Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Jawzi — الطور 52:1 – النجم 53:39

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Jawzi

المحتويات
  1. الطور 52:1
  2. الطور 52:2
  3. الطور 52:3
  4. الطور 52:4
  5. الطور 52:5
  6. الطور 52:6
  7. الطور 52:7
  8. الطور 52:8
  9. الطور 52:9
  10. الطور 52:10
  11. الطور 52:11
  12. الطور 52:12
  13. الطور 52:13
  14. الطور 52:14
  15. الطور 52:15
  16. الطور 52:16
  17. الطور 52:17
  18. الطور 52:18
  19. الطور 52:19
  20. الطور 52:20
  21. الطور 52:21
  22. الطور 52:22
  23. الطور 52:23
  24. الطور 52:24
  25. الطور 52:25
  26. الطور 52:26
  27. الطور 52:27
  28. الطور 52:28
  29. الطور 52:29
  30. الطور 52:30
  31. الطور 52:31
  32. الطور 52:32
  33. الطور 52:33
  34. الطور 52:34
  35. الطور 52:35
  36. الطور 52:36
  37. الطور 52:37
  38. الطور 52:38
  39. الطور 52:39
  40. الطور 52:40
  41. الطور 52:41
  42. الطور 52:42
  43. الطور 52:43
  44. الطور 52:44
  45. الطور 52:45
  46. الطور 52:46
  47. الطور 52:47
  48. الطور 52:48
  49. الطور 52:49
  50. النجم 53:1
  51. النجم 53:2
  52. النجم 53:3
  53. النجم 53:4
  54. النجم 53:5
  55. النجم 53:6
  56. النجم 53:7
  57. النجم 53:8
  58. النجم 53:9
  59. النجم 53:10
  60. النجم 53:11
  61. النجم 53:12
  62. النجم 53:13
  63. النجم 53:14
  64. النجم 53:15
  65. النجم 53:16
  66. النجم 53:17
  67. النجم 53:18
  68. النجم 53:19
  69. النجم 53:20
  70. النجم 53:21
  71. النجم 53:22
  72. النجم 53:23
  73. النجم 53:24
  74. النجم 53:25
  75. النجم 53:26
  76. النجم 53:27
  77. النجم 53:28
  78. النجم 53:29
  79. النجم 53:30
  80. النجم 53:31
  81. النجم 53:32
  82. النجم 53:33
  83. النجم 53:34
  84. النجم 53:35
  85. النجم 53:36
  86. النجم 53:37
  87. النجم 53:38
  88. النجم 53:39

الطور 52:1

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:2

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:3

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:4

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:5

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:6

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:7

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:8

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:9

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:10

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:11

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:12

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:13

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:14

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:15

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:16

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] . ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: التَّوْراةُ. والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ. والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ. (p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ. والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم. وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الطور 52:17

ثُمَّ وصَفَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ بِما بَعْدَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿فاكِهِينَ﴾ قُرِئَتْ بِألِفٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ، وقَدْ شَرَحْناها في [يَس: ٥٥]، ﴿وَوَقاهُمْ﴾ أيْ: صَرَفَ عَنْهم والجَحِيم مَذْكُورٌ في [البَقَرَةِ: ١١٩] . ﴿كُلُوا﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ تَأْمَنُونَ حُدُوثَ المَرَضِ (p-٥٠)عَنْهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِيَهْنِكم ما صِرْتُمْ إلَيْهِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ [ النِّساءِ: ٤ ] . ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ، فَقالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ﴾ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلى نَمارِقَ عَلى سُرُرٍ، وهي جَمْعُ سَرِيرٍ. ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ قَدْ وُضِعَ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ. وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [الدُّخانِ: ٥٤] .

الطور 52:18

ثُمَّ وصَفَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ بِما بَعْدَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿فاكِهِينَ﴾ قُرِئَتْ بِألِفٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ، وقَدْ شَرَحْناها في [يَس: ٥٥]، ﴿وَوَقاهُمْ﴾ أيْ: صَرَفَ عَنْهم والجَحِيم مَذْكُورٌ في [البَقَرَةِ: ١١٩] . ﴿كُلُوا﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ تَأْمَنُونَ حُدُوثَ المَرَضِ (p-٥٠)عَنْهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِيَهْنِكم ما صِرْتُمْ إلَيْهِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ [ النِّساءِ: ٤ ] . ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ، فَقالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ﴾ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلى نَمارِقَ عَلى سُرُرٍ، وهي جَمْعُ سَرِيرٍ. ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ قَدْ وُضِعَ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ. وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [الدُّخانِ: ٥٤] .

الطور 52:19

ثُمَّ وصَفَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ بِما بَعْدَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿فاكِهِينَ﴾ قُرِئَتْ بِألِفٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ، وقَدْ شَرَحْناها في [يَس: ٥٥]، ﴿وَوَقاهُمْ﴾ أيْ: صَرَفَ عَنْهم والجَحِيم مَذْكُورٌ في [البَقَرَةِ: ١١٩] . ﴿كُلُوا﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ تَأْمَنُونَ حُدُوثَ المَرَضِ (p-٥٠)عَنْهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِيَهْنِكم ما صِرْتُمْ إلَيْهِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ [ النِّساءِ: ٤ ] . ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ، فَقالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ﴾ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلى نَمارِقَ عَلى سُرُرٍ، وهي جَمْعُ سَرِيرٍ. ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ قَدْ وُضِعَ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ. وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [الدُّخانِ: ٥٤] .

الطور 52:20

ثُمَّ وصَفَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ بِما بَعْدَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿فاكِهِينَ﴾ قُرِئَتْ بِألِفٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ، وقَدْ شَرَحْناها في [يَس: ٥٥]، ﴿وَوَقاهُمْ﴾ أيْ: صَرَفَ عَنْهم والجَحِيم مَذْكُورٌ في [البَقَرَةِ: ١١٩] . ﴿كُلُوا﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ تَأْمَنُونَ حُدُوثَ المَرَضِ (p-٥٠)عَنْهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِيَهْنِكم ما صِرْتُمْ إلَيْهِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ [ النِّساءِ: ٤ ] . ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ، فَقالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ﴾ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلى نَمارِقَ عَلى سُرُرٍ، وهي جَمْعُ سَرِيرٍ. ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ قَدْ وُضِعَ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ. وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [الدُّخانِ: ٥٤] .

الطور 52:21

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ واحِدَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥١)والثّانِي: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ. ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ. والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهُمْ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ. ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها. وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم. وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ. وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم. (p-٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ: ؎ نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا. فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ. والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟ فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .» وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٣)يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ. وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ. وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

الطور 52:22

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ واحِدَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥١)والثّانِي: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ. ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ. والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهُمْ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ. ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها. وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم. وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ. وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم. (p-٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ: ؎ نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا. فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ. والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟ فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .» وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٣)يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ. وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ. وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

الطور 52:23

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ واحِدَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥١)والثّانِي: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ. ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ. والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهُمْ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ. ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها. وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم. وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ. وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم. (p-٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ: ؎ نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا. فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ. والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟ فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .» وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٣)يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ. وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ. وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

الطور 52:24

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ واحِدَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥١)والثّانِي: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ. ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ. والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهُمْ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ. ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها. وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم. وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ. وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم. (p-٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ: ؎ نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا. فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ. والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟ فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .» وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٣)يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ. وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ. وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

الطور 52:25

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ واحِدَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥١)والثّانِي: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ. ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ. والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهُمْ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ. ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها. وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم. وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ. وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم. (p-٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ: ؎ نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا. فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ. والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟ فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .» وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٣)يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ. وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ. وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

الطور 52:26

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ واحِدَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥١)والثّانِي: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ. ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ. والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهُمْ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ. ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها. وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم. وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ. وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم. (p-٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ: ؎ نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا. فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ. والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟ فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .» وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٣)يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ. وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ. وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

الطور 52:27

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ واحِدَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥١)والثّانِي: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ. ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ. والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهُمْ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ. ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها. وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم. وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ. وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم. (p-٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ: ؎ نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا. فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ. والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟ فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .» وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٣)يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ. وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ. وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

الطور 52:28

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ واحِدَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥١)والثّانِي: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ. ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ. والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهُمْ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ. ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها. وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم. وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ. وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم. (p-٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ: ؎ نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا. فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ. والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟ فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .» وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٣)يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ. وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ. وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

الطور 52:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: فَعِظْ بِالقُرْآنِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ "بِكاهِنٍ" وهو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويُخْبِرُ عَمّا في غَدٍ مِن غَيْرِ وحْيٍ. والمَعْنى: إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ لا كَما يَقُولُ [فِيكَ] كُفّارُ مَكَّةَ. ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ أىْ: هو شاعِرٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، قالَ الأخْطَلُ: (p-٥٤) ؎ كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطِ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالا لَمْ يَسْتَفْهِمْ، إنَّما أوْجَبَ أنَّهُ رَأى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَوادِثُ الدَّهْرِ وأوْجاعُهُ ومَصائِبُهُ، و"المَنُونُ" الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ هَكَذا أنْشَدَناهُ أصْحابُ الأصْمَعِيِّ عَنْهُ، وكانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، قالَ: وقَوْلُهُ "والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ" يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: أمِنَ الدَّهْرِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ؟! قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: لا أُكَلِّمُكَ آخِرَ المَنُونِ، أيْ: آخِرَ الدَّهْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظَرُوا بِي ذَلِكَ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُنْتَظَرِينَ عَذابَكُمْ، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، إذْ لا تَضادَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ، وهي العُقُولُ، فَأزْرى اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ، إذْ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا (p-٥٥)وَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعُقُولِ؟! فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها بارِئُها، أيْ: لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ هُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ قالَ: والمَعْنى: أتَأْمُرُهم أحْلامُهم بِتَرْكِ القَبُولِ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ ويَأْتِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ، أمْ يَكْفُرُونَ طُغْيانًا وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ؟! وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أمْ تَدُلُّهم عُقُولُهم عَلى هَذا؟ لِأنَّ الحِلْمَ يَكُونُ بِالعَقْلِ، فَكَنّى عَنْهُ بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ: افْتَعَلَ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؟ والتَّقَوُّلُ: تُكَلُّفُ القَوْلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ "بَلْ" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالقُرْآنِ، اسْتِكْبارًا. فَلْيَأْتُوا ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "بِحَدِيثِ مِثْلِهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَقَوَّلَهُ.

الطور 52:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: فَعِظْ بِالقُرْآنِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ "بِكاهِنٍ" وهو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويُخْبِرُ عَمّا في غَدٍ مِن غَيْرِ وحْيٍ. والمَعْنى: إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ لا كَما يَقُولُ [فِيكَ] كُفّارُ مَكَّةَ. ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ أىْ: هو شاعِرٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، قالَ الأخْطَلُ: (p-٥٤) ؎ كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطِ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالا لَمْ يَسْتَفْهِمْ، إنَّما أوْجَبَ أنَّهُ رَأى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَوادِثُ الدَّهْرِ وأوْجاعُهُ ومَصائِبُهُ، و"المَنُونُ" الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ هَكَذا أنْشَدَناهُ أصْحابُ الأصْمَعِيِّ عَنْهُ، وكانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، قالَ: وقَوْلُهُ "والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ" يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: أمِنَ الدَّهْرِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ؟! قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: لا أُكَلِّمُكَ آخِرَ المَنُونِ، أيْ: آخِرَ الدَّهْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظَرُوا بِي ذَلِكَ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُنْتَظَرِينَ عَذابَكُمْ، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، إذْ لا تَضادَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ، وهي العُقُولُ، فَأزْرى اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ، إذْ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا (p-٥٥)وَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعُقُولِ؟! فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها بارِئُها، أيْ: لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ هُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ قالَ: والمَعْنى: أتَأْمُرُهم أحْلامُهم بِتَرْكِ القَبُولِ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ ويَأْتِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ، أمْ يَكْفُرُونَ طُغْيانًا وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ؟! وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أمْ تَدُلُّهم عُقُولُهم عَلى هَذا؟ لِأنَّ الحِلْمَ يَكُونُ بِالعَقْلِ، فَكَنّى عَنْهُ بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ: افْتَعَلَ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؟ والتَّقَوُّلُ: تُكَلُّفُ القَوْلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ "بَلْ" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالقُرْآنِ، اسْتِكْبارًا. فَلْيَأْتُوا ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "بِحَدِيثِ مِثْلِهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَقَوَّلَهُ.

الطور 52:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: فَعِظْ بِالقُرْآنِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ "بِكاهِنٍ" وهو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويُخْبِرُ عَمّا في غَدٍ مِن غَيْرِ وحْيٍ. والمَعْنى: إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ لا كَما يَقُولُ [فِيكَ] كُفّارُ مَكَّةَ. ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ أىْ: هو شاعِرٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، قالَ الأخْطَلُ: (p-٥٤) ؎ كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطِ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالا لَمْ يَسْتَفْهِمْ، إنَّما أوْجَبَ أنَّهُ رَأى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَوادِثُ الدَّهْرِ وأوْجاعُهُ ومَصائِبُهُ، و"المَنُونُ" الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ هَكَذا أنْشَدَناهُ أصْحابُ الأصْمَعِيِّ عَنْهُ، وكانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، قالَ: وقَوْلُهُ "والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ" يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: أمِنَ الدَّهْرِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ؟! قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: لا أُكَلِّمُكَ آخِرَ المَنُونِ، أيْ: آخِرَ الدَّهْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظَرُوا بِي ذَلِكَ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُنْتَظَرِينَ عَذابَكُمْ، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، إذْ لا تَضادَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ، وهي العُقُولُ، فَأزْرى اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ، إذْ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا (p-٥٥)وَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعُقُولِ؟! فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها بارِئُها، أيْ: لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ هُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ قالَ: والمَعْنى: أتَأْمُرُهم أحْلامُهم بِتَرْكِ القَبُولِ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ ويَأْتِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ، أمْ يَكْفُرُونَ طُغْيانًا وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ؟! وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أمْ تَدُلُّهم عُقُولُهم عَلى هَذا؟ لِأنَّ الحِلْمَ يَكُونُ بِالعَقْلِ، فَكَنّى عَنْهُ بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ: افْتَعَلَ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؟ والتَّقَوُّلُ: تُكَلُّفُ القَوْلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ "بَلْ" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالقُرْآنِ، اسْتِكْبارًا. فَلْيَأْتُوا ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "بِحَدِيثِ مِثْلِهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَقَوَّلَهُ.

الطور 52:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: فَعِظْ بِالقُرْآنِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ "بِكاهِنٍ" وهو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويُخْبِرُ عَمّا في غَدٍ مِن غَيْرِ وحْيٍ. والمَعْنى: إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ لا كَما يَقُولُ [فِيكَ] كُفّارُ مَكَّةَ. ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ أىْ: هو شاعِرٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، قالَ الأخْطَلُ: (p-٥٤) ؎ كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطِ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالا لَمْ يَسْتَفْهِمْ، إنَّما أوْجَبَ أنَّهُ رَأى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَوادِثُ الدَّهْرِ وأوْجاعُهُ ومَصائِبُهُ، و"المَنُونُ" الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ هَكَذا أنْشَدَناهُ أصْحابُ الأصْمَعِيِّ عَنْهُ، وكانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، قالَ: وقَوْلُهُ "والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ" يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: أمِنَ الدَّهْرِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ؟! قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: لا أُكَلِّمُكَ آخِرَ المَنُونِ، أيْ: آخِرَ الدَّهْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظَرُوا بِي ذَلِكَ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُنْتَظَرِينَ عَذابَكُمْ، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، إذْ لا تَضادَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ، وهي العُقُولُ، فَأزْرى اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ، إذْ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا (p-٥٥)وَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعُقُولِ؟! فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها بارِئُها، أيْ: لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ هُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ قالَ: والمَعْنى: أتَأْمُرُهم أحْلامُهم بِتَرْكِ القَبُولِ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ ويَأْتِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ، أمْ يَكْفُرُونَ طُغْيانًا وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ؟! وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أمْ تَدُلُّهم عُقُولُهم عَلى هَذا؟ لِأنَّ الحِلْمَ يَكُونُ بِالعَقْلِ، فَكَنّى عَنْهُ بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ: افْتَعَلَ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؟ والتَّقَوُّلُ: تُكَلُّفُ القَوْلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ "بَلْ" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالقُرْآنِ، اسْتِكْبارًا. فَلْيَأْتُوا ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "بِحَدِيثِ مِثْلِهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَقَوَّلَهُ.

الطور 52:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: فَعِظْ بِالقُرْآنِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ "بِكاهِنٍ" وهو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويُخْبِرُ عَمّا في غَدٍ مِن غَيْرِ وحْيٍ. والمَعْنى: إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ لا كَما يَقُولُ [فِيكَ] كُفّارُ مَكَّةَ. ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ أىْ: هو شاعِرٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، قالَ الأخْطَلُ: (p-٥٤) ؎ كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطِ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالا لَمْ يَسْتَفْهِمْ، إنَّما أوْجَبَ أنَّهُ رَأى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَوادِثُ الدَّهْرِ وأوْجاعُهُ ومَصائِبُهُ، و"المَنُونُ" الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ هَكَذا أنْشَدَناهُ أصْحابُ الأصْمَعِيِّ عَنْهُ، وكانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، قالَ: وقَوْلُهُ "والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ" يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: أمِنَ الدَّهْرِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ؟! قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: لا أُكَلِّمُكَ آخِرَ المَنُونِ، أيْ: آخِرَ الدَّهْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظَرُوا بِي ذَلِكَ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُنْتَظَرِينَ عَذابَكُمْ، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، إذْ لا تَضادَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ، وهي العُقُولُ، فَأزْرى اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ، إذْ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا (p-٥٥)وَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعُقُولِ؟! فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها بارِئُها، أيْ: لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ هُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ قالَ: والمَعْنى: أتَأْمُرُهم أحْلامُهم بِتَرْكِ القَبُولِ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ ويَأْتِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ، أمْ يَكْفُرُونَ طُغْيانًا وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ؟! وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أمْ تَدُلُّهم عُقُولُهم عَلى هَذا؟ لِأنَّ الحِلْمَ يَكُونُ بِالعَقْلِ، فَكَنّى عَنْهُ بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ: افْتَعَلَ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؟ والتَّقَوُّلُ: تُكَلُّفُ القَوْلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ "بَلْ" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالقُرْآنِ، اسْتِكْبارًا. فَلْيَأْتُوا ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "بِحَدِيثِ مِثْلِهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَقَوَّلَهُ.

الطور 52:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: فَعِظْ بِالقُرْآنِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ "بِكاهِنٍ" وهو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويُخْبِرُ عَمّا في غَدٍ مِن غَيْرِ وحْيٍ. والمَعْنى: إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ لا كَما يَقُولُ [فِيكَ] كُفّارُ مَكَّةَ. ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ أىْ: هو شاعِرٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، قالَ الأخْطَلُ: (p-٥٤) ؎ كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطِ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالا لَمْ يَسْتَفْهِمْ، إنَّما أوْجَبَ أنَّهُ رَأى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَوادِثُ الدَّهْرِ وأوْجاعُهُ ومَصائِبُهُ، و"المَنُونُ" الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ هَكَذا أنْشَدَناهُ أصْحابُ الأصْمَعِيِّ عَنْهُ، وكانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، قالَ: وقَوْلُهُ "والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ" يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: أمِنَ الدَّهْرِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ؟! قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: لا أُكَلِّمُكَ آخِرَ المَنُونِ، أيْ: آخِرَ الدَّهْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظَرُوا بِي ذَلِكَ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُنْتَظَرِينَ عَذابَكُمْ، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، إذْ لا تَضادَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ، وهي العُقُولُ، فَأزْرى اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ، إذْ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا (p-٥٥)وَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعُقُولِ؟! فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها بارِئُها، أيْ: لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ هُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ قالَ: والمَعْنى: أتَأْمُرُهم أحْلامُهم بِتَرْكِ القَبُولِ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ ويَأْتِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ، أمْ يَكْفُرُونَ طُغْيانًا وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ؟! وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أمْ تَدُلُّهم عُقُولُهم عَلى هَذا؟ لِأنَّ الحِلْمَ يَكُونُ بِالعَقْلِ، فَكَنّى عَنْهُ بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ: افْتَعَلَ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؟ والتَّقَوُّلُ: تُكَلُّفُ القَوْلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ "بَلْ" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالقُرْآنِ، اسْتِكْبارًا. فَلْيَأْتُوا ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "بِحَدِيثِ مِثْلِهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَقَوَّلَهُ.

الطور 52:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٦)أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟ والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟ والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ. والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟ فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ. والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟ لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى. قَوْلُهُ: تَعالى ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ. يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ (p-٥٧)شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟ قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَهَ: ٧١] فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ. ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟ والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٥٨)والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ. والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] ومَعْنى ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

الطور 52:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٦)أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟ والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟ والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ. والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟ فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ. والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟ لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى. قَوْلُهُ: تَعالى ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ. يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ (p-٥٧)شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟ قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَهَ: ٧١] فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ. ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟ والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٥٨)والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ. والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] ومَعْنى ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

الطور 52:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٦)أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟ والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟ والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ. والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟ فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ. والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟ لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى. قَوْلُهُ: تَعالى ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ. يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ (p-٥٧)شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟ قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَهَ: ٧١] فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ. ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟ والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٥٨)والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ. والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] ومَعْنى ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

الطور 52:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٦)أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟ والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟ والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ. والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟ فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ. والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟ لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى. قَوْلُهُ: تَعالى ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ. يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ (p-٥٧)شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟ قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَهَ: ٧١] فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ. ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟ والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٥٨)والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ. والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] ومَعْنى ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

الطور 52:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٦)أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟ والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟ والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ. والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟ فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ. والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟ لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى. قَوْلُهُ: تَعالى ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ. يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ (p-٥٧)شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟ قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَهَ: ٧١] فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ. ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟ والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٥٨)والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ. والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] ومَعْنى ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

الطور 52:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٦)أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟ والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟ والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ. والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟ فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ. والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟ لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى. قَوْلُهُ: تَعالى ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ. يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ (p-٥٧)شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟ قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَهَ: ٧١] فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ. ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟ والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٥٨)والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ. والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] ومَعْنى ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

الطور 52:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٦)أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟ والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟ والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ. والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟ فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ. والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟ لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى. قَوْلُهُ: تَعالى ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ. يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ (p-٥٧)شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟ قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَهَ: ٧١] فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ. ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟ والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٥٨)والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ. والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] ومَعْنى ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

الطور 52:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٦)أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟ والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟ والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ. والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟ فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ. والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟ لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى. قَوْلُهُ: تَعالى ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ. يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ (p-٥٧)شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟ قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَهَ: ٧١] فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ. ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟ والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٥٨)والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ. والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] ومَعْنى ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

الطور 52:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٦)أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟ والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟ والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ. والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟ فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ. والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟ لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى. قَوْلُهُ: تَعالى ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ. يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ (p-٥٧)شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟ قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَهَ: ٧١] فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ. ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟ والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-٥٨)والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ. والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] ومَعْنى ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

الطور 52:44

ثُمَّ ذَكَرَ عِنادَهم فَقالَ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ والمَعْنى: لَوْ سَقَطَ بَعْضُ السَّماءِ عَلَيْهِمْ لَما انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ، ولَقالُوا: هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ قَدْ رُكِمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: خَلٍّ عَنْهم ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَلْقَوْا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿يَوْمَهُمُ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ مَوْتِهِمْ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُصْعَقُونَ" بِرَفْعِ الياءِ، مِن أصْعَقَهم غَيْرُهُمْ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها، مِن صَعَقُوهم. وَفِي قَوْلِهِ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَمُوتُونَ. والثّانِي: يُغْشى عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣]، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الوَعِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هَذا اليَوْمُ الأوَّلُ؛ والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم مَكْرُهم ولا يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ، قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٦٠)أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: عَذابُ الجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما هو نازِلٌ بِهِمْ. ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ: لِما يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْكَ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ، فَلا يَصِلُونَ إلى مَكْرُوهِكَ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ مَعْنى الصَّبْرِ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا تَضادَّ. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. والثّالِثُ: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ" حِينَ تَقُومُ في الصَّلاةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: سَبِّحِ اللَّهَ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِكَ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ. والخامِسُ: صَلِّ صَلاةَ الظُّهْرِ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والسّادِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَلِّ المَغْرِبَ وصَلِّ العِشاءَ ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قَرَأ زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والجُعْفِيُّ (p-٦١)عَنْ أبِي بَكْرٍ: "وَأدْبارَ النُّجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ [وَقَرَأ] الباقُونَ بِكَسْرِها. وقَدْ شَرَحْناها في (ق: ٤٠)؛ والمَعْنى: صَلِّ لَهُ في إدْبارِ النُّجُومِ، أيْ: حِينَ تُدْبِرُ، أيْ: تَغِيبُ بِضَوْءِ الصُّبْحِ. وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، رَواهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّها صَلاةُ الغَداةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الطور 52:45

ثُمَّ ذَكَرَ عِنادَهم فَقالَ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ والمَعْنى: لَوْ سَقَطَ بَعْضُ السَّماءِ عَلَيْهِمْ لَما انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ، ولَقالُوا: هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ قَدْ رُكِمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: خَلٍّ عَنْهم ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَلْقَوْا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿يَوْمَهُمُ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ مَوْتِهِمْ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُصْعَقُونَ" بِرَفْعِ الياءِ، مِن أصْعَقَهم غَيْرُهُمْ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها، مِن صَعَقُوهم. وَفِي قَوْلِهِ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَمُوتُونَ. والثّانِي: يُغْشى عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣]، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الوَعِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هَذا اليَوْمُ الأوَّلُ؛ والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم مَكْرُهم ولا يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ، قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٦٠)أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: عَذابُ الجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما هو نازِلٌ بِهِمْ. ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ: لِما يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْكَ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ، فَلا يَصِلُونَ إلى مَكْرُوهِكَ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ مَعْنى الصَّبْرِ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا تَضادَّ. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. والثّالِثُ: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ" حِينَ تَقُومُ في الصَّلاةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: سَبِّحِ اللَّهَ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِكَ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ. والخامِسُ: صَلِّ صَلاةَ الظُّهْرِ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والسّادِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَلِّ المَغْرِبَ وصَلِّ العِشاءَ ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قَرَأ زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والجُعْفِيُّ (p-٦١)عَنْ أبِي بَكْرٍ: "وَأدْبارَ النُّجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ [وَقَرَأ] الباقُونَ بِكَسْرِها. وقَدْ شَرَحْناها في (ق: ٤٠)؛ والمَعْنى: صَلِّ لَهُ في إدْبارِ النُّجُومِ، أيْ: حِينَ تُدْبِرُ، أيْ: تَغِيبُ بِضَوْءِ الصُّبْحِ. وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، رَواهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّها صَلاةُ الغَداةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الطور 52:46

ثُمَّ ذَكَرَ عِنادَهم فَقالَ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ والمَعْنى: لَوْ سَقَطَ بَعْضُ السَّماءِ عَلَيْهِمْ لَما انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ، ولَقالُوا: هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ قَدْ رُكِمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: خَلٍّ عَنْهم ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَلْقَوْا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿يَوْمَهُمُ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ مَوْتِهِمْ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُصْعَقُونَ" بِرَفْعِ الياءِ، مِن أصْعَقَهم غَيْرُهُمْ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها، مِن صَعَقُوهم. وَفِي قَوْلِهِ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَمُوتُونَ. والثّانِي: يُغْشى عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣]، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الوَعِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هَذا اليَوْمُ الأوَّلُ؛ والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم مَكْرُهم ولا يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ، قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٦٠)أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: عَذابُ الجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما هو نازِلٌ بِهِمْ. ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ: لِما يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْكَ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ، فَلا يَصِلُونَ إلى مَكْرُوهِكَ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ مَعْنى الصَّبْرِ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا تَضادَّ. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. والثّالِثُ: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ" حِينَ تَقُومُ في الصَّلاةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: سَبِّحِ اللَّهَ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِكَ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ. والخامِسُ: صَلِّ صَلاةَ الظُّهْرِ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والسّادِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَلِّ المَغْرِبَ وصَلِّ العِشاءَ ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قَرَأ زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والجُعْفِيُّ (p-٦١)عَنْ أبِي بَكْرٍ: "وَأدْبارَ النُّجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ [وَقَرَأ] الباقُونَ بِكَسْرِها. وقَدْ شَرَحْناها في (ق: ٤٠)؛ والمَعْنى: صَلِّ لَهُ في إدْبارِ النُّجُومِ، أيْ: حِينَ تُدْبِرُ، أيْ: تَغِيبُ بِضَوْءِ الصُّبْحِ. وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، رَواهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّها صَلاةُ الغَداةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الطور 52:47

ثُمَّ ذَكَرَ عِنادَهم فَقالَ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ والمَعْنى: لَوْ سَقَطَ بَعْضُ السَّماءِ عَلَيْهِمْ لَما انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ، ولَقالُوا: هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ قَدْ رُكِمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: خَلٍّ عَنْهم ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَلْقَوْا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿يَوْمَهُمُ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ مَوْتِهِمْ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُصْعَقُونَ" بِرَفْعِ الياءِ، مِن أصْعَقَهم غَيْرُهُمْ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها، مِن صَعَقُوهم. وَفِي قَوْلِهِ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَمُوتُونَ. والثّانِي: يُغْشى عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣]، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الوَعِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هَذا اليَوْمُ الأوَّلُ؛ والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم مَكْرُهم ولا يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ، قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٦٠)أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: عَذابُ الجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما هو نازِلٌ بِهِمْ. ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ: لِما يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْكَ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ، فَلا يَصِلُونَ إلى مَكْرُوهِكَ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ مَعْنى الصَّبْرِ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا تَضادَّ. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. والثّالِثُ: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ" حِينَ تَقُومُ في الصَّلاةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: سَبِّحِ اللَّهَ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِكَ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ. والخامِسُ: صَلِّ صَلاةَ الظُّهْرِ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والسّادِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَلِّ المَغْرِبَ وصَلِّ العِشاءَ ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قَرَأ زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والجُعْفِيُّ (p-٦١)عَنْ أبِي بَكْرٍ: "وَأدْبارَ النُّجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ [وَقَرَأ] الباقُونَ بِكَسْرِها. وقَدْ شَرَحْناها في (ق: ٤٠)؛ والمَعْنى: صَلِّ لَهُ في إدْبارِ النُّجُومِ، أيْ: حِينَ تُدْبِرُ، أيْ: تَغِيبُ بِضَوْءِ الصُّبْحِ. وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، رَواهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّها صَلاةُ الغَداةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الطور 52:48

ثُمَّ ذَكَرَ عِنادَهم فَقالَ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ والمَعْنى: لَوْ سَقَطَ بَعْضُ السَّماءِ عَلَيْهِمْ لَما انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ، ولَقالُوا: هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ قَدْ رُكِمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: خَلٍّ عَنْهم ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَلْقَوْا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿يَوْمَهُمُ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ مَوْتِهِمْ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُصْعَقُونَ" بِرَفْعِ الياءِ، مِن أصْعَقَهم غَيْرُهُمْ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها، مِن صَعَقُوهم. وَفِي قَوْلِهِ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَمُوتُونَ. والثّانِي: يُغْشى عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣]، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الوَعِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هَذا اليَوْمُ الأوَّلُ؛ والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم مَكْرُهم ولا يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ، قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٦٠)أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: عَذابُ الجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما هو نازِلٌ بِهِمْ. ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ: لِما يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْكَ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ، فَلا يَصِلُونَ إلى مَكْرُوهِكَ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ مَعْنى الصَّبْرِ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا تَضادَّ. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. والثّالِثُ: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ" حِينَ تَقُومُ في الصَّلاةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: سَبِّحِ اللَّهَ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِكَ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ. والخامِسُ: صَلِّ صَلاةَ الظُّهْرِ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والسّادِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَلِّ المَغْرِبَ وصَلِّ العِشاءَ ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قَرَأ زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والجُعْفِيُّ (p-٦١)عَنْ أبِي بَكْرٍ: "وَأدْبارَ النُّجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ [وَقَرَأ] الباقُونَ بِكَسْرِها. وقَدْ شَرَحْناها في (ق: ٤٠)؛ والمَعْنى: صَلِّ لَهُ في إدْبارِ النُّجُومِ، أيْ: حِينَ تُدْبِرُ، أيْ: تَغِيبُ بِضَوْءِ الصُّبْحِ. وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، رَواهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّها صَلاةُ الغَداةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الطور 52:49

ثُمَّ ذَكَرَ عِنادَهم فَقالَ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ والمَعْنى: لَوْ سَقَطَ بَعْضُ السَّماءِ عَلَيْهِمْ لَما انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ، ولَقالُوا: هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ قَدْ رُكِمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: خَلٍّ عَنْهم ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَلْقَوْا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿يَوْمَهُمُ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال. أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ مَوْتِهِمْ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ. والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُصْعَقُونَ" بِرَفْعِ الياءِ، مِن أصْعَقَهم غَيْرُهُمْ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها، مِن صَعَقُوهم. وَفِي قَوْلِهِ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَمُوتُونَ. والثّانِي: يُغْشى عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣]، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الوَعِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هَذا اليَوْمُ الأوَّلُ؛ والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم مَكْرُهم ولا يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ، قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٦٠)أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: عَذابُ الجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما هو نازِلٌ بِهِمْ. ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ: لِما يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْكَ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ، فَلا يَصِلُونَ إلى مَكْرُوهِكَ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ مَعْنى الصَّبْرِ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا تَضادَّ. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ. والثّالِثُ: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ" حِينَ تَقُومُ في الصَّلاةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: سَبِّحِ اللَّهَ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِكَ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ. والخامِسُ: صَلِّ صَلاةَ الظُّهْرِ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والسّادِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَلِّ المَغْرِبَ وصَلِّ العِشاءَ ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قَرَأ زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والجُعْفِيُّ (p-٦١)عَنْ أبِي بَكْرٍ: "وَأدْبارَ النُّجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ [وَقَرَأ] الباقُونَ بِكَسْرِها. وقَدْ شَرَحْناها في (ق: ٤٠)؛ والمَعْنى: صَلِّ لَهُ في إدْبارِ النُّجُومِ، أيْ: حِينَ تُدْبِرُ، أيْ: تَغِيبُ بِضَوْءِ الصُّبْحِ. وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، رَواهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّها صَلاةُ الغَداةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

النجم 53:1

(p-٦٢)سُورَةُ النَّجْمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ إلّا أنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها، وهي ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢]، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ؛ [قالَ]: وهَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ أعْلَنَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ هَذا قَسَمٌ. وفي المُرادِ بِالنَّجْمِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الثُّرَيّا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والعَرَبُ تُسَمِّي الثُّرَيّا - وهي سِتَّةُ أنْجُمٍ- نَجْمًا. وقالَ غَيْرُهُ: هي سَبْعَةٌ، فَسِتَّةٌ ظاهِرَةٌ، وواحِدٌ خَفِيٌّ يَمْتَحِنُ بِهِ النّاسُ أبْصارَهم. والثّانِي: الرُّجُومُ مِنَ النُّجُومِ، يَعْنِي ما يُرْمى بِهِ الشَّياطِينُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ نَزَلَ نُجُومًا مُتَفَرِّقَةً، قالَهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٦٣)والأعْمَشُ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ يَنْزِلُ نُجُومًا ثَلاثَ آياتٍ وأرْبَعَ آياتٍ ونَحْوَ ذَلِكَ. والرّابِعُ: نُجُومُ السَّماءِ كُلُّها، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. والخامِسُ: أنَّها الزُّهْرَةُ: قالَهُ السُّدِّيُّ. فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: النَّجْمُ: الثُّرَيّا، يَكُونُ "هَوى" بِمَعْنى "غابَ"؛ ومَن قالَ: هو الرُّجُومُ، يَكُونُ هُوِيُّها في رَمْيِ الشَّياطِينِ، ومَن قالَ: القُرْآنُ. يَكُونُ مَعْنى "هَوى": نَزَلَ، ومَن قالَ: نُجُومُ السَّماءِ كُلُّها، فَفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنْ هُوِيَّها أنْ تَغِيبَ. والثّانِي: أنْ تَنْتَثِرَ يَوْمَ القِيامَةِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها بِفَتْحِ أواخِرِ آياتِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالإمالَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ؛ والمَعْنى: ما ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الهُدى، والمُرادُ بِهِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ بِالباطِلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "عَنْ" بِمَعْنى الباءِ. وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّهُ يَقُولُ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ. ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما القُرْآنُ ﴿إلا وحْيٌ﴾ مِنَ اللَّهِ ﴿يُوحى﴾ وهَذا مِمّا يَحْتَجُّ بِهِ مَن لا يُجِيزُ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ، ولَيْسَ كَما ظَنُّوا، لِأنَّ اجْتِهادَ الرَّأْيِ إذا صَدَرَ عَنِ الوَحْيِ، جازَ أنْ يُنْسَبَ إلى الوَحْيِ.

النجم 53:2

(p-٦٢)سُورَةُ النَّجْمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ إلّا أنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها، وهي ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢]، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ؛ [قالَ]: وهَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ أعْلَنَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ هَذا قَسَمٌ. وفي المُرادِ بِالنَّجْمِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الثُّرَيّا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والعَرَبُ تُسَمِّي الثُّرَيّا - وهي سِتَّةُ أنْجُمٍ- نَجْمًا. وقالَ غَيْرُهُ: هي سَبْعَةٌ، فَسِتَّةٌ ظاهِرَةٌ، وواحِدٌ خَفِيٌّ يَمْتَحِنُ بِهِ النّاسُ أبْصارَهم. والثّانِي: الرُّجُومُ مِنَ النُّجُومِ، يَعْنِي ما يُرْمى بِهِ الشَّياطِينُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ نَزَلَ نُجُومًا مُتَفَرِّقَةً، قالَهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٦٣)والأعْمَشُ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ يَنْزِلُ نُجُومًا ثَلاثَ آياتٍ وأرْبَعَ آياتٍ ونَحْوَ ذَلِكَ. والرّابِعُ: نُجُومُ السَّماءِ كُلُّها، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. والخامِسُ: أنَّها الزُّهْرَةُ: قالَهُ السُّدِّيُّ. فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: النَّجْمُ: الثُّرَيّا، يَكُونُ "هَوى" بِمَعْنى "غابَ"؛ ومَن قالَ: هو الرُّجُومُ، يَكُونُ هُوِيُّها في رَمْيِ الشَّياطِينِ، ومَن قالَ: القُرْآنُ. يَكُونُ مَعْنى "هَوى": نَزَلَ، ومَن قالَ: نُجُومُ السَّماءِ كُلُّها، فَفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنْ هُوِيَّها أنْ تَغِيبَ. والثّانِي: أنْ تَنْتَثِرَ يَوْمَ القِيامَةِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها بِفَتْحِ أواخِرِ آياتِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالإمالَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ؛ والمَعْنى: ما ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الهُدى، والمُرادُ بِهِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ بِالباطِلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "عَنْ" بِمَعْنى الباءِ. وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّهُ يَقُولُ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ. ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما القُرْآنُ ﴿إلا وحْيٌ﴾ مِنَ اللَّهِ ﴿يُوحى﴾ وهَذا مِمّا يَحْتَجُّ بِهِ مَن لا يُجِيزُ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ، ولَيْسَ كَما ظَنُّوا، لِأنَّ اجْتِهادَ الرَّأْيِ إذا صَدَرَ عَنِ الوَحْيِ، جازَ أنْ يُنْسَبَ إلى الوَحْيِ.

النجم 53:3

(p-٦٢)سُورَةُ النَّجْمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ إلّا أنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها، وهي ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢]، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ؛ [قالَ]: وهَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ أعْلَنَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ هَذا قَسَمٌ. وفي المُرادِ بِالنَّجْمِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الثُّرَيّا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والعَرَبُ تُسَمِّي الثُّرَيّا - وهي سِتَّةُ أنْجُمٍ- نَجْمًا. وقالَ غَيْرُهُ: هي سَبْعَةٌ، فَسِتَّةٌ ظاهِرَةٌ، وواحِدٌ خَفِيٌّ يَمْتَحِنُ بِهِ النّاسُ أبْصارَهم. والثّانِي: الرُّجُومُ مِنَ النُّجُومِ، يَعْنِي ما يُرْمى بِهِ الشَّياطِينُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ نَزَلَ نُجُومًا مُتَفَرِّقَةً، قالَهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٦٣)والأعْمَشُ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ يَنْزِلُ نُجُومًا ثَلاثَ آياتٍ وأرْبَعَ آياتٍ ونَحْوَ ذَلِكَ. والرّابِعُ: نُجُومُ السَّماءِ كُلُّها، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. والخامِسُ: أنَّها الزُّهْرَةُ: قالَهُ السُّدِّيُّ. فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: النَّجْمُ: الثُّرَيّا، يَكُونُ "هَوى" بِمَعْنى "غابَ"؛ ومَن قالَ: هو الرُّجُومُ، يَكُونُ هُوِيُّها في رَمْيِ الشَّياطِينِ، ومَن قالَ: القُرْآنُ. يَكُونُ مَعْنى "هَوى": نَزَلَ، ومَن قالَ: نُجُومُ السَّماءِ كُلُّها، فَفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنْ هُوِيَّها أنْ تَغِيبَ. والثّانِي: أنْ تَنْتَثِرَ يَوْمَ القِيامَةِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها بِفَتْحِ أواخِرِ آياتِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالإمالَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ؛ والمَعْنى: ما ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الهُدى، والمُرادُ بِهِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ بِالباطِلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "عَنْ" بِمَعْنى الباءِ. وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّهُ يَقُولُ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ. ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما القُرْآنُ ﴿إلا وحْيٌ﴾ مِنَ اللَّهِ ﴿يُوحى﴾ وهَذا مِمّا يَحْتَجُّ بِهِ مَن لا يُجِيزُ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ، ولَيْسَ كَما ظَنُّوا، لِأنَّ اجْتِهادَ الرَّأْيِ إذا صَدَرَ عَنِ الوَحْيِ، جازَ أنْ يُنْسَبَ إلى الوَحْيِ.

النجم 53:4

(p-٦٢)سُورَةُ النَّجْمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ إلّا أنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها، وهي ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢]، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ؛ [قالَ]: وهَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ أعْلَنَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ هَذا قَسَمٌ. وفي المُرادِ بِالنَّجْمِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الثُّرَيّا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والعَرَبُ تُسَمِّي الثُّرَيّا - وهي سِتَّةُ أنْجُمٍ- نَجْمًا. وقالَ غَيْرُهُ: هي سَبْعَةٌ، فَسِتَّةٌ ظاهِرَةٌ، وواحِدٌ خَفِيٌّ يَمْتَحِنُ بِهِ النّاسُ أبْصارَهم. والثّانِي: الرُّجُومُ مِنَ النُّجُومِ، يَعْنِي ما يُرْمى بِهِ الشَّياطِينُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ نَزَلَ نُجُومًا مُتَفَرِّقَةً، قالَهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٦٣)والأعْمَشُ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ يَنْزِلُ نُجُومًا ثَلاثَ آياتٍ وأرْبَعَ آياتٍ ونَحْوَ ذَلِكَ. والرّابِعُ: نُجُومُ السَّماءِ كُلُّها، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. والخامِسُ: أنَّها الزُّهْرَةُ: قالَهُ السُّدِّيُّ. فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: النَّجْمُ: الثُّرَيّا، يَكُونُ "هَوى" بِمَعْنى "غابَ"؛ ومَن قالَ: هو الرُّجُومُ، يَكُونُ هُوِيُّها في رَمْيِ الشَّياطِينِ، ومَن قالَ: القُرْآنُ. يَكُونُ مَعْنى "هَوى": نَزَلَ، ومَن قالَ: نُجُومُ السَّماءِ كُلُّها، فَفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنْ هُوِيَّها أنْ تَغِيبَ. والثّانِي: أنْ تَنْتَثِرَ يَوْمَ القِيامَةِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها بِفَتْحِ أواخِرِ آياتِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالإمالَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ؛ والمَعْنى: ما ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الهُدى، والمُرادُ بِهِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ بِالباطِلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "عَنْ" بِمَعْنى الباءِ. وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّهُ يَقُولُ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ. ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما القُرْآنُ ﴿إلا وحْيٌ﴾ مِنَ اللَّهِ ﴿يُوحى﴾ وهَذا مِمّا يَحْتَجُّ بِهِ مَن لا يُجِيزُ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ، ولَيْسَ كَما ظَنُّوا، لِأنَّ اجْتِهادَ الرَّأْيِ إذا صَدَرَ عَنِ الوَحْيِ، جازَ أنْ يُنْسَبَ إلى الوَحْيِ.

النجم 53:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا مِن "قُوى الحَبْلِ" وهي طاقاتُهُ، الواحِدَةُ: قُوَّةٌ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: ذُو قُوَّة، وأصْلُ المِرَّةِ: الفَتْلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ مِن قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قَرْياتِ لُوطٍ وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ فَقَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ فَأصْبَحُوا خامِدِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، "وَهُوَ" يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ؛ والمَعْنى أنَّهُما اسْتَوَيا بِالأُفُقِ الأعْلى لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الفَرّاءُ. (p-٦٥)والثّانِي: فاسْتَوى جِبْرِيلُ، وهُوَ- يَعْنِي جِبْرِيلَ- بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، وأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ بِالأُفُقِ الأعْلى في صُورَتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: والأُفُقُ الأعْلى: هو مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: "الأعْلى" لِأنَّهُ فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ في صَعِيدِ الأرْضِ لا في الهَواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ تَدَلّى فَدَنا، ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ تُقَدِّمَ أيَّ الفِعْلَيْنِ شِئْتَ إذا كانَ المَعْنى فِيهِما واحِدًا، فَتَقُولُ: قَدْ دَنا فَقَرُبَ، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتَمَ فَأساءَ، وأساءَ فَشَتَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] المَعْنى- واللَّهُ أعْلَمُ-: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، المَعْنى: تَدَلّى فَدَنا، لِأنَّهُ تَدَلّى لِلدُّنُوِّ، ودَنا بِالتَّدَلِّي. وقالَ الزَّجّاجُ: دَنا بِمَعْنى قَرُبَ، وتَدَلّى: زادَ في القُرْبِ، ومَعْنى اللَّفْظَتَيْنِ واحِدٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: أصْلُ التَّدَلِّي: النُّزُولُ إلى الشَّيْءِ حَتّى يَقْرُبَ مِنهُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ القُرْبِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها، أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: دَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ (p-٦٦)قالَ: دَنا رَبُّهُ فَتَدَلّى، وهَذا اخْتِيارُ مُقاتِلٍ. قالَ: دَنا الرَّبُّ مِن مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى. وقَدْ كَشَفْتُ هَذا الوَجْهَ في كِتابِ "المُغْنِي" وبَيَّنْتُ أنَّهُ لَيْسَ كَما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن قُرْبِ الأجْسامِ وقَطْعِ المَسافَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ دَنا مِن رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى مِنَ الأرْضِ، فَنَزَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: دَنا جِبْرِيلُ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ: "فَكانَ قادَ قَوْسَيْنِ" بِالدّالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القابُ والقادُ: القَدْرُ. وقالَ (p-٦٧)ابْنُ فارِسٍ: القابُ: القَدْرُ. ويُقالُ: بَلِ القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سِيَةُ القَوْسِ: ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها. وَفِي المُرادِ بِالقَوْسَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها القَوْسُ الَّتِي يُرْمى بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ بِالقَوْسَيْنِ: قَوْسًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ القَوْسَ: الذِّراعُ؛ فالمَعْنى: كانَ بَيْنَهُما قَدْرَ ذِراعَيْنِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَنا جِبْرِيلُ مِنهُ حَتّى كانَ قَدْرَ ذِراعٍ أوْ ذِراعَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أدْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ؛ والمَعْنى: كانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ كِفاحًا بِلا واسِطَةٍ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ المِعْراجِ. والثّانِي: أوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أوْحى [اللَّهُ] إلى جِبْرِيلَ ما يُوحِيهِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. فَمَن شَدَّدَ أرادَ: ما أنْكَرَ فُؤادُهُ ما رَأتْهُ عَيْنُهُ؛ ومَن خَفَّفَ أرادَ: ما أوْهَمَهُ فُؤادُهُ أنَّهُ رَأى، ولَمْ يَرَ، بَلْ صَدَقَ الفُؤادُ رُؤْيَتَهُ. وَفِي الَّذِي رَأى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، [وَأنَسٌ] والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ" .﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "أفَتُمْرُونَهُ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى ﴿ "أفَتُمارُونَهُ﴾ أفَتُجادِلُونَهُ، مِنَ المِراءِ، ومَعْنى " أفَتُمْرُونَهُ ": أفَتَجْحَدُونَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؛ وبَيانُ هَذا أنَّهُ تَرَدَّدَ لِأجْلِ الصَّلَواتِ مِرارًا، فَرَأى رَبَّهُ في بَعْضِ تِلْكَ المَرّاتِ مَرَّةً أُخْرى. قالَ كَعْبٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وكَلَّمَهُ مُوسى مَرَّتَيْنِ. وقَدْ (p-٦٩)رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ أيْضًا، رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. فَأمّا سِدْرَةُ المُنْتَهى، فالسِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، ووَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ" .» وفي مَكانِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهَذا مَذْكُورٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وهي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. والثّانِي: أنَّها في السَّماءِ السّادِسَةِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، لِأنَّهُ إلَيْها مُنْتَهى ما يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها فَيُقْبَضُ مِنها، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَها﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "عِنْدَهُ" بِهاءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَنَّةٌ يَأْوِي إلَيْها جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي جَنَّةٌ إلَيْها تَأْوِي أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "جَنَّهُ المَأْوى" بَهاءٍ (p-٧٠)صَحِيحَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُرِيدُونَ أجَنَّهُ، وهي شاذَّةٌ. وقِيلَ: مَعْنى "عِنْدَها": أدْرَكَهُ المَبِيتُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ. وفي حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِن حُسْنِها.» وقالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: تَغْشاها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلى الشَّجَرَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: [غَشِيَها] نُورُ رَبِّ العالَمِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما عَدَلَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا ولا شِمالًا ﴿وَما طَغى﴾ أيْ: ما زادَ ولا جاوَزَ ما رَأى؛ وهَذا وصْفُ أدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: [لَقَدْ] رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ. والثّانِي: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ [الآيَةَ] الكُبْرى. (p-٧١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما رَأى مِنَ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها في السَّماواتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مِن أعْلامِ رَبِّهِ وأدِلَّتِهِ [الأعْلامَ والأدِلَّةَ] الكُبْرى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النجم 53:19

قالَ الزَّجّاجُ: فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ المَعْنى: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ شَيْءٌ؟! فَأمّا "اللّاتُ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخَفِيفِ التّاءِ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِثَقِيفٍ اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانُوا يَشْتَقُّونَ لِأصْنامِهِمْ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ "اللَّهِ": اللّاتُ، ومِنَ "العَزِيزِ": العُزّى. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: كانَ (p-٧٢)المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَ "اللَّهَ" اسْمًا لِبَعْضِ أصْنامِهِمْ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلى اللّاتَ صِيانَةً لِهَذا الِاسْمِ وذَبًّا عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، والأعْمَشُ، ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "اللّاتَّ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ ورَدَ في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحاجِّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ: اللّاتَّ. وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالهاءِ، فَيَقُولُ: "اللّاهْ"؛ وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ الوُقُوفُ بِالتّاءِ، لِاتِّباعِ المُصْحَفِ. وَأمّا "العُزّى" فَفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها شَجَرَةٌ لَغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: صَنَمٌ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. قالَ: وأمّا "مَناةُ" فَهو صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: بَلْ كانَتْ لِلْأنْصارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتِ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ أصْنامًا مِن حِجارَةٍ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمُناءَةَ" مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً. فَأمّا قَوْلُهُ: (الثّالِثَةَ) فَإنَّهُ نَعْتٌ لِـ "مَناةَ"، هي ثالِثَةُ الصَّنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، "والأُخْرى" نَعْتٌ لَها. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: العَرَبُ لا تَقُولُ لِلثّالِثَةِ: الأُخْرى، وإنَّما الأُخْرى نَعْتٌ لِلثّانِيَةِ؛ فَيَكُونُ في المَعْنى وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيِ، كَقَوْلِهِ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طَهَ: ١٨] ولَمْ يَقُلْ، أُخَرُ، قالَهُ الخَلِيلُ. (p-٧٣)والثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْأصْنامِ والمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى كَرِهَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ؟! يَعْنِي الأصْنامَ وهي [إناثٌ] في أسْمائِها. ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ قَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ["ضِيزى"] بِكَسْرِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ [فِي] كَسْرِ الضّادِ، لَكِنَّهُ هَمَزَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "ضَيْزى" بِفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الضِّيزى في كَلامِ العَرَبِ: النّاقِصَةُ الجائِرَةُ، يُقالُ: ضازَهُ يَضِيزُهُ: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزِ. وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ضِيزى: ضُوزى، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن "فُعْلى" مِن ضُوزى إلى ضِيزى، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: أبْيَضُ وبِيضٌ، وأصْلُهُ: بُوضٌ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ. وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ: في "ضِيزى" لُغاتٌ؛ يُقالُ: ضِيزى، وضُوزى، وضُؤْزى، وضَأْزى عَلى "فَعَلى" مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا "ضِيزى" بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ "فِعْلى" صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى "فَعْلى" بِالفَتْحِ، نَحْوُ سَكْرى وغَضْبى، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوُ حُبْلى وفُضْلى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هِيَ﴾ يَعْنِي الأوْثانَ ﴿إلا أسْماءٌ﴾ والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأوْثانَ (p-٧٤)الَّتِي سَمَّوْها بِهَذِهِ الأسامِي لا مَعْنًى تَحْتَها، لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَهي تَسْمِياتٌ أُلْقِيَتْ عَلى جَماداتٍ، ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِما يَقُولُونَ: إنَّها آلِهَةٌ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بَعْدَ الخِطابِ لَهم فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في أنَّها آلِهَةٌ، ﴿إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ، ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ وهو البَيانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَتَها بَعْدَ وُضُوحِ البَيانِ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهم شَفاعَتَها فَقالَ: ﴿أمْ لِلإنْسانِ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ما تَمَنّى﴾ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ لا يَمْلِكُ فِيهِما أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الجَمْعُ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشَّفاعَةِ ﴿لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

النجم 53:20

قالَ الزَّجّاجُ: فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ المَعْنى: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ شَيْءٌ؟! فَأمّا "اللّاتُ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخَفِيفِ التّاءِ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِثَقِيفٍ اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانُوا يَشْتَقُّونَ لِأصْنامِهِمْ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ "اللَّهِ": اللّاتُ، ومِنَ "العَزِيزِ": العُزّى. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: كانَ (p-٧٢)المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَ "اللَّهَ" اسْمًا لِبَعْضِ أصْنامِهِمْ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلى اللّاتَ صِيانَةً لِهَذا الِاسْمِ وذَبًّا عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، والأعْمَشُ، ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "اللّاتَّ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ ورَدَ في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحاجِّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ: اللّاتَّ. وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالهاءِ، فَيَقُولُ: "اللّاهْ"؛ وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ الوُقُوفُ بِالتّاءِ، لِاتِّباعِ المُصْحَفِ. وَأمّا "العُزّى" فَفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها شَجَرَةٌ لَغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: صَنَمٌ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. قالَ: وأمّا "مَناةُ" فَهو صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: بَلْ كانَتْ لِلْأنْصارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتِ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ أصْنامًا مِن حِجارَةٍ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمُناءَةَ" مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً. فَأمّا قَوْلُهُ: (الثّالِثَةَ) فَإنَّهُ نَعْتٌ لِـ "مَناةَ"، هي ثالِثَةُ الصَّنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، "والأُخْرى" نَعْتٌ لَها. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: العَرَبُ لا تَقُولُ لِلثّالِثَةِ: الأُخْرى، وإنَّما الأُخْرى نَعْتٌ لِلثّانِيَةِ؛ فَيَكُونُ في المَعْنى وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيِ، كَقَوْلِهِ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طَهَ: ١٨] ولَمْ يَقُلْ، أُخَرُ، قالَهُ الخَلِيلُ. (p-٧٣)والثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْأصْنامِ والمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى كَرِهَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ؟! يَعْنِي الأصْنامَ وهي [إناثٌ] في أسْمائِها. ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ قَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ["ضِيزى"] بِكَسْرِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ [فِي] كَسْرِ الضّادِ، لَكِنَّهُ هَمَزَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "ضَيْزى" بِفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الضِّيزى في كَلامِ العَرَبِ: النّاقِصَةُ الجائِرَةُ، يُقالُ: ضازَهُ يَضِيزُهُ: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزِ. وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ضِيزى: ضُوزى، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن "فُعْلى" مِن ضُوزى إلى ضِيزى، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: أبْيَضُ وبِيضٌ، وأصْلُهُ: بُوضٌ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ. وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ: في "ضِيزى" لُغاتٌ؛ يُقالُ: ضِيزى، وضُوزى، وضُؤْزى، وضَأْزى عَلى "فَعَلى" مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا "ضِيزى" بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ "فِعْلى" صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى "فَعْلى" بِالفَتْحِ، نَحْوُ سَكْرى وغَضْبى، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوُ حُبْلى وفُضْلى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هِيَ﴾ يَعْنِي الأوْثانَ ﴿إلا أسْماءٌ﴾ والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأوْثانَ (p-٧٤)الَّتِي سَمَّوْها بِهَذِهِ الأسامِي لا مَعْنًى تَحْتَها، لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَهي تَسْمِياتٌ أُلْقِيَتْ عَلى جَماداتٍ، ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِما يَقُولُونَ: إنَّها آلِهَةٌ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بَعْدَ الخِطابِ لَهم فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في أنَّها آلِهَةٌ، ﴿إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ، ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ وهو البَيانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَتَها بَعْدَ وُضُوحِ البَيانِ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهم شَفاعَتَها فَقالَ: ﴿أمْ لِلإنْسانِ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ما تَمَنّى﴾ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ لا يَمْلِكُ فِيهِما أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الجَمْعُ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشَّفاعَةِ ﴿لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

النجم 53:21

قالَ الزَّجّاجُ: فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ المَعْنى: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ شَيْءٌ؟! فَأمّا "اللّاتُ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخَفِيفِ التّاءِ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِثَقِيفٍ اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانُوا يَشْتَقُّونَ لِأصْنامِهِمْ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ "اللَّهِ": اللّاتُ، ومِنَ "العَزِيزِ": العُزّى. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: كانَ (p-٧٢)المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَ "اللَّهَ" اسْمًا لِبَعْضِ أصْنامِهِمْ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلى اللّاتَ صِيانَةً لِهَذا الِاسْمِ وذَبًّا عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، والأعْمَشُ، ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "اللّاتَّ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ ورَدَ في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحاجِّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ: اللّاتَّ. وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالهاءِ، فَيَقُولُ: "اللّاهْ"؛ وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ الوُقُوفُ بِالتّاءِ، لِاتِّباعِ المُصْحَفِ. وَأمّا "العُزّى" فَفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها شَجَرَةٌ لَغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: صَنَمٌ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. قالَ: وأمّا "مَناةُ" فَهو صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: بَلْ كانَتْ لِلْأنْصارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتِ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ أصْنامًا مِن حِجارَةٍ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمُناءَةَ" مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً. فَأمّا قَوْلُهُ: (الثّالِثَةَ) فَإنَّهُ نَعْتٌ لِـ "مَناةَ"، هي ثالِثَةُ الصَّنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، "والأُخْرى" نَعْتٌ لَها. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: العَرَبُ لا تَقُولُ لِلثّالِثَةِ: الأُخْرى، وإنَّما الأُخْرى نَعْتٌ لِلثّانِيَةِ؛ فَيَكُونُ في المَعْنى وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيِ، كَقَوْلِهِ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طَهَ: ١٨] ولَمْ يَقُلْ، أُخَرُ، قالَهُ الخَلِيلُ. (p-٧٣)والثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْأصْنامِ والمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى كَرِهَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ؟! يَعْنِي الأصْنامَ وهي [إناثٌ] في أسْمائِها. ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ قَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ["ضِيزى"] بِكَسْرِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ [فِي] كَسْرِ الضّادِ، لَكِنَّهُ هَمَزَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "ضَيْزى" بِفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الضِّيزى في كَلامِ العَرَبِ: النّاقِصَةُ الجائِرَةُ، يُقالُ: ضازَهُ يَضِيزُهُ: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزِ. وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ضِيزى: ضُوزى، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن "فُعْلى" مِن ضُوزى إلى ضِيزى، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: أبْيَضُ وبِيضٌ، وأصْلُهُ: بُوضٌ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ. وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ: في "ضِيزى" لُغاتٌ؛ يُقالُ: ضِيزى، وضُوزى، وضُؤْزى، وضَأْزى عَلى "فَعَلى" مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا "ضِيزى" بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ "فِعْلى" صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى "فَعْلى" بِالفَتْحِ، نَحْوُ سَكْرى وغَضْبى، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوُ حُبْلى وفُضْلى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هِيَ﴾ يَعْنِي الأوْثانَ ﴿إلا أسْماءٌ﴾ والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأوْثانَ (p-٧٤)الَّتِي سَمَّوْها بِهَذِهِ الأسامِي لا مَعْنًى تَحْتَها، لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَهي تَسْمِياتٌ أُلْقِيَتْ عَلى جَماداتٍ، ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِما يَقُولُونَ: إنَّها آلِهَةٌ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بَعْدَ الخِطابِ لَهم فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في أنَّها آلِهَةٌ، ﴿إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ، ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ وهو البَيانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَتَها بَعْدَ وُضُوحِ البَيانِ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهم شَفاعَتَها فَقالَ: ﴿أمْ لِلإنْسانِ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ما تَمَنّى﴾ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ لا يَمْلِكُ فِيهِما أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الجَمْعُ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشَّفاعَةِ ﴿لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

النجم 53:22

قالَ الزَّجّاجُ: فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ المَعْنى: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ شَيْءٌ؟! فَأمّا "اللّاتُ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخَفِيفِ التّاءِ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِثَقِيفٍ اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانُوا يَشْتَقُّونَ لِأصْنامِهِمْ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ "اللَّهِ": اللّاتُ، ومِنَ "العَزِيزِ": العُزّى. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: كانَ (p-٧٢)المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَ "اللَّهَ" اسْمًا لِبَعْضِ أصْنامِهِمْ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلى اللّاتَ صِيانَةً لِهَذا الِاسْمِ وذَبًّا عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، والأعْمَشُ، ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "اللّاتَّ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ ورَدَ في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحاجِّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ: اللّاتَّ. وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالهاءِ، فَيَقُولُ: "اللّاهْ"؛ وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ الوُقُوفُ بِالتّاءِ، لِاتِّباعِ المُصْحَفِ. وَأمّا "العُزّى" فَفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها شَجَرَةٌ لَغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: صَنَمٌ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. قالَ: وأمّا "مَناةُ" فَهو صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: بَلْ كانَتْ لِلْأنْصارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتِ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ أصْنامًا مِن حِجارَةٍ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمُناءَةَ" مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً. فَأمّا قَوْلُهُ: (الثّالِثَةَ) فَإنَّهُ نَعْتٌ لِـ "مَناةَ"، هي ثالِثَةُ الصَّنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، "والأُخْرى" نَعْتٌ لَها. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: العَرَبُ لا تَقُولُ لِلثّالِثَةِ: الأُخْرى، وإنَّما الأُخْرى نَعْتٌ لِلثّانِيَةِ؛ فَيَكُونُ في المَعْنى وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيِ، كَقَوْلِهِ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طَهَ: ١٨] ولَمْ يَقُلْ، أُخَرُ، قالَهُ الخَلِيلُ. (p-٧٣)والثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْأصْنامِ والمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى كَرِهَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ؟! يَعْنِي الأصْنامَ وهي [إناثٌ] في أسْمائِها. ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ قَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ["ضِيزى"] بِكَسْرِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ [فِي] كَسْرِ الضّادِ، لَكِنَّهُ هَمَزَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "ضَيْزى" بِفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الضِّيزى في كَلامِ العَرَبِ: النّاقِصَةُ الجائِرَةُ، يُقالُ: ضازَهُ يَضِيزُهُ: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزِ. وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ضِيزى: ضُوزى، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن "فُعْلى" مِن ضُوزى إلى ضِيزى، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: أبْيَضُ وبِيضٌ، وأصْلُهُ: بُوضٌ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ. وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ: في "ضِيزى" لُغاتٌ؛ يُقالُ: ضِيزى، وضُوزى، وضُؤْزى، وضَأْزى عَلى "فَعَلى" مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا "ضِيزى" بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ "فِعْلى" صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى "فَعْلى" بِالفَتْحِ، نَحْوُ سَكْرى وغَضْبى، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوُ حُبْلى وفُضْلى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هِيَ﴾ يَعْنِي الأوْثانَ ﴿إلا أسْماءٌ﴾ والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأوْثانَ (p-٧٤)الَّتِي سَمَّوْها بِهَذِهِ الأسامِي لا مَعْنًى تَحْتَها، لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَهي تَسْمِياتٌ أُلْقِيَتْ عَلى جَماداتٍ، ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِما يَقُولُونَ: إنَّها آلِهَةٌ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بَعْدَ الخِطابِ لَهم فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في أنَّها آلِهَةٌ، ﴿إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ، ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ وهو البَيانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَتَها بَعْدَ وُضُوحِ البَيانِ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهم شَفاعَتَها فَقالَ: ﴿أمْ لِلإنْسانِ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ما تَمَنّى﴾ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ لا يَمْلِكُ فِيهِما أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الجَمْعُ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشَّفاعَةِ ﴿لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

النجم 53:23

قالَ الزَّجّاجُ: فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ المَعْنى: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ شَيْءٌ؟! فَأمّا "اللّاتُ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخَفِيفِ التّاءِ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِثَقِيفٍ اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانُوا يَشْتَقُّونَ لِأصْنامِهِمْ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ "اللَّهِ": اللّاتُ، ومِنَ "العَزِيزِ": العُزّى. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: كانَ (p-٧٢)المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَ "اللَّهَ" اسْمًا لِبَعْضِ أصْنامِهِمْ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلى اللّاتَ صِيانَةً لِهَذا الِاسْمِ وذَبًّا عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، والأعْمَشُ، ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "اللّاتَّ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ ورَدَ في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحاجِّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ: اللّاتَّ. وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالهاءِ، فَيَقُولُ: "اللّاهْ"؛ وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ الوُقُوفُ بِالتّاءِ، لِاتِّباعِ المُصْحَفِ. وَأمّا "العُزّى" فَفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها شَجَرَةٌ لَغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: صَنَمٌ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. قالَ: وأمّا "مَناةُ" فَهو صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: بَلْ كانَتْ لِلْأنْصارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتِ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ أصْنامًا مِن حِجارَةٍ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمُناءَةَ" مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً. فَأمّا قَوْلُهُ: (الثّالِثَةَ) فَإنَّهُ نَعْتٌ لِـ "مَناةَ"، هي ثالِثَةُ الصَّنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، "والأُخْرى" نَعْتٌ لَها. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: العَرَبُ لا تَقُولُ لِلثّالِثَةِ: الأُخْرى، وإنَّما الأُخْرى نَعْتٌ لِلثّانِيَةِ؛ فَيَكُونُ في المَعْنى وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيِ، كَقَوْلِهِ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طَهَ: ١٨] ولَمْ يَقُلْ، أُخَرُ، قالَهُ الخَلِيلُ. (p-٧٣)والثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْأصْنامِ والمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى كَرِهَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ؟! يَعْنِي الأصْنامَ وهي [إناثٌ] في أسْمائِها. ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ قَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ["ضِيزى"] بِكَسْرِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ [فِي] كَسْرِ الضّادِ، لَكِنَّهُ هَمَزَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "ضَيْزى" بِفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الضِّيزى في كَلامِ العَرَبِ: النّاقِصَةُ الجائِرَةُ، يُقالُ: ضازَهُ يَضِيزُهُ: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزِ. وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ضِيزى: ضُوزى، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن "فُعْلى" مِن ضُوزى إلى ضِيزى، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: أبْيَضُ وبِيضٌ، وأصْلُهُ: بُوضٌ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ. وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ: في "ضِيزى" لُغاتٌ؛ يُقالُ: ضِيزى، وضُوزى، وضُؤْزى، وضَأْزى عَلى "فَعَلى" مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا "ضِيزى" بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ "فِعْلى" صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى "فَعْلى" بِالفَتْحِ، نَحْوُ سَكْرى وغَضْبى، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوُ حُبْلى وفُضْلى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هِيَ﴾ يَعْنِي الأوْثانَ ﴿إلا أسْماءٌ﴾ والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأوْثانَ (p-٧٤)الَّتِي سَمَّوْها بِهَذِهِ الأسامِي لا مَعْنًى تَحْتَها، لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَهي تَسْمِياتٌ أُلْقِيَتْ عَلى جَماداتٍ، ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِما يَقُولُونَ: إنَّها آلِهَةٌ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بَعْدَ الخِطابِ لَهم فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في أنَّها آلِهَةٌ، ﴿إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ، ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ وهو البَيانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَتَها بَعْدَ وُضُوحِ البَيانِ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهم شَفاعَتَها فَقالَ: ﴿أمْ لِلإنْسانِ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ما تَمَنّى﴾ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ لا يَمْلِكُ فِيهِما أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الجَمْعُ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشَّفاعَةِ ﴿لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

النجم 53:24

قالَ الزَّجّاجُ: فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ المَعْنى: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ شَيْءٌ؟! فَأمّا "اللّاتُ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخَفِيفِ التّاءِ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِثَقِيفٍ اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانُوا يَشْتَقُّونَ لِأصْنامِهِمْ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ "اللَّهِ": اللّاتُ، ومِنَ "العَزِيزِ": العُزّى. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: كانَ (p-٧٢)المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَ "اللَّهَ" اسْمًا لِبَعْضِ أصْنامِهِمْ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلى اللّاتَ صِيانَةً لِهَذا الِاسْمِ وذَبًّا عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، والأعْمَشُ، ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "اللّاتَّ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ ورَدَ في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحاجِّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ: اللّاتَّ. وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالهاءِ، فَيَقُولُ: "اللّاهْ"؛ وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ الوُقُوفُ بِالتّاءِ، لِاتِّباعِ المُصْحَفِ. وَأمّا "العُزّى" فَفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها شَجَرَةٌ لَغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: صَنَمٌ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. قالَ: وأمّا "مَناةُ" فَهو صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: بَلْ كانَتْ لِلْأنْصارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتِ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ أصْنامًا مِن حِجارَةٍ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمُناءَةَ" مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً. فَأمّا قَوْلُهُ: (الثّالِثَةَ) فَإنَّهُ نَعْتٌ لِـ "مَناةَ"، هي ثالِثَةُ الصَّنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، "والأُخْرى" نَعْتٌ لَها. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: العَرَبُ لا تَقُولُ لِلثّالِثَةِ: الأُخْرى، وإنَّما الأُخْرى نَعْتٌ لِلثّانِيَةِ؛ فَيَكُونُ في المَعْنى وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيِ، كَقَوْلِهِ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طَهَ: ١٨] ولَمْ يَقُلْ، أُخَرُ، قالَهُ الخَلِيلُ. (p-٧٣)والثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْأصْنامِ والمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى كَرِهَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ؟! يَعْنِي الأصْنامَ وهي [إناثٌ] في أسْمائِها. ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ قَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ["ضِيزى"] بِكَسْرِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ [فِي] كَسْرِ الضّادِ، لَكِنَّهُ هَمَزَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "ضَيْزى" بِفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الضِّيزى في كَلامِ العَرَبِ: النّاقِصَةُ الجائِرَةُ، يُقالُ: ضازَهُ يَضِيزُهُ: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزِ. وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ضِيزى: ضُوزى، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن "فُعْلى" مِن ضُوزى إلى ضِيزى، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: أبْيَضُ وبِيضٌ، وأصْلُهُ: بُوضٌ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ. وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ: في "ضِيزى" لُغاتٌ؛ يُقالُ: ضِيزى، وضُوزى، وضُؤْزى، وضَأْزى عَلى "فَعَلى" مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا "ضِيزى" بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ "فِعْلى" صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى "فَعْلى" بِالفَتْحِ، نَحْوُ سَكْرى وغَضْبى، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوُ حُبْلى وفُضْلى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هِيَ﴾ يَعْنِي الأوْثانَ ﴿إلا أسْماءٌ﴾ والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأوْثانَ (p-٧٤)الَّتِي سَمَّوْها بِهَذِهِ الأسامِي لا مَعْنًى تَحْتَها، لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَهي تَسْمِياتٌ أُلْقِيَتْ عَلى جَماداتٍ، ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِما يَقُولُونَ: إنَّها آلِهَةٌ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بَعْدَ الخِطابِ لَهم فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في أنَّها آلِهَةٌ، ﴿إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ، ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ وهو البَيانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَتَها بَعْدَ وُضُوحِ البَيانِ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهم شَفاعَتَها فَقالَ: ﴿أمْ لِلإنْسانِ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ما تَمَنّى﴾ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ لا يَمْلِكُ فِيهِما أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الجَمْعُ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشَّفاعَةِ ﴿لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

النجم 53:25

قالَ الزَّجّاجُ: فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ المَعْنى: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ شَيْءٌ؟! فَأمّا "اللّاتُ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخَفِيفِ التّاءِ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِثَقِيفٍ اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانُوا يَشْتَقُّونَ لِأصْنامِهِمْ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ "اللَّهِ": اللّاتُ، ومِنَ "العَزِيزِ": العُزّى. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: كانَ (p-٧٢)المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَ "اللَّهَ" اسْمًا لِبَعْضِ أصْنامِهِمْ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلى اللّاتَ صِيانَةً لِهَذا الِاسْمِ وذَبًّا عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، والأعْمَشُ، ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "اللّاتَّ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ ورَدَ في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحاجِّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ: اللّاتَّ. وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالهاءِ، فَيَقُولُ: "اللّاهْ"؛ وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ الوُقُوفُ بِالتّاءِ، لِاتِّباعِ المُصْحَفِ. وَأمّا "العُزّى" فَفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها شَجَرَةٌ لَغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: صَنَمٌ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. قالَ: وأمّا "مَناةُ" فَهو صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: بَلْ كانَتْ لِلْأنْصارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتِ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ أصْنامًا مِن حِجارَةٍ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمُناءَةَ" مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً. فَأمّا قَوْلُهُ: (الثّالِثَةَ) فَإنَّهُ نَعْتٌ لِـ "مَناةَ"، هي ثالِثَةُ الصَّنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، "والأُخْرى" نَعْتٌ لَها. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: العَرَبُ لا تَقُولُ لِلثّالِثَةِ: الأُخْرى، وإنَّما الأُخْرى نَعْتٌ لِلثّانِيَةِ؛ فَيَكُونُ في المَعْنى وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيِ، كَقَوْلِهِ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طَهَ: ١٨] ولَمْ يَقُلْ، أُخَرُ، قالَهُ الخَلِيلُ. (p-٧٣)والثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْأصْنامِ والمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى كَرِهَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ؟! يَعْنِي الأصْنامَ وهي [إناثٌ] في أسْمائِها. ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ قَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ["ضِيزى"] بِكَسْرِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ [فِي] كَسْرِ الضّادِ، لَكِنَّهُ هَمَزَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "ضَيْزى" بِفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الضِّيزى في كَلامِ العَرَبِ: النّاقِصَةُ الجائِرَةُ، يُقالُ: ضازَهُ يَضِيزُهُ: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزِ. وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ضِيزى: ضُوزى، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن "فُعْلى" مِن ضُوزى إلى ضِيزى، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: أبْيَضُ وبِيضٌ، وأصْلُهُ: بُوضٌ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ. وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ: في "ضِيزى" لُغاتٌ؛ يُقالُ: ضِيزى، وضُوزى، وضُؤْزى، وضَأْزى عَلى "فَعَلى" مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا "ضِيزى" بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ "فِعْلى" صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى "فَعْلى" بِالفَتْحِ، نَحْوُ سَكْرى وغَضْبى، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوُ حُبْلى وفُضْلى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هِيَ﴾ يَعْنِي الأوْثانَ ﴿إلا أسْماءٌ﴾ والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأوْثانَ (p-٧٤)الَّتِي سَمَّوْها بِهَذِهِ الأسامِي لا مَعْنًى تَحْتَها، لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَهي تَسْمِياتٌ أُلْقِيَتْ عَلى جَماداتٍ، ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِما يَقُولُونَ: إنَّها آلِهَةٌ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بَعْدَ الخِطابِ لَهم فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في أنَّها آلِهَةٌ، ﴿إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ، ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ وهو البَيانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَتَها بَعْدَ وُضُوحِ البَيانِ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهم شَفاعَتَها فَقالَ: ﴿أمْ لِلإنْسانِ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ما تَمَنّى﴾ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ لا يَمْلِكُ فِيهِما أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الجَمْعُ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشَّفاعَةِ ﴿لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

النجم 53:26

قالَ الزَّجّاجُ: فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ المَعْنى: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ شَيْءٌ؟! فَأمّا "اللّاتُ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخَفِيفِ التّاءِ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِثَقِيفٍ اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانُوا يَشْتَقُّونَ لِأصْنامِهِمْ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ "اللَّهِ": اللّاتُ، ومِنَ "العَزِيزِ": العُزّى. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: كانَ (p-٧٢)المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَ "اللَّهَ" اسْمًا لِبَعْضِ أصْنامِهِمْ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلى اللّاتَ صِيانَةً لِهَذا الِاسْمِ وذَبًّا عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، والأعْمَشُ، ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "اللّاتَّ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ ورَدَ في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحاجِّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ: اللّاتَّ. وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالهاءِ، فَيَقُولُ: "اللّاهْ"؛ وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ الوُقُوفُ بِالتّاءِ، لِاتِّباعِ المُصْحَفِ. وَأمّا "العُزّى" فَفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها شَجَرَةٌ لَغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: صَنَمٌ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. قالَ: وأمّا "مَناةُ" فَهو صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: بَلْ كانَتْ لِلْأنْصارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتِ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ أصْنامًا مِن حِجارَةٍ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمُناءَةَ" مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً. فَأمّا قَوْلُهُ: (الثّالِثَةَ) فَإنَّهُ نَعْتٌ لِـ "مَناةَ"، هي ثالِثَةُ الصَّنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، "والأُخْرى" نَعْتٌ لَها. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: العَرَبُ لا تَقُولُ لِلثّالِثَةِ: الأُخْرى، وإنَّما الأُخْرى نَعْتٌ لِلثّانِيَةِ؛ فَيَكُونُ في المَعْنى وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيِ، كَقَوْلِهِ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طَهَ: ١٨] ولَمْ يَقُلْ، أُخَرُ، قالَهُ الخَلِيلُ. (p-٧٣)والثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْأصْنامِ والمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى كَرِهَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ؟! يَعْنِي الأصْنامَ وهي [إناثٌ] في أسْمائِها. ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ قَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ["ضِيزى"] بِكَسْرِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ [فِي] كَسْرِ الضّادِ، لَكِنَّهُ هَمَزَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "ضَيْزى" بِفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الضِّيزى في كَلامِ العَرَبِ: النّاقِصَةُ الجائِرَةُ، يُقالُ: ضازَهُ يَضِيزُهُ: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزِ. وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ضِيزى: ضُوزى، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن "فُعْلى" مِن ضُوزى إلى ضِيزى، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: أبْيَضُ وبِيضٌ، وأصْلُهُ: بُوضٌ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ. وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ: في "ضِيزى" لُغاتٌ؛ يُقالُ: ضِيزى، وضُوزى، وضُؤْزى، وضَأْزى عَلى "فَعَلى" مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا "ضِيزى" بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ "فِعْلى" صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى "فَعْلى" بِالفَتْحِ، نَحْوُ سَكْرى وغَضْبى، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوُ حُبْلى وفُضْلى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هِيَ﴾ يَعْنِي الأوْثانَ ﴿إلا أسْماءٌ﴾ والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأوْثانَ (p-٧٤)الَّتِي سَمَّوْها بِهَذِهِ الأسامِي لا مَعْنًى تَحْتَها، لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَهي تَسْمِياتٌ أُلْقِيَتْ عَلى جَماداتٍ، ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِما يَقُولُونَ: إنَّها آلِهَةٌ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بَعْدَ الخِطابِ لَهم فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في أنَّها آلِهَةٌ، ﴿إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ، ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ وهو البَيانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَتَها بَعْدَ وُضُوحِ البَيانِ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهم شَفاعَتَها فَقالَ: ﴿أمْ لِلإنْسانِ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ما تَمَنّى﴾ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ لا يَمْلِكُ فِيهِما أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الجَمْعُ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشَّفاعَةِ ﴿لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

النجم 53:27

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ وذَلِكَ حِينَ زَعَمُوا أنَّها بَناتُ اللَّهِ، ﴿وَما لَهُمْ﴾ بِذَلِكَ، ﴿مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما يَسْتَيْقِنُونَ أنَّها إناثٌ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ؛ فالحَقُّ ها هُنا بِمَعْنى العِلْمِ. (p-٧٥)﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَعْلَمُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعايِشِهِمْ، وقَدْ نَبَذُوا أمْرَ الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ. . .﴾ الآيَةُ؛ والمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ فَيُجازِيهِمْ.

النجم 53:28

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ وذَلِكَ حِينَ زَعَمُوا أنَّها بَناتُ اللَّهِ، ﴿وَما لَهُمْ﴾ بِذَلِكَ، ﴿مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما يَسْتَيْقِنُونَ أنَّها إناثٌ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ؛ فالحَقُّ ها هُنا بِمَعْنى العِلْمِ. (p-٧٥)﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَعْلَمُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعايِشِهِمْ، وقَدْ نَبَذُوا أمْرَ الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ. . .﴾ الآيَةُ؛ والمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ فَيُجازِيهِمْ.

النجم 53:29

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ وذَلِكَ حِينَ زَعَمُوا أنَّها بَناتُ اللَّهِ، ﴿وَما لَهُمْ﴾ بِذَلِكَ، ﴿مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما يَسْتَيْقِنُونَ أنَّها إناثٌ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ؛ فالحَقُّ ها هُنا بِمَعْنى العِلْمِ. (p-٧٥)﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَعْلَمُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعايِشِهِمْ، وقَدْ نَبَذُوا أمْرَ الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ. . .﴾ الآيَةُ؛ والمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ فَيُجازِيهِمْ.

النجم 53:30

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ وذَلِكَ حِينَ زَعَمُوا أنَّها بَناتُ اللَّهِ، ﴿وَما لَهُمْ﴾ بِذَلِكَ، ﴿مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما يَسْتَيْقِنُونَ أنَّها إناثٌ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ؛ فالحَقُّ ها هُنا بِمَعْنى العِلْمِ. (p-٧٥)﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَعْلَمُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعايِشِهِمْ، وقَدْ نَبَذُوا أمْرَ الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ. . .﴾ الآيَةُ؛ والمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ فَيُجازِيهِمْ.

النجم 53:31

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ قُدْرَتِهِ وسَعَةِ مُلْكِهِ، وهو كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا﴾ لِأنَّ اللّامَ في "لِيَجْزِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى الآيَةِ الأوْلى، لِأنَّهُ إذا كانَ أعْلَمَ بِهِما، جازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، وهَذِهِ لامُ العاقِبَةِ، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ بِالفَرِيقَيْنِ أدّى إلى جَزائِهِمْ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، وإنَّما يَقْدِرُ عَلى مُجازاةِ الفَرِيقَيْنِ إذا كانَ واسِعَ المُلْكِ، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: "وَأساؤُوا" بِمَعْنى أشْرَكُوا، "وَأحْسَنُوا" بِمَعْنى وحَدُّوا. والحُسْنى: الجَنَّةُ. والكَبائِرُ مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ (النِّساءِ: ٣١) وقِيلَ: كَبائِرُ الإثْمِ: كُلُّ ذَنْبٍ خُتِمَ بِالنّارِ، والفَواحِشُ: كُلُّ ذَنْبِ فِيهِ الحَدُّ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ: "يَجْتَنِبُونَ كَبِيرَ الإثْمِ"، واللَّمَمُ في كَلامِ العَرَبِ: المُقارَبَةُ لِلشَّيْءِ. وفي المُرادِ بِهِ ها هُنا سِتَّةُ أقْوالٍ. (p-٧٦)أحَدُها: ما ألَمُّوا بِهِ مِنَ الإثْمِ والفَواحِشِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّهُ يُغْفَرُ في الإسْلامِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. والثّانِي: أنْ يُلِمَّ بِالذَّنْبِ مَرَّةً ثُمَّ يَتُوبُ ولا يَعُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ صِغارُ الذُّنُوبِ، كالنَّظْرَةِ والقُبْلَةِ وما كانَ دُونَ الزِّنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والشَّعْبِيُّ، ومَسْرُوقٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، فَزِنا العَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ النُّطْقُ، والنَّفْسُ تَشْتَهِي وتَتَمَنّى، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ ويُكَذِّبُهُ الفَرْجُ، فَإنْ تَقَدَّمَ بِفَرَجِهِ كانَ الزِّنا، وإلّا فَهو اللَّمَمُ.» والرّابِعُ: أنَّهُ ما يَهُمُّ بِهِ الإنْسانُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ. والخامِسُ: أنَّهُ ألَمَّ بِالقَلْبِ، أيْ: خَطَرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ. والسّادِسُ: أنَّهُ النَّظَرُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. فَعَلى القَوْلَيْنِ [الأوَّلَيْنِ] يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الجِنْسِ، وعَلى باقِي الأقْوالِ لَيْسَ مِنَ الجِنْسِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ تابَ. وها هُنا تَمَّ الكَلامُ. ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ يَعْنِي قَبْلَ خَلْقِكم ﴿إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾ جَمْعُ جَنِينٍ؛ والمَعْنى أنَّهُ عَلِمَ ما تَفْعَلُونَ وإلى ماذا تَصِيرُونَ؟، ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لا تَشْهَدُوا لَها أنَّها زَكِيَّةٌ بَرِيئَةٌ مِنَ المَعاصِي. وقِيلَ: لا تَمْدَحُوها بِحُسْنِ أعْمالِها. وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ. (p-٧٧)أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا هَلَكَ لَهم صَبِيٌّ، قالُوا: صِدِّيقٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. والثّانِي: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا: قَدْ صَلَّيْنا وصُمْنا وفَعَلْنا، يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: عَمِلَ حَسَنَةً وارْعَوى عَنْ مَعْصِيَةٍ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أخْلَصَ العَمَلَ لِلَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: اتَّقى الشِّرْكَ فَآمَنَ، قالَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

النجم 53:32

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ قُدْرَتِهِ وسَعَةِ مُلْكِهِ، وهو كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا﴾ لِأنَّ اللّامَ في "لِيَجْزِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى الآيَةِ الأوْلى، لِأنَّهُ إذا كانَ أعْلَمَ بِهِما، جازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، وهَذِهِ لامُ العاقِبَةِ، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ بِالفَرِيقَيْنِ أدّى إلى جَزائِهِمْ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، وإنَّما يَقْدِرُ عَلى مُجازاةِ الفَرِيقَيْنِ إذا كانَ واسِعَ المُلْكِ، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: "وَأساؤُوا" بِمَعْنى أشْرَكُوا، "وَأحْسَنُوا" بِمَعْنى وحَدُّوا. والحُسْنى: الجَنَّةُ. والكَبائِرُ مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ (النِّساءِ: ٣١) وقِيلَ: كَبائِرُ الإثْمِ: كُلُّ ذَنْبٍ خُتِمَ بِالنّارِ، والفَواحِشُ: كُلُّ ذَنْبِ فِيهِ الحَدُّ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ: "يَجْتَنِبُونَ كَبِيرَ الإثْمِ"، واللَّمَمُ في كَلامِ العَرَبِ: المُقارَبَةُ لِلشَّيْءِ. وفي المُرادِ بِهِ ها هُنا سِتَّةُ أقْوالٍ. (p-٧٦)أحَدُها: ما ألَمُّوا بِهِ مِنَ الإثْمِ والفَواحِشِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّهُ يُغْفَرُ في الإسْلامِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. والثّانِي: أنْ يُلِمَّ بِالذَّنْبِ مَرَّةً ثُمَّ يَتُوبُ ولا يَعُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ صِغارُ الذُّنُوبِ، كالنَّظْرَةِ والقُبْلَةِ وما كانَ دُونَ الزِّنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والشَّعْبِيُّ، ومَسْرُوقٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، فَزِنا العَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ النُّطْقُ، والنَّفْسُ تَشْتَهِي وتَتَمَنّى، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ ويُكَذِّبُهُ الفَرْجُ، فَإنْ تَقَدَّمَ بِفَرَجِهِ كانَ الزِّنا، وإلّا فَهو اللَّمَمُ.» والرّابِعُ: أنَّهُ ما يَهُمُّ بِهِ الإنْسانُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ. والخامِسُ: أنَّهُ ألَمَّ بِالقَلْبِ، أيْ: خَطَرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ. والسّادِسُ: أنَّهُ النَّظَرُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. فَعَلى القَوْلَيْنِ [الأوَّلَيْنِ] يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الجِنْسِ، وعَلى باقِي الأقْوالِ لَيْسَ مِنَ الجِنْسِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ تابَ. وها هُنا تَمَّ الكَلامُ. ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ يَعْنِي قَبْلَ خَلْقِكم ﴿إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾ جَمْعُ جَنِينٍ؛ والمَعْنى أنَّهُ عَلِمَ ما تَفْعَلُونَ وإلى ماذا تَصِيرُونَ؟، ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لا تَشْهَدُوا لَها أنَّها زَكِيَّةٌ بَرِيئَةٌ مِنَ المَعاصِي. وقِيلَ: لا تَمْدَحُوها بِحُسْنِ أعْمالِها. وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ. (p-٧٧)أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا هَلَكَ لَهم صَبِيٌّ، قالُوا: صِدِّيقٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. والثّانِي: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا: قَدْ صَلَّيْنا وصُمْنا وفَعَلْنا، يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: عَمِلَ حَسَنَةً وارْعَوى عَنْ مَعْصِيَةٍ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أخْلَصَ العَمَلَ لِلَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: اتَّقى الشِّرْكَ فَآمَنَ، قالَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

النجم 53:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دِينِهِ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وقالَ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلَتْهُمْ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَفَعَلَ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ ومَنَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٧٨)والثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى بَعْضَ الفُقَراءِ المُسْلِمِينَ خَمْسَ قَلائِصَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ إسْلامِهِ، وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ إثْمَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانَ رُبَّما وافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وَمَعْنى "تَوَلّى": أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَأعْطى قَلِيلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِماعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الخَيْرِ بِلِسانِهِ ثُمَّ قَطَعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى "أكْدى": قَطَعَ، وهو مَن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وهي الصَّلابَةُ فِيها، وإذا بَلَغَها الحافِرُ يَئِسَ مِن حَفْرِها، فَقَطَعَ الحَفْرَ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ، أوْ أعْطى ولَمْ يُتِمَّ: أكْدى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَهو يَرى حالَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: فَهو يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وصُحُفِ إبْراهِيمَ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ (p-٧٩)عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي وفّى﴾ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "وَفى" بِتَخْفِيفِ الفاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: "وَفّى" أبْلَغُ مِن "وَفى" لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الَّذِي وفّى عَشْرَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ وفّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ وفّى في كَلِماتٍ كانَ يَقُولُها. رَوى سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ [الَّذِي وفّى]؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ. . . ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وخَتَمَ الآيَةَ.» (p-٨٠)والثّالِثُ: أنَّهُ وفّى الطّاعَةَ فِيما فَعَلَ بِابْنِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ وفّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرائِعِ الإسْلامِ، رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: أنَّهُ وفّى ما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والسّادِسُ: أنَّهُ عَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: وفّى ما فُرِضَ عَلَيْهِ. والسّابِعُ: أنَّهُ وفّى بِتَبْلِيغِ هَذِهِ الآياتِ، وهِيَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وما بَعْدَها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ. والثّامِنُ: وفّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والتّاسِعُ: أنَّهُ عاهَدَ أنْ لا يَسْألُ مَخْلُوقًا شَيْئًا، فَلَمّا قُذِفَ في النّارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَوَفّى بِما عاهَدَ، ذَكَرَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ. والعاشِرُ: أنَّهُ أدّى الأمانَةَ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ ما في صُحُفِهِما فَقالَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى؛ والمَعْنى: لا تُؤْخَذُ بِإثْمِ غَيْرِها. ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في صُحُفِهِما أيْضًا. ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ. (p-٨١)أحَدُها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ( وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ بِإيمان) [الطَّوْرِ: ٢١] فَأُدْخِلَ الأبْناءُ الجَنَّةَ بِصَلاحِ الآباءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ خَبَرٍ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ لِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَهم ما سَعَوْا وما سَعى غَيْرُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ: «إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، فَقالَ: "حُجِّي عَنْهُ" .» والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ، فَأمّا المُؤْمِنُ، فَلَهُ ما سَعى وما سُعِيَ لَهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِن طَرِيقِ العَدْلِ، فَأمّا مِن بابِ الفَضْلِ، فَجائِزٌ أنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَشاءُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. والخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿ما سَعى﴾: ما نَوى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ. والسّادِسُ: لَيْسَ لِلْكافِرِ مِنَ الخَيْرِ إلّا ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا، فَيُثابُ عَلَيْهِ فِيها حَتّى لا يَبْقى لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. والسّابِعُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى "عَلى" فَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ عَلى الإنْسانِ إلّا ما سَعى. والثّامِنُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ غَيْرَ أنَّ الأسْبابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يَكُونُ سَعْيُهُ في تَحْصِيلِ قَرابَةٍ ووَلَدٍ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وصَدِيقٍ، وتارَةً يَسْعى في خِدْمَةِ الدِّينِ (p-٨٢)والعِبادَةِ، فَيَكْتَسِبُ مَحَبَّةَ أهْلِ الدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا حَصَلَ بِسَعْيِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الزّاغُونِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: سَوْفَ يُعْلَمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: سَوْفَ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى عَمَلَهُ في مِيزانِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُجْزاهُ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى السَّعْيِ ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ: الأكْمَلَ الأتَمَّ.

النجم 53:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دِينِهِ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وقالَ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلَتْهُمْ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَفَعَلَ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ ومَنَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٧٨)والثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى بَعْضَ الفُقَراءِ المُسْلِمِينَ خَمْسَ قَلائِصَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ إسْلامِهِ، وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ إثْمَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانَ رُبَّما وافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وَمَعْنى "تَوَلّى": أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَأعْطى قَلِيلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِماعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الخَيْرِ بِلِسانِهِ ثُمَّ قَطَعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى "أكْدى": قَطَعَ، وهو مَن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وهي الصَّلابَةُ فِيها، وإذا بَلَغَها الحافِرُ يَئِسَ مِن حَفْرِها، فَقَطَعَ الحَفْرَ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ، أوْ أعْطى ولَمْ يُتِمَّ: أكْدى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَهو يَرى حالَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: فَهو يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وصُحُفِ إبْراهِيمَ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ (p-٧٩)عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي وفّى﴾ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "وَفى" بِتَخْفِيفِ الفاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: "وَفّى" أبْلَغُ مِن "وَفى" لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الَّذِي وفّى عَشْرَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ وفّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ وفّى في كَلِماتٍ كانَ يَقُولُها. رَوى سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ [الَّذِي وفّى]؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ. . . ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وخَتَمَ الآيَةَ.» (p-٨٠)والثّالِثُ: أنَّهُ وفّى الطّاعَةَ فِيما فَعَلَ بِابْنِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ وفّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرائِعِ الإسْلامِ، رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: أنَّهُ وفّى ما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والسّادِسُ: أنَّهُ عَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: وفّى ما فُرِضَ عَلَيْهِ. والسّابِعُ: أنَّهُ وفّى بِتَبْلِيغِ هَذِهِ الآياتِ، وهِيَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وما بَعْدَها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ. والثّامِنُ: وفّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والتّاسِعُ: أنَّهُ عاهَدَ أنْ لا يَسْألُ مَخْلُوقًا شَيْئًا، فَلَمّا قُذِفَ في النّارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَوَفّى بِما عاهَدَ، ذَكَرَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ. والعاشِرُ: أنَّهُ أدّى الأمانَةَ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ ما في صُحُفِهِما فَقالَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى؛ والمَعْنى: لا تُؤْخَذُ بِإثْمِ غَيْرِها. ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في صُحُفِهِما أيْضًا. ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ. (p-٨١)أحَدُها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ( وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ بِإيمان) [الطَّوْرِ: ٢١] فَأُدْخِلَ الأبْناءُ الجَنَّةَ بِصَلاحِ الآباءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ خَبَرٍ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ لِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَهم ما سَعَوْا وما سَعى غَيْرُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ: «إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، فَقالَ: "حُجِّي عَنْهُ" .» والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ، فَأمّا المُؤْمِنُ، فَلَهُ ما سَعى وما سُعِيَ لَهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِن طَرِيقِ العَدْلِ، فَأمّا مِن بابِ الفَضْلِ، فَجائِزٌ أنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَشاءُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. والخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿ما سَعى﴾: ما نَوى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ. والسّادِسُ: لَيْسَ لِلْكافِرِ مِنَ الخَيْرِ إلّا ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا، فَيُثابُ عَلَيْهِ فِيها حَتّى لا يَبْقى لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. والسّابِعُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى "عَلى" فَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ عَلى الإنْسانِ إلّا ما سَعى. والثّامِنُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ غَيْرَ أنَّ الأسْبابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يَكُونُ سَعْيُهُ في تَحْصِيلِ قَرابَةٍ ووَلَدٍ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وصَدِيقٍ، وتارَةً يَسْعى في خِدْمَةِ الدِّينِ (p-٨٢)والعِبادَةِ، فَيَكْتَسِبُ مَحَبَّةَ أهْلِ الدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا حَصَلَ بِسَعْيِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الزّاغُونِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: سَوْفَ يُعْلَمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: سَوْفَ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى عَمَلَهُ في مِيزانِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُجْزاهُ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى السَّعْيِ ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ: الأكْمَلَ الأتَمَّ.

النجم 53:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دِينِهِ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وقالَ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلَتْهُمْ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَفَعَلَ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ ومَنَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٧٨)والثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى بَعْضَ الفُقَراءِ المُسْلِمِينَ خَمْسَ قَلائِصَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ إسْلامِهِ، وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ إثْمَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانَ رُبَّما وافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وَمَعْنى "تَوَلّى": أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَأعْطى قَلِيلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِماعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الخَيْرِ بِلِسانِهِ ثُمَّ قَطَعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى "أكْدى": قَطَعَ، وهو مَن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وهي الصَّلابَةُ فِيها، وإذا بَلَغَها الحافِرُ يَئِسَ مِن حَفْرِها، فَقَطَعَ الحَفْرَ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ، أوْ أعْطى ولَمْ يُتِمَّ: أكْدى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَهو يَرى حالَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: فَهو يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وصُحُفِ إبْراهِيمَ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ (p-٧٩)عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي وفّى﴾ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "وَفى" بِتَخْفِيفِ الفاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: "وَفّى" أبْلَغُ مِن "وَفى" لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الَّذِي وفّى عَشْرَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ وفّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ وفّى في كَلِماتٍ كانَ يَقُولُها. رَوى سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ [الَّذِي وفّى]؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ. . . ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وخَتَمَ الآيَةَ.» (p-٨٠)والثّالِثُ: أنَّهُ وفّى الطّاعَةَ فِيما فَعَلَ بِابْنِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ وفّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرائِعِ الإسْلامِ، رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: أنَّهُ وفّى ما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والسّادِسُ: أنَّهُ عَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: وفّى ما فُرِضَ عَلَيْهِ. والسّابِعُ: أنَّهُ وفّى بِتَبْلِيغِ هَذِهِ الآياتِ، وهِيَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وما بَعْدَها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ. والثّامِنُ: وفّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والتّاسِعُ: أنَّهُ عاهَدَ أنْ لا يَسْألُ مَخْلُوقًا شَيْئًا، فَلَمّا قُذِفَ في النّارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَوَفّى بِما عاهَدَ، ذَكَرَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ. والعاشِرُ: أنَّهُ أدّى الأمانَةَ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ ما في صُحُفِهِما فَقالَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى؛ والمَعْنى: لا تُؤْخَذُ بِإثْمِ غَيْرِها. ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في صُحُفِهِما أيْضًا. ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ. (p-٨١)أحَدُها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ( وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ بِإيمان) [الطَّوْرِ: ٢١] فَأُدْخِلَ الأبْناءُ الجَنَّةَ بِصَلاحِ الآباءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ خَبَرٍ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ لِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَهم ما سَعَوْا وما سَعى غَيْرُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ: «إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، فَقالَ: "حُجِّي عَنْهُ" .» والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ، فَأمّا المُؤْمِنُ، فَلَهُ ما سَعى وما سُعِيَ لَهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِن طَرِيقِ العَدْلِ، فَأمّا مِن بابِ الفَضْلِ، فَجائِزٌ أنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَشاءُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. والخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿ما سَعى﴾: ما نَوى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ. والسّادِسُ: لَيْسَ لِلْكافِرِ مِنَ الخَيْرِ إلّا ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا، فَيُثابُ عَلَيْهِ فِيها حَتّى لا يَبْقى لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. والسّابِعُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى "عَلى" فَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ عَلى الإنْسانِ إلّا ما سَعى. والثّامِنُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ غَيْرَ أنَّ الأسْبابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يَكُونُ سَعْيُهُ في تَحْصِيلِ قَرابَةٍ ووَلَدٍ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وصَدِيقٍ، وتارَةً يَسْعى في خِدْمَةِ الدِّينِ (p-٨٢)والعِبادَةِ، فَيَكْتَسِبُ مَحَبَّةَ أهْلِ الدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا حَصَلَ بِسَعْيِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الزّاغُونِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: سَوْفَ يُعْلَمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: سَوْفَ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى عَمَلَهُ في مِيزانِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُجْزاهُ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى السَّعْيِ ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ: الأكْمَلَ الأتَمَّ.

النجم 53:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دِينِهِ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وقالَ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلَتْهُمْ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَفَعَلَ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ ومَنَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٧٨)والثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى بَعْضَ الفُقَراءِ المُسْلِمِينَ خَمْسَ قَلائِصَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ إسْلامِهِ، وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ إثْمَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانَ رُبَّما وافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وَمَعْنى "تَوَلّى": أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَأعْطى قَلِيلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِماعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الخَيْرِ بِلِسانِهِ ثُمَّ قَطَعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى "أكْدى": قَطَعَ، وهو مَن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وهي الصَّلابَةُ فِيها، وإذا بَلَغَها الحافِرُ يَئِسَ مِن حَفْرِها، فَقَطَعَ الحَفْرَ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ، أوْ أعْطى ولَمْ يُتِمَّ: أكْدى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَهو يَرى حالَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: فَهو يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وصُحُفِ إبْراهِيمَ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ (p-٧٩)عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي وفّى﴾ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "وَفى" بِتَخْفِيفِ الفاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: "وَفّى" أبْلَغُ مِن "وَفى" لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الَّذِي وفّى عَشْرَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ وفّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ وفّى في كَلِماتٍ كانَ يَقُولُها. رَوى سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ [الَّذِي وفّى]؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ. . . ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وخَتَمَ الآيَةَ.» (p-٨٠)والثّالِثُ: أنَّهُ وفّى الطّاعَةَ فِيما فَعَلَ بِابْنِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ وفّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرائِعِ الإسْلامِ، رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: أنَّهُ وفّى ما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والسّادِسُ: أنَّهُ عَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: وفّى ما فُرِضَ عَلَيْهِ. والسّابِعُ: أنَّهُ وفّى بِتَبْلِيغِ هَذِهِ الآياتِ، وهِيَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وما بَعْدَها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ. والثّامِنُ: وفّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والتّاسِعُ: أنَّهُ عاهَدَ أنْ لا يَسْألُ مَخْلُوقًا شَيْئًا، فَلَمّا قُذِفَ في النّارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَوَفّى بِما عاهَدَ، ذَكَرَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ. والعاشِرُ: أنَّهُ أدّى الأمانَةَ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ ما في صُحُفِهِما فَقالَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى؛ والمَعْنى: لا تُؤْخَذُ بِإثْمِ غَيْرِها. ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في صُحُفِهِما أيْضًا. ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ. (p-٨١)أحَدُها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ( وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ بِإيمان) [الطَّوْرِ: ٢١] فَأُدْخِلَ الأبْناءُ الجَنَّةَ بِصَلاحِ الآباءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ خَبَرٍ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ لِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَهم ما سَعَوْا وما سَعى غَيْرُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ: «إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، فَقالَ: "حُجِّي عَنْهُ" .» والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ، فَأمّا المُؤْمِنُ، فَلَهُ ما سَعى وما سُعِيَ لَهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِن طَرِيقِ العَدْلِ، فَأمّا مِن بابِ الفَضْلِ، فَجائِزٌ أنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَشاءُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. والخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿ما سَعى﴾: ما نَوى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ. والسّادِسُ: لَيْسَ لِلْكافِرِ مِنَ الخَيْرِ إلّا ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا، فَيُثابُ عَلَيْهِ فِيها حَتّى لا يَبْقى لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. والسّابِعُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى "عَلى" فَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ عَلى الإنْسانِ إلّا ما سَعى. والثّامِنُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ غَيْرَ أنَّ الأسْبابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يَكُونُ سَعْيُهُ في تَحْصِيلِ قَرابَةٍ ووَلَدٍ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وصَدِيقٍ، وتارَةً يَسْعى في خِدْمَةِ الدِّينِ (p-٨٢)والعِبادَةِ، فَيَكْتَسِبُ مَحَبَّةَ أهْلِ الدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا حَصَلَ بِسَعْيِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الزّاغُونِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: سَوْفَ يُعْلَمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: سَوْفَ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى عَمَلَهُ في مِيزانِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُجْزاهُ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى السَّعْيِ ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ: الأكْمَلَ الأتَمَّ.

النجم 53:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دِينِهِ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وقالَ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلَتْهُمْ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَفَعَلَ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ ومَنَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٧٨)والثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى بَعْضَ الفُقَراءِ المُسْلِمِينَ خَمْسَ قَلائِصَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ إسْلامِهِ، وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ إثْمَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانَ رُبَّما وافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وَمَعْنى "تَوَلّى": أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَأعْطى قَلِيلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِماعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الخَيْرِ بِلِسانِهِ ثُمَّ قَطَعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى "أكْدى": قَطَعَ، وهو مَن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وهي الصَّلابَةُ فِيها، وإذا بَلَغَها الحافِرُ يَئِسَ مِن حَفْرِها، فَقَطَعَ الحَفْرَ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ، أوْ أعْطى ولَمْ يُتِمَّ: أكْدى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَهو يَرى حالَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: فَهو يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وصُحُفِ إبْراهِيمَ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ (p-٧٩)عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي وفّى﴾ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "وَفى" بِتَخْفِيفِ الفاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: "وَفّى" أبْلَغُ مِن "وَفى" لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الَّذِي وفّى عَشْرَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ وفّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ وفّى في كَلِماتٍ كانَ يَقُولُها. رَوى سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ [الَّذِي وفّى]؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ. . . ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وخَتَمَ الآيَةَ.» (p-٨٠)والثّالِثُ: أنَّهُ وفّى الطّاعَةَ فِيما فَعَلَ بِابْنِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ وفّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرائِعِ الإسْلامِ، رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: أنَّهُ وفّى ما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والسّادِسُ: أنَّهُ عَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: وفّى ما فُرِضَ عَلَيْهِ. والسّابِعُ: أنَّهُ وفّى بِتَبْلِيغِ هَذِهِ الآياتِ، وهِيَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وما بَعْدَها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ. والثّامِنُ: وفّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والتّاسِعُ: أنَّهُ عاهَدَ أنْ لا يَسْألُ مَخْلُوقًا شَيْئًا، فَلَمّا قُذِفَ في النّارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَوَفّى بِما عاهَدَ، ذَكَرَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ. والعاشِرُ: أنَّهُ أدّى الأمانَةَ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ ما في صُحُفِهِما فَقالَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى؛ والمَعْنى: لا تُؤْخَذُ بِإثْمِ غَيْرِها. ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في صُحُفِهِما أيْضًا. ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ. (p-٨١)أحَدُها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ( وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ بِإيمان) [الطَّوْرِ: ٢١] فَأُدْخِلَ الأبْناءُ الجَنَّةَ بِصَلاحِ الآباءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ خَبَرٍ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ لِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَهم ما سَعَوْا وما سَعى غَيْرُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ: «إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، فَقالَ: "حُجِّي عَنْهُ" .» والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ، فَأمّا المُؤْمِنُ، فَلَهُ ما سَعى وما سُعِيَ لَهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِن طَرِيقِ العَدْلِ، فَأمّا مِن بابِ الفَضْلِ، فَجائِزٌ أنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَشاءُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. والخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿ما سَعى﴾: ما نَوى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ. والسّادِسُ: لَيْسَ لِلْكافِرِ مِنَ الخَيْرِ إلّا ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا، فَيُثابُ عَلَيْهِ فِيها حَتّى لا يَبْقى لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. والسّابِعُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى "عَلى" فَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ عَلى الإنْسانِ إلّا ما سَعى. والثّامِنُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ غَيْرَ أنَّ الأسْبابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يَكُونُ سَعْيُهُ في تَحْصِيلِ قَرابَةٍ ووَلَدٍ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وصَدِيقٍ، وتارَةً يَسْعى في خِدْمَةِ الدِّينِ (p-٨٢)والعِبادَةِ، فَيَكْتَسِبُ مَحَبَّةَ أهْلِ الدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا حَصَلَ بِسَعْيِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الزّاغُونِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: سَوْفَ يُعْلَمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: سَوْفَ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى عَمَلَهُ في مِيزانِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُجْزاهُ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى السَّعْيِ ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ: الأكْمَلَ الأتَمَّ.

النجم 53:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دِينِهِ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وقالَ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلَتْهُمْ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَفَعَلَ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ ومَنَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٧٨)والثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى بَعْضَ الفُقَراءِ المُسْلِمِينَ خَمْسَ قَلائِصَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ إسْلامِهِ، وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ إثْمَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانَ رُبَّما وافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وَمَعْنى "تَوَلّى": أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَأعْطى قَلِيلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِماعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الخَيْرِ بِلِسانِهِ ثُمَّ قَطَعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى "أكْدى": قَطَعَ، وهو مَن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وهي الصَّلابَةُ فِيها، وإذا بَلَغَها الحافِرُ يَئِسَ مِن حَفْرِها، فَقَطَعَ الحَفْرَ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ، أوْ أعْطى ولَمْ يُتِمَّ: أكْدى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَهو يَرى حالَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: فَهو يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وصُحُفِ إبْراهِيمَ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ (p-٧٩)عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي وفّى﴾ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "وَفى" بِتَخْفِيفِ الفاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: "وَفّى" أبْلَغُ مِن "وَفى" لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الَّذِي وفّى عَشْرَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ وفّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ وفّى في كَلِماتٍ كانَ يَقُولُها. رَوى سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ [الَّذِي وفّى]؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ. . . ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وخَتَمَ الآيَةَ.» (p-٨٠)والثّالِثُ: أنَّهُ وفّى الطّاعَةَ فِيما فَعَلَ بِابْنِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ وفّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرائِعِ الإسْلامِ، رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: أنَّهُ وفّى ما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والسّادِسُ: أنَّهُ عَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: وفّى ما فُرِضَ عَلَيْهِ. والسّابِعُ: أنَّهُ وفّى بِتَبْلِيغِ هَذِهِ الآياتِ، وهِيَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وما بَعْدَها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ. والثّامِنُ: وفّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والتّاسِعُ: أنَّهُ عاهَدَ أنْ لا يَسْألُ مَخْلُوقًا شَيْئًا، فَلَمّا قُذِفَ في النّارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَوَفّى بِما عاهَدَ، ذَكَرَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ. والعاشِرُ: أنَّهُ أدّى الأمانَةَ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ ما في صُحُفِهِما فَقالَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى؛ والمَعْنى: لا تُؤْخَذُ بِإثْمِ غَيْرِها. ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في صُحُفِهِما أيْضًا. ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ. (p-٨١)أحَدُها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ( وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ بِإيمان) [الطَّوْرِ: ٢١] فَأُدْخِلَ الأبْناءُ الجَنَّةَ بِصَلاحِ الآباءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ خَبَرٍ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ لِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَهم ما سَعَوْا وما سَعى غَيْرُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ: «إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، فَقالَ: "حُجِّي عَنْهُ" .» والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ، فَأمّا المُؤْمِنُ، فَلَهُ ما سَعى وما سُعِيَ لَهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِن طَرِيقِ العَدْلِ، فَأمّا مِن بابِ الفَضْلِ، فَجائِزٌ أنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَشاءُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. والخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿ما سَعى﴾: ما نَوى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ. والسّادِسُ: لَيْسَ لِلْكافِرِ مِنَ الخَيْرِ إلّا ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا، فَيُثابُ عَلَيْهِ فِيها حَتّى لا يَبْقى لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. والسّابِعُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى "عَلى" فَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ عَلى الإنْسانِ إلّا ما سَعى. والثّامِنُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ غَيْرَ أنَّ الأسْبابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يَكُونُ سَعْيُهُ في تَحْصِيلِ قَرابَةٍ ووَلَدٍ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وصَدِيقٍ، وتارَةً يَسْعى في خِدْمَةِ الدِّينِ (p-٨٢)والعِبادَةِ، فَيَكْتَسِبُ مَحَبَّةَ أهْلِ الدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا حَصَلَ بِسَعْيِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الزّاغُونِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: سَوْفَ يُعْلَمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: سَوْفَ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى عَمَلَهُ في مِيزانِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُجْزاهُ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى السَّعْيِ ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ: الأكْمَلَ الأتَمَّ.

النجم 53:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دِينِهِ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وقالَ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلَتْهُمْ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَفَعَلَ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ ومَنَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٧٨)والثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى بَعْضَ الفُقَراءِ المُسْلِمِينَ خَمْسَ قَلائِصَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ إسْلامِهِ، وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ إثْمَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانَ رُبَّما وافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وَمَعْنى "تَوَلّى": أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَأعْطى قَلِيلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِماعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الخَيْرِ بِلِسانِهِ ثُمَّ قَطَعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى "أكْدى": قَطَعَ، وهو مَن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وهي الصَّلابَةُ فِيها، وإذا بَلَغَها الحافِرُ يَئِسَ مِن حَفْرِها، فَقَطَعَ الحَفْرَ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ، أوْ أعْطى ولَمْ يُتِمَّ: أكْدى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَهو يَرى حالَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: فَهو يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وصُحُفِ إبْراهِيمَ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ (p-٧٩)عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي وفّى﴾ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "وَفى" بِتَخْفِيفِ الفاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: "وَفّى" أبْلَغُ مِن "وَفى" لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الَّذِي وفّى عَشْرَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ وفّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ وفّى في كَلِماتٍ كانَ يَقُولُها. رَوى سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ [الَّذِي وفّى]؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ. . . ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وخَتَمَ الآيَةَ.» (p-٨٠)والثّالِثُ: أنَّهُ وفّى الطّاعَةَ فِيما فَعَلَ بِابْنِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ القُرَظِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ وفّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرائِعِ الإسْلامِ، رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: أنَّهُ وفّى ما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والسّادِسُ: أنَّهُ عَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: وفّى ما فُرِضَ عَلَيْهِ. والسّابِعُ: أنَّهُ وفّى بِتَبْلِيغِ هَذِهِ الآياتِ، وهِيَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وما بَعْدَها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ. والثّامِنُ: وفّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والتّاسِعُ: أنَّهُ عاهَدَ أنْ لا يَسْألُ مَخْلُوقًا شَيْئًا، فَلَمّا قُذِفَ في النّارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَوَفّى بِما عاهَدَ، ذَكَرَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ. والعاشِرُ: أنَّهُ أدّى الأمانَةَ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ ما في صُحُفِهِما فَقالَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى؛ والمَعْنى: لا تُؤْخَذُ بِإثْمِ غَيْرِها. ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في صُحُفِهِما أيْضًا. ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ. (p-٨١)أحَدُها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ( وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ بِإيمان) [الطَّوْرِ: ٢١] فَأُدْخِلَ الأبْناءُ الجَنَّةَ بِصَلاحِ الآباءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ خَبَرٍ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ لِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَهم ما سَعَوْا وما سَعى غَيْرُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ: «إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، فَقالَ: "حُجِّي عَنْهُ" .» والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ، فَأمّا المُؤْمِنُ، فَلَهُ ما سَعى وما سُعِيَ لَهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِن طَرِيقِ العَدْلِ، فَأمّا مِن بابِ الفَضْلِ، فَجائِزٌ أنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَشاءُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ. والخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿ما سَعى﴾: ما نَوى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ. والسّادِسُ: لَيْسَ لِلْكافِرِ مِنَ الخَيْرِ إلّا ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا، فَيُثابُ عَلَيْهِ فِيها حَتّى لا يَبْقى لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. والسّابِعُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى "عَلى" فَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ عَلى الإنْسانِ إلّا ما سَعى. والثّامِنُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ غَيْرَ أنَّ الأسْبابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يَكُونُ سَعْيُهُ في تَحْصِيلِ قَرابَةٍ ووَلَدٍ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وصَدِيقٍ، وتارَةً يَسْعى في خِدْمَةِ الدِّينِ (p-٨٢)والعِبادَةِ، فَيَكْتَسِبُ مَحَبَّةَ أهْلِ الدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا حَصَلَ بِسَعْيِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الزّاغُونِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: سَوْفَ يُعْلَمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: سَوْفَ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى عَمَلَهُ في مِيزانِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُجْزاهُ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى السَّعْيِ ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ: الأكْمَلَ الأتَمَّ.