Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Jawzi — مريم 19:67 – طه 20:56

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Jawzi

المحتويات
  1. مريم 19:67
  2. مريم 19:68
  3. مريم 19:69
  4. مريم 19:70
  5. مريم 19:71
  6. مريم 19:72
  7. مريم 19:73
  8. مريم 19:74
  9. مريم 19:75
  10. مريم 19:76
  11. مريم 19:77
  12. مريم 19:78
  13. مريم 19:79
  14. مريم 19:80
  15. مريم 19:81
  16. مريم 19:82
  17. مريم 19:83
  18. مريم 19:84
  19. مريم 19:85
  20. مريم 19:86
  21. مريم 19:87
  22. مريم 19:88
  23. مريم 19:89
  24. مريم 19:90
  25. مريم 19:91
  26. مريم 19:92
  27. مريم 19:93
  28. مريم 19:94
  29. مريم 19:95
  30. مريم 19:96
  31. مريم 19:97
  32. مريم 19:98
  33. طه 20:1
  34. طه 20:2
  35. طه 20:3
  36. طه 20:4
  37. طه 20:5
  38. طه 20:6
  39. طه 20:7
  40. طه 20:8
  41. طه 20:9
  42. طه 20:10
  43. طه 20:11
  44. طه 20:12
  45. طه 20:13
  46. طه 20:14
  47. طه 20:15
  48. طه 20:16
  49. طه 20:17
  50. طه 20:18
  51. طه 20:19
  52. طه 20:20
  53. طه 20:21
  54. طه 20:22
  55. طه 20:23
  56. طه 20:24
  57. طه 20:25
  58. طه 20:26
  59. طه 20:27
  60. طه 20:28
  61. طه 20:29
  62. طه 20:30
  63. طه 20:31
  64. طه 20:32
  65. طه 20:33
  66. طه 20:34
  67. طه 20:35
  68. طه 20:36
  69. طه 20:37
  70. طه 20:38
  71. طه 20:39
  72. طه 20:40
  73. طه 20:41
  74. طه 20:42
  75. طه 20:43
  76. طه 20:44
  77. طه 20:45
  78. طه 20:46
  79. طه 20:47
  80. طه 20:48
  81. طه 20:49
  82. طه 20:50
  83. طه 20:51
  84. طه 20:52
  85. طه 20:53
  86. طه 20:54
  87. طه 20:55
  88. طه 20:56

مريم 19:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا (p-٢٥٢)بالِيًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ، ويَقُولُ: زَعَمَ لَكم مُحَمَّدٌ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا بَعْدَ أنْ نَكُونَ مِثْلَ هَذا العَظْمِ البالِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ إنْ قِيلَ: ظاهِرُهُ ظاهِرُ سُؤالٍ، فَأيْنَ جَوابُهُ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ اسْتِفْهامٌ، ومَعْناهُ مَعْنى جَحْدٍ وإنْكارٍ، تَلْخِيصُهُ: لَسْتُ مَبْعُوثًا بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَفْهَمَ بِهَذا الكَلامِ عَنِ البَعْثِ، أجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى مَعْنى: نَعَمْ، وأنْتَ مَبْعُوثٌ. والثّالِثُ: أنَّ جَوابَ سُؤالِ هَذا الكافِرِ في ( يَسِ: ٧٨ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾، ولا يُنْكَرُ بَعْدَ الجَوابِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ، والسُّورَتانِ مَكِّيَّتانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَذْكُرُ ) ساكِنَةَ الذّالِ خَفِيفَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( أوَلا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ) بِياءٍ وتاءٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ: ( يَذْكُرُ ) بِياءٍ مِن غَيْرِ تاءٍ ساكِنَةَ الذّالِ مُخَفَّفَةً مَرْفُوعَةَ الكافِ، والمَعْنى: أوَلا يَتَذَكَّرُ هَذا الجاحِدُ أوَّلَ خَلْقِهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، ﴿والشَّياطِينَ﴾؛ أيْ: مَعَ الشَّياطِينِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ كافِرٍ يُحْشَرُ مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم (p-٢٥٣)حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: في جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنْ حَوْلَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داخِلَهُ، تَقُولُ: جَلَسَ القَوْمُ حَوْلَ البَيْتِ: إذا جَلَسُوا داخِلَهُ مُطِيفِينَ بِهِ. وقِيلَ: يَجْثُونَ حَوْلَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿جِثِيًّا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ جاثٍ، مِثْلَ: قاعِدٍ وقُعُودٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والأصْلُ ضَمُّ الجِيمِ، وجاءَ كَسْرُها إتْباعًا لِكَسْرَةِ الثّاءِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُعُودًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَماعاتٍ جَماعاتٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. فَعَلى هَذا هو جَمْعُ جَثْوَةٍ، وهي المَجْمُوعُ مِنَ التُّرابِ والحِجارَةِ. والثّالِثُ: جِثِيًّا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قِيامًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والخامِسُ: قِيامًا عَلى رُكَبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ لِضِيقِ المَكانِ بِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾؛ أيْ: لَنَأْخُذَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، وأُمَّةٍ، وأهْلِ دِينٍ، ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾؛ أيْ: أعْظَمُهم لَهُ مَعْصِيَةً، والمَعْنى: أنَّهُ يُبْدَأُ بِتَعْذِيبِ الأعْتى فالأعْتى، وبِالأكابِرِ جُرْمًا، والرُّؤُوسِ القادَةِ في الشَّرِّ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي رَفْعِ " أيُّهم " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولَمْ تَعْمَلْ ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ يُونُسَ. والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَعْنى الَّذِي يُقالُ لَهم: أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ؟ قالَهُ الخَلِيلُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: التَّأْوِيلُ: لَنَنْزِعَنَّ الَّذِي مِن أجْلِ عُتُوِّهِ، يُقالُ: أيُّ هَؤُلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا ؟ وأنْشَدَ (p-٢٥٤) ؎ ولَقَدْ أبِيتُ عَنِ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ المَعْنى: أبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ. والثّالِثُ: أنَّ ﴿أيُّهُمْ﴾ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ؛ لِأنَّها خالَفَتْ أخَواتِها، فالمَعْنى: أيُّهُمُّ هو أفْضَلُ. وبَيانُ خِلافِها لِأخَواتِها أنَّكَ تَقُولُ: اضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: اضْرِبْ مَن أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: مَن هو أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: كُلْ ما أطْيَبُ، حَتّى تَقُولَ: ما هو أطْيَبُ، ولا خُذْ ما أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: الَّذِي هو أفْضَلُ؛ فَلَمّا خالَفَتْ ( ما )، و( مَن )، و( الَّذِي ) بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، قالَهُسِيبَوَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ يَعْنِي: أنَّ الأوْلى بِها صِلِيّا الَّذِينَ هم أشَدُّ عِتِيًّا، فَيُبْتَدَأُ بِهِمْ قَبْلَ أتْباعِهِمْ. و" صِلِيّا " مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ يَصْلاها: إذا دَخَلَها وقاسى حَرَّها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وما مِنكم أحَدٌ إلّا وهو وارِدُها. وَفِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْكُفّارِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ووَجْهُ هَذا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، وقالَ: ﴿أيُّهم أشَدُّ (p-٢٥٥)عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، كانَ التَّقْدِيرُ: وإنْ مِنهم، فَأُبْدِلَتِ الكافُ مِنَ الهاءِ، كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ [ الإنْسانِ: ٢٢ ]، المَعْنى: كانَ لَهم؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ [ الإنْسانِ: ٢١ ]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ شَطَّتْ مَزارَ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ عِسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ أرادَ: طِلابَها. وفي هَذا الوُرُودِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدُّخُولُ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " الوُرُودُ: الدُّخُولُ، لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ - أوْ قالَ: لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ» " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ: أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ أيُخَرِجُنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنها أمْ لا ؟ فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [ هُودٍ: ٩٨ ]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٩٨ ] . وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَبْكِي ويَقُولُ: أُنْبِئْتُ أنِّي وارِدٌ، ولَمْ أُنَبَّأْ أنِّيَ صادِرٌ. وحَكى الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِأخِيهِ: يا أخِي هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ النّارَ ؟ قالَ: نَعِمْ. قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها. قالَ: لا. قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ ؟ وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: ألَمْ يَعِدْنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ ؟ فَيُقالُ لَهم: بَلى، ولَكِنْ مَرَرْتُمْ بِها وهي خامِدَةٌ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ الدُّخُولُ: الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وأبُو مالِكٍ. (p-٢٥٦)وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ بِأشْياءَ، فَقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: ورَدْتُ بَلَدَ كَذا، ووَرَدْتُ ماءَ كَذا: إذا أشْرَفُوا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [ القَصَصِ: ٣٣ ]، والحُجَّةُ القاطِعَةُ في هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠١، ١٠٢ ]، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ∗∗∗ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ أيْ: لَمّا بَلَغْنَ الماءَ قُمْنَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وقَدْ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الحُجَجِ، فَقالَ: أمّا الآيَةُ الأُولى، فَإنَّ مُوسى لَمّا أقامَ حَتّى اسْتَقى الماءَ وسَقى الغَنَمَ، كانَ بِلُبْثِهِ ومُباشَرَتِهِ كَأنَّهُ دَخَلَ، وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَإنَّها تَضَمَّنَتِ الأخْبارَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ كَوْنِهِمْ فِيها، وحِينَئِذٍ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها. وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّهم يَمُرُّونَ بِها ولا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّ الوُرُودَ: المَمَرُّ عَلَيْها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، [ ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ ]، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّحْلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ. والثّالِثُ: أنَّ وُرُودَها: حُضُورُها، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّ وُرُودَ المُسْلِمِينَ: المُرُورُ عَلى الجِسْرِ، ووُرُودَ المُشْرِكِينَ: دُخُولُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٥٧) والخامِسُ: أنَّ وُرُودَ المُؤْمِنِ إلَيْها: ما يُصِيبُهُ مِنَ الحُمّى في الدُّنْيا، رَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الحِمى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ: " وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها "؛ فَعَلى هَذا مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ يَعْنِي: الوُرُودُ، ﴿حَتْمًا﴾ والحَتْمُ: إيجابُ القَضاءِ والقَطْعِ بِالأمْرِ. والمَقْضِيُّ: الَّذِي قَضاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ وقَضاهُ عَلى الخَلْقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( ثَمَّ ) بِفَتْحِ الثّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( نُنْجِي ) مُخَفَّفَةً. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو بَحْرِيَّةَ، [ وأبُو الجَوْزاءِ الرَّبَعِيُّ: ( ثُمَّ يُنْجِي ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ النُّونِ خَفِيفَةَ الجِيمِ مَكْسُورَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ]، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ: ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ يَحْتَجُّ بِها القائِلُونَ بِدُخُولِ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النَّجاةَ: تَخْلِيصُ الواقِعِ في الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها﴾، ولَمْ يَقُلْ: ونُدْخِلُهم، وإنَّما يُقالُ: نَذَرَ ونَتْرُكُ لِمَن قَدْ حَصَلَ في مَكانِهِ. ومَن قالَ: إنَّ الوُرُودَ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، قالَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ: نُخْرِجُ المُتَّقِينَ مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ النّارَ. والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وبِالظّالِمِينَ: الكُفّارُ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٦٨ ] .

مريم 19:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا (p-٢٥٢)بالِيًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ، ويَقُولُ: زَعَمَ لَكم مُحَمَّدٌ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا بَعْدَ أنْ نَكُونَ مِثْلَ هَذا العَظْمِ البالِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ إنْ قِيلَ: ظاهِرُهُ ظاهِرُ سُؤالٍ، فَأيْنَ جَوابُهُ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ اسْتِفْهامٌ، ومَعْناهُ مَعْنى جَحْدٍ وإنْكارٍ، تَلْخِيصُهُ: لَسْتُ مَبْعُوثًا بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَفْهَمَ بِهَذا الكَلامِ عَنِ البَعْثِ، أجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى مَعْنى: نَعَمْ، وأنْتَ مَبْعُوثٌ. والثّالِثُ: أنَّ جَوابَ سُؤالِ هَذا الكافِرِ في ( يَسِ: ٧٨ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾، ولا يُنْكَرُ بَعْدَ الجَوابِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ، والسُّورَتانِ مَكِّيَّتانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَذْكُرُ ) ساكِنَةَ الذّالِ خَفِيفَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( أوَلا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ) بِياءٍ وتاءٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ: ( يَذْكُرُ ) بِياءٍ مِن غَيْرِ تاءٍ ساكِنَةَ الذّالِ مُخَفَّفَةً مَرْفُوعَةَ الكافِ، والمَعْنى: أوَلا يَتَذَكَّرُ هَذا الجاحِدُ أوَّلَ خَلْقِهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، ﴿والشَّياطِينَ﴾؛ أيْ: مَعَ الشَّياطِينِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ كافِرٍ يُحْشَرُ مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم (p-٢٥٣)حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: في جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنْ حَوْلَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داخِلَهُ، تَقُولُ: جَلَسَ القَوْمُ حَوْلَ البَيْتِ: إذا جَلَسُوا داخِلَهُ مُطِيفِينَ بِهِ. وقِيلَ: يَجْثُونَ حَوْلَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿جِثِيًّا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ جاثٍ، مِثْلَ: قاعِدٍ وقُعُودٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والأصْلُ ضَمُّ الجِيمِ، وجاءَ كَسْرُها إتْباعًا لِكَسْرَةِ الثّاءِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُعُودًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَماعاتٍ جَماعاتٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. فَعَلى هَذا هو جَمْعُ جَثْوَةٍ، وهي المَجْمُوعُ مِنَ التُّرابِ والحِجارَةِ. والثّالِثُ: جِثِيًّا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قِيامًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والخامِسُ: قِيامًا عَلى رُكَبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ لِضِيقِ المَكانِ بِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾؛ أيْ: لَنَأْخُذَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، وأُمَّةٍ، وأهْلِ دِينٍ، ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾؛ أيْ: أعْظَمُهم لَهُ مَعْصِيَةً، والمَعْنى: أنَّهُ يُبْدَأُ بِتَعْذِيبِ الأعْتى فالأعْتى، وبِالأكابِرِ جُرْمًا، والرُّؤُوسِ القادَةِ في الشَّرِّ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي رَفْعِ " أيُّهم " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولَمْ تَعْمَلْ ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ يُونُسَ. والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَعْنى الَّذِي يُقالُ لَهم: أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ؟ قالَهُ الخَلِيلُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: التَّأْوِيلُ: لَنَنْزِعَنَّ الَّذِي مِن أجْلِ عُتُوِّهِ، يُقالُ: أيُّ هَؤُلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا ؟ وأنْشَدَ (p-٢٥٤) ؎ ولَقَدْ أبِيتُ عَنِ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ المَعْنى: أبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ. والثّالِثُ: أنَّ ﴿أيُّهُمْ﴾ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ؛ لِأنَّها خالَفَتْ أخَواتِها، فالمَعْنى: أيُّهُمُّ هو أفْضَلُ. وبَيانُ خِلافِها لِأخَواتِها أنَّكَ تَقُولُ: اضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: اضْرِبْ مَن أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: مَن هو أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: كُلْ ما أطْيَبُ، حَتّى تَقُولَ: ما هو أطْيَبُ، ولا خُذْ ما أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: الَّذِي هو أفْضَلُ؛ فَلَمّا خالَفَتْ ( ما )، و( مَن )، و( الَّذِي ) بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، قالَهُسِيبَوَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ يَعْنِي: أنَّ الأوْلى بِها صِلِيّا الَّذِينَ هم أشَدُّ عِتِيًّا، فَيُبْتَدَأُ بِهِمْ قَبْلَ أتْباعِهِمْ. و" صِلِيّا " مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ يَصْلاها: إذا دَخَلَها وقاسى حَرَّها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وما مِنكم أحَدٌ إلّا وهو وارِدُها. وَفِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْكُفّارِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ووَجْهُ هَذا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، وقالَ: ﴿أيُّهم أشَدُّ (p-٢٥٥)عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، كانَ التَّقْدِيرُ: وإنْ مِنهم، فَأُبْدِلَتِ الكافُ مِنَ الهاءِ، كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ [ الإنْسانِ: ٢٢ ]، المَعْنى: كانَ لَهم؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ [ الإنْسانِ: ٢١ ]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ شَطَّتْ مَزارَ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ عِسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ أرادَ: طِلابَها. وفي هَذا الوُرُودِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدُّخُولُ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " الوُرُودُ: الدُّخُولُ، لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ - أوْ قالَ: لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ» " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ: أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ أيُخَرِجُنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنها أمْ لا ؟ فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [ هُودٍ: ٩٨ ]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٩٨ ] . وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَبْكِي ويَقُولُ: أُنْبِئْتُ أنِّي وارِدٌ، ولَمْ أُنَبَّأْ أنِّيَ صادِرٌ. وحَكى الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِأخِيهِ: يا أخِي هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ النّارَ ؟ قالَ: نَعِمْ. قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها. قالَ: لا. قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ ؟ وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: ألَمْ يَعِدْنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ ؟ فَيُقالُ لَهم: بَلى، ولَكِنْ مَرَرْتُمْ بِها وهي خامِدَةٌ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ الدُّخُولُ: الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وأبُو مالِكٍ. (p-٢٥٦)وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ بِأشْياءَ، فَقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: ورَدْتُ بَلَدَ كَذا، ووَرَدْتُ ماءَ كَذا: إذا أشْرَفُوا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [ القَصَصِ: ٣٣ ]، والحُجَّةُ القاطِعَةُ في هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠١، ١٠٢ ]، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ∗∗∗ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ أيْ: لَمّا بَلَغْنَ الماءَ قُمْنَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وقَدْ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الحُجَجِ، فَقالَ: أمّا الآيَةُ الأُولى، فَإنَّ مُوسى لَمّا أقامَ حَتّى اسْتَقى الماءَ وسَقى الغَنَمَ، كانَ بِلُبْثِهِ ومُباشَرَتِهِ كَأنَّهُ دَخَلَ، وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَإنَّها تَضَمَّنَتِ الأخْبارَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ كَوْنِهِمْ فِيها، وحِينَئِذٍ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها. وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّهم يَمُرُّونَ بِها ولا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّ الوُرُودَ: المَمَرُّ عَلَيْها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، [ ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ ]، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّحْلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ. والثّالِثُ: أنَّ وُرُودَها: حُضُورُها، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّ وُرُودَ المُسْلِمِينَ: المُرُورُ عَلى الجِسْرِ، ووُرُودَ المُشْرِكِينَ: دُخُولُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٥٧) والخامِسُ: أنَّ وُرُودَ المُؤْمِنِ إلَيْها: ما يُصِيبُهُ مِنَ الحُمّى في الدُّنْيا، رَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الحِمى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ: " وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها "؛ فَعَلى هَذا مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ يَعْنِي: الوُرُودُ، ﴿حَتْمًا﴾ والحَتْمُ: إيجابُ القَضاءِ والقَطْعِ بِالأمْرِ. والمَقْضِيُّ: الَّذِي قَضاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ وقَضاهُ عَلى الخَلْقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( ثَمَّ ) بِفَتْحِ الثّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( نُنْجِي ) مُخَفَّفَةً. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو بَحْرِيَّةَ، [ وأبُو الجَوْزاءِ الرَّبَعِيُّ: ( ثُمَّ يُنْجِي ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ النُّونِ خَفِيفَةَ الجِيمِ مَكْسُورَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ]، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ: ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ يَحْتَجُّ بِها القائِلُونَ بِدُخُولِ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النَّجاةَ: تَخْلِيصُ الواقِعِ في الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها﴾، ولَمْ يَقُلْ: ونُدْخِلُهم، وإنَّما يُقالُ: نَذَرَ ونَتْرُكُ لِمَن قَدْ حَصَلَ في مَكانِهِ. ومَن قالَ: إنَّ الوُرُودَ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، قالَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ: نُخْرِجُ المُتَّقِينَ مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ النّارَ. والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وبِالظّالِمِينَ: الكُفّارُ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٦٨ ] .

مريم 19:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا (p-٢٥٢)بالِيًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ، ويَقُولُ: زَعَمَ لَكم مُحَمَّدٌ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا بَعْدَ أنْ نَكُونَ مِثْلَ هَذا العَظْمِ البالِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ إنْ قِيلَ: ظاهِرُهُ ظاهِرُ سُؤالٍ، فَأيْنَ جَوابُهُ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ اسْتِفْهامٌ، ومَعْناهُ مَعْنى جَحْدٍ وإنْكارٍ، تَلْخِيصُهُ: لَسْتُ مَبْعُوثًا بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَفْهَمَ بِهَذا الكَلامِ عَنِ البَعْثِ، أجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى مَعْنى: نَعَمْ، وأنْتَ مَبْعُوثٌ. والثّالِثُ: أنَّ جَوابَ سُؤالِ هَذا الكافِرِ في ( يَسِ: ٧٨ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾، ولا يُنْكَرُ بَعْدَ الجَوابِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ، والسُّورَتانِ مَكِّيَّتانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَذْكُرُ ) ساكِنَةَ الذّالِ خَفِيفَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( أوَلا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ) بِياءٍ وتاءٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ: ( يَذْكُرُ ) بِياءٍ مِن غَيْرِ تاءٍ ساكِنَةَ الذّالِ مُخَفَّفَةً مَرْفُوعَةَ الكافِ، والمَعْنى: أوَلا يَتَذَكَّرُ هَذا الجاحِدُ أوَّلَ خَلْقِهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، ﴿والشَّياطِينَ﴾؛ أيْ: مَعَ الشَّياطِينِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ كافِرٍ يُحْشَرُ مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم (p-٢٥٣)حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: في جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنْ حَوْلَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داخِلَهُ، تَقُولُ: جَلَسَ القَوْمُ حَوْلَ البَيْتِ: إذا جَلَسُوا داخِلَهُ مُطِيفِينَ بِهِ. وقِيلَ: يَجْثُونَ حَوْلَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿جِثِيًّا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ جاثٍ، مِثْلَ: قاعِدٍ وقُعُودٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والأصْلُ ضَمُّ الجِيمِ، وجاءَ كَسْرُها إتْباعًا لِكَسْرَةِ الثّاءِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُعُودًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَماعاتٍ جَماعاتٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. فَعَلى هَذا هو جَمْعُ جَثْوَةٍ، وهي المَجْمُوعُ مِنَ التُّرابِ والحِجارَةِ. والثّالِثُ: جِثِيًّا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قِيامًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والخامِسُ: قِيامًا عَلى رُكَبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ لِضِيقِ المَكانِ بِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾؛ أيْ: لَنَأْخُذَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، وأُمَّةٍ، وأهْلِ دِينٍ، ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾؛ أيْ: أعْظَمُهم لَهُ مَعْصِيَةً، والمَعْنى: أنَّهُ يُبْدَأُ بِتَعْذِيبِ الأعْتى فالأعْتى، وبِالأكابِرِ جُرْمًا، والرُّؤُوسِ القادَةِ في الشَّرِّ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي رَفْعِ " أيُّهم " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولَمْ تَعْمَلْ ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ يُونُسَ. والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَعْنى الَّذِي يُقالُ لَهم: أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ؟ قالَهُ الخَلِيلُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: التَّأْوِيلُ: لَنَنْزِعَنَّ الَّذِي مِن أجْلِ عُتُوِّهِ، يُقالُ: أيُّ هَؤُلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا ؟ وأنْشَدَ (p-٢٥٤) ؎ ولَقَدْ أبِيتُ عَنِ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ المَعْنى: أبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ. والثّالِثُ: أنَّ ﴿أيُّهُمْ﴾ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ؛ لِأنَّها خالَفَتْ أخَواتِها، فالمَعْنى: أيُّهُمُّ هو أفْضَلُ. وبَيانُ خِلافِها لِأخَواتِها أنَّكَ تَقُولُ: اضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: اضْرِبْ مَن أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: مَن هو أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: كُلْ ما أطْيَبُ، حَتّى تَقُولَ: ما هو أطْيَبُ، ولا خُذْ ما أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: الَّذِي هو أفْضَلُ؛ فَلَمّا خالَفَتْ ( ما )، و( مَن )، و( الَّذِي ) بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، قالَهُسِيبَوَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ يَعْنِي: أنَّ الأوْلى بِها صِلِيّا الَّذِينَ هم أشَدُّ عِتِيًّا، فَيُبْتَدَأُ بِهِمْ قَبْلَ أتْباعِهِمْ. و" صِلِيّا " مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ يَصْلاها: إذا دَخَلَها وقاسى حَرَّها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وما مِنكم أحَدٌ إلّا وهو وارِدُها. وَفِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْكُفّارِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ووَجْهُ هَذا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، وقالَ: ﴿أيُّهم أشَدُّ (p-٢٥٥)عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، كانَ التَّقْدِيرُ: وإنْ مِنهم، فَأُبْدِلَتِ الكافُ مِنَ الهاءِ، كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ [ الإنْسانِ: ٢٢ ]، المَعْنى: كانَ لَهم؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ [ الإنْسانِ: ٢١ ]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ شَطَّتْ مَزارَ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ عِسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ أرادَ: طِلابَها. وفي هَذا الوُرُودِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدُّخُولُ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " الوُرُودُ: الدُّخُولُ، لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ - أوْ قالَ: لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ» " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ: أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ أيُخَرِجُنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنها أمْ لا ؟ فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [ هُودٍ: ٩٨ ]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٩٨ ] . وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَبْكِي ويَقُولُ: أُنْبِئْتُ أنِّي وارِدٌ، ولَمْ أُنَبَّأْ أنِّيَ صادِرٌ. وحَكى الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِأخِيهِ: يا أخِي هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ النّارَ ؟ قالَ: نَعِمْ. قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها. قالَ: لا. قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ ؟ وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: ألَمْ يَعِدْنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ ؟ فَيُقالُ لَهم: بَلى، ولَكِنْ مَرَرْتُمْ بِها وهي خامِدَةٌ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ الدُّخُولُ: الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وأبُو مالِكٍ. (p-٢٥٦)وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ بِأشْياءَ، فَقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: ورَدْتُ بَلَدَ كَذا، ووَرَدْتُ ماءَ كَذا: إذا أشْرَفُوا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [ القَصَصِ: ٣٣ ]، والحُجَّةُ القاطِعَةُ في هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠١، ١٠٢ ]، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ∗∗∗ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ أيْ: لَمّا بَلَغْنَ الماءَ قُمْنَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وقَدْ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الحُجَجِ، فَقالَ: أمّا الآيَةُ الأُولى، فَإنَّ مُوسى لَمّا أقامَ حَتّى اسْتَقى الماءَ وسَقى الغَنَمَ، كانَ بِلُبْثِهِ ومُباشَرَتِهِ كَأنَّهُ دَخَلَ، وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَإنَّها تَضَمَّنَتِ الأخْبارَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ كَوْنِهِمْ فِيها، وحِينَئِذٍ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها. وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّهم يَمُرُّونَ بِها ولا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّ الوُرُودَ: المَمَرُّ عَلَيْها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، [ ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ ]، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّحْلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ. والثّالِثُ: أنَّ وُرُودَها: حُضُورُها، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّ وُرُودَ المُسْلِمِينَ: المُرُورُ عَلى الجِسْرِ، ووُرُودَ المُشْرِكِينَ: دُخُولُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٥٧) والخامِسُ: أنَّ وُرُودَ المُؤْمِنِ إلَيْها: ما يُصِيبُهُ مِنَ الحُمّى في الدُّنْيا، رَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الحِمى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ: " وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها "؛ فَعَلى هَذا مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ يَعْنِي: الوُرُودُ، ﴿حَتْمًا﴾ والحَتْمُ: إيجابُ القَضاءِ والقَطْعِ بِالأمْرِ. والمَقْضِيُّ: الَّذِي قَضاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ وقَضاهُ عَلى الخَلْقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( ثَمَّ ) بِفَتْحِ الثّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( نُنْجِي ) مُخَفَّفَةً. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو بَحْرِيَّةَ، [ وأبُو الجَوْزاءِ الرَّبَعِيُّ: ( ثُمَّ يُنْجِي ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ النُّونِ خَفِيفَةَ الجِيمِ مَكْسُورَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ]، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ: ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ يَحْتَجُّ بِها القائِلُونَ بِدُخُولِ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النَّجاةَ: تَخْلِيصُ الواقِعِ في الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها﴾، ولَمْ يَقُلْ: ونُدْخِلُهم، وإنَّما يُقالُ: نَذَرَ ونَتْرُكُ لِمَن قَدْ حَصَلَ في مَكانِهِ. ومَن قالَ: إنَّ الوُرُودَ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، قالَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ: نُخْرِجُ المُتَّقِينَ مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ النّارَ. والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وبِالظّالِمِينَ: الكُفّارُ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٦٨ ] .

مريم 19:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا (p-٢٥٢)بالِيًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ، ويَقُولُ: زَعَمَ لَكم مُحَمَّدٌ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا بَعْدَ أنْ نَكُونَ مِثْلَ هَذا العَظْمِ البالِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ إنْ قِيلَ: ظاهِرُهُ ظاهِرُ سُؤالٍ، فَأيْنَ جَوابُهُ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ اسْتِفْهامٌ، ومَعْناهُ مَعْنى جَحْدٍ وإنْكارٍ، تَلْخِيصُهُ: لَسْتُ مَبْعُوثًا بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَفْهَمَ بِهَذا الكَلامِ عَنِ البَعْثِ، أجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى مَعْنى: نَعَمْ، وأنْتَ مَبْعُوثٌ. والثّالِثُ: أنَّ جَوابَ سُؤالِ هَذا الكافِرِ في ( يَسِ: ٧٨ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾، ولا يُنْكَرُ بَعْدَ الجَوابِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ، والسُّورَتانِ مَكِّيَّتانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَذْكُرُ ) ساكِنَةَ الذّالِ خَفِيفَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( أوَلا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ) بِياءٍ وتاءٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ: ( يَذْكُرُ ) بِياءٍ مِن غَيْرِ تاءٍ ساكِنَةَ الذّالِ مُخَفَّفَةً مَرْفُوعَةَ الكافِ، والمَعْنى: أوَلا يَتَذَكَّرُ هَذا الجاحِدُ أوَّلَ خَلْقِهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، ﴿والشَّياطِينَ﴾؛ أيْ: مَعَ الشَّياطِينِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ كافِرٍ يُحْشَرُ مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم (p-٢٥٣)حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: في جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنْ حَوْلَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داخِلَهُ، تَقُولُ: جَلَسَ القَوْمُ حَوْلَ البَيْتِ: إذا جَلَسُوا داخِلَهُ مُطِيفِينَ بِهِ. وقِيلَ: يَجْثُونَ حَوْلَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿جِثِيًّا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ جاثٍ، مِثْلَ: قاعِدٍ وقُعُودٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والأصْلُ ضَمُّ الجِيمِ، وجاءَ كَسْرُها إتْباعًا لِكَسْرَةِ الثّاءِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُعُودًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَماعاتٍ جَماعاتٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. فَعَلى هَذا هو جَمْعُ جَثْوَةٍ، وهي المَجْمُوعُ مِنَ التُّرابِ والحِجارَةِ. والثّالِثُ: جِثِيًّا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قِيامًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والخامِسُ: قِيامًا عَلى رُكَبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ لِضِيقِ المَكانِ بِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾؛ أيْ: لَنَأْخُذَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، وأُمَّةٍ، وأهْلِ دِينٍ، ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾؛ أيْ: أعْظَمُهم لَهُ مَعْصِيَةً، والمَعْنى: أنَّهُ يُبْدَأُ بِتَعْذِيبِ الأعْتى فالأعْتى، وبِالأكابِرِ جُرْمًا، والرُّؤُوسِ القادَةِ في الشَّرِّ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي رَفْعِ " أيُّهم " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولَمْ تَعْمَلْ ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ يُونُسَ. والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَعْنى الَّذِي يُقالُ لَهم: أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ؟ قالَهُ الخَلِيلُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: التَّأْوِيلُ: لَنَنْزِعَنَّ الَّذِي مِن أجْلِ عُتُوِّهِ، يُقالُ: أيُّ هَؤُلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا ؟ وأنْشَدَ (p-٢٥٤) ؎ ولَقَدْ أبِيتُ عَنِ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ المَعْنى: أبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ. والثّالِثُ: أنَّ ﴿أيُّهُمْ﴾ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ؛ لِأنَّها خالَفَتْ أخَواتِها، فالمَعْنى: أيُّهُمُّ هو أفْضَلُ. وبَيانُ خِلافِها لِأخَواتِها أنَّكَ تَقُولُ: اضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: اضْرِبْ مَن أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: مَن هو أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: كُلْ ما أطْيَبُ، حَتّى تَقُولَ: ما هو أطْيَبُ، ولا خُذْ ما أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: الَّذِي هو أفْضَلُ؛ فَلَمّا خالَفَتْ ( ما )، و( مَن )، و( الَّذِي ) بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، قالَهُسِيبَوَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ يَعْنِي: أنَّ الأوْلى بِها صِلِيّا الَّذِينَ هم أشَدُّ عِتِيًّا، فَيُبْتَدَأُ بِهِمْ قَبْلَ أتْباعِهِمْ. و" صِلِيّا " مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ يَصْلاها: إذا دَخَلَها وقاسى حَرَّها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وما مِنكم أحَدٌ إلّا وهو وارِدُها. وَفِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْكُفّارِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ووَجْهُ هَذا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، وقالَ: ﴿أيُّهم أشَدُّ (p-٢٥٥)عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، كانَ التَّقْدِيرُ: وإنْ مِنهم، فَأُبْدِلَتِ الكافُ مِنَ الهاءِ، كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ [ الإنْسانِ: ٢٢ ]، المَعْنى: كانَ لَهم؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ [ الإنْسانِ: ٢١ ]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ شَطَّتْ مَزارَ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ عِسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ أرادَ: طِلابَها. وفي هَذا الوُرُودِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدُّخُولُ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " الوُرُودُ: الدُّخُولُ، لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ - أوْ قالَ: لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ» " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ: أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ أيُخَرِجُنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنها أمْ لا ؟ فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [ هُودٍ: ٩٨ ]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٩٨ ] . وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَبْكِي ويَقُولُ: أُنْبِئْتُ أنِّي وارِدٌ، ولَمْ أُنَبَّأْ أنِّيَ صادِرٌ. وحَكى الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِأخِيهِ: يا أخِي هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ النّارَ ؟ قالَ: نَعِمْ. قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها. قالَ: لا. قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ ؟ وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: ألَمْ يَعِدْنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ ؟ فَيُقالُ لَهم: بَلى، ولَكِنْ مَرَرْتُمْ بِها وهي خامِدَةٌ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ الدُّخُولُ: الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وأبُو مالِكٍ. (p-٢٥٦)وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ بِأشْياءَ، فَقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: ورَدْتُ بَلَدَ كَذا، ووَرَدْتُ ماءَ كَذا: إذا أشْرَفُوا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [ القَصَصِ: ٣٣ ]، والحُجَّةُ القاطِعَةُ في هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠١، ١٠٢ ]، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ∗∗∗ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ أيْ: لَمّا بَلَغْنَ الماءَ قُمْنَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وقَدْ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الحُجَجِ، فَقالَ: أمّا الآيَةُ الأُولى، فَإنَّ مُوسى لَمّا أقامَ حَتّى اسْتَقى الماءَ وسَقى الغَنَمَ، كانَ بِلُبْثِهِ ومُباشَرَتِهِ كَأنَّهُ دَخَلَ، وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَإنَّها تَضَمَّنَتِ الأخْبارَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ كَوْنِهِمْ فِيها، وحِينَئِذٍ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها. وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّهم يَمُرُّونَ بِها ولا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّ الوُرُودَ: المَمَرُّ عَلَيْها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، [ ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ ]، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّحْلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ. والثّالِثُ: أنَّ وُرُودَها: حُضُورُها، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّ وُرُودَ المُسْلِمِينَ: المُرُورُ عَلى الجِسْرِ، ووُرُودَ المُشْرِكِينَ: دُخُولُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٥٧) والخامِسُ: أنَّ وُرُودَ المُؤْمِنِ إلَيْها: ما يُصِيبُهُ مِنَ الحُمّى في الدُّنْيا، رَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الحِمى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ: " وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها "؛ فَعَلى هَذا مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ يَعْنِي: الوُرُودُ، ﴿حَتْمًا﴾ والحَتْمُ: إيجابُ القَضاءِ والقَطْعِ بِالأمْرِ. والمَقْضِيُّ: الَّذِي قَضاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ وقَضاهُ عَلى الخَلْقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( ثَمَّ ) بِفَتْحِ الثّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( نُنْجِي ) مُخَفَّفَةً. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو بَحْرِيَّةَ، [ وأبُو الجَوْزاءِ الرَّبَعِيُّ: ( ثُمَّ يُنْجِي ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ النُّونِ خَفِيفَةَ الجِيمِ مَكْسُورَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ]، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ: ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ يَحْتَجُّ بِها القائِلُونَ بِدُخُولِ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النَّجاةَ: تَخْلِيصُ الواقِعِ في الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها﴾، ولَمْ يَقُلْ: ونُدْخِلُهم، وإنَّما يُقالُ: نَذَرَ ونَتْرُكُ لِمَن قَدْ حَصَلَ في مَكانِهِ. ومَن قالَ: إنَّ الوُرُودَ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، قالَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ: نُخْرِجُ المُتَّقِينَ مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ النّارَ. والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وبِالظّالِمِينَ: الكُفّارُ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٦٨ ] .

مريم 19:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا (p-٢٥٢)بالِيًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ، ويَقُولُ: زَعَمَ لَكم مُحَمَّدٌ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا بَعْدَ أنْ نَكُونَ مِثْلَ هَذا العَظْمِ البالِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ إنْ قِيلَ: ظاهِرُهُ ظاهِرُ سُؤالٍ، فَأيْنَ جَوابُهُ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ اسْتِفْهامٌ، ومَعْناهُ مَعْنى جَحْدٍ وإنْكارٍ، تَلْخِيصُهُ: لَسْتُ مَبْعُوثًا بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَفْهَمَ بِهَذا الكَلامِ عَنِ البَعْثِ، أجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى مَعْنى: نَعَمْ، وأنْتَ مَبْعُوثٌ. والثّالِثُ: أنَّ جَوابَ سُؤالِ هَذا الكافِرِ في ( يَسِ: ٧٨ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾، ولا يُنْكَرُ بَعْدَ الجَوابِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ، والسُّورَتانِ مَكِّيَّتانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَذْكُرُ ) ساكِنَةَ الذّالِ خَفِيفَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( أوَلا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ) بِياءٍ وتاءٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ: ( يَذْكُرُ ) بِياءٍ مِن غَيْرِ تاءٍ ساكِنَةَ الذّالِ مُخَفَّفَةً مَرْفُوعَةَ الكافِ، والمَعْنى: أوَلا يَتَذَكَّرُ هَذا الجاحِدُ أوَّلَ خَلْقِهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، ﴿والشَّياطِينَ﴾؛ أيْ: مَعَ الشَّياطِينِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ كافِرٍ يُحْشَرُ مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم (p-٢٥٣)حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: في جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنْ حَوْلَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داخِلَهُ، تَقُولُ: جَلَسَ القَوْمُ حَوْلَ البَيْتِ: إذا جَلَسُوا داخِلَهُ مُطِيفِينَ بِهِ. وقِيلَ: يَجْثُونَ حَوْلَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿جِثِيًّا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ جاثٍ، مِثْلَ: قاعِدٍ وقُعُودٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والأصْلُ ضَمُّ الجِيمِ، وجاءَ كَسْرُها إتْباعًا لِكَسْرَةِ الثّاءِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُعُودًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَماعاتٍ جَماعاتٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. فَعَلى هَذا هو جَمْعُ جَثْوَةٍ، وهي المَجْمُوعُ مِنَ التُّرابِ والحِجارَةِ. والثّالِثُ: جِثِيًّا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قِيامًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والخامِسُ: قِيامًا عَلى رُكَبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ لِضِيقِ المَكانِ بِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾؛ أيْ: لَنَأْخُذَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، وأُمَّةٍ، وأهْلِ دِينٍ، ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾؛ أيْ: أعْظَمُهم لَهُ مَعْصِيَةً، والمَعْنى: أنَّهُ يُبْدَأُ بِتَعْذِيبِ الأعْتى فالأعْتى، وبِالأكابِرِ جُرْمًا، والرُّؤُوسِ القادَةِ في الشَّرِّ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي رَفْعِ " أيُّهم " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولَمْ تَعْمَلْ ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ يُونُسَ. والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَعْنى الَّذِي يُقالُ لَهم: أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ؟ قالَهُ الخَلِيلُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: التَّأْوِيلُ: لَنَنْزِعَنَّ الَّذِي مِن أجْلِ عُتُوِّهِ، يُقالُ: أيُّ هَؤُلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا ؟ وأنْشَدَ (p-٢٥٤) ؎ ولَقَدْ أبِيتُ عَنِ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ المَعْنى: أبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ. والثّالِثُ: أنَّ ﴿أيُّهُمْ﴾ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ؛ لِأنَّها خالَفَتْ أخَواتِها، فالمَعْنى: أيُّهُمُّ هو أفْضَلُ. وبَيانُ خِلافِها لِأخَواتِها أنَّكَ تَقُولُ: اضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: اضْرِبْ مَن أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: مَن هو أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: كُلْ ما أطْيَبُ، حَتّى تَقُولَ: ما هو أطْيَبُ، ولا خُذْ ما أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: الَّذِي هو أفْضَلُ؛ فَلَمّا خالَفَتْ ( ما )، و( مَن )، و( الَّذِي ) بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، قالَهُسِيبَوَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ يَعْنِي: أنَّ الأوْلى بِها صِلِيّا الَّذِينَ هم أشَدُّ عِتِيًّا، فَيُبْتَدَأُ بِهِمْ قَبْلَ أتْباعِهِمْ. و" صِلِيّا " مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ يَصْلاها: إذا دَخَلَها وقاسى حَرَّها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وما مِنكم أحَدٌ إلّا وهو وارِدُها. وَفِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْكُفّارِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ووَجْهُ هَذا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، وقالَ: ﴿أيُّهم أشَدُّ (p-٢٥٥)عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، كانَ التَّقْدِيرُ: وإنْ مِنهم، فَأُبْدِلَتِ الكافُ مِنَ الهاءِ، كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ [ الإنْسانِ: ٢٢ ]، المَعْنى: كانَ لَهم؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ [ الإنْسانِ: ٢١ ]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ شَطَّتْ مَزارَ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ عِسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ أرادَ: طِلابَها. وفي هَذا الوُرُودِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدُّخُولُ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " الوُرُودُ: الدُّخُولُ، لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ - أوْ قالَ: لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ» " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ: أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ أيُخَرِجُنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنها أمْ لا ؟ فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [ هُودٍ: ٩٨ ]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٩٨ ] . وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَبْكِي ويَقُولُ: أُنْبِئْتُ أنِّي وارِدٌ، ولَمْ أُنَبَّأْ أنِّيَ صادِرٌ. وحَكى الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِأخِيهِ: يا أخِي هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ النّارَ ؟ قالَ: نَعِمْ. قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها. قالَ: لا. قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ ؟ وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: ألَمْ يَعِدْنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ ؟ فَيُقالُ لَهم: بَلى، ولَكِنْ مَرَرْتُمْ بِها وهي خامِدَةٌ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ الدُّخُولُ: الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وأبُو مالِكٍ. (p-٢٥٦)وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ بِأشْياءَ، فَقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: ورَدْتُ بَلَدَ كَذا، ووَرَدْتُ ماءَ كَذا: إذا أشْرَفُوا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [ القَصَصِ: ٣٣ ]، والحُجَّةُ القاطِعَةُ في هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠١، ١٠٢ ]، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ∗∗∗ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ أيْ: لَمّا بَلَغْنَ الماءَ قُمْنَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وقَدْ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الحُجَجِ، فَقالَ: أمّا الآيَةُ الأُولى، فَإنَّ مُوسى لَمّا أقامَ حَتّى اسْتَقى الماءَ وسَقى الغَنَمَ، كانَ بِلُبْثِهِ ومُباشَرَتِهِ كَأنَّهُ دَخَلَ، وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَإنَّها تَضَمَّنَتِ الأخْبارَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ كَوْنِهِمْ فِيها، وحِينَئِذٍ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها. وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّهم يَمُرُّونَ بِها ولا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّ الوُرُودَ: المَمَرُّ عَلَيْها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، [ ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ ]، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّحْلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ. والثّالِثُ: أنَّ وُرُودَها: حُضُورُها، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّ وُرُودَ المُسْلِمِينَ: المُرُورُ عَلى الجِسْرِ، ووُرُودَ المُشْرِكِينَ: دُخُولُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٥٧) والخامِسُ: أنَّ وُرُودَ المُؤْمِنِ إلَيْها: ما يُصِيبُهُ مِنَ الحُمّى في الدُّنْيا، رَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الحِمى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ: " وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها "؛ فَعَلى هَذا مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ يَعْنِي: الوُرُودُ، ﴿حَتْمًا﴾ والحَتْمُ: إيجابُ القَضاءِ والقَطْعِ بِالأمْرِ. والمَقْضِيُّ: الَّذِي قَضاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ وقَضاهُ عَلى الخَلْقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( ثَمَّ ) بِفَتْحِ الثّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( نُنْجِي ) مُخَفَّفَةً. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو بَحْرِيَّةَ، [ وأبُو الجَوْزاءِ الرَّبَعِيُّ: ( ثُمَّ يُنْجِي ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ النُّونِ خَفِيفَةَ الجِيمِ مَكْسُورَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ]، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ: ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ يَحْتَجُّ بِها القائِلُونَ بِدُخُولِ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النَّجاةَ: تَخْلِيصُ الواقِعِ في الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها﴾، ولَمْ يَقُلْ: ونُدْخِلُهم، وإنَّما يُقالُ: نَذَرَ ونَتْرُكُ لِمَن قَدْ حَصَلَ في مَكانِهِ. ومَن قالَ: إنَّ الوُرُودَ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، قالَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ: نُخْرِجُ المُتَّقِينَ مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ النّارَ. والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وبِالظّالِمِينَ: الكُفّارُ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٦٨ ] .

مريم 19:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا (p-٢٥٢)بالِيًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ، ويَقُولُ: زَعَمَ لَكم مُحَمَّدٌ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا بَعْدَ أنْ نَكُونَ مِثْلَ هَذا العَظْمِ البالِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ إنْ قِيلَ: ظاهِرُهُ ظاهِرُ سُؤالٍ، فَأيْنَ جَوابُهُ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ اسْتِفْهامٌ، ومَعْناهُ مَعْنى جَحْدٍ وإنْكارٍ، تَلْخِيصُهُ: لَسْتُ مَبْعُوثًا بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَفْهَمَ بِهَذا الكَلامِ عَنِ البَعْثِ، أجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى مَعْنى: نَعَمْ، وأنْتَ مَبْعُوثٌ. والثّالِثُ: أنَّ جَوابَ سُؤالِ هَذا الكافِرِ في ( يَسِ: ٧٨ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾، ولا يُنْكَرُ بَعْدَ الجَوابِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ، والسُّورَتانِ مَكِّيَّتانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَذْكُرُ ) ساكِنَةَ الذّالِ خَفِيفَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( أوَلا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ) بِياءٍ وتاءٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ: ( يَذْكُرُ ) بِياءٍ مِن غَيْرِ تاءٍ ساكِنَةَ الذّالِ مُخَفَّفَةً مَرْفُوعَةَ الكافِ، والمَعْنى: أوَلا يَتَذَكَّرُ هَذا الجاحِدُ أوَّلَ خَلْقِهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، ﴿والشَّياطِينَ﴾؛ أيْ: مَعَ الشَّياطِينِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ كافِرٍ يُحْشَرُ مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم (p-٢٥٣)حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: في جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنْ حَوْلَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داخِلَهُ، تَقُولُ: جَلَسَ القَوْمُ حَوْلَ البَيْتِ: إذا جَلَسُوا داخِلَهُ مُطِيفِينَ بِهِ. وقِيلَ: يَجْثُونَ حَوْلَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿جِثِيًّا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ جاثٍ، مِثْلَ: قاعِدٍ وقُعُودٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والأصْلُ ضَمُّ الجِيمِ، وجاءَ كَسْرُها إتْباعًا لِكَسْرَةِ الثّاءِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُعُودًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَماعاتٍ جَماعاتٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. فَعَلى هَذا هو جَمْعُ جَثْوَةٍ، وهي المَجْمُوعُ مِنَ التُّرابِ والحِجارَةِ. والثّالِثُ: جِثِيًّا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قِيامًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والخامِسُ: قِيامًا عَلى رُكَبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ لِضِيقِ المَكانِ بِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾؛ أيْ: لَنَأْخُذَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، وأُمَّةٍ، وأهْلِ دِينٍ، ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾؛ أيْ: أعْظَمُهم لَهُ مَعْصِيَةً، والمَعْنى: أنَّهُ يُبْدَأُ بِتَعْذِيبِ الأعْتى فالأعْتى، وبِالأكابِرِ جُرْمًا، والرُّؤُوسِ القادَةِ في الشَّرِّ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي رَفْعِ " أيُّهم " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولَمْ تَعْمَلْ ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ يُونُسَ. والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَعْنى الَّذِي يُقالُ لَهم: أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ؟ قالَهُ الخَلِيلُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: التَّأْوِيلُ: لَنَنْزِعَنَّ الَّذِي مِن أجْلِ عُتُوِّهِ، يُقالُ: أيُّ هَؤُلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا ؟ وأنْشَدَ (p-٢٥٤) ؎ ولَقَدْ أبِيتُ عَنِ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ المَعْنى: أبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ. والثّالِثُ: أنَّ ﴿أيُّهُمْ﴾ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ؛ لِأنَّها خالَفَتْ أخَواتِها، فالمَعْنى: أيُّهُمُّ هو أفْضَلُ. وبَيانُ خِلافِها لِأخَواتِها أنَّكَ تَقُولُ: اضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: اضْرِبْ مَن أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: مَن هو أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: كُلْ ما أطْيَبُ، حَتّى تَقُولَ: ما هو أطْيَبُ، ولا خُذْ ما أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: الَّذِي هو أفْضَلُ؛ فَلَمّا خالَفَتْ ( ما )، و( مَن )، و( الَّذِي ) بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، قالَهُسِيبَوَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ يَعْنِي: أنَّ الأوْلى بِها صِلِيّا الَّذِينَ هم أشَدُّ عِتِيًّا، فَيُبْتَدَأُ بِهِمْ قَبْلَ أتْباعِهِمْ. و" صِلِيّا " مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ يَصْلاها: إذا دَخَلَها وقاسى حَرَّها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وما مِنكم أحَدٌ إلّا وهو وارِدُها. وَفِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْكُفّارِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ووَجْهُ هَذا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، وقالَ: ﴿أيُّهم أشَدُّ (p-٢٥٥)عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، كانَ التَّقْدِيرُ: وإنْ مِنهم، فَأُبْدِلَتِ الكافُ مِنَ الهاءِ، كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ [ الإنْسانِ: ٢٢ ]، المَعْنى: كانَ لَهم؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ [ الإنْسانِ: ٢١ ]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ شَطَّتْ مَزارَ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ عِسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ أرادَ: طِلابَها. وفي هَذا الوُرُودِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدُّخُولُ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " الوُرُودُ: الدُّخُولُ، لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ - أوْ قالَ: لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ» " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ: أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ أيُخَرِجُنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنها أمْ لا ؟ فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [ هُودٍ: ٩٨ ]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٩٨ ] . وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَبْكِي ويَقُولُ: أُنْبِئْتُ أنِّي وارِدٌ، ولَمْ أُنَبَّأْ أنِّيَ صادِرٌ. وحَكى الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِأخِيهِ: يا أخِي هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ النّارَ ؟ قالَ: نَعِمْ. قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها. قالَ: لا. قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ ؟ وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: ألَمْ يَعِدْنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ ؟ فَيُقالُ لَهم: بَلى، ولَكِنْ مَرَرْتُمْ بِها وهي خامِدَةٌ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ الدُّخُولُ: الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وأبُو مالِكٍ. (p-٢٥٦)وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ بِأشْياءَ، فَقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: ورَدْتُ بَلَدَ كَذا، ووَرَدْتُ ماءَ كَذا: إذا أشْرَفُوا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [ القَصَصِ: ٣٣ ]، والحُجَّةُ القاطِعَةُ في هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠١، ١٠٢ ]، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ∗∗∗ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ أيْ: لَمّا بَلَغْنَ الماءَ قُمْنَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وقَدْ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الحُجَجِ، فَقالَ: أمّا الآيَةُ الأُولى، فَإنَّ مُوسى لَمّا أقامَ حَتّى اسْتَقى الماءَ وسَقى الغَنَمَ، كانَ بِلُبْثِهِ ومُباشَرَتِهِ كَأنَّهُ دَخَلَ، وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَإنَّها تَضَمَّنَتِ الأخْبارَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ كَوْنِهِمْ فِيها، وحِينَئِذٍ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها. وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّهم يَمُرُّونَ بِها ولا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّ الوُرُودَ: المَمَرُّ عَلَيْها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، [ ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ ]، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّحْلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ. والثّالِثُ: أنَّ وُرُودَها: حُضُورُها، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّ وُرُودَ المُسْلِمِينَ: المُرُورُ عَلى الجِسْرِ، ووُرُودَ المُشْرِكِينَ: دُخُولُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٥٧) والخامِسُ: أنَّ وُرُودَ المُؤْمِنِ إلَيْها: ما يُصِيبُهُ مِنَ الحُمّى في الدُّنْيا، رَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الحِمى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ: " وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها "؛ فَعَلى هَذا مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ يَعْنِي: الوُرُودُ، ﴿حَتْمًا﴾ والحَتْمُ: إيجابُ القَضاءِ والقَطْعِ بِالأمْرِ. والمَقْضِيُّ: الَّذِي قَضاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ وقَضاهُ عَلى الخَلْقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( ثَمَّ ) بِفَتْحِ الثّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( نُنْجِي ) مُخَفَّفَةً. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو بَحْرِيَّةَ، [ وأبُو الجَوْزاءِ الرَّبَعِيُّ: ( ثُمَّ يُنْجِي ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ النُّونِ خَفِيفَةَ الجِيمِ مَكْسُورَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ]، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ: ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ يَحْتَجُّ بِها القائِلُونَ بِدُخُولِ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النَّجاةَ: تَخْلِيصُ الواقِعِ في الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها﴾، ولَمْ يَقُلْ: ونُدْخِلُهم، وإنَّما يُقالُ: نَذَرَ ونَتْرُكُ لِمَن قَدْ حَصَلَ في مَكانِهِ. ومَن قالَ: إنَّ الوُرُودَ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، قالَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ: نُخْرِجُ المُتَّقِينَ مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ النّارَ. والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وبِالظّالِمِينَ: الكُفّارُ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٦٨ ] .

مريم 19:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿آياتُنا﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ. (p-٢٥٨)﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: لِفُقَراءَ المُؤْمِنِينَ، ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: [ مَقامًا ] بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَقامُ: اسْمُ المَثْوى، إنْ فُتِحَتِ المِيمُ أوْ ضُمَّتْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ والنَّدِيُّ والنّادِي: مَجْلِسُ القَوْمِ ومُجْتَمَعُهم. وقالَ الفَرّاءُ: النِّدِيُّ والنّادِي لُغَتانِ. ومَعْنى الكَلامِ: أنْحَنِ خَيْرٌ أمْ أنْتُمْ ؟ فافْتَخَرُوا عَلَيْهِمْ بِالمَساكِنِ والمَجالِسِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى القَرْنِ في ( الأنْعامِ: ٦ )، وشَرَحْنا الأثاثَ في ( النَّحْلِ: ٨٠ ) . فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرِئْيًا﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ورِئْيًا ) بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الرّاءِ والياءِ في وزْنِ: ( رِعْيًا ) . قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: مَنظَرًا، مِن ( رَأيْتُ ) . وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ( رِيًّا ) بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: لَها تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الأُولى. والثّانِي: أنَّها مِنَ الرِّيِّ، فالمَعْنى: مَنظَرُهم مُرْتَوٍ مِنَ النِّعْمَةِ، كَأنَّ النَّعِيمَ بَيِّنٌ فِيهِمْ. وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ( زِيًّا ) بِالزّايِ المُعْجَمَةِ مَعَ تَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: حَسَنٌ هَيْئَتُهم.

مريم 19:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿آياتُنا﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ. (p-٢٥٨)﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: لِفُقَراءَ المُؤْمِنِينَ، ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: [ مَقامًا ] بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَقامُ: اسْمُ المَثْوى، إنْ فُتِحَتِ المِيمُ أوْ ضُمَّتْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ والنَّدِيُّ والنّادِي: مَجْلِسُ القَوْمِ ومُجْتَمَعُهم. وقالَ الفَرّاءُ: النِّدِيُّ والنّادِي لُغَتانِ. ومَعْنى الكَلامِ: أنْحَنِ خَيْرٌ أمْ أنْتُمْ ؟ فافْتَخَرُوا عَلَيْهِمْ بِالمَساكِنِ والمَجالِسِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى القَرْنِ في ( الأنْعامِ: ٦ )، وشَرَحْنا الأثاثَ في ( النَّحْلِ: ٨٠ ) . فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرِئْيًا﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ورِئْيًا ) بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الرّاءِ والياءِ في وزْنِ: ( رِعْيًا ) . قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: مَنظَرًا، مِن ( رَأيْتُ ) . وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ( رِيًّا ) بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: لَها تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الأُولى. والثّانِي: أنَّها مِنَ الرِّيِّ، فالمَعْنى: مَنظَرُهم مُرْتَوٍ مِنَ النِّعْمَةِ، كَأنَّ النَّعِيمَ بَيِّنٌ فِيهِمْ. وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ( زِيًّا ) بِالزّايِ المُعْجَمَةِ مَعَ تَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: حَسَنٌ هَيْئَتُهم.

مريم 19:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ﴾؛ أيْ: في الكُفْرِ والعَمى عَنِ التَّوْحِيدِ، ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَفْظُ أمْرٍ ومَعْناهُ الخَبَرُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعْلَ جَزاءَ ضَلالَتِهِ أنْ يَتْرُكَهُ فِيها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: خاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ بِلِسانِها، وهي تَقْصِدُ التَّوْكِيدَ لِلْخَبَرِ بِذِكْرِ الأمْرِ، يَقُولُ أحَدُهم: إنْ زارَنا عَبْدُ اللَّهِ فَلْنُكْرِمْهُ، يَقْصِدُ التَّوْكِيدَ، ويُنَبِّهُ عَلى أنِّي أُلْزِمُ نَفْسِي إكْرامَهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الدُّعاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: مَن كانَ في الضَّلالَةِ، فاللَّهُمَّ مُدَّ لَهُ في النِّعَمِ مَدًّا. قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى مَدِّ اللَّهِ تَعالى لَهُ: إمْهالُهُ في الغَيِّ. ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ مَدَّهم في الضَّلالَةِ، وإنَّما أخْبَرَ عَنِ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَ " مَن " يَصْلُحُ لِلْجَماعَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوعَدُونَ فَقالَ: ﴿إمّا العَذابَ﴾ يَعْنِي: القَتْلَ والأسْرَ، ﴿وَإمّا السّاعَةَ﴾ يَعْنِي: القِيامَةَ وما وُعِدُوا فِيها مِنَ الخُلُودِ في النّارِ، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا﴾ في الآخِرَةِ، أهَمْ أُمِ المُؤْمِنُونَ ؟ لِأنَّ مَكانَ هَؤُلاءِ الجَنَّةُ ومَكانَ هَؤُلاءِ النّارُ، ويَعْلَمُونَ بِالنَّصْرِ والقَتْلِ مَن " أضْعَفُ جُنْدًا " جُنْدَهم أمْ جُنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالتَّوْحِيدِ إيمانًا. والثّانِي: يَزِيدُهم بَصِيرَةً في دِينِهِمْ. والثّالِثُ: يَزِيدُهم بِزِيادَةِ الوَحْيِ إيمانًا، فَكُلَّما نَزَلَتْ سُورَةٌ زادَ إيمانُهم. والرّابِعُ: يَزِيدُهم إيمانًا بِالنّاسِخِ والمَنسُوخِ. والخامِسُ: يَزِيدُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالمَنسُوخِ هَدًى بِالنّاسِخِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ جَزاءَهم أنْ يَزِيدَهم يَقِينًا، كَما جُعِلَ جَزاءُ الكافِرِ أنْ يُمِدَّهُ في ضَلالَتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٤٦ ) . (p-٢٦٠) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ المَرَدُّ هاهُنا مَصْدَرٌ مِثْلَ الرَّدِّ، والمَعْنى: وخَيْرٌ رَدًّا لِلثَّوابِ عَلى عامِلَيْها، فَلَيْسَتْ كَأعْمالِ الكُفّارِ الَّتِي خَسِرُوها فَبَطَلَتْ.

مريم 19:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ﴾؛ أيْ: في الكُفْرِ والعَمى عَنِ التَّوْحِيدِ، ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَفْظُ أمْرٍ ومَعْناهُ الخَبَرُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعْلَ جَزاءَ ضَلالَتِهِ أنْ يَتْرُكَهُ فِيها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: خاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ بِلِسانِها، وهي تَقْصِدُ التَّوْكِيدَ لِلْخَبَرِ بِذِكْرِ الأمْرِ، يَقُولُ أحَدُهم: إنْ زارَنا عَبْدُ اللَّهِ فَلْنُكْرِمْهُ، يَقْصِدُ التَّوْكِيدَ، ويُنَبِّهُ عَلى أنِّي أُلْزِمُ نَفْسِي إكْرامَهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الدُّعاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: مَن كانَ في الضَّلالَةِ، فاللَّهُمَّ مُدَّ لَهُ في النِّعَمِ مَدًّا. قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى مَدِّ اللَّهِ تَعالى لَهُ: إمْهالُهُ في الغَيِّ. ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ مَدَّهم في الضَّلالَةِ، وإنَّما أخْبَرَ عَنِ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَ " مَن " يَصْلُحُ لِلْجَماعَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوعَدُونَ فَقالَ: ﴿إمّا العَذابَ﴾ يَعْنِي: القَتْلَ والأسْرَ، ﴿وَإمّا السّاعَةَ﴾ يَعْنِي: القِيامَةَ وما وُعِدُوا فِيها مِنَ الخُلُودِ في النّارِ، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا﴾ في الآخِرَةِ، أهَمْ أُمِ المُؤْمِنُونَ ؟ لِأنَّ مَكانَ هَؤُلاءِ الجَنَّةُ ومَكانَ هَؤُلاءِ النّارُ، ويَعْلَمُونَ بِالنَّصْرِ والقَتْلِ مَن " أضْعَفُ جُنْدًا " جُنْدَهم أمْ جُنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالتَّوْحِيدِ إيمانًا. والثّانِي: يَزِيدُهم بَصِيرَةً في دِينِهِمْ. والثّالِثُ: يَزِيدُهم بِزِيادَةِ الوَحْيِ إيمانًا، فَكُلَّما نَزَلَتْ سُورَةٌ زادَ إيمانُهم. والرّابِعُ: يَزِيدُهم إيمانًا بِالنّاسِخِ والمَنسُوخِ. والخامِسُ: يَزِيدُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالمَنسُوخِ هَدًى بِالنّاسِخِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ جَزاءَهم أنْ يَزِيدَهم يَقِينًا، كَما جُعِلَ جَزاءُ الكافِرِ أنْ يُمِدَّهُ في ضَلالَتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٤٦ ) . (p-٢٦٠) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ المَرَدُّ هاهُنا مَصْدَرٌ مِثْلَ الرَّدِّ، والمَعْنى: وخَيْرٌ رَدًّا لِلثَّوابِ عَلى عامِلَيْها، فَلَيْسَتْ كَأعْمالِ الكُفّارِ الَّتِي خَسِرُوها فَبَطَلَتْ.

مريم 19:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبّابِ [ بْنِ الأرَتِّ ]، قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا؛ [ أيْ: حَدّادًا ]، وكانَ لِي عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ دَيْنٌ، فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: [ لا ] واللَّهِ لا أقَضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قالَ: فَإنِّي إذا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي ولِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأعْطَيْتُكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " فَرَدًا " . والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الواوِ. وقالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ، كالعَدَمِ والعُدْمِ، ولَيْسَ يُجْمَعُ، وقَيْسٌ تَجْعَلُ الوُلْدَ جَمْعًا، والوَلَدَ بِفَتْحِ الواوِ واحِدًا. وَأيْنَ زَعْمُ هَذا الكافِرِ أنْ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ في الجَنَّةِ عَلى زَعْمِكم. والثّانِي: في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أرَأيْتَهُ مُصِيبًا ؟ (p-٢٦١) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: أعَلِمَ ما غابَ عَنْهُ حَتّى يَعْلَمَ أفِي الجَنَّةِ هو أمْ لا ؟ وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: أنَظَرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ؟ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أمْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأرْحَمُهُ بِها ؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أمْ قَدَّمَ عَمَلًا صالِحًا فَهو يَرْجُوهُ ؟ قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أمْ عُهِدَ إلَيْهِ أنَّهُ يُدْخِلْهُ الجَنَّةَ ؟ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالَ مِن أنَّهُ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " كَلّا ": أيْ: إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعِ الغَيْبَ، ولَمْ يَتَّخِذْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا. ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾؛ أيْ: سَنَأْمُرُ الحَفَظَةَ بِإثْباتِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ لِنُجازِيَهُ بِهِ، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾؛ أيْ: نَجْعَلُ بَعْضَ العَذابِ عَلى إثْرِ بَعْضٍ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( سَيَكْتُبُ )، ( ويَرِثُهُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَرِثُهُ ما يَقُولُ إنَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ، فَنَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: نَرِثُ ما عِنْدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، بِإهْلاكِنا إيّاهُ وإبْطالِ مُلْكِهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنَسْلُبُهُ المالَ والوَلَدَ ونَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾؛ أيْ: بِلا مالٍ ولا ولَدٍ.

مريم 19:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبّابِ [ بْنِ الأرَتِّ ]، قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا؛ [ أيْ: حَدّادًا ]، وكانَ لِي عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ دَيْنٌ، فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: [ لا ] واللَّهِ لا أقَضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قالَ: فَإنِّي إذا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي ولِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأعْطَيْتُكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " فَرَدًا " . والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الواوِ. وقالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ، كالعَدَمِ والعُدْمِ، ولَيْسَ يُجْمَعُ، وقَيْسٌ تَجْعَلُ الوُلْدَ جَمْعًا، والوَلَدَ بِفَتْحِ الواوِ واحِدًا. وَأيْنَ زَعْمُ هَذا الكافِرِ أنْ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ في الجَنَّةِ عَلى زَعْمِكم. والثّانِي: في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أرَأيْتَهُ مُصِيبًا ؟ (p-٢٦١) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: أعَلِمَ ما غابَ عَنْهُ حَتّى يَعْلَمَ أفِي الجَنَّةِ هو أمْ لا ؟ وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: أنَظَرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ؟ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أمْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأرْحَمُهُ بِها ؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أمْ قَدَّمَ عَمَلًا صالِحًا فَهو يَرْجُوهُ ؟ قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أمْ عُهِدَ إلَيْهِ أنَّهُ يُدْخِلْهُ الجَنَّةَ ؟ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالَ مِن أنَّهُ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " كَلّا ": أيْ: إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعِ الغَيْبَ، ولَمْ يَتَّخِذْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا. ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾؛ أيْ: سَنَأْمُرُ الحَفَظَةَ بِإثْباتِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ لِنُجازِيَهُ بِهِ، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾؛ أيْ: نَجْعَلُ بَعْضَ العَذابِ عَلى إثْرِ بَعْضٍ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( سَيَكْتُبُ )، ( ويَرِثُهُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَرِثُهُ ما يَقُولُ إنَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ، فَنَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: نَرِثُ ما عِنْدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، بِإهْلاكِنا إيّاهُ وإبْطالِ مُلْكِهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنَسْلُبُهُ المالَ والوَلَدَ ونَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾؛ أيْ: بِلا مالٍ ولا ولَدٍ.

مريم 19:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبّابِ [ بْنِ الأرَتِّ ]، قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا؛ [ أيْ: حَدّادًا ]، وكانَ لِي عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ دَيْنٌ، فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: [ لا ] واللَّهِ لا أقَضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قالَ: فَإنِّي إذا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي ولِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأعْطَيْتُكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " فَرَدًا " . والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الواوِ. وقالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ، كالعَدَمِ والعُدْمِ، ولَيْسَ يُجْمَعُ، وقَيْسٌ تَجْعَلُ الوُلْدَ جَمْعًا، والوَلَدَ بِفَتْحِ الواوِ واحِدًا. وَأيْنَ زَعْمُ هَذا الكافِرِ أنْ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ في الجَنَّةِ عَلى زَعْمِكم. والثّانِي: في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أرَأيْتَهُ مُصِيبًا ؟ (p-٢٦١) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: أعَلِمَ ما غابَ عَنْهُ حَتّى يَعْلَمَ أفِي الجَنَّةِ هو أمْ لا ؟ وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: أنَظَرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ؟ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أمْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأرْحَمُهُ بِها ؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أمْ قَدَّمَ عَمَلًا صالِحًا فَهو يَرْجُوهُ ؟ قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أمْ عُهِدَ إلَيْهِ أنَّهُ يُدْخِلْهُ الجَنَّةَ ؟ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالَ مِن أنَّهُ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " كَلّا ": أيْ: إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعِ الغَيْبَ، ولَمْ يَتَّخِذْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا. ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾؛ أيْ: سَنَأْمُرُ الحَفَظَةَ بِإثْباتِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ لِنُجازِيَهُ بِهِ، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾؛ أيْ: نَجْعَلُ بَعْضَ العَذابِ عَلى إثْرِ بَعْضٍ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( سَيَكْتُبُ )، ( ويَرِثُهُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَرِثُهُ ما يَقُولُ إنَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ، فَنَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: نَرِثُ ما عِنْدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، بِإهْلاكِنا إيّاهُ وإبْطالِ مُلْكِهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنَسْلُبُهُ المالَ والوَلَدَ ونَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾؛ أيْ: بِلا مالٍ ولا ولَدٍ.

مريم 19:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبّابِ [ بْنِ الأرَتِّ ]، قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا؛ [ أيْ: حَدّادًا ]، وكانَ لِي عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ دَيْنٌ، فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: [ لا ] واللَّهِ لا أقَضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قالَ: فَإنِّي إذا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي ولِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأعْطَيْتُكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " فَرَدًا " . والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الواوِ. وقالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ، كالعَدَمِ والعُدْمِ، ولَيْسَ يُجْمَعُ، وقَيْسٌ تَجْعَلُ الوُلْدَ جَمْعًا، والوَلَدَ بِفَتْحِ الواوِ واحِدًا. وَأيْنَ زَعْمُ هَذا الكافِرِ أنْ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ في الجَنَّةِ عَلى زَعْمِكم. والثّانِي: في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أرَأيْتَهُ مُصِيبًا ؟ (p-٢٦١) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: أعَلِمَ ما غابَ عَنْهُ حَتّى يَعْلَمَ أفِي الجَنَّةِ هو أمْ لا ؟ وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: أنَظَرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ؟ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أمْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأرْحَمُهُ بِها ؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أمْ قَدَّمَ عَمَلًا صالِحًا فَهو يَرْجُوهُ ؟ قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أمْ عُهِدَ إلَيْهِ أنَّهُ يُدْخِلْهُ الجَنَّةَ ؟ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالَ مِن أنَّهُ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " كَلّا ": أيْ: إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعِ الغَيْبَ، ولَمْ يَتَّخِذْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا. ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾؛ أيْ: سَنَأْمُرُ الحَفَظَةَ بِإثْباتِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ لِنُجازِيَهُ بِهِ، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾؛ أيْ: نَجْعَلُ بَعْضَ العَذابِ عَلى إثْرِ بَعْضٍ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( سَيَكْتُبُ )، ( ويَرِثُهُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَرِثُهُ ما يَقُولُ إنَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ، فَنَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: نَرِثُ ما عِنْدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، بِإهْلاكِنا إيّاهُ وإبْطالِ مُلْكِهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنَسْلُبُهُ المالَ والوَلَدَ ونَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾؛ أيْ: بِلا مالٍ ولا ولَدٍ.

مريم 19:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ عابِدِي الأصْنامِ، ﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِيَكُونُوا لَهم شُفَعاءَ في الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قَدَّرُوا، ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ بِجَحْدِ عِبادَةِ المُشْرِكِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [ القِصَصِ: ٦٣ ]؛ لِأنَّها كانَتْ جَمادًا لا تَعْقِلُ العِبادَةَ، ﴿وَيَكُونُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ضِدًّا﴾؛ أيْ: أعْوانًا عَلَيْهِمْ في القِيامَةِ، يُكَذِّبُونَهم ويَلْعَنُونَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في مَعْنى هَذا الإرْسالِ وجْهانِ. أحَدُهُما: خَلَّيْنا بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ الكافِرِينَ، فَلَمْ نَعْصِمْهم مِنَ القَبُولِ مِنهم. والثّانِي، وهو المُخْتارُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ، وقَيَّضْناهم لَهم بِكُفْرِهِمْ. ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾؛ أيْ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا حَتّى يَرْكَبُوا المَعاصِي. وقالَ الفَرّاءُ: تُزْعِجُهم إلى المَعاصِي، وتُغْرِيهِمْ بِها. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: أزَّهُ عَلى كَذا: إذا أغْراهُ بِهِ، وأزَّتِ القِدْرُ: غَلَتْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: لا تَعْجَلْ بِطَلَبِ عَذابِهِمْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ في هَذا المَعْدُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أنْفاسُهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ طاوُوسٌ ومُقاتِلٌ. (p-٢٦٣) والثّانِي: الأيّامُ، واللَّيالِي، والشُّهُورُ، والسُّنُونَ، والسّاعاتُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها أعْمالُهم، قالَهُ قُطْرُبٌ.

مريم 19:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ عابِدِي الأصْنامِ، ﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِيَكُونُوا لَهم شُفَعاءَ في الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قَدَّرُوا، ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ بِجَحْدِ عِبادَةِ المُشْرِكِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [ القِصَصِ: ٦٣ ]؛ لِأنَّها كانَتْ جَمادًا لا تَعْقِلُ العِبادَةَ، ﴿وَيَكُونُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ضِدًّا﴾؛ أيْ: أعْوانًا عَلَيْهِمْ في القِيامَةِ، يُكَذِّبُونَهم ويَلْعَنُونَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في مَعْنى هَذا الإرْسالِ وجْهانِ. أحَدُهُما: خَلَّيْنا بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ الكافِرِينَ، فَلَمْ نَعْصِمْهم مِنَ القَبُولِ مِنهم. والثّانِي، وهو المُخْتارُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ، وقَيَّضْناهم لَهم بِكُفْرِهِمْ. ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾؛ أيْ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا حَتّى يَرْكَبُوا المَعاصِي. وقالَ الفَرّاءُ: تُزْعِجُهم إلى المَعاصِي، وتُغْرِيهِمْ بِها. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: أزَّهُ عَلى كَذا: إذا أغْراهُ بِهِ، وأزَّتِ القِدْرُ: غَلَتْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: لا تَعْجَلْ بِطَلَبِ عَذابِهِمْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ في هَذا المَعْدُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أنْفاسُهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ طاوُوسٌ ومُقاتِلٌ. (p-٢٦٣) والثّانِي: الأيّامُ، واللَّيالِي، والشُّهُورُ، والسُّنُونَ، والسّاعاتُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها أعْمالُهم، قالَهُ قُطْرُبٌ.

مريم 19:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ عابِدِي الأصْنامِ، ﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِيَكُونُوا لَهم شُفَعاءَ في الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قَدَّرُوا، ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ بِجَحْدِ عِبادَةِ المُشْرِكِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [ القِصَصِ: ٦٣ ]؛ لِأنَّها كانَتْ جَمادًا لا تَعْقِلُ العِبادَةَ، ﴿وَيَكُونُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ضِدًّا﴾؛ أيْ: أعْوانًا عَلَيْهِمْ في القِيامَةِ، يُكَذِّبُونَهم ويَلْعَنُونَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في مَعْنى هَذا الإرْسالِ وجْهانِ. أحَدُهُما: خَلَّيْنا بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ الكافِرِينَ، فَلَمْ نَعْصِمْهم مِنَ القَبُولِ مِنهم. والثّانِي، وهو المُخْتارُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ، وقَيَّضْناهم لَهم بِكُفْرِهِمْ. ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾؛ أيْ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا حَتّى يَرْكَبُوا المَعاصِي. وقالَ الفَرّاءُ: تُزْعِجُهم إلى المَعاصِي، وتُغْرِيهِمْ بِها. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: أزَّهُ عَلى كَذا: إذا أغْراهُ بِهِ، وأزَّتِ القِدْرُ: غَلَتْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: لا تَعْجَلْ بِطَلَبِ عَذابِهِمْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ في هَذا المَعْدُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أنْفاسُهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ طاوُوسٌ ومُقاتِلٌ. (p-٢٦٣) والثّانِي: الأيّامُ، واللَّيالِي، والشُّهُورُ، والسُّنُونَ، والسّاعاتُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها أعْمالُهم، قالَهُ قُطْرُبٌ.

مريم 19:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ عابِدِي الأصْنامِ، ﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِيَكُونُوا لَهم شُفَعاءَ في الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قَدَّرُوا، ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ بِجَحْدِ عِبادَةِ المُشْرِكِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [ القِصَصِ: ٦٣ ]؛ لِأنَّها كانَتْ جَمادًا لا تَعْقِلُ العِبادَةَ، ﴿وَيَكُونُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ضِدًّا﴾؛ أيْ: أعْوانًا عَلَيْهِمْ في القِيامَةِ، يُكَذِّبُونَهم ويَلْعَنُونَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في مَعْنى هَذا الإرْسالِ وجْهانِ. أحَدُهُما: خَلَّيْنا بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ الكافِرِينَ، فَلَمْ نَعْصِمْهم مِنَ القَبُولِ مِنهم. والثّانِي، وهو المُخْتارُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ، وقَيَّضْناهم لَهم بِكُفْرِهِمْ. ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾؛ أيْ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا حَتّى يَرْكَبُوا المَعاصِي. وقالَ الفَرّاءُ: تُزْعِجُهم إلى المَعاصِي، وتُغْرِيهِمْ بِها. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: أزَّهُ عَلى كَذا: إذا أغْراهُ بِهِ، وأزَّتِ القِدْرُ: غَلَتْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: لا تَعْجَلْ بِطَلَبِ عَذابِهِمْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ في هَذا المَعْدُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أنْفاسُهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ طاوُوسٌ ومُقاتِلٌ. (p-٢٦٣) والثّانِي: الأيّامُ، واللَّيالِي، والشُّهُورُ، والسُّنُونَ، والسّاعاتُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها أعْمالُهم، قالَهُ قُطْرُبٌ.

مريم 19:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ لَهم يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ، ( ويَسُوقُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ السِّينِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( يَوْمَ يُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُتَّقُونَ ) رَفْعًا، ( ويُساقُ ) بِألِفٍ وياءٍ مَرْفُوعَةٍ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ عَلى الرَّفْعِ. والوَفْدُ: جَمْعُ وافِدٍ، مِثْلَ: رَكْبٍ وراكِبٍ، وصَحْبٍ وصاحِبٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: الوَفْدُ: الرُّكْبانُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرُّكْبانُ عِنْدَ العَرَبِ: رُكّابُ الإبِلِ. وَفِي زَمانِ هَذا الحَشْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قُبُورِهِمْ إلى الرَّحْمَنِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. والثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ الحِسابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ، ﴿إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قالَ (p-٢٦٤)ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ: عِطاشًا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوِرْدُ: مَصْدَرُ الوُرُودِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوِرْدُ: جَماعَةٌ يَرِدُونَ الماءَ، يَعْنِي: أنَّهم عِطاشٌ؛ لِأنَّهُ لا يَرِدُ الماءَ إلّا العَطْشانُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وِرْدًا﴾: وارِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾؛ أيْ: لا يَشْفَعُونَ ولا يُشْفَعُ لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ " مَن " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ والنُّونِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى اسْتِثْناءٍ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، فالمَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ المُجْرِمُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلا﴾ عَلى مَعْنى ( لَكِنْ )، ﴿مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ فَإنَّهُ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ. والعَهْدُ هاهُنا: تَوْحِيدُ اللَّهِ والإيمانُ بِهِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَفْسِيرُ العَهْدِ في اللُّغَةِ: تَقْدِمَةُ أمْرٍ يُعْلَمُ ويُحْفَظُ، مِن قَوْلِكَ: عَهِدَتُ فُلانًا في المَكانِ؛ أيْ: عَرِفْتُهُ وشَهِدَتْهُ.

مريم 19:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ لَهم يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ، ( ويَسُوقُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ السِّينِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( يَوْمَ يُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُتَّقُونَ ) رَفْعًا، ( ويُساقُ ) بِألِفٍ وياءٍ مَرْفُوعَةٍ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ عَلى الرَّفْعِ. والوَفْدُ: جَمْعُ وافِدٍ، مِثْلَ: رَكْبٍ وراكِبٍ، وصَحْبٍ وصاحِبٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: الوَفْدُ: الرُّكْبانُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرُّكْبانُ عِنْدَ العَرَبِ: رُكّابُ الإبِلِ. وَفِي زَمانِ هَذا الحَشْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قُبُورِهِمْ إلى الرَّحْمَنِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. والثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ الحِسابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ، ﴿إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قالَ (p-٢٦٤)ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ: عِطاشًا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوِرْدُ: مَصْدَرُ الوُرُودِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوِرْدُ: جَماعَةٌ يَرِدُونَ الماءَ، يَعْنِي: أنَّهم عِطاشٌ؛ لِأنَّهُ لا يَرِدُ الماءَ إلّا العَطْشانُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وِرْدًا﴾: وارِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾؛ أيْ: لا يَشْفَعُونَ ولا يُشْفَعُ لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ " مَن " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ والنُّونِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى اسْتِثْناءٍ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، فالمَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ المُجْرِمُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلا﴾ عَلى مَعْنى ( لَكِنْ )، ﴿مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ فَإنَّهُ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ. والعَهْدُ هاهُنا: تَوْحِيدُ اللَّهِ والإيمانُ بِهِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَفْسِيرُ العَهْدِ في اللُّغَةِ: تَقْدِمَةُ أمْرٍ يُعْلَمُ ويُحْفَظُ، مِن قَوْلِكَ: عَهِدَتُ فُلانًا في المَكانِ؛ أيْ: عَرِفْتُهُ وشَهِدَتْهُ.

مريم 19:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ لَهم يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ، ( ويَسُوقُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ السِّينِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( يَوْمَ يُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُتَّقُونَ ) رَفْعًا، ( ويُساقُ ) بِألِفٍ وياءٍ مَرْفُوعَةٍ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ عَلى الرَّفْعِ. والوَفْدُ: جَمْعُ وافِدٍ، مِثْلَ: رَكْبٍ وراكِبٍ، وصَحْبٍ وصاحِبٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: الوَفْدُ: الرُّكْبانُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرُّكْبانُ عِنْدَ العَرَبِ: رُكّابُ الإبِلِ. وَفِي زَمانِ هَذا الحَشْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قُبُورِهِمْ إلى الرَّحْمَنِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. والثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ الحِسابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ، ﴿إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قالَ (p-٢٦٤)ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ: عِطاشًا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوِرْدُ: مَصْدَرُ الوُرُودِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوِرْدُ: جَماعَةٌ يَرِدُونَ الماءَ، يَعْنِي: أنَّهم عِطاشٌ؛ لِأنَّهُ لا يَرِدُ الماءَ إلّا العَطْشانُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وِرْدًا﴾: وارِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾؛ أيْ: لا يَشْفَعُونَ ولا يُشْفَعُ لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ " مَن " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ والنُّونِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى اسْتِثْناءٍ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، فالمَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ المُجْرِمُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلا﴾ عَلى مَعْنى ( لَكِنْ )، ﴿مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ فَإنَّهُ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ. والعَهْدُ هاهُنا: تَوْحِيدُ اللَّهِ والإيمانُ بِهِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَفْسِيرُ العَهْدِ في اللُّغَةِ: تَقْدِمَةُ أمْرٍ يُعْلَمُ ويُحْفَظُ، مِن قَوْلِكَ: عَهِدَتُ فُلانًا في المَكانِ؛ أيْ: عَرِفْتُهُ وشَهِدَتْهُ.

مريم 19:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٢٦٥)وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ. وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ. ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدًّا﴾؛ أيْ: سُقُوطًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ دَعَوْا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ: ؎ ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ. ﴿إنْ كُلُّ﴾؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿عَبْدًا﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا. والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ فَلا يَخْفى (p-٢٦٦)عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ. فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " . فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.

مريم 19:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٢٦٥)وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ. وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ. ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدًّا﴾؛ أيْ: سُقُوطًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ دَعَوْا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ: ؎ ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ. ﴿إنْ كُلُّ﴾؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿عَبْدًا﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا. والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ فَلا يَخْفى (p-٢٦٦)عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ. فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " . فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.

مريم 19:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٢٦٥)وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ. وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ. ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدًّا﴾؛ أيْ: سُقُوطًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ دَعَوْا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ: ؎ ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ. ﴿إنْ كُلُّ﴾؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿عَبْدًا﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا. والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ فَلا يَخْفى (p-٢٦٦)عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ. فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " . فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.

مريم 19:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٢٦٥)وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ. وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ. ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدًّا﴾؛ أيْ: سُقُوطًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ دَعَوْا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ: ؎ ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ. ﴿إنْ كُلُّ﴾؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿عَبْدًا﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا. والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ فَلا يَخْفى (p-٢٦٦)عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ. فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " . فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.

مريم 19:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٢٦٥)وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ. وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ. ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدًّا﴾؛ أيْ: سُقُوطًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ دَعَوْا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ: ؎ ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ. ﴿إنْ كُلُّ﴾؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿عَبْدًا﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا. والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ فَلا يَخْفى (p-٢٦٦)عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ. فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " . فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.

مريم 19:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٢٦٥)وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ. وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ. ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدًّا﴾؛ أيْ: سُقُوطًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ دَعَوْا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ: ؎ ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ. ﴿إنْ كُلُّ﴾؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿عَبْدًا﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا. والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ فَلا يَخْفى (p-٢٦٦)عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ. فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " . فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.

مريم 19:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٢٦٥)وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ. وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ. ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدًّا﴾؛ أيْ: سُقُوطًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ دَعَوْا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ: ؎ ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ. ﴿إنْ كُلُّ﴾؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿عَبْدًا﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا. والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ فَلا يَخْفى (p-٢٦٦)عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ. فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " . فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.

مريم 19:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٢٦٥)وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ. وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ. ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدًّا﴾؛ أيْ: سُقُوطًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ دَعَوْا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ: ؎ ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ. ﴿إنْ كُلُّ﴾؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿عَبْدًا﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا. والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ فَلا يَخْفى (p-٢٦٦)عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ. فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " . فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.

مريم 19:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: مَعْناهُ: يُحِبُّهم ويُحَبِّبُهم إلى المُؤْمِنِينَ. قالَ قَتادَةُ: يَجْعَلُ لَهم وُدًّا في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. ومِن هَذا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: " «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قالَ: يا جِبْرِيلُ؛ إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأحَبُّوهُ، فَيُنادِي جِبْرِيلُ في السَّماواتِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأحَبُّوهُ، فَيُلْقى حُبُّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيُحَبُّ» "، وذَكَرَ في البُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ. وقالَ هَرِمُ بْنُ حَيّانَ: ما أقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إلى (p-٢٦٧)اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلّا أقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ إلَيْهِ، حَتّى يَرْزُقَهُ مَوَدَّتَهم ورَحْمَتَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: سَهَّلْناهُ وأنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ. واللُّدُّ جَمْعُ ألَدَّ، وهو الخَصْمُ الجَدِلُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ هَذا تَخْوِيفٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: هَلْ تَرى، يُقالُ: هَلْ أحْسَسْتَ صاحِبَكَ؛ أيْ: هَلْ رَأيْتَهُ ؟ والرِّكْزُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّوْتُ الَّذِي لا يُفْهَمُ، وقالَ أبُو صالِحٍ: حَرَكَةٌ، [ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ] .

مريم 19:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: مَعْناهُ: يُحِبُّهم ويُحَبِّبُهم إلى المُؤْمِنِينَ. قالَ قَتادَةُ: يَجْعَلُ لَهم وُدًّا في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. ومِن هَذا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: " «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قالَ: يا جِبْرِيلُ؛ إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأحَبُّوهُ، فَيُنادِي جِبْرِيلُ في السَّماواتِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأحَبُّوهُ، فَيُلْقى حُبُّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيُحَبُّ» "، وذَكَرَ في البُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ. وقالَ هَرِمُ بْنُ حَيّانَ: ما أقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إلى (p-٢٦٧)اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلّا أقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ إلَيْهِ، حَتّى يَرْزُقَهُ مَوَدَّتَهم ورَحْمَتَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: سَهَّلْناهُ وأنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ. واللُّدُّ جَمْعُ ألَدَّ، وهو الخَصْمُ الجَدِلُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ هَذا تَخْوِيفٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: هَلْ تَرى، يُقالُ: هَلْ أحْسَسْتَ صاحِبَكَ؛ أيْ: هَلْ رَأيْتَهُ ؟ والرِّكْزُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّوْتُ الَّذِي لا يُفْهَمُ، وقالَ أبُو صالِحٍ: حَرَكَةٌ، [ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ] .

مريم 19:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: مَعْناهُ: يُحِبُّهم ويُحَبِّبُهم إلى المُؤْمِنِينَ. قالَ قَتادَةُ: يَجْعَلُ لَهم وُدًّا في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. ومِن هَذا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: " «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قالَ: يا جِبْرِيلُ؛ إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأحَبُّوهُ، فَيُنادِي جِبْرِيلُ في السَّماواتِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأحَبُّوهُ، فَيُلْقى حُبُّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيُحَبُّ» "، وذَكَرَ في البُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ. وقالَ هَرِمُ بْنُ حَيّانَ: ما أقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إلى (p-٢٦٧)اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلّا أقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ إلَيْهِ، حَتّى يَرْزُقَهُ مَوَدَّتَهم ورَحْمَتَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: سَهَّلْناهُ وأنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ. واللُّدُّ جَمْعُ ألَدَّ، وهو الخَصْمُ الجَدِلُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ هَذا تَخْوِيفٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: هَلْ تَرى، يُقالُ: هَلْ أحْسَسْتَ صاحِبَكَ؛ أيْ: هَلْ رَأيْتَهُ ؟ والرِّكْزُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّوْتُ الَّذِي لا يُفْهَمُ، وقالَ أبُو صالِحٍ: حَرَكَةٌ، [ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ] .

طه 20:1

(p-٢٦٨)سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ. (p-٢٦٩) والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي ﴿طه﴾ قِراءاتٌ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى. والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ. ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، (p-٢٧٠)والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ. والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ. فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) . وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾: لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و﴿العُلا﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿الثَّرى﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ. (p-٢٧١) وَفِي المُرادِ بِـ ﴿السِّرَّ وأخْفى﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ. والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .

طه 20:2

(p-٢٦٨)سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ. (p-٢٦٩) والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي ﴿طه﴾ قِراءاتٌ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى. والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ. ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، (p-٢٧٠)والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ. والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ. فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) . وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾: لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و﴿العُلا﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿الثَّرى﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ. (p-٢٧١) وَفِي المُرادِ بِـ ﴿السِّرَّ وأخْفى﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ. والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .

طه 20:3

(p-٢٦٨)سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ. (p-٢٦٩) والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي ﴿طه﴾ قِراءاتٌ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى. والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ. ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، (p-٢٧٠)والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ. والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ. فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) . وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾: لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و﴿العُلا﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿الثَّرى﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ. (p-٢٧١) وَفِي المُرادِ بِـ ﴿السِّرَّ وأخْفى﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ. والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .

طه 20:4

(p-٢٦٨)سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ. (p-٢٦٩) والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي ﴿طه﴾ قِراءاتٌ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى. والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ. ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، (p-٢٧٠)والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ. والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ. فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) . وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾: لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و﴿العُلا﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿الثَّرى﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ. (p-٢٧١) وَفِي المُرادِ بِـ ﴿السِّرَّ وأخْفى﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ. والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .

طه 20:5

(p-٢٦٨)سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ. (p-٢٦٩) والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي ﴿طه﴾ قِراءاتٌ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى. والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ. ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، (p-٢٧٠)والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ. والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ. فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) . وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾: لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و﴿العُلا﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿الثَّرى﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ. (p-٢٧١) وَفِي المُرادِ بِـ ﴿السِّرَّ وأخْفى﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ. والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .

طه 20:6

(p-٢٦٨)سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ. (p-٢٦٩) والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي ﴿طه﴾ قِراءاتٌ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى. والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ. ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، (p-٢٧٠)والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ. والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ. فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) . وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾: لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و﴿العُلا﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿الثَّرى﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ. (p-٢٧١) وَفِي المُرادِ بِـ ﴿السِّرَّ وأخْفى﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ. والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .

طه 20:7

(p-٢٦٨)سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ. (p-٢٦٩) والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي ﴿طه﴾ قِراءاتٌ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى. والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ. ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، (p-٢٧٠)والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ. والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ. فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) . وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾: لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و﴿العُلا﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿الثَّرى﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ. (p-٢٧١) وَفِي المُرادِ بِـ ﴿السِّرَّ وأخْفى﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ. والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .

طه 20:8

(p-٢٦٨)سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ. (p-٢٦٩) والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي ﴿طه﴾ قِراءاتٌ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى. والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ. ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، (p-٢٧٠)والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ. والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ. فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) . وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾: لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و﴿العُلا﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿الثَّرى﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ. (p-٢٧١) وَفِي المُرادِ بِـ ﴿السِّرَّ وأخْفى﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ. والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .

طه 20:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ومَعْناهُ: قَدْ أتاكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنْ تَأْتِيَ " هَلْ " (p-٢٧٢)مُعَبِّرَةً عَنْ ( قَدْ )، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ: " «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» "، يُرِيدُ: قَدْ بَلَّغْتُ. قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اسْتَأْذَنَ مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ، فَوُلِدَ لَهُ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَقَدَحَ فَلَمْ يُورِ الزِّنادُ، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ أبْصَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَكَرِهْنا إطالَةَ التَّفْسِيرِ بِالقَصَصِ؛ لِأنَّ غَرَضَنا الِاقْتِصارُ عَلى التَّفْسِيرِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى نُورًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِما كانَ في ظَنِّ مُوسى. ﴿فَقالَ لأهْلِهِ﴾ يَعْنِي: امْرَأتَهُ، ﴿امْكُثُوا﴾؛ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم. وقَرَأ حَمْزَةُ: ( لِأهْلِهُ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ هاهُنا وفي ( القَصَصِ: ٢٩ ) . ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنِّي وجَدْتُ، يُقالُ: هَلْ آنَسَتَ أحَدًا؛ أيْ: وجَدَتْ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " آنَسَتُ " بِمَعْنى: أبْصَرْتُ. فَأمّا القَبَسُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ما أخَذْتَهُ مِنَ النّارِ في رَأْسِ عُودٍ، أوْ في رَأْسِ فَتِيلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: هادِيًا، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ المَصْدَرِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى ( عِنْدَ )، (p-٢٧٣)وَبِمَعْنى ( مَعَ )، وبِمَعْنى الباءِ. وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَعَلِمَ أنَّ النّارَ لا تَخْلُو مِن مُوقِدٍ. وحَكى الزَّجّاجُ: أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ يَعْنِي: النّارَ، ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ إنَّما كَرَّرَ الكِنايَةَ؛ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [ الحَجَر: ٨٩ ] . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( أنِّي ) بِفَتْحِ الألِفِ والياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الألِفِ، إلّا أنَّ نافِعًا فَتَحَ الياءَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( أنِّي أنا ) بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: نُودِيَ [ بِأنِّي أنا رَبُّكَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: نُودِيَ ] يا مُوسى، فَقالَ اللَّهُ: إنِّي أنا رَبُّكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ في سَبَبِ أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِيَتْ، ولَكِنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ تُرابَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَنالُهُ بِرَكَتُها، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ( المائِدَةِ: ٢١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ . (p-٢٧٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُوى وأنا ) غَيْرَ مُجْراةٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( طُوًى ) مُجْراةً، وكُلُّهم ضَمَّ الطّاءَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيَوَةَ: ( طِوًى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( طِوى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ الزَّجّاجُ في " طُوًى " أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ( طُوًى ) بِضَمِّ أوَّلِهِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ؛ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمٌ لِلْوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ عَلى فُعَلٍ، نَحْوَ: حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ، فَيَصِيرُ مِثْلَ ( عُمَرَ ) المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ، فَلا يَنْصَرِفُ كَما لا يَنْصَرِفُ ( عُمَرُ ) . والجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [ القِصَص: ٣٠ ]، وإذا كُسِرَ ونَوِّنَ فَهو مِثْلُ مِعًى، والمَعْنى: المُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما قالَ عُدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: ؎ أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ أيِ: اللَّوْمَ المُكَرَّرَ عَلَيَّ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. [ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿طُوًى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى " طُوًى ": طَإ الوادِيَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. (p-٢٧٥) والثّالِثُ: أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والمُفَضَّلُ: ( وأنّا ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ ( اخْتَرْناكَ ) بِألِفٍ. ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾؛ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الِاسْتِماعُ هاهُنا مَحْمُولٌ عَلى الإنْصاتِ، المَعْنى: فَأنْصْتْ لِوَحْيِي، والوَحْيُ هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾؛ أيْ: وحِّدْنِي، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، سَواءٌ كُنْتَ في وقْتِها أوْ لَمْ تَكُنْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «مِن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها غَيْرُ ذَلِكَ»، وقَرَأ: " أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " . والثّانِي: أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعْ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَمِعْ لِما يُوحى واسْتَمِعْ لِذِكْرِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأقِمِ الصَّلاةَ لِلذِّكْرى ) بِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الألِفِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي ) . (p-٢٧٦)قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها ؟ قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي؛ أيْ: لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا. والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أكادُ﴾، وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أكادُ آتِي بِها، والِابْتِداءُ: أُخْفِيها، قالَ ضابِئٌ البُرْجُمِيُّ: ؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أرادَ: كِدْتُ أفْعَلُ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " أكادُ ": أُرِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى مَعْناهُ: أرادَتْ وأرَدْتُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا الإخْفاءِ الشَّدِيدِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لِلتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَهْجُمُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ كانَ أشَدَّ حَذَرًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُخْفِيها ) بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ (p-٢٧٧) أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرُهُ. قالَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى ( أكادُ أُظْهِرُها ): قَدْ أخْفَيْتُها وكِدْتُ أُظْهِرُها. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾؛ أيْ: بِما تَعْمَلُ. و﴿لِتُجْزى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ " لِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى " أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " لِتُجْزى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾؛ أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِكَوْنِها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَطابٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾؛ أيْ: مُرادَهُ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿فَتَرْدى﴾؛ أيْ: فَتَهْلِكَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدِيَ يَرْدى: إذا هَلَكَ.

طه 20:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ومَعْناهُ: قَدْ أتاكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنْ تَأْتِيَ " هَلْ " (p-٢٧٢)مُعَبِّرَةً عَنْ ( قَدْ )، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ: " «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» "، يُرِيدُ: قَدْ بَلَّغْتُ. قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اسْتَأْذَنَ مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ، فَوُلِدَ لَهُ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَقَدَحَ فَلَمْ يُورِ الزِّنادُ، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ أبْصَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَكَرِهْنا إطالَةَ التَّفْسِيرِ بِالقَصَصِ؛ لِأنَّ غَرَضَنا الِاقْتِصارُ عَلى التَّفْسِيرِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى نُورًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِما كانَ في ظَنِّ مُوسى. ﴿فَقالَ لأهْلِهِ﴾ يَعْنِي: امْرَأتَهُ، ﴿امْكُثُوا﴾؛ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم. وقَرَأ حَمْزَةُ: ( لِأهْلِهُ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ هاهُنا وفي ( القَصَصِ: ٢٩ ) . ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنِّي وجَدْتُ، يُقالُ: هَلْ آنَسَتَ أحَدًا؛ أيْ: وجَدَتْ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " آنَسَتُ " بِمَعْنى: أبْصَرْتُ. فَأمّا القَبَسُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ما أخَذْتَهُ مِنَ النّارِ في رَأْسِ عُودٍ، أوْ في رَأْسِ فَتِيلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: هادِيًا، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ المَصْدَرِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى ( عِنْدَ )، (p-٢٧٣)وَبِمَعْنى ( مَعَ )، وبِمَعْنى الباءِ. وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَعَلِمَ أنَّ النّارَ لا تَخْلُو مِن مُوقِدٍ. وحَكى الزَّجّاجُ: أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ يَعْنِي: النّارَ، ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ إنَّما كَرَّرَ الكِنايَةَ؛ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [ الحَجَر: ٨٩ ] . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( أنِّي ) بِفَتْحِ الألِفِ والياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الألِفِ، إلّا أنَّ نافِعًا فَتَحَ الياءَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( أنِّي أنا ) بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: نُودِيَ [ بِأنِّي أنا رَبُّكَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: نُودِيَ ] يا مُوسى، فَقالَ اللَّهُ: إنِّي أنا رَبُّكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ في سَبَبِ أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِيَتْ، ولَكِنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ تُرابَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَنالُهُ بِرَكَتُها، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ( المائِدَةِ: ٢١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ . (p-٢٧٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُوى وأنا ) غَيْرَ مُجْراةٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( طُوًى ) مُجْراةً، وكُلُّهم ضَمَّ الطّاءَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيَوَةَ: ( طِوًى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( طِوى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ الزَّجّاجُ في " طُوًى " أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ( طُوًى ) بِضَمِّ أوَّلِهِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ؛ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمٌ لِلْوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ عَلى فُعَلٍ، نَحْوَ: حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ، فَيَصِيرُ مِثْلَ ( عُمَرَ ) المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ، فَلا يَنْصَرِفُ كَما لا يَنْصَرِفُ ( عُمَرُ ) . والجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [ القِصَص: ٣٠ ]، وإذا كُسِرَ ونَوِّنَ فَهو مِثْلُ مِعًى، والمَعْنى: المُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما قالَ عُدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: ؎ أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ أيِ: اللَّوْمَ المُكَرَّرَ عَلَيَّ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. [ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿طُوًى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى " طُوًى ": طَإ الوادِيَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. (p-٢٧٥) والثّالِثُ: أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والمُفَضَّلُ: ( وأنّا ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ ( اخْتَرْناكَ ) بِألِفٍ. ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾؛ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الِاسْتِماعُ هاهُنا مَحْمُولٌ عَلى الإنْصاتِ، المَعْنى: فَأنْصْتْ لِوَحْيِي، والوَحْيُ هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾؛ أيْ: وحِّدْنِي، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، سَواءٌ كُنْتَ في وقْتِها أوْ لَمْ تَكُنْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «مِن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها غَيْرُ ذَلِكَ»، وقَرَأ: " أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " . والثّانِي: أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعْ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَمِعْ لِما يُوحى واسْتَمِعْ لِذِكْرِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأقِمِ الصَّلاةَ لِلذِّكْرى ) بِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الألِفِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي ) . (p-٢٧٦)قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها ؟ قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي؛ أيْ: لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا. والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أكادُ﴾، وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أكادُ آتِي بِها، والِابْتِداءُ: أُخْفِيها، قالَ ضابِئٌ البُرْجُمِيُّ: ؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أرادَ: كِدْتُ أفْعَلُ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " أكادُ ": أُرِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى مَعْناهُ: أرادَتْ وأرَدْتُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا الإخْفاءِ الشَّدِيدِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لِلتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَهْجُمُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ كانَ أشَدَّ حَذَرًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُخْفِيها ) بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ (p-٢٧٧) أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرُهُ. قالَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى ( أكادُ أُظْهِرُها ): قَدْ أخْفَيْتُها وكِدْتُ أُظْهِرُها. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾؛ أيْ: بِما تَعْمَلُ. و﴿لِتُجْزى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ " لِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى " أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " لِتُجْزى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾؛ أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِكَوْنِها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَطابٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾؛ أيْ: مُرادَهُ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿فَتَرْدى﴾؛ أيْ: فَتَهْلِكَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدِيَ يَرْدى: إذا هَلَكَ.

طه 20:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ومَعْناهُ: قَدْ أتاكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنْ تَأْتِيَ " هَلْ " (p-٢٧٢)مُعَبِّرَةً عَنْ ( قَدْ )، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ: " «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» "، يُرِيدُ: قَدْ بَلَّغْتُ. قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اسْتَأْذَنَ مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ، فَوُلِدَ لَهُ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَقَدَحَ فَلَمْ يُورِ الزِّنادُ، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ أبْصَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَكَرِهْنا إطالَةَ التَّفْسِيرِ بِالقَصَصِ؛ لِأنَّ غَرَضَنا الِاقْتِصارُ عَلى التَّفْسِيرِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى نُورًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِما كانَ في ظَنِّ مُوسى. ﴿فَقالَ لأهْلِهِ﴾ يَعْنِي: امْرَأتَهُ، ﴿امْكُثُوا﴾؛ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم. وقَرَأ حَمْزَةُ: ( لِأهْلِهُ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ هاهُنا وفي ( القَصَصِ: ٢٩ ) . ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنِّي وجَدْتُ، يُقالُ: هَلْ آنَسَتَ أحَدًا؛ أيْ: وجَدَتْ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " آنَسَتُ " بِمَعْنى: أبْصَرْتُ. فَأمّا القَبَسُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ما أخَذْتَهُ مِنَ النّارِ في رَأْسِ عُودٍ، أوْ في رَأْسِ فَتِيلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: هادِيًا، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ المَصْدَرِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى ( عِنْدَ )، (p-٢٧٣)وَبِمَعْنى ( مَعَ )، وبِمَعْنى الباءِ. وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَعَلِمَ أنَّ النّارَ لا تَخْلُو مِن مُوقِدٍ. وحَكى الزَّجّاجُ: أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ يَعْنِي: النّارَ، ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ إنَّما كَرَّرَ الكِنايَةَ؛ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [ الحَجَر: ٨٩ ] . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( أنِّي ) بِفَتْحِ الألِفِ والياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الألِفِ، إلّا أنَّ نافِعًا فَتَحَ الياءَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( أنِّي أنا ) بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: نُودِيَ [ بِأنِّي أنا رَبُّكَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: نُودِيَ ] يا مُوسى، فَقالَ اللَّهُ: إنِّي أنا رَبُّكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ في سَبَبِ أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِيَتْ، ولَكِنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ تُرابَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَنالُهُ بِرَكَتُها، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ( المائِدَةِ: ٢١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ . (p-٢٧٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُوى وأنا ) غَيْرَ مُجْراةٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( طُوًى ) مُجْراةً، وكُلُّهم ضَمَّ الطّاءَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيَوَةَ: ( طِوًى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( طِوى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ الزَّجّاجُ في " طُوًى " أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ( طُوًى ) بِضَمِّ أوَّلِهِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ؛ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمٌ لِلْوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ عَلى فُعَلٍ، نَحْوَ: حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ، فَيَصِيرُ مِثْلَ ( عُمَرَ ) المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ، فَلا يَنْصَرِفُ كَما لا يَنْصَرِفُ ( عُمَرُ ) . والجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [ القِصَص: ٣٠ ]، وإذا كُسِرَ ونَوِّنَ فَهو مِثْلُ مِعًى، والمَعْنى: المُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما قالَ عُدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: ؎ أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ أيِ: اللَّوْمَ المُكَرَّرَ عَلَيَّ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. [ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿طُوًى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى " طُوًى ": طَإ الوادِيَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. (p-٢٧٥) والثّالِثُ: أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والمُفَضَّلُ: ( وأنّا ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ ( اخْتَرْناكَ ) بِألِفٍ. ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾؛ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الِاسْتِماعُ هاهُنا مَحْمُولٌ عَلى الإنْصاتِ، المَعْنى: فَأنْصْتْ لِوَحْيِي، والوَحْيُ هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾؛ أيْ: وحِّدْنِي، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، سَواءٌ كُنْتَ في وقْتِها أوْ لَمْ تَكُنْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «مِن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها غَيْرُ ذَلِكَ»، وقَرَأ: " أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " . والثّانِي: أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعْ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَمِعْ لِما يُوحى واسْتَمِعْ لِذِكْرِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأقِمِ الصَّلاةَ لِلذِّكْرى ) بِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الألِفِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي ) . (p-٢٧٦)قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها ؟ قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي؛ أيْ: لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا. والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أكادُ﴾، وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أكادُ آتِي بِها، والِابْتِداءُ: أُخْفِيها، قالَ ضابِئٌ البُرْجُمِيُّ: ؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أرادَ: كِدْتُ أفْعَلُ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " أكادُ ": أُرِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى مَعْناهُ: أرادَتْ وأرَدْتُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا الإخْفاءِ الشَّدِيدِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لِلتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَهْجُمُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ كانَ أشَدَّ حَذَرًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُخْفِيها ) بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ (p-٢٧٧) أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرُهُ. قالَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى ( أكادُ أُظْهِرُها ): قَدْ أخْفَيْتُها وكِدْتُ أُظْهِرُها. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾؛ أيْ: بِما تَعْمَلُ. و﴿لِتُجْزى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ " لِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى " أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " لِتُجْزى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾؛ أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِكَوْنِها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَطابٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾؛ أيْ: مُرادَهُ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿فَتَرْدى﴾؛ أيْ: فَتَهْلِكَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدِيَ يَرْدى: إذا هَلَكَ.

طه 20:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ومَعْناهُ: قَدْ أتاكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنْ تَأْتِيَ " هَلْ " (p-٢٧٢)مُعَبِّرَةً عَنْ ( قَدْ )، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ: " «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» "، يُرِيدُ: قَدْ بَلَّغْتُ. قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اسْتَأْذَنَ مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ، فَوُلِدَ لَهُ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَقَدَحَ فَلَمْ يُورِ الزِّنادُ، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ أبْصَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَكَرِهْنا إطالَةَ التَّفْسِيرِ بِالقَصَصِ؛ لِأنَّ غَرَضَنا الِاقْتِصارُ عَلى التَّفْسِيرِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى نُورًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِما كانَ في ظَنِّ مُوسى. ﴿فَقالَ لأهْلِهِ﴾ يَعْنِي: امْرَأتَهُ، ﴿امْكُثُوا﴾؛ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم. وقَرَأ حَمْزَةُ: ( لِأهْلِهُ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ هاهُنا وفي ( القَصَصِ: ٢٩ ) . ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنِّي وجَدْتُ، يُقالُ: هَلْ آنَسَتَ أحَدًا؛ أيْ: وجَدَتْ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " آنَسَتُ " بِمَعْنى: أبْصَرْتُ. فَأمّا القَبَسُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ما أخَذْتَهُ مِنَ النّارِ في رَأْسِ عُودٍ، أوْ في رَأْسِ فَتِيلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: هادِيًا، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ المَصْدَرِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى ( عِنْدَ )، (p-٢٧٣)وَبِمَعْنى ( مَعَ )، وبِمَعْنى الباءِ. وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَعَلِمَ أنَّ النّارَ لا تَخْلُو مِن مُوقِدٍ. وحَكى الزَّجّاجُ: أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ يَعْنِي: النّارَ، ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ إنَّما كَرَّرَ الكِنايَةَ؛ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [ الحَجَر: ٨٩ ] . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( أنِّي ) بِفَتْحِ الألِفِ والياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الألِفِ، إلّا أنَّ نافِعًا فَتَحَ الياءَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( أنِّي أنا ) بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: نُودِيَ [ بِأنِّي أنا رَبُّكَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: نُودِيَ ] يا مُوسى، فَقالَ اللَّهُ: إنِّي أنا رَبُّكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ في سَبَبِ أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِيَتْ، ولَكِنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ تُرابَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَنالُهُ بِرَكَتُها، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ( المائِدَةِ: ٢١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ . (p-٢٧٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُوى وأنا ) غَيْرَ مُجْراةٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( طُوًى ) مُجْراةً، وكُلُّهم ضَمَّ الطّاءَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيَوَةَ: ( طِوًى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( طِوى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ الزَّجّاجُ في " طُوًى " أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ( طُوًى ) بِضَمِّ أوَّلِهِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ؛ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمٌ لِلْوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ عَلى فُعَلٍ، نَحْوَ: حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ، فَيَصِيرُ مِثْلَ ( عُمَرَ ) المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ، فَلا يَنْصَرِفُ كَما لا يَنْصَرِفُ ( عُمَرُ ) . والجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [ القِصَص: ٣٠ ]، وإذا كُسِرَ ونَوِّنَ فَهو مِثْلُ مِعًى، والمَعْنى: المُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما قالَ عُدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: ؎ أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ أيِ: اللَّوْمَ المُكَرَّرَ عَلَيَّ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. [ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿طُوًى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى " طُوًى ": طَإ الوادِيَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. (p-٢٧٥) والثّالِثُ: أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والمُفَضَّلُ: ( وأنّا ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ ( اخْتَرْناكَ ) بِألِفٍ. ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾؛ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الِاسْتِماعُ هاهُنا مَحْمُولٌ عَلى الإنْصاتِ، المَعْنى: فَأنْصْتْ لِوَحْيِي، والوَحْيُ هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾؛ أيْ: وحِّدْنِي، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، سَواءٌ كُنْتَ في وقْتِها أوْ لَمْ تَكُنْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «مِن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها غَيْرُ ذَلِكَ»، وقَرَأ: " أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " . والثّانِي: أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعْ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَمِعْ لِما يُوحى واسْتَمِعْ لِذِكْرِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأقِمِ الصَّلاةَ لِلذِّكْرى ) بِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الألِفِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي ) . (p-٢٧٦)قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها ؟ قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي؛ أيْ: لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا. والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أكادُ﴾، وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أكادُ آتِي بِها، والِابْتِداءُ: أُخْفِيها، قالَ ضابِئٌ البُرْجُمِيُّ: ؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أرادَ: كِدْتُ أفْعَلُ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " أكادُ ": أُرِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى مَعْناهُ: أرادَتْ وأرَدْتُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا الإخْفاءِ الشَّدِيدِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لِلتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَهْجُمُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ كانَ أشَدَّ حَذَرًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُخْفِيها ) بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ (p-٢٧٧) أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرُهُ. قالَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى ( أكادُ أُظْهِرُها ): قَدْ أخْفَيْتُها وكِدْتُ أُظْهِرُها. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾؛ أيْ: بِما تَعْمَلُ. و﴿لِتُجْزى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ " لِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى " أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " لِتُجْزى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾؛ أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِكَوْنِها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَطابٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾؛ أيْ: مُرادَهُ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿فَتَرْدى﴾؛ أيْ: فَتَهْلِكَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدِيَ يَرْدى: إذا هَلَكَ.

طه 20:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ومَعْناهُ: قَدْ أتاكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنْ تَأْتِيَ " هَلْ " (p-٢٧٢)مُعَبِّرَةً عَنْ ( قَدْ )، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ: " «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» "، يُرِيدُ: قَدْ بَلَّغْتُ. قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اسْتَأْذَنَ مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ، فَوُلِدَ لَهُ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَقَدَحَ فَلَمْ يُورِ الزِّنادُ، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ أبْصَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَكَرِهْنا إطالَةَ التَّفْسِيرِ بِالقَصَصِ؛ لِأنَّ غَرَضَنا الِاقْتِصارُ عَلى التَّفْسِيرِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى نُورًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِما كانَ في ظَنِّ مُوسى. ﴿فَقالَ لأهْلِهِ﴾ يَعْنِي: امْرَأتَهُ، ﴿امْكُثُوا﴾؛ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم. وقَرَأ حَمْزَةُ: ( لِأهْلِهُ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ هاهُنا وفي ( القَصَصِ: ٢٩ ) . ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنِّي وجَدْتُ، يُقالُ: هَلْ آنَسَتَ أحَدًا؛ أيْ: وجَدَتْ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " آنَسَتُ " بِمَعْنى: أبْصَرْتُ. فَأمّا القَبَسُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ما أخَذْتَهُ مِنَ النّارِ في رَأْسِ عُودٍ، أوْ في رَأْسِ فَتِيلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: هادِيًا، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ المَصْدَرِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى ( عِنْدَ )، (p-٢٧٣)وَبِمَعْنى ( مَعَ )، وبِمَعْنى الباءِ. وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَعَلِمَ أنَّ النّارَ لا تَخْلُو مِن مُوقِدٍ. وحَكى الزَّجّاجُ: أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ يَعْنِي: النّارَ، ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ إنَّما كَرَّرَ الكِنايَةَ؛ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [ الحَجَر: ٨٩ ] . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( أنِّي ) بِفَتْحِ الألِفِ والياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الألِفِ، إلّا أنَّ نافِعًا فَتَحَ الياءَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( أنِّي أنا ) بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: نُودِيَ [ بِأنِّي أنا رَبُّكَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: نُودِيَ ] يا مُوسى، فَقالَ اللَّهُ: إنِّي أنا رَبُّكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ في سَبَبِ أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِيَتْ، ولَكِنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ تُرابَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَنالُهُ بِرَكَتُها، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ( المائِدَةِ: ٢١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ . (p-٢٧٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُوى وأنا ) غَيْرَ مُجْراةٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( طُوًى ) مُجْراةً، وكُلُّهم ضَمَّ الطّاءَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيَوَةَ: ( طِوًى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( طِوى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ الزَّجّاجُ في " طُوًى " أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ( طُوًى ) بِضَمِّ أوَّلِهِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ؛ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمٌ لِلْوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ عَلى فُعَلٍ، نَحْوَ: حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ، فَيَصِيرُ مِثْلَ ( عُمَرَ ) المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ، فَلا يَنْصَرِفُ كَما لا يَنْصَرِفُ ( عُمَرُ ) . والجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [ القِصَص: ٣٠ ]، وإذا كُسِرَ ونَوِّنَ فَهو مِثْلُ مِعًى، والمَعْنى: المُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما قالَ عُدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: ؎ أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ أيِ: اللَّوْمَ المُكَرَّرَ عَلَيَّ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. [ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿طُوًى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى " طُوًى ": طَإ الوادِيَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. (p-٢٧٥) والثّالِثُ: أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والمُفَضَّلُ: ( وأنّا ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ ( اخْتَرْناكَ ) بِألِفٍ. ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾؛ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الِاسْتِماعُ هاهُنا مَحْمُولٌ عَلى الإنْصاتِ، المَعْنى: فَأنْصْتْ لِوَحْيِي، والوَحْيُ هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾؛ أيْ: وحِّدْنِي، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، سَواءٌ كُنْتَ في وقْتِها أوْ لَمْ تَكُنْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «مِن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها غَيْرُ ذَلِكَ»، وقَرَأ: " أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " . والثّانِي: أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعْ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَمِعْ لِما يُوحى واسْتَمِعْ لِذِكْرِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأقِمِ الصَّلاةَ لِلذِّكْرى ) بِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الألِفِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي ) . (p-٢٧٦)قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها ؟ قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي؛ أيْ: لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا. والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أكادُ﴾، وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أكادُ آتِي بِها، والِابْتِداءُ: أُخْفِيها، قالَ ضابِئٌ البُرْجُمِيُّ: ؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أرادَ: كِدْتُ أفْعَلُ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " أكادُ ": أُرِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى مَعْناهُ: أرادَتْ وأرَدْتُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا الإخْفاءِ الشَّدِيدِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لِلتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَهْجُمُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ كانَ أشَدَّ حَذَرًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُخْفِيها ) بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ (p-٢٧٧) أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرُهُ. قالَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى ( أكادُ أُظْهِرُها ): قَدْ أخْفَيْتُها وكِدْتُ أُظْهِرُها. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾؛ أيْ: بِما تَعْمَلُ. و﴿لِتُجْزى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ " لِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى " أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " لِتُجْزى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾؛ أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِكَوْنِها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَطابٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾؛ أيْ: مُرادَهُ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿فَتَرْدى﴾؛ أيْ: فَتَهْلِكَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدِيَ يَرْدى: إذا هَلَكَ.

طه 20:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ومَعْناهُ: قَدْ أتاكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنْ تَأْتِيَ " هَلْ " (p-٢٧٢)مُعَبِّرَةً عَنْ ( قَدْ )، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ: " «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» "، يُرِيدُ: قَدْ بَلَّغْتُ. قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اسْتَأْذَنَ مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ، فَوُلِدَ لَهُ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَقَدَحَ فَلَمْ يُورِ الزِّنادُ، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ أبْصَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَكَرِهْنا إطالَةَ التَّفْسِيرِ بِالقَصَصِ؛ لِأنَّ غَرَضَنا الِاقْتِصارُ عَلى التَّفْسِيرِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى نُورًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِما كانَ في ظَنِّ مُوسى. ﴿فَقالَ لأهْلِهِ﴾ يَعْنِي: امْرَأتَهُ، ﴿امْكُثُوا﴾؛ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم. وقَرَأ حَمْزَةُ: ( لِأهْلِهُ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ هاهُنا وفي ( القَصَصِ: ٢٩ ) . ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنِّي وجَدْتُ، يُقالُ: هَلْ آنَسَتَ أحَدًا؛ أيْ: وجَدَتْ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " آنَسَتُ " بِمَعْنى: أبْصَرْتُ. فَأمّا القَبَسُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ما أخَذْتَهُ مِنَ النّارِ في رَأْسِ عُودٍ، أوْ في رَأْسِ فَتِيلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: هادِيًا، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ المَصْدَرِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى ( عِنْدَ )، (p-٢٧٣)وَبِمَعْنى ( مَعَ )، وبِمَعْنى الباءِ. وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَعَلِمَ أنَّ النّارَ لا تَخْلُو مِن مُوقِدٍ. وحَكى الزَّجّاجُ: أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ يَعْنِي: النّارَ، ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ إنَّما كَرَّرَ الكِنايَةَ؛ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [ الحَجَر: ٨٩ ] . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( أنِّي ) بِفَتْحِ الألِفِ والياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الألِفِ، إلّا أنَّ نافِعًا فَتَحَ الياءَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( أنِّي أنا ) بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: نُودِيَ [ بِأنِّي أنا رَبُّكَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: نُودِيَ ] يا مُوسى، فَقالَ اللَّهُ: إنِّي أنا رَبُّكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ في سَبَبِ أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِيَتْ، ولَكِنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ تُرابَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَنالُهُ بِرَكَتُها، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ( المائِدَةِ: ٢١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ . (p-٢٧٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُوى وأنا ) غَيْرَ مُجْراةٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( طُوًى ) مُجْراةً، وكُلُّهم ضَمَّ الطّاءَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيَوَةَ: ( طِوًى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( طِوى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ الزَّجّاجُ في " طُوًى " أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ( طُوًى ) بِضَمِّ أوَّلِهِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ؛ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمٌ لِلْوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ عَلى فُعَلٍ، نَحْوَ: حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ، فَيَصِيرُ مِثْلَ ( عُمَرَ ) المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ، فَلا يَنْصَرِفُ كَما لا يَنْصَرِفُ ( عُمَرُ ) . والجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [ القِصَص: ٣٠ ]، وإذا كُسِرَ ونَوِّنَ فَهو مِثْلُ مِعًى، والمَعْنى: المُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما قالَ عُدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: ؎ أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ أيِ: اللَّوْمَ المُكَرَّرَ عَلَيَّ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. [ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿طُوًى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى " طُوًى ": طَإ الوادِيَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. (p-٢٧٥) والثّالِثُ: أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والمُفَضَّلُ: ( وأنّا ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ ( اخْتَرْناكَ ) بِألِفٍ. ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾؛ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الِاسْتِماعُ هاهُنا مَحْمُولٌ عَلى الإنْصاتِ، المَعْنى: فَأنْصْتْ لِوَحْيِي، والوَحْيُ هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾؛ أيْ: وحِّدْنِي، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، سَواءٌ كُنْتَ في وقْتِها أوْ لَمْ تَكُنْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «مِن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها غَيْرُ ذَلِكَ»، وقَرَأ: " أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " . والثّانِي: أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعْ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَمِعْ لِما يُوحى واسْتَمِعْ لِذِكْرِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأقِمِ الصَّلاةَ لِلذِّكْرى ) بِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الألِفِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي ) . (p-٢٧٦)قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها ؟ قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي؛ أيْ: لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا. والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أكادُ﴾، وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أكادُ آتِي بِها، والِابْتِداءُ: أُخْفِيها، قالَ ضابِئٌ البُرْجُمِيُّ: ؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أرادَ: كِدْتُ أفْعَلُ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " أكادُ ": أُرِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى مَعْناهُ: أرادَتْ وأرَدْتُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا الإخْفاءِ الشَّدِيدِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لِلتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَهْجُمُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ كانَ أشَدَّ حَذَرًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُخْفِيها ) بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ (p-٢٧٧) أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرُهُ. قالَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى ( أكادُ أُظْهِرُها ): قَدْ أخْفَيْتُها وكِدْتُ أُظْهِرُها. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾؛ أيْ: بِما تَعْمَلُ. و﴿لِتُجْزى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ " لِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى " أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " لِتُجْزى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾؛ أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِكَوْنِها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَطابٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾؛ أيْ: مُرادَهُ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿فَتَرْدى﴾؛ أيْ: فَتَهْلِكَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدِيَ يَرْدى: إذا هَلَكَ.

طه 20:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ومَعْناهُ: قَدْ أتاكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنْ تَأْتِيَ " هَلْ " (p-٢٧٢)مُعَبِّرَةً عَنْ ( قَدْ )، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ: " «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» "، يُرِيدُ: قَدْ بَلَّغْتُ. قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اسْتَأْذَنَ مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ، فَوُلِدَ لَهُ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَقَدَحَ فَلَمْ يُورِ الزِّنادُ، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ أبْصَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَكَرِهْنا إطالَةَ التَّفْسِيرِ بِالقَصَصِ؛ لِأنَّ غَرَضَنا الِاقْتِصارُ عَلى التَّفْسِيرِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى نُورًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِما كانَ في ظَنِّ مُوسى. ﴿فَقالَ لأهْلِهِ﴾ يَعْنِي: امْرَأتَهُ، ﴿امْكُثُوا﴾؛ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم. وقَرَأ حَمْزَةُ: ( لِأهْلِهُ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ هاهُنا وفي ( القَصَصِ: ٢٩ ) . ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنِّي وجَدْتُ، يُقالُ: هَلْ آنَسَتَ أحَدًا؛ أيْ: وجَدَتْ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " آنَسَتُ " بِمَعْنى: أبْصَرْتُ. فَأمّا القَبَسُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ما أخَذْتَهُ مِنَ النّارِ في رَأْسِ عُودٍ، أوْ في رَأْسِ فَتِيلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: هادِيًا، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ المَصْدَرِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى ( عِنْدَ )، (p-٢٧٣)وَبِمَعْنى ( مَعَ )، وبِمَعْنى الباءِ. وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَعَلِمَ أنَّ النّارَ لا تَخْلُو مِن مُوقِدٍ. وحَكى الزَّجّاجُ: أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ يَعْنِي: النّارَ، ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ إنَّما كَرَّرَ الكِنايَةَ؛ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [ الحَجَر: ٨٩ ] . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( أنِّي ) بِفَتْحِ الألِفِ والياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الألِفِ، إلّا أنَّ نافِعًا فَتَحَ الياءَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( أنِّي أنا ) بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: نُودِيَ [ بِأنِّي أنا رَبُّكَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: نُودِيَ ] يا مُوسى، فَقالَ اللَّهُ: إنِّي أنا رَبُّكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ في سَبَبِ أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِيَتْ، ولَكِنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ تُرابَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَنالُهُ بِرَكَتُها، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ( المائِدَةِ: ٢١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ . (p-٢٧٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُوى وأنا ) غَيْرَ مُجْراةٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( طُوًى ) مُجْراةً، وكُلُّهم ضَمَّ الطّاءَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيَوَةَ: ( طِوًى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( طِوى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ الزَّجّاجُ في " طُوًى " أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ( طُوًى ) بِضَمِّ أوَّلِهِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ؛ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمٌ لِلْوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ عَلى فُعَلٍ، نَحْوَ: حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ، فَيَصِيرُ مِثْلَ ( عُمَرَ ) المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ، فَلا يَنْصَرِفُ كَما لا يَنْصَرِفُ ( عُمَرُ ) . والجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [ القِصَص: ٣٠ ]، وإذا كُسِرَ ونَوِّنَ فَهو مِثْلُ مِعًى، والمَعْنى: المُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما قالَ عُدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: ؎ أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ أيِ: اللَّوْمَ المُكَرَّرَ عَلَيَّ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. [ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿طُوًى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى " طُوًى ": طَإ الوادِيَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. (p-٢٧٥) والثّالِثُ: أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والمُفَضَّلُ: ( وأنّا ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ ( اخْتَرْناكَ ) بِألِفٍ. ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾؛ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الِاسْتِماعُ هاهُنا مَحْمُولٌ عَلى الإنْصاتِ، المَعْنى: فَأنْصْتْ لِوَحْيِي، والوَحْيُ هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾؛ أيْ: وحِّدْنِي، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، سَواءٌ كُنْتَ في وقْتِها أوْ لَمْ تَكُنْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «مِن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها غَيْرُ ذَلِكَ»، وقَرَأ: " أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " . والثّانِي: أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعْ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَمِعْ لِما يُوحى واسْتَمِعْ لِذِكْرِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأقِمِ الصَّلاةَ لِلذِّكْرى ) بِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الألِفِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي ) . (p-٢٧٦)قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها ؟ قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي؛ أيْ: لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا. والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أكادُ﴾، وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أكادُ آتِي بِها، والِابْتِداءُ: أُخْفِيها، قالَ ضابِئٌ البُرْجُمِيُّ: ؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أرادَ: كِدْتُ أفْعَلُ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " أكادُ ": أُرِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى مَعْناهُ: أرادَتْ وأرَدْتُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا الإخْفاءِ الشَّدِيدِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لِلتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَهْجُمُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ كانَ أشَدَّ حَذَرًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُخْفِيها ) بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ (p-٢٧٧) أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرُهُ. قالَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى ( أكادُ أُظْهِرُها ): قَدْ أخْفَيْتُها وكِدْتُ أُظْهِرُها. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾؛ أيْ: بِما تَعْمَلُ. و﴿لِتُجْزى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ " لِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى " أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " لِتُجْزى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾؛ أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِكَوْنِها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَطابٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾؛ أيْ: مُرادَهُ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿فَتَرْدى﴾؛ أيْ: فَتَهْلِكَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدِيَ يَرْدى: إذا هَلَكَ.

طه 20:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ومَعْناهُ: قَدْ أتاكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنْ تَأْتِيَ " هَلْ " (p-٢٧٢)مُعَبِّرَةً عَنْ ( قَدْ )، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ: " «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» "، يُرِيدُ: قَدْ بَلَّغْتُ. قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اسْتَأْذَنَ مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ، فَوُلِدَ لَهُ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَقَدَحَ فَلَمْ يُورِ الزِّنادُ، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ أبْصَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَكَرِهْنا إطالَةَ التَّفْسِيرِ بِالقَصَصِ؛ لِأنَّ غَرَضَنا الِاقْتِصارُ عَلى التَّفْسِيرِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى نُورًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِما كانَ في ظَنِّ مُوسى. ﴿فَقالَ لأهْلِهِ﴾ يَعْنِي: امْرَأتَهُ، ﴿امْكُثُوا﴾؛ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم. وقَرَأ حَمْزَةُ: ( لِأهْلِهُ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ هاهُنا وفي ( القَصَصِ: ٢٩ ) . ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنِّي وجَدْتُ، يُقالُ: هَلْ آنَسَتَ أحَدًا؛ أيْ: وجَدَتْ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " آنَسَتُ " بِمَعْنى: أبْصَرْتُ. فَأمّا القَبَسُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ما أخَذْتَهُ مِنَ النّارِ في رَأْسِ عُودٍ، أوْ في رَأْسِ فَتِيلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: هادِيًا، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ المَصْدَرِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى ( عِنْدَ )، (p-٢٧٣)وَبِمَعْنى ( مَعَ )، وبِمَعْنى الباءِ. وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَعَلِمَ أنَّ النّارَ لا تَخْلُو مِن مُوقِدٍ. وحَكى الزَّجّاجُ: أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ يَعْنِي: النّارَ، ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ إنَّما كَرَّرَ الكِنايَةَ؛ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [ الحَجَر: ٨٩ ] . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( أنِّي ) بِفَتْحِ الألِفِ والياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الألِفِ، إلّا أنَّ نافِعًا فَتَحَ الياءَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( أنِّي أنا ) بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: نُودِيَ [ بِأنِّي أنا رَبُّكَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: نُودِيَ ] يا مُوسى، فَقالَ اللَّهُ: إنِّي أنا رَبُّكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ في سَبَبِ أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِيَتْ، ولَكِنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ تُرابَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَنالُهُ بِرَكَتُها، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ( المائِدَةِ: ٢١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ . (p-٢٧٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُوى وأنا ) غَيْرَ مُجْراةٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( طُوًى ) مُجْراةً، وكُلُّهم ضَمَّ الطّاءَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيَوَةَ: ( طِوًى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( طِوى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ الزَّجّاجُ في " طُوًى " أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ( طُوًى ) بِضَمِّ أوَّلِهِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ؛ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمٌ لِلْوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ عَلى فُعَلٍ، نَحْوَ: حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ، فَيَصِيرُ مِثْلَ ( عُمَرَ ) المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ، فَلا يَنْصَرِفُ كَما لا يَنْصَرِفُ ( عُمَرُ ) . والجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [ القِصَص: ٣٠ ]، وإذا كُسِرَ ونَوِّنَ فَهو مِثْلُ مِعًى، والمَعْنى: المُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما قالَ عُدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: ؎ أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ أيِ: اللَّوْمَ المُكَرَّرَ عَلَيَّ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. [ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿طُوًى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى " طُوًى ": طَإ الوادِيَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. (p-٢٧٥) والثّالِثُ: أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والمُفَضَّلُ: ( وأنّا ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ ( اخْتَرْناكَ ) بِألِفٍ. ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾؛ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الِاسْتِماعُ هاهُنا مَحْمُولٌ عَلى الإنْصاتِ، المَعْنى: فَأنْصْتْ لِوَحْيِي، والوَحْيُ هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾؛ أيْ: وحِّدْنِي، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، سَواءٌ كُنْتَ في وقْتِها أوْ لَمْ تَكُنْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «مِن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها غَيْرُ ذَلِكَ»، وقَرَأ: " أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " . والثّانِي: أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعْ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَمِعْ لِما يُوحى واسْتَمِعْ لِذِكْرِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأقِمِ الصَّلاةَ لِلذِّكْرى ) بِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الألِفِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي ) . (p-٢٧٦)قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها ؟ قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي؛ أيْ: لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا. والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أكادُ﴾، وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أكادُ آتِي بِها، والِابْتِداءُ: أُخْفِيها، قالَ ضابِئٌ البُرْجُمِيُّ: ؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أرادَ: كِدْتُ أفْعَلُ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " أكادُ ": أُرِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى مَعْناهُ: أرادَتْ وأرَدْتُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا الإخْفاءِ الشَّدِيدِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لِلتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَهْجُمُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ كانَ أشَدَّ حَذَرًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُخْفِيها ) بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ (p-٢٧٧) أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرُهُ. قالَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى ( أكادُ أُظْهِرُها ): قَدْ أخْفَيْتُها وكِدْتُ أُظْهِرُها. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾؛ أيْ: بِما تَعْمَلُ. و﴿لِتُجْزى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ " لِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى " أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " لِتُجْزى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾؛ أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِكَوْنِها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَطابٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾؛ أيْ: مُرادَهُ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿فَتَرْدى﴾؛ أيْ: فَتَهْلِكَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدِيَ يَرْدى: إذا هَلَكَ.

طه 20:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تِلْكَ " اسْمٌ مُبْهَمٌ يُجْرِي مَجْرى ( الَّتِي )، والمَعْنى: ما الَّتِي بِيَمِينِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ التَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ﴿وَأهُشُّ بِها﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ اليابِسَ لِيُسْقِطَ ورَقَهُ فَتَرْعاهُ غَنَمِي. قالَ الزَّجّاجُ: واشْتِقاقُهُ مِن أنِّي أُحِيلُ الشَّيْءَ إلى الهَشاشَةِ والإمْكانِ. والمَآرِبُ: الحاجاتُ، واحِدُها: مَأْرَبَةٌ، ومَأْرُبَةٌ. ورَوى قُتَيْبَةُ ووَرْشٌ: ( مَآرِبُ ) بِإمالَةِ الهَمْزَةِ. (p-٢٧٨) فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في سُؤالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وهو يَعْلَمُ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجْراهُ مَجْرى السُّؤالِ، لِيُجِيبَ المُخاطَبُ بِالإقْرارِ بِهِ، فَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِاعْتِرافِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الجَحْدُ، ومَثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِمَن تُخاطِبُهُ وعِنْدَكَ ماءٌ: ما هَذا ؟ فَيَقُولُ: ماءٌ، فَتَضَعُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنِ الصَّبْغِ، فَإنْ قالَ: لَمْ يَزَلْ هَكَذا، قُلْتَ لَهُ: ألَسْتَ قَدِ اعْتَرَفَتْ بِأنَّهُ ماءٌ ؟ فَتُثْبِتُ عَلَيْهِ الحُجَّةَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الفائِدَةُ أنَّهُ قَرَّرَ مُوسى أنَّها عَصا، لَمّا أرادَ أنْ يُرِيَهُ مِن قُدْرَتِهِ في انْقِلابِها حَيَّةً، فَوَقَعَ المُعْجِزُ بِها بَعْدَ التَّثَبُّتِ في أمْرِها. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما في قَلْبِ مُوسى مِنَ الهَيْبَةِ والإجْلالِ حِينَ التَّكْلِيمِ، أرادَ أنْ يُؤانِسَهُ ويُخَفِّفَ عَنْهُ ثِقَلُ ما كانَ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، فَأجْرى هَذا الكَلامَ لِلِاسْتِئْناسِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، وإنَّما يُشْرَحُ هَذا لِمَن لا يُعْلَمُ فَوائِدَها ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَقِيلَ لَهُ: ما تَصَنَعُ بِها ؟ فَذَكَرَ باقِي الكَلامِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ثانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما أظْهَرَ فَوائِدَها وبَيَّنَ حاجَتَهُ إلَيْها؛ خَوْفًا [ مِن ] أنْ يَأْمُرَهُ بِإلْقائِها كالنَّعْلَيْنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بَيَّنَ مَنافِعَها؛ لِئَلّا يَكُونَ عابِثًا بِحَمْلِها، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ مَنافِعِها ولَمْ يُطِلِ الشَّرْحَ ؟ فَعَنْهُ [ ثَلاثَةُ ] أجْوِبَةٍ: (p-٢٧٩) أحَدُها: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَشْتَغِلَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ بِتَعْدادِ مَنافِعَها. والثّانِي: اسْتَغْنى بِعِلْمِ اللَّهِ فِيها عَنْ كَثْرَةِ التَّعْدادِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى اللّازِمِ دُونَ العارِضِ. وَقِيلَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وتَدْفَعُ عَنْهُ الهَوامَّ، وتُثْمِرُ لَهُ إذا اشْتَهى الثِّمارَ، وفي جِنْسِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: [ أنَّها ] كانَتْ مِن عَوْسَجٍ. فَإنْ قِيلَ: المَآرِبُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿أُخْرى﴾، ولَمْ يَقُلْ: ( أُخَرُ ) ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْقاها ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِرَفْضِها، فَسَمِعَ حِسًّا فالتَفَتَ، فَإذا هي كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، تَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتَبْتَلِعُها، فَهَرَبَ مِنها. وَفِي وجْهِ الفائِدَةِ في إظْهارِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلَةَ المُخاطَبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا يَخافَ مِنها إذا ألْقاها بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ. والثّانِي: لِيُرِيَهُ أنَّ الَّذِي أبْعَثُكَ إلَيْهِ دُونَ ما أرَيْتُكَ، فَكَما ذَلَّلْتُ لَكَ الأعْظَمَ وهو الحَيَّةُ، أُذَلِّلُ لَكَ الأدْنى. (p-٢٨٠) ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأخْذِها وهي عَلى حالِها حَيَّةً، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها فَعادَتْ عَصًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾، قالَ الفَرّاءُ: طَرِيقَتُها، يَقُولُ: نَرُدُّها عَصًا كَما كانَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: و﴿سِيرَتَها﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْها، المَعْنى: سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها. فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَتِ العَصا واحِدَةً، وكانَ إلْقاؤُها مَرَّةً، فَما وجْهُ اخْتِلافِ الأخْبارِ عَنْها، فَإنَّهُ يَقُولُ في ( الأعْرافِ: ١٠٧ ): ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾، وهاهُنا: ﴿حَيَّةٌ﴾، وفي مَكانٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [ النَّمْل: ١٠ ]، والجانُّ لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ الحَيّاتِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ صِفَتَها بِالجانِّ عِبارَةٌ عَنِ ابْتِداءِ حالِها، وبِالثُّعْبانِ إخْبارٌ عَنِ انْتِهاءِ حالِها، والحَيَّةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ الزَّجّاجُ: خَلْقُها خُلُقُ الثُّعْبانِ العَظِيمِ، واهْتِزازُها، وحَرَكَتُها، وخِفَّتُها، كاهْتِزازِ الجانِّ وخِفَّتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَناحُ: مِن أسْفَلِ العَضُدِ إلى الإبِطِ. وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَناحُ: ناحِيَةُ الجَنْبِ، وأنْشَدَ: ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، ﴿آيَةً أُخْرى﴾؛ أيْ: دَلالَةً عَلى صِدْقِكَ سِوى العَصا. قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ " آيَةً " عَلى مَعْنى: آتَيْناكَ آيَةً، أوْ نُؤْتِيكَ [ آيَةً ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ . (p-٢٨١) إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرِ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. والثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الآيَةَ الكُبْرى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا. والثّالِثُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِوِفاقِ رَأْسِ الآيِ، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تِلْكَ " اسْمٌ مُبْهَمٌ يُجْرِي مَجْرى ( الَّتِي )، والمَعْنى: ما الَّتِي بِيَمِينِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ التَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ﴿وَأهُشُّ بِها﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ اليابِسَ لِيُسْقِطَ ورَقَهُ فَتَرْعاهُ غَنَمِي. قالَ الزَّجّاجُ: واشْتِقاقُهُ مِن أنِّي أُحِيلُ الشَّيْءَ إلى الهَشاشَةِ والإمْكانِ. والمَآرِبُ: الحاجاتُ، واحِدُها: مَأْرَبَةٌ، ومَأْرُبَةٌ. ورَوى قُتَيْبَةُ ووَرْشٌ: ( مَآرِبُ ) بِإمالَةِ الهَمْزَةِ. (p-٢٧٨) فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في سُؤالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وهو يَعْلَمُ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجْراهُ مَجْرى السُّؤالِ، لِيُجِيبَ المُخاطَبُ بِالإقْرارِ بِهِ، فَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِاعْتِرافِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الجَحْدُ، ومَثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِمَن تُخاطِبُهُ وعِنْدَكَ ماءٌ: ما هَذا ؟ فَيَقُولُ: ماءٌ، فَتَضَعُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنِ الصَّبْغِ، فَإنْ قالَ: لَمْ يَزَلْ هَكَذا، قُلْتَ لَهُ: ألَسْتَ قَدِ اعْتَرَفَتْ بِأنَّهُ ماءٌ ؟ فَتُثْبِتُ عَلَيْهِ الحُجَّةَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الفائِدَةُ أنَّهُ قَرَّرَ مُوسى أنَّها عَصا، لَمّا أرادَ أنْ يُرِيَهُ مِن قُدْرَتِهِ في انْقِلابِها حَيَّةً، فَوَقَعَ المُعْجِزُ بِها بَعْدَ التَّثَبُّتِ في أمْرِها. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما في قَلْبِ مُوسى مِنَ الهَيْبَةِ والإجْلالِ حِينَ التَّكْلِيمِ، أرادَ أنْ يُؤانِسَهُ ويُخَفِّفَ عَنْهُ ثِقَلُ ما كانَ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، فَأجْرى هَذا الكَلامَ لِلِاسْتِئْناسِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، وإنَّما يُشْرَحُ هَذا لِمَن لا يُعْلَمُ فَوائِدَها ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَقِيلَ لَهُ: ما تَصَنَعُ بِها ؟ فَذَكَرَ باقِي الكَلامِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ثانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما أظْهَرَ فَوائِدَها وبَيَّنَ حاجَتَهُ إلَيْها؛ خَوْفًا [ مِن ] أنْ يَأْمُرَهُ بِإلْقائِها كالنَّعْلَيْنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بَيَّنَ مَنافِعَها؛ لِئَلّا يَكُونَ عابِثًا بِحَمْلِها، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ مَنافِعِها ولَمْ يُطِلِ الشَّرْحَ ؟ فَعَنْهُ [ ثَلاثَةُ ] أجْوِبَةٍ: (p-٢٧٩) أحَدُها: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَشْتَغِلَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ بِتَعْدادِ مَنافِعَها. والثّانِي: اسْتَغْنى بِعِلْمِ اللَّهِ فِيها عَنْ كَثْرَةِ التَّعْدادِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى اللّازِمِ دُونَ العارِضِ. وَقِيلَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وتَدْفَعُ عَنْهُ الهَوامَّ، وتُثْمِرُ لَهُ إذا اشْتَهى الثِّمارَ، وفي جِنْسِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: [ أنَّها ] كانَتْ مِن عَوْسَجٍ. فَإنْ قِيلَ: المَآرِبُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿أُخْرى﴾، ولَمْ يَقُلْ: ( أُخَرُ ) ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْقاها ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِرَفْضِها، فَسَمِعَ حِسًّا فالتَفَتَ، فَإذا هي كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، تَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتَبْتَلِعُها، فَهَرَبَ مِنها. وَفِي وجْهِ الفائِدَةِ في إظْهارِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلَةَ المُخاطَبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا يَخافَ مِنها إذا ألْقاها بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ. والثّانِي: لِيُرِيَهُ أنَّ الَّذِي أبْعَثُكَ إلَيْهِ دُونَ ما أرَيْتُكَ، فَكَما ذَلَّلْتُ لَكَ الأعْظَمَ وهو الحَيَّةُ، أُذَلِّلُ لَكَ الأدْنى. (p-٢٨٠) ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأخْذِها وهي عَلى حالِها حَيَّةً، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها فَعادَتْ عَصًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾، قالَ الفَرّاءُ: طَرِيقَتُها، يَقُولُ: نَرُدُّها عَصًا كَما كانَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: و﴿سِيرَتَها﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْها، المَعْنى: سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها. فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَتِ العَصا واحِدَةً، وكانَ إلْقاؤُها مَرَّةً، فَما وجْهُ اخْتِلافِ الأخْبارِ عَنْها، فَإنَّهُ يَقُولُ في ( الأعْرافِ: ١٠٧ ): ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾، وهاهُنا: ﴿حَيَّةٌ﴾، وفي مَكانٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [ النَّمْل: ١٠ ]، والجانُّ لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ الحَيّاتِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ صِفَتَها بِالجانِّ عِبارَةٌ عَنِ ابْتِداءِ حالِها، وبِالثُّعْبانِ إخْبارٌ عَنِ انْتِهاءِ حالِها، والحَيَّةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ الزَّجّاجُ: خَلْقُها خُلُقُ الثُّعْبانِ العَظِيمِ، واهْتِزازُها، وحَرَكَتُها، وخِفَّتُها، كاهْتِزازِ الجانِّ وخِفَّتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَناحُ: مِن أسْفَلِ العَضُدِ إلى الإبِطِ. وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَناحُ: ناحِيَةُ الجَنْبِ، وأنْشَدَ: ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، ﴿آيَةً أُخْرى﴾؛ أيْ: دَلالَةً عَلى صِدْقِكَ سِوى العَصا. قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ " آيَةً " عَلى مَعْنى: آتَيْناكَ آيَةً، أوْ نُؤْتِيكَ [ آيَةً ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ . (p-٢٨١) إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرِ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. والثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الآيَةَ الكُبْرى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا. والثّالِثُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِوِفاقِ رَأْسِ الآيِ، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تِلْكَ " اسْمٌ مُبْهَمٌ يُجْرِي مَجْرى ( الَّتِي )، والمَعْنى: ما الَّتِي بِيَمِينِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ التَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ﴿وَأهُشُّ بِها﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ اليابِسَ لِيُسْقِطَ ورَقَهُ فَتَرْعاهُ غَنَمِي. قالَ الزَّجّاجُ: واشْتِقاقُهُ مِن أنِّي أُحِيلُ الشَّيْءَ إلى الهَشاشَةِ والإمْكانِ. والمَآرِبُ: الحاجاتُ، واحِدُها: مَأْرَبَةٌ، ومَأْرُبَةٌ. ورَوى قُتَيْبَةُ ووَرْشٌ: ( مَآرِبُ ) بِإمالَةِ الهَمْزَةِ. (p-٢٧٨) فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في سُؤالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وهو يَعْلَمُ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجْراهُ مَجْرى السُّؤالِ، لِيُجِيبَ المُخاطَبُ بِالإقْرارِ بِهِ، فَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِاعْتِرافِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الجَحْدُ، ومَثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِمَن تُخاطِبُهُ وعِنْدَكَ ماءٌ: ما هَذا ؟ فَيَقُولُ: ماءٌ، فَتَضَعُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنِ الصَّبْغِ، فَإنْ قالَ: لَمْ يَزَلْ هَكَذا، قُلْتَ لَهُ: ألَسْتَ قَدِ اعْتَرَفَتْ بِأنَّهُ ماءٌ ؟ فَتُثْبِتُ عَلَيْهِ الحُجَّةَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الفائِدَةُ أنَّهُ قَرَّرَ مُوسى أنَّها عَصا، لَمّا أرادَ أنْ يُرِيَهُ مِن قُدْرَتِهِ في انْقِلابِها حَيَّةً، فَوَقَعَ المُعْجِزُ بِها بَعْدَ التَّثَبُّتِ في أمْرِها. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما في قَلْبِ مُوسى مِنَ الهَيْبَةِ والإجْلالِ حِينَ التَّكْلِيمِ، أرادَ أنْ يُؤانِسَهُ ويُخَفِّفَ عَنْهُ ثِقَلُ ما كانَ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، فَأجْرى هَذا الكَلامَ لِلِاسْتِئْناسِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، وإنَّما يُشْرَحُ هَذا لِمَن لا يُعْلَمُ فَوائِدَها ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَقِيلَ لَهُ: ما تَصَنَعُ بِها ؟ فَذَكَرَ باقِي الكَلامِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ثانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما أظْهَرَ فَوائِدَها وبَيَّنَ حاجَتَهُ إلَيْها؛ خَوْفًا [ مِن ] أنْ يَأْمُرَهُ بِإلْقائِها كالنَّعْلَيْنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بَيَّنَ مَنافِعَها؛ لِئَلّا يَكُونَ عابِثًا بِحَمْلِها، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ مَنافِعِها ولَمْ يُطِلِ الشَّرْحَ ؟ فَعَنْهُ [ ثَلاثَةُ ] أجْوِبَةٍ: (p-٢٧٩) أحَدُها: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَشْتَغِلَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ بِتَعْدادِ مَنافِعَها. والثّانِي: اسْتَغْنى بِعِلْمِ اللَّهِ فِيها عَنْ كَثْرَةِ التَّعْدادِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى اللّازِمِ دُونَ العارِضِ. وَقِيلَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وتَدْفَعُ عَنْهُ الهَوامَّ، وتُثْمِرُ لَهُ إذا اشْتَهى الثِّمارَ، وفي جِنْسِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: [ أنَّها ] كانَتْ مِن عَوْسَجٍ. فَإنْ قِيلَ: المَآرِبُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿أُخْرى﴾، ولَمْ يَقُلْ: ( أُخَرُ ) ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْقاها ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِرَفْضِها، فَسَمِعَ حِسًّا فالتَفَتَ، فَإذا هي كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، تَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتَبْتَلِعُها، فَهَرَبَ مِنها. وَفِي وجْهِ الفائِدَةِ في إظْهارِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلَةَ المُخاطَبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا يَخافَ مِنها إذا ألْقاها بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ. والثّانِي: لِيُرِيَهُ أنَّ الَّذِي أبْعَثُكَ إلَيْهِ دُونَ ما أرَيْتُكَ، فَكَما ذَلَّلْتُ لَكَ الأعْظَمَ وهو الحَيَّةُ، أُذَلِّلُ لَكَ الأدْنى. (p-٢٨٠) ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأخْذِها وهي عَلى حالِها حَيَّةً، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها فَعادَتْ عَصًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾، قالَ الفَرّاءُ: طَرِيقَتُها، يَقُولُ: نَرُدُّها عَصًا كَما كانَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: و﴿سِيرَتَها﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْها، المَعْنى: سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها. فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَتِ العَصا واحِدَةً، وكانَ إلْقاؤُها مَرَّةً، فَما وجْهُ اخْتِلافِ الأخْبارِ عَنْها، فَإنَّهُ يَقُولُ في ( الأعْرافِ: ١٠٧ ): ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾، وهاهُنا: ﴿حَيَّةٌ﴾، وفي مَكانٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [ النَّمْل: ١٠ ]، والجانُّ لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ الحَيّاتِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ صِفَتَها بِالجانِّ عِبارَةٌ عَنِ ابْتِداءِ حالِها، وبِالثُّعْبانِ إخْبارٌ عَنِ انْتِهاءِ حالِها، والحَيَّةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ الزَّجّاجُ: خَلْقُها خُلُقُ الثُّعْبانِ العَظِيمِ، واهْتِزازُها، وحَرَكَتُها، وخِفَّتُها، كاهْتِزازِ الجانِّ وخِفَّتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَناحُ: مِن أسْفَلِ العَضُدِ إلى الإبِطِ. وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَناحُ: ناحِيَةُ الجَنْبِ، وأنْشَدَ: ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، ﴿آيَةً أُخْرى﴾؛ أيْ: دَلالَةً عَلى صِدْقِكَ سِوى العَصا. قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ " آيَةً " عَلى مَعْنى: آتَيْناكَ آيَةً، أوْ نُؤْتِيكَ [ آيَةً ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ . (p-٢٨١) إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرِ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. والثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الآيَةَ الكُبْرى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا. والثّالِثُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِوِفاقِ رَأْسِ الآيِ، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تِلْكَ " اسْمٌ مُبْهَمٌ يُجْرِي مَجْرى ( الَّتِي )، والمَعْنى: ما الَّتِي بِيَمِينِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ التَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ﴿وَأهُشُّ بِها﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ اليابِسَ لِيُسْقِطَ ورَقَهُ فَتَرْعاهُ غَنَمِي. قالَ الزَّجّاجُ: واشْتِقاقُهُ مِن أنِّي أُحِيلُ الشَّيْءَ إلى الهَشاشَةِ والإمْكانِ. والمَآرِبُ: الحاجاتُ، واحِدُها: مَأْرَبَةٌ، ومَأْرُبَةٌ. ورَوى قُتَيْبَةُ ووَرْشٌ: ( مَآرِبُ ) بِإمالَةِ الهَمْزَةِ. (p-٢٧٨) فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في سُؤالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وهو يَعْلَمُ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجْراهُ مَجْرى السُّؤالِ، لِيُجِيبَ المُخاطَبُ بِالإقْرارِ بِهِ، فَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِاعْتِرافِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الجَحْدُ، ومَثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِمَن تُخاطِبُهُ وعِنْدَكَ ماءٌ: ما هَذا ؟ فَيَقُولُ: ماءٌ، فَتَضَعُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنِ الصَّبْغِ، فَإنْ قالَ: لَمْ يَزَلْ هَكَذا، قُلْتَ لَهُ: ألَسْتَ قَدِ اعْتَرَفَتْ بِأنَّهُ ماءٌ ؟ فَتُثْبِتُ عَلَيْهِ الحُجَّةَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الفائِدَةُ أنَّهُ قَرَّرَ مُوسى أنَّها عَصا، لَمّا أرادَ أنْ يُرِيَهُ مِن قُدْرَتِهِ في انْقِلابِها حَيَّةً، فَوَقَعَ المُعْجِزُ بِها بَعْدَ التَّثَبُّتِ في أمْرِها. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما في قَلْبِ مُوسى مِنَ الهَيْبَةِ والإجْلالِ حِينَ التَّكْلِيمِ، أرادَ أنْ يُؤانِسَهُ ويُخَفِّفَ عَنْهُ ثِقَلُ ما كانَ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، فَأجْرى هَذا الكَلامَ لِلِاسْتِئْناسِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، وإنَّما يُشْرَحُ هَذا لِمَن لا يُعْلَمُ فَوائِدَها ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَقِيلَ لَهُ: ما تَصَنَعُ بِها ؟ فَذَكَرَ باقِي الكَلامِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ثانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما أظْهَرَ فَوائِدَها وبَيَّنَ حاجَتَهُ إلَيْها؛ خَوْفًا [ مِن ] أنْ يَأْمُرَهُ بِإلْقائِها كالنَّعْلَيْنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بَيَّنَ مَنافِعَها؛ لِئَلّا يَكُونَ عابِثًا بِحَمْلِها، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ مَنافِعِها ولَمْ يُطِلِ الشَّرْحَ ؟ فَعَنْهُ [ ثَلاثَةُ ] أجْوِبَةٍ: (p-٢٧٩) أحَدُها: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَشْتَغِلَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ بِتَعْدادِ مَنافِعَها. والثّانِي: اسْتَغْنى بِعِلْمِ اللَّهِ فِيها عَنْ كَثْرَةِ التَّعْدادِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى اللّازِمِ دُونَ العارِضِ. وَقِيلَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وتَدْفَعُ عَنْهُ الهَوامَّ، وتُثْمِرُ لَهُ إذا اشْتَهى الثِّمارَ، وفي جِنْسِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: [ أنَّها ] كانَتْ مِن عَوْسَجٍ. فَإنْ قِيلَ: المَآرِبُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿أُخْرى﴾، ولَمْ يَقُلْ: ( أُخَرُ ) ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْقاها ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِرَفْضِها، فَسَمِعَ حِسًّا فالتَفَتَ، فَإذا هي كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، تَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتَبْتَلِعُها، فَهَرَبَ مِنها. وَفِي وجْهِ الفائِدَةِ في إظْهارِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلَةَ المُخاطَبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا يَخافَ مِنها إذا ألْقاها بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ. والثّانِي: لِيُرِيَهُ أنَّ الَّذِي أبْعَثُكَ إلَيْهِ دُونَ ما أرَيْتُكَ، فَكَما ذَلَّلْتُ لَكَ الأعْظَمَ وهو الحَيَّةُ، أُذَلِّلُ لَكَ الأدْنى. (p-٢٨٠) ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأخْذِها وهي عَلى حالِها حَيَّةً، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها فَعادَتْ عَصًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾، قالَ الفَرّاءُ: طَرِيقَتُها، يَقُولُ: نَرُدُّها عَصًا كَما كانَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: و﴿سِيرَتَها﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْها، المَعْنى: سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها. فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَتِ العَصا واحِدَةً، وكانَ إلْقاؤُها مَرَّةً، فَما وجْهُ اخْتِلافِ الأخْبارِ عَنْها، فَإنَّهُ يَقُولُ في ( الأعْرافِ: ١٠٧ ): ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾، وهاهُنا: ﴿حَيَّةٌ﴾، وفي مَكانٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [ النَّمْل: ١٠ ]، والجانُّ لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ الحَيّاتِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ صِفَتَها بِالجانِّ عِبارَةٌ عَنِ ابْتِداءِ حالِها، وبِالثُّعْبانِ إخْبارٌ عَنِ انْتِهاءِ حالِها، والحَيَّةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ الزَّجّاجُ: خَلْقُها خُلُقُ الثُّعْبانِ العَظِيمِ، واهْتِزازُها، وحَرَكَتُها، وخِفَّتُها، كاهْتِزازِ الجانِّ وخِفَّتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَناحُ: مِن أسْفَلِ العَضُدِ إلى الإبِطِ. وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَناحُ: ناحِيَةُ الجَنْبِ، وأنْشَدَ: ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، ﴿آيَةً أُخْرى﴾؛ أيْ: دَلالَةً عَلى صِدْقِكَ سِوى العَصا. قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ " آيَةً " عَلى مَعْنى: آتَيْناكَ آيَةً، أوْ نُؤْتِيكَ [ آيَةً ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ . (p-٢٨١) إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرِ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. والثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الآيَةَ الكُبْرى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا. والثّالِثُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِوِفاقِ رَأْسِ الآيِ، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تِلْكَ " اسْمٌ مُبْهَمٌ يُجْرِي مَجْرى ( الَّتِي )، والمَعْنى: ما الَّتِي بِيَمِينِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ التَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ﴿وَأهُشُّ بِها﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ اليابِسَ لِيُسْقِطَ ورَقَهُ فَتَرْعاهُ غَنَمِي. قالَ الزَّجّاجُ: واشْتِقاقُهُ مِن أنِّي أُحِيلُ الشَّيْءَ إلى الهَشاشَةِ والإمْكانِ. والمَآرِبُ: الحاجاتُ، واحِدُها: مَأْرَبَةٌ، ومَأْرُبَةٌ. ورَوى قُتَيْبَةُ ووَرْشٌ: ( مَآرِبُ ) بِإمالَةِ الهَمْزَةِ. (p-٢٧٨) فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في سُؤالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وهو يَعْلَمُ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجْراهُ مَجْرى السُّؤالِ، لِيُجِيبَ المُخاطَبُ بِالإقْرارِ بِهِ، فَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِاعْتِرافِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الجَحْدُ، ومَثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِمَن تُخاطِبُهُ وعِنْدَكَ ماءٌ: ما هَذا ؟ فَيَقُولُ: ماءٌ، فَتَضَعُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنِ الصَّبْغِ، فَإنْ قالَ: لَمْ يَزَلْ هَكَذا، قُلْتَ لَهُ: ألَسْتَ قَدِ اعْتَرَفَتْ بِأنَّهُ ماءٌ ؟ فَتُثْبِتُ عَلَيْهِ الحُجَّةَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الفائِدَةُ أنَّهُ قَرَّرَ مُوسى أنَّها عَصا، لَمّا أرادَ أنْ يُرِيَهُ مِن قُدْرَتِهِ في انْقِلابِها حَيَّةً، فَوَقَعَ المُعْجِزُ بِها بَعْدَ التَّثَبُّتِ في أمْرِها. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما في قَلْبِ مُوسى مِنَ الهَيْبَةِ والإجْلالِ حِينَ التَّكْلِيمِ، أرادَ أنْ يُؤانِسَهُ ويُخَفِّفَ عَنْهُ ثِقَلُ ما كانَ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، فَأجْرى هَذا الكَلامَ لِلِاسْتِئْناسِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، وإنَّما يُشْرَحُ هَذا لِمَن لا يُعْلَمُ فَوائِدَها ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَقِيلَ لَهُ: ما تَصَنَعُ بِها ؟ فَذَكَرَ باقِي الكَلامِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ثانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما أظْهَرَ فَوائِدَها وبَيَّنَ حاجَتَهُ إلَيْها؛ خَوْفًا [ مِن ] أنْ يَأْمُرَهُ بِإلْقائِها كالنَّعْلَيْنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بَيَّنَ مَنافِعَها؛ لِئَلّا يَكُونَ عابِثًا بِحَمْلِها، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ مَنافِعِها ولَمْ يُطِلِ الشَّرْحَ ؟ فَعَنْهُ [ ثَلاثَةُ ] أجْوِبَةٍ: (p-٢٧٩) أحَدُها: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَشْتَغِلَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ بِتَعْدادِ مَنافِعَها. والثّانِي: اسْتَغْنى بِعِلْمِ اللَّهِ فِيها عَنْ كَثْرَةِ التَّعْدادِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى اللّازِمِ دُونَ العارِضِ. وَقِيلَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وتَدْفَعُ عَنْهُ الهَوامَّ، وتُثْمِرُ لَهُ إذا اشْتَهى الثِّمارَ، وفي جِنْسِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: [ أنَّها ] كانَتْ مِن عَوْسَجٍ. فَإنْ قِيلَ: المَآرِبُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿أُخْرى﴾، ولَمْ يَقُلْ: ( أُخَرُ ) ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْقاها ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِرَفْضِها، فَسَمِعَ حِسًّا فالتَفَتَ، فَإذا هي كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، تَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتَبْتَلِعُها، فَهَرَبَ مِنها. وَفِي وجْهِ الفائِدَةِ في إظْهارِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلَةَ المُخاطَبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا يَخافَ مِنها إذا ألْقاها بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ. والثّانِي: لِيُرِيَهُ أنَّ الَّذِي أبْعَثُكَ إلَيْهِ دُونَ ما أرَيْتُكَ، فَكَما ذَلَّلْتُ لَكَ الأعْظَمَ وهو الحَيَّةُ، أُذَلِّلُ لَكَ الأدْنى. (p-٢٨٠) ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأخْذِها وهي عَلى حالِها حَيَّةً، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها فَعادَتْ عَصًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾، قالَ الفَرّاءُ: طَرِيقَتُها، يَقُولُ: نَرُدُّها عَصًا كَما كانَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: و﴿سِيرَتَها﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْها، المَعْنى: سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها. فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَتِ العَصا واحِدَةً، وكانَ إلْقاؤُها مَرَّةً، فَما وجْهُ اخْتِلافِ الأخْبارِ عَنْها، فَإنَّهُ يَقُولُ في ( الأعْرافِ: ١٠٧ ): ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾، وهاهُنا: ﴿حَيَّةٌ﴾، وفي مَكانٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [ النَّمْل: ١٠ ]، والجانُّ لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ الحَيّاتِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ صِفَتَها بِالجانِّ عِبارَةٌ عَنِ ابْتِداءِ حالِها، وبِالثُّعْبانِ إخْبارٌ عَنِ انْتِهاءِ حالِها، والحَيَّةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ الزَّجّاجُ: خَلْقُها خُلُقُ الثُّعْبانِ العَظِيمِ، واهْتِزازُها، وحَرَكَتُها، وخِفَّتُها، كاهْتِزازِ الجانِّ وخِفَّتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَناحُ: مِن أسْفَلِ العَضُدِ إلى الإبِطِ. وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَناحُ: ناحِيَةُ الجَنْبِ، وأنْشَدَ: ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، ﴿آيَةً أُخْرى﴾؛ أيْ: دَلالَةً عَلى صِدْقِكَ سِوى العَصا. قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ " آيَةً " عَلى مَعْنى: آتَيْناكَ آيَةً، أوْ نُؤْتِيكَ [ آيَةً ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ . (p-٢٨١) إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرِ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. والثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الآيَةَ الكُبْرى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا. والثّالِثُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِوِفاقِ رَأْسِ الآيِ، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تِلْكَ " اسْمٌ مُبْهَمٌ يُجْرِي مَجْرى ( الَّتِي )، والمَعْنى: ما الَّتِي بِيَمِينِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ التَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ﴿وَأهُشُّ بِها﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ اليابِسَ لِيُسْقِطَ ورَقَهُ فَتَرْعاهُ غَنَمِي. قالَ الزَّجّاجُ: واشْتِقاقُهُ مِن أنِّي أُحِيلُ الشَّيْءَ إلى الهَشاشَةِ والإمْكانِ. والمَآرِبُ: الحاجاتُ، واحِدُها: مَأْرَبَةٌ، ومَأْرُبَةٌ. ورَوى قُتَيْبَةُ ووَرْشٌ: ( مَآرِبُ ) بِإمالَةِ الهَمْزَةِ. (p-٢٧٨) فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في سُؤالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وهو يَعْلَمُ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجْراهُ مَجْرى السُّؤالِ، لِيُجِيبَ المُخاطَبُ بِالإقْرارِ بِهِ، فَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِاعْتِرافِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الجَحْدُ، ومَثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِمَن تُخاطِبُهُ وعِنْدَكَ ماءٌ: ما هَذا ؟ فَيَقُولُ: ماءٌ، فَتَضَعُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنِ الصَّبْغِ، فَإنْ قالَ: لَمْ يَزَلْ هَكَذا، قُلْتَ لَهُ: ألَسْتَ قَدِ اعْتَرَفَتْ بِأنَّهُ ماءٌ ؟ فَتُثْبِتُ عَلَيْهِ الحُجَّةَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الفائِدَةُ أنَّهُ قَرَّرَ مُوسى أنَّها عَصا، لَمّا أرادَ أنْ يُرِيَهُ مِن قُدْرَتِهِ في انْقِلابِها حَيَّةً، فَوَقَعَ المُعْجِزُ بِها بَعْدَ التَّثَبُّتِ في أمْرِها. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما في قَلْبِ مُوسى مِنَ الهَيْبَةِ والإجْلالِ حِينَ التَّكْلِيمِ، أرادَ أنْ يُؤانِسَهُ ويُخَفِّفَ عَنْهُ ثِقَلُ ما كانَ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، فَأجْرى هَذا الكَلامَ لِلِاسْتِئْناسِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، وإنَّما يُشْرَحُ هَذا لِمَن لا يُعْلَمُ فَوائِدَها ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَقِيلَ لَهُ: ما تَصَنَعُ بِها ؟ فَذَكَرَ باقِي الكَلامِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ثانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما أظْهَرَ فَوائِدَها وبَيَّنَ حاجَتَهُ إلَيْها؛ خَوْفًا [ مِن ] أنْ يَأْمُرَهُ بِإلْقائِها كالنَّعْلَيْنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بَيَّنَ مَنافِعَها؛ لِئَلّا يَكُونَ عابِثًا بِحَمْلِها، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ مَنافِعِها ولَمْ يُطِلِ الشَّرْحَ ؟ فَعَنْهُ [ ثَلاثَةُ ] أجْوِبَةٍ: (p-٢٧٩) أحَدُها: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَشْتَغِلَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ بِتَعْدادِ مَنافِعَها. والثّانِي: اسْتَغْنى بِعِلْمِ اللَّهِ فِيها عَنْ كَثْرَةِ التَّعْدادِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى اللّازِمِ دُونَ العارِضِ. وَقِيلَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وتَدْفَعُ عَنْهُ الهَوامَّ، وتُثْمِرُ لَهُ إذا اشْتَهى الثِّمارَ، وفي جِنْسِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: [ أنَّها ] كانَتْ مِن عَوْسَجٍ. فَإنْ قِيلَ: المَآرِبُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿أُخْرى﴾، ولَمْ يَقُلْ: ( أُخَرُ ) ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْقاها ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِرَفْضِها، فَسَمِعَ حِسًّا فالتَفَتَ، فَإذا هي كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، تَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتَبْتَلِعُها، فَهَرَبَ مِنها. وَفِي وجْهِ الفائِدَةِ في إظْهارِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلَةَ المُخاطَبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا يَخافَ مِنها إذا ألْقاها بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ. والثّانِي: لِيُرِيَهُ أنَّ الَّذِي أبْعَثُكَ إلَيْهِ دُونَ ما أرَيْتُكَ، فَكَما ذَلَّلْتُ لَكَ الأعْظَمَ وهو الحَيَّةُ، أُذَلِّلُ لَكَ الأدْنى. (p-٢٨٠) ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأخْذِها وهي عَلى حالِها حَيَّةً، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها فَعادَتْ عَصًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾، قالَ الفَرّاءُ: طَرِيقَتُها، يَقُولُ: نَرُدُّها عَصًا كَما كانَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: و﴿سِيرَتَها﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْها، المَعْنى: سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها. فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَتِ العَصا واحِدَةً، وكانَ إلْقاؤُها مَرَّةً، فَما وجْهُ اخْتِلافِ الأخْبارِ عَنْها، فَإنَّهُ يَقُولُ في ( الأعْرافِ: ١٠٧ ): ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾، وهاهُنا: ﴿حَيَّةٌ﴾، وفي مَكانٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [ النَّمْل: ١٠ ]، والجانُّ لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ الحَيّاتِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ صِفَتَها بِالجانِّ عِبارَةٌ عَنِ ابْتِداءِ حالِها، وبِالثُّعْبانِ إخْبارٌ عَنِ انْتِهاءِ حالِها، والحَيَّةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ الزَّجّاجُ: خَلْقُها خُلُقُ الثُّعْبانِ العَظِيمِ، واهْتِزازُها، وحَرَكَتُها، وخِفَّتُها، كاهْتِزازِ الجانِّ وخِفَّتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَناحُ: مِن أسْفَلِ العَضُدِ إلى الإبِطِ. وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَناحُ: ناحِيَةُ الجَنْبِ، وأنْشَدَ: ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، ﴿آيَةً أُخْرى﴾؛ أيْ: دَلالَةً عَلى صِدْقِكَ سِوى العَصا. قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ " آيَةً " عَلى مَعْنى: آتَيْناكَ آيَةً، أوْ نُؤْتِيكَ [ آيَةً ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ . (p-٢٨١) إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرِ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. والثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الآيَةَ الكُبْرى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا. والثّالِثُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِوِفاقِ رَأْسِ الآيِ، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تِلْكَ " اسْمٌ مُبْهَمٌ يُجْرِي مَجْرى ( الَّتِي )، والمَعْنى: ما الَّتِي بِيَمِينِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ التَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ﴿وَأهُشُّ بِها﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ اليابِسَ لِيُسْقِطَ ورَقَهُ فَتَرْعاهُ غَنَمِي. قالَ الزَّجّاجُ: واشْتِقاقُهُ مِن أنِّي أُحِيلُ الشَّيْءَ إلى الهَشاشَةِ والإمْكانِ. والمَآرِبُ: الحاجاتُ، واحِدُها: مَأْرَبَةٌ، ومَأْرُبَةٌ. ورَوى قُتَيْبَةُ ووَرْشٌ: ( مَآرِبُ ) بِإمالَةِ الهَمْزَةِ. (p-٢٧٨) فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في سُؤالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وهو يَعْلَمُ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجْراهُ مَجْرى السُّؤالِ، لِيُجِيبَ المُخاطَبُ بِالإقْرارِ بِهِ، فَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِاعْتِرافِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الجَحْدُ، ومَثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِمَن تُخاطِبُهُ وعِنْدَكَ ماءٌ: ما هَذا ؟ فَيَقُولُ: ماءٌ، فَتَضَعُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنِ الصَّبْغِ، فَإنْ قالَ: لَمْ يَزَلْ هَكَذا، قُلْتَ لَهُ: ألَسْتَ قَدِ اعْتَرَفَتْ بِأنَّهُ ماءٌ ؟ فَتُثْبِتُ عَلَيْهِ الحُجَّةَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الفائِدَةُ أنَّهُ قَرَّرَ مُوسى أنَّها عَصا، لَمّا أرادَ أنْ يُرِيَهُ مِن قُدْرَتِهِ في انْقِلابِها حَيَّةً، فَوَقَعَ المُعْجِزُ بِها بَعْدَ التَّثَبُّتِ في أمْرِها. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما في قَلْبِ مُوسى مِنَ الهَيْبَةِ والإجْلالِ حِينَ التَّكْلِيمِ، أرادَ أنْ يُؤانِسَهُ ويُخَفِّفَ عَنْهُ ثِقَلُ ما كانَ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، فَأجْرى هَذا الكَلامَ لِلِاسْتِئْناسِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، وإنَّما يُشْرَحُ هَذا لِمَن لا يُعْلَمُ فَوائِدَها ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾، فَقِيلَ لَهُ: ما تَصَنَعُ بِها ؟ فَذَكَرَ باقِي الكَلامِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ثانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما أظْهَرَ فَوائِدَها وبَيَّنَ حاجَتَهُ إلَيْها؛ خَوْفًا [ مِن ] أنْ يَأْمُرَهُ بِإلْقائِها كالنَّعْلَيْنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بَيَّنَ مَنافِعَها؛ لِئَلّا يَكُونَ عابِثًا بِحَمْلِها، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ مَنافِعِها ولَمْ يُطِلِ الشَّرْحَ ؟ فَعَنْهُ [ ثَلاثَةُ ] أجْوِبَةٍ: (p-٢٧٩) أحَدُها: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَشْتَغِلَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ بِتَعْدادِ مَنافِعَها. والثّانِي: اسْتَغْنى بِعِلْمِ اللَّهِ فِيها عَنْ كَثْرَةِ التَّعْدادِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى اللّازِمِ دُونَ العارِضِ. وَقِيلَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وتَدْفَعُ عَنْهُ الهَوامَّ، وتُثْمِرُ لَهُ إذا اشْتَهى الثِّمارَ، وفي جِنْسِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: [ أنَّها ] كانَتْ مِن عَوْسَجٍ. فَإنْ قِيلَ: المَآرِبُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿أُخْرى﴾، ولَمْ يَقُلْ: ( أُخَرُ ) ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْقاها ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِرَفْضِها، فَسَمِعَ حِسًّا فالتَفَتَ، فَإذا هي كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، تَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتَبْتَلِعُها، فَهَرَبَ مِنها. وَفِي وجْهِ الفائِدَةِ في إظْهارِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلَةَ المُخاطَبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا يَخافَ مِنها إذا ألْقاها بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ. والثّانِي: لِيُرِيَهُ أنَّ الَّذِي أبْعَثُكَ إلَيْهِ دُونَ ما أرَيْتُكَ، فَكَما ذَلَّلْتُ لَكَ الأعْظَمَ وهو الحَيَّةُ، أُذَلِّلُ لَكَ الأدْنى. (p-٢٨٠) ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأخْذِها وهي عَلى حالِها حَيَّةً، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها فَعادَتْ عَصًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾، قالَ الفَرّاءُ: طَرِيقَتُها، يَقُولُ: نَرُدُّها عَصًا كَما كانَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: و﴿سِيرَتَها﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْها، المَعْنى: سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها. فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَتِ العَصا واحِدَةً، وكانَ إلْقاؤُها مَرَّةً، فَما وجْهُ اخْتِلافِ الأخْبارِ عَنْها، فَإنَّهُ يَقُولُ في ( الأعْرافِ: ١٠٧ ): ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾، وهاهُنا: ﴿حَيَّةٌ﴾، وفي مَكانٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [ النَّمْل: ١٠ ]، والجانُّ لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ الحَيّاتِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ صِفَتَها بِالجانِّ عِبارَةٌ عَنِ ابْتِداءِ حالِها، وبِالثُّعْبانِ إخْبارٌ عَنِ انْتِهاءِ حالِها، والحَيَّةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ الزَّجّاجُ: خَلْقُها خُلُقُ الثُّعْبانِ العَظِيمِ، واهْتِزازُها، وحَرَكَتُها، وخِفَّتُها، كاهْتِزازِ الجانِّ وخِفَّتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَناحُ: مِن أسْفَلِ العَضُدِ إلى الإبِطِ. وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَناحُ: ناحِيَةُ الجَنْبِ، وأنْشَدَ: ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، ﴿آيَةً أُخْرى﴾؛ أيْ: دَلالَةً عَلى صِدْقِكَ سِوى العَصا. قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ " آيَةً " عَلى مَعْنى: آتَيْناكَ آيَةً، أوْ نُؤْتِيكَ [ آيَةً ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ . (p-٢٨١) إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرِ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. والثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الآيَةَ الكُبْرى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا. والثّالِثُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِوِفاقِ رَأْسِ الآيِ، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢) وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)

طه 20:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: طَلِبَتَكَ، وهو ( فُعْلٌ ) مَن ( سَألْتَ )؛ أيْ: أُعْطِيتَ ما سَألَتَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْكَ، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى كانَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾؛ أيْ: ألْهَمْناها ما يُلْهَمُ مِمّا كانَ سَبَبًا لِنَجاتِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ وقَذْفُ الشَّيْءِ: الرَّمْيُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أوْحَيْنا إلَيْها الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُوحى إلَيْها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ الأُمُورِ يَصْلُحُ وحْيُهُ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَبِيٍّ، وذَلِكَ أنَّها أُلْهِمَتْ. والثّانِي: أنَّ ﴿ما يُوحى﴾ أفادَ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [ النَّجْم: ٥٤ ] (p-٢٨٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ظاهِرُ هَذا الأمْرُ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، تَأْوِيلُهُ: يُلْقِيهِ [ اليَمُّ ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مَأْمُورًا بِآلَةٍ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَسَمِعَ وعَقَلَ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِالحِجارَةِ والأشْجارِ. فَأمّا السّاحِلُ: فَهو شَطُّ البَحْرِ. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَتْ أُمُّهُ تابُوتًا وجَعَلَتْ فِيهِ قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووَضَعَتْ فِيهِ مُوسى وأحْكَمَتْ بِالقارِ شُقُوقَ التّابُوتِ، ثُمَّ ألْقَتْهُ في النَّيْلِ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ في دارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ البِرْكَةِ مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ، إذا بِالتّابُوتِ، فَأمَرَ الغِلْمانَ والجَوارِي بِأخْذِهِ، فَلَمّا فَتَحُوهُ رَأوْا صَبِيًّا مَن أصْبَحِ النّاسِ وجْهًا، فَلِما رَآهُ فِرْعَوْنُ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، [ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " ألْقَيْتُ عَلَيْكَ "؛ أيْ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً مِنِّي ] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ، فَلا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْهِ مِلاحَةٌ، فَما رَآهُ أحَدٌ إلّا حَبَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ولْتُصْنَعْ ) بِسُكُونِ اللّامِ والعَيْنِ والإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ: لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ما أُرِيدُ وأُحِبُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: غُذِّيَ فَلانٌ عَلى عَيْنِي؛ أيْ: عَلى المَحَبَّةِ مِنِّي. وقالَ غَيْرُهُ: لِتُرَبّى وتُغَذّى بِمَرْأًى مِنِّي، يُقالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جارِيَتَهُ: إذا رَبّاها، وصَنَعَ فَرَسَهُ: إذا داوَمَ عَلى عَلْفِهِ ومُراعاتِهِ، والمَعْنى: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، قَدَّرْنا مَشْيَ أُخْتِكَ وقَوْلُها: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا كانَ مِن أسْبابِ تَرْبِيَتِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَأمّا أُخْتُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُها مَرْيَمُ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المَشْيِ، (p-٢٨٥)وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّها مَشَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، فَدَلَّتْهم عَلى الظِّئْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَجْتَزِئُ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ وبِقَلِيلِهِ، إذا كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ [ يُوسُف: ٤٥ ]، ولَمْ يَقُلْ: فَأُرْسِلَ حَتّى دَخَلَ عَلى يُوسُفَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ مَشْيِ أُخْتِهِ أنَّ أُمَّهُ قالَتْ لَها: قُصِّيهِ، فاتَّبَعَتْ مُوسى عَلى أثَرِ الماءِ، فَلَمّا التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ جَعَلَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ أيْ: يُرْضِعُهُ ويَضُمُّهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَها: ومَن هي ؟ فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ ؟ قالَتْ: لَبَنُ أخِي هارُونَ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ فَأرْسَلُوها، فَجاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾؛ أيْ: رَدَدْناكَ إلَيْها، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِكَ وبِرُؤْيَتِكَ. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يَعْنِي: القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ وكانَ مَغْمُومًا مَخافَةَ أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ بِأنْ هَرَبَ إلى مَدْيَنَ، ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: ابْتَلَيْناكَ بِغَمِّ القَتِيلِ ابْتِلاءً. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُتُونُ: وُقُوعُهُ في مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنها، أوَّلُها أنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيها الأطْفالَ، ثُمَّ إلْقاؤُهُ في البَحْرِ، ثُمَّ مَنَعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ (p-٢٨٦)الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ خائِفًا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُصُّ هَذِهِ القَصَصَ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ويَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ ثَلاثَةٍ: وهَذا مِنَ الفُتُونِ يابْنَ جُبَيْرٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ " فَتَنّاكَ ": خَلَّصْناكَ مِن تِلْكَ المِحَنِ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ فَيُخَلَّصُ مِن كُلِّ خَبَثٍ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَخَرَجْتَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ. ومَدْيَنُ: بَلَدُ شُعَيْبٍ، وكانَ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ مِن مِصْرَ، فَهَرَبَ إلَيْهِ مُوسى. وقِيلَ: مَدِينُ: اسْمُ رَجُلٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [ الأعْرافِ: ٨٦ ] . وَفِي قَدْرِ لُبْثِهِ هُناكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَشْرُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: ثَمانِي وعِشْرُونَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنهُنَّ مَهْرُ امْرَأتِهِ، وثَمانِيَ عَشْرَةَ أقامَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: جِئْتَ لِمِيقاتِ قُدْرَتِهِ لِمَجِيئِكَ قَبْلَ خَلْقِكَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن تَكْلِيمِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ واخْتَصَصْتُكَ، والِاصْطِناعُ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهو الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى إنْسانٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفَيْتُكَ لِرِسالَتِي ووَحْيِي، ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها العَصا واليَدُ، وقَدْ يُذَكَرُ الِاثْنانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ. والثّانِي: العَصا، واليَدُ، وحَلُّ العُقْدَةِ الَّتِي ما زالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَعْرِفُونَها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. (p-٢٨٧) والثّالِثُ: الآياتُ التِّسْعُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنِيا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَضْعُفا ولا تَفْتُرا، يُقالُ: ونَيَ يَنِي في الأمْرِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: وُنِيَ يُونى. وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّسالَةُ إلى فِرْعَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بِالفَرائِضِ والتَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ.

طه 20:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: طَلِبَتَكَ، وهو ( فُعْلٌ ) مَن ( سَألْتَ )؛ أيْ: أُعْطِيتَ ما سَألَتَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْكَ، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى كانَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾؛ أيْ: ألْهَمْناها ما يُلْهَمُ مِمّا كانَ سَبَبًا لِنَجاتِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ وقَذْفُ الشَّيْءِ: الرَّمْيُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أوْحَيْنا إلَيْها الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُوحى إلَيْها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ الأُمُورِ يَصْلُحُ وحْيُهُ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَبِيٍّ، وذَلِكَ أنَّها أُلْهِمَتْ. والثّانِي: أنَّ ﴿ما يُوحى﴾ أفادَ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [ النَّجْم: ٥٤ ] (p-٢٨٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ظاهِرُ هَذا الأمْرُ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، تَأْوِيلُهُ: يُلْقِيهِ [ اليَمُّ ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مَأْمُورًا بِآلَةٍ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَسَمِعَ وعَقَلَ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِالحِجارَةِ والأشْجارِ. فَأمّا السّاحِلُ: فَهو شَطُّ البَحْرِ. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَتْ أُمُّهُ تابُوتًا وجَعَلَتْ فِيهِ قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووَضَعَتْ فِيهِ مُوسى وأحْكَمَتْ بِالقارِ شُقُوقَ التّابُوتِ، ثُمَّ ألْقَتْهُ في النَّيْلِ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ في دارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ البِرْكَةِ مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ، إذا بِالتّابُوتِ، فَأمَرَ الغِلْمانَ والجَوارِي بِأخْذِهِ، فَلَمّا فَتَحُوهُ رَأوْا صَبِيًّا مَن أصْبَحِ النّاسِ وجْهًا، فَلِما رَآهُ فِرْعَوْنُ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، [ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " ألْقَيْتُ عَلَيْكَ "؛ أيْ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً مِنِّي ] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ، فَلا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْهِ مِلاحَةٌ، فَما رَآهُ أحَدٌ إلّا حَبَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ولْتُصْنَعْ ) بِسُكُونِ اللّامِ والعَيْنِ والإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ: لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ما أُرِيدُ وأُحِبُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: غُذِّيَ فَلانٌ عَلى عَيْنِي؛ أيْ: عَلى المَحَبَّةِ مِنِّي. وقالَ غَيْرُهُ: لِتُرَبّى وتُغَذّى بِمَرْأًى مِنِّي، يُقالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جارِيَتَهُ: إذا رَبّاها، وصَنَعَ فَرَسَهُ: إذا داوَمَ عَلى عَلْفِهِ ومُراعاتِهِ، والمَعْنى: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، قَدَّرْنا مَشْيَ أُخْتِكَ وقَوْلُها: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا كانَ مِن أسْبابِ تَرْبِيَتِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَأمّا أُخْتُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُها مَرْيَمُ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المَشْيِ، (p-٢٨٥)وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّها مَشَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، فَدَلَّتْهم عَلى الظِّئْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَجْتَزِئُ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ وبِقَلِيلِهِ، إذا كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ [ يُوسُف: ٤٥ ]، ولَمْ يَقُلْ: فَأُرْسِلَ حَتّى دَخَلَ عَلى يُوسُفَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ مَشْيِ أُخْتِهِ أنَّ أُمَّهُ قالَتْ لَها: قُصِّيهِ، فاتَّبَعَتْ مُوسى عَلى أثَرِ الماءِ، فَلَمّا التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ جَعَلَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ أيْ: يُرْضِعُهُ ويَضُمُّهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَها: ومَن هي ؟ فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ ؟ قالَتْ: لَبَنُ أخِي هارُونَ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ فَأرْسَلُوها، فَجاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾؛ أيْ: رَدَدْناكَ إلَيْها، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِكَ وبِرُؤْيَتِكَ. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يَعْنِي: القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ وكانَ مَغْمُومًا مَخافَةَ أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ بِأنْ هَرَبَ إلى مَدْيَنَ، ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: ابْتَلَيْناكَ بِغَمِّ القَتِيلِ ابْتِلاءً. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُتُونُ: وُقُوعُهُ في مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنها، أوَّلُها أنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيها الأطْفالَ، ثُمَّ إلْقاؤُهُ في البَحْرِ، ثُمَّ مَنَعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ (p-٢٨٦)الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ خائِفًا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُصُّ هَذِهِ القَصَصَ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ويَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ ثَلاثَةٍ: وهَذا مِنَ الفُتُونِ يابْنَ جُبَيْرٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ " فَتَنّاكَ ": خَلَّصْناكَ مِن تِلْكَ المِحَنِ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ فَيُخَلَّصُ مِن كُلِّ خَبَثٍ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَخَرَجْتَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ. ومَدْيَنُ: بَلَدُ شُعَيْبٍ، وكانَ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ مِن مِصْرَ، فَهَرَبَ إلَيْهِ مُوسى. وقِيلَ: مَدِينُ: اسْمُ رَجُلٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [ الأعْرافِ: ٨٦ ] . وَفِي قَدْرِ لُبْثِهِ هُناكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَشْرُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: ثَمانِي وعِشْرُونَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنهُنَّ مَهْرُ امْرَأتِهِ، وثَمانِيَ عَشْرَةَ أقامَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: جِئْتَ لِمِيقاتِ قُدْرَتِهِ لِمَجِيئِكَ قَبْلَ خَلْقِكَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن تَكْلِيمِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ واخْتَصَصْتُكَ، والِاصْطِناعُ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهو الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى إنْسانٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفَيْتُكَ لِرِسالَتِي ووَحْيِي، ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها العَصا واليَدُ، وقَدْ يُذَكَرُ الِاثْنانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ. والثّانِي: العَصا، واليَدُ، وحَلُّ العُقْدَةِ الَّتِي ما زالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَعْرِفُونَها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. (p-٢٨٧) والثّالِثُ: الآياتُ التِّسْعُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنِيا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَضْعُفا ولا تَفْتُرا، يُقالُ: ونَيَ يَنِي في الأمْرِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: وُنِيَ يُونى. وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّسالَةُ إلى فِرْعَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بِالفَرائِضِ والتَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ.

طه 20:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: طَلِبَتَكَ، وهو ( فُعْلٌ ) مَن ( سَألْتَ )؛ أيْ: أُعْطِيتَ ما سَألَتَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْكَ، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى كانَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾؛ أيْ: ألْهَمْناها ما يُلْهَمُ مِمّا كانَ سَبَبًا لِنَجاتِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ وقَذْفُ الشَّيْءِ: الرَّمْيُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أوْحَيْنا إلَيْها الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُوحى إلَيْها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ الأُمُورِ يَصْلُحُ وحْيُهُ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَبِيٍّ، وذَلِكَ أنَّها أُلْهِمَتْ. والثّانِي: أنَّ ﴿ما يُوحى﴾ أفادَ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [ النَّجْم: ٥٤ ] (p-٢٨٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ظاهِرُ هَذا الأمْرُ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، تَأْوِيلُهُ: يُلْقِيهِ [ اليَمُّ ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مَأْمُورًا بِآلَةٍ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَسَمِعَ وعَقَلَ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِالحِجارَةِ والأشْجارِ. فَأمّا السّاحِلُ: فَهو شَطُّ البَحْرِ. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَتْ أُمُّهُ تابُوتًا وجَعَلَتْ فِيهِ قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووَضَعَتْ فِيهِ مُوسى وأحْكَمَتْ بِالقارِ شُقُوقَ التّابُوتِ، ثُمَّ ألْقَتْهُ في النَّيْلِ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ في دارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ البِرْكَةِ مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ، إذا بِالتّابُوتِ، فَأمَرَ الغِلْمانَ والجَوارِي بِأخْذِهِ، فَلَمّا فَتَحُوهُ رَأوْا صَبِيًّا مَن أصْبَحِ النّاسِ وجْهًا، فَلِما رَآهُ فِرْعَوْنُ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، [ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " ألْقَيْتُ عَلَيْكَ "؛ أيْ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً مِنِّي ] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ، فَلا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْهِ مِلاحَةٌ، فَما رَآهُ أحَدٌ إلّا حَبَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ولْتُصْنَعْ ) بِسُكُونِ اللّامِ والعَيْنِ والإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ: لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ما أُرِيدُ وأُحِبُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: غُذِّيَ فَلانٌ عَلى عَيْنِي؛ أيْ: عَلى المَحَبَّةِ مِنِّي. وقالَ غَيْرُهُ: لِتُرَبّى وتُغَذّى بِمَرْأًى مِنِّي، يُقالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جارِيَتَهُ: إذا رَبّاها، وصَنَعَ فَرَسَهُ: إذا داوَمَ عَلى عَلْفِهِ ومُراعاتِهِ، والمَعْنى: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، قَدَّرْنا مَشْيَ أُخْتِكَ وقَوْلُها: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا كانَ مِن أسْبابِ تَرْبِيَتِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَأمّا أُخْتُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُها مَرْيَمُ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المَشْيِ، (p-٢٨٥)وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّها مَشَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، فَدَلَّتْهم عَلى الظِّئْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَجْتَزِئُ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ وبِقَلِيلِهِ، إذا كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ [ يُوسُف: ٤٥ ]، ولَمْ يَقُلْ: فَأُرْسِلَ حَتّى دَخَلَ عَلى يُوسُفَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ مَشْيِ أُخْتِهِ أنَّ أُمَّهُ قالَتْ لَها: قُصِّيهِ، فاتَّبَعَتْ مُوسى عَلى أثَرِ الماءِ، فَلَمّا التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ جَعَلَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ أيْ: يُرْضِعُهُ ويَضُمُّهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَها: ومَن هي ؟ فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ ؟ قالَتْ: لَبَنُ أخِي هارُونَ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ فَأرْسَلُوها، فَجاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾؛ أيْ: رَدَدْناكَ إلَيْها، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِكَ وبِرُؤْيَتِكَ. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يَعْنِي: القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ وكانَ مَغْمُومًا مَخافَةَ أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ بِأنْ هَرَبَ إلى مَدْيَنَ، ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: ابْتَلَيْناكَ بِغَمِّ القَتِيلِ ابْتِلاءً. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُتُونُ: وُقُوعُهُ في مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنها، أوَّلُها أنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيها الأطْفالَ، ثُمَّ إلْقاؤُهُ في البَحْرِ، ثُمَّ مَنَعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ (p-٢٨٦)الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ خائِفًا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُصُّ هَذِهِ القَصَصَ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ويَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ ثَلاثَةٍ: وهَذا مِنَ الفُتُونِ يابْنَ جُبَيْرٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ " فَتَنّاكَ ": خَلَّصْناكَ مِن تِلْكَ المِحَنِ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ فَيُخَلَّصُ مِن كُلِّ خَبَثٍ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَخَرَجْتَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ. ومَدْيَنُ: بَلَدُ شُعَيْبٍ، وكانَ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ مِن مِصْرَ، فَهَرَبَ إلَيْهِ مُوسى. وقِيلَ: مَدِينُ: اسْمُ رَجُلٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [ الأعْرافِ: ٨٦ ] . وَفِي قَدْرِ لُبْثِهِ هُناكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَشْرُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: ثَمانِي وعِشْرُونَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنهُنَّ مَهْرُ امْرَأتِهِ، وثَمانِيَ عَشْرَةَ أقامَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: جِئْتَ لِمِيقاتِ قُدْرَتِهِ لِمَجِيئِكَ قَبْلَ خَلْقِكَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن تَكْلِيمِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ واخْتَصَصْتُكَ، والِاصْطِناعُ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهو الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى إنْسانٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفَيْتُكَ لِرِسالَتِي ووَحْيِي، ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها العَصا واليَدُ، وقَدْ يُذَكَرُ الِاثْنانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ. والثّانِي: العَصا، واليَدُ، وحَلُّ العُقْدَةِ الَّتِي ما زالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَعْرِفُونَها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. (p-٢٨٧) والثّالِثُ: الآياتُ التِّسْعُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنِيا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَضْعُفا ولا تَفْتُرا، يُقالُ: ونَيَ يَنِي في الأمْرِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: وُنِيَ يُونى. وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّسالَةُ إلى فِرْعَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بِالفَرائِضِ والتَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ.

طه 20:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: طَلِبَتَكَ، وهو ( فُعْلٌ ) مَن ( سَألْتَ )؛ أيْ: أُعْطِيتَ ما سَألَتَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْكَ، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى كانَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾؛ أيْ: ألْهَمْناها ما يُلْهَمُ مِمّا كانَ سَبَبًا لِنَجاتِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ وقَذْفُ الشَّيْءِ: الرَّمْيُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أوْحَيْنا إلَيْها الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُوحى إلَيْها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ الأُمُورِ يَصْلُحُ وحْيُهُ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَبِيٍّ، وذَلِكَ أنَّها أُلْهِمَتْ. والثّانِي: أنَّ ﴿ما يُوحى﴾ أفادَ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [ النَّجْم: ٥٤ ] (p-٢٨٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ظاهِرُ هَذا الأمْرُ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، تَأْوِيلُهُ: يُلْقِيهِ [ اليَمُّ ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مَأْمُورًا بِآلَةٍ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَسَمِعَ وعَقَلَ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِالحِجارَةِ والأشْجارِ. فَأمّا السّاحِلُ: فَهو شَطُّ البَحْرِ. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَتْ أُمُّهُ تابُوتًا وجَعَلَتْ فِيهِ قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووَضَعَتْ فِيهِ مُوسى وأحْكَمَتْ بِالقارِ شُقُوقَ التّابُوتِ، ثُمَّ ألْقَتْهُ في النَّيْلِ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ في دارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ البِرْكَةِ مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ، إذا بِالتّابُوتِ، فَأمَرَ الغِلْمانَ والجَوارِي بِأخْذِهِ، فَلَمّا فَتَحُوهُ رَأوْا صَبِيًّا مَن أصْبَحِ النّاسِ وجْهًا، فَلِما رَآهُ فِرْعَوْنُ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، [ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " ألْقَيْتُ عَلَيْكَ "؛ أيْ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً مِنِّي ] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ، فَلا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْهِ مِلاحَةٌ، فَما رَآهُ أحَدٌ إلّا حَبَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ولْتُصْنَعْ ) بِسُكُونِ اللّامِ والعَيْنِ والإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ: لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ما أُرِيدُ وأُحِبُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: غُذِّيَ فَلانٌ عَلى عَيْنِي؛ أيْ: عَلى المَحَبَّةِ مِنِّي. وقالَ غَيْرُهُ: لِتُرَبّى وتُغَذّى بِمَرْأًى مِنِّي، يُقالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جارِيَتَهُ: إذا رَبّاها، وصَنَعَ فَرَسَهُ: إذا داوَمَ عَلى عَلْفِهِ ومُراعاتِهِ، والمَعْنى: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، قَدَّرْنا مَشْيَ أُخْتِكَ وقَوْلُها: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا كانَ مِن أسْبابِ تَرْبِيَتِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَأمّا أُخْتُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُها مَرْيَمُ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المَشْيِ، (p-٢٨٥)وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّها مَشَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، فَدَلَّتْهم عَلى الظِّئْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَجْتَزِئُ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ وبِقَلِيلِهِ، إذا كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ [ يُوسُف: ٤٥ ]، ولَمْ يَقُلْ: فَأُرْسِلَ حَتّى دَخَلَ عَلى يُوسُفَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ مَشْيِ أُخْتِهِ أنَّ أُمَّهُ قالَتْ لَها: قُصِّيهِ، فاتَّبَعَتْ مُوسى عَلى أثَرِ الماءِ، فَلَمّا التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ جَعَلَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ أيْ: يُرْضِعُهُ ويَضُمُّهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَها: ومَن هي ؟ فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ ؟ قالَتْ: لَبَنُ أخِي هارُونَ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ فَأرْسَلُوها، فَجاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾؛ أيْ: رَدَدْناكَ إلَيْها، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِكَ وبِرُؤْيَتِكَ. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يَعْنِي: القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ وكانَ مَغْمُومًا مَخافَةَ أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ بِأنْ هَرَبَ إلى مَدْيَنَ، ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: ابْتَلَيْناكَ بِغَمِّ القَتِيلِ ابْتِلاءً. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُتُونُ: وُقُوعُهُ في مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنها، أوَّلُها أنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيها الأطْفالَ، ثُمَّ إلْقاؤُهُ في البَحْرِ، ثُمَّ مَنَعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ (p-٢٨٦)الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ خائِفًا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُصُّ هَذِهِ القَصَصَ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ويَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ ثَلاثَةٍ: وهَذا مِنَ الفُتُونِ يابْنَ جُبَيْرٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ " فَتَنّاكَ ": خَلَّصْناكَ مِن تِلْكَ المِحَنِ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ فَيُخَلَّصُ مِن كُلِّ خَبَثٍ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَخَرَجْتَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ. ومَدْيَنُ: بَلَدُ شُعَيْبٍ، وكانَ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ مِن مِصْرَ، فَهَرَبَ إلَيْهِ مُوسى. وقِيلَ: مَدِينُ: اسْمُ رَجُلٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [ الأعْرافِ: ٨٦ ] . وَفِي قَدْرِ لُبْثِهِ هُناكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَشْرُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: ثَمانِي وعِشْرُونَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنهُنَّ مَهْرُ امْرَأتِهِ، وثَمانِيَ عَشْرَةَ أقامَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: جِئْتَ لِمِيقاتِ قُدْرَتِهِ لِمَجِيئِكَ قَبْلَ خَلْقِكَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن تَكْلِيمِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ واخْتَصَصْتُكَ، والِاصْطِناعُ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهو الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى إنْسانٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفَيْتُكَ لِرِسالَتِي ووَحْيِي، ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها العَصا واليَدُ، وقَدْ يُذَكَرُ الِاثْنانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ. والثّانِي: العَصا، واليَدُ، وحَلُّ العُقْدَةِ الَّتِي ما زالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَعْرِفُونَها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. (p-٢٨٧) والثّالِثُ: الآياتُ التِّسْعُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنِيا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَضْعُفا ولا تَفْتُرا، يُقالُ: ونَيَ يَنِي في الأمْرِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: وُنِيَ يُونى. وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّسالَةُ إلى فِرْعَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بِالفَرائِضِ والتَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ.

طه 20:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: طَلِبَتَكَ، وهو ( فُعْلٌ ) مَن ( سَألْتَ )؛ أيْ: أُعْطِيتَ ما سَألَتَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْكَ، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى كانَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾؛ أيْ: ألْهَمْناها ما يُلْهَمُ مِمّا كانَ سَبَبًا لِنَجاتِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ وقَذْفُ الشَّيْءِ: الرَّمْيُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أوْحَيْنا إلَيْها الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُوحى إلَيْها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ الأُمُورِ يَصْلُحُ وحْيُهُ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَبِيٍّ، وذَلِكَ أنَّها أُلْهِمَتْ. والثّانِي: أنَّ ﴿ما يُوحى﴾ أفادَ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [ النَّجْم: ٥٤ ] (p-٢٨٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ظاهِرُ هَذا الأمْرُ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، تَأْوِيلُهُ: يُلْقِيهِ [ اليَمُّ ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مَأْمُورًا بِآلَةٍ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَسَمِعَ وعَقَلَ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِالحِجارَةِ والأشْجارِ. فَأمّا السّاحِلُ: فَهو شَطُّ البَحْرِ. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَتْ أُمُّهُ تابُوتًا وجَعَلَتْ فِيهِ قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووَضَعَتْ فِيهِ مُوسى وأحْكَمَتْ بِالقارِ شُقُوقَ التّابُوتِ، ثُمَّ ألْقَتْهُ في النَّيْلِ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ في دارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ البِرْكَةِ مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ، إذا بِالتّابُوتِ، فَأمَرَ الغِلْمانَ والجَوارِي بِأخْذِهِ، فَلَمّا فَتَحُوهُ رَأوْا صَبِيًّا مَن أصْبَحِ النّاسِ وجْهًا، فَلِما رَآهُ فِرْعَوْنُ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، [ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " ألْقَيْتُ عَلَيْكَ "؛ أيْ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً مِنِّي ] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ، فَلا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْهِ مِلاحَةٌ، فَما رَآهُ أحَدٌ إلّا حَبَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ولْتُصْنَعْ ) بِسُكُونِ اللّامِ والعَيْنِ والإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ: لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ما أُرِيدُ وأُحِبُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: غُذِّيَ فَلانٌ عَلى عَيْنِي؛ أيْ: عَلى المَحَبَّةِ مِنِّي. وقالَ غَيْرُهُ: لِتُرَبّى وتُغَذّى بِمَرْأًى مِنِّي، يُقالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جارِيَتَهُ: إذا رَبّاها، وصَنَعَ فَرَسَهُ: إذا داوَمَ عَلى عَلْفِهِ ومُراعاتِهِ، والمَعْنى: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، قَدَّرْنا مَشْيَ أُخْتِكَ وقَوْلُها: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا كانَ مِن أسْبابِ تَرْبِيَتِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَأمّا أُخْتُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُها مَرْيَمُ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المَشْيِ، (p-٢٨٥)وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّها مَشَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، فَدَلَّتْهم عَلى الظِّئْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَجْتَزِئُ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ وبِقَلِيلِهِ، إذا كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ [ يُوسُف: ٤٥ ]، ولَمْ يَقُلْ: فَأُرْسِلَ حَتّى دَخَلَ عَلى يُوسُفَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ مَشْيِ أُخْتِهِ أنَّ أُمَّهُ قالَتْ لَها: قُصِّيهِ، فاتَّبَعَتْ مُوسى عَلى أثَرِ الماءِ، فَلَمّا التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ جَعَلَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ أيْ: يُرْضِعُهُ ويَضُمُّهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَها: ومَن هي ؟ فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ ؟ قالَتْ: لَبَنُ أخِي هارُونَ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ فَأرْسَلُوها، فَجاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾؛ أيْ: رَدَدْناكَ إلَيْها، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِكَ وبِرُؤْيَتِكَ. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يَعْنِي: القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ وكانَ مَغْمُومًا مَخافَةَ أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ بِأنْ هَرَبَ إلى مَدْيَنَ، ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: ابْتَلَيْناكَ بِغَمِّ القَتِيلِ ابْتِلاءً. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُتُونُ: وُقُوعُهُ في مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنها، أوَّلُها أنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيها الأطْفالَ، ثُمَّ إلْقاؤُهُ في البَحْرِ، ثُمَّ مَنَعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ (p-٢٨٦)الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ خائِفًا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُصُّ هَذِهِ القَصَصَ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ويَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ ثَلاثَةٍ: وهَذا مِنَ الفُتُونِ يابْنَ جُبَيْرٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ " فَتَنّاكَ ": خَلَّصْناكَ مِن تِلْكَ المِحَنِ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ فَيُخَلَّصُ مِن كُلِّ خَبَثٍ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَخَرَجْتَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ. ومَدْيَنُ: بَلَدُ شُعَيْبٍ، وكانَ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ مِن مِصْرَ، فَهَرَبَ إلَيْهِ مُوسى. وقِيلَ: مَدِينُ: اسْمُ رَجُلٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [ الأعْرافِ: ٨٦ ] . وَفِي قَدْرِ لُبْثِهِ هُناكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَشْرُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: ثَمانِي وعِشْرُونَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنهُنَّ مَهْرُ امْرَأتِهِ، وثَمانِيَ عَشْرَةَ أقامَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: جِئْتَ لِمِيقاتِ قُدْرَتِهِ لِمَجِيئِكَ قَبْلَ خَلْقِكَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن تَكْلِيمِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ واخْتَصَصْتُكَ، والِاصْطِناعُ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهو الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى إنْسانٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفَيْتُكَ لِرِسالَتِي ووَحْيِي، ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها العَصا واليَدُ، وقَدْ يُذَكَرُ الِاثْنانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ. والثّانِي: العَصا، واليَدُ، وحَلُّ العُقْدَةِ الَّتِي ما زالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَعْرِفُونَها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. (p-٢٨٧) والثّالِثُ: الآياتُ التِّسْعُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنِيا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَضْعُفا ولا تَفْتُرا، يُقالُ: ونَيَ يَنِي في الأمْرِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: وُنِيَ يُونى. وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّسالَةُ إلى فِرْعَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بِالفَرائِضِ والتَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ.

طه 20:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: طَلِبَتَكَ، وهو ( فُعْلٌ ) مَن ( سَألْتَ )؛ أيْ: أُعْطِيتَ ما سَألَتَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْكَ، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى كانَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾؛ أيْ: ألْهَمْناها ما يُلْهَمُ مِمّا كانَ سَبَبًا لِنَجاتِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ وقَذْفُ الشَّيْءِ: الرَّمْيُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أوْحَيْنا إلَيْها الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُوحى إلَيْها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ الأُمُورِ يَصْلُحُ وحْيُهُ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَبِيٍّ، وذَلِكَ أنَّها أُلْهِمَتْ. والثّانِي: أنَّ ﴿ما يُوحى﴾ أفادَ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [ النَّجْم: ٥٤ ] (p-٢٨٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ظاهِرُ هَذا الأمْرُ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، تَأْوِيلُهُ: يُلْقِيهِ [ اليَمُّ ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مَأْمُورًا بِآلَةٍ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَسَمِعَ وعَقَلَ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِالحِجارَةِ والأشْجارِ. فَأمّا السّاحِلُ: فَهو شَطُّ البَحْرِ. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَتْ أُمُّهُ تابُوتًا وجَعَلَتْ فِيهِ قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووَضَعَتْ فِيهِ مُوسى وأحْكَمَتْ بِالقارِ شُقُوقَ التّابُوتِ، ثُمَّ ألْقَتْهُ في النَّيْلِ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ في دارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ البِرْكَةِ مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ، إذا بِالتّابُوتِ، فَأمَرَ الغِلْمانَ والجَوارِي بِأخْذِهِ، فَلَمّا فَتَحُوهُ رَأوْا صَبِيًّا مَن أصْبَحِ النّاسِ وجْهًا، فَلِما رَآهُ فِرْعَوْنُ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، [ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " ألْقَيْتُ عَلَيْكَ "؛ أيْ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً مِنِّي ] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ، فَلا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْهِ مِلاحَةٌ، فَما رَآهُ أحَدٌ إلّا حَبَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ولْتُصْنَعْ ) بِسُكُونِ اللّامِ والعَيْنِ والإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ: لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ما أُرِيدُ وأُحِبُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: غُذِّيَ فَلانٌ عَلى عَيْنِي؛ أيْ: عَلى المَحَبَّةِ مِنِّي. وقالَ غَيْرُهُ: لِتُرَبّى وتُغَذّى بِمَرْأًى مِنِّي، يُقالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جارِيَتَهُ: إذا رَبّاها، وصَنَعَ فَرَسَهُ: إذا داوَمَ عَلى عَلْفِهِ ومُراعاتِهِ، والمَعْنى: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، قَدَّرْنا مَشْيَ أُخْتِكَ وقَوْلُها: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا كانَ مِن أسْبابِ تَرْبِيَتِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَأمّا أُخْتُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُها مَرْيَمُ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المَشْيِ، (p-٢٨٥)وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّها مَشَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، فَدَلَّتْهم عَلى الظِّئْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَجْتَزِئُ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ وبِقَلِيلِهِ، إذا كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ [ يُوسُف: ٤٥ ]، ولَمْ يَقُلْ: فَأُرْسِلَ حَتّى دَخَلَ عَلى يُوسُفَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ مَشْيِ أُخْتِهِ أنَّ أُمَّهُ قالَتْ لَها: قُصِّيهِ، فاتَّبَعَتْ مُوسى عَلى أثَرِ الماءِ، فَلَمّا التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ جَعَلَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ أيْ: يُرْضِعُهُ ويَضُمُّهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَها: ومَن هي ؟ فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ ؟ قالَتْ: لَبَنُ أخِي هارُونَ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ فَأرْسَلُوها، فَجاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾؛ أيْ: رَدَدْناكَ إلَيْها، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِكَ وبِرُؤْيَتِكَ. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يَعْنِي: القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ وكانَ مَغْمُومًا مَخافَةَ أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ بِأنْ هَرَبَ إلى مَدْيَنَ، ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: ابْتَلَيْناكَ بِغَمِّ القَتِيلِ ابْتِلاءً. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُتُونُ: وُقُوعُهُ في مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنها، أوَّلُها أنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيها الأطْفالَ، ثُمَّ إلْقاؤُهُ في البَحْرِ، ثُمَّ مَنَعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ (p-٢٨٦)الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ خائِفًا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُصُّ هَذِهِ القَصَصَ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ويَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ ثَلاثَةٍ: وهَذا مِنَ الفُتُونِ يابْنَ جُبَيْرٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ " فَتَنّاكَ ": خَلَّصْناكَ مِن تِلْكَ المِحَنِ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ فَيُخَلَّصُ مِن كُلِّ خَبَثٍ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَخَرَجْتَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ. ومَدْيَنُ: بَلَدُ شُعَيْبٍ، وكانَ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ مِن مِصْرَ، فَهَرَبَ إلَيْهِ مُوسى. وقِيلَ: مَدِينُ: اسْمُ رَجُلٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [ الأعْرافِ: ٨٦ ] . وَفِي قَدْرِ لُبْثِهِ هُناكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَشْرُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: ثَمانِي وعِشْرُونَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنهُنَّ مَهْرُ امْرَأتِهِ، وثَمانِيَ عَشْرَةَ أقامَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: جِئْتَ لِمِيقاتِ قُدْرَتِهِ لِمَجِيئِكَ قَبْلَ خَلْقِكَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن تَكْلِيمِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ واخْتَصَصْتُكَ، والِاصْطِناعُ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهو الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى إنْسانٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفَيْتُكَ لِرِسالَتِي ووَحْيِي، ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها العَصا واليَدُ، وقَدْ يُذَكَرُ الِاثْنانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ. والثّانِي: العَصا، واليَدُ، وحَلُّ العُقْدَةِ الَّتِي ما زالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَعْرِفُونَها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. (p-٢٨٧) والثّالِثُ: الآياتُ التِّسْعُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنِيا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَضْعُفا ولا تَفْتُرا، يُقالُ: ونَيَ يَنِي في الأمْرِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: وُنِيَ يُونى. وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّسالَةُ إلى فِرْعَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بِالفَرائِضِ والتَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ.

طه 20:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: طَلِبَتَكَ، وهو ( فُعْلٌ ) مَن ( سَألْتَ )؛ أيْ: أُعْطِيتَ ما سَألَتَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْكَ، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى كانَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾؛ أيْ: ألْهَمْناها ما يُلْهَمُ مِمّا كانَ سَبَبًا لِنَجاتِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ وقَذْفُ الشَّيْءِ: الرَّمْيُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أوْحَيْنا إلَيْها الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُوحى إلَيْها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ الأُمُورِ يَصْلُحُ وحْيُهُ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَبِيٍّ، وذَلِكَ أنَّها أُلْهِمَتْ. والثّانِي: أنَّ ﴿ما يُوحى﴾ أفادَ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [ النَّجْم: ٥٤ ] (p-٢٨٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ظاهِرُ هَذا الأمْرُ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، تَأْوِيلُهُ: يُلْقِيهِ [ اليَمُّ ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مَأْمُورًا بِآلَةٍ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَسَمِعَ وعَقَلَ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِالحِجارَةِ والأشْجارِ. فَأمّا السّاحِلُ: فَهو شَطُّ البَحْرِ. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَتْ أُمُّهُ تابُوتًا وجَعَلَتْ فِيهِ قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووَضَعَتْ فِيهِ مُوسى وأحْكَمَتْ بِالقارِ شُقُوقَ التّابُوتِ، ثُمَّ ألْقَتْهُ في النَّيْلِ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ في دارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ البِرْكَةِ مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ، إذا بِالتّابُوتِ، فَأمَرَ الغِلْمانَ والجَوارِي بِأخْذِهِ، فَلَمّا فَتَحُوهُ رَأوْا صَبِيًّا مَن أصْبَحِ النّاسِ وجْهًا، فَلِما رَآهُ فِرْعَوْنُ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، [ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " ألْقَيْتُ عَلَيْكَ "؛ أيْ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً مِنِّي ] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ، فَلا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْهِ مِلاحَةٌ، فَما رَآهُ أحَدٌ إلّا حَبَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ولْتُصْنَعْ ) بِسُكُونِ اللّامِ والعَيْنِ والإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ: لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ما أُرِيدُ وأُحِبُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: غُذِّيَ فَلانٌ عَلى عَيْنِي؛ أيْ: عَلى المَحَبَّةِ مِنِّي. وقالَ غَيْرُهُ: لِتُرَبّى وتُغَذّى بِمَرْأًى مِنِّي، يُقالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جارِيَتَهُ: إذا رَبّاها، وصَنَعَ فَرَسَهُ: إذا داوَمَ عَلى عَلْفِهِ ومُراعاتِهِ، والمَعْنى: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، قَدَّرْنا مَشْيَ أُخْتِكَ وقَوْلُها: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا كانَ مِن أسْبابِ تَرْبِيَتِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَأمّا أُخْتُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُها مَرْيَمُ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المَشْيِ، (p-٢٨٥)وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّها مَشَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، فَدَلَّتْهم عَلى الظِّئْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَجْتَزِئُ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ وبِقَلِيلِهِ، إذا كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ [ يُوسُف: ٤٥ ]، ولَمْ يَقُلْ: فَأُرْسِلَ حَتّى دَخَلَ عَلى يُوسُفَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ مَشْيِ أُخْتِهِ أنَّ أُمَّهُ قالَتْ لَها: قُصِّيهِ، فاتَّبَعَتْ مُوسى عَلى أثَرِ الماءِ، فَلَمّا التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ جَعَلَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ أيْ: يُرْضِعُهُ ويَضُمُّهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَها: ومَن هي ؟ فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ ؟ قالَتْ: لَبَنُ أخِي هارُونَ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ فَأرْسَلُوها، فَجاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾؛ أيْ: رَدَدْناكَ إلَيْها، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِكَ وبِرُؤْيَتِكَ. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يَعْنِي: القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ وكانَ مَغْمُومًا مَخافَةَ أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ بِأنْ هَرَبَ إلى مَدْيَنَ، ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: ابْتَلَيْناكَ بِغَمِّ القَتِيلِ ابْتِلاءً. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُتُونُ: وُقُوعُهُ في مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنها، أوَّلُها أنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيها الأطْفالَ، ثُمَّ إلْقاؤُهُ في البَحْرِ، ثُمَّ مَنَعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ (p-٢٨٦)الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ خائِفًا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُصُّ هَذِهِ القَصَصَ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ويَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ ثَلاثَةٍ: وهَذا مِنَ الفُتُونِ يابْنَ جُبَيْرٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ " فَتَنّاكَ ": خَلَّصْناكَ مِن تِلْكَ المِحَنِ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ فَيُخَلَّصُ مِن كُلِّ خَبَثٍ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَخَرَجْتَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ. ومَدْيَنُ: بَلَدُ شُعَيْبٍ، وكانَ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ مِن مِصْرَ، فَهَرَبَ إلَيْهِ مُوسى. وقِيلَ: مَدِينُ: اسْمُ رَجُلٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [ الأعْرافِ: ٨٦ ] . وَفِي قَدْرِ لُبْثِهِ هُناكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَشْرُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: ثَمانِي وعِشْرُونَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنهُنَّ مَهْرُ امْرَأتِهِ، وثَمانِيَ عَشْرَةَ أقامَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: جِئْتَ لِمِيقاتِ قُدْرَتِهِ لِمَجِيئِكَ قَبْلَ خَلْقِكَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن تَكْلِيمِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ واخْتَصَصْتُكَ، والِاصْطِناعُ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهو الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى إنْسانٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفَيْتُكَ لِرِسالَتِي ووَحْيِي، ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها العَصا واليَدُ، وقَدْ يُذَكَرُ الِاثْنانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ. والثّانِي: العَصا، واليَدُ، وحَلُّ العُقْدَةِ الَّتِي ما زالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَعْرِفُونَها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. (p-٢٨٧) والثّالِثُ: الآياتُ التِّسْعُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنِيا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَضْعُفا ولا تَفْتُرا، يُقالُ: ونَيَ يَنِي في الأمْرِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: وُنِيَ يُونى. وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّسالَةُ إلى فِرْعَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بِالفَرائِضِ والتَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ.

طه 20:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ فائِدَةُ تَكْرارِ الأمْرِ بِالذَّهابِ التَّوْكِيدُ. وقَدْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [ طَه: ٢٤ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( لَيْنًا ) بِإسْكانِ الياءِ؛ أيْ: لَطِيفًا رَفِيقًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُولا لَهُ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [ النّازِعات: ١٨، ١٩ ]، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. (p-٢٨٨) والثّالِثُ: كَنَّياهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. فَأمّا اسْمُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٤٩ )، وفي كُنْيَتِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أبُو مُرَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أبُو مُصْعَبٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: أبُو العَبّاسِ. والرّابِعُ: أبُو الوَلِيدِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ. والقَوْلُ الرّابِعُ: قُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ اللَّيِّنَ: أنَّ مُوسى أتاهُ فَقالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِما جِئْتُ بِهِ وتَعْبُدُ رَبَّ العالَمِينَ عَلى أنَّ لَكَ شَبابَكَ فَلا تَهْرَمُ، وتَكُونُ مَلِكًا لا يُنْزَعُ مِنكَ حَتّى تَمُوتَ، فَإذا مُتَّ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ؛ فَلَمّا جاءَ هامانُ أخْبَرَهُ بِما قالَ مُوسى، فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أرى أنَّ لَكَ رَأْيًا، أنْتَ رَبٌّ أرَدْتَ أنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا ؟ فَقَلَبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وحُكِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إلَهِي هَذا رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنا إلَهٌ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنْتَ إلَهٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " لَعَلَّ " في اللُّغَةِ: تَرَجٍّ وطَمَعٌ، تَقُولُ: لَعَلِّي أصِيرُ إلى خَيْرٍ، فَخاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ. والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما. والعِلْمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن وراءِ ما يَكُونُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والبُرْهانِ، وإنَّما تُبْعَثُ الرُّسُلُ وهي لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَدْرِي أيُقْبِلُ مِنها أمْ لا، وهم يَرْجُونَ ويَطْمَعُونَ أنْ يُقْبَلَ مِنهم، ومَعْنى " لَعَلَّ " مُتَصَوِّرٌ في أنْفُسِهِمْ، وعَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَذْهَبُ الفَرّاءِ في هَذا: كَيْ يَتَذَكَّرَ. ورَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، قالَ: واللَّهِ ما كانَ فِرْعَوْنُ لِيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى (p-٢٨٩)يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّهُ تَذَكَّرَ وخَشِيَ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ. وقالَ كَعْبٌ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ، إنَّهُ لِمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقْسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ هارُونُ يَوْمَئِذٍ غائِبًا بِمِصْرَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى، فَتَلَقّاهُ عَلى مَرْحَلَةٍ، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آتِيَ فِرْعَوْنَ، فَسَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَكَ مَعِي؛ فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا حِينَ التَقَيا قالا: رَبَّنا إنَّنا نَخافُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ مُوسى وحْدَهُ، وأخَبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّثْنِيَةِ لَمّا ضَمَّ إلَيْهِ هارُونَ، فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ التَّثْنِيَةَ عَلى الواحِدِ، فَتَقُولُ: يا زَيْدُ قُوما، يا حَرَسِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو العالِيَةِ: ( أنْ يُفْرِطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( أنْ يَفْرَطَ ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( أنْ يُفْرَطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يُبادِرَ بِعُقُوبَتِنا، يُقالُ: قَدْ فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ؛ أيْ: قَدْ بَدَرَ، وقَدْ أفْرَطَ في الشَّيْءِ: إذا اشْتَطَّ فِيهِ، وفَرَّطَ في الشَّيْءِ: إذا قَصَرَ، ومَعْناهُ كُلُّهُ: التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الفَرْطَ في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» " (p-٢٩٠) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْتَعْصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يُجاوِزُ الحَدَّ في الإساءَةِ إلَيْنا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ كَلامَكَ وأمْرَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ، ﴿أسْمَعُ﴾ أقْوالَكم، ﴿وَأرى﴾ أفْعالَكم. قالَ الكَلْبِيُّ: أسْمَعُ جَوابَهُ لَكُما، وأرى ما يُفْعَلُ بِكُما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: خَلِّ عَنْهم، ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ وكانَ يَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي العَصا. قالَ مُقاتِلٌ: أظْهَرَ اليَدَ في مَقامٍ والعَصا في مَقامٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ التَّحِيَّةَ، وإنَّما مَعْناهُ: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَلامٍ، أنَّهُ لَيْسَ بِابْتِداءِ لِقاءٍ وخِطابٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن كَذَّبَ﴾؛ أيْ: بِما جِئْنا بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ.

طه 20:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ فائِدَةُ تَكْرارِ الأمْرِ بِالذَّهابِ التَّوْكِيدُ. وقَدْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [ طَه: ٢٤ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( لَيْنًا ) بِإسْكانِ الياءِ؛ أيْ: لَطِيفًا رَفِيقًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُولا لَهُ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [ النّازِعات: ١٨، ١٩ ]، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. (p-٢٨٨) والثّالِثُ: كَنَّياهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. فَأمّا اسْمُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٤٩ )، وفي كُنْيَتِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أبُو مُرَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أبُو مُصْعَبٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: أبُو العَبّاسِ. والرّابِعُ: أبُو الوَلِيدِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ. والقَوْلُ الرّابِعُ: قُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ اللَّيِّنَ: أنَّ مُوسى أتاهُ فَقالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِما جِئْتُ بِهِ وتَعْبُدُ رَبَّ العالَمِينَ عَلى أنَّ لَكَ شَبابَكَ فَلا تَهْرَمُ، وتَكُونُ مَلِكًا لا يُنْزَعُ مِنكَ حَتّى تَمُوتَ، فَإذا مُتَّ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ؛ فَلَمّا جاءَ هامانُ أخْبَرَهُ بِما قالَ مُوسى، فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أرى أنَّ لَكَ رَأْيًا، أنْتَ رَبٌّ أرَدْتَ أنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا ؟ فَقَلَبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وحُكِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إلَهِي هَذا رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنا إلَهٌ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنْتَ إلَهٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " لَعَلَّ " في اللُّغَةِ: تَرَجٍّ وطَمَعٌ، تَقُولُ: لَعَلِّي أصِيرُ إلى خَيْرٍ، فَخاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ. والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما. والعِلْمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن وراءِ ما يَكُونُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والبُرْهانِ، وإنَّما تُبْعَثُ الرُّسُلُ وهي لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَدْرِي أيُقْبِلُ مِنها أمْ لا، وهم يَرْجُونَ ويَطْمَعُونَ أنْ يُقْبَلَ مِنهم، ومَعْنى " لَعَلَّ " مُتَصَوِّرٌ في أنْفُسِهِمْ، وعَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَذْهَبُ الفَرّاءِ في هَذا: كَيْ يَتَذَكَّرَ. ورَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، قالَ: واللَّهِ ما كانَ فِرْعَوْنُ لِيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى (p-٢٨٩)يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّهُ تَذَكَّرَ وخَشِيَ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ. وقالَ كَعْبٌ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ، إنَّهُ لِمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقْسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ هارُونُ يَوْمَئِذٍ غائِبًا بِمِصْرَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى، فَتَلَقّاهُ عَلى مَرْحَلَةٍ، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آتِيَ فِرْعَوْنَ، فَسَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَكَ مَعِي؛ فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا حِينَ التَقَيا قالا: رَبَّنا إنَّنا نَخافُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ مُوسى وحْدَهُ، وأخَبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّثْنِيَةِ لَمّا ضَمَّ إلَيْهِ هارُونَ، فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ التَّثْنِيَةَ عَلى الواحِدِ، فَتَقُولُ: يا زَيْدُ قُوما، يا حَرَسِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو العالِيَةِ: ( أنْ يُفْرِطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( أنْ يَفْرَطَ ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( أنْ يُفْرَطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يُبادِرَ بِعُقُوبَتِنا، يُقالُ: قَدْ فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ؛ أيْ: قَدْ بَدَرَ، وقَدْ أفْرَطَ في الشَّيْءِ: إذا اشْتَطَّ فِيهِ، وفَرَّطَ في الشَّيْءِ: إذا قَصَرَ، ومَعْناهُ كُلُّهُ: التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الفَرْطَ في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» " (p-٢٩٠) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْتَعْصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يُجاوِزُ الحَدَّ في الإساءَةِ إلَيْنا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ كَلامَكَ وأمْرَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ، ﴿أسْمَعُ﴾ أقْوالَكم، ﴿وَأرى﴾ أفْعالَكم. قالَ الكَلْبِيُّ: أسْمَعُ جَوابَهُ لَكُما، وأرى ما يُفْعَلُ بِكُما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: خَلِّ عَنْهم، ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ وكانَ يَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي العَصا. قالَ مُقاتِلٌ: أظْهَرَ اليَدَ في مَقامٍ والعَصا في مَقامٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ التَّحِيَّةَ، وإنَّما مَعْناهُ: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَلامٍ، أنَّهُ لَيْسَ بِابْتِداءِ لِقاءٍ وخِطابٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن كَذَّبَ﴾؛ أيْ: بِما جِئْنا بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ.

طه 20:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ فائِدَةُ تَكْرارِ الأمْرِ بِالذَّهابِ التَّوْكِيدُ. وقَدْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [ طَه: ٢٤ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( لَيْنًا ) بِإسْكانِ الياءِ؛ أيْ: لَطِيفًا رَفِيقًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُولا لَهُ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [ النّازِعات: ١٨، ١٩ ]، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. (p-٢٨٨) والثّالِثُ: كَنَّياهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. فَأمّا اسْمُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٤٩ )، وفي كُنْيَتِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أبُو مُرَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أبُو مُصْعَبٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: أبُو العَبّاسِ. والرّابِعُ: أبُو الوَلِيدِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ. والقَوْلُ الرّابِعُ: قُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ اللَّيِّنَ: أنَّ مُوسى أتاهُ فَقالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِما جِئْتُ بِهِ وتَعْبُدُ رَبَّ العالَمِينَ عَلى أنَّ لَكَ شَبابَكَ فَلا تَهْرَمُ، وتَكُونُ مَلِكًا لا يُنْزَعُ مِنكَ حَتّى تَمُوتَ، فَإذا مُتَّ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ؛ فَلَمّا جاءَ هامانُ أخْبَرَهُ بِما قالَ مُوسى، فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أرى أنَّ لَكَ رَأْيًا، أنْتَ رَبٌّ أرَدْتَ أنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا ؟ فَقَلَبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وحُكِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إلَهِي هَذا رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنا إلَهٌ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنْتَ إلَهٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " لَعَلَّ " في اللُّغَةِ: تَرَجٍّ وطَمَعٌ، تَقُولُ: لَعَلِّي أصِيرُ إلى خَيْرٍ، فَخاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ. والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما. والعِلْمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن وراءِ ما يَكُونُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والبُرْهانِ، وإنَّما تُبْعَثُ الرُّسُلُ وهي لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَدْرِي أيُقْبِلُ مِنها أمْ لا، وهم يَرْجُونَ ويَطْمَعُونَ أنْ يُقْبَلَ مِنهم، ومَعْنى " لَعَلَّ " مُتَصَوِّرٌ في أنْفُسِهِمْ، وعَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَذْهَبُ الفَرّاءِ في هَذا: كَيْ يَتَذَكَّرَ. ورَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، قالَ: واللَّهِ ما كانَ فِرْعَوْنُ لِيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى (p-٢٨٩)يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّهُ تَذَكَّرَ وخَشِيَ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ. وقالَ كَعْبٌ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ، إنَّهُ لِمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقْسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ هارُونُ يَوْمَئِذٍ غائِبًا بِمِصْرَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى، فَتَلَقّاهُ عَلى مَرْحَلَةٍ، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آتِيَ فِرْعَوْنَ، فَسَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَكَ مَعِي؛ فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا حِينَ التَقَيا قالا: رَبَّنا إنَّنا نَخافُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ مُوسى وحْدَهُ، وأخَبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّثْنِيَةِ لَمّا ضَمَّ إلَيْهِ هارُونَ، فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ التَّثْنِيَةَ عَلى الواحِدِ، فَتَقُولُ: يا زَيْدُ قُوما، يا حَرَسِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو العالِيَةِ: ( أنْ يُفْرِطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( أنْ يَفْرَطَ ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( أنْ يُفْرَطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يُبادِرَ بِعُقُوبَتِنا، يُقالُ: قَدْ فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ؛ أيْ: قَدْ بَدَرَ، وقَدْ أفْرَطَ في الشَّيْءِ: إذا اشْتَطَّ فِيهِ، وفَرَّطَ في الشَّيْءِ: إذا قَصَرَ، ومَعْناهُ كُلُّهُ: التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الفَرْطَ في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» " (p-٢٩٠) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْتَعْصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يُجاوِزُ الحَدَّ في الإساءَةِ إلَيْنا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ كَلامَكَ وأمْرَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ، ﴿أسْمَعُ﴾ أقْوالَكم، ﴿وَأرى﴾ أفْعالَكم. قالَ الكَلْبِيُّ: أسْمَعُ جَوابَهُ لَكُما، وأرى ما يُفْعَلُ بِكُما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: خَلِّ عَنْهم، ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ وكانَ يَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي العَصا. قالَ مُقاتِلٌ: أظْهَرَ اليَدَ في مَقامٍ والعَصا في مَقامٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ التَّحِيَّةَ، وإنَّما مَعْناهُ: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَلامٍ، أنَّهُ لَيْسَ بِابْتِداءِ لِقاءٍ وخِطابٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن كَذَّبَ﴾؛ أيْ: بِما جِئْنا بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ.

طه 20:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ فائِدَةُ تَكْرارِ الأمْرِ بِالذَّهابِ التَّوْكِيدُ. وقَدْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [ طَه: ٢٤ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( لَيْنًا ) بِإسْكانِ الياءِ؛ أيْ: لَطِيفًا رَفِيقًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُولا لَهُ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [ النّازِعات: ١٨، ١٩ ]، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. (p-٢٨٨) والثّالِثُ: كَنَّياهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. فَأمّا اسْمُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٤٩ )، وفي كُنْيَتِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أبُو مُرَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أبُو مُصْعَبٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: أبُو العَبّاسِ. والرّابِعُ: أبُو الوَلِيدِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ. والقَوْلُ الرّابِعُ: قُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ اللَّيِّنَ: أنَّ مُوسى أتاهُ فَقالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِما جِئْتُ بِهِ وتَعْبُدُ رَبَّ العالَمِينَ عَلى أنَّ لَكَ شَبابَكَ فَلا تَهْرَمُ، وتَكُونُ مَلِكًا لا يُنْزَعُ مِنكَ حَتّى تَمُوتَ، فَإذا مُتَّ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ؛ فَلَمّا جاءَ هامانُ أخْبَرَهُ بِما قالَ مُوسى، فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أرى أنَّ لَكَ رَأْيًا، أنْتَ رَبٌّ أرَدْتَ أنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا ؟ فَقَلَبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وحُكِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إلَهِي هَذا رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنا إلَهٌ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنْتَ إلَهٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " لَعَلَّ " في اللُّغَةِ: تَرَجٍّ وطَمَعٌ، تَقُولُ: لَعَلِّي أصِيرُ إلى خَيْرٍ، فَخاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ. والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما. والعِلْمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن وراءِ ما يَكُونُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والبُرْهانِ، وإنَّما تُبْعَثُ الرُّسُلُ وهي لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَدْرِي أيُقْبِلُ مِنها أمْ لا، وهم يَرْجُونَ ويَطْمَعُونَ أنْ يُقْبَلَ مِنهم، ومَعْنى " لَعَلَّ " مُتَصَوِّرٌ في أنْفُسِهِمْ، وعَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَذْهَبُ الفَرّاءِ في هَذا: كَيْ يَتَذَكَّرَ. ورَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، قالَ: واللَّهِ ما كانَ فِرْعَوْنُ لِيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى (p-٢٨٩)يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّهُ تَذَكَّرَ وخَشِيَ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ. وقالَ كَعْبٌ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ، إنَّهُ لِمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقْسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ هارُونُ يَوْمَئِذٍ غائِبًا بِمِصْرَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى، فَتَلَقّاهُ عَلى مَرْحَلَةٍ، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آتِيَ فِرْعَوْنَ، فَسَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَكَ مَعِي؛ فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا حِينَ التَقَيا قالا: رَبَّنا إنَّنا نَخافُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ مُوسى وحْدَهُ، وأخَبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّثْنِيَةِ لَمّا ضَمَّ إلَيْهِ هارُونَ، فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ التَّثْنِيَةَ عَلى الواحِدِ، فَتَقُولُ: يا زَيْدُ قُوما، يا حَرَسِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو العالِيَةِ: ( أنْ يُفْرِطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( أنْ يَفْرَطَ ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( أنْ يُفْرَطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يُبادِرَ بِعُقُوبَتِنا، يُقالُ: قَدْ فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ؛ أيْ: قَدْ بَدَرَ، وقَدْ أفْرَطَ في الشَّيْءِ: إذا اشْتَطَّ فِيهِ، وفَرَّطَ في الشَّيْءِ: إذا قَصَرَ، ومَعْناهُ كُلُّهُ: التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الفَرْطَ في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» " (p-٢٩٠) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْتَعْصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يُجاوِزُ الحَدَّ في الإساءَةِ إلَيْنا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ كَلامَكَ وأمْرَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ، ﴿أسْمَعُ﴾ أقْوالَكم، ﴿وَأرى﴾ أفْعالَكم. قالَ الكَلْبِيُّ: أسْمَعُ جَوابَهُ لَكُما، وأرى ما يُفْعَلُ بِكُما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: خَلِّ عَنْهم، ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ وكانَ يَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي العَصا. قالَ مُقاتِلٌ: أظْهَرَ اليَدَ في مَقامٍ والعَصا في مَقامٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ التَّحِيَّةَ، وإنَّما مَعْناهُ: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَلامٍ، أنَّهُ لَيْسَ بِابْتِداءِ لِقاءٍ وخِطابٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن كَذَّبَ﴾؛ أيْ: بِما جِئْنا بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ.

طه 20:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ فائِدَةُ تَكْرارِ الأمْرِ بِالذَّهابِ التَّوْكِيدُ. وقَدْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [ طَه: ٢٤ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( لَيْنًا ) بِإسْكانِ الياءِ؛ أيْ: لَطِيفًا رَفِيقًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُولا لَهُ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [ النّازِعات: ١٨، ١٩ ]، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. (p-٢٨٨) والثّالِثُ: كَنَّياهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. فَأمّا اسْمُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٤٩ )، وفي كُنْيَتِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أبُو مُرَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أبُو مُصْعَبٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: أبُو العَبّاسِ. والرّابِعُ: أبُو الوَلِيدِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ. والقَوْلُ الرّابِعُ: قُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ اللَّيِّنَ: أنَّ مُوسى أتاهُ فَقالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِما جِئْتُ بِهِ وتَعْبُدُ رَبَّ العالَمِينَ عَلى أنَّ لَكَ شَبابَكَ فَلا تَهْرَمُ، وتَكُونُ مَلِكًا لا يُنْزَعُ مِنكَ حَتّى تَمُوتَ، فَإذا مُتَّ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ؛ فَلَمّا جاءَ هامانُ أخْبَرَهُ بِما قالَ مُوسى، فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أرى أنَّ لَكَ رَأْيًا، أنْتَ رَبٌّ أرَدْتَ أنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا ؟ فَقَلَبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وحُكِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إلَهِي هَذا رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنا إلَهٌ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنْتَ إلَهٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " لَعَلَّ " في اللُّغَةِ: تَرَجٍّ وطَمَعٌ، تَقُولُ: لَعَلِّي أصِيرُ إلى خَيْرٍ، فَخاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ. والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما. والعِلْمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن وراءِ ما يَكُونُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والبُرْهانِ، وإنَّما تُبْعَثُ الرُّسُلُ وهي لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَدْرِي أيُقْبِلُ مِنها أمْ لا، وهم يَرْجُونَ ويَطْمَعُونَ أنْ يُقْبَلَ مِنهم، ومَعْنى " لَعَلَّ " مُتَصَوِّرٌ في أنْفُسِهِمْ، وعَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَذْهَبُ الفَرّاءِ في هَذا: كَيْ يَتَذَكَّرَ. ورَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، قالَ: واللَّهِ ما كانَ فِرْعَوْنُ لِيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى (p-٢٨٩)يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّهُ تَذَكَّرَ وخَشِيَ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ. وقالَ كَعْبٌ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ، إنَّهُ لِمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقْسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ هارُونُ يَوْمَئِذٍ غائِبًا بِمِصْرَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى، فَتَلَقّاهُ عَلى مَرْحَلَةٍ، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آتِيَ فِرْعَوْنَ، فَسَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَكَ مَعِي؛ فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا حِينَ التَقَيا قالا: رَبَّنا إنَّنا نَخافُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ مُوسى وحْدَهُ، وأخَبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّثْنِيَةِ لَمّا ضَمَّ إلَيْهِ هارُونَ، فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ التَّثْنِيَةَ عَلى الواحِدِ، فَتَقُولُ: يا زَيْدُ قُوما، يا حَرَسِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو العالِيَةِ: ( أنْ يُفْرِطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( أنْ يَفْرَطَ ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( أنْ يُفْرَطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يُبادِرَ بِعُقُوبَتِنا، يُقالُ: قَدْ فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ؛ أيْ: قَدْ بَدَرَ، وقَدْ أفْرَطَ في الشَّيْءِ: إذا اشْتَطَّ فِيهِ، وفَرَّطَ في الشَّيْءِ: إذا قَصَرَ، ومَعْناهُ كُلُّهُ: التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الفَرْطَ في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» " (p-٢٩٠) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْتَعْصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يُجاوِزُ الحَدَّ في الإساءَةِ إلَيْنا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ كَلامَكَ وأمْرَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ، ﴿أسْمَعُ﴾ أقْوالَكم، ﴿وَأرى﴾ أفْعالَكم. قالَ الكَلْبِيُّ: أسْمَعُ جَوابَهُ لَكُما، وأرى ما يُفْعَلُ بِكُما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: خَلِّ عَنْهم، ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ وكانَ يَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي العَصا. قالَ مُقاتِلٌ: أظْهَرَ اليَدَ في مَقامٍ والعَصا في مَقامٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ التَّحِيَّةَ، وإنَّما مَعْناهُ: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَلامٍ، أنَّهُ لَيْسَ بِابْتِداءِ لِقاءٍ وخِطابٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن كَذَّبَ﴾؛ أيْ: بِما جِئْنا بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ.

طه 20:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ فائِدَةُ تَكْرارِ الأمْرِ بِالذَّهابِ التَّوْكِيدُ. وقَدْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [ طَه: ٢٤ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( لَيْنًا ) بِإسْكانِ الياءِ؛ أيْ: لَطِيفًا رَفِيقًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُولا لَهُ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [ النّازِعات: ١٨، ١٩ ]، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. (p-٢٨٨) والثّالِثُ: كَنَّياهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. فَأمّا اسْمُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٤٩ )، وفي كُنْيَتِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أبُو مُرَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أبُو مُصْعَبٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: أبُو العَبّاسِ. والرّابِعُ: أبُو الوَلِيدِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ. والقَوْلُ الرّابِعُ: قُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ اللَّيِّنَ: أنَّ مُوسى أتاهُ فَقالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِما جِئْتُ بِهِ وتَعْبُدُ رَبَّ العالَمِينَ عَلى أنَّ لَكَ شَبابَكَ فَلا تَهْرَمُ، وتَكُونُ مَلِكًا لا يُنْزَعُ مِنكَ حَتّى تَمُوتَ، فَإذا مُتَّ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ؛ فَلَمّا جاءَ هامانُ أخْبَرَهُ بِما قالَ مُوسى، فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أرى أنَّ لَكَ رَأْيًا، أنْتَ رَبٌّ أرَدْتَ أنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا ؟ فَقَلَبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وحُكِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إلَهِي هَذا رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنا إلَهٌ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنْتَ إلَهٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " لَعَلَّ " في اللُّغَةِ: تَرَجٍّ وطَمَعٌ، تَقُولُ: لَعَلِّي أصِيرُ إلى خَيْرٍ، فَخاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ. والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما. والعِلْمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن وراءِ ما يَكُونُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والبُرْهانِ، وإنَّما تُبْعَثُ الرُّسُلُ وهي لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَدْرِي أيُقْبِلُ مِنها أمْ لا، وهم يَرْجُونَ ويَطْمَعُونَ أنْ يُقْبَلَ مِنهم، ومَعْنى " لَعَلَّ " مُتَصَوِّرٌ في أنْفُسِهِمْ، وعَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَذْهَبُ الفَرّاءِ في هَذا: كَيْ يَتَذَكَّرَ. ورَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، قالَ: واللَّهِ ما كانَ فِرْعَوْنُ لِيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى (p-٢٨٩)يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّهُ تَذَكَّرَ وخَشِيَ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ. وقالَ كَعْبٌ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ، إنَّهُ لِمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقْسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ هارُونُ يَوْمَئِذٍ غائِبًا بِمِصْرَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى، فَتَلَقّاهُ عَلى مَرْحَلَةٍ، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آتِيَ فِرْعَوْنَ، فَسَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَكَ مَعِي؛ فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا حِينَ التَقَيا قالا: رَبَّنا إنَّنا نَخافُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ مُوسى وحْدَهُ، وأخَبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّثْنِيَةِ لَمّا ضَمَّ إلَيْهِ هارُونَ، فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ التَّثْنِيَةَ عَلى الواحِدِ، فَتَقُولُ: يا زَيْدُ قُوما، يا حَرَسِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو العالِيَةِ: ( أنْ يُفْرِطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( أنْ يَفْرَطَ ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( أنْ يُفْرَطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يُبادِرَ بِعُقُوبَتِنا، يُقالُ: قَدْ فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ؛ أيْ: قَدْ بَدَرَ، وقَدْ أفْرَطَ في الشَّيْءِ: إذا اشْتَطَّ فِيهِ، وفَرَّطَ في الشَّيْءِ: إذا قَصَرَ، ومَعْناهُ كُلُّهُ: التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الفَرْطَ في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» " (p-٢٩٠) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْتَعْصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يُجاوِزُ الحَدَّ في الإساءَةِ إلَيْنا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ كَلامَكَ وأمْرَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ، ﴿أسْمَعُ﴾ أقْوالَكم، ﴿وَأرى﴾ أفْعالَكم. قالَ الكَلْبِيُّ: أسْمَعُ جَوابَهُ لَكُما، وأرى ما يُفْعَلُ بِكُما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: خَلِّ عَنْهم، ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ وكانَ يَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي العَصا. قالَ مُقاتِلٌ: أظْهَرَ اليَدَ في مَقامٍ والعَصا في مَقامٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ التَّحِيَّةَ، وإنَّما مَعْناهُ: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَلامٍ، أنَّهُ لَيْسَ بِابْتِداءِ لِقاءٍ وخِطابٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن كَذَّبَ﴾؛ أيْ: بِما جِئْنا بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ.

طه 20:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ مَعْلُومٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَأدَّيا الرِّسالَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَأتَياهُ؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَمَن رَبُّكُما " يَدُلُّ عَلى أنَّهُما أتَياهُ وقالا لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، فَخَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ عَلى غَيْرِ صُورَةِ جِنْسِهِ، فَصُورَةُ ابْنِ آدَمَ لا كَصُورَةِ البَهائِمِ، وصُورَةُ البَعِيرِ لا كَصُورَةِ الفَرَسِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أعْطى كُلَّ ذَكَرٍ زَوْجَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يُشاكِلُهُ. والثّالِثُ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما يُصْلِحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَدى كَيْفَ يَأْتِي الذَّكَرُ الأُنْثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: هَدى لِلْمَنكَحِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: هَدى كُلَّ شَيْءٍ إلى مَعِيشَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ: ( أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بِفَتْحِ اللّامِ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاحْتِجاجِ عَلى فِرْعَوْنَ مِن هَذا ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُ خَلْقٍ وهِدايَةٍ، فَلا بُدَّ مِن خالِقٍ وهادٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ اخْتَلَفُوا فِيما سَألَ عَنْهُ مِن حالِ القُرُونِ الأُولى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: (p-٢٩٢) أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ؛ إذِ التَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِفِرْعَوْنَ، فَقالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ: إنِّي رَسُولٌ، وأخْبارُ الأُمَمِ عِلْمُ غَيْبٍ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ. والثّانِي: أنَّ مُرادَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عُبِدَتِ الأصْنامُ، ولِمَ لَمْ يُعْبَدِ اللَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟ والثّالِثُ: أنَّ مُرادَهُ: ما لَها لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ ولا تُجازى ؟ فَقالَ: عَلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ: عِلْمُ أعْمالِها. وقِيلَ: الهاءُ في ﴿عِلْمُها﴾ كِنايَةٌ عَنِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ، فَأجابَهُ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أرادَ: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: لا يُضَيِّعُهُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لا يُضَلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، والمَعْنى: لا يُخْطِئُ رَبِّي ولا يَنْسى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ حَتّى يُجازِيَهم بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: أرادَ: لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ في كِتابٍ؛ لِأنَّهُ يَضِلُّ ويَنْسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( مِهادًا ) . وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مَهْدًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. والمِهادُ: الفِراشُ، والمَهْدُ: الفَرْشُ. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أدْخَلَ لِأجْلِكم في الأرْضِ طُرُقًا تَسْلُكُونَها، ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ. (p-٢٩٣)وَهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنْ مُوسى. ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالماءِ، ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ أيْ: أصْنافًا مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والطُّعُومِ، كُلُّ صِنْفٍ مِنها زَوْجٌ. و" شَتّى " لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الثِّمارِ، ﴿وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ يُقالُ: رَعى الماشِيَةَ يَرْعاها: إذا سَرَّحَها في المَرْعى، ومَعْنى هَذا الأمْرِ: التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾؛ أيْ: لَعِبَرًا في اخْتِلافِ الألْوانِ والطُّعُومِ، ﴿لأُولِي النُّهى﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِذَوِي العُقُولِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ: إنَّهُ لَذُو نُهْيَةٍ: إذا كانَ ذا عَقْلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ النُّهى: نُهْيَةٌ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ؛ أيْ: ذُو عَقْلٍ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ، ويَدْخُلُ بِهِ في المَحاسِنِ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ذُو النُّهْيَةِ: الَّذِي يُنْتَهى إلى رَأْيِهِ وعَقْلِهِ، وهَذا حَسَنٌ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي: الأرْضَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إلى آدَمَ والبَشَرُ كُلُّهم مِنهُ. ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً﴾؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ البَعْثِ، يَعْنِي: كَما أخْرَجْناكم مِنها أوَّلًا عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ الأرْضِ.

طه 20:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ مَعْلُومٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَأدَّيا الرِّسالَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَأتَياهُ؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَمَن رَبُّكُما " يَدُلُّ عَلى أنَّهُما أتَياهُ وقالا لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، فَخَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ عَلى غَيْرِ صُورَةِ جِنْسِهِ، فَصُورَةُ ابْنِ آدَمَ لا كَصُورَةِ البَهائِمِ، وصُورَةُ البَعِيرِ لا كَصُورَةِ الفَرَسِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أعْطى كُلَّ ذَكَرٍ زَوْجَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يُشاكِلُهُ. والثّالِثُ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما يُصْلِحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَدى كَيْفَ يَأْتِي الذَّكَرُ الأُنْثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: هَدى لِلْمَنكَحِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: هَدى كُلَّ شَيْءٍ إلى مَعِيشَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ: ( أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بِفَتْحِ اللّامِ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاحْتِجاجِ عَلى فِرْعَوْنَ مِن هَذا ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُ خَلْقٍ وهِدايَةٍ، فَلا بُدَّ مِن خالِقٍ وهادٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ اخْتَلَفُوا فِيما سَألَ عَنْهُ مِن حالِ القُرُونِ الأُولى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: (p-٢٩٢) أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ؛ إذِ التَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِفِرْعَوْنَ، فَقالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ: إنِّي رَسُولٌ، وأخْبارُ الأُمَمِ عِلْمُ غَيْبٍ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ. والثّانِي: أنَّ مُرادَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عُبِدَتِ الأصْنامُ، ولِمَ لَمْ يُعْبَدِ اللَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟ والثّالِثُ: أنَّ مُرادَهُ: ما لَها لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ ولا تُجازى ؟ فَقالَ: عَلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ: عِلْمُ أعْمالِها. وقِيلَ: الهاءُ في ﴿عِلْمُها﴾ كِنايَةٌ عَنِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ، فَأجابَهُ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أرادَ: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: لا يُضَيِّعُهُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لا يُضَلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، والمَعْنى: لا يُخْطِئُ رَبِّي ولا يَنْسى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ حَتّى يُجازِيَهم بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: أرادَ: لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ في كِتابٍ؛ لِأنَّهُ يَضِلُّ ويَنْسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( مِهادًا ) . وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مَهْدًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. والمِهادُ: الفِراشُ، والمَهْدُ: الفَرْشُ. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أدْخَلَ لِأجْلِكم في الأرْضِ طُرُقًا تَسْلُكُونَها، ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ. (p-٢٩٣)وَهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنْ مُوسى. ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالماءِ، ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ أيْ: أصْنافًا مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والطُّعُومِ، كُلُّ صِنْفٍ مِنها زَوْجٌ. و" شَتّى " لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الثِّمارِ، ﴿وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ يُقالُ: رَعى الماشِيَةَ يَرْعاها: إذا سَرَّحَها في المَرْعى، ومَعْنى هَذا الأمْرِ: التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾؛ أيْ: لَعِبَرًا في اخْتِلافِ الألْوانِ والطُّعُومِ، ﴿لأُولِي النُّهى﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِذَوِي العُقُولِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ: إنَّهُ لَذُو نُهْيَةٍ: إذا كانَ ذا عَقْلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ النُّهى: نُهْيَةٌ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ؛ أيْ: ذُو عَقْلٍ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ، ويَدْخُلُ بِهِ في المَحاسِنِ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ذُو النُّهْيَةِ: الَّذِي يُنْتَهى إلى رَأْيِهِ وعَقْلِهِ، وهَذا حَسَنٌ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي: الأرْضَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إلى آدَمَ والبَشَرُ كُلُّهم مِنهُ. ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً﴾؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ البَعْثِ، يَعْنِي: كَما أخْرَجْناكم مِنها أوَّلًا عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ الأرْضِ.

طه 20:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ مَعْلُومٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَأدَّيا الرِّسالَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَأتَياهُ؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَمَن رَبُّكُما " يَدُلُّ عَلى أنَّهُما أتَياهُ وقالا لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، فَخَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ عَلى غَيْرِ صُورَةِ جِنْسِهِ، فَصُورَةُ ابْنِ آدَمَ لا كَصُورَةِ البَهائِمِ، وصُورَةُ البَعِيرِ لا كَصُورَةِ الفَرَسِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أعْطى كُلَّ ذَكَرٍ زَوْجَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يُشاكِلُهُ. والثّالِثُ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما يُصْلِحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَدى كَيْفَ يَأْتِي الذَّكَرُ الأُنْثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: هَدى لِلْمَنكَحِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: هَدى كُلَّ شَيْءٍ إلى مَعِيشَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ: ( أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بِفَتْحِ اللّامِ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاحْتِجاجِ عَلى فِرْعَوْنَ مِن هَذا ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُ خَلْقٍ وهِدايَةٍ، فَلا بُدَّ مِن خالِقٍ وهادٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ اخْتَلَفُوا فِيما سَألَ عَنْهُ مِن حالِ القُرُونِ الأُولى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: (p-٢٩٢) أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ؛ إذِ التَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِفِرْعَوْنَ، فَقالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ: إنِّي رَسُولٌ، وأخْبارُ الأُمَمِ عِلْمُ غَيْبٍ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ. والثّانِي: أنَّ مُرادَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عُبِدَتِ الأصْنامُ، ولِمَ لَمْ يُعْبَدِ اللَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟ والثّالِثُ: أنَّ مُرادَهُ: ما لَها لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ ولا تُجازى ؟ فَقالَ: عَلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ: عِلْمُ أعْمالِها. وقِيلَ: الهاءُ في ﴿عِلْمُها﴾ كِنايَةٌ عَنِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ، فَأجابَهُ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أرادَ: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: لا يُضَيِّعُهُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لا يُضَلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، والمَعْنى: لا يُخْطِئُ رَبِّي ولا يَنْسى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ حَتّى يُجازِيَهم بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: أرادَ: لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ في كِتابٍ؛ لِأنَّهُ يَضِلُّ ويَنْسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( مِهادًا ) . وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مَهْدًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. والمِهادُ: الفِراشُ، والمَهْدُ: الفَرْشُ. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أدْخَلَ لِأجْلِكم في الأرْضِ طُرُقًا تَسْلُكُونَها، ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ. (p-٢٩٣)وَهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنْ مُوسى. ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالماءِ، ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ أيْ: أصْنافًا مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والطُّعُومِ، كُلُّ صِنْفٍ مِنها زَوْجٌ. و" شَتّى " لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الثِّمارِ، ﴿وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ يُقالُ: رَعى الماشِيَةَ يَرْعاها: إذا سَرَّحَها في المَرْعى، ومَعْنى هَذا الأمْرِ: التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾؛ أيْ: لَعِبَرًا في اخْتِلافِ الألْوانِ والطُّعُومِ، ﴿لأُولِي النُّهى﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِذَوِي العُقُولِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ: إنَّهُ لَذُو نُهْيَةٍ: إذا كانَ ذا عَقْلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ النُّهى: نُهْيَةٌ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ؛ أيْ: ذُو عَقْلٍ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ، ويَدْخُلُ بِهِ في المَحاسِنِ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ذُو النُّهْيَةِ: الَّذِي يُنْتَهى إلى رَأْيِهِ وعَقْلِهِ، وهَذا حَسَنٌ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي: الأرْضَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إلى آدَمَ والبَشَرُ كُلُّهم مِنهُ. ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً﴾؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ البَعْثِ، يَعْنِي: كَما أخْرَجْناكم مِنها أوَّلًا عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ الأرْضِ.

طه 20:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ مَعْلُومٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَأدَّيا الرِّسالَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَأتَياهُ؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَمَن رَبُّكُما " يَدُلُّ عَلى أنَّهُما أتَياهُ وقالا لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، فَخَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ عَلى غَيْرِ صُورَةِ جِنْسِهِ، فَصُورَةُ ابْنِ آدَمَ لا كَصُورَةِ البَهائِمِ، وصُورَةُ البَعِيرِ لا كَصُورَةِ الفَرَسِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أعْطى كُلَّ ذَكَرٍ زَوْجَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يُشاكِلُهُ. والثّالِثُ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما يُصْلِحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَدى كَيْفَ يَأْتِي الذَّكَرُ الأُنْثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: هَدى لِلْمَنكَحِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: هَدى كُلَّ شَيْءٍ إلى مَعِيشَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ: ( أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بِفَتْحِ اللّامِ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاحْتِجاجِ عَلى فِرْعَوْنَ مِن هَذا ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُ خَلْقٍ وهِدايَةٍ، فَلا بُدَّ مِن خالِقٍ وهادٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ اخْتَلَفُوا فِيما سَألَ عَنْهُ مِن حالِ القُرُونِ الأُولى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: (p-٢٩٢) أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ؛ إذِ التَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِفِرْعَوْنَ، فَقالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ: إنِّي رَسُولٌ، وأخْبارُ الأُمَمِ عِلْمُ غَيْبٍ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ. والثّانِي: أنَّ مُرادَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عُبِدَتِ الأصْنامُ، ولِمَ لَمْ يُعْبَدِ اللَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟ والثّالِثُ: أنَّ مُرادَهُ: ما لَها لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ ولا تُجازى ؟ فَقالَ: عَلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ: عِلْمُ أعْمالِها. وقِيلَ: الهاءُ في ﴿عِلْمُها﴾ كِنايَةٌ عَنِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ، فَأجابَهُ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أرادَ: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: لا يُضَيِّعُهُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لا يُضَلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، والمَعْنى: لا يُخْطِئُ رَبِّي ولا يَنْسى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ حَتّى يُجازِيَهم بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: أرادَ: لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ في كِتابٍ؛ لِأنَّهُ يَضِلُّ ويَنْسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( مِهادًا ) . وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مَهْدًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. والمِهادُ: الفِراشُ، والمَهْدُ: الفَرْشُ. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أدْخَلَ لِأجْلِكم في الأرْضِ طُرُقًا تَسْلُكُونَها، ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ. (p-٢٩٣)وَهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنْ مُوسى. ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالماءِ، ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ أيْ: أصْنافًا مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والطُّعُومِ، كُلُّ صِنْفٍ مِنها زَوْجٌ. و" شَتّى " لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الثِّمارِ، ﴿وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ يُقالُ: رَعى الماشِيَةَ يَرْعاها: إذا سَرَّحَها في المَرْعى، ومَعْنى هَذا الأمْرِ: التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾؛ أيْ: لَعِبَرًا في اخْتِلافِ الألْوانِ والطُّعُومِ، ﴿لأُولِي النُّهى﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِذَوِي العُقُولِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ: إنَّهُ لَذُو نُهْيَةٍ: إذا كانَ ذا عَقْلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ النُّهى: نُهْيَةٌ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ؛ أيْ: ذُو عَقْلٍ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ، ويَدْخُلُ بِهِ في المَحاسِنِ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ذُو النُّهْيَةِ: الَّذِي يُنْتَهى إلى رَأْيِهِ وعَقْلِهِ، وهَذا حَسَنٌ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي: الأرْضَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إلى آدَمَ والبَشَرُ كُلُّهم مِنهُ. ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً﴾؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ البَعْثِ، يَعْنِي: كَما أخْرَجْناكم مِنها أوَّلًا عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ الأرْضِ.

طه 20:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ مَعْلُومٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَأدَّيا الرِّسالَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَأتَياهُ؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَمَن رَبُّكُما " يَدُلُّ عَلى أنَّهُما أتَياهُ وقالا لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، فَخَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ عَلى غَيْرِ صُورَةِ جِنْسِهِ، فَصُورَةُ ابْنِ آدَمَ لا كَصُورَةِ البَهائِمِ، وصُورَةُ البَعِيرِ لا كَصُورَةِ الفَرَسِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أعْطى كُلَّ ذَكَرٍ زَوْجَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يُشاكِلُهُ. والثّالِثُ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما يُصْلِحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَدى كَيْفَ يَأْتِي الذَّكَرُ الأُنْثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: هَدى لِلْمَنكَحِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: هَدى كُلَّ شَيْءٍ إلى مَعِيشَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ: ( أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بِفَتْحِ اللّامِ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاحْتِجاجِ عَلى فِرْعَوْنَ مِن هَذا ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُ خَلْقٍ وهِدايَةٍ، فَلا بُدَّ مِن خالِقٍ وهادٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ اخْتَلَفُوا فِيما سَألَ عَنْهُ مِن حالِ القُرُونِ الأُولى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: (p-٢٩٢) أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ؛ إذِ التَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِفِرْعَوْنَ، فَقالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ: إنِّي رَسُولٌ، وأخْبارُ الأُمَمِ عِلْمُ غَيْبٍ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ. والثّانِي: أنَّ مُرادَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عُبِدَتِ الأصْنامُ، ولِمَ لَمْ يُعْبَدِ اللَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟ والثّالِثُ: أنَّ مُرادَهُ: ما لَها لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ ولا تُجازى ؟ فَقالَ: عَلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ: عِلْمُ أعْمالِها. وقِيلَ: الهاءُ في ﴿عِلْمُها﴾ كِنايَةٌ عَنِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ، فَأجابَهُ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أرادَ: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: لا يُضَيِّعُهُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لا يُضَلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، والمَعْنى: لا يُخْطِئُ رَبِّي ولا يَنْسى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ حَتّى يُجازِيَهم بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: أرادَ: لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ في كِتابٍ؛ لِأنَّهُ يَضِلُّ ويَنْسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( مِهادًا ) . وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مَهْدًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. والمِهادُ: الفِراشُ، والمَهْدُ: الفَرْشُ. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أدْخَلَ لِأجْلِكم في الأرْضِ طُرُقًا تَسْلُكُونَها، ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ. (p-٢٩٣)وَهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنْ مُوسى. ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالماءِ، ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ أيْ: أصْنافًا مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والطُّعُومِ، كُلُّ صِنْفٍ مِنها زَوْجٌ. و" شَتّى " لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الثِّمارِ، ﴿وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ يُقالُ: رَعى الماشِيَةَ يَرْعاها: إذا سَرَّحَها في المَرْعى، ومَعْنى هَذا الأمْرِ: التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾؛ أيْ: لَعِبَرًا في اخْتِلافِ الألْوانِ والطُّعُومِ، ﴿لأُولِي النُّهى﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِذَوِي العُقُولِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ: إنَّهُ لَذُو نُهْيَةٍ: إذا كانَ ذا عَقْلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ النُّهى: نُهْيَةٌ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ؛ أيْ: ذُو عَقْلٍ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ، ويَدْخُلُ بِهِ في المَحاسِنِ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ذُو النُّهْيَةِ: الَّذِي يُنْتَهى إلى رَأْيِهِ وعَقْلِهِ، وهَذا حَسَنٌ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي: الأرْضَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إلى آدَمَ والبَشَرُ كُلُّهم مِنهُ. ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً﴾؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ البَعْثِ، يَعْنِي: كَما أخْرَجْناكم مِنها أوَّلًا عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ الأرْضِ.

طه 20:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ مَعْلُومٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَأدَّيا الرِّسالَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَأتَياهُ؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَمَن رَبُّكُما " يَدُلُّ عَلى أنَّهُما أتَياهُ وقالا لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، فَخَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ عَلى غَيْرِ صُورَةِ جِنْسِهِ، فَصُورَةُ ابْنِ آدَمَ لا كَصُورَةِ البَهائِمِ، وصُورَةُ البَعِيرِ لا كَصُورَةِ الفَرَسِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أعْطى كُلَّ ذَكَرٍ زَوْجَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يُشاكِلُهُ. والثّالِثُ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما يُصْلِحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَدى كَيْفَ يَأْتِي الذَّكَرُ الأُنْثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: هَدى لِلْمَنكَحِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: هَدى كُلَّ شَيْءٍ إلى مَعِيشَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ: ( أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بِفَتْحِ اللّامِ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاحْتِجاجِ عَلى فِرْعَوْنَ مِن هَذا ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُ خَلْقٍ وهِدايَةٍ، فَلا بُدَّ مِن خالِقٍ وهادٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ اخْتَلَفُوا فِيما سَألَ عَنْهُ مِن حالِ القُرُونِ الأُولى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: (p-٢٩٢) أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ؛ إذِ التَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِفِرْعَوْنَ، فَقالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ: إنِّي رَسُولٌ، وأخْبارُ الأُمَمِ عِلْمُ غَيْبٍ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ. والثّانِي: أنَّ مُرادَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عُبِدَتِ الأصْنامُ، ولِمَ لَمْ يُعْبَدِ اللَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟ والثّالِثُ: أنَّ مُرادَهُ: ما لَها لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ ولا تُجازى ؟ فَقالَ: عَلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ: عِلْمُ أعْمالِها. وقِيلَ: الهاءُ في ﴿عِلْمُها﴾ كِنايَةٌ عَنِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ، فَأجابَهُ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أرادَ: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: لا يُضَيِّعُهُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لا يُضَلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، والمَعْنى: لا يُخْطِئُ رَبِّي ولا يَنْسى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ حَتّى يُجازِيَهم بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: أرادَ: لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ في كِتابٍ؛ لِأنَّهُ يَضِلُّ ويَنْسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( مِهادًا ) . وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مَهْدًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. والمِهادُ: الفِراشُ، والمَهْدُ: الفَرْشُ. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أدْخَلَ لِأجْلِكم في الأرْضِ طُرُقًا تَسْلُكُونَها، ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ. (p-٢٩٣)وَهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنْ مُوسى. ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالماءِ، ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ أيْ: أصْنافًا مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والطُّعُومِ، كُلُّ صِنْفٍ مِنها زَوْجٌ. و" شَتّى " لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الثِّمارِ، ﴿وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ يُقالُ: رَعى الماشِيَةَ يَرْعاها: إذا سَرَّحَها في المَرْعى، ومَعْنى هَذا الأمْرِ: التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾؛ أيْ: لَعِبَرًا في اخْتِلافِ الألْوانِ والطُّعُومِ، ﴿لأُولِي النُّهى﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِذَوِي العُقُولِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ: إنَّهُ لَذُو نُهْيَةٍ: إذا كانَ ذا عَقْلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ النُّهى: نُهْيَةٌ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ؛ أيْ: ذُو عَقْلٍ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ، ويَدْخُلُ بِهِ في المَحاسِنِ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ذُو النُّهْيَةِ: الَّذِي يُنْتَهى إلى رَأْيِهِ وعَقْلِهِ، وهَذا حَسَنٌ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي: الأرْضَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إلى آدَمَ والبَشَرُ كُلُّهم مِنهُ. ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً﴾؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ البَعْثِ، يَعْنِي: كَما أخْرَجْناكم مِنها أوَّلًا عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ الأرْضِ.

طه 20:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ مَعْلُومٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَأدَّيا الرِّسالَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَأتَياهُ؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَمَن رَبُّكُما " يَدُلُّ عَلى أنَّهُما أتَياهُ وقالا لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، فَخَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ عَلى غَيْرِ صُورَةِ جِنْسِهِ، فَصُورَةُ ابْنِ آدَمَ لا كَصُورَةِ البَهائِمِ، وصُورَةُ البَعِيرِ لا كَصُورَةِ الفَرَسِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أعْطى كُلَّ ذَكَرٍ زَوْجَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يُشاكِلُهُ. والثّالِثُ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما يُصْلِحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَدى كَيْفَ يَأْتِي الذَّكَرُ الأُنْثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: هَدى لِلْمَنكَحِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: هَدى كُلَّ شَيْءٍ إلى مَعِيشَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ: ( أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بِفَتْحِ اللّامِ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاحْتِجاجِ عَلى فِرْعَوْنَ مِن هَذا ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُ خَلْقٍ وهِدايَةٍ، فَلا بُدَّ مِن خالِقٍ وهادٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ اخْتَلَفُوا فِيما سَألَ عَنْهُ مِن حالِ القُرُونِ الأُولى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: (p-٢٩٢) أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ؛ إذِ التَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِفِرْعَوْنَ، فَقالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ: إنِّي رَسُولٌ، وأخْبارُ الأُمَمِ عِلْمُ غَيْبٍ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ. والثّانِي: أنَّ مُرادَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عُبِدَتِ الأصْنامُ، ولِمَ لَمْ يُعْبَدِ اللَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟ والثّالِثُ: أنَّ مُرادَهُ: ما لَها لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ ولا تُجازى ؟ فَقالَ: عَلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ: عِلْمُ أعْمالِها. وقِيلَ: الهاءُ في ﴿عِلْمُها﴾ كِنايَةٌ عَنِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ، فَأجابَهُ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أرادَ: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: لا يُضَيِّعُهُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لا يُضَلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، والمَعْنى: لا يُخْطِئُ رَبِّي ولا يَنْسى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ حَتّى يُجازِيَهم بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: أرادَ: لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ في كِتابٍ؛ لِأنَّهُ يَضِلُّ ويَنْسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( مِهادًا ) . وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مَهْدًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. والمِهادُ: الفِراشُ، والمَهْدُ: الفَرْشُ. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أدْخَلَ لِأجْلِكم في الأرْضِ طُرُقًا تَسْلُكُونَها، ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ. (p-٢٩٣)وَهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنْ مُوسى. ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالماءِ، ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ أيْ: أصْنافًا مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والطُّعُومِ، كُلُّ صِنْفٍ مِنها زَوْجٌ. و" شَتّى " لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الثِّمارِ، ﴿وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ يُقالُ: رَعى الماشِيَةَ يَرْعاها: إذا سَرَّحَها في المَرْعى، ومَعْنى هَذا الأمْرِ: التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾؛ أيْ: لَعِبَرًا في اخْتِلافِ الألْوانِ والطُّعُومِ، ﴿لأُولِي النُّهى﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِذَوِي العُقُولِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ: إنَّهُ لَذُو نُهْيَةٍ: إذا كانَ ذا عَقْلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ النُّهى: نُهْيَةٌ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ؛ أيْ: ذُو عَقْلٍ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ، ويَدْخُلُ بِهِ في المَحاسِنِ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ذُو النُّهْيَةِ: الَّذِي يُنْتَهى إلى رَأْيِهِ وعَقْلِهِ، وهَذا حَسَنٌ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي: الأرْضَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إلى آدَمَ والبَشَرُ كُلُّهم مِنهُ. ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً﴾؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ البَعْثِ، يَعْنِي: كَما أخْرَجْناكم مِنها أوَّلًا عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ الأرْضِ.

طه 20:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿آياتِنا كُلَّها﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿فَكَذَّبَ﴾؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿وَأبى﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ﴾؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ. ﴿سُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ. ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ. وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ. فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ. ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ضُحًى﴾؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ. ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ثُمَّ أتى﴾؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ. ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) . (p-٢٩٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) . قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ. (p-٢٩٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ. وقِيلَ: ﴿أسَرُّوا﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا. وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . . . " الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] . وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، (p-٢٩٨)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [ الشُّعَراء: ١٨٦ ]؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ؎ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ. فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: ؎ فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، (p-٢٩٩)المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ؎ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ ؟ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ. وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ. (p-٣٠٠) والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما. قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ. فَأمّا ﴿المُثْلى﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم. قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿صَفًّا﴾؛ أيْ: صُفُوفًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا. قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ. (p-٣٠١)٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.