Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Jawzi — غافر 40:70 – الشورى 42:53

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Jawzi

المحتويات
  1. غافر 40:70
  2. غافر 40:71
  3. غافر 40:72
  4. غافر 40:73
  5. غافر 40:74
  6. غافر 40:75
  7. غافر 40:76
  8. غافر 40:77
  9. غافر 40:78
  10. غافر 40:79
  11. غافر 40:80
  12. غافر 40:81
  13. غافر 40:82
  14. غافر 40:83
  15. غافر 40:84
  16. غافر 40:85
  17. فصلت 41:1
  18. فصلت 41:2
  19. فصلت 41:3
  20. فصلت 41:4
  21. فصلت 41:5
  22. فصلت 41:6
  23. فصلت 41:7
  24. فصلت 41:8
  25. فصلت 41:9
  26. فصلت 41:10
  27. فصلت 41:11
  28. فصلت 41:12
  29. فصلت 41:13
  30. فصلت 41:14
  31. فصلت 41:15
  32. فصلت 41:16
  33. فصلت 41:17
  34. فصلت 41:18
  35. فصلت 41:19
  36. فصلت 41:20
  37. فصلت 41:21
  38. فصلت 41:22
  39. فصلت 41:23
  40. فصلت 41:24
  41. فصلت 41:25
  42. فصلت 41:26
  43. فصلت 41:27
  44. فصلت 41:28
  45. فصلت 41:29
  46. فصلت 41:30
  47. فصلت 41:31
  48. فصلت 41:32
  49. فصلت 41:33
  50. فصلت 41:34
  51. فصلت 41:35
  52. فصلت 41:36
  53. فصلت 41:37
  54. فصلت 41:38
  55. فصلت 41:39
  56. فصلت 41:40
  57. فصلت 41:41
  58. فصلت 41:42
  59. فصلت 41:43
  60. فصلت 41:44
  61. فصلت 41:45
  62. فصلت 41:46
  63. فصلت 41:47
  64. فصلت 41:48
  65. فصلت 41:49
  66. فصلت 41:50
  67. فصلت 41:51
  68. فصلت 41:52
  69. فصلت 41:53
  70. فصلت 41:54
  71. الشورى 42:1
  72. الشورى 42:2
  73. الشورى 42:3
  74. الشورى 42:4
  75. الشورى 42:5
  76. الشورى 42:6
  77. الشورى 42:7
  78. الشورى 42:8
  79. الشورى 42:9
  80. الشورى 42:10
  81. الشورى 42:11
  82. الشورى 42:12
  83. الشورى 42:13
  84. الشورى 42:14
  85. الشورى 42:15
  86. الشورى 42:16
  87. الشورى 42:17
  88. الشورى 42:18
  89. الشورى 42:19
  90. الشورى 42:20
  91. الشورى 42:21
  92. الشورى 42:22
  93. الشورى 42:23
  94. الشورى 42:24
  95. الشورى 42:25
  96. الشورى 42:26
  97. الشورى 42:27
  98. الشورى 42:28
  99. الشورى 42:29
  100. الشورى 42:30
  101. الشورى 42:31
  102. الشورى 42:32
  103. الشورى 42:33
  104. الشورى 42:34
  105. الشورى 42:35
  106. الشورى 42:36
  107. الشورى 42:37
  108. الشورى 42:38
  109. الشورى 42:39
  110. الشورى 42:40
  111. الشورى 42:41
  112. الشورى 42:42
  113. الشورى 42:43
  114. الشورى 42:44
  115. الشورى 42:45
  116. الشورى 42:46
  117. الشورى 42:47
  118. الشورى 42:48
  119. الشورى 42:49
  120. الشورى 42:50
  121. الشورى 42:51
  122. الشورى 42:52
  123. الشورى 42:53

غافر 40:70

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:71

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:72

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:73

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:74

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:75

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:76

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:77

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:78

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:79

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:80

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:81

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:82

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:83

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:84

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

غافر 40:85

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟! وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ. وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ. (p-٢٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] . وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و﴿المُبْطِلُونَ﴾: أصْحابُ الباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ. (p-٢٣٨)والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. والبَأْسُ: العَذابُ. ومَعْنى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾: أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . (p-٢٣٩)فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فصلت 41:1

(p-٢٤٠)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ، ويُقالُ لَها: سَجْدَةُ المُؤْمِنِ، ويُقالُ لَها: المَصابِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ "تَنْزِيلُ" بِـ ﴿حم﴾،وَيَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ "هَذا" . وقالَ الزَّجّاجُ: "تَنْزِيلُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (p-٢٤١)"كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ"، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. و ﴿قُرْآنًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ تَكَبُّرًا عَنْهُ، ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ فَلا نَفْقَهُ قَوْلَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "الأكِنَّةِ" و "الوَقْرِ" في [الأنْعامِ: ٢٥] . ومَعْنى الكَلامِ: إنّا في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّينِ. قالَ الأخْفَشُ: و "مِن" هاهُنا لِلتَّوْكِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْمَلْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنّا عامِلُونَ عَلى إبْطالِ أمْرِكَ. والثّانِي: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنّا عامِلُونَ عَلى دِينِنا. ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: لَوْلا الوَحْيُ لَما دَعَوْتُكم. ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، واسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا يَشْهَدُونَ أنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ ولا يُقِرُّونَ بِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. (p-٢٤٢)والثّالِثُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. والرّابِعُ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والخامِسُ: لا يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ.

فصلت 41:2

(p-٢٤٠)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ، ويُقالُ لَها: سَجْدَةُ المُؤْمِنِ، ويُقالُ لَها: المَصابِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ "تَنْزِيلُ" بِـ ﴿حم﴾،وَيَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ "هَذا" . وقالَ الزَّجّاجُ: "تَنْزِيلُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (p-٢٤١)"كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ"، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. و ﴿قُرْآنًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ تَكَبُّرًا عَنْهُ، ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ فَلا نَفْقَهُ قَوْلَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "الأكِنَّةِ" و "الوَقْرِ" في [الأنْعامِ: ٢٥] . ومَعْنى الكَلامِ: إنّا في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّينِ. قالَ الأخْفَشُ: و "مِن" هاهُنا لِلتَّوْكِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْمَلْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنّا عامِلُونَ عَلى إبْطالِ أمْرِكَ. والثّانِي: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنّا عامِلُونَ عَلى دِينِنا. ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: لَوْلا الوَحْيُ لَما دَعَوْتُكم. ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، واسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا يَشْهَدُونَ أنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ ولا يُقِرُّونَ بِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. (p-٢٤٢)والثّالِثُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. والرّابِعُ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والخامِسُ: لا يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ.

فصلت 41:3

(p-٢٤٠)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ، ويُقالُ لَها: سَجْدَةُ المُؤْمِنِ، ويُقالُ لَها: المَصابِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ "تَنْزِيلُ" بِـ ﴿حم﴾،وَيَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ "هَذا" . وقالَ الزَّجّاجُ: "تَنْزِيلُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (p-٢٤١)"كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ"، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. و ﴿قُرْآنًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ تَكَبُّرًا عَنْهُ، ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ فَلا نَفْقَهُ قَوْلَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "الأكِنَّةِ" و "الوَقْرِ" في [الأنْعامِ: ٢٥] . ومَعْنى الكَلامِ: إنّا في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّينِ. قالَ الأخْفَشُ: و "مِن" هاهُنا لِلتَّوْكِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْمَلْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنّا عامِلُونَ عَلى إبْطالِ أمْرِكَ. والثّانِي: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنّا عامِلُونَ عَلى دِينِنا. ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: لَوْلا الوَحْيُ لَما دَعَوْتُكم. ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، واسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا يَشْهَدُونَ أنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ ولا يُقِرُّونَ بِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. (p-٢٤٢)والثّالِثُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. والرّابِعُ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والخامِسُ: لا يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ.

فصلت 41:4

(p-٢٤٠)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ، ويُقالُ لَها: سَجْدَةُ المُؤْمِنِ، ويُقالُ لَها: المَصابِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ "تَنْزِيلُ" بِـ ﴿حم﴾،وَيَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ "هَذا" . وقالَ الزَّجّاجُ: "تَنْزِيلُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (p-٢٤١)"كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ"، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. و ﴿قُرْآنًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ تَكَبُّرًا عَنْهُ، ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ فَلا نَفْقَهُ قَوْلَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "الأكِنَّةِ" و "الوَقْرِ" في [الأنْعامِ: ٢٥] . ومَعْنى الكَلامِ: إنّا في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّينِ. قالَ الأخْفَشُ: و "مِن" هاهُنا لِلتَّوْكِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْمَلْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنّا عامِلُونَ عَلى إبْطالِ أمْرِكَ. والثّانِي: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنّا عامِلُونَ عَلى دِينِنا. ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: لَوْلا الوَحْيُ لَما دَعَوْتُكم. ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، واسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا يَشْهَدُونَ أنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ ولا يُقِرُّونَ بِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. (p-٢٤٢)والثّالِثُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. والرّابِعُ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والخامِسُ: لا يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ.

فصلت 41:5

(p-٢٤٠)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ، ويُقالُ لَها: سَجْدَةُ المُؤْمِنِ، ويُقالُ لَها: المَصابِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ "تَنْزِيلُ" بِـ ﴿حم﴾،وَيَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ "هَذا" . وقالَ الزَّجّاجُ: "تَنْزِيلُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (p-٢٤١)"كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ"، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. و ﴿قُرْآنًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ تَكَبُّرًا عَنْهُ، ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ فَلا نَفْقَهُ قَوْلَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "الأكِنَّةِ" و "الوَقْرِ" في [الأنْعامِ: ٢٥] . ومَعْنى الكَلامِ: إنّا في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّينِ. قالَ الأخْفَشُ: و "مِن" هاهُنا لِلتَّوْكِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْمَلْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنّا عامِلُونَ عَلى إبْطالِ أمْرِكَ. والثّانِي: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنّا عامِلُونَ عَلى دِينِنا. ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: لَوْلا الوَحْيُ لَما دَعَوْتُكم. ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، واسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا يَشْهَدُونَ أنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ ولا يُقِرُّونَ بِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. (p-٢٤٢)والثّالِثُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. والرّابِعُ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والخامِسُ: لا يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ.

فصلت 41:6

(p-٢٤٠)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ، ويُقالُ لَها: سَجْدَةُ المُؤْمِنِ، ويُقالُ لَها: المَصابِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ "تَنْزِيلُ" بِـ ﴿حم﴾،وَيَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ "هَذا" . وقالَ الزَّجّاجُ: "تَنْزِيلُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (p-٢٤١)"كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ"، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. و ﴿قُرْآنًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ تَكَبُّرًا عَنْهُ، ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ فَلا نَفْقَهُ قَوْلَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "الأكِنَّةِ" و "الوَقْرِ" في [الأنْعامِ: ٢٥] . ومَعْنى الكَلامِ: إنّا في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّينِ. قالَ الأخْفَشُ: و "مِن" هاهُنا لِلتَّوْكِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْمَلْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنّا عامِلُونَ عَلى إبْطالِ أمْرِكَ. والثّانِي: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنّا عامِلُونَ عَلى دِينِنا. ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: لَوْلا الوَحْيُ لَما دَعَوْتُكم. ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، واسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا يَشْهَدُونَ أنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ ولا يُقِرُّونَ بِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. (p-٢٤٢)والثّالِثُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. والرّابِعُ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والخامِسُ: لا يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ.

فصلت 41:7

(p-٢٤٠)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ، ويُقالُ لَها: سَجْدَةُ المُؤْمِنِ، ويُقالُ لَها: المَصابِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ "تَنْزِيلُ" بِـ ﴿حم﴾،وَيَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ "هَذا" . وقالَ الزَّجّاجُ: "تَنْزِيلُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (p-٢٤١)"كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ"، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. و ﴿قُرْآنًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ تَكَبُّرًا عَنْهُ، ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ فَلا نَفْقَهُ قَوْلَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "الأكِنَّةِ" و "الوَقْرِ" في [الأنْعامِ: ٢٥] . ومَعْنى الكَلامِ: إنّا في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّينِ. قالَ الأخْفَشُ: و "مِن" هاهُنا لِلتَّوْكِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْمَلْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنّا عامِلُونَ عَلى إبْطالِ أمْرِكَ. والثّانِي: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنّا عامِلُونَ عَلى دِينِنا. ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: لَوْلا الوَحْيُ لَما دَعَوْتُكم. ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، واسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا يَشْهَدُونَ أنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ ولا يُقِرُّونَ بِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. (p-٢٤٢)والثّالِثُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. والرّابِعُ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والخامِسُ: لا يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ.

فصلت 41:8

(p-٢٤٠)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ، ويُقالُ لَها: سَجْدَةُ المُؤْمِنِ، ويُقالُ لَها: المَصابِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ "تَنْزِيلُ" بِـ ﴿حم﴾،وَيَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ "هَذا" . وقالَ الزَّجّاجُ: "تَنْزِيلُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (p-٢٤١)"كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ"، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. و ﴿قُرْآنًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ تَكَبُّرًا عَنْهُ، ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ فَلا نَفْقَهُ قَوْلَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "الأكِنَّةِ" و "الوَقْرِ" في [الأنْعامِ: ٢٥] . ومَعْنى الكَلامِ: إنّا في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّينِ. قالَ الأخْفَشُ: و "مِن" هاهُنا لِلتَّوْكِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْمَلْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنّا عامِلُونَ عَلى إبْطالِ أمْرِكَ. والثّانِي: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنّا عامِلُونَ عَلى دِينِنا. ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: لَوْلا الوَحْيُ لَما دَعَوْتُكم. ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، واسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا يَشْهَدُونَ أنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ ولا يُقِرُّونَ بِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. (p-٢٤٢)والثّالِثُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. والرّابِعُ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والخامِسُ: لا يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ.

فصلت 41:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، والسُّدِّيُّ، والأكْثَرُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَقالَ: "خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ فِيها يَوْمَ الإثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ "يَوْمَ الخَمِيسِ"،» وهَذا الحَدِيثُ يُخالِفُ ما تَقَدَّمَ، وهو أصَحُّ. (p-٢٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٢] و ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ . ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِ الأرْضِ، ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ بِالأشْجارِ والثِّمارِ والحُبُوبِ والأنْهارِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ فِيها: أنْ يُنَمِّيَ فِيها الزَّرْعَ، فَتُخْرِجُ الحَبَّةُ حَبّاتٍ، والنَّواةُ نَخْلَةً ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ قُوتٍ، وهي الأرْزاقُ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّقْدِيرِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ شَقَّقَ الأنْهارَ وغَرَسَ الأشْجارَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَسَّمَ أرْزاقَ العِبادِ والبَهائِمِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: أقْواتُها مِنَ المَطَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: قَدَّرَ لِكُلِّ بَلْدَةٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى كَما أنَّ ثِيابَ اليَمَنِ لا تَصْلُحُ إلّا بِـ "اليَمَنِ" والهَرَوِيَّةِ بِـ "هَراةٍ"، لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والخامِسُ: قَدَّرَ البُرَّ لِأهْلِ قُطْرٍ، والتَّمْرَ لِأهْلِ قُطْرٍ، والذُّرَةَ لِأهْلِ قُطْرٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ. قالَ الأخْفَشُ: ومْثُلُهُ [أنْ] تَقُولُ: تَزَوَّجْتُ أمْسِ امْرَأةً، واليَوْمَ ثِنْتَيْنِ، وإحْداهُما الَّتِي تَزَوَّجْتُها أمْسِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: الثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، وهُما مَعَ الأحَدِ والإثْنَيْنِ أرْبَعَةُ أيّامٍ. (p-٢٤٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءً﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "سَواءٌ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ: "سَواءٍ" بِالجَرِّ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ العَشْرَةِ: بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالخَفْضِ، جَعَلَ "سَواءً" مِن صِفَةِ الأيّامِ؛ فالمَعْنى: في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِياتٍ تامّاتٍ؛ ومَن نَصَبَ، فَعَلى المَصْدَرِ؛ فالمَعْنى: اسْتَوَتْ سَواءً واسْتِواءً؛ ومَن رَفَعَ، فَعَلى مَعْنى: هي سَواءٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ وجْهانِ. أحَدُهُما: لِلسّائِلِينَ القُوتَ، لِأنَّ كُلًّا يَطْلُبُ القُوتَ ويَسْألُهُ. والثّانِي: لِمَن يَسْألُ: في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ؟ فَيُقالُ: خُلِقَتْ في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً، لا زِيادَةَ ولا نُقْصانَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٩] ﴿وَهِيَ دُخانٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ [الماءَ] أرْسَلَ عَلَيْهِ الرِّيحَ فَثارَ مِنهُ دُخانٌ فارْتَفَعَ وسَما، فَسَمّاهُ سَماءً. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الأرْضَ أرْسَلَ عَلَيْها نارًا، فارْتَفَعَ مِنها دُخانٌ فَسَما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ لِلسَّماءِ: أظْهِرِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، وقالَ لِلْأرْضِ: شَقِّقِي أنْهارَكِ، وأخْرِجِي ثِمارَكِ، ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: طائِعاتٍ، لِأنَّهُنَّ جَرَيْنَ مَجْرى ما يَعْقِلُ ويُمَيِّزُ، كَما قالَ في النُّجُومِ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يَس: ٤٠]، قالَ: وقَدْ قِيلَ: أتَيْنا نَحْنُ ومَن فِينا طائِعِينَ. ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ أيْ: خَلْقَهُنَّ وصُنْعَهُنَّ، قالَ أبُو ذَؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ:(p-٢٤٦) ؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ مَعْناهُ: عَمِلَهُما وصَنَعَهُما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: وهَما يَوْمُ الخَمِيسِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأحَدُ والِاثْنَيْنِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ. وقَدْ بَيَّنّا مِقْدارَ هَذِهِ الأيّامِ في [الأعْرافِ: ٥٤] . ﴿وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أوْحى ما أرادَ، وأمَرَ بِما شاءَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: خَلَقَ في كُلِّ سَماءِ خَلْقَها، قالَهُ السُّدِّيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيِ: القُرْبى إلى الأرْضِ ﴿بِمَصابِيحَ﴾ وهي النُّجُومُ، والمَصابِيحُ: السُّرُجُ، فَسُمِّيَ الكَوْكَبُ مِصْباحًا، لِإضاءَتِهِ ﴿وَحِفْظًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: وحَفِظْناها مِنِ اسْتِماعِ الشَّياطِينِ بِالكَواكِبِ حِفْظًا.

فصلت 41:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، والسُّدِّيُّ، والأكْثَرُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَقالَ: "خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ فِيها يَوْمَ الإثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ "يَوْمَ الخَمِيسِ"،» وهَذا الحَدِيثُ يُخالِفُ ما تَقَدَّمَ، وهو أصَحُّ. (p-٢٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٢] و ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ . ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِ الأرْضِ، ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ بِالأشْجارِ والثِّمارِ والحُبُوبِ والأنْهارِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ فِيها: أنْ يُنَمِّيَ فِيها الزَّرْعَ، فَتُخْرِجُ الحَبَّةُ حَبّاتٍ، والنَّواةُ نَخْلَةً ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ قُوتٍ، وهي الأرْزاقُ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّقْدِيرِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ شَقَّقَ الأنْهارَ وغَرَسَ الأشْجارَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَسَّمَ أرْزاقَ العِبادِ والبَهائِمِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: أقْواتُها مِنَ المَطَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: قَدَّرَ لِكُلِّ بَلْدَةٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى كَما أنَّ ثِيابَ اليَمَنِ لا تَصْلُحُ إلّا بِـ "اليَمَنِ" والهَرَوِيَّةِ بِـ "هَراةٍ"، لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والخامِسُ: قَدَّرَ البُرَّ لِأهْلِ قُطْرٍ، والتَّمْرَ لِأهْلِ قُطْرٍ، والذُّرَةَ لِأهْلِ قُطْرٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ. قالَ الأخْفَشُ: ومْثُلُهُ [أنْ] تَقُولُ: تَزَوَّجْتُ أمْسِ امْرَأةً، واليَوْمَ ثِنْتَيْنِ، وإحْداهُما الَّتِي تَزَوَّجْتُها أمْسِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: الثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، وهُما مَعَ الأحَدِ والإثْنَيْنِ أرْبَعَةُ أيّامٍ. (p-٢٤٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءً﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "سَواءٌ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ: "سَواءٍ" بِالجَرِّ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ العَشْرَةِ: بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالخَفْضِ، جَعَلَ "سَواءً" مِن صِفَةِ الأيّامِ؛ فالمَعْنى: في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِياتٍ تامّاتٍ؛ ومَن نَصَبَ، فَعَلى المَصْدَرِ؛ فالمَعْنى: اسْتَوَتْ سَواءً واسْتِواءً؛ ومَن رَفَعَ، فَعَلى مَعْنى: هي سَواءٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ وجْهانِ. أحَدُهُما: لِلسّائِلِينَ القُوتَ، لِأنَّ كُلًّا يَطْلُبُ القُوتَ ويَسْألُهُ. والثّانِي: لِمَن يَسْألُ: في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ؟ فَيُقالُ: خُلِقَتْ في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً، لا زِيادَةَ ولا نُقْصانَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٩] ﴿وَهِيَ دُخانٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ [الماءَ] أرْسَلَ عَلَيْهِ الرِّيحَ فَثارَ مِنهُ دُخانٌ فارْتَفَعَ وسَما، فَسَمّاهُ سَماءً. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الأرْضَ أرْسَلَ عَلَيْها نارًا، فارْتَفَعَ مِنها دُخانٌ فَسَما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ لِلسَّماءِ: أظْهِرِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، وقالَ لِلْأرْضِ: شَقِّقِي أنْهارَكِ، وأخْرِجِي ثِمارَكِ، ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: طائِعاتٍ، لِأنَّهُنَّ جَرَيْنَ مَجْرى ما يَعْقِلُ ويُمَيِّزُ، كَما قالَ في النُّجُومِ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يَس: ٤٠]، قالَ: وقَدْ قِيلَ: أتَيْنا نَحْنُ ومَن فِينا طائِعِينَ. ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ أيْ: خَلْقَهُنَّ وصُنْعَهُنَّ، قالَ أبُو ذَؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ:(p-٢٤٦) ؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ مَعْناهُ: عَمِلَهُما وصَنَعَهُما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: وهَما يَوْمُ الخَمِيسِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأحَدُ والِاثْنَيْنِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ. وقَدْ بَيَّنّا مِقْدارَ هَذِهِ الأيّامِ في [الأعْرافِ: ٥٤] . ﴿وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أوْحى ما أرادَ، وأمَرَ بِما شاءَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: خَلَقَ في كُلِّ سَماءِ خَلْقَها، قالَهُ السُّدِّيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيِ: القُرْبى إلى الأرْضِ ﴿بِمَصابِيحَ﴾ وهي النُّجُومُ، والمَصابِيحُ: السُّرُجُ، فَسُمِّيَ الكَوْكَبُ مِصْباحًا، لِإضاءَتِهِ ﴿وَحِفْظًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: وحَفِظْناها مِنِ اسْتِماعِ الشَّياطِينِ بِالكَواكِبِ حِفْظًا.

فصلت 41:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، والسُّدِّيُّ، والأكْثَرُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَقالَ: "خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ فِيها يَوْمَ الإثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ "يَوْمَ الخَمِيسِ"،» وهَذا الحَدِيثُ يُخالِفُ ما تَقَدَّمَ، وهو أصَحُّ. (p-٢٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٢] و ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ . ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِ الأرْضِ، ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ بِالأشْجارِ والثِّمارِ والحُبُوبِ والأنْهارِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ فِيها: أنْ يُنَمِّيَ فِيها الزَّرْعَ، فَتُخْرِجُ الحَبَّةُ حَبّاتٍ، والنَّواةُ نَخْلَةً ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ قُوتٍ، وهي الأرْزاقُ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّقْدِيرِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ شَقَّقَ الأنْهارَ وغَرَسَ الأشْجارَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَسَّمَ أرْزاقَ العِبادِ والبَهائِمِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: أقْواتُها مِنَ المَطَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: قَدَّرَ لِكُلِّ بَلْدَةٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى كَما أنَّ ثِيابَ اليَمَنِ لا تَصْلُحُ إلّا بِـ "اليَمَنِ" والهَرَوِيَّةِ بِـ "هَراةٍ"، لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والخامِسُ: قَدَّرَ البُرَّ لِأهْلِ قُطْرٍ، والتَّمْرَ لِأهْلِ قُطْرٍ، والذُّرَةَ لِأهْلِ قُطْرٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ. قالَ الأخْفَشُ: ومْثُلُهُ [أنْ] تَقُولُ: تَزَوَّجْتُ أمْسِ امْرَأةً، واليَوْمَ ثِنْتَيْنِ، وإحْداهُما الَّتِي تَزَوَّجْتُها أمْسِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: الثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، وهُما مَعَ الأحَدِ والإثْنَيْنِ أرْبَعَةُ أيّامٍ. (p-٢٤٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءً﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "سَواءٌ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ: "سَواءٍ" بِالجَرِّ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ العَشْرَةِ: بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالخَفْضِ، جَعَلَ "سَواءً" مِن صِفَةِ الأيّامِ؛ فالمَعْنى: في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِياتٍ تامّاتٍ؛ ومَن نَصَبَ، فَعَلى المَصْدَرِ؛ فالمَعْنى: اسْتَوَتْ سَواءً واسْتِواءً؛ ومَن رَفَعَ، فَعَلى مَعْنى: هي سَواءٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ وجْهانِ. أحَدُهُما: لِلسّائِلِينَ القُوتَ، لِأنَّ كُلًّا يَطْلُبُ القُوتَ ويَسْألُهُ. والثّانِي: لِمَن يَسْألُ: في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ؟ فَيُقالُ: خُلِقَتْ في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً، لا زِيادَةَ ولا نُقْصانَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٩] ﴿وَهِيَ دُخانٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ [الماءَ] أرْسَلَ عَلَيْهِ الرِّيحَ فَثارَ مِنهُ دُخانٌ فارْتَفَعَ وسَما، فَسَمّاهُ سَماءً. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الأرْضَ أرْسَلَ عَلَيْها نارًا، فارْتَفَعَ مِنها دُخانٌ فَسَما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ لِلسَّماءِ: أظْهِرِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، وقالَ لِلْأرْضِ: شَقِّقِي أنْهارَكِ، وأخْرِجِي ثِمارَكِ، ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: طائِعاتٍ، لِأنَّهُنَّ جَرَيْنَ مَجْرى ما يَعْقِلُ ويُمَيِّزُ، كَما قالَ في النُّجُومِ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يَس: ٤٠]، قالَ: وقَدْ قِيلَ: أتَيْنا نَحْنُ ومَن فِينا طائِعِينَ. ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ أيْ: خَلْقَهُنَّ وصُنْعَهُنَّ، قالَ أبُو ذَؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ:(p-٢٤٦) ؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ مَعْناهُ: عَمِلَهُما وصَنَعَهُما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: وهَما يَوْمُ الخَمِيسِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأحَدُ والِاثْنَيْنِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ. وقَدْ بَيَّنّا مِقْدارَ هَذِهِ الأيّامِ في [الأعْرافِ: ٥٤] . ﴿وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أوْحى ما أرادَ، وأمَرَ بِما شاءَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: خَلَقَ في كُلِّ سَماءِ خَلْقَها، قالَهُ السُّدِّيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيِ: القُرْبى إلى الأرْضِ ﴿بِمَصابِيحَ﴾ وهي النُّجُومُ، والمَصابِيحُ: السُّرُجُ، فَسُمِّيَ الكَوْكَبُ مِصْباحًا، لِإضاءَتِهِ ﴿وَحِفْظًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: وحَفِظْناها مِنِ اسْتِماعِ الشَّياطِينِ بِالكَواكِبِ حِفْظًا.

فصلت 41:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، والسُّدِّيُّ، والأكْثَرُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَقالَ: "خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ فِيها يَوْمَ الإثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ "يَوْمَ الخَمِيسِ"،» وهَذا الحَدِيثُ يُخالِفُ ما تَقَدَّمَ، وهو أصَحُّ. (p-٢٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٢] و ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ . ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِ الأرْضِ، ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ بِالأشْجارِ والثِّمارِ والحُبُوبِ والأنْهارِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ فِيها: أنْ يُنَمِّيَ فِيها الزَّرْعَ، فَتُخْرِجُ الحَبَّةُ حَبّاتٍ، والنَّواةُ نَخْلَةً ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ قُوتٍ، وهي الأرْزاقُ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّقْدِيرِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ شَقَّقَ الأنْهارَ وغَرَسَ الأشْجارَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَسَّمَ أرْزاقَ العِبادِ والبَهائِمِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: أقْواتُها مِنَ المَطَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: قَدَّرَ لِكُلِّ بَلْدَةٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى كَما أنَّ ثِيابَ اليَمَنِ لا تَصْلُحُ إلّا بِـ "اليَمَنِ" والهَرَوِيَّةِ بِـ "هَراةٍ"، لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والخامِسُ: قَدَّرَ البُرَّ لِأهْلِ قُطْرٍ، والتَّمْرَ لِأهْلِ قُطْرٍ، والذُّرَةَ لِأهْلِ قُطْرٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ. قالَ الأخْفَشُ: ومْثُلُهُ [أنْ] تَقُولُ: تَزَوَّجْتُ أمْسِ امْرَأةً، واليَوْمَ ثِنْتَيْنِ، وإحْداهُما الَّتِي تَزَوَّجْتُها أمْسِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: الثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، وهُما مَعَ الأحَدِ والإثْنَيْنِ أرْبَعَةُ أيّامٍ. (p-٢٤٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءً﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "سَواءٌ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ: "سَواءٍ" بِالجَرِّ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ العَشْرَةِ: بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالخَفْضِ، جَعَلَ "سَواءً" مِن صِفَةِ الأيّامِ؛ فالمَعْنى: في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِياتٍ تامّاتٍ؛ ومَن نَصَبَ، فَعَلى المَصْدَرِ؛ فالمَعْنى: اسْتَوَتْ سَواءً واسْتِواءً؛ ومَن رَفَعَ، فَعَلى مَعْنى: هي سَواءٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ وجْهانِ. أحَدُهُما: لِلسّائِلِينَ القُوتَ، لِأنَّ كُلًّا يَطْلُبُ القُوتَ ويَسْألُهُ. والثّانِي: لِمَن يَسْألُ: في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ؟ فَيُقالُ: خُلِقَتْ في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً، لا زِيادَةَ ولا نُقْصانَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٩] ﴿وَهِيَ دُخانٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ [الماءَ] أرْسَلَ عَلَيْهِ الرِّيحَ فَثارَ مِنهُ دُخانٌ فارْتَفَعَ وسَما، فَسَمّاهُ سَماءً. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الأرْضَ أرْسَلَ عَلَيْها نارًا، فارْتَفَعَ مِنها دُخانٌ فَسَما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ لِلسَّماءِ: أظْهِرِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، وقالَ لِلْأرْضِ: شَقِّقِي أنْهارَكِ، وأخْرِجِي ثِمارَكِ، ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: طائِعاتٍ، لِأنَّهُنَّ جَرَيْنَ مَجْرى ما يَعْقِلُ ويُمَيِّزُ، كَما قالَ في النُّجُومِ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يَس: ٤٠]، قالَ: وقَدْ قِيلَ: أتَيْنا نَحْنُ ومَن فِينا طائِعِينَ. ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ أيْ: خَلْقَهُنَّ وصُنْعَهُنَّ، قالَ أبُو ذَؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ:(p-٢٤٦) ؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ مَعْناهُ: عَمِلَهُما وصَنَعَهُما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: وهَما يَوْمُ الخَمِيسِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأحَدُ والِاثْنَيْنِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ. وقَدْ بَيَّنّا مِقْدارَ هَذِهِ الأيّامِ في [الأعْرافِ: ٥٤] . ﴿وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أوْحى ما أرادَ، وأمَرَ بِما شاءَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: خَلَقَ في كُلِّ سَماءِ خَلْقَها، قالَهُ السُّدِّيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيِ: القُرْبى إلى الأرْضِ ﴿بِمَصابِيحَ﴾ وهي النُّجُومُ، والمَصابِيحُ: السُّرُجُ، فَسُمِّيَ الكَوْكَبُ مِصْباحًا، لِإضاءَتِهِ ﴿وَحِفْظًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: وحَفِظْناها مِنِ اسْتِماعِ الشَّياطِينِ بِالكَواكِبِ حِفْظًا.

فصلت 41:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ الصّاعِقَةُ: المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ والمَعْنى: أنْذَرْتُكم عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ. وإنَّما خَصَّ القَبِيلَتَيْنِ، لِأنَّ قُرَيْشًا يَمُرُّونَ عَلى قُرى القَوْمِ في أسْفارِهِمْ. ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: أتَتْ آباءَهم ومَن كانَ قَبْلَهم ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ أيْ: مِن خَلْفِ الآباءِ، وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا ﴿إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: لَوْ أرادَ دَعْوَةَ الخَلْقِ ﴿لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ الإيمانِ وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ. وكانَ هُودٌ قَدْ تَهَدَّدَهم بِالعَذابِ فَقالُوا: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ بِفَضْلِ قُوَّتِنا. والآياتُ هاهُنا: الحُجَجُ. وَفِي الرِّيحِ الصَّرْصَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها البارِدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: هي الرِّيحُ البارِدَةُ تُحْرِقُ كالنّارِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ جِدًّا؛ فالصَّرْصَرُ مُتَكَرِّرٌ فِيها البَرْدُ، كَما تَقُولُ: أقْلَلْتُ الشَّيْءَ وقَلْقَلْتُهُ، فَأقْلَلْتُهُ بِمَعْنى رَفَعْتُهُ، وقَلْقَلْتُهُ: كَرَّرْتُ رَفْعَهُ. (p-٢٤٨)والثّانِي: أنَّها الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: البارِدَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "نَحِساتٍ" بِإسْكانِ الحاءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِكَسْرِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ الحاءَ، فَواحِدُهُنَّ " نَحِسٌ "، ومَن أسْكَنَها، فَواحِدُهُنَّ "نَحْسٌ"؛ والمَعْنى: مَشْؤُوماتٌ. وَفِي أوَّلِ هَذِهِ الأيّامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يَوْمُ الجُمْعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ الأرْبِعاءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والخِزْيُ: الهَوانُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَيَّنّا لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ قَتادَةُ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ. والثّانِي: دَعَوْناهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٢٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ أيْ: ذِي الهَوانِ، وهو الَّذِي يُهِينُهم.

فصلت 41:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ الصّاعِقَةُ: المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ والمَعْنى: أنْذَرْتُكم عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ. وإنَّما خَصَّ القَبِيلَتَيْنِ، لِأنَّ قُرَيْشًا يَمُرُّونَ عَلى قُرى القَوْمِ في أسْفارِهِمْ. ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: أتَتْ آباءَهم ومَن كانَ قَبْلَهم ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ أيْ: مِن خَلْفِ الآباءِ، وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا ﴿إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: لَوْ أرادَ دَعْوَةَ الخَلْقِ ﴿لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ الإيمانِ وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ. وكانَ هُودٌ قَدْ تَهَدَّدَهم بِالعَذابِ فَقالُوا: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ بِفَضْلِ قُوَّتِنا. والآياتُ هاهُنا: الحُجَجُ. وَفِي الرِّيحِ الصَّرْصَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها البارِدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: هي الرِّيحُ البارِدَةُ تُحْرِقُ كالنّارِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ جِدًّا؛ فالصَّرْصَرُ مُتَكَرِّرٌ فِيها البَرْدُ، كَما تَقُولُ: أقْلَلْتُ الشَّيْءَ وقَلْقَلْتُهُ، فَأقْلَلْتُهُ بِمَعْنى رَفَعْتُهُ، وقَلْقَلْتُهُ: كَرَّرْتُ رَفْعَهُ. (p-٢٤٨)والثّانِي: أنَّها الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: البارِدَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "نَحِساتٍ" بِإسْكانِ الحاءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِكَسْرِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ الحاءَ، فَواحِدُهُنَّ " نَحِسٌ "، ومَن أسْكَنَها، فَواحِدُهُنَّ "نَحْسٌ"؛ والمَعْنى: مَشْؤُوماتٌ. وَفِي أوَّلِ هَذِهِ الأيّامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يَوْمُ الجُمْعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ الأرْبِعاءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والخِزْيُ: الهَوانُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَيَّنّا لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ قَتادَةُ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ. والثّانِي: دَعَوْناهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٢٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ أيْ: ذِي الهَوانِ، وهو الَّذِي يُهِينُهم.

فصلت 41:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ الصّاعِقَةُ: المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ والمَعْنى: أنْذَرْتُكم عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ. وإنَّما خَصَّ القَبِيلَتَيْنِ، لِأنَّ قُرَيْشًا يَمُرُّونَ عَلى قُرى القَوْمِ في أسْفارِهِمْ. ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: أتَتْ آباءَهم ومَن كانَ قَبْلَهم ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ أيْ: مِن خَلْفِ الآباءِ، وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا ﴿إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: لَوْ أرادَ دَعْوَةَ الخَلْقِ ﴿لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ الإيمانِ وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ. وكانَ هُودٌ قَدْ تَهَدَّدَهم بِالعَذابِ فَقالُوا: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ بِفَضْلِ قُوَّتِنا. والآياتُ هاهُنا: الحُجَجُ. وَفِي الرِّيحِ الصَّرْصَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها البارِدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: هي الرِّيحُ البارِدَةُ تُحْرِقُ كالنّارِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ جِدًّا؛ فالصَّرْصَرُ مُتَكَرِّرٌ فِيها البَرْدُ، كَما تَقُولُ: أقْلَلْتُ الشَّيْءَ وقَلْقَلْتُهُ، فَأقْلَلْتُهُ بِمَعْنى رَفَعْتُهُ، وقَلْقَلْتُهُ: كَرَّرْتُ رَفْعَهُ. (p-٢٤٨)والثّانِي: أنَّها الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: البارِدَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "نَحِساتٍ" بِإسْكانِ الحاءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِكَسْرِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ الحاءَ، فَواحِدُهُنَّ " نَحِسٌ "، ومَن أسْكَنَها، فَواحِدُهُنَّ "نَحْسٌ"؛ والمَعْنى: مَشْؤُوماتٌ. وَفِي أوَّلِ هَذِهِ الأيّامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يَوْمُ الجُمْعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ الأرْبِعاءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والخِزْيُ: الهَوانُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَيَّنّا لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ قَتادَةُ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ. والثّانِي: دَعَوْناهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٢٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ أيْ: ذِي الهَوانِ، وهو الَّذِي يُهِينُهم.

فصلت 41:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ الصّاعِقَةُ: المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ والمَعْنى: أنْذَرْتُكم عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ. وإنَّما خَصَّ القَبِيلَتَيْنِ، لِأنَّ قُرَيْشًا يَمُرُّونَ عَلى قُرى القَوْمِ في أسْفارِهِمْ. ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: أتَتْ آباءَهم ومَن كانَ قَبْلَهم ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ أيْ: مِن خَلْفِ الآباءِ، وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا ﴿إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: لَوْ أرادَ دَعْوَةَ الخَلْقِ ﴿لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ الإيمانِ وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ. وكانَ هُودٌ قَدْ تَهَدَّدَهم بِالعَذابِ فَقالُوا: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ بِفَضْلِ قُوَّتِنا. والآياتُ هاهُنا: الحُجَجُ. وَفِي الرِّيحِ الصَّرْصَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها البارِدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: هي الرِّيحُ البارِدَةُ تُحْرِقُ كالنّارِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ جِدًّا؛ فالصَّرْصَرُ مُتَكَرِّرٌ فِيها البَرْدُ، كَما تَقُولُ: أقْلَلْتُ الشَّيْءَ وقَلْقَلْتُهُ، فَأقْلَلْتُهُ بِمَعْنى رَفَعْتُهُ، وقَلْقَلْتُهُ: كَرَّرْتُ رَفْعَهُ. (p-٢٤٨)والثّانِي: أنَّها الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: البارِدَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "نَحِساتٍ" بِإسْكانِ الحاءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِكَسْرِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ الحاءَ، فَواحِدُهُنَّ " نَحِسٌ "، ومَن أسْكَنَها، فَواحِدُهُنَّ "نَحْسٌ"؛ والمَعْنى: مَشْؤُوماتٌ. وَفِي أوَّلِ هَذِهِ الأيّامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يَوْمُ الجُمْعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ الأرْبِعاءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والخِزْيُ: الهَوانُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَيَّنّا لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ قَتادَةُ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ. والثّانِي: دَعَوْناهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٢٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ أيْ: ذِي الهَوانِ، وهو الَّذِي يُهِينُهم.

فصلت 41:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ الصّاعِقَةُ: المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ والمَعْنى: أنْذَرْتُكم عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ. وإنَّما خَصَّ القَبِيلَتَيْنِ، لِأنَّ قُرَيْشًا يَمُرُّونَ عَلى قُرى القَوْمِ في أسْفارِهِمْ. ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: أتَتْ آباءَهم ومَن كانَ قَبْلَهم ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ أيْ: مِن خَلْفِ الآباءِ، وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا ﴿إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: لَوْ أرادَ دَعْوَةَ الخَلْقِ ﴿لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ الإيمانِ وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ. وكانَ هُودٌ قَدْ تَهَدَّدَهم بِالعَذابِ فَقالُوا: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ بِفَضْلِ قُوَّتِنا. والآياتُ هاهُنا: الحُجَجُ. وَفِي الرِّيحِ الصَّرْصَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها البارِدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: هي الرِّيحُ البارِدَةُ تُحْرِقُ كالنّارِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ جِدًّا؛ فالصَّرْصَرُ مُتَكَرِّرٌ فِيها البَرْدُ، كَما تَقُولُ: أقْلَلْتُ الشَّيْءَ وقَلْقَلْتُهُ، فَأقْلَلْتُهُ بِمَعْنى رَفَعْتُهُ، وقَلْقَلْتُهُ: كَرَّرْتُ رَفْعَهُ. (p-٢٤٨)والثّانِي: أنَّها الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: البارِدَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "نَحِساتٍ" بِإسْكانِ الحاءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِكَسْرِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ الحاءَ، فَواحِدُهُنَّ " نَحِسٌ "، ومَن أسْكَنَها، فَواحِدُهُنَّ "نَحْسٌ"؛ والمَعْنى: مَشْؤُوماتٌ. وَفِي أوَّلِ هَذِهِ الأيّامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يَوْمُ الجُمْعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ الأرْبِعاءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والخِزْيُ: الهَوانُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَيَّنّا لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ قَتادَةُ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ. والثّانِي: دَعَوْناهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٢٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ أيْ: ذِي الهَوانِ، وهو الَّذِي يُهِينُهم.

فصلت 41:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ الصّاعِقَةُ: المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ والمَعْنى: أنْذَرْتُكم عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ. وإنَّما خَصَّ القَبِيلَتَيْنِ، لِأنَّ قُرَيْشًا يَمُرُّونَ عَلى قُرى القَوْمِ في أسْفارِهِمْ. ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: أتَتْ آباءَهم ومَن كانَ قَبْلَهم ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ أيْ: مِن خَلْفِ الآباءِ، وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا ﴿إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: لَوْ أرادَ دَعْوَةَ الخَلْقِ ﴿لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ الإيمانِ وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ. وكانَ هُودٌ قَدْ تَهَدَّدَهم بِالعَذابِ فَقالُوا: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ بِفَضْلِ قُوَّتِنا. والآياتُ هاهُنا: الحُجَجُ. وَفِي الرِّيحِ الصَّرْصَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها البارِدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: هي الرِّيحُ البارِدَةُ تُحْرِقُ كالنّارِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ جِدًّا؛ فالصَّرْصَرُ مُتَكَرِّرٌ فِيها البَرْدُ، كَما تَقُولُ: أقْلَلْتُ الشَّيْءَ وقَلْقَلْتُهُ، فَأقْلَلْتُهُ بِمَعْنى رَفَعْتُهُ، وقَلْقَلْتُهُ: كَرَّرْتُ رَفْعَهُ. (p-٢٤٨)والثّانِي: أنَّها الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: البارِدَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "نَحِساتٍ" بِإسْكانِ الحاءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِكَسْرِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ الحاءَ، فَواحِدُهُنَّ " نَحِسٌ "، ومَن أسْكَنَها، فَواحِدُهُنَّ "نَحْسٌ"؛ والمَعْنى: مَشْؤُوماتٌ. وَفِي أوَّلِ هَذِهِ الأيّامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يَوْمُ الجُمْعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّالِثُ: يَوْمُ الأرْبِعاءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والخِزْيُ: الهَوانُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَيَّنّا لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ قَتادَةُ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ. والثّانِي: دَعَوْناهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٢٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ أيْ: ذِي الهَوانِ، وهو الَّذِي يُهِينُهم.

فصلت 41:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: "نَحْشُرُ" بِالنُّونِ "أعْداءَ" بِالنَّصْبِ. (p-٢٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا. ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ يَعْنِي النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾، وفي المُرادِ بِالجُلُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: الأيْدِي والأرْجُلُ. والثّانِي: الفُرُوجُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الجُلُودُ نَفْسُها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أضْحَكُ؟" قالَ: قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: "مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يارَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يَقُولُ: بَلى، قالَ: فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي، قالَ: فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ، فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخْلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا نَطَقَ. وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ. وما بَعْدَهُ لَيْسَ مِن جَوابِ الجُلُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيٌ وخَتْناهُ ثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وخَتْناهُ قُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، (p-٢٥١)فَقالَ أحَدُهُمْ: أتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا؟! فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ، وإنْ لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ، وقالَ الآخَرُ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: "وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم. . . . " إلى قَوْلِهِ: "مِنَ الخاسِرِينَ" .» ومَعْنى "تَسْتَتِرُونَ": تَسْتَخْفُونَ "أنْ يَشْهَدَ" أيْ: مِن أنْ يَشْهَدَ "عَلَيْكم سَمْعُكُمْ" لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِخْفاءِ مِن جَوارِحِكُمْ، ولا تَظُنُّونَ أنَّها تَشْهَدُ ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا، ولَكِنَّهُ يَعْلَمُ ما يَظْهَرُ، ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما تَعْمَلُونَ، ﴿أرْداكُمْ﴾ أهْلَكَكم. ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى النّارِ، فَهي مَسْكَنُهُمْ، ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَسْألُوا أنْ يَرْجِعَ لَهم إلى ما يُحِبُّونَ، لَمْ يَرْجِعْ لَهُمْ، لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ (p-٢٥٢)ذَلِكَ. يُقالُ: أعْتَبَنِي فَلانٌ، أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ. واسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَعْتِبَ، أيْ: يَرْضى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: سَبَّبْنا لَهم قُرَناءَ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا لَهُمُ اللَّذّاتِ وجَمْعَ الأمْوالِ وتَرْكَ الإنْفاقِ في الخَيْرِ. والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ، عَلى عَكْسِ الأوَّلِ. والثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما فَعَلُوهُ، وما خَلْفَهُمْ: ما عَزَمُوا عَلى فِعْلِهِ. وباقِي الآيَةِ [قَدْ] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الإسْراءِ: ١٦، الأعْرافِ: ٣٨] .

فصلت 41:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: "نَحْشُرُ" بِالنُّونِ "أعْداءَ" بِالنَّصْبِ. (p-٢٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا. ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ يَعْنِي النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾، وفي المُرادِ بِالجُلُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: الأيْدِي والأرْجُلُ. والثّانِي: الفُرُوجُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الجُلُودُ نَفْسُها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أضْحَكُ؟" قالَ: قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: "مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يارَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يَقُولُ: بَلى، قالَ: فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي، قالَ: فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ، فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخْلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا نَطَقَ. وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ. وما بَعْدَهُ لَيْسَ مِن جَوابِ الجُلُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيٌ وخَتْناهُ ثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وخَتْناهُ قُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، (p-٢٥١)فَقالَ أحَدُهُمْ: أتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا؟! فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ، وإنْ لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ، وقالَ الآخَرُ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: "وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم. . . . " إلى قَوْلِهِ: "مِنَ الخاسِرِينَ" .» ومَعْنى "تَسْتَتِرُونَ": تَسْتَخْفُونَ "أنْ يَشْهَدَ" أيْ: مِن أنْ يَشْهَدَ "عَلَيْكم سَمْعُكُمْ" لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِخْفاءِ مِن جَوارِحِكُمْ، ولا تَظُنُّونَ أنَّها تَشْهَدُ ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا، ولَكِنَّهُ يَعْلَمُ ما يَظْهَرُ، ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما تَعْمَلُونَ، ﴿أرْداكُمْ﴾ أهْلَكَكم. ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى النّارِ، فَهي مَسْكَنُهُمْ، ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَسْألُوا أنْ يَرْجِعَ لَهم إلى ما يُحِبُّونَ، لَمْ يَرْجِعْ لَهُمْ، لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ (p-٢٥٢)ذَلِكَ. يُقالُ: أعْتَبَنِي فَلانٌ، أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ. واسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَعْتِبَ، أيْ: يَرْضى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: سَبَّبْنا لَهم قُرَناءَ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا لَهُمُ اللَّذّاتِ وجَمْعَ الأمْوالِ وتَرْكَ الإنْفاقِ في الخَيْرِ. والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ، عَلى عَكْسِ الأوَّلِ. والثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما فَعَلُوهُ، وما خَلْفَهُمْ: ما عَزَمُوا عَلى فِعْلِهِ. وباقِي الآيَةِ [قَدْ] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الإسْراءِ: ١٦، الأعْرافِ: ٣٨] .

فصلت 41:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: "نَحْشُرُ" بِالنُّونِ "أعْداءَ" بِالنَّصْبِ. (p-٢٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا. ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ يَعْنِي النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾، وفي المُرادِ بِالجُلُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: الأيْدِي والأرْجُلُ. والثّانِي: الفُرُوجُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الجُلُودُ نَفْسُها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أضْحَكُ؟" قالَ: قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: "مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يارَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يَقُولُ: بَلى، قالَ: فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي، قالَ: فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ، فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخْلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا نَطَقَ. وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ. وما بَعْدَهُ لَيْسَ مِن جَوابِ الجُلُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيٌ وخَتْناهُ ثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وخَتْناهُ قُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، (p-٢٥١)فَقالَ أحَدُهُمْ: أتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا؟! فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ، وإنْ لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ، وقالَ الآخَرُ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: "وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم. . . . " إلى قَوْلِهِ: "مِنَ الخاسِرِينَ" .» ومَعْنى "تَسْتَتِرُونَ": تَسْتَخْفُونَ "أنْ يَشْهَدَ" أيْ: مِن أنْ يَشْهَدَ "عَلَيْكم سَمْعُكُمْ" لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِخْفاءِ مِن جَوارِحِكُمْ، ولا تَظُنُّونَ أنَّها تَشْهَدُ ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا، ولَكِنَّهُ يَعْلَمُ ما يَظْهَرُ، ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما تَعْمَلُونَ، ﴿أرْداكُمْ﴾ أهْلَكَكم. ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى النّارِ، فَهي مَسْكَنُهُمْ، ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَسْألُوا أنْ يَرْجِعَ لَهم إلى ما يُحِبُّونَ، لَمْ يَرْجِعْ لَهُمْ، لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ (p-٢٥٢)ذَلِكَ. يُقالُ: أعْتَبَنِي فَلانٌ، أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ. واسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَعْتِبَ، أيْ: يَرْضى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: سَبَّبْنا لَهم قُرَناءَ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا لَهُمُ اللَّذّاتِ وجَمْعَ الأمْوالِ وتَرْكَ الإنْفاقِ في الخَيْرِ. والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ، عَلى عَكْسِ الأوَّلِ. والثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما فَعَلُوهُ، وما خَلْفَهُمْ: ما عَزَمُوا عَلى فِعْلِهِ. وباقِي الآيَةِ [قَدْ] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الإسْراءِ: ١٦، الأعْرافِ: ٣٨] .

فصلت 41:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: "نَحْشُرُ" بِالنُّونِ "أعْداءَ" بِالنَّصْبِ. (p-٢٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا. ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ يَعْنِي النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾، وفي المُرادِ بِالجُلُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: الأيْدِي والأرْجُلُ. والثّانِي: الفُرُوجُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الجُلُودُ نَفْسُها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أضْحَكُ؟" قالَ: قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: "مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يارَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يَقُولُ: بَلى، قالَ: فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي، قالَ: فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ، فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخْلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا نَطَقَ. وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ. وما بَعْدَهُ لَيْسَ مِن جَوابِ الجُلُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيٌ وخَتْناهُ ثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وخَتْناهُ قُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، (p-٢٥١)فَقالَ أحَدُهُمْ: أتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا؟! فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ، وإنْ لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ، وقالَ الآخَرُ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: "وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم. . . . " إلى قَوْلِهِ: "مِنَ الخاسِرِينَ" .» ومَعْنى "تَسْتَتِرُونَ": تَسْتَخْفُونَ "أنْ يَشْهَدَ" أيْ: مِن أنْ يَشْهَدَ "عَلَيْكم سَمْعُكُمْ" لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِخْفاءِ مِن جَوارِحِكُمْ، ولا تَظُنُّونَ أنَّها تَشْهَدُ ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا، ولَكِنَّهُ يَعْلَمُ ما يَظْهَرُ، ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما تَعْمَلُونَ، ﴿أرْداكُمْ﴾ أهْلَكَكم. ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى النّارِ، فَهي مَسْكَنُهُمْ، ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَسْألُوا أنْ يَرْجِعَ لَهم إلى ما يُحِبُّونَ، لَمْ يَرْجِعْ لَهُمْ، لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ (p-٢٥٢)ذَلِكَ. يُقالُ: أعْتَبَنِي فَلانٌ، أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ. واسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَعْتِبَ، أيْ: يَرْضى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: سَبَّبْنا لَهم قُرَناءَ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا لَهُمُ اللَّذّاتِ وجَمْعَ الأمْوالِ وتَرْكَ الإنْفاقِ في الخَيْرِ. والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ، عَلى عَكْسِ الأوَّلِ. والثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما فَعَلُوهُ، وما خَلْفَهُمْ: ما عَزَمُوا عَلى فِعْلِهِ. وباقِي الآيَةِ [قَدْ] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الإسْراءِ: ١٦، الأعْرافِ: ٣٨] .

فصلت 41:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: "نَحْشُرُ" بِالنُّونِ "أعْداءَ" بِالنَّصْبِ. (p-٢٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا. ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ يَعْنِي النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾، وفي المُرادِ بِالجُلُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: الأيْدِي والأرْجُلُ. والثّانِي: الفُرُوجُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الجُلُودُ نَفْسُها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أضْحَكُ؟" قالَ: قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: "مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يارَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يَقُولُ: بَلى، قالَ: فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي، قالَ: فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ، فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخْلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا نَطَقَ. وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ. وما بَعْدَهُ لَيْسَ مِن جَوابِ الجُلُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيٌ وخَتْناهُ ثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وخَتْناهُ قُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، (p-٢٥١)فَقالَ أحَدُهُمْ: أتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا؟! فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ، وإنْ لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ، وقالَ الآخَرُ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: "وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم. . . . " إلى قَوْلِهِ: "مِنَ الخاسِرِينَ" .» ومَعْنى "تَسْتَتِرُونَ": تَسْتَخْفُونَ "أنْ يَشْهَدَ" أيْ: مِن أنْ يَشْهَدَ "عَلَيْكم سَمْعُكُمْ" لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِخْفاءِ مِن جَوارِحِكُمْ، ولا تَظُنُّونَ أنَّها تَشْهَدُ ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا، ولَكِنَّهُ يَعْلَمُ ما يَظْهَرُ، ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما تَعْمَلُونَ، ﴿أرْداكُمْ﴾ أهْلَكَكم. ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى النّارِ، فَهي مَسْكَنُهُمْ، ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَسْألُوا أنْ يَرْجِعَ لَهم إلى ما يُحِبُّونَ، لَمْ يَرْجِعْ لَهُمْ، لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ (p-٢٥٢)ذَلِكَ. يُقالُ: أعْتَبَنِي فَلانٌ، أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ. واسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَعْتِبَ، أيْ: يَرْضى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: سَبَّبْنا لَهم قُرَناءَ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا لَهُمُ اللَّذّاتِ وجَمْعَ الأمْوالِ وتَرْكَ الإنْفاقِ في الخَيْرِ. والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ، عَلى عَكْسِ الأوَّلِ. والثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما فَعَلُوهُ، وما خَلْفَهُمْ: ما عَزَمُوا عَلى فِعْلِهِ. وباقِي الآيَةِ [قَدْ] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الإسْراءِ: ١٦، الأعْرافِ: ٣٨] .

فصلت 41:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: "نَحْشُرُ" بِالنُّونِ "أعْداءَ" بِالنَّصْبِ. (p-٢٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا. ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ يَعْنِي النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾، وفي المُرادِ بِالجُلُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: الأيْدِي والأرْجُلُ. والثّانِي: الفُرُوجُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الجُلُودُ نَفْسُها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أضْحَكُ؟" قالَ: قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: "مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يارَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يَقُولُ: بَلى، قالَ: فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي، قالَ: فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ، فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخْلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا نَطَقَ. وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ. وما بَعْدَهُ لَيْسَ مِن جَوابِ الجُلُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيٌ وخَتْناهُ ثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وخَتْناهُ قُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، (p-٢٥١)فَقالَ أحَدُهُمْ: أتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا؟! فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ، وإنْ لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ، وقالَ الآخَرُ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: "وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم. . . . " إلى قَوْلِهِ: "مِنَ الخاسِرِينَ" .» ومَعْنى "تَسْتَتِرُونَ": تَسْتَخْفُونَ "أنْ يَشْهَدَ" أيْ: مِن أنْ يَشْهَدَ "عَلَيْكم سَمْعُكُمْ" لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِخْفاءِ مِن جَوارِحِكُمْ، ولا تَظُنُّونَ أنَّها تَشْهَدُ ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا، ولَكِنَّهُ يَعْلَمُ ما يَظْهَرُ، ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما تَعْمَلُونَ، ﴿أرْداكُمْ﴾ أهْلَكَكم. ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى النّارِ، فَهي مَسْكَنُهُمْ، ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَسْألُوا أنْ يَرْجِعَ لَهم إلى ما يُحِبُّونَ، لَمْ يَرْجِعْ لَهُمْ، لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ (p-٢٥٢)ذَلِكَ. يُقالُ: أعْتَبَنِي فَلانٌ، أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ. واسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَعْتِبَ، أيْ: يَرْضى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: سَبَّبْنا لَهم قُرَناءَ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا لَهُمُ اللَّذّاتِ وجَمْعَ الأمْوالِ وتَرْكَ الإنْفاقِ في الخَيْرِ. والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ، عَلى عَكْسِ الأوَّلِ. والثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما فَعَلُوهُ، وما خَلْفَهُمْ: ما عَزَمُوا عَلى فِعْلِهِ. وباقِي الآيَةِ [قَدْ] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الإسْراءِ: ١٦، الأعْرافِ: ٣٨] .

فصلت 41:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: "نَحْشُرُ" بِالنُّونِ "أعْداءَ" بِالنَّصْبِ. (p-٢٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا. ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ يَعْنِي النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾، وفي المُرادِ بِالجُلُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: الأيْدِي والأرْجُلُ. والثّانِي: الفُرُوجُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الجُلُودُ نَفْسُها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أضْحَكُ؟" قالَ: قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: "مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يارَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يَقُولُ: بَلى، قالَ: فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي، قالَ: فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ، فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخْلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا نَطَقَ. وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ. وما بَعْدَهُ لَيْسَ مِن جَوابِ الجُلُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيٌ وخَتْناهُ ثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وخَتْناهُ قُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، (p-٢٥١)فَقالَ أحَدُهُمْ: أتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا؟! فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ، وإنْ لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ، وقالَ الآخَرُ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: "وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم. . . . " إلى قَوْلِهِ: "مِنَ الخاسِرِينَ" .» ومَعْنى "تَسْتَتِرُونَ": تَسْتَخْفُونَ "أنْ يَشْهَدَ" أيْ: مِن أنْ يَشْهَدَ "عَلَيْكم سَمْعُكُمْ" لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِخْفاءِ مِن جَوارِحِكُمْ، ولا تَظُنُّونَ أنَّها تَشْهَدُ ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا، ولَكِنَّهُ يَعْلَمُ ما يَظْهَرُ، ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما تَعْمَلُونَ، ﴿أرْداكُمْ﴾ أهْلَكَكم. ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى النّارِ، فَهي مَسْكَنُهُمْ، ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَسْألُوا أنْ يَرْجِعَ لَهم إلى ما يُحِبُّونَ، لَمْ يَرْجِعْ لَهُمْ، لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ (p-٢٥٢)ذَلِكَ. يُقالُ: أعْتَبَنِي فَلانٌ، أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ. واسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَعْتِبَ، أيْ: يَرْضى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: سَبَّبْنا لَهم قُرَناءَ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا لَهُمُ اللَّذّاتِ وجَمْعَ الأمْوالِ وتَرْكَ الإنْفاقِ في الخَيْرِ. والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: مِن أمْرِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهُمْ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ، عَلى عَكْسِ الأوَّلِ. والثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما فَعَلُوهُ، وما خَلْفَهُمْ: ما عَزَمُوا عَلى فِعْلِهِ. وباقِي الآيَةِ [قَدْ] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الإسْراءِ: ١٦، الأعْرافِ: ٣٨] .

فصلت 41:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: لا تَسْمَعُوهُ ﴿والغَوْا فِيهِ﴾ أيْ: عارِضُوهُ بِاللَّغْوِ، وهو الكَلامُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ. وكانَ الكُفّارُ يُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا: إذا سَمِعْتُمُ القُرْآنَ مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ فارْفَعُوا أصْواتَكم حَتّى تُلَبِّسُوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: والغَوا فِيهِ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والتَّخْلِيطِ مِنَ القَوْلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا قَرَأ ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ فَيَسْكُتُونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي العَذابَ المَذْكُورَ. وقَوْلُهُ: ﴿النّارُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَزاءِ ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ أيْ: دارُ الإقامَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: النّارُ (p-٢٥٣)هِيَ الدّارُ، ولَكِنَّهُ كَما تَقُولُ: لَكَ في هَذِهِ الدّارِ دارُ السُّرُورِ، وأنْتَ تَعْنِي الدّارَ بِعَيْنِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويَسْألُها يَأْبى الظُّلامَةَ مِنهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ

فصلت 41:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: لا تَسْمَعُوهُ ﴿والغَوْا فِيهِ﴾ أيْ: عارِضُوهُ بِاللَّغْوِ، وهو الكَلامُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ. وكانَ الكُفّارُ يُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا: إذا سَمِعْتُمُ القُرْآنَ مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ فارْفَعُوا أصْواتَكم حَتّى تُلَبِّسُوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: والغَوا فِيهِ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والتَّخْلِيطِ مِنَ القَوْلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا قَرَأ ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ فَيَسْكُتُونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي العَذابَ المَذْكُورَ. وقَوْلُهُ: ﴿النّارُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَزاءِ ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ أيْ: دارُ الإقامَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: النّارُ (p-٢٥٣)هِيَ الدّارُ، ولَكِنَّهُ كَما تَقُولُ: لَكَ في هَذِهِ الدّارِ دارُ السُّرُورِ، وأنْتَ تَعْنِي الدّارَ بِعَيْنِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويَسْألُها يَأْبى الظُّلامَةَ مِنهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ

فصلت 41:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: لا تَسْمَعُوهُ ﴿والغَوْا فِيهِ﴾ أيْ: عارِضُوهُ بِاللَّغْوِ، وهو الكَلامُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ. وكانَ الكُفّارُ يُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا: إذا سَمِعْتُمُ القُرْآنَ مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ فارْفَعُوا أصْواتَكم حَتّى تُلَبِّسُوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: والغَوا فِيهِ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والتَّخْلِيطِ مِنَ القَوْلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا قَرَأ ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ فَيَسْكُتُونَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي العَذابَ المَذْكُورَ. وقَوْلُهُ: ﴿النّارُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَزاءِ ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ أيْ: دارُ الإقامَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: النّارُ (p-٢٥٣)هِيَ الدّارُ، ولَكِنَّهُ كَما تَقُولُ: لَكَ في هَذِهِ الدّارِ دارُ السُّرُورِ، وأنْتَ تَعْنِي الدّارَ بِعَيْنِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويَسْألُها يَأْبى الظُّلامَةَ مِنهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ

فصلت 41:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمّا دَخَلُوا النّارَ ﴿رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أرْنا" بِسُكُونِ الرّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنُونَ إبْلِيسَ وقابِيلَ، لِأنَّهُما سَنّا المَعْصِيَةَ، ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ أيْ: في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وهو أشَدُّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [أيْ: وحَّدُوهُ] ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢٥٤)أحَدُها: اسْتَقامُوا عَلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّالِثُ: عَلى الإخْلاصِ والعَمَلِ إلى المَوْتِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ. وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ اليَهُودُ: رَبُّنا اللَّهُ، وعُزَيْرٌ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ النَّصارى: رَبُّنا اللَّهُ، والمَسِيحُ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ أبُو بَكْرٍ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، ومُحَمَّدٌ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فاسْتَقامَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَخافُوا. وفي وقْتِ نُزُولِها عَلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا في مَعْنى "لا تَخافُوا" قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا تَخافُوا المَوْتَ، ولا تَحْزَنُوا عَلى أوْلادِكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: لا تَخافُوا ما أمامَكُمْ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلْفَكُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ إذا قامُوا مِنَ القُبُورِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى "لا تَخافُوا": أنَّهم يُبَشِّرُونَهم بِزَوالِ الخَوْفِ والحُزْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. (p-٢٥٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُمْ، والمَعْنى: نَحْنُ [الَّذِينَ] كُنّا نَتَوَلّاكم في الدُّنْيا، لِأنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ وتُحِبُّهم لِما تَرى مِن أعْمالِهِمُ المَرْفُوعَةِ إلى السَّماءِ، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ أيْ: ونَحْنُ مَعَكم في الآخِرَةِ لا نُفارِقُكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الحَفَظَةُ عَلى ابْنِ آدَمَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَأْتُونَ لِقَبْضِ الأرْواحِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ. ﴿نُزُلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أبْشِرُوا بِالجَنَّةِ تَنْزِلُونَها [نُزُلًا] . وقالَ الأخْفَشُ: لَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم أنْزَلْناهُ نُزُلًا.

فصلت 41:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمّا دَخَلُوا النّارَ ﴿رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أرْنا" بِسُكُونِ الرّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنُونَ إبْلِيسَ وقابِيلَ، لِأنَّهُما سَنّا المَعْصِيَةَ، ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ أيْ: في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وهو أشَدُّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [أيْ: وحَّدُوهُ] ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢٥٤)أحَدُها: اسْتَقامُوا عَلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّالِثُ: عَلى الإخْلاصِ والعَمَلِ إلى المَوْتِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ. وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ اليَهُودُ: رَبُّنا اللَّهُ، وعُزَيْرٌ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ النَّصارى: رَبُّنا اللَّهُ، والمَسِيحُ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ أبُو بَكْرٍ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، ومُحَمَّدٌ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فاسْتَقامَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَخافُوا. وفي وقْتِ نُزُولِها عَلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا في مَعْنى "لا تَخافُوا" قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا تَخافُوا المَوْتَ، ولا تَحْزَنُوا عَلى أوْلادِكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: لا تَخافُوا ما أمامَكُمْ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلْفَكُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ إذا قامُوا مِنَ القُبُورِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى "لا تَخافُوا": أنَّهم يُبَشِّرُونَهم بِزَوالِ الخَوْفِ والحُزْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. (p-٢٥٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُمْ، والمَعْنى: نَحْنُ [الَّذِينَ] كُنّا نَتَوَلّاكم في الدُّنْيا، لِأنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ وتُحِبُّهم لِما تَرى مِن أعْمالِهِمُ المَرْفُوعَةِ إلى السَّماءِ، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ أيْ: ونَحْنُ مَعَكم في الآخِرَةِ لا نُفارِقُكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الحَفَظَةُ عَلى ابْنِ آدَمَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَأْتُونَ لِقَبْضِ الأرْواحِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ. ﴿نُزُلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أبْشِرُوا بِالجَنَّةِ تَنْزِلُونَها [نُزُلًا] . وقالَ الأخْفَشُ: لَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم أنْزَلْناهُ نُزُلًا.

فصلت 41:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمّا دَخَلُوا النّارَ ﴿رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أرْنا" بِسُكُونِ الرّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنُونَ إبْلِيسَ وقابِيلَ، لِأنَّهُما سَنّا المَعْصِيَةَ، ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ أيْ: في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وهو أشَدُّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [أيْ: وحَّدُوهُ] ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢٥٤)أحَدُها: اسْتَقامُوا عَلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّالِثُ: عَلى الإخْلاصِ والعَمَلِ إلى المَوْتِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ. وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ اليَهُودُ: رَبُّنا اللَّهُ، وعُزَيْرٌ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ النَّصارى: رَبُّنا اللَّهُ، والمَسِيحُ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ أبُو بَكْرٍ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، ومُحَمَّدٌ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فاسْتَقامَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَخافُوا. وفي وقْتِ نُزُولِها عَلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا في مَعْنى "لا تَخافُوا" قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا تَخافُوا المَوْتَ، ولا تَحْزَنُوا عَلى أوْلادِكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: لا تَخافُوا ما أمامَكُمْ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلْفَكُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ إذا قامُوا مِنَ القُبُورِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى "لا تَخافُوا": أنَّهم يُبَشِّرُونَهم بِزَوالِ الخَوْفِ والحُزْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. (p-٢٥٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُمْ، والمَعْنى: نَحْنُ [الَّذِينَ] كُنّا نَتَوَلّاكم في الدُّنْيا، لِأنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ وتُحِبُّهم لِما تَرى مِن أعْمالِهِمُ المَرْفُوعَةِ إلى السَّماءِ، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ أيْ: ونَحْنُ مَعَكم في الآخِرَةِ لا نُفارِقُكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الحَفَظَةُ عَلى ابْنِ آدَمَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَأْتُونَ لِقَبْضِ الأرْواحِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ. ﴿نُزُلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أبْشِرُوا بِالجَنَّةِ تَنْزِلُونَها [نُزُلًا] . وقالَ الأخْفَشُ: لَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم أنْزَلْناهُ نُزُلًا.

فصلت 41:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمّا دَخَلُوا النّارَ ﴿رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أرْنا" بِسُكُونِ الرّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنُونَ إبْلِيسَ وقابِيلَ، لِأنَّهُما سَنّا المَعْصِيَةَ، ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ أيْ: في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وهو أشَدُّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [أيْ: وحَّدُوهُ] ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢٥٤)أحَدُها: اسْتَقامُوا عَلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّالِثُ: عَلى الإخْلاصِ والعَمَلِ إلى المَوْتِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ. وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ اليَهُودُ: رَبُّنا اللَّهُ، وعُزَيْرٌ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ النَّصارى: رَبُّنا اللَّهُ، والمَسِيحُ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ أبُو بَكْرٍ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، ومُحَمَّدٌ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فاسْتَقامَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَخافُوا. وفي وقْتِ نُزُولِها عَلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا في مَعْنى "لا تَخافُوا" قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا تَخافُوا المَوْتَ، ولا تَحْزَنُوا عَلى أوْلادِكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: لا تَخافُوا ما أمامَكُمْ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلْفَكُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ إذا قامُوا مِنَ القُبُورِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى "لا تَخافُوا": أنَّهم يُبَشِّرُونَهم بِزَوالِ الخَوْفِ والحُزْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. (p-٢٥٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُمْ، والمَعْنى: نَحْنُ [الَّذِينَ] كُنّا نَتَوَلّاكم في الدُّنْيا، لِأنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ وتُحِبُّهم لِما تَرى مِن أعْمالِهِمُ المَرْفُوعَةِ إلى السَّماءِ، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ أيْ: ونَحْنُ مَعَكم في الآخِرَةِ لا نُفارِقُكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الحَفَظَةُ عَلى ابْنِ آدَمَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَأْتُونَ لِقَبْضِ الأرْواحِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ. ﴿نُزُلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أبْشِرُوا بِالجَنَّةِ تَنْزِلُونَها [نُزُلًا] . وقالَ الأخْفَشُ: لَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم أنْزَلْناهُ نُزُلًا.

فصلت 41:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُؤَذِّنُونَ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ في المُؤَذِّنِينَ"،» وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ. (p-٢٥٧)والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ أجابَ اللَّهَ إلى ما دَعاهُ، ودَعا النّاسَ إلى ذَلِكَ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ في إجابَتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: صَلّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الأذانِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ. ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ قالَ: الأذانُ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ قالَ: الصَّلاةُ بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ. والثّانِي: أدّى الفَرائِضَ وقامَ لِلَّهِ بِالحُقُوقِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: صامَ وصَلّى، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "لا" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ والمَعْنى: ولا تَسْتَوِي [الحَسَنَةُ] والسَّيِّئَةُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِما ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ: الإيمانُ، والسَّيِّئَةَ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٢٥٨)والثّانِي: الحِلْمُ والفُحْشُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: النُّفُورُ والصَّبْرُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وذَلِكَ كَدَفْعِ الغَضَبِ بِالصَّبْرِ، والإساءَةِ بِالعَفْوِ، فَإذا فَعْلْتَ ذَلِكَ صارَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كالصَّدِيقِ القَرِيبِ. وقالَ عَطاءٌ: هو السَّلامُ عَلى مَن تُعادِيهِ إذا لَقِيتَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُلَقّاها﴾ أيْ: ما يُعْطاها. قالَ الزَّجّاجُ: ما يُلَقّى هَذِهِ الفَعْلَةَ: وهي دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى كَظْمِ الغَيْظِ ﴿وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ مِنَ الخَيْرِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إلّا ذُو جَدٍّ. وقالَ قَتادَةُ: الحَظُّ العَظِيمُ: الجَنَّةُ؛ فالمَعْنى: ما يُلَقّاها إلّا مَن وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [الأعْرافِ: ٢٠٠] .

فصلت 41:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُؤَذِّنُونَ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ في المُؤَذِّنِينَ"،» وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ. (p-٢٥٧)والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ أجابَ اللَّهَ إلى ما دَعاهُ، ودَعا النّاسَ إلى ذَلِكَ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ في إجابَتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: صَلّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الأذانِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ. ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ قالَ: الأذانُ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ قالَ: الصَّلاةُ بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ. والثّانِي: أدّى الفَرائِضَ وقامَ لِلَّهِ بِالحُقُوقِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: صامَ وصَلّى، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "لا" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ والمَعْنى: ولا تَسْتَوِي [الحَسَنَةُ] والسَّيِّئَةُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِما ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ: الإيمانُ، والسَّيِّئَةَ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٢٥٨)والثّانِي: الحِلْمُ والفُحْشُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: النُّفُورُ والصَّبْرُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وذَلِكَ كَدَفْعِ الغَضَبِ بِالصَّبْرِ، والإساءَةِ بِالعَفْوِ، فَإذا فَعْلْتَ ذَلِكَ صارَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كالصَّدِيقِ القَرِيبِ. وقالَ عَطاءٌ: هو السَّلامُ عَلى مَن تُعادِيهِ إذا لَقِيتَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُلَقّاها﴾ أيْ: ما يُعْطاها. قالَ الزَّجّاجُ: ما يُلَقّى هَذِهِ الفَعْلَةَ: وهي دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى كَظْمِ الغَيْظِ ﴿وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ مِنَ الخَيْرِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إلّا ذُو جَدٍّ. وقالَ قَتادَةُ: الحَظُّ العَظِيمُ: الجَنَّةُ؛ فالمَعْنى: ما يُلَقّاها إلّا مَن وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [الأعْرافِ: ٢٠٠] .

فصلت 41:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُؤَذِّنُونَ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ في المُؤَذِّنِينَ"،» وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ. (p-٢٥٧)والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ أجابَ اللَّهَ إلى ما دَعاهُ، ودَعا النّاسَ إلى ذَلِكَ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ في إجابَتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: صَلّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الأذانِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ. ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ قالَ: الأذانُ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ قالَ: الصَّلاةُ بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ. والثّانِي: أدّى الفَرائِضَ وقامَ لِلَّهِ بِالحُقُوقِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: صامَ وصَلّى، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "لا" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ والمَعْنى: ولا تَسْتَوِي [الحَسَنَةُ] والسَّيِّئَةُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِما ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ: الإيمانُ، والسَّيِّئَةَ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٢٥٨)والثّانِي: الحِلْمُ والفُحْشُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: النُّفُورُ والصَّبْرُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وذَلِكَ كَدَفْعِ الغَضَبِ بِالصَّبْرِ، والإساءَةِ بِالعَفْوِ، فَإذا فَعْلْتَ ذَلِكَ صارَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كالصَّدِيقِ القَرِيبِ. وقالَ عَطاءٌ: هو السَّلامُ عَلى مَن تُعادِيهِ إذا لَقِيتَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُلَقّاها﴾ أيْ: ما يُعْطاها. قالَ الزَّجّاجُ: ما يُلَقّى هَذِهِ الفَعْلَةَ: وهي دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى كَظْمِ الغَيْظِ ﴿وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ مِنَ الخَيْرِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إلّا ذُو جَدٍّ. وقالَ قَتادَةُ: الحَظُّ العَظِيمُ: الجَنَّةُ؛ فالمَعْنى: ما يُلَقّاها إلّا مَن وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [الأعْرافِ: ٢٠٠] .

فصلت 41:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُؤَذِّنُونَ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ في المُؤَذِّنِينَ"،» وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ. (p-٢٥٧)والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ أجابَ اللَّهَ إلى ما دَعاهُ، ودَعا النّاسَ إلى ذَلِكَ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ في إجابَتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: صَلّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الأذانِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ. ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ قالَ: الأذانُ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ قالَ: الصَّلاةُ بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ. والثّانِي: أدّى الفَرائِضَ وقامَ لِلَّهِ بِالحُقُوقِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: صامَ وصَلّى، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "لا" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ والمَعْنى: ولا تَسْتَوِي [الحَسَنَةُ] والسَّيِّئَةُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِما ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ: الإيمانُ، والسَّيِّئَةَ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٢٥٨)والثّانِي: الحِلْمُ والفُحْشُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: النُّفُورُ والصَّبْرُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وذَلِكَ كَدَفْعِ الغَضَبِ بِالصَّبْرِ، والإساءَةِ بِالعَفْوِ، فَإذا فَعْلْتَ ذَلِكَ صارَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كالصَّدِيقِ القَرِيبِ. وقالَ عَطاءٌ: هو السَّلامُ عَلى مَن تُعادِيهِ إذا لَقِيتَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُلَقّاها﴾ أيْ: ما يُعْطاها. قالَ الزَّجّاجُ: ما يُلَقّى هَذِهِ الفَعْلَةَ: وهي دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى كَظْمِ الغَيْظِ ﴿وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ مِنَ الخَيْرِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إلّا ذُو جَدٍّ. وقالَ قَتادَةُ: الحَظُّ العَظِيمُ: الجَنَّةُ؛ فالمَعْنى: ما يُلَقّاها إلّا مَن وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [الأعْرافِ: ٢٠٠] .

فصلت 41:37

(p-٢٥٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ [أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ التَّوْحِيدِ والعِبادَةِ] ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ أيْ: يُصَلُّونَ. و "يَسْأمُونَ" بِمَعْنى يَمَلُّونَ. وَفِي مَوْضِعِ السَّجْدَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "يَسْأمُونَ"، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٌ، وقَتادَةُ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، لِأنَّهُ تَمامُ الكَلامِ. والثّانِي: [أنَّهُ] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، رُوِيَ عَنْ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. (p-٢٦٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ قالَ قَتادَةُ: غَبْراءَ مُتَهَشِّمَةً. قالَ الأزْهَرِيُّ: إذا يَبِسَتِ الأرْضُ ولَمْ تُمْطِرْ، قِيلَ: خَشَعَتْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أيْ: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ ﴿وَرَبَتْ﴾ أيْ: عَلَتْ، لِأنَّ النَّبْتَ إذا أرادَ أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا [الحَجِّ: ٥] .

فصلت 41:38

(p-٢٥٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ [أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ التَّوْحِيدِ والعِبادَةِ] ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ أيْ: يُصَلُّونَ. و "يَسْأمُونَ" بِمَعْنى يَمَلُّونَ. وَفِي مَوْضِعِ السَّجْدَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "يَسْأمُونَ"، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٌ، وقَتادَةُ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، لِأنَّهُ تَمامُ الكَلامِ. والثّانِي: [أنَّهُ] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، رُوِيَ عَنْ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. (p-٢٦٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ قالَ قَتادَةُ: غَبْراءَ مُتَهَشِّمَةً. قالَ الأزْهَرِيُّ: إذا يَبِسَتِ الأرْضُ ولَمْ تُمْطِرْ، قِيلَ: خَشَعَتْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أيْ: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ ﴿وَرَبَتْ﴾ أيْ: عَلَتْ، لِأنَّ النَّبْتَ إذا أرادَ أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا [الحَجِّ: ٥] .

فصلت 41:39

(p-٢٥٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ [أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ التَّوْحِيدِ والعِبادَةِ] ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ أيْ: يُصَلُّونَ. و "يَسْأمُونَ" بِمَعْنى يَمَلُّونَ. وَفِي مَوْضِعِ السَّجْدَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "يَسْأمُونَ"، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٌ، وقَتادَةُ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، لِأنَّهُ تَمامُ الكَلامِ. والثّانِي: [أنَّهُ] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، رُوِيَ عَنْ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. (p-٢٦٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ قالَ قَتادَةُ: غَبْراءَ مُتَهَشِّمَةً. قالَ الأزْهَرِيُّ: إذا يَبِسَتِ الأرْضُ ولَمْ تُمْطِرْ، قِيلَ: خَشَعَتْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أيْ: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ ﴿وَرَبَتْ﴾ أيْ: عَلَتْ، لِأنَّ النَّبْتَ إذا أرادَ أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا [الحَجِّ: ٥] .

فصلت 41:40

(p-٢٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الإلْحادِ في [النَّحْلِ: ١٠٣]؛ وفي المُرادِ بِهِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ وضَعَ الكَلامَ عَلى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ المُكاءُ والصَّفِيرُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: أنَّهُ المُعانَدَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والخامِسُ: أنَّهُ المَيْلُ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ هَذا وعِيدٌ بِالجَزاءِ ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وهَذا عامٌّ، غَيْرَ أنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا فِيمَن أُرِيدُ بِهِ سَبْعَةَ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أبُو جَهْلٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: أبُو جَهْلٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أبُو جَهْلٍ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ. والخامِسُ: أبُو جَهْلٍ وحَمْزَةُ، حَكاهُ الواحِدِيُّ. والسّادِسُ: أبُو جَهْلٍ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. والسّابِعُ: الكافِرُ والمُؤْمِنُ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. (p-٢٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ ثُمَّ أخَذَ في وصْفِ الذِّكْرِ؛ وتَرَكَ جَوابَ "إنَّ"، وفي جَوابِها هاهُنا قَوْلانِ. [أحَدُهُما]: أنَّهُ "أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ"، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ مَتْرُوكٌ، وفي تَقْدِيرِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم كَفَرُوا بِهِ. والثّانِي: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُجازَوْنَ بِكُفْرِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: مَنِيعٌ مِنَ الشَّيْطانِ لا يَجِدُ إلَيْهِ سَبِيلًا، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: مَنِيعٌ مِنَ الباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: يَمْتَنِعُ عَلى النّاسِ أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: التَّكْذِيبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: الشَّيْطانُ. والثّالِثُ: التَّبْدِيلُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ. قالَ قَتادَةُ: لا يَسْتَطِيعُ إبْلِيسُ أنْ يَنْقُصَ مِنهُ حَقًّا، ولا يَزِيدَ فِيهِ باطِلًا. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُ فِيهِ مالَيْسَ مِنهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَيْنَ يَدَيْ تَنْزِيلِهِ، وبَعْدَ نُزُولِهِ. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ، ولا يَأْتِي بَعْدَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ. والثّالِثُ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ في إخْبارِهِ عَمّا تَقَدَّمَ، ولا في إخْبارِهِ عَمّا تَأخَّرَ.

فصلت 41:41

(p-٢٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الإلْحادِ في [النَّحْلِ: ١٠٣]؛ وفي المُرادِ بِهِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ وضَعَ الكَلامَ عَلى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ المُكاءُ والصَّفِيرُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: أنَّهُ المُعانَدَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والخامِسُ: أنَّهُ المَيْلُ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ هَذا وعِيدٌ بِالجَزاءِ ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وهَذا عامٌّ، غَيْرَ أنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا فِيمَن أُرِيدُ بِهِ سَبْعَةَ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أبُو جَهْلٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: أبُو جَهْلٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أبُو جَهْلٍ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ. والخامِسُ: أبُو جَهْلٍ وحَمْزَةُ، حَكاهُ الواحِدِيُّ. والسّادِسُ: أبُو جَهْلٍ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. والسّابِعُ: الكافِرُ والمُؤْمِنُ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. (p-٢٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ ثُمَّ أخَذَ في وصْفِ الذِّكْرِ؛ وتَرَكَ جَوابَ "إنَّ"، وفي جَوابِها هاهُنا قَوْلانِ. [أحَدُهُما]: أنَّهُ "أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ"، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ مَتْرُوكٌ، وفي تَقْدِيرِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم كَفَرُوا بِهِ. والثّانِي: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُجازَوْنَ بِكُفْرِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: مَنِيعٌ مِنَ الشَّيْطانِ لا يَجِدُ إلَيْهِ سَبِيلًا، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: مَنِيعٌ مِنَ الباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: يَمْتَنِعُ عَلى النّاسِ أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: التَّكْذِيبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: الشَّيْطانُ. والثّالِثُ: التَّبْدِيلُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ. قالَ قَتادَةُ: لا يَسْتَطِيعُ إبْلِيسُ أنْ يَنْقُصَ مِنهُ حَقًّا، ولا يَزِيدَ فِيهِ باطِلًا. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُ فِيهِ مالَيْسَ مِنهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَيْنَ يَدَيْ تَنْزِيلِهِ، وبَعْدَ نُزُولِهِ. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ، ولا يَأْتِي بَعْدَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ. والثّالِثُ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ في إخْبارِهِ عَمّا تَقَدَّمَ، ولا في إخْبارِهِ عَمّا تَأخَّرَ.

فصلت 41:42

(p-٢٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الإلْحادِ في [النَّحْلِ: ١٠٣]؛ وفي المُرادِ بِهِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ وضَعَ الكَلامَ عَلى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ المُكاءُ والصَّفِيرُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: أنَّهُ المُعانَدَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والخامِسُ: أنَّهُ المَيْلُ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ هَذا وعِيدٌ بِالجَزاءِ ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وهَذا عامٌّ، غَيْرَ أنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا فِيمَن أُرِيدُ بِهِ سَبْعَةَ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أبُو جَهْلٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: أبُو جَهْلٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أبُو جَهْلٍ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ. والخامِسُ: أبُو جَهْلٍ وحَمْزَةُ، حَكاهُ الواحِدِيُّ. والسّادِسُ: أبُو جَهْلٍ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. والسّابِعُ: الكافِرُ والمُؤْمِنُ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. (p-٢٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ ثُمَّ أخَذَ في وصْفِ الذِّكْرِ؛ وتَرَكَ جَوابَ "إنَّ"، وفي جَوابِها هاهُنا قَوْلانِ. [أحَدُهُما]: أنَّهُ "أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ"، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّهُ مَتْرُوكٌ، وفي تَقْدِيرِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم كَفَرُوا بِهِ. والثّانِي: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُجازَوْنَ بِكُفْرِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: مَنِيعٌ مِنَ الشَّيْطانِ لا يَجِدُ إلَيْهِ سَبِيلًا، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: مَنِيعٌ مِنَ الباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: يَمْتَنِعُ عَلى النّاسِ أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: التَّكْذِيبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: الشَّيْطانُ. والثّالِثُ: التَّبْدِيلُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ. قالَ قَتادَةُ: لا يَسْتَطِيعُ إبْلِيسُ أنْ يَنْقُصَ مِنهُ حَقًّا، ولا يَزِيدَ فِيهِ باطِلًا. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُ فِيهِ مالَيْسَ مِنهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَيْنَ يَدَيْ تَنْزِيلِهِ، وبَعْدَ نُزُولِهِ. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ، ولا يَأْتِي بَعْدَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ. والثّالِثُ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ في إخْبارِهِ عَمّا تَقَدَّمَ، ولا في إخْبارِهِ عَمّا تَأخَّرَ.

فصلت 41:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيمَن أُرْسِلَ قَبْلَكَ: ساحِرٌ وكاهِنٌ ومَجْنُونٌ، وكُذِّبُوا كَما كُذِّبْتَ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ. والثّانِي: ما تُخْبَرُ إلّا بِما أُخْبِرَ الأنْبِياءُ قَبْلَكَ مِن أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، وأنَّهُ ذُو عِقابٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ﴾ يَعْنِي الكِتابَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ أيْ: بِغَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ ﴿لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ: هَلّا بُيِّنَتْ آياتُهُ بِالعَرَبِيَّةِ حَتّى نَفْهَمَهُ؟! ﴿أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "آعْجَمِيٌّ" [بِهَمْزَةٍ] مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أأعْجَمِيٌّ" بِهَمْزَتَيْنِ، والمَعْنى: أكِتابٌ أعْجَمِيٌّ ونَبِيٌّ عَرَبِيٌّ؟! وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ أيْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أشَدَّ لِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿قُلْ هُوَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ ﴿وَشِفاءٌ﴾ لِلشُّكُوكِ والأوْجاعِ. و "الوَقْرُ": الصَّمَمُ؛ فَهم في تَرْكِ القَبُولِ بِمَنزِلَةِ مَن في أُذُنِهِ صَمَمٌ. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ أيْ: ذُو عَمى. قالَ قَتادَةُ: صَمُّوا عَنِ القُرْآنِ وعَمُوا عَنْهُ ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: إنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ كالَّذِي يُنادى مِن بَعِيدٍ.

فصلت 41:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيمَن أُرْسِلَ قَبْلَكَ: ساحِرٌ وكاهِنٌ ومَجْنُونٌ، وكُذِّبُوا كَما كُذِّبْتَ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ. والثّانِي: ما تُخْبَرُ إلّا بِما أُخْبِرَ الأنْبِياءُ قَبْلَكَ مِن أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، وأنَّهُ ذُو عِقابٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ﴾ يَعْنِي الكِتابَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ أيْ: بِغَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ ﴿لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ: هَلّا بُيِّنَتْ آياتُهُ بِالعَرَبِيَّةِ حَتّى نَفْهَمَهُ؟! ﴿أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "آعْجَمِيٌّ" [بِهَمْزَةٍ] مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أأعْجَمِيٌّ" بِهَمْزَتَيْنِ، والمَعْنى: أكِتابٌ أعْجَمِيٌّ ونَبِيٌّ عَرَبِيٌّ؟! وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ أيْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أشَدَّ لِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿قُلْ هُوَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ ﴿وَشِفاءٌ﴾ لِلشُّكُوكِ والأوْجاعِ. و "الوَقْرُ": الصَّمَمُ؛ فَهم في تَرْكِ القَبُولِ بِمَنزِلَةِ مَن في أُذُنِهِ صَمَمٌ. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ أيْ: ذُو عَمى. قالَ قَتادَةُ: صَمُّوا عَنِ القُرْآنِ وعَمُوا عَنْهُ ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: إنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ كالَّذِي يُنادى مِن بَعِيدٍ.

فصلت 41:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمَعْنى: كَما آمَنَ بِكِتابِكَ قَوْمٌ وكَذَّبَ بِهِ قَوْمٌ، فَكَذَلِكَ كِتابُ مُوسى، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في تَأْخِيرِ العَذابِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو القِيامَةُ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِالعَذابِ الواقِعِ بِالمُكَذِّبِينَ ﴿وَإنَّهم لَفي شَكٍّ﴾ مِن صِدْقِكَ وكِتابِكَ، ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٌ لَهُمُ الرِّيبَةَ.

فصلت 41:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمَعْنى: كَما آمَنَ بِكِتابِكَ قَوْمٌ وكَذَّبَ بِهِ قَوْمٌ، فَكَذَلِكَ كِتابُ مُوسى، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في تَأْخِيرِ العَذابِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو القِيامَةُ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِالعَذابِ الواقِعِ بِالمُكَذِّبِينَ ﴿وَإنَّهم لَفي شَكٍّ﴾ مِن صِدْقِكَ وكِتابِكَ، ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٌ لَهُمُ الرِّيبَةَ.

فصلت 41:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: أخْبِرْنا عَنِ السّاعَةِ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. ومَعْنى الآيَةِ: لا يَعْلَمُ قِيامَها إلّا هُوَ، فَإذا سُئِلَ عَنْها فَعِلْمُها مَرْدُودٌ إلَيْهِ. ( وما تَخْرُجُ مِن ثَمَرَة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-٢٦٥)وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "مِن ثَمَرَةٍ" . وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: "مِن ثَمَراتٍ" عَلى الجَمْعِ ﴿مِن أكْمامِها﴾ أيْ: أوْعِيَتِها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِنَ المَواضِعِ الَّتِي كانَتْ فِيها مُسْتَتِرَةً، وغِلافُ كُلِّ شَيْءٍ: كُمُّهُ، وإنَّما قِيلَ: كُمُّ القَمِيصِ، مِن هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: الأكْمامُ: ما غَطّى، وكُلُّ شَجَرَةٍ تُخْرِجُ ماهُو مُكَمَّمٌ فَهي ذاتُ أكْمامٍ، وأكْمامُ النَّخْلَةِ: ما غَطّى، جِمارَها مِنَ السَّعَفِ واللِّيفِ والجِذْعِ، وكُلُّ ما أخْرَجَتْهُ النَّخْلَةُ فَهو ذُو أكْمامٍ، فالطَّلْعَةُ كُمُّها قِشْرُها، ومِن هَذا قِيلَ لِلْقَلَنْسُوَةِ: كُمَّةٌ، لِأنَّها تُغَطِّي الرَّأْسَ، ومِن هَذا كُمّا القَمِيصِ، لِأنَّهُما يُغَطِّيانِ اليَدَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أيْ: يُنادِي اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ ﴿أيْنَ شُرَكائِي﴾ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أعْلَمْناكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: أسْمَعْناكَ ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ما مِنّا مِن شَهِيدٍ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فَيَتَبَرَّؤُونَ يَوْمَئِذٍ مِمّا كانُوا يَقُولُونَ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّانِي: [أنَّهُ] مِن قَوْلِ الآلِهَةِ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ، والمَعْنى: ما مِنّا مِن شَهِيدٍ لَهم بِما قالُوا، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: بَطَلَ عَنْهم في الآخِرَةِ ﴿ما كانُوا يَدْعُونَ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَ في الدُّنْيا، ﴿وَظَنُّوا﴾ أيْ: أيْقَنُوا ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَحِيصَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ١٢١] .

فصلت 41:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: أخْبِرْنا عَنِ السّاعَةِ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. ومَعْنى الآيَةِ: لا يَعْلَمُ قِيامَها إلّا هُوَ، فَإذا سُئِلَ عَنْها فَعِلْمُها مَرْدُودٌ إلَيْهِ. ( وما تَخْرُجُ مِن ثَمَرَة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-٢٦٥)وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "مِن ثَمَرَةٍ" . وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: "مِن ثَمَراتٍ" عَلى الجَمْعِ ﴿مِن أكْمامِها﴾ أيْ: أوْعِيَتِها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِنَ المَواضِعِ الَّتِي كانَتْ فِيها مُسْتَتِرَةً، وغِلافُ كُلِّ شَيْءٍ: كُمُّهُ، وإنَّما قِيلَ: كُمُّ القَمِيصِ، مِن هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: الأكْمامُ: ما غَطّى، وكُلُّ شَجَرَةٍ تُخْرِجُ ماهُو مُكَمَّمٌ فَهي ذاتُ أكْمامٍ، وأكْمامُ النَّخْلَةِ: ما غَطّى، جِمارَها مِنَ السَّعَفِ واللِّيفِ والجِذْعِ، وكُلُّ ما أخْرَجَتْهُ النَّخْلَةُ فَهو ذُو أكْمامٍ، فالطَّلْعَةُ كُمُّها قِشْرُها، ومِن هَذا قِيلَ لِلْقَلَنْسُوَةِ: كُمَّةٌ، لِأنَّها تُغَطِّي الرَّأْسَ، ومِن هَذا كُمّا القَمِيصِ، لِأنَّهُما يُغَطِّيانِ اليَدَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أيْ: يُنادِي اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ ﴿أيْنَ شُرَكائِي﴾ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أعْلَمْناكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: أسْمَعْناكَ ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ما مِنّا مِن شَهِيدٍ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فَيَتَبَرَّؤُونَ يَوْمَئِذٍ مِمّا كانُوا يَقُولُونَ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّانِي: [أنَّهُ] مِن قَوْلِ الآلِهَةِ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ، والمَعْنى: ما مِنّا مِن شَهِيدٍ لَهم بِما قالُوا، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: بَطَلَ عَنْهم في الآخِرَةِ ﴿ما كانُوا يَدْعُونَ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَ في الدُّنْيا، ﴿وَظَنُّوا﴾ أيْ: أيْقَنُوا ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَحِيصَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ١٢١] .

فصلت 41:49

(p-٢٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ؛ فالمَعْنى: لا يَمَلُّ الكافِرُ ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ أيْ: مِن دُعائِهِ بِالخَيْرِ، وهو المالُ والعافِيَةُ. ﴿وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ وهو الفَقْرُ والشِّدَّةُ؛ والمَعْنى: إذا اخْتُبِرَ بِذَلِكَ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وقَنِطَ مَن رَحْمَتِهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اليَؤُوسُ، فَعُولٌ مِن يَأسَ، والقَنُوطُ، فَعُولٌ مَن قَنَطَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ: خَيْرًا وعافِيَةً وغِنًى، ﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ أيْ: هَذا واجِبٌ لِي بِعَمَلِي وأنا مَحْقُوقٌ بِهِ، ثُمَّ يَشُكُّ في البَعْثِ فَيَقُولُ: ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: لَسْتُ عَلى يَقِينٍ مِنَ البَعْثِ ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ، أيْ: كَما أعْطانِي في الدُّنْيا يُعْطِينِي في الآخِرَةِ ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لِنُخْبِرَنَّهم بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ. وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ [إبْراهِيمَ: ١٧، الإسْراءِ: ٨٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَنَأى" مِثْلُ "نَعى" . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَناءَ" مَفْتُوحَةَ النُّونِ مَمْدُودَةً والهَمْزَةُ بَعْدَ الألِفِ. وقَرَأ (p-٢٦٧)حَمْزَةُ: "نِئِيَ" مَكْسُورَةَ النُّونِ والهَمْزَةِ. ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى العَرِيضِ: الكَثِيرُ، وإنْ وصَفْتَهُ بِالطُّولِ أوْ بِالعَرْضِ جازَ في الكَلامِ. ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ﴾ القُرْآنُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ﴾ أيْ: خِلافٍ لِلْحَقِّ ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنْهُ؟! وهو اسْمٌ؛ والمَعْنى: فَلا أحَدَ أضَلُّ مِنكم. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ في شِقاقٍ لِلْحَقِّ وبُعْدٍ عَنِ الصَّوابِ؟! فَجُعِلَ مَكانَ هَذا باقِي الآيَةِ.

فصلت 41:50

(p-٢٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ؛ فالمَعْنى: لا يَمَلُّ الكافِرُ ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ أيْ: مِن دُعائِهِ بِالخَيْرِ، وهو المالُ والعافِيَةُ. ﴿وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ وهو الفَقْرُ والشِّدَّةُ؛ والمَعْنى: إذا اخْتُبِرَ بِذَلِكَ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وقَنِطَ مَن رَحْمَتِهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اليَؤُوسُ، فَعُولٌ مِن يَأسَ، والقَنُوطُ، فَعُولٌ مَن قَنَطَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ: خَيْرًا وعافِيَةً وغِنًى، ﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ أيْ: هَذا واجِبٌ لِي بِعَمَلِي وأنا مَحْقُوقٌ بِهِ، ثُمَّ يَشُكُّ في البَعْثِ فَيَقُولُ: ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: لَسْتُ عَلى يَقِينٍ مِنَ البَعْثِ ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ، أيْ: كَما أعْطانِي في الدُّنْيا يُعْطِينِي في الآخِرَةِ ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لِنُخْبِرَنَّهم بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ. وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ [إبْراهِيمَ: ١٧، الإسْراءِ: ٨٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَنَأى" مِثْلُ "نَعى" . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَناءَ" مَفْتُوحَةَ النُّونِ مَمْدُودَةً والهَمْزَةُ بَعْدَ الألِفِ. وقَرَأ (p-٢٦٧)حَمْزَةُ: "نِئِيَ" مَكْسُورَةَ النُّونِ والهَمْزَةِ. ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى العَرِيضِ: الكَثِيرُ، وإنْ وصَفْتَهُ بِالطُّولِ أوْ بِالعَرْضِ جازَ في الكَلامِ. ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ﴾ القُرْآنُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ﴾ أيْ: خِلافٍ لِلْحَقِّ ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنْهُ؟! وهو اسْمٌ؛ والمَعْنى: فَلا أحَدَ أضَلُّ مِنكم. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ في شِقاقٍ لِلْحَقِّ وبُعْدٍ عَنِ الصَّوابِ؟! فَجُعِلَ مَكانَ هَذا باقِي الآيَةِ.

فصلت 41:51

(p-٢٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ؛ فالمَعْنى: لا يَمَلُّ الكافِرُ ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ أيْ: مِن دُعائِهِ بِالخَيْرِ، وهو المالُ والعافِيَةُ. ﴿وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ وهو الفَقْرُ والشِّدَّةُ؛ والمَعْنى: إذا اخْتُبِرَ بِذَلِكَ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وقَنِطَ مَن رَحْمَتِهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اليَؤُوسُ، فَعُولٌ مِن يَأسَ، والقَنُوطُ، فَعُولٌ مَن قَنَطَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ: خَيْرًا وعافِيَةً وغِنًى، ﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ أيْ: هَذا واجِبٌ لِي بِعَمَلِي وأنا مَحْقُوقٌ بِهِ، ثُمَّ يَشُكُّ في البَعْثِ فَيَقُولُ: ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: لَسْتُ عَلى يَقِينٍ مِنَ البَعْثِ ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ، أيْ: كَما أعْطانِي في الدُّنْيا يُعْطِينِي في الآخِرَةِ ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لِنُخْبِرَنَّهم بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ. وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ [إبْراهِيمَ: ١٧، الإسْراءِ: ٨٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَنَأى" مِثْلُ "نَعى" . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَناءَ" مَفْتُوحَةَ النُّونِ مَمْدُودَةً والهَمْزَةُ بَعْدَ الألِفِ. وقَرَأ (p-٢٦٧)حَمْزَةُ: "نِئِيَ" مَكْسُورَةَ النُّونِ والهَمْزَةِ. ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى العَرِيضِ: الكَثِيرُ، وإنْ وصَفْتَهُ بِالطُّولِ أوْ بِالعَرْضِ جازَ في الكَلامِ. ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ﴾ القُرْآنُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ﴾ أيْ: خِلافٍ لِلْحَقِّ ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنْهُ؟! وهو اسْمٌ؛ والمَعْنى: فَلا أحَدَ أضَلُّ مِنكم. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ في شِقاقٍ لِلْحَقِّ وبُعْدٍ عَنِ الصَّوابِ؟! فَجُعِلَ مَكانَ هَذا باقِي الآيَةِ.

فصلت 41:52

(p-٢٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ؛ فالمَعْنى: لا يَمَلُّ الكافِرُ ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ أيْ: مِن دُعائِهِ بِالخَيْرِ، وهو المالُ والعافِيَةُ. ﴿وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ وهو الفَقْرُ والشِّدَّةُ؛ والمَعْنى: إذا اخْتُبِرَ بِذَلِكَ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وقَنِطَ مَن رَحْمَتِهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اليَؤُوسُ، فَعُولٌ مِن يَأسَ، والقَنُوطُ، فَعُولٌ مَن قَنَطَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ: خَيْرًا وعافِيَةً وغِنًى، ﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ أيْ: هَذا واجِبٌ لِي بِعَمَلِي وأنا مَحْقُوقٌ بِهِ، ثُمَّ يَشُكُّ في البَعْثِ فَيَقُولُ: ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: لَسْتُ عَلى يَقِينٍ مِنَ البَعْثِ ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ، أيْ: كَما أعْطانِي في الدُّنْيا يُعْطِينِي في الآخِرَةِ ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لِنُخْبِرَنَّهم بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ. وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ [إبْراهِيمَ: ١٧، الإسْراءِ: ٨٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَنَأى" مِثْلُ "نَعى" . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَناءَ" مَفْتُوحَةَ النُّونِ مَمْدُودَةً والهَمْزَةُ بَعْدَ الألِفِ. وقَرَأ (p-٢٦٧)حَمْزَةُ: "نِئِيَ" مَكْسُورَةَ النُّونِ والهَمْزَةِ. ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى العَرِيضِ: الكَثِيرُ، وإنْ وصَفْتَهُ بِالطُّولِ أوْ بِالعَرْضِ جازَ في الكَلامِ. ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ﴾ القُرْآنُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ﴾ أيْ: خِلافٍ لِلْحَقِّ ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنْهُ؟! وهو اسْمٌ؛ والمَعْنى: فَلا أحَدَ أضَلُّ مِنكم. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ في شِقاقٍ لِلْحَقِّ وبُعْدٍ عَنِ الصَّوابِ؟! فَجُعِلَ مَكانَ هَذا باقِي الآيَةِ.

فصلت 41:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في الآفاقِ: فَتْحُ أقْطارِ الأرْضِ، وفي أنْفُسِهِمْ: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّها في الآفاقِ: وقائِعُ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، وفي أنْفُسِهِمْ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّها في الآفاقِ: إمْساكُ القَطْرِ عَنِ الأرْضِ كُلِّها، وفي أنْفُسِهِمْ: البَلايا الَّتِي تَكُونُ في أجْسادِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. والرّابِعُ: أنَّها في الآفاقِ: آياتُ السَّماءِ كالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، وفي أنْفُسِهِمْ: (p-٢٦٨)حَوادِثُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الَّتِي في أنْفُسِهِمْ: سَبِيلُ الغائِطِ والبَوْلِ، فَإنَّ الإنْسانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِن مَكانٍ واحِدٍ، ويُخْرِجُ مِن مَكانَيْنِ. والخامِسُ: أنَّها في الآفاقِ: آثارُ مَن مَضى قَبْلَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ، وفي أنْفُسِهِمْ: كَوْنُهم خُلِقُوا نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ عِظامًا إلى أنْ نُقِلُوا إلى العَقْلِ والتَّمْيِيزِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ. والثّانِي: إلى جَمِيعِ ما دَعاهم إلَيْهِ الرَّسُولُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما أنْزَلْنا عَلى مُحَمَّدٍ وأوْحَيْنا إلَيْهِ مِنَ الوَعْدِ لَهُ بِأنّا مُظْهِرُو دِينِهِ عَلى الأدْيانِ كُلِّها. ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أيْ: أوْلَمَ يَكْفِ بِهِ أنَّهُ شاهِدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟! قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أوْ لَمْ يَكْفِهِمْ شَهادَةُ رَبِّكَ؟! (p-٢٦٩)وَمَعْنى الكِفايَةِ هاهُنا: أنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَهم ما فِيهِ كِفايَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وتَثْبِيتِ رُسُلِهِ.

فصلت 41:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في الآفاقِ: فَتْحُ أقْطارِ الأرْضِ، وفي أنْفُسِهِمْ: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّها في الآفاقِ: وقائِعُ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، وفي أنْفُسِهِمْ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّها في الآفاقِ: إمْساكُ القَطْرِ عَنِ الأرْضِ كُلِّها، وفي أنْفُسِهِمْ: البَلايا الَّتِي تَكُونُ في أجْسادِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. والرّابِعُ: أنَّها في الآفاقِ: آياتُ السَّماءِ كالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، وفي أنْفُسِهِمْ: (p-٢٦٨)حَوادِثُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الَّتِي في أنْفُسِهِمْ: سَبِيلُ الغائِطِ والبَوْلِ، فَإنَّ الإنْسانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِن مَكانٍ واحِدٍ، ويُخْرِجُ مِن مَكانَيْنِ. والخامِسُ: أنَّها في الآفاقِ: آثارُ مَن مَضى قَبْلَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ، وفي أنْفُسِهِمْ: كَوْنُهم خُلِقُوا نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ عِظامًا إلى أنْ نُقِلُوا إلى العَقْلِ والتَّمْيِيزِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ. والثّانِي: إلى جَمِيعِ ما دَعاهم إلَيْهِ الرَّسُولُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما أنْزَلْنا عَلى مُحَمَّدٍ وأوْحَيْنا إلَيْهِ مِنَ الوَعْدِ لَهُ بِأنّا مُظْهِرُو دِينِهِ عَلى الأدْيانِ كُلِّها. ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أيْ: أوْلَمَ يَكْفِ بِهِ أنَّهُ شاهِدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟! قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أوْ لَمْ يَكْفِهِمْ شَهادَةُ رَبِّكَ؟! (p-٢٦٩)وَمَعْنى الكِفايَةِ هاهُنا: أنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَهم ما فِيهِ كِفايَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وتَثْبِيتِ رُسُلِهِ.

الشورى 42:1

(p-٢٧٠)سُورَةُ حَم عسق واسْمُها سُورَةُ الشُّورى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، أوَّلُها: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشُّورى: ٢٣] وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشُّورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشُّورى: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ﴾ [الشُّورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ [الشُّورى: ٤١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المُؤْمِنِ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عسق﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ؛ ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ العَيْنَ عِلْمُ اللَّهُ، والسِّينَ سَناؤُهُ، والقافَ قُدْرَتُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ العَيْنَ فِيها عَذابٌ، والسِّينَ فِيها مَسْخٌ، والقافَ فِيها قَذْفٌ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِن حَرْبٍ، والمِيمَ مِن تَحْوِيلِ مُلْكٍ، والعَيْنَ مِن عَدُوٍّ مَقْهُورٍ، والسِّينَ اسْتِئْصالٌ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، والقافَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ في مُلُوكِ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: أنَّ العَيْنَ مِن عالِمٍ، والسِّينَ مِن قُدُّوسٍ، والقافَ مِن قاهِرٍ، قالَهُ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: أنَّ العَيْنَ مِنَ العَزِيزِ، والسِّينَ مِنَ السَّلامِ، والقافَ مِنَ القادِرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٢)أحَدُها: أنَّهُ كَما أوْحَيْتُ "حم عسق" إلى كُلِّ نَبِيٍّ، كَذَلِكَ نُوحِيها إلَيْكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أخْبارَ الغَيْبِ كَما أوْحَيْنا إلى مَن قَبْلَكَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنْ "حم عسق" نَزَلَتْ في أمْرِ العَذابِ، فَقِيلَ: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِمَن كَذَّبَكَ كَما أوْحَيْنا ذَلِكَ إلى مَن كانَ قَبْلَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هَكَذا نُوحِي إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ. كَأنَّهُ إذا قِيلَ: مَن يُوحِي؟ قِيلَ: اللَّهُ. ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ: "نُوحِي" بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَتَفَطَّرْنَّ" بِياءٍ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحِ الطّاءِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ "يَتَفَطَّرْنَ" مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِالنُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَخْفِيفِها، أيْ: يَتَشَقَّقْنَ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ الأرَضِينَ مِن عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ؛ وقِيلَ: مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ونَظِيرُها [الَّتِي] في [مَرْيَمَ: ٩٠] . ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلُّونَ بِأمْرِ رَبِّهِمْ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. (p-٢٧٣)والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمّا ابْتُلِيَ هارُوتُ ومارُوتُ اسْتَغْفَرُوا لِمَن في الأرْضِ. وَمَعْنى اسْتِغْفارِهِمْ: سُؤالُهُمُ الرِّزْقَ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنهم مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم إنَّما يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكُفّارِ، فَلَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ، ومَعْناها خاصٌّ، ويَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، لِأنَّ الكافِرَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ اتَّخَذُوا آلِهَةً فَعَبَدُوها مِن دُونِهِ ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: حافِظٌ لِأعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم بِها ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: لَمْ نُوَكِّلْكَ بِهِمْ فَتُؤْخَذَ بِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ.

الشورى 42:2

(p-٢٧٠)سُورَةُ حَم عسق واسْمُها سُورَةُ الشُّورى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، أوَّلُها: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشُّورى: ٢٣] وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشُّورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشُّورى: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ﴾ [الشُّورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ [الشُّورى: ٤١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المُؤْمِنِ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عسق﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ؛ ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ العَيْنَ عِلْمُ اللَّهُ، والسِّينَ سَناؤُهُ، والقافَ قُدْرَتُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ العَيْنَ فِيها عَذابٌ، والسِّينَ فِيها مَسْخٌ، والقافَ فِيها قَذْفٌ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِن حَرْبٍ، والمِيمَ مِن تَحْوِيلِ مُلْكٍ، والعَيْنَ مِن عَدُوٍّ مَقْهُورٍ، والسِّينَ اسْتِئْصالٌ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، والقافَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ في مُلُوكِ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: أنَّ العَيْنَ مِن عالِمٍ، والسِّينَ مِن قُدُّوسٍ، والقافَ مِن قاهِرٍ، قالَهُ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: أنَّ العَيْنَ مِنَ العَزِيزِ، والسِّينَ مِنَ السَّلامِ، والقافَ مِنَ القادِرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٢)أحَدُها: أنَّهُ كَما أوْحَيْتُ "حم عسق" إلى كُلِّ نَبِيٍّ، كَذَلِكَ نُوحِيها إلَيْكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أخْبارَ الغَيْبِ كَما أوْحَيْنا إلى مَن قَبْلَكَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنْ "حم عسق" نَزَلَتْ في أمْرِ العَذابِ، فَقِيلَ: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِمَن كَذَّبَكَ كَما أوْحَيْنا ذَلِكَ إلى مَن كانَ قَبْلَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هَكَذا نُوحِي إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ. كَأنَّهُ إذا قِيلَ: مَن يُوحِي؟ قِيلَ: اللَّهُ. ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ: "نُوحِي" بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَتَفَطَّرْنَّ" بِياءٍ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحِ الطّاءِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ "يَتَفَطَّرْنَ" مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِالنُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَخْفِيفِها، أيْ: يَتَشَقَّقْنَ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ الأرَضِينَ مِن عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ؛ وقِيلَ: مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ونَظِيرُها [الَّتِي] في [مَرْيَمَ: ٩٠] . ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلُّونَ بِأمْرِ رَبِّهِمْ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. (p-٢٧٣)والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمّا ابْتُلِيَ هارُوتُ ومارُوتُ اسْتَغْفَرُوا لِمَن في الأرْضِ. وَمَعْنى اسْتِغْفارِهِمْ: سُؤالُهُمُ الرِّزْقَ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنهم مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم إنَّما يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكُفّارِ، فَلَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ، ومَعْناها خاصٌّ، ويَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، لِأنَّ الكافِرَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ اتَّخَذُوا آلِهَةً فَعَبَدُوها مِن دُونِهِ ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: حافِظٌ لِأعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم بِها ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: لَمْ نُوَكِّلْكَ بِهِمْ فَتُؤْخَذَ بِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ.

الشورى 42:3

(p-٢٧٠)سُورَةُ حَم عسق واسْمُها سُورَةُ الشُّورى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، أوَّلُها: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشُّورى: ٢٣] وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشُّورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشُّورى: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ﴾ [الشُّورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ [الشُّورى: ٤١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المُؤْمِنِ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عسق﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ؛ ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ العَيْنَ عِلْمُ اللَّهُ، والسِّينَ سَناؤُهُ، والقافَ قُدْرَتُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ العَيْنَ فِيها عَذابٌ، والسِّينَ فِيها مَسْخٌ، والقافَ فِيها قَذْفٌ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِن حَرْبٍ، والمِيمَ مِن تَحْوِيلِ مُلْكٍ، والعَيْنَ مِن عَدُوٍّ مَقْهُورٍ، والسِّينَ اسْتِئْصالٌ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، والقافَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ في مُلُوكِ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: أنَّ العَيْنَ مِن عالِمٍ، والسِّينَ مِن قُدُّوسٍ، والقافَ مِن قاهِرٍ، قالَهُ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: أنَّ العَيْنَ مِنَ العَزِيزِ، والسِّينَ مِنَ السَّلامِ، والقافَ مِنَ القادِرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٢)أحَدُها: أنَّهُ كَما أوْحَيْتُ "حم عسق" إلى كُلِّ نَبِيٍّ، كَذَلِكَ نُوحِيها إلَيْكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أخْبارَ الغَيْبِ كَما أوْحَيْنا إلى مَن قَبْلَكَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنْ "حم عسق" نَزَلَتْ في أمْرِ العَذابِ، فَقِيلَ: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِمَن كَذَّبَكَ كَما أوْحَيْنا ذَلِكَ إلى مَن كانَ قَبْلَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هَكَذا نُوحِي إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ. كَأنَّهُ إذا قِيلَ: مَن يُوحِي؟ قِيلَ: اللَّهُ. ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ: "نُوحِي" بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَتَفَطَّرْنَّ" بِياءٍ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحِ الطّاءِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ "يَتَفَطَّرْنَ" مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِالنُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَخْفِيفِها، أيْ: يَتَشَقَّقْنَ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ الأرَضِينَ مِن عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ؛ وقِيلَ: مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ونَظِيرُها [الَّتِي] في [مَرْيَمَ: ٩٠] . ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلُّونَ بِأمْرِ رَبِّهِمْ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. (p-٢٧٣)والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمّا ابْتُلِيَ هارُوتُ ومارُوتُ اسْتَغْفَرُوا لِمَن في الأرْضِ. وَمَعْنى اسْتِغْفارِهِمْ: سُؤالُهُمُ الرِّزْقَ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنهم مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم إنَّما يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكُفّارِ، فَلَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ، ومَعْناها خاصٌّ، ويَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، لِأنَّ الكافِرَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ اتَّخَذُوا آلِهَةً فَعَبَدُوها مِن دُونِهِ ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: حافِظٌ لِأعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم بِها ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: لَمْ نُوَكِّلْكَ بِهِمْ فَتُؤْخَذَ بِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ.

الشورى 42:4

(p-٢٧٠)سُورَةُ حَم عسق واسْمُها سُورَةُ الشُّورى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، أوَّلُها: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشُّورى: ٢٣] وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشُّورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشُّورى: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ﴾ [الشُّورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ [الشُّورى: ٤١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المُؤْمِنِ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عسق﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ؛ ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ العَيْنَ عِلْمُ اللَّهُ، والسِّينَ سَناؤُهُ، والقافَ قُدْرَتُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ العَيْنَ فِيها عَذابٌ، والسِّينَ فِيها مَسْخٌ، والقافَ فِيها قَذْفٌ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِن حَرْبٍ، والمِيمَ مِن تَحْوِيلِ مُلْكٍ، والعَيْنَ مِن عَدُوٍّ مَقْهُورٍ، والسِّينَ اسْتِئْصالٌ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، والقافَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ في مُلُوكِ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: أنَّ العَيْنَ مِن عالِمٍ، والسِّينَ مِن قُدُّوسٍ، والقافَ مِن قاهِرٍ، قالَهُ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: أنَّ العَيْنَ مِنَ العَزِيزِ، والسِّينَ مِنَ السَّلامِ، والقافَ مِنَ القادِرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٢)أحَدُها: أنَّهُ كَما أوْحَيْتُ "حم عسق" إلى كُلِّ نَبِيٍّ، كَذَلِكَ نُوحِيها إلَيْكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أخْبارَ الغَيْبِ كَما أوْحَيْنا إلى مَن قَبْلَكَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنْ "حم عسق" نَزَلَتْ في أمْرِ العَذابِ، فَقِيلَ: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِمَن كَذَّبَكَ كَما أوْحَيْنا ذَلِكَ إلى مَن كانَ قَبْلَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هَكَذا نُوحِي إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ. كَأنَّهُ إذا قِيلَ: مَن يُوحِي؟ قِيلَ: اللَّهُ. ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ: "نُوحِي" بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَتَفَطَّرْنَّ" بِياءٍ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحِ الطّاءِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ "يَتَفَطَّرْنَ" مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِالنُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَخْفِيفِها، أيْ: يَتَشَقَّقْنَ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ الأرَضِينَ مِن عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ؛ وقِيلَ: مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ونَظِيرُها [الَّتِي] في [مَرْيَمَ: ٩٠] . ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلُّونَ بِأمْرِ رَبِّهِمْ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. (p-٢٧٣)والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمّا ابْتُلِيَ هارُوتُ ومارُوتُ اسْتَغْفَرُوا لِمَن في الأرْضِ. وَمَعْنى اسْتِغْفارِهِمْ: سُؤالُهُمُ الرِّزْقَ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنهم مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم إنَّما يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكُفّارِ، فَلَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ، ومَعْناها خاصٌّ، ويَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، لِأنَّ الكافِرَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ اتَّخَذُوا آلِهَةً فَعَبَدُوها مِن دُونِهِ ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: حافِظٌ لِأعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم بِها ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: لَمْ نُوَكِّلْكَ بِهِمْ فَتُؤْخَذَ بِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ.

الشورى 42:5

(p-٢٧٠)سُورَةُ حَم عسق واسْمُها سُورَةُ الشُّورى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، أوَّلُها: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشُّورى: ٢٣] وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشُّورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشُّورى: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ﴾ [الشُّورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ [الشُّورى: ٤١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المُؤْمِنِ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عسق﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ؛ ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ العَيْنَ عِلْمُ اللَّهُ، والسِّينَ سَناؤُهُ، والقافَ قُدْرَتُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ العَيْنَ فِيها عَذابٌ، والسِّينَ فِيها مَسْخٌ، والقافَ فِيها قَذْفٌ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِن حَرْبٍ، والمِيمَ مِن تَحْوِيلِ مُلْكٍ، والعَيْنَ مِن عَدُوٍّ مَقْهُورٍ، والسِّينَ اسْتِئْصالٌ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، والقافَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ في مُلُوكِ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: أنَّ العَيْنَ مِن عالِمٍ، والسِّينَ مِن قُدُّوسٍ، والقافَ مِن قاهِرٍ، قالَهُ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: أنَّ العَيْنَ مِنَ العَزِيزِ، والسِّينَ مِنَ السَّلامِ، والقافَ مِنَ القادِرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٢)أحَدُها: أنَّهُ كَما أوْحَيْتُ "حم عسق" إلى كُلِّ نَبِيٍّ، كَذَلِكَ نُوحِيها إلَيْكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أخْبارَ الغَيْبِ كَما أوْحَيْنا إلى مَن قَبْلَكَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنْ "حم عسق" نَزَلَتْ في أمْرِ العَذابِ، فَقِيلَ: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِمَن كَذَّبَكَ كَما أوْحَيْنا ذَلِكَ إلى مَن كانَ قَبْلَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هَكَذا نُوحِي إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ. كَأنَّهُ إذا قِيلَ: مَن يُوحِي؟ قِيلَ: اللَّهُ. ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ: "نُوحِي" بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَتَفَطَّرْنَّ" بِياءٍ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحِ الطّاءِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ "يَتَفَطَّرْنَ" مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِالنُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَخْفِيفِها، أيْ: يَتَشَقَّقْنَ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ الأرَضِينَ مِن عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ؛ وقِيلَ: مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ونَظِيرُها [الَّتِي] في [مَرْيَمَ: ٩٠] . ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلُّونَ بِأمْرِ رَبِّهِمْ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. (p-٢٧٣)والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمّا ابْتُلِيَ هارُوتُ ومارُوتُ اسْتَغْفَرُوا لِمَن في الأرْضِ. وَمَعْنى اسْتِغْفارِهِمْ: سُؤالُهُمُ الرِّزْقَ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنهم مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم إنَّما يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكُفّارِ، فَلَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ، ومَعْناها خاصٌّ، ويَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، لِأنَّ الكافِرَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ اتَّخَذُوا آلِهَةً فَعَبَدُوها مِن دُونِهِ ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: حافِظٌ لِأعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم بِها ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: لَمْ نُوَكِّلْكَ بِهِمْ فَتُؤْخَذَ بِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ.

الشورى 42:6

(p-٢٧٠)سُورَةُ حَم عسق واسْمُها سُورَةُ الشُّورى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، أوَّلُها: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشُّورى: ٢٣] وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشُّورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشُّورى: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ﴾ [الشُّورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ [الشُّورى: ٤١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المُؤْمِنِ] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عسق﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ؛ ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ العَيْنَ عِلْمُ اللَّهُ، والسِّينَ سَناؤُهُ، والقافَ قُدْرَتُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ العَيْنَ فِيها عَذابٌ، والسِّينَ فِيها مَسْخٌ، والقافَ فِيها قَذْفٌ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِن حَرْبٍ، والمِيمَ مِن تَحْوِيلِ مُلْكٍ، والعَيْنَ مِن عَدُوٍّ مَقْهُورٍ، والسِّينَ اسْتِئْصالٌ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، والقافَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ في مُلُوكِ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: أنَّ العَيْنَ مِن عالِمٍ، والسِّينَ مِن قُدُّوسٍ، والقافَ مِن قاهِرٍ، قالَهُ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: أنَّ العَيْنَ مِنَ العَزِيزِ، والسِّينَ مِنَ السَّلامِ، والقافَ مِنَ القادِرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٢)أحَدُها: أنَّهُ كَما أوْحَيْتُ "حم عسق" إلى كُلِّ نَبِيٍّ، كَذَلِكَ نُوحِيها إلَيْكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أخْبارَ الغَيْبِ كَما أوْحَيْنا إلى مَن قَبْلَكَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنْ "حم عسق" نَزَلَتْ في أمْرِ العَذابِ، فَقِيلَ: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِمَن كَذَّبَكَ كَما أوْحَيْنا ذَلِكَ إلى مَن كانَ قَبْلَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هَكَذا نُوحِي إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ. كَأنَّهُ إذا قِيلَ: مَن يُوحِي؟ قِيلَ: اللَّهُ. ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ: "نُوحِي" بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَتَفَطَّرْنَّ" بِياءٍ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحِ الطّاءِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ "يَتَفَطَّرْنَ" مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِالنُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَخْفِيفِها، أيْ: يَتَشَقَّقْنَ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ الأرَضِينَ مِن عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ؛ وقِيلَ: مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ونَظِيرُها [الَّتِي] في [مَرْيَمَ: ٩٠] . ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلُّونَ بِأمْرِ رَبِّهِمْ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. (p-٢٧٣)والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمّا ابْتُلِيَ هارُوتُ ومارُوتُ اسْتَغْفَرُوا لِمَن في الأرْضِ. وَمَعْنى اسْتِغْفارِهِمْ: سُؤالُهُمُ الرِّزْقَ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنهم مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم إنَّما يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكُفّارِ، فَلَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ، ومَعْناها خاصٌّ، ويَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧]، لِأنَّ الكافِرَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ اتَّخَذُوا آلِهَةً فَعَبَدُوها مِن دُونِهِ ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: حافِظٌ لِأعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم بِها ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: لَمْ نُوَكِّلْكَ بِهِمْ فَتُؤْخَذَ بِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ.

الشورى 42:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ما ذَكَرْنا ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِيَفْهَمُوا مافِيهِ ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، والمُرادُ: أهْلُها، (p-٢٧٤)﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيْ: وتُنْذِرَهم يَوْمَ الجَمْعِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وأهْلَ السَّمَواتِ والأرَضِينَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في هَذا الجَمْعِ أنَّهُ كائِنٌ، ثُمَّ بَعْدَ الجَمْعِ يَتَفَرَّقُونَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ افْتِراقِهِمْ فَقالَ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: عَلى دِينٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: في دِينِهِ ﴿والظّالِمُونَ﴾ وهُمُ الكافِرُونَ ﴿ما لَهم مِن ولِيٍّ﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يَمْنَعُهم مِنهُ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ﴾ أيْ: بَلِ اتَّخَذَ الكافِرُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي آلِهَةً يَتَوَلَّوْنَهم ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ أيْ: ولِيُّ أوْلِيائِهِ، فَلْيَتَّخِذُوهُ ولِيًّا دُونَ الآلِهَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِيُّكَ يا مُحَمَّدُ ووَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَكَ.

الشورى 42:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ما ذَكَرْنا ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِيَفْهَمُوا مافِيهِ ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، والمُرادُ: أهْلُها، (p-٢٧٤)﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيْ: وتُنْذِرَهم يَوْمَ الجَمْعِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وأهْلَ السَّمَواتِ والأرَضِينَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في هَذا الجَمْعِ أنَّهُ كائِنٌ، ثُمَّ بَعْدَ الجَمْعِ يَتَفَرَّقُونَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ افْتِراقِهِمْ فَقالَ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: عَلى دِينٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: في دِينِهِ ﴿والظّالِمُونَ﴾ وهُمُ الكافِرُونَ ﴿ما لَهم مِن ولِيٍّ﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يَمْنَعُهم مِنهُ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ﴾ أيْ: بَلِ اتَّخَذَ الكافِرُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي آلِهَةً يَتَوَلَّوْنَهم ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ أيْ: ولِيُّ أوْلِيائِهِ، فَلْيَتَّخِذُوهُ ولِيًّا دُونَ الآلِهَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِيُّكَ يا مُحَمَّدُ ووَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَكَ.

الشورى 42:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ما ذَكَرْنا ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِيَفْهَمُوا مافِيهِ ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، والمُرادُ: أهْلُها، (p-٢٧٤)﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيْ: وتُنْذِرَهم يَوْمَ الجَمْعِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وأهْلَ السَّمَواتِ والأرَضِينَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في هَذا الجَمْعِ أنَّهُ كائِنٌ، ثُمَّ بَعْدَ الجَمْعِ يَتَفَرَّقُونَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ افْتِراقِهِمْ فَقالَ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: عَلى دِينٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: في دِينِهِ ﴿والظّالِمُونَ﴾ وهُمُ الكافِرُونَ ﴿ما لَهم مِن ولِيٍّ﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يَمْنَعُهم مِنهُ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ﴾ أيْ: بَلِ اتَّخَذَ الكافِرُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي آلِهَةً يَتَوَلَّوْنَهم ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ أيْ: ولِيُّ أوْلِيائِهِ، فَلْيَتَّخِذُوهُ ولِيًّا دُونَ الآلِهَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِيُّكَ يا مُحَمَّدُ ووَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَكَ.

الشورى 42:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو عامٌّ ﴿فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ. والثّانِي: هو يَحْكُمُ فِيهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كَفَرَ بَعْضُهم بِالقُرْآنِ، وآمَنَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ اللَّهُ: أنا الَّذِي أحْكُمُ فِيهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في مُهِمّاتِي ﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ: أرْجِعُ في المَعادِ. ﴿فاطِرُ السَّماواتِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٤]، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن مِثْلِ خَلْقِكم ﴿أزْواجًا﴾ نِساءً ﴿وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أصْنافًا ذُكُورًا وإناثًا؛ والمَعْنى أنَّهُ خَلَقَ لَكُمُ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَخْلُقُكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يُعَيِّشُكُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: يُكَثِّرُكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ. و[فِي قَوْلِهِ] ﴿فِيهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها عَلى أصْلِها، قالَهُ الأكْثَرُونَ. فَعَلى هَذا في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٦)أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى بُطُونِ الإناثِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأزْواجِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَخْلُقُكم في بُطُونِ النِّساءِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: يَخْلُقُكم في الرَّحِمِ أوْ في الزَّوْجِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَخْلُقُكم فِيما جُعِلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ، ويُعَيِّشُكم فِيما جَعَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ. والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يُعَيِّشُكم فِيما جُعِلَ مِنَ الأنْعامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يَخْلُقُكم في هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن جَعْلِ الأزْواجِ، قالَهُ الواحِدِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ "فِيهِ" بِمَعْنى "بِهِ"؛ والمَعْنى: يُكَثِّرُكم بِما جُعِلَ لَكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ، والعَرَبُ تُقِيمُ المَثَلَ مَقامَ النَّفْسِ، فَتَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: الكافُ مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الزُّمَرِ: ٦٣، الرَّعْدِ: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأوْضَحَ ﴿مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ تَحْلِيلُ الحَلالِ وتَحْرِيمُ الحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: تَحْرِيمُ الأخَواتِ والأُمَّهاتِ، قالَهُ الحَكَمُ. والثّالِثُ: التَّوْحِيدُ وتَرْكُ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ وشَرائِعِ الإسْلامِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وشَرَعَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وشَرَعَ لَكم ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ (p-٢٧٧)وَمُوسى وعِيسى. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِـ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: شَرَعَ لَكم ولِمَن قَبْلَكم إقامَةَ الدِّينِ وتَرْكَ الفِرْقَةِ، وشَرَعَ الِاجْتِماعَ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيْ: لا تَخْتَلِفُوا ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ يا مُحَمَّدُ مِنَ التَّوْحِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ: يَصْطَفِي مِن عِبادِهِ لِدِينِهِ ﴿مَن يَشاءُ ويَهْدِي﴾ إلى دِينِهِ، ﴿مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ افْتِراقَهم بَعْدَ أنْ أوْصاهُ بِتَرْكِ الفُرْقَةِ، فَقالَ: ﴿وَما تَفَرَّقُوا﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مِن بَعْدِ كَثْرَةِ عِلْمِهِمْ لِلْبَغْيِ. والثّانِي: مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالٌ. والثّالِثُ: مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ القُرْآنُ، بَغْيًا مِنهم عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . (p-٢٧٨)﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في تَأْخِيرِ المُكَذِّبِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإنْزالِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أنْبِيائِهِمْ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن مُحَمَّدٍ ﷺ .

الشورى 42:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو عامٌّ ﴿فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ. والثّانِي: هو يَحْكُمُ فِيهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كَفَرَ بَعْضُهم بِالقُرْآنِ، وآمَنَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ اللَّهُ: أنا الَّذِي أحْكُمُ فِيهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في مُهِمّاتِي ﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ: أرْجِعُ في المَعادِ. ﴿فاطِرُ السَّماواتِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٤]، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن مِثْلِ خَلْقِكم ﴿أزْواجًا﴾ نِساءً ﴿وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أصْنافًا ذُكُورًا وإناثًا؛ والمَعْنى أنَّهُ خَلَقَ لَكُمُ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَخْلُقُكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يُعَيِّشُكُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: يُكَثِّرُكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ. و[فِي قَوْلِهِ] ﴿فِيهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها عَلى أصْلِها، قالَهُ الأكْثَرُونَ. فَعَلى هَذا في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٦)أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى بُطُونِ الإناثِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأزْواجِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَخْلُقُكم في بُطُونِ النِّساءِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: يَخْلُقُكم في الرَّحِمِ أوْ في الزَّوْجِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَخْلُقُكم فِيما جُعِلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ، ويُعَيِّشُكم فِيما جَعَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ. والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يُعَيِّشُكم فِيما جُعِلَ مِنَ الأنْعامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يَخْلُقُكم في هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن جَعْلِ الأزْواجِ، قالَهُ الواحِدِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ "فِيهِ" بِمَعْنى "بِهِ"؛ والمَعْنى: يُكَثِّرُكم بِما جُعِلَ لَكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ، والعَرَبُ تُقِيمُ المَثَلَ مَقامَ النَّفْسِ، فَتَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: الكافُ مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الزُّمَرِ: ٦٣، الرَّعْدِ: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأوْضَحَ ﴿مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ تَحْلِيلُ الحَلالِ وتَحْرِيمُ الحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: تَحْرِيمُ الأخَواتِ والأُمَّهاتِ، قالَهُ الحَكَمُ. والثّالِثُ: التَّوْحِيدُ وتَرْكُ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ وشَرائِعِ الإسْلامِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وشَرَعَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وشَرَعَ لَكم ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ (p-٢٧٧)وَمُوسى وعِيسى. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِـ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: شَرَعَ لَكم ولِمَن قَبْلَكم إقامَةَ الدِّينِ وتَرْكَ الفِرْقَةِ، وشَرَعَ الِاجْتِماعَ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيْ: لا تَخْتَلِفُوا ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ يا مُحَمَّدُ مِنَ التَّوْحِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ: يَصْطَفِي مِن عِبادِهِ لِدِينِهِ ﴿مَن يَشاءُ ويَهْدِي﴾ إلى دِينِهِ، ﴿مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ افْتِراقَهم بَعْدَ أنْ أوْصاهُ بِتَرْكِ الفُرْقَةِ، فَقالَ: ﴿وَما تَفَرَّقُوا﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مِن بَعْدِ كَثْرَةِ عِلْمِهِمْ لِلْبَغْيِ. والثّانِي: مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالٌ. والثّالِثُ: مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ القُرْآنُ، بَغْيًا مِنهم عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . (p-٢٧٨)﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في تَأْخِيرِ المُكَذِّبِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإنْزالِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أنْبِيائِهِمْ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن مُحَمَّدٍ ﷺ .

الشورى 42:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو عامٌّ ﴿فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ. والثّانِي: هو يَحْكُمُ فِيهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كَفَرَ بَعْضُهم بِالقُرْآنِ، وآمَنَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ اللَّهُ: أنا الَّذِي أحْكُمُ فِيهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في مُهِمّاتِي ﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ: أرْجِعُ في المَعادِ. ﴿فاطِرُ السَّماواتِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٤]، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن مِثْلِ خَلْقِكم ﴿أزْواجًا﴾ نِساءً ﴿وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أصْنافًا ذُكُورًا وإناثًا؛ والمَعْنى أنَّهُ خَلَقَ لَكُمُ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَخْلُقُكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يُعَيِّشُكُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: يُكَثِّرُكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ. و[فِي قَوْلِهِ] ﴿فِيهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها عَلى أصْلِها، قالَهُ الأكْثَرُونَ. فَعَلى هَذا في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٦)أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى بُطُونِ الإناثِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأزْواجِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَخْلُقُكم في بُطُونِ النِّساءِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: يَخْلُقُكم في الرَّحِمِ أوْ في الزَّوْجِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَخْلُقُكم فِيما جُعِلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ، ويُعَيِّشُكم فِيما جَعَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ. والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يُعَيِّشُكم فِيما جُعِلَ مِنَ الأنْعامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يَخْلُقُكم في هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن جَعْلِ الأزْواجِ، قالَهُ الواحِدِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ "فِيهِ" بِمَعْنى "بِهِ"؛ والمَعْنى: يُكَثِّرُكم بِما جُعِلَ لَكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ، والعَرَبُ تُقِيمُ المَثَلَ مَقامَ النَّفْسِ، فَتَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: الكافُ مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الزُّمَرِ: ٦٣، الرَّعْدِ: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأوْضَحَ ﴿مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ تَحْلِيلُ الحَلالِ وتَحْرِيمُ الحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: تَحْرِيمُ الأخَواتِ والأُمَّهاتِ، قالَهُ الحَكَمُ. والثّالِثُ: التَّوْحِيدُ وتَرْكُ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ وشَرائِعِ الإسْلامِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وشَرَعَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وشَرَعَ لَكم ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ (p-٢٧٧)وَمُوسى وعِيسى. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِـ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: شَرَعَ لَكم ولِمَن قَبْلَكم إقامَةَ الدِّينِ وتَرْكَ الفِرْقَةِ، وشَرَعَ الِاجْتِماعَ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيْ: لا تَخْتَلِفُوا ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ يا مُحَمَّدُ مِنَ التَّوْحِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ: يَصْطَفِي مِن عِبادِهِ لِدِينِهِ ﴿مَن يَشاءُ ويَهْدِي﴾ إلى دِينِهِ، ﴿مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ افْتِراقَهم بَعْدَ أنْ أوْصاهُ بِتَرْكِ الفُرْقَةِ، فَقالَ: ﴿وَما تَفَرَّقُوا﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مِن بَعْدِ كَثْرَةِ عِلْمِهِمْ لِلْبَغْيِ. والثّانِي: مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالٌ. والثّالِثُ: مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ القُرْآنُ، بَغْيًا مِنهم عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . (p-٢٧٨)﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في تَأْخِيرِ المُكَذِّبِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإنْزالِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أنْبِيائِهِمْ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن مُحَمَّدٍ ﷺ .

الشورى 42:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو عامٌّ ﴿فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ. والثّانِي: هو يَحْكُمُ فِيهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كَفَرَ بَعْضُهم بِالقُرْآنِ، وآمَنَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ اللَّهُ: أنا الَّذِي أحْكُمُ فِيهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في مُهِمّاتِي ﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ: أرْجِعُ في المَعادِ. ﴿فاطِرُ السَّماواتِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٤]، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن مِثْلِ خَلْقِكم ﴿أزْواجًا﴾ نِساءً ﴿وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أصْنافًا ذُكُورًا وإناثًا؛ والمَعْنى أنَّهُ خَلَقَ لَكُمُ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَخْلُقُكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يُعَيِّشُكُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: يُكَثِّرُكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ. و[فِي قَوْلِهِ] ﴿فِيهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها عَلى أصْلِها، قالَهُ الأكْثَرُونَ. فَعَلى هَذا في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٦)أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى بُطُونِ الإناثِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأزْواجِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَخْلُقُكم في بُطُونِ النِّساءِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: يَخْلُقُكم في الرَّحِمِ أوْ في الزَّوْجِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَخْلُقُكم فِيما جُعِلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ، ويُعَيِّشُكم فِيما جَعَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ. والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يُعَيِّشُكم فِيما جُعِلَ مِنَ الأنْعامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يَخْلُقُكم في هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن جَعْلِ الأزْواجِ، قالَهُ الواحِدِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ "فِيهِ" بِمَعْنى "بِهِ"؛ والمَعْنى: يُكَثِّرُكم بِما جُعِلَ لَكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ، والعَرَبُ تُقِيمُ المَثَلَ مَقامَ النَّفْسِ، فَتَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: الكافُ مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الزُّمَرِ: ٦٣، الرَّعْدِ: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأوْضَحَ ﴿مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ تَحْلِيلُ الحَلالِ وتَحْرِيمُ الحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: تَحْرِيمُ الأخَواتِ والأُمَّهاتِ، قالَهُ الحَكَمُ. والثّالِثُ: التَّوْحِيدُ وتَرْكُ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ وشَرائِعِ الإسْلامِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وشَرَعَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وشَرَعَ لَكم ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ (p-٢٧٧)وَمُوسى وعِيسى. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِـ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: شَرَعَ لَكم ولِمَن قَبْلَكم إقامَةَ الدِّينِ وتَرْكَ الفِرْقَةِ، وشَرَعَ الِاجْتِماعَ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيْ: لا تَخْتَلِفُوا ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ يا مُحَمَّدُ مِنَ التَّوْحِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ: يَصْطَفِي مِن عِبادِهِ لِدِينِهِ ﴿مَن يَشاءُ ويَهْدِي﴾ إلى دِينِهِ، ﴿مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ افْتِراقَهم بَعْدَ أنْ أوْصاهُ بِتَرْكِ الفُرْقَةِ، فَقالَ: ﴿وَما تَفَرَّقُوا﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مِن بَعْدِ كَثْرَةِ عِلْمِهِمْ لِلْبَغْيِ. والثّانِي: مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالٌ. والثّالِثُ: مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ القُرْآنُ، بَغْيًا مِنهم عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . (p-٢٧٨)﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في تَأْخِيرِ المُكَذِّبِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإنْزالِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أنْبِيائِهِمْ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن مُحَمَّدٍ ﷺ .

الشورى 42:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو عامٌّ ﴿فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ. والثّانِي: هو يَحْكُمُ فِيهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كَفَرَ بَعْضُهم بِالقُرْآنِ، وآمَنَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ اللَّهُ: أنا الَّذِي أحْكُمُ فِيهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في مُهِمّاتِي ﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ: أرْجِعُ في المَعادِ. ﴿فاطِرُ السَّماواتِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٤]، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن مِثْلِ خَلْقِكم ﴿أزْواجًا﴾ نِساءً ﴿وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أصْنافًا ذُكُورًا وإناثًا؛ والمَعْنى أنَّهُ خَلَقَ لَكُمُ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَخْلُقُكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: يُعَيِّشُكُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: يُكَثِّرُكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ. و[فِي قَوْلِهِ] ﴿فِيهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها عَلى أصْلِها، قالَهُ الأكْثَرُونَ. فَعَلى هَذا في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢٧٦)أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى بُطُونِ الإناثِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأزْواجِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَخْلُقُكم في بُطُونِ النِّساءِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: يَخْلُقُكم في الرَّحِمِ أوْ في الزَّوْجِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَخْلُقُكم فِيما جُعِلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ، ويُعَيِّشُكم فِيما جَعَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ. والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يُعَيِّشُكم فِيما جُعِلَ مِنَ الأنْعامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يَخْلُقُكم في هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن جَعْلِ الأزْواجِ، قالَهُ الواحِدِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ "فِيهِ" بِمَعْنى "بِهِ"؛ والمَعْنى: يُكَثِّرُكم بِما جُعِلَ لَكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ، والعَرَبُ تُقِيمُ المَثَلَ مَقامَ النَّفْسِ، فَتَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: الكافُ مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الزُّمَرِ: ٦٣، الرَّعْدِ: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأوْضَحَ ﴿مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ تَحْلِيلُ الحَلالِ وتَحْرِيمُ الحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: تَحْرِيمُ الأخَواتِ والأُمَّهاتِ، قالَهُ الحَكَمُ. والثّالِثُ: التَّوْحِيدُ وتَرْكُ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ وشَرائِعِ الإسْلامِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وشَرَعَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وشَرَعَ لَكم ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ (p-٢٧٧)وَمُوسى وعِيسى. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِـ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: شَرَعَ لَكم ولِمَن قَبْلَكم إقامَةَ الدِّينِ وتَرْكَ الفِرْقَةِ، وشَرَعَ الِاجْتِماعَ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيْ: لا تَخْتَلِفُوا ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ يا مُحَمَّدُ مِنَ التَّوْحِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ: يَصْطَفِي مِن عِبادِهِ لِدِينِهِ ﴿مَن يَشاءُ ويَهْدِي﴾ إلى دِينِهِ، ﴿مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ افْتِراقَهم بَعْدَ أنْ أوْصاهُ بِتَرْكِ الفُرْقَةِ، فَقالَ: ﴿وَما تَفَرَّقُوا﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مِن بَعْدِ كَثْرَةِ عِلْمِهِمْ لِلْبَغْيِ. والثّانِي: مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالٌ. والثّالِثُ: مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ القُرْآنُ، بَغْيًا مِنهم عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . (p-٢٧٨)﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في تَأْخِيرِ المُكَذِّبِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإنْزالِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أنْبِيائِهِمْ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن مُحَمَّدٍ ﷺ .

الشورى 42:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَإلى ذَلِكَ، تَقُولُ: دَعَوْتُ إلى فُلانٍ، ودَعَوْتُ لِفُلانٍ، و "ذَلِكَ" بِمَعْنى "هَذا"؛ ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: أنَّهُ التَّوْحِيدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٢٧٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ، لِأنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: المَعْنى: أُمِرْتُ كَيْ أعْدِلَ. وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: أُمِرْتُ بِالعَدْلِ. وتَقَعُ "أُمِرْتُ" عَلى "أنْ"، وعَلى "كَيْ"، وعَلى "اللّامِ"؛ يُقالُ: أُمِرْتُ أنْ أعْدِلَ، وكَيْ أعْدِلَ، ولِأعْدِلَ. ثُمَّ في ما أُمِرَ أنْ يَعْدِلَ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في الأحْكامِ إذا تَرافَعُوا إلَيْهِ. والثّانِي: في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ: هو إلَهُنا وإنِ اخْتَلَفْنا، فَهو يُجازِينا بِأعْمالِنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا﴾ أيْ: جَزاؤُها. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لا خُصُومَةَ بَيْنَنا وبَيْنَكم. فَصْلٌ وَفِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّها اقْتَضَتِ الِاقْتِصارَ عَلى الإنْذارِ، وذَلِكَ قَبْلَ القِتالِ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ السَّيْفِ فَنَسَخَتْها، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: أنَّ مَعْناها: إنَّ الكَلامَ -بَعْدَ ظُهُورِ الحُجَجِ والبَراهِينِ- قَدْ سَقَطَ بَيْنَنا، فَعَلى هَذا هي مُحْكَمَةٌ، حَكاهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ اليَهُودُ، قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكم. وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ: هُمُ المُشْرِكُونَ، طَمِعُوا أنْ تَعُودَ الجاهِلِيَّةُ. (p-٢٨٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إجابَةِ النّاسِ إلى الإسْلامِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: خُصُومَتُهم باطِلَةٌ.

الشورى 42:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَإلى ذَلِكَ، تَقُولُ: دَعَوْتُ إلى فُلانٍ، ودَعَوْتُ لِفُلانٍ، و "ذَلِكَ" بِمَعْنى "هَذا"؛ ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: أنَّهُ التَّوْحِيدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٢٧٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ، لِأنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: المَعْنى: أُمِرْتُ كَيْ أعْدِلَ. وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: أُمِرْتُ بِالعَدْلِ. وتَقَعُ "أُمِرْتُ" عَلى "أنْ"، وعَلى "كَيْ"، وعَلى "اللّامِ"؛ يُقالُ: أُمِرْتُ أنْ أعْدِلَ، وكَيْ أعْدِلَ، ولِأعْدِلَ. ثُمَّ في ما أُمِرَ أنْ يَعْدِلَ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في الأحْكامِ إذا تَرافَعُوا إلَيْهِ. والثّانِي: في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ: هو إلَهُنا وإنِ اخْتَلَفْنا، فَهو يُجازِينا بِأعْمالِنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا﴾ أيْ: جَزاؤُها. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لا خُصُومَةَ بَيْنَنا وبَيْنَكم. فَصْلٌ وَفِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّها اقْتَضَتِ الِاقْتِصارَ عَلى الإنْذارِ، وذَلِكَ قَبْلَ القِتالِ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ السَّيْفِ فَنَسَخَتْها، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: أنَّ مَعْناها: إنَّ الكَلامَ -بَعْدَ ظُهُورِ الحُجَجِ والبَراهِينِ- قَدْ سَقَطَ بَيْنَنا، فَعَلى هَذا هي مُحْكَمَةٌ، حَكاهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ اليَهُودُ، قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكم. وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ: هُمُ المُشْرِكُونَ، طَمِعُوا أنْ تَعُودَ الجاهِلِيَّةُ. (p-٢٨٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إجابَةِ النّاسِ إلى الإسْلامِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: خُصُومَتُهم باطِلَةٌ.

الشورى 42:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ ﴿والمِيزانَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ. ومَعْنى إنْزالِهِ: إلْهامُ الخَلْقِ أنْ يَعْمَلُوا بِهِ، وأمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهم بِالإنْصافِ. وسُمِّي العَدْلُ مِيزانًا؛ لِأنَّ المِيزانَ آلَةُ الإنْصافِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخَلْقِ. وتَمامُ الآيَةِ مَشْرُوحٌ في [الأحْزابِ: ٦٣] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ لِأنَّهم لا يَخافُونَ ما فِيها، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكَوْنِها، فَهم يَطْلُبُونَ قِيامَها اسْتِبْعادًا واسْتِهْزاءً ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ ﴿مِنها﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم مُحاسَبُونَ ومَجْزِيُّونَ، ولا يَدْرُونَ ما يَكُونُ مِنهم ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ أيْ: أنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في كَوْنِها ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ حِينَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا، فَيَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى إقامَتِها. (p-٢٨١)﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى [اسْمِهِ] "اللَّطِيفِ" في [الأنْعامِ: ١٠٣] . وفي عِبادِهِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في الكُلِّ. ولُطْفُهُ بِالفاجِرِ: أنَّهُ لا يُهْلِكُهُ. ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لَهُ الرِّزْقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَمَلَ الآخِرَةِ، يُقالُ: فُلانٌ يَحْرُثُ الدُّنْيا، أيْ: يَعْمَلُ لَها ويَجْمَعُ المالَ؛ فالمَعْنى: مَن أرادَ بِعَمَلِهِ الآخِرَةَ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: نُضاعِفُ لَهُ الحَسَناتِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن أرادَ العَمَلَ لِلَّهِ بِما يُرْضِيهِ، أعانَهُ اللَّهُ عَلى عِبادَتِهِ، ومَن أرادَ الدُّنْيا مُؤْثِرًا لَها عَلى الآخِرَةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِالآخِرَةِ، يُؤْتِهُ مِنها، وهو الَّذِي قَسَّمَ لَهُ، ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ كافِرٌ بِها لَمْ يَعْمَلْ لَها. فَصْلٌ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ أوَّلَ هَذِهِ الآيَةِ إلى "حَرْثِهِ" مُحْكَمٌ، واخْتَلَفُوا في باقِيها عَلى قَوْلَيْنِ. (p-٢٨٢)أحَدُهُما: [أنَّهُ] مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨]، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنهم مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّ الآيَتَيْنِ مُحْكَمَتانِ مُتَّفِقَتانِ في المَعْنى، لِأنَّهُ لَمْ يُقَلْ في هَذِهِ الآيَةِ: نُؤْتِهِ مُرادَهُ، فَعُلِمَ أنَّهُ إنَّما يُؤْتِيهِ اللَّهُ ما أرادَ، وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: "لِمَن نُرِيدُ"، ويُحَقِّقُ هَذا أنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُما مَعْنى الخَبَرِ، وذَلِكَ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ، وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنهم قَتادَةُ.

الشورى 42:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ ﴿والمِيزانَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ. ومَعْنى إنْزالِهِ: إلْهامُ الخَلْقِ أنْ يَعْمَلُوا بِهِ، وأمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهم بِالإنْصافِ. وسُمِّي العَدْلُ مِيزانًا؛ لِأنَّ المِيزانَ آلَةُ الإنْصافِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخَلْقِ. وتَمامُ الآيَةِ مَشْرُوحٌ في [الأحْزابِ: ٦٣] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ لِأنَّهم لا يَخافُونَ ما فِيها، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكَوْنِها، فَهم يَطْلُبُونَ قِيامَها اسْتِبْعادًا واسْتِهْزاءً ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ ﴿مِنها﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم مُحاسَبُونَ ومَجْزِيُّونَ، ولا يَدْرُونَ ما يَكُونُ مِنهم ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ أيْ: أنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في كَوْنِها ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ حِينَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا، فَيَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى إقامَتِها. (p-٢٨١)﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى [اسْمِهِ] "اللَّطِيفِ" في [الأنْعامِ: ١٠٣] . وفي عِبادِهِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في الكُلِّ. ولُطْفُهُ بِالفاجِرِ: أنَّهُ لا يُهْلِكُهُ. ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لَهُ الرِّزْقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَمَلَ الآخِرَةِ، يُقالُ: فُلانٌ يَحْرُثُ الدُّنْيا، أيْ: يَعْمَلُ لَها ويَجْمَعُ المالَ؛ فالمَعْنى: مَن أرادَ بِعَمَلِهِ الآخِرَةَ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: نُضاعِفُ لَهُ الحَسَناتِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن أرادَ العَمَلَ لِلَّهِ بِما يُرْضِيهِ، أعانَهُ اللَّهُ عَلى عِبادَتِهِ، ومَن أرادَ الدُّنْيا مُؤْثِرًا لَها عَلى الآخِرَةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِالآخِرَةِ، يُؤْتِهُ مِنها، وهو الَّذِي قَسَّمَ لَهُ، ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ كافِرٌ بِها لَمْ يَعْمَلْ لَها. فَصْلٌ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ أوَّلَ هَذِهِ الآيَةِ إلى "حَرْثِهِ" مُحْكَمٌ، واخْتَلَفُوا في باقِيها عَلى قَوْلَيْنِ. (p-٢٨٢)أحَدُهُما: [أنَّهُ] مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨]، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنهم مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّ الآيَتَيْنِ مُحْكَمَتانِ مُتَّفِقَتانِ في المَعْنى، لِأنَّهُ لَمْ يُقَلْ في هَذِهِ الآيَةِ: نُؤْتِهِ مُرادَهُ، فَعُلِمَ أنَّهُ إنَّما يُؤْتِيهِ اللَّهُ ما أرادَ، وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: "لِمَن نُرِيدُ"، ويُحَقِّقُ هَذا أنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُما مَعْنى الخَبَرِ، وذَلِكَ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ، وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنهم قَتادَةُ.

الشورى 42:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ ﴿والمِيزانَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ. ومَعْنى إنْزالِهِ: إلْهامُ الخَلْقِ أنْ يَعْمَلُوا بِهِ، وأمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهم بِالإنْصافِ. وسُمِّي العَدْلُ مِيزانًا؛ لِأنَّ المِيزانَ آلَةُ الإنْصافِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخَلْقِ. وتَمامُ الآيَةِ مَشْرُوحٌ في [الأحْزابِ: ٦٣] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ لِأنَّهم لا يَخافُونَ ما فِيها، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكَوْنِها، فَهم يَطْلُبُونَ قِيامَها اسْتِبْعادًا واسْتِهْزاءً ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ ﴿مِنها﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم مُحاسَبُونَ ومَجْزِيُّونَ، ولا يَدْرُونَ ما يَكُونُ مِنهم ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ أيْ: أنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في كَوْنِها ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ حِينَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا، فَيَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى إقامَتِها. (p-٢٨١)﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى [اسْمِهِ] "اللَّطِيفِ" في [الأنْعامِ: ١٠٣] . وفي عِبادِهِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في الكُلِّ. ولُطْفُهُ بِالفاجِرِ: أنَّهُ لا يُهْلِكُهُ. ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لَهُ الرِّزْقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَمَلَ الآخِرَةِ، يُقالُ: فُلانٌ يَحْرُثُ الدُّنْيا، أيْ: يَعْمَلُ لَها ويَجْمَعُ المالَ؛ فالمَعْنى: مَن أرادَ بِعَمَلِهِ الآخِرَةَ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: نُضاعِفُ لَهُ الحَسَناتِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن أرادَ العَمَلَ لِلَّهِ بِما يُرْضِيهِ، أعانَهُ اللَّهُ عَلى عِبادَتِهِ، ومَن أرادَ الدُّنْيا مُؤْثِرًا لَها عَلى الآخِرَةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِالآخِرَةِ، يُؤْتِهُ مِنها، وهو الَّذِي قَسَّمَ لَهُ، ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ كافِرٌ بِها لَمْ يَعْمَلْ لَها. فَصْلٌ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ أوَّلَ هَذِهِ الآيَةِ إلى "حَرْثِهِ" مُحْكَمٌ، واخْتَلَفُوا في باقِيها عَلى قَوْلَيْنِ. (p-٢٨٢)أحَدُهُما: [أنَّهُ] مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨]، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنهم مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّ الآيَتَيْنِ مُحْكَمَتانِ مُتَّفِقَتانِ في المَعْنى، لِأنَّهُ لَمْ يُقَلْ في هَذِهِ الآيَةِ: نُؤْتِهِ مُرادَهُ، فَعُلِمَ أنَّهُ إنَّما يُؤْتِيهِ اللَّهُ ما أرادَ، وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: "لِمَن نُرِيدُ"، ويُحَقِّقُ هَذا أنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُما مَعْنى الخَبَرِ، وذَلِكَ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ، وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنهم قَتادَةُ.

الشورى 42:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ ﴿والمِيزانَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ. ومَعْنى إنْزالِهِ: إلْهامُ الخَلْقِ أنْ يَعْمَلُوا بِهِ، وأمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهم بِالإنْصافِ. وسُمِّي العَدْلُ مِيزانًا؛ لِأنَّ المِيزانَ آلَةُ الإنْصافِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخَلْقِ. وتَمامُ الآيَةِ مَشْرُوحٌ في [الأحْزابِ: ٦٣] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ لِأنَّهم لا يَخافُونَ ما فِيها، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكَوْنِها، فَهم يَطْلُبُونَ قِيامَها اسْتِبْعادًا واسْتِهْزاءً ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ ﴿مِنها﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم مُحاسَبُونَ ومَجْزِيُّونَ، ولا يَدْرُونَ ما يَكُونُ مِنهم ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ أيْ: أنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في كَوْنِها ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ حِينَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا، فَيَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى إقامَتِها. (p-٢٨١)﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى [اسْمِهِ] "اللَّطِيفِ" في [الأنْعامِ: ١٠٣] . وفي عِبادِهِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في الكُلِّ. ولُطْفُهُ بِالفاجِرِ: أنَّهُ لا يُهْلِكُهُ. ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لَهُ الرِّزْقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَمَلَ الآخِرَةِ، يُقالُ: فُلانٌ يَحْرُثُ الدُّنْيا، أيْ: يَعْمَلُ لَها ويَجْمَعُ المالَ؛ فالمَعْنى: مَن أرادَ بِعَمَلِهِ الآخِرَةَ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: نُضاعِفُ لَهُ الحَسَناتِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن أرادَ العَمَلَ لِلَّهِ بِما يُرْضِيهِ، أعانَهُ اللَّهُ عَلى عِبادَتِهِ، ومَن أرادَ الدُّنْيا مُؤْثِرًا لَها عَلى الآخِرَةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِالآخِرَةِ، يُؤْتِهُ مِنها، وهو الَّذِي قَسَّمَ لَهُ، ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ كافِرٌ بِها لَمْ يَعْمَلْ لَها. فَصْلٌ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ أوَّلَ هَذِهِ الآيَةِ إلى "حَرْثِهِ" مُحْكَمٌ، واخْتَلَفُوا في باقِيها عَلى قَوْلَيْنِ. (p-٢٨٢)أحَدُهُما: [أنَّهُ] مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨]، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنهم مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّ الآيَتَيْنِ مُحْكَمَتانِ مُتَّفِقَتانِ في المَعْنى، لِأنَّهُ لَمْ يُقَلْ في هَذِهِ الآيَةِ: نُؤْتِهِ مُرادَهُ، فَعُلِمَ أنَّهُ إنَّما يُؤْتِيهِ اللَّهُ ما أرادَ، وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: "لِمَن نُرِيدُ"، ويُحَقِّقُ هَذا أنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُما مَعْنى الخَبَرِ، وذَلِكَ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ، وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنهم قَتادَةُ.

الشورى 42:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ؛ والمَعْنى: ألَهم آلِهَةٌ ﴿شَرَعُوا﴾ أيِ: ابْتَدَعُوا ﴿لَهُمْ﴾ دِينًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؟! ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ (p-٢٨٣)وَهِيَ: القَضاءُ السّابِقُ بِأنَّ الجَزاءَ يَكُونُ في القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِنُزُولِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ. والظّالِمُونَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي تَلِيها: يُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ. والإشْفاقُ: الخَوْفُ. والَّذِي كَسَبُوا: هو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ، ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهُ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الجَنّاتِ ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: "ذَلِكَ" بِمَعْنى: هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكم بِهِ بُشْرى يُبَشِّرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَنُوبُهُ نَوائِبُ ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فاجْمَعُوا لَهُ مِن أمْوالِكم مالا يَضُرُّكُمْ، فَفَعَلُوا ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في مَجْمَعٍ لَهُمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ عَلى ما يَتَعاطاهُ أجْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. (p-٢٨٤)والهاءُ في "عَلَيْهِ" كِنايَةٌ عَمّا جاءَ بِهِ مِنَ الهُدى. وَفِي الِاسْتِثْناءِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الجِنْسِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ سائِلًا أجْرًا. وقَدْ أشارَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ إلى هَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم. . .﴾ [الآيَةُ] [سَبَأٍ: ٤٧]، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ عَلى تَبْلِيغِهِمْ أجْرًا؛ وإنَّما المَعْنى: لَكِنِّي أُذَكِّرُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى، وقَدْ رَوى هَذا المَعْنى جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِنهُمُ العَوْفِيُّ، وهَذا اخْتِيارُ المُحَقِّقِينَ، وهو الصَّحِيحُ، فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ أصْلًا. وَفِي المُرادِ بِالقُرْبى خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في الأكْثَرِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ إلّا ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ قَرابَةٌ. والثّانِي: إلّا [أنْ] تَوَدُّوا قَرابَتِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. ثُمَّ في المُرادِ بِقَرابَتِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَدُها، وقَدْ رَوَوْهُ (p-٢٨٥)مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ ويُقَسَّمُ فِيهِمُ الخُمُسُ، وهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي، كَما تَوَدُّونَ قَرابَتَكُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: إلّا أنْ تَوَدُّوا قَرابَتَكم وتَصِلُوا أرْحامَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والأوَّلُ: أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ﴾ أيْ: مَن يَكْتَسِبْ ﴿حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أيْ: نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِدْ لَهُ" بِالياءِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْقَلِيلِ حَتّى يُضاعِفَهُ. ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أيْ: بَلْ يَقُولُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ حِينَ زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ! ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. (p-٢٨٦)أحَدُهُما: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم فَلا يَشُقُّ عَلَيْكَ قَوْلُهُمْ: إنَّكَ مُفْتَرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِمَرْدُودٍ عَلى "يَخْتِمُ" فَيَكُونُ جَزْمًا، وإنَّما هو مُسْتَأْنَفٌ، ومِثْلُهُ مِمّا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ [الإسْراءِ: ١١] . وقالَ الكِسائِيُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: الوَقْفُ عَلَيْها "وَيَمْحُوا" بِواوِ وألِفِ؛ والمَعْنى: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ عَلى كُلِّ حالٍ، غَيْرَ أنَّها كُتِبَتْ في المَصاحِفِ بِغَيْرِ واوٍ، لِأنَّ الواوَ تَسْقُطُ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَكُتِبَتْ عَلى الوَصْلِ، ولَفْظُ الواوِ ثابِتٌ؛ والمَعْنى: ويَمْحُو اللَّهُ الشِّرْكَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِما أنْزَلَهُ مِن كِتابِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ .

الشورى 42:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ؛ والمَعْنى: ألَهم آلِهَةٌ ﴿شَرَعُوا﴾ أيِ: ابْتَدَعُوا ﴿لَهُمْ﴾ دِينًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؟! ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ (p-٢٨٣)وَهِيَ: القَضاءُ السّابِقُ بِأنَّ الجَزاءَ يَكُونُ في القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِنُزُولِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ. والظّالِمُونَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي تَلِيها: يُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ. والإشْفاقُ: الخَوْفُ. والَّذِي كَسَبُوا: هو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ، ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهُ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الجَنّاتِ ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: "ذَلِكَ" بِمَعْنى: هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكم بِهِ بُشْرى يُبَشِّرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَنُوبُهُ نَوائِبُ ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فاجْمَعُوا لَهُ مِن أمْوالِكم مالا يَضُرُّكُمْ، فَفَعَلُوا ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في مَجْمَعٍ لَهُمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ عَلى ما يَتَعاطاهُ أجْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. (p-٢٨٤)والهاءُ في "عَلَيْهِ" كِنايَةٌ عَمّا جاءَ بِهِ مِنَ الهُدى. وَفِي الِاسْتِثْناءِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الجِنْسِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ سائِلًا أجْرًا. وقَدْ أشارَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ إلى هَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم. . .﴾ [الآيَةُ] [سَبَأٍ: ٤٧]، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ عَلى تَبْلِيغِهِمْ أجْرًا؛ وإنَّما المَعْنى: لَكِنِّي أُذَكِّرُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى، وقَدْ رَوى هَذا المَعْنى جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِنهُمُ العَوْفِيُّ، وهَذا اخْتِيارُ المُحَقِّقِينَ، وهو الصَّحِيحُ، فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ أصْلًا. وَفِي المُرادِ بِالقُرْبى خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في الأكْثَرِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ إلّا ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ قَرابَةٌ. والثّانِي: إلّا [أنْ] تَوَدُّوا قَرابَتِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. ثُمَّ في المُرادِ بِقَرابَتِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَدُها، وقَدْ رَوَوْهُ (p-٢٨٥)مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ ويُقَسَّمُ فِيهِمُ الخُمُسُ، وهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي، كَما تَوَدُّونَ قَرابَتَكُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: إلّا أنْ تَوَدُّوا قَرابَتَكم وتَصِلُوا أرْحامَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والأوَّلُ: أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ﴾ أيْ: مَن يَكْتَسِبْ ﴿حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أيْ: نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِدْ لَهُ" بِالياءِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْقَلِيلِ حَتّى يُضاعِفَهُ. ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أيْ: بَلْ يَقُولُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ حِينَ زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ! ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. (p-٢٨٦)أحَدُهُما: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم فَلا يَشُقُّ عَلَيْكَ قَوْلُهُمْ: إنَّكَ مُفْتَرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِمَرْدُودٍ عَلى "يَخْتِمُ" فَيَكُونُ جَزْمًا، وإنَّما هو مُسْتَأْنَفٌ، ومِثْلُهُ مِمّا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ [الإسْراءِ: ١١] . وقالَ الكِسائِيُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: الوَقْفُ عَلَيْها "وَيَمْحُوا" بِواوِ وألِفِ؛ والمَعْنى: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ عَلى كُلِّ حالٍ، غَيْرَ أنَّها كُتِبَتْ في المَصاحِفِ بِغَيْرِ واوٍ، لِأنَّ الواوَ تَسْقُطُ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَكُتِبَتْ عَلى الوَصْلِ، ولَفْظُ الواوِ ثابِتٌ؛ والمَعْنى: ويَمْحُو اللَّهُ الشِّرْكَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِما أنْزَلَهُ مِن كِتابِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ .

الشورى 42:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ؛ والمَعْنى: ألَهم آلِهَةٌ ﴿شَرَعُوا﴾ أيِ: ابْتَدَعُوا ﴿لَهُمْ﴾ دِينًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؟! ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ (p-٢٨٣)وَهِيَ: القَضاءُ السّابِقُ بِأنَّ الجَزاءَ يَكُونُ في القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِنُزُولِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ. والظّالِمُونَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي تَلِيها: يُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ. والإشْفاقُ: الخَوْفُ. والَّذِي كَسَبُوا: هو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ، ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهُ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الجَنّاتِ ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: "ذَلِكَ" بِمَعْنى: هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكم بِهِ بُشْرى يُبَشِّرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَنُوبُهُ نَوائِبُ ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فاجْمَعُوا لَهُ مِن أمْوالِكم مالا يَضُرُّكُمْ، فَفَعَلُوا ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في مَجْمَعٍ لَهُمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ عَلى ما يَتَعاطاهُ أجْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. (p-٢٨٤)والهاءُ في "عَلَيْهِ" كِنايَةٌ عَمّا جاءَ بِهِ مِنَ الهُدى. وَفِي الِاسْتِثْناءِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الجِنْسِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ سائِلًا أجْرًا. وقَدْ أشارَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ إلى هَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم. . .﴾ [الآيَةُ] [سَبَأٍ: ٤٧]، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ عَلى تَبْلِيغِهِمْ أجْرًا؛ وإنَّما المَعْنى: لَكِنِّي أُذَكِّرُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى، وقَدْ رَوى هَذا المَعْنى جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِنهُمُ العَوْفِيُّ، وهَذا اخْتِيارُ المُحَقِّقِينَ، وهو الصَّحِيحُ، فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ أصْلًا. وَفِي المُرادِ بِالقُرْبى خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في الأكْثَرِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ إلّا ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ قَرابَةٌ. والثّانِي: إلّا [أنْ] تَوَدُّوا قَرابَتِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. ثُمَّ في المُرادِ بِقَرابَتِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَدُها، وقَدْ رَوَوْهُ (p-٢٨٥)مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ ويُقَسَّمُ فِيهِمُ الخُمُسُ، وهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي، كَما تَوَدُّونَ قَرابَتَكُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: إلّا أنْ تَوَدُّوا قَرابَتَكم وتَصِلُوا أرْحامَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والأوَّلُ: أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ﴾ أيْ: مَن يَكْتَسِبْ ﴿حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أيْ: نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِدْ لَهُ" بِالياءِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْقَلِيلِ حَتّى يُضاعِفَهُ. ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أيْ: بَلْ يَقُولُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ حِينَ زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ! ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. (p-٢٨٦)أحَدُهُما: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم فَلا يَشُقُّ عَلَيْكَ قَوْلُهُمْ: إنَّكَ مُفْتَرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِمَرْدُودٍ عَلى "يَخْتِمُ" فَيَكُونُ جَزْمًا، وإنَّما هو مُسْتَأْنَفٌ، ومِثْلُهُ مِمّا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ [الإسْراءِ: ١١] . وقالَ الكِسائِيُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: الوَقْفُ عَلَيْها "وَيَمْحُوا" بِواوِ وألِفِ؛ والمَعْنى: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ عَلى كُلِّ حالٍ، غَيْرَ أنَّها كُتِبَتْ في المَصاحِفِ بِغَيْرِ واوٍ، لِأنَّ الواوَ تَسْقُطُ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَكُتِبَتْ عَلى الوَصْلِ، ولَفْظُ الواوِ ثابِتٌ؛ والمَعْنى: ويَمْحُو اللَّهُ الشِّرْكَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِما أنْزَلَهُ مِن كِتابِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ .

الشورى 42:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ؛ والمَعْنى: ألَهم آلِهَةٌ ﴿شَرَعُوا﴾ أيِ: ابْتَدَعُوا ﴿لَهُمْ﴾ دِينًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؟! ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ (p-٢٨٣)وَهِيَ: القَضاءُ السّابِقُ بِأنَّ الجَزاءَ يَكُونُ في القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِنُزُولِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ. والظّالِمُونَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي تَلِيها: يُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ. والإشْفاقُ: الخَوْفُ. والَّذِي كَسَبُوا: هو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ، ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهُ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الجَنّاتِ ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: "ذَلِكَ" بِمَعْنى: هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكم بِهِ بُشْرى يُبَشِّرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَنُوبُهُ نَوائِبُ ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فاجْمَعُوا لَهُ مِن أمْوالِكم مالا يَضُرُّكُمْ، فَفَعَلُوا ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في مَجْمَعٍ لَهُمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ عَلى ما يَتَعاطاهُ أجْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. (p-٢٨٤)والهاءُ في "عَلَيْهِ" كِنايَةٌ عَمّا جاءَ بِهِ مِنَ الهُدى. وَفِي الِاسْتِثْناءِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الجِنْسِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ سائِلًا أجْرًا. وقَدْ أشارَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ إلى هَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم. . .﴾ [الآيَةُ] [سَبَأٍ: ٤٧]، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ عَلى تَبْلِيغِهِمْ أجْرًا؛ وإنَّما المَعْنى: لَكِنِّي أُذَكِّرُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى، وقَدْ رَوى هَذا المَعْنى جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِنهُمُ العَوْفِيُّ، وهَذا اخْتِيارُ المُحَقِّقِينَ، وهو الصَّحِيحُ، فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ أصْلًا. وَفِي المُرادِ بِالقُرْبى خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في الأكْثَرِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ إلّا ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ قَرابَةٌ. والثّانِي: إلّا [أنْ] تَوَدُّوا قَرابَتِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. ثُمَّ في المُرادِ بِقَرابَتِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَدُها، وقَدْ رَوَوْهُ (p-٢٨٥)مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ ويُقَسَّمُ فِيهِمُ الخُمُسُ، وهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي، كَما تَوَدُّونَ قَرابَتَكُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: إلّا أنْ تَوَدُّوا قَرابَتَكم وتَصِلُوا أرْحامَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والأوَّلُ: أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ﴾ أيْ: مَن يَكْتَسِبْ ﴿حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أيْ: نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِدْ لَهُ" بِالياءِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْقَلِيلِ حَتّى يُضاعِفَهُ. ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أيْ: بَلْ يَقُولُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ حِينَ زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ! ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. (p-٢٨٦)أحَدُهُما: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم فَلا يَشُقُّ عَلَيْكَ قَوْلُهُمْ: إنَّكَ مُفْتَرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِمَرْدُودٍ عَلى "يَخْتِمُ" فَيَكُونُ جَزْمًا، وإنَّما هو مُسْتَأْنَفٌ، ومِثْلُهُ مِمّا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ [الإسْراءِ: ١١] . وقالَ الكِسائِيُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: الوَقْفُ عَلَيْها "وَيَمْحُوا" بِواوِ وألِفِ؛ والمَعْنى: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ عَلى كُلِّ حالٍ، غَيْرَ أنَّها كُتِبَتْ في المَصاحِفِ بِغَيْرِ واوٍ، لِأنَّ الواوَ تَسْقُطُ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَكُتِبَتْ عَلى الوَصْلِ، ولَفْظُ الواوِ ثابِتٌ؛ والمَعْنى: ويَمْحُو اللَّهُ الشِّرْكَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِما أنْزَلَهُ مِن كِتابِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ .

الشورى 42:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [بَراءَةٍ: ١٠٤] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالياءِ، عَلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ والتَّهْدِيدِ لَهم. وَ "يَسْتَجِيبُ" بِمَعْنى يُجِيبُ. وفِيهِ قَوْلانِ. (p-٢٨٧)أحَدُهُما: أنَّ الفِعْلَ فِيهِ لِلَّهِ، والمَعْنى: يُجِيبُهم إذا سَألُوهُ؛ وقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أبِي إبْراهِيمَ اللَّخْمِيِّ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: يُشَفَّعُونَ في إخْوانِهِمْ، ﴿وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: يُشَفَّعُونَ في إخْوانِ إخْوانِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فالمَعْنى: يُجِيبُونَهُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ﴾ قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومَعْنى الآيَةِ: لَوْ أوْسَعَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَطَرُوا وعَصَوْا وبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَنْزِلُ أمْرُهُ بِتَقْدِيرِ ما يَشاءُ مِمّا يُصْلِحُ أُمُورَهم ولا يُطْغِيهِمْ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ فَمِنهم مَن لا يُصْلِحُهُ إلّا الغِنى، ومِنهم مَن لا يُصْلِحُهُ إلّا الفَقْرُ.

الشورى 42:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [بَراءَةٍ: ١٠٤] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالياءِ، عَلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ والتَّهْدِيدِ لَهم. وَ "يَسْتَجِيبُ" بِمَعْنى يُجِيبُ. وفِيهِ قَوْلانِ. (p-٢٨٧)أحَدُهُما: أنَّ الفِعْلَ فِيهِ لِلَّهِ، والمَعْنى: يُجِيبُهم إذا سَألُوهُ؛ وقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أبِي إبْراهِيمَ اللَّخْمِيِّ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: يُشَفَّعُونَ في إخْوانِهِمْ، ﴿وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: يُشَفَّعُونَ في إخْوانِ إخْوانِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فالمَعْنى: يُجِيبُونَهُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ﴾ قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومَعْنى الآيَةِ: لَوْ أوْسَعَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَطَرُوا وعَصَوْا وبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَنْزِلُ أمْرُهُ بِتَقْدِيرِ ما يَشاءُ مِمّا يُصْلِحُ أُمُورَهم ولا يُطْغِيهِمْ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ فَمِنهم مَن لا يُصْلِحُهُ إلّا الغِنى، ومِنهم مَن لا يُصْلِحُهُ إلّا الفَقْرُ.

الشورى 42:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [بَراءَةٍ: ١٠٤] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالياءِ، عَلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ والتَّهْدِيدِ لَهم. وَ "يَسْتَجِيبُ" بِمَعْنى يُجِيبُ. وفِيهِ قَوْلانِ. (p-٢٨٧)أحَدُهُما: أنَّ الفِعْلَ فِيهِ لِلَّهِ، والمَعْنى: يُجِيبُهم إذا سَألُوهُ؛ وقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أبِي إبْراهِيمَ اللَّخْمِيِّ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: يُشَفَّعُونَ في إخْوانِهِمْ، ﴿وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: يُشَفَّعُونَ في إخْوانِ إخْوانِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فالمَعْنى: يُجِيبُونَهُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ﴾ قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومَعْنى الآيَةِ: لَوْ أوْسَعَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَطَرُوا وعَصَوْا وبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَنْزِلُ أمْرُهُ بِتَقْدِيرِ ما يَشاءُ مِمّا يُصْلِحُ أُمُورَهم ولا يُطْغِيهِمْ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ فَمِنهم مَن لا يُصْلِحُهُ إلّا الغِنى، ومِنهم مَن لا يُصْلِحُهُ إلّا الفَقْرُ.

الشورى 42:28

(p-٢٨٨)﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ يَعْنِي المَطَرَ وقْتَ الحاجَةِ ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: يَئِسُوا، وذَلِكَ أدْعى لَهم إلى شُكْرِ مُنْزِلِهِ ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ في الرَّحْمَةِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: المَطَرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: الشَّمْسُ بَعْدَ المَطَرِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقَدْ ذَكَرْنا "الوَلِيَّ" في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٥] و "الحَمِيدَ" في [البَقَرَةِ: ٢٦٧] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ وهو ما يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِن مَكْرُوهٍ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ مِنَ المَعاصِي. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ" بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ [هِيَ] في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ فَلا يُعاقِبُ بِها. وقِيلَ لِأبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ: ما بالُ العُقَلاءِ أزالُوا اللَّوْمَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ؟ قالَ: إنَّهم عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ابْتَلاهم بِذُنُوبِهِمْ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ إنْ أرادَ اللَّهُ عُقُوبَتَكم،وَهَذا يَدْخَلُ فِيهِ الكُفّارُ والعُصاةُ كُلُّهم.

الشورى 42:29

(p-٢٨٨)﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ يَعْنِي المَطَرَ وقْتَ الحاجَةِ ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: يَئِسُوا، وذَلِكَ أدْعى لَهم إلى شُكْرِ مُنْزِلِهِ ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ في الرَّحْمَةِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: المَطَرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: الشَّمْسُ بَعْدَ المَطَرِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقَدْ ذَكَرْنا "الوَلِيَّ" في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٥] و "الحَمِيدَ" في [البَقَرَةِ: ٢٦٧] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ وهو ما يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِن مَكْرُوهٍ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ مِنَ المَعاصِي. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ" بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ [هِيَ] في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ فَلا يُعاقِبُ بِها. وقِيلَ لِأبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ: ما بالُ العُقَلاءِ أزالُوا اللَّوْمَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ؟ قالَ: إنَّهم عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ابْتَلاهم بِذُنُوبِهِمْ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ إنْ أرادَ اللَّهُ عُقُوبَتَكم،وَهَذا يَدْخَلُ فِيهِ الكُفّارُ والعُصاةُ كُلُّهم.

الشورى 42:30

(p-٢٨٨)﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ يَعْنِي المَطَرَ وقْتَ الحاجَةِ ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: يَئِسُوا، وذَلِكَ أدْعى لَهم إلى شُكْرِ مُنْزِلِهِ ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ في الرَّحْمَةِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: المَطَرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: الشَّمْسُ بَعْدَ المَطَرِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقَدْ ذَكَرْنا "الوَلِيَّ" في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٥] و "الحَمِيدَ" في [البَقَرَةِ: ٢٦٧] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ وهو ما يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِن مَكْرُوهٍ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ مِنَ المَعاصِي. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ" بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ [هِيَ] في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ فَلا يُعاقِبُ بِها. وقِيلَ لِأبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ: ما بالُ العُقَلاءِ أزالُوا اللَّوْمَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ؟ قالَ: إنَّهم عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ابْتَلاهم بِذُنُوبِهِمْ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ إنْ أرادَ اللَّهُ عُقُوبَتَكم،وَهَذا يَدْخَلُ فِيهِ الكُفّارُ والعُصاةُ كُلُّهم.

الشورى 42:31

(p-٢٨٨)﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ يَعْنِي المَطَرَ وقْتَ الحاجَةِ ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: يَئِسُوا، وذَلِكَ أدْعى لَهم إلى شُكْرِ مُنْزِلِهِ ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ في الرَّحْمَةِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: المَطَرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: الشَّمْسُ بَعْدَ المَطَرِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقَدْ ذَكَرْنا "الوَلِيَّ" في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٥] و "الحَمِيدَ" في [البَقَرَةِ: ٢٦٧] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ وهو ما يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِن مَكْرُوهٍ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ مِنَ المَعاصِي. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ" بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ [هِيَ] في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ فَلا يُعاقِبُ بِها. وقِيلَ لِأبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ: ما بالُ العُقَلاءِ أزالُوا اللَّوْمَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ؟ قالَ: إنَّهم عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ابْتَلاهم بِذُنُوبِهِمْ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ إنْ أرادَ اللَّهُ عُقُوبَتَكم،وَهَذا يَدْخَلُ فِيهِ الكُفّارُ والعُصاةُ كُلُّهم.

الشورى 42:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ بِالجِوارِ: السُّفُنُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "الجَوارِي" بِياءٍ في الوَصْلِ، إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَقِفُ أيْضًا بِياءٍ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ، ويَعْقُوبُ يُوافِقُ ابْنَ كَثِيرٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِياسُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ، ومَن حَذَفَ، فَقَدْ كَثُرَ حَذْفُ مِثْلِ هَذا في كَلامِهِمْ. ﴿كالأعْلامِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كالجِبالِ، واحِدُها: عَلَمٌ. ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٌ -عِنْدَ العَرَبِ- فَهو عَلَمٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الَّتِي تُجْرِيها ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ يَعْنِي الجَوارِيَ ﴿رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ أيْ: سَواكِنَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ [لا يَجْرِينَ] . ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ ويُغْرِقُهُنَّ، والمُرادُ أهْلُ السُّفُنِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الهَلاكِ. ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وقَطْعِهِ مِنَ الأوَّلِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: هو مَرْدُودٌ عَلى الجَزْمِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ، والجَزْمُ إذا صُرِفَ عَنْهُ مَعْطُوفُهُ نُصِبَ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ. (p-٢٩٠)أحَدُهُما: ويَعْلَمُ الَّذِينَ يُخاصِمُونَ في آياتِ اللَّهِ حِينَ يُؤْخَذُونَ بِالغَرَقِ أنَّهُ لا مَلْجَأ لَهم. والثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ بَعْدَ البَعْثِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الدُّنْيا فَهو مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، ثُمَّ يَزُولُ سَرِيعًا، ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا لِلْكافِرِينَ، لِأنَّهُ إنَّما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ العَذابَ.

الشورى 42:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ بِالجِوارِ: السُّفُنُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "الجَوارِي" بِياءٍ في الوَصْلِ، إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَقِفُ أيْضًا بِياءٍ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ، ويَعْقُوبُ يُوافِقُ ابْنَ كَثِيرٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِياسُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ، ومَن حَذَفَ، فَقَدْ كَثُرَ حَذْفُ مِثْلِ هَذا في كَلامِهِمْ. ﴿كالأعْلامِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كالجِبالِ، واحِدُها: عَلَمٌ. ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٌ -عِنْدَ العَرَبِ- فَهو عَلَمٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الَّتِي تُجْرِيها ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ يَعْنِي الجَوارِيَ ﴿رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ أيْ: سَواكِنَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ [لا يَجْرِينَ] . ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ ويُغْرِقُهُنَّ، والمُرادُ أهْلُ السُّفُنِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الهَلاكِ. ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وقَطْعِهِ مِنَ الأوَّلِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: هو مَرْدُودٌ عَلى الجَزْمِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ، والجَزْمُ إذا صُرِفَ عَنْهُ مَعْطُوفُهُ نُصِبَ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ. (p-٢٩٠)أحَدُهُما: ويَعْلَمُ الَّذِينَ يُخاصِمُونَ في آياتِ اللَّهِ حِينَ يُؤْخَذُونَ بِالغَرَقِ أنَّهُ لا مَلْجَأ لَهم. والثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ بَعْدَ البَعْثِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الدُّنْيا فَهو مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، ثُمَّ يَزُولُ سَرِيعًا، ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا لِلْكافِرِينَ، لِأنَّهُ إنَّما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ العَذابَ.

الشورى 42:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ بِالجِوارِ: السُّفُنُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "الجَوارِي" بِياءٍ في الوَصْلِ، إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَقِفُ أيْضًا بِياءٍ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ، ويَعْقُوبُ يُوافِقُ ابْنَ كَثِيرٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِياسُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ، ومَن حَذَفَ، فَقَدْ كَثُرَ حَذْفُ مِثْلِ هَذا في كَلامِهِمْ. ﴿كالأعْلامِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كالجِبالِ، واحِدُها: عَلَمٌ. ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٌ -عِنْدَ العَرَبِ- فَهو عَلَمٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الَّتِي تُجْرِيها ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ يَعْنِي الجَوارِيَ ﴿رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ أيْ: سَواكِنَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ [لا يَجْرِينَ] . ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ ويُغْرِقُهُنَّ، والمُرادُ أهْلُ السُّفُنِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الهَلاكِ. ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وقَطْعِهِ مِنَ الأوَّلِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: هو مَرْدُودٌ عَلى الجَزْمِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ، والجَزْمُ إذا صُرِفَ عَنْهُ مَعْطُوفُهُ نُصِبَ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ. (p-٢٩٠)أحَدُهُما: ويَعْلَمُ الَّذِينَ يُخاصِمُونَ في آياتِ اللَّهِ حِينَ يُؤْخَذُونَ بِالغَرَقِ أنَّهُ لا مَلْجَأ لَهم. والثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ بَعْدَ البَعْثِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الدُّنْيا فَهو مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، ثُمَّ يَزُولُ سَرِيعًا، ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا لِلْكافِرِينَ، لِأنَّهُ إنَّما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ العَذابَ.

الشورى 42:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ بِالجِوارِ: السُّفُنُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "الجَوارِي" بِياءٍ في الوَصْلِ، إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَقِفُ أيْضًا بِياءٍ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ، ويَعْقُوبُ يُوافِقُ ابْنَ كَثِيرٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِياسُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ، ومَن حَذَفَ، فَقَدْ كَثُرَ حَذْفُ مِثْلِ هَذا في كَلامِهِمْ. ﴿كالأعْلامِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كالجِبالِ، واحِدُها: عَلَمٌ. ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٌ -عِنْدَ العَرَبِ- فَهو عَلَمٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الَّتِي تُجْرِيها ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ يَعْنِي الجَوارِيَ ﴿رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ أيْ: سَواكِنَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ [لا يَجْرِينَ] . ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ ويُغْرِقُهُنَّ، والمُرادُ أهْلُ السُّفُنِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الهَلاكِ. ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وقَطْعِهِ مِنَ الأوَّلِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: هو مَرْدُودٌ عَلى الجَزْمِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ، والجَزْمُ إذا صُرِفَ عَنْهُ مَعْطُوفُهُ نُصِبَ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ. (p-٢٩٠)أحَدُهُما: ويَعْلَمُ الَّذِينَ يُخاصِمُونَ في آياتِ اللَّهِ حِينَ يُؤْخَذُونَ بِالغَرَقِ أنَّهُ لا مَلْجَأ لَهم. والثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ بَعْدَ البَعْثِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الدُّنْيا فَهو مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، ثُمَّ يَزُولُ سَرِيعًا، ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا لِلْكافِرِينَ، لِأنَّهُ إنَّما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ العَذابَ.

الشورى 42:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ بِالجِوارِ: السُّفُنُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "الجَوارِي" بِياءٍ في الوَصْلِ، إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَقِفُ أيْضًا بِياءٍ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ، ويَعْقُوبُ يُوافِقُ ابْنَ كَثِيرٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِياسُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ، ومَن حَذَفَ، فَقَدْ كَثُرَ حَذْفُ مِثْلِ هَذا في كَلامِهِمْ. ﴿كالأعْلامِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كالجِبالِ، واحِدُها: عَلَمٌ. ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٌ -عِنْدَ العَرَبِ- فَهو عَلَمٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الَّتِي تُجْرِيها ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ يَعْنِي الجَوارِيَ ﴿رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ أيْ: سَواكِنَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ [لا يَجْرِينَ] . ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ ويُغْرِقُهُنَّ، والمُرادُ أهْلُ السُّفُنِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الهَلاكِ. ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وقَطْعِهِ مِنَ الأوَّلِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: هو مَرْدُودٌ عَلى الجَزْمِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ، والجَزْمُ إذا صُرِفَ عَنْهُ مَعْطُوفُهُ نُصِبَ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ. (p-٢٩٠)أحَدُهُما: ويَعْلَمُ الَّذِينَ يُخاصِمُونَ في آياتِ اللَّهِ حِينَ يُؤْخَذُونَ بِالغَرَقِ أنَّهُ لا مَلْجَأ لَهم. والثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ بَعْدَ البَعْثِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الدُّنْيا فَهو مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، ثُمَّ يَزُولُ سَرِيعًا، ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا لِلْكافِرِينَ، لِأنَّهُ إنَّما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ العَذابَ.

الشورى 42:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى التَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِألِفٍ. وقَدْ شَرَحْنا الكَبائِرَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣١] . وفي المُرادِ بِالفَواحِشِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الزِّنا. والثّانِي: مُوجِباتُ الحُدُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم (p-٢٩١)طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: أجابُوهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيهِ [بَيْنَهُمْ] . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في [هَذا] البَغْيِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. قالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ الكُفّارُ مِن مَكَّةَ وبَغَوْا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهم فانْتَصَرُوا. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَعْفُو عَنِ المُشْرِكِينَ، وفِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَنْتَصِرُ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقالَ في الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ المُهاجِرِينَ، وكانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفًا عَفا، و صِنْفًا انْتَصَرَ، فَقالَ: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، فَبَدَأ بِهِمْ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ (p-٢٩٢)البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ؛ وقالَ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: إلى قَوْلِهِ: ﴿ "يُنْفِقُونَ﴾ وهُمُ الأنْصارُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ. والثّانِي: أنَّهُ بَغْيُ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً. والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ البُغاةِ، سَواءٌ كانُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ. فَصْلٌ واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّها في المُشْرِكِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّها أثْبَتَتِ الِانْتِصارَ بَعْدَ بَغْيِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا جازَ لَنا أنْ نَبْدَأهم بِالقِتالِ، دَلَّ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ. ولِلْقائِلِينَ بِأنَّها في المُسْلِمِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ [الشُّورى: ٤٣] فَكَأنَّها نَبَّهَتْ عَلى مَدْحِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ أمْدَحُ، فَبانَ وجْهُ النَّسْخِ. والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ فَضِيلَةٌ، والِانْتِصارَ مُباحٌ، فَعَلى هَذا تَكُونُ مُحْكَمَةٌ، [وَهُوَ الأصَحُّ] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -وَظاهِرُها مَدْحُ المُنْتَصِرِ- وبَيْنَ آياتِ الحَثِّ عَلى العَفْوِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ مِنَ الكافِرِينَ، وتِلْكَ رُتْبَةُ الجِهادِ كَما ذَكَرْنا عَنْ عَطاءٍ. (p-٢٩٣)والثّانِي: أنَّ المُنْتَصِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ فِعْلٍ أُبِيحَ لَهُ، وإنْ كانَ العَفْوُ أفْضَلَ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّرْعِ بِفِعْلِهِ، حَسُنَ مَدْحُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُو، فَبَدَأ بِذِكْرِهِ، وصِنْفٌ يَنْتَصِرُ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا بَغى عَلى المُؤْمِنِ فاسِقٌ، فَلِأنَّ لَهُ اجْتِراءَ الفُسّاقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكْسِرَ شَوْكَةَ العُصاةِ لِتَكُونَ العِزَّةُ لِأهْلِ الدِّينِ. قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، فَإذا قَدَرُوا عَفَوا. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، وآياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ الجانِي نادِمًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ، إذا قالَ لَهُ كَلِمَةَ إجابَةٍ بِمِثْلِها مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا في القِصاصِ في الجِراحاتِ والدِّماءِ. ﴿فَمَن عَفا﴾ فَلَمْ يَقْتَصَّ ﴿وَأصْلَحَ﴾ العَمَلَ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَن بَدَأ بِالظُّلْمِ. وإنَّما سَمّى المُجازاةَ سَيِّئَةً، لِما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] . قالَ الحَسَنُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ؛ والمَصْدَرُ هاهُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونَظِيرُهُ: ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٩] و ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى لَوْمٍ ولا حَدٍّ، ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَبْتَدِؤُونَ بِالظُّلْمِ ﴿وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعاصِي. (p-٢٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ﴿وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] .

الشورى 42:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى التَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِألِفٍ. وقَدْ شَرَحْنا الكَبائِرَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣١] . وفي المُرادِ بِالفَواحِشِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الزِّنا. والثّانِي: مُوجِباتُ الحُدُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم (p-٢٩١)طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: أجابُوهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيهِ [بَيْنَهُمْ] . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في [هَذا] البَغْيِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. قالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ الكُفّارُ مِن مَكَّةَ وبَغَوْا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهم فانْتَصَرُوا. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَعْفُو عَنِ المُشْرِكِينَ، وفِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَنْتَصِرُ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقالَ في الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ المُهاجِرِينَ، وكانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفًا عَفا، و صِنْفًا انْتَصَرَ، فَقالَ: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، فَبَدَأ بِهِمْ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ (p-٢٩٢)البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ؛ وقالَ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: إلى قَوْلِهِ: ﴿ "يُنْفِقُونَ﴾ وهُمُ الأنْصارُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ. والثّانِي: أنَّهُ بَغْيُ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً. والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ البُغاةِ، سَواءٌ كانُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ. فَصْلٌ واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّها في المُشْرِكِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّها أثْبَتَتِ الِانْتِصارَ بَعْدَ بَغْيِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا جازَ لَنا أنْ نَبْدَأهم بِالقِتالِ، دَلَّ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ. ولِلْقائِلِينَ بِأنَّها في المُسْلِمِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ [الشُّورى: ٤٣] فَكَأنَّها نَبَّهَتْ عَلى مَدْحِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ أمْدَحُ، فَبانَ وجْهُ النَّسْخِ. والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ فَضِيلَةٌ، والِانْتِصارَ مُباحٌ، فَعَلى هَذا تَكُونُ مُحْكَمَةٌ، [وَهُوَ الأصَحُّ] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -وَظاهِرُها مَدْحُ المُنْتَصِرِ- وبَيْنَ آياتِ الحَثِّ عَلى العَفْوِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ مِنَ الكافِرِينَ، وتِلْكَ رُتْبَةُ الجِهادِ كَما ذَكَرْنا عَنْ عَطاءٍ. (p-٢٩٣)والثّانِي: أنَّ المُنْتَصِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ فِعْلٍ أُبِيحَ لَهُ، وإنْ كانَ العَفْوُ أفْضَلَ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّرْعِ بِفِعْلِهِ، حَسُنَ مَدْحُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُو، فَبَدَأ بِذِكْرِهِ، وصِنْفٌ يَنْتَصِرُ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا بَغى عَلى المُؤْمِنِ فاسِقٌ، فَلِأنَّ لَهُ اجْتِراءَ الفُسّاقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكْسِرَ شَوْكَةَ العُصاةِ لِتَكُونَ العِزَّةُ لِأهْلِ الدِّينِ. قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، فَإذا قَدَرُوا عَفَوا. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، وآياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ الجانِي نادِمًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ، إذا قالَ لَهُ كَلِمَةَ إجابَةٍ بِمِثْلِها مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا في القِصاصِ في الجِراحاتِ والدِّماءِ. ﴿فَمَن عَفا﴾ فَلَمْ يَقْتَصَّ ﴿وَأصْلَحَ﴾ العَمَلَ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَن بَدَأ بِالظُّلْمِ. وإنَّما سَمّى المُجازاةَ سَيِّئَةً، لِما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] . قالَ الحَسَنُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ؛ والمَصْدَرُ هاهُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونَظِيرُهُ: ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٩] و ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى لَوْمٍ ولا حَدٍّ، ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَبْتَدِؤُونَ بِالظُّلْمِ ﴿وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعاصِي. (p-٢٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ﴿وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] .

الشورى 42:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى التَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِألِفٍ. وقَدْ شَرَحْنا الكَبائِرَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣١] . وفي المُرادِ بِالفَواحِشِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الزِّنا. والثّانِي: مُوجِباتُ الحُدُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم (p-٢٩١)طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: أجابُوهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيهِ [بَيْنَهُمْ] . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في [هَذا] البَغْيِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. قالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ الكُفّارُ مِن مَكَّةَ وبَغَوْا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهم فانْتَصَرُوا. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَعْفُو عَنِ المُشْرِكِينَ، وفِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَنْتَصِرُ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقالَ في الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ المُهاجِرِينَ، وكانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفًا عَفا، و صِنْفًا انْتَصَرَ، فَقالَ: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، فَبَدَأ بِهِمْ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ (p-٢٩٢)البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ؛ وقالَ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: إلى قَوْلِهِ: ﴿ "يُنْفِقُونَ﴾ وهُمُ الأنْصارُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ. والثّانِي: أنَّهُ بَغْيُ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً. والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ البُغاةِ، سَواءٌ كانُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ. فَصْلٌ واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّها في المُشْرِكِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّها أثْبَتَتِ الِانْتِصارَ بَعْدَ بَغْيِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا جازَ لَنا أنْ نَبْدَأهم بِالقِتالِ، دَلَّ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ. ولِلْقائِلِينَ بِأنَّها في المُسْلِمِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ [الشُّورى: ٤٣] فَكَأنَّها نَبَّهَتْ عَلى مَدْحِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ أمْدَحُ، فَبانَ وجْهُ النَّسْخِ. والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ فَضِيلَةٌ، والِانْتِصارَ مُباحٌ، فَعَلى هَذا تَكُونُ مُحْكَمَةٌ، [وَهُوَ الأصَحُّ] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -وَظاهِرُها مَدْحُ المُنْتَصِرِ- وبَيْنَ آياتِ الحَثِّ عَلى العَفْوِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ مِنَ الكافِرِينَ، وتِلْكَ رُتْبَةُ الجِهادِ كَما ذَكَرْنا عَنْ عَطاءٍ. (p-٢٩٣)والثّانِي: أنَّ المُنْتَصِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ فِعْلٍ أُبِيحَ لَهُ، وإنْ كانَ العَفْوُ أفْضَلَ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّرْعِ بِفِعْلِهِ، حَسُنَ مَدْحُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُو، فَبَدَأ بِذِكْرِهِ، وصِنْفٌ يَنْتَصِرُ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا بَغى عَلى المُؤْمِنِ فاسِقٌ، فَلِأنَّ لَهُ اجْتِراءَ الفُسّاقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكْسِرَ شَوْكَةَ العُصاةِ لِتَكُونَ العِزَّةُ لِأهْلِ الدِّينِ. قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، فَإذا قَدَرُوا عَفَوا. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، وآياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ الجانِي نادِمًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ، إذا قالَ لَهُ كَلِمَةَ إجابَةٍ بِمِثْلِها مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا في القِصاصِ في الجِراحاتِ والدِّماءِ. ﴿فَمَن عَفا﴾ فَلَمْ يَقْتَصَّ ﴿وَأصْلَحَ﴾ العَمَلَ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَن بَدَأ بِالظُّلْمِ. وإنَّما سَمّى المُجازاةَ سَيِّئَةً، لِما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] . قالَ الحَسَنُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ؛ والمَصْدَرُ هاهُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونَظِيرُهُ: ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٩] و ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى لَوْمٍ ولا حَدٍّ، ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَبْتَدِؤُونَ بِالظُّلْمِ ﴿وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعاصِي. (p-٢٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ﴿وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] .

الشورى 42:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى التَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِألِفٍ. وقَدْ شَرَحْنا الكَبائِرَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣١] . وفي المُرادِ بِالفَواحِشِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الزِّنا. والثّانِي: مُوجِباتُ الحُدُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم (p-٢٩١)طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: أجابُوهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيهِ [بَيْنَهُمْ] . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في [هَذا] البَغْيِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. قالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ الكُفّارُ مِن مَكَّةَ وبَغَوْا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهم فانْتَصَرُوا. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَعْفُو عَنِ المُشْرِكِينَ، وفِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَنْتَصِرُ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقالَ في الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ المُهاجِرِينَ، وكانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفًا عَفا، و صِنْفًا انْتَصَرَ، فَقالَ: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، فَبَدَأ بِهِمْ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ (p-٢٩٢)البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ؛ وقالَ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: إلى قَوْلِهِ: ﴿ "يُنْفِقُونَ﴾ وهُمُ الأنْصارُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ. والثّانِي: أنَّهُ بَغْيُ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً. والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ البُغاةِ، سَواءٌ كانُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ. فَصْلٌ واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّها في المُشْرِكِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّها أثْبَتَتِ الِانْتِصارَ بَعْدَ بَغْيِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا جازَ لَنا أنْ نَبْدَأهم بِالقِتالِ، دَلَّ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ. ولِلْقائِلِينَ بِأنَّها في المُسْلِمِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ [الشُّورى: ٤٣] فَكَأنَّها نَبَّهَتْ عَلى مَدْحِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ أمْدَحُ، فَبانَ وجْهُ النَّسْخِ. والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ فَضِيلَةٌ، والِانْتِصارَ مُباحٌ، فَعَلى هَذا تَكُونُ مُحْكَمَةٌ، [وَهُوَ الأصَحُّ] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -وَظاهِرُها مَدْحُ المُنْتَصِرِ- وبَيْنَ آياتِ الحَثِّ عَلى العَفْوِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ مِنَ الكافِرِينَ، وتِلْكَ رُتْبَةُ الجِهادِ كَما ذَكَرْنا عَنْ عَطاءٍ. (p-٢٩٣)والثّانِي: أنَّ المُنْتَصِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ فِعْلٍ أُبِيحَ لَهُ، وإنْ كانَ العَفْوُ أفْضَلَ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّرْعِ بِفِعْلِهِ، حَسُنَ مَدْحُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُو، فَبَدَأ بِذِكْرِهِ، وصِنْفٌ يَنْتَصِرُ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا بَغى عَلى المُؤْمِنِ فاسِقٌ، فَلِأنَّ لَهُ اجْتِراءَ الفُسّاقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكْسِرَ شَوْكَةَ العُصاةِ لِتَكُونَ العِزَّةُ لِأهْلِ الدِّينِ. قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، فَإذا قَدَرُوا عَفَوا. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، وآياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ الجانِي نادِمًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ، إذا قالَ لَهُ كَلِمَةَ إجابَةٍ بِمِثْلِها مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا في القِصاصِ في الجِراحاتِ والدِّماءِ. ﴿فَمَن عَفا﴾ فَلَمْ يَقْتَصَّ ﴿وَأصْلَحَ﴾ العَمَلَ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَن بَدَأ بِالظُّلْمِ. وإنَّما سَمّى المُجازاةَ سَيِّئَةً، لِما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] . قالَ الحَسَنُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ؛ والمَصْدَرُ هاهُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونَظِيرُهُ: ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٩] و ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى لَوْمٍ ولا حَدٍّ، ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَبْتَدِؤُونَ بِالظُّلْمِ ﴿وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعاصِي. (p-٢٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ﴿وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] .

الشورى 42:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى التَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِألِفٍ. وقَدْ شَرَحْنا الكَبائِرَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣١] . وفي المُرادِ بِالفَواحِشِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الزِّنا. والثّانِي: مُوجِباتُ الحُدُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم (p-٢٩١)طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: أجابُوهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيهِ [بَيْنَهُمْ] . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في [هَذا] البَغْيِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. قالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ الكُفّارُ مِن مَكَّةَ وبَغَوْا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهم فانْتَصَرُوا. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَعْفُو عَنِ المُشْرِكِينَ، وفِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَنْتَصِرُ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقالَ في الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ المُهاجِرِينَ، وكانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفًا عَفا، و صِنْفًا انْتَصَرَ، فَقالَ: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، فَبَدَأ بِهِمْ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ (p-٢٩٢)البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ؛ وقالَ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: إلى قَوْلِهِ: ﴿ "يُنْفِقُونَ﴾ وهُمُ الأنْصارُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ. والثّانِي: أنَّهُ بَغْيُ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً. والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ البُغاةِ، سَواءٌ كانُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ. فَصْلٌ واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّها في المُشْرِكِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّها أثْبَتَتِ الِانْتِصارَ بَعْدَ بَغْيِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا جازَ لَنا أنْ نَبْدَأهم بِالقِتالِ، دَلَّ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ. ولِلْقائِلِينَ بِأنَّها في المُسْلِمِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ [الشُّورى: ٤٣] فَكَأنَّها نَبَّهَتْ عَلى مَدْحِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ أمْدَحُ، فَبانَ وجْهُ النَّسْخِ. والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ فَضِيلَةٌ، والِانْتِصارَ مُباحٌ، فَعَلى هَذا تَكُونُ مُحْكَمَةٌ، [وَهُوَ الأصَحُّ] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -وَظاهِرُها مَدْحُ المُنْتَصِرِ- وبَيْنَ آياتِ الحَثِّ عَلى العَفْوِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ مِنَ الكافِرِينَ، وتِلْكَ رُتْبَةُ الجِهادِ كَما ذَكَرْنا عَنْ عَطاءٍ. (p-٢٩٣)والثّانِي: أنَّ المُنْتَصِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ فِعْلٍ أُبِيحَ لَهُ، وإنْ كانَ العَفْوُ أفْضَلَ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّرْعِ بِفِعْلِهِ، حَسُنَ مَدْحُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُو، فَبَدَأ بِذِكْرِهِ، وصِنْفٌ يَنْتَصِرُ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا بَغى عَلى المُؤْمِنِ فاسِقٌ، فَلِأنَّ لَهُ اجْتِراءَ الفُسّاقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكْسِرَ شَوْكَةَ العُصاةِ لِتَكُونَ العِزَّةُ لِأهْلِ الدِّينِ. قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، فَإذا قَدَرُوا عَفَوا. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، وآياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ الجانِي نادِمًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ، إذا قالَ لَهُ كَلِمَةَ إجابَةٍ بِمِثْلِها مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا في القِصاصِ في الجِراحاتِ والدِّماءِ. ﴿فَمَن عَفا﴾ فَلَمْ يَقْتَصَّ ﴿وَأصْلَحَ﴾ العَمَلَ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَن بَدَأ بِالظُّلْمِ. وإنَّما سَمّى المُجازاةَ سَيِّئَةً، لِما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] . قالَ الحَسَنُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ؛ والمَصْدَرُ هاهُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونَظِيرُهُ: ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٩] و ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى لَوْمٍ ولا حَدٍّ، ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَبْتَدِؤُونَ بِالظُّلْمِ ﴿وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعاصِي. (p-٢٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ﴿وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] .

الشورى 42:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى التَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِألِفٍ. وقَدْ شَرَحْنا الكَبائِرَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣١] . وفي المُرادِ بِالفَواحِشِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الزِّنا. والثّانِي: مُوجِباتُ الحُدُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم (p-٢٩١)طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: أجابُوهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيهِ [بَيْنَهُمْ] . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في [هَذا] البَغْيِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. قالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ الكُفّارُ مِن مَكَّةَ وبَغَوْا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهم فانْتَصَرُوا. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَعْفُو عَنِ المُشْرِكِينَ، وفِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَنْتَصِرُ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقالَ في الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ المُهاجِرِينَ، وكانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفًا عَفا، و صِنْفًا انْتَصَرَ، فَقالَ: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، فَبَدَأ بِهِمْ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ (p-٢٩٢)البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ؛ وقالَ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: إلى قَوْلِهِ: ﴿ "يُنْفِقُونَ﴾ وهُمُ الأنْصارُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ. والثّانِي: أنَّهُ بَغْيُ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً. والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ البُغاةِ، سَواءٌ كانُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ. فَصْلٌ واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّها في المُشْرِكِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّها أثْبَتَتِ الِانْتِصارَ بَعْدَ بَغْيِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا جازَ لَنا أنْ نَبْدَأهم بِالقِتالِ، دَلَّ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ. ولِلْقائِلِينَ بِأنَّها في المُسْلِمِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ [الشُّورى: ٤٣] فَكَأنَّها نَبَّهَتْ عَلى مَدْحِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ أمْدَحُ، فَبانَ وجْهُ النَّسْخِ. والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ فَضِيلَةٌ، والِانْتِصارَ مُباحٌ، فَعَلى هَذا تَكُونُ مُحْكَمَةٌ، [وَهُوَ الأصَحُّ] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -وَظاهِرُها مَدْحُ المُنْتَصِرِ- وبَيْنَ آياتِ الحَثِّ عَلى العَفْوِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ مِنَ الكافِرِينَ، وتِلْكَ رُتْبَةُ الجِهادِ كَما ذَكَرْنا عَنْ عَطاءٍ. (p-٢٩٣)والثّانِي: أنَّ المُنْتَصِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ فِعْلٍ أُبِيحَ لَهُ، وإنْ كانَ العَفْوُ أفْضَلَ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّرْعِ بِفِعْلِهِ، حَسُنَ مَدْحُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُو، فَبَدَأ بِذِكْرِهِ، وصِنْفٌ يَنْتَصِرُ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا بَغى عَلى المُؤْمِنِ فاسِقٌ، فَلِأنَّ لَهُ اجْتِراءَ الفُسّاقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكْسِرَ شَوْكَةَ العُصاةِ لِتَكُونَ العِزَّةُ لِأهْلِ الدِّينِ. قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، فَإذا قَدَرُوا عَفَوا. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، وآياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ الجانِي نادِمًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ، إذا قالَ لَهُ كَلِمَةَ إجابَةٍ بِمِثْلِها مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا في القِصاصِ في الجِراحاتِ والدِّماءِ. ﴿فَمَن عَفا﴾ فَلَمْ يَقْتَصَّ ﴿وَأصْلَحَ﴾ العَمَلَ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَن بَدَأ بِالظُّلْمِ. وإنَّما سَمّى المُجازاةَ سَيِّئَةً، لِما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] . قالَ الحَسَنُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ؛ والمَصْدَرُ هاهُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونَظِيرُهُ: ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٩] و ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى لَوْمٍ ولا حَدٍّ، ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَبْتَدِؤُونَ بِالظُّلْمِ ﴿وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعاصِي. (p-٢٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ﴿وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] .

الشورى 42:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى التَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِألِفٍ. وقَدْ شَرَحْنا الكَبائِرَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣١] . وفي المُرادِ بِالفَواحِشِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الزِّنا. والثّانِي: مُوجِباتُ الحُدُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم (p-٢٩١)طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: أجابُوهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيهِ [بَيْنَهُمْ] . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في [هَذا] البَغْيِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. قالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ الكُفّارُ مِن مَكَّةَ وبَغَوْا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهم فانْتَصَرُوا. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَعْفُو عَنِ المُشْرِكِينَ، وفِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَنْتَصِرُ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقالَ في الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ المُهاجِرِينَ، وكانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفًا عَفا، و صِنْفًا انْتَصَرَ، فَقالَ: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، فَبَدَأ بِهِمْ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ (p-٢٩٢)البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ؛ وقالَ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: إلى قَوْلِهِ: ﴿ "يُنْفِقُونَ﴾ وهُمُ الأنْصارُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ. والثّانِي: أنَّهُ بَغْيُ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً. والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ البُغاةِ، سَواءٌ كانُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ. فَصْلٌ واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّها في المُشْرِكِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّها أثْبَتَتِ الِانْتِصارَ بَعْدَ بَغْيِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا جازَ لَنا أنْ نَبْدَأهم بِالقِتالِ، دَلَّ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ. ولِلْقائِلِينَ بِأنَّها في المُسْلِمِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ [الشُّورى: ٤٣] فَكَأنَّها نَبَّهَتْ عَلى مَدْحِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ أمْدَحُ، فَبانَ وجْهُ النَّسْخِ. والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ فَضِيلَةٌ، والِانْتِصارَ مُباحٌ، فَعَلى هَذا تَكُونُ مُحْكَمَةٌ، [وَهُوَ الأصَحُّ] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -وَظاهِرُها مَدْحُ المُنْتَصِرِ- وبَيْنَ آياتِ الحَثِّ عَلى العَفْوِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ مِنَ الكافِرِينَ، وتِلْكَ رُتْبَةُ الجِهادِ كَما ذَكَرْنا عَنْ عَطاءٍ. (p-٢٩٣)والثّانِي: أنَّ المُنْتَصِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ فِعْلٍ أُبِيحَ لَهُ، وإنْ كانَ العَفْوُ أفْضَلَ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّرْعِ بِفِعْلِهِ، حَسُنَ مَدْحُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُو، فَبَدَأ بِذِكْرِهِ، وصِنْفٌ يَنْتَصِرُ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا بَغى عَلى المُؤْمِنِ فاسِقٌ، فَلِأنَّ لَهُ اجْتِراءَ الفُسّاقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكْسِرَ شَوْكَةَ العُصاةِ لِتَكُونَ العِزَّةُ لِأهْلِ الدِّينِ. قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، فَإذا قَدَرُوا عَفَوا. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، وآياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ الجانِي نادِمًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ، إذا قالَ لَهُ كَلِمَةَ إجابَةٍ بِمِثْلِها مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا في القِصاصِ في الجِراحاتِ والدِّماءِ. ﴿فَمَن عَفا﴾ فَلَمْ يَقْتَصَّ ﴿وَأصْلَحَ﴾ العَمَلَ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَن بَدَأ بِالظُّلْمِ. وإنَّما سَمّى المُجازاةَ سَيِّئَةً، لِما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] . قالَ الحَسَنُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ؛ والمَصْدَرُ هاهُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونَظِيرُهُ: ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٩] و ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى لَوْمٍ ولا حَدٍّ، ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَبْتَدِؤُونَ بِالظُّلْمِ ﴿وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعاصِي. (p-٢٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ﴿وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] .

الشورى 42:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ بَعْدَ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ﴿وَتَرى الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ في الآخِرَةِ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ؟ ﴿وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى النّارِ ﴿خاشِعِينَ﴾ أيْ: خاضِعِينَ مُتَواضِعِينَ ﴿مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنَ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مِن طَرْفٍ ذَلِيلٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ الأخْفَشُ: يَنْظُرُونَ مِن عَيْنٍ ضَعِيفَةٍ. وقالَ غَيْرُهُ: "مِن" بِمَعْنى "الباءِ" . والثّانِي: يُسارِقُونَ النَّظَرَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: يَنْظُرُونَ بِبَعْضِ العَيْنِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والرّابِعُ: أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى النّارِ بِقُلُوبِهِمْ، لِأنَّهم قَدْ حُشِرُوا عُمْيًا، فَلَمْ يَرَوْها بِأعْيُنِهِمْ، حَكاهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٢، هُودٍ: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ.

الشورى 42:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ بَعْدَ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ﴿وَتَرى الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ في الآخِرَةِ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ؟ ﴿وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى النّارِ ﴿خاشِعِينَ﴾ أيْ: خاضِعِينَ مُتَواضِعِينَ ﴿مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنَ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مِن طَرْفٍ ذَلِيلٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ الأخْفَشُ: يَنْظُرُونَ مِن عَيْنٍ ضَعِيفَةٍ. وقالَ غَيْرُهُ: "مِن" بِمَعْنى "الباءِ" . والثّانِي: يُسارِقُونَ النَّظَرَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: يَنْظُرُونَ بِبَعْضِ العَيْنِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والرّابِعُ: أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى النّارِ بِقُلُوبِهِمْ، لِأنَّهم قَدْ حُشِرُوا عُمْيًا، فَلَمْ يَرَوْها بِأعْيُنِهِمْ، حَكاهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٢، هُودٍ: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ.

الشورى 42:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ بَعْدَ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ﴿وَتَرى الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ في الآخِرَةِ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ؟ ﴿وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى النّارِ ﴿خاشِعِينَ﴾ أيْ: خاضِعِينَ مُتَواضِعِينَ ﴿مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنَ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مِن طَرْفٍ ذَلِيلٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ الأخْفَشُ: يَنْظُرُونَ مِن عَيْنٍ ضَعِيفَةٍ. وقالَ غَيْرُهُ: "مِن" بِمَعْنى "الباءِ" . والثّانِي: يُسارِقُونَ النَّظَرَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: يَنْظُرُونَ بِبَعْضِ العَيْنِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والرّابِعُ: أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى النّارِ بِقُلُوبِهِمْ، لِأنَّهم قَدْ حُشِرُوا عُمْيًا، فَلَمْ يَرَوْها بِأعْيُنِهِمْ، حَكاهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٢، هُودٍ: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ.

الشورى 42:47

(p-٢٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أيْ: أجِيبُوهُ، فَقَدْ دَعاكم بِرَسُولِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ﴾ تَلْجَؤُونَ إلَيْهِ، ﴿وَما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مِن ناصِرٍ يَنْصُرُكم. وقالَ غَيْرُهُ: مِن قُدْرَةٍ عَلى تَغْيِيرِ ما نَزَلَ بِكم. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإجابَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ لِحِفْظِ أعْمالِهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبْلِّغَهم. وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: (p-٢٩٦)المُرادُ بِهِ: الكافِرُ؛ والرَّحْمَةُ؛ الغِنى والصِّحَّةُ والمَطَرُ ونَحْوُ ذَلِكَ، والسَّيِّئَةُ: المَرَضُ والفَقْرُ والقَحْطُ [وَنَحْوُ ذَلِكَ] . والإنْسانُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: بِما سَلَفَ مِن مُخالَفَتِهِمْ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ بِما سَلَفَ مِنَ النِّعَمِ. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيها بِما يُرِيدُ، ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ يَعْنِي البَناتِ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، كَما وُهِبَ لِلُوطٍ ﷺ، فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا البَناتُ ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ يَعْنِي البَنِينَ لَيْسَ مَعَهم أُنْثى، كَما وُهِبَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا الذُّكُورُ] . ﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ يَعْنِي الإناثَ والذُّكُورَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "يُزَوِّجُهُمْ": يَقْرِنُهم. وكُلُّ شَيْئَيْنِ يَقْتَرِنُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَهُما زَوْجانِ، ويُقالُ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما: زَوْجٌ، تَقُولُ: عِنْدِي زَوْجانِ مِنَ الخِفافِ، يَعْنِي اثْنَيْنِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وضْعُ المَرْأةِ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً ثُمَّ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: [أنَّهُ] وضْعُ المَرْأةِ جارِيَةً وغُلامًا تَوْأمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالُوا: وذَلِكَ كَما جُمِعَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ وهَبَ لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ، ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ، كَيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ. وهَذِهِ الأقْسامُ مَوْجُودَةٌ في سائِرِ النّاسِ، وإنَّما ذَكَرُوا الأنْبِياءَ تَمْثِيلًا.

الشورى 42:48

(p-٢٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أيْ: أجِيبُوهُ، فَقَدْ دَعاكم بِرَسُولِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ﴾ تَلْجَؤُونَ إلَيْهِ، ﴿وَما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مِن ناصِرٍ يَنْصُرُكم. وقالَ غَيْرُهُ: مِن قُدْرَةٍ عَلى تَغْيِيرِ ما نَزَلَ بِكم. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإجابَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ لِحِفْظِ أعْمالِهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبْلِّغَهم. وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: (p-٢٩٦)المُرادُ بِهِ: الكافِرُ؛ والرَّحْمَةُ؛ الغِنى والصِّحَّةُ والمَطَرُ ونَحْوُ ذَلِكَ، والسَّيِّئَةُ: المَرَضُ والفَقْرُ والقَحْطُ [وَنَحْوُ ذَلِكَ] . والإنْسانُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: بِما سَلَفَ مِن مُخالَفَتِهِمْ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ بِما سَلَفَ مِنَ النِّعَمِ. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيها بِما يُرِيدُ، ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ يَعْنِي البَناتِ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، كَما وُهِبَ لِلُوطٍ ﷺ، فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا البَناتُ ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ يَعْنِي البَنِينَ لَيْسَ مَعَهم أُنْثى، كَما وُهِبَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا الذُّكُورُ] . ﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ يَعْنِي الإناثَ والذُّكُورَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "يُزَوِّجُهُمْ": يَقْرِنُهم. وكُلُّ شَيْئَيْنِ يَقْتَرِنُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَهُما زَوْجانِ، ويُقالُ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما: زَوْجٌ، تَقُولُ: عِنْدِي زَوْجانِ مِنَ الخِفافِ، يَعْنِي اثْنَيْنِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وضْعُ المَرْأةِ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً ثُمَّ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: [أنَّهُ] وضْعُ المَرْأةِ جارِيَةً وغُلامًا تَوْأمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالُوا: وذَلِكَ كَما جُمِعَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ وهَبَ لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ، ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ، كَيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ. وهَذِهِ الأقْسامُ مَوْجُودَةٌ في سائِرِ النّاسِ، وإنَّما ذَكَرُوا الأنْبِياءَ تَمْثِيلًا.

الشورى 42:49

(p-٢٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أيْ: أجِيبُوهُ، فَقَدْ دَعاكم بِرَسُولِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ﴾ تَلْجَؤُونَ إلَيْهِ، ﴿وَما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مِن ناصِرٍ يَنْصُرُكم. وقالَ غَيْرُهُ: مِن قُدْرَةٍ عَلى تَغْيِيرِ ما نَزَلَ بِكم. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإجابَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ لِحِفْظِ أعْمالِهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبْلِّغَهم. وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: (p-٢٩٦)المُرادُ بِهِ: الكافِرُ؛ والرَّحْمَةُ؛ الغِنى والصِّحَّةُ والمَطَرُ ونَحْوُ ذَلِكَ، والسَّيِّئَةُ: المَرَضُ والفَقْرُ والقَحْطُ [وَنَحْوُ ذَلِكَ] . والإنْسانُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: بِما سَلَفَ مِن مُخالَفَتِهِمْ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ بِما سَلَفَ مِنَ النِّعَمِ. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيها بِما يُرِيدُ، ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ يَعْنِي البَناتِ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، كَما وُهِبَ لِلُوطٍ ﷺ، فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا البَناتُ ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ يَعْنِي البَنِينَ لَيْسَ مَعَهم أُنْثى، كَما وُهِبَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا الذُّكُورُ] . ﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ يَعْنِي الإناثَ والذُّكُورَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "يُزَوِّجُهُمْ": يَقْرِنُهم. وكُلُّ شَيْئَيْنِ يَقْتَرِنُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَهُما زَوْجانِ، ويُقالُ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما: زَوْجٌ، تَقُولُ: عِنْدِي زَوْجانِ مِنَ الخِفافِ، يَعْنِي اثْنَيْنِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وضْعُ المَرْأةِ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً ثُمَّ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: [أنَّهُ] وضْعُ المَرْأةِ جارِيَةً وغُلامًا تَوْأمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالُوا: وذَلِكَ كَما جُمِعَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ وهَبَ لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ، ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ، كَيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ. وهَذِهِ الأقْسامُ مَوْجُودَةٌ في سائِرِ النّاسِ، وإنَّما ذَكَرُوا الأنْبِياءَ تَمْثِيلًا.

الشورى 42:50

(p-٢٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أيْ: أجِيبُوهُ، فَقَدْ دَعاكم بِرَسُولِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ﴾ تَلْجَؤُونَ إلَيْهِ، ﴿وَما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مِن ناصِرٍ يَنْصُرُكم. وقالَ غَيْرُهُ: مِن قُدْرَةٍ عَلى تَغْيِيرِ ما نَزَلَ بِكم. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإجابَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ لِحِفْظِ أعْمالِهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبْلِّغَهم. وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: (p-٢٩٦)المُرادُ بِهِ: الكافِرُ؛ والرَّحْمَةُ؛ الغِنى والصِّحَّةُ والمَطَرُ ونَحْوُ ذَلِكَ، والسَّيِّئَةُ: المَرَضُ والفَقْرُ والقَحْطُ [وَنَحْوُ ذَلِكَ] . والإنْسانُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: بِما سَلَفَ مِن مُخالَفَتِهِمْ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ بِما سَلَفَ مِنَ النِّعَمِ. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيها بِما يُرِيدُ، ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ يَعْنِي البَناتِ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، كَما وُهِبَ لِلُوطٍ ﷺ، فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا البَناتُ ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ يَعْنِي البَنِينَ لَيْسَ مَعَهم أُنْثى، كَما وُهِبَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا الذُّكُورُ] . ﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ يَعْنِي الإناثَ والذُّكُورَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "يُزَوِّجُهُمْ": يَقْرِنُهم. وكُلُّ شَيْئَيْنِ يَقْتَرِنُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَهُما زَوْجانِ، ويُقالُ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما: زَوْجٌ، تَقُولُ: عِنْدِي زَوْجانِ مِنَ الخِفافِ، يَعْنِي اثْنَيْنِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وضْعُ المَرْأةِ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً ثُمَّ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: [أنَّهُ] وضْعُ المَرْأةِ جارِيَةً وغُلامًا تَوْأمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالُوا: وذَلِكَ كَما جُمِعَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ وهَبَ لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ، ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ، كَيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ. وهَذِهِ الأقْسامُ مَوْجُودَةٌ في سائِرِ النّاسِ، وإنَّما ذَكَرُوا الأنْبِياءَ تَمْثِيلًا.

الشورى 42:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ؟ فَقالَ لَهُمْ: "لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والمُرادُ بِالوَحْيِ هاهُنا: الوَحْيُ في المَنامِ. ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَمّا كَلَّمَ مُوسى. ﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُرْسِلُ" بِالرَّفْعِ ﴿فَيُوحِيَ﴾ بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يُرْسِلَ" بِنَصْبِ اللّامِ "فَيُوحِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ، والمَعْنى: "أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا" كِجِبْرائِيلَ "فَيُوحِي" ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ ﴿بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ . قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مَن قَرَأ "أوْ يُرْسِلَ" بِالنَّصْبِ، عَطَفَهُ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: "إلّا وحْيًا" لِأنَّهُ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُوحِيَ. (p-٢٩٨)وَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فَعَلى الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ، أوْ هو يُرْسِلُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُكَلِّمُ بَشَرًا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ في دارِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: وكَما أوْحَيْنا إلى الرُّسُلِ ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، وقِيلَ: الواوُ عَطْفٌ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ، فالمَعْنى: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. "وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القُرْآنُ. وقالَ مُقاتِلٌ: وحْيًا بِأمْرِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ القُرْآنَ قَبْلَ الوَحْيِ ﴿وَلا الإيمانُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ: شَرائِعُ الإيمانِ ومَعالِمُهُ، وهي كُلُّها إيمانٌ؛ وقَدْ سَمّى الصَّلاةَ إيمانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣]، هَذا اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ. والثّالِثُ: أنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُ الإيمانَ حِينَ كانَ في المَهْدِ وإذْ كانَ طِفْلًا قَبْلَ البُلُوغِ، حَكاهُ الواحِدِيُّ. والقَوْلُ ما اخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وقَدِ اشْتُهِرَ في الحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ يُوَحِّدُ اللَّهَ، ويُبْغِضُ اللّاتَ والعُزّى، ويَحُجُّ ويَعْتَمِرُ، ويَتَّبِعُ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن زَعَمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ، فَهو قَوْلُ سُوءٍ: ألَيْسَ كانَ لا يَأْكُلُ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَدْ جاءَ في الحَدِيثِ (p-٢٩٩)أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً. ومَعْناهُ: أنَّ العَرَبَ لَمْ يَزالُوا عَلى بَقايا مِن دَيْنِ إسْماعِيلَ، مِن ذَلِكَ حَجُّ البَيْتِ، والخِتانُ، وإيقاعُ الطَّلاقِ إذا كانَ ثَلاثًا، وأنَّ لِلزَّوْجِ الرَّجْعَةَ في الواحِدَةِ والِاثْنَتَيْنِ، وِدِيَةُ النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، وتَحْرِيمُ ذَواتِ المَحارِمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ. وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمْ في الخِتانِ والغُسْلِ والحَجِّ، وكانَ لا يَقْرُبُ الأوْثانَ، ويَعِيبُها. وكانَ لا يَعْرِفُ شَرائِعَ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ عَلى لِسانِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ [يَعْنِي القُرْآنَ] ﴿وَلا الإيمانُ﴾ يَعْنِي شَرائِعَ الإيمانِ؛ ولَمْ يُرِدِ الإيمانَ الَّذِي هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، لِأنَّ آباءَهُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَحُجُّونَ لَهُ [البَيْتَ] مَعَ شِرْكِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ. والثّانِي: إلى الإيمانِ. ﴿نُورًا﴾ أيْ: ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ [مِن عِبادِنا] إلى دِينِ الحَقِّ. (p-٣٠٠)﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ أيْ: لَتَدْعُو ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسْلامُ.

الشورى 42:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ؟ فَقالَ لَهُمْ: "لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والمُرادُ بِالوَحْيِ هاهُنا: الوَحْيُ في المَنامِ. ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَمّا كَلَّمَ مُوسى. ﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُرْسِلُ" بِالرَّفْعِ ﴿فَيُوحِيَ﴾ بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يُرْسِلَ" بِنَصْبِ اللّامِ "فَيُوحِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ، والمَعْنى: "أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا" كِجِبْرائِيلَ "فَيُوحِي" ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ ﴿بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ . قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مَن قَرَأ "أوْ يُرْسِلَ" بِالنَّصْبِ، عَطَفَهُ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: "إلّا وحْيًا" لِأنَّهُ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُوحِيَ. (p-٢٩٨)وَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فَعَلى الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ، أوْ هو يُرْسِلُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُكَلِّمُ بَشَرًا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ في دارِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: وكَما أوْحَيْنا إلى الرُّسُلِ ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، وقِيلَ: الواوُ عَطْفٌ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ، فالمَعْنى: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. "وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القُرْآنُ. وقالَ مُقاتِلٌ: وحْيًا بِأمْرِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ القُرْآنَ قَبْلَ الوَحْيِ ﴿وَلا الإيمانُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ: شَرائِعُ الإيمانِ ومَعالِمُهُ، وهي كُلُّها إيمانٌ؛ وقَدْ سَمّى الصَّلاةَ إيمانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣]، هَذا اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ. والثّالِثُ: أنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُ الإيمانَ حِينَ كانَ في المَهْدِ وإذْ كانَ طِفْلًا قَبْلَ البُلُوغِ، حَكاهُ الواحِدِيُّ. والقَوْلُ ما اخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وقَدِ اشْتُهِرَ في الحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ يُوَحِّدُ اللَّهَ، ويُبْغِضُ اللّاتَ والعُزّى، ويَحُجُّ ويَعْتَمِرُ، ويَتَّبِعُ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن زَعَمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ، فَهو قَوْلُ سُوءٍ: ألَيْسَ كانَ لا يَأْكُلُ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَدْ جاءَ في الحَدِيثِ (p-٢٩٩)أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً. ومَعْناهُ: أنَّ العَرَبَ لَمْ يَزالُوا عَلى بَقايا مِن دَيْنِ إسْماعِيلَ، مِن ذَلِكَ حَجُّ البَيْتِ، والخِتانُ، وإيقاعُ الطَّلاقِ إذا كانَ ثَلاثًا، وأنَّ لِلزَّوْجِ الرَّجْعَةَ في الواحِدَةِ والِاثْنَتَيْنِ، وِدِيَةُ النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، وتَحْرِيمُ ذَواتِ المَحارِمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ. وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمْ في الخِتانِ والغُسْلِ والحَجِّ، وكانَ لا يَقْرُبُ الأوْثانَ، ويَعِيبُها. وكانَ لا يَعْرِفُ شَرائِعَ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ عَلى لِسانِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ [يَعْنِي القُرْآنَ] ﴿وَلا الإيمانُ﴾ يَعْنِي شَرائِعَ الإيمانِ؛ ولَمْ يُرِدِ الإيمانَ الَّذِي هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، لِأنَّ آباءَهُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَحُجُّونَ لَهُ [البَيْتَ] مَعَ شِرْكِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ. والثّانِي: إلى الإيمانِ. ﴿نُورًا﴾ أيْ: ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ [مِن عِبادِنا] إلى دِينِ الحَقِّ. (p-٣٠٠)﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ أيْ: لَتَدْعُو ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسْلامُ.

الشورى 42:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ؟ فَقالَ لَهُمْ: "لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والمُرادُ بِالوَحْيِ هاهُنا: الوَحْيُ في المَنامِ. ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَمّا كَلَّمَ مُوسى. ﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُرْسِلُ" بِالرَّفْعِ ﴿فَيُوحِيَ﴾ بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يُرْسِلَ" بِنَصْبِ اللّامِ "فَيُوحِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ، والمَعْنى: "أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا" كِجِبْرائِيلَ "فَيُوحِي" ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ ﴿بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ . قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مَن قَرَأ "أوْ يُرْسِلَ" بِالنَّصْبِ، عَطَفَهُ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: "إلّا وحْيًا" لِأنَّهُ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُوحِيَ. (p-٢٩٨)وَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فَعَلى الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ، أوْ هو يُرْسِلُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُكَلِّمُ بَشَرًا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ في دارِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: وكَما أوْحَيْنا إلى الرُّسُلِ ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، وقِيلَ: الواوُ عَطْفٌ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ، فالمَعْنى: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. "وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القُرْآنُ. وقالَ مُقاتِلٌ: وحْيًا بِأمْرِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ القُرْآنَ قَبْلَ الوَحْيِ ﴿وَلا الإيمانُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ: شَرائِعُ الإيمانِ ومَعالِمُهُ، وهي كُلُّها إيمانٌ؛ وقَدْ سَمّى الصَّلاةَ إيمانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣]، هَذا اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ. والثّالِثُ: أنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُ الإيمانَ حِينَ كانَ في المَهْدِ وإذْ كانَ طِفْلًا قَبْلَ البُلُوغِ، حَكاهُ الواحِدِيُّ. والقَوْلُ ما اخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وقَدِ اشْتُهِرَ في الحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ يُوَحِّدُ اللَّهَ، ويُبْغِضُ اللّاتَ والعُزّى، ويَحُجُّ ويَعْتَمِرُ، ويَتَّبِعُ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن زَعَمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ، فَهو قَوْلُ سُوءٍ: ألَيْسَ كانَ لا يَأْكُلُ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَدْ جاءَ في الحَدِيثِ (p-٢٩٩)أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً. ومَعْناهُ: أنَّ العَرَبَ لَمْ يَزالُوا عَلى بَقايا مِن دَيْنِ إسْماعِيلَ، مِن ذَلِكَ حَجُّ البَيْتِ، والخِتانُ، وإيقاعُ الطَّلاقِ إذا كانَ ثَلاثًا، وأنَّ لِلزَّوْجِ الرَّجْعَةَ في الواحِدَةِ والِاثْنَتَيْنِ، وِدِيَةُ النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، وتَحْرِيمُ ذَواتِ المَحارِمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ. وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمْ في الخِتانِ والغُسْلِ والحَجِّ، وكانَ لا يَقْرُبُ الأوْثانَ، ويَعِيبُها. وكانَ لا يَعْرِفُ شَرائِعَ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ عَلى لِسانِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ [يَعْنِي القُرْآنَ] ﴿وَلا الإيمانُ﴾ يَعْنِي شَرائِعَ الإيمانِ؛ ولَمْ يُرِدِ الإيمانَ الَّذِي هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، لِأنَّ آباءَهُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَحُجُّونَ لَهُ [البَيْتَ] مَعَ شِرْكِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ. والثّانِي: إلى الإيمانِ. ﴿نُورًا﴾ أيْ: ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ [مِن عِبادِنا] إلى دِينِ الحَقِّ. (p-٣٠٠)﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ أيْ: لَتَدْعُو ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسْلامُ.