Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الفاتحة 1:1 – الفاتحة 1:5

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الفاتحة 1:1
  2. الفاتحة 1:2
  3. الفاتحة 1:3
  4. الفاتحة 1:4
  5. الفاتحة 1:5

الفاتحة 1:1

[فصل: اشْتِمالُ الفاتِحَةِ عَلى أُمَّهاتِ المَطالِبِ] اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أُمَّهاتِ المَطالِبِ العالِيَةِ أتَمَّ اشْتِمالٍ، وتَضَمَّنَتْها أكْمَلَ تَضَمُّنٍ. فاشْتَمَلَتْ عَلى التَّعْرِيفِ بِالمَعْبُودِ تَبارَكَ وتَعالى بِثَلاثَةِ أسْماءٍ، مَرْجِعُ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلْيا إلَيْها، ومَدارُها عَلَيْها، وهِيَ: اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، وبُنِيَتِ السُّورَةُ عَلى الإلَهِيَّةِ، والرُّبُوبِيَّةِ، والرَّحْمَةِ، فَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَبْنِيٌّ عَلى الإلَهِيَّةِ، ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] عَلى الرُّبُوبِيَّةِ، وطَلَبُ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، والحَمْدُ يَتَضَمَّنُ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ، فَهو المَحْمُودُ في إلَهِيَّتِهِ، ورُبُوبِيَّتِهِ، ورَحْمَتِهِ، والثَّناءُ والمَجْدُ كَمالانِ لِجَدِّهِ. وَتَضَمَّنَتْ إثْباتَ المَعادِ، وجَزاءَ العِبادِ بِأعْمالِهِمْ، حَسَنِها وسَيِّئِها، وتَفَرُّدَ الرَّبِّ تَعالى بِالحُكْمِ إذْ ذاكَ بَيْنَ الخَلائِقِ، وكَوْنَ حُكْمِهِ بِالعَدْلِ، وكُلُّ هَذا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. وَتَضَمَّنَتْ إثْباتَ النُّبُوّاتِ مِن جِهاتٍ عَدِيدَةٍ: أحَدُها: كَوْنُهُ رَبَّ العالَمِينَ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَتْرُكَ عِبادَهُ سُدًى هَمَلًا لا يُعَرِّفُهم ما يَنْفَعُهم في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ وما يَضُرُّهم فِيهِما، فَهَذا هَضْمٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ، ونِسْبَةُ الرَّبِّ تَعالى إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، وما قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَن نَسَبَهُ إلَيْهِ. الثّانِي: أخْذُها مِنَ اسْمِ اللَّهِ، وهو المَأْلُوهُ المَعْبُودُ، ولا سَبِيلَ لِلْعِبادِ إلى مَعْرِفَةِ عِبادَتِهِ إلّا مِن طَرِيقِ رُسُلِهِ. المَوْضِعُ الثّالِثُ: مِنِ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ فَإنَّ رَحْمَتَهُ تَمْنَعُ إهْمالَ عِبادِهِ، وعَدَمَ تَعْرِيفِهِمْ ما يَنالُونَ بِهِ غايَةَ كَمالِهِمْ، فَمَن أعْطى اسْمَ الرَّحْمَنِ حَقَّهُ عَرَفَ أنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، أعْظَمَ مِن تَضَمُّنِهِ إنْزالَ الغَيْثِ، وإنْباتَ الكَلَأِ، وإخْراجَ الحَبِّ، فاقْتِضاءُ الرَّحْمَةِ لِما تَحْصُلُ بِهِ حَياةُ القُلُوبِ والأرْواحِ أعْظَمُ مِنِ اقْتِضائِها لِما تَحْصُلُ بِهِ حَياةُ الأبْدانِ والأشْباحِ، لَكِنِ المَحْجُوبُونَ إنَّما أدْرَكُوا مِن هَذا الِاسْمِ حَظَّ البَهائِمِ والدَّوابِّ، وأدْرَكَ مِنهُ أُولُو الألْبابِ أمْرًا وراءَ ذَلِكَ. المَوْضِعُ الرّابِعُ: مِن ذِكْرِ يَوْمِ الدِّينِ فَإنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يُدِينُ اللَّهُ العِبادَ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، فَيُثِيبُهم عَلى الخَيْراتِ، ويُعاقِبُهم عَلى المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أحَدًا قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، والحُجَّةُ إنَّما قامَتْ بِرُسُلِهِ وكُتُبِهِ، وبِهِمُ اسْتُحِقَّ الثَّوابُ والعِقابُ، وبِهِمْ قامَ سُوقُ يَوْمِ الدِّينِ، وسِيقَ الأبْرارُ إلى النَّعِيمِ، والفُجّارُ إلى الجَحِيمِ. المَوْضِعُ الخامِسُ: مِن قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَإنَّ ما يُعْبَدُ بِهِ الرَّبُّ تَعالى لا يَكُونُ إلّا عَلى ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وعِبادَتُهُ وهي شُكْرُهُ وحُبُّهُ وخَشْيَتُهُ فِطْرِيٌّ ومَعْقُولٌ لِلْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، لَكِنَّ طَرِيقَ التَّعَبُّدِ وما يُعْبَدُ بِهِ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِرُسُلِهِ وبَيانِهِمْ، وفي هَذا بَيانُ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ في العُقُولِ، يَسْتَحِيلُ تَعْطِيلُ العالَمِ عَنْهُ، كَما يَسْتَحِيلُ تَعْطِيلُهُ عَنِ الصّانِعِ، فَمَن أنْكَرَ الرَّسُولَ فَقَدْ أنْكَرَ المُرْسِلَ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكُفْرَ بِرُسُلِهِ كُفْرًا بِهِ. [فصل] أول سورة في القرآن وهي الفاتحة، تدل على أن الأرواح مخلوقة من عدة أوجه: - أحدها قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ والأرواح من جملة العالم فهو ربها. - الثاني قوله تعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأرواح عابدة له مستعينة، ولو كانت غير مخلوقة لكانت معبودة مستعانا بها. - الثالث: أنها فقيرة إلى هواية فاطرها وربها، تسأله أن يهديها صراطه المستقيم. - الرابع: أنها منعم عليها مرحومة، ومغضوب عليها ضالة شقية، وهذا المربوب والمملوك لا شأن القديم غير المخلوق. [فَصْل: شَرائِطُ التَّوْبَةِ] وَلَمّا كانَتِ التَّوْبَةُ هي رُجُوعُ العَبْدِ إلى اللَّهِ، ومُفارَقَتُهُ لِصِراطِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِدايَةِ اللَّهِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ولا تَحْصُلُ هِدايَتُهُ إلّا بِإعانَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، فَقَدِ انْتَظَمَتْها سُورَةُ الفاتِحَةِ أحْسَنَ انْتِظامٍ، وتَضَمَّنَتْها أبْلَغَ تَضَمُّنٍ، فَمَن أعْطى الفاتِحَةَ حَقَّها - عِلْمًا وشُهُودًا وحالًا مَعْرِفَةً - عَلِمَ أنَّهُ لا تَصِحُّ لَهُ قِراءَتُها عَلى العُبُودِيَّةِ إلّا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَإنَّ الهِدايَةَ التّامَّةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لا تَكُونُ مَعَ الجَهْلِ بِالذُّنُوبِ، ولا مَعَ الإصْرارِ عَلَيْها، فَإنَّ الأوَّلَ جَهْلٌ يُنافِي مَعْرِفَةَ الهُدى، والثّانِيَ غَيٌّ يُنافِي قَصْدَهُ وإرادَتَهُ، فَلِذَلِكَ لا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الذَّنْبِ، والِاعْتِرافِ بِهِ، وطَلَبِ التَّخَلُّصِ مِن سُوءِ عَواقِبِهِ أوَّلًا وآخِرًا. [فائِدَة للْإنْسان قوتان قُوَّة علمية نظرية وقُوَّة عملية إرادية] وسعادته التّامَّة مَوْقُوفَة على استكمال قوتيه العلمية الإرادية واستكمال القُوَّة العلمية إنَّما يكون بِمَعْرِفَة فاطره وبارئه ومَعْرِفَة أسْمائِهِ وصِفاته ومَعْرِفَة الطَّرِيق الَّتِي توصل إلَيْهِ ومَعْرِفَة آفاتها ومَعْرِفَة نَفسه ومَعْرِفَة عيوبها فبهذه المعارف الخَمْسَة يحصل كَمال قوته العلمية، وأعلم النّاس أعرفهم بها وأفقههم فِيها استكمال القُوَّة العلمية الإرادية لا تحصل إلّا بمراعاة حُقُوقه سُبْحانَهُ على العَبْد والقِيام بها إخلاصا وصدقا ونصحا وإحسانا ومتابعة وشهودا لمنّته عَلَيْهِ وتقصيره هو في أداء حقّه فَهو مستحي من مواجهته بِتِلْكَ الخدمَة لعلمه أنَّها دون ما يستحقّه عَلَيْهِ ودون دون ذَلِك وأنه لا سَبِيل لَهُ إلى استكمال هاتين القوتين إلّا بمعونته فَهو مُضْطَر إلى أن يهديه الصِّراط المُسْتَقيم الَّذِي هدى إلَيْهِ أولياءه وخاصّته وأن يجنّبه الخُرُوج عَن ذَلِك الصِّراط إمّا بِفساد في قوته العلمية فَيَقَع في الضلال واما في قوّته العملية فَيُوجب لَهُ الغَضَب. فكمال الإنْسان وسعادته لا تتمّ إلّا بِمَجْمُوع هَذِه الأُمُور وقد تضمنّتها سُورَة الفاتِحَة وانتظمتها أكمل انتظام فَإن قَوْله ﴿الحَمد لله رب العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يتضمّن الأصْل الأوّل وهو معرفَة الرب تَعالى ومَعْرِفَة أسْمائِهِ وصِفاته وأفعاله والأسماء المَذْكُورَة في هَذِه السُّورَة هي أصُول الأسْماء الحسنى وهِي اسْم الله والرب والرحمن فاسم الله متضمّن لصفات الألوهيّة واسم الرب متضمّن الربوبية واسم الرَّحْمَن مُتَضَمّن لصفات الإحْسان والجود والبر ومعاني أسْمائِهِ تَدور على هَذا وقَوله ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يتضمّن معرفَة الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ وأنَّها لَيست إلّا عِبادَته وحده بِما يحبّه ويرضاه واستعانته على عِبادَته وقَوله ﴿اهْدِنا الصِّراط المُسْتَقيم﴾ يتضمّن بَيان أن العَبْد لا سَبِيل لَهُ إلى سعادته إلّا باستقامته على الصِّراط المُسْتَقيم وأنه لا سَبِيل لَهُ إلى الاسْتقامَة إلّا بهداية ربه لَهُ كَما لا سَبِيل لَهُ إلى عِبادَته بمعونته فَلا سَبِيل لَهُ إلى الاسْتقامَة على الصِّراط إلّا بهدايته وقَوله ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ يتضمّن بَيان طرفِي الانحراف عَن الصِّراط المُسْتَقيم وأن الانحراف إلى أحد الطَّرفَيْنِ انحراف إلى الضلال الَّذِي هو فَساد العلم والاعتقاد والانحراف إلى الطّرف الآخر انحراف إلى الغَضَب الَّذِي سَببه فَساد القَصْد والعَمَل. فأوّل السُّورَة رَحْمَة وأوسطها هِدايَة وآخِرها نعْمَة، وحظ العَبْد من النِّعْمَة على قدر حظّه من الهِدايَة وحظّه مِنها على قدر حظّه من الرَّحْمَة فَعاد الأمر كلّه إلى نعْمَته ورَحمته والنعْمَة والرَّحْمَة من لَوازِم ربوبيّته فَلا يكون إلّا رحِيما منعما وذَلِكَ من مُوجبات الهيّته فَهو الإلَه الحق وإن جَحده الجاحدون وعدل بِهِ المُشْركُونَ فَمن تحقّق بمعاني الفاتِحَة علما ومَعْرِفَة وعَملا وحالا فقد فازَ من كَماله بأوفر نصيب وصارَت عبوديّته عبوديّة الخاصّة الَّذين ارْتَفَعت درجتهم عَن عوام المتعبّدين والله المُسْتَعان. [فَصْلٌ هَدْيِهِ ﷺ في رُقْيَةِ اللَّدِيغِ بِالفاتِحَةِ] أخْرَجا في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: «انْطَلَقَ نَفَرٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ في سَفْرَةٍ سافَرُوها حَتّى نَزَلُوا عَلى حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ، فاسْتَضافُوهم فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهم فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أتَيْتُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهم أنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأتَوْهم فَقالُوا: يا أيُّها الرَّهْطُ إنَّ سَيَّدَنا لُدِغَ، وسَعَيْنا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أحَدٍ مِنكم مِن شَيْءٍ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ واللَّهِ إنِّي لَأرْقِي، ولَكِنِ اسْتَضَفْناكم فَلَمْ تُضَيِّفُونا فَما أنا بَراقٍ حَتّى تَجْعَلُوا لَنا جُعْلًا، فَصالَحُوهم عَلى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ، ويَقْرَأُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، فَكَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ، فانْطَلَقَ يَمْشِي، وما بِهِ قَلَبَةٌ قالَ: فَأوْفَوْهم جُعْلَهُمُ الَّذِي صالَحُوهم عَلَيْهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: اقْتَسِمُوا فَقالَ الَّذِي رَقى: لا تَفْعَلُوا حَتّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كانَ، فَنَنْظُرَ ما يَأْمُرُنا، فَقَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: " وما يُدْرِيكَ أنَّها رُقْيَةٌ؟ " ثُمَّ قالَ: قَدْ أصَبْتُمْ، اقْسِمُوا واضْرِبُوا لِي مَعَكم سَهْمًا». وَقَدْ رَوى ابْنُ ماجَهْ في " سُنَنِهِ " مِن حَدِيثِ علي قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ الدَّواءِ القُرْآنُ». وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ بَعْضَ الكَلامِ لَهُ خَواصُّ ومَنافِعُ مُجَرَّبَةٌ، فَما الظَّنُّ بِكَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي فَضْلُهُ عَلى كُلِّ كَلامٍ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ الَّذِي هو الشِّفاءُ التّامُّ، والعِصْمَةُ النّافِعَةُ، والنُّورُ الهادِي، والرَّحْمَةُ العامَّةُ الَّذِي لَوْ أُنْزِلَ عَلى جَبَلٍ؛ لَتَصَدَّعَ مِن عَظَمَتِهِ وجَلالَتِهِ. قالَ تَعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وَ" مِن " هاهُنا لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، هَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] وكُلُّهم مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَما الظَّنُّ بِفاتِحَةِ الكِتابِ الَّتِي لَمْ يُنْزَلْ في القُرْآنِ، ولا في التَّوْراةِ، ولا في الإنْجِيلِ، ولا في الزَّبُورِ مِثْلُها، المُتَضَمِّنَةِ لِجَمِيعِ مَعانِي كُتُبِ اللَّهِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذِكْرِ أُصُولِ أسْماءِ الرَّبِّ - تَعالى - ومَجامِعِها، وهي اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، وإثْباتِ المَعادِ، وذِكْرِ التَّوْحِيدَيْنِ: تَوْحِيدِ الرَّبُوبِيَّةِ، وتَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ، وذِكْرِ الِافْتِقارِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ في طَلَبِ الإعانَةِ، وطَلَبِ الهِدايَةِ، وتَخْصِيصِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وذِكْرِ أفْضَلِ الدُّعاءِ عَلى الإطْلاقِ، وأنْفَعِهِ وأفْرَضِهِ، وما العِبادُ أحْوَجُ شَيْءٍ إلَيْهِ، وهو الهِدايَةُ إلى صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ، المُتَضَمِّنِ كَمالَ مَعْرِفَتِهِ، وتَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ بِفِعْلِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ إلى المَماتِ، ويَتَضَمَّنُ ذِكْرَ أصْنافِ الخَلائِقِ، وانْقِسامَهم إلى مُنْعَمٍ عَلَيْهِ بِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، والعَمَلِ بِهِ، ومَحَبَّتِهِ، وإيثارِهِ، ومَغْضُوبٍ عَلَيْهِ بِعُدُولِهِ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ لَهُ، وضالٍّ بِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهُ. وَهَؤُلاءِ أقْسامُ الخَلِيقَةِ مَعَ تَضَمُّنِها لِإثْباتِ القَدَرِ، والشَّرْعِ، والأسْماءِ، والصِّفاتِ، والمَعادِ، والنُّبُوّاتِ، وتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وإصْلاحِ القُلُوبِ، وذِكْرِ عَدْلِ اللَّهِ، وإحْسانِهِ، والرَّدِّ عَلى جَمِيعِ أهْلِ البِدَعِ والباطِلِ، كَما ذَكَرْنا ذَلِكَ في كِتابِنا الكَبِيرِ " مَدارِجِ السّالِكِينَ " في شَرْحِها. وَحَقِيقٌ بِسُورَةٍ هَذا بَعْضُ شَأْنِها أنْ يُسْتَشْفى بِها مِنَ الأدْواءِ، ويُرْقى بِها اللَّدِيغُ. وَبِالجُمْلَةِ فَما تَضَمَّنَتْهُ الفاتِحَةُ مِن إخْلاصِ العُبُودِيَّةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وتَفْوِيضِ الأمْرِ كُلِّهِ إلَيْهِ، والِاسْتِعانَةِ بِهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وسُؤالِهِ مَجامِعَ النِّعَمِ كُلِّها، وهي الهِدايَةُ الَّتِي تَجْلِبُ النِّعَمَ، وتَدْفَعُ النِّقَمَ مِن أعْظَمِ الأدْوِيَةِ الشّافِيَةِ الكافِيَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ مَوْضِعَ الرُّقْيَةِ مِنها: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولا رَيْبَ أنَّ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ مِن أقْوى أجْزاءِ هَذا الدَّواءِ، فَإنَّ فِيهِما مِن عُمُومِ التَّفْوِيضِ والتَّوَكُّلِ، والِالتِجاءِ والِاسْتِعانَةِ، والِافْتِقارِ والطَّلَبِ، والجَمْعِ بَيْنَ أعْلى الغاياتِ، وهي عِبادَةُ الرَّبِّ وحْدَهُ، وأشْرَفِ الوَسائِلِ وهي الِاسْتِعانَةُ بِهِ عَلى عِبادَتِهِ، ما لَيْسَ في غَيْرِها، ولَقَدْ مَرَّ بِي وقْتٌ بِمَكَّةَ سَقِمْتُ فِيهِ، وفَقَدْتُ الطَّبِيبَ والدَّواءَ، فَكُنْتُ أتَعالَجُ بِها آخُذُ شَرْبَةً مِن ماءِ زَمْزَمَ وأقْرَؤُها عَلَيْها مِرارًا، ثُمَّ أشْرَبُهُ فَوَجَدْتُ بِذَلِكَ البُرْءَ التّامَّ، ثُمَّ صِرْتُ أعْتَمِدُ ذَلِكَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الأوْجاعِ فَأنْتَفِعُ بِها غايَةَ الِانْتِفاعِ. [فَصْلٌ نَفْسُ الرّاقِي تَفْعَلُ في نَفْسِ المَرْقِيِّ فَتَدْفَعُ عَنْهُ المَرَضَ بِإذْنِ اللَّهِ] وَفِي تَأْثِيرِ الرُّقى بِالفاتِحَةِ وغَيْرِها في عِلاجِ ذَواتِ السُّمُومِ سِرٌّ بَدِيعٌ، فَإنَّ ذَواتِ السُّمُومِ أثَّرَتْ بِكَيْفِيّاتِ نُفُوسِها الخَبِيثَةِ، كَما تَقَدَّمَ وسِلاحُها حُماتُها الَّتِي تَلْدَغُ بِها، وهي لا تَلْدَغُ حَتّى تَغْضَبَ، فَإذا غَضِبَتْ ثارَ فِيها السُّمُّ، فَتَقْذِفُهُ بِآلَتِها، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ داءٍ دَواءً، ولِكُلِّ شَيْءٍ ضِدًّا، ونَفْسُ الرّاقِي تَفْعَلُ في نَفْسِ المَرْقِيِّ، فَيَقَعُ بَيْنَ نَفْسَيْهِما فِعْلٌ وانْفِعالٌ، كَما يَقَعُ بَيْنَ الدّاءِ والدَّواءِ، فَتَقْوى نَفْسُ الرّاقِي وقُوَّتُهُ بِالرُّقْيَةِ عَلى ذَلِكَ الدّاءِ فَيَدْفَعُهُ بِإذْنِ اللَّهِ، ومَدارُ تَأْثِيرِ الأدْوِيَةِ والأدْواءِ عَلى الفِعْلِ والِانْفِعالِ، وهو كَما يَقَعُ بَيْنَ الدّاءِ والدَّواءِ الطَّبِيعِيَّيْنِ، يَقَعُ بَيْنَ الدّاءِ والدَّواءِ الرُّوحانِيَّيْنِ، والرُّوحانِيُّ، والطَّبِيعِيُّ، وفي النَّفْثِ والتَّفْلِ اسْتِعانَةٌ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ والهَواءِ، والنَّفَسِ المُباشِرِ لِلرُّقْيَةِ، والذِّكْرِ، والدُّعاءِ، فَإنَّ الرُّقْيَةَ تَخْرُجُ مِن قَلْبِ الرّاقِي وفَمِهِ، فَإذا صاحَبَها شَيْءٌ مِن أجْزاءِ باطِنِهِ مِنَ الرِّيقِ والهَواءِ والنَّفَسِ، كانَتْ أتَمَّ تَأْثِيرًا، وأقْوى فِعْلًا ونُفُوذًا، ويَحْصُلُ بِالِازْدِواجِ بَيْنَهُما كَيْفِيَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ شَبِيهَةٌ بِالكَيْفِيَّةِ الحادِثَةِ عِنْدَ تَرْكِيبِ الأدْوِيَةِ. وَبِالجُمْلَةِ: فَنَفْسُ الرّاقِي تُقابِلُ تِلْكَ النَّفُوسَ الخَبِيثَةَ، وتَزِيدُ بِكَيْفِيَّةِ نَفْسِهِ، وتَسْتَعِينُ بِالرُّقْيَةِ وبِالنَّفْثِ عَلى إزالَةِ ذَلِكَ الأثَرِ، وكُلَّما كانَتْ كَيْفِيَّةُ نَفْسِ الرّاقِي أقْوى كانَتِ الرُّقْيَةُ أتَمَّ، واسْتِعانَتُهُ بِنَفْثِهِ كاسْتِعانَةِ تِلْكَ النُّفُوسِ الرَّدِيئَةِ بِلَسْعِها. وَفِي النَّفْثِ سِرٌّ آخَرُ فَإنَّهُ مِمّا تَسْتَعِينُ بِهِ الأرْواحُ الطَّيِّبَةُ والخَبِيثَةُ، ولِهَذا تَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الإيمانِ. قالَ تَعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةِ الغَضَبِ والمُحارَبَةِ، وتُرْسِلُ أنْفاسَها سِهامًا لَها، وتَمُدُّها بِالنَّفْثِ والتَّفْلِ الَّذِي مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ مُصاحِبٌ لِكَيْفِيَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ، والسَّواحِرُ تَسْتَعِينُ بِالنَّفْثِ اسْتِعانَةً بَيِّنَةً، وإنْ لَمْ تَتَّصِلْ بِجِسْمِ المَسْحُورِ، بَلْ تَنْفُثُ عَلى العُقْدَةِ وتَعْقِدُها، وتَتَكَلَّمُ بِالسِّحْرِ فَيَعْمَلُ ذَلِكَ في المَسْحُورِ بِتَوَسُّطِ الأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ الخَبِيثَةِ، فَتُقابِلُها الرُّوحُ الزَّكِيَّةُ الطَّيِّبَةُ بِكَيْفِيَّةِ الدَّفْعِ، والتَّكَلُّمِ بِالرُّقْيَةِ وتَسْتَعِينُ بِالنَّفْثِ، فَأيُّهُما قَوِيَ كانَ الحُكْمُ لَهُ، ومُقابَلَةُ الأرْواحِ بَعْضِها لِبَعْضٍ، ومُحارَبَتُها وآلَتُها مِن جِنْسِ مُقابَلَةِ الأجْسامِ، ومُحارَبَتُها وآلَتُها سَواءٌ، بَلِ الأصْلُ في المُحارَبَةِ والتَّقابُلِ لِلْأرْواحِ والأجْسامِ آلَتُها وجُنْدُها، ولَكِنْ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الحِسُّ لا يَشْعُرُ بِتَأْثِيراتِ الأرْواحِ وأفْعالِها وانْفِعالاتِها لِاسْتِيلاءِ سُلْطانِ الحِسِّ عَلَيْهِ، وبُعْدِهِ مِن عالَمِ الأرْواحِ وأحْكامِها وأفْعالِها. والمَقْصُودُ: أنَّ الرُّوحَ إذا كانَتْ قَوِيَّةً وتَكَيَّفَتْ بِمَعانِي الفاتِحَةِ، واسْتَعانَتْ بِالنَّفْثِ والتَّفْلِ، قابَلَتْ ذَلِكَ الأثَرَ الَّذِي حَصَلَ مِنَ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ فَأزالَتْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ: في بَيانِ اشْتِمالِ الفاتِحَةِ عَلى الشِفاءَيْنِ شِفاءِ القُلُوبِ وشِفاءِ الأبْدانِ] فَأمّا اشْتِمالُها عَلى شِفاءِ القُلُوبِ: فَإنَّها اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أتَمَّ اشْتِمالٍ، فَإنَّ مَدارَ اعْتِلالِ القُلُوبِ وأسْقامِها عَلى أصْلَيْنِ: فَسادِ العِلْمِ، وفَسادِ القَصْدِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما داءانِ قاتِلانِ، وهُما الضَّلالُ والغَضَبُ، فالضَّلالُ نَتِيجَةُ فَسادِ العِلْمِ، والغَضَبُ نَتِيجَةُ فَسادِ القَصْدِ، وهَذانَ المَرَضانِ هُما مِلاكُ أمْراضِ القُلُوبِ جَمِيعِها، فَهِدايَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ تَتَضَمَّنُ الشِّفاءَ مِن مَرَضِ الضَّلالِ، ولِذَلِكَ كانَ سُؤالُ هَذِهِ الهِدايَةِ أفْرَضَ دُعاءٍ عَلى كُلِّ عَبْدٍ، وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ في كُلِّ صَلاةٍ، لِشِدَّةِ ضَرُورَتِهِ وفاقَتِهِ إلى الهِدايَةِ المَطْلُوبَةِ، ولا يَقُومُ غَيْرُ هَذا السُّؤالِ مَقامَهُ. والتَّحَقُّقُ بِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] عِلْمًا ومَعْرِفَةً، وعَمَلًا وحالًا يَتَضَمَّنُ الشِّفاءَ مِن مَرَضِ فَسادِ القَلْبِ والقَصْدِ، فَإنَّ فَسادَ القَصْدِ يَتَعَلَّقُ بِالغاياتِ والوَسائِلِ، فَمَن طَلَبَ غايَةً مُنْقَطِعَةً مُضْمَحِلَّةً فانِيَةً، وتَوَسَّلَ إلَيْها بِأنْواعِ الوَسائِلِ المُوَّصِلَةِ إلَيْها كانَ كِلا نَوْعِي قَصْدِهِ فاسِدًا، وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَن كانَ غايَةُ مَطْلُوبِهِ غَيْرَ اللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ومُتَّبِعِي الشَّهَواتِ، الَّذِينَ لا غايَةَ لَهم وراءَها، وأصْحابِ الرِّياساتِ المُتَّبِعِينَ لِإقامَةِ رِياسَتِهِمْ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَإذا جاءَ الحَقُّ مُعارِضًا في طَرِيقِ رِياسَتِهِمْ طَحَنُوهُ وداسُوهُ بِأرْجُلِهِمْ، فَإنْ عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ دَفَعُوهُ دَفْعَ الصّائِلِ، فَإنْ عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ حَبَسُوهُ في الطَّرِيقِ، وحادُوا عَنْهُ إلى طَرِيقٍ أُخْرى، وهم مُسْتَعِدُّونَ لِدَفْعِهِ بِحَسَبِ الإمْكانِ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا مِنهُ بُدًّا أعْطَوْهُ السِّكَّةَ والخُطْبَةَ وعَزَلُوهُ عَنِ التَّصَرُّفِ والحُكْمِ والتَّنْفِيذِ، وإنْ جاءَ الحَقُّ ناصِرًا لَهم وكانَ لَهم صالُوا بِهِ وجالُوا، وأتَوْا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ، لا لِأنَّهُ حَقٌّ، بَلْ لِمُوافَقَتِهِ غَرَضَهم وأهْواءَهُمْ، وانْتِصارِهِمْ بِهِ ﴿وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٤٨]. والمَقْصُودُ: أنَّ قَصْدَ هَؤُلاءِ فاسِدٌ في غاياتِهِمْ ووَسائِلِهِمْ، وهَؤُلاءِ إذا بَطَلَتِ الغاياتُ الَّتِي طَلَبُوها، واضْمَحَلَّتْ وفَنِيَتْ، حَصَلُوا عَلى أعْظَمِ الخُسْرانِ والحَسَراتِ، وهم أعْظَمُ النّاسِ نَدامَةً وتَحَسُّرًا إذا حَقَّ الحَقُّ وبَطَلَ الباطِلُ، وتَقَطَّعَتْ بِهِمْ أسْبابُ الوَصْلِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، وتَيَقَّنُوا انْقِطاعَهم عَنْ رَكْبِ الفَلاحِ والسَّعادَةِ، وهَذا يَظْهَرُ كَثِيرًا في الدُّنْيا، ويَظْهَرُ أقْوى مِن ذَلِكَ عِنْدَ الرَّحِيلِ مِنها والقُدُومِ عَلى اللَّهِ، ويَشْتَدُّ ظُهُورُهُ وتَحَقُّقُهُ في البَرْزَخِ، ويَنْكَشِفُ كُلَّ الِانْكِشافِ يَوْمَ اللِّقاءِ، إذا حَقَّتِ الحَقائِقُ، وفازَ المُحِقُّونَ وخَسِرَ المُبْطِلُونَ، وعَلِمُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ، وكانُوا مَخْدُوعِينَ مَغْرُورِينَ، فِيالَهُ هُناكَ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ عالِمَهُ، ويَقِينٍ لا يُنْجِي مُسْتَيْقِنَهُ. وَكَذَلِكَ مَن طَلَبَ الغايَةَ العُلْيا والمَطْلَبَ الأسْمى، ولَكِنْ لَمْ يَتَوَسَّلْ إلَيْهِ بِالوَسِيلَةِ المُوَصِّلَةِ لَهُ وإلَيْهِ، بَلْ تَوَسَّلَ إلَيْهِ بِوَسِيلَةٍ ظَنَّها مُوَصِّلَةً إلَيْهِ، وهي مِن أعْظَمِ القَواطِعِ عَنْهُ، فَحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذا، وكِلاهُما فاسِدُ القَصْدِ، ولا شِفاءَ مِن هَذا المَرَضِ إلّا بِدَواءِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ". فَإنَّ هَذا الدَّواءَ مُرَكَّبٌ مِن سِتَّةِ أجْزاءٍ (١) عُبُودِيَّةِ اللَّهِ لا غَيْرِهِ (٢) بِأمْرِهِ وشَرْعِهِ (٣) لا بِالهَوى (٤) ولا بِآراءِ الرِّجالِ وأوْضاعِهِمْ، ورُسُومِهِمْ، وأفْكارِهِمْ (٥) بِالِاسْتِعانَةِ عَلى عُبُودِيَّتِهِ بِهِ (٦) لا بِنَفْسِ العَبْدِ وقُوَّتِهِ وحَوْلِهِ ولا بِغَيْرِهِ. فَهَذِهِ هي أجْزاءُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَإذا رَكَّبَها الطَّبِيبُ اللَّطِيفُ، العالِمُ بِالمَرَضِ، واسْتَعْمَلَها المَرِيضُ، حَصَلَ بِها الشِّفاءُ التّامُّ، وما نَقَصَ مِنَ الشِّفاءِ فَهو لِفَواتِ جُزْءٍ مِن أجْزائِها، أوِ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ. ثُمَّ إنَّ القَلْبَ يَعْرِضُ لَهُ مَرَضانِ عَظِيمانِ، إنْ لَمْ يَتَدارَكْهُما العَبْدُ تَرامَيا بِهِ إلى التَّلَفِ ولا بُدَّ، وهُما الرِّياءُ، والكِبْرُ، فَدَواءُ الرِّياءِ بِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ودَواءُ الكِبْرِ بِ ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وَكَثِيرًا ما كُنْتُ أسْمَعُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] تَدْفَعُ الرِّياءَ ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] تَدْفَعُ الكِبْرِياءَ. فَإذا عُوفِيَ مِن مَرَضِ الرِّياءِ بِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ومِن مَرَضِ الكِبْرِياءِ والعُجْبِ بِ ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ومِن مَرَضِ الضَّلالِ والجَهْلِ بِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] عُوفِيَ مِن أمْراضِهِ وأسْقامِهِ، ورَفَلَ في أثْوابِ العافِيَةِ، وتَمَّتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ، وكانَ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهم أهْلُ فَسادِ القَصْدِ، الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ وعَدَلُوا عَنْهُ والضّالِّينَ وهم أهْلُ فَسادِ العِلْمِ، الَّذِينَ جَهِلُوا الحَقَّ ولَمْ يَعْرِفُوهُ. وَحُقَّ لِسُورَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى هَذَيْنِ الشِفاءَيْنِ أنْ يُسْتَشْفى بِها مِن كُلِّ مَرَضٍ، ولِهَذا لَمّا اشْتَمَلَتْ عَلى هَذا الشِّفاءِ الَّذِي هو أعْظَمُ الشِفاءَيْنِ، كانَ حُصُولُ الشِّفاءِ الأدْنى بِها أوْلى، كَما سَنُبَيِّنُهُ، فَلا شَيْءَ أشَفى لِلْقُلُوبِ الَّتِي عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ وكَلامِهِ، وفَهِمَتْ عَنْهُ فَهْمًا خاصًّا، اخْتَصَّها بِهِ مِن مَعْنى هَذِهِ السُّورَةِ. وَسَنُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَضَمُّنَها لِلرَّدِّ عَلى جَمِيعِ أهْلِ البِدَعِ بِأوْضَحِ البَيانِ وأحْسَنِ الطُّرُقِ. [تَضَمُّنُها لِشِفاءِ الأبْدانِ] وَأمّا تَضَمُّنُها لِشِفاءِ الأبْدانِ فَنَذْكُرُ مِنهُ ما جاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وما شَهِدَتْ بِهِ قَواعِدُ الطِّبِّ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ. فَأمّا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ: فَفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي المُتَوَكِّلِ النّاجِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَلَمْ يُقْرُوهُمْ، ولِمَ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ الحَيِّ، فَأتَوْهُمْ، فَقالُوا: هَلْ عِنْدَكم مِن رُقْيَةٍ، أوَ هَلْ فِيكم مِن راقٍ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، ولَكِنَّكم لَمْ تُقِرُّونا، فَلا نَفْعَلُ حَتّى تَجْعَلُوا لَنا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهم عَلى ذَلِكَ قَطِيعًا مِنَ الغَنَمِ، فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنّا يَقْرَأُ عَلَيْهِ بِفاتِحَةِ الكِتابِ، فَقامَ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ قَلْبَةٌ، فَقُلْنا: لا تَعْجَلُوا حَتّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأتَيْناهُ، فَذَكَرْنا لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: ما يُدْرِيكَ أنَّها رُقْيَةٌ؟ كُلُوا، واضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ.» فَقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الحَدِيثُ حُصُولَ شِفاءِ هَذا اللَّدِيغِ بِقِراءَةِ الفاتِحَةِ عَلَيْهِ، فَأغْنَتْهُ عَنِ الدَّواءِ، ورُبَّما بَلَغَتْ مِن شِفائِهِ ما لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّواءُ. هَذا مَعَ كَوْنِ المَحَلِّ غَيْرَ قابِلٍ، إمّا لِكَوْنِ هَؤُلاءِ الحَيِّ غَيْرَ مُسْلِمِينَ، أوْ أهْلَ بُخْلٍ ولُؤْمٍ، فَكَيْفَ إذا كانَ المَحَلُّ قابِلًا. (فَصْلٌ) وَأمّا شَهادَةُ قَواعِدِ الطِّبِّ بِذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ اللَّدْغَةَ تَكُونُ مِن ذَواتِ الحُماتِ والسُّمُومِ، وهي ذَواتُ الأنْفُسِ الخَبِيثَةِ الَّتِي تَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ غَضَبِيَّةٍ، تُثِيرُ فِيها سُمِيَّةً نارِيَّةً، يَحْصُلُ بِها اللَّدْغُ، وهي مُتَفاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفاوُتِ خُبْثِ تِلْكَ النُّفُوسِ وقُوَّتِها وكَيْفِيَّتِها، فَإذا تَكَيَّفَتْ أنْفُسُها الخَبِيثَةُ بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ الغَضَبِيَّةِ أحْدَثَ لَها ذَلِكَ طَبِيعَةً سُمِّيَّةً، تَجِدُ راحَةً ولَذَّةً في إلْقائِها إلى المَحَلِّ القابِلِ، كَما يَجِدُ الشِّرِّيرُ مِنَ النّاسِ راحَةً ولَذَّةً في إيصالِ شَرِّهِ إلى مَن يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ لا يَهْنَأُ لَهُ عَيْشٌ في يَوْمٍ لا يُؤْذِي فِيهِ أحَدًا مِن بَنِي جِنْسِهِ، ويَجِدُ في نَفْسِهِ تَأذِّيًا بِحَمْلِ تِلْكَ السُّمِّيَّةِ والشَّرِّ الَّذِي فِيهِ، حَتّى يُفَرِّغَهُ في غَيْرِهِ، فَيَبْرُدَ عِنْدَ ذَلِكَ أنِينُهُ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ، ويُصِيبُهُ في ذَلِكَ نَظِيرُ ما يُصِيبُ مَنِ اشْتَدَّتْ شَهْوَتُهُ إلى الجِماعِ، فَيَسُوءُ خُلُقُهُ، وتَثْقُلُ نَفْسُهُ حَتّى يَقْضِيَ وطَرَهُ، هَذا في قُوَّةِ الشَّهْوَةِ، وذاكَ في قُوَّةِ الغَضَبِ. وَقَدْ أقامَ اللَّهُ تَعالى بِحِكْمَتِهِ السُّلْطانَ وازِعًا لِهَذِهِ النُّفُوسِ الغَضَبِيَّةِ، فَلَوْلا هو لَفَسَدَتِ الأرْضُ وخَرِبَتْ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] وأباحَ اللَّهُ بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ لِهَذِهِ النُّفُوسِ مِنَ الأزْواجِ ومِلْكِ اليَمِينِ ما يَكْسِرُ حِدَّتَها. والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ الغَضَبِيَّةَ إذا اتَّصَلَتْ بِالمَحَلِّ القابِلِ أثَّرَتْ فِيهِ، ومِنها ما يُؤَثِّرُ في المَحِلِّ بِمُجَرَّدِ مُقابَلَتِهِ لَهُ، وإنْ لَمْ يَمَسَّهُ، فَمِنها ما يَطْمِسُ البَصَرَ، ويُسْقِطُ الحَبَلَ. وَمِن هَذا نَظَرُ العائِنِ، فَإنَّهُ إذا وقَعَ بَصَرُهُ عَلى المَعِينِ حَدَثَتْ في نَفْسِهِ كَيْفِيَّةٌ سُمِّيَّةٌ أثَّرَتْ في المَعِينِ بِحَسَبِ عَدَمِ اسْتِعْدادِهِ، وكَوْنِهِ أعْزَلَ مِنَ السِّلاحِ، وبِحَسَبِ قُوَّةِ تِلْكَ النَّفْسِ، وكَثِيرٌ مِن هَذِهِ النُّفُوسِ يُؤَثِّرُ في المَعِينِ إذا وُصِفَ لَهُ، فَتَتَكَيَّفُ نَفْسُهُ وتُقابِلُهُ عَلى البُعْدِ فَيَتَأثَّرُ بِهِ، ومُنْكِرُ هَذا لَيْسَ مَعْدُودًا مِن بَنِي آدَمَ إلّا بِالصُّورَةِ والشَّكْلِ، فَإذا قابَلَتِ النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ العَلَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ الَّتِي فِيها غَضَبٌ وحَمِيَّةٌ لِلْحَقِّ هَذِهِ النُّفُوسَ الخَبِيثَةَ السُّمِّيَّةَ، وتَكَيَّفَتْ بِحَقائِقِ الفاتِحَةِ وأسْرارِها ومَعانِيها، وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ، والثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وذِكْرِ أُصُولِ أسْمائِهِ الحُسْنى، وذِكْرِ اسْمِهِ الَّذِي ما ذُكِرَ عَلى شَرٍّ إلّا أزالَهُ ومَحَقَهُ، ولا عَلى خَيْرٍ إلّا نَمّاهُ وزادَهُ، دَفَعَتْ هَذِهِ النَّفْسُ بِما تَكَيَّفَتْ بِهِ مِن ذَلِكَ أثَرَ تِلْكَ النَّفْسِ الخَبِيثَةِ الشَّيْطانِيَّةِ، فَحَصَلَ البُرْءُ، فَإنَّ مَبْنى الشِّفاءِ والبُرْءِ عَلى دَفْعِ الضِّدِّ بِضِدِّهِ، وحِفْظِ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ، فالصِّحَّةُ تُحْفَظُ بِالمِثْلِ، والمَرَضُ يُدْفَعُ بِالضِّدِّ، أسْبابٌ رَبَطَها بِمُسَبِّباتِها الحَكِيمُ العَلِيمُ خَلْقًا وأمْرًا، ولا يَتِمُّ هَذا إلّا بِقُوَّةٍ مِنَ النَّفْسِ الفاعِلَةِ، وقَبُولٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ المُنْفَعِلَةِ، فَلَوْ لَمْ تَنْفَعِلْ نَفْسُ المَلْدُوغِ لِقَبُولِ الرُّقْيَةِ، ولَمْ تَقْوَ نَفْسُ الرّاقِي عَلى التَّأْثِيرِ، لَمْ يَحْصُلِ البُرْءُ. فَهُنا أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: مُوافَقَةُ الدَّواءِ لِلدّاءِ، وبَذْلُ الطَّبِيبِ لَهُ، وقَبُولُ طَبِيعَةِ العَلِيلِ، فَمَتى تَخَلَّفَ واحِدٌ مِنها لَمْ يَحْصُلِ الشِّفاءُ، وإذا اجْتَمَعَتْ حَصَلَ الشِّفاءُ ولا بُدَّ بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. وَمَن عَرَفَ هَذا كَما يَنْبَغِي تَبَيَّنَ لَهُ أسْرارُ الرُّقى، ومَيَّزَ بَيْنَ النّافِعِ مِنها وغَيْرِهِ، ورَقى الدّاءَ بِما يُناسِبُهُ مِنَ الرُّقى، وتَبَيَّنَ لَهُ أنَّ الرُّقْيَةَ بِراقِيها وقَبُولِ المَحَلِّ، كَما أنَّ السَّيْفَ بِضارِبِهِ مَعَ قَبُولِ المَحَلِّ لِلْقَطْعِ، وهَذِهِ إشارَةٌ مُطْلِعَةٌ عَلى ما وراءَها لِمَن دَقَّ نَظَرُهُ، وحَسُنَ تَأمُّلُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَأمّا شَهادَةُ التَّجارِبِ بِذَلِكَ فَهي أكْثَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ، وذَلِكَ في كُلِّ زَمانٍ، وقَدْ جَرَّبْتُ أنا مِن ذَلِكَ في نَفْسِي وفي غَيْرِي أُمُورًا عَجِيبَةً، ولا سِيَّما مُدَّةَ المُقامِ بِمَكَّةَ، فَإنَّهُ كانَ يَعْرِضُ لِي آلامٌ مُزْعِجَةٌ، بِحَيْثُ تَكادُ تَقْطَعُ الحَرَكَةَ مِنِّي، وذَلِكَ في أثْناءِ الطَّوافِ وغَيْرِهِ، فَأُبادِرُ إلى قِراءَةِ الفاتِحَةِ، وأمْسَحُ بِها عَلى مَحَلِّ الألَمِ فَكَأنَّهُ حَصاةٌ تَسْقُطُ، جَرَّبْتُ ذَلِكَ مِرارًا عَدِيدَةً، وكُنْتُ آخُذُ قَدَحًا مِن ماءِ زَمْزَمٍ فَأقْرَأُ عَلَيْهِ الفاتِحَةَ مِرارًا، فَأشْرَبُهُ فَأجِدُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ والقُوَّةِ ما لَمْ أعْهَدْ مِثْلَهُ في الدَّواءِ، والأمْرُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، ولَكِنْ بِحَسَبِ قُوَّةِ الإيمانِ، وصِحَّةِ اليَقِينِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ: في اشْتِمالِ الفاتِحَةِ عَلى الرَّدِّ عَلى جَمِيعِ المُبْطِلِينَ مِن أهْلِ المِلَلِ والنِّحَلِ، والرَّدِّ عَلى أهْلِ البِدَعِ والضَّلالِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ] وَهَذا يُعْلَمُ بِطَرِيقَيْنِ، مُجْمَلٍ ومُفَصَّلٍ: أمّا المُجْمَلُ: فَهو أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مُتَضَمِّنٌ مَعْرِفَةَ الحَقِّ، وإيثارَهُ، وتَقْدِيمَهُ عَلى غَيْرِهِ، ومَحَبَّتَهُ والِانْقِيادَ لَهُ، والدَّعْوَةَ إلَيْهِ، وجِهادَ أعْدائِهِ بِحَسَبِ الإمْكانِ. والحَقُّ: هو ما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ، وما جاءَ بِهِ عِلْمًا وعَمَلًا في بابِ صِفاتِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وأسْمائِهِ وتَوْحِيدِهِ، وأمْرِهِ ونَهْيِهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وفي حَقائِقِ الإيمانِ، الَّتِي هي مَنازِلُ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ذَلِكَ مُسَلَّمٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دُونَ آراءِ الرِّجالِ وأوْضاعِهِمْ وأفْكارِهِمْ واصْطِلاحاتِهِمْ. فَكُلُّ عِلْمٍ أوْ عَمَلٍ أوْ حَقِيقَةٍ، أوْ حالٍ أوْ مَقامٍ خَرَجَ مِن مِشْكاةِ نُبُوَّتِهِ، وعَلَيْهِ السِّكَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ، بِحَيْثُ يَكُونُ مِن ضَرْبِ المَدِينَةِ، فَهو مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو مِن صِراطِ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ، فَما ثَمَّ خُرُوجٌ عَنْ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثِ: طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ وما جاءَ بِهِ، وطَرِيقِ أهْلِ الغَضَبِ، وهي طَرِيقُ مَن عَرَفَ الحَقَّ وعانَدَهُ، وطَرِيقِ أهْلِ الضَّلالِ وهي طَرِيقُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولِهَذا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: " الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو الإسْلامُ "، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: " هو القُرْآنُ "، وفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ في التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: " طَرِيقُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ "، وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ: " طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". وَلا رَيْبَ أنَّ ما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ عِلْمًا وعَمَلًا وهو مَعْرِفَةُ الحَقِّ وتَقْدِيمُهُ، وإيثارُهُ عَلى غَيْرِهِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. وَكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ دالَّةٌ عَلَيْهِ جامِعَةٌ لَهُ. فَبِهَذا الطَّرِيقِ المُجْمَلِ يُعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما خالَفَهُ فَباطِلٌ، وهو مِن صِراطِ الأُمَّتَيْنِ: الأُمَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وأُمَّةِ أهْلِ الضَّلالِ. [فَصْل] وَأمّا المُفَصَّلُ: فَبِمَعْرِفَةِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ، واشْتِمالِ كَلِماتِ الفاتِحَةِ عَلى إبْطالِها، فَنَقُولُ: النّاسُ قِسْمانِ: مُقِرٌّ بِالحَقِّ تَعالى، وجاحِدٌ لَهُ، فَتَضَمَّنَتِ الفاتِحَةُ إثْباتَ الخالِقِ تَعالى، والرَّدَّ عَلى مَن جَحَدَهُ، بِإثْباتِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ. وَتَأمَّلْ حالَ العالَمِ كُلِّهِ، عُلْوِيِّهِ وسُفْلِيِّهِ، بِجَمِيعِ أجْزائِهِ: تَجِدُهُ شاهِدًا بِإثْباتِ صانِعِهِ وفاطِرِهِ ومَلِيكِهِ، فَإنْكارُ صانِعِهِ وجَحْدُهُ في العُقُولِ والفِطَرِ بِمَنزِلَةِ إنْكارِ العِلْمِ وجَحْدِهِ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما، بَلْ دِلالَةُ الخالِقِ عَلى المَخْلُوقِ، والفَعّالِ عَلى الفِعْلِ، والصّانِعِ عَلى أحْوالِ المَصْنُوعِ عِنْدَ العُقُولِ الزَّكِيَّةِ المُشْرِقَةِ العُلْوِيَّةِ، والفِطَرِ الصَّحِيحَةِ أظْهَرُ مِنَ العَكْسِ. فالعارِفُونَ أرْبابُ البَصائِرِ يَسْتَدِلُّونَ بِاللَّهِ عَلى أفْعالِهِ وصُنْعِهِ، إذا اسْتَدَلَّ النّاسُ بِصُنْعِهِ وأفْعالِهِ عَلَيْهِ، ولا رَيْبَ أنَّهُما طَرِيقانِ صَحِيحانِ، كُلٌّ مِنهُما حَقٌّ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِما. فَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالصَّنْعَةِ فَكَثِيرٌ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالصّانِعِ فَلَهُ شَأْنٌ، وهو الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ بِقَوْلِهِمْ لِأُمَمِهِمْ ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] أيْ أيُشَكُّ في اللَّهِ حَتّى يُطْلَبَ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى وُجُودِهِ؟ وأيُّ دَلِيلٍ أصَحُّ وأظْهَرُ مِن هَذا المَدْلُولِ؟ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلى الأظْهَرِ بِالأخْفى؟ ثُمَّ نَبَّهُوا عَلى الدَّلِيلِ بِقَوْلِهِمْ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: كَيْفَ يُطْلَبُ الدَّلِيلُ عَلى مَن هو دَلِيلٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟ وكانَ كَثِيرًا ما يَتَمَثَّلُ بِهَذا البَيْتِ: ؎وَلَيْسَ يَصِحُّ في الأذْهانِ شَيْءٌ ∗∗∗ إذا احْتاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلٍ وَمَعْلُومٌ أنَّ وُجُودَ الرَّبِّ تَعالى أظْهَرُ لِلْعُقُولِ والفِطَرِ مِن وُجُودِ النَّهارِ، ومَن لَمْ يَرَ ذَلِكَ في عَقْلِهِ وفِطْرَتِهِ فَلْيَتَّهِمْهُما. وَإذا بَطَلَ قَوْلُ هَؤُلاءِ بَطَلَ قَوْلُ أهْلِ الإلْحادِ، القائِلِينَ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ، وأنَّهُ ما ثَمَّ وُجُودٌ قَدِيمٌ خالِقٌ ووُجُودٌ حادِثٌ مَخْلُوقٌ، بَلْ وُجُودُ هَذا العالَمِ هو عَيْنُ وُجُودِ اللَّهِ، وهو حَقِيقَةُ وُجُودِ هَذا العالَمِ، فَلَيْسَ عِنْدَ القَوْمِ رَبٌّ وعَبْدٌ، ولا مالِكٌ ومَمْلُوكٌ، ولا راحِمٌ ومَرْحُومٌ، ولا عابِدٌ ومَعْبُودٌ، ولا مُسْتَعِينٌ ومُسْتَعانٌ بِهِ، ولا هادٍ ولا مَهْدِيٌّ، ولا مُنْعِمٌ ولا مُنْعَمٌ عَلَيْهِ، ولا غَضْبانُ ومَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، بَلِ الرَّبُّ هو نَفْسُ العَبْدِ وحَقِيقَتُهُ، والمالِكُ هو عَيْنُ المَمْلُوكِ، والرّاحِمُ هو عَيْنُ المَرْحُومِ، والعابِدُ هو نَفْسُ المَعْبُودِ، وإنَّما التَّغايُرُ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ بِحَسَبِ مَظاهِرِ الذّاتِ وتَجَلِّيّاتِها، فَتَظْهَرُ تارَةً في صُورَةِ مَعْبُودٍ، كَما ظَهَرَتْ في صُورَةِ فِرْعَوْنَ، وفي صُورَةِ عَبْدٍ، كَما ظَهَرَتْ في صُورَةِ العَبِيدِ، وفي صُورَةِ هادٍ، كَما في صُورَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ والعُلَماءِ، والكُلُّ مِن عَيْنٍ واحِدَةٍ، بَلْ هو العَيْنُ الواحِدَةُ، فَحَقِيقَةُ العابِدِ ووُجُودُهُ أوْ أنِّيَّتُهُ: هي حَقِيقَةُ المَعْبُودِ ووُجُودُهُ وأنِّيَّتُهُ. والفاتِحَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تُبَيِّنُ بُطْلانَ قَوْلِ هَؤُلاءِ المَلاحِدَةِ وضَلالَهم. [فَصْلٌ: في تَضَمُّنِها الرَّدَّ عَلى الجَهْمِيَّةِ مُعَطِّلَةِ الصِّفاتِ] وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: مِن قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] فَإنَّ إثْباتَ الحَمْدِ الكامِلِ لَهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ كُلِّ ما يُحْمَدُ عَلَيْهِ، مِن صِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتِ جَلالِهِ، إذْ مَن عُدِمَ صِفاتِ الكَمالِ فَلَيْسَ بِمَحْمُودٍ عَلى الإطْلاقِ، وغايَتُهُ: أنَّهُ مَحْمُودٌ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، ولا يَكُونُ مَحْمُودًا بِكُلِّ وجْهٍ، وَبِكُلِّ اعْتِبارٍ، بِجَمِيعِ أنْواعِ الحَمْدِ إلّا مَنِ اسْتَوْلى عَلى صِفاتِ الكَمالِ جَمِيعِها، فَلَوْ عُدِمَ مِنها صِفَةً واحِدَةً لَنَقَصَ مِن حَمْدِهِ بِحَسَبِها. وَكَذَلِكَ في إثْباتِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ لَهُ ما يَتَضَمَّنُ إثْباتَ الصِّفاتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُها مِنَ الحَياةِ، والإرادَةِ والقُدْرَةِ، والسَّمْعِ والبَصَرِ، وغَيْرِها. وَكَذَلِكَ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ تَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ صِفاتِ الفِعْلِ وصِفَةُ الإلَهِيَّةِ تَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ أوْصافِ الكَمالِ ذاتًا وأفْعالًا، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. فَكَوْنُهُ مَحْمُودًا إلَهًا رَبًّا، رَحْمانًا رَحِيمًا، مَلِكًا مَعْبُودًا، مُسْتَعانًا، هادِيًا مُنْعِمًا، يَرْضى ويَغْضَبُ مَعَ نَفْيِ قِيامِ الصِّفاتِ بِهِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وهو مَن أمْحَلِ المُحالَ. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ تَتَضَمَّنُ إثْباتَ الصِّفاتِ الخَبَرِيَّةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن لَوازِمِ كَمالِهِ المُطْلَقِ، فَإنَّ اسْتِواءَهُ عَلى عَرْشِهِ مِن لَوازِمِ عُلُوِّهِ، ونُزُولَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا في نِصْفِ اللَّيْلِ الثّانِي مِن لَوازِمِ رَحْمَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، وهَكَذا سائِرُ الصِّفاتِ الخَبَرِيَّةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ السَّمْعَ ورَدَ بِها، ثَناءً عَلى اللَّهِ ومَدْحًا لَهُ، وتَعَرُّفًا مِنهُ إلى عِبادِهِ بِها، فَجَحْدُها وتَحْرِيفُها عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وعَمّا أُرِيدَ بِها مُناقِضٌ لِما جاءَتْ بِهِ، فَلَكَ أنْ تَسْتَدِلَّ بِطَرِيقِ السَّمْعِ عَلى أنَّها كَمالٌ، وأنْ تَسْتَدِلَّ بِالعَقْلِ كَما تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ: في تَضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى الجَبْرِيَّةِ] وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: مِن إثْباتِ عُمُومِ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يُعاقِبَ عَبِيدَهُ عَلى ما لا قُدْرَةَ لَهم عَلَيْهِ، ولا هو مِن فِعْلِهِمْ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ ألْوانِهِمْ، وطُولِهِمْ وقِصَرِهِمْ، بَلْ هو يُعاقِبُهم عَلى نَفْسِ فِعْلِهِ بِهِمْ، فَهو الفاعِلُ لِقَبائِحِهِمْ في الحَقِيقَةِ، وهو المُعاقِبُ لَهم عَلَيْها، فَحَمْدُهُ عَلَيْها يَأْبى ذَلِكَ أشَدَّ الإباءِ، ويَنْفِيهِ أعْظَمَ النَّفْيِ، فَتَعالى مَن لَهُ الحَمْدُ كُلُّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ إنَّما يُعاقِبُهم عَلى نَفْسِ أفْعالِهِمُ الَّتِي فَعَلُوها حَقِيقَةً، فَهي أفْعالُهم لا أفْعالُهُ، وإنَّما أفْعالُهُ العَدْلُ، والإحْسانُ والخَيْراتُ. الوَجْهُ الثّانِي: إثْباتُ رَحْمَتِهِ ورَحْمانِيَّتِهِ يَنْفِي ذَلِكَ إذْ لا يُمْكِنُ اجْتِماعُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ قَطُّ أنْ يَكُونَ رَحْمانًا رَحِيمًا ويُعاقِبُ العَبْدَ عَلى ما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، ولا هو مِن فِعْلِهِ، بَلْ يُكَلِّفُهُ ما لا يُطِيقُهُ، ولا لَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ ألْبَتَّةَ، ثُمَّ يُعاقِبُهُ عَلَيْهِ، وهَلْ هَذا إلّا ضِدُّ الرَّحْمَةِ، ونَقْضٌ لَها وإبْطالٌ؟ وهَلْ يَصِحُّ في مَعْقُولِ أحَدٍ اجْتِماعُ ذَلِكَ والرَّحْمَةِ التّامَّةِ الكامِلَةِ في ذاتٍ واحِدَةٍ؟ الوَجْهُ الثّالِثُ: إثْباتُ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ لَهُمْ، ونِسْبَتُها إلَيْهِمْ، بِقَوْلِهِمْ " نَعْبُدُ، ونَسْتَعِينُ " وهي نِسْبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لا مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ لا يَصِحُّ وصْفُهُ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ الَّتِي هي مِن أفْعالِ عَبِيدِهِ، بَلِ العَبْدُ حَقِيقَةً هو العابِدُ المُسْتَعِينُ، واللَّهُ هو المَعْبُودُ المُسْتَعانُ بِهِ. [فَصْلٌ: في بَيانِ تُضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى القائِلِينَ بِالمُوجَبِ بِالذّاتِ دُونَ الِاخْتِيارِ والمَشِيئَةِ، وبَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ] وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: مِن إثْباتِ حَمْدِهِ، إذْ كَيْفَ يُحْمَدُ عَلى ما لَيْسَ مُخْتارًا لِوُجُودِهِ، ولا هو بِمَشِيئَتِهِ وفِعْلِهِ؟ وهَلْ يَصِحُّ حَمْدُ الماءِ عَلى آثارِهِ ومُوجَباتِهِ؟ أوِ النّارِ والحَدِيدِ وغَيْرِها في عَقْلٍ أوْ فِطْرَةٍ؟ وإنَّما يُحْمَدُ الفاعِلُ المُخْتارُ بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ عَلى أفْعالِهِ الحَمِيدَةِ، هَذا الَّذِي لَيْسَ يَصِحُّ في العُقُولِ والفِطَرِ سِواهُ، فَخِلافُهُ خارِجٌ عَنِ الفِطْرَةِ والعَقْلِ وهو لا يُنْكِرُ خُرُوجَهُ عَنِ الشَّرائِعِ والنُّبُوّاتِ، بَلْ يَتَبَجَّحُ بِذَلِكَ ويَعُدُّهُ فَخْرًا. الثّانِي: إثْباتُ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى يَقْتَضِي فِعْلَهُ بِمَشِيئَتِهِ واخْتِيارِهِ، وتَدْبِيرِهِ وقُدْرَتِهِ، ولَيْسَ يَصِحُّ في عَقْلٍ ولا فِطْرَةٍ رُبُوبِيَّةُ الشَّمْسِ لِضَوْئِها، والماءِ لِتَبْرِيدِهِ، ولِلنَّباتِ الحاصِلِ بِهِ، ولا رُبُوبِيَّةُ شَيْءٍ أبَدًا لِما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ ألْبَتَّةَ، وهَلْ هَذا إلّا تَصْرِيحٌ بِجَحْدِ الرُّبُوبِيَّةِ؟ فالقَوْمُ كَنَّوْا لِلْأغْمارِ، وصَرَّحُوا لِأُولِي الأفْهامِ. الثّالِثُ: إثْباتُ مِلْكِهِ، وحُصُولُ مِلْكٍ لِمَن لا اخْتِيارَ لَهُ ولا فِعْلَ ولا مَشِيئَةَ غَيْرُ مَعْقُولٍ، بَلْ كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهُ مَشِيئَةٌ واخْتِيارٌ وفِعْلٌ أتَمُّ مِن هَذا المَلِكِ وأكْمَلُ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]. الرّابِعُ: مِن كَوْنِهِ مُسْتَعانًا، فَإنَّ الِاسْتِعانَةَ بِمَن لا اخْتِيارَ لَهُ ولا مَشِيئَةَ ولا قُدْرَةَ مُحالٌ. الخامِسُ: مِن كَوْنِهِ مَسْئُولًا أنْ يَهْدِيَ عِبادَهُ، فَسُؤالُ مَن لا اخْتِيارَ لَهُ مُحالٌ، وكَذَلِكَ مِن كَوْنِهِ مُنْعِمًا. [فَصْلٌ: في تَضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى مُنْكِرِي تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالجُزْئِيّاتِ] وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: كَمالُ حَمْدِهِ، وكَيْفَ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مَن لا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ العالَمِ وأحْوالِهِ وتَفاصِيلِهِ، ولا عَدَدَ الأفْلاكِ، ولا عَدَدَ النُّجُومِ، ولا مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، ولا مَن يَدْعُوهُ مِمَّنْ لا يَدْعُوهُ؟ الثّانِي: أنَّ هَذا مُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ إلَهًا، وأنْ يَكُونَ رَبّا، فَلا بُدَّ لِلْإلَهِ المَعْبُودِ، والرَّبِّ المُدَبِّرِ، مِن أنْ يَعْلَمَ عابِدَهُ، ويَعْلَمَ حالَهُ. الثّالِثُ: مِن إثْباتِ رَحْمَتِهِ، فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَرْحَمَ مَن لا يَعْلَمُ. الرّابِعُ: إثْباتُ مِلْكِهِ، فَإنَّ مَلِكًا لا يَعْرِفُ أحَدًا مِن رَعِيَّتِهِ ألْبَتَّةَ، ولا شَيْئًا مِن أحْوالِ مَمْلَكَتِهِ ألْبَتَّةَ، لَيْسَ بِمَلِكٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. الخامِسُ: كَوْنُهُ مُسْتَعانًا. السّادِسُ: كَوْنُهُ مَسْئُولًا أنْ يَهْدِيَ سائِلَهُ ويُجِيبَهُ. السّابِعُ: كَوْنُهُ هادِيًا. الثّامِنُ: كَوْنُهُ مُنْعِمًا. التّاسِعُ: كَوْنُهُ غَضْبانَ عَلى مَن خالَفَهُ. العاشِرُ: كَوْنُهُ مُجازِيًا، يَدِينُ النّاسَ بِأعْمالِهِمْ يَوْمَ الدِّينِ. فَنَفْيُ عِلْمِهِ بِالجُزْئِيّاتِ مُبْطِلٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ. [فَصْلٌ في بَيانِ تَضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى مُنْكِرِي النُّبُوّاتِ] وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: إثْباتُ حَمْدِهِ التّامِّ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي كَمالَ حِكْمَتِهِ، وأنْ لا يَخْلُقَ خَلْقَهُ عَبَثًا، ولا يَتْرُكَهم سُدًى، لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، ولِذَلِكَ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، وأخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ الرِّسالَةَ والنُّبُوَّةَ وأنْ يَكُونَ ما أُنْزِلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ فَإنَّهُ ما عَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، ولا عَظَّمَهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، ولا قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، بَلْ نَسَبَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، ويَأْباهُ حَمْدُهُ ومَجْدُهُ. فَمَن أعْطى الحَمْدَ حَقَّهُ عِلْمًا ومَعْرِفَةً وبَصِيرَةً اسْتَنْبَطَ مِنهُ " أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " كَما يَسْتَنْبِطُ مِنهُ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وعَلِمَ قَطْعًا أنَّ تَعْطِيلَ النُّبُوّاتِ في مُنافاتِهِ لِلْحَمْدِ، كَتَعْطِيلِ صِفاتِ الكَمالِ، وكَإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ. الثّانِي: إلَهِيَّتُهُ، وكَوْنُهُ إلَهًا، فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ مَعْبُودًا مُطاعًا، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ ما يُعْبَدُ بِهِ ويُطاعُ إلّا مِن جِهَةِ رُسُلِهِ. الثّالِثُ: كَوْنُهُ رَبًّا، فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي أمْرَ العِبادِ ونَهْيَهُمْ، وجَزاءَ مُحْسِنِهِمْ بِإحْسانِهِ، ومُسِيئِهِمْ بِإساءَتِهِ، هَذا حَقِيقَةُ الرُّبُوبِيَّةِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ. الرّابِعُ: كَوْنُهُ رَحْمانًا رَحِيمًا، فَإنَّ مِن كَمالِ رَحْمَتِهِ أنْ يُعَرِّفَ عِبادَهُ نَفْسَهُ وصِفاتِهِ ويَدُلَّهم عَلى ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ، ويُباعِدُهم مِنهُ، ويُثِيبَهم عَلى طاعَتِهِ، ويَجْزِيَهم بِالحُسْنى، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، فَكانَتْ رَحْمَتُهُ مُقْتَضِيَةً لَها. الخامِسُ: مِلْكُهُ، فَإنَّ المِلْكَ يَقْتَضِي التَّصَرُّفَ بِالقَوْلِ، كَما أنَّ المِلْكَ يَقْتَضِي التَّصَرُّفَ بِالفِعْلِ، فالمَلِكُ هو المُتَصَرِّفُ بِأمْرِهِ وقَوْلِهِ، فَتَنْفُذُ أوامِرُهُ ومَراسِيمُهُ حَيْثُ شاءَ، والمالِكُ هو المُتَصَرِّفُ في مُلْكِهِ بِفِعْلِهِ، واللَّهُ لَهُ المُلْكُ، ولَهُ المِلْكُ، فَهو المُتَصَرِّفُ في خَلْقِهِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ. وَتَصَرُّفُهُ بِقَوْلِهِ نَوْعانِ: تَصَرُّفٌ بِكَلِماتِهِ الكَوْنِيَّةِ، وتَصَرُّفٌ بِكَلِماتِهِ الدِّينِيَّةِ، وكَمالُ المُلْكِ بِهِما. فَإرْسالُ الرُّسُلِ مُوجَبُ كَمالِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، وهَذا هو المُلْكُ المَعْقُولُ في فِطَرِ النّاسِ وعُقُولِهِمْ، فَكُلُّ مَلِكٍ لا تَكُونُ لَهُ رُسُلٌ يَبُثُّهم في أقْطارِ مَمْلَكَتِهِ فَلَيْسَ بِمَلِكٍ. وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يُعْلَمُ وُجُودُ مَلائِكَتِهِ، وأنَّ الإيمانَ بِهِمْ مِن لَوازِمِ الإيمانِ بِمُلْكِهِ، فَإنَّهم رُسُلُ اللَّهِ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ. السّادِسُ: " ثُبُوتُ يَوْمِ " الدِّينِ وهو يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي يَدِينُ اللَّهُ فِيهِ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ خَيْرًا وشَرًّا، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، وقِيامِ الحُجَّةِ الَّتِي بِسَبَبِها يُدانُ المُطِيعُ والعاصِي. السّابِعُ: كَوْنُهُ مَعْبُودًا، فَإنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا بِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، ولا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ إلّا مِن جِهَةِ رُسُلِهِ، فَإنْكارُ رُسُلِهِ إنْكارٌ لِكَوْنِهِ مَعْبُودًا. الثّامِنُ: كَوْنُهُ هادِيًا إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وهو مَعْرِفَةُ الحَقِّ والعَمَلُ بِهِ، وهو أقْرَبُ الطُّرُقِ المُوَصِّلَةِ إلى المَطْلُوبِ، فَإنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ: هو أقْرَبُ خَطٍّ مُوَصِّلٍ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ، وذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ، فَتَوَقُّفُهُ عَلى الرُّسُلِ ضَرُورِيٌّ، أعْظَمُ مِن تَوَقُّفِ الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ عَلى سَلامَةِ الحَواسِ. التّاسِعُ: كَوْنُهُ مُنْعِمًا عَلى أهْلِ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ: فَإنَّ إنْعامَهُ عَلَيْهِمْ إنَّما تَمَّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وجَعْلِهِمْ قابِلِينَ الرِّسالَةَ، مُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ، وبِذَلِكَ ذَكَّرَهم مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ وإنْعامَهُ في كِتابِهِ. العاشِرُ: انْقِسامُ خَلْقِهِ إلى مُنْعَمٍ عَلَيْهِمْ، ومَغْضُوبٍ عَلَيْهِمْ، وضالِّينَ، فَإنَّ هَذا الِانْقِسامَ ضَرُورِيٌّ بِحَسَبِ انْقِسامِهِمْ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ، والعَمَلِ بِهِ إلى عالِمٍ بِهِ، عامِلٍ بِمُوجَبِهِ، وهم أهْلُ النِّعْمَةِ، وعالِمٍ بِهِ مُعانِدٍ لَهُ، وهم أهْلُ الغَضَبِ، وجاهِلٍ بِهِ وهُمُ الضّالُّونَ، هَذا الِانْقِسامُ إنَّما نَشَأ بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ، فَلَوْلا الرُّسُلُ لَكانُوا أُمَّةً واحِدَةً، فانْقِسامُهم إلى هَذِهِ الأقْسامِ مُسْتَحِيلٌ بِدُونِ الرِّسالَةِ، وهَذا الِانْقِسامُ ضَرُورِيٌّ بِحَسَبِ الواقِعِ، فالرِّسالَةُ ضَرُورِيَّةٌ. وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ والَّتِي قَبْلَها بَيانُ تَضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى مَن أنْكَرَ المَعادَ الجُسْمانِيَّ، وقِيامَةَ الأبْدانِ، وعَرَفْتَ اقْتِضاءَها ضَرُورَةً لِثُبُوتِ الثَّوابِ والعِقابِ والأمْرِ والنَّهْيِ وهو الحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ ولَهُ السَّماواتُ والأرْضُ والدُّنْيا والآخِرَةُ وهو مُقْتَضى الخَلْقِ والأمْرِ، ونَفْيُهُ نَفْيٌ لَهُما. [فَصْلٌ: إذا ثَبَتَتِ النُّبُوّاتُ والرِّسالَةُ ثَبَتَتْ صِفَةُ التَّكَلُّمِ والتَّكْلِيمِ] فَإنَّ حَقِيقَةَ الرِّسالَةِ تَبْلِيغُ كَلامِ المُرْسِلِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ كَلامٌ فَماذا يُبَلِّغُ الرَّسُولُ؟ بَلْ كَيْفَ يُعْقَلُ كَوْنُهُ رَسُولًا؟ ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا، أوْ يَكُونَ القُرْآنُ كَلامَهُ: فَقَدْ أنْكَرَ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ ورِسالَةَ جَمِيعِ الرُّسُلِ الَّتِي حَقِيقَتُها تَبْلِيغُ كَلامِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولِهَذا قالَ مُنْكِرُو رِسالَتِهِ ﷺ عَنِ القُرْآنِ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤] إنَّما عَنَوُا القُرْآنَ المَسْمُوعَ الَّذِي بُلِّغُوهُ، وأُنْذِرُوا بِهِ. فَمَن قالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، فَقَدْ ضاهَأ قَوْلُهُ قَوْلَهُمْ: تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. [فَصْلٌ: في بَيانِ تَضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى مَن قالَ بِقِدَمِ العالَمِ] وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: إثْباتُ حَمْدِهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ أفْعالِهِ لاسِيَّما وعامَّةُ مَوادِّ الحَمْدِ في القُرْآنِ أوْ كُلُّها إنَّما هي عَلى الأفْعالِ، وكَذَلِكَ هو هاهُنا، فَإنَّهُ حَمِدَ نَفْسَهُ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ، المُتَضَمِّنَةِ لِأفْعالِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ومِنَ المُسْتَحِيلِ مُقارَنَةُ الفِعْلِ لِفاعِلِهِ، هَذا مُمْتَنِعٌ في كُلِّ عَقْلٍ سَلِيمٍ، وفِطْرَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، فالفِعْلُ مُتَأخِّرٌ عَنْ فاعِلِهِ بِالضَّرُورَةِ. وأيْضًا فَإنَّهُ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ والتَّأْثِيرِ والقُدْرَةِ، ولا يَكُونُ مُتَعَلِّقُها قَدِيمًا ألْبَتَّةَ. الثّانِي: إثْباتُ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعالَمِينَ، وتَقْرِيرُ ما ذَكَرْناهُ، والعالَمُ كُلُّ ما سِواهُ فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ، والمَرْبُوبُ مَخْلُوقٌ بِالضَّرُورَةِ، وكُلُّ مَخْلُوقٍ حادِثٌ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، فَإذًا رُبُوبِيَّتُهُ تَعالى لِكُلِّ ما سِواهُ تَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَهُ عَلَيْهِ، وحُدُوثَ المَرْبُوبِ، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ العالَمُ قَدِيمًا وهو مَرْبُوبٌ أبَدًا، فَإنَّ القَدِيمَ مُسْتَغْنٍ بِأزَلِيَّتِهِ عَنْ فاعِلٍ لَهُ، وكُلُّ مَرْبُوبٍ فَهو فَقِيرٌ بِالذّاتِ، فَلا شَيْءَ مِنَ المَرْبُوبِ يُغْنِي ولا قَدِيمَ. الثّالِثُ: إثْباتُ تَوْحِيدِهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ مُشارَكَةِ شَيْءٍ مِنَ العالَمِ لَهُ في خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، والقُدْرَةُ مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، فالتَّوْحِيدُ يَنْفِي ثُبُوتَهُ لِغَيْرِهِ ضَرُورَةً، كَما يَنْفِي ثُبُوتَ الرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ لِغَيْرِهِ. [فَصْلٌ: في اشْتِمالِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنْواعِ التَّوْحِيدِ الثَّلاثَةِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْها الرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ] التَّوْحِيدُ نَوْعانِ: نَوْعٌ في العِلْمِ والِاعْتِقادِ، ونَوْعٌ في الإرادَةِ والقَصْدِ، ويُسَمّى الأوَّلُ: التَّوْحِيدَ العِلْمِيَّ، والثّانِي: التَّوْحِيدَ القَصْدِيَّ الإرادِيَّ، لِتَعَلُّقِ الأوَّلِ بِالأخْبارِ والمَعْرِفَةِ، والثّانِي بِالقَصْدِ والإرادَةِ، وهَذا الثّانِي أيْضًا نَوْعانِ: تَوْحِيدٌ في الرُّبُوبِيَّةِ، وتَوْحِيدٌ في الإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ. فَأمّا تَوْحِيدُ العِلْمِ: فَمَدارُهُ عَلى إثْباتِ صِفاتِ الكَمالِ، وعَلى نَفْيِ التَّشْبِيهِ والمِثالِ، والتَّنْزِيهِ عَنِ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا شَيْئانِ: مُجْمَلٌ، ومُفَصَّلٌ. أمّا المُجْمَلُ: فَإثْباتُ الحَمْدِ لَهُ سُبْحانَهُ، وأمّا المُفَصَّلُ: فَذِكْرُ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، والرَّحْمَةِ والمُلْكِ، وعَلى هَذِهِ الأرْبَعِ مَدارُ الأسْماءِ والصِّفاتِ. فَأمّا تَضَمُّنُ الحَمْدِ لِذَلِكَ: فَإنَّ الحَمْدَ يَتَضَمَّنُ مَدْحَ المَحْمُودِ بِصِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتِ جَلالِهِ، مَعَ مَحَبَّتِهِ والرِّضا عَنْهُ، والخُضُوعِ لَهُ، فَلا يَكُونُ حامِدًا مَن جَحَدَ صِفاتِ المَحْمُودِ، ولا مَن أعْرَضَ عَنْ مَحَبَّتِهِ والخُضُوعِ لَهُ، وكُلَّما كانَتْ صِفاتُ كَمالِ المَحْمُودِ أكْثَرَ كانَ حَمْدُهُ أكْمَلَ، وكُلَّما نَقَصَ مِن صِفاتِ كَمالِهِ نَقَصَ مِن حَمْدِهِ بِحَسَبِها، ولِهَذا كانَ الحَمْدُ كُلُّهُ لِلَّهِ حَمْدًا لا يُحْصِيهِ سِواهُ، لِكَمالِ صِفاتِهِ وكَثْرَتِها، ولِأجْلِ هَذا لا يُحْصِي أحَدٌ مِن خَلْقِهِ ثَناءً عَلَيْهِ، لِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ونُعُوتِ الجَلالِ الَّتِي لا يُحْصِيها سِواهُ، ولِهَذا ذَمَّ اللَّهُ تَعالى آلِهَةَ الكُفّارِ، وعابَها بِسَلْبِ أوْصافِ الكَمالِ عَنْها، فَعابَها بِأنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَتَكَلَّمُ ولا تَهْدِي، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذِهِ صِفَةُ إلَهِ الجَهْمِيَّةِ، الَّتِي عابَ بِها الأصْنامَ، نَسَبُوها إلَيْهِ، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ والجاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُحاجَّتِهِ لِأبِيهِ ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] فَلَوْ كانَ إلَهُ إبْراهِيمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ والمَثابَةِ لَقالَ لَهُ آزَرُ: وأنْتَ إلَهُكَ بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَكَيْفَ تُنْكِرُ عَلَيَّ؟ لَكِنْ كانَ مَعَ شِرْكِهِ أعْرَفَ بِاللَّهِ مِنَ الجَهْمِيَّةِ، وكَذَلِكَ كَفّارُ قُرَيْشٍ كانُوا مَعَ شِرْكِهِمْ مُقِرِّينَ بِصِفاتِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وعُلُوِّهِ عَلى خَلْقِهِ، وقالَ تَعالى ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] فَلَوْ كانَ إلَهُ الخَلْقِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ، واسْتِدْلالٌ عَلى بُطْلانِ الإلَهِيَّةِ بِذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: فاللَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُ عِبادَهُ. قِيلَ: بَلى، قَدْ كَلَّمَهُمْ، فَمِنهم مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ، مِنهُ إلَيْهِ بِلا واسِطَةٍ كَمُوسى، ومِنهم مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ المَلَكِيِّ، وهُمُ الأنْبِياءُ، وكَلَّمَ اللَّهُ سائِرَ النّاسِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، فَأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كَلامَهُ الَّذِي بَلَّغَتْهُ رُسُلُهُ عَنْهُ، وقالُوا لَهُمْ: هَذا كَلامُ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ، وأمَرَنا بِتَبْلِيغِهِ إلَيْكُمْ، ومِن هاهُنا قالَ السَّلَفُ: مَن أنْكَرَ كَوْنَ اللَّهِ مُتَكَلِمًا فَقَدْ أنْكَرَ رِسالَةَ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ حَقِيقَتَها تَبْلِيغُ كَلامِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ إلى عِبادِهِ، فَإذا انْتَفى كَلامُهُ انْتَفَتِ الرِّسالَةُ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ طه عَنِ السّامِرِيِّ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٨] ورَجْعُ القَوْلِ: هو التَّكَلُّمُ والتَّكْلِيمُ، وقالَ تَعالى ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] فَجَعَلَ نَفْيَ صِفَةِ الكَلامِ مُوجِبًا لِبُطْلانِ الإلَهِيَّةِ، وهَذا أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالفِطَرِ والعُقُولِ السَّلِيمَةِ والكُتُبِ السَّماوِيَّةِ: أنَّ فاقِدَ صِفاتِ الكَمالِ لا يَكُونُ إلَهًا، ولا مُدَبِّرًا، ولا رَبًّا، بَلْ هو مَذْمُومٌ، مَعِيبٌ ناقِصٌ، لَيْسَ لَهُ الحَمْدُ، لا في الأُولى، ولا في الآخِرَةِ، وإنَّما الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ لِمَن لَهُ صِفاتُ الكَمالِ، ونُعُوتُ الجَلالِ، الَّتِي لِأجْلِها اسْتَحَقَّ الحَمْدَ، ولِهَذا سَمّى السَّلَفُ كُتُبَهُمُ الَّتِي صَنَّفُوها في السُّنَّةِ وإثْباتِ صِفاتِ الرَّبِّ وعُلُوِّهِ عَلى خَلْقِهِ وكَلامِهِ وتَكْلِيمِهِ تَوْحِيدًا، لِأنَّ نَفْيَ ذَلِكَ وإنْكارَهُ والكُفْرَ بِهِ إنْكارٌ لِلصّانِعِ وجَحْدٌ لَهُ، وإنَّما تَوْحِيدُهُ: إثْباتُ صِفاتِ كَمالِهِ، وتَنْزِيهُهُ عَنِ التَّشْبِيهِ والنَّقائِصِ، فَجَعَلَ المُعَطِّلَةُ جَحْدَ الصِّفاتِ وتَعْطِيلَ الصّانِعِ عَنْها تَوْحِيدًا، وجَعَلُوا إثْباتَها لِلَّهِ تَشْبِيهًا وتَجْسِيمًا وتَرْكِيبًا، فَسَمَّوُا الباطِلَ بِاسْمِ الحَقِّ، تَرْغِيبًا فِيهِ، وزُخْرُفًا يُنْفِقُونَهُ بِهِ، وسَمَّوُا الحَقَّ بِاسْمِ الباطِلِ تَنْفِيرًا عَنْهُ، والنّاسُ أكْثَرُهم مَعَ ظاهِرِ السِّكَّةِ، لَيْسَ لَهم نَقْدُ النُّقّادِ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] والمَحْمُودُ لا يُحْمَدُ عَلى العَدَمِ والسُّكُوتِ ألْبَتَّةَ، إلّا إذا كانَتْ سَلْبَ عُيُوبٍ ونَقائِصَ، تَتَضَمَّنُ إثْباتَ أضْدادِها مِنَ الكِمالاتِ الثُبُوتِيَّةِ، وإلّا فالسَّلْبُ المَحْضُ لا حَمْدَ فِيهِ، ولا مَدْحَ ولا كَمالَ. وَكَذَلِكَ حَمْدُهُ لِنَفْسِهِ عَلى عَدَمِ اتِّخاذِ الوَلَدِ المُتَضَمِّنِ لِكَمالِ صَمَدِيَّتِهِ وغِناهُ ومُلْكِهِ، وتَعْبِيدِ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ، فاتِّخاذُ الوَلَدِ يُنافِي ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [يونس: ٦٨]. وَحَمْدُ نَفْسِهِ عَلى عَدَمِ الشَّرِيكِ، المُتَضَمِّنِ تَفَرُّدَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، وتَوَحُّدَهُ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لا يُوصَفُ بِها غَيْرُهُ، فَيَكُونُ شَرِيكًا لَهُ، فَلَوْ عُدِمَها لَكانَ كُلُّ مَوْجُودٍ أكْمَلَ مِنهُ، لِأنَّ المَوْجُودَ أكْمَلُ مِنَ المَعْدُومِ، ولِهَذا لا يَحْمَدُ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِعَدَمٍ إلّا إذا كانَ مُتَضَمِّنًا لِثُبُوتِ كَمالٍ، كَما حَمِدَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ لا يَمُوتُ لِتَضَمُّنِهِ كَمالَ حَياتِهِ، وحَمِدَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ، لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ كَمالَ قَيُّومِيَّتِهِ، وحَمِدَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ، لِكَمالِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ، وحَمِدَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، لِكَمالِ عَدْلِهِ وإحْسانِهِ، وحَمِدَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ، لِكَمالِ عَظَمَتِهِ، يَرى ولا يُدْرَكُ، كَما أنَّهُ يَعْلَمُ ولا يُحاطُ بِهِ عِلْمًا، فَمُجَرَّدُ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ بِكَمالٍ؛ لِأنَّ العَدَمَ لا يُرى، فَلَيْسَ في كَوْنِ الشَّيْءِ لا يُرى كَمالٌ ألْبَتَّةَ، وإنَّما الكَمالُ في كَوْنِهِ لا يُحاطُ بِهِ رُؤْيَةً ولا إدْراكًا، لِعَظَمَتِهِ في نَفْسِهِ، وتَعالِيهِ عَنْ إدْراكِ المَخْلُوقِ لَهُ، وكَذَلِكَ حَمِدَ نَفْسَهُ بِعَدَمِ الغَفْلَةِ والنِّسْيانِ، لِكَمالِ عِلْمِهِ. فَكُلُّ سَلْبٍ في القُرْآنِ حَمِدَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فَلِمُضادَّتِهِ لِثُبُوتِ ضِدِّهِ، ولِتَضَمُّنِهِ كَمالَ ثُبُوتِ ضِدِّهِ. فَعَلِمْتُ أنَّ حَقِيقَةَ الحَمْدِ تابِعَةٌ لِثُبُوتِ أوْصافِ الكَمالِ، وأنَّ نَفْيَها نَفْيٌ لِحَمْدِهِ، ونَفْيُ الحَمْدِ مُسْتَلْزِمٌ لِثُبُوتِ ضِدِّهِ. [فَصْلٌ دِلالَةٌ عَلى تَوْحِيدِ الأسْماءِ والصِّفاتِ] وَأمّا دِلالَةُ الأسْماءِ الخَمْسَةِ عَلَيْها، وهي " اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، والرَّحِيمُ، والمَلِكُ " فَمَبْنِيٌّ عَلى أصْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْماءَ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى دالَّةٌ عَلى صِفاتِ كَمالِهِ، فَهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصِّفاتِ، فَهي أسْماءٌ، وهي أوْصافٌ، وبِذَلِكَ كانَتْ حُسْنى، إذْ لَوْ كانَتْ ألْفاظًا لا مَعانِيَ فِيها لَمْ تَكُنْ حُسْنى، ولا كانَتْ دالَّةً عَلى مَدْحٍ ولا كَمالٍ، ولَساغَ وُقُوعُ أسْماءِ الِانْتِقامِ والغَضَبِ في مَقامِ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ، وبِالعَكْسِ، فَيُقالُ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فاغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ المُنْتَقِمُ، واللَّهُمَّ أعْطِنِي، فَإنَّكَ أنْتَ الضّارُّ المانِعُ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وَنَفْيُ مَعانِي أسْمائِهِ الحُسْنى مِن أعْظَمِ الإلْحادِ فِيها، قالَ تَعالى ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ولِأنَّها لَوْ لَمْ تَدُلَّ عَلى مَعانٍ وأوْصافٍ لَمْ يَجُزْ أنْ يُخْبَرَ عَنْها بِمَصادِرِها ويُوصَفُ بِها، لَكِنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَصادِرِها، وأثْبَتَها لِنَفْسِهِ، وأثْبَتَها لَهُ رَسُولُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] فَعَلِمَ أنَّ القَوِيَّ مِن أسْمائِهِ، ومَعْناهُ المَوْصُوفُ بِالقُوَّةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] فالعَزِيزُ مَن لَهُ العِزَّةُ، فَلَوْلا ثُبُوتُ القُوَّةِ والعِزَّةِ لَهُ لَمْ يُسَمَّ قَوِيًّا ولا عَزِيزًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ، ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ» فَأُثْبِتَ المَصْدَرُ الَّذِي اشْتُقَّ مِنهُ اسْمُهُ البَصِيرُ. وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ». وَفِي الصَّحِيحِ حَدِيثُ الِاسْتِخارَةِ «اللَّهُمَّ إنِّي أسَتُخَيِّرُكَ بِعِلْمِكَ، وأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» فَهو قادِرٌ بِقُدْرَةٍ. وَقالَ تَعالى لِمُوسى ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] فَهو مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ. وَهُوَ العَظِيمُ الَّذِي لَهُ العَظَمَةٌ كَما في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: العَظَمَةُ إزارِي، والكِبْرِياءُ رِدائِي» وهو الحَكِيمُ الَّذِي لَهُ الحُكْمُ ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ أنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِحَياةِ اللَّهِ، أوْ سَمْعِهِ، أوْ بَصَرِهِ، أوْ قُوَّتِهِ، أوْ عِزَّتِهِ أوْ عَظَمَتِهِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، وكانَتْ مُكَفِّرَةً، لِأنَّ هَذِهِ صِفاتُ كَمالِهِ الَّتِي اشْتُقَّتْ مِنها أسْماؤُهُ. وأيْضًا لَوْ لَمْ تَكُنْ أسْماؤُهُ مُشْتَمِلَةً عَلى مَعانٍ وصِفاتٍ لَمْ يَسُغْ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِأفْعالِها، فَلا يُقالُ: يَسْمَعُ ويَرى، ويَعْلَمُ ويَقْدِرُ ويُرِيدُ، فَإنَّ ثُبُوتَ أحْكامِ الصِّفاتِ فَرْعُ ثُبُوتِها، فَإذا انْتَفى أصْلُ الصِّفَةِ اسْتَحالَ ثُبُوتُ حُكْمِها. وأيْضًا فَلَوْ لَمْ تَكُنْ أسْماؤُهُ ذَواتِ مَعانٍ وأوْصافٍ لَكانَتْ جامِدَةً كالأعْلامِ المَحْضَةِ، الَّتِي لَمْ تُوضَعْ لِمُسَمّاها بِاعْتِبارِ مَعْنى قامَ بِهِ، فَكانَتْ كُلُّها سَواءَ، ولَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ مَدْلُولاتِها، وهَذا مُكابَرَةٌ صَرِيحَةٌ، وبُهْتٌ بَيِّنٌ، فَإنَّ مَن جَعَلَ مَعْنى اسْمِ القَدِيرِ هو مَعْنى اسْمِ السَّمِيعِ البَصِيرِ، ومَعْنى اسْمِ التَّوّابِ هو مَعْنى اسْمِ المُنْتَقِمِ، ومَعْنى اسْمِ المُعْطِي هو مَعْنى اسْمِ المانِعِ فَقَدْ كابَرَ العَقْلَ واللُّغَةَ والفِطْرَةَ. فَنَفْيُ مَعانِي أسْمائِهِ مِن أعْظَمِ الإلْحادِ فِيها، والإلْحادُ فِيها أنْواعٌ هَذا أحُدُها. الثّانِي: تَسْمِيَةُ الأوْثانِ بِها، كَما يُسَمُّونَها آلِهَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: عَدَلُوا بِأسْماءِ اللَّهِ تَعالى عَمّا هي عَلَيْهِ، فَسَمَّوْا بِها أوْثانَهُمْ، فَزادُوا ونَقَصُوا، فاشْتَقُّوا اللّاتَ مِنَ اللَّهِ، والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، ومَناةَ مِنَ المَنّانِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى. وَحَقِيقَةُ الإلْحادِ فِيها العُدُولُ بِها عَنِ الصَّوابِ فِيها، وإدْخالُ ما لَيْسَ مِن مَعانِيها فِيها، وإخْراجُ حَقائِقِ مَعانِيها عَنْها، هَذا حَقِيقَةُ الإلْحادِ، ومَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، فَفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ الإلْحادَ بِالكَذِبِ، أوْ هو غايَةُ المُلْحِدِ في أسْمائِهِ تَعالى، فَإنَّهُ إذا أدْخَلَ في مَعانِيها ما لَيْسَ مِنها، وخَرَجَ بِها عَنْ حَقائِقِها، أوْ بَعْضِها، فَقَدْ عَدَلَ بِها عَنِ الصَّوابِ والحَقِّ، وهو حَقِيقَةُ الإلْحادِ. فالإلْحادُ إمّا بِجَحْدِها وإنْكارِها، وإمّا بِجَحْدِ مَعانِيها وتَعْطِيلِها، وإمّا بِتَحْرِيفِها عَنِ الصَّوابِ، وإخْراجِها عَنِ الحَقِّ بِالتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، وإمّا بِجَعْلِها أسْماءً لِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَصْنُوعاتِ، كَإلْحادِ أهْلِ الِاتِّحادِ، فَإنَّهم جَعَلُوها أسْماءَ هَذا الكَوْنِ، مَحْمُودَها ومَذْمُومَها، حَتّى قالَ زَعِيمُهُمْ: وهو المُسَمّى بِكُلِّ اسْمٍ مَمْدُوحٍ عَقْلًا، وشَرْعًا وعُرْفًا، وبِكُلِّ اسْمٍ مَذْمُومٍ عَقْلًا وشَرْعًا وعُرْفًا، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ المُلْحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. (فصل: في الموازنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة، وبيان أن أحد الذوقين مباين للآخر) فإنه كلّما قوي ذوق أحدهما وسلطانه ضعف ذوق الآخر وسلطانه. ولا ريب أن الصلاة قرة عين المحبين ولذة أرواح الموحدين، ومحكُّ أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمته المهداة إلى عبيده، هداهم إليها وعرَّفهم بها رحمةً بهم وإكرامًا لهم، لينالوا بها شرف كرامته والفوز بقربه، لا حاجة منه إليهم، بل منَّةً منه وفضلًا منه عليهم، وتعبد بها القلب والجوارح جميعًا، وجعل حظ القلب منها أكمل الحظين وأعظمهما، وهو إقباله على ربه سبحانه وفرحه وتلذذه بقربه وتنعمه بحبه وابتهاجه بالقيام بين يديه، وانصرافه حال القيام بالعبودية عن الالتفات إلى غير معبوده، وتكميل حقوق عبوديته حتى تقع على الوجه الذي يرضاه. ولمّا امتحن سبحانه عبده بالشهوات وأسبابها من داخلٍ فيه وخارجٍ عنه، اقتضت تمام رحمته به وإحسانه إليه أن هيَّأ له مأدبة قد جمعت من جميع الألوان والتحف والخِلَع والعطايا، ودعاه إليه كل يوم خمس مرات، وجعل في كل لون من ألوان تلك المأدبة لذة ومنفعة ومصلحةً لهذا العبد الذي قد دعاه إلى المأدبة، ليست في اللون الآخر، لتكمل لذة عبده في كل لون من ألوان العبودية، ويكرمه بكل صنف من أصناف الكرامة، ويكون كل فعل من أفعال تلك العبودية مكفرًا لمذموم كان يكرهه بإزائه، ليُثيبه عليه نورًا خاصًا وقوة في قلبه وجوارحه وثوابًا خاصًّا يوم لقائه. فيصدر المدعو من هذه المأدبة وقد أشبعه وأرواه، وخلع عليه بخلع القبول وأغناه؛ لأن القلب كان قبلُ قد ناله من القحط والجدب والجوع والظمأ والعُرْي والسقم ما ناله، فأصدره من عنده وقد أغناه عن الطعام والشراب واللباس والتحف ما يغنيه. ولمّا كانت الجدوب متتابعة، وقحط النفوس متواليًا، جدد له الدعوة إلى هذه المأدبة وقتًا بعد وقت رحمة منه به، فلا يزال مستسقيًا من بيده غيث القلوب وسَقْيها، مستمطرًا سحائبَ رحمته لئلا ييبَسَ ما أنبتته له تلك من كلأ الإيمان وعُشْبه وثمارِه، ولئلا تنقطع مادة النبات. والقلب في استسقاء واستمطار هكذا دائمًا، يشكو إلى ربه جَدْبه وقَحْطَه وضرورته إلى سقيا رحمته وغيثِ بِرِّه، فهذا دأب العبد أيام حياته. فإن الغفلة التي تنزل بالقلب هي القحط والجدب، فما دام في ذكر الله والإقبال عليه فغيث الرحمة واقع عليه كالمطر المتدارك، فإذا غفلَ ناله من القحط بحسب غفلته قلة وكثرة، فإذا تمكنت الغفلةُ واستحكمتْ صارتْ أرضُه ميتةً، وسَنَتُه جرداءَ يابسةً، وحريقُ الشهوات فيها من كل جانبٍ السمائم. وإذا تدارك عليه غيث الرحمة اهتزَّتْ أرضه ورَبَتْ وأنبتت من كل زوج بهيج، فإذا ناله القحط والجدب كان بمنزلة شجرة رطوبتها ولينها وثمارها من الماء، فإذا مُنِعتْ من الماء يَبِستْ عروقها، وذَبلتْ أغصانها، وحُبِست ثمارها وربما يبست الأغصان والشجرة، فإذا مددتَ منها غصنًا إلى نفسك لم يمتد ولم ينقَدْ لك وانكسر، فحينئذٍ تقتضي حكمة قيّم البستان قطعَ تلك الشجرة وجعلها وقودًا للنار، فكذلك القلب، إنما ييبس إذا خلا من توحيد الله وحبه ومعرفته وذكره ودعائه، فتصيبه حرارةُ النفس ونار الشهوات، فتمتنع أغصان الجوارح عن الامتداد إذا مددتها والانقياد إذا قُدتَها، فلا تَصلحُ بعدُ هي والشجرة إلا للنار، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]. فإذا كان القلب ممطورًا بمطر الرحمة كانت الأغصان لينة منقادة رطبة، فإذا مددتها إلى أمر الله انقادت معك، وأقبلتْ سريعةً لينة وادعة، فجَنيتَ منها من ثمار العبودية ما يحمله كلُّ غصن من تلك الأغصان، ومادتها من رطوبة القلب ورِيّه، فالمادة تعمل عملها في القلب والجوارح، وإذا يبس القلبُ تعطلتِ الأغصانُ من أعمال البر، لأن مادة القلب وحياته قد انقطعت منه، فلم تنتشر في الجوارح، فتحمل كلُّ جارحة ثمرَها من العبودية. ولله في كل جارحة من جوارح العبد عبوديةٌ تخصُّه، وطاعة مطلوبة منها، خُلِقت لأجلها وهُيِّئتْ لها. والناس بعد ذلك ثلاثة أقسام: أحدها: مَن استعمل تلك الجوارح فيما خُلِقتْ له وأريدَ منها، فهذا هو الذي تاجرَ الله بأربح التجارة، وباع نفسَه لله بأربح البيع، والصلاة وضعت لاستعمال الجوارحِ جميعِها في العبودية تبعًا لقيام القلب بها. الثاني: مَن استعملها فيما لم تُخلَق له، ولم يُخلَقْ لها، فهذا هو الذي خاب سعيه وخسرت تجارته، وفاته رِضى ربِّه عنه وجزيلُ ثوابه، وحصل على سخطه وأليم عقابه. الثالث: مَن عطّل جوارحَه وأماتها بالبطالة، فهذا أيضًا خاسرٌ أعظم خسارة، فإن العبد خُلِق للعبادة والطاعة لا للبطالة، وأبغض الخلق إلى الله البطّال الذي لا في شغل الدنيا ولا في سعي الآخرة، فهذا كَلٌّ على الدنيا والدين. فالأول كرجل أُقطِع أرضًا واسعةً، وأُعِين بآلاتِ الحرث والبذار، وأُعطي ما يكفيها لسقيها، فحرثَها وهيّأها للزراعة، وبذَرَ فيها من أنواع الغلال، وغَرَسَ فيها من أنواع الثمار والفواكه المختلفة الأنواع، ثم لم يُهمِلها، بل أقام عليها الحرسَ وحفظها من المفسدين، وجعل يتعاهدها كل يوم فيصلح ما فسدَ منها، ويَغرِس عوضَ ما يَبِسَ، ويَنفِي دغلَها، ويقطع شَوكَها، ويستعين بمغلّها على عمارتها. والثاني بمنزلة رجل أخذ تلك الأرض، فجعلَها مأوى للسباع والهوامّ ومطرحًا للجِيَفِ والأنتان، وجعلها معقلًا يأوي إليه كلُّ مفسد ومؤذٍ ولصّ، وأخذ ما أعين به على بذارها وصلاحها، وصرفه معونة ومعيشة لمن فيها من أهل الشر والفساد. والثالث بمنزلة رجل عطَّلها وأهملها وأرسل ذلك الماء ضائعًا في القِفار والصحاري، فقعد مذمومًا محسورًا، فهذا مثال أهل الغفلة، والذي قبله مثال أهل الخيانة والجناية، والأول مثال أهل اليقظة والاستعداد لما خُلقوا له. فالأول إذا تحرّك أو سكن أو قام أو قعد أو أكل أو شرب أو نام أو لبس أو نطق أو سكت كان ذلك كله له لا عليه، وكان في ذكر وطاعة وقربة ومزيد. والثاني إذا فعل ذلك كان عليه لا له، وكان في طرد وإبعاد وخسران. والثالث إذا فعل ذلك كان في غفلة وبطالة وتفريط. فالأول يتقلب فيما يتقلب فيه بحكم الطاعة والقربة. والثاني يتقلب في ذلك بحكم الخيانة والتعدي، فإن الله لم يُملِّكه ما ملكه ليستعين به على مخالفته، فهو جانٍ متعدٍّ خائن لله في نعمه، معاقَبٌ على التنعم بها في غير طاعته. والثالث يتقلب في ذلك ويتناوله بحكم الغفلة وبهجة النفس وطبيعتها، لم يبتغِ بذلك رضوان الله والتقرب إليه، فهذا خسران بيّن، إذ عطَّل أوقاتَ عمره التي لا قيمة لها عن أفضل الأرباح والتجارات. فدعا الله سبحانه الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمةً منه عليهم، وهيّأ لهم فيها أنواعَ العبادة، لينال العبد من كل قول وفعل وحركة وسكون حظَّه من عطاياه. وكان سرُّ الصلاة ولبُّها إقبال القلب فيها على الله وحضوره بكليته بين يديه، فإذا لم يُقبل عليه واشتغل بغيره ولها بحديث النفس، كان بمنزلة وافدٍ وفد إلى باب الملك معتذرًا من خطئه وزللِه، مستمطرًا لسحائب جوده ورحمته، مستطعمًا له ما يقوت قلبه، ليقوى على القيام في خدمته، فلمّا وصل إلى الباب ولم يبق إلا مناجاة الملك، التفت عن الملك وزاغ عنه يمينًا أو ولّاه ظهره، واشتغل عنه بأمقت شيء إلى الملك وأقلِّه عنده قدرًا، فآثره عليه، وصيَّره قبلةَ قلبه، ومحلَّ توجهه، وموضع سِرّه، وبعث غلمانه وخَدَمَه ليقفوا في طاعة الملك، ويعتذروا عنه وينوبوا عنه في الخدمة، والملك شاهد ذلك ويرى حاله، ومع هذا فكرم الملك وجوده وسعة بره وإحسانه يأبى أن ينصرف عنه تلك الخدم والأتباع، فيصيبها من رحمته وإحسانه، لكن فرق بين قسمة الغنائم على أهل السُّهمان من الغانمين وبين الرَّضْخ لمن لا سهمَ له، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩]. والله سبحانه خلق هذا النوع الإنساني لنفسه، واختصَّه، وخلق له كل شيء، كما في الأثر الإلهي: "ابنَ آدم خلقتُك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقِّي عليك لا تشتغلْ بما خلقته لك عما خلقتك له". وفي أثر آخر: "خلقتك لنفسي فلا تلعبْ، وتكفلتُ برزقك فلا تتعب، ابنَ آدم اطلبني تجِدْني، وإن وجدتني وجدتَ كل شيء، وإن فُتُّك فاتَك كل شيء، وأنا خير لك من كل شيء". وجعل الصلاة سببًا موصلًا له إلى قربه ومناجاته ومحبته والأنس به، وما بين صلاتين تحدثُ له الغفلة والجفوة والإعراض والزلات والخطايا، فيُبعِده ذلك عن ربه، وينحّيه عن قربه، ويصير كأنه أجنبي عن العبودية ليس من جملة العبيد، وربما ألقى بيده إلى أسر العدو، فأسَره وغلَّه وقيّده وحبسَه في سجن نفسه وهواه، فحظّه ضيق الصدر ومعالجة الهموم والغموم والأحزان والحسرات، ولا يدري السبب في ذلك. فاقتضت رحمة ربه الرحيم به أن جعل له من عبوديته عبودية جامعة مختلفة الأجزاء والحالات، بسبب اختلاف الأحداث التي جاءت من العبد، وبحسب شدة حاجته إلى نصيبه من كل جزء من أجزاء تلك العبودية. فبالوضوء يتطهر من الأوساخ ويَقدُم على ربه متطهرًا، والوضوء له ظاهر وباطن، وظاهره طهارة البدن وأعضاء العبادة، وباطنه وسره طهارة القلب من أوساخه وأدرانه بالتوبة. ولهذا يقرن سبحانه بين التوبة والطهارة في قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وشرع النبي ﷺ للمتطهر بعد فراغه من الوضوء أن يتشهد، ثم يقول: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"، فكمل له مراتب الطهارة باطنًا وظاهرًا. فإنه بالشهادة يتطهر من الشرك، وبالتوبة يتطهر من الذنوب، وبالماء يتطهر من الأوساخ الظاهرة. فشرع أكمل مراتب الطهارة قبل الدخول على الله والوقوف بين يديه، فلما طهر ظاهرًا وباطنًا أذن له بالدخول عليه بالقيام بين يديه، إذ تخلص من الإباق بمجيئه إلى داره ومحل عبوديته. ولهذا كان المجيء إلى المسجد من تمام عبودية الصلاة الواجبة عند قوم، والمستحبة عند آخرين، والعبد كان في حال غفلته كالآبق عن ربه، وقد عطَّل جوارحه وقلبه عن الخدمة التي خلق لها، فإذا جاء إليه فقد رجع من إباقه، فإذا وقف بين يديه موقف العبودية والتذلل والانكسار، فقد استدعى عطف سيده عليه وإقباله عليه بعد الإعراض. وأمر بأن يستقبل القبلة بيته الحرام بوجهه، ويستقبل الله - عز وجل - بقلبه، لينسلخ مما كان فيه من التولي والإعراض، ثم قام بين يديه مقام الذليل الخاضع المسكين المستعطف لسيده، وألقى بيديه مسلمًا مستسلمًا ناكسَ الرأس خاشعَ القلب مُطرِقَ الطرف، لا يلتفت قلبه عنه ولا طرفُه يمنةً ولا يسرةً، بل قد توجه بقلبه كله إليه، وأقبل بكليته عليه. ثم كبره بالتعظيم والإجلال، وواطأ قلبُه في التكبير لسانَه، فكان الله أكبرَ في قلبه من كل شيء، وصدَّقَ هذا التكبير بأنه لم يكن في قلبه شيء أكبر من الله يشغله عنه، فإذا اشتغل عن الله بغيره وكان ما اشتغل به أهمَّ عنده من الله كان تكبيره بلسانه دون قلبه، فالتكبير يُخرِجه من لُبْسِ رداء التكبر المنافي للعبودية، ويمنعه من التفات قلبه إلى غير الله، إذ كان الله عنده وفي قلبه أكبر من كل شيء، فمنعَه حقُّ قوله الله أكبر والقيام بعبودية التكبير عن هاتين الآفتين، اللتين هما من أعظم الحجب بينه وبين الله. فإذا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك"، وأثنى على الله بما هو أهله، فقد خرج عن الغفلة التي هي حجاب أيضًا بينه وبين الله، وأتى بالتحية والثناء الذي يخاطب به الملك عند الدخول عليه تعظيمًا له وتمجيدًا ومقدمةً بين يدَيْ حاجته، فكان في هذا الثناء من أدب العبودية ما يستجلب به إقباله عليه ورضاه عنه وإسعافه بحوائجه. فإذا شرع في القراءة قدَّم أمامها الاستعاذة بالله من الشيطان، فإنه أحرص ما يكون على العبد في مثل هذا المقام الذي هو أشرف مقاماته وأنفعها له في دنياه وآخرته، فهو أحرص شيء على صرفه عنه واقتطاعه دونه بالبدن والقلب، فإن عجز عن اقتطاعه وتعطيله عنه بالبدن اقتطع قلبه وعطَّله عن القيام بين يدي الرب تعالى، فأمر العبد بالاستعاذة بالله منه ليسلم له مقامه بين يدي ربه، وليحيا قلبه ويستنير بما يتدبره ويتفهمه من كلام سيده الذي هو سبب حياته ونعيمه وفلاحه، فالشيطان أحرص على اقتطاع قلبه عن مقصود التلاوة. ولما علم سبحانه جِدَّ العدو وتفرغَه للعبد وعَجْز العبد عنه، أمره بأن يستعيذ به سبحانه ويلتجئ إليه في صرفه عنه، فيُكْفى بالاستعاذة مؤونةَ محاربته ومقاومتهِ، فكأنه قيل له: لا طاقةَ لك بهذا العدو، فاستعذْ بي واستجر بي، أكْفِكَه وأمنعْك منه. وقال لي شيخ الإسلام قدس الله روحه يومًا: "إذا هاشَ عليك كلبُ الغنم فلا تشتغل بمحاربته ومدافعته، وعليك بالراعي فاستغِثْ به، فهو يَصرِف عنك الكلب". فإذا استعاذ بالله من الشيطان بَعُد منه، فأفضى القلب إلى معاني القرآن، ووقع في رياضه المؤنقة، وشاهد عجائبه التي تَبْهَر العقول، واستخرج من كنوزه وذخائره ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، وكان الحائل بينه وبين ذلك النفس والشيطان، والنفس فمنفعلةٌ للشيطان سامعة منه، فإذا بَعُد عنها وطُرِد لَمَّ بها الملَكُ وثبَّتها وذكَّرها بما فيه سعادتها ونجاتها. فإذا أخذ في قراءة القرآن فقد قام في مقام مخاطبة ربه ومناجاته، فليحذر كل الحذر من التعرض لمقته وسخطه أن يناجيه ويخاطبه وهو مُعرِض عنه، ملتفتٌ إلى غيره، فإنه يستدعي بذلك مقتَه، ويكون بمنزلة رجل قرَّبه ملِكٌ من ملوك الدنيا، فأقامه بين يديه، فجعل يخاطب الملك وقد ولّاه قفاه أو التفت عنه بوجهه يَمنةً ويسرةً، فما الظن بمقت الملك لهذا؟ فما الظن بالملك الحق المبين الذي هو رب العالمين وقيوم السماوات والأرض؟ وليقف عند كل آية من الفاتحة ينتظر جواب ربه له، وكأنه سمعه يقول: حمدني عبدي حين يقول: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقف لحظةً ينتظر قوله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، انتظر قوله: مجَّدني عبدي، فإذا قال: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، انتظر قوله: هذا بيني وبين عبدي، فإذا قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها، انتظر قوله: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل. ومن ذاق طعمَ الصلاة علم أنه لا يقوم غير التكبير والفاتحة مقامهما، كما لا يقوم غير القيام والركوع والسجود مقامها فلكل عبودية من عبودية الصلاة سرٌّ وتأثير وعبوديةٌ لا تحصل من غيرها، ثم لكل آية من آيات الفاتحة عبودية وذوق ووَجْدٌ يخصها. [فَصْلٌ: اسْمُ (اللَّه) يَدُلُّ عَلى الصِّفَةِ بِمُفْرَدِها ويَدُلُّ عَلى الذّاتِ المُجَرَّدَةِ] الأصْلُ الثّانِي: أنَّ الِاسْمَ مِن أسْمائِهِ تَبارَكَ وتَعالى كَما يَدُلُّ عَلى الذّاتِ والصِّفَةِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها بِالمُطابَقَةِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ بِالتَّضَمُّنِ واللُّزُومِ، فَيَدُلُّ عَلى الصِّفَةِ بِمُفْرَدِها بِالتَّضَمُّنِ، وكَذَلِكَ عَلى الذّاتِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الصِّفَةِ، ويَدُلُّ عَلى الصِّفَةِ الأُخْرى بِاللُّزُومِ، فَإنَّ اسْمَ السَّمِيعِ يَدُلُّ عَلى ذاتِ الرَّبِّ وسَمْعِهِ بِالمُطابَقَةِ، وعَلى الذّاتِ وحْدَها، وعَلى السَّمْعِ وحْدَهُ بِالتَّضَمُّنِ، ويَدُلُّ عَلى اسْمِ الحَيِّ وصِفَةِ الحَياةِ بِالِالتِزامِ، وكَذَلِكَ سائِرُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ولَكِنْ يَتَفاوَتُ النّاسُ في مَعْرِفَةِ اللُّزُومِ وعَدَمِهِ، ومِن هاهُنا يَقَعُ اخْتِلافُهم في كَثِيرٍ مِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ والأحْكامِ، فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ لازِمٌ لِلْحَياةِ، وأنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ لازِمٌ لِلْحَياةِ الكامِلَةِ، وأنَّ سائِرَ الكَمالِ مِن لَوازِمِ الحَياةِ الكامِلَةِ أثْبَتَ مِن أسْماءِ الرَّبِّ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ما يُنْكِرُهُ مَن لَمْ يَعْرِفْ لُزُومَ ذَلِكَ، ولا عَرِفَ حَقِيقَةَ الحَياةِ ولَوازِمَها، وكَذَلِكَ سائِرُ صِفاتِهِ. فَإنَّ اسْمَ العَظِيمِ لَهُ لَوازِمُ يُنْكِرُها مَن لَمْ يَعْرِفْ عَظْمَةَ اللَّهِ ولَوازِمَها. وَكَذَلِكَ اسْمُ العَلِيِّ، واسْمُ الحَكِيمِ وسائِرُ أسْمائِهِ، فَإنَّ مِن لَوازِمِ اسْمِ العَلِيِّ العُلُوَّ المُطْلَقَ بِكُلِّ اعْتِبارٍ، فَلَهُ العُلُوُّ المُطْلَقُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ: عُلُوُّ القَدْرِ، وعُلُوُّ القَهْرِ، وعُلُوُّ الذّاتِ، فَمَن جَحَدَ عُلُوَّ الذّاتِ فَقَدْ جَحَدَ لَوازِمَ اسْمِهِ العَلِيِّ. وَكَذَلِكَ اسْمُهُ الظّاهِرُ مِن لَوازِمِهِ: أنْ لا يَكُونَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، كَما في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «وَأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» بَلْ هو سُبْحانَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَن جَحَدَ فَوْقِيَّتَهُ سُبْحانَهُ فَقَدْ جَحَدَ لَوازِمَ اسْمِهِ الظّاهِرِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الظّاهِرُ هو مَن لَهُ فَوْقِيَّةُ القَدْرِ فَقَطْ، كَما يُقالُ: الذَّهَبُ فَوْقَ الفِضَّةِ، والجَوْهَرُ فَوْقَ الزُّجاجِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الفَوْقِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالظُّهُورِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ المُفَوَّقُ أظْهَرَ مِنَ الفائِقِ فِيها، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ القَهْرِ والغَلَبَةِ فَقَطْ، وإنْ كانَ سُبْحانَهُ ظاهِرًا بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ، لِمُقابَلَةِ الِاسْمِ بِ " الباطِنِ " وهو الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ، كَما قابَلَ الأوَّلَ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، بِ " الآخِرِ " الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ. وَكَذَلِكَ اسْمُ " الحَكِيمِ " مِن لَوازِمِهِ ثُبُوتُ الغاياتِ المَحْمُودَةِ المَقْصُودَةِ لَهُ بِأفْعالِهِ، ووَضْعُهُ الأشْياءَ في مَوْضِعِها، وإيقاعُها عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَإنْكارُ ذَلِكَ إنْكارٌ لِهَذا الِاسْمِ ولَوازِمِهِ، وكَذَلِكَ سائِرُ أسْمائِهِ الحُسْنى. [فَصْلٌ اسْمُ (اللَّه) يَدُلُّ عَلى الأسْماءِ الحُسْنى] إذا تَقَرَّرَ هَذانِ الأصْلانِ، فاسْمُ اللَّهِ دالٌّ عَلى جَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى، والصِّفاتِ العُلْيا بِالدِّلالاتِ الثَّلاثِ، فَإنَّهُ دالٌّ عَلى إلَهِيَّتِهِ المُتَضَمِّنَةِ لِثُبُوتِ صِفاتِ الإلَهِيَّةِ لَهُ مَعَ نَفْيِ أضْدادِها عَنْهُ. وَصِفاتُ الإلَهِيَّةِ: هي صِفاتُ الكَمالِ، المُنَزَّهَةُ عَنِ التَّشْبِيهِ والمِثالِ، وعَنِ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ولِهَذا يُضِيفُ اللَّهُ تَعالى سائِرَ الأسْماءِ الحُسْنى إلى هَذا الِاسْمِ العَظِيمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] ويُقالُ: الرَّحْمَنُ والرَّحِيمُ، والقُدُّوسُ، والسَّلامُ، والعَزِيزُ، والحَكِيمُ مِن أسْماءِ اللَّهِ، ولا يُقالُ: اللَّهُ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ، ولا مِن أسْماءِ العَزِيزِ، ونَحْوُ ذَلِكَ. فَعُلِمَ أنَّ اسْمَهُ اللَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى، دالٌّ عَلَيْها بِالإجْمالِ، والأسْماءُ الحُسْنى تَفْصِيلٌ وتَبْيِينٌ لِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها اسْمُ اللَّهِ، واسْمُ اللَّهِ دالٌّ عَلى كَوْنِهِ مَأْلُوهًا مَعْبُودًا، تُؤَلِّهُهُ الخَلائِقُ مَحَبَّةً وتَعْظِيمًا وخُضُوعًا، وفَزَعًا إلَيْهِ في الحَوائِجِ والنَّوائِبِ، وذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَمالِ رُبُوبِيَّتِهِ ورَحْمَتِهِ، المُتَضَمِّنَيْنِ لِكَمالِ المُلْكِ والحَمْدِ، وإلَهِيَّتُهُ ورُبُوبِيَّتُهُ ورَحْمانِيَّتُهُ ومُلْكُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ كَمالِهِ، إذْ يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُ ذَلِكَ لِمَن لَيْسَ بِحَيٍّ، ولا سَمِيعٍ، ولا بَصِيرٍ، ولا قادِرٍ، ولا مُتَكَلِّمٍ، ولا فَعّالٍ لِما يُرِيدُ، ولا حَكِيمٍ في أفْعالِهِ. وَصِفاتُ الجَلالِ والجَمالِ: أخَصُّ بِاسْمِ اللَّهِ. وَصِفاتُ الفِعْلِ والقُدْرَةِ، والتَّفَرُّدِ بِالضُّرِّ والنَّفْعِ، والعَطاءِ والمَنعِ، ونُفُوذِ المَشِيئَةِ وكَمالِ القُوَّةِ، وتَدْبِيرِ أمْرِ الخَلِيقَةِ أخَصُّ بِاسْمِ الرَّبِّ. وَصِفاتُ الإحْسانِ، والجُودِ والبِرِّ، والحَنانِ والمِنَّةِ، والرَّأْفَةِ واللُّطْفِ أخَصُّ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ، وكُرِّرَ إيَذانًا بِثُبُوتِ الوَصْفِ، وحُصُولِ أثَرِهِ، وتَعَلُّقِهِ بِمُتَعَلِّقاتِهِ. فالرَّحْمَنُ الَّذِي الرَّحْمَةُ وصْفُهُ، والرَّحِيمُ الرّاحِمُ لِعِبادِهِ، ولِهَذا يَقُولُ تَعالى ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] ولَمْ يَجِئْ: رَحْمَنُ بِعِبادِهِ، ولا رَحْمَنُ بِالمُؤْمِنِينَ، مَعَ ما في اسْمِ الرَّحْمَنِ الَّذِي هو عَلى وزْنِ فَعْلانِ مِن سِعَةِ هَذا الوَصْفِ، وثُبُوتِ جَمِيعِ مَعْناهُ المَوْصُوفِ بِهِ. ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ: غَضْبانُ، لِلْمُمْتَلِئِ غَضَبًا، ونَدْمانُ وحَيْرانُ وسَكْرانُ ولَهْفانُ لِمَن مُلِئَ بِذَلِكَ، فَبِناءُ فَعْلانِ لِلسَّعَةِ والشُّمُولِ، ولِهَذا يَقْرِنُ اسْتِواءَهُ عَلى العَرْشِ بِهَذا الِاسْمِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥]، ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] فاسْتَوى عَلى عَرْشِهِ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ، لِأنَّ العَرْشَ مُحِيطٌ بِالمَخْلُوقاتِ قَدْ وسِعَها، والرَّحْمَةُ مُحِيطَةٌ بِالخَلْقِ واسِعَةٌ لَهُمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فاسْتَوى عَلى أوْسَعِ المَخْلُوقاتِ بِأوْسَعِ الصِّفاتِ، فَلِذَلِكَ وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ فَهو عِنْدَهُ مَوْضُوعٌ عَلى العَرْشِ إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» وفي لَفْظٍ «فَهُوَ عِنْدَهُ عَلى العَرْشِ». فَتَأمَّلِ اخْتِصاصَ هَذا الكِتابِ بِذِكْرِ الرَّحْمَةِ، ووَضْعَهُ عِنْدَهُ عَلى العَرْشِ، وطابِقْ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] يَنْفَتِحُ لَكَ بابٌ عَظِيمٌ مِن مَعْرِفَةِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى إنْ لَمْ يُغْلِقْهُ عَنْكَ التَّعْطِيلُ والتَّجَهُّمُ. وَصِفاتُ العَدْلِ، والقَبْضِ والبَسْطِ، والخَفْضِ والرَّفْعِ، والعَطاءِ والمَنعِ، والإعْزازِ والإذْلالِ، والقَهْرِ والحُكْمِ، ونَحْوُها أخَصُّ بِاسْمِ المَلِكِ وخَصَّهُ بِيَوْمِ الدِّينِ، وهو الجَزاءُ بِالعَدْلِ، لِتَفَرُّدِهِ بِالحُكْمِ فِيهِ وحْدَهُ، ولِأنَّهُ اليَوْمُ الحَقُّ، وما قَبْلَهُ كَساعَةٍ، ولِأنَّهُ الغايَةُ، وأيّامُ الدُّنْيا مَراحِلُ إلَيْهِ. (لطيفة) قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد رأيت لابن فورك نحو من هذا في اسم (الله) قال الحكمة في وجود الألف في أوله أنها من أقصى مخارج الصوت قريبا من القلب الذي هو محل المعرفة إليه، ثم الهاء في آخره مخرجها من هناك أيضا لأن المبتدأ منه والمعاد إليه، والإعادة أهون من الابتداء. وكذلك لفظ الهاء أهون من لفظ الهمزة. هذا معنى كلامه. فلم يقل ما قلناه في المضمرات إلا اقتضابا من أصول أئمة النحاة واستنباطا من قواعد اللغة فتأمل هذه الأسرار ولا يزهدنك فيها نبو طباع أكثر الناس عنها واستغناؤهم بظاهر من الحياة الدنيا عن الفكر والتنبيه عليها، فإني لم أفحص عن هذه الأسرار وخفي التعليل في الظواهر والإضمار إلا قصد التفكر والاعتبار في حكمة من ﴿خلق الإنسان علمه البيان﴾ فمتى لاح لك من هذه الأسرار وكشف لك عن مكنونها فكر فاشكر الواهب للنعمة ﴿قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. [فائدة: في الاسم والمسمى والتسمية] اللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال مثلا له حقيقة متميزة متحصلة فاستحق أن يوضع له لفظ يدل عليه لأنه شيء موجود في اللسان مسموع بالآذان فاللفظ المؤلف من همزة الوصل والسين والميم عبارة عن اللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال مثلا واللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال عبارة عن الشخص الموجود في الأعيان والأذهان وهو المسمى واللفظ الدال عليه الذي هو الزاي والياء والدال هو الاسم وهذا اللفظ أيضا قد صار مسمى من حيث كان لفظ الهمزة والسين والميم عبارة عنه فقد بان لك أن الاسم في أصل الوضع ليس هو المسمى ولهذا تقول سميت هذا الشخص بهذا الاسم كما تقول حليته بهذه الحلية والحلية غير المحلى فكذلك الاسم غير المسمى صرح بذلك سيبويه وأخطأ من نسب إليه غير هذا وادعى أن مذهبه اتحادهما والذي غر من ادعى ذلك قوله الأفعال أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وهذا لا يعارض نصه قبل هذا فإنه نص على أن الاسم غير المسمى فقال اسم وفعل وحرف فقد صرح بأن الاسم كلمة فكيف تكون الكلمة هي المسمى والمسمى شخص ثم قال بعد هذا تقول سميت زيدا بهذا الاسم كما تقول علمته بهذه العلامة وفي كتابه قريب من ألف موضع أن الاسم هو اللفظ الدال على المسمى ومتى ذكر الخفض أو النصب أو التنوين أو اللام أو جميع ما يلحق الاسم من زيادة ونقصان وتصغير وتكسير وإعراب وبناء فذلك كله من عوارض الاسم لا تعلق لشيء من ذلك بالمسمى أصلا هل الاسم عين المسمى. لم يقل نحوي قط ولا عربي أن الاسم هو المسمى ويقولون أجل مسمى ولا يقولون أجل اسم ويقولون مسمى هذا الاسم كذا ولا يقول أحد اسم هذا الاسم كذا ويقولون هذا الرجل مسمى بزيد ولا يقولون هذا الرجل اسم زيد ويقولون بسم الله ولا يقولون بمسمى الله وقال رسول الله: "لي خمسة أسماء " رواه البخاري ومسلم ولا يصح أن يقال: لي خمس مسميات "وتسموا باسمي " رواه مسلم ولا يصح أن يقال: تسموا بمسمياتي "ولله تسعة وتسعون اسما" رواه البخاري ومسلم وأحمد. ولا يصح أن يقال تسعة وتسعون مسمى وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمى بقيت هاهنا التسمية وهي التي اعتبرها من قال باتحاد الاسم والمسمى والتسمية عبارة عن فعل المسمى ووضعه الاسم للمسمى كما أن التحلية عبارة عن فعل المحلي ووضعه الحلية على المحلى فهنا ثلاث حقائق اسم ومسمى وتسمية كحلية ومحلى وتحلية وعلامة ومعلم وتعليم ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد لتباين حقائقهما وإذا جعلت الاسم هو المسمى بطل واحد من هذه الحقائق الثلاثة ولا بد. فإن قيل فحلوا لنا شبه من قال باتحادهما ليتم الدليل فإنكم أقمتم الدليل فعليكم الجواب عن المعارض فمنها أن الله وحده هو الخالق وما سواه مخلوق فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل ولا صفة لأن أسماءه صفات وهذا هو السؤال الأعظم الذي قاد متكلمي الإثبات إلى أن يقولوا الاسم هو المسمى فما عندكم في دفعه؟ الجواب أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق ألفاظ مجملة محتملة لمعنيين صحيح وباطل فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني وتنزيل ألفاظها عليها ولا ريب أن الله تبارك وتعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها فلم يزل بأسمائه وصفاته وهو إله واحد له الأسماء الحسنى والصفات العلى وأسماؤه وصفاته داخلة في مسمى اسمه وإن كان لا يطلق على الصفة أنها إله يخلق ويرزق فليست صفاته وأسماؤه غيره وليست هي نفس الإله وبلاء القوم من لفظة الغير فإنه يراد بهما معنيين أحدهما المغاير لتلك الذات المسماة بالله وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقا ويراد به مغايرة الصفة للذات إذا خرجت عنها فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحا ولكن الإطلاق باطل وإذا أريد أن العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلا لفظا ومعنى وبهذا أجاب أهل السنة المعتزلة القائلين بخلق القرآن وقالوا كلامه تعالى داخل في مسمى اسمه فالله تعالى اسم الذات الموصوفة بصفات الكمال ومن تلك الصفات صفة الكلام كما أن علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره غير مخلوقة وإذا كان القرآن كلامه وهو صفة من صفاته فهو متضمن لأسمائه الحسنى فإذا كان القرآن غير مخلوق ولا يقال إنه غير الله فكيف يقال إن بعض ما تضمنه وهو أسماؤه مخلوقة وهي غيره فقد حصحص الحق بحمد الله وانحسم الإشكال وأن أسماءه الحسنى التي في القرآن من كلامه وكلامه غير مخلوق ولا يقال هو غيره ولا هو هو وهذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون أسماؤه تعالى غيره وهي مخلوقة ولمذهب من رد عليهم ممن يقول اسمه نفس ذاته لا غيره وبالتفصيل تزول الشبه ويتبين الصواب والحمد لله حجة ثانية لهم قالوا: قال تبارك وتعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ وهذه الحجة عليهم في الحقيقة لأن النبي امتثل هذا الأمر وقال سبحان ربي الأعلى سبحان ربي العظيم ولو كان الأمر كما زعموا لقال سبحان اسم ربي العظيم ثم إن الأمة كلهم لا يجوز لأحد منهم أن يقول عبدت اسم ربي ولا سجدت لاسم ربي ولا ركعت لاسم ربي ولا باسم ربي ارحمني وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى لا بالاسم وأما الجواب عن تعلق الذكر والتسبيح المأمور به بالاسم فقد قيل فيه إن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم فقد تعظم ما هو من سببه ومتعلق به كما يقال سلام على والباب السامي والمجلس الكريم ونحوه وهذا جواب غير مرض لوجهين: أحدهما أن رسول الله ﷺ لم يفهم هذا المعنى وإنما قال سبحان ربي فلم يعرج على ما ذكرتموه. الثاني أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل وسائر ما يطلق على المسمى فيقال الحمد لاسم الله ولا إله إلا اسم الله ونحوه وهذا مما لم يقله أحد بل الجواب الصحيح أن الذكر الحقيقي محله القلب لأنه ضد النسيان والتسبيح نوع من الذكر فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعا ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما فصار معنى الآيتين سبح ربك بقلبك ولسانك واذكر ربك بقلبك ولسانك فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله لأن اللفظ لا يراد لنفسه فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح دون ما يدل عليه من المعنى وعبر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن هذا المعنى بعبارة لطيفة وجيزة فقال: "المعنى سبح ناطقا باسم ربك" متكلما به وكذا: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاّ أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ المعنى سبح ربك ذاكرا اسمه وهذه الفائدة تساوي رحلة لكن لمن يعرف قدرها فالحمد لله المنان بفضله ونسأله تمام نعمته حجة ثالثة قالوا قال تعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاّ أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ وإنما عبدوا مسمياتها والجواب: أنه كما قلتم إنما عبدوا المسميات ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة كاللات والعزى وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها وليس لها من الألوهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها وهذا كمن سمى قشور البصل لحما وأكلها فيقال ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه وكمن سمى التراب خبزا وأكله يقال: ما أكلت إلا اسم الخبز بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه وما الحكمة ثم إلا مجرد الاسم فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى. فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ولم تدخل في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾؟ قيل التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد دون معنى آخر ويراد به ذلك مع الصلاة وهو ذكر وتنزيه مع عمل ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا فإذا أريد التسبيح المجرد فلا معنى للباء لأنه لا يتعدى بحرف جر لا تقول سبحت بالله وإذا أردت المقرون بالفعل وهو الصلاة أدخلت الباء تنبيها على ذلك المراد كأنك قلت سبح مفتتحا باسم ربك أو ناطقا باسم ربك كما تقول صل مفتتحا أو ناطقا باسمه ولهذا السر والله أعلم دخلت اللام في قوله تعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة ولم يقل في موضع سبح الله ما في السماوات والأرض كما قال ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض﴾ وتأمل قوله تعالى ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾ فكيف قال ﴿ويسبحونه﴾ لما ذكر السجود باسمه الخاص فصار التسبيح ذكرهم له وتنزيههم إياه حجة رابعة قالوا قد قال الشاعر: ؎إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ∗∗∗ ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وكذلك قول الأعشى: داع يناديه باسم الماء مبغوم وهذه حجة عليهم لا لهم أما قوله ثم اسم السلام عليكما فالسلام هو الله تعالى والسلام أيضا التحية فإن أراد الأول فلا إشكال فكأنه قال ثم اسم السلام عليكما أي بركة اسمه وإن أراد التحية فيكون المراد بالسلام المعنى المدلول وباسمه لفظه الدال عليه والمعنى ثم اسم هذا المسمى عليكما فيراد بالأول اللفظ وبالثاني المعنى كما تقول: زيد بطة ونحوه مما يراد بأحدهما اللفظ وبالآخر المدلول فيه وفيه نكتة حسنة كأنه أراد ثم هذا اللفظ باق عليكما جار لا ينقطع مني بل أنا مراعيه دائما وقد أجاب السهيلي عن البيت بجواب آخر وهذا حكاية لفظه فقال لبيد: لم يرد إيقاع التسليم عليهم لحينه وإنما أراد بعد الحول ولو قال: السلام عليكما كان مسلما لوقته الذي نطق فيه بالبيت فكذلك ذكر الاسم الذي هو عبارة عن اللفظ أي إنما اللفظ بالتسليم بعد الحول وذلك أن السلام دعاء فلا يتقيد بالزمان المستقبل وإنما هو لحينه ألا ترى أنه لا يقال بعد الجمعة اللهم ارحم زيدا ولا بعد الموت اللهم اغفر لي إنما يقال اللهم اغفر لي بعد الموت فيكون بعد ظرفا للمغفرة والدعاء واقع لحينه فإن أردت أن تجعل الوقت ظرفا للدعاء صرحت بلفظ الفعل فقلت بعد الجمعة أدعو بكذا أو أسلم أو ألفظ بكذا لأن الظروف إنما يريد بها الأحداث الواقعة فيها خبرا أو أمرا أو نهيا وأما غيرها من المعاني كالطلاق واليمين والدعاء والتمني والاستفهام وغيرها من المعاني فإنما هي واقعة لحين النطق بها وكذلك يقع الطلاق ممن قال بعد يوم الجمعة أنت طالق وهو مطلق لحينه ولو قال: بعد الحول والله لأخرجن انعقدت اليمين في الحال ولا ينفعه أن يقول أردت أن لا أوقع اليمين إلا بعد الحول فإنه لو أراد ذلك لقال بعد الحول أحلف أو بعد الجمعة أطلقك فأما الأمر والنهي والخبر فإنما تقيدت بالظروف لأن الظروف في الحقيقة إنما يقع فيها الفعل المأمور به والمخبر به دون الأمر والخبر فإنهما واقعان لحين النطق بهما فإذا قلت اضرب زيدا يوم الجمعة فالضرب هو المقيد بيوم الجمعة وأما الأمر فأنت في الحال آمر به وكذلك إذا قلت سافر زيد يوم الجمعة فالمتقيد باليوم المخبر به لا الخبر كما أن في قوله: اضربه يوم الجمعة المقيد بالظرف المأمور به لا أمرك أنت فلا تعلق للظرف إلا بالأحداث فقد رجع الباب كله بابا واحدا فلو أن لبيدا قال إلى الحول ثم السلام عليكما لكان مسلما لحينه ولكنه أراد أن لا يوقع اللفظ بالتسليم والوداع إلا بعد الحول وكذلك ذكر الاسم الذي هو بمعنى اللفظ بالتسليم ليكون ما بعد الحول ظرفا له وهذا الجواب من أحد أعاجيبه وبدائعه رحمه الله وأما قوله: باسم الماء والماء المعروف هنا هو الحقيقة المشروبة ولهذا عرفه تعريف الحقيقة الذهنية والبيت لذي الرمة وصدره: لا ينعش الطرف إلا ما تحونه ثم قال: داع يناديه باسم الماء فظن الغالط أنه أراد حكاية صوت الظبية وأنها دعت ولدها بهذا الصوت وهو ماما وليس هذا مراده وإنما الشاعر ألغز لما وقع الإشتراك بين لفظ الماء المشروب وصوتها به فصار صوتها كأنه هو اللفظ المعبر عن الماء المشروب فكأنها تصوت باسم هذا الماء المشروب وهذا لأن صوتها ماما وهذا في غاية الوضوح. [فائدة: اسم (الله) والاشتقاق] زعم أبو القاسم السهيلي وشيخه ابن العربي: أن اسم الله غير مشتق لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها واسمه تعالى قديم والقديم لا مادة له فيستحيل الاشتقاق ولا ريب أنه إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى وأنه مستمد من أصل آخر فهو باطل ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى ولا ألم بقلوبهم وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى كالعليم والقدير والغفور والرحيم والسميع والبصير فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهي قديمة والقديم لا مادة له فما كان جوابكم عن هذه الأسماء فهو جواب القائلين باشتقاق اسم الله ثم الجواب عن الجميع أننا لا نعني بالإشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلا وفرعا ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر وإنما هو العرب تكلموا بالأسماء أولا ثم اشتقوا منها الأفعال فإن التخاطب بالأفعال ضروري كالتخاطب بالأسماء لا فرق بينهما فالإشتقاق هنا ليس هو اشتقاق مادي وإنما هو اشتقاق تلازم سمي المتضمن باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة وقول سيبويه إن الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء هو بهذا الاعتبار لا أن العرب تكلموا بالأسماء أولا ثم اشتقوا منها الأفعال فإن التخاطب بالأفعال ضروري كالتخاطب بالأسماء لا فرق بينهما فالاشتقاق هنا ليس هو اشتقاق مادي وإنما هو اشتقاق تلازم سمي المتضمِّن بالكسر مشتقا والمتضمَّن بالفتح مشتقا منه ولا محذور في اشتقاق أسماء الله تعالى بهذا المعنى. [فائدة: هل الرحمن في البسملة نعت؟] استبعد قوم أن يكون الرحمن نعتا لله تعالى من قولنا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقالوا الرحمن علم والأعلام لا ينعت بها ثم قالوا: هو بدل من اسم الله قالوا: ويدل على هذا أن الرحمن علم مختص بالله تعالى لا يشاركه فيه غيره فليس هو كالصفات التي هي العليم القدير والسميع والبصير ولهذا تجري على غيره تعالى قالوا ويدل عليه أيضا وروده في القرآن غير تابع لما قبله كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ و ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ و ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ وهذا شأن الأسماء المحضة لأن الصفات لا يقتصر على ذكرها دون الموصوف قال السهيلي: والبدل عندي فيه ممتنع وكذلك عطف البيان لأن الاسم الأول لا يفتقر إلى تبيين فإنه أعرف المعارف كلها وأبينها ولهذا قالوا: وما الرحمن ولم يقولوا وما الله ولكنه وإن جرى مجرى الأعلام فهو وصف يراد به الثناء وكذلك الرحيم إلا أن الرحمن من أبنية المبالغة كغضبان ونحوه وإنما دخله معنى المبالغة من حيث كان في آخره ألف ونون كالتثنية فإن التثنية في الحقيقة تضعيف وكذلك هذه الصفة فكأن غضبان وسكران كامل لضعفين من الغضب والسكر فكان اللفظ مضارعا للفظ التثنية لأن التثنية ضعفان في الحقيقة ألا ترى أنهم أيضا قد شبهوا التثنية بهذا البناء إذا كانت لشيئين متلازمين فقالوا الحكمان والعلمان وأعربوا النون كأنه اسم لشيء واحد فقالوا اشترك باب فعلان وباب التثنية ومنه قول فاطمة يا حسنان يا حسينان برفع النون لابنيها ولمضارعة التثنية امتنع جمعه فلا يقال غضابين وامتنع تأنيثه فلا يقال غضبانة وامتنع تنوينه كما لا تنون نون المثنى فجرت عليه كثير من أحكام التثنية لمضارعته إياها لفظا ومعنى. وفائدة الجمع بين الصفتين (الرحمن والرحيم) الإنباء عن رحمة عاجلة وآجلة وخاصة وعامة تم كلامه. قلت: أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت فإنها دالة على صفات كماله فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية فالرحمن اسمه تعالى ووصفه لا تنافي اسميته وصفيته فمن حيث هو صفة جرى تابعا على اسم الله ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع بل ورود الاسم العلم ولما كان هذا الاسم مختصا به تعالى حسن مجيئه مفردا غير تابع كمجيء اسم الله كذلك وهذا لا ينافي دلالته على صفة الرحمن كاسم الله تعالى فإنه دال على صفة الألوهية ولم يجئ قط تابعا لغيره بل متبوعا وهذا بخلاف العليم والقدير والسميع والبصير ونحوها ولهذا لا تجيء هذه مفردة بل تابعة فتأمل هذه النكتة البديعة يظهر لك بها أن الرحمن اسم وصفة لا ينافي أحدهما الآخر وجاء استعمال القرآن بالأمرين جميعا، وأما الجمع بين الرحمن الرحيم ففيه معنى هو أحسن من المعنيين اللذين ذكرهما وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول دال أن الرحمة صفته والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولم يجئ قط رحمن بهم فعلم أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة ورحيم هو الراحم برحمته وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم تنجل لك صورتها. [فائدة: حذف العامل في (بسم الله)] لحذف العامل في بسم الله فوائد عديدة منها: أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر الله فلو ذكرت الفعل وهو لا يستغني عن فاعله كان ذلك مناقضا للمقصود فكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى ليكون المبدوء به اسم الله كما نقول في الصلاة الله أكبر ومعناه من كل شيء ولكن لا نقول هذا المقدر وليكون اللفظ مطابقا لمقصود الجنان وهو أن لا يكون في القلب إلا الله وحده فكما تجرد ذكره في قلب المصلي تجرد ذكره في لسانه ومنها أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالتسمية في كل عمل وقول وحركة وليس فعل أولى بها من فعل فكان الحذف أعم من الذكر فإن أي فعل ذكرته كان المحذوف أعم منه ومنها أن الحذف أبلغ لأن المتكلم بهذه الكلمة كأنه يدعي الاستغناء بالمشاهدة عن النطق بالفعل فكأنه لا حاجة إلى النطق به لأن المشاهدة والحال دالة على أن هذا وكل فعل فإنما هو باسمه تبارك وتعالى والحوالة على شاهد الحال أبلغ من الحوالة على شاهد النطق كما قيل: ؎ومن عجب قول العواذل من به ∗∗∗ وهل غير من أهوى يحب ويعشق [فائدة: عطف الصلاة على البسملة] استشكل طائفة قول المصنفين ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وصلى الله على محمد وآله وقالوا الفعل بعد الواو دعاء بالصلاة والتسمية قبله خبر والدعاء لا يحسن عطفه على الخبر لو قلت مررت بزيد وغفر الله لك لكان غثا من الكلام والتسمية في معنى الخبر لأن المعنى افعل كذا باسم الله وحجة من أثبتها الاقتداء بالسلف. والجواب عما قاله هو أن الواو لم تعطف دعاء على خبر وإنما عطفت الجملة على كلام محكي كأنك تقول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد أو أقول هذا وهذا أو أكتب هذا وهذا.

الفاتحة 1:2

عند قوله: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ تجد تحت هذه الكلمة إثباتَ كل كمال للرب تعالى فعلًا ووصفًا واسمًا، وتنزيهه عن كل سوء وعيب فعلًا ووصفًا واسمًا، فهو محمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه، منزَّهٌ عن العيوب والنقائص في أفعاله وأوصافه وأسمائه، فأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل لا تخرج عن ذلك، وأوصافه كلها أوصاف كمال ونعوت جلال، وأسماؤه كلها حسنى، وحمده قد ملأ الدنيا والآخرة والسماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، فالكون كله ناطق بحمده، والخلق والأمر صادر عن حمده وقائم بحمده ووُجِد بحمده، فحمده هو سبب وجود كل موجود، وهو غاية كل موجود، وكلُّ موجود شاهد بحمده، وإرساله رسوله بحمده، وإنزاله كتبه بحمده، والجنة عُمرتْ بأهلها بحمده، والنار عُمرتْ بأهلها بحمده، وما أُطِيعَ إلا بحمده، وما عُصي إلا بحمده، ولا تسقط ورقة إلا بحمده، ولا يتحرك في الكون ذرة إلا بحمده. وهو المحمود لذاته، وإن لم يحمده العباد، كما أنه هو الواحد الأحد ولو لم يُوحِّده العباد، والإله الحق وإن لم يُؤلِّهوه، وهو سبحانه الذي حَمِد نفسَه على لسان القائل: الحمد لله رب العالمين، كما قال النبي ﷺ: "إن الله تعالى قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده". فهو الحامد لنفسه في الحقيقة على لسان عبده، فإنه الذي أجرى الحمد على لسانه وقلبه، وإجراؤه بحمده، فله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فهذه المعرفة من عبودية الحمد. ومن عبوديته أيضًا أن يعلم أن حمده لربه سبحانه نعمة منه عليه، يستحق عليها الحمدَ، فإذا حمده على هذه النعمة استوجب عليه حمدًا آخر على نعمة حمده، وهلمَّ جرًّا. فالعبد ولو استنفد أنفاسَه كلَّها في حمده على نعمة من نعمه، كان ما يجب له من الحمد ويستحقه فوق ذلك وأضعافه، ولا يُحصِي أحد البتة ثناءً عليه بمحامده. ومن عبودية العبد شهودُ العبد لعجزه عن الحمد، وأن ما قام به منه فالرب سبحانه هو المحمود عليه، إذ هو مُجرِيه على لسانه وقلبه. ومن عبوديته تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد كلها ظاهرةً وباطنةً على ما يحب العبد وما يكرهه، فهو سبحانه المحمود على ذلك كله في الحقيقة، وإن غاب عن شهود العبد. ثم لقوله: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ من العبودية شهود تفرده سبحانه بالربوبية، وأنه كما أنه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومُدبِّر أمورهم ومُوجِدهم ومُفنِيهم، فهو وحده إلههم ومعبودهم وملجأهم ومفزعهم عند النوائب، فلا ربَّ غيره، ولا إلهَ سواه. (لطيفة) قال جعفر بن محمد رضي الله عنه فقدَ أبي بغلة له فقال إن ردها الله عليَّ لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أُتيَ بسرجها ولجامها فركبها، فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال (الحمد لله) لم يزد عليها. فقيل له في ذلك، فقال هل تركت وأبقيت شيئا؟! جعلت الحمد كله لله. (الفرق بين الحمد والمدح) والفرق بينهما أن حمد يتضمن الثناء مع العلم بما يثنى به فإن تجرد عن العلم كان مدحا ولم يكن حمدا فكل حمد مدح دون العكس ومن حيث كان يتضمن العلم بخصال المحمود جاء فعله على حمد بالكسر موازنا لعلم ولم يجئ كذلك مدح فصار المدح في الأفعال الظاهرة كالضرب ونحوه ومن ثم في الكتاب والسنة حمد: ربنا فلانا ويقول مدح الله فلانا وأثنى على فلان ولا تقول حمد إلا لنفسه ولذلك قال سبحانه: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بلام الجنس المفيدة للاستغراق فالحمد كله له إما ملكا وإما استحقاقا فحمده لنفسه استحقاق وحمد العباد له وحمد بعضهم لبعض ملك له فلو حمد هو غيره لم يسغ أن يقال في ذلك الحمد ملك له لأن الحمد كلامه ولم يسغ أن يضاف إليه على جهة الاستحاق وقد تعلق بغيره. فإن قيل: أليس ثناؤه ومدحه لأوليائه إنما هو بما علم، فلم لا يجوز أن يسمى حمدا؟ قيل لا يسمى حمدا على الإطلاق إلا ما يتضمن العلم بالمحاسن على الكمال وذلك معدوم في غيره سبحانه فإذا مدح فإنما يمدح بخصلة هي ناقصة في حق العبد وهو أعلم بنقصانها وإذا حمد نفسه حمد بما علم من كمال صفاته قلت: ليس ما ذكره من الفرق بين الحمد والمدح باعتبار العلم وعدمه صحيحا فإن كل واحد منهما يتضمن العلم بما يحمد به غيره ويمدحه فلا يكون مادحا ولا حامدا من لم يعرف صفات المحمود والممدوح فكيف يصح قوله: إن تجرد عن العلم كان مادحا بل إن تجرد عن العلم كان كلاما بغير علم فإن طابق فصدق وإلا فكذب وقوله: ومن ثم لم يجئ في الكتاب والسنة حمد ربنا فلانا يقال وأين جاء فيهما مدح الله فلانا وقد جاء في السنة ما هو أخص من الحمد وهو الثناء الذي هو تكرار المحامد كما في قول النبي ﷺ لأهل قباء: "ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به " (صحيح) فإذا كان قد أثنى عليهم والثناء حمد متكرر فما يمنع حمده لمن شاء من عباده. ثم الصحيح في تسمية النبي ﷺ محمدا أنه الذي يحمده الله وملائكته وعباده المؤمنون. وأما من قال: الذي يحمده أهل السماوات وأهل الأرض فلا ينافي حمد الله بل حمد أهل السماوات والأرض له بعد حمد الله له فلما حمده الله حمده أهل السماوات والأرض وبالجملة فإذا كان الحمد ثناء خاصا على المحمود لم يمتنع أن يحمد الله تعالى من يشاء من خلقه كما يثني عليه فالصواب في الفرق بين الحمد والمدح أن يقال: الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخبارا مجردا من حب وإرادة أو مقرونا بحبه وإرادته فإن كان الأول فهو المدح وإن كان الثاني فهو الحمد فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه ولهذا كان خبرا يتضمن الإنشاء بخلاف المدح فإنه خبر مجرد فالقائل إذا قال: الحمد لله أو قال: ربنا لك الحمد تضمن كلامه الخبر عن كل ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيط متضمن لكل فرد من أفراد الحمد المحققة والمقدرة وذلك يستلزم إثبات كل كمال يحمد عليه الرب تعالى ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ولا ينبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد ولما كان هذا المعنى مقارنا للحمد لا تتقوم حقيقته إلا به فسره من فسره بالرضى والمحبة وهو تفسير له بجزء مدلوله بل هو رضاء ومحبة ومقارنة للثناء، ولهذا السر والله أعلم جاء فعله على بناء الطبائع والغرائز فقيل: (حمد) لتضمنه الحب الذي هو بالطبائع والسجايا أولى وأحق من فهم وحذر وسقم ونحوه بخلاف الإخبار المجرد عن ذلك وهو المدح فإنه جاء على وزن فعل فقالوا: مدحه لتجرد معناه من معاني الغرائز والطبائع فتأمل هذه النكتة البديعة وتأمل الإنشاء الثابت في قولك ربنا لك الحمد وقولك الحمد لله كيف تجده تحت هذه الألفاظ ولذلك لا يقال موضعها المدح لله تعالى ولا ربنا لك المدح وسره ما ذكرت لك من الأخبار بمحاسن المحمود إخبارا مقترنا بحبه وإرادته وإجلاله وتعظيمه. فإن قلت: فهذا ينقض قولكم إنه لا يمتنع أن يحمد الله تعالى من شاء من خلقه فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا يستحق التعظيم غيره فكيف يعظم أحدا من عباده قلت: المحبة لا تنفك عن تعظيم وإجلال للمحبوب ولكن يضاف إلى كل ذات بحسب ما تقتضيه خصائص تلك الذات فمحبة العبد لربه تستلزم إجلاله وتعظيمه وكذلك محبة الرسول تستلزم توقيره وتعزيزه وإجلاله وكذلك محبة الوالدين والعلماء وملوك العدل وأما محبة الرب عبده فإنها تستلزم إعزازه لعبده وإكرامه إياه والتنويه بذكره وإلقاء التعظيم والمهابة له في قلوب أوليائه فهذا المعنى ثابت في محبته وحمده لعبده سمي تعظيما وإجلالا أو لم يسم ألا ترى أن محبته سبحانه لرسله كيف اقتضت أن نوه بذكرهم في أهل السماء والأرض ورفع ذكرهم على ذكر غيرهم وغضب على من لم يحبهم ويوقرهم ويجلهم وأحل به أنواع العقوبات في الدنيا والآخرة وجعل كرامته في الدنيا والآخرة لمحبيهم وأنصارهم وأتباعهم أولا ترى كيف أمر عباده وأولياءه بالصلاة التي هي تعظيم وثناء على خاتمهم وأفضلهم صلوات الله عليه وسلامه أفليس هذا تعظيما لهم وإعزازا وإكراما وتكريما. فإن قيل: فقد ظهر الفرق بين الحمد والمدح واستبان صبح المعنى وأسفر وجهه فما الفرق بينهما وبين الثناء والمجد الفرق بين الحمد والمدح وبين الثناء والمجد؟ قيل: قد تعدينا طورنا فيما نحن بصدده ولكن نذكر الفرق تكميلا للفائدة فنذكر تقسيما جامعا لهذه المعاني الأربعة أعني الحمد والمدح والثناء والمجد فنقول الإخبار عن محاسن الغير له ثلاث اعتبارات اعتبار من حيث المخبر به واعتبار من حيث الإخبار عنه بالخبر واعتبار من حيث حال المخبر فمن حيث الاعتبار الأول ينشأ التقسيم إلى الحمد والمجد فإن المخبر به إما أن يكون من أوصاف العظمة والجلال والسعة وتوابعها أو من أوصاف الجمال والإحسان وتوابعها فإن كان الأول فهو المجد وإن كان الثاني فهو الحمد وهذا لأن لفظ م ج د في لغتهم يدور على معنى الاتساع والكثرة فمنه قولهم أمجد الدابة علفا أي أوسعها علفا ومنه مجد الرجل فهو ماجد إذا كثر خيره وإحسانه إلى الناس قال الشاعر: أنت تكون ماجد نبيل ... إذا تهب شمأل بليل ومنه قولهم في شجر الغار واستمجد "المرخ" "والعفار" أي كثرت النار فيهما ومن حيث اعتبار الخبر نفسه ينشأ التقسيم إلى الثناء والحمد فإن الخبر عن المحاسن إما متكرر أو لا فإن تكرر فهو الثناء وإن لم يتكرر فهو الحمد فإن الثناء مأخوذ من الثني وهو العطف ورد الشيء بعضه على بعض ومنه ثنيت الثوب ومنه التثنية في الاسم فالمثنى مكرر لمحاسن من يثنى عليه مرة بعد مرة ومن جهة اعتبار حال المخبر ينشأ التقسيم إلى المدح والحمد فإن المخبر عن محاسن الغير إما أن يقترن بإخباره حب له وإجلال أو لا فإن اقترن به الحب فهو الحمد وإلا فهو المدح فحصل هذه الأقسام وميزها ثم تأمل تنزيل قوله تعالى فيما رواه عنه رسول الله ﷺ حين يقول العبد: " (الحمد لله رب العالمين) فيقول الله حمدني عبدي فإذا قال (الرحمن الرحيم) قال أثنى علي عبدي لأنه كرر حمده فإذا قال (مالك يوم الدين) قال مجدني عبدي فإنه وصفه بالملك والعظمة والجلال " رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. فاحمد الله على ما ساقه إليك من هذه الأسرار والفوائد عفوا لم تسهر فيها عينك ولم يسافر فيها فكرك عن وطنه ولم تتجرد في تحصيلها عن مألوفاتك بل هي عرائس معان تجلى عليك وتزف إليك فلك لذة التمتع بها ومهرها على غيرك لك غنمها وعليه غرمها. [فَصْلٌ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ] وَتَكَلَّمَ النّاسُ في الفَرْقِ بَيْنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ أيُّهُما أعْلى وأفْضَلُ؟ وَفِي الحَدِيثِ «الحَمْدُ رَأسُ الشُّكْرِ، فَمَن لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَمْ يَشْكُرْهُ». والفَرْقُ بَيْنَهُما: أنَّ الشُّكْرَ أعَمُّ مِن جِهَةِ أنْواعِهِ وأسْبابِهِ، وأخَصُّ مِن جِهَةِ مُتَعَلَّقاتِهِ. والحَمْدُ أعَمُّ مِن جِهَةِ المُتَعَلَّقاتِ، وأخَصُّ مِن جِهَةِ الأسْبابِ. وَمَعْنى هَذا: أنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالقَلْبِ خُضُوعًا واسْتِكانَةً، وبِاللِّسانِ ثَناءً واعْتِرافًا، وبِالجَوارِحِ طاعَةً وانْقِيادًا. ومُتَعَلَّقُهُ: النِّعَمُ، دُونَ الأوْصافِ الذّاتِيَّةِ، فَلا يُقالُ: شَكَرْنا اللَّهَ عَلى حَياتِهِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وعَلِمْهِ. وهو المَحْمُودُ عَلَيْها. كَما هو مَحْمُودٌ عَلى إحْسانِهِ وعَدْلِهِ، والشُّكْرُ يَكُونُ عَلى الإحْسانِ والنِّعَمِ. فَكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الشُّكْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الحَمْدُ مِن غَيْرِ عَكْسٍ وكُلُّ ما يَقَعُ بِهِ الحَمْدُ يَقَعُ بِهِ الشُّكْرُ مِن غَيْرِ عَكْسٍ. فَإنَّ الشُّكْرَ يَقَعُ بِالجَوارِحِ. والحَمْدَ يَقَعُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ. (فائدة) فإذا قيل: "الحمد كله لله" فهذا له معنيان: أحدهما أنه محمود على كل شيء وبكل ما يحمد به المحمود التام وإن كان بعض خلقه يحمد أيضًا كما يحمد رسله وأنبياؤه وأتباعهم - فذلك من حمده تبارك وتعالى بل هو المحمود بالقصد الأول [وبالذت وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده] فهو المحمود أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وهذا كما أنه بكل شيء عليم، وقد علم غيره من علمه ما لم يكن يعلمه بدون تعليمه، وفي الدعاء المأْثور: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُهُ، ولَكَ المُلْكُ كُلُّهُ، وبِيَدِكِ الخَيْرُ كُلُّهُ، وإلَيْكَ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ، أسْألُكَ مِنَ الخَيْرِ كله وأعُوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ"، وهو سبحانه له الملك وقد آتى من الملك بعض خلقه، وله الحمد وقد آتى غيره من الحمد ما شاءَ. وكما أن ملك المخلوق داخل في ملكه، فحمده أيضًا داخل في حمده، فما من محمود يحمد على شيء مما دق أو جل إلا والله المحمود عليه بالذات والأولوية أيضًا، وإذا قال الحامد: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْد"، فالمراد به أنت المستحق لكل حمد، ليس المراد به الحمد الخارجى فقط. المعنى الثاني أن يقال: "لَكَ الحَمْد كلُّه" أي الحمد التام الكامل فهذا مختص بالله عز وجل ليس لغيره فيه شركة. والتحقيق أن له الحمد بالمعنيين جميعًا، فله عموم الحمد وكماله، وهذا من خصائصه سبحانه، فهو المحمود على كل حال وعلى كل شيء أكمل حمد وأعظمه، كما أن له الملك التام العام فلا يملك كل شيء إلا هو وليس الملك التام الكامل إلا له وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد فإنهم يقولون: إنه خالق كل شيء وربه ومليكه، لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته شيء ألبتة فله الملك كله. والقدرية المجوسية يخرجون من ملكه أفعال العباد، فيخرجون طاعات الأنبياء والمرسلين والملائكة والمتقين من ملكه كما يخرجون سائر حركات الملائكة والجن والإنس عن ملكه. وأتباع الرسل يجعلون ذلك كله داخلًا تحت ملكه وقدرته، ويثبتون كمال الحمد أيضًا، وأنه المحمود على جميع ذلك وعلى كل ما خلقه ويخلقه، لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل. وأما نفاة الحكمة والأسباب من مثبتي القدر فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمدًا كما لا يثبتون له الحكمة، فإن الحمد من لوازم الحكمة، والحكمة إنما تكون في حق من يفعل شيئًا لشيء فيريد بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله. فأما من لا يفعل شيئًا لشيء ألبتة فلا يتصور في حقه الحكمة. (فصل: في بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه) والمقصود بيان شمول حمده تعالى وحكمته لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة وامتحان وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، أنه سبحانه محمود على ذلك مشكور حمد المدح وحمد الشكر، أما حمد المدح فإنه محمود على كل ما خلق إذ هو رب العالمين والحمد لله رب العالمين وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن إذا اقترن بواجبه من الإحسان، والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمه، والطاعة من أجلّ نعمه، وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا وإن كان سببها مسخوطًا مبغوضًا للرب تعالى، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة والاستغفار، وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده من الرجل إذا أضل راحلته بأرض دوِّية مهلكة عليها طعامه وشرابه فأيس منها ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإذا بها قد تعلق خطامها في أصل شجرة فجاءَ حتى أخذها، فالله أفرح بتوبة العبد حين يتوب إليه من هذا براحلته، فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء أحب إليه سبحانه من عدمه، وله أسباب ولوازم لابد منها، وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات وإن كان محبوبًا له فهذا الفرح أحب إليه بكثير ووجوده بدون لازمه ممتنع، فله من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة. هذا بالإضافة إلى الرب جل جلاله، وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفًا على أسباب لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه وإن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه والرب تعالى محمود على الأمرين. فإن اتصل بالذنب الآثار المحبوبة للرب سبحانه من والتوبة والذل والإنابة والانكسار فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وإن لم يتصل به ذلك، فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الذكية الطاهرة في الملأ الأعلى ومعلوم وأن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأرواح الخبيثة في المحل الأسفل، فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له ولا يليق به سواه والرب تعالى محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان والأنعام القابلين له فما كل أحد قابلًا لنعمته تعالى فحمده وحكمته تقتضي أن لا يودع وإحسانه وكنوزه في محل غير قابل لها. ولا يبقى إلا أن يقال: فما الحكمة في خلق هذه الأرواح التي هي غير قابلة لنعمته؟ فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية. وأن خلق الأضداد والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته، وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية. وأيضًا فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن، فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن نكرها بقلبه ويده ولسانه فقط أو بقلبه فقط، ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه ونفسه وبدنه ومصالح دنياه، وآخرته ما لم يكن ينال بدون ذلك، والمقصود بالقصد الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أُوليائه غاية الحكمة، وكان في تمكين أهل الكفر والفسق والعصيان من ذلك إيصال إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه وبذل نفوسهم وأموالهم وقواهم له. فإن تمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، وإنما تكون المحبة صادقة إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة في مرضاة محبوبة والتقرب إليه، فإن بذل له روحه كان هذا أعلى درجات المحبة، ومن المعلوم أن من لوازم ذلك التي لا يحصل إلا بها أو يخلق ذواتًا وأسبابًا وأعمالًا وأخلاقًا وطبائع تقتضي معاداة من يحبه ويؤثر مرضاته لها وعند ذلك تتحق المحبة الصادقة من غيرها فكل أحد يحب الإحسان والراحة والدعة واللذة، ويجب من يوصل إليه ذلك ويحصله له، ولكن الشأْن في أمر وراءَ هذا وهو محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق شيء عليها مما لا يلائمها، فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته ويحب ما يجب ممن يحبه لأجل مخلوقاته فقط من المأْكل والمشرب والمنكح والرياسة، فإن أُعطى منها رضى وإن منعها سخط وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك عبادته، فلولا خلق الأضداد وتسليط أعدائه وامتحان أوليائه بهم لم يستخرج خالص العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والعطاء له والمنع له، ولا عبودية بذل الأرواح في جهاد أعدائه ونصرته وعبودية مفارقة الأمر عنده أحوج ما يكون إليهم عبده في مرضاته ما يتحسر إليهم وهو الذي عاب نفسه وملاذ بها بأيديهم قد جنى بمفارقتهم ومشايعتهم وأما من موالاة الحق عليهم، فلولا الأضداد والأسباب التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار. وأيضًا فلولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فضيلة الصبر وجهاد النفس ومنعها من حظوظها وشهواتها محبة لله وإيثارًا لمرضاته وطلبًا للزلفى لديه والقرب منه. وأيضًا فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة الإنسانية إنسانية، بل كانت ملكية، فإن الله سبحانه خلق خلقه أطوارًا: فخلق الملائكة عقولًا لا شهوات لها ولا طبيعة تتقاضى منها خلاف ما يراد من مادة نورية لا تقتضي شيئًا من الآثار والطبائع المذمومة، وخلق الحيوانات ذوات شهوات لا عقول لها، وخلق الثقلين - الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة لآثار مختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها. وهؤلاءِ هم أهل الامتحان والابتلاءِ، وهم المعرضون للثواب والعقاب ولو شاءَ سبحانه لجعل خلقه على طبيعة واحدة وخلق واحد ولم يفاوت بينهم، لكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة وموجب الربوبية ومقتضى الإلهية، ولو كان الخلق كله طبيعة واحدة ونمطًا واحدًا لوجد الملحد مقالًا وقال: هذا مقتضى الطبيعة، ولو كان فاعلًا بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته ولفعل الشيء وضده والشيء وخلافه. وكذلك لولا شهود هذه الحوادث المشهودة لوجد الملحد أيضًا مقالًا وقال: لو كان لهذا العالم خالقًا مختارًا لوجدت فيه الحوادث على حسب إرادته واختياره، كما روى الحسن أو غيره قال: كان أصحاب محمد ﷺ يقولون: جلَّ ربنا القديم، لم يتغير هذا الخلق لقال الشاك في الله إنه لو كان لهذا العالم خالق لحادثه بينا هو ليل إذ جاءَ نهار وبينا هو نهار إذ جاءَ ليل، بينا هو صحو إذ جاءَ غيم وبينا هو غيم إذ جاءَ صحو، ونحو هذا من الكلام، ولهذا يستدل سبحانه في كتابه بالحوادث تارة وباختلافها تارة، إذ هذا وهذا يستلزم ربوبيته وقدرته واختياره ووقوع الكائنات على وفق مشيئته، فتنوع أفعاله ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه. ولهذا سبحانه خلق النوع الإنساني أربعة أقسام: أحدها لا من ذكر ولا أُنثى وهو خلق أبيهم وأصلهم آدم. الثاني خلقه من ذكر بلا أُنثى كخلق أمهم حواءَ من ضلع من أضلاع آدم من غير أن تحمل بها أُنثى أو يشتمل عليها بطن. الثالث خلقه من أُنثى بلا ذكر كخلق المسيح عيسى ابن مريم ﷺ. الرابع خلق سائر النوع الإنسانى من ذكر وأُنثى، وكل هذا ليدل عباده على كمال قدرته ونفوذ مشيئته وكمال حكمته، وأن الأمر ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له الكافرون به من أن ذلك أمر طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال، وأنه ليس للنوع أب ولا أم وأنه ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلغ وطبيعة تفعل ما يرى ويشاهد، ولم يعلم هؤلاءِ الجهال الضلال أن الطبيعة قوة وصفة فقيرة إلى محلها محتاجة إلى حامل لها، وأنها من أدل الدلائل على وجود أمره في طبعها وخلقها، وأودعها الأجسام وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة، فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته ومملوك من مماليكه وعبيدة مسخرة لأمره تعالى منقادة لمشيئته، ودلائل الصنعة وإمارات الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهدة عليها بأنها مخلوقة مصنوعة، لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف في ذاتها ونفسها، فضلًا عن إسناد الكائنات إليها. والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية والملك، وهو أيضًا من موجبات الحمد فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه أيضًا، فإن مخلوقاته هي موجبات أسمائه وصفاته، فلكل اسم وصفة أثر لا بد من ظهوره فيه واقتضائه له، فيمتنع تعطيل آثار أسمائه وصفاته كما يمتنع تعطيل ذاته عنها، وهذه الآثار لها متعلقات ولوازم يمتنع أن لا توجد كما تقدم التنبيه عليه. وأيضًا فإن تنويع أسباب الحمد أمر مطلوب للرب تعالى محبوب له، فكما تنوعت أسباب الحمد تنوَّع الحمد بتنوُّعها وكثر بكثرتها ومعلوم أنه سبحانه محمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة، كما هو محمود على إكرامه لأهل العدل والإحسان، فهو محمول على هذا وعلى هذا، مع ما يتبع ذلك من حمده على حلمه وعفوه ومغفرته وترك حقوقه ومسامحة خلقه بها والعفو عن كثير من جنايات العبيد فنبههم باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفا عنه، وأنه لو عاجلهم بعقوبته وأخذهم بحقه لقضى إليهم أجلهم ولما ترك على ظهرها من دابة، ولكنه سبقت رحمته غضبه وعفوه انتقامه ومغفرته عقابه، فله الحمد على عفوه وانتقامه، وعلى عدله وإحسانه، ولا سبيل إلى تعطيل أسباب حمده ولا بعضها. فليتدبر اللبيب هذا الموضع حق التدبر، وليعطه حقه يطلعه على أبواب عظيمة من أسرار القدر، ويهبط به على رياض منه معشبة وحدائق مونقة. والله الموفق الهادى للصواب. وأيضًا فإن الله سبحانه نوَّع الأدلة الدالة عليه والتي تعرّف عباده به غاية التنوع، وصرّف الآيات وضرب الأمثال، ليقيم عليهم حجته البالغة ويتم عليهم بذلك نعمته السابغة، ولا يكون لأحد بعد ذلك حجة عليهم سبحانه، بل الحجة كلها له والنعم كلها له والقدرة كلها له فأقام عليهم حجته، ولو شاءَ لسوّى بينهم في الهداية كما قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فأخبر أن له الحجة البالغة، وهي التي بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به فلا يمكن العقل دفعها ولا جحدها، ثم أخبر أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم، ولو شاءَ ذلك لفعله لكمال قدرته ونفوذ مشيئته، ولكن حكمته تأْبى ذلك وعدله يأْبى تعذيب أحد وأخذه بلا حجة، فأقام الحجة وصرّفَ الآيات وضرب الأمثال ونوَّع الأدلة، ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأُمور ولا تنوعت هذه الأدلة والأمثال، ولا ظهرت عزته سبحانه في انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم، ولا حججه التي أقامها على صدق أنبيائه ورسله ولا كان للناس آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله، وأُخرى كافرة يرونهم مثليهم رأْى العين، ولا كان للخلق آية باقية ما بقيت الدنيا في شأْن موسى وقومه وفرعون وقومه وفلق البحر لهم ودخولهم جميعًا فيه ثم إنجاءَ موسى وقومه ولم يغرق أحد منهم وأغرق فرعون وقومه لم ينج منهم أحد، فهذا التعرف إلى عباده وهذه الآيات وهذه العزة والحكمة لا سبيل إلى تعطيلها ألبتة ولا توجد بدون لوازمها. وأيضًا فإن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاءِ والمنع والإكرام والإهانة والإثابة والعقوبة والغضب والرضا والتولية والعزل وإعزاز من يليق به العز وإذلال من يليق به الذل، قال تعالى: ﴿قُلِ اللهُمّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَآءُ وتَنزِعُ المُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وتُعِزّ مَن تَشَآءُ وتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنّكَ عَلىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللّيْلَ في النّهارِ وتُولِجُ النّهارَ في اللّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيّ مِنَ المَيّتِ وتُخْرِجُ الَمَيّتَ مِنَ الحَيّ وتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦-٢٧]، وقال تعالى: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّمَواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، يغفر ذنبًا ويفرّج كَرْبًا ويكشف غمًا وينصر مظلومًا ويأْخذ ظالمًا ويفك عانيًا ويغنى فقيرًا ويجبر كسيرًا ويشفى مريضًا ويقبل عثرة ويستر عورة ويعز ذليلًا ويذل عزيزًا ويعطي سائلًا ويذهب بدولة ويأْتي بأُخرى ويداول الأيام بين الناس ويرفع أقوامًا ويضع آخرين يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه وجرى به قلمه ونفذ فيه حكمه وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة فلا يخرج تصرفه عن ذلك. وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث الحمانى: حدثنا إسحق بن سليمان عن معاوية بن يحيى عن يونس ابن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمِ هو في شَأْن﴾ [الرحمن: ٢٩]، فقال: سئل عنها رسول الله ﷺ فقال: "مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ويُفَرِّجَ كَرْبًا ويَرْفَعَ قَوْمًا ويَضَعَ آخَرِينَ، وفيه أيضًا من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير أبو عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه. أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة: تعرض عليه أعمالكم بالأمس ثلاث ساعات من أول النهار، فيطلع منها على ما يكره فيغضب فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش، فتسبح حملة العرش وسراداقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة، وينفخ جبريل في القرن فلا يبقى خلق لله في السماوات ولا في الأرض إلا سمعه إلا الثقلين، ويسبحون [ثلاث ساعات] حتى يمتلئ الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات ثم يدعو بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات: ﴿يُصَوّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إلَهَ إلاّ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، ﴿يَهَبُ لِمَن يشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، فتلك تسع ساعات. ثم يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الإسراء: ٣٠] فتلك اثنتا عشرة ساعة. ثم قرأ عبد الله: ﴿كُلَّ يومٍ هو في شَأْن﴾ [الرحمن: ٢٩] ثم قال: هذا شأْنكم وشأْن ربكم عز وجل. وذكره الطبراني في المعجم الكبير من وجه آخر. وهذا من تمام تصرفه في ملكه سبحانه، فلو قصر تصرفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن تصرفًا تامًا. والمقصود أن الملك والحمد في حقه متلازمان، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمل حمده، فهو محمود في ملكه وله الملك والقدرة مع حمده، فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته، ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره، لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده، فهو محمود على كل ما خلقة وأمر به حمد شكر وعبودية، وحمد ثناءٍ ومدح، ويجمعهما التبارك، فتبارك الله يشمل ذلك كله، ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، تَباركَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة، والسبيل إلى اعتباره في ذرّات العالم وجزئياته وتفاصيل الأمر والنهي واسعة جدًا، لأن جميع أسمائه تبارك وتعالى حمد، وصفاته حمد وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد والخلق والأمر إنما قام بحمده ووجد بحمده وظهر بحمده وكان الغاية هي حمده فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر: فمن الطرق الدالة على شمول معنى الحمد وانبساطه على جميع المعلومات معرفة أسمائه وصفاته، وإقرار العبد بأن للعالم إلهًا حيًا جامعًا لكل صفة كمال واسم حسن وثناءٍ جميل وفعل كريم وأنه سبحانه له القدرة التامة والمشيئة النافذة والعلم المحيط والسمع الذي وسع الأصوات والبصر الذي أحاط بجميع المبصرات والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات والملك الأعلى الذي لا يخرج عنه ذرة من الذرات والغني التام المطلق من جميع الجهات والحكمة البالغة المشهود آثارها في الكائنات والعزة الغالبة بجميع الوجوه والاعتبارات والكلمات التامات النافذات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من جميع البريات، واحد لا شريك له في ربوبيته ولا في إلهيته، ولا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وليس له من يشركه في ذرة من ذرات ملكه، أو يخلفه في تدبير خلقه، أو يحجبه عن داعيه أو مؤمليه أو سائليه، أو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أو فرية أو كذب كما يكون بين الرعايا وبين الملوك، ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود وفسد العالم بأسره: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا الله لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فلو كان معه آلهة أُخرى كما يقول أعداؤه المبطلون لوقع من النقص في التدبير وفساد الأمر كله ما لا يثبت معه حالٍ، ولا يصلح عليه وجود. ومن أعظم نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له أن يجعلنا عبيدًا له خاصة ولم يجعلنا ربنا منقسمين بين شركاءَ متشاكسين، ولم يجعلنا عبيدًا لإله نحتته الأفكار، لا يسمع أصواتنا ولا يبصر أفعالنا ولا يعلم أحوالنا ولا يملك لعابديه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا تكلم قط ولا يتكلم ولا يأْمر ولا ينهى، ولا ترفع إليه الأيدي ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا يصعد إليه الكلم الطيب، ولا يرفع إليه العمل الصالح، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه ولا محاذيًا له ولا مباينًا، ولا هو مستو على عرشه ولا هو فوق عباده، وحظ العرش منه حظ الحشوش والأخلية ولا تنزل الملائكة من عنده بل لا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه شيء، ولا يحِب ولا يحَب، ولا يلتذ المؤمنون بالنظر إلى وجهه الكريم في دار الثواب، بل ليس له وجه يرى ولا له يد يقبض بها السماوات وأُخرى يقبض بها الأرض، ولا له فعل يقوم به ولا حكمة تقوم به، ولا كلم موسى تكليمًا، ولا تجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا، ولا يجيء يوم القيامة لفصل القضاءِ، ولا ينزل كل ليلة إلى سماءِ الدنيا فيقول لا أسأل عن عبادي غيري، ولا يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه، ويجوز في حكمته تعذيب أنبيائه ورسله وملائكته وأهل طاعته أجمعين من أهل السماوات والأرضين، وتنعيم أعدائه من الكفار به والمحاربين والمكذبين له ولرسله، والكل بالنسبة إليه سواءٌ ولا فرق ألبتة إلا أنه أخبر أنه لا يفعل ذلك، فامتنع للخبر بأنه لا يفعله، لا لأنه في نفسه مناف لحكمته، ومع ذلك فرضاه عين غضبه وغضبه عين رضاه ومحبته كراهته وكراهته محبته، إن هي إلا إرادة محضة ومشيئة صرفة يشاءُ بها لا لحكمة ولا لغاية ولا لأجل مصلحة، ومع ذلك يعذب عباده على ما لم يعملوه ولا قدرة لهم عليه، بل يعذبهم على نفس فعله الذي فعله هو ونسبه إليهم، ويعذبهم إذا لم يفعلوا فعله ويلومهم عليه، يجوز في حكمته أن يعذب رجالًا إذا لم يكونوا نساءَ ونساءً حيث لم يكونوا رجالًا وطوالًا حيث لم يكونوا قصارًا وبالعكس وسودًا إذا لم يكونوا بيضًا وبالعكس، بل تعذيبه لهم على مخالفته هو من هذا الجنس إذ لا قدرة لهم ألبتة على فعل ما أُمروا به ولا ترك ما نهوا عنه. فله الحمد والمنة والثناءُ الحسن الجميل إذ لم يجعلنا عبيدًا لمن هذا شأْنه فنكون مضيعين، ليس لنا رب نقصده، ولا صمد نتوجه إليه ونعبده، ولا إله نعوّل عليه، ولا رب نرجع إليه بل قلوبنا تنادي في طرق الحيرة: من دلنا وجمع علينا ربًا ضائعًا لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محاذ له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا نزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا كلَّم أحدًا ولا يكلمه أحد، ولا ينبغي لأحد أن يذكر صفاته ولايعرفه بها بل يذكرها بلسانه فلا يتكلم بها وبقلبه فلا يعقلها وينبغي له أن يعاقب بالقتل أو بالضرب والحبس من ذكرها أو أخبر عنه بها أو أثبتها له. أو نسبها إلِيه أوْ عرفه بها، بل التوحيد الصرف جحدها وتعطيله عنها ونفى قيامها به واتصافه وما لم تدركه عقولنا من ذلك فالواجب نفيه وجحده وتكفير من أثبته واستحلال دمه وماله أو تبديعه وتضليله وتفسيقه، وكلما كان النفي أبلغ كان التوحيد أتم، فليس كذا وليس كذا أبلغُ في التوحيد من قولنا هو كذا وهو كذا. فللَّه العظيم أعظم حمد وأتمه وأكمله على ما منَّ به من معرفته وتوحيده والإقرار بصفاته العلى وأسمائه الحسنى، وإقرار قلوبنا بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة رب العالمين قيوم السماوات والأرضين إله الأولين والآخرين، ولا يزال موصوفًا بصفات الجلال، منعوتًا بنعوت الكمال، منزهًا عن أضدادها من النقائص والتشبيه والمثال. (فصل) الله - عز وجل - هو المحمود المحبوب المعظم ذو الجلال والإكرام على كل ما قدره وخلقه، وعلى كل ما أمر به وشرعه. ومن كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى واستقر آثارها في الخلق والأمر، رأى الخلق والأمر منتظمين بها أكمل انتظام، ورأى سريان آثارها فيهما وعلم - بحسب معرفته بها ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق، فاستدل بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله فإنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته، وكذلك يعلم ما يليق به أن يأْمر به ويشرعه مما لا يليق به، فيعلم أنه لا يأْمر بخلاف موجب حمده وحكمته. فإذا رأى بعض الأحكام جورًا وظلمًا أو سفهًا وعبثًا ومفسدة أو ما لا يوجب حمدًا وثناءً فليعلم أنه ليس من أحكامه ولا دينه، وأنه بريء منه ورسوله، فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم وبالمصلحة لا بالمفسدة وبالحكمة لا بالعبث والسفه، وإنما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة، فإنه أرحم الراحمين، ورسوله رحمة مهداة إلى العالمين، ودينه كله رحمة، وهو نبي الرحمة وأُمته الأُمة المرحومة وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأًفعاله الحميدة، فلا يخبر عنه إلا بحمده ولا يثنى عليه إلا بأحسن الثناءِ كما لا يسمى إلا بأحسن الأسماءِ. وقد نبه سبحانه على شمول حمده لخلقه وأمره بأن حمد نفسه في أول الخلق وآخره وعند الأمر والشرع وحمد نفسه على ربوبيته للعالَمين، وحمد نفسه على تفرده بالإلهية وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه، وحمد نفسه على علوه وكبريائه، وحمد نفسه في الأُولى والآخرة، وأخبر عن سريان حمده في العالم العلوى والسفلى، ونبه على هذا كله في كتابه وحمد نفسه عليه، فتنوع حمده وأسباب حمده، وجمعها تارة وفرقها أُخرى ليتعرف إلى عباده ويعرفهم كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبب إليهم بذلك ويحبهم إذا عرفوه وأحبوه وحمدوه. قال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وقال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِين﴾ [الكهف: ١-٢]، وقال: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى لَهُ ما فِى السَّمَواتِ وما فِى الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ فِى الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرِ﴾ [سبأ: ١]، وقال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ فاطِرِ السَّمَواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِى أجْنَحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ فِى الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١]، وقال: ﴿وَهُوَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الحَمْدُ فِى الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، وقال: ﴿هُوَ الحى لا إلَهَ إلا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، وقال: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ فِى السّمَواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧-١٨]. أخبر عن حمد خلقه له بعد فصله بينهم والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته ﴿وَقُضِى بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيْلَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. وأخبر عن حمد أهل الجنة له وأنهم لم يدخلوها إلا بحمده، كما أن أهل النار لم يدخلوها إلا بحمده، فقال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِي لَوْلا أنْ هَدانا الله﴾ [الأعراف: ٤٣]، و ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سلامٌ، وآخِرُ دَعْواهم أن الحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وقال عن أهل النار: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ونَزَعْنا مِن كُلّ أُمّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُواْ بُرْهانَكم فَعَلِمُواْ أنّ الحَقّ لِلّهِ وضَلّ عَنْهم مّا كانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٤-٧٥]، وقال: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]. وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم وعلموا أنهم كانوا كاذبين في الدنيا مكذبين بآيات ربهم مشركين به جاحدين لإلهيته مفترين عليه، وهذا اعتراف منهم بعدله فيهم وأخذهم ببعض حقه عليهم وأنه غير ظالم لهم وأنهم إنما دخلوا النار بعدله وحمده وإنما عوقبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه، لا كما تقول الجبرية. وتفصيل هذه الحكمة مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به ولا إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة فكل صفة عليا واسم حسن وثناءٍ جميل وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه فهو محامد له وثناءٌ وتسبيح وتقديس، فسبحانه وبحمده لا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثنى عليه خلقه، فله الحمد أولًا وآخرًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده. فهذا تنبيه على أحد نوعي حمده، وهو حمد الصفات والأسماء. والنوع الثاني حمد النعم والآلاءِ، وهذا مشهود للخليقة برها وفاجرها مؤمنها وكافرها، من جزيل مواهبه وسعة عطاياه وكريم أياديه وجميل صنائعه وحسن معاملته لعباده وسعة رحمته لهم وبره ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرين وكشف كربات المكروبين وإغاثة الملهوفين ورحمته للعالمين وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق بل ابتداءً منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها. ولطفه تعالى في ذلك بإيصاله إلى من أراده بأحسن الألطاف، وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهدايته خاصته وعباده إلى سبل دار السلام، ومدافعته عتهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه وتحبب إليهم بنعمة مع غناه عنهم وتبغضهم إليه بالمعاصي وفقرهم إليه، ومع هذا كله فاتخذ لهم دارًا وأعد لهم فيها من كل ما تشتيهه الأنفس وتلذ الأعين، وملأها من جميع الخيرات وأودعها من النعيم والحبرة والسرور والبهجة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها، ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها، ورضي منهم باليسير في هذه المدة القصيرة جدًا بالإضافة إلى بقاءِ دار النعيم، وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرًا وإن أساؤوا واستغفروه أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات، وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانًا لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم لا بخلًا منه عليهم وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه ونصحهم بأحسن النصائح ووصاهم بأكمل الوصايا وأمرهم بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال. وصرف لهم الآيات وضرب لهم الأمثال ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته وفتح لهم أبواب الهداية وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه، ويخاطبهم بألطف الخطاب ويسميهم بأحسن أسمائهم كقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، ﴿وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]، ﴿يا عِبادِي الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، ﴿قَل لِعِبادِي﴾ [ابراهيم: ٣١]، ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّى﴾ [البقرة: ١٨٦]، فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف كقوله: ﴿يَأيّها النّاسُ اعْبُدُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكم والّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلّكم تَتّقُونَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسّماءَ بِنَآءً وأنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَراتِ رِزْقًا لّكم فَلاَ تَجْعَلُواْ للهِ أندادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١-٢٢]، ﴿ياأيّها النّاسُ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكم مّنَ السّمَآءِ والأرْضِ لاَ إلَهَ إلاّ هو فَأنّىَ تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣]، ﴿ياأيّها النّاسُ إنّ وعْدَ اللهِ حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الحَياةُ الدّنْيا ولاَ يَغُرّنّكم بِاللهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]، ﴿ياأيّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيم الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٦-٧]، ﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللهَ حَقّ تُقاتِهِ ولاَ تَمُوتُنّ إلاّ وأنْتُمْ مّسْلِمُونَ واعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولاَ تَفَرّقُواْ واذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْدَآءً فَألّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلىَ شَفا حُفْرَةٍ مّنَ النّارِ فَأنقَذَكم مّنْها كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ لَعَلّكم تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢-١٠٣]، ﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ بِطانَةً مّن دُونِكم لاَ يَأْلُونَكم خَبالًا ودّواْ ما عَنِتّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَآءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الاَياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] ﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ عَدُوّي وعَدُوّكم أوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدّةِ وقَدْ كَفَرُواْ بِما جَآءَكم مّنَ الحَقّ يُخْرِجُونَ الرّسُولَ وإيّاكم أن تُؤْمِنُواْ بِاللهِ رَبّكم إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغَآءَ مَرْضاتِي تُسِرّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدّةِ وأناْ أعْلَمُ بِمَآ أخْفَيْتُمْ ومَآ أعْلَنتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلّ سَوَآءَ السّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١]، ﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للهِ ولِلرّسُولِ إذا دَعاكُم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُواْ أنّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ واتّقُواْ فِتْنَةً لاّ تُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكم خَآصّةً واعْلَمُواْ أنّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ واذْكُرُواْ إذْ أنتُمْ قَلِيلٌ مّسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أن يَتَخَطّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيّدَكُم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مّنَ الطّيّباتِ لَعَلّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤-٢٦]، ﴿ياأيّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُواْ لَهُ إنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وإن يَسْلُبْهُمُ الذّبابُ شَيْئًا لاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ ما قَدَرُواْ اللهَ حَقّ قَدْرِهِ إنّ اللهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣-٧٤]، ﴿وَإذا قُلْنا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ فَسَجَدُواْ إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبّهِ أفَتَتّخِذُونَهُ وذُرّيّتَهُ أوْلِيَآءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] فتحت هذا الخطاب: إني عاديت إبليس وطردته من سمائى وباعدته من قربي إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريته من دوني وهم أعداءٌ لكم. فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب وشدة لصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة، وأعلم سبحانه عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل وأفضل المنازل وأجل العلوم والمعارف. قال تعالى: ﴿إن تَكْفُرُواْ فَإنّ اللهَ غَنِيّ عَنكم ولاَ يَرْضىَ لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى: ﴿اليَومَ أكْمَلْتُ لَكم دِيْنَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِى ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ واللهُ يُرِيدُ أن يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَواتِ أن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللهُ أن يُخَفّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦-٢٨]. ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التي نسبها إليه من يعرفه حق معرفته ولا قدره حق قدره: من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا طاقة لهم بفعله ألبتة، وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به، وخلق السماوات والأرض وما بينهما لا لحكمة ولا لغاية، وأنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم، ولا ليتكثر بهم من قلة ولا ليتعزز بهم كما قال: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٧]، فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جودًا وإحسانًا ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل الأرباح كقوله: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، ولما أمرهم بالوضوءِ وبالغسل من الجنابة الذي يحط عنهم أوزارهم ويدخلون به عليه ويرفع به درجاتهم، قال تعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في الأضاحى والهدايا: ﴿لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: ﴿وَلاَ تَيَمّمُواْ الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلاّ أن تُغْمِضُواْ فِيهِ واعْلَمُواْ أنّ اللهَ غَنِيّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. يقول سبحانه: إني غنى عما تنفقون أن ينالني منه شيء، حميد مستحق المحامد كلها، فإنفاقكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمدًا، بل هو الغني بنفسه الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته وإنفاقكم إنما نفعه لكم وعائدته عليكم. ومن المتعين على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه، وجذبه للقلوب والأرواح ومخالطته لها أن يعالج قلبه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التي حالت بينه وبين حظه من ذلك، ويتعرض إلى الأسباب التي يناله بها، من صدق الرغبة واللجإ إلى الله أن يحيى قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة، فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة ومن أراد مطالعة أُصول النعم فليسم سرح الذكر في رياض القرآن، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره حين خلق أهل النار وابتلاهم بإبليس وحزبه وتسليط أعدائهم عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها، أعداء الله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدره، وتفصيل ذلك لا تفى به أقلام الدنيا وأوراقها ولا قوى العباد، وإنما هو التنبيه والإشارة. ومن استقرئ الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناءً تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها ومع ذلك فالله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر ولا هجست في الضمائر ولا لاحت لمتوسم ولا سنحت في فكر. ففي دعاء أعرف الخلق بربه تعالى وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده: "أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أوْ أنْزَلْتَهُ فِى كِتابِكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ أوْ اسْتأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أن تَجْعَلَ القُرْآن رَبِيع قَلْبِى ونُورَ صَدْرِى وجَلاءَ حُزْنِي وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي". وفى الصحيح عنه ﷺ في حديث الشفاعة لما يسجد بين يدي ربه قال: "فَيَفْتَحُ قَلبِى مَن مَحامِدهِ بِشَيْءٍ لا أُحْسِنُهُ الآن"، وكان يقول في سجوده: "أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك أعُوذُ بِكَ مِنكَ، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْت عَلى نَفْسِكِ "، فلا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه ألبتة، وله أسماءٌ وأوصاف وحمد وثناءٌ لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر. فإن قيل: فكيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاءِ والامتحان والآلام للأطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه؟ وما تقولون في الأسماءِ الدالة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها؟ قيل: قد تقدم من الكلام في ذلك ما يكفى بعضه لذى الفطرة السليمة والعقل المستقيم وأما من فسدت فطرته وانتكس قلبه وضعفت بصيرة عقله فلو ضرب له من الأمثال ما ضرب فإنه لا يزيده إلا عمى وتحيرًا ونحن نزيد ما تقدم إيضاحًا وبيانًا إذ بسط هذا المقام أولى من اختصاره فنقول: قد علمت أن جميع أسماء الرب سبحانه حسنى وصفاته كمال وأفعاله حكمة ومصلحة، وله كل ثناءٍ وكل حمد ومدحه وكل خير فمنه وله وبيده، والشر ليس إليه بوجه من الوجوه. لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، وإن كان في مفعولاته فهو خير بإضافته إليه وشر بإضافته إلى من صدر عنه ووقع به. فتمسك بهذا الأصل ولا تفارقه في كل دقيق وجليل، وحكمه على كل ما يرد عليك، وحاكم إليه واجعله آخرتك التي ترجع إليها وتعتمد عليها. واعلم أن لله خصائص في خلقه ورحمة وفضلًا يختص به من يشاءُ، وذلك موجب ربوبيته وإلهيته وحمده وحكمته، فإياك ثم إياك أن تصغى إلى وسوسة شياطين الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة إنه هلا سوّى بين عباده في تلك الخصائص وقسمها بينهم على السواءِ، فإن هذا عين الجهل والسفه من المعترض به، وقد بينا فيما تقدم أن حكمته تأْبى ذلك وتمنع منه. ولكن اعلم أن الأمر قسمة بين فضله وعدله، فيختص برحمته من يشاء ُ ويقصد بعذابه من يشاءُ وهو المحمود على هذا، فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته، والخبيثون مقصودون بعذابه، ولكل واحد قسطه من الحكمة والابتلاءِ والامتحان، وكل مستعمل فيما هو له مهيأ وله مخلوق، وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين فإنه تعالى خلقهم للخيرات فهم لها عاملين، واستعملهم فيها فلم يدركوا ذلك إلا به ولا استحقوه إلا بما سبق لهم من مشيئته وقسمته، فكذلك لا تضرهم الأدواءُ ولا السموم، بل متى وسوس لهم العدو واغتالهم بشيء من كيده أو مسهم بشيء من طيفة تذكروا فإذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون وإذا واقعوا في معصية صغيرة أو كبيرة عاد ذلك عليهم رحمة وانقلب في حقهم دواء وبدل حسنة بالتوبة النصوح والحسنات الماحية، لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله وبأن قلوبهم بيده وعصمتهم إليه حيث نقض عزماتهم وقد عزموا أن لا يعصوه، وأراهم عزته في قضائه، وبره وإحسانه في عفوه ومغفرته، وأشهدهم نفوسهم وما فيها من النقص والظلم والجهل، وأشدهم حاجتهم إليه وافتقارهم وذلهم، وأنه إن لم يعف عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل إلى النجاة أبدًا، فإنهم لما أعطوا من أنفسهم العزم أن لا يعصون وعقدوا عليه قلوبهم ثم عصوه بمشيئته وقدرته، عرفوا بذلك عظيم اقتداره وجميل ستره إياهم وكريم حلمه عنهم وسعة مغفرته لهم برد عفوه وحنانه وعطفه ورأْفته، وأنه حليم ذو أناة لا يعجل ورحيم سبقت رحمته غضبه، وأنهم متى رجعوا إليه بالتوبة وجدوه غفورًا رحيمًا، حليمًا كريمًا، يغفر لهم السيئات ويقيلهم العثرات ويودهم بعد التوبة ويحبهم. فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاء وتوسلوا إليه بذل العبيد وعزا الربوبية فتعرف سبحانه إليهم بحسن إجابته وجميل عطفه وحسن امتنانه في أن ألهمهم دعاءه ويسرهم للتوبة والإنابة وأقبلوا بقلوبهم إليه بعد إعراضها عنه، ولم تمنعه معاصيهم وجناياتهم من عطفه عليهم وبره لهم وإحسانه إليهم فتاب عليهم قبل أن يتوبوا إليه، وأعطاهم قبل أن يسألوه فلما تابوا إليه واستغفروه وأنابوا إليه تعرف إليهم تعرفًا آخر: فعرفهم رحمته وحسن عائدته وسعة مغفرته وكريم عفوه وجميل صفحه وبره وامتنانه وكرمه وشرعه، ومبادرته قبولهم بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرور وشدة النفور والإيضاع في طرق معاصيه، وأشهدهم مع ذلك حمده العظيم وبره العميم، وكرمه في أن خلى بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمته وإعانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الإهلاك والفساد الذي لا يرجى معه صلاح، بل تداركهم بالدواء الشافى فاستخرج منهم داء لو استمر معهم لأفضى إلى الهلاك، ثم تداركهم بروح الرجاء فقذفه في قلوبهم وأخبر أنه عند ظنونهم به، ولو أشهدهم عظم الجناية وقبح المعصية وغضبه ومقته على من عصاه فقط لأورثهم ذلك المرض القاتل أو الداء العضال من اليأْس من روحه والقنوط من رحمته، وكان ذلك عين هلاكهم، ولكن رحمهم قبل البلاء وفي حشو البلاء وبعد البلاء وجعل تلك الآثار التي توجبها معصيته من المحن والبلاء والشدائد رحمة لهم وسببًا إلى علو درجاتهم ونيل الزلفى والكرامة عنده، فأشهدهم بالجناية عزة الربوبية وذل العبودية، ورقاهم بآثارها إلى منازل قربه ونيل كرامته، فهم على كل حال يربحون عليه يتقلبون في كرمه وإحسانه، وكل قضاءٍ يقضيه للمؤمن فهو خير به يسوقه إلى كرامته وثوابه، وكذلك عطاياه الدنيوية نعم منه عليهم، فإذا استرجعها أيضًا منهم وسلبهم إياها انقلبت من عطايا الآخرة ما قيل: إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة، فإذا استرجعها كانت عطايا الآخرة، والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه ومضى مشيئته وعظيم سلطانه وعلو شأْنه وكرمه وبره وإحسانه وسعة مغفرته ورحمته وما ألقاه في قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية ووراءه مما لا تحتمله قواهم ولا يخطر ببال ولا يدخل في خلد مما لا نسبة لما عرفوه إليه. فاعلم أن الذين كان قسمهم أنواع المعاصي والفجور، وفنون الكفر والشرك والتقلب في غضبه وسخطه وقلوبهم وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصي والكفر مقرة بأن له الحجة عليهم وأن حقه قبلهم، ولا يذكر أحد منهم النار إلا وهو شاهد بذلك مقر به معترف اعتراف طائع لا مكره مضطهد، فهذه شهادتهم على أنفسهم وشهادة أوليائه عليهم والمؤمنون يشهدون فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه، ولو شهدوا بها وباؤا بها لكانت رحمته أقرب إليهم من عقوبته، فيشهدون أنهم عبيده وملكه وأنه أوجدهم ليظهر بهم مجده وينفذ فيهم حكمه ويمضى فيهم عدله، ويحق عليهم كلمته ويصدق فيهم وعيده ويبين فيهم سابق علمه، ويعمر بهم ديارهم ومساكنهم التي هي محل عدله وحكمته، وشهد أولياؤه عظيم ملكه وعز سلطانه وصدق رسله وكمال حكمته وتمام نعمته عليهم وقدر ما اختصهم به. ومن أي شيء حماهم وصانهم، وأي شيء صرف عنهم، وأنه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجوده يتوسلون بها إليه أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من أصحاب اليميني، وشهدوا له سبحانه بأن ما كان منه إليهم وفيهم مما يقتضيه إتمام كلماته الصدق والعدل قوله وتحقق مقتضى أسمائه فهو محض حقه. وكل ذلك منه حسن جميل له عليه أتم حمد وأكمله وأفضله، وهو حكم عدل وقضاءٌ فصل، وأنه المحمود على ذلك كله فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث، بل ذلك عين الحكمة ومحض الحمد وكمال أظهره في حقه وعز أبداه وملك أعلنه ومراد له أنفذه كما فعل بالبدن وضروب الأنعام أتم بها مناسك أوليائه وقرابين عباده، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام هلاكًا وإتلافًا، فأعداؤه الكفار المشركون به الجاحدون أولى أن تكون دماؤهم قرابين أوليائه وضحايا المجاهدين في سبيله، كما قال حسان بن ثابت: ؎يتطهرون - يرونه قربانهم ∗∗∗ بدماءِ من علقوا من الكفار وكذلك لما ضحى خالد بن عبد الله القسري بشيخ المعطلة الفرعونية جعد بن درهم، فإن خطبهم في يوم أضحى، فلما أكمل خطبته قال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى عما يقول الجعد علوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه، فكان ضحيته. وذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال، فهذا شهود أوليائه من شأن أعدائه، ولكن أعداؤه في غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به، ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانه ورحمته، ولكن لما حجبوا عن معرفته ومحبته وتوحيده وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا ووصفه بما يليق به وتنزيهه عما لا يليق به صاروا أسوأ حالًا من الأنعام وضربوا بالحجاب، وأبعدوا عنه بأقصى البعد وأخرجوا من نوره إلى الظلمات، وغيبت قلوبهم في الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته في غابات، ليتم عليهم أمده، وينفذ فيهم حكمه، والله عليم حكيم، والله أعلم. (فائِدَة) تأمّل خطاب القُرْآن تَجِد ملكا لَهُ الملك كُله وله الحَمد كُله، أزِمَّة الأُمُور كلها بِيَدِهِ، ومصدرها مِنهُ، ومردها إلَيْهِ، مستويا على سَرِير ملكه، لا تخفى عَلَيْهِ خافية في أقطار مَمْلَكَته، عالما بِما في نفوس عبيده، مطّلعا على أسرارهم وعلانيتهم، مُنْفَردا بتدبير المملكة، يسمع ويرى ويُعْطِي ويمْنَع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق، ويُمِيت ويحيي، ويقدر ويَقْضِي ويدبّر، الأُمُور نازلة من عِنْده دقيقها وجليلها وصاعدة إلَيْهِ لا تتحرك في ذرّة إلّا بِإذْنِهِ ولا تسْقط ورقة إلّا بِعِلْمِهِ. فتأمّل كَيفَ تَجدهُ يثني على نَفسه ويمجّد نَفسه ويحمد نَفسه وينْصَح عباده ويدلّهم على ما فِيهِ سعادتهم وفلاحهم ويرغّبهم فِيهِ ويحذّرهم مِمّا فِيهِ هلاكهم ويتعرّف إلَيْهِم بأسمائه وصِفاته ويتححب إلَيْهِم بنعمه وآلائه فيذكّرهم بنعمه عَلَيْهِم ويَأْمُرهم بِما يستوجبون بِهِ تَمامها ويحذّرهم من نقمه ويذكّرهم بِما أعد لَهُم من الكَرامَة إن أطاعوه وما أعد لَهُم ما العقُوبَة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكَيف كانَت عاقِبَة هَؤُلاءِ وهَؤُلاء ويثني على أوليائه بِصالح أعْمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسيئ أعْمالهم وقبيح صفاتهم ويضْرب الأمْثال وينوّع الأدلّة والبراهين ويجيب عَن شبه أعدائه أحسن الأجْوِبَة ويصدق الصّادِق ويكذب الكاذِب ويَقُول الحق ويهْدِي السَّبِيل ويَدْعُو إلى دار السَّلام ويذكر أوصافها وحسنها ونَعِيمها ويحذّر من دار البَوار ويذكر عَذابها وقبحها وآلامها ويذكر عباده فَقرهمْ إلَيْهِ وشدّة حاجتهم إلَيْهِ من كل وجه وأنَّهم لا غنى لَهُم عَنهُ طرفَة عين ويذكر غناهُ عَنْهُم وعَن جَمِيع الموجودات، وأنه الغَنِيّ بِنَفسِهِ عَن كل ما سواهُ، وكل ما سواهُ فَقير إلَيْهِ بِنَفسِهِ، وأنه لا ينال أحد ذرة من الخَبَر فَما فَوْقها إلّا بفضله ورَحمته ولا ذرّة من الشَّرّ فَما فَوْقها إلّا بعدله وحكمته، ويشْهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب، وأنه مَعَ ذَلِك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم، والدافع عَنْهُم والمحامي عَنْهُم والناصر لَهُم، والكَفِيل بمصالحهم، والمنجي لَهُم من كل كرب، والموفي لَهُم بوعده، وأنه وليّهم الَّذِي لا ولي لَهُم سواهُ فَهو مَوْلاهُم الحق ونصيرهم على عدوهم فَنعم المولى ونعم النصير. فَإذا شهِدت القُلُوب من القُرْآن ملكا عَظِيما رحِيما جوادا جميلا هَذا شَأْنه فَكيف لا تحبّه وتنافس في القرب مِنهُ وتنفق أنفاسها في التودد إلَيْهِ ويكون أحب إلَيْها من كل ما سواهُ ورضاهُ آثر عِنْدها من رضا كل ما سواهُ وكَيف لا تلهج بِذكرِهِ ويصير حبه والشوق إلَيْهِ والأنس بِهِ هو غذائها وقوتها ودواؤها بِحَيْثُ إن فقدت ذَلِك فَسدتْ وهَلَكت ولم تَنْفَع بحياتها. [فَصْلٌ: والمُقِرُّونَ بِالرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ صانِعُ العالَمِ نَوْعانِ] نَوْعٌ يَنْفِي مُبايَنَتَهُ لِخَلْقِهِ، ويَقُولُونَ: لا مُبايِنَ ولا مُحايِثَ، ولا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ، ولا فَوْقَهُ ولا تَحْتَهُ، ولا عَنْ يَمِينِهِ ولا عَنْ يَسارِهِ، ولا خَلْفَهُ ولا أمامَهُ، ولا فِيهِ ولا بائِنَ عَنْهُ. فَتَضَمَّنَتِ الفاتِحَةُ الرَّدَّ عَلى هَؤُلاءِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِ، فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ المَحْضَةَ تَقْتَضِي مُبايَنَةَ الرَّبِّ لِلْعالَمِ بِالذّاتِ، كَما بايَنَهم بِالرُّبُوبِيَّةِ، وبِالصِّفاتِ والأفْعالِ، فَمَن لَمْ يُثْبِتْ رَبًّا مُبايِنًا لِلْعالَمِ، فَما أثْبَتَ رَبًّا، فَإنَّهُ إذا نَفى المُبايَنَةَ لَزِمَهُ أحَدُ أمْرَيْنِ، لُزُومًا لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ ألْبَتَّةَ: إمّا أنْ يَكُونَ هو نَفْسَ هَذا العالَمِ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُهُ، فَإنَّ العالَمَ لا يُبايِنُ ذاتَهُ ونَفْسَهُ، ومِن هاهُنا دَخَلَ أهْلُ الوَحْدَةِ، وكانُوا مُعَطِّلَةً أوَّلًا، واتِّحادِيَّةً ثانِيًا. وَإمّا أنْ يَقُولَ: ما ثَمَّ رَبٌّ يَكُونُ مُبايِنًا ولا مُحايِثًا، ولا داخِلًا ولا خارِجًا، كَما قالَتْهُ الدَّهْرِيَّةُ المُعَطِّلَةُ لِلصّانِعِ. وَأمّا هَذا القَوْلُ الثّالِثُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمْعِ النَّقِيضَيْنِ: إثْباتِ رَبٍّ مُغايِرٍ لِلْعالَمِ مَعَ نَفْيِ مُبايَنَتِهِ لِلْعالَمِ، وإثْباتِ خالِقٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، لا في العالَمِ ولا خارِجَ العالَمِ، ولا فَوْقَ العالَمِ ولا تَحْتَهُ، ولا خَلْفَهُ ولا أمامَهُ، ولا يَمْنَتَهُ ولا يَسْرَتَهُ فَقَوْلٌ لَهُ خَبِيءٌ، والعُقُولُ لا تَتَصَوَّرُهُ حَتّى تُصَدِّقَ بِهِ، فَإذا اسْتَحالَ في العَقْلِ تَصَوُّرُهُ، فاسْتِحالَةُ التَّصْدِيقِ بِهِ أظْهَرُ وأظْهَرُ، وهو مُنْطَبِقٌ عَلى العَدَمِ المَحْضِ، والنَّفْيِ الصِّرْفِ، وصِدْقُهُ عَلَيْهِ أظْهَرُ عِنْدَ العُقُولِ والفِطَرِ مِن صِدْقِهِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ. فَضَعْ هَذا النَّفْيَ وهَذِهِ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلَيْهِ عَلى العَدَمِ المُسْتَحِيلِ، ثُمَّ ضَعْها عَلى الذّاتِ العَلِيَّةِ القائِمَةِ بِنَفْسِها، الَّتِي لَمْ تَحِلَّ في العالَمِ، ولا حَلَّ العالَمُ فِيها، ثُمَّ انْظُرْ أيَّ المَعْلُومِينَ أوْلى بِهِ؟ واسْتَيْقِظْ لِنَفْسِكَ، وقُمْ لِلَّهِ قَوْمَةَ مُفَكِّرٍ في نَفْسِهِ في الخَلْوَةِ في هَذا الأمْرِ، مُتَجَرِّدٍ عَنِ المَقالاتِ وأرْبابِها، وعَنِ الهَوى والحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ، صادِقًا في طَلَبِ الهِدايَةِ مِنَ اللَّهِ، فالَلَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُخَيِّبَ عَبْدًا هَذا شَأْنُهُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لا تَحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِن إثْباتِ رَبٍّ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، مُبايِنٍ لِخَلْقِهِ، بَلْ هَذا نَفْسُ تَرْجَمَتِها. [فَصْلٌ: المُثْبِتُونَ لِلْخالِقِ تَعالى] ثُمَّ المُثْبِتُونَ لِلْخالِقِ تَعالى نَوْعانِ: أهْلُ تَوْحِيدٍ، وأهْلُ إشْراكٍ، وأهْلُ الإشْراكِ نَوْعانِ: أحَدُهُما: أهْلُ الإشْراكِ بِهِ في رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ، كالمَجُوسِ ومَن ضاهاهم مِنَ القَدَرِيَّةِ، فَإنَّهم يُثْبِتُونَ مَعَ اللَّهِ خالِقًا آخَرَ، وإنْ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهُ مُكافِئٌ لَهُ، والقَدَرِيَّةُ المَجُوسِيَّةُ تُثْبِتُ مَعَ اللَّهِ خالِقِينَ لِلْأفْعالِ، لَيْسَتْ أفْعالُهم مَقْدُورَةً لِلَّهِ، ولا مَخْلُوقَةً لَهُمْ، وهي صادِرَةٌ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْها، ولا هو الَّذِي جَعَلَ أرْبابَها فاعِلِينَ لَها، بَلْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا أنْفُسَهم شائِينَ مُرِيدِينَ فاعِلِينَ. فَرُبُوبِيَّةُ العالَمِ الكامِلَةُ المُطْلَقَةُ الشّامِلَةُ تُبْطِلُ أقْوالَ هَؤُلاءِ كُلِّهِمْ، لِأنَّها تَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ والحَرَكاتِ والأفْعالِ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِ القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ: أنَّهُ تَعالى لَيْسَ رَبًّا لِأفْعالِ الحَيَوانِ، ولا تَناوَلَتْها رُبُوبِيَّتُهُ، وكَيْفَ تَتَناوَلُ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وخَلْقِهِ؟ مَعَ أنَّ في عُمُومِ حَمْدِهِ ما يَقْتَضِي حَمْدَهُ عَلى طاعاتِ خَلْقِهُ، إذْ هو المُعِينُ عَلَيْها والمُوَفِّقُ لَها، وهو الَّذِي شاءَها مِنهم كَما قالَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فَهو مَحْمُودٌ عَلى أنْ شاءَها لَهُمْ، وجَعَلَهم فاعِلِيها بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَهو المَحْمُودُ عَلَيْها في الحَقِيقَةِ، وعِنْدَهم أنَّهم هُمُ المَحْمُودُونَ عَلَيْها، ولَهُمُ الحَمْدُ عَلى فِعْلِها، ولَيْسَ لِلَّهِ حَمْدٌ عَلى نَفْسِ فاعِلِيَّتِها عِنْدَهُمْ، ولا عَلى ثَوابِهِ وجَزائِهِ عَلَيْها. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ فاعِلِيَّتَها بِهِمْ لا بِهِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ الجَزاءَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقَ الأُجْرَةِ عَلى المُسْتَأْجِرِ، فَهو مَحْضُ حَقِّهِمْ، الَّذِي عاوَضُوهُ عَلَيْهِ. وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ رَدٌّ ظاهِرٌ عَلَيْهِمْ، إذِ اسْتِعانَتُهم بِهِ إنَّما تَكُونُ عَنْ شَيْءٍ هو بِيَدِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعِينُ مَن بِيَدِهِ الفِعْلُ وهو مُوجِدُهُ، إنْ شاءَ أوْجَدَهُ وإنْ شاءَ لَمْ يُوجِدْهُ بِمَن لَيْسَ ذَلِكَ الفِعْلُ بِيَدِهِ، ولا هو داخِلٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ولا مَشِيئَتِهِ؟ وَفِي قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْضًا رَدٌّ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ الهِدايَةَ المُطْلَقَةَ التّامَّةَ هي المُسْتَلْزِمَةُ لِحُصُولِ الِاهْتِداءِ، ولَوْلا أنَّها بِيَدِهِ تَعالى دُونَهم لَما سَألُوهُ إيّاها، وهي المُتَضَمِّنَةُ لِلْإرْشادِ والبَيانِ، والتَّوْفِيقِ والإقْدارِ، وجَعْلِهِمْ مُهْتَدِينَ، ولَيْسَ مَطْلُوبُهم مُجَرَّدَ البَيانِ والدِّلالَةِ كَما ظَنَّتْهُ القَدَرِيَّةُ، لِأنَّ هَذا القَدَرَ وحْدَهُ لا يُوجِبُ الهُدى، ولا يُنْجِي مِنَ الرَّدى، وهو حاصِلٌ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى، واشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى. (فَصْلٌ) النَّوْعُ الثّانِي: أهْلُ الإشْراكِ بِهِ في إلَهِيَّتِهِ، وهُمُ المُقِرُّونَ بِأنَّهُ وحْدَهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، ومَلِيكُهُ وخالِقُهُ، وأنَّهُ رَبُّهم ورَبُّ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ، ورَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، وهم مَعَ هَذا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، ويَعْدِلُونَ بِهِ سِواهُ في المَحَبَّةِ والطّاعَةِ والتَّعْظِيمِ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، فَهَؤُلاءِ لَمْ يُوَفُّوا " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ " حَقَّهُ، وإنْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِن " نَعْبُدُكَ " لَكِنْ لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِن إيّاكَ نَعْبُدُ المُتَضَمِّنِ مَعْنى: لا نَعْبُدُ إلّا إيّاكَ حُبًّا وخَوْفًا ورَجاءً وطاعَةً وتَعْظِيمًا، فَ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ " تَحْقِيقٌ لِهَذا التَّوْحِيدِ، وإبْطالٌ لِلشِّرْكِ في الإلَهِيَّةِ، كَما أنَّ " إيّاكَ نَسْتَعِينُ " تَحْقِيقٌ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإبْطالٌ لِلشِّرْكِ بِهِ فِيها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فَإنَّهم أهْلُ التَّوْحِيدِ، وهم أهْلُ تَحْقِيقِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " وأهْلُ الإشْراكِ هم أهْلُ الغَضَبِ والضَّلالِ. (فصل) تأمل أسرار كلام الرب تعالى وما تضمنته آيات الكتاب المجيد من الحكمة البالغة الشاهدة بأنه كلام رب العالمين والشاهدة لرسوله بأنه الصادق المصدوق، وهذا كله من مقتضى حكمته وحمده تعالى وهو معنى كونه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، ولم يخلق ذلك باطلا بل خلقه خلقا صادرا عن الحق آيلا إلى الحق مشتملا على الحق فالحق سابق لخلقها مقارن له غاية له، ولهذا أتى بالباء الدالة على هذا المعنى دون اللام المفيدة لمعنى الغاية وحدها فالباء مفيدة معنى اشتمال خلقها على الحق السابق والمقارن والغاية فالحق السابق صدور ذلك عن علمه وحكمته فمصدر خلقه تعالى وأمره عن كمال علمه وحكمته، وبكمال هاتين الصفتين يكون المفعول الصادر عن الموصوف بهما حكمه كله ومصلحة وحقا ولهذا قال تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فأخبر أن مصدر التلقي عن علم المتكلم وحكمته وما كان كذلك كان صدقا وعدلا وهدى وإرشادا. وكذلك قالت الملائكة لامرأة إبراهيم حين قالت: أألد وأنا عجوز عقيم ﴿قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وهذا راجع إلى قوله وخلقه وهو خلق الولد لها على الكبر. وأما مقارنة الحق لهذه المخلوقات فهو ما اشتملت من الحكم والمصالح والمنافع والآيات الدالة للعباد على الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسله وأن لقاءه حق لا ريب فيه ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة بذلك بل شهادتها أتم من شهادة الخبر المجرد لأنها شهادة حال لا يقبل كذبا فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقا حق تأمله إلا وجده دالا على فاطره وبارئه وعلى وحدانيته وعلى كمال صفاته وأسمائه وعلى صدق رسله وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقة وبما لو تأملوه لرأوه مركوزا في فطرهم مستقرا في عقولهم وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه من أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار. وقد بينت في موضع آخر أن كل حركة تشاهد على اختلاف أنواعها فهي دالة على التوحيد والنبوات والمعاد بطريق سهلة واضحة برهانية وكذلك ذكرت في رسالة إلى بعض الأصحاب بدليل واضح أن الروح مركوز في أصل فطرتها وخلقتها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الإنسان لو استقصى التفتيش لوجد ذلك مركوزا في نفس روحه وذاته وفطرته فلو تأمل العاقل الروح وحركتها فقط لاستخرج منها الإيمان بالله تعالى وصفاته والشهادة بأنه لا إله إلا هو والإيمان برسله وملائكته ولقائه، وإنما يصدق بهذا من أشرقت شمس الهداية على أفق قلبه وانجابت عنه سحائب غيبه وانكشف عن قلبه حجاب ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فهنالك يبدو له سر طال عنه اكتتامه ويلوح له صباح هو ليله وظلامه فقف الآن عند كل كلمة من قوله تعالى: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وفي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ... وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ثم تأمل وجه كونها آية وعلى ماذا جعلت آية أعلى مطلوب واحد أم مطالب متعددة وكذلك سائر ما في القرآن الكريم من هذا النمط كآخر سورة آل عمران وقوله في سورة الروم: ﴿وَمِن آياتِه﴾ إلى آخرها وقوله في سورة النمل: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ إلى آخر الآيات وأضعاف ذلك في القرآن الكريم وكقوله في سورة الذاريات ﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ فهذا كله من الحق الذي خلقه به السماوات والأرض وما بينهما وهو حق لوجود هذه المخلوقات مسطور في صفحاتها يقرؤه كل موفق كاتب وغير كاتب كما قيل: ؎تأمل سطور الكائنات فإنها ∗∗∗ من الملأ الأعلى إليك رسائل ؎وقد خط فيها لو تأملت خطها ∗∗∗ ألا كل شيء ما خلا الله باطل وأما الحق الذي هو غاية خلقها فهو غاية تراد من العباد وغاية تراد بهم فالتي تراد منهم أن يعرفوا الله تعالى وصفات كماله عز وجل وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئا فيكون هو وحده إلههم ومعبودهم ومطاعهم ومحبوبهم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فأخبر أنه خلق العالم ليعرف عباده كمال قدرته وإحاطة علمه وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده وقال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فهذه الغاية هي المرادة من العباد وهي أن يعرفوا ربهم ويعبدوه وحده. وأما الغاية المرادة بهم فهي الجزاء بالعدل والفضل والثواب والعقاب قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ وقال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلاّ مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ فتأمل الآن كيف اشتمل خلق السماوات والأرض وما بينهما على الحق أولا وآخرا ووسطا وأنها خلقت بالحق، وللحق، وشاهدة بالحق. وقد أنكر تعالى على من زعم خلاف ذلك فقال: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ثم نزه نفسه عن هذا الحسبان المضاد لحكمته وعلمه وحمده فقال ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ وتأمل ما في هذين الاسمين وهما الملك الحق من إبطال هذا الحسبان الذي ظنه أعداؤه إذ هو مناف لكمال ملكه ولكونه الحق إذ الملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي فيتصرف في خلقه بقوله وأمره وهذا هو الفرق بين الملك والمالك إذ المالك هو المتصرف بفعله والملك هو المتصرف بفعله وأمره والرب تعالى مالك الملك فهو المتصرف بفعله وأمره فمن ظن أنه خلق خلقه عبثا لم يأمرهم ولم ينههم فقد طعن في ملكه ولم يقدره حق قدره كما قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فمن جحد شرع الله وأمره ونهيه وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة فقد طعن في ملك الله ولم يقدره حق قدره وكذلك كونه تعالى إله الخلق يقتضي كمال ذاته وصفاته وأسمائه ووقوع أفعاله على أكمل الوجوه وأتمها فكما أن ذاته الحق فقوله الحق ووعده الحق وأمره الحق وأفعاله كلها حق وجزاؤه المستلزم لشرعه ودينه ولليوم الآخر حق فمن أنكر شيئا من ذلك فما وصف الله بأنه الحق المطلق من كل وجه وبكل اعتبار فكونه حقا يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه فكيف يظن بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثا وأن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم كما قال تعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى " وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب وهو الأمر والنهي والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه إلى غاية كماله الذي خلق له. فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه، فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها. وتأمل كيف لما زعم أعداؤه الكافرون أنه لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله وأنه لا يبعثهم للثواب والعقاب كيف كان هذا الزعم منهم قولا بأن خلق السماوات والأرض باطل فقال تعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ فلما ظن أعداؤه أنه لم يرسل إليهم رسولا ولم يجعل لهم أجلا للقائه كان ذلك ظنا منهم أنه خلق خلقه باطلا ولهذا أثنى تعالى على عباده المتفكرين في مخلوقاته بأن أوصلهم فكرهم فيها إلى شهادتهم بأنه تعالى لم يخلقها باطلا وأنهم لما علموا ذلك وشهدوا به علموا أن خلقها يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه فذكروا في دعائهم هذين الأمرين فقالوا ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ فلما علموا أن خلق السماوات والأرض يستلزم الثواب والعقاب تعوذوا بالله من عقابه، ثم ذكروا الإيمان الذي أوقعهم عليه فكرهم في خلق السماوات والأرض فقالوا ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ فكانت ثمرة فكرهم في خلق السماوات والأرض الإقرار به تعالى وبوحدانيته وبدينه وبرسله وبثوابه وعقابه فتوسلوا إليه بإيمانهم الذي هو من أعظم فضله عليهم إلى مغفرة ذنوبهم وتكفير سيئاتهم وإدخالهم مع الإبرار إلى جنته التي وعدهموها وذلك تمام نعمته عليهم فتوسلوا بإنعامه عليهم أولا إلى إنعامه عليهم آخرا وتلك وسيلة بطاعته إلى كرامته وهو إحدى الوسائل إليه وهي الوسيلة التي أمرهم بها في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ وأخبر عن خاصة عبادهم أنهم يبتغون الوسيلة إليه إذ يقول تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ على أن في هاتين الآيتين أسرارا بديعة ذكرتها في كتاب (التحفة المكية في بيان الملة الإبراهيمية) فأثمر لهم فكرهم الصحيح في خلق السماوات والأرض أنه لم يخلقها باطلا وأثمر لهم الإيمان بالله ورسوله ودينه وشرعه وثوابه وعقابه والتوسل إليه بطاعته والإيمان به. وهذا الذي ذكرناه في هذا الفصل قطرة من بحر لا ساحل له فلا تستطله فإنه كنز من كنوز العلم لا يلائم كل نفس، ولا يقبله كل محروم، والله يختص برحمته من يشاء. (فصل: في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر) حكى أبو الفرج ابن الجوزي في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أن الصبر أفضل. والثاني أن الشكر أفضل. والثالث أنهما سواء، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت" ونحن نذكر ما احتجت به كل فرقة وما لها وعليها في احتجاجها بعون الله وتوفيقه. فصل: قال الصابرون قد أثنى الله سبحانه على الصبر وأهله ومدحه وأمر به وعلق عليه خير الدنيا والآخرة وقد ذكره الله في كتابه في نحو تسعين موضعا وقد تقدم من النصوص والأحاديث فيه وفي فضله ما يدل على أنه أفضل من الشكر ويكفي في فضله قوله "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر" فذكر ذلك في معرض تفضيل الصبر ورفع درجته على الشكر فإنه ألحق الشاكر بالصابر وشبهه به ورتبة المشبه به أعلى من رتبة المشبه وهذا كقوله: "مدمن الخمر كعابد وثن " ونظائر ذلك قالوا وإذا وازنا بين النصوص الواردة في الصبر والواردة في الشكر وجدنا نصوص الصبر أضعافها ولهذا لما كانت الصلاة والجهاد أفضل الأعمال كانت الأحاديث فيهما في سائر الابواب فلا تجد الأحاديث النبوية في باب أكثر منها في باب الصلاة والجهاد قالوا وأيضا فالصبر يدخل في كل باب بل في كل مسئلة من مسائل الدين ولهذا كان من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد قالوا وأيضا فالله سبحانه وتعالى علق على الشكر الزيادة فقال ﴿وإذ تأذن ربكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ وعلق على الصبر الجزاء بغير حساب وأيضا فإنه سبحانه أطلق جزاء الشاكرين فقال وسيجزى الله الشاكرين وقيد جزاء الصابرين بالإحسان فقال ﴿ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ قالوا وقد صح عن النبي أنه قال: يقول الله تعالى: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به ". وفي لفظ: " كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وما ذاك إلا لأنه صبر النفس ومنعها من شهواتها كما في الحديث نفسه يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ولهذا قال النبي لمن سأله عن أفضل الأعمال: " عليك بالصوم فإنه لا عدل له" ولما كان الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الهوى وكان هذا حقيقة الصوم فإنه حبس النفس عن إجابة داعي شهوة الطعام والشراب والجماع فسر الصبر في قوله تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ أنه الصوم وسمى رمضان شهر الصبر. وقال بعض السلف الصوم نصف الصبر وذلك أن الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الشهوة والغضب فإن النفس تشتهى الشيء لحصول اللذة بإدراكه وتغضب لنفرتها من المؤلم لها والصوم صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب ولكن من تمام الصوم وكماله صبر النفس عن إجابة داعي الأمرين وقد أشار إلى ذلك النبي في الحديث الصحيح وهو قوله: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يجهل ولا يصخب فإن أحد سابه أو شاتمه فليقل إني صائم " فأرشد إلى تعديل قوى الشهوة والغضب وأن الصائم ينبغي له أن يحتمى من إفسادهما لصومه فهذه تفسد صومه وهذه تحبط أجره كما قال في الحديث الآخر: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ". قالوا ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى إنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقال تعالى والله مع الصابرين لا شيء يعدل معيته لعبده، كما قال بعض العارفين ذهب الصابرون بخير الدنيا والآخرة، لأنهم نالوا معية الله. وقال تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصبر لحكمه وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد خير من الدنيا وما عليها وهي صلواته تعالى عليهم ورحمته لهم وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه وأمر رسوله أن يتشبه بصبر أولى العزم من الرسل وقد تقدم ذكر ذلك قالوا وقد دل الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها مهما أمكن من الاستكثار منها والزهد فيها حال الصابر والاستكثار منها حال الشاكر قالوا وقد سئل المسيح صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين مرا بكنز فتخطاه أحدهما ولم يلتفت إليه وأخذه الآخر وأنفقه في طاعة الله تعالى أيهما أفضل فقال الذي لم يلتفت إليه وأعرض عنه أفضل عند الله قالوا ويدل على صحة هذا أن النبي عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فلم يأخذها وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما ولو أخذها لأنفقها في مرضاة الله وطاعته، فآثر مقام الصبر عنها والزهد فيها. قالوا وقد علم أن الكمال الإنساني في ثلاثة أمور علوم يعرفها وأعمال يعمل بها، وأحوال ترتب له على علومه وأعماله. وأفضل العلم والعمل والحال العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله والعمل بمرضاته وانجذاب القلب إليه بالحب والخوف والرجاء فهذا أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في الآخرة وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة وهذا هو الغاية التي تطلب لذاتها، وإنما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة وإلا فهو في الدنيا وإن شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملا للمعارضات التي عليه والمحن التي امتحن بها وإلا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك، وكل العلوم والمعارف تبع لهذه المعرفة مرادة لأجلها وتفاوت العلوم في فضلها بحسب إفضائها إلى هذه المعرفة وبعدها فكل علم كان أقرب افضاء إلى العلم بالله وأسمائه وصفاته فهو أعلى مما دونه وكذلك حال القلب فكل حال كان أقرب إلى المقصود الذي خلق له فهو أشرف مما دونه وكذلك الأعمال فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود كان أفضل من غيره ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال وأفضلها لقرب إفضائها إلى المقصود وهكذا يجب أن يكون فإن كل ما كان الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها فالعمل المعد للقلب المهيئ له لمعرفة الله وأسمائه وصفاته ومحبته وخوفه ورجائه أفضل مما ليس كذلك وإذا أشتركت عدة أعمال في هذا الافضاء فأفضلها أقربها إلى هذا المفضى ولهذا اشتركت الطاعات في هذا الإفضاء فكانت مطلوبة لله واشتركت المعاصي في حجب القلب وقطعه عن هذه الغاية فكانت منهيا عنها وتأثير الطاعات والمعاصي بحسب درجاتها وها هنا أمر ينبغي التفطن له وهو أنه قد يكون العمل المعين أفضل منه في حق غيره فالغنى الذي بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة والشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح وولى الأمر الذي قد نصبه الله للحكم بين عباده جلوسه ساعة للنظر في المظالم وانصاف المظلوم من الظالم واقامة الحدود ونصر المحق وقمع المبطل أفضل من عبادة سنين من غيره ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته وتأمل تولية النبي لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية أبي ذر بل قال له: "إني أراك ضعيفا وانى أحب لك ما أحب لنفسي لا تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" وأمره وغيره بالصيام وقال: "عليك بالصوم فانه لا عدل له" وأمر آخر بأن لا يغضب وأمر ثالثا بأن لا يزال لسانه رطبا من ذكر الله ومتى أراد الله بالعبد كمالا وفقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له قابل له قد هيئ له فإذا استفرغ وسعه على غيره وفاق الناس فيه كما قيل ؎ما زال يسبق حتى قال حاسده ∗∗∗ هذا طريق إلى العلياء مختصر وهذا كالمريض الذي يشكو وجع البطن مثلا إذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به وإذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه فالشح المطاع مثلا من المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها وكذلك داء اتباع الهوى والاعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع في العلم والذكر والزهد وإنما يزيله اخراجه من القلب بضده ولو قيل ايما أفضل الخبز أو الماء لكان الجواب أن هذا في موضعه أفضل وهذا في موضعه أفضل وإذا عرفت هذه القاعدة فالشكر ببذل المال عمل صالح يحصل به للقلب حال فهو دواء للداء الذي في القلب يمنعه من المقصود وأما الفقير الزاهد فقد استراح من هذا الداء والدواء وتوفرت قوته على استفراغ الوسع في حصول المقصود ثم أوردوا على أنفسهم سؤالا فقالوا فإن قيل فقد حث الشرع على الأعمال وانفصلوا عنه بأن قالوا الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يدل على أن الدواء يراد لعينه ولا أنه أفضل من الشفاء الحأصل به ولكن الأعمال علاج لمرض القلوب ومرض القلوب مما لا يشعر به غالبا فوقع الحث على العمل المقصود وهو شفاء القلب فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل كالحجام يستخرج منك الدم المهلك قالوا وإذا عرف هذا عرف أن حال الصابر حال المحافظ على الصحة والقوة وحال الشاكر حال المتداوي بأنواع الأدوية لإزالة مواد السقم فصل قال الشاكرون لقد تعديتم طوركم وفضلتم مقاما غيره أفضل منه وقدمتم الوسيلة على الغاية والمطلوب لغيره على المطلوب لنفسه والعمل الكامل على الأكمل والفاضل على الأفضل ولم تعرفوا للشكر حقه ولا وفيتموه مرتبته وقد قرن تعالى ذكره الذي هو المراد من الخلق بذكره وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر والصبر خادم لهما ووسيلة إليهما وعونا عليهما قال تعالى (اذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) وقرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به فقال ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ أي أن وفيتم ما خلقتم له وهو الشكر والإيمان فما أصنع بعذابكم. هذا وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنته عليهم من بين عباده فقال {وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ} وقسم الناس إلى شكور وكفور فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله وأحب الأشياء إليه الشكر وأهله قال تعالى في الإنسان ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ وقال نبيه سليمان ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال تعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ وهذا كثير في القرآن يقابل سبحانه بين الشكر والكفر فهو ضده قال تعالى ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الإيمان فلم ينقلبوا على أعقابهم وعلق سبحانه المزيد بالشكر والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره وقد وقف سبحانه كثيرا من الجزاء على المشيئة كقوله ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ وقوله في الإجابة ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ وقوله في الرزق ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ وفي المغفرة ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ والتوبة ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ وأطلق جزاء الشكر إطلاقا حيث ذكر كقوله وسنجزى الشاكرين وسيجزى الله الشاكرين ولما عرف عدو الله ابليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها جعل غايته أن يسعى في قطع الناس عنه فقال ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ووصف الله سبحانه الشاكرين بأنهم قليل من عباده فقال تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول: اللهم اجعلني من الأقلين. فقال ما هذا؟ فقال يا أمير المؤمنين إن الله قال ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾، وقال تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقال ﴿إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ فقال عمر صدقت. وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال ﴿ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا﴾ وفي تخصيص نوح هاهنا بالذكر وخطاب العباد بأنهم ذريته إشارة إلى الاقتداء به فإنه أبوهم الثاني فإن الله تعالى لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلا إلا من ذريته كما قال تعالى ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ فأمر الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر فإنه كان عبدا شكورا وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من شكره فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ وأمر عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين﴾ وأول وصية وصى الله بها الإنسان بعد ماعقل عنه بالشكر له وللوالدين فقال ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير﴾ وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾ وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم بشكر نعمه فقال ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ فأخبر عنه سبحانه بأنه أمة أي قدوة يؤتم به في الخير وإنه قانتا لله والقانت هو المطيع المقيم على طاعته والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه ثم ختم له بهذه الصفات بأنه شاكر لأنعمه فجعل الشكر غاية خليله. وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره بل هو الغاية التي خلق عبيده لأجلها والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة لعلكم تشكرون فهذه غاية الخلق وغاية الأمر فقال ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ويجوز أن يكون قوله لعلكم تشكرون تعليلا لقضائه لهم بالنصر ولأمره لهم بالتقوى ولهما معا وهو الظاهر فالشكر غاية الخلق والأمر وقد صرح سبحانه بأنه غاية أمره وإرساله الرسول في قوله تعالى ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ قالوا فالشكر مراد لنفسه والصبر مراد لغيره والصبر إنما حمد لإفضائه وإيصاله إلى الشكر فهو خادم الشكر وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" وثبت في المسند والترمذي أن النبي قال لمعاذ: "والله إني لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". وقال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا أبو معاويه وجعفر بن عون عن هشام بن عروة قال كان من دعاء النبي: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". قال وحدثنا محمود بن غيلان حدثنا المؤمل بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمه حدثنا حميد الطويل عن طلق بن حبيب عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: "أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وبدنا على البلاء صابرا وزوجة لا تبغيه خونا في نفسها ولا في ماله" وذكر أيضا من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي قال: "ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر الله له قبل أن يستغفره وإن الرجل يشترى الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له". وقد ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكله فيحمده عليها ويشرب الشربه فيحمده عليها" فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ في مقابلة شكره بالحمد وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن صالح حدثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشي عن أبيه قال قال رسول الله: "لا يرزق الله عبدا الشكر فيحرمه الزيادة" لأن الله تعالى يقول ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ وقال الحسن البصري: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابا" ولهذا كانوا يسمون الشكر الحافظ لأنه يحفظ النعم الموجودة والجالب لأنه يجلب النعم المفقودة وذكر ابن أبي الدنيا عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لرجل من همذان: "إن النعمة موصولة بالشكر والشكر يتعلق بالمزيد وهما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد" وقال عمر بن عبد العزيز: "قيدوا نعم الله بشكر الله" وكان يقول: الشكر قيد النعم. وقال مطرف بن عبد الله "لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن ابتلى فأصبر" وقال الحسن "أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر" وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ والله تعالى يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته فإن ذلك شكرها بلسان الحال. وقال على بن الجعدي سمعت سفيان الثوري يقول إن داود عليه الصلاة والسلام قال الحمد لله حمدا كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله فأوحى الله إليه يا داود أتعبت الملائكة وقال شعبة حدثنا المفضل بن فضالة عن أبي رجاء العطاردي قال خرج علينا عمران بن الحصين وعليه مطرف خز لم نره عليه قبل ولا بعد فقال أن رسول الله قال: "إذا أنعم الله على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي قال: "كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". وذكر شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال: "أتيت رسول الله وأنا قشف الهيئة فقال هل لك من مال قال قلت نعم قال من أي المال قلت من كل المال قد آتانى الله من الابل والخيل والرقيق والغنم قال فإذا آتاك الله ما لا فليرى عليك". وفي بعض المراسيل "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه" وروى عبد الله بن يزيد المقري عن أبي معمر عن بكير بن عبد الله رفعه: "من أعطي خيرا فرؤي عليه سمي حبيب الله محدثا بنعمة الله، ومن أعطي خيرا ولم ير عليه سمي بغيض الله معاديا لنعمة الله" وقال الفضيل بن عياض "كان يقال من عرف نعمة الله بقلبه وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة، لقول الله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ وقال "من شُكْر النعمة أن يحدث بها. وقد قال تعالى: "يا ابن آدم إذا كنت تتقلب في نعمتي وأنت تتقلب في معصيتي فاحذرني لأصرعك بين معاصي يا ابن آدم اتقني ونم حيث شئت". وقال الشعبي الشكر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله وقال أبو قلابة لا تضركم دنيا شكرتموها وقال الحسن إذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر فإذا شكروه كان قادرا على أن يزيدهم وإذا كفروه كان قادرا على أن يبعث نعمته عليهم عذابا وقد ذم الله سبحانه الكنود وهو الذي لا يشكر نعمه قال الحسن ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ يعد المصائب وينسى النعم وقد أخبر النبي إن النساء أكثر أهل النار بهذا السبب قال: "لو أحسنت إلى إحداههن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط" فإذا كان هذا بترك شكر نعمة الزوج وهي في الحقيقة من الله فكيف بمن ترك شكر نعمة الله ؎يا أيها الظالم في فعله ∗∗∗ والظلم مردود على من ظلم ؎إلى متى أنت وحتى متى ∗∗∗ تشكو المصيبات وتنسى النعم ذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله: "التحدث بالنعمة شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، والجماعة بركة والفرقة عذاب" وقال مطرف بن عبد الله "نظرت في العافية والشكر فوجدت فيهما خير الدنيا والآخرة، ولأن أعافى أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر" ورأى بكر بن عبد الله المزني حمالا عليه حمله وهو يقول الحمد الله أستغفر الله. قال فانتظرته حتى وضع ما على ظهره، وقلت له: أما تحسن غير هذا؟ قال بلى أحسن خيرا كثيرا أقرأ كتاب الله غير أن العبد بين نعمة وذنب فأحمد الله على نعمه السابغة، وأستغفره لذنوبي. فقلت الحمال أفقه من بكر. وذكر الترمذي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "خرج رسول الله على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد" وقال مشعر لما قيل لآل داود ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُودَ شُكْرًا﴾ لم يأت على القوم ساعة إلا وفيهم مصل وقال عون بن عبد الله قال بعض الفقهاء إني رأيت في أمري لم أر خيرا إلا شر معه إلا المعافاة والشكر، فرب شاكر في بلائه، ورُب معافى غير شاكر، فإذا سألتم الله فاسألوهما جميعا. وقال أبو معاوية: لبس عمر بن الخطاب قميصا فلما بلغ ترقوته قال الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم مد يديه فنظر شيئا يزيد على يديه فقطعه ثم أنشأ يحدث قال سمعت رسول الله يقول: "من لبس ثوبا أحسبه جديدا فقال حين يبلغ ترقوته أو قال قبل أن يبلغ ركبتيه مثل ذلك ثم عمد إلى ثوبه الخلق فكسا به مسكينا لم يزل في جوار الله وفي ذمة الله وفي كنف الله حيا وميتا ما بقي من ذلك الثوب سلك". وقال عون بن عبد الله لبس رجل قميصا جديدا فحمد الله فغفر له فقال رجل ارجع حتى أشتري قميصا فألبسه وأحمد الله. وقال شريح ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم ألا تكون كانت في دينه، وألا تكون أعظم مما كانت وأنها لا بد كائنة فقد كانت. وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ما قلب عمر بن عبد العزيز بصره إلى نعمة أنعم الله بها عليه إلا قال اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرا وأن أكفرها بعد أن عرفتها وأن أنساها ولا أثنى بها وقال روح بن القاسم تنسك رجل فقال لا آكل الخبيص لا أقوم بشكره فقال الحسن هذا أحمق وهل يقوم بشكر الماء البارد وفي بعض الآثار الإلهية يقول الله عز وجل: "ابن آدم خيرى إليك نازل وشرك إلى صاعد أتحبب إليك بالنعم وتتبغض إلى بالمعاصي ولا يزال ملك كريم قد عرج إلى منك بعمل قبيح". قال ابن أبي الدنيا حدثني أبو على قال كنت أسمع جارا لي يقول في الليل: "يا إلهي خيرك على نازل وشري إليك صاعد كم من ملك كريم قد صعد إليك مني بعمل قبيح وأنت مع غناك عني تتحبب إلى بالنعم وأنا مع فقري إليك وفاقتي أتمقت إليك بالمعاصي وأنت في ذلك تجبرني وتسترني وترزقني وكان أبو المغيرة إذا قيل له كيف أصبحت يا أبا محمد أصبحنا مغرقين في النعم عاجزين عن الشكر يتحبب الينا ربنا وهو غني عنا ونتمقت إليه ونحن إليه محتاجون. وقال عبد الله بن ثعلبة إلهي من كرمك أنك تطاع ولا تعصى، ومن حلمك أنك تعصى وكأنك لا ترى، وأي زمن لم يعصك فيه سكان أرضك وأنت بالخير عواد. وكان معاوية بن قرة إذا لبس ثوبا جديدا قال: بسم الله والحمد لله. وقال أنس بن مالك ما من عبد توكل بعبادة الله إلا عزم الله السماوات والأرض تعبر رزقه فجعله في أيدي بني آدم يعملونه حتى يدفع عنه إليه فإن العبد قبله أوجب عليه الشكر وأن أباه وجد الغني الحميد عبادا فقراء يأخذون رزقه ويشكرون له". وقال يونس بن عبيد: "قال رجل لأبي تميمة كيف أصبحت قال أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أفضل ذنوب سترها الله فلا يستطيع أن يعيرني بها أحد ومودة قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغها عملي". وروى ابن أبي الدنيا عن سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام قال: "يارب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ قال لا يزال لسانك رطبا من ذكري" وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي فانطلقنا معه فلما طعم وغسل يديه قال الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم من علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ربى ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغنى عنه الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسى من العرى وهدى من الضلالة وبصر من العمى وفضل على كثير من خلقه تفضيلا الحمد لله رب العالمين. وفي مسند الحسن بن الصلاح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله: "ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ولا مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت" ويذكر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي دخل عليها فرآى كسرة ملقاة فمسحها وقال "يا عائشة أحسني جوار نعم الله فإنها فلما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم" ذكره ابن أبي الدنيا. وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد قال قرأت في مسألة داود أنه قال: "يا رب كيف لي أن أشكر وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمك" قال فأتاه الوحي: "يا داود أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني قال بلى يا رب قال فإني نرضى بذلك منك شكرا". وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا أبو الوليد عن سعيد ابن عبد العزيز قال كان من دعاء داود سبحان مستخرج الشكر بالعطاء ومستخرج الدعاء بالبلاء وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثني الأعمش عن المنهال عن عبد الله بن الحارث قال أوحى الله إلى داود أحبني وأحب عبادتى وحببني إلى عبادي قال يا رب هذا حبك وحب عبادتك فكيف أحببك إلى عبادك قال تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن فجل جلال ربنا وتبارك اسمه وتعالى جده وتقدست أسماؤه وجل ثناؤه ولا إله غيره وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق بن عمران قال سمعت وهبا يقول وجدت في كتاب آل داود بعزتي أن من اعتصم بي فإن كادته السماوات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن فإني أجعل له من بين ذلك مخرجا ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه كفي بي لعبدي ما لا إذا كان عبدي في طاعتي أعطيته قبل أن يسألني وأجبته قبل أن يدعونى وإني أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه. وقال أحمد حدثنا يسار حدثنا حفص حدثنا ثابت قال كان داود عليه السلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلى فيها قال فعمهم تبارك وتعالى في هذه الآية ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ قال أحمد وحدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن عيينة قال داود يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكرا لك مني فأوحى الله إليه نعم الضفدع وأنزل الله عليه ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ قال يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم على ثم ترزقني على النعمة الشكر ثم تزيدني نعمة بعد نعمة فالنعم منك والشكر منك فكيف أطيق شكرك قال الآن عرفتني يا داود قال أحمد وحدثنا عبد الرحمن حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال نبي الله داود: " إلهي لو أن لكل شعرة مني لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر ما وفيت حق نعمة واحدة". وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد قال قال موسى يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازى بها عملي كله قال فأتاه الوحي يا موسى الآن شكرتني قال بكر بن عبد الله ما قال عبد قط الحمد لله إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد لله فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد لله فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعم الله وقال الحسن سمع نبي الله رجلا يقول الحمد لله بالإسلام فقال انك لتحمد الله على نعمة عظيمة وقال خالد بن معدان سمعت عبد الملك بن مروان يقول: "ما قال عبد كلمة أحب إلى الله وأبلغ في الشكر عنده من أن يقول الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا للإسلام". وقال سليمان التيمى أن الله سبحانه أنعم على عبده على قدره وكلفهم الشكر على قدرتهم وكان الحسن إذا ابتدأ حديثه يقول الحمد لله اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا ورزقتنا وهديتنا وعلمتنا وأنقذتنا وفرجت عنا لك الحمد بالإسلام والقرآن ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة كبت عدونا وبسطت رزقنا وأظهرت أمننا وجمعت فرقتنا وأحسنت معافاتنا ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا فلك الحمد على ذلك حمدا كثيرا لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث أو سر أو علانية أو خاصة أو عامة أو حي أو ميت أو شاهد أو غائب لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت وقال الحسن قال موسى يا رب كيف يستطيع ابن آدم أن يؤدي شكر ما صنعت إليه خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسكنته جنتك وأمرت الملائكة فسجدوا له فقال يا موسى علم أن ذلك مني فحمدني عليه فكان ذلك شكر ما صنعت إليه وقال سعد بن مسعود الثقفي إنما سمى نوح عبدا شكورا لأنه لم يلبس جديدا ولم يأكل طعاما إلا حمد الله وكان على بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه بيده وقال يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها وقال مخلد بن الحسين كان يقال الشكر ترك المعاصي وقال أبو حازم كان نعمة لا تقرب من الله فهى بلية وقال سليمان ذكر النعم يورث الحب لله وقال حماد بن زيد حدثنا ليث عن أبي بردة قال قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي ألا تدخل بيتا دخله النبي ونطعمك سويقا وتمرا ثم قال أن الله إذا جمع الناس غدا ذكرهم بما أنعم عليهم فيقول العبد ما آية ذلك فيقول آية ذلك انك كنت في كربة كذا وكذا قد دعوتنى فكشفتها وآية ذلك أنك كنت في سفر كذا وكذا فاستصحبتنى فصحبتك قال يذكره حتى يذكر فيقول آية ذلك أنك خطبت فلانة بنت فلان وخطبها معك خطاب فزوجتك ورددتهم يقف عبده بين يديه فيعدد عليه نعمه فبكى ثم بكى ثم قال إني لأرجو الله أن لا يقعد الله عبدا بين يديه فيعذبه وروى ليث بن أبي سليم عن عثمان عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال قال رسول الله: "يؤتى بالنعم يوم القيامة والحسنات والسيئات فيقول الله عز وجل لنعمة من نعمه خذى حقك من حسناته فما تترك له من حسنة إلا ذهبت بها". وقال بكر بن عبد الله المزني ينزل بالعبد الأمر فيدعو الله فيصرف عنه فيأتيه الشيطان فيضعف شكره يقول أن الأمر كان أيسر مما تذهب إليه قال أو لا يقول العبد كان الأمر أشد مما أذهب إليه ولكن الله صرفه عني وذكر ابن أبي الدنيا عن صدقة بن يسار قال بينا داود عليه السلام في محرابه إذ مرت به ذره فنظر إليها وفكر في خلقها وعجب منها وقال ما يعبؤ الله بهذه فأنطقها الله فقالت يا داود أتعجبك نفسك فو الذي نفسي بيده لأنا على ما آتانى الله من فضله أشكر منك على ما آتاك الله من فضله وقال أيوب أن من أعظم نعمة الله على عبده أن يكون مأمونا على ماجاء به النبي وقال سفيان الثوري كان يقال ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء معصيبة وقال زازان مما يجب لله على ذى النعمة بحق نعمته أن لا يتوصل بها إلى معصية قال ابن أبي الدنيا أنشدنى محمود الوراق: ؎إذا كان شكرى نعمة الله نعمة ∗∗∗ فكيف وقوع الشكر إلا بفضله ؎على له في مثلها يجب الشكر ∗∗∗ إذا مس بالسراء عم سرورها ؎وان طالت الايام واتصل العمر ∗∗∗ وما منهما إلا له فيه منة ؎وان مس بالضراء أعقبها الأجر ∗∗∗ تضيق بها الاوهام والبر والبحر وقد روى الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبرى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يعني قال الله عز وجل: "إن المؤمن عندي بمنزلة كل خير يحمدنى وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه" ومر محمد بن المنكدر بشاب يغامز امرأة فقال يا فتى ما هذا جزاء نعم الله عليك وقال حماد بن سلمة عن ثابت قال قال أبو العاليه إني لأرجو أن لا يهلك عبد بين اثنتين نعمة يحمد الله عليها وذنب يستغفر منه وكتب ابن السماك إلى محمد بن الحسن حين ولى القضاء بالرقة أما بعد فلتكن التقوى من بالك على كل حال وخف الله من كل نعمة أنعم بها عليك من قلة الشكر عليها مع المعصية بها فإن في النعم حجة وفيها تبعة فأما الحجة بها فالمعصية بها وأما التبعة فيها فقلة للشكر عليها فعفى الله عنك كلما ضيعت من شكر أو ركبت من ذنب أو قصرت من حق ومر الربيع بن أبي رأشد برجل به زمانة فجلس يحمد الله ويبكى قيل له ما يبكيك قال ذكرت أهل الجنة وأهل النار فشبهت أهل الجنة بأهل العافية وأهل النار بأهل البلاء فذلك الذي أبكانى وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي: "إذا أحب أحدكم أن يرى قدر نعمة الله عليه فلينظر إلي من تحته ولا ينظر إلي من فوقه" قال عبد الله بن المبارك أخبرني يحيى بن عبد الله قال سمعت أبي هريرة فذكره وقال ابن المبارك حدثنا يزيد بن إبراهيم عن الحسن قال قال أبو الدرداء من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل عمله وحضر عذابه قال ابن المبارك أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضى الله قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سلم على رجل فرد عليه السلام فقال عمر للرجل كيف أنت قال الرجل أحمد إليك الله قال هذا أردت منك قال ابن المبارك وأخبرنا مسعود عن علقمة بن مرقد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لعلنا نلتقى في اليوم مرارا يسأل بعضنا عن بعض ولم يرد بذلك إلا ليحمد الله عز وجل وقال مجاهد في قوله تعالى ﴿وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ قال لا إله إلا الله وقال ابن عيينة ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرفهم لا إله إلا الله قال وأن لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا وقال بعض السلف في خطبته يوم عيد أصبحتم زهرا وأصبح الناس غبرا أصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون وأصبح الناس يعطون وأنتم تأخذون وأصبح الناس ينتجون وأنتم تركبون وأصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون فبكى وأبكاهم وقال عبد الله بن قرط الأزدي وكان من الصحابة على المنبر وكان يوم أضحى ورأى على الناس ألوان الثياب يا لها من نعمة ما أشبعها ومن كرامة ما أظهرها ما زال عن قوم شيئا أشد من نعمة لا يستطيعون ردها وإنما تثبت النعمة بشكر المنعم عليه للمنعم وقال سلمان الفارسى رضي الله عنه أن رجلا بسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه فجعل يحمد الله ويثنى عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية قال فجعل يحمد الله ويثنى عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية قال فجعل يحمد الله ويثني عليه وبسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب البارية أرأيتك أنت على ما تحمد الله قال أحمده على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم إياه قال وما ذاك قال أرأيتك بصرك أرأيتك لسانك أرأيتك يديك أرايتك رجليك وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله فقال له يونس أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم قال الرجل لا قال فبيديك مائه ألف قال لا فبرجليك مائة الف قال لا قال فذكره نعم الله عليه فقال يونس أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة وكان ابو الدرداء يقول الصحة الملك وقال جعفر بن محمد رضي الله عنه فقد أبي بغلة له فقال إن ردها الله عليَّ لأحمدنه بمحامد يرضاها فما لبث أن أتى بسرجها ولجامها فركبها فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال الحمد لله لم يزد عليها. فقيل له في ذلك فقال هل تركت وأبقيت شيئا جعلت الحمد كله لله. وروى ابن أبي الدنيا من حديث سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: "بعث رسول الله بعثا من الأنصار وقال أن سلمهم الله وغنمهم فإن لله على في ذلك شكرا قال فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا فقال بعض أصحابه سمعناك تقول أن سلمهم الله وغنمهم فإن لله على في ذلك شكرا قال قد فعلت اللهم لك الحمد شكرا ولك المن فضلا". وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال محمد بن المنكدر لأبي حازم يا أبا حازم ما أكثر من يلقانى فيدعو لي بالخير ما أعرفهم وما صنعت إليهم خيرا قط فقال أبو حازم لا تظن أن ذلك من قبلك ولكن انظر إلى الذي ذلك من قبله فاشكره وقرأ أبو عبد الرحمن ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ وقال علي بن الجعد حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون حدثني من أصدقه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول في دعائه "أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى، وبعد الرضا، والخيرة في جميع ما تكون فيه الخيرة، بجميع ميسر الأمور كلها، لا معسورها يا كريم. وقال الحسن ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ. قال ابن أبي الدنيا وبلغني عن سفيان بن عيينة أنه قال هذا خطأ لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الله ثم قال وقال بعض أهل العلم إنما تفسير هذا أن الرجل إذا أنعم الله عليه نعمة وهو ممن يجب عليه أن يحمده عرفه ما صنع به فيشكر الله كما ينبغي له أن يشكره فكان الحمد له أفضل قلت لا يلزم الحسن ما ذكر عن ابن عيينة فإن قوله الحمد لله نعمة من نعم الله والنعمة التي حمد الله عليها أيضا نعمة من نعم الله وبعض النعم أجل من بعض فنعمة الشكر أجل من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها والله أعلم وهذا لا يستلزم أن يكون فعل العبد أفضل من فعل الله وأن دل على أن فعل العبد للشكر قد يكون أفضل من بعض مفعول الله وفعل العبد هو مفعول الله ولا ريب أن بعض مفعولاته أفضل من بعض وقال بعض أهل العلم لنعم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه علينا فيما بسط لنا منها وذلك أن الله لم يرض لنبيه الدنيا فإن أكون فيما رضى الله لنبيه وأحب له أحب إلي من أن أكون فيما كره له وسخطه وقال ابن أبي الدنيا بلغني عن بعض العلماء أنه قال ينبغي للعالم أن يحمد الله على ما زوى عنه من شهوات الدنيا كما يحمده على ما أعطاه وأين يقع ما أعطاه الله والحساب يأتي عليه إلى ما عافاه الله ولم يبتله به فيشغل قلبه ويتعب جوارحه فيشكر الله على سكون قلبه وجمع همه وحدث عن ابن أبي الحوارى قال جلس فضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ليلة إلى الصباح يتذاكران النعم فجعل سفيان يقول أنعم الله علينا في كذا وكذا أنعم الله علينا في كذا فعل بنا كذا وحدثنا عبد الله بن داود عن سفيان في قوله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر وقال غير سفيان كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة وسئل ثابت البنانى عن الاستدراج فقال ذلك مكر الله بالعباد المضيعين وقال يونس في تفسيرها أن العبد إذا كانت له عند الله منزلة فحفظها وبقى عليها ثم شكر الله بما أعطاه أعطاه أشرف منها وإذا هو ضيع الشكر استدرجه الله وكان تضييعه الشكر استدراجا وقال أبو حازم نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها إني رأيته أعطاها أقواما فهلكوا وكل نعمة لا تقرب من الله فهى بلية وإذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره وذكر كاتب الليث عن هقل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة فإنكم في دار الثوى فيها قليل وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها فهم كانوا أطول منكم أعمارا وأمد أجساما وأعظم آثارا فقطعوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد فما لبثت الايام والليالي أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منازلهم وأنست ذكرهم فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة ومساكن خاويه فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم وعبرة لمن يخشى وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص ودنيا مقبوضه وزمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلم يبق منه إلا حماة شر وصبابة كدر وأهاويل عبر وعقوبات غير وإرسال فتن وتتابع زلازل ورذلة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الامل وغره طول الاجل وتبلغ بطول الأماني نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى انذاره وعقل بشره فمهد لنفسه وكان يقال الشكر ترك المعصية وقال ابن المبارك قال سفيان ليس بفقيه فمن لم يعد البلاء نعمه والرخاء مصيبة وكان مروان بن الحكم إذا ذكر الإسلام قال بنعمة ربى وصلت إليه لا بما قدمت يدى ولا بإرادتي إني كنت خاطئا ؎وكم من مدخل لو مت فيه ∗∗∗ لكنت فيه نكالا في العشيرة ؎وقيت السوء والمكروه فيه ∗∗∗ وظفرت بنعمة منه كبيرة ؎وكم من نعمة لله تمسى ∗∗∗ وتصبح في العيان وفي السريرة ودعى عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قوم على ريبة فانطلق ليأخذهم فتفرقوا قبل أن يبلغهم فأعتق رقبة شكرا لله أن لا يكون جرى على يديه خزى مسلم قال يزيد بن هرون أخبرنا أصبغ بن يزيد أن نوحا عليه السلام كان إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى منفته في جسدي وأذهب عني أذاه فسمى عبدا شكورا. وقال ابن أبي الدنيا حدثني العباس بن جعفر عن الحارث بن شبل قال حدثتنا أم النعمان أن عائشة حدثتها عن النبي أنه لم يقم عن خلاء قط إلا قاله وقال رجل لأبي حازم ما شكر العينين يا أبا حازم قال أن رأيت بهما خيرا أعلنته وأن رأيت بهما شرا سترته قال فما شكر الاذنين قال أن سمعت بهما خيرا وعيته وأن سمعت بهما شرا دفعته قال فما شكر اليدين قال لا تأخذ بهما ما ليس لهما ولا تمنع حقا لله هو فيهما قال فما شكر البطن قال أن يكون أسفله طعاما وأعلاه علما قال فما شكر الفرج قال قال الله ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلاَّ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ قال فما شكر الرجلين قال أن علمت ميتا تغبطه استعملت بهما عمله وأن مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر لله وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر وذكر عبد الله بن المبارك أن النجاشي أرسل ذات يوم إلى جعفر وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان جالس على التراب قال جعفر فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال فلما رأى ما في وجوهنا قال إني أبشركم بما يسركم إنه جاءنى من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه وأهلك عدوه وأسر فلان وفلان وقتل فلان وفلان التقوا بواد يقال له بدر كثير الاراك كأنى أنظر إليه كنت أرعى به لسيدى رجل من بني ضمرة فقال له جعفر ما بالك جالسا على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الاخلاق قال إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام أن حقا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعا عندما أحدث الله لهم من نعمه فلما أحدث الله لي نصر نبيه أحدثت لله هذا التواضع وقال حبيب بن عبيد ما ابتلى الله عبدا ببلاء إلا كان له عليه فيه نعمة ألا يكون أشد منه وقال عبد الملك بن إسحاق ما من الناس إلا مبتلى بعافية لينظر كيف شكره أو بلية لينظر كيف صبره وقال سفيان الثوري لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تضرعه إليه فيها وكان رسول الله إذا جاءه أمر يسره خر لله ساجدا شكرا له عز وجل ذكره أحمد وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "خرج علينا النبي فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجدا فأطال السجود فقلت يا رسول الله سجدت سجدة حسبت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها فقال أن جبريل أتانى فبشرني أن الله عز وجل يقول لك من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله شكرا" ذكره أحمد وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي من مكة نريد المدينة فلما كنا قريبا من عزور نزل ثم رفع يديه ودعا الله ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجدا فعله ثلاثا وقال إني سألت ربى وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا شكرا لربي ثم رفعت رأسى فسألت ربى لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا لربي ثم رفعت رأسى فسألت ربى ربى فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا لربي رواه أبو داود وذكر محمد بن إسحاق في كتاب الفتوح قال لما جاء المبشر يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه رسول الله ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلا فحلف له فخر رسول الله ساجدا. وذكر سعيد بن منصور أن أبي بكر الصديق رضي الله عنه سجد حين جاءه قتل مسيلمة وذكر أحمد أن عليا رضي الله عنه سجد حين وجد ذا الثدية في الخوارج وسجد كعب بن مالك في عهد النبي لما بشر بتوبة الله عليه والقصة في الصحيحين فإن قيل فنعم الله دائما مستمرة على العبد فما الذي اقتضى تخصيص النعمة الحادثة بالشكر دون الدائمة وقد تكون المستدامة أعظم؟ قيل الجواب من وجوه: أحدها أن النعمة المتجددة تذكر بالمستدامة والإنسان موكل بالأدنى الثاني أن هذه النعمة المتجددة تستدعي عبودية مجددة وكان أسهلها على الإنسان وأحبها إلى الله السجود شكرا له الثالث أن المتجددة لها وقع في النفوس والقلوب بها أعلق ولهذا يهنى بها ويعزى بفقدها الرابع أن حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها وكثيرا ما يجر ذلك إلى الأشر والبطر والسجود ذل لله وعبودية وخضوع فإذا تلقى به نعمته لسروره وفرح النفس وانبساطها فكان جديرا بدوام تلك النعمة وإذا تلقاها بالفرح الذي لا يحبه الله والاشر والبطر كما يفعله الجهال عندما يحدث الله لهم من النعم كانت سريعة الزوال وشيكة الانتقال وانقلبت نقمة وعادت استدراجا وقد تقدم أمر النجاشي فإن الله إذا احدث لعبده نعمة أحب أن يحدث لها تواضعا وقال العلاء بن المغيرة بشرت الحسن بموت الحجاج وهو مختف فخر لله ساجدا. (فصل) ومن دقيق نعم الله على العبد التي لا يكاد يفطن لها أنه يغلق عليه بابه فيرسل الله إليه من يطرق عليه الباب يسأله شيئا من القوت ليعرفه نعمته عليه. وقال سلام بن أبي مطيع دخلت على مريض أعوده فإذا هو يئن فقلت له أذكر المطروحين على الطريق أذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم قال ثم دخلت عليه بعد ذلك فسمعته يقول لنفسه اذكري المطروحين في الطريق اذكري من لا مأوى له ولا له من يخدمه وقال عبد الله بن أبي نوح قال لي رجل على بعض السواحل كم عاملته تبارك اسمه بما يكره فعاملك بما تحب؟ قلت ما أحصى ذلك كثرة قال فهل قصدت إليه في أمر كربك فخذلك؟ قلت لا والله ولكنه أحسن إلى وأعاننى قال فهل سألته شيئا فلم يعطكه؟ قلت وهل منعني شيئا سألته ما سألته شيئا قط إلا أعطاني ولا استعنت به إلا أعاننى قال أرأيت لو أن بعض بني آدم فعل بك بعض هذه الخلال ما كان جزاؤه عندك قلت ما كنت أقدر له مكافأة ولا جزاء قال فربك أحق وأحرى أن تدأب نفسك له في أداء شكره وهو المحسن قديما وحديثا إليك والله لشكره أيسر من مكافأة عباده إنه تبارك وتعالى رضى من العباد بالحمد شكرا وقال سفيان الثوري ما كان الله لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه في الآخرة ويحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه وقال ابن أبي الحوارى قلت لأبي معاوية ما أعظم النعمة علينا في التوحيد نسأل الله أن لا يسلبنا إياه قال يحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه والله أكرم من أن ينعم بنعمة إلا أتمها ويستعمل بعمل إلا قبله وقال ابن أبي الحوارى قالت لي امرأة أنا في بيتى قد شغل قلبى قلت وما هو قالت أريد أن أعرف نعم الله على في طرفة عين أو أعرف تقصيرى عن شكر النعمة على في طرفة عين قلت تريدين ما لا تهتدى إليه عقولنا وقال ابن زيد إنه ليكون في المجلس الرجل الواحد يحمد الله عز وجل فيقضى لذلك المجلس حوائجهم كلهم قال وفي بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى أنه قال: "سروا عبدي المؤمن فكان لا يأتيه شيء إلا قال الحمد لله ما شاء الله قال روعوا عبدي المؤمن فكان لا يطلع عليه طليعة من طلائع المكروه إلا قال الحمد لله الحمد لله فقال الله تبارك وتعالى أن عبدي يحمدنى حين روعته كما يحمدنى حين سررته أدخلوا عبدي دار عزى كما يحمدنى على كل حالاته". وقال وهب عبد الله عابد خمسين عاما فأوحى الله إليه إني قد غفرت لك قال أي رب وما تغفر لي ولم أذنب فأذن الله لعرق في عنقه يضرب عليه فلم ينم ولم يصل ثم سكن فنام ثم أتاه ملك فشكا إليه فقال ما لقيت من ضربان العرق فقال الملك أن ربك يقول أن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون العرق وذكر ابن أبي الدنيا أن داود قال يارب أخبرني ما أدنى نعمك على فأوحى الله إليه يا داود تنفس فتنفس قال هذا أدنى نعمى عليك فصل: وبهذا يتبين معنى الحديث الذي رواه أبو داود من حديث زيد ابن ثابت وابن عباس "إن الله لو عذب اهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو عير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم" والحديث الذي في الصحيح "لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل فإن أعمال العبد لا توافي نعمة من نعم الله عليه". أما قول بعض الفقهاء أن من حلف أن يحمد الله بأفضل أنواع الحمد كان بر يمينه أن يقول الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده فهذا ليس بحديث عن رسول الله ولا عن أحد من الصحابة وإنما هو إسرائيلى عن آدم وأصح منه الحمد لله غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ولا يمكن حمد العبد وشكره أن يوافي نعمة من نعم الله فضلا عن موافاته جميع نعمه ولا يكون فعل العبد وحمده مكافئا للمزيد ولكن يحمل على وجه يصح وهو أن الذي يستحقه الله سبحانه من الحمد حمدا يكون موافيا لنعمه ومكافئا لمزيده وأن لم يقدر العبد أن يأتي به كما إذا قال الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد وعدد الرمال والتراب والحصى والقطر وعدد أنفاس الخلائق وعدد ما خلق الله وما هو خالق فهذا أخبار عما يستحقه من الحمد لا عما يقع من العبد من الحمد. (فصل) وقال أبو المليح قال موسى يا رب ما أفضل الشكر؟ قال أن تشكرني على كل حال وقال بكر بن عبد الله قلت لأخ لي أوصنى فقال ما أدرى ما أقول غير أنه ينبغي لهذا العبد أن لا يفتر من الحمد والاستغفار فإن ابن آدم بين نعمة وذنب ولا تصلح النعمة إلا بالحمد والشكر ولا يصلح الذنب إلا بالتوبة والاستغفار فأوسعنى علما ما شئت وقال عبد العزيز بن أبي داود رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق على منها فقال لي أتدرى ماذا لله على في هذه القرحة من نعمة حين لم يجعلها في حدقتى ولا طرف لساني ولا على طرف ذكرتى فهانت على قرحته وروى الجريري عن أبي الورد عن الحلاج عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله أتى على رجل وهو يقول: " اللهم إني أسألك تمام النعمة فقال ابن آدم هل تدرى ما تمام النعمة قال يارسول الله دعوت دعوة أرجو بها الخير فقال أن تمام النعمة فوز من النار ودخول في الجنة". وقال سهم بن سلمة حدثت أن الرجل إذا ذكر اسم الله على أول طعامه وحمده على آخره لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام (فصل) ويدل على فضل الشكر على الصبر أن الله سبحانه يحب أن يسأل العافية وما يسأل شيئا أحب إليه من العافية كما في المسند عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قام أبو بكر رضي الله عنه على المنبر ثم قال: "سلوا الله العافية فإنه لم يعط عبدا بعد اليقين خيرا من العافية". وفي حديث آخر إن الناس لم يعطوا في هذه الدنيا شيئا أفضل من العفو والعافية فسلوهما الله عز وجل وقال لعمه العباس يا عم أكثر من الدعاء بالعافية وفي الترمذي قلت يا رسول الله علمني شيئا أسأله الله قال سل الله العافية فمكثت أياما ثم جئت فقلت علمني شيئا أسأله الله فقال لي يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة وقال في دعائه يوم الطائف أن لم يكن بك على غضب فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي فلاذ بعافيته كما استعاذ بها في قوله أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك وفي حديث آخر "سلوا الله العفو والعافية والمعافاة" وهذا السؤال يتضمن العفو عما مضى والعافية في الحال والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها وكان عبد الأعلى التيمى يقول أكثروا من سؤال الله العافية فإن المبتلى وأن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافي الذي لا يأمن البلاء وما المبتلون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم ولو كان البلاء يجر إلى خير ما كنا من رجال البلاء إنه رب بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الآخرة فما يؤمن من أطال المقام على معصية الله أن يكون قد بقي له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في الدنيا ويفضحه في الآخرة ثم يقول بعد ذلك الحمد لله الذي إن نعد نعمه لا نحصيها وإن ندأب له عملا لا نجزيها وإن نعمر فيها لا نيليها ومر رسول الله برجل يسأل الله الصبر فقال لقد سألت البلاء فاسأل العافية وفي صحيح مسلم أنه عاد رجلا قد هفت أي هزل فصار مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال رسول الله سبحانه لا تطيقه ولا تستطيعه أفلا قلت اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فدعا الله له فشفاه وفي الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال دعاء حفظته من رسول الله لا أدعه: "اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتك". وقال شيبان كان الحسن إذا جلس مجلسا يقول لك الحمد بالإسلام ولك الحمد بالقرآن ولك الحمد بالأهل والمال بسطت رزقنا وأظهرت أمننا وأحسنت معافاتنا ومن كل ما سألناك أعطيتنا فلك الحمد كثيرا كما تنعم كثيرا أعطيت خيرا كثيرا وصرفت شرا كثيرا فلوجهك الجليل الباقي الدايم الحمد. وكان بعض السلف يقول اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو عافية أو كرامة في دين أو دنيا جرت علينا فيما مضى وهي جارية علينا فيما بقي فإنها منك وحدك لا شريك لك فلك الحمد بذلك علينا ولك المن ولك الفضل ولك الحمد عدد ما أنعمت به علينا وعلى جميع خلقك لا إله إلا أنت. وقال مجاهد إذا كان ابن عمر في سفر فطلع الفجر رفع صوته ونادى سمع سامع بحمد الله ونعمه وحسن بلائه علينا ثلاثا اللهم صاحبنا فأفضل علينا عائذ بالله من النار ولا حول ولا قوة إلا بالله ثلاثا وذكر الإمام أحمد أن الله سبحانه أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام يا موسى كن يقظان مرتادا لنفسك أخدانا وكل خدن لا يواتيك على مسرتى فلا تصحبه فإنه عدو لك وهو يقسى قلبك وأكثر من ذكري حتى تستوجب الشكر وتستكمل المزيد وقال الحسن خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمني وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الأرض منهم الأعمى والأصم والمبتلى فقال آدم يا رب إلا سويت بين ولدي قال يا آدم إني أريد أن أشكر وفي السنن عنه من قال حين يصبح: "اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر إلا أدى شكر ذلك اليوم ومن قال ذلك حين يمسى فقد أدى شكر ليلته" ويذكر عن النبي من ابتلى فصبر وأعطى فشكر وظلم فغفر وظلم فاستغفر أولئك لهم الامن وهم مهتدون ويذكر عنه أنه أوصى رجلا بثلاث فقال أكثر من ذكر الموت يشغلك عما سواه وعليك بالدعاء فإنك لا تدرى متى يستجاب لك وعليك بالشكر فإن الشكر زيادة ويذكر عنه أنه كان إذا أكل قال: "الحمد لله الذي أطعمني وسقانى وهدانى وكل بلاء حسن أبلانى الحمد لله الرازق ذى القوة المتين اللهم لا تنزع منا صالحا أعطيتنا ولا صالحا رزقتنا واجعلنا لك من الشاكرين" ويذكر عنه أنه إذا أكل قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا" وكان عروة بن الزبير إذا أتى بطعام لم يزل مخمرا حتى يقول هذه الكلمات: "الحمد لله الذي هدانا وأطعمنا وسقانا ونعمنا الله أكبر اللهم ألفتنا نعمتك ونحن بكل شر فأصبحنا وأمسينا بخير نسألك تمامها وشكرها لا خير إلا خيرك ولا إله غيرك إله الصالحين ورب العالمين الحمد لله لا إله إلا الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار". وقال وهب بن منبه رءوس النعم ثلاثة فأولها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمه إلا بها والثانية نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا به وقدم سعيد الجريري من الحج فجعل يقول: "أنعم الله علينا في سفرنا بكذا وكذا ثم قال تعداد النعم من الشكر" ومر وهب بمبتلى أعمى مجذوم مقعد عريان به وضح وهو يقول "الحمد لله على نعمه فقال رجل كان مع وهب أي شيء بقي عليك من النعمة تحمد الله عليها فقال له المبتلى ارم ببصرك إلى أهل المدينة فانظر إلى كثرة أهلها أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيرى". ويذكر عن النبي أنه قال: "إذا أنعم الله على عبد نعمة فحمده عندها فقد أدى شكرها" وذكر على بن أبي طالب رضي الله عنه أن بختنصر أتى بدانيال فأمر به فحبس في جب وأضرى أسدين ثم خلى بينهما وبينه ثم فتح عليه بعد خمسة أيام فوجده قائما يصلى والأسدان في ناحية الجب لم يعرضا له فقال له ما قلت حين دفع عليك قال قلت الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره والحمد الله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تنقطع عنا الحيل والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الذي يكشف عنا ضرنا بعد كربتنا والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة. ويذكر عنه أنه كان إذا نظر في المرآة قال: "الحمد لله الذي أحسن خلْقي وخلُقي وزان مني ما شان من غيري" وقال ابن سيرين: "كان ابن عمر يكثر النظر في المرآة وتكون معه في الاسفار فقلت له ولم قال أنظر فما كان في وجهى زين فهو في وجه غيرى شين أحمد الله عليه" وسئل أبو بكر بن أبي مريم ما تمام النعمة قال أن تضع رجلا على الصراط ورجلا في الجنة وقال بكر بن عبد الله: يا ابن آدم إن أردت أن تعرف قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك وقال مقاتل في قوله ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ قال أما الظاهرة فالإسلام وأما الباطنة فستره عليكم بالمعاصي وقال ابن شوذب قال عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه "إن لله على أهل النار منة لو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم" وقال أبو سليمان الدارانى جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيه خصالا الكرم والسخاء والحلم والرأفة والرحمة والشكر والبر والصبر وقال أبو هريرة رضي الله عنه من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني عليك وعلى جميع خلقه تفضيلا فقد أدى شكر تلك النعمة وقال عبد الله بن وهب سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول الشكر يأخذ بجذم الحمد وأصله وفرعه قال ينظر في نعم الله في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك ليس من هذا شيء إلا فيه نعمه من الله حق على العبد أن يعمل في النعمة التي هي في بدنه لله في طاعته ونعمة أخرى في الرزق وحق عليه أن يعمل لله فيما أنعم عليه به من الرزق بطاعته فمن عمل بهذا كان قد أخذ يجذم الشكر وأصله وفرعه وقال كعب: "ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الأخرى وما أنعم الله على عبد نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله ولم يتواضع بها إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقات من النار يعذبه إن شاء أو يتجاوز عنه". وقال الحسن من لا يرى لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو لباس فقد قصر علمه وحضر عذابه وقال الحسن يوما لبكر المزني هات يا أبا عبد الله دعوات لإخوانك فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال والله ما أدرى أي النعمتين أفضل على وعليكم أنعمة المسلك أم نعمة المخرج إذا أخرجه منا قال الحسن إنها لمن نعمة الطعام وقالت عائشة رضي الله عنها ما من عبد يشرب الماء القراح فيدخل بغير أذى ويخرج الاذى إلا وجب عليه الشكر قال الحسن يالها من نعمة تدخل كل لذة وتخرج مسرخا لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتي الحب فيكتال منه ثم يجرجر قائما فيقول يا ليتنى مثلك ما يشرب حتى يقطع عنه العطش فإذا شرب كان له في تلك الشربة موتات يا لها من نعمة وكتب بعض العلماء إلى أخ له أما بعد فقد أصبح بنا من نعم الله ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه فما يدرى أيهما نشكر أجميل ما يسر أم قبيح ما ستر وقيل للحسن ها هنا رجل لا يجالس الناس فجاء إليه فسأله عن ذلك فقال إني أمسى وأصبح بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار من الذنب والشكر لله على النعمة فقال له الحسن أنت عندي يا عبد الله أفقه من الحسن فالزم ما أنت عليه وقال ابن المبارك سمعت عليا بن صالح يقول في قوله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ قال أي من طاعتي. والتحقيق أن الزيادة من النعم وطاعته من أجل نعمه. وذكر أبن أبي الدنيا أن محارب بن دثار كان يقوم بالليل ويرفع صوته أحيانا أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد وأنا العارى الذي كسوته فلك الحمد وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا. وكان بعض الخطباء يقول في خطبته اختط لك الأنف فأقامه وأتمه فأحسن تمامه ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقه وبأشفار معلقه ونقلك من طبقة إلى طبقه وحنن عليك قلب الوالدين برقة ومقة فنعمه عليك مورقة وأياديه بك محدقة وكان بعض العلماء يقول في قوله تعالى ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ سبحان من لم يجعل لحد معرفة نعمه إلا العلم بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل لحد إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدرك فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكرا، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله إيمانا علما منه أن العباد لا يتجاوزون ذلك وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا مثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله يقول خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابرا شاكرا ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابرا شاكرا من نظر في دينه إلي من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلي من هو دونه. فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله صابرا شاكرا ومن نظر في دينه إلي من هو دونه ونظر في دنياه إلي من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله صابرا شاكرا. وبهذا الإسناد عن عبد الله ابن عمرو موقوفا عليه أربع خصال من كن فيه بني الله له بيتا في الجنة من كان عصمة أمره لا إله إلا الله وإذا أصابته مصيبه قال إنا لله وإنا إليه راجعون وإذا أعطى شيئا قال الحمد لله وإذا أذنب قال استغفر الله وقال ابن المبارك عن شبل عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ قال لم يأكل شيئا إلا حمد الله عليه ولم يشرب شرابا قط إلا حمد الله عليه ولم يبطش بشيء قط إلا حمد الله عليه فأثنى الله عليه إنه كان عبدا شكورا وقال محمد بن كعب كان نوح إذا أكل قال الحمد لله وإذا شرب قال الحمد لله وإذا لبس قال الحمد لله وإذا ركب قال الحمد لله فسماه الله عبدا شكورا وقال ابن أبي الدنيا بلغني عن بعض الحكماء قال لو لم يعذب الله على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصى لشكر نعمته. (فصل) ولله تبارك وتعالى على عبده نوعان من الحقوق لا ينفك عنهما: أحدهما أمره ونهيه اللذين هما محض حقه عليه. والثاني شكر نعمه التي أنعم بها عليه فهو سبحانه يطالبه بشكر نعمه وبالقيام بأمره فمشهد الواجب عليه لا يزال يشهده تقصيره وتفريطه وأنه محتاج إلى عفو الله ومغفرته فإن لم يداركه بذلك هلك وكلما كان أفقه في دين الله كان شهوده للواجب عليه أتم وشهوده لتقصيره أعظم وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله وأكثر الديانين لا يعبأون منها إلا بما شاركهم فيه عموم الناس. وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحه لله ورسوله وعباده ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلا عن أن يريدوا فعلها وفضلا عن أن يفعلوها وأقل الناس دينا وأمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا جميعها وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه ويمعره لله ويغضب لحرماته ويبذل عرضه في نصرة دينه وأصحاب الكبائر أحسن حالا عند الله من هؤلاء وقد ذكر أبو عمر وغيره أن الله تعالى أمر ملكا من الملائكة أن يخسف بقرية فقال يا رب أن فيهم فلانا العابد الزاهد قال به فابدأ وأسمعنى صوته إنه لم يتمعر وجهه في يوم قط. (فصل) وأما شهود النعمة فإنه لا يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلا ولو عمل أعمال الثقلين فإن نعم الله سبحانه أكثر من أعماله وأدنى نعمه من نعمه تستنفذ عمله فينبغي للعبد ألا يزال ينظر في حق الله عليه قال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع فقال يا رب ارحمه فإني قد رحمته فأوحى الله إليه لو دعانى حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر في حقى عليه فمشاهدة العبد النعمه والواجب لا تدع له حسنة يراها ولا يزال مزريا على نفسه ذاما لها وما اقربه من الرحمه إذا أعطى هذين المشهدين حقهما والله المستعان. (فصل: في الحكم بين الفريقين والفصل بين الطائفتين) فنقول كل أمرين طلبت الموازنة بينهما ومعرفة الراجح منهما على المرجوح فإن ذلك لا يمكن إلا بعد معرفة كل منهما وقد ذكرنا حقيقة الصبر وأقسامه وأنواعه ونذكر حقيقة الشكر وماهيته قال في الصحاح الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف يقال شكرته وشكرت له واللام أفصح وقوله تعالى ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ يحتمل أن يكون مصدرا كالقعود وأن يكون جميعا كالبرود والكفور والشكران خلاف الكفران وتشكرت له مثل شكرت له والشكور من الدواب ما يكفيه العلف القليل واشتكرت السماء اشتد وقع مطرها واشتكر الضرع امتلأ لبنا تقول منه شكرت الناقة بالكسر تشكر شكرا فهى شكرة وشكرت الشجرة تشكر شكرا إذا خرج منها الشكير وهو ما ينبت حول الشجرة من أصلها فتأمل هذا الاشتقاق وطابق بينه وبين الشكر المأمور به وبين الشكر الذي هو جزاء الرب الشكور كيف تجد في الجميع معنى الزيادة والنماء ويقال أيضا دابة شكور إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان لا يكون شكورا إلا بمجموعها أحدها اعترافه بنعمة الله عليه والثاني الثناء عليه بها والثالث الاستعانة بها على مرضاته وأما قول الناس في الشكر فقالت طائفة هو الاعتراف بنعمه المنعم على وجه الخضوع وقيل الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه إليه فشكر العبد ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه وقيل شكر النعمة مشاهدة المنة وحفظ الحرمة والقيام بالحدمة وقيل شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا وقيل الشكر معرفه العجز عن الشكر ويقال الشكر على الشكر أتم من الشكر وذلك أن ترى شكرك بتوفيقه وذلك التوفيق من أجل النعم عليك تشكر على الشكر ثم تشكره على الشكر إلا ترى نفسك للنعمه أهلا وقيل الشكر استفراغ الطاقه في الطاعه وقيل الشاكر الذي يشكر على الموجود والشكور الذي يشكر على المفقود وقيل الشاكر الذي يشكر على الرفد والشكور الذي يشكر على الرد وقيل الشاكر الذي يشكر على النفع والشكور الذي يشكر على المنع وقيل الشاكر الذي يشكر على العطاء والشكور الذي يشكر على البلاء وقال الجنيد كنت بين يدى السرى ألعب وأنا ابن سبع سنين وبيننا جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي ياغلام ما الشكر فقلت ألا تعصى الله بنعمه فقال يوشك أن يكون حظك من الله لسانك فلا أزال أبكى على هذه الكلمة التي قالها السرى وقال الشبلي الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم وهذا ليس بجيد بل من تمام الشكر أن تشهد النعمة من المنعم وقيل الشكر قيد الموجود وصيد المفقود وقال أبو عثمان شكر العامة على المطعم والملبس وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعانى وحبس السلطان رجلا فأرسل إليه صاحبه أشكر الله فضرب فارسل إليه أشكر الله فجيء بمحبوس مجوسى مبطون فقيد وجعل حلقة من قيده في رجله وحلقة في الرجل المذكور فكان المجوسى يقوم بالليل مرات فيحتاج الرجل أن يقف على راسه حتى يفرغ فكتب إليه صاحبه أشكر الله فقال له إلى متى تقول أشكر الله وأي بلاء فوق هذا؟ فقال ولو وضع الزنار الذي في وسطه في وسطك كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ماذا كنت تصنع فاشكر الله ودخل رجل على سهل ابن عبد الله فقال اللص دخل داري وأخذ متاعى فقال أشكر الله فلو دخل اللص قلبك وهو الشيطان وافسد عليك التوحيد ماذا كنت تصنع؟ وقيل الشكر التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه من عطائه وقيل إذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر وقيل أربعة لا ثمرة لهم مشاورة الاصم ووضع النعمة عند من لا يشكرها والبذر في السباح والسراج في الشمس والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح فالقلب للمعرفة والمحبة واللسان للثناء والحمد والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن معاصيه وقال الشاعر ؎أفادتكم النعماء مني ثلاثة ∗∗∗ يدى ولساني والضمير المحجبا والشكر أخص بالافعال والحمد أخص بالأقوال وسبب الحمد أعم من سبب الشكر ومتعلق الشكر وما به الشكر أعم مما به الحمد فما يحمد الرب تعالى عليه أعم مما يشكر عليه فانه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه ويشكر على نعمه وما يحمد به أخص مما يشكر به فانه يشكر بالقلب واللسان والجوارح ويحمد بالقلب واللسان فصل: إذا عرف هذا فكل من الصبر والشكر داخل في حقيقة الآخر لا يمكن وجوده إلا به وإنما يعبر عن أحدهما باسمه الخاص به باعتبار الاغلب عليه والأظهر منه وإلا فحقيقة الشكر إنما يلتئم من الصبر والإرادة والفعل فإن الشكر هو العمل بطاعة الله وترك معصيته والصبر أصل ذلك فالصبر على الطاعة وعن المعصية هو عين الشكر وإذا كان الصبر مأمورا به فأداؤه هو الشكر فإن قيل فهذا يفهم منه اتحاد الصبر والشكر وإنهما اسمان لمسمى واحد وهذا محال عقلا ولغة وعرفا وقد فرق الله سبحانه بينهما؟ قيل بل هما معنيان متغايران وإنما بينا تلازمهما وافتقار كل واحد منهما في وجود ماهيته إلى الآخر ومتى تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه شكرا وإذا تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه صبرا أما الأول فظاهر وأما الثاني إذا تجرد عن الشكر كان كافورا ومنافاة الكفور للصبر أعظم من منافاة السخوط فإن قيل بل ها هنا قسم آخر وهو أن لا يكون كفورا ولا شكورا بل صابرا على مضض وكراهة شديدة فلم يأت بحقيقة الشكر ولم يخرج عن ماهية الصبر قيل: كلامنا في الصبر المأمور به الذي هو طاعة لا في الصبر الذي هو تجلد كصبر البهائم وصبر الطاعة لا يأتي به إلا شاكر ولكن اندرج شكره في صبره فكان الحكم للصبر كما اندرج صبر الشكور في شكره فكان الحكم للشكر فمقامات الإيمان لا تعدم بالتنقل فيها بل تندرج وينطوى الادنى في الاعلى كما يندرج الإيمان في الإحسان وكما يندرج الصبر في مقامات الرضا لا أن الصبر يزول ويندرج الرضا في التفويض ويندرج الخوف والرجاء في الحب لا أنهما يزولان فالمقدور الواحد يتعلق به الشكر والصبر سواء كان محبوبا أو مكروها فالفقر مثلا يتعلق به الصبر وهو أخص به لما فيه من الكراهة ويتعلق به الشكر لما فيه من النعمة فمن غلب شهود نعمته وتلذذ به واستراح واطمأن إليه عده نعمة يشكر عليها ومن غلب شهود ما فيه من الابتلاء والضيق والحاجة عده بلية يصبر عليها وعكسه الغنى على أن الله سبحانه ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب وعد ذلك كله ابتلاء فقال ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ وقال إنا جعلنا ما على الأرض زينا لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وقال ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا فأخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلى وقدر أجل الخلق وخلق ما على الأرض للابتلاء والاختبار وهذا الابتلاء إنما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في الخير والشر والسراء والضراء فالابتلاء من النعم من الغنى والعافية والجاه والقدرة وتأتي الأسباب أعظم الابتلائين والصبر على طاعة الله أشق الصبرين كما قال الصحابة رضي الله عنهم ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر والنعمة بالفقر والمرض وقبض الدنيا وأسبابها وأذى الخلق قد يكون أعظم النعمتين وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على أضدادها فالرب تعالى يبتلي بنعمه وينعم بابتلائه غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يستغنى عنهما طرفة عين والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الحس والحركة أيهما أفضل وعن الطعام والشراب أيهما أفضل وعن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل فالمأمور لا يؤدى إلا بصبر وشكر والمحظور لا يترك إلا بصبر وشكر وأما المقدور الذي يقدر على العبد من المصائب فمتى صبر عليه اندرج شكره في صبره كما يندرج صبر الشاكر في شكره ومما يوضح هذا أن الله سبحانه امتحن العبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادهما في الله فهو في كل وقت في مجاهدة نفسه حتى تأتي بالشكر المأمور به ويصبر عن الهوى المنهي عن طاعته فلا ينفك العبد عنهما غنيا كان أو فقيرا معافى أو مبتلى وهذه هي مسألة الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل وللناس فيها ثلاثة أقوال وهي التي حكاها أبو الفرج ابن الجوزي وغيره في عموم الصبر والشكر أيهما أفضل وقد احتجت كل فرقة بحجج وأدلة على قولها والتحقيق أن يقال أفضلهما أتقاهما لله تعالى فإن فرض استوائهما في التقوى استويا في الفضل فإن الله سبحانه لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافية والبلاء وإنما فضل بالتقوى كما قال تعالى ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ وقد قال لا فضل لعربي على عجمي ولا فضل لعجمي على عربي إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب والتقوى مبنيه على أصلين الصبر والشكر وكل من الغني والفقير لا بد له منهما فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل فإن قيل فإذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغني أتم فأيهما أفضل؟ قيل أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله ولا يصح التفضيل بغير هذا ألبتة فإن الغنى قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغنى في شكره فلا يصح أن يقال هذا بغناه أفضل ولا هذا بفقره أفضل ولا يصح أن يقال هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر ولا بالعكس لأنهما مطيتان للإيمان لا بد منهما بل الواجب أن يقال أقومهما بالواجب والمندوب هو الأفضل فإن التفضيل تابع لهذين الأمرين كما قال تعالى في الأثر الإلهي: "ما تقرب إلى عبدي بمثل مداومة ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه" فأي الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل كان أفضل فإن قيل: فقد ثبت عن النبي أنه قال " يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة عام" قيل هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلو المنزلة وأن سبقوهم بالدخول فقد يتأخر الغنى والسلطان العادل في الدخول لحسابه فإذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع كسبق الفقير القفل في المضائق وغيرها ويتأخر صاحب الاحمال بعده فإن قيل فقد قال النبي للفقراء لما شكوا إليه زيادة عمل الأغنياء عليهم بالعتق والصدقه: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم" فدلهم على التسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صلاة فلما سمع الأغنياء ذلك عملوا به فذكروا ذلك للنبي فقال: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" وهذا يدل على ترجيح حال الغنى الشاكر قيل هذا حجة للقول الذي نصرناه وهو أن أفضلهما أكثرهما نوافل فإن استويا استويا وها هنا قد ساوى الأغنياء الفقراء في أعمالهم المفروضه والنافلة وزادوا عليهم بنوافل العتق والصدقه وفضلوهم بذلك فساووهم في صبرهم على الجهاد والأذى في الله والصبر على المقدور وزادوا عليهم بالشكر بنوافل المال فلو كان للفقراء بصبرهم نوافل تزيد على نوافل الأغنياء لفضلوهم بها فإن قيل: إن النبي عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردها وقال: "بل اشبع يوما وأجوع يوما" وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنهما قالت: "خرج رسول الله من الدنيا ولم يشبع من خبز البر ومات ودرعه مرهونه عند يهودى على طعام أخذه لأهله". وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن عبادة بن القعقاع عن أبي زرعه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا " وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا عباد بن عباد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش النبي عباءة مثنيه فرجعت إلى منزلها فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف فدخل على رسول الله فقال: "ما هذا؟ فقلت فلانه الأنصاريه دخلت على فرأت فراشك فبعثت إلى بهذا فقال رديه فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتى حتى قال لي ذلك ثلاث مرات فقال ياعائشة رديه فوالله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضه فرددته" ولم يكن الله سبحانه ليختار لرسوله إلا الأفضل هذا مع أنه لو أخذ الدنيا لأنفقها كلها في مرضاة الله ولكان شكره بها فوق شكر جميع العالمين قيل احتج بحال رسول الله كل واحدة من الطائفتين والتحقيق أن الله سبحانه وتعالى جمع له بين المقامين كليهما على أتم الوجوه وكان سيد الأغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين فحصل له من الصبر على الفقراء ما لم يحصل لأحد سواه ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغنى سواه ومن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك فكان أصبر الخلق في مواطن الصبر وأشكر الخلق في مواطن الشكر وربه تعالى كمل له مراتب الكمال فجعله في أعلى رتب الأغنياء الشاكرين وفي أعلى مراتب الفقراء الصابرين قال تعالى ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ وأجمع المفسرون أن العائل هو الفقير يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر وأعال يعيل إذا صار ذا عيال مثل لبن وأثمر وأثرى إذا صار ذا لبن وثمر وثروة وعال يعول إذا جار ومنه قوله تعالى ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾ وقيل المعنى ألا تكثر عيالكم والقول هو الأول لوجوه أحدها: أنه لا يعرف في اللغة عال يعول إذا كثر عياله وإنما المعروف في ذلك عال يعيل وأما عال يعول فهو بمعنى الجور ليس إلا هذا الذي ذكره أهل اللغة قاطبة الثاني: أنه سبحانه قابل ذلك بالعدل الذي نقلهم عند خوفهم من فقده إلى الواحدة والتسرى بما شاءوا من ملك أيمانهم ولا يحسن هنا التعليل بعدم العيال يوضحه الوجه الثالث أنه سبحانه نقلهم عند الخوف من عدم القسط في نكاح اليتامى إلي من سواهن من النساء لئلا يقعوا في ظلم أزواجهم اليتامى وجوز لهم نكاح الواحدة وما فوقها إلى الأربع ثم نقلهم عند خوف الجور وعدم العدل في القسمة إلى الواحدة أو النوع الذي لا قسمة عليهم في الاستمتاع بهنوهن الإماء فانتظمت الآية ببيان الجائز من نكاح اليتامى والبوالغ والأولى من ذينك القسمين عند خوف العدل فما لكثرة العيال مدخل ها هنا ألبتة يوضحه الوجه الرابع: إنه لو كان المحذور كثرة العيال لما نقلهم إلى ما شاءوا من كثرة الاماء بلا عدد فإن العيال كما يكونون من الزوجات يكونون من الإماء ولا فرق فإنه لم ينقلهم إلى اماء الاستخدام بل إلى إماء الاستفراش يوضحه الوجه الخامس: أن كثرة العيال ليس أمرا محذورا مكروها للرب تعالى كيف وخير هذه الأمة أكثرها نساء وقد قال النبي: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" فأمر بنكاح الولود ليحصل منها ما يكاثر به الأمم يوم القيامة والمقصود أنه سبحانه جعل نبيه غنيا شاكرا بعد إن كان فقيرا صابرا فلا تحتج به طائفة لحالها إلا كان للطائفة الأخرى أن تحتج به أيضا لحالها فإن قيل فقد كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من الشاكرين وقد قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا عبد الصمد حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال بينما عائشة في بيتها سمعت صوتا في المدينة فقالت ما هذا فقالوا عير لعبد الرحمن قدمت من الشام تحمل من كل شيء قال وقد كانت سبعمائة بعير فارتجت المدينة من الصوت فقالت عائشة سمعت رسول الله يقول: "رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا" فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال إن استطعت لأدخلنها قائما فجعلها بأحمالها وأقتابها كلها في سبيل الله قيل قد قال الإمام أحمد هذا الحديث كذب منكر قالوا أو عمارة يروى أحاديث مناكير وقال أبو حاتم الرازي عمارة بن زإذان لا يحتج به قال أبو الفرج وقد روى الجراح بن منهال بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي قال له: "يا ابن عوف إنك من الأغنياء وإنك لا تدخل الجنة إلا زحفا فأقرض ربك يطلق قدميك" قال أبو عبد الرحمن النسائي هذا حديث موضوع والجراح متروك الحديث وقال يحيى ليس حديث الجراح بشيء وقال ابن المدينى لا يكتب حديثه وقال ابن حبان كان يكذب وقال الدارقطنى متروك فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي رواه البيهقي من حديث أحمد بن على بن إسماعيل بن محمد حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرني خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن رسول الله أنه قال: "يا ابن عوف إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفا فأقرض الله يطلق قدميك" قال وما الذي أقرض يا رسول الله قال تتبرأ مما أمسيت فيه قال أمن كله أجمع يا رسول الله قال نعم فخرج وهو يهتم بذلك فأتاه جبريل فقال مر ابن عوف فليضف الضيف وليطعم المساكين وليبدأ بمن يعول وليعط السائل فإذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيه". قيل هذا حديث باطل لا يصح عن رسول الله فإن أحد رواته خالد بن يزيد بن أبي مالك قال الإمام أحمد ليس بشيء وقال ابن معين واه وقال النسائي غير ثقة وقال الدارقطنى ضعيف وقال يحيى بن معين لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي قاله الإمام أحمد حدثنا الهذيل بن ميمون عن مطرح بن يزيد عن عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول الله: "دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدى قلت ما هذا قال بلال فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذرارى المسلمين ولم ار فيها أحدا أقل من الأغنياء والنساء قيل لي أما الأغنياء فهم في الباب يحاسبون ويمحصون وأما النساء فألهاهن الاحمران الذهب والحرير ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثمانية فلما كنت عند الباب أتيت بكفة فوضعت فيها ووضعت أمتي في كفة فرجحت بها ثم أتى بأبي بكر فوضع في كفة وجئ بجميع أمتي فوضعوا في كفة فرجح أبو بكر ثم اتى بعمر فوضع في كفة ووضع أمتي في كفة فرجح عمر وعرضت على أمتي رجلا رجلا فجعلوا يمرون واستبطأت عبد الرحمن ابن عوف ثم جاء بعد الاياس فقلت عبد الرحمن فقال بأبي وأمى يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما خلصت إليك حتى ظننت إني لا أصل إليك إلا بعد المشيبات قلت وما ذاك قال من كثرة مالى أحاسب فأمحص". قيل هذا حديث لا يحتج بإسناده وقد أدخله أبو الفرج هو والذي قبله في كتاب الموضوعات وقال أما عبيد بن زحر فقال يحيى ليس بشيء وعلى بن يزيد متروك وقال ابن حبان عبيد الله يروي الموضوعات عن الاثبات وإذا روى عن على بن يزيد أتى بالطامات وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلى بن يزيد والقاسم ابن عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم قال أبو الفرج وبمثل هذا الحديث الباطل يتعلق جملة المتزهدين ويرون أن المال مانع من السبق إلى الخير ويقولون إذا كان ابن عوف يدخل الجنة زحفا لأجل ماله كفى ذلك في ذم المال والحديث لا يصح وحاشا عبد الرحمن المشهود له بالجنة أن يمنعه ماله من السبق لان جمع المال مباح وإنما المذموم كسبه من غير وجهه ومنع الحق الواجب فيه وعبد الرحمن منزه عن الحالين وقد خلف طلحة ثلاثمائة حمل من الذهب وخلف الزبير وغيره ولو علموا أن ذلك مذموم لأخرجوا الكل وكم قاص يتسوف بمثل هذا الحديث يحث على الفقر ويذم الغنى فلله در العلماء الذين يعرفون الصحيح ويفهمون الأصول اهـ قلت وقد بالغ في رد هذا الحديث وتجاوز الحد في إدخاله في الأحاديث الموضوعة المختلقة على رسول الله وكأنه استعظم احتباس عبد الرحمن بن عوف وهو أحد السابقين الأولين المشهود لهم عن السبق إليها ودخول الجنة حبوا ورأى ذلك مناقضا لسبقه ومنزلته التي أعدها الله له في الجنة وهذا وهم منه رحمه الله وهب أنه وجد السبيل إلى الطعن في هذين الخبرين أفيجد سبيلا إلى القدح في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام " قال الترمذي حديث حسن صحيح. وفى حديث ابن عمر الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا" وفى مسند الإمام أحمد عنه عن النبي: "هل تدرون أول من يدخل الجنة قالوا الله ورسوله أعلم قال فقراء المهاجرين الذين يتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء". وفى جامع الترمذي من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي أنه قال: "يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا" فهذا الحديث وأمثاله صحيح صريح في سبق فقراء الصحابة إلى الجنة لأغنيائهم وهم في السبق متفاوتون فمنهم من يسبق خمسمائة عام ومنهم من يسبق بأربعين عاما ولا يقدح ذلك في منزلة المتأخرين في الدخول فإنهم قد يكونون أرفع منزلة ممن سبقهم إلى الدخول وأن تأخروا بعدهم للحساب فإن الإمام العادل يوقف للحساب ويسبقه من لم يل شيئا من أمور المسلمين إلى الجنة فإذا دخل الإمام العادل بعده كانت منزلته أعلى من منزلة الفقير بل يكون أقرب الناس من الله منزلة كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي قال: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي: "أن أحب الناس إلى الله يوم القيامة واقربهم منه مجلسا امام عادل وأبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا امام جائر" فالإمام العادل والغنى قد يتأخر دخول كل منهم للحساب ويكون بعد الدخول ارفع منزلة من الفقير السابق ولا يلزم من احتباس عبد الرحمن بن عوف لكثرة ماله حتى يحاسبه عليه ثم يلحق برسول الله وأصحابه غضاضة عليه ولا نقص من مرتبته ولا يضاد ذلك سبقه وكونه مشهودا له بالجنة وأما حديث دخوله الجنة زحفا فالأمر كما قال فيه الإمام أحمد رحمه الله إنه كذب منكر وكما قال النسائي إنه موضوع ومقامات عبد الرحمن وجهاده ونفقاته العظيمة وصدقاته تقتضى دخوله مع المارين كالبرق أو كالطرف أو كأجاويد الخيل ولا يدعه يدخلها زحفا. (فصل) والله سبحانه كما هو خالق الخلق فهو خالق ما به غناهم وفقرهم. فخلق الغنى والفقر ليبتلي بهما عباده أيهم أحسن عملا وجعلهما سببا للطاعة والمعصية والثواب والعقاب قال تعالى ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام وكلها بلاء وقال ابن يزيد نبلوكم بما تحبون وما تكرهون لننظر كيف صبركم وشكركم فبما تحبون وما تكرهون وقال الكلبى بالشر بالفقر والبلاء والخير بالمال والولد فأخبر سبحانه أن الغنى والفقر مطيتا الابتلاء والامتحان وقال تعالى ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ كَلاَّ﴾ فأخبر سبحانه أنه يبتلي عبده بإكرامه له وبتنعيمه له وبسط الرزق عليه كما يبتليه بتضييق الرزق وتقديره عليه وأن كليهما ابتلاء منه وامتحان ثم أنكر سبحانه على من زعم أن بسط الرزق وتوسعته إكرام من الله لعبده وأن تضييقه عليه اهانة منه له فقال كلا أي ليس الأمر كما يقول الإنسان بل قد أبتلى بنعمتي وأنعم ببلائى وإذا تأملت ألفاظ الآية وجدت هذا المعنى يلوح على صفحاتها ظاهرا للمتأمل وقال تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم وقال تعالى ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ فأخبر سبحانه أنه زين الأرض بما عليها من المال وغيره للابتلاء والامتحان كما أخبر أنه خلق الموت والحياة لذلك وخلق السماوات والأرض لهذا الابتلاء أيضا فهذه ثلاثة مواضع في القرآن يخبر فيها سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلي وما بينهما وأجل العالم وأجل أهله وأسباب معائشهم التي جعلها زينة للأرض من الذهب والفضة والمساكن والملابس والمراكب والزروع والثمار والحيوان والنساء والبنين وغير ذلك كل ذلك خلقه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أطوع له وارضى فهو الأحسن عملا وهذا هو الحق الذي خلق به وله السماوات والأرض وما بينهما وغايته الثواب والعقاب وفواته وتعطيله هو العبث الذي نزه نفسه عنه وأخبر أنه يتعالى عنه وأن ملكه الحق وتفرده بالإلهية وحده وبربوبية كل شيء ينفى هذا الظن الباطل والحساب الكاذب كما قال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ فنزه سبحانه نفسه عن ذلك كما نزهها عن الشريك والولد والصاحبة وسائر العيوب والنقائص من السنة والنوم واللغوب والحاجة واكتراثه بحفظ السماوات والأرض وتقدم الشفعاء بين يديه بدون إذنه كما يظنه أعداؤه المشركون يخرجون عن علمه جزئيات العالم أو شيئا منها فكما أن كماله المقدس وكمال أسمائه وصفاته يأبى ذلك ويمنع منه فكذلك يبطل خلقه لعباده عبثا وتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يردهم إليه فيثيب محسنهم بإحسانه ومسيئهم باساءته ويعرف المبطلون منهم إنهم كانوا كاذبين ويشهدهم أن رسله وأتباعهم كانوا أولى بالصدق والحق منهم فمن أنكر ذلك فقد انكر إلهيته وربوبيته وملكه الحق وذلك عين الجحود والكفر به سبحانه كما قال المؤمن لصاحبه الذي حاوره في المعاد وأنكره ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ فأخبر أن إنكاره للمعاد كفر بذات الرب سبحانه وقال تعالى وأن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا إنا لفى خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وذلك أن إنكار المعادي يتضمن إنكار قدرة الرب وعلمه وحكمته وملكه الحق وربوبيته والهيته كما أن تكذيب رسله وجحد رسالتهم يتضمن ذلك أيضا فمن كذب رسله وجحد المعاد فقد أنكر ربوبيته سبحانه ونفى أن يكون رب العالمين والمقصود أنه سبحانه وتعالى خلق الغنى والفقر مطيتين للابتلاء والامتحان ولم ينزل المال لمجرد الاستمتاع به كما في المسند عنه قال: يقول الله تعالى: "إنا نزلنا المال لاقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له ثان لابتغى له ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب " فأخبر سبحانه إنه أنزل المال ليستعان به على إقامة حقه بالصلاة واقامة حق عباده بالزكاة لا للاستمتاع والتلذذ كما تأكل الأنعام فإذا زاد المال عن ذلك أو خرج عن هذين المقصودين فإن الغرض والحكمة التي أنزل لها كان التراب أولى به فرجع هو والجوف الذي امتلأ به بما خلق له من الإيمان والعلم والحكمة فانه خلق لان يكون وعاء لمعرفة ربه وخالقه والإيمان به ومحبته وذكره وانزل عليه من المال ما يستعين به على ذلك فعطل الجاهل بالله وبأمر الله وبتوحيد الله وبأسمائه وصفاته جوفه عما خلق له وملأه بمحبة المال الفانى الذاهب الذي هو ذاهب عن صاحبه أو بالعكس وجمعه والاستكثار منه ومع ذلك فلم يمتلئ بل ازداد فقرا وحرصا إلى أن امتلأ جوفه بالتراب الذي خلق منه فرجع إلى مادته الترابية التي خلق منها هو وماله ولم تتكمل مادته بامتلاء جوفه من العلم والإيمان الذي بهما كماله وفلاحه وسعادته في معاشه ومعاده فالمال إن لم ينفع صاحبه ضره ولا بد وكذلك العلم والملك والقدرة كل ذلك إن لم ينفعه ضره فإن هذه الأمور وسائل لمقاصد يتوسل بها إليها في الخير والشر فإن عطلت عن التوسل بها إلى المقاصد والغايات المحمودة توسل بها إلى أضدادها. فأربح الناس من جعلها وسائل إلى الله والدار الآخرة وذلك الذي ينفعه في معاشه ومعاده، وأخسر الناس من توسل بها إلى هواه ونيل شهواته وأغراضه العاجلة فخسر الدنيا والآخرة، فهذا لم يجعل الوسائل مقاصد ولو جعلها كذلك لكان خاسرا لكنه جعلها وسائل إلى ضد ما جعلت له فهو بمثابة من توسل بأسباب اللذة إلى أعظم الآلام أدوائها. فالأقسام أربعة لا خامس لها أحدها معطل الأسباب معرض عنها الثاني مكب عليها واقف مع جمعها وتحصيلها الثالث متوصل بها إلى ما يضره ولا ينفعه في معاشه ومعاده فهؤلاء الثلاثة في الخسران الرابع متوصل بها إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده وهو الرابح قال تعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد أشكل فهم هذه الآية على كثير من الناس حيث فهموا منها أن من كان له إرادة في الدنيا وزينتها فله هذا الوعيد ثم اختلفوا في معناها فقالت طائفة منهم ابن عباس من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب ولا بالعقاب قالوا والآية في الكفار خاصة على قول ابن عباس. وقال قتادة من كانت الدنيا همه وسدمه ونيته وطلبه جازاه الله في الدنيا بحسناته ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها. وأما المؤمن فيجزى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في الآخرة قال هؤلاء فالآية في الكفار بدليل قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالوا المؤمن من يريد الدنيا والآخرة فأما من كانت إرادته مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أبي صالح عنه نزلت في أهل القبلة. قال مجاهد هم أهل الرياء. وقال الضحاك من عمل صالحا من أهل الإيمان من غير تقوى عجل له ثواب عمله في الدنيا. واختار الفراء هذا القول وقال من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس. وهذا القول أرجح، ومعنى الآية على هذا من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهذا لا يكون مؤمنا ألبتة فإن العاصي والفاسق ولو بالغا في المعصية والفسق فإنما يحملهما على أن يعملا أعمال البر لله فيريدان بأعمال البر وجه الله وإن عملا بمعصيته. فأما من لم يرد بعمله وجه الله وإنما أراد به الدنيا وزينتها فهذا لا يدخل في دائرة أهل الإيمان، وهذا هو الذي فهمه معاوية من الآية واستشهد بها على حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة القارئ الذي قرأ القرآن ليقال فلان قارئ، والمتصدق الذي أنفق أمواله ليقال فلان جواد، والغازي الذي قتل في الجهاد ليقال هو جريء. وكما أن خيار خلق الله هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون فشرار الخلق من تشبه بهم وليس منهم فمن تشبه بأهل الصدق والإخلاص وهو مراءٍ كمن تشبه بالأنبياء وهو كاذب. وقال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن ادريس قال أخبرني عبد الحميد بن صالح حدثنا قطن بن الحباب عن عبد الوارث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله: "إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق فرقة يعبدون الله عز وجل للدنيا وفرقة يعبدون رياء وسمعة وفرقة يعبدونه لوجهه ولداره فيقول للذين كانوا يعبدونه للدنيا بعزتي وجلالي ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك الدنيا فيقول إني لم أقبل من ذلك شيئا إذهبوا بهم إلى النار ويقول للذين كانوا يعبدون رياء وسمعة بعزتي وجلالي ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك رياء وسمعة فيقول إني لم أقبل من ذلك شيئا إذهبوا بهم إلى النار ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه وداره بعزتي وجلالي ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك وجهك ودارك فيقول صدقتم إذهبوا بهم إلى الجنة" هذا حديث غنى عن الإسناد والقرآن والسنة شاهدان بصدقه ويدل على صحة هذا القول في الآية قوله تعالى ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ وذلك على أنها في قوم لهم أعمال لم يريدوا بها وجه الله وإنما أرادوا بها الدنيا ولها عملوا فوفاهم الله ثواب أعمالهم فيها من غير بخس وأفضوا إلى الآخرة بغير عمل يستحقون عليه الثواب وهذا لا يقع ممن يؤمن بالآخرة إلا كما يقع منه كبائر الأعمال وقوعا عارضا يتوب منه ويراجع التوحيد وقال ابن الأنباري فعلى هذا القول المعنى في قوم من أهل الإسلام يعملون العمل الحسن لتستقيم به دنياهم غير متفكرين في الآخرة وما ينقلبون إليه فهؤلاء يجعل لهم جزاء حسناتهم في الدنيا فإذا جاءت الآخرة كان جزاؤهم عليها النار إذا لم يريدوا بها وجه الله ولم يقصدوا التماس ثوابه وأجره ثم أورد صاحب هذا القول على أنفسهم سؤالا قالوا فإن قيل الآية الثانية على هذا القول توجب تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار؟ وأجابوا عنه بأن ظاهر الآية يدل على أن من راءى بعمله ولم يلتمس به ثواب الآخرة بل كانت نيته الدنيا فإن الله يبطل إيمانه عند الموافاة فلا يوافى ربه بالإيمان قالوا ويدل عليه قوله ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهذا يتناول أصل الإيمان وفروعه. وأجابت فرقة أخرى بأن الآية لا تقتضى الخلود الأبدي في النار وإنما تقتضى أن الذي يستحقونه في الآخرة النار وأنهم ليس لهم عمل صالح يرجون به النجاة فإذا كان مع أحدهم عمود التوحيد فإنه يخرج به من النار مع من يخرج من أصحاب الكبائر الموحدين وهذا هو جواب ابن الأنباري وغيره والآية بحمد الله لا إشكال فيها والله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار وأخبر بحبوط عمله وبطلانه فإذا أحبط ما ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه فإن كان معه إيمان لم يرد به الدنيا وزينتها بل أراد الله به والدار الآخرة لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذي حبط وبطل وأنجاه إيمانه من الخلود في النار وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة والإيمان إيمانان إيمان يمنع من دخول النار وهو الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال لله يبتغي بها وجهه وثوابه وإيمان يمنع الخلود في النار وإن كان مع المرائي شيء منه وإلا كان من أهل الخلود فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد والله الموفق وذلك قوله ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ ومنه قوله ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ فهذه ثلاث مواضع من القرآن يشبه بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا وتجتمع على معنى واحد وهو أن من كانت الدنيا مراده ولها يعمل في غاية سعيه لم يكن له في الآخرة نصيب ومن كانت الآخرة مراده ولها عمل وهي غاية سعيه فهى له بقى أن يقال: فما حكم من يريد الدنيا والآخرة فانه داخل تحت حكم الإرادتين فبأيهما يلحق قيل من ها هنا نشأ الإشكال وظن من ظن من المفسرين أن الآية في حق الكافر فانه هو الذي يريد الدنيا دون الآخرة وهذا غير لازم طردا ولا عكسا فإن بعض الكفار قد يريد الآخرة وبعض المسلمين قد لا يكون مراده إلا الدنيا والله تعالى قد علق السعادة بإرادة الآخرة والشقاوة بإرادة الدنيا فإذا تجردت الإرادتان تجرد موجبهما ومقتضاهما وأن اجتمعتا فحكم اجتماعهما حكم اجتماع البر والفجور والطاعة والمعصية والإيمان والشرك في العبد وقد قال تعالى لخير الخلق بعد الرسل ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَة﴾ وهذا خطاب للذين شهدوا معه الوقعة ولم يكن فيهم منافق ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما شعرت أن أحد أصحاب رسول الله يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الآية. والذين أريدوا في هذه الآية هم الذين أخلوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله بحفظه وهم من خيار المسلمين ولكن هذه إرادة عارضة حملتهم على ترك المركز والاقبال على كسب الغنائم بخلاف من كان مراده بعمله الدنيا وعاجلها فهذه الإرادة لون وإرادة هؤلاء لون وها هنا أمر يجب التنبيه له وهو أنه لا يمكن إرادة الدنيا وعاجلها بأعمال البر دون الآخرة مع الإيمان بالله ورسوله ولقائه أبدا فإن الإيمان بالله والدار الآخرة يستلزم إرادة العبد لرحمة الله والدار الآخرة بأعماله فحيث كان مراده بها الدنيا فهذا لا يجامع الإيمان أبدا وأن جامع الإقرار والعلم فالإيمان وراء ذلك والإقرار والمعرفة حاصلان لمن شهد الله سبحانه له بالكفر مع هذه المعرفة كفرعون وثمود واليهود الذين شاهدوا رسول الله وعرفوه كما عرفوا أبناءهم وهم من أكفر الخلق بإرادة الدنيا وعاجلها بالأعمال قد تجامع هذه المعرفة والعلم ولكن الإيمان الذي هو وراء ذلك لا بد أن يريد صاحبه بأعماله الله والدار الآخرة والله المستعان. (فصل) والمقصود أنه سبحانه جعل الغنى والفقر ابتلاءا وامتحانا للشكر والصبر، والصدق والكذب والإخلاص والشرك قال تعالى ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ وقال تعالى ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فجعل الدنيا عرضا عاجلا ومتاع غرور وجعل الآخرة دار جزاء وثواب وحف الدنيا بالشهوات وزينها بها كما قال تعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ فأخبر سبحانه أن هذا الذي زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها وما هو غاية أماني طلابها ومؤثريها على الآخرة وهو سبعة أشياء النساء اللاتى هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة والبنين الذين بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه والذهب والفضة اللذين هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها والخيل المسومة التي هي عز أصحابها وفخرهم وحصونهم وآلة قهرهم لأعدائهم في طلبهم وهربهم والأنعام التي منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم وأمتعتهم وغير ذلك من مصالحهم والحرث الذي هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك ثم أخبر سبحانه أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا ثم شوق عباده إلى متاع الآخرة وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى فقال ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع ومن هم أهله الذين هم أولى به فقال ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ فأخبر سبحانه أن ما أعد لأوليائه المتقين من متاع الآخرة خير من متاع الدنيا وهو نوعان ثواب يتمتعون به وأكبر منه وهو رضوإنه عليهم قال تعالى ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدا لأولي البصائر وإنها لعب ولهب تلهو بها النفوس وتلعب بها الأبدان واللعب واللهو لا حقيقة لهما وأنهما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون فيذهب ضائعا في غير شيء ثم أخبر أنها زينة زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون والنفوس استحسانا ومحبة ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الآخرة ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى قال الإمام حدثنا وكيع حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي قال: "مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها". وفى جامع الترمذي من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء قال الترمذي حديث صحيح. وفى صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال رسول الله: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع وأشار بالسبابة". وفى الترمذي من حديثه قال: "كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله على السخلة الميتة فقال رسول الله أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا ومن هوانها ألقوها يا رسول الله قال فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها" وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما" والحديثان حسنان قال الإمام أحمد حدثنا هيثم بن خارجة أنبأنا إسماعيل بن عياش بن عبد الله بن دينار النهرانى قال قال عيسى عليه السلام للحواريين بحق أقول لكم إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق أقول لكم إن شركم عملا عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة إنه لو يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله. وقال أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق قال أخبرني سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال قال عيسى ابن مريم عليه السلام يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارا قالوا يا روح الله ومن يقدر على ذلك قال إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا. وفى كتاب الزهد لأحمد أن عيسى ابن مريم عليه السلام كان يقول بحق أقول لكم أن أكل الخبز وشرب الماء العذب ونوما على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس وفى المسند عنه: "إن الله ضرب طعام ابن آدم مثلا للدنيا وأن قزحه وملحه فلينظر إلى ماذا يصير". فصل: ثم أخبر سبحانه وتعالى عنها إنها يفاخر بعضنا بعضا بها فيطلبها ليفخر بها على صاحبه وهذا حال كل من طلب شيئا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد والمفاخرة نوعان مذمومة ومحمودة فالمذمومة مفاخرة أهل الدنيا بها والمحمودة أن يطلب المفاخرة في الآخرة فهذه من جنس المنافسة المأمور بها وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغار أن يناله دونه ويأنف من ذلك ويحمى أنفه له يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه دونك والتنافس تفاعل من ذلك كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه إليه وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة إلى الشيء النفيس. (فصل) ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد فيحب كل واحد أن يكاثر بني جنسه في ذلك ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالا وولدا وأن يقال فيه ذلك وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن الله والدار الآخرة كما قال تعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ والتكاثر في كل شيء فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم فيجمعه تكاثرا وتفاخرا وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها فصل: ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته والصحيح إن شاء الله أن الكفار هم الكفار بالله وذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به كما ذكرهم به في قوله يعجب الزراع وإنما خص الكفار به لأنهم أشد اعجابا بالدنيا فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون فهم أشد اعجابا بزينتها وما فيها من المؤمنين ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه وهذا آخر الدنيا ومصيرها ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك فإذا كانت الآخرة انقلبت الدنيا واستحالت إلى عذاب شديد أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه كما قال على بن أبي طالب الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عفها ومطلب نجح لمن سالم فيها مساجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه فيها اكتسبوا الرحمة وربحوا فيها العافية فمن ذا يذمها وقد آذنت بنيها ونعت نفسها وأهلها فتمثلت ببلائها وشوقت بسرورها إلى السرور تخويفا وتحذيرا وترغيبا فذمها قوم غداة الندامة وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا فيا أيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت إليك بل متى غرتك أبمنازل آبائك في الثرى أم بمضاجع أمهاتك في البلاء كم رأيت موروثا كم عللت بكفيك عليلا كم مرضت مريضا بيديك تبتغى له الشفاء وتستوصف له الأطباء ثم لم تنفعه شفاعتك ولم تسعفه طلبتك مثلت لك الدنيا غداة مصرعه مصرعك ومضجعه مضجعك ثم التفت إلى المقابر فقال يا أهل الغربة ويا أهل التربة أما الدور فسكنت وأما الأموال فقسمت وأما الأزواج فنكحت فهذا خبر ما عندنا فهاتوا خبر ما عندكم ثم التفت الينا فقال أما لو أذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى فالدنيا في الحقيقة لا تذم وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها وهي قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها وهو الغالب على اسمها صار لها اسم الذم عند الإطلاق وإلا فهى مبني الآخرة ومزرعتها ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الإيمان ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة إنما كان بما زرعوه فيها وكفى بها مدحا وفضلا لأولياء الله فيها من قرة العيون وسرور القلوب وبهجة النفوس ولذة الارواح والنعيم الذي لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والإنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والاقبال عليه والاشتغال به عمن سواه وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذي ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده ولهذا فضل ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة وقالوا هذا حق الله عليهم وذاك حظهم ونعيمهم وحقه أفضل من حقهم قالوا والإيمان والطاعة أفضل من جزائه والتحقيق أنه لا يصح التفضيل بين أمرين في دارين مختلفين ولو أمكن اجتماعهما في دار واحدة لأمكن طلب التفضيل والإيمان والطاعة في هذه الدار أفضل ما فيها ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما في الآخرة فهذا أفضل ما في هذه الدار وهذا أفضل ما في الدار الأخرى ولا يصح أن يقال فأي الأمرين أفضل فهذا أفضل الأسباب وهذا أفضل الغايات وبالله التوفيق. (فصل) ولما وصف سبحانه حقيقة الدنيا وبين غايتها ونهايتها وانقلابها في الآخرة إلى عذاب شديد ومغفرة من الله وثواب أمر عباده بالمسابقة والمبادرة إلى ما هو خير وأبقى وأن يؤثروه على الفانى المنقطع المشوب بالانكاد والتنغيص ثم أخبر أن ذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال تعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ثم ذكر سبحانه أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا وأن الباقيات الصالحات وهي الأعمال والأقوال الصالحة التي يبقى ثوابها ويدوم جزاؤها خير ما يؤمله العبد ويرجو ثوابه وقال تعالى ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ولما أخبر عباده عن آفات هذه الدار دعا عباده إلى دار السلام التي سلمت من التغير والاستحالة والزوال والفناء وعم عباده بالدعوة إليها عدلا وخص من شاء بالهداية إلى طريقها فضلا وأخبر سبحانه أن الأموال والأولاد لا تقرب الخلق إليه وإنما يقربهم إليه تقوى الله ومعاملته فيهم وحذر سبحانه عباده أن تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكره وأخبر أن من ذلك فعل فهو الخاسر حقيقة لا من قل ماله وولده في الدنيا ونهى نبيه أن يمد عينيه إلى ما متع به أهل الدنيا فيها فتنة لهم واختبارا وأخبر أن رزقه الذي أعده له في الآخرة خير وأبقى من هذا الذي متعوا به وأخبر سبحانه إنه آتاه السبع المثاني والقرآن العظيم وذلك خير وأفضل مما متع به أهل الدنيا في دنياهم وجعل ما آتاه مانعا له من مد عينيه إلى ذلك فهذا العطاء في الدنيا وما ادخر له من رزق الآخرة خير مما متع به أهل الدنيا فلا تمدن عينيك فصل: وإذا عرف أن الغنى والفقر والبلاء والعافية فتنة وابتلاء من الله لعبده تمتحن بها صبره وشكره علم أن الصبر والشكر مطيتان للإيمان لا يحمل إلا عليهما ولا بد لكل مؤمن منهما وكل منهما في موضعه أفضل فالصبر في مواطن الصبر أفضل والشكر في مواضع الشكر أفضل هذا إن صح مفارقة كل واحد منهما للآخر وأما إذا كان الصبر جزء مسمى الشكر والشكر جزء مسمى الصبر وكل منهما حقيقة مركبة من الأمرين معا كما تقدم بيانه فالتفضيل بينهما لا يصح إلا إذا جرد أحدهما عن الآخر وذلك فرض ذهنى يقدره الذهن ولا يوجد في الخارج ولكن يصح على وجه وهو أن العبد قد يغلب صبره على شكره الذي هو قدر زائد على مجرد الصبر من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فلا يبقى فيه اتساع لغير صبر النفس على ما هو فيه لقوة الوارد وضيق المحل فتنصرف قواه كلها إلى كف النفس وحبسها لله وقد يغلب شكره بالأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة على قوة كفه لنفسه وحبسها لله فتكون قوة إرادته وعمله أقوى من قوة امتناعه وحبس نفسه واعتبر هذا بشخصين أحدهما حاكم على نفسه متمكن من حبسها عن الشهوات قليل التشكى للمصيبات وذلك جل عمله وآخر كثير الإعطاء لفعل الخير القاصر والمتعدى سمح النفس ببذل المعروف وآخر ضعيف النفس عن قوة الصبر فللنفس قوتان قوة الصبر والكف وامساك النفس وقوة البذل وفعل الخير والاقدام على فعل ما تكمل به وكمالها باجتماع هاتين القوتين فيها والناس في ذلك أربع طبقات فأعلاهم من اجتمعت له القوتان وسفلتهم من عدم القوتين، ومنهم من قوة صبره أكمل من قوة فعله وبذله ومنهم من هو بالعكس في ذلك، فإذا فضل الشكر على الصبر فإما أن يكون باعتبار ترجيح مقام على مقام. وأما أن يكون باعتبار تجريد كل من الأمرين عن الآخر وقطع النظر عن اعتباره وتمام إيضاح هذا بمسالة الغنى الشاكر والفقير الصابر فلنذكر لها بابا يخصها ويكشف عن الصواب فيها.

الفاتحة 1:3

ولقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عبودية تخصها، وهي شهود عموم رحمته، وسعتها لكل شيء، وأخْذ كل موجود بنصيبه منها، ولاسيما الرحمة الخاصة به التي أقامت عبده بين يديه في خدمته، يناجيه بكلامه ويتملَّقه ويسترحمه ويسأله هدايته ورحمته، وإتمامَ نعمته عليه، فهذا من رحمته بعبده، فرحمتُه وسعتْ كلَّ شيء، كما أن حمده وسعَ كل شيء. [فَصْلٌ: ذِكْرُ أسْماءِ اللَّهِ بَعْدَ الحَمْدِ] فِي ذِكْرِ هَذِهِ الأسْماءِ بَعْدَ الحَمْدِ، وإيقاعِ الحَمْدِ عَلى مَضْمُونِها ومُقْتَضاها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَحْمُودٌ في إلَهِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في رَحْمانِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في مُلْكِهِ، وأنَّهُ إلَهٌ مَحْمُودٌ، ورَبٌّ مَحْمُودٌ، ورَحْمَنٌ مَحْمُودٌ، ومَلِكٌ مَحْمُودٌ، فَلَهُ بِذَلِكَ جَمِيعُ أقْسامِ الكَمالِ: كَمالٌ مِن هَذا الِاسْمِ بِمُفْرَدِهِ، وكَمالٌ مِنَ الآخَرِ بِمُفْرَدِهِ، وكَمالٌ مِنِ اقْتِرانِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. مِثالُ ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٧]، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] فالغِنى صِفَةُ كَمالٍ، والحَمْدُ صِفَةُ كَمالٍ، واقْتِرانُ غِناهُ بِحَمْدِهِ كَمالٌ أيْضًا، وعِلْمُهُ كَمالٌ، وحِكْمَتُهُ كَمالٌ، واقْتِرانُ العِلْمِ بِالحِكْمَةِ كَمالٌ أيْضًا، وقُدْرَتُهُ كَمالٌ ومَغْفِرَتُهُ كَمالٌ، واقْتِرانُ القُدْرَةِ بِالمَغْفِرَةِ كَمالٌ، وكَذَلِكَ العَفْوُ بَعْدَ القُدْرَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] واقْتِرانُ العِلْمِ بِالحِلْمِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]. وَحَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ: اثْنانِ يَقُولانِ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، واثْنانِ يَقُولانِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، فَما كُلُّ مَن قَدَرَ عَفا، ولا كُلُّ مَن عَفا يَعْفُو عَنْ قُدْرَةٍ، ولا كُلُّ مَن عَلِمَ يَكُونُ حَلِيمًا، ولا كُلُّ حَلِيمٍ عالِمٌ، فَما قُرِنَ شَيْءٌ إلى شَيْءٍ أزْيَنُ مِن حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، ومِن عَفْوٍ إلى قُدْرَةٍ، ومِن مُلْكٍ إلى حَمْدٍ، ومِن عِزَّةٍ إلى رَحْمَةٍ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩] وَمِن هاهُنا كانَ قَوْلُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] أحْسَنُ مِن أنْ يَقُولَ: وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، أيْ إنْ غَفَرْتَ لَهم كانَ مَصْدَرُ مَغْفِرَتِكَ عَنْ عِزَّةٍ، وهي كَمالُ القُدْرَةِ، وعَنْ حِكْمَةٍ، وهي كَمالُ العِلْمِ، فَمَن غَفَرَ عَنْ عَجْزٍ وجَهْلٍ بِجُرْمِ الجانِي، فَأنْتَ لا تَغْفِرُ إلّا عَنْ قُدْرَةٍ تامَّةٍ، وعِلْمٍ تامٍّ، وحِكْمَةٍ تَضَعُ بِها الأشْياءَ مَواضِعَها، فَهَذا أحْسَنُ مِن ذِكْرِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ في هَذا المَوْضِعِ، الدّالِّ ذِكْرُهُ عَلى التَّعْرِيضِ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ في غَيْرِ حِينِها، وقَدْ فاتَتْ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ: وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، كانَ في هَذا مِنَ الِاسْتِعْطافِ والتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِمَن لا يَسْتَحِقُّها ما يُنَزَّهُ عَنْهُ مَنصِبُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لا سِيَّما والمَوْقِفُ مَوْقِفُ عَظَمَةٍ وجَلالٍ، ومَوْقِفُ انْتِقامٍ مِمَّنْ جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا، واتَّخَذَهُ إلَهًا مِن دُونِهِ، فَذِكْرُ العِزَّةِ والحِكْمَةِ فِيهِ ألْيَقُ مِن ذِكْرِ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ. وَهَذا بِخِلافِ قَوْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ {واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: ٣٥] وَلَمْ يَقِلْ: فَإنَّكَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ اسْتِعْطافٍ وتَعْرِيضٍ بِالدُّعاءِ، أيْ إنْ تَغْفِرْ لَهم وتَرْحَمْهُمْ، بِأنْ تُوَفِّقَهم لِلرُّجُوعِ مِنَ الشِّرْكِ إلى التَّوْحِيدِ، ومِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ، كَما في الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ». وَفِي هَذا أظْهَرُ الدِّلالَةِ عَلى أنَّ أسْماءَ الرَّبِّ تَعالى مُشْتَقَّةٌ مِن أوْصافٍ ومَعانٍ قامَتْ بِهِ، وأنَّ كُلَّ اسْمٍ يُناسِبُ ما ذُكِرَ مَعَهُ، واقْتَرَنَ بِهِ، مِن فِعْلِهِ وأمْرِهِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ. [فَصْلٌ ارْتِباطُ الخَلْقِ بِأسْماءِ اللَّهِ] وَتَأمَّلِ ارْتِباطَ الخَلْقِ والأمْرِ بِهَذِهِ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ، وهي اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ كَيْفَ نَشَأ عَنْها الخَلْقُ، والأمْرُ، والثَّوابُ، والعِقابُ؟ وكَيْفَ جَمَعَتِ الخَلْقَ وفَرَّقَتْهُمْ؟ فَلَها الجَمْعُ، ولَها الفَرْقُ. فاسْمُ الرَّبِّ لَهُ الجَمْعُ الجامِعُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَهو رَبُّ كُلَّ شَيْءٍ وخالِقُهُ، والقادِرُ عَلَيْهِ، لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ، وكُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عَبْدٌ لَهُ في قَبْضَتِهِ، وتَحْتَ قَهْرِهِ، فاجْتَمَعُوا بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وافْتَرَقُوا بِصِفَةِ الإلَهِيَّةِ، فَألَّهَهُ وحْدَهُ السُّعَداءُ، وأقَرُّوا لَهُ طَوْعًا بِأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، الَّذِي لا تَنْبَغِي العِبادَةُ والتَّوَكُّلُ، والرَّجاءُ والخَوْفُ، والحُبُّ والإنابَةُ والإخْباتُ والخَشْيَةُ، والتَّذَلُّلُ والخُضُوعُ إلّا لَهُ. وَهُنا افْتَرَقَ النّاسُ، وصارُوا فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا مُشْرِكِينَ في السَّعِيرِ، وفَرِيقًا مُوَحِّدِينَ في الجَنَّةِ. فالإلَهِيَّةُ هي الَّتِي فَرَّقَتْهُمْ، كَما أنَّ الرُّبُوبِيَّةَ هي الَّتِي جَمَعَتْهم. فالدِّينُ والشَّرْعُ، والأمْرُ والَنَّهْيُ مَظْهَرُهُ، وقِيامُهُ مِن صِفَةِ الإلَهِيَّةِ، والخَلْقُ والإيجادُ والتَّدْبِيرُ والفِعْلُ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، والجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ والجَنَّةِ والنّارِ مِن صِفَةِ المُلْكِ، وهو مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ، فَأمَرَهم بِإلَهِيَّتِهِ، وأعانَهم ووَفَّقَهم وهَداهم وأضَلَّهم بِرُبُوبِيَّتِهِ، وأثابَهم وعاقَبَهم بِمُلْكِهِ وعَدْلِهِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ لا تَنْفَكُّ عَنِ الأُخْرى. وَأمّا الرَّحْمَةُ فَهي التَّعَلُّقُ، والسَّبَبُ الَّذِي بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِبادِهِ، فالتَّأْلِيهُ مِنهم لَهُ، والرُّبُوبِيَّةُ مِنهُ لَهُمْ، والرَّحْمَةُ سَبَبٌ واصِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ، بِها أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، وبِها هَداهُمْ، وبِها أسْكَنَهم دارَ ثَوابِهِ، وبِها رَزَقَهم وعافاهم وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَبَيْنَهم وبَيْنَهُ سَبَبُ العُبُودِيَّةِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَهم سَبَبُ الرَّحْمَةِ. واقْتِرانُ رُبُوبِيَّتِهِ بِرَحْمَتِهِ كاقْتِرانِ اسْتِوائِهِ عَلى عَرْشِهِ بِرَحْمَتِهِ، فَ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢-٣] فَإنَّ شُمُولَ الرُّبُوبِيَّةِ وسِعَتْها بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْها أقْصى شُمُولِ الرَّحْمَةِ وسِعَتِها، فَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ بِرَحْمَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، مَعَ أنَّ في كَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ ما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّهِ عَلى خَلْقِهِ، وكَوْنِهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، كَما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.

الفاتحة 1:4

إنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يُدِينُ اللَّهُ العِبادَ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، فَيُثِيبُهم عَلى الخَيْراتِ، ويُعاقِبُهم عَلى المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أحَدًا قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، والحُجَّةُ إنَّما قامَتْ بِرُسُلِهِ وكُتُبِهِ، وبِهِمُ اسْتُحِقَّ الثَّوابُ والعِقابُ، وبِهِمْ قامَ سُوقُ يَوْمِ الدِّينِ، وسِيقَ الأبْرارُ إلى النَّعِيمِ، والفُجّارُ إلى الجَحِيمِ. وقال في كتاب (الكلام على مسألة السماع) ثم يعطي قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ عبوديتها، ويتأمل تضمنها لإثبات المعاد، وتفرد الرب فيه بالحكم بين خلقه، وأنه يوم يدين فيه العباد بأعمالهم في الخير والشر، وذلك من تفاصيل حمده وموجبه. ولما كان قوله: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إخبارًا عن حمده تعالى قال الله: حمدني عبدي، ولما كان قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إعادةً وتكريرًا لأوصاف كماله قال: أثنى عليَّ عبدي، فإن الثناء إنما يكون بتكرار المحامد وتعداد أوصاف المحمود، ولما وصفه سبحانه بتفرده بملك يوم الدين وهو الملك الحق المتضمن لظهور عدله وكبريائه وعظمته ووحدانيته وصدق رسله، سمى هذا الثناء مجدًا، فقال: مجَّدني عبدي، فإن التمجيد هو الثناء بصفات العظمة والجلال. (فائدة: في اختصاص المَلِكِ بِيَوْمِ الدِّينِ) وَصِفاتُ العَدْلِ، والقَبْضِ والبَسْطِ، والخَفْضِ والرَّفْعِ، والعَطاءِ والمَنعِ، والإعْزازِ والإذْلالِ، والقَهْرِ والحُكْمِ، ونَحْوُها أخَصُّ بِاسْمِ المَلِكِ وخَصَّهُ بِيَوْمِ الدِّينِ، وهو الجَزاءُ بِالعَدْلِ، لِتَفَرُّدِهِ بِالحُكْمِ فِيهِ وحْدَهُ، ولِأنَّهُ اليَوْمُ الحَقُّ، وما قَبْلَهُ كَساعَةٍ، ولِأنَّهُ الغايَةُ، وأيّامُ الدُّنْيا مَراحِلُ إلَيْهِ. تَضَمَّنَتْ الفاتِحَةُ إثْباتَ المَعادِ، وجَزاءَ العِبادِ بِأعْمالِهِمْ، حَسَنِها وسَيِّئِها، وتَفَرُّدَ الرَّبِّ تَعالى بِالحُكْمِ إذْ ذاكَ بَيْنَ الخَلائِقِ، وكَوْنَ حُكْمِهِ بِالعَدْلِ، وكُلُّ هَذا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. (فصل) والدِّينُ فِيهِ مَعْنى الإذْلالِ والقَهْرِ، وفِيهِ مَعْنى الذُّلِّ والخُضُوعِ والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ، كَما يُقالُ: دِنْتُهُ فَدانَ، أيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُوَ دانَ الرَّبابَ إذْ كَرِهُوا الدِّ ∗∗∗ ينَ فَأضْحَوْا بِعِزَّةٍ وصِيالِ وَيَكُونُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، كَما يُقالُ: دِنْتُ اللَّهَ، ودِنْتُ لِلَّهِ، وفُلانٌ لا يَدِينُ اللَّهَ دِينًا، ولا يَدِينُ اللَّهَ بِدِينٍ، فَدانَ اللَّهَ: أيْ أطاعَ اللَّهَ وأحَبَّهُ وخافَهُ، ودانَ اللَّهَ: تَخَشَّعَ لَهُ وخَضَعَ وذَلَّ وانْقادَ. والدِّينُ الباطِنُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الحُبِّ والخُضُوعِ كالعِبادَةِ سَواءً، بِخِلافِ الدِّينِ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ الحُبَّ، وإنْ كانَ فِيهِ انْقِيادٌ وذُلٌّ في الظّاهِرِ. وَسَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ [يَوْمَ الدِّينِ] فَإنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَدِينُ فِيهِ النّاسُ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ جَزاءَهم وحِسابَهُمْ، فَلِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، ويَوْمِ الحِسابِ. (فائدة) فإذا قال المصلي: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين فيشهد ملكا قاهرا قد دانت له الخليقة وعنت له الوجوه وذلت لعظمته الجبابرة وخضع لعزته كل عزيز فيشهد بقلبه ملكا على عرش السماء مهيمنا لعزته تعنو الوجوه وتسجد، وإذا لم تعطل حقيقة صفة الملك أطلعته على شهود حقائق الأسماء والصفات التي تعطيلها تعطيل لملكه وجحد له فإن الملك الحق التام الملك لا يكون إلا حيا قيوما سميعا بصيرا مدبرا قادرا متكلما آمرا ناهيا مستويا على سرير مملكته، يرسل رسله إلى أقاصي مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحق الرضا، ويثيبه ويكرمه ويدنيه، ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء ويعطى من يشاء ويقرب من يشاء ويقصى من يشاء، له دار عذاب وهي النار، وله دار سعادة عظيمة وهي الجنة. فمن أبطل شيئا من ذلك أو جحده وأنكر حقيقته فقد قدح في ملكه سبحانه وتعالى ونفى عنه كماله وتمامه. وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره فقد أنكر عموم ملكه وكماله فيشهد المصلي مجد الرب تعالى في قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. [فصل: الدِّينُ دِينانِ] والدِّينُ دِينانِ: دِينٌ شَرْعِيٌّ أمْرِيٌّ، ودِينٌ حِسابِيٌّ جَزائِيٌّ، وكَلاهُما لِلَّهِ وحْدَهُ، فالدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ أمْرًا أوْ جَزاءً، والمَحَبَّةُ أصْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الدِّينَيْنِ، فَإنَّ ما شَرَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأمَرَ بِهِ يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وما نَهى عَنْهُ فَإنَّهُ يَكْرَهُهُ ويُبْغِضُهُ؛ لِمُنافاتِهِ لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، فَهو يُحِبُّ ضِدَّهُ، فَعادَ دِينُهُ الأمْرِيُّ كُلُّهُ إلى مَحَبَّتِهِ ورِضاهُ. وَدِينُ العَبْدِ لِلَّهِ بِهِ إنَّما يُقْبَلُ إذا كانَ عَنْ مَحَبَّتِهِ ورِضاهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا»، فَهَذا مَدِينٌ قائِمٌ بِالمَحَبَّةِ وبِسَبَبِها شُرِعَ، ولِأجْلِها شُرِعَ، وعَلَيْها أُسِّسَ، وكَذَلِكَ دِينُهُ الجَزائِيُّ، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُجازاةَ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ، وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مَحْبُوبٌ لِلرَّبِّ، فَإنَّهُما عَدْلُهُ وفَضْلُهُ، وكِلاهُما مِن صِفاتِ كَمالِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُحِبُّ صِفاتِهِ وأسْماءَهُ، ويُحِبُّ مَن يُحِبُّها، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الدِّينَيْنِ فَهو صِراطُهُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي هو عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وثَوابِهِ وعِقابِهِ، كَما قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ - مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦]. وَلَمّا عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ رَبَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وثَوابِهِ وعِقابِهِ، وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، ومَنعِهِ وعَطائِهِ، وعافِيَتِهِ وبَلائِهِ، وتَوْفِيقِهِ وخِذْلانِهِ، لا يَخْرُجُ في ذَلِكَ عَنْ مُوجِبِ كَمالِهِ المُقَدَّسِ، الَّذِي يَقْتَضِيهِ أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ، مِنَ العَدْلِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ والإحْسانِ والفَضْلِ، ووَضْعِ الثَّوابِ مَواضِعَهُ، والعُقُوبَةِ في مَوْضِعِها اللّائِقِ بِها، ووَضْعِ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ والعَطاءِ والمَنعِ والهِدايَةِ والإضْلالِ، كُلُّ ذَلِكَ في أماكِنِهِ ومِحالِّهِ اللّائِقَةِ بِهِ، بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ عَلى ذَلِكَ كَمالَ الحَمْدِ والثَّناءِ، أوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ العِلْمَ والعِرْفانَ، إذْ نادى عَلى رُؤُوسِ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ بِجَنانٍ ثابِتٍ وقَلْبٍ غَيْرِ خائِفٍ بَلْ مُتَجَرِّدٍ لِلَّهِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ - مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ عُمُومِ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ لِكُلِّ ما سِواهُ، وذُلِّ كُلِّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ، فَقالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فَكَيْفَ أخافُ مَن ناصِيَتُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ، وهو في قَهْرِهِ وقَبْضَتِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ دُونَهُ، وهَلْ هَذا إلّا مِن أجْهَلِ الجَهْلِ، وأقْبَحِ الظُّلْمِ؟ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَكُلُّ ما يَقْضِيهِ ويُقَدِّرُهُ فَلا يَخافُ العَبْدُ جَوْرَهُ ولا ظُلْمَهُ، فَلا أخافُ ما دُونَهُ، فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِهِ، ولا أخافُ جَوْرَهُ وظُلْمَهُ، فَإنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَهو سُبْحانَهُ ماضٍ في عَبْدِهِ حُكْمُهُ، عَدْلٌ فِيهِ قَضاؤُهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، ولا يَخْرُجُ في تَصَرُّفِهِ في عِبادِهِ عَنِ العَدْلِ والفَضْلِ، إنْ أعْطى وأكْرَمَ وهَدى ووَفَّقَ فَبِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وإنْ مَنَعَ وأهانَ وأضَلَّ وخَذَلَ وأشْقى فَبِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في هَذا وهَذا. وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ما أصابَ عَبْدًا قَطُّ هَمٌّ ولا حَزَنٌ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأْثَرَتْ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ: أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ صَدْرِي، وجِلاءَ حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي، إلّا أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وغَمَّهُ، وأبْدَلَهُ مَكانَهُ فَرَجًا، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَتَعَلَّمُهُنَّ؟ قالَ: بَلى يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ». وَهَذا يَتَناوَلُ حُكْمَ الرَّبِّ الكَوْنِيَّ والأمْرِيَّ وقَضاءَهُ الَّذِي يَكُونُ بِاخْتِيارِ العَبْدِ وغَيْرِ اخْتِيارِهِ، وكِلا الحُكْمَيْنِ ماضٍ في عَبْدِهِ، وكِلا القَضائَيْنِ عَدْلٌ فِيهِ، فَهَذا الحَدِيثُ مُشْتَقٌّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بَيْنَهُما أقْرَبُ نَسَبٍ. [فائدة: في الذكر عند لقاء العدو ومن يخاف سلطانًا وغيره] في سنن أبي داود والنسائي عن أبي موسى أن النبي ﷺ كان إذا خاف قومًا قال «اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم». ويذكر عن النبي ﷺ أنه كان يقول عند لقاء العدو «اللهم أنت عضدي وأنت ناصري وبك أقاتل». وعنه ﷺ أنه كان في غزوة فقال «يا مالك يوم الدين إياك أعبد وإياك أستعين» قال أنس فلقد رأيت الرجال تصرعها الملائكة من بين يديها ومن خلفها. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إذا خفت سلطانًا أو غيره فقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت عز جارك، وجل ثناؤك». وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار. وقالها محمد ﷺ حين قال له الناس ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾».

الفاتحة 1:5

فإذا قال: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتظرَ جواب ربه له: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وتأمل عبوديةَ هاتين الكلمتين وحقوقهما، وميَّز الكلمة التي لله والكلمة التي للعبد، وفَقِهَ سرّ كون إحداهما لله والأخرى للعبد، وميَّزَ بين التوحيد الذي تقتضيه كلمة "إياك نعبد" والتوحيد الذي تقتضيه كلمة "إياك نستعين"، وفَقِهَ سر كون هاتين الكلمتين في وسط السورة بين نوعي الثناء قبلهما والدعاء بعدهما، وفَقِهَ تقديم "إياك نعبد" على "إياك نستعين"، وتقديم المعمول على الفعل مع الإتيان به مؤخرًا أوجز وأخصر، وسر إعادة الضمير مرة بعد مرة، وعلمَ ما تدفع كل واحدة من الكلمتين من الآفة المنافية للعبودية، وكيف تُدخِله الكلمتان في صريح العبودية، وعَلِمَ كيف يدور القرآن من أوله إلى آخره على هاتين الكلمتين، بل كيف يدور عليهما الخلق والأمر والثواب والعقاب والدنيا والآخرة، وكيف تضمنتا لأجلِّ الغايات وأكمل الوسائل، وكيف جيء بهما بضمير الخطاب والحضور دون ضمير الغائب. وهذا موضع يستدعي كتابًا كبيرًا، ولولا الخروج عما نحن بصدده لأوضحناه وبسطنا القول فيه، فمن أراد الوقوف عليه فقد ذكرناه في كتاب "مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"، وفي كتاب "الرسالة المصرية". [فائدة] والعَبْدُ إذا عَزَمَ عَلى فِعْلِ أمْرٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَ أوَّلًا هَلْ هو طاعَةٌ لِلَّهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ طاعَةٌ فَلا يَفْعَلُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مُباحًا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى الطّاعَةِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ طاعَةً، فَإذا بانَ لَهُ أنَّهُ طاعَةٌ فَلا يُقْدِمُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْظُرَ هَلْ هو مُعانٌ عَلَيْهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُعانًا عَلَيْهِ فَلا يُقْدِمُ عَلَيْهِ فَيُذِلَّ نَفْسَهُ، وإنْ كانَ مُعانًا عَلَيْهِ بَقِيَ عَلَيْهِ نَظَرٌ آخَرُ، وهو أنْ يَأْتِيَهُ مِن بابِهِ؛ فَإنْ أتاهُ مِن غَيْرِ بابِهِ أضاعَهُ أوْ فَرَّطَ فِيهِ أوْ أفْسَدَ مِنهُ شَيْئًا؛ فَهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ أصْلُ سَعادَةِ العَبْدِ وفَلاحِهِ، وهي مَعْنى قَوْلِ العَبْدِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فَأسْعَدُ الخَلْقِ أهْلُ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ والهِدايَةِ إلى المَطْلُوبِ، وأشْقاهم مَن عُدِمَ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ، ومِنهم مَن يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ونَصِيبُهُ مِن ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَعْدُومٌ أوْ ضَعِيفٌ؛ فَهَذا مَخْذُولٌ مُهِينٌ مَحْزُونٌ، ومِنهم مَن يَكُونُ نَصِيبُهُ مِن ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَوِيًّا ونَصِيبُهُ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ضَعِيفًا أوْ مَفْقُودًا؛ فَهَذا لَهُ نُفُوذٌ وتَسَلُّطٌ وقُوَّةٌ، ولَكِنْ لا عاقِبَةَ لَهُ، بَلْ عاقِبَتُهُ أسْوَأُ عاقِبَةً، ومِنهم مَن يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولَكِنْ نَصِيبُهُ مِن الهِدايَةِ إلى المَقْصُودِ ضَعِيفٌ جِدًّا، كَحالِ كَثِيرٍ مِن العِبادِ والزُّهّادِ الَّذِينَ قَلَّ عِلْمُهم بِحَقائِقِ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِن الهُدى ودِينِ الحَقِّ. وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " فَمَن خَلَصَتْ نِيَّتُهُ في الحَقِّ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ " إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكْفِي قِيامُهُ في الحَقِّ لِلَّهِ إذا كانَ عَلى غَيْرِهِ، حَتّى يَكُونَ أوَّلَ قائِمٍ بِهِ عَلى نَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ قِيامُهُ بِهِ عَلى غَيْرِهِ، وإلّا فَكَيْفَ يُقْبَلُ الحَقُّ مِمَّنْ أهْمَلَ القِيامَ بِهِ عَلى نَفْسِهِ؟ وخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَوْمًا وعَلَيْهِ ثَوْبانِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ ألا تَسْمَعُونَ؟ فَقالَ سَلْمانُ: لا نَسْمَعُ، فَقالَ عُمَرُ: ولِمَ يا أبا عَبْدِ اللَّهِ؟ قالَ: إنّك قَسَّمْت عَلَيْنا ثَوْبًا ثَوْبًا وعَلَيْك ثَوْبانِ، فَقالَ: لا تَعْجَلْ. يا عَبْدَ اللَّهِ، يا عَبْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَقالَ: لَبَّيْكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: نَشَدْتُك اللَّهَ الثَّوْبُ الَّذِي ائْتَزَرْتُ بِهِ أهْوَ ثَوْبُكَ؟ قالَ: نَعَمْ، اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقالَ سَلْمانُ: أمّا الآنَ فَقُلْ نَسْمَعْ. [فصلٌ: لِلَّهِ عَلى كُلِّ أحَدٍ عُبُودِيَّةٌ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ] وَقَوْلُهُ: " فَإنَّ القَضاءَ في مَواطِنِ الحَقِّ مِمّا يُوجِبُ اللَّهُ بِهِ الأجْرَ، ويُحْسِنُ بِهِ الذُّخْرَ " هَذا عُبُودِيَّةُ الحُكّامِ ووُلاةِ الأمْرِ الَّتِي تُرادُ مِنهُمْ، ولِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ عُبُودِيَّةٌ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ، سِوى العُبُودِيَّةِ العامَّةِ الَّتِي سَوّى بَيْنَ عِبادِهِ فِيها؛ فَعَلى العالِمِ مِن عُبُودِيَّتِهِ نَشْرُ السُّنَّةِ والعِلْمِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ما لَيْسَ عَلى الجاهِلِ، وعَلَيْهِ مِن عُبُودِيَّةِ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ ما لَيْسَ عَلى غَيْرِهِ، وعَلى الحاكِمِ مِن عُبُودِيَّةِ إقامَةِ الحَقِّ وتَنْفِيذِهِ وإلْزامِهِ مِمَّنْ هو عَلَيْهِ بِهِ والصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ والجِهادِ عَلَيْهِ ما لَيْسَ عَلى المُفْتِي. وعَلى الغَنِيِّ مِن عُبُودِيَّةِ أداءِ الحُقُوقِ الَّتِي في مالِهِ ما لَيْسَ عَلى الفَقِيرِ، وعَلى القادِرِ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ بِيَدِهِ ولِسانِهِ ما لَيْسَ عَلى العاجِزِ عَنْهُما. وَتَكَلَّمَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ الرّازِيّ يَوْمًا في الجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: هَذا واجِبٌ قَدْ وُضِعَ عَنّا، فَقالَ: هَبِي أنَّهُ قَدْ وُضِعَ عَنْكُنَّ سِلاحُ اليَدِ واللِّسانِ، فَلَمْ يُوضَعْ عَنْكُنَّ سِلاحُ القَلْبِ، فَقالَتْ: صَدَقْت جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا. وَقَدْ غَرَّ إبْلِيسُ أكْثَرَ الخَلْقِ بِأنْ حَسَّنَ لَهم القِيامَ بِنَوْعٍ مِن الذِّكْرِ والقِراءَةِ والصَّلاةِ والصِّيامِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا والِانْقِطاعِ، وعَطَّلُوا هَذِهِ العُبُودِيّاتِ، فَلَمْ يُحَدِّثُوا قُلُوبَهم بِالقِيامِ بِها، وهَؤُلاءِ عِنْدَ ورَثَةِ الأنْبِياءِ مِن أقَلِّ النّاسِ دِينًا؛ فَإنَّ الدِّينَ هو القِيامُ لِلَّهِ بِما أمَرَ بِهِ، فَتارِكُ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ أسْوَأُ حالًا عِنْدَ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن مُرْتَكِبِ المَعاصِي؛ فَإنَّ تَرْكَ الأمْرِ أعْظَمُ مِن ارْتِكابِ النَّهْيِ مِن أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ وجْهًا ذَكَرَها شَيْخُنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في بَعْضِ تَصانِيفِهِ؛ ومَن لَهُ خِبْرَةٌ بِما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ وبِما كانَ عَلَيْهِ هو وأصْحابُهُ رَأْيٌ أنَّ أكْثَرَ مَن يُشارُ إلَيْهِمْ بِالدِّينِ هم أقَلُّ النّاسِ دِينًا، واللَّهُ المُسْتَعانُ، وأيُّ دِينٍ وأيُّ خَيْرٍ فِيمَن يَرى مَحارِمَ اللَّهِ تُنْتَهَكُ وحُدُودَهُ تُضاعُ ودِينَهُ يُتْرَكُ وسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرْغَبُ عَنْها وهو بارِدُ القَلْبِ ساكِتُ اللِّسانِ؟ شَيْطانٌ أخْرَسُ، كَما أنَّ المُتَكَلِّمَ بِالباطِلِ شَيْطانٌ ناطِقٌ، وهَلْ بَلِيَّةُ الدِّينِ إلّا مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إذا سَلَّمْت لَهم مَآكِلَهم ورِياساتِهِمْ فَلا مُبالاةَ بِما جَرى عَلى الدِّينِ؟، وخِيارُهم المُتَحَزِّنُ المُتَلَمِّظُ، ولَوْ نُوزِعَ في بَعْضِ ما فِيهِ غَضاضَةٌ عَلَيْهِ في جاهِهِ أوْ مالِهِ بَذَلَ وتَبَذَّلَ وجَدَّ واجْتَهَدَ، واسْتَعْمَلَ مَراتِبَ الإنْكارِ الثَّلاثَةِ بِحَسَبِ وُسْعِهِ. وهَؤُلاءِ - مَعَ سُقُوطِهِمْ مِن عَيْنِ اللَّهِ ومَقْتِ اللَّهِ لَهم - قَدْ بُلُوا في الدُّنْيا بِأعْظَمَ بَلِيَّةٍ تَكُونُ وهم لا يَشْعُرُونَ، وهو مَوْتُ القُلُوبِ؛ فَإنَّهُ القَلْبُ كُلَّما كانَتْ حَياتُهُ أتَمَّ كانَ غَضَبُهُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ أقْوى، وانْتِصارُهُ لِلدِّينِ أكْمَلُ. وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ أثَرًا «أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلى مَلِكٍ مِن المَلائِكَةِ أنْ اخْسِفْ بِقَرْيَةِ كَذا وكَذا، فَقالَ: يا رَبِّ كَيْفَ وفِيهِمْ فُلانُ العابِدُ؟ فَقالَ: بِهِ فابْدَأْ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وجْهُهُ في يَوْمًا قَطُّ». وَذَكَرَ أبُو عُمَرَ في كِتابِ التَّمْهِيدِ «أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ أنْ قُلْ لِفُلانٍ الزّاهِدِ: أمّا زُهْدُك في الدُّنْيا فَقَدْ تَعَجَّلْت بِهِ الرّاحَةَ، وأمّا انْقِطاعُك إلَيَّ فَقَدْ اكْتَسَبْت بِهِ العِزَّ، ولَكِنْ ماذا عَمِلَتْ فِيما لِي عَلَيْك؟ فَقالَ: يا رَبِّ وأيُّ شَيْءٍ لَك عَلَيَّ؟ قالَ: هَلْ والَيْت في ولِيًّا أوْ عادَيْت في عَدُوًّا»؟ [فَصْلٌ: سِرُّ الخَلْقِ والأمْرِ والشَّرائِعِ] وَسِرُّ الخَلْقِ والأمْرِ، والكُتُبِ والشَّرائِعِ، والثَّوابِ والعِقابِ انْتَهى إلى هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ، وعَلَيْهِما مَدارُ العُبُودِيَّةِ والتَّوْحِيدِ، حَتّى قِيلَ: أنْزَلَ اللَّهُ مِائَةَ كِتابٍ وأرْبَعَةَ كُتُبٍ، جَمَعَ مَعانِيَها في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ، وجَمَعَ مَعانِيَ هَذِهِ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ في القُرْآنِ، وجَمَعَ مَعانِيَ القُرْآنِ في المُفَصَّلِ، وجَمَعَ مَعانِيَ المُفَصَّلِ في الفاتِحَةِ، ومَعانِيَ الفاتِحَةِ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وَهُما الكَلِمَتانِ المَقْسُومَتانِ بَيْنَ الرَّبِّ وبَيْنَ عَبْدِهِ نِصْفَيْنِ، فَنَصِفُهُما لَهُ تَعالى، وهو " إيّاكَ نَعْبُدُ " ونِصْفُهُما لِعَبْدِهِ وهو " إيّاكَ نَسْتَعِينُ ". وَسَيَأْتِي سِرُّ هَذا ومَعْناهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في مَوْضِعِهِ. والعِبادَةُ تَجْمَعُ أصْلَيْنِ: غايَةُ الحُبِّ بِغايَةِ الذُّلِّ والخُضُوعِ، والعَرَبُ تَقُولُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ، والتَّعَبُّدُ: التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ، فَمَن أحْبَبْتَهُ ولَمْ تَكُنْ خاضِعًا لَهُ، لَمْ تَكُنْ عابِدًا لَهُ، ومَن خَضَعْتَ لَهُ بِلا مَحَبَّةٍ لَمْ تَكُنْ عابِدًا لَهُ حَتّى تَكُونَ مُحِبًّا خاضِعًا، ومِن هاهُنا كانَ المُنْكِرُونَ مَحَبَّةَ العِبادِ لِرَبِّهِمْ مُنْكِرِينَ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، والمُنْكِرُونَ لِكَوْنِهِ مَحْبُوبًا لَهُمْ، بَلْ هو غايَةُ مَطْلُوبِهِمْ، ووَجْهُهُ الأعْلى نِهايَةُ بُغْيَتِهِمْ مُنْكِرِينَ لِكَوْنِهِ إلَهًا، وإنْ أقَرُّوا بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ وخالِقًا لَهُمْ، فَهَذا غايَةُ تَوْحِيدِهِمْ، وهو تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، ولَمْ يَخْرُجُوا بِهِ عَنِ الشِّرْكِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وقالَ تَعالى ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ [المؤمنون: ٨٤] إلى قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] ولِهَذا يُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِهِ عَلى تَوْحِيدِ إلَهِيَّتِهِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ، كَما أنَّهُ لا خالِقَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ. والِاسْتِعانَةُ تَجْمَعُ أصْلَيْنِ: الثِّقَةُ بِاللَّهِ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ، فَإنَّ العَبْدَ قَدْ يَثِقُ بِالواحِدِ مِنَ النّاسِ، ولا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ مَعَ ثِقَتِهِ بِهِ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْهُ، وقَدْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ ثِقَتِهِ بِهِ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، ولِعَدَمِ مَن يَقُومُ مَقامَهَ، فَيَحْتاجُ إلى اعْتِمادِهِ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ غَيْرُ واثِقٍ بِهِ. والتَّوَكُّلُ مَعْنًى يَلْتَئِمُ مِن أصْلَيْنِ: مِنَ الثِّقَةِ، والِاعْتِمادِ، وهو حَقِيقَةُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " وهَذانَ الأصْلانِ وهُما التَّوَكُّلُ، والعِبادَةُ قَدْ ذُكِرا في القُرْآنِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، قَرَنَ بَيْنَهُما فِيها، هَذا أحَدُها. الثّانِي: قَوْلُ شُعَيْبٍ ﴿وَما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]. الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠]. فَهَذِهِ سِتَّةُ مَواضِعَ يُجْمَعُ فِيها بَيْنَ الأصْلَيْنِ، وهُما " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ". وَتَقْدِيمُ " العِبادَةِ " عَلى " الِاسْتِعانَةِ " في الفاتِحَةِ مِن بابِ تَقْدِيمِ الغاياتِ عَلى الوَسائِلِ، إذِ " العِبادَةُ " غايَةُ العِبادِ الَّتِي خُلِقُوا لَها، و" الِاسْتِعانَةُ " وسِيلَةٌ إلَيْها، ولِأنَّ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " مُتَعَلِّقٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ واسْمِهِ " اللَّهِ " " ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ واسْمِهِ " الرَّبِّ " فَقَدَّمَ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " عَلى " إيّاكَ نَسْتَعِينُ " كَما قَدَّمَ اسْمَ " اللَّهِ " عَلى " الرَّبِّ " في أوَّلِ السُورَةِ، ولِأنَّ " إيّاكَ نَعْبُدُ " قَسْمُ " الرَّبِّ "، فَكانَ مِنَ الشَّطْرِ الأوَّلِ، الَّذِي هو ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، لِكَوْنِهِ أوْلى بِهِ، و" إيّاكَ نَسْتَعِينُ " قَسْمُ العَبْدِ، فَكانَ مِنَ الشَّطْرِ الَّذِي لَهُ، وهو " ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وَلِأنَّ " العِبادَةَ " المُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ " الِاسْتِعانَةُ " مِن غَيْرِ عَكْسٍ، فَكُلُّ عابِدٍ لِلَّهِ عُبُودِيَّةً تامَّةً مُسْتَعِينٌ بِهِ ولا يَنْعَكِسُ، لِأنَّ صاحِبَ الأغْراضِ والشَّهَواتِ قَدْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى شَهَواتِهِ، فَكانَتِ العِبادَةُ أكْمَلَ وأتَمَّ، ولِهَذا كانَتْ قَسْمَ الرَّبِّ. وَلِأنَّ " الِاسْتِعانَةَ " جُزْءٌ مِنِ " العِبادَةِ " مِن غَيْرٍ عَكْسٍ، ولِأنَّ " الِاسْتِعانَةَ " طَلَبٌ مِنهُ، و" العِبادَةَ " طَلَبٌ لَهُ. وَلِأنَّ " العِبادَةَ " لا تَكُونُ إلّا مِن مُخْلِصٍ، و" الِاسْتِعانَةَ " تَكُونُ مِن مُخْلِصٍ ومِن غَيْرِ مُخْلِصٍ. وَلِأنَّ " العِبادَةَ " حَقُّهُ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ، و" الِاسْتِعانَةُ " طَلَبُ العَوْنِ عَلى " العِبادَةِ "، وهو بَيانُ صَدَقَتِهِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِها عَلَيْكَ، وأداءُ حَقِّهِ أهَمُّ مِنَ التَّعَرُّضِ لِصَدَقَتِهِ. وَلِأنَّ " العِبادَةَ " شُكْرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، واللَّهُ يُحِبُّ أنْ يَشْكُرَ، والإعانَةُ فِعْلُهُ بِكَ وتَوْفِيقُهُ لَكَ، فَإذا التَزَمْتَ عُبُودِيَّتَهُ، ودَخَلْتَ تَحْتَ رِقِّها أعانَكَ عَلَيْها، فَكانَ التِزامُها والدُّخُولُ تَحْتَ رِقِّها سَبَبًا لِنَيْلِ الإعانَةِ، وكُلَّما كانَ العَبْدُ أتَمَّ عُبُودِيَّةً كانَتِ الإعانَةُ مِنَ اللَّهِ لَهُ أعْظَمَ. والعُبُودِيَّةُ مَحْفُوفَةٌ بِإعانَتَيْنِ: إعانَةٍ قَبْلَها عَلى التِزامِها والقِيامِ بِها، وإعانَةٍ بَعْدَها عَلى عُبُودِيَّةٍ أُخْرى، وهَكَذا أبَدًا، حَتّى يَقْضِيَ العَبْدُ نَحْبَهُ. وَلِأنَّ " إيّاكَ نَعْبُدُ " لَهُ، و" إيّاكَ نَسْتَعِينُ " بِهِ، وما لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى ما بِهِ، لِأنَّ ما لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحَبَّتِهِ ورِضاهُ، وما بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ، وما تَعَلَّقَ بِمَحَبَّتِهِ أكْمَلُ مِمّا تَعَلَّقَ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِ، فَإنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ، والمَلائِكَةُ والشَّياطِينُ والمُؤْمِنُونَ والكُفّارُ، والطّاعاتُ والمَعاصِي، والمُتَعَلِّقُ بِمَحَبَّتِهِ: طاعَتُهم وإيمانُهُمْ، فالكُفّارُ أهْلُ مَشِيئَتِهِ، والمُؤْمِنُونَ أهْلُ مَحَبَّتِهِ، ولِهَذا لا يَسْتَقِرُّ في النّارِ شَيْءٌ لِلَّهِ أبَدًا، وكُلُّ ما فِيها فَإنَّهُ بِهِ تَعالى وبِمَشِيئَتِهِ. فَهَذِهِ الأسْرارُ يَتَبَيَّنُ بِها حِكْمَةُ تَقْدِيمِ " إيّاكَ نَعْبُدُ " عَلى " إيّاكَ نَسْتَعِينُ ". وَأمّا تَقْدِيمُ المَعْبُودِ والمُسْتَعانِ عَلى الفِعْلَيْنِ، فَفِيهِ: أدَبُهم مَعَ اللَّهِ بِتَقْدِيمِ اسْمِهِ عَلى فِعْلِهِمْ، وفِيهِ الِاهْتِمامُ وشِدَّةُ العِنايَةِ بِهِ، وفِيهِ الإيذانُ بِالِاخْتِصاصِ، المُسَمّى بِالحَصْرِ، فَهو في قُوَّةٍ: لا نَعْبُدُ إلّا إيّاكَ، ولا نَسْتَعِينُ إلّا بِكَ، والحاكِمُ في ذَلِكَ ذَوْقُ العَرَبِيَّةِ والفِقْهُ فِيها، واسْتِقْراءُ مَوارِدِ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ مُقَدَّمًا، وسِيبَوَيْهِ نَصَّ عَلى الِاهْتِمامِ، ولَمْ يَنْفِ غَيْرَهُ. وَلِأنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ القائِلِ أنْ يُعْتِقَ عَشَرَةَ أعْبُدٍ مَثَلًا، ثُمَّ يَقُولُ لِأحَدِهِمْ: إيّاكَ أعْتَقْتُ، ومَن سَمِعَهُ أنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وقالَ: وغَيْرَهُ أيْضًا أعْتَقْتَ، ولَوْلا فَهْمُ الِاخْتِصاصِ لَما قُبِّحَ هَذا الكَلامُ، ولا حَسُنَ إنْكارُهُ. وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿وَإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] كَيْفَ تَجِدُهُ في قُوَّةِ: لا تَرْهَبُوا غَيْرِي، ولا تَتَّقُوا سِوايَ، وكَذَلِكَ " إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ " هو في قُوَّةِ: لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، ولا نَسْتَعِينُ بِسِواكَ، وكُلُّ ذِي ذَوْقٍ سَلِيمٍ يَفْهَمُ هَذا الِاخْتِصاصَ مِن عِلَّةِ السِّياقِ. وَلا عِبْرَةَ بِجَدَلِ مَن قَلَّ فَهْمُهُ، وفُتِحَ عَلَيْهِ بابُ الشَّكِّ والتَّشْكِيكِ، فَهَؤُلاءِ هم آفَةُ العُلُومِ، وبَلِيَّةُ الأذْهانِ والفُهُومِ، مَعَ أنَّ في ضَمِيرِ " إيّاكَ " مِنَ الإشارَةِ إلى نَفْسِ الذّاتِ والحَقِيقَةِ ما لَيْسَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، فَفِي: إيّاكَ قَصَدْتُ وأحْبَبْتُ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى مَعْنى حَقِيقَتِكَ وذاتِكَ قَصْدِي، ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: قَصَدْتُكَ وأحْبَبْتُكَ، وإيّاكَ أعْنِي فِيهِ مَعْنى: نَفْسَكَ وذاتَكَ وحَقِيقَتَكَ أعْنِي. وَمِن هاهُنا قالَ مَن قالَ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ " إيّا " اسْمٌ ظاهِرٌ مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، ولَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ بِرَدٍّ شافٍ. وَلَوْلا أنّا في شَأْنٍ وراءَ هَذا لَأشْبَعْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وذَكَرْنا مَذاهِبَ النُّحاةِ فِيها، ونَصَرْنا الرّاجِحَ، ولَعَلَّنا أنْ نَعْطِفَ عَلى ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ. وَفِي إعادَةِ " إيّاكَ " مَرَّةً أُخْرى دَلالَةٌ عَلى تَعَلُّقِ هَذِهِ الأُمُورِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ، فَفي إعادَةِ الضَّمِيرِ مِن قُوَّةِ الِاقْتِضاءِ لِذَلِكَ ما لَيْسَ في حَذْفِهِ، فَإذا قُلْتَ لِمَلِكٍ مَثَلًا: إيّاكَ أُحِبُّ، وإيّاكَ أخافُ، كانَ فِيهِ مِنَ اخْتِصاصِ الحُبِّ والخَوْفِ بِذاتِهِ والِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ، ما لَيْسَ في قَوْلِكِ: إيّاكَ أُحِبُّ وأخافُ. [فَصْلٌ: أقْسامُ النّاسِ في العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ] إذا عَرَفْتَ هَذا، فالنّاسُ في هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ وهُما العِبادَةُ والِاسْتِعانَةُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: أجَلُّها وأفْضَلُها: أهْلُ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ بِالَلَّهِ عَلَيْها، فَعِبادَةُ اللَّهِ غايَةُ مُرادِهِمْ، وطَلَبُهم مِنهُ أنْ يُعِينَهم عَلَيْها، ويُوَفِّقَهم لِلْقِيامِ بِها، ولِهَذا كانَ مِن أفْضَلِ ما يُسْألُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى الإعانَةُ عَلى مَرْضاتِهِ، وهو الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِحِبِّهِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ «يا مُعاذُ، واللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلا تَنْسَ أنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ». فَأنْفَعُ الدُّعاءِ طَلَبُ العَوْنِ عَلى مَرْضاتِهِ، وأفْضَلُ المَواهِبِ إسْعافُهُ بِهَذا المَطْلُوبِ، وجَمِيعُ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ مَدارُها عَلى هَذا، وعَلى دَفْعِ ما يُضادُّهُ، وعَلى تَكْمِيلِهِ وتَيْسِيرِ أسْبابِهِ، فَتَأمَّلْها. وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: تَأمَّلْتُ أنْفَعَ الدُّعاءِ فَإذا هو سُؤالُ العَوْنِ عَلى مَرْضاتِهِ، ثُمَّ رَأيْتُهُ في الفاتِحَةِ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وَمُقابِلُ هَؤُلاءِ القِسْمُ الثّانِي، وهُمُ المُعْرِضُونَ عَنْ عِبادَتِهِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ، فَلا عِبادَةَ ولا اسْتِعانَةَ، بَلْ إنْ سَألَهُ أحَدُهم واسْتَعانَ بِهِ فَعَلى حُظُوظِهِ وشَهَواتِهِ، لا عَلى مَرْضاةِ رَبِّهِ وحُقُوقِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ يَسْألُهُ أوْلِياؤُهُ وأعْداؤُهُ ويَمُدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، وأبْغَضُ خَلْقِهِ عَدُّوُهُ إبْلِيسُ ومَعَ هَذا فَقَدَ سَألَهُ حاجَةً فَأعْطاهُ إيّاها، ومَتَّعَهُ بِها، ولَكِنْ لَمّا لَمْ تَكُنْ عَوْنًا لَهُ عَلى مَرْضاتِهِ، كانَتْ زِيادَةً لَهُ في شِقْوَتِهِ، وبُعْدِهِ عَنِ اللَّهِ وطَرْدِهِ عَنْهُ، وهَكَذا كُلُّ مَنِ اسْتَعانَ بِهِ عَلى أمْرٍ وسَألَهُ إيّاهُ، ولَمْ يَكُنْ عَوْنًا عَلى طاعَتِهِ كانَ مُبْعِدًا لَهُ عَنْ مَرْضاتِهِ، قاطِعًا لَهُ عَنْهُ ولا بُدَّ. وَلْيَتَأمَّلِ العاقِلُ هَذا في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ، ولْيَعْلَمْ أنَّ إجابَةَ اللَّهِ لِسائِلِيهِ لَيْسَتْ لِكَرامَةِ السّائِلِ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْألُهُ عَبْدُهُ الحاجَةَ فَيَقْضِيها لَهُ، وفِيها هَلاكُهُ وشِقْوَتُهُ، ويَكُونُ قَضاؤُهُ لَهُ مِن هَوانِهِ عَلَيْهِ، وسُقُوطِهِ مِن عَيْنِهِ، ويَكُونُ مَنعُهُ مِنها لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ ومَحَبَّتِهِ لَهُ، فَيَمْنَعُهُ حِمايَةً وصِيانَةً وحِفْظًا لا بُخْلًا، وهَذا إنَّما يَفْعَلُهُ بِعَبْدِهِ الَّذِي يُرِيدُ كَرامَتَهُ ومَحَبَّتَهُ، ويُعامِلُهُ بِلُطْفِهِ، فَيَظُنُّ بِجَهْلِهِ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهُ ولا يُكْرِمُهُ، ويَراهُ يَقْضِي حَوائِجَ غَيْرِهِ، فَيُسِيءُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، وهَذا حَشْوُ قَلْبِهِ ولا يَشْعُرُ بِهِ، والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ، والإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وعَلامَةُ هَذا حَمْلُهُ عَلى الأقْدارِ وعِتابُهُ الباطِنُ لَها، كَما قِيلَ: ؎وَعاجِزُ الرَّأْيِ مِضْياعٌ لِفُرْصَتِهِ ∗∗∗ حَتّى إذا فاتَ أمْرٌ عاتَبَ القَدَرا فَواللَّهِ لَوْ كَشَفَ عَنْ حاصِلِهِ وسِرِّهِ لَرَأى هُناكَ مُعاتَبَةَ القَدَرِ واتِّهامَهُ، وأنَّهُ قَدْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذا وكَذا، ولَكِنْ ما حِيلَتِي، والأمْرُ لَيْسَ إلَيَّ؟ والعاقِلُ خَصْمُ نَفْسِهِ، والجاهِلُ خَصْمُ أقْدارِ رَبِّهِ. فاحْذَرْ كُلَّ الحَذَرِ أنْ تَسْألَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا خِيرَتُهُ وعاقِبَتُهُ مُغَيَّبَةٌ عَنْكَ، وإذا لَمْ تَجِدْ مِن سُؤالِهِ بُدًّا، فَعَلِّقْهُ عَلى شَرْطِ عِلْمِهِ تَعالى فِيهِ الخِيَرَةَ، وقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ سُؤالِكَ الِاسْتِخارَةَ، ولا تَكُنِ اسْتِخارَةٌ بِاللِّسانِ بِلا مَعْرِفَةٍ، بَلِ اسْتِخارَةُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِمَصالِحِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْها، ولا اهْتِداءَ لَهُ إلى تَفاصِيلِها، ولا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضُرًّا ولا نَفْعًا، بَلْ إنْ وُكِّلَّ إلى نَفْسِهِ هَلَكَ كُلَّ الهَلاكِ، وانْفَرَطَ عَلَيْهِ أمْرُهُ. وَإذا أعْطاكَ ما أعْطاكَ بِلا سُؤالٍ تَسْألُهُ أنْ يَجْعَلَهُ عَوْنًا لَكَ عَلى طاعَتِهِ وبَلاغًا إلى مَرْضاتِهِ، ولا يَجْعَلَهُ قاطِعًا لَكَ عَنْهُ، ولا مُبْعِدًا عَنْ مَرْضاتِهِ، ولا تَظُنُّ أنَّ عَطاءَهُ كُلَّ ما أعْطى لِكَرامَةِ عَبْدِهِ عَلَيْهِ، ولا مَنعَهُ كُلَّ ما يَمْنَعُهُ لِهَوانِ عَبْدِهِ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ عَطاءَهُ ومَنعَهُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ، يَمْتَحِنُ بِهِما عِبادَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ - وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ - كَلّا﴾ [الفجر: ١٥-١٧] أيْ لَيْسَ كُلُّ مَن أعْطَيْتُهُ ونَعَّمْتُهُ وخَوَّلْتُهُ فَقَدْ أكْرَمْتُهُ، وما ذاكَ لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، ولَكِنَّهُ ابْتِلاءٌ مِنِّي، وامْتِحانٌ لَهُ أيَشْكُرُنِي فَأُعْطِيَهُ فَوْقَ ذَلِكَ، أمْ يَكْفُرُنِي فَأسْلُبَهُ إيّاهُ، وأُخَوِّلَ فِيهِ غَيْرَهُ؟ ولَيْسَ كُلُّ مَنِ ابْتَلَيْتُهُ فَضَيَّقْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وجَعَلْتُهُ بِقَدَرٍ لا يُفَضَّلُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مِن هَوانِهِ عَلَيَّ، ولَكِنَّهُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ مِنِّي لَهُ أيَصْبِرُ فَأُعْطِيَهُ أضْعافَ أضْعافِ ما فاتَهُ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، أمْ يَتَسَخَّطُ فَيَكُونَ حَظُّهُ السُّخْطَ؟ فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى مَن ظَنَّ أنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ إكْرامٌ، وأنَّ الفَقْرَ إهانَةٌ، فَقالَ: لَمْ أبْتَلِ عَبْدِي بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ، فَأخْبَرَ أنَّ الإكْرامَ والإهانَةَ لا يَدُورانِ عَلى المالِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وتَقْدِيرِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُوَسِّعُ عَلى الكافِرِ لا لِكَرامَتِهِ، ويُقَتِّرُ عَلى المُؤْمِنِ لا لِإهانَتِهِ، إنَّما يُكْرِمُ مَن يُكْرِمُهُ بِمَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، ويُهِينُ مَن يُهِينُهُ بِالإعْراضِ عَنْهُ ومَعْصِيَتِهِ، فَلَهُ الحَمْدُ عَلى هَذا وعَلى هَذا، وهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ. فَعادَتْ سَعادَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. القِسْمُ الثّالِثُ: مَن لَهُ نَوْعُ عِبادَةٍ بِلا اسْتِعانَةٍ، وهَؤُلاءِ نَوْعانِ: أحَدُهُما: القَدَرِيَّةُ القائِلُونَ بِأنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِالعَبْدِ جَمِيعَ مَقْدُورِهِ مِنَ الألْطافِ، وأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في مَقْدُورِهِ إعانَةٌ لَهُ عَلى الفِعْلِ، فَإنَّهُ قَدْ أعانَهُ بِخَلْقِ الآلاتِ وسَلامَتِها، وتَعْرِيفِ الطَّرِيقِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وتَمْكِينِهِ مِنَ الفِعْلِ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا إعانَةٌ مَقْدُورَةٌ يَسْألُهُ إيّاها، بَلْ قَدْ ساوى بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ في الإعانَةِ، فَأعانَ هَؤُلاءِ كَما أعانَ هَؤُلاءِ، ولَكِنَّ أوْلِياءَهُ اخْتارُوا لِنُفُوسِهِمُ الإيمانَ، وأعْداءَهُ اخْتارُوا لِنُفُوسِهِمُ الكُفْرَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وفَّقَ هَؤُلاءِ بِتَوْفِيقٍ زائِدٍ أوْجَبَ لَهُمُ الإيمانَ، وخَذَلَ هَؤُلاءِ بِأمْرٍ آخَرَ أوْجَبَ لَهُمُ الكُفْرَ، فَهَؤُلاءِ لَهم نَصِيبٌ مَنقُوصٌ مِنَ العِبادَةِ، لا اسْتِعانَةَ مَعَهُ، فَهم مَوْكُولُونَ إلى أنْفُسِهِمْ، مَسْدُودٌ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ الِاسْتِعانَةِ والتَّوْحِيدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الإيمانُ بِالقَدَرِ نِظامُ التَّوْحِيدِ، فَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وكَذَّبَ بِقَدَرِهِ نَقَضَ تَكْذِيبُهُ تَوْحِيدَهُ. النَّوْعُ الثّانِي: مَن لَهم عِباداتٌ وأوْرادٌ، ولَكِنَّ حَظَّهم ناقِصٌ مِنَ التَّوَكُّلِ والِاسْتِعانَةِ، لَمْ تَتَّسِعْ قُلُوبُهم لِارْتِباطِ الأسْبابِ بِالقَدَرِ، وتَلاشِيها في ضِمْنِهِ، وقِيامِها بِهِ، وأنَّها بِدُونِ القَدَرِ كالمَواتِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ لَهُ، بَلْ كالعَدَمِ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ، وأنَّ القَدَرَ كالرُّوحِ المُحَرِّكِ لَها، والمُعَوَّلُ عَلى المُحَرِّكِ الأوَّلِ. فَلَمْ تَنْفُذْ قُوى بَصائِرِهِمْ مِنَ المُتَحَرِّكِ إلى المُحَرِّكِ، ومِنَ السَّبَبِ إلى المُسَبَّبِ، ومِنَ الآلَةِ إلى الفاعِلِ، فَضَعُفَتْ عَزائِمُهم وقَصُرَتْ هِمَمُهُمْ، فَقَلَّ نَصِيبُهم مِن " ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " ولَمْ يَجِدُوا ذَوْقَ التَّعَبُّدِ بِالتَّوَكُّلِ والِاسْتِعانَةِ، وإنْ وجَدُوا ذَوْقَهُ بِالأوْرادِ والوَظائِفِ. فَهَؤُلاءِ لَهم نَصِيبٌ مِنَ التَّوْفِيقِ والنُّفُوذِ والتَّأْثِيرِ، بِحَسَبِ اسْتِعانَتِهِمْ وتَوَكُّلِهِمْ، ولَهم مِنَ الخُذْلانِ والضَّعْفِ والمَهانَةِ والعَجْزِ بِحَسَبِ قِلَّةِ اسْتِعانَتِهِمْ وتَوَكُّلِهِمْ، ولَوْ تَوَكَّلَ العَبْدُ عَلى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ في إزالَةِ جَبَلٍ عَنْ مَكانِهِ وكانَ مَأْمُورًا بِإزالَتِهِ لَأزالَهُ. فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى التَّوَكُّلِ والِاسْتِعانَةِ؟ قُلْتُ: هو حالٌ لِلْقَلْبِ يَنْشَأُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ، والإيمانِ بِتَفَرُّدِهِ بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ والضُّرِّ والنَّفْعِ، والعَطاءِ والمَنعِ، وأنَّهُ ما شاءَ كانَ وإنْ لَمْ يَشَأِ النّاسُ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وإنْ شاءَهُ النّاسُ، فَيُوجِبُ لَهُ هَذا اعْتِمادًا عَلَيْهِ، وتَفْوِيضًا إلَيْهِ، وطُمَأْنِينَةً بِهِ، وثِقَةً بِهِ، ويَقِينًا بِكِفايَتِهِ لِما تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ، وأنَّهُ مَلِيٌّ بِهِ، ولا يَكُونُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، شاءَهُ النّاسُ أمْ أبَوْهُ. فَتُشْبِهُ حالَتُهُ حالَةَ الطِّفْلِ مَعَ أبَوَيْهِ فِيما يَنْوِيهِ مِن رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ هُما مَلِيّانِ بِهِما، فانْظُرْ في تَجَرُّدِ قَلْبِهِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ أبَوَيْهِ، وحَبْسِ هَمِّهِ عَلى إنْزالِ ما يَنْوِيهِ بِهِما، فَهَذِهِ حالُ المُتَوَكِّلِ، ومَن كانَ هَكَذا مَعَ اللَّهِ فاللَّهُ كافِيهِ ولا بُدَّ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أيْ كافِيهِ، والحَسْبُ الكافِي، فَإنْ كانَ مَعَ هَذا مِن أهْلِ التَّقْوى كانَتْ لَهُ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ التَّقْوى فَهو. القِسْمُ الرّابِعُ: وهو مَن شَهِدَ تَفَرُّدَ اللَّهِ بِالنَّفْعِ والضُّرِّ، وأنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ولَمْ يَدْرِ مَعَ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، فَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، واسْتَعانَ بِهِ عَلى حُظُوظِهِ وشَهَواتِهِ وأغْراضِهِ، وطَلَبَها مِنهُ، وأنْزَلَها بِهِ، فَقُضِيَتْ لَهُ، وأُسْعِفَ بِها، سَواءٌ كانَتْ أمْوالًا أوْ رِياسَةً أوْ جاهًا عِنْدَ الخَلْقِ، أوْ أحْوالًا مِن كَشْفٍ وتَأْثِيرٍ وقُوَّةٍ وتَمْكِينٍ، ولَكِنْ لا عاقِبَةَ لَهُ، فَإنَّها مِن جِنْسِ المُلْكِ الظّاهِرِ، والأمْوالُ لا تَسْتَلْزِمُ الإسْلامَ، فَضْلًا عَنِ الوِلايَةِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ المُلْكَ والجاهَ والمالَ والحالَ مُعْطاةٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِمَن آتاهُ إيّاهُ ورِضاهُ عَنْهُ، وأنَّهُ مِن أوْلِيائِهِ المُقَرَّبِينَ، فَهو مِن أجْهَلِ الجاهِلِينَ، وأبْعَدِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَةِ دِينِهِ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، ويَكْرَهُهُ ويُسْخِطُهُ، فالحالُ مِنَ الدُّنْيا، فَهو كالمُلْكِ والمالِ إنْ أعانَ صاحِبَهُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ، وتَنْفِيذِ أوامِرِهِ ألْحَقَهُ بِالمُلُوكِ العادِلِينَ البَرَرَةِ، وإلّا فَهو وبالٌ عَلى صاحِبِهِ، ومُبْعِدٌ لَهُ عَنِ اللَّهِ، ومُلْحِقٌ لَهُ بِالمُلُوكِ الظَّلَمَةِ، والأغْنِياءِ الفَجَرَةِ. [فَصْلٌ: لا يَكُونُ العَبْدُ مُتَحَقِّقًا بِـ (إيّاكَ نَعْبُدُ) إلّا بِمُتابَعَةِ الرَّسُولِ والإخْلاصِ وأقْسامُ النّاسِ في ذَلِكَ] إذا عُرِفَ هَذا فَلا يَكُونُ العَبْدُ مُتَحَقِّقًا بِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " إلّا بِأصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما: مُتابَعَةُ الرَّسُولِ ﷺ. والثّانِي: الإخْلاصُ لِلْمَعْبُودِ، فَهَذا تَحْقِيقُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ". والنّاسُ مُنْقَسِمُونَ بِحَسَبِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ أيْضًا إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: أهْلُ الإخْلاصِ لِلْمَعْبُودِ والمُتابَعَةِ، وهم أهْلُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " حَقِيقَةً، فَأعْمالُهم كُلُّها لِلَّهِ، وأقْوالُهم لِلَّهِ، وعَطاؤُهم لِلَّهِ، ومَنعُهم لِلَّهِ، وحُبُّهم لِلَّهِ، وبُغْضُهم لِلَّهِ، فَمُعامَلَتُهم ظاهِرًا وباطِنًا لِوَجْهِ اللَّهِ وحْدَهُ، لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مِنَ النّاسِ جَزاءً ولا شُكُورًا، ولا ابْتِغاءَ الجاهِ عِنْدَهُمْ، ولا طَلَبَ المُحَمَّدَةِ، والمُنْزِلَةِ في قُلُوبِهِمْ، ولا هَرَبًا مِن ذَمِّهِمْ، بَلْ قَدْ عَدُّوا النّاسَ بِمَنزِلَةِ أصْحابِ القُبُورِ، لا يَمْلِكُونَ لَهم ضُرًّا ولا نَفْعًا، ولا مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا، فالعَمَلُ لِأجْلِ النّاسِ، وابْتِغاءُ الجاهِ والمَنزِلَةِ عِنْدَهُمْ، ورَجاؤُهم لِلضُّرِّ والنَّفْعِ مِنهم لا يَكُونُ مِن عارِفٍ بِهِمُ ألْبَتَّةَ، بَلْ مِن جاهِلٍ بِشَأْنِهِمْ، وجاهِلٍ بِرَبِّهِ، فَمَن عَرَفَ النّاسَ أنْزَلَهم مَنازِلَهُمْ، ومَن عَرَفَ اللَّهَ أخْلَصَ لَهُ أعْمالَهُ وأقْوالَهُ، وعَطاءَهُ ومَنعَهُ وحُبَّهُ وبُغْضَهُ، ولا يُعامِلُ أحَدَ الخَلْقِ دُونَ اللَّهِ إلّا لِجَهْلِهِ بِاللَّهِ وجَهْلِهِ بِالخَلْقِ، وإلّا فَإذا عَرَفَ اللَّهَ وعَرَفَ النّاسَ آثَرَ مُعامَلَةَ اللَّهِ عَلى مُعامَلَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ أعْمالُهم كُلُّها وعِبادَتُهم مُوافَقَةٌ لِأمْرِ اللَّهِ، ولِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وهَذا هو العَمَلُ الَّذِي لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن عامِلٍ سِواهُ، وهو الَّذِي بَلا عِبادَهُ بِالمَوْتِ والحَياةِ لِأجْلِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وجَعَلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَخْتَبِرَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: العَمَلُ الحَسَنُ هو أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ، قالُوا: يا أبا عَلِيٍّ ما أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ؟ قالَ: إنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا ولَمْ يَكُنْ صَوابًا لَمْ يُقْبَلْ، وإذا كانَ صَوابًا، ولَمْ يَكُنْ خالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، حَتّى يَكُونَ خالِصًا صَوابًا، والخالِصُ: ما كانَ لِلَّهِ، والصَّوابُ: ما كانَ عَلى السُّنَّةِ، وهَذا هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وفي قَوْلِهِ ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] فَلا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ العَمَلِ إلّا ما كانَ خالِصًا لِوَجْهِهِ، عَلى مُتابَعَةِ أمْرِهِ، وما عَدا ذَلِكَ فَهو مَرْدُودٌ عَلى عامِلِهِ، يُرَدُّ عَلَيْهِ أحْوَجَ ما هو إلَيْهِ هَباءً مَنثُورًا، وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ» وكُلُّ عَمَلٍ بِلا اقْتِداءٍ فَإنَّهُ لا يَزِيدُ عامِلَهُ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يُعْبَدُ بِأمْرِهِ، لا بِالآراءِ والأهْواءِ. (فَصْلٌ) الضَّرْبُ الثّانِي: مَن لا إخْلاصَ لَهُ ولا مُتابَعَةَ، فَلَيْسَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِشَرْعٍ، ولَيْسَ هو خالِصًا لِلْمَعْبُودِ، كَأعْمالِ المُتَزَيِّنِينَ لِلنّاسِ، المُرائِينَ لَهم بِما لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، وهَؤُلاءِ شِرارُ الخَلْقِ، وأمْقَتُهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَهم أوْفَرُ نَصِيبٍ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨] يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا مِنَ البِدْعَةِ والضَّلالَةِ والشِّرْكِ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِاتِّباعِ السُّنَّةِ والإخْلاصِ. وَهَذا الضَّرْبُ يَكْثُرُ فِيمَنِ انْحَرَفَ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى العِلْمِ والفَقْرِ والعِبادَةِ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّهم يَرْتَكِبُونَ البِدَعَ والضَّلالاتِ، والرِّياءَ والسُّمْعَةَ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوهُ مِنَ الِاتِّباعِ والإخْلاصِ والعِلْمِ، فَهم أهْلُ الغَضَبِ والضَّلالِ. [مُخْلِصٌ في أعْمالِهِ لَكِنَّها عَلى غَيْرِ مُتابَعَةِ الأمْرِ] الضَّرْبُ الثّالِثُ: مَن هو مُخْلِصٌ في أعْمالِهِ، لَكِنَّها عَلى غَيْرِ مُتابَعَةِ الأمْرِ، كَجُهّالِ العُبّادِ، والمُنْتَسِبِينَ إلى طَرِيقِ الزُّهْدِ والفَقْرِ، وكُلِّ مَن عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ أمْرِهِ، واعْتَقَدَ عِبادَتَهُ هَذِهِ قُرْبَةً إلى اللَّهِ فَهَذا حالُهُ، كَمَن يَظُنُّ أنَّ سَماعَ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ قُرْبَةٌ، وأنَّ الخَلْوَةَ الَّتِي يَتْرُكُ فِيها الجُمْعَةَ والجَماعَةَ قُرْبَةٌ، وأنَّ مُواصَلَةَ صَوْمِ النَّهارِ بِاللَّيْلِ قُرْبَةٌ، وأنَّ صِيامَ يَوْمِ فِطْرِ النّاسِ كُلِّهِمْ قُرْبَةٌ، وأمْثالِ ذَلِكَ. [مَن أعْمالُهُ عَلى مُتابَعَةِ الأمْرِ لَكِنَّها لِغَيْرِ اللَّهِ] فَصْلٌ الضَّرْبُ الرّابِعُ: مَن أعْمالُهُ عَلى مُتابَعَةِ الأمْرِ، لَكِنَّها لِغَيْرِ اللَّهِ، كَطاعَةِ المُرائِينَ، وكالرَّجُلِ يُقاتِلُ رِياءً وحَمِيَّةً وشَجاعَةً، ويَحُجُّ لِيُقالَ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ لِيُقالَ، فَهَؤُلاءِ أعْمالُهم ظاهِرُها أعْمالٌ صالِحَةٌ مَأْمُورٌ بِها، لَكِنَّها غَيْرُ صالِحَةٍ، فَلا تُقْبَلُ ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فَكُلُّ أحَدٍ لَمْ يُؤْمَرْ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ بِما أمَرَ، والإخْلاصِ لَهُ في العِبادَةِ، وهم أهْلُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ". [فَصْلٌ: أهْلُ مَقامِ (إيّاكَ نَعْبُدُ) لَهم في أفْضَلِ العِبادَةِ وأنْفَعِها وأحَقِّها بِالإيثارِ والتَّخْصِيصِ أرْبَعُ طُرُقٍ] ثُمَّ أهْلُ مَقامِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " لَهم في أفْضَلِ العِبادَةِ وأنْفَعِها وأحَقِّها بِالإيثارِ والتَّخْصِيصِ أرْبَعُ طُرُقٍ، فَهم في ذَلِكَ أرْبَعَةُ أصْنافٍ: الصِّنْفُ الأوَّلُ: عِنْدَهم أنْفَعُ العِباداتِ وأفْضَلُها أشَقُّها عَلى النُّفُوسِ وأصْعَبُها. قالُوا: لِأنَّهُ أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْ هَواها، وهو حَقِيقَةُ التَّعَبُّدِ. قالُوا: والأجْرُ عَلى قَدْرِ المَشَقَّةِ، ورَوَوْا حَدِيثًا لا أصْلَ لَهُ " «أفْضَلُ الأعْمالِ أحَمَزُها» " أيْ أصْعَبُها وأشَقُّها. وَهَؤُلاءِ: هم أهْلُ المُجاهَداتِ والجَوْرِ عَلى النُّفُوسِ. قالُوا: وإنَّما تَسْتَقِيمُ النُّفُوسُ بِذَلِكَ، إذْ طَبْعُها الكَسَلُ والمَهانَةُ، والإخْلادُ إلى الأرْضِ، فَلا تَسْتَقِيمُ إلّا بِرُكُوبِ الأهْوالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ. الصِّنْفُ الثّانِي، قالُوا: أفْضَلُ العِباداتِ التَّجَرُّدُ، والزُّهْدُ في الدُّنْيا، والتَّقَلُّلُ مِنها غايَةَ الإمْكانِ، واطِّراحُ الِاهْتِمامِ بِها، وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِكُلِّ ما هو مِنها. ثُمَّ هَؤُلاءِ قِسْمانِ: فَعَوامُّهم ظَنُّوا أنَّ هَذا غايَةٌ، فَشَمَّرُوا إلَيْهِ وعَمِلُوا عَلَيْهِ، ودَعَوُا النّاسَ إلَيْهِ، وقالُوا: هو أفْضَلُ مِن دَرَجَةِ العِلْمِ والعِبادَةِ، فَرَأوُا الزُّهْدَ في الدُّنْيا غايَةَ كُلِّ عِبادَةٍ ورَأْسَها. وَخَواصُهم رَأوْا هَذا مَقْصُودًا لِغَيْرِهِ، وأنَّ المَقْصُودَ بِهِ عُكُوفُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ، وجَمْعُ الهِمَّةِ عَلَيْهِ، وتَفْرِيغُ القَلْبِ لِمَحَبَّتِهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، والِاشْتِغالِ بِمَرْضاتِهِ، فَرَأوْا أنَّ أفْضَلَ العِباداتِ في الجَمْعِيَّةِ عَلى اللَّهِ، ودَوامِ ذِكْرِهِ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، والِاشْتِغالِ بِمُراقَبَتِهِ، دُونَ كُلِّ ما فِيهِ تَفْرِيقٌ لِلْقَلْبِ وتَشْتِيتٌ لَهُ. ثُمَّ هَؤُلاءِ قِسْمانِ، فالعارِفُونَ المُتَّبِعُونَ مِنهم إذا جاءَ الأمْرُ والنَّهْيُ بادَرُوا إلَيْهِ ولَوْ فَرَّقَهم وأذْهَبَ جَمْعِيَّتَهُمْ، والمُنْحَرِفُونَ مِنهم يَقُولُونَ: المَقْصُودُ مِنَ العِبادَةِ جَمْعِيَّةُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ، فَإذا جاءَ ما يُفَرِّقُهُ عَنِ اللَّهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، ورُبَّما يَقُولُ قائِلُهُمْ: ؎يُطالَبُ بِالأوْرادِ مَن كانَ غافِلًا ∗∗∗ فَكَيْفَ بِقَلْبٍ كُلُّ أوْقاتِهِ وِرْدُ . ثُمَّ هَؤُلاءِ أيْضًا قِسْمانِ، مِنهم مَن يَتْرُكُ الواجِباتِ والفَرائِضَ لِجَمْعِيَّتِهِ، ومِنهم مَن يَقُومُ بِها ويَتْرُكُ السُّنَنَ والنَّوافِلَ، وتَعَلُّمَ العِلْمِ النّافِعِ لِجَمْعِيَّتِهِ. وَسَألَ بَعْضُ هَؤُلاءِ شَيْخًا عارِفًا، فَقالَ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ وأنا في جَمْعِيَّتِي عَلى اللَّهِ، فَإنْ قُمْتُ وخَرَجْتُ نَفَقْتُ، وإنْ بَقِيتُ عَلى حالِي بَقِيتُ عَلى جَمْعِيَّتِي، فَما الأفْضَلُ في حَقِّي؟ فَقالَ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ وأنْتَ تَحْتَ العَرْشِ فَقُمْ، وأجِبْ داعِيَ اللَّهِ، ثُمَّ عُدْ إلى مَوْضِعِكَ، وهَذا لِأنَّ الجَمْعِيَّةَ عَلى اللَّهِ حَظُّ الرُّوحِ والقَلْبِ، وإجابَةَ الدّاعِي حَقُّ الرَّبِّ، ومَن آثَرَ حَظَّ رُوحِهِ عَلى حَقِّ رَبِّهِ فَلَيْسَ مِن أهْلِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ". الصِّنْفُ الثّالِثُ: رَأوْا أنَّ أنْفَعَ العِباداتِ وأفْضَلَها: ما كانَ فِيهِ نَفْعٌ مُتَعَدٍّ، فَرَأوْهُ أفْضَلَ مِن ذِي النَّفْعِ القاصِرِ، فَرَأوْا خِدْمَةَ الفُقَراءِ، والِاشْتِغالَ بِمَصالِحِ النّاسِ وقَضاءَ حَوائِجِهِمْ، ومُساعَدَتِهِمْ بِالمالِ والجاهِ والنَّفْعِ أفْضَلَ، فَتَصَدَّوْا لَهُ وعَمِلُوا عَلَيْهِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الخَلْقُ كُلُّهم عِيالُ اللَّهِ، وأحَبُّهم إلَيْهِ أنْفَعُهم لِعِيالِهِ» رَواهُ أبُو يَعْلى. واحْتَجُّوا بِأنَّ عَمَلَ العابِدِ قاصِرٌ عَلى نَفْسِهِ، وعَمَلَ النَّفّاعِ مُتَعَدٍّ إلى الغَيْرِ، وأيْنَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ؟ قالُوا: ولِهَذا كانَ فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ. قالُوا: وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَأنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ» وهَذا التَّفْضِيلُ إنَّما هو لِلنَّفْعِ المُتَعَدِّي، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ «مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى مُعَلِّمِي النّاسِ الخَيْرَ» وبِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، حَتّى الحِيتانُ في البَحْرِ، والنَّمْلَةُ في جُحْرِها». واحْتَجُّوا بِأنَّ صاحِبَ العِبادَةِ إذا ماتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وصاحِبَ النَّفْعِ لا يَنْقَطِعُ عَمَلُهُ، ما دامَ نَفْعُهُ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ. واحْتَجُّوا بِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما بُعِثُوا بِالإحْسانِ إلى الخَلْقِ وهِدايَتِهِمْ، ونَفْعِهِمْ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، لَمْ يُبْعَثُوا بِالخُلْواتِ والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ والتَّرَهُّبِ، ولِهَذا أنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ هَمُّوا بِالِانْقِطاعِ لِلتَّعَبُّدِ، وتَرْكِ مُخالَطَةِ النّاسِ، ورَأى هَؤُلاءِ التَّفَرُّقَ في أمْرِ اللَّهِ، ونَفْعَ عِبادِهِ، والإحْسانَ إلَيْهِمْ، أفْضَلَ مِنَ الجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ. الصِّنْفُ الرّابِعُ، قالُوا: إنَّ أفْضَلَ العِبادَةِ العَمَلُ عَلى مَرْضاةِ الرَّبِّ في كُلِّ وقْتٍ بِما هو مُقْتَضى ذَلِكَ الوَقْتِ ووَظِيفَتُهُ، فَأفْضَلُ العِباداتِ في وقْتِ الجِهادِ: الجِهادُ، وإنْ آَلَ إلى تَرْكِ الأوْرادِ، مِن صَلاةِ اللَّيْلِ وصِيامِ النَّهارِ، بَلْ ومِن تَرْكِ إتْمامِ صَلاةِ الفَرْضِ، كَما في حالَةِ الأمْنِ. والأفْضَلُ في وقْتِ حُضُورِ الضَّيْفِ مَثَلًا القِيامُ بِحَقِّهِ، والِاشْتِغالُ بِهِ عَنِ الوِرْدِ المُسْتَحَبِّ، وكَذَلِكَ في أداءِ حَقِّ الزَّوْجَةِ والأهْلِ. والأفْضَلُ في أوْقاتِ السَّحَرِ الِاشْتِغالُ بِالصَّلاةِ والقُرْآنِ، والدُّعاءِ والذِّكْرِ والِاسْتِغْفارِ. والأفْضَلُ في وقْتِ اسْتِرْشادِ الطّالِبِ، وتَعْلِيمِ الجاهِلِ الإقْبالُ عَلى تَعْلِيمِهِ والِاشْتِغالِ بِهِ. والأفْضَلُ في أوْقاتِ الأذانِ تَرْكُ ما هو فِيهِ مِن وِرْدِهِ، والِاشْتِغالُ بِإجابَةِ المُؤَذِّنِ. والأفْضَلُ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ الجِدُّ والنُّصْحُ في إيقاعِها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والمُبادَرَةُ إلَيْها في أوَّلِ الوَقْتِ، والخُرُوجُ إلى الجامِعِ، وإنْ بَعُدَ كانَ أفْضَلَ. والأفْضَلُ في أوْقاتِ ضَرُورَةِ المُحْتاجِ إلى المُساعَدَةِ بِالجاهِ، أوِ البَدَنِ، أوِ المالِ الِاشْتِغالُ بِمُساعَدَتِهِ، وإغاثَةُ لَهْفَتِهِ، وإيثارُ ذَلِكَ عَلى أوْرادِكَ وخَلْوَتِكَ. والأفْضَلُ في وقْتِ قِراءَةِ القُرْآنِ جَمْعِيَّةُ القَلْبِ والهِمَّةِ عَلى تَدَبُّرِهِ وتَفَهُّمِهِ، حَتّى كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يُخاطِبُكَ بِهِ، فَتَجْمَعُ قَلْبَكَ عَلى فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ، والعَزْمُ عَلى تَنْفِيذِ أوامِرِهِ أعْظَمُ مِن جَمْعِيَّةِ قَلْبِ مَن جاءَهُ كِتابٌ مِنَ السُّلْطانِ عَلى ذَلِكَ. والأفْضَلُ في وقْتِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ الِاجْتِهادُ في التَّضَرُّعِ والدُعاءِ والذِكْرِ دُونَ الصَّوْمِ المُضْعِفِ عَنْ ذَلِكَ. والأفْضَلُ في أيّامِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ الإكْثارُ مِنَ التَّعَبُّدِ، لاسِيَّما التَّكْبِيرُ والتَهْلِيلُ والتَحْمِيدُ، فَهو أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ غَيْرِ المُتَعَيَّنِ. والأفْضَلُ في العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ لُزُومُ المَسْجِدِ فِيهِ والخَلْوَةِ والِاعْتِكافِ دُونَ التَّصَدِّي لِمُخالَطَةِ النّاسِ والِاشْتِغالِ بِهِمْ، حَتّى إنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الإقْبالِ عَلى تَعْلِيمِهِمُ العِلْمَ، وإقْرائِهِمُ القُرْآنَ، عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ. والأفْضَلُ في وقْتِ مَرَضِ أخِيكَ المُسْلِمِ أوْ مَوْتِهِ عِيادَتُهُ، وحُضُورُ جِنازَتِهِ وتَشْيِيعُهُ، وتَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلى خَلْوَتِكَ وجَمْعِيَّتِكَ. والأفْضَلُ في وقْتِ نُزُولِ النَّوازِلِ وأذاةِ النّاسِ لَكَ أداءُ واجِبِ الصَّبْرِ مَعَ خُلْطَتِكَ بِهِمْ، دُونَ الهَرَبِ مِنهُمْ، فَإنَّ المُؤْمِنَ الَّذِي يُخالِطُ النّاسَ لِيَصْبِرَ عَلى أذاهم أفْضَلُ مِنَ الَّذِي لا يُخالِطُهم ولا يُؤْذُونَهُ. والأفْضَلُ خُلْطَتُهم في الخَيْرِ، فَهي خَيْرٌ مِنَ اعْتِزالِهِمْ فِيهِ، واعْتِزالُهم في الشَّرِّ، فَهو أفْضَلُ مِن خُلْطَتِهِمْ فِيهِ، فَإنْ عَلِمَ أنَّهُ إذا خالَطَهم أزالَهُ أوْ قَلَّلَهُ فَخُلْطَتُهم حِينَئِذٍ أفْضَلُ مِنِ اعْتِزالِهِمْ. فالأفْضَلُ في كُلِّ وقْتٍ وحالٍ إيثارُ مَرْضاةِ اللَّهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ والحالِ، والِاشْتِغالُ بِواجِبِ ذَلِكَ الوَقْتِ ووَظِيفَتِهِ ومُقْتَضاهُ. وَهَؤُلاءِ هم أهْلُ التَّعَبُّدِ المُطْلَقِ، والأصْنافُ قِبَلَهم أهْلُ التَّعَبُّدِ المُقَيَّدِ، فَمَتى خَرَجَ أحَدُهم عَنِ النَّوْعِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ العِبادَةِ وفارَقَهُ يَرى نَفْسَهُ كَأنَّهُ قَدْ نَقَصَ وتَرَكَ عِبادَتَهُ، فَهو يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى وجْهٍ واحِدٍ، وصاحِبُ التَّعَبُّدِ المُطْلَقِ لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ في تَعَبُّدٍ بِعَيْنِهِ يُؤْثِرُهُ عَلى غَيْرِهِ، بَلْ غَرَضُهُ تَتَبُّعُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى أيْنَ كانَتْ، فَمَدارُ تَعَبُّدِهِ عَلَيْها، فَهو لا يَزالُ مُتَنَقِّلًا في مَنازِلِ العُبُودِيَّةِ، كُلَّما رُفِعَتْ لَهُ مَنزِلَةٌ عَمِلَ عَلى سَيْرِهِ إلَيْها، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَلُوحَ لَهُ مَنزِلَةٌ أُخْرى، فَهَذا دَأْبَهُ في السَّيْرِ حَتّى يَنْتَهِيَ سَيْرُهُ، فَإنْ رَأيْتَ العُلَماءَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ العُبّادَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ المُجاهِدِينَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ الذّاكِرِينَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ المُتَصَدِّقِينَ المُحْسِنِينَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ أرْبابَ الجَمْعِيَّةِ وعُكُوفِ القَلْبِ عَلى اللَّهِ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، فَهَذا هو العَبْدُ المُطْلَقُ، الَّذِي لَمْ تَمْلِكْهُ الرُّسُومُ، ولَمْ تُقَيِّدْهُ القُيُودُ، ولَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ عَلى مُرادِ نَفْسِهِ وما فِيهِ لَذَّتُها وراحَتُها مِنَ العِباداتِ، بَلْ هو عَلى مُرادِ رَبِّهِ، ولَوْ كانَتْ راحَةُ نَفْسِهِ ولَذَّتُها في سِواهُ، فَهَذا هو المُتَحَقِّقُ بِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " حَقًّا، القائِمُ بِهِما صِدْقًا، مَلْبَسُهُ ما تَهَيَّأ، ومَأْكَلُهُ ما تَيَسَّرَ، واشْتِغالُهُ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كُلِّ وقْتٍ بِوَقْتِهِ، ومَجْلِسُهُ حَيْثُ انْتَهى بِهِ المَكانُ ووَجَدَهُ خالِيًا، لا تَمْلِكُهُ إشارَةٌ، ولا يَتَعَبَّدُهُ قَيْدٌ، ولا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ رَسْمٌ، حُرٌّ مُجَرَّدٌ، دائِرٌ مَعَ الأمْرِ حَيْثُ دارَ، يَدِينُ بِدِينِ الآمِرِ أنّى تَوَجَّهَتْ رَكائِبُهُ، ويَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ مَضارِبُهُ، يَأْنَسُ بِهِ كُلُّ مُحِقٍّ، ويَسْتَوْحِشُ مِنهُ كُلُّ مُبْطِلٍ، كالغَيْثِ حَيْثُ وقَعَ نَفَعَ، وكالنَخْلَةِ لا يَسْقُطُ ورَقُها وكُلُّها مَنفَعَةٌ حَتّى شَوْكُها، وهو مَوْضِعُ الغِلْظَةِ مِنهُ عَلى المُخالِفِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، والغَضَبِ إذا انْتُهِكَتْ مَحارِمُ اللَّهِ، فَهو لِلَّهِ وبِاللَّهِ ومَعَ اللَّهِ، قَدْ صَحِبَ اللَّهَ بِلا خَلْقٍ، وصَحِبَ النّاسَ بِلا نَفْسٍ، بَلْ إذا كانَ مَعَ اللَّهِ عَزَلَ الخَلائِقَ عَنِ البَيْنِ، وتَخَلّى عَنْهُمْ، وإذا كانَ مَعَ خَلْقِهِ عَزَلَ نَفْسَهُ مِنَ الوَسَطِ وتَخَلّى عَنْها، فَواهًا لَهُ! ما أغْرَبَهُ بَيْنَ النّاسِ! وما أشَدَّ وحْشَتَهُ مِنهُمْ! وما أعْظَمَ أُنْسَهُ بِاللَّهِ وفَرَحَهُ بِهِ، وطُمَأْنِينَتَهُ وسُكُونَهُ إلَيْهِ! واللَّهُ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُكْلانُ. [فَصْلٌ: مَنفَعَةُ العِبادَةِ وحِكْمَتُها ومَقْصُودُها وانْقِسامُ النّاسِ في ذَلِكَ لِأرْبَعَةِ أصْنافٍ] [نُفاةُ التَّعْلِيلِ] ثُمَّ لِلنّاسِ في مَنفَعَةِ العِبادَةِ وحِكْمَتِها ومَقْصُودِها طُرُقٌ أرْبَعَةٌ، وهم في ذَلِكَ أرْبَعَةُ أصْنافٍ. الصِّنْفُ الأوَّلُ: نُفاةُ الحُكْمِ والتَّعْلِيلِ، الَّذِينَ يَرُدُّونَ الأمْرَ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ، وصِرْفِ الإرادَةِ، فَهَؤُلاءِ عِنْدَهُمُ القِيامُ بِها لَيْسَ إلّا لِمُجَرَّدِ الأمْرِ، مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِسَعادَةٍ في مَعاشٍ ولا مَعادٍ، ولا سَبَبًا لِنَجاةٍ، وإنَّما القِيامُ بِها لِمُجَرَّدِ الأمْرِ ومَحْضِ المَشِيئَةِ، كَما قالُوا في الخَلْقِ: إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ ما خَلَقَهُ لِعِلَّةٍ، ولا لِغايَةٍ هي المَقْصُودَةُ بِهِ، ولا لِحِكْمَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ مِنهُ، ولَيْسَ في المَخْلُوقاتِ أسْبابٌ مُقْتَضِياتٌ لِمُسَبَّباتِها، ولا فِيها قُوًى ولا طَبائِعُ، فَلَيْسَتِ النّارُ سَبَبًا لِلْإحْراقِ، ولا الماءُ سَبَبًا لِلْإرْواءِ والَبْرِيدِ وإخْراجِ النَّباتِ، ولا فِيهِ قُوَّةٌ ولا طَبِيعَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وحُصُولُ الإحْراقِ والرِّيِّ لَيْسَ بِهِما، لَكِنْ بِإجْراءِ العادَةِ الاقْتِرانِيَّةِ عَلى حُصُولِ هَذا عِنْدَ هَذا لا بِسَبَبٍ ولا بِقُوَّةٍ قامَتْ بِهِ، وهَكَذا الأمْرُ عِنْدَهم في أمْرِهِ الشَّرْعِيِّ سَواءٌ، لا فَرْقَ في نَفْسِ الأمْرِ بَيْنَ المَأْمُورِ والمَحْظُورِ، ولَكِنَّ المَشِيئَةَ اقْتَضَتْ أمْرَهُ بِهَذا ونَهْيَهُ عَنْ هَذا، مِن غَيْرِ أنْ يَقُومَ بِالمَأْمُورِ بِهِ صِفَةٌ اقْتَضَتْ حُسْنَهُ، ولا المَنهِيِّ عَنْهُ صِفَةٌ اقْتَضَتْ قُبْحَهُ. وَلِهَذا الأصْلِ لَوازِمُ وفُرُوعٌ كَثِيرَةٌ فاسِدَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها في كِتابِنا الكَبِيرِ المُسَمّى " مِفْتاحُ دارِ السَّعادَةِ ومَطْلَبُ أهْلِ العِلْمِ والإرادَةِ " وبَيَّنّا فَسادَ هَذا الأصْلِ مِن نَحْوِ سِتِّينَ وجْهًا، وهو كِتابٌ بَدِيعٌ في مَعْناهُ، وذَكَرْناهُ أيْضًا في كِتابِنا المُسَمّى " سَفَرُ الهِجْرَتَيْنِ وطَرِيقُ السَّعادَتَيْنِ ". وَهَؤُلاءِ لا يَجِدُونَ حَلاوَةَ العِبادَةِ ولا لَذَّتَها، ولا يَتَنَعَّمُونَ بِها، ولَيْسَتِ الصَّلاةُ قُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، ولَيْسَتِ الأوامِرُ سُرُورَ قُلُوبِهِمْ، وغِذاءَ أرْواحِهِمْ وحَياتِهِمْ، ولِهَذا يُسَمُّونَها تَكالِيفَ، أيْ قَدْ كُلِّفُوا بِها، ولَوْ سَمّى مُدَّعٍ لِمَحَبَّةِ مَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ أوْ غَيْرِهِ ما يَأْمُرُهُ بِهِ تَكْلِيفًا، وقالَ: إنِّي إنَّما أفْعَلُهُ بِكُلْفَةٍ، لَمْ يَعُدَّهُ أحَدٌ مُحِبًّا لَهُ، ولِهَذا أنْكَرَ هَؤُلاءِ أوْ كَثِيرٌ مِنهم مَحَبَّةَ العَبْدِ لِرَبِّهِ، وقالُوا: إنَّما يُحِبُّ ثَوابَهُ وما يَخْلُقُهُ لَهُ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِهِ، لا أنَّهُ يُحِبُّ ذاتَهُ، فَجَعَلُوا المَحَبَّةَ لِمَخْلُوقِهِ دُونَهُ، وحَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ هي كَمالُ المَحَبَّةِ، فَأنْكَرُوا حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ ولُبَّها، وحَقِيقَةُ الإلَهِيَّةِ كَوْنُهُ مَأْلُوهًا مَحْبُوبًا بِغايَةِ الحُبِّ، المَقْرُونِ بِغايَةِ الذُّلِّ والخُضُوعِ، والإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، فَأنْكَرُوا كَوْنَهُ مَحْبُوبًا، وذَلِكَ إنْكارٌ لِإلَهِيَّتِهِ، وشَيْخُ هَؤُلاءِ هو الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ الَّذِي ضَحّى بِهِ خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ في يَوْمٍ أضْحى، وقالَ: إنَّهُ زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسى تَكْلِيمًا، ولَمْ يَتَّخِذْ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وإنَّما كانَ إنْكارُهُ لِكَوْنِهِ تَعالى مَحْبُوبًا مُحِبًّا، لَمْ يُنْكِرْ حاجَةَ إبْراهِيمَ إلَيْهِ، الَّتِي هي الخُلَّةُ عِنْدَ الجَهْمِيَّةِ، الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيها جَمِيعُ الخَلائِقِ، فَكُلُّهم أخِلّاءُ لِلَّهِ عِنْدَهم. وَقَدْ بَيَّنّا فَسادَ قَوْلِهِمْ هَذا، وإنْكارِهِمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ مِن أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ وجْهًا في كِتابِنا المُسَمّى " قُرَّةُ عُيُونِ المُحِبِّينَ، ورَوْضَةُ قُلُوبِ العارِفِينَ " وذَكَرْنا فِيهِ وُجُوبُ تَعَلُّقِ المَحَبَّةِ بِالحَبِيبِ الأوَّلِ مِن جَمِيعِ طُرُقِ الأدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والذَّوْقِيَّةِ والفِطْرِيَّةِ وأنَّهُ لا كَمالَ لِلْإنْسانِ بِدُونِ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، كَما أنَّهُ لا كَمالَ لِجِسْمِهِ إلّا بِالرُّوحِ والحَياةِ، ولا لِعَيْنِهِ إلّا بِالنُّورِ الباصِرِ، ولا لِأُذُنِهِ إلّا بِالسَّمْعِ، وأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ذَلِكَ وأعْظَمُ. [القَدَرِيَّةُ النُفاةُ] الصِّنْفُ الثّانِي: القَدَرِيَّةُ النُفاةُ، الَّذِينَ يُثْبِتُونَ نَوْعًا مِنَ الحِكْمَةِ والتَّعْلِيلِ ولَكِنْ لا يَقُومُ بِالرَّبِّ، ولا يَرْجِعُ إلَيْهِ، بَلْ يَرْجِعُ إلى مُجَرَّدِ مَصْلَحَةِ المَخْلُوقِ ومَنفَعَتِهِ. فَعِنْدَهُمْ: أنَّ العِباداتِ شُرِعَتْ أثْمانًا لِما يَنالُهُ العِبادُ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، وأنَّها بِمَنزِلَةِ اسْتِيفاءِ أُجْرَةِ الأجِيرِ. قالُوا: ولِهَذا يَجْعَلُها اللَّهُ تَعالى عِوَضًا كَقَوْلِهِ ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وقَوْلِهِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] وقَوْلِهِ ﷺ فِيما يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ «يا عِبادِي، إنَّما هي أعْمالُكم أُحْصِيها لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكم إيّاها» وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] قالُوا: وقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَزاءً وأجْرًا وثَوابًا، لِأنَّهُ يَثُوبُ إلى العامِلِ مِن عَمَلِهِ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنهُ. قالُوا: ولَوْلا ارْتِباطُهُ بِالعَمَلِ لَمْ يَكُنْ لِتَسْمِيَتِهِ جَزاءً ولا أجْرًا ولا ثَوابًا مَعْنًى. قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ الوَزْنُ، فَلَوْلا تَعَلُّقُ الثَّوابِ والعِقابِ بِالأعْمالِ واقْتِضاؤُها لَها، وكَوْنُها كالأثْمانِ لَها لَمْ يَكُنْ لِلْوَزْنِ مَعْنًى، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ - ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨-٩]. وَهاتانِ الطّائِفَتانِ مُتَقابِلَتانِ أشَدَّ التَّقابُلِ، وبَيْنَهُما أعْظَمُ التَّبايُنِ. فالجَبْرِيَّةُ لَمْ تَجْعَلْ لِلْأعْمالِ ارْتِباطًا بِالجَزاءِ ألْبَتَّةَ، وجَوَّزَتْ أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ مَن أفْنى عُمْرَهُ في طاعَتِهِ، ويُنَعِّمَ مَن أفْنى عُمْرَهُ في مَعْصِيَتِهِ، وكِلاهُما بِالنِسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ، وجَوَّزَتْ أنْ يَرْفَعَ صاحِبَ العَمَلِ القَلِيلِ عَلى مَن هو أعْظَمُ مِنهُ عَمَلًا، وأكْثَرُ وأفْضَلُ دَرَجاتٍ، والكُلُّ عِنْدَهم راجِعٌ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ، مِن غَيْرِ تَعْلِيلٍ ولا سَبَبٍ، ولا حِكْمَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا بِالثَوابِ، وهَذا بِالعِقابِ. والقَدَرِيَّةُ أوْجَبَتْ عَلى اللَّهِ رِعايَةَ الأصْلَحِ، وجَعَلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَحْضِ الأعْمالِ وثَمَنًا لَها، وأنَّ وُصُولَ الثَّوابِ إلى العَبْدِ بِدُونِ عَمَلِهِ فِيهِ تَنْغِيصٌ بِاحْتِمالِ مِنَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ بِلا ثَمَنٍ. فَقاتَلَهُمُ اللَّهُ، ما أجْهَلَهم بِاللَّهِ وأغَرَّهم بِهِ! جَعَلُوا تَفَضُّلَهُ وإحْسانَهُ إلى عَبْدِهِ بِمَنزِلَةِ صَدَقَةِ العَبْدِ عَلى العَبْدِ، حَتّى قالُوا: إنَّ إعْطاءَهُ ما يُعْطِيهِ أُجْرَةً عَلى عَمَلِهِ أحَبُّ إلى العَبْدِ وأطْيَبُ لَهُ مِن أنْ يُعْطِيَهُ فَضْلًا مِنهُ بِلا عَمَلٍ. فَقابَلَتْهُمُ الجَبْرِيَّةُ أشَدَّ المُقابَلَةِ، ولَمْ يَجْعَلُوا لِلْأعْمالِ تَأْثِيرًا في الجَزاءِ ألْبَتَّةَ. والطائِفَتانِ جائِرَتانِ، مُنْحَرِفَتانِ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبادَهُ، وجاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ونَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وهو أنَّ الأعْمالَ أسْبابٌ مُوَصِّلَةٌ إلى الثَّوابِ والعِقابِ، مُقْتَضِيَةٌ لَهُما كاقْتِضاءِ سائِرِ الأسْبابِ لِمُسَبَّباتِها، وأنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مِن تَوْفِيقِ اللَّهِ وفَضْلِهِ ومَنِّهِ، وصَدَقَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، إنْ أعانَهُ عَلَيْها ووَفَّقَهُ لَها، وخَلَقَ فِيهِ إرادَتَها والقُدْرَةَ عَلَيْها، وحَبَّبَها إلَيْهِ، وزَيَّنَها في قَلْبِهِ وكَرَّهَ إلَيْهِ أضْدادُها، ومَعَ هَذا فَلَيْسَتْ ثَمَنًا لِجَزائِهِ وثَوابِهِ، ولا هي عَلى قَدْرِهِ، بَلْ غايَتُها إذا بَذَلَ العَبْدُ فِيها نُصْحَهُ وجُهْدَهُ، وأوْقَعَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ أنْ تَقَعَ شُكْرًا لَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ، فَلَوْ طالَبَهُ بِحَقِّهِ لَبَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ بَقِيَّةٌ لَمْ يَقُمْ بِشُكْرِها، فَلِذَلِكَ لَوْ عَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ لَعَذَّبَهم وهو غَيْرُ ظالِمٍ لَهُمْ، ولَوْ رَحِمَهم لَكانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهم مِن أعْمالِهِمْ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولِهَذا نَفى النَّبِيُّ ﷺ دُخُولَ الجَنَّةِ بِالعَمَلِ، كَما قالَ «لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا مِنكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ» وفي لَفْظٍ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِنكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ،» وفي لَفْظٍ: «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» وأثْبَتَ سُبْحانَهُ دُخُولَ الجَنَّةِ بِالعَمَلِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] ولا تَنافِي بَيْنَهُما، إذْ تَوارُدُ النَّفْيِ والإثْباتِ لَيْسَ عَلى مَعْنًى واحِدٍ، فالمَنفِيُّ اسْتِحْقاقُها بِمُجَرَّدِ الأعْمالِ، وكَوْنِ الأعْمالِ ثَمَنًا وعِوَضًا لَها، رَدًّا عَلى القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ، الَّتِي زَعَمَتْ أنَّ التَفَضُّلَ بِالثَوابِ ابْتِداءً مُتَضَمِّنٌ لِتَكْرِيرِ المِنَّةِ. وَهَذِهِ الطّائِفَةُ مِن أجْهَلِ الخَلْقِ بِاللَّهِ، وأغْلَظِهِمْ عَنْهُ حِجابًا، وحُقَّ لَهم أنْ يَكُونُوا مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ، ويَكْفِي في جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وأرْضِهِ في مِنَّتِهِ، وأنَّ مِن تَمامِ الفَرَحِ والسُرُورِ، والغِبْطَةِ واللَّذَّةِ اغْتِباطُهم بِمِنَّةِ سَيِّدِهِمْ ومَوْلاهُمُ الحَقِّ، وأنَّهم إنَّما طابَ لَهم عَيْشُهم بِهَذِهِ المِنَّةِ، وأعْظَمُهم مِنهُ مَنزِلَةً، وأقْرَبُهم إلَيْهِ أعْرَفُهم بِهَذِهِ المِنَّةِ، وأعْظَمُهم إقْرارًا بِها، وذِكْرًا لَها، وشُكْرًا عَلَيْها، ومَحَبَّةً لَهُ لِأجْلِها، فَهَلْ يَتَقَلَّبُ أحَدٌ قَطٌّ إلّا في مِنَّتِهِ؟ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. واحْتِمالُ مِنَّةِ المَخْلُوقِ إنَّما كانَتْ نَقْصًا لِأنَّهُ نَظِيرُهُ، فَإذا مَنَّ عَلَيْهِ اسْتَعْلى عَلَيْهِ، ورَأى المَمْنُونُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ دُونَهُ، هَذا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ المِنَّةُ عَلى أُمَّتِهِ، وكانَ أصْحابُهُ يَقُولُونَ: " اللَّهُ ورَسُولُهُ أمَنُّ " ولا نَقْصَ في مِنَّةِ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، ولا عارَ عَلَيْهِ في احْتِمالِها، وكَذَلِكَ السَّيِّدُ عَلى عَبْدِهِ، فَكَيْفَ بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي إنَّما يَتَقَلَّبُ الخَلائِقُ في بَحْرِ مِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ، ومَحْضِ صَدَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، بِلا عِوَضٍ مِنهُمُ ألْبَتَّةَ؟ وإنْ كانَتْ أعْمالُهم أسْبابًا لِما يَنالُونَهُ مِن كَرَمِهِ وجُودِهِ، فَهو المَنّانُ عَلَيْهِمْ، بِأنْ وفَّقَهم لِتِلْكَ الأسْبابِ وهَداهم لَها، وأعانَهم عَلَيْها، وكَمَّلَها لَهُمْ، وقَبِلَها مِنهم عَلى ما فِيها؟ وهَذا هو المَعْنى الَّذِي أثْبَتَ بِهِ دُخُولَ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. فَهَذِهِ باءُ السَّبَبِيَّةِ، رَدًّا عَلى القَدَرِيَّةِ والجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا ارْتِباطَ بَيْنَ الأعْمالِ والجَزاءِ، ولا هي أسْبابٌ لَهُ، وإنَّما غايَتُها أنْ تَكُونَ أماراتٍ. قالُوا: ولَيْسَتْ أيْضًا مُطَّرِدَةً، لِتَخَلُّفِ الجَزاءِ عَنْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا مَحْضُ الأمْرِ الكَوْنِيِّ والمَشِيئَةِ. فالنُّصُوصُ مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ هَؤُلاءِ، كَما هي مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ أُولَئِكَ، وأدِلَّةُ المَعْقُولِ والفِطْرَةِ أيْضًا تُبْطِلُ قَوْلَ الفَرِيقَيْنِ، وتُبَيِّنُ لِمَن لَهُ قَلْبٌ ولُبٌّ مِقْدارَ قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ، وهُمُ الفِرْقَةُ الوَسَطُ، المُثْبِتُونَ لِعُمُومِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وخَلْقِهِ العِبادَ وأعْمالَهُمْ، ولِحِكْمَتِهِ التّامَّةِ المُتَضَمِّنَةِ رَبْطَ الأسْبابِ بِمُسَبَّباتِها، وانْعِقادَها بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وتَرْتِيبَها عَلَيْها عاجِلًا وآجِلًا. وَكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ المُنْحَرِفَتَيْنِ تَرَكَتْ نَوْعًا مِنَ الحَقِّ، وارْتَكَبَتْ لِأجْلِهِ نَوْعًا مِنَ الباطِلِ، بَلْ أنْواعًا، وهَدى اللَّهُ أهْلَ السُّنَّةِ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. [الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ فائِدَةَ العِبادَةِ رِياضَةُ النُّفُوسِ] الصِّنْفُ الثّالِثُ: الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ فائِدَةَ العِبادَةِ رِياضَةُ النُّفُوسِ، واسْتِعْدادُها لِفَيْضِ العُلُومِ عَلَيْها، وخُرُوجِ قُواها عَنْ قُوى النُّفُوسِ السَبُعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ، فَلَوْ عُطِّلَتْ عَنِ العِباداتِ لَكانَتْ مِن جِنْسِ نُفُوسِ السِّباعِ والبَهائِمِ، والعِباداتُ تُخْرِجُها عَنْ مَأْلُوفاتِها وعَوائِدِها، وتَنْقِلُها إلى مُشابَهَةِ العُقُولِ المُجَرَّدَةِ، فَتَصِيرُ عالِمَةً قابِلَةً لِانْتِقاشِ صُوَرِ العُلُومِ والمَعارِفِ فِيها، وهَذا يَقُولُهُ طائِفَتانِ: إحْداهُما: مَن يَقْرُبُ إلى النُّبُوّاتِ والشَّرائِعِ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِقِدَمِ العالَمِ، وعَدَمِ انْشِقاقِ الأفْلاكِ، وعَدَمِ الفاعِلِ المُخْتارِ. الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: مَن تَفَلْسَفَتْ مِن صُوفِيَّةِ الإسْلامِ، وتَقَرَّبَ إلى الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ العِباداتِ رِياضاتٌ لِاسْتِعْدادِ النُّفُوسِ وتَجَرُّدِها، ومُفارَقَتِها العالَمَ الحِسِّيَّ، ونُزُولِ الوارِداتِ والمَعارِفِ عَلَيْها. ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن لا يُوجِبُ العِباداتِ إلّا لِهَذا المَعْنى، فَإذا حَصَلَ لَها بَقِيَ مُخَيَّرًا في حِفْظِهِ أوْ رَدِّهِ، أوِ الِاشْتِغالِ بِالوارِدِ عَنْها، ومِنهم مَن يُوجِبُ القِيامَ بِالأوْرادِ والوَظائِفِ، وعَدَمِ الإخْلالِ بِها، وهم صِنْفانِ أيْضًا: أحَدُهُما: مَن يُوجِبُونَهُ حِفْظًا لِلْقانُونِ، وضَبْطًا لِلنُّفُوسِ. والآخَرُونَ: الَّذِينَ يُوجِبُونَهُ حِفْظًا لِلْوارِدِ، وخَوْفًا مَن تَدْرُجِ النَّفْسِ بِمُفارَقَتِها لَهُ إلى حالَتِها الأُولى مِنَ البَهِيمِيَّةِ. فَهَذِهِ نِهايَةُ أقْدامِ المُتَكَلِّمِينَ عَلى طَرِيقِ السُّلُوكِ، وغايَةُ مَعْرِفَتِهِمْ بِحُكْمِ العِبادَةِ وما شُرِعَتْ لِأجْلِهِ، ولا تَكادُ تَجِدُ في كُتُبِ القَوْمِ غَيْر هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ، عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ، أوْ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ. [الطّائِفَةُ المُحَمَّدِيَّةُ الإبْراهِيمِيَّةُ] وَأمّا الصِّنْفُ الرّابِعُ: فَهُمُ الطّائِفَةُ المُحَمَّدِيَّةُ الإبْراهِيمِيَّةُ، أتْباعُ الخَلِيلَيْنِ، العارِفُونَ بِاللَّهِ وحِكْمَتِهِ في أمْرِهِ وشَرْعِهِ وخَلْقِهِ، وأهْلُ البَصائِرِ في عِبادَتِهِ، ومُرادِهِ بِها. فالطَّوائِفُ الثَّلاثُ مَحْجُوبُونَ عَنْهم بِما عِنْدَهم مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ، والقَواعِدِ الفاسِدَةِ، ما عِنْدَهم وراءَ ذَلِكَ شَيْءٌ، قَدْ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، وقَنَعُوا بِما ألِفُوهُ مِنَ الخَيالِ، ولَوْ عَلِمُوا أنَّ وراءَهُ ما هو أجَّلُ مِنهُ وأعْظَمُ لَما ارْتَضَوْا بِدُونِهِ، ولَكِنَّ عُقُولَهم قَصُرَتْ عَنْهُ، ولَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ بِنُورِ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِهِ، لِيَجْتَهِدُوا في طَلَبِهِ، ورَأوْا أنَّ ما مَعَهم خَيْرٌ مِنَ الجَهْلِ، ورَأوْا تَناقُضَ ما مَعَ غَيْرِهِمْ وفَسادَهُ. فَتَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ إيثارُ ما عِنْدَهم عَلى ما سِواهُ، وهَذِهِ بَلِيَّةُ الطَّوائِفِ، والمُعافى مَن عافاهُ اللَّهُ. [فَصْلٌ: سِرُّ العُبُودِيَّةِ وغايَتُها وحِكْمَتُها] فاعْلَمْ أنَّ سِرَّ العُبُودِيَّةِ، وغايَتَها وحِكْمَتَها إنَّما يَطَّلِعُ عَلَيْها مَن عَرَفَ صِفاتِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يُعَطِّلْها، وعَرَفَ مَعْنى الإلَهِيَّةِ وحَقِيقَتَها، ومَعْنى كَوْنِهِ إلَهًا، بَلْ هو الإلَهُ الحَقُّ، وكُلُّ إلَهٍ سِواهُ فَباطِلٌ، بَلْ أبْطَلُ الباطِلِ، وأنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ لا تَنْبَغِي إلّا لَهُ، وأنَّ العِبادَةَ مُوجَبُ إلَهِيَّتِهِ وأثَرُها ومُقْتَضاها، وارْتِباطُها بِها كارْتِباطِ مُتَعَلِّقِ الصِّفاتِ بِالصِّفاتِ، وكارْتِباطِ المَعْلُومِ بِالعِلْمِ، والمَقْدُورِ بِالقُدْرَةِ، والأصْواتِ بِالسَمْعِ، والإحْسانِ بِالرَحْمَةِ، والعَطاءِ بِالجُودِ. فَمَن أنْكَرَ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ ولَمْ يَعْرِفْها كَيْفَ يَسْتَقِيمُ لَهُ مَعْرِفَةُ حِكْمَةِ العِباداتِ وغاياتِها ومَقاصِدِها وما شُرِعَتْ لِأجْلِهِ؟ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ لَهُ العِلْمُ بِأنَّها هي الغايَةُ المَقْصُودَةُ بِالخَلْقِ، والَّتِي لَها خُلِقُوا، ولَها أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ، وأُنْزِلَتِ الكُتُبُ، ولِأجْلِها خُلِقَتِ الجَنَّةُ والنارُ؟ وأنَّ فَرْضَ تَعْطِيلِ الخَلِيقَةِ عَنْها نِسْبَةٌ لِلَّهِ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، ويَتَعالى عَنْهُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ، ولَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا، ولَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَبَثًا ولَمْ يَتْرُكْهُ سُدًى مُهْمَلًا، قالَ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أيْ لِغَيْرِ شَيْءٍ ولا حِكْمَةٍ، ولا لِعِبادَتِي ومُجازاتِي لَكُمْ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا في قَوْلِهِ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فالعِبادَةُ هي الغايَةُ الَّتِي خَلَقَ لَها الجِنَّ والإنْسَ والخَلائِقَ كُلَّها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ مُهْمَلًا، قالَ الشّافِعِيُّ: لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، وقالَ غَيْرُهُ: لا يُثابُ ولا يُعاقَبُ، والصَحِيحُ الأمْرانِ، فَإنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُتَرَتِّبانِ عَلى الأمْرِ والنَهْيِ، والأمْرُ والنَهْيُ طَلَبُ العِبادَةِ وإرادَتُها، وحَقِيقَةُ العِبادَةِ امْتِثالُهُما، وقالَ تَعالى ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وقالَ ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] وقالَ ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢]. فَأخْبَرَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ المُتَضَمِّنِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وثَوابَهُ وعِقابَهُ. فَإذا كانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما خُلِقَتْ لِهَذا، وهو غايَةُ الخَلْقِ، فَكَيْفَ يُقالُ إنَّهُ لا عِلَّةَ لَهُ، ولا حِكْمَةَ مَقْصُودَةٌ هي غايَتُهُ؟ أوْ إنَّ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ اسْتِئْجارِ العِبادِ حَتّى لا يُنَكَّدَ عَلَيْهِمُ الثَّوابُ بِالمِنَّةِ، أوْ لِمُجَرَّدِ اسْتِعْدادِ النُّفُوسِ لِلْمَعارِفِ العَقْلِيَّةِ، وارْتِياضِها بِمُخالَفَةِ العَوائِدِ؟ فَلْيَتَأمَّلِ اللَّبِيبُ الفُرْقانَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ، وبَيْنَ ما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الوَحْيِ يَجِدْ أنَّ أصْحابَ هَذِهِ الأقْوالِ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ولا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ. فاللَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبادَتِهِ، الجامِعَةِ لِكَمالِ مَحَبَّتِهِ، مَعَ الخُضُوعِ لَهُ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِ. فَأصْلُ العِبادَةِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ، بَلْ إفْرادُهُ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ يَكُونَ الحُبُّ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَلا يُحِبُّ مَعَهُ سِواهُ، وإنَّما يُحِبُّ لِأجْلِهِ وفِيهِ، كَما يُحِبُّ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ ومَلائِكَتَهُ وأوْلِياءَهُ، فَمَحَبَّتُنا لَهم مِن تَمامِ مَحَبَّتِهِ، ولَيْسَتْ مَحَبَّةً مَعَهُ، كَمَحَبَّةِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّهِ. وَإذا كانَتِ المَحَبَّةُ لَهُ هي حَقِيقَةَ عُبُودِيَّتِهِ وسِرَّها، فَهي إنَّما تَتَحَقَّقُ بِاتِّباعِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، فَعِنْدَ اتِّباعِ الأمْرِ واجْتِنابِ النَّهْيِ تَتَبَيَّنُ حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ، ولِهَذا جَعَلَ تَعالى اتِّباعَ رَسُولِهِ عَلَمًا عَلَيْها، وشاهِدًا لِمَنِ ادَّعاها، فَقالَ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَجَعَلَ اتِّباعَ رَسُولِهِ مَشْرُوطًا بِمَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وشَرْطًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، ووُجُودُ المَشْرُوطِ مُمْتَنِعٌ بِدُونِ وُجُودِ شَرْطِهِ وتَحَقُّقُهُ بِتَحَقُّقِهِ فَعُلِمَ انْتِفاءُ المَحَبَّةِ عِنْدَ انْتِفاءِ المُتابَعَةِ، فانْتِفاءُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ لازِمٌ لِانْتِفاءِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ، وانْتِفاءُ المُتابَعَةِ مَلْزُومٌ لِانْتِفاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، فَيَسْتَحِيلُ إذًا ثُبُوتُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وثُبُوتُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهم بِدُونِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ. وَدَلَّ عَلى أنَّ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ ﷺ هي حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وطاعَةُ أمْرِهِ، ولا يَكْفِي ذَلِكَ في العُبُودِيَّةِ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلى العَبْدِ مِمّا سِواهُما، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَتى كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنهُما فَهَذا هو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِصاحِبِهِ ألْبَتَّةَ، ولا يَهْدِيهِ اللَّهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. فَكُلُّ مَن قَدَّمَ طاعَةَ أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ قَوْلَ أحَدٍ مِنهم عَلى قَوْلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مَرْضاةَ أحَدٍ مِنهم عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ خَوْفَ أحَدٍ مِنهم ورَجاءَهُ والتَوَكُّلَ عَلَيْهِ عَلى خَوْفِ اللَّهِ ورَجائِهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْ مُعامَلَةَ أحَدِهِمْ عَلى مُعامَلَةِ اللَّهِ فَهو مِمَّنْ لَيْسَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وإنْ قالَهُ بِلِسانِهِ فَهو كَذِبٌ مِنهُ، وإخْبارٌ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَنَّ قَدَّمَ حُكْمَ أحَدٍ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَذَلِكَ المُقَدَّمُ عِنْدَهُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لَكِنْ قَدْ يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلى مَن يُقَدِّمُ قَوْلَ أحَدٍ أوْ حُكْمَهُ، أوْ طاعَتَهُ أوْ مَرْضاتَهُ، ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَحْكُمُ ولا يَقُولُ إلّا ما قالَهُ الرَّسُولُ، فَيُطِيعُهُ، ويُحاكِمُ إلَيْهِ، ويَتَلَقّى أقْوالَهُ كَذَلِكَ، فَهَذا مَعْذُورٌ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا إذا قَدَرَ عَلى الوُصُولِ إلى الرَّسُولِ، وعَرَفَ أنَّ غَيْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ هو أوْلى بِهِ مُطْلَقًا، أوْ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى الرَّسُولِ ولا إلى مَن هو أوْلى بِهِ، فَهَذا الَّذِي يُخافُ عَلَيْهِ، وهو داخِلٌ تَحْتَ الوَعِيدِ، فَإنِ اسْتَحَلَّ عُقُوبَةَ مَن خالَفَهُ وأذَلَّهُ، ولَمْ يُوافِقْهُ عَلى اتِّباعِ شَيْخِهِ، فَهو مِنَ الظَّلَمَةِ المُعْتَدِينَ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا. [فَصْلٌ: بِناءُ إيّاكَ نَعْبُدُ عَلى أرْبَعِ قَواعِدَ] وَبَنى " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " عَلى أرْبَعِ قَواعِدَ: التَّحَقُّقُ بِما يُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ويَرْضاهُ، مِن قَوْلِ اللِّسانِ والقَلْبِ، وعَمَلِ القَلْبِ والجَوارِحِ. فالعُبُودِيَّةُ: اسْمٌ جامِعٌ لِهَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعِ، فَأصْحابُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " حَقًّا هم أصْحابُها. فَقَوْلُ القَلْبِ: هو اعْتِقادُ ما أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وعَنْ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ومَلائِكَتِهِ ولِقائِهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ. وَقَوْلُ اللِّسانِ: الإخْبارُ عَنْهُ بِذَلِكَ، والدَعْوَةُ إلَيْهِ، والذَبُّ عَنْهُ، وتَبْيِينُ بُطْلانِ البِدَعِ المُخالِفَةِ لَهُ، والقِيامُ بِذِكْرِهِ، وتَبْلِيغُ أوامِرِهِ. وَعَمَلُ القَلْبِ: كالمَحَبَّةِ لَهُ، والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والخَوْفِ مِنهُ والرَجاءِ لَهُ، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ، والصَبْرِ عَلى أوامِرِهِ، وعَنْ نَواهِيهِ، وعَلى أقْدارِهِ، والرِضى بِهِ وعَنْهُ، والمُوالاةِ فِيهِ، والمُعاداةِ فِيهِ، والذُلِّ لَهُ والخُضُوعِ، والإخْباتِ إلَيْهِ، والطُمَأْنِينَةِ بِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ الَّتِي فَرْضُها أفْرَضُ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، ومُسْتَحِبُّها أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن مُسْتَحِبِّها، وعَمَلُ الجَوارِحِ بِدُونِها إمّا عَدِيمُ المَنفَعَةِ أوْ قَلِيلُ المَنفَعَةِ. وَأعْمالُ الجَوارِحِ: كالصَلاةِ والجِهادِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجُمْعَةِ والجَماعاتِ، ومُساعَدَةِ العاجِزِ، والإحْسانِ إلى الخَلْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ. فَ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " التِزامٌ لِأحْكامِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وإقْرارٌ بِها، " ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " طَلَبٌ لِلْإعانَةِ عَلَيْها والتَّوْفِيقِ لَها، و" ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] " مُتَضَمِّنٌ لِلتَّعْرِيفِ بِالأمْرَيْنِ عَلى التَّفْصِيلِ، وإلْهامِ القِيامِ بِهِما، وسُلُوكِ طَرِيقِ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ بِها. [فَصْلٌ: دَعْوَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ إلى (إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ)] وَجَمِيعُ الرُّسُلِ إنَّما دَعَوْا إلى " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " فَإنَّهم كُلَّهم دَعَوْا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وإخْلاصِ عِبادَتِهِ، مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] وكَذَلِكَ قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقالَ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١-٥٢]. [فَصْلٌ: اللَّهُ تَعالى جَعَلَ العُبُودِيَّةَ وصْفَ أكْمَلِ خَلْقِهِ] واللَّهُ تَعالى جَعَلَ العُبُودِيَّةَ وصْفَ أكْمَلِ خَلْقِهِ، وأقْرَبِهِمْ إلَيْهِ، فَقالَ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وهَذا يُبَيِّنُ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ١٩] هاهُنا، ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] فَهُما جُمْلَتانِ تامَّتانِ مُسْتَقِلَّتانِ، أيْ إنَّ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ عَبِيدًا ومِلْكًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً أُخْرى فَقالَ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يَعْنِي لا يَأْنَفُونَ عَنْها، ولا يَتَعاظَمُونَ ولا يَسْتَحْسِرُونَ، فَيَعْيَوْنَ ويَنْقَطِعُونَ يُقالُ: حَسِرَ واسْتَحْسَرَ، إذا تَعِبَ وأعْيا بَلْ عِبادَتُهم وتَسْبِيحُهم كالنَّفَسِ لِبَنِي آدَمَ، فالأوَّلُ وصْفٌ لِعَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ، والثّانِي وصْفٌ لِعَبِيدِ إلَهِيَّتِهِ، وقالَ تَعالى ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقالَ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] وقالَ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ [ص: ١٧] وقالَ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ [ص: ٤١] وقالَ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] وقالَ عَنْ سُلَيْمانَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٣٠] وقالَ عَنِ المَسِيحِ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] فَجَعَلَ غايَتَهُ العُبُودِيَّةَ لا الإلَهِيَّةَ، كَما يَقُولُ أعْداؤُهُ النَّصارى، ووَصَفَ أكْرَمَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وأعْلاهم عِنْدَهُ مَنزِلَةً بِالعُبُودِيَّةِ في أشْرَفِ مَقاماتِهِ، فَقالَ تَعالى ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] وقالَ تَبارَكَ وتَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] وقالَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١] فَذَكَرَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في مَقامِ إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ، وفي مَقامِ التَّحَدِّي بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وقالَ ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] فَذَكَرَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في مَقامِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وقالَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] فَذَكَرَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في مَقامِ الإسْراءِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ «لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى» المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَإنَّما أنا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وفي الحَدِيثِ «أنا عَبْدٌ، آكُلُ كَما يَأْكُلُ العَبْدُ، وأجْلِسُ كَما يَجْلِسُ العَبْدُ» وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قَرَأْتُ في التَّوْراةِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُهُ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا صَخّابٍ بِالأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ. وَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ البِشارَةَ المُطْلَقَةَ لِعِبادِهِ، فَقالَ تَعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] وجَعَلَ الأمْنَ المُطْلَقَ لَهُمْ، فَقالَ تَعالى ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨-٦٩] وعَزَلَ الشَّيْطانَ عَنْ سُلْطانِهِ عَلَيْهِمْ خاصَّةً، وجَعَلَ سُلْطانَهُ عَلى مَن تَوَلّاهُ وأشْرَكَ بِهِ، فَقالَ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وَقالَ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩-١٠٠]. وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ إحْسانَ العُبُودِيَّةِ أعْلى مَراتِبِ الدِّينِ وهو الإحْسانُ فَقالَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ وقَدْ سَألَهُ عَنِ الإحْسانِ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ». [فَصْلٌ: في لُزُومِ (إيّاكَ نَعْبُدُ) لِكُلِّ عَبْدٍ إلى المَوْتِ] قالَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وقالَ أهْلُ النّارِ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٦] واليَقِينُ هاهُنا هو المَوْتُ بِإجْماعِ أهْلِ التَّفْسِيرِ، وفي الصَّحِيحِ «فِي قِصَّةِ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ أمّا عُثْمانُ فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ أيِ المَوْتُ وما فِيهِ»، فَلا يَنْفَكُّ العَبْدُ مِنَ العُبُودِيَّةِ ما دامَ في دارِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلَيْهِ في البَرْزَخِ عُبُودِيَّةٌ أُخْرى لَمّا يَسْألُهُ المَلَكانِ مَن كانَ يَعْبُدُ؟ وما يَقُولُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ ويَلْتَمِسانِ مِنهُ الجَوابَ، وعَلَيْهِ عُبُودِيَّةٌ أُخْرى يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يَدْعُو اللَّهُ الخَلْقَ كُلَّهم إلى السُّجُودِ، فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُونَ، ويَبْقى الكُفّارُ والمُنافِقُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ، فَإذا دَخَلُوا دارَ الثَّوابِ والعِقابِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ هُناكَ، وصارَتْ عُبُودِيَّةُ أهْلِ الثَّوابِ تَسْبِيحًا مَقْرُونًا بِأنْفاسِهِمْ لا يَجِدُونَ لَهُ تَعَبًا ولا نَصْبًا. وَمَن زَعَمَ أنَّهُ يَصِلُ إلى مَقامٍ يَسْقُطُ عَنْهُ فِيهِ التَّعَبُّدُ، فَهو زِنْدِيقٌ كافِرٌ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وإنَّما وصَلَ إلى مَقامِ الكُفْرِ بِاللَّهِ، والِانْسِلاخِ مِن دِينِهِ، بَلْ كُلَّما تَمَكَّنَ العَبْدُ في مَنازِلِ العُبُودِيَّةِ كانَتْ عُبُودِيَّتُهُ أعْظَمَ، والواجِبُ عَلَيْهِ مِنها أكْبَرَ وأكْثَرَ مِنَ الواجِبِ عَلى مَن دُونَهُ، ولِهَذا كانَ الواجِبُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ عَلى جَمِيعِ الرُّسُلِ أعْظَمَ مِنَ الواجِبِ عَلى أُمَمِهِمْ، والواجِبُ عَلى أُولِي العَزْمِ أعْظَمَ مِنَ الواجِبِ عَلى مَن دُونَهُمْ، والواجِبُ عَلى أُولِي العِلْمِ أعْظَمَ مِنَ الواجِبِ عَلى مَن دُونَهُمْ، وكُلُّ أحَدٍ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ. [فَصْلٌ: في انْقِسامِ العُبُودِيَّةِ إلى عامَّةٍ وخاصَّةٍ] فالعُبُودِيَّةُ العامَّةُ عُبُودِيَّةُ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كُلِّهِمْ لِلَّهِ، بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، فَهَذِهِ عُبُودِيَّةُ القَهْرِ والمُلْكِ، قالَ تَعالى ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا - تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا - أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا - وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا - إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨-٩٣] فَهَذا يَدْخُلُ فِيهِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم. وَقالَ تَعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] فَسَمّاهم عِبادَهُ مَعَ ضَلالِهِمْ، لَكِنْ تَسْمِيَةً مُقَيَّدَةً بِالإشارَةِ، وأمّا المُطْلَقَةُ فَلَمْ تَجِئْ إلّا لِأهْلِ النَّوْعِ الثّانِي، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. وَقالَ تَعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] وقالَ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] وقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] فَهَذا يَتَناوَلُ العُبُودِيَّةَ الخاصَّةَ والعامَّةَ. وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَعُبُودِيَّةُ الطّاعَةِ والمَحَبَّةِ، واتِّباعِ الأوامِرِ، قالَ تَعالى ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] وقالَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] وقالَ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ تَعالى عَنْ إبْلِيسَ ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] فَقالَ تَعالى عَنْهم ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. فالخَلْقُ كُلُّهم عَبِيدُ رُبُوبِيَّتِهِ، وأهْلُ طاعَتِهِ ووِلايَتِهِ هم عَبِيدُ إلَهِيَّتِهِ. وَلا يَجِيءُ في القُرْآنِ إضافَةُ العِبادِ إلَيْهِ مُطْلَقًا إلّا لِهَؤُلاءِ. وَأمّا وصْفُ عَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ بِالعُبُودِيَّةِ فَلا يَأْتِي إلّا عَلى أحَدِ خَمْسَةِ أوْجُهٍ: إمّا مُنْكِرًا، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] والثّانِي مُعَرَّفًا بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨]. الثّالِثُ: مُقَيَّدًا بِالإشارَةِ أوْ نَحْوِها، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧]. الرّابِعُ: أنْ يُذْكَرُوا في عُمُومِ عِبادِهِ، فَيَنْدَرِجُوا مَعَ أهْلِ طاعَتِهِ في الذِّكْرِ، كَقَوْلِهِ ﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. الخامِسُ: أنْ يُذْكَرُوا مَوْصُوفِينَ بِفِعْلِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]. وَقَدْ يُقالُ: إنَّما سَمّاهم عِبادَهُ إذْ لَمْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِهِ، وأنابُوا إلَيْهِ، واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، فَيَكُونُوا مِن عَبِيدِ الإلَهِيَّةِ والطّاعَةِ. وَإنَّما انْقَسَمَتِ العُبُودِيَّةُ إلى خاصَّةٍ وعامَّةٍ، لِأنَّ أصْلَ مَعْنى اللَّفْظَةِ الذُّلُّ والخُضُوعُ، يُقالُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إذا كانَ مُذَلَّلًا بِوَطْءِ الأقْدامِ، وفُلانٌ عَبَّدَهُ الحُبُّ إذا ذَلَّلَهُ، لَكِنْ أوْلِياؤُهُ خَضَعُوا لَهُ وذَلُّوا طَوْعًا واخْتِيارًا، وانْقِيادًا لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وأعْداؤُهُ خَضَعُوا لَهُ قَهْرًا ورَغْمًا. وَنَظِيرُ انْقِسامِ العُبُودِيَّةِ إلى خاصَّةٍ وعامَّةٍ انْقِسامُ القُنُوتِ إلى خاصٍّ وعامٍّ، والُسُجُودُ كَذَلِكَ، قالَ تَعالى في القُنُوتِ الخاصِّ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] وقالَ في حَقِّ مَرْيَمَ ﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وَقالَ في القُنُوتِ العامِّ ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] أيْ خاضِعُونَ أذِلّاءُ. وَقالَ في السُّجُودِ الخاصِّ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقالَ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وَقالَ في السُّجُودِ العامِّ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥]. وَلِهَذا كانَ هَذا السُّجُودُ الكُرْهُ غَيْرَ السُّجُودِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ١٨] فَخَصَّ بِالسُّجُودِ هُنا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ وعَمَّهم بِالسُّجُودِ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٤٩] وهو سُجُودُ الذُّلِّ والقَهْرِ والخُضُوعِ، فَكُلُّ أحَدٍ خاضِعٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، ذَلِيلٌ لِعِزَّتِهِ، مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ تَعالى. [فَصْلٌ: في مَراتِبِ (إيّاكَ نَعْبُدُ) عِلْمًا وعَمَلًا] لِلْعُبُودِيَّةِ مَراتِبُ، بِحَسَبِ العِلْمِ والعَمَلِ، فَأمّا مَراتِبُها العِلْمِيَّةُ فَمَرْتَبَتانِ: إحْداهُما: العِلْمُ بِاللَّهِ، والثّانِيَةُ: العِلْمُ بِدِينِهِ. فَأمّا العِلْمُ بِهِ سُبْحانَهُ، فَخَمْسُ مَراتِبَ: العِلْمُ بِذاتِهِ، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ، وأسْمائِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. والعِلْمُ بِدِينِهِ مَرْتَبَتانِ، إحْداهُما: دِينُهُ الأمْرِيُّ الشَّرْعِيُّ، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ المُوصِلُ إلَيْهِ. والثّانِيَةُ: دِينُهُ الجَزائِيُّ، المُتَضَمِّنُ ثَوابَهُ وعِقابَهُ، وقَدْ دَخَلَ في هَذا العِلْمِ العِلْمُ بِمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ. وَأمّا مَراتِبُها العِلْمِيَّةُ، فَمَرْتَبَتانِ: مَرْتَبَةٌ لِأصْحابِ اليَمِينِ، ومَرْتَبَةٌ لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ. فَأمّا مَرْتَبَةُ أصْحابِ اليَمِينِ: فَأداءُ الواجِباتِ، وتَرْكُ المُحَرَّماتِ، مَعَ ارْتِكابِ المُباحاتِ، وبَعْضِ المَكْرُوهاتِ، وتَرْكِ بَعْضِ المُسْتَحَبّاتِ. وَأمّا رُتْبَةُ المُقَرَّبِينَ: فالقِيامُ بِالواجِباتِ والمَندُوباتِ، وتَرْكُ المُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ، زاهِدِينَ فِيما لا يَنْفَعُهم في مَعادِهِمْ، مُتَوَرِّعِينَ عَمّا يَخافُونَ ضَرَرَهُ. وَخاصَّتُهم قَدِ انْقَلَبَتِ المُباحاتُ في حَقِّهِمْ طاعاتٍ وقُرُباتٍ بِالنِّيَّةِ فَلَيْسَ في حَقِّهِمْ مُباحٌ مُتَساوِي الطَّرَفَيْنِ، بَلْ كُلُّ أعْمالِهِمْ راجِحَةٌ، ومَن دُونَهم يَتْرُكُ المُباحاتِ مُشْتَغِلًا عَنْها بِالعِباداتِ، وهَؤُلاءِ يَأْتُونَها طاعاتٍ وقُرُباتٍ، ولِأهْلِ هاتَيْنِ المَرْتَبَتَيْنِ دَرَجاتٌ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ. [فَصْلٌ: مَراتِبُ العُبُودِيَّةِ وهي خَمْسَ عَشْرَةَ مَرْتَبَةً] [عِبادَةُ القَلْبِ] وَرَحى العُبُودِيَّةِ تَدُورُ عَلى خَمْسَ عَشْرَةَ قاعِدَةً، مَن كَمَّلَها كَمَّلَ مَراتِبَ العُبُودِيَّةِ. وَبَيانُها أنَّ العُبُودِيَّةَ مُنْقَسِمَةٌ عَلى القَلْبِ، واللِّسانِ، والجَوارِحِ، وعَلى كُلٍّ مِنها عُبُودِيَّةٌ تَخُصُّهُ. والأحْكامُ الَّتِي لِلْعُبُودِيَّةِ خَمْسَةٌ: واجِبٌ، ومُسْتَحَبٌّ، وحَرامٌ، ومَكْرُوهٌ، ومُباحٌ، وهي لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَلْبِ، واللِّسانِ، والجَوارِحِ. فَواجِبُ القَلْبِ مِنهُ مُتَّفَقٌ عَلى وُجُوبِهِ، ومُخْتَلَفٌ فِيهِ. فالمُتَّفَقُ عَلى وُجُوبِهِ كالإخْلاصِ، والتَّوَكُّلِ، والمَحَبَّةِ، والبِرِّ، والإنابَةِ، والخَوْفِ، والرَّجاءِ، والتَّصْدِيقِ الجازِمِ، والنِّيَّةِ في العِبادَةِ، وهَذِهِ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى الإخْلاصِ، فَإنَّ الإخْلاصَ هو إفْرادُ المَعْبُودِ عَنْ غَيْرِهِ. وَنِيَّةُ العِبادَةِ لَها مَرْتَبَتانِ: إحْداهُما: تَمْيِيزُ العِبادَةِ عَنِ العادَةِ. والثّانِيَةُ: تَمْيِيزُ مَراتِبِ العِباداتِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ. والأقْسامُ الثَّلاثَةُ واجِبَةٌ. وَكَذَلِكَ الصِّدْقُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإخْلاصِ أنَّ لِلْعَبْدِ مَطْلُوبًا وطَلَبًا، فالإخْلاصُ تَوْحِيدُ مَطْلُوبِهِ، والصِّدْقُ تَوْحِيدُ طَلَبِهِ. فالإخْلاصُ: أنْ لا يَكُونَ المَطْلُوبُ مُنْقَسِمًا، والصِّدْقُ: أنْ لا يَكُونَ الطَّلَبُ مُنْقَسِمًا، فالصِّدْقُ بَذْلُ الجُهْدِ، والإخْلاصُ إفْرادُ المَطْلُوبِ. واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى وُجُوبِ هَذِهِ الأعْمالِ عَلى القَلْبِ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ. وَكَذَلِكَ النُّصْحُ في العُبُودِيَّةِ، ومَدارُ الدِّينِ عَلَيْهِ، وهو بَذْلُ الجُهْدِ في إيقاعِ العُبُودِيَّةِ عَلى الوَجْهِ المَحْبُوبِ لِلرَّبِّ المَرْضِيِّ لَهُ، وأصْلُ هَذا واجِبٌ، وكَمالُهُ مَرْتَبَةُ المُقَرَّبِينَ. وَكَذَلِكَ كَلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الواجِباتِ القَلْبِيَّةِ لَهُ طَرَفانِ، واجِبٌ مُسْتَحَقٌّ، وهو مَرْتَبَةُ أصْحابِ اليَمِينِ، وكَمالٌ مُسْتَحَبٌّ، وهو مَرْتَبَةُ المُقَرَّبِينَ. وَكَذَلِكَ الصَّبْرُ واجِبٌ بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ، قالَ الإمامُ أحْمَدُ: ذَكَرَ اللَّهُ الصَّبْرَ في تِسْعِينَ مَوْضِعًا مِنَ القُرْآنِ، أوْ بِضْعًا وتِسْعِينَ، ولَهُ طَرَفانِ أيْضًا: واجِبٌ مُسْتَحَقٌّ، وكَمالٌ مُسْتَحَبٌّ. وَأمّا المُخْتَلَفُ فِيهِ فَكالرِّضا، فَإنَّ في وُجُوبِهِ قَوْلَيْنِ لِلْفُقَهاءِ والصُّوفِيَّةِ، والقَوْلانِ لِأصْحابِ أحْمَدَ، فَمَن أوْجَبَهُ قالَ: السُّخْطُ حَرامٌ، ولا خَلاصَ عَنْهُ إلّا بِالرِّضا، وما لا خَلاصَ عَنِ الحَرامِ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ. واحْتَجُّوا بِأثَرِ " مَن لَمْ يَصْبِرْ عَلى بَلائِي، ولَمْ يَرْضَ بِقَضائِي، فَلْيَتَّخِذْ رَبًّا سِوايَ ". وَمَن قالَ: هو مُسْتَحَبٌّ، قالَ: لَمْ يَجِئِ الأمْرُ بِهِ في القُرْآنِ ولا في السُّنَّةِ، بِخِلافِ الصَّبْرِ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ، وكَذَلِكَ التَّوَكُّلُ، قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] وأمَرَ بِالإنابَةِ، فَقالَ ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] وأمَرَ بِالإخْلاصِ كَقَوْلِهِ ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وكَذَلِكَ الخَوْفُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠] وقَوْلِهِ ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] وكَذَلِكَ الصِّدْقُ، قالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وكَذَلِكَ المَحَبَّةُ، وهي أفْرَضُ الواجِباتِ، إذْ هي قَلْبُ العِبادَةِ المَأْمُورِ بِها، ومُخُّها ورُوحُها. وَأمّا الرِّضا فَإنَّما جاءَ في القُرْآنِ مَدْحُ أهْلِهِ، والثَّناءُ عَلَيْهِمْ، لا الأمْرُ بِهِ. قالُوا: وأمّا الأثَرُ المَذْكُورُ فَإسْرائِيلِيٌّ، لا يُحْتَجُّ بِهِ. قالُوا: وفي الحَدِيثِ المَعْرُوفِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ الرِّضا مَعَ اليَقِينِ فافْعَلْ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ النَّفْسُ خَيْرًا كَثِيرًا» وهو في بَعْضِ السُّنَنِ. قالُوا: وأمّا قَوْلُكم " لا خَلاصَ عَنِ السُّخْطِ إلّا بِهِ " فَلَيْسَ بِلازِمٍ، فَإنَّ مَراتِبَ النّاسِ في المَقْدُورِ ثَلاثَةٌ: الرِّضا، وهو أعْلاها، والسُّخْطُ، وهو أسْفَلُها، والصَّبْرُ عَلَيْهِ بِدُونِ الرِّضا بِهِ، وهو أوْسَطُها، فالأُولى لِلْمُقَرَّبِينَ السّابِقِينَ، والثّالِثَةُ لِلْمُقْتَصِدِينَ، والثّانِيَةُ لِلظّالِمِينَ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَصْبِرُ عَلى المَقْدُورِ فَلا يَسْخَطُ، وهو غَيْرُ راضٍ بِهِ، فالرِّضا أمْرٌ آخَرُ. وَقَدْ أُشْكِلَ عَلى بَعْضِ النّاسِ اجْتِماعُ الرِّضا مَعَ التَّألُّمِ، وظَنَّ أنَّهُما مُتَبايِنانِ، ولَيْسَ كَما ظَنَّهُ، فالمَرِيضُ الشّارِبُ لِلدَّواءِ الكَرِيهِ مُتَألِّمٌ بِهِ راضٍ بِهِ، والصّائِمُ في شَهْرِ رَمَضانَ في شِدَّةِ الحَرِّ مُتَألِّمٌ بِصَوْمِهِ راضٍ بِهِ، والبَخِيلُ مُتَألِّمٌ بِإخْراجِ زَكاةِ مالِهِ راضٍ بِها، فالتَّألُّمُ كَما لا يُنافِي الصَّبْرَ لا يُنافِي الرِّضا بِهِ. وَهَذا الخِلافُ بَيْنَهم إنَّما هو في الرِّضا بِقَضائِهِ الكَوْنِيِّ، وأمّا الرِّضا بِهِ رَبًّا وإلَهًا، والرِّضا بِأمْرِهِ الدِّينِيِّ فَمُتَّفَقٌ عَلى فَرْضِيَّتِهِ، بَلْ لا يَصِيرُ العَبْدُ مُسْلِمًا إلّا بِهَذا الرِّضا أنْ يَرْضى بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا. وَمِن هَذا أيْضًا اخْتِلافُهم في الخُشُوعِ في الصَّلاةِ، وفِيهِ قَوْلانِ لِلْفُقَهاءِ، وهُما في مَذْهَبِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ. وَعَلى القَوْلَيْنِ اخْتِلافُهم في وُجُوبِ الإعادَةِ عَلى مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الوَسْواسُ في صَلاتِهِ، فَأوْجَبَها ابْنُ حامِدٍ مِن أصْحابِ أحْمَدَ، وأبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في إحْيائِهِ، ولَمْ يُوجِبْها أكْثَرُ الفُقَهاءِ. واحْتَجُّوا بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مَن سَها في صَلاتِهِ بِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ ولَمْ يَأْمُرْهُ بِالإعادَةِ مَعَ قَوْلِهِ «إنَّ الشَّيْطانَ يَأْتِي أحَدَكم في صِلاتِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذا، اذْكُرْ كَذا لِما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتّى يَضِلَّ الرَّجُلُ أنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلّى» ولَكِنْ لا نِزاعَ أنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يُثابُ عَلى شَيْءٍ مِنها إلّا بِقَدْرِ حُضُورِ قَلْبِهِ وخُضُوعِهِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ العَبْدَ لِيَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلاةِ ولَمْ يُكْتَبْ لَهُ إلّا نِصْفُها، ثُلْثُها، رُبْعُها حَتّى بَلَغَ عُشْرَها» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ مِن صَلاتِكَ إلّا ما عَقَلْتَ مِنها، فَلَيْسَتْ صَحِيحَةً بِاعْتِبارِ تَرَتُّبِ كَمالِ مَقْصُودِها عَلَيْها، وإنْ سُمِّيَتْ صَحِيحَةً بِاعْتِبارِ أنّا لا نَأْمُرُهُ بِالإعادَةِ ولا يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ لَفْظُ الصِّحَّةِ عَلَيْها، فَيُقالُ صَلاةٌ صَحِيحَةٌ مَعَ أنَّهُ لا يُثابُ عَلَيْها فاعِلُها. والقَصْدُ أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ واجِبَها ومُسْتَحَبَّها هي عُبُودِيَّةُ القَلْبِ، فَمَن عَطَّلَها فَقَدْ عَطَّلَ عُبُودِيَّةَ المَلِكِ، وإنْ قامَ بِعُبُودِيَّةِ رَعِيَّتِهِ مِنَ الجَوارِحِ. والمَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَلِكُ الأعْضاءِ وهو القَلْبُ قائِمًا بِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، هو ورَعِيَّتُهُ. وَأمّا المُحَرَّماتُ الَّتِي عَلَيْهِ: فالكِبْرُ، والرِّياءُ، والعُجْبُ، والحَسَدُ، والغَفْلَةُ، والنِّفاقُ، وهي نَوْعانِ: كُفْرٌ، ومَعْصِيَةٌ: فالكُفْرُ: كالشَّكِّ، والنِّفاقِ، والشِّرْكِ، وتَوابِعِها. والمَعْصِيَةُ نَوْعانِ: كَبائِرُ، وصَغائِرُ. فالكَبائِرُ: كالرِّياءِ، والعُجْبِ، والكِبْرِ، والفَخْرِ، والخُيَلاءِ، والقُنُوطِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واليَأْسِ مِن رَوْحِ اللَّهِ، والأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ، والفَرَحِ والسُّرُورِ بِأذى المُسْلِمِينَ، والشَّماتَةِ بِمُصِيبَتِهِمْ، ومَحَبَّةِ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ فِيهِمْ، وحَسَدِهِمْ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وتَمَنِّي زَوالِ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وتَوابِعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي هي أشَدُّ تَحْرِيمًا مِنَ الزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ وغَيْرِهِما مِنَ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ، ولا صَلاحَ لِلْقَلْبِ ولا لِلْجَسَدِ إلّا بِاجْتِنابِها، والتَّوْبَةِ مِنها، وإلّا فَهو قَلْبٌ فاسِدٌ، وإذا فَسَدَ القَلْبُ فَسَدَ البَدَنُ. وَهَذِهِ الآفاتُ إنَّما تَنْشَأُ مِنَ الجَهْلِ بِعُبُودِيَّةِ القَلْبِ، وتَرْكِ القِيامِ بِها. فَوَظِيفَةُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " عَلى القَلْبِ قَبْلَ الجَوارِحِ، فَإذا جَهِلَها وتَرَكَ القِيامَ بِها امْتَلَأ بِأضْدادِها ولا بُدَّ، وبِحَسَبِ قِيامِهِ بِها يَتَخَلَّصُ مِن أضْدادِها. وَهَذِهِ الأُمُورُ ونَحْوُها قَدْ تَكُونُ صَغائِرَ في حَقِّهِ، وقَدْ تَكُونُ كَبائِرَ، بِحَسَبِ قُوَّتِها وغِلَظِها، وخِفَّتِها ودِقَّتِها. وَمِنَ الصَّغائِرِ أيْضًا: شَهْوَةُ المُحَرَّماتِ وتَمَنِّيها، وتَفاوُتُ دَرَجاتِ الشَّهْوَةِ في الكِبَرِ والصِّغَرِ بِحَسَبِ تَفاوُتِ دَرَجاتِ المُشْتَهى، فَشَهْوَةُ الكُفْرِ والشِّرْكِ كُفْرٌ، وشَهْوَةُ البِدْعَةِ فِسْقٌ، وشَهْوَةُ الكَبائِرِ مَعْصِيَةٌ، فَإنْ تَرَكَها لِلَّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْها أُثِيبَ، وإنْ تَرَكَها عَجْزًا بَعْدَ بَذْلِهِ مَقْدُورِهِ في تَحْصِيلِها اسْتَحَقَّ عُقُوبَةَ الفاعِلِ، لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَتَهُ في أحْكامِ الثَّوابِ والعِقابِ، وإنْ لَمْ يَنْزِلْ مَنزِلَتَهُ في أحْكامِ الشَّرْعِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ " «إذا تَواجَهَ المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما، فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، قالُوا: هَذا القاتِلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما بالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» " فَنَزَّلَهُ مَنزِلَةَ القاتِلِ، لِحِرْصِهِ عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ، في الإثْمِ دُونَ الحُكْمِ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في الثَّوابِ والعِقابِ. وَقَدْ عُلِمَ بِهَذا مُسْتَحَبُّ القَلْبِ ومُباحُهُ. [فَصْلٌ: عِبادَةُ اللِّسانِ] وَأمّا عُبُودِيّاتُ اللِّسانِ الخَمْسُ، فَواجِبُها النُّطْقُ بِالشَّهادَتَيْنِ، وتِلاوَةُ ما يَلْزَمُهُ تِلاوَتُهُ مِنَ القُرْآنِ، وهو ما تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ صَلاتِهِ عَلَيْهِ، وتَلَفُّظُهُ بِالأذْكارِ الواجِبَةِ في الصَّلاةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها ورَسُولُهُ، كَما أمَرَ بِالتَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وأمَرَ بِقَوْلِ " رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ " بَعْدَ الِاعْتِدالِ، وأمَرَ بِالتَّشَهُّدِ، وأمَرَ بِالتَّكْبِيرِ. وَمِن واجِبِهِ رَدُّ السَّلامِ، وفي ابْتِدائِهِ قَوْلانِ. وَمِن واجِبِهِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وتَعْلِيمُ الجاهِلِ، وإرْشادُ الضّالِّ، وأداءُ الشَّهادَةِ المُتَعَيِّنَةِ، وصِدْقُ الحَدِيثِ. وَأمّا مُسْتَحَبُّهُ فَتِلاوَةُ القُرْآنِ، ودَوامُ ذِكْرِ اللَّهِ، والمُذاكَرَةُ في العِلْمِ النّافِعِ، وتَوابِعُ ذَلِكَ. وَأمّا مُحَرَّمُهُ فَهو النُّطْقُ بِكُلِّ ما يُبْغِضُهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، كالنُّطْقِ بِالبِدَعِ المُخالِفَةِ لِما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، والدُّعاءِ إلَيْها، وتَحْسِينِها وتَقْوِيَتِها، وكالقَذْفِ وسَبِّ المُسْلِمِ وأذاهُ بِكُلِّ قَوْلٍ، والكَذِبِ، وشَهادَةِ الزُّورِ، والقَوْلِ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ، وهو أشَدُّها تَحْرِيمًا. وَمَكْرُوهُهُ التَّكَلُّمُ بِما تَرْكُهُ خَيْرٌ مِنَ الكَلامِ بِهِ، مَعَ عَدَمِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ في حَقِّهِ كَلامٌ مُباحٌ، مُتَساوِي الطَّرَفَيْنِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ، ذَكَرَهُما ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ، أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَخْلُو كُلُّ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أوْ عَلَيْهِ، ولَيْسَ في حَقِّهِ شَيْءٌ لا لَهُ ولا عَلَيْهِ. واحْتَجُّوا بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ، وهو " «كُلُّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ، إلّا ما كانَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ وما والاهُ» ". واحْتَجُّوا بِأنَّهُ يُكْتَبُ عَلَيْهِ كَلامُهُ كُلُّهُ، ولا يُكْتَبُ إلّا الخَيْرُ والشَّرُّ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هَذا الكَلامُ مُباحٌ، لا لَهُ ولا عَلَيْهِ، كَما في حَرَكاتِ الجَوارِحِ. قالُوا: لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الكَلامِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ أمْرٌ ولا نَهْيٌ، وهَذا شَأْنُ المُباحِ. والتَّحْقِيقُ: أنَّ حَرَكَةَ اللِّسانِ بِالكَلامِ لا تَكُونُ مُتَساوِيَةَ الطَّرَفَيْنِ، بَلْ إمّا راجِحَةً وإمّا مَرْجُوحَةً، لِأنَّ لِلِّسانِ شَأْنًا لَيْسَ لِسائِرِ الجَوارِحِ، وإذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإنَّ الأعْضاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإنَّما نَحْنُ بِكَ، فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وإنَّ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا، وأكْثَرُ ما يَكُبُّ النّاسَ عَلى مِناخِرِهِمْ في النّارِ حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ، وكُلُّ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ اللِّسانُ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ ورَسُولَهُ أوْ لا، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو الرّاجِحُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو المَرْجُوحُ، وهَذا بِخِلافِ حَرَكاتِ سائِرِ الجَوارِحِ، فَإنَّ صاحِبَها يَنْتَفِعُ بِتَحْرِيكِها في المُباحِ المُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الرّاحَةِ والمَنفَعَةِ، فَأُبِيحَ لَهُ اسْتِعْمالُها فِيما فِيهِ مَنفَعَةٌ لَهُ، ولا مَضَرَّةَ عَلَيْهِ فِيهِ في الآخِرَةِ، وأمّا حَرَكَةُ اللِّسانِ بِما لا يُنْتَفَعُ بِهِ فَلا يَكُونُ إلّا مَضَرَّةً، فَتَأمَّلْهُ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ يَتَحَرَّكُ بِما فِيهِ مَنفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مُباحَةٌ مُسْتَوِيَةُ الطَّرَفَيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ حَرَكَتِهِ حُكْمَ ذَلِكَ الفِعْلِ. قِيلَ: حَرَكَتُهُ بِها عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْها راجِحَةٌ، وعِنْدَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْها مَرْجُوحَةٌ لا تُفِيدُهُ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ لا لَهُ. فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ الفِعْلُ مُتَساوِيَ الطَّرَفَيْنِ، كانَتْ حَرَكَةُ اللِّسانِ الَّتِي هي الوَسِيلَةُ إلَيْهِ كَذَلِكَ، إذِ الوَسائِلُ تابِعَةٌ لِلْمَقْصُودِ في الحُكْمِ. قِيلَ: لا يَلْزَمُ ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُباحًا، بَلْ واجِبًا، ووَسِيلَتُهُ مَكْرُوهَةٌ كالوَفاءِ بِالطّاعَةِ المَنذُورَةِ هو واجِبٌ، مَعَ أنَّ وسِيلَتَهُ وهو النَّذْرُ مَكْرُوهٌ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وكَذَلِكَ الحَلِفُ المَكْرُوهُ مَرْجُوحٌ، مَعَ وُجُوبِ الوَفاءِ بِهِ أوِ الكَفّارَةِ، وكَذَلِكَ سُؤالُ الخَلْقِ عِنْدَ الحاجَةِ مَكْرُوهٌ، ويُباحُ لَهُ الِانْتِفاعُ بِما أخْرَجَتْهُ لَهُ المَسْألَةُ، وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا، فَقَدْ تَكُونُ الوَسِيلَةُ مُتَضَمِّنَةً مَفْسَدَةً تُكْرَهُ أوْ تُحَرَّمُ لِأجْلِها، وما جُعِلَتْ وسِيلَةً إلَيْهِ لَيْسَ بِحَرامٍ ولا مَكْرُوهٍ. [فَصْلٌ: عِبادَةُ الجَوارِحِ] وَأمّا العُبُودِيّاتُ الخَمْسُ عَلى الجَوارِحِ فَعَلى خَمْسٍ وعِشْرِينَ مَرْتَبَةً أيْضًا، إذِ الحَواسُّ خَمْسَةٌ، وعَلى كُلِّ حاسَّةٍ خَمْسُ عُبُودِياتٍ. فَعَلى السَّمْعِ وُجُوبُ الإنْصاتِ والِاسْتِماعِ لِما أوْجَبَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ عَلَيْهِ، مِنَ اسْتِماعِ الإسْلامِ والإيمانِ وفُرُوضِهِما، وكَذَلِكَ اسْتِماعُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ إذا جَهَرَ بِها الإمامُ، واسْتِماعُ الخُطْبَةِ لِلْجُمْعَةِ في أصَحِّ قَوْلَيِ العُلَماءِ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِماعُ الكُفْرِ والبِدَعِ، إلّا حَيْثُ يَكُونُ في اسْتِماعِهِ مَصْلَحَةٌ راجِحَةٌ مِن رَدِّهِ، أوِ الشَّهادَةِ عَلى قائِلِهِ، أوْ زِيادَةِ قُوَّةِ الإيمانِ والسُّنَّةِ بِمَعْرِفَةِ ضِدِّهِما مِنَ الكُفْرِ والبِدْعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وكاسْتِماعِ أسْرارِ مَن يَهْرُبُ عَنْكَ بِسِرِّهِ، ولا يُحِبُّ أنْ يُطْلِعَكَ عَلَيْهِ، ما لَمْ يَكُنْ مُتَضَمِّنًا لَحِقَّ لِلَّهِ يَجِبُ القِيامُ بِهِ، أوْ لِأذى مُسْلِمٍ يَتَعَيَّنُ نُصْحُهُ، وتَحْذِيرُهُ مِنهُ. وَكَذَلِكَ اسْتِماعُ أصْواتِ النِّساءِ الأجانِبِ الَّتِي تُخْشى الفِتْنَةُ بِأصْواتِهِنَّ، إذا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حاجَةٌ مِن شَهادَةٍ، أوْ مُعامَلَةٍ، أوِ اسْتِفْتاءٍ، أوْ مُحاكَمَةٍ، أوْ مُداواةٍ ونَحْوِها. وَكَذَلِكَ اسْتِماعُ المَعازِفِ، وآلاتِ الطَّرَبِ واللَّهْوِ، كالعُودِ والُنْبُورِ واليَراعِ ونَحْوَها، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ سَدُّ أُذُنِهِ إذا سَمِعَ الصَّوْتَ، وهو لا يُرِيدُ اسْتِماعَهُ، إلّا إذا خافَ السُّكُونَ إلَيْهِ والإنْصاتَ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ لِتَجَنُّبِ سَماعِها وُجُوبُ سَدِّ الذَّرائِعِ. وَنَظِيرُ هَذا المُحْرِمُ لا يَجُوزُ لَهُ تَعَمُّدُ شَمِّ الطَّيبِ، وإذا حَمَلَتِ الرِّيحُ رائِحَتَهُ وألْقَتْها في مَشامِّهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَدُّ أنْفِهِ. وَنَظِيرُ هَذا نَظْرَةُ الفُجاءَةِ لا تَحْرُمُ عَلى النّاظِرِ، وتَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظْرَةُ الثّانِيَةُ إذا تَعَمَّدَها. وَأمّا السَّمْعُ المُسْتَحَبُّ فَكاسْتِماعِ المُسْتَحَبِّ مِنَ العِلْمِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ، وذِكْرِ اللَّهِ، واسْتِماعِ كُلِّ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ، ولَيْسَ بِفَرْضٍ. والمَكْرُوهُ عَكْسُهُ، وهو اسْتِماعُ كُلِّ ما يُكْرَهُ ولا يُعاقَبُ عَلَيْهِ. والمُباحُ ظاهِرٌ. وَأمّا النَّظَرُ الواجِبُ: فالنَّظَرُ في المُصْحَفِ وكُتُبِ العِلْمِ عِنْدَ تَعَيُّنِ تَعَلُّمِ الواجِبِ مِنها، والنَّظَرُ إذا تَعَيَّنَ لِتَمْيِيزِ الحَلالِ مِنَ الحَرامِ في الأعْيانِ الَّتِي يَأْكُلُها أوْ يُنْفِقُها أوْ يَسْتَمْتِعُ بِها، والأماناتِ الَّتِي يُؤَدِّيها إلى أرْبابِها لِيُمَيِّزَ بَيْنَها، ونَحْوِ ذَلِكَ. والنَّظَرُ الحَرامُ النَّظَرُ إلى الأجْنَبِيّاتِ بِشَهْوَةٍ مُطْلَقًا، وبِغَيْرِها إلّا لِحاجَةٍ، كَنَظَرِ الخاطِبِ، والمُسْتامِ والمَعامِلِ، والشّاهِدِ، والحاكِمِ، والطَّبِيبِ، وذِي المَحْرَمِ. والمُسْتَحَبُّ النَّظَرُ في كُتُبِ العِلْمِ والدِّينِ الَّتِي يَزْدادُ بِها الرَّجُلُ إيمانًا وعِلْمًا، والنَّظَرُ في المُصْحَفِ، ووُجُوهِ العُلَماءِ الصّالِحِينَ والوالِدَيْنِ، والنَّظَرُ في آياتِ اللَّهِ المَشْهُودَةِ لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى تَوْحِيدِهِ ومَعْرِفَتِهِ وحِكْمَتِهِ. والمَكْرُوهُ فُضُولُ النَّظَرِ الَّذِي لا مَصْلَحَةَ فِيهِ، فَإنَّ لَهُ فُضُولًا كَما لِلِّسانِ فُضُولًا، وكَمْ قادَ فُضُولُها إلى فُضُولٍ عَزَّ التَّخَلُّصُ مِنها، وأعْيى دَواؤُها، وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ النَّظَرِ، كَما يَكْرَهُونَ فُضُولَ الكَلامِ. والمُباحُ النَّظَرُ الَّذِي لا مَضَرَّةَ فِيهِ في العاجِلِ والآجِلِ ولا مَنفَعَةَ. وَمِنَ النَّظَرِ الحَرامِ: النَّظَرُ إلى العَوْراتِ، وهي قِسْمانِ: عَوْرَةٌ وراءَ الثِّيابِ، وعَوْرَةٌ وراءَ الأبْوابِ. وَلَوْ نَظَرَ في العَوْرَةِ الَّتِي وراءَ الأبْوابِ فَرَماهُ صاحِبُ العَوْرَةِ فَفَقَأ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وذَهَبَتْ هَدْرًا بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ، وإنْ ضَعَفَّهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّصُّ، أوْ تَأوَّلَهُ. وَهَذا إذا لَمْ يَكُنْ لِلنّاظِرِ سَبَبٌ يُباحُ النَّظَرُ لِأجْلِهِ، كَعَوْرَةٍ لَهُ هُناكَ يَنْظُرُها، أوْ رِيبَةٍ هو مَأْمُورٌ أوْ مَأْذُونٌ لَهُ في الِاطِّلاعِ عَلَيْها. وَأمّا الذَّوْقُ: الواجِبُ فَتَناوُلُ الطَّعامِ والشَّرابِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ إلَيْهِ وخَوْفِ المَوْتِ، فَإنْ تَرَكَهُ حَتّى ماتَ، ماتَ عاصِيًا قاتِلًا لِنَفْسِهِ، قالَ الإمامُ أحْمَدُ وطاوُسٌ: مَنِ اضْطُرَّ إلى أكْلِ المَيْتَةِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتّى ماتَ، دَخَلَ النّارَ. وَمِن هَذا تَناوُلُ الدَّواءِ إذا تَيَقَّنَ النَّجاةَ بِهِ مِنَ الهَلاكِ، عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، وإنْ ظَنَّ الشِّفاءَ بِهِ، فَهَلْ هو مُسْتَحَبٌّ مُباحٌ، أوِ الأفْضَلُ تَرْكُهُ؟ فِيهِ نِزاعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. والذَّوْقُ الحَرامُ: كَذَوْقِ الخَمْرِ، والسُّمُومِ القاتِلَةِ، والذَّوْقِ المَمْنُوعِ مِنهُ لِلصَّوْمِ الواجِبِ. وَأمّا المَكْرُوهُ: فَكَذَوْقِ المُشْتَبِهاتِ، والأكْلِ فَوْقَ الحاجَةِ، وذَوْقِ طَعامِ الفُجاءَةِ، وهو الطَّعامُ الَّذِي تَفَجَّأ آكِلُهُ ولَمْ يُرِدْ أنْ يَدْعُوَكَ إلَيْهِ، وكَأكْلِ أطْعِمَةِ المُرائِينَ في الوَلائِمِ والدَّعَواتِ ونَحْوِها، وفي السُّنَنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " «نَهى عَنْ طَعامِ المُتَبارِينَ»، وذَوْقُ طَعامِ مَن يُطْعِمُكَ حَياءً مِنكَ لا بِطِيبَةِ نَفْسٍ. والذَّوْقُ المُسْتَحَبُّ: أكْلُ ما يُعِينُكَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مِمّا أذِنَ اللَّهُ فِيهِ، والأكْلُ مَعَ الضَّيْفِ لِيَطِيبَ لَهُ الأكْلُ، فَيَنالَ مِنهُ غَرَضَهُ، والأكْلُ مِن طَعامِ صاحِبِ الدَّعْوَةِ الواجِبِ إجابَتُها أوِ المُسْتَحَبِّ. وَقَدْ أوْجَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ الأكْلَ مِنَ الوَلِيمَةِ الواجِبِ إجابَتُها لِلْأمْرِ بِهِ عَنِ الشّارِعِ. والذَّوْقُ المُباحُ: ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ إثْمٌ ولا رُجْحانٌ. وَأمّا تَعَلُّقُ العُبُودِيّاتِ الخَمْسِ بِحاسَّةِ الشَّمِّ، فالشَّمُّ الواجِبُ: كُلُّ شَمٍّ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، كالشَّمِّ الَّذِي تُعْلَمُ بِهِ هَذِهِ العَيْنُ هَلْ هي خَبِيثَةٌ أوْ طَيِّبَةٌ؟ وهَلْ هي سُمٌّ قاتِلٌ أوْ لا مَضَرَّةَ فِيهِ؟ أوْ يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ ما يَمْلِكُ الِانْتِفاعَ بِهِ، وما لا يَمْلِكُ؟ ومِن هَذا شَمُّ المُقَوِّمِ، ورَبِّ الخِبْرَةِ عِنْدَ الحُكْمِ بِالتَّقْوِيمِ، وشَمُّ العَبِيدِ ونَحْوُ ذَلِكَ. وَأمّا الشَّمُّ الحَرامُ: فالتَّعَمُّدُ لِشَمِّ الطِّيبِ في الإحْرامِ، وشَمِّ الطِّيبِ المَغْصُوبِ والمَسْرُوقِ، وتَعَمُّدُ شَمِّ الطِّيبِ مِنَ النِّساءِ الأجْنَبِيّاتِ خَشْيَةَ الِافْتِتانِ بِما وراءَهُ. وَأمّا الشَّمُّ المُسْتَحَبُّ: فَشَمُّ ما يُعِينُكَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، ويُقَوِّي الحَواسَّ، ويَبْسُطُ النَّفْسَ لِلْعِلْمِ والعَمَلِ، ومِن هَذا هَدِيَّةُ الطِّيبِ والرَّيْحانِ إذا أُهْدِيَتْ لَكَ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحانٌ فَلا يَرُدَّهُ، فَإنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ، خَفِيفُ المَحْمَلِ». والمَكْرُوهُ: كَشَمِّ طِيَبِ الظَّلَمَةِ، وأصْحابِ الشُّبُهاتِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. والمُباحُ: ما لا مَنعَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ ولا تَبِعَةَ، ولا فِيهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ، ولا تَعَلُّقُ لَهُ بِالشَّرْعِ. وَأمّا تَعَلُّقُ هَذِهِ الخَمْسَةِ بِحاسَّةِ اللَّمْسِ: فاللَّمْسُ الواجِبُ كَلَمْسِ الزَّوْجَةِ حِينَ يَجِبُ جِماعُها، والأمَةِ الواجِبِ إعْفافُها. والحَرامُ: لَمْسُ ما لا يَحِلُّ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ. والمُسْتَحَبُّ: إذا كانَ فِيهِ غَضُّ بَصَرِهِ، وكَفُّ نَفْسِهِ عَنِ الحَرامِ، وإعْفافُ أهْلِهِ. والمَكْرُوهُ: لَمْسُ الزَّوْجَةِ في الإحْرامِ لِلَذَّةٍ، وكَذَلِكَ في الِاعْتِكافِ، وفي الصِّيامِ إذا لَمْ يَأْمَن عَلى نَفْسِهِ. وَمِن هَذا لَمْسُ بَدَنِ المَيِّتِ لِغَيْرِ غاسِلِهِ لِأنَّ بَدَنَهُ قَدْ صارَ بِمَنزِلَةِ عَوْرَةِ الحَيِّ تَكْرِيمًا لَهُ، ولِهَذا يُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ عَنِ العُيُونِ وتَغْسِيلُهُ في قَمِيصِهِ في أحَدِ القَوْلَيْنِ، ولَمْسُ فَخْذِ الرَّجُلِ إذا قُلْنا هي عَوْرَةٌ. والمُباحُ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ ولا مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ. وَهَذِهِ المَراتِبُ أيْضًا مُرَتَّبَةٌ عَلى البَطْشِ بِاليَدِ، والمَشْيِ بِالرِّجْلِ، وأمْثِلَتُها لا تَخْفى. فالتَّكَسُّبُ المَقْدُورُ لِلنَّفَقَةِ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ وعِيالِهِ واجِبٌ، وفي وُجُوبِهِ لِقَضاءِ دَيْنِهِ خِلافٌ، والصَّحِيحُ وُجُوبُهُ لِيُمَكِّنَهُ مِن أداءِ دَيْنِهِ، ولا يَجِبُ لِإخْراجِ الزَّكاةِ، وفي وُجُوبِهِ لِأداءِ فَرِيضَةِ الحَجِّ نَظَرٌ، والأقْوى في الدَّلِيلِ وجُوبُهُ لِدُخُولِهِ في الِاسْتِطاعَةِ وتَمَكُّنِهِ بِذَلِكَ مِن أداءِ النُّسُكِ، والمَشْهُورُ عَدَمُ وُجُوبِهِ. وَمِنَ البَطْشِ الواجِبِ: إعانَةُ المُضْطَرِّ، ورَمْيُ الجِمارِ، ومُباشَرَةُ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ. والحَرامُ: كَقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَها، ونَهْبُ المالِ المَعْصُومِ، وضَرْبُ مِن لا يَحِلُّ ضَرْبُهُ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وكَأنْواعِ اللَّعِبِ المُحَرَّمِ بِالنَّصِّ كالنَّرْدِ، أوْ ما هو أشَدُّ تَحْرِيمًا مِنهُ عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ كالشِّطْرَنْجِ، أوْ مِثْلِهِ عِنْدَ فُقَهاءِ الحَدِيث كَأحْمَدَ وغَيْرِهِ، أوْ دُونَهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، ونَحْوِ كِتابَةِ البِدَعِ المُخالِفَةِ لِلسُّنَّةِ تَصْنِيفًا أوْ نَسْخًا، إلّا مَقْرُونًا بِرَدِّها ونَقْضِها، وكِتابَةِ الزُّورِ والظُّلْمِ، والحُكْمِ الجائِرِ، والقَذْفِ والتَّشْبِيبِ بِالنِّساءِ الأجانِبِ، وكِتابَةِ ما فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلى المُسْلِمِينَ في دِينِهِمْ أوْ دُنْياهُمْ، ولاسِيَّما إنْ كَسَبْتَ عَلَيْهِ مالًا ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] وكَذَلِكَ كِتابَةُ المُفْتِي عَلى الفَتْوى ما يُخالِفُ حُكْمَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلّا أنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا، فالإثْمُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ. وَأمّا المَكْرُوهُ فَكالعَبَثِ واللَّعِبِ الَّذِي لَيْسَ بِحَرامٍ، وكِتابَةِ ما لا فائِدَةَ في كِتابَتِهِ، ولا مَنفَعَةَ فِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. والمُسْتَحَبُّ كِتابَةُ كُلِّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ في الدِّينِ، أوْ مَصْلَحَةٌ لِمُسْلِمٍ، والإحْسانُ بِيَدِهِ بِأنْ يَعِينَ صانِعًا، أوْ يَصْنَعَ لِأخْرَقَ، أوْ يُفْرِغَ مِن دَلْوِهِ في دَلْوِ المُسْتَسْقِي، أوْ يَحْمِلَ لَهُ عَلى دابَّتِهِ، أوْ يُمْسِكَها حَتّى يُحْمَلَ عَلَيْها، أوْ يُعاوِنَهُ بِيَدِهِ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ ونَحْوُ ذَلِكَ، ومِنهُ لَمْسُ الرُّكْنِ بِيَدِهِ في الطَّوافِ، وفي تَقْبِيلِها بَعْدَ اللَّمْسِ قَوْلانِ. والمُباحُ ما لا مَضَرَةَ فِيهِ ولا ثَوابَ. وَأمّا المَشْيُ الواجِبُ: فالمَشْيُ إلى الجُمْعاتِ والجَماعاتِ في أصَحِّ القَوْلَيْنِ لِبِضْعَةٍ وعِشْرِينَ دَلِيلًا مَذْكُورَةٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، والمَشْيُ حَوْلَ البَيْتِ لِلطَّوافِ الواجِبِ، والمَشْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ بِنَفْسِهِ أوْ بِمَرْكُوبِهِ، والمَشْيُ إلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ إذا دُعِيَ إلَيْهِ، والمَشْيُ إلى صِلَةِ رَحِمِهِ، وبِرِّ والِدَيْهِ، والمَشْيُ إلى مَجالِسِ العِلْمِ الواجِبِ طَلَبُهُ وتَعَلُّمُهُ، والمَشْيُ إلى الحَجِّ إذا قَرُبَتِ المَسافَةُ ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرٌ. والحَرامُ: المَشْيُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهو مِن رَجِلِ الشَّيْطانِ، قالَ تَعالى ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَعِنْ عَلَيْهِمْ بِرُكْبانِ جُنْدِكَ ومُشاتِهِمْ، فَكُلُّ راكِبٍ وماشٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهو مِن جُنْدِ إبْلِيسَ. وَكَذَلِكَ تَتَعَلَّقُ هَذِهِ الأحْكامُ الخَمْسُ بِالرُّكُوبِ أيْضًا. فَواجِبُهُ في الرُّكُوبِ في الغَزْوِ، والجِهادِ، والحَجِّ الواجِبِ. وَمُسْتَحَبُّهُ في الرُّكُوبِ المُسْتَحَبِّ مِن ذَلِكَ، ولِطَلَبِ العِلْمِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، وبِرِّ الوالِدَيْنِ، وفي الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ نِزاعٌ هَلِ الرُّكُوبُ فِيهِ أفْضَلُ، أمْ عَلى الأرْضِ؟ والتَّحْقِيقُ أنَّ الرُّكُوبَ أفْضَلُ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مِن تَعْلِيمٍ لِلْمَناسِكِ، واقْتِداءٍ بِهِ، وكانَ أعْوَنَ عَلى الدُّعاءِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلى الدّابَّةِ. وَحَرامُهُ: الرُّكُوبُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وَمَكْرُوهُهُ الرُّكُوبُ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ، وكُلُّ ما تَرْكُهُ خَيْرٌ مِن فِعْلِهِ. وَمُباحُهُ الرُّكُوبُ لِما لَمْ يَتَضَمَّنْ فَوْتَ أجْرٍ، ولا تَحْصِيلَ وِزْرٍ. فَهَذِهِ خَمْسُونَ مَرْتَبَةً عَلى عَشَرَةِ أشْياءَ: القَلْبُ، واللِّسانُ، والسَّمْعُ، والبَصَرُ، والأنْفُ، والفَمُ، واليَدُ، والرِّجْلُ، والفَرْجُ، والِاسْتِواءُ عَلى ظَهْرِ الدّابَّةِ. [فَصْلٌ: نِهايَةُ السّالِكِينَ تَكْمِيلُ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ صَرْفًا] فَإنْ لَمْ يَسْمَحْ قَلْبُكَ بِكَوْنِ التَّوْبَةِ غايَةَ مَقاماتِ السّالِكِينَ، ولَمْ تُصْغِ إلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرْنا، وأبَيْتَ إلّا أنْ يَكُونَ تَلاشِي نِهايَةِ الِاتِّصالِ في عَيْنِ الوُجُودِ مَحْقًا، وتَلاشِي عُلُومِ الشَّواهِدِ في العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ صَرْفًا، وجَمْعُ الوُجُودِ وجَمْعُ العَيْنِ: هو نِهايَةُ مَقاماتِ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ، بِحَيْثُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ سالِكٍ، فاعْلَمْ أنَّ هَذا الجَمْعَ المَذْكُورَ بِمُجَرَّدٍ لا يُعْطِي عُبُودِيَّةً ولا إيمانًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ غايَةَ كُلِّ نَبِيٍّ ووَلِيٍّ وعارِفٍ، فَإنَّ هَذا الجَمْعَ يَحْصُلُ لِلصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ، ولِلْمَلاحِدَةِ والِاتِّحادِيَّةِ مِنهُ حَظٌّ كَبِيرٌ، وحَوْلَهُ يُدَنْدِنُونَ، وهو عِنْدَهم نِهايَةُ التَّحْقِيقِ، فَأيْنَ تَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ، والقِيامُ بِأعْبائِها، واحْتِمالُ فَرائِضِها وسُنَنِها وأدائِها، والجِهادُ لِأعْداءِ اللَّهِ، والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وتَحَمُّلُ الأذى في اللَّهِ في هَذا الجَمْعِ؟! وأيْنَ مَعْرِفَةُ الأسْماءِ والصِّفاتِ فِيهِ مُفَصَّلًا؟ وأيْنَ مَعْرِفَةُ ما يُحِبُّهُ الرَّبُّ تَعالى، ويَكْرَهُهُ مُفَصَّلًا؟ وأيْنَ مَعْرِفَةُ خَيْرِ الخَيْرَيْنِ وشَرِّ الشَّرَّيْنِ فِيهِ؟ وأيْنَ العِلْمُ بِمَراتِبِ العُبُودِيَّةِ ومَنازِلِها فِيهِ؟!. فالحَقُّ أنَّ نِهايَةَ السّالِكِينَ تَكْمِيلُ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ صَرْفًا، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِبَنِي الطَّبِيعَةِ، وإنَّما خُصَّ بِذَلِكَ الخَلِيلانِ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن بَيْنِ سائِرِ الخَلْقِ، أمّا إبْراهِيمُ الخَلِيلُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ شَهِدَ لَهُ بِأنَّهُ وفّى، وأمّا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - فَإنَّهُ كَمَّلَ مَرْتَبَةَ العُبُودِيَّةِ، فاسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ عَلى سائِرِ الخَلائِقِ، فَكانَ صاحِبَ الوَسِيلَةِ والشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَأخَّرُ عَنْها جَمِيعُ الرُّسُلِ، ويَقُولُ هُوَ: أنا لَها، ولِهَذا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالعُبُودِيَّةِ في أعْلى مَقاماتِهِ، وأشْرَفِ أحْوالِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وقَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ولِهَذا يَقُولُ المَسِيحُ، حِينَ يُرْغَبُ إلَيْهِ في الشَّفاعَةِ: اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، عَبْدٍ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فاسْتَحَقَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ العُلْيا بِتَكْمِيلِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ، وبِكَمالِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُ. فَرَجَعَ الأمْرُ إلى أنَّ غايَةَ المَقاماتِ ونِهايَتَها: هو التَّوْبَةُ والعُبُودِيَّةُ المَحْضَةُ، لا جَمْعُ العَيْنِ، ولا جَمْعُ الوُجُودِ، ولا تَلاشِي الِاتِّصالِ. فَإنْ قُلْتَ: فَهَذا الجَمْعُ إنَّما يَحْصُلُ لِمَن قامَ بِحَقِيقَةِ التَّوْبَةِ والعُبُودِيَّةِ. قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الجَمْعُ الَّذِي يَحْصُلُ لِمَن قامَ بِذَلِكَ: هو جَمْعُ الرُّسُلِ وخُلَفائِهِمْ، وهو جَمْعُ الهِمَّةِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ مَحَبَّةً وإنابَةً وتَوَكُّلًا، وخَوْفًا ورَجاءً ومُراقَبَةً، وجَمْعُ الهِمَّةِ عَلى تَنْفِيذِ أوامِرِ اللَّهِ في الخَلْقِ دَعْوَةً وجِهادًا، فَهُما جَمْعانِ: جَمْعُ القَلْبِ عَلى المَعْبُودِ وحْدَهُ، وجَمْعُ الهَمِّ لَهُ عَلى مَحْضِ عُبُودِيَّتِهِ. فَإنْ قُلْتَ: فَأيْنَ شاهِدُ هَذَيْنِ الجَمْعَيْنِ؟ قُلْتُ: في القُرْآنِ كُلِّهِ، فَخُذْهُ مِن فاتِحَةِ الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وتَأمَّلْ ما في قَوْلِهِ " إيّاكَ ": التَّخْصِيصُ لِذاتِهِ المُقَدَّسَةِ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ، وما في قَوْلِهِ: " نَعْبُدُ " الَّذِي هو لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، ولِلْعِبادَةِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ مِنِ اسْتِيفاءِ أنْواعِ العِبادَةِ، حالًا واسْتِقْبالًا، قَوْلًا وعَمَلًا، ظاهِرًا وباطِنًا، والِاسْتِعانَةُ عَلى ذَلِكَ بِهِ لا بِغَيْرِهِ، ولِهَذا كانَتِ الطَّرِيقُ كُلُّها في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ، وهي مَعْنى قَوْلِهِمْ: الطَّرِيقُ فِي: إيّاكَ أُرِيدُ بِما تُرِيدُ، فَجَمَعَ المُرادَ في واحِدٍ، والإرادَةَ في مُرادِهِ الَّذِي يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، فَإلى هَذا دَعَتِ الرُّسُلُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وإلَيْهِ شَخَصَ العامِلُونَ، وتَوَجَّهَ المُتَوَجِّهُونَ، وكُلُّ الأحْوالِ والمَقاماتِ - مِن أوَّلِها إلى آخِرِها - مُنْدَرِجَةٌ في ضِمْنِ ذَلِكَ، ومِن ثَمَراتِهِ ومُوجِباتِهِ. فالعُبُودِيَّةُ تَجْمَعُ كَمالَ الحُبِّ في كَمالِ الذُّلِّ، وكَمالَ الِانْقِيادِ لِمَراضِي المَحْبُوبِ وأوامِرِهِ، فَهي الغايَةُ الَّتِي لَيْسَ فَوْقَها غايَةٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ إلى القِيامِ بِحَقِيقَتِها - كَما يَجِبُ - سَبِيلٌ، فالتَّوْبَةُ هي المِعْوَلُ والآخِيَّةُ، وقَدْ عَرَفْتَ - بِهَذا وبِغَيْرِهِ - أنَّ الحاجَةَ إلَيْها في النِّهايَةِ أشَدُّ مِنَ الحاجَةِ إلَيْها في البِدايَةِ، ولَوْلا تَنَسُّمُ رُوحِها لَحالَ اليَأْسُ بَيْنَ ابْنِ الماءِ والطِّينِ وبَيْنَ الوُصُولِ إلى رَبِّ العالَمِينَ، هَذا لَوْ قامَ بِما يَنْبَغِي عَلَيْهِ أنْ يَقُومَ بِهِ لِسَيِّدِهِ مِن حُقُوقِهِ، فَكَيْفَ والغَفْلَةُ والتَّقْصِيرُ والتَّفْرِيطُ والتَّهاوُنُ، وإيثارُ حُظُوظِهِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ عَلى حُقُوقِ رَبِّهِ لا يَكادُ يَتَخَلَّصُ مِنها، ولاسِيَّما السّالِكُ عَلى دَرْبِ الفَناءِ والجَمْعِ؟ لِأنَّ رَبَّهُ يُطالِبُهُ بِالعُبُودِيَّةِ، ونَفْسُهُ تُطالِبُهُ بِالجَمْعِ والفَناءِ، ولَوْ حَقَّقَ النَّظَرَ مَعَ نَفْسِهِ وحاسَبَها حِسابًا صَحِيحًا لَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّ حَظَّهُ يُرِيدُ، ولَذَّتَهُ يَطْلُبُ، نَعَمْ كُلُّ أحَدٍ يَطْلُبُ ذَلِكَ، لَكِنَّ الشَّأْنَ في الفَرْقِ بَيْنَ مَن صارَ حَظُّهُ نَفْسَ مَرْضاةِ اللَّهِ ومَحابِّهِ، أحَبَّتْ ذَلِكَ نَفْسُهُ أوْ كَرِهَتْهُ، وبَيْنَ مَن حَظُّهُ ما يُرِيدُ مِن رَبِّهِ، فالأوَّلُ: حَظُّهُ مُرادُ رَبِّهِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ مِنهُ، وهَذا حَظُّهُ مُرادُهُ مِن رَبِّهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَإنْ قِيلَ: هَذا البابُ مُسَلَّمٌ لِأهْلِ الذَّوْقِ، وأنْتُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِلِسانِ العِلْمِ لا بِلِسانِ الذَّوْقِ، والذّائِقُ واجِدٌ، والواجِدُ لا يُمْكِنُهُ إنْكارُ مَوْجُودِهِ، فَلا يَرْجِعُ إلى صاحِبِ العِلْمِ، بَلْ يَدْعُوهُ إلى ذَوْقِ ما ذاقَهُ، ويَقُولُ: ؎أقُولُ لِلّائِمِ المُهْدِي مَلامَتَهُ ∗∗∗ ذُقِ الهَوى وإنِ اسْطَعْتَ المَلامَ لُمْ قِيلَ: لَمْ يُنْصِفْ مَن أحالَ عَلى الذَّوْقِ، فَإنَّها حِوالَةٌ عَلى مَحْكُومٍ عَلَيْهِ لا عَلى حاكِمٍ، وعَلى مَشْهُودٍ لَهُ، لا عَلى شاهِدٍ، وعَلى مَوْزُونٍ، لا عَلى مِيزانٍ. وَيا سُبْحانَ اللَّهِ! هَلْ يَدُلُّ مُجَرَّدُ ذَوْقِ الشَّيْءِ عَلى حُكْمِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ أوْ باطِلٌ؟ وهَلْ جَعَلَ اللَّهُ ورَسُولُهُ الأذْواقَ والمَواجِيدَ حُجَجًا وأدِلَّةً، يُمَيَّزُ بِها بَيْنَ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وبَيْنَ ما يَكْرَهُهُ ويَسْخَطُهُ؟ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: لاحْتَجَّ كُلُّ مُبْطِلٍ عَلى باطِلِهِ بِالذَّوْقِ والوَجْدِ، كَما تَجِدُهُ في كَثِيرٍ مِن أهْلِ الباطِلِ والإلْحادِ، فَهَؤُلاءِ الِاتِّحادِيَّةُ - وهم أكْفَرُ الخَلْقِ - يَحْتَجُّونَ بِالذَّوْقِ والوَجْدِ عَلى كُفْرِهِمْ وإلْحادِهِمْ حَتّى لَيَقُولُ قائِلُهُمْ: ؎يا صاحِبِي أنْتَ تَنْهانِي وتَأْمُرُنِي ∗∗∗ والوَجْدُ أصْدَقُ نَهّاءٍ وأمّارِ ؎فَإنْ أُطِعْكَ وأعْصِ الوَجْدَ رُحْتُ عَمٍ ∗∗∗ عَنِ اليَقِينِ إلى أوْهامِ أخْبارِ ؎وَعَيْنُ ما أنْتَ تَدْعُونِي إلَيْهِ إذا ∗∗∗ حَقَّقْتُهُ بَدَّلَ المَنهِيَّ يا جارِ وَيَقُولُ هَذا القائِلُ: ثَبَتَ عِنْدَنا - بِالكَشْفِ والذَّوْقِ - ما يُناقِضُ صَرِيحَ العَقْلِ، وكُلُّ مُعْتَقِدٍ لِأمْرٍ جازِمٍ بِهِ، مُسْتَحْسِنٌ لَهُ: يَذُوقُ طَعْمَهُ، فالمُلْحِدُ يَذُوقُ طَعْمَ الِاتِّحادِ والِانْحِلالِ مِنَ الدِّينِ، والرّافِضِيُّ يَذُوقُ طَعْمَ الرَّفْضِ، ومُعاداةِ خِيارِ الخَلْقِ، والقَدَرِيُّ يَذُوقُ طَعْمَ إنْكارِ القَدَرِ، ويَعْجَبُ مِمَّنْ يُثْبِتُهُ، والجَبْرِيُّ عَكْسُهُ، والمُشْرِكُ يَذُوقُ طَعْمَ الشِّرْكِ، حَتّى إنَّهُ لِيَسْتَبْشِرُ إذا ذُكِرَ إلَهُهُ ومَعْبُودُهُ مِن دُونِ اللَّهِ، ويَشْمَئِزُّ قَلْبُهُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ. وَهَذا الِاحْتِجاجُ قَدْ سَلَكَهُ أرْبابُ السَّماعِ المُحْدَثِ الشَّيْطانِيِّ، الَّذِي هو مَحْضُ شَهْوَةِ النَّفْسِ وهَواها، واحْتَجُّوا عَلى إباحَةِ هَذا السَّماعِ بِما فِيهِ مِنَ الذَّوْقِ والوَجْدِ واللَّذَّةِ، وأنْتَ تَجِدُ النَّصْرانِيَّ لَهُ في تَثْلِيثِهِ ذَوْقٌ، ووَجْدٌ وحَنِينٌ، بِحَيْثُ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ أشَدُّ العَذابِ لاخْتارَهُ، دُونَ أنْ يُفارِقَ تَثْلِيثَهُ، لِما لَهُ فِيهِ مِنَ الذَّوْقِ. وَحِينَئِذٍ، فَيُقالُ: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، وأنَّ المُتَكَلِّمَ المُنْكِرَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسانِ الذَّوْقِ، فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَوْقُ الذّائِقِ لِذَلِكَ حُجَّةً صَحِيحَةً نافِعَةً لَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ؟ ولَوْ فَرَضْنا أنَّ هَذا المُنْكِرَ قالَ: نَعَمْ، أنا مَحْجُوبٌ عَنِ الوُصُولِ إلى ما أنْكَرْتُهُ، غَيْرُ ذائِقٍ لَهُ، وأنْتَ ذائِقٌ واصِلٌ، فَما عَلامَةُ ما ذُقْتَهُ، ووَصَلْتَ إلَيْهِ؟ وما الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ وأنا لا أُنْكِرُ ذَوْقَكَ لَهُ ووَجْدَكَ بِهِ، ولَكِنَّ الشَّأْنَ في المَذُوقِ لا في الذَّوْقِ، وإذا ذاقَ المُحِبُّ العاشِقُ طَعْمَ مَحَبَّتِهِ وعِشْقِهِ لِمَحْبُوبِهِ، ما كانَ غايَةَ ذَلِكَ: إلّا أنْ يَدُلَّ عَلى وُجُودِ مَحَبَّتِهِ وعِشْقِهِ، لا عَلى كَوْنِ ذَلِكَ نافِعًا لَهُ أوْ ضارًّا، أوْ مُوجِبًا لِكَمالِهِ أوْ نَقْصِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ الجَمْعُ الصَّحِيحُ هو جَمْعُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وجَمْعُ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ] فَيَشْهَدُ صاحِبُهُ قَيُّومِيَّةَ الرَّبَّ تَعالى فَوْقَ عَرْشِهِ، يُدَبِّرُ أمْرَ عِبادِهِ وحْدَهُ، فَلا خالِقَ ولا رازِقَ، ولا مُعْطِيَ ولا مانِعَ، ولا مُمِيتَ ولا مُحْيِيَ، ولا مُدَبِّرَ لِأمْرِ المَمْلَكَةِ - ظاهِرًا وباطِنًا - غَيْرُهُ، فَما شاءَ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَجْرِي حادِثٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ ولا تَسْقُطُ ورَقَةٌ إلّا بِعِلْمِهِ، ولا يَغْرُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا أحْصاها عِلْمُهُ، وأحاطَتْ بِها قُدْرَتُهُ، ونَفَذَتْ بِها مَشِيئَتُهُ، واقْتَضَتْها حِكْمَتُهُ، فَهَذا جَمْعُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَأمّا جَمْعُ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ، فَهُوَ: أنْ يَجْمَعَ قَلْبَهُ وهَمَّهُ وعَزْمَهُ عَلى اللَّهِ، وإرادَتَهُ، وحَرَكاتَهُ عَلى أداءِ حَقِّهِ تَعالى، والقِيامِ بِعُبُودِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، فَتَجْتَمِعُ شُئُونُ إرادَتِهِ عَلى مُرادِهِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ. وَهَذانِ الجَمْعانِ: هُما حَقِيقَةُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فَإنَّ العَبْدَ يَشْهَدُ مِن قَوْلِهِ " إيّاكَ " الذّاتَ الجامِعَةَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، الَّتِي لَها كُلُّ الأسْماءِ الحُسْنى، ثُمَّ يَشْهَدُ مِن قَوْلِهِ " نَعْبُدُ " جَمِيعَ أنْواعِ العِبادَةِ ظاهِرًا وباطِنًا، قَصْدًا وقَوْلًا وعَمَلًا وحالًا واسْتِقْبالًا، ثُمَّ يَشْهَدُ مِن قَوْلِهِ " ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " جَمِيعَ أنْواعِ الِاسْتِعانَةِ، والتَّوَكُّلِ والتَّفْوِيضِ، فَيَشْهَدُ مِنهُ جَمْعَ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَشْهَدُ مِن " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " جَمْعَ الإلَهِيَّةِ، ويَشْهَدُ مِن " إيّاكَ " الذّاتَ الجامِعَةَ لِكُلِّ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى. [فَصْلُ: خاصِّيَّةِ التَّعَبُّدِ] وَخاصِّيَّةُ التَّعَبُّدِ: الحُبُّ مَعَ الخُضُوعِ، والذُّلِّ لِلْمَحْبُوبِ، فَمَن أحَبَّ مَحْبُوبًا وخَضَعَ لَهُ فَقَدْ تَعَبَّدَ قَلْبَهُ لَهُ، بَلِ التَّعَبُّدُ آخِرُ مَراتِبِ الحُبِّ، ويُقالُ لَهُ التَّتَيُّمُ أيْضًا، فَإنَّ أوَّلَ مَراتِبِهِ العَلاقَةُ، وسُمِّيَتْ عَلاقَةً لِتَعَلُّقِ المُحِبِّ بِالمَحْبُوبِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وَعُلِّقْتُ لَيْلى وهْيَ ذاتُ تَمائِمِ ∗∗∗ ولَمْ يَبْدُ لِلْأتْرابِ مِن ثَدْيِها حَجْمُ وَقالَ الآخَرُ: ؎أعَلاقَةٌ أُمَّ الوَلِيدِ بُعَيْدَ ما ∗∗∗ أفْنانُ رَأْسِكَ كالثِّغامِ المُخْلِسِ ثُمَّ بَعْدَها الصَّبابَةُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِانْصِبابِ القَلْبِ إلى المَحْبُوبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَشَكّى المُحِبُّونَ الصَّبابَةَ لَيْتَنِي ∗∗∗ تَحَمَّلْتُ ما يَلْقَوْنَ مِن بَيْنِهِمْ وحْدِي ؎فَكانَتْ لِقَلْبِي لَذَّةُ الحُبِّ كُلُّها ∗∗∗ فَلَمْ يَلْقَها قَبْلِي مُحِبٌّ ولا بَعْدِي ثُمَّ الغَرامُ، وهو لُزُومُ الحُبِّ لِلْقَلْبِ لُزُومًا لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَرِيمُ غَرِيمًا؛ لِمُلازَمَتِهِ صاحِبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]. وَقَدْ أُولِعَ المُتَأخِّرُونَ بِاسْتِعْمالِ هَذا اللَّفْظِ في الحُبِّ، وقَلَّ أنْ تَجِدَهُ في أشْعارِ العَرَبِ. ثُمَّ العِشْقُ وهو إفْراطُ المَحَبَّةِ، ولِهَذا لا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى، ولا يُطْلَقُ في حَقِّهِ. ثُمَّ الشَّوْقُ وهو سَفَرُ القَلْبِ إلى المَحْبُوبِ أحَثَّ السَّفَرِ، وقَدْ جاءَ إطْلاقُهُ في حَقِّ الرَّبِّ تَعالى كَما في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: «أنَّهُ صَلّى صَلاةً فَأوْجَزَ فِيها، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ أما إنِّي دَعَوْتُ فِيها بِدَعْواتٍ كانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَدْعُو بِهِنَّ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ عَلى الخَلْقِ، أحْيِنِي إذا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَشْيَتَكَ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا، وأسْألُكَ القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنى، وأسْألُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، وأسْألُكَ الشَّوْقَ إلى لِقائِكَ، في غَيْرِ ضَرّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنّا بِزِينَةِ الإيمانِ، واجْعَلْنا هُداةً مُهْتَدِينَ». وَفِي أثَرٍ آخَرَ: " «طالَ شَوْقُ الأبْرارِ إلى لِقائِي، وأنا إلى لِقائِهِمْ أشَدُّ شَوْقًا» ". وَهَذا هو المَعْنى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ». وَقالَ بَعْضُ أهْلِ البَصائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ شِدَّةَ شَوْقِ أوْلِيائِهِ إلى لِقائِهِ، وأنَّ قُلُوبَهم لا تَهْتَدِي دُونَ لِقائِهِ، ضَرَبَ لَهم أجَلًا ومَوْعِدًا لِلِقائِهِ، وتَسْكُنُ نُفُوسُهم بِهِ، وأطْيَبُ العَيْشِ وألَذُّهُ عَلى الإطْلاقِ عَيْشُ المُحِبِّينَ المُشْتاقِينَ المُسْتَأْنِسِينَ، فَحَياتُهم هي الحَياةُ الطَّيِّبَةُ الحَقِيقِيَّةُ، ولا حَياةَ لِلْقَلْبِ أطْيَبَ ولا أنْعَمَ ولا أهْنَأ مِنها، وهي الحَياةُ الطَّيِّبَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. لَيْسَ المُرادُ مِنها الحَياةَ المُشْتَرَكَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، والأبْرارِ والفُجّارِ، ومِن طِيبِ المَأْكَلِ والمَلْبَسِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ، بَلْ رُبَّما زادَ أعْداءُ اللَّهِ عَلى أوْلِيائِهِ في ذَلِكَ أضْعافًا مُضاعَفَةً، وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ مَن عَمِلَ صالِحًا أنْ يُحْيِيَهُ حَياةً طَيِّبَةً، فَهو صادِقُ الوَعْدِ الَّذِي لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وأيُّ حَياةٍ أطْيَبُ مِن حَياةِ مَنِ اجْتَمَعَتْ هُمُومُهُ كُلُّها وصارَتْ هَمًّا واحِدًا في مَرْضاةِ اللَّهِ؟ ولَمْ يَتَشَعَّبْ قَلْبُهُ، بَلْ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ، واجْتَمَعَتْ إرادَتُهُ وأفْكارُهُ الَّتِي كانَتْ مُتَقَسِّمَةً بِكُلِّ وادٍ مِنها شُعْبَةٌ عَلى اللَّهِ، فَصارَ ذِكْرُهُ بِمَحْبُوبِهِ الأعْلى وحُبُّهُ والشَّوْقُ إلى لِقائِهِ، والأُنْسُ بِقُرْبِهِ هو المُسْتَوْلِي عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ تَدُورُ هُمُومُهُ وإرادَتُهُ وقُصُودُهُ بِكُلِّ خَطَراتِ قَلْبِهِ، فَإنْ سَكَتَ سَكَتَ بِاللَّهِ، وإنْ نَطَقَ نَطَقَ بِاللَّهِ، وإنْ سَمِعَ فَبِهِ يَسْمَعُ، وإنْ أبْصَرَ فَبِهِ يُبْصِرُ، وبِهِ يَبْطِشُ، وبِهِ يَمْشِي، وبِهِ يَسْكُنُ، وبِهِ يَحْيا، وبِهِ يَمُوتُ، وبِهِ يُبْعَثُ، كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْهُ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أنَّهُ قالَ: " «ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَمْشِي، ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أنا فاعِلُهُ، كَتَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِيَ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأكْرَهُ مُساءَتَهُ ولا بُدَّ لَهُ مِنهُ "». فَتَضَمَّنَ هَذا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ الإلَهِيُّ - الَّذِي حَرامٌ عَلى غَلِيظِ الطَّبْعِ كَسِيفِ القَلْبِ فَهْمُ مَعْناهُ والمُرادُ بِهِ - حَصْرَ أسْبابِ مَحَبَّتِهِ في أمْرَيْنِ: أداءِ فَرائِضِهِ، والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالنَّوافِلِ. وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أداءَ فَرائِضِهِ أحَبُّ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ المُتَقَرِّبُونَ، ثُمَّ بَعْدَها النَّوافِلُ، وأنَّ المُحِبَّ لا يَزالُ يُكْثِرُ مِنَ النَّوافِلِ حَتّى يَصِيرَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ، فَإذا صارَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ أوْجَبَتْ مَحَبَّتُهُ لِلَّهِ لَهُ مَحَبَّةً أُخْرى مِنهُ فَوْقَ المَحَبَّةِ الأُولى، فَشَغَلَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ قَلْبَهُ عَنِ الفِكْرَةِ والِاهْتِمامِ بِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ، ومَلَكَتْ عَلَيْهِ رُوحَهُ، ولَمْ يَبْقَ فِيهِ سِعَةٌ لِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ ألْبَتَّةَ، فَصارَ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ وحُبُّهُ ومَثَلُهُ الأعْلى، ومالِكًا لِزِمامِ قَلْبِهِ مُسْتَوْلِيًا عَلى رُوحِهِ اسْتِيلاءَ المَحْبُوبِ عَلى مَحَبَّةِ الصّادِقِ في مَحَبَّتِهِ، الَّتِي قَدِ اجْتَمَعَتْ قُوى مَحَبَّةِ حُبِّهِ كُلُّها لَهُ. وَلا رَيْبَ أنَّ هَذا المُحِبَّ إنْ سَمِعَ سَمِعَ بِمَحْبُوبِهِ، وإنْ أبْصَرَ أبْصَرَ بِهِ، وإنْ بَطَشَ بَطَشَ بِهِ، وإنْ مَشى مَشى بِهِ، فَهو في قَلْبِهِ ومَعَهُ وأنِيسُهُ وصاحِبُهُ، فالباءُ هاهُنا لِلْمُصاحَبَةِ، وهي مُصاحَبَةٌ لا نَظِيرَ لَها، ولا تُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ الإخْبارِ عَنْها والعِلْمِ بِها، فالمَسْألَةُ حالِيَّةٌ لا عِلْمِيَّةٌ مَحْضَةٌ. وَإذا كانَ المَخْلُوقُ يَجِدُ هَذا في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَها ولَمْ يُفْطَرْ عَلَيْها، كَما قالَ بَعْضُ المُحِبِّينَ: ؎خَيالُكَ في عَيْنِي وذِكْرُكَ في فَمِي ∗∗∗ ومَثْواكَ في قَلْبِي فَأيْنَ تَغِيبُ وَقالَ الآخَرُ: ؎وَمِن عَجَبٍ أنِّي أحِنُّ إلَيْهِمُ ∗∗∗ فَأسْألُ عَنْهم مَن لَقِيتُ وهم مَعِي ؎وَتَطْلُبُهم عَيْنِي وهم في سَوادِها ∗∗∗ ويَشْتاقُهم قَلْبِي وهم بَيْنَ أضْلُعِي وَهَذا ألْطَفُ مِن قَوْلِ الآخَرِ: ؎إنْ قُلْتُ غِبْتِ فَقَلْبِي لا يُصَدِّقُنِي ∗∗∗ إذْ أنْتَ فِيهِ مَكانَ السِّرِّ لَمْ تَغِبِ ؎أوْ قُلْتُ ما غِبْتِ قالَ الطَّرْفُ ذا كَذِبٌ ∗∗∗ فَقَدْ تَحَيَّرْتُ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أدْنى إلى المُحِبِّ مِن مَحْبُوبِهِ، ورُبَّما تَمَكَّنَتْ مِنهُ المَحَبَّةُ، حَتّى يَصِيرَ أدْنى إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ، بِحَيْثُ يَنْسى نَفْسَهُ ولا يَنْساهُ، كَما قالَ: ؎أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تُمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ وَقالَ الآخَرُ: ؎يُرادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيانُكم ∗∗∗ وتَأْبى الطِّباعُ عَلى النّاقِلِ وَخَصَّ في الحَدِيثِ السَّمْعَ والبَصَرَ واليَدَ والرِّجْلَ بِالذِّكْرِ، فَإنَّ هَذِهِ الآلاتِ آلاتُ الإدْراكِ وآلاتُ الفِعْلِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ يُورِدانِ عَلى القَلْبِ الإرادَةَ والكَراهَةَ، ويَجْلِبانِ إلَيْهِ الحُبَّ والبُغْضَ، فَيَسْتَعْمِلُ اليَدَ والرِّجْلَ، فَإذا كانَ سَمْعُ العَبْدِ بِاللَّهِ، وبَصَرُهُ بِاللَّهِ كانَ مَحْفُوظًا في آلاتِ إدْراكِهِ، وكانَ مَحْفُوظًا في حُبِّهِ وبُغْضِهِ، فَحُفِظَ في بَطْشِهِ ومَشْيِهِ. وَتَأمَّلْ كَيْفَ اكْتَفى بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ واليَدِ والرِّجْلِ عَنِ اللِّسانِ، فَإنَّهُ إذا كانَ إدْراكُ السَّمْعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِاخْتِيارِهِ تارَةً، وبِغَيْرِ اخْتِيارِهِ تارَةً، وكَذَلِكَ البَصَرُ قَدْ يَقَعُ بِغَيْرِ الِاخْتِيارِ فَجْأةً، وكَذَلِكَ حَرَكَةُ اليَدِ والرِّجْلِ الَّتِي لا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنهُما، فَكَيْفَ بِحَرَكَةِ اللِّسانِ الَّتِي لا تَقَعُ إلّا بِقَصْدٍ واخْتِيارٍ؟ وقَدْ يَسْتَغْنِي العَبْدُ عَنْها إلّا حَيْثُ أُمِرَ بِها. وَأيْضًا فانْفِعالُ اللِّسانِ عَنِ القَلْبِ أتَمُّ مِنَ انْفِعالِ سائِرِ الجَوارِحِ، فَإنَّهُ تُرْجُمانُهُ ورَسُولُهُ. وَتَأمَّلْ كَيْفَ حَقَّقَ تَعالى كَوْنَ العَبْدِ بِهِ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وبَطْشُهُ ومَشْيُهُ بِقَوْلِهِ: " «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها» " تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ مَعَ عَبْدِهِ، وكَوْنِ عَبْدِهِ في إدْراكاتِهِ، بِسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وحَرَكاتِهِ بِيَدَيْهِ ورِجْلِهِ. وَتَأمَّلْ كَيْفَ قالَ: " فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ " ولَمْ يَقُلْ: فَلِي يَسْمَعُ، ولِي يُبْصِرُ، ورُبَّما يَظُنُّ الظَّنّانُ أنَّ اللّامَ أوْلى بِهَذا المَوْضِعِ، إذْ هي أدَلُّ عَلى الغايَةِ، ووُقُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ لِلَّهِ، وذَلِكَ أخَصُّ مِن وُقُوعِها بِهِ، وهَذا مِنَ الوَهْمِ والغَلَطِ، إذْ لَيْسَتِ الباءُ هاهُنا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعانَةِ، فَإنَّ حَرَكاتِ الأبْرارِ والفُجّارِ وإدْراكاتِهِمْ إنَّما هي بِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهُمْ، وإنَّ الباءَ هاهُنا لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: إنَّما يَسْمَعُ ويُبْصِرُ ويَبْطِشُ ويَمْشِي وأنا صاحِبُهُ مَعَهُ، كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ الآخَرِ: " «أنا مَعَ عَبْدِي ما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ» " وهَذِهِ هي المَعِيَّةُ الخاصَّةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]. وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وَقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وَقَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. وَقَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦]. فَهَذِهِ الباءُ مُفِيدَةٌ لِمَعْنى هَذِهِ المَعِيَّةِ دُونَ اللّامِ، ولا يَتَأتّى لِلْعَبْدِ الإخْلاصُ والصَّبْرُ والتَّوَكُّلُ، ونُزُولُهُ في مَنازِلِ العُبُودِيَّةِ إلّا بِهَذِهِ الباءِ وهَذِهِ المَعِيَّةِ. فَمَتى كانَ العَبْدُ بِاللَّهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَشاقُّ، وانْقَلَبَتِ المَخاوِفُ في حَقِّهِ، فَبِاللَّهِ يَهُونُ كُلُّ صَعْبٍ، ويَسْهُلُ كُلُّ عَسِيرٍ، ويَقْرُبُ كُلُّ بَعِيدٍ، وبِاللَّهِ تَزُولُ الهُمُومُ والغُمُومُ والأحْزانُ، فَلا هَمَّ مَعَ اللَّهِ، ولا غَمَّ ولا حَزَنَ إلّا حَيْثُ يُفَوِّتُهُ العَبْدُ مَعْنى هَذِهِ الباءِ، فَيَصِيرُ قَلْبُهُ حِينَئِذٍ كالحُوتِ، إذا فارَقَ الماءَ يَثِبُ ويَنْقَلِبُ حَتّى يَعُودَ إلَيْهِ. وَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ المُوافَقَةُ مِنَ العَبْدِ لِرَبِّهِ في مَحابِّهِ؛ حَصَلَتْ مُوافَقَةُ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ في حَوائِجِهِ ومَطالِبِهِ، فَقالَ: «وَلَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ». أيْ: كَما وافَقَنِي في مُرادِي بِامْتِثالِ أوامِرِي والتَّقَرُّبِ بِمَحابِّي، فَأنا أُوافِقُهُ في رَغْبَتِهِ ورَهْبَتِهِ فِيما يَسْألُنِي أنْ أفْعَلَهُ بِهِ، ويَسْتَعِيذُنِي أنْ يَنالَهُ، وقَوِيَ أمْرُ هَذِهِ المُوافَقَةِ مِنَ الجانِبَيْنِ حَتّى اقْتَضى تَرَدُّدَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فِي إماتَةِ عَبْدِهِ؛ لِأنَّهُ يَكْرَهُ المَوْتَ، والرَّبُّ تَعالى يَكْرَهُ ما يَكْرَهُهُ عَبْدُهُ، ويَكْرَهُ مُساءَتَهُ، فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ يَقْتَضِي أنْ لا يُمِيتَهُ ولَكِنَّ مَصْلَحَتَهُ في إماتَتِهِ، فَإنَّهُ ما أماتَهُ إلّا لِيُحْيِيَهُ، ولا أمْرَضَهُ إلّا لِيُصِحَّهُ، ولا أفْقَرَهُ إلّا لِيُغْنِيَهُ، ولا مَنَعَهُ إلّا لِيُعْطِيَهُ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنَ الجَنَّةِ في صُلْبِ أبِيهِ إلّا لِيُعِيدَهُ إلَيْها عَلى أحْسَنِ أحْوالِهِ، ولَمْ يَقُلْ لِأبِيهِ اخْرُجْ مِنها إلّا وهو يُرِيدُ أنْ يُعِيدَهُ إلَيْها، فَهَذا هو الحَبِيبُ عَلى الحَقِيقَةِ لا سِواهُ، بَلْ لَوْ كانَ في كُلِّ مَنبَتِ شَعْرَةٍ مِنَ العَبْدِ مَحَبَّةٌ تامَّةٌ لِلَّهِ، لَكانَ بَعْضُ ما يَسْتَحِقُّهُ عَلى عَبْدِهِ. ؎نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوى ∗∗∗ ما الحُبُّ إلّا لِلْحَبِيبِ الأوَّلِ ؎كَمْ مَنزِلٍ في الأرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتى ∗∗∗ وحَنِينُهُ أبَدًا لِأوَّلِ مَنزِلِ [فَصْلٌ: آخِرُ مَراتِبِ الحُبِّ] ثُمَّ التَّتَيُّمُ، وهو آخِرُ مَراتِبِ الحُبِّ، وهو تَعَبُّدُ المُحِبِّ لِمَحْبُوبِهِ، يُقالُ تَيَّمَهُ الحُبُّ، إذا عَبَّدَهُ، ومِنهُ: تَيْمُ اللَّهِ، أيْ عَبْدُ اللَّهِ، وحَقِيقَةُ التَّعَبُّدِ: الذُّلُّ والخُضُوعُ لِلْمَحْبُوبِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ، قَدْ ذَلَّلَتْهُ الأقْدامُ، فالعَبْدُ هو الَّذِي ذَلَّلَهُ الحُبُّ والخُضُوعُ لِمَحْبُوبِهِ، ولِهَذا كانْتَ أشْرَفُ أحْوالِ العَبْدِ ومَقاماتِهِ في العُبُودِيَّةِ، فَلا مَنزِلَ لَهُ أشْرَفُ مِنها. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أكْرَمَ الخَلْقِ عَلَيْهِ وأحَبَّهم إلَيْهِ، وهو رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالعُبُودِيَّةِ في أشْرَفِ مَقاماتِهِ، وهي مَقامُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، ومَقامُ التَّحَدِّي بِالنُّبُوَّةِ، ومَقامُ الإسْراءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]. وَقالَ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. وَقالَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسراء: ١]. حَدِيثُ الشَّفاعَةِ: «اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، عَبْدٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ»، فَنالَ مَقامَ الشَّفاعَةِ بِكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ، وكَمالِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، الَّتِي هي أكْمَلُ أنْواعِ المَحَبَّةِ مَعَ أكْمَلِ أنْواعِ الخُضُوعِ، وهَذا هو حَقِيقَةُ الإسْلامِ ومِلَّةُ إبْراهِيمَ الَّتِي مَن رَغِبَ عَنْها فَقَدْ سَفِهَ نَفْسَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ - إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ - ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يابَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ - أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠-١٣٣]. وَلِهَذا كانَ أعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ الشِّرْكُ. [الشِّرْكُ في المَحَبَّةِ] وَأصْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، والإشْراكِ في المَحَبَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُشْرِكُ بِهِ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، وأخْبَرَ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِن أصْحابِ الأنْدادِ لِأنْدادِهِمْ. وَقِيلَ: بَلِ المَعْنى أنَّهم أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، فَإنَّهم وإنْ أحَبُّوا اللَّهَ، لَكِنْ لَمّا شَرِكُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْدادِهِمْ في المَحَبَّةِ ضَعُفَتْ مَحَبَّتُهم لِلَّهِ، والمُوَحِّدُونَ لِلَّهِ لَمّا خَلُصَتْ مَحَبَّتُهم لَهُ كانَتْ أشَدَّ مِن مَحَبَّةِ أُولَئِكَ، والعَدْلُ بِرَبِّ العالَمِينَ، والتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْدادِ هو في هَذِهِ المَحَبَّةِ، كَما تَقَدَّمَ. وَلَمّا كانَ مُرادُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ خُلُوصَ هَذِهِ المَحَبَّةِ لَهُ، أنْكَرَ عَلى مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ ولِيًّا أوْ شَفِيعًا غايَةَ الإنْكارِ، وجَمْعُ ذَلِكَ تارَةً، وإفْرادُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]. وَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]. وَقالَ في الإفْرادِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣-٤٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]. وَقالَ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠]. فَإذا والى العَبْدُ رَبَّهُ وحْدَهُ أقامَ لَهُ الشُّفَعاءَ، وعَقَدَ المُوالاةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ فَصارُوا أوْلِياءَهُ في اللَّهِ، بِخِلافِ مَنِ اتَّخَذَ مَخْلُوقًا ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ. فَهَذا لَوْنٌ وذاكَ لَوْنٌ، كَما أنَّ الشَّفاعَةَ الشَّرِكِيَّةَ الباطِلَةَ لَوْنٌ، والشَّفاعَةَ الحَقَّ الثّابِتَةَ الَّتِي إنَّما تُنالُ بِالتَّوْحِيدِ لَوْنٌ، وهَذا مَوْضِعُ فُرْقانٍ بَيْنَ أهْلِ التَّوْحِيدِ وأهْلِ الإشْراكِ، واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. والمَقْصُودُ: أنَّ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ لا تَحْصُلُ مَعَ الإشْراكِ بِاللَّهِ في المَحَبَّةِ، بِخِلافِ المَحَبَّةِ لِلَّهِ، فَإنَّها مِن لَوازِمِ العُبُودِيَّةِ ومُوجِباتِها، فَإنَّ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ - بَلْ تَقْدِيمُهُ في الحُبِّ عَلى الأنْفُسِ والآباءِ والأبْناءِ - لا يَتِمُّ الإيمانُ إلّا بِها، إذْ مَحَبَّتُهُ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ كَلُّ حُبٍّ في اللَّهِ ولِلَّهِ، كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإيمانِ». وَفِي لَفْظٍ في الصَّحِيحَيْنِ: «لا يَجِدُ حَلاوَةَ الإيمانِ إلّا مَن كانَ فِيهِ ثَلاثُ خِصالٍ: أنْ يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلّا لِلَّهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَرْجِعَ في الكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهُ، كَما يَكْرَهُ أنْ يُلْقى في النّارِ». وَفِي الحَدِيثِ الَّذِي في السُّنَنِ: «مَن أحَبَّ لِلَّهِ، وأبْغَضَ لِلَّهِ، وأعْطى لِلَّهِ، ومَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ». وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «ما تَحابَّ رَجُلانِ في اللَّهِ إلّا كانَ أفْضَلُهُما أشَدَّهُما حُبًّا لِصاحِبِهِ». فَإنَّ هَذِهِ المَحَبَّةَ مِن لَوازِمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ومُوجِباتِها، وكُلَّما كانَتْ أقْوى كانَ أصْلُها كَذَلِكَ. [فَصْلٌ] لما كان الإنسان؛ بل وكل حي متحرك بالإرادة، لا ينفك عن علم وإرادة وعمل بتلك الإرادة، وله مراد مطلوب، وطريق وسبب يوصل إليه، معين عليه، وتارة يكون السبب منه، وتارة من خارج منفصل عنه، وتارة منه ومن الخارج، فصار الحي مجبولا على أن يقصد شيئا ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في حصول مراده. والمراد قسمان: أحدهما: ما هو مراد لنفسه. والثاني: ما هو مراد لغيره. والمستعان قسمان؛ أحدهما: ما هو مستعان بنفسه، والثاني: ما هو تبع له وآلة. فهذه أربعة أمور: مراد لنفسه، ومراد لغيره، ومستعان بنفسه، ومستعان بكونه آلة وتبعا للمستعان بنفسه. فلا بد للقلب من مطلوب يطمئن إليه، وينتهي إليه محبته. ولا بد له من شيء يتوصل به؛ ويستعين به في حصول مطلوبه، والمستعان مدعو ومسئول، والعبادة والاستعانة كثيرا ما يتلازمان، فمن اعتمد القلب عليه في رزقه ونصره ومنفعته ونفعه خضع له، وذل له، وانقاد له وأحبه من هذه الجهة، وإن لم يحبه لذاته، لكن قد يغلب عليه حكم الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعين به، ويستعين بغيره عليه كمن أحب مالا أو منصبا أو امرأة، فإن علم أن محبوبه قادر على تحصيل غرضه استعان به، فاجتمع له محبته والاستعانة به. فالأقسام أربعة: محبوب لنفسه وذاته، مستعان بنفسه. فهذا أعلى الأقسام، وليس ذلك إلا لله وحده. وكل ما سواه فإنما ينبغي أن يحب تبعا لمحبته، ويستعان به لكونه آلة وسببا. الثاني: محبوب لغيره ومستعان به أيضًا، كالمحبوب الذي هو قادر على تحصيل غرض محبه الثالث: محبوب مستعان عليه بغيره الرابع: مستعان به غير محبوب في نفسه. فإذا عرف ذلك تبين مَن أحق هذه الأقسام الأربعة بالعبودية والاستعانة، وأن محبة غيره واستعانته به إن لم تكن وسيلة إلى محبته واستعانته، وإلا كانت مضرة على العبد، ومفسدتها أعظم من مصلحتها. والله المستعان وعليه التكلان. [فَصْلٌ: المَشْهَدُ السّادِسُ مَشْهَدُ التَّوْحِيدِ] وَهُوَ أنْ يَشْهَدَ انْفِرادَ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى بِالخَلْقِ والحُكْمِ، وأنَّهُ ما شاءَ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأنَّهُ لا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إلّا بِإذْنِهِ، وأنَّ الخَلْقَ مَقْهُورُونَ تَحْتَ قَبْضَتِهِ، وأنَّهُ ما مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنَ إصْبِعَيْنِ مِن أصابِعِهِ، إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ، وإنْ شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ، فالقُلُوبُ بِيَدِهِ، وهو مُقَلِّبُها ومُصَرِّفُها كَيْفَ شاءَ وكَيْفَ أرادَ، وأنَّهُ هو الَّذِي آتى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ تَقْواها، وهو الَّذِي هَداها وزَكّاها، وألْهَمَ نُفُوسَ الفُجّارِ فُجُورَها وأشْقاها، مَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، يَهْدِي مَن يَشاءُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، هَذا فَضْلُهُ وعَطاؤُهُ، وما فَضْلُ الكَرِيمِ بِمَمْنُونٍ، وهَذا عَدْلُهُ وقَضاؤُهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الإيمانُ بِالقَدَرِ نِظامُ التَّوْحِيدِ، فَمَن كَذَّبَ بِالقَدَرِ نَقَضَ تَكْذِيبُهُ تَوْحِيدَهُ، ومَن آمَنَ بِالقَدَرِ صَدَّقَ إيمانُهُ تَوْحِيدَهُ. وَفِي هَذا المَشْهَدِ يَتَحَقَّقُ لِلْعَبْدِ مَقامُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ عِلْمًا وحالًا، فَيَثْبُتُ قَدَمُ العَبْدِ في تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ يَرْقى مِنهُ صاعِدًا إلى تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ، فَإنَّهُ إذا تَيَقَّنَ أنَّ الضُّرَّ والنَّفْعَ، والعَطاءَ والمَنعَ، والهُدى والضَّلالَ، والسَّعادَةَ والشَّقاءَ كُلُّ ذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ لا بِيَدِ غَيْرِهِ، وأنَّهُ الَّذِي يُقَلِّبُ القُلُوبَ، ويُصَرِّفُها كَيْفَ يَشاءُ، وأنَّهُ لا مُوَفَّقَ إلّا مَن وفَّقَهُ وأعانَهُ، ولا مَخْذُولَ إلّا مَن خَذَلَهُ وأهانَهُ وتَخَلّى عَنْهُ، وأنَّ أصَحَّ القُلُوبِ وأسْلَمَها وأقْوَمَها، وأرَقَّها وأصْفاها، وأشَدَّها وألْيَنَها مَنِ اتَّخَذَهُ وحْدَهُ إلَهًا ومَعْبُودًا، فَكانَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن كُلِّ ما سِواهُ، وأخْوَفَ عِنْدَهُ مِن كُلِّ ما سِواهُ، وأرْجى لَهُ مِن كُلِّ ما سِواهُ، فَتَتَقَدَّمُ مَحَبَّتُهُ في قَلْبِهِ جَمِيعَ المَحابِّ، فَتَنْساقُ المَحابُّ تَبَعًا لَها كَما يَنْساقُ الجَيْشُ تَبَعًا لِلسُّلْطانِ، ويَتَقَدَّمُ خَوْفُهُ في قَلْبِهِ جَمِيعَ المُخَوِّفاتِ، فَتَنْساقُ المَخاوِفُ كُلُّها تَبَعًا لِخَوْفِهِ، ويَتَقَدَّمُ رَجاؤُهُ في قَلْبِهِ جَمِيعَ الرَّجاءِ، فَيَنْساقُ كُلُّ رَجاءٍ تَبَعًا لِرَجائِهِ. فَهَذا عَلامَةُ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ في هَذا القَلْبِ، والبابُ الَّذِي دَخَلَ إلَيْهِ مِنهُ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، أيْ بابُ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ هو تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ. [فصل: في أنه لا سعادة للقلب، ولا لذة، ولا نعيم، ولا صلاح إلا بأن يكون الله هو إلهه وفاطره وحده، وهو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواه] معلوم أن كل حَيّ سوى الله سبحانه: من ملك أو إنس أو جن أو حيوان، فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ولا يتم ذلك له إلا بتصوره للنافع والضار، والمنفعة من جنس النعيم واللذة، والمضرة من جنس الألم والعذاب. فلا بد له من أمرين: أحدهما معرفة ما هو المحبوب المطلوب الذي ينتفع به ويلتذ بإدراكه، والثاني: معرفة المعين الموصل المحصل لذلك المقصود. وبإزاء ذلك أمران آخران، أحدهما: مكروه بغيض ضار، والثاني: معين دافع له عنه، فهذه أربعة أشياء: أحدها: أمر هو محبوب مطلوب الوجود. الثاني: أمر مكروه مطلوب العدم. الثالث: الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب. الرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه. فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد، بل ولكل حيوان لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها. فإذا تقرر ذلك، فالله تعالى هو الذي يجب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب، الذي يراد وجهه، ويُبتغى قربه، ويطلب رضاه، وهو المعين على حصول ذلك. وعبودية ما سواه والالتفات إليه، والتعلق به: هو المكروه الضار، والله هو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع لهذه الأمور الأربعة دون ما سواه. فهو المعبود المحبوب المراد. وهو المعين لعبده على وصوله إليه وعبادته له. والمكروه البغيض إنما يكون بمشيئته وقدرته، وهو المعين لعبده على دفعه عنه، كما قال أعرف الخلق به صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أعُوذ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وأعُوذُ بِمُعافاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنكَ" وقال: "اللهُمَّ إنِّي أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، ووَجَّهْتُ وجْهِي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وألْجأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَغْبَةً ورَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلا إلَيْكَ". فمنه المنجى، وإليه الملجأ، وبه الاستعاذة من شر ما هو كائن بمشيئته وقدرته، فالإعاذة فعله، والمستعاذ منه فعله، أو مفعوله الذي خلقه بمشيئته. فالأمر كله له، والحمد كله له، والملك كله له، والخير كله في يديه، لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه كل أحد من خلقه. ولهذا كان صلاح العبد وسعادته في تحقيق معنى قوله: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب. فالأول: من معنى ألوهيته، والثاني: من معنى ربوبيته، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب: محبة، وإنابة، وإجلالا، وإكراما، وتعظيما، وذلا، وخضوعا، وخوفا ورجاء، وتوكلا. والرب تعالى هو الذي يربي عبده، فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى مصالحه فلا إله إلا هو ولا رب إلا هو، فكما أن ربوبية ما سواه أبطل الباطل، فكذلك إلهية ما سواه. وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وقوله عن نبيه شعيب ﴿وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] وقوله ﴿وَتَوَكّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بحمدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨] وقوله: ﴿وَتَبَتّلْ إلَيْهِ تَبْتيلًا رَبُّ المشْرِقِ والمغْرِبِ لا إلهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٨-٩] وقوله ﴿قُلْ هو رَبّي لاَ إلهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠] وقوله عن الحنفاءِ أتباع إبراهيم عليه لسلام ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المصِيُر﴾ [الممتحنة: ٤]. فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين لمعنيي التوحيد اللذين لا سعادة للعبد بدونهما ألبتة. الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته، الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته، والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم، ويتم نعيمهم، فلا يعطيهم في الآخرة شيئا خيرًا لهم ولا أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم، ولا أنعم لقلوبهم: من النظر إليه، وسماع كلامه منه بلا واسطة. ولم يعطهم في الدنيا شيئا خيرا لهم ولا أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم من الإيمان به، ومحبته والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، والتنعم بذكره. وقد جمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين هذين الأمرين في الدعاء الذي رواه النسائي والإمام أحمد، وابن حبان في صحيحه وغيرهم، من حديث عمار ابن ياسر: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدعو به "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينى ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضِرَّة، ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين". فجمع في هذا الدعاء العظيم القدر بين أطيب شيء في الدنيا، وهو الشوق إلى لقائه سبحانه، وأطيب شيء في الآخرة، وهو النظر إلى وجهه سبحانه. ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما يضر في الدنيا. ويفتن في الدين قال: "فى غير ضرّاء مضرة ولا فتنة مضلة". ولما كان كمال العبد في أن يكون عالما بالحق متبعا له معلمًا لغيره، مرشدا له قال: "واجْعَلْنا هُداةً مهتدينَ". ولما كان الرضى النافع المحصل للمقصود هو الرضى بعد وقوع القضاء لا قبله، فإن ذلك عزم على الرضى، فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم، سأل الرضى بعده، فإن المقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه والرضى بعد وقوعه. فمن سعادة العبد أن يجمع بينهما، كما في المسند وغيره عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "إن من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه بما قضى الله، وإن من شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله، وسخطه بما قضى الله تعالى". ولما كانت خشية الله عز وجل رأس كل خير في المشهد والمغيب، سأله خشيته في الغيب والشهادة. ولما كان أكثر الناس إنما يتكلم بالحق في رضاه، فإذا غضب أخرجه غضبه إلى الباطل، وقد يدخله أيضًا رضاه في الباطل، سأل الله عز وجل من توفيقه لكلمة الحق في الغضب والرضى. ولهذا قال بعض السلف: لا تكن ممن إذا رضى أدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب أخرجه غضبه من الحق. ولما كان الفقر والغنى محنتين وبليتين، يبتلى الله بهما عبده. ففى الغنى يبسط يده، وفي الفقر يقبضها، سأل الله عز وجل القصد في الحالين، وهو التوسط الذي ليس معه إسراف ولا تقتير. ولما كان النعيم نوعين: نوعا للبدن، ونوعا للقلب، وهو قرة العين، وكماله بدوامه واستمراره، جمع بينهما في قوله "أسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع". ولما كانت الزينة زينتين: زينة البدن، وزينة القلب، وكانت زينة القلب أعظمهما قدرا وأجلهما خطرا، وإذا حصلت زينة البدن على أكمل الوجوه في العقبى، سأل ربه الزينة الباطنة فقال: "زيِّنا بِزِينَةِ الإيمانِ". ولما كان العيش في هذه الدار لا يبرد لأحد كائنا من كان، بل هو محشو بالغصص والنكد، ومحفوف بالآلام الباطنة والظاهرة، سأل برد العيش بعد الموت. والمقصود: أنه جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا، وأطيب ما في الآخرة. فإن حاجة العباد إلى ربهم في عبادتهم إياه وتألههم له، كحاجتهم إليه في خلقه لهم، ورزقه إياهم، ومعافاة أبدانهم، وستر عوراتهم، وتأمين روعاتهم، بل حاجتهم إلى تألهه ومحبته وعبوديته أعظم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم. ولا صلاح لهم ولا نعيم ولا فلاح ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك بحال ولهذا كانت "لا إله إلا الله" أحسن الحسنات، وكان توحيد الإلهية رأس الأمر، وأما توحيد الربوبية الذي أقر به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلام في كتبهم، فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم، كما بين ذلك سبحانه في كتابه الكريم في عدة مواضع، ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار"، ولذلك يحب سبحانه عباده المؤمنين الموحدين ويفرح بتوبتهم، كما أن في ذلك أعظم لذة العبد وسعادته ونعيمه، فليس في الكائنات شيء غير الله سبحانه يسكن القلب إليه، ويطمئن به ويأنس به، ويتنعم بالتوجه إليه، ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة، فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته، وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ، وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا الله لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه. الوجه الثالث: أن فقر العبد إلى أن يعبد الله سبحانه وحده لا يشرك به شيئا ليس له نظير فيقاس به، ولكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء والشراب والنفس، فيقاس بها، ولكن بينهما فروق كثيرة، فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح له إلا بإلهه الحق الذي لا إله إلا هو، فلا يطمئن إلا بذكره، ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه، وهو كادح إليه كدحا فملاقيه، ولا بد له من لقائه، ولا صلاح له إلا بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه، ولو حصل له من اللذات والسرور بغيره ما حصل فلا يدوم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في حال، وبهذا في حال، وكثيرا ما يكون ذلك الذي يتنعم به هو أعظم أسباب ألمه ومضرته. وأما إلهه الحق فلا بد له منه في كل وقت وفي كل حال، وأينما كان فنفس الإيمان به ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره هو غذاء الإنسان وقوته، وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان، ودلت عليه السنة والقرآن، وشهدت به الفطرة والجنان، لا كما يقوله من قل نصيبه من التحقيق والعرفان، وبُخِس حظه من الإحسان: إن عبادته وذكره وشكره تكليف ومشقة، لمجرد الابتلاء والامتحان، أو لأجل مجرد التعويض بالثواب المنفصل كالمعاوضة بالأثمان، أو لمجرد رياضة النفس وتهذيبها ليرتفع عن درجة البهيم من الحيوان، كما في مقالات من بُخِسَ حظه من معرفة الرحمن، وقل نصيبه من ذوق حقائق الإيمان، وفرح بما عنده من زبَدَ الأفكار وزُبالة الأذهان، بل عبادته ومعرفته وتوحيده وشكره قرة عين الإنسان، وأفضل لذة للروح والقلب والجنان، وأطيب نعيم ناله من كان أهلا لهذا الشأن، والله المستعان، وعليه التكلان. وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول، وإن وقع ذلك ضمنا وتبعا في بعضها، لأسباب اقتضته لابد منها، هي من لوازم هذه النشأة. فأوامره سبحانه، وحقه الذي أوجبه على عباده، وشرائعه التي شرعها لهم هي قرة العيون ولذة القلوب، ونعيم الأرواح وسرورها، وبها شفاؤها وسعادتها وفلاحها، وكمالها في معاشها ومعادها، بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لمِا في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحمةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفضْلِ اللهِ وبِرحمتِه فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيٌر مِمّا يجمعُونَ﴾ [يونس: ٥٧-٥٨]. قال أبو سعيد الخدري "فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله" وقال هلال بن يساف "بالإسلام الذي هداكم إليه. وبالقرآن الذي علمكم إياه، هو خير مما تجمعون: من الذهب والفضة" وكذلك قال ابن عباس والحسن وقتادة "فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن" وقالت طائفة من السلف "فضله: القرآن، ورحمته: الإسلام". والتحقيق: أن كلا منهما فيه الوصفان، الفضل والرحمة، وهما الأمران اللذان امتن الله بهما على رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿وَكَذلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. والله سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان. ووضع من وضع بعدمهما. فإن قيل: فقد وقع تسمية ذلك تكليفا في القرآن كقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [الأنعام: ١٥٢]. قيل: نعم، إنما جاء ذلك في جانب النفي، ولم يسم سبحانه أوامره ووصاياه وشرائعه تكليفا قط، بل سماها روحا ونورا، وشفاء وهدى ورحمة، وحياة، وعهدا، ووصية، ونحو ذلك. الوجه الرابع: أن أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع خطابه، كما في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويُجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه" وفي حديث آخر: "فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه" فبين النبيّ عليه الصلاة والسلام أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة، لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين، فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين ألبتة. ولهذا قال سبحانه وتعالى في حق الكفار: ﴿كَلاَّ إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لمَحْجُوبُونَ ثُم إنَّهم لَصالُوا الجحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥-١٦]. فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة. ونعيم التمتع برؤيته، وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة في هذه السورة فقال في حق الأبرار: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٢،: ٢٣]. ولقد هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون. ﴿ثُمَّ إنّهم لَصالُوا الجحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦]. وتأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار في أعدائهم في الدنيا وسخروا به منهم، بضده في القيامة، فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم: ﴿وَإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] فقال تعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] مقابلة لتغامزهم وضحكهم منهم، ثم قال: فأطلق النظر، ولم يقيده بمنظور دون منظور، وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه. والنظر إليه أجل أنواع النظر وأفضلها، وهو أعلى مراتب الهداية، فقابل بذلك قولهم: ﴿إنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين ولا بد، إما بخصوصه، وإما بالعموم والإطلاق، ومن تأمل السياق لم يجد الآيتين تحتملان غير إرادة ذلك، خصوصا أو عموما. وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجه الأعلى سبحانه، فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له، فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة. فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب، وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم. الوجه الخامس: أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا ضلال، ولا نصر ولا خذلان، ولا خفض ولا رفع، ولا عز ولا ذل، بل الله وحده هو الذي يملك له ذلك كله، قال الله تعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الَحْكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] وقال تعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُردْكَ بِخَيْر فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] وقال تعالى: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠]. وقال تعالى عن صاحب يس: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِِّ عَنى شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣] وقال تعالى: ﴿يا أيها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣] وقال تعالى: ﴿أمَّنْ هذا الّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمنِ إنِ الكافِرُونَ إلاَّ في غُرُورٍ أمَّنْ هذا الّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ [الملك: ٢٠-٢١]. فجمع سبحانه بين النصر والرزق، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه بنصره، ويجلب له منافعه برزقه، فلا بد له من ناصر ورازق. والله وحده هو الذي ينصر ويرزق، فهو الرزاق ذو القوة المتين. ومن كمال فطنة العبد ومعرفته: أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يرفعه عنه غيره وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه. ويذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: "أدْرِكْ لِى لَطِيفَ الفِطْنَةِ، وخَفِي اللُّطْفِ، فَإنِّي أُحِبُّ ذلِكَ. قالَ: يا رب وما لَطِيفُ الفِطْنَةِ؟ قالَ: إنْ وقَعَتْ عَلَيْكَ ذُبابَةٌ فاعْلَمْ أنِّي أنا أوْقَعْتُها فاسْألْنِي أرْفَعْها. قالَ: وما خَفِيُّ اللُّطْفِ؟ قالَ: إذا أتَتْكَ حَبَّةٌ فاعْلَمْ أنِّي أنا ذَكَرْتُكَ بِها" وقد قال تعالى عن السحرة: ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بإذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فهو سبحانه وحده الذي يكفي عبده وينصره ويرزقه ويكلؤه. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: سمعت وهبا يقول: قال الله تعالى في بعض كتبه: "بِعِزَّتى، إنّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِى، فَإنْ كادَتْهُ السَّمواتُ بِمَن فِيهِنَّ، والأرَضُونَ بِمَن فِيهِنَّ، فَإنِّي أجْعَلُ لَهُ مِن ذلِكَ مَخْرَجًا، ومَن لَمْ يَعْتَصِمْ بِى، فَإنِّي أقْطَعُ يَدَيْهِ مِن أسْبابِ السَّماءِ وأخْسِفُ بِهِ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ الأرْضَ، فَأجْعَلُهُ في الهَواءِ، ثُمَّ أكِلُهُ إلى نَفْسِهِ، كَفِّى لِعَبْدِي مَلأى، إذا كانَ عَبْدِي في طاعَتِي أعْطِيِه قَبْلَ أنْ يَسْألَنى، وأسْتَجِيبُ لَهُ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَنِي، فإنِّي أعْلَمُ بِحاجَتِهِ الَّتى تَرْفُقُ بِهِ مِنهُ". قال أحمد: وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه، وهو يطوف بالبيت، فقلت له: حدثنى حديثا أحفظه عنك في مقامى هذا وأوجز، قال نعم: "أوْحى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى داوُدَ: يا داوُدُ، أما وعِزَّتِي وعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ بِي عَبْدٌ مِن عَبِيدِي دُونَ خَلْقِي - أعْرِفُ ذلِكَ مِن نِيتهِ - فَتَكِيدُهُ السَّمواتُ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ، والأرَضُونَ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ إلا جَعَلْتُ لَهُ مِن بَيْنِهنَّ مَخْرَجا؛ أما وعِزَّتِي وعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ عَبْدٌ مِن عِبادِي بِمَخْلُوقٍ دُونى - أعْرِفُ ذلِكَ مِن نِيَّتِهَ - إلا قَطَعْتُ أسبابَ السَّماءِ مِن يدِه، وأسَخْتُ الأرْضَ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ، ثُم لا أُبالِى بِأيِّ وادٍ هَلَكَ". وهذا الوجه أظهر للعامة من الذي قبله. ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول. وإذا تدبر اللبيب القرآن وجد الله سبحانه يدعو عباده بهذا الوجه إلى الوجه الأول، وهذا الوجه يقتضي التوكل على الله تعالى والاستعانة به، ودعاءه ومسألته دون ما سواه، ويقتضي أيضا: محبته وعبادته، لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه، فإذا أحبوه وعبدوه وتوكلوا عليه من هذا الوجه دخلوا منه إلى الوجه الأول. ونظير ذلك: من ينزل به بلاء عظيم، أو فاقة شديدة، أو خوف مقلق، فجعل يدعو الله سبحانه ويتضرع إليه، حتى فتح له من لذيذ مناجاته وعظيم الإيمان به، والإنابة إليه ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه، ويشتاق إليه، وفي نحو ذلك قال القائل: ؎جَزى اللهُ يَوْمَ الرَّوْعِ خَيْرًا، فَإنَّه ∗∗∗ أرانا عَلى عِلاتِهِ أمَّ ثابِتِ ؎أرانا مَصُوناتِ اْلحِجابِ، ولَمْ نَكُنْ ∗∗∗ نَراهنَّ إلا عِنْدَ نَعْتِ النَّواعِتِ الوجه السادس: أن تعلق العبد بما سوى الله تعالى مضرة عليه، إذا أخذ منه فوق القدر الزائد على حاجته، غير مستعين به على طاعته، فإذا نال من الطعام والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك، ولو أحب سوى الله ما أحب، فلا بد أن يسلبه ويفارقه، فإن أحبه لغير الله فلا بد أن تضره محبته ويعذب بمحبوبه، إما في الدنيا وإما في الآخرة، والغالب أنه يعذب به في الدارين، قال تعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفقُونَها في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ* يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤-٣٥]. وقال تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنّما يُرِيدُ اللهُ ليُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهُم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]. الوجه السابع: أن اعتماد العبد على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولا بد، عكس ما أمله منه، فلا بد أن يخذل من الجهة التي قدر أن ينصر منها، ويذم من حيث قدر أن يحمد، وهذا أيضا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة فهو معلوم بالاستقراء والتجارب، قال تعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزا كَلا سيَكْفُرُونَ بِعِبادَتهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدا﴾ [مريم: ٨١-٨٢] وقال تعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلّهم يُنْصَرُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤-٧٥]. أي يغضبون لهم ويحاربون، كما يغضب الجند ويحارب عن أصحابه، وهم لا يستطيعون نصرهم، بل هم كَل عليهم. وقال تعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولِكنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]. أي غير تخسير، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]. فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة، والحمد والثناء تارة، فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه، ويحصل له الخذلان والذم. والمقصود: أن هذين الوجهين في المخلوق وضدهما في الخالق سبحانه. فصلاح القلب وسعادته وفلاحه في عبادة الله تعالى والاستعانة به، وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق والاستعانة به. الوجه الثامن: أن الله سبحانه غني كريم، عزيز رحيم. فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعه إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانا. فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة، ولا ليعتز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه قوة، ولا لينفعوه، ولا ليدفعوا عنه، كما قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ منْهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ إنّ اللهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨] وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الحمْدُ لِلَّهِ الّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في الملْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِى مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. فهو سبحانه لا يوالي من يواليه من الذل، كما يوالي المخلوق المخلوق، وإنما يوالي أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم. وأما العباد فإنهم كما قال عز وجل: ﴿واللهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨]. الوجه التاسع: أن العبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يعرفه الله تعالى إياها، ولا يقدر على تحصيلها لك، حتى يقدره الله تعالى عليها، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة. فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه، وهو الذي بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فتعلق القلب بغيره رجاء وخوفا وتوكلا وعبودية: ضرر محض، لا منفعة فيه، وما يحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه وحده الذي قدرها ويسرها وأوصلها إليك. الوجه العاشر: أن غالب الخلق إنما يريدون قضاء حوائجهم منك، وإن أضر ذلك بدينك ودنياك، فهم إنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرتك، والرب تبارك وتعالى إنما يريدك لك، ويريد الإحسان إليك لك لا لمنفعته، ويريد دفع الضرر عنك، فكيف تعلق أملك ورجاءك، وخوفك بغيره؟ وجماع هذا أن تعلم: "أنَّ الَخلْقَ كُلّهم لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ تَعالى لَكَ، ولَوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهم عَلى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلا بشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ تَعالى عَلَيْكَ" قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لَنا هو مَولانا وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].