Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Jawzi — طه 20:57 – طه 20:126

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Jawzi

المحتويات
  1. طه 20:57
  2. طه 20:58
  3. طه 20:59
  4. طه 20:60
  5. طه 20:61
  6. طه 20:62
  7. طه 20:63
  8. طه 20:64
  9. طه 20:65
  10. طه 20:66
  11. طه 20:67
  12. طه 20:68
  13. طه 20:69
  14. طه 20:70
  15. طه 20:71
  16. طه 20:72
  17. طه 20:73
  18. طه 20:74
  19. طه 20:75
  20. طه 20:76
  21. طه 20:77
  22. طه 20:78
  23. طه 20:79
  24. طه 20:80
  25. طه 20:81
  26. طه 20:82
  27. طه 20:83
  28. طه 20:84
  29. طه 20:85
  30. طه 20:86
  31. طه 20:87
  32. طه 20:88
  33. طه 20:89
  34. طه 20:90
  35. طه 20:91
  36. طه 20:92
  37. طه 20:93
  38. طه 20:94
  39. طه 20:95
  40. طه 20:96
  41. طه 20:97
  42. طه 20:98
  43. طه 20:99
  44. طه 20:100
  45. طه 20:101
  46. طه 20:102
  47. طه 20:103
  48. طه 20:104
  49. طه 20:105
  50. طه 20:106
  51. طه 20:107
  52. طه 20:108
  53. طه 20:109
  54. طه 20:110
  55. طه 20:111
  56. طه 20:112
  57. طه 20:113
  58. طه 20:114
  59. طه 20:115
  60. طه 20:116
  61. طه 20:117
  62. طه 20:118
  63. طه 20:119
  64. طه 20:120
  65. طه 20:121
  66. طه 20:122
  67. طه 20:123
  68. طه 20:124
  69. طه 20:125
  70. طه 20:126

طه 20:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿آياتِنا كُلَّها﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿فَكَذَّبَ﴾؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿وَأبى﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ﴾؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ. ﴿سُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ. ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ. وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ. فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ. ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ضُحًى﴾؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ. ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ثُمَّ أتى﴾؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ. ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) . (p-٢٩٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) . قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ. (p-٢٩٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ. وقِيلَ: ﴿أسَرُّوا﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا. وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . . . " الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] . وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، (p-٢٩٨)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [ الشُّعَراء: ١٨٦ ]؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ؎ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ. فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: ؎ فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، (p-٢٩٩)المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ؎ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ ؟ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ. وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ. (p-٣٠٠) والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما. قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ. فَأمّا ﴿المُثْلى﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم. قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿صَفًّا﴾؛ أيْ: صُفُوفًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا. قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ. (p-٣٠١)٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

طه 20:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿آياتِنا كُلَّها﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿فَكَذَّبَ﴾؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿وَأبى﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ﴾؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ. ﴿سُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ. ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ. وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ. فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ. ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ضُحًى﴾؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ. ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ثُمَّ أتى﴾؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ. ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) . (p-٢٩٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) . قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ. (p-٢٩٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ. وقِيلَ: ﴿أسَرُّوا﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا. وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . . . " الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] . وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، (p-٢٩٨)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [ الشُّعَراء: ١٨٦ ]؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ؎ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ. فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: ؎ فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، (p-٢٩٩)المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ؎ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ ؟ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ. وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ. (p-٣٠٠) والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما. قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ. فَأمّا ﴿المُثْلى﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم. قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿صَفًّا﴾؛ أيْ: صُفُوفًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا. قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ. (p-٣٠١)٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

طه 20:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿آياتِنا كُلَّها﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿فَكَذَّبَ﴾؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿وَأبى﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ﴾؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ. ﴿سُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ. ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ. وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ. فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ. ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ضُحًى﴾؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ. ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ثُمَّ أتى﴾؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ. ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) . (p-٢٩٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) . قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ. (p-٢٩٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ. وقِيلَ: ﴿أسَرُّوا﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا. وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . . . " الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] . وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، (p-٢٩٨)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [ الشُّعَراء: ١٨٦ ]؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ؎ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ. فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: ؎ فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، (p-٢٩٩)المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ؎ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ ؟ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ. وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ. (p-٣٠٠) والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما. قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ. فَأمّا ﴿المُثْلى﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم. قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿صَفًّا﴾؛ أيْ: صُفُوفًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا. قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ. (p-٣٠١)٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

طه 20:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿آياتِنا كُلَّها﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿فَكَذَّبَ﴾؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿وَأبى﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ﴾؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ. ﴿سُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ. ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ. وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ. فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ. ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ضُحًى﴾؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ. ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ثُمَّ أتى﴾؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ. ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) . (p-٢٩٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) . قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ. (p-٢٩٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ. وقِيلَ: ﴿أسَرُّوا﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا. وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . . . " الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] . وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، (p-٢٩٨)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [ الشُّعَراء: ١٨٦ ]؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ؎ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ. فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: ؎ فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، (p-٢٩٩)المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ؎ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ ؟ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ. وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ. (p-٣٠٠) والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما. قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ. فَأمّا ﴿المُثْلى﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم. قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿صَفًّا﴾؛ أيْ: صُفُوفًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا. قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ. (p-٣٠١)٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

طه 20:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿آياتِنا كُلَّها﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿فَكَذَّبَ﴾؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿وَأبى﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ﴾؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ. ﴿سُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ. ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ. وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ. فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ. ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ضُحًى﴾؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ. ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ثُمَّ أتى﴾؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ. ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) . (p-٢٩٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) . قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ. (p-٢٩٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ. وقِيلَ: ﴿أسَرُّوا﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا. وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . . . " الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] . وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، (p-٢٩٨)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [ الشُّعَراء: ١٨٦ ]؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ؎ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ. فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: ؎ فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، (p-٢٩٩)المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ؎ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ ؟ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ. وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ. (p-٣٠٠) والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما. قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ. فَأمّا ﴿المُثْلى﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم. قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿صَفًّا﴾؛ أيْ: صُفُوفًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا. قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ. (p-٣٠١)٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

طه 20:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿آياتِنا كُلَّها﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿فَكَذَّبَ﴾؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿وَأبى﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ﴾؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ. ﴿سُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ. ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ. وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ. فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ. ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ضُحًى﴾؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ. ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ثُمَّ أتى﴾؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ. ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) . (p-٢٩٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) . قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ. (p-٢٩٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ. وقِيلَ: ﴿أسَرُّوا﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا. وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . . . " الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] . وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، (p-٢٩٨)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [ الشُّعَراء: ١٨٦ ]؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ؎ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ. فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: ؎ فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، (p-٢٩٩)المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ؎ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ ؟ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ. وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ. (p-٣٠٠) والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما. قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ. فَأمّا ﴿المُثْلى﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم. قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿صَفًّا﴾؛ أيْ: صُفُوفًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا. قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ. (p-٣٠١)٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

طه 20:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿آياتِنا كُلَّها﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿فَكَذَّبَ﴾؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿وَأبى﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ﴾؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ. ﴿سُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ. ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ. وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ. فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ. ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ضُحًى﴾؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ. ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ثُمَّ أتى﴾؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ. ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) . (p-٢٩٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) . قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ. (p-٢٩٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ. وقِيلَ: ﴿أسَرُّوا﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا. وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . . . " الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] . وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، (p-٢٩٨)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [ الشُّعَراء: ١٨٦ ]؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ؎ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ. فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: ؎ فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، (p-٢٩٩)المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ؎ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ ؟ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ. وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ. (p-٣٠٠) والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما. قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ. فَأمّا ﴿المُثْلى﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم. قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿صَفًّا﴾؛ أيْ: صُفُوفًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا. قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ. (p-٣٠١)٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

طه 20:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿آياتِنا كُلَّها﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿فَكَذَّبَ﴾؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿وَأبى﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ﴾؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ. ﴿سُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ. ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ. وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ. فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ. ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ضُحًى﴾؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ. ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ثُمَّ أتى﴾؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ. ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) . (p-٢٩٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) . قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ. (p-٢٩٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ. وقِيلَ: ﴿أسَرُّوا﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا. وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . . . " الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] . وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، (p-٢٩٨)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [ الشُّعَراء: ١٨٦ ]؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ؎ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ. فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: ؎ فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، (p-٢٩٩)المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ؎ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ ؟ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ. وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ. (p-٣٠٠) والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما. قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ. فَأمّا ﴿المُثْلى﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم. قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿صَفًّا﴾؛ أيْ: صُفُوفًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا. قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ. (p-٣٠١)٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

طه 20:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ. ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: (p-٣٠٢)إلى مُوسى. يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ. فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ. وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أثَّرَ فِيهِ، (p-٣٠٣)(p-٣٠٤)(p-٣٠٥)وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ. (p-٣٠٦) والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿تَلْقَفْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ. وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) . ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) . وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ. ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ. (p-٣٠٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم. قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [ الطَّوْر: ٣٨ ] . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا﴾ لَكم، ﴿وَأبْقى﴾؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا. فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جاءَنا﴾، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟ فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا. والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ. ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿إنَّما﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. (p-٣٠٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ. والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ. والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿وَأبْقى﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

طه 20:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ. ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: (p-٣٠٢)إلى مُوسى. يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ. فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ. وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أثَّرَ فِيهِ، (p-٣٠٣)(p-٣٠٤)(p-٣٠٥)وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ. (p-٣٠٦) والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿تَلْقَفْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ. وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) . ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) . وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ. ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ. (p-٣٠٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم. قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [ الطَّوْر: ٣٨ ] . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا﴾ لَكم، ﴿وَأبْقى﴾؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا. فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جاءَنا﴾، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟ فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا. والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ. ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿إنَّما﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. (p-٣٠٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ. والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ. والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿وَأبْقى﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

طه 20:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ. ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: (p-٣٠٢)إلى مُوسى. يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ. فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ. وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أثَّرَ فِيهِ، (p-٣٠٣)(p-٣٠٤)(p-٣٠٥)وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ. (p-٣٠٦) والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿تَلْقَفْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ. وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) . ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) . وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ. ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ. (p-٣٠٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم. قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [ الطَّوْر: ٣٨ ] . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا﴾ لَكم، ﴿وَأبْقى﴾؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا. فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جاءَنا﴾، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟ فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا. والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ. ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿إنَّما﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. (p-٣٠٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ. والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ. والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿وَأبْقى﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

طه 20:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ. ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: (p-٣٠٢)إلى مُوسى. يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ. فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ. وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أثَّرَ فِيهِ، (p-٣٠٣)(p-٣٠٤)(p-٣٠٥)وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ. (p-٣٠٦) والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿تَلْقَفْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ. وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) . ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) . وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ. ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ. (p-٣٠٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم. قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [ الطَّوْر: ٣٨ ] . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا﴾ لَكم، ﴿وَأبْقى﴾؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا. فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جاءَنا﴾، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟ فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا. والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ. ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿إنَّما﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. (p-٣٠٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ. والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ. والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿وَأبْقى﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

طه 20:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ. ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: (p-٣٠٢)إلى مُوسى. يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ. فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ. وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أثَّرَ فِيهِ، (p-٣٠٣)(p-٣٠٤)(p-٣٠٥)وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ. (p-٣٠٦) والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿تَلْقَفْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ. وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) . ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) . وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ. ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ. (p-٣٠٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم. قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [ الطَّوْر: ٣٨ ] . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا﴾ لَكم، ﴿وَأبْقى﴾؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا. فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جاءَنا﴾، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟ فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا. والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ. ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿إنَّما﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. (p-٣٠٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ. والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ. والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿وَأبْقى﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

طه 20:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ. ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: (p-٣٠٢)إلى مُوسى. يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ. فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ. وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أثَّرَ فِيهِ، (p-٣٠٣)(p-٣٠٤)(p-٣٠٥)وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ. (p-٣٠٦) والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿تَلْقَفْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ. وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) . ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) . وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ. ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ. (p-٣٠٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم. قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [ الطَّوْر: ٣٨ ] . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا﴾ لَكم، ﴿وَأبْقى﴾؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا. فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جاءَنا﴾، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟ فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا. والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ. ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿إنَّما﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. (p-٣٠٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ. والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ. والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿وَأبْقى﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

طه 20:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ. ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: (p-٣٠٢)إلى مُوسى. يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ. فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ. وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أثَّرَ فِيهِ، (p-٣٠٣)(p-٣٠٤)(p-٣٠٥)وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ. (p-٣٠٦) والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿تَلْقَفْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ. وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) . ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) . وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ. ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ. (p-٣٠٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم. قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [ الطَّوْر: ٣٨ ] . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا﴾ لَكم، ﴿وَأبْقى﴾؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا. فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جاءَنا﴾، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟ فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا. والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ. ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿إنَّما﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. (p-٣٠٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ. والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ. والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿وَأبْقى﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

طه 20:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ. ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: (p-٣٠٢)إلى مُوسى. يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ. فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ. وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أثَّرَ فِيهِ، (p-٣٠٣)(p-٣٠٤)(p-٣٠٥)وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ. (p-٣٠٦) والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿تَلْقَفْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ. وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) . ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) . وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ. ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ. (p-٣٠٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم. قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [ الطَّوْر: ٣٨ ] . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا﴾ لَكم، ﴿وَأبْقى﴾؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا. فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جاءَنا﴾، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟ فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا. والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ. ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿إنَّما﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. (p-٣٠٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ. والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ. والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿وَأبْقى﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

طه 20:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ. ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: (p-٣٠٢)إلى مُوسى. يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ. فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ. وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أثَّرَ فِيهِ، (p-٣٠٣)(p-٣٠٤)(p-٣٠٥)وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ. (p-٣٠٦) والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿تَلْقَفْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ. وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) . ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) . وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ. ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ. (p-٣٠٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم. قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [ الطَّوْر: ٣٨ ] . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا﴾ لَكم، ﴿وَأبْقى﴾؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا. فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جاءَنا﴾، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟ فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا. والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ. ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿إنَّما﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. (p-٣٠٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ. والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ. والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿وَأبْقى﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

طه 20:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكًا، ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ، ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. [ أنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مِثْلِ هَذا المَعْنى قَوْلَهُ: ؎ ألا مَن لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي شِقاها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ أدّى الفَرائِضَ. ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ يَعْنِي: دَرَجاتُ الجَنَّةِ، وبَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، والعُلا جَمْعُ العُلْيا، وهو تَأْنِيثُ الأعْلى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ لِأنَّ " مَن " تَقَعُ بِلَفْظِ التَّوْحِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الجَمْعِ، فَإذا غَلَبَ لَفْظُها وُحِّدَ الرّاجِعُ إلَيْها، وإذا بُيِّنَ تَأْوِيلُها جُمِعَ المَصْرُوفُ إلَيْها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ﴾ يَعْنِي: الثَّوابُ، ﴿جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾؛ أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

طه 20:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكًا، ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ، ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. [ أنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مِثْلِ هَذا المَعْنى قَوْلَهُ: ؎ ألا مَن لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي شِقاها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ أدّى الفَرائِضَ. ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ يَعْنِي: دَرَجاتُ الجَنَّةِ، وبَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، والعُلا جَمْعُ العُلْيا، وهو تَأْنِيثُ الأعْلى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ لِأنَّ " مَن " تَقَعُ بِلَفْظِ التَّوْحِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الجَمْعِ، فَإذا غَلَبَ لَفْظُها وُحِّدَ الرّاجِعُ إلَيْها، وإذا بُيِّنَ تَأْوِيلُها جُمِعَ المَصْرُوفُ إلَيْها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ﴾ يَعْنِي: الثَّوابُ، ﴿جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾؛ أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

طه 20:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكًا، ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ، ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. [ أنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مِثْلِ هَذا المَعْنى قَوْلَهُ: ؎ ألا مَن لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي شِقاها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ أدّى الفَرائِضَ. ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ يَعْنِي: دَرَجاتُ الجَنَّةِ، وبَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، والعُلا جَمْعُ العُلْيا، وهو تَأْنِيثُ الأعْلى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ لِأنَّ " مَن " تَقَعُ بِلَفْظِ التَّوْحِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الجَمْعِ، فَإذا غَلَبَ لَفْظُها وُحِّدَ الرّاجِعُ إلَيْها، وإذا بُيِّنَ تَأْوِيلُها جُمِعَ المَصْرُوفُ إلَيْها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ﴾ يَعْنِي: الثَّوابُ، ﴿جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾؛ أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

طه 20:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾؛ أيْ: سِرْ بِهِمْ لَيْلًا مِن أرْضِ مِصْرَ، ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾؛ أيِ: اجْعَلْ لَهم طَرِيقًا، ﴿فِي البَحْرِ يَبَسًا﴾ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: ( يَبْسًا ) بِإسْكانِ الباءِ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يابِسًا ) بِألِفٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( اليَبَسُ ) مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ، بِمَعْنى اليابِسِ، يُقالُ: شاةٌ يَبَسٌ؛ أيْ: يابِسَةٌ لَيْسَ لَها لَبَنٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ لِلْيابِسِ: يَبَسٌ ويَبْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِألِفٍ. وقَرَأ أبانُ وحَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ: ( لا تَخَفْ ) . قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لا تَخافُ ) فالمَعْنى: لَسْتَ تَخافُ، ومَن قَرَأ: ( لا تَخَفْ ) فَهو نَهْيٌ عَنِ الخَوْفِ. قالَ الفَرّاءُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ( لا تَخَفْ ) بِالجَزْمِ، ورَفْعِ ( ولا تَخْشى ) عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [ آل عِمْرانَ: ١١١ ]، اسْتَأْنَفَ بِـ " ثُمَّ "، فَهَذا مِثْلُهُ، ولَوْ نَوى حَمْزَةُ بِقَوْلِهِ: ( ولا تَخْشى ) الجَزْمَ وإنْ كانَتْ فِيهِ الياءُ، كانَ صَوابًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿دَرَكًا﴾: لِحاقًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَ أصْحابُ مُوسى: هَذا فِرْعَوْنُ قَدْ أدْرَكَنا، وهَذا البَحْرُ بَيْنَ أيْدِينا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُوسى: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾؛ أيْ: مِن فِرْعَوْنَ، ﴿وَلا تَخْشى﴾ غَرَقًا في البَحْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَحِقَهم. ورَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( فاتَّبَعَهم ) بِالتَّشْدِيدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَبِعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وأتْبَعَهُ بِمَعْنى واحِدٍ. ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ اتَّبَعَهم ومَعَهُ الجُنُودُ، ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعُهم ) فَمَعْناهُ: ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، وجائِزٌ أنَّ يَكُونَ مَعَهم عَلى هَذا اللَّفْظِ، (p-٣١١)وَجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ، إلّا أنَّهُ قَدْ كانَ مَعَهم. ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾؛ أيْ: فَغَشِيَهم مِن ماءِ البَحْرِ ما غَرَّقَهم. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾: البَعْضُ الَّذِي غَشِيَهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يَغْشَهم كُلُّ مائِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ: ( فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم ) بِألِفٍ فِيهِما مَعَ تَشْدِيدِ الشِّينِ وحَذْفِ الياءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾؛ أيْ: دَعاهم إلى عِبادَتِهِ، ﴿وَما هَدى﴾؛ أيْ: [ ما ] أرْشَدَهم حِينَ أوْرَدَهم مَوارِدَ الهَلَكَةِ. وهَذا تَكْذِيبٌ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [ غافِر: ٢٩ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ لِأخْذِ التَّوْراةِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [ مَرْيَمَ: ٥٢ ] مَعْنى ﴿الأيْمَنَ﴾، وذَكَرْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٧ ) ﴿المَنَّ والسَّلْوى﴾ . [ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: وقُلْنا لَهم: كُلُوا ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: لا تَبْطُرُوا في نِعَمِي [ فَتَظْلِمُوا ] . والثّانِي: لا تَجْحَدُوا نِعَمِي فَتَكُونُوا طاغِينَ. والثّالِثُ: لا تَدَّخِرُوا مِنهُ لِأكْثَرَ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾؛ أيْ: فَتَجِبُ لَكم عُقُوبَتِي. والجُمْهُورُ قَرَؤُوا: ( فَيَحِلَّ ) بِكَسْرِ الحاءِ ( ومَن يَحْلِلْ ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( فَيَحُلُّ ) بِضَمِّ الحاءِ ( ومَن يَحْلُلْ ) بِضَمِّ اللّامِ. قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ؛ لِأنَّ الضَّمَّ مِنَ الحُلُولِ، ومَعْناهُ: الوُقُوعُ، و( يَحِلُّ ) بِالكَسْرِ: يَجِبُ، وجاءَ التَّفْسِيرُ بِالوُجُوبِ لا بِالوُقُوعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ هَوى﴾؛ أيْ: هَلَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ﴾ الغَفّارُ: الَّذِي يَغْفِرُ ذُنُوبَ عِبادِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَكُلَّما تَكَرَّرَتْ ذُنُوبُهم تَكَرَّرَتْ مَغْفِرَتُهُ، وأصْلُ الغَفْرِ: السَّتْرُ، وبِهِ سُمِّيَ [ زِئْبِرُ ] الثَّوْبِ: (p-٣١٢)غَفْرًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ سَداهُ. فالغَفّارُ: السَّتّارُ لِذُنُوبِ عِبادِهِ، المُسْبِلُ عَلَيْهِمْ ثَوْبَ عَطْفِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن تابَ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿وَآمَنَ﴾؛ أيْ: وحَّدَ اللَّهَ وصَدَّقَهُ، ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أدّى الفَرائِضَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عَلِمَ أنَّ لِعَمَلِهِ هَذا ثَوابًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَمْ يَشْكُكْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ [ لَهُ ]، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: لَزِمَ السَّنَةَ والجَماعَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: اسْتَقامَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والسّادِسُ: لَزِمَ الإسْلامَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والسّابِعُ: اهْتَدى كَيْفَ يَعْمَلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والثّامِنُ: اهْتَدى إلى وِلايَةِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ ثابِتٌ البُنانِيُّ.

طه 20:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾؛ أيْ: سِرْ بِهِمْ لَيْلًا مِن أرْضِ مِصْرَ، ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾؛ أيِ: اجْعَلْ لَهم طَرِيقًا، ﴿فِي البَحْرِ يَبَسًا﴾ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: ( يَبْسًا ) بِإسْكانِ الباءِ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يابِسًا ) بِألِفٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( اليَبَسُ ) مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ، بِمَعْنى اليابِسِ، يُقالُ: شاةٌ يَبَسٌ؛ أيْ: يابِسَةٌ لَيْسَ لَها لَبَنٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ لِلْيابِسِ: يَبَسٌ ويَبْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِألِفٍ. وقَرَأ أبانُ وحَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ: ( لا تَخَفْ ) . قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لا تَخافُ ) فالمَعْنى: لَسْتَ تَخافُ، ومَن قَرَأ: ( لا تَخَفْ ) فَهو نَهْيٌ عَنِ الخَوْفِ. قالَ الفَرّاءُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ( لا تَخَفْ ) بِالجَزْمِ، ورَفْعِ ( ولا تَخْشى ) عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [ آل عِمْرانَ: ١١١ ]، اسْتَأْنَفَ بِـ " ثُمَّ "، فَهَذا مِثْلُهُ، ولَوْ نَوى حَمْزَةُ بِقَوْلِهِ: ( ولا تَخْشى ) الجَزْمَ وإنْ كانَتْ فِيهِ الياءُ، كانَ صَوابًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿دَرَكًا﴾: لِحاقًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَ أصْحابُ مُوسى: هَذا فِرْعَوْنُ قَدْ أدْرَكَنا، وهَذا البَحْرُ بَيْنَ أيْدِينا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُوسى: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾؛ أيْ: مِن فِرْعَوْنَ، ﴿وَلا تَخْشى﴾ غَرَقًا في البَحْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَحِقَهم. ورَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( فاتَّبَعَهم ) بِالتَّشْدِيدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَبِعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وأتْبَعَهُ بِمَعْنى واحِدٍ. ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ اتَّبَعَهم ومَعَهُ الجُنُودُ، ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعُهم ) فَمَعْناهُ: ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، وجائِزٌ أنَّ يَكُونَ مَعَهم عَلى هَذا اللَّفْظِ، (p-٣١١)وَجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ، إلّا أنَّهُ قَدْ كانَ مَعَهم. ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾؛ أيْ: فَغَشِيَهم مِن ماءِ البَحْرِ ما غَرَّقَهم. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾: البَعْضُ الَّذِي غَشِيَهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يَغْشَهم كُلُّ مائِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ: ( فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم ) بِألِفٍ فِيهِما مَعَ تَشْدِيدِ الشِّينِ وحَذْفِ الياءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾؛ أيْ: دَعاهم إلى عِبادَتِهِ، ﴿وَما هَدى﴾؛ أيْ: [ ما ] أرْشَدَهم حِينَ أوْرَدَهم مَوارِدَ الهَلَكَةِ. وهَذا تَكْذِيبٌ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [ غافِر: ٢٩ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ لِأخْذِ التَّوْراةِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [ مَرْيَمَ: ٥٢ ] مَعْنى ﴿الأيْمَنَ﴾، وذَكَرْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٧ ) ﴿المَنَّ والسَّلْوى﴾ . [ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: وقُلْنا لَهم: كُلُوا ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: لا تَبْطُرُوا في نِعَمِي [ فَتَظْلِمُوا ] . والثّانِي: لا تَجْحَدُوا نِعَمِي فَتَكُونُوا طاغِينَ. والثّالِثُ: لا تَدَّخِرُوا مِنهُ لِأكْثَرَ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾؛ أيْ: فَتَجِبُ لَكم عُقُوبَتِي. والجُمْهُورُ قَرَؤُوا: ( فَيَحِلَّ ) بِكَسْرِ الحاءِ ( ومَن يَحْلِلْ ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( فَيَحُلُّ ) بِضَمِّ الحاءِ ( ومَن يَحْلُلْ ) بِضَمِّ اللّامِ. قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ؛ لِأنَّ الضَّمَّ مِنَ الحُلُولِ، ومَعْناهُ: الوُقُوعُ، و( يَحِلُّ ) بِالكَسْرِ: يَجِبُ، وجاءَ التَّفْسِيرُ بِالوُجُوبِ لا بِالوُقُوعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ هَوى﴾؛ أيْ: هَلَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ﴾ الغَفّارُ: الَّذِي يَغْفِرُ ذُنُوبَ عِبادِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَكُلَّما تَكَرَّرَتْ ذُنُوبُهم تَكَرَّرَتْ مَغْفِرَتُهُ، وأصْلُ الغَفْرِ: السَّتْرُ، وبِهِ سُمِّيَ [ زِئْبِرُ ] الثَّوْبِ: (p-٣١٢)غَفْرًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ سَداهُ. فالغَفّارُ: السَّتّارُ لِذُنُوبِ عِبادِهِ، المُسْبِلُ عَلَيْهِمْ ثَوْبَ عَطْفِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن تابَ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿وَآمَنَ﴾؛ أيْ: وحَّدَ اللَّهَ وصَدَّقَهُ، ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أدّى الفَرائِضَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عَلِمَ أنَّ لِعَمَلِهِ هَذا ثَوابًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَمْ يَشْكُكْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ [ لَهُ ]، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: لَزِمَ السَّنَةَ والجَماعَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: اسْتَقامَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والسّادِسُ: لَزِمَ الإسْلامَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والسّابِعُ: اهْتَدى كَيْفَ يَعْمَلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والثّامِنُ: اهْتَدى إلى وِلايَةِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ ثابِتٌ البُنانِيُّ.

طه 20:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾؛ أيْ: سِرْ بِهِمْ لَيْلًا مِن أرْضِ مِصْرَ، ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾؛ أيِ: اجْعَلْ لَهم طَرِيقًا، ﴿فِي البَحْرِ يَبَسًا﴾ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: ( يَبْسًا ) بِإسْكانِ الباءِ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يابِسًا ) بِألِفٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( اليَبَسُ ) مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ، بِمَعْنى اليابِسِ، يُقالُ: شاةٌ يَبَسٌ؛ أيْ: يابِسَةٌ لَيْسَ لَها لَبَنٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ لِلْيابِسِ: يَبَسٌ ويَبْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِألِفٍ. وقَرَأ أبانُ وحَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ: ( لا تَخَفْ ) . قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لا تَخافُ ) فالمَعْنى: لَسْتَ تَخافُ، ومَن قَرَأ: ( لا تَخَفْ ) فَهو نَهْيٌ عَنِ الخَوْفِ. قالَ الفَرّاءُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ( لا تَخَفْ ) بِالجَزْمِ، ورَفْعِ ( ولا تَخْشى ) عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [ آل عِمْرانَ: ١١١ ]، اسْتَأْنَفَ بِـ " ثُمَّ "، فَهَذا مِثْلُهُ، ولَوْ نَوى حَمْزَةُ بِقَوْلِهِ: ( ولا تَخْشى ) الجَزْمَ وإنْ كانَتْ فِيهِ الياءُ، كانَ صَوابًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿دَرَكًا﴾: لِحاقًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَ أصْحابُ مُوسى: هَذا فِرْعَوْنُ قَدْ أدْرَكَنا، وهَذا البَحْرُ بَيْنَ أيْدِينا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُوسى: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾؛ أيْ: مِن فِرْعَوْنَ، ﴿وَلا تَخْشى﴾ غَرَقًا في البَحْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَحِقَهم. ورَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( فاتَّبَعَهم ) بِالتَّشْدِيدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَبِعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وأتْبَعَهُ بِمَعْنى واحِدٍ. ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ اتَّبَعَهم ومَعَهُ الجُنُودُ، ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعُهم ) فَمَعْناهُ: ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، وجائِزٌ أنَّ يَكُونَ مَعَهم عَلى هَذا اللَّفْظِ، (p-٣١١)وَجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ، إلّا أنَّهُ قَدْ كانَ مَعَهم. ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾؛ أيْ: فَغَشِيَهم مِن ماءِ البَحْرِ ما غَرَّقَهم. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾: البَعْضُ الَّذِي غَشِيَهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يَغْشَهم كُلُّ مائِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ: ( فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم ) بِألِفٍ فِيهِما مَعَ تَشْدِيدِ الشِّينِ وحَذْفِ الياءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾؛ أيْ: دَعاهم إلى عِبادَتِهِ، ﴿وَما هَدى﴾؛ أيْ: [ ما ] أرْشَدَهم حِينَ أوْرَدَهم مَوارِدَ الهَلَكَةِ. وهَذا تَكْذِيبٌ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [ غافِر: ٢٩ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ لِأخْذِ التَّوْراةِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [ مَرْيَمَ: ٥٢ ] مَعْنى ﴿الأيْمَنَ﴾، وذَكَرْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٧ ) ﴿المَنَّ والسَّلْوى﴾ . [ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: وقُلْنا لَهم: كُلُوا ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: لا تَبْطُرُوا في نِعَمِي [ فَتَظْلِمُوا ] . والثّانِي: لا تَجْحَدُوا نِعَمِي فَتَكُونُوا طاغِينَ. والثّالِثُ: لا تَدَّخِرُوا مِنهُ لِأكْثَرَ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾؛ أيْ: فَتَجِبُ لَكم عُقُوبَتِي. والجُمْهُورُ قَرَؤُوا: ( فَيَحِلَّ ) بِكَسْرِ الحاءِ ( ومَن يَحْلِلْ ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( فَيَحُلُّ ) بِضَمِّ الحاءِ ( ومَن يَحْلُلْ ) بِضَمِّ اللّامِ. قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ؛ لِأنَّ الضَّمَّ مِنَ الحُلُولِ، ومَعْناهُ: الوُقُوعُ، و( يَحِلُّ ) بِالكَسْرِ: يَجِبُ، وجاءَ التَّفْسِيرُ بِالوُجُوبِ لا بِالوُقُوعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ هَوى﴾؛ أيْ: هَلَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ﴾ الغَفّارُ: الَّذِي يَغْفِرُ ذُنُوبَ عِبادِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَكُلَّما تَكَرَّرَتْ ذُنُوبُهم تَكَرَّرَتْ مَغْفِرَتُهُ، وأصْلُ الغَفْرِ: السَّتْرُ، وبِهِ سُمِّيَ [ زِئْبِرُ ] الثَّوْبِ: (p-٣١٢)غَفْرًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ سَداهُ. فالغَفّارُ: السَّتّارُ لِذُنُوبِ عِبادِهِ، المُسْبِلُ عَلَيْهِمْ ثَوْبَ عَطْفِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن تابَ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿وَآمَنَ﴾؛ أيْ: وحَّدَ اللَّهَ وصَدَّقَهُ، ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أدّى الفَرائِضَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عَلِمَ أنَّ لِعَمَلِهِ هَذا ثَوابًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَمْ يَشْكُكْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ [ لَهُ ]، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: لَزِمَ السَّنَةَ والجَماعَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: اسْتَقامَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والسّادِسُ: لَزِمَ الإسْلامَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والسّابِعُ: اهْتَدى كَيْفَ يَعْمَلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والثّامِنُ: اهْتَدى إلى وِلايَةِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ ثابِتٌ البُنانِيُّ.

طه 20:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾؛ أيْ: سِرْ بِهِمْ لَيْلًا مِن أرْضِ مِصْرَ، ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾؛ أيِ: اجْعَلْ لَهم طَرِيقًا، ﴿فِي البَحْرِ يَبَسًا﴾ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: ( يَبْسًا ) بِإسْكانِ الباءِ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يابِسًا ) بِألِفٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( اليَبَسُ ) مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ، بِمَعْنى اليابِسِ، يُقالُ: شاةٌ يَبَسٌ؛ أيْ: يابِسَةٌ لَيْسَ لَها لَبَنٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ لِلْيابِسِ: يَبَسٌ ويَبْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِألِفٍ. وقَرَأ أبانُ وحَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ: ( لا تَخَفْ ) . قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لا تَخافُ ) فالمَعْنى: لَسْتَ تَخافُ، ومَن قَرَأ: ( لا تَخَفْ ) فَهو نَهْيٌ عَنِ الخَوْفِ. قالَ الفَرّاءُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ( لا تَخَفْ ) بِالجَزْمِ، ورَفْعِ ( ولا تَخْشى ) عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [ آل عِمْرانَ: ١١١ ]، اسْتَأْنَفَ بِـ " ثُمَّ "، فَهَذا مِثْلُهُ، ولَوْ نَوى حَمْزَةُ بِقَوْلِهِ: ( ولا تَخْشى ) الجَزْمَ وإنْ كانَتْ فِيهِ الياءُ، كانَ صَوابًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿دَرَكًا﴾: لِحاقًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَ أصْحابُ مُوسى: هَذا فِرْعَوْنُ قَدْ أدْرَكَنا، وهَذا البَحْرُ بَيْنَ أيْدِينا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُوسى: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾؛ أيْ: مِن فِرْعَوْنَ، ﴿وَلا تَخْشى﴾ غَرَقًا في البَحْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَحِقَهم. ورَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( فاتَّبَعَهم ) بِالتَّشْدِيدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَبِعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وأتْبَعَهُ بِمَعْنى واحِدٍ. ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ اتَّبَعَهم ومَعَهُ الجُنُودُ، ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعُهم ) فَمَعْناهُ: ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، وجائِزٌ أنَّ يَكُونَ مَعَهم عَلى هَذا اللَّفْظِ، (p-٣١١)وَجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ، إلّا أنَّهُ قَدْ كانَ مَعَهم. ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾؛ أيْ: فَغَشِيَهم مِن ماءِ البَحْرِ ما غَرَّقَهم. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾: البَعْضُ الَّذِي غَشِيَهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يَغْشَهم كُلُّ مائِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ: ( فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم ) بِألِفٍ فِيهِما مَعَ تَشْدِيدِ الشِّينِ وحَذْفِ الياءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾؛ أيْ: دَعاهم إلى عِبادَتِهِ، ﴿وَما هَدى﴾؛ أيْ: [ ما ] أرْشَدَهم حِينَ أوْرَدَهم مَوارِدَ الهَلَكَةِ. وهَذا تَكْذِيبٌ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [ غافِر: ٢٩ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ لِأخْذِ التَّوْراةِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [ مَرْيَمَ: ٥٢ ] مَعْنى ﴿الأيْمَنَ﴾، وذَكَرْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٧ ) ﴿المَنَّ والسَّلْوى﴾ . [ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: وقُلْنا لَهم: كُلُوا ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: لا تَبْطُرُوا في نِعَمِي [ فَتَظْلِمُوا ] . والثّانِي: لا تَجْحَدُوا نِعَمِي فَتَكُونُوا طاغِينَ. والثّالِثُ: لا تَدَّخِرُوا مِنهُ لِأكْثَرَ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾؛ أيْ: فَتَجِبُ لَكم عُقُوبَتِي. والجُمْهُورُ قَرَؤُوا: ( فَيَحِلَّ ) بِكَسْرِ الحاءِ ( ومَن يَحْلِلْ ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( فَيَحُلُّ ) بِضَمِّ الحاءِ ( ومَن يَحْلُلْ ) بِضَمِّ اللّامِ. قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ؛ لِأنَّ الضَّمَّ مِنَ الحُلُولِ، ومَعْناهُ: الوُقُوعُ، و( يَحِلُّ ) بِالكَسْرِ: يَجِبُ، وجاءَ التَّفْسِيرُ بِالوُجُوبِ لا بِالوُقُوعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ هَوى﴾؛ أيْ: هَلَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ﴾ الغَفّارُ: الَّذِي يَغْفِرُ ذُنُوبَ عِبادِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَكُلَّما تَكَرَّرَتْ ذُنُوبُهم تَكَرَّرَتْ مَغْفِرَتُهُ، وأصْلُ الغَفْرِ: السَّتْرُ، وبِهِ سُمِّيَ [ زِئْبِرُ ] الثَّوْبِ: (p-٣١٢)غَفْرًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ سَداهُ. فالغَفّارُ: السَّتّارُ لِذُنُوبِ عِبادِهِ، المُسْبِلُ عَلَيْهِمْ ثَوْبَ عَطْفِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن تابَ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿وَآمَنَ﴾؛ أيْ: وحَّدَ اللَّهَ وصَدَّقَهُ، ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أدّى الفَرائِضَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عَلِمَ أنَّ لِعَمَلِهِ هَذا ثَوابًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَمْ يَشْكُكْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ [ لَهُ ]، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: لَزِمَ السَّنَةَ والجَماعَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: اسْتَقامَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والسّادِسُ: لَزِمَ الإسْلامَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والسّابِعُ: اهْتَدى كَيْفَ يَعْمَلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والثّامِنُ: اهْتَدى إلى وِلايَةِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ ثابِتٌ البُنانِيُّ.

طه 20:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾؛ أيْ: سِرْ بِهِمْ لَيْلًا مِن أرْضِ مِصْرَ، ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾؛ أيِ: اجْعَلْ لَهم طَرِيقًا، ﴿فِي البَحْرِ يَبَسًا﴾ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: ( يَبْسًا ) بِإسْكانِ الباءِ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يابِسًا ) بِألِفٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( اليَبَسُ ) مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ، بِمَعْنى اليابِسِ، يُقالُ: شاةٌ يَبَسٌ؛ أيْ: يابِسَةٌ لَيْسَ لَها لَبَنٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ لِلْيابِسِ: يَبَسٌ ويَبْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِألِفٍ. وقَرَأ أبانُ وحَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ: ( لا تَخَفْ ) . قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لا تَخافُ ) فالمَعْنى: لَسْتَ تَخافُ، ومَن قَرَأ: ( لا تَخَفْ ) فَهو نَهْيٌ عَنِ الخَوْفِ. قالَ الفَرّاءُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ( لا تَخَفْ ) بِالجَزْمِ، ورَفْعِ ( ولا تَخْشى ) عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [ آل عِمْرانَ: ١١١ ]، اسْتَأْنَفَ بِـ " ثُمَّ "، فَهَذا مِثْلُهُ، ولَوْ نَوى حَمْزَةُ بِقَوْلِهِ: ( ولا تَخْشى ) الجَزْمَ وإنْ كانَتْ فِيهِ الياءُ، كانَ صَوابًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿دَرَكًا﴾: لِحاقًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَ أصْحابُ مُوسى: هَذا فِرْعَوْنُ قَدْ أدْرَكَنا، وهَذا البَحْرُ بَيْنَ أيْدِينا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُوسى: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾؛ أيْ: مِن فِرْعَوْنَ، ﴿وَلا تَخْشى﴾ غَرَقًا في البَحْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَحِقَهم. ورَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( فاتَّبَعَهم ) بِالتَّشْدِيدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَبِعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وأتْبَعَهُ بِمَعْنى واحِدٍ. ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ اتَّبَعَهم ومَعَهُ الجُنُودُ، ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعُهم ) فَمَعْناهُ: ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، وجائِزٌ أنَّ يَكُونَ مَعَهم عَلى هَذا اللَّفْظِ، (p-٣١١)وَجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ، إلّا أنَّهُ قَدْ كانَ مَعَهم. ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾؛ أيْ: فَغَشِيَهم مِن ماءِ البَحْرِ ما غَرَّقَهم. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾: البَعْضُ الَّذِي غَشِيَهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يَغْشَهم كُلُّ مائِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ: ( فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم ) بِألِفٍ فِيهِما مَعَ تَشْدِيدِ الشِّينِ وحَذْفِ الياءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾؛ أيْ: دَعاهم إلى عِبادَتِهِ، ﴿وَما هَدى﴾؛ أيْ: [ ما ] أرْشَدَهم حِينَ أوْرَدَهم مَوارِدَ الهَلَكَةِ. وهَذا تَكْذِيبٌ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [ غافِر: ٢٩ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ لِأخْذِ التَّوْراةِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [ مَرْيَمَ: ٥٢ ] مَعْنى ﴿الأيْمَنَ﴾، وذَكَرْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٧ ) ﴿المَنَّ والسَّلْوى﴾ . [ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: وقُلْنا لَهم: كُلُوا ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: لا تَبْطُرُوا في نِعَمِي [ فَتَظْلِمُوا ] . والثّانِي: لا تَجْحَدُوا نِعَمِي فَتَكُونُوا طاغِينَ. والثّالِثُ: لا تَدَّخِرُوا مِنهُ لِأكْثَرَ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾؛ أيْ: فَتَجِبُ لَكم عُقُوبَتِي. والجُمْهُورُ قَرَؤُوا: ( فَيَحِلَّ ) بِكَسْرِ الحاءِ ( ومَن يَحْلِلْ ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( فَيَحُلُّ ) بِضَمِّ الحاءِ ( ومَن يَحْلُلْ ) بِضَمِّ اللّامِ. قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ؛ لِأنَّ الضَّمَّ مِنَ الحُلُولِ، ومَعْناهُ: الوُقُوعُ، و( يَحِلُّ ) بِالكَسْرِ: يَجِبُ، وجاءَ التَّفْسِيرُ بِالوُجُوبِ لا بِالوُقُوعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ هَوى﴾؛ أيْ: هَلَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ﴾ الغَفّارُ: الَّذِي يَغْفِرُ ذُنُوبَ عِبادِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَكُلَّما تَكَرَّرَتْ ذُنُوبُهم تَكَرَّرَتْ مَغْفِرَتُهُ، وأصْلُ الغَفْرِ: السَّتْرُ، وبِهِ سُمِّيَ [ زِئْبِرُ ] الثَّوْبِ: (p-٣١٢)غَفْرًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ سَداهُ. فالغَفّارُ: السَّتّارُ لِذُنُوبِ عِبادِهِ، المُسْبِلُ عَلَيْهِمْ ثَوْبَ عَطْفِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن تابَ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿وَآمَنَ﴾؛ أيْ: وحَّدَ اللَّهَ وصَدَّقَهُ، ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أدّى الفَرائِضَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عَلِمَ أنَّ لِعَمَلِهِ هَذا ثَوابًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَمْ يَشْكُكْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ [ لَهُ ]، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: لَزِمَ السَّنَةَ والجَماعَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: اسْتَقامَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والسّادِسُ: لَزِمَ الإسْلامَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والسّابِعُ: اهْتَدى كَيْفَ يَعْمَلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والثّامِنُ: اهْتَدى إلى وِلايَةِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ ثابِتٌ البُنانِيُّ.

طه 20:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾؛ أيْ: سِرْ بِهِمْ لَيْلًا مِن أرْضِ مِصْرَ، ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾؛ أيِ: اجْعَلْ لَهم طَرِيقًا، ﴿فِي البَحْرِ يَبَسًا﴾ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: ( يَبْسًا ) بِإسْكانِ الباءِ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يابِسًا ) بِألِفٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( اليَبَسُ ) مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ، بِمَعْنى اليابِسِ، يُقالُ: شاةٌ يَبَسٌ؛ أيْ: يابِسَةٌ لَيْسَ لَها لَبَنٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ لِلْيابِسِ: يَبَسٌ ويَبْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِألِفٍ. وقَرَأ أبانُ وحَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ: ( لا تَخَفْ ) . قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لا تَخافُ ) فالمَعْنى: لَسْتَ تَخافُ، ومَن قَرَأ: ( لا تَخَفْ ) فَهو نَهْيٌ عَنِ الخَوْفِ. قالَ الفَرّاءُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ( لا تَخَفْ ) بِالجَزْمِ، ورَفْعِ ( ولا تَخْشى ) عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [ آل عِمْرانَ: ١١١ ]، اسْتَأْنَفَ بِـ " ثُمَّ "، فَهَذا مِثْلُهُ، ولَوْ نَوى حَمْزَةُ بِقَوْلِهِ: ( ولا تَخْشى ) الجَزْمَ وإنْ كانَتْ فِيهِ الياءُ، كانَ صَوابًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿دَرَكًا﴾: لِحاقًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَ أصْحابُ مُوسى: هَذا فِرْعَوْنُ قَدْ أدْرَكَنا، وهَذا البَحْرُ بَيْنَ أيْدِينا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُوسى: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾؛ أيْ: مِن فِرْعَوْنَ، ﴿وَلا تَخْشى﴾ غَرَقًا في البَحْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَحِقَهم. ورَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( فاتَّبَعَهم ) بِالتَّشْدِيدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَبِعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وأتْبَعَهُ بِمَعْنى واحِدٍ. ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ اتَّبَعَهم ومَعَهُ الجُنُودُ، ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعُهم ) فَمَعْناهُ: ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، وجائِزٌ أنَّ يَكُونَ مَعَهم عَلى هَذا اللَّفْظِ، (p-٣١١)وَجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ، إلّا أنَّهُ قَدْ كانَ مَعَهم. ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾؛ أيْ: فَغَشِيَهم مِن ماءِ البَحْرِ ما غَرَّقَهم. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾: البَعْضُ الَّذِي غَشِيَهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يَغْشَهم كُلُّ مائِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ: ( فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم ) بِألِفٍ فِيهِما مَعَ تَشْدِيدِ الشِّينِ وحَذْفِ الياءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾؛ أيْ: دَعاهم إلى عِبادَتِهِ، ﴿وَما هَدى﴾؛ أيْ: [ ما ] أرْشَدَهم حِينَ أوْرَدَهم مَوارِدَ الهَلَكَةِ. وهَذا تَكْذِيبٌ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [ غافِر: ٢٩ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ لِأخْذِ التَّوْراةِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [ مَرْيَمَ: ٥٢ ] مَعْنى ﴿الأيْمَنَ﴾، وذَكَرْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٧ ) ﴿المَنَّ والسَّلْوى﴾ . [ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: وقُلْنا لَهم: كُلُوا ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: لا تَبْطُرُوا في نِعَمِي [ فَتَظْلِمُوا ] . والثّانِي: لا تَجْحَدُوا نِعَمِي فَتَكُونُوا طاغِينَ. والثّالِثُ: لا تَدَّخِرُوا مِنهُ لِأكْثَرَ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾؛ أيْ: فَتَجِبُ لَكم عُقُوبَتِي. والجُمْهُورُ قَرَؤُوا: ( فَيَحِلَّ ) بِكَسْرِ الحاءِ ( ومَن يَحْلِلْ ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( فَيَحُلُّ ) بِضَمِّ الحاءِ ( ومَن يَحْلُلْ ) بِضَمِّ اللّامِ. قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ؛ لِأنَّ الضَّمَّ مِنَ الحُلُولِ، ومَعْناهُ: الوُقُوعُ، و( يَحِلُّ ) بِالكَسْرِ: يَجِبُ، وجاءَ التَّفْسِيرُ بِالوُجُوبِ لا بِالوُقُوعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ هَوى﴾؛ أيْ: هَلَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ﴾ الغَفّارُ: الَّذِي يَغْفِرُ ذُنُوبَ عِبادِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَكُلَّما تَكَرَّرَتْ ذُنُوبُهم تَكَرَّرَتْ مَغْفِرَتُهُ، وأصْلُ الغَفْرِ: السَّتْرُ، وبِهِ سُمِّيَ [ زِئْبِرُ ] الثَّوْبِ: (p-٣١٢)غَفْرًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ سَداهُ. فالغَفّارُ: السَّتّارُ لِذُنُوبِ عِبادِهِ، المُسْبِلُ عَلَيْهِمْ ثَوْبَ عَطْفِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن تابَ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿وَآمَنَ﴾؛ أيْ: وحَّدَ اللَّهَ وصَدَّقَهُ، ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أدّى الفَرائِضَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عَلِمَ أنَّ لِعَمَلِهِ هَذا ثَوابًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَمْ يَشْكُكْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ [ لَهُ ]، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: لَزِمَ السَّنَةَ والجَماعَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: اسْتَقامَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والسّادِسُ: لَزِمَ الإسْلامَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والسّابِعُ: اهْتَدى كَيْفَ يَعْمَلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والثّامِنُ: اهْتَدى إلى وِلايَةِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ ثابِتٌ البُنانِيُّ.

طه 20:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَجّى اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: يا مُوسى؛ لَوْ أتَيْتَنا بِكِتابٍ مِن (p-٣١٣)عِنْدَ اللَّهِ، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والفَرائِضُ، فَأوْحى اللَّهُ [ إلَيْهِ يَعِدُهُ ] أنَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ، فاخْتارَ سَبْعِينَ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ لِأخْذِ التَّوْراةِ، فَعَجَّلَ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ شَوْقًا إلى رَبِّهِ وأمَرَهم بِلَحاقِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى العَجَلَةِ عَنْ قَوْمِكَ، ﴿قالَ هم أُولاءِ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ، ﴿عَلى أثَرِي﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو العالِيَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. والمَعْنى: هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَأْتُونَ بَعْدِي. ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾؛ أيْ: لِتَزْدادَ رِضًا، ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ واخْتَبَرْناهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِكَ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِكَ مِن بَيْنِهِمْ، ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾؛ أيْ: كانَ سَبَبًا لِإضْلالِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأضَلُّهم ) بِرَفْعِ اللّامِ. وقَدْ شَرَحْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) سَبَبَ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وشَرَحْنا في ( الأعْرافِ: ١٥٠ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾؛ أيْ: صِدْقًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إعْطاءُ التَّوْراةِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم. . .﴾ الآيَةِ [ المائِدَة: ١٣ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ [ طَه: ٨٢ ] . والثّالِثُ: النَّصْرُ والظَّفَرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾؛ أيْ: مُدَّةُ مُفارَقَتِي إيّاكم، ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أنْ تَصْنَعُوا صَنِيعًا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ رَبِّكم، ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾؛ أيْ: عَهْدِي، وكانُوا قَدْ عاهَدُوهُ أنَّهُ إنْ فَكَّهُمُ اللَّهُ مِن مَلَكَةِ آلِ فِرْعَوْنَ أنْ يَعْبُدُوا (p-٣١٤)اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا بِهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويَنْصُرُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ. ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذِهِ لُغاتٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( المُلْكُ ) بِالضَّمِّ: السُّلْطانُ والقُدْرَةُ، و( المِلْكُ ) بِالكَسْرِ: ما حَوَتْهُ اليَدُ، و( المَلْكُ ) بِالفَتْحِ: المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَكْتُ الشَّيْءَ أمْلِكُهُ مَلْكًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما كُنّا نَمْلِكُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنهُ العِجْلُ، ولَكِنَّها كانَتْ زِينَةَ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ الوُقُوعِ في البَلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: لَمْ يَمْلِكْ مُؤْمِنُونا سُفَهاءَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَيَخْرُجُ فِيمَن قالَ هَذا لِمُوسى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. والثّانِي: عابِدُوهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِّلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِلْنا ) خَفِيفَةً. والأوْزارُ: الأثْقالُ، والمُرادُ بِها: حَلِيُّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانُوا اسْتَعارُوهُ مِنهم قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. فَمَن قَرَأ: ( حُمِّلْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: حَمَّلَناها مُوسى؛ أمَرَنا بِاسْتِعارَتِها مِن آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها؛ أيْ: طَرَحْناها في الحُفَيْرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ قَذْفِهِمْ إيّاها في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٣١٥) أحَدُهُما: أنَّهُ ألْقى حُلِيًّا كَما ألْقَوْا. والثّانِي: ألْقى ما كانَ مَعَهُ مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ. وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ القِصَّةِ في ( البَقَرَةِ: ٥٢ )، وذَكَرْنا في ( الأعْرافِ: ١٤٨ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ﴾ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ ومَن وافَقَهُ مِنَ الَّذِينَ افْتَتَنُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِالنِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى، ثُمَّ في المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَنَسِيَ مُوسى أنَّ يُخْبِرَكم أنَّ هَذا إلَهُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: فَنَسِيَ مُوسى الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: فَنَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السّامِرِيُّ، والمَعْنى: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إيمانَهُ وإسْلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مَكْحُولٌ: فَنَسِيَ؛ أيْ: فَتَرَكَ السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. وقِيلَ: فَنَسِيَ أنَّ العِجْلَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا، ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السّامِرِيِّ. وعَلى ما قَبْلَهُ فِيمَن قالَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السّامِرِيُّ. والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا.

طه 20:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَجّى اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: يا مُوسى؛ لَوْ أتَيْتَنا بِكِتابٍ مِن (p-٣١٣)عِنْدَ اللَّهِ، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والفَرائِضُ، فَأوْحى اللَّهُ [ إلَيْهِ يَعِدُهُ ] أنَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ، فاخْتارَ سَبْعِينَ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ لِأخْذِ التَّوْراةِ، فَعَجَّلَ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ شَوْقًا إلى رَبِّهِ وأمَرَهم بِلَحاقِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى العَجَلَةِ عَنْ قَوْمِكَ، ﴿قالَ هم أُولاءِ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ، ﴿عَلى أثَرِي﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو العالِيَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. والمَعْنى: هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَأْتُونَ بَعْدِي. ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾؛ أيْ: لِتَزْدادَ رِضًا، ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ واخْتَبَرْناهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِكَ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِكَ مِن بَيْنِهِمْ، ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾؛ أيْ: كانَ سَبَبًا لِإضْلالِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأضَلُّهم ) بِرَفْعِ اللّامِ. وقَدْ شَرَحْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) سَبَبَ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وشَرَحْنا في ( الأعْرافِ: ١٥٠ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾؛ أيْ: صِدْقًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إعْطاءُ التَّوْراةِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم. . .﴾ الآيَةِ [ المائِدَة: ١٣ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ [ طَه: ٨٢ ] . والثّالِثُ: النَّصْرُ والظَّفَرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾؛ أيْ: مُدَّةُ مُفارَقَتِي إيّاكم، ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أنْ تَصْنَعُوا صَنِيعًا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ رَبِّكم، ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾؛ أيْ: عَهْدِي، وكانُوا قَدْ عاهَدُوهُ أنَّهُ إنْ فَكَّهُمُ اللَّهُ مِن مَلَكَةِ آلِ فِرْعَوْنَ أنْ يَعْبُدُوا (p-٣١٤)اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا بِهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويَنْصُرُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ. ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذِهِ لُغاتٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( المُلْكُ ) بِالضَّمِّ: السُّلْطانُ والقُدْرَةُ، و( المِلْكُ ) بِالكَسْرِ: ما حَوَتْهُ اليَدُ، و( المَلْكُ ) بِالفَتْحِ: المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَكْتُ الشَّيْءَ أمْلِكُهُ مَلْكًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما كُنّا نَمْلِكُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنهُ العِجْلُ، ولَكِنَّها كانَتْ زِينَةَ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ الوُقُوعِ في البَلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: لَمْ يَمْلِكْ مُؤْمِنُونا سُفَهاءَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَيَخْرُجُ فِيمَن قالَ هَذا لِمُوسى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. والثّانِي: عابِدُوهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِّلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِلْنا ) خَفِيفَةً. والأوْزارُ: الأثْقالُ، والمُرادُ بِها: حَلِيُّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانُوا اسْتَعارُوهُ مِنهم قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. فَمَن قَرَأ: ( حُمِّلْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: حَمَّلَناها مُوسى؛ أمَرَنا بِاسْتِعارَتِها مِن آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها؛ أيْ: طَرَحْناها في الحُفَيْرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ قَذْفِهِمْ إيّاها في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٣١٥) أحَدُهُما: أنَّهُ ألْقى حُلِيًّا كَما ألْقَوْا. والثّانِي: ألْقى ما كانَ مَعَهُ مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ. وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ القِصَّةِ في ( البَقَرَةِ: ٥٢ )، وذَكَرْنا في ( الأعْرافِ: ١٤٨ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ﴾ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ ومَن وافَقَهُ مِنَ الَّذِينَ افْتَتَنُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِالنِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى، ثُمَّ في المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَنَسِيَ مُوسى أنَّ يُخْبِرَكم أنَّ هَذا إلَهُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: فَنَسِيَ مُوسى الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: فَنَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السّامِرِيُّ، والمَعْنى: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إيمانَهُ وإسْلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مَكْحُولٌ: فَنَسِيَ؛ أيْ: فَتَرَكَ السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. وقِيلَ: فَنَسِيَ أنَّ العِجْلَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا، ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السّامِرِيِّ. وعَلى ما قَبْلَهُ فِيمَن قالَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السّامِرِيُّ. والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا.

طه 20:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَجّى اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: يا مُوسى؛ لَوْ أتَيْتَنا بِكِتابٍ مِن (p-٣١٣)عِنْدَ اللَّهِ، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والفَرائِضُ، فَأوْحى اللَّهُ [ إلَيْهِ يَعِدُهُ ] أنَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ، فاخْتارَ سَبْعِينَ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ لِأخْذِ التَّوْراةِ، فَعَجَّلَ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ شَوْقًا إلى رَبِّهِ وأمَرَهم بِلَحاقِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى العَجَلَةِ عَنْ قَوْمِكَ، ﴿قالَ هم أُولاءِ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ، ﴿عَلى أثَرِي﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو العالِيَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. والمَعْنى: هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَأْتُونَ بَعْدِي. ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾؛ أيْ: لِتَزْدادَ رِضًا، ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ واخْتَبَرْناهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِكَ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِكَ مِن بَيْنِهِمْ، ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾؛ أيْ: كانَ سَبَبًا لِإضْلالِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأضَلُّهم ) بِرَفْعِ اللّامِ. وقَدْ شَرَحْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) سَبَبَ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وشَرَحْنا في ( الأعْرافِ: ١٥٠ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾؛ أيْ: صِدْقًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إعْطاءُ التَّوْراةِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم. . .﴾ الآيَةِ [ المائِدَة: ١٣ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ [ طَه: ٨٢ ] . والثّالِثُ: النَّصْرُ والظَّفَرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾؛ أيْ: مُدَّةُ مُفارَقَتِي إيّاكم، ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أنْ تَصْنَعُوا صَنِيعًا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ رَبِّكم، ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾؛ أيْ: عَهْدِي، وكانُوا قَدْ عاهَدُوهُ أنَّهُ إنْ فَكَّهُمُ اللَّهُ مِن مَلَكَةِ آلِ فِرْعَوْنَ أنْ يَعْبُدُوا (p-٣١٤)اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا بِهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويَنْصُرُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ. ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذِهِ لُغاتٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( المُلْكُ ) بِالضَّمِّ: السُّلْطانُ والقُدْرَةُ، و( المِلْكُ ) بِالكَسْرِ: ما حَوَتْهُ اليَدُ، و( المَلْكُ ) بِالفَتْحِ: المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَكْتُ الشَّيْءَ أمْلِكُهُ مَلْكًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما كُنّا نَمْلِكُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنهُ العِجْلُ، ولَكِنَّها كانَتْ زِينَةَ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ الوُقُوعِ في البَلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: لَمْ يَمْلِكْ مُؤْمِنُونا سُفَهاءَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَيَخْرُجُ فِيمَن قالَ هَذا لِمُوسى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. والثّانِي: عابِدُوهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِّلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِلْنا ) خَفِيفَةً. والأوْزارُ: الأثْقالُ، والمُرادُ بِها: حَلِيُّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانُوا اسْتَعارُوهُ مِنهم قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. فَمَن قَرَأ: ( حُمِّلْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: حَمَّلَناها مُوسى؛ أمَرَنا بِاسْتِعارَتِها مِن آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها؛ أيْ: طَرَحْناها في الحُفَيْرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ قَذْفِهِمْ إيّاها في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٣١٥) أحَدُهُما: أنَّهُ ألْقى حُلِيًّا كَما ألْقَوْا. والثّانِي: ألْقى ما كانَ مَعَهُ مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ. وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ القِصَّةِ في ( البَقَرَةِ: ٥٢ )، وذَكَرْنا في ( الأعْرافِ: ١٤٨ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ﴾ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ ومَن وافَقَهُ مِنَ الَّذِينَ افْتَتَنُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِالنِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى، ثُمَّ في المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَنَسِيَ مُوسى أنَّ يُخْبِرَكم أنَّ هَذا إلَهُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: فَنَسِيَ مُوسى الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: فَنَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السّامِرِيُّ، والمَعْنى: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إيمانَهُ وإسْلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مَكْحُولٌ: فَنَسِيَ؛ أيْ: فَتَرَكَ السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. وقِيلَ: فَنَسِيَ أنَّ العِجْلَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا، ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السّامِرِيِّ. وعَلى ما قَبْلَهُ فِيمَن قالَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السّامِرِيُّ. والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا.

طه 20:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَجّى اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: يا مُوسى؛ لَوْ أتَيْتَنا بِكِتابٍ مِن (p-٣١٣)عِنْدَ اللَّهِ، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والفَرائِضُ، فَأوْحى اللَّهُ [ إلَيْهِ يَعِدُهُ ] أنَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ، فاخْتارَ سَبْعِينَ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ لِأخْذِ التَّوْراةِ، فَعَجَّلَ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ شَوْقًا إلى رَبِّهِ وأمَرَهم بِلَحاقِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى العَجَلَةِ عَنْ قَوْمِكَ، ﴿قالَ هم أُولاءِ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ، ﴿عَلى أثَرِي﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو العالِيَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. والمَعْنى: هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَأْتُونَ بَعْدِي. ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾؛ أيْ: لِتَزْدادَ رِضًا، ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ واخْتَبَرْناهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِكَ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِكَ مِن بَيْنِهِمْ، ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾؛ أيْ: كانَ سَبَبًا لِإضْلالِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأضَلُّهم ) بِرَفْعِ اللّامِ. وقَدْ شَرَحْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) سَبَبَ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وشَرَحْنا في ( الأعْرافِ: ١٥٠ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾؛ أيْ: صِدْقًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إعْطاءُ التَّوْراةِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم. . .﴾ الآيَةِ [ المائِدَة: ١٣ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ [ طَه: ٨٢ ] . والثّالِثُ: النَّصْرُ والظَّفَرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾؛ أيْ: مُدَّةُ مُفارَقَتِي إيّاكم، ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أنْ تَصْنَعُوا صَنِيعًا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ رَبِّكم، ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾؛ أيْ: عَهْدِي، وكانُوا قَدْ عاهَدُوهُ أنَّهُ إنْ فَكَّهُمُ اللَّهُ مِن مَلَكَةِ آلِ فِرْعَوْنَ أنْ يَعْبُدُوا (p-٣١٤)اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا بِهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويَنْصُرُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ. ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذِهِ لُغاتٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( المُلْكُ ) بِالضَّمِّ: السُّلْطانُ والقُدْرَةُ، و( المِلْكُ ) بِالكَسْرِ: ما حَوَتْهُ اليَدُ، و( المَلْكُ ) بِالفَتْحِ: المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَكْتُ الشَّيْءَ أمْلِكُهُ مَلْكًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما كُنّا نَمْلِكُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنهُ العِجْلُ، ولَكِنَّها كانَتْ زِينَةَ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ الوُقُوعِ في البَلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: لَمْ يَمْلِكْ مُؤْمِنُونا سُفَهاءَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَيَخْرُجُ فِيمَن قالَ هَذا لِمُوسى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. والثّانِي: عابِدُوهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِّلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِلْنا ) خَفِيفَةً. والأوْزارُ: الأثْقالُ، والمُرادُ بِها: حَلِيُّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانُوا اسْتَعارُوهُ مِنهم قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. فَمَن قَرَأ: ( حُمِّلْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: حَمَّلَناها مُوسى؛ أمَرَنا بِاسْتِعارَتِها مِن آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها؛ أيْ: طَرَحْناها في الحُفَيْرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ قَذْفِهِمْ إيّاها في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٣١٥) أحَدُهُما: أنَّهُ ألْقى حُلِيًّا كَما ألْقَوْا. والثّانِي: ألْقى ما كانَ مَعَهُ مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ. وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ القِصَّةِ في ( البَقَرَةِ: ٥٢ )، وذَكَرْنا في ( الأعْرافِ: ١٤٨ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ﴾ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ ومَن وافَقَهُ مِنَ الَّذِينَ افْتَتَنُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِالنِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى، ثُمَّ في المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَنَسِيَ مُوسى أنَّ يُخْبِرَكم أنَّ هَذا إلَهُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: فَنَسِيَ مُوسى الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: فَنَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السّامِرِيُّ، والمَعْنى: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إيمانَهُ وإسْلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مَكْحُولٌ: فَنَسِيَ؛ أيْ: فَتَرَكَ السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. وقِيلَ: فَنَسِيَ أنَّ العِجْلَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا، ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السّامِرِيِّ. وعَلى ما قَبْلَهُ فِيمَن قالَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السّامِرِيُّ. والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا.

طه 20:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَجّى اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: يا مُوسى؛ لَوْ أتَيْتَنا بِكِتابٍ مِن (p-٣١٣)عِنْدَ اللَّهِ، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والفَرائِضُ، فَأوْحى اللَّهُ [ إلَيْهِ يَعِدُهُ ] أنَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ، فاخْتارَ سَبْعِينَ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ لِأخْذِ التَّوْراةِ، فَعَجَّلَ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ شَوْقًا إلى رَبِّهِ وأمَرَهم بِلَحاقِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى العَجَلَةِ عَنْ قَوْمِكَ، ﴿قالَ هم أُولاءِ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ، ﴿عَلى أثَرِي﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو العالِيَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. والمَعْنى: هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَأْتُونَ بَعْدِي. ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾؛ أيْ: لِتَزْدادَ رِضًا، ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ واخْتَبَرْناهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِكَ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِكَ مِن بَيْنِهِمْ، ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾؛ أيْ: كانَ سَبَبًا لِإضْلالِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأضَلُّهم ) بِرَفْعِ اللّامِ. وقَدْ شَرَحْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) سَبَبَ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وشَرَحْنا في ( الأعْرافِ: ١٥٠ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾؛ أيْ: صِدْقًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إعْطاءُ التَّوْراةِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم. . .﴾ الآيَةِ [ المائِدَة: ١٣ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ [ طَه: ٨٢ ] . والثّالِثُ: النَّصْرُ والظَّفَرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾؛ أيْ: مُدَّةُ مُفارَقَتِي إيّاكم، ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أنْ تَصْنَعُوا صَنِيعًا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ رَبِّكم، ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾؛ أيْ: عَهْدِي، وكانُوا قَدْ عاهَدُوهُ أنَّهُ إنْ فَكَّهُمُ اللَّهُ مِن مَلَكَةِ آلِ فِرْعَوْنَ أنْ يَعْبُدُوا (p-٣١٤)اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا بِهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويَنْصُرُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ. ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذِهِ لُغاتٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( المُلْكُ ) بِالضَّمِّ: السُّلْطانُ والقُدْرَةُ، و( المِلْكُ ) بِالكَسْرِ: ما حَوَتْهُ اليَدُ، و( المَلْكُ ) بِالفَتْحِ: المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَكْتُ الشَّيْءَ أمْلِكُهُ مَلْكًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما كُنّا نَمْلِكُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنهُ العِجْلُ، ولَكِنَّها كانَتْ زِينَةَ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ الوُقُوعِ في البَلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: لَمْ يَمْلِكْ مُؤْمِنُونا سُفَهاءَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَيَخْرُجُ فِيمَن قالَ هَذا لِمُوسى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. والثّانِي: عابِدُوهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِّلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِلْنا ) خَفِيفَةً. والأوْزارُ: الأثْقالُ، والمُرادُ بِها: حَلِيُّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانُوا اسْتَعارُوهُ مِنهم قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. فَمَن قَرَأ: ( حُمِّلْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: حَمَّلَناها مُوسى؛ أمَرَنا بِاسْتِعارَتِها مِن آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها؛ أيْ: طَرَحْناها في الحُفَيْرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ قَذْفِهِمْ إيّاها في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٣١٥) أحَدُهُما: أنَّهُ ألْقى حُلِيًّا كَما ألْقَوْا. والثّانِي: ألْقى ما كانَ مَعَهُ مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ. وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ القِصَّةِ في ( البَقَرَةِ: ٥٢ )، وذَكَرْنا في ( الأعْرافِ: ١٤٨ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ﴾ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ ومَن وافَقَهُ مِنَ الَّذِينَ افْتَتَنُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِالنِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى، ثُمَّ في المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَنَسِيَ مُوسى أنَّ يُخْبِرَكم أنَّ هَذا إلَهُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: فَنَسِيَ مُوسى الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: فَنَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السّامِرِيُّ، والمَعْنى: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إيمانَهُ وإسْلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مَكْحُولٌ: فَنَسِيَ؛ أيْ: فَتَرَكَ السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. وقِيلَ: فَنَسِيَ أنَّ العِجْلَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا، ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السّامِرِيِّ. وعَلى ما قَبْلَهُ فِيمَن قالَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السّامِرِيُّ. والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا.

طه 20:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَجّى اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: يا مُوسى؛ لَوْ أتَيْتَنا بِكِتابٍ مِن (p-٣١٣)عِنْدَ اللَّهِ، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والفَرائِضُ، فَأوْحى اللَّهُ [ إلَيْهِ يَعِدُهُ ] أنَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ، فاخْتارَ سَبْعِينَ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ لِأخْذِ التَّوْراةِ، فَعَجَّلَ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ شَوْقًا إلى رَبِّهِ وأمَرَهم بِلَحاقِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى العَجَلَةِ عَنْ قَوْمِكَ، ﴿قالَ هم أُولاءِ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ، ﴿عَلى أثَرِي﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو العالِيَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. والمَعْنى: هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَأْتُونَ بَعْدِي. ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾؛ أيْ: لِتَزْدادَ رِضًا، ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ واخْتَبَرْناهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِكَ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِكَ مِن بَيْنِهِمْ، ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾؛ أيْ: كانَ سَبَبًا لِإضْلالِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأضَلُّهم ) بِرَفْعِ اللّامِ. وقَدْ شَرَحْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) سَبَبَ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وشَرَحْنا في ( الأعْرافِ: ١٥٠ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾؛ أيْ: صِدْقًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إعْطاءُ التَّوْراةِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم. . .﴾ الآيَةِ [ المائِدَة: ١٣ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ [ طَه: ٨٢ ] . والثّالِثُ: النَّصْرُ والظَّفَرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾؛ أيْ: مُدَّةُ مُفارَقَتِي إيّاكم، ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أنْ تَصْنَعُوا صَنِيعًا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ رَبِّكم، ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾؛ أيْ: عَهْدِي، وكانُوا قَدْ عاهَدُوهُ أنَّهُ إنْ فَكَّهُمُ اللَّهُ مِن مَلَكَةِ آلِ فِرْعَوْنَ أنْ يَعْبُدُوا (p-٣١٤)اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا بِهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويَنْصُرُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ. ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذِهِ لُغاتٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( المُلْكُ ) بِالضَّمِّ: السُّلْطانُ والقُدْرَةُ، و( المِلْكُ ) بِالكَسْرِ: ما حَوَتْهُ اليَدُ، و( المَلْكُ ) بِالفَتْحِ: المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَكْتُ الشَّيْءَ أمْلِكُهُ مَلْكًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما كُنّا نَمْلِكُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنهُ العِجْلُ، ولَكِنَّها كانَتْ زِينَةَ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ الوُقُوعِ في البَلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: لَمْ يَمْلِكْ مُؤْمِنُونا سُفَهاءَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَيَخْرُجُ فِيمَن قالَ هَذا لِمُوسى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. والثّانِي: عابِدُوهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِّلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِلْنا ) خَفِيفَةً. والأوْزارُ: الأثْقالُ، والمُرادُ بِها: حَلِيُّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانُوا اسْتَعارُوهُ مِنهم قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. فَمَن قَرَأ: ( حُمِّلْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: حَمَّلَناها مُوسى؛ أمَرَنا بِاسْتِعارَتِها مِن آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها؛ أيْ: طَرَحْناها في الحُفَيْرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ قَذْفِهِمْ إيّاها في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٣١٥) أحَدُهُما: أنَّهُ ألْقى حُلِيًّا كَما ألْقَوْا. والثّانِي: ألْقى ما كانَ مَعَهُ مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ. وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ القِصَّةِ في ( البَقَرَةِ: ٥٢ )، وذَكَرْنا في ( الأعْرافِ: ١٤٨ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ﴾ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ ومَن وافَقَهُ مِنَ الَّذِينَ افْتَتَنُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِالنِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى، ثُمَّ في المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَنَسِيَ مُوسى أنَّ يُخْبِرَكم أنَّ هَذا إلَهُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: فَنَسِيَ مُوسى الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: فَنَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السّامِرِيُّ، والمَعْنى: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إيمانَهُ وإسْلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مَكْحُولٌ: فَنَسِيَ؛ أيْ: فَتَرَكَ السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. وقِيلَ: فَنَسِيَ أنَّ العِجْلَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا، ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السّامِرِيِّ. وعَلى ما قَبْلَهُ فِيمَن قالَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السّامِرِيُّ. والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا.

طه 20:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَجّى اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: يا مُوسى؛ لَوْ أتَيْتَنا بِكِتابٍ مِن (p-٣١٣)عِنْدَ اللَّهِ، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والفَرائِضُ، فَأوْحى اللَّهُ [ إلَيْهِ يَعِدُهُ ] أنَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ، فاخْتارَ سَبْعِينَ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ لِأخْذِ التَّوْراةِ، فَعَجَّلَ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ شَوْقًا إلى رَبِّهِ وأمَرَهم بِلَحاقِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى العَجَلَةِ عَنْ قَوْمِكَ، ﴿قالَ هم أُولاءِ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ، ﴿عَلى أثَرِي﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو العالِيَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. والمَعْنى: هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَأْتُونَ بَعْدِي. ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾؛ أيْ: لِتَزْدادَ رِضًا، ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ واخْتَبَرْناهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِكَ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِكَ مِن بَيْنِهِمْ، ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾؛ أيْ: كانَ سَبَبًا لِإضْلالِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأضَلُّهم ) بِرَفْعِ اللّامِ. وقَدْ شَرَحْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) سَبَبَ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وشَرَحْنا في ( الأعْرافِ: ١٥٠ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾؛ أيْ: صِدْقًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إعْطاءُ التَّوْراةِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم. . .﴾ الآيَةِ [ المائِدَة: ١٣ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ [ طَه: ٨٢ ] . والثّالِثُ: النَّصْرُ والظَّفَرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾؛ أيْ: مُدَّةُ مُفارَقَتِي إيّاكم، ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أنْ تَصْنَعُوا صَنِيعًا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ رَبِّكم، ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾؛ أيْ: عَهْدِي، وكانُوا قَدْ عاهَدُوهُ أنَّهُ إنْ فَكَّهُمُ اللَّهُ مِن مَلَكَةِ آلِ فِرْعَوْنَ أنْ يَعْبُدُوا (p-٣١٤)اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا بِهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويَنْصُرُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ. ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذِهِ لُغاتٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( المُلْكُ ) بِالضَّمِّ: السُّلْطانُ والقُدْرَةُ، و( المِلْكُ ) بِالكَسْرِ: ما حَوَتْهُ اليَدُ، و( المَلْكُ ) بِالفَتْحِ: المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَكْتُ الشَّيْءَ أمْلِكُهُ مَلْكًا. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما كُنّا نَمْلِكُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنهُ العِجْلُ، ولَكِنَّها كانَتْ زِينَةَ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ الوُقُوعِ في البَلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: لَمْ يَمْلِكْ مُؤْمِنُونا سُفَهاءَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَيَخْرُجُ فِيمَن قالَ هَذا لِمُوسى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. والثّانِي: عابِدُوهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِّلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِلْنا ) خَفِيفَةً. والأوْزارُ: الأثْقالُ، والمُرادُ بِها: حَلِيُّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانُوا اسْتَعارُوهُ مِنهم قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. فَمَن قَرَأ: ( حُمِّلْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: حَمَّلَناها مُوسى؛ أمَرَنا بِاسْتِعارَتِها مِن آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها؛ أيْ: طَرَحْناها في الحُفَيْرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ قَذْفِهِمْ إيّاها في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٣١٥) أحَدُهُما: أنَّهُ ألْقى حُلِيًّا كَما ألْقَوْا. والثّانِي: ألْقى ما كانَ مَعَهُ مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ. وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ القِصَّةِ في ( البَقَرَةِ: ٥٢ )، وذَكَرْنا في ( الأعْرافِ: ١٤٨ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ﴾ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ ومَن وافَقَهُ مِنَ الَّذِينَ افْتَتَنُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِالنِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى، ثُمَّ في المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَنَسِيَ مُوسى أنَّ يُخْبِرَكم أنَّ هَذا إلَهُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: فَنَسِيَ مُوسى الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: فَنَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السّامِرِيُّ، والمَعْنى: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إيمانَهُ وإسْلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مَكْحُولٌ: فَنَسِيَ؛ أيْ: فَتَرَكَ السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. وقِيلَ: فَنَسِيَ أنَّ العِجْلَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا، ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السّامِرِيِّ. وعَلى ما قَبْلَهُ فِيمَن قالَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السّامِرِيُّ. والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا.

طه 20:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مُوسى، ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾؛ أيِ: ابْتُلِيتُمْ، ﴿وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العِجْلُ، ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَزالَ مُقِيمِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ فَلَمّا رَجَعَ مُوسى، ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ. ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( ألّا تَتَّبِعَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ ساكِنَةٍ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ. ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: ( ألّا تَتَّبِعَنِيَ أفَعَصَيْتَ ) بِياءٍ مَنصُوبَةٍ. ورَوى قالُونُ عَنْ نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو سَواءً. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، والمَعْنى: ما مَنَعَكَ مِنَ اتِّباعِي، و" لا " كَلِمَةٌ زائِدَةٌ. وَفِي المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَسِيرُ ورائِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتُفارِقُهم، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنْ تُناجِزَهُمُ القِتالَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ وهو قَوْلُهُ في وصِيَّتِهِ إيّاهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ غَضَبًا مِنهُ عَلَيْهِ. وهَذا وإنْ لَمْ (p-٣١٧)يُذْكُرْ هاهُنا، فَقَدْ ذُكِرَ في ( الأعْرافِ: ١٥٠ )، فاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وقَدْ شَرَحْنا هُناكَ مَعْنى ﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾، واخْتِلافَ القُرّاءِ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا بِرَأْسِي﴾؛ أيْ: بِشَعْرِ رَأْسِي. وهَذا الغَضَبُ كانَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ هارُونَ عَصى اللَّهَ بِتَرْكِ اتِّباعِ مُوسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي خَشِيتُ﴾؛ أيْ: إنْ فارَقَتْهم واتَّبَعْتُكَ، ﴿أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِاتِّباعِي إيّاكَ ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والثّانِي: بِقِتالِي لِبَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ . والثّانِي: لَمْ تَنْتَظِرْ أمْرِي فِيهِمْ.

طه 20:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مُوسى، ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾؛ أيِ: ابْتُلِيتُمْ، ﴿وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العِجْلُ، ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَزالَ مُقِيمِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ فَلَمّا رَجَعَ مُوسى، ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ. ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( ألّا تَتَّبِعَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ ساكِنَةٍ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ. ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: ( ألّا تَتَّبِعَنِيَ أفَعَصَيْتَ ) بِياءٍ مَنصُوبَةٍ. ورَوى قالُونُ عَنْ نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو سَواءً. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، والمَعْنى: ما مَنَعَكَ مِنَ اتِّباعِي، و" لا " كَلِمَةٌ زائِدَةٌ. وَفِي المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَسِيرُ ورائِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتُفارِقُهم، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنْ تُناجِزَهُمُ القِتالَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ وهو قَوْلُهُ في وصِيَّتِهِ إيّاهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ غَضَبًا مِنهُ عَلَيْهِ. وهَذا وإنْ لَمْ (p-٣١٧)يُذْكُرْ هاهُنا، فَقَدْ ذُكِرَ في ( الأعْرافِ: ١٥٠ )، فاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وقَدْ شَرَحْنا هُناكَ مَعْنى ﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾، واخْتِلافَ القُرّاءِ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا بِرَأْسِي﴾؛ أيْ: بِشَعْرِ رَأْسِي. وهَذا الغَضَبُ كانَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ هارُونَ عَصى اللَّهَ بِتَرْكِ اتِّباعِ مُوسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي خَشِيتُ﴾؛ أيْ: إنْ فارَقَتْهم واتَّبَعْتُكَ، ﴿أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِاتِّباعِي إيّاكَ ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والثّانِي: بِقِتالِي لِبَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ . والثّانِي: لَمْ تَنْتَظِرْ أمْرِي فِيهِمْ.

طه 20:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مُوسى، ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾؛ أيِ: ابْتُلِيتُمْ، ﴿وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العِجْلُ، ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَزالَ مُقِيمِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ فَلَمّا رَجَعَ مُوسى، ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ. ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( ألّا تَتَّبِعَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ ساكِنَةٍ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ. ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: ( ألّا تَتَّبِعَنِيَ أفَعَصَيْتَ ) بِياءٍ مَنصُوبَةٍ. ورَوى قالُونُ عَنْ نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو سَواءً. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، والمَعْنى: ما مَنَعَكَ مِنَ اتِّباعِي، و" لا " كَلِمَةٌ زائِدَةٌ. وَفِي المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَسِيرُ ورائِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتُفارِقُهم، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنْ تُناجِزَهُمُ القِتالَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ وهو قَوْلُهُ في وصِيَّتِهِ إيّاهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ غَضَبًا مِنهُ عَلَيْهِ. وهَذا وإنْ لَمْ (p-٣١٧)يُذْكُرْ هاهُنا، فَقَدْ ذُكِرَ في ( الأعْرافِ: ١٥٠ )، فاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وقَدْ شَرَحْنا هُناكَ مَعْنى ﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾، واخْتِلافَ القُرّاءِ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا بِرَأْسِي﴾؛ أيْ: بِشَعْرِ رَأْسِي. وهَذا الغَضَبُ كانَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ هارُونَ عَصى اللَّهَ بِتَرْكِ اتِّباعِ مُوسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي خَشِيتُ﴾؛ أيْ: إنْ فارَقَتْهم واتَّبَعْتُكَ، ﴿أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِاتِّباعِي إيّاكَ ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والثّانِي: بِقِتالِي لِبَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ . والثّانِي: لَمْ تَنْتَظِرْ أمْرِي فِيهِمْ.

طه 20:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مُوسى، ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾؛ أيِ: ابْتُلِيتُمْ، ﴿وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العِجْلُ، ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَزالَ مُقِيمِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ فَلَمّا رَجَعَ مُوسى، ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ. ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( ألّا تَتَّبِعَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ ساكِنَةٍ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ. ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: ( ألّا تَتَّبِعَنِيَ أفَعَصَيْتَ ) بِياءٍ مَنصُوبَةٍ. ورَوى قالُونُ عَنْ نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو سَواءً. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، والمَعْنى: ما مَنَعَكَ مِنَ اتِّباعِي، و" لا " كَلِمَةٌ زائِدَةٌ. وَفِي المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَسِيرُ ورائِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتُفارِقُهم، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنْ تُناجِزَهُمُ القِتالَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ وهو قَوْلُهُ في وصِيَّتِهِ إيّاهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ غَضَبًا مِنهُ عَلَيْهِ. وهَذا وإنْ لَمْ (p-٣١٧)يُذْكُرْ هاهُنا، فَقَدْ ذُكِرَ في ( الأعْرافِ: ١٥٠ )، فاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وقَدْ شَرَحْنا هُناكَ مَعْنى ﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾، واخْتِلافَ القُرّاءِ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا بِرَأْسِي﴾؛ أيْ: بِشَعْرِ رَأْسِي. وهَذا الغَضَبُ كانَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ هارُونَ عَصى اللَّهَ بِتَرْكِ اتِّباعِ مُوسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي خَشِيتُ﴾؛ أيْ: إنْ فارَقَتْهم واتَّبَعْتُكَ، ﴿أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِاتِّباعِي إيّاكَ ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والثّانِي: بِقِتالِي لِبَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ . والثّانِي: لَمْ تَنْتَظِرْ أمْرِي فِيهِمْ.

طه 20:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مُوسى، ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾؛ أيِ: ابْتُلِيتُمْ، ﴿وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العِجْلُ، ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَزالَ مُقِيمِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ فَلَمّا رَجَعَ مُوسى، ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ. ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( ألّا تَتَّبِعَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ ساكِنَةٍ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ. ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: ( ألّا تَتَّبِعَنِيَ أفَعَصَيْتَ ) بِياءٍ مَنصُوبَةٍ. ورَوى قالُونُ عَنْ نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو سَواءً. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، والمَعْنى: ما مَنَعَكَ مِنَ اتِّباعِي، و" لا " كَلِمَةٌ زائِدَةٌ. وَفِي المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَسِيرُ ورائِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتُفارِقُهم، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنْ تُناجِزَهُمُ القِتالَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ وهو قَوْلُهُ في وصِيَّتِهِ إيّاهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ غَضَبًا مِنهُ عَلَيْهِ. وهَذا وإنْ لَمْ (p-٣١٧)يُذْكُرْ هاهُنا، فَقَدْ ذُكِرَ في ( الأعْرافِ: ١٥٠ )، فاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وقَدْ شَرَحْنا هُناكَ مَعْنى ﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾، واخْتِلافَ القُرّاءِ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا بِرَأْسِي﴾؛ أيْ: بِشَعْرِ رَأْسِي. وهَذا الغَضَبُ كانَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ هارُونَ عَصى اللَّهَ بِتَرْكِ اتِّباعِ مُوسى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي خَشِيتُ﴾؛ أيْ: إنْ فارَقَتْهم واتَّبَعْتُكَ، ﴿أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِاتِّباعِي إيّاكَ ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والثّانِي: بِقِتالِي لِبَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ . والثّانِي: لَمْ تَنْتَظِرْ أمْرِي فِيهِمْ.

طه 20:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾؛ أيْ: ما أمْرُكَ وشَأْنُكَ الَّذِي دَعاكَ إلى ما صَنَعَتَ ؟! قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وبَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ يَقُولُ: الخَطْبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخِطابِ. المَعْنى: ما أمْرُكَ الَّذِي تُخاطِبُ فِيهِ ؟ واخْتَلَفُوا في اسْمِ السّامِرِيِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مُوسى أيْضًا، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى بْنِ عِمْرانَ. (p-٣١٨) والثّانِي: مِيخا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وَهَلْ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَكُنْ مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: كانَ مِن عُظَمائِهِمْ، وكانَ مِن قَبِيلَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ، قالَهُ قَتادَةُ. وفي بَلَدِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَرْمانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: باجَرْما، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( تَبْصُرُوا ) بِالتّاءِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أشارَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ خاطَبَ الجَمِيعَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ ما لَمْ تَعْلَمُوا. قالَ: وقَوْمٌ يَقُولُونَ: بَصُرْتُ وأبْصَرْتُ سَواءٌ، بِمَنزِلَةِ أسْرَعْتُ وسَرَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَصُرَ الرَّجُلُ يُبْصِرُ: إذا صارَ عَلِيمًا بِالشَّيْءِ، وأبْصَرَ يُبْصِرُ: إذا نَظَرَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَقالَ لَهُ مُوسى: وما ذاكَ ؟ قالَ: رَأيْتُ جِبْرِيلَ عَلى فَرَسٍ، فَأُلْقِيَ في نَفْسِي: أنْ أقْبِضَ مِن أثَرِها، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( قَبْصَةً ) بِالصّادِ. وقالَ الفَرّاءُ: والقَبْضَةُ بِالكَفِّ كُلِّها، والقَبْصَةُ - بِالصّادِ - بِأطْرافِ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِثْلَ هَذا: الخَضْمُ بِالفَمِ كُلِّهِ، والقَضْمُ بِأطْرافِ الأسْنانِ، والنَّضْخُ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ، والرِّجْزُ: العَذابُ، والرِّجْسُ: النَّتْنُ، والهُلاسُ في البَدَنِ والسُّلاسُ في العَقْلِ، والغَلَطُ في الكَلامِ، والغَلَتُ في الحِسابِ، والخَصِرُ: الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ، والخَرِصُ الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ والجُوعَ، والنّارُ الخامِدَةُ: الَّتِي قَدْ سَكَنَ لَهَبُها ولَمْ يُطْفَأْ جَمْرُها، والهامِدَةُ: الَّتِي طُفِئَتْ فَذَهَبَتِ البَتَّةَ، والشَّكْدُ: العَطاءُ ابْتِداءً، فَإنْ كانَ جَزاءً فَهو شَكْمٌ، والمائِحُ: الَّذِي يَدْخُلُ البِئْرَ فَيَمْلَأُ الدَّلْوَ، والماتِحُ: الَّذِي يَنْزِعُها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَبَذْتُها﴾؛ أيْ: فَقَذَفْتُها في العِجْلِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، (p-٣١٩)والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( فَنَبَذَتْها ) بِالإدْغامِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما حَدَّثَتْكَ، ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾؛ أيْ: زَيَّنَتْ لِي، ﴿قالَ﴾ مُوسى " اذْهَبْ "؛ أيْ: مِن بَيْنِنا، ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾؛ أيْ: ما دُمْتَ حَيًّا، ﴿أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾؛ أيْ: لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ، فَصارَ السّامِرِيُّ يَهِيمُ في البَرِّيَّةِ مَعَ الوَحْشِ والسِّباعِ، لا يَمَسُّ أحَدًا ولا يَمَسُّهُ أحَدٌ، عاقَبَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وألْهَمَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿لا مِساسَ﴾، وكانَ إذا لَقِيَ أحَدًا يَقُولُ: لا مِساسَ؛ أيْ: لا تَقْرَبْنِي ولا تَمَسَّنِي، وصارَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِوَلَدِهِ، حَتّى إنْ بَقاياهُمُ اليَوْمَ فِيما ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ بِأرْضِ الشّامِ يَقُولُونَ ذَلِكَ. وحُكِيَ أنَّهُ إنْ مَسَّ واحِدٌ مِن غَيْرِهِمْ واحِدًا مِنهم، أخَذَتْهُما الحُمّى في الحالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيْ: لِعَذابِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾؛ أيْ: لَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، ومَن كَسَرَ لامَ ( تُخْلَفَ ) أرادَ: لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ يَعْنِي: العِجْلَ، ﴿الَّذِي ظَلْتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: أقَمْتَ عَلَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى " ظَلْتَ ": فَعَلْتَهُ نَهارًا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( ظَلْتَ ) بِرَفْعِ الظّاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ظِلْتَ ) بِكَسْرِ الظّاءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ظَلْتَ، وظِلْتَ ) بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها، فَمَن فَتَحَ فالأصْلُ فِيهِ: ( ظَلِّلْتَ )، ولَكِنَّ اللّامَ حُذَفَتْ لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ والكَسْرِ، وبَقِيَتِ الظّاءُ عَلى فَتْحِها، ومَن قَرَأ: ( ظِلْتَ ) بِالكَسْرِ، حَوَّلَ كَسْرَةَ اللّامِ عَلى الظّاءِ. ومَعْنى ﴿عاكِفًا﴾: مُقِيمًا، ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( لَنُحَرِّقَنَّهُ ) بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( لَنَحْرُقَنَّهُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ ورَفْعِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: ( لَنُحْرِقَنَّهُ ) بِرَفْعِ النُّونِ وإسْكانِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ (p-٣٢٠)مُخَفَّفَةً. قالَ الزَّجّاجُ: إذا شَدَّدَ، فالمَعْنى: نَحْرُقُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وتَأْوِيلُ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾: لَنُبَرِّدَنَّهُ، يُقالُ: حَرَقْتُ أحْرُقُ وأحْرِقُ: إذا بَرَّدَتُ الشَّيْءَ. والنَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ: أنَّ مُوسى أخَذَ العِجْلَ فَذَبَحَهُ، فَسالَ مِنهُ دَمٌ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ صارَ لَحْمًا ودَمًا، ثُمَّ أحْرَقَهُ بِالنّارِ، ثُمَّ ذَرّاهُ في البَحْرِ، ثُمَّ أخْبَرَهم مُوسى عَنْ إلَهِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾؛ أيْ: هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لا العِجْلُ، ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾؛ أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

طه 20:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾؛ أيْ: ما أمْرُكَ وشَأْنُكَ الَّذِي دَعاكَ إلى ما صَنَعَتَ ؟! قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وبَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ يَقُولُ: الخَطْبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخِطابِ. المَعْنى: ما أمْرُكَ الَّذِي تُخاطِبُ فِيهِ ؟ واخْتَلَفُوا في اسْمِ السّامِرِيِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مُوسى أيْضًا، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى بْنِ عِمْرانَ. (p-٣١٨) والثّانِي: مِيخا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وَهَلْ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَكُنْ مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: كانَ مِن عُظَمائِهِمْ، وكانَ مِن قَبِيلَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ، قالَهُ قَتادَةُ. وفي بَلَدِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَرْمانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: باجَرْما، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( تَبْصُرُوا ) بِالتّاءِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أشارَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ خاطَبَ الجَمِيعَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ ما لَمْ تَعْلَمُوا. قالَ: وقَوْمٌ يَقُولُونَ: بَصُرْتُ وأبْصَرْتُ سَواءٌ، بِمَنزِلَةِ أسْرَعْتُ وسَرَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَصُرَ الرَّجُلُ يُبْصِرُ: إذا صارَ عَلِيمًا بِالشَّيْءِ، وأبْصَرَ يُبْصِرُ: إذا نَظَرَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَقالَ لَهُ مُوسى: وما ذاكَ ؟ قالَ: رَأيْتُ جِبْرِيلَ عَلى فَرَسٍ، فَأُلْقِيَ في نَفْسِي: أنْ أقْبِضَ مِن أثَرِها، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( قَبْصَةً ) بِالصّادِ. وقالَ الفَرّاءُ: والقَبْضَةُ بِالكَفِّ كُلِّها، والقَبْصَةُ - بِالصّادِ - بِأطْرافِ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِثْلَ هَذا: الخَضْمُ بِالفَمِ كُلِّهِ، والقَضْمُ بِأطْرافِ الأسْنانِ، والنَّضْخُ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ، والرِّجْزُ: العَذابُ، والرِّجْسُ: النَّتْنُ، والهُلاسُ في البَدَنِ والسُّلاسُ في العَقْلِ، والغَلَطُ في الكَلامِ، والغَلَتُ في الحِسابِ، والخَصِرُ: الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ، والخَرِصُ الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ والجُوعَ، والنّارُ الخامِدَةُ: الَّتِي قَدْ سَكَنَ لَهَبُها ولَمْ يُطْفَأْ جَمْرُها، والهامِدَةُ: الَّتِي طُفِئَتْ فَذَهَبَتِ البَتَّةَ، والشَّكْدُ: العَطاءُ ابْتِداءً، فَإنْ كانَ جَزاءً فَهو شَكْمٌ، والمائِحُ: الَّذِي يَدْخُلُ البِئْرَ فَيَمْلَأُ الدَّلْوَ، والماتِحُ: الَّذِي يَنْزِعُها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَبَذْتُها﴾؛ أيْ: فَقَذَفْتُها في العِجْلِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، (p-٣١٩)والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( فَنَبَذَتْها ) بِالإدْغامِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما حَدَّثَتْكَ، ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾؛ أيْ: زَيَّنَتْ لِي، ﴿قالَ﴾ مُوسى " اذْهَبْ "؛ أيْ: مِن بَيْنِنا، ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾؛ أيْ: ما دُمْتَ حَيًّا، ﴿أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾؛ أيْ: لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ، فَصارَ السّامِرِيُّ يَهِيمُ في البَرِّيَّةِ مَعَ الوَحْشِ والسِّباعِ، لا يَمَسُّ أحَدًا ولا يَمَسُّهُ أحَدٌ، عاقَبَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وألْهَمَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿لا مِساسَ﴾، وكانَ إذا لَقِيَ أحَدًا يَقُولُ: لا مِساسَ؛ أيْ: لا تَقْرَبْنِي ولا تَمَسَّنِي، وصارَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِوَلَدِهِ، حَتّى إنْ بَقاياهُمُ اليَوْمَ فِيما ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ بِأرْضِ الشّامِ يَقُولُونَ ذَلِكَ. وحُكِيَ أنَّهُ إنْ مَسَّ واحِدٌ مِن غَيْرِهِمْ واحِدًا مِنهم، أخَذَتْهُما الحُمّى في الحالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيْ: لِعَذابِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾؛ أيْ: لَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، ومَن كَسَرَ لامَ ( تُخْلَفَ ) أرادَ: لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ يَعْنِي: العِجْلَ، ﴿الَّذِي ظَلْتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: أقَمْتَ عَلَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى " ظَلْتَ ": فَعَلْتَهُ نَهارًا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( ظَلْتَ ) بِرَفْعِ الظّاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ظِلْتَ ) بِكَسْرِ الظّاءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ظَلْتَ، وظِلْتَ ) بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها، فَمَن فَتَحَ فالأصْلُ فِيهِ: ( ظَلِّلْتَ )، ولَكِنَّ اللّامَ حُذَفَتْ لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ والكَسْرِ، وبَقِيَتِ الظّاءُ عَلى فَتْحِها، ومَن قَرَأ: ( ظِلْتَ ) بِالكَسْرِ، حَوَّلَ كَسْرَةَ اللّامِ عَلى الظّاءِ. ومَعْنى ﴿عاكِفًا﴾: مُقِيمًا، ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( لَنُحَرِّقَنَّهُ ) بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( لَنَحْرُقَنَّهُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ ورَفْعِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: ( لَنُحْرِقَنَّهُ ) بِرَفْعِ النُّونِ وإسْكانِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ (p-٣٢٠)مُخَفَّفَةً. قالَ الزَّجّاجُ: إذا شَدَّدَ، فالمَعْنى: نَحْرُقُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وتَأْوِيلُ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾: لَنُبَرِّدَنَّهُ، يُقالُ: حَرَقْتُ أحْرُقُ وأحْرِقُ: إذا بَرَّدَتُ الشَّيْءَ. والنَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ: أنَّ مُوسى أخَذَ العِجْلَ فَذَبَحَهُ، فَسالَ مِنهُ دَمٌ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ صارَ لَحْمًا ودَمًا، ثُمَّ أحْرَقَهُ بِالنّارِ، ثُمَّ ذَرّاهُ في البَحْرِ، ثُمَّ أخْبَرَهم مُوسى عَنْ إلَهِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾؛ أيْ: هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لا العِجْلُ، ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾؛ أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

طه 20:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾؛ أيْ: ما أمْرُكَ وشَأْنُكَ الَّذِي دَعاكَ إلى ما صَنَعَتَ ؟! قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وبَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ يَقُولُ: الخَطْبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخِطابِ. المَعْنى: ما أمْرُكَ الَّذِي تُخاطِبُ فِيهِ ؟ واخْتَلَفُوا في اسْمِ السّامِرِيِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مُوسى أيْضًا، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى بْنِ عِمْرانَ. (p-٣١٨) والثّانِي: مِيخا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وَهَلْ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَكُنْ مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: كانَ مِن عُظَمائِهِمْ، وكانَ مِن قَبِيلَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ، قالَهُ قَتادَةُ. وفي بَلَدِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَرْمانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: باجَرْما، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( تَبْصُرُوا ) بِالتّاءِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أشارَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ خاطَبَ الجَمِيعَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ ما لَمْ تَعْلَمُوا. قالَ: وقَوْمٌ يَقُولُونَ: بَصُرْتُ وأبْصَرْتُ سَواءٌ، بِمَنزِلَةِ أسْرَعْتُ وسَرَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَصُرَ الرَّجُلُ يُبْصِرُ: إذا صارَ عَلِيمًا بِالشَّيْءِ، وأبْصَرَ يُبْصِرُ: إذا نَظَرَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَقالَ لَهُ مُوسى: وما ذاكَ ؟ قالَ: رَأيْتُ جِبْرِيلَ عَلى فَرَسٍ، فَأُلْقِيَ في نَفْسِي: أنْ أقْبِضَ مِن أثَرِها، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( قَبْصَةً ) بِالصّادِ. وقالَ الفَرّاءُ: والقَبْضَةُ بِالكَفِّ كُلِّها، والقَبْصَةُ - بِالصّادِ - بِأطْرافِ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِثْلَ هَذا: الخَضْمُ بِالفَمِ كُلِّهِ، والقَضْمُ بِأطْرافِ الأسْنانِ، والنَّضْخُ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ، والرِّجْزُ: العَذابُ، والرِّجْسُ: النَّتْنُ، والهُلاسُ في البَدَنِ والسُّلاسُ في العَقْلِ، والغَلَطُ في الكَلامِ، والغَلَتُ في الحِسابِ، والخَصِرُ: الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ، والخَرِصُ الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ والجُوعَ، والنّارُ الخامِدَةُ: الَّتِي قَدْ سَكَنَ لَهَبُها ولَمْ يُطْفَأْ جَمْرُها، والهامِدَةُ: الَّتِي طُفِئَتْ فَذَهَبَتِ البَتَّةَ، والشَّكْدُ: العَطاءُ ابْتِداءً، فَإنْ كانَ جَزاءً فَهو شَكْمٌ، والمائِحُ: الَّذِي يَدْخُلُ البِئْرَ فَيَمْلَأُ الدَّلْوَ، والماتِحُ: الَّذِي يَنْزِعُها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَبَذْتُها﴾؛ أيْ: فَقَذَفْتُها في العِجْلِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، (p-٣١٩)والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( فَنَبَذَتْها ) بِالإدْغامِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما حَدَّثَتْكَ، ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾؛ أيْ: زَيَّنَتْ لِي، ﴿قالَ﴾ مُوسى " اذْهَبْ "؛ أيْ: مِن بَيْنِنا، ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾؛ أيْ: ما دُمْتَ حَيًّا، ﴿أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾؛ أيْ: لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ، فَصارَ السّامِرِيُّ يَهِيمُ في البَرِّيَّةِ مَعَ الوَحْشِ والسِّباعِ، لا يَمَسُّ أحَدًا ولا يَمَسُّهُ أحَدٌ، عاقَبَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وألْهَمَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿لا مِساسَ﴾، وكانَ إذا لَقِيَ أحَدًا يَقُولُ: لا مِساسَ؛ أيْ: لا تَقْرَبْنِي ولا تَمَسَّنِي، وصارَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِوَلَدِهِ، حَتّى إنْ بَقاياهُمُ اليَوْمَ فِيما ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ بِأرْضِ الشّامِ يَقُولُونَ ذَلِكَ. وحُكِيَ أنَّهُ إنْ مَسَّ واحِدٌ مِن غَيْرِهِمْ واحِدًا مِنهم، أخَذَتْهُما الحُمّى في الحالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيْ: لِعَذابِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾؛ أيْ: لَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، ومَن كَسَرَ لامَ ( تُخْلَفَ ) أرادَ: لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ يَعْنِي: العِجْلَ، ﴿الَّذِي ظَلْتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: أقَمْتَ عَلَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى " ظَلْتَ ": فَعَلْتَهُ نَهارًا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( ظَلْتَ ) بِرَفْعِ الظّاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ظِلْتَ ) بِكَسْرِ الظّاءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ظَلْتَ، وظِلْتَ ) بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها، فَمَن فَتَحَ فالأصْلُ فِيهِ: ( ظَلِّلْتَ )، ولَكِنَّ اللّامَ حُذَفَتْ لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ والكَسْرِ، وبَقِيَتِ الظّاءُ عَلى فَتْحِها، ومَن قَرَأ: ( ظِلْتَ ) بِالكَسْرِ، حَوَّلَ كَسْرَةَ اللّامِ عَلى الظّاءِ. ومَعْنى ﴿عاكِفًا﴾: مُقِيمًا، ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( لَنُحَرِّقَنَّهُ ) بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( لَنَحْرُقَنَّهُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ ورَفْعِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: ( لَنُحْرِقَنَّهُ ) بِرَفْعِ النُّونِ وإسْكانِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ (p-٣٢٠)مُخَفَّفَةً. قالَ الزَّجّاجُ: إذا شَدَّدَ، فالمَعْنى: نَحْرُقُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وتَأْوِيلُ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾: لَنُبَرِّدَنَّهُ، يُقالُ: حَرَقْتُ أحْرُقُ وأحْرِقُ: إذا بَرَّدَتُ الشَّيْءَ. والنَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ: أنَّ مُوسى أخَذَ العِجْلَ فَذَبَحَهُ، فَسالَ مِنهُ دَمٌ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ صارَ لَحْمًا ودَمًا، ثُمَّ أحْرَقَهُ بِالنّارِ، ثُمَّ ذَرّاهُ في البَحْرِ، ثُمَّ أخْبَرَهم مُوسى عَنْ إلَهِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾؛ أيْ: هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لا العِجْلُ، ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾؛ أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

طه 20:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾؛ أيْ: ما أمْرُكَ وشَأْنُكَ الَّذِي دَعاكَ إلى ما صَنَعَتَ ؟! قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وبَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ يَقُولُ: الخَطْبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخِطابِ. المَعْنى: ما أمْرُكَ الَّذِي تُخاطِبُ فِيهِ ؟ واخْتَلَفُوا في اسْمِ السّامِرِيِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مُوسى أيْضًا، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى بْنِ عِمْرانَ. (p-٣١٨) والثّانِي: مِيخا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وَهَلْ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَكُنْ مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: كانَ مِن عُظَمائِهِمْ، وكانَ مِن قَبِيلَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ، قالَهُ قَتادَةُ. وفي بَلَدِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَرْمانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: باجَرْما، قالَهُ وهْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( تَبْصُرُوا ) بِالتّاءِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أشارَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ خاطَبَ الجَمِيعَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ ما لَمْ تَعْلَمُوا. قالَ: وقَوْمٌ يَقُولُونَ: بَصُرْتُ وأبْصَرْتُ سَواءٌ، بِمَنزِلَةِ أسْرَعْتُ وسَرَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَصُرَ الرَّجُلُ يُبْصِرُ: إذا صارَ عَلِيمًا بِالشَّيْءِ، وأبْصَرَ يُبْصِرُ: إذا نَظَرَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَقالَ لَهُ مُوسى: وما ذاكَ ؟ قالَ: رَأيْتُ جِبْرِيلَ عَلى فَرَسٍ، فَأُلْقِيَ في نَفْسِي: أنْ أقْبِضَ مِن أثَرِها، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( قَبْصَةً ) بِالصّادِ. وقالَ الفَرّاءُ: والقَبْضَةُ بِالكَفِّ كُلِّها، والقَبْصَةُ - بِالصّادِ - بِأطْرافِ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِثْلَ هَذا: الخَضْمُ بِالفَمِ كُلِّهِ، والقَضْمُ بِأطْرافِ الأسْنانِ، والنَّضْخُ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ، والرِّجْزُ: العَذابُ، والرِّجْسُ: النَّتْنُ، والهُلاسُ في البَدَنِ والسُّلاسُ في العَقْلِ، والغَلَطُ في الكَلامِ، والغَلَتُ في الحِسابِ، والخَصِرُ: الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ، والخَرِصُ الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ والجُوعَ، والنّارُ الخامِدَةُ: الَّتِي قَدْ سَكَنَ لَهَبُها ولَمْ يُطْفَأْ جَمْرُها، والهامِدَةُ: الَّتِي طُفِئَتْ فَذَهَبَتِ البَتَّةَ، والشَّكْدُ: العَطاءُ ابْتِداءً، فَإنْ كانَ جَزاءً فَهو شَكْمٌ، والمائِحُ: الَّذِي يَدْخُلُ البِئْرَ فَيَمْلَأُ الدَّلْوَ، والماتِحُ: الَّذِي يَنْزِعُها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَبَذْتُها﴾؛ أيْ: فَقَذَفْتُها في العِجْلِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، (p-٣١٩)والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( فَنَبَذَتْها ) بِالإدْغامِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما حَدَّثَتْكَ، ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾؛ أيْ: زَيَّنَتْ لِي، ﴿قالَ﴾ مُوسى " اذْهَبْ "؛ أيْ: مِن بَيْنِنا، ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾؛ أيْ: ما دُمْتَ حَيًّا، ﴿أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾؛ أيْ: لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ، فَصارَ السّامِرِيُّ يَهِيمُ في البَرِّيَّةِ مَعَ الوَحْشِ والسِّباعِ، لا يَمَسُّ أحَدًا ولا يَمَسُّهُ أحَدٌ، عاقَبَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وألْهَمَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿لا مِساسَ﴾، وكانَ إذا لَقِيَ أحَدًا يَقُولُ: لا مِساسَ؛ أيْ: لا تَقْرَبْنِي ولا تَمَسَّنِي، وصارَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِوَلَدِهِ، حَتّى إنْ بَقاياهُمُ اليَوْمَ فِيما ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ بِأرْضِ الشّامِ يَقُولُونَ ذَلِكَ. وحُكِيَ أنَّهُ إنْ مَسَّ واحِدٌ مِن غَيْرِهِمْ واحِدًا مِنهم، أخَذَتْهُما الحُمّى في الحالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيْ: لِعَذابِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾؛ أيْ: لَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، ومَن كَسَرَ لامَ ( تُخْلَفَ ) أرادَ: لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ يَعْنِي: العِجْلَ، ﴿الَّذِي ظَلْتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: أقَمْتَ عَلَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى " ظَلْتَ ": فَعَلْتَهُ نَهارًا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( ظَلْتَ ) بِرَفْعِ الظّاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ظِلْتَ ) بِكَسْرِ الظّاءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ظَلْتَ، وظِلْتَ ) بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها، فَمَن فَتَحَ فالأصْلُ فِيهِ: ( ظَلِّلْتَ )، ولَكِنَّ اللّامَ حُذَفَتْ لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ والكَسْرِ، وبَقِيَتِ الظّاءُ عَلى فَتْحِها، ومَن قَرَأ: ( ظِلْتَ ) بِالكَسْرِ، حَوَّلَ كَسْرَةَ اللّامِ عَلى الظّاءِ. ومَعْنى ﴿عاكِفًا﴾: مُقِيمًا، ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( لَنُحَرِّقَنَّهُ ) بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( لَنَحْرُقَنَّهُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ ورَفْعِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: ( لَنُحْرِقَنَّهُ ) بِرَفْعِ النُّونِ وإسْكانِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ (p-٣٢٠)مُخَفَّفَةً. قالَ الزَّجّاجُ: إذا شَدَّدَ، فالمَعْنى: نَحْرُقُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وتَأْوِيلُ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾: لَنُبَرِّدَنَّهُ، يُقالُ: حَرَقْتُ أحْرُقُ وأحْرِقُ: إذا بَرَّدَتُ الشَّيْءَ. والنَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ: أنَّ مُوسى أخَذَ العِجْلَ فَذَبَحَهُ، فَسالَ مِنهُ دَمٌ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ صارَ لَحْمًا ودَمًا، ثُمَّ أحْرَقَهُ بِالنّارِ، ثُمَّ ذَرّاهُ في البَحْرِ، ثُمَّ أخْبَرَهم مُوسى عَنْ إلَهِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾؛ أيْ: هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لا العِجْلُ، ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾؛ أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

طه 20:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ مِن نَبَأِ مُوسى وقَوْمِهِ، نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾؛ أيْ: مِن أخْبارِ مَن مَضى، والذِّكْرُ هاهُنا: القُرْآنُ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَلَمْ يُؤْمِن ولَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ، ﴿فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يُحَمَّلُ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. ﴿وِزْرًا﴾؛ أيْ: إثْمًا، ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في عَذابِ ذَلِكَ الوِزْرِ، ﴿وَساءَ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وساءَ الوِزْرُ لَهم ﴿يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾، و﴿حِمْلا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( نَنْفُخُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: ( يُنْفَخُ ) بِالياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: (p-٣٢١)( يَوْمَ يَنْفُخُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الفاءِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( ويَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: ( ويُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ. ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمْيًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بِيضَ العُيُونِ مِنَ العَمى، قَدْ ذَهَبَ السَّوادُ والنّاظِرُ. والثّانِي: زَرْقَ العُيُونِ مِن شِدَّةِ العَطَشِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ. والمُرادُ: أنَّهُ يُشَوِّهُ خَلْقَهم بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقِ العُيُونِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: يَسارُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرَ لَيالٍ. وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّقْلِيلِ لا عَلى وجْهِ التَّحْدِيدِ. وَفِي مُرادِهِمْ بِمَكانِ هَذا اللُّبْثِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُبُورُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَنَوْا طُولَ ما لَبِثُوا فِيها، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ لَبِثْتُمْ بَعْدَ المَوْتِ إلّا عَشْرًا. والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، فَإنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ حِينَئِذٍ، فَيَسْتَقِلُّونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم عَنَوْا لُبْثَهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾؛ أيْ: أعْقَلُهم وأعْدَلُهم قَوْلًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ فَنَسِيَ القَوْمُ مِقْدارَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما عايَنُوا.(p-٣٢٢)

طه 20:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ مِن نَبَأِ مُوسى وقَوْمِهِ، نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾؛ أيْ: مِن أخْبارِ مَن مَضى، والذِّكْرُ هاهُنا: القُرْآنُ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَلَمْ يُؤْمِن ولَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ، ﴿فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يُحَمَّلُ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. ﴿وِزْرًا﴾؛ أيْ: إثْمًا، ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في عَذابِ ذَلِكَ الوِزْرِ، ﴿وَساءَ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وساءَ الوِزْرُ لَهم ﴿يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾، و﴿حِمْلا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( نَنْفُخُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: ( يُنْفَخُ ) بِالياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: (p-٣٢١)( يَوْمَ يَنْفُخُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الفاءِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( ويَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: ( ويُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ. ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمْيًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بِيضَ العُيُونِ مِنَ العَمى، قَدْ ذَهَبَ السَّوادُ والنّاظِرُ. والثّانِي: زَرْقَ العُيُونِ مِن شِدَّةِ العَطَشِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ. والمُرادُ: أنَّهُ يُشَوِّهُ خَلْقَهم بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقِ العُيُونِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: يَسارُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرَ لَيالٍ. وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّقْلِيلِ لا عَلى وجْهِ التَّحْدِيدِ. وَفِي مُرادِهِمْ بِمَكانِ هَذا اللُّبْثِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُبُورُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَنَوْا طُولَ ما لَبِثُوا فِيها، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ لَبِثْتُمْ بَعْدَ المَوْتِ إلّا عَشْرًا. والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، فَإنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ حِينَئِذٍ، فَيَسْتَقِلُّونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم عَنَوْا لُبْثَهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾؛ أيْ: أعْقَلُهم وأعْدَلُهم قَوْلًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ فَنَسِيَ القَوْمُ مِقْدارَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما عايَنُوا.(p-٣٢٢)

طه 20:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ مِن نَبَأِ مُوسى وقَوْمِهِ، نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾؛ أيْ: مِن أخْبارِ مَن مَضى، والذِّكْرُ هاهُنا: القُرْآنُ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَلَمْ يُؤْمِن ولَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ، ﴿فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يُحَمَّلُ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. ﴿وِزْرًا﴾؛ أيْ: إثْمًا، ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في عَذابِ ذَلِكَ الوِزْرِ، ﴿وَساءَ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وساءَ الوِزْرُ لَهم ﴿يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾، و﴿حِمْلا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( نَنْفُخُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: ( يُنْفَخُ ) بِالياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: (p-٣٢١)( يَوْمَ يَنْفُخُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الفاءِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( ويَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: ( ويُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ. ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمْيًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بِيضَ العُيُونِ مِنَ العَمى، قَدْ ذَهَبَ السَّوادُ والنّاظِرُ. والثّانِي: زَرْقَ العُيُونِ مِن شِدَّةِ العَطَشِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ. والمُرادُ: أنَّهُ يُشَوِّهُ خَلْقَهم بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقِ العُيُونِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: يَسارُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرَ لَيالٍ. وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّقْلِيلِ لا عَلى وجْهِ التَّحْدِيدِ. وَفِي مُرادِهِمْ بِمَكانِ هَذا اللُّبْثِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُبُورُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَنَوْا طُولَ ما لَبِثُوا فِيها، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ لَبِثْتُمْ بَعْدَ المَوْتِ إلّا عَشْرًا. والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، فَإنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ حِينَئِذٍ، فَيَسْتَقِلُّونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم عَنَوْا لُبْثَهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾؛ أيْ: أعْقَلُهم وأعْدَلُهم قَوْلًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ فَنَسِيَ القَوْمُ مِقْدارَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما عايَنُوا.(p-٣٢٢)

طه 20:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ مِن نَبَأِ مُوسى وقَوْمِهِ، نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾؛ أيْ: مِن أخْبارِ مَن مَضى، والذِّكْرُ هاهُنا: القُرْآنُ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَلَمْ يُؤْمِن ولَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ، ﴿فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يُحَمَّلُ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. ﴿وِزْرًا﴾؛ أيْ: إثْمًا، ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في عَذابِ ذَلِكَ الوِزْرِ، ﴿وَساءَ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وساءَ الوِزْرُ لَهم ﴿يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾، و﴿حِمْلا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( نَنْفُخُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: ( يُنْفَخُ ) بِالياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: (p-٣٢١)( يَوْمَ يَنْفُخُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الفاءِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( ويَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: ( ويُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ. ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمْيًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بِيضَ العُيُونِ مِنَ العَمى، قَدْ ذَهَبَ السَّوادُ والنّاظِرُ. والثّانِي: زَرْقَ العُيُونِ مِن شِدَّةِ العَطَشِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ. والمُرادُ: أنَّهُ يُشَوِّهُ خَلْقَهم بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقِ العُيُونِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: يَسارُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرَ لَيالٍ. وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّقْلِيلِ لا عَلى وجْهِ التَّحْدِيدِ. وَفِي مُرادِهِمْ بِمَكانِ هَذا اللُّبْثِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُبُورُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَنَوْا طُولَ ما لَبِثُوا فِيها، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ لَبِثْتُمْ بَعْدَ المَوْتِ إلّا عَشْرًا. والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، فَإنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ حِينَئِذٍ، فَيَسْتَقِلُّونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم عَنَوْا لُبْثَهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾؛ أيْ: أعْقَلُهم وأعْدَلُهم قَوْلًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ فَنَسِيَ القَوْمُ مِقْدارَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما عايَنُوا.(p-٣٢٢)

طه 20:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ مِن نَبَأِ مُوسى وقَوْمِهِ، نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾؛ أيْ: مِن أخْبارِ مَن مَضى، والذِّكْرُ هاهُنا: القُرْآنُ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَلَمْ يُؤْمِن ولَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ، ﴿فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يُحَمَّلُ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. ﴿وِزْرًا﴾؛ أيْ: إثْمًا، ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في عَذابِ ذَلِكَ الوِزْرِ، ﴿وَساءَ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وساءَ الوِزْرُ لَهم ﴿يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾، و﴿حِمْلا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( نَنْفُخُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: ( يُنْفَخُ ) بِالياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: (p-٣٢١)( يَوْمَ يَنْفُخُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الفاءِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( ويَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: ( ويُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ. ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمْيًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بِيضَ العُيُونِ مِنَ العَمى، قَدْ ذَهَبَ السَّوادُ والنّاظِرُ. والثّانِي: زَرْقَ العُيُونِ مِن شِدَّةِ العَطَشِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ. والمُرادُ: أنَّهُ يُشَوِّهُ خَلْقَهم بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقِ العُيُونِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: يَسارُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرَ لَيالٍ. وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّقْلِيلِ لا عَلى وجْهِ التَّحْدِيدِ. وَفِي مُرادِهِمْ بِمَكانِ هَذا اللُّبْثِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُبُورُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَنَوْا طُولَ ما لَبِثُوا فِيها، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ لَبِثْتُمْ بَعْدَ المَوْتِ إلّا عَشْرًا. والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، فَإنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ حِينَئِذٍ، فَيَسْتَقِلُّونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم عَنَوْا لُبْثَهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾؛ أيْ: أعْقَلُهم وأعْدَلُهم قَوْلًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ فَنَسِيَ القَوْمُ مِقْدارَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما عايَنُوا.(p-٣٢٢)

طه 20:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ مِن نَبَأِ مُوسى وقَوْمِهِ، نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾؛ أيْ: مِن أخْبارِ مَن مَضى، والذِّكْرُ هاهُنا: القُرْآنُ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَلَمْ يُؤْمِن ولَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ، ﴿فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يُحَمَّلُ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. ﴿وِزْرًا﴾؛ أيْ: إثْمًا، ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في عَذابِ ذَلِكَ الوِزْرِ، ﴿وَساءَ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وساءَ الوِزْرُ لَهم ﴿يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾، و﴿حِمْلا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( نَنْفُخُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: ( يُنْفَخُ ) بِالياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: (p-٣٢١)( يَوْمَ يَنْفُخُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الفاءِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( ويَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: ( ويُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ. ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمْيًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بِيضَ العُيُونِ مِنَ العَمى، قَدْ ذَهَبَ السَّوادُ والنّاظِرُ. والثّانِي: زَرْقَ العُيُونِ مِن شِدَّةِ العَطَشِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ. والمُرادُ: أنَّهُ يُشَوِّهُ خَلْقَهم بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقِ العُيُونِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: يَسارُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرَ لَيالٍ. وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّقْلِيلِ لا عَلى وجْهِ التَّحْدِيدِ. وَفِي مُرادِهِمْ بِمَكانِ هَذا اللُّبْثِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُبُورُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَنَوْا طُولَ ما لَبِثُوا فِيها، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ لَبِثْتُمْ بَعْدَ المَوْتِ إلّا عَشْرًا. والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، فَإنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ حِينَئِذٍ، فَيَسْتَقِلُّونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم عَنَوْا لُبْثَهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾؛ أيْ: أعْقَلُهم وأعْدَلُهم قَوْلًا، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ فَنَسِيَ القَوْمُ مِقْدارَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما عايَنُوا.(p-٣٢٢)

طه 20:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿فَيَذَرُها﴾؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿قاعًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٣) أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ. والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) . وَفِي هاءِ ﴿بِهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾: " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿فَلا يَخافُ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ. وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ. قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ. ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ (p-٣٢٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [ النِّساء: ٣٤ ]»، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٧) أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: فَهْمًا. والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿فَيَذَرُها﴾؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿قاعًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٣) أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ. والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) . وَفِي هاءِ ﴿بِهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾: " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿فَلا يَخافُ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ. وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ. قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ. ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ (p-٣٢٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [ النِّساء: ٣٤ ]»، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٧) أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: فَهْمًا. والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿فَيَذَرُها﴾؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿قاعًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٣) أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ. والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) . وَفِي هاءِ ﴿بِهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾: " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿فَلا يَخافُ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ. وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ. قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ. ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ (p-٣٢٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [ النِّساء: ٣٤ ]»، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٧) أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: فَهْمًا. والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿فَيَذَرُها﴾؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿قاعًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٣) أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ. والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) . وَفِي هاءِ ﴿بِهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾: " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿فَلا يَخافُ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ. وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ. قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ. ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ (p-٣٢٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [ النِّساء: ٣٤ ]»، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٧) أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: فَهْمًا. والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿فَيَذَرُها﴾؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿قاعًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٣) أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ. والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) . وَفِي هاءِ ﴿بِهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾: " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿فَلا يَخافُ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ. وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ. قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ. ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ (p-٣٢٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [ النِّساء: ٣٤ ]»، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٧) أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: فَهْمًا. والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿فَيَذَرُها﴾؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿قاعًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٣) أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ. والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) . وَفِي هاءِ ﴿بِهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾: " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿فَلا يَخافُ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ. وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ. قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ. ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ (p-٣٢٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [ النِّساء: ٣٤ ]»، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٧) أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: فَهْمًا. والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:111

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿فَيَذَرُها﴾؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿قاعًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٣) أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ. والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) . وَفِي هاءِ ﴿بِهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾: " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿فَلا يَخافُ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ. وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ. قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ. ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ (p-٣٢٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [ النِّساء: ٣٤ ]»، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٧) أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: فَهْمًا. والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿فَيَذَرُها﴾؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿قاعًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٣) أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ. والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) . وَفِي هاءِ ﴿بِهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾: " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿فَلا يَخافُ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ. وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ. قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ. ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ (p-٣٢٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [ النِّساء: ٣٤ ]»، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٧) أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: فَهْمًا. والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:113

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿فَيَذَرُها﴾؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿قاعًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٣) أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ. والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) . وَفِي هاءِ ﴿بِهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾: " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿فَلا يَخافُ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ. وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ. قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ. ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ (p-٣٢٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [ النِّساء: ٣٤ ]»، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٧) أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: فَهْمًا. والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ. والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿فَيَذَرُها﴾؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿قاعًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٣) أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ. والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) . وَفِي هاءِ ﴿بِهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢٤) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾: " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿فَلا يَخافُ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ. وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿أنْزَلْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ. قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ. ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ (p-٣٢٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [ النِّساء: ٣٤ ]»، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٢٧) أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: فَهْمًا. والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

طه 20:115

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:116

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:117

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:118

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:120

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:121

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:122

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:123

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:124

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:125

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

طه 20:126

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا (p-٣٢٨)الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ. وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ. وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ. والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ. والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ. قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: (p-٣٢٩) أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ ق: ١٧ ]، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ. ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها﴾؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ. ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ. والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿غَوى﴾: أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: (p-٣٣٠) أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى. والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ [ الأعْراف: ٢٢ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿قالَ اهْبِطا﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: (p-٣٣١) ؎ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» . ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ (p-٣٣٢)مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ. والثّانِي: الدُّنْيا. والثّالِثُ: جَهَنَّمُ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ. والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.