Tafsir Ibn Abi Zamanin — النساء 4:1 – الأعراف 7:205
المحتويات
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:125
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:145
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:168
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:38
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:69
- المائدة 5:70
- المائدة 5:71
- المائدة 5:73
- المائدة 5:74
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
- المائدة 5:80
- المائدة 5:82
- المائدة 5:83
- المائدة 5:87
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:92
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:98
- المائدة 5:100
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:103
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:112
- المائدة 5:113
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:4
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:65
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:67
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:78
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:89
- الأنعام 6:90
- الأنعام 6:91
- الأنعام 6:92
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:95
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:98
- الأنعام 6:99
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:101
- الأنعام 6:102
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:104
- الأنعام 6:105
- الأنعام 6:106
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:109
- الأنعام 6:110
- الأنعام 6:111
- الأنعام 6:112
- الأنعام 6:113
- الأنعام 6:114
- الأنعام 6:115
- الأنعام 6:116
- الأنعام 6:117
- الأنعام 6:118
- الأنعام 6:119
- الأنعام 6:120
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:122
- الأنعام 6:123
- الأنعام 6:124
- الأنعام 6:125
- الأنعام 6:126
- الأنعام 6:127
- الأنعام 6:128
- الأنعام 6:129
- الأنعام 6:130
- الأنعام 6:131
- الأنعام 6:132
- الأنعام 6:133
- الأنعام 6:134
- الأنعام 6:135
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:137
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:140
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:144
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:147
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:149
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:155
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:160
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:164
- الأنعام 6:165
- الأعراف 7:1
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:4
- الأعراف 7:5
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:8
- الأعراف 7:10
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:14
- الأعراف 7:15
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:18
- الأعراف 7:19
- الأعراف 7:20
- الأعراف 7:21
- الأعراف 7:22
- الأعراف 7:24
- الأعراف 7:25
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:28
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:34
- الأعراف 7:37
- الأعراف 7:38
- الأعراف 7:40
- الأعراف 7:41
- الأعراف 7:43
- الأعراف 7:44
- الأعراف 7:45
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:49
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:58
- الأعراف 7:59
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:65
- الأعراف 7:66
- الأعراف 7:68
- الأعراف 7:69
- الأعراف 7:71
- الأعراف 7:72
- الأعراف 7:73
- الأعراف 7:74
- الأعراف 7:77
- الأعراف 7:78
- الأعراف 7:82
- الأعراف 7:83
- الأعراف 7:84
- الأعراف 7:85
- الأعراف 7:86
- الأعراف 7:89
- الأعراف 7:92
- الأعراف 7:93
- الأعراف 7:94
- الأعراف 7:95
- الأعراف 7:96
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:98
- الأعراف 7:99
- الأعراف 7:100
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:103
- الأعراف 7:105
- الأعراف 7:108
- الأعراف 7:111
- الأعراف 7:113
- الأعراف 7:114
- الأعراف 7:116
- الأعراف 7:118
- الأعراف 7:120
- الأعراف 7:123
- الأعراف 7:124
- الأعراف 7:127
- الأعراف 7:128
- الأعراف 7:129
- الأعراف 7:130
- الأعراف 7:131
- الأعراف 7:132
- الأعراف 7:133
- الأعراف 7:134
- الأعراف 7:135
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:139
- الأعراف 7:142
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:193
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:198
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:200
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:202
- الأعراف 7:203
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
النساء 4:1
تَفْسِير سُورَة النِّسَاء وَهِي مَدَنِيَّة كلهَا
بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ من نفس وَاحِدَة﴾ [يَعْنِي: آدم ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يَعْنِي: حَوَّاء] قَالَ قَتَادَة: خلقهَا من ضلع من أضلاعه القصيراء. وَقَالَ [مُجَاهِد: من جنبه الْأَيْسَر.
يَحْيَى:] عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: [«إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ، وَإِنَّكَ إِنْ تُرِدْ إِقَامَةَ] الضِّلْعِ تَكْسِرْهَا، فَدَارِهَا تَعِشْ بِهَا». ﴿وَبث مِنْهُمَا﴾ أَي: [خلق. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام﴾ أَي: وَاتَّقوا الْأَرْحَام أَن تقطعوها. هَذَا تَفْسِير من قَرَأَهَا بِالنّصب، وَمن قَرَأَهَا بِالْجَرِّ، أَرَادَ: الَّذِي تسْأَلُون بِهِ والأرحام، وَهُوَ قَول الرجل: نشدتك بِاللَّه وبالرحم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ حفيظاً.
النساء 4:2
﴿وَآتوا الْيَتَامَى أَمْوَالهم﴾ يَعْنِي: إِذا بلغُوا ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبيث بالطيب﴾ قَالَ الْحسن: الْخَبيث: أكل أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما، وَالطّيب: الَّذِي رزقكم الله؛ يَقُول: لَا تذروا الطّيب، وتأكلوا الْخَبيث ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالكُم﴾ يَعْنِي: مَعَ أَمْوَالكُم ﴿إِنَّهُ كَانَ حوبا كَبِيرا﴾ أَي: ذَنبا.
قَالَ مُحَمَّد: وَفِيه لُغَة أُخْرَى: حَوْبًا بِفَتْح الْحَاء، وَقد قرئَ بهَا.
النساء 4:3
﴿وَإِن خِفْتُمْ أَلا تقسطوا﴾ أَي: تعدلوا ﴿فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لكم﴾ يَعْنِي: مَا حل لكم من النِّسَاء قَالَ قَتَادَة: يَقُول: كَمَا خِفْتُمْ الْجور فِي الْيَتَامَى، وأهمكم ذَلِك، فَكَذَلِك فخافوه فِي جَمِيع النِّسَاء، وَكَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة يتَزَوَّج الْعشْر فَمَا دون ذَلِك، فأحل الله لَهُ أَرْبعا؛ فَقَالَ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ يَقُول: إِن خفت أَلا تعدل فِي أَربع فانكح ثَلَاثًا، فَإِن خفت أَلا تعدل فِي ثَلَاث فانكح اثْنَتَيْنِ، فَإِن خفت أَلا تعدل فِي اثْنَتَيْنِ فانكح وَاحِدَة، أَو مَا ملكت يَمِينك، يطَأ بِملك يَمِينه كم يَشَاء ﴿ذَلِكَ أدنى أَلا تعولُوا﴾ أَي: أَجْدَر أَلا تميلوا.
النساء 4:4
﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: فَرِيضَة.
قَالَ مُحَمَّد: اخْتلف القَوْل فِي ﴿نِحْلَةً﴾ فَقيل: الْمَعْنى: نحلة من الله - عز وَجل - للنِّسَاء، إِذْ جعل على الرجل الصَدَاق، وَلم يَجْعَل على الْمَرْأَة شَيْئا، يُقَال: نحلت الرجل إِذا وهبت لَهُ هبة، ونحلت الْمَرْأَة، وَقَالَ بَعضهم: معنى ﴿نحلة﴾: ديانَة؛ كَمَا تَقول: فلَان ينتحل كَذَا؛ أَي: يدين بِهِ. و ﴿صدقاتهن﴾ جمع: صَدَقَة، يُقَال: هُوَ صدَاق الْمَرْأَة، وَصدقَة الْمَرْأَة. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لكم عَن شَيْء مِنْهُ﴾ يَعْنِي: الصَدَاق ﴿نفسا﴾ [يَعْنِي: نَفسهَا] ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: مَا طابت بِهِ نَفسهَا فِي غير كُرْهٍ؛ فقد أحل الله لَهَا أَن تَأْكُله.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: هنأني الطَّعَام ومرأني بِغَيْر ألف؛ فَإِذا أفردوا مرأني قَالُوا: أمرأني بِالْألف.
النساء 4:5
﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: يَعْنِي: النِّسَاء وَالْأَوْلَاد؛ إِذا علم الرجل أَن امْرَأَته سَفِيهَة مفْسدَة، أَو ابْنه سَفِيه مُفسد؛ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يُسَلط أَيهمَا على مَاله.
(ل ٥٩) قَالَ مُحَمَّد: والسفه فِي اللُّغَة أَصله: الْجَهْل. (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِوَامًا) لمعايشكم وصلاحكم، وتقرأ ﴿قيَاما﴾
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: هَذَا قوام أَمرك وقيامه؛ أَي: مَا يقوم بِهِ أَمرك. وَمن قَرَأَ (قِيَمًا) فَهُوَ رَاجع إِلَى هَذَا؛ أَي: جعلهَا الله قيم الْأَشْيَاء؛ فبها تقوم. ﴿وارزقوهم فِيهَا﴾ يَعْنِي: من الْأَمْوَال ﴿وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ يَعْنِي: الْعدة الْحَسَنَة.
النساء 4:6
﴿وابتلوا الْيَتَامَى﴾ أَي: اختبروا عُقُولهمْ وَدينهمْ ﴿حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح﴾ يَعْنِي: الْحلم. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رشدا﴾ صلاحا فِي دينهم ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يكبروا﴾ أَي: مبادرة أَن يكبروا فيأخذوها مِنْكُم ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: كَانَ الرجل يَلِي مَال الْيَتِيم يكون لَهُ الْحَائِط من النّخل، فَيقوم على (صَلَاحه وسقيه، فَيُصِيب من تمره، وَتَكون لَهُ الْمَاشِيَة، فَيقوم على) صَلَاحهَا، ويلي علاجها ومؤنتها، فَيُصِيب من جزازها وعوارضها ورسلها [يَعْنِي بالعوارض: الخرفان، وَالرسل: السّمن وَاللَّبن] فَأَما رِقَاب المَال فَلَيْسَ لَهُ أَن يستهلكه.
يَحْيَى: عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) «أَنَّهُ سَأَلَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأَنْصَارِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَقَالُوا: فِينَا وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ، كَانَ الرَّجُلُ يَلِي مَالَ الْيَتِيمِ لَهُ النَّخْلُ، فَيَقُومُ لَهُ عَلَيْهَا؛ فَإِذَا طَابَتِ الثَّمَرَةُ، كَانَتْ يَدُهُ مَعَ أَيْدِيهِمْ مِثْلَ مَا كَانُوا مُسْتَأْجِرِينَ بِهِ غَيْرَهُ فِي الْقِيَامِ عَلَيْهَا».
يَحْيَى: عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ: «أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فِي حِجْرِي يَتِيمًا أَفَأَضْرِبُهُ؟ قَالَ: اضْرِبْهُ مِمَّا كُنْتَ ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدَكَ. قَالَ: أَفَآكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: بِالْمَعْرُوفِ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مِنْ مَالِهِ مَالا، وَلا وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ».
قَوْله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حسيبا﴾ أَي: حفيظاً
النساء 4:7
﴿لِلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الْآيَة، هَذَا حِين بَين الله فَرَائض الْمَوَارِيث، نزلت آيَة الْمَوَارِيث قبل هَذِه الْآيَة، وَهِي بعْدهَا فِي التَّأْلِيف؛ وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يُعْطون النِّسَاء من الْمِيرَاث، وَلَا الصَّغِير شَيْئا، وَإِنَّمَا كَانُوا يُعْطون من يحترف وينفع وَيدْفَع، فَجعل الله لَهُم من ذَلِك (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا)!
النساء 4:8
٢ - ٢! (وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولُوا الْقُرْبَى} الْآيَة، يَعْنِي: قسْمَة الْمَوَارِيث.
تَفْسِير الْحسن: إِن كَانُوا يقتسمون مَالا أَو مَتَاعا أعْطوا مِنْهُ، وَإِن كَانُوا يقتسمون دورا أَو رَقِيقا قيل لَهُم: ارْجعُوا رحمكم الله؛ فَهَذَا قَول مَعْرُوف، وَكَانَ الْحسن يَقُول: لَيست بمنسوخة. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: هِيَ مَنْسُوخَة نسختها آيَة الْمَوَارِيث.
يحيى: وَهُوَ قَول الْعَامَّة أَنَّهَا مَنْسُوخَة.
النساء 4:9
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلفهم ذُرِّيَّة ضعافاً﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: يَقُول: من حضر مَيتا فليأمره بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان، ولينهه عَن الحيف والجور فِي وَصيته، وليخش على عِيَاله مَا كَانَ خَائفًا على عِيَال من حَضَره الْمَوْت.
النساء 4:10
﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أَي: إِنَّمَا يَأْكُلُون بِهِ نَارا.
النساء 4:11
﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ يَعْنِي: أَكثر من اثْنَتَيْنِ.
﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَة فلهَا النّصْف﴾
قَالَ مُحَمَّد: (أَعْطَيْت الابنتان الثُّلثَيْنِ) بِدَلِيل لَا يفْرض مُسَمّى لَهما؛ وَالدَّلِيل قَوْله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فلهَا نصف مَا ترك﴾ فقد صَار للْأُخْت النّصْف، كَمَا أَن للابنة النّصْف ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ فَأعْطيت (ل ٦٠) البنتان الثُّلثَيْنِ؛ كَمَا أَعْطَيْت الْأخْتَان، وَأعْطِي جملَة الْأَخَوَات الثُّلثَيْنِ؛ قِيَاسا على مَا ذكر الله فِي جملَة الْبَنَات. ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ ولد﴾ ذكر أَو ولد ابْن ذكر [أَو أنثي] وَإِن ترك ابْنَتَيْن أَو أَكثر وأبويه فَكَذَلِك أَيْضا، وَإِن ترك ابْنَته وأبويه، فللابنة النّصْف وَللْأُمّ ثلث مَا بَقِي وَمَا بَقِي فللأب، وَلَيْسَ للْأُم مَعَ الْوَلَد الْوَاحِد أَو أَكثر؛ ذكرا كَانَ أَو أنثي إِلَّا السُّدس. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ هَذَا إِذا لم يكن لَهُ وَارِث غَيرهمَا؛ فِي قَول زيد والعامة. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فلأمه السُّدس﴾ إِذا كَانَ لَهُ أَخَوان فَأكْثر حجبوا الْأُم عَن الثُّلُث، وَكَانَ لَهَا السُّدس وَلَا يحجبها الْأَخ الْوَاحِد عَن الثُّلُث، وَلَا الأخوان إِذا كَانَا أَخَوَيْهِ لِأَبِيهِ أَو أَخَوَيْهِ لأمه، أَو بَعضهم من الْأَب وَبَعْضهمْ من الْأُم فَهَؤُلَاءِ ذُكُورا كَانُوا أَو إِنَاثًا أَو بَعضهم ذُكُور وَبَعْضهمْ إناث يحجبون الْأُم عَن الثُّلُث؛ فَلَا تَأْخُذ إِلَّا السُّدس ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بِهِ أَو دين﴾ فِيهَا تَقْدِيم؛ يَقُول: من بعد دين يكون عَلَيْهِ أَو وَصِيَّة يُوصي بهَا. ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: لَا تَدْرُونَ أَيهمْ أقرب لكم نفعا فِي الدُّنْيَا ﴿فَرِيضَة من الله﴾ قَالَ السّديّ يَعْنِي: قسْمَة الْمَوَارِيث لأَهْلهَا الَّذين ذكرهم الله فِي هَذِه الْآيَة.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿فَرِيضَةً﴾ مَنْصُوب على التوكيد وَالْحَال؛ أَي: مَا ذكرنَا لهَؤُلَاء الْوَرَثَة مَفْرُوضًا فَرِيضَة مُؤَكدَة، لقَوْله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾.
النساء 4:12
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ أَو ولد ولد، وَولد الْبَنَات لَا يَرِثُونَ شَيْئا، وَلَا يحجبون وَارِثا. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ذكر أَو أُنْثَى ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تركن﴾ ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لم يكن لكم ولد﴾ أَو ولد ولد، وَلَا يَرث ولد الْبَنَات شَيْئا وَلَا يحجبون. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تركْتُم﴾ فَإِن ترك رجل امْرَأتَيْنِ أَو ثَلَاثًا أَو أَرْبعا، فالربع بَينهُنَّ سَوَاء؛ إِذا لم يكن لَهُ ولد، فَإِن كَانَ لَهُ ولد أَو ولد ولد؛ ذكر أَو أنثي، فالثمن بَينهُنَّ سَوَاء. ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُث﴾ وَذكرهمْ كأنثاهم فِيهِ سَوَاء. قَالَ قَتَادَة: والكلالة: الَّذِي لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد وَلَا جد ﴿غير مضار﴾ فِي الْمِيرَاث أَهله، يَقُول: لَا يقر بِحَق لَيْسَ عَلَيْهِ، وَلَا يُوصي بِأَكْثَرَ من الثُّلُث مضارة لَهُم.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿غير﴾ مَنْصُوب على الْحَال، الْمَعْنى: يُوصي بهَا غير مضار ﴿وَصِيَّةً مِنَ الله﴾ تِلْكَ الْقِسْمَة.
النساء 4:13
﴿تِلْكَ حُدُود الله﴾ أَي: سنته وَأمره فِي قسْمَة الْمَوَارِيث ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فِي قسْمَة الْمَوَارِيث؛ كَمَا أمره الله ﴿ندخله جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ الْآيَة.
النساء 4:14
﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله﴾ فِي قسْمَة الْمَوَارِيث ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ الْآيَة وَذَلِكَ أَن الْمُنَافِقين كَانُوا لَا يورثون النِّسَاء وَلَا الصّبيان الصغار؛ كَانُوا يظهرون.
الْإِسْلَام وهم على مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الشّرك، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يورثون النِّسَاء.
النساء 4:15
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ يَعْنِي: الزِّنَا، الْآيَة.
قَالَ يحيى: وَقيل: هَذِه الْآيَة نزلت بعد الآيةَ الَّتِي بعْدهَا فِي التَّأْلِيف
النساء 4:16
﴿والذان يأتيانها مِنْكُم﴾ يَعْنِي: الْفَاحِشَة ﴿فآذوهما﴾ بالألسنة ﴿فَإِن تابا وأصلحا﴾ الْآيَة.
ثمَّ نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ يَعْنِي: مخرجا من الْحَبْس؛ فِي تَفْسِير السّديّ، ثمَّ نزل فِي سُورَة النُّور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾.
النساء 4:17
﴿إِنَّمَا التَّوْبَة على الله﴾ يَعْنِي: التجاوز من الله ﴿لِلَّذِينَ يعْملُونَ السوء بِجَهَالَة﴾ (ل ٦١) قَالَ قَتَادَة: كل ذَنْب أَتَاهُ عبد فَهُوَ بِجَهَالَة. ﴿تمّ يتوبون من قريب﴾ يَعْنِي: مَا دون الْمَوْت، يُقَال: مَا لم يُغَرْغر. ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِم﴾ قَالَ الْحسن: نزلت هَذِه الْآيَة فِي الْمُؤمنِينَ،
النساء 4:18
ثمَّ ذكر الْكفَّار؛ فَقَالَ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات﴾؛ يَعْنِي: الشّرك بِاللَّه ﴿حَتَّى إِذَا حضر أحدهم الْمَوْت﴾ عِنْد مُعَاينَة ملك الْمَوْت قبل أَن يخرج من الدُّنْيَا ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾.
النساء 4:19
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن ترثوا النِّسَاء كرها﴾ كَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة يَمُوت عَن امْرَأَته، فيلقي وليه عَلَيْهَا ثوبا؛ فَإِن أحب أَن يَتَزَوَّجهَا تزَوجهَا، وَإِلَّا تَركهَا حَتَّى تَمُوت، فيرثها، إِلَّا أَن تذْهب إِلَى أَهلهَا من قبل أَن يلقِي عَلَيْهَا ثوبا، فَتكون أَحَق بِنَفسِهَا ﴿وَلَا تعضلوهن﴾ تحبسوهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يَعْنِي: الصَدَاق ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَة مبينَة﴾ نُهِيَ الرجل إِذا لم يكن لَهُ بامرأته حَاجَة أَن يَضرهَا فيحبسها لتفتدي مِنْهُ ﴿إِلا أَنْ يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ تَفْسِير بَعضهم: إِلَّا أَن تكون هِيَ النَّاشِزَة فتختلع مِنْهُ. الْفَاحِشَة المبينة: عصيانها ونشوزها.
﴿وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي: اصحبوهن بِالْمَعْرُوفِ ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خيرا كثيرا﴾ يكره الرجل الْمَرْأَة، فيمسكها وَهُوَ لَهَا كَارِه، فَعَسَى الله أَن يرزقه مِنْهَا ولدا، ثمَّ يعطفه الله عَلَيْهَا، أَو يطلقهَا، فيتزوجها غَيره، فَيجْعَل الله للَّذي تزَوجهَا فِيهِ خيرا كثيرا.
النساء 4:20
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زوج﴾ يَعْنِي: طَلَاق امْرَأَة، وَنِكَاح أُخْرَى. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا أتأخذونه بهتانا﴾ أَي: ظلما ﴿وإثما مُبينًا﴾ بَينا.
يَقُول لَهُ: لَا يحل لَهُ أَن يَأْخُذ مِمَّا أَعْطَاهَا شَيْئا، إِلَّا أَن تنشز؛ فتفتدي مِنْهُ.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿بهتانا﴾ مصدر مَوْضُوع مَوضِع الْحَال؛ الْمَعْنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين. والبهتان: الْبَاطِل الَّذِي يتحير من بُطْلَانه.
النساء 4:21
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بعض﴾ يَعْنِي: المجامعة ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غليظا﴾ هُوَ قَوْله: ﴿إمْسَاك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ فِي تَفْسِير قَتَادَة.
قَالَ قَتَادَة: وَقد كَانَت فِي عقد الْمُسلمين عِنْد نكاحهم: الله عَلَيْك لتمسكن بِمَعْرُوف، أَو لتسرحن بِإِحْسَان.
النساء 4:22
﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سلف﴾ يَعْنِي: مَا قد مُضِيّ قبل التَّحْرِيم ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ بغضا من الله ﴿وَسَاءَ سَبِيلا﴾ أَي: بئس المسلك.
النساء 4:23
قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ والجدات كُلهنَّ مثل الْأُم، وَأم أبي الْأُم مثل الْأُم ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ وَبَنَات الابْن وَبَنَات الِابْنَة وأسفل من ذَلِك فَهِيَ كالابنة ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ إِن كَانَت لِأَبِيهِ وَأمه أَو لِأَبِيهِ أَو لأمه فَهِيَ أُخْت ﴿وعماتكم﴾ فَإِن كَانَت عمته [أَو عمَّة أَبِيه] أَو عمَّة أمه وَمَا فَوق ذَلِك فَهِيَ عمَّة ﴿وَخَالاتُكُمْ﴾ فَإِن كَانَت خَالَته أَو خَالَة أَبِيه أَو خَالَة أمه أَو خَالَة فَوق ذَلِك - فَهِيَ خَالَته ﴿وَبَنَات الْأَخ﴾ فَإِن كَانَت ابْنة أَخِيه أَو ابْنة ابْن أَخِيه لِأَبِيهِ وَأمه أَو لِأَبِيهِ أَو لأمه أَو ابْنة ابْنة أَخِيه وَمَا أَسْفَل من ذَلِك - فَهِيَ بنت أَخ.
﴿وَبَنَات الْأُخْت﴾ فَإِن كَانَت ابْنة أُخْته أَو ابْنة ابْن أُخْته (أَو ابْنة ابْنة أُخْته) وأسفل من ذَلِك - فَهِيَ ابْنة أُخْت. ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة﴾ يحرم من الرضَاعَة مَا يحرم من النّسَب؛ فَلَا تحل لَهُ أمه من الرضَاعَة وَلَا مَا فَوْقهَا من الْأُمَّهَات، وَلَا أُخْته من الرضَاعَة، وَلَا عمته من الرضَاعَة، وَلَا عمَّة أَبِيه من الرضَاعَة، وَلَا عمَّة أمه من الرضَاعَة، وَلَا مَا فَوق ذَلِك، وَلَا خَالَة من الرضَاعَة، وَلَا خَالَة أَبِيه، وَلَا خَالَة أمه، وَلَا مَا فَوق ذَلِك، وَلَا ابْنة أَخِيه من الرضَاعَة، وَلَا ابْنة ابْن أَخِيه من الرضَاعَة، وَلَا ابْنة ابْنة أَخِيه من الرضَاعَة، وَلَا مَا سفل من ذَلِك، وَلَا ابْنة أُخْته من الرضَاعَة وَلَا ابْنة ابْن أُخْته، (ل ٦٢) وَلَا ابْنة ابْنة أُخْته من الرضَاعَة، وَلَا مَا أَسْفَل من ذَلِك. وَإِذا أرضعت الْمَرْأَة غُلَاما لم يتَزَوَّج ذَلِك الْغُلَام شَيْئا من بناتها؛ لَا مَا قد ولد (مَعَه وَلَا قبل) ذَلِك وَلَا بعده، ويتزوج إخْوَته من أَوْلَادهَا إِن شَاءُوا، وَكَذَلِكَ إِذا أرضعت جَارِيَة لم يتَزَوَّج تِلْكَ الْجَارِيَة أحد من أَوْلَادهَا؛ لَا مَا ولد قبل رضاعها، وَلَا مَا بعده،، يتَزَوَّج إخوتها من أَوْلَادهَا إِن شَاءُوا.
﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لَا تحل للرجل أم امْرَأَته، وَلَا أمهاتها. ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ فَإِذا تزوج الرجل الْمَرْأَة، فَطلقهَا قبل أَن يدْخل بهَا، أَو مَاتَت وَلم يدْخل بهَا - تزوج ابْنَتهَا إِن شَاءَ، وَإِن كَانَ قد دخل بهَا لم يتَزَوَّج ابْنَتهَا، وَلَا ابْنة ابْنَتهَا، وَلَا مَا أَسْفَل من ذَلِك.
﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ فَلَا تحل لَهُ امْرَأَة ابْنه، وَلَا امْرَأَة ابْن ابْنه، وَلَا امْرَأَة ابْن ابْنة ابْنه وَلَا أَسْفَل من ذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ الله: ﴿الَّذين من أصلابكم﴾ لِأَن الرجل كَانَ يتبنى الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ تبني زيدا، فأحل الله [لَهُ] نِكَاح نسَاء الَّذين تبنوا، وَقد تزوج النَّبِي - عَلَيْهِ السَّلَام - امْرَأَة زيد بعد مَا طَلقهَا. ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سلف﴾ مَا مضى قبل التَّحْرِيم؛ فَإِن كَانَت أُخْتهَا لأَبِيهَا وَأمّهَا، أَو أُخْتهَا لأَبِيهَا، (أَو أُخْتهَا لأمها، أَو من الرضَاعَة) - فَهِيَ أُخْت، وَجَمِيع النّسَب وَالرّضَاع فِي الْإِمَاء بِمَنْزِلَة الْحَرَائِر.
النساء 4:24
﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ الْمُحْصنَات هَا هُنَا: اللَّاتِي لَهُنَّ الْأزْوَاج؛ يَقُول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم﴾ إِلَى هَذِه الْآيَة، ثمَّ قَالَ: ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ أَي: وَحرم عَلَيْكُم الْمُحْصنَات مِنَ النِّسَاءِ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُم﴾؛ يَعْنِي: من السبايا؛ فَإِذا سبيت الْمَرْأَة من أهل الشّرك، وَلها زوج، ثمَّ وَقعت فِي سهم رجل؛ فَإِن كَانَت من أهل الْكتاب، وَكَانَت حَامِلا لم يَطَأهَا؛ حَتَّى تضع، وَإِن كَانَت لَيست بحامل، لم يقربهَا؛ حَتَّى تحيض، وَإِن لم يكن لَهَا زوج فَكَذَلِك أَيْضا، وَإِن كَانَت من غير أهل الْكتاب لم يَطَأهَا، حَتَّى تَتَكَلَّم بِالْإِسْلَامِ فَإِذا قَالَت: لَا إِلَه إِلَّا الله، استبرأها بِحَيْضَة، إِلَّا أَن تكون حَامِلا؛ فيكف عَنْهَا، حَتَّى تضع.
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «أَصَبْنَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ سَبَايَا نَعْرِفُ أَنْسَابَهُنَّ وَأَزْوَاجَهُنَّ، فَامْتَنَعْنَا مِنْهُنَّ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ من السبايا». ﴿كتاب الله عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم وأخواتكم إِلَى هَذَا الْموضع، ثمَّ قَالَ: كتاب الله عَلَيْكُم؛ يَعْنِي: بِتَحْرِيم مَا قد ذكر.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿كتاب الله﴾ مَنْصُوب على معنى: كتب عَلَيْكُم كتابا. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ يَعْنِي: مَا بعد ذَلِكُم من النِّسَاء. ﴿أَن تَبْتَغُوا بأموالكم﴾ تتزوجوا بأموالكم؛ لَا يتَزَوَّج فَوق أَربع.
﴿محصنين غير مسافحين﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: ناكحين غير زانين ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: النِّكَاح. ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ فأعطوهن ﴿أُجُورهنَّ﴾ قَالَ: صدقاتهن. ﴿فَرِيضَة﴾ «كَانَ رَسُول الله ﷺ رخص فِي الْمُتْعَة يَوْم فتح مَكَّة إِلَى أجل؛ على أَلا يرثوا وَلَا يورثوا، ثمَّ نهى عَنْهَا بعد ثَلَاثَة أَيَّام» فَصَارَت مَنْسُوخَة نسختها الْمِيرَاث وَالْعدة. ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ قَالَ الْحسن: لَا بَأْس على الرجل أَن تضع لَهُ الْمَرْأَة من صَدَاقهَا الَّذِي فرض لَهَا؛ كَقَوْلِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مريئاً﴾
النساء 4:25
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ (ل ٦٣) يَعْنِي: غنى ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ يَعْنِي: الْحَرَائِر الْمُؤْمِنَات ﴿فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ يَعْنِي: إماءكم الْمُؤْمِنَاتِ، وَلَا يحل نِكَاح إِمَاء أهل الْكتاب ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضكُم من بعض﴾؛ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ، حرهم ومملوكهم، وَذكرهمْ وأنثاهم، وَالله أعلم بأيمانكم ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذن أهلهن﴾ أَي: ساداتهن (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} يَعْنِي: مَا تراضوا عَلَيْهِ من الْمهْر ﴿محصنات غير مسافحات﴾ يَعْنِي: ناكحات غير زانيات ﴿وَلا متخذات أخدان﴾ المسافحة: المجاهرة بِالزِّنَا، وَذَات الخدن: الَّتِي كَانَ لَهَا خَلِيل فِي السِّرّ ﴿فَإِذا أحصن﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: أحصنتهن البعولة ﴿فَإِن أتين بِفَاحِشَة﴾ يَعْنِي: الزِّنَا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا على الْمُحْصنَات﴾ يَعْنِي: الْحَرَائِر ﴿من الْعَذَاب﴾ يَعْنِي: من الْجلد؛ تجلد خمسين جلدَة لَيْسَ عَلَيْهَا رجم، وَإِن كَانَ لَهَا زوج. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُم﴾ قَالَ قَتَادَة: إِنَّمَا أَمر الله نِكَاح الْإِمَاء الْمُؤْمِنَات لمن خشِي الْعَنَت على نَفسه - والعنت: الضّيق - أَي: لايجد مَا يستعف بِهِ، وَلَا يصبر فيزني. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي: عَن نِكَاح الْإِمَاء.
النساء 4:26
﴿يُرِيد الله ليبين لكم﴾ حَلَاله وَحَرَامه ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ من قبلكُمْ﴾ يَعْنِي: شرائع من كَانَ قبلكُمْ من الْمُؤمنِينَ فِيمَا حرم عَلَيْكُم من الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات ... إِلَى آخر الْآيَة. ﴿وَيَتُوب عَلَيْكُم﴾ أَي: يتَجَاوَز عَمَّا كَانَ من نكاحكم إياهن قبل التَّحْرِيم.
النساء 4:27
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ هِيَ مثل الأولى قبلهَا. ﴿وَيُرِيدُ الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات﴾ يَعْنِي: الْيَهُود فِي استحلالهم نِكَاح بَنَات الْأَخ. ﴿أَن تميلوا﴾ يَعْنِي: أَن تأثموا.
النساء 4:28
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ فِي نِكَاح الْإِمَاء، وَلم يكن أحل نِكَاحهنَّ لمن كَانَ قبلكُمْ ﴿وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾ أَي: لَا يصبر عَن النِّسَاء.
النساء 4:29
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ يَعْنِي: بالظلم ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَة﴾ يَعْنِي: تِجَارَة حَلَالا لَيْسَ فِيهَا رَبًّا ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تقتلُوا أَنفسكُم﴾.
يَحْيَى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، (عَنْ) أَبِي بَكْرِ (بْنِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ (عَنْ) أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ((أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَام بَعَثَ رَجُلا فِي سَرِيَّةٍ فَأَصَابَهُ كَلْمٌ، فَأَصَابَتْهُ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ، فَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ، فَعَابَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَجَاءَهُ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ: - ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بكم رحِيما﴾.
النساء 4:31
قَوْله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا﴾ يَعْنِي: الْجنَّة. قَالَ قَتَادَة: إِنَّمَا وعد الله الْمَغْفِرَة من اجْتنب الْكَبَائِر.
يَحْيَى: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْكَبَائِرُ تِسْعٌ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [إِلا بِالْحَقِّ]، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالسِّحْرُ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ».
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: كَانَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الْكَبَائِرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
يَحْيَى: عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَن الْحسن: «أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام ذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْكَبَائِرُ، فَقَالَ: فَأَيْنَ تَجْعَلُونَ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ؟».
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَقولُونَ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هُنَّ فَوَاحِشُ، وفيهن عُقُوبَة».
النساء 4:32
قَوْله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الْآيَة.
تَفْسِير مُجَاهِد: نزلت فِي النِّسَاء يقلن: يَا ليتنا كُنَّا [رجَالًا فنغزو، ونبلغ مبلغ] (ل ٦٤) الرِّجَال.
النساء 4:33
﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ يَعْنِي: الْعصبَة.
يَحْيَى: عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلْحِقُوا الْمَالَ بِالْفَرَائِضِ، فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ، فَأَوْلُ رَحِمٍ ذَكَرٍ». ﴿وَالَّذِينَ عاقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم﴾ تَفْسِير قَتَادَة قَالَ: كَانَ الرجل يعاقد الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة؛ فَيَقُول: دمي دمك، وترثني وأرثك، تُطلب بِي وأُطلب بك، فَجعل لَهُ السُّدس من جَمِيع المَال، ثُمَّ يقسم أهل الْمِيرَاث ميراثهم، ثُمَّ نسخ ذَلِكَ بَعد فِي الْأَنْفَال فَقَالَ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كتاب الله﴾ فَصَارَت الْمَوَارِيث لِذَوي الْأَرْحَام.
النساء 4:34
﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء﴾ أَي: مسلطون على أدب النِّسَاء، وَالْأَخْذ على أَيْدِيهنَّ.
قَالَ قَتَادَة: ذكر [لنا] أَن رجلا لطم امْرَأَته على عهد نَبِيَّ الله، فَأَتَت الْمَرْأَة نَبِيَّ الله، فَأَرَادَ نَبِيَّ الله أَن يَقُصَّهَا مِنْهُ فَأنْزل الله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) ﴿﴾ (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعضهم على بعض} جعل شَهَادَة امْرَأتَيْنِ شَهَادَة رجل وَاحِد، وفضلوا فِي الْمِيرَاث ﴿وَبِمَا أَنْفقُوا من أَمْوَالهم﴾ يَعْنِي: الصَّدقَات ﴿فالصالحات﴾ يَعْنِي: المحسنات إِلَى أَزوَاجهنَّ ﴿قَانِتَاتٌ﴾ أَي: مطيعات لِأَزْوَاجِهِنَّ ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ لغيب أَزوَاجهنَّ فِي فروجهن ﴿بِمَا حفظ الله﴾ أَي: بِحِفْظ الله إياهن. ﴿وَاللَّاتِي تخافون نشوزهن﴾ عصيانهن؛ يَعْنِي: تنشز على زَوجهَا؛ فَلَا تَدعه أَن يَغْشَاهَا ﴿فَعِظُوهُنَّ واهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن﴾ قَالَ قَتَادَة: ابدأ فعظها بالْقَوْل، فَإِن عَصَتْ فاهجرها؛ فَإِن عَصَتْ فاضربها ضربا غير شائن. ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ تَفْسِير الْكَلْبِيّ: يَقُولُ: فَإِن أطعنكم فِي الْجِمَاع، فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا؛ يَقُولُ: لَا تكلفوهن الْحبّ، فَإِنَّمَا جعلت الموعظة لَهُن وَالضَّرْب فِي المضجع لَيْسَ على الْحبّ، وَلَكِن على حَاجته إِلَيْهَا.
النساء 4:35
﴿وَإِن خِفْتُمْ﴾ ﴿علمْتُم﴾ (شقَاق بَينهمَا} قَالَ الْحسن: يَقُولُ: إِن نشزت حتَّى تشاق زَوجهَا ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهله وَحكما من أَهلهَا﴾ إِذَا نشزت، وَرفع ذَلِكَ إِلَى الإِمَام، بعث الإِمَام حكما من أهل الْمَرْأَة، وَحكما من أهل الرجل يصلحان بَينهمَا، ويجمعان وَلَا يفرقان، وَينْظرَانِ من أَيْن يَأْتِي الدرء، فَإِن اصطلحا فَهُوَ أَمر الله وَإِن أَبَيَا ذَلِكَ وأبت الْمَرْأَة إِلَّا نُشُوزًا وَقفهَا الإِمَام على النُّشُوز، فَإِن افتدت من زَوجهَا، فقد حل لَهُ أَن يخلعها. ﴿إِن يريدا إصلاحا﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: الْحكمَيْنِ ﴿يُوَفِّقِ الله بَينهمَا﴾
النساء 4:36
﴿واعبدوا الله﴾ يَعْنِي: واحفظوا الله ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ أَي: لَا تعدلوا بِهِ غَيره ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ ﴿وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى﴾ الَّذِي لَهُ قرَابَة ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الْأَجْنَبِيّ الَّذِي لَيست لَهُ قرَابَة. ﴿والصاحب بالجنب﴾ يَعْنِي: الرفيق فِي السّفر، فِي تَفْسِير ابْن جُبَيْر. وَقَالَ غَيره: يَعْنِي: الْمَرْأَة.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: فِي الْجَار الْجنب: إِنَّه الْغَرِيب، والجنابة فِي اللُّغَة: [الْبعد]: يُقَال: رجل جنب: [غَرِيب].
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ هِلالٍ، عَنْ مُحَرَّرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «الْجِيرَانُ ثَلاثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ؛ فَأَمَّا الْجَارُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ؛ فَالْجَارُ الْمُسْلِمُ ذُو الرَّحِمِ؛ فَلَهُ حَقُّ الإِسْلامِ، وَحَقُّ الرَّحِمِ، وَحَقُّ الْجِوَارِ. وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقَّانِ: فَالْجَارُ الْمُسْلِمُ؛ لَهُ حَقُّ الإِسْلامِ، وَحَقُّ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ: فَالْجَارُ الْمُشْرِكُ؛ لَهُ حَقُّ الْجوَار».
قَوْله: ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ يَعْنِي: الضَّيْفَ.
يَحْيَى: عَنْ عُثْمَانِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ؛ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ: ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَهُوَ صَدَقَةٌ».
قَوْله: ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾. (ل ٦٥) يَحْيَى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، حَتَّى جَعَلَ [يُلَجْلِجُهَا] فِي صَدْرِهِ، وَمَا يَفِيضُ بِهِ لِسَانُهُ».
يَحْيَى: عَنْ أَبِي الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَمْلُوكُ أَخُوكَ، فَإِنْ عَجَزَ فَجُدْ مَعَهُ، مَنْ رَضِيَ مَمْلُوكَهُ فَلْيُمْسِكْهُ، وَمَنْ كَرِهَهُ فَلْيَبِعْهُ، وَلا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ».
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله فِي أول الْآيَة: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحسانا﴾ الْمَعْنى: أوصاكم الله بِعِبَادَتِهِ، وأوصاكم بالوالدين إحسانا، وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا ذكر الله فِي هَذِهِ الْآيَة، الْمَعْنى: أَحْسنُوا إِلَى هَؤُلاءِ كلهم.
قَوْله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ من كَانَ مختالا فخورا﴾
قَالَ مُحَمَّد: المختال: يَعْنِي: التَّيَّاه الجهول.
النساء 4:37
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضله﴾ قَالَ الحَسَن: هم الْيَهُود؛ منعُوا حُقُوق الله فِي أَمْوَالهم، وكتموا مُحَمَّدًا؛ وهم يعلمُونَ أَنَّهُ رَسُول الله.
النساء 4:38
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخر﴾.
قَالَ بَعضهم: هم المُنَافِقُونَ.
﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ [صاحبا] ﴿فسَاء قرينا﴾ فبئس القرين.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿سَاءَ قرينا﴾ مَنْصُوب على التَّفْسِير.
النساء 4:39
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ الله﴾ يَعْنِي: الزَّكَاة الْوَاجِبَة ﴿وَكَانَ اللَّهُ بهم عليما﴾ أَي: عليما بِأَنَّهُم مشركون.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿وماذا عَلَيْهِم﴾ الْمَعْنى: أَي شَيْء عَلَيْهِم؟.
النساء 4:40
﴿إِن الله لَا يظلم﴾ لَا ينقص ﴿مِثْقَال ذرة﴾ أَي: وزن ذرة.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: هَذَا على مِثْقَال هَذَا؛ أَي: على وَزنه. ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ﴾ ويعط من عِنْده.
قَالَ مُحَمَّد: من قَرَأَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ بِالرَّفْع، فَالْمَعْنى: وَإِن تحدث حَسَنَة.
النساء 4:41
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أمة بِشَهِيد﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة يشْهد على قومه؛ أَنه قد بَلغهُمْ.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: فَكيف تكون حَالهم؟! وَهَذَا من الِاخْتِصَار. ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ أَي: جحدوه ﴿لَو تسوى بهم الأَرْض﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: لَو ساخوا فِيهَا.
﴿وَلَا يكتمون الله حَدِيثا﴾ تَفْسِير ابْن عَبَّاس: يَعْنِي بِهَذَا: جوارحهم.
النساء 4:43
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُم سكارى﴾ قَدْ مَضَى تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَة فِي تَفْسِير: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخمر وَالْميسر﴾
قَوْله: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تغتسلوا﴾ تَفْسِير ابْن عَبَّاس: هُوَ الْمُسَافِر إِن لم يجد المَاء تيَمّم وَصلى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُم من الْغَائِط﴾ قَالَ مُحَمَّد: الْغَائِط: الْحَدث، وأصل الْغَائِط: الْمَكَان المطمئن من الأَرْض؛ فَكَانُوا إِذَا أَرَادوا قَضَاء الْحَاجة، أَتَوا غائطا من الأَرْض، فَفَعَلُوا ذَلِك فِيهِ، فكنى عَن الحَدِيث بالغائط.
وقولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ فِيهِ إِضْمَار: لَا تَسْتَطِيعُونَ [قرب] المَاء من الْعلَّة؛ ذكره إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق.
﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ الْمُلَامسَة فِي قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَالْحسن: الْجِمَاع، وَكَانَ ابْن مَسْعُود يَقُولُ: هُوَ الْمس بِالْيَدِ، وَيرى مِنْهُ الْوضُوء. ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ أَي: تعمدوا تُرَابا نظيفا. ﴿فَامْسَحُوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ﴾.
يَحْيَى: عَنِ الْمَعَلَّى، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: «أَجْنَبْتُ وَأَنَا فِي الإِبِلِ فَتَمَعَّكْتُ فِي الرَّمْلِ؛ كَمَا تَتَمَعَّكُ الدَّابَّة، ثمَّ أتيت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَدْ دَخَلَ الرَّمْلُ فِي رَأْسِي وَلِحْيَتِي فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ التَّيَمُّمُ. ثُمَّ ضَرَبَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَام بكفيه (ل ٦٦) جَمِيعًا التُّرَابَ، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِوَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. ثُمَّ قَالَ: كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا» وَبِهِ يَأْخُذُ يَحْيَى.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْجَرِيحُ وَالْمَجْدُورُ وَالْمَقْرُوحُ؛ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ، تَيَمَّمَ.
النساء 4:44
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود ﴿يشْتَرونَ الضَّلَالَة﴾ أَي: يختارون ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيل﴾ يَعْنِي: طَرِيق الْهدى
النساء 4:46
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن موَاضعه﴾ قَالَ الْحسن: حرفوا كَلَام الله؛ وَهُوَ الَّذِي وضعُوا من قِبَلِ أنفسهم من الْكتاب، ثُمَّ ادعوا أَنَّهُ من كتاب الله ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ تَفْسِير الحَسَن: غير مسمع منا مَا تحب.
قَالَ مُحَمَّد: قيل فِي قَوْله: ﴿غير مسمع﴾: كَانُوا يَقُولُونَهُ سرا فِي أنفسهم. ﴿وراعنا ليا بألسنتهم﴾ قد مضى تَفْسِير ﴿رَاعنا﴾ فِي سُورَةِ الْبَقْرَةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: ﴿ليا﴾ أَصله: لَوْيًا؛ وَلَكِن الْوَاو أدغمت فِي الْيَاء؛ وَمَعْنَاهُ: التحريف؛ أَي: يحرفُونَ [رَاعنا إِلَى مَا] فِي قُلُوبهم من السب والطعن عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وطعنا فِي الدّين﴾ فِي الْإِسْلَام. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سمعنَا وأطعنا واسمع وانظرنا﴾ حَتَّى نتفهم. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وأقوم﴾ لأمرهم ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا قَلِيلا﴾ قَالَ قَتَادَة: قَلَّ من آمن من الْيَهُود.
النساء 4:47
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قبل أَن نطمس وُجُوهًا فنزدها على أدبارها﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: من قِبَل أقفائها ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السبت﴾ مسخ أَصْحَاب السبت قردة ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ أَي: إِذا أَرَادَ الله أمرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ.
النساء 4:48
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرك بِهِ﴾ أَي: يعدل بِهِ غَيره ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
يَحْيَى: عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُوجِبَتَيْنِ؛ فَقَالَ: مَنْ مَاتَ (لَا) يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئا دخل النَّار».
النساء 4:49
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنفسهم﴾ تَفْسِير قَتَادَة: هم الْيَهُود زكوا أنفسهم بِأَمْر لم يبلغوه؛ قَالُوا: نَحْنُ أَبنَاء الله وأحباؤه ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يظْلمُونَ ينقصُونَ (فتيلاً﴾ الفتيل: مَا كَانَ فِي بطن النواة من لحائها.
النساء 4:50
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِب﴾ أَي: يختلقونه ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبينًا﴾ ﴿بَينا﴾
النساء 4:51
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ والطاغوت﴾ قَالَ مُجَاهِد: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الشَّيْطَان. ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: هُمْ قوم من الْيَهُود أَتَوا مَكَّة فسألتهم قُرَيْش وأناس من غطفان؛ فَقَالَت قُرَيْش: نَحن نعمر هَذَا الْمَسْجِد، ونحجب هَذَا الْبَيْت، ونسقي الْحَاج؛ أفنحن أمثل أم مُحَمَّد وَأَصْحَابه؟ فَقَالَت الْيَهُود: بل أَنْتُم أمثل. فَقَالَ عُيَيْنَة بْن حصن وَأَصْحَابه الَّذِينَ مَعَه. أما قُرَيْش فقد عدوا مَا فيهم ففضلوا على مُحَمَّد وَأَصْحَابه. فناشدوهم أَنَحْنُ أهْدى أم مُحَمَّد وَأَصْحَابه؟ فَقَالُوا: لَا وَالله، بل أَنْتُم أهْدى؛
النساء 4:52
فَقَالَ الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله﴾ الْآيَة.
قَالَ مُحَمَّد: يَقُولُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ باعدهم الله من رَحمته، واللعنة أَصْلهَا: المباعدة.
النساء 4:53
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ النقير: النقرة تكون فِي ظهر النواة.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: أَنهم لَو أعْطوا الْملك، مَا أعْطوا النَّاس مِنْهُ النقير؛ والنقير هَا هُنَا تَمْثِيل.
النساء 4:54
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُم الله من فَضله﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: النَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة: النَّبي ﷺ؛ قَالَت الْيَهُود: (ل ٦٧) انْظُرُوا إِلَى هَذَا الَّذِي [لَا يشْبع] من الطَّعَام، [وَلَا] وَالله مَا لَهُ هم إِلَّا النِّسَاء حسدوه لِكَثْرَة نِسَائِهِ وعابوه بذلك؛ فَقَالُوا: لَو كَانَ نَبيا مَا رغب فِي كَثْرَة النِّسَاء؛ فأكذبهم الله، فَقَالَ: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيم الْكتاب وَالْحكمَة} يَعْنِي: النُّبُوَّة ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ فسليمان بْن دَاوُد من آل إِبْرَاهِيم، وَقد كَانَ عِنْد سُلَيْمَان ألف امْرَأَة، وَعند دَاوُد مائَة امْرَأَة، فَكيف يحسدونك يَا مُحَمَّد على تسع نسْوَة؟!
النساء 4:55
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ من صد عَنهُ﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: الْيَهُود مِنْهُم من آمن بِمَا أنزل على مُحَمَّد، وَمِنْهُم من صد عَنْهُ؛ يَعْنِي: جحد بِهِ ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سعيراً﴾ لمن صد عَنهُ.
النساء 4:56
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا﴾
قَالَ يحيى: بلغنَا أَنَّهَا تَأْكُل كل شَيْء حتَّى تَنْتَهِي إِلَى الْفُؤَاد؛ فَيَصِيح الْفُؤَاد فَلَا يُرِيد الله أَن تَأْكُل أفئدتهم؛ فَإِذا لم تَجِد شَيْئا تتَعَلَّق بِهِ مِنْهُم، خبت - أَي: سكنت - ثُمَّ يعادون خلقا جَدِيدا؛ فتأكلهم كلما أُعِيد خلقهمْ.
النساء 4:57
وَقَوله: ﴿وندخلهم ظلا ظليلاً﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي: دَائِما.
النساء 4:58
﴿أَنْ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهلهَا﴾ الْآيَة. «لما فتح رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، دَعَا عُثْمَان بْن طَلْحَة، فَقَالَ: أرنا الْمِفْتَاح، فَلَمَّا أَتَاهُ بِهِ قَالَ عَبَّاس. يَا رَسُول الله اجمعه لي مَعَ السِّقَايَة. فَكف عُثْمَان يَده؛ مَخَافَة أَن يَدْفَعهُ إِلَى الْعَبَّاس؛ فَقَالَ رَسُول الله: يَا عُثْمَان، إِن كنت تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فأرنا الْمِفْتَاح، فَقَالَ: هاك فِي أَمَانَة الله؛ فَأَخذه رَسُول الله، فَفتح بَاب الْكَعْبَة، ثُمَّ دخل فأفسد مَا كَانَ فِي الْبَيْت من التماثيل، وَأخرج مقَام إِبْرَاهِيم فَوَضعه، حَيْثُ وَضعه، ثُمَّ طَاف بِالْكَعْبَةِ مرّة أَو مرَّتَيْنِ، وَنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل يَأْمُرهُ برد الْمِفْتَاح إِلَى أَهله، فَدَعَا عُثْمَان، فَقَالَ: هاك الْمِفْتَاح؛ إِن الله يَقُولُ: وأدوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا. وَقَرَأَ الْآيَة كلهَا».
النساء 4:59
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: هُمْ أُمَرَاء السَّرَايَا ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأحسن تَأْوِيلا﴾ يَعْنِي: عَاقِبَة فِي الْآخِرَة.
النساء 4:60
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت﴾ إِلَى قَوْله: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: إِن رجلا من الْمُنَافِقين كَانَ بَينه وَبَين رجل من الْيَهُود خُصُومَة؛ فَقَالَ الْيَهُودِيّ: انْطلق بِنَا إِلَى مُحَمَّد نَخْتَصِم إِلَيْهِ. وَقَالَ الْمُنَافِق: بل إِلَى كَعْب ابْن الْأَشْرَف؛ وَهُوَ الطاغوت هَا هُنَا.
قَالَ الْكَلْبِيّ: فَأبى الْمُنَافِق أَن يخاصمه إِلَى النَّبي، وأبى الْيَهُودِيّ إِلَّا أَن يخاصمه إِلَى النَّبي؛ فاختصما إِلَى النَّبي، فقضي لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمَّا خرجا من عِنْده، قَالَ الْمُنَافِق: انْطلق بِنَا إِلَى عُمَر بْن الخَطَّاب أخاصمك إِلَيْهِ، فَأقبل مَعْهُ الْيَهُودِيّ؛ فدخلا على عمر، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ: يَا عُمَر إِنِّي اختصمت أَنَا وَهَذَا الرجل إِلَى مُحَمَّد؛ فَقضى لي عَلَيْهِ، فَلم يرض هَذَا بِقَضَائِهِ، وَزعم أَنَّهُ يخاصمني إِلَيْك، فَقَالَ عُمَر لِلْمُنَافِقِ: أَكَذَلِك؟ قَالَ: نعم، فَقَالَ: رويدكما؛ حتَّى أخرج إلَيْكُمَا؛ فَدخل الْبَيْت فَاشْتَمَلَ على السَّيْف، ثُمَّ خرج إِلَى الْمُنَافِق فَضَربهُ حتَّى برد.
النساء 4:62
﴿فَكيف إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة﴾ قَالَ الْحسن: وَهَذَا كَلَام مُنْقَطع عَمَّا قبله وَعَما بعده؛ يَقُولُ: إِذا أَصَابَتْهُم؛ يَعْنِي: أَن يظهروا مَا فِي قُلُوبهم؛ فيقتلهم رَسُول الله. وَفِيه مضمار، والإضمار الَّذِي فِيهِ فَيَقُول: إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة، لم ينجهم مِنْهَا وَلم يغثهم، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْكَلَام الأول. إِلَى قَوْله: ﴿يصدون عَنْك صدودا﴾ (ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أردنَا إِلَّا إحساناً وتوفيقاً} أَي: إِن أردنَا إِلَّا الْخَيْر.
النساء 4:63
قَالَ الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الشّرك والنفاق ﴿فَأَعْرض عَنْهُم﴾ فَلَا تقتلهم (ل ٦٨) مَا جعلُوا يظهرون الْإِيمَان ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بليغا﴾ يَقُولُ لَهُم: إِن أظهرتم مَا فِي قُلُوبكُمْ قتلتكم.
النساء 4:64
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا ليطاع بِإِذن الله﴾ قَالَ مُجَاهِد: وَاجِب للرسل أَن يطاعوا، وَلَا يطيعهم أحد إِلَّا بِإِذن الله.
النساء 4:65
﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ أَي: اخْتلفُوا فِيهِ ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قضيت﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: شكا.
النساء 4:66
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُم﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ رجال من الْمُؤمنِينَ وَرِجَال من الْيَهُود [جلوساٍ فَقَالَت الْيَهُود: لقد استتابنا الله من أَمر فتبنا إِلَيْهِ مِنْهُ، وَمَا كَانَ ليفعله أحد غَيرنَا [قتلنَا] أَنْفُسنَا فِي طَاعَة الله حتَّى رَضِي عَنَّا، فَقَالَ ثَابت بن قيس بْن شماس: إِن الله يعلم لَو أمرنَا مُحَمَّد أَن نقْتل أَنْفُسنَا لقتلت نَفسِي، فَأنْزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيل مِنْهُم﴾.
قَالَ مُحَمَّد: من قَرَأَ ﴿إِلا قَلِيلٌ﴾ فَالْمَعْنى: مَا فعله إِلَّا قَلِيل. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فِي الْعَاقِبَة. ﴿وَأَشد تثبيتا﴾ فِي الْعِصْمَة والمنعة من الشَّيْطَان.
النساء 4:67
﴿وَإِذا لآتيناهم من لدنا﴾ ﴿من عندنَا﴾ (أجرا عَظِيما} يَعْنِي: الْجنَّة.
النساء 4:68
﴿وَمَنْ يُطِعِ الله وَالرَّسُول﴾ الْآيَة.
تَفْسِير قَتَادَة: ذكر لنا أَن رجَالًا قَالُوا: هَذَا نَبِي الله نرَاهُ فِي الدُّنْيَا، فَأَما فِي الْآخِرَة فيرفع بفضله فَلَا نرَاهُ؛ فَأنْزل الله هَذِهِ الْآيَة.
النساء 4:71
﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ الثَّبَات: السَّرَايَا، والجميع: الزَّحْف.
قَالَ مُحَمَّد: الثَّبَات: الْجَمَاعَات المفترقة، وَاحِدهَا: ثبة.
النساء 4:72
﴿وَإِن مِنْكُم لمن ليبطئن﴾ عَنِ الْغَزْو وَالْجهَاد، فِي تَفْسِير الْحسن.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿ليبطئن﴾ مَعْنَاهُ: يتَأَخَّر؛ يُقَال: أَبْطَأَ الرجل؛ إِذا تَأَخّر، وبطؤ إِذَا ثقل. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أَي: نكبة ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهم شَهِيدا﴾ حَاضرا
النساء 4:73
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الْغَنِيمَة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ يكن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أَي: أصبت من الْغَنِيمَة؛ وَهَؤُلَاء المُنَافِقُونَ.
وَقَوله: ﴿كَأَن لم يكن بَيْنكُم وَبَينه مَوَدَّة﴾ فِيمَا يظْهر.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿فَأَفُوزَ﴾ مَنْصُوب؛ على جَوَاب التَّمَنِّي بِالْفَاءِ.
النساء 4:74
﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يشرون الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالآخِرَة﴾ أَي: يبيعون.
النساء 4:75
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي: وَعَن الْمُسْتَضْعَفِينَ من أهل مَكَّة من الْمُسلمين. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِه الْقرْيَة الظَّالِم أَهلهَا﴾ وهم مشركو أهل مَكَّة.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿الظَّالِم أَهلهَا﴾ نعت للقرية. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْك﴾ من عنْدك ﴿وَلِيًّا﴾
النساء 4:76
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ أَي: فِي طَاعَة الله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ الشَّيْطَان ﴿فَقَاتلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَان﴾ وهم الْمُشْركُونَ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفا﴾ أخْبرهُم أَنَّهُم يظهرون عَلَيْهِم؛ فِي تَفْسِير الْحسن.
النساء 4:77
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُم كفوا أَيْدِيكُم﴾ الْآيَة. قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانُوا مَعَ النَّبي ﷺ بِمَكَّةَ قبل أَن يُهَاجر إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانُوا يلقون من الْمُشْركين أَذَى كثيرا؛ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلا تَأذن لنا فِي قتال (هَؤُلاءِ الْقَوْم)؛ فَإِنَّهُم قد آونا؟ فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ: «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ؛ فَإِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ» فَلَمَّا هَاجر رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام و [سَار] ِإلى بدر عرفُوا أَنَّهُ الْقِتَال كَرهُوا، أَو بَعضهم.
(ل ٦٩) قَالَ الله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ علينا الْقِتَال لَوْلَا﴾ هلا ﴿أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ إِلَى الْمَوْت.
قَالَ الله للنَّبِي: ﴿قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل﴾ أَي: إِنَّكُم على كل حَال ميتون، وَالْقَتْل خير لكم.
النساء 4:78
ثُمَّ أخْبرهُم - ليعزيهم ويصبرهم - فَقَالَ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُم فِي بروج مشيدة﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: فِي قُصُور مُحصنَة.
قَالَ الحَسَن: ثُمَّ ذكر الْمُنَافِقين خَاصَّة فَقَالَ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَة﴾ النَّصْر وَالْغنيمَة ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ نكبة من الْعَدو ﴿يَقُولُوا هَذِهِ من عنْدك﴾ أَي: إنَّمَا أَصَابَنَا هَذَا عُقُوبَة مذ خرجت فِينَا؛ يتشاءمون بِهِ. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النَّصْر على الْأَعْدَاء والنكبة. ﴿فَمَا لهَؤُلَاء الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾
النساء 4:79
﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة﴾ [فظهرت بهَا على الْمُشْركين] ﴿فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ من نكبة نكبوا بهَا يَوْم أحد ﴿فَمن نَفسك﴾ أَي: بِذُنُوبِهِمْ، وَكَانَت عُقُوبَة من الله؛ بمعصيتهم رَسُول الله؛ حَيْثُ اتبعُوا المدبرين.
النساء 4:80
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله وَمن تولى﴾ كفر ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تحفظ عَلَيْهِم أَعْمَالهم؛ حَتَّى تجزيهم بهَا.
النساء 4:81
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَة﴾ يَعْنِي بِهِ: الْمُنَافِقين؛ يَقُولُونَ ذَلِكَ لرَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام.
قَالَ مُحَمَّد: وَارْتَفَعت ﴿طَاعَة﴾ بِمَعْنى: أمرنَا طَاعَة. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ خَرجُوا ﴿مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُم﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي غيرت طَائِفَة مِنْهُمْ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يكْتب مَا يبيتُونَ﴾ أَي: يغيرون
قَالَ مُحَمَّد: قِيلَ: الْمَعْنى: قَالُوا وقدروا لَيْلًا غير [مَا أتوك] نَهَارا، وَالْعرب تَقُولُ لكل مَا فُكِّر فِيهِ، أَو خِيضَ بلَيْل: قد بَيت، وَمن هَذَا قَول الشَّاعِر:
(أَتَوْنِي فَلم أَرض مَا بيتوا ... وَكَانُوا أَتَوْنِي لأمر نكر) قَوْله: ﴿فَأَعْرض عَنْهُم﴾ لَا تقتلهم، وَلَا تحكم عَلَيْهِم أَحْكَام الْمُشْركين؛ مَا كَانُوا إِذا لقوك أعطوك الطَّاعَة، وَلم يظهروا الشّرك. ﴿وتوكل على الله﴾ فَإِنَّهُ سيكفيكهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ لمن توكل عَلَيْهِ.
النساء 4:82
﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ يَقُولُ: لَو تدبروه، لم ينافقوا ولآمنوا. ﴿وَلَو كَانَ﴾ هَذَا الْقُرْآن ﴿مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَول الله لَا يخْتَلف هُوَ حق لَيْسَ فِيهِ بَاطِل، وَإِن قَول النَّاس يخْتَلف.
النساء 4:83
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ﴾
قَالَ قَتَادَة: إِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن - أَي: من أَن إخْوَانهمْ آمنون ظاهرون - أَو الْخَوْف - يَعْنِي: الْقَتْل والهزيمة - أذاعوا بِهِ؛ أَي: أفشوه. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم﴾ أولي الْعلم مِنْهُم. ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يستنبطونه مِنْهُم﴾ الَّذِينَ يفحصون عَنهُ، ويهمهم ذَلِكَ، يَقُولُ: إِذَا كَانُوا أعلم بِموضع الشُّكْر فِي النَّصْر والأمن، وَأعلم بالمكيدة فِي الْحَرْب.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا﴾ فضل الله الْإِسْلَام، وَرَحمته الْقُرْآن.
قَالَ يحيى: قَوْله: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلا﴾ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير؛ يَقُولُ: لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم إِلَّا قَلِيلا وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ [إِلا قَلِيلا].
قَالَ مُحَمَّد: قِيلَ: إِن هَذِهِ الْآيَة نزلت فِي جمَاعَة من الْمُنَافِقين، وضعفة من الْمُسلمين؛ كَانُوا إِذا أعلم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ ظَاهر على قوم، أَو إِذَا تجمع قوم يخَاف من جمع مثلهم - أذاع ذَلِكَ المُنَافِقُونَ؛ ليحذر من يحبونَ أَن يحذر من الْكفَّار، وليقوى قلب من يحبونَ أَن يقوى قلبه، وَكَانَ ضعفة الْمُسلمين يشيعون ذَلِكَ مَعَهم من غير علم مِنْهُم بِالضَّرَرِ فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ الله: ﴿وَلَوْ ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول﴾ الْآيَة.
النساء 4:84
﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تكلّف إِلَّا نَفسك وحرض﴾ (ل ٧٠) أَي: أخْبرهُم بِحسن ثَوَاب الله فِي الْآخِرَة للشهداء. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وَعَسَى من الله وَاجِبَة ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسا﴾ عذَابا ﴿وَأَشد تنكيلا﴾ عُقُوبَة.
النساء 4:85
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نصيب مِنْهَا﴾ أَي: حَظّ (وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} أَي: إِثْم.
قَالَ الْحسن: (والشفاعة الْحَسَنَة مَا يجوز} فِي الدّين أَن يشفع فِيهِ، (والشفاعة السَّيئَة مَا يحرم فِي الدّين أَن يشفع فِيهِ). ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كل شَيْء مقيتاً﴾ أَي: مقتدرا؛ فِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ.
قَالَ مُحَمَّد: وَأنْشد بَعضهم:
(وَذي ضغن كَفَفْت النَّفس عَنْهُ ... وَكنت على مساءته مقيتا)
النساء 4:86
قَوْله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا﴾ التَّحِيَّة: السَّلَام، وَمعنى: ﴿أحسن مِنْهَا﴾ إِذَا قَالَ الرجل: السَّلام عَلَيْكُم، رد عَلَيْهِ: السَّلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، وَإِذا قَالَ: السَّلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله رد عَلَيْهِ: السَّلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمعنى: ﴿أَو ردوهَا﴾ أَي: ردوا عَلَيْهِ مثل مَا يسلم؛ وَهَذَا إِذا سلم عَلَيْك الْمُسلم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كل شَيْء حسيباً﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: محاسبا؛ فِي قَول بَعضهم.
النساء 4:87
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا ريب فِيهِ﴾ لَا شكّ فِيهِ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ من الله حَدِيثا﴾ أَي: لَا أحد أصدق مِنْهُ.
النساء 4:88
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ قَالَ مُحَمَّد: ﴿فئتين﴾ نصب على الْحَال الْمَعْنى: أَي شَيْء لكم فِي الِاخْتِلَاف فِي أَمرهم؟ ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ هُمْ قوم من الْمُنَافِقين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ؛ فَخَرجُوا مِنْهَا إِلَى مَكَّة، ثُمَّ خَرجُوا من مَكَّة إِلَى الْيَمَامَة تجارًا فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَام، وأظهروا مَا فِي قُلُوبهم من الشّرك، فَلَقِيَهُمْ الْمُسلمُونَ، فَكَانُوا فيهم (فئتين - أَي:)) فرْقَتَيْن - فَقَالَ بَعضهم: قد حلت دِمَاؤُهُمْ؛ هُمْ مشركون مرتدون، وَقَالَ بَعضهم: لم تحل دِمَاؤُهُمْ؛ هُمْ قوم عرضت لَهُم فتْنَة. فَقَالَ الله ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقين فئتين﴾ وَلَيْسَ يَعْنِي: أَنهم فِي تِلْكَ الْحَال الَّتِي أظهرُوا فِيهَا الشّرك مُنَافِقُونَ، وَلكنه نسبهم إِلَى (خبثهمْ} الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِمَّا فِي قُلُوبهم من النِّفَاق، يَقُولُ: قَالَ بَعْضكُم كَذَا، وَقَالَ بَعْضكُم كَذَا؛ [هلا] كُنْتُم فيهم فِئَة [وَاحِدَة] وَلم تختلفوا فِي قَتلهمْ؟ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالله أركسهم بِمَا كسبوا﴾ ﷺ أَيْ: ردهم إِلَى الشّرك بِمَا كَانَ فِي قُلُوبهم من الشَّك والنفاق. ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا﴾
النساء 4:89
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فتكونون سَوَاء﴾ أَي: فِي الْكفْر شرعا سَوَاء ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُم أَوْلِيَاء﴾ أَي: لَا توالوهم. ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيل الله﴾ فيرجعوا إِلَى الدَّار الَّتِي خَرجُوا مِنْهَا؛ يَعْنِي: الْمَدِينَة ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وأبوا الْهِجْرَة ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾
النساء 4:90
ثُمَّ اسْتثْنِي قوما نهى عَنْ قِتَالهمْ؛ فقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: إِلَّا من اتَّصل بِقوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق، ومعني (اتَّصل): انتسب.
قَالَ يحيى: وَهَؤُلَاء بَنو مُدْلِج كَانَ بَينهم وَبَين قُرَيْش عهد، وَكَانَ بَين رَسُول الله وقريش عهد؛ فَحرم الله من بني مُدْلِج مَا حرم من قُرَيْش؛ وَهَذَا مَنْسُوخ نسخته الْآيَة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. ﴿أَو جاءوكم حصرت صُدُورهمْ﴾ أَي: كارهة صُدُورُهُمْ. ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَومهمْ﴾ الْآيَة. قَالَ مُحَمَّد: وتقرأ ﴿حَصِرَةً صدروهم﴾ أَي: ضَاقَتْ؛ الْحصْر فِي اللُّغَة: الضّيق.
قَوْله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لكم عَلَيْهِم سَبِيلا﴾ يَعْنِي: حجَّة؛ وَهَذَا مَنْسُوخ أَيْضا؛ نسخته آيَة الْقِتَال.
النساء 4:91
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ ويأمنوا قَومهمْ﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: قَالَ [هُمْ] أنَاس من أهل مَكَّة؛ كَانُوا يأْتونَ النَّبي يسلمُونَ عَلَيْهِ رِيَاء، ثُمَّ يرجعُونَ إِلَى قُرَيْش يرتكسون فِي الْأَوْثَان يَبْتَغُونَ (بركتها، أَو يأمنوا} هَا هُنَا وَهَا هُنَا؛ فَأمروا (ل ٧١) بقتالهم؛ إِن لم يعتزلوا ويصلحوا.
النساء 4:92
﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن﴾ يَعْنِي: لَا يَنْبَغِي لمُؤْمِن ﴿أَنْ يقتل مُؤمنا إِلَّا خطئا﴾ أَي إِلَّا أَن يكون لَا يتَعَمَّد لقَتله. ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خطئا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهله﴾ يَعْنِي: أهل الْقَتِيل ﴿إِلا أَنْ يصدقُوا﴾ يَعْنِي: إِلَّا أَن يصدق أهل الْقَتِيل؛ فيتجاوزوا عَنِ الدِّيَة. ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قَالَ الْحسن: كَانَ الرجل يسلم وَقَومه حَرْب، فيقتله رجل من الْمُسلمين خطأ - فَفِيهِ تَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة [وَلَا دِيَة] لِقَوْمِهِ. ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ مَا كَانَ من عهد بَين الْمُسلمين وَبَين الْمُشْركين، أَو أهل الذِّمَّة؛ فَقتل رجل مِنْهُم - فَفِيهِ الدِّيَة لأوليائه، وَعتق رَقَبَة مُؤمنَة. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعين تَوْبَة من الله﴾ تجاوزا من الله.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿تَوْبَة من الله﴾ الْقِرَاءَة بِالْفَتْح؛ الْمَعْنى: فعل الله ذَلِك تَوْبَة مِنْهُ.
النساء 4:93
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا﴾ الْآيَة.
قَالَ يحيى: بَلغنِي أَن عُمَر بْن الخَطَّاب قَالَ: لما أنزل الله الموجبات الَّتِي أوجب عَلَيْهَا النَّار؛ لمن عمل بهَا: وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا (أَو أشباه) ذَلِكَ كُنَّا نبث عَلَيْهِ الشَّهَادَة حتَّى نزلت هَذِهِ الْآيَة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فَكَفَفْنَا عَنِ الشَّهَادَة.
يَحْيَى: عَنْ عَاصِمِ بْنِ حَكِيمٍ، (عَنْ خَالِدِ بن أبي كَرِيمَة، عَن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَيْسُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ)، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «لَا تُنْزِلُوا الْعَارِفِينَ الْمُحَدِّثِينَ الْجَنَّةَ وَلا النَّارَ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْضِي فِيهِمْ يَوْم الْقِيَامَة».
النساء 4:94
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله﴾ الْآيَة.
تَفْسِير قَتَادَة: هَذَا فِي شَأْن مرداس رجل من غطفان، ذكر لنا أَن نَبِيَّ الله بعث جَيْشًا عَلَيْهِم غَالب اللَّيْثِيّ إِلَى أهل فدك، وفيهَا نَاس من غطفان، وَكَانَ مرداس مِنْهُم ففر أَصْحَابه، وَقَالَ لَهُم مرداس: إِنِّي مُؤمن وَإِنِّي غير متابعكم؛ فصبحته الْخَيل غدْوَة، فَلَمَّا لقُوَّة سلم عَلَيْهِم، فَدَعَاهُ أَصْحَاب نَبِي الله؛ فَقَتَلُوهُ، وَأخذُوا مَا كَانَ مَعْهُ من مَتَاع؛ فَأنْزل الله ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السّلم لست مُؤمنا﴾ لِأَن تَحِيَّة الْمُؤمنِينَ السَّلام؛ بهَا يَتَعَارَفُونَ، ويلقى بَعضهم بَعْضًا. ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِم كَثِيرَة﴾ يعطيكموها ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أَي: ضلالا ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِالْإِسْلَامِ.
قَالَ مُحَمَّد: وَمن قَرَأَ: ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ فَالْمَعْنى: استسلم لكم.
النساء 4:95
{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم.
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ((لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} وَلَمْ يَذْكُرِ الضَّرَرَ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله﴾ - جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَقَالَ: أَنَا كَمَا تَرَى وَكَانَ أَعْمَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ادْعُوا لِي زَيْدًا وَلْيَأْتِ بِاللَّوْحِ أَوِ الْكَتِفِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة ﴿غَيْرَ﴾ بِالْفَتْح؛ على معنى: الِاسْتِثْنَاء. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ يَعْنِي: الْجنَّة. وَهَذِه نزلت بَعْدَمَا صَار الْجِهَاد تَطَوّعا.
قَالَ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ الْآيَة.
النساء 4:96
قَالَ مُحَمَّد: ﴿دَرَجَات﴾ نصب على الْبَدَل، من قَوْله: ﴿أجرا عَظِيما﴾
يَحْيَى: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمِائَةَ دَرَجَةٍ، بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، وَلَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، وَلا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، (ل ٧٢) وَلا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي، مَا قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ تغزوا، ولوددت أَنِّي أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ ثُمَّ أَحْيَا ثمَّ أقتل».
النساء 4:97
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أنفسهم قَالُوا فيمَ كُنْتُم﴾ قَالَت لَهُم الْمَلَائِكَة: فيمَ كُنْتُم؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ يَعْنِي: مقهورين فِي أَرض مَكَّة ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا﴾ أَي: إِلَيْهَا. تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: هَؤُلاءِ قوم كَانُوا بِمَكَّة تكلمُوا بِالْإِسْلَامِ؛ فَلَمَّا خرج أَبُو جهل وَأَصْحَابه، خَرجُوا مَعْهُ؛ فَقتلُوا يَوْم بدر، وَاعْتَذَرُوا [بالأعذار]، فَأبى الله أَن يقبل ذَلِك مِنْهُم،
النساء 4:98
ثُمَّ عذر الله الَّذِينَ بِمَكَّة واستثناهم، فَقَالَ: (إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والوالدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة} أَي: لَا قُوَّة لَهُم فَيخْرجُونَ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ لَا يعْرفُونَ طَرِيقا إِلَى الْمَدِينَة.
النساء 4:99
﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُم﴾ و ﴿عَسى﴾ من الله وَاجِبَة.
النساء 4:100
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسعة﴾ أَي: مُهَاجرا فيهاجر إِلَيْهِ.
قَالَ مُحَمَّد: المراغم وَالْمُهَاجِر وَاحِد؛ يُقَال: راغمت وَهَاجَرت، وَأَصله: أَن الرجل إِذا أسلم خرج عَنْ قومه مراغما لَهُم؛ أَي: مغاضبا مقاطعا. ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى الله وَرَسُوله﴾ الْآيَة.
يَحْيَى: عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: «سَمِعَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ؛ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ قَدْ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ أَدْنَفَ لِلْمَوْتِ، فَقَالَ: أَخْرِجُونِي إِلَى النَّبِيِّ. فَوُجِّهَ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَانْتَهَى إِلَى عَقَبَةٍ سَمَّاهَا فَتُوُفِّيَ بِهَا؛ فَأَنْزَلَ الله فِيهِ هَذِه الْآيَة».
النساء 4:101
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أَن يقتلكم ﴿الَّذين كفرُوا﴾ هَذَا قصر صَلَاة الْخَوْف.
النساء 4:102
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاة﴾ قَالَ مُجَاهِد: ((إِن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصحابه كَانُوا بعسفان، وَالْمُشْرِكُونَ بضجنان فتواقفوا فصلى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِأَصْحَابِهِ الظّهْر أَرْبعا؛ ركوعهم وسجودهم وقيامهم مَعًا، فهم بهم الْمُشْركُونَ أَن (يُغيرُوا) على أمتعتهم وأثقالهم، فَأنْزل الله ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فأقمت لَهُم الصَّلَاة﴾ الْآيَة).
قَوْله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركُمْ﴾ أَي: يضعون أسلحتهم وهم (يحذرون}.
قَالَ مُحَمَّد: ذكر يحيى سُنة صَلَاة الْخَوْف، وَنقل فِيهَا اخْتِلَافا؛ فاختصرت ذَلِكَ؛ إِذْ لَهُ مَوْضِعه من كتب الْفِقْه.
النساء 4:103
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ يَعْنِي: بِاللِّسَانِ (قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جنوبكم} تَفْسِير قَتَادَة: افْترض الله ذكره عِنْد الْقِتَال ﴿فَإِذا اطمأننتم﴾ يَعْنِي: فِي أمصاركم. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يَقُولُ: فَأتمُّوا الصَّلَاة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أَي: مَفْرُوضًا
النساء 4:104
﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أَي: لَا تضعفوا فِي طَلَبهمْ ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تألمون﴾ يَعْنِي: وجع الْجراح ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لَا يرجون﴾ أَي: من ثَوَابه مَا لَا يَرْجُو الْمُشْركُونَ، يرغبهم بذلك فِي الْجِهَاد.
النساء 4:105
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله﴾ فِي الْوَحْي ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خصيماً﴾ تَفْسِير الحَسَن: ((أَن رجلا من الْأَنْصَار سرق درعا فاتهم عَلَيْهَا حتَّى فَشَتْ القالة؛ أَنَّهُ سرق الدرْع؛ فَانْطَلق فاستودعها رجلا من الْيَهُود، ثُمَّ أَتَى قومه، فَقَالَ: ألم تروا إِلَى هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتهموني على الدرْع؛ فوَاللَّه مَا زلت أطلب وأبحث حتَّى وَجدتهَا عِنْد فلَان الْيَهُودِيّ؛ فَأتوا الْيَهُودِيّ فوجدوا عِنْده الدرْع، (ل ٧٣) فَقَالَ: وَالله مَا سرقتها، إنَّمَا استودعنيها ثُمَّ قَالَ الْأنْصَارِيّ لِقَوْمِهِ: انْطَلقُوا إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَقولُوا لَهُ، فَليخْرجْ فليعذرني، فَتسقط عني القالة، فَأتى قومه رَسُول الله فَقَالُوا: يَا رَسُول االله، اخْرُج فاعذر فلَانا، حتَّى تسْقط عَنْه القالة، فَأَرَادَ رَسُول الله أَن يفعل، فَأنْزل الله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تكن للخائنين خصيماً} أَي: أَن الْأنْصَارِيّ هُوَ سَرَقهَا؛ فَلَا تعذرنه،
النساء 4:106
واستغفر الله مِمَّا كنت هَمَمْت بِهِ أَن تعذره.
النساء 4:107
﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾ أَي: أَن الْأنْصَارِيّ [سَرَقهَا أَي] خانها، والأنصاري: طعمة بْن أُبَيْرِق وَكَانَ منافقاً)).
النساء 4:108
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ من الله﴾ ﴿أَي: يستحيون من النَّاس، وَلَا يستحيون من الله﴾.
﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يرضى من القَوْل﴾ يَعْنِي: مَا قَالَ الْأنْصَارِيّ: إِن الْيَهُودِيّ سَرَقهَا.
النساء 4:109
ثُمَّ أقبل على قوم الْأنْصَارِيّ فَقَالَ: ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِم وَكيلا﴾ أَي: حفيظا لأعمالهم؛ فِي تَفْسِير الْحسن
النساء 4:110
(قَالَ الْحسن): ثُمَّ استتابه الله، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفسه﴾ إِلَى قَوْله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
النساء 4:112
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثمَّ يرم بِهِ بَرِيئًا﴾ أَي: [مَا رمي بِهِ] الْيَهُودِيّ وَهُوَ مِنْهَا بَرِيء ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بهتانا﴾ كذبا ﴿وإثما مُبينًا﴾ بَينا،
النساء 4:113
قَالَ الحَسَن: ثُمَّ قَالَ لنَبيه عَلَيْهِ السَّلَام: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ فِيمَا أَرَادوا من النَّبي ﷺ أَن يعْذر عَنْ صَاحبهمْ ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أنفسهم﴾ أَي: حِين جَاءُوا إِلَيْك لتعذره ﴿وَمَا يضرونك﴾ ينقصونك ﴿من شَيْء﴾.
قَالَ مُحَمَّد: قِيلَ: إِن الْمَعْنى فِي قَوْله: ﴿أَن يضلوك﴾ أَي: أَن يخطئوك فِي حكمك، وَمَا يضلون إِلَّا أنفسهم، لأَنهم يعْملُونَ عمل الضَّالّين، وَالله يعْصم نبيه من متابعتهم.
النساء 4:114
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجوَاهُمْ﴾ يَعْنِي: قوم الْأنْصَارِيّ ﴿إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلَاح بَين النَّاس﴾
النساء 4:115
قَالَ الحَسَن: فَلَمَّا أنزل الله فِي الْأنْصَارِيّ مَا أنزل استحيا أَن يُقيم بَين ظهراني الْمُسلمين، فلحق بالمشركين؛ فَأنْزل الله: ﴿وَمَنْ يُشَاقق الرَّسُول﴾ أَي: يُفَارق ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يَعْنِي: غير دين الْمُؤمنِينَ ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى﴾
النساء 4:116
قَالَ الْحسن: ثُمَّ استتابه الله، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرك بِهِ﴾ الْآيَة. فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الْآيَة رَجَعَ إِلَى الْمُسلمين.
النساء 4:117
﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: إِلَّا أَمْوَاتًا.
قَالَ يحيى: كَقَوْلِه: ﴿أَمُوت غير أَحيَاء﴾ يَعْنِي: أصنامهم.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: الْمَعْنى: إِلَّا مَا سموهُ بأسماء الْإِنَاث؛ مثل اللات والعزى وَمَنَاة.
﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ قَالَ الحَسَن: أَي: إِن تِلْكَ الْأَوْثَان لم تَدعهُمْ إِلَى عبادتها، إنَّمَا دعاهم إِلَى عبادتها الشَّيْطَان.
قَالَ مُحَمَّد: المريد: العاتي؛ يُقَال: مُرِيد ومارد.
النساء 4:118
قَوْله تعالي: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ﴾ يَعْنِي: إِبْلِيس ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبا مَفْرُوضًا﴾.
وَقَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: أفترضه لنَفْسي.
النساء 4:119
﴿ولأضلنهم﴾ لأغوينهم ﴿ولأمنينهم﴾ أَي: بِأَنَّهُم لَا عَذَاب عَلَيْهِم ﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الْأَنْعَام﴾ هِيَ: الْبحيرَة؛ كَانُوا يقطعون أَطْرَاف آذانها ويحرمونها. ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الخصاء.
وَقَالَ الحَسَن: هُوَ مَا تَشِمُ النِّسَاء فِي أيديها ووجوهها؛ كَانَ نسَاء أهل الْجَاهِلِيَّة يفعلن ذَلِكَ.
النساء 4:121
﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا محيصا﴾ ملْجأ.
النساء 4:122
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ من الله قيلا﴾ أَي: لَا أحد.
النساء 4:123
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكتاب﴾ (ل ٧٤) قَالَ الْحَسَن: قَالَت الْيَهُود للْمُؤْمِنين: كتَابنَا قبل كتابكُمْ، وَنَبِينَا قبل نَبِيكُم، [وَكِتَابنَا القَاضِي على مَا قبله من الْكتب] وَنحن أهْدى مِنْكُم قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: كَذبْتُمْ، إِنَّا صدقنا بِكِتَابِكُمْ ونبيكم، وكذبتم بكتابنا وَنَبِينَا، وَكِتَابنَا القَاضِي على مَا قبله من [الْكتب].
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: لَيْسَ ثَوَاب الله - عزَّ وجلَّ - بأمانيكم، وَلَا أماني أهل الْكِتَابِ. ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ هِلالٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَن أبي بكر ابْن زُهَيْرٍ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلاحُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَكُلُّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ نُجْزَى بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ تَمْرَضُ؟ أَلَيْسَ تَحْزَنُ؟ أَلَيْسَ تَنْصَبُ؟ أَلَيْسَ تُصِيبُكَ اللأْوَاءُ؛ يَعْنِي: الأَوْجَاعَ وَالأَمْرَاضَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَهُوَ مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ».
النساء 4:125
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجهه لله﴾ أَي: أخْلص ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ أَي: لَا أحد أحسن دينا مِنْهُ.
قَالَ الْكَلْبِيّ: لما قَالَت الْيَهُود للْمُؤْمِنين: كتَابنَا قبل كتابكُمْ، وَنَبِينَا قبل نَبِيكُم، وَقَالَ لَهُم الْمُؤْمِنُونَ مَا قَالُوا؛ فَأنْزل الله: ﴿لَيْسَ بأمانيكم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ففضل الله الْمُؤمنِينَ على الْيَهُود.
قَالَ مُحَمَّد: تَفْسِير بَعضهم: الْخَلِيل هُوَ من بَاب الْخلَّة والمحبة الَّتِي لَا خلل فِيهَا.
النساء 4:127
﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: «سُئِلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ [مَا لَهُنَّ] من الْمِيرَاث، فَأنْزل الله الرّبع وَالثمن». ﴿قُلِ اللَّهُ يفتيكم فِيهِنَّ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أَي: عَنْ أَن تنكحوهن.
يَحْيَى: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَن عَليّ ابْن أَبِي طَالِبٍ «أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكتاب﴾ الآيَةِ، قَالَ: تَكُونُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ الرَّجُلِ بِنْتُ عَمِّهِ يَتِيمَةً فِي حِجْرِهِ، وَلَهَا مَالٌ فَلا يَتَزَوَّجَهَا لِذَمَامَتِهَا، وَلَكِنْ يَحْبِسُهَا حَتَّى يَرِثَهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ».
وقولُه: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كتب لَهُنَّ﴾ يَعْنِي: ميراثهن.
وقولُه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْولدَان﴾ يَقُول: يفتيكم فِيهِنَّ، وَفِي الْمُسْتَضْعَفِينَ من الْولدَان؛ أَلا تَأْكُلُوا [من] أَمْوَالهم.
قَالَ قَتَادَة: وَكَانُوا لَا يورثون الصَّغِير، وَإِنَّمَا كَانُوا يورثون من يحترف، وينفع وَيدْفَع. ﴿وَأَنْ تقوموا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ وَهُوَ تبع للْكَلَام الأول، قل الله يفتيكم فِيهِنَّ، وَفِي يتامى النِّسَاء، وَفِي الْمُسْتَضْعَفِينَ من الْولدَان، وَفِي أَن تقوموا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ.
النساء 4:128
﴿وَإِن امْرَأَة خَافت﴾ يَعْنِي: علمت ﴿من بَعْلهَا﴾ يَعْنِي: زَوجهَا ﴿نُشُوزًا﴾ يَعْنِي: بغضا ﴿أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جنَاح﴾ لَا حرج. ﴿عَلَيْهِمَا أَن يصالحا بَينهمَا صلحا وَالصُّلْح خير﴾ الْآيَة، قَالَ بَعضهم: هِيَ الْمَرْأَة تكون عِنْد الرجل فتكبر فَلَا تَلد، فيريد أَن يتَزَوَّج عَلَيْهَا أشب مِنْهَا، ويؤثرها على الْكَبِيرَة، فَيَقُول لَهَا: إِن رضيت أَن أوثرها عَلَيْك وَإِلَّا طَلقتك، أَو يُعْطِيهَا من مَاله على أَن ترْضى أَن يُؤثر عَلَيْهَا الشَّابَّة.
وقولُه: ﴿وأحضرت الْأَنْفس الشُّح﴾ أَي: شحت بنصيبها من زَوجهَا لِلْأُخْرَى؛ فَلم ترض. ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ [الْفِعْل] ﴿وتتقوا﴾ الْميل والجور فِيهِنَّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
النساء 4:129
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء﴾ فِي الْحبّ ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تميلوا كل الْميل﴾ قَالَ الحَسَن: فتأتي وَاحِدَة، وَتَدَع الْأُخْرَى ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ قَالَ الحَسَن: لَا أيم، وَلَا ذَات بعل. ﴿وَإِن تصلحوا﴾ الْفِعْل فِي أمرهن ﴿وتتقوا﴾ الْميل والجور فِيهِنَّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾.
النساء 4:130
قَوْله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أَي: وَاسِعًا لَهما فِي الرزق (ل ٧٥) حكيماً فِي أمره.
النساء 4:132
قَوْله: ﴿وَكفى بِاللَّه وَكيلا﴾ لمن توكل عَلَيْهِ.
النساء 4:133
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [أَي: يذهبكم] بِعَذَاب الاستئصال. ﴿وَيَأْتِي بِآخَرين﴾ [بِقوم] يطيعونه.
النساء 4:134
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: ثَوَاب الْآخِرَة لمن أَرَادَ الْآخِرَة.
هُوَ كَقَوْلِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿كَانَ سَعْيهمْ مشكورا﴾.
النساء 4:135
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ يَقُولُ: اشْهَدُوا على أَنفسكُم وعَلى أَبْنَائِكُم [وعَلى آبائكم] وأمهاتكم وقراباتكم؛ أَغْنِيَاء كَانُوا أَو فُقَرَاء ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أولى بهما﴾ أَي: أولى بغناه وَفَقره مِنْكُم.
قَالَ قَتَادَة: يَقُولُ: لَا يمنعنك غنى غَنِي، وَلَا فقر فَقير أَن تشهد عَلَيْهِ بِمَا تعلم. ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (فتدعوا) الشَّهَادَة. ﴿وَإِن تلووا﴾ أَلْسِنَتكُم فتحرفوا الشَّهَادَة ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ فَلَا تشهدوا بهَا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
النساء 4:136
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾.
قَالَ الْكَلْبِيّ: خَاطب بِهَذَا من آمن من أهل الْكتاب؛ وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا عِنْد إسْلَامهمْ: أنؤمن بِكِتَاب مُحَمَّد، ونكفر بِمَا سواهُ؟!
فَقَالَ الله: ﴿قل آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نزل على رَسُوله﴾ الْآيَة.
النساء 4:137
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الْآيَة، هُمْ أهل الْكِتَابَيْنِ، فِي تَفْسِير قَتَادَة. قَالَ: آمَنت الْيَهُود بِالتَّوْرَاةِ، ثُمَّ كفرت بهَا - يَعْنِي: مَا حرفوا مِنْهَا - وَآمَنت النَّصَارَى بالإنجيل ثُمَّ كفرت بِهِ - يَعْنِي: مَا حرفوا مِنْهُ. ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا﴾ كلهم ﴿كُفْرًا﴾ بِالْقُرْآنِ ﴿لَمْ يَكُنِ الله ليغفر لَهُم﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: من مَاتَ مِنْهُم على كفره. ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ أَي: سَبِيل هدى؛ يَعْنِي: الْأَحْيَاء، وَأَرَادَ بِهَذَا عامتهم، وَقد تسلم الْخَاصَّة مِنْهُم. ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾
النساء 4:139
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دون الْمُؤمنِينَ﴾ كَانُوا يتولون الْيَهُود، وَقد أظهرُوا الْإِيمَان. ﴿أيبتغون عِنْد الله الْعِزَّة﴾ أَي: أيريدون بهم الْعِزَّة؟!
النساء 4:140
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيره﴾ يَعْنِي: مَا أنزل فِي سُورَة الْأَنْعَام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم﴾ الْآيَة.
النساء 4:141
﴿الَّذين يتربصون بكم﴾ هم المُنَافِقُونَ؛ كَانُوا يتربصون برَسُول الله وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فتح من الله﴾ نصر وغنيمة ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾. ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ نكبة على الْمُؤمنِينَ ﴿قَالُوا﴾ للْكَافِرِينَ. ﴿ألم نستحوذ عَلَيْكُم﴾ أَي: ندين بدينكم ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤمنِينَ﴾ يعنون: من آمن بِمُحَمد ﷺ أَيْ: كُنَّا لكم عيُونا نأتيكم بأخبارهم، ونعينكم عَلَيْهِم؛ وَكَانَ ذَلِكَ فِي السِّرّ. قَالَ الله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْم الْقِيَامَة﴾ فَيجْعَل الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة، وَيجْعَل الْكَافرين فِي النَّار. ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أَي: حجَّة فِي الْآخِرَة.
النساء 4:142
﴿إِن الْمُنَافِقين يخادعون الله﴾ بقَوْلهمْ: ﴿إِذا لقوا الَّذين ءامنوا قَالُوا ءامنا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعكُمْ﴾ وَهُوَ خداعهم.
قَالَ مُحَمَّد: يجازيهم جَزَاء الخداع. ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى﴾ عَنْهَا ﴿يراءون النَّاس﴾ يظهرون مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم. ﴿وَلا يَذْكُرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا﴾ قَالَ الحَسَن: إنَّمَا قل؛ لأنَّه كَانَ لغير الله.
النساء 4:143
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ قَالَ قَتَادَة: (ل ٧٦) لَيْسُوا بمؤمنين مُخلصين، وَلَا بمشركين مصرحين ﴿وَمن يضلل الله﴾ عَنِ الْهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ يَعْنِي: سَبِيل هدى.
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ﴾ يَقُولُ: لَا تَفعلُوا كَفعل الْمُنَافِقين؛ اتَّخذُوا الْمُشْركين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤْمِنِينَ ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُم سُلْطَانا مُبينًا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: حجَّة بَيِّنَة.
النساء 4:145
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ من النَّار﴾ وَهُوَ الْبَاب السَّابِع الْأَسْفَل.
النساء 4:147
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شكرتم وآمنتم﴾ أَي: أَن الله غَنِي لَا يعذب شاكراً وَلَا مُؤمنا.
النساء 4:148
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ قَالَ قَتَادَة: عذر الله الْمَظْلُوم أَن يَدْعُو. وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ الضَّيْف ينزل فيحول رَحْله، فَيَقُول: فعل الله بِهِ، لم ينزلني!
النساء 4:149
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَو تعفوا عَن سوء﴾ الْآيَة هُوَ كَقَوْلِه: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يُعلمهُ الله﴾.
النساء 4:150
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُله﴾ قَالَ قَتَادَة: هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى؛ آمَنت الْيَهُود بِالتَّوْرَاةِ وبموسى، وَكَفرُوا بالإنجيل وَعِيسَى، وَآمَنت النَّصَارَى بالإنجيل وَعِيسَى، وَكَفرُوا بِالْقُرْآنِ وَمُحَمّد - عَلَى جَمِيعهم السَّلام. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَين ذَلِك سَبِيلا﴾ قَالَ السّديّ: يَعْنِي: دينا. قَالَ الله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الْآيَة.
النساء 4:152
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم﴾ هُوَ كَقَوْلِه: ﴿قُولُوا ءامنا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيم﴾ الْآيَة.
النساء 4:153
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء﴾ أَي: خَاصَّة عَلَيْهِم ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أرنا الله جهرة﴾ أَي: عيَانًا ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبينًا﴾ حجَّة (بَيِّنَة).
النساء 4:154
﴿ورفعنا فَوْقهم الطّور بميثاقهم﴾ الْآيَة، فقد مضى تَفْسِيره فِي سُورَة الْبَقَرَة.
النساء 4:155
﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم﴾ أَي: فبنقضهم ميثاقهم، و (مَا) صلَة.
﴿وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف﴾ قد مضى تَفْسِيره.
قَالَ الله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا قَلِيلا﴾ قَالَ قَتَادَة: قَلَّ من آمن من الْيَهُود.
النساء 4:156
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيما﴾ هُوَ مَا قذفوا بِهِ مَرْيَم.
النساء 4:157
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ (مسح) بِالْبركَةِ. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ قَالَ قَتَادَة: ذكر لنا أَن عِيسَى قَالَ لأَصْحَابه: أَيّكُم يقذف عَلَيْهِ شبهي؛ فَإِنَّهُ مقتول؟ قَالَ رجل من أَصْحَابه: أَنَا يَا رَسُول الله. فَقتل ذَلِكَ الرجل، وَمنع الله نبيه (وَرَفعه إِلَيْهِ). ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ من علم﴾ كَانَ بَعضهم يَقُولُ: هم النَّصَارَى، اخْتلفُوا فِيهِ فصاروا ثَلَاث فرق.
قَالَ الله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا﴾ (أَي: مَا قتلوا ظنهم يَقِينا) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
النساء 4:159
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: قبل موت عِيسَى إِذَا نزل.
وَقَالَ السّديّ: يَقُولُ لَا يَمُوت مِنْهُم أحد حتَّى يُؤمن بِعِيسَى؛ أَنَّهُ عَبْد الله وَرَسُوله، فَلَا يَنْفَعهُ ذَلِكَ عِنْد مُعَاينَة ملك الْمَوْت.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أَي: يشْهد عَلَيْهِم؛ أَنَّهُ قد بلغ رِسَالَة ربه، وَأقر بالعبودية على نَفسه.
النساء 4:160
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيل الله كثيرا﴾ قَالَ مُجَاهِد: صدوا أنفسهم وَغَيرهم.
النساء 4:162
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاة والمؤتون الزَّكَاة﴾ قَالَ قَتَادَة: اسْتثْنى الله مِنْهُم من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَمَا أنزل عَلَيْهِم، وَمَا أنزل على نَبِيَّ الله.
قَالَ مُحَمَّد: اخْتلف (ل ٧٧) القَوْل فِي إِعْرَاب ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ فَقَالَ بَعضهم: الْمَعْنى: يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك، وبالمقيمين الصَّلَاة؛ أَي: ويؤمنون بالنبيين المقيمين الصَّلَاة.
وَقَالَ بَعضهم: الْمَعْنى: وَاذْكُر المقيمين الصَّلَاة، وهم المؤتون الزَّكَاة.
النساء 4:163
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم﴾ أَي: وكما أَوْحَينَا إِلَى إِبْرَاهِيم ﴿وَإِسْمَاعِيل﴾ إِلَى قَوْله: ﴿والأسباط﴾ والأسباط: يُوسُف وَإِخْوَته. ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ يَعْنِي: كتابا؛ وَكَانَ دَاوُد بَين مُوسَى وَعِيسَى، وَلَيْسَ فِي الزبُور حَلَال وَلَا حرَام، وَإِنَّمَا هُوَ تحميد وتمجيد وتعظيم لله.
النساء 4:164
﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قبل﴾ قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: وَأَرْسَلْنَا رسلًا قد قصصناهم عَلَيْك ﴿وَرُسُلا لَمْ نقصصهم عَلَيْك﴾
قَالَ يحيى: قَالَ بَعضهم: «قِيلَ: يَا رَسُول الله، كم المُرْسَلُونَ؟ قَالَ: ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجلا جَمَّاءَ الْغَفِيرِ. قِيلَ: أَكَانَ آدم نَبيا مكلما أَو غير مُكَلم؟ قَالَ: بل كَانَ نَبيا مكلما».
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: جَاءَ الْقَوْم جما غفيرا، أَو جماء الْغَفِير - إِضَافَة - أَي: كلهم بلفهم ولفيفهم.
﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ أَي: كلَاما من غير وَحي.
النساء 4:165
﴿مبشرين ومنذرين﴾ يَعْنِي: مبشرين بِالْجنَّةِ، ومنذرين بالنَّار.
النساء 4:166
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْك﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يشْهدُونَ﴾ أَنَّهُ أنزلهُ إِلَيْك. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدا﴾ قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: وَكفى الله شَهِيدا، وَالْبَاء مُؤَكدَة.
النساء 4:168
﴿إِن الَّذين كفرُوا وظلموا﴾ أَي: أنفسهم. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ ليغفر لَهُم﴾ يَعْنِي: إِذَا مَاتُوا على كفرهم ﴿وَلَا ليهديهم طَرِيقا﴾ أَي: طَرِيق هدى؛ يَعْنِي: الْعَامَّة من أحيائهم.
النساء 4:171
﴿يَا أهل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ الغلو: تعدِي الْحق.
قَوْله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أَي: أَنَّهُ كَانَ من غير بِشْر. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقولُوا ثَلَاثَة﴾ الْآيَة. أَي: آلِهَتنَا ثَلَاثَة ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِد﴾ قَالَ مُحَمَّد: اخْتلف القَوْل فِي قَوْله: ﴿خيرا لكم﴾ وَالِاخْتِيَار أَنَّهُ مَحْمُول على مَعْنَاهُ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: انْتَهوا وائتوا خيرا لكم. وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لكم﴾ هُوَ على مثل هَذَا الْمَعْنى.
النساء 4:172
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عبدا لله﴾ أَي: لن يحتشم ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ المقربون﴾ أَن يَكُونُوا عباداً لله.
النساء 4:174
﴿يَا أَيهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ ربكُم﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: حجَّة ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُم نورا مُبينًا﴾ بَينا؛ يَعْنِي: الْقُرْآن.
النساء 4:175
﴿ويهديهم إِلَيْهِ﴾ (أَي: فِي الدُّنْيَا) ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾
النساء 4:176
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة﴾ قَالَ قَتَادَة: الْكَلَالَة الَّذِي لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد وَلَا جد.
قَوْله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تضلوا﴾ لِئَلَّا تضلوا ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عليم﴾.
قَالَ مُحَمَّد: ذكر يحيى فِي هَذِه السُّورَة مسَائِل من الْفَرَائِض؛ فاختصرت كثيرا مِنْهَا؛ إِذْ للفرائض بأسرها موَاضعهَا من كتب الْفِقْه، وَلَا توفيق إِلَّا بِاللَّه [وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل].
المائدة 5:1
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كلهَا
قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي: الْعُهُودَ الَّتِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فِيمَا أَحَلَّ لَهُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ ﴿أُحِلَّتْ لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ وَالْأَنْعَامُ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم﴾ يَقُولُ: مِمَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الخِنْزِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَهَى عَنْهُ.
﴿غير محلي الصَّيْد﴾ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُحِلُّوا الصَّيْدَ ﴿وَأَنْتُم حرم﴾.
المائدة 5:2
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام﴾ وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا القلائد﴾ يَعْنِي: أَصْحَابَ الْقَلَائِدِ، وَكَانَتِ الْقَلَائِدُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، وَلَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ جَعَلَ فِي عُنُقِهِ قَلَائِدَ مِنْ شَعْرٍ أَوْ [وبرٍ، فَأَمِنَ] بِهَا إِلَى مَكَّةَ وَإِذَا (ل ٧٨) خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ تَعَلَّقَ مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ مَكَّةَ، فَيَأْمَنُ بِهِ إِلَى أَرْضِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام﴾ يَعْنِي: حُجَّاجَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْفَضْلَ وَالرِّضْوَانَ الَّذِي كَانُوا يَبْتَغُونَهُ أَنْ يُصْلِحَ اللَّهُ لَهُمْ مَعَايِشَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَلَّا يُعَاقِبَهُمْ فِيهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَاحِد ﴿امين﴾ آمٌّ؛ وَهُمُ الْقَاصِدُونَ، وَشَعَائِرُ اللَّهِ: مَا جَعَلَهُ اللَّهُ عَلَمًا لِطَاعَتِهِ، وَاحِدُهَا: شَعِيرَةٌ، وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ (مُحَرَّمٌ)؛ يَقُولُ: لَا تُقَاتِلُوا فِيهِ.
﴿وَإِذَا حللتم فاصطادوا﴾ أَيْ: إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ إِحْرَامِكُمْ وَهِيَ إِبَاحَةٌ؛ إِنْ شَاءَ صَادَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.
﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم﴾ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ. ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدوا﴾.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي بِالْقَوْمِ: أَهْلَ مَكَّةَ؛ يَقُولُ: لَا تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ هَذَا حِينَ صَدُّوهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَام.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿يجرمنكم﴾ حَقِيقَتُهُ فِي اللُّغَةِ: يُكْسِبَنَّكُمْ؛ يُقَالُ: فُلَانٌ جَارِمٌ أَهْلَهُ [وَجَرِمَةَ أَهْلَهُ] أَيْ: كَاسَبَهُمْ، وَتَقُولُ: جَرَمَنِي كَذَا؛ أَيْ: كَسَبَنِي كَذَا.
وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى: أجرمني.
المائدة 5:3
﴿حر مت عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يَعْنِي: مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَصْلُ الْإِهْلَالِ: رَفْعُ الصَّوْتِ؛ فَكَأَنَّ الْمَعْنَى: مَا ذُكِرَ عِنْدَ ذَبْحِهِ غَيْرَ اسْمِ الله.
﴿والمنخنقة﴾ قَالَ الْحَسَنُ: هِيَ الَّتِي تَخْتَنِقُ فِي حُبُلِهَا فَتَمُوتُ، وَكَانُوا يَأْكُلُونَهَا ﴿والموقوذة﴾ كَانُوا يَضْرِبُونَهَا بِالْخَشَبَةِ حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ يَأْكُلُونَهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْوَقْذَةُ: الضَّرْبَةُ؛ يُقَالُ: وَقَذْتُهَا أَقْذُهَا وَقْذًا، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى: أَوْقَذْتُهَا أُوقِذُهَا إيقاذاً.
﴿والمتردية﴾ الَّتِي تَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَتَمُوتُ ﴿والنطيحة﴾ يَعْنِي: الْكَبْشَيْنِ [يَتَنَاطَحَانِ] فَيَمُوتُ أَحَدُهُمَا.
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذكيتم﴾ يَعْنِي: مَا أَدْرَكْتُمْ ذَكَاتَهُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَا خَلَا الْخِنْزِيرَ ﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ حِجَارَةٌ كَانَتْ [يَعْبُدُهَا] أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَذْبَحُونَ لَهَا ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْقِدَاحُ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُورِ، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَخَذَ قَدَحًا؛ فَقَالَ: هَذَا يَأْمُرُنِي بِالْخُرُوجِ، وَيَأْخُذُ قَدَحًا آخَرَ فَيَقُولُ: هَذَا يَأْمُرُنِي بِالْمُكُوثِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أُخِذَ الِاسْتِقْسَامُ مِنَ الْقَسَمِ، وَهُوَ النَّصِيبُ؛ فَكَأَنَّ الِاسْتِقْسَامَ طَلَبُ النَّصِيبِ.
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَئِسُوا [أَنْ] يَسْتَحِلُّوا فِيهِ مَا اسْتَحَلُّوا فِي دِينِهِمْ.
﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ قَالَ قَتَادَة: ذكر لنا أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ [نَهَى] اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَخْلَصَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَّهُمْ.
يحيى: عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الْيَوْمَ أكملت لكم دينكُمْ﴾ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ؛ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ ".
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: فِي مَجَاعَةٍ؛ رَجَعَ إِلَى الْكَلَامِ الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثم﴾ أَي: يتعمده.
المائدة 5:4
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أحل لكم الطَّيِّبَات﴾ يَعْنِي: الْحَلَالَ مِنَ الذَّبَائِحِ.
﴿وَمَا علمْتُم من الْجَوَارِح مكلبين﴾ أَيْ: مُضْرِينَ (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا علمكُم الله} قَالَ مُجَاهِدٌ: الْجَوَارِحُ هِيَ مِنَ الطَّيْرِ وَالْكِلَابِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ؛ يُقَالُ: رَجُلٌ مُكَلِّبٌ وَكَلَّابٌ؛ إِذَا كَانَ صَاحِبَ صَيْدٍ بِالْكِلَابِ؛ الْمَعْنَى: وَأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ؛ وَهَذَا مِنَ الِاخْتِصَارِ [إِذْ كَانَ فِي الْكَلَامِ مَا] يَدُلُّ عَلَيْهِ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن الله سريع الْحساب﴾ قَالَ السّديّ: (ل ٧٩) يَعْنِي: كَأَنَّهُ قَدْ جَاءَ الْحِسَابُ.
المائدة 5:5
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يَعْنِي: ذَبَائِحَهُمْ ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الْمُحْصنَات هَا هُنَا: الْحَرَائِرُ، وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ إِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَعْنِي: الصَّدَاقَ إِذَا [سُمِّيَ] لَهَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا إِيَّاهُ.
﴿مُحْصِنِينَ غير مسافحين﴾ يَعْنِي: نَاكِحِينَ غَيْرَ زَانِينَ ﴿وَلا متخذي أخدان﴾ يَعْنِي: الْخَلِيلَ وَالْخَلِيلَةَ فِي السِّرِّ.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عمله﴾ قَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا نَزَلَ تَحْلِيلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا قَالُوا: كَيْفَ نَتَزَوَّجُ نِسَاءً عَلَى غَيْرِ دِينِنَا؟ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان﴾ الْآيَة.
المائدة 5:6
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة﴾ الْآيَةَ.
يحيى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِوُضُوءٍ. قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ [فِيهِ مَاءٌ] قَدْرَ مُدٍّ وَثُلُثٍ (أَوْ مُدٍّ وَرُبُعٍ) فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ مضمض ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ، وَمَسَحَ أُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ [ثَلَاثًا] قَالَتْ: فَأَتَانِي غلامٌ مِنْ بَنِي عَبْدُ الْمُطَّلِبِ - يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ - فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: أَبَى النَّاسُ إِلَّا الْغَسْلَ، وَلَا أَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا الْمَسْحَ ".
﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾.
يَحْيَى: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ (عَنِ الْحَسَنِ)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ؛ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَ ".
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، وَامْرَأَةٌ جُنُبٌ، وَكَذَلِكَ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ؛ هَذَا أَفْصَحُ اللُّغَاتِ. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ قَدْ مَضَى تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم من حرج﴾ أَيْ: مِنْ ضِيقٍ.
﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ ليطهركم﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ لكَي تشكروا؛ فتدخلوا الْجنَّة.
المائدة 5:7
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي واثقكم بِهِ﴾ وَهُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخذ عَلَيْهِم فِي صلب آدم؛ وَتَفْسِيره فِي سُورَة الْأَعْرَاف.
المائدة 5:8
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ﴾ بِالْعَدْلِ؛ وَهُيَ الشَّهَادَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ أَي: فَإِنَّهُ من التَّقْوَى.
المائدة 5:9
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم مغْفرَة﴾ أَيْ: وَفِي الْوَعْدِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم. ﴿وَأجر عَظِيم﴾ الْجنَّة.
المائدة 5:11
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم فَكف أَيْدِيكُم عَنْكُم﴾ قَالَ الْحَسَنُ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَطْنِ نَخْلٍ مُحَاصِرًا غَطْفَانَ، وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ كَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ بَعَثَتْهُ لِيَفْتِكَ بِرَسُولِ اللَّهِ؛ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَرِنِي سَيْفَكَ هَذَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: هَاكَ.
فَأَخَذَهُ؛ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى السَّيْفِ مَرَّةً، وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ مَرَّةً؛ فَقَالَ: أَمَا تَخَافُنِي يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: لَا. فَغَمَدَ سَيْفَهُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابه الرحيل ".
قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَن آمنُوا بِي وبرسولي﴾ يَعْنِي: وحيه إِلَى عِيسَى يَأْمُرهُم أَن يتبعوه
المائدة 5:12
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَمَا ضَمِنُوا عَنْهُمْ مِنْ شَيْءٍ قَبِلُوهُ وَفَعَلُوهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: النَّقِيبُ فِي اللُّغَةِ هُوَ كَالْأَمِينِ وَكَالْكَفِيلِ؛ يُقَالُ: نَقَبَ الرَّجُلُ عَلَى الْقَوْمِ يَنْقُبُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَأَرْسَلَهُمْ مُوسَى إِلَى الْجَبَّارِينَ.
﴿وَقَالَ الله إِنِّي مَعكُمْ﴾ عَلَى الشَّرْطِ ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ: نَصَرْتُمُوهُمْ ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حسنا﴾ يَعْنِي: الصَّدَقَةَ وَالنَّفَقَةَ فِي الْحَقِّ ﴿لأكفرن عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾.
(ل ٨٠) قَالَ مُحَمَّدٌ: الْعَزَرُ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهُ: الرَّد فَتَأْوِيل: ﴿وعزرتموهم﴾: نَصَرْتُمُوهُمْ؛ بِأَنْ رَدَدْتُمْ عَنْهُمْ أَعْدَاءَهُمْ. وَتَقُولُ أَيْضًا: عَزَّرْتُ فُلَانًا؛ إِذَا أَدَّبْتَهُ، وَمَعْنَاهُ: فَعَلْتُ بِهِ مَا يَرْدَعُهُ عَنِ الْقَبِيحِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: فَلَمَّا أَرْسَلَ مُوسَى مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا إِلَى الْجَبَّارِينَ وَجَدُوهُمْ يَدْخُلُ فِي كُمِّ أَحِدِهِمُ اثْنَانِ مِنْهُمْ، ثُمَّ يُلْقِيهِمْ إِلْقَاءً، فَرَجَعَ النُّقَبَاءُ كُلُّهُمْ يَنْهَى سِبْطَهُ عَنْ قِتَالِهِمْ، إِلَّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وَكَالُوبَ؛ فَإِنَّهُمَا أَمَرَا الْأَسْبَاطَ بِقِتَالِ الْجَبَّارِينَ وَمُجَاهَدَتِهِمْ؛ فَعَصَوْهُمَا.
﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل﴾ يَعْنِي: قصد الطَّرِيق
المائدة 5:13
﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم﴾ (أَي: فبنقضهم ميثاقهم) ﴿لعناهم﴾ يَعْنِي بِاللَّعْنِ: الْمَسْخَ؛ فَجَعَلَ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ مُسِخُوا فِي زَمَانِ دَاوُدَ قِرَدَةً، وَفِي زَمَانِ عِيسَى خَنَازِيرَ ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وَهُوَ مَا حَرَّفُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: نَسُوا كِتَابَ اللَّهِ، وَضَيَّعُوا فَرَائِضَهُ، وَعَطَّلُوا حُدُودَهُ.
﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُم﴾ يَعْنِي: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْخَائِنَةُ وَالْخِيَانَةُ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْخَائِنَةُ صِفَةً لِلرَّجُلِ؛ كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ طَاغِيَةٌ، وَرَاوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ وَهَذَا مَنْسُوخ.
المائدة 5:14
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخذنَا ميثاقهم﴾ أَيْ: كَمَا أَخَذْنَا مِيثَاقَ الْيَهُودِ ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ هِيَ مِثْلُ الْأُولَى.
﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَة﴾ أَيْ: أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ ﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِهِ: عَامَّتَهُمْ.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿أغرينا﴾ حَقِيقَتُهُ فِي اللُّغَةِ: أَلْصَقْنَا، وَتَأْوِيلُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ؛ أَيْ: صَارُوا فِرَقًا؛ يكفر بَعضهم بَعْضًا.
المائدة 5:15
﴿يَا أهل الْكتاب قد جَاءَكُم رَسُولنَا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مُحَمَّدٌ.
﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ من الْكتاب﴾ يَعْنِي: مَا حَرَّفُوهُ مِنْهُ ﴿وَأَخْفَوُا الْحَقَّ فِيهِ﴾.
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِمَّا كَانَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ؛ أَيْ: يُحِلُّهُ لَهُمْ.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نور وَكتاب مُبين﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن
المائدة 5:16
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رضوانه سبل السَّلَام﴾ وَالسَّلَامُ هُوَ اللَّهُ؛ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبلنا﴾.
المائدة 5:18
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وأحباؤه﴾ قَالَتِ الْيَهُودُ لِأَنْفُسِهَا، وَقَالَتِ النَّصَارَى لِأَنْفُسِهَا.
قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُونَ: قُرْبُنَا مِنَ اللَّهِ وَحُبُّهُ إِيَّانَا كَقُرْبِ الْوَلَدِ مِنْ وَالِدِهِ، وَكَحُبِّ الْوَالِدِ وَلَدَهُ؛ لَيْسَ عَلَى حَدِّ مَا قَالَتِ النَّصَارَى لِعِيسَى قَالَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ فَجَعَلَ مِنْكُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، لَوْ كَانَ لَكُمْ هَذَا الْقُرْبُ، وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ مَا عَذَّبَكُمْ! ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاء﴾ للْمُؤْمِنين ﴿ويعذب من يَشَاء﴾ الْكَافرين.
المائدة 5:19
﴿يَا أهل الْكتاب قد جَاءَكُم رَسُولنَا﴾ وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا﴾ لِئَلَّا تَقُولُوا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فقد جَاءَكُم بشير﴾ ﴿يبشر﴾ بِالْجنَّةِ ﴿ونذير﴾ يُنْذِرُ مِنَ النَّارِ.
قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْفَتْرَةَ الَّتِي كَانَتْ مَا بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ سِتّمائَة سَنَةٍ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ من ذَلِك.
المائدة 5:20
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ ملوكا﴾ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: جَعَلَ لَكُمْ أَزْوَاجًا وَخَدَمًا [وَبُيُوتًا]. قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَكَانَ مِنْهُمْ فِي حَيَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ نَبِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا من الْعَالمين﴾ يَعْنِي: مَا ظَلَّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْغَمَامِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى (وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ) مِمَّا أُوتُوا.
المائدة 5:21
﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ يَعْنِي: الَّتِي بُورِكَ فِيهَا، وَهِيَ [الشَّام] ﴿الَّتِي كتب الله لكم﴾ أَنْ تَدْخُلُوهَا.
﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أدباركم فتنقلبوا﴾ (ل ٨١) إِلَى الْآخِرَةِ ﴿خَاسِرِينَ﴾
المائدة 5:22
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قوما جبارين﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا بِجِبَالِ أَرِيحَا مِنَ الْأُرْدُنِ فَجَبُنَ الْقَوْمُ أَنْ يَدْخُلُوهَا؛ فَأَرْسَلُوا جَوَاسِيسَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا؛ لِيَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَدَخَلَ الِاثْنَا عَشَرَ؛ فَمَكَثُوا بِهَا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ خَرَجُوا، فَصَدَقَ اثْنَانِ وَكَذَبَ عَشَرَةٌ، فَقَالَتِ الْعَشَرَةُ:
رَأَيْنَا أَرْضًا تَأْكُلُ أَهْلَهَا، وَرَأَيْنَا بِهَا حُصُونًا مَنِيعَةً، وَرَأَيْنَا رِجَالًا جَبَابِرَةً، يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ مِائَةٌ مِنَّا، فَجَبُنَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا؛ فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ.
المائدة 5:23
قَالَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا:
يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَالْآَخَرُ: كَالُوبُ؛ وَهُمَا اللَّذَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بِمَخَافَتِهِمَا اللَّهَ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْقَوْمِ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ مُلِئُوا مِنَّا رُعْبًا.
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنين﴾.
المائدة 5:24
﴿قَالُوا يَا مُوسَى﴾ أَيُكَذَّبُ مِنَّا عَشَرَةٌ وَيُصَدَّقُ اثْنَانِ؟! ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا داموا فِيهَا﴾ الْآيَةَ، وَكَانَ مُوسَى ﷺ (حديداً)
المائدة 5:25
فَقَالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفسِي وَأخي﴾ أَيْ: وَأَخِي لَا يَمْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقين﴾ يَعْنِي: قومه.
المائدة 5:26
قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى إِذْ سَمَّيْتَهُمْ فَاسِقِينَ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تأس﴾ فَلَا تَحْزَنْ ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ فَتَاهُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
لَمَّا قَالُوا: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا، قَالَ اللَّهُ: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ: فَلَمْ يَدْخُلْهَا أحدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَ مُوسَى، هَلَكُوا (أَجْمَعُونَ) فِي التِّيهِ إِلَّا رَجُلَيْنِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالُوبُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَثِيَابًا لَا تُخَرَّقُ وَلَا تُدَنَّسُ تَشِبُّ مَعَ الصَّغِيرِ، وَخِفَافًا لَا تُخَرَّقُ، فَكَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي تِيهِهِمْ؛ حَتَّى دَخَلُوا أَرِيحَا.
قَالَ يحيى: دَخَلَهَا أَبْنَاؤُهُمْ، وَيُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَكَالُوبُ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: وَمَعْنَى ﴿يتيهون فِي الأَرْض﴾ كَانُوا يُصْبِحُونَ حَيْثُ يُمْسُونَ، ويُمْسُونَ حَيْثُ يُصْبِحُونَ، وَفِي تِيهِهِمْ ذَلِكَ ضرب لَهُم مُوسَى الْحجر.
المائدة 5:27
﴿واتل عَلَيْهِم﴾ اقْرَأْ عَلَيْهِمْ ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ أَيْ: خَبَرَهُمَا: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ الْآيَةَ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ فِي [كُلِّ] بَطْنٍ اثْنَيْنِ: غُلَامًا وَجَارِيَةً؛ فَوَلَدَتْ فِي أَوَّلِ بَطْنٍ قَابِيلَ وَأُخْتَهُ، وَفِي الْبَطْنِ الثَّانِي هَابِيلَ وَأُخْتَهُ؛ فَلَمَّا أَدْرَكُوا، أُمِرَ آدَمُ أَنْ يَنْكِحَ قَابِيلُ أُخْتَ هَابِيلَ، وَهَابِيلُ أُخْتَ قَابِيلَ؛ فَقَالَ آدَمُ لِامْرَأَتِهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَذَكَرَتْهُ لِابْنَيْهَا فَرَضِيَ هَابِيلُ بِالَّذِي أُمِرَ بِهِ وَسَخِطَ قَابِيلُ لِأَنَّ أُخْتَهُ كَانَتْ أَحْسَنَهُمَا؛ فَقَالَ: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهَذَا قَطُّ، وَلَكِنَّ هَذَا عَنْ أَمْرِكَ يَا آدَمُ ﴿قَالَ آدَمُ: فَقَرِّبَا قُرْبَانَكُمَا؛ فَأَيُّكُمَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا، أَنْزَلَ اللَّهُ نَارًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتِ الْقُرْبَانَ. فَرَضِيَا بِذَلِكَ؛ فَعَمَدَ هَابِيلُ، وَكَانَ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ إِلَى خَيْرِ غِذَاءٍ غَنَمِهِ وَزُبْدٍ وَلَبَنٍ، وَكَانَ قَابِيلُ زَرَّاعًا فَأَخَذَ مِنَ ثَمَرِ زَرْعِهِ، ثُمَّ صَعِدَا الْجَبَلَ وَآدَمُ مَعَهُمَا، فَوَضَعَا الْقُرْبَانَ عَلَى الْجَبَلِ فَدَعَا آدَمُ رَبَّهُ، وَقَالَ قَابِيلُ فِي نَفْسِهِ: مَا أَدْرِي أَيُقْبَلُ مِنِّي أَمْ لَا؟ لَا يَنْكِحُ هَابِيلُ أُخْتِي أَبَدًا، فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَجَنَّبَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَاكِيَ الْقَلْبِ، فَنَزَلُوا مِنَ الْجَبَلِ [فَانْطَلَقَ قَابِيلُ إِلَى هَابِيلَ وَهُوَ فِي غَنَمِهِ فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ] قَالَ: لِمَ؟﴾ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنْكَ، وَرَدَّ عَلَيَّ قُرْبَانِي، [وَتَنْكِحُ أُخْتِيَ الْحُسْنَى، وَأَنْكِحُ أُخْتَكَ الْقَبِيحَةَ] وَيَتَحَدَّثُ النَّاسُ بَعْدَ الْيَوْمِ أَنَّكَ خَيْرٌ مني.
المائدة 5:28
فَقَالَ لَهُ هَابِيلُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بباسط يَدي إِلَيْك لأقتلك﴾ (ل ٨٢)
المائدة 5:29
﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء﴾ ترجع ﴿بإثمي وإثمك﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: بِإِثْمِي: قَتْلِي، وَإِثْمِكَ: الَّذِي مَضَى؛ يَعْنِي: مِنْ قبل قَتْلِي.
المائدة 5:30
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: فَشَجَّعَتْهُ نَفْسُهُ فَقتله ﴿فَأصْبح من الخاسرين﴾ الَّذِينَ خَسِرُوا الْجَنَّةَ.
يحيى: عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا؛ فَخُذُوا بِخَيْرِهِمَا، ودعوا شرهما ".
المائدة 5:31
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْض﴾ الْآيَةَ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
وَكَانَ قَتَلَهُ عَشِيَّةً، وَغَدَا إِلَيْهِ غَدْوَةً لِيَنْظُرَ مَا فَعَلَ؛ فَإِذَا هُوَ بِغُرَابٍ حَيٍّ يَحْثِي التُّرَابَ عَلَى غُرَابٍ مَيْتٍ، فَقَالَ: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فأواري سوءة أخي﴾ كَمَا يُوَارِي هَذَا الْغُرَابُ سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴿﴾ فَدَعَا بِالْوَيْلِ، وَأَصْبَحَ مِنَ النادمين.
المائدة 5:32
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: مَا تَسْتَوْجِبُ بِهِ الْقَتْلَ ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: مِنْ إِحْيَائِهَا أَنْ يُنَجِّيَهَا مِنَ الْقَوَدِ، فَيَعْفُوَ عَنْهَا، أَوْ يُفَادِيَهَا مِنَ الْعُدْوَانِ، وَيُنَجِّيَهَا مِنَ الْغَرَقِ، وَمِنَ الْحَرْقِ، وَمِنَ السَّبُعِ، وَأَفْضَلُ إِحْيَائِهَا أَنْ يُنَجِّيَهَا مِنْ كُفْرِهَا وَضَلَالَتِهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا﴾ أَيْ: يُعَذَّبُ كَمَا يُعَذَّبُ قَاتِلُ النَّاسِ جَمِيعًا. وَمَنْ أَحْيَاهَا أُجِرَ فِي إِحْيَائِهَا؛ كَمَا يُؤْجَرُ مَنْ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.
يحيى: عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ قَابُوسِ بْنِ الْمُخَارِقِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَرَأَيْتَ إِنْ عَرَضَ لِي رَجُلٌ يُرِيدُ نَفْسِي وَمَالِي، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ. قَالَ: نَشَدْتُهُ بِاللَّه فل يَنْتَهِ. قَالَ: اسْتَعْدِ عَلَيْهِ السُّلْطَانَ. قَالَ: لَيْسَ بِحَضْرَتِنَا سُلْطَانٌ.
قَالَ: اسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِالْمُسْلِمِينَ. قَالَ: نَحْنُ بفلاةٍ مِنَ الْأَرْضِ لَيْسَ قُرْبَنَا أحدٌ.
قَالَ: فَجَاهِدْهُ دُونَ مَالِكَ حَتَّى تَمْنَعَهُ، أَوْ تُكْتَبَ فِي شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ ".
﴿وَلَقَد جَاءَتْهُم رسلنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْض لمسرفون﴾ لَمُشْرِكُونَ؛ يَعْنِي: مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْهُم.
المائدة 5:33
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُوله﴾ الْآيَةَ.
يحيى: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
أَنَّ نَاسًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ الْمَدِينَةَ وَأَسْلَمُوا، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَخْرُجُوا فِي إِبِلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ؛ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَفَعَلُوا حَتَّى صَحُّوا؛ فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ فِي طَلَبِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا ".
قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ هَذَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ الْحُدُودُ.
يحيى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛
أَنَّهُ لَمَّا جِيءَ بِهِمْ؛ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ الْآيَةَ ".
قَالَ يحيى: سَأَلْتُ الْجَهْمَ بْنَ وَرَّادٍ الْكُوفِيَّ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿من خلاف﴾ فَقَالَ: يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَعْنَى ﴿أَوْ ينفوا من الأَرْض﴾ (أَنْ يُعْجِزُوا فَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ).
المائدة 5:34
﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَن تقدروا عَلَيْهِم﴾ الْآيَةَ.
قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلْتُ فِي أهل الشّرك خَاصَّة.
المائدة 5:35
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَل بِمَا يرضيه.
المائدة 5:36
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: كُلَّمَا رَفَعَتْهُمْ بِمَسَّهَا حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى أَعْلَاهَا أُعِيدُوا فِيهَا.
المائدة 5:38
﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ هِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا " ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ (ل ٨٣) بِمَا عَمِلَا ﴿نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: عُقُوبَةً.
يحيى: عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: " قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَ سَارِقٍ مِنَ الْكُوعِ وَحَسَمَهَا ".
يحيى: عَنِ النَّضْرِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ:
مُرَّ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ بِرَجُلٍ قَدْ أُخِذَ فِي حدٍّ فَسَبُّوهُ، فَقَالَ: لَا تَسُّبُوهُ! وَلَكِنِ احْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي نَجَّاكُمْ ".
المائدة 5:41
﴿يَا أَيهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُ: لَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُّرُكَ، إِنَّمَا ضُرُّهُ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ﴾ أَيْ: يَقُولُ الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ الله فتنته﴾ يَعْنِي: ضَلَالَتَهُ. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خزي﴾ يَعْنِي: الْجِزْيَةَ.
قَالَ قَتَادَةُ:
وَكَانَ هَذَا فِي قَتِيلٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَتَلَتْهُ النَّضِيرُ، وَكَانَ قَتِيلَ عَمْدٍ، وَكَانَ النَّضِيرُ إِذَا قَتَلَتْ مِنْ قُرَيْظَةَ قَتِيلًا لَمْ يُعْطُوهُمُ الْقَوَدَ وَيُعْطُوهُمُ الدِّيَةَ، وَإِذَا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنَ النَّضِيرِ قَتِيلًا لَمْ يَرْضَوْا دُونَ الْقَوَدِ؛ فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ الْمَدِينَةَ بِأَثَرِ قَتِيلِهِمْ؛ فَأَرَادُوا أَنْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ إِلَيْهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: إِنَّ قَتِيلَكُمْ قَتِيلُ عَمْدٍ، وَإِنَّكُمْ مَتَى تَرْفَعُوهُ إِلَى محمدٍ أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْقَوَدَ؛ فَإِنْ قَبِلَ مِنْكُمُ الدِّيَةَ وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
المائدة 5:42
ثُمَّ قَالَ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ للسحت﴾ يَعْنِي: [الْيَهُودَ] وَالسُّحْتُ الرُّشَا.
﴿فَإِنْ جاءوك فاحكم بَينهم﴾ الْآيَةَ. قَالَ قَتَادَةُ: رُخِّصَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، أَوْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ؛ فَقَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك الْكتب بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ من الْكتب وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْآيَةَ الْأُولَى.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿سَمَّاعُونَ للكذب﴾ أَيْ: قَائِلُونَ لَهُ، وَمَعْنَى ﴿مِنْ بعد موَاضعه﴾ مِنْ بَعْدِ أَنْ وَضَعَهُ اللَّهُ مَوْضِعَهُ؛ فَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ.
المائدة 5:43
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حكم الله﴾ الْآيَةَ. قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: عِنْدَهُمْ بَيَانُ مَا تَشَاجَرُوا فِيهِ مِنْ شَأْنِ قَتِيلِهِمْ؛ أَيْ: إِنَّ فِي التَّوْرَاة أَن النَّفس بِالنَّفسِ.
المائدة 5:44
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلمُوا﴾ أَيْ: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الْمُسْلِمُونَ ﴿للَّذين هادوا والربانيون والأحبار﴾ قَالَ قَتَادَةُ: الرَّبَّانِيُّونَ: فُقَهَاءُ الْيَهُودِ، وَالْأَحْبَارُ: عُلَمَاؤُهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ: الْعُبَّادُ.
﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى أَهْلِهَا من كَانُوا ﴿واخشون﴾ فِي تَرْكِ إِقَامَتِهَا.
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يحكم بِمَا أنزل الله﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَتَّخِذْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دِينًا وَيُقِرَّ بِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
المائدة 5:45
﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا﴾ يُرِيدُ: التَّوْرَاةَ ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿والجروح قصاص﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ مَفْرُوضَةٌ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَكُلُّ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ؛ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَخْهُ بِالْقُرْآنِ فَهُوَ ثَابِتٌ يُعْمَلُ بِهِ.
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ.
يحيى: عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ أَبَانٍ، عَنِ الشِّعْبِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ:
سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ﴾ قَالَ:
هُوَ الرَّجُلُ تُكْسَرُ سِنُّهُ، أَوْ يُجْرَحُ فِي جَسَدِهِ؛ فَيَعْفُو فَيُحَطُّ عَنْهُ مِنْ خَطَايَاهُ بِقَدْرِ مَا عَفَا عَنْهُ؛ إِنْ كَانَ نِصْفَ الدِّيَةِ فَنِصْفُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَ رُبُعَ الدِّيَةِ فَرُبُعُ خَطَايَاهُ، وَإِن كَانَ ثلث (ل ٨٤) الدِّيَة فثلث خطاياه، وَإِن كَانَت الدِّيَة كلهَا فخطاياه كلهَا ".
المائدة 5:46
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الْفسق هَا هُنَا: الشِّرْكُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَعْنَى ﴿قَفَّيْنَا﴾: أتبعنا، والمصدر مِنْهُ: تقفية.
المائدة 5:48
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: الْمُهَيْمِنُ: الْقَاضِي عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شرعة ومنهاجا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: لِلتَّوْرَاةِ شَرِيعَةٌ، وَلِلْإِنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، وَلِلْقُرْآنِ شَرِيعَةٌ؛ أَحَلَّ اللَّهُ فِيهَا مَا شَاءَ، وَحَرَّمَ مَا شَاءَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أمة وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: مِلَّةً وَاحِدَةً ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبركم ﴿فِيمَا آتَاكُم﴾ فِيمَا أَعْطَاكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
المائدة 5:49
﴿واحذرهم أَن يفتنوك﴾ أَيْ: يَصُدُّوكَ ﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ، عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذنوبهم﴾ فَيَقْتُلُوهُمْ وَيُجْلِيهِمْ وَتُؤْخَذُ مِنْهَمُ الْجِزْيَةُ بِالصَّغَارِ وَالذُّلِّ.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاس لفاسقون﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ.
المائدة 5:50
ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ﴾ وَهُوَ مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَحكمه.
المائدة 5:51
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء﴾ أَيْ: فِي الدِّينِ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم﴾ فِي الدِّينِ ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.
المائدة 5:52
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين ﴿يُسَارِعُونَ فيهم﴾ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ؛ أَيْ: يُوَافِقُونَهُمْ فِي السِّرِّ ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تصيبنا دَائِرَة﴾ فَيُنْصَرُوا عَلَيْنَا؛ فَنَكُونَ قَدْ (أَخَذْنَا) بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مَوَدَّةً. قَالَ اللَّهُ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَو أَمر من عِنْده﴾ الْآيَةَ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
فَجَاءَ اللَّهُ بِالْفَتْحِ؛ فَنَصَرَ نَبِيَّهُ، وَجَاءَ أَمْرُ اللَّهِ مِنْ عِنْدِهِ بِإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ؛ فَنَدِمَ الْمُنَافِقُونَ حَتَّى ظَهَرَ نِفَاقُهُمْ، وَأُجْلِيَ أَهْلُ وُدِّهِمْ عَنْ أَرْضِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لمعكم﴾ الْآيَة.
المائدة 5:54
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافرين﴾ هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رحماء بَينهم﴾.
المائدة 5:55
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمنُوا﴾ الْآيَةَ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: بَلَغَنَا:
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَّامٍ وَرَهْطًا مِنْ مُسْلِمِي أَهْلِ الْكِتَابِ أَتَوُا النَّبِيَّ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بُيُوتُنَا قَاصِيَةٌ، وَلَا نَجِدُ مُتَحَدَّثًا دُونَ الْمَسْجِدِ، وَإِنَّ قَوْمَنَا لَمَّا رَأَوْنَا أَنَّنَا قَدْ صَدَقْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَتَرَكْنَاهُمْ وَدِينَهُمْ أَظْهَرُوا لَنَا الْعَدَاوَةَ، وَأَقْسَمُوا أَلَّا يُخَالِطُونَا وَلَا يُجَالِسُونَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا.
فَبَيْنَمَا هُمْ [كَذَلِكَ] يَشْكُونَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ؛ إِذْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا اقْتَرْأَهَا رَسُولُ اللَّهِ، قَالُوا:
رَضِينَا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ أَوْلِيَاءَ، وَأَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بَيْنَ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَسَاجِدٍ، وَإِذَا هُوَ بِمِسْكِينٍ يَسْأَلُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَقَالَ لَهُ: هَلْ أَعْطَاكَ أحدٌ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَاذَا؟ قَالَ: خاتمٌ مِنْ فِضَّةٍ. قَالَ: مَنْ أَعْطَاكَهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ الرَّجُلُ الْقَائِمُ، فَإِذَا هُوَ عليٌّ. قَالَ: عَلَى أَيِّ حَالٍ أَعْطَاكَهُ؟ قَالَ: أَعْطَانِيهِ وَهُوَ رَاكِعٌ [فَزَعَمُوا أَنَّ] رَسُولَ اللَّهِ كبر عِنْد ذَلِك ".
المائدة 5:58
﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هزوا وَلَعِبًا﴾ قَالَ [الْكَلْبِيُّ]:
كَانَ إِذَا نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ لِلصَّلَاةِ، قَالَتِ الْيَهُودُ وَالْمُشْرِكُونَ: قَدْ قَامُوا لَا قَامُوا.
وَإِذَا رَكَعُوا وَسَجَدُوا (استهزءوا) بهم وَضَحِكُوا؛
المائدة 5:59
فَقَالَ الله لنَبيه: ﴿قل يَا أهل الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَن أَكْثَرَكُم فَاسِقُونَ﴾، أَيْ: بِفِسْقِكُمْ نَقَمْتُمْ ذَلِكَ عَلَيْنَا،
المائدة 5:60
ثُمَّ قَالَ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ من ذَلِك مثوبة﴾ [يَعْنِي: ثَوَابًا] ﴿عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِك مِنْهُم (ل ٨٥) بِمَا عَبَدُوا الطَّاغُوتَ؛ يَعْنِي: الشَّيْطَانَ.
﴿أُولَئِكَ شَرّ مَكَانا﴾ فِي الْآخِرَةِ ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل﴾ يَعْنِي: عَنْ قَصْدِ طَرِيقِ الْهُدَى.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: إِن ﴿عبد الطاغوت﴾ نسقٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضب عَلَيْهِ﴾.
المائدة 5:61
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ:
هَؤُلَاءِ مُنَافِقُو أَهْلِ الْكِتَابِ، كَانُوا إِذَا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، قَالُوا: آمَنَّا، وَقَدْ دَخَلُوا حِينَ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ كُفَّارًا، وَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ وَهُمْ كُفَّارٌ وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا سَمِعُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ؛ وَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ.
قَالَ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يكتمون﴾ كَانُوا يكتمون دين الْيَهُودِيَّة
المائدة 5:62
﴿وَترى كثيرا مِنْهُم﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ ﴿يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ والعدوان﴾ يَعْنِي: الْمَعْصِيَةَ وَالظُّلْمَ ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: [هُوَ] أَخْذُ الرِّشْوَةِ عَلَى الْحُكْمِ ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ يَعْنِي: حكامهم
المائدة 5:63
﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أَيْ: حِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ، وَبِئْسَ مَا صَنَعَ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ حِينَ لَمْ ينهوهم عَن ذَلِك.
المائدة 5:64
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ:
كَانُوا مِنْ أَخْصَبِ النَّاسِ وَأَكْثَرِهِمْ خَيْرًا، فَلَمَّا عَصَوُا اللَّهَ، وَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا - كَفَّ اللَّهُ عَنْهُمْ بَعْضَ الَّذِي كَانَ بَسَطَ لَهُمْ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَتِ الْيَهُودُ: كَفَّ اللَّهُ يَدَهُ عَنَّا، فَهِيَ مَغْلُولَةٌ؛ أَيْ: لَا يَبْسُطُهَا عَلَيْنَا.
قَالَ اللَّهُ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ وَهُمُ الْيَهُودُ.
قَالَ قَتَادَةُ:
حَمَلَهُمْ حَسَدُ محمدٍ وَالْعَرَبِ عَلَى أَنْ كَفَرُوا بِهِ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ.
﴿كُلَّمَا أوقدوا نَارا للحرب﴾ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ يَعْنِي: أَذَلَّهُمُ اللَّهُ، وَنَصَرَهُ عَلَيْهِمْ.
﴿ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا﴾ أَي: يدعونَ فِيهَا إِلَّا خِلَافِ دِينِ اللَّهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِك.
المائدة 5:65
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ:
لَوْ آمَنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَاتَّقَوْا مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الْآيَة.
المائدة 5:66
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرجُلهم﴾.
قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: لَأَعْطَتْهُمُ السَّمَاءُ مَطَرَهَا، وَالْأَرْضُ نَبَاتَهَا. وَإِقَامَتُهُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ: أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أُمِرُوا بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿مِنْهُمْ أمة مقتصدة﴾ أَيْ: مُتَّبِعَةٌ؛ يَعْنِي: مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا﴾ بئس مَا ﴿يعْملُونَ﴾ يَعْنِي: مَنْ ثَبَتَ مِنْهُمْ عَلَى الْيَهُودِيَّة والنصرانية.
المائدة 5:67
﴿يَا أَيهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ من رَبك﴾ الْآيَةَ.
يحيى: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَكَا إِلَى رَبِّهِ مِنْ قَوْمِهِ؛ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنَّ قَوْمِي قَدْ خَوَّفُونِي، فَأَعْطِنِي مِنْ قِبَلِكَ آيَةً أَعْلَمُ أَنْ لَا مَخَافَةَ عَلَيَّ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ وَادِيَ كَذَا فِيهِ شَجَرَةُ كَذَا، [فَلْيَدْعُ] غُصْنًا مِنْهَا يَأْتِهِ، فَانْطَلَقَ إِلَى الْوَادِي، فَدَعَا غُصْنًا مِنْهَا فَجَاءَ يَخُطُّ فِي الْأَرْضِ خَطًّا حَتَّى انْتَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَبَسَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَحْبِسَهُ، ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ كَمَا جِئْتَ. فَرَجَعَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: عَلِمْتُ يَا رَبِّ أَنْ لَا مَخَافَة عَليّ ".
المائدة 5:69
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا والصابئون وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر﴾ يَعْنِي: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بمحمدٍ، وَدَخَلَ فِي دِينِهِ وَشَرِيعَتِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي رَفْعِ ﴿الصابئون﴾ وَالْأَجْوَدُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْخِيرِ، وَمَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، الْمَعْنَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا - فَلَا خوف عَلَيْهِم، (ل ٨٦) والصابئون وَالنَّصَارَى كَذَلِك أَيْضا.
المائدة 5:70
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قَدْ مَضَى تَفْسِيرُ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فريقا كذبُوا وفريقا يقتلُون﴾ يَعْنِي بِهِ: أوائلهم.
المائدة 5:71
﴿وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: وَحَسِبُوا أَلَّا يُبْتَلُوا فِي الدِّينِ يُجَاهِدُونَ فِيهِ، وَتُفْرَضُ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةُ بِمُحَمَّدٍ.
﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ يَعْنِي: عَنِ الْهُدَى ﴿ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِم﴾ أَيْ: جَعَلَ لَهُمْ مَتَابًا، فَاسْتَنْقَذَهُمْ بِمُحَمَّدٍ ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُم﴾ يَعْنِي: من كفر مِنْهُم.
المائدة 5:73
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ قَالَ قَتَادَةُ: قَالُوا:
عِيسَى إِلَهٌ، وَأُمُّهُ إِلَهٌ، وَاللَّهُ إِلَهٌ. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَه وَاحِد﴾.
المائدة 5:74
قَوْله:
﴿مَا الْمَسِيح ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صديقَة، كَانَا يأكلان الطَّعَام﴾ أَيْ: فَكَيْفَ يَكُونَانِ إِلَهَيْنِ، وَهُمَا مَخْلُوقَانِ يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنى يؤفكون﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْهَا؟ يَعْنِي: عَنِ الْآيَاتِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: فِعِّيلٌ مِنْ أبنية الْمُبَالغَة، وَقَوله: ﴿صديقَة﴾ أَيْ: مُبَالِغَةٌ فِي الصِّدْقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَا يأكلان الطَّعَام﴾ قِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الِاخْتِصَارِ وَالْكِنَايَةِ، وَنَبَّهَ بِأَكْلِ الطَّعَامِ عَلَى عَاقِبَتِهِ؛ وَهُوَ الْحَدث، وَالله أعلم.
المائدة 5:77
﴿يَا أهل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ وَالْغُلُوُّ: مُجَاوَزَةُ الْحَقِّ.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قبل﴾ يَعْنِي: الْيَهُود.
﴿وأضلوا كثيرا﴾ يَعْنِي: مَنِ اتَّبَعَهُمْ ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاء السَّبِيل﴾ يَعْنِي: عَنْ قَصْدِ طَرِيقِ الْهُدَى.
المائدة 5:78
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْن مَرْيَم﴾
قَالَ قَتَادَةُ:
يَعْنِي: فِي زمَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَمَ؛ مُسِخُوا فِي زَمَانِ دَاوُدَ قِرَدَةً حِينَ أَكَلُوا الْحِيتَانَ، وَمُسِخُوا فِي زمَان عِيسَى خنازير
المائدة 5:80
﴿ترى كثيرا مِنْهُم﴾ يَعْنِي: مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذين كفرُوا﴾ يَتَوَلَّوْنَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، [وَهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا] ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ لِأَن سخط الله عَلَيْهِم.
المائدة 5:82
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي الْعَرَبِ؛ وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يومئذٍ ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ يَعْنِي: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ.
﴿ذَلِكَ بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ.
المائدة 5:83
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول﴾ مُحَمَّدٍ ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مَعَ الشَّاهِدين﴾ أَيْ: مَعَ مَنْ شَهِدَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ حَقٌّ.
المائدة 5:87
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أحل الله لكم﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَنْتُم بِهِ مُؤمنُونَ﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ:
أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ جَعَلَ أَحَدُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يَغْشَى النِّسَاءَ أَبَدًا، وَجَعَلَ أَحَدُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لَا يفْطر نَهَار أَبَدًا، وَجَعَلَ أَحَدُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَنَامُ لَيْلًا أَبَدًا ﴿فَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مِمَّنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يَغْشَى النِّسَاءَ؛ وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ تَأْتِي أَزْوَاجَ النَّبِيِّ فِي شَارَةٍ حَسَنَةٍ وَرِيحٍ طَيِّبَةٍ؛ فَلَمَّا جَعَلَ عُثْمَانُ عَلَى نْفَسِهِ مَا جَعَلَ، أَتَتْهُنَّ فِي غَيْرِ تِلْكَ الشَّارَةِ؛ فَأَنْكَرْنَ عَلَيْهَا؛ فَقَالَتْ: إِنَّمَا تَصْنَعُ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا؛ وَإِنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا جَعَلُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَذَا وَكَذَا﴾ فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ذَكَرْنَ ذَلِكَ لَهُ، فَغَضِبَ وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَلَمْ أُحَدَّثْ عَنْكُمْ بِكَذَا وَكَذَا؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: لَكِنِّي أَنَا أَصُومُ وَأفْطر، وأقوم وأنام، وأغشى النِّسَاء وَأَدَعُ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مني (ل ٨٧) فَاسْتَغْفَرَ الْقَوْمُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَاجَعُوا أَمرهم الأول ".
المائدة 5:89
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: قَالَا:
هُوَ الْخَطَأ غير الْعمد؛ وَذَلِكَ أَن تحلف عَلَى الشَّيْء وَأَنت ترى أَنه كَذَلِك، فَلَا يكون كَمَا حَلَفت عَلَيْهِ ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾ أَيْ: مَا حَلَفْتُمْ فِيهِ مُتَعَمِّدِينَ.
﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ:
أَوْسَطُ مَا تُطْعِمُ أَهْلَكَ: أَشْبَعُهُ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِير رَقَبَة﴾ فَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً كَبِيرَةً، وَإِنْ شَاءَ صَغِيرَةً. وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ (أَوْ) فَهُوَ فِيهِ مُخَيَّرٌ؛ يَفْعَلُ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ ﴿فَمن لم يجد﴾ أَيْ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَشْيَاءِ مِنَ: الطَّعَامِ، أَوِ الْكِسْوَةِ، أَوِ الْعِتْقِ ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَة أَيَّام﴾ قَالَ قَتَادَةُ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَات﴾.
المائدة 5:90
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ يَعْنِي: الْقمَار كُله ﴿والأنصاب﴾ وَهِيَ أَصْنَامُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ من دون الله ﴿والأزلام﴾ الْقِدَاحُ وَهِيَ السِّهَامُ. قَالَ قَتَادَةُ:
كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَخَذَ قَدَحَيْنِ؛ فَقَالَ: هَذَا يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ وَهُوَ مصيبٌ فِي سَفَرِهِ خَيْرًا، وَيَأْخُذُ قَدَحًا آخَرَ، فَيَقُولُ: هَذَا يَأْمُرُهُ بِالْمُكُوثِ، وَلَيْسَ بِمُصِيبٍ فِي سَفَرِهِ خَيْرًا، مكتوبٌ عَلَيْهِمَا هَذَا، وَالْمَنِيحُ بَيْنَهُمَا، فَأَيُّهُمَا خَرَجَ عَمِلَ بِهِ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَنِيحُ: سَهْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ كِتَابٌ؛ فَإِذَا خَرَجَ أَعَادَ الضَّرْبَ.
يُقَالُ: يَسَّرْتَ، إِذَا ضَرَبْتَ بِالْقِدَاحِ، وَالضَّارِبُ بِهَا: يَاسِرٌ [وَالْجَمِيعُ: يُسُرٌ وَأَيْسَارٌ].
قَوْلُهُ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عمل الشَّيْطَان﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَجَاءَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، مَا أَسْكَرَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يُسْكِرْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الرِّجْسُ فِي اللُّغَةِ: اسمٌ لِكُلِّ مَا اسْتُقْذِرَ، وَيُقَالُ:
رَجُسَ الرَّجُلُ يَرْجُسُ؛ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا قَبِيحًا.
يحيى: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " من شَرِبَ الْخَمْرَ، ثُمَّ لَمْ يَسْكَرْ أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ثُمَّ سَكِرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً؛ فَإِنْ مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَعَابِدِ الْأَوْثَانِ، وَكَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ: الْقَيْحُ وَالدَّم ".
المائدة 5:92
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقوا﴾ يَعْنِي: شَرِبُوا: مِنَ الْخَمْرِ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ.
قَالَ الْحَسَنُ:
لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، قَالُوا: كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهَا رجسٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ [إِثْم]
المائدة 5:93
﴿فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ شربهَا ﴿وآمنوا﴾ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمُوا} بِتَحْرِيمِهَا ﴿وَعمِلُوا الصَّالِحَات ثمَّ اتَّقوا﴾ شربهَا ﴿وأحسنوا﴾ الْعَمَلَ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا فَلَمْ يَشْرَبُوهَا؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ محسنٌ ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ الَّذين يَأْخُذُونَ بِالسنةِ.
المائدة 5:94
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ليبلونكم الله﴾ ليختبركم اللَّهُ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُم ورماحكم﴾ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ قَالَ:
رِمَاحُكُمْ أَوْ نِبَالُكُمْ؛ تَنَالُ كَبِيرَ الصَّيْدِ وَصَغِيرَهُ، تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ أَخْذًا ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
﴿فَمَنِ اعْتدى بعد ذَلِك﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ:
فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ التَّحْرِيمِ وَصَادَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَهُ عذابٌ أَلِيمٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ قَتَلَهُ نَاسِيًا لِإْحِرَامِهِ غَيْرَ متعمدٌ لِقَتْلِهِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِإِحْرَامِهِ فَلَهُ عذابٌ أَلِيمٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاء.
المائدة 5:95
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عدل مِنْكُم﴾ الْآيَةَ، كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: حُكْمُ (ل ٨٨) الْحَكَمَيْنِ ماضٍ أَبَدًا، وَقَدْ يَحْكُمُ الحكمان بِمَا حكم بِهِ رَسُول الله، وَلَكِن لابد مِنْ أَنْ يَحْكُمَا. قَالَ قَتَادَةُ:
وَإِذَا كَانَ صَيْدًا لَا يَبْلُغُ النَّعَمَ، حَكَمًا طَعَامًا أَوْ صَوْمًا، وَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ.
﴿ليذوق وبال أمره﴾ أَيْ: عُقُوبَةَ فِعْلِهِ ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سلف﴾ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ عَادَ لَمْ يحكم عَلَيْهِ، الله يَنْتَقِمُ مِنْهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ أَبَدًا.
المائدة 5:96
قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ:
لَا بَأْسَ أَنْ يصيد الْمحرم الْحيتَان ﴿وَطَعَامه﴾ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا أَلْقَى الْبَحْرُ مِنْ حُوتٍ مَيْتٍ فَهُوَ طَعَامُهُ ﴿مَتَاعًا لكم﴾ بلاغاً لكم ﴿وللسيارة﴾ يَعْنِي: الْمُسَافِرِينَ، وَهُوَ مَا يَتَزَوَّدُهُ النَّاسُ مِنْ صَالِحِ السَّمَكِ فِي أَسْفَارِهِمْ.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿مَتَاعا لكم﴾ مَصْدَرٌ؛ أَيْ: مَتَّعْتُكُمْ بِهِ مَتَاعًا.
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
المائدة 5:97
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ والقلائد﴾ قَالَ قَتَادَةُ:
كَانَتْ هَذِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَوَاجِزَ، كَانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ لَمْ يُتَنَاوَلْ، وَكَانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قَاتِلَ أَبِيهِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ لَمْ يَمَسَّهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الْهَدْيَ مُقَلَّدًا وَهُوَ يَأْكُلُ [الْقَضْبَ] مِنَ الْجُوعِ لَمْ يَمَسَّهُ، وَكَانَ الرَّجَلُ إِذَا أَرَادَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ تَقَلَّدَ قِلَادَةً مِنْ شَعَرٍ، حَتَّى يَبْلُغَ مَكَّةَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصْدِرَ مِنْ مَكَّةَ تَقَلَّدَ قِلَادَةً مِنْ لِحَاءِ السَّمُرِ أَوْ مِنَ الْإِذْخَرِ، فمنعته حَتَّى يَأْتِي أَهله.
المائدة 5:98
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
المائدة 5:100
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ يَعْنِي: الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَة الْخَبيث﴾ كَثْرَة الْحَرَام.
المائدة 5:101
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ:
سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي قَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا فَأَكْثَرُوا؛ حَتَّى غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ غَضَبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: سَلُونِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شيءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".
المائدة 5:102
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَبُيِّنَتْ لَهُمْ ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرين﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ: [حَدَّثَنَا يحيى]، وَبَلَغَنِي أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ [فَبَيَّنْتُهُ لَهُمْ] فَأَصْبَحُوا بهَا [كَافِرين].
المائدة 5:103
قَوْلُهُ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلَا حام﴾ إِلَى قَوْله: ﴿لَا يعْقلُونَ﴾ يَعْنِي: لَا يَعْقِلُونَ تَحْرِيمَ الشَّيْطَانِ الَّذِي يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ قَتَادَةُ:
كَانَتِ الْبَحِيرَةُ مِنَ الْإِبِلِ؛ كَانَتِ النَّاقَةُ إِذَا نَتَجَتَ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ، نَظَرَ إِلَى الْبَطْنِ الْخَامِسِ؛ فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا أَكَلَهُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً اشْتَرَكَ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى نَحَرُوا أُذُنَهَا؛ أَيْ: شَقُّوهَا، وَتُرِكَتْ فَلَا يُشْرَبُ لَهَا لَبَنٌ، وَلَا يُجَزُّ لَهَا وبرٌ، وَلَا يُرْكَبُ لَهَا ظَهْرٌ.
وَالسَّائِبَةُ: كَانُوا يَسِيبُونَ مَا بَدَا لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ مَاءٍ وَلَا مَرْعًى.
وَالْوَصِيلَةُ مِنَ الْغَنَمِ:
كَانُوا إِذَا نَتَجَتِ الشَّاةُ سَبْعَةَ أَبْطُنٍ، نَظَرُوا إِلَى الْبَطْنِ السَّابِعِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا ذُبِحَ، فَكَانَ لِلرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً اشْتَرَكَ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى تُرِكَتْ، وَإِنْ جَاءَتْ بِذَكَرٍ وَأُنْثَى قِيلَ: وَصَلَتْ أَخَاهَا فَمَنَعَتْهُ الذَّبْحَ.
وَكَانَ الْحَامُ إِذَا رُكِبَ [مِنْ وَلَدِهِ عَشَرَةً قِيلَ] حَمَى ظَهْرَهُ فَلَا (يُزَمُّ) وَلَا يخطم وَلَا يركب.
المائدة 5:105
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾ يَعْنِي: إِذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْكُمْ.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ لَيْسَ هَذَا فِي ضَلَالِ الْكُفْرِ (ل ٨٩) وَلَكِنْ فِي الضَّلَالِ عَنِ الْحَقِّ فِي الْإِسْلَامِ.
يحيى: عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ:
أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قُرِئَتْ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ابْن مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِزَمَانِهَا، قُولُوهَا مَا قُبِلَتْ مِنْكُمْ فَإِذَا رُدَّتْ عَلَيْكُمْ فَعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ".
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: إِنَّمَا أَلْزَمَكُمُ اللَّهُ أَمْرَ أَنْفُسِكُمْ، وَإِذَا قُلْتُ: عَلَيْكَ فلَانا، فَالْمَعْنى: الزم فلَانا.
المائدة 5:106
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وآخران من غَيْركُمْ﴾.
قَالَ يحيى: فِيهَا تَقْدِيمٌ؛ يَقُولُ:
يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا حَضَرَ أَحُدَكُمُ الْمَوْتُ فَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عدلٍ مِنْكُمْ.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿شَهَادَة بَيْنكُم﴾ رفع بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر ﴿اثْنَان﴾ الْمَعْنَى: شَهَادَةُ هَذِهِ الْحَالِ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ.
قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي:
مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَشِيرَةِ، لِأَنَّ الْعَشِيرَةَ أَعْلَمُ بِالرَّجُلِ وَبِوَلَدِهِ وَمَالِهِ، وَأَجْدَرُ أَلَّا يَنْسَوْا مَا يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَشِيرَةِ أحدٌ فَآخَرَانِ مِنْ غَيْرِ الْعَشِيرَةِ ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فأصابتكم مُصِيبَة الْمَوْت﴾ فَإِنْ شَهِدَا وَهُمَا عَدْلَانِ مَضَتْ شَهَادَتُهُمَا وَإِنِ ارْتِيبَ فِي شَهَادَتِهِمَا حُبِسَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَفِيهَا تَقْدِيم ﴿تحبونهما من بعد الصَّلَاة﴾ [صَلَاةِ الْعَصْرِ] إِنِ ارْتَبْتُمْ. قَالَ الْحَسَنُ: وَلَوْ كَانَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ [الصَّلَاةِ] مَا حَلَفَا دُبُرَ الصَّلاةِ ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثمين﴾.
فتمضي شَهَادَتهمَا
المائدة 5:107
﴿فَإِن عثر﴾ يَعْنِي: اطُّلِعَ ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أَيْ: شَهِدَا بِزُورٍ ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ يَعْنِي: الْوَرَثَةَ ﴿الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ الْآيَةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى:
فَلْيَقُمِ الْأَوْلَيَانِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْوَصِيَّة.
المائدة 5:108
﴿ذَلِك أدنى﴾ أَجْدَرُ ﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَان بعد أَيْمَانهم﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنَكِّلَ الشُّهُودُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.
قَالَ يحيى: وَلَمْ تَكُنْ عِنْدَ الْحَسَنِ مَنْسُوخَةً، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَلَا يَحْلِفُ الشَّاهِدَانِ الْيَوْمَ؛ إِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ من﴾. وَقَالَ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَحْلِفَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلَى شِرْكِهِمْ.
المائدة 5:109
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لنا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: تُنْزَعُ أَفْئِدَتُهُمْ فَلَا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُرَدُّ إِلَيْهِمْ فَيَعْلَمُونَ.
المائدة 5:110
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ أَيْ: يَقُولُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أيدتك﴾ أعنتك.
﴿بِروح الْقُدس﴾ يَعْنِي: جِبْرِيلَ: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المهد﴾ يَعْنِي: حجر أمه ﴿وكهلا﴾ أَيْ: كَبِيرًا ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيئَةِ الطير﴾ يَعْنِي: كَشَبَهِ الطَّيْرِ ﴿وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ﴾ يَعْنِي: الْأَعْمَى [الَّذِي تَلِدُهُ] أُمُّهُ وَهُوَ مَضْمُومُ الْعَيْنَيْنِ.
وَإِذْ كَفَفْتُ بني إِسْرَائِيل عَنْك} إِلَى
المائدة 5:112
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُونَ: هَلْ رَبُّكَ فاعلٌ، وَهُوَ كَلَامُ الْعَرَبِ: مَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؛ أَيْ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ذَلِكَ.
يحيى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
هُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ، وَلَكِنْ قَالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ، أَيْ: هَلْ تَقْدِرُ عَلَى هَذَا مِنْهُ؟ "
﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (ل ٩٠) قَالَه عِيسَى
المائدة 5:113
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وتطمئن قُلُوبنَا﴾ أَيْ: تَسْكُنُ؛ إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْمَائِدَة.
﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا من الشَّاهِدين﴾ أَنَّهَا نَزَلَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
المائدة 5:114
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وآخرنا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَرَادُوا أَنْ تَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَمعنى ﴿عيدا﴾: مجمعا، و ﴿مائدة﴾ الْأَصْلُ فِيهَا مِنْ قَوْلِكَ: مَادَنِي؛ أَيْ: أَعْطَانِي؛ فَكَأَنَّهَا تَمِيدُ الْآكِلِينَ؛ أَي: تعطيهم.
المائدة 5:115
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ عَلَى شَرْطٍ ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُم فَإِنِّي أعذبه﴾ فِي الدُّنْيَا ... الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَ عَلَى الْمَائِدَةِ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ اللَّحْمِ.
قَالَ قَتَادَةُ:
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ لَمَّا صَنَعُوا فِي الْمَائِدَةِ مَا صَنَعُوا مِنَ الْخِيَانَةِ وَغَيْرِهَا، حُوِّلُوا خَنَازِيرَ، وَكَانُوا أُمِرُوا أَلَّا يَخُونُوا فِيهِ، وَلَا يُخَبِّئُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لغدٍ، فخانوا وخبئوا وَادخرُوا.
المائدة 5:116
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: لِبَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصَّةً ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يَقُولُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ يُنَزِّهُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ علام الغيوب﴾ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يقلهُ.
المائدة 5:117
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ (وَفَاةَ الرَّفْعِ إِلَى السَّمَاءِ).
﴿كنت أَنْت الرَّقِيب﴾ الْحَفِيظَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾
المائدة 5:118
﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك﴾ أَيْ: فَبِإِقَامَتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ ﴿وَإِنْ تغْفر لَهُم﴾ فبتوبة كَانَت مِنْهُم.
المائدة 5:119
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقين صدقهم﴾ وَهِي تقْرَأ على وَجه آخر ﴿يَوْمٌ﴾ مُنَوَّنَةٌ.
﴿لَهُمْ جناتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ... ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ النجَاة الْعَظِيمَة
المائدة 5:120
﴿لله ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ﴾ أَيْ: وَمُلْكُ مَا فِيهِنَّ ﴿وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾.
الأنعام 6:1
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا. فِي قَوْلِ قَتَادَةَ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ:
إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مَدَنِيَّاتٍ فِي آخِرِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾.
قَوْله: ﴿الْحَمد لله﴾ حمد نَفسه ﴿الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ الظُّلُمَاتُ: اللَّيْلُ، وَالنُّورُ: ضَوْءُ النَّهَارِ.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ عَدَلُوا بِهِ أَصْنَامَهُمُ الَّتِي عَبَدُوهَا من دون الله.
الأنعام 6:2
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ بَعْدُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ضَعِيفٍ؛ يَعْنِي: النُّطْفَةَ ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ قَالَ قَتَادَة: ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا﴾ يَعْنِي: الْمَوْت ﴿وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إِلَى الْبَعْثِ ﴿ثمَّ أَنْتُم تمترون﴾ تشكون فِي السَّاعَة.
الأنعام 6:4
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَات رَبهم﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ، ﴿إِلا كَانُوا عَنْهَا معرضين﴾ يَعْنِي بِهِ: مُشْركي الْعَرَب.
الأنعام 6:5
﴿فقد كذبُوا بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي: بِالْقُرْآنِ ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهم أنباء مَا كَانُوا يه يستهزءون﴾ يَأْتِيهِمْ عِلْمُهُ فِي الْأَرْضِ، فَيَأْخُذُهُمُ الله فيدخلهم النَّار.
الأنعام 6:6
﴿كم أهلكنا﴾ عذبنا ﴿من قبلهم﴾ يَعْنِي: كُفَّارَ مَكَّةَ. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ يُحَذِّرُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَيُخَوِّفُهُمْ مَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ حِينَ كَذَّبُوا رسلهم ﴿وأنشأنا﴾ خَلْقَنَا ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: الْقَرْنُ: ثَمَانُونَ سنة.
الأنعام 6:7
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قرطاس﴾ الْآيَةَ، قَالَ الْحَسَنُ:
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ: بِكِتَابٍ يَقْرَءُونَهُ وَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نقرؤه من الله (ل ٩١) إِلَى كُلِّ رَجُلٍ بِاسْمِهِ؛ أَنْ آمن بِمُحَمد؛ فَإِنَّهُ رَسُولي.
الأنعام 6:8
﴿وَقَالُوا لَوْلَا﴾ هلا ﴿أنزل عَلَيْهِ ملك﴾ أَيْ: يَأْمُرُنَا بِاتِّبَاعِهِ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ بعذابهم ﴿ثمَّ لَا ينظرُونَ﴾ لَا يُؤَخَّرُونَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَلَكِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ إِذَا سَأَلُوا نَبِيَّهُمُ الْآيَةَ فَجَاءَتْهُمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، أَهْلَكَهُمُ الله.
الأنعام 6:9
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا﴾ أَيْ: لَجَعَلْنَا ذَلِكَ الْمَلَكَ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يلبسُونَ﴾ أَيْ: وَلَخَلَطْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَخْلِطُونَ؛ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا أَنْ يَكُونَ مَلَكٌ مَعَ آدَمِيٍّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقِيلَ: الْمَعْنَى: لَأَضْلَلْنَاهُمْ بِمَا ضَلُّوا بِهِ قبل أَن يبْعَث الْملك.
الأنعام 6:10
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ يَعْنِي: نَزَلَ بِهِمْ عُقُوبَةُ اسْتِهْزَائِهِمْ.
الأنعام 6:11
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ كَانَ عاقبتهم أَن دمر الله عَلَيْهِم، ثمَّ صيرهم إِلَى النَّار.
الأنعام 6:12
﴿كتب على نَفسه الرَّحْمَة﴾ أَيْ: أَوْجَبَهَا. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: خَسِرُوهَا بِمَصِيرِهِمْ إِلَى النَّارِ ﴿فهم لَا يُؤمنُونَ﴾ يُغني: من مَاتَ على كفره.
الأنعام 6:13
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: خَالِقَهُمَا.
﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أكون أول من أسلم﴾ يَعْنِي: من أمته.
الأنعام 6:16
﴿من يصرف عَنهُ يَوْمئِذٍ﴾ يَعْنِي: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ عَذَابُهُ ﴿فقد رَحمَه﴾.
الأنعام 6:18
﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ قَهَرَهُمْ بِالْمَوْتِ، وَبِمَا شَاءَ مِنْ أمره ﴿وَهُوَ الْحَكِيم﴾ فِي أمره ﴿الْخَبِير﴾ بخلقه.
الأنعام 6:19
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ:
قَالَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِلنَّبِيِّ: مَنْ يَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَيَشْهَدُ لَكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شهيدٌ بيني وَبَيْنكُم﴾ فَهُوَ شَهِيدٌ أَنِّي رَسُولُهُ.
﴿وَأُوحِيَ إِلَيّ هَذَا الْقُرْآن لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ أَيْ: مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْعَجَمِ وَغَيْرِهِمْ.
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ وَهَذَا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ: قَدْ شَهِدْتُمْ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى؟
الأنعام 6:21
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كذبا﴾ فَيَعْبُدُ مَعَهُ الْأَوْثَانَ؛ أَيْ: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْهُ ﴿إِنَّهُ لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ الْمُشْركُونَ.
الأنعام 6:22
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ للَّذين أشركوا أَيْن شركاؤكم﴾ يَعْنِي: أَوْثَانَهُمْ.
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فتنتهم﴾ يَعْنِي: مَعْذِرَتَهُمْ ﴿إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
الأنعام 6:24
﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بِاعْتِذَارِهِمْ بِالْكَذِبِ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يفترون﴾ يَعْنِي: الْأَوْثَانَ الَّتِي عَبَدُوهَا ضَلَّتْ عَنْهُمْ؛ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ شَيْئًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ:
مَنْ قَرَأَ ﴿رَبِّنَا﴾ بِالْخَفْضِ، فَهُوَ عَلَى النَّعْتِ وَالثَّنَاءِ، وَمَنْ قَرَأَ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ بِالنَّصْبِ، فَهُوَ خبر ﴿تكن﴾، وَالِاسْم ﴿إِلَّا أَن قَالُوا﴾.
الأنعام 6:25
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ لِئَلَّا يَفْقَهُوهُ. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ يَعْنِي: صَمَمًا عَنِ الْهُدَى.
﴿وَإِنْ يرَوا كل آيَة﴾ يَعْنِي: مَا سَأَلُوا النَّبي ﷺ مِنَ الْآيَاتِ.
﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذا جاءوك يجادلونك﴾ وَمُجَادَلَتُهُمْ أَنْ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ كَذِبُ الْأَوَّلِينَ وَبَاطِلُهُمْ؛ يَعْنُونَ: الْقُرْآنَ.
الأنعام 6:26
﴿وهم ينهون عَنهُ وينئون عَنهُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَنْهَوْنَ عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ، وَيَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أنفسهم﴾ بذلك ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنهم يهْلكُونَ أنفسهم.
الأنعام 6:27
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ إِلَى الدُّنْيَا ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بدا لَهُم﴾ فِي الْآخِرَة
الأنعام 6:28
﴿مَا كَانُوا يخفون من قبل﴾ إِذْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا، وَكَانُوا يُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقين ﴿وَلَو ردوا﴾ إِلَى الدُّنْيَا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنهُ﴾ من التَّكْذِيب (وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ) ﴿ل ٩٢﴾ أَيْ: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا؛ أخبر بِعِلْمِهِ فيهم.
الأنعام 6:30
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ الَّذِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ إِذْ أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا ﴿قَالُوا بَلَى وربنا﴾ فَآمَنُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِيمَانُ.
الأنعام 6:31
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَة قَالُوا يَا حسرتنا﴾ وَالتَّحَسُّرُ: التَّنَدُّمُ ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ ﴿فِي﴾ السَّاعَة، إِذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ﴾ ﴿بئس﴾ (مَا يزرون} يَحْمِلُونَ ذُنُوبَهُمْ.
يحيى: عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ مُثِّلَ لَهُ عَمَلُهُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ رَآهَا قَطُّ، أَقْبَحَهُ وَجْهًا، وَأَنْتَنَهُ رِيحًا، وَأَسْوَأَهُ لَفْظًا؛ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ؛ فَمَا رَأَيْتُ أَقْبَحَ مِنْكَ وَجْهًا، وَلَا أَنْتَنَ مِنْكَ رِيحًا، وَلَا أَسْوَأَ مِنْكَ لَفْظًا. فَيَقُولُ: أَتَعْجَبُ مِنْ قُبْحِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَنَا وَاللَّهِ عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَرْكَبُنِي فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرْكَبَنَّكَ الْيَوْمَ؛ فَيَرْكَبُهُ فَلَا يَرَى شَيْئًا يَهُولُهُ وَلَا يَرُوعُهُ إِلَّا قَالَ: أَبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَنْتَ الَّذِي تُرَادُ وَأَنْتَ الَّذِي تُعْنَى. وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يحملون أوزارهم على ظُهُورهمْ﴾ الْآيَة ".
الأنعام 6:32
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهو﴾ أَيْ: أَنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا أَهْلُ لعب ولهوٍ.
الأنعام 6:33
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ إِنَّكَ ساحرٌ، وَإِنَّكَ شَاعِرٌ، وَإِنَّكَ كَاهِنٌ، وَإِنَّكَ مَجْنُونٌ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
شَقَّ عَلَيْهِ وَحَزِنَ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ، وَقَدْ عَرَفُوا أَنَّكَ صَادِقٌ ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ قَرَأَ ﴿لَا يكذبُونَك﴾ بِالتَّخْفِيفِ، فَالْمَعْنَى: لَا يَلْفُونَكَ كَاذِبًا، وَمن قَرَأَ ﴿لَا يكذبُونَك﴾ فَالْمَعْنَى: لَا يَنْسِبُونَكَ إِلَى الْكَذِبِ.
الأنعام 6:34
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ أَيْ: أَنَّهُ سَيَنْصُرُكَ، وَيُظْهِرُ دِينَكَ، كَمَا نَصَرَ الرُّسُلَ الَّذِينَ كُذِّبُوا مِنْ قَبْلِكَ ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نبإ الْمُرْسلين﴾ مِنْ أَخْبَارِ الْمُرْسَلِينَ أَنَّهُمْ قَدْ نُصِرُوا بَعْدَ الْأَذَى، وَبَعْدَ الشَّدَائِدِ.
الأنعام 6:35
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ عَنْكَ، وَتَكْذِيبُهُمْ إِيَّاكَ.
﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ﴾ أَيْ: سِرْبًا، فَتَدْخُلَ فِيهِ ﴿أَوْ سلما فِي السَّمَاء﴾ أَيْ: إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْقَى إِلَيْهَا ﴿فتأتيهم بِآيَة﴾ وَهَذَا حِينَ سَأَلُوا الْآيَةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَفْعَلَ هَذَا فَافْعَلْ؛ اخْتَصَرَ (فَافْعَلْ) إِذْ كَانَ فِي الْكَلَامِ مَا يدل عَلَيْهِ.
الأنعام 6:36
﴿إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِالْمَوْتَى: الْمُشْرِكِينَ.
وَقَوله: ﴿يَبْعَثهُم الله﴾ يَعْنِي: مَنْ يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ؟ فَيُحْيِيهِمْ مِنْ شِرْكِهِمْ ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ يَوْم الْقِيَامَة.
الأنعام 6:37
﴿وَقَالُوا لَوْلَا﴾ هلا ﴿نزل عَلَيْهِ﴾ على مُحَمَّد ﴿أيه﴾ ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يعلمُونَ﴾ وهم الْمُشْركُونَ.
الأنعام 6:38
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: [أَيْ: أَصْنَافٌ] مُصَنَّفَةٌ [تُعْرَفُ] بِأَسْمَائِهَا.
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ مِنْ آجَالِهَا وَأَعْمَالِهَا وَأَرْزَاقِهَا وَآثَارِهَا؛ أَيْ: أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مكتوبٌ عِنْد الله.
الأنعام 6:39
﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا صم﴾ عَنِ الْهدى؛ فَلَا يسمعونه ﴿وبكم﴾ عَنْهُ؛ فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِ ﴿فِي الظُّلُمَات﴾ يَعْنِي: الْكفْر.
الأنعام 6:40
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: فِي الدُّنيا بالاستئصال ﴿أَو أتتكم السَّاعَة﴾ بِالْعَذَابِ ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُم صَادِقين﴾ أَيْ: أَنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ إِلَّا اللَّهَ؛ فَتُؤْمِنُوا حَيْثُ لَا يُقْبَلُ الْإِيمَان (ل ٩٣) مِنْكُمْ؛ وَقَدْ قَضَى اللَّهُ أَلَّا يُقْبَلَ الْإِيمَانُ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ.
الأنعام 6:41
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تدعون إِلَيْهِ إِن شَاءَ﴾ وَهَذِهِ مَشِيئَةُ الْقُدْرَةِ، وَلَا يَشَاءُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ.
﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ بِاللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْثَانِ؛ فَتُعْرِضُونَ عَنْهَا.
الأنعام 6:42
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قبلك فأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء﴾ الْبَأْسَاءُ: الْبُؤْسُ؛ وَهِيَ الشَّدَائِدُ مِنَ الْجُدُوبَةِ، وَشِدَّةِ الْمَعَاشِ. وَالضَّرَّاءُ يَعْنِي: الضُّرَّ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَوْجَاعِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾
الأنعام 6:43
﴿فلولا﴾ يَعْنِي: فَهَلَّا ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تضرعوا﴾ أَيْ: أَنَّهُمْ لَمْ يَتَضَرَّعُوا ﴿وَلَكِنْ قست قُلُوبهم﴾ غَلُظَتْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، وَهَذَا الَّذِي كَانَ يُصِيبُ الأُمَمَ مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ بِهِ قَبْلَ الْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ؛ فَإِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا أَهَلَكَهُمُ الله.
الأنعام 6:44
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: ﴿كَذَّبُوا﴾ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء﴾ مِنَ الرِّزْقِ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ بِمَا أعْطوا ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَة﴾ يَعْنِي: بِالْعَذَابِ فَجْأَةً ﴿فَإِذَا هُمْ مبلسون﴾ ييأسون
الأنعام 6:45
﴿فَقطع دابر﴾ أصل ﴿الْقَوْم الَّذين ظلمُوا﴾ أشركوا.
الأنعام 6:46
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سمعكم﴾ [فأصمها] ﴿وأبصاركم﴾ فَأَعْمَاهَا.
﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: بِمَا أَذْهَبَ؛ يَقُولُ: لَيْسَ بِفعل ذَلِكَ؛ حَتَّى يَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ إِنْ شَاءَ إِلَّا هُوَ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَات﴾ نبينها ﴿ثمَّ هم يصدفون﴾ أَي: يعرضون عَنْهَا.
الأنعام 6:47
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَة﴾ أَي: لَيْلًا ﴿أَو جهرة﴾ نَهَارًا ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ يُخَوِّفُهُمُ الْعَذَابَ؛ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
الأنعام 6:48
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ﴾ يَعْنِي: بِالْجنَّةِ ﴿ومنذرين﴾ من النَّار.
الأنعام 6:50
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن الله﴾ أَيْ: عِلْمُ خَزَائِنِ اللَّهِ الَّذِي فِيهِ الْعَذَابُ؛ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابٍ الله﴾.
﴿وَلَا أعلم الْغَيْب﴾ فيأتيكم الْعَذَاب. ﴿وَلَا أَقُول إِنِّي ملك﴾ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَكِنِّي رَسُولٌ يُوحَى إِلَيَّ. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ مَا أَمَرَنِي بِهِ.
﴿قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾ يَعْنِي: الَّذِي لَا يُبْصِرُ ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الَّذِي يُبْصِرُ؛ هَذَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِر ﴿أَفلا تتفكرون﴾ أَي: أَنَّهُمَا لَا يستويان.
الأنعام 6:51
﴿وأنذر بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالْقُرْآنِ ﴿الَّذين يخَافُونَ﴾ يَعْنِي: يَعْلَمُونَ ﴿أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبهم﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ؛ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا تنذر بِهِ من اتبع الذّكر﴾ إِنَّمَا يَقْبَلُ مِنْكَ مَنْ آمَنَ.
﴿لَيْسَ لَهُم من دونه﴾ أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿وَلِيٌّ﴾ يَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِهِ ﴿وَلا شَفِيعٌ﴾ يَشْفَعُ لَهُمْ؛ إِنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤمنين.
﴿لَعَلَّهُم﴾ لَعَلَّ الْمُشْركين ﴿يَتَّقُونَ﴾ هَذَا فيؤمنوا.
الأنعام 6:52
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ والعشي﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: صَلَاةَ مَكَّةَ؛ حِينَ كَانَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ غَدْوَةً، وَرَكْعَتَيْنِ عَشِيَّةً، قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
قَالَ قَتَادَةُ:
قَالَ قَائِلُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ نَتَّبِعَكَ، فَاطْرُدْ عَنَّا فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا - لِأُنَاسٍ كَانُوا دُونَهُمْ [فِي الدُّنْيَا] ازْدَرَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ وَجهه﴾ يُرِيدُونَ اللَّهَ وَرِضَاهُ.
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ الَّذين قَالَت لَهُ قُرَيْشٌ: اطْرُدْهُمْ. قَالَ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ من الظَّالِمين﴾ أَيْ: إِنْ طَرَدْتَهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: ﴿فَتكون من الظَّالِمين﴾ هُوَ جَوَاب ﴿وَلَا تطرد﴾ وَقَوله: ﴿فَتَطْرُدهُمْ﴾ هُوَ جَوَابُ ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ".
الأنعام 6:53
﴿أَلَيْسَ الله بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُوَحِّدين.
الأنعام 6:54
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الْآيَةَ، تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ:
أَنَّ أَبَا طَالِبٍ هُوَ الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ: اطرد (ل ٩٤) فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، وَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَقَ عَمُّكَ؛ فَاطْرُدْ عَنَّا سَفَلَةَ الْمَوَالِي، فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى، فَجَاءُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ سَقْطَتِهِمْ، وَيَسْأَلُونَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقل سَلام عَلَيْكُم﴾ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ.
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَة﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلَهُ عَبْدٌ فَهُوَ بِجَهَالَةٍ].
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَنْ قَرَأَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ﴾ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، فَالْمَعْنَى: وَكَتَبَ أَنَّهُ، وَمَنْ قَرَأَ: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بِكَسْرِ الْأَلِفِ؛ فَإِنَّهُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
الأنعام 6:55
قَوْله: ﴿وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات﴾ أَي: نبينها ﴿ولتستبين﴾ يَا مُحَمَّد ﴿سَبِيل الْمُجْرمين﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ بِالْآيَاتِ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا سَبِيلَ الْهُدَى مِنْ سَبِيل الضَّلَالَة.
الأنعام 6:56
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الْأَوْثَانَ.
﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أهواءكم﴾ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذا﴾ إِنِ اتَّبَعْتُ أَهْوَاءَكُمْ ﴿وَمَا أَنَا من المهتدين﴾
الأنعام 6:57
﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ يَعْنِي: النُّبُوَّة ﴿وكذبتم بِهِ﴾ بِالْقُرْآنِ.
﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ مِنَ الْعَذَابِ؛ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عَجِّلْ لَنَا قطنا﴾ يَعْنِي: عَذَابَنَا ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾، وَلِقَوْلِهِمْ: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة من السَّمَاء} وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لله﴾ إِن الْقَضَاء إِلَّا لله ﷺ ﴿يَقْضِي الْحَقَّ﴾ وَتُقْرَأُ أَيْضًا ﴿يَقُصُّ الْحق﴾ مِنَ الْقَصَصِ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ بالحكم.
الأنعام 6:58
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُون بِهِ﴾ ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ (لَقُضِيَ الأَمْرُ بيني وَبَيْنكُم} يَعْنِي: السَّاعَةَ، فَأَتَيْتُكُمْ بِالْعَذَابِ ﴿وَاللَّهُ أعلم بالظالمين﴾ الْمَعْنَى.
وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ ظَالِمُونَ؛ أَي: مشركون.
الأنعام 6:59
﴿وَعِنْده مفاتح الْغَيْب﴾ يَعْنِي: خَزَائِنُ الْغَيْبِ ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِيكُمُ الْعَذَابُ؛ هَذَا تَفْسِيرُ الْحَسَنِ ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظلمات الأَرْض﴾ [فِي جَوْفِ الْأَرْضِ] ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبين﴾ {بَين
الأنعام 6:60
٢ - ! (وَهُوَ الَّذِي يتوفاكم بِاللَّيْلِ} يَعْنِي: النَّوْمَ ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ مَا عَمِلْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: فِي النَّهَارِ. ﴿ليقضى أجل مُسَمّى﴾ يَعْنِي: السَّاعَةَ بِاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
﴿ثمَّ إِلَيْهِ مرجعكم﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾.
الأنعام 6:61
﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ قَهَرَهُمْ بِالْمَوْتِ، وَبِمَا شَاءَ مِنْ أمره. ﴿وَيُرْسل عَلَيْكُم حفظَة﴾ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؛ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَيَكْتُبُونَهَا، وَيَحْفَظُونَهُ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ؛ حَتَّى يَأْتِيَ الْقَدَرُ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ فِي أَمْرِ اللَّهِ.
يحيى: وَبَلَغَنَا أَنَّ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَانًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسِلُّونَ الرُّوحَ مِنَ الْجَسَدِ؛ حَتَّى إِذَا [كَانُوا عِنْدَ خُرُوجِهِمْ جَاءَ] مَلَكُ الْمَوْتِ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ آجَالَ الْعِبَادِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ عِلْمُ ذَلِكَ مِنْ قبل الله.
الأنعام 6:62
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحق﴾ يَعْنِي: مَالِكَهُمْ، وَالْحَقُّ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أسْرع الحاسبين﴾.
قَالَ يحيى:
سَمِعْتُ بَعْضَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: يَفْرَغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْخَلْقِ إِذَا أَخَذَ فِي حِسَابِهِمْ فِي قَدْرِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا.
الأنعام 6:63
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبر وَالْبَحْر﴾ يَعْنِي: كُرُوبَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
﴿تَدْعُونَهُ تضرعا وخفية﴾ أَي: سراًّ بالتضرع ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه﴾ الشدَّة ﴿لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ.
الأنعام 6:64
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كل كرب﴾ أَيْ: كُلِّ كَرْبٍ نَجَوْتُمْ مِنْهُ فَهُوَ الَّذِي أَنْجَاكُمْ مِنْهُ ﴿ثُمَّ أَنْتُم تشركون﴾
الأنعام 6:65
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بعض﴾ (ل ٩٥) تَفْسِيرُ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَذَابًا من فَوْقكُم﴾ فَيَحْصِبَكُمْ بِالْحِجَارَةِ كَمَا حَصَبَ قَوْمَ لُوطٍ، أَوْ بِبَعْضِ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْعَذَابِ ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلكُم﴾ أَي: بخسف أَو برجفةٍ ﴿أَو يلْبِسكُمْ شيعًا﴾ يَعْنِي: اخْتِلَافًا.
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بعض﴾ أَي: فَيقْتل بَعْضكُم بَعْضًا
الأنعام 6:66
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بوكيل﴾ بِحَفِيظٍ لِأَعْمَالِكُمْ حَتَّى [أُجَازِيَكُمْ] بِهَا إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ، وَاللَّهُ الْمُجَازِي لكم بأعمالكم.
الأنعام 6:67
﴿وَلكُل نبإٍ مُسْتَقر﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَقُولُ: لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ.
﴿وسوف تعلمُونَ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَهَذَا وعيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يقرونَ بِالْبَعْثِ.
الأنعام 6:68
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: يَسْتَهْزِئُونَ بِهَا ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيره﴾ كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِهِمْ.
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمين﴾ نُهِيَ أَنْ يَقْعُدَ مَعَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَنْسَى فَإِذَا ذَكَرَ فَلْيَقُمْ.
الأنعام 6:69
﴿وَمَا على الَّذين يَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ حِسَابِ الْمُشْرِكِينَ؛ أَيْ: إِنْ قَعَدُوا مَعَهُمْ ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ:
قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا كُنَّا كُلَّمَا اسْتَهْزَأَ الْمُشْرِكُونَ بِكَتَابِ اللَّهِ قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُمْ لَمْ نَدْخُلِ الْمَسْجِدَ وَلَمْ نَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَقَالَ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِن ذكرى لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ فَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَذْكُرُوهُمْ مَا اسْتَطَاعُوا.
الأنعام 6:70
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا ولهوا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: وَهَذَا مِمَّا نَسَخَ (الْقِتَال).
﴿وَذكر بِهِ﴾ بِالْقُرْآنِ ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كسبت﴾ يَعْنِي: أَنْ تُسْلَمَ ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ عَمِلَتْ؛ أَيْ: تُسْلَمَ فِي النَّارِ ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ ولي﴾ يمْنَعهَا مِنْهُ ﴿وَلَا شَفِيع﴾ يَشْفَعُ لَهَا عِنْدَهُ؛ وَهَذَا الْكَافِرُ.
﴿وَإِن تعدل كل عدل﴾ أَيْ: تَفْتَدِي بِكُلِّ فِدْيَةٍ ﴿لَا يُؤْخَذ مِنْهَا﴾ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أبسلوا﴾ أُسْلِمُوا فِي النَّارِ. ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ عَمِلُوا ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَالْحَمِيمُ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حره ﴿وَعَذَاب أَلِيم﴾ موجعٌ.
الأنعام 6:71
﴿قل أندعوا من دون الله﴾ يَعْنِي: نَعْبُدُ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ وَهِيَ الْأَوْثَانُ.
﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أَيْ: نَرْجِعُ إِلَى الْكُفْرِ ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الأَرْض﴾ أَيْ: غَلَبَتْ عَلَيْهِ ﴿حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ أَيْ: كَرَجُلٍ ضَلَّ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ، لَهُ أَصْحَابٌ كُلُّهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ مُتَحَيِّرٌ؛ هَذَا مِثْلُ مِنْ ضَلَّ بَعْدَ الْهُدَى، قَالَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ: ﴿قُلْ إِنَّ هدى الله هُوَ الْهدى﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ.
الأنعام 6:73
﴿وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: لِلْحَقِّ؛ يَعْنِي: الْمِيعَادَ ﴿وَيَوْمَ يَقُول كن فَيكون﴾ ٦ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّور﴾ يَنْفُخُ فِيهِ ملكٌ يَقُومُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، قَالَ قَتَادَةُ:
مِنَ الصَّخْرَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالصُّورِ: قَرْنٌ فِيهِ أَرْوَاحُ الْخَلْقِ؟ فَيُنْفَخُ فِيهِ فَيَذْهَبُ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ، ثُمَّ يَنْطَلِقُونَ سِرَاعًا إِلَى الْمُنَادِي صَاحِبِ الصُّورِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة﴾ الْغَيْبُ: السِّرُّ، وَالشَّهَادَةُ: الْعَلَانِيَةُ ﴿وَهُوَ الْحَكِيم﴾ فِي أمره ﴿الْخَبِير﴾ بأعمال الْعباد.
الأنعام 6:74
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أتتخذ أصناماً آلِهَة﴾ قَالَ قَتَادَةُ:
أَبُو إِبْرَاهِيمَ اسْمُهُ: تَارَحُ.
قَالَ يحيى: وَالْمَقْرَأَةُ عَلَى هَذَا التَّفْسِير: ﴿آزر﴾ بِالرَّفْع، وَكَذَلِكَ كَانَ الْحسن (ل ٩٦) يَقْرَؤُهَا بِالرَّفْعِ (آزَرُ) يَقُولُهُ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
مَقْرَأُ الْحَسَنِ بِالرَّفْعِ؛ هُوَ بِمَعْنَى (يَا آزَرُ).
وَقَالَ الْخَلِيلُ: مَعْنَى (يَا آزَرُ) الشَّيْءُ يُعَيِّرُهُ بِهِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: يَا مُعْوَجُّ، يَا ضَالُّ.
قَالَ يحيى: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقْرَؤُهَا بِالنَّصْبِ، وَيَقُولُ: اسْمُ أَبِيه: (آزر).
الأنعام 6:75
﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت﴾ يَعْنِي: ملك ﴿السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الْآيَة.
تَفْسِير قَتَادَة قَالَ:
ذكر لَنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فُرَّ بِهِ مِنْ جَبَّارٍ مترفٍ؛ فَجُعِلَ فِي سربٍ، وَجُعِلَ رِزْقُهُ فِي أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، فَجَعَلَ لَا يَمَصُّ إِصْبَعًا إِلَّا وَجَدَ فِيهَا رِزْقًا، وَإِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ السِّرْبِ أَرَاهُ اللَّهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَات؛ أرَاهُ شمساً وقمراً ونجوماً وعبوناً وَخَلْقًا عَظِيمًا، وَأَرَاهُ مَلَكُوتَ الْأَرْضِ؛ فَأَرَاهُ جِبَالًا وَبِحَارًا وَأَنْهَارًا وَشَجَرًا، وَمِنْ كُلِّ الدَّوَابِّ وَخَلْقًا عَظِيمًا.
الأنعام 6:76
﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل﴾ أَيْ: [آوَاهُ].
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ:
جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وَأَجَنَّهُ اللَّيْلُ؛ إِذَا أَظْلَمَ حَتَّى يَسْتُرَهُ بِظُلْمَتِهِ.
﴿رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل﴾ ذَهَبَ ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وَأَهَمَّهُ النَّظَرُ فَرَاعَى الْكَوْكَبَ حَتَّى ذَهَبَ وَغَابَ، قَالَ: وَاطَّلَعَ الْقَمَرُ، وَكَانَ لَيْلَة آخر الشَّهْر
الأنعام 6:77
﴿فَلَمَّا رأى الْقَمَر بازغا﴾ أَيْ طَالِعًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ قَالَ: فَرَاعَاهُ حَتَّى غَابَ ﴿فَلَمَّا أفل﴾ ذَهَبَ ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: فَازْدَادَ قُرْبًا مِنْ مَعْرِفَةِ الله
الأنعام 6:78
﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة﴾ [أَيْ: طَالِعَةً] ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر﴾ أَيْ: مِنَ الْقَمَرِ وَالْكَوْكَبِ. قَالَ: فَرَاعَاهَا حَتَّى غَابَتْ ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ ذَهَبَتْ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بريءٌ مِمَّا تشركون﴾.
الأنعام 6:80
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تشركون بِهِ﴾ ٦ يَعْنِي: أَصْنَامَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ:
ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ؛ أَنَّ نَافِعًا قَرَأَ: ﴿أَتُحَاجُّونِي﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وَمِثْلُهُ: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ﴾ قَالَ: وَقَرَأَهُمَا أَهْلُ الْعرَاق مثقلتين: (أتحاجوني، وتأمروني).
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا بِتَثْقِيلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ بِنُونَيْنِ: نُونُ الْفِعْلِ، وَنُونُ اسْمِ الْفَاعِلِ: فَلَمَّا كُتِبَتَا فِي الْمُصْحَفِ عَلَى نُونٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَكُنْ إِلَى الزِّيَادَةِ سَبِيلٌ؛ فَثَقَّلُوا النُّونَ؛ لِتَكُونَ الْمَتْرُوكَةُ مُدْغَمَةً. قَالَ: وَإِنَّمَا كَرِهَ التَّثْقِيلَ مَنْ كَرِهَهُ - فِيمَا نَرَى - لِلْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ؛ وَهِيَ الْوَاوُ وَالنُّونُ الْمُدْغَمَةُ فَحَذَفُوهَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ رَبِّي كل شيءٍ علما﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: مَلَأَ رَبِّي.
الأنعام 6:81
﴿وَكَيف أَخَاف مَا أشركتم﴾ يَعْنِي: مِنْ هَذِهِ الْأَوْثَانِ ﴿وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ يَعْنِي: حُجَّةً ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بالأمن﴾ أَي: من عبد الله، و [من] عبد الْأَوْثَان؟
الأنعام 6:82
﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا﴾ يَعْنِي: يخلطوا ﴿إِيمَانهم بظُلْم﴾ بشرك ﴿أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن﴾ يَوْم الْقِيَامَة ﴿وهم مهتدون﴾ فِي الدُّنْيَا.
الأنعام 6:84
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: عالمي زمانهم
الأنعام 6:87
﴿واجتبيناهم﴾ (استخلصناهم) للنبوة.
الأنعام 6:89
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ﴾ يَعْنِي: الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ ﴿وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يكفر بهَا هَؤُلَاءِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿فَقَدْ وكلنَا بهَا﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ يَعْنِي: النَّبِيِّينَ الَّذِينَ ذَكَرَ: دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَة.
الأنعام 6:90
﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله﴾ يَعْنِي: النَّبِيِّينَ الَّذِينَ قَصَّ.
(فَبِهُدَاهُمُ اقتده} يَقُوله لمُحَمد ﷺ.
الأنعام 6:91
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أَيْ: مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بشرٍ من شَيْء﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: هُمُ الْيَهُودُ [كَانُوا] يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أُمِّيُّونَ؛ يَعْنُونَ: النَّبي ﷺ وَأَصْحَابه (ل ٩٧) فَأَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ؛ فَقَالُوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بشرٍ مِنْ شيءٍ﴾ فَقَدْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَجِيءُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمْ تَكُنْ تَجِيءُ بِالْكُتُبِ؛ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا الْكِتَابِ؟! قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ: قُلْ لَهُمْ: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورا وَهدى للنَّاس﴾ يَعْنِي: لِمَنِ اهْتَدَى بِهِ ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيس تبدونها وتخفون كثيرا﴾ وَالْقَرَاطِيسُ: الْكُتُبُ الَّتِي كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ بِمَا حَرَّفُوا مِنَ التَّوْرَاةِ.
﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤكم﴾ يَقُولُ: عُلِّمْتُمْ عِلْمًا؛ فَلَمْ يَصِرْ لَكُمْ عِلْمًا؛ لِتَضْيِيعِكُمْ إِيَّاهُ، وَلَا لآبائكم ﴿قل الله﴾ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ، الْآيَةَ. وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكتاب.
الأنعام 6:92
﴿وَهَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ مبارك﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلَ.
﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقرى﴾ يَعْنِي: وَلِتُنْذِرَ أَهْلَ مَكَّةَ ﴿وَمَنْ حولهَا﴾ يَعْنِي: سَائِرَ الْأَرْضِ.
﴿وَهُمْ عَلَى صلَاتهم يُحَافِظُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ:
يُحَافِظُونَ عَلَى وُضُوئِهَا ومواقيتها، وركوعها وسجودها.
الأنعام 6:93
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كذبا﴾ يَقُولُ: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْهُ (أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أنزل الله} قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت﴾ الْآيَةَ.
يحيى: أَخْبَرَنِي بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:
هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ يَقْبِضُونَ [رُوحَ الْكَافِرِ] (وَيَعِدُونَهُ) بِالنَّارِ، وَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنَّهُ يُهَوَّنُ عَلَيْهِ، وَيَقْبِضُونَ رُوحَ الْمُؤْمِنِ، وَيَعِدُونَهُ بِالْجَنَّةِ وَيُهَوَّنُ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنه يشدد عَلَيْهِ ".
الأنعام 6:94
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة﴾ يَقُولُ:
خَلَقْنَا كُلَّ إِنْسَانٍ فَرْدًا، وَيَأْتِينَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿فُرَادَى﴾ جَمْعُ فردٍ؛ وَكَأَنَّهُ جَمْعُ (فَرْدَانِ)؛ كَمَا قَالُوا: كَسْلَانُ وَكُسَالَى.
﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خولناكم﴾ أَيْ: مَا أَعْطَيْنَاكُمْ ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا.
﴿وَمَا نَرَى مَعكُمْ شفعاءكم﴾ يَعْنِي: آلِهَتَكُمُ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُم شُرَكَاء﴾ أَيْ: أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ لِلَّهِ فِيكُمْ؛ فَعَبَدْتُمُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿لَقَدْ تقطع بَيْنكُم﴾ أَيْ: وَصْلُكُمُ الَّذِي كَانَ يُوَاصِلُ بِهِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ؛ هَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَرَأَهَا بِالرَّفْعِ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالنَّصْبِ فَالْمَعْنَى: لَقَدْ تَقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ مِنَ الْمُوَاصَلَةِ.
﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أَنَّهَا تشفع لكم.
الأنعام 6:95
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ والنوى﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: يَنْفَلِقُ عَنِ النَّبَاتِ.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيخرج من الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَيُخْرِجُ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ ﴿ذَلِكُم الله فَأنى تؤفكون﴾ أَي: فيكف تصرف عقولكم؟!
الأنعام 6:96
﴿فالق الإصباح﴾ خَالِقُ الْإِصْبَاحِ؛ يَعْنِي: الصُّبْحَ حِينَ يُضِيءُ وَكَانَ الْحَسَنُ يَقْرَؤُهَا: (الْأَصْبَاحِ) جَمْعُ: صُبْحٍ.
﴿وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا﴾ يَسْكُنُ فِيهِ الْخَلْقُ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حسبانا﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي:
حِسَابَ مَنَازِلِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، كُلُّ يَوْمٍ بِمَنْزِلٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَر)؛ أَيْ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَمِنْ كَلَامِهِمْ: حَدُّ كُلِّ شيءٍ بِحُسْبَانِهِ؛ أَي: بِحِسَابِهِ.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لتهتدوا بهَا﴾ يَعْنِي: الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا مِنْهَا.
الأنعام 6:98
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: آدم ﴿فمستقر ومستودع﴾ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمُسْتَقَرُّ: الرَّحِمُ، وَالْمُسْتَوْدَعُ: الصُّلْبُ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقْرَؤُهَا (فمستقرٌّ) بِكَسْر الْقَاف (ومستودع) وَتَفْسِيرُهَا: مُسْتَقِرٌّ فِي [أَجَلِهِ] ومستودعٌ [فِي قَبره] (ل ٩٨) مِنْ يَوْمِ يُوضَعُ فِيهِ إِلَى يَوْم يبْعَث.
الأنعام 6:99
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شيءٍ﴾ يَعْنِي: النَّبَاتَ الَّذِي يَنْبُتُ ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا متراكبا﴾ أَيْ: يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
قَالَ مُحَمَّد: معنى (خضرًا) كَمَعْنَى أَخْضَرَ.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أعناب﴾ قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: أَخْرَجْنَا مِنَ الْمَاءِ خَضِرًا وجناتٍ.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾.
قَالَ يحيى: يَعْنِي: وَأَخْرَجْنَا الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّان ﴿مشتبها وَغير متشابه﴾ أَيْ: مُشْتَبِهًا فِي طَعْمِهِ وَلَوْنِهِ، وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذا أثمر﴾ يَعْنِي: حِينَ يَكُونُ غَضًّا ﴿وَيَنْعِهِ﴾ أَيْ: وَنُضْجِهِ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَات لقوم يُؤمنُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: الَّذِي أَخْرَجَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ هَذَا النَّبَاتَ وَهَذَا الْخَضِرَ وَهَذِهِ الْجَنَّاتِ - قادرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْقِنْوَانُ: الْعُذُوقُ، وَاحِدُهَا: قِنْوٌ، وَجُمِعَ عَلَى لَفْظِ تَثْنِيَتِهِ؛ غَيْرَ أَنَّ الْحَرَكَاتِ تَلْزَمُ نُونَهُ فِي الْجمع، وَمثله: صنوٌ وصنوانٌ.
الأنعام 6:100
﴿وَجعلُوا لله شُرَكَاء الْجِنّ﴾ يَعْنِي: الشَّيَاطِينَ؛ يَقُولُ:
جَعَلُوا الشَّيَاطِينَ شُرَكَاءَ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ هِيَ الَّتِي دَعَتْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَلَمْ تَدْعُهُمُ الْأَوْثَانُ إِلَى عِبَادَتِهَا.
﴿وخلقهم﴾ أَيِ: اللَّهُ خَلَقَهُمْ ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ أَيِ: اخْتَلَقُوا لَهُ ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: جَعَلُوا لِلَّذِي خلقهمْ شُرَكَاء لَا يخلقون.
الأنعام 6:101
﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: ابْتَدَعَهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ ﴿أَنى يكون لَهُ ولد﴾ مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ؟! ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾
الأنعام 6:102
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ وَكِيلٌ﴾ أَي: حفيظ لأعمال الْعباد
الأنعام 6:103
﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا.
﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَار وَهُوَ اللَّطِيف﴾ بخلقه فِيمَا أَعْطَاهُم ﴿الْخَبِير﴾ بأعمالهم.
الأنعام 6:104
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿فَمن أبْصر﴾ [اهْتَدَى] ﴿فلنفسه وَمن عمي﴾ عَن الْهدى ﴿فعلَيْهَا﴾ فَعَلَى نَفْسِهِ ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بحفيظ﴾ أَحْفَظُ أَعْمَالَكُمْ حَتَّى أُجَازِيَكُمْ بِهَا
الأنعام 6:105
﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ أَيْ: قَرَأْتَ وَتَعَلَّمْتَ، وَبَعْضُهُمْ يَقْرَؤُهَا (دَارَسْتَ)؛ أَيْ: قَارَأْتَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ.
الأنعام 6:106
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبك﴾ (يَقُولُ: ادْعُهُمْ إِلَى) لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وَهِي مَنْسُوخَة، نسختها الْقِتَال
الأنعام 6:108
﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْر علم﴾.
قَالَ يحيى: وَهِيَ تُقْرَأُ ﴿عَدْوًا﴾ وَ ﴿عُدُوَّا﴾ وَهُوَ مِنَ الْعُدْوَانِ، وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أمة﴾ أَيْ: لِأَهْلِ كُلِّ ملةٍ ﴿عَمَلَهُمْ﴾.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
قَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَاللِّهِ لَيَنْتَهِيَنَّ محمدٌ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا، أَوْ لَنَسُبَنَّ رَبَّهُ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة.
الأنعام 6:109
﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ [بِمَبْلَغِ أَيْمَانِهِمْ] ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ ليُؤْمِنن بهَا﴾ قَالَ الله لنَبيه: ﴿قَالَ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يشعركم﴾ أَيْ: مَا يَدْرِيكُمْ ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَت لَا يُؤمنُونَ﴾.
قَالَ محمدٌ: تُقْرَأُ (إِنَّهَا) بِكَسْرِ الْأَلِفِ؛ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَتُقْرَأُ (أَنَّهَا) بِالْفَتْحِ؛ بِمَعْنَى: لَعَلَّهُمْ، ذَكَرَهُ أَبُو عبيد.
الأنعام 6:110
﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ أَيْ: نَطْبَعُ عَلَيْهَا ﴿كَمَا لَمْ يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة﴾ يَقُولُ: لَوْ جَاءَتْهُمُ الْآيَةُ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا قَبْلَ أَنْ يَجِيئَهُمُ الْعَذَابُ ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طغيانهم يعمهون﴾ أَي: يَتَرَدَّدُونَ.
الأنعام 6:111
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شيءٍ قبلا﴾
يَعْنِي: عَيَانًا ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: [هَذَا] حِينَ قَالُوا: ابْعَثْ لَنَا مَوْتَانَا نَسْأَلْهُمْ أحقٌّ مَا تَقُولُ أَمْ بَاطِلٌ؟ وَلِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلَا أنزل علينا الْمَلَائِكَة﴾ وَلِقَوْلِهِمْ: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قبيلا﴾ يَقُولُ: لَوْ فَعَلْنَا هَذَا بِهِمْ [حِين: يرونه] (ل ٩٩) عِيَانًا ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يجهلون﴾ أَي: لَا يعلمُونَ. وَقَوله: ﴿أَكْثَرهم﴾ يَعْنِي: مَنْ ثَبَتَ عَلَى الْكُفْرِ مِنْهُم.
الأنعام 6:112
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ قَالَ الْحَسَنُ:
جَعَلَ اللَّهُ أَعْدَاءَ الْأَنْبِيَاء ﴿شياطين الْإِنْس﴾ وهم الْمُشْركُونَ ﴿وَالْجِنّ﴾ أَيْ: وَشَيَاطِينَ الْجِنِّ ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
وَهُوَ مَا تُوَسْوِسُ الشَّيَاطِينُ إِلَى بَنِي آدَمَ مِمَّا يَصُدُّونَهُمْ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ:
زُخْرُفُ الْقَوْلِ: مَا زُيِّنَ مِنْهُ وَمُوِّهَ وَحُسِّنَ، وَأَصْلُ الزخرف: الذَّهَب، و (غرُورًا) مصدرٌ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: يَغُرُّونَ غُرُورًا.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَوْحَى الشَّيَاطِينُ إِلَى الْإِنْسِ ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يفترون﴾ ثمَّ أَمر بقتالهم بعد
الأنعام 6:113
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة﴾ يَعْنِي أَفْئِدَةَ الْمُشْرِكِينَ تُصْغِي إِلَى مَا توحي إِلَيْهِ الشَّيَاطِينَ ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مقترفون﴾ يَعْنِي: وَلِيَكْتَسِبُوا مَا هُمْ مُكْتَسِبُونَ.
قَالَ محمدٌ: الِاخْتِيَارُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ: (وَلِيَرْضَوْهُ) (وَلِيَقْتَرِفُوا) بِتَسْكِينِ اللَّامِ؛ عَلَى أَنَّ اللَّامَ لَامُ الْأَمْرِ؛ وَالْمَعْنَى: التهدد والوعيد.
الأنعام 6:114
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا﴾ أَيْ: مُبَيَّنًا، بَيَّنَ فِيهِ الْهُدَى وَالضَّلَالَةَ، وَالْحَلَالَ وَالْحَرَامَ.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبك بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الدِّرَاسَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يَعْنِي: الشَّاكِّينَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّ أَهْلَ الدِّرَاسَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ.
الأنعام 6:115
﴿وتمت (كَلِمَات﴾ رب صدقا وعدلاً} قَالَ قَتَادَةُ يَعْنِي صِدْقًا [فِيمَا وَعَدَ] وَعَدْلًا فِيمَا حَكَمَ ﴿لَا مبدل لكلماته﴾ فِيمَا وعد.
الأنعام 6:116
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان ﴿إِن يتبعُون﴾ بعبادتهم الْأَوْثَان ﴿إِلَّا الظَّن﴾ يَقُولُ: ادَّعَوْا أَنَّهُمْ آلِهَةٌ بِظَنٍّ مِنْهُمْ ﴿وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ يَعْنِي: يَكْذِبُونَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَصْلُ (الْخَرْصِ): الظَّنُّ وَالْحَزَرُ، وَمِنْهُ قِيلَ للحازر: (خارص).
الأنعام 6:117
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَلَى الْهُدَى، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبيله.
الأنعام 6:118
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: مَا أُدْرِكَ ذَكَاتُهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَالْمُنْخَنِقَةَ وَالْمَوْقُوذَةَ وَالْمُتَرَدِّيَةَ وَالنَّطِيحَةَ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ؛ فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، إِلَّا مَا أدْرك ذَكَاته.
الأنعام 6:119
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ أَيْ: فَكُلُوهُ، فَهُوَ لَكُمْ حلالٌ ﴿وَقد فصل﴾ بَيَّنَ لَكُمْ ﴿مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْر علم﴾ أَتَاهُمْ مِنَ اللَّهِ، وَلَا حُجَّةَ؛ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أعلم بالمعتدين﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَتَعَدُّونَ أَمْرَ اللَّهِ.
الأنعام 6:120
﴿وذروا ظَاهر الْإِثْم وباطنه﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يقترفون﴾ يَعْنِي: يكتسبون.
الأنعام 6:121
﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ لَشِرْكٌ؛ يَقُولُ: إِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ شركٌ.
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ من الْمُشْركين ﴿ليجادلوكم﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: قَالَ: كَانَ الْمُشْركُونَ يُجَادِلُونَ الْمُسْلِمِينَ [فِي] الذَّبِيحَةِ؛ فَيَقُولُونَ: أَمَّا مَا ذَبَحْتُمْ (وَقَتَلْتُمْ) فَتَأْكُلُونَهُ، وَأما مَا قتل (ل ١٠٠) اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُونَهُ، وَأَنْتُمْ بِزَعْمِكُمْ تَتَّبِعُونَ أَمْرَ اللَّهِ؟! فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِن أطعتموهم﴾ فاستحللتم الْميتَة ﴿إِنَّكُم لمشركون﴾.
الأنعام 6:122
قَوْله: ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: بِالْإِسْلَامِ ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يَعْنِي: ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ أَيْ: هُوَ مُتَحَيِّرٌ فِيهَا.
﴿هَلْ يستويان مثلا﴾ أَيْ: أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ.
قَالَ يحيى: بَلَغَنِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، ثُمَّ هِيَ عَامَّة بعد.
الأنعام 6:123
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أكَابِر مجرميها﴾.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيهَا أَكَابِرَ. قَالَ قَتَادَة: وَمعنى (أكَابِر): جَبَابِرَةٌ.
﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفسِهِم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَمْكُرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: أَنَّ جَزَاءَ مَكْرِهِمْ راجعٌ عَلَيْهِم.
الأنعام 6:124
﴿سيصيب الَّذين أجرموا﴾ يَعْنِي: أَشْرَكُوا ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَي: ذلةً ﴿وَعَذَاب شَدِيد﴾ فِي الْآخِرَةِ ﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ يَعْنِي: يشركُونَ.
الأنعام 6:125
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يشْرَح﴾ أَي: يُوسع ﴿صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ الْحَرَجُ وَالضِّيقُ مَعْنَاهُمَا واحدٌ.
﴿كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ أَيْ: كَأَنَّمَا يُكَلَّفُ أَنْ يَصَّعَّدَ إِلَى السَّمَاءِ؛ يَقُولُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ مَا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ.
﴿كَذَلِك يَجْعَل الله الرجس﴾ يَعْنِي: رَجَاسَةَ الْكُفْرِ ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
الأنعام 6:126
﴿وَهَذَا صِرَاط رَبك مُسْتَقِيمًا﴾ (يَعْنِي: دين رَبك مُسْتَقِيمًا) ﴿وَقد فصلنا الْآيَات﴾ أَي: بيناها ﴿لقوم يذكرُونَ﴾ إِنَّمَا يتَذَكَّر الْمُؤمن.
الأنعام 6:127
﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ، وَدَارُهُ الْجَنَّةُ.
الأنعام 6:128
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ ثُمَّ نَقُولُ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ من الْإِنْس﴾ أَيْ: كَثُرَ مَنْ أَغْوَيْتُمْ وَأَضْلَلْتُمْ ﴿وَقَالَ أولياؤهم من الْإِنْس﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ أَضَلُّوا مِنَ الْإِنْسِ ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّار مثواكم﴾ مَنْزِلَكُمْ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عليم﴾ حكيمٌ فِي أَمْرِهِ، عليمٌ بِخَلْقِهِ.
قَالَ محمدٌ:
جَاءَ عَنِ ابْن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لأهل الْإِيمَان.
الأنعام 6:129
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: الْمُشْرِكُونَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ؛ كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بعض.
الأنعام 6:130
﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ يَعْنِي: مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ ﴿أَلَمْ يأتكم رسل مِنْكُم﴾ (يَعْنِي: مِنَ الْإِنْسِ) وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِنَ الْجِنِّ، وَلَا مِنَ النِّسَاءِ.
﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدنَا على أَنْفُسنَا﴾ أَنَّهُ قَدْ جَاءَتْنَا الرُّسُلُ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ إِذْ كَانُوا فِيهَا ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أنفسهم﴾ فِي الْآخِرَةِ ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ فِي الدُّنْيَا
الأنعام 6:131
﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُهْلِكِ اللَّهُ قَوْمًا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ؛ حَتَّى بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا.
قَالَ محمدٌ: وَمَعْنَى ﴿ذَلِك أَن لم يكن﴾ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يكن.
الأنعام 6:132
﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ أَيْ: عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ.
يحيى: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ قَالَ: قَالَ
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: الدَّرَجَةُ فِي الْجَنَّةِ فَوْقَ الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيَرْفَعُ (بَصَرَهُ فَيَلْمَعُ لَهُ) برقٌ يَكَادُ يَخْطَفُ بَصَرَهُ؛ فَيَقُولُ: مَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: هَذَا: نُورُ أَخِيكَ فُلَانٌ. فَيَقُولُ: أَخِي فُلَانٌ كُنَّا فِي الدُّنْيَا نَعْمَلُ جَمِيعًا، وَقَدْ فُضِّلَ عَلَيَّ هَكَذَا! فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْكَ عَمَلًا، ثُمَّ يُجْعَلُ فِي قلبه الرِّضَا حَتَّى يرضى ".
الأنعام 6:133
﴿إِن يَشَأْ يذهبكم﴾ بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ؛ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أنشأكم﴾ خَلَقَكُمْ ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾
الأنعام 6:134
﴿إِنَّمَا توعدون لآتٍ﴾ ﴿ل ١٠١﴾ يَعْنِي: السَّاعَةَ ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِالَّذِينَ تُعْجِزُونَ اللَّهَ، فَتَسْبِقُونَهُ حَتَّى لَا يقدر عَلَيْكُم.
الأنعام 6:135
﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مكانتكم﴾ أَيْ: عَلَى كُفْرِكُمْ؛ وَهَذَا وَعِيدٌ.
﴿إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار﴾ دَارِ الْآخِرَةِ، وَعَاقِبَتُهَا الْجَنَّةُ ﴿إِنَّهُ لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ أَي: الْمُشْركُونَ.
الأنعام 6:136
﴿وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ﴾ مِمَّا خَلَقَ ﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبا﴾ الْآيَةَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: عَمَدَ ناسٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فَجَزَّءُوا مِنْ حُرُوثِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ (جُزْءًا لِلَّهِ)، وَجُزْءًا لِشُرَكَائِهِمْ - يَعْنِي: أَوْثَانَهُمْ - وَكَانُوا إِذَا خَالَطَ شيءٌ مِمَّا جَزَّءُوا لِلَّهِ شَيْئًا مِمَّا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ - تَرَكُوهُ، وَإِذَا خَالَطَ شَيْءٌ مِمَّا جَزَّءُوا لِشُرُكَائِهِمْ شَيْئًا مِمَّا جَزَّءُوا لِلَّهِ - رَدُّوهُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ، وَإِذَا أَصَابَتْهُمُ السَّنَةُ لِشُرُكَائِهِمْ شَيْئًا مِمَّا جَزَّءُوا لِلَّهِ - رَدُّوهُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ، وَإِذَا أَصَابَتْهُمُ السَّنَةُ [اسْتَعَانُوا] بِمَا جَزَّءُوا لِلَّهِ، وَوَفَّرُوا مَا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ. قَالَ الله ﴿سَاءَ مَا﴾ بِئْسَ مَا ﴿يَحْكُمُونَ﴾.
الأنعام 6:137
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قتل أَوْلَادهم شركاؤهم﴾ يَعْنِي: الشَّيَاطِينَ أَمَرُوهُمْ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ خيفة الْعيلَة ﴿ليردوهم﴾ ليهلكوهم ﴿وليلبسوا عَلَيْهِم﴾ وليخلطوا عَلَيْهِم ﴿دينهم﴾ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ؛ وَهُوَ الْإِسْلَام.
الأنعام 6:138
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ حَرَامٌ ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نشَاء بزعمهم﴾ وَهَذَا مَا كَانَ يَأْكُلُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ وَهُوَ مَا حَرَّمُوا مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ؛ وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ هَذَا ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا﴾ هُوَ مَا اسْتَحَلُّوا مِنْ أَكْلِ الْميتَة ﴿افتراء عَلَيْهِ﴾ عَلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الله أَمرهم بِهَذَا.
الأنعام 6:139
﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء﴾ كَانَ مَا وُلِدَ مِنْ تِلْكَ الْأَنْعَامِ مِنْ ذكرٍ يَأْكُلُهُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَإِذَا كَانَتْ أُنْثَى تُرِكَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرُكَاءُ يَأْكُلُونَهَا جَمِيعًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ:
مَنْ قَرَأَ (خَالِصَة لذكورنا) فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: جَمَاعَةُ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ مِنْ ذُكُورٍ خالصةٌ لذكورنا، وَيرد [محرم] عَلَى لَفْظِ (مَا) لِأَنَّ مَا ذكر مُذَكّر.
﴿سيجزيهم وَصفهم﴾ أَيْ: بِمَا زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمرهم بِهِ
الأنعام 6:140
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سفها﴾ يَعْنِي: سَفَهَ الرَّأْيِ.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أَتَاهُم اللَّهِ يَأْمُرُهُمْ فِيهِ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ؛ وَهِيَ الْمَوْءُودَةُ؛ كَانُوا يَدْفِنُونَ بَنَاتَهُمْ وَهُنَّ أَحْيَاءٌ خَشْيَةَ الْفَاقَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَاللَّهُ صَاحِبُ بناتٍ؛ فَأَلْحَقُوا الْبَنَاتَ بِهِ ﴿وحرموا مَا رزقهم الله﴾ يَعْنِي: مَا حَرَّمُوا مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴿افتراء على الله﴾.
الأنعام 6:141
﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ﴾ أَيْ: خَلَقَ ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ معروشات﴾ قَالَ (مُجَاهِدٌ): الْعِنَبُ مِنْهُ مَعْرُوشٌ وَغَيْرُ مَعْرُوشٍ ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أكله﴾ مِنْهُ الْجَيِّدُ، وَمِنْهُ الرَّدِيءُ ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّان متشابها﴾ فِي المنظر ﴿وَغير متشابه﴾ فِي الْمَطْعَمِ ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَاده﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ [قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ أَنْ يَأْتُوا مِنْهُ عِنْدَ حَصَادِهِ، سِوَى الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَة].
﴿وَلَا تسرفوا﴾ لَا تُحَرِّمُوا مَا حَرَّمَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّة من الْحَرْث والأنعام.
الأنعام 6:142
قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ يَقُولُ: وَأَنْشَأَ مِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا، تَبَعًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات﴾ وَالْحَمُولَةَ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ، وَالْفَرْشُ: الْغَنَمُ.
﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ أَمْرَ الشَّيْطَانِ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ من الْأَنْعَام والحرث.
الأنعام 6:143
﴿ثَمَانِيَة أَزوَاج﴾ أَيْ: أَصْنَافٍ ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمن الْمعز اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَالْوَاحِدُ: زوجٌ ﴿قُلْ آلذكرين حرم﴾ على الِاسْتِفْهَام.
(ل ١٠٢) ﴿أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى؛ أَيْ: أَمْ كُلَّ ذَلِكَ حَرَّمَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ مِنْهُ شَيْئًا.
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا؛ وَهُوَ مَا حَرَّمُوا من الْأَنْعَام.
الأنعام 6:144
قَالَ: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقر اثْنَيْنِ قل الذكرين حرم أَن الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مِنْ ذكرٍ أَوْ أُنْثَى؛ أَيْ: أَمْ كُلَّ ذَلِكَ حَرَّمَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ مِنْهُ شَيْئًا.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ أَيْ: أَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا شُهَدَاءَ لِهَذَا، وَلَمْ يُوصِكُمُ اللَّهُ بِهِ؛ فَسَأَلَهُمُ النَّبي ﷺ فَسَكَتُوا وَلَمْ يُجِيبُوهُ. وَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، فِيمَ هَذَا التَّحْرِيمُ الَّذِي حَرَّمَهُ آبَاؤُنَا وَآبَاؤُهُمْ قَبْلَهُمْ؟ فَقَالَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَو دَمًا مسفوحا﴾ يَعْنِي: سَائِلًا. فَأَمَّا دمٌ فِي عِرْقٍ أَوْ مُخَالِطٌ لَحْمًا [فَلَا] ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وَهُوَ مَا ذَبَحُوا لِأَصْنَامِهِمْ؛ فِيهَا تَقْدِيمٌ ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ فَإِنَّهُ رجسٌ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلَا عَاد﴾ فَأَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى الِاضْطِرَارِ مِنْهُ ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيم﴾. قَدْ مَضَى تَفْسِيرُ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾.
الأنعام 6:146
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظفر﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: الْبَعِيرَ وَالنَّعَامَةَ ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَو الحوايا﴾ وَهُوَ الْمَبْعَرُ.
قَالَ محمدٌ: الْحَوَايَا: المباعر، وَاحِدهَا: حاويا وحويةٌ.
الأنعام 6:147
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَاسِعَة﴾ لِمَنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ، وَقَبِلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلا يُرَدُّ بأسه﴾ أَيْ: لَا يُصْرَفُ عَذَابُهُ ﴿عَنِ الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ الْمُشْركين.
الأنعام 6:148
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ قَالَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ: لَوْ كَرِهَ اللَّهُ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ لَحَوَّلَنَا عَنْهُ.
﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَنَّ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أَمَرْتُكُمْ بِهِ ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن﴾ أَيْ: هَذَا مِنْكُمْ ظَنٌّ ﴿وَإِنْ أَنْتُم إِلَّا تخرصون﴾ تكذبون
الأنعام 6:149
﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة﴾ فقد قَامَت عَلَيْكُم
الأنعام 6:150
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَن الله حرم هَذَا﴾ يَعْنِي: مَا حَرَّمُوا مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم﴾ وَإِنَّمَا [هُوَ سَفَهٌ] وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم برَبهمْ يعدلُونَ﴾ عدلوا بِهِ الْأَصْنَام فعبدوها.
الأنعام 6:151
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ ربكُم عَلَيْكُم﴾ وَهَذَا مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَيْ: وَأَوْصَاكُمْ بِالْوَالِدَيْنِ حُسْنًا ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إملاق﴾ أَيْ: مَخَافَةَ الْفَاقَةِ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وإياهم وَلَا تقربُوا الْفَوَاحِش﴾ يَعْنِي: الزِّنَا ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يَعْنِي: الزِّنَا الظَّاهِرَ ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ يَعْنِي: الْمَخَالَّةَ فِي السِّرِّ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ أَمركُم بِهِ.
الأنعام 6:152
﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ قَدْ مَضَى تَفْسِيرُ هَذَا.
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْل وَالْمِيزَان بِالْقِسْطِ﴾ بِالْعَدْلِ ﴿لَا نكلف نفسا إِلَى وسعهَا﴾ طاقتها ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فاعدلوا﴾ يَعْنِي: الشَّهَادَةَ ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قربى وبعهد الله أَوْفوا﴾ يَعْنِي: مَا كَانَ مِنَ الْحَقِّ.
الأنعام 6:153
﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ يُرِيدُ: الْإِسْلَامَ ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السبل﴾ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ.
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ لكَي تتقوا
الأنعام 6:154
﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا على الَّذِي أحسن﴾ قَالَ قَتَادَةُ:
مَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا تَمَّتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ فِي الْآخِرَة ﴿وتفصيلا﴾ يَعْنِي: تبييناً ﴿لكل شيءٍ﴾ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ.
قَالَ محمدٌ: قَوْلُهُ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أحسن﴾ مَعْنَاهُ: تَمَامًا مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ؛ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ قَتَادَة (ل ١٠٣) (وتماماً) مَنْصُوبٌ عَلَى مَعْنَى التَّمَامِ، وَكَذَلِكَ (تَفْصِيلًا) أَي: للتمام وَالتَّفْصِيل.
الأنعام 6:155
﴿وَهَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ مبارك﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن
الأنعام 6:156
﴿أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة﴾ لِئَلَّا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قبلنَا﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ﴿وَإِنْ كُنَّا عَن دراستهم﴾ [قراءتهم] ﴿لغافلين﴾.
الأنعام 6:157
﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا﴾ أَي: يصدون ﴿سوء الْعَذَاب﴾ أشده.
الأنعام 6:158
﴿هَل ينظرُونَ﴾ أَي: مَا ينظرُونَ؛ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَة﴾ بِالْمَوْتِ ﴿أَو يَأْتِي رَبك﴾ وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (أَوْ يَأْتِيَ بعض آيَات رَبك} يَعْنِي: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فِي تَفْسِيرِ الْعَامَّةِ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بعض آيَات رَبك﴾ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانهَا خيرا﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ:
لَا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ يومئذٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، وَلَا مِمَّنْ كَانَ يَدَّعِي الإِيمَانَ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخْلِصًا.
يحيى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ".
﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَنْتَظِرُونَ بِالنَّبِيِّ الْمَوْتَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يَنْتَظِرُ بِهِمُ الْعَذَابَ.
الأنعام 6:159
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شيعًا﴾ أَحْزَابًا. قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئُونَ وَغَيْرُهُمْ.
﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شيءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله﴾ قَالَ مُحَمَّد: قِيلَ: إِن هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بقتالهم.
الأنعام 6:160
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالهَا﴾ هَذِهِ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الْآيَة.
﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ (وَهَذِهِ فِي الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا} السَّيِّئَةُ هَا هُنَا هِيَ الْأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ ﴿فَلا يُجْزَى إِلَّا مثلهَا﴾.
يَحْيَى: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " قَالَ رَبُّكُمْ: إِذَا عَمِلَ عَبْدِي حَسَنَةً فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضِعْفٍ، وَإِنْ هَمَّ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ وَاحِدَةً، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَاكْتُبُوهَا بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَتَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فاكتبوها بحسنة ".
الأنعام 6:161
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صراطٍ مُسْتَقِيم دينا قيمًا﴾ قَالَ مُحَمَّد: (دينا) منصوبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَالْقِيَمُ وَالْمُسْتَقِيمُ فِي مَعْنَاهُمَا واحدٌ.
الأنعام 6:162
﴿قل إِن صَلَاتي ونسكي﴾ قَالَ قَتَادَة: (نسكي) يَعْنِي: حَجِّي وَذَبْحِي ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ قَالَ محمدٌ: الِاخْتِيَارُ عِنْدَ الْقُرَّاءِ فِي (محياي) بِفَتْحِ الْيَاءِ؛ لِسُكُونِ الْأَلِفِ قَبْلَهَا؛ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ سَاكِنَانِ، وَالْأَمْرُ فِي الْيَاء من (مماتي) [وَاسع] فِي فتحهَا وتسكينها.
الأنعام 6:164
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رب كل شَيْء﴾ وَهَذَا جوابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ، حَيْثُ دَعَوُا النَّبِيَّ إِلَى أَنْ يَعْبُدَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الْوِزْرُ: الذَّنْبُ؛ يَقُولُ: لَا يَحْمِلُ أحدٌ ذَنْب أحدٍ.
الأنعام 6:165
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾ قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: سُكَّانَ الْأَرْضِ؛ يَخْلُفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَاحِدُهُمْ: خَلِيفَةٌ.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ فِيمَا أَعْطَاكُمْ مِنَ الْفَضَائِلِ فِي [الدُّنْيَا] ﴿ليَبْلُوكُمْ﴾ ليختبركم ﴿فِيمَا آتَاكُم﴾ أَعْطَاكُمْ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ فِيهِ حِينَ كَذَّبُوا رسله ﴿وَإنَّهُ لغَفُور رَحِيم﴾ لِمَنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ وَآمَنَ بِرَبِّهِ.
الأعراف 7:1
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَهِيَ مكيةٌ كلهَا إِلَّا ( ... ... ... . .)
(ل ١٠٤)
قَوْله: ﴿المص﴾ كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا تَفْسِير ﴿المص﴾ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ السَّلَفِ كَانُوا يَقُولُونَ: أَسمَاء السُّور وفواتحها.
الأعراف 7:2
﴿كتاب أنزل إِلَيْك﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
﴿فَلا يَكُنْ فِي صدرك حرج مِنْهُ﴾ أَيْ: شَكٌّ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
قَالَ محمدٌ: أَصْلُ الْحَرَجِ: الضِّيقُ، وَالشَّاكُّ فِي الْأَمْرِ يَضِيقُ بِهِ صَدْرًا؛ فَسُمِّيَ الشَّكُّ حَرَجًا ﴿لتنذر بِهِ﴾ من النَّار ﴿وذكرى للْمُؤْمِنين﴾ يذكرُونَ بِهِ الْآخِرَة.
الأعراف 7:3
﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يَعْنِي: الْأَوْثَانَ ﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يَعْنِي: أقلكم المتذكر
الأعراف 7:4
﴿وَكم من قَرْيَة أهلكناها﴾ يَعْنِي: مَا أَهْلَكَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ ﴿فَجَاءَهَا بأسنا﴾ عذابنا ﴿بياتا﴾ يَعْنِي: لَيْلًا ﴿أوهم قَائِلُونَ﴾ يَعْنِي: عِنْد القائلة بِالنَّهَارِ
الأعراف 7:5
﴿فَمَا كَانَ دَعوَاهُم﴾ قَوْلُهُمْ ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
الأعراف 7:7
﴿فلنقصن عَلَيْهِم﴾ أَي: أَعْمَالهم ﴿بِعلم﴾ بهَا ﴿وَمَا كُنَّا غائبين﴾ عَن أَعْمَالهم.
الأعراف 7:8
﴿وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحق﴾.
يحيى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ:
يُوضَعُ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ وُضِعَ فِي كفته السَّمَوَات وَالْأَرْضُ لَوَسِعَتْهَا؛ فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا مَا هَذَا؟ فَيَقُولُ: أَزِنُ بِهِ لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عبادتك ".
الأعراف 7:10
﴿وَلَقَد مكناكم فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: بَعْدَ الْمَاضِينَ ﴿قَلِيلا مَا تشكرون﴾ أقلكم من يُؤمن.
الأعراف 7:11
﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ.
﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسجدوا لآدَم﴾ قَالَ الْحَسَنُ:
إِنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارِ السَّمُومِ، وَإِنَّ الَمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَأَمَرَ إِبْلِيسَ أَيْضًا بِالسُّجُودِ لَهُ، فَجَمَعَ المأمورين جَمِيعًا.
الأعراف 7:12
﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمرتك﴾ الْآيَةَ.
قَالَ محمدٌ: (أَلَّا تَسْجُدَ) مَعْنَاهُ: أَن تسْجد، و (لَا) مُؤَكدَة.
الأعراف 7:14
﴿قَالَ أَنْظرنِي﴾ أخرني ﴿إِلَى يَوْم يبعثون﴾
الأعراف 7:15
﴿قَالَ إِنَّك من المنظرين﴾ فِيهَا إِضْمَارٌ؛ أَيْ: إِلَى يَوْمِ الْوَقْت الْمَعْلُوم
الأعراف 7:16
﴿قَالَ فبمَا أغويتني﴾ أَضْلَلْتَنِي ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أَي: فأصدهم عَنهُ
الأعراف 7:17
﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي: مِنْ قِبَلِ الْآخِرَةِ؛ فَأُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ لَا بَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ. ﴿وَمِنْ خَلفهم﴾ يَعْنِي: مِنْ قِبَلِ الدُّنْيَا؛ فَأُزَيِّنُهَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَأُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ، فِيمَا صَنَعُوا ﴿وَعَن أَيْمَانهم﴾ أَيْ: مِنْ قِبَلِ الْخَيْرِ؛ فَأُثَبِّطُهُمْ عَنهُ. ﴿وَعَن شمائلهم﴾ مِنْ قِبَلِ الْمَعَاصِي؛ فَآمُرُهُمْ بِهَا، ﴿وَلَا تَجِد أَكْثَرهم شاكرين﴾ وَكَانَ ذَلِكَ ظناُّ مِنْهُ، فَكَانَ الْأَمر على مَا ظن
الأعراف 7:18
﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ يَعْنِي: مَذْمُومًا مُبْعَدًا}.
قَالَ مُحَمَّدٌ: تَقُولُ: ذَأَمْتَ الرَّجُلَ؛ إِذَا بِالَغْتَ فِي عَيبه وذمه.
الأعراف 7:19
﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجنَّة﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عباسٍ: الشَّجَرَةُ: السُّنْبُلَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ التِّينُ.
وَقَوله: ﴿فتكونا من الظَّالِمين﴾ أَي: لأنفسكما يخطيئتكما
الأعراف 7:20
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا﴾ وَكَانَا كَسِيَا الظُّفُرِ.
﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا﴾ لِئَلَّا تَكُونَا ﴿ملكَيْنِ﴾ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين﴾ الَّذين لَا يموتون
الأعراف 7:21
﴿وقاسمهما﴾ بِاللَّهِ.
قَالَ قَتَادَةُ:
حَلَفَ لَهُمَا بِاللَّهِ، وَقَالَ لَهُمَا: خُلِقْتُ قَبْلَكُمَا، وَأَنَا أَعْلَمُ مُنْكُمَا؛ فَاتَّبِعَانِي أُرْشِدُكُمَا.
﴿فلادهما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهما سوءاتهما﴾ قَالَ محمدٌ:
الأعراف 7:22
قَوْله: ﴿فدلاهما بغرور﴾ الْمَعْنَى: دَلَّاهُمَا فِي الْمَعْصِيَةِ؛ بِأَنْ غَرَّهُمَا، وَالسَّوْءَةُ: كنايةٌ عَنِ الْفَرْجِ ﴿وطفقا﴾ أَيْ: جَعَلَا ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ ورق الْجنَّة﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: [يرقعانه] (ل ١٠٥) كَهَيئَةِ الثَّوْب ﴿وناداهما ربهما﴾ الْآيَةَ.
يحيى: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بْنِ [كَعْبٍ] قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَانَ آدَمُ رَجُلًا طِوَالًا، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ كَثِيرُ شَعْرِ الرَّأْسِ؛ فَلَمَّا وَقَعَ بِمَا وَقَعَ بِهِ، بَدَتْ لَهُ عَوْرَتَهُ، وَكَانَ لَا يَرَاهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَانْطَلَقَ هَارِبًا فِي الْجَنَّةِ؛ فَأَخَذَتْ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ بِرَأْسِهِ؛ فَقَالَ لَهَا: أَرْسِلِينِي، فَقَالَتْ: لَسْتُ بِمُرْسِلَتِكَ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا آدَمُ، أَمِنِّي تَفِرَّ؟ قَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَسْتَحْيِيكَ ".
الأعراف 7:24
﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر﴾ تَكُونُونَ فِيهَا. ﴿ومتاع﴾ يَعْنِي: مَتَاعَ الدُّنْيَا تَسْتَمْتِعُونَ بِهِ ﴿إِلَى حِين﴾ إِلَى الْمَوْت.
الأعراف 7:25
﴿قَالَ فِيهَا﴾ يَعْنِي: الأَرْض ﴿تحيون﴾ أَيْ: تُولَدُونَ.
﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تخرجُونَ﴾ يَوْم الْقِيَامَة.
الأعراف 7:26
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُم لباساً يواري سواءتكم﴾ يَعْنِي: الثِّيَاب ﴿وريشا﴾ يَعْنِي: الْمَتَاعَ وَالْمَالَ.
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ وَالرَّفْعُ عَلَى مَعْنَى كلامٍ مُسْتَقْبَلٍ، ولباس التَّقْوَى: العفاف.
الأعراف 7:27
﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَان﴾ أَيْ: لَا يُضِلَّنَّكُمْ.
﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وقبيله﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: قَبِيلُهُ: الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ.
الأعراف 7:28
﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة﴾ يَعْنِي: مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بهَا﴾.
الأعراف 7:29
﴿قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ بِالْعَدْلِ ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ حَيْثُ صَلَّيْتُمْ ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾.
يحيى: عَنْ هَمَّامٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: " يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - أَوْ قَالَ: النَّاسَ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا. قَالَ: قُلْتُ: مَا بُهْمًا؟! قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْء ".
الأعراف 7:31
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْد كل مَسْجِد﴾ قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً؛ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ؛ فَقَالَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كل مَسْجِد﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَمَرَهُمْ أَنْ يَلْبَسُوا الثِّيَاب ﴿وكلوا شربوا﴾ يَعْنِي: الْحَلَال ﴿وَلَا تسرفوا﴾ فَتُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ؛ كَمَا حَرَّمَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا حرمُوا
الأعراف 7:32
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ﴾ يَعْنِي: الثِّيَابَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً.
﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ مَا حَرَّمُوا مِنْ أَنْعَامِهِمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَقَدْ خَالَطَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا وَهِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴿خَالِصَةً يَوْم الْقِيَامَة﴾ دُونَ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ محمدٌ: مَنْ قَرَأَ ﴿خَالِصَة﴾ بِالرَّفْعِ، فَهُوَ عَلَى أَنَّهُ خبرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ الْمَعْنَى: قُلْ هِيَ ثابتةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خالصةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ، فَعَلَى الْحَالِ.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَات﴾ نُبَيِّنُهَا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَبِلُوا ذَلِكَ عَن الله.
الأعراف 7:33
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: الزِّنَا سِرَّهُ وعلانيته.
﴿وَالْإِثْم﴾ يَعْنِي: الْمَعَاصِيَ ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يَعْنِي: الظُّلْمَ ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حُجَّةً؛ يَعْنِي: أَوْثَانَهُمُ الَّتِي عَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِعَبَادَتِهَا بِغَيْرِ علمٍ جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ.
الأعراف 7:34
﴿وَلكُل أمة أجل﴾ الْآيَةَ، يَعْنِي: أَنَّ الْقَوْمَ إِذَا كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، فَجَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي يَأْتِيهِمْ فِيهِ الْعَذَابُ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَن الْعَذَاب ﴿سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَنهُ.
الأعراف 7:37
﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: يَنَالُهُمْ مَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رسلنَا﴾ يَعْنِي: الْمَلَائِكَة ﴿يتوفونهم﴾ قَالَ الْحَسَنُ: هَذِهِ وَفَاةُ [أَهْلِ] النَّارِ ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تدعون من دون الله﴾ (ل ١٠٦) يَعْنِي: شُرَكَاؤُكُمْ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿كَافِرين﴾.
الأعراف 7:38
﴿قَالَ ادخُلُوا فِي أُمَم﴾ أَيْ: مَعَ أممٍ ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّار﴾ ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أضلونا﴾ كل أمةٍ تَقوله أُخْرَاهَا لِأُولَاهَا ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا من النَّار﴾ الْآيَةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَيْ: عَذَابًا مُضَاعَفًا، وَالضِّعْفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمِثْلُ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى تَضْعِيفِ الشَّيْءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِن لَا تعلمُونَ﴾ أَيْ: أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ مَا لِكُلِّ فريق مِنْكُم.
الأعراف 7:40
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تفتح لَهُم﴾ يَعْنِي: لِأَعْمَالِهِمْ وَلَا لِأَرْوَاحِهِمْ ﴿أَبْوَابُ السَّمَاء﴾.
يحيى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ:
تَخْرُجُ رُوحُ الْمُؤْمِنُ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ فَتَصْعَدُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ تَوَفَّوْهُ؛ فَتَلْقَاهُ مَلَائِكَةٌ آخَرُونَ دُونَ السَّمَاءِ؛ فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: هَذَا فلانٌ كَانَ يَعْمَلُ كَيْتَ وَكَيْتَ - لِمَحَاسِنِ عَمَلِهِ. فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا بِكُمْ وَبِهِ؛ فَيَقْبِضُونَهُ فَيَصْعَدُونَ بِهِ مِنْ بَابِهِ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ (فَيُشْرِقُ) فِي السَّمَوَات؛ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَرْشِ، وَلَهُ برهانٌ كَبُرْهَانِ الشَّمْسِ، وَتَخْرُجُ رُوحُ الْكَافِرِ أَنْتَنَ مِنَ الْجِيفَةِ؛ فَتَصْعَدُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ تَوَفَّوْهُ، فَتَلْقَاهُمْ ملائكةٌ آخَرُونَ مِنْ دُونِ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٌ كَانَ يَعْمَلُ كَيْتَ وَكَيْتَ - لِمَسَاوِئِ عَمَلِهِ. فَيَقُولُونَ: لَا مَرْحَبًا بِهِ، رُدُّوهُ ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ::
فَيُرَدُّ إِلَى وادٍ يُقَالُ لَهُ: بَرَهُوتُ أَسْفَلَ الثَّرَى مِنَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ ". مِنْ حَدِيثِ يحيى بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخياط﴾ يَعْنِي: ثُقْبَ الْإِبْرَةِ. وَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الْجَمَلِ. فَقَالَ: هُوَ زَوْجُ النَّاقَةِ.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين
الأعراف 7:41
﴿لَهُم من جَهَنَّم مهاد﴾ أَيْ: فِرَاشٌ ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ يَعْنِي: مَا يَغْشَاهُمْ مِنَ النَّارِ.
الأعراف 7:43
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غل﴾ يَعْنِي: الْعَدَاوَةَ وَالْحَسَدَ.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا﴾ يَعْنُونَ: الْإِيمَانَ.
﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبنَا بِالْحَقِّ﴾ فِي الدُّنْيَا.
الأعراف 7:44
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ وَهُمْ مُشْرِفُونَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ، وَالنَّارُ فِي الْأَرْضِ.
﴿فَأذن مُؤذن بَينهم﴾ الْآيَة. أَي: نَادَى منادٍ.
الأعراف 7:45
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِذْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا ﴿(وَيَبْغُونَهَا عوجا﴾ يَبْغُونَ سَبِيل الله عوجا.
الأعراف 7:46
﴿وَبَينهمَا﴾ بَين الْجنَّة وَالنَّار ﴿حجابٌ﴾ وَهُوَ الْأَعْرَافُ.
﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رجالٌ يعْرفُونَ كلا بِسِيمَاهُمْ﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: يَعْرِفُونَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِبَيَاضِ وُجُوهِهِمْ، وَأَهْلَ النَّارِ بِسَوَادِ وُجُوهِهِمْ.
﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلام عَلَيْكُم﴾ ﴿قَالَ الله﴾ (لم يدخلوها} يَعْنِي: أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ فِي دُخُولِهَا، وَهَذَا طَمَعُ يَقِينٍ.
قَالَ قَتَادَة:
ذكر لنا أَن ابْنَ عباسٍ قَالَ: أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قومٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ؛ فَلَمْ تَفْضُلْ حَسَنَاتُهُمْ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ، وَلَا سَيِّئَاتُهُمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ، فَحُبِسُوا هُنَالِكَ.
يَحْيَى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ هُمْ قومٌ غَزَوْا بِغَيْرِ إِذْنِ آبَائِهِمْ فَاسْتُشْهِدُوا، فَحُبِسُوا عَنِ الْجَنَّةِ؛ لِمَعْصِيَتِهِمْ آبَاءَهُمْ، وَعَنِ النَّارِ بِشَهَادَتِهِمْ ".
يَحْيَى: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ الْمُتَلَمِّسِ السَّدُوسِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عبد الله ابْن الْحَارِثِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَن أُحُدًا جبلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، وَإِنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يُحْبَسُ عَلَيْهِ أقوامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ هُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ".
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَكُلُّ مرتفعٍ عِنْدَ الْعَرَبِ أعرافٌ.
الأعراف 7:48
﴿ونادى أَصْحَاب الْأَعْرَاف﴾ وَأَصْحَاب الْأَعْرَاف هَا هُنَا مَلَائِكَةٌ ﴿رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أغْنى عَنْكُم جمعكم﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (ل ١٠٧) عَن عبَادَة الله.
الأعراف 7:49
﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ يَعْنُونَ: أَهْلَ الْجَنَّةِ ﴿الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا ينالهم الله برحمة﴾ ثُمَّ انْقَطَعَ كَلَامُ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ الله لَهُم: ﴿ادخُلُوا الْجنَّة﴾ الْآيَة.
الأعراف 7:50
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَو مِمَّا رزقكم الله﴾ يعنون: الطَّعَام.
الأعراف 7:51
﴿فاليوم ننساهم﴾ أَيْ: نَتْرُكُهُمْ فِي النَّارِ؛ كَمَا تركُوا ﴿لِقَاء يومهم هَذَا﴾ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؛ أَيْ: فِي الدُّنْيَا ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
الأعراف 7:52
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى علم﴾ يَعْنِي: بَيَّنَّا فِيهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ وَالْأَحْكَامَ
الأعراف 7:53
﴿هَل ينظرُونَ﴾ ينتظرون ﴿إِلَّا تَأْوِيله﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: الْجَزَاءَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُول الَّذين نسوه﴾ تَرَكُوهُ ﴿من قبل﴾ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ إِذْ كُنَّا فِي الدُّنْيَا، فَآمَنُوا حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُهُمُ الإِيمَانُ ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ أَلا نعذب. ﴿أَو نرد﴾ إِلَى الدُّنْيَا ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نعمل﴾.
الأعراف 7:54
﴿يغشي اللَّيْل النَّهَار﴾ أَيْ: بِأَنَّ اللَّيْلَ يَأْتِي عَلَى النَّهَارَ، فَيُغَطِّيهِ وَيُذْهِبُهُ ﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ أَيْ: وَخَلَقَ النُّجُومَ جَارِيَاتٍ مَجَارِيهِنَّ.
الأعراف 7:55
﴿ادعوا رَبك تضرعاً وخفية﴾ أَيْ: سِرًّا ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْض بعد إصلاحها﴾ يَعْنِي: بَعْدَ مَا بُعِثَ النَّبِيُّ، واستجيب لَهُ ﴿إِن رَحْمَة اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
الأعراف 7:57
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أَيْ: يَبْسُطُهَا بَيْنَ يَدَيِ الْمَطَرِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْقِرَاءَةُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ (نَشْرًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وَالْمَعْنَى: مُنْتَشِرَةً نَشْرًا، وَمَنْ قَرَأَ (نُشْرًا) بِضَمِّ النُّونِ، فَهُوَ جَمْعُ: (نُشُورٍ)؛ وَهُيَ الَّتِي تَنْشُرُ السَّحَابَ.
﴿حَتَّى إِذَا أقلت سحابا ثقالا﴾ الثِّقَالُ: الَّتِي فِيهَا الْمَاءُ ﴿سُقْنَاهُ لبلد ميت﴾ يَعْنِي: لَيْسَ فِيهِ نَبَات.
الأعراف 7:58
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ ربه﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ:
هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ؛ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ مثل الْمُؤمن يَعْمَلُ مَا عَمِلَ مِنْ شيءٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ مَثْلُ الْمُنَافِقِ لَا يُعْطِي شَيْئًا وَلَا يعمله ﴿إِلَّا نكدا﴾ أَيْ: لَيْسَتْ لَهُ فِيهِ حسبةٌ ﴿كَذَلِك نصرف الْآيَات﴾ نبينها ﴿لقوم يشكرون﴾ يُؤمنُونَ.
الأعراف 7:59
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ مُهْلِكُكُمْ وَمُعَذِّبُكُمْ؛ إِنْ لم تؤمنوا.
الأعراف 7:63
﴿أَو عجبتم أَن جَاءَكُم ذكرٌ﴾ أَي: وحيٌ ﴿من ر بكم على رجلٍ مِنْكُم﴾ عَلَى لِسَانِ رجلٍ مِنْكُمْ ﴿لِيُنْذِرَكُمْ ولتتقوا ولعلكم ترحمون﴾ إِن آمنتم، و (لَعَلَّ) من الله وَاجِبَة.
الأعراف 7:64
﴿إِنَّهُم كَانُوا قوما عمين﴾ عموا عَن الْحق.
الأعراف 7:65
﴿وَإِلَى عَاد﴾ أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى عادٍ ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾ أَخُوهُمْ فِي النَّسَبِ، وَلَيْسَ بأخيهم فِي الدّين.
الأعراف 7:66
﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قومه﴾ يَعْنِي: الرُّؤَسَاءَ (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سفاهةٍ} أَيْ: مِنَ الرَّأْيِ ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ من الْكَاذِبين﴾ كَانَ تكذيبهم إِيَّاه بِالظَّنِّ.
الأعراف 7:68
﴿وَأَنَا لَكُمْ ناصحٌ﴾ أَدْعُوكُمْ إِلَى مَا يَنْفَعُكُمْ ﴿أَمِينٌ﴾ عَلَى مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد الله.
الأعراف 7:69
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بعد قوم نوحٍ﴾ يَعْنِي: اسْتَخَلَفَكُمْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَهُمْ ﴿وزادكم فِي الْخلق بصطة﴾ يَعْنِي: الْأَجْسَامَ وَالْقُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاهُمْ.
الأعراف 7:71
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ ربكُم رجسٌ﴾ أَيْ: عَذَابٌ.
﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ من المنتظرين﴾ أَيْ: أَنَّ عَذَابَ اللَّهِ نازلٌ بكم.
الأعراف 7:72
﴿وقطعنا دابر الَّذين كذبُوا﴾ أَي: أصلهم.
الأعراف 7:73
﴿وَلَا تمسوها بِسوء﴾ أَي: لَا تعقروها.
الأعراف 7:74
﴿وبوأكم فِي الأَرْض﴾ أسكنكم.
﴿وَلَا تعثوا﴾ قَدْ مَضَى تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَة.
الأعراف 7:77
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبهم﴾ يَعْنِي: استكبروا.
الأعراف 7:78
﴿فَأَخَذتهم الرجفة﴾ قَالَ الْحَسَنُ: تَحَرَّكَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ ﴿فأصحبوا فِي دَارهم جاثمين﴾ أَيْ: قَدْ هَلَكُوا.
قَالَ محمدٌ: الْجُثُومُ أَصْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: البروك على الركب.
الأعراف 7:82
﴿إِنَّهُم أنَاس يتطهرون﴾ أَيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا يعْملُونَ مَا تَعْمَلُونَ
الأعراف 7:83
﴿إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْبَاقِينَ فِي عَذَابِ الله.
(ل ١٠٨)
الأعراف 7:84
﴿وأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا﴾ يَعْنِي: الْحِجَارَةَ الَّتِي رُمِيَ بِهَا مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ فِي حوائجهم وأسفارهم.
الأعراف 7:85
﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصلاحها﴾ يَعْنِي: بَعْدَمَا بعث إِلَيْكُم النَّبِي
الأعراف 7:86
﴿وَلَا تقعدوا بِكُل صِرَاط﴾ طريقٍ. ﴿توعدون﴾ تُخَوِّفُونَ بِالْقَتْلِ ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ يَعْنِي: مِنْ أُهْلِكَ مِنَ الْأُمَمِ السالفة حِين كذبُوا رسلهم.
الأعراف 7:89
﴿وسع رَبنَا﴾ أَيْ: مَلَأَ رَبُّنَا ﴿كُلَّ شيءٍ علما﴾.
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أَيْ: احْكُمْ.
قَالَ قَتَادَةُ:
وَإِذَا دَعَا النَّبِيُّ رَبَّهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ، جَاءَهُمُ الْعَذَابُ.
الأعراف 7:92
﴿كَأَنْ لَمْ يغنوا فِيهَا﴾ يَعْنِي: يقيموا.
الأعراف 7:93
﴿فَكيف آسى﴾ أَحْزَنُ؛ أَيْ: لَا أَحْزَنُ عَلَيْهِمْ.
الأعراف 7:94
﴿أَخذنَا أَهلهَا بالبأساء﴾ يَعْنِي: الْجُوع والقحط ﴿وَالضَّرَّاء﴾ يَعْنِي: الْأَمْرَاض والشدائد
الأعراف 7:95
﴿ثمَّ بدلنا مَكَان السَّيئَة﴾ أَيْ: مَكَانَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴿الْحَسَنَةَ﴾ يَعْنِي: الرَّخَاءَ وَالْعَافِيَةَ. ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ: كَثُرُوا ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضراء والسراء﴾ فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ؛ يَعْنُونَ: مَا كَانَ يَعِدُ النَّبِيُّ بِهِ قَوْمَهُ مِنَ الْعَذَابِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
الأعراف 7:96
﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ: لَأَعْطَتْهُمُ السَّمَاءُ قطرها، وَالْأَرْض نباتها.
الأعراف 7:97
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بأسنا﴾ عذابنا ﴿بياتا﴾ يَعْنِي: لَيْلًا.
الأعراف 7:98
وَقَوله: ﴿ضحى﴾ يَعْنِي: نَهَارا ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ كَانَ فِي عملٍ لَا يُجْدِي وَفِي ضَلَالٍ: إِنَّمَا أَنْتَ لاعبٌ؛ أَيْ: فِي غَيْرِ مَا يُجْدِي عَلَيْك.
الأعراف 7:99
﴿أفأمنوا مكر الله﴾ يَعْنِي: عَذَابه.
الأعراف 7:100
﴿أَو لم نَهْدِ﴾ أَيْ: نُبَيِّنْ، وَتُقْرَأُ ﴿يَهْدِ﴾ يُبَيِّنُ اللَّهُ.
﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ من بعد أَهلهَا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ أُهْلِكُوا مِنَ الْأُمَمِ السالفة.
الأعراف 7:102
﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ يَعْنِي: الْمِيثَاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي صلب آدم.
الأعراف 7:103
﴿فظلموا بهَا﴾ أَيْ: جَحَدُوا أَنْ تَكُونَ مِنْ عِنْد الله.
الأعراف 7:105
﴿فَأرْسل معي بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي أَيْديهم بِمَنْزِلَة أهل الْجِزْيَة فِينَا.
الأعراف 7:108
﴿وَنزع يَده﴾ أَيْ: أَخْرَجَهَا مِنْ جَيْبِ قَمِيصِهِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
بَلَغَنَا أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا فِرْعَوْنُ، مَا هَذِهِ بيَدي؟ قَالَ: هِيَ عصى؛ فَأَلْقَاهَا مُوسَى، فَإِذَا هِيَ ثعبانٌ مبينٌ قَدْ مَلَأَتِ الدَّارَ مِنْ عِظَمِهَا، ثُمَّ أَهْوَتْ إِلَى فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ، فَنَادَى: يَا مُوسَى، يَا مُوسَى، فَأَخَذَ مُوسَى بِذَنَبِهَا؛ فَإِذَا هِيَ عَصًى بِيَدِهِ؛ فَقَالَ فِرْعَوْنُ: يَا مُوسَى، هَلْ مِنْ آيةٍ غَيْرِ هَذِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: فَأَخْرَجَ مُوسَى يَدَهُ فَقَالَ: مَا هَذِهِ يَا فِرْعَوْنُ؟ قَالَ: هَذِهِ يَدُكَ، فَأَدْخَلَهَا مُوسَى فِي جَيْبِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَإِذَا هِيَ بيضاءٌ لِلنَّاظِرِينَ، أَيْ: تغشى الْبَصَر من بياضها
الأعراف 7:111
﴿قَالُوا أرجه وأخاه﴾ أَيْ: أَخِّرْهُ وَأَخَاهُ ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِن حاشرين﴾ يَحْشُرُونَ السَّحَرَةَ؛ فَإِنَّمَا هُوَ سَاحِرٌ، وَلَيْسَ سِحْرُهُ بِالَّذِي يَغْلِبُ سَحَرَتَكَ. .
الأعراف 7:113
﴿قَالُوا إِنَّ لنا لأجرا﴾ يعنون: الْعَطِيَّة.
الأعراف 7:114
﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يَعْنِي: فِي الْمنزلَة.
﴿واسترهبوهم﴾ أَي: أخافوهم.
الأعراف 7:116
﴿وَجَاءُوا بسحرٍ عَظِيم﴾ فَخُيِّلَ إِلَى مُوسَى أَنَّ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهِمْ حياتٌ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ؛ فَإِذَا هِيَ أَعْظَمُ مِنْ حَيَّاتِهِمْ، ثُمَّ رَقَوْا فَازْدَادَتْ حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ عِظَمًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَجُعِلَتْ عَصَا مُوسَى تَعْظُمُ وَهُمْ يَرْقُونَ حَتَّى أَنْفَدُوا سِحْرَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَظُمَتْ عَصَا مُوسَى حَتَّى سَدَّتِ الْأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فَاهَا، فَابْتَلَعَتْ مَا أَلْقَوْا، ثُمَّ أَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ بِيَدِهِ، فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ قَدْ ذَهَبَتْ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تلقف مَا يأفكون﴾ أَي: مَا يكذبُون.
الأعراف 7:118
﴿فَوَقع الْحق﴾ فَظَهَرَ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
وَقَالَ السَّحَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ كَانَ هَذَا سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا.
الأعراف 7:120
﴿فألقي السَّحَرَة ساجدين﴾ أَيْ: خَرُّوا؛ فَبُهِتَ فِرْعَوْنُ، وَخَلَّى سَبِيلَ مُوسَى وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ.
الأعراف 7:123
﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَة﴾ (ل ١٠٩) قُلْتُمْ: يَا مُوسَى، اذْهَبْ فَاصْنَعْ شَيْئًا؛ فَإِذَا صَنَعْتَ ذَلِكَ دَعَانَا فِرْعَوْنُ فَصَدَّقْنَا مَقَالَتَكَ.
﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهلهَا﴾ أَيْ: لِتُخْرِجُونِي وَقَوْمِي بِسِحْرِكُمْ وَسِحْرِ مُوسَى.
الأعراف 7:124
﴿لأقطعن أَيْدِيكُم من خلافٍ﴾ الْيَد الْيُمْنَى، وَالرجل الْيُسْرَى.
الأعراف 7:127
﴿ويذرك وآلهتك﴾ قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ الْأَوْثَان.
الأعراف 7:128
﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاء من عباده﴾ وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَعْلَمَ مُوسَى أَنَّهُ مهلكٌ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَأَنَّهُ سَيُورِثُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأَرْضَ بَعْدَهُمْ ﴿وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ يُرِيد: الْجنَّة.
الأعراف 7:129
﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ يَقُولُهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى؛ يَعْنُونُ: مَا كَانَ يَصْنَعُ بِهِمْ فِرْعَوْنُ وَقَومه.
الأعراف 7:130
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنقص من الثمرات﴾ فَأَجْدَبَتْ أَرْضُهُمْ، وَهَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ، وَنَقَصَتْ ثِمَارُهُمْ؛ فَقَالُوا: هَذَا مِمَّا سَحَرَنَا بِهِ هَذَا الرجل.
الأعراف 7:131
﴿فَإِذا جَاءَتْهُم الْحَسَنَة﴾ الْعَافِيَةُ وَالرَّخَاءُ ﴿(قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أَيْ: لَنَا جَاءَتْ، وَنَحْنُ أَحَقُّ بهَا ﴿وَإِن تصبهم سَيِّئَة﴾ أَيْ: شِدَّةٌ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَه﴾ قَالُوا: إِنَّمَا أَصَابَنَا هَذَا مِنْ شُؤْمِ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ الله﴾ يَعْنِي: عَمَلَهُمْ هُوَ محفوظٌ عَلَيْهِمْ؛ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهِ.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: أَلَا إِنَّمَا الشُّؤْمُ الَّذِي يَلْحَقُهُمْ هُوَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فِي الْآخِرَةِ، لَا مَا يَنَالُهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا؛ وَهُوَ مَعْنَى قَول يحيى.
الأعراف 7:132
﴿وَقَالُوا مهما تأتنا بِهِ﴾ أَيْ: مَا تَأْتِنَا بِهِ: مَهْمَا و (مَا) بِمَعْنى واحدٍ.
الأعراف 7:133
﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان﴾ الْآيَةَ.
تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: الطُّوفَانُ: الْمَاءُ أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ حَتَّى قَامُوا فِيهِ قِيَامًا، فَدَعَوْا مُوسَى، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ، ثُمَّ عَادُوا لِشَرِّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ، فَأَكَلَ عَامَّةَ حُرُوثِهِمْ وَثِمَارِهِمْ، فَدَعَوْا مُوسَى فَدَعَا رَبَّهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ ثُمَّ عَادُوا لِشَرِّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ وَهُوَ الدُّبَيُّ؛ فَأَكَلَ مَا أَبْقَى الْجَرَادُ مِنْ حُرُوثِهِمْ وَلَحَسَتْهُ، فَدَعَوْا مُوسَى فَدَعَا رَبَّهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ، ثُمَّ عَادُوا لِشَرِّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ؛ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفَادِعَ؛ حَتَّى مَلَأَ بِهَا فَرْشَهُمْ وَأَفْنِيَتَهُمْ فَدَعَوْا مُوسَى؛ فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ، ثُمَّ عَادُوا لِشَرِّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ؛ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَجَعَلُوا لَا يَغْتَرِفُونَ مِنْ مَائِهِمْ إِلَّا دَمًا أَحْمَرَ؛ حَتَّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ جَمَعَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا إِسْرَائِيلِيٌّ وَالْآخَرُ قِبْطِيٌّ عَلَى إناءٍ وَاحِدٍ؛ فَكَانَ الَّذِي يَلِي الْإِسْرَائِيلِيَّ مَاءً، وَالَّذِي يَلِي الْقِبْطِيَّ دَمًا، فَدَعَوْا مُوسَى؛ فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ.
﴿آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ كَانَ الْعَذَاب يَأْتِيهم، فيكونون ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ بَيْنَ كُلِّ عذابين شهرٌ.
الأعراف 7:134
﴿وَلما وَقع عَلَيْهِم الرجز﴾ يَعْنِي: الْعَذَاب.
الأعراف 7:135
﴿إِلَى أجل هم بالغوه﴾ إِلَى يَوْمِ غَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِي الْيَمِّ ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.
الأعراف 7:137
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ يَعْنِي: أَبْنَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ؛ فِي تَفْسِيرِ الْحسن.
﴿وتمت كلمة رَبك الْحسنى﴾ يَعْنِي: ظُهُورُ قَوْمِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ؛ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ يبنون.
الأعراف 7:139
﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ أَي: مُفسد.
الأعراف 7:142
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعشر﴾ وَهِيَ: ذُو الْقِعْدَةُ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
إِنَّ مُوسَى لَمَّا قَطَعَ الْبَحْرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَغَرَّقَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ - قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: يَا مُوسَى، ائْتِنَا بكتابٍ مِنْ رَبِّنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، وَزَعَمْتَ أَنَّكَ تَأْتِينَا بِهِ إِلَى شَهْرٍ، فَاخْتَارَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ، فَلَمَّا تَجَهَّزُوا قَالَ اللَّهُ: يَا مُوسَى، أَخْبِرْ قَوْمَكَ أَنَّكَ لَنْ تَأْتِيَهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَذَلِكَ حِينَ تَمَّتْ بعشرٍ، فَلَمَّا خَرَجَ مُوسَى بِالسَّبْعِينَ أَمْرَهُمْ أَنْ يَنْتَظِرُوهُ فِي أَسْفَل الْجَبَل (ل ١١٠) وَصَعِدَ مُوسَى الْجَبَلَ، فَكَلَّمَهُ اللَّهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَكَتَبَ لَهُ فِيهَا الْأَلْوَاحَ، ثُمَّ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً؛ فَقَالُوا: قَدْ أَخْلَفْنَا مُوسَى الْوَعْدَ! وَجَعَلَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ الْعجل؛ فعبدوه.
الأعراف 7:143
﴿وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الْآيَةَ، قَالَ الْحَسَنُ:
لَمَّا كَلَّمَهُ رَبُّهُ، دَخَلَ قَلْبَ مُوسَى مِنَ السُّرُورِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى قَلْبِهِ مِثْلُهُ قَطُّ، فَدَعَتْ مُوسَى نَفْسُهُ إِلَى أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ؛ وَلَوْ كَانَ فِيمَا عَهِدَ إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُرَى، لَمْ يَسْأَلْ رَبَّهُ بِمَا يَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُعْطِيهِ إِيَّاهُ.
﴿فَقَالَ رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى ربه للجبل جعله دكا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: تَفَتَّتِ الْجَبَلُ بَعْضُهُ عَلَى بعضٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقِيلَ: جَعَلَهُ دَكًّا؛ أَيْ: أَلْصَقَهُ بِالأَرْضِ؛ يُقَالُ: ناقةٌ دَكَّاءُ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سنامٌ. وَقِيلَ فِي قَوْله: ﴿تجلى﴾ أَيْ: ظَهَرَ، أَوْ ظَهَرَ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ ﴿وَخَرَّ مُوسَى صعقا﴾ أَيْ: سَقَطَ مَيِّتًا.
قَالَ محمدٌ: وَقيل: (صعقاً): مغشياًّ عَلَيْهِ ﴿فَلَمَّا أَفَاق﴾ يَعْنِي: رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ حَيَاتَهُ.
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك﴾ أَيْ: مِنْ قَوْلِي: أَنْظُرُ إِلَيْكَ ﴿وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُصَدِّقِينَ بِأَنَّكَ لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا.
الأعراف 7:144
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخْتَرْتُك.
الأعراف 7:145
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شيءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شيءٍ﴾ أَيْ: تَبِيِّينًا لِكُلِّ مَا أُمِرُوا بِهِ، وَنُهُوا عَنْهُ.
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أَيْ: بِجَدٍّ ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحسنها﴾ أَيْ: بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ﴿سأريكم دَار الْفَاسِقين﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ؛ وَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
الأعراف 7:146
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْض﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: سَأَصْرِفُهُمْ عَنْهَا؛ حَتَّى لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴿وَإِنْ يرَوا سَبِيل الغي﴾ يَعْنِي: الْكفْر ﴿يتخذوه سَبِيلا﴾ أَخْبَرَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ؛ أَنَّهُمْ لَا يُؤمنُونَ أبدا.
الأعراف 7:148
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾ يَعْنِي: حِينَ ذَهَبَ لِلْمِيعَادِ ﴿مِنْ حليهم﴾ مِنْ حُلِيِّ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿عِجْلا جسدا لَهُ خوار﴾ صَوْتٌ.
قَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَ يَخُورُ خُوَارَ الْبَقْرَةِ. وَتَفْسِيرُ اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ مذكورٌ فِي سُورَةِ طه.
قَالَ محمدٌ: الْجَسَدُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَلا يَمِيزُ، وَمعنى الْجَسَد هَا هُنَا: الْجُثَّةُ. وَتُقْرَأُ ﴿مِنْ حَلْيِهِمْ﴾ وَ ﴿حَلْيِهِمْ﴾، فَالْحَلْيُ بِفَتْحِ الْحَاءِ: اسمٌ لِمَا يُتَحَسَّنُ بِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِضَمِّ الْحَاءِ فَهُوَ جَمْعُ (حليٍ).
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنه لَا يكلمهم﴾ يَعْنِي: الْعِجْلَ.
﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ أَي: طَرِيقا ﴿اتخذوه﴾ أَيْ: اتَّخَذُوهُ إِلَهًا.
﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ لأَنْفُسِهِمْ
الأعراف 7:149
﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم﴾ أَيْ: نَدِمُوا ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضلوا﴾ الآيَةُ. قَالُوا ذَلِكَ لِمَا صَنَعَ مُوسَى بِالْعِجْلِ مَا صَنَعَ، وَطَلَبُوا التَّوْبَةَ، وَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ، إِلا أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ؛ وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقْرَةِ.
قَالَ محمدٌ: يُقَالُ لِلْنَادِمِ عَلَى مَا فَعَلَ: قَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ، وَأُسْقِطَ فِي يَده.
الأعراف 7:150
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَان أسفا﴾ أَيْ: شَدِيدَ الْغَضَبِ.
﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ ربكُم﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: عَجِلْتُ الأَمْرَ إِذَا سَبَقْتُهُ، وَأَعْجَلْتُهُ: إِذَا اسْتَحْثَثْتَهُ.
﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ استضعفوني﴾.
قَالَ محمدٌ:
مَنْ قَرَأَ (ابْنَ أُمَّ) بِالْفَتْحِ، فَلِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ هَذَا الِاسْم.
الأعراف 7:152
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاة﴾ يَعْنِي: الْجِزْيَةَ ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الْكَاذِبِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْعِجْلَ إلههم
الأعراف 7:154
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أَيْ: سَكَنَ ﴿أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نسختها﴾ يَعْنِي: الْكِتَابَ الَّذِي نُسِخَتْ مِنْهُ التَّوْرَاة.
الأعراف 7:155
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا﴾ الآيَةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مِنْ كَلامِ الْعَرَب: اخْتَرْتُك (ل ١١١) الْقَوْمَ؛ أَيْ: مِنَ الْقَوْمِ.
قَالَ الْكَلْبِيّ:
إِن السّبْعين قَالَ لِمُوسَى حِينَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ: يَا مُوسَى لَنَا عَلَيْكَ حَقٌّ كُنَّا أَصْحَابَكَ وَلَمْ نَخْتَلِفْ، وَلَمْ نَصْنَعِ الَّذِي صَنَعَ قَوْمُنَا؛ فَأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً كَمَا رَأَيْتَهُ، فَقَالَ مُوسَى: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ، وَلَقَدْ أَرَدْتُهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَبَى وَتَجَلَّى لِلْجَبَلِ فَكَانَ دَكًّا وَهُوَ أَشَدُّ مِنِّي، وَخَرَرْتُ صَعِقًا، فَلَمَّا أَفَقْتُ سَأَلْتُ اللَّهَ وَاعْتَرَفْتُ بِالْخَطِيئَةِ. فَقَالُوا: إِنَّا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ؛ فَاحْتَرَقُوا مِنْ آخِرِهِمْ، فَظَنَّ مُوسَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا احْتَرَقُوا بِخَطِيئَةِ أَصْحَابِ الْعِجْلِ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ يَعْنِي: أَصْحَابَ الْعِجْلِ ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فتنتك﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ بَعَثَهُمُ الله من بعد مَوْتهمْ.
الأعراف 7:156
﴿إِنَّا هدنا إِلَيْك﴾ أَيْ: تُبْنَا.
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ يَعْنِي: أَهْلَهَا. لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، تَطَاوَلَ لَهَا إِبْلِيسُ، وَقَالَ: أَنَا مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَطَمِعَ فِيهَا أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿فسأكتبها﴾ يَعْنِي: فسأجعلها ﴿للَّذين يَتَّقُونَ﴾ الشّرك ﴿وَيُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ التَّوْحِيد.
الأعراف 7:157
﴿وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات﴾ يَعْنِي: الشُّحُومَ وَكُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴿وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث﴾ يَعْنِي: الْحَرَامَ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ ثِقَلَهُمْ؛ وَهُوَ مَا كَانَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ.
﴿وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: مَا كَانَ شُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ.
﴿وعزروه﴾ أَيْ: عَظَّمُوهُ ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أنزل مَعَه﴾ أَي: عَلَيْهِ؛ يَعْنِي: الْقُرْآن.
الأعراف 7:158
﴿يُؤمن بِاللَّه وكلماته﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: وَحْيَهُ الَّذِي أنزل على مُحَمَّد.
الأعراف 7:159
﴿وَمن قوم مُوسَى أمة﴾ أَي: جمَاعَة ﴿يهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: يَدْعُونَ إِلَيْهِ ﴿وَبِه يعدلُونَ﴾ يحكمون.
الأعراف 7:160
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَالَ محمدٌ: (الأَسْبَاطُ): الْقَبَائِلُ، وَاحِدُهَا: سِبْطٌ، وَالسِّبْطُ فِي اللُّغَة: الْجَمَاعَة الَّذين يرجعُونَ إِلَى أبٍ وَاحِدٍ.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بعصاك الْحجر﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وَقَدْ فَسَّرْنَا أَمْرَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَة.
الأعراف 7:163
﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت﴾ أَيْ: يَعْتَدُونَ.
﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أَيْ: شَوَارِعٌ فِي الْمَاءِ.
﴿كَذَلِكَ نبلوهم﴾ أَي: نبتليهم.
الأعراف 7:164
﴿وَإِذ قَالَت أمة مِنْهُم﴾ الآيَةَ.
تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: الْقَرْيَةُ: هِيَ (أَيْلَةُ) وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ دَاوُدَ؛ وَهُوَ مَكَانٌ مِنَ الْبَحْرِ تَجْتَمِعُ فِيهِ الْحِيتَانُ فِي شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ؛ كَهَيْئَةِ الْعِيدِ، تَأْتِيهِمْ مِنْهُ حَتَّى لَا يَرَوُا الْمَاءَ، وَتَأْتِيهِمْ فِي غَيْرِ ذَلِك الشَّهْر كُلِّ يَوْمِ سبتٍ؛ كَمَا تَأْتِيهِمْ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ، فَإِذَا جَاءَ السَّبْتُ لَمْ يَمَسُّوا مِنْهَا شَيْئًا، فَعَمَدَ رجالٌ مِنْ سُفَهَاءِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ؛ فَأَخَذُوا الْحِيتَانَ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَيَوْمَ السَّبْتِ، فَأَكْثَرُوا مِنْهَا وَمَلَّحُوا وَبَاعُوا، وَلَمْ تَنْزِلْ بِهِمْ عقوبةٌ فَاسْتَبْشَرُوا، وَقَالُوا: إِنَّا نَرَى السَّبْتَ قَدْ حَلَّ، وَذَهَبَتْ حُرْمَتُهُ، إِنَّمَا كَانَ يُعَاقَبُ بِهِ آبَاؤُنَا، فَعَمِلُوا بِذَلِكَ سِنِينَ؛ حَتَّى أَثْرَوْا مِنْهُ، وَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ، وَاتَّخَذُوا الأَمْوَالَ، فَمَشَى إِلَيْهِمْ طَوَائِفٌ مِنْ صَالِحِيهِمْ؛ فَقَالُوا: يَا قَوْمُ، انْتَهَكْتُمْ حُرْمَةَ سَبْتِكُمْ، وَعَصَيْتُمْ رَبَّكُمْ، وَخَالَفْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، فَانْتَهُوا عَنْ هَذَا الْعَمَلِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْعَذَابُ ﴿قَالُوا: فَلِمَ تَعِظُونَنَا إِذْ كُنْتُمْ عَلِمْتُمْ أَن الله مهلكنا؟﴾ وَإِن أطعمتمونا لَتَفْعَلُنَّ كَالَّذِي فَعَلْنَا، فَقَدْ فَعَلْنَا مُنْذُ سِنِينَ فَمَا زَادَنَا اللَّهُ بِهِ إِلَّا خَيْرًا. قَالُوا: وَيْلَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا وَلا تَأْمَنُوا بَأْسَ اللَّهِ [ ... ] كَأَنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ، قَالُوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وَفِي غَيْرِ تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ: صَارُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ اجْتَرَأَتْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَفِرْقَةٌ نَهَتْ، وَفِرْقَةٌ كَفَّتْ؛ فَلَمْ تَصْنَعْ مَا صَنَعُوا وَلم تنههم وَقَالُوا (ل ١١٢): لِلَّذِينَ نَهَوْا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾.
قَالَ محمدٌ: يَجُوزُ الرَّفْعُ فِي ﴿معذرة﴾ عَلَى مَعْنَى: مَوْعِظَتُنَا إِيَّاهُمْ مَعْذِرَةٌ.
الأعراف 7:165
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: تَرَكُوا مَا وُعِظُوا بِهِ.
﴿أَخَذْنَاهُم بعذابٍ بئيس﴾ أَي: شَدِيد ﴿قردة خَاسِئِينَ﴾ أَيْ مُبْعَدِينَ.
قَالَ قَتَادَةُ: فَصَارُوا قردةً تعاوى لَهَا أَذْنَابٌ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ دُخِلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْمُصْحَفُ، وَهُوَ يَبْكِي وَقَدْ أَتَى عَلَى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَ الَّذِينَ أَخَذُوا الْحِيتَانَ، وَنَجَّى الَّذين نهوهم، وَلَا أَدْرِي مَا صَنَعَ بِالَّذِينَ لَمْ يَنْهَوْا وَلَمْ يُوَاقِعُوا الْمَعْصِيَةَ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَأَيُّ نَهِيٍّ يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا لَهُمُ الْوَعِيدَ، وَخَوَّفُوهُمُ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عذَابا شَدِيدا﴾.
الأعراف 7:167
﴿وَإِذ تَأذن رَبك﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: أَعْلَمَ رَبُّكَ ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ من يسومهم﴾ أَي: يوليهم ﴿سوء الْعَذَاب﴾ أَيْ: شِدَّتُهُ.
قَالَ قَتَادَةُ: فَبَعَثَ عَلَيْهِم الْعَرَب، فهم مِنْهُ فِي عذابٍ بِالْجِزْيَةِ وَالذُّلِّ.
﴿إِنَّ رَبك لسريع الْعقَاب﴾ قَالَ الْحَسَنُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَ قَوْمًا كَانَ عَذَابُهُ إِيَّاهُمْ أَسْرَعَ مِنَ الطَّرْفِ.
﴿وَإِنَّهُ لغَفُور رَحِيم﴾ لمن تَابَ وآمن.
الأعراف 7:168
﴿وقطعناهم فِي الأَرْض﴾ أَيْ: فَرَّقْنَاهُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الْيَهُود ﴿مِنْهُم الصالحون﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: كفَّارًا ﴿وبلوناهم﴾ اختبرناهم ﴿بِالْحَسَنَاتِ والسيئات﴾ يَعْنِي: بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إِلَى الْإِيمَان
الأعراف 7:169
﴿فخلف من بعدهمْ خلف﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْخَلْفُ: النَّصَارَى بَعْدَ الْيَهُودِ.
قَالَ محمدٌ: ذَكَرَ قطربٌ أَنَّهُ يُقَالُ:
خَلْفُ سوءٍ، وَخَلْفُ صِدْقٍ، وَخَلَفُ سوءٍ وَخَلَفُ صدقٍ بِتَسْكِينِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا فِي الْحَالَيْنِ. وَأَنْشَدَ بَيْتَ حسان ابْن ثَابِتٍ:
(لَنَا الْقَدَمُ الأُولَى [عَلَيْهِمْ] وَخَلْفُنَا ... لأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ)
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَنَّ الاخْتِيَارَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يُوضَعَ الْخَلْفُ - بِتَسْكِينِ اللَّامِ - مَوْضِعَ الذَّمِّ، وَالْخَلَفُ - بِالْفَتْحِ - مَوْضِعَ الْمَدْحِ.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مثله يأخذوه﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: مَا أَشْرَفَ لَهُمْ فِي الْيَوْمِ مِنْ حلالٍ أَوْ حرامٍ أَخَذُوهُ، وَيَتَمَنَّوْنَ الْمَغْفِرَةَ، وَإِنْ يَجِدُوا الْغَدَ مِثْلَهُ يَأْخُذُوهُ.
﴿ودرسوا مَا فِيهِ﴾ يَقُولُ: قَرَءُوا مَا فِيهِ، فِي هَذَا الْكِتَابِ؛ بِخِلافِ مَا يَقُولُونَ وَمَا يعْملُونَ ﴿أَفلا يعقولون﴾ مَا يدرسون
الأعراف 7:170
﴿وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: مَنْ آمَنَ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
الأعراف 7:171
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظلة﴾ أَيْ: رَفَعْنَاهُ؛ وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ رَفْعِ الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَة.
الأعراف 7:172
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدم من ظُهُورهمْ ذرياتهم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿شَهِدنَا﴾ تَفْسِيرُ ابْنِ عباسٍ قَالَ:
أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ بِالْهِنْدِ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ؛ فَأَخْرَجَ مِنْهُ كُلَّ نسمةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثمَّ قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا؛ فَقَالَ لِلْمَلائَكَةِ: اشْهَدُوا، فَقَالُوا: شَهِدْنَا. قَالَ الْحَسَنُ: ثُمَّ أَعَادَهُمْ فِي صلب آدم ﴿أَن تَقولُوا﴾ أَيْ: لِئَلا تَقُولُوا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾
الأعراف 7:173
﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بعدهمْ﴾ وجدناهم على ملةٍ فاتبعناهم ".
الأعراف 7:175
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا﴾.
قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ بَلْعَانُ بْنُ بَعْرَانَ - وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ: بَلْعَمُ - آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا فَتَرَكَهُ.
﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ من الغاوين﴾ أَيْ: كَفَرَ.
قَالَ محمدٌ: يُقَالُ: أَتْبَعْتُ الرَّجُلَ إِذَا لَحِقْتَهُ، وَتَبِعْتَهُ إِذا سرت فِي أَثَره.
الأعراف 7:176
﴿وَلَو شِئْنَا لرفعناه بهَا﴾ أَي: بِآيَاتِنَا ﴿لكنه أخلد إِلَى الأَرْض﴾ ٦ أَيْ: رَكَنَ إِلَى الدُّنْيَا ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أَيْ: أَبَى أَنْ يَصْحَبَ الْهُدَى.
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ ﴿ل ١١٣﴾ أَيْ: تَطْرُدُهُ ﴿يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: هُوَ ضالٌّ عَلَى كُلِّ حالٍ؛ وَعَظْتَهُ أَوْ تَرَكْتَهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قِيلَ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِتَارِكِ أَمْرِهِ أَخَسَّ مَثَلٍ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ لاهِثًا - وَاخْتَصَرَ (لاهِثًا) - ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تتركه يَلْهَث﴾ وَلَهْثَانُهُ: اضْطِرَابُ لِسَانِهِ وَصَوْتِهِ الَّذِي يردد عِنْد ذَلِك؛ كَأَنَّهُ معيى أَوْ عَطْشَانُ؛ وَإِذَا كَانَ الْكَلْبُ بِهَذِهِ الْحَالِ، فَهِيَ أَخَسُّ أَحْوَالِهِ.
الأعراف 7:177
﴿سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: سَاءَ مَثَلا مثل الْقَوْم.
الأعراف 7:179
﴿وَلَقَد ذرأنا﴾ خلقنَا ﴿لِجَهَنَّم كثيرا من الْإِنْس وَالْجِنّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الْهُدَى ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بهَا﴾ الْهُدَى ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بهَا﴾ الْهُدَى ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضلّ﴾ مِنَ الأَنْعَامِ فِيمَا تَعَبَّدُوا بِهِ ﴿أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ عَن الْآخِرَة.
الأعراف 7:180
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
يحيى: عَنْ خداشٍ، عَنْ محمدٍ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: " لِلَّهِ تسعةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ غَيْرُ واحدٍ؛ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ".
قَالَ مُحَمَّدٌ: (مَعْنَى أَحْصَاهَا): حَفِظَهَا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَقَرَّ لِلَّهِ بِهَا وَتَعَبَّدَ.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ أَيْ: يَمِيلُونَ؛ فَسَمَّوْا مَكَانَ اللَّهِ: الَّلاتَ، وَمَكَانَ الْعَزِيزِ: الْعُزَّى.
﴿وَذَرُوا﴾ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ منسوخٌ، نَسَخَهُ الْقِتَال.
الأعراف 7:181
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ﴾ أَيْ: يَحْكُمُونَ.
قَالَ قَتَادَةُ:
ذُكِرَ لَنَا أَن نَبِي اللَّه ﷺ قَالَ: " هَذِهِ لَكُمْ، وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ الْقَوْمَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِثْلَهَا "؛ يَعْنِي: قَوْلَهُ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
الأعراف 7:182
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿متين﴾ هُوَ كَقَوْلِهِ:
﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة﴾ الْآيَة.
وَمعنى ﴿أملي لَهُم﴾: أُطِيلُ لَهُمْ، وَمَعْنَى (كَيْدِي مَتِينٌ): عَذَابي شَدِيد.
الأعراف 7:184
﴿أَو لم يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جنةٍ﴾ وَهَذَا جوابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِمْ لِلْنَبِيِّ إِنَّهُ مجنونٌ يَقُولُ: لَوْ تَفَكَّرُوا، لَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بمجنونٍ.
﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ﴾ يُنْذِرُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ﴿مُبِينٌ﴾ يبين عَن الله.
الأعراف 7:185
﴿أَو لم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَوَات﴾ يَعْنِي: مُلْكَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَا أَرَاهَمُ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ فِيهِمَا ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شيءٍ﴾ وَإِلَى مَا خَلَقَ مِنْ شيءٍ مِمَّا يَرَوْنَهُ فَيَتَفَكَّرُوا، فَيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا قادرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قد اقْترب أَجلهم﴾ فَيُبَادِرُوا التَّوْبَةَ قَبْلَ الْمَوْتِ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيث بعده﴾ بعد الْقُرْآن ﴿يُؤمنُونَ﴾ يصدقون.
الأعراف 7:187
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى قِيَامُهَا؟
قَالَ محمدٌ: وَقِيلَ: الْمَعْنَى: مَتَى يَبْعَثُهَا؛ لأَنَّهَا جاريةٌ إِلَى حدٍّ، وَيُقَالُ: رَسَا الشَّيْءُ يَرْسُو؛ إِذَا ثَبَتَ.
﴿لَا يجليها﴾ لَا يظهرها ﴿لوَقْتهَا﴾ فِي وَقْتِهَا ﴿إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض، حَتَّى تشققت لَهَا السَّمَوَات، وَانْتَثَرَتِ النُّجُومُ، وَذَهَبَتْ جِبَالُ الأَرْضِ وَبِحَارُهَا.
﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾.
يحيى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِهِ فَمَا يَطْوِيَانِهِ؛ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ قَدْ رَفَعَ أَكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَمَا تَصِلُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ".
﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّك حفي عَنْهَا﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: قَالَتْ قريشٌ: يَا مُحَمَّدُ، أَسِرَّ إِلَيْنَا أَمْرَ السَّاعَةِ؛ لِمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ هِيَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ مُقَدَّمَةٌ يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حفيٌّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقِيلَ: الْمَعْنَى: كَأَنَّكَ معنيٌّ بِطَلَبِ عِلْمِهَا؛ يُقَالُ: حَفَيْتُ بِالأَمْرِ أَحْفِي بِهِ حَفَاوَةً؛ إِذَا عَنَيْتُ بِهِ.
(ل ١١٤)
الأعراف 7:188
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ الله﴾ أَيْ: إِنَّمَا ذَلِكَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْر﴾ أَيْ: لَوْ أَطْلَعَنِي عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا أَطْلَعَنِي عَلَيْهِ مِنَ الْغَيْبِ لَكَانَ أَكْثَرَ لِخَيْرِي عِنْدَهُ، وَلَمْ يُطْلِعَنِي عَلَى عِلْمِ السَّاعَةِ مَتَى قِيَامهَا ﴿وَمَا مسني السوء﴾ هَذَا جَوَابٌ لِقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ قُلْ: ﴿وَمَا مسني السوء﴾ الْآيَة.
الأعراف 7:189
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يَعْنِي: حَوَّاءَ؛ خَلَقَهَا مِنْ ضِلَعِ آدَمَ الْقُصَيْرَى الْيُسْرَى ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ:
حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا - يَعْنِي: حَوَّاءَ - فَمَرَّتْ بِهِ - أَيْ: قَامَتْ بِهِ وَقَعَدَتْ - ثُمَّ أَتَاهَا الشَّيْطَانُ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ؛ فَقَالَ: يَا حَوَّاءُ، مَا هَذَا فِي بَطْنِكِ؟ فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي. قَالَ: لَعَلَّهُ بهيمةٌ مِنْ هَذِهِ الْبَهَائِمِ، فَقَالَتْ: مَا أَدْرِي. فَأَعْرَضَ عَنْهَا؛ حَتَّى إِذَا أَثْقَلَتْ أَتَاهَا، فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ تَجِدِينَكِ يَا حَوَّاءُ؟ قَالَتْ: إِنَّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي خَوَّفْتَنِي، مَا أَسْتَطِيعُ الْقِيَامُ إِذَا قَعَدْتُ. قَالَ: أَفَرَأَيْتِ إِنْ دَعَوْتِ اللَّهَ، فَجَعَلُهُ إِنْسَانًا مِثْلَكِ أَوْ مِثْلَ آدَمَ، أَتُسَمِّينَهُ بِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَانْصَرَفَ عَنْهَا وَقَالَتْ لآدَمَ: إِنَّ الَّذِي فِي بَطْنِي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بَهِيمَةً مِنْ هَذِهِ الْبَهَائِمِ، وَإِنِّي لأَجِدُ لَهُ ثِقَلا، وَلَقَدْ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ، فَلَمْ يَكُنْ لآدَمَ وَلا لِحَوَّاءَ همٌّ غَيْرُهُ حَتَّى وَضَعَتْ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالحا﴾ أَيْ: إِنْسَانًا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ كَانَ هَذَا دُعَاءَهُمَا قَبْلَ أَنْ تَلِدَ، فَلَّمَا وَلَدَتْ أَتَاهُمَا إِبْلِيسُ، فَقَالَ: أَلا تُسَمِّينَهُ بِي؛ كَمَا وَعَدْتِنِي؟ قَالَتْ: وَمَا اسْمُكَ؟ قَالَ: عَبْدُ الْحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ؛ فَمَاتَ.
الأعراف 7:190
قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَ شِرْكًا فِي طَاعَتِهِمَا لإِبْلِيسَ فِي تَسْمِيَتِهِمَا إِيَّاهُ: عَبْدَ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَكُنْ شِرْكًا فِي عبادةٍ.
ثُمَّ انْقَطَعَتْ قِصَّةُ آدَمَ وَحَوَّاءَ.
﴿فتعالى الله عَمَّا يشركُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ.
الأعراف 7:191
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يخلقون﴾ يَعْنِي: الأَوْثَانَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تنحتون﴾ بِأَيْدِيكُمْ.
الأعراف 7:192
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُم نصرا﴾ الآيَةَ.
يَقُولُ: وَلا تَنْصُرُ الأَوْثَانُ أَنْفسهَا، وَلَا من عَبدهَا.
الأعراف 7:193
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يتبعوكم﴾ أخبر بِعِلْمِهِ فيهم.
الأعراف 7:194
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله عباد أمثالكم﴾ أَيْ: مَخْلُوقُونَ ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَنهم آلِهَة
الأعراف 7:195
﴿ألهم أرجل﴾ إِلَى قَوْله: ﴿يسمعُونَ بهَا﴾ أَيْ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ يَعْنِي: أَوْثَانَكُمْ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تنْظرُون﴾ أَيْ: اجْهَدُوا عَلَيَّ جُهْدَكُمْ.
﴿إِنَّ وليي الله﴾.
الأعراف 7:198
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يسمعوا﴾ أَيْ: سَمْعَ قبولٍ ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْك﴾ يَعْنِي: وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ.
الأعراف 7:199
﴿خُذ الْعَفو﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُ: خُذِ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ بِغَيْرِ [تحسسٍ].
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْعَفْوُ فِي كَلامِ الْعَرَبِ: مَا أُتِيَ بِغَيْرِ كلفةٍ.
﴿وَأمر بِالْعرْفِ﴾ بِالْمَعْرُوفِ ﴿وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين.
وَقَوله: ﴿أعرض﴾ منسوخٌ، نسخه الْقِتَال.
الأعراف 7:200
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: النَّزْغُ: الْوَسْوَسَةُ.
قَالَ محمدٌ: وَأَصْلُ النَّزْغِ: الْحَرَكَةُ؛ تَقُولُ: قد نزغته؛ إِذا حركته.
الأعراف 7:201
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طائف من الشَّيْطَان تَذكرُوا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: طائفٌ مِنَ الطُّوفَانِ؛ أَيْ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِوَسَاوِسِهِ؛ يَأْمُرُهُمْ بالمعصية ﴿فَإِذا هم مبصرون﴾ أَي: تائبون من الْمعْصِيَة
الأعراف 7:202
﴿وإخوانهم﴾ يَعْنِي: إِخْوَانَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الشَّيَاطِينَ ﴿يمدونهم﴾ (ل ١١٥) أَيْ: يَزِيدُونَهُمْ ﴿فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يقصرون﴾ فِي هَلَكَتِهِمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ مِنَ الْمَدَدِ الَّذِي يَمُدُّونَهُمْ ﴿فِي الغي﴾: بِأَسْبَابِ الْغَيِّ، يُقَالُ: [مَدَدْتُهُ] بِالسِّلاحِ، وَأَمْدَدْتُهُ بِكَذَا؛ لِمَا يَمُدُّهُ بِهِ. وَلِبَعْضِهِمْ يَذْكُرُ الأَمْوَاتَ: (نَمُدُّهُمْ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بَقِيَّتِنَا ... وَلا يَئُوبُ إِلَيْنَا مِنْهُمُ أحدٌ}.
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجتبيتها﴾ أَيْ: هَلا جِئْتَ بِهَا مِنْ عنْدك. قَالَ الله: ﴿قل﴾ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بصائر﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
قَالَ محمدٌ: وَاحِدُ الْبَصَائِرِ: بصيرةٌ؛ وَهِيَ كلمةٌ: تَتَصَرَّفُ عَلَى وُجُوهٍ، وَأَصْلُهَا بَيَانُ الشَّيْءِ وظهوره.
الأعراف 7:203
﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلاةِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الأعراف 7:204
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخيفةً﴾ أَيْ: مَخَافَةً مِنْهُ.
﴿وَدُونَ الْجَهْرِ من القَوْل بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ يَعْنِي: الْعَشِيَّاتِ. وَهَذَا حِينَ كَانَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ غَدْوَةً، وَرَكْعَتَيْنِ عَشِيَّةً قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
﴿وَلَا تكن من الغافلين﴾ عَن الله، وَعَن دينه.
الأعراف 7:205
﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك﴾ يَعْنِي: الْمَلائِكَةَ ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته ويسبحونه وَله يَسْجُدُونَ﴾.