Tafsir Ibn Al-Jawzi — النجم 53:40 – القمر 54:55
المحتويات
- النجم 53:40
- النجم 53:41
- النجم 53:42
- النجم 53:43
- النجم 53:44
- النجم 53:45
- النجم 53:46
- النجم 53:47
- النجم 53:48
- النجم 53:49
- النجم 53:50
- النجم 53:51
- النجم 53:52
- النجم 53:53
- النجم 53:54
- النجم 53:55
- النجم 53:56
- النجم 53:57
- النجم 53:58
- النجم 53:59
- النجم 53:60
- النجم 53:61
- النجم 53:62
- القمر 54:1
- القمر 54:2
- القمر 54:3
- القمر 54:4
- القمر 54:5
- القمر 54:6
- القمر 54:7
- القمر 54:8
- القمر 54:9
- القمر 54:10
- القمر 54:11
- القمر 54:12
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:15
- القمر 54:16
- القمر 54:17
- القمر 54:18
- القمر 54:19
- القمر 54:20
- القمر 54:21
- القمر 54:22
- القمر 54:23
- القمر 54:24
- القمر 54:25
- القمر 54:26
- القمر 54:27
- القمر 54:28
- القمر 54:29
- القمر 54:30
- القمر 54:31
- القمر 54:32
- القمر 54:33
- القمر 54:34
- القمر 54:35
- القمر 54:36
- القمر 54:37
- القمر 54:38
- القمر 54:39
- القمر 54:40
- القمر 54:41
- القمر 54:42
- القمر 54:43
- القمر 54:44
- القمر 54:45
- القمر 54:46
- القمر 54:47
- القمر 54:48
- القمر 54:49
- القمر 54:50
- القمر 54:51
- القمر 54:52
- القمر 54:53
- القمر 54:54
- القمر 54:55
النجم 53:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دِينِهِ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وقالَ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلَتْهُمْ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَفَعَلَ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ ومَنَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
(p-٧٨)والثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى بَعْضَ الفُقَراءِ المُسْلِمِينَ خَمْسَ قَلائِصَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ إسْلامِهِ، وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ إثْمَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانَ رُبَّما وافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَمَعْنى "تَوَلّى": أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَأعْطى قَلِيلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِماعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الخَيْرِ بِلِسانِهِ ثُمَّ قَطَعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى "أكْدى": قَطَعَ، وهو مَن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وهي الصَّلابَةُ فِيها، وإذا بَلَغَها الحافِرُ يَئِسَ مِن حَفْرِها، فَقَطَعَ الحَفْرَ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ، أوْ أعْطى ولَمْ يُتِمَّ: أكْدى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَهو يَرى حالَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: فَهو يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وصُحُفِ إبْراهِيمَ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ (p-٧٩)عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي وفّى﴾ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "وَفى" بِتَخْفِيفِ الفاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: "وَفّى" أبْلَغُ مِن "وَفى" لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الَّذِي وفّى عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ وفّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والثّانِي: أنَّهُ وفّى في كَلِماتٍ كانَ يَقُولُها. رَوى سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ [الَّذِي وفّى]؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ. . . ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وخَتَمَ الآيَةَ.»
(p-٨٠)والثّالِثُ: أنَّهُ وفّى الطّاعَةَ فِيما فَعَلَ بِابْنِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ القُرَظِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ وفّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرائِعِ الإسْلامِ، رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ وفّى ما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والسّادِسُ: أنَّهُ عَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: وفّى ما فُرِضَ عَلَيْهِ.
والسّابِعُ: أنَّهُ وفّى بِتَبْلِيغِ هَذِهِ الآياتِ، وهِيَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وما بَعْدَها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ.
والثّامِنُ: وفّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ عاهَدَ أنْ لا يَسْألُ مَخْلُوقًا شَيْئًا، فَلَمّا قُذِفَ في النّارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَوَفّى بِما عاهَدَ، ذَكَرَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
والعاشِرُ: أنَّهُ أدّى الأمانَةَ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ ما في صُحُفِهِما فَقالَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى؛ والمَعْنى: لا تُؤْخَذُ بِإثْمِ غَيْرِها.
﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في صُحُفِهِما أيْضًا. ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ.
(p-٨١)أحَدُها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ( وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ بِإيمان) [الطَّوْرِ: ٢١] فَأُدْخِلَ الأبْناءُ الجَنَّةَ بِصَلاحِ الآباءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ خَبَرٍ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ لِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَهم ما سَعَوْا وما سَعى غَيْرُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ: «إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، فَقالَ: "حُجِّي عَنْهُ" .»
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ، فَأمّا المُؤْمِنُ، فَلَهُ ما سَعى وما سُعِيَ لَهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِن طَرِيقِ العَدْلِ، فَأمّا مِن بابِ الفَضْلِ، فَجائِزٌ أنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَشاءُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
والخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿ما سَعى﴾: ما نَوى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
والسّادِسُ: لَيْسَ لِلْكافِرِ مِنَ الخَيْرِ إلّا ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا، فَيُثابُ عَلَيْهِ فِيها حَتّى لا يَبْقى لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى "عَلى" فَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ عَلى الإنْسانِ إلّا ما سَعى.
والثّامِنُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ غَيْرَ أنَّ الأسْبابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يَكُونُ سَعْيُهُ في تَحْصِيلِ قَرابَةٍ ووَلَدٍ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وصَدِيقٍ، وتارَةً يَسْعى في خِدْمَةِ الدِّينِ (p-٨٢)والعِبادَةِ، فَيَكْتَسِبُ مَحَبَّةَ أهْلِ الدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا حَصَلَ بِسَعْيِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الزّاغُونِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَوْفَ يُعْلَمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: سَوْفَ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى عَمَلَهُ في مِيزانِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُجْزاهُ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى السَّعْيِ ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ: الأكْمَلَ الأتَمَّ.
النجم 53:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دِينِهِ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وقالَ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلَتْهُمْ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَفَعَلَ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ ومَنَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
(p-٧٨)والثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى بَعْضَ الفُقَراءِ المُسْلِمِينَ خَمْسَ قَلائِصَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ إسْلامِهِ، وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ إثْمَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانَ رُبَّما وافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَمَعْنى "تَوَلّى": أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَأعْطى قَلِيلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِماعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الخَيْرِ بِلِسانِهِ ثُمَّ قَطَعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى "أكْدى": قَطَعَ، وهو مَن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وهي الصَّلابَةُ فِيها، وإذا بَلَغَها الحافِرُ يَئِسَ مِن حَفْرِها، فَقَطَعَ الحَفْرَ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ، أوْ أعْطى ولَمْ يُتِمَّ: أكْدى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَهو يَرى حالَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: فَهو يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وصُحُفِ إبْراهِيمَ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ (p-٧٩)عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي وفّى﴾ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "وَفى" بِتَخْفِيفِ الفاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: "وَفّى" أبْلَغُ مِن "وَفى" لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الَّذِي وفّى عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ وفّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والثّانِي: أنَّهُ وفّى في كَلِماتٍ كانَ يَقُولُها. رَوى سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ [الَّذِي وفّى]؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ. . . ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وخَتَمَ الآيَةَ.»
(p-٨٠)والثّالِثُ: أنَّهُ وفّى الطّاعَةَ فِيما فَعَلَ بِابْنِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ القُرَظِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ وفّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرائِعِ الإسْلامِ، رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ وفّى ما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والسّادِسُ: أنَّهُ عَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: وفّى ما فُرِضَ عَلَيْهِ.
والسّابِعُ: أنَّهُ وفّى بِتَبْلِيغِ هَذِهِ الآياتِ، وهِيَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وما بَعْدَها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ.
والثّامِنُ: وفّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ عاهَدَ أنْ لا يَسْألُ مَخْلُوقًا شَيْئًا، فَلَمّا قُذِفَ في النّارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَوَفّى بِما عاهَدَ، ذَكَرَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
والعاشِرُ: أنَّهُ أدّى الأمانَةَ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ ما في صُحُفِهِما فَقالَ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى؛ والمَعْنى: لا تُؤْخَذُ بِإثْمِ غَيْرِها.
﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في صُحُفِهِما أيْضًا. ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ.
(p-٨١)أحَدُها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ( وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ بِإيمان) [الطَّوْرِ: ٢١] فَأُدْخِلَ الأبْناءُ الجَنَّةَ بِصَلاحِ الآباءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ خَبَرٍ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ لِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَهم ما سَعَوْا وما سَعى غَيْرُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ: «إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، فَقالَ: "حُجِّي عَنْهُ" .»
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ، فَأمّا المُؤْمِنُ، فَلَهُ ما سَعى وما سُعِيَ لَهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِن طَرِيقِ العَدْلِ، فَأمّا مِن بابِ الفَضْلِ، فَجائِزٌ أنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَشاءُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
والخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿ما سَعى﴾: ما نَوى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
والسّادِسُ: لَيْسَ لِلْكافِرِ مِنَ الخَيْرِ إلّا ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا، فَيُثابُ عَلَيْهِ فِيها حَتّى لا يَبْقى لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى "عَلى" فَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ عَلى الإنْسانِ إلّا ما سَعى.
والثّامِنُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ غَيْرَ أنَّ الأسْبابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يَكُونُ سَعْيُهُ في تَحْصِيلِ قَرابَةٍ ووَلَدٍ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وصَدِيقٍ، وتارَةً يَسْعى في خِدْمَةِ الدِّينِ (p-٨٢)والعِبادَةِ، فَيَكْتَسِبُ مَحَبَّةَ أهْلِ الدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا حَصَلَ بِسَعْيِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الزّاغُونِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَوْفَ يُعْلَمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: سَوْفَ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى عَمَلَهُ في مِيزانِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُجْزاهُ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى السَّعْيِ ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ: الأكْمَلَ الأتَمَّ.
النجم 53:42
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:43
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:44
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:45
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:46
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:47
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:48
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:49
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:50
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:51
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:52
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:53
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:54
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:55
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٨٣)ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ. أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَأحْيا﴾ لِلْبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ. ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
(p-٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أهْوى﴾ [أيْ]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغَشّاها﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿غَشّى﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.
النجم 53:56
(p-٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتِ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ: دَنَتِ القِيامَةُ، ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ شَدائِدُها وأهْوالُها لَمْ يَكْشِفْها أحَدٌ ولَمْ يَرُدَّها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: لَيْسَ لِعِلْمِها كاشِفٌ دُونَ اللَّهِ، أيْ: لا يَعْلَمُ عِلْمَها إلّا اللَّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ: وتَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" كَقَوْلِهِ: "هَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ" [الحاقَّةِ: ٨]، يُرِيدُ: مِن بَقاءِ؛ والعافِيَةُ والباقِيَةُ والنّاهِيَةُ كُلُّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ. وقالَ غَيْرُهُ: تَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" عَلى تَقْدِيرِ: نَفْسٌ كاشِفَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي القُرْآنَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ تَكْذِيبًا بِهِ، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ؟! ويَعْنِي بِهَذا كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. (p-٨٦)أحَدُها: لاهُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: دَعْ عَنْكَ سُمُودَكَ، أيْ: لَهْوَكَ.
والثّانِي: مُعْرِضُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الغِناءُ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا، أيْ: تَغَنَّ لَنا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الغَناءُ بِالحِمْيَرِيَّةِ.
والرّابِعُ: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أشِرُونَ بَطِرُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سُجُودُ التِّلاوَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: سُجُودُ الفَرْضِ في الصَّلاةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْجُدُوا﴾: الصَّلَواتَ الخَمْسَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْحِيدُ. والثّانِي: العِبادَةُ.
النجم 53:57
(p-٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتِ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ: دَنَتِ القِيامَةُ، ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ شَدائِدُها وأهْوالُها لَمْ يَكْشِفْها أحَدٌ ولَمْ يَرُدَّها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: لَيْسَ لِعِلْمِها كاشِفٌ دُونَ اللَّهِ، أيْ: لا يَعْلَمُ عِلْمَها إلّا اللَّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ: وتَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" كَقَوْلِهِ: "هَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ" [الحاقَّةِ: ٨]، يُرِيدُ: مِن بَقاءِ؛ والعافِيَةُ والباقِيَةُ والنّاهِيَةُ كُلُّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ. وقالَ غَيْرُهُ: تَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" عَلى تَقْدِيرِ: نَفْسٌ كاشِفَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي القُرْآنَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ تَكْذِيبًا بِهِ، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ؟! ويَعْنِي بِهَذا كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. (p-٨٦)أحَدُها: لاهُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: دَعْ عَنْكَ سُمُودَكَ، أيْ: لَهْوَكَ.
والثّانِي: مُعْرِضُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الغِناءُ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا، أيْ: تَغَنَّ لَنا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الغَناءُ بِالحِمْيَرِيَّةِ.
والرّابِعُ: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أشِرُونَ بَطِرُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سُجُودُ التِّلاوَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: سُجُودُ الفَرْضِ في الصَّلاةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْجُدُوا﴾: الصَّلَواتَ الخَمْسَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْحِيدُ. والثّانِي: العِبادَةُ.
النجم 53:58
(p-٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتِ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ: دَنَتِ القِيامَةُ، ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ شَدائِدُها وأهْوالُها لَمْ يَكْشِفْها أحَدٌ ولَمْ يَرُدَّها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: لَيْسَ لِعِلْمِها كاشِفٌ دُونَ اللَّهِ، أيْ: لا يَعْلَمُ عِلْمَها إلّا اللَّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ: وتَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" كَقَوْلِهِ: "هَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ" [الحاقَّةِ: ٨]، يُرِيدُ: مِن بَقاءِ؛ والعافِيَةُ والباقِيَةُ والنّاهِيَةُ كُلُّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ. وقالَ غَيْرُهُ: تَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" عَلى تَقْدِيرِ: نَفْسٌ كاشِفَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي القُرْآنَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ تَكْذِيبًا بِهِ، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ؟! ويَعْنِي بِهَذا كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. (p-٨٦)أحَدُها: لاهُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: دَعْ عَنْكَ سُمُودَكَ، أيْ: لَهْوَكَ.
والثّانِي: مُعْرِضُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الغِناءُ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا، أيْ: تَغَنَّ لَنا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الغَناءُ بِالحِمْيَرِيَّةِ.
والرّابِعُ: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أشِرُونَ بَطِرُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سُجُودُ التِّلاوَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: سُجُودُ الفَرْضِ في الصَّلاةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْجُدُوا﴾: الصَّلَواتَ الخَمْسَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْحِيدُ. والثّانِي: العِبادَةُ.
النجم 53:59
(p-٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتِ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ: دَنَتِ القِيامَةُ، ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ شَدائِدُها وأهْوالُها لَمْ يَكْشِفْها أحَدٌ ولَمْ يَرُدَّها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: لَيْسَ لِعِلْمِها كاشِفٌ دُونَ اللَّهِ، أيْ: لا يَعْلَمُ عِلْمَها إلّا اللَّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ: وتَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" كَقَوْلِهِ: "هَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ" [الحاقَّةِ: ٨]، يُرِيدُ: مِن بَقاءِ؛ والعافِيَةُ والباقِيَةُ والنّاهِيَةُ كُلُّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ. وقالَ غَيْرُهُ: تَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" عَلى تَقْدِيرِ: نَفْسٌ كاشِفَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي القُرْآنَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ تَكْذِيبًا بِهِ، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ؟! ويَعْنِي بِهَذا كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. (p-٨٦)أحَدُها: لاهُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: دَعْ عَنْكَ سُمُودَكَ، أيْ: لَهْوَكَ.
والثّانِي: مُعْرِضُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الغِناءُ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا، أيْ: تَغَنَّ لَنا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الغَناءُ بِالحِمْيَرِيَّةِ.
والرّابِعُ: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أشِرُونَ بَطِرُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سُجُودُ التِّلاوَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: سُجُودُ الفَرْضِ في الصَّلاةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْجُدُوا﴾: الصَّلَواتَ الخَمْسَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْحِيدُ. والثّانِي: العِبادَةُ.
النجم 53:60
(p-٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتِ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ: دَنَتِ القِيامَةُ، ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ شَدائِدُها وأهْوالُها لَمْ يَكْشِفْها أحَدٌ ولَمْ يَرُدَّها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: لَيْسَ لِعِلْمِها كاشِفٌ دُونَ اللَّهِ، أيْ: لا يَعْلَمُ عِلْمَها إلّا اللَّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ: وتَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" كَقَوْلِهِ: "هَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ" [الحاقَّةِ: ٨]، يُرِيدُ: مِن بَقاءِ؛ والعافِيَةُ والباقِيَةُ والنّاهِيَةُ كُلُّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ. وقالَ غَيْرُهُ: تَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" عَلى تَقْدِيرِ: نَفْسٌ كاشِفَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي القُرْآنَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ تَكْذِيبًا بِهِ، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ؟! ويَعْنِي بِهَذا كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. (p-٨٦)أحَدُها: لاهُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: دَعْ عَنْكَ سُمُودَكَ، أيْ: لَهْوَكَ.
والثّانِي: مُعْرِضُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الغِناءُ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا، أيْ: تَغَنَّ لَنا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الغَناءُ بِالحِمْيَرِيَّةِ.
والرّابِعُ: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أشِرُونَ بَطِرُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سُجُودُ التِّلاوَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: سُجُودُ الفَرْضِ في الصَّلاةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْجُدُوا﴾: الصَّلَواتَ الخَمْسَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْحِيدُ. والثّانِي: العِبادَةُ.
النجم 53:61
(p-٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتِ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ: دَنَتِ القِيامَةُ، ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ شَدائِدُها وأهْوالُها لَمْ يَكْشِفْها أحَدٌ ولَمْ يَرُدَّها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: لَيْسَ لِعِلْمِها كاشِفٌ دُونَ اللَّهِ، أيْ: لا يَعْلَمُ عِلْمَها إلّا اللَّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ: وتَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" كَقَوْلِهِ: "هَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ" [الحاقَّةِ: ٨]، يُرِيدُ: مِن بَقاءِ؛ والعافِيَةُ والباقِيَةُ والنّاهِيَةُ كُلُّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ. وقالَ غَيْرُهُ: تَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" عَلى تَقْدِيرِ: نَفْسٌ كاشِفَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي القُرْآنَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ تَكْذِيبًا بِهِ، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ؟! ويَعْنِي بِهَذا كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. (p-٨٦)أحَدُها: لاهُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: دَعْ عَنْكَ سُمُودَكَ، أيْ: لَهْوَكَ.
والثّانِي: مُعْرِضُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الغِناءُ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا، أيْ: تَغَنَّ لَنا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الغَناءُ بِالحِمْيَرِيَّةِ.
والرّابِعُ: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أشِرُونَ بَطِرُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سُجُودُ التِّلاوَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: سُجُودُ الفَرْضِ في الصَّلاةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْجُدُوا﴾: الصَّلَواتَ الخَمْسَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْحِيدُ. والثّانِي: العِبادَةُ.
النجم 53:62
(p-٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتِ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ: دَنَتِ القِيامَةُ، ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ شَدائِدُها وأهْوالُها لَمْ يَكْشِفْها أحَدٌ ولَمْ يَرُدَّها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: لَيْسَ لِعِلْمِها كاشِفٌ دُونَ اللَّهِ، أيْ: لا يَعْلَمُ عِلْمَها إلّا اللَّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ: وتَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" كَقَوْلِهِ: "هَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ" [الحاقَّةِ: ٨]، يُرِيدُ: مِن بَقاءِ؛ والعافِيَةُ والباقِيَةُ والنّاهِيَةُ كُلُّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ. وقالَ غَيْرُهُ: تَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" عَلى تَقْدِيرِ: نَفْسٌ كاشِفَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي القُرْآنَ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ تَكْذِيبًا بِهِ، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ؟! ويَعْنِي بِهَذا كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. (p-٨٦)أحَدُها: لاهُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: دَعْ عَنْكَ سُمُودَكَ، أيْ: لَهْوَكَ.
والثّانِي: مُعْرِضُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الغِناءُ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا، أيْ: تَغَنَّ لَنا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الغَناءُ بِالحِمْيَرِيَّةِ.
والرّابِعُ: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أشِرُونَ بَطِرُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سُجُودُ التِّلاوَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: سُجُودُ الفَرْضِ في الصَّلاةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْجُدُوا﴾: الصَّلَواتَ الخَمْسَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْحِيدُ. والثّانِي: العِبادَةُ.
القمر 54:1
(p-٨٧)سُورَةُ القَمَرِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَةٍ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ [القَمَرِ: ٤٥]، وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ، أوَّلُها: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأمَرُّ﴾ [القَمَرِ: ٤٤٤٦]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟" قالُوا: نَعَمْ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ ما قالُوا، فانْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي: "يا فُلانُ يا فُلانُ اشْهَدُوا"، وذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.» وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٨٨)"اشْهَدُوا" .» وقَدْ رَوى حَدِيثَ الِانْشِقاقِ جَماعَةٌ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةُ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلى هَذا جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ قَوْمًا شَذُّوا فَقالُوا: سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ الشّاذُّ لا يُقاوِمُ الإجْماعَ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وانْشَقَّ﴾ لَفْظٌ ماضٍ، وحَمْلُ لَفْظِ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ يَفْتَقِرُ إلى قَرِينَةٍ تَنْقُلُهُ ودَلِيلٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ. ومَعْنى ﴿اقْتَرَبَتِ﴾: دَنَتْ؛ ﴿والسّاعَةُ﴾ القِيامَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: انْشَقَّ القَمَرُ فَصارَ فِرْقَتَيْنِ، فَثَبَتَتْ فِرْقَةٌ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ الجَبَلِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ كانَ يُرى نِصْفُهُ عَلى قُعَيْقِعانَ، والنِّصْفُ الآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ- قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ، فاسْألُوا السُّفّارَ، فَسَألُوهُمْ، فَقالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأيْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ "اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ" .﴾
(p-٨٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ أيْ: آيَةً تَدُلُّهم عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والمُرادُ بِها ها هُنا: انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿يُعْرِضُوا﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: هَذا سِحْرٌ، والسِّحْرُ يَذْهَبُ ولا يَثْبُتُ.
والثّانِي: شَدِيدٌ قَوِيٌّ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المِرَّةِ، والمِرَّةُ: الفَتْلُ. والثّالِثُ: دائِمٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ يَعْنِي كَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ بِأهْلِهِ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: لِكُلِّ حَدِيثٍ مُنْتَهًى وحَقِيقَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ قَرارَ تَكْذِيبِهِمْ مُسْتَقِرٌّ، وقَرارُ تَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ مُسْتَقِرٌّ حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿مِنَ الأنْباءِ﴾ أيْ: مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُتَّعَظٌ ومُنْتَهًى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَرْفُوعَةٌ لِأنَّها بَدَلٌ مِن (p-٩٠)"ما" فالمَعْنى: ولَقَدْ جاءَهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [وَإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها بِإضْمارِ هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ] . و"ما" في قَوْلِهِ ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَّوْبِيخِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ؟! وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَفْيًا، عَلى مَعْنى، فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: جاءَهُمُ القُرْآنُ وهو حِكْمَةٌ تامَّةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ، فَما تُغْنِي النُّذُرُ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا؟!
القمر 54:2
(p-٨٧)سُورَةُ القَمَرِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَةٍ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ [القَمَرِ: ٤٥]، وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ، أوَّلُها: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأمَرُّ﴾ [القَمَرِ: ٤٤٤٦]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟" قالُوا: نَعَمْ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ ما قالُوا، فانْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي: "يا فُلانُ يا فُلانُ اشْهَدُوا"، وذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.» وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٨٨)"اشْهَدُوا" .» وقَدْ رَوى حَدِيثَ الِانْشِقاقِ جَماعَةٌ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةُ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلى هَذا جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ قَوْمًا شَذُّوا فَقالُوا: سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ الشّاذُّ لا يُقاوِمُ الإجْماعَ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وانْشَقَّ﴾ لَفْظٌ ماضٍ، وحَمْلُ لَفْظِ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ يَفْتَقِرُ إلى قَرِينَةٍ تَنْقُلُهُ ودَلِيلٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ. ومَعْنى ﴿اقْتَرَبَتِ﴾: دَنَتْ؛ ﴿والسّاعَةُ﴾ القِيامَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: انْشَقَّ القَمَرُ فَصارَ فِرْقَتَيْنِ، فَثَبَتَتْ فِرْقَةٌ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ الجَبَلِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ كانَ يُرى نِصْفُهُ عَلى قُعَيْقِعانَ، والنِّصْفُ الآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ- قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ، فاسْألُوا السُّفّارَ، فَسَألُوهُمْ، فَقالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأيْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ "اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ" .﴾
(p-٨٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ أيْ: آيَةً تَدُلُّهم عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والمُرادُ بِها ها هُنا: انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿يُعْرِضُوا﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: هَذا سِحْرٌ، والسِّحْرُ يَذْهَبُ ولا يَثْبُتُ.
والثّانِي: شَدِيدٌ قَوِيٌّ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المِرَّةِ، والمِرَّةُ: الفَتْلُ. والثّالِثُ: دائِمٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ يَعْنِي كَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ بِأهْلِهِ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: لِكُلِّ حَدِيثٍ مُنْتَهًى وحَقِيقَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ قَرارَ تَكْذِيبِهِمْ مُسْتَقِرٌّ، وقَرارُ تَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ مُسْتَقِرٌّ حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿مِنَ الأنْباءِ﴾ أيْ: مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُتَّعَظٌ ومُنْتَهًى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَرْفُوعَةٌ لِأنَّها بَدَلٌ مِن (p-٩٠)"ما" فالمَعْنى: ولَقَدْ جاءَهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [وَإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها بِإضْمارِ هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ] . و"ما" في قَوْلِهِ ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَّوْبِيخِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ؟! وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَفْيًا، عَلى مَعْنى، فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: جاءَهُمُ القُرْآنُ وهو حِكْمَةٌ تامَّةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ، فَما تُغْنِي النُّذُرُ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا؟!
القمر 54:3
(p-٨٧)سُورَةُ القَمَرِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَةٍ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ [القَمَرِ: ٤٥]، وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ، أوَّلُها: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأمَرُّ﴾ [القَمَرِ: ٤٤٤٦]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟" قالُوا: نَعَمْ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ ما قالُوا، فانْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي: "يا فُلانُ يا فُلانُ اشْهَدُوا"، وذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.» وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٨٨)"اشْهَدُوا" .» وقَدْ رَوى حَدِيثَ الِانْشِقاقِ جَماعَةٌ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةُ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلى هَذا جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ قَوْمًا شَذُّوا فَقالُوا: سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ الشّاذُّ لا يُقاوِمُ الإجْماعَ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وانْشَقَّ﴾ لَفْظٌ ماضٍ، وحَمْلُ لَفْظِ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ يَفْتَقِرُ إلى قَرِينَةٍ تَنْقُلُهُ ودَلِيلٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ. ومَعْنى ﴿اقْتَرَبَتِ﴾: دَنَتْ؛ ﴿والسّاعَةُ﴾ القِيامَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: انْشَقَّ القَمَرُ فَصارَ فِرْقَتَيْنِ، فَثَبَتَتْ فِرْقَةٌ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ الجَبَلِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ كانَ يُرى نِصْفُهُ عَلى قُعَيْقِعانَ، والنِّصْفُ الآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ- قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ، فاسْألُوا السُّفّارَ، فَسَألُوهُمْ، فَقالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأيْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ "اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ" .﴾
(p-٨٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ أيْ: آيَةً تَدُلُّهم عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والمُرادُ بِها ها هُنا: انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿يُعْرِضُوا﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: هَذا سِحْرٌ، والسِّحْرُ يَذْهَبُ ولا يَثْبُتُ.
والثّانِي: شَدِيدٌ قَوِيٌّ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المِرَّةِ، والمِرَّةُ: الفَتْلُ. والثّالِثُ: دائِمٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ يَعْنِي كَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ بِأهْلِهِ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: لِكُلِّ حَدِيثٍ مُنْتَهًى وحَقِيقَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ قَرارَ تَكْذِيبِهِمْ مُسْتَقِرٌّ، وقَرارُ تَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ مُسْتَقِرٌّ حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿مِنَ الأنْباءِ﴾ أيْ: مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُتَّعَظٌ ومُنْتَهًى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَرْفُوعَةٌ لِأنَّها بَدَلٌ مِن (p-٩٠)"ما" فالمَعْنى: ولَقَدْ جاءَهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [وَإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها بِإضْمارِ هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ] . و"ما" في قَوْلِهِ ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَّوْبِيخِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ؟! وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَفْيًا، عَلى مَعْنى، فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: جاءَهُمُ القُرْآنُ وهو حِكْمَةٌ تامَّةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ، فَما تُغْنِي النُّذُرُ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا؟!
القمر 54:4
(p-٨٧)سُورَةُ القَمَرِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَةٍ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ [القَمَرِ: ٤٥]، وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ، أوَّلُها: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأمَرُّ﴾ [القَمَرِ: ٤٤٤٦]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟" قالُوا: نَعَمْ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ ما قالُوا، فانْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي: "يا فُلانُ يا فُلانُ اشْهَدُوا"، وذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.» وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٨٨)"اشْهَدُوا" .» وقَدْ رَوى حَدِيثَ الِانْشِقاقِ جَماعَةٌ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةُ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلى هَذا جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ قَوْمًا شَذُّوا فَقالُوا: سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ الشّاذُّ لا يُقاوِمُ الإجْماعَ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وانْشَقَّ﴾ لَفْظٌ ماضٍ، وحَمْلُ لَفْظِ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ يَفْتَقِرُ إلى قَرِينَةٍ تَنْقُلُهُ ودَلِيلٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ. ومَعْنى ﴿اقْتَرَبَتِ﴾: دَنَتْ؛ ﴿والسّاعَةُ﴾ القِيامَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: انْشَقَّ القَمَرُ فَصارَ فِرْقَتَيْنِ، فَثَبَتَتْ فِرْقَةٌ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ الجَبَلِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ كانَ يُرى نِصْفُهُ عَلى قُعَيْقِعانَ، والنِّصْفُ الآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ- قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ، فاسْألُوا السُّفّارَ، فَسَألُوهُمْ، فَقالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأيْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ "اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ" .﴾
(p-٨٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ أيْ: آيَةً تَدُلُّهم عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والمُرادُ بِها ها هُنا: انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿يُعْرِضُوا﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: هَذا سِحْرٌ، والسِّحْرُ يَذْهَبُ ولا يَثْبُتُ.
والثّانِي: شَدِيدٌ قَوِيٌّ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المِرَّةِ، والمِرَّةُ: الفَتْلُ. والثّالِثُ: دائِمٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ يَعْنِي كَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ بِأهْلِهِ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: لِكُلِّ حَدِيثٍ مُنْتَهًى وحَقِيقَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ قَرارَ تَكْذِيبِهِمْ مُسْتَقِرٌّ، وقَرارُ تَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ مُسْتَقِرٌّ حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿مِنَ الأنْباءِ﴾ أيْ: مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُتَّعَظٌ ومُنْتَهًى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَرْفُوعَةٌ لِأنَّها بَدَلٌ مِن (p-٩٠)"ما" فالمَعْنى: ولَقَدْ جاءَهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [وَإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها بِإضْمارِ هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ] . و"ما" في قَوْلِهِ ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَّوْبِيخِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ؟! وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَفْيًا، عَلى مَعْنى، فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: جاءَهُمُ القُرْآنُ وهو حِكْمَةٌ تامَّةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ، فَما تُغْنِي النُّذُرُ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا؟!
القمر 54:5
(p-٨٧)سُورَةُ القَمَرِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَةٍ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ [القَمَرِ: ٤٥]، وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ، أوَّلُها: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأمَرُّ﴾ [القَمَرِ: ٤٤٤٦]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟" قالُوا: نَعَمْ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ ما قالُوا، فانْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي: "يا فُلانُ يا فُلانُ اشْهَدُوا"، وذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.» وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٨٨)"اشْهَدُوا" .» وقَدْ رَوى حَدِيثَ الِانْشِقاقِ جَماعَةٌ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةُ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلى هَذا جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ قَوْمًا شَذُّوا فَقالُوا: سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ الشّاذُّ لا يُقاوِمُ الإجْماعَ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وانْشَقَّ﴾ لَفْظٌ ماضٍ، وحَمْلُ لَفْظِ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ يَفْتَقِرُ إلى قَرِينَةٍ تَنْقُلُهُ ودَلِيلٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ. ومَعْنى ﴿اقْتَرَبَتِ﴾: دَنَتْ؛ ﴿والسّاعَةُ﴾ القِيامَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: انْشَقَّ القَمَرُ فَصارَ فِرْقَتَيْنِ، فَثَبَتَتْ فِرْقَةٌ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ الجَبَلِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ كانَ يُرى نِصْفُهُ عَلى قُعَيْقِعانَ، والنِّصْفُ الآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ- قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ، فاسْألُوا السُّفّارَ، فَسَألُوهُمْ، فَقالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأيْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ "اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ" .﴾
(p-٨٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ أيْ: آيَةً تَدُلُّهم عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والمُرادُ بِها ها هُنا: انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿يُعْرِضُوا﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: هَذا سِحْرٌ، والسِّحْرُ يَذْهَبُ ولا يَثْبُتُ.
والثّانِي: شَدِيدٌ قَوِيٌّ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المِرَّةِ، والمِرَّةُ: الفَتْلُ. والثّالِثُ: دائِمٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ يَعْنِي كَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ بِأهْلِهِ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: لِكُلِّ حَدِيثٍ مُنْتَهًى وحَقِيقَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ قَرارَ تَكْذِيبِهِمْ مُسْتَقِرٌّ، وقَرارُ تَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ مُسْتَقِرٌّ حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿مِنَ الأنْباءِ﴾ أيْ: مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُتَّعَظٌ ومُنْتَهًى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَرْفُوعَةٌ لِأنَّها بَدَلٌ مِن (p-٩٠)"ما" فالمَعْنى: ولَقَدْ جاءَهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [وَإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها بِإضْمارِ هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ] . و"ما" في قَوْلِهِ ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَّوْبِيخِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ؟! وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَفْيًا، عَلى مَعْنى، فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: جاءَهُمُ القُرْآنُ وهو حِكْمَةٌ تامَّةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ، فَما تُغْنِي النُّذُرُ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا؟!
القمر 54:6
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا وقْفُ التَّمامِ، و"يَوْمَ" مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ" .﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: فَتَوَلَّ عَنْهم [إلى] يَوْمِ "يَدَعُ الدّاعِي" أثْبَتَ هَذِهِ الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ؛ وافَقَهُ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ، وحَذَفَها الأكْثَرُونَ في الحالَيْنِ. و"الدّاعِي": إسْرافِيلُ يَنْفُخُ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ ﴿ "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "نُكُرٍ" خَفِيفَةً؛ أيْ: إلى أمْرٍ فَظِيعٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: "النُّكُرُ" بِمَعْنى المُنْكَرِ، وهو القِيامَةُ، وإنَّما يُنْكِرُونَهُ إعْظامًا لَهُ. والتَّوَلِّي المَذْكُورُ في الآيَةِ مَنسُوخٌ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ أهْلُ الحِجازِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "خُشَّعًا" بِضَمِّ الخاءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا" بِفَتْحِ الخاءِ وألِفٍ بَعْدَها وتَخْفِيفِ الشِّينِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: يَخْرُجُونَ خُشَّعًا، و"خاشِعًا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خاشِعَةً"؛ ولَكَ في أسْماءِ الفاعِلِينَ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ التَّوْحِيدُ والتَّأْنِيثُ (p-٩١)والجَمْعُ؛ تَقُولُ: مَرَرْتُ بِشُبّانٍ حَسَنٍ أوْجُهُهُمْ، وحِسانٍ أوْجُهُهُمْ، وحَسَنَةٍ أوْجُهُهُمْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وشَبابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهم مِن إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدِّ
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّ أبْصارَهم ذَلِيلَةٌ خاضِعَةٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ. والأجْداثُ: القُبُورُ، وإنَّما شَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّ الجَرادَ لا جِهَةَ لَهُ يَقْصِدُها، [فَهُوَ أبَدًا مُخْتَلِفٌ بَعْضُهُ في بَعْضٍ]، فَهم يَخْرُجُونَ فَزِعِينَ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنهم جِهَةٌ يَقْصِدُها. والدّاعِي: إسْرافِيلُ. وقَدْ أثْبَتَ ياءَ "الدّاعِي" في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ؛ تابَعُهُما في الوَصْلِ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "مُهْطِعِينَ" في سُورَةِ "إبْراهِيمَ: ٤٣" والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ.
القمر 54:7
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا وقْفُ التَّمامِ، و"يَوْمَ" مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ" .﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: فَتَوَلَّ عَنْهم [إلى] يَوْمِ "يَدَعُ الدّاعِي" أثْبَتَ هَذِهِ الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ؛ وافَقَهُ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ، وحَذَفَها الأكْثَرُونَ في الحالَيْنِ. و"الدّاعِي": إسْرافِيلُ يَنْفُخُ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ ﴿ "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "نُكُرٍ" خَفِيفَةً؛ أيْ: إلى أمْرٍ فَظِيعٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: "النُّكُرُ" بِمَعْنى المُنْكَرِ، وهو القِيامَةُ، وإنَّما يُنْكِرُونَهُ إعْظامًا لَهُ. والتَّوَلِّي المَذْكُورُ في الآيَةِ مَنسُوخٌ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ أهْلُ الحِجازِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "خُشَّعًا" بِضَمِّ الخاءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا" بِفَتْحِ الخاءِ وألِفٍ بَعْدَها وتَخْفِيفِ الشِّينِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: يَخْرُجُونَ خُشَّعًا، و"خاشِعًا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خاشِعَةً"؛ ولَكَ في أسْماءِ الفاعِلِينَ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ التَّوْحِيدُ والتَّأْنِيثُ (p-٩١)والجَمْعُ؛ تَقُولُ: مَرَرْتُ بِشُبّانٍ حَسَنٍ أوْجُهُهُمْ، وحِسانٍ أوْجُهُهُمْ، وحَسَنَةٍ أوْجُهُهُمْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وشَبابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهم مِن إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدِّ
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّ أبْصارَهم ذَلِيلَةٌ خاضِعَةٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ. والأجْداثُ: القُبُورُ، وإنَّما شَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّ الجَرادَ لا جِهَةَ لَهُ يَقْصِدُها، [فَهُوَ أبَدًا مُخْتَلِفٌ بَعْضُهُ في بَعْضٍ]، فَهم يَخْرُجُونَ فَزِعِينَ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنهم جِهَةٌ يَقْصِدُها. والدّاعِي: إسْرافِيلُ. وقَدْ أثْبَتَ ياءَ "الدّاعِي" في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ؛ تابَعُهُما في الوَصْلِ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "مُهْطِعِينَ" في سُورَةِ "إبْراهِيمَ: ٤٣" والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ.
القمر 54:8
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا وقْفُ التَّمامِ، و"يَوْمَ" مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ" .﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: فَتَوَلَّ عَنْهم [إلى] يَوْمِ "يَدَعُ الدّاعِي" أثْبَتَ هَذِهِ الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ؛ وافَقَهُ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ، وحَذَفَها الأكْثَرُونَ في الحالَيْنِ. و"الدّاعِي": إسْرافِيلُ يَنْفُخُ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ ﴿ "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "نُكُرٍ" خَفِيفَةً؛ أيْ: إلى أمْرٍ فَظِيعٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: "النُّكُرُ" بِمَعْنى المُنْكَرِ، وهو القِيامَةُ، وإنَّما يُنْكِرُونَهُ إعْظامًا لَهُ. والتَّوَلِّي المَذْكُورُ في الآيَةِ مَنسُوخٌ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ أهْلُ الحِجازِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "خُشَّعًا" بِضَمِّ الخاءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا" بِفَتْحِ الخاءِ وألِفٍ بَعْدَها وتَخْفِيفِ الشِّينِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: يَخْرُجُونَ خُشَّعًا، و"خاشِعًا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خاشِعَةً"؛ ولَكَ في أسْماءِ الفاعِلِينَ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ التَّوْحِيدُ والتَّأْنِيثُ (p-٩١)والجَمْعُ؛ تَقُولُ: مَرَرْتُ بِشُبّانٍ حَسَنٍ أوْجُهُهُمْ، وحِسانٍ أوْجُهُهُمْ، وحَسَنَةٍ أوْجُهُهُمْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وشَبابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهم مِن إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدِّ
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّ أبْصارَهم ذَلِيلَةٌ خاضِعَةٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ. والأجْداثُ: القُبُورُ، وإنَّما شَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّ الجَرادَ لا جِهَةَ لَهُ يَقْصِدُها، [فَهُوَ أبَدًا مُخْتَلِفٌ بَعْضُهُ في بَعْضٍ]، فَهم يَخْرُجُونَ فَزِعِينَ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنهم جِهَةٌ يَقْصِدُها. والدّاعِي: إسْرافِيلُ. وقَدْ أثْبَتَ ياءَ "الدّاعِي" في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ؛ تابَعُهُما في الوَصْلِ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "مُهْطِعِينَ" في سُورَةِ "إبْراهِيمَ: ٤٣" والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ.
القمر 54:9
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:10
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:11
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:12
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:13
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:14
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:15
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:16
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:17
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:18
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:19
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:20
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:21
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:22
(p-٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ. ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ. وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿فالتَقى الماءُ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٩٣)والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ. أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ. وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ. والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿جَزاءً﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
(p-٩٤)والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟ "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي"﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى (p-٩٥)قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ. وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ. والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ. مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ. ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٨] عَلى (p-٩٦)لُغَةِ مَن أنَّثَ. وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
القمر 54:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ [قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿وَسُعُرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
(p-٩٧)ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟ " أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ (p-٩٨)السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ. وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ. وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ. والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
القمر 54:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ [قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿وَسُعُرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
(p-٩٧)ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟ " أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ (p-٩٨)السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ. وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ. وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ. والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
القمر 54:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ [قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿وَسُعُرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
(p-٩٧)ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟ " أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ (p-٩٨)السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ. وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ. وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ. والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
القمر 54:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ [قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿وَسُعُرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
(p-٩٧)ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟ " أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ (p-٩٨)السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ. وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ. وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ. والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
القمر 54:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ [قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿وَسُعُرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
(p-٩٧)ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟ " أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ (p-٩٨)السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ. وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ. وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ. والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
القمر 54:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ [قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿وَسُعُرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
(p-٩٧)ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟ " أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ (p-٩٨)السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ. وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ. وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ. والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
القمر 54:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ [قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿وَسُعُرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
(p-٩٧)ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟ " أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ (p-٩٨)السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ. وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ. وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ. والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
القمر 54:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ [قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿وَسُعُرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
(p-٩٧)ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟ " أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ (p-٩٨)السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ. وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ. وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ. والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
القمر 54:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ [قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿وَسُعُرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
(p-٩٧)ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟ " أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ (p-٩٨)السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ. وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ. وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ. والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
القمر 54:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ [قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿وَسُعُرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
(p-٩٧)ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟ " أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ (p-٩٨)السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ. وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ. وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ. والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
القمر 54:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها. وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] . وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً"﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" . وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.
القمر 54:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها. وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] . وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً"﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" . وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.
القمر 54:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها. وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] . وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً"﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" . وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.
القمر 54:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها. وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] . وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً"﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" . وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.
القمر 54:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها. وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] . وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً"﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" . وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.
القمر 54:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها. وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] . وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً"﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" . وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.
القمر 54:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها. وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] . وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً"﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" . وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.
القمر 54:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها. وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] . وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً"﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" . وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.
القمر 54:41
أحَدُهُما: [أنَّهُ] جَمْعُ نَذِيرٍ، وهي الآياتُ الَّتِي أنْذَرَهم بِها مُوسى.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ آنِفًا، ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ بِالعَذابِ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ في انْتِقامِهِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادِرٍ عَلى هَلاكِهِمْ.
ثُمَّ خَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: "أكُفّارُكُمْ" يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى "مِن أُولَئِكُمْ" وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارِ؛ والمَعْنى: لَيْسُوا بِأقْوى مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَدْ أهْلَكْناهم "أمْ لَكم بَراءَةٌ" مِنَ العَذابِ أنَّهُ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم في ﴿الزُّبُرِ﴾ أيْ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ المَعْنى: أيَقُولُونَ: نَحْنُ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن خالَفَنا فَنَنْتَصِرُ مِنهُمْ؟ وإنَّما وحَّدَ المُنْتَصِرَ لِلَفْظِ الجَمِيعِ، فَإنَّهُ عَلى لَفْظِ "واحِدٍ" وإنْ كانَ اسْمًا لِلْجَماعَةِ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ ورَوى أبُو حاتِمِ بْنِ يَعْقُوبَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُّونِ، "الجَمْعَ" بِالنَّصْبِ، "وَتُوَلُّونَ" بِالتّاءِ، ويَعْنِي بِالجَمْعِ: جَمْعَ كَفّارِ مَكَّةَ ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأدْبارَ، وكِلاهُما جائِزٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ فُلانًا لَكَثِيرُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ. وهَذا مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي أفْظَعُ ﴿وَأمَرُّ﴾ مِنَ القَتْلِ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الدّاهِيَةِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ؛ ومَعْنى "أمَرٍّ": أشَدُّ مَرارَةً مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
القمر 54:42
أحَدُهُما: [أنَّهُ] جَمْعُ نَذِيرٍ، وهي الآياتُ الَّتِي أنْذَرَهم بِها مُوسى.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ آنِفًا، ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ بِالعَذابِ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ في انْتِقامِهِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادِرٍ عَلى هَلاكِهِمْ.
ثُمَّ خَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: "أكُفّارُكُمْ" يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى "مِن أُولَئِكُمْ" وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارِ؛ والمَعْنى: لَيْسُوا بِأقْوى مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَدْ أهْلَكْناهم "أمْ لَكم بَراءَةٌ" مِنَ العَذابِ أنَّهُ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم في ﴿الزُّبُرِ﴾ أيْ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ المَعْنى: أيَقُولُونَ: نَحْنُ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن خالَفَنا فَنَنْتَصِرُ مِنهُمْ؟ وإنَّما وحَّدَ المُنْتَصِرَ لِلَفْظِ الجَمِيعِ، فَإنَّهُ عَلى لَفْظِ "واحِدٍ" وإنْ كانَ اسْمًا لِلْجَماعَةِ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ ورَوى أبُو حاتِمِ بْنِ يَعْقُوبَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُّونِ، "الجَمْعَ" بِالنَّصْبِ، "وَتُوَلُّونَ" بِالتّاءِ، ويَعْنِي بِالجَمْعِ: جَمْعَ كَفّارِ مَكَّةَ ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأدْبارَ، وكِلاهُما جائِزٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ فُلانًا لَكَثِيرُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ. وهَذا مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي أفْظَعُ ﴿وَأمَرُّ﴾ مِنَ القَتْلِ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الدّاهِيَةِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ؛ ومَعْنى "أمَرٍّ": أشَدُّ مَرارَةً مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
القمر 54:43
أحَدُهُما: [أنَّهُ] جَمْعُ نَذِيرٍ، وهي الآياتُ الَّتِي أنْذَرَهم بِها مُوسى.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ آنِفًا، ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ بِالعَذابِ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ في انْتِقامِهِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادِرٍ عَلى هَلاكِهِمْ.
ثُمَّ خَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: "أكُفّارُكُمْ" يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى "مِن أُولَئِكُمْ" وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارِ؛ والمَعْنى: لَيْسُوا بِأقْوى مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَدْ أهْلَكْناهم "أمْ لَكم بَراءَةٌ" مِنَ العَذابِ أنَّهُ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم في ﴿الزُّبُرِ﴾ أيْ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ المَعْنى: أيَقُولُونَ: نَحْنُ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن خالَفَنا فَنَنْتَصِرُ مِنهُمْ؟ وإنَّما وحَّدَ المُنْتَصِرَ لِلَفْظِ الجَمِيعِ، فَإنَّهُ عَلى لَفْظِ "واحِدٍ" وإنْ كانَ اسْمًا لِلْجَماعَةِ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ ورَوى أبُو حاتِمِ بْنِ يَعْقُوبَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُّونِ، "الجَمْعَ" بِالنَّصْبِ، "وَتُوَلُّونَ" بِالتّاءِ، ويَعْنِي بِالجَمْعِ: جَمْعَ كَفّارِ مَكَّةَ ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأدْبارَ، وكِلاهُما جائِزٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ فُلانًا لَكَثِيرُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ. وهَذا مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي أفْظَعُ ﴿وَأمَرُّ﴾ مِنَ القَتْلِ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الدّاهِيَةِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ؛ ومَعْنى "أمَرٍّ": أشَدُّ مَرارَةً مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
القمر 54:44
أحَدُهُما: [أنَّهُ] جَمْعُ نَذِيرٍ، وهي الآياتُ الَّتِي أنْذَرَهم بِها مُوسى.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ آنِفًا، ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ بِالعَذابِ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ في انْتِقامِهِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادِرٍ عَلى هَلاكِهِمْ.
ثُمَّ خَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: "أكُفّارُكُمْ" يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى "مِن أُولَئِكُمْ" وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارِ؛ والمَعْنى: لَيْسُوا بِأقْوى مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَدْ أهْلَكْناهم "أمْ لَكم بَراءَةٌ" مِنَ العَذابِ أنَّهُ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم في ﴿الزُّبُرِ﴾ أيْ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ المَعْنى: أيَقُولُونَ: نَحْنُ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن خالَفَنا فَنَنْتَصِرُ مِنهُمْ؟ وإنَّما وحَّدَ المُنْتَصِرَ لِلَفْظِ الجَمِيعِ، فَإنَّهُ عَلى لَفْظِ "واحِدٍ" وإنْ كانَ اسْمًا لِلْجَماعَةِ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ ورَوى أبُو حاتِمِ بْنِ يَعْقُوبَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُّونِ، "الجَمْعَ" بِالنَّصْبِ، "وَتُوَلُّونَ" بِالتّاءِ، ويَعْنِي بِالجَمْعِ: جَمْعَ كَفّارِ مَكَّةَ ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأدْبارَ، وكِلاهُما جائِزٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ فُلانًا لَكَثِيرُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ. وهَذا مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي أفْظَعُ ﴿وَأمَرُّ﴾ مِنَ القَتْلِ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الدّاهِيَةِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ؛ ومَعْنى "أمَرٍّ": أشَدُّ مَرارَةً مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
القمر 54:45
أحَدُهُما: [أنَّهُ] جَمْعُ نَذِيرٍ، وهي الآياتُ الَّتِي أنْذَرَهم بِها مُوسى.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ آنِفًا، ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ بِالعَذابِ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ في انْتِقامِهِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادِرٍ عَلى هَلاكِهِمْ.
ثُمَّ خَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: "أكُفّارُكُمْ" يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى "مِن أُولَئِكُمْ" وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارِ؛ والمَعْنى: لَيْسُوا بِأقْوى مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَدْ أهْلَكْناهم "أمْ لَكم بَراءَةٌ" مِنَ العَذابِ أنَّهُ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم في ﴿الزُّبُرِ﴾ أيْ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ المَعْنى: أيَقُولُونَ: نَحْنُ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن خالَفَنا فَنَنْتَصِرُ مِنهُمْ؟ وإنَّما وحَّدَ المُنْتَصِرَ لِلَفْظِ الجَمِيعِ، فَإنَّهُ عَلى لَفْظِ "واحِدٍ" وإنْ كانَ اسْمًا لِلْجَماعَةِ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ ورَوى أبُو حاتِمِ بْنِ يَعْقُوبَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُّونِ، "الجَمْعَ" بِالنَّصْبِ، "وَتُوَلُّونَ" بِالتّاءِ، ويَعْنِي بِالجَمْعِ: جَمْعَ كَفّارِ مَكَّةَ ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأدْبارَ، وكِلاهُما جائِزٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ فُلانًا لَكَثِيرُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ. وهَذا مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي أفْظَعُ ﴿وَأمَرُّ﴾ مِنَ القَتْلِ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الدّاهِيَةِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ؛ ومَعْنى "أمَرٍّ": أشَدُّ مَرارَةً مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
القمر 54:46
أحَدُهُما: [أنَّهُ] جَمْعُ نَذِيرٍ، وهي الآياتُ الَّتِي أنْذَرَهم بِها مُوسى.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ آنِفًا، ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ بِالعَذابِ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ في انْتِقامِهِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادِرٍ عَلى هَلاكِهِمْ.
ثُمَّ خَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: "أكُفّارُكُمْ" يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى "مِن أُولَئِكُمْ" وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارِ؛ والمَعْنى: لَيْسُوا بِأقْوى مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَدْ أهْلَكْناهم "أمْ لَكم بَراءَةٌ" مِنَ العَذابِ أنَّهُ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم في ﴿الزُّبُرِ﴾ أيْ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ المَعْنى: أيَقُولُونَ: نَحْنُ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن خالَفَنا فَنَنْتَصِرُ مِنهُمْ؟ وإنَّما وحَّدَ المُنْتَصِرَ لِلَفْظِ الجَمِيعِ، فَإنَّهُ عَلى لَفْظِ "واحِدٍ" وإنْ كانَ اسْمًا لِلْجَماعَةِ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ ورَوى أبُو حاتِمِ بْنِ يَعْقُوبَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُّونِ، "الجَمْعَ" بِالنَّصْبِ، "وَتُوَلُّونَ" بِالتّاءِ، ويَعْنِي بِالجَمْعِ: جَمْعَ كَفّارِ مَكَّةَ ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأدْبارَ، وكِلاهُما جائِزٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ فُلانًا لَكَثِيرُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ. وهَذا مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي أفْظَعُ ﴿وَأمَرُّ﴾ مِنَ القَتْلِ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الدّاهِيَةِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ؛ ومَعْنى "أمَرٍّ": أشَدُّ مَرارَةً مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
القمر 54:47
أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .»
والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِقَدَرٍ﴾،» قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُعُرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجُنُونُ. والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ. ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا (p-١٠٢)فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" . [وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ. ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ. (p-١٠٣)وَفِي ﴿الزُّبُرِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ. فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ:
؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ:
فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا
وَمِثْلُهُ:
كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا
وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
(p-١٠٤)أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: ٢] . فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .
القمر 54:48
أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .»
والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِقَدَرٍ﴾،» قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُعُرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجُنُونُ. والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ. ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا (p-١٠٢)فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" . [وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ. ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ. (p-١٠٣)وَفِي ﴿الزُّبُرِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ. فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ:
؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ:
فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا
وَمِثْلُهُ:
كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا
وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
(p-١٠٤)أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: ٢] . فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .
القمر 54:49
أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .»
والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِقَدَرٍ﴾،» قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُعُرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجُنُونُ. والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ. ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا (p-١٠٢)فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" . [وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ. ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ. (p-١٠٣)وَفِي ﴿الزُّبُرِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ. فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ:
؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ:
فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا
وَمِثْلُهُ:
كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا
وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
(p-١٠٤)أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: ٢] . فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .
القمر 54:50
أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .»
والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِقَدَرٍ﴾،» قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُعُرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجُنُونُ. والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ. ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا (p-١٠٢)فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" . [وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ. ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ. (p-١٠٣)وَفِي ﴿الزُّبُرِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ. فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ:
؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ:
فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا
وَمِثْلُهُ:
كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا
وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
(p-١٠٤)أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: ٢] . فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .
القمر 54:51
أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .»
والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِقَدَرٍ﴾،» قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُعُرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجُنُونُ. والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ. ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا (p-١٠٢)فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" . [وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ. ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ. (p-١٠٣)وَفِي ﴿الزُّبُرِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ. فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ:
؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ:
فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا
وَمِثْلُهُ:
كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا
وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
(p-١٠٤)أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: ٢] . فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .
القمر 54:52
أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .»
والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِقَدَرٍ﴾،» قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُعُرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجُنُونُ. والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ. ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا (p-١٠٢)فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" . [وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ. ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ. (p-١٠٣)وَفِي ﴿الزُّبُرِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ. فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ:
؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ:
فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا
وَمِثْلُهُ:
كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا
وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
(p-١٠٤)أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: ٢] . فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .
القمر 54:53
أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .»
والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِقَدَرٍ﴾،» قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُعُرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجُنُونُ. والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ. ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا (p-١٠٢)فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" . [وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ. ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ. (p-١٠٣)وَفِي ﴿الزُّبُرِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ. فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ:
؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ:
فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا
وَمِثْلُهُ:
كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا
وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
(p-١٠٤)أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: ٢] . فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .
القمر 54:54
أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .»
والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِقَدَرٍ﴾،» قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُعُرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجُنُونُ. والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ. ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا (p-١٠٢)فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" . [وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ. ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ. (p-١٠٣)وَفِي ﴿الزُّبُرِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ. فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ:
؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ:
فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا
وَمِثْلُهُ:
كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا
وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
(p-١٠٤)أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: ٢] . فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .
القمر 54:55
أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .»
والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِقَدَرٍ﴾،» قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُعُرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجُنُونُ. والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ. ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا (p-١٠٢)فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" . [وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ. ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ. (p-١٠٣)وَفِي ﴿الزُّبُرِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ. فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ:
؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ:
فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا
وَمِثْلُهُ:
كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا
وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
(p-١٠٤)أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: ٢] . فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .