Tafsir Ibn Abi Zamanin — الفاتحة 1:1 – آل عمران 3:200
المحتويات
- الفاتحة 1:1
- الفاتحة 1:2
- الفاتحة 1:4
- الفاتحة 1:5
- الفاتحة 1:6
- الفاتحة 1:7
- البقرة 2:1
- البقرة 2:2
- البقرة 2:3
- البقرة 2:4
- البقرة 2:5
- البقرة 2:6
- البقرة 2:7
- البقرة 2:8
- البقرة 2:9
- البقرة 2:10
- البقرة 2:11
- البقرة 2:12
- البقرة 2:13
- البقرة 2:14
- البقرة 2:15
- البقرة 2:16
- البقرة 2:17
- البقرة 2:18
- البقرة 2:19
- البقرة 2:20
- البقرة 2:21
- البقرة 2:22
- البقرة 2:23
- البقرة 2:24
- البقرة 2:25
- البقرة 2:26
- البقرة 2:27
- البقرة 2:28
- البقرة 2:29
- البقرة 2:30
- البقرة 2:31
- البقرة 2:34
- البقرة 2:35
- البقرة 2:36
- البقرة 2:38
- البقرة 2:40
- البقرة 2:41
- البقرة 2:42
- البقرة 2:43
- البقرة 2:44
- البقرة 2:45
- البقرة 2:46
- البقرة 2:47
- البقرة 2:48
- البقرة 2:49
- البقرة 2:50
- البقرة 2:51
- البقرة 2:52
- البقرة 2:53
- البقرة 2:54
- البقرة 2:55
- البقرة 2:57
- البقرة 2:58
- البقرة 2:59
- البقرة 2:60
- البقرة 2:61
- البقرة 2:62
- البقرة 2:63
- البقرة 2:64
- البقرة 2:65
- البقرة 2:66
- البقرة 2:67
- البقرة 2:68
- البقرة 2:69
- البقرة 2:70
- البقرة 2:71
- البقرة 2:72
- البقرة 2:73
- البقرة 2:74
- البقرة 2:75
- البقرة 2:76
- البقرة 2:77
- البقرة 2:78
- البقرة 2:79
- البقرة 2:80
- البقرة 2:81
- البقرة 2:83
- البقرة 2:84
- البقرة 2:85
- البقرة 2:86
- البقرة 2:87
- البقرة 2:89
- البقرة 2:90
- البقرة 2:91
- البقرة 2:92
- البقرة 2:93
- البقرة 2:95
- البقرة 2:96
- البقرة 2:97
- البقرة 2:100
- البقرة 2:101
- البقرة 2:102
- البقرة 2:103
- البقرة 2:104
- البقرة 2:105
- البقرة 2:106
- البقرة 2:108
- البقرة 2:109
- البقرة 2:111
- البقرة 2:112
- البقرة 2:113
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:117
- البقرة 2:118
- البقرة 2:119
- البقرة 2:120
- البقرة 2:121
- البقرة 2:122
- البقرة 2:123
- البقرة 2:124
- البقرة 2:125
- البقرة 2:126
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:129
- البقرة 2:130
- البقرة 2:131
- البقرة 2:132
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:136
- البقرة 2:137
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:145
- البقرة 2:146
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:149
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
- البقرة 2:157
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
- البقرة 2:160
- البقرة 2:161
- البقرة 2:162
- البقرة 2:164
- البقرة 2:165
- البقرة 2:166
- البقرة 2:167
- البقرة 2:168
- البقرة 2:169
- البقرة 2:170
- البقرة 2:171
- البقرة 2:172
- البقرة 2:173
- البقرة 2:174
- البقرة 2:175
- البقرة 2:176
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:179
- البقرة 2:180
- البقرة 2:181
- البقرة 2:182
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:185
- البقرة 2:186
- البقرة 2:187
- البقرة 2:188
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:192
- البقرة 2:193
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:197
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:200
- البقرة 2:201
- البقرة 2:202
- البقرة 2:203
- البقرة 2:204
- البقرة 2:205
- البقرة 2:206
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:209
- البقرة 2:210
- البقرة 2:211
- البقرة 2:212
- البقرة 2:213
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:218
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:243
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:149
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:157
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:160
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
الفاتحة 1:1
[بَاب] مَا جَاءَ فِي
بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ يَعْلَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كُنَّا نَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ زَمَانًا؛ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادعوا الرَّحْمَن﴾ كتبا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ» ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ كَتَبْنَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".
يَحْيَي: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: «لَمْ تَنْزِلْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِلا فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سليمان ... . .﴾ وَيَجْعَلُهُ مِفْتَاحَ الْقِرَاءَةِ إِذَا قَرَأَ».
يَحْيَي: وَحَدَّثَنِي أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّهُ قَالَ: «هَذَانِ الاسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ مَمْنُوعَانِ؛ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَنْتَحِلَهُمَا: اللَّهُ، وَالرَّحْمَنُ».
قَالَ مُحَمَّد: قِيلَ: الجالب للباء فِي «باسم اللَّه» معنى الِابْتِدَاء؛ كَأَنَّك قُلْت: أبدأ باسم اللَّه.
تَفْسِير فَاتِحَة الْكتاب وَهِي مَكِّيَّة كلهَا
الفاتحة 1:2
قَوْله: ﴿الْحَمد لله﴾ حمد نَفسه، وَأمر الْعباد أَن يحمدوه، وَالْحَمْد: شكر النِّعْمَة. ﴿رَبِّ الْعَالمين﴾ الْعَالمُونَ: الْخلق.
الفاتحة 1:4
﴿ملك يَوْم الدّين﴾ قَالَ قَتَادَة: يَوْم يَدِينُ اللَّهُ النَّاس فِيهِ بأعمالهم.
قَالَ مُحَمَّد: معنى «الدّين» فِي اللُّغَة: الْجَزَاء؛ وَمن كَلَام الْعَرَب: دنته بِمَا صنع - أَي: جازيته.
قَالَ يَحْيَى: مَنْ قَرَأَ ﴿مَلِكِ﴾ فَهُوَ مِنْ بَابِ: الْمُلْكِ؛ يَقُولُ: هُوَ مَلِكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَأَخْبَرَنِي بَحْرٌ السَّقَّاءُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يقرءونها: ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ بِكَسْر الْكَاف، وتفسيرها على هَذَا المقراء: مَالِكُهُ الَّذِي يَمْلِكُهُ.
وَقَرَأَ بَعْض الْقُرَّاء: «مَالِكَ»؛ بِفَتْح الْكَاف، يَجعله نِدَاء: يَا مَالِكَ يَوْم الدِّين.
الفاتحة 1:5
﴿إياك نعْبد﴾.
قَالَ مُحَمَّد: معنى الْعِبَادَة فِي اللُّغَة: الطَّاعَة مَعَ الخضوع، وَمن هَذَا يُقَال: طَرِيق مُعَبَّدٌ إِذا كَانَ مذللا بِكَثْرَة الْمَشْي عَلَيْهِ.
الفاتحة 1:6
﴿اهدنا﴾ أرشدنا ﴿الصِّرَاط﴾: الطَّرِيق.
الفاتحة 1:7
﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾ بِالْإِسْلَامِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالّين﴾ قَالَ (الحَسَن): المغضوب عَلَيْهِم: الْيَهُود، والضالون: النَّصَارَى. وَهَذَا دُعَاء أَمر اللَّه رَسُوله أَن يَدْعُو بِهِ، وَجعله سنة لَهُ وَلِلْمُؤْمنِينَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ قَرَأَ ﴿غَيْرِ﴾ بِالْخَفْضِ فَهُوَ على الْبَدَل من «الَّذِينَ» وَجَاز أَن يكون على النَّعْت.
البقرة 2:1
تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة وَهِي مَدَنِيَّة كلهَا
قَوْله: عز ذكره: ﴿الم﴾
قَالَ يَحْيَى: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: مَا أَدْرِي مَا تَفْسِيرُ ﴿الم﴾ و ﴿الر﴾ و ﴿المص﴾ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، غير أَن قوما (ل ٤) مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَسْمَاءُ السُّوَرِ وَفَوَاتِحُهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَذكر ابْن سَلام فِي تَفْسِير ﴿الم﴾ وَغير ذَلِكَ من حُرُوف المعجم الَّتِي فِي أَوَائِل السُّور - تفاسير غير متفقة فِي مَعَانِيهَا وَهَذَا الَّذِي ذكره يحيى عَنِ الْحَسَن، وَالله أعلم وَقد سَمِعْتُ بَعْض من أقتدي بِهِ من مَشَايِخنَا يَقُولُ: إِن الْإِمْسَاك عَنْ تَفْسِيرهَا أفضل.
البقرة 2:2
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يَعْنِي: هَذَا الْكتاب لَا شكّ فِيهِ. ﴿هدى لِلْمُتقين﴾: الَّذين يَتَّقُونَ الشّرك.
البقرة 2:3
﴿الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يَعْنِي: يصدقون بِالْبَعْثِ والحساب، وَالْجَنَّة وَالنَّار؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة﴾ يَعْنِي: الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة، يتمونها على مَا سنّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ صَلَاة مِنْهَا ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ يَعْنِي: الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة على سنتها أَيْضا.
البقرة 2:4
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قبلك﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور؛ يصدقون بِهَا وَلا يعْملُونَ إِلَّا بِمَا فِي الْقُرْآن
البقرة 2:5
﴿أُولَئِكَ على هدى﴾ بَيَان ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المفلحون﴾ السُّعَدَاء.
البقرة 2:6
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ (آنذرتهم﴾ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} يَعْنِي: الَّذين سبق لَهُم - فِي علم الْغَيْب - أَنهم يلقون اللَّه بكفرهم
البقرة 2:7
﴿ختم الله على قُلُوبهم﴾ يَعْنِي: طبع؛ فهم لَا يفقهُونَ الْهدى ﴿وعَلى سمعهم﴾ فَلَا يسمعونه ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ فَلَا يبصرونه.
قَالَ مُحَمَّد: «غِشَاوَةٌ» يَعْنِي: غطاء..
البقرة 2:8
قَالَ يحيى: ثمَّ ذكر صفنا آخر من النَّاس - يَعْنِي: الْمُنَافِقين - فَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هم بمؤمنين﴾ إِنَّمَا تكلمُوا بِهِ فِي الْعَلَانِيَة
البقرة 2:9
﴿يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا﴾ حَتَّى يكفوا عَنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ. وَسبي ذَرَارِيهمْ، ومُخَادَعَتُهُمْ لرَسُول اللَّه وَلِلْمُؤْمنِينَ مخادعة لله ﴿وَمَا يُخَادِعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ أَي أَن ذَلِك يرجع عَلَيْهِم عَذَابه، وثواب كفره ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أَن ذَلِك رَاجع عَلَيْهِم.
البقرة 2:10
﴿فِي قُلُوبهم مرض﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: شكًّا ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرضا﴾ بالطبع على قُلُوبهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ موجع فِي الْآخِرَة ﴿بِمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ﴾ بقلوبهم فِي قِرَاءَة من قَرَأَهَا بالتثقيل، وَمن قَرَأَهَا بِالتَّخْفِيفِ «يكذبُون» يَعْنِي: فِي قَوْلهم: آمنا؛ وَقُلُوبهمْ على الْكفْر.
البقرة 2:11
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: لَا تُشْرِكُوا ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحن مصلحون﴾ أَي: أظهرُوا الْإِيمَان
البقرة 2:12
﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَن اللَّه يعذبهم فِي الْآخِرَة.
البقرة 2:13
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمن النَّاس﴾ إِذا قَالَ لَهُم النَّبِي والمؤمنون: آمنُوا كَمَا آمن الْمُؤْمِنُونَ - قَالَ بَعضهم لبَعض: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمن السُّفَهَاء﴾ يعنون: من آمن، وَلم يعلنوا قَوْلهم هَذَا ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لَا يعلمُونَ﴾ أَنهم سفهاءُ؛ فِي تَفْسِير الحَسَن.
قَالَ مُحَمَّد: أصل السَّفه: خفَّة الْحلم؛ ومِنْهُ يُقَال: ثوب سَفِيه إِذا كَانَ خَفِيفا. وَقيل: أصل السَّفه: الْجَهْل.
البقرة 2:14
﴿وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: رؤساءهم فِي (الشّرك) ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحن مستهزئون﴾ بِمُحَمد (وَأَصْحَابه)
البقرة 2:15
﴿الله يستهزئ بهم﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: يجازيهم جَزَاء الِاسْتِهْزَاء.
يَحْيَى: عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «يجاء بالمستهزئين يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ يُفْتَحُ لَهُمْ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَيُدْعَوْنَ [لِيَدْخُلُوا] فَيَجِيئُونَ؛ فَإِذَا بَلَغُوا الْبَابَ أُغْلِقَ فَيَرْجِعُونَ، ثُمَّ يُدْعَوْنَ لِيَدْخُلُوا فَيَجِيئُونَ؛ فَإِذَا بَلَغُوا الْبَابَ أُغْلِقَ فَيَرْجِعُونَ، ثُمَّ يُدْعَوْنَ لِيَدْخُلُوا فَيَجِيئُونَ، فَإِذَا (ل ٥) بَلَغُوا الْبَابَ أُغْلِقَ فَيَرْجِعُونَ، ثُمَّ يُدْعَوْنَ حَتَّى أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ فَلا يَجِيئُونَ مِنَ الْيَأْسِ».
﴿ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: يَتَرَدَّدُونَ.
قَالَ مُحَمَّد: معنى: «يمدهُمْ»: يُطِيل لَهُم؛ تَقُولُ: مددت فلَانا فِي غيه ومددت لَهُ؛ فَإِذا كَانَ فِي الشَّرّ قُلْت: مددته، وَإِذا كَانَ فِي الْخَيْر قُلْت أمددته والطغيان: العتو والتكبر. وَالْعَمَهُ فِي كَلَام الْعَرَب: الْحيرَة والضلال [يُقَال] عَمه الرجل فِي الْأَمر يعمه عُمُوها؛ إِذا تاه فِيهِ وتحير؛ فَهُوَ عَمه، وعامه.
البقرة 2:16
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ يَعْنِي: اخْتَارُوا الضَّلَالَة عَلَى الْهدى؛ فِي تَفْسِير الحَسَن ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مهتدين﴾.
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: فَمَا ربحوا فِي تِجَارَتهمْ.
البقرة 2:17
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآيةُ، قَالَ الْحسن، يَعْنِي: مثلهم كَمثل رَجُل يمشي فِي لَيْلَة مظْلمَة فِي يَدِهِ شعلة من نَار فَهُوَ يبصر بِهَا مَوضِع قَدَمَيْهِ؛ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك، إِذْ أطفئت ناره؛ فَلم يبصر؛ كَيفَ يمشي؟! وَإِن الْمُنَافِق تكلم بقول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فناكح بِهَا الْمُسلمين، وحقن دَمه وَمَاله؛ فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْمَوْت، سلبه اللَّه إِيَّاهَا. قَالَ يَحْيَى: لِأَنَّهُ لم يكن لَهَا حَقِيقَة فِي قلبه
البقرة 2:18
﴿صم بكم عمي﴾ صم عَنِ الْهدى، فَلَا يسمعونه، بكم عَنْهُ؛ فَلَا ينطقون بِهِ، عمي عَنْهُ؛ فَلَا يبصرونه. ﴿فَهُمْ لَا يرجعُونَ﴾ يَعْنِي: لَا يتوبون من نفاقهم.
البقرة 2:19
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظلمات ورعد وبرق﴾ هَذَا مثل آخر؛ ضربه اللَّه مثلا لِلْمُنَافِقين.
والصيب: الْمَطَر، والظلمات مثل الشدَّة، والرعد مثل التخويف، والبرق مثل نور الإِسْلام، وَفِي الْمَطَر الرزق أَيْضا. فَضرب اللَّه ذَلِك مثلا لَهُم؛ لأَنهم كَانُوا إِذا أَصَابُوا فِي الإِسْلام رخاء وطمأنينة، سروا بذلك فِي حَال دنياهم، وَإِذا أَصَابَتْهُم شدَّة قطع بهم عِنْد ذَلِكَ فَلم (يصبروا عَلَى بلائها) وَلم يحتسبوا أجرهَا ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْت﴾ وَهَذَا كَرَاهِيَة للْجِهَاد ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بالكافرين﴾ أَي: هُوَ من ورائهم؛ حَتَّى (يخزيهم) بكفرهم.
البقرة 2:20
﴿يكَاد الْبَرْق يخطف أَبْصَارهم﴾ [حَتَّى أظهرُوا الإِيمَان وأسروا الشّرك] لشدَّة ضوئه ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أَي: بقوا لَا يبصرون ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ حِين أظهرُوا الإِيمَان، وأسروا الشّرك.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ من السَّمَاء﴾ مَعْنَاهُ: أَو كأصحاب صيب، و «أَو» دخلت هَذَا لغير شكّ؛ وَهِي الَّتِي يَقُولُ النحويون: إِنَّهَا تدخل للْإِبَاحَة.
وَالْمعْنَى: أَن التَّمْثِيل مُبَاح لكم فِي الْمُنَافِقين؛ إِن مثلتموهم بِالَّذِي استوقد نَارا فَذَلِك مثلهم، وَإِن مثلتموهم بأصحاب الصيب فَهُوَ مثلهم. وَيُقَال: صاب الْمَطَر يصوب؛ إِذا نزل.
البقرة 2:21
﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم﴾ أَي: لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: خَلقكُم وَخلق الْأَوَّلين؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ أَي: لكَي تتقوا
البقرة 2:22
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ يَعْنِي: بساطا ومهادا ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [عَلَى الأَرْض].
قَالَ مُحَمَّد: كُلُّ مَا علا عَلَى الأَرْض فاسمه: بِنَاء. وَالْمعْنَى: أَنَّهُ جعلهَا سقفا مثل قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾
وَقَوله: ﴿فراشا﴾ أَي: لم يَجْعَلهَا [بِحَيْثُ] لَا يُمكن الِاسْتِقْرَار عَلَيْهَا. ﴿فَلا تَجْعَلُوا الله أنداداً﴾ يَعْنِي: أعدالا تعدلونهم [بِهِ] ﴿وَأَنْتُمْ تعلمُونَ﴾ أَنَّهُ خَلقكُم، وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَأَنَّهُمْ لَا يخلقون
البقرة 2:23
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مثله﴾ أَي: من مثل هَذَا الْقُرْآن ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فيشهدوا أَنه مثله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقين﴾ بِأَن هَذَا الْقُرْآن لَيْسَ من كَلَام الله
البقرة 2:24
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ: لَا تقدرون على ذَلِكَ ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة﴾ وَهِي: أَحْجَار من كبريت.
قَالَ مُحَمَّد: وقودها بِفَتْح الْوَاو (ل ٦) حطبها، والْوُقُود بِالضَّمِّ [الْمصدر] يُقَال: وقدت النَّار تقد وقوداً.
البقرة 2:25
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تحتهَا الْأَنْهَار﴾
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: بساتين تجْرِي من تحتهَا [الْأَنْهَار؛ ذَلِكَ إِلَى شَجَرهَا] لَا إِلَى أرْضهَا.
يَحْيَى: قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك؛ أَنه قَالَ: «أَنَّهَا الْجَنَّةِ تَجْرِي (فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ) الْمَاءُ وَاللَّبَنُ وَالْعَسَلُ وَالْخَمْرُ وَهُوَ أيسر عَلَيْهِ، فطينة النَّهر مَسْلَك أذفر، ورضراضه الدّرّ والياقوت، وحافاته قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ».
﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا من قبل﴾ أَي: فِي الدُّنيا يعرفونه بأسمائه؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة ﴿وَأُتُوا بِهِ متشابها﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: يَعْنِي: متشابها فِي المنظر، مُخْتَلفا فِي الْمطعم ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزوَاج مطهرة﴾ من الْإِثْم والأذى؛ فِي تَفْسِير الْحسن.
قَالَ مُحَمَّد: أهل الْحجاز يَقُولُونَ للْمَرْأَة: هِيَ زوج الرجل، وَبَنُو تَميم يَقُولُونَ: زَوْجَة الرجل.
يَحْيَى: عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نِسَاءِ أهل الْجنَّة: يدخلهَا عُرُبًا أَتْرَابًا، لَا يَحِضْنَ، وَلا يلدن، وَلَا يمتخطن، وَلَا يقضين حَاجَة».
البقرة 2:26
﴿إِن الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا ... ﴾ الآيةُ، وَذَلِكَ أَن اللَّه لما ذكر فِي كِتَابه العنكبوت والنمل والذباب - قَالَ الْمُشْركُونَ: مَاذَا أَرَادَ اللَّه بِذكر هَذَا فِي كِتَابه؟ {وَلَيْسَ يقرونَ أَن اللَّه أنزلهُ، وَلَكِن يَقُولُونَ للنَّبِي ﷺ: إِن كنت
صَادِقا، فَمَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مثلا؟} فَأنْزل اللَّه: ﴿إِن الله لَا يستحي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقهَا﴾ أَي: مثلا بعوضة «مَا» فِي هَذَا الْموضع زَائِدَة ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يَعْنِي: فَمَا أكبر مِنْهَا. ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين
البقرة 2:27
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بعد ميثاقه﴾ وَهُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخذ عَلَيْهِم فِي صلب آدم، وَتَفْسِيره فِي سُورَة الْأَعْرَاف ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصل﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاس: يَعْنِي: مَا أَمر اللَّه بِهِ من الْإِيمَان بالنبيين كلهم ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ أَي يعْملُونَ فِيهَا بالشرك والمعاصي ﴿أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ خسروا أنفسهم أَنْ يغنموها فيصيروا فِي الْجَنَّةِ؛ فصاروا فِي النَّار.
البقرة 2:28
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ أَي: نطفا فِي أصلبة آبائكم؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة: ﴿فأحياكم﴾ فِي الْأَرْحَام، وَفِي الدُّنيا ﴿ثُمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يَعْنِي: الْبَعْث.
قَالَ مُحَمَّد: تَأْوِيل «كَيفَ» اسْتِفْهَام فِي معنى التَّعَجُّب؛ إِنَّمَا هُوَ للْمُؤْمِنين؛ أَي: اعجبوا من هَؤُلاءِ؛ كَيفَ يكفرون وَقد ثبتَتْ حجَّة الله عَلَيْهِم؟!
البقرة 2:29
﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم﴾ سخر لكم ﴿مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: أقبل على خلق السَّمَاء؛ كَذَلِك جَاءَ عَنِ الْحَسَن.
يَحْيَى: وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ، «أَنَّ رَجُلا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فسوهن سبع سموات﴾ وَعَن قَوْله عز ذكره: ﴿أَنْتُم أَشَدُّ خَلْقًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالأَرْضَ بعد ذَلِك دحها﴾ فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ خَلَقَ الأَرْضَ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ، ثُمَّ عَادَ؛ فحدا الأَرْضَ، وَخَلَقَ فِيهَا جِبَالَهَا وَأَنْهَارَهَا وأشجارها ومرعاها».
البقرة 2:30
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ الْآيَة، تَفْسِير الحَسَن: إِن اللَّه أخبر الْمَلَائِكَة؛ أَنه جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة، [يكون من] وَلَده من يسفك الدِّمَاء، فِيهَا، وَيفْعل كَذَا؛ فَقَالَت الْمَلَائِكَة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك} أَي: نصلي لَك؛ فِي تَفْسِير بَعضهم.
قَالَ مُحَمَّد: معنى: يسفك: يصب؛ تَقُولُ: سفكت الشَّيْء! إِذا صببته.
وَمعنى «نُسَبِّح بحَمْدك»: أَي: نبرئك من السوء ونعظمك، وكل من عمل خيرا (ل ٧) أَرَادَ اللَّه بِهِ، فقد سبح الله؛ أَي: عظمه. وَمعنى: ﴿نقدس لَك﴾ أَي: نطهر أَنْفُسنَا لَك، وأصل الْقُدس فِي اللُّغَة: الطَّهَارَة.
قَالَ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تعلمُونَ} تَفْسِير قَتَادَة: علم أَنه سينشأ من ذَلِكَ الْخَلِيفَة أَنْبيَاء، ورسل، وَقوم صَالِحُونَ. [الْآيَة ٣١ - ٣٣]
البقرة 2:31
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة﴾ قَالَ مُجَاهِد: خلق اللَّه آدم آخر سَاعَات النَّهَار من يَوْم الْجُمُعَة بعد مَا خلق الْخلق كلهم.
قَالَ الْكَلْبِيّ: ثمَّ علمه أَسمَاء الْخلق [كلهم] بالسُّرْيَانيَّة اللِّسَان الأول سرًّا من الْمَلَائِكَة، ثمَّ حشر اللَّه الدَّوَابّ كلهَا، وَالسِّبَاع وَالطير وَمَا ذَرأ فِي الأَرْض، ثمَّ قَالَ للْمَلَائكَة: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ} فَقَالَ آدم عَلَيْهِ السَّلام: هَذَا كَذَا، وَهَذَا كَذَا. قَالَ قَتَادَة: فَسمى كُلَّ نوع باسمه. فَلَمَّا أنبأهم آدم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ اللَّه للْمَلَائكَة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قَالَ الحَسَن وَقَتَادَة: لما قَالَ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْض خَليفَة﴾ قَالُوا فِيمَا بَينهم: مَا اللَّه بخالق خلقا هُوَ أكْرم عَلَيْهِ منا [وَلا أعلم] وَهُوَ الَّذِي كتموا.
البقرة 2:34
﴿وَإِذا قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ قَالَ قَتَادَة: أكْرم اللَّه آدم؛ بِأَن أَسجد لَهُ مَلَائكَته ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيس ... .﴾ الْآيَة، قَالَ بَعضهم: خلق اللَّه الْخلق شقيا وسعيدا؛ فَكَانَ إِبْلِيس مِمَّن خلقه شقيا؛ فَلَمَّا أُمِرَ بِالسُّجُود ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافرين﴾ يخبر عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ كَانَ مِمَّن خلقه شقياً.
البقرة 2:35
﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شئتما﴾ لَا حِسَاب عَلَيْكُمَا فِيهِ.
قَالَ مُحَمَّد: من كَلَام الْعَرَب: رغد فلَان يَرْغَدُ إِذا صَار فِي خصبٍ وسعةٍ. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: أرغد. ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فتكونا من الظَّالِمين﴾ يَعْنِي لأنفسكما بخطيئتكما، والشجرة الَّتي نهي عَنْهَا آدم حَوَّاء -: هِيَ السنبلة؛ فِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس.
وقَالَ قَتَادَة: هِيَ التِّين [وَقيل: هِيَ شَجَرَة الْعِنَب]
البقرة 2:36
﴿فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا﴾ قَالَ مُحَمَّد: «أزلهما» هُوَ من: الزلل؛ الْمَعْنى: كَسَّبَهُمَا الزَّلَّةَ والخطيئةَ.
قَالَ يَحْيَى: بلغنَا أَن إِبْلِيس دخل فِي الْحَيَّة فكلمهما مِنْهَا، وكَانت أحسن الدَّوَابّ، فمسخها اللَّه، ورد قَوَائِمهَا فِي جوفها، وأمشاها على بَطنهَا.
وبلغنا أَن أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: حَوَّاء هِيَ الَّتي دلّت الشَّيْطَان على مَا كَانَا نهيا عَنهُ.
البقرة 2:38
﴿وَقُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدم وَمَعَهُ حَوَّاء وإبليس والحية الَّتي دخل إِبْلِيس فِيهَا لَا تقدر على ابْن آدم فِي مَوضِع إِلَّا لدغته، وَلا يقدر عَلَيْهَا فِي مَوضِع إِلَّا شدخها ﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر﴾ من يَوْم يُولد إِلَى يَوْم يَمُوت ﴿ومتاع﴾ يَعْنِي: مَعَايشهمْ الَّتي يستمتعون بِهَا ﴿إِلَى حِين﴾ يَعْنِي: الْمَوْت ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ ربه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ وعَلى حَوَّاء.
يَحْيَى: عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ (عَبْدِ الْمَلِكِ) بْنِ أَبِي سُلَيْمَان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ قَوْلُهُمَا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وترحمنا لنكونن من الخسرين}
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَتلقى﴾ مَعْنَاهُ: قبل وَأخذ. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مني هدى﴾ أَي رَسُول ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خوف عَلَيْهِم﴾ فِي الْآخِرَة من النَّار ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ على الدُّنْيَا.
البقرة 2:40
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم﴾ خَاطب بِهَذَا من أدْرك النَّبي عَلَيْهِ السَّلَام مِنْهُم؛ يذكرهم مَا فعل [بأولهم] أَنَّهُ أنجاهم من آل فِرْعَوْن، وأنجاهم من الْغَرق، وظلل عَلَيْهِم الْغَمَام؛ وَغير ذَلِكَ من نعْمَة اللَّه الَّتي لَا تحصى ﴿وَأَوْفُوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ تَفْسِير الْكَلْبِيّ: بعهدي فِي الْإِيمَان بِمُحَمد ﴿أوف بعهدكم﴾ الَّذِي عهِدت لكم من الْجَنَّةِ ﴿وإياي فارهبون﴾ ﴿ل ٨﴾ هُوَ كَقَوْلِه: ﴿قاتقون﴾.
قَالَ [مُحَمَّد: يُقَال: وفيت] بالعهد وأوفيت بِهِ.
قَوْله: ﴿فارهبون﴾ أَصله: فارهبوني بِالْيَاءِ، وحذفت لِأَنَّهَا رَأس آيَة.
.
البقرة 2:41
﴿وآمنوا بِمَا أنزلت﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ يَعْنِي: [بِهَذَا قُرَيْظَة] وَالنضير؛ لِأَن النَّبي ﷺ قدم عَلَيْهِم «الْمَدِينَة» فعصوا اللَّه، وَكَانُوا أول من كفر بِهِ من الْيَهُود ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثمنا قَلِيلا﴾ يَعْنِي: الْآيَات الَّتِي وصف اللَّه بهَا مُحَمَّدا ﷺ فِي كِتَابهمْ، فَأَخْفَوْهَا من الْأُمِّيين، وجهال من الْيَهُود، وَكَانَ الَّذين يَفْعَلُونَ ذَلِكَ علماؤهم؛ كَعْب بْن الْأَشْرَف وَأَصْحَابه، وَكَانَت لَهُم مَأْكَلَةٌ من الْيَهُود كُلّ عَام؛ فَذَلِك الثّمن الْقَلِيل؛ خَافُوا إِن تابعوا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَن تذْهب مأكلتهم
البقرة 2:42
﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: لَا تخلطوا الإِسْلام باليهودية والنصرانية.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال لَبَسْت عَلَيْهِم الْأَمر [إِذا غَمَّيْته]؛ فَكَأَن معنى الْآيَة: لَا تلبسوا أَمر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِمَا تحرفون وتكتمون.
﴿الْحق﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدا ﷺ ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ أَي: تجدونه مَكْتُوبًا عنْدكُمْ
البقرة 2:43
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الراكعين﴾ أَمرهم أَن يدخلُوا فِي دين مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام
البقرة 2:44
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أَي: تتركون الْعَمَل بِهِ ﴿وَأَنْتُمْ تتلون الْكتاب﴾ بِخِلَاف مَا تَفْعَلُونَ ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ مَا تأمرون بِهِ؛ يَعْنِي بذلك أَحْبَارهم.
قَالَ مُحَمَّد: جَاءَ عَنِ ابْن عَبَّاس - فِي تَفْسِير ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبرِّ﴾ قَالَ: نزلت فِي قوم من أَحْبَار يهود؛ كَانَ الرجل مِنْهُم يَقُولُ لمن أسلم من ذَوي قرَابَته - إِذا وثق بِهِ فِي السِّرّ -: اثْبتْ على الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ؛ مِمَّا يَأْمُرك بِهِ هَذَا الرجل؛ يعنون: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُ حق، وَلا يَفْعَلُونَهُ هُم؛ للرياسة الَّتي كَانُوا حازوها، والمآكل الَّتي كَانُوا يأكلونها؛ فكشف اللَّه سرهم، وَأخْبر بذلك عَنْهُم.
البقرة 2:45
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة﴾ أَي: على الصَّلاة، فَخص الصَّلاة لمكانها من الدِّين. تَفْسِير الحَسَن: اسْتَعِينُوا بِالصبرِ على الدِّين كُله. وَقَالَ مُجَاهِد: الصَّبْر - هَا هُنَا الصَّوْم؛ وليعلم أَنَّهُمَا عون على طَاعَة اللَّه.
قَالَ مُحَمَّد: وأصل الصَّبْر: الْحَبْس، وَإِنَّمَا سمي الصَّائِم صَابِرًا؛ لحبسه نَفسه عَنِ الْأكل وَالشرب. ﴿وَإِنَّهَا لكبيرة﴾ يَعْنِي: الصَّلاة. ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الْخُشُوع هُوَ: الْخَوْف الثَّابِت فِي الْقلب.
البقرة 2:46
﴿الَّذين يظنون﴾ [يعلمُونَ] ﴿إِنَّهُم ملاقوا رَبهم﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الظَّن فِي كَلَام الْعَرَب بمعنيين: شكّ ويقين؛ قَالَ دُرَيْد بن الصمَّة:
(فَقلت لَهُم ظنُّوا بألفي مقَاتل ... سراتهم بالفارسي المسرد)
وَمعنى ظنُّوا: أَي: أيقنوا.
البقرة 2:47
قَوْله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: أهل زمانهم
البقرة 2:48
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نفس شَيْئا﴾ أَي: لَا تغني.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: جَزَى عني فلَان، بِلَا همز؛ أَي: نَاب عني، وأجزأني: كفاني. ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أَي: لَا تكون الشَّفَاعَة إِلَّا للْمُؤْمِنين (وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عدل} أَي: لَا يقبل مِنْهَا فدَاء ﴿وَلَا هم ينْصرُونَ﴾ أَي: لَا أحد ينتصر لَهُم.
قَالَ مُحَمَّد: إِنَّمَا يُقَال للْفِدَاء: عدل؛ لِأَنَّهُ مثل للشَّيْء؛ يُقَال: هَذَا عدل هَذَا وعديله؛ والْعِدْلُ - بِكَسْر الْعين - هُوَ: مَا حُمِلَ على الظّهْر.
البقرة 2:49
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يسومونكم﴾ ﴿يلونكم﴾ (سوء الْعَذَاب} أَي: أشده ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نساءكم﴾ فَلَا يقتلونهن ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ من ربكُم عَظِيم﴾ يَعْنِي: إِذْ نجاكم مِنْهُ.
قَالَ مُحَمَّد: الْبلَاء يتَصَرَّف فِي النَّقْل على وُجُوه؛ وَهُوَ هَا هُنَا النِّعْمَة. (ل ٩)
البقرة 2:50
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وأغرقنا آل فِرْعَوْن﴾ [مَاتُوا] وَفرْعَوْن فيهم ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ يَعْنِي: أوليهم.
قَالَ مُحَمَّد فِي قَوْله: ﴿وَإِذ فرقنا بكم الْبَحْر﴾ هُوَ كَقَوْلِه: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فرق كالطود الْعَظِيم﴾.
البقرة 2:51
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ تَفْسِيره مَذْكُور فِي سُورَة الْأَعْرَاف ﴿وَأَنْتُم ظَالِمُونَ﴾ يَعْنِي: لأنفسكم
البقرة 2:52
﴿ثمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم﴾ يَعْنِي: التَّوْبَة الَّتي جعلهَا اللَّه (لَهُم فَقتل بَعضهم نَفسه) قَالَ قَتَادَة: أمروا أَن ينتحروا بالشفار فَفَعَلُوا، فَلَمَّا بلغ اللَّه فيهم نقمته سَقَطت الشفار من أَيْديهم؛ فَكَانَ ذَلِكَ للمقتول شَهَادَة، وللحي تَوْبَة ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ أَي: لتشكرونا.
البقرة 2:53
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ الْكتاب: التَّوْرَاة، وَالْفرْقَان: حلالها وحرامها ﴿لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ لكَي تهتدوا.
البقرة 2:54
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قوم إِنَّكُم ظلمتم أَنفسكُم﴾ قَالَ مُحَمَّد: الِاخْتِيَار فِي الْعَرَبيَّة يَا قوم بِحَذْف الْيَاء للنداء، وَبقيت الكسرة لتدل عَلَيْهَا. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارئكم﴾ خالقكم ﴿فَتَابَ عَلَيْكُم﴾
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: ففعلتم فَتَابَ عَلَيْكُم، وَهُوَ من الِاخْتِصَار.
البقرة 2:55
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نؤمن لَك﴾ أَي: لن نصدقك ﴿حَتَّى نَرَى الله جهرة﴾ أَي: عيَانًا ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تنْظرُون﴾ قَالَ قَتَادَة: أميتوا عُقُوبَة، ثمَّ بعثوا؛ ليستكملوا بَقِيَّة آجالهم
البقرة 2:57
﴿وظللنا عَلَيْكُم الْغَمَام﴾ قَالَ قَتَادَة: سَأَلُوا موسي الْأَبْنِيَة؛ وهم فِي التيه فِي الْبَريَّة، فظلل اللَّه عَلَيْهِم الْغَمَام. قَالَ مُجَاهِد: الْغَمَام غير السَّحَاب.
قَالَ مُحَمَّد: وَاحِد الْغَمَام: غمامة؛ وَهِي عِنْد أهل اللُّغَة الْبَيْضَاء من السَّحَاب ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ قَالَ قَتَادَة: الْمَنّ كَانَ ينزل عَلَيْهِم من طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس، وَكَانَ أَشد بَيَاضًا من الثَّلج، وأحلي من الْعَسَل؛ فَيَأْخُذ أحدهم مَا يَكْفِيهِ يَوْمه؛ فَإِن تعدى ذَلِكَ فسد، وَلم يبْق عِنْده حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم سادسهم - يَعْنِي: يَوْم الْجُمُعَة - أخذُوا مَا يكفيهم لذَلِك الْيَوْم، وليوم سابعهم - يَعْنِي: السبت - فَيبقى عِنْدهم؛ لِأَن يَوْم السبت كَانُوا يعْبدُونَ اللَّه - جلّ وَعز - فِيهِ، وَلا يشخصون لشَيْء من الدُّنْيَا، وَلا يطلبونه. والسلوى: السُّمَاني طَائِر إِلَى الْحمرَة كَانَت تحشرها عَلَيْهِم الْجنُوب؛ فَيذْبَح الرجل مَا يَكْفِيهِ ليومه ذَلِك؛ فَإِن تعدى ذَلِكَ فسد، وَلم يبْق عِنْده، إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يذبحون مَا يكفيهم ليومهم وللسبت. ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رزقناكم وَمَا ظلمونا﴾ أَي: نقصونا ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يظْلمُونَ﴾ ينقصُونَ بمعصيتهم.
البقرة 2:58
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وسنزيد الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: لما فصلت بَنو إِسْرَائِيل من التيه، ودخلوا إِلَى الْعُمْرَان، فَكَانُوا بجبال أرِيحَا من الْأُرْدُن قِيلَ لَهُم: ادخُلُوا هَذِه الْقَرْيَةَ، فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رغدا. وَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل قد خطئوا خَطِيئَة؛ فَأحب اللَّه أَن يستنقذهم مِنْهَا - إِن تَابُوا وقَالَ لَهُم: إِذا انتهيتم إِلَى بَاب الْقرْيَة، فاسجدوا، وَقُولُوا: حِطَّةٌ - نحط عَنْكُم خطاياكم ﴿وسنزيد الْمُحْسِنِينَ﴾ الَّذين لم يَكُونُوا من أهل تِلْكَ الْخَطِيئَة - إحسانا إِلَى إحسانهم، فَأَما المحسنون: فَقَالُوا الَّذِي أمروا بِهِ، وَأما الَّذين عصوا: فَقَالُوا قولا غير الَّذِي قِيلَ لَهُم قَالُوا: [ ... ] بالسُّرْيَانيَّة [قالوها استهزاء وتبديلا لقَوْل] اللَّه.
البقرة 2:59
قَالَ الله تَعَالَى (ل ١٠): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ يَعْنِي: عذَابا من السَّمَاء ﴿بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ قَالَ يَحْيَى: وَبَلغنِي أَن ذَلِكَ الْعَذَاب الطَّاعُون، فَمَاتَ مِنْهُم سَبْعُونَ ألفا.
وَمعنى حطة: احْطُطْ عَنَّا خطايانا.
قَالَ مُحَمَّد: وَارْتَفَعت بِمَعْنى: مَسْأَلَتنَا حطة.
يَحْيَى: وَأَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «الطَّاعُونُ بَقِيَّةُ رِجْزٍ وَعَذَابٍ عُذِّبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ فَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا؛ وَإِنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَلَسْتُمْ بِهَا، فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهَا».
البقرة 2:60
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كل أنَاس مشربهم﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَ هَذَا وهم فِي الْبَريَّة، اشتكوا إِلَى مُوسَى الظمأ، فسقوا من حجر كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام يحملهُ [مَعَه] من الْجَبَل الطُّوراني، فَكَانُوا إِذا نزلُوا ضربه مُوسَى بعصاه، فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا لكل سِبْطٍ عين.
قَالَ مُحَمَّد: وَمعنى السبط فِي اللُّغَة: الْجَمَاعَة الَّذين يرجعُونَ إِلَى أَب وَاحِد. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تعثوا﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: لَا تسيروا فِي الأَرْض مفسدين.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: عَثِيَ يَعْثَى عُثِيًّا، وَعَثَى يعثوا عُثُوًّا، وَعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا؛ بِمَعْنى وَاحِد، وَذَلِكَ فِي الْإِسْرَاع فِي إِفْسَاد الشَّيْء، وَمن هَذَا قَول عدي ابْن الرّقاع:
(لَوْلَا الْحيَاء وَإِن رَأْسِي قد عثا ... فِيهِ المشيب لزرت أم الْقَاسِم)
البقرة 2:61
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِد﴾ إِلَى ﴿وبصلها﴾ قَالَ قَتَادَة: لما أنزل اللَّه عَلَيْهِم الْمَنّ والسلوى فِي التيه مَلُّوهُ وَذكروا عَيْشًا كَانَ لَهُم بِمصْر؛ فَقَالَ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ يَعْنِي: مصرا من الْأَمْصَار ﴿فَإِنَّ لكم مَا سَأَلْتُم﴾ وقَالَ الْكَلْبِيّ. «اهْبِطُوا مِصْرَ» بِغَيْر ألف؛ يَعْنِي: مصر بِعَينهَا. قَالَ قَتَادَة: والفوم: الْحبّ الَّذِي يختبزه النَّاس ﴿وَضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة﴾ يَعْنِي: الْجِزْيَة.
قَالَ مُحَمَّد: وَقد قِيلَ الذلة: الصَّغَار، والمسكنة: الخضوع.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ من الله﴾ يَعْنِي: استوجبوا.
قَالَ مُحَمَّد: معنى باءوا فِي اللُّغَة: رجعُوا؛ يُقَال: بؤت بِكَذَا فَأَنا أَبُوء بِهِ، وَلا يُقَال: بَاء إِلَّا بِشَرٍّ.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله﴾ يَعْنِي: بِأَمْر الله.
البقرة 2:62
﴿وَالَّذِينَ هادوا﴾ يَعْنِي: تهودوا ﴿وَالنَّصَارَى﴾ قَالَ قَتَادَة: سموا نَصَارَى؛ لأَنهم كَانُوا بقرية يُقَال لَهَا: ناصرة.
﴿وَالصَّابِينَ﴾ قَالَ قَتَادَة: هُم قوم يقرءُون الزَّبُورَ، ويعبدون الْمَلَائِكَة.
قَالَ يحيى: وَبَعْضهمْ يقرءونها: ﴿والصائبين﴾ مَهْمُوزَة.
قَالَ مُحَمَّد: وأصل الْكَلِمَة من قَوْلهم: صَبَأَ نَابُهُ إِذا خرج؛ فَكَانَ معنى الصابئين: خَرجُوا من دين إِلَى دين.
والتهود أَصله: التعود؛ يُقَال للعائد: هائد، ومتهوِّد.
﴿فَلهم أجرهم﴾ يَعْنِي: من آمن بِمُحَمد ﷺ وَعمل بِشَرِيعَتِهِ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِم﴾ بِالرَّفْع، وَالنّصب جَائِز وَقد قُرِئَ بهما.
البقرة 2:63
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطّور﴾ يَعْنِي: فَوق رءوسكم ﴿خُذُوا مَا آتيناكم﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة ﴿بِقُوَّة﴾ بجد ﴿واذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ أَي: احْفَظُوا مَا فِيهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ. وَالطور: جبل كَانُوا فِي أَصله [فاقتلع وأشرف] فَفَعَلُوا.
البقرة 2:64
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ (ل ١١) حِين لم يعجل لكم الْعَذَاب ﴿لكنتم من الخاسرين﴾ يَعْنِي: الْمُعَذَّبين.
البقرة 2:65
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السبت﴾ يَقُولُ هَذَا لعلمائهم ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ أَي: صاغرين؛ فِي تَفْسِير الحَسَن.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: خَاسِئِينَ؛ يَعْنِي مبعدين، يُقَال: خسأت فلَانا عني وخسأت الْكَلْب؛ أَي: باعدته.
قَالَ يَحْيَى: واعتداؤهم: أَخذهم الصَّيْد فِي يَوْم السبت، وَسَيَأْتِي تَفْسِيره فِي سُورَة الْأَعْرَاف.
البقرة 2:66
﴿فجعلناها نكالا﴾ أَي: عِبْرَة ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: لما سلف من ذنوبهم قبل أَن يصيدوا الْحيتَان ﴿وَمَا خلفهَا﴾ يَعْنِي: مَا بعد تِلْكَ الذُّنُوب؛ وَهُوَ أَخذهم الْحيتَان.
قَالَ مُحَمَّد: وَالْهَاء الَّتِي فِي «جعلناها» هِيَ على هَذَا التَّأْوِيل للفعلة. وَقيل: الْمَعْنى جعلنَا قَرْيَة أَصْحَاب السبت ﴿نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من الْقرى ﴿وَمَا خلفهَا﴾ ليتعظوا بهم. وَالله أعلم.
البقرة 2:67
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾
البقرة 2:68
قَوْله ﴿لَا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عوان بَين ذَلِك﴾ قَالَ الحَسَن: الفارض: الْهَرِمَةُ، والْبِكْرُ: الصَّغِيرَة، والْعَوَانُ: بَين ذَلِك.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال من الفارض: فَرُضَتْ تفرض فروضاً
البقرة 2:69
قَالَ يَحْيَى: وَقَوله: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ يَعْنِي: صَافِيَة الصُّفْرَة.
البقرة 2:70
قَالَ مُحَمَّد: وَقَوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تشابه علينا﴾ يَعْنِي: إِن جنس الْبَقر تشابه علينا.
البقرة 2:71
قَالَ يَحْيَى: وَقَوله: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ تَفْسِير ابْن عَبَّاس: لَا يُحْرَثُ عَلَيْهَا وَلَا يُسْقَى [عَلَيْهَا].
وَقَوله: ﴿مسلمة﴾ يَعْنِي: من الْعُيُوب؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة. وَقَوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا شية فِيهَا﴾ يَعْنِي: لَا سَواد فِيهَا، وَلا بَيَاض؛ فِي تَفْسِير مُجَاهِد.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة ﴿لَا شية﴾ بِالنّصب على النَّفْي والوشي فِي اللُّغَة: خلط لون بلون؛ تَقُولُ: وَشَيْتُ الثَّوْب أَشِيهِ شية ووشيا؛ فَكَأَن الْمَعْنى: لَا لون فِيهَا يُخَالف مُعظم لَوْنهَا؛ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ مُجَاهِد.
والذلول من الدَّوَابّ: الخاضعة، وَهِي بَيِّنَة الذل. والذل ضد الصعوبة؛ يُقَال: هَذَا جمل ذَلُول بَيِّنُ الذِّلِّ، بِكَسْر الذَّال.
قَالَ يَحْيَى: وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: بَيَّنْتُ، وَقَدْ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا أُمِرَ الْقَوْمُ بِأَدْنَى بَقَرَةٍ؛ وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، شُدِّدَ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لولم يَسْتَثْنُوا، مَا بُيِّنَتْ لَهُمْ».
يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي الْمُعَلَّى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ ابْن جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ عَمَّهُ، فَأَلْقَاهُ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ، فَأَعْطَوْهُ دِيَّتَيْنِ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ؛ فَأَتَوْا مُوسَى فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً فَيَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا، فَشَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ وَلَوْ كَانُوا اعْتَرَضُوا الْبَقَرَ أَوَّلَ مَا أُمِرُوا، لأَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ».
قَالَ مُحَمَّد: وَمعنى «اعْترضُوا» أخذُوا مِنْهَا بِغَيْر تَخْيِير.
البقرة 2:72
﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ يَعْنِي: ألْقى قتلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض.
قَالَ مُحَمَّد: ادارأتم أَصله: [تدارأتم]؛ فأدغمت التَّاء فِي الدَّال؛ وَمَعْنَاهُ: تدافعتم؛ يُقَال: دَرأ الْكَوْكَب بضوئه؛ أَي دفع.
البقرة 2:73
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ بَعضهم يَقُولُ: رُمِيَ قَبره بِبَعْضِهَا - قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: بفخذها - فَفَعَلُوا، فَقَامَ فَأخْبر بقاتله، ثمَّ مَاتَ.
قَالَ ابْن عَبَّاس: طلبوها، فوجدوها عِنْد رَجُل بر بِوَالِديهِ، فَبلغ ثمنهَا مِلْءَ مَسْكِها دَنَانِير.
قَالَ يَحْيَى: وَذكر لَنَا أَن وليه الَّذِي كَانَ يطْلب دَمه هُوَ [الَّذِي] قَتله؛ فَلم يُورث بعده قَاتل.
البقرة 2:74
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قسوة﴾ قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي بل أَشد قسوة.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: إِن الْألف زَائِدَة، وَالْمعْنَى فَهِيَ كالحجارة وَأَشد قسوة. وَمثل هَذَا من الشّعْر (ل ١٢):
(أَلا زعمت ليلى [بِأَنِّي فَاجر ... لنَفْسي] تُقَاهَا أَو عَلَيْهَا فجورها)
قَوْله - عَن ذكره -: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يتفجر مِنْهُ﴾ أَي: تجْرِي ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يشقق فَيخرج مِنْهُ المَاء﴾ يَعْنِي الْعُيُون الَّتي لَا تكون أَنهَارًا.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ من خشيَة الله﴾ قَالَ مُجَاهِد: كُلّ حجر انفجر مِنْهُ مَاء أَو تردى من رَأس جبل فَهُوَ من خشيَة الله.
البقرة 2:75
﴿أفتطمعون أَن يُؤمنُوا لكم﴾ يَقُولُ: هَذَا للنَّبِي ﷺ وَلِلْمُؤْمنِينَ أَن يصدقوكم؛ يَعْنِي: جمَاعَة الْيَهُود؛ لِأَن الْخَاصَّة قد تتبع مِلَّته (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله} قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: كتاب اللَّه التَّوْرَاة ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عقلوه﴾ حرفوا مَا فِي التَّوْرَاة من صفة مُحَمَّد ﷺ وَدينه [﴿وهم يعلمُونَ﴾].
البقرة 2:76
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُم﴾ تَفْسِير الْكَلْبِيّ: أتحدثونهم بِمَا بَين اللَّه لكم فِي كتابكُمْ من أَمر نَبِيّهم، ثمَّ لَا تتبعونهم، وَلا تدخلون فِي دينهم؛ هَذِه حجَّة لَهُم عَلَيْكُم ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قَالُوا هَذَا وهم يتلاومون
البقرة 2:77
﴿أَو لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يسرون﴾ مِمَّا قَالَ الْيَهُود بَعضهم لبَعض ﴿وَمَا يعلنون﴾.
قَالَ مُحَمَّد: جَاءَ عَنِ ابْن عَبَّاس؛ أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي طوائف من أَحْبَار الْيَهُود؛ كَانُوا إِذا لقوا الَّذين آمنُوا، قَالُوا: نشْهد أَن صَاحبكُم صَادِق، وَأَنا نجد فِي كتَابنَا نَعته وَصفته ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
البقرة 2:78
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أماني﴾ يَعْنِي: أَحَادِيث مَا يُحَدِّثهُمْ قراؤهم بِهِ فيقبلونه ﴿وَإِنْ هُمْ إِلا يظنون﴾ أَي: هُم عَلَى غير يَقِين إِن صدقت قراؤهم صدقُوا، وَإِن كذبت قراؤهم كذبُوا.
قَالَ مُحَمَّد: ارْتَفع «أُمِّيُّونَ» بِالِابْتِدَاءِ، و «مِنْهُم» الْخَبَر. وَقد قِيلَ: الْمَعْنى اسْتَقر مِنْهُم أُمِّيُّونَ، وَمن كَلَامهم: فِيك أُميَّة: أَي: جَهَالَة؛ وَلذَلِك قِيلَ للَّذي لَا يكْتب: أُمِّي.
البقرة 2:79
﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب يأيديهم ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: هُم أَحْبَار الْيَهُود وعلماؤهم عَمدُوا إِلَى نعت النَّبي ﷺ فِي كِتَابهمْ، فزادوا فِيهِ، ونقصوا، ثمَّ أَخْرجُوهُ لسفلتهم فَقَالُوا: هَذَا نعت النَّبي الَّذِي يَبْعَثهُ اللَّه فِي آخر الزَّمَان لَيْسَ كنعت هَذَا الرجل، فَإِذا نظرت السفلة إِلَى مُحَمَّد ﷺ لم يرَوا فِيهِ النَّعْت الَّذِي فِي كِتَابهمْ الَّذِي كتبت أَحْبَارهم. وَكَانَت للأحبار مأكلة فَقَالَ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثمنا قَلِيلا﴾ يَعْنِي: تِلْكَ المأكلة ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ فِي الآخِرَةِ ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾
البقرة 2:80
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ قَالَ قَتَادَة: قَالَتِ الْيَهُود: لن يدخلنا اللَّه النَّار إِلَّا عدد الْأَيَّام الَّتي عَبدنَا فِيهَا الْعجل؛ أَي: إِذا انْقَطَعت تِلْكَ الْأَيَّام، انْقَطع عَنَّا الْعَذَاب، قَالَ اللَّه - عز ذكره - للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلام قل لَهُم: ﴿أتخذتم عِنْد الله عهدا﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: عهد إِلَيْكُم أَنَّهُ لَا يعذبكم إِلَّا هَذَا الْمِقْدَار؟! ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تعلمُونَ﴾ أَي: إِنَّكُم لن تَتَّخِذُوا عِنْد الله عهدا، وَإِنَّكُمْ تَقولُونَ عَلَيْهِ مَا لَا تعلمُونَ أَنَّهُ الْحق.
البقرة 2:81
﴿بلَى من كسب سَيِّئَة﴾ السَّيئَة هَا هُنَا: الشّرك ﴿وأحاطت بِهِ خطيئته﴾ أَي: مَاتَ وَلم يتب من شركه ... . الْآيَة.
البقرة 2:83
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله﴾ قَالَ مُحَمَّد: «لَا تَعْبدُونَ» جَائِز أَن يكون فِيهِ الرّفْع؛ على معنى أَلا تعبدوا فَلَمَّا سَقَطت «أَن» رفع «تَعْبدُونَ» وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى بعد هَذَا: ﴿لَا تسفكون دماءكم﴾ الرّفْع فِيهِ على معنى: أَلا [تسفكوا]. ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أَي: وصيناهم بالوالدين إحسانا ﴿وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾ تَفْسِير الحَسَن. يأمرونهم بِمَا أَمر اللَّه [بِهِ] وينهونهم عَمَّا نهى الله عَنهُ
﴿ثمَّ توليتم﴾ [أَي جحدتم] (ل ١٣) ﴿إِلَّا قَلِيلا مِنْكُم﴾ الْقَلِيل يَعْنِي: الَّذين اتبعُوا النَّبي ﴿وَأَنْتُم معرضون﴾ [عَمَّا] جَاءَ بِهِ النَّبي ﷺ.
البقرة 2:84
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ﴾ أَي: لَا يخرج بَعْضكُم بَعْضًا ﴿ثمَّ أقررتم وَأَنْتُم تَشْهَدُون﴾
قَالَ مُحَمَّد: ثمَّ أقررتم يَعْنِي: اعترفتم [بِصِحَّة مَا] قد أَخذ عَلَيْكُم فِي الْعَهْد، وَأخذ على أوائلكم ﴿وَأَنْتُم تَشْهَدُون﴾ أَن هَذَا حق.
البقرة 2:85
﴿ثمَّ أَنْتُم هَؤُلَاءِ﴾
[قَالَ مُحَمَّد]: «هَؤُلَاءِ» بِمَعْنى الَّذين، وَقد قِيلَ: أَرَادَ يَا هَؤُلَاءِ. ﴿تقتلون أَنفسكُم﴾ أَي: يقتل بَعْضكُم بَعْضًا ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم﴾ أَي: تعاونون عَلَيْهِم ﴿بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يَعْنِي: بالظلم. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ قَالَ الحَسَن: نكثوا؛ فَقتل بَعضهم بَعْضا، وَأخرج بَعضهم بَعْضًا، وَكَانَ الْفِدَاء مَفْرُوضًا عَلَيْهِم أَيْضا، فاختلفت أحكامهم؛ فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: الْفِدَاء ﴿وتكفرون بِبَعْض﴾ يَعْنِي: الْقَتْل والإخراج من الدّور ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُم﴾ يَقُوله ليهود الْمَدِينَة ﴿إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: الخزي الْقَتْل وَالنَّفْي؛ فَقُتِلَت قُرَيْظَة، وَنُفِيَت النَّضِير؛ أخزاهم الله بِمَا صَنَعُوا.
البقرة 2:86
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَة﴾ تَفْسِير الحَسَن: يَعْنِي: اخْتَارُوا الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة
البقرة 2:87
﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ أَي: أتبعناه بهم ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: يَعْنِي: الْآيَات الَّتي كَانَ يُرِيهم عيسي عَلَيْهِ السَّلام ﴿وأيدناه﴾ أعناه ﴿بِروح الْقُدس﴾ يَعْنِي: جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلام.
قَالَ مُحَمَّد: أصل الْقُدس: الطَّهَارَة. ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تقتلون﴾ فَلَمَّا قَالَ لَهُم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام هَذَا سكتوا، وَعرفُوا أَنَّهُ وَحي من اللَّه عيرهم بِمَا صَنَعُوا، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّد ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ لَا نعقل وَلا نفقه مَا تَقُولُ، وَكَانَت أوعية للْعلم، فَلَو كنت صَادِقا سَمِعْنَا مَا تَقُولُ.
قَالَ مُحَمَّد: تُقْرأ على وَجْهَيْن: «غلف وغلف». وأجود الْقِرَاءَتَيْن: «غلف» بتسكين اللَّام، وَمَعْنَاهَا: ذَوَات غُلْفٍ، الْوَاحِد مِنْهَا: أَغْلَفُ؛ يُقَال: غلفْتُ السَّيْف؛ إِذا جعلته فِي غلاف، فَهُوَ سيف أغلف، ومِنُهُ يُقَال لمن لم يختتن: أغلف. فكأنهم قَالُوا: قُلُوبنَا فِي أوعية مثل قَوْلهم: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ﴾.
وَمن قَرَأَ «غُلُفٌ» فَهُوَ جمع غلاف؛ فَيكون معنى هَذَا: أَن قُلُوبنَا أوعية للْعلم فَمَا لَهَا لَا تفهم عَنْك؟!
البقرة 2:89
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ الله مُصدق لما مَعَهم﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَت الْيَهُود تَسْتَنْصِر بِمُحَمد ﷺ على كفار الْعَرَب، كَانُوا يَقُولُونَ اللَّهُمَّ ائْتِ بِهَذَا النَّبي الَّذِي يقتل الْعَرَب ويذلهم، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ من غَيرهم حسدوهم، وَكَفرُوا بِهِ. قَالَ اللَّه - تَعَالَى -: ﴿فَلَعْنَةُ الله على الْكَافرين﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الاستفتاح هَا هُنَا بِمَعْنى الدُّعَاء، والْفُتَاحَةُ أَيْضا الْحُكُومَة، يُقَال: فِتاحة وفُتاحة بِكَسْر الْفَاء وَبِضَمِّهَا، وفَاتحت الرجل: إِذا حاكمته.
البقرة 2:90
﴿بئس مَا اشْتَروا بِهِ أنفسهم﴾ أَي: بئس مَا باعوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ الله بغيا﴾ حدا ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
قَالَ يَحْيَى: وكُلُّ شَيْء فِي الْقُرْآن «اشْتَروا» فَهُوَ شِرَاء، إِلَّا هَذِه الْآيَة، وكُلُّ شَيْء فِي الْقُرْآن ﴿شروا﴾ فَهُوَ بيع.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿بغيا﴾ مصدر الْمَعْنى: كفرُوا بغيا لِأَن أنزل اللَّه الفَضْل على نبيه ﷺ ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ قَالَ قَتَادَة: غضب اللَّه عَلَيْهِم بكفرهم بالإنجيل، وَغَضب عَلَيْهِم [بكفرهم] بِالْقُرْآنِ.
البقرة 2:91
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ (ل ١٤) بِمَا بعده؛ يَعْنِي الْإِنْجِيل وَالْقُرْآن ﴿وَهُوَ الْحق﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أَي: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
قَالَ مُحَمَّد: نصب ﴿مُصدقا﴾ على الْحَال، وَهَذِه حَال مُؤَكدَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنين﴾ وَكَانَ أَعدَاء اللَّه يَقُولُونَ: [إِن] آبَاءَهُم الَّذين قتلوا أَنْبيَاء اللَّه من قبل [وَلَيْسَ فِيمَا] أنزل الله عَلَيْهِم قتل أَنْبِيَائهمْ فكذبهم اللَّه فِي قَوْلهم ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أنزل علينا﴾ وَهُوَ تَفْسِير الْحسن.
البقرة 2:92
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يَعْنِي: أوَّلهم ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
البقرة 2:93
﴿وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم﴾ أَي: واذْكُرُوا إِذْ أَخذنَا ميثاقكم ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة﴾ قد مضى تَفْسِيره ﴿واسمعوا﴾ قَالُوا: ﴿سمعنَا وعصينا﴾ سَمِعْنَا مَا تَقُولُ، وعصينا أَمرك. قَالَ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بكفرهم﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: أُدْخِلَ فِي قُلُوبهم؛ كَذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس. وَمن كَلَام الْعَرَب اشرب عني مَا أَقُول؛ أَي: اقبله وَعِهِ.
قَالَ يَحْيَى: قَالَ الحَسَن: لَيْسَ كلهم تَابَ. وَقيل: فَالَّذِينَ لم يتوبوا هم الَّذين بَقِي حب الْعجل فِي قُلُوبهم؛ وهم الَّذين قَالَ اللَّه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحيوة الدُّنْيَا﴾ الْآيَة. ﴿قل بئس مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنين﴾ أَي: لَو كَانَ الإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ، لحجزكم عَنْ عبَادَة الْعجل. ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم لقَولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هوداً أَو نصرى﴾ ولقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ وَأَشْبَاه ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَنكُمْ من أهل الْجنَّة
البقرة 2:95
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهم﴾ يَعْنِي: بِمَا أسلفوا من الْأَعْمَال الخبيثة؛ لأَنهم يعلمُونَ أَنهم معذَّبون؛ يَعْنِي بِهِ الْخَاصَّة الَّذين جَحَدُوا وَكَفرُوا حسدا وبغيا.
البقرة 2:96
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَو يعمر ألف سنة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الَّذين أشركوا هُم الْمَجُوس، وَذَلِكَ أَن الْمَجُوس كَانُوا يأْتونَ الْملك بالتحية فِي النيروز والمهرجان، فَيَقُولُونَ لَهُ: عش أَيهَا الْملك ألف سنة كلهَا مثل يَوْمك هَذَا.
قَالَ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أَي: مَا عمره بِمُبَاعِدِهِ من الْعَذَاب.
البقرة 2:97
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله﴾ يَعْنِي: نزل الْقُرْآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَين يَدَيْهِ﴾ من كتاب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ قَتَادَة: ذكر لنا أَن عُمَر بْن الخَطَّاب أَتَى نَفرا من الْيَهُود، فَلَمَّا أبصروه رحبوا بِهِ؛ فَقَالَ: أما وَالله مَا جِئْت لِحُبِّكُمْ، وَلا لرغبة فِيكُم، وَلَكِن جِئْت لأسْمع مِنْكُم. فَسَأَلَهُمْ وسألوه؛ فَقَالُوا لَهُ: من صَاحب صَاحبكُم؟ قَالَ: جِبْرِيل. قَالَ: قَالُوا: ذَاك عدونا من أهل السَّمَاء يطلع مُحَمَّدًا عَلَى سرنا؛ وَهُوَ إِذا جَاءَ جَاءَ بِالْحَرْبِ والسَّنَةِ، وَكَانَ صَاحب صاحبنا مِيكَائِيل، وَكَانَ إِذا جَاءَ جَاءَ بالْخِصْب وبالسِّلْم. فَقَالَ عُمَر: أتعرفون جِبْرِيل، وتنكرون مُحَمَّدًا؟ وفارقهم عِنْد ذَلِكَ وَتوجه نَحْو النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام ليحدثه حَدِيثه؛ فَوَجَدَهُ قد نزلت عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة.
وَفِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ: أَن الْيَهُود قَالَتْ: إِن جِبْرِيل عَدو لَنَا، فَلَو أَن مُحَمَّدًا يزْعم أَن مِيكَائِيل الَّذِي يَأْتِيهِ صدقناه، وَإِن جِبْرِيل عَدو لميكائيل؛ فَقَالَ عُمَر: إِنِّي أشهد أَن من كَانَ عدوا لجبريل، فَإِنَّهُ عَدو لميكائيل.
البقرة 2:100
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو كلما عَاهَدُوا عهدا نبذه﴾ أَي: نقضه ﴿فريق مِنْهُم﴾ يَعْنِي: الْيَهُود ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤمنُونَ﴾ كَقَوْلِه: ﴿فقليلا مَا يُؤمنُونَ﴾.
البقرة 2:101
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ الله﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاء ظُهُورهمْ﴾ أَي: لَا يعْملُونَ بِهِ ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ﴾ أَي: كَأَنَّهُمْ لَيْسَ عِنْدهم [من الله فِيهِ عهدا].
البقرة 2:102
(ل ١٥) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين﴾ يَقُولُ: نبذوا كتاب اللَّه، وَاتبعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان.
قَالَ مُحَمَّد: «تتلوا»؛ أَي: تروي التِّلَاوَة وَالرِّوَايَة شَيْء وَاحِد.
قَوْله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السحر﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: لما ابتلى اللَّه - عز وَجل - سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلام بِمَا كَانَ من أَمر الشَّيَاطِين، كتبت الشَّيَاطِين سحرًا كثيرا، ودفنوه تَحت كرسيه، ثمَّ لما قبض اللَّه سُلَيْمَان أَتَت الشَّيَاطِين إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ من الْإِنْس، فَقَالُوا: أَلا ندلكم عَلَى مَا كَانَ سُلَيْمَان يملك بِهِ الْإِنْس، وَتَدين لَهُ بِهِ الْجِنّ، وتسخر لَهُ [بِهِ] الرِّيَاح؟ قَالُوا: بلَى. قَالُوا: احفروا تَحت كرسيه، فَفَعَلُوا وَاسْتَخْرَجُوا كتبا كَثِيرَة، فَلَمَّا قرءوها فَإِذا هِيَ الشّرك بِاللَّهِ؛ فَقَالَ صلحاء بني إِسْرَائِيل: معَاذ اللَّه من هَذَا أَن نتعلمه، وتعلمه سفلَة بني إِسْرَائِيل [وفشت الْكَلِمَة] لِسُلَيْمَان فِي بني إِسْرَائِيل حَتَّى عذره اللَّه على لِسَان مُحَمَّد ﷺ، فَقَالَ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْملكَيْنِ﴾ يَقُول: اتبعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان، وَاتبعُوا مَا أنزل على الْملكَيْنِ بِبَابِل هاروت وماروت.
قَالَ قَتَادَة: السحر سحران: سحر تعلمه الشَّيَاطِين، وسحر يُعلمهُ هاروت وماروت.
وقَالَ الحَسَن: إِن الْملكَيْنِ بِبَابِل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَإِن من عزم عَلَى تعلم السحر، ثمَّ أتاهما سَمِعَ كَلَامهمَا، من غير أَن يراهما.
وقَالَ مُجَاهِد: عجبت الْمَلَائِكَة من ظلم بني آدم؛ وَقد جَاءَتْهُم الرُّسُل، فَقَالَ لَهُم رَبهم: اخْتَارُوا مِنْكُم اثْنَيْنِ أنزلهما يحكمان فِي الأَرْض، فَكَانَا هاروت وماروت، فحكما فعدلا؛ حَتَّى نزلت عَلَيْهِمَا الزهرة فِي صُورَة أحسن امْرَأَة تخاصم [زَوجهَا] فافتتنا بِهَا وأراداها على نَفسهَا فطارت الزهرة؛ فَرَجَعت حَيْثُ كَانَت، ورجعا إِلَى السَّمَاء فزجرا فاستشفعا بِرَجُل من بني آدم، فَقَالَا: سَمِعْنَا رَبك يذكرك بِخَير، فاشفع لَنَا، فَقَالَ لَهما: كَيفَ يشفع أهل الأَرْض لأهل السَّمَاء؟ ثمَّ واعدهما يَوْمًا يَدْعُو لَهما فِيهِ فَدَعَا لَهما فخيرا بَين عَذَاب الدُّنيا، وَعَذَاب الْآخِرَة، فَنظر أَحدهمَا إِلَى الآخر، فَقَالَ: ألم تعلم أَن أَفْوَاج عَذَاب اللَّه فِي الْآخِرَة، كَذَا وَكَذَا، وَفِي الْخلد أَيْضا؟ فاختارا عَذَاب الدُّنيا؛ فهما يعذبان بِبَابِل.
قَالَ مُحَمَّد: وَقد ذكر يَحْيَى عَنْ غير مُجَاهِد؛ أَن الْمَرْأَة الَّتِي افتتنا بِهَا كَانَت من نسَاء أهل الدُّنيا. وَالله أعلم.
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة﴾ أَي: بلَاء ﴿فَلَا تكفر﴾.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿فتْنَة﴾ مَعْنَاهُ: ابتلاء واختبار؛ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ يَحْيَى.
قَالَ قَتَادَة: أَخذ عَلَيْهِمَا أَلا يعلمَا أحدا حَتَّى يَقُولَا لَهُ: إِنَّمَا نَحْنُ فتْنَة فَلا تَكْفُرْ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وَهُوَ أَن يبغض كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ الله﴾ قَالَ الحَسَن: من شَاءَ اللَّه سلطهم عَلَيْهِ، وَمن شَاءَ مَنعهم مِنْهُ ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ يَعْنِي: لمن اخْتَارَهُ ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق﴾ يَعْنِي: نَصِيبا فِي الجَنَّة، قَالَ قَتَادَة: قد علم أهل الْكتاب فِي عهد اللَّه إِلَيْهِم أَن السَّاحر لَا خلاق لَهُ عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة ﴿وَلَبِئْسَ مَا شروا بِهِ أنفسهم﴾ أَي: مَا باعوها بِهِ ﴿لَوْ كَانُوا يعلمُونَ﴾ قَالَ الحَسَن: لَو كَانُوا عُلَمَاء أتقياء، مَا اخْتَارُوا السحر.
البقرة 2:103
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الثَّوَاب يَوْم الْقِيَامَة ﴿خَيْرٌ لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ أَي: لَو كَانُوا عُلَمَاء لآمنوا بعلمهم ذَلِكَ، وَاتَّقوا وَلا يُوصف الْكفَّار بِأَنَّهُم عُلَمَاء.
البقرة 2:104
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: رَاعنا كلمة كَانَت الْعَرَب (تكني بِهَا)؛ يَقُولُ الرجل لصَاحبه: راعني سَمعك؛ فَلَمَّا سمعتهم الْيَهُود يَقُولُونَ هَذَا للنَّبِي (ل ١٦) عَلَيْهِ السَّلام أعجبهم ذَلِكَ، و «راعني» فِي كَلَام الْيَهُود كلمة يسب [بِهَا بَعضهم بَعْضًا] فَقَالُوا: قومُوا بِنَا نسب مُحَمَّدا [فأعلنوا] لَهُ السب، فَكَانُوا يأتونه، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّد رَاعنا. وَيضْحَكُونَ، فعرفها رَجُل من الْأَنْصَار كَانَ يعرف لغتهم، فَقَالَ: يَا أَعدَاء الله، عَلَيْكُم لعنة اللَّه، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن سَمِعْتُ رجلا مِنْكُم بعد مجلسي هَذَا يُعِيدهَا لَأَضرِبَن عُنُقه، فَقَالُوا: أولستمَ تقولونها للنَّبِي؟! فَقَالَ اللَّه للَّذين آمنُوا: ﴿لَا تَقولُوا﴾ لمُحَمد: ﴿رَاعنا﴾ وَلَكِن قُولُوا: ﴿انظرنا﴾؛ أَي: انتظرنا نتفهم. فَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: الْآن لَئِن سَمِعْتُمْ بِالرجلِ من الْيَهُود يَقُولُ لنبيكم: رَاعنا - فأوجعوه ضربا. فانتهت عَنْهَا الْيَهُود بعد ذَلِكَ.
قَالَ مُحَمَّد: وَذكر غير يَحْيَى؛ أَن الْمُسلمين كَانُوا يَقُولُونَ لرَسُول اللَّه ﷺ: رَاعنا وأرعنا سَمعك، وأصل الْكَلِمَة من راعيت الرجل؛ إِذا تأملته، وتعرفت أَحْوَاله [ومِنْهُ يُقَال: أرعني سَمعك]. وَكَانَت الْيَهُود يَقُولُونَهَا لرَسُول اللَّه ﷺ وَهِي بلغتهم سبّ، ويحرفونها إِلَى مَا فِي قُلُوبهم من السب لرَسُول اللَّه ﷺ والطعن عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿واسمعوا﴾ يَعْنِي: وَاسْتَمعُوا مَا يَأْمُركُمْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلا تَكُونُوا كالكافرين الَّذين لَا يَقُولُونَ: انظرنا، وَلا يسمعُونَ قَول رَسُول اللَّهِ ﷺ ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: موجع.
البقرة 2:105
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْركين﴾ أَي: وَلا من الْمُشْركين ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ ربكُم﴾ يَعْنِي: الْوَحْي الَّذِي يَأْتِي رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا يسرهم ذَلِك؛ حسدا لرَسُول الله وَلِلْمُؤْمنِينَ.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿من خير من ربكُم﴾ دخلت «من» هَا هُنَا على جِهَة التوكيد وَالزِّيَادَة، كَمَا تَقُولُ: مَا جَاءَنِي من أحد، وَمَا جَاءَنِي أحد.
﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ برحمته من يَشَاء﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي: النُّبُوَّة.
البقرة 2:106
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة﴾ أَي: نبدل حكمهَا، وَنثْبت خطها: ﴿أَو ننسها﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: ننسها رَسُوله؛ وَقد نسي رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعْض مَا كَانَ نزل من الْقُرْآن، فَلم يُثْبت فِي الْقُرْآن.
قَالَ يَحْيَى: وتقرأ ﴿أَوْ نَنْسَأْهَا﴾ مَهْمُوزَة؛ أَي: نؤخرها؛ فَلم تثبت فِي الْقُرْآن ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يَقُولُ: هَذِه الْآيَة الناسخة خير فِي زَمَاننَا هَذَا لأَهْلهَا، وَتلك الأولى المنسوخة خير لأَهْلهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَان، وَهِي مثلهَا بعد فِي حَقّهَا وصدقها. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فَهُوَ يحكم فيهمَا بِمَا يُرِيد ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ من ولي وَلَا نصير﴾ يمنعكم إِن أَرَادَ بكم عذَابا.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ لفظ: ﴿الم﴾ هَا هُنَا لفظ الِاسْتِفْهَام؛ وَمَعْنَاهُ: التَّوْقِيف والتقرير؛ وَمعنى الْآيَة: أَن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ؛ فَهُوَ أعلم بِوَجْه الصّلاح فِيمَا يتعبدهم بِهِ من نَاسخ ومنسوخ، وَغير ذَلِكَ.
البقرة 2:108
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى من قبل﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَ الَّذِي سَأَلُوا مُوسَى أَن قَالُوا: ﴿أَرِنَا الله جهرة﴾ ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضل سَوَاء السَّبِيل﴾ [أَي: قصد] الطَّرِيق.
البقرة 2:109
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أهل الْكتاب﴾ يَعْنِي: من لم يُؤمن مِنْهُم (لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بعد مَا تبين لَهُم} يَعْنِي: أَن مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَأَن دينه الْحق ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله تَعَالَى: ﴿حَسَدًا من عِنْد أنفسهم﴾ الْمَعْنى: أَن كِتَابهمْ أَمرهم بِمَا هُم عَلَيْهِ [من الشّرك] وَبَين ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير﴾ ﴿ل ١٧﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَت هَذِه الْآيَة قبل أَن يؤمروا بِقِتَال أهل الْكتاب؛ ثمَّ أنزل اللَّه بعد ذَلِك سُورَة بَرَاءَة، وأتى فِيهَا بأَمْره وقضائه؛ وَهُوَ: ﴿قتلوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه﴾ الْآيَة
البقرة 2:111
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَو نَصَارَى﴾ قَالَت الْيَهُود: لن يدْخل الجَنَّة إِلَّا من كَانَ يَهُودِيّا، وَقَالَت النَّصَارَى: لن يدْخل الجَنَّة أَلا من كَانَ نَصْرَانِيّا، قَالَ اللَّه - تَعَالَى -: ﴿قل هاتوا ... . .﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: حجتكم ثمَّ كذبهمْ،
البقرة 2:112
وَأخْبر تَعَالَى أَن الجَنَّة إِنَّمَا هِيَ للْمُؤْمِنين؛ فَقَالَ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجهه لله﴾ أَي: أخْلص دينه لله ﴿وَهُوَ محسن﴾ ﴿فَلهُ أجره﴾ (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هم يَحْزَنُونَ} على الدُّنْيَا] الْآيَة.
[أَيَّة]
البقرة 2:113
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتلون الْكتاب﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل؛ أَي: فَكيف اخْتلفُوا وَتَفَرَّقُوا [فِي الْكتاب]، وَالْكتاب وَاحِد جَاءَ من عِنْد اللَّه يصدق بعضه بَعْضا. ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي من كذب من الْأُمَم: أمة نوح وَعَاد وَثَمُود وَغَيرهم؛ أَي: أَن هَؤُلاءِ أَيْضا قَالُوا: لن يدْخل الجَنَّة أَلا من كَانَ عَلَى ديننَا؛ فِيمَا ذكر ابْن عَبَّاس. ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قَالَ يَحْيَى: فَيكون حكمه فيهم أَن يكذبهم جَمِيعًا، ويدخلهم النَّار.
البقرة 2:114
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ منع مَسَاجِد الله﴾ الْآيَة تَفْسِير الْكَلْبِيّ: أَن الرّوم غزوا بني إِسْرَائِيل، فحاربوهم فظهروا عَلَيْهِم، فَقتلُوا مُقَاتلَتهمْ، وَسبوا ذَرَارِيهمْ، وأحرقوا التَّوْرَاة، وهدموا بَيت الْمُقَدّس، وألقوا فِيهِ الْجِيَف فَلم يعمرا؛ حَتَّى بناه أهل الْإِسْلَام؛ فَلم يدْخلهُ رومي بعد إِلَّا خَائفًا ﴿لَهُم فِي الدُّنْيَا حزي﴾ وَهُوَ: فتح مدينتهم رُومِية، وَقتل مُقَاتلَتهمْ، وَسبي ذَرَارِيهمْ ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾.
البقرة 2:115
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى هُوَ: خالقهما ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قَالَ بَعضهم: يَعْنِي: فثم قبْلَة اللَّه.
يَحْيَى: عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ عَاصِم بن عبيد اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [كَانَ] فِي سَفَرٍ فَنَزَلُوا مَنْزِلا فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ يَجْمَعُ الْحَصْبَاءَ، فَيَجْعَلُهَا مَسْجِدًا فَيُصَلِّي، فَلَمَّا أَصْبَحُوا؛ إِذَا هُمْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمغْرب﴾ الْآيَة».
البقرة 2:116
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولدا سُبْحَانَهُ﴾ ينزه نَفسه عَمَّا يَقُولُونَ ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض كل لَهُ قانتون﴾ قَالَ الحَسَن: كُلٌّ لَهُ قَائِم بِالشَّهَادَةِ، [بِأَنَّهُ عبد لله]
البقرة 2:117
﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: ابتدعهما بِغَيْر مِثَال ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كن فَيكون﴾.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ الْمَعْنى: فَهُوَ يكون.
البقرة 2:118
﴿وَقَالَ الَّذين لَا يعلمُونَ﴾ وهم مشركو الْعَرَب ﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قبلهم مثل قَوْلهم﴾ يَعْنِي: قَول قوم مُوسَى لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلام ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وَمَا سَأَلُوا من الْآيَات ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبهم﴾ فِي الْكفْر مثل قَوْله: ﴿يضهئون قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿وَقد بَينا الْآيَات لقوم يوقنون﴾ يصدقون.
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي الْآيَات الَّتي أَتَى بِهَا صلوَات اللَّه عَلَيْهِ فِي نَحْو انْشِقَاق الْقَمَر؛ وَغير ذَلِك من آيَاته.
البقرة 2:119
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا﴾ بشيرا بِالْجنَّةِ، وَنَذِيرا من النَّار ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ من قَرَأَها [تَسْأَلُ] بِفَتْح التَّاء تَفْسِيره لَا تسْأَل عَنْ حَالهم؛ فَإِن النَّبي ﷺ سَأَلَ عَنْ [أَبِيهِ] فَأنْزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَلا تَسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ وتقرأ على وَجه آخر ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ أَي: لَا تُسْأل عَنْهُمْ إِذا أَقمت عَلَيْهِم الْحجَّة (ل ١٨)
البقرة 2:120
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى﴾ يَعْنِي بذلك الْعَامَّة مِنْهُم ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الْهدى﴾؛ يَعْنِي: الإِسْلام الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ. (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نصير} [يُثبتهُ] بذلك؛ وَقد علم جلّ جَلَاله أَنَّهُ لَا يتبع أهواءهم.
البقرة 2:121
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَته﴾ قَالَ قَتَادَة: هُم أَصْحَاب نَبِي اللَّه آمنُوا بِكِتَاب اللَّه، وَأَحلُّوا حَلَاله، وَاجْتَنبُوا حرَامه، وَعمِلُوا بِمَا فِيهِ.
البقرة 2:122
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ يَعْنِي: عَالم أهل زمانهم
البقرة 2:123
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نفس شَيْئا﴾ أَي: لَا تُغني ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عدل﴾ أَي: فدَاء ﴿وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ أَي: أَن الشَّفَاعَة لَا تكون إِلَّا للْمُؤْمِنين ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يَعْنِي: يمْنَعُونَ من الْعَذَاب.
البقرة 2:124
﴿وَإِذا ابتلى﴾ اختبر ﴿إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ عمل بِهن؛ تَفْسِير ابْن عَبَّاس هِيَ: الْمَنَاسِك. ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ للنَّاس إِمَامًا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: يَعْنِي: يُهْتَدَى بهديك وسنتك، فأعجب ذَلِكَ إِبْرَاهِيم ﴿قَالَ وَمن ذريتي﴾ أَي: وَمن كَانَ من ذريتي فَلْيَكُن إِمَامًا [لغير] ذريتي قَالَ اللَّه ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ من ذريتك؛ أَي: أَن أجعلهم أَئِمَّة يقْتَدى بهم.
البقرة 2:125
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مثابة للنَّاس﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: يثوبون إِلَيْهِ كُلَّ عَام.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿مثابة﴾ أَي: معادا؛ تَقُولُ: ثُبْتُ إِلَى كَذَا [وأَثْبُتُ إِلَى كَذَا]؛ أَي: عدت إِلَيْهِ، وثاب إِلَيْهِ جِسْمه بعد الْعلَّة؛ أَي عَاد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأمنا﴾ قَالَ الحَسَن: كَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة؛ كَانَ الرجل إِذا جر جريرة، ثمَّ لَجأ إِلَى الْحرم لم يُطْلَبْ، وَلم يُتَنَاوَلْ فَأَما فِي الْإِسْلَام فَإِن الْحرم لَا يمْنَع من حدٍّ يجب عَلَيْهِ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ يَعْنِي: موطئ قَدَمَيْهِ.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: ((يَا رَسُولَ الله؛ لَوْ صَلَّيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مصلى﴾.
قَالَ مُحَمَّد: قِرَاءَة يَحْيَى: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بِكَسْر الْخَاء، وَقَرَأَ بَعْض الْقُرَّاء: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ بِفَتْح الْخَاء؛ وَمَعْنَاهَا: أَن النَّاس اتَّخذُوا هَذَا.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «الْمَقَامُ جَاءَ بِهِ ((مَلَكٌ) فَوَضَعَهُ تَحْتَ قَدَمِ إِبْرَاهِيمَ».
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، وَحَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ، عَنْ مَوْلًى لِبَنِي هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «الْحِجْرُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ».
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي: من عبَادَة الْأَوْثَان، وَقَول الزُّور والمعاصي. ﴿لِلطَّائِفِينَ والعاكفين﴾ تَفْسِير ابْن عَبَّاس: الطائفون: الَّذين يطوفون بِالْبَيْتِ، والعاكفون: الْقعُود حوله ينظرُونَ إِلَيْهِ ﴿والركع السُّجُود﴾ الَّذين يصلونَ إِلَيْهِ.
البقرة 2:126
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وارزق أَهله من الثمرات﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: يحمل [إِلَيْهِ] من الْآفَاق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ الْآيَة قَالَ الحَسَن: لما قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي مجيبك، وأجعله بَلَدا آمنا لمن ﴿آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ يَوْم الْقِيَامَة ﴿وَمن كفر﴾ فَإِنِّي أمتعه ﴿قَلِيلا﴾ وأرزقه من الثمرات، وأجعله آمنا فِي الْبَلَد؛ وَذَلِكَ إِلَى قَلِيل؛ يَعْنِي إِلَى خُرُوج مُحَمَّد وَذَلِكَ أَن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كرم مُحَمَّدًا أَن يخرجهم من الْحرم؛ وَهُوَ الْمَسْجِد الْحَرَام.
قَالَ: ﴿ثمَّ أضطره﴾ عِنْد الْمَوْت ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
البقرة 2:127
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل﴾ يَعْنِي: بُنْيَانه.
قَالَ مُحَمَّد: قَوَاعِد الْبَيْت: أساسه؛ وَاحِدهَا: قَاعِدَة وَأما قَوَاعِد [النِّسَاء فواحدها: قَاعد، وَهِي الْعَجُوز].
البقرة 2:128
(ل ١٩) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً﴾ يَعْنِي: جمَاعَة ﴿مسلمة لَك﴾ فَفعل اللَّه ذَلِكَ. ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أَي: عَلِّمْنَا. قَالَ قَتَادَة: الْمَنَاسِك: الطّواف بِالْبَيْتِ، وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، وَالْوُقُوف بِعَرَفَة، والإفاضة مِنْهَا، وَالْوُقُوف بِجمع، والإفاضة مِنْهَا، وَرمى الْجمار.
قَالَ الحَسَن: إِن جِبْرِيل أرى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْمَنَاسِك كلهَا، وَلكنه أَصْلٌ عَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام
البقرة 2:129
﴿رَبنَا وَابعث فيهم﴾ يَعْنِي: فِي ذُريَّته ﴿رَسُولا مِنْهُمْ﴾ فَاسْتَجَاب اللَّه لَهُ، فَبعث مُحَمَّدا عَلَيْهِ السَّلام فِي ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم يعْرفُونَ وَجهه وَنسبه. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قَالَ قَتَادَة: الْكتاب: الْقُرْآن، وَالْحكمَة: السّنة ﴿ويزكيهم﴾ قَالَ بَعضهم يَعْنِي: يَأْخُذ صَدَقَاتهمْ؛ وَهِي الطَّهَارَة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ الْعَزِيز فِي نقمته، الْحَكِيم فِي أمره.
البقرة 2:130
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفسه﴾ أَي: عجز رأيُهُ عَنِ النّظر لنَفسِهِ، فَضَلَّ.
قَالَ مُحَمَّد: وقِيلَ: الْمَعْنى: إِلَّا من سفهت نفسُهُ؛ أَي: جهلت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أَي: اخترناه ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لمن الصَّالِحين﴾ وهم أهل الْجنَّة.
البقرة 2:131
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أخْلص.
البقرة 2:132
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأوصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه﴾ يَعْنِي: كلمة التَّوْحِيد ﴿وَيَعْقُوب﴾ أَي: وَأوصى بِهَا أَيْضا يَعْقُوب بنيه بعد إِبْرَاهِيم قَالَ: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّين﴾ أَي: اخْتَار لكم الْإِسْلَام
البقرة 2:133
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوب الْمَوْت﴾ أَي: لم تَكُونُوا يَوْمئِذٍ حضورا؛ خَاطب بِهَذَا من كَانَ حول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام من بني إِسْرَائِيل ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبدُونَ﴾ أَي شَيْء تَعْبدُونَ ﴿مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق﴾ وَكَانَ (الحَسَن) يقْرؤهَا: ((نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَي: وإله إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق.
قَالَ مُحَمَّد: من قَرَأَ بِهَذَا فَإِنَّهُ كره أَن يَجْعَل الْعَمَّ أَبًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ قَالَ مُحَمَّد: نصب ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ على معنى: نعْبد إلهك فِي حَال وحدانيته
البقرة 2:134
﴿تِلْكَ أمة قد خلت﴾ يَعْنِي: جمَاعَة قد مَضَت ﴿وَلا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَي: إِنَّكُم إِنَّمَا تسْأَلُون عَنْ أَعمالكُم.
البقرة 2:135
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تهتدوا﴾ قَالَتِ الْيَهُودُ: كُونُوا يَهُودًا تَهْتَدُوا وَقَالَتِ النَّصَارَى: كُونُوا نَصَارَى تَهْتَدُوا؛ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: قل يَا مُحَمَّد ﴿بل مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ أَي: بل نَكُون على مِلَّة إِبْرَاهِيم ﴿حَنِيفا﴾ قَالَ الحَسَن: الحنيف. المخلص.
قَالَ مُحَمَّد: وَمعنى الحنف فِي اللُّغَة: الْميل؛ يُقَال: رجل حَنِفٌ [وَرجل حنيف]؛ وَرجل أحنف، وَهُوَ الَّذِي تميل قدماه كُل وَاحِدَة مِنْهُمَا إِلَى أُخْتهَا بأصابعها، فَالْمَعْنى: إِن إِبْرَاهِيم (حَنَفَ) إِلَى دين اللَّه.
البقرة 2:136
وقَالَ الحَسَن: ثمَّ أَمر اللَّه الْمُؤمنِينَ أَن يَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط﴾ يَعْنِي: يُوسُف وَإِخْوَته
البقرة 2:137
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فقد اهتدوا﴾ قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: فَإِن (أَتَوا) بِتَصْدِيق مثل تصديقكم فِي إيمَانكُمْ بِكُل مَا أَتَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاء - فقد اهتدوا. قَالَ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هم فِي شقَاق﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: فِي تَعَادٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
البقرة 2:138
﴿صبغة الله﴾ أَي: دين اللَّه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ من الله صبغة﴾ دينا.
قَالَ مُحَمَّد: يجوز أَن تكون ﴿صبغة الله﴾ مَنْصُوبَة عَلَى معنى: بل تكون أهل صبغة الله.
البقرة 2:139
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبنَا وربكم﴾ الْآيَة.
قَالَ مُحَمَّد: قِيلَ: إِن تَأْوِيل هَذِه الْآيَة: أَن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أَمر الْمُسلمين أَن يَقُولُوا للْيَهُود الَّذين ظاهروا من لَا يوحد [اللَّه من النَّصَارَى وَعَبدَة الْأَوْثَان، ويحتجوا عَلَيْهِم بأنكم تَزْعُمُونَ أَنكُمْ توحدون [اللَّه وَحده وَنحن نوحد الله، فَلم ظاهرتم من لَا يوحد اللَّه؟] ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعمالكُم﴾.
(ل ٢٠) ثمَّ أعلموهم أَنكُمْ مخلصون دون من خالفكم.
البقرة 2:140
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أأنتم أعلم أم الله﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي بذلك علماءهم؛ لأَنهم كتموا مُحَمَّدا عَلَيْهِ السَّلام وَدينه؛ وَفِي دينه أَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا مُسلمين، وَلم يَكُونُوا مُشْرِكين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَة عِنْده من الله﴾ أَي: لَا أحد أظلم مِنْهُ.
البقرة 2:142
قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاس﴾ وهم مشركو الْعَرَب فِي تَفْسِير الْحسن ﴿مَا ولاهم﴾ أَي: مَا حَولهمْ ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ هِيَ بَيت الْمُقَدّس؛ نزلت هَذِه الْآيَة بعد مَا صرف النَّبي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْكَعْبَة؛ فَهِيَ قبلهَا فِي التَّأْلِيف، وَهِي بعْدهَا فِي التَّنْزِيل؛ وَذَلِكَ أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ لما حوله اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إِلَى الْكَعْبَة من بَيت الْمُقَدّس، قَالَ الْمُشْركُونَ: يَا مُحَمَّد، رغبت عَنْ قبْلَة آبَائِك، ثمَّ رجعت إِلَيْهَا؟ وَأَيْضًا وَالله لترجعَنَّ إِلَى دينهم؛ فَأنْزل اللَّه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ الْآيَة.
[الْآيَة ١٤٣]
البقرة 2:143
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسطا﴾ أَي: عدلا؛ يَعْنِي: أمة مُحَمَّد ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ يَوْم الْقِيَامَة بِأَن الرُّسُل قد بلغت قَومهَا عَنْ رَبهَا ﴿وَيَكُونَ الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا﴾ أَنَّهُ قد بلغ رِسَالَة ربه إِلَى أمته؛ وَهَذَا تَفْسِير قَتَادَة.
قَالَ مُحَمَّد: وَأنْشد بَعضهم:
(هُم وسط يرضى الْأَنَام بحكمهم ... إِذا نزلت إِحْدَى اللَّيَالِي بمعظم)
يَعْنِي: بوسط: عدلا خيارا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ يَعْنِي: بَيت الْمُقَدّس ﴿وَإِلَّا لنعلم﴾ يَعْنِي: علم الفعال ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذين هدى الله﴾ يَعْنِي: صرف الْقبْلَة، قَالَ قَتَادَة: «كَانَت الْقبْلَة فِيهَا بلَاء وتمحيص، صلى رَسُول اللَّهِ ﷺ مُدَّة أقامته بِمَكَّة إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وصلت الْأَنْصَار نَحْو بَيت الْمُقَدّس حَوْلَيْنِ قبل قدوم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْمَدِينَة، وَصلى النَّبي ﷺ بعد قدومه الْمَدِينَة نَحْو بَيت الْمُقَدّس سِتَّة عشر شهرا، ثمَّ وَجهه اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَة؛ فَقَالَ قَائِلُونَ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ لَقَد اشتاق الرجل إِلَى مولده».
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ يَعْنِي: صَلَاتكُمْ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، قَالَ قَتَادَة: لما صرفت الْقبْلَة قَالَ قوم: كَيفَ بأعمالنا الَّتي كُنَّا نعمل؟ فَأنْزل الله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ وَقد يَبْتَلِي الله - تَعَالَى - الْعباد بِمَا شَاءَ من أمره، الْأَمر بعد الْأَمر؛ ليعلم من يطيعه مِمَّن يعصيه؛ وكُلُّ ذَلِكَ مَقْبُول؛ إِذا كَانَ فِي إِيمَان بِاللَّهِ، وإخلاص لَهُ، وَتَسْلِيم لقضائه.
البقرة 2:144
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجهك فِي السَّمَاء﴾ تَفْسِير الْكَلْبِيّ: «أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ لجبريل: وددت أَن اللَّه صرفني عَنْ قبْلَة الْيَهُود إِلَى غَيرهَا. فَقَالَ جِبْرِيل: إِنَّمَا أَنَا عَبْد مثلك، فَادع اللَّه وسَلْهُ ثمَّ ارْتَفع جِبْرِيل، فَجعل رَسُول اللَّهِ ﷺ يُدِيم النّظر إِلَى السَّمَاء رَجَاء أَن يَأْتِيهِ جِبْرِيل بِالَّذِي سَأَلَ اللَّه؛ فَأنْزل اللَّه عَلَيْهِ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾»، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً ترضاها﴾ أَي: تحبها ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ يَعْنِي: تلقاءه.
قَالَ مُحَمَّد: وَأنْشد بَعضهم:
(أَقُول لأم زِنْبَاعٍ أقيمي ... صُدُور العيس شطر بني تَميم)
يَعْنِي: تِلْقَاء بني تَمِيم.
البقرة 2:145
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تبعوا قبلتك﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي [الْآيَات الَّتي أَتَى] الْأَنْبِيَاء؛ مثل النَّاقة والعصا [وَغير ذَلِكَ؛ إِن أهل الْكتاب قد علمُوا أَن مَا أَتَى بِهِ النَّبِي] (ل ٢١) ﷺ حق [وَأَن صفته الَّتي جَاءَ بِهَا فِي كتبهمْ وهم] يجحدون الْعِلْم بذلك؛ فَلَا تغني الْآيَات عِنْد من يجْحَد مَا يعرف. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لمن الظَّالِمين﴾ هَذَا الْخطاب للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلام ولسائر أمته.
البقرة 2:146
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: لما قدم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة، قَالَ ابْن الخَطَّاب لعبد اللَّه بْن سَلام [إِن اللَّه - تَعَالَى - أنزل على نبيه أَن أهل الْكتاب ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ كَيفَ هَذِه الْمعرفَة يَا ابْن سَلام قَالَ: نَعْرِف نَبِي اللَّه بالنعت الَّذِي نَعته [اللَّه بِهِ] إِذا رَأَيْنَاهُ فِيكُم كَمَا يعرف أَحَدنَا ابْنه؛ إِذا رَآهُ مَعَ [الغلمان]؛ وَالَّذِي يحلف بِهِ عَبْد اللَّه بْن سَلام لأَنا بِمُحَمد أَشد معرفَة مني لِابْني. فَقَالَ لَهُ عُمَر: وَكَيف ذَلِكَ؟ قَالَ عَرفته بِمَا نَعته اللَّه لَنَا فِي كِتَابه، وَأما ابْني [فَلَا أدرى] مَا أحدثته أمه. فَقَالَ لَهُ عُمَر: وفقك اللَّه، فقد أصبت وصدقت.
البقرة 2:147
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ من الممترين﴾ يَعْنِي: الشاكين؛ أَنَّك رَسُول اللَّهِ، ويعرفون الْإِسْلَام
البقرة 2:148
﴿وَلكُل﴾ يَعْنِي: كُل ذِي مِلَّة ﴿وِجْهَةٌ﴾ يَعْنِي: قبْلَة ﴿هُوَ موليها﴾ أَي: مستقبلها ﴿فاستبقوا الْخيرَات﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: لَا تُفْتَنُنَّ فِي قبلتكم.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: الْمَعْنى: فبادروا إِلَى مَا أَمرتكُم بِهِ من أَمر الْقبْلَة؛ وَهُوَ نَحْو قَول قَتَادَة.
البقرة 2:149
﴿وَمن حَيْثُ خرجت﴾ يَعْنِي: من مَكَّة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ من رَبك﴾ يَعْنِي: أَن الْقبْلَة: الْكَعْبَة ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أَي: تلقاءه وَنَحْوه.
البقرة 2:150
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ تَفْسِير الحَسَن: أخبرهُ اللَّه - تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يحوله عَنِ الْكَعْبَة إِلَى غَيرهَا أبدا فيحتج عَلَيْهِ بذلك محتجون؛ كَمَا احْتج عَلَيْهِ مشركو الْعَرَب فِي قَوْلهم: رغبت عَنْ قبْلَة آبَائِك، ثمَّ رجعت إِلَيْهَا ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قَالَ الحَسَن: لَا يحْتَج بِمثل تِلْكَ الْحجَّة، إِلَّا الَّذين ظلمُوا: ﴿فَلَا تخشوهم﴾ فِي أَمْرِي، يَعْنِي: امضوا عَلَى مَا آمركُم بِهِ ﴿واخشوني﴾ فِي تَركه.
البقرة 2:151
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُم آيَاتنَا ويزكيكم﴾ يطهركم من الشّرك ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحكمَة﴾ الْكتاب: الْقُرْآن، وَالْحكمَة: السّنة؛ يَقُولُ كَمَا فعلت ذَلِك بكم
البقرة 2:152
﴿فاذكروني﴾ بطاعتي ﴿أذكركم﴾ برحمتي.
البقرة 2:153
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ قد مضى تَفْسِيره
البقرة 2:154
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَا تشعرون﴾ كَيفَ الْحَيَاة الَّتي هِيَ حَيَاة الشُّهَدَاء.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿أموات﴾ مَرْفُوع على معنى: هُم أموات، وَكَذَلِكَ ﴿بل أَحيَاء﴾ الْمَعْنى: بل هُم أَحيَاء.
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عَنْ هُذَيْلٍ، عَنْ عبد الله ابْن مَسْعُودٍ قَالَ: «أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلَ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعَى فِي الْجَنَّةِ؛ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قناديل معلقَة بالعرش».
البقرة 2:155
﴿ولنبلونكم بِشَيْء من الْخَوْف﴾ يَعْنِي: [الْقِتَال]؛ فِي تَفْسِير السّديّ. ﴿وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ والثمرات﴾ يَعْنِي بِنَقص الْأَنْفس: الْمَوْت ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿بِشَيْء﴾، وَلم يقل: بأَشْيَاء - هُوَ من الِاخْتِصَار؛ الْمَعْنى: بِشَيْء من الْخَوْف، وَشَيْء من الْجُوع، وَشَيْء من نقص الْأَمْوَال.
البقرة 2:156
وَقَوله: ﴿إِنَّا لله﴾ أَي: نَحْنُ وَأَمْوَالنَا لله، وَنحن عبيده يصنع بِنَا مَا يَشَاء؛ يَعْنِي: ذَلِكَ صَلَاح لَنَا وَخير، ومعني ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ أَي: نَحْنُ مقرون [بأننا نبعث] ونعطى الثَّوَاب عَلَى تصديقنا، وَالصَّبْر عَلَى مَا ابتلانا بِهِ.
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ قَالَ: «كَانَ عُمَرُ يَمْشِي فَانْقَطَعَ شِسْعَ نَعْلِهِ فَاسْتَرْجَعَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِي فَسَاءَنِي ذَلِكَ، وَكُلُّ مَا سَاءَكَ فَهُوَ مُصِيبَةٌ».
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى وَالْعين لَا يملكهَا (ل ٢٢) أَحَدٌ صَبَابَةَ الْمَرْءِ إِلَى أَخِيهِ».
البقرة 2:157
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [يَعْنِي مغْفرَة] ﴿وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون﴾ يَعْنِي: الموفقين.
البقرة 2:158
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الشعائر وَاحِدهَا: شعيرَة؛ وهى كُلُّ شَيْء جعله اللَّه علما من أَعْلَام الطَّاعَة. ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جناج عَلَيْهِ﴾ أَي: لَا إِثْم عَلَيْهِ ﴿أَنْ يطوف بهما﴾ يَعْنِي: أَن يتطوف.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «كَانَ إِسَافٌ عَلَى الصَّفَا، وَنَائِلَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ؛ وَهُمَا صَنَمَانِ؛ فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ، كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا مِنْ أَجْلِهِمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾ الْآيَة».
البقرة 2:159
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا من الْبَينَات وَالْهدى﴾ وهم أَصْحَاب الْكتاب؛ كتموا مُحَمَّدًا ﷺ والإِسْلام ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: عَنْ أَبِي صَالحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُمِلَ عَلَى سَرِيرِهِ، قَالَ رُوحُهُ وَجَسَدُهُ: وَيْلَكُمْ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَرَجَعَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، أَتَاهُ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ؛ أَصْوَاتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ، وَأَبْصَارُهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ يَخُدَّانِ الأَرْضَ بِأَنْيَابِهِمَا، وَيَطَآنِ فِي أَشْعَارِهِمَا، فَيُجْلِسَانِهِ، ثُمَّ يَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي. فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ. ثُمَّ يَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ. ثُمَّ يَقُولانِ لَهُ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ؛ هَكَذَا كُنْتَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذِهِ الْجَنَّةُ؛ الَّتِي لَوْ كُنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ، وَصَدَّقْتَ رَسُولَهُ - صِرْتَ إِلَيْهَا؛ لَنْ تَرَاهَا أَبَدًا. ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ؛ فَيُقَالُ لَهُ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي أَنْتَ صَائِرٌ إِلَيْهَا، ثُمَّ يَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بِمِرْزَبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ أَصَابَتْ جَبَلا لَا رفض مَا أَصَابَتْ مِنْهُ. قَالَ: فَيَصِيحُ عِنْدَ ذَلِكَ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ فَلا يَسْمَعُهَا شَيْءٌ إِلا لَعَنَهُ، فَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويلعنهم اللاعنون﴾.
البقرة 2:160
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلحُوا وبينوا﴾ أَمر مُحَمَّد وَالْإِسْلَام. ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِم﴾ الْآيَة.
البقرة 2:161
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ خَاصَّة؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة
البقرة 2:162
﴿وَلَا هم ينظرُونَ﴾ أَي: لَا يؤخرون بِالْعَذَابِ.
[أَيَّة ١٦٨]
البقرة 2:164
﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بعد مَوتهَا﴾ أَي: حِين لم يكن فِيهَا نَبَات فأنبتت ﴿وَبث فِيهَا﴾ يَعْنِي: خلق ﴿وتصريف الرِّيَاح﴾ يَعْنِي: تلوينها؛ فِي تَفْسِير السّديّ ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ وهم الْمُؤْمِنُونَ.
البقرة 2:165
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دون الله أندادا﴾ يَعْنِي: أعدالا يعدلونهم بِهِ؛ أَي: يَعْبُدُونَهُمْ ﴿يحبونهم كحب الله﴾ كحب الْمُؤمنِينَ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لله﴾ من الْمُشْركين لأوثانهم ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذين ظلمُوا﴾ أَي: أشركوا ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ أَي: [أَنَّك] ستراهم إِذا دخلُوا النَّار؛ وهنالك يعلمُونَ أَن ﴿الْقُوَّةَ﴾ الْقُدْرَة ﴿لله جَمِيعًا﴾ وَإِن كَانُوا عَن قدرَة اللَّه وعزته فِي الدُّنْيَا غافلين
البقرة 2:166
﴿إِذْ تَبرأ الَّذين اتبعُوا﴾ قَالَ قَتَادَة: وهم الرؤساء فِي الشّرك ﴿من الَّذين اتبعُوا﴾ وهم الضُّعَفَاء؛ اتَّبَعُوهُمْ على عبَادَة الْأَوْثَان ﴿وَرَأَوا الْعَذَاب﴾ أَي: دخلُوا فِيهِ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ يَعْنِي: مَا كَانُوا يتواصلون بِهِ فِي الدُّنْيَا
البقرة 2:167
﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِم﴾ أَي: ندامة.
البقرة 2:168
﴿يَا أَيهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالا طيبا﴾
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: لَا تَأْكُلُوا، وَلا تنفقوا مِمَّا يحرم عَلَيْكُم. ﴿وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ أَي: مَا يَأْمُركُمْ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّد: خطوَات جمع: خطْوَة، والخطوة بِالضَّمِّ: (ل ٢٣) مَا بَين الْقَدَمَيْنِ. وَالْمعْنَى: لَا تتبعوا سَبِيل الشَّيْطَان ومسلكه. والخطوة بِفَتْح الْخَاء: الفَعْلة الْوَاحِدَة. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبين﴾ يَعْنِي: بَين الْعَدَاوَة.
البقرة 2:169
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تعلمُونَ﴾ أَنه الْحق.
البقرة 2:170
﴿بل نتبع مَا ألفينا﴾ أَي: وجدنَا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [وَلَو كَانُوا مهتدين مَا اتَّبَعُوهُمْ].
البقرة 2:171
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلا دُعَاء ونداء﴾ تَفْسِير الحَسَن: كَمثل الرَّاعِي يَصِيح بالغنم فَترفع رءوسها لَا تَدْرِي مَا يَقُولُ، ثمَّ تضع رءوسها؛ فَكَذَلِك هُم إِذا دعوا إِلَى الْهدى ﴿صم بكم عمي﴾ صم عَنِ الْحق؛ فَلَا يسمعونه، بكم عَنْهُ؛ فَلَا ينطقون بِهِ، عمي عَنْهُ؛ فَلَا يبصرونه.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: نعق يَنْعِق، ونعق ينعق لفتان.
البقرة 2:172
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي: الْحَلَال
البقرة 2:173
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَاد﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: غير بَاغ؛ أَي: يَبْغِي على النَّاس، وَلا عَاد؛ أَي: قَاطع سَبِيل، وَلا مفارق الْأَئِمَّة، وَلا خَارج فِي مَعْصِيّة الله ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ أَي: فَلهُ الرُّخْصَة فِي أَن يَأْكُل.
قَالَ يَحْيَى: يَأْكُل حَتَّى يشْبع، وَلَا يتزود.
البقرة 2:174
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ الله من الْكتاب﴾ هُم أهل الْكتاب الَّذين حرفوا كتاب اللَّه ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ يَعْنِي: المأكلة الَّتي كَانَت لَهُم ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّار﴾ أَي: سَوف يَأْكُلُون بِهِ النَّار ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَي: لَا يكلمهم بِمَا يحبونَ، وَقد يكلمهم ويسألهم عَنْ أفعالهم ﴿وَلَا يزكيهم﴾ أَي: وَلا يطهرهم من إثمهم ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ موجع.
البقرة 2:175
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَاب بالمغفرة﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: اخْتَارُوا الضَّلَالَة على الْهدى، وَالْعَذَاب على الْمَغْفِرَة ﴿فَمَا أصبرهم على النَّار﴾ أَي: فَمَا أجرأهم على الْعَمَل الَّذِي يدخلهم النَّار
البقرة 2:176
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لفي شقَاق بعيد﴾ يَعْنِي: لفي فِرَاق بعيد من الْحق؛ وهم أهل الْكتاب..
البقرة 2:177
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قبل الْمشرق وَالْمغْرب﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يَقُولُ: لَيْسَ الْبر أَن تَكُونُوا نَصَارَى؛ فتصلوا إِلَى الْمشرق، وَلا أَن تَكُونُوا يهودا؛ فتصلوا إِلَى الْمغرب إِلَى بَيت الْمُقَدّس. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّه﴾.
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: وَلَكِن الْبر بر من آمن بِاللَّهِ. ﴿وَآتَى المَال على حبه﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: تؤتيه وَأَنت صَحِيح شحيح؛ تَأمل الْحَيَاة، وتخشى الْفقر.
﴿ذَوي الْقُرْبَى﴾ هم الْقَرَابَة ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ يَعْنِي: [الضَّيْف] ﴿وَفِي الرّقاب﴾ يَعْنِي: المكاتَبِين ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاة﴾ الْمَفْرُوضَة ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ عَلَيْهِ من الْحق ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء﴾ قَالَ قَتَادَة: البأساء: الْبُؤْس والفقر، وَالضَّرَّاء: السقم والوجع ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ يَعْنِي: مَوَاطِن الْقِتَال فِي الْجِهَاد.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله تَعَالَى: ﴿والموفون﴾ يجوز أَن يكون مَرْفُوعا، على معنى: وهم الموفون، والنعت إِذا طَال جَازَ أَن يرفع بعضه، وَينصب بعضه فِي مَذَاهِب النَّحْوِيين.
البقرة 2:178
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾) الْآيَة تَفْسِير الحَسَن: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة فيهم بغي قد كَانَ إِذا قتل من الْحَيّ مِنْهُم مَمْلُوك قَتله حَيّ آخَرُونَ، قَالُوا: لَا نقْتل بِهِ إِلَّا حرًّا، وَإِذا قتل من الْحَيّ مِنْهُم امْرَأَة قَتلهَا حَيّ آخَرُونَ، قَالُوا: لَا نقْتل بِهَا إِلَّا رجلا، فَأنْزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هَذِه الْآيَة، ونهاهم عَنِ الْبَغي، ثمَّ أنزل اللَّه بعد ذَلِكَ فِي الْمَائِدَة: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ} يَعْنِي: النَّفس الَّتي قَتَلَتْ بِالنَّفسِ الَّتي قُتِلَتْ، وَهَذَا [فِي الْأَحْرَار].
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يَقُول: من قتل عمدا (ل ٢٤) فعفي عَنْهُ وَقبلت مِنْهُ الدِّيَة ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [أَمر المتبع أَن] يتبع بِالْمَعْرُوفِ [وَأمر الْمُؤَدِّي] أَن يُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَة﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَ أهل التَّوْرَاة أمروا [بالحدود] وَكَانَ أهل الْإِنْجِيل أمروا بِالْعَفو، وَجعل لهَذِهِ الْأمة الْقصاص وَالْعَفو وَالدية؛ إِن شَاءُوا قتلوا، وَإِن شَاءُوا عفوا، وَإِن شَاءُوا أخذُوا الدِّيَة؛ إِذا تراضوا عَلَيْهَا. ﴿وَرَحْمَة﴾ أَي: رحم اللَّه بِهَا هَذِه الْأمة، وأطعمهم الدِّيَة؛ قَالَ قَتَادَة: وَلم [تحل] لأحد قبلهم فِي الْقَتْل عمدا ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِك﴾ يَعْنِي: على الْقَاتِل فَقتله بعد مَا قبل مِنْهُ الدِّيَة ﴿فَلَهُ عَذَاب أَلِيم﴾ يَعْنِي: الْقَاتِل يقْتله الْوَالِي، وَلا ينظر فِي ذَلِكَ إِلَى عَفْو الْوَلِيّ.
البقرة 2:179
﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ أَي: بَقَاء؛ يخَاف الرجل الْقصاص؛ وَهِي بذلك حَيَاة لَهُ ﴿يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ الْعُقُول: يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكَي تتقوا الْقَتْل.
البقرة 2:180
﴿كتب عَلَيْكُم﴾ أَي: فرض عَلَيْكُم ﴿إِذَا حَضَرَ أحدكُم الْمَوْت﴾ الْآيَة. قَالَ قَتَادَة: الْخَيْر: المَال، وَأمر تبَارك وَتَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة بِالْوَصِيَّةِ للْوَالِدين والأقربين، ثمَّ نسخ ذَلِك فِي سُورَة النِّسَاء بقوله: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدس﴾ وَصَارَت الْوَصِيَّة لمن لَا يَرث من قريب أَو بعيد.
قَالَ مُحَمَّد: وَقَوله عَزَّ وَجَلَّ ﴿حَقًّا على الْمُتَّقِينَ﴾ نصب «حَقًا»؛ على معنى: كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِم حَقًا.
البقرة 2:181
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ قَالَ الحَسَن: هِيَ الْوَصِيَّة؛ من بدلهَا بعد مَا سَمعهَا، فَإِنَّمَا إثمها على من بدلهَا.
البقرة 2:182
﴿فَمن خَافَ﴾ يَعْنِي: علم ﴿مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَو إِثْمًا﴾ الجنف: أَن يُوصي بجور؛ وَهُوَ لَا يتَعَمَّد الْجور، وَالْإِثْم: أَن يُوصي بجور وَهُوَ يعلم ذَلِك ﴿فَأصْلح بَينهم﴾ يَعْنِي: بَين الموصَى لَهُ وَالْوَرَثَة ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾
قَالَ مُحَمَّد: الجنف فِي كَلَام الْعَرَب: الْميل عَنِ الْحق؛ يُقَال مِنْهُ: جنف يجنف.
البقرة 2:183
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: هُوَ شهر رَمَضَان؛ وَكَانُوا أمروا أَن يَصُومُوا ثَلَاثَة أَيَّام من كُلِّ شهر، ويصلوا رَكْعَتَيْنِ غدْوَة، وَرَكْعَتَيْنِ عَشِيَّة؛ فَكَانَ ذَلِكَ بَدْء الصّيام وَالصَّلَاة. ﴿أَيَّامًا معدودات﴾ قَالَ مُحَمَّد: يجوز أَن يكون نصب
البقرة 2:184
﴿أَيَّامًا معدودات﴾ على معنى: كتب عَلَيْكُم أَن تَصُومُوا أَيَّامًا معدودات. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ قَالَ مُحَمَّد: يُرِيد: فَعَلَيهِ عدَّة من أَيَّام أخر، ويكمل عدَّة مَا فَاتَهُ. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فديَة طَعَام مَسَاكِين﴾ تَفْسِير ابْن عَبَّاس: قَالَ: رخص للشَّيْخ الْكَبِير والعجوز الْكَبِيرَة - وهما يطيقان الصَّوْم - أَن يفطرا؛ إِن شاءا، ويطعما مَكَان كُلِّ يَوْم مِسْكينا. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: الشَّيْخ الْكَبِير، والعجوز الْكَبِيرَة؛ وهما يطيقان الصَّوْم، ثمَّ نسخ ذَلِكَ بقوله بعد هَذَا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
البقرة 2:185
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ قَالَ مُحَمَّد: يجوز أَن يكون ﴿شهر رَمَضَان﴾ مَرْفُوعا على معنى: والأيامُ الَّتي كُتبت عَلَيْكُم شهرُ رَمَضَان. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بكم الْعسر﴾ أَي: إِنَّمَا أَرَادَ اللَّه بِرُخْصَة الْإِفْطَار فِي السّفر التَّيْسِير عَلَيْكُم ﴿ولتكملوا الْعدة ولتكبروا الله﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: ولتعظموا اللَّه، كَذَلِك جَاءَ عَنِ ابْن عَبَّاس ﴿على مَا هدَاكُمْ﴾
البقرة 2:186
﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لما أنزل اللَّه - تبَارك وَتَعَالَى - ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ قَالَ رَجُل: كَيفَ نَدْعُو يَا رَسُول اللَّه؟ فَأنْزل اللَّه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾
البقرة 2:187
(ل ٢٥) ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لكم﴾ قَالَ قَتَادَة: الرَّفَث: الغشيان. ﴿هُنَّ لِبَاس لكم﴾ أَي: سكن لكم. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنكُمْ كُنْتُم تختانون أَنفسكُم﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَ الْمُسلمُونَ فِي أول مَا فرض عَلَيْهِم الصّيام؛ إِذا رقدوا لم يحل لَهُم النِّسَاء، وَلا الطَّعَام، وَلا الشَّرَاب بعد رقادهم؛ فَكَانَ قوم يصيبون من ذَلِك بعد رقادهم، فَكَانَت تِلْكَ خِيَانَة الْقَوْم أنفسهم، فَتَابَ عَلَيْهِم بعد ذَلِكَ، وَأحل ذَلِكَ إِلَى طُلُوع الْفجْر، وقَالَ: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كتب الله لكم﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: يَعْنِي: الْوَلَد يَطْلُبهُ الرجل؛ فَإِن كَانَ مِمَّن كتب اللَّه لَهُ الْوَلَد، رزقه إِيَّاه.
قَالَ مُحَمَّد: وَهَذَا أَمر نَدْبٍ لَا فرض. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ [يَعْنِي: سَواد اللَّيْل، وَتبين هَذَا من هَذَا].
قَالَ يَحْيَى: الْفجْر فجران: فَأَما [الَّذِي] كَأَنَّهُ ذَنْب السرحان؛ فَإِنَّهُ لَا يحل شَيْئا وَلا يحرمه، وَأما المستطيل الَّذِي يَأْخُذ بالأفق فَإِنَّهُ يُحل الصَّلاة، وَيُوجب الصّيام.
قَالَ مُحَمَّد: وَقَوله: ﴿الْخَيط الْأَبْيَض﴾ يَعْنِي: بَيَاض النَّهَار ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأسود﴾ يَعْنِي: سَواد اللَّيْل؛ ويتبين هَذَا من هَذَا عِنْد طُلُوع الْفجْر الثَّانِي.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ هُوَ أَمر إِبَاحَة ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ تَفْسِير السّديّ: كَانَ الرجل يعْتَكف؛ فَإِذا خرج من مُصَلَّاهُ، فلقي امْرَأَته غشيها، فنهاهم اللَّه عَنْ ذَلِكَ؛ حَتَّى يفرغ من اعْتِكَافه ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ أَي: لَا تقربُوا مَا نهاكم الله عَنهُ.
البقرة 2:188
﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وتدلوا بهَا إِلَى الْحُكَّام﴾ تَفْسِير الحَسَن: هُوَ الرجل يَأْكُل مَال الرجل ظلما، ويجحده إِيَّاه، ثمَّ يَأْتِي بِهِ إِلَى الْحُكَّام، والحكام إِنَّمَا يحكمون بِالظَّاهِرِ؛ فَإِذا حكم لَهُ، استحله بِحكمِهِ. ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ أَنَّهُ لَيْسَ لكم بِحَق.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّام﴾ يَعْنِي: الْأَمْوَال، وأصل الْكَلِمَة فِي اللُّغَة: من قَوْلك: أدليت الدَّلْو؛ إِذا أرسلتها، وَتقول: أدلى فلَان بحجته؛ أَي: أرسلها.
البقرة 2:189
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج﴾ قَالَ قَتَادَة: ذكر لَنَا: أَنهم سَأَلُوا نَبِي اللَّهِ ﷺ لم خلقت هَذِه الْأَهِلّة؟ فَأنْزل اللَّه هَذِه الْآيَة؛ أَي: هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس؛ لصومهم وإفطارهم وحجهم وعدة نِسَائِهِم وَمحل دَيْنهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: كَانَ هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار إِذا أهل أحدهم لم يدْخل بَيْتا وَلا دَارا من بَابه، إِلَّا أَن يتسور حَائِطا تسورا، وَأَسْلمُوا وهم كلهم على ذَلِكَ؛ حَتَّى نَهَاهُم الله.
البقرة 2:190
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يقاتلونكم﴾ وَذَلِكَ قبل أَن يؤمروا بِقِتَال الْمُشْركين كَافَّة؛ فَكَانُوا لَا يُقَاتلُون إِلَّا من قَاتلهم ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ يَعْنِي: فِي حربكم؛ فتقاتلوا من لم يُقَاتِلُوكُمْ، ثمَّ أَمر بقتالهم فِي سُورَة بَرَاءَة.
البقرة 2:191
﴿واقتلوهم حَيْثُ ثقفتموهم﴾ أَي: وَجَدْتُمُوهُمْ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أخرجوكم﴾ يَعْنِي: من مَكَّة ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ من الْقَتْل﴾ الْفِتْنَة هَا هُنَا: الشّرك ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم﴾ أَمر اللَّه - جلّ ذكره - نبيه ﷺ أَلا يقاتلهم فِيهِ حَتَّى يبدءوا بِقِتَال؛ وَكَانَ هَذَا قبل أَن يُؤمر بقتالهم كَافَّة.
البقرة 2:192
﴿فَإِن انْتَهوا﴾ يَعْنِي: عَنْ قتالكم، ودخلوا فِي دينكُمْ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
البقرة 2:193
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَي: شرك ﴿فَإِن انْتَهوا﴾ عَن شركهم ﴿فَلَا عدوان﴾ أَي: فَلَا سَبِيل ﴿إِلا عَلَى الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين.
قَالَ مُحَمَّد: أصل الْعدوان: الظُّلم، (ل ٢٦) وَمعنى الْعدوان هَا هُنَا: الْجَزَاء [يَقُولُ]: لَا جَزَاء [ظلم] إِلَّا على الظَّالِمين.
البقرة 2:194
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قصاص﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: قَالَ: كَانَ الْمُشْركُونَ صدوا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبَيْت عَام الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقعدَة، [فحجزوا] عَلَيْهِ بذلك، فرجعه اللَّه إِلَى الْبَيْت فِي ذِي الْقعدَة من قَابل، واقتص لَهُ مِنْهُم، فَأَقَامَ فِيهِ ثَلَاثَة أَيَّام. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ يَقُولُ: إِن استحلوا مِنْكُم الْقِتَال، فاستحلوه مِنْهُم
البقرة 2:195
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ تَفْسِير الحَسَن: يَقُولُ: إنَّ ترككم الْإِنْفَاق فِي سَبِيل اللَّه إلقاءٌ مِنْكُم بِأَيْدِيكُمْ إِلَى مَا يهلككم عِنْد اللَّه ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ قَتَادَة: أَمرهم أَن ينفقوا فِي سَبِيل اللَّه، وَأَن يحسنوا فِيمَا رزقهم الله.
البقرة 2:196
﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا هِيَ حجَّة وَعمرَة؛ فَمن قضاهما، فقد قضى الْفَرِيضَة، أَو قضى مَا عَلَيْهِ؛ فَمَا أصَاب بعد ذَلِك، فَهُوَ تطوع».
قَالَ يَحْيَى: الْعَامَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَرِيضَتَانِ، إِلا أَنَّ سَعِيدًا (أَخْبَرَنَا) عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «الْحَجُّ فَرِيضَةٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ».
وَالْقِرَاءَة على هَذَا التَّفْسِير: بِنصب الْحَج، وَرفع الْعمرَة، ومقرأة الْعَامَّة: بِالنّصب فيهمَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن أحصرتم﴾ الْإِحْصَار: أَن يعرض للرجل مَا يحول بَينه وَبَين الْحَج من مرض أَو عَدو ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي شَاة ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ قَالَ عَطَاء: كل هدي بلغ الْحرم ثمَّ عطب - فقد بلغ مَحَله، إِلَّا هدي الْمُتْعَة والمحصر.
قَالَ مُحَمَّد: الْمحل: الْموضع الَّذِي يحل [فِيهِ النَّحْر]؛ وَهُوَ من: حل يحِل؛ أَي: وَجب يجب. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نسك﴾.
يحيى: عَن مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ، فَنَكَسَ رَأْسَهُ فَإِذَا الْهَوَامُّ تَجُولُ فِي رَأْسِهِ، فَقَالَ: أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ يَا كَعْبُ؟ قَالَ: نعم. فَسكت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَالَ لَهُ النَّبي ﷺ: احْلِقْهُ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ فَرْقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ أَهْدِ شَاةً».
قَالَ يَحْيَى: الْفرق: ثَلَاثَة آصَع، صَاع بَين اثْنَيْنِ. ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ من أهلَّ بِعُمْرَة فِي أشهر الْحَج فِي شَوَّال، أَو فِي ذِي الْقعدَة، أَوْ فِي ذِي الْحجَّة، ثمَّ حج من عَامه ذَلِكَ - فَهُوَ متمتع عَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي، فَإِن لم يجد صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج.
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «مِنْ يَوْمِ يُهِلُّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ؛ فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ صَامَ أَيَّامَ مِنًى».
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَة إِذا رجعتم﴾.
يَحْيَى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «صَامَ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ».
وقَالَ مُجَاهِد: إِن شَاءَ صامها فِي الطَّرِيق. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ قَالَ عَطَاء: من كَانَ مِنْهَا عَلَى رَأس لَيْلَة، فَهُوَ من حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام.
البقرة 2:197
﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات﴾ هِيَ: شَوَّال، وَذُو الْقعدَة، وَعشر ذِي الْحجَّة ﴿فَمن فرض﴾ أَي: أوجب ﴿فِيهِنَّ الْحَج﴾ على نَفسه ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الرَّفَث: الْجِمَاع، والفسوق: الْمعاصِي، والجدال: أَنْ يُمَارِي بَعضهم بَعْضًا حَتَّى يغضبوا.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ؛ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالنِّسَاءَ؛ فَإِنَّ الإِعْرَابَ مِنَ الرَّفَثِ وَالإِعْرَابُ أَنْ [يُعْرِبَ] لَهَا بِالْقَوْلِ، يَقُولُ: لَوْ كُنَّا حَلالا [لَفَعَلْنَا كَذَا]. قَالَ: [فَأَخْبَرْتُ] بِذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: صَدَقَ ابْن الزبير».
(ل ٢٧) ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ هُوَ كَقَوْلِه: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خير فَلَنْ يكفروه ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: كَانَ أنَاس من أهل الْيمن يحجون وَلا يتزودون، فَأَمرهمْ اللَّه بالزاد وَالنَّفقَة فِي سَبِيل اللَّه، ثمَّ أخْبرهُم أَن خير الزَّاد التَّقْوَى.
البقرة 2:198
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ يَعْنِي: التِّجَارَة فِي الْحَج ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم من عَرَفَات﴾ قَالَ قَتَادَة: أَفَاضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ من عَرَفَات بعد غرُوب الشَّمْس.
وقَالَ الحَسَن: إِنَّ جِبْرِيل أرى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلام الْمَنَاسِك كلهَا؛ حَتَّى إِذا بلغ إِلَى عَرَفَات، قَالَ: يَا إِبْرَاهِيم؛ أعرفت مَا رَأَيْت من الْمَنَاسِك؟ قَالَ: نعم. وَلذَلِك سميت عَرَفَة. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمشعر الْحَرَام﴾ قَالَ قَتَادَة: هِيَ الْمزْدَلِفَة.
يَحْيَى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن جَابر ابْن عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لما صَلَّى الصُّبْحَ، وَقَفَ بِجَمْعٍ، ثُمَّ أَفَاضَ».
قَالَ قَتَادَة: إِنَّمَا سُمِّي جمعا؛ لِأَنَّهُ يجمع فِيهِ بَين الْمغرب وَالْعشَاء.
﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ من قبله لمن الضَّالّين﴾.
تَفْسِير الحَسَن: من الضَّالّين فِي مَنَاسِككُم وحجكم ودينكم كُله.
البقرة 2:199
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ وَهِي الْإِفَاضَة من عَرَفَة. قَالَ قَتَادَة: كَانَت قُرَيْش وكُلُّ ابْن أُخْت لَهُم وحليف لَا يقفون بِعَرَفَة، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أهل اللَّه فَلَا [نخرج] من حرمه
البقرة 2:200
﴿فَإِذا قضيتم مَنَاسِككُم﴾ قَالَ السّديّ: يَعْنِي: إِذا فَرَغْتُمْ من مَنَاسِككُم ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم أَو أَشد ذكرا﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة؛ إِذا قضوا مناسكهم، ذكرُوا آبَاءَهُم وَفعل آبَائِهِم؛ بذلك يخْطب خطيبهم إِذا خطب، وَبِه يحدث محدثهم إِذا حدث، فَأَمرهمْ اللَّه - عز وَجل - إِذا قضوا مناسكم أَن يذكروه كذكرهم آبَاءَهُم، أَو أَشد ذكرا؛ يَعْنِي بل أَشد ذِكْرًا. ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ أَي: من نصيب؛ وهم الْمُشْركُونَ، لَيْسَ لَهُم همة إِلَّا الدُّنيا، لَا يسْأَلُون اللَّه شَيْئا إِلَّا لَهَا؛ وَذَلِكَ أَنهم لَا يقرونَ بِالآخِرَة وَلَا يُؤمنُونَ بهَا.
البقرة 2:201
﴿وَمِنْهُم من يَقُول﴾ وهم الْمُؤْمِنُونَ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ الْآيَة قَالَ الحَسَن: والحسنة فِي الدُّنيا طَاعَة الله، وَفِي الْآخِرَة الْأجر. وقَالَ بَعضهم: الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا كُلُّ مَا كَانَ من رخاء الدُّنيا، وَمن ذَلِكَ الزَّوْجَة الصَّالِحَة
البقرة 2:202
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ أَي: ثَوَاب مَا عمِلُوا وَهِي الْجنَّة.
البقرة 2:203
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ أَيَّام التَّشْرِيق يُذْكر اللَّه فِيهَا، وَيُرْمى فِيهَا الْجمار، وَمَا مَضَت بِهِ السّنة من التَّكْبِير فِي دبر الصَّلَوَات ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يَعْنِي: فَمن تعجل فِي يَوْمَيْنِ من أَيَّام التَّشْرِيق فنفر، فَلَا إِثْم عَلَيْهِ، وَمن تَأَخّر إِلَى الْيَوْم [الثَّالِث] فَلَا إِثْم عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾
يَحْيَى: عَنِ الْحَارِثِ بْنِ نَبْهَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
البقرة 2:204
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَهُوَ الْمُنَافِق الَّذِي يقر بِالْإِيمَان فِي الْعَلَانِيَة ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قلبه﴾ من الْكفْر والجحود بِمَا أقرّ بِهِ فِي الْعَلَانِيَة ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام﴾ أَي: كَاذِب فِي القَوْل
البقرة 2:205
﴿وَإِذا تولى﴾ أَي: فارقك ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ ليفسد فِيهَا﴾ الْآيَة.
قَالَ الْكَلْبِيّ: نزلت فِي الْأَخْنَس بْن شريق الثَّقَفِيِّ وَكَانَ شَدِيد الْخِصَام؛ فَأَما إهلاكه الْحَرْث والنسل فيعني: قطع الرَّحِم الَّذِي [كَانَ] بَينه وَبَين ثَقِيف؛ فبيتهم لَيْلًا فَأهْلك مَوَاشِيهمْ، وأحرق حرثهم؛ وَكَانَ حسن الْعَلَانِيَة، سيئ السريرة.
البقرة 2:206
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذته الْعِزَّة بالإثم﴾ تَفْسِير قَتَادَة: إِذا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ الله؛ ﴿ل ٢٨﴾ فَإِن هَذَا الَّذِي تصنع لَا يحِق لَك، قَالَ: إِنِّي لِأَزْدَادَ بِهَذَا عِنْد اللَّه قربَة.
قَالَ اللَّه: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ والمهاد والبساط والفراش وَاحِد.
البقرة 2:207
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أَي: يَبِيع نَفسه بِالْجِهَادِ ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ بِالْمُؤْمِنِينَ.
البقرة 2:208
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّة﴾ يَعْنِي: فِي الْإِسْلَام جَمِيعًا ﴿وَلا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ يَعْنِي: أمره.
البقرة 2:209
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءتكم الْبَينَات﴾ يَعْنِي بالزلل: الْكفْر ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ الله عَزِيز﴾ فِي نقمته ﴿حَكِيم﴾ فِي أمره.
البقرة 2:210
﴿هَل ينظرُونَ﴾ أَي: مَا ينظرُونَ ﴿إِلا أَنْ يَأْتِيهم الله﴾ يَوْم الْقِيَامَة ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ أَي: وتأتيهم الْمَلَائِكَة ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْت.
البقرة 2:211
﴿سل بني إِسْرَائِيل كَمَا آتَيْنَاهُم من آيَة بَيِّنَة﴾ تَفْسِير الحَسَن: يَعْنِي: مَا نجاهم اللَّه من آل فِرْعَوْن، وظلل عَلَيْهِم الْغَمَام وَغير ذَلِكَ، وآتيناهم بَيِّنَات من الْهدى، بَين لَهُم الْهدى من الْكفْر ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ يَقُولُ: بدلُوا ذَلِكَ، وَاتَّخذُوا الْيَهُودِيَّة والنصرانية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أخبر أَنَّهُ ستشتد نقمته على الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذين بدلُوا دين الله.
البقرة 2:212
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ويسخرون من الَّذين آمنُوا﴾ فِي طَلَبهمْ الْآخِرَة ﴿وَالَّذين اتَّقوا﴾ وهم الْمُؤْمِنُونَ ﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَي: خير مِنْهُم ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ قَالَ بَعضهم: يَعْنِي: من غير أَن يُحَاسب نَفسه؛ لِأَن مَا عِنْد اللَّه لَا ينقص؛ كَمَا ينقص مَا فِي أَيدي النَّاس.
البقرة 2:213
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيين مبشرين ومنذرين﴾ تَفْسِير قَتَادَة: ذكر لَنَا أَنَّهُ كَانَ بَين آدم ونوح - عَلَيْهِمَا السَّلام - عشرَة قُرُون كلهم يعْمل بِطَاعَة اللَّه على الْهدى، وعَلى شَرِيعَة من الْحق، ثمَّ اخْتلفُوا بعد ذَلِكَ، فَبعث اللَّه نوحًا عَلَيْهِ السَّلام فَكَانَ أول رَسُول أرْسلهُ اللَّه إِلَى أهل الأَرْض. ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَينَات بغيا بَينهم﴾ أَي: حسدا بَينهم ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ﴾ أَي: بأَمْره.
البقرة 2:214
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا من قبلكُمْ﴾ أَي: سنَن الَّذين مضوا من قبلكُمْ.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: وَلما يصبكم مثل الَّذِي أصَاب الَّذين خلوا من قبلكُمْ؛ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ يحيى. ﴿مستهم البأساء وَالضَّرَّاء﴾ البأساء: الْبُؤْس، وَالضَّرَّاء: الْمَرَض والجراح ﴿وزلزلوا﴾ أَصَابَتْهُم الشدَّة ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهُ﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ قَرَأَ: ﴿حَتَّى يَقُولُ﴾ بِالرَّفْع - فَالْمَعْنى: حَتَّى قَالَ الرَّسُول، وَمن نصب فعلى معنى: حَتَّى يكون من قَول الرَّسُول.
قَالَ اللَّه: ﴿أَلا إِنَّ نصر الله قريب﴾ قَالَ الحَسَن: وَذَلِكَ أَن اللَّه وعدهم النَّصْر والظهور، فاستبطئوا ذَلِكَ؛ لما وصل إِلَيْهِم من الشدَّة، فَأخْبر الله النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَالْمُؤمنِينَ؛ بِأَن من مضى قبلكُمْ من الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ؛ كَانَ إِذا بلغ الْبلَاء مِنْهُم هَذَا، عجلت لَهُم نصري؛ فَإِذا ابتليتم أَنْتُم بذلك أَيْضا فأبشروا؛ فَإِن نصري قريب.
البقرة 2:215
﴿يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ﴾ الْآيَة. نزلت هَذِه الْآيَة قبل أَن تنزل آيَة الزَّكَاة، وَلم يكن ذَلِكَ يَوْمئِذٍ شَيْئا موقَّتا.
البقرة 2:216
﴿كتب عَلَيْكُم الْقِتَال﴾ أَي: فرض عَلَيْكُم ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: (ل ٢٩) كَانَ هَذَا حِين كَانَ الْجِهَاد فَرِيضَة (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تعلمُونَ} قَالَ الْكَلْبِيّ: علم أَنه سَيكون فيهم من يُقَاتل فِي سَبِيل اللَّه، فيستشهد.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿كُرْهٌ لكم﴾ مَعْنَاهُ: مشقة لكم، لَا أَن الْمُؤمنِينَ يكْرهُونَ فرض؛ وَيُقَال: كرهت الشَّيْء كَرها وكُرها وَكَرَاهَة. وَالْقِرَاءَة: «كره» بِالضَّمِّ؛ وتأويله: ذُو كره لكم.
البقرة 2:217
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: قَالَ: ((أرسل رَسُول اللَّهِ ﷺ رجلا فِي سَرِيَّة فَمر بِابْن الحَضْرَميِّ يحمل خمرًا من الطَّائِف إِلَى مَكَّة، فَرَمَاهُ بِسَهْم فَقتله وَكَانَ بَين النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَبَين قُرَيْش عهد فَقتله آخر لَيْلَة من جُمَادَى الْآخِرَة وَأول لَيْلَة من رَجَب، فَقَالَت قُرَيْش: أَفِي الشَّهْر الْحَرَام ولَنَا عهد؟! فَأنْزل اللَّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ الله وَكفر بِهِ﴾ أَي: بِاللَّه ﴿وَالْمَسْجِد الْحَرَام﴾ أَي: وَصد عَنِ الْمَسْجِد الْحَرَام ﴿وَإِخْرَاج أَهله مِنْهُ﴾ يَعْنِي: النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصْحَابه؛ أخرجهم الْمُشْركُونَ من الْمَسْجِد؛ كل هَذَا ﴿أكبر عِنْد الله﴾ من قتل ابْن الحَضْرَميِّ ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ يَعْنِي: الشّرك ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
قَالَ يَحْيَى: وَكَانَ هَذَا قبل أَن يُؤمر بقتالهم عَامَّة.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ﴾ «قتال» مخفوض عَلى الْبَدَل من الشَّهْر الْحَرَام، الْمَعْنى: ويسألونك عَنْ قتال فِي الشَّهْر الْحَرَام.
وَقَوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ «قتال» مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، و «كَبِير» خَبره. ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أَي: وَلنْ يستطيعوا ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهم﴾ أَي: بطلت.
البقرة 2:218
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله﴾ أَي: يطمعون فِي رَحْمَة اللَّه؛ يَعْنِي: الْجَنَّة. قَالَ الحَسَن: وَهُوَ على الْإِيجَاب؛ يَقُولُ: يفعل ذَلِكَ بهم. وقَالَ قَتَادَة: ذكر فِي الْآيَة الأولى قصَّة قتل ابْن الحَضْرَميِّ، وَمَا قَالَ الْمُشْركُونَ، وَمَا أنزل اللَّه فِي ذَلِكَ، ثمَّ أثنى اللَّه على أَصْحَاب النَّبي ﷺ أحسن الثَّنَاء؛ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الْآيَة.
البقرة 2:219
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ الميسر: الْقمَار كُله. وَقَوله: ﴿فِيهِمَا إِثْم كَبِير﴾ كَانُوا إِذا شربوا الْخمر فسكروا، عدا بَعضهم على بَعْض، وَكَانُوا يتقامرون حَتَّى لَا يبْقى لأَحَدهم شَيْء، فَكَانَ يُورث ذَلِكَ بَينهم عَدَاوَة.
وَقَوله: ﴿وَمَنَافع للنَّاس﴾ مَا كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ من شربهَا وَبَيْعهَا، وَمن الْقمَار قبل أَن يحرمهما اللَّه، قَالَ قَتَادَة: ذمها اللَّه فِي هَذِه الْآيَة، وَلم يحرمها؛ لما أَرَادَ أَن يبلغ بِهَا من الْمدَّة وَهِي يَوْمئِذٍ لَهُم حَلَال، ثمَّ أنزل اللَّه بعد ذَلِكَ آيَة هِيَ أَشد مِنْهَا: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُم سكرى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ فَكَانُوا يشربونها؛ حَتَّى إِذا حضرت الصَّلاة أَمْسكُوا، وَكَانَ السكر عَلَيْهِم فِيهَا حَرَامًا، وَأحل لَهُم مَا خلا ذَلِكَ، فَذكر لَنَا أَن نَبِي اللَّهِ ﷺ قَالَ - لما نزلت هَذِه الْآيَة -: إِن اللَّه قد تقرب فِي تَحْرِيم هَذِه الْخمر. ثمَّ أنزل الله تَحْرِيمهَا فِي سُورَة الْمَائِدَة، فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ والأنصاب والأزلم ... . .﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فجَاء تَحْرِيمهَا فِي هَذِه الْآيَة قليلها وكثيرها.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ يَعْنِي: الصَّدَقَة ﴿قل الْعَفو﴾ تَفْسِير الحَسَن: يَعْنِي: مَا فضل عَنْ نَفَقَتك، أَو نَفَقَة عِيَالك.
قَالَ يَحْيَى: وَكَانَ هَذَا قبل أَن تنزل آيَة الزَّكَاة.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿الْعَفْوَ﴾ من قَرَأَهَا بِالنّصب فعلى معنى: قل: أَنْفقُوا الْعَفو، وَمن قَرَأَهَا بِالرَّفْع فعلى معنى: الَّذِي يُنْفقُونَ الْعَفو. وَالْعَفو فِي اللُّغَة: (ل ٣٠) الْفضل وَالْكَثْرَة؛ يُقَال: قد عَفا الْقَوْم؛ إِذا كَثُرُوا.
يَحْيَى: عَنْ أَبِي الأَشْهَبِ، عَنِ الْحسن، عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَلا يَلُومُ اللَّهُ عَلَى الْكَفَافِ».
قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ تَفْسِير [قَتَادَة: أَي أَن الدُّنيا] دَار بلَاء وفناء، وَأَن الْآخِرَة دَار جَزَاء وَبَقَاء.
البقرة 2:220
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ الْآيَة] تَفْسِير قَتَادَة: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ [أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ] اشتدت عَلَيْهِم؛ فَكَانُوا لَا يخالطونهم فِي مطعم وَلا نَحوه؛ فَأنْزل اللَّه [بعد ذَلِكَ: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ]﴾ ﴿فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ المصلح﴾ فَرخص اللَّه لَهُم. ﴿وَلَوْ شَاءَ الله لأعنتكم﴾ أَي: لترككم فِي الْمنزلَة] الأولى؛ لَا تخالطونهم؛ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْكُم عنتا شَدِيدا. [والعنت: الضّيق].
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿فإخوانكم﴾ الْقِرَاءَة بِالرَّفْع؛ على معنى: فهم إخْوَانكُمْ.
البقرة 2:221
﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأمة مُؤمنَة﴾ يَتَزَوَّجهَا الْمُسلم؛ إِذا لم يجد طولا ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعجبتكُم﴾ ثمَّ] نسخ المشركات من أهل الْكتاب فِي سُورَة الْمَائِدَة؛ فأحلهن؛ فَقَالَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وَالْمُحصنَات فِي هَذِه الْآيَة: الْحَرَائِر ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [فَحرم] اللَّه أَن يتَزَوَّج الْمسلمَة أحد من الْمُشْركين؛ فَقَالَ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ تتزوجه الْمسلمَة ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّار﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين يدعونَ إِلَى النَّار؛ أَي: إِلَى دينهم، قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ بأَمْره ﴿وَيبين آيَاته للنَّاس﴾ يَعْنِي: الْحَلَال وَالْحرَام ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لكَي: يتذكروا.
البقرة 2:222
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ﷺ تَفْسِير الحَسَن: إِن الشَّيْطَان أَدخل على أهل الْجَاهِلِيَّة فِي حيض النِّسَاء من الضّيق مَا أَدخل على الْمَجُوس؛ فَكَانُوا لَا يجالسونهن فِي بَيت، وَلا يَأْكُلُون مَعَهُنَّ، وَلا يشربون؛ فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلام سَأَلَ الْمُسلمُونَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَأنْزل اللَّه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أَي: قذر ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض وَلَا تقربوهن﴾ يَعْنِي: المجامعة ﴿حَتَّى يطهرن﴾ يَعْنِي: حَتَّى يريْن الْبيَاض ﴿فَإِذَا تطهرن يَعْنِي: اغْتَسَلْنَ (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمركُم الله﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي: من حَيْثُ أَمركُم الله أَن تجتنبوهن. وَقَالَ السّديّ: (من حَيْثُ) يَعْنِي: فِي حَيْثُ أَمركُم اللَّه؛ يَعْنِي: فِي الْفرج ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحب المتطهرين﴾ من الذُّنُوب.
البقرة 2:223
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنى شِئْتُم﴾
يَحْيَى: عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَتَى امْرَأَتَهُ مِنْ خَلْفِهَا، جَاءَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾؛ إِنْ شِئْتُمْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا، وَإِنْ شِئْتُمْ مِنْ خَلْفِهَا، غَيْرَ أَنَّ السَّبِيلَ مَوْضِعُ الْوَلَدِ».
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿حرث لكم﴾ كِنَايَة، وأصل الْحَرْث: الزَّرْع؛ أَي: هُوَ للْوَلَد كالأرض للزَّرْع.
يَحْيَى: عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ [جَدِّهِ] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا هِيَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى».
يَحْيَى: عَنْ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ [حَبِيبٍ] عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي مَوَاضِعَ حُشُوشِهِنَّ.» [قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقدمُوا لأنفسكم﴾ يَعْنِي: الْوَلَد.
يَحْيَى: عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، [عَنْ] صعصعة، عَن أبي ذَر] (ل ٣١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا من مُسلمين يتوفى لَهما ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا حِنْثًا، إِلا أَدْخَلَهُمَا [اللَّهُ] الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لأَنْ أُقَدِّمَ سُقْطًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَخْلُفَ مِائَةَ فَارِسٍ؛ كُلُّهُمْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنكُمْ ملاقوه وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ بِالْجنَّةِ.
البقرة 2:224
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَين النَّاس﴾ تَفْسِير الحَسَن: كَانَ الرجل يُقَال لَهُ: لم لَا تبر أَبَاك أَو أَخَاك أَو قرابتك أَو تفعل كَذَا لخير؟! فَيَقُول: قد حَلَفت بِاللَّهِ لَا أبره، وَلا أَصله، وَلَا أصلح الَّذِي بيني وَبَينه؛ يعتل بِاللَّهِ؛ فَأنْزل اللَّه ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيمانكم﴾ يَعْنِي: الْحلف؛ أَي: لَا تعتلوا بِاللَّهِ.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: لَا تجْعَلُوا اللَّه بِالْحلف بِهِ مَانِعا لكم من أَن تبروا. وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الحَسَن.
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ؛ إِذَا حَلَفت على يَمِين فَرَأَيْت خيرا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكفر عَن يَمِينك».
البقرة 2:225
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾).
يَحْيَى: عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «دَخَلْتُ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلَهَا عُبَيْدٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ. فَقَالَتْ: هُوَ قَوْلُ أَحَدِكُمْ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ».
وقَالَ الحَسَن وَقَتَادَة: وَهُوَ الْخَطَأ غير الْعمد؛ وَذَلِكَ أَن تحلف عَلَى الشَّيْء؛ وَأَنت ترى أَنه كَذَلِك؛ فَلَا يكون كَمَا حَلَفت عَلَيْهِ. ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يَعْنِي: مَا تعمدتم بِهِ المأثم؛ وَهَذَا فِيهِ الْكَفَّارَة.
البقرة 2:226
قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِم﴾ أَي: يحلفُونَ ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الْآيَة. كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَفِي صدر من الإِسْلام يغْضب أحدهم على امْرَأَته، فَيحلف بِاللَّهِ لَا يقربهَا كَذَا وَكَذَا فيدعها لَا أيِّمًا وَلا ذاتَ بعل؛ فَأَرَادَ اللَّه أَن يعْصم الْمُؤمنِينَ عَنْ ذَلِكَ بِحَدّ يحده لَهُم؛ فحد لَهُم أَرْبَعَة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ تَفْسِير الحَسَن: يَعْنِي بالفيء: الرُّجُوع إِلَى الْجِمَاع ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾
البقرة 2:228
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والأقراء: الْحيض؛ فِي قَول أهل الْعرَاق، وَفِي قَول أهل الْمَدِينَة: الْأَطْهَار.
قَالَ قَتَادَة: جعل عدَّة الْمُطلقَة فِي هَذِه الْآيَة ثَلَاث حيض، ثمَّ نسخ مِنْهَا الْمُطلقَة الَّتِي لم يدْخل بِهَا زَوجهَا، فَقَالَ فِي سُورَة الْأَحْزَاب: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تعتدونها} فَهَذِهِ لَيست عَلَيْهَا عدَّة.
وَنسخ أَيْضا من الثَّلَاثَة قُرُوء الَّتِي لَا تحيض من صغر أَو كبر وَالْحَامِل؛ فَقَالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ من الْمَحِيض من نِسَائِكُم﴾ فَهَذِهِ للعجوز الَّتِي لَا تحيض ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ واللائي لم يحضن﴾ فَهَذِهِ الَّتِي لم تَحض أَيْضا ثَلَاثَة أشهر.
قَالَ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ فَهَذِهِ أَيْضا لَيست من القروء فِي شَيْء أجلهَا أَن تضع حملهَا.
قَالَ مُحَمَّد: القروء: وَاحِدهَا قرء؛ يُقَال: أَقرَأت الْمَرْأَة وقرأت؛ إِذا حَاضَت، أَو طهرت؛ وَإِنَّمَا جعل الْحيض قرءا، وَالطُّهْر قرءا؛ لِأَن أصل الْقُرْء فِي كَلَام الْعَرَب: الوَقْت؛ يُقَال: رَجَعَ فلَان لقرئه؛ أَي: لوقته الَّذِي كَانَ يرجع فِيهِ؛ فالحيض يَأْتِي لوقت، وَالطُّهْر يَأْتِي لوقت وَالله أعلم بِمَا أَرَادَ. ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أرحامهن﴾ تَفْسِير مُجَاهِد قَالَ: لَا يحل للمطلقة أَن تَقُول إِنِّي حَائِض، وَلَيْسَت بحائض [أَو تَقُول: إِنِّي حُبْلَى وَلَيْسَت بحبلى، أَو تَقُول: لست بحائض وَهِي حَائِض] أَو تَقُول: لست بحبلى، وَهِي حُبْلَى؛ لتبين من زَوجهَا قبل أَن تَنْقَضِي الْعدة، وتُضِيف الْوَلَد إِلَى الزَّوْج الثَّانِي، وتستوجب الْمِيرَاث؛ إِذا مَاتَ الرجل [فَتَقول: لم تنقض عدتي] وَقد انْقَضتْ عدتهَا، وَالنَّفقَة فِي الْحمل.
(ل ٣٢) ﴿وبعولتهن﴾ يَعْنِي: الْأزْوَاج ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك﴾ فِي الْعدة التطليقة والتطليقتين ﴿إِنْ أَرَادوا إصلاحا﴾ يَعْنِي: حسن الصُّحْبَة ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾ يَعْنِي: فَضِيلَة فِي الْحق.
البقرة 2:229
﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ﴾ قَالَ يَحْيَى: بلغنَا أَن أهل الْجَاهِلِيَّة لم يكن لَهُم حد فِي الطَّلَاق، كَانَ يُطلق أحدهم الْعشْر وَأَقل من ذَلِكَ وَأكْثر، فَجعل اللَّه حد الطَّلَاق ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ وبلغنا أَن رجلا قَالَ: ((يَا رَسُول الله، قَول الله: ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ﴾ فَأَيْنَ الثَّالِثَة؟ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة (فإمساك) بِالرَّفْع عَلَى معنى: فَالْوَاجِب عَلَيْكُم إمْسَاك بِمَعْرُوف، أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان. وَمعنى (بِمَعْرُوف) بِمَا يعرف من إِقَامَة الْحق؛ فِي إمْسَاك الْمَرْأَة وَقَوله تَعَالَى: ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ﴾ مَعْنَاهُ: الطَّلَاق الَّذِي يملك فِيهِ الرّجْعَة تَطْلِيقَتَانِ. ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود الله﴾ يَعْنِي: أَمر اللَّه فِي أَنفسهمَا؛ وَذَلِكَ أَنه يُخاف من الْمَرْأَة فِي نَفسهَا إِذا كَانَت مبغضة لزَوجهَا فتعصي اللَّه فِيهِ، ويُخاف من الزَّوْج إِن لم يطلقهَا أَن يتَعَدَّى عَلَيْهَا.
قَالَ مُحَمَّد: الَّذِي يدل عَلَيْهِ تَفْسِير يَحْيَى: أَن الْقِرَاءَة كَانَت عِنْده [يُخَافَا] بِضَم الْيَاء، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَر وَحَمْزَة. وَقرأَهَا نَافِع وَغير وَاحِد [يخافا] بِالْفَتْح؛ ذكره أَبُو عبيد.
قَالَ أَبُو عبيد: وَالْقِرَاءَة عندنَا بِضَم الْيَاء؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فَجعل الْخَوْف لغَيْرِهِمَا، وَلم يقل: فَإِن خافا.
قَالَ قَتَادَة: خَاطب بِهَذَا الْوُلَاة ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُود الله﴾ يَعْنِي: سنة اللَّه وَأمره فِي الطَّلَاق ﴿فَلَا تعتدوها﴾ أَي: لَا تتعدوها إِلَى غَيرهَا ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هم الظَّالِمُونَ﴾ لأَنْفُسِهِمْ.
قَالَ مُحَمَّد: وَمعنى حُدُود اللَّه: مَا حَده مِمَّا لَا تجوز مجاوزته إِلَى غَيره، وأصل الْحَد فِي اللُّغَة: الْمَنْع؛ يُقَال: حددت الدَّار؛ أَي: بيّنت الْأَمْكِنَة الَّتِي تمنع غَيرهَا أَن يدْخل فِيهَا، وحددت الرجل أَقمت عَلَيْهِ الْحَد، وَالْحَد: هُوَ الَّذِي يمْتَنع بِهِ النَّاس من أَن يدخلُوا فِيمَا يجلب إِلَيْهِم الْعقُوبَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يَعْنِي: الثَّالِثَة ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيره﴾.
يَحْيَى: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: «أَنَّ تَمِيمَةَ بِنْتَ عُبَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَظِيَّةَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَطَلَّقَهَا، فَأَتَتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَتْهُ؛ هَلْ تَرْجِعُ إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ. فَقَالَ لَهَا: هَلْ غَشِيَكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ، مَا عِنْدَهُ بِأَغْنَى عَنْهُ مِنْ هُدْبَةِ ثَوْبِي؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا، حَتَّى تَذُوقِي من عُسَيْلَةِ غَيْرِهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، قَدْ غَشِيَنِي. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَاحْرِمْهَا إِيَّاهُ. فَأَتَتَ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَهُ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهَا، ثُمَّ أَتَتْ عُمَرَ فَلَمْ يرخص لَهَا».
البقرة 2:230
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُود الله﴾ يَعْنِي: إِن أيقنا أَن يُقِيمَا حُدُود اللَّه. تَفْسِير بَعضهم: يَقُولُ: ﴿فَإِن طَلقهَا﴾ يَعْنِي: الزَّوْج الْأَخير ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ عَلَى الْمَرْأَة وَالزَّوْج الأول الَّذِي طَلقهَا ثَلَاثًا ﴿أَن يتراجعا﴾ إِن أحبا. وَفِي تفسيرهم: فَإِن طَلقهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يتراجعا.
البقرة 2:231
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فقد ظلم نَفسه﴾.
يَحْيَى: عَنِ الْجَهْمِ بْنِ وَرَّادٍ؛ أَنَّ رَجُلا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لامْرَأَتِهِ: لأُطَلِّقَنَّكِ، ثُمَّ [لأَحْبِسَنَّكِ] تسع حيض لَا تقدرين على أَنْ تَتَزَوَّجِي غَيْرِي. قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟! قَالَ: أُطَلِّقُكِ تَطْلِيقَةً، ثُمَّ [أَدَعُكِ] حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِكِ رَاجَعْتُكِ، ثُمَّ أُطَلِّقُكِ أُخْرَى، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ انْقِضَاءِ عدتك رَاجَعتك ثمَّ أطلقك ثُمَّ [تَعْتَدِّينَ مِنْ] ثَلاثِ حِيَضٍ، فَأنْزل الله (ل ٣٣) هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إِلَى آخِرِهَا.
قَالَ يَحْيَى: فَإِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَهُوَ تَسْرِيحٌ. ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾
يَحْيَى: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ؛ فَإِذَا سُئِلَ، قَالَ: كُنْتُ لاعِبًا. وَيَتَزَوَّجُ؛ فَإِذَا سُئِلَ، قَالَ: كُنْتُ لاعِبًا. وَيُعْتِقُ؛ فَإِذَا سُئِلَ، قَالَ: كُنْتُ لاعِبًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَات الله هزوا﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ طَلَّقَ لاعِبًا أَوْ تَزَوَّجَ لاعِبًا أَوْ أَعْتَقَ لاعبا فَهُوَ جَائِز».
البقرة 2:232
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يَعْنِي: انْقِضَاء الْعدة ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أَي: تحبسوهن ﴿أَن ينكحن أَزوَاجهنَّ﴾ ﴿ذَلِكُم أزكى لكم وأطهر﴾ يَعْنِي: لقلب الرجل، وقلب الْمَرْأَة.
يَحْيَى: عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ «أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلا، فَطَلَّقَهَا الرَّجُلُ تَطْلِيقَةً، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا خَطَبَهَا، فَأَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ، فَغَضِبَ مَعْقِلٌ، وَقَالَ: زَوَّجْتُهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا؛ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾» أَيْ: عَلِمَ اللَّهُ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا، وحاجتها إِلَيْهِ.
البقرة 2:233
﴿والوالدات﴾ يَعْنِي: المطلقات؛ فِي تَفْسِير مُجَاهِد ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: أنزل اللَّه فِي أول هَذِه الْآيَة ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ ثمَّ أنزل الْيُسْر وَالتَّخْفِيف؛ فَقَالَ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ﴿وعَلى الْمَوْلُود لَهُ﴾ يَعْنِي: الْأَب ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ على قدر ميسرته ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بولده﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: نهى اللَّه الْوَالِد أَن يَنْزعهُ من أمه؛ إِذا رضيت أَن ترْضِعه بِمَا كَانَ مسترضعا بِهِ غَيرهَا، ويدفعه إِلَى غَيرهَا، ونهيت الوالدة أَن تقذف الْوَلَد إِلَى زَوجهَا؛ إِذا أَعْطَاهَا مَا كَانَ مسترضعا غَيرهَا [وتدفعه إِلَى غَيرهَا]. ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مثل ذَلِك﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: عَلَى وَارِث الْمَوْلُود إِن كَانَ الْمَوْلُود لَا مَال لَهُ ﴿مثل ذَلِك﴾ أَي: مثل الَّذِي كَانَ عَلَى وَالِده لَو كَانَ حَيا من أجر الرَّضَاع. وقَالَ الحَسَن: وعَلى الرِّجَال دون النِّسَاء، وَتَفْسِير ابْن عَبَّاس: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قَالَ: هُوَ فِي الضرار ﴿فَإِنْ أَرَادَا فصالا﴾ يَعْنِي: فطاما ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وتشاور﴾ قبل انْقِضَاء الْحَوْلَيْنِ بعد أَن يَسْتَطِيع الْفِطَام، وَلا يدْخل عَلَيْهِ فِيه ضَرُورَة ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ﴾ أَي: لأولادكم ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: حِسَاب مَا رضع الصَّبِي؛ إِذا تَرَاضيا أَن يسترضعا لَهُ إِذا خافا الضَّيْعَة عَلَيْهِ.
البقرة 2:234
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يتربص بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ وَفِي الْعشْر ينْفخ فِي الْوَلَد الرّوح، فنسخت هَذِه الآيةُ الآيةَ الَّتِي بعْدهَا فِي التَّأْلِيف ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج﴾ وَهِي قبل هَذِه فِي التَّنْزِيل، وَوضعت فِي هَذَا الْموضع. قَالَ الحَسَن: وَكَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلام يَأْتِي النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُول: يَا مُحَمَّد، إِن اللَّه يَأْمُرك أَن تضع آيَة كَذَا بَين ظهراني آيَة كَذَا وَكَذَا من السُّورَة.
يَحْيَى: عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((نُسِخَ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ الْحَامِلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا؛ فَقَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَملهنَّ﴾ (فَإِذا بلغن أَجلهنَّ} أَي: انْقَضتْ الْعدة ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾ أَي: فَلَا إِثْم عَلَيْكُم ﴿فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ مُجَاهِد: يُرِيد النِّكَاح الْحَلَال.
البقرة 2:235
﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أكننتم فِي أَنفسكُم﴾ يَعْنِي: أسررتم فِي أَنفسكُم، قَالَ عِكْرِمَة: التَّعْرِيض أَن يَقُولُ: أَنْت فِي [نَفسِي] (ل ٣٤) وَتقول هِيَ: مَا يقدر من أَمر يكن؛ من غير أَن يواعدها أَلا تنْكح غَيره، ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تواعدوهن سرا﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا ميثاقها فِي عدتهَا أَلا تنْكح زوجا غَيره ﴿إِلَّا أَن يَقُولُوا قولا مَعْرُوفا﴾ هُوَ التَّعْرِيض ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يَعْنِي: انْقِضَاء الْعدة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ يَعْنِي: فِي أَن تزوجوهن فِي الْعدة وَفِي جَمِيع الْأَشْيَاء بعد.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عقدَة النِّكَاح﴾ الْمَعْنى: عَلَى عقدَة النِّكَاح، فاختصر على.
البقرة 2:236
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ﴾ يَعْنِي: تجامعوهن ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المقتر قدره﴾ الموسع: الَّذِي وُسع عَلَيْهِ فِي الرزق، والمقتر: المقتر عَلَيْهِ ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يَحْيَى: وَلَيْسَ فِي الْمُتْعَة أَمر مُؤَقّت، إِلَّا مَا أحب لنَفسِهِ من طلب الفَضْل فِي ذَلِكَ، وَقد كَانَ فِي السّلف من يمتع بالخادم، وَمِنْهُم من يمتع بالكسوة، وَمِنْهُم من يمتع بِالطَّعَامِ.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿مَتَاعا﴾ يجوز أَن يكون النصب فِيهِ على معنى: ومتعوهن مَتَاعا وَيُقَال: أوسع الرجلُ؛ إِذا اسْتغنى، وأقتر؛ إِذا كَانَ مقترا عَلَيْهِ، وأصل الإقتار: الضّيق.
البقرة 2:237
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تمَسُّوهُنَّ﴾ أَي: تجامعوهن ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة (فَنصف) بِالرَّفْع؛ عَلَى معنى: فَعَلَيْكُم نصف مَا فرضتم.
قَالَ سَعِيد بْن الْمسيب: كَانَ لَهَا الْمَتَاع فِي سُورَة الْأَحْزَاب؛ فنسختها هَذِه الْآيَة؛ فَصَارَ لَهَا نصف الصَدَاق ﴿إِلا أَن يعفون﴾ يَعْنِي: النِّسَاء (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح} قَالَ شُرَيْح: هُوَ الزَّوْج؛ إِن شَاءَ عَفا عَنْ نصف الصَدَاق، فَأعْطى الْمَرْأَة الصَدَاق تَاما، وَإِن شَاءَت الْمَرْأَة عفت عَنْ نصف الصَدَاق، فَسلمت الصَدَاق كُله للزَّوْج.
يَحْيَى: وَكَانَ الحَسَن يَقُولُ: الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح هُوَ الْوَلِيّ. ﴿وَأَن تعفوا أقرب للتقوى﴾ يَقُولُ ذَلِكَ من التَّقْوَى ﴿وَلا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ أَي: لَا تتركوه.
البقرة 2:238
﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات﴾ يَعْنِي: الصَّلَوَات الْخمس؛ عَلَى وضوئها، ومواقيتها، وركوعها وسجودها ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وَهِي فِي الْخمس.
يَحْيَى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ: هِيَ صَلاةُ الْعَصْرِ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ ﷺ».
﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ أَي: مُطِيعِينَ.
قَالَ مُحَمَّد: معنى ﴿قَانِتِينَ﴾ هُنَا: أَي: ممسكين عَنِ الْكَلَام؛ وأصل القتوت: الطَّاعَة.
البقرة 2:239
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ تَفْسِير قَتَادَة قَالَ: هَذَا عِنْد الضراب بِالسُّيُوفِ؛ رَاكِبًا كنت، أَو ساعيا، أَو مَاشِيا؛ إِن اسْتَطَعْت فركعتين، وَإِلَّا فركعة تومئ برأسك إِيمَاء أَيْنَمَا تَوَجَّهت.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلغنِي أَنَّهُ إِذا كَانَ الْأَمر أَشد من ذَلِكَ، كبر أَربع تَكْبِيرَات.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿فَرِجَالا أَوْ ركبانا﴾ مَعْنَاهُ: فصلوا رجَالًا أَو ركبانا، و ﴿رجَالًا﴾ جمع راجل؛ كَمَا قَالُوا: صَاحب وصحاب، وَالْخَوْف هَا هُنَا؛ بِالْيَقِينِ لَا بِالظَّنِّ. ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: فصلوا لله تَعَالَى.
البقرة 2:240
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غير إِخْرَاج﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: كَانَت الْمَرْأَة إِذا توفّي عَنْهَا زَوجهَا ينْفق عَلَيْهَا من مَاله حولا مَا لم تخرج؛ فَإِن خرجت، فَلَا نَفَقَة لَهَا؛ فنسخ الْحول فِي قَوْله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعشرا﴾ (ل ٣٥) وَنسخ النَّفَقَة فِي الْحول فِي هَذِه الْآيَة: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دين).
قَالَ مُحَمَّد: تقْرَأ ﴿وَصِيَّة﴾ بِالرَّفْع وَالنّصب؛ فَمن نصب أَرَادَ: فليوصوا وَصِيَّة، وَمن رفع فعلى معنى: فَعَلَيْهِم وَصِيَّة. وَنصب ﴿مَتَاعًا﴾ بِمَعْنى: متعوهن مَتَاعا.
قَوْله: ﴿فَإِنْ خرجن فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفسهنَّ من مَعْرُوف﴾ يَعْنِي: أَن يتزين، ويتشوفن، ويلتمسن الْأزْوَاج.
البقرة 2:241
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ أَي: لكَي تعقلوا.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿حَقًا﴾ نصب عَلَى معنى: يحِق حَقًا.
البقرة 2:243
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف﴾ الْآيَة. تَفْسِير قَتَادَة: هُم قوم فروا من الطَّاعُون، فمقتهم اللَّه عَلَى فرارهم من الْمَوْت ﴿فَقَالَ لَهُم الله موتوا﴾ فأماتهم اللَّه عُقُوبَة، ثمَّ بَعثهمْ ليستوفوا بَقِيَّة آجالهم.
قَالَ الْكَلْبِيّ: وَكَانُوا ثَمَانِيَة آلَاف، فأماتهم اللَّه، فَمَكَثُوا ثَمَانِيَة أَيَّام.
قَالَ مُحَمَّد: وَقَوله: ﴿ألم تَرَ﴾ هُوَ عَلَى جِهَة التَّعَجُّب؛ كَقَوْلِه: ألم تَرَ إِلَى مَا صنع فلَان؟!
البقرة 2:245
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قرضا حسنا﴾ أَي: حَلَالا محتسبا ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أضعافا كَثِيرَة﴾ قَالَ الحَسَن: هَذَا فِي التَّطَوُّع، وَكَانَ الْمُشْركُونَ يخلطون أَمْوَالهم بالحرام؛ حَتَّى جَاءَ الإِسْلام فَنزلت هَذِه الْآيَة، فَأمروا أَن يتصدقوا من الْحَلَال، وَلما نزلت قَالَت الْيَهُود: هَذَا ربكُم يستقرضكم، وَإِنَّمَا يستقرض الْفَقِير؛ فَهُوَ فَقير وَنحن أَغْنِيَاء، فَأنْزل اللَّه ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنحن أَغْنِيَاء﴾
قَالَ مُحَمَّد: أصل الْقَرْض مَا يَفْعَله الرجل وَيُعْطِيه؛ ليجازي بِهِ، وَالْعرب تَقُولُ: لَك عِنْدِي قرض حسن، وقرض سيئ.
وَقَوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ من قَرَأَهُ بِالرَّفْع فَهُوَ عطف على ﴿يقْرض﴾ وَمن نصب فعلى جَوَاب الِاسْتِفْهَام ﴿وَالله يقبض ويبسط﴾ يقبض عَمَّن يَشَاء، ويبسط الرزق لمن يَشَاء ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يَعْنِي: الْبَعْث.
البقرة 2:246
﴿ألم تَرَ إِلَى الملإ﴾ يَعْنِي: الْأَشْرَاف ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة ﴿نُقَاتِل﴾ بِالْجَزْمِ؛ عَلَى جَوَاب الْمَسْأَلَة.
قَالَ الْكَلْبِيّ: إِن بني إِسْرَائِيل مَكَثُوا زَمَانا من الدَّهْر لَيْسَ عَلَيْهِم ملك، فأحبوا أَن يكون عَلَيْهِم ملك يُقَاتل عدوهم، فَمَشَوْا إِلَى نَبِي لَهُم من بني هَارُون يُقَال لَهُ: أشمويل، فَقَالُوا لَهُ: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيل الله﴾ فَقَالَ لَهُم نَبِيّهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وأبنائنا﴾ وَكَانَ عدوهم من قوم جالوت ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾
البقرة 2:247
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ وَكَانَ طالوت من سبط قد عمِلُوا ذَنبا عَظِيما، فَنُزِعَ مِنْهُم الْملك فِي ذَلِكَ الزَّمَان فأنكروه ﴿وَقَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ وَهُوَ من سبط الْإِثْم، يعنون: الذَّنب الَّذِي كَانُوا أَصَابُوا ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُم﴾ اخْتَارَهُ لكم ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعلم والجسم﴾ وَكَانَ طالوت أعلمهم يَوْمئِذٍ وأطولهم.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿بسطة﴾ أَي: سَعَة؛ من قَوْلك: بسطت الشَّيْء؛ إِذا فرشته ووسعته.
البقرة 2:248
قَالَ الْكَلْبِيّ فَقَالُوا: ائتنا بِآيَة نعلم أَن اللَّه اصطفاه عَلَيْنَا ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ﴾ عَلامَة ﴿مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سكينَة من ربكُم﴾ قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي: رَحْمَة من ربكُم، فِي تَفْسِير بَعضهم.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: سكينَة فعيلة؛ من: السّكُون؛ الْمَعْنى: فِيهِ مَا تسكنون؛ إِذا أَتَاكُم.
﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآل هَارُون﴾ وَكَانَ فِيهِ عَصا مُوسَى ورضاض الألواح وقفيز مَنٍّ كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام (ل ٣٦) تَركه عِنْد فتاه يُوشَع بْن نون وَهُوَ فِي الْبَريَّة.
فِي تَفْسِير بَعضهم: فَأَقْبَلت بِهِ الْمَلَائِكَة تحمله حَتَّى وَضعته فِي دَار طالوت فَأصْبح فِي دَاره. قَالَ الحَسَن: وَكَانَ التابوت من خشب.
البقرة 2:249
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ ... .﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: لما سَار بهم طالوت، اتخذ بهم مفازة من الأَرْض فعطشوا فَقَالَ لَهُم نَبِيّهم ﴿إِن الله مبتليكم﴾ أَي: مختبركم ﴿بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يطعمهُ﴾ يَعْنِي: وَمن لم يشربه ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُم﴾ جعلُوا يشربون مِنْهُ وَلا يروون، وَأما الْقَلِيل فكفتهم الغرفة، وَرجع الَّذين عصوا وَشَرِبُوا.
قَالَ يحيى: ﴿غرفَة﴾ تقْرَأ بِفَتْح الْغَيْن ورفعها؛ فَمن قَرَأَها بِالنّصب؛ يَعْنِي: غرفته الَّتِي اغترف مرّة وَاحِدَة، وَمن قَرَأَهَا بِالرَّفْع؛ أَرَادَ: الغرفة ملْء الْيَد. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَه﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر رجلا بعدة أهل بدر ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يظنون﴾ [يعلمُونَ] ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصابرين﴾ قِيلَ لِلْحسنِ: أَلَيْسَ الْقَوْم جَمِيعًا كَانُوا مُؤمنين الَّذين جاوزوا؟! قَالَ: بلَى، وَلَكِن تفاضلوا بِمَا شحت أنفسهم من الْجِهَاد فِي سَبيله.
البقرة 2:250
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبنَا أفرغ علينا﴾ يَعْنِي: أنزل عَلَيْنَا ﴿صَبْرًا وَثَبِّتْ أقدامنا﴾ أَي: وَاجعَل لنا الظفر عَلَيْهِم.
البقرة 2:251
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: آتى اللَّه دَاوُد؛ لِأَنَّهُ مُلِّكَ بعد قَتله جالوت ﴿وَعلمه مِمَّا يَشَاء﴾ يَعْنِي: الْوَحْي الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ من اللَّه ﴿وَلَوْلا دِفْاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يبتلى الْمُؤْمن بالكافر، وَيُعَافى الْكَافِر بِالْمُؤمنِ.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: الْمَعْنى: وَلَوْلَا دفاع اللَّه الْكَافرين بِالْمُسْلِمين، لكثر الْكفْر؛ فَنزلت بِالنَّاسِ السُّخطة فاستؤصل أهل الأَرْض. وَنصب ﴿بَعضهم﴾ بَدَلا من ﴿النَّاس﴾ الْمَعْنى: وَلَوْلَا دفاع اللَّه بَعْض النَّاس بِبَعْض.
البقرة 2:252
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ قَالَ مُحَمَّد: معنى آيَات اللَّه هَا هُنَا: أَعْلَامه الَّتِي تدل عَلَى توحيده، و ﴿تِلْكَ﴾ بِمَعْنى هَذِه.
البقرة 2:253
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بعض﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: بِمَا آتَاهُم الله من النُّبُوَّة والرسالة ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: فِي الدُّنيا عَلَى وَجه مَا أعْطوا ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات﴾ قَالَ مُحَمَّد: يُرِيد الْأَعْلَام الَّتِي تدل عَلَى إِثْبَات نبوته من إِبْرَاء الأكمه والأبرص، وإحياء الْمَوْتَى، وَغير ذَلِكَ مِمَّا أَتَاهُ اللَّه، وَقَوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُل﴾ يُرِيد: الْجَمَاعَة ﴿وأيدناه﴾ يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلام أعنَّاه ﴿بِروح الْقُدس﴾ وروح الْقُدس جِبْرِيل ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بعدهمْ﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: من بعد مُوسَى وَهَارُون.
البقرة 2:254
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي: الزَّكَاة ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خلة﴾ قَالَ قَتَادَة: ﴿وَلَا خلة﴾ أَي: وَلا صداقة، إِلَّا لِلْمُتقين ﴿وَلَا شَفَاعَة﴾ أَي: للْمُشْرِكين ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأَنْفُسِهِمْ.
البقرة 2:255
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ قَالَ الحَسَن: الْقَائِم عَلَى كُلِّ نفس بكسبها يحفظ عَلَيْهَا عَملهَا حَتَّى يجازيها بِهِ ﴿لَا تَأْخُذُهُ سنة وَلَا نوم﴾ قَالَ الحَسَن: السّنة: النعاس، وَالنَّوْم؛ يَعْنِي: النّوم الْغَالِب.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: وَسن الرجل يوسن وسنا؛ إِذا نعس. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ كَقَوْلِه: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا من بعد إِذْنه﴾ (ل ٣٧) وَكَقَوْلِه: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارتضى﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلفهم﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: أول أَعْمَالهم وَآخِرهَا ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ يَعْنِي: مَا يعلم الْأَنْبِيَاء من الْوَحْي ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ [قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: مَلأ كرسيه السَّمَوَات وَالْأَرْض].
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ هِلالٍ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ الْكُرْسِيَّ الَّذِي وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَمَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَلا يَعْلَمُ قَدْرَ الْعَرْشِ إِلا الَّذِي خلقه».
﴿وَلَا يئوده حفظهما﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَي: لَا يثقل عَلَيْهِ.
قَالَ مُحَمَّد: يَقُولُ: آده الشي يئوده، وَفِيه لُغَة أُخْرَى: وأده يئده.
البقرة 2:256
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تبين الرشد من الغي﴾ تَفْسِير سَعِيد بْن جُبَيْر: قَالَ: كَانَ قوم من أَصْحَاب النَّبي عَلَيْهِ السَّلَام استرضعوا أَوْلَادهم فِي الْيَهُود فِي الْجَاهِلِيَّة، فكبروا على الْيَهُودِيَّة؛ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام، وَأسلم الْآبَاء، أَرَادوا أَن يكرهوا أَبْنَاءَهُم عَلَى الإِسْلام فَأنْزل اللَّه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغي﴾ يَعْنِي: الْهدى من الضَّلَالَة ﴿فَمَنْ يكفر بالطاغوت﴾ بالشيطان ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أَي: لَا انْقِطَاع لَهَا.
البقرة 2:257
﴿الله ولي الَّذين آمنُوا﴾ قَالَ الحَسَن: وَلِي هدَاهُم وتوفيقهم ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ يَعْنِي: من الضَّلَالَة إِلَى الْهدى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ من النُّور إِلَى الظُّلُمَات﴾ من الْهدى إِلَى الضَّلَالَة.
قَالَ مُحَمَّد: والطاغوت هَا هُنَا وَاحِد فِي معنى جمَاعَة؛ وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة؛ إِذا كَانَ فِي الْكَلَام دَلِيل عَلَى الْجَمَاعَة.
البقرة 2:258
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الْملك﴾ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ هُوَ نمروذ؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة. قَالَ قَتَادَة: وَهُوَ أول ملك تجبر فِي الأَرْض، وَهُوَ صَاحب الصرح [الَّذِي بني] بِبَابِل ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت﴾ قَالَ قَتَادَة: ذكر لنا أَن نمروذ دَعَا برجلَيْن فَقتل أَحدهمَا، واستحيى الآخر؛ فَقَالَ: أَنَا أحيي وأميت؛ أَي: أستحيي من شِئْت، وأقتل من شِئْت ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فبهت الَّذِي كفر﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: انْقَطَعت حجَّته ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين الَّذين يلقون اللَّه بشركهم، أَي: لَا يهْدِيهم إِلَى الْحجَّة، وَلا يهْدِيهم من الضَّلَالَة إِلَى دينه.
البقرة 2:259
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: هَلْ رَأَيْت كَذَلِك أَو كَالَّذي مر عَلَى قَرْيَة؟ ﴿عَلَى طَرِيق التَّعَجُّب. {وَهِيَ خاوية على عروشها﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: وَهِي خراب على سقوفها، وَالْأَصْل فِي ذَلِكَ أَن تسْقط السقوف، ثمَّ تسْقط الْحِيطَان عَلَيْهَا. ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾ قَالَ قَتَادَة: هُوَ عَزِيز، والقرية بَيت الْمُقَدّس بعد مَا خربه بخْتنصر، فَقَالَ: أَنى تُعْمَرُ هَذِه بعد خرابها؟} ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَو بعض يَوْم﴾ ذكر لَنَا أَنَّهُ مَاتَ ضحى، وَبعث قبل غرُوب الشَّمْس، فَقَالَ: لَبِثت يَوْمًا، ثمَّ الْتفت، فَرَأى بَقِيَّة من الشَّمْس من ذَلِكَ الْيَوْم، فَقَالَ: أَو بَعْض يَوْم ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يتسنه﴾ أَي: لم يتَغَيَّر. قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ مَعَه سلتان: سلة من تين، وسلة من عِنَب، وزِقٌّ فِيهِ عصير. ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ فَنظر إِلَى حِمَاره فَإِذا هوعظام بالية، فَرَأى الْعِظَام قد تحركت، وسعى بَعْضهَا إِلَى بَعْض، وَجَاء الرَّأْس إِلَى مَكَانَهُ، ثمَّ رَأَى العصب وَالْعُرُوق ألقيت عَلَيْهَا، ثمَّ وُضعَ عَلَيْهَا اللَّحْم، ثمَّ بسط عَلَيْهَا الْجلد، ثمَّ نفخ فِيهِ الرّوح؛ فَإِذا هُوَ قَائِم ينهق فَخر عُزَيْر سَاجِدا ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير﴾.
قَالَ يَحْيَى: قَرَأَهَا قوم [﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي، وَقوم آخَرُونَ: ﴿كَيْفَ نُنْشِرُهَا﴾ وَهُوَ أَجود الْوَجْهَيْنِ]! وتصديقه فِي كتاب اللَّه ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أنشره﴾. (ل ٣٨) قَالَ مُحَمَّد: من قَرَأَ ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي، فَالْمَعْنى: نحرك بَعْضهَا إِلَى بَعْض ونزعجه؛ ومِنْهُ يُقَال: نشزت الْمَرْأَة على زَوجهَا.
البقرة 2:260
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ الْآيَة.
قَالَ يَحْيَى: بلغنَا أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلام خرج يسير عَلَى حمَار لَهُ؛ فَإِذا هُوَ بجيفة دَابَّة يَقع عَلَيْهَا طير السَّمَاء، فَيَأْخُذ مِنْهَا بضعَة بضعَة، وتأتيها سِبَاع الْبر؛ فتأخذ مِنْهَا عضوا عضوا، وَيَقَع من أَفْوَاه الطير اللَّحْم، فتأخذه الْحيتَان.
فَقَامَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلام مُتَعَجِّبا، فَقَالَ: يَا رب، أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى؟! ﴿قَالَ أَو لم تؤمن قَالَ بلَى﴾ يَا رب، قد آمَنت، وَلَكِن لأعْلم؛ حَتَّى يطمئن قلبِي - يَعْنِي: يسكن - كَيفَ تجمع لحم هَذِه الدَّابَّة بعد مَا أرم.
فَقَالَ لَهُ: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: فَضَمَّهُنَّ إِلَيْك؛ تَقُولُ: صرت الشَّيْء فانصار؛ أَي: أملته فَمَال. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءا﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: فقطعهن، ثمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءا؛ فاختصر «فقطعهن». ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يأتينك﴾ قل: تعالين بِإِذن اللَّه يأتينك ﴿سعيا﴾ أَي: مشيا على أرجلهن.
قَالَ يَحْيَى: فَأخذ أَرْبَعَة أطيار مُخْتَلفَة ألوانها وأسماؤها وريشها، أَخذ ديكا وطاوساً وحمامة وغرابا؛ فَقطع أعناقها، ثمَّ خلط ريش بَعْضهَا بِبَعْض، وَدِمَاء بَعْضهَا بِبَعْض، ثمَّ فرق بَينهَا عَلَى أَرْبَعَة أجبل؛ فنوديت من السَّمَاء بِالْوَحْي أيتها الْعِظَام المتفرقة، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها الْعُرُوق المتقطعة اجتمعي يرجع الله فِيك أرواحك، فَجعل يجْرِي الدَّم إِلَى الدَّم، وَتَطير الريشة إِلَى الريشة، ويثب الْعظم إِلَى الْعظم، فعلق عَلَيْهَا رءوسها، وَأدْخل فِيهَا أرواحها؛ فَقيل: يَا إِبْرَاهِيم إِن اللَّه حِين خلق الأَرْض وَضَعَ بَيته فِي وَسطهَا، وَجعل الأَرْض أَربع زَوَايَا، وَالْبَيْت أَرْبَعَة أَرْكَان؛ كل ركن فِي زَاوِيَة من زَوَايَا الأَرْض؛ فَأرْسل عَلَيْهَا من السَّمَاء أَرْبَعَة أرياح: الشمَال، والجنوب، وَالدبور، وَالصبَا؛ فَإِذا نفخ فِي الصُّور يَوْم الْقِيَامَة، اجْتمعت أجساد الْقَتْلَى والهلكى من أَرْبَعَة أَرْكَان الأَرْض، وَأَرْبع زواياها كَمَا اجْتمعت أَرْبَعَة أطيار من أَرْبَعَة أجبل.
البقرة 2:261
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيل الله﴾ الْآيَة.
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ هِلالٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ جَهَّزَ غَيْرَهُ بِمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ دِرْهَم سَبْعمِائة ضِعْفٍ، وَمَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ - كتب لَهُ بِكُل دِرْهَم سَبْعمِائة ضِعْفٍ، وَبِكُلِّ ضِعْفٍ سَبْعُونَ أَلْفَ ضعف.
البقرة 2:262
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ يَعْنِي: فِي طَاعَة اللَّه ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبهم﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: علم اللَّه أَن نَاسا يمنون فِي عطيتهم، فَنهى عَن ذَلِك.
البقرة 2:263
﴿قَول مَعْرُوف﴾ أَي: حسن ﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَة يتبعهَا أَذَى﴾ أَي: يمن بِهَا عَلَى من تصدق عَلَيْهِ بهَا.
البقرة 2:264
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمن والأذى﴾ تَفْسِير الحَسَن: قَالَ: كَانَ بَعْض الْمُؤمنِينَ يَقُولُ: فعلت كَذَا، وأنفقت كَذَا؛ فَقَالَ الله: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمن والأذى﴾ فَيصير مثلكُمْ فِيمَا يحبطه اللَّه من أَعمالكُم ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخر﴾ وَهُوَ الْمُنَافِق ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَاب﴾ قَالَ قَتَادَة: الصفوان: الْحجر ﴿فَأَصَابَهُ وابل﴾ مطر شَدِيد ﴿فَتَركه صَلدًا﴾ أَي: نقيا ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِمَّا كسبوا﴾ هَذَا مثل ضربه الله - تَعَالَى - لأعمال الْكفَّار يَوْم الْقِيَامَة؛ يَقُول: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كسبوا﴾ يَوْمئِذٍ؛ كَمَا ترك الْمَطَر الوابل هَذَا الْحجر لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء.
البقرة 2:265
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (ل ٣٩) قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: احتسابا فمثلهم فِي نَفَقَتهم ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ يَعْنِي: مَكَانا مرتفعا من الأَرْض ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ أَي: مرَّتَيْنِ ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فطل﴾ الطل: أَضْعَف من الْمَطَر. قَالَ الْحسن: يَقُولُ: لَا يخلف خَيرهَا عَلَى كُلِّ حَال؛ فَكَذَلِك لَا يخلفهم اللَّه نَفَقَتهم أَن يُصِيبُوا مِنْهَا خيرا.
البقرة 2:266
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَار﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: ريحًا شَدِيدَة فِيهَا سموم ﴿فاحترقت﴾ يَقُولُ: أمنكم من يود ذَلِكَ؟! أَي: لَيْسَ مِنْكُم من يوده فاحذروا أَلا تكون منزلتكم عِنْد اللَّه كَذَلِك؛ أحْوج مَا تَكُونُونَ إِلَى أَعمالكُم يُحْبطها ويُبْطلها؛ فَلَا تقدرون مِنْهَا على شَيْء؛ وَهَذَا مثل المفرط فِي طَاعَة اللَّه حَتَّى يَمُوت.
البقرة 2:267
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كسبتم﴾ تَفْسِير الْحسن: هَذَا فِي النَّفَقَة الْوَاجِبَة؛ كَانُوا يتصدقون بأردأ دراهمهم، وأردأ طعامهم؛ فنهاهم اللَّه عَنْ ذَلِك؛ فَقَالَ: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ وَهُوَ الردىء ﴿مِنْهُ تنفقون﴾ قَالَ مُحَمَّد: ﴿لَا تيمموا﴾ يَعْنِي: لَا تقصدوا ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تغمضوا فِيهِ﴾ تَفْسِير الْكَلْبِيّ: يَقُولُ: لَو كَانَ لبعضكم على بَعْض حق فَأعْطِي دون حَقه - لم يَأْخُذهُ مِنْهُ، إِلَّا أَن يرى أَنَّهُ قد تغامض لَهُ عَنْ بَعْض حَقه؛ وَكَذَلِكَ [قَول] اللَّه لَا تستكملوا الْأجر كُله، إِلَّا أَنَّ يتغمدكم مِنْهُ برحمة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِي حميد﴾ غَنِي عَمَّا عنْدكُمْ لمن بخل بِصَدَقَتِهِ، حميد لمن احتسب بِصَدَقَتِهِ.
البقرة 2:268
﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر﴾ يُخْبِرهُمْ أَنهم حِين يُنْفقُونَ الرَّدِيء إِنَّمَا هُوَ مَا يلقِي الشَّيْطَان فِي قُلُوبهم من الْفقر ﴿وَاللَّهُ يَعدكُم﴾ عَلَى مَا تنفقون ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ لذنوبكم ﴿وفضلاً﴾. قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: جنَّة ﴿وَاللَّهُ وَاسع عليم﴾ وَاسع لخلقه، عليم بأمرهم.
البقرة 2:269
قَوْله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ يَعْنِي: الْفِقْه فِي الْقُرْآن ﴿وَمَا يذكر إِلَّا أولو الْأَلْبَاب﴾ أولو الْعُقُول؛ وهم الْمُؤْمِنُونَ
البقرة 2:270
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ تذرتم مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ يَعْنِي: يُحْصِيه ﴿وَمَا للظالمين﴾ ﴿الْمُشْركين﴾ (مِنْ أَنْصَارٍ)!
البقرة 2:271
٢ - ٢! (إِن تبدوا الصَّدقَات} يَعْنِي: الزَّكَاة ﴿فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تخفوها﴾ يَعْنِي: صَدَقَة التَّطَوُّع ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خير لكم ونكفر عَنْكُم من سَيِّئَاتكُمْ﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة ﴿نكفر﴾ بِالْجَزْمِ؛ عَلَى مَوضِع ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لِأَن الْمَعْنى يكن خيرا لكم.
قَالَ يَحْيَى: وسمعتهم يَقُولُونَ: يسْتَحبّ أَن تكون الزَّكَاة عَلَانيَة، وَصدقَة التَّطَوُّع سرا.
يَحْيَى: عَنْ مَالِكِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ؛ الصَّلاةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ. يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ؛ النَّاسُ غَادِيَانِ: فَغَادٍ فَمُشْتَرٍ رَقَبَتَهُ فَمُعْتِقُهَا، وَغَادٍ فَبَائِعٌ رَقَبَتَهُ فموبقها».
البقرة 2:272
﴿لَيْسَ عَلَيْك هدَاهُم﴾ الْآيَة تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: ذكر لَنَا أَن رجلا من أَصْحَاب النَّبِي قَالَ: [لَيْسَ عَلَيْنَا هدى] عَلَى من لَيْسَ من أهل ديننَا؛ فَأنْزل اللَّه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ﴾
قَالَ يَحْيَى: فَهَذِهِ الصَّدَقَة الَّتِي هِيَ عَلَى غير الْمُسلمين هِيَ تطوع، وَلا يُعْطون من الْوَاجِب شَيْئا.
البقرة 2:273
﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْض﴾ قَالَ الحَسَن: أحصرهم الْفقر، وهم أهل تعفف ﴿يَحْسبهُم الْجَاهِل﴾ بفقرهم ﴿أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أَي: إلحاحا. قَالَ مُجَاهِد: هُم مهاجرو قُرَيْش بِالْمَدِينَةِ مَعَ النَّبي عَلَيْهِ السَّلَام أَمر الله بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِم.
البقرة 2:274
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الْآيَة نزلت فِي علف الْخَيل.
البقرة 2:275
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ﴾ يَعْنِي: من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة ﴿إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَان من الْمس﴾ يَعْنِي: الخبل [يَعْنِي مَجْنُون، تَقُولُ: رَجُل مَجْنُون، أَي: مخبول؛ كَذَلِك آكل الرِّبَا].
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ [عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ (ل ٤٠) بِهِ، فَكَانَ فِي حَدِيثِهِ: «فَإِذَا أَنَا بِرِجَالٍ بُطُونِهِمْ كَالْبُيُوتِ، يَقُومُونَ فَيَقَعُونَ لِظُهُورِهِمْ وَلِبُطُونِهِمْ. فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟! فَقَالَ: هَؤُلاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الْآيَة ﴿الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا﴾ الآيَةَ».
وَقَوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا﴾ هُوَ الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة؛ إِذا حل دين أحدهم عَلَى صَاحبه، قَالَ الْمَطْلُوب: أخرني وَأَزِيدك؛ فَكَانُوا فِي الإِسْلام إِذا فعلوا ذَلِكَ، قَالَ لَهُم الْمُسلمُونَ: إِن هَذَا رَبًّا. قَالوا: لَا، سَوَاء عَلَيْنَا زِدْنَا فِي أول البيع، أَو عِنْد مَحل الْأَجَل؛ فأكذبهم اللَّه؛ فَقَالَ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ موعظة من ربه﴾ يَعْنِي: الْبَيَان الَّذِي فِي الْقُرْآن فِي تَحْرِيم الرِّبَا ﴿فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سلف﴾ أَي: غفر اللَّه لَهُ مَا سلف ﴿وَأمره إِلَى الله﴾ إِن شَاءَ عصمه مِنْهُ بعد، وَإِن شَاءَ لم يفعل ﴿وَمَنْ عَاد﴾ فاستحل الرِّبَا ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: من اسْتحلَّ الرِّبَا وقَالَ: هُوَ مثل البيع، واعتقد ذَلِكَ بعد نهي اللَّه عَنهُ - فَهُوَ كَافِر.
البقرة 2:276
﴿يمحق الله الرِّبَا﴾ يَعْنِي: يمحقه يَوْم الْقِيَامَة، فيبطله ﴿ويربي الصَّدقَات﴾ لأَهْلهَا؛ أَي: يُضَاعِفهَا.
يَحْيَى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا تَصَدَّقَ عَبْدٌ بِصَدَقَةٍ فَتَقَعُ فِي يَدِ السَّائِلِ؛ حَتَّى تَقَعَ فِي يَدِ اللَّهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ؛ حَتَّى تَصِيرَ اللُّقْمَةُ مِثْلَ أُحُدٍ». ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أثيم﴾ وَالْكفْر أعظم الْإِثْم
البقرة 2:277
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يَعْنِي: مَا افْترض اللَّه عَلَيْهِم ﴿لَهُم أجرهم عِنْد رَبهم﴾ يَعْنِي: الْجَنَّة ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ على الدُّنْيَا.
البقرة 2:278
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِي من الرِّبَا﴾ يَعْنِي: مَا بَقِي مِمَّا أربوا فِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّة أَلا يأخذوه، وَمَا أخذُوا قبل إسْلَامهمْ فَهُوَ حَلَال لَهُم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: إِذْ كُنْتُم مُؤمنين.
البقرة 2:279
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ من الله وَرَسُوله﴾ أَي: فاعلموا أَنكُمْ بِحَرب من اللَّه وَرَسُوله، وأنكم مشركون.
قَالَ مُحَمَّد: من قَرَأَ ﴿فَآذِنُوا﴾ غير مَوْصُولَة فَهُوَ من: آذن يُؤذن؛ أَي: أعلم، وَمن قَرَأَهَا مَوْصُولَة فَهِيَ من: أذن يَأْذَن؛ إِذا أصغى للشَّيْء وسَمعه. ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أَي: أسلمتم ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ يَقُولُ: يبطل الفَضْل إِذا كَانَ بَقِي دينا عَلَى الْمَطْلُوب ﴿لَا تظْلمُونَ﴾ فتأخذون الْفضل ﴿وَلَا تظْلمُونَ﴾ من رُءُوس أَمْوَالكُم شَيْئا.
البقرة 2:280
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى ميسرَة﴾.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿ذُو عسرة﴾ بِالرَّفْع؛ هُوَ عَلَى معنى: فَإِن وَقع ذُو عسرة. يَحْيَى: عَنْ أَبِي الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ مَحَا عَنْهُ».
يَحْيَى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قَوْله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خير لكم﴾ [قَالَ الْحسن] أَي: خير لكم فِي يَوْم ترجعون فِيهِ إِلَى الله
البقرة 2:281
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: لَا ينقصُونَ؛ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ يُوفونَ حسناتهم يَوْم الْقِيَامَة.
البقرة 2:282
﴿وليكتب بَيْنكُم كَاتب الْعدْل﴾ أَي: لَا يَزِيد عَلَى الْمَطْلُوب، وَلا ينقص من حق الطَّالِب ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا علمه الله﴾ الْكِتَابَة، وَترك غَيره فَلم يُعلمهُ ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ يَعْنِي: الْمَطْلُوب ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يبخس مِنْهُ شَيْئا﴾ (ل ٤١) أَي: لَا ينقص من حق الطَّالِب ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها﴾ [يَعْنِي: جَاهِلا] ﴿أَو ضَعِيفا﴾ يَعْنِي: فِي عقله ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَن يمل هُوَ﴾ يَعْنِي: الَّذِي عَلَيْهِ الْحق ﴿فَلْيُمْلِلْ وليه﴾ أَي: ولي الْحق ﴿بِالْعَدْلِ﴾ لَا يزْدَاد شَيْئا.
قَوْله: ﴿أَنْ تضل إِحْدَاهمَا﴾ أَي: تنسى إِحْدَاهمَا الشَّهَادَة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى﴾ أَي: تذكر الَّتِي حفظت شهادتها الْأُخْرَى.
قَالَ مُحَمَّد: من قَرَأَ ﴿أَن تضل﴾ بِفَتْح الْألف؛ فعلى معنى: من أجل أَن تضل؛ كَذَلِك قَالَ قطرب، وَلغيره من النَّحْوِيين فِيهِ قَول غير هَذَا؛ فَالله أعلم.
﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دعوا﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: كَانَ الرجل يَأْتِي الْحَيّ الْعَظِيم يطْلب مِنْهُم من يشْهد، فَلَا يتبعهُ مِنْهُم رَجُل، فنهي عَنْ ذَلِكَ. قَالَ الحَسَن: وَإِن وجد غَيره فَهُوَ وَاسع. ﴿وَلَا تسأموا﴾ أَي: لَا تملوا ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ يَعْنِي: الْحق. ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجله ذَلِكُم أقسط﴾ أَي: أعدل ﴿وأقوم للشَّهَادَة﴾ أَي: أصوب ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أَي: أَجْدَر أَلا تَشكوا؛ إِذا كَانَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا ﴿إِلا أَنْ تكون تِجَارَة حَاضِرَة﴾ أَي: حَالَة ﴿تديرونها بَيْنكُم﴾ لَيْسَ فِيهَا أجل ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جنَاح﴾ حرج ﴿أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تبايعتم﴾ يَعْنِي: أشهدوا عَلَى حقكم؛ كَانَ فِيهِ أجل أَو لم يكن.
قَالَ الحَسَن: وَهَذَا مَنْسُوخ؛ نسخه ﴿فَإِن أَمن بَعْضكُم بَعْضًا﴾ (وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} تَفْسِير مُجَاهِد: لَا يُقَام عَنْ شغله وَحَاجته، فيجد فِي نَفسه، أَو يحرج.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنْ عَطَاءٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إِذَا دُعِيَ لِيُشْهَدَ، أَوْ لِيَشْهَدَ بِمَا عِنْدَهُ. ﴿وَإِن تَفعلُوا﴾ أَي: تضاروا الْكَاتِب وَالشَّاهِد ﴿فَإِنَّهُ فسوق بكم﴾ أَي: مَعْصِيّة ﴿وَاتَّقوا الله﴾ أَي: لَا تعصوه فيهمَا.
البقرة 2:283
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمن بَعْضكُم بَعْضًا﴾ يَعْنِي: فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق أَمينا عِنْد صَاحب الْحق، فَلم يرتهن مِنْهُ فِي السّفر؛ لِثِقَتِهِ بِهِ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَته﴾ أَي: ليؤد الْحق الَّذِي عَلَيْهِ. ﴿وَلَا تكتموا الشَّهَادَة﴾ أَي: عِنْد الْحُكَّام ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾ فَلَا يشْهد؛ إِذا دُعِيَ ﴿فَإِنَّهُ آثم قلبه﴾.
يَحْيَى: عَنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ إِذَا شَهِدَهُ أَو علمه».
البقرة 2:284
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة، فكبرت عَلَيْهِم، فَأنْزل اللَّه بعْدهَا آيَة فِيهَا يسر وَتَخْفِيف؛ فنسختها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كسبت﴾ أَي: من خير ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ أَي: من شَرّ.
يَحْيَى: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفسهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّم بِهِ».
البقرة 2:285
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ من ربه﴾ الْآيَة قَالَ الْحسن: هَذَا دُعَاء أَمر الله رَسُوله وَالْمُؤمنِينَ أَن يدعوا بِهِ
البقرة 2:286
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وسعهَا﴾ إِلَّا طاقتها؛ وَهَذَا فِي حَدِيث النَّفس ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ قَوْله: ﴿إِن نَسِينَا﴾ هَذَا فِيمَا يتخوف فِيهِ العَبْد المأثم، أَن ينسى أَن يعْمل بِمَا أَمر بِهِ، أَو ينسى فَيعْمل بِمَا نهي عَنهُ ﴿أَو أَخْطَأنَا﴾ هَذَا فِيمَا يتخوف فِيهِ العَبْد المأثم؛ أَن يُخطئ، فَيكون مِنْهُ أَمر يخَاف فِيهِ المأثم لم يتعمده. ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصرا﴾ أَي: ثقلا ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذين من قبلنَا﴾ يَعْنِي: مَا كَانَ شدد بِهِ عَلَى بني إِسْرَائِيل؛ وَكَانَ من ذَلِكَ الإصر مَا كَانَ حرَّم عَلَيْهِم من الشحوم، وكُلِّ ذِي ظفر، وَأمر السبت، وكُلُّ مَا كَانَ عهد إِلَيْهِم أَلا يفعلوه مِمَّا أُحل لَنَا ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ يَعْنِي: الوسوسة؛ فِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس.
يَحْيَى: عَنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ أبي هُرَيْرَة «أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله (ل ٤٢) إِنِّي لأُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي تَكَلَّمْتُ بِهِ، وَأَنَّ لِيَ الدُّنْيَا. قَالَ: ذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ». ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافرين﴾ قَالَ الْحسن: هَذَا دُعَاء أَمر اللَّه بِهِ النَّبي ﷺ وَالْمُؤمنِينَ، وَقد أخبر الله النَّبِي أَنَّهُ قد غفر لَهُ.
يَحْيَى: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، فَوَضَعَهُ تَحْتَ الْعَرْش، فَأنْزل مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ؛ لَا تُقْرَآنِ فِي بَيْتٍ، فَيَقْرَبُهُ الشَّيْطَانُ ثَلاثَ لَيَالٍ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ ربه﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ».
آل عمران 3:1
تَفْسِير سُورَة آل عمرَان وَهِي مَدَنِيَّة كلهَا
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
آل عمران 3:2
قَوْله: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ «الْحَيّ» الَّذِي لَا يَمُوت، «القيوم» قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: الْقَائِم عَلَى كُلِّ نفس بكسبها حَتَّى يجزيها بِهِ
آل عمران 3:3
﴿نزل عَلَيْك الْكتاب﴾ الْقُرْآن ﴿بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيل﴾
آل عمران 3:4
﴿من قبل﴾ يَعْنِي: من قبل الْقُرْآن ﴿هُدًى للنَّاس﴾ يَعْنِي: أنزل هَذِه الْكتب جَمِيعًا هدى للنَّاس ﴿وَأنزل الْفرْقَان﴾ تَفْسِير قَتَادَة: فرق اللَّه فِي الْكتاب بَين الْحق وَالْبَاطِل. ﴿إِنَّ الَّذين كفرُوا بآيَات الله﴾ تَفْسِير الحَسَن: يَعْنِي: بدين اللَّه. ﴿وَالله عَزِيز﴾ فِي نقمته ﴿ذُو انتقام﴾ من أعدائه
آل عمران 3:6
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيفَ يَشَاء﴾ كَقَوْلِه: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ ركبك﴾
آل عمران 3:7
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، يَعْنِي: مَا فِيهِ من الْحَلَال وَالْحرَام، وَمَا سوى ذَلِك مِنْهُ الْمُتَشَابه. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زيغ﴾ الْآيَة. كَانَ الحَسَن يَقُولُ: نزلت فِي الْخَوَارِج. قَالَ الحَسَن: وَمعنى ﴿ابْتِغَاء الْفِتْنَة﴾: طلب الضَّلَالَة. قَالَ مُحَمَّد: الْفِتْنَة تتصرف عَلَى ضروب؛ فَكَانَ الضَّرْب الَّذِي ابتغاه هَؤُلاءِ إِفْسَاد ذَات الْبَين فِي الدِّين، وَمعنى ﴿الزيغ﴾: الْجور، والميل عَنِ الْقَصْد.
يَحْيَى: عَنِ الْحَارِثِ بْنِ نَبْهَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ، فَهُمُ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ، فَلا تُجَالِسُوهُمْ، أَوْ قَالَ: احْذَرُوهُمْ».
يَحْيَى: وَفِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس: قَالَ: نزل الْقُرْآن عَلَى أَرْبَعَة أوجه: حَلَال وَحرَام لَا يسع النَّاس جَهله، وَتَفْسِير يُعلمهُ الْعلمَاء، وعربية تعرفها الْعَرَب، وَتَأْويل لَا يُعلمهُ إِلَّا اللَّه.
يَقُولُ الراسخون فِي الْعِلْم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أولو الْأَلْبَاب﴾ أولو الْعُقُول؛ وهم الْمُؤْمِنُونَ.
آل عمران 3:8
﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا﴾ الْآيَة. قَالَ الْحسن: هَذَا دُعَاء، أَمر اللَّه الْمُؤمنِينَ أَن يدعوا بِهِ.
آل عمران 3:10
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُم أَمْوَالهم﴾ أَي: لن تنفعهم ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وقود النَّار﴾ يَعْنِي: حطبها.
آل عمران 3:11
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قبلهم﴾ الْآيَة.
قَالَ الحَسَن: هَذَا مثل ضربه اللَّه لمشركي الْعَرَب؛ يَقُولُ: كفرُوا، وصنعوا كصنيع آل فِرْعَوْن وَالَّذين من قبلهم من الْكفَّار ﴿فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ فَهَزَمَهُمْ يَوْم بدر، وحشرهم إِلَى جَهَنَّم.
قَالَ مُحَمَّد: الدأب فِي اللُّغَة: الْعَادة؛ يُقَال: هَذَا دأبه.
آل عمران 3:13
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فئتين التقتا﴾ هما فئتا بدر؛ فِئَة الْمُؤمنِينَ، وَفِئَة مُشْركي الْعَرَب. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعين﴾ قَالَ الحَسَن: يَقُولُ: قد كَانَ لكم أَيهَا الْمُشْركُونَ آيَة (ل ٤٣) فِي فِئَتكُمْ، وَفِئَة رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابه؛ إِذْ ترونهم مثليكم رَأْي الْعين؛ لما أَرَادَ الله أَن يرعب قُلُوبهم، ويخذلهم ويخزيهم، وَكَانَ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَلَائِكَة وَجِبْرِيل، يَقُول، لَقَدْ كَانَ لكم فِي هَؤُلاءِ عِبْرَة ومتفكر؛ أَيّدهُم اللَّه، ونصرهم على عدوهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ وهم الْمُؤْمِنُونَ.
قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ الْمُشْركُونَ آلفوا يَوْم بدر، أَو قاربوا الْألف، وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجلا.
آل عمران 3:14
﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ قَالَ مُحَمَّد: هُوَ كَقَوْلِه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾. ﴿والقناطير المقنطرة﴾ [قَالَ قَتَادَة] يَعْنِي: المَال الْكثير بعضه عَلَى بَعْض ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: الراعية.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: سامت الْخَيل، فَهِيَ سَائِمَة؛ إِذا رعت، وسوَّمتها فَهِيَ مسومة؛ إِذا رعيتها ﴿وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ الْمَتَاع: مَا يسْتَمْتع بِهِ، ثمَّ يذهب. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ الْمرجع للْمُؤْمِنين؛ يَعْنِي: الْجنَّة.
آل عمران 3:15
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي: الَّذِي ذكر من مَتَاع الْحَيَاة الدُّنيا ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾
يَحْيَى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَرَأَوْا مَا فِيهَا - قَالَ اللَّهُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا. قَالُوا: رَبَّنَا لَيْسَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ: بَلَى أُحِلُّ عَلَيْكُم رِضْوَانِي».
آل عمران 3:17
﴿الصابرين والصادقين﴾ أَي: صدقت نيتهم، واستقامت قُلُوبهم وألسنتهم فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ يَعْنِي: المطيعين ﴿والمستغفرين﴾ يَعْنِي: أهل الصَّلاة. يَقُولُ: هَلْ يَسْتَوِي هَؤُلاءِ وَالْكفَّار؟ أَي: أَنهم لَا يستوون عِنْد الله.
آل عمران 3:18
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ فِيهَا تَقْدِيم وَتَأْخِير؛ يَقُول: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ قَائِما بِالْقِسْطِ؛ أَي بِالْعَدْلِ [وَيشْهد الْمَلَائِكَة وَيشْهد أولو الْعِلْم وهم الْمُؤْمِنُونَ]
قَالَ مُحَمَّد: نصب ﴿قَائِما﴾ عَلَى الْحَال؛ وَهِي حَال مُؤَكدَة. ﴿فَإِن توليتم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يَعْنِي: مَا بَين لَهُم ﴿فَاعْلَمُوا أَن الله عَزِيز حَكِيم﴾
قَالَ يَحْيَى: أَحسب أَنهم فسروا كُلَّ شَيْء فِيهِ وَعِيد: عَزِيز فِي نقمته، وكُلَّ شَيْء لَيْسَ فِيهِ وَعِيد: عَزِيز فِي ملكه.
آل عمران 3:19
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وَكَانُوا عَلَى الإِسْلام ﴿إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا﴾ أَي: حسداً ﴿بَينهم﴾ قَالَ مُحَمَّد: نصب ﴿بغيا﴾ عَلَى معنى: للبغي. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحساب﴾ يَعْنِي: الْعَذَاب؛ أَي: إِذا أَرَادَ أَن يعذبهم، لم يؤخرهم عَنْ ذَلِكَ الْوَقْت؛ هَذَا تَفْسِير الحَسَن.
آل عمران 3:20
﴿فَإِن حاجوك فَقل أسلمت﴾ أَي: أخلصت ﴿وَجْهي﴾ أَي: ديني ﴿لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أَي: وَأسلم من اتبعني وَجهه لله. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ والأميين﴾ يَعْنِي: مُشْركي الْعَرَب؛ وَكَانَت هَذِه الْأمة أُميَّة لَا كتاب لَهَا؛ حَتَّى نزل الْقُرْآن. ﴿أأسلمتم﴾ أَي: أخلصتم ﴿فَإِن أَسْلمُوا﴾ أَخْلصُوا ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بالعباد﴾ أَي: بأعمال الْعباد
آل عمران 3:21
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: بدين اللَّه ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ موجع.
آل عمران 3:23
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب﴾ الْآيَة. \ قَالَ قَتَادَة: هُم الْيَهُود؛ دعاهم رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى المحاكمة إِلَى كتاب اللَّه [وَأَحْكَامه؛ أَي] كتاب الله الَّذِي أنزلهُ عَلَيْهِ (ل ٤٤) فَوَافَقَ كِتَابهمْ الَّذِي أنزل عَلَيْهِم، فتولوا عَنْ ذَلِكَ، وأعرضوا عَنْهُ.
آل عمران 3:24
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّار إِلَّا أَيَّامًا معدودات﴾ عدد الْأَيَّام الَّتِي عبدُوا فِيهَا الْعجل؛ يَعْنِي بِهِ أوائلهم، ثمَّ رَجَعَ الْكَلَام إِلَيْهِم؛ فَقَالَ: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: يختلقون من الْكَذِب عَلَى اللَّه، قَالَ قَتَادَة، وَهُوَ قَوْلهم ﴿نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾
آل عمران 3:25
﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا ريب فِيهِ﴾ لَا شكّ فِيهِ.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى - وَالله أعلم - فَكيف يكون حَالهم فِي ذَلِكَ الْيَوْم؛ وَهَذَا من الِاخْتِصَار. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كسبت﴾ أما الْمُؤْمن فيوفى حَسَنَاته فِي الْآخِرَة، وَأما الْكَافِر فيجازى بِهَا فِي الدُّنيا، ولَهُ فِي الْآخِرَة عَذَاب النَّار.
آل عمران 3:26
﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك﴾ الْآيَة. قَالَ قَتَادَة: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ ربه أَن يَجْعَل ملك فَارس وَالروم فِي أمته، فَأنْزل اللَّه هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا».
آل عمران 3:27
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَار فِي اللَّيْل﴾ وَهُوَ أَخذ كل وَاحِد مِنْهُمَا من صَاحبه؛ نُقْصَان اللَّيْل فِي زِيَادَة النَّهَار، ونقصان النَّهَار فِي زِيَادَة اللَّيْل ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ تَفْسِير الحَسَن وَقَتَادَة: تخرج المُؤْمن من الْكَافِر، وَتخرج الْكَافِر من الْمُؤمن ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ يَعْنِي: بِغَيْر محاسبة مِنْهُ لنَفسِهِ.
آل عمران 3:28
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ يَعْنِي: فِي النصحية ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تقاة﴾.
يَحْيَى: عَنِ الْفُرَاتِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: «أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ أَبِي فَلَمْ يَتْرُكُوهُ؛ حَتَّى سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا وَرَاءُكَ؟ قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُول الله، وَاللَّهِ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: فَكَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ قَالَ: أَجِدُهُ مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ قَالَ: فَإِنْ عَادُوا فعد».
آل عمران 3:30
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عملت من خير محضرا﴾ أَي: موفرا كثيرا ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا﴾ فَلَا يَجْتَمِعَانِ أبدا.
قَالَ مُحَمَّد: نصب (يَوْمًا) عَلَى معنى: ويحذركم اللَّه نَفسه فِي ذَلِكَ الْيَوْم.
قَوْله: ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ يَعْنِي: عُقُوبَته ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَي: رَحِيم؛ أما المُؤمن فَلهُ رَحْمَة الدُّنيا وَالْآخِرَة، وَأما الْكَافِر فرحمته فِي الدُّنيا مَا رزقه اللَّه فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار.
آل عمران 3:31
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ قَالَ الْحسن: جعل محبَّة رَسُوله محبته، وطاعته طَاعَته.
آل عمران 3:32
﴿قل أطِيعُوا الله وَالرَّسُول﴾ أَي: أطِيعُوا اللَّه فِي الْفَرَائِض.
آل عمران 3:33
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ أَي: اخْتَار. ﴿وَآل إِبْرَاهِيم﴾ يَعْنِي: إِبْرَاهِيم وَولده، وَولد وَلَده ﴿وَآل عمرَان على الْعَالمين﴾
آل عمران 3:34
﴿ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي: فِي النِّيَّة وَالْعَمَل وَالْإِخْلَاص
﴿وجد عِنْدهَا رزقا﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَ يجد عِنْدهَا فَاكِهَة الشتَاء فِي الصَّيف، وَفَاكِهَة الصَّيف فِي الشتَاء.
آل عمران 3:35
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْني محررا﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: كَانَت امْرَأَة عمرَان حررت لله مَا فِي بَطنهَا، وَكَانُوا يحررون الذُّكُور؛ فَكَانَ الْمُحَرر إِذا حرر يكون فِي الْمَسْجِد يقوم عَلَيْهِ ويكنسه لَا يبرح مِنْهُ، وَكَانَت الْمَرْأَة لَا يُسْتَطَاع أَن (يصنع) ذَلِكَ بِهَا؛ لما يُصِيبهَا من الْأَذَى
آل عمران 3:36
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وضعت﴾ وَهِي تقْرَأ على وَجه آخر: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ أَي: الملعون أَن يضلها وإياهم ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أَي: ضمهَا إِلَيْهِ؛ فِي تَفْسِير من خفف قرَاءَتهَا، وَمن ثقلهَا يَقُولُ: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ أَي: فكفلها اللَّه زَكَرِيَّا، بِنصب زَكَرِيَّا.
قَالَ الْكَلْبِيّ: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ لفتها فِي خرقها، (ل ٤٥) ثمَّ أرْسلت بِهَا إِلَى مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَوَضَعتهَا فِيهِ فتنافسها الْأَحْبَار بَنو هَارُون، فَقَالَ لَهُم زَكَرِيَّا: أَنا أحقكم بِهَا عِنْدِي أُخْتهَا فذروها لِي، فَقَالَت الْأَحْبَار: لَو تركت لأَقْرَب النَّاس إِلَيْهَا لتركت لأمها، وَلَكنَّا نقترع عَلَيْهَا؛ فَهِيَ لمن خرج سَهْمه، فاقترعوا عَلَيْهَا بأقلامهم الَّتِي كَانُوا يَكْتُبُونَ بِهَا الْوَحْي، فقرعهم زَكَرِيَّا، فَضمهَا إِلَيْهِ، واسترضع لَهَا؛ حَتَّى إِذا شبت بنى لَهَا محرابا فِي الْمَسْجِد، وَجعل بَابه فِي وَسطه لَا يرتقى إِلَيْهَا إِلَّا بسلم، وَلا يَأْمَن عَلَيْهَا غَيره.
آل عمران 3:38
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّة﴾ أَي: من عنْدك ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يَعْنِي: تقية، قَالَ الْكَلْبِيّ: وَكَانَت امْرَأَة زَكَرِيَّا عاقرا قد دخلت فِي السن، وزَكَرِيا شيخ كَبِير؛ فَاسْتَجَاب الله لَهُ.
آل عمران 3:39
﴿فنادته الْمَلَائِكَة﴾ ناداه جِبْرِيل ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلام ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ يَعْنِي: يحيى؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة؛ أَحْيَاهُ اللَّه بِالْإِيمَان، وَالسَّيِّد: الحَسَن الْخلق، والحصور: الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاء أَي حصر عَنْهُن.
قَالَ مُحَمَّد: وأصل الْحصْر: الْحَبْس.
آل عمران 3:40
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَام﴾ أَي: من أَيْن يكون لي؟! (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكبر وامرأتي عَاقِر} أَي: لَا تَلد، قَالَ الْحسن: أَرَادَ أَن يعلم كَيفَ وهب ذَلِك لَهُ؛ وَهُوَ كَبِير وَامْرَأَته عَاقِر؛ لِيَزْدَادَ علما ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
آل عمران 3:41
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رمزا﴾ أَي: إِيمَاء، فَعُوقِبَ فَأخذ بِلِسَانِهِ؛ فَجعل لَا يبين الْكَلَام، وَإِنَّمَا عُوقِبَ؛ لِأَن الْمَلَائِكَة شافهته، فبشر بِيَحْيَى مشافهة، فَسَأَلَ الْآيَة بعد أَن شافهته الْمَلَائِكَة ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كثيرا وَسبح بالْعَشي وَالْإِبْكَار﴾ يَعْنِي: الصَّلَاة.
آل عمران 3:42
﴿إِن الله اصطفاك﴾ أَي: اختارك لدينِهِ ﴿وطهرك﴾ من الْكفْر
آل عمران 3:43
﴿يَا مَرْيَم اقتني لِرَبِّك﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: أطيلي الْقيام فِي الصَّلَاة.
قَالَ مُحَمَّد: وأصل الْقُنُوت: الطَّاعَة.
آل عمران 3:44
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْك وَمَا كنت لديهم﴾ ﴿عِنْدهم﴾ (إِذْ يلقون أقلامهم} أَي: يستهمون بهَا.
﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لديهم إِذْ يختصمون﴾ فِيهَا أَيهمْ يضمها إِلَيْهِ
آل عمران 3:45
﴿اسْمه الْمَسِيح﴾ أَي: مُسِحَ بِالْبركَةِ؛ فِي تَفْسِير الْحسن. ﴿ووجيها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَجُهَ الرجل، وأوجهني أَي: صيرني وجيها. ﴿وَمن المقربين﴾ عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة.
آل عمران 3:46
﴿ويكلم النَّاس فِي المهد﴾ أَي: فِي حِجْرِ أُمِّهِ ﴿وَكَهْلا﴾ كَبِيرا ﴿وَيُعَلِّمُهُمْ﴾ أَي: يعلمهُمْ كَبِيرا؛ فَأَرَادَتْ أَن تعلم كَيفَ ذَلِك؛ فَقَالَت: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾
آل عمران 3:48
﴿ويعلمه الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْخط ﴿وَالْحكمَة﴾ يَعْنِي: السّنة.
آل عمران 3:49
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ أَي: أُصَوِّرُ [من الطين] ﴿كَهَيْئَةِ الطير﴾ كَشَبَهِ الطَّيْرِ.
﴿وأبرئ الأكمه والأبرص﴾ قَالَ قَتَادَة: الأكمه: الَّذِي تلده أمه وَهُوَ مضموم الْعَينَيْنِ. ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تدخرون فِي بُيُوتكُمْ﴾ يَعْنِي: أنبئكم بِمَا أكلْتُم البارحة، وَبِمَا خبأتم فِي بُيُوتكُمْ.
آل عمران 3:50
﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم﴾ تَفْسِير قَتَادَة: كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى أَلين مِمَّا جَاءَ بِهِ مُوسَى؛ أحلّت لَهُم فِي الْإِنْجِيل أَشْيَاء كَانَت عَلَيْهِم فِي التَّوْرَاة حَرَامًا
آل عمران 3:52
﴿فَلَمَّا أحسن عِيسَى مِنْهُم الْكفْر﴾ أَي: رأى. ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى الله﴾ أَي: مَعَ الله ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحن أنصار الله﴾ والحواريون: هم أصفياء الْأَنْبِيَاء.
آل عمران 3:53
﴿فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ أَي: فاجعلنا
آل عمران 3:54
﴿ومكروا ومكر الله﴾ مكروا بقتل عِيسَى، ومكر الله بهم فأهلكهم، وَرفع عِيسَى إِلَيْهِ.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَكْر من النَّاس الخديعة، وَهُوَ من الله (ل ٤٦) الْجَزَاء، يجازي من مكر بمكره.
آل عمران 3:55
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ﴾ قَالَ السّديّ: معنى ﴿متوفيك﴾: قابضك من بَين بني إِسْرَائِيل ﴿ورافعك إِلَيّ﴾ فِي السَّمَاء.
قَالَ مُحَمَّد: تَقول: توفيت [الْعدَد] واستوفيته؛ بِمَعْنى: قَبضته. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِي النَّصْر، وَفِي الْحجَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَالَّذين اتَّبعُوهُ مُحَمَّد وَأهل دينه؛ اتبعُوا دين عيسي وَصَدقُوا بِهِ.
آل عمران 3:56
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ أما فِي الدُّنْيَا: فَهُوَ مَا عذب بِهِ الْكفَّار من الوقائع وَالسيف حِين كذبُوا رسلهم، وَأما فِي الْآخِرَة: [فيعذبهم] بالنَّار
آل عمران 3:57
﴿وَالله لَا يحب الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين
آل عمران 3:59
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ من تُرَاب﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: لما قدم نَصَارَى نَجْرَان، قَالُوا: يَا مُحَمَّد؛ أَتَذكر صاحبنا؟ قَالَ: وَمن صَاحبكُم؟ قَالُوا: عيسي ابْن مَرْيَم؛ أتزعم أَنه عبد؟ فَقَالَ لَهُم نَبِي الله ﷺ: أجل هُوَ عبد الله. قَالُوا: أرنا فِي خلق الله عبدا مثله فِيمَن رَأَيْت أَو سَمِعت؟ فَأَعْرض عَنْهُم نَبِي الله عَلَيْهِ السَّلَام يَوْمئِذٍ، وَنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل، فَقَالَ: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْد الله ... .} الْآيَة.
آل عمران 3:61
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَك من الْعلم﴾ الْآيَة.
قَالَ الْكَلْبِيّ: ثمَّ عَادوا إِلَى النَّبِي، فَقَالُوا: هَل سَمِعت بِمثل صاحبنا؟! قَالَ: نعم. قَالُوا: وَمن هُوَ؟ قَالَ: آدم، خلقه الله من تُرَاب. فَقَالُوا لَهُ: إِنَّه لَيْسَ كَمَا تَقول؟ فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثمَّ نبتهل﴾ أَي: نتلاعن ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ على الْكَاذِبين﴾ منا ومنكم. قَالُوا: نعم نُلَاعِنك؛ فَرجع رَسُول الله ﷺ فَأخذ بيد عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن فَهموا أَن يلاعنوه، ثمَّ نكصوا، وَعَلمُوا أَنهم لَو فعلوا - لوقعت اللَّعْنَة عَلَيْهِم، فَصَالَحُوهُ على الْجِزْيَة.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿ثمَّ نبتهل﴾ الْمَعْنى: نتداعى باللعن؛ (يُقَال: أبهله الله؛ أَي: لَعنه الله) وَفِيه لُغَة أُخْرَى: بهله.
آل عمران 3:63
﴿فَإِن توَلّوا﴾ يَعْنِي: عَمَّا جَاءَ بِهِ النَّبِي ﷺ ﴿فَإِنَّ الله عليم بالمفسدين﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين
آل عمران 3:64
﴿قل يَا أهل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ أَي: عدل ﴿بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ يَعْنِي: لَا إِلَه إِلَّا الله. ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله﴾.
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ هِلالٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ. فَقَالَ: يَا عَدِيُّ أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ. فَأَلْقَيْتُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله﴾ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا نَتَّخِذُهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ: بَلَى؛ أَلَيْسُوا يُحِلُّونَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؛ فَتَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ؛ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ». ﴿فَإِنْ توَلّوا فَقولُوا﴾ يَعْنِي: النَّبِي وَالْمُؤمنِينَ ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسلمُونَ﴾
آل عمران 3:65
﴿يَا أهل الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا من بعده أَفلا تعقلون﴾ قَالَ الْحسن: وَذَلِكَ أَنهم نحلوه أَنه كَانَ على دينهم؛ فَقَالَت الْيَهُود ذَلِك، وَقَالَت النَّصَارَى ذَلِك. فكذبهم الله جَمِيعًا، وَأخْبر أَنه كَانَ مُسلما، ثمَّ احْتج عَلَيْهِم أَنه إِنَّمَا أنزلت التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بعده؛ أَي: إِنَّمَا كَانَت الْيَهُودِيَّة بعد التَّوْرَاة، والنصرانية بعد الْإِنْجِيل.
آل عمران 3:66
﴿هَا أَنْتُم هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ علم﴾ أَي: بِمَا كَانَ فِي زمانكم وأدركتموه ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أَن إِبْرَاهِيم لم يكن يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا، وَلَكِن حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
آل عمران 3:68
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبعُوهُ﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي: على مِلَّته ﴿وَهَذَا النَّبِي﴾ (ل ٤٧) يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَام ﴿وَالَّذين آمنُوا﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ الَّذين (عرفُوا) نَبِي الله واتبعوه.
آل عمران 3:69
﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: من لم يُؤمن مِنْهُم ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أنفسهم﴾ بِمَا يودون من ذَلِك ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
آل عمران 3:70
﴿يَا أهل الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُم تَشْهَدُون﴾ أَنَّهَا آيَات الله (وَأَنه) رَسُوله، يَعْنِي بِهِ خَاصَّة عُلَمَائهمْ؛ لأَنهم يَجدونَ نعت مُحَمَّد فِي كِتَابهمْ، ثمَّ كفرُوا بِهِ وأنكروه.
آل عمران 3:71
﴿يَا أهل الْكتاب لم تلبسُونَ﴾ أَي: لم تخلطون الْحق بِالْبَاطِلِ؟! قَالَ الْحسن: يَعْنِي: مَا حرفوا من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بِالْبَاطِلِ الَّذِي قبلوه عَن الشَّيْطَان. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَأَن دينه حق.
آل عمران 3:72
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمنُوا﴾ بِمُحَمد ﴿وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لمن تبع دينكُمْ﴾ تَفْسِير الْكَلْبِيّ: كتبت يهود خَيْبَر إِلَى يهود الْمَدِينَة أَن آمنُوا بِمُحَمد أول النَّهَار، واكفروا آخِره؛ أَي: اجحدوا آخِره، ولَبِّسوا على ضعفة أَصْحَابه، حَتَّى تشككوهم فِي دينهم، فَإِنَّهُم لَا علم لَهُم وَلَا دراسة يدرسونها ﴿لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ عَن مُحَمَّد، وَعَما جَاءَ بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِد: صلت الْيَهُود مَعَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أول النَّهَار صَلَاة الصُّبْح، وكفرت آخِره؛ مكرا مِنْهُم، ليرى النَّاس أَنه قد بَدَت لَهُم الضَّلَالَة بعد إِذْ كَانُوا اتَّبعُوهُ. ﴿قُلْ إِن الْهدى هدى الله﴾ يَعْنِي: أَن الدّين دين الْإِسْلَام ﴿أَن يُؤْتى أحد مثل أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فِيهَا تَقْدِيم: إِنَّمَا قَالَت يهود خَيْبَر ليهود الْمَدِينَة: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لمن تبع دينكُمْ﴾ أَي: لَا تصدقوا إِلَّا من تبع دينكُمْ؛ فَإِنَّهُ لن يُؤْتى أحد مثل مَا أُوتِيتُمْ، وَلنْ (يحاجكم) بِمثل دينكُمْ أحد عِنْد ربكُم،
آل عمران 3:73
فَقَالَ الله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هدى الله﴾ وَالْفضل بيد الله، وَفضل الله: الْإِسْلَام ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء وَالله وَاسع﴾ لخلقه ﴿عليم﴾ بأمرهم.
آل عمران 3:74
﴿يخْتَص برحمته﴾ أَي: بِدِينِهِ؛ وَهُوَ الْإِسْلَام ﴿مَنْ يَشَاء﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ.
آل عمران 3:75
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تأمنه بقنطار يؤده إِلَيْك﴾ يَعْنِي: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ.
قَالَ قَتَادَة: كُنَّا نُحدث أَن القنطار مائَة رَطْل من ذهب، أَو ثَمَانُون ألفا من الْوَرق. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دمت عَلَيْهِ قَائِما﴾ يَعْنِي: إِن سَأَلته حِين تعطيه إِيَّاه رده إِلَيْك، وَإِن أنظرته بِهِ أَيَّامًا ذهب بِهِ. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيين﴾ يعنون: مُشْركي الْعَرَب ﴿سَبِيل﴾ إِثْم. تَفْسِير الْحسن: كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَت لَهُم هَذِه الْحُقُوق وَتجب علينا وهم على دينهم، فَلَمَّا تحولوا عَن دينهم لم يثبت لَهُم علينا حق. قَالَ الله - عز وَجل -: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ﴾ أَنهم كاذبون
آل عمران 3:76
﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي: أدّى الْأَمَانَة وآمن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
آل عمران 3:77
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ هم ﴿أهل الْكتاب﴾ كتبُوا كتبا بِأَيْدِيهِم، وَقَالُوا: هَذَا من عِنْد الله؛ فاشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا؛ أَي عرضا من عرض الدُّنْيَا، وحلفوا أَنه من عِنْد الله. ﴿أُولَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة﴾ أَي: لَا نصيب لَهُم [فِي] الْجنَّة. ﴿وَلَا يكلمهم الله﴾ بِمَا يحبونَ [وَذَلِكَ] يَوْم الْقِيَامَة، وَقد يكلمهم ويسألهم عَن أَعْمَالهم. قَالَ: ﴿وَلَا ينظر إِلَيْهِم﴾ نظرة رَحْمَة [يَوْم الْقِيَامَة] ﴿وَلا يزكيهم﴾ أَي: لَا يطهرهم من ذنوبهم ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ موجع
آل عمران 3:78
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكتاب﴾ تَفْسِير قَتَادَة: حرفوا كتاب الله، وابتدعوا فِيهِ، وَزَعَمُوا أَنه من عِنْد الله.
آل عمران 3:79
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة﴾ كَمَا آتى عيسي ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دون الله﴾ أَي: اعبدوني؛ يَقُول: لَا يفعل ذَلِك من آتَاهُ الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة.
قَالَ الْحسن: احْتج (ل ٤٨) عَلَيْهِم بِهَذَا؛ لقَولهم [إِن عيسي يَنْبَغِي لَهُ أَن يعبد] وَأَنَّهُمْ قبلوا ذَلِك عَن الله، وَهُوَ فِي كِتَابهمْ الَّذِي نزل من عِنْد الله.
قَالَ ﴿وَلَكِنْ كُونُوا ربانيين﴾ أَي: وَلَكِن يَقُول لَهُم: كونُوا ربانيين؛ أَي: عُلَمَاء فُقَهَاء ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تدرسون﴾ تقرءون
آل عمران 3:80
﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ والنبيين أَرْبَابًا﴾ أَي: من دون الله ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ على الِاسْتِفْهَام أَي: لَا يفعل.
آل عمران 3:81
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لما آتيناكم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذَلِكُم إصري﴾ [أَي: عهد ثقيل] ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدين﴾.
يَقُوله الله: أَنا شَاهد مَعَهم وَعَلَيْهِم، بِمَا أعْطوا من الْمِيثَاق وَالْإِقْرَار، قَالَ قَتَادَة: هَذَا مِيثَاق أَخذه الله على النَّبِيين أَن يصدق بَعضهم بَعْضًا، وَأَن يبلغُوا كتاب الله ورسالاته إِلَى عباده، وَأخذ مِيثَاق أهل الْكتاب فِي كِتَابهمْ فِيمَا بلغتهم رسلهم؛ أَن يُؤمنُوا بِمُحَمد ويصدقوه وينصروه
آل عمران 3:82
﴿فَمن تولى بعد ذَلِك﴾ ﴿أَي:﴾ بعد الْعَهْد والميثاق الَّذِي أَخذ الله عَلَيْهِم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
آل عمران 3:83
﴿أفغير دين الله يَبْغُونَ﴾ (يطْلبُونَ) ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ تَفْسِير الْحسن: وَله أسلم من فِي السَّمَوَات، ثمَّ انْقَطع الْكَلَام، ثمَّ قَالَ: ﴿وَالأَرْضِ﴾ أَيْ: وَمَنْ فِي الأَرْضِ طَوْعًا وَكرها؛ يَعْنِي: طَائِعا وكارها. قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ لَا يَجْعَلُ اللَّهُ مَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلامِ طَوْعًا؛ كم دَخَلَهُ كَرْهًا».
قَالَ يَحْيَى: لَا أَدْرِي أَرَادَ الْمُنَافِقَ، أَوِ الَّذِي قُوتِلَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْمُؤمن فَأسلم طَائِعا؛ فنفعه ذَلِك وَقُبِلَ مِنْهُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَأَسْلَمَ كَارِهًا؛ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي بِالْكَافِرِ: الْمُنَافِقَ الَّذِي لَمْ يُسْلِمْ قلبه.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿طَوْعًا﴾ مصدر، وضع مَوضِع الْحَال.
آل عمران 3:84
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط﴾ الأسباط: يُوسُف وَإِخْوَته، إِلَى قَوْله ﴿مُسلمُونَ﴾ قَالَ الْحسن: هَذَا مَا أَخذ الله على رَسُوله، وَلم يُؤْخَذ عَلَيْهِ مَا أَخذ على الْأَنْبِيَاء فِي قَوْله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ إِذْ لَا نَبِي بعده
آل عمران 3:85
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ خسر نَفسه؛ فَصَارَ فِي النَّار، وخسر أَهله من الْحور الْعين.
آل عمران 3:86
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حق﴾ قَالَ مُجَاهِد: نزلت فِي رجل من بني عَمْرو بن عَوْف كفر بعد إيمَانه. ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يَعْنِي: الْكتاب فِيهِ الْبَينَات والحجج. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: من لَا يُرِيد أَن يهديه مِنْهُم
آل عمران 3:87
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّاسِ: الْمُؤمنِينَ خَاصَّة
آل عمران 3:88
﴿خَالِدين فِيهَا﴾ أَي: فِي تِلْكَ اللَّعْنَة، وثوابها النَّار. ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هم ينظرُونَ﴾ يؤخرون بِالْعَذَابِ.
آل عمران 3:89
﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِك وَأَصْلحُوا﴾ يَعْنِي: من أَرَادَ الله أَن يهديه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
آل عمران 3:90
قَوْله عز ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كفرا﴾ قَالَ الْحسن: هم أهل الْكتاب كَانُوا مُؤمنين، ثمَّ كفرُوا ثمَّ ازدادوا كفرا؛ أَي: مَاتُوا على كفرهم.
يَقُول: لن يقبل الله إِيمَانهم الَّذِي كَانَ قبل ذَلِك، [إِذا مَاتُوا] على كفرهم ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾
آل عمران 3:91
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: هَذَا مِلْءُ هَذَا؛ أَي: مِقْدَار مَا يمْلَأ، والْمَلْءُ الْمصدر فبالفتح، يُقَال: مَلَأت الشَّيْء ملئا؛ هَذَا هُوَ الِاخْتِيَار (عِنْد اللغويين)
آل عمران 3:92
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تحبون﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي الزَّكَاة (ل ٤٩) الْوَاجِبَة ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِن الله بِهِ عليم﴾ يحفظه لكم حَتَّى يجازيكم بِهِ.
آل عمران 3:93
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها﴾ [أَي: فاقرءوها] ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَن فِيهَا مَا تذكرُونَ [أَنه] حرمه عَلَيْكُم. قَالَ الْحسن: وَكَانَ الَّذِي حرم إِسْرَائِيل على نَفسه: لُحُوم الْإِبِل، وَقَالَ بَعضهم: أَلْبَانهَا.
آل عمران 3:95
﴿قل صدق الله﴾ أَن إِبْرَاهِيم كَانَ مُسلما ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ والحنيف: المخلص.
آل عمران 3:96
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي: وضع قبْلَة لَهُم. ﴿للَّذي ببكة مُبَارَكًا﴾ تَفْسِير حبيب بن أبي ثَابت: قَالَ: الْبَيْت وَمَا حوله بكة، وأسفل من ذَلِك مَكَّة، وَإِنَّمَا سمي الْموضع بكة؛ لِأَن النَّاس يتزاحمون فِيهِ.
قَالَ مُحَمَّد: البك أَصله فِي اللُّغَة: الدّفع، وَنصب ﴿مُبَارَكًا﴾ على الْحَال
آل عمران 3:97
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قَالَ الْحسن: مقَام إِبْرَاهِيم من الْآيَات الْبَينَات ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمنا﴾ قَالَ الحَسَن: كَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة؛ لَو أَن رجلا جر جريرة، ثمَّ لَجأ إِلَى الْحرم - لم يُطْلب وَلم يُتَنَاول، وَأما فِي الْإِسْلَام؛ فَإِن الْحرم لَا يمْنَع من حد، من أصَاب حدا أقيم عَلَيْهِ. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حج الْبَيْت﴾ قَالَ مُحَمَّد: الْحَج فِي اللُّغَة مَعْنَاهُ: ((الْقَصْد؛ يُقَال: حججْت الشَّيْء أحجه حجا؛ إِذا قصدته مرّة بعد مرّة، وَمن هَذَا قَول الشَّاعِر:
(وَأشْهد من عَوْف حلولا كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا)
أَي: يكثرون الِاخْتِلَاف إِلَيْهِ؛ لسؤدده، وَكَانَ الرئيس يعتم بعمامة صفراء تكون علما لرئاسته.
قَوْله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾
يَحْيَى: (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ) «أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [إِنَّ اللَّهَ قَالَ]: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ فَمَا السَّبِيل؟ قَالَ: الزَّاد والراحة».
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَن الْعَالمين﴾ قَالَ الْحسن: الْكفْر: أَن يَقُول: لَيْسَ بفريضة؛ فيكفر بِهِ.
آل عمران 3:99
﴿قل يَا أهل الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله﴾ يَعْنِي: الْإِسْلَام ﴿مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عوجا﴾ أَي: تطلبون بهَا العوج. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاء﴾ على ذَلِك فِيمَا تقرون من كتاب الله أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَأَن الْإِسْلَام دين الله.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال فِي الْأَمر: (عِوَج) بِالْكَسْرِ؛ إِذا كَانَ فِي الدّين، وَيُقَال لكل شَيْء مائل: فِيهِ (عَوَج) بِالْفَتْح؛ كالعصا والحائط وَشبه ذَلِك.
آل عمران 3:100
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ يَعْنِي: من لم يُؤمن مِنْهُم.
آل عمران 3:101
﴿وَمن يعتصم بِاللَّه﴾ أَي: يسْتَمْسك بدين الله
آل عمران 3:102
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاته﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: حق تُقَاته أَن يطاع فَلَا يعْصى، ويشكر فَلَا يكفر، وَيذكر فَلَا ينسى. قَالَ قَتَادَة: نزلت هَذِه الْآيَة فَثقلَتْ عَلَيْهِم، ثمَّ أنزل الله الْيُسْر وَالتَّخْفِيف، فَقَالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم واسمعوا وَأَطيعُوا﴾
آل عمران 3:103
﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا﴾ قَالَ الْحسن وَغَيره: حَبل الله: الْقُرْآن. قَالَ مُحَمَّد: وأصل الْحَبل فِي اللُّغَة: الْعَهْد.
قَالَ (الْأَعْشَى):
(وَإِذا أجوزها حبال قَبيلَة ... أخذت من الْأُخْرَى إِلَيْهَا حبالها} يَعْنِي: عهودها.
قَوْله: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم﴾ أَي: اشكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبكُمْ﴾ بِالْإِيمَان ﴿فأصبحتم﴾ يَعْنِي: فصرتم ﴿بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فأنقذكم مِنْهَا﴾ بِالْإِسْلَامِ.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿شَفَا حُفْرَة﴾ يَعْنِي: حرف حُفْرَة؛ أَي: قد كُنْتُم أشرفتم على النَّار.
آل عمران 3:104
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي: [بتوحيد الله] ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكر﴾ يَعْنِي: الشّرك بِاللَّه.
قَالَ [مُحَمَّد]: قَوْله: ﴿ولتكن مِنْكُم أمة﴾ قيل: مَعْنَاهُ: ولتكونوا كلكُمْ أمة.
آل عمران 3:105
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا﴾ هم أهل الْكتاب، يَقُول: لَا تَفعلُوا كفعلهم. (ل ٥٠) ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ [عَنْ أَبِي غَالِبٍ] قَالَ: «كُنْتُ مَعَ أَبِي أُمَامَةَ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى دَرَجِ الْمَسْجِدِ بِدِمَشْقَ؛ فَإِذَا بِرُءُوسٍ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ مَنْصُوبَةً، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الرُّءُوسُ؟ ﴿قَالُوا: رُءُوسُ خَوَارِجَ جِيءَ بِهَا مِنَ الْعِرَاقِ، فَقَالَ: كِلابُ أَهْلِ النَّارِ، كِلابُ أَهْلِ النَّارِ، كِلابُ أَهْلِ النَّارِ﴾ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ! خَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوهُ، خَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوهُ، خَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوهُ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ. ثُمَّ بَكَى، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: رَحْمَةً لَهُمْ؛ إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ، فَخَرَجُوا مِنَ الإِسْلامِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات﴾ حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِهَا، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ فَقُلْتُ: هُمْ هَؤُلاءِ يَا أَبَا أُمَامَةَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: شَيْءٌ تَقُولُهُ بِرَأْيِكَ، أَمْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُهُ؟ قَالَ: إِنِّي إِذَنْ لَجَرِيءٌ، إِنِّي إِذَنْ لَجَرِيءٌ، إِنِّي إِذَنْ لَجَرِيءٌ! لَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ. حَتَّى بلغ سبعا، وَوضع أصبعيه فِي أُذُنَيْهِ ثمَّ قَالَ: وَإِلَّا فصمتا. ثمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺَّ يَقُولُ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى سَبْعِينَ فِرْقَةً؛ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَائِرُهَا فِي النَّارِ، وَلَتَزِيدَنَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأُمَّةُ وَاحِدَةً؛ فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَائِرُهَا فِي النَّارِ: فَقُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ. قَالَ: فَقُلْتُ: فِي السَّوَادِ الأَعْظَمِ مَا قَدْ تَرَى. قَالَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ خير من الْفرْقَة وَالْمَعْصِيَة».
آل عمران 3:108
﴿تِلْكَ آيَات الله﴾ هَذِه آيَات الله
آل عمران 3:109
﴿وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور﴾ يَعْنِي: عواقبها فِي الْآخِرَة.
آل عمران 3:110
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تأمرون بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي: بتوحيد الله ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكر﴾ يَعْنِي: عَن الشّرك بِاللَّه.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿كُنْتُم﴾ قيل: مَعْنَاهُ: أَنْتُم.
يَحْيَى: عَنْ أَبِي الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ». ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكتاب لَكَانَ خيرا لَهُم﴾ يَعْنِي: عامتهم، ثمَّ قَالَ: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: من آمن مِنْهُم ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ يَعْنِي: فسق الشّرك.
آل عمران 3:111
﴿لن يضروكم إِلَّا أَذَى﴾ بالألسنة. ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ﴾.
آل عمران 3:112
﴿ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْنَمَا ثقفوا﴾ أَي: حَيْثُمَا وجدوا ﴿إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ قَالَ السّديّ: يَعْنِي بِأَمَان وعهد من الله، وَمن النَّاس ﴿وَبَاءُوا بغضب من الله﴾ يَعْنِي: استوجبوا غَضَبه ﴿ضربت عَلَيْهِم المسكنة﴾ يَعْنِي: مَا يُؤْخَذ مِنْهُم من الْجِزْيَة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حق﴾ يَعْنِي: أوائلهم، وَلَيْسَ يَعْنِي الَّذين أدركوا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام.
آل عمران 3:113
﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ يَقُول: لَيْسَ كل أهل الْكتاب كَافِرًا. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَة﴾ بِأَمْر الله؛ يَعْنِي: من آمن مِنْهُم ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْل﴾ يَعْنِي: سَاعَات اللَّيْل ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يصلونَ.
قَالَ مُحَمَّد: وَاحِد (الآناء): إِنًى؛ مثل: مِعًى وأمعاء، وَقيل: وَاحِدهَا: إِنِّي.
آل عمران 3:114
﴿ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي: بِالْإِيمَان [بِمُحَمد ﷺ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عَن التَّكْذِيب بِمُحَمد ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات﴾ يَعْنِي: الْأَعْمَال الصَّالِحَة ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحين﴾ وهم أهل الْجنَّة.
آل عمران 3:115
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تكفروه﴾ يَقُول: تجازون بِهِ.
آل عمران 3:117
﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صر﴾ يَعْنِي: الْبرد الشَّديد ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قوم ظلمُوا أنفسهم﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي [نفقات الْكفَّار] لَا يكون لَهُم فِي الْآخِرَة مِنْهَا ثَوَاب، وَتذهب [كَمَا يذهب] هَذَا الزَّرْع الَّذِي أَصَابَته الرّيح [فأهلكته]
آل عمران 3:118
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً من دونكم﴾ يَعْنِي: (ل ٥١) من غير الْمُسلمين ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خبالا﴾ أَي: شرا ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ أَي: مَا ضَاقَ بكم ﴿قَدْ بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم﴾ أَي: ظَهرت ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أكبر﴾ فِي البغض والعداوة وَلم يظهروا الْعَدَاوَة، وأسروها فِيمَا بَينهم؛ فَأخْبر الله بذلك عَنْهُم رَسُوله.
آل عمران 3:119
﴿هَا أَنْتُم أولاء تحبونهم﴾ يَقُول للْمُؤْمِنين: أَنْتُم تحبون الْمُنَافِقين؛ لأَنهم أظهرُوا الْإِيمَان، فأحبوهم على مَا أظهرُوا، وَلم يعلمُوا مَا فِي قُلُوبهم.
﴿وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أَي: وهم لَا يُؤمنُونَ؛ [فِيهَا] إِضْمَار ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ مَخَافَة على دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغيظ﴾ مِمَّا يَجدونَ فِي قُلُوبهم.
قَالَ الله لنَبيه: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ الْآيَة.
آل عمران 3:120
﴿إِن تمسسكم حَسَنَة تسؤهم﴾ يَعْنِي بِالْحَسَنَة: النَّصْر ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَة﴾ نكبة من الْمُشْركين ﴿يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كيدهم شَيْئا﴾ أَي: أَنهم لَا شَوْكَة لَهُم إِلَّا أَذَى بالألسنة. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ أَي: يجازيهم بِمَا يعْملُونَ.
آل عمران 3:121
﴿وَإِذ غَدَوْت من أهلك﴾ يَعْنِي: يَوْم أحد ﴿تبوئ﴾ أَي: تنزل ﴿الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾
آل عمران 3:122
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: يَعْنِي: بني حَارِثَة، وَبني سَلمَة، حَيَّيْنِ من الْأَنْصَار، وَكَانُوا هموا أَلا يخرجُوا مَعَ رَسُول الله، فَعَصَمَهُمْ الله وَهُوَ قَوْله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
آل عمران 3:123
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّة﴾ يذكرهم نعْمَته عَلَيْهِم. قَالَ قَتَادَة: نَصرهم الله يَوْم بدر بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ
آل عمران 3:124
﴿إِذْ تَقول للْمُؤْمِنين﴾ رَجَعَ إِلَى قصَّة أحد ﴿أَلَنْ يكفيكم أَن يمدكم﴾ أَي: يقويكم ربكُم ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ من الْمَلَائِكَة منزلين﴾ ينزلهم الله عَلَيْكُم من السَّمَاء
آل عمران 3:125
﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ من فورهم هَذَا﴾ من (وجههم) هَذَا ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: عَلَيْهِم سِيما الْقِتَال.
قَالَ مُحَمَّد: السُّومة: الْعَلامَة الَّتِي يُعْلم بهَا الْفَارِس نَفسه.
قَالَ الشّعبِيّ: وعده خَمْسَة آلَاف إِن جَاءُوا من ذَلِك الْفَوْر، فَلم يجيئوا من ذَلِك الْفَوْر، وَلم يمده بِخَمْسَة آلَاف، وَإِنَّمَا أمده بِأَلف مُردفِينَ، وبثلاثة آلَاف منزلين؛ فهم أَرْبَعَة آلَاف، وهم الْيَوْم فِي جنود الْمُسلمين.
آل عمران 3:126
﴿وَمَا جعله الله﴾ يَعْنِي: المدد ﴿إِلا بُشْرَى لَكُمْ﴾ تستبشرون بهَا وتفرحون ﴿ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ﴾ أَي: لتسكن بِهِ [قُلُوبكُمْ] ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أويكبتهم﴾ أَي: يخزيهم
آل عمران 3:127
﴿فينقلبوا خائبين﴾ قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿طرفا﴾ يَعْنِي: قِطْعَة، وَقَوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ قيل: الأَصْل فِيهِ: يكبدهم؛ أَي: يصيبهم فِي أكبادهم بالحزن والغيظ، التَّاء مبدلة فِيهِ من دَال؛ لقرب مخرجيهما.
آل عمران 3:128
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَة.
يَحْيَى: عَنْ أَبِي الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام أُدْمِيَ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ أَدْمَوْا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ؟! فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾).
قَالَ يحيى: فِيهَا تَقْدِيم وَتَأْخِير؛ قَالَ: ليقطع طرفا من الَّذين كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ؛ فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ، لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء.
وَمعنى: ﴿أَو يَتُوب عَلَيْهِم﴾ يرجعُونَ إِلَى الْإِيمَان ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ بإقامتهم على الشّرك.
آل عمران 3:130
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافا مضاعفة﴾ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا حل دين أحدهم على صَاحبه؛ فتقاضاه، قَالَ: أخر عني وَأَزِيدك.
آل عمران 3:133
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ كريب مولى ابْن عَبَّاس: سبع سموات وَسبع أَرضين يلفقن جَمِيعًا كَمَا تلفق الثِّيَاب بَعْضهَا إِلَى بعض، وَلَا يصف أحد طولهَا.
آل عمران 3:134
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أَي: فِي الْيُسْر والعسر (ل ٥٢) ﴿والكاظمين الغيظ﴾ قَالَ مُحَمَّد: أصل الكظم: الْحَبْس.
يَحْيَى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «مَا جَرَعَ أَحَدٌ جَرْعَةً خَيْرٌ لَهُ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ».
قَوْله: ﴿وَالْعَافِينَ عَن النَّاس﴾
يَحْيَى: عَنْ أَبِي الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْضَلُ أَخْلَاق (الْمُسلمين) الْعَفو».
آل عمران 3:135
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله﴾ فخافوه وتابوا إِلَيْهِ ﴿وَلم يصروا﴾ أَي: لم يقيموا ﴿عَلَى مَا فعلوا﴾ من الْمعْصِيَة.
يَحْيَى: عَنْ أَبَانَ الْعَطَّارِ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: لَا قَلِيلَ مَعَ إِصْرَارٍ، وَلا كَثِيرَ مَعَ اسْتِغْفَار.
آل عمران 3:137
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ يَعْنِي: مَا عذب الله بِهِ الْأُمَم السالفة حِين كذبُوا رسلهم ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أَي: كَانَ عاقبتهم أَن دمر الله عَلَيْهِم، ثمَّ صيرهم إِلَى النَّار؛ يُحَذرهُمْ بذلك
آل عمران 3:138
﴿هَذَا بَيَان للنَّاس﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: هَذَا الْقُرْآن بَيَان للنَّاس عَامَّة ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتقين﴾ خصوا بِهِ
آل عمران 3:139
﴿وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا﴾ أَي: لَا تضعفوا عَن قتال الْمُشْركين ﴿وَأَنْتُم الأعلون﴾ يَعْنِي: الظاهرين المنصورين ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ يَعْنِي: إِذا كُنْتُم ﴿مُؤْمِنِينَ﴾
آل عمران 3:140
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْم قرح مثله﴾ قَالَ قَتَادَة: الْقرح: الْجراح، وَذَلِكَ يَوْم أحد؛ فَشَا فِي أَصْحَاب رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمئِذٍ الْقَتْل والجراحة؛ فَأخْبرهُم الله أَن الْقَوْم قد أَصَابَهُم من ذَلِك مثل مَا أَصَابَكُم، وَأَن الَّذِي أَصَابَكُم عُقُوبَة؛ وَتَفْسِير تِلْكَ الْعقُوبَة بعد هَذَا الْموضع.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: قَرْح وقُرْح، وَقد قرئَ بهما، والقرح بِالضَّمِّ: ألم الْجراح، والقرح بِالْفَتْح: الْجراح. ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُم شُهَدَاء﴾ قَالَ قَتَادَة: لَوْلَا أَن الله جعلهَا دُوَلا مَا أوذي الْمُؤْمِنُونَ، وَلَكِن قد يدال الْكَافِر من الْمُؤمن، ويدال الْمُؤمن من الْكَافِر؛ ليعلم الله من يطيعه مِمَّن يعصيه؛ وَهَذَا علم الفعال.
آل عمران 3:141
﴿وليمحص الله الَّذين آمنُوا﴾ أَي: يختبرهم؛ فِي تَفْسِير مُجَاهِد ﴿ويمحق الْكَافرين﴾ أَي: يمحق أَعْمَالهم يَوْم الْقِيَامَة.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: معنى ﴿وَلِيُمَحِّصَ الله﴾ أَي: يمحص ذنوبهم؛ والتمحيص أَصله: التنقية، والتخليص.
آل عمران 3:142
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلما يعلم الله﴾ أَي: وَلم يعلم الله ﴿الَّذِينَ جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ بِالْفَتْح على الصّرْف من الْجَزْم
آل عمران 3:143
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ إِلَى السيوف بأيدي الرِّجَال.
قَالَ قَتَادَة: أنَاس من الْمُسلمين لم يشْهدُوا يَوْم بدر، فَكَانُوا يتمنون أَن يرَوا قتالا؛ فيقاتلوا، فسيق إِلَيْهِم الْقِتَال يَوْم أحد. قَالَ غير قَتَادَة: فَلم يثبت مِنْهُم إِلَّا من شَاءَ الله.
آل عمران 3:144
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خلت من قبله الرُّسُل﴾ الْآيَة تَفْسِير قَتَادَة قَالَ: ذَلِك يَوْم أحد حِين أَصَابَهُم الْقرح وَالْقَتْل؛ فَقَالَ أنَاس مِنْهُم: لَو كَانَ نَبيا مَا قتل، وَقَالَ نَاس من علية أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: قَاتلُوا على مَا قَاتل عَلَيْهِ نَبِيكُم؛ حَتَّى يفتح الله لكم، أَو تلحقوا بِهِ؛ فَقَالَ الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعقابكم﴾ يَقُول ارتددتم [على أعقابكم] كفَّارًا بعد إيمَانكُمْ ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ إِنَّمَا يضر نَفسه ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ يجزيهم بِالْجنَّةِ.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال لمن كَانَ على شَيْء، ثمَّ رَجَعَ عَنهُ: انْقَلب على عَقِبَيْهِ.
آل عمران 3:145
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ لَا يَسْتَقْدِم، وَلَا يسْتَأْخر عَنهُ.
قَالَ مُحَمَّد: وَنصب ﴿كتابا﴾ على معنى: كتب ذَلِك كتابا. ﴿وَمن يرد ثَوَاب الدُّنْيَا ثؤته مِنْهَا﴾ مثل قَوْله: (ل ٥٣) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيد وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ يَعْنِي: الْجنَّة.
قَالَ مُحَمَّد: وَقَوله: ﴿وَمن يرد ثَوَاب الدُّنْيَا﴾ قيل: مَعْنَاهُ: من كَانَ إِنَّمَا يقْصد بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا
آل عمران 3:146
﴿وكأين من نَبِي﴾ أَي: وَكم من نَبِي ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَي: جموع كَثِيرَة، وتقرأ: ﴿قَاتل مَعَه﴾ ﴿فَمَا وهنوا﴾ أَي: ضعفوا وعجزوا. ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أَي: وَمَا ارْتَدُّوا عَن بصيرتهم.
قَالَ مُحَمَّد: الرّبَّة: الْجَمَاعَة، وَيُقَال للْجمع: رِبِّي؛ كَأَنَّهُ نسب إِلَى الربة؛ فَإِذا جمع قيل: ربيون، وَمعنى اسْتَكَانُوا: خشعوا وذلوا.
آل عمران 3:147
﴿وَمَا كَانَ قَوْلهم﴾ حِين لقوا عدوهم ﴿إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإسرافنا فِي أمرنَا﴾ يُرِيدُونَ: خطاياهم.
آل عمران 3:148
﴿فآتاهم الله﴾ أَعْطَاهُم ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَة﴾ أما ثَوَاب الدُّنْيَا: فالنصر على عدوهم، وَأما ثَوَاب الْآخِرَة: فالجنة.
قَالَ مُحَمَّد: تقْرَأ ﴿وَمَا كَانَ قَوْلهم﴾ بِالرَّفْع وَالنّصب؛ فَمن قَرَأَ بِالرَّفْع: جعل خبر «كَانَ» مَا بعد «إِلَّا» وَالْأَكْثَر فِي الْكَلَام أَن يكون الِاسْم هُوَ مَا بعد «إِلَّا» فَيكون الْمَعْنى: وَمَا كَانَ قَوْلهم إِلَّا استغفارهم.
آل عمران 3:149
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كفرُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود؛ فِي تَفْسِير الْحسن ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ أَي: إِلَى الشّرك ﴿فتنقلبوا﴾ إِلَى الْآخِرَة ﴿خَاسِرِينَ﴾
آل عمران 3:150
﴿بل الله مولاكم﴾ وَلِيكُم ينصركم ويعصمكم من أَن ترجعوا كَافِرين
آل عمران 3:151
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرعب﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي: مُشْركي الْعَرَب ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ ينزل بِهِ سُلْطَانا﴾ أَي: حجَّة بِمَا هم عَلَيْهِ من الشّرك ﴿ومأواهم النَّار﴾ أَي: مصيرهم إِلَى النَّار ﴿وَبِئْسَ مثوى الظَّالِمين﴾ منزل الظَّالِمين الْمُشْركين ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ تَفْسِير الْحسن وَغَيره: [إِذا] تقتلونهم.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: سنة حسوس؛ إِذا أَتَت على كل شَيْء، وجراد محسوس؛ إِذا قَتله الْبرد. ﴿حَتَّى إِذا فشلتم﴾ الْآيَة، قَالَ الْحسن: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: «رَأَيْتنِي البارحة؛ كَأَن عليَّ درعا حَصِينَة، (فَأَوَّلتهَا} الْمَدِينَة، فأكمِنوا للْمُشْرِكين فِي أزقتها حَتَّى يدخلُوا عَلَيْكُم فِي أزقتها؛ فتقتلوهم. فَأَبت الْأَنْصَار من ذَلِك فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، منعنَا مدينتنا من تبع والجنود فنخلي بَين هَؤُلَاءِ الْمُشْركين وَبَينهَا يدْخلُونَهَا؟ ﴿فَلَيْسَ رَسُول الله سلاحه، فَلَمَّا خَرجُوا من عِنْده أقبل بَعضهم على بعض، فَقَالُوا: مَا صنعنَا؛ أَشَارَ علينا رَسُول الله، فَرددْنَا رَأْيه، فَأتوهُ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، نكمن لَهُم فِي أزقتها؛ حَتَّى يدخلُوا فنقتلهم فِيهَا؛ فَقَالَ: إِنَّه لَيْسَ لبني لبس لأمته - أَي: سلاحه - أَن يَضَعهَا؛ حَتَّى (يُقَاتل) قَالَ: فَبَاتَ رَسُول الله دونهم بليلة؛ فَرَأى رُؤْيا، فَأصْبح فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة كَأَن بقرًا ينْحَر، فَقلت: بقر﴾ وَالله خير، وَإنَّهُ كائنة فِيكُم مُصِيبَة، وَإِنَّكُمْ ستلقونهم وتهزمونهم غَدا؛ فَإِذا هزمتموهم فَلَا تتبعوا المدبرين» فَفَعَلُوا فلقوهم فهزموهم؛ كَمَا قَالَ رَسُول الله فأتبعوا المدبرين على وَجْهَيْن: أما بَعضهم: فَقَالُوا: مشركون وَقد أمكننا الله من أدبارهم فنقتلهم، فَقَتَلُوهُمْ على وَجه الْحِسْبَة، وَأما بَعضهم: فَقَتَلُوهُمْ لطلب الْغَنِيمَة، فَرجع الْمُشْركُونَ عَلَيْهِم فهزموهم، حَتَّى صعدوا أحدا؛ وَهُوَ قَوْله:
آل عمران 3:152
﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده﴾ لقَوْل رَسُول الله: إِنَّكُم ستلقونهم فتهزمونهم، فَلَا تتبعوا المدبرين. وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا فشلتم﴾ أَي: ضعفتم فِي أَمر رَسُول الله ﴿وتنازعتم﴾ اختلفتم فصرتم فرْقَتَيْن؛ تقاتلونهم على وَجْهَيْن. ﴿وعصيتم﴾ الرَّسُول ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تحبون﴾ من النَّصْر على عَدوكُمْ ﴿مِنْكُمْ من يُرِيد الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: الْغَنِيمَة ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَد عَفا عَنْكُم﴾ حِين لم يستأصلكم ﴿وَاللَّهُ ذُو فضل على الْمُؤمنِينَ﴾.
آل عمران 3:153
﴿إِذْ تصعدون﴾ إِلَى الْجَبَل ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلَى أحد﴾ يَعْنِي: النَّبِي.
(ل ٥٤) ﴿وَالرَّسُول يدعوكم فِي أخراكم﴾ جعل يَقُول: إليَّ عباد الله حَتَّى خص الْأَنْصَار؛ فَقَالَ: يَا أنصار الله [إليَّ، أَنا] رَسُول الله، فَرَجَعت الْأَنْصَار والمؤمنون. ﴿فَأَثَابَكُمْ غما بغم﴾
قَالَ يحيى: كَانُوا تحدثُوا يَوْمئِذٍ أَن نَبِي الله أُصِيب، وَكَانَ الْغم الآخر قتل أَصْحَابهم والجراحات الَّتِي فيهم؛ وَذكر لنا أَنه قُتِل يَوْمئِذٍ سَبْعُونَ رجلا: سِتَّة وَسِتُّونَ من الْأَنْصَار، وَأَرْبَعَة من الْمُهَاجِرين.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بغم﴾ أَي: جازاكم غما مُتَّصِلا بغم. وَقَوله: ﴿إِذْ تصعدون﴾ تقْرَأ: ﴿تصعدون﴾ و ﴿تَصْعَدُونَ﴾، فَمن قَرَأَ بِضَم التَّاء فَالْمَعْنى: تبعدون فِي الْهَزِيمَة، يُقَال: أصعد فِي الأَرْض؛ إِذا أمعن فِي الذّهاب، وَصعد الْجَبَل والسطح. ﴿لِكَيْ لَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الْغَنِيمَة ﴿وَلا مَا أَصَابَكُم﴾ فِي أَنفسكُم من الْقَتْل والجراحات.
قَالَ مُحَمَّد: قيل: أَي: ليَكُون غمكم؛ بأنكم خالفتم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَقَط.
آل عمران 3:154
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: كَانُوا يَوْمئِذٍ فريقين: فَأَما الْمُؤْمِنُونَ: فغشاهم الله النعاس أَمَنَة مِنْهُ وَرَحْمَة، والطائفة الْأُخْرَى: المُنَافِقُونَ لَيْسَ لَهُم هَمٌّ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا من الْأَمر من شَيْء﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: (هم المُنَافِقُونَ) قَالُوا لعبد الله بن أبي بن سلول: قتل بَنو الْخَزْرَج! فَقَالَ: وَهل لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ الله: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ﴾ يَعْنِي: النَّصْر ﴿كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ مَا أخفوا فِي أنفسهم أَن قَالُوا: لَو كُنَّا على شَيْء من الْأَمر - أَي: من الْحق - مَا قتلنَا هَا هُنَا، وَلَو كُنَّا فِي بُيُوتنَا مَا أَصَابَنَا الْقَتْل. قَالَ الله للنَّبِي: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وليمحص مَا فِي قُلُوبكُمْ} أَي: يطهره ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ بِمَا فِي الصُّدُور
آل عمران 3:155
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ التقى الْجَمْعَانِ﴾ تَفْسِير قَتَادَة قَالَ: كَانَ أنَاس من أَصْحَاب النَّبِي توَلّوا عَن الْقِتَال، وَعَن نَبِي الله عَلَيْهِ السَّلَام يَوْم أحد وَكَانَ ذَلِك من أَمر الشَّيْطَان وتخويفه؛ فَأنْزل الله: ﴿وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم ... .﴾ الْآيَة. [١٥٦ - ١٥٩]
آل عمران 3:156
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: التِّجَارَة ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ يَعْنِي: فِي الْغَزْو.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿غزى﴾ جمع (غَازٍ} مثل: قَاس وقسى، وعاف وَعفى قَالَ الْحسن: هم المُنَافِقُونَ ﴿وَقَالُوا لإخوانهم﴾ يَعْنِي: إخْوَانهمْ فِيمَا يظْهر المُنَافِقُونَ من الْإِيمَان. ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا﴾ قَالُوا هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا نِيَّة لَهُم فِي الْجِهَاد. قَالَ الله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبهم﴾ وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يجاهدون قوما على دينهم، فَذَلِك عَلَيْهِم عَذَاب وحسرة
آل عمران 3:157
(وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خير مِمَّا تجمعون} أَي: من الدُّنْيَا.
آل عمران 3:159
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم﴾ أَي: فبرحمة من الله ورضوان و (مَا) صلَة زَائِدَة ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُم﴾ أمره أَن يعْفُو عَنْهُم مَا لم يلْزمهُم من حكم أَو حد. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمر﴾ أمره الله أَن يشاور أَصْحَابه فِي الْأُمُور؛ لِأَنَّهُ أطيب لأنفس الْقَوْم، وَأَن الْقَوْم إِذا شاور بَعضهم بَعْضًا، وَأَرَادُوا بذلك وَجه الله - عزم الله لَهُم على أرشده.
آل عمران 3:160
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لكم﴾ الْآيَة، وَقد أعلم الله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ أَنهم منصورون، وَكَذَلِكَ إِن خذلهم لن ينصرهم من بعده نَاصِر.
آل عمران 3:161
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: أَن يغله أَصْحَابه من الْمُؤمنِينَ ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَالَّذِي نَفسِي (ل ٥٥) بِيَدِهِ، لَا يَغُلُّ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْمَالِ بَعِيرًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَامِلَهُ عَلَى عُنُقِهِ لَهُ رُغَاءٌ، وَلا بَقَرَةً إِلا جَاءَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَامِلَهَا عَلَى عُنُقِهِ وَلَهَا خُوَارٌ، وَلا شَاةً إِلا جَاءَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَامِلَهَا عَلَى عُنُقِهِ وَهِيَ تَيْعَرُ».
قَالَ مُحَمَّد: معنى (تَيْعر): تصيح.
آل عمران 3:162
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاء بسخط من الله﴾ أَي: اسْتوْجبَ سخط الله؛ يَقُول: أَهما سَوَاء؟! على وَجه الِاسْتِفْهَام أَي: أَنَّهُمَا ليسَا بِسَوَاء ﴿وَمَأْوَاهُ﴾ مصيره.
آل عمران 3:163
﴿هم دَرَجَات عِنْد الله﴾ يَعْنِي: أهل النَّار بَعضهم أَشد عذَابا من بعض، وَأهل الْجنَّة بَعضهم أرفع دَرَجَات من بعض.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ الله﴾ الْمَعْنى: هم [ذَوُو] دَرَجَات.
آل عمران 3:164
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يَعْنِي: يصلحهم. ﴿وَيُعلمهُم الْكتاب﴾ الْقُرْآن ﴿وَالْحكمَة﴾ السّنة ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أَن يَأْتِيهم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام ﴿لفي ضلال مُبين﴾ بَين.
آل عمران 3:165
﴿أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة﴾ أَي: يَوْم أحد. ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مثليها﴾ يَوْم بدر ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ أَي: من أَيْن أوتينا وَنحن مُؤمنُونَ وَالْقَوْم مشركون؟! ﴿قُلْ هُوَ من عِنْد أَنفسكُم﴾ بمعصيتكم رَسُول الله حِين أَمركُم أَلا تتبعوا المدبرين
آل عمران 3:166
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يَعْنِي: جمع الْمُؤمنِينَ، وَجمع الْمُشْركين يَوْم أحد ﴿فبإذن الله﴾ أَي: الله أذن فِي ذَلِك ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ وَهَذَا علم الفعال. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو ادفعوا﴾ أَي: كَثُرُوا السوَاد ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمئِذٍ أقرب مِنْهُم للْإيمَان﴾ وَإِذا قَالَ الله: ﴿أقرب﴾ قَالَ الْحسن: فَهُوَ الْيَقِين؛ أَي: إِنَّهُم كافرون.
قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانُوا ثَلَاثمِائَة مُنَافِق؛ رجعُوا مَعَ عبد الله بن أبي ابْن سلول؛ فَقَالَ لَهُم جَابر بن عبد الله: أنْشدكُمْ الله فِي نَبِيكُم ودينكم وذراريكم. قَالُوا: وَالله لَا يكون الْيَوْم قتال، وَلَو نعلم قتالا لَاتَّبَعْنَاكُمْ. قَالَ الله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾
آل عمران 3:168
﴿الَّذين قَالُوا لإخوانهم﴾ يَعْنِي: من قُتِلَ من الْمُؤمنِينَ يَوْم أُحُد هم فِيمَا أظهره المُنَافِقُونَ من الْإِيمَان إخْوَانهمْ ﴿وَقَعَدُوا﴾ عَن الْقِتَال ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قتلوا﴾ أَي: مَا خَرجُوا مَعَ مُحَمَّد. قَالَ الله لنَبيه: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقين﴾ أَي: لَا تَسْتَطِيعُونَ أَن تدرءوه، يَعْنِي: تدفعوه.
آل عمران 3:169
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿بل أَحيَاء﴾ بِالرَّفْع؛ الْمَعْنى: بل هم أَحيَاء.
آل عمران 3:170
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضله﴾ أَي: من الشَّهَادَة والرزق ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلفهم﴾ الْآيَة، يَقُول بَعضهم لبَعض: تركنَا إِخْوَاننَا: فلَانا وَفُلَانًا وَفُلَانًا يُقَاتلُون الْعَدو؛ فَيُقْتَلون إِن شَاءَ الله؛ فيصيبون من الرزق والكرامة والأمن.
يَحْيَى: عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَتْ أَرْوَاحُ أَهْلِ أُحُدٍ عَلَى اللَّهِ، جُعِلَتْ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ يُجَاوِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِصَوْتٍ لَمْ تَسْمَعِ الْخَلائِقُ بِمِثْلِهِ؛ يَقُولُونَ: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ خَلَّفْنَا مِنْ بَعْدِنَا عَلِمُوا مِثْلَ الَّذِي عَلِمْنَا فَسَارَعُوا إِلَى مِثْلِ مَا سَارَعْنَا فِيهِ؛ فَإِنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ لَيُخْبِرَنَّ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ حَتَّى يُخْبِرَهُمْ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أجر الْمُؤمنِينَ﴾ [١٧٦ - ١٧٧]
آل عمران 3:172
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بعد مَا أَصَابَهُم الْقرح﴾ يَعْنِي: الْجراح؛ وَذَلِكَ يَوْم أُحُد؛ حَيْثُ قَالَ رَسُول الله ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ قوما ينتدبون حَتَّى يعلم الْمُشْركُونَ أَنا لم نستأصل، وَأَن فِينَا بَقِيَّة فَانْتدبَ قوم مِمَّن أَصَابَتْهُم الْجراح».
آل عمران 3:173
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاس قد جمعُوا لكم﴾ إِلَى قَوْله: (ل ٥٦) ﴿وَالله ذُو فضل عَظِيم﴾ تَفْسِير الْكَلْبِيّ: بلغنَا: «أَن أَبَا سُفْيَان يَوْم [أحد] حِين أَرَادَ أَن ينْصَرف قَالَ: يَا مُحَمَّد، موعد مَا بَيْننَا وَبَيْنكُم موسم بدر الصُّغْرَى أَن نُقَاتِل بهَا إِن شِئْت؛ فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: ذَلِك بَيْننَا وَبَيْنك. فَانْصَرف أَبُو سُفْيَان فَقدم مَكَّة، فلقي رجلا من أَشْجَع يُقَال لَهُ: نعيم بن مَسْعُود؛ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قد وَاعَدت مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه وَلَا أخرج إِلَيْهِم، وأكره أَن يخرج مُحَمَّد وَأَصْحَابه وَلَا أخرج؛ فيزيدهم ذَلِك عَليّ جرْأَة، وَيكون الْخلف مِنْهُم أحب إِلَيّ، فلك عشرَة من الْإِبِل إِن أَنْت حَبسته عني فَلم يخرج؛ فَقدم الْأَشْجَعِيّ الْمَدِينَة، وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَتَجَهَّزُونَ لميعاد أبي سُفْيَان؛ فَقَالَ: أَيْن تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا: واعدنا أَبَا سُفْيَان أَن نَلْتَقِي بِمَوْسِم بدر فنقتتل بهَا، فَقَالَ: بئس الرَّأْي رَأَيْتُمْ، أَتَوْكُم فِي دِيَاركُمْ وقراركم؛ فَلم يُفْلت مِنْكُم إِلَّا شريد؛ وَأَنْتُم تُرِيدُونَ أَن تخْرجُوا إِلَيْهِم وَقد جمعُوا لكم عِنْد الْمَوْسِم، وَالله إِذن لَا يفلت مِنْكُم أحد؛ فكره أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ أَن يخرجُوا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأخْرجَن، وَإِن لم يخرج معي مِنْكُم أحد! فَخرج مَعَه سَبْعُونَ رجلا؛ حَتَّى وافوا مَعَه بَدْرًا، وَلم يخرج أَبُو سُفْيَان وَلم يكن قتال، فتسوقوا فِي السُّوق، ثمَّ انصرفوا».
فَهُوَ قَوْله: ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس﴾ يَعْنِي: نعيما الْأَشْجَعِيّ ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل﴾
آل عمران 3:174
﴿فانقلبوا بِنِعْمَة من الله﴾ يَعْنِي: الْأجر ﴿وَفضل﴾ يَعْنِي: مَا تسوقوا بِهِ ﴿لَمْ يمسسهم سوء﴾ قتل وَلَا هزيمَة.
آل عمران 3:175
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أَي: يخوفكم من أوليائه الْمُشْركين ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾
آل عمران 3:176
﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر﴾ (أَي: اخْتَارُوا الْكفْر) على الْإِيمَان، وهم المُنَافِقُونَ؛ فِي تَفْسِير الْحسن. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حظا﴾ نَصِيبا من الْجنَّة.
آل عمران 3:178
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نملي لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَة، قَالَ مُحَمَّد: معنى ﴿نُمْلِي لَهُم﴾ نطيل لَهُم ونمهلهم، وَنصب (أَنَّمَا) بِوُقُوع (يَحسبن) عَلَيْهَا.
آل عمران 3:179
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يُمَيّز﴾ أَي: يعْزل ﴿الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ميز الْمُؤمنِينَ من الْمُنَافِقين يَوْم أحد؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ قَالَ المُنَافِقُونَ: مَا شَأْن مُحَمَّد؛ إِن كَانَ صَادِقا لَا يخبرنا بِمن يُؤمن بِهِ قبل أَن يُؤمن؟ فَقَالَ الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ الله يجتبي﴾ أَي: يستخلص ﴿مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاء﴾ فيطلعه على مَا يَشَاء (من الْغَيْب).
آل عمران 3:180
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خيرا لَهُم﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: الْبُخْل خيرا لَهُمْ. ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سيطوقون مَا بخلوا بِهِ﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: يطوق شجاعين فِي عُنُقه؛ فيلدغان جَبهته وَوَجهه؛ يَقُولَانِ: أَنا كَنْزك الَّذِي كنزت، أَنا الزَّكَاة الَّتِي بخلت بهَا. ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاث السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: يبْقى، وتفنون أَنْتُم.
آل عمران 3:181
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ قَالَت الْيَهُود: إِن الله استقرضكم، وَإِنَّمَا يستقرض الْفَقِير، قَالُوهُ لقَوْل الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قرضا حسنا﴾ قَالَ الله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق﴾ يَعْنِي: بِهَذَا: أوائلهم الَّذين قتلوا الْأَنْبِيَاء ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ يَعْنِي: فِي الْآخِرَه
آل عمران 3:183
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ من القربان الَّذِي تَأْكُله النَّار؛ فَلم تؤمنوا بهم وَقَتَلْتُمُوهُمْ ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إِنَّ اللَّهَ عهد إِلَيْكُم ذَلِك؛ يَعْنِي بِهِ أوائلهم وَكَانَت الْغَنِيمَة قبل هَذِه (ل ٥٧) الْأمة [لَا تحل لَهُم] كَانُوا يجمعونها فتنزل عَلَيْهَا نَار من السَّمَاء؛ فتأكلها.
قَالَ مُجَاهِد: وَكَانَ الرجل إِذا تصدق بِصَدقَة فتقبلت مِنْهُ أنزلت عَلَيْهَا نَار، فَأَكَلتهَا.
آل عمران 3:184
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ يَعْنِي: الْحجَج والكتب ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ يَعْنِي: الْحَلَال وَالْحرَام.
قَالَ الْحسن: أَمر الله نبيه بِالصبرِ وَعَزاهُ، وأعلمه أَن الرُّسُل قد لقِيت فِي جنب الله أَذَى.
آل عمران 3:185
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغرُور﴾ عَزَّى الله رَسُوله وَالْمُؤمنِينَ عَن الدُّنْيَا، وَأخْبرهمْ أَن ذَلِك يصير بَاطِلا.
آل عمران 3:186
﴿لتبلون﴾ لتختبرن ﴿فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ﴾ الْآيَة؛ ابْتَلَاهُم فِي أَمْوَالهم [وأنفسهم] فَفرض عَلَيْهِم أَن يجاهدوا فِي سَبيله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم، وَأَن يؤدوا الزَّكَاة، ثمَّ أخْبرهُم أَنهم سيؤذون فِي جنب الله، وَأمرهمْ بِالصبرِ.
آل عمران 3:187
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس﴾ الْآيَة، هَذَا مِيثَاق أَخذه الله على الْعلمَاء من أهل الْكتاب؛ أَن يبينوا للنَّاس مَا فِي كِتَابهمْ، وَفِيه رَسُول الله وَالْإِسْلَام ﴿فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ﴾ وَكَتَبُوا كتبا بِأَيْدِيهِم؛ فحرفوا كتاب الله ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ يَعْنِي: مَا كَانُوا يصيبون عَلَيْهِ من عرض الدُّنْيَا ﴿فَبِئْسَ مَا يشْتَرونَ﴾ اشْتَروا النَّار بِالْجنَّةِ.
يَحْيَى: عَنْ خِدَاشٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عِنْدَهُ فَكَتَمَهُ؛ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بلجام من نَار».
آل عمران 3:188
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا﴾ هم الْيَهُود، قَالَ الْحسن: دخلُوا على رَسُول الله ﷺ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام، فصبروا على دينهم، فَخَرجُوا إِلَى النَّاس؛ فَقَالُوا لَهُم: مَا صَنَعْتُم مَعَ مُحَمَّد؟ فَقَالُوا: آمنا بِهِ ووافقناه، فَقَالَ الله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذين يفرحون بِمَا أَتَوا﴾ يَقُول: فرحوا بِمَا فِي أَيْديهم حِين لم يوافقوا مُحَمَّدًا ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أَي: بمنجاة.
آل عمران 3:190
﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولي الْأَلْبَاب﴾ [يَعْنِي: أولي الْعُقُول]؛ وهم الْمُؤْمِنُونَ.
آل عمران 3:191
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وعَلى جنُوبهم﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: هَذِه حالاتك يَا ابْن آدم؛ فاذكر الله وَأَنت قَائِم؛ فَإِن لم تستطع فاذكره وَأَنت جَالس، فَإِن لم تستطع فاذكره وَأَنت على جَنْبك؛ يسرا من الله وتخفيفا. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض رَبنَا﴾ يَقُولُونَ: رَبنَا ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا﴾ أَي: إِن ذَلِك سيصير بِإِذن الله إِلَى الميعاد ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَاب النَّار﴾ اصرف عَنَّا عَذَاب النَّار
آل عمران 3:192
﴿وَمَا للظالمين﴾ الْمُشْركين ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾
آل عمران 3:193
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي للْإيمَان﴾ وَهُوَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام ﴿أَن آمنُوا بربكم﴾ الْآيَة. قَالَ الْحسن: أَمرهم الله أَن يدعوا بتكفير مَا مضى من الذُّنُوب والسيئات، والعصمة فِيمَا بَقِي.
آل عمران 3:194
﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رسلك﴾ أَي: على أَلْسِنَة رسلك؛ وعد الله الْمُؤمنِينَ على أَلْسِنَة رسله أَن يدخلهم الْجنَّة إِذا أطاعوه.
آل عمران 3:195
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بعض﴾ أشرك الله بَين الذّكر وَالْأُنْثَى ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿حسن الثَّوَاب﴾ هَذَا للرِّجَال دون النِّسَاء؛ فَسَأَلت عَائِشَة النَّبِي ﷺ: «هَل على النِّسَاء جِهَاد؟ قَالَ: نعم، جِهَاد لَا قتال فِيهِ؛ الْحَج وَالْعمْرَة».
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿أَنِّي لَا أضيع﴾ تقْرَأ بِفَتْح الْألف وبكسرها؛ فَمن قَرَأَهَا بِالْفَتْح فَالْمَعْنى: فَاسْتَجَاب لَهُم رَبهم بِأَنِّي لَا أضيع، وَمن قَرَأَهَا بِالْكَسْرِ فَالْمَعْنى: قَالَ لَهُم: إِنِّي لَا أضيع، و ((ثَوَابًا)} مصدر مُؤَكد.
آل عمران 3:196
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَاد﴾ بِغَيْر عَذَاب، إِنَّمَا هُوَ مَتَاع قَلِيل ذَاهِب.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: معنى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كفرُوا فِي الْبِلَاد﴾ أَي: تصرفهم فِي التِّجَارَة، وإصابتهم الْأَمْوَال؛ خطاب للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَالْمرَاد: الْمُؤْمِنُونَ؛ أَي: لَا يَغُرنكُمْ أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ. (ل ٥٨)
آل عمران 3:198
قَوْله: ﴿نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أَي: ثَوابًا وَرِزْقًا قَالَ مُحَمَّد: ﴿نزلا﴾ مصدر مُؤَكد.
آل عمران 3:199
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤمن بِاللَّه﴾ يَعْنِي: من آمن مِنْهُم ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشعين لله﴾ الْخُشُوع: المخافة الثَّابِتَة فِي الْقلب. قَالَ قَتَادَة: ذكر لنا؛ أَنَّهَا نزلت فِي النَّجَاشِيّ وأناس من أَصْحَابه؛ آمنُوا بِنَبِي الله ﷺ.
آل عمران 3:200
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ تَفْسِير قَتَادَة: أَي: اصْبِرُوا على طَاعَة الله، وَصَابِرُوا أهل الضَّلَالَة، وَرَابطُوا فِي سَبِيل الله ﴿وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ وَهِي وَاجِبَة [لمن فعل] والمفلحون: السُّعَدَاء.
قَالَ مُحَمَّد: أصل المرابطة: أَن يرْبط هَؤُلَاءِ خيولهم، وَهَؤُلَاء خيولهم بالثغر؛ كُلٌّ مُعِدٌّ لصَاحبه، فَسُمي الْمقَام بالثغور رِبَاطًا.