّنة قَالُوا: لَا يكفر بترك الحكم، وللآية تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا مَعْنَاهُ: وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله ردا وجحدا فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ. وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: وَمن لم يحكم بِكُل مَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ، وَالْكَافِر هُوَ الَّذِي يتْرك الحكم بِكُل مَا أنزل الله دون الْمُسلم.

المائدة 5:45

قَوْله تَعَالَى: ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص﴾ وَيقْرَأ بقراءتين من قَوْله: ﴿وَالْعين بِالْعينِ﴾ فَيقْرَأ بِالنّصب إِلَى آخِره، وَيقْرَأ بِالرَّفْع. شرع الْقصاص فِي النَّفس والأطراف فِي هَذِه الْآيَة، وَأَشَارَ إِلَى أَنه كَانَ حكم التَّوْرَاة ﴿فَمن تصدق بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالْعَفو عَن الْقصاص ﴿فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ﴾ اخْتلفُوا فِي أَن كِنَايَة الْهَاء رَاجِعَة إِلَى من؟ قَالَ ابْن مَسْعُود، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: هُوَ رَاجع إِلَى الْمَجْرُوح، يَعْنِي: الْعَفو، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ رَاجع إِلَى الْجَارِح، كَأَنَّهُ جعل الْعَفو كالاستيفاء مِنْهُ؛ فَيكون كَفَّارَة لَهُ كَمَا لَو اقْتصّ مِنْهُ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ .

المائدة 5:46

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وقفينا على آثَارهم﴾ يَعْنِي: أتبعنا على آثَارهم، وَأَرَادَ بِهِ: النَّبِيين الَّذين أَسْلمُوا ﴿بِعِيسَى ابْن مَرْيَم مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التوارة﴾ يَعْنِي: عِيسَى مُصدقا بِالتَّوْرَاةِ. ﴿وآتينا الْإِنْجِيل فِيهِ هدى وَنور ومصدقا﴾ يَعْنِي: الْإِنْجِيل ﴿لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَهدى وموعظة لِلْمُتقين﴾ .

المائدة 5:47

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل﴾ يَعْنِي: وَقُلْنَا: وليحكم أهل الْإِنْجِيل ﴿مَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ .

المائدة 5:48

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب﴾ يَعْنِي: سَائِر الْكتب الْمنزلَة قبله ﴿ومهيمنا عَلَيْهِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي: أَمينا عَلَيْهِ. قَالَ (الْمبرد) : أَصله: مؤيمنا، فقلبت الْهمزَة هَاء، كَمَا يُقَال: أرقت المَاء وهرقته. وَمَعْنَاهُ: الْأمين، وَقيل: مَعْنَاهُ: شَاهدا عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: رقيبا حَافِظًا، والمعاني مُتَقَارِبَة، وَمعنى الْكل أَن كل [كتاب] يصدقهُ الْقُرْآن، وَيشْهد بصدقه، فَهُوَ كتاب الله، وَمَا لَا فَلَا. وَقَرَأَ مُجَاهِد " ومهيمنا " بِفَتْح الْمِيم، يَعْنِي: مُحَمَّد مؤيمنا عَلَيْهِ، وَفِي الْأَثر أَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: إِذا دَعَوْت الله فهيمنوا أَي أمنُوا " قَالَ الشَّاعِر: (أَلا إِن خير النَّاس بعد مُحَمَّد ... مهيمنه تاليه فِي الْعرف والنكر) أَرَادَ أَبَا بكر أمينة وحافظه، يتلوه فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ﴿فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم عَمَّا جَاءَك من الْحق﴾ أَي: لَا تعرض عَمَّا جَاءَك وتتبع أهواءهم. ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ فالشرعة: الطَّرِيق الْوَاضِح، وَكَذَلِكَ الْمِنْهَاج. قَالَ الْمبرد: الشرعة: ابْتِدَاء الطَّرِيق، والمنهاج: الطَّرِيق المستمر. وَاعْلَم أَن الشَّرَائِع مُخْتَلفَة، وَلكُل قوم شَرِيعَة، فلأهل التَّوْرَاة شَرِيعَة، وَلأَهل الْإِنْجِيل شَرِيعَة، وَلأَهل الْإِسْلَام شَرِيعَة، وَأما الدّين فِي الْكل وَاحِد، وَهُوَ التَّوْحِيد. ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن ليَبْلُوكُمْ﴾ أَي: ليختبركم. ﴿فِيمَا آتَاكُم فاستبقوا الْخيرَات﴾ فبادروا إِلَى الْخيرَات ﴿إِلَى الله مرجعكم جَمِيعًا فينبئكم بِمَا كُنْتُم فِي تختلفون﴾ .

المائدة 5:49

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل الله إِلَيْك﴾ قيل: سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن قوما من رُؤَسَاء الْيَهُود جَاءُوا إِلَى النَّبِي وَقَالُوا: يَا مُحَمَّد، لَو آمنا بك آمن بك غَيرنَا، وَلنَا خصومات بَين النَّاس؛ فَاقْض لنا عَلَيْهِم؛ نؤمن بك، ويتبعنا غَيرنَا "، وَلم يكن قصدهم الْإِيمَان بِهِ، وَإِنَّمَا قصدُوا التلبيس، ودعوته إِلَى الحكم بالميل؛ فَنزلت الْآيَة. ﴿واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل الله إِلَيْك فَإِن توَلّوا﴾ فَإِن أَعرضُوا ﴿فَاعْلَم أَنما يُرِيد الله أَن يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم﴾ وَقيل: مَعْنَاهُ: بِكُل ذنوبهم، فَعبر بِالْبَعْضِ عَن الْكل، وَقيل: مَعْنَاهُ: يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم فِي الدُّنْيَا ﴿وَإِن كثيرا من النَّاس لفاسقون﴾ .

المائدة 5:50

وَقَوله: ﴿أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ﴾ يقْرَأ بِالْيَاءِ وَالتَّاء ومعناهما وَاحِد يَعْنِي أَنهم إِذا لم يرْضوا بِحكم الله، وَأَرَادُوا خلاف حكم الله، فقد طلبُوا حكم الْجَاهِلِيَّة، وَقَرَأَ الْحسن، وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش، والأعرج: أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة بِمَعْنى: الْحَاكِم. يَبْغُونَ: يطْلبُونَ ﴿وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾

المائدة 5:51

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ قيل: نزلت فِي عبَادَة بن الصَّامِت، وَعبد الله بن أبي سلول اخْتَصمَا فَقَالَ عبَادَة: أَنا أَتَبرأ من الْيَهُود وَلَا أتولاهم، وَقَالَ عبد الله بن أبي: أَنا أتولاهم وَلَا أَتَبرأ مِنْهُم؛ فَإِنِّي أخْشَى الدَّوَائِر، فَنزلت الْآيَة وَقيل: نزلت فِي أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر بَعثه النَّبِي إِلَى بني قُرَيْظَة حِين حَاصَرَهُمْ، فاستشاروا فِي النُّزُول، وَقَالُوا: مَاذَا يصنع بِنَا إِذا نزلنَا؟ فَأَشَارَ إِلَيْهِم بِالْقَتْلِ، وَجعل أُصْبُعه على حلقه يَعْنِي: يقتلكم؛ متنصحا لَهُم، وَقيل: نزلت فِي يَوْم أحد، فَإِنَّهُ لما انْقَضى حَرْب أحد، وَأصَاب الْمُسلمين مَا أَصَابَهُم، قَالَ بعض أهل الْمَدِينَة: نَحن نتولى الْيَهُود، وَقَالَ بَعضهم: نتولى النَّصَارَى؛ فَإنَّا نخشى أَن لَا يتم أَمر مُحَمَّد، وَأَن يَدُور الْأَمر علينا؛ فَنزلت الْآيَة: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ .

المائدة 5:52

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فترى الَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ أَي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فيهم﴾ يَعْنِي: فِي معونتهم وموالاتهم، وَفِيه حذف، كَمَا قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي: أهل الْقرْيَة ﴿يَقُولُونَ نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: نخشى أَن لَا يتم أَمر مُحَمَّد؛ فيدور الْأَمر علينا، وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: نخشى أَن يكون قحط؛ فَلَا يتفضلوا علينا بالثمار؛ [إِذْ] كَانَت الْيَهُود أَصْحَاب النخيل وَالثِّمَار، وَالْأول أصح. ﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ فتح مَكَّة. وَقيل (هُوَ فتح) قرى الْيَهُود مثل خَيْبَر، وفدك، وتيما ووادي الْقرى. ﴿أَو أَمر من عِنْده﴾ قيل: هُوَ إتْمَام أَمر مُحَمَّد، وَقيل: هُوَ إجلاء بني النَّضِير، وَقيل: قتل بني قُرَيْظَة، وَقيل: هُوَ الْإِخْبَار بأسماء الْمُنَافِقين؛ ليفتضحوا. {فيصبحوا على مَا أَسرُّوا فِي أنفسهم نادمين

المائدة 5:53

وَيَقُول الَّذين آمنُوا) يَعْنِي: [للْيَهُود] حِين انْكَشَفَ حَال الْمُنَافِقين: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسمُوا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم إِنَّهُم لمعكم حبطت أَعْمَالهم فَأَصْبحُوا خاسرين﴾ .

المائدة 5:54

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه﴾ وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة وَالشَّام: " من يرتدد " وَالْمعْنَى وَاحِد ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ عَليّ، وَالْحسن: نزل هَذَا فِي أبي بكر وَأَصْحَابه. وَكَانَ الْحسن يحلف على هَذَا، أَنه نزل فِي أبي بكر وَأَصْحَابه، وَذَلِكَ أَن النَّبِي لما خرج إِلَى رَحْمَة الله ارْتَدَّت الْعَرَب، وَلم يبْق الْإِسْلَام إِلَّا فِي ثَلَاثَة مَسَاجِد: مَسْجِد مَكَّة، وَمَسْجِد الْمَدِينَة، وَمَسْجِد الْبَحْرين؛ فهم أَبُو بكر بِالْقِتَالِ، وَكره الصَّحَابَة ذَلِك، وَقَالُوا: إِن بَعضهم منع الزَّكَاة، وَلم يتْركُوا الصَّلَاة، وَقَالَ أَبُو بكر: وَالله (لأقاتلن من) فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة، وَقيل: إِنَّه سل سَيْفه، وَخرج وَحده، وَقَالَ: أقَاتل وحدي، ثمَّ وَافقه الصَّحَابَة، قَالَ ابْن مَسْعُود: كرهنا ذَلِك لَك فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ حمدناه عَلَيْهِ فِي الِانْتِهَاء، قَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش: سَمِعت أَبَا حُصَيْن يَقُول: مَا ولد مَوْلُود بعد النَّبِيين أفضل من أبي بكر، لقد قَامَ مقَام نَبِي من الْأَنْبِيَاء، يَعْنِي: فِي قتال أهل الرِّدَّة، وردهم إِلَى الْإِسْلَام. وروى عِيَاض الْأَشْعَرِيّ: " أَن النَّبِي قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم﴾ وَأَشَارَ إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَقَالَ: هَذَا وَأَصْحَابه " وَكَانُوا من أهل الْيمن، وَلأَهل الْيمن أَمر عَظِيم فِي الْفتُوح الَّتِي وَقعت فِي الْإِسْلَام، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الْإِيمَان يمَان، وَالْحكمَة يَمَانِية " وَقيل: أَرَادَ بِالْآيَةِ: قوما كَانَ أَكْثَرهم من أهل الْيمن؛ فتحُوا الْقَادِسِيَّة فِي زمَان عمر. وَالْأول أصح ﴿أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ﴾ لَيْسَ من الذل، وَإِنَّمَا هُوَ من الذلة، وَهِي اللين. وَقَوله: ﴿أعزة على الْكَافرين﴾ لَيْسَ من الْعِزّ وَإِنَّمَا هُوَ من الْعِزَّة؛ وَهِي: الشدَّة، يَعْنِي: أَن جانبهم لين على الْمُؤمنِينَ، شَدِيد على الْكَافرين، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ غلظاء على الْكَافرين " وَهِي معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة. ﴿يجاهدون فِي سَبِيل الله لَا يخَافُونَ لومة لائم﴾ يَعْنِي: لَا يخَافُونَ فِي الله لوم النَّاس، وروى ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أَرَادَ الْجنَّة لَا شكّ، فَلَا يخَاف فِي الله لومة لائم " ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾ . قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله﴾ هَذَا رَاجع إِلَى قَوْله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء﴾ لما مَنعهم من مُوالَاة الْيَهُود وَالنَّصَارَى، دعاهم إِلَى مُوالَاة الله وَرَسُوله. ﴿وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ﴾ يَعْنِي: مصلون؛ إِلَّا أَنه خص الرُّكُوع تَشْرِيفًا، وَقيل: مَعْنَاهُ: خاضعون، وَقَالَ السّديّ: - وَهُوَ رِوَايَة عَن مُجَاهِد - إِن هَذَا أنزل فِي عَليّ بن أبي طَالب، كَانَ فِي الرُّكُوع، ومسكين يطوف فِي الْمَسْجِد فَنزع خَاتمه، وَدفع إِلَيْهِ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ﴾ وَعَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر أَنه قَالَ: نزلت الْآيَة فِي الْمُؤمنِينَ، فَقيل لَهُ: إِن قوما يَقُولُونَ: إِن الْآيَة نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب، فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: عَليّ من الْمُؤمنِينَ.

المائدة 5:55

وَقَوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله﴾ أَرَادَ بِهِ: الْولَايَة فِي الدّين، لَا ولَايَة الْإِمَارَة والسلطنة، وهم فَوق كل ولَايَة، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَكَذَلِكَ معنى قَوْله: " من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ " يَعْنِي: من كنت وليا لَهُ، أعينه وأنصره، فعلي يُعينهُ وينصره فِي الدّين.

المائدة 5:56

قَوْله: ﴿وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ أَي: جند الله هم الغالبون،

المائدة 5:57

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هذوا وَلَعِبًا﴾ هَذَا فِي الْيَهُود، كَانُوا إِذا سمعُوا الْمُؤَذّن ضحكوا، وتغامزوا بَينهم ﴿من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ يَعْنِي: الْيَهُود ﴿وَالْكفَّار﴾ : سَائِر الْكَفَرَة ﴿أَوْلِيَاء﴾ أَي: لَا تَتَّخِذُوا هَؤُلَاءِ أَوْلِيَاء. وَقَرَأَ الْكسَائي، وَأَبُو عَمْرو: " وَالْكفَّار " بِكَسْر الرَّاء، يَعْنِي: وَمن الْكفَّار، وَكَذَا فِي حرف أبي بن كَعْب " وَمن الْكفَّار أَوْلِيَاء " ( ﴿وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾

المائدة 5:58

وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة اتَّخَذُوهَا هزوا وَلَعِبًا) هَذَا بَيَان لاتخاذهم الدّين هزوا فِي الْآيَة الأولى ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ﴾ . و (فِي) الحكايات: أَن وَاحِدًا من الْمُنَافِقين يُقَال لَهُ: ضَمرَة، سمع الْمُؤَذّن يُؤذن، فَقَالَ: حرق الله الْكَاذِب؛ فَجَاءَهُ خادمه بسراج فِي بعض تِلْكَ اللَّيَالِي، فَوَقَعت شرارة من السراج، وَلم (يشْعر) بِهِ، فَاحْتَرَقَ هُوَ وَمَا فِي الْبَيْت.

المائدة 5:59

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل يَا أهل الْكتاب هَل تَنْقِمُونَ منا﴾ أَي: هَل تَكْرَهُونَ منا ﴿إِلَّا أَن آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل من قبل وَأَن أَكْثَرَكُم فَاسِقُونَ﴾ أَي: هَل تَنْقِمُونَ منا إِلَّا بإيماننا وفسقكم، قَالَ الشَّاعِر: (مَا نقموا من بني أُميَّة إِلَّا ... أَنهم (يحملون) إِن غضبوا) (وَأَنَّهُمْ سادة الْمُلُوك ... وَلَا يصلح إِلَّا عَلَيْهِم الْعَرَب) أَي: كَرهُوا من بني أُميَّة.

المائدة 5:60

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل هَل أنبئكم بشر من ذَلِك مثوبة عِنْد الله﴾ أَي: قل: [هَل] أخْبركُم بشر من ذَلِك ثَوابًا وعاقبة عِنْد الله؟ ﴿من لَعنه الله وَغَضب عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: الْيَهُود ﴿وَجعل مِنْهُم القردة والخنازير﴾ قيل: جعل القردة القردة من الْيَهُود، والخنازير من النَّصَارَى، فَالَّذِينَ جعلهم قردة من الْيَهُود: أَصْحَاب السبت، وَالَّذين جعلهم خنازير من النَّصَارَى: أَصْحَاب الْمَائِدَة، وَقيل: كِلَاهُمَا من الْيَهُود، فَجعل شُبَّانهمْ قردة وشيوخهم خنازير ﴿وَعبد الطاغوت﴾ أَي: وَمن عبد الطاغوت، يَعْنِي من لَعنه الله وَمن عبد الطاغوت وَقَرَأَ حَمْزَة: " وَعبد الطاغوت " بِضَم الْبَاء فِي عبد، وَكسر التَّاء فِي الطاغوت، وَالْمعْنَى وَاحِد، قل الشَّاعِر: (أبني لبينى إِن أمكُم ... أمة وَإِن وَإِنِّي أَبَاكُم عبد) أَي: كأعبد، وَقيل: هَذَا خطأ من حَمْزَة، وَالْأول أصح، وَيقْرَأ فِي الشواذ: " وَعباد الطاغوت " وَيقْرَأ: " وَعَبدَة الطاغوت " وَتَقْدِيره: وَجعل مِنْهُم عباد الطاغوت، وَالْكل فِي الْمَعْنى سَوَاء. ﴿أُولَئِكَ شَرّ مَكَانا وأضل عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ أَي: عَن طَرِيق الْحق.

المائدة 5:61

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا جاءوكم قَالُوا آمنا﴾ قيل: نزلت الْآيَة فِي قوم من الْيَهُود، دخلُوا على النَّبِي، وَقَالُوا: إِنَّا آمنا بك، وَصَدَّقنَاك فِيمَا قلت، وهم يسرون الْكفْر؛ فَنزلت الْآيَة ﴿وَإِذا جاؤكم﴾ يَعْنِي: أُولَئِكَ قَالُوا: آمنا ﴿وَقد دخلُوا بالْكفْر وهم قد خَرجُوا بِهِ﴾ يَعْنِي: دخلُوا كَافِرين، وَخَرجُوا كَافِرين ﴿وَالله أعلم بِمَا كَانُوا يكتمون﴾ .

المائدة 5:62

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَترى كثيرا مِنْهُم يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْم والعدوان﴾ قيل: الْإِثْم: الْمعاصِي، والعدوان: الظُّلم، وَقيل: الْإِثْم: كتمان أَمر مُحَمَّد وَمَا كتموا من التَّوْرَاة، والعدوان مَا زادوا فِي التوارة. ﴿وأكلهم السُّحت﴾ قد بَينا معنى السُّحت، والسحت لُغَتَانِ، وَقيل: أَرَادَ بِهِ أكلهم الرِّبَا ﴿لبئس مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ .

المائدة 5:63

قَوْله: ﴿لَوْلَا ينهاهم الربانيون والأحبار عَن قَوْلهم الْإِثْم وأكلهم السُّحت﴾ يَعْنِي: هلا ينهاهم الربانيون، وَقد ذكرنَا معنى الربانيين، وَقيل: هُوَ مَنْسُوب إِلَى الرب، كالبحراني مَنْسُوب إِلَى الْبَحْرين، والنجراني مَنْسُوب إِلَى نَجْرَان ﴿لبئس مَا كَانُوا يصنعون﴾ وَفِي حرف ابْن مَسْعُود: " يعْملُونَ " وَكِلَاهُمَا وَاحِد.

المائدة 5:64

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت الْيَهُود يَد الله مغلولة﴾ سَبَب هَذَا: أَن الْيَهُود كَانُوا فِي خصب وسعة رزق قبل هِجْرَة النَّبِي، فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، ضيق الله الرزق عَلَيْهِم فَقَالَت الْيَهُود: يَد الله مغلولة: أَي ممسكة لَا ينْفق، كَأَنَّهُمْ نسبوه إِلَى الْبُخْل، وَقَالَ الْحسن: أَرَادوا بِهِ: يَد الله مغلولة لَا يعذبنا [بهَا] ﴿غلت أَيْديهم﴾ يُجِيبهُمْ الله تَعَالَى؛ فَيَقُول: أَنا الْجواد، وهم البخلاء، وأيديهم هِيَ المغلولة الممسكة، قَالَه الزّجاج، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَنهم يُعَذبُونَ يَوْم الْقِيَامَة. ﴿ولعنوا بِمَا قَالُوا﴾ فَمن عَنْهُم أَنهم: مسخوا قردة وَخَنَازِير، وَمن لعنهم: أَنهم ضربت عَلَيْهِم الذلة والجزية. ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان ينْفق كَيفَ يَشَاء﴾ يَعْنِي: [يدا] الله مبسوطتان، يرْزق وَينْفق على مَشِيئَته كَيفَ يَشَاء، قَالَ أهل الْعلم: لَيْسَ فِي هَذَا رد على الْيَهُود فِي إثباتهم الْيَد لله - تَعَالَى - وَإِنَّمَا الرَّد عَلَيْهِم فِي نسبته إِلَى الْبُخْل، وَأما الْيَد: صفة لله - تَعَالَى - بِلَا كَيفَ، وَله يدان، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كلتا يَدَيْهِ يَمِين ". وَالله أعلم بكيفية المُرَاد. ﴿وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا﴾ على معنى أَنه كلما نزلت آيَة كفرُوا بهَا، وازدادوا طغيانا وَكفرا ﴿وألقينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء﴾ قيل: بَين فرق الْيَهُود، وَقيل (بَين) الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقَوله: ﴿إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ دَلِيل على أَن الْيَهُودِيَّة والنصرانية تبقى إِلَى قريب من قيام السَّاعَة ﴿كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله﴾ معنى هَذَا: كلما اجْتَمعُوا ليفسدوا أَمر مُحَمَّد، شتت الله جمعهم، وبدد شملهم. ﴿ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا وَالله لَا يحب المفسدين﴾ .

المائدة 5:65

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو أَن أهل الْكتاب آمنُوا﴾ بِمُحَمد ﴿وَاتَّقوا﴾ يَعْنِي: عَن الْمعاصِي ﴿لكفرنا عَنْهُم سيئاتهم ولأدخلناهم جنَّات النَّعيم﴾ .

المائدة 5:66

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو أَنهم أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم﴾ يَعْنِي: وَلَو أَنهم قَامُوا وَعمِلُوا مَا فِي التَّوْرَاة، وَمَا فِي الْإِنْجِيل وَمَا فِي الْقُرْآن ﴿لأكلوا من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم﴾ قيل: من فَوْقهم من مطر السَّمَاء، وَمن تَحت أَرجُلهم من نَبَات الأَرْض. وَقيل: من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم مَعْنَاهُ: أَنه يُوسع عَلَيْهِم الرزق، قَالَ الزّجاج، وَهُوَ نَظِير قَول الْقَائِل: فلَان فِي الْخَيْر من الْفرق إِلَى الْقدَم، أَي: وسع عَلَيْهِ الْخَيْر، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله ﴿من فَوْقهم﴾ من الْأَشْجَار ﴿وَمن تَحت أَرجُلهم﴾ من النَّبَات، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ ﴿من فَوْقهم﴾ من كسب آبَائِهِم ﴿وَمن تَحت أَرجُلهم﴾ من كسب أبنائهم، وَهَذَا نَظِير قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَنَظِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو استقاموا على الطَّرِيقَة لأسقيناهم مَاء غدقا﴾ ﴿مِنْهُم أمة مقتصدة﴾ أَي: عادلة ﴿وَكثير مِنْهُم سَاءَ مَا يعْملُونَ﴾ .

المائدة 5:67

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ قَالَت عَائِشَة: " من قَالَ: إِن مُحَمَّدًا كتم شَيْئا من الْوَحْي؛ فقد أعظم الْفِرْيَة، وَمن قَالَ: إِن مُحَمَّدًا رأى ربه لَيْلَة الْمِعْرَاج؛ فقد أعظم الْفِرْيَة؛ فَإِن الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ " وَالْخَبَر فِي الصَّحِيح. ﴿وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: مَعْنَاهُ: إِن لم تبلغ الْجَمِيع، وَتركت وَاحِدًا، فَمَا بلغت شَيْئا، يَعْنِي: جرمك فِي ترك التَّبْلِيغ فِي وَاحِد كجرمك فِي ترك الْكل، وَقيل: مَعْنَاهُ: بلغ مَا أنزل إِلَيْك أَي: أظهر تبليغه، وَهَذَا مثل قَوْله - تَعَالَى -: ( ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر﴾ وَإِن لم تفعل) يَعْنِي: وَإِن لم تظهر تبليغه ( ﴿فَمَا بلغت رسَالَته﴾ وَالله يَعْصِمك من النَّاس) . قَالَت عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا -: " كَانَ النَّبِي قبل نزُول هَذِه الْآيَة يَأْتِيهِ قوم فيحرسونه؛ فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة؛ أخرج رَأسه، وَقَالَ: انصرفوا، فَإِن الله يعصمني ". قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: نزلت الْآيَة فِي كَافِر سل سَيْفه، وهم (بقتل النَّبِي) ، فَسقط السَّيْف من يَده، وَجعل يضْرب رَأسه على شَجَرَة حَتَّى [انتثر] دماغه ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾ .

المائدة 5:68

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ أَي: تعملوا بِالْكُلِّ ﴿وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا﴾ هُوَ مَا ذكرنَا ﴿فَلَا تأس﴾ أَي فَلَا تحزن ﴿على الْقَوْم الْكَافرين﴾ .

المائدة 5:69

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا والصابئون وَالنَّصَارَى﴾ قَالَ الْكسَائي، ونحاة الْكُوفَة: تَقْدِيره: هم والصابئون. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَتَقْدِيره: إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ، والصابئون كَذَلِك. وَقَوله: ﴿من آمن بِاللَّه﴾ يَعْنِي: الَّذين آمنُوا بِاللِّسَانِ، من آمن مِنْهُم بِالْقَلْبِ، وَقيل: إِن الَّذين آمنُوا على حَقِيقَة الْإِيمَان. وَقَوله: ﴿من آمن بِاللَّه﴾ أَي: من ثَبت على الْإِيمَان بِاللَّه، وَأما فِي حق الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ، فَهُوَ مَحْمُول على حَقِيقَة الْإِيمَان.

المائدة 5:70

قَوْله - تَعَالَى -: (لقد أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل) قد ذكرنَا الْمِيثَاق ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِم رسلًا كلما جَاءَهُم رَسُول بِمَا لَا تهوى أنفسهم فريقا كذبُوا﴾ يَعْنِي: عِيسَى وَمُحَمّد ﴿وفريقا يقتلُون﴾ يَعْنِي: زَكَرِيَّا وَيحيى،

المائدة 5:71

وَقَوله: ﴿وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة﴾ أَي: عَذَاب ﴿فعموا وصموا ثمَّ تَابَ الله عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: عموا وصموا بعد مُوسَى، ثمَّ تَابَ الله عَلَيْهِم؛ ببعث عِيسَى، ﴿ثمَّ عموا وصموا كثيرا مِنْهُم﴾ بالْكفْر بِمُحَمد ﴿وَالله بَصِير بِمَا يعْملُونَ﴾ .

المائدة 5:72

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ قد ذكرنَا معنى الْمَسِيح، قَالَ النَّخعِيّ: سمي مسيحا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يمسح الأَرْض، (وَأما) الدَّجَّال: يُسمى مسيحا، وَقد ورد الْخَبَر بِكَوْنِهِ مسيحا مُطلقًا؛ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام - قَالَ: " [يقبل] الْمَسِيح من قبل الْمشرق وهمه الْمَدِينَة ". وَورد فِي الْخَبَر: الْمَسِيح الدَّجَّال. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام -: " لَا يدْخل رعب الْمَسِيح الدَّجَّال الْمَدِينَة أبدا ". ﴿وَقَالَ الْمَسِيح يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار﴾ روى أَبُو سُفْيَان طَلْحَة بن نَافِع عَن جَابر: " أَن النَّبِي سُئِلَ مَا الموجبتان؟ فَقَالَ: من وحد الله؛ لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا؛ وَجَبت لَهُ الْجنَّة، وَمن أشرك بِاللَّه؛ وَجَبت لَهُ النَّار " ﴿وَمَا للظاليمن من أنصار﴾ .

المائدة 5:73

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ فِيهِ حذف، أَي: ثَالِث ثَلَاثَة آلِهَة، وَلَا بُد من هَذَا التَّقْدِير؛ لِأَنَّهُ يجوز أَن يُقَال: هُوَ ثَالِث ثَلَاثَة، كَمَا قَالَ: ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ ، وَقَوله: ﴿ثَالِث ثَلَاثَة﴾ هُوَ قَوْلهم: أَب، وَابْن وروح الْقُدس، وَهَذَا قَول اليعقوبية مِنْهُم، وَقَالُوا: روح الْقُدس لَا هُوَ وَلَا غَيره، وَكَذَلِكَ الابْن، وَالله مَجْمُوع الْكل ﴿وَمَا من إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد وَإِن لم ينْتَهوا عَمَّا يَقُولُونَ ليمسن الَّذين كفرُوا﴾ أَي: ليصيبن الَّذين ﴿كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم﴾ .

المائدة 5:74

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفلا يتوبون إِلَى الله ويستغفرونه﴾ أرشدهم إِلَى التَّوْبَة وَالْإِسْلَام ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ .

المائدة 5:75

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله﴾ أَي: مَضَت، وَسميت الْأَيَّام الْمَاضِيَة خَالِيَة؛ لخلوها، وَمعنى هَذَا: أَنا أرسلنَا عِيسَى كَمَا أرسلنَا غَيره [وأعطيناه] من المعجزات مَا أعطينا غَيره من الرُّسُل ﴿وَأمه صديقَة﴾ وَالصديق: كثير الصدْق، وَهُوَ للْمُبَالَغَة، وَمِنْه سمى أَبُو بكر [الصّديق]- رَضِي الله عَنهُ -: صديقا، وَقيل: سمي صديقا؛ لِأَنَّهُ قيل لَهُ: إِن صَاحبك يَقُول: أسرى بِي إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: إِن (هُوَ قَالَ) ذَلِك فقد صدق. ﴿كَانَا يأكلان الطَّعَام﴾ أَي: يتغذيان بِالطَّعَامِ، وَمَعْنَاهُ: أَن من يتغذى بِالطَّعَامِ لَا يكون إِلَهًا يعبد، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ كِنَايَة عَن الْحَدث، يَعْنِي: أَنَّهُمَا يأكلان، ويشربان، ويبولان، ويتغوطان، وَمثل هَذَا لَا يكون إِلَهًا يعبد ﴿انْظُر كَيفَ نبين لَهُم الْآيَات ثمَّ انْظُر أَنى يؤفكون﴾ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَهَذَا من ألطف الْبَيَان، وَقَوله: ﴿يؤفكون﴾ أَي: يصرفون، وَمِنْه سمي الْكَذِب: إفكا؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوف عَن الْحق.

المائدة 5:76

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أتعبدون من دون الله مَا لَا يملك لكم ضرا وَلَا نفعا﴾ يَعْنِي: عِيسَى وَمثله. ﴿وَالله هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ .

المائدة 5:77

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق﴾ الغلو: مُجَاوزَة الْحَد، وَهُوَ مَذْمُوم، وَكَذَلِكَ التَّقْصِير، وَدين الله بَين الغلو، وَالتَّقْصِير ﴿وَلَا تتبعوا أهواء قوم﴾ الْأَهْوَاء: جمع الْهوى، وَهُوَ مَقْصُور، وَأما الْهَوَاء الْمَمْدُود: فَهُوَ الجو، والهوى: كل مَا تَدْعُو إِلَيْهِ شَهْوَة النَّفس، لَا الْحجَّة ﴿قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ . فَإِن قيل: مَا معنى هَذَا التكرير، قَالَ الزّجاج: معنى قَوْله: ﴿ضلوا عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ يَعْنِي: بالإضلال، وَالْأول من الضَّلَالَة، وَقيل: ضلوا من قبل الإضلال، وَضَلُّوا بعد الإضلال؛ فكأنهم ضلوا مرَّتَيْنِ.

المائدة 5:78

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لعن الَّذين كفرُوا من بني إِسْرَائِيل على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ فَالَّذِينَ لعنُوا على لِسَان دَاوُد: هم أَصْحَاب السبت، وَالَّذين لعنُوا على لِسَان عِيسَى: أَصْحَاب الْمَائِدَة، وَأُولَئِكَ الَّذين جعلهم الله قردة، وَهَؤُلَاء الَّذين جعلهم الله خنازير ﴿ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون﴾ .

المائدة 5:79

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ التناهي: تفَاعل من النَّهْي، وَالْمُنكر: كل مَا أنكرهُ الشَّرْع، وَفِي الْخَبَر قَالَ: أول مَا دخل النَّقْص فِي بني إِسْرَائِيل: أَن الرجل مِنْهُم كَانَ إِذا نهى صَاحبه عَن مُنكر، كَانَ لَا يمنعهُ بعد ذَلِك أَن يكون جليسه، وأكيله، وشريبه، فَضرب الله - تَعَالَى - قلب بَعضهم بِالْبَعْضِ، وعمهم بالعقاب، ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، حَتَّى تَأْخُذُوا على يَد الظَّالِم فتأطروه على الْحق أطرا " أَي: تعطفوه.

المائدة 5:80

قَوْله: (ترى كثيرا مِنْهُم يتولون الَّذين كفرُوا) أَي: يوالونهم {لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ

المائدة 5:81

وَلَو كَانُوا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيّ وَمَا أنزل إِلَيْهِ مَا اتخذوهم أَوْلِيَاء) يَعْنِي: الْكفَّار ﴿وَلَكِن كثيرا مِنْهُم فَاسِقُونَ﴾ فَإِن قيل: لم سماهم فاسقين وهم كافرون؟ قيل: مَعْنَاهُ: (خارجون) عَن أَمر الرب، وَالْكفَّار خارجون عَن كل أمره، وَقيل: مَعْنَاهُ: متمردون، أَي: هم مَعَ كفرهم متمردون.

المائدة 5:82

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا﴾ يَعْنِي: مُشْركي مَكَّة، ﴿ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ قيل: إِن الْآيَة فِي قوم من النَّصَارَى، (أَرْبَعِينَ) نَفرا: اثْنَان وَثَلَاثُونَ من الْحَبَشَة، وَثَمَانِية من رُهْبَان الشَّام، جَاءُوا إِلَى النَّبِي، وَأَسْلمُوا، وَفِيهِمْ نزلت الْآيَة لَا فِي النَّصَارَى الْكَفَرَة؛ لأَنهم فِي عَدَاوَة الْمُسلمين مثل الْيَهُود، وَقيل: إِن الَّذين أَسْلمُوا من الْحَبَشَة كَانَ فيهم النَّجَاشِيّ؛ فَقدم جَعْفَر الطيار الْحَبَشَة، فَدَعَاهُ النَّجَاشِيّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ سُورَة مَرْيَم، وَعِنْده الأساقفة والرهبان؛ فبكوا حَتَّى أخضلوا لحاهم، وَأخذ النَّجَاشِيّ قذاة بِيَدِهِ، وَقَالَ: لم يعد عِيسَى مَا قلت، وَلَا قدر هَذَا، وَأَسْلمُوا. وَقيل: نزلت الْآيَة فِي قوم من النَّصَارَى كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بدين عِيسَى، لم يحرفوا، فآمنوا بِمُحَمد. وَقيل: هُوَ فِي كل النَّصَارَى، وَمَعْنَاهُ: أَنهم أَلين عَدَاوَة من الْيَهُود. ﴿ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قَالَ قطرب: القسيس العابد بلغَة الرّوم، وَهُوَ التَّمام فِي اللُّغَة، قَالَ الشَّاعِر: (يمسين من قس (الحَدِيث) غوافلا ... إِلَّا جعبر يات وَلَا [طهاملا] ) والرهبان جمع الراهب، وروى سلمَان: " أَن النَّبِي قَرَأَ: " ذَلِك بِأَن مِنْهُم صديقين وَرُهْبَانًا " وَهَذَا فِي الغرائب.

المائدة 5:83

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن، فَإِن النَّبِي كَانَ قد قَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن؛ فبكوا وَأَسْلمُوا، فَذَلِك معنى قَوْله: ﴿ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ يَعْنِي: من أمة مُحَمَّد؛ فَإِنَّهُم الشاهدون على سَائِر الْأُمَم.

المائدة 5:84

قَوْله - تَعَالَى - ﴿وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه وَمَا جَاءَنَا من الْحق﴾ وَذَلِكَ أَن الْيَهُود قَالُوا: لَو لم آمنتم؟ فَأَجَابُوا: وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه وَمَا جَاءَنَا من الْحق {ونطمع أَن يدخلنا رَبنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحين) الطمع: هُوَ تعلق النَّفس بالشَّيْء مَعَ قُوَّة.

المائدة 5:85

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات﴾ أَي: أَعْطَاهُم الله بِمَا قَالُوا جنَّات ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾ . فَإِن قيل: هَذَا أول قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا﴾ على أَن الْإِيمَان قَول فَرد. قيل: قد ذكر فِي الْآيَة الأولى ﴿مِمَّا عرفُوا من الْحق﴾ فَذكر الْمعرفَة فِي تِلْكَ الْآيَة، وَالْقَوْل فِي هَذِه الْآيَة، ومجموعهما إِيمَان ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ .

المائدة 5:86

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات﴾ أَي: أَعْطَاهُم الله بِمَا قَالُوا جنَّات ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾ . فَإِن قيل: هَذَا أول قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا﴾ على أَن الْإِيمَان قَول فَرد. قيل: قد ذكر فِي الْآيَة الأولى ﴿مِمَّا عرفُوا من الْحق﴾ فَذكر الْمعرفَة فِي تِلْكَ الْآيَة، وَالْقَوْل فِي هَذِه الْآيَة، ومجموعهما إِيمَان ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ .

المائدة 5:87

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ قَالَ (ابْن عَبَّاس) ، وَعَطَاء [وَسعد] ، وَسَعِيد بن جُبَير، وَالسُّديّ: سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن عليا، وَابْن مَسْعُود، وَعُثْمَان بن مَظْعُون، تشاوروا فِي أَن يترهبوا، ويلبسوا المسوح، ويقطعوا المذاكير، ويصوموا الدَّهْر؛ فَبلغ ذَلِك رَسُول الله فَقَالَ: أما إِنِّي أَنَام وأقوم، وَأفْطر وَأَصُوم، وآكل وأشرب، وأنكح، فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني وَنزلت الْآيَة ﴿لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ وَرُوِيَ: أَن عُثْمَان بن مَظْعُون قَالَ: " يَا رَسُول الله، ائْذَنْ لي فِي الرهبانية. فَقَالَ: رَهْبَانِيَّة أمتِي الْجُلُوس فِي الْمَسَاجِد. فَقَالَ: ائْذَنْ لي فِي السياحة فِي الأَرْض. فَقَالَ سياحة أمتِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله. فَقَالَ: ائْذَنْ لي فِي الإخصاء. فَقَالَ: إخصاء أمتِي الصَّوْم ". وَقيل: سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي أُصِيب اللَّحْم؛ فأنتشر واشتهي النِّسَاء فَحرمت اللَّحْم على نَفسِي " فَنزل قَوْله [تَعَالَى] : {لَا تحرموا طبيات مَا أحل الله لكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ) رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، والاعتداء: هُوَ مُجَاوزَة مَاله إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ

المائدة 5:88

﴿وكلوا مِمَّا رزقكم الله حَلَالا طيبا وَاتَّقوا الله الَّذِي أَنْتُم بِهِ مُؤمنُونَ﴾ أكد ذَلِك النَّهْي بِهَذَا الْأَمر.

المائدة 5:89

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ إِنَّمَا عقب تِلْكَ الْآيَة بِهَذِهِ؛ لِأَن الْقَوْم الَّذين تشاوروا أَن يترهبوا كَانُوا قد حلفوا؛ فَبين حكم الْإِيمَان، واللغو: هُوَ المطرح الَّذِي لَا يعبأ بِهِ، وَعَن عَائِشَة: أَن لَغْو الْيَمين: قَول الْإِنْسَان: لَا وَالله، وبلى وَالله، وَاخْتَارَهُ الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن عَبَّاس، وَأَبُو هُرَيْرَة: لَغْو الْيَمين: هُوَ أَن يحلف على شَيْء على ظن أَنه كَذَلِك فَإِذا هُوَ على خِلَافه، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب الْكَفَّارَة فِي يَمِين اللَّغْو، قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: تجب فِيهَا الْكَفَّارَة، وَقَوله: ﴿لَا يُؤَاخِذكُم﴾ يَعْنِي: فِي الْقِيَامَة. وَسَائِر الْعلمَاء على أَن لَا كَفَّارَة فِي يَمِين اللَّغْو؛ لظَاهِر الْقُرْآن ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾ فِيهِ ثَلَاث قراءات: ﴿عقدتم﴾ بِالتَّخْفِيفِ قِرَاءَة الْكسَائي وَحَمْزَة وَأَبُو بكر. و ﴿عقدتم﴾ بِالتَّشْدِيدِ قَرَأَهُ أَبُو عَمْرو وَمن بَقِي، غير ابْن ذكْوَان، و ﴿عاقدتم﴾ قِرَاءَة ابْن عَامر بِرِوَايَة ابْن ذكْوَان. قَالَ الْكسَائي: عقدتم، أَي: أوجبتم، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: عقدتم، أَي: وكدتم، وَاخْتلفُوا فِي هَذَا التوكيد، قَالَ ابْن جريج: سَأَلت عَطاء عَن قَوْله: ﴿عقدتم﴾ أَنه مَاذَا؟ فَقَالَ: هُوَ قَول الْقَائِل: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ؛ كَأَنَّهُ فسر التوكيد بِهِ، وروى نَافِع عَن ابْن عمر: أَن توكيد الْيَمين بالتكرار، قَالَ نَافِع: وَكَانَ ابْن عمر إِذا وكد الْيَمين أعتق رَقَبَة، وَإِذا لم يوكد: أطْعم الْمَسَاكِين فِي كَفَّارَته. ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ على قَول النَّخعِيّ يرجع هَذَا إِلَى يَمِين اللَّغْو، وعَلى قَول البَاقِينَ يرجع إِلَى الْيَمين المعقودة، وَهِي الْمَقْصُودَة، وَعقد الْيَمين: هُوَ الْقَصْد بِالْقَلْبِ، وَالذكر بِاللِّسَانِ. ﴿من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم﴾ قَالَ ابْن عمر: الْأَوْسَط هُوَ الْخبز وَالزَّيْت، أَو الْخبز ﴿إطْعَام عشرَة مَسَاكِين من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم أَو تَحْرِير رَقَبَة فَمن لم﴾ وَالتَّمْر، وَقَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي: هُوَ الْخبز وَالسمن، وَقَالَ أَبُو رزين: (هُوَ الْخبز والخل وَأما الْأَعْلَى) : هُوَ الْخبز وَاللَّحم، والأدنى: هُوَ الْخبز البحت، وَالْكل مجزئ، والأوسط فِي الْقدر، قَالَ زيد بن ثَابت، وَعَائِشَة، وَابْن عمر - رَضِي الله عَنْهُم - هُوَ الْمَدّ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي - رَضِي الله عَنهُ - وَذَلِكَ رَطْل وَثلث، وَقَالَ عمر، وَعلي - وَهُوَ رِوَايَة ابْن عَبَّاس - أَنه مدان، نصف صَاع، وَبِه قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ. ﴿أَو كسوتهم﴾ قَالَ عَطاء، وطاووس: لكل مِسْكين ثوب، وَقَالَ مُجَاهِد: مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْكسْوَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: لكل مِسْكين ثوب جَامع يصلح [لِليْل] وَالنَّهَار مثل الكساء، الملحفة وَنَحْوهمَا. وَقَالَ ابْن عمر: ثَلَاثَة أَثوَاب. وَقيل: ثَوْبَان، وَهُوَ قَول الْحسن، وَابْن سِيرِين، مثل إِزَار ورداء، أَو إِزَار وعمامة. وَقيل: مَا يستر الْعَوْرَة، وتجزئ بِهِ الصَّلَاة. وَالصَّحِيح: أَن الْوَاجِب لكل مِسْكين مَا يصلح بِهِ الْكسْوَة فِي الْعرف ﴿أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ هُوَ عتق الرَّقَبَة، وَفِيه كَلَام فِي الْفِقْه. ﴿فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام﴾ ظَاهِرَة: أَنه يجوز مُتَفَرقًا، وَهُوَ الْأَصَح، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود، وَأبي بن كَعْب: " ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات " فعلى هَذَا يجب التَّتَابُع فِيهِ، وَبِه قَالَ مَالك، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي ﴿ذَلِك كَفَّارَة أَيْمَانكُم إِذا حلفتم﴾ قيل: الْحِنْث مُضْمر فِيهِ، يَعْنِي: إِذا حلفتم وحنثتم، وَلَا تجب الْكَفَّارَة إِلَّا بعد الْحِنْث، وَأما جَوَاز التَّكْفِير قبل الْحِنْث عرفنَا بِالسنةِ ﴿واحفظوا أَيْمَانكُم﴾ ظَاهره للنَّهْي عَن الْحِنْث، وَقيل: أَرَادَ بِهِ حفظ الْيَمين لَا أَن يحلف، وَالْأول أصح ﴿كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ .

المائدة 5:90

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر﴾ أما الْخمر فقد سبق الْكَلَام فِيهِ، وَكَذَلِكَ الميسر، قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ ميسرهم على الْجَزُور، فَكَانُوا يشْتَرونَ جزورا وينحرونه، ويجعلونه على ثَمَانِيَة وَعشْرين سَهْما، وَقيل: على عشرَة أسْهم، ثمَّ يقامرون عَلَيْهِ، فَكل من خرج عَلَيْهِ قدر نصِيبه مجَّانا، وَيكون الثّمن على البَاقِينَ، وَهَكَذَا يقامرون على كل سهم مِنْهُ، إِلَى أَن يبْقى وَاحِد، فَيكون كل الثّمن عَلَيْهِ، ويفوز الْآخرُونَ بسهامهم مجَّانا. وَسُئِلَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن النَّرْد وَالشطْرَنْج: أهوَ من الميسر؟ قَالَ: كل مَا صد عَن ذكر الله، وَعَن الصَّلَاة، فَهُوَ من الميسر، وَقَوله: ﴿والأنصاب والأزلام رِجْس﴾ أما الأنصاب والأزلام فقد بَينا، وَقَوله: ﴿رِجْس﴾ أَي: خَبِيث مستقذر، وَفِي الْخَبَر: " أعوذ بِاللَّه من الرجس النَّجس " ﴿من عمل الشَّيْطَان﴾ أَي: من تَزْيِين الشَّيْطَان ﴿فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ .

المائدة 5:91

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر﴾ أما وُقُوع الْعَدَاوَة فِي الْخمر: أَن [شاربيه] إِذا سَكِرُوا عربدوا، وتشاجروا، (وتشاحجوا) . وَأما الْعَدَاوَة فِي الميسر: قَالَ قَتَادَة: هُوَ أَنهم كَانُوا يقامرون على الْأَهْل وَالْمَال، ثمَّ إِذا لم يبْق لَهُ شَيْء، يجلس زينا، مسلوبا، مغتاظا على قرنائه ﴿ويصدكم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة) يَعْنِي: الشَّيْطَان يمنعكم بهما عَن ذكر الله (وَعَن الصَّلَاة) {فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ مَعْنَاهُ: انْتَهوا، قَالَ الْفراء: سَمِعت بعض الْأَعْرَاب يَقُول لغيره: هَل أَنْت سَاكِت؟ (هَل أَنْت سَاكِت) ؟ يُرِيد بِهِ: اسْكُتْ، وَهَذَا كَلَام الْعَرَب العاربة. وَسبب نزُول الْآيَة: " أَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: اللَّهُمَّ بَين لنا فِي الْخمر بَيَانا شافيا؛ فَنزل (قَوْله) فِي سُورَة الْبَقَرَة: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر﴾ فَدَعَا عمر، وَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَقَالَ ثَانِيًا: اللَّهُمَّ بَين لنا فِي الْخمر بَيَانا شافيا؛ فَنزل قَوْله فِي سُورَة النِّسَاء: ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى﴾ فَقَرَأَ عَلَيْهِ؛ فَدَعَا ثَالِثا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَين لنا فِي الْخمر بَيَانا شافيا؛ فَنزلت هَذِه الْآيَة، فَدَعَا وَقَرَأَ عَلَيْهِ؛ فَلَمَّا بلغ قَوْله: ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ قَالَ: انتهينا يَا رب "، وَقيل: سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن قدامَة بن مَظْعُون اتخذ دَعْوَة، وشوى رَأس بعير، ودعا سعد بن أبي وَقاص، وَجَمَاعَة، فَأَكَلُوا، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا سَكِرُوا تفاخروا، فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار إِلَى لحى الْبَعِير، وَضرب بِهِ وَجه سعد، فَضرب أَنفه، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله؛ فَنزلت هَذِه الْآيَة " [وَقيل: نزلت] فِي قبيلتين من الْأَنْصَار تخاصمتا فِي حَال السكر، وَقد ورد فِي الْخمر أَخْبَار مِنْهَا: قَوْله: " مدمن الْخمر كعابد الوثن " وَقَالَ: " الْخمر أم الْخَبَائِث، من شربهَا لم يقبل الله لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا، من مَاتَ وَفِي بَطْنه شَيْء من الْخمر؛ حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ".

المائدة 5:92

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول واحذروا﴾ لما حرم الْخمر، وَأمر بالاجتناب عَنْهَا؛ ندبهم إِلَى طَاعَة الله وَالرَّسُول، والتوقي ﴿فَإِن توليتم فاعلموا أَنما على رَسُولنَا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ .

المائدة 5:93

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ سَبَب نزُول الْآيَة هَذِه أَن الصَّحَابَة قَالُوا لما ورد تَحْرِيم الْخمر: يَا رَسُول الله كَيفَ حَال من مَاتَ منا وَهُوَ يشرب الْخمر؟ فَنزلت الْآيَة: وَقيل: إِنَّهُم قَالُوا: إِن حَمْزَة بن عبد الْمطلب، وَمصْعَب بن عُمَيْر اسْتشْهدُوا يَوْم أحد، وَكَانَا يشربان الْخمر، فَكيف حَالهمَا؟ فَنزلت الْآيَة وَبَين الله تَعَالَى أَنه لَا جنَاح عَلَيْهِم فِيمَا طعموا فِي حَال الْإِبَاحَة ﴿إِذا مَا اتَّقوا وآمنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات ثمَّ اتَّقوا وآمنوا ثمَّ اتَّقوا وأحسنوا﴾ (فِي هَذَا مقدم معنى مُؤخر أَقْوَال) : أَحدهَا: أَن معنى الأول: إِذا مَا اتَّقوا الشّرك وآمنوا، أَي: صدقُوا، وَعمِلُوا الصَّالِحَات ﴿ثمَّ اتَّقوا﴾ أَي: داموا على ذَلِك التَّقْوَى ﴿وآمنوا﴾ أَي ازدادوا إِيمَانًا ﴿ثمَّ اتَّقوا وأحسنوا﴾ أَي: اتَّقوا بِالْإِحْسَانِ فِي كل محسن، وكل مُطِيع متق. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن التَّقْوَى الأول: اجْتِنَاب الشّرك، وَالتَّقوى الثَّانِي: اجْتِنَاب الْكَبَائِر وَالتَّقوى الثَّالِث: اجْتِنَاب الصَّغَائِر، وَهَذَانِ قَولَانِ معروفان فِي الْآيَة، وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: أَنه أَرَادَ بِهِ: إِذا مَا اتَّقوا قبل تَحْرِيم الْخمر، ثمَّ اتَّقوا بعد تَحْرِيم الْخمر، وَقيل هَذَا لَا يَصح؛ لِأَن قَوْله: ﴿إِذا مَا اتَّقوا﴾ إِنَّمَا يصلح للمستقبل لَا للماضي؛ فَإِن حرف " إِذا " للمستقبل. ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ ، روى أَن قدامَة بن مَظْعُون شرب الْخمر؛ فَدَعَاهُ عمر ليحده، فَقَالَ: أَلَيْسَ يَقُول الله - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ فَقَالَ: أَخْطَأت التَّأْوِيل، لقد قَالَ: ﴿إِذا مَا اتَّقوا وآمنوا﴾ وَأَنت لم تتق النَّهْي. وروى: " أَن النَّبِي قَرَأَ هَذِه الْآيَة، ثمَّ قَالَ ابْن مَسْعُود: وأينا من هَؤُلَاءِ؟ ! "

المائدة 5:94

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ليبلونكم الله بِشَيْء من الصَّيْد﴾ أَي: ليختبرنكم الله بِشَيْء من الصَّيْد، وَفَائِدَة الْبلوى والاختبار: إِظْهَار الْمُطِيع من العَاصِي، وَإِلَّا فَلَا حَاجَة لَهُ إِلَى الْبلوى، وَسبب هَذَا: أَن رَسُول الله لما نزل بِالْحُدَيْبِية مَعَ أَصْحَابه، وَكَانُوا محرمين، كَانَ يدنوا مِنْهُم الصيود والوحوش؛ فَهموا بِالْأَخْذِ؛ فَنزلت الْآيَة. ﴿تناله أَيْدِيكُم﴾ يَعْنِي: فِي صغَار الصيود ﴿ورماحكم﴾ يَعْنِي: من كبار الوحوش، قَالَ مُجَاهِد ﴿تناله أَيْدِيكُم﴾ يَعْنِي: الفرخ وَالْبيض ﴿ورماحكم﴾ يَعْنِي: الصيود الْكِبَار. ﴿ليعلم الله من يخافه بِالْغَيْبِ﴾ قيل: مَعْنَاهُ: ليعلم الله من يخافه بِالْغَيْبِ، فيعامله مُعَاملَة من يطْلب الْعلم للْعَمَل؛ إِظْهَار للعدل، وَقيل: مَعْنَاهُ: ليرى من يخافه بِالْغَيْبِ، وَقَوله: ﴿من يخافه بِالْغَيْبِ﴾ هُوَ أَن يخَاف الله وَهُوَ لَا يرَاهُ ﴿فَمن اعْتدى بعد ذَلِك فَلهُ عَذَاب أَلِيم﴾ .

المائدة 5:95

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم﴾ سَبَب هَذَا أَن رجلا يُقَال لَهُ: أَبُو الْيُسْر، شدّ على حمَار وَحش؛ فَقتله وَهُوَ محرم؛ فَنزلت الْآيَة ﴿لَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم﴾ ، وَالْحرم: يكون من الْإِحْرَام، وَيكون من دُخُول الْحرم، يُقَال: أحرم، إِذا عقد الْإِحْرَام، وَأحرم إِذا دخل الْحرم، وَيُقَال أَيْضا لمن أدْرك الشَّهْر الْحَرَام: محرم. ﴿وَمن قَتله مِنْكُم مُتَعَمدا﴾ ذكر حَالَة الْعمد لبَيَان الْكَفَّارَة، فَاخْتلف الْعلمَاء، قَالَ سعيد بن جُبَير: لَا تجب كَفَّارَة الصَّيْد فِي قتل الْخَطَأ، بل تخْتَص بالعمد، وَبِه قَالَ دَاوُد. وَسَائِر الْعلمَاء على أَنَّهَا تجب فِي الْحَالين، قَالَ الزُّهْرِيّ: على الْمُتَعَمد بِالْكتاب، وعَلى الْمُخطئ بِالسنةِ. ﴿فجزاء مثل مَا قتل من النعم﴾ قَرَأَ الْأَعْمَش " فَجَزَاؤُهُ مثل مَا قتل من النعم "، وَالْمَعْرُوف فِيهِ قراءتان " فجزاء مثل " على الْإِضَافَة، وَقَرَأَ بَعضهم " فجزاء مثل " بتنوين ﴿النعم يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم هَديا بَالغ الْكَعْبَة أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَو عدل ذَلِك﴾ الْجَزَاء، وَرفع اللَّام من الْمثل، وَمعنى الْكل وَاحِد، والمثلية مُعْتَبرَة فِي الْجَزَاء؛ فَيجب فِيمَا قتل مثله من النعم شبها؛ فَيجب فِي النعامة: بَدَنَة، وَفِي الأروى: بقرة، وَفِي الطير والضبع والحمامة: شَاة، وَفِي الأرنب: عنَاق، وَفِي اليربوع: جفرة، وكل هَذَا مَرْوِيّ عَن الصَّحَابَة. ﴿يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم﴾ وَفِيه دَلِيل على جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ نصب على التَّمْيِيز، قَوْله: ﴿بَالغ الْكَعْبَة﴾ يَقْتَضِي أَن يكون إِعْطَاء الْهَدْي فِي الْحرم، يفرق على مَسَاكِين الْحرم، وَهُوَ الْوَاجِب ﴿أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين﴾ وَذَلِكَ أَن يقوم (الْمثل) من النعم بِالدَّرَاهِمِ، وَيَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ طَعَام مَسَاكِين، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو حنيفَة يقوم بالصيد الْمَقْتُول أبدا ﴿أَو عدل ذَلِك صياما﴾ قَرَأَ عَاصِم الجحدري، وَطَلْحَة بن، مصرف: ﴿أَو عدل ذَلِك﴾ بِكَسْر الْعين، ثمَّ قَالَ بَعضهم: لَا فرق بَينهمَا، وَمَعْنَاهُ: الْمثل، وَفرق الْفراء بَينهمَا، فَقَالَ: الْعدْل - بِالْكَسْرِ -: الْمثل من جنسه، وَالْعدْل: الْمثل من غير جنسه، وَقد قيل: الْعدْل - بِالْفَتْح -: هُوَ الْمثل، وَالْعدْل بِالْكَسْرِ -: الْحمل، وَالْأول أصح، وَصَوْم الْعدْل: أَن يَصُوم بدل كل ﷺ مد يَوْمًا، وَقيل: يَوْمَانِ، ثمَّ هَذَا على التَّخْيِير أم على التَّرْتِيب؟ قَالَ الشّعبِيّ، وَالنَّخَعِيّ - وَهُوَ رِوَايَة عَن مُجَاهِد -: إِنَّه على التَّرْتِيب، وَقَالَ غَيرهم - وَبِه قَالَ ابْن عَبَّاس -: إِنَّه على التَّخْيِير؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَو عدل ذَلِك صياما﴾ وَكلمَة " أَو " للتَّخْيِير ﴿ليذوق وبال أمره﴾ أَي: شدَّة أمره ﴿عَفا الله عَمَّا سلف﴾ يَعْنِي: فِي الْجَاهِلِيَّة ﴿وَمن عَاد فينتقم الله مِنْهُ وَالله عَزِيز ذُو انتقام﴾ . وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْعَامِد إِلَى قتل الصَّيْد ثَانِيًا، هَل تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة ثَانِيًا، أم لَا؟ قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا تجب، وَيُقَال لَهُ. أَسَأْت، وينتقم الله مِنْك. وَعَامة الْعلمَاء على أَنه تجب الْكَفَّارَة ثَانِيًا، وَقَوله: ﴿فينتقم الله مِنْهُ﴾ يَعْنِي: فِي الْآخِرَة.

المائدة 5:96

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه﴾ قَالَ عمر، وعَلى: صيد الْبَحْر مَا صيد مِنْهُ، وَطَعَامه مَا قذف، وَهُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس. وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى: أَن طَعَامه مَا نضب عَنهُ المَاء. وَقَالَ مُجَاهِد: صَيْده: الطري وَطَعَامه: المالح، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا. ﴿مَتَاعا لكم﴾ أَي: مَنْفَعَة لكم ﴿وللسيارة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَتَاعا لكم: خطاب مَعَ أهل الْقرى، والسيارة أهل الْأَمْصَار، وَقَالَ مُجَاهِد: السيارة: المسافرون. ﴿وَحرم عَلَيْكُم صيد الْبر مَا دمتم حرما﴾ حرم الِاصْطِيَاد على الْمحرم، وَقد ذكرنَا ﴿وَاتَّقوا الله الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون﴾ وَاخْتلف الْعلمَاء فِي صيد الْحَلَال: هَل يحل للْمحرمِ، وَأَن يَأْكُل مِنْهُ؟ قَالَ عمر، وَعُثْمَان: يحل. وَبِه أَخذ اكثر الْفُقَهَاء، وَقَالَ عَليّ، وَابْن عَبَّاس: إِنَّه لَا يحل، وَبِه قَالَ جمَاعَة من التَّابِعين.

المائدة 5:97

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿جعل الله الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام﴾ قَالَ ثَعْلَب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن يحيى: إِنَّمَا سميت كعبة؛ لتربيعها ﴿الْبَيْت الْحَرَام﴾ وَهُوَ الْكَعْبَة، وَفِي الْخَبَر: " إِن الله - تَعَالَى - حرم مَكَّة مُنْذُ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض " ﴿قيَاما للنَّاس﴾ الْقيام والقوام وَاحِد، قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿أَمْوَالكُم الَّتِي جعل الله لكم قيَاما﴾ أَي: قواما لمعايشكم، وَقَالَ الشَّاعِر: يمدح النَّبِي. (ونشهد أَنَّك عبد المليك ... أتيت بشرع وَدين قيم) ﴿للنَّاس والشهر الْحَرَام وَالْهَدْي والقلائد ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا﴾ وَأَرَادَ بِهِ: أَن الْبَيْت الْحَرَام قوام للنَّاس لدينهم ومعايشهم، أما فِي الدّين؛ لِأَن بِهِ تقوم الْمَنَاسِك وَالْحج، وَأما فِي المعايش؛ فَلِأَن (أهل الْحرم) كَانُوا يأمنون أهل (الْغَارة) ، حَتَّى كَانَ يُغير بَعضهم على بعض، ثمَّ لَا يتعرضون لأهل الْحرم، وَيَقُولُونَ: هم أهل الله. ﴿والشهر الْحَرَام﴾ أَرَادَ بِهِ: جنس الْأَشْهر الْحرم، وَهِي أَرْبَعَة أشهر: ثَلَاثَة سرد، وَوَاحِد فَرد كَمَا سبق، وَالْمرَاد بِهِ: أَنه جعل الشَّهْر الْحَرَام قواما للنَّاس؛ يأمنون فِيهِ الْقِتَال؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يكفون عَن الْقَتْل والقتال فِي الْأَشْهر الْحرم. ﴿وَالْهَدْي والقلائد﴾ وَقد بَينا كَيفَ يكون الْهَدْي والقلائد، وَكَونه قواما للنَّاس: أَنهم كَانُوا يأمنون بتقليد الْهَدْي، وَكَانَ أهل الْحرم يتعيشون بِالْهَدْي والقلائد. ﴿ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَي اتِّصَال لهَذَا بِمَا سبق من الْكَلَام فِي الْآيَة؟ قَالَ الْمبرد أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد: مَعْنَاهُ: أَن ألهمتهم ذَلِك الاحترام، وَأَن لَا يتَعَرَّضُوا لأهل الْحرم؛ فَكَأَنَّهُ بَين فِي الْآيَة صَنْعَة مَعَ أهل الْحرم، قَالَ: ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن كل ذَلِك بعلمي، وإلهامي إيَّاهُم. وَقَالَ الزّجاج: [قد سبق] فِي هَذِه السُّورَة من الله - تَعَالَى - الْإِخْبَار عَن الغيوب، والكشف عَن الْأَسْرَار، مثل قَوْله: ﴿سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك﴾ وَمثل إخْبَاره بتحريفهم الْكتب، وَنَحْو ذَلِك؛ فَقَوله: ﴿ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ رَاجع إِلَيْهِ.

المائدة 5:98

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿اعلموا أَن الله شَدِيد الْعقَاب وَأَن الله غَفُور رَحِيم﴾ وَفِي الْخَبَر: " لَو يعلم الْمُؤمن مَا عِنْد الله من الْعَذَاب لم يطْمع فِي جنته أحد، وَلَو يعلم الْكَافِر مَا عِنْد الله من الرَّحْمَة لم يقنط من جنته أحد ".

المائدة 5:99

وَقَوله: ﴿مَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ وَالله يعلم مَا تبدون وَمَا تكتمون﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

المائدة 5:100

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل لَا يَسْتَوِي الْخَبيث وَالطّيب﴾ قَالَ السّديّ: يَعْنِي الْكَافِر وَالْمُؤمن. وَقَالَ غَيره: الْخَبيث: الْحَرَام، وَالطّيب: الْحَلَال، وَفِي الْخَبَر: " حلوان الكاهن خَبِيث وَمهر الْبَغي خَبِيث " أَي: حرَام ﴿وَلَو أعْجبك﴾ مَعْنَاهُ: وَلَو سرك ﴿كَثْرَة الْخَبيث﴾ . ﴿فَاتَّقُوا الله يَا أولي الْأَلْبَاب لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ وَفِي الْمثل: حرَام يَأْتِي جزفا (والحلال) يَأْتِي قوتا. وَعَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: " دِرْهَم من الْحَلَال خير من مائَة ألف [دِرْهَم] وقر من الْحَرَام ".

المائدة 5:101

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن الصَّحَابَة أَكْثرُوا السُّؤَال على النَّبِي حَتَّى غضب، وَقَامَ خَطِيبًا، وَقَالَ: " إِنَّكُم لَا تَسْأَلُونِي عَن شَيْء فِي مقَامي هَذَا إِلَّا أنبأتكم بِهِ، فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله، من أَبى؟ - وَكَانَ السَّائِل عبد الله بن حذافة السَّهْمِي، وَكَانَ يُقَال فِي نسبه شَيْء، فَلَمَّا قَالَ: من أَبى؟ - قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام -: أَبوك حذافة، فَقَامَ آخر، وَقَالَ: من أَبى؟ فنسبه إِلَى غير أَبِيه - كَأَنَّهُ كَانَ من حرَام - وَسَأَلَهُ رجل، فَقَالَ: أَيْن أكون غَدا؟ فَقَالَ: فِي النَّار، فَقَامَ آخر، وَقَالَ أَيْن أكون غَدا؟ فَقَالَ: فِي الْجنَّة؛ فبكوا، وَقَالَ عمر: اسْتُرْ علينا يَا رَسُول الله؛ فَإنَّا حَدِيث عهد بالجاهلية، وَجَثَا على رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّه رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دينا؛ وَنزلت الْآيَة ". وروى أَبُو البخْترِي عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: " (لما) نزل قَوْله: ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ قَامَ رجل، وَقَالَ: أَفِي كل عَام يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: لَا، وَلَو قلت: نعم لَوَجَبَتْ، وَلم تطيقوه، ثمَّ قَالَ: ذروني مَا تركْتُم، فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ، وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ، فَمَا أَمرتكُم بِهِ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنهُ، فَانْتَهوا، وَنزلت الْآيَة ". ﴿وَإِن تسألوا عَنْهَا حِين ينزل الْقُرْآن تبد لكم﴾ مَعْنَاهُ: وَإِن صَبَرْتُمْ حَتَّى ينزل الْقُرْآن؛ وجدْتُم فِيهِ بَيَان مَا تحتاجون إِلَيْهِ ﴿عَفا الله عَنْهَا وَالله غَفُور حَلِيم﴾ .

المائدة 5:102

﴿قد سَأَلَهَا قوم من قبلكُمْ ثمَّ أَصْبحُوا بهَا كَافِرين﴾ قَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ أَصْحَاب الْمَائِدَة، وسألوا الْمَائِدَة ثمَّ كفرُوا، وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ: قوم صَالح، سَأَلُوا النَّاقة، ثمَّ كفرُوا بهَا، وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ الْكفَّار فِي الْجَاهِلِيَّة، سَأَلُوا رَسُول الله أَن يَجْعَل الصَّفَا ذَهَبا.

المائدة 5:103

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة وَلَا وصيلة وَلَا حام﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: كَانَ سُؤَالهمْ الَّذِي تقدم عَن هَذِه الأوضاع، وَهَذِه الْآيَة لبَيَان مَا سَأَلُوا ردا عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن عَبَّاس فِي بَيَان هَذِه الأوضاع الْأَرْبَعَة، قَالَ: أما الْبحيرَة: هِيَ النَّاقة كَانَت إِذا ولدت خَمْسَة أبطن شَقوا أَنَّهَا، وتركوها وَلم يحملوا عَلَيْهَا، وَلم يمنعوها الْكلأ؛ وَبِذَلِك سميت بحيرة من الْبَحْر، وَهُوَ الشق، ثمَّ نظرُوا إِلَى خَامِس وَلَدهَا، فَإِن كَانَ ذكرا نحروه، وَأكله الرِّجَال دون النِّسَاء، وَإِن كَانَت أثنى تركوها كالأم، وَإِن كَانَ مَيتا، أكله الرِّجَال وَالنِّسَاء؛ فَهَذَا معنى الْبحيرَة. وَأما السائبة: كَانَ الرجل من أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا مرض لَهُ مَرِيض، أَو غَابَ لَهُ قريب، يَقُول: إِن رد الله غائبي، أَو إِن شفى الله مريضي؛ فناقتي هَذِه سائبة، ثمَّ يسيبها، تذْهب حَيْثُ تشَاء، (أَو) يَقُول: إِن كَانَ كَذَا؛ فَعَبْدي عَتيق سائبة. يَعْنِي: من غير وَلَاء، وَلَا مِيرَاث؛ فَهَذَا معنى السائبة. وَأما الوصيلة: فَكَانَت فِي الْغنم، كَانَت الشَّاة إِذا ولدت سَبْعَة أبطن، نظرُوا إِلَى الْبَطن السَّابِع، فَإِن كَانَ ذكرا ذبحوه وَأكله الرِّجَال دون النِّسَاء، وَإِن كَانَت أُنْثَى تركوها، وَإِن كَانَ مَيتا أكله الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَإِن كَانَ ذكرا وَأُنْثَى فِي بطن وَاحِد تركوهما، وَقَالُوا: وصلت أخاها، فَهَذِهِ هِيَ الوصيلة. وَأما الحام: كَانَ بَعضهم إِذا ولدت نَاقَته عشرَة أبطن؛ تركوها وَلم يركبوها، وَقَالُوا: حمى ظهرهَا، وَكَذَلِكَ إِذا ركب ولد وَلَدهَا؛ يَقُولُونَ: حمى ظهرهَا وتركوها، وَرُبمَا تركوها لآلهتهم على مَا سَيَأْتِي فِي سُورَة الْأَنْعَام؛ فَهَذَا هُوَ الحام، وَهَذِه أوضاع وَضعهَا أهل الْجَاهِلِيَّة على آرائهم، فجَاء الشَّرْع برفعها، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " رَأَيْت النَّار؛ فَرَأَيْت فِيهَا عَمْرو بن لحي يجر قَصَبَة فِي النَّار " أَي: أمعاءه، وَكَانَ أول من سيب السوائب ﴿وَلَكِن الَّذين كفرُوا يفترون على الله الْكَذِب وَأَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ﴾

المائدة 5:104

﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول﴾ يَعْنِي: إِذا دعوا إِلَى الْكتاب وَالسّنة ﴿قَالُوا حَسبنَا مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ يَعْنِي: كفانا دين آبَائِنَا ﴿أَو لَو كَانَ آباؤهم لَا يعلمُونَ شَيْئا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ .

المائدة 5:105

قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾ يَعْنِي: تَخْلِيصهَا من النَّار ﴿لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَقُول: " عَلَيْكُم أَنفسكُم " وَقد أمرنَا بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر؟ قيل: قَالَ مُجَاهِد، وَسَعِيد بن جُبَير: الْآيَة فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى، يَعْنِي: عَلَيْكُم أَنفسكُم، لَا يضركم من ضل من الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِذا اهتديم؛ فَخُذُوا مِنْهُم الْجِزْيَة، وَلَا تتعرضوا لَهُم، واتركوهم وَمَا يَزْعمُونَ؛ فَإِنَّهُ لَا يضركم. (وَعَن أبي بكر الصّديق - رَضِي الله عَنهُ -: " أَنه خطب وَقَالَ: إِنَّكُم تقرءون هَذِه الْآيَة ﴿عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم﴾ من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ) ، وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله يَقُول: إِذا رَأَيْتُمْ الظَّالِم فَخُذُوا على يَدَيْهِ، أَو يُوشك أَن [يعمكم] الله (بعقاب) " وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ فِي هَذِه الْآيَة: " مروا بِالْمَعْرُوفِ، وانهوا عَن الْمُنكر؛ فَإِن قيل مِنْكُم؛ فَذَاك وَإِن رد عَلَيْكُم أَنفسكُم "، [وَيرد] هَذَا مَا روى عَن أبي أُميَّة الشَّيْبَانِيّ أَنه قَالَ: " سَأَلت أَبَا ثَعْلَبَة الْخُشَنِي، فَقلت: إِن الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾ وَقد أمرنَا بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، فَقَالَ: لقد سَأَلت عَنْهَا خَبِيرا، سَمِعت رَسُول الله - وَقد سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة - يَقُول: مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهو عَن الْمُنكر؛ فَإِذا رَأَيْت شحا مُطَاعًا، وَهوى مُتبعا، وَدُنْيا مُؤثرَة، وَإِعْجَاب كل ي رَأْي بِرَأْيهِ، فَعَلَيْك بخويصة نَفسك، ودع أَمر الْعَامَّة " ﴿إِلَى الله مرجعكم ميعا فينبئكم بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ﴾ .

المائدة 5:106

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن تَمِيم الدَّارِيّ وعدي (بن بداء) ؟ خرجا إِلَى التِّجَارَة، وَكَانَا نَصْرَانِيين، ومعهما بديل مولى عَمْرو بن الْعَاصِ، وَكَانَ مُسلما؛ فَمَرض، وَكتب مَا مَعَه من الْمَتَاع فِي صحيفَة، وألقها بَين الْمَتَاع، ثمَّ أوصى إِلَى هذَيْن النصرانيين أَن يردا مَتَاعه إِلَى مَوْلَاهُ إِن مَاتَ هُوَ، وَكَانَ بَين الْمَتَاع جَام [مخوص] بِالذَّهَب منقوش بِهِ؛ فخانا فِي ذَلِك الْجَام، وأديا سَائِر الْمَتَاع إِلَى أَهله، فوجدوا تِلْكَ الصَّحِيفَة بَين الْمَتَاع؛ فطلبوا الْجَام، فافتقدوه؛ فسألوا عديا، وتميما عَن ذَلِك فأنكرا، وَقَالا: لَا نَدْرِي، وحلفا عَلَيْهِ، ثمَّ إِن ذَلِك الْجَام وجد عِنْد رجل بِالْمَدِينَةِ، فَسئلَ الرجل عَنهُ؛ فَقَالَ: إِنَّمَا أعطانيه عدي وَتَمِيم؛ فاختصموا إِلَى النَّبِي؛ فأصر على الْإِنْكَار، وحلفا عَلَيْهِ؛ فَحلف عَمْرو بن الْعَاصِ وَالْمطلب بن أبي ﴿إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ إِن أَنْتُم ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فأصابتكم مُصِيبَة الْمَوْت تحبسونهما من بعد الصَّلَاة فيقسمان﴾ ودَاعَة على أَنَّهُمَا قد خَانا فِي الْجَام، فَأخذ الْجَام ثمَّ إِن تميما أسلم بعد ذَلِك؛ وَأقر بِتِلْكَ الْخِيَانَة " فَهَذِهِ قصَّة الْآيَة وَعَلَيْهَا نزلت الْآيَة. فَقَوله: ﴿شَهَادَة بَيْنكُم﴾ يقْرَأ فِي الشواذ " شَهَادَة بَيْنكُم " وَقَرَأَ الْأَعْرَج " شَهَادَة بَيْنكُم " بِالرَّفْع والتنوين، وَالْمَعْرُوف " شَهَادَة بَيْنكُم " ﴿إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ أَي: أَسبَاب الْمَوْت ﴿حِين الْوَصِيَّة اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم﴾ ذكر اثْنَان على الرّفْع؛ لِأَنَّهُ خبر الِابْتِدَاء، وَمعنى هَذَا الْكَلَام: أَن الشَّهَادَة فِيمَا بَيْنكُم على الْوَصِيَّة عِنْد الْمَوْت: اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم. ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول شُرَيْح، وَالنَّخَعِيّ، وَسَعِيد بن جُبَير، وَجَمَاعَة -: أَن مَعْنَاهُ من غير أهل ملتكم، يَعْنِي: من أهل الذِّمَّة، وَقَالَ الْحسن، وَالزهْرِيّ: مَعْنَاهُ: من غير قبيلتكم. ﴿إِن أَنْتُم ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض﴾ أَي: سافرتم ﴿فأصابتكم مُصِيبَة الْمَوْت تحبسونهما من بعد الصَّلَاة﴾ أَكثر الْعلمَاء على أَنه أَرَادَ بِهِ: صَلَاة الْعَصْر، (وَقَالَ الْحسن: بعد صَلَاة الظّهْر، وَالْأول أصح؛ وَإِنَّمَا خص بِهِ صَلَاة الْعَصْر؛ لِأَن وَقت الْعَصْر) مُعظم مُحْتَرم عِنْد (جَمِيع) أهل الْأَدْيَان، وَكَأن النَّاس بعد الْعَصْر يكون أجمع فِي الْأَسْوَاق والمساجد. وَالْمرَاد بِهِ: حبس الحالفين بعد الْعَصْر. ﴿فيقسمان بِاللَّه إِن ارتبتم﴾ يَعْنِي: إِن وَقعت لكم رِيبَة فِي قَول الحالفين أَو الشَّاهِدين يحلفان أَنا ﴿لَا نشتري بِهِ ثمنا وَلَو كَانَ ذَا قربى﴾ أَي: لَا نقُول إِلَّا الصدْق وَلَو كَانَ على الْقَرِيب ﴿وَلَا نكتم شَهَادَة الله إِنَّا إِذا لمن الآثمين﴾ وَإِنَّمَا قَالَ: شَهَادَة الله؛ لِأَن الشَّهَادَة تكون بِأَمْر الله

المائدة 5:107

﴿فَإِن عثر على أَنَّهُمَا استحقا إِثْمًا﴾ يَعْنِي: فَإِن اطلع، وَأظْهر خيانتهما ﴿فآخران يقومان مقامهما من الَّذين لستحق عَلَيْهِم الأوليان﴾ يقْرَأ هَذَا على ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: " من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم الأوليان ". وَقَرَأَ (حَفْص عَن عَاصِم) " من الَّذين اسْتحق " بِنصب التَّاء والحاء ﴿عَلَيْهِم الأوليان﴾ وَقَرَأَ أَبُو بكر عَن عَاصِم، وَحَمْزَة: " من الَّذين اسْتحق " - بِضَم التَّاء وَكسر الْحَاء - عَلَيْهِم الْأَوَّلين. فَأَما معنى الْقِرَاءَة الأولى فَقَوله: ﴿اسْتحق عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: اسْتحق فيهم، أَو اسْتحق مِنْهُم كَقَوْلِه: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي: على جُذُوع النّخل، يَعْنِي: الَّذين وَقعت الْخِيَانَة فِي حَقهم، وهم أَوْلِيَاء الْمَيِّت، و ﴿الأوليان﴾ تَثْنِيَة: الأولى، وَالْأولَى: هُوَ الْأَقْرَب، وَمَعْنَاهُ: إِن عثر على خِيَانَة الحالفين؛ يقوم الأوليان من أَوْلِيَاء الْمَيِّت؛ فيحلفان، وَأما قَوْله: ﴿من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم﴾ أَي حق وَوَجَب فيهم، وَمَعْنَاهُ وَمعنى الْقِرَاءَة الأولى سَوَاء. وَأما الْقِرَاءَة الثَّالِثَة: ﴿من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم الْأَوَّلين﴾ فَهُوَ بدل عَن قَوْله: ﴿من الَّذين﴾ أَو عَن الِاسْم الْمُضمر تَحت قَوْله: ﴿عَلَيْهِم﴾ ؛ فَيكون المُرَاد بِهِ أَيْضا أَوْلِيَاء الْمَيِّت وَيكون الْمَعْنى مَا بَينا. ثمَّ بَين كَيْفيَّة قسهما؛ فَقَالَ: ﴿فيقسمان بِاللَّه لَشَهَادَتنَا أَحَق من شَهَادَتهمَا وَمَا اعتدينا إِنَّا إِذا لمن الظَّالِمين﴾

المائدة 5:108

﴿ذَلِك أدنى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ على وَجههَا﴾ يَعْنِي: ذَلِك أقرب وَأَحْرَى أَن تُؤَدُّوا الشَّهَادَة على وَجههَا ﴿أَو يخَافُوا أَن ترد أَيْمَان بعد أَيْمَانهم﴾ يَعْنِي: وَإِن يخَافُوا رد الْيَمين بعد يمينهم على المدعين؛ فَلَا يحلفوا على الْكَذِب؛ خوفًا من أَن يرد الْيَمين عَلَيْهِم، وَيكون يمينهم أولى. ﴿وَاتَّقوا الله واسمعوا وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ قَالَ النَّخعِيّ، وَشُرَيْح: الْآيَة مَنْسُوخَة، وَقَوله: ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ لقد كَانَت شَهَادَة أهل الذِّمَّة مَقْبُولَة على الْوَصِيَّة ثمَّ نسخ، وَقد جوز بَعضهم شَهَادَة أهل الذِّمَّة فِي الْوَصِيَّة؛ خَاصَّة من لَا يرى نسخ الْآيَة مِنْهُم، وَقَالَ الْحسن: الْآيَة محكمَة، وَقد حمل قَوْله: " أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ " على غير قبيلتكم كَمَا بَينا.

المائدة 5:109

قَوْله: ﴿يَوْم يجمع الله الرُّسُل فَيَقُول مَاذَا أجبتم قَالُوا لَا علم لنا﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَقُولُونَ: لَا علم لنا، وَقد علمُوا مَا أجابوا؟ قيل: إِن جَهَنَّم تزفر زفرَة تذهل (بهَا) عُقُولهمْ؛ فَيَقُولُونَ من شدَّة الْفَزع: لَا علم لنا؛ ثمَّ يرد الله - تَعَالَى - عَلَيْهِم عُقُولهمْ، فيخبرون بِالْجَوَابِ، وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا علم لنا إِلَّا الْعلم الَّذِي أَنْت أعلم بِهِ منا، أَو إِلَّا مَا علمتنا، وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا علم لنا بِوَجْه الْحِكْمَة فِي سؤالك إيانا عَن أَمر أَنْت أعلم بِهِ منا، وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا علم بعاقبة أَمرهم، وَبِمَا أَحْدَثُوا من بعد، وَأَن أَمرهم على مَاذَا ختم، وعَلى هَذَا دلّ شَيْئَانِ: أَحدهمَا: من الْآيَة قَوْله ﴿إِنَّك أَنْت علام الغيوب﴾ ، وَالثَّانِي: مَا روى صَحِيحا عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " يسْلك بطَائفَة من أَصْحَابِي ذَات الشمَال - يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة - فَأَقُول: يَا رب، أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيَقُول الله - تبَارك وَتَعَالَى -: إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك، إِنَّهُم لم يزَالُوا مرتدين على أَعْقَابهم مُنْذُ فَارَقْتهمْ. فَأَقُول مَا قَالَ العَبْد الصَّالح: {وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد) ".

المائدة 5:110

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم اذكر نعمتي عَلَيْك وعَلى والدتك﴾ أمره بشكر النِّعْمَة، ثمَّ عد عَلَيْهِ نعْمَة؛ فَقَالَ: ﴿إِذْ أيدتك بِروح الْقُدس تكلم النَّاس فِي المهد وكهلا وَإِذ علمتك الْكتاب وَالْحكمَة والتوراة وَالْإِنْجِيل﴾ وَقد ذكرنَا الْكَلَام فِيهِ. ﴿وَإِذ تخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بإذني فتنفخ فِيهَا فَتكون طيرا بإذني﴾ وَقد بَينا فِيمَا سبق كيفيته. ﴿وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وَإِذ تخرج الْمَوْتَى بإذني وَإِذ كَفَفْت بني إِسْرَائِيل عَنْك إِذْ جئتهم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذين كفرُوا مِنْهُم إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾ .

المائدة 5:111

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذ أوحيت إِلَى الحواريين أَن آمنُوا بِي وبرسولي﴾ هَذَا الْوَحْي بِمَعْنى الإلهام، أَو بِمَعْنى الْأَمر، أَي: ألهمتهم وأمرتهم، قَالَ العجاج: (الْحَمد لله الَّذِي اسْتَقَلت بِهِ السَّمَاء فاطمأنت (أوحى) لَهَا الْقَرار فاستقرت) أَي: أمرهَا بالقرار. ﴿قَالُوا آمنا واشهد بأننا مُسلمُونَ﴾ وَقد ذكرنَا معنى الحواريين.

المائدة 5:112

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِذْ قَالَ الحواريون يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم هَل تَسْتَطِيع رَبك﴾ وَقَرَأَ الْكسَائي: " هَل يَسْتَطِيع " - بِالتَّاءِ - " رَبك " بِفَتْح الْبَاء، وَهَذِه قِرَاءَة عَليّ، ومعاذ وَعَائِشَة، وَكَانَت عَائِشَة تحلف أَن الحواريين أعرف بِاللَّه من أَن يَقُولُوا: هَل يَسْتَطِيع رَبك. ولقراءتهم مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد بِهِ هَل تسْأَل رَبك، وَالثَّانِي: هَل تستدعي طَاعَة رَبك بإجابته سؤالك إِيَّاه؟ وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة فَفِي مَعْنَاهَا أَقْوَال: أَحدهَا مَعْنَاهُ: هَل يفعل رَبك. وَقَالَ الْفراء: يَقُول الرجل لغيره: هَل تَسْتَطِيع أَن تفعل كَذَا، يُرِيد بِهِ: هَل تفعل كَذَا؟ . وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: هَل يُطِيع رَبك اسْتَطَاعَ بِمَعْنى أطَاع، كَقَوْلِهِم: اسْتَجَابَ، يَعْنِي: أجَاب، فَيكون مَعْنَاهُ: هَل يطيعك رَبك؛ بإجابة سؤالك، وَفِي الْآثَار: " من أطَاع الله أطاعه الله " أَي: يُجيب دعاءه. وَقيل: إِن الحواريين قَالُوا ذَلِك قبل استحكام الْمعرفَة، وَأَرَادَ بِهِ: الْقُدْرَة، وَلَو استحكمت معرفتهم لم يَقُولُوا ذَلِك، وَالصَّحِيح أحد الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين، وَهَذَا لِأَن الِاسْتِطَاعَة لَا تنْسب إِلَى الله غَالِبا؛ وَإِنَّمَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ، وَأما الِاسْتِطَاعَة تكون للْعَبد. وَقَوله: ﴿أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء﴾ اعْلَم أَن الْمَائِدَة: اسْم لما يكون عَلَيْهِ طَعَام؛ فَإِذا لم يكن عَلَيْهِ طَعَام لَا يُسمى مائدة، وَاخْتلفُوا فِي اشتقاق الْمَائِدَة: مِنْهُم من قَالَ: هِيَ من الميد، بِمَعْنى الْإِعْطَاء، وَمِنْه: قَالُوا لأمير الْمُؤمنِينَ: الممتاد، يَعْنِي: الَّذِي يطْلب عطاؤه؛ فعلى هَذَا سميت مائدة؛ لِأَنَّهَا تُعْطِي من عَلَيْهَا الطَّعَام. وَقيل: هُوَ من [الميد] بِمَعْنى الْحَرَكَة؛ فعلى هَذَا سميت مائدة؛ لِأَنَّهَا تتحرك بِمَا عَلَيْهَا من الطَّعَام. ﴿قَالَ اتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ نَهَاهُم عَن اقتراح الْآيَات بعد الْإِيمَان، وَقيل: أَرَادَ بِهِ أَي: اكتفوا بِطَعَام الأَرْض عَن طَعَام السَّمَاء.

المائدة 5:113

قَوْله - تَعَالَى: ﴿قَالُوا نُرِيد أَن نَأْكُل مِنْهَا﴾ يَعْنِي: أكل تبرك لَا أكل حَاجَة ﴿وتطمئن قُلُوبنَا﴾ أَي: يزْدَاد إيمَانهَا، وَهُوَ مثل قَوْله: ( ﴿وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ ونعلم أَن قد صدقتنا) أَي: نزداد إِيمَانًا بصدقك، وَفِي بعض التفاسير: أَن عِيسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - كَانَ قد أَمرهم أَن يَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا لما سَأَلُوهُ أَن يسْأَل الْمَائِدَة، قَالَ لَهُم: صُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا؛ فَإِذا أفطرتم لَا تسْأَلُون الله شَيْئا إِلَّا أَعْطَاكُم، فَفَعَلُوا ذَلِك، فَلَمَّا أعْطوا الْمَائِدَة، عرفُوا صدقه؛ فَذَلِك معنى قَوْله: ﴿ونعلم أَن قد صدقتنا ونكون عَلَيْهَا من الشَّاهِدين﴾ .

المائدة 5:114

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم اللَّهُمَّ رَبنَا أنزل علينا مائدة من السَّمَاء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا﴾ قيل: إِنَّه لما أَرَادَ سُؤال الْمَائِدَة اغْتسل، وَصلى رَكْعَتَيْنِ، فطأطأ رَأسه، وغض بَصَره، وَبكى، ثمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ رَبنَا أنزل علينا مائدة من السَّمَاء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا " والعيد: المُرَاد بِهِ: يَوْم السرُور لَهُم ﴿وَآيَة مِنْك وارزقنا وَأَنت خير الرازقين﴾ .

المائدة 5:115

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ الله إِنِّي منزلهَا عَلَيْكُم فَمن يكفر بعد مِنْكُم فَإِنِّي أعذبه عذَابا لَا أعذبه أحدا من الْعَالمين﴾ أَي: جنس عَذَاب لم أعذب بِهِ أحدا، وَقيل: إِن ذَلِك الْعَذَاب (أَنه) مسخهم خنازير على مَا سنبين فِي الْقِصَّة. ثمَّ اخْتلفُوا، قَالَ الْحسن، وَمُجاهد: إِن الْمَائِدَة لم تنزل أصلا، فَإِن الله - تَعَالَى - لما أوعد على كفرهم بعد نزُول الْمَائِدَة؛ خَافُوا أَن يكفر بَعضهم؛ فاستعفوا عَن إِنْزَال الْمَائِدَة؛ فعلى هَذَا تَقْدِير قَوْله: ﴿إِنِّي منزلهَا عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: إِن سَأَلْتُم، إِلَّا أَنهم استعفوا فَلم ينزل، وَالصَّحِيح - وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ - أَنَّهَا منزلَة؛ لِأَن الله تَعَالَى لَا يعد شَيْئا ثمَّ يخلف، وَقد قَالَ: ﴿إِنِّي منزلهَا عَلَيْكُم﴾ . والقصة فِي ذَلِك: أَن عِيسَى لما سَأَلَ الْمَائِدَة؛ نزلت من السَّمَاء سفرة حَمْرَاء بَين غمامتين كَانُوا يرونها، بسطت بَين أَيْديهم، وَكَانَت مغطاة، فَقَامَ عِيسَى إِلَيْهَا، وَرفع عَنْهَا الغطاء، فَإِذا عَلَيْهَا سَبْعَة أرغفة، وَسَبْعَة أحوات، وَفِي رِوَايَة: كَانَ عَلَيْهَا خَمْسَة أرغفة، وسمكة مشوية لَيْسَ فِيهَا فلوس وَلَا شوك كَمَا يكون فِي سمك الأَرْض، وَكَانَ حولهَا من كل بقل إِلَّا الكرات، وَكَانَ عِنْد رَأسهَا الْملح وَعند ذنبها الْخلّ، وَكَانَ عَلَيْهَا خمس رمانات وتميرات، وَقيل: كَانَت الأرغفة من خبز الْأرز، وَقَالَ عَطِيَّة: كَانَت عَلَيْهَا سَمَكَة لَهَا طعم جَمِيع الأَرْض، وَقيل: كَانَ عَلَيْهَا ثَمَر من ثمار الْجنَّة. وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن عِيسَى سُئِلَ: أَهَذا من طَعَام الْجنَّة؟ فَقَالَ: لَا من طَعَام الْجنَّة، وَلَا من طَعَام الأَرْض، إِنَّمَا هُوَ طَعَام خلقه الله - تَعَالَى - لكم. وَفِي الْقِصَّة: أَن هَذَا الْمَائِدَة لما نزلت؛ دَعَا عِيسَى لَهَا الْفُقَرَاء، والزمني، وَالْمَسَاكِين، حَتَّى يَأْكُلُوا، وَكَانَت تنزل عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ يَوْمًا، يَأْكُل مِنْهَا كل يَوْم أَرْبَعَة آلَاف، أَو خَمْسَة آلَاف نفر، فَكَانُوا يَأْكُلُون، وَلَا ينقص مِنْهَا شَيْء، ثمَّ تصعد، ثمَّ تنزل، هَكَذَا كل يَوْم حَتَّى خانوا فِيهَا، فمسخوا قردة وَخَنَازِير، وَرفعت الْمَائِدَة. ثمَّ اخْتلفُوا فِي تِلْكَ الْخِيَانَة، فروى عمار بن يَاسر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أنزلت عَلَيْهِم الْمَائِدَة، وَعَلَيْهَا الْخبز وَاللَّحم، وَأمرُوا أَن لَا يدخروا مِنْهَا للغد، فادخروا وخانوا؛ فَأَصْبحُوا قردة وَخَنَازِير " وَفِي رِوَايَة: " أَصْبحُوا خنازير ". وَقيل: كَانَت خيانتهم أَن الْيَهُود قَالُوا لَهُم: إِن عِيسَى سحركم بالمائدة، وَلم يكن ثمَّ مائدة؛ فشكوا فِيهِ؛ فمسخوا خنازير، وَقيل: كَانَت خيانتهم أَن فِي الِابْتِدَاء كَانَ يَأْكُل مِنْهَا الْأَغْنِيَاء والفقراء؛ فَأَمرهمْ الله - تَعَالَى - أَن يَدْعُو لَهَا الْفُقَرَاء دون ﴿عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق إِن كنت قلته فقد عَلمته تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم﴾ الْأَغْنِيَاء؛ ابْتَلَاهُم؛ فَأكل الْأَغْنِيَاء وخالفوا، فَأَصْبحُوا خنازير.

المائدة 5:116

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ اخْتلفُوا فِي أَن هَذَا القَوْل مَتى يكون؟ قَالَ السّديّ: إِنَّمَا قَالَ الله - تَعَالَى - ذَلِك حِين رَفعه إِلَى السَّمَاء؛ لِأَن قَوْله: " إِذْ للماضي، وَالصَّحِيح أَنه يكون فِي الْقِيَامَة، وَالْقِيَامَة وَإِن لم تكن بعد، وَلكنهَا فِي علم الله، فَلَمَّا كَانَت كائنة لَا محَالة فَهِيَ كالكائنة؛ فصح قَوْله: ﴿وَإِذ قَالَ الله﴾ وَقيل: إِذا بِمَعْنى إِذْ وَيجوز مثل ذَلِك قَالَ الشَّاعِر: (لم يجزه بِهِ الْإِلَه إِذْ جزا ... جنَّات عدن فِي السَّمَوَات الْعلَا) يَعْنِي: إِذا جزى ﴿أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ قيل: هَذَا سُؤال توبيخ وَالْمرَاد بِهِ: قومه، وَكَانَت الْحِكْمَة فِي سُؤَاله عَنهُ؛ حَتَّى يسمع قومه إِنْكَاره؛ لأَنهم كَانُوا يدعونَ أَن عِيسَى أَمرهم (باتخاذه إِلَهًا) ؛ فَإِن قَالَ قَائِل: هم لم يتخذوا أمه إِلَيْهَا؛ فَمَا معنى قَوْله: ﴿اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ ؟ قيل: إِنَّه - جلّ وَعز - لما أَرَادَ ذكر عِيسَى مَعَ أمه، قَالَ: إِلَهَيْنِ، وَهَذَا كَمَا يُقَال عِنْد ذكر أبي بكر وَعمر مَعًا: عمرَان، وَقَالُوا: هَذَا سنة عمرين، وَيُقَال للشمس وَالْقَمَر: قمران، قَالَ الفرزدق: (لنا قمراها والنجوم طوالع ... ) يَعْنِي: الشَّمْس وَالْقَمَر، وَقيل: إِن عِيسَى كَانَ بَعْضًا لِمَرْيَم، فَلَمَّا اتخذوه إِلَهًا؛ فكأنهم اتَّخذُوا أمه إِلَهًا؛ فَقَالَ: ﴿إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق إِن كنت قلته فقد عَلمته﴾ اشْتغل أَولا بالثناء عَلَيْهِ والتنزيه، وَنسبه إِلَى الْقُدس وَالطَّهَارَة ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ قَالَ الزّجاج: نفس النَّبِي: جملَته وَحَقِيقَته، فَمَعْنَاه: تعلم حَقِيقَة أَمْرِي، وَلَا أعلم حَقِيقَة أَمرك، وَقيل: مَعْنَاهُ: تعلم مَا فِي غيبي وَلَا أعلم مَا فِي غيبك، وَعَلِيهِ دلّ قَوْله: ﴿إِنَّك أَنْت علام الغيوب﴾ وَهُوَ معنى الأول،

المائدة 5:117

﴿مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله بِي وربكم وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني﴾ أَي: رفعتني ﴿كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم﴾ وَقد بَينا معنى التوفي فِيمَا سبق ﴿وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد﴾ .

المائدة 5:118

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ طلب الْمَغْفِرَة لَهُم، وهم كفار؟ ﴿وَكَيف قَالَ: وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم، وَهَذَا لَا يَلِيق بسؤال الْمَغْفِرَة؟﴾ قيل: أما الأول فَمَعْنَى قَوْله: وَإِن تغْفر لَهُم، يَعْنِي: بعد الْإِيمَان، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم على قَول السّديّ؛ لِأَن الْإِيمَان لَا ينفع فِي الْقِيَامَة، وَالصَّحِيح آخر الْقَوْلَيْنِ، قَالَ بَعضهم: هَذَا فِي فريقين مِنْهُم فَقَوله: ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك﴾ يَعْنِي: من كفر مِنْهُم ﴿وَإِن تغْفر لَهُم﴾ يَعْنِي: من آمن مِنْهُم. وَقَالَ أهل الْمعَانِي من أَرْبَاب النَّحْو: لَيْسَ هَذَا على وَجه طلب الْمَغْفِرَة، وَإِنَّمَا هَذَا على تَسْلِيم الْأَمر إِلَيْهِ، وتفويضه إِلَى مُرَاده؛ أَلا ترَاهُ يَقُول: " فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم " وَلَو كَانَ على وَجه طلب الْمَغْفِرَة لقَالَ: " فَإنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم ". وَأما السُّؤَال الثَّانِي: اعْلَم أَن فِي مصحف ابْن مَسْعُود: " وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم " وَكَانَ ابْن شنبوذ يقْرَأ كَذَلِك زَمَانا بِبَغْدَاد؛ فَمنع عَنهُ، وَفِيه قصَّة، (وَقيل) : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِير الْآيَة: إِن تغْفر لَهُم فَإِنَّهُم عِبَادك، وَإِن تُعَذبهُمْ فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم. وَقيل: مَعْنَاهُ: إِن تغْفر لَهُم لَا ينقص من (عزك) شَيْء وَلَا يخرج من حكمتك. وَيدخل فِي حِكْمَة الله - تَعَالَى - وسعة رَحمته أَن يغْفر للْكفَّار، وَلكنه أخبر أَن لَا يغْفر، وَهُوَ لَا يخلف خَبره وَمن قَالَ: إِنَّه على تَسْلِيم الْأَمر لَا على وَجه طلب الْمَغْفِرَة، استقام النّظم على قَوْله، كَمَا بَينا.

المائدة 5:119

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ الله هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم﴾ يقْرَأ: " يَوْم " بِالرَّفْع على الإبتداء، وَيقْرَأ: " يَوْم " على بِالنّصب، كَأَنَّهُ أَرَادَ فِي يَوْم؛ فَحذف فِي وَنصب يَوْم. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ينفع الصَّادِقين صدقهم بالقيامة، وَلَيْسَت بدار النَّفْع؟ قيل: مَعْنَاهُ: ينفع الصَّادِقين صدقهم فِي الدُّنْيَا لَا صدقهم فِي الْقِيَامَة، وَقيل: نفعهم بِالصّدقِ فِي الْقِيَامَة: أَنهم لَو كذبُوا؛ نطقت جوارحهم فافتضحوا، فَإِذا صدقُوا لم يفتضحوا ( ﴿لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم﴾ لله ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كل شَيْء قدير) وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

المائدة 5:120

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ الله هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم﴾ يقْرَأ: " يَوْم " بِالرَّفْع على الإبتداء، وَيقْرَأ: " يَوْم " على بِالنّصب، كَأَنَّهُ أَرَادَ فِي يَوْم؛ فَحذف فِي وَنصب يَوْم. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ينفع الصَّادِقين صدقهم بالقيامة، وَلَيْسَت بدار النَّفْع؟ قيل: مَعْنَاهُ: ينفع الصَّادِقين صدقهم فِي الدُّنْيَا لَا صدقهم فِي الْقِيَامَة، وَقيل: نفعهم بِالصّدقِ فِي الْقِيَامَة: أَنهم لَو كذبُوا؛ نطقت جوارحهم فافتضحوا، فَإِذا صدقُوا لم يفتضحوا ( ﴿لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم﴾ لله ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كل شَيْء قدير) وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

الأنعام 6:1

تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام قَالَ - رَضِي الله عَنهُ -: اعْلَم أَن سُورَة الْأَنْعَام مَكِّيَّة، روى يُوسُف بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنه قَالَ: سُورَة الْأَنْعَام نزلت جملَة بِمَكَّة لَيْلًا، مَعهَا سَبْعُونَ ألف ملك يحدونها بالتسبيح. وَقد روى هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي، وَفِي تَمام الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من قَرَأَهَا فِي لَيْلَة اسْتغْفر لَهُ السبعون ألف ملك أُولَئِكَ ليله ونهاره إِلَى أَن يصبح "، وَفِي بعض الرِّوَايَات: " أَن تِلْكَ الْمَلَائِكَة كَانَ لَهُم زجل بالتسبيح، وَكَانَت الأَرْض ترتج، وَالنَّبِيّ يَقُول: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم حَتَّى نزلت " وَفِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَن [أبي] صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: نزلت سُورَة الْأَنْعَام جملَة بِمَكَّة إِلَّا آيَتَيْنِ: قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل تَعَالَوْا﴾ الْآيَة. وَقَوله: ﴿مَا قدرُوا الله حق قدره﴾ الْآيَة وَفِي بعض الرِّوَايَات: " إِلَّا ثَلَاث آيَات: من قَوْله: ﴿قل تَعَالَوْا﴾ إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث، وَعَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: سُورَة الْأَنْعَام من نَجَائِب الْقُرْآن، وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: من قَرَأَ سُورَة الْأَنْعَام فقد انْتهى فِي رضَا ربه. بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور ثمَّ الَّذين كفرُوا﴾ قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ حُكيَ عَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه قَالَ: هَذِه الْآيَة أول آيَة فِي التَّوْرَاة، وَآخر آيَة فِي التَّوْرَاة: قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقل الْحَمد لله الَّذِي لم يتَّخذ ولدا﴾ الْآيَة. فَقَوله: ﴿الْحَمد لله﴾ مَعْنَاهُ: احمدوا الله، ذكر الْخَبَر بِمَعْنى الْأَمر، وَفَائِدَته: الْأَمر بِالْحَمْد وَتَعْلِيم الْحَمد؛ فَإِنَّهُ لَو قَالَ: احمدوا الله؛ دعت الْحَاجة إِلَى بَيَان كَيْفيَّة الْحَمد، وَقَوله: ﴿الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ إِنَّمَا خصهما بِالذكر؛ لِأَنَّهُمَا أعظم الْمَخْلُوقَات فِيمَا يرى الْعباد؛ وَلِأَن فيهمَا العبر وَالْمَنَافِع للعباد. ﴿وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ والجعل: بِمَعْنى الْخلق، ثمَّ اخْتلفُوا، قَالَ بَعضهم: الظُّلُمَات: اللَّيْل، والنور: النَّهَار، وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بالظلمات: الْكفْر، وبالنور: الْإِيمَان، وَيدخل فِي الظُّلُمَات جَمِيع الظُّلُمَات، حَتَّى ظلمَة الْقلب، وظلمة الشَّك، وَنَحْو ذَلِك. وَيدخل فِي النُّور جَمِيع الْأَنْوَار، حَتَّى نور الْقلب، وَنور الْيَقِين، وَنَحْو ذَلِك، وَقيل: أَرَادَ بالظلمات: الْجَهْل، وبالنور: الْعلم، وَقيل: أَرَادَ بالظلمات: الْمعْصِيَة، وبالنور: الطَّاعَة. وروى عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: إِن الله - تَعَالَى - خلق السَّمَاء قبل الأَرْض، وَاللَّيْل قبل النَّهَار، وَالْجنَّة قبل النَّار، وَقد قَالَ غَيره: خلق الأَرْض قبل السَّمَاء، وَسَيَأْتِي. ﴿ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ﴾ قَالَ الْكسَائي: عدل الشَّيْء بالشَّيْء: إِذا ساواه بِهِ، وَمِنْه الْعدْل. وَمَعْنَاهُ: يعدلُونَ بِاللَّه غير الله، وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يشركُونَ، والمعنيان متقاربان؛ لِأَن من سَاوَى غير الله بِاللَّه؛ فقد أشرك. وَقيل: قَوْله: ﴿ثمَّ الَّذين كفرُوا﴾ معنى لطيف، وَهُوَ مثل قَول الْقَائِل: أَنْعَمت عَلَيْك كَذَا، وتفضلت عَلَيْك بِكَذَا ثمَّ لَا تشكرني، ثمَّ تكفر بنعمتي.

الأنعام 6:2

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من طين﴾ هُوَ مَا بَينا أَن الله - تَعَالَى - أَمر ملك الْمَوْت حَتَّى قبض قَبْضَة من تُرَاب؛ فخلق مِنْهَا آدم - صلوَات الله عَلَيْهِ - فَهَذَا معنى قَوْله: ( ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من طين﴾ ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده) قَالَ ابْن عَبَّاس: الْأَجَل الأول: من الْولادَة إِلَى الْمَوْت، وَالْأَجَل الثَّانِي: من الْمَوْت إِلَى الْبَعْث وَقَالَ أَيْضا: لكل أحد أجلان: أجل إِلَى الْمَوْت، وَأجل من الْمَوْت إِلَى الْبَعْث، فَإِن كَانَ برا وصُولا للرحم؛ زيد لَهُ من أجل الْبَعْث فِي أجل الْعُمر، وَإِن كَانَ غير ذَلِك، نقص من أجل الْعُمر، وَزيد ذَلِك فِي أجل الْبَعْث. وَقيل: الْأَجَل الأول: أجل الدُّنْيَا كَمَا بَينا، وَالْأَجَل الثَّانِي من ابْتِدَاء الْآخِرَة، وَذَلِكَ مُسَمّى عِنْد الله لَا يُعلمهُ غَيره ﴿ثمَّ أَنْتُم تمترون﴾ تشكون.

الأنعام 6:3

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يعلم سركم وجهركم﴾ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ: وَهُوَ الله المعبود فِي السَّمَوَات وَفِي الأض، وَقَالَ غَيره: تَقْدِيره: وَهُوَ الله يعلم سركم وجهركم فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَهُوَ قَول الزّجاج ﴿وَيعلم مَا تكسبون﴾ الْكسْب: كل عمل يعمله الْإِنْسَان بكده؛ لجلب نفع، أَو دفع ضرّ، وَلذَلِك لَا يُوصف فعل الله بِالْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ فعله برِئ عَن جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار.

الأنعام 6:4

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا تأتيهم من آيَة من آيَات رَبهم إِلَّا كَانُوا عَنْهَا معرضين﴾ أَرَادَ بِهَذِهِ الْآيَة: انْشِقَاق الْقَمَر؛ فَإِن الْكفَّار سَأَلُوا رَسُول الله أَن يَأْتِيهم بِآيَة؛ فَقَالَ عَلَيْهِ [الصَّلَاة و] السَّلَام - مَاذَا تُرِيدُونَ؟ فاقترحوا انْشِقَاق الْقَمَر، فَأَتَاهُم بِهِ، فَكَفرُوا وأعرضوا.

الأنعام 6:5

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فقد كذبُوا بِالْحَقِّ لما جَاءَهُم﴾ يَعْنِي: مَا ذكرنَا {فَسَوف يَأْتِيهم أنباء مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون) مَعْنَاهُ: فَسَوف يؤول إِلَيْهِ وبال مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون.

الأنعام 6:6

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ألم يرَوا كم أهلكنا من قبلهم من قرن﴾ قيل: ثَمَانُون سنة، وَقيل: سِتُّونَ سنة، وَقيل: أَرْبَعُونَ سنة، وَقيل: ثَلَاثُونَ سنة، والقرن عِنْد حفاظ الحَدِيث: مائَة سنة؛ فَإِنَّهُ روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ لعبد [الله] بن (بسر) الْمَازِني: " إِنَّك تعيش قرنا "، فَعَاشَ مائَة سنة، فاستدلوا بِهِ على أَن الْقرن مائَة سنة، وَفِي الْأَخْبَار: كَانَ بَين آدم ونوح: عشرَة قُرُون، وَبَين نوح وَإِبْرَاهِيم: عشرَة قُرُون، والقرن فِي الْحَقِيقَة: هُوَ أهل كل زمَان، سَوَاء بعث فيهم نَبِي أَو لم يبْعَث؛ وَعَلِيهِ دلّ قَوْله: " خير النَّاس قَرْني، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذين بلونهم " يَعْنِي: ثمَّ الْقرن الَّذين يَلُونَهُمْ. وَقَوله: ﴿مكناهم فِي الأَرْض مَا لم نمكن لكم﴾ أَي: أعطيناهم مَا لم نعطكم. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مدرارا﴾ أَي: مُتَتَابِعًا، قَالَ الشَّاعِر: (وسقاك من نوء الثريا ... مزقة عَن الْحَلب وابلا مدرارا) أَي: مُتَتَابِعًا، قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مدرارا: أَي: مُتَتَابِعًا فِي أَوْقَات الْحَاجَات، وَلم يرد بِهِ: التوالي على الدوم ﴿وَجَعَلنَا الْأَنْهَار تجْرِي من تَحْتهم فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنشأنا من بعدهمْ قرنا آخَرين﴾ .

الأنعام 6:7

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو نزلنَا عَلَيْك كتابا فِي قرطاس﴾ سَبَب هَذَا: أَن عبد الله بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي أَخا أم سَلمَة، قَالَ لرَسُول الله: لن نؤمن بك حَتَّى تنزل علينا صحيفَة من السَّمَاء جملَة فَنزل قَوْله: ﴿وَلَو نزلنَا عَلَيْك كتابا فِي قرطاس﴾ . والقرطاس: مَا يكون مَكْتُوبًا، فَإِذا لم يكن مَكْتُوبًا سمي: طرسا ﴿فلمسوه بِأَيْدِيهِم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: لم لم يقل: فرأوه بأعينهم؟ قيل: لِأَن اللَّمْس أبلغ فِي إِيقَاع الْعلم من الرُّؤْيَة؛ لِأَن السحر يجْرِي على المرئي، وَلَا يجْرِي على الملموس؛ لِأَن الملموس يصير مرئيا، والمرئي لَا يصير ملموسا؛ فَذكر اللَّمْس ليَكُون أبلغ. ﴿لقَالَ الَّذين كفرُوا إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا ينفع مَعَهم شَيْء فَإنَّا وَإِن أنزلنَا عَلَيْهِم مَا اقترحوا قَالُوا إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين.

الأنعام 6:8

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ ملك﴾ وَهَذَا قَول عبد الله بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي (اقترح) إِنْزَال ملك ﴿وَلَو أنزلنَا ملكا لقضي الْأَمر﴾ قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: لقامت الْقِيَامَة، وَقيل: مَعْنَاهُ: لاستؤصلوا بِالْعَذَابِ، وَهَذِه سنة الله فِي الْكفَّار؛ أَنهم مَتى اقترحوا آيَة، فَإِذا أَعْطَاهُم الله لَك؛ فَكَفرُوا بهَا، استأصلهم بِالْعَذَابِ، كدأب قوم نوح، وَعَاد وَثَمُود، وَقوم لوط، وأمثالهم ﴿ [ثمَّ] لَا ينظرُونَ﴾ أَي: ثمَّ لَا يمهلون.

الأنعام 6:9

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ ملكا لجعلناه رجلا﴾ أَي: فِي صُورَة رجل؛ لِأَن الرجل أأنس بِالرجلِ، وَأفهم مِنْهُ، وَقد جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِي فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ وَجَاء الْملكَانِ إِلَى دَاوُد فِي صُورَة رجلَيْنِ ﴿وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس، وَالضَّحَّاك، وَجَمَاعَة: مَعْنَاهُ: خلطنا عَلَيْهِم مَا يخلطون، وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم شبهوا على ضعفائهم فتشبه عَلَيْهِم كَمَا شبهوا، وَينزل الْملك فِي صُورَة رجل (حَيّ) يشْتَبه عَلَيْهِم؛ فَيَقُول بَعضهم: هُوَ ملك، وَيَقُول بَعضهم: لَيْسَ بِملك، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: أضللناهم بإنزال الْملك فِي صُورَة رجل، كَمَا ضلوا من قبل، أَي: لَو حسبوا أَن يهتدوا بإنزال الْملك، فإنزال الْملك لَا يعجزنا من إضلالهم بِهِ.

الأنعام 6:10

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد استهزئ برسل من قبلك﴾ سَبَب هَذَا: " أَن رَسُول الله مر على الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَأُميَّة بن خلف، وَأبي جهل، فضحكوا هزوا بِهِ؛ فَنزلت الْآيَة تَسْلِيَة لَهُ " ﴿فحاق بالذين﴾ أَي: فَنزل بالذين ﴿سخروا مِنْهُم مَا كَانُوا﴾ أَي: وبال مَا كَانُوا ﴿بِهِ يستهزءون﴾ .

الأنعام 6:11

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض﴾ يحْتَمل هَذَا السّير بالفكرة والعقول، وَيحْتَمل السّير بالأقدام ﴿ثمَّ انْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين﴾ يَعْنِي: مِمَّن سبق من الْأُمَم.

الأنعام 6:12

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل لمن مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض قل لله﴾ أَمر بِالْجَوَابِ عقيب السُّؤَال؛ ليَكُون أبلغ فِي التَّأْثِير، وآكد فِي الْحجَّة؛ لِأَن من سَأَلَ غَيره عَن شَيْء ثمَّ عقبه بِالْجَوَابِ كَانَ ذَلِك أبلغ تَأْثِيرا ﴿كتب على نَفسه الرَّحْمَة﴾ أَي: (قضى) ، وَقد صَحَّ بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله قَالَ: " إِن الله كتب كتابا قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَهُوَ عِنْده فَوق عَرْشه: سبقت رَحْمَتي غَضَبي ". ﴿ليجمعنكم﴾ اللَّام لَام الْقسم أَي: وَالله ليجمعنكم. ﴿إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ﴾ أَي: لَا شكّ فِيهِ ﴿الَّذين خسروا أنفسهم﴾ غبنوا أنفسهم ﴿فهم لَا يُؤمنُونَ﴾ .

الأنعام 6:13

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَله مَا سكن فِي اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ وَقيل: فِيهِ حذف، وَتَقْدِيره: وَله مَا سكن وَمَا تحرّك، وَقيل: هُوَ السّكُون خَاصَّة، وَإِنَّمَا خص السّكُون؛ لِأَن النِّعْمَة فِي السّكُون أَكثر مِنْهَا فِي الْحَرَكَة ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ .

الأنعام 6:14

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أغير الله اتخذ وليا فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ الفاطر: الْخَالِق، المنشئ لِلْخلقِ، قَالَ الْأَصْمَعِي: مَا كنت أعرف معنى الفاطر، حَتَّى أختصم إِلَى أعربيان فِي بِئْر؛ فَقَالَ أَحدهمَا: أَنا فطرته، وَقَالَ الآخر: أَنا فطرته؛ فَعرفت أَنه [إنْشَاء] الْخلق ﴿وَهُوَ يطعم وَلَا يطعم﴾ قَرَأَ الْأَعْمَش: " وَهُوَ يطعم وَلَا يطعم " بِفَتْح الْيَاء، أَي: يُؤْكَل وَلَا يَأْكُل، وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، فَمَعْنَاه: وَهُوَ يرْزق وَلَا يرْزق. ﴿قل إِنِّي أمرت أَن أكون أول من أسلم﴾ يَعْنِي: من هَذِه الْأمة، وَالْإِسْلَام يَعْنِي الاستسلام لأمر الله - تَعَالَى - ﴿وَلَا تكونن من الْمُشْركين﴾ وَهُوَ وَإِن كَانَ مَعْصُوما عَن الشّرك، لَكِن الْأَمر (بالثبات) على الْإِيمَان، وَترك الْإِشْرَاك يجوز أَن يكون مُتَوَجها عَلَيْهِ، وَقيل: الْخطاب مَعَه، وَالْمرَاد بِهِ: الْأمة.

الأنعام 6:15

﴿قَالَ إِنِّي أَخَاف إِن عصيت رَبِّي عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ أَي: عَذَاب الْقِيَامَة

الأنعام 6:16

﴿من يصرف عَنهُ﴾ يَعْنِي: الْعَذَاب، وَقَرَأَ حَمْزَة، وَالْكسَائِيّ، وَأَبُو بكر عَن عَاصِم: بِفَتْح الْيَاء، يَعْنِي: من يصرف الله عَنهُ الْعَذَاب ﴿يَوْمئِذٍ فقد رَحمَه وَذَلِكَ الْفَوْز الْمُبين﴾ .

الأنعام 6:17

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الضّر: خلاف النَّفْع وَمَعْنَاهُ: إِن يصبك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ ﴿وَإِن يمسسك بِخَير فَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ وروى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " كنت رَدِيف النَّبِي، فَقَالَ: أَلا أعلمك كَلِمَات تنْتَفع بِهن فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة؟ قلت: (نعم) ؛ (فَقَالَ) : احفظ الله يحفظك ... " الْخَبَر إِلَى أَن قَالَ: " فَلَو اجْتمع الْخلق على أَن ينفعوك بِشَيْء لم يَكْتُبهُ الله لَك لم يقدروا عَلَيْهِ، وَلَو اجْتَمعُوا على أَن يمنعوك شَيْئا كتبه الله لَك لم يقدروا عَلَيْهِ ... " - الْخَبَر.

الأنعام 6:18

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ القاهر: الْغَالِب الَّذِي لَا يغلب، وَقيل: هُوَ الْمُنْفَرد بِالتَّدْبِيرِ، يجْبر الْخلق على مُرَاده، وَقَوله: ﴿فَوق عباده﴾ هُوَ صفة الاستعلاء الَّذِي لله - تَعَالَى - الَّذِي يعرفهُ أهل السّنة ﴿وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير﴾ .

الأنعام 6:19

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أَي شَيْء أكبر شَهَادَة﴾ سَبَب هَذَا: أَن الْكفَّار قَالُوا: يَا مُحَمَّد، من يشْهد لَك بِالصّدقِ؟ فَنزلت الْآيَة: ﴿قل أَي شَيْء أكبر شَهَادَة﴾ يَعْنِي: من الله، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا على أَن الله شَيْء. ﴿قل الله شَهِيد بيني وَبَيْنكُم﴾ أَي: يشْهد لي بِالْحَقِّ، وَعَلَيْكُم بِالْبَاطِلِ. ﴿وأوحي إِلَيّ هَذَا الْقُرْآن لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ أَي: وَمن بلغه الْقُرْآن إِلَى قيام السَّاعَة، وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي: " نضر الله وَجه امْرِئ سمع مني مقَالَة، فوعاها، ثمَّ بلغَهَا؛ فَرب مبلغ أوعى من سامع " وَقيل: مَعْنَاهُ: لأنذركم بِهِ، يَعْنِي: الْعَرَب، وَمن بلغ، يَعْنِي: الْعَجم. ﴿أئنكم لتشهدون أَن مَعَ الله آلِهَة أُخْرَى قل لَا أشهد قل إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد وإنني بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ أمره بِالْجَوَابِ عقيب السُّؤَال لما بَينا.

الأنعام 6:20

﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ: مُحَمَّدًا، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الْقُرْآن يعرفونه ﴿كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ . ﴿الَّذين خسروا أنفسهم فهم لَا يُؤمنُونَ﴾ أَي: غبنوا أنفسهم، وغبنهم: أَنهم خسروا رَأس المَال، وَفِي الْخَبَر: أَن الله - تَعَالَى - خلق لكل آدَمِيّ منَازِل فِي الْجنَّة، فَإِن كفر خسر تِلْكَ الْمنَازل، وَجعلهَا الله - تَعَالَى - لمُؤْمِن.

الأنعام 6:21

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا﴾ أَي: قَالَ عَلَيْهِ مَا لم يقلهُ ﴿أَو كذب بآياته﴾ يَعْنِي: آيَات الْقُرْآن ﴿إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ .

الأنعام 6:22

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا﴾ أَرَادَ بِهِ: حشر الْقِيَامَة ﴿ثمَّ [نقُول] للَّذين أشركوا أَيْن شركاءكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ يَعْنِي أَيْن الشُّرَكَاء الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ أَنهم شُرَكَاء الله، والزعم قَول الْكَذِب، قَالَ ابْن عَبَّاس: الزَّعْم الْكَذِب فِي كل مَوضِع، وَفِي الْآثَار: " زَعَمُوا مَطِيَّة الْكَذِب ".

الأنعام 6:23

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ قَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ: ثمَّ لم تكن معذرتهم - وَقَالَ غَيره: ثمَّ لم يكن كَلَامهم - إِلَّا أَن قَالُوا. قَالَ الزّجاج: فِي قَوْله: ﴿ثمَّ لم تكن فتنتهم﴾ معنى لطيف، وَذَلِكَ مثل الرجل يفتن (بمحبوب) ثمَّ تصيبه فِي ذَلِك محنة؛ فيتبرأ من محبوبه؛ فَيُقَال: لم تكن فتنته إِلَّا هَذَا، كَذَلِك الْكفَّار لما فتنُوا بمحبة الْأَصْنَام، ثمَّ إِذا رَأَوْا الْعَذَاب يتبرءون مِنْهَا. يَقُول الله - تَعَالَى -: {ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين

الأنعام 6:24

انْظُر كَيفَ كذبُوا على أنفسهم) كذبهمْ عل أنفسهم: تبرئهم من الشّرك ﴿وضل﴾ أَي: ذهب ﴿عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون﴾ .

الأنعام 6:25

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة﴾ هَذَا فِي رُؤَسَاء الْمُشْركين، مثل: أبي سُفْيَان بن حَرْب - حِين كَانَ مُشْركًا - وَأبي جهل بن هِشَام، وَعتبَة، وَشَيْبَة ابْني ربيعَة، والوليد بن الْمُغيرَة، وَغَيرهم، كَانُوا يَسْتَمِعُون الْقُرْآن؛ فَقَالُوا: لأبي سُفْيَان: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أرى فِيهِ حَقًا وباطلا. فَقَالَ أَبُو جهل: حَتَّى تفاخرنا واستوينا فِي الْمجد، واستوت بِنَا الركب، تَزْعُمُونَ أَن مِنْكُم نَبيا يَا بني عبد منَاف، وَالله لَا نقر بِهَذَا، وَفِي رِوَايَة: [للْمَوْت] أَهْون علينا من هَذَا. ﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة﴾ هِيَ جمع " الكنان " كالأعنة جمع الْعَنَان وَهِي الأغطية ﴿أَن يفقهوه﴾ قَالَ بَعضهم: كَرَاهَة أَن يفقهوه، وَقَالَ آخَرُونَ: أَن لَا يفقهوه ﴿وَفِي آذانهم وقرا﴾ أَي: وَجَعَلنَا فِي آذانهم صمما، قَالَ ابْن عَبَّاس: والوقر: أَصله الثّقل؛ وَمن ثقل الْأذن جَاءَ الصمم. ﴿وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا﴾ هَذَا فِي معجزات النَّبِي، وَمَا أَرَاهُم من الْآيَات. يَقُول الله - تَعَالَى -: وَإِن يرَوا جَمِيع تِلْكَ الْآيَات لَا يُؤمنُوا بهَا، وَقيل: إِنَّهُم اقترحوا آيَة؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا﴾ وَهَذَا فِي قوم مخصوصين، علم الله أَنهم لَا يُؤمنُونَ. ﴿حَتَّى إِذا جاءوك يجادلونك يَقُول الَّذين كفرُوا إِن هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين﴾ مجادلتهم: أَنهم قَالُوا للنضر بن الْحَارِث بن كلدة، وَكَانَ قد نظر فِي الْكتب الْمنزلَة، وَكَانَ مِمَّن يستمع الْقُرْآن؛ فَقَالُوا لَهُ: مَا تَقول فِي هَذَا؟ قَالَ: إِن هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين، مثل أقاصيص رستم واسفنديار، وصحف الْأَوَّلين، قَالَ ثَعْلَب: الأساطير: جمع الأسطورة، وَهِي الْمَكْتُوبَة.

الأنعام 6:26

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وهم ينهون عَنهُ وينئون عَنهُ﴾ أَي: ينهون النَّاس عَن اتِّبَاع مُحَمَّد، وتباعدون عَنهُ بِأَنْفسِهِم، وَقيل: معنى قَوْله ﴿ينهون عَنهُ﴾ أَي: يَذبُّونَ عَنهُ، وَيمْنَعُونَ النَّاس عَن أَذَاهُ ﴿وينئون عَنهُ﴾ أَي: يتباعدون عَن الْإِيمَان بِهِ، وَذَلِكَ مثل أبي طَالب، كَانَ يذب عَنهُ حَال حَيَاته، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ فِي أبي طَالب. حَتَّى روى أَنه اجْتمع عَلَيْهِ رُؤَسَاء قُرَيْش، وَقَالُوا لَهُ: اختر شَابًّا من أَصْحَابنَا وجيها، واتخذه ابْنا لَك، وادفع إِلَيْنَا مُحَمَّدًا؛ فَقَالَ أَبُو طَالب: مَا أنصفتموني، أدفَع إِلَيْكُم وَلَدي ليقْتل، وأربي ولدكم؟ ! وروى أَنه قَالَ لرَسُول الله: " لَوْلَا أَن قُريْشًا تعيرني لأقررت عَيْنك بِالْإِيمَان "، وَكَانَ يذب عَنهُ إِلَى أَن توفّي، وروى: " أَنه قَرَأَ عَلَيْهِ قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وهم ينهون عَنهُ وينئون عَنهُ﴾ فَقَالَ أَبُو طَالب: أما أَن أَدخل فِي دينك فَلَا أَدخل أبدا، وَلَكِنِّي أذب عَنْك مَا حييت "، وَله فِيهِ أَبْيَات: (وَالله لن يصلوا إِلَيْك بِجَمْعِهِمْ ... حَتَّى أُوَسَّد فِي التُّرَاب دَفِينا) (فَاصْدَعْ بِأَمْرك مَا عَلَيْك غَضَاضَة ... وأبشر بِذَاكَ وقر مِنْك عيُونا) (وَدَعَوْتنِي وَعلمت أَنَّك ناصحي ... وصدقتني ولكنت ثمَّ أَمينا) (وَلَقَد علمت بِأَن دين مُحَمَّد ... من خير أَدْيَان الْبَريَّة دينا) (لَوْلَا الْمَلَامَة أَو حذار مسَبَّة ... لَوَجَدْتنِي سَمحا بِذَاكَ مُبينًا) ﴿وَإِن يهْلكُونَ إِلَّا أنفسهم﴾ أَي: لَا يرجع وبال فعلهم إِلَّا إِلَيْهِم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ .

الأنعام 6:27

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على النَّار﴾ أَي: دخلُوا النَّار، (وَقيل: عرضوا على النَّار) ، وَالْوُقُوف: الِاطِّلَاع على حَقِيقَة الشَّيْء ﴿فَقَالُوا يَا ليتنا نرد﴾ إِلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا﴾ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هُوَ ابْتِدَاء كَلَام، يَعْنِي: لَا نكذب أبدا، رددنا أَو لم نرد، وَقَالَ غَيره: هُوَ على نسقه، أَي: يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا، أَي: لَا نكفر بعد الرَّد إِلَى الدُّنْيَا ﴿ونكون من الْمُؤمنِينَ﴾ وَيقْرَأ " ونكون " بِنصب النُّون، وَتَقْدِيره: ولنكون من الْمُؤمنِينَ.

الأنعام 6:28

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿بل بدا لَهُم﴾ قَوْله: " بل " بحتة، رد لما قَالُوا، وَقَوله: ﴿بدا لَهُم مَا كَانُوا يخفون من قبل﴾ أَي: ظهر لَهُم مَا أخفوا من قبل من تبرئهم عَن الشّرك بقَوْلهمْ: وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين؛ وَذَلِكَ أَنهم إِذا قَالُوا ذَلِك؛ يخْتم الله على أَفْوَاههم، وتنطق جوارحهم بشركهم؛ فيبدو لَهُم مَا كَانُوا يخفون من قبل. ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ أَي: وَلَو ردوا إِلَى الدُّنْيَا لعادوا إِلَى الْكفْر، والشرك بِاللَّه ﴿وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ يَعْنِي: فِي قَوْلهم ﴿يَا ليتنا نرد لَا نكذب بآيَات رَبنَا﴾ وَفِي الْأَخْبَار: " أَن الله تَعَالَى يعْتَذر إِلَى آدم يَوْم الْقِيَامَة بِثَلَاث معاذير، أَحدهَا هَذَا بقوله: إِنِّي لَا أَدخل من ذريتك النَّار إِلَّا من أعلم أَنِّي لَو رَددته إِلَى الدُّنْيَا سبعين مرّة لكفر (بِي) ".

الأنعام 6:29

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا إِن هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا وَمَا نَحن بمبعوثين﴾ هَذَا فِي إنكارهم الْبَعْث وَالْقِيَامَة،

الأنعام 6:30

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم﴾ أَي: عرضوا على رَبهم، ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ وَذَلِكَ حِين تكشف [لَهُم] الغيوب والسرائر. ﴿قَالُوا بلَى وربنا﴾ فيقرون بهَا، قَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا فِي موقف، وَقَوله: ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ فِي موقف آخر، وَفِي الْقِيَامَة مَوَاقِف، فَفِي موقف يُنكرُونَ، وَفِي موقف يقرونَ، ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ .

الأنعام 6:31

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قد خسر الَّذين كذبُوا بلقاء الله﴾ أَي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم بالمصير إِلَى الله؛ فاللقاء هَا هُنَا بِمَعْنى الْمصير إِلَيْهِ ﴿حَتَّى إِذا جَاءَتْهُم السَّاعَة بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة ﴿قَالُوا يَا حسرتنا﴾ هَذَا على الْمُبَالغَة، كَقَوْلِهِم: يَا عجبا، وَقَول الْقَائِل: يَا عجبا، أبلغ من قَوْله: أَنا متعجب؛ فَكَذَلِك قَوْله: ﴿يَا حسرتنا﴾ أبلغ من قَوْله: أَنا متحسر، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا على وَجه النداء، كَأَنَّهُ يَقُول: أيتها الْحَسْرَة هَذَا أوانك وأيها الْعجب جَاءَ أوانك. ﴿على مَا فرطنا فِيهَا﴾ أَي: قَصرنَا فِيهَا، أَي: فِي أَمر الْقِيَامَة ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظُهُورهمْ) الأوزار: الأثقال، وَاحِدهَا: وزر، وَمِنْه الْوزر، وَهُوَ الْحَبل فِي قَوْله - تَعَالَى -: {كلا لَا وزر﴾ أَي: لَا حَبل وَلَا ملاذ، وَحَملهمْ الأوزار بَيَانه فِي الْخَبَر، وَهُوَ مَا روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة، فَمن كَانَ مِنْهُم برا تَلقاهُ صُورَة حَسَنَة طيبَة الرّيح، فَتَقول: أما تعرفنِي؟ أَنا عَمَلك الصَّالح، فاركبني فقد طَال مَا ركبتك، وَمن كَانَ فَاجِرًا تَلقاهُ صُورَة قبيحة مُنْتِنَة الرّيح، فَتَقول: أما تعرفنِي؟ أَنا عَمَلك الْخَبيث، وَقد طَال مَا ركبتني فَأَنا الْيَوْم أركبك ". فَهَذَا معنى قَوْله: ( ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظُهُورهمْ أَلا سَاءَ مَا يزرون﴾

الأنعام 6:32

وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا لعب وَلَهو وللدار الْآخِرَة خير للَّذين يَتَّقُونَ أَفلا تعقلون) وصف كلا الدَّاريْنِ فِي هَذِه الْآيَة.

الأنعام 6:33

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قد نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ سَبَب هَذَا: " أَن رَسُول الله مر على أبي جهل، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أَنْت صَادِق عندنَا، وَإِنَّمَا نكذب بِمَا جِئْت بِهِ " فَهَذَا معنى الْآيَة. وَقيل: إِنَّمَا نزل هَذَا تَسْلِيَة للرسول، يَقُول الله - تَعَالَى -: لَا تحزن؛ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك، وَيقْرَأ: " فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك " مخففا، وَالْفرق بَين التَّكْذِيب والإكذاب: أَن التَّكْذِيب: هُوَ أَن يَقُول لَهُ: كذبت، والإكذاب: هُوَ أَن يجده كَاذِبًا.

الأنعام 6:34

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كذبت رسل من قبلك فصبروا على مَا كذبُوا وأوذوا﴾ فِيهِ حذف، وَتَقْدِيره: وَلَقَد كذبت رسل من قبلك وأوذيت، فصبروا على مَا كذبُوا وأوذوا ﴿حَتَّى أَتَاهُم نصرنَا وَلَا مبدل لكلمات الله﴾ أَي: لعلم الله وَأَحْكَامه ﴿وَلَقَد جَاءَك من نبأ الْمُرْسلين﴾ أَي: أَخْبَار الْمُرْسلين.

الأنعام 6:35

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم فَإِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا فِي الأَرْض﴾ النفق: السرب فِي الأَرْض، وَمِنْه: " النافقاء " وَهُوَ جُحر اليربوع؛ وَمِنْه: النِّفَاق، لِأَن الْمُنَافِق يدْخل نفقين ﴿أَو سلما فِي السَّمَاء [فتأتيهم بِآيَة] ﴾ أَي: درجا فِي السَّمَاء فتأتيهم بِآيَة، سَبَب هَذَا: أَن الْكفَّار كَانُوا يقترحون الْآيَات؛ وود النَّبِي أَن (يعطيهم) الله مَا اقترحوا من الْآيَات (طَمَعا) فِي أَن يرَوا الْآيَات؛ فيسلموا فَنزل قَوْله: ﴿فَإِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا فِي الأَرْض أَو سلما فِي السَّمَاء فتأتيهم بِآيَة﴾ وَتَقْدِيره: إِن اسْتَطَعْت ذَلِك فافعل، وَفِيه حذف. ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ أَي: بِأَن يُرِيهم آيَة؛ يضطرون إِلَى الْإِيمَان بهَا، وَالصَّحِيح: أَن المُرَاد بِهِ: وَلَو شَاءَ الله لطبعهم وخلقهم على الْإِيمَان؛ فَهَذَا أقرب إِلَى قَول أهل السّنة؛ لِأَن إِيمَان الضَّرُورَة لَا ينفع، وَإِنَّمَا ينفع الْإِيمَان بِالْغَيْبِ اخْتِيَارا ﴿فَلَا تكونن من الْجَاهِلين﴾ أَي: بِهَذَا الْحَرْف، وَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ .

الأنعام 6:36

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ﴾ هَاهُنَا الْوَقْف، وَمَعْنَاهُ: إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ سَماع الْقبُول ﴿والموتى يَبْعَثهُم الله﴾ يَعْنِي: الْكفَّار {ثمَّ .

الأنعام 6:37

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نزل عَلَيْهِ آيَة من ربه قل إِن الله قَادر على أَن ينزل آيَة﴾ يَعْنِي: أَنه قَادر على إِنْزَال الْآيَات، وَقد أنزل كثيرا من الْآيَات والمعجزات، وَلَكِن لَا ينزل الْآيَات على اقتراح الْكفَّار ﴿وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ .

الأنعام 6:38

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه﴾ إِنَّمَا قيد الطيران بالجناح تَأْكِيدًا ﴿إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾ أَي: أَصْنَاف أمثالكم، وَفِي الْخَبَر: " لَوْلَا أَن الْكلاب أمة؛ لأمرتكم بقتلها؛ فَاقْتُلُوا مِنْهَا كل أسود بهيم، فَإِنَّهُ شَيْطَان "، وَمعنى الْآيَة: أَنَّهَا أمثالكم فِي الْخلق، وَالْمَوْت، والبعث، يَعْنِي: يخلقها كَمَا يخلقكم، ويميتها كَمَا يميتكم ويبعثها كَمَا يبعثكم، وَقيل: معنى قَوْله: ﴿أُمَم أمثالكم﴾ يَعْنِي: فِي الْعلم بالضار والنافع، والتوقي عَن الْهَلَاك، وَمَعْرِفَة الْعَدو. ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: نرى كثيرا من الْأَحْكَام لَيست فِي الْكتاب، فَمَا معنى قَوْله: ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ ؟ قيل: مَا من شَيْء إِلَّا وَأَصله فِي الْكتاب، وَقيل: مَا قَالَه الرَّسُول، فَإِنَّمَا قَالَه من الْكتاب؛ لِأَنَّهُ قد قَالَ فِي خبر مَعْرُوف: " أُوتيت الْقُرْآن وَمثله " وَقد قَالَ الله - تَعَالَى - {وَمَا ينْطق عَن لهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى) فَكل مَا ثَبت بِالسنةِ؛ فَكَأَنَّهُ ثَابت فِي الْكتاب، وَقيل: [مَعْنَاهُ] : مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء تقع الْحَاجة إِلَيْهِ. ﴿ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون﴾ وَلَا شكّ فِي حشر الْبَهَائِم والحيوانات يَوْم الْقِيَامَة، حَتَّى روى: أَن الله - تَعَالَى - يحشرها ويقتص للجماء من القرناء، وروى أَبُو ذَر: " أَن النَّبِي رأى شَاتين تنتطحان؛ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَر، أَتَدْرِي فِيمَا نتطحان؟ فَقلت: لَا. فَقَالَ لَكِن الله يدْرِي، وسيقضي بَينهمَا وأمثال هَذَا كثير "، وسبيل النَّاس أَن يُؤمنُوا بِهِ، ويكلوا علمه إِلَى الله - تَعَالَى - فَإِنَّهُ شَيْء لَا تهتدي إِلَيْهِ الْعُقُول، وعَلى هَذِه الْآيَة حِكَايَة: حُكيَ أَن بهْلُول الْمَجْنُون رأى أَبَا يُوسُف القَاضِي فِي الطَّرِيق؛ فَسَأَلَهُ وَقَالَ: إِن الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾ ثمَّ يَقُول: ﴿وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ فَمَا نَذِير الْكلاب؟ فتحير أَبُو يُوسُف عَن الْجَواب، فَأخذ بهْلُول حجرا من الأَرْض، وَقَالَ: هَذَا نَذِير الْكلاب.

الأنعام 6:39

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا صم وبكم فِي الظُّلُمَات﴾ أَي: صم عَن سَماع الْحق، وبكم عَن قَول الْحق ﴿من يَشَأْ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ .

الأنعام 6:40

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله﴾ قيل: عَذَاب الله: هُوَ الْمَوْت ﴿أَو أتتكم السَّاعَة﴾ يَعْنِي: الْقِيَامَة ﴿أغير الله تدعون إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ هَذَا اسْتِفْهَام بِمَعْنى التَّقْرِير، يَعْنِي: لَا تدعون إِلَّا الله، وَأَرَادَ بِهِ فِي أَحْوَال الضرورات؛ فَإِن الْكفَّار فِي حَال الضرورات يدعونَ الله - تَعَالَى - كَمَا قَالَ: ﴿وَإِذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ .

الأنعام 6:41

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿بل إِيَّاه تدعون﴾ هَذَا تَقْرِير لما استفهم مِنْهُ فِي الْآيَة الأولى، يَعْنِي: بل تدعون الله، وَلَا تدعون غَيره ﴿فَيكْشف مَا تدعون إِلَيْهِ إِن شَاءَ﴾ قيد إِجَابَة الدعْوَة بِالْمَشِيئَةِ هَا هُنَا، وأطلقها فِي قَوْله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ . قَالَ أهل الْعلم: وَذَلِكَ مُقَيّد بِالْمَشِيئَةِ أَيْضا، بِدَلِيل هَذِه الْآيَة. ﴿وتنسون مَا تشركون﴾ وَذَلِكَ أَنهم لما تركُوا الْأَصْنَام فِي حَال الضرورات إِلَى دُعَاء الله؛ فكأنهم نسوا مَا يشركُونَ، وَفِي الْآيَة مجَاز، وَتَقْدِير قَوْله: ﴿فَيكْشف مَا تدعون إِلَيْهِ﴾ أَي: فَيكْشف ضرّ مَا تدعون إِلَيْهِ.

الأنعام 6:42

وَقَوله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد أرسلنَا إِلَى أُمَم من قبلك فأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء﴾ البأساء: الْجُوع، والفقر، وَالضَّرَّاء: الْمَرَض، والبلوى فِي النَّفس وَالْمَال. ﴿لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ﴾ التضرع: السُّؤَال بالتذلل، وَحكى أَبُو عبيد عَن الْفراء: فلَان يتَضَرَّع، ويتصدى [أَي] أَنه سَأَلَ متذللا وبتضرع.

الأنعام 6:43

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فلولا إِذْ جَاءَهُم بأسنا تضرعوا﴾ أَي: فَهَلا تضرعوا ( ﴿إِذْ جَاءَهُم بأسنا﴾ وَلَكِن قست قُلُوبهم) قَالَ الزّجاج مَعْنَاهُ: بلغت قُلُوبهم فِي القساوة أَنا أرسلنَا إِلَيْهِم الرُّسُل، وأريناهم الْآيَات، وأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء، فَلم يتضرعوا، وَلم يعودوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ ﴿وزين لَهُم الشَّيْطَان مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ يَعْنِي: حَتَّى مضوا على عَمَلهم وكفرهم.

الأنعام 6:44

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء﴾ هَذَا فتح اسْتِدْرَاج ومكر، وَفِي الْآثَار: " من فتح عَلَيْهِ بَاب نعْمَة، فَلم ير أَنه مكر بِهِ فَلَا رَأْي لَهُ، وَمن أَصَابَته شدَّة فَلم ير أَنه نظر لَهُ، فَلَا رَأْي لَهُ " يَعْنِي: فِي الدّين. ﴿حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا﴾ هَذَا فَرح بطر، وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ، وَذَلِكَ مثل فَرح قَارون بِمَا أصَاب من الدُّنْيَا حَتَّى قَالَ لَهُ قومه: " لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين ". ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة ﴿فَإِذا هم مبلسون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: آيسون من حمل خير، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المبلس: النادم الحزين، وَقَالَ الْفراء: هُوَ السَّاكِت الْمُنْقَطع عَن الْحجَّة، وأنشدوا: (يَا صَاح هَل تعرف رسما مكرسا ... قَالَ نعم أعرفهُ وأبلسا) وَقَالَ آخر: (ملك إِذا طَاف الغفاة بِبَابِهِ ... غبطوا وأنجي مِنْهُم المتبلس)

الأنعام 6:45

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَقطع دابر الْقَوْم الَّذين ظلمُوا﴾ الدابر: الأَصْل هَا هُنَا؛ فَيكون الدابر بِمَعْنى: الآخر؛ وَمِنْه قَوْله: " من أَشْرَاط السَّاعَة كَذَا وَكَذَا، وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة إِلَّا دبرا "، أَي: آخرا ﴿وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين﴾ حمد الله نَفسه على إهلاكهم واستئصالهم، وَفِيه تعليمنا الْحَمد لله على هَلَاك الْكفَّار.

الأنعام 6:46

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن أَخذ الله سمعكم وأبصاركم وَختم على قُلُوبكُمْ من إِلَه غير الله يأتيكم بِهِ) ذكر أَشْيَاء، ثمَّ قَالَ: {يأتيكم بِهِ﴾ فَاخْتَلَفُوا؛ فَقَالَ (بَعضهم) مَعْنَاهُ: يأتيكم بِمَا (أَخذ. و) قَالَ آخَرُونَ: قَوْله: ﴿يأتيكم بِهِ﴾ يرجع إِلَى السّمع خَاصَّة، واندرج فِيهِ الْأَبْصَار والقلوب. وَمن هَذَا ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن السّمع أفضل من سَائِر الْحَواس؛ حَيْثُ خصّه بِالْكِنَايَةِ، وَقَالُوا: هُوَ مثل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه﴾ و " الْهَاء " رَاجِعَة إِلَى الله - تَعَالَى - واندرج فِيهِ الرَّسُول ﴿انْظُر كَيفَ نصرف الْآيَات ثمَّ هم يصدفون﴾ أَي: يعرضون.

الأنعام 6:47

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله﴾ حكى الْفراء عَن الْعَرَب أَنهم يَقُولُونَ: أرأيتك بِمَعْنى أَخْبرنِي، [وأرأيتكما] بِمَعْنى أخبراني، وأرأيتكم يَعْنِي: أخبروني وأرأيتك بِمَعْنى: للْمَرْأَة بِمَعْنى: أَخْبِرِينِي، هَكَذَا ﴿بَغْتَة أَو جهرة﴾ مَعْنَاهُ: لَيْلًا أَو نَهَارا وَقيل: مَعْنَاهُ: فَجْأَة أَو عيَانًا ﴿هَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الظَّالِمُونَ﴾ .

الأنعام 6:48

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا نرسل الْمُرْسلين إِلَّا مبشرين ومنذرين﴾ وَقد بَينا هَذَا ﴿فَمن آمن وَأصْلح فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.

الأنعام 6:49

﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا يمسهم الْعَذَاب﴾ أَي: يصيبهم عَذَاب النَّار ﴿بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ .

الأنعام 6:50

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله﴾ أنزل هَذَا حِين اقترحوا الْآيَات، وَكَانُوا يَقُولُونَ: لن نؤمن لَك حَتَّى تنزل علينا كتابا من السَّمَاء، وَسَائِر مَا اقترحوا من الْآيَات؛ فَنزل قَوْله: ﴿قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله﴾ فأعطيكم مَا تُرِيدُونَ (وَلَا أعلم الْغَيْب) . والغيب. كل مَا غَابَ عَنْك وَيكون مَاضِيا، وَيكون فِي الْمُسْتَقْبل، والماضي مِنْهُ يجوز أَن يُعلمهُ الْإِنْسَان بِخَبَر مخبر وَنَحْوه. فَأَما الْمُسْتَقْبل فَلَا يُعلمهُ إِلَّا الله، وَرَسُول ارْتَضَاهُ، كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْجِنّ، وَقَوله: ﴿وَلَا أعلم الْغَيْب﴾ فِيهِ إِضْمَار، أَي: وَلَا أعلم الْغَيْب إِلَّا مَا أعلمنيه الله ﴿وَلَا أَقُول لكم إِنِّي ملك﴾ إِنَّمَا أمره بذلك؛ لِأَن الْملك يقدر على مَا لَا يقدر عَلَيْهِ الْآدَمِيّ، وَقيل: لِأَن الْملك يُشَاهد مَا لَا يُشَاهد الْآدَمِيّ، وَاسْتدلَّ بِهَذَا من فضل الْمَلَائِكَة على الْآدَمِيّين، وَلَيْسَ فِيهِ مستدل، وَمَعْنَاهُ: مَا بَينا. ﴿إِن اتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير﴾ قَالَ قَتَادَة: الْكَافِر وَالْمُؤمن، وَقَالَ مُجَاهِد: الضال والمهتدي، وَقيل: الْجَاهِل والعالم ﴿أَفلا تتفكرون﴾ .

الأنعام 6:51

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وانذر بِهِ﴾ أَي: خوف بِهِ ﴿الَّذين يخَافُونَ أَن يحْشرُوا إِلَى رَبهم﴾ قيل: هم الْمُسلمُونَ، وَقيل: كل من يُؤمن بِالْبَعْثِ من الْمُسلمين وَأهل الْكتاب. ﴿لَيْسَ لَهُم من دونه ولي وَلَا شَفِيع لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ فَإِن قيل: أَلَيْسَ يشفع الْأَنْبِيَاء والأولياء يَوْم الْقِيَامَة، فَمَا معنى قَوْله: ﴿لَيْسَ لَهُم من دونه ولي وَلَا شَفِيع﴾ ؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ: لَا شَفَاعَة إِلَّا بِإِذْنِهِ، وهم إِنَّمَا يشفعون [بِإِذْنِهِ، أَو هَذَا رد لما زَعَمُوا أَن الْمَلَائِكَة والأصنام يشفعون] لنا.

الأنعام 6:52

قَوْله: ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن الْمُشْركين بِمَكَّة أَتَوا رَسُول الله، وَقَالُوا: إِنَّك تجَالس الْفُقَرَاء، وَأَرَادُوا بِهِ: بِلَالًا، وصهيبا، وَابْن مَسْعُود، وعمار بن يَاسر، وخباب بن الْأَرَت، وَمهجع، وَنَحْوهم من فُقَرَاء أهل الصّفة، وَقَالُوا: لَو طردتهم آمنا بك؛ كَأَنَّهُمْ استنكفوا الْجُلُوس مَعَهم فهم النَّبِي بذلك طَمَعا فِي إِيمَانهم؛ فَنزلت الْآيَة ". قَالَ سعد بن أبي وَقاص: " فِي نزلت الْآيَة وَابْن مَسْعُود ... " وعد جمَاعَة، وَقَالَ مُجَاهِد: نزلت الْآيَة فِي بِلَال وَجَمَاعَة، وَفِيه قَول آخر: أَن الْآيَة نزلت بِالْمَدِينَةِ، وروى: " أَن الْأَقْرَع بن حَابِس التَّمِيمِي، وعيينة بن حصن الْفَزارِيّ أَتَيَا رَسُول الله، كَانَا من أكَابِر الْكفَّار؛ فَقَالَا: إِنَّا نستنكف من الْجُلُوس مَعَ هَؤُلَاءِ، فَلَو اتَّخذت لنا مَجْلِسنَا مِنْك؛ آمنا بك؛ فهم بذلك، طَمَعا فِي إِيمَانهم؛ فَنزلت الْآيَة " فعلى هَذَا تكون الْآيَة من الْآيَات المبينة الَّتِي نزلت بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم﴾ اخْتلفُوا فِي هَذِه الدعْوَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: يصلونَ الصَّلَوَات الْخمس، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هُوَ ذك الله، وَقَالَ الضَّحَّاك: كل الطَّاعَات. وَقَوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجهه﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي: يُرِيدُونَ إِيَّاه بِالطَّاعَةِ، ويريدون خَالص وَجهه، وَالْوَجْه صفة لله - تَعَالَى - بِلَا كَيفَ؛ وَجه لَا كالوجوه. ﴿فَتَطْرُدهُمْ فَتكون من الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: إِن طردتهم، وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه فَتكون من الظَّالِمين، (ثمَّ قَالَ) : ﴿مَا عَلَيْك من حسابهم من شَيْء وَمَا من حِسَابك عَلَيْهِم من شَيْء﴾

الأنعام 6:53

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ فتنا بَعضهم بعض﴾ هُوَ فتْنَة الْأَغْنِيَاء بالفقراء، [وَالله - تَعَالَى - يفتن الْأَغْنِيَاء بالفقراء] ، ويفتن الْفُقَرَاء بالأغنياء، وَالْمرَاد هَاهُنَا: فتْنَة أكابرهم بفقرائهم؛ حَيْثُ امْتَنعُوا عَن الْإِيمَان بسببهم؛ وَذَلِكَ كَانَ فتْنَة لَهُم. ﴿وليقولوا أَهَؤُلَاءِ من الله عَلَيْهِم من بَيْننَا﴾ يَقُول الْأَغْنِيَاء: أَهَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء سبقُونَا بِالْإِيمَان، ثمَّ يَقُول الله - تَعَالَى -: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: أَلَيْسَ الله بِأَعْلَم من هُوَ أهل لِلْإِسْلَامِ؛ فَيدْخل فِي الْإِسْلَام؟ ! .

الأنعام 6:54

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا جَاءَك الَّذين يُؤمنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ هم الْفُقَرَاء الَّذين ذكرنَا ﴿فَقل سَلام عَلَيْكُم﴾ أَمر رَسُوله ببدائتهم بِالسَّلَامِ، وَقد ذكرنَا معنى السَّلَام فِيمَا سبق، وَقيل: مَعْنَاهُ: [سلمكم] الله فِي دينكُمْ، وَقيل: مَعْنَاهُ السَّلامَة لكم. ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ أَي قضى بِالرَّحْمَةِ لكم ﴿أَنه من عمل مِنْكُم سَوَاء بِجَهَالَة﴾ أَي خطيئه، وَقد بَينا أَن كل عَاص جَاهِل ﴿ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم﴾ يقْرَأ: أَنه، وفأنه، كِلَاهُمَا بِنصب الْألف؛ فَيكون بَدَلا عَن قَوْله: ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ وَيقْرَأ: كِلَاهُمَا بِكَسْر الْألف على الِابْتِدَاء، وَيقْرَأ: الأول بِالْفَتْح وَالثَّانِي بِالْكَسْرِ.

الأنعام 6:55

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين﴾ يقْرَأ بِثَلَاثَة أوجه ولتستبين - بِالتَّاءِ، سَبِيل: بِنصب اللَّام. وَمَعْنَاهُ: ولتستبين يَا مُحَمَّد سَبِيل الْمُجْرمين؛ فَإِن قيل: ألم يكن مستبينا لَهُ؟ قيل: مَعْنَاهُ: لتزداد بَيَانا، وَقَالَ الزّجاج: الْخطاب مَعَ الرَّسُول، وَالْمرَاد بِالْآيَةِ: الْأمة. وَيقْرَأ وليستبين: بِالْيَاءِ وَالتَّاء سَبِيل: بِرَفْع اللَّام، وَقَالُوا: لِأَن السَّبِيل يذكر وَيُؤَنث؛ قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿قل هَذِه سبيلي﴾ وَمَعْنَاهُ: وليظهر سَبِيل الْمُجْرمين؛ (فَإِن قيل: لم خص سَبِيل الْمُجْرمين؟) قيل: تَقْدِيره: ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين وسبيل الْمُؤمنِينَ؛ فَحذف أَحدهمَا اختصارا، وَالأَصَح أَن تَقْدِيره: ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين عَن سَبِيل الْمُؤمنِينَ.

الأنعام 6:56

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل إِنِّي نهيت أَن أعبد الَّذين تدعون من دون الله﴾ هُوَ النَّهْي عَن الشّرك ﴿قل لَا أتبع أهواءكم قد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين﴾ يَعْنِي: إِن اتبعت أهواءكم،

الأنعام 6:57

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل إِنِّي على بَيِّنَة من رَبِّي﴾ على بَيَان من رَبِّي ﴿وكذبتم بِهِ﴾ أَي: بِمَا [جِئْت] بِهِ ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُون بِهِ﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ استعجالهم الْآيَات والمعجزات، وَقيل: أَرَادَ بِهِ استعجالهم الْقِيَامَة، قَالَ الله - تَعَالَى - ﴿يستعجل بهَا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بهَا﴾ وَقيل: أَرَادَ بِهِ استعجال الْعَذَاب، قَالَ الله - تَعَالَى -: " ويستعجلونك بِالْعَذَابِ " وَكَانُوا يَقُولُونَ: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء أَو ائتنا بِعَذَاب أَلِيم﴾ . ﴿إِن الحكم إِلَّا لله يقْضِي الْحق وَهُوَ خير الفاصلين﴾ وَيقْرَأ: يقص بالصَّاد، وَاسْتدلَّ بِالْكِتَابَةِ فِي الْمَصَاحِف؛ فَإِن هَذِه الْكَلِمَة تكْتب بِغَيْر الْيَاء.

الأنعام 6:58

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَو أَن عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُون بِهِ لقضي الْأَمر بيني وَبَيْنكُم﴾ مَعْنَاهُ: لقامت الْقِيَامَة، وَقيل: هُوَ فِي الْعَذَاب، وَمَعْنَاهُ: لَو كَانَ الْعَذَاب بيَدي لعجلته؛ حَتَّى أتخلص مِنْكُم ﴿وَالله أعلم بالظالمين﴾ .

الأنعام 6:59

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَعِنْده مَفَاتِيح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ﴾ روى ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مفاتح الْغَيْب خَمْسَة " وَذكر (الْخمس) الْمَذْكُورَة فِي قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة﴾ ثمَّ قَرَأَ الْآيَة. ﴿وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ قَالَ مُجَاهِد: الْبَحْر: الْقرى والأمصار هَاهُنَا، (وَالْبر: المفاوز) ، يُقَال: هَذَا الْمصر بَحر، وَهَذِه الْقرْيَة بَحر؛ لاجتماعها وَكَثْرَة أَهلهَا، وَقيل: هُوَ الْبر وَالْبَحْر الْمَعْرُوف. ﴿وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: لم خص [الْوَرق] السَّاقِط وَهُوَ يعلم السَّاقِط وَالثَّابِت؟ قيل: هَذَا مَعْنَاهُ: أَي: وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا سَاقِطَة وثابتة، قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق: أَرَادَ بِالْوَرَقَةِ الساقطة: السقط. ﴿وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض﴾ هُوَ الْحبّ الْمَعْرُوف، وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق: هُوَ الْوَلَد ﴿وَلَا رطب وَلَا يَابِس﴾ قيل: مَعْنَاهُ: وَلَا حَيّ وَلَا موَات، وَقيل: هُوَ عبارَة عَن كل شَيْء ﴿إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ يَعْنِي: أَن الْكل مَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَهُوَ مثل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وكل صَغِير وكبير مستطر﴾ .

الأنعام 6:60

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يتوفاكم بِاللَّيْلِ﴾ أَي: يقبض أرواحكم بِاللَّيْلِ إِذا نمتم، وَهَذَا نَظِير قَوْله: ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ من نَام فروحه مَعَه؛ فَمَا معنى هَذَا الْقَبْض؟ قيل: هُوَ قبض النَّفس المميزة المتصرفة ﴿وَيعلم مَا جرحتم بِالنَّهَارِ﴾ أَي: كسبتم بِالنَّهَارِ ﴿ثمَّ يبعثكم فِيهِ﴾ قَالَ قَتَادَة: الْبَعْث الْيَقَظَة هَاهُنَا، أَي: ثمَّ يوقظكم فِي النَّهَار ﴿ليقضي أجل مُسَمّى﴾ الْقَضَاء: هُوَ فصل الحكم على التَّمام، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: اسْتِيفَاء أجل الْعُمر على التَّمام. (ثمَّ إِلَيْهِ مرجعكم ثمَّ ينئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ) .

الأنعام 6:61

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده وَيُرْسل عَلَيْكُم حفظَة﴾ أما معنى القاهر، وَصفَة الفوق، فقد ذكرنَا؛ وَأما إرْسَال الْحفظَة: هُوَ إرْسَال الْمَلَائِكَة الْحفاظ، وَهُوَ مَا قَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿وَإِن عَلَيْكُم لحافظين كراما كاتبين﴾ وَقَالَ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله) وحفظهم: أَن [يحفظوا] على الْعباد الْعَمَل وَالْأَجَل والرزق {حَتَّى إِذا جَاءَ أحدكُم الْمَوْت توفته رسلنَا﴾ وَيقْرَأ: " توفيه " بِالْيَاءِ ﴿وهم لَا يفرطون﴾ أَي: لَا يؤخرون. فَإِن قيل: قد قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿قل يتوفاكم ملك الْمَوْت﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿توفته رسلنَا﴾ فَكيف وَجه الْجمع؟ قيل: قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: لملك الْمَوْت أعوان من الْمَلَائِكَة، يتوفون عَن أمره؛ فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿توفته رسلنَا﴾ وَيكون ملك الْمَوْت هُوَ الْمُتَوفَّى فِي الْحَقِيقَة؛ لأَنهم يصدرون عَن أمره، وَلذَلِك نسب الْفِعْل إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْآيَة، وَقيل: مَعْنَاهُ: ذكر الْوَاحِد بِلَفْظ الْجمع، وَالْمرَاد بِهِ: ملك الْمَوْت، وَفِي الْقَصَص أَن الله - تَعَالَى - جعل الدُّنْيَا بَين يَدَيْهِ كالمائدة الصَّغِيرَة؛ فَيقبض من هَاهُنَا وَمن هَاهُنَا؛ فَإِذا كثرت الْأَرْوَاح يَدْعُو الْأَرْوَاح فتجيب لَهُ.

الأنعام 6:62

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الْآيَة فِي الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار، فَكيف قَالَ: ﴿مَوْلَاهُم الْحق﴾ وَقد قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم﴾ ؟ قيل: الْمولى فِي تِلْكَ الْآيَة بِمَعْنى: النَّاصِر، وَلَا نَاصِر للْكفَّار، وَالْمولى هَاهُنَا بِمَعْنى: الْمَالِك، وَالله مَالك الْكل، وَقيل: أَرَادَ بِهِ رد الْمُؤمنِينَ إِلَيْهِ، وَيدخل الْكفَّار فِيهِ تبعا. ﴿أَلا لَهُ الحكم وَهُوَ أسْرع الحاسبين﴾ أَي: يُحَاسب الْكل فِي لَحْظَة.

الأنعام 6:63

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات الْبر وَالْبَحْر﴾ يَعْنِي: من شَدَائِد الْبَحْر وَالْبر، تَقول الْعَرَب: يَوْم مظلم. إِذا كَانَ يَوْم شدَّة، ويسمونه أَيْضا: يَوْمًا ذَا كَوْكَب. كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ كالليل لِشِدَّتِهِ، قَالَ الشَّاعِر: (بني أَسد هَل تعلمُونَ (بلاءنا) إِذا كَانَ يَوْمًا ذَا كواكب أشهبا) وَقَالَ آخر: (فدا لبني ذهل بن شَيبَان نَاقَتي ... إِذا كَانَ يَوْمًا ذَا كواكب أشنعا) ﴿تَدعُونَهُ تضرعا وخفية﴾ أَي: عَلَانيَة وسرا، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن يكون السِّرّ مَعَ الْجَهْر فِي الدُّعَاء بِحَيْثُ يَدْعُو بِاللِّسَانِ وسره مَعَه، وَيقْرَأ " وخفية " بِكَسْر الْخَاء ومعناهما وَاحِد ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ وَالشُّكْر: [هُوَ] معرفَة النِّعْمَة مَعَ الْقيام [بِحَقِّهَا] ، وَلَا بُد من هذَيْن حَتَّى يتَحَقَّق الشُّكْر.

الأنعام 6:64

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل الله ينجيكم مِنْهَا وَمن كل كرب ثمَّ أَنْتُم تشركون﴾ الكرب: غَايَة الْهم.

الأنعام 6:65

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس، وَالْحسن، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة: نزلت الْآيَة فِي أهل الْإِيمَان وَأهل الصَّلَاة. وَقَالَ غَيرهم: نزلت فِي الْمُشْركين، وَقَوله: ﴿عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم﴾ قَالَ مُجَاهِد، وَسَعِيد بن جُبَير: عذَابا من فَوْقكُم: هُوَ الرَّمْي بِالْحِجَارَةِ، كَمَا كَانَ فِي قوم لوط. أَو من تَحت أَرْجُلكُم هُوَ الْخَسْف والرجفة. وَحكي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: عذَابا من فَوْقكُم: تسليط أَئِمَّة السوء، وَمن تَحت أَرْجُلكُم: تسليط الخدم السوء، وَقيل: عذَابا من فَوْقكُم: الطوفان وَالْغَرق، وَمن تَحت أَرْجُلكُم: الرّيح، كَمَا كَانَ فِي قوم عَاد ﴿أَو يلْبِسكُمْ شيعًا﴾ قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: يخلطكم خلط اضْطِرَاب لَا خلط اتِّفَاق، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَن يبث فِيكُم الْأَهْوَاء المتفرقة؛ فتصيرون فرقا وأحزابا. (وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض) هُوَ وُقُوع الْقَتْل بَينهم؛ وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة، وَسمع الْأَوَّلين؛ قَالَ: " أعوذ بِوَجْهِك؛ فَلَمَّا سمع الآخرين؛ قَالَ: هَاتَانِ أيسر " وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف: " أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة؛ دَعَا لأمته وناجى طَويلا؛ حَتَّى نزل جِبْرِيل أَن الله رفع الْأَوَّلين، وَأجَاب دعوتك فيهمَا، وَلم يجب فِي الآخرين ". فبثت الْأَهْوَاء والقتال فِي هَذِه الْأمة، وَقد سل السَّيْف من زمَان عُثْمَان، فَلَا يغمد إِلَى قيام السَّاعَة، وَقد روى أَن الدُّعَاء الْمَعْرُوف الَّذِي كَانَ يَدْعُو بِهِ رَسُول الله، دَعَا بِهِ حَيْثُ نزلت هَذِه الْآيَة، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بعفوك من عقابك، وَأَعُوذ برضاك من سخطك وَأَعُوذ بك مِنْك " أَي: بقضاءك من قضاءك ﴿انْظُر كَيفَ نصرف الْآيَات﴾ يَعْنِي: مرّة هَكَذَا، وَمرَّة هَكَذَا ﴿لَعَلَّهُم يفقهُونَ﴾ .

الأنعام 6:66

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكذب بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحق﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿قل لست عَلَيْكُم بوكيل﴾ أَي: بمسلط؛ فألزمكم الْإِسْلَام شِئْتُم أَو أَبَيْتُم، قَالَ ابْن جريج: كَانَ هَذَا فِي الِابْتِدَاء ثمَّ نسخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ .

الأنعام 6:67

﴿لكل نبأ مُسْتَقر﴾ قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: لكل خبر من أَخْبَار الْقُرْآن حَقِيقَة إِمَّا فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا فِي الْآخِرَة ﴿وسوف تعلمُونَ﴾ .

الأنعام 6:68

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم﴾ أَرَادَ بِهِ: يَخُوضُونَ فِيهَا بِالرَّدِّ والاستهزاء، قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر: وَيدخل فِي هَذَا: الْخَوْض فِي كل الْآيَات لَا على وفْق الْكتاب وَالسّنة. ﴿فَأَعْرض عَنْهُم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره وَإِمَّا ينسينك الشَّيْطَان فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: قَوْله: ﴿وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم﴾ قَالَت الصَّحَابَة: إِذا كَيفَ تقعد فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَكَيف نطوف بِالْبَيْتِ، وهم يَخُوضُونَ أبدا؟ فَنزلت هَذِه الْآيَة:

الأنعام 6:69

﴿وَمَا على الَّذين يَتَّقُونَ من حسابهم من شَيْء﴾ يَعْنِي: إِذا لقوهم، وَلم يخوضوا فِيمَا يَخُوضُونَ ﴿وَلَكِن ذكرى لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ أَمر [بتذكيرهم] ومنعهم عَن ذَلِك، وَقيل: مَعْنَاهُ: فِي حَال الذّكر، وَلَيْسَ عَلَيْهِم شَيْء فِي حَال مَا يذكرونهم إِذا لم يرْضوا بِمَا خَاضُوا فِيهِ.

الأنعام 6:70

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وذر الَّذين اتَّخذُوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ . قَالَ الْفراء فِي كِتَابه: عيد [أهل كل مِلَّة] يَوْم لَهو وَلعب إِلَّا عيد الْمُسلمين؛ فَإِنَّهُ (يَوْم) الصَّلَاة وَفعل الْخَيْر وَالتَّكْبِير. ﴿وَذكر بِهِ أَن تبسل نفس بِمَا كسبت﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَن تسلم للهلاك، وَقَالَ قَتَادَة: أَن تحبس، وَقَالَ الْفراء: أَن ترتهن، وَقَالَ الْكسَائي، والأخفش: أَن تجزي. وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يُقَال: فلَان مستبسل إِذا استسلم للهلاك، قَالَ الشَّاعِر: (وإبسالي بني بِغَيْر جرم ... [بعوه وَلَا بِغَيْر دم مراق] ) وَحَقِيقَة الْمَعْنى: وَذكر بِهِ، لِأَن لَا تسلم نفس للهلاك بعملها ﴿لَيْسَ لَهَا من دون الله ولي وَلَا شَفِيع﴾ وَقد ذكرنَا ﴿وَإِن تعدل كل عدل﴾ هُوَ الْفِدْيَة ﴿لَا يُؤْخَذ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذين أبسلوا بِمَا كسبوا﴾ هُوَ مَا ذكرنَا ﴿لَهُم شراب من حميم وَعَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكفرون﴾ .

الأنعام 6:71

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أندعوا من دون الله مَا لَا ينفعنا وَلَا يضرنا﴾ فَإِن قيل: كَيفَ لَا يضرهم وَفِي الْأَصْنَام ضرهم؟ قيل: مَعْنَاهُ: لَا يجلب نفعا، وَلَا يدْفع ضرا، قيل: مَعْنَاهُ: لَيْسَ بيدهم شَيْء. ﴿ونرد على أعقابنا بعد إِذْ هدَانَا الله﴾ أَي: مرتدين على أعقابنا بعد الْهِدَايَة بِهِ وَالْإِسْلَام ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين فِي الأَرْض حيران﴾ أضلته الشَّيَاطِين وغلبته حَتَّى هوى، والحيران: المتردد بَين شَيْئَيْنِ لَا يدْرِي كَيفَ يفعل. ﴿لَهُ أَصْحَاب يَدعُونَهُ إِلَى الْهدى ائتنا﴾ ضرب مثلا للَّذي يرْتَد عَن الْإِسْلَام بِرَجُل يكون فِي الطَّرِيق مَعَ رفْقَة؛ فيضل بِهِ الغول، ويدعوه أَصْحَابه من أهل الرّفْقَة إِلَى الطَّرِيق، فَيبقى حيران، لَا يدْرِي أَيْن يذهب. ( ﴿قل إِن هدى الله هُوَ الْهدى وأمرنا لنسلم لرب الْعَالمين﴾

الأنعام 6:72

وَأَن أقِيمُوا الصَّلَاة واتقوه) أَي: وأمرنا بِإِقَامَة الصَّلَاة وَالتَّقوى ( ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون﴾

الأنعام 6:73

وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ) أَي: لإِظْهَار الْحق؛ لِأَنَّهُ جعل صنعه دَلِيلا على وحدانيته ﴿وَيَوْم يَقُول كن فَيكون﴾ قيل: هُوَ رَاجع إِلَى قَوْله: ﴿خلق السَّمَوَات﴾ يَعْنِي: وَخلق يَوْم يَقُول، فَإِن قيل: كَيفَ يَصح هَذَا التَّقْدِير، وَالْقِيَامَة غير مخلوقة بعد؟ قيل: هِيَ كائنة فِي علم الله - تَعَالَى -[فَتكون] كالمخلوقة؛ إِذْ الْحلق بِمَعْنى: الْقَضَاء وَالتَّقْدِير، وَهِي مقضية مقدرَة، وَقيل: تَقْدِيره: وَاذْكُر يَوْم يَقُول: كن فَيكون ( ﴿قَوْله الْحق﴾ وَله الْملك يَوْم ينْفخ فِي الصُّور) قرئَ فِي الشواذ: " يَوْم ينْفخ فِي الصُّور " وَهِي جمع الصُّورَة، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الصُّور: هُوَ الصُّور فِي كل مَوضِع، وَقَالَ ابْن مَسْعُود فِي تَفْسِير الْآيَة: الصُّور: قرن ينْفخ فِيهِ، وَهُوَ مَعْرُوف فِي الْأَخْبَار. ﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير﴾ .

الأنعام 6:74

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزر﴾ يقْرَأ " آزر " بِرَفْع الرَّاء، وَهُوَ فِي الشواذ، وَمَعْنَاهُ: يَا آزر، وَكَذَلِكَ فِي حرف أبي بن كَعْب: يَا آزر، وَالْمَعْرُوف " آزر " بِنصب الرَّاء، وَهُوَ اسْم أعجمي غير منصرف؛ فينصب فِي مَوضِع الْخَفْض. قَالَ الْفراء، والزجاج: اسْم أَبِيه: تارخ، أجمع عَلَيْهِ النسابون، وآزر لقب لَهُ، قَالَ الْفراء: واللقب قد غلب على الِاسْم، وَقيل: كَانَ لَهُ اسمان: آزر، وتارخ، قَالَ الْحسن: اسْمه: آزر لَا غير، كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي الْكتاب، وَقَالَ مُجَاهِد: آزر: اسْم صنم، وَتَقْدِير الْآيَة: وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ: ﴿أتتخذ﴾ آزر إِلَهًا ﴿أصناما آلِهَة إِنِّي أَرَاك وقومك فِي ضلال مُبين﴾ .

الأنعام 6:75

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ الملكوت وَالْملك وَاحِد، وَإِنَّمَا أَدخل التَّاء فِيهِ للْمُبَالَغَة، مثل: رهبوت ورحموت، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ، مِنْهُم من قَالَ: أرَاهُ أَبْوَاب السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَمِنْهُم من قَالَ: فرج لَهُ السَّمَوَات حَتَّى رَآهَا كلهَا وَمَا فِيهَا، وخرق لَهُ الْأَرْضين حَتَّى رَآهَا كلهَا، وَقيل: رَفعه إِلَى السَّمَاء حَتَّى رأى السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَفِي الْخَبَر: " أَنه لما رَفعه إِلَى السَّمَاء رأى فِي الأَرْض رجلا على الْمعْصِيَة، فَدَعَا الله حَتَّى أهلكه، ثمَّ رأى آخر، فَدَعَا الله حَتَّى أهلكه، ثمَّ رأى ثَالِثا كَذَلِك؛ فَدَعَا الله حَتَّى أهلكه فَقَالَ الله - تَعَالَى -: أهبطوه، ثمَّ أوحى الله - تَعَالَى -: إِلَيْهِ: مهلا يَا إِبْرَاهِيم؛ فَإِن عبَادي مني على ثَلَاث خِصَال: إِمَّا أَن يتوبوا فَأغْفِر لَهُم، وَإِمَّا أَن يتْركُوا ولدا يَدْعُو لَهُم فَأغْفِر لَهُم، وَإِن لم يكن [لَهُم] فجهنم من ورائهم " ﴿وليكون من الموقنين﴾ .

الأنعام 6:76

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا﴾ . وَفِي الْقِصَّة: أَن وَاحِدًا من الكهنة، قَالَ لنمروذ: إِن ملكك يهْلك على (يَدي) ولد فِي زَمَانك، فَكَانَ يقتل الْبَنِينَ مِمَّن يُولد فِي زَمَانه؛ فَلَمَّا أَتَت أم إِبْرَاهِيم بإبراهيم، جَاءَ بِهِ أَبوهُ إِلَى سرب الأَرْض شبه مغار، وَوَضعه فِي مَوضِع يُقَال لَهُ: كوثاء؛ فَقيل: إِنَّه كَانَ فِيهِ سبع سِنِين، وَقيل: ثَلَاث عشرَة سنة، وَقيل سبع عشرَة سنة، ثمَّ إِنَّه لما شب، قَالَ لأمه: من رَبِّي؟ فَقَالَت لَهُ: اسْكُتْ، ثمَّ جَاءَت وأخبرت أَبَاهُ مَا قَالَ؛ فجَاء أَبوهُ؛ فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: من رَبِّي؟ فَقَالَ: أمك، قَالَ: وَمن رب أُمِّي،؟ قَالَ: أَنا، قَالَ: وَمن رَبك؟ قَالَ: اسْكُتْ، وتركوه، ثمَّ لما جن عَلَيْهِ اللَّيْل خرج من السرب، وَلم يكن رأى شَيْئا قطّ، فَرَأى كوكبا، قيل: هُوَ المُشْتَرِي. قَالَ السّديّ: كَانَ الْكَوْكَب: زهرَة، وَهِي أَضْوَأ كَوْكَب فِي السَّمَاء. ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ قيل: إِنَّه قَالَ ذَلِك فِي صغره حِين لَا يعبأ بقوله، وَقيل: إِنَّمَا كَانَ مستدلا بِهِ؛ فَقَالَ ذَلِك فِي حَال الِاسْتِدْلَال؛ فَلم يضرّهُ هَذَا القَوْل، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ ضعيفان، وَفِيه ثَلَاثَة أَقْوَال مَعْرُوفَة: أَحدهَا: قَالَ قطرب: قَوْله: هَذَا رَبِّي. على وَجه الِاسْتِفْهَام، وَتَقْدِيره أَهَذا رَبِّي؟ وَمثله قَول الشَّاعِر: (رفوني وَقَالُوا يَا خويلد (لم ترع) فَقلت وَأنْكرت الْوُجُوه هم هم) وَإِنَّمَا قَالَ: هم على طَرِيق الِاسْتِفْهَام، وَتَقْدِيره: أهم هم؟ وَأما الزّجاج وَغَيره لم يرْضوا مِنْهُ هَذَا، وَقَالُوا: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب " هَذَا " بِمَعْنى الِاسْتِفْهَام. وَذكر الزّجاج قَوْلَيْنِ آخَرين فِيهِ: أَحدهمَا: قَالَ: " هَذَا رَبِّي " على زعم قومه، فَإِن قيل: هم كَانُوا يعْبدُونَ الْكَوَاكِب، فَكيف قَالَه على زعمهم؟ قيل: كَانَ مِنْهُم أهل نُجُوم، وَكَانُوا يرَوْنَ أَنه إِلَى الْكَوَاكِب الْأُمُور؛ وَكَأَنَّهُم يعْبدُونَ الْكَوَاكِب. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن القَوْل مُضْمر فِيهِ، وَتَقْدِيره: يَقُولُونَ: هَذَا رَبِّي.

الأنعام 6:77

﴿فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين﴾ . قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا رأى الْقَمَر بازغا﴾ أَي: طالعا: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ وَكَانَ ذَلِك فِي لَيْلَة قد تَأَخّر طُلُوع الْقَمَر فِيهَا قَلِيلا ﴿فَلَمَّا أفل قَالَ لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين﴾ والأفول: الْغُرُوب.

الأنعام 6:78

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر﴾ أَي: أَضْوَأ وأنور فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ: هَذَا رَبِّي، وَالشَّمْس مُؤَنّثَة، وَلم يقل هَذِه؟ قيل: لِأَن مَا لَيْسَ عَلَيْهِ عَلامَة التَّأْنِيث يجوز أَن يذكر، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (فَلَا مزنة وَقد دقَّتْ ... ودقها وَلَا أَرض ذَا بقل أبقالها) وَلم يقل [أبقلت] ، وَإِن كَانَت الأَرْض مُؤَنّثَة؛ إِذْ لم يكن عَلَيْهَا عَلامَة التَّأْنِيث، وَقيل: إِن قَوْله: هَذَا رَبِّي، يرجع إِلَى الْمَعْنى، وَهُوَ الضياء والنور ﴿فَلَمَّا أفلت قَالَ يَا قومِي إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ .

الأنعام 6:79

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ الحنيف: الثَّابِت على الدّين، المائل إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ.

الأنعام 6:80

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وحاجه قومه قَالَ أتحاجوني﴾ (أَي) : جادله قومه؛ قَالَ: أتجادلوني ﴿فِي الله وَقد هدان﴾ . ﴿وَلَا أَخَاف مَا تشركون بِهِ﴾ لأَنهم كَانُوا يخوفونه بالأصنام، وَكَانُوا يَقُولُونَ: احذر الْأَصْنَام؛ فَإنَّا نَخَاف عَلَيْك الخبل وَالْجُنُون؛ فَقَالَ: ﴿وَلَا أَخَاف مَا تشركون بِهِ إِلَّا أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئا﴾ قَوْله: إِلَّا أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئا. لَيْسَ باستثناء عَن الأول؛ إِذْ لَا يجوز أَن يَشَأْ الله أَن يُصِيبهُ شَيْء من الْأَصْنَام، وَمَا يشركُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن إِن شَاءَ رَبِّي أَن يأخذني بِشَيْء، أَو يُعَذِّبنِي بجرمي؛ فَلهُ ذَلِك. ﴿وسع رَبِّي كل شَيْء علما أَفلا تتذكرون﴾ .

الأنعام 6:81

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَيف أَخَاف مَا أشركتم وَلَا تخافون أَنكُمْ أشركتم بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ عَلَيْكُم سُلْطَانا﴾ الْإِشْرَاك: هُوَ الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي معنى؛ فالإشراك بِاللَّه: هُوَ أَن يجمع مَعَ الله غير الله فِيمَا لَا يجوز إِلَّا لله، وَمعنى الْآيَة: وَكَيف أَخَاف الْأَصْنَام وَمَا أشركتم، وَأَنْتُم أَحَق بالخوف مني حَيْثُ أشركتم بِاللَّه، وَلَا تخافون الله بشرككم أَو فعلكم الَّذِي لم ينزل بِهِ الله حجَّة وسلطانا؟ ﴿فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن﴾ يَعْنِي الموحد أَو الْمُشرك ﴿إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ .

الأنعام 6:82

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، قَالَ بَعضهم: هَذَا من قَول الله - تَعَالَى -، وَقيل: هُوَ من قَول إِبْرَاهِيم، وَمَعْنَاهُ: الَّذين آمنُوا، وَلم يخلطوا إِيمَانهم بشرك، هَذَا هُوَ قَول أبي بكر، وَعلي، وَحُذَيْفَة، وسلمان أَن المُرَاد بالظلم الشّرك، وَقد صَحَّ بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود: " أَنه لي نزلت هَذِه الْآيَة؛ شقّ ذَلِك على الصَّحَابَة، وَقَالُوا: أَيّنَا لم يظلم نَفسه؟ ! فَقَالَ: لَيْسَ الْأَمر كَمَا تظنون، إِنَّمَا الظُّلم هَاهُنَا بِمَعْنى الشّرك، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ ". وَمعنى الْآيَة: الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَلم يشركوا بِهِ {أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن هم مهتدون) .

الأنعام 6:83

قَوْله - تَعَالَى: ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، قَالَ بَعضهم: هِيَ احتجاجه عَلَيْهِم بقوله: ﴿فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن﴾ ، وحجته فِي ذَلِك أَن الَّذِي يعبد الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا أَحَق بالأمن من الَّذِي يعبد الله ويشرك بِهِ. وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْحجَّاج الَّذِي حَاج بِهِ نمروذ، على مَا سبق فِي سُورَة الْبَقَرَة. ﴿نرفع دَرَجَات من نشَاء﴾ يَعْنِي: (بالحجاج) ، وَالِاسْتِدْلَال، وَيقْرَأ: " نرفع دَرَجَات " منونا، وَتَقْدِيره: نرفع من نشَاء دَرَجَات ﴿إِن رَبك حَكِيم عليم﴾ .

الأنعام 6:84

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب كلا هدينَا ونوحا هدينَا من قبل وَمن ذُريَّته﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، قَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ: ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم، وَالصَّحِيح أَنه أَرَادَ بِهِ: وَمن ذُرِّيَّة نوح؛ لِأَنَّهُ عد فِي الْجُمْلَة يُونُس ولوطا، وهما من ذُرِّيَّة نوح لَا من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم ﴿وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان وَأَيوب ويوسف ومُوسَى وَهَارُون وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ وَلَيْسَ هَذَا على تَرْتِيب الْأَزْمَان؛ إِذْ كَانَ هَؤُلَاءِ على أزمان مُخْتَلفَة، بَعضهم سَابق على الْبَعْض، (فالواو لَا) تَقْتَضِي التَّرْتِيب وَإِنَّمَا هِيَ للْجمع.

الأنعام 6:85

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وزَكَرِيا وَيحيى وعيس﴾ هَذَا دَلِيل على أَن عِيسَى من ذُرِّيَّة آدم، وَإِن كَانَ انتماؤه إِلَى الْأُم؛ لِأَنَّهُ عده من ذُرِّيَّة نوح؛ فَيكون آدم أَبَاهُ من قبل الْأُم ﴿وإلياس كل من الصَّالِحين﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: إلْيَاس هُوَ إِدْرِيس، وَالصَّحِيح أَنه رجل آخر.

الأنعام 6:86

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسع﴾ وَيقْرَأ: " والليسع " وَهُوَ اسْم أعجمي مثل: زيد، وَيزِيد، وَنَحْوه، وَإِنَّمَا وصل فِيهِ الْألف وَاللَّام نَادرا، وَمثله قَول الشَّاعِر: (وجدنَا (الْوَلِيد بن اليزيد) مُبَارَكًا ... شَدِيدا (بأعباء) الْخلَافَة كَاهِله) ﴿وَيُونُس ولوطا وكلا فضلنَا على الْعَالمين﴾ .

الأنعام 6:87

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن آبَائِهِم﴾ " من " فِيهِ للتَّبْعِيض؛ لِأَن آبَاء بَعضهم كَانُوا مُسلمين ومهتدين ﴿وذرياتهم﴾ أَي: وَمن ذرياتهم، وَأَرَادَ بِهِ: ذُرِّيَّة بَعضهم أَيْضا؛ لِأَن عِيسَى وَيحيى لم يكن لَهما ذُرِّيَّة، وَكَانَ فِي ذُرِّيَّة بَعضهم من كَانَ كَافِرًا ﴿وإخوانهم واجتبيناهم﴾ أَي: اصطفيناهم ﴿وهديناهم﴾ أرشدناهم ﴿إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ .

الأنعام 6:88

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ذَلِك هدى الله يهدي بِهِ من يَشَاء﴾ أَي: يرشد بِهِ من يَشَاء من عباده ﴿وَلَو أشركوا لحبط عَنْهُم مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَي: لبطل عَنْهُم، والحبوط: البطول وَهَذَا مثل قَوْله - تَعَالَى -: ( ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾

الأنعام 6:89

أُولَئِكَ الَّذين أتيناهم الْكتاب) الْكتاب: اسْم الْجِنْس، وَأَرَادَ بِهِ: الْكتب الْمنزلَة عَلَيْهِم ﴿وَالْحكم﴾ يَعْنِي: الْعلم وَالْفِقْه ﴿والنبوة فَإِن يكفر بهَا هَؤُلَاءِ فقد وكلنَا بهَا قوما لَيْسُوا بهَا بكافرين﴾ يَعْنِي: أهل الْمَدِينَة، وَمن كَانَ بهَا من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَقَالَ قَتَادَة: فَإِن يكفر بهَا هَؤُلَاءِ يَعْنِي: الْكفَّار، فقد وكلنَا بهَا قوما [يَعْنِي] الْأَنْبِيَاء الَّذين سبق ذكرهم، وَقَالَ أَبُو رَجَاء العطاردي: مَعْنَاهُ: فَإِن يكفر بهَا أهل الأَرْض، فقد وكلنَا بهَا أهل السَّمَاء، وهم الْمَلَائِكَة ﴿لَيْسُوا بهَا بكافرين﴾ .

الأنعام 6:90

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله﴾ أَي: هدَاهُم الله ﴿فبهداهم اقتده﴾ وَهَذِه هَاء الْوَقْف، كَمَا فِي قَوْله: ﴿ماليه﴾ و ﴿سلطانيه﴾ ، وَنَحْو ذَلِك، وَيقْرَأ: " فبهديهم اقتده " بِكَسْر الْهَاء، وَتَقْدِيره: فبهديهم اقتد اقْتِدَاء، هَكَذَا قيل: إِن الْمصدر مقدس فِيهِ ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين﴾ أَي: تذكره.

الأنعام 6:91

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا عظموا الله حق عَظمته، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَا عرفُوا الله حق مَعْرفَته، وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: مَا وصفوا الله حق وَصفته، يُقَال: قدرت الشَّيْء، وَقدرته؛ إِذا عرفت حَقِيقَته. ﴿إِذْ قَالُوا مَا أنزل الله على بشر من شَيْء﴾ قيل: هَذَا قَول مَالك بن الصَّيف، كَانَ حبر الْيَهُود، فحاج النَّبِي، فَجرى على لِسَانه فِي المحاجة: مَا أنزل الله على بشر من شَيْء، وَكَانَ ذَلِك بِمَكَّة؛ فَنزلت الْآيَة. ﴿قل من أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورا وَهدى للنَّاس﴾ أَي: أجبه يَا مُحَمَّد، وَقل: من أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى وَأَنْتُم تؤمنون بِهِ؟ . وَفِي الْقِصَّة: أَن الْيَهُود سمعُوا مِنْهُ تِلْكَ الْمقَالة؛ فعتبوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: أَلَيْسَ أَن الله قد أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى؟ فَلم قلت مَا أنزل الله على بشر من شَيْء؟ ! فَقَالَ مَالك بن الصَّيف: أَغْضَبَنِي مُحَمَّد؛ فَقلت مَا قلت؛ فَقَالُوا: وَأَنت إِذا غضِبت تَقول على الله غير الْحق؛ فَنَزَعُوهُ عَن الحبرية، وأجلسوا مَكَانَهُ كَعْب بن الْأَشْرَف. ﴿تجعلونه قَرَاطِيس تبدونها﴾ أَي: تكبون مِنْهَا كتبا تبدونها ﴿وتخفون كثيرا﴾ أَي: تخفون مَا فِيهِ نعت مُحَمَّد، وتبدون مِنْهَا مَا لَيْسَ فِيهِ نعت مُحَمَّد ﴿وعلمتم مَا لم تعلمُوا أَنْتُم وَلَا (آباؤكم﴾ ) قيل: هُوَ رَاجع إِلَى الْيَهُود، وَقيل: هُوَ خطاب للصحابة. قَالَ الله - تَعَالَى -: (يَعْنِي: قل من أنزلهُ) وَهُوَ رَاجع إِلَى مَا تقدم ﴿قل الله ثمَّ ذرهم فِي خوضهم يَلْعَبُونَ﴾ وكل من خَاضَ فِيمَا لَا ينفح بِهِ فَهُوَ لاعب.

الأنعام 6:92

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ مبارك﴾ يصف الْقُرْآن بِالْبركَةِ: وأصل الْبركَة الثُّبُوت، وَمِنْه بروك الْبَعِير إِذا ثَبت وَاسْتقر، وَمِنْه قَوْله: ﴿تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك﴾ أَي: ثَبت لَهُ مَا يسْتَحقّهُ من التَّعْظِيم والجلال فِيمَا لم يزل وَلَا يزَال. ﴿مُصدق الَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: من الْكتب الْمنزلَة قبله ﴿ولتنذر أم الْقرى﴾ يَعْنِي: أهل أم الْقرى ﴿وَمن حولهَا﴾ وَأم الْقرى مَكَّة: وَسميت أم الْقرى؛ لِأَن سَائِر الْقرى [يقصدونها ويأتونها] ، وَقيل: لِأَن الأَرْض دحيت من تحتهَا، (وَقيل: لِأَنَّهَا) معظمة تقصد بالتعظيم، وَمِنْه سميت الْأُم أما؛ لِأَنَّهَا تعظم، وَقد قَالَ: " إِن الْمَدِينَة قَرْيَة تَأْكُل سَائِر الْقرى " يَعْنِي: أَن أهل الْمَدِينَة يقتحمون سَائِر الْقرى بِالسَّيْفِ. ﴿وَالَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة يُؤمنُونَ بِهِ وهم على صلَاتهم يُحَافِظُونَ﴾ . فَإِن قيل: الْيَهُود وَالنَّصَارَى يُؤمنُونَ بِالآخِرَة، وَلَا يُؤمنُونَ بِهِ، فَمَا معنى قَوْله " وَالَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة يُؤمنُونَ بِهِ "؟ قيل: أَرَادَ بِهِ الْمُؤمنِينَ؛ لأَنهم الَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة حَقِيقَة، فَأَما الَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة، وَلَا يصدقون مُحَمَّدًا، وَمَا جَاءَ بِهِ؛ فكأنهم لم يُؤمنُوا بِالآخِرَة على الْحَقِيقَة.

الأنعام 6:93

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو قَالَ أُوحِي إِلَيّ وَلم يُوح إِلَيْهِ شَيْء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: " [نزل] هَذَا فِي عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وَكَانَ قد أسلم؛ فَجعله النَّبِي كتابا للوحي، وَكَانَ يملي عَلَيْهِ الْوَحْي؛ فَيكْتب، فَقيل: إِنَّه كَانَ يملي عَلَيْهِ: " إِن الله سميع عليم "، فَيكْتب: " إِن الله غَفُور رَحِيم " ويملي عَلَيْهِ: إِن الله غَفُور رَحِيم " فَيكْتب: " إِن الله عليم حَكِيم " هَكَذَا كَانَ يُبدل؛ فروى أَنه لما نزل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين﴾ الْآيَة فأملى النَّبِي ذَلِك؛ فَلَمَّا رأى تَفْضِيل خلق الله تعجب، وَقَالَ: تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: هَكَذَا أنزل ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فَشك الرجل فِي الْوَحْي، وَقَالَ: أُوحِي إِلَيّ كَمَا يُوحى إِلَيْهِ، وارتد عَن الْإِسْلَام " فَقَوله: ﴿أَو قَالَ أُوحِي إِلَيّ﴾ هُوَ هَذَا. وَقيل: نزلت الْآيَة فِي مُسَيْلمَة الْكذَّاب، وَالْأسود الْعَنسِي، خرجا بِالْيمن، وادعيا النُّبُوَّة وَالْوَحي إِلَيْهِمَا، وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " رَأَيْت فِي الْمَنَام سِوَارَيْنِ من ذهب فِي يَدي، فنفخت فيهمَا، فطَارَا، فَأَوَّلْتهمَا عل كَذَّابين يخرجَانِ بعدِي " مُسَيْلمَة الْكذَّاب كَانَ بِالْيَمَامَةِ، وَالْأسود الْعَنسِي كَانَ بِصَنْعَاء الْيمن. ﴿وَمن قَالَ سَأُنْزِلُ مثل مَا أنزل الله﴾ هَذَا فِي النَّضر بن الْحَارِث بن كلدة، ادّعى مُعَارضَة الْقُرْآن، فروى أَنه قَالَ فِي مُعَارضَة الْقُرْآن: والطاحنات طحنا، فالعاجنات عَجنا، والخابزات خبْزًا فاللاقمات لقما. ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت﴾ يَعْنِي: فِي شَدَائِد الْمَوْت، قَالَ الشَّاعِر: (الغمرات ثمَّ تنجلينا ... ثمَّة تذهبن فَلَا تجينا) ﴿وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم﴾ قيل: للعذاب، وَقيل: لقبض الْأَرْوَاح ﴿أخرجُوا أَنفسكُم﴾ أَي: أرواحكم، فَإِن قَالَ قَائِل: الرّوح إِنَّمَا تخرج كرها؛ فَمَا معنى قَوْله: أخرجُوا أَنفسكُم؟ قيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك تَغْلِيظًا عَلَيْهِم، كمن يخرج من الدَّار كرها، وَيُقَال لَهُ: اخْرُج. ﴿الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون بِمَا كُنْتُم تَقولُونَ على الله غير الْحق وكنتم عَن آيَاته تستكبرون﴾ الْهون: من الهوان، والهون: من اللين والرفق، كَمَا فِي قَوْله: ﴿يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ .

الأنعام 6:94

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى﴾ أَي وحدانا فَردا فَردا ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة﴾ بِلَا أهل وَلَا مَال ﴿وتركتم مَا خولناكم وَرَاء ظهوركم﴾ أَي: ملكناكم، والخول: المماليك. ﴿وَمَا نرى مَعكُمْ شفعاءكم الَّذين زعمتم انهم فِيكُم شُرَكَاء﴾ أَرَادَ بِهِ: مَا زَعَمُوا من أَن الْأَصْنَام وَالْمَلَائِكَة شفعاؤنا عِنْد الله ﴿لقد تقطع بَيْنكُم﴾ أَي: وصلكم، وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿وتقطعت بهم الْأَسْبَاب﴾ أَي: الموصلات، وَيقْرَأ: " لقد تقطع بَيْنكُم " - بِفَتْح النُّون - وَمَعْنَاهُ: تقطع الْأَمر بَيْنكُم ﴿وضل عَنْكُم مَا كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ .

الأنعام 6:95

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الله فالق الْحبّ والنوى﴾ الفلق: الشق، وَمَعْنَاهُ: أَنه يشق الْحبَّة؛ فيستخرج السنبلة من الْحبَّة، ويشق النواة؛ فيستخرج النَّخْلَة من النواة، [وَيدخل] فِي قَوْله: ﴿فالق الْحبّ﴾ جَمِيع البذور والحبوب، وَيدخل فِي قَوْله: ﴿والنوى﴾ نواة جَمِيع الْأَشْجَار؛ مثل نواة المشمش، ونواة الخوخ، ونواة الغبيراء، وَنَحْو ذَلِك، وَقيل: فالق الْحبّ والنوى بِمَعْنى: خَالق الْحبّ والنوى. ﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت ومخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ وَقد ذكرنَا هَذَا وَاخْتِلَاف الْقِرَاءَة فِيهِ، وَالْفرق بَين الْمَيِّت وَالْمَيِّت ﴿ذَلِكُم الله فَأنى تؤفكون﴾ أَي تصرفون.

الأنعام 6:96

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فالق الإصباح﴾ مَعْنَاهُ: أَنه يسْتَخْرج الصُّبْح من اللَّيْل، والإصباح: مصدر، وَهُوَ بِمَعْنى: الصُّبْح هَاهُنَا، أَي: فالق الصُّبْح، وَقَرَأَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: " فلق الإصباح " وَقَرَأَ الْحسن: " فالق الإصباح " - بِنصب الْقَاف - وهما فِي الشواذ. ﴿وَجعل اللَّيْل سكنا﴾ أَي: يسكن فِيهِ، وَيقْرَأ: " وَجعل اللَّيْل سكنا "، أَي: جعل الله اللَّيْل سكنا ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا﴾ أَي: بِحِسَاب عُلُوم، والحسبان: هُوَ الْحساب هَاهُنَا بِمَعْنى أَنَّهُمَا يدوران بِحِسَاب مَعْلُوم مُقَدّر. وَحكى مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر - وَهُوَ الثِّقَة من رُوَاة النَّخعِيّ - عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: يجوز أَن يتَعَلَّم الْإِنْسَان من النُّجُوم بِقدر مَا يعرف منَازِل الْقَمَر، وسير الْكَوَاكِب لمعرف الْقبْلَة وأوقات الصَّلَاة ﴿ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ .

الأنعام 6:97

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل لكم النُّجُوم لتهتدوا بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر﴾ هَذِه إِحْدَى فَوَائِد النُّجُوم، وَالله - تَعَالَى - خلق النُّجُوم لفوائد: مِنْهَا تَزْيِين السَّمَاء، كَمَا قَالَ - عز وَعلا -: ﴿وزينا السَّمَاء دينا بمصابيح﴾ وَمِنْهَا رمى الشَّيَاطِين بهَا كَمَا قَالَ: ﴿وجعلناهم رجوما للشياطين﴾ وَمِنْهَا الاهتداء فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر كَمَا قَالَ هَاهُنَا. وَحكى أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس عَن بعض التَّابِعين أَنه أَرَادَ بالنجوم هَاهُنَا: الصَّحَابَة، يَهْتَدِي بهم فِي ظلمات الشّرك، وَهَذَا مثل قَوْله: " أَصْحَابِي [كَالنُّجُومِ] بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ "، ﴿قد فصلنا الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾ .

الأنعام 6:98

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأكم من نفس وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: آدم - صلوَات الله عَلَيْهِ - ﴿فمستقر ومستودع﴾ قَالَ عَطاء، وَمُجاهد: أَرَادَ بالمستقر: أَرْحَام الْأُمَّهَات، وبالمستودع: أصلاب الْآبَاء، وَحكى ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، ويروى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ - على عَكسه -: المستقر: أصلاب الْآبَاء، والمستودع: أَرْحَام ﴿وَهُوَ الَّذِي أنزل من السَّمَاء مَاء فأخرجنا بِهِ نَبَات كل شَيْء فأخرجنا مِنْهُ خضرًا نخرج مِنْهُ حبا متراكبا وَمن النّخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان﴾ الْأُمَّهَات، وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: المستقر: أَرْحَام الْأُمَّهَات، والمستودع: الْقُبُور، وَفِيه قَول ثَالِث: أَن المُرَاد بالمستقر الدُّنْيَا والمستودع: الْآخِرَة، وَيقْرَأ: " فمستقر " بِكَسْر الْقَاف، وَتَقْدِيره: فمنكم مُسْتَقر، وَمِنْه مستودع ﴿قد فصلنا الْآيَات لقوم يفقهُونَ﴾ .

الأنعام 6:99

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنزل من السَّمَاء مَاء فأخرجنا بِهِ نَبَات كل شَيْء، فأخرجنا مِنْهُ خضرًا﴾ هُوَ الْغُصْن الطري ﴿نخرج مِنْهُ حبا متراكبا﴾ أَي: متراكما بعضه على بعض ﴿وَمن النّخل من طلعها قنوان دانية﴾ الطّلع: مَا يخرج من شجر النّخل، والقنوان: العذوق، وَاحِدهَا: قنو، والعذق: أصل الشَّجَرَة، والعذق: الكباسة، والعذق والقنو وَاحِد، وَقَالَ الشَّاعِر: (أثيث كقنو النَّخْلَة المتعثكل ... ) وَقَالَ أَيْضا: (فأثت أعاليه (ودقت) أُصُوله (يمِيل بِهِ قنو) من الْبُسْر أحمرا) وَأما " الدانية " قَالَ الْبَراء بن عَازِب: ﴿قنوان دانية﴾ أَي: قريبَة المتناول، وَفِيه حذف وَتَقْدِيره: قنوان دانية وَغير دانية أَي: قريبَة، المتناول وبعيدة المتناول، فَحذف أَحدهمَا اختصارا؛ لسبقه إِلَى الأفهام، وَمثله قَوْله: ﴿سرابيل تقيكم الْحر﴾ وَتَقْدِيره: تقيكم الْحر وَالْبرد، قَوْله: ﴿وجنات من أعناب﴾ يقْرَأ بِكَسْر التَّاء، ورفعها ﴿وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان مشتبها وَغير متشابه﴾ أَي: مشتبها يشبه بعضه بَعْضًا فِي الْوَرق، وَغير متشابه فِي الثَّمر والطعم، وَهَكَذَا يكون الزَّيْتُون مَعَ الرُّمَّان، فَإِن ورق الزَّيْتُون يشبه ورق الرُّمَّان، وَقيل: تكون أوراقه إِلَى أصل الشَّجَرَة كأوراق الرُّمَّان، ثمَّ يُخَالف الرُّمَّان فِي الطّعْم، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿مشتبها وَغير متشابه﴾ ، ﴿انْظُرُوا إِلَى ثمره إِذا أثمر وينعه﴾ أَي: فِي نضجه، وَمِنْه قَول الْحجَّاج حَيْثُ خطب، وَقَالَ: إِنِّي أرى رُءُوسًا قد أينعت، وآن قطافها، وَأَنا وَالله صَاحبهَا، وَرَأى دِمَاء ترقرق بَين اللحى والعمائم ﴿إِن فِي ذَلِكُم لآيَات لقوم يُؤمنُونَ﴾ .

الأنعام 6:100

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَجعلُوا لله شُرَكَاء الْجِنّ﴾ وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله من سروات الْجِنّ ﴿وخلقهم﴾ قيل: إِن الْآيَة رَاجِعَة إِلَى الْجِنّ، وَقيل: رَاجِعَة إِلَى الْكفَّار يَعْنِي: أَنهم يَقُولُونَ ذَلِك ﴿وخلقهم﴾ وَقَرَأَ يحيى بن يعمر: " وخلقهم " بجزم اللَّام، وَهُوَ فِي الشواذ. ﴿وخرقوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْر علم﴾ يقْرَأ مخففا ومشددا والخرق: الاختلاق، والتخريق: التكثير مِنْهُ، يَعْنِي: واختلقوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات، وَذَلِكَ مثل قَول الْيَهُود: عُزَيْر ابْن الله، وَمثل قَول النَّصَارَى: الْمَسِيح ابْن الله، وَمثل قَول بَعضهم: الْمَلَائِكَة بَنَات الله ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ﴾ .

الأنعام 6:101

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: مبدع السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَهُوَ الْخَالِق لَا على مِثَال سبق، وَمِنْه المبتدعة، وَلَا يكون الْوَلَد إِلَّا من الصاحبة؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿أَنى يكون لَهُ ولد وَلم يكن لَهُ صَاحِبَة وَخلق كل شَيْء﴾ وَفِيه أَيْضا دَلِيل على أَن لَا ولد لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ خلق كل شَيْء؛ لم يصلح شَيْء أَن يكون ولد لَهُ؛ إِذْ الْمَخْلُوق لَا يصلح ولدا للخالق؛ فَإِن ولد كل أحد يكون من جنسه ﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ .

الأنعام 6:102

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ذَلِكُم الله ربكُم لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خَالق كل شَيْء﴾ أكد مَا سبق ذكره من نعت الوحدانية ﴿فاعبدوه﴾ أَي: فأطيعوه ﴿وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل﴾ قيل: هُوَ الْكَفِيل بالأرزاق، وَقيل: الْوَكِيل هَاهُنَا بِمَعْنى: الْقَائِم بِخلق كل شَيْء وتدبيره.

الأنعام 6:103

قَوْله - تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَاسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة من يعْتَقد نفي الرُّؤْيَة، قَالُوا: لما (تمدح) بِأَنَّهُ لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار؛ فمدحه يكون على الْأَبَد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَاعْلَم أَن الرُّؤْيَة حق على مَذْهَب أهل السّنة، وَقد ورد بِهِ الْقُرْآن وَالسّنة. قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ وَقَالَ: ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ . وَقَالَ: ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه﴾ وَنَحْو هَذَا، وروى جرير بن عبد الله البَجلِيّ، وَغَيره بروايات صَحِيحَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَيْسَ دونه سَحَاب، لَا تضَامون فِي رُؤْيَته " ويروون: " لَا تضَارونَ فِي رُؤْيَته ". فَأَما قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ فالإدراك غير الرُّؤْيَة؛ لِأَن الْإِدْرَاك: هُوَ الْوُقُوف على كنه الشَّيْء وَحَقِيقَته، والرؤية: هِيَ المعاينة، وَقد تكون الرُّؤْيَة بِلَا إِدْرَاك، قَالَ الله - تَعَالَى - فِي قصَّة مُوسَى: ﴿فَلَمَّا ترآء الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَاب مُوسَى إِنَّا لمدركون قَالَ كلا﴾ فنفى الْإِدْرَاك مَعَ إِثْبَات الرُّؤْيَة، وَإِذا كَانَ الْإِدْرَاك غير الرُّؤْيَة، فَالله - تَعَالَى - يجوز أَن يرى، وَلَكِن لَا يدْرك كنهه؛ إِذْ لَا كنه لَهُ حَتَّى يدْرك؛ وَهَذَا كَمَا انه يعلم وَيعرف وَلَا يحاط بِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ فنفى الْإِحَاطَة مَعَ ثُبُوت الْعلم، وَقَالَ ابْن عَبَّاس - حَكَاهُ مقَاتل عَنهُ، وَالْأول قَول الزّجاج -: معنى قَوْله: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا، هُوَ يرى الْخلق، وَلَا يرَاهُ الْخلق فِي الدُّنْيَا بِدَلِيل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ فَكَمَا أَثْبَتَت الرُّؤْيَة بِتِلْكَ الْآيَة فِي الْآخِرَة؛ دلّ أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة الْإِدْرَاك فِي الدُّنْيَا؛ ليَكُون جمعا بَين الْآيَتَيْنِ ﴿وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ اللَّطِيف: موصل الشَّيْء باللين والرفق، وَيُقَال فِي الدُّعَاء: " رب الطف بِي " أَي: أوصل إِلَيّ الرِّفْق، وَقيل: مَعْنَاهُ: وَهُوَ اللَّطِيف بأوليائه وعباده الْخَبِير بهم.

الأنعام 6:104

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قد جَاءَكُم بصائر من ربكُم﴾ البصائر: الْبَينَات ﴿فَمن أبْصر فلنفسه﴾ يَعْنِي: نفع بَصَره لَهُ ﴿وَمن عمي فعلَيْهَا﴾ أَي: وبال الْعَمى عَلَيْهَا ﴿وَمَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ﴾ أَي: مَا أمرت أَن ألازمكم حَتَّى تسلموا لَا محَالة، قيل: هَذَا كَانَ فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ صَار مَنْسُوخا بِآيَة السَّيْف.

الأنعام 6:105

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ نصرف الْآيَات﴾ أَي: نفصل الْآيَات، مرّة هَكَذَا، وَمرَّة هَكَذَا ﴿وليقولوا درست﴾ قيل: هَذِه " لَام الْعَاقِبَة " أَي: عَاقِبَة أَمرهم أَن يَقُولُوا: درست، وَهَذَا مثل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا﴾ وَمَعْلُوم أَنهم لم يلتقطوه لهَذَا، وَلَكِن أَرَادَ أَن عَاقِبَة أمره مَعَهم أَن كَانَ عدوا لَهُم؛ فيسمون ذَلِك لَام الْعَاقِبَة، كَذَلِك هَا هُنَا، وَقَوله: ﴿درست﴾ يقْرَأ على وُجُوه: " درست " أَي: تعلمت من غَيْرك، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّه تعلم أَخْبَار الْقُرُون الْمَاضِيَة من جبر، ويسار، وَكَانَ عَبْدَيْنِ سبيا من الرّوم، وَيقْرَأ " دارست " أَي تاليت وقاربت، وَهُوَ من المدارسة بَين اثْنَيْنِ يدرس أَحدهمَا على الآخر، وَقَرَأَ ابْن عَامر " درست " أَي: تِلْكَ أَخْبَار قد درست ومحيت، وَيقْرَأ فِي الشواذ " وليقولوا درست " بِمَعْنى: محيت، قَرَأَهُ قَتَادَة، وَفِي حرف أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود " وليقولوا درس " يَعْنِي: درس مُحَمَّد، وَهُوَ بِمَعْنى: تعلم، كَمَا بَينا ﴿ولنبينه لقوم يعلمُونَ﴾ .

الأنعام 6:106

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿اتبع مَا أُوحِي إِلَيْك من رَبك﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَأعْرض عَن الْمُشْركين﴾ .

الأنعام 6:107

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا﴾ وَهَذَا دَلِيل على الْقَدَرِيَّة ﴿وَمَا جعلناك عَلَيْهِم حفيظا﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ ﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل﴾ .

الأنعام 6:108

قَوْله: ﴿وَلَا تسبوا الَّذين يدعونَ من دون الله فيسبوا الله عدوا بِغَيْر علم﴾ وَيقْرَأ: " عدوا بِغَيْر علم " ومعناهما وَاحِد أَي: اعتداء بِغَيْر علم، وَسبب نزُول الْآيَة: أَن الْكفَّار كَانُوا يَقُولُونَ لرَسُول الله: ذرنا وَآلِهَتنَا؛ حَتَّى نذرك وَإِلَهك - وَكَانَ يذكر آلِهَتهم بالسوء - فَنزلت الْآيَة وروى: " أَن قوما من كفار قُرَيْش من رُؤَسَائِهِمْ جَاءُوا إِلَى أبي طَالب، وَقَالُوا: مر ابْن أَخِيك يذرنا وَآلِهَتنَا حَتَّى نَذره وإلهه، فَدَعَا رَسُول الله، وَقَالَ: إِن قَوْمك جَاءُوا يطْلبُونَ مِنْك النصفة، فَقَالَ: وماذا يُرِيدُونَ؟ فَقَالَ أَبُو طَالب: يَقُولُونَ: ذرنا وَآلِهَتنَا، ونذرك وآلهك؛ فَقَالَ رَسُول الله: هَل أَنْتُم معطي كلمة إِن أَنْتُم قُلْتُمُوهَا دَانَتْ لكم الْعَرَب، وَأَدت إِلَيْكُم الْعَجم الْجِزْيَة؟ فَقَالُوا: وَمَا [هِيَ] ؟ قَالَ: كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله. فنفروا، وَقَالُوا: ﴿أجعَل الْآلهَة إِلَهًا وَاحِدًا إِن هَذَا لشَيْء عُجاب) " فَقَوله: {وَلَا تسبوا الَّذين يدعونَ من دون الله﴾ وَإِن كَانَ ظَاهره للنَّهْي عَن سبّ الْأَصْنَام، وَلَكِن مَعْنَاهُ: النَّهْي عَن سبّ الله - تَعَالَى - حَتَّى لَا تسب اللهتهم، فيسبوا الله. وَهَذَا مثل قَوْله: " لَا يسب أحدكُم وَالِديهِ؟ قيل: يَا رَسُول الله، وَمن يسب وَالِديهِ؛ قَالَ: يسب وَالِدي غَيره؛ فيسب والداه " ﴿كَذَلِك زينا لكل أمة عَمَلهم﴾ للْمُؤْمِنين إِيمَانهم وللكافرين كفرهم ﴿ثمَّ إِلَى رَبهم مرجعهم فينبئهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ .

الأنعام 6:109

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم لَئِن جَاءَتْهُم آيَة ليُؤْمِنن بهَا﴾ كَانُوا يطْلبُونَ الْآيَات، ويحلفون أَنَّهَا لَو جَاءَت آمنُوا بهَا. ﴿قل إِنَّمَا الْآيَات عِنْد الله﴾ أَي: الْآيَات (بيَدي) الله، وَالله قَادر على إنزالها. ﴿وَمَا يشعركم أَنَّهَا إِذا جَاءَت لَا يُؤمنُونَ﴾ فَقَوله: " أَنَّهَا " يقْرَأ على وَجْهَيْن: بِكَسْر الْهمزَة، وَفتحهَا؛ فَمن قَرَأَ: " إِنَّهَا " فعلى الإبتداء، وَاخْتلفُوا فِي معنى قَوْله: ﴿وَمَا يشعركم﴾ أَنه خطاب لمن؟ قَالَ بَعضهم: هُوَ خطاب للْكفَّار، وَمَعْنَاهُ: وَمَا يشعركم أَيهَا الْكفَّار أَنَّهَا لَو جَاءَت آمنتم؟ ثمَّ ابْتَدَأَ، فَقَالَ: إِنَّهَا إِذا جَاءَت لَا يُؤمنُونَ. وَقيل: إِنَّه خطاب للْمُؤْمِنين، وَمَعْنَاهُ: وَمَا يدريكم أَنَّهَا لَو جَاءَت آمنُوا بهَا، إِذْ كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يسْأَلُون رَسُول الله أَن يَدْعُو الله - تَعَالَى - حَتَّى يُرِيهم آيَة؛ كي يُؤمنُوا، فَقَالَ: وَمَا يشعركم أَنَّهَا لَو جَاءَت آمنُوا بهَا؟ ثمَّ ابْتَدَأَ، وَقَالَ: إِنَّهَا إِذا جَاءَت لَا يُؤمنُونَ، وَهَذَا فِي قوم مخصوصون علم الله أَنهم لَا يُؤمنُونَ. وَأما من قَرَأَ " أَنَّهَا " بِفَتْح الْهمزَة؛ فَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، قَالَ الكسئي: لَا صلَة هَاهُنَا وَتَقْدِيره: وَمَا يشعركم أَنَّهَا إِذا جَاءَت يُؤمنُونَ، وَقيل: " أَنَّهَا " بِمَعْنى: " لَعَلَّهَا " كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (أريني جوادا مَاتَ هزلا (فإنني) أرى مَا [تَرين] أَو بَخِيلًا مخلدا) وَمَعْنَاهُ: لعَلي أرى مَا تريني، كَذَلِك هَذَا، وَمَعْنَاهُ: وَمَا يشعركم لَعَلَّهَا إِذا جَاءَت لَا يُؤمنُونَ، وَقيل: فِيهِ حذف، وَتَقْدِيره: وَمَا يشعركم أَنَّهَا إِذا جَاءَت يُؤمنُونَ أَو لَا يُؤمنُونَ.

الأنعام 6:110

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ أَي: تقلب أفئدتهم كَيْلا يدركوا، وأبصارهم؛ كَيْلا يبصوا؛ فَلَا يُؤمنُونَ ﴿كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة ونذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ .

الأنعام 6:111

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى﴾ نزلت الْآيَة على مَا اقترحوا من الْآيَات، فَكَانُوا قد اقترحوا هَذَا كُله، قَالُوا لن نؤمن بك حَتَّى تنزل علينا كتابا من السَّمَاء يحملهُ أَرْبَعُونَ من الْمَلَائِكَة، وسألوا إحْيَاء الْمَوْتَى، وَقَالُوا: ادْع الله حَتَّى يحْشر قصيا - يعنون قصي بن كلاب - فَإِنَّهُ شيخ مبارك؛ حَتَّى نشْهد لَك بِالنُّبُوَّةِ، فَنزلت الْآيَة ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا﴾ قَالَ مُجَاهِد: الْقبل. جمع الْقَبِيل، وَمَعْنَاهُ: فوجا فوجا، وَقَالَ غَيره: قبلا أَي: مُقَابلَة، وَيقْرَأ: " قبلا " بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء أَي: عيَانًا ﴿مَا كَانُوا ليؤمنوا إِلَّا أَن يَشَاء الله وَلَكِن أَكْثَرهم يجهلون﴾ وَفِي الْآيَة دَلِيل وَاضح على أهل الْقدر.

الأنعام 6:112

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ جعلنَا لكل نَبِي عدوا﴾ أَي: أَعدَاء، والعدو: اسْم للْوَاحِد وَالْجمع ﴿شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ﴾ وَقَرَأَ الْأَعْمَش: " شياطين الْجِنّ وَالْإِنْس " والشيطان كل عَاتٍ متمرد، سَوَاء كَانَ من الْإِنْس أَو من الْجِنّ، وروى أَن النَّبِي قَالَ لأبي ذَر: " تعوذ بِاللَّه من شياطين الْإِنْس. قَالَ أَبُو ذَر: قلت: وَمن الْإِنْس شياطين؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَام - نعم، وتلا هَذِه الْآيَة ". وَحكى عَن مَالك بن دِينَار أَنه قَالَ: خوفي من شَيْطَان الْإِنْس أكبر من خوفي من شَيْطَان الْجِنّ؛ لِأَن الجني يذهب إِذا ذكرت الله، (والإنسي) يجرني إِلَى الْمعاصِي. ﴿يوحي بَعضهم إِلَى بعض﴾ أَي: يلقِي بَعضهم إِلَى بعض. ﴿زخرف القَوْل غرُورًا﴾ زخرف القَوْل: هُوَ قَول مزين لَا معنى تَحْتَهُ، والغرور: القَوْل الْبَاطِل ﴿وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ﴾ أَي: مَا أَلْقَت الشَّيَاطِين الوسوسة فِي الْقُلُوب. ﴿فذرهم وَمَا يفترون﴾ .

الأنعام 6:113

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَة الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة﴾ وَهَذَا يرجع إِلَى مَا سبق من قَوْله: ﴿زينا لكل أمة عَمَلهم﴾ ﴿لتصغى إِلَيْهِ﴾ وَالْهَاء كِنَايَة عَن زخرف القَوْل؛ يَعْنِي: لتميل إِلَيْهِ قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ الْآخِرَة، وَقيل: اللَّام فِيهِ لَام الْعَاقِبَة، كَمَا بَينا. ﴿وليرضوه وليقترفوا مَا هم مقترفون﴾ قَالَ الزّجاج: أَي: ليعلموا من الذُّنُوب مَا كَانُوا عاملين.

الأنعام 6:114

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أفغير الله أَبْتَغِي حكما﴾ لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ للنَّبِي أجل بَيْننَا وَبَيْنك حكما؛ وأجابهم بقوله: أفغير الله ابْتغِي حكما؟ ! . ﴿وَهُوَ الَّذِي أنزل إِلَيْكُم الْكتاب مفصلا﴾ يَعْنِي: خمْسا خمْسا، وَعشرا عشرا، وَهَذَا مثل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن جملَة وَاحِدَة كَذَلِك لنثبت بِهِ فُؤَادك ورتلناه ترتيلا﴾ أَي: فصلناه؛ لنثبت بِهِ فُؤَادك. ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿يعلمُونَ أَنه منزل من رَبك بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿فَلَا تكونن من الممترين﴾

الأنعام 6:115

﴿وتمت كلمة رَبك﴾ يَعْنِي بِالْكَلِمَةِ: أمره وَنَهْيه، ووعده ووعيده، وَالْأَحْكَام والآيات. ﴿صدقا وعدلا﴾ صدقا فِي الْوَعْد والوعيد، وعدلا فِي الْأَمر وَالنَّهْي. قَالَ قَتَادَة: صدقا فِيمَا وعد، وعدلا فِيمَا حكم ﴿لَا مبدل لكلماته وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ .

الأنعام 6:116

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِن تُطِع أَكثر من فِي الأَرْض يضلوك عَن سَبِيل الله﴾ وَذَلِكَ أَن أَكثر أهل الأَرْض كَانُوا فِي الضَّلَالَة، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: إِن تطعهم فِيمَا يجادلون من تَحْلِيل الْميتَة وأكلها ﴿يضلوك عَن سَبِيل الله﴾ على مَا سَيَأْتِي. ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن هم إِلَّا يرخصون﴾ أَي: يكذبُون.

الأنعام 6:117

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن رَبك هُوَ أعلم من يضل عَن سَبيله﴾ قيل: هَذَا فِي عَمْرو ابْن لحي، وَهُوَ أول من غير دين إِبْرَاهِيم ﴿وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ .

الأنعام 6:118

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ إِن كُنْتُم بآياته مُؤمنين﴾ أَي: كلوا مَا ذبح على اسْم الله

الأنعام 6:119

﴿وَمَا لكم أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ وَذَلِكَ أَن الْمُشْركين كَانُوا يجادلون الْمُسلمين، وَيَقُولُونَ: إِنَّكُم تَأْكُلُونَ مِمَّا تقتلون، وَلَا تَأْكُلُونَ مِمَّا قَتله الله، وَكَانُوا يَدعُونَهُمْ إِلَى أكل الْميتَة واستحلالها؛ فَنزلت هَذِه الْآيَات ". ﴿وَقد فصل لكم مَا حرم عَلَيْكُم﴾ هُوَ تَفْصِيل مَا عد من الْمُحرمَات: من الْميتَة، وَالدَّم، وَلحم الْخِنْزِير، وَنَحْوه فِي الْقُرْآن، وَقَرَأَ عَطِيَّة: " وَقد فصل لكم " مخففا؛ أَي: ظهر لكم، وَهُوَ مثل مَا يقْرَأ فِي قَوْله: ﴿أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت﴾ مخففا ﴿وَقد فصل لكم مَا حرم عَلَيْكُم إِلَّا مَا اضطررتم إِلَيْهِ وَإِن كثيرا ليضلون بأهوائهم بِغَيْر علم إِن رَبك هُوَ أعلم بالمعتدين﴾ .

الأنعام 6:120

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وذروا ظَاهر الْإِثْم وباطنه﴾ قيل: ظَاهر الْإِثْم: هُوَ الزِّنَا علنا، وباطنه هُوَ الزِّنَا سرا، وَكَانَ أَشْرَاف الْعَرَب يتكرمون من الزِّنَا عَلَانيَة ويزنون سرا، (فالآية) فِي النَّهْي عَنْهُمَا جَمِيعًا، قَالَ قَتَادَة: أَرَادَ بِهِ: النَّهْي عَن كل الْمعاصِي سرا وجهرا، وَفِي الْآيَة سوى هَذَا أَقْوَال ثَلَاثَة: أَحدهَا: أَن ظَاهر الْإِثْم هُوَ: نِكَاح الْمَحَارِم، وباطنه: الزِّنَا. وَالثَّانِي: أَن ظَاهر الْإِثْم: كشف الْعَوْرَة، وباطنه: الزِّنَا. وَالثَّالِث: أَن ظَاهر الْإِثْم: هُوَ الَّذِي تقترفه الْجَوَارِح، وباطنه الَّذِي يعْقد الْقلب عَلَيْهِ، كالمصر على الذَّنب القاصد لَهُ. ﴿إِن الَّذين يَكْسِبُونَ الْإِثْم سيجزون بِمَا كَانُوا يقترفون﴾ أَي: جَزَاء مَا كَانُوا يقترفون، والإقتراف: اكْتِسَاب الذَّنب.

الأنعام 6:121

قَوْله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَة فِي الميتات، وَمَا فِي مَعْنَاهَا من المنخنقة وَغَيرهَا، وَقَالَ عَطاء: الْآيَة فِي الذَّبَائِح الَّتِي كَانُوا يذبحونها على اسْم الْأَصْنَام لَا على اسْم الله - تَعَالَى -. وَفِيه قَول ثَالِث: أَن الْآيَة: فِي مَتْرُوك التَّسْمِيَة كَمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر، ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي مَتْرُوك التَّسْمِيَة، قَالَ الشّعبِيّ، وَابْن سِيرِين: لَا تحل، سَوَاء ترك التَّسْمِيَة عَامِدًا أَو نَاسِيا، وَقَالَ عَطاء، وَسَعِيد بن جُبَير: إِن ترك التَّسْمِيَة عَامِدًا لَا تحل، وَإِن تَركهَا نَاسِيا تحل، وَالْأول قَول مَالك، وَالصَّحِيح أَن الْآيَة فِي الميتات؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَإنَّهُ لفسق﴾ وَإِنَّمَا يفسق أكل الْميتَة. وَقَالَ: ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم﴾ ومجادلتهم كَانَت فِي أكل الْميتَة؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّكُم تَأْكُلُونَ مِمَّا قَتَلْتُمُوهُ، وَلَا تَأْكُلُونَ مِمَّا قَتله الله - تَعَالَى فَنزلت الْآيَة. ﴿وَإِن أطعتموهم إِنَّكُم لمشركون﴾ يَعْنِي: باستحلال الْميتَة، قَالَ الزّجاج: فِي هَذَا دَلِيل على أَن استحلال الْحَرَام، وَتَحْرِيم الْحَلَال يُوجب الْكفْر، وَفِي الْآثَار: " أَن ابْن عَبَّاس سُئِلَ، فَقيل لَهُ: إِن الْمُخْتَار بن أبي عبيد يزْعم أَنه يُوحى إِلَيْهِ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: صدق؛ فَإِن الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ . وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " يخرج من ثَقِيف رجلَانِ: كَذَّاب، ومبير مهلك " فالكذاب: هُوَ الْمُخْتَار، والمبير: هُوَ الْحجَّاج.

الأنعام 6:122

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه﴾ قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: من كَانَ ضَالًّا فهديناه ﴿وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس﴾ أَي: نور الْإِسْلَام، يعِيش بِهِ بَين الْمُسلمين ﴿كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا﴾ الْمثل صلَة هَاهُنَا، وَتَقْدِيره: كمن هُوَ فِي الظُّلُمَات، أَي: فِي ظلمات الشّرك لَا يخرج مِنْهَا أبدا، قَالَ الضَّحَّاك: هَذَا فِي عمر وَأبي جهل، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فِي عمار بن يَاسر وَأبي جهل، وَقيل: هُوَ فِي حَمْزَة وَأبي جهل. وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَن مَعْنَاهُ: أَو من كَانَ مَيتا بِالْجَهْلِ؛ فأحييناه بِالْعلمِ، وكل جَاهِل ميت، وكل عَالم حَيّ، قَالَ الشَّاعِر: (وَفِي الْجَهْل قبل الْمَوْت موت لأَهله ... وأجسامهم قبل الْقُبُور قُبُور) (وَإِن امْرأ لم يحي بِالْعلمِ ميت ... وَلَيْسَ لَهُ قبل النشور نشور) ﴿كَذَلِك زين للْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ .

الأنعام 6:123

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ جعلنَا فِي كل قَرْيَة أكَابِر مجرميها﴾ تَقْدِيره: جعلنَا فِي كل قَرْيَة مجرميها أكَابِر، وَمَعْنَاهُ: إِنَّا كَمَا جعلنَا مجرمي مَكَّة أكَابِر، فَكَذَلِك جعلنَا فِي كل قَرْيَة مجرميها أكَابِر، وَهَذِه سنة الله فِي كل قَرْيَة، وَمن سنَنه: أَنه جعل ضعفاءهم أَتبَاع الْأَنْبِيَاء، كَمَا قَالَ فِي قصَّة نوح: ﴿واتبعك الأرذلون﴾ وروى: " أَن هِرقل سَأَلَ أَبَا سُفْيَان بن حَرْب - حِين قدم عَلَيْهِ - عَن حَال النَّبِي، فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ عَنهُ أَنه قَالَ: من أَتْبَاعه ضُعَفَاؤُهُمْ أم الْعلية؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: بل ضُعَفَاؤُهُمْ؛ فَقَالَ هِرقل: هم أَتبَاع الْأَنْبِيَاء " وَفِي الْخَبَر قصَّة، وَهُوَ فِي الصَّحِيح. ﴿ليمكروا فِيهَا﴾ وَكَانَ من مكر أهل مَكَّة أَنهم جعلُوا على كل طَرِيق من طرق مَكَّة أَرْبَعَة نفر؛ حَتَّى يَقُولُوا لكل من يقدم: [إياك] وَهَذَا الرجل فَإِنَّهُ كَاهِن سَاحر كَذَّاب ﴿وَمَا يمكرون إِلَّا بِأَنْفسِهِم﴾ أَي: وباله يرجع إِلَيْهِم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ .

الأنعام 6:124

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا جَاءَتْهُم آيَة قَالُوا لن نؤمن حَتَّى نؤتى مثل مَا أُوتِيَ رسل الله﴾ أَي: لَا نؤمن حَتَّى يُوحى إِلَيْنَا كَمَا يُوحى إِلَيْهِ، وَينزل علينا جِبْرِيل كَمَا ينزل عَلَيْهِ، حَتَّى روى أَن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة قَالَ: إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يبْعَث نَبيا فَأَنا أولى بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأَنِّي أَكثر مَالا، وأقدم سنا، وَكَذَا كَانَ يَقُول أكابرهم ورؤساؤهم؛ فَنزلت الْآيَة. قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ يَعْنِي: الله أعلم من أهل النُّبُوَّة، وَأَن مُحَمَّدًا أهل الرسَالَة، ولستم بِأَهْل الرسَالَة. ﴿سيصيب الَّذين أجرموا صغَار عِنْد الله﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: قَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: صغَار من عِنْد الله، و " من " مَحْذُوف. قَالَ البصريون: " من " لَا تحذف وَمَعْنَاهُ: صغَار ثَابت دَائِم عِنْد الله ﴿وَعَذَاب شَدِيد بِمَا كَانُوا يمكرون﴾ .

الأنعام 6:125

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ﴾ . أَي: يفتح قلبه حَتَّى يدْخل الْإِسْلَام ﴿وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ . وَيقْرَأ: حرجا - بِفَتْح الرَّاء - يَعْنِي: ذَا حرج، وَأما بِالْكَسْرِ فللمبالغة فِي الضّيق، وَعَن عمر أَنه قَالَ: سَأَلت أَعْرَابِيًا: مَا الحرجة عنْدكُمْ؟ فَقَالَ: شَجَرَة ملتفة لَا تصل إِلَيْهَا راعية وَلَا سَائِمَة، فعلى هَذَا معنى الْآيَة. ﴿يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ بِحَيْثُ لَا يصل إِلَيْهِ الْإِيمَان، وَلَا يدْخلهُ الْإِسْلَام ﴿كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ يقْرَأ على وُجُوه: " يصعد " بتشديدين، وَمَعْنَاهُ يتَصَعَّد، وَكَذَا يقْرَأ فِي الشواذ، وَقُرِئَ: " يصاعد " بتَشْديد الصَّاد بِمَعْنى يتصاعد، وَقُرِئَ: " يصعد مخففا من الصعُود، وَمعنى الْكل وَاحِد. وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ: كَأَنَّمَا يُكَلف الصعُود فَلَا يستطيعه، وأصل الصعُود: الْمَشَقَّة، وَهُوَ قَوْله - تَعَالَى - ﴿سَأُرْهِقُهُ صعُودًا﴾ أَي: عقبَة شاقة، وَمِنْه قَول عمر - رَضِي الله عَنهُ -: مَا تَصعَّدَنِي شَيْء كَمَا تَصَعَّدَتْنِي خطْبَة النِّكَاح، أَي: مَا شقّ عَليّ شَيْء كَمَا (شقَّتْ) عَليّ خطْبَة النِّكَاح. وَالْقَوْل الثَّانِي: معنى قَوْله: ﴿كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ نبوة من الْحِكْمَة، وفرارا من الْقُرْآن. (كَذَلِك يَجْعَل الله الرجس على الَّذين لَا يُؤمنُونَ) الرجس: هُوَ النتن، وَالرجز: الْعَذَاب، وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الرجس النَّجس الْخَبيث المخبث من الشَّيْطَان الرَّجِيم " وَقيل: اللَّعْنَة فِي الدُّنْيَا، وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة.

الأنعام 6:126

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهَذَا صِرَاط رَبك مُسْتَقِيمًا﴾ يَعْنِي: الْإِسْلَام {قد فصلنا الْآيَات لقوم يذكرُونَ) .

الأنعام 6:127

﴿لَهُم دَار السَّلَام عِنْد رَبهم﴾ السَّلَام: هُوَ الله - تَعَالَى - وَدَار السَّلَام الْجنَّة، قَالَ الزّجاج: أَرَادَ بِالسَّلَامِ: السَّلامَة، أَي: لَهُم دَار السَّلامَة من الْآفَات. ﴿وَهُوَ وليهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ .

الأنعام 6:128

قَوْله - تَعَالَى -: (وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا) أما حشر الْجِنّ وَالْإِنْس: حق يجب الْإِيمَان بِهِ ﴿يَا معشر الْجِنّ قد استكثرتم من الْإِنْس﴾ يَعْنِي: استكثرتم من الْإِنْس بالإغواء والإضلال ﴿وَقَالَ أولياؤهم من الْإِنْس﴾ يَعْنِي: الْكفَّار وأولياء الشَّيَاطِين يَقُولُونَ يَوْم الْقِيَامَة: ﴿رَبنَا استمتع بَعْضنَا بِبَعْض﴾ يَعْنِي: استمتع الْجِنّ بالإنس، وَالْإِنْس بالجن، قيل: استمتاع الْجِنّ بالإنس: تزيينهم لَهُم، وتسهيلهم طَرِيق الغواية عَلَيْهِم. وَأما [استمتاع] الْإِنْس بالجن: طاعتهم، وَالْجُمْلَة أَن استمتاع الْجِنّ: بِالْأَمر واستمتاع الْإِنْس: بِالْقبُولِ، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن الرجل من الْعَرَب كَانَ إِذا نزل بواد يَقُول: أعوذ بِسَيِّد هَذَا الْوَادي من سُفَهَاء قومه، ثمَّ يبيت آمنا من تخبيل الْجِنّ، وَهَذَا استمتاع الْإِنْس بالجن، وَأما استمتاع الْجِنّ بالإنس: أَن ذَلِك الجني الَّذِي تعوذ بِهِ الْإِنْسِي يَقُول لِقَوْمِهِ: إِن الْإِنْس يتعوذون بِنَا؛ (فَنحْن سَادَات الْجِنّ وَالْإِنْس) ، وَهَذَا مُبين فِي قَوْله - تَعَالَى - فِي سُورَة الْجِنّ ﴿وَأَنه كَانَ رجال من الْإِنْس يعوذون بِرِجَال من الْجِنّ فزادوهم رهقا﴾ أَي: نخوة وتكبرا. ﴿وبلغنا أجلنا الَّذِي أجلت لنا﴾ يَعْنِي: أجل الْقِيَامَة. ﴿قَالَ النَّار مثواكم﴾ يَعْنِي: يَقُول الله: النَّار مثواكم {خَالِدين فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ الله) فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ أَن الْكَافرين خَالدُونَ فِي النَّار بأجمعهم، فَمَا هَذَا الِاسْتِثْنَاء؟ الْجَواب: قَالَ الْفراء: هُوَ مثل قَوْله: ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك﴾ يَعْنِي: من الزِّيَادَة على مُدَّة دوَام السَّمَوَات وَالْأَرْض؛ فَهَذَا هُوَ المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة أَيْضا، وَقيل: الِاسْتِثْنَاء فِي الْعَذَاب يَعْنِي: خَالِدين فِي نوع من الْعَذَاب إِلَّا مَا شَاءَ الله من سَائِر الْعَذَاب. وَقيل: هُوَ اسْتثِْنَاء مُدَّة الْبَعْث والحساب، لَا يُعَذبُونَ فِي وَقت الْبَعْث والحساب ﴿إِن رَبك حَكِيم عليم﴾ .

الأنعام 6:129

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ نولي بعض الظَّالِمين بَعْضًا﴾ يَعْنِي: يَجْعَل بَعضهم على إِثْر بعض فِي الْقِيَامَة إِلَى النَّار. وَقيل: هَذَا فِي الدُّنْيَا، وَمَعْنَاهُ: نَأْخُذ من الظَّالِم بالظالم، وَذَلِكَ بتسليط بَعضهم على الْبَعْض ﴿بِمَا كَانُوا [يَكْسِبُونَ] ﴾ أَي: جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ.

الأنعام 6:130

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: وَمن الْجِنّ رسل، كَمَا يكون من الْإِنْس؟ الْجَواب: قَالَ الضَّحَّاك: بلَى من الثقلَيْن رسل، كَمَا نطق بِهِ الْكتاب. وَقَالَ مُجَاهِد: الرُّسُل من الْإِنْس، وَأما الْجِنّ فَمنهمْ النّذر، كَمَا قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين﴾ فعلى هَذَا لِلْآيَةِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا أَن قَوْله: ﴿رسل مِنْكُم﴾ ينْصَرف إِلَى أحد الصِّنْفَيْنِ، وَهُوَ الْإِنْس، وَمثله قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ وَالْمرَاد: أحد الْبَحْرين، المالح دون العذب. وَالثَّانِي: أَن الرُّسُل من الصِّنْفَيْنِ، إِلَّا أَنه عبر بالرسل عَن النّذر من الْجِنّ بطرِيق الْمَعْنى؛ لِأَن النذير فِي معنى الرَّسُول. ﴿يقصون عَلَيْكُم آياتي وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا شَهِدنَا على أَنْفُسنَا﴾ وَذَلِكَ حِين تنطق جوارحهم ﴿وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ هَذَا من قَول الله - تَعَالَى - اعْترض فِي - الْبَين - ﴿وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين﴾ .

الأنعام 6:131

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك أَن لم يكن رَبك مهلك الْقرى بظُلْم وَأَهْلهَا غافلون﴾ يَعْنِي: ذَلِك من إرْسَال الرُّسُل وإنزال الْكتب؛ إِنَّمَا كَانَ لِأَن الله - تَعَالَى - لَا يهْلك قَرْيَة قبل بعث الرَّسُول إِلَيْهَا، وإنذارها بِالْوَحْي؛ وَذَلِكَ لِأَن الله - تَعَالَى - أجْرى سنته: أَن لَا يَأْخُذ أحدا الذَّنب إِلَّا بعد وجود الذَّنب، وَإِنَّمَا يكون مذنبا إِذا أَمر فَلم يأتمر، وَنهى فَلم ينْتَه، ودعي فَلم يجب.

الأنعام 6:132

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ أَي: دَرَجَات فِي الْجَزَاء مِمَّا عمِلُوا ﴿وَمَا رَبك بغافل﴾ - أَي: بساه - ﴿عَمَّا يعْملُونَ﴾ .

الأنعام 6:133

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَرَبك الْغَنِيّ ذُو الرَّحْمَة إِن يَشَأْ يذهبكم ويستخلف من بعدكم مَا يَشَاء﴾ يَعْنِي: إِن يَشَأْ يهلككم، ويستخلف [من] بعدكم من يَشَاء ﴿كَمَا أنشأكم من ذُرِّيَّة قوم آخَرين﴾ بِأَن (أهلكهم) وأنشأكم من بعدهمْ

الأنعام 6:134

﴿إِن مَا توعدون لآت﴾ أَي: كل مَوْعُود كَائِن ﴿وَمَا أَنْتُم بمعجزين﴾ أَي: فائتين عَنهُ.

الأنعام 6:135

(قَوْله تَعَالَى) : ﴿قل يَا قوم اعْمَلُوا على مكانتكم﴾ يَعْنِي: على تمكنكم، وَقيل: على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمر تهديد، كَقَوْلِه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ فَكَذَلِك قَوْله ( ﴿اعْمَلُوا على مكانتكم إِنِّي عَامل﴾ فَسَوف تعلمُونَ من تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار) أَي: من يكون لَهُ الْأَمر فِي الْعَاقِبَة ﴿إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ .

الأنعام 6:136

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ من الْحَرْث والأنعام نَصِيبا﴾ وَكَانُوا يقسمون الْحَرْث، فيجعلون لله نَصِيبا، وللأصنام نَصِيبا، ويقسمون الْأَنْعَام، فيجعلون لله نَصِيبا، وللأصنام نَصِيبا، ثمَّ مَا جعلُوا لله، صرفوه للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، وَمَا جعلُوا للأصنام أنفقوه على الْأَصْنَام، وعَلى خدم الْأَصْنَام؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لله بزعمهم وَهَذَا لشركائنا﴾ فَأَما قَوْله: ﴿فَمَا كَانَ لشركائهم فَلَا يصل إِلَى الله وَمَا كَانَ لله فَهُوَ يصل إِلَى شركائهم﴾ معنى هَذَا: أَنهم كَانُوا إِذا قسموا الْحَرْث والأنعام كَمَا وَصفنَا، فَإِذا سقط مِمَّا جعلُوا لله من الْحَرْث شَيْء فِيمَا جَعَلُوهُ للأصنام تَرَكُوهُ، وَإِذا سقط شَيْء من نصيب الْأَصْنَام، فِيمَا جَعَلُوهُ لله ردُّوهُ إِلَى نصيب الْأَصْنَام، وَكَانَ إِذا هلك أَو انْتقصَ مِمَّا جعلُوا لله من الْأَنْعَام شَيْء؛ لم يبالوا بِهِ، وَكَانَ إِذا هلك أَو انْتقصَ من نصيب الْأَصْنَام، جبروه مِمَّا جَعَلُوهُ لله، وَقَالُوا: الله غَنِي، والصنم مُحْتَاج، وَكَانُوا إِذا أجدبوا وقحطوا؛ أكلُوا مِمَّا جَعَلُوهُ لله، وَلم يَأْكُلُوا من نصيب الْأَصْنَام. وَقَوله: ﴿سَاءَ مَا يحكمون﴾ أَي: لم يَأْتهمْ فِيهِ وَحي، وَلَا يَقْتَضِيهِ عقل؛ فَإِن الْقيَاس يَقْتَضِي التَّسْوِيَة - على زعمهم - بَين الشَّرِيكَيْنِ، لَا مَا حكمُوا بِهِ.

الأنعام 6:137

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركاؤهم﴾ يَعْنِي: كَمَا زين هَذَا لأولئك الْقَوْم، فقد زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركاؤهم من وأد الْبَنَات على مَا سنبين ﴿ليردوهم﴾ ليهلكوهم. ﴿وليلبسوا عَلَيْهِم دينهم﴾ أَي: ليخلطوا عَلَيْهِم دينهم؛ إِذْ كَانُوا على بَقِيَّة من مِلَّة إِبْرَاهِيم فلبسوا عَلَيْهِم دينهم بِمَا لَيْسَ مِنْهُ ﴿وَلَو شَاءَ (الله﴾ مَا فَعَلُوهُ فذرهم وَمَا يفترون) .

الأنعام 6:138

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا هَذِه أنعام وحرث حجر﴾ أَي: حرَام ﴿لَا (يطْعمهَا﴾ إِلَّا من نشَاء بزعمهم) ثمَّ بَين (تحريمهم) ؛ فَقَالَ ﴿لَا يطْعمهَا إِلَّا من نشَاء﴾ يَعْنِي: من خدم الْأَصْنَام، وَقيل: هُوَ تَحْرِيم الْبحيرَة والسائبة على الْإِنَاث، وَلَا يطْعمهَا إِلَّا الذُّكُور. ﴿وأنعام حرمت ظُهُورهَا﴾ هِيَ الحوامي الَّتِي ذكرنَا فِي الْمَائِدَة، كَانُوا يَقُولُونَ: حمت ظُهُورهَا ﴿وأنعام لَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا﴾ قيل: ذَبَائِح كَانُوا يذبحونها باسم الْأَصْنَام لَا باسم الله - تَعَالَى - وَقيل مَعْنَاهُ: أَنهم لَا يركبون عَلَيْهَا لفعل الْخَيْر. قَالَ أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة: مَعْنَاهُ: أَنهم لَا يحجون عَلَيْهَا وَلَا يركبونها لفعل الْحَج، إِلَّا أَنه جرت الْعَادة بِذكر اسْم الله على فعل الْخَيْر، فَعبر بِذكر اسْم الله عَن فعل الْخَيْر؛ فَقَالَ: ﴿وأنعام لَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا افتراء عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: افتراء على الله ﴿سيجزيهم بِمَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: جَزَاء مَا كَانُوا (يكذبُون) .

الأنعام 6:139

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بطُون هَذِه الْأَنْعَام خَالِصَة لذكورنا﴾ يَعْنِي: الأجنة حَلَال لذكورنا، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: " خَالص لذكورنا " قَالَ الْكسَائي: خَالص وخالصة وَاحِد، كَمَا يُقَال: وعظ موعظة، وَله نَظَائِر ﴿ومحرم على أَزوَاجنَا﴾ أَي: على نسائنا أَرَادوا بِهِ مَا سبق ذكره من أَوْلَاد الْبحيرَة والوصيلة. ﴿وَإِن يكن ميتَة﴾ يَعْنِي: وَإِن يكن مَا فِي الْبَطن ميتَة ﴿فهم فِيهِ شُرَكَاء﴾ يَعْنِي: الذُّكُور وَالْإِنَاث، وَيقْرَأ " وَإِن تكن ميتَة " ﴿فهم فِيهِ شُرَكَاء﴾ ﴿سيجزيهم وَصفهم﴾ . أَي: جَزَاء كذبهمْ ﴿إِنَّه حَكِيم عليم﴾ .

الأنعام 6:140

﴿قد خسر الَّذين قتلوا أَولا دهم﴾ أَي: هلك وغبن الَّذين قتلوا أَوْلَادهم وَذَلِكَ من وأد الْبَنَات، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يدفنون الْبَنَات حَيَّة، حَتَّى كَانَ الرجل مِنْهُم يقتل وَلَده، ويربي كَلْبه. وَكَانَ الْبَعْض يفعل ذَلِك دون الْبَعْض، وَقيل: كَانَ ذَلِك فِي قبيلتين: ربيعَة، وَمُضر، كَانَا يدفنان الْبَنَات وَهن حيات، فَأَما بَنو كنَانَة وسائرهم مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك. ﴿سفها بِغَيْر علم﴾ أَي: جهلا لَا عَن بَصِيرَة ﴿وحرموا مَا رزقهم الله﴾ (وَهُوَ) مَا ذكرنَا من تَحْرِيم أَوْلَاد الْبحيرَة، والوصيلة وَنَحْو ذَلِك (من) الحوامى، حرموها تدينا ﴿افتراء على الله﴾ لأَنهم كَانُوا يَدعُونَهُ دينا من الله - تَعَالَى - وَقد كذبُوا فِي ذَلِك عَلَيْهِ ﴿قد ضلوا وَمَا كَانُوا مهتدين﴾ .

الأنعام 6:141

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات﴾ الجنات: الْبَسَاتِين ﴿معروشات﴾ أَي: ذَات عروش، وَالْعرش: السّقف، والكروم ذَات سقوف ﴿وَغير معروشات﴾ وَمِنْهَا مَا لَا سقف لَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَشْجَار ﴿وَالنَّخْل وَالزَّرْع مُخْتَلفا أكله﴾ أَي: ثمره. ﴿وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان متشابها وَغير متشابه﴾ أَي: متشابها فِي [المنظر] ، يشبه أَحدهمَا الآخر فِي الْوَرق، وَغير متشابه فِي الثَّمر والطعم، وَقد بَينا هَذَا، وَقيل: هُوَ رَاجع إِلَى مَا سبق ذكره من الْكَرم، وَالنَّخْل، وَالْأَشْجَار، فَإِن بَعْضهَا يشبه بَعْضًا فِي الْوَرق وَالثَّمَر والطعم، وَمِنْهَا مَا يُخَالف بعضه بَعْضًا. ﴿كلوا من ثمره إِذا أثمر﴾ هَذَا أَمر إِبَاحَة ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ والقطاف، وَيقْرَأ: " حَصَاده " بِكَسْر الْحَاء، قيل: الْحَصاد والحصاد وَاحِد، كالجزاء وَالْجَزَاء، والقطاف والقطاف، ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْحق مَا هُوَ؟ قَالَ ابْن عمر، وَأَبُو الدَّرْدَاء - وَهُوَ قَول عَطاء وَمُجاهد -: إِن هَذَا الْحق كَانَ حَقًا فِي المَال سوى الْعشْر الْمَفْرُوض، وَأمر بإتيانه. قَالَ ابْن عَبَّاس، وَأنس - وَهُوَ قَول الْحسن فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ -: إِنَّه أَرَادَ بِهِ إيتَاء الْعشْر الْمَفْرُوض، وَعَن الْحسن - فِي رِوَايَة أُخْرَى وَهُوَ قَول النَّخعِيّ، وَسَعِيد بن جُبَير -: أَن هَذَا حق كَانَ يُؤمر بإتيانه فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، ثمَّ صَار مَنْسُوخا بِإِيجَاب الْعشْر، وَالْقَوْل الأول أولى؛ لِأَن الْآيَة مَكِّيَّة، وَالزَّكَاة فرضت من بعد بِالْمَدِينَةِ، فَحَمله على حق سوى الزَّكَاة أولى. ﴿وَلَا تسرفوا﴾ أَي: لَا تنفقوا الْأَمْوَال فِي مَعْصِيّة الله، وكل من أنْفق فِي مَعْصِيّة فَهُوَ مُسْرِف، وَقيل: هُوَ إِعْطَاء الْكل، وَذَلِكَ أَن يعمد الرجل إِلَى جَمِيع زرعه ونخله فيعطي الْكل، وَيتْرك عِيَاله عَالَة. وروى: " أَن ثَابت بن قيس بن شماس صرم خَمْسمِائَة نَخْلَة كَانَت لَهُ، فَأعْطى الْكل؛ فَنزلت الْآيَة ﴿وَلَا تسرفوا إِنَّه لَا يحب المسرفين﴾ .

الأنعام 6:142

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن الْأَنْعَام حمولة وفرشا﴾ أَي: وَأَنْشَأَ من الْأَنْعَام حمولة وفرشا، قَالَ مُجَاهِد: الحمولة: الْإِبِل الْكِبَار الَّتِي يحمل عَلَيْهَا، والفرش: الصغار، وَقَالَ الضَّحَّاك: الحمولة: الْإِبِل وَالْبَقر، والفرش: [الْغنم] ، قَالَ الشَّاعِر: (أورثني حمولة وفرشا ... أَمسهَا فِي كل يَوْم مسا) أَي: أمسحها فِي كل يَوْم ﴿كلوا مِمَّا رزقكم الله وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ أَي: آثَار الشَّيْطَان، وخطاياه، وَهُوَ تخطية من الْحَلَال إِلَى الْحَرَام ( ﴿إِنَّه لكم عَدو مُبين﴾

الأنعام 6:143

ثَمَانِيَة أَزوَاج) إِنَّمَا نصب ثَمَانِيَة؛ لِأَن قَوْله ﴿ثَمَانِيَة﴾ بدل عَن قَوْله: ﴿حمولة وفرشا﴾ ، وَقَوله: ( ﴿ثَمَانِيَة أَزوَاج من الضَّأْن اثْنَيْنِ وَمن الْمعز اثْنَيْنِ﴾ وَمن الْإِبِل اثْنَيْنِ وَمن الْبَقر اثْنَيْنِ) . هَذَا فِي الْحَقِيقَة أَرْبَعَة أَزوَاج، كل زوج اثْنَان، لِأَن الْعَرَب تسمي الْوَاحِد زوجا إِذا كَانَ لَا يَنْفَكّ عَن غَيره، قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿وَمن كل شَيْء خلقنَا زَوْجَيْنِ﴾ . ﴿قل آلذكرين حرم أم الْأُنْثَيَيْنِ أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هَذَا فِي تحريمهم الوصيلة والبحيرة وَنَحْوهَا، وَالْآيَة فِي الِاحْتِجَاج عَلَيْهِم، وَمعنى هَذَا: أَن الَّذِي تدعون على الله من تَحْرِيمهَا إِن كَانَ بِسَبَب الذُّكُورَة، فَيَنْبَغِي أَن تحرم كل الذُّكُور، وَإِن كَانَ التَّحْرِيم بِسَبَب الْأُنُوثَة؛ فَيَنْبَغِي أَن تحرم كل الْإِنَاث، وَإِن كَانَ باشتمال الرَّحِم عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَن يحرم كل مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ الرَّحِم، فَأَما تَخْصِيص التَّحْرِيم بِالْوَلَدِ السَّابِع وَالْخَامِس فَمن أَيْن؟ ! ﴿نبؤني بِعلم﴾ أخبروني بِعلم (إِن كَانَ لكم بِهِ علم) ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ .

الأنعام 6:144

﴿وَمن الْإِبِل اثْنَيْنِ وَمن الْبَقر اثْنَيْنِ قل آلذكرين حرم أم الْأُنْثَيَيْنِ أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هَذَا فِي تحريمهم أَوْلَاد الْبحيرَة من الْبَطن الْخَامِس، كَمَا سبق، وَوجه الِاحْتِجَاج عَلَيْهِم مَا بَينا. ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُم الله بِهَذَا﴾ فَمَعْنَاه: أَنكُمْ قُلْتُمْ ذَلِك عَن علم لكم؟ فَأَخْبرُونِي بِهِ {أم نزل [عَلَيْكُم] بِهِ وَحي؟ أم أَمركُم الله بِهِ عيَانًا؟ ﴿فَمن اظلم مِمَّن افترى على الله كذبا ليضل النَّاس بِغَيْر علم﴾ فَبين الله يَعْنِي: أَنهم كاذبون بِهِ ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ . وَفِي الْخَبَر: " أَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ جَاءَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أبحت مَا حرمنا} وَحرمت مَا أبحنا - يَعْنِي: الْميتَة - فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِه الْآيَات؛ فَعرف الْحجَّة، وَسكت عَنهُ ".

الأنعام 6:145

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا أجد فِي مَا أُوحِي إِلَيّ محرما﴾ سَبَب هَذَا أَنهم قَالُوا: فَمَا الْمحرم إِذا؟ فَنزل قَوْله: قل يَا مُحَمَّد: لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما ﴿على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير﴾ . وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا؛ فَذَهَبت عَائِشَة، وَابْن عَبَّاس إِلَى أَن التَّحْرِيم مَقْصُور على هَذِه الْأَشْيَاء، وَبِه قَالَ مَالك، وَقَالُوا: قَوْله: ﴿إِلَّا ان يكون ميتَة﴾ دخل فِيهِ المنخنقة والموقوذة، وَمَا عد فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَمَالك يعد مَا سواهَا مَكْرُوها وَلَا يعده حَرَامًا، وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَن التَّحْرِيم [يعدو] هَذِه الْأَشْيَاء؛ إِلَّا أَن الْبَعْض ثَبت بِالْكتاب، وَالْبَعْض بِالسنةِ، وَالْكل حرَام. وَقد ثَبت: " أَنه نهى عَن كل ذِي نَاب من السبَاع و [عَن] كل ذِي مخلب من الطير " ﴿فَإِنَّهُ رِجْس﴾ أَي: نَتن ﴿أَو فسقا أهل لغير الله بِهِ﴾ وَهُوَ الْمَذْبُوح على اسْم الصَّنَم، سمى ذَلِك فسقا؛ لِلْخُرُوجِ عَن أَمر الله - تَعَالَى -. ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَإِن رَبك غَفُور رَحِيم﴾ وَقد ذكرنَا هَذَا.

الأنعام 6:146

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وعَلى الَّذين هادوا حرمنا كل ذِي ظفر﴾ يَعْنِي: حرمنا على الْيَهُود كل ذِي ظفر، قيل: هُوَ الْبَعِير والنعامة، وَيدخل فِيهِ الأوز والبط. ﴿وَمن الْبَقر وَالْغنم حرمنا عَلَيْهِم شحومهما إِلَّا مَا حملت ظهورهما﴾ أما تَحْرِيم الشحوم عَلَيْهِم: كَانَ ذَلِك عَن الثروب وشحم الكليتين، وَقد قَالَ " لعن الله الْيَهُود حرم عَلَيْهِم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنهَا ". وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا حملت ظهورهما﴾ أَي: شَحم مَا حملت ظهورهما لم يحرم عَلَيْهِم ﴿أَو الحوايا﴾ تَقْدِيره: والحوايا، أَي: شَحم المباعر ﴿أَو مَا اخْتَلَط بِعظم﴾ أَي: وشحم مَا اخْتَلَط بِعظم، قيل: هُوَ الإلية، وَقيل: هُوَ شَحم الْجنب، ثمَّ اخْتلفُوا، أَن الْكل هَل يدْخل فِي الِاسْتِثْنَاء؟ قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا يدْخل فِي الِاسْتِثْنَاء شَحم الظُّهُور فَحسب، فَأَما قَوْله: ﴿أَو الحوايا أَو مَا اخْتَلَط بِعظم﴾ رَاجع إِلَى التَّحْرِيم، وَالصَّحِيح: أَن الْكل يدْخل فِي الِاسْتِثْنَاء، وَهُوَ ظَاهر الْآيَة. ﴿ذَلِك جزيناهم ببغيهم﴾ أَي: [بظلمهم] ﴿وَإِنَّا لصادقون﴾ .

الأنعام 6:147

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَإِن كَذبُوك فَقل ربكُم ذُو رَحْمَة وَاسِعَة﴾ فَإِن قيل: مَا معنى هَذَا، وَإِنَّمَا يَلِيق بتكذيبهم وَعِيد الْعَذَاب لَا وعد الرَّحْمَة؟ قَالَ ثَعْلَب: هُوَ الرَّحْمَة بِتَأْخِير الْعَذَاب عَنْهُم، لَا بترك أصل الْعَذَاب، وَهَذَا حسن، بِدَلِيل قَوْله: ﴿وَلَا يرد بأسه عَن الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ يَعْنِي: فِي الْقِيَامَة، إِذا [جَاءَ] وقته؛ فَسئلَ ثَعْلَب: أَلَيْسَ أَن الله - تَعَالَى - قد عذب الْكفَّار فِي الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: هَذَا فِي الْكفَّار من قوم نَبينَا مُحَمَّد لم يعذبهم الله؛ ببركته فيهم، كَمَا قَالَ: ( ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للعاملين) .

الأنعام 6:148

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا﴾ اسْتدلَّ أهل الْقدر بِهَذِهِ الْآيَة؛ فَإِنَّهُم لما قَالُوا: لَو شَاءَ الله مَا أشركنا؛ كذبهمْ الله - تَعَالَى - ورد قَوْلهم فَقَالَ: ﴿كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم﴾ قيل: معنى الْآيَة: أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ الْحق إِلَّا أَنهم كَانُوا (يعدون) ذَلِك عذر لَهُم، ويجعلونه حجَّة لأَنْفُسِهِمْ فِي ترك الْإِيمَان، فالرد عَلَيْهِم كَانَ فِي هَذَا بِدَلِيل

الأنعام 6:149

قَوْله - تَعَالَى - بعده: ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة﴾ أَي: الْحجَّة بِالْأَمر وَالنَّهْي بَاقِيَة لَهُ عَلَيْهِم، وَإِن شَاءَ أَن يشركوا. ﴿فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ وَلَو لم يحمل على هَذَا؛ لَكَانَ هَذَا مناقضة للْأولِ، وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: إِن الله أمرنَا بالشرك، كَمَا قَالَ فِي الْأَعْرَاف: ﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا) وَكَأن قَوْله: {لَو شَاءَ الله مَا أشركنا﴾ أَي: هُوَ الَّذِي أمرنَا بالشرك؛ فالرد فِي هَذَا لَا فِي حُصُول الشّرك بمشيئته، فَإِنَّهُ حق وَصدق، وَبِه يَقُول أهل السّنة. ﴿قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا﴾ أَي: من كتاب، فتخرجوه لنا حَتَّى يظْهر مَا تدعون على الله (من أمره بالشرك) ﴿إِن تتبعون إِلَّا الظَّن﴾ يَعْنِي: أَنكُمْ تَقولُونَ مَا تَقولُونَ ظنا لَا عَن بَصِيرَة ﴿وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون﴾ أَي: تكذبون ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ .

الأنعام 6:150

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل هَلُمَّ شهداءكم﴾ أَي: ائْتُوا بشهدائكم ﴿الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا﴾ هَذَا رَاجع إِلَى مَا تقدم من تحريمهم الْأَشْيَاء على أنفسهم بِغَيْر أَمر الله، وَادعوا أَنه من أَمر الله. ﴿فَإِن شهدُوا فَلَا تشهد مَعَهم﴾ يَعْنِي: فَإِن شهدُوا كاذبين، فَلَا تشهد مَعَهم ﴿وَلَا تتبع أهواء الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة وهم برَبهمْ يعدلُونَ﴾ أَي: يشركُونَ.

الأنعام 6:151

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ لأَنهم سَأَلُوهُ أيش الَّذِي حرم الله - تَعَالَى -؟ فَنزل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الله - تَعَالَى - مَا حرم ترك الشّرك بل أَمر ربه، فَمَا معنى قَوْله: ﴿أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ ؟ . فِيهِ جوابان: أَحدهمَا: أَن قَوْله " لَا " صلَة، وَتَقْدِيره ": أَن تُشْرِكُوا؛ فعلى هَذَا استقام الْكَلَام. وَالثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿ [تَعَالَوْا] أتل مَا حرم ربكُم﴾ كَلَام تَامّ. (ثمَّ) قَوْله: ﴿عَلَيْكُم أَلا تُشْرِكُوا﴾ ابْتِدَاء كَلَام. وَإِذا قدر هَكَذَا استقام الْكَلَام أَيْضا، ثمَّ قَوْله ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أَي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم من إملاق﴾ قَالَ المؤرج: الإملاق: الْجُوع بلغَة حمير، وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَن الإملاق: الْفقر ﴿نَحن نرزقكم وإياهم﴾ أَي: رزق الْكل علينا؛ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ خوف الْجُوع والفقر. ﴿وَلَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ هَذَا نهي عَن أَنْوَاع الزِّنَا سرا وعلنا، وَكَانَت الزواني فِي الْجَاهِلِيَّة على نحوين: كَانَت لبَعْضهِم رايات على الْأَبْوَاب، علما لمن أَرَادَ الزِّنَا؛ كن يَزْنِين علنا، وأخريات كن يَزْنِين سرا. فَهَذَا المُرَاد بالفواحش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن. ﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ نهى عَن الْقَتْل بالظلم، وأباح الْقَتْل بِالْحَقِّ، وَهُوَ مُفَسّر فِي قَول النَّبِي: " لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث: كفر بعد إِيمَان، أَو زنا بعد إِحْصَان، أَو قتل نفس بِغَيْر نفس " ﴿ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ .

الأنعام 6:152

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ قد سبق الْكَلَام على قرْبَان مَال الْيَتِيم فِي سُورَة النِّسَاء. ﴿حَتَّى يبلغ أشده﴾ قَالَ السّديّ: أشده ثَلَاثُونَ سنة. وَقَالَ غَيره: أَوَان الْحلم. وَقيل: هُوَ استكمال الْقُوَّة، وَسَيَأْتِي شَرحه فِي مَوضِع بعده. ﴿وأوفوا الْكَيْل وَالْمِيزَان بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ ﴿لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ أَي: طاقتها ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَو كَانَ ذَا قربى﴾ أَي: فاصدقوا، وَلَو كَانَ على الْقَرِيب ﴿وبعهد الله أَوْفوا ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ .

الأنعام 6:153

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ﴾ يقْرَأ: وَأَن - بِالتَّشْدِيدِ - فَيكون رَاجعا إِلَى قَوْله: ﴿أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: وأتل عَلَيْكُم: أَن هَذَا صِرَاطِي، وَيقْرَأ: وَأَن - بالتخفبف - فَيكون صلَة، وَتَقْدِيره هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا. ﴿فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل﴾ بِمَعْنى: سَائِر الْملَل سوى مِلَّة الْإِسْلَام وَقيل: هُوَ الْأَهْوَاء والبدع ﴿فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ أَي: فَتفرق بكم عَن سَبيله. ﴿ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَقد صَحَّ بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي: " انه خطّ خطا، وَخط حواليه خُطُوطًا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْخط الْأَوْسَط؛ فَقَالَ: وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الخطوط حوله؛ فَقَالَ: لَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ".

الأنعام 6:154

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ثمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿ثمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ بعد ذكر مُحَمَّد، ومُوسَى أُوتِيَ الْكتاب قبله، وَكَلمه " ثمَّ " للتعقيب؟ قيل: مَعْنَاهُ: ثمَّ أخْبركُم أَنا آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب. ﴿تَمامًا على الَّذِي أحسن﴾ قيل: أَرَادَ بِالَّذِي أحسن: مُوسَى، وَمَعْنَاهُ: انه كَمَا أحسن بِطَاعَة ربه وَاتِّبَاع أمره؛ أتممنا عَلَيْهِ النِّعْمَة وَالْإِحْسَان بإعطائه التَّوْرَاة. وَقَالَ الْحسن: مَعْنَاهُ تَمامًا على الْمُحْسِنِينَ من قومه، وَكَانَ مِنْهُم محسن ومسيء، وَهَذَا معنى قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: تَمامًا على الَّذين أَحْسنُوا، وَقَرَأَ يحيى بن يعمر: " على الَّذِي أحسن " أحسن، بِرَفْع النُّون، أَي: على الَّذِي هُوَ أحسن. ﴿وتفصيلا لكل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة﴾ هَذَا فِي وصف التَّوْرَاة ﴿لَعَلَّهُم بلقاء رَبهم يُؤمنُونَ﴾ .

الأنعام 6:155

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهَذَا كتاب﴾ ثمَّ وصف الْقُرْآن ﴿أَنزَلْنَاهُ مبارك فَاتَّبعُوهُ﴾ وَقد بَينا معنى الْمُبَارك ( ﴿وَاتَّقوا لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾

الأنعام 6:156

أَن تَقولُوا) أَي: كَرَاهَة أَن تَقولُوا، على قَول الْكُوفِيّين، وَأما على قَول الْبَصرِيين: تَقْدِيره: أَن لَا تَقولُوا: ﴿إِنَّمَا أنزل الْكتاب على طائفتين من قبلنَا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿وَإِن كُنَّا﴾ أَي: وَقد كُنَّا ﴿عَن دراستهم لغافلين﴾ وَمعنى الْآيَة: أَنا إِنَّمَا أنزلنَا عَلَيْكُم الْقُرْآن؛ لِئَلَّا تَقولُوا: إِن الْكتاب أنزل على من قبلنَا بلغتهم ولسانهم فَلم نَعْرِف مَا فِيهِ، وغفلنا عَن دراسته؛ فتمهدون بذلك عذرا لأنفسكم، وَحجَّة على الله

الأنعام 6:157

﴿أَو تَقولُوا لَو أَنا أنزل علينا الْكتاب لَكنا أهْدى مِنْهُم﴾ . وَقد كَانَ جمَاعَة من الْكفَّار، قَالُوا ذَلِك: لَو أنزل علينا مَا أنزل على الْيَهُود وَالنَّصَارَى كُنَّا خيرا مِنْهُم وَأهْدى، يَقُول الله - تَعَالَى -: ﴿فقد جَاءَكُم بَيِّنَة من ربكُم وَهدى وَرَحْمَة﴾ يَعْنِي: قد جَاءَكُم الْقُرْآن؛ فَكَذَّبْتُمْ بِهِ، ثمَّ قَالَ: ﴿فَمن أظلم مِمَّن كذب بآيَات الله وصدف عَنْهَا﴾ أَي: أعرض عَنْهَا ﴿سنجزي الَّذين يصدفون﴾ أَي: يعرضون ﴿عَن آيَاتنَا سوء الْعَذَاب بِمَا كَانُوا يصدفون﴾ قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ [هَل ينظرُونَ] ﴾ أَي: بعد تكذيبهم الرُّسُل وإنكارهم الْقُرْآن.

الأنعام 6:158

﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة﴾ قيل: بِالْعَذَابِ، وَقيل: بِقَبض الْأَرْوَاح (أَو يَأْتِي رَبك) يَعْنِي: فِي الْقِيَامَة، كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْبَقَرَة: ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ وَقد بَينا هُنَالك ﴿أَو يَأْتِي بعض آيَات رَبك﴾ أجمع الْمُفَسِّرُونَ على أَنه أَرَادَ بِهِ طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا، إِلَّا فِي رِوَايَة: شَاذَّة عَن معَاذ بن جبل أَنه: خُرُوج الدَّجَّال، وَخُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج. وَقد ثَبت بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِيهِ: " هِيَ طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِن الشَّمْس وَالْقَمَر يطلعان يَوْمئِذٍ أسودين، وروى صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن للتَّوْبَة بَابا قبل الْمغرب، عرضه سَبْعُونَ ذِرَاعا؛ فَهُوَ مَفْتُوح إِلَى أَن تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا، ثمَّ يغلق فَلَا تقبل التَّوْبَة بعده " فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ( ﴿يَوْم يَأْتِي بعض آيَات رَبك﴾ لَا ينفع نفسا أَي: لَا يقبل تَوْبَة كَافِر بِالْإِيمَان، وَلَا تَوْبَة فَاسق بِالرُّجُوعِ عَن الْفسق ﴿قل انتظروا إِنَّا منتظرون﴾ .

الأنعام 6:159

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء﴾ . وروى أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ صدى بن عجلَان، عَن النَّبِي قَالَ: " هم الْخَوَارِج " قَالَ مُجَاهِد: هم أهل الْأَهْوَاء والبدع، وَقيل: هم أهل سَائِر الْملَل من الْيَهُود، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوس، وَنَحْوهم، وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: " أصدق الحَدِيث كتاب الله، وَأحسن الْهدى هدى مُحَمَّد، وَشر الْأُمُور محدثاتها، وكل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة، وكل ضَلَالَة فِي النَّار " ويروى هَذَا مَرْفُوعا، وَقَوله: ﴿لست مِنْهُم فِي شَيْء﴾ أَي: لَيْسُوا مِنْك، وَلست مِنْهُم ﴿إِنَّمَا أَمرهم إِلَى الله ثمَّ ينبئهم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .

الأنعام 6:160

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا وهم لَا يظْلمُونَ﴾ وَهَذَا فضل من الله - تَعَالَى - حَيْثُ يجازي الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا، والسيئة بِمِثْلِهَا، قَالَ ابْن عمر: هَذَا فِي غير الصَّدقَات من الْحَسَنَات، فَأَما الصَّدقَات: تضَاعف بسبعمائة ضعف، وَقَالَ أَبُو صَالح: الْحَسَنَة: قَول لَا إِلَه إِلَّا الله، " وَسُئِلَ رَسُول الله عَن كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله أَهِي من الْحَسَنَات؟ فَقَالَ: هِيَ أحسن الْحَسَنَات ".

الأنعام 6:161

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دينا قيمًا﴾ هُوَ دين الْإِسْلَام أَي: دينا مُسْتَقِيمًا ﴿مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ نصب على الإغراء، أَي: اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم ﴿حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾

الأنعام 6:162

﴿قيل إِن صَلَاتي ونسكي﴾ أما الصَّلَاة: مَعْلُومَة، وَأما النّسك: الْعِبَادَة، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الذَّبِيحَة، وَقَوله: ﴿ومحياي ومماتي لله﴾ أَي: طَاعَتي فِي حَياتِي لله، وجزائي بعد مماتي من الله {رب الْعَالمين

الأنعام 6:163

لَا شريك لَهُ وَبِذَلِك أمرت وَأَنا أول الْمُسلمين) يَعْنِي: من هَذِه الْأمة.

الأنعام 6:164

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أغير الله أبغي رَبًّا﴾ لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: ارْجع إِلَى ديننَا فَإِن خفت الله فَنحْن نكفل لَك الْعَذَاب؛ قَالَه كفار قُرَيْش؛ فَنزل: ﴿قل أغير الله أبغي رَبًّا وَهُوَ رب كل شَيْء﴾ ﴿وَلَا تكسب كل نفس إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ أَي: لَيْسَ هَذَا بِأَمْر تَنْفَع فِيهِ الْكفَالَة، (وَيقوم) أحد مقَام أحد فِيهِ. ﴿ثمَّ إِلَى ربكُم مرجعكم فينبئكم بِمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون﴾ .

الأنعام 6:165

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض﴾ أَي: يخلف بَعْضكُم بَعْضًا ﴿وَرفع بَعْضكُم فَوق بعض دَرَجَات﴾ يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا بالفقر والغنى، وَالْمَرَض وَالصِّحَّة، وَنَحْو هَذَا ﴿ليَبْلُوكُمْ فِيمَا آتَاكُم﴾ أَي: ليختبروكم فِيمَا أَعْطَاكُم. ﴿إِن رَبك سريع الْعقَاب﴾ وكل مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ سريع ﴿وَإنَّهُ لغَفُور رَحِيم﴾ .