Tafsir Ibn Al-Jawzi — ص 38:82 – غافر 40:69
المحتويات
- ص 38:82
- ص 38:83
- ص 38:84
- ص 38:85
- ص 38:86
- ص 38:87
- ص 38:88
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:3
- الزمر 39:4
- الزمر 39:5
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:11
- الزمر 39:12
- الزمر 39:13
- الزمر 39:14
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:18
- الزمر 39:19
- الزمر 39:20
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:25
- الزمر 39:26
- الزمر 39:27
- الزمر 39:28
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:38
- الزمر 39:39
- الزمر 39:40
- الزمر 39:41
- الزمر 39:42
- الزمر 39:43
- الزمر 39:44
- الزمر 39:45
- الزمر 39:46
- الزمر 39:47
- الزمر 39:48
- الزمر 39:49
- الزمر 39:50
- الزمر 39:51
- الزمر 39:52
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:55
- الزمر 39:56
- الزمر 39:57
- الزمر 39:58
- الزمر 39:59
- الزمر 39:60
- الزمر 39:61
- الزمر 39:62
- الزمر 39:63
- الزمر 39:64
- الزمر 39:65
- الزمر 39:66
- الزمر 39:67
- الزمر 39:68
- الزمر 39:69
- الزمر 39:70
- الزمر 39:71
- الزمر 39:72
- الزمر 39:73
- الزمر 39:74
- الزمر 39:75
- غافر 40:1
- غافر 40:2
- غافر 40:3
- غافر 40:4
- غافر 40:5
- غافر 40:6
- غافر 40:7
- غافر 40:8
- غافر 40:9
- غافر 40:10
- غافر 40:11
- غافر 40:12
- غافر 40:13
- غافر 40:14
- غافر 40:15
- غافر 40:16
- غافر 40:17
- غافر 40:18
- غافر 40:19
- غافر 40:20
- غافر 40:21
- غافر 40:22
- غافر 40:23
- غافر 40:24
- غافر 40:25
- غافر 40:26
- غافر 40:27
- غافر 40:28
- غافر 40:29
- غافر 40:30
- غافر 40:31
- غافر 40:32
- غافر 40:33
- غافر 40:34
- غافر 40:35
- غافر 40:36
- غافر 40:37
- غافر 40:38
- غافر 40:39
- غافر 40:40
- غافر 40:41
- غافر 40:42
- غافر 40:43
- غافر 40:44
- غافر 40:45
- غافر 40:46
- غافر 40:47
- غافر 40:48
- غافر 40:49
- غافر 40:50
- غافر 40:51
- غافر 40:52
- غافر 40:53
- غافر 40:54
- غافر 40:55
- غافر 40:56
- غافر 40:57
- غافر 40:58
- غافر 40:59
- غافر 40:60
- غافر 40:61
- غافر 40:62
- غافر 40:63
- غافر 40:64
- غافر 40:65
- غافر 40:66
- غافر 40:67
- غافر 40:68
- غافر 40:69
ص 38:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ. وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ. ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ:٣٠]؛ والمَعْنى: إنِّي (p-١٥٥)ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ [أيْ]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ. وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .»
(p-١٥٦)(p-١٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ. وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: (p-١٥٨)فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.
(p-١٥٩)﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿نَبَأهُ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
ص 38:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ. وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ. ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ:٣٠]؛ والمَعْنى: إنِّي (p-١٥٥)ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ [أيْ]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ. وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .»
(p-١٥٦)(p-١٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ. وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: (p-١٥٨)فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.
(p-١٥٩)﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿نَبَأهُ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
ص 38:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ. وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ. ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ:٣٠]؛ والمَعْنى: إنِّي (p-١٥٥)ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ [أيْ]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ. وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .»
(p-١٥٦)(p-١٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ. وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: (p-١٥٨)فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.
(p-١٥٩)﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿نَبَأهُ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
ص 38:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ. وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ. ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ:٣٠]؛ والمَعْنى: إنِّي (p-١٥٥)ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ [أيْ]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ. وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .»
(p-١٥٦)(p-١٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ. وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: (p-١٥٨)فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.
(p-١٥٩)﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿نَبَأهُ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
ص 38:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ. وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ. ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ:٣٠]؛ والمَعْنى: إنِّي (p-١٥٥)ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ [أيْ]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ. وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .»
(p-١٥٦)(p-١٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ. وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: (p-١٥٨)فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.
(p-١٥٩)﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿نَبَأهُ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
ص 38:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ. وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ. ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ:٣٠]؛ والمَعْنى: إنِّي (p-١٥٥)ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ [أيْ]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ. وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .»
(p-١٥٦)(p-١٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ. وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: (p-١٥٨)فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.
(p-١٥٩)﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿نَبَأهُ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
ص 38:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ. وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ. ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ:٣٠]؛ والمَعْنى: إنِّي (p-١٥٥)ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ [أيْ]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ. وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .»
(p-١٥٦)(p-١٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ. وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: (p-١٥٨)فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.
(p-١٥٩)﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿نَبَأهُ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
الزمر 39:1
(p-١٦٠)سُورَةُ الزُّمَرِ
وَتُسَمّى سُورَةُ الغُرَفِ
فَصْلٌ في نُزُولِها
رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] . وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا. . .﴾ الآَيَةُ [الزُّمَرِ: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] . وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ مَدَنِيَّتانِ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] . وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: فِيها ثَلاثُ آَياتٍ مَدَنِيّاتٍ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ:٥٣-٥٥] .
(p-١٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الكِتابُ هاهُنا القُرْآَنُ، ورَفْعُ "تَنْزِيلُ" مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: الِابْتِداءُ، ويَكُونُ الخَبَرُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، فالمَعْنى: نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والثّانِي: عَلى إضْمارِ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ؛ و ﴿مُخْلِصًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ فالمَعْنى: فاعْبُدِ اللَّهَ مُوَحِّدًا لا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ يَعْنِي: الخالِصُ مِنَ الشِّرْكِ، وما سِواهُ لَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؛ [وَقِيلَ]: المَعْنى: لا يَسْتَحِقُّ الدِّينَ الخالِصَ إلّا الِلَّهُ.
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنى آَلِهَةً، ويَدْخَلُ في هَؤُلاءِ اليَهُودُ حِينَ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ والنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] وجَمِيعُ عُبّادِ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [الزُّمَرِ: ٤] .
(p-١٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ أيْ: يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم ﴿إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ أيْ: إلّا لِيَشْفَعُوا لَنا إلى اللَّهِ. والزُّلْفى: القُرْبى، وهو اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ فِيما كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن أمْرِ الدِّينِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ ﴿مَن هو كاذِبٌ﴾ في قَوْلِهِ: إنَّ الآَلِهَهُ تَشْفَعُ ﴿كَفّارٌ﴾ أيْ: كافِرٌ بِاتِّخاذِها آَلِهَةً، وهَذا إخْبارٌ عَمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ.
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [أيْ]: عَلى ما يَزْعُمُ مَن يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ ﴿لاصْطَفى﴾ أيْ: لاخْتارَ مِمّا يَخْلُقُ. قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ.
الزمر 39:2
(p-١٦٠)سُورَةُ الزُّمَرِ
وَتُسَمّى سُورَةُ الغُرَفِ
فَصْلٌ في نُزُولِها
رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] . وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا. . .﴾ الآَيَةُ [الزُّمَرِ: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] . وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ مَدَنِيَّتانِ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] . وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: فِيها ثَلاثُ آَياتٍ مَدَنِيّاتٍ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ:٥٣-٥٥] .
(p-١٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الكِتابُ هاهُنا القُرْآَنُ، ورَفْعُ "تَنْزِيلُ" مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: الِابْتِداءُ، ويَكُونُ الخَبَرُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، فالمَعْنى: نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والثّانِي: عَلى إضْمارِ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ؛ و ﴿مُخْلِصًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ فالمَعْنى: فاعْبُدِ اللَّهَ مُوَحِّدًا لا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ يَعْنِي: الخالِصُ مِنَ الشِّرْكِ، وما سِواهُ لَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؛ [وَقِيلَ]: المَعْنى: لا يَسْتَحِقُّ الدِّينَ الخالِصَ إلّا الِلَّهُ.
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنى آَلِهَةً، ويَدْخَلُ في هَؤُلاءِ اليَهُودُ حِينَ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ والنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] وجَمِيعُ عُبّادِ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [الزُّمَرِ: ٤] .
(p-١٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ أيْ: يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم ﴿إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ أيْ: إلّا لِيَشْفَعُوا لَنا إلى اللَّهِ. والزُّلْفى: القُرْبى، وهو اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ فِيما كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن أمْرِ الدِّينِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ ﴿مَن هو كاذِبٌ﴾ في قَوْلِهِ: إنَّ الآَلِهَهُ تَشْفَعُ ﴿كَفّارٌ﴾ أيْ: كافِرٌ بِاتِّخاذِها آَلِهَةً، وهَذا إخْبارٌ عَمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ.
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [أيْ]: عَلى ما يَزْعُمُ مَن يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ ﴿لاصْطَفى﴾ أيْ: لاخْتارَ مِمّا يَخْلُقُ. قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ.
الزمر 39:3
(p-١٦٠)سُورَةُ الزُّمَرِ
وَتُسَمّى سُورَةُ الغُرَفِ
فَصْلٌ في نُزُولِها
رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] . وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا. . .﴾ الآَيَةُ [الزُّمَرِ: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] . وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ مَدَنِيَّتانِ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] . وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: فِيها ثَلاثُ آَياتٍ مَدَنِيّاتٍ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ:٥٣-٥٥] .
(p-١٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الكِتابُ هاهُنا القُرْآَنُ، ورَفْعُ "تَنْزِيلُ" مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: الِابْتِداءُ، ويَكُونُ الخَبَرُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، فالمَعْنى: نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والثّانِي: عَلى إضْمارِ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ؛ و ﴿مُخْلِصًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ فالمَعْنى: فاعْبُدِ اللَّهَ مُوَحِّدًا لا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ يَعْنِي: الخالِصُ مِنَ الشِّرْكِ، وما سِواهُ لَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؛ [وَقِيلَ]: المَعْنى: لا يَسْتَحِقُّ الدِّينَ الخالِصَ إلّا الِلَّهُ.
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنى آَلِهَةً، ويَدْخَلُ في هَؤُلاءِ اليَهُودُ حِينَ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ والنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] وجَمِيعُ عُبّادِ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [الزُّمَرِ: ٤] .
(p-١٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ أيْ: يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم ﴿إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ أيْ: إلّا لِيَشْفَعُوا لَنا إلى اللَّهِ. والزُّلْفى: القُرْبى، وهو اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ فِيما كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن أمْرِ الدِّينِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ ﴿مَن هو كاذِبٌ﴾ في قَوْلِهِ: إنَّ الآَلِهَهُ تَشْفَعُ ﴿كَفّارٌ﴾ أيْ: كافِرٌ بِاتِّخاذِها آَلِهَةً، وهَذا إخْبارٌ عَمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ.
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [أيْ]: عَلى ما يَزْعُمُ مَن يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ ﴿لاصْطَفى﴾ أيْ: لاخْتارَ مِمّا يَخْلُقُ. قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ.
الزمر 39:4
(p-١٦٠)سُورَةُ الزُّمَرِ
وَتُسَمّى سُورَةُ الغُرَفِ
فَصْلٌ في نُزُولِها
رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] . وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا. . .﴾ الآَيَةُ [الزُّمَرِ: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] . وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ مَدَنِيَّتانِ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] . وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: فِيها ثَلاثُ آَياتٍ مَدَنِيّاتٍ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ:٥٣-٥٥] .
(p-١٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الكِتابُ هاهُنا القُرْآَنُ، ورَفْعُ "تَنْزِيلُ" مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: الِابْتِداءُ، ويَكُونُ الخَبَرُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، فالمَعْنى: نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والثّانِي: عَلى إضْمارِ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ؛ و ﴿مُخْلِصًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ فالمَعْنى: فاعْبُدِ اللَّهَ مُوَحِّدًا لا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ يَعْنِي: الخالِصُ مِنَ الشِّرْكِ، وما سِواهُ لَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؛ [وَقِيلَ]: المَعْنى: لا يَسْتَحِقُّ الدِّينَ الخالِصَ إلّا الِلَّهُ.
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنى آَلِهَةً، ويَدْخَلُ في هَؤُلاءِ اليَهُودُ حِينَ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ والنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] وجَمِيعُ عُبّادِ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [الزُّمَرِ: ٤] .
(p-١٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ أيْ: يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم ﴿إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ أيْ: إلّا لِيَشْفَعُوا لَنا إلى اللَّهِ. والزُّلْفى: القُرْبى، وهو اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ فِيما كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن أمْرِ الدِّينِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ ﴿مَن هو كاذِبٌ﴾ في قَوْلِهِ: إنَّ الآَلِهَهُ تَشْفَعُ ﴿كَفّارٌ﴾ أيْ: كافِرٌ بِاتِّخاذِها آَلِهَةً، وهَذا إخْبارٌ عَمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ.
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [أيْ]: عَلى ما يَزْعُمُ مَن يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ ﴿لاصْطَفى﴾ أيْ: لاخْتارَ مِمّا يَخْلُقُ. قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ.
الزمر 39:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [أيْ]: لَمْ يَخْلُقْهُما لِغَيْرِ شَيْءٍ.
(p-١٦٣)﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُدْخِلُ هَذا عَلى هَذا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ التَّكْوِيرِ: اللَّفُّ، ومِنهُ كَوَّرَ العِمامَةَ. وقالَ غَيْرُهُ. التَّكْوِيرُ: طَرْحُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما لِلسَّيْرِ عَلى ما أرادَ ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: إلى الأجَلِ الَّذِي وقَّتَ اللَّهُ لِلدُّنْيا. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى العَزِيزِ في [البَقَرَةِ: ١٢٩] ومَعْنى الغَفّارِ في [طه: ٨٢] .
الزمر 39:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ يَعْنِي آَدَمَ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ: قَبْلَ خَلْقِكم جَعَلَ مِنها زَوْجَها، لِأنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ قَبْلَ الذُّرِّيَّةِ، ومِثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ: قَدْ أعْطَيْتُكَ اليَوْمَ شَيْئًا، ثُمَّ الَّذِي أعْطَيْتُكَ أمْسُ أكْثَرَ؛ هَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. وقالَ غَيْرُهُ: ثُمَّ أخْبَرَكم أنَّهُ خَلَقَ مِنها زَوْجَها ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ﴾ أيْ: خَلَقَ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾، وقَدْ بَيَّنّاها في سُورَةِ [الأنْعامِ: ١٤٣]
﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أيْ: نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضْغًا ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ لَحْمًا ثُمَّ أنْبَتَ الشَّعْرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَقَلُّبِ الأحْوالِ إلى إخْراجِ الأطْفالِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَلْقًا في البُطُونِ مِن بَعْدِ خَلْقِكم في ظَهْرِ آَدَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ ظُلْمَةُ البَطْنِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ (p-١٦٤)المَشِيمَةِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ زَيْدٍ مَعَهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّها ظُلْمَةُ صُلْبِ الأبِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ المَرْأةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: مِن أيْنَ تُصْرَفُونَ عَنِ طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ؟!
الزمر 39:7
﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: عَنِ إيمانِكم وعِبادَتِكم ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يَرْضاهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا يَرْضاهُ لِأحَدٍ وإنْ وقَعَ بِإرادَتِهِ، وفَرْقٌ بَيْنَ الإرادَةِ والرِّضى، وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا في [البَقَرَةِ: ٢٠٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ .
﴿وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يَرْضى ذَلِكَ الشُّكْرَ لَكُمْ، ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما في القُلُوبِ.
الزمر 39:8
(p-١٦٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: في عَتَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّانِي: في أبِي حُذَيْفَةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والضُّرُّ: البَلاءُ والشِّدَّةُ.
﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ مِن شِرْكِهِ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ ومَلَكَهُ ﴿نِعْمَةً مِنهُ﴾ بَعْدَ البَلاءِ الَّذِي أصابَهُ، كالصِّحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ، والغِنى بَعْدَ الفَقْرِ ﴿نَسِيَ﴾ أيْ: تَرَكَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: نَسِيَ الدُّعاءَ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي [كانَ] يَدْعُو [اللَّهَ] إلى كَشْفِهِ. والثّالِثُ: نَسِيَ اللَّهَ الَّذِي [كانَ] يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ تَدُلُّ "ما" عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافِرُونَ: ٣] . وقالَ الفَرّاءُ: تَرَكَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الأنْدادِ [البَقَرَةِ: ٢٢] ومَعْنى ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحَجِّ: ٩] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ، ومِثْلُهُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٥٥] .
الزمر 39:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، (p-١٦٦)والمُفَضَّلُ عَنِ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "أمِنَ" بِالتَّخْفِيفِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُشَدَّدَةُ، فَمَعْناها: أهَذا الَّذِي ذَكَرْنا خَيْرٌ، أمَّنْ هو قانِتٌ؟ والأصْلُ في "أمَّنْ": أمْ مَن، فَأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ. وأمّا المُخَفَّفَةُ، فَفي تَقْدِيرِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى النِّداءِ. قالَ الفَرّاءُ: فَسَّرَها الَّذِينَ قَرَؤُوا بِها فَقالُوا: يا مَنَ هو قانِتٌ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ، والعَرَبُ تَدْعُو بِالألْفِ كَما تَدْعُو بِياءٍ، فَيَقُولُونَ: يا زَيْدُ أقْبِلْ، وأزَيْدُ أقْبِلْ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ ذَكَرَ النّاسِي الكافِرَ، ثُمَّ قَصَّ قِصَّةَ الصّالِحِ بِالنِّداءِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَصُومُ ولا يُصَلِّي، فَيا مَنَ يَصُومُ أبْشِرْ.
والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَها: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن لَيْسَ بِقانِتٍ؟!
والثّالِثُ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا؟!
وَقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى القُنُوتِ في [البَقَرَةِ: ١١٦] ومَعْنى ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ في [آَلِ عِمْرانَ: ١١٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾ يَعْنِي في الصَّلاةِ. وفِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-١٦٧)والثّانِي: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. والثّالِثُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمّارُ، وصُهَيْبٌ، وأبُو ذَرٍّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والخامِسُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابُ الآَخِرَةِ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "يُحَذِّرُ عَذابَ الآَخِرَةِ" بِزِيادَةِ "عَذابِ" .
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ (p-١٦٨)والعُقابَ حَقٌّ ﴿والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وباقِي الآَيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في [الرَّعْدِ: ١٩]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في [النَّحْلِ: ٣٠] .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ حَثَّ لَهم عَلى الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى حَيْثُ يَأْمَنُونَ. والثّانِي: أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ رَغَّبَهم فِيها.
﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما نالَهم ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ:يُعْطَوْنَ عَطاءً كَثِيرًا أوْسَعَ مِن أنْ يُحْسَبَ وأعْظَمَ مِن أنْ يُحاطَ بِهِ، لا عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ.
الزمر 39:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، (p-١٦٦)والمُفَضَّلُ عَنِ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "أمِنَ" بِالتَّخْفِيفِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُشَدَّدَةُ، فَمَعْناها: أهَذا الَّذِي ذَكَرْنا خَيْرٌ، أمَّنْ هو قانِتٌ؟ والأصْلُ في "أمَّنْ": أمْ مَن، فَأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ. وأمّا المُخَفَّفَةُ، فَفي تَقْدِيرِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى النِّداءِ. قالَ الفَرّاءُ: فَسَّرَها الَّذِينَ قَرَؤُوا بِها فَقالُوا: يا مَنَ هو قانِتٌ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ، والعَرَبُ تَدْعُو بِالألْفِ كَما تَدْعُو بِياءٍ، فَيَقُولُونَ: يا زَيْدُ أقْبِلْ، وأزَيْدُ أقْبِلْ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ ذَكَرَ النّاسِي الكافِرَ، ثُمَّ قَصَّ قِصَّةَ الصّالِحِ بِالنِّداءِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَصُومُ ولا يُصَلِّي، فَيا مَنَ يَصُومُ أبْشِرْ.
والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَها: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن لَيْسَ بِقانِتٍ؟!
والثّالِثُ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا؟!
وَقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى القُنُوتِ في [البَقَرَةِ: ١١٦] ومَعْنى ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ في [آَلِ عِمْرانَ: ١١٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾ يَعْنِي في الصَّلاةِ. وفِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-١٦٧)والثّانِي: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. والثّالِثُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمّارُ، وصُهَيْبٌ، وأبُو ذَرٍّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والخامِسُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابُ الآَخِرَةِ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "يُحَذِّرُ عَذابَ الآَخِرَةِ" بِزِيادَةِ "عَذابِ" .
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ (p-١٦٨)والعُقابَ حَقٌّ ﴿والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وباقِي الآَيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في [الرَّعْدِ: ١٩]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في [النَّحْلِ: ٣٠] .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ حَثَّ لَهم عَلى الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى حَيْثُ يَأْمَنُونَ. والثّانِي: أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ رَغَّبَهم فِيها.
﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما نالَهم ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ:يُعْطَوْنَ عَطاءً كَثِيرًا أوْسَعَ مِن أنْ يُحْسَبَ وأعْظَمَ مِن أنْ يُحاطَ بِهِ، لا عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ.
الزمر 39:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟! ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ (p-١٦٩)فَتَأْخُذَ بِها؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿أهْلِيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ. وإنَّما قالَ: ﴿وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ المُؤْمِنِينَ.
(p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.
وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ بِالجَنَّةِ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ. ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] (p-١٧١)يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
الزمر 39:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟! ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ (p-١٦٩)فَتَأْخُذَ بِها؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿أهْلِيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ. وإنَّما قالَ: ﴿وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ المُؤْمِنِينَ.
(p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.
وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ بِالجَنَّةِ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ. ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] (p-١٧١)يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
الزمر 39:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟! ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ (p-١٦٩)فَتَأْخُذَ بِها؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿أهْلِيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ. وإنَّما قالَ: ﴿وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ المُؤْمِنِينَ.
(p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.
وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ بِالجَنَّةِ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ. ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] (p-١٧١)يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
الزمر 39:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟! ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ (p-١٦٩)فَتَأْخُذَ بِها؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿أهْلِيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ. وإنَّما قالَ: ﴿وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ المُؤْمِنِينَ.
(p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.
وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ بِالجَنَّةِ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ. ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] (p-١٧١)يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
الزمر 39:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟! ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ (p-١٦٩)فَتَأْخُذَ بِها؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿أهْلِيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ. وإنَّما قالَ: ﴿وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ المُؤْمِنِينَ.
(p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.
وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ بِالجَنَّةِ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ. ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] (p-١٧١)يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
الزمر 39:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟! ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ (p-١٦٩)فَتَأْخُذَ بِها؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿أهْلِيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ. وإنَّما قالَ: ﴿وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ المُؤْمِنِينَ.
(p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.
وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ بِالجَنَّةِ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ. ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] (p-١٧١)يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
الزمر 39:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟! ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ (p-١٦٩)فَتَأْخُذَ بِها؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿أهْلِيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ. وإنَّما قالَ: ﴿وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ المُؤْمِنِينَ.
(p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.
وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ بِالجَنَّةِ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ. ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] (p-١٧١)يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
الزمر 39:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟! ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ (p-١٦٩)فَتَأْخُذَ بِها؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿أهْلِيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ. وإنَّما قالَ: ﴿وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ المُؤْمِنِينَ.
(p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.
وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ بِالجَنَّةِ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ. ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] (p-١٧١)يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
الزمر 39:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ في النّارِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الآَيَةِ اسْتِفْهامانِ بِلا جَوابٍ؟
قِيلَ: أمّا الفَرّاءُ، فَإنَّهُ يَقُولُ: هَذا مِمّا يُرادُ بِهِ اسْتِفْهامٌ واحِدٌ، فَسَبَقَ الِاسْتِفْهامَ إلى غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَرُدَّ إلى مَوْضِعِهِ الَّذِي هو لَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ؟ ومِثْلُهُ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٥] فَرَدَّ "أنَّكُمْ" مَرَّتَيْنِ، والمَعْنى: أيَعِدُكم أنَّكم مُخْرَجُونَ إذا مُتُّمْ؟ ومِثْلُهُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ [آَلِ عِمْرانَ: ١٨٨] فَرَدَّ "تَحْسَبَنَّ" مَرَّتَيْنِ، والمَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَيَتَخَلَّصُ مِنهُ أوْ يَنْجُو، أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: أفَأنْتَ (p-١٧٢)تَخَلِّصُهُ مِمّا قُدِّرَ لَهُ فَتَجْعَلُهُ مُؤْمِنًا؟ والمَعْنى: ما تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ بِهَذِهِ الآَيَةِ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الإيمانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو جَعْفَرٍ: "لَكِنْ" بِتَشْدِيدِ النُّونِ [وَفَتْحِها] . قالَ الزَّجّاجُ: والغُرَفُ: هي المَنازِلُ الرَّفِيعَةُ في الجَنَّةِ، ﴿مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ أيْ: مَنازِلٌ أرْفَعُ مِنها.
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ فالمَعْنى: وعَدَهُمُ اللَّهُ غُرَفًا وعْدًا. ومَن قَرَأ: "وَعْدُ اللَّهِ" بِالرَّفْعِ؛ المَعْنى: ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ.
الزمر 39:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ في النّارِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الآَيَةِ اسْتِفْهامانِ بِلا جَوابٍ؟
قِيلَ: أمّا الفَرّاءُ، فَإنَّهُ يَقُولُ: هَذا مِمّا يُرادُ بِهِ اسْتِفْهامٌ واحِدٌ، فَسَبَقَ الِاسْتِفْهامَ إلى غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَرُدَّ إلى مَوْضِعِهِ الَّذِي هو لَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ؟ ومِثْلُهُ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٥] فَرَدَّ "أنَّكُمْ" مَرَّتَيْنِ، والمَعْنى: أيَعِدُكم أنَّكم مُخْرَجُونَ إذا مُتُّمْ؟ ومِثْلُهُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ [آَلِ عِمْرانَ: ١٨٨] فَرَدَّ "تَحْسَبَنَّ" مَرَّتَيْنِ، والمَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَيَتَخَلَّصُ مِنهُ أوْ يَنْجُو، أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: أفَأنْتَ (p-١٧٢)تَخَلِّصُهُ مِمّا قُدِّرَ لَهُ فَتَجْعَلُهُ مُؤْمِنًا؟ والمَعْنى: ما تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ بِهَذِهِ الآَيَةِ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الإيمانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو جَعْفَرٍ: "لَكِنْ" بِتَشْدِيدِ النُّونِ [وَفَتْحِها] . قالَ الزَّجّاجُ: والغُرَفُ: هي المَنازِلُ الرَّفِيعَةُ في الجَنَّةِ، ﴿مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ أيْ: مَنازِلٌ أرْفَعُ مِنها.
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ فالمَعْنى: وعَدَهُمُ اللَّهُ غُرَفًا وعْدًا. ومَن قَرَأ: "وَعْدُ اللَّهِ" بِالرَّفْعِ؛ المَعْنى: ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ.
الزمر 39:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: كَلَّ ما في الأرْضِ فَمِنَ السَّماءِ يَنْزِلُ ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أدْخَلَهُ فَجَعَلَهُ يَنابِيعَ، أيْ: عُيُونًا تَنْبُعُ، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أيْ: يَيْبَسُ. قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ لِلثَّبْتِ إذا تَمَّ جَفافُهُ: قَدْ هاجَ يَهِيجُ هَيْجًا.
فَأمّا الحُطامُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو ما يَبِسَ فُتُحاتٍ مِنَ النَّباتِ، ومَثَلُهُ الرُّفاتُ. قالَ مُقاتِلٌ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَ الدُّنْيا، بَيْنا تَرى النَّبْتَ أخْضَرَ، إذْ تَغَيَّرَ فَيَبِسَ ثُمَّ هَلَكَ،وَكَذَلِكَ الدُّنْيا وزِينَتُها. وقالَ غَيْرُهُ: هَذا البَيانُ لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
الزمر 39:22
(p-١٧٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُهُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ الكَلامَ دالٌّ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ فاهْتَدى كَمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾؛ وقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآَيَةَ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما هَذا الشَّرْحُ؟» فَذَكَرَ حَدِيثًا قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: اليَقِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: كِتابُ اللَّهِ يَأْخُذُ بِهِ ويَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: البَيانُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: الهُدى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-١٧٤)وَفِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ وأبِي لَهَبٍ ووَلَدِهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي أبِي جَهْلٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قَدْ بَيَّنّا مَعْنى القَساوَةِ في [البَقَرَةِ: ٧٤] .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقْسُو القَلْبُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ كُلَّما تُلِيَ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ اللَّهِ الَّذِي يُكَذِّبُونَ بِهِ، قَسَتْ قُلُوبُهم عَنِ الإيمانِ بِهِ. وذَهَبَ مُقاتِلٌ في آَخَرِينَ إلى أنَّ "مِن" هاهُنا بِمَعْنى "عَنْ"، قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ: أتْخَمْتُ عَنِ طَعامٍ أكَلْتُهُ، ومِن طَعامٍ أكَلْتَهُ؛ وإنَّما قَسَتْ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ، لِأنَّهم جَعَلُوهُ كَذِبًا فَأقْسى قُلُوبَهُمْ؛ ومَن قالَ: قَسَتْ قُلُوبُهم عَنْهُ، أرادَ: أعْرَضَتْ عَنْهُ. و [قَدْ] قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عِمْرانَ: "قُلُوبُهم عَنِ ذِكْرِ اللَّهِ" مَكانَ قَوْلِهِ: "مِن" .
الزمر 39:23
(p-١٧٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ؛ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها في أوَّلِ [يُوسُفَ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بَعْضًا في الآَيِ والحُرُوفِ، فالآَيَةُ تُشْبِهُ الآَيَةَ، والكَلِمَةُ تُشْبِهُ الكَلِمَةَ، والحَرْفُ يُشْبِهُ الحَرْفَ.
والثّانِي: أنَّ بَعْضَهُ يُصَدِّقُ بَعْضًا، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُضٌ.
وَإنَّما قِيلَ لَهُ: ﴿مَثانِيَ﴾ لِأنَّهُ كُرِّرَتْ فِيهِ القَصَصُ والفَرائِضُ والحُدُودُ والثَّوابُ والعِقابُ.
فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في تَكْرارِ القَصَصِ، والواحِدَةُ قَدْ كانَتْ تَكْفِي؟
فالجَوابُ: أنَّ وُفُودَ العَرَبِ كانَتْ تَرُدُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيُقْرِئُهُمُ المُسْلِمُونَ شَيْئًا مِنَ القُرْآَنِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كافِيًا لَهُمْ، وكانَ يَبْعَثُ إلى القَبائِلِ المُتَفَرِّقَةِ بِالسُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنَ الأنْباءُ والقَصَصُ مُثَنّاةً مُكَرَّرَةً، لَوَقَعَتْ قِصَّةُ مُوسى إلى قَوْمٍ، وقِصَّةُ عِيسى إلى قَوْمٍ، وقِصَّةُ نُوحٍ إلى قَوْمٍ، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنَّ يُشْهِرَ هَذِهِ القَصَصَ في أطْرافِ الأرْضِ ويُلْقِيَها إلى كُلِّ سَمْعٍ. فَأمّا فائِدَةُ تَكْرارِ الكَلامِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: " فَبِأيِّ آَلاءِ رَبِّكُما تَكْذِبانِ " [الرَّحْمَنِ]، وقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافِرُونَ]، وقَوْلُهُ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القِيامَةِ: ٣٤، ٣٥] ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٧، ١٨] فَسَنَذْكُرُها في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ] عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ: تَأْخُذُهم (p-١٧٦)قَشْعَرِيرَةٌ، وهو تَغَيُّرٌ يَحْدُثُ في جِلْدِ الإنْسانِ مِنَ الوَجَلِ. ورَوى العَبّاسُ ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا اقْشَعَرَّ جِلْدُ العَبْدِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، تَحاتَّتْ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها" .»
وَفِي مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: تَقْشَعِرُّ مِن وعِيدِهِ، وتَلِينُ عِنْدَ وعْدِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: تَقْشَعِرُّ مِنَ الخَوْفِ، وتَلِينُ مِنَ الرَّجاءِ. والثّالِثُ: تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ لِإعْظامِهِ، وتَلِينُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: مَفْعُولُ الذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مَحْذُوفٌ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ؛ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ الجَنَّةَ والثَّوابَ. قالَ قَتادَةُ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ، تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم [وَتَلِينُ قُلُوبُهُمْ]، ولَمْ يَنْعِتْهم بِذَهابِ عُقُولِهِمْ والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ، إنَّما هَذا في أهْلِ البِدَعِ، وهَذا مِنَ الشَّيْطانِ. وقَدْ رَوى أبُو حازِمٍ، قالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِرَجُلٍ ساقِطٍ مِن أهْلِ العِراقِ، فَقالَ: ما شَأْنُهُ؟ فَقالُوا: إنَّهُ إذا قُرِئَ عَليْهِ القُرْآَنُ يُصِيبُهُ هَذا، قالَ: إنّا لَنَخْشى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وما نَسْقُطُ. «وَقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: جِئْتُ أُبَيَّ، فَقالَ لِي: أيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: وجَدْتُ قَوْمًا، ما رَأيْتُ خَيْرًا مِنهم قَطُّ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَيُرْعِدُ واحِدُهم حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَعَدْتُ مَعَهُمْ، فَقالَ: لا تَقْعُدْ مَعَهم بَعْدَها [أبَدًا]، قالَ: فَرَآَنِي (p-١٧٧)كَأنِّي لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ فِيَّ، فَقالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتْلُو القُرْآَنَ، ورَأيْتُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَتْلُوانِ القُرْآَنَ فَلا يُصِيبُهم هَذا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، أفْتَرى أنَّهم أخْشى لِلَّهِ مِن أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ؟ قالَ: فَرَأيْتُ ذَلِكَ كَذَلِكَ.» وقالَ عِكْرِمَةُ: سُئِلَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: هَلْ كانَ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ؟ قالَتْ: لا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْكُونَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَلَتُ لِجَدَّتَيْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، كَيْفَ كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُونَ إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآَنُ؟ قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَعالى، تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم. فَقُلْتُ لَها: إنَّ ناسًا اليَوْمَ إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآَنُ، خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وكانَ جَوابٌ يُرْعِدُ عِنْدَ الذِّكْرِ، فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ: إنْ كُنْتَ تَمْلِكُهُ، فَما أُبالِي أنْ لا أعْتَدَّ بِكَ، وإنْ كُنْتَ لا تَمْلِكُهُ، فَقَدْ خالَفْتَ مَن كانَ قَبْلَكَ.
(p-١٧٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ ما يَنْزِلُ بِالمُؤْمِنِينَ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآَنِ مِنَ اقْشِعْرارِ الجُلُودِ عِنْدَ الوَعِيدِ، ولِينِها عِنْدَ الوَعْدِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
الزمر 39:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: شِدَّتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولًا، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَها إلّا بِوَجْهِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءُ كَسْبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وهم آَمِنُونَ غافِلُونَ عَنِ العَذابِ، (p-١٧٩)﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ يَعْنِي الهَوانُ والعَذابُ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ مِمّا أصابَهم في الدُّنْيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: وصَفْنا لَهم ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَبَهٍ يُشْبِهُ أحْوالَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "عَرَبِيًّا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآَنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، فَذَكَرَ "قُرْآَنًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، وجاءَنِي عَمْرٌو إنْسانًا عاقِلًا، فَذَكَرَ رَجُلًا وإنْسانًا تَوْكِيدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقالَ غَيْرُهُ: مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ.
الزمر 39:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: شِدَّتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولًا، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَها إلّا بِوَجْهِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءُ كَسْبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وهم آَمِنُونَ غافِلُونَ عَنِ العَذابِ، (p-١٧٩)﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ يَعْنِي الهَوانُ والعَذابُ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ مِمّا أصابَهم في الدُّنْيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: وصَفْنا لَهم ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَبَهٍ يُشْبِهُ أحْوالَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "عَرَبِيًّا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآَنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، فَذَكَرَ "قُرْآَنًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، وجاءَنِي عَمْرٌو إنْسانًا عاقِلًا، فَذَكَرَ رَجُلًا وإنْسانًا تَوْكِيدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقالَ غَيْرُهُ: مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ.
الزمر 39:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: شِدَّتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولًا، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَها إلّا بِوَجْهِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءُ كَسْبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وهم آَمِنُونَ غافِلُونَ عَنِ العَذابِ، (p-١٧٩)﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ يَعْنِي الهَوانُ والعَذابُ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ مِمّا أصابَهم في الدُّنْيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: وصَفْنا لَهم ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَبَهٍ يُشْبِهُ أحْوالَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "عَرَبِيًّا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآَنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، فَذَكَرَ "قُرْآَنًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، وجاءَنِي عَمْرٌو إنْسانًا عاقِلًا، فَذَكَرَ رَجُلًا وإنْسانًا تَوْكِيدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقالَ غَيْرُهُ: مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ.
الزمر 39:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: شِدَّتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولًا، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَها إلّا بِوَجْهِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءُ كَسْبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وهم آَمِنُونَ غافِلُونَ عَنِ العَذابِ، (p-١٧٩)﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ يَعْنِي الهَوانُ والعَذابُ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ مِمّا أصابَهم في الدُّنْيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: وصَفْنا لَهم ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَبَهٍ يُشْبِهُ أحْوالَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "عَرَبِيًّا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآَنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، فَذَكَرَ "قُرْآَنًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، وجاءَنِي عَمْرٌو إنْسانًا عاقِلًا، فَذَكَرَ رَجُلًا وإنْسانًا تَوْكِيدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقالَ غَيْرُهُ: مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ.
الزمر 39:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: شِدَّتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولًا، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَها إلّا بِوَجْهِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءُ كَسْبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وهم آَمِنُونَ غافِلُونَ عَنِ العَذابِ، (p-١٧٩)﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ يَعْنِي الهَوانُ والعَذابُ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ مِمّا أصابَهم في الدُّنْيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: وصَفْنا لَهم ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَبَهٍ يُشْبِهُ أحْوالَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "عَرَبِيًّا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآَنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، فَذَكَرَ "قُرْآَنًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، وجاءَنِي عَمْرٌو إنْسانًا عاقِلًا، فَذَكَرَ رَجُلًا وإنْسانًا تَوْكِيدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقالَ غَيْرُهُ: مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ.
الزمر 39:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُخْتَلِفُونَ، يَتَنازَعُونَ ويَتَشاحُّونَ فِيهِ، يُقالُ: رَجُلٌ شَكِسٌ. وقالَ اليَزِيدِيُّ: الشَّكِسُ مِنَ الرِّجالِ: الضَّيِّقُ الخُلُقَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَإنَّ الكافِرَ يَعْبُدُ (p-١٨٠)آَلِهَةً شَتّى، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ يَمْلِكُهُ جَماعَةٌ يَتَنافَسُونَ في خِدْمَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَبْلُغَ رِضاهم أجْمَعِينَ؛ والمُؤْمِنُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ، قَدْ عَلِمَ مَقاصِدَهُ وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضاهُ، فَهو في راحَةٍ مِن تَشاكُسِ الخُلَطاءِ فِيهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو إلّا عَبْدَ الوارِثِ في غَيْرِ رِوايَةِ القَزّازِ، وأبانٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَرَجُلًا سالِمًا" بِألْفٍ وكَسْرِ اللّامِ وبِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ فِيهِما؛ والمَعْنى: ورَجُلًا خالِصًا لِرَجُلٍ قَدْ سَلَّمَ لَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ. ورَواهُ عَبْدُ الوارِثِ إلّا القَزّازُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ رَفَعَ الِاسْمَيْنِ، فَقالَ: "وَرَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ" وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَلِمَ لِرَجُلٍ" بِكَسْرِ السِّينِ ورَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الباقُونَ: "وَرَجُلًا سَلَمًا" بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ [وَبِالنَّصْبِ] فِيهِما والتَّنْوِينِ. والسَّلَمُ، بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، مَعْناهُ الصُّلْحُ، والسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: "سِلْمًا" و "سَلْمًا" فَهُما مَصْدَرانِ وُصِفَ بِهِما، فالمَعْنى: ورَجُلًا ذا سِلْمٍ لِرَجُلٍ وذا سَلْمٍ لِرَجُلٍ؛ فالمَعْنى: ذا سَلْمٍ؛ والسَّلْمُ: الصُّلْحُ، والسِّلْمُ، بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [مَن قَرَأ]: "سَلَمًا لِرَجُلٍ" أرادَ: سَلِمَ إلَيْهِ فَهو سِلْمٌ لَهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلْمُ والسِّلْمُ الصُّلْحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: لا يَسْتَوِيانِ، لِأنَّ الخالِصَ لِمالِكٍ واحِدٍ يَسْتَحِقُّ مِن مَعُونَتِهِ وإحْسانِهِ ما لا يَسْتَحِقُّهُ صاحِبُ الشُّرَكاءِ المُتَشاكِسِينَ. وقِيلَ: لا يَسْتَوِيانِ في بابِ الرّاحَةِ، لِأنَّ هَذا قَدْ عَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضى مالِكِهِ، وذاكَ مُتَحَيِّرٌ بَيْنَ الشُّرَكاءِ. قالَ ثَعْلَبُ: وإنَّما قالَ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ ولَمْ يَقُلْ: مَثَلَيْنِ، لِأنَّهُما جَمِيعًا ضَرَبا (p-١٨١)مَثَلًا واحِدًا، ومِثْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٠]، ولَمْ يَقُلْ: آَيَتَيْنِ، لِأنَّ شَأْنَهُما واحِدٌ. وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: لَهُ الحَمْدُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَعْبُودِينَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ بِما بَعْدَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ يَمُوتُ، وأنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَهُ يَمُوتُونَ، وأنَّهم يَجْتَمِعُونَ لِلْخُصُومَةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، المُحِقِّ والمُبْطِلِ، والمَظْلُومِ والظّالِمِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها، وما نَرى أنَّها نَزَلَتِ الّا فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ، حَتّى قُتِلَ عُثْمانُ، فَعَرَفَتُ أنَّها فِينا نَزَلَتْ. وفي لَفْظٍ آَخَرَ: حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ.
الزمر 39:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُخْتَلِفُونَ، يَتَنازَعُونَ ويَتَشاحُّونَ فِيهِ، يُقالُ: رَجُلٌ شَكِسٌ. وقالَ اليَزِيدِيُّ: الشَّكِسُ مِنَ الرِّجالِ: الضَّيِّقُ الخُلُقَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَإنَّ الكافِرَ يَعْبُدُ (p-١٨٠)آَلِهَةً شَتّى، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ يَمْلِكُهُ جَماعَةٌ يَتَنافَسُونَ في خِدْمَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَبْلُغَ رِضاهم أجْمَعِينَ؛ والمُؤْمِنُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ، قَدْ عَلِمَ مَقاصِدَهُ وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضاهُ، فَهو في راحَةٍ مِن تَشاكُسِ الخُلَطاءِ فِيهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو إلّا عَبْدَ الوارِثِ في غَيْرِ رِوايَةِ القَزّازِ، وأبانٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَرَجُلًا سالِمًا" بِألْفٍ وكَسْرِ اللّامِ وبِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ فِيهِما؛ والمَعْنى: ورَجُلًا خالِصًا لِرَجُلٍ قَدْ سَلَّمَ لَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ. ورَواهُ عَبْدُ الوارِثِ إلّا القَزّازُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ رَفَعَ الِاسْمَيْنِ، فَقالَ: "وَرَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ" وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَلِمَ لِرَجُلٍ" بِكَسْرِ السِّينِ ورَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الباقُونَ: "وَرَجُلًا سَلَمًا" بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ [وَبِالنَّصْبِ] فِيهِما والتَّنْوِينِ. والسَّلَمُ، بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، مَعْناهُ الصُّلْحُ، والسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: "سِلْمًا" و "سَلْمًا" فَهُما مَصْدَرانِ وُصِفَ بِهِما، فالمَعْنى: ورَجُلًا ذا سِلْمٍ لِرَجُلٍ وذا سَلْمٍ لِرَجُلٍ؛ فالمَعْنى: ذا سَلْمٍ؛ والسَّلْمُ: الصُّلْحُ، والسِّلْمُ، بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [مَن قَرَأ]: "سَلَمًا لِرَجُلٍ" أرادَ: سَلِمَ إلَيْهِ فَهو سِلْمٌ لَهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلْمُ والسِّلْمُ الصُّلْحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: لا يَسْتَوِيانِ، لِأنَّ الخالِصَ لِمالِكٍ واحِدٍ يَسْتَحِقُّ مِن مَعُونَتِهِ وإحْسانِهِ ما لا يَسْتَحِقُّهُ صاحِبُ الشُّرَكاءِ المُتَشاكِسِينَ. وقِيلَ: لا يَسْتَوِيانِ في بابِ الرّاحَةِ، لِأنَّ هَذا قَدْ عَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضى مالِكِهِ، وذاكَ مُتَحَيِّرٌ بَيْنَ الشُّرَكاءِ. قالَ ثَعْلَبُ: وإنَّما قالَ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ ولَمْ يَقُلْ: مَثَلَيْنِ، لِأنَّهُما جَمِيعًا ضَرَبا (p-١٨١)مَثَلًا واحِدًا، ومِثْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٠]، ولَمْ يَقُلْ: آَيَتَيْنِ، لِأنَّ شَأْنَهُما واحِدٌ. وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: لَهُ الحَمْدُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَعْبُودِينَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ بِما بَعْدَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ يَمُوتُ، وأنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَهُ يَمُوتُونَ، وأنَّهم يَجْتَمِعُونَ لِلْخُصُومَةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، المُحِقِّ والمُبْطِلِ، والمَظْلُومِ والظّالِمِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها، وما نَرى أنَّها نَزَلَتِ الّا فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ، حَتّى قُتِلَ عُثْمانُ، فَعَرَفَتُ أنَّها فِينا نَزَلَتْ. وفي لَفْظٍ آَخَرَ: حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ.
الزمر 39:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُخْتَلِفُونَ، يَتَنازَعُونَ ويَتَشاحُّونَ فِيهِ، يُقالُ: رَجُلٌ شَكِسٌ. وقالَ اليَزِيدِيُّ: الشَّكِسُ مِنَ الرِّجالِ: الضَّيِّقُ الخُلُقَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَإنَّ الكافِرَ يَعْبُدُ (p-١٨٠)آَلِهَةً شَتّى، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ يَمْلِكُهُ جَماعَةٌ يَتَنافَسُونَ في خِدْمَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَبْلُغَ رِضاهم أجْمَعِينَ؛ والمُؤْمِنُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ، قَدْ عَلِمَ مَقاصِدَهُ وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضاهُ، فَهو في راحَةٍ مِن تَشاكُسِ الخُلَطاءِ فِيهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو إلّا عَبْدَ الوارِثِ في غَيْرِ رِوايَةِ القَزّازِ، وأبانٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَرَجُلًا سالِمًا" بِألْفٍ وكَسْرِ اللّامِ وبِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ فِيهِما؛ والمَعْنى: ورَجُلًا خالِصًا لِرَجُلٍ قَدْ سَلَّمَ لَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ. ورَواهُ عَبْدُ الوارِثِ إلّا القَزّازُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ رَفَعَ الِاسْمَيْنِ، فَقالَ: "وَرَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ" وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَلِمَ لِرَجُلٍ" بِكَسْرِ السِّينِ ورَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الباقُونَ: "وَرَجُلًا سَلَمًا" بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ [وَبِالنَّصْبِ] فِيهِما والتَّنْوِينِ. والسَّلَمُ، بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، مَعْناهُ الصُّلْحُ، والسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: "سِلْمًا" و "سَلْمًا" فَهُما مَصْدَرانِ وُصِفَ بِهِما، فالمَعْنى: ورَجُلًا ذا سِلْمٍ لِرَجُلٍ وذا سَلْمٍ لِرَجُلٍ؛ فالمَعْنى: ذا سَلْمٍ؛ والسَّلْمُ: الصُّلْحُ، والسِّلْمُ، بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [مَن قَرَأ]: "سَلَمًا لِرَجُلٍ" أرادَ: سَلِمَ إلَيْهِ فَهو سِلْمٌ لَهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلْمُ والسِّلْمُ الصُّلْحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: لا يَسْتَوِيانِ، لِأنَّ الخالِصَ لِمالِكٍ واحِدٍ يَسْتَحِقُّ مِن مَعُونَتِهِ وإحْسانِهِ ما لا يَسْتَحِقُّهُ صاحِبُ الشُّرَكاءِ المُتَشاكِسِينَ. وقِيلَ: لا يَسْتَوِيانِ في بابِ الرّاحَةِ، لِأنَّ هَذا قَدْ عَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضى مالِكِهِ، وذاكَ مُتَحَيِّرٌ بَيْنَ الشُّرَكاءِ. قالَ ثَعْلَبُ: وإنَّما قالَ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ ولَمْ يَقُلْ: مَثَلَيْنِ، لِأنَّهُما جَمِيعًا ضَرَبا (p-١٨١)مَثَلًا واحِدًا، ومِثْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٠]، ولَمْ يَقُلْ: آَيَتَيْنِ، لِأنَّ شَأْنَهُما واحِدٌ. وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: لَهُ الحَمْدُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَعْبُودِينَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ بِما بَعْدَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ يَمُوتُ، وأنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَهُ يَمُوتُونَ، وأنَّهم يَجْتَمِعُونَ لِلْخُصُومَةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، المُحِقِّ والمُبْطِلِ، والمَظْلُومِ والظّالِمِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها، وما نَرى أنَّها نَزَلَتِ الّا فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ، حَتّى قُتِلَ عُثْمانُ، فَعَرَفَتُ أنَّها فِينا نَزَلَتْ. وفي لَفْظٍ آَخَرَ: حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ.
الزمر 39:32
(p-١٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ بِأنْ دَعا لَهُ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآَنُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَقامٌ لِلْجاحِدِينَ؟! وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، يَعْنِي: إنَّهُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. ثُمَّ في الصِّدْقِ الَّذِي جاءَ بِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
[وَفِي الَّذِي صَدَّقَ بِهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيْضًا، هو جاءَ بِالصِّدْقِ، وهو صَدَّقَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ. والثّانِي: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ]، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: [أنَّ] الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: أهْلُ القُرْآَنِ، وهو الصِّدْقُ الَّذِي يُجِيبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أدُّوا حَقَّهُ، فَهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ الأنْبِياءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، فَعَلى هَذا، يَكُونُ الَّذِي صَدَّقَ بِهِ: المُؤْمِنُونَ.
والرّابِعُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: جِبْرِيلُ، وصَدَّقَ بِهِ: مُحَمَّدٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
(p-١٨٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ؛ وإنَّما قِيلَ: "هُمْ"، لِأنَّ مَعْنى "الَّذِي" مَعْنى الجَمْعِ، كَذَلِكَ قالَ اللُّغَوِيُّونَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ:
؎ فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجٍ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ، كُلُّ القَوْمِ، يا أمَّ خالِدٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ المَعْنى: أعْطاهم ما شاؤُوا لِيُكَفِّرَ عَنْهم ﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾، أيْ: لِيَسْتُرَ ذَلِكَ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَيَجْزِيَهم أجْرَهُمْ﴾ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، لا بِمَساوِئِها.
الزمر 39:33
(p-١٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ بِأنْ دَعا لَهُ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآَنُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَقامٌ لِلْجاحِدِينَ؟! وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، يَعْنِي: إنَّهُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. ثُمَّ في الصِّدْقِ الَّذِي جاءَ بِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
[وَفِي الَّذِي صَدَّقَ بِهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيْضًا، هو جاءَ بِالصِّدْقِ، وهو صَدَّقَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ. والثّانِي: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ]، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: [أنَّ] الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: أهْلُ القُرْآَنِ، وهو الصِّدْقُ الَّذِي يُجِيبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أدُّوا حَقَّهُ، فَهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ الأنْبِياءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، فَعَلى هَذا، يَكُونُ الَّذِي صَدَّقَ بِهِ: المُؤْمِنُونَ.
والرّابِعُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: جِبْرِيلُ، وصَدَّقَ بِهِ: مُحَمَّدٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
(p-١٨٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ؛ وإنَّما قِيلَ: "هُمْ"، لِأنَّ مَعْنى "الَّذِي" مَعْنى الجَمْعِ، كَذَلِكَ قالَ اللُّغَوِيُّونَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ:
؎ فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجٍ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ، كُلُّ القَوْمِ، يا أمَّ خالِدٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ المَعْنى: أعْطاهم ما شاؤُوا لِيُكَفِّرَ عَنْهم ﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾، أيْ: لِيَسْتُرَ ذَلِكَ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَيَجْزِيَهم أجْرَهُمْ﴾ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، لا بِمَساوِئِها.
الزمر 39:34
(p-١٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ بِأنْ دَعا لَهُ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآَنُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَقامٌ لِلْجاحِدِينَ؟! وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، يَعْنِي: إنَّهُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. ثُمَّ في الصِّدْقِ الَّذِي جاءَ بِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
[وَفِي الَّذِي صَدَّقَ بِهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيْضًا، هو جاءَ بِالصِّدْقِ، وهو صَدَّقَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ. والثّانِي: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ]، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: [أنَّ] الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: أهْلُ القُرْآَنِ، وهو الصِّدْقُ الَّذِي يُجِيبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أدُّوا حَقَّهُ، فَهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ الأنْبِياءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، فَعَلى هَذا، يَكُونُ الَّذِي صَدَّقَ بِهِ: المُؤْمِنُونَ.
والرّابِعُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: جِبْرِيلُ، وصَدَّقَ بِهِ: مُحَمَّدٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
(p-١٨٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ؛ وإنَّما قِيلَ: "هُمْ"، لِأنَّ مَعْنى "الَّذِي" مَعْنى الجَمْعِ، كَذَلِكَ قالَ اللُّغَوِيُّونَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ:
؎ فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجٍ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ، كُلُّ القَوْمِ، يا أمَّ خالِدٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ المَعْنى: أعْطاهم ما شاؤُوا لِيُكَفِّرَ عَنْهم ﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾، أيْ: لِيَسْتُرَ ذَلِكَ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَيَجْزِيَهم أجْرَهُمْ﴾ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، لا بِمَساوِئِها.
الزمر 39:35
(p-١٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ بِأنْ دَعا لَهُ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآَنُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَقامٌ لِلْجاحِدِينَ؟! وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، يَعْنِي: إنَّهُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. ثُمَّ في الصِّدْقِ الَّذِي جاءَ بِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
[وَفِي الَّذِي صَدَّقَ بِهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيْضًا، هو جاءَ بِالصِّدْقِ، وهو صَدَّقَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ. والثّانِي: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ]، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: [أنَّ] الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: أهْلُ القُرْآَنِ، وهو الصِّدْقُ الَّذِي يُجِيبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أدُّوا حَقَّهُ، فَهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ الأنْبِياءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، فَعَلى هَذا، يَكُونُ الَّذِي صَدَّقَ بِهِ: المُؤْمِنُونَ.
والرّابِعُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: جِبْرِيلُ، وصَدَّقَ بِهِ: مُحَمَّدٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
(p-١٨٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ؛ وإنَّما قِيلَ: "هُمْ"، لِأنَّ مَعْنى "الَّذِي" مَعْنى الجَمْعِ، كَذَلِكَ قالَ اللُّغَوِيُّونَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ:
؎ فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجٍ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ، كُلُّ القَوْمِ، يا أمَّ خالِدٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ المَعْنى: أعْطاهم ما شاؤُوا لِيُكَفِّرَ عَنْهم ﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾، أيْ: لِيَسْتُرَ ذَلِكَ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَيَجْزِيَهم أجْرَهُمْ﴾ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، لا بِمَساوِئِها.
الزمر 39:36
(p-١٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما تَزالُ تَذْكُرُ آَلِهَتُنا وتَعِيبُها، فاتَّقِ أنْ تُصِيبَكَ بِسُوءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. والمُرادُ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ .
وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ، وهُمُ الأنْبِياءُ، لِأنَّ الأُمَمَ قَصَدَتْهم بِالسُّوءِ؛ فالمَعْنى أنَّهُ كَما كَفى الأنْبِياءَ قَبْلَكَ، يَكْفِيكَ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "بِكافِي" مُثْبِتَةَ الياءِ "عَبْدَهُ" بِكَسْرِ الدّالِ والهاءِ مِن غَيْرِ ألْفٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو الجَوْزاءِ، والشَّعْبِيُّ مَثْلَهُ، إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الألِفَ في "عِبادِهِ" . وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "بِكافٍ" بِالتَّنْوِينِ، "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: "يُكافِي" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ الكافِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الفاءِ "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ.
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، وهُمُ الأصْنامُ.
ثُمَّ أعْلَمَ بِما بَعْدَ هَذا أنَّ الإضْلالَ والهِدايَةَ إلَيْهِ تَعالى، وأنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ عَصاهُ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم مَعَ عِبادَتِهِمْ، يُقِرُّونَ أنَّهُ الخالِقُ. ثُمَّ أمَرَ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما يَعْبُدُونَ لا يَمْلِكَ كَشْفَ ضُرٍّ ولا جَذْبَ خَيْرٍ.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنِ عاصِمٍ: "كاشِفاتٌ ضُرَّهُ" و "مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ" مَنَّوْنًا. والباقُونَ: "كاشِفاتُ ضُرِّهِ" و "مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ" عَلى الإضافَةِ.
الزمر 39:37
(p-١٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما تَزالُ تَذْكُرُ آَلِهَتُنا وتَعِيبُها، فاتَّقِ أنْ تُصِيبَكَ بِسُوءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. والمُرادُ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ .
وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ، وهُمُ الأنْبِياءُ، لِأنَّ الأُمَمَ قَصَدَتْهم بِالسُّوءِ؛ فالمَعْنى أنَّهُ كَما كَفى الأنْبِياءَ قَبْلَكَ، يَكْفِيكَ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "بِكافِي" مُثْبِتَةَ الياءِ "عَبْدَهُ" بِكَسْرِ الدّالِ والهاءِ مِن غَيْرِ ألْفٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو الجَوْزاءِ، والشَّعْبِيُّ مَثْلَهُ، إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الألِفَ في "عِبادِهِ" . وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "بِكافٍ" بِالتَّنْوِينِ، "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: "يُكافِي" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ الكافِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الفاءِ "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ.
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، وهُمُ الأصْنامُ.
ثُمَّ أعْلَمَ بِما بَعْدَ هَذا أنَّ الإضْلالَ والهِدايَةَ إلَيْهِ تَعالى، وأنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ عَصاهُ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم مَعَ عِبادَتِهِمْ، يُقِرُّونَ أنَّهُ الخالِقُ. ثُمَّ أمَرَ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما يَعْبُدُونَ لا يَمْلِكَ كَشْفَ ضُرٍّ ولا جَذْبَ خَيْرٍ.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنِ عاصِمٍ: "كاشِفاتٌ ضُرَّهُ" و "مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ" مَنَّوْنًا. والباقُونَ: "كاشِفاتُ ضُرِّهِ" و "مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ" عَلى الإضافَةِ.
الزمر 39:38
(p-١٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما تَزالُ تَذْكُرُ آَلِهَتُنا وتَعِيبُها، فاتَّقِ أنْ تُصِيبَكَ بِسُوءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. والمُرادُ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ .
وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ، وهُمُ الأنْبِياءُ، لِأنَّ الأُمَمَ قَصَدَتْهم بِالسُّوءِ؛ فالمَعْنى أنَّهُ كَما كَفى الأنْبِياءَ قَبْلَكَ، يَكْفِيكَ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "بِكافِي" مُثْبِتَةَ الياءِ "عَبْدَهُ" بِكَسْرِ الدّالِ والهاءِ مِن غَيْرِ ألْفٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو الجَوْزاءِ، والشَّعْبِيُّ مَثْلَهُ، إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الألِفَ في "عِبادِهِ" . وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "بِكافٍ" بِالتَّنْوِينِ، "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: "يُكافِي" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ الكافِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الفاءِ "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ.
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، وهُمُ الأصْنامُ.
ثُمَّ أعْلَمَ بِما بَعْدَ هَذا أنَّ الإضْلالَ والهِدايَةَ إلَيْهِ تَعالى، وأنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ عَصاهُ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم مَعَ عِبادَتِهِمْ، يُقِرُّونَ أنَّهُ الخالِقُ. ثُمَّ أمَرَ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما يَعْبُدُونَ لا يَمْلِكَ كَشْفَ ضُرٍّ ولا جَذْبَ خَيْرٍ.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنِ عاصِمٍ: "كاشِفاتٌ ضُرَّهُ" و "مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ" مَنَّوْنًا. والباقُونَ: "كاشِفاتُ ضُرِّهِ" و "مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ" عَلى الإضافَةِ.
الزمر 39:39
(p-١٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّها والآَيَةُ الَّتِي تَلِيا نُسِخَتْ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِجَمِيعِ الخَلْقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ لَيْسَ فِيهِ باطِلٌ. وتَمامُ الآَيَةِ مُفَسَّرٌ في آَخِرِ [يُونُسَ: ١٠٨]، وذَكَرُوا أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
الزمر 39:40
(p-١٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّها والآَيَةُ الَّتِي تَلِيا نُسِخَتْ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِجَمِيعِ الخَلْقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ لَيْسَ فِيهِ باطِلٌ. وتَمامُ الآَيَةِ مُفَسَّرٌ في آَخِرِ [يُونُسَ: ١٠٨]، وذَكَرُوا أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
الزمر 39:41
(p-١٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّها والآَيَةُ الَّتِي تَلِيا نُسِخَتْ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِجَمِيعِ الخَلْقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ لَيْسَ فِيهِ باطِلٌ. وتَمامُ الآَيَةِ مُفَسَّرٌ في آَخِرِ [يُونُسَ: ١٠٨]، وذَكَرُوا أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
الزمر 39:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَقْبِضُ الأرْواحَ حِينَ مَوْتِ أجْسادِها ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ أيْ: ويَتَوَفّى الَّتِي لَمْ تَمُتْ ﴿فِي مَنامِها﴾ .
﴿فَيُمْسِكُ﴾ أيْ: عَنِ الجَسَدِ [والنَّفْسِ] ﴿الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قُضِيَ" بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ الياءِ، "المَوْتُ" بِالرَّفْعِ.
﴿وَيُرْسِلُ الأُخْرى﴾ إلى الجَسَدِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو انْقِضاءُ العُمْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في أمْرِ البَعْثِ. ورَوى (p-١٨٦) [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ وأرْواحُ الأمْواتِ في المَنامِ، فَيَتَعارَفُونَ ويَتَساءَلُونَ، ثُمَّ تُرَدُّ أرْواحُ الأحْياءِ إلى أجْسادِها، فَلا يُخْطَأُ بِشَيْءٍ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أُخْرى: في ابْنِ آَدَمَ نَفْسٌ ورُوحٌ، فَبِالنَّفْسِ العَقْلُ والتَّمْيِيزُ، وبِالرُّوحِ النَّفَسُ والتَّحْرِيكُ، فَإذا نامَ العَبْدُ، قَبَضَ اللَّهُ نَفْسَهُ ولَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: في الإنْسانِ رُوحٌ ونَفْسٌ، بَيْنَهُما حاجِزٌ، فَهو تَعالى يَقْبِضُ النَّفْسَ عِنْدَ النَّوْمِ يَرُدُّها إلى الجَسَدِ عِنْدَ الِانْتِباهِ، فَإذا أرادَ إماتَةَ العَبْدِ في نَوْمِهِ، لَمْ يَرُدَّ النَّفْسَ وقَبَضَ الرُّوحَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ فَرْقٌ؟ عَلى قَوْلَيْنِ قَدْ ذَكَرْتُهُما في "الوُجُوهِ والنَّظائِرِ"، وزِدْتُ هَذِهِ الآَيَةَ شَرْحًا في بابِ التَّوَفِّي في كِتابِ "النَّظائِرِ" . وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ التَّوَفِّيَ المَذْكُورَ في حَقِّ النّائِمِ هو نَوْمُهُ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنُ الأنْبارِيِّ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ مَعْنى تُوُفِّيَ النّائِمُ: قَبْضُ نَفْسِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، وإرْسالُها: إطْلاقُها بِاليَقَظَةِ لِلتَّصَرُّفِ.
الزمر 39:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ.
(p-١٨٧)وَفِي المُرادِ بِالشُّفَعاءِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها أصْنامٌ، زَعَمُوا أنَّها تَشْفَعُ لَهم في حاجاتِهِمْ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ مِنَ الشَّفاعَةِ ﴿وَلا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّكم تَعْبُدُونَهُمْ؟! وجَوابُ هَذا الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أوَلَوْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهُمْ؟!
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: لا يَمْلِكُها أحَدٌ إلّا بِتَمْلِيكِهِ، ولا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ.
الزمر 39:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ.
(p-١٨٧)وَفِي المُرادِ بِالشُّفَعاءِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها أصْنامٌ، زَعَمُوا أنَّها تَشْفَعُ لَهم في حاجاتِهِمْ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ مِنَ الشَّفاعَةِ ﴿وَلا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّكم تَعْبُدُونَهُمْ؟! وجَوابُ هَذا الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أوَلَوْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهُمْ؟!
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: لا يَمْلِكُها أحَدٌ إلّا بِتَمْلِيكِهِ، ولا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ.
الزمر 39:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: انْقَبَضَتْ عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: اسْتَكْبَرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: نَفَرَتْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يَفْرَحُونَ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الأنْعامِ: ١٤، ٧٣،البَقَرَةِ: ١١٣، الرَّعْدِ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ .
(p-١٨٨)قالَ السُّدِّيُّ: ظَنُّوا أنَّ أعْمالَهم حَسَناتٍ، فَبَدَتْ لَهم سَيِّئاتٍ. وقالَ غَيْرُهُ: عَمِلُوا أعْمالًا ظَنُّوا أنَّها تَنْفَعُهُمْ، فَلَمْ تَنْفَعْ مَعَ شِرْكِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: ظَهَرَ لَهم حِينَ بَعَثُوا ما لَمْ يَحْتَسِبُوا أنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ؛ فَهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ القُرْبَ مِنَ اللَّهِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَلَمّا عُوقِبُوا عَلَيْها، بَدا لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.
والثّانِي: أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ أنَّهُ جَزَعَ عِنْدَ المَوْتِ وقالَ: أخْشى هَذِهِ الآَيَةَ أنْ يَبْدُوَ لِي ما لا أحْتَسِبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ ويُكَذِّبُونَ بِهِ.
الزمر 39:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: انْقَبَضَتْ عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: اسْتَكْبَرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: نَفَرَتْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يَفْرَحُونَ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الأنْعامِ: ١٤، ٧٣،البَقَرَةِ: ١١٣، الرَّعْدِ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ .
(p-١٨٨)قالَ السُّدِّيُّ: ظَنُّوا أنَّ أعْمالَهم حَسَناتٍ، فَبَدَتْ لَهم سَيِّئاتٍ. وقالَ غَيْرُهُ: عَمِلُوا أعْمالًا ظَنُّوا أنَّها تَنْفَعُهُمْ، فَلَمْ تَنْفَعْ مَعَ شِرْكِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: ظَهَرَ لَهم حِينَ بَعَثُوا ما لَمْ يَحْتَسِبُوا أنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ؛ فَهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ القُرْبَ مِنَ اللَّهِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَلَمّا عُوقِبُوا عَلَيْها، بَدا لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.
والثّانِي: أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ أنَّهُ جَزَعَ عِنْدَ المَوْتِ وقالَ: أخْشى هَذِهِ الآَيَةَ أنْ يَبْدُوَ لِي ما لا أحْتَسِبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ ويُكَذِّبُونَ بِهِ.
الزمر 39:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: انْقَبَضَتْ عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: اسْتَكْبَرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: نَفَرَتْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يَفْرَحُونَ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الأنْعامِ: ١٤، ٧٣،البَقَرَةِ: ١١٣، الرَّعْدِ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ .
(p-١٨٨)قالَ السُّدِّيُّ: ظَنُّوا أنَّ أعْمالَهم حَسَناتٍ، فَبَدَتْ لَهم سَيِّئاتٍ. وقالَ غَيْرُهُ: عَمِلُوا أعْمالًا ظَنُّوا أنَّها تَنْفَعُهُمْ، فَلَمْ تَنْفَعْ مَعَ شِرْكِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: ظَهَرَ لَهم حِينَ بَعَثُوا ما لَمْ يَحْتَسِبُوا أنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ؛ فَهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ القُرْبَ مِنَ اللَّهِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَلَمّا عُوقِبُوا عَلَيْها، بَدا لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.
والثّانِي: أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ أنَّهُ جَزَعَ عِنْدَ المَوْتِ وقالَ: أخْشى هَذِهِ الآَيَةَ أنْ يَبْدُوَ لِي ما لا أحْتَسِبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ ويُكَذِّبُونَ بِهِ.
الزمر 39:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: انْقَبَضَتْ عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: اسْتَكْبَرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: نَفَرَتْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يَفْرَحُونَ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الأنْعامِ: ١٤، ٧٣،البَقَرَةِ: ١١٣، الرَّعْدِ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ .
(p-١٨٨)قالَ السُّدِّيُّ: ظَنُّوا أنَّ أعْمالَهم حَسَناتٍ، فَبَدَتْ لَهم سَيِّئاتٍ. وقالَ غَيْرُهُ: عَمِلُوا أعْمالًا ظَنُّوا أنَّها تَنْفَعُهُمْ، فَلَمْ تَنْفَعْ مَعَ شِرْكِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: ظَهَرَ لَهم حِينَ بَعَثُوا ما لَمْ يَحْتَسِبُوا أنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ؛ فَهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ القُرْبَ مِنَ اللَّهِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَلَمّا عُوقِبُوا عَلَيْها، بَدا لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.
والثّانِي: أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ أنَّهُ جَزَعَ عِنْدَ المَوْتِ وقالَ: أخْشى هَذِهِ الآَيَةَ أنْ يَبْدُوَ لِي ما لا أحْتَسِبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ ويُكَذِّبُونَ بِهِ.
الزمر 39:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو حُذَيْفَةَ ابْنُ المُغِيرَةِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَظِيرُها [الزُّمَرِ: ٨] . وإنَّما كَنّى عَنِ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُوتِيتُهُ﴾، لِأنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ: الإنْعامُ.
﴿عَلى عِلْمٍ﴾ عِنْدِي، أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. وقِيلَ: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِأنِّي لَهُ أهْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ هِيَ﴾ يَعْنِي النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ [اللَّهُ] عَلَيْهِ بِها ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلْوى يُبْتَلى بِها العَبْدُ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، (p-١٨٩)﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم وامْتِحانٌ. وقِيلَ: "بَلْ هِيَ" أيِ: المَقالَةُ الَّتِي قالَها "فِتْنَةٌ" .
﴿قَدْ قالَها﴾ يَعْنِي تِلْكَ الكَلِمَةَ، وهي قَوْلُهُ: "إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأُمَمُ الماضِيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: قارُونُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: ما دَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: مِنَ الكُفْرِ. والثّانِي: مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. والثّالِثُ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءَ سَيِّئاتِهِمْ، وهو العَذابُ.
ثُمَّ أوْعَدَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: إنَّهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ ولا يَفُوتُونَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: ثُمَّ وعَظَهم لِيَعْلَمُوا وحْدانِيَّتَهُ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في بَسْطِ الرِّزْقِ وتَقْتِيرِهِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
الزمر 39:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو حُذَيْفَةَ ابْنُ المُغِيرَةِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَظِيرُها [الزُّمَرِ: ٨] . وإنَّما كَنّى عَنِ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُوتِيتُهُ﴾، لِأنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ: الإنْعامُ.
﴿عَلى عِلْمٍ﴾ عِنْدِي، أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. وقِيلَ: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِأنِّي لَهُ أهْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ هِيَ﴾ يَعْنِي النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ [اللَّهُ] عَلَيْهِ بِها ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلْوى يُبْتَلى بِها العَبْدُ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، (p-١٨٩)﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم وامْتِحانٌ. وقِيلَ: "بَلْ هِيَ" أيِ: المَقالَةُ الَّتِي قالَها "فِتْنَةٌ" .
﴿قَدْ قالَها﴾ يَعْنِي تِلْكَ الكَلِمَةَ، وهي قَوْلُهُ: "إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأُمَمُ الماضِيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: قارُونُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: ما دَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: مِنَ الكُفْرِ. والثّانِي: مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. والثّالِثُ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءَ سَيِّئاتِهِمْ، وهو العَذابُ.
ثُمَّ أوْعَدَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: إنَّهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ ولا يَفُوتُونَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: ثُمَّ وعَظَهم لِيَعْلَمُوا وحْدانِيَّتَهُ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في بَسْطِ الرِّزْقِ وتَقْتِيرِهِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
الزمر 39:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو حُذَيْفَةَ ابْنُ المُغِيرَةِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَظِيرُها [الزُّمَرِ: ٨] . وإنَّما كَنّى عَنِ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُوتِيتُهُ﴾، لِأنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ: الإنْعامُ.
﴿عَلى عِلْمٍ﴾ عِنْدِي، أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. وقِيلَ: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِأنِّي لَهُ أهْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ هِيَ﴾ يَعْنِي النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ [اللَّهُ] عَلَيْهِ بِها ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلْوى يُبْتَلى بِها العَبْدُ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، (p-١٨٩)﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم وامْتِحانٌ. وقِيلَ: "بَلْ هِيَ" أيِ: المَقالَةُ الَّتِي قالَها "فِتْنَةٌ" .
﴿قَدْ قالَها﴾ يَعْنِي تِلْكَ الكَلِمَةَ، وهي قَوْلُهُ: "إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأُمَمُ الماضِيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: قارُونُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: ما دَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: مِنَ الكُفْرِ. والثّانِي: مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. والثّالِثُ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءَ سَيِّئاتِهِمْ، وهو العَذابُ.
ثُمَّ أوْعَدَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: إنَّهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ ولا يَفُوتُونَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: ثُمَّ وعَظَهم لِيَعْلَمُوا وحْدانِيَّتَهُ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في بَسْطِ الرِّزْقِ وتَقْتِيرِهِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
الزمر 39:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو حُذَيْفَةَ ابْنُ المُغِيرَةِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَظِيرُها [الزُّمَرِ: ٨] . وإنَّما كَنّى عَنِ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُوتِيتُهُ﴾، لِأنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ: الإنْعامُ.
﴿عَلى عِلْمٍ﴾ عِنْدِي، أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. وقِيلَ: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِأنِّي لَهُ أهْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ هِيَ﴾ يَعْنِي النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ [اللَّهُ] عَلَيْهِ بِها ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلْوى يُبْتَلى بِها العَبْدُ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، (p-١٨٩)﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم وامْتِحانٌ. وقِيلَ: "بَلْ هِيَ" أيِ: المَقالَةُ الَّتِي قالَها "فِتْنَةٌ" .
﴿قَدْ قالَها﴾ يَعْنِي تِلْكَ الكَلِمَةَ، وهي قَوْلُهُ: "إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأُمَمُ الماضِيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: قارُونُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: ما دَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: مِنَ الكُفْرِ. والثّانِي: مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. والثّالِثُ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءَ سَيِّئاتِهِمْ، وهو العَذابُ.
ثُمَّ أوْعَدَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: إنَّهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ ولا يَفُوتُونَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: ثُمَّ وعَظَهم لِيَعْلَمُوا وحْدانِيَّتَهُ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في بَسْطِ الرِّزْقِ وتَقْتِيرِهِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
الزمر 39:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
(p-١٩٠)أحَدُها: أنَّ ناسًا مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ ونَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، ثُمَّ عُذِّبُوا فافْتُتِنُوا، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُونَ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن هَؤُلاءِ صَرْفًا ولا عَدْلًا، قَوْمٌ تَرَكُوا دِينَهم بِعَذابٍ عُذِّبُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَكَتَبَها عُمَرُ إلى عِياشٍ والوَلِيدُ وأُولَئِكَ النَّفَرُ، فَأسْلَمُوا وهاجَرُوا؛ وهَذا قَوْلُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في وحْشَيٍّ؛ وهَذا القَوْلُ ذَكَرْناهُ مَشْرُوحًا في آَخَرَ [الفَرْقانِ: ٦٨] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّ مَن عَبَدَ الأوْثانَ (p-١٩١)وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَكَيْفَ نُهاجِرُ ونُسَلِّمُ وقَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وَمَعْنى ﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ارْتَكَبُوا الكَبائِرَ. والقُنُوطُ بِمَعْنى اليَأْسِ. ﴿وَأنِيبُوا﴾ بِمَعْنى ارْجِعُوا إلى اللَّهِ مِنَ الشِّرْكِ والذُّنُوبِ، ﴿وَأسْلِمُوا لَهُ﴾ أيْ: أخْلَصُوا لَهُ التَّوْحِيدَ. و "تُنْصَرُونَ" بِمَعْنى تَمْنَعُونَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ قَدْ بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ [الأعْرافِ: ١٤٥] .
الزمر 39:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
(p-١٩٠)أحَدُها: أنَّ ناسًا مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ ونَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، ثُمَّ عُذِّبُوا فافْتُتِنُوا، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُونَ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن هَؤُلاءِ صَرْفًا ولا عَدْلًا، قَوْمٌ تَرَكُوا دِينَهم بِعَذابٍ عُذِّبُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَكَتَبَها عُمَرُ إلى عِياشٍ والوَلِيدُ وأُولَئِكَ النَّفَرُ، فَأسْلَمُوا وهاجَرُوا؛ وهَذا قَوْلُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في وحْشَيٍّ؛ وهَذا القَوْلُ ذَكَرْناهُ مَشْرُوحًا في آَخَرَ [الفَرْقانِ: ٦٨] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّ مَن عَبَدَ الأوْثانَ (p-١٩١)وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَكَيْفَ نُهاجِرُ ونُسَلِّمُ وقَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وَمَعْنى ﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ارْتَكَبُوا الكَبائِرَ. والقُنُوطُ بِمَعْنى اليَأْسِ. ﴿وَأنِيبُوا﴾ بِمَعْنى ارْجِعُوا إلى اللَّهِ مِنَ الشِّرْكِ والذُّنُوبِ، ﴿وَأسْلِمُوا لَهُ﴾ أيْ: أخْلَصُوا لَهُ التَّوْحِيدَ. و "تُنْصَرُونَ" بِمَعْنى تَمْنَعُونَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ قَدْ بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ [الأعْرافِ: ١٤٥] .
الزمر 39:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
(p-١٩٠)أحَدُها: أنَّ ناسًا مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ ونَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، ثُمَّ عُذِّبُوا فافْتُتِنُوا، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُونَ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن هَؤُلاءِ صَرْفًا ولا عَدْلًا، قَوْمٌ تَرَكُوا دِينَهم بِعَذابٍ عُذِّبُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَكَتَبَها عُمَرُ إلى عِياشٍ والوَلِيدُ وأُولَئِكَ النَّفَرُ، فَأسْلَمُوا وهاجَرُوا؛ وهَذا قَوْلُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في وحْشَيٍّ؛ وهَذا القَوْلُ ذَكَرْناهُ مَشْرُوحًا في آَخَرَ [الفَرْقانِ: ٦٨] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّ مَن عَبَدَ الأوْثانَ (p-١٩١)وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَكَيْفَ نُهاجِرُ ونُسَلِّمُ وقَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وَمَعْنى ﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ارْتَكَبُوا الكَبائِرَ. والقُنُوطُ بِمَعْنى اليَأْسِ. ﴿وَأنِيبُوا﴾ بِمَعْنى ارْجِعُوا إلى اللَّهِ مِنَ الشِّرْكِ والذُّنُوبِ، ﴿وَأسْلِمُوا لَهُ﴾ أيْ: أخْلَصُوا لَهُ التَّوْحِيدَ. و "تُنْصَرُونَ" بِمَعْنى تَمْنَعُونَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ قَدْ بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ [الأعْرافِ: ١٤٥] .
الزمر 39:56
(p-١٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى: بادِرُوا قَبْلَ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ، وحَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها هَذا القَوْلَ. ومَعْنى ﴿يا حَسْرَتا﴾ يا نَدامَتا ويا حُزْنًا. والتَّحَسُّرُ: الِاغْتِمامُ عَلى ما فاتَ. والألِفُ في "يا حَسْرَتا" هي [ياءُ] المُتَكَلِّمِ، والمَعْنى: يا حَسْرَتِي، عَلى الإضافَةِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُحَوِّلُ الياءَ إلى الألْفِ في كُلِّ كَلامٍ مَعْناهُ الِاسْتِغاثَةُ ويَخْرُجُ عَلى لَفْظِ الدُّعاءِ، ورُبَّما أدْخَلَتِ العَرَبُ الهاءَ بَعْدَ هَذِهِ الألِفِ، فَيَخْفِضُونَها مَرَّةً، ويَرْفَعُونَها أُخْرى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو الجَوْزاءِ: "يا حَسْرَتِي" بِكَسْرِ التّاءِ، عَلى الإضافَةِ إلى النَّفْسِ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يا حَسْرَتايَ"، بِألِفٍ بَعْدَ التّاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وزَعْمَ الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ "يا حَسْرَتاهُ عَلى كَذا" بِفَتْحِ الهاءِ، و "يا حَسْرَتاهُ" بِالضَّمِّ والكَسْرِ، والنَّحْوِيُّونَ أجْمَعُونَ لا يُجِيزُونَ أنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الهاءُ مَعَ الوَصْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: في حَقِّ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: في أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: في ذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والخامِسُ: في قُرْبِ اللَّهِ؛ رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَنْبُ: القُرْبُ، أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ؛ يُقالُ: فُلانٌ يَعِيشُ في جَنْبِ فُلانٍ، أيْ: في قُرْبِهِ وجِوارِهِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: [عَلى] ما فَرَّطَتْ في طَلَبِ قُرْبِ اللَّهِ تَعالى، وهو الجَنَّةُ.
(p-١٩٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتَ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآَنِ وبِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ أيْ: أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ الشِّرْكُ؛ فَيُقالُ لِهَذا القائِلِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: و "بَلى" جَوابُ النَّفْيِ، ولَيْسَ في الكَلامِ لَفْظُ النَّفْيِ، غَيْرَ أنَّ مَعْنى "لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي": ما هُدِيتُ، فَقِيلَ: "بَلى قَدْ جاءَتْكَ آَياتِي" . ورَوى ابْنُ أبِي سُرَيْجٍ [عَنَ الكِسائِيِّ]: "جاءَتْكَ"، "فَكَذَّبْتَ"، "واسْتَكْبَرْتَ"، "وَكُنْتَ"، بِكَسْرِ التّاءِ فِيهِنَّ، مُخاطَبَةً لِلنَّفْسِ. ومَعْنى "اسْتَكْبَرْتَ": تَكَبَّرْتَ عَنِ الإيمانِ بِها.
الزمر 39:57
(p-١٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى: بادِرُوا قَبْلَ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ، وحَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها هَذا القَوْلَ. ومَعْنى ﴿يا حَسْرَتا﴾ يا نَدامَتا ويا حُزْنًا. والتَّحَسُّرُ: الِاغْتِمامُ عَلى ما فاتَ. والألِفُ في "يا حَسْرَتا" هي [ياءُ] المُتَكَلِّمِ، والمَعْنى: يا حَسْرَتِي، عَلى الإضافَةِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُحَوِّلُ الياءَ إلى الألْفِ في كُلِّ كَلامٍ مَعْناهُ الِاسْتِغاثَةُ ويَخْرُجُ عَلى لَفْظِ الدُّعاءِ، ورُبَّما أدْخَلَتِ العَرَبُ الهاءَ بَعْدَ هَذِهِ الألِفِ، فَيَخْفِضُونَها مَرَّةً، ويَرْفَعُونَها أُخْرى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو الجَوْزاءِ: "يا حَسْرَتِي" بِكَسْرِ التّاءِ، عَلى الإضافَةِ إلى النَّفْسِ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يا حَسْرَتايَ"، بِألِفٍ بَعْدَ التّاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وزَعْمَ الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ "يا حَسْرَتاهُ عَلى كَذا" بِفَتْحِ الهاءِ، و "يا حَسْرَتاهُ" بِالضَّمِّ والكَسْرِ، والنَّحْوِيُّونَ أجْمَعُونَ لا يُجِيزُونَ أنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الهاءُ مَعَ الوَصْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: في حَقِّ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: في أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: في ذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والخامِسُ: في قُرْبِ اللَّهِ؛ رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَنْبُ: القُرْبُ، أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ؛ يُقالُ: فُلانٌ يَعِيشُ في جَنْبِ فُلانٍ، أيْ: في قُرْبِهِ وجِوارِهِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: [عَلى] ما فَرَّطَتْ في طَلَبِ قُرْبِ اللَّهِ تَعالى، وهو الجَنَّةُ.
(p-١٩٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتَ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآَنِ وبِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ أيْ: أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ الشِّرْكُ؛ فَيُقالُ لِهَذا القائِلِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: و "بَلى" جَوابُ النَّفْيِ، ولَيْسَ في الكَلامِ لَفْظُ النَّفْيِ، غَيْرَ أنَّ مَعْنى "لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي": ما هُدِيتُ، فَقِيلَ: "بَلى قَدْ جاءَتْكَ آَياتِي" . ورَوى ابْنُ أبِي سُرَيْجٍ [عَنَ الكِسائِيِّ]: "جاءَتْكَ"، "فَكَذَّبْتَ"، "واسْتَكْبَرْتَ"، "وَكُنْتَ"، بِكَسْرِ التّاءِ فِيهِنَّ، مُخاطَبَةً لِلنَّفْسِ. ومَعْنى "اسْتَكْبَرْتَ": تَكَبَّرْتَ عَنِ الإيمانِ بِها.
الزمر 39:58
(p-١٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى: بادِرُوا قَبْلَ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ، وحَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها هَذا القَوْلَ. ومَعْنى ﴿يا حَسْرَتا﴾ يا نَدامَتا ويا حُزْنًا. والتَّحَسُّرُ: الِاغْتِمامُ عَلى ما فاتَ. والألِفُ في "يا حَسْرَتا" هي [ياءُ] المُتَكَلِّمِ، والمَعْنى: يا حَسْرَتِي، عَلى الإضافَةِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُحَوِّلُ الياءَ إلى الألْفِ في كُلِّ كَلامٍ مَعْناهُ الِاسْتِغاثَةُ ويَخْرُجُ عَلى لَفْظِ الدُّعاءِ، ورُبَّما أدْخَلَتِ العَرَبُ الهاءَ بَعْدَ هَذِهِ الألِفِ، فَيَخْفِضُونَها مَرَّةً، ويَرْفَعُونَها أُخْرى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو الجَوْزاءِ: "يا حَسْرَتِي" بِكَسْرِ التّاءِ، عَلى الإضافَةِ إلى النَّفْسِ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يا حَسْرَتايَ"، بِألِفٍ بَعْدَ التّاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وزَعْمَ الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ "يا حَسْرَتاهُ عَلى كَذا" بِفَتْحِ الهاءِ، و "يا حَسْرَتاهُ" بِالضَّمِّ والكَسْرِ، والنَّحْوِيُّونَ أجْمَعُونَ لا يُجِيزُونَ أنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الهاءُ مَعَ الوَصْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: في حَقِّ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: في أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: في ذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والخامِسُ: في قُرْبِ اللَّهِ؛ رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَنْبُ: القُرْبُ، أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ؛ يُقالُ: فُلانٌ يَعِيشُ في جَنْبِ فُلانٍ، أيْ: في قُرْبِهِ وجِوارِهِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: [عَلى] ما فَرَّطَتْ في طَلَبِ قُرْبِ اللَّهِ تَعالى، وهو الجَنَّةُ.
(p-١٩٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتَ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآَنِ وبِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ أيْ: أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ الشِّرْكُ؛ فَيُقالُ لِهَذا القائِلِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: و "بَلى" جَوابُ النَّفْيِ، ولَيْسَ في الكَلامِ لَفْظُ النَّفْيِ، غَيْرَ أنَّ مَعْنى "لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي": ما هُدِيتُ، فَقِيلَ: "بَلى قَدْ جاءَتْكَ آَياتِي" . ورَوى ابْنُ أبِي سُرَيْجٍ [عَنَ الكِسائِيِّ]: "جاءَتْكَ"، "فَكَذَّبْتَ"، "واسْتَكْبَرْتَ"، "وَكُنْتَ"، بِكَسْرِ التّاءِ فِيهِنَّ، مُخاطَبَةً لِلنَّفْسِ. ومَعْنى "اسْتَكْبَرْتَ": تَكَبَّرْتَ عَنِ الإيمانِ بِها.
الزمر 39:59
(p-١٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى: بادِرُوا قَبْلَ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ، وحَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها هَذا القَوْلَ. ومَعْنى ﴿يا حَسْرَتا﴾ يا نَدامَتا ويا حُزْنًا. والتَّحَسُّرُ: الِاغْتِمامُ عَلى ما فاتَ. والألِفُ في "يا حَسْرَتا" هي [ياءُ] المُتَكَلِّمِ، والمَعْنى: يا حَسْرَتِي، عَلى الإضافَةِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُحَوِّلُ الياءَ إلى الألْفِ في كُلِّ كَلامٍ مَعْناهُ الِاسْتِغاثَةُ ويَخْرُجُ عَلى لَفْظِ الدُّعاءِ، ورُبَّما أدْخَلَتِ العَرَبُ الهاءَ بَعْدَ هَذِهِ الألِفِ، فَيَخْفِضُونَها مَرَّةً، ويَرْفَعُونَها أُخْرى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو الجَوْزاءِ: "يا حَسْرَتِي" بِكَسْرِ التّاءِ، عَلى الإضافَةِ إلى النَّفْسِ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يا حَسْرَتايَ"، بِألِفٍ بَعْدَ التّاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وزَعْمَ الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ "يا حَسْرَتاهُ عَلى كَذا" بِفَتْحِ الهاءِ، و "يا حَسْرَتاهُ" بِالضَّمِّ والكَسْرِ، والنَّحْوِيُّونَ أجْمَعُونَ لا يُجِيزُونَ أنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الهاءُ مَعَ الوَصْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: في حَقِّ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: في أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: في ذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والخامِسُ: في قُرْبِ اللَّهِ؛ رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَنْبُ: القُرْبُ، أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ؛ يُقالُ: فُلانٌ يَعِيشُ في جَنْبِ فُلانٍ، أيْ: في قُرْبِهِ وجِوارِهِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: [عَلى] ما فَرَّطَتْ في طَلَبِ قُرْبِ اللَّهِ تَعالى، وهو الجَنَّةُ.
(p-١٩٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتَ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآَنِ وبِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ أيْ: أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ الشِّرْكُ؛ فَيُقالُ لِهَذا القائِلِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: و "بَلى" جَوابُ النَّفْيِ، ولَيْسَ في الكَلامِ لَفْظُ النَّفْيِ، غَيْرَ أنَّ مَعْنى "لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي": ما هُدِيتُ، فَقِيلَ: "بَلى قَدْ جاءَتْكَ آَياتِي" . ورَوى ابْنُ أبِي سُرَيْجٍ [عَنَ الكِسائِيِّ]: "جاءَتْكَ"، "فَكَذَّبْتَ"، "واسْتَكْبَرْتَ"، "وَكُنْتَ"، بِكَسْرِ التّاءِ فِيهِنَّ، مُخاطَبَةً لِلنَّفْسِ. ومَعْنى "اسْتَكْبَرْتَ": تَكَبَّرْتَ عَنِ الإيمانِ بِها.
الزمر 39:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ﴾ فَزَعَمُوا أنَّ لَهُ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنْ شِئْنا فَعَلْنا، وإنْ شِئْنا لَمْ نَفْعَلْ. وباقِي الآَيَةِ قَدْ ذَكَرْناهُ آَنِفًا [الزُّمَرِ: ٣٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنِ عاصِمٍ: "بِمَفازاتِهِمْ" . قالَ الفَرّاءُ: وهو كَما تَقُولُ: قَدْ تَبَيَّنَ أمْرُ القَوْمِ وأُمُورَهُمْ، وارْتَفَعَ الصَّوْتُ والأصْواتُ، والمَعْنى واحِدٌ. وفِيها لِلْمُفَسِّرِينَ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بِفَضائِلِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: بِفَوْزِهِمْ مِنَ النّارِ.
(p-١٩٤)قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ: مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ، كَقَوْلِكَ: السَّعادَةُ والسَّعاداتُ، والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ، أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
الزمر 39:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ﴾ فَزَعَمُوا أنَّ لَهُ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنْ شِئْنا فَعَلْنا، وإنْ شِئْنا لَمْ نَفْعَلْ. وباقِي الآَيَةِ قَدْ ذَكَرْناهُ آَنِفًا [الزُّمَرِ: ٣٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنِ عاصِمٍ: "بِمَفازاتِهِمْ" . قالَ الفَرّاءُ: وهو كَما تَقُولُ: قَدْ تَبَيَّنَ أمْرُ القَوْمِ وأُمُورَهُمْ، وارْتَفَعَ الصَّوْتُ والأصْواتُ، والمَعْنى واحِدٌ. وفِيها لِلْمُفَسِّرِينَ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بِفَضائِلِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: بِفَوْزِهِمْ مِنَ النّارِ.
(p-١٩٤)قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ: مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ، كَقَوْلِكَ: السَّعادَةُ والسَّعاداتُ، والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ، أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
الزمر 39:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مَفاتِيحُها وخَزائِنُها، لِأنَّ مالِكَ المَفاتِيحِ مالِكُ الخَزائِنِ، واحِدُها: إقْلِيدٌ، وجُمِعَ عَلى غَيْرِ واحِدٍ، كَما قالُوا: مَذاكِيرُ جَمْعُ ذَكَرٍ، ويُقالُ: هو فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. [وَقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ: الإقْلِيدُ: المِفْتاحُ، فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ]، قالَ الرّاجِزُ:
؎ لَمْ يُؤْذِها الدِّيكُ بِصَوْتِ تَغْرِيدِ ولَمْ تُعالِجْ غَلَقًا بِإقْلِيدِ
والمِقْلِيدُ: لُغَةٌ في الإقْلِيدِ، والجَمْعُ: مَقالِيدٌ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المَقالِيدِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: المَفاتِيحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الخَزائِنُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَفْسِيرُهُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في السَّمَواتِ والأرْضِ، فَهو خالِقُهُ وفاتِحٌ بابَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَفاتِيحُ السَّمَواتِ: المَطَرُ، ومَفاتِيحُ الأرْضِ: النَّباتُ.
الزمر 39:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مَفاتِيحُها وخَزائِنُها، لِأنَّ مالِكَ المَفاتِيحِ مالِكُ الخَزائِنِ، واحِدُها: إقْلِيدٌ، وجُمِعَ عَلى غَيْرِ واحِدٍ، كَما قالُوا: مَذاكِيرُ جَمْعُ ذَكَرٍ، ويُقالُ: هو فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. [وَقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ: الإقْلِيدُ: المِفْتاحُ، فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ]، قالَ الرّاجِزُ:
؎ لَمْ يُؤْذِها الدِّيكُ بِصَوْتِ تَغْرِيدِ ولَمْ تُعالِجْ غَلَقًا بِإقْلِيدِ
والمِقْلِيدُ: لُغَةٌ في الإقْلِيدِ، والجَمْعُ: مَقالِيدٌ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المَقالِيدِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: المَفاتِيحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الخَزائِنُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَفْسِيرُهُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في السَّمَواتِ والأرْضِ، فَهو خالِقُهُ وفاتِحٌ بابَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَفاتِيحُ السَّمَواتِ: المَطَرُ، ومَفاتِيحُ الأرْضِ: النَّباتُ.
الزمر 39:64
(p-١٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَأْمُرُونِي أعْبُدُ" مُخَفَّفَةً، غَيْرَ أنَّ نافِعًا فَتْحَ الياءَ، ولَمْ يَفْتَحْها ابْنُ عامِرٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "تَأْمُرُونِي" بِتَشْدِيدِ النُّونِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ. وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آَبائِهِ ﴿أيُّها الجاهِلُونَ﴾ أيْ: فِيما تَأْمُرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وكَذَلِكَ أُوحِيَ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَجازُها مَجازُ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يُخْبِرُ عَنِ أحَدِهِما ويَكُفُّ عَنِ الآَخَرِ،قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا أدَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ وتَهْدِيدٍ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَصَمَهُ مِنَ الشِّرْكِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ، لِيَعْرِفَ مِن دُونِهِ أنَّ الشِّرْكَ يُحْبِطُ الأعْمالَ المُتَقَدِّمَةَ كُلَّها ولَوْ وقَعَ مِن نَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ: "لَنُحْبِطَنَّ" بِالنُّونِ، "عَمَلَكَ" بِالنَّصْبِ. ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ أيْ: وحَّدَ.
الزمر 39:65
(p-١٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَأْمُرُونِي أعْبُدُ" مُخَفَّفَةً، غَيْرَ أنَّ نافِعًا فَتْحَ الياءَ، ولَمْ يَفْتَحْها ابْنُ عامِرٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "تَأْمُرُونِي" بِتَشْدِيدِ النُّونِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ. وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آَبائِهِ ﴿أيُّها الجاهِلُونَ﴾ أيْ: فِيما تَأْمُرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وكَذَلِكَ أُوحِيَ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَجازُها مَجازُ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يُخْبِرُ عَنِ أحَدِهِما ويَكُفُّ عَنِ الآَخَرِ،قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا أدَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ وتَهْدِيدٍ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَصَمَهُ مِنَ الشِّرْكِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ، لِيَعْرِفَ مِن دُونِهِ أنَّ الشِّرْكَ يُحْبِطُ الأعْمالَ المُتَقَدِّمَةَ كُلَّها ولَوْ وقَعَ مِن نَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ: "لَنُحْبِطَنَّ" بِالنُّونِ، "عَمَلَكَ" بِالنَّصْبِ. ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ أيْ: وحَّدَ.
الزمر 39:66
(p-١٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَأْمُرُونِي أعْبُدُ" مُخَفَّفَةً، غَيْرَ أنَّ نافِعًا فَتْحَ الياءَ، ولَمْ يَفْتَحْها ابْنُ عامِرٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "تَأْمُرُونِي" بِتَشْدِيدِ النُّونِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ. وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آَبائِهِ ﴿أيُّها الجاهِلُونَ﴾ أيْ: فِيما تَأْمُرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وكَذَلِكَ أُوحِيَ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَجازُها مَجازُ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يُخْبِرُ عَنِ أحَدِهِما ويَكُفُّ عَنِ الآَخَرِ،قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا أدَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ وتَهْدِيدٍ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَصَمَهُ مِنَ الشِّرْكِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ، لِيَعْرِفَ مِن دُونِهِ أنَّ الشِّرْكَ يُحْبِطُ الأعْمالَ المُتَقَدِّمَةَ كُلَّها ولَوْ وقَعَ مِن نَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ: "لَنُحْبِطَنَّ" بِالنُّونِ، "عَمَلَكَ" بِالنَّصْبِ. ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ أيْ: وحَّدَ.
الزمر 39:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أبا القاسِمِ، بَلَغَكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْمِلُ الخَلائِقَ عَلى إصْبَعٍ والأرَضِينَ عَلى إصْبَعٍ والشَّجَرَ عَلى إصْبَعٍ والثَّرى عَلى إصْبَعٍ؟! فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآَيَةَ،» قالَهُ (p-١٩٦)ابْنُ مَسْعُودٍ. [وَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" نَحْوَهُ في ابْنِ مَسْعُودٍ] . وقَدْ فَسَّرْنا أوَّلَ هَذِهِ الآَيَةِ في [الأنْعامِ: ٩١] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآَيَةُ في الكُفّارِ، فَأمّا مَن آَمَنَ بِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَقَدْ قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَظَمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "يَقْبِضُ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ ويُطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكَ، أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟"؛» وأخْرَجا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ" «يَطْوِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ السَّمَواتِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنى، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أيْنَ الجَبّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟" .» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأرْضُ والسَّمَواتُ كُلُّها بِيَمِينِهِ.
(p-١٩٧)وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: السَّمَواتُ قَبْضَةٌ والأرْضُونَ قَبْضَةٌ.
الزمر 39:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ: "فَصَعِقَ" بِضَمِّ الصّادِ ﴿مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: ماتُوا مِنَ الفَزَعِ وشِدَّةِ الصَّوْتِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآَيَةَ والخِلافَ في الَّذِينَ اسْتُثْنُوا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ٨٧] .
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ وهي نَفْخَةُ البَعْثِ ﴿فَإذا هُمْ﴾ يَعْنِي الخَلائِقَ ﴿قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ .
(p-١٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أيْ: أضاءَتْ. والمُرادُ بِالأرْضِ: عَرَصاتُ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: كِتابُ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وفي الشُّهَداءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ. ثُمَّ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُرْسَلُونَ مِنَ الأنْبِياءِ. والثّانِي: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وتَكْذِيبِ الأُمَمِ إيّاهُمْ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّالِثُ: الحَفَظَةُ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: النَّبِيُّونَ والمَلائِكَةُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ عَمَلِها ﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لا يَحْتاجُ إلى كاتِبٍ ولا شاهِدٍ.
الزمر 39:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ: "فَصَعِقَ" بِضَمِّ الصّادِ ﴿مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: ماتُوا مِنَ الفَزَعِ وشِدَّةِ الصَّوْتِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآَيَةَ والخِلافَ في الَّذِينَ اسْتُثْنُوا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ٨٧] .
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ وهي نَفْخَةُ البَعْثِ ﴿فَإذا هُمْ﴾ يَعْنِي الخَلائِقَ ﴿قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ .
(p-١٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أيْ: أضاءَتْ. والمُرادُ بِالأرْضِ: عَرَصاتُ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: كِتابُ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وفي الشُّهَداءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ. ثُمَّ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُرْسَلُونَ مِنَ الأنْبِياءِ. والثّانِي: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وتَكْذِيبِ الأُمَمِ إيّاهُمْ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّالِثُ: الحَفَظَةُ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: النَّبِيُّونَ والمَلائِكَةُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ عَمَلِها ﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لا يَحْتاجُ إلى كاتِبٍ ولا شاهِدٍ.
الزمر 39:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ: "فَصَعِقَ" بِضَمِّ الصّادِ ﴿مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: ماتُوا مِنَ الفَزَعِ وشِدَّةِ الصَّوْتِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآَيَةَ والخِلافَ في الَّذِينَ اسْتُثْنُوا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ٨٧] .
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ وهي نَفْخَةُ البَعْثِ ﴿فَإذا هُمْ﴾ يَعْنِي الخَلائِقَ ﴿قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ .
(p-١٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أيْ: أضاءَتْ. والمُرادُ بِالأرْضِ: عَرَصاتُ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: كِتابُ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وفي الشُّهَداءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ. ثُمَّ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُرْسَلُونَ مِنَ الأنْبِياءِ. والثّانِي: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وتَكْذِيبِ الأُمَمِ إيّاهُمْ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّالِثُ: الحَفَظَةُ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: النَّبِيُّونَ والمَلائِكَةُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ عَمَلِها ﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لا يَحْتاجُ إلى كاتِبٍ ولا شاهِدٍ.
الزمر 39:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الزُّمَرِ: جَماعاتٌ في تَفْرِقَةِ بَعْضِهِمْ عَلى إثْرِ بَعْضٍ، واحِدُها: زُمْرَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِكم. و ﴿كَلِمَةُ العَذابِ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فُتِحَتْ" "وَفُتِّحَتْ" مُشَدَّدَتَيْنِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتَّخْفِيفِ.
وَفِي هَذِهِ الواوِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ، رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها واوُ الحالِ؛ فالمَعْنى: جاؤُوها وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها، فَدَخَلَتْ (p-٢٠٠)الواوُ لِبَيانِ أنَّ الأبْوابَ كانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، وحُذِفَتْ مِن قِصَّةِ أهْلِ النّارِ لِبَيانِ أنَّها كانَتْ مُغْلَقَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ جاؤُوها وقَدْ فَتَحَتْ أبْوابَها لِيَسْتَعْجِلُوا السُّرُورَ والفَرَحَ إذا رَأوُا الأبْوابَ مُفَتَّحَةً، وأهْلُ النّارِ يَأْتُونَها وأبْوابُها مُغْلَقَةٌ لِيَكُونَ أشَدَّ لِحَرِّها، ذَكَرَهُ أبُو إسْحاقَ ابْنُ شاقْلا مِن أصْحابِنا.
والثّانِي: أنَّ الوُقُوفَ عَلى البابِ المُغْلَقِ نَوْعُ ذُلٍّ، فَصِينَ أهْلُ الجَنَّةِ عَنْهُ، وجُعِلَ في حَقِّ أهْلِ النّارِ، ذَكَرَهُ لِي بَعْضُ مَشايِخِنا.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ وجَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بابَها مُغْلَقًا لَأثَّرَ انْتِظارُ فَتْحِهِ في كَمالِ الكَرَمِ، ومَن كَمالِ الكَرَمِ غَلْقُ بابِ النّارِ إلى حِينِ مَجِيءِ أهْلِها، لِأنَّ الكَرِيمَ يُعَجِّلُ المَثُوبَةَ، ويُؤَخِّرُ العُقُوبَةَ، وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٧]؛ قالَ المُصَنِّفُ: هَذا وجْهٌ خَطِرٌ لِي.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الواوَ زِيدَتْ، لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعَةٌ، والعَرَبُ تَعْطِفُ في العَدَدِ بِالواوِ عَلى ما فَوْقَ السَّبْعَةِ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢]، حَكى هَذا القَوْلَ والَّذِي قَبِلَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْنَ جَوابُ هَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. وفي تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها. . . . .﴾ إلى آَخِرِ الآَيَةِ. . . . سَعِدُوا، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّانِي: ﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾ إلى قَوْلِهِ: (p-٢٠١)﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ . . . . دَخَلُوها، وإنَّما حُذِفَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الجَوابُ: قالَ لَهم خَزَنَتُها، والواوُ زائِدَةٌ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، قالَ: ومِثْلُهُ في الشِّعْرِ:
؎ فَإذا وذَلِكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ إلّا كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخَيالِ
أيْ: فَإذا ذَلِكَ.
والثّالِثُ: الجَوابُ: حَتّى إذا جاؤُوها فُتِحَتْ أبْوابُها، والواوُ زائِدَةٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿طِبْتُمْ﴾ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهم إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ وجَدُوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً يَخْرُجُ مِن تَحْتِ ساقِها عَيْنانِ، فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما، فَلا يَبْقى في بُطُونِهِمْ أذًى ولا قَذًى إلّا خَرَجَ، ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى، فَلا تَغْبَرُّ جُلُودُهم ولا تَشْعَّثُ أشْعارُهم أبَدًا، حَتّى إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ قالَ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ خَزَنَتُها: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾، رَواهُ عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ٤٤] نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طابَ لَكم (p-٢٠٢)المَقامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: طِبْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّهم طُيِّبُوا قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِالمَغْفِرَةِ، واقْتَصَّ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَلَمّا هُذِّبُوا قالَتْ لَهُمُ الخَزَنَةُ: طِبْتُمْ، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: كُنْتُمْ طَيِّبِينَ في الدُّنْيا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَلَمّا دَخَلُوها قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ أرْضِ الجَنَّةِ ( نَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ نَشاءُ ) أيْ: نَتَّخِذُ فِيها مِنَ المَنازِلِ ما نَشاءُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأُمَمِ، فَيَنْزِلُونَ مِنها حَيْثُ شاؤُوا، ثُمَّ تَنْزِلُ الأُمَمُ بَعْدَهم فِيها فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ"؛ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيْ: نَعْمَ ثَوابُ المُطِيعِينَ في الدُّنْيا الجَنَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: مُحَدِّقِينَ بِهِ، يُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ: إذا أحْدَقُوا بِهِ؛ ودَخَلَتْ "مِن" لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: بِأمْرِ رَبِّهِمْ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَسْبَحُونَ بِالحَمْدِ لَهُ حَيْثُ دَخَلَ المُوَحِّدُونَ الجَنَّةَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّسْبِيحُ هاهُنا بِمَعْنى الصَّلاةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ ﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ هَذا قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى إنْعامِهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ابْتَدَأ اللَّهُ ذِكْرَ الخَلْقِ بِالحَمْدِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي (p-٢٠٣)خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وخَتَمَ غايَةَ الأمْرِ -وَهُوَ اسْتِقْرارُ الفَرِيقَيْنِ في مَنازِلِهِمْ- بِالحَمْدِ لِلَّهِ بِهَذِهِ الآَيَةِ، فَنَبَّهْ عَلى تَحْمِيدِهِ في بِدايَةِ كُلِّ أمْرٍ وخاتِمَتِهِ.
الزمر 39:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الزُّمَرِ: جَماعاتٌ في تَفْرِقَةِ بَعْضِهِمْ عَلى إثْرِ بَعْضٍ، واحِدُها: زُمْرَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِكم. و ﴿كَلِمَةُ العَذابِ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فُتِحَتْ" "وَفُتِّحَتْ" مُشَدَّدَتَيْنِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتَّخْفِيفِ.
وَفِي هَذِهِ الواوِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ، رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها واوُ الحالِ؛ فالمَعْنى: جاؤُوها وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها، فَدَخَلَتْ (p-٢٠٠)الواوُ لِبَيانِ أنَّ الأبْوابَ كانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، وحُذِفَتْ مِن قِصَّةِ أهْلِ النّارِ لِبَيانِ أنَّها كانَتْ مُغْلَقَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ جاؤُوها وقَدْ فَتَحَتْ أبْوابَها لِيَسْتَعْجِلُوا السُّرُورَ والفَرَحَ إذا رَأوُا الأبْوابَ مُفَتَّحَةً، وأهْلُ النّارِ يَأْتُونَها وأبْوابُها مُغْلَقَةٌ لِيَكُونَ أشَدَّ لِحَرِّها، ذَكَرَهُ أبُو إسْحاقَ ابْنُ شاقْلا مِن أصْحابِنا.
والثّانِي: أنَّ الوُقُوفَ عَلى البابِ المُغْلَقِ نَوْعُ ذُلٍّ، فَصِينَ أهْلُ الجَنَّةِ عَنْهُ، وجُعِلَ في حَقِّ أهْلِ النّارِ، ذَكَرَهُ لِي بَعْضُ مَشايِخِنا.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ وجَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بابَها مُغْلَقًا لَأثَّرَ انْتِظارُ فَتْحِهِ في كَمالِ الكَرَمِ، ومَن كَمالِ الكَرَمِ غَلْقُ بابِ النّارِ إلى حِينِ مَجِيءِ أهْلِها، لِأنَّ الكَرِيمَ يُعَجِّلُ المَثُوبَةَ، ويُؤَخِّرُ العُقُوبَةَ، وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٧]؛ قالَ المُصَنِّفُ: هَذا وجْهٌ خَطِرٌ لِي.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الواوَ زِيدَتْ، لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعَةٌ، والعَرَبُ تَعْطِفُ في العَدَدِ بِالواوِ عَلى ما فَوْقَ السَّبْعَةِ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢]، حَكى هَذا القَوْلَ والَّذِي قَبِلَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْنَ جَوابُ هَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. وفي تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها. . . . .﴾ إلى آَخِرِ الآَيَةِ. . . . سَعِدُوا، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّانِي: ﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾ إلى قَوْلِهِ: (p-٢٠١)﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ . . . . دَخَلُوها، وإنَّما حُذِفَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الجَوابُ: قالَ لَهم خَزَنَتُها، والواوُ زائِدَةٌ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، قالَ: ومِثْلُهُ في الشِّعْرِ:
؎ فَإذا وذَلِكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ إلّا كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخَيالِ
أيْ: فَإذا ذَلِكَ.
والثّالِثُ: الجَوابُ: حَتّى إذا جاؤُوها فُتِحَتْ أبْوابُها، والواوُ زائِدَةٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿طِبْتُمْ﴾ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهم إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ وجَدُوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً يَخْرُجُ مِن تَحْتِ ساقِها عَيْنانِ، فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما، فَلا يَبْقى في بُطُونِهِمْ أذًى ولا قَذًى إلّا خَرَجَ، ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى، فَلا تَغْبَرُّ جُلُودُهم ولا تَشْعَّثُ أشْعارُهم أبَدًا، حَتّى إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ قالَ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ خَزَنَتُها: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾، رَواهُ عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ٤٤] نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طابَ لَكم (p-٢٠٢)المَقامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: طِبْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّهم طُيِّبُوا قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِالمَغْفِرَةِ، واقْتَصَّ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَلَمّا هُذِّبُوا قالَتْ لَهُمُ الخَزَنَةُ: طِبْتُمْ، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: كُنْتُمْ طَيِّبِينَ في الدُّنْيا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَلَمّا دَخَلُوها قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ أرْضِ الجَنَّةِ ( نَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ نَشاءُ ) أيْ: نَتَّخِذُ فِيها مِنَ المَنازِلِ ما نَشاءُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأُمَمِ، فَيَنْزِلُونَ مِنها حَيْثُ شاؤُوا، ثُمَّ تَنْزِلُ الأُمَمُ بَعْدَهم فِيها فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ"؛ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيْ: نَعْمَ ثَوابُ المُطِيعِينَ في الدُّنْيا الجَنَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: مُحَدِّقِينَ بِهِ، يُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ: إذا أحْدَقُوا بِهِ؛ ودَخَلَتْ "مِن" لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: بِأمْرِ رَبِّهِمْ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَسْبَحُونَ بِالحَمْدِ لَهُ حَيْثُ دَخَلَ المُوَحِّدُونَ الجَنَّةَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّسْبِيحُ هاهُنا بِمَعْنى الصَّلاةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ ﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ هَذا قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى إنْعامِهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ابْتَدَأ اللَّهُ ذِكْرَ الخَلْقِ بِالحَمْدِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي (p-٢٠٣)خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وخَتَمَ غايَةَ الأمْرِ -وَهُوَ اسْتِقْرارُ الفَرِيقَيْنِ في مَنازِلِهِمْ- بِالحَمْدِ لِلَّهِ بِهَذِهِ الآَيَةِ، فَنَبَّهْ عَلى تَحْمِيدِهِ في بِدايَةِ كُلِّ أمْرٍ وخاتِمَتِهِ.
الزمر 39:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الزُّمَرِ: جَماعاتٌ في تَفْرِقَةِ بَعْضِهِمْ عَلى إثْرِ بَعْضٍ، واحِدُها: زُمْرَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِكم. و ﴿كَلِمَةُ العَذابِ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فُتِحَتْ" "وَفُتِّحَتْ" مُشَدَّدَتَيْنِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتَّخْفِيفِ.
وَفِي هَذِهِ الواوِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ، رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها واوُ الحالِ؛ فالمَعْنى: جاؤُوها وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها، فَدَخَلَتْ (p-٢٠٠)الواوُ لِبَيانِ أنَّ الأبْوابَ كانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، وحُذِفَتْ مِن قِصَّةِ أهْلِ النّارِ لِبَيانِ أنَّها كانَتْ مُغْلَقَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ جاؤُوها وقَدْ فَتَحَتْ أبْوابَها لِيَسْتَعْجِلُوا السُّرُورَ والفَرَحَ إذا رَأوُا الأبْوابَ مُفَتَّحَةً، وأهْلُ النّارِ يَأْتُونَها وأبْوابُها مُغْلَقَةٌ لِيَكُونَ أشَدَّ لِحَرِّها، ذَكَرَهُ أبُو إسْحاقَ ابْنُ شاقْلا مِن أصْحابِنا.
والثّانِي: أنَّ الوُقُوفَ عَلى البابِ المُغْلَقِ نَوْعُ ذُلٍّ، فَصِينَ أهْلُ الجَنَّةِ عَنْهُ، وجُعِلَ في حَقِّ أهْلِ النّارِ، ذَكَرَهُ لِي بَعْضُ مَشايِخِنا.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ وجَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بابَها مُغْلَقًا لَأثَّرَ انْتِظارُ فَتْحِهِ في كَمالِ الكَرَمِ، ومَن كَمالِ الكَرَمِ غَلْقُ بابِ النّارِ إلى حِينِ مَجِيءِ أهْلِها، لِأنَّ الكَرِيمَ يُعَجِّلُ المَثُوبَةَ، ويُؤَخِّرُ العُقُوبَةَ، وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٧]؛ قالَ المُصَنِّفُ: هَذا وجْهٌ خَطِرٌ لِي.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الواوَ زِيدَتْ، لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعَةٌ، والعَرَبُ تَعْطِفُ في العَدَدِ بِالواوِ عَلى ما فَوْقَ السَّبْعَةِ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢]، حَكى هَذا القَوْلَ والَّذِي قَبِلَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْنَ جَوابُ هَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. وفي تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها. . . . .﴾ إلى آَخِرِ الآَيَةِ. . . . سَعِدُوا، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّانِي: ﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾ إلى قَوْلِهِ: (p-٢٠١)﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ . . . . دَخَلُوها، وإنَّما حُذِفَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الجَوابُ: قالَ لَهم خَزَنَتُها، والواوُ زائِدَةٌ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، قالَ: ومِثْلُهُ في الشِّعْرِ:
؎ فَإذا وذَلِكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ إلّا كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخَيالِ
أيْ: فَإذا ذَلِكَ.
والثّالِثُ: الجَوابُ: حَتّى إذا جاؤُوها فُتِحَتْ أبْوابُها، والواوُ زائِدَةٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿طِبْتُمْ﴾ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهم إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ وجَدُوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً يَخْرُجُ مِن تَحْتِ ساقِها عَيْنانِ، فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما، فَلا يَبْقى في بُطُونِهِمْ أذًى ولا قَذًى إلّا خَرَجَ، ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى، فَلا تَغْبَرُّ جُلُودُهم ولا تَشْعَّثُ أشْعارُهم أبَدًا، حَتّى إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ قالَ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ خَزَنَتُها: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾، رَواهُ عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ٤٤] نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طابَ لَكم (p-٢٠٢)المَقامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: طِبْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّهم طُيِّبُوا قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِالمَغْفِرَةِ، واقْتَصَّ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَلَمّا هُذِّبُوا قالَتْ لَهُمُ الخَزَنَةُ: طِبْتُمْ، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: كُنْتُمْ طَيِّبِينَ في الدُّنْيا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَلَمّا دَخَلُوها قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ أرْضِ الجَنَّةِ ( نَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ نَشاءُ ) أيْ: نَتَّخِذُ فِيها مِنَ المَنازِلِ ما نَشاءُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأُمَمِ، فَيَنْزِلُونَ مِنها حَيْثُ شاؤُوا، ثُمَّ تَنْزِلُ الأُمَمُ بَعْدَهم فِيها فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ"؛ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيْ: نَعْمَ ثَوابُ المُطِيعِينَ في الدُّنْيا الجَنَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: مُحَدِّقِينَ بِهِ، يُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ: إذا أحْدَقُوا بِهِ؛ ودَخَلَتْ "مِن" لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: بِأمْرِ رَبِّهِمْ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَسْبَحُونَ بِالحَمْدِ لَهُ حَيْثُ دَخَلَ المُوَحِّدُونَ الجَنَّةَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّسْبِيحُ هاهُنا بِمَعْنى الصَّلاةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ ﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ هَذا قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى إنْعامِهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ابْتَدَأ اللَّهُ ذِكْرَ الخَلْقِ بِالحَمْدِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي (p-٢٠٣)خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وخَتَمَ غايَةَ الأمْرِ -وَهُوَ اسْتِقْرارُ الفَرِيقَيْنِ في مَنازِلِهِمْ- بِالحَمْدِ لِلَّهِ بِهَذِهِ الآَيَةِ، فَنَبَّهْ عَلى تَحْمِيدِهِ في بِدايَةِ كُلِّ أمْرٍ وخاتِمَتِهِ.
الزمر 39:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الزُّمَرِ: جَماعاتٌ في تَفْرِقَةِ بَعْضِهِمْ عَلى إثْرِ بَعْضٍ، واحِدُها: زُمْرَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِكم. و ﴿كَلِمَةُ العَذابِ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فُتِحَتْ" "وَفُتِّحَتْ" مُشَدَّدَتَيْنِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتَّخْفِيفِ.
وَفِي هَذِهِ الواوِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ، رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها واوُ الحالِ؛ فالمَعْنى: جاؤُوها وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها، فَدَخَلَتْ (p-٢٠٠)الواوُ لِبَيانِ أنَّ الأبْوابَ كانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، وحُذِفَتْ مِن قِصَّةِ أهْلِ النّارِ لِبَيانِ أنَّها كانَتْ مُغْلَقَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ جاؤُوها وقَدْ فَتَحَتْ أبْوابَها لِيَسْتَعْجِلُوا السُّرُورَ والفَرَحَ إذا رَأوُا الأبْوابَ مُفَتَّحَةً، وأهْلُ النّارِ يَأْتُونَها وأبْوابُها مُغْلَقَةٌ لِيَكُونَ أشَدَّ لِحَرِّها، ذَكَرَهُ أبُو إسْحاقَ ابْنُ شاقْلا مِن أصْحابِنا.
والثّانِي: أنَّ الوُقُوفَ عَلى البابِ المُغْلَقِ نَوْعُ ذُلٍّ، فَصِينَ أهْلُ الجَنَّةِ عَنْهُ، وجُعِلَ في حَقِّ أهْلِ النّارِ، ذَكَرَهُ لِي بَعْضُ مَشايِخِنا.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ وجَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بابَها مُغْلَقًا لَأثَّرَ انْتِظارُ فَتْحِهِ في كَمالِ الكَرَمِ، ومَن كَمالِ الكَرَمِ غَلْقُ بابِ النّارِ إلى حِينِ مَجِيءِ أهْلِها، لِأنَّ الكَرِيمَ يُعَجِّلُ المَثُوبَةَ، ويُؤَخِّرُ العُقُوبَةَ، وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٧]؛ قالَ المُصَنِّفُ: هَذا وجْهٌ خَطِرٌ لِي.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الواوَ زِيدَتْ، لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعَةٌ، والعَرَبُ تَعْطِفُ في العَدَدِ بِالواوِ عَلى ما فَوْقَ السَّبْعَةِ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢]، حَكى هَذا القَوْلَ والَّذِي قَبِلَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْنَ جَوابُ هَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. وفي تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها. . . . .﴾ إلى آَخِرِ الآَيَةِ. . . . سَعِدُوا، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّانِي: ﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾ إلى قَوْلِهِ: (p-٢٠١)﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ . . . . دَخَلُوها، وإنَّما حُذِفَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الجَوابُ: قالَ لَهم خَزَنَتُها، والواوُ زائِدَةٌ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، قالَ: ومِثْلُهُ في الشِّعْرِ:
؎ فَإذا وذَلِكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ إلّا كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخَيالِ
أيْ: فَإذا ذَلِكَ.
والثّالِثُ: الجَوابُ: حَتّى إذا جاؤُوها فُتِحَتْ أبْوابُها، والواوُ زائِدَةٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿طِبْتُمْ﴾ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهم إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ وجَدُوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً يَخْرُجُ مِن تَحْتِ ساقِها عَيْنانِ، فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما، فَلا يَبْقى في بُطُونِهِمْ أذًى ولا قَذًى إلّا خَرَجَ، ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى، فَلا تَغْبَرُّ جُلُودُهم ولا تَشْعَّثُ أشْعارُهم أبَدًا، حَتّى إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ قالَ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ خَزَنَتُها: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾، رَواهُ عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ٤٤] نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طابَ لَكم (p-٢٠٢)المَقامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: طِبْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّهم طُيِّبُوا قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِالمَغْفِرَةِ، واقْتَصَّ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَلَمّا هُذِّبُوا قالَتْ لَهُمُ الخَزَنَةُ: طِبْتُمْ، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: كُنْتُمْ طَيِّبِينَ في الدُّنْيا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَلَمّا دَخَلُوها قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ أرْضِ الجَنَّةِ ( نَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ نَشاءُ ) أيْ: نَتَّخِذُ فِيها مِنَ المَنازِلِ ما نَشاءُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأُمَمِ، فَيَنْزِلُونَ مِنها حَيْثُ شاؤُوا، ثُمَّ تَنْزِلُ الأُمَمُ بَعْدَهم فِيها فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ"؛ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيْ: نَعْمَ ثَوابُ المُطِيعِينَ في الدُّنْيا الجَنَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: مُحَدِّقِينَ بِهِ، يُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ: إذا أحْدَقُوا بِهِ؛ ودَخَلَتْ "مِن" لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: بِأمْرِ رَبِّهِمْ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَسْبَحُونَ بِالحَمْدِ لَهُ حَيْثُ دَخَلَ المُوَحِّدُونَ الجَنَّةَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّسْبِيحُ هاهُنا بِمَعْنى الصَّلاةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ ﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ هَذا قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى إنْعامِهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ابْتَدَأ اللَّهُ ذِكْرَ الخَلْقِ بِالحَمْدِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي (p-٢٠٣)خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وخَتَمَ غايَةَ الأمْرِ -وَهُوَ اسْتِقْرارُ الفَرِيقَيْنِ في مَنازِلِهِمْ- بِالحَمْدِ لِلَّهِ بِهَذِهِ الآَيَةِ، فَنَبَّهْ عَلى تَحْمِيدِهِ في بِدايَةِ كُلِّ أمْرٍ وخاتِمَتِهِ.
الزمر 39:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الزُّمَرِ: جَماعاتٌ في تَفْرِقَةِ بَعْضِهِمْ عَلى إثْرِ بَعْضٍ، واحِدُها: زُمْرَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِكم. و ﴿كَلِمَةُ العَذابِ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فُتِحَتْ" "وَفُتِّحَتْ" مُشَدَّدَتَيْنِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتَّخْفِيفِ.
وَفِي هَذِهِ الواوِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ، رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها واوُ الحالِ؛ فالمَعْنى: جاؤُوها وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها، فَدَخَلَتْ (p-٢٠٠)الواوُ لِبَيانِ أنَّ الأبْوابَ كانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، وحُذِفَتْ مِن قِصَّةِ أهْلِ النّارِ لِبَيانِ أنَّها كانَتْ مُغْلَقَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ جاؤُوها وقَدْ فَتَحَتْ أبْوابَها لِيَسْتَعْجِلُوا السُّرُورَ والفَرَحَ إذا رَأوُا الأبْوابَ مُفَتَّحَةً، وأهْلُ النّارِ يَأْتُونَها وأبْوابُها مُغْلَقَةٌ لِيَكُونَ أشَدَّ لِحَرِّها، ذَكَرَهُ أبُو إسْحاقَ ابْنُ شاقْلا مِن أصْحابِنا.
والثّانِي: أنَّ الوُقُوفَ عَلى البابِ المُغْلَقِ نَوْعُ ذُلٍّ، فَصِينَ أهْلُ الجَنَّةِ عَنْهُ، وجُعِلَ في حَقِّ أهْلِ النّارِ، ذَكَرَهُ لِي بَعْضُ مَشايِخِنا.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ وجَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بابَها مُغْلَقًا لَأثَّرَ انْتِظارُ فَتْحِهِ في كَمالِ الكَرَمِ، ومَن كَمالِ الكَرَمِ غَلْقُ بابِ النّارِ إلى حِينِ مَجِيءِ أهْلِها، لِأنَّ الكَرِيمَ يُعَجِّلُ المَثُوبَةَ، ويُؤَخِّرُ العُقُوبَةَ، وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٧]؛ قالَ المُصَنِّفُ: هَذا وجْهٌ خَطِرٌ لِي.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الواوَ زِيدَتْ، لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعَةٌ، والعَرَبُ تَعْطِفُ في العَدَدِ بِالواوِ عَلى ما فَوْقَ السَّبْعَةِ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢]، حَكى هَذا القَوْلَ والَّذِي قَبِلَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْنَ جَوابُ هَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. وفي تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها. . . . .﴾ إلى آَخِرِ الآَيَةِ. . . . سَعِدُوا، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّانِي: ﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾ إلى قَوْلِهِ: (p-٢٠١)﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ . . . . دَخَلُوها، وإنَّما حُذِفَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الجَوابُ: قالَ لَهم خَزَنَتُها، والواوُ زائِدَةٌ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، قالَ: ومِثْلُهُ في الشِّعْرِ:
؎ فَإذا وذَلِكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ إلّا كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخَيالِ
أيْ: فَإذا ذَلِكَ.
والثّالِثُ: الجَوابُ: حَتّى إذا جاؤُوها فُتِحَتْ أبْوابُها، والواوُ زائِدَةٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿طِبْتُمْ﴾ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهم إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ وجَدُوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً يَخْرُجُ مِن تَحْتِ ساقِها عَيْنانِ، فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما، فَلا يَبْقى في بُطُونِهِمْ أذًى ولا قَذًى إلّا خَرَجَ، ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى، فَلا تَغْبَرُّ جُلُودُهم ولا تَشْعَّثُ أشْعارُهم أبَدًا، حَتّى إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ قالَ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ خَزَنَتُها: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾، رَواهُ عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ٤٤] نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طابَ لَكم (p-٢٠٢)المَقامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: طِبْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّهم طُيِّبُوا قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِالمَغْفِرَةِ، واقْتَصَّ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَلَمّا هُذِّبُوا قالَتْ لَهُمُ الخَزَنَةُ: طِبْتُمْ، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: كُنْتُمْ طَيِّبِينَ في الدُّنْيا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَلَمّا دَخَلُوها قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ أرْضِ الجَنَّةِ ( نَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ نَشاءُ ) أيْ: نَتَّخِذُ فِيها مِنَ المَنازِلِ ما نَشاءُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأُمَمِ، فَيَنْزِلُونَ مِنها حَيْثُ شاؤُوا، ثُمَّ تَنْزِلُ الأُمَمُ بَعْدَهم فِيها فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ"؛ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيْ: نَعْمَ ثَوابُ المُطِيعِينَ في الدُّنْيا الجَنَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: مُحَدِّقِينَ بِهِ، يُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ: إذا أحْدَقُوا بِهِ؛ ودَخَلَتْ "مِن" لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: بِأمْرِ رَبِّهِمْ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَسْبَحُونَ بِالحَمْدِ لَهُ حَيْثُ دَخَلَ المُوَحِّدُونَ الجَنَّةَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّسْبِيحُ هاهُنا بِمَعْنى الصَّلاةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ ﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ هَذا قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى إنْعامِهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ابْتَدَأ اللَّهُ ذِكْرَ الخَلْقِ بِالحَمْدِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي (p-٢٠٣)خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وخَتَمَ غايَةَ الأمْرِ -وَهُوَ اسْتِقْرارُ الفَرِيقَيْنِ في مَنازِلِهِمْ- بِالحَمْدِ لِلَّهِ بِهَذِهِ الآَيَةِ، فَنَبَّهْ عَلى تَحْمِيدِهِ في بِدايَةِ كُلِّ أمْرٍ وخاتِمَتِهِ.
غافر 40:1
(p-٢٠٤)سُورَةُ المُؤْمِنِ
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ويُقالُ لَها: سُورَةُ الطَّوْلِ. وهي مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أنَّ فِيها آَيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ والَّتِي بَعْدَها [المُؤْمِنِ: ٣٥، ٣٦] . قالَ الزَّجّاجُ: وذَكَرَ أنَّ الحَوامِيمَ كُلَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: إنَّ "حم" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أُضِيفَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: سُورَةُ اللَّهِ، لِشَرَفِها وفَضْلِها، فَقِيلَ: آَلُ حامِيمٍ، وإنْ كانَ القُرْآَنُ كُلُّهُ سُوَرَ اللَّهِ، وإنَّ هَذا كَما يُقالُ: بَيْتُ اللَّهِ، وحَرَمُ اللَّهِ، وناقَةُ اللَّهِ، قالَ الكُمَيْتُ:
؎ وجَدْنا لَكم في آَلِ حامِيمَ آَيَةٌ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعَرَّبٌ
وَقَدْ تُجْعَلُ "حم" اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَدْخُلُ الإعْرابَ ولا يُصْرَفُ، ومَن قالَ هَذا في الجَمِيعِ: الحَوامِيمُ، كَما يُقالُ: "طس" والطَّواسِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: وقَعَ في الحَوامِيمِ، وفي آَلِ حَمِيمٍ، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ اللَّواتِي طُوِّلَتْ ∗∗∗ وبِمِئِينَ بَعْدَها قَدْ أُمْئِيَتْ
؎ وبِمَثانٍ ثُنِّيَتْ فَكُرِّرَتْ ∗∗∗ وبِالطَّواسِينَ اللَّواتِي ثُلِّثَتْ
؎ (p-٢٠٥)وَبِالحَوامِيمِ اللَّواتِي سُبِّعَتْ ∗∗∗ [وَبِالمُفَصَّلِ اللَّواتِي فُصِّلَتْ]
فَمَن قالَ: وقَعَ في آَلِ حامِيمَ، جَعَلَ حامِيمَ اسْمًا لِكُلِّهِنَّ؛ ومَن قالَ: وقَعَ في الحَوامِيمِ، جَعَلَ "حم" كَأنَّهُ حَرْفٌ واحِدٌ بِمَنزِلَةِ قابِيلَ وهابِيلَ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: مِنَ الخَطَإ أنْ تَقُولَ: قَرَأتُ الحَوامِيمَ، ولَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ، والصَّوابُ أنْ تَقُولَ، قَرَأتُ آَلَ حامِيمَ. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إذا وقَعَتْ في آَلِ حم وقَعَتْ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ"، وقالَ الكُمَيْتُ:
وَجَدْنا لَكم في آَلِ حامِيمَ آَيَةٌ
وَفِي ﴿حم﴾ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ [المُؤْمِنِ: ١٠] .
(p-٢٠٦)والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنْ "الر" و "حم" و "نُونُ" حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ الحاءَ مِفْتاحُ اسْمِهِ "حَمِيدُ"، والمِيمُ مِفْتاحُ اسْمِهِ "مَجِيدُ"، قالَهُ أبُو العالِيَةَ. والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِفْتاحُ كُلِّ اسْمٍ لِلَّهِ ابْتِداؤُهُ حاءٌ، مِثْلُ "حَكِيمٍ"، و "حَلِيمٍ"، و "حَيٍّ"، والمِيمُ مِفْتاحُ كُلِّ اسْمٍ لَهُ، ابْتِداؤُهُ مِيمٌ مِثْلُ "مَلِكٍ"، و "مُتَكَبِّرٍ"، و "مَجِيدٍ"، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى "حم": قُضِيَ ما هو كائِنٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والكِسائِيِّ مِثْلُ هَذا كَأنَّهُما أرادا الإشارَةَ إلى حم، بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ قِيلَ في "حم": حُمَّ الأمْرُ. والرّابِعُ: أنْ "حم" اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "حم" بِفَتْحِ الحاءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها؛ واخْتَلَفَ عَنِ الباقِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا المِيمُ، فَساكِنَةٌ في قِراءَةِ القُرّاءِ كُلِّهِمُ الّا عِيسى ابْنُ عُمَرَ فَإنَّهُ فَتَحَها؛ وفَتْحُها عَلى ضَرْبَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ يَجْعَلَ "حم" اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَيَنْصِبُهُ ولا يُنَوِّنُهُ، لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ نَحْوَ هابِيلَ وقابِيلَ. والثّانِي: عَلى مَعْنى: اتْلُ حم؛ والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ فَتْحٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ حَيْثُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَكُونُ حِكايَةَ حُرُوفِ الهِجاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ أيْ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ. والتَّوْبُ: (p-٢٠٧)جَمْعُ تَوْبَةٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَن تابَ يَتُوبُ تَوْبًا. والطَّوْلُ: الفَضْلُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: فُلانٌ ذُو طَوْلٍ عَلى قَوْمِهِ، أيْ: ذُو فَضْلٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: طُلَّ عَلَيَّ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أيْ: تَفَضَّلْ. قالَ الخَطّابِيُّ: ذُو: حَرْفُ النِّسْبَةِ، والنِّسْبَةُ في كَلامِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِالياءِ، كَقَوْلِهِمْ: أسَدِيٌّ، وبِكْرِّيٌّ، والثّانِي عَلى الجَمْعِ، كَقَوْلِهِمُ: المَهالِبَةُ، والمَسامِعَةُ، والأزارِقَةُ، والثّالِثُ بِـ "ذِي" و "ذاتُ"، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلُ مالٍ، أيْ: ذُو مالٍ، وكَبْشٍ صافٍ، أيْ: ذُو صُوفٍ، وناقَةٍ ضامِرٍ، أيْ: ذاتُ ضَمْرٍ؛ فَقَوْلُهُ: ذُو الطَّوْلِ، مَعْناهُ: أهْلُ الطَّوْلِ والفَضْلِ.
غافر 40:2
(p-٢٠٤)سُورَةُ المُؤْمِنِ
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ويُقالُ لَها: سُورَةُ الطَّوْلِ. وهي مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أنَّ فِيها آَيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ والَّتِي بَعْدَها [المُؤْمِنِ: ٣٥، ٣٦] . قالَ الزَّجّاجُ: وذَكَرَ أنَّ الحَوامِيمَ كُلَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: إنَّ "حم" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أُضِيفَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: سُورَةُ اللَّهِ، لِشَرَفِها وفَضْلِها، فَقِيلَ: آَلُ حامِيمٍ، وإنْ كانَ القُرْآَنُ كُلُّهُ سُوَرَ اللَّهِ، وإنَّ هَذا كَما يُقالُ: بَيْتُ اللَّهِ، وحَرَمُ اللَّهِ، وناقَةُ اللَّهِ، قالَ الكُمَيْتُ:
؎ وجَدْنا لَكم في آَلِ حامِيمَ آَيَةٌ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعَرَّبٌ
وَقَدْ تُجْعَلُ "حم" اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَدْخُلُ الإعْرابَ ولا يُصْرَفُ، ومَن قالَ هَذا في الجَمِيعِ: الحَوامِيمُ، كَما يُقالُ: "طس" والطَّواسِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: وقَعَ في الحَوامِيمِ، وفي آَلِ حَمِيمٍ، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ اللَّواتِي طُوِّلَتْ ∗∗∗ وبِمِئِينَ بَعْدَها قَدْ أُمْئِيَتْ
؎ وبِمَثانٍ ثُنِّيَتْ فَكُرِّرَتْ ∗∗∗ وبِالطَّواسِينَ اللَّواتِي ثُلِّثَتْ
؎ (p-٢٠٥)وَبِالحَوامِيمِ اللَّواتِي سُبِّعَتْ ∗∗∗ [وَبِالمُفَصَّلِ اللَّواتِي فُصِّلَتْ]
فَمَن قالَ: وقَعَ في آَلِ حامِيمَ، جَعَلَ حامِيمَ اسْمًا لِكُلِّهِنَّ؛ ومَن قالَ: وقَعَ في الحَوامِيمِ، جَعَلَ "حم" كَأنَّهُ حَرْفٌ واحِدٌ بِمَنزِلَةِ قابِيلَ وهابِيلَ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: مِنَ الخَطَإ أنْ تَقُولَ: قَرَأتُ الحَوامِيمَ، ولَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ، والصَّوابُ أنْ تَقُولَ، قَرَأتُ آَلَ حامِيمَ. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إذا وقَعَتْ في آَلِ حم وقَعَتْ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ"، وقالَ الكُمَيْتُ:
وَجَدْنا لَكم في آَلِ حامِيمَ آَيَةٌ
وَفِي ﴿حم﴾ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ [المُؤْمِنِ: ١٠] .
(p-٢٠٦)والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنْ "الر" و "حم" و "نُونُ" حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ الحاءَ مِفْتاحُ اسْمِهِ "حَمِيدُ"، والمِيمُ مِفْتاحُ اسْمِهِ "مَجِيدُ"، قالَهُ أبُو العالِيَةَ. والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِفْتاحُ كُلِّ اسْمٍ لِلَّهِ ابْتِداؤُهُ حاءٌ، مِثْلُ "حَكِيمٍ"، و "حَلِيمٍ"، و "حَيٍّ"، والمِيمُ مِفْتاحُ كُلِّ اسْمٍ لَهُ، ابْتِداؤُهُ مِيمٌ مِثْلُ "مَلِكٍ"، و "مُتَكَبِّرٍ"، و "مَجِيدٍ"، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى "حم": قُضِيَ ما هو كائِنٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والكِسائِيِّ مِثْلُ هَذا كَأنَّهُما أرادا الإشارَةَ إلى حم، بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ قِيلَ في "حم": حُمَّ الأمْرُ. والرّابِعُ: أنْ "حم" اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "حم" بِفَتْحِ الحاءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها؛ واخْتَلَفَ عَنِ الباقِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا المِيمُ، فَساكِنَةٌ في قِراءَةِ القُرّاءِ كُلِّهِمُ الّا عِيسى ابْنُ عُمَرَ فَإنَّهُ فَتَحَها؛ وفَتْحُها عَلى ضَرْبَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ يَجْعَلَ "حم" اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَيَنْصِبُهُ ولا يُنَوِّنُهُ، لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ نَحْوَ هابِيلَ وقابِيلَ. والثّانِي: عَلى مَعْنى: اتْلُ حم؛ والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ فَتْحٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ حَيْثُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَكُونُ حِكايَةَ حُرُوفِ الهِجاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ أيْ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ. والتَّوْبُ: (p-٢٠٧)جَمْعُ تَوْبَةٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَن تابَ يَتُوبُ تَوْبًا. والطَّوْلُ: الفَضْلُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: فُلانٌ ذُو طَوْلٍ عَلى قَوْمِهِ، أيْ: ذُو فَضْلٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: طُلَّ عَلَيَّ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أيْ: تَفَضَّلْ. قالَ الخَطّابِيُّ: ذُو: حَرْفُ النِّسْبَةِ، والنِّسْبَةُ في كَلامِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِالياءِ، كَقَوْلِهِمْ: أسَدِيٌّ، وبِكْرِّيٌّ، والثّانِي عَلى الجَمْعِ، كَقَوْلِهِمُ: المَهالِبَةُ، والمَسامِعَةُ، والأزارِقَةُ، والثّالِثُ بِـ "ذِي" و "ذاتُ"، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلُ مالٍ، أيْ: ذُو مالٍ، وكَبْشٍ صافٍ، أيْ: ذُو صُوفٍ، وناقَةٍ ضامِرٍ، أيْ: ذاتُ ضَمْرٍ؛ فَقَوْلُهُ: ذُو الطَّوْلِ، مَعْناهُ: أهْلُ الطَّوْلِ والفَضْلِ.
غافر 40:3
(p-٢٠٤)سُورَةُ المُؤْمِنِ
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ويُقالُ لَها: سُورَةُ الطَّوْلِ. وهي مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أنَّ فِيها آَيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ والَّتِي بَعْدَها [المُؤْمِنِ: ٣٥، ٣٦] . قالَ الزَّجّاجُ: وذَكَرَ أنَّ الحَوامِيمَ كُلَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: إنَّ "حم" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أُضِيفَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: سُورَةُ اللَّهِ، لِشَرَفِها وفَضْلِها، فَقِيلَ: آَلُ حامِيمٍ، وإنْ كانَ القُرْآَنُ كُلُّهُ سُوَرَ اللَّهِ، وإنَّ هَذا كَما يُقالُ: بَيْتُ اللَّهِ، وحَرَمُ اللَّهِ، وناقَةُ اللَّهِ، قالَ الكُمَيْتُ:
؎ وجَدْنا لَكم في آَلِ حامِيمَ آَيَةٌ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعَرَّبٌ
وَقَدْ تُجْعَلُ "حم" اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَدْخُلُ الإعْرابَ ولا يُصْرَفُ، ومَن قالَ هَذا في الجَمِيعِ: الحَوامِيمُ، كَما يُقالُ: "طس" والطَّواسِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: وقَعَ في الحَوامِيمِ، وفي آَلِ حَمِيمٍ، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ اللَّواتِي طُوِّلَتْ ∗∗∗ وبِمِئِينَ بَعْدَها قَدْ أُمْئِيَتْ
؎ وبِمَثانٍ ثُنِّيَتْ فَكُرِّرَتْ ∗∗∗ وبِالطَّواسِينَ اللَّواتِي ثُلِّثَتْ
؎ (p-٢٠٥)وَبِالحَوامِيمِ اللَّواتِي سُبِّعَتْ ∗∗∗ [وَبِالمُفَصَّلِ اللَّواتِي فُصِّلَتْ]
فَمَن قالَ: وقَعَ في آَلِ حامِيمَ، جَعَلَ حامِيمَ اسْمًا لِكُلِّهِنَّ؛ ومَن قالَ: وقَعَ في الحَوامِيمِ، جَعَلَ "حم" كَأنَّهُ حَرْفٌ واحِدٌ بِمَنزِلَةِ قابِيلَ وهابِيلَ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: مِنَ الخَطَإ أنْ تَقُولَ: قَرَأتُ الحَوامِيمَ، ولَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ، والصَّوابُ أنْ تَقُولَ، قَرَأتُ آَلَ حامِيمَ. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إذا وقَعَتْ في آَلِ حم وقَعَتْ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ"، وقالَ الكُمَيْتُ:
وَجَدْنا لَكم في آَلِ حامِيمَ آَيَةٌ
وَفِي ﴿حم﴾ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ [المُؤْمِنِ: ١٠] .
(p-٢٠٦)والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنْ "الر" و "حم" و "نُونُ" حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ الحاءَ مِفْتاحُ اسْمِهِ "حَمِيدُ"، والمِيمُ مِفْتاحُ اسْمِهِ "مَجِيدُ"، قالَهُ أبُو العالِيَةَ. والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِفْتاحُ كُلِّ اسْمٍ لِلَّهِ ابْتِداؤُهُ حاءٌ، مِثْلُ "حَكِيمٍ"، و "حَلِيمٍ"، و "حَيٍّ"، والمِيمُ مِفْتاحُ كُلِّ اسْمٍ لَهُ، ابْتِداؤُهُ مِيمٌ مِثْلُ "مَلِكٍ"، و "مُتَكَبِّرٍ"، و "مَجِيدٍ"، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى "حم": قُضِيَ ما هو كائِنٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والكِسائِيِّ مِثْلُ هَذا كَأنَّهُما أرادا الإشارَةَ إلى حم، بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ قِيلَ في "حم": حُمَّ الأمْرُ. والرّابِعُ: أنْ "حم" اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "حم" بِفَتْحِ الحاءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها؛ واخْتَلَفَ عَنِ الباقِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا المِيمُ، فَساكِنَةٌ في قِراءَةِ القُرّاءِ كُلِّهِمُ الّا عِيسى ابْنُ عُمَرَ فَإنَّهُ فَتَحَها؛ وفَتْحُها عَلى ضَرْبَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ يَجْعَلَ "حم" اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَيَنْصِبُهُ ولا يُنَوِّنُهُ، لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ نَحْوَ هابِيلَ وقابِيلَ. والثّانِي: عَلى مَعْنى: اتْلُ حم؛ والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ فَتْحٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ حَيْثُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَكُونُ حِكايَةَ حُرُوفِ الهِجاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ أيْ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ. والتَّوْبُ: (p-٢٠٧)جَمْعُ تَوْبَةٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَن تابَ يَتُوبُ تَوْبًا. والطَّوْلُ: الفَضْلُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: فُلانٌ ذُو طَوْلٍ عَلى قَوْمِهِ، أيْ: ذُو فَضْلٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: طُلَّ عَلَيَّ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أيْ: تَفَضَّلْ. قالَ الخَطّابِيُّ: ذُو: حَرْفُ النِّسْبَةِ، والنِّسْبَةُ في كَلامِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِالياءِ، كَقَوْلِهِمْ: أسَدِيٌّ، وبِكْرِّيٌّ، والثّانِي عَلى الجَمْعِ، كَقَوْلِهِمُ: المَهالِبَةُ، والمَسامِعَةُ، والأزارِقَةُ، والثّالِثُ بِـ "ذِي" و "ذاتُ"، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلُ مالٍ، أيْ: ذُو مالٍ، وكَبْشٍ صافٍ، أيْ: ذُو صُوفٍ، وناقَةٍ ضامِرٍ، أيْ: ذاتُ ضَمْرٍ؛ فَقَوْلُهُ: ذُو الطَّوْلِ، مَعْناهُ: أهْلُ الطَّوْلِ والفَضْلِ.
غافر 40:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ فِيها بِالتَّكْذِيبِ لَها ودَفْعِها بِالباطِلِ ﴿إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وباقِي الآَيَةِ في [آَلِ عِمْرانَ: ١٩٦]؛ والمَعْنى: إنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ إلى العَذابِ كَعاقِبَةِ مَن قَبْلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِيَقْتُلُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والثّانِي: لِيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ، ويُقالُ لِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما قالَ: "لِيَأْخُذُوهُ" فَجُمِعَ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ الكُلَّ مُذَكَّرٌ ومَعْناهُ مَعْنى الجَماعَةِ. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [الكَهْفِ: ٥٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾ أيْ: عاقَبَتْهم وأهْلَكَتْهم (p-٢٠٨)﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ لِعُقُوبَتِهِمُ الواقِعَةُ بِهِمْ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بِالعَذابِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨]عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا مَن قَوْمِكَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ )، ﴿أنَّهُمْ﴾ قالَ الأخْفَشُ: لِأنَّهم أوْ بِأنَّهم ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ .
غافر 40:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ فِيها بِالتَّكْذِيبِ لَها ودَفْعِها بِالباطِلِ ﴿إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وباقِي الآَيَةِ في [آَلِ عِمْرانَ: ١٩٦]؛ والمَعْنى: إنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ إلى العَذابِ كَعاقِبَةِ مَن قَبْلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِيَقْتُلُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والثّانِي: لِيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ، ويُقالُ لِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما قالَ: "لِيَأْخُذُوهُ" فَجُمِعَ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ الكُلَّ مُذَكَّرٌ ومَعْناهُ مَعْنى الجَماعَةِ. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [الكَهْفِ: ٥٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾ أيْ: عاقَبَتْهم وأهْلَكَتْهم (p-٢٠٨)﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ لِعُقُوبَتِهِمُ الواقِعَةُ بِهِمْ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بِالعَذابِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨]عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا مَن قَوْمِكَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ )، ﴿أنَّهُمْ﴾ قالَ الأخْفَشُ: لِأنَّهم أوْ بِأنَّهم ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ .
غافر 40:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ فِيها بِالتَّكْذِيبِ لَها ودَفْعِها بِالباطِلِ ﴿إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وباقِي الآَيَةِ في [آَلِ عِمْرانَ: ١٩٦]؛ والمَعْنى: إنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ إلى العَذابِ كَعاقِبَةِ مَن قَبْلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِيَقْتُلُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والثّانِي: لِيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ، ويُقالُ لِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما قالَ: "لِيَأْخُذُوهُ" فَجُمِعَ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ الكُلَّ مُذَكَّرٌ ومَعْناهُ مَعْنى الجَماعَةِ. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [الكَهْفِ: ٥٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾ أيْ: عاقَبَتْهم وأهْلَكَتْهم (p-٢٠٨)﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ لِعُقُوبَتِهِمُ الواقِعَةُ بِهِمْ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بِالعَذابِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨]عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا مَن قَوْمِكَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ )، ﴿أنَّهُمْ﴾ قالَ الأخْفَشُ: لِأنَّهم أوْ بِأنَّهم ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ .
غافر 40:7
ثُمَّ أخْبَرَ بِفَضْلِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وهَمْ أرْبَعَةُ أمْلاكٍ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلُوا ثَمانِيَةً ﴿وَمَن حَوْلَهُ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ، ومِن وراءِ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُهُ الآَخَرُ. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ هُمُ الكَرُوبِيُّونَ وهم سادَةُ المَلائِكَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ يَقُولُونَ: رَبَّنا ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ مِنَ الشِّرْكَ ﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ (p-٢٠٩)وَهُوَ دِينُ الإسْلامِ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي العَذابَ.
غافر 40:8
ثُمَّ أخْبَرَ بِفَضْلِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وهَمْ أرْبَعَةُ أمْلاكٍ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلُوا ثَمانِيَةً ﴿وَمَن حَوْلَهُ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ، ومِن وراءِ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُهُ الآَخَرُ. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ هُمُ الكَرُوبِيُّونَ وهم سادَةُ المَلائِكَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ يَقُولُونَ: رَبَّنا ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ مِنَ الشِّرْكَ ﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ (p-٢٠٩)وَهُوَ دِينُ الإسْلامِ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي العَذابَ.
غافر 40:9
ثُمَّ أخْبَرَ بِفَضْلِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وهَمْ أرْبَعَةُ أمْلاكٍ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلُوا ثَمانِيَةً ﴿وَمَن حَوْلَهُ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ، ومِن وراءِ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُهُ الآَخَرُ. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ هُمُ الكَرُوبِيُّونَ وهم سادَةُ المَلائِكَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ يَقُولُونَ: رَبَّنا ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ مِنَ الشِّرْكَ ﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ (p-٢٠٩)وَهُوَ دِينُ الإسْلامِ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي العَذابَ.
غافر 40:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا رَأوْا أعْمالَهم وأُدْخِلُوا النّارَ مَقَتُوا أنْفُسَهم لِسُوءِ فِعْلِهِمْ، فَناداهم مُنادٍ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وقَدْ فَسَّرْناهُ هُنالِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ: مِنَ النّارِ إلى الدُّنْيا لِنَعْمَلَ بِالطّاعَةِ ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ ؟ وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَأجِيبُوا أنْ لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ؛ وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي العَذابَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ﴿بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: إذا قِيلَ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" أنْكَرْتُمْ، وإنْ جُعِلَ لَهُ شَرِيكٌ آَمَنتُمْ، ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ فَهو الَّذِي حَكَمَ عَلى المُشْرِكِينَ بِالنّارِ. وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] مَعْنى العَلِيِّ، وُفي [الرَّعْدِ: ٩] مَعْنى الكَبِيرِ.
غافر 40:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا رَأوْا أعْمالَهم وأُدْخِلُوا النّارَ مَقَتُوا أنْفُسَهم لِسُوءِ فِعْلِهِمْ، فَناداهم مُنادٍ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وقَدْ فَسَّرْناهُ هُنالِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ: مِنَ النّارِ إلى الدُّنْيا لِنَعْمَلَ بِالطّاعَةِ ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ ؟ وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَأجِيبُوا أنْ لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ؛ وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي العَذابَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ﴿بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: إذا قِيلَ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" أنْكَرْتُمْ، وإنْ جُعِلَ لَهُ شَرِيكٌ آَمَنتُمْ، ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ فَهو الَّذِي حَكَمَ عَلى المُشْرِكِينَ بِالنّارِ. وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] مَعْنى العَلِيِّ، وُفي [الرَّعْدِ: ٩] مَعْنى الكَبِيرِ.
غافر 40:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا رَأوْا أعْمالَهم وأُدْخِلُوا النّارَ مَقَتُوا أنْفُسَهم لِسُوءِ فِعْلِهِمْ، فَناداهم مُنادٍ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وقَدْ فَسَّرْناهُ هُنالِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ: مِنَ النّارِ إلى الدُّنْيا لِنَعْمَلَ بِالطّاعَةِ ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ ؟ وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَأجِيبُوا أنْ لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ؛ وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي العَذابَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ﴿بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: إذا قِيلَ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" أنْكَرْتُمْ، وإنْ جُعِلَ لَهُ شَرِيكٌ آَمَنتُمْ، ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ فَهو الَّذِي حَكَمَ عَلى المُشْرِكِينَ بِالنّارِ. وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] مَعْنى العَلِيِّ، وُفي [الرَّعْدِ: ٩] مَعْنى الكَبِيرِ.
غافر 40:13
(p-٢١٠)﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: مَصْنُوعاتُهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. والرِّزْقُ هاهُنا: المَطَرُ، سُمِّيَ رِزْقًا، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. و "يَتَذَكَّرُ" بِمَعْنى يَتَّعِظُ، و "يُنِيبُ" بِمَعْنى يَرْجِعُ إلى الطّاعَةِ.
ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَوْحِيدِهِ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: مُوَحِّدِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي رافِعَ السَّمَواتِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْناهُ: عَظِيمُ الصِّفاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ. والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِالأوَّلِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وبِالثّانِي قالَ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: الوَحْيُ، قالَهُ قَتادَةُ. وإنَّما سُمِّيَ القُرْآَنُ والوَحْيُ رُوحًا، لِأنَّ قِوامَ الدِّينِ بِهِ، كَما أنَّ قِوامَ البَدَنِ بِالرُّوحِ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والخامِسُ: الرَّحْمَةُ، حَكاهُ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ.
(p-٢١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: مِن قَضائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِأمْرِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مِن قَوْلِهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: النَّبِيُّ الَّذِي يُوحى إلَيْهِ.
والمُرادُ بِـ ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وأثْبَتَ ياءُ ( التَّلاقِي ) في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ، وأبُو جَعْفَرٍ وافَقَهُما في الوَصْلِ؛ والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وفي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَلْتَقِي فِيهِ الأوَّلُونَ والآَخِرُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: [يَلْتَقِي] فِيهِ الخَلْقُ والخالِقُ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: يَلْتَقِي المَظْلُومُ والظّالِمُ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ.
والخامِسُ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعَمَلِهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُمُ اليَوْمَ شَيْءٌ؟
فالجَوابُ: أنْ لا، غَيْرَ أنَّ مَعْنى الكَلامِ التَّهْدِيدُ بِالجَزاءِ؛ ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: لا يَخْفى عَلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: (p-٢١٢)لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ بِجَبَلٍ ولا مَدَرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أبْرَزَهم جَمِيعًا، لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا يَقُولُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ فَناءِ الخَلائِقِ. واخْتَلَفُوا في وقْتِ قَوْلِهِ لَهُ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] يَقُولُهُ عِنْدَ فِناءِ الخَلائِقِ إذا لَمْ يَبْقَ مُجِيبٌ، فَيَرُدُّ هو عَلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَقُولُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَفِيمَن يُجِيبُهُ حِينَئِذٍ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يُجِيبُ نَفْسَهُ وقَدْ سَكَتَ الخَلائِقُ لِقَوْلِهِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ كُلَّهم يُجِيبُونَهُ فَيَقُولُونَ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
غافر 40:14
(p-٢١٠)﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: مَصْنُوعاتُهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. والرِّزْقُ هاهُنا: المَطَرُ، سُمِّيَ رِزْقًا، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. و "يَتَذَكَّرُ" بِمَعْنى يَتَّعِظُ، و "يُنِيبُ" بِمَعْنى يَرْجِعُ إلى الطّاعَةِ.
ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَوْحِيدِهِ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: مُوَحِّدِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي رافِعَ السَّمَواتِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْناهُ: عَظِيمُ الصِّفاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ. والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِالأوَّلِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وبِالثّانِي قالَ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: الوَحْيُ، قالَهُ قَتادَةُ. وإنَّما سُمِّيَ القُرْآَنُ والوَحْيُ رُوحًا، لِأنَّ قِوامَ الدِّينِ بِهِ، كَما أنَّ قِوامَ البَدَنِ بِالرُّوحِ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والخامِسُ: الرَّحْمَةُ، حَكاهُ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ.
(p-٢١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: مِن قَضائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِأمْرِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مِن قَوْلِهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: النَّبِيُّ الَّذِي يُوحى إلَيْهِ.
والمُرادُ بِـ ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وأثْبَتَ ياءُ ( التَّلاقِي ) في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ، وأبُو جَعْفَرٍ وافَقَهُما في الوَصْلِ؛ والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وفي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَلْتَقِي فِيهِ الأوَّلُونَ والآَخِرُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: [يَلْتَقِي] فِيهِ الخَلْقُ والخالِقُ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: يَلْتَقِي المَظْلُومُ والظّالِمُ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ.
والخامِسُ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعَمَلِهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُمُ اليَوْمَ شَيْءٌ؟
فالجَوابُ: أنْ لا، غَيْرَ أنَّ مَعْنى الكَلامِ التَّهْدِيدُ بِالجَزاءِ؛ ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: لا يَخْفى عَلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: (p-٢١٢)لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ بِجَبَلٍ ولا مَدَرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أبْرَزَهم جَمِيعًا، لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا يَقُولُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ فَناءِ الخَلائِقِ. واخْتَلَفُوا في وقْتِ قَوْلِهِ لَهُ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] يَقُولُهُ عِنْدَ فِناءِ الخَلائِقِ إذا لَمْ يَبْقَ مُجِيبٌ، فَيَرُدُّ هو عَلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَقُولُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَفِيمَن يُجِيبُهُ حِينَئِذٍ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يُجِيبُ نَفْسَهُ وقَدْ سَكَتَ الخَلائِقُ لِقَوْلِهِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ كُلَّهم يُجِيبُونَهُ فَيَقُولُونَ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
غافر 40:15
(p-٢١٠)﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: مَصْنُوعاتُهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. والرِّزْقُ هاهُنا: المَطَرُ، سُمِّيَ رِزْقًا، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. و "يَتَذَكَّرُ" بِمَعْنى يَتَّعِظُ، و "يُنِيبُ" بِمَعْنى يَرْجِعُ إلى الطّاعَةِ.
ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَوْحِيدِهِ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: مُوَحِّدِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي رافِعَ السَّمَواتِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْناهُ: عَظِيمُ الصِّفاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ. والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِالأوَّلِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وبِالثّانِي قالَ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: الوَحْيُ، قالَهُ قَتادَةُ. وإنَّما سُمِّيَ القُرْآَنُ والوَحْيُ رُوحًا، لِأنَّ قِوامَ الدِّينِ بِهِ، كَما أنَّ قِوامَ البَدَنِ بِالرُّوحِ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والخامِسُ: الرَّحْمَةُ، حَكاهُ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ.
(p-٢١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: مِن قَضائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِأمْرِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مِن قَوْلِهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: النَّبِيُّ الَّذِي يُوحى إلَيْهِ.
والمُرادُ بِـ ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وأثْبَتَ ياءُ ( التَّلاقِي ) في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ، وأبُو جَعْفَرٍ وافَقَهُما في الوَصْلِ؛ والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وفي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَلْتَقِي فِيهِ الأوَّلُونَ والآَخِرُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: [يَلْتَقِي] فِيهِ الخَلْقُ والخالِقُ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: يَلْتَقِي المَظْلُومُ والظّالِمُ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ.
والخامِسُ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعَمَلِهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُمُ اليَوْمَ شَيْءٌ؟
فالجَوابُ: أنْ لا، غَيْرَ أنَّ مَعْنى الكَلامِ التَّهْدِيدُ بِالجَزاءِ؛ ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: لا يَخْفى عَلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: (p-٢١٢)لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ بِجَبَلٍ ولا مَدَرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أبْرَزَهم جَمِيعًا، لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا يَقُولُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ فَناءِ الخَلائِقِ. واخْتَلَفُوا في وقْتِ قَوْلِهِ لَهُ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] يَقُولُهُ عِنْدَ فِناءِ الخَلائِقِ إذا لَمْ يَبْقَ مُجِيبٌ، فَيَرُدُّ هو عَلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَقُولُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَفِيمَن يُجِيبُهُ حِينَئِذٍ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يُجِيبُ نَفْسَهُ وقَدْ سَكَتَ الخَلائِقُ لِقَوْلِهِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ كُلَّهم يُجِيبُونَهُ فَيَقُولُونَ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
غافر 40:16
(p-٢١٠)﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: مَصْنُوعاتُهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. والرِّزْقُ هاهُنا: المَطَرُ، سُمِّيَ رِزْقًا، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. و "يَتَذَكَّرُ" بِمَعْنى يَتَّعِظُ، و "يُنِيبُ" بِمَعْنى يَرْجِعُ إلى الطّاعَةِ.
ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَوْحِيدِهِ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: مُوَحِّدِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي رافِعَ السَّمَواتِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْناهُ: عَظِيمُ الصِّفاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ. والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِالأوَّلِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وبِالثّانِي قالَ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: الوَحْيُ، قالَهُ قَتادَةُ. وإنَّما سُمِّيَ القُرْآَنُ والوَحْيُ رُوحًا، لِأنَّ قِوامَ الدِّينِ بِهِ، كَما أنَّ قِوامَ البَدَنِ بِالرُّوحِ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والخامِسُ: الرَّحْمَةُ، حَكاهُ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ.
(p-٢١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: مِن قَضائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِأمْرِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مِن قَوْلِهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: النَّبِيُّ الَّذِي يُوحى إلَيْهِ.
والمُرادُ بِـ ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وأثْبَتَ ياءُ ( التَّلاقِي ) في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ، وأبُو جَعْفَرٍ وافَقَهُما في الوَصْلِ؛ والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وفي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَلْتَقِي فِيهِ الأوَّلُونَ والآَخِرُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: [يَلْتَقِي] فِيهِ الخَلْقُ والخالِقُ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: يَلْتَقِي المَظْلُومُ والظّالِمُ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ.
والخامِسُ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعَمَلِهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُمُ اليَوْمَ شَيْءٌ؟
فالجَوابُ: أنْ لا، غَيْرَ أنَّ مَعْنى الكَلامِ التَّهْدِيدُ بِالجَزاءِ؛ ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: لا يَخْفى عَلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: (p-٢١٢)لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ بِجَبَلٍ ولا مَدَرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أبْرَزَهم جَمِيعًا، لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا يَقُولُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ فَناءِ الخَلائِقِ. واخْتَلَفُوا في وقْتِ قَوْلِهِ لَهُ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] يَقُولُهُ عِنْدَ فِناءِ الخَلائِقِ إذا لَمْ يَبْقَ مُجِيبٌ، فَيَرُدُّ هو عَلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَقُولُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَفِيمَن يُجِيبُهُ حِينَئِذٍ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يُجِيبُ نَفْسَهُ وقَدْ سَكَتَ الخَلائِقُ لِقَوْلِهِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ كُلَّهم يُجِيبُونَهُ فَيَقُولُونَ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
غافر 40:17
(p-٢١٠)﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: مَصْنُوعاتُهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. والرِّزْقُ هاهُنا: المَطَرُ، سُمِّيَ رِزْقًا، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. و "يَتَذَكَّرُ" بِمَعْنى يَتَّعِظُ، و "يُنِيبُ" بِمَعْنى يَرْجِعُ إلى الطّاعَةِ.
ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَوْحِيدِهِ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: مُوَحِّدِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي رافِعَ السَّمَواتِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْناهُ: عَظِيمُ الصِّفاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ. والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِالأوَّلِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وبِالثّانِي قالَ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: الوَحْيُ، قالَهُ قَتادَةُ. وإنَّما سُمِّيَ القُرْآَنُ والوَحْيُ رُوحًا، لِأنَّ قِوامَ الدِّينِ بِهِ، كَما أنَّ قِوامَ البَدَنِ بِالرُّوحِ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والخامِسُ: الرَّحْمَةُ، حَكاهُ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ.
(p-٢١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: مِن قَضائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِأمْرِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مِن قَوْلِهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: النَّبِيُّ الَّذِي يُوحى إلَيْهِ.
والمُرادُ بِـ ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وأثْبَتَ ياءُ ( التَّلاقِي ) في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ، وأبُو جَعْفَرٍ وافَقَهُما في الوَصْلِ؛ والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وفي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَلْتَقِي فِيهِ الأوَّلُونَ والآَخِرُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: [يَلْتَقِي] فِيهِ الخَلْقُ والخالِقُ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: يَلْتَقِي المَظْلُومُ والظّالِمُ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ.
والخامِسُ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعَمَلِهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُمُ اليَوْمَ شَيْءٌ؟
فالجَوابُ: أنْ لا، غَيْرَ أنَّ مَعْنى الكَلامِ التَّهْدِيدُ بِالجَزاءِ؛ ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: لا يَخْفى عَلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: (p-٢١٢)لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ بِجَبَلٍ ولا مَدَرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أبْرَزَهم جَمِيعًا، لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا يَقُولُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ فَناءِ الخَلائِقِ. واخْتَلَفُوا في وقْتِ قَوْلِهِ لَهُ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] يَقُولُهُ عِنْدَ فِناءِ الخَلائِقِ إذا لَمْ يَبْقَ مُجِيبٌ، فَيَرُدُّ هو عَلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَقُولُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَفِيمَن يُجِيبُهُ حِينَئِذٍ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يُجِيبُ نَفْسَهُ وقَدْ سَكَتَ الخَلائِقُ لِقَوْلِهِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ كُلَّهم يُجِيبُونَهُ فَيَقُولُونَ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
غافر 40:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسُمِّيَتِ القِيامَةُ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ شُخُوصُ فُلانٍ، أيْ: قَرُبَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ حُضُورِ المَنِيَّةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
(p-٢١٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَرْتَقِي إلى الحَناجِرِ فَلا تَخْرُجُ ولا تُعُودُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. وعَلى الثّانِي: القُلُوبُ هي النُّفُوسُ تَبْلُغُ الحَناجِرَ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: و ﴿كاظِمِينَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والحالُ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ القُلُوبَ لا يُقالُ لَها: كاظِمِينَ، وإنَّما الكاظِمُونَ أصْحابُ القُلُوبِ؛ فالمَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: "كاظِمِينَ" أيْ: مَغْمُومِينَ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وحُزْنًا، والكاظِمُ: المُمْسِكَ لِلشَّيْءِ عَلى ما فِيهِ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آَلِ عِمْرانَ: ١٣٤] .
﴿ما لِلظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهم ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتُهُ.
﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخائِنَةُ والخِيانَةُ واحِدٌ. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ، فَإذا رَأى مِنهم غَفْلَةً لَحَظَ إلَيْها، فَإنْ خافَ أنْ يَفْطِنُوا لَهُ غَضَّ بَصَرَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ نَظَّرُ العَيْنِ إلى ما نُهِيَ عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الغَمْزُ بِالعَيْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسَّدِّيُّ. قالَ قَتادَةُ: هو الغَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ ولا يَرْضاهُ.
والرّابِعُ: النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: ما تُضْمِرُهُ مِنَ الفِعْلِ أنْ لَوْ قَدَرْتَ عَلى ما نَظَرَتْ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الوَسْوَسَةُ، (p-٢١٤)قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: ما يَسَّرَهُ القَلْبُ مِن أمانَةٍ أوْ خِيانَةٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
غافر 40:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسُمِّيَتِ القِيامَةُ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ شُخُوصُ فُلانٍ، أيْ: قَرُبَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ حُضُورِ المَنِيَّةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
(p-٢١٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَرْتَقِي إلى الحَناجِرِ فَلا تَخْرُجُ ولا تُعُودُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. وعَلى الثّانِي: القُلُوبُ هي النُّفُوسُ تَبْلُغُ الحَناجِرَ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: و ﴿كاظِمِينَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والحالُ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ القُلُوبَ لا يُقالُ لَها: كاظِمِينَ، وإنَّما الكاظِمُونَ أصْحابُ القُلُوبِ؛ فالمَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: "كاظِمِينَ" أيْ: مَغْمُومِينَ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وحُزْنًا، والكاظِمُ: المُمْسِكَ لِلشَّيْءِ عَلى ما فِيهِ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آَلِ عِمْرانَ: ١٣٤] .
﴿ما لِلظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهم ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتُهُ.
﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخائِنَةُ والخِيانَةُ واحِدٌ. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ، فَإذا رَأى مِنهم غَفْلَةً لَحَظَ إلَيْها، فَإنْ خافَ أنْ يَفْطِنُوا لَهُ غَضَّ بَصَرَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ نَظَّرُ العَيْنِ إلى ما نُهِيَ عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الغَمْزُ بِالعَيْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسَّدِّيُّ. قالَ قَتادَةُ: هو الغَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ ولا يَرْضاهُ.
والرّابِعُ: النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: ما تُضْمِرُهُ مِنَ الفِعْلِ أنْ لَوْ قَدَرْتَ عَلى ما نَظَرَتْ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الوَسْوَسَةُ، (p-٢١٤)قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: ما يَسَّرَهُ القَلْبُ مِن أمانَةٍ أوْ خِيانَةٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
غافر 40:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَحْكُمُ بِهِ فَيَجْزِي بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ مِنَ الآَلِهَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَدَّعُونَ" بِالتّاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أيْ: لا يَحْكُمُونَ بِشَيْءٍ ولا يُجازُونَ بِهِ؛ وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ حَيٌّ، لِأنَّهُ إنَّما يَأْمُرُ ويَقْضِي مَن كانَ حَيًّا، وأيَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، لِأنَّهُما إنَّما يَثْبُتانِ لِحَيٍّ، (p-٢١٥)قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ [يُوسُفَ: ١٠٩] وبَعْضُهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أشَدُّ مِنكُمْ" بِالكافِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ، وهو عَلى الِانْصِرافِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ﴿وَما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿مِن واقٍ﴾ بَقِيَ العَذابُ عَنْهم.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ. . . .﴾ إلى آَخَرِ الآَيَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا. وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أُعِيدُوا القَتْلَ عَلَيْهِمْ كَما كانَ أوَّلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، أعادَ عَلَيْهِمُ القَتْلَ لِيَصُدَّهم بِذَلِكَ عَنْ مُتابَعَةِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
غافر 40:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَحْكُمُ بِهِ فَيَجْزِي بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ مِنَ الآَلِهَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَدَّعُونَ" بِالتّاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أيْ: لا يَحْكُمُونَ بِشَيْءٍ ولا يُجازُونَ بِهِ؛ وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ حَيٌّ، لِأنَّهُ إنَّما يَأْمُرُ ويَقْضِي مَن كانَ حَيًّا، وأيَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، لِأنَّهُما إنَّما يَثْبُتانِ لِحَيٍّ، (p-٢١٥)قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ [يُوسُفَ: ١٠٩] وبَعْضُهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أشَدُّ مِنكُمْ" بِالكافِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ، وهو عَلى الِانْصِرافِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ﴿وَما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿مِن واقٍ﴾ بَقِيَ العَذابُ عَنْهم.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ. . . .﴾ إلى آَخَرِ الآَيَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا. وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أُعِيدُوا القَتْلَ عَلَيْهِمْ كَما كانَ أوَّلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، أعادَ عَلَيْهِمُ القَتْلَ لِيَصُدَّهم بِذَلِكَ عَنْ مُتابَعَةِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
غافر 40:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَحْكُمُ بِهِ فَيَجْزِي بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ مِنَ الآَلِهَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَدَّعُونَ" بِالتّاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أيْ: لا يَحْكُمُونَ بِشَيْءٍ ولا يُجازُونَ بِهِ؛ وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ حَيٌّ، لِأنَّهُ إنَّما يَأْمُرُ ويَقْضِي مَن كانَ حَيًّا، وأيَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، لِأنَّهُما إنَّما يَثْبُتانِ لِحَيٍّ، (p-٢١٥)قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ [يُوسُفَ: ١٠٩] وبَعْضُهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أشَدُّ مِنكُمْ" بِالكافِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ، وهو عَلى الِانْصِرافِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ﴿وَما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿مِن واقٍ﴾ بَقِيَ العَذابُ عَنْهم.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ. . . .﴾ إلى آَخَرِ الآَيَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا. وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أُعِيدُوا القَتْلَ عَلَيْهِمْ كَما كانَ أوَّلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، أعادَ عَلَيْهِمُ القَتْلَ لِيَصُدَّهم بِذَلِكَ عَنْ مُتابَعَةِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
غافر 40:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَحْكُمُ بِهِ فَيَجْزِي بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ مِنَ الآَلِهَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَدَّعُونَ" بِالتّاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أيْ: لا يَحْكُمُونَ بِشَيْءٍ ولا يُجازُونَ بِهِ؛ وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ حَيٌّ، لِأنَّهُ إنَّما يَأْمُرُ ويَقْضِي مَن كانَ حَيًّا، وأيَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، لِأنَّهُما إنَّما يَثْبُتانِ لِحَيٍّ، (p-٢١٥)قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ [يُوسُفَ: ١٠٩] وبَعْضُهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أشَدُّ مِنكُمْ" بِالكافِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ، وهو عَلى الِانْصِرافِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ﴿وَما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿مِن واقٍ﴾ بَقِيَ العَذابُ عَنْهم.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ. . . .﴾ إلى آَخَرِ الآَيَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا. وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أُعِيدُوا القَتْلَ عَلَيْهِمْ كَما كانَ أوَّلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، أعادَ عَلَيْهِمُ القَتْلَ لِيَصُدَّهم بِذَلِكَ عَنْ مُتابَعَةِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
غافر 40:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَحْكُمُ بِهِ فَيَجْزِي بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ مِنَ الآَلِهَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَدَّعُونَ" بِالتّاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أيْ: لا يَحْكُمُونَ بِشَيْءٍ ولا يُجازُونَ بِهِ؛ وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ حَيٌّ، لِأنَّهُ إنَّما يَأْمُرُ ويَقْضِي مَن كانَ حَيًّا، وأيَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، لِأنَّهُما إنَّما يَثْبُتانِ لِحَيٍّ، (p-٢١٥)قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ [يُوسُفَ: ١٠٩] وبَعْضُهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أشَدُّ مِنكُمْ" بِالكافِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ، وهو عَلى الِانْصِرافِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ﴿وَما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿مِن واقٍ﴾ بَقِيَ العَذابُ عَنْهم.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ. . . .﴾ إلى آَخَرِ الآَيَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا. وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أُعِيدُوا القَتْلَ عَلَيْهِمْ كَما كانَ أوَّلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، أعادَ عَلَيْهِمُ القَتْلَ لِيَصُدَّهم بِذَلِكَ عَنْ مُتابَعَةِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
غافر 40:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَحْكُمُ بِهِ فَيَجْزِي بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ مِنَ الآَلِهَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَدَّعُونَ" بِالتّاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أيْ: لا يَحْكُمُونَ بِشَيْءٍ ولا يُجازُونَ بِهِ؛ وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ حَيٌّ، لِأنَّهُ إنَّما يَأْمُرُ ويَقْضِي مَن كانَ حَيًّا، وأيَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، لِأنَّهُما إنَّما يَثْبُتانِ لِحَيٍّ، (p-٢١٥)قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ [يُوسُفَ: ١٠٩] وبَعْضُهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أشَدُّ مِنكُمْ" بِالكافِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ، وهو عَلى الِانْصِرافِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ﴿وَما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿مِن واقٍ﴾ بَقِيَ العَذابُ عَنْهم.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ. . . .﴾ إلى آَخَرِ الآَيَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا. وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أُعِيدُوا القَتْلَ عَلَيْهِمْ كَما كانَ أوَّلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، أعادَ عَلَيْهِمُ القَتْلَ لِيَصُدَّهم بِذَلِكَ عَنْ مُتابَعَةِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
غافر 40:26
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.
فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ. فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ (p-٢١٧)وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القَصَصِ: ٢٠] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا. وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ. والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ. قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ. وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
(p-٢١٨)أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ:
؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.
والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.
والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿مَن هو مُسْرِفٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿إلا ما أرى﴾ لِنَفْسِي ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ. وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، (p-٢٢٠)لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤]؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا. وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم. فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾»
(p-٢٢١)والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ. . . .﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٢٢)أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿مُرْتابٌ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.
غافر 40:27
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.
فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ. فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ (p-٢١٧)وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القَصَصِ: ٢٠] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا. وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ. والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ. قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ. وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
(p-٢١٨)أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ:
؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.
والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.
والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿مَن هو مُسْرِفٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿إلا ما أرى﴾ لِنَفْسِي ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ. وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، (p-٢٢٠)لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤]؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا. وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم. فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾»
(p-٢٢١)والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ. . . .﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٢٢)أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿مُرْتابٌ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.
غافر 40:28
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.
فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ. فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ (p-٢١٧)وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القَصَصِ: ٢٠] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا. وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ. والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ. قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ. وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
(p-٢١٨)أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ:
؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.
والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.
والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿مَن هو مُسْرِفٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿إلا ما أرى﴾ لِنَفْسِي ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ. وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، (p-٢٢٠)لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤]؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا. وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم. فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾»
(p-٢٢١)والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ. . . .﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٢٢)أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿مُرْتابٌ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.
غافر 40:29
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.
فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ. فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ (p-٢١٧)وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القَصَصِ: ٢٠] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا. وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ. والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ. قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ. وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
(p-٢١٨)أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ:
؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.
والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.
والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿مَن هو مُسْرِفٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿إلا ما أرى﴾ لِنَفْسِي ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ. وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، (p-٢٢٠)لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤]؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا. وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم. فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾»
(p-٢٢١)والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ. . . .﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٢٢)أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿مُرْتابٌ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.
غافر 40:30
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.
فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ. فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ (p-٢١٧)وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القَصَصِ: ٢٠] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا. وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ. والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ. قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ. وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
(p-٢١٨)أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ:
؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.
والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.
والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿مَن هو مُسْرِفٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿إلا ما أرى﴾ لِنَفْسِي ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ. وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، (p-٢٢٠)لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤]؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا. وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم. فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾»
(p-٢٢١)والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ. . . .﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٢٢)أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿مُرْتابٌ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.
غافر 40:31
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.
فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ. فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ (p-٢١٧)وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القَصَصِ: ٢٠] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا. وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ. والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ. قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ. وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
(p-٢١٨)أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ:
؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.
والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.
والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿مَن هو مُسْرِفٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿إلا ما أرى﴾ لِنَفْسِي ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ. وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، (p-٢٢٠)لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤]؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا. وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم. فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾»
(p-٢٢١)والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ. . . .﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٢٢)أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿مُرْتابٌ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.
غافر 40:32
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.
فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ. فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ (p-٢١٧)وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القَصَصِ: ٢٠] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا. وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ. والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ. قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ. وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
(p-٢١٨)أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ:
؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.
والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.
والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿مَن هو مُسْرِفٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿إلا ما أرى﴾ لِنَفْسِي ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ. وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، (p-٢٢٠)لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤]؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا. وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم. فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾»
(p-٢٢١)والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ. . . .﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٢٢)أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿مُرْتابٌ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.
غافر 40:33
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.
فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ. فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ (p-٢١٧)وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القَصَصِ: ٢٠] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا. وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ. والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ. قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ. وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
(p-٢١٨)أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ:
؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.
والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.
والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿مَن هو مُسْرِفٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿إلا ما أرى﴾ لِنَفْسِي ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ. وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، (p-٢٢٠)لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤]؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا. وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم. فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾»
(p-٢٢١)والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ. . . .﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٢٢)أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿مُرْتابٌ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.
غافر 40:34
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.
فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ. فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ (p-٢١٧)وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القَصَصِ: ٢٠] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا. وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ. والرّابِعُ: جِبْرِيلُ. والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ. قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ. وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
(p-٢١٨)أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ:
؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.
والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.
والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿مَن هو مُسْرِفٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿إلا ما أرى﴾ لِنَفْسِي ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ. وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، (p-٢٢٠)لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤]؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا. وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم. فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾»
(p-٢٢١)والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ. والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ. . . .﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٢٢)أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿مُرْتابٌ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.
غافر 40:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا تَفْسِيرُ المُسْرِفِ المُرْتابِ، والمَعْنى: هُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آَياتِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يُجادِلُونَ في إبْطالِها والتَّكْذِيبِ بِها بِغَيْرِ سُلْطانٍ، أيْ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ أتَتْهم مِنَ اللَّهِ.
﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ أيْ: كَبُرَ جِدالُهم مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا، والمَعْنى: يَمْقُتُهُمُ اللَّهُ ويَمْقُتُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ الجِدالِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى كَذَّبُوا وجادَلُوا بِالباطِلِ يَطْبَعُ ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى الجَبّارِ (p-٢٢٣)فِي [هُودَ: ٥٩] . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "عَلى كُلِّ قَلْبٍ" بِالتَّنْوِينِ، وغَيْرُهُ مِنَ القُرّاءِ السَّبْعَةِ يُضِيفُهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: يَطْبَعُ عَلى جُمْلَةِ القَلْبِ مِنَ المُتَكَبِّرِ. واخْتارَ قِراءَةَ الإضافَةِ الزَّجّاجُ، قالَ: لِأنَّ المُتَكَبِّرَ هو الإنْسانُ، لا القَلْبُ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أصْوَبَ لَتَقَدَّمَ القَلْبُ عَلى الكُلِّ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا جائِزٌ عِنْدَ العَرَبِ، قالَ الفَرّاءُ: تَقَدُّمُ هَذا وتَأخُّرُهُ واحِدٌ، سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: هو يَرْجِلُ شِعْرَهُ يَوْمَ كُلِّ جُمْعَةٍ، يُرِيدُ: كُلَّ يَوْمِ جُمْعَةٍ والمَعْنى واحِدٌ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ" بِتَقْدِيمِ القَلْبِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا وعَظَ المُؤْمِنُ فِرْعَوْنَ وزَجَرَهُ عَنْ قَتْلِ مُوسى، قالَ فِرْعَوْنُ لِوَزِيرِهِ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [القَصَصِ: ٣٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: يَعْنِي أبْوابَها. وقالَ أبُو صالِحٍ: طَرَقَها. وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: لَعَلِّي أبْلُغُ الطُّرُقَ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَعَلِّي ما يُؤَدِّينِي إلى السَّمَواتِ. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [القَصَصِ: ٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما وصَفْنا ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ﴾ عَنْ سَبِيلِ الهُدى. قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَصُدَّ" بِضَمِّ الصّادِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ في إبْطالِ آَياتِ مُوسى ﴿إلا في تَبابٍ﴾ أيْ: في بُطْلانٍ وخُسْرانٍ.
غافر 40:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا تَفْسِيرُ المُسْرِفِ المُرْتابِ، والمَعْنى: هُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آَياتِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يُجادِلُونَ في إبْطالِها والتَّكْذِيبِ بِها بِغَيْرِ سُلْطانٍ، أيْ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ أتَتْهم مِنَ اللَّهِ.
﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ أيْ: كَبُرَ جِدالُهم مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا، والمَعْنى: يَمْقُتُهُمُ اللَّهُ ويَمْقُتُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ الجِدالِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى كَذَّبُوا وجادَلُوا بِالباطِلِ يَطْبَعُ ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى الجَبّارِ (p-٢٢٣)فِي [هُودَ: ٥٩] . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "عَلى كُلِّ قَلْبٍ" بِالتَّنْوِينِ، وغَيْرُهُ مِنَ القُرّاءِ السَّبْعَةِ يُضِيفُهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: يَطْبَعُ عَلى جُمْلَةِ القَلْبِ مِنَ المُتَكَبِّرِ. واخْتارَ قِراءَةَ الإضافَةِ الزَّجّاجُ، قالَ: لِأنَّ المُتَكَبِّرَ هو الإنْسانُ، لا القَلْبُ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أصْوَبَ لَتَقَدَّمَ القَلْبُ عَلى الكُلِّ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا جائِزٌ عِنْدَ العَرَبِ، قالَ الفَرّاءُ: تَقَدُّمُ هَذا وتَأخُّرُهُ واحِدٌ، سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: هو يَرْجِلُ شِعْرَهُ يَوْمَ كُلِّ جُمْعَةٍ، يُرِيدُ: كُلَّ يَوْمِ جُمْعَةٍ والمَعْنى واحِدٌ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ" بِتَقْدِيمِ القَلْبِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا وعَظَ المُؤْمِنُ فِرْعَوْنَ وزَجَرَهُ عَنْ قَتْلِ مُوسى، قالَ فِرْعَوْنُ لِوَزِيرِهِ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [القَصَصِ: ٣٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: يَعْنِي أبْوابَها. وقالَ أبُو صالِحٍ: طَرَقَها. وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: لَعَلِّي أبْلُغُ الطُّرُقَ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَعَلِّي ما يُؤَدِّينِي إلى السَّمَواتِ. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [القَصَصِ: ٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما وصَفْنا ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ﴾ عَنْ سَبِيلِ الهُدى. قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَصُدَّ" بِضَمِّ الصّادِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ في إبْطالِ آَياتِ مُوسى ﴿إلا في تَبابٍ﴾ أيْ: في بُطْلانٍ وخُسْرانٍ.
غافر 40:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا تَفْسِيرُ المُسْرِفِ المُرْتابِ، والمَعْنى: هُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آَياتِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يُجادِلُونَ في إبْطالِها والتَّكْذِيبِ بِها بِغَيْرِ سُلْطانٍ، أيْ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ أتَتْهم مِنَ اللَّهِ.
﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ أيْ: كَبُرَ جِدالُهم مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا، والمَعْنى: يَمْقُتُهُمُ اللَّهُ ويَمْقُتُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ الجِدالِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى كَذَّبُوا وجادَلُوا بِالباطِلِ يَطْبَعُ ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى الجَبّارِ (p-٢٢٣)فِي [هُودَ: ٥٩] . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "عَلى كُلِّ قَلْبٍ" بِالتَّنْوِينِ، وغَيْرُهُ مِنَ القُرّاءِ السَّبْعَةِ يُضِيفُهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: يَطْبَعُ عَلى جُمْلَةِ القَلْبِ مِنَ المُتَكَبِّرِ. واخْتارَ قِراءَةَ الإضافَةِ الزَّجّاجُ، قالَ: لِأنَّ المُتَكَبِّرَ هو الإنْسانُ، لا القَلْبُ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أصْوَبَ لَتَقَدَّمَ القَلْبُ عَلى الكُلِّ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا جائِزٌ عِنْدَ العَرَبِ، قالَ الفَرّاءُ: تَقَدُّمُ هَذا وتَأخُّرُهُ واحِدٌ، سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: هو يَرْجِلُ شِعْرَهُ يَوْمَ كُلِّ جُمْعَةٍ، يُرِيدُ: كُلَّ يَوْمِ جُمْعَةٍ والمَعْنى واحِدٌ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ" بِتَقْدِيمِ القَلْبِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا وعَظَ المُؤْمِنُ فِرْعَوْنَ وزَجَرَهُ عَنْ قَتْلِ مُوسى، قالَ فِرْعَوْنُ لِوَزِيرِهِ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [القَصَصِ: ٣٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: يَعْنِي أبْوابَها. وقالَ أبُو صالِحٍ: طَرَقَها. وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: لَعَلِّي أبْلُغُ الطُّرُقَ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَعَلِّي ما يُؤَدِّينِي إلى السَّمَواتِ. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [القَصَصِ: ٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما وصَفْنا ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ﴾ عَنْ سَبِيلِ الهُدى. قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَصُدَّ" بِضَمِّ الصّادِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ في إبْطالِ آَياتِ مُوسى ﴿إلا في تَبابٍ﴾ أيْ: في بُطْلانٍ وخُسْرانٍ.
غافر 40:38
(p-٢٢٤)ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى نَصِيحَةِ المُؤْمِنِ لِقَوْمِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: طَرِيقَ الهُدى، ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ يَعْنِي الحَياةَ في هَذِهِ الدّارِ مَتاعٌ يَتَمَتَّعُ بِها أيّامًا ثُمَّ تَنْقَطِعُ ﴿وَإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ الَّتِي لا زَوالَ لَها.
﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الشِّرْكُ، ومِثْلُها جَهَنَّمُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: المَعاصِي، ومِثْلُها: العُقُوبَةُ بِمِقْدارِها، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَعَلى الأوَّلِ، العَمَلُ الصّالِحُ: التَّوْحِيدُ، وعَلى الثّانِي، هو [عَلى] الإطْلاقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالفَتْحِ، وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم لا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ فِيما يُعْطَوْنَ في الجَنَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ يَصُبُّ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ صَبًّا بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
غافر 40:39
(p-٢٢٤)ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى نَصِيحَةِ المُؤْمِنِ لِقَوْمِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: طَرِيقَ الهُدى، ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ يَعْنِي الحَياةَ في هَذِهِ الدّارِ مَتاعٌ يَتَمَتَّعُ بِها أيّامًا ثُمَّ تَنْقَطِعُ ﴿وَإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ الَّتِي لا زَوالَ لَها.
﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الشِّرْكُ، ومِثْلُها جَهَنَّمُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: المَعاصِي، ومِثْلُها: العُقُوبَةُ بِمِقْدارِها، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَعَلى الأوَّلِ، العَمَلُ الصّالِحُ: التَّوْحِيدُ، وعَلى الثّانِي، هو [عَلى] الإطْلاقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالفَتْحِ، وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم لا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ فِيما يُعْطَوْنَ في الجَنَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ يَصُبُّ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ صَبًّا بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
غافر 40:40
(p-٢٢٤)ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى نَصِيحَةِ المُؤْمِنِ لِقَوْمِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: طَرِيقَ الهُدى، ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ يَعْنِي الحَياةَ في هَذِهِ الدّارِ مَتاعٌ يَتَمَتَّعُ بِها أيّامًا ثُمَّ تَنْقَطِعُ ﴿وَإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ الَّتِي لا زَوالَ لَها.
﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الشِّرْكُ، ومِثْلُها جَهَنَّمُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: المَعاصِي، ومِثْلُها: العُقُوبَةُ بِمِقْدارِها، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَعَلى الأوَّلِ، العَمَلُ الصّالِحُ: التَّوْحِيدُ، وعَلى الثّانِي، هو [عَلى] الإطْلاقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالفَتْحِ، وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم لا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ فِيما يُعْطَوْنَ في الجَنَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ يَصُبُّ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ صَبًّا بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
غافر 40:41
(p-٢٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ﴾ أيْ: مالَكُمْ، كَما تَقُولُ: ما لِي أراكَ حَزِينًا، مَعْناهُ: مالَكَ، ومَعْنى الآيَةِ: أخْبَرُونِي كَيْفَ هَذِهِ الحالُ، أدْعُوكم ﴿إلى النَّجاةِ﴾ مِنَ النّارِ بِالإيمانِ، ﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ؟! ثُمَّ فَسَّرَ الدَّعْوَتَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.
وَمَعْنى ﴿لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا أعْلَمَ هَذا الَّذِي ادَّعَوْهُ شَرِيكًا لَهُ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما بَعْدَ هَذا [البَقَرَةِ: ١٢٩، طَه: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَرْجِعُنا؛ والمَعْنى: أنَّهُ يُجازِينا بِأعْمالِنا. وفي المُسْرِفِينَ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافِرٍ: ٢٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، (p-٢٢٦)وَأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "فَسَتُذَكَّرُونَ" بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِها وتَشْدِيدِ الكافِ وفَتْحِها؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما جَمِيعًا. أيْ: إذا نَزَلَ العَذابُ بِكم ما أقُولُ لَكم في الدُّنْيا مِنَ النَّصِيحَةِ؟!
﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: أرُدُّهُ، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ.
ثُمَّ خَرَجَ المُؤْمِنُ عَنْهُمْ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ونَجا مَعَ مُوسى لَمّا عَبَرَ البَحْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: ما أرادُوا بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا لَجُّوا في البَحْرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ (p-٢٢٧)(p-٢٢٨)وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيُقالُ: يا آلَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ دارُكم. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَرِيمِ بْنِ أبِي عُمَيْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ، وسَألَهُ رَجُلٌ، فَقالَ: رَأيْنا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ فَتَأْخُذُ ناحِيَةَ الغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ، فَإذا كانَ العَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُها سُودًا، قالَ: وفَطِنْتُمْ إلى ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمَ، قالَ: إنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ في حَواصِلِها أرَواحُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إلى وُكُورِها وقَدِ احْتَرَقَتْ رِياشُها وصارَتْ سَوْداءَ، فَيَنْبُتُ عَلَيْها مِنَ اللَّيْلِ رِياشٌ بِيضٌ، وتَتَناثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو ويُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، [ثُمَّ تَرْجِعُ إلى وُكُورِها]، فَذَلِكَ دَأْبُها في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أدْخِلُوا (p-٢٢٩)آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن [أهْلِ] الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن [أهْلِ] النّارِ، يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ" .»
وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، لِأنَّهُ بَيَّنَ ما لَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، [وَأبُو عَمْرٍو]، وأبُو بَكْرٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "السّاعَةُ ادْخُلُوا" بِالضَّمِّ وضَمِّ الخاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لَهم بِالدُّخُولِ، والِابْتِداءُ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ بِضَمِّ الألْفِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالقَطْعِ مَعَ كَسْرِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الألِفِ.
غافر 40:42
(p-٢٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ﴾ أيْ: مالَكُمْ، كَما تَقُولُ: ما لِي أراكَ حَزِينًا، مَعْناهُ: مالَكَ، ومَعْنى الآيَةِ: أخْبَرُونِي كَيْفَ هَذِهِ الحالُ، أدْعُوكم ﴿إلى النَّجاةِ﴾ مِنَ النّارِ بِالإيمانِ، ﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ؟! ثُمَّ فَسَّرَ الدَّعْوَتَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.
وَمَعْنى ﴿لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا أعْلَمَ هَذا الَّذِي ادَّعَوْهُ شَرِيكًا لَهُ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما بَعْدَ هَذا [البَقَرَةِ: ١٢٩، طَه: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَرْجِعُنا؛ والمَعْنى: أنَّهُ يُجازِينا بِأعْمالِنا. وفي المُسْرِفِينَ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافِرٍ: ٢٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، (p-٢٢٦)وَأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "فَسَتُذَكَّرُونَ" بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِها وتَشْدِيدِ الكافِ وفَتْحِها؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما جَمِيعًا. أيْ: إذا نَزَلَ العَذابُ بِكم ما أقُولُ لَكم في الدُّنْيا مِنَ النَّصِيحَةِ؟!
﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: أرُدُّهُ، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ.
ثُمَّ خَرَجَ المُؤْمِنُ عَنْهُمْ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ونَجا مَعَ مُوسى لَمّا عَبَرَ البَحْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: ما أرادُوا بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا لَجُّوا في البَحْرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ (p-٢٢٧)(p-٢٢٨)وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيُقالُ: يا آلَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ دارُكم. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَرِيمِ بْنِ أبِي عُمَيْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ، وسَألَهُ رَجُلٌ، فَقالَ: رَأيْنا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ فَتَأْخُذُ ناحِيَةَ الغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ، فَإذا كانَ العَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُها سُودًا، قالَ: وفَطِنْتُمْ إلى ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمَ، قالَ: إنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ في حَواصِلِها أرَواحُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إلى وُكُورِها وقَدِ احْتَرَقَتْ رِياشُها وصارَتْ سَوْداءَ، فَيَنْبُتُ عَلَيْها مِنَ اللَّيْلِ رِياشٌ بِيضٌ، وتَتَناثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو ويُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، [ثُمَّ تَرْجِعُ إلى وُكُورِها]، فَذَلِكَ دَأْبُها في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أدْخِلُوا (p-٢٢٩)آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن [أهْلِ] الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن [أهْلِ] النّارِ، يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ" .»
وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، لِأنَّهُ بَيَّنَ ما لَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، [وَأبُو عَمْرٍو]، وأبُو بَكْرٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "السّاعَةُ ادْخُلُوا" بِالضَّمِّ وضَمِّ الخاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لَهم بِالدُّخُولِ، والِابْتِداءُ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ بِضَمِّ الألْفِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالقَطْعِ مَعَ كَسْرِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الألِفِ.
غافر 40:43
(p-٢٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ﴾ أيْ: مالَكُمْ، كَما تَقُولُ: ما لِي أراكَ حَزِينًا، مَعْناهُ: مالَكَ، ومَعْنى الآيَةِ: أخْبَرُونِي كَيْفَ هَذِهِ الحالُ، أدْعُوكم ﴿إلى النَّجاةِ﴾ مِنَ النّارِ بِالإيمانِ، ﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ؟! ثُمَّ فَسَّرَ الدَّعْوَتَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.
وَمَعْنى ﴿لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا أعْلَمَ هَذا الَّذِي ادَّعَوْهُ شَرِيكًا لَهُ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما بَعْدَ هَذا [البَقَرَةِ: ١٢٩، طَه: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَرْجِعُنا؛ والمَعْنى: أنَّهُ يُجازِينا بِأعْمالِنا. وفي المُسْرِفِينَ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافِرٍ: ٢٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، (p-٢٢٦)وَأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "فَسَتُذَكَّرُونَ" بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِها وتَشْدِيدِ الكافِ وفَتْحِها؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما جَمِيعًا. أيْ: إذا نَزَلَ العَذابُ بِكم ما أقُولُ لَكم في الدُّنْيا مِنَ النَّصِيحَةِ؟!
﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: أرُدُّهُ، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ.
ثُمَّ خَرَجَ المُؤْمِنُ عَنْهُمْ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ونَجا مَعَ مُوسى لَمّا عَبَرَ البَحْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: ما أرادُوا بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا لَجُّوا في البَحْرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ (p-٢٢٧)(p-٢٢٨)وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيُقالُ: يا آلَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ دارُكم. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَرِيمِ بْنِ أبِي عُمَيْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ، وسَألَهُ رَجُلٌ، فَقالَ: رَأيْنا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ فَتَأْخُذُ ناحِيَةَ الغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ، فَإذا كانَ العَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُها سُودًا، قالَ: وفَطِنْتُمْ إلى ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمَ، قالَ: إنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ في حَواصِلِها أرَواحُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إلى وُكُورِها وقَدِ احْتَرَقَتْ رِياشُها وصارَتْ سَوْداءَ، فَيَنْبُتُ عَلَيْها مِنَ اللَّيْلِ رِياشٌ بِيضٌ، وتَتَناثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو ويُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، [ثُمَّ تَرْجِعُ إلى وُكُورِها]، فَذَلِكَ دَأْبُها في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أدْخِلُوا (p-٢٢٩)آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن [أهْلِ] الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن [أهْلِ] النّارِ، يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ" .»
وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، لِأنَّهُ بَيَّنَ ما لَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، [وَأبُو عَمْرٍو]، وأبُو بَكْرٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "السّاعَةُ ادْخُلُوا" بِالضَّمِّ وضَمِّ الخاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لَهم بِالدُّخُولِ، والِابْتِداءُ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ بِضَمِّ الألْفِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالقَطْعِ مَعَ كَسْرِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الألِفِ.
غافر 40:44
(p-٢٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ﴾ أيْ: مالَكُمْ، كَما تَقُولُ: ما لِي أراكَ حَزِينًا، مَعْناهُ: مالَكَ، ومَعْنى الآيَةِ: أخْبَرُونِي كَيْفَ هَذِهِ الحالُ، أدْعُوكم ﴿إلى النَّجاةِ﴾ مِنَ النّارِ بِالإيمانِ، ﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ؟! ثُمَّ فَسَّرَ الدَّعْوَتَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.
وَمَعْنى ﴿لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا أعْلَمَ هَذا الَّذِي ادَّعَوْهُ شَرِيكًا لَهُ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما بَعْدَ هَذا [البَقَرَةِ: ١٢٩، طَه: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَرْجِعُنا؛ والمَعْنى: أنَّهُ يُجازِينا بِأعْمالِنا. وفي المُسْرِفِينَ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافِرٍ: ٢٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، (p-٢٢٦)وَأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "فَسَتُذَكَّرُونَ" بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِها وتَشْدِيدِ الكافِ وفَتْحِها؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما جَمِيعًا. أيْ: إذا نَزَلَ العَذابُ بِكم ما أقُولُ لَكم في الدُّنْيا مِنَ النَّصِيحَةِ؟!
﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: أرُدُّهُ، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ.
ثُمَّ خَرَجَ المُؤْمِنُ عَنْهُمْ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ونَجا مَعَ مُوسى لَمّا عَبَرَ البَحْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: ما أرادُوا بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا لَجُّوا في البَحْرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ (p-٢٢٧)(p-٢٢٨)وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيُقالُ: يا آلَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ دارُكم. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَرِيمِ بْنِ أبِي عُمَيْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ، وسَألَهُ رَجُلٌ، فَقالَ: رَأيْنا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ فَتَأْخُذُ ناحِيَةَ الغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ، فَإذا كانَ العَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُها سُودًا، قالَ: وفَطِنْتُمْ إلى ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمَ، قالَ: إنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ في حَواصِلِها أرَواحُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إلى وُكُورِها وقَدِ احْتَرَقَتْ رِياشُها وصارَتْ سَوْداءَ، فَيَنْبُتُ عَلَيْها مِنَ اللَّيْلِ رِياشٌ بِيضٌ، وتَتَناثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو ويُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، [ثُمَّ تَرْجِعُ إلى وُكُورِها]، فَذَلِكَ دَأْبُها في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أدْخِلُوا (p-٢٢٩)آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن [أهْلِ] الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن [أهْلِ] النّارِ، يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ" .»
وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، لِأنَّهُ بَيَّنَ ما لَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، [وَأبُو عَمْرٍو]، وأبُو بَكْرٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "السّاعَةُ ادْخُلُوا" بِالضَّمِّ وضَمِّ الخاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لَهم بِالدُّخُولِ، والِابْتِداءُ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ بِضَمِّ الألْفِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالقَطْعِ مَعَ كَسْرِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الألِفِ.
غافر 40:45
(p-٢٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ﴾ أيْ: مالَكُمْ، كَما تَقُولُ: ما لِي أراكَ حَزِينًا، مَعْناهُ: مالَكَ، ومَعْنى الآيَةِ: أخْبَرُونِي كَيْفَ هَذِهِ الحالُ، أدْعُوكم ﴿إلى النَّجاةِ﴾ مِنَ النّارِ بِالإيمانِ، ﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ؟! ثُمَّ فَسَّرَ الدَّعْوَتَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.
وَمَعْنى ﴿لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا أعْلَمَ هَذا الَّذِي ادَّعَوْهُ شَرِيكًا لَهُ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما بَعْدَ هَذا [البَقَرَةِ: ١٢٩، طَه: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَرْجِعُنا؛ والمَعْنى: أنَّهُ يُجازِينا بِأعْمالِنا. وفي المُسْرِفِينَ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافِرٍ: ٢٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، (p-٢٢٦)وَأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "فَسَتُذَكَّرُونَ" بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِها وتَشْدِيدِ الكافِ وفَتْحِها؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما جَمِيعًا. أيْ: إذا نَزَلَ العَذابُ بِكم ما أقُولُ لَكم في الدُّنْيا مِنَ النَّصِيحَةِ؟!
﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: أرُدُّهُ، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ.
ثُمَّ خَرَجَ المُؤْمِنُ عَنْهُمْ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ونَجا مَعَ مُوسى لَمّا عَبَرَ البَحْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: ما أرادُوا بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا لَجُّوا في البَحْرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ (p-٢٢٧)(p-٢٢٨)وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيُقالُ: يا آلَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ دارُكم. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَرِيمِ بْنِ أبِي عُمَيْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ، وسَألَهُ رَجُلٌ، فَقالَ: رَأيْنا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ فَتَأْخُذُ ناحِيَةَ الغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ، فَإذا كانَ العَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُها سُودًا، قالَ: وفَطِنْتُمْ إلى ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمَ، قالَ: إنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ في حَواصِلِها أرَواحُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إلى وُكُورِها وقَدِ احْتَرَقَتْ رِياشُها وصارَتْ سَوْداءَ، فَيَنْبُتُ عَلَيْها مِنَ اللَّيْلِ رِياشٌ بِيضٌ، وتَتَناثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو ويُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، [ثُمَّ تَرْجِعُ إلى وُكُورِها]، فَذَلِكَ دَأْبُها في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أدْخِلُوا (p-٢٢٩)آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن [أهْلِ] الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن [أهْلِ] النّارِ، يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ" .»
وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، لِأنَّهُ بَيَّنَ ما لَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، [وَأبُو عَمْرٍو]، وأبُو بَكْرٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "السّاعَةُ ادْخُلُوا" بِالضَّمِّ وضَمِّ الخاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لَهم بِالدُّخُولِ، والِابْتِداءُ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ بِضَمِّ الألْفِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالقَطْعِ مَعَ كَسْرِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الألِفِ.
غافر 40:46
(p-٢٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ﴾ أيْ: مالَكُمْ، كَما تَقُولُ: ما لِي أراكَ حَزِينًا، مَعْناهُ: مالَكَ، ومَعْنى الآيَةِ: أخْبَرُونِي كَيْفَ هَذِهِ الحالُ، أدْعُوكم ﴿إلى النَّجاةِ﴾ مِنَ النّارِ بِالإيمانِ، ﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ؟! ثُمَّ فَسَّرَ الدَّعْوَتَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.
وَمَعْنى ﴿لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا أعْلَمَ هَذا الَّذِي ادَّعَوْهُ شَرِيكًا لَهُ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما بَعْدَ هَذا [البَقَرَةِ: ١٢٩، طَه: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَرْجِعُنا؛ والمَعْنى: أنَّهُ يُجازِينا بِأعْمالِنا. وفي المُسْرِفِينَ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافِرٍ: ٢٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، (p-٢٢٦)وَأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "فَسَتُذَكَّرُونَ" بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِها وتَشْدِيدِ الكافِ وفَتْحِها؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما جَمِيعًا. أيْ: إذا نَزَلَ العَذابُ بِكم ما أقُولُ لَكم في الدُّنْيا مِنَ النَّصِيحَةِ؟!
﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: أرُدُّهُ، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ.
ثُمَّ خَرَجَ المُؤْمِنُ عَنْهُمْ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ونَجا مَعَ مُوسى لَمّا عَبَرَ البَحْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: ما أرادُوا بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا لَجُّوا في البَحْرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ (p-٢٢٧)(p-٢٢٨)وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيُقالُ: يا آلَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ دارُكم. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَرِيمِ بْنِ أبِي عُمَيْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ، وسَألَهُ رَجُلٌ، فَقالَ: رَأيْنا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ فَتَأْخُذُ ناحِيَةَ الغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ، فَإذا كانَ العَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُها سُودًا، قالَ: وفَطِنْتُمْ إلى ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمَ، قالَ: إنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ في حَواصِلِها أرَواحُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إلى وُكُورِها وقَدِ احْتَرَقَتْ رِياشُها وصارَتْ سَوْداءَ، فَيَنْبُتُ عَلَيْها مِنَ اللَّيْلِ رِياشٌ بِيضٌ، وتَتَناثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو ويُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، [ثُمَّ تَرْجِعُ إلى وُكُورِها]، فَذَلِكَ دَأْبُها في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أدْخِلُوا (p-٢٢٩)آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن [أهْلِ] الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن [أهْلِ] النّارِ، يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ" .»
وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، لِأنَّهُ بَيَّنَ ما لَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، [وَأبُو عَمْرٍو]، وأبُو بَكْرٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "السّاعَةُ ادْخُلُوا" بِالضَّمِّ وضَمِّ الخاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لَهم بِالدُّخُولِ، والِابْتِداءُ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ بِضَمِّ الألْفِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالقَطْعِ مَعَ كَسْرِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الألِفِ.
غافر 40:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ (p-٢٣٠)إذْ يَخْتَصِمُونَ، يَعْنِي أهْلَ النّارِ، والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في [سُورَةِ] [إبْراهِيمَ: ٢١]، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ القادَةُ. ومَعْنى ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ أيْ: قَضى هَذا عَلَيْنا وعَلَيْكم. ومَعْنى قَوْلِ الخَزَنَةِ لَهُمْ: ﴿فادْعُوا﴾ أيْ: نَحْنُ لا نَدْعُو لَكم ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ ولا يَنْفَعُ.
﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ بِإثْباتِ حُجَجِهِمْ. والثّانِي: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ: والثّالِثُ: بِأنَّ العاقِبَةَ تَكُونُ لَهم. وفَصْلُ الخِطابِ: أنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ لابُدَّ مِنهُ، فَتارَةً يَكُونُ بِإعْلاءِ أمْرِهِمْ كَما أعْطى داوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ المُلْكِ ما قَهَرا بِهِ كُلَّ كافِرٍ، وأظْهَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى مُكَذِّبِيهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بِإنْجاءِ الرُّسُلِ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ ومُوسى وقَوْمِهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وفاةِ الرُّسُلِ، كَتَسْلِيطِهِ بُخْتُنَصَّرَ عَلى قَتَلَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا. وأمّا نَصْرُهم يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، فَإنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، وواحِدُ الأشْهادِ شاهِدٌ، كَما أنَّ واحِدَ الأصْحابِ صاحِبٌ. وفي الأشْهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ، شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالإبْلاغِ وعَلى الأُمَمِ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ.
(p-٢٣١)والثّانِي: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْفَعُ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ؛ لِأنَّ المَعْذِرَةَ والِاعْتِذارَ بِمَعْنًى ﴿الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ مِنهم إنِ اعْتَذَرُوا ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ: البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في [الرَّعْدِ: ٢٥] أنَّ "لَهُمْ" بِمَعْنى "عَلَيْهِمْ"، و﴿سُوءُ الدّارِ﴾: النّارُ.
غافر 40:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ (p-٢٣٠)إذْ يَخْتَصِمُونَ، يَعْنِي أهْلَ النّارِ، والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في [سُورَةِ] [إبْراهِيمَ: ٢١]، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ القادَةُ. ومَعْنى ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ أيْ: قَضى هَذا عَلَيْنا وعَلَيْكم. ومَعْنى قَوْلِ الخَزَنَةِ لَهُمْ: ﴿فادْعُوا﴾ أيْ: نَحْنُ لا نَدْعُو لَكم ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ ولا يَنْفَعُ.
﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ بِإثْباتِ حُجَجِهِمْ. والثّانِي: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ: والثّالِثُ: بِأنَّ العاقِبَةَ تَكُونُ لَهم. وفَصْلُ الخِطابِ: أنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ لابُدَّ مِنهُ، فَتارَةً يَكُونُ بِإعْلاءِ أمْرِهِمْ كَما أعْطى داوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ المُلْكِ ما قَهَرا بِهِ كُلَّ كافِرٍ، وأظْهَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى مُكَذِّبِيهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بِإنْجاءِ الرُّسُلِ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ ومُوسى وقَوْمِهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وفاةِ الرُّسُلِ، كَتَسْلِيطِهِ بُخْتُنَصَّرَ عَلى قَتَلَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا. وأمّا نَصْرُهم يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، فَإنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، وواحِدُ الأشْهادِ شاهِدٌ، كَما أنَّ واحِدَ الأصْحابِ صاحِبٌ. وفي الأشْهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ، شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالإبْلاغِ وعَلى الأُمَمِ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ.
(p-٢٣١)والثّانِي: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْفَعُ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ؛ لِأنَّ المَعْذِرَةَ والِاعْتِذارَ بِمَعْنًى ﴿الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ مِنهم إنِ اعْتَذَرُوا ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ: البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في [الرَّعْدِ: ٢٥] أنَّ "لَهُمْ" بِمَعْنى "عَلَيْهِمْ"، و﴿سُوءُ الدّارِ﴾: النّارُ.
غافر 40:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ (p-٢٣٠)إذْ يَخْتَصِمُونَ، يَعْنِي أهْلَ النّارِ، والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في [سُورَةِ] [إبْراهِيمَ: ٢١]، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ القادَةُ. ومَعْنى ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ أيْ: قَضى هَذا عَلَيْنا وعَلَيْكم. ومَعْنى قَوْلِ الخَزَنَةِ لَهُمْ: ﴿فادْعُوا﴾ أيْ: نَحْنُ لا نَدْعُو لَكم ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ ولا يَنْفَعُ.
﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ بِإثْباتِ حُجَجِهِمْ. والثّانِي: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ: والثّالِثُ: بِأنَّ العاقِبَةَ تَكُونُ لَهم. وفَصْلُ الخِطابِ: أنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ لابُدَّ مِنهُ، فَتارَةً يَكُونُ بِإعْلاءِ أمْرِهِمْ كَما أعْطى داوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ المُلْكِ ما قَهَرا بِهِ كُلَّ كافِرٍ، وأظْهَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى مُكَذِّبِيهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بِإنْجاءِ الرُّسُلِ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ ومُوسى وقَوْمِهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وفاةِ الرُّسُلِ، كَتَسْلِيطِهِ بُخْتُنَصَّرَ عَلى قَتَلَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا. وأمّا نَصْرُهم يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، فَإنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، وواحِدُ الأشْهادِ شاهِدٌ، كَما أنَّ واحِدَ الأصْحابِ صاحِبٌ. وفي الأشْهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ، شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالإبْلاغِ وعَلى الأُمَمِ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ.
(p-٢٣١)والثّانِي: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْفَعُ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ؛ لِأنَّ المَعْذِرَةَ والِاعْتِذارَ بِمَعْنًى ﴿الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ مِنهم إنِ اعْتَذَرُوا ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ: البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في [الرَّعْدِ: ٢٥] أنَّ "لَهُمْ" بِمَعْنى "عَلَيْهِمْ"، و﴿سُوءُ الدّارِ﴾: النّارُ.
غافر 40:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ (p-٢٣٠)إذْ يَخْتَصِمُونَ، يَعْنِي أهْلَ النّارِ، والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في [سُورَةِ] [إبْراهِيمَ: ٢١]، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ القادَةُ. ومَعْنى ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ أيْ: قَضى هَذا عَلَيْنا وعَلَيْكم. ومَعْنى قَوْلِ الخَزَنَةِ لَهُمْ: ﴿فادْعُوا﴾ أيْ: نَحْنُ لا نَدْعُو لَكم ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ ولا يَنْفَعُ.
﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ بِإثْباتِ حُجَجِهِمْ. والثّانِي: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ: والثّالِثُ: بِأنَّ العاقِبَةَ تَكُونُ لَهم. وفَصْلُ الخِطابِ: أنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ لابُدَّ مِنهُ، فَتارَةً يَكُونُ بِإعْلاءِ أمْرِهِمْ كَما أعْطى داوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ المُلْكِ ما قَهَرا بِهِ كُلَّ كافِرٍ، وأظْهَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى مُكَذِّبِيهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بِإنْجاءِ الرُّسُلِ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ ومُوسى وقَوْمِهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وفاةِ الرُّسُلِ، كَتَسْلِيطِهِ بُخْتُنَصَّرَ عَلى قَتَلَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا. وأمّا نَصْرُهم يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، فَإنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، وواحِدُ الأشْهادِ شاهِدٌ، كَما أنَّ واحِدَ الأصْحابِ صاحِبٌ. وفي الأشْهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ، شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالإبْلاغِ وعَلى الأُمَمِ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ.
(p-٢٣١)والثّانِي: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْفَعُ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ؛ لِأنَّ المَعْذِرَةَ والِاعْتِذارَ بِمَعْنًى ﴿الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ مِنهم إنِ اعْتَذَرُوا ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ: البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في [الرَّعْدِ: ٢٥] أنَّ "لَهُمْ" بِمَعْنى "عَلَيْهِمْ"، و﴿سُوءُ الدّارِ﴾: النّارُ.
غافر 40:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ (p-٢٣٠)إذْ يَخْتَصِمُونَ، يَعْنِي أهْلَ النّارِ، والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في [سُورَةِ] [إبْراهِيمَ: ٢١]، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ القادَةُ. ومَعْنى ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ أيْ: قَضى هَذا عَلَيْنا وعَلَيْكم. ومَعْنى قَوْلِ الخَزَنَةِ لَهُمْ: ﴿فادْعُوا﴾ أيْ: نَحْنُ لا نَدْعُو لَكم ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ ولا يَنْفَعُ.
﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ بِإثْباتِ حُجَجِهِمْ. والثّانِي: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ: والثّالِثُ: بِأنَّ العاقِبَةَ تَكُونُ لَهم. وفَصْلُ الخِطابِ: أنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ لابُدَّ مِنهُ، فَتارَةً يَكُونُ بِإعْلاءِ أمْرِهِمْ كَما أعْطى داوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ المُلْكِ ما قَهَرا بِهِ كُلَّ كافِرٍ، وأظْهَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى مُكَذِّبِيهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بِإنْجاءِ الرُّسُلِ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ ومُوسى وقَوْمِهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وفاةِ الرُّسُلِ، كَتَسْلِيطِهِ بُخْتُنَصَّرَ عَلى قَتَلَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا. وأمّا نَصْرُهم يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، فَإنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، وواحِدُ الأشْهادِ شاهِدٌ، كَما أنَّ واحِدَ الأصْحابِ صاحِبٌ. وفي الأشْهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ، شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالإبْلاغِ وعَلى الأُمَمِ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ.
(p-٢٣١)والثّانِي: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْفَعُ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ؛ لِأنَّ المَعْذِرَةَ والِاعْتِذارَ بِمَعْنًى ﴿الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ مِنهم إنِ اعْتَذَرُوا ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ: البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في [الرَّعْدِ: ٢٥] أنَّ "لَهُمْ" بِمَعْنى "عَلَيْهِمْ"، و﴿سُوءُ الدّارِ﴾: النّارُ.
غافر 40:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ (p-٢٣٠)إذْ يَخْتَصِمُونَ، يَعْنِي أهْلَ النّارِ، والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في [سُورَةِ] [إبْراهِيمَ: ٢١]، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ القادَةُ. ومَعْنى ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ أيْ: قَضى هَذا عَلَيْنا وعَلَيْكم. ومَعْنى قَوْلِ الخَزَنَةِ لَهُمْ: ﴿فادْعُوا﴾ أيْ: نَحْنُ لا نَدْعُو لَكم ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ ولا يَنْفَعُ.
﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ بِإثْباتِ حُجَجِهِمْ. والثّانِي: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ: والثّالِثُ: بِأنَّ العاقِبَةَ تَكُونُ لَهم. وفَصْلُ الخِطابِ: أنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ لابُدَّ مِنهُ، فَتارَةً يَكُونُ بِإعْلاءِ أمْرِهِمْ كَما أعْطى داوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ المُلْكِ ما قَهَرا بِهِ كُلَّ كافِرٍ، وأظْهَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى مُكَذِّبِيهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بِإنْجاءِ الرُّسُلِ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ ومُوسى وقَوْمِهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وفاةِ الرُّسُلِ، كَتَسْلِيطِهِ بُخْتُنَصَّرَ عَلى قَتَلَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا. وأمّا نَصْرُهم يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، فَإنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، وواحِدُ الأشْهادِ شاهِدٌ، كَما أنَّ واحِدَ الأصْحابِ صاحِبٌ. وفي الأشْهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ، شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالإبْلاغِ وعَلى الأُمَمِ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ.
(p-٢٣١)والثّانِي: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْفَعُ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ؛ لِأنَّ المَعْذِرَةَ والِاعْتِذارَ بِمَعْنًى ﴿الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ مِنهم إنِ اعْتَذَرُوا ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ: البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في [الرَّعْدِ: ٢٥] أنَّ "لَهُمْ" بِمَعْنى "عَلَيْهِمْ"، و﴿سُوءُ الدّارِ﴾: النّارُ.
غافر 40:53
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:54
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:55
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:56
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:57
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:58
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:59
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:60
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:61
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:62
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:63
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:64
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:65
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:66
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:67
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:68
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ. . .﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، (p-٢٣٤)وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ (p-٢٣٥)عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
غافر 40:69
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ.
وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ.
(p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ .
(p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.