Tafsir Ibn Al-Qayyim — الفاتحة 1:6 – البقرة 2:34
المحتويات
الفاتحة 1:6
ثم تأمَّلَ ضرورته وفاقته إلى قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ الذي مضمونه معرفة الحق وقصده وإرادته والعمل به والثبات عليه والدعوة إليه والصبر على أذى المدعو، فباستكمال هذه المراتب الخمس تستكمل الهداية، وما نقص منها نقص من هدايته.
ولما كان العبد مفتقرًا إلى هذه الهداية في ظاهره وباطنه في جميع ما يأتيه ويذره:
من أمورٍ قد فعلها على غير الهداية علمًا وعملًا وإرادةً، فهو محتاج إلى التوبة منها، وتوبته منها هي الهداية.
وأمور قد هُدي إلى أصلها دون تفصيلها، فهو محتاج إلى هداية تفاصيلها.
وأمورٍ قد هُدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها، ليتمَّ له الهداية ويُزاد هدى إلى هداه.
وأمور يحتاج فيها إلى أن يحصل له من الهداية في مستقبلها مثل ما حصل له في ماضيها.
وأمور يعتقد فيها بخلاف ما هي عليه، فهو محتاج إلى هداية تنسخ من قلبه ذلك الاعتقاد، وتُثبِت فيه ضدَّه.
وأمور من الهداية هو قادر عليها، ولكن لم يخلق له إرادة فعلها، فهو محتاج في تمام الهداية إلى خلق إرادة يفعلها بها.
وأمور منها هو غير قادر على فعلها مع كونه مريدًا، فهو محتاج في هدايته إلى إقداره عليها.
وأمور منها هو غير قادر عليها ولا مريد لها فهو محتاج إلى خلق القدرة والإرادة له لتتم له الهداية.
وأمور هو قائم بها على وجه الهداية اعتقادًا وإرادة وعملًا، فهو محتاج إلى الثبات عليها واستدامتها.
كانت حاجته إلى سؤال الهداية أعظم الحاجات، وفاقته إليها أشد الفاقات، فرضَ عليه الرب الرحيم هذا السؤال كل يوم وليلة في أفضل أحواله وهي الصلوات الخمس مراتٍ متعددة، لشدة ضرورته وفاقته إلى هذا المطلوب.
(فصل)
قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها وهي بيده إن شاء أعطاها عبده وإن شاء منعه إياها والهداية معرفة الحق والعمل به فمن لم يجعله الله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي التي قال سبحانه فيها: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد وهي التي هدي بها ثمود فاستحبوا العمى عليها وهي التي قال تعالى فيها: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُون﴾ فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لا يضل من هداه بها فذاك عدله فيهم وهذا حكمته فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولا يليق بهم.
(فصل)
والهِدايَة هي العلم بِالحَقِّ مَعَ قَصده وإيثاره على غَيره، فالمهتدي هو العامِل بِالحَقِّ المريد لَهُ وهِي أعظم نعْمَة لله على العَبْد ولِهَذا أمرنا سُبْحانَهُ أن نَسْألهُ هِدايَة الصِّراط المُسْتَقيم كل يَوْم ولَيْلَة في صلواتنا الخمس فَإن العَبْد مُحْتاج إلى معرفَة الحق الَّذِي يرضي الله في كل حَرَكَة ظاهرة وباطنة، فَإذا عرفها فَهو مُحْتاج إلى من يلهمه قصد الحق فَيجْعَل إرادَته في قلبه ثمَّ إلى من يقدره على فعله، ومَعْلُوم أن ما يجهله العَبْد أضعاف أضعاف ما يُعلمهُ، وإن كل ما يعلم أنه حق لا تطاوعه نَفسه على إرادته ولَو أراده لعجز عَن كثير مِنهُ، فَهو مُضْطَر كل وقت إلى هِدايَة تتَعَلَّق بالماضي وبالحال والمستقبل.
أما الماضِي فَهو مُحْتاج إلى محاسبة نَفسه عَلَيْهِ، وهل وقع على السداد فيشكر الله عَلَيْهِ ويستديمه، أم خرج فِيهِ عَن الحق فيتوب إلى الله تَعالى مِنهُ ويتسغفره، ويعزم على أن لا يعود.
وَأما الهِدايَة في الحال فَهي مَطْلُوبَة مِنهُ، فَإنَّهُ ابْن وقته فَيحْتاج أن يعلم حكم ما هو متلبس بِهِ من الأفعال هَل هو صَواب أم خطأ.
وَأما المُسْتَقْبل فحاجته في الهِدايَة أظهر ليَكُون سيره على الطَّرِيق، وإذا كانَ هَذا شَأْن الهِدايَة علم أن العَبْد أشد شَيْء اضطرارا إليها، وأن ما يُورِدهُ بعض النّاس من السُّؤال الفاسِد وهِي أنا إذا كُنّا مهتدين فَأي حاجَة بِنا أن نسْأل الله أن يهدينا؟
وَهل هَذا إلا تَحْصِيل الحاصِل؟
أفسد سُؤال وأبعده عَن الصَّواب وهو دَلِيل على أن صاحبه لم يحصل معنى الهِدايَة ولا أحاط علما بحقيقتها ومسماها فَلذَلِك تكلّف من تكلّف الجَواب عَنهُ بأن المَعْنى ثبتنا على الهِدايَة وأدمها لنا.
وَمن أحاط علما بحقية الهِدايَة وحاجة العَبْد إليها علم أن الَّذِي لم يحصل لَهُ مِنها أضعاف ما حصل لَهُ أنه كل وقت مُحْتاج إلى هِدايَة متجددة لا سيما والله تَعالى خالق أفعال القُلُوب والجوارح فَهو كل وقت مُحْتاج أن يخلق الله لَهُ هِدايَة خاصَّة، ثمَّ إن لم يصرف عَنهُ المَوانِع والصوارف الَّتِي تمنع مُوجب الهِدايَة وتصرفها لم ينْتَفع بالهداية ولم يتم مقصودها لَهُ، فَإن الحكم لا يَكْفِي فِيهِ وجود مقتضيه بل لا بُد مَعَ ذَلِك من عدم مانعه ومنافيه.
وَمَعْلُوم أن وساوس العَبْد وخواطره وشهوات الغي في قلبه كل مِنها مانع وُصُول أثر الهِدايَة إليه فَإن لم يصرفها الله عَنهُ لم يهتد هدى تاما، فحاجاته إلى هِدايَة الله لَهُ مقرونة بأنفاسه وهِي أعظم حاجَة للْعَبد.
[فَصْلٌ: عَلَّمَ اللَّهُ عِبادَهُ كَيْفِيَّةَ سُؤالِهِ الهِدايَةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ]
وَلَمّا كانَ سُؤالُ اللَّهِ الهِدايَةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أجَلَّ المَطالِبِ، ونَيْلُهُ أشْرَفَ المَواهِبِ: عَلَّمَ اللَّهُ عِبادَهُ كَيْفِيَّةَ سُؤالِهِ، وأمَرَهم أنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حَمْدَهُ والثَّناءَ عَلَيْهِ، وتَمْجِيدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عُبُودِيَّتَهم وتَوْحِيدَهُمْ، فَهاتانِ وسِيلَتانِ إلى مَطْلُوبِهِمْ، تَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ، وهاتانِ الوَسِيلَتانِ لا يَكادُ يُرَدُّ مَعَهُما الدُّعاءُ، ويُؤَيِّدُهُما الوَسِيلَتانِ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثَيِ الِاسْمِ الأعْظَمِ اللَّذَيْنِ رَواهُما ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ.
أحَدُهُما: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أحَدٌ، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
فَهَذا تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ، وشَهادَةِ الدّاعِي لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، وثُبُوتِ صِفاتِهِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِاسْمِ الصَّمَدِ وهو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " العالِمُ الَّذِي كَمُلَ عِلْمُهُ، القادِرُ الَّذِي كَمُلَتْ قُدْرَتُهُ "، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: " هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِ السُّؤْدُدِ "، وقالَ أبُو وائِلٍ: " هو السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهى سُؤْدَدُهُ "، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وبِنَفْيِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ "
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ عَقِيدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، والتَّوَسُّلُ بِالإيمانِ بِذَلِكَ، والشَّهادَةُ بِهِ هو الِاسْمُ الأعْظَمُ.
والثّانِي: حَدِيثُ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، المَنّانُ، بَدِيعَ السَّماواتِ والأرْضِ، ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، فَقالَ: لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ» فَهَذا تَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ.
وَقَدْ جَمَعَتِ الفاتِحَةُ الوَسِيلَتَيْنِ، وهُما التَّوَسُّلُ بِالحَمْدِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ وتَمْجِيدِهِ، والتَّوَسُّلُ إلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ وتَوْحِيدِهِ، ثُمَّ جاءَ سُؤالُ أهَمِّ المَطالِبِ، وأنْجَحِ الرَّغائِبِ وهو الهِدايَةُ بَعْدَ الوَسِيلَتَيْنِ، فالدّاعِي بِهِ حَقِيقٌ بِالإجابَةِ.
وَنَظِيرُ هَذا دُعاءُ النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُو بِهِ إذا قامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ قَيُّومُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ الحَقُّ، ووَعْدُكَ الحَقُّ، ولِقاؤُكُ حَقٌّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنّارُ حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، والسّاعَةُ حَقٌّ، ومُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وبِكَ آمَنتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، ولَكَ خاصَمْتُ، وإلَيْكَ حاكَمْتُ، فاغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، أنْتَ إلَهِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ» فَذَكَرَ التَّوَسُّلَ إلَيْهِ بِحَمْدِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ وبِعُبُودِيَّتِهِ لَهُ، ثُمَّ سَألَهُ المَغْفِرَةَ.
[فصل: في مراتب الهداية]
ثُمَّ يَشْهَدُ مِن " اهْدِنا " عَشْرَ مَراتِبَ، إذا اجْتَمَعَتْ حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ.
المَرْتَبَةُ الأُولى: هِدايَةُ العِلْمِ والبَيانِ، فَيَجْعَلُهُ عالِمًا بِالحَقِّ مُدْرِكًا لَهُ.
الثّانِيَةُ: أنْ يُقْدِرَهُ عَلَيْهِ، وإلّا فَهو غَيْرُ قادِرٍ بِنَفْسِهِ.
الثّالِثَةُ: أنْ يَجْعَلَهُ مُرِيدًا لَهُ.
الرّابِعَةُ: أنْ يَجْعَلَهُ فاعِلًا لَهُ.
الخامِسَةُ: أنْ يُثَبِّتَهُ عَلى ذَلِكَ، ويَسْتَمِرَّ بِهِ عَلَيْهِ.
السّادِسَةُ: أنْ يَصْرِفَ عَنْهُ المَوانِعَ والعَوارِضَ المُضادَّةَ لَهُ.
السّابِعَةُ: أنْ يَهْدِيَهُ في الطَّرِيقِ نَفْسِها هِدايَةً خاصَّةً، أخَصَّ مِنَ الأُولى، فَإنَّ الأُولى هِدايَةٌ إلى الطَّرِيقِ إجْمالًا، وهَذِهِ هِدايَةٌ فِيها وفي مَنازِلِها تَفْصِيلًا.
الثّامِنَةُ: أنْ يُشْهِدَهُ المَقْصُودَ في الطَّرِيقِ، ويُنَبِّهَهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونَ مُطالِعًا لَهُ في سَيْرِهِ، مُلْتَفِتًا إلَيْهِ، غَيْرَ مُحْتَجَبٍ بِالوَسِيلَةِ عَنْهُ.
التّاسِعَةُ: أنَّ يُشْهِدَهُ فَقْرَهُ وضَرُورَتَهُ إلى هَذِهِ الهِدايَةِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ.
العاشِرَةُ: أنْ يُشْهِدَهُ الطَّرِيقَيْنِ المُنْحَرِفَيْنِ عَنْ طَرِيقِها، وهُما طَرِيقُ أهْلِ الغَضَبِ، الَّذِينَ عَدَلُوا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ قَصْدًا وعِنادًا، وطَرِيقُ أهْلِ الضَّلالِ الَّذِينَ عَدَلُوا عَنْها جَهْلًا وضَلالًا، ثُمَّ يَشْهَدُ جَمْعَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في طَرِيقٍ واحِدٍ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْبِياءِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، وأتْباعِهِمْ مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ.
فَهَذا هو الجَمْعُ الَّذِي عَلَيْهِ رُسُلُ اللَّهِ وأتْباعُهُمْ، فَمَن حَصَلَ لَهُ هَذا الجَمْعُ، فَقَدَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فصل)
المَوْضِعُ السّادِسُ: مِن قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فالهِدايَةُ: هي البَيانُ والدَّلالَةُ، ثُمَّ التَّوْفِيقُ والإلْهامُ، وهو بَعْدَ البَيانِ والدَّلالَةِ، ولا سَبِيلَ إلى البَيانِ والدَّلالَةِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ، فَإذا حَصَلَ البَيانُ والدَّلالَةُ والَتَّعْرِيفُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ هِدايَةُ التَّوْفِيقِ، وجَعْلُ الإيمانِ في القَلْبِ، وتَحْبِيبُهُ إلَيْهِ، وتَزْيِينُهُ في القَلْبِ، وجَعْلُهُ مُؤْثِرًا لَهُ، راضِيًا بِهِ، راغِبًا فِيهِ.
وَهُما هِدايَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ، لا يَحْصُلُ الفَلاحُ إلّا بِهِما، وهُما مُتَضَمِّنَتانِ تَعْرِيفَ ما لَمْ نَعْلَمْهُ مِنَ الحَقِّ تَفْصِيلًا وإجْمالًا، وإلْهامَنا لَهُ، وجَعْلَنا مُرِيدِينَ لِاتِّباعِهِ ظاهِرًا وباطِنًا، ثُمَّ خَلْقُ القُدْرَةِ لَنا عَلى القِيامِ بِمُوجَبِ الهُدى بِالقَوْلِ والعَمَلِ والعَزْمِ، ثُمَّ إدامَةُ ذَلِكَ لَنا وتَثْبِيتُنا عَلَيْهِ إلى الوَفاةِ.
وَمِن هُنا يُعْلَمُ اضْطِرارُ العَبْدِ إلى سُؤالِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ، وبُطْلانُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إذا كُنّا مُهْتَدِينَ، فَكَيْفَ نَسْألُ الهِدايَةَ؟ فَإنَّ المَجْهُولَ لَنا مِنَ الحَقِّ أضْعافُ المَعْلُومِ، وما لا نُرِيدُ فِعْلَهُ تَهاوُنًا وكَسَلًا مِثْلُ ما نُرِيدُهُ أوْ أكْثَرُ مِنهُ أوْ دُونَهُ، وما لا نَقْدِرُ عَلَيْهِ مِمّا نُرِيدُهُ كَذَلِكَ، وما نَعْرِفُ جُمْلَتَهُ ولا نَهْتَدِي لِتَفاصِيلِهِ فَأمْرٌ يَفُوتُ الحَصْرَ، ونَحْنُ مُحْتاجُونَ إلى الهِدايَةِ التّامَّةِ، فَمَن كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمُورُ كانَ سُؤالُ الهِدايَةِ لَهُ سُؤالَ التَّثْبِيتِ والوِئامِ.
وَلِلْهِدايَةِ مَرْتَبَةٌ أُخْرى وهي آخِرُ مَراتِبِها وهي الهِدايَةُ يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وهو الصِّراطُ المُوَصِّلُ إلَيْها، فَمَن هُدِيَ في هَذِهِ الدّارِ إلى صِراطِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِي أرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، هُدِيَ هُناكَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، المُوَصِّلِ إلى جَنَّتِهِ ودارِ ثَوابِهِ، وعَلى قَدْرِ ثُبُوتِ قَدَمِ العَبْدِ عَلى هَذا الصِّراطِ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ في هَذِهِ الدّارِ يَكُونُ ثُبُوتُ قَدَمِهِ عَلى الصِّراطِ المَنصُوبِ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وعَلى قَدْرِ سَيْرِهِ عَلى هَذِهِ الصِّراطِ يَكُونُ سَيْرُهُ عَلى ذاكَ الصِّراطِ، فَمِنهم مَن يَمُرُّ كالبَرْقِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كالطَّرْفِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كالرِّيحِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كَشَدِّ الرِّكابِ، ومِنهم مَن يَسْعى سَعْيًا، ومِنهم مَن يَمْشِي مَشْيًا، ومِنهم مَن يَحْبُو حَبْوًا، ومِنهُمُ المَخْدُوشُ المُسَلَّمُ، ومِنهُمُ المُكَرْدَسُ في النّارِ، فَلْيَنْظُرِ العَبْدُ سَيْرَهُ عَلى ذَلِكَ الصِّراطِ مِن سَيْرِهِ عَلى هَذا، حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، جَزاءً وِفاقًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠].
وَلْيَنْظُرِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ الَّتِي تَعُوقُهُ عَنْ سَيْرِهِ عَلى هَذا الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّها الكَلالِيبُ الَّتِي بِجَنَبَتَيْ ذاكَ الصِّراطِ، تَخْطَفُهُ وتَعُوقُهُ عَنِ المُرُورِ عَلَيْهِ، فَإنْ كَثُرَتْ هُنا وقَوِيَتْ فَكَذَلِكَ هي هُناكَ ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
فَسُؤالُ الهِدايَةِ مُتَضَمِّنٌ لِحُصُولِ كُلِّ خَيْرٍ، والسَّلامَةِ مِن كُلِّ شَرٍّ.
[فَصْلٌ: مَراتِبُ الهِدايَةِ الخاصَّةِ والعامَّةِ]
[المَرْتَبَةُ الأُولى تَكْلِيمُ اللَّهِ]
فَصْلٌ: في مَراتِبِ الهِدايَةِ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وهي عَشْرُ مَراتِبَ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: مَرْتَبَةُ تَكْلِيمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِعَبْدِهِ يَقَظَةً بِلا واسِطَةٍ، بَلْ مِنهُ إلَيْهِ، وهَذِهِ أعْلى مَراتِبِها، كَما كَلَّمَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ، صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فَذَكَرَ في أوَّلِ الآيَةِ وحْيَهُ إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ كَلَّمَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكْلِيمَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الوَحْيِ الَّذِي ذُكِرَ في أوَّلِ الآيَةِ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ كَلَّمَ وهو التَّكْلِيمُ رَفْعًا لِما يَتَوَهَّمُهُ المُعَطِّلَةُ والجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ وغَيْرُهم مِن أنَّهُ إلْهامٌ، أوْ إشارَةٌ، أوْ تَعْرِيفٌ لِلْمَعْنى النَّفْسِيِّ بِشَيْءٍ غَيْرِ التَّكْلِيمِ، فَأكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ المُفِيدِ تَحْقِيقَ النِّسْبَةِ ورَفْعَ تَوَهُّمِ المَجازِ، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي ما يُوصَلُ إلى الإنْسانِ كَلامًا بِأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ، ولَكِنْ لا تُحَقِّقُهُ بِالمَصْدَرِ، فَإذا حَقَّقَتْهُ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ، كالإرادَةِ، يُقالُ: فُلانٌ أرادَ إرادَةً، يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الإرادَةِ، ويُقالُ: أرادَ الجِدارُ، ولا يُقالُ: إرادَةً، لِأنَّهُ مَجازٌ غَيْرُ حَقِيقَةٍ، هَذا كَلامُهُ، وقالَ تَعالى ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهَذا التَّكْلِيمُ غَيْرُ التَّكْلِيمِ الأوَّلِ الَّذِي أرْسَلَهُ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، وفي هَذا التَّكْلِيمِ الثّانِي سَألَ النَّظَرَ لا في الأوَّلِ، وفِيهِ أُعْطِيَ الألْواحَ، وكانَ عَنْ مُواعَدَةٍ مِنَ اللَّهِ لَهُ، والتَّكْلِيمُ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ عَنْ مُواعَدَةٍ، وفِيهِ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أيْ بِتَكْلِيمِي لَكَ بِإجْماعِ السَّلَفِ.
وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ أنَّهُ ناداهُ وناجاهُ، فالنِّداءُ مِن بُعْدٍ، والنِّجاءُ مِن قُرْبٍ، تَقُولُ العَرَبُ: إذا كَبُرَتِ الحَلْقَةُ فَهو نِداءٌ، أوْ نِجاءٌ، وقالَ لَهُ أبُوهُ آدَمُ في مُحاجَّتِهِ: «أنْتَ مُوسى الَّذِي اصْطَفاكَ اللَّهُ بِكَلامِهِ، وخَطَّ لَكَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ؟»، وكَذَلِكَ يَقُولُ لَهُ أهْلُ
المَوْقِفِ إذا طَلَبُوا مِنهُ الشَّفاعَةَ إلى رَبِّهِ، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ الإسْراءِ في رُؤْيَةِ مُوسى في السَّماءِ السّادِسَةِ أوِ السّابِعَةِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَةِ، قالَ: وذَلِكَ بِتَفْضِيلِهِ بِكَلامِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ التَّكْلِيمُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِن جِنْسِ ما حَصَلَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّخْصِيصِ لَهُ في هَذِهِ الأحادِيثِ مَعْنًى، ولا كانَ يُسَمّى كِلِيمَ الرَّحْمَنِ وقالَ تَعالى ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] فَفَرَّقَ بَيْنَ تَكْلِيمِ الوَحْيِ، والتَّكْلِيمِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، والتَّكْلِيمِ مِن وراءِ حِجابٍ.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ مَرْتَبَةُ الوَحْيِ المُخْتَصِّ بِالأنْبِياءِ]
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] وقالَ ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] الآيَةَ، فَجَعَلَ الوَحْيَ في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمًا مِن أقْسامِ التَّكْلِيمِ، وجَعَلَهُ في آيَةِ النِّساءِ قَسِيمًا لِلتَّكْلِيمِ، وذَلِكَ باعْتِبارَيْنِ، فَإنَّهُ قَسِيمُ التَّكْلِيمِ الخاصِّ الَّذِي هو بِلا واسِطَةٍ، وقِسْمٌ مِنَ التَّكْلِيمِ العامِّ الَّذِي هو إيصالُ المَعْنى بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
والوَحْيُ في اللُّغَةِ هو الإعْلامُ السَّرِيعُ الخَفِيُّ، ويُقالُ في فِعْلِهِ: وحى، وأوْحى،
قالَ رُؤْبَةُ:
وَحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ
. وهو أقْسامٌ، كَما سَنَذْكُرُهُ.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: إرْسالُ الرَّسُولِ المَلَكِيِّ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ]
فَيُوحى إلَيْهِ عَنِ اللَّهِ ما أمَرَهُ أنْ يُوَصِّلَهُ إلَيْهِ.
فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثُ خاصَّةٌ بِالأنْبِياءِ لا تَكُونُ لِغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ هَذا الرَّسُولُ المَلَكِيُّ قَدْ يَتَمَثَّلُ لِلرَّسُولِ البَشَرِيِّ رَجُلًا، يَراهُ عِيانًا ويُخاطِبُهُ، وقَدْ يَراهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، وقَدْ يَدْخُلُ فِيهِ المَلَكُ، ويُوحِي إلَيْهِ ما يُوحِيهِ، ثُمَّ يَفْصِمُ عَنْهُ، أيْ يُقْلِعُ، والثَّلاثَةُ حَصَلَتْ لِنَبِيِّنا ﷺ.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: مَرْتَبَةُ التَّحْدِيثِ]
وَهَذِهِ دُونَ مَرْتَبَةِ الوَحْيِ الخاصِّ، وتَكُونُ دُونَ مَرْتَبَةِ الصِّدِّيقِينَ، كَما كانَتْ لِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّهُ كانَ في الأُمَمِ قَبْلَكم مُحَدَّثُونَ، فَإنْ يَكُنْ في هَذِهِ الأُمَّةِ فَعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ».
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: جَزَمَ بِأنَّهم كائِنُونَ في الأُمَمِ قَبْلَنا، وعَلَّقَ وُجُودَهم في هَذِهِ الأُمَّةِ بِ " إنْ " الشَّرْطِيَّةِ، مَعَ أنَّها أفْضَلُ الأُمَمِ، لِاحْتِياجِ الأُمَمِ قَبْلَنا إلَيْهِمْ، واسْتِغْناءِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْهم بِكَمالِ نَبِيِّها ورِسالَتِهِ، فَلَمْ يُحْوِجِ اللَّهُ الأُمَّةَ بَعْدَهُ إلى مُحَدَّثٍ ولا مُلْهَمٍ، ولا صاحِبِ كَشْفٍ ولا مَنامٍ، فَهَذا التَّعْلِيقُ لِكَمالِ الأُمَّةِ واسْتِغْنائِها لا لِنَقْصِها.
والمُحَدَّثُ: هو الَّذِي يُحَدِّثُ في سِرِّهِ وقَلْبِهِ بِالشَّيْءِ، فَيَكُونُ كَما يُحَدِّثُ بِهِ.
قالَ شَيْخُنا: والصِّدِّيقُ أكْمَلُ مِنَ المُحَدَّثِ، لِأنَّهُ اسْتَغْنى بِكَمالِ صَدِّيقِيَّتِهِ ومُتابَعَتِهِ عَنِ التَّحْدِيثِ والإلْهامِ والكَشْفِ، فَإنَّهُ قَدْ سَلَّمَ قَلْبَهُ كُلَّهُ وسِرَّهُ وظاهِرَهُ وباطِنَهُ لِلرَّسُولِ، فاسْتَغْنى بِهِ عَمّا مِنهُ.
قالَ: وكانَ هَذا المُحَدَّثُ يَعْرِضُ ما يُحَدِّثُ بِهِ عَلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَإنْ وافَقَهُ قَبِلَهُ، وإلّا رَدَّهُ، فَعُلِمَ أنَّ مَرْتَبَةَ الصِّدِّيقِيَّةِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ التَّحْدِيثِ.
قالَ: وأمّا ما يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِن أصْحابِ الخَيالاتِ والجَهالاتِ: حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي، فَصَحِيحٌ أنَّ قَلْبَهُ حَدَّثَهُ، ولَكِنْ عَمَّنْ؟ عَنْ شَيْطانِهِ، أوْ عَنْ رَبِّهِ؟ فَإذا قالَ: حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي، كانَ مُسْنِدًا الحَدِيثَ إلى مَن لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ، وذَلِكَ كَذِبٌ، قالَ: ومُحَدَّثُ الأُمَّةِ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ ذَلِكَ، ولا تَفَوَّهَ بِهِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِن أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، بَلْ كَتَبَ كاتِبُهُ يَوْمًا: هَذا ما أرى اللَّهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ: لا، امْحُهُ واكْتُبْ: هَذا ما رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، فَإنْ كانَ صَوابًا فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ كانَ خَطَأً فَمِن عُمَرَ واللَّهُ ورَسُولُهُ مِنهُ بَرِيءٌ، وقالَ في الكَلالَةِ: أقُولُ فِيها بِرَأْيِي، فَإنْ يَكُنْ صَوابًا فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي ومِنَ الشَّيْطانِ، فَهَذا قَوْلُ المُحَدَّثِ بِشَهادَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وأنْتَ تَرى الِاتِّحادِيَّ والحُلُولِيَّ والإباحِيَّ الشَطّاحَ، والسَّماعِيَّ مُجاهِرًا بِالقِحَةِ والفِرْيَةِ، يَقُولُ: " حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي ".
فانْظُرْ إلى ما بَيْنَ القائِلَيْنِ والمَرْتَبَتَيْنِ والقَوْلَيْنِ والحالَيْنِ، وأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، ولا تَجْعَلِ الزَّغَلَ والخالِصَ شَيْئًا واحِدًا.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ مَرْتَبَةُ الإفْهامِ]
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨] فَذَكَرَ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ الكَرِيمَيْنِ، وأثْنى عَلَيْهِما بِالعِلْمِ والحُكْمِ، وخَصَّ سُلَيْمانَ بِالفَهْمِ في هَذِهِ الواقِعَةِ المُعَيَّنَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وقَدْ سُئِلَ " هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ " فَقالَ: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ، وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وكانَ فِيها العَقْلُ، وهو الدِّياتُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ "، وفي كِتابِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: والفَهْمَ الفَهْمَ فِيما أُدْلِيَ إلَيْكَ، فالفَهْمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، ونُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ، يَعْرِفُ بِهِ، ويُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ ولا يَعْرِفُهُ، فَيَفْهَمُ مِنَ النَّصِّ ما لا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، مَعَ اسْتِوائِهِما في حِفْظِهِ، وفَهْمِ أصْلِ مَعْناهُ.
فالفَهْمُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عُنْوانُ الصِّدِّيِقِيَّةِ، ومَنشُورُ الوِلايَةِ النَّبَوِيَّةِ، وفِيهِ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ العُلَماءِ، حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدٍ، فانْظُرْ إلى فَهْمِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ سَألَهُ عُمَرُ، ومَن حَضَرَ مِن أهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ عَنْ سُورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وما خُصَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ مِن فَهْمِهِ مِنها أنَّها نَعْيُ اللَّهِ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ إلى نَفْسِهِ وإعْلامُهُ بِحُضُورِ أجَلِهِ، ومُوافَقَةِ عُمَرَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، وخَفائِهِ عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ وابْنُ عَبّاسٍ إذْ ذاكَ أحْدَثُهم سِنًّا، وأيْنَ تَجِدُ في هَذِهِ السُّورَةِ الإعْلامَ بِأجَلِهِ، لَوْلا الفَهْمُ الخاصُّ؟ ويَدِقُّ هَذا حَتّى يَصِلَ إلى مَراتِبَ تَتَقاصَرُ عَنْها أفْهامُ أكْثَرِ النّاسِ، فَيُحْتاجُ مَعَ النَّصِّ إلى غَيْرِهِ، ولا يَقَعُ الِاسْتِغْناءُ بِالنُّصُوصِ في حَقِّهِ، وأمّا في حَقِّ صاحِبِ الفَهْمِ فَلا يُحْتاجُ مَعَ النُّصُوصِ إلى غَيْرِها.
[فَصْلٌ: المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ مَرْتَبَةُ البَيانِ العامِّ]
وَهُوَ تَبْيِينُ الحَقِّ وتَمْيِيزُهُ مِنَ الباطِلِ بِأدِلَّتِهِ وشَواهِدِهِ وأعْلامِهِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ مَشْهُودًا لِلْقَلْبِ، كَشُهُودِ العَيْنِ لِلْمَرْئِيّاتِ.
وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي حُجَّةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، الَّتِي لا يُعَذِّبُ أحَدًا ولا يُضِلُّهُ إلّا بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] فَهَذا الإضْلالُ عُقُوبَةٌ مِنهُ لَهُمْ، حِينَ بَيَّنَ لَهم فَلَمْ يَقْبَلُوا ما بَيَّنَهُ لَهُمْ، ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَعاقَبَهم بِأنْ أضَلَّهم عَنِ الهُدى، وما أضَلَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَدًا قَطُّ إلّا بَعْدَ هَذا البَيانِ.
وَإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ سِرَّ القَدَرِ، وزالَتْ عَنْكَ شُكُوكٌ كَثِيرَةٌ، وشُبَهاتٌ في هَذا البابِ، وعَلِمْتَ حِكْمَةَ اللَّهِ في إضْلالِهِ مَن يُضِلُّهُ مِن عِبادِهِ، والقُرْآنُ يُصَرِّحُ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] فالأوَّلُ: كُفْرُ عِنادٍ، والثّانِي: كُفْرُ طَبْعٍ، وقَوْلِهِ ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] فَعاقَبَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ حِينَ تَيَقَّنُوهُ وتَحَقَّقُوهُ، بِأنْ قَلَّبَ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم فَلَمْ يَهْتَدُوا لَهُ.
فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ مَوْضِعٌ عَظِيمٌ.
وَقالَ تَعالى ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] فَهَذا هُدًى بَعْدَ البَيانِ والدِّلالَةِ، وهو شَرْطٌ لا مُوجِبٌ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ هُدًى آخَرُ بَعْدَهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ كَمالُ الِاهْتِداءِ، وهو هُدى التَّوْفِيقِ والإلْهامِ.
وَهَذا البَيانُ نَوْعانِ: بَيانٌ بِالآياتِ المَسْمُوعَةِ المَتْلُوَّةِ، وبَيانٌ بِالآياتِ المَشْهُودَةِ المَرْئِيَّةِ، وكِلاهُما أدِلَّةٌ وآياتٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وكَمالِهِ، وصِدْقِ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَنْهُ، ولِهَذا يَدْعُو عِبادَهُ بِآياتِهِ المَتْلُوَّةِ إلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ويَحُضُّهم عَلى التَّفْكِيرِ في هَذِهِ وهَذِهِ، وهَذا البَيانُ هو الَّذِي بُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وجُعِلَ إلَيْهِمْ وإلى العُلَماءِ بَعْدَهُمْ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] فالرُّسُلُ تُبَيِّنُ، واللَّهُ هو الَّذِي يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ البَيانُ الخاصُّ]
وَهُوَ البَيانُ المُسْتَلْزِمُ لِلْهِدايَةِ الخاصَّةِ، وهو بَيانٌ تُقارِنُهُ العِنايَةُ والتَّوْفِيقُ والِاجْتِباءُ، وقَطْعُ أسْبابِ الخِذْلانِ ومَوادِّها عَنِ القَلْبِ، فَلا تَتَخَلَّفُ عَنْهُ الهِدايَةُ ألْبَتَّةَ، قالَ تَعالى في هَذِهِ المَرْتَبَةِ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] وقالَ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فالبَيانُ الأوَّلُ شَرْطٌ، وهَذا مُوجِبٌ.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ مَرْتَبَةُ الإسْماعِ]
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] وقَدْ قالَ تَعالى ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩] وهَذا الإسْماعُ أخَصُّ مِن إسْماعِ الحُجَّةِ والتَّبْلِيغِ، فَإنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لَهُمْ، وبِهِ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ ذاكَ إسْماعُ الآذانِ، وهَذا إسْماعُ القُلُوبِ، فَإنَّ الكَلامَ لَهُ لَفْظٌ ومَعْنًى، ولَهُ نِسْبَةٌ إلى الأُذُنِ والقَلْبِ وتَعَلُّقٌ بِهِما، فَسَماعُ لَفْظِهِ حَظُّ الأُذُنِ، وسَماعُ حَقِيقَةِ مَعْناهُ ومَقْصُودِهِ حَظُّ القَلْبِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ نَفى عَنِ الكُفّارِ سَماعَ المَقْصُودِ والمُرادِ الَّذِي هو حَظُّ القَلْبِ، وأثْبَتَ لَهم سَماعَ الألْفاظِ الَّذِي هو حَظُّ الأُذُنِ في قَوْلِهِ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢] وهَذا السَّماعُ لا يُفِيدُ السّامِعَ إلّا قِيامَ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، أوْ تُمَكِّنُهُ مِنها، وأمّا مَقْصُودُ السَّماعِ وثَمَرَتُهُ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَلا يَحْصُلُ مَعَ لَهْوِ القَلْبِ وغَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ، بَلْ يَخْرُجُ السّامِعُ قائِلًا لِلْحاضِرِ مَعَهُ ﴿ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦].
والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ ومَرْتَبَةِ الإفْهامِ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ إنَّما تَحْصُلُ بِواسِطَةِ الأُذُنِ،
وَمَرْتَبَةُ الإفْهامِ أعَمُّ، فَهي أخَصُّ مِن مَرْتَبَةِ الفَهْمِ مِن هَذا الوَجْهِ، ومَرْتَبَةُ الفَهْمِ أخَصُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهي أنَّها تَتَعَلَّقُ بِالمَعْنى المُرادِ ولَوازِمِهِ ومُتَعَلَّقاتِهِ وإشاراتِهِ، ومَرْتَبَةُ السَّماعِ مَدارُها عَلى إيصالِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ إلى القَلْبِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا السَّماعِ سَماعُ القَبُولِ.
فَهُوَ إذَنْ ثَلاثُ مَراتِبَ: سَماعُ الأُذُنِ، وسَماعُ القَلْبِ، وسَماعُ القَبُولِ والإجابَةِ.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ مَرْتَبَةُ الإلْهامِ]
[الإلْهامُ هو مَقامُ المُحَدِّثِينَ]
قالَ تَعالى ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٧] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِ حُصَيْنِ بْنِ مُنْذِرٍ الخُزاعِيِّ لَمّا أسْلَمَ «قُلِ: اللَّهُمَّ ألْهِمْنِي رُشْدِي، وقِنِي شَرَّ نَفْسِي».
وَقَدْ جَعَلَ صاحِبُ المَنازِلِ الإلْهامَ هو مَقامُ المُحَدَّثِينَ، قالَ: وهو فَوْقَ مَقامِ الفِراسَةِ، لِأنَّ الفِراسَةَ رُبَّما وقَعَتْ نادِرَةً، واسْتُصْعِبَتْ عَلى صاحِبِها وقْتًا، أوِ اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ، والإلْهامُ لا يَكُونُ إلّا في مَقامٍ عَتِيدٍ.
قُلْتُ: التَّحْدِيثُ أخَصُّ مِنَ الإلْهامِ، فَإنَّ الإلْهامَ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ إيمانِهِمْ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ فَقَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ رُشْدَهُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ بِهِ الإيمانُ، فَأمّا التَّحْدِيثُ فالنَّبِيُّ ﷺ قالَ فِيهِ «إنْ يَكُنْ في هَذِهِ الأُمَّةِ أحَدٌ فَعُمَرُ» يَعْنِي مِنَ المُحَدَّثِينَ، فالتَّحْدِيثُ إلْهامٌ خاصٌّ، وهو الوَحْيُ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ إمّا مِنَ المُكَلَّفِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وقَوْلِهِ ﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] وإمّا مِن غَيْرِ المُكَلَّفِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] فَهَذا كُلُّهُ وحَيُّ إلْهامٍ.
وَأمّا جَعْلُهُ فَوْقَ مَقامِ الفَراسَةِ فَقَدِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الفَراسَةَ رُبَّما وقَعَتْ نادِرَةً كَما تَقَدَّمَ، والنّادِرُ لا حُكْمَ لَهُ، ورُبَّما اسْتَعْصَتْ عَلى صاحِبِها واسْتُصْعِبَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ تُطاوِعْهُ، والإلْهامُ لا يَكُونُ إلّا في مَقامٍ عَتِيدٍ، يَعْنِي في مَقامِ القُرْبِ والحُضُورِ.
والتَّحْقِيقُ في هَذا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ " الفِراسَةِ " و" الإلْهامِ " يَنْقَسِمُ إلى عامٍّ وخاصٍّ، وخاصُّ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَوْقَ عامِّ الآخَرِ، وعامُّ كُلِّ واحِدٍ قَدْ يَقَعُ كَثِيرًا، وخاصُّهُ قَدْ يَقَعُ نادِرًا، ولَكِنَّ الفَرْقَ الصَّحِيحَ أنَّ الفِراسَةَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِنَوْعِ كَسْبٍ وتَحْصِيلٍ، وأمّا الإلْهامُ فَمَوْهِبَةٌ مُجَرَّدَةٌ، لا تُنالُ بِكَسْبٍ ألْبَتَّةَ.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ العاشِرَةُ الرُّؤْيا الصّادِقَةُ]
فَصْلٌ المَرْتَبَةُ العاشِرَةُ مِن مَراتِبَ الهِدايَةِ: الرُّؤْيا الصّادِقَةُ
وَهِيَ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «الرُّؤْيا الصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
وَقَدْ قِيلَ في سَبَبِ هَذا التَّخْصِيصِ المَذْكُورِ: إنَّ أوَّلَ مُبْتَدَأِ الوَحْيِ كانَ هو الرُّؤيا الصّادِقَةُ، وذَلِكَ نِصْفُ سَنَةٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى وحْيِ اليَقَظَةِ مُدَّةَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، مِن حِينِ بُعِثَ إلى أنْ تُوُفِّيَ، صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فَنِسْبَةُ مُدَّةِ الوَحْيِ في المَنامِ مِن ذَلِكَ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا، وهَذا حَسَنٌ، لَوْلا ما جاءَ في الرِّوايَةِ الأُخْرى الصَّحِيحَةِ " «إنَّها جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا» ".
وَقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ بَيْنَهُما: إنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ حالِ الرّائِي، فَإنَّ رُؤْيا الصِّدِّيِقِينَ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ، ورُؤْيا عُمُومِ المُؤْمِنِينَ الصّادِقَةَ مِن سَبْعِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
والرُّؤْيا مَبْدَأُ الوَحْيِ، وصِدْقُها بِحَسَبِ صِدْقِ الرّائِي، وأصْدَقُ النّاسِ رُؤْيا أصْدَقُهم حَدِيثًا، وهي عِنْدَ اقْتِرابِ الزَّمانِ لا تَكادُ تُخْطِئُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ، وذَلِكَ لِبُعْدِ العَهْدِ بِالنُّبُوَّةِ وآثارِها، فَيَتَعَوَّضُ المُؤْمِنُونَ بِالرُّؤْيا، وأمّا في زَمَنِ قُوَّةِ نُورِ النُّبُوَّةِ فَفي ظُهُورِ نُورِها وقُوَّتِهِ ما يُغْنِي عَنِ الرُّؤْيا.
وَنَظِيرُ هَذا الكَراماتُ الَّتِي ظَهَرَتْ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحابَةِ، ولَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِمْ، لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْها بِقُوَّةِ إيمانِهِمْ، واحْتِياجِ مَن بَعْدَهم إلَيْها لِضَعْفِ إيمانِهِمْ، وقَدْ نَصَّ أحْمَدُ عَلى هَذا المَعْنى، وقالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ: رُؤْيا المُؤْمِنِ كَلامٌ يُكَلِّمُ بِهِ الرَّبُّ عَبْدَهُ في المَنامِ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلّا المُبَشِّراتُ، قِيلَ: وما المُبَشِّراتُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ» وإذا تَواطَأتْ رُؤْيا المُسْلِمِينَ لَمْ تَكْذِبْ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأصْحابِهِ لَمّا أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ، قالَ «أرى رُؤْياكم قَدْ تَواطَأتْ في العَشْرِ الأواخِرِ، فَمَن كانَ مِنكم مُتَحَرِّيَها فَلْيَتَحَرَّها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ».
والرُّؤْيا كالكَشْفِ، مِنها رَحِمانِيُّ، ومِنها نَفْسانِيُّ، ومِنها شَيْطانِيُّ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: رُؤْيا مِنَ اللَّهِ، ورُؤْيا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطانِ، ورُؤْيا مِمّا يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ في اليَقَظَةِ، فَيَراهُ في المَنامِ».
والَّذِي هو مِن أسْبابِ الهِدايَةِ: هو الرُّؤْيا الَّتِي مِنَ اللَّهِ خاصَّةً.
وَرُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، فَإنَّها مَعْصُومَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وهَذا بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ، ولِهَذا أقْدَمَ الخَلِيلُ عَلى ذَبْحِ ابْنِهِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالرُّؤْيا.
وَأمّا رُؤْيا غَيْرِهِمْ فَتُعْرَضُ عَلى الوَحْيِ الصَّرِيحِ، فَإنْ وافَقَتْهُ وإلّا لَمْ يُعْمَلْ بِها.
فَإنْ قِيلَ: فَما تَقُولُونَ إذا كانَتْ رُؤْيا صادِقَةٌ، أوْ تَواطَأتْ؟
قُلْنا: مَتّى كانَتْ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مُخالَفَتُها لِلْوَحْيِ، بَلْ لا تَكُونُ إلّا مُطابِقَةً لَهُ، مُنَبِّهَةً عَلَيْهِ، أوْ مُنَبِّهَةً عَلى انْدِراجِ قَضِيَّةٍ خاصَّةٍ في حُكْمِهِ، لَمْ يَعْرِفِ الرّائِي انْدِراجَها فِيهِ، فَيَتَنَبَّهُ بِالرُّؤْيا عَلى ذَلِكَ، ومَن أرادَ أنْ تُصَدَّقَ رُؤْياهُ فَلْيَتَحَرَّ الصِّدْقَ وأكْلَ الحَلالِ، والمُحافَظَةَ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، ولْيَنَمْ عَلى طِهارَةٍ كامِلَةٍ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ويَذْكُرُ اللَّهَ حَتّى تَغْلِبَهُ عَيْناهُ، فَإنَّ رُؤْياهُ لا تَكادُ تَكْذِبُ ألْبَتَّةَ.
وَأصْدَقُ الرُّؤْيا: رُؤْيا الأسْحارِ، فَإنَّهُ وقْتُ النُّزُولِ الإلَهِيِّ، واقْتِرابِ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ، وسُكُونِ الشَّياطِينِ، وعَكْسُهُ رُؤْيا العَتْمَةِ، عِنْدَ انْتِشارِ الشَّياطِينِ والأرْواحِ الشَّيْطانِيَّةِ، وقالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رُؤْيا المُؤْمِنِ كَلامٌ يُكَلِّمُ بِهِ الرَّبُّ عَبْدَهُ في المَنامِ.
وَلِلرُّؤْيا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِها، يُرِيها العَبْدَ في أمْثالٍ تُناسِبُهُ وتُشاكِلُهُ، فَيَضْرِبُها لِكُلِّ أحَدٍ بِحَسَبِهِ، وقالَ مالِكٌ: "الرُّؤْيا مِنَ الوَحْيِ وحْيٌ"
وَزَجَرَ عَنْ تَفْسِيرِها بِلا عِلْمٍ، وقالَ: أتَتَلاعَبُ بِوَحْيِ اللَّهِ؟
وَلِذِكْرِ الرُّؤْيا وأحْكامِها وتَفاصِيلِها وطُرُقِ تَأْوِيلِها مَظانُّ مَخْصُوصَةٌ بِها، يُخْرِجُنا ذِكْرُها عَنِ المَقْصُودِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
[فصل: في حاجَةُ العَبْدِ إلى أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ]
وَلا تَتِمُّ لَهُ سَلامَةُ القَلْبِ لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا حَتّى يَسْلَمَ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ:
مِن شِرْكٍ يُناقِضُ التَّوْحِيدَ، وبِدْعَةٍ تُخالِفُ السُّنَّةَ، وشَهْوَةٍ تُخالِفُ الأمْرَ، وغَفْلَةٍ تُناقِضُ الذِّكْرَ، وهَوًى يُناقِضُ التَّجْرِيدَ والإخْلاصَ.
وَهَذِهِ الخَمْسَةُ حُجُبٌ عَنِ اللَّهِ، وتَحْتَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، تَتَضَمَّنُ أفْرادًا لا تَنْحَصِرُ.
وَلِذَلِكَ اشْتَدَّتْ حاجَةُ العَبْدِ بَلْ ضَرُورَتُهُ، إلى أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أحْوَجَ مِنهُ إلى هَذِهِ الدَّعْوَةِ، ولَيْسَ شَيْءٌ أنْفَعَ لَهُ مِنها.
فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ يَتَضَمَّنُ: عُلُومًا، وإرادَةً، وأعْمالًا، وتُرُوكًا ظاهِرَةً وباطِنَةً تَجْرِي عَلَيْهِ كُلَّ وقْتٍ، فَتَفاصِيلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ قَدْ يَعْلَمُها العَبْدُ وقَدْ لا يَعْلَمُها، وقَدْ يَكُونُ ما لا يَعْلَمُهُ أكْثَرَ مِمّا يَعْلَمُهُ، وما يَعْلَمُهُ قَدْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وقَدْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ وإنْ عَجَزَ عَنْهُ، وما يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَدْ تُرِيدُهُ نَفْسُهُ وقَدْ لا تُرِيدُهُ كَسَلًا وتَهاوُنًا، أوْ لِقِيامِ مانِعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما تُرِيدُهُ قَدْ يَفْعَلُهُ وقَدْ لا يَفْعَلُهُ، وما يَفْعَلُهُ قَدْ يَقُومُ فِيهِ بِشُرُوطِ الإخْلاصِ وقَدْ لا يَقُومُ، وما يَقُومُ فِيهِ بِشُرُوطِ الإخْلاصِ قَدْ يَقُومُ فِيهِ بِكَمالِ المُتابَعَةِ وقَدْ لا يَقُومُ، وما يَقُومُ فِيهِ بِالمُتابَعَةِ قَدْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ وقَدْ يُصْرَفُ قَلْبُهُ عَنْهُ، وهَذا كُلُّهُ واقِعٌ سارٍ في الخَلْقِ، فَمُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ.
وَلَيْسَ في طِباعِ العَبْدِ الهِدايَةُ إلى ذَلِكَ، بَلْ مَتى وُكِلَ إلى طِباعِهِ حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وهَذا هو الإرْكاسُ الَّذِي أرْكَسَ اللَّهُ بِهِ المُنافِقِينَ بِذُنُوبِهِمْ، فَأعادَهم إلى طِباعِهِمْ وما خُلِقَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم مِنَ الجَهْلِ والظُّلْمِ، والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، ونَهْيِهِ وأمْرِهِ، فَيَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وجَعْلِهِ الهِدايَةَ حَيْثُ تَصْلُحُ، ويَصْرِفُ مَن يَشاءُ عَنْ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ المَحَلِّ، وذَلِكَ مُوجِبُ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو عَلَيْهِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نَصَبَ لِخَلْقِهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا يُوصِلُهم إلَيْهِ، فَهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَنَصَبَ لِعِبادِهِ مِن أمْرِهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا دَعاهم جَمِيعًا إلَيْهِ حُجَّةً مِنهُ وعَدْلًا، وهَدى مَن يَشاءُ مِنهم إلى سُلُوكِهِ نِعْمَةً مِنهُ وفَضْلًا، ولَمْ يَخْرُجْ بِهَذا العَدْلِ وهَذا الفَضْلِ عَنْ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو عَلَيْهِ، فَإذا كانَ يَوْمُ لِقائِهِ نَصَبَ لِخَلْقِهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا يُوَصِّلُهم إلى جَنَّتِهِ، ثُمَّ صَرَفَ عَنْهُ مَن صَرَفَ عَنْهُ في الدُّنْيا، وأقامَ عَلَيْهِ مَن أقامَهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، نُورًا ظاهِرًا يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ في ظُلْمَةِ الحَشْرِ، وحَفِظَ عَلَيْهِمْ نُورَهم حَتّى قَطَعُوهُ كَما حَفِظَ عَلَيْهِمُ الإيمانَ حَتّى لَقَوْهُ، وأطْفَأ نُورَ المُنافِقِينَ أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْهِ، كَما أطْفَأهُ مِن قُلُوبِهِمْ في الدُّنْيا.
وَأقامَ أعْمالَ العُصاةِ بِجَنْبَتَيِ الصِّراطِ كَلالِيبَ وحَسَكًا تَخْطِفُهم كَما خَطَفَتْهم في الدُّنْيا عَنِ الِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ، وجَعَلَ قُوَّةَ سَيْرِهِمْ وسُرْعَتَهم عَلى قَدْرِ قُوَّةِ سَيْرِهِمْ وسُرْعَتِهِمْ في الدُّنْيا، ونَصَبَ لِلْمُؤْمِنِينَ حَوْضًا يَشْرَبُونَ مِنهُ بِإزاءِ شُرْبِهِمْ مِن شَرْعِهِ في الدُّنْيا، وحَرَمَ مِنَ الشُّرْبِ مِنهُ هُناكَ مَن حُرِمَ الشُّرْبَ مِن شَرْعِهِ ودِينِهِ هاهُنا.
فانَظُرْ إلى الآخِرَةِ كَأنَّها رَأْيُ عَيْنٍ، وتَأمَّلْ حِكْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في الدّارَيْنِ، تَعْلَمْ حِينَئِذٍ عِلْمًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ: أنَّ الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ وعُنْوانُها وأُنْمُوذَجُها، وأنَّ مَنازِلَ النّاسِ فِيها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عَلى حَسَبِ مَنازِلِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وضِدِّهِما، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَمِن أعْظَمِ عُقُوباتِ الذُّنُوبِ - الخُرُوجُ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
[كلام جامع: في الهدى والضلال ومراتبهما والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم]
هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله فإن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ما يقسمه له الهدى وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال وكل نعمة دون نعمة الهدى وكل مصيبة دون مصيبة الضلال وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد وأن العبد هو الضال أو المهتدي فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن فأما مراتب الهدى فأربعة: إحداها: الهدى العام وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها وهذا أعم مراتبه.
المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده وهذا خاص بالمكلفين وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى وأعم من الثالثة.
المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء وهي هداية التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل.
المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار.
(فصل)
فأما المرتبة الأولى فقد قال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾
فذكر سبحانه أربعة أمور عامة الخلق والتسوية والتقدير والهداية وجعل التسوية من تمام الخلق والهداية من تمام التقدير قال عطاء "خلق فسوى أحسن ما خلقه وشاهده قوله تعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ فإحسان خلقه يتضمن تسويته وتناسب خلقه وأجزائه بحيث لم يحصل بينها تفاوت يخل بالتناسب والاعتدال فالخلق الإيجاد والتسوية إتقانه وإحسان خلقه"
وقال الكلبي "خلق كل ذي روح فجمع خلقه وسواه باليدين والعينين والرجلين"
وقال مقاتل" خلق لكل دابة ما يصلح لها من الخلق"
وقال أبو إسحاق "خلق الإنسان مستويا" وهذا تمثيل وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ وقال: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماوات﴾ فالتسوية شاملة لجميع مخلوقاته: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير فتأمل ذلك فإنه يزيل عنك الإشكال في قوله: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها وتمام هذا يأتي إن شاء الله في باب دخول الشر في القضاء عند قول النبي ﷺ: "والشر ليس إليك"
والمقصود أن كل مخلوق فقد سواه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه وإن فاتته التسوية من وجه آخر لم يخلق له.
(فصل)
وأما التقدير والهداية فقال مقاتل "قدر خلق الذكر والأنثى فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها"
وقال ابن عباس والكلبي وكذلك قال عطاء "قدر من النسل ما أراد ثم هدى الذكر للأنثى" واختار هذا القول صاحب النظم فقال: "معنى هدى هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها" لأن إتيان ذكران الحيوان لإناثه مختلف لاختلاف الصور والخلق والهيآت فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك وقال مقاتل أيضا: "هداه لمعيشته ومرعاه"
وقال السدي: "قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج"
وقال مجاهد: "هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة"
وقال الفراء: "التقدير فهدى وأضل فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر" قلت: الآية أعم من هذا كله وأضعف الأقوال فيها قول الفراء إذا المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته وهو نظير قوله: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ فإعطاء الخلق إيجاده في الخارج والهداية التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه لا تفسير مطابق للآية فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه طيره ودوابه فصيحه وأعجمه وكذلك قول من قال أنه هداية الذكر لإتيان الأنثى تمثيل أيضا وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله وكذلك قول من قال هداه للمرعى فإن ذلك من الهداية فإن الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم.
وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب وذلك أن لها أميرا ومدبرا وهو اليعسوب وهو أكبر جسما من جميع النحل وأحسن لونا وشكلا وإناث النحل تلد في إقبال الربيع وأكثر أولادها يكن إناثا وإذا وقع فيها ذكر لم تدعه بينها بل إما أن تطرده وإما أن تقتله إلا طائفة يسيرة منها تكون حول الملك وذلك أن الذكر منها لا تعمل شيئا ولا تكسب ثم تجمع الأمهات وفراخها عند الملك فيخرج بها إلى المرعى من المزوج والرياض والبساتين والمراتع في أقصد الطرق وأقربها فيجتني منها كفايتها فيرجع بها الملك فإذا انتهوا إلى الخلايا وقف على بابها ولم يدع ذكرا ولا نحلة غريبة تدخلها فإذا تكامل دخولها دخل بعدها وتواجدت النحل على مقاعدها وأماكنها فيبتدئ الملك بالعمل كأنه يعلمها إياه فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه ويترك الملك العمل ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات الأوراق والأنوار ثم تقتسم النحل فرقا فمنها فرقة تلزم الملك ولا تفارقه ولا تعمل ولا تكسب وهم حاشية الملك من الذكورة ومنها فرقة تهيئ الشمع وتصنعه والشمع هو ثفل العسل وفيه حلاوة كحلاوة التين وللنحل فيه عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل فينظفه النحل ويصفيه ويخلصه مما يخالطه من أبوالها وغيرها وفرقة تبني البيوت وفرقة تسقي الماء وتحمله على متونها وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل وإذا رأت بينها نحلة مهينة بطالة قطعها وقتلها حتى لا تفسد عليهن بقية العمال وتعديهن ببطالتها ومهانتها وأول ما يبنى في الخلية مقعد الملك وبيته فيبنى له بيتا مربعا يشبه السرير والتخت فيجلس عليه ويستدير حوله طائفة من النحل يشبه الأمراء والخدم والخواص لا يفارقنه ويجعل النحل بين يديه شيئا يشبه الحوض يصب فيه من العسل أصفى ما يقدر عليه ويملأ منه الحوض يكون ذلك طعاما للملك وخواصه ثم يأخذن في ابتناء البيوت على خطوط متساوية كأنها سكك ومحال وتبنى بيوتها مسدسة متساوية الأضلاع كأنها قرأت كتاب أقليدس حتى عرفت أوفق الأشكال لبيوتها لأن المطلوب من بناء الدور هو الوثاقة والسعة والشكل المسدس دون سائر الأشكال إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صار شكلا مستديرا كاستدارة الرحى ولا يبقى فيه فروج ولا خلل ويشد بعضه بعضا حتى يصير طبقا واحدا محكما لا يدخل بين بيوته رؤوس الإبر فتبارك الذي ألهمها أن تبني بيوتها هذا البناء المحكم الذي يعجز البشر عن صنع مثله فعلمت أنها محتاجة إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين إحداهما: أن لا يكون زواياها ضيقة حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلا.
الثانية: أن تكون تلك البيوت مشكلة بأشكال إذا انضم بعضها إلى بعض وامتلأت العرصة منها فلا يبقى منها ضائعا ثم إنها علمت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هو المسدس فقط فإن المثلثات والمربعات وإن أمكن امتلاء العرصة منها إلا أن زواياها ضيقة وأما سائر الأشكال وإن كانت زواياها واسعة إلا أنها لا تمتلئ العرصة منها بل يبقى فيما بينها فروج خالية ضائعة.
وأما المسدس فهو موصوف بهاتين الصفتين فهداها سبحانه على بناء بيوتها على هذا الشكل من غير مسطر ولا آلة ولا مثال يحتذى عليه وأصنع بني آدم لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالآلات الكبيرة فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها على قوتها، وتأتها ذللا لا تستعصي عليها ولا تضل عنها، وأن تجتني أطيب ما في المرعى وألطفه وأن تعود إلى بيوتها الخالية فتصب فيها شرابا مختلفا ألوانه (فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون)
فإذا فرغت من بناء البيوت خرجت خماصا تسيح سهلا وجبلا فأكلت من الحلاوات المرتفعة على رؤوس الأزهار وورق الأشجار فترجع بطانا وجعل سبحانه في أفواهها حرارة منضجة تنضج ما جنته فتعيده حلاوة ونضجا ثم تمجه في البيوت حتى إذا امتلأت ختمتها وسدت رؤوسها بالشمع المصفى فإذا امتلأت تلك البيوت عمدت إلى مكان آخر إن صادفته فاتخذت فيه بيوتا وفعلت كما فعلت في البيوت الأولى فإذا برد الهوى وأخلف المرعى وحيل بينها وبين الكسب لزمت بيوتها واغتذت بما ادخرته من العسل وهي في أيام الكسب والسعي تخرج بكرة وتسيح في المراتع وتستعمل كل فرقة منها بما يخصها من العمل فإذا أمست رجعت إلى بيوتها وإذا كان وقت رجوعها وقف على باب الخلية بواب منها ومعه أعوان فكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد منها رائحة منكرة أو رأى بها لطخة من قذر منعها من الدخول وعزلها ناحية إلى أن يدخل الجميع فيرجع إلى المعزولات الممنوعات من الدخول فيتفقدهن ويكشف أحوالهن مرة ثانية فمن وجده قد وقع على شيء منتن أو نجس قده نصفين ومن كانت جنايته خفيفة تركه خارج الخلية هذا دأب البواب كل عشية
وأما الملك فلا يكثر الخروج من الخلية إلا نادرا إذا اشتهى التنزه فيخرج ومعه أمراء النحل والخدم فيطوف في المروج والرياض والبساتين ساعة من النهار ثم يعود إلى مكانه ومن عجيب أمره أنه ربما لحقه أذى من النحل أو من صاحب الخلية أو من خدمه فيغضب ويخرج من الخلية ويتباعد عنها ويتبعه جميع النحل وتبقى الخلية خالية فإذا رأى صاحبها ذلك وخاف أن يأخذ النحل ويذهب بها إلى مكان آخر احتال لاسترجاعه وطلب رضاه فيتعرف موضعه الذي صار إليه بالنحل فيعرفه باجتماع النحل إليه فإنها لا تفارقه وتجتمع عليه حتى تصير عليه عنقودا وهو إذا خرج غضبا جلس على مكان مرتفع من الشجرة وطافت به النحل وانضمت إليه حتى يصير كالكرة فيأخذ صاحب النحل رمحا أو قصبة طويلة ويشد على رأسه حزمة من النبات الطيب الرائحة العطر النظيف ويدنيه إلى محل الملك ويكون معه إما مزهر أو يراع أو شيء من آلات الطرب فيحركه وقد أدنى إليه ذلك الحشيش فلا يزال كذلك إلى أن يرضى الملك فإذا رضي وزال غضبه طفر ووقع على الضغث وتبعه خدمه وسائر النحل فيحمله صاحبه إلى الخلية فينزل ويدخلها هو وجنوده ولا يقع النحل على جيفة ولا حيوان ولا طعام ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة ولا تدين لطاعتها، والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العسالة وهي تحاول مقاتلة الطوال القليلة النفع وإخراجها ونفيها عن الخلايا وإذا فعلت ذلك جاد العسل وتجتهد أن تقتل ما تريد قتلها خارج الخلية صيانة للخلية عن جيفته ومنها صنف قليل النفع كبير الجسم وبينها وبين العسالة حرب فهي تقصدها وتغتالها وتفتح عليها بيوتها وتقصد هلاكها والعسالة شديدة التيقظ والتحفظ منها فإذا هجمت عليها في بيوتها حاولتها وألجأتها إلى أبواب البيوت فتتلطخ بالعسل فلا تقدر على الطيران ولا يفلت منها الآكل طويل العمر فإذا انقضت الحرب وبرد القتال عادت إلى القتلى فحملتها وألقتها خارج الخلية وقد ذكرنا أن الملك لا يخرج إلا في الأحايين وإذا خرج خرج في جموع من الفراخ والشبان وإذا عزم على الخروج ظل قبل ذلك اليوم أو يومين يعلم الفراخ وينزلها منازلها ويرتبها فيخرج ويخرجن معه على ترتيب ونظام قد دبره معهن لا يخرجن عنه وإذا تولدت عنده ذكران عرف أنهن يتطلبن الملك فيجعل كل واحد منهم على طائفة من الفراخ ولا يقتل ملك منها ملكا آخر لما في ذلك من فساد الرعية وهلاكها وتفرقها وإذا رأى صاحب الخلية الملوك قد كثرت في الخلية وخاف من تفرق النحل بسببهم احتال عليهم وأخذ الملوك كلها إلا واحدا ويحبس الباقي عنده في إناء ويدع عندهم من العسل ما يكفيهم حتى إذا حدث بالملك المنصوب حدث مرض أو موت أو كان مفسدا فقتلته النحل أخذ من هؤلاء المحبوسين واحدا وجعله مكانه لئلا يبقى النحل بلا ملك فيتشتت أمرها ومن عجيب أمرها أن الملك إذا خرج متنزها ومعه الأمراء والجنود ربما لحقه إعياء فتحمله الفراخ وفي النحل كرام عمال لها سعي وهمة واجتهاد وفيها لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة للبطالة فالكرام دائما تطردها وتنفيها عن الخلية ولا تساكنها خشية أن تعدي كرامها وتفسدها والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه ولذلك لا تلقي زبلها إلا حين تطير وتكره النتن والروائح الخبيثة وأبكارها وفراخها أحرس وأشد اجتهادا من الكبار وأقل لسعا وأجود عسلا ولسعها إذا لسعت أقل ضررا من لسع الكبار ولما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته لما لم يشركها فيه غيرها وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام والنور الذي يضيء في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام كان أكثر الحيوان أعداء وكان أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة وهذه سنة الله في خلقه وهو العزيز الحكيم.
(فصل)
وهذه النمل من أهدى الحيوانات وهدايتها من أعجب شيء فإن النملة الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها وإن بعدت عليها الطريق فإذا ظفرت به حملته وساقته في طرق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل إلى بيوتها فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين لئلا ينبت فإن كان ينبت مع فلقه باثنتين فلقته بأربعة فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به يوما ذا شمس فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها ثم أعادته إليها ولا تتغذى منها نملة مما جمعه غيرها ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾
فاستفتحت خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته ثم أتت بالاسم المبهم ثم أتبعته بما يثبته من اسم الجنس إرادة للعموم ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم فيتحصنون من العسكر ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول وهو خشية أن يصيبهم معرة الجيش فيحطمهم سليمان وجنوده ثم اعتذرت عن نبي الله وجنوده بأنهم لا يشعرون بذلك وهذا من أعجب الهداية.
وتأمل كيف عظم الله سبحانه شأن النمل بقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾
ثم قال: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي ودل على أن ذلك الوادي معروفا بالنمل كوادي السباع ونحوه ثم أخبر بما دل على شدة فطنة هذه النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم فقد عرفت هي والنمل أن لكل طائفة منها مسكنا لا يدخل عليهم فيه سواهم ثم قالت ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾ فجمعت بين اسمه وعينه وعرفته بهما وعرفت جنوده وقائدها ثم قالت ﴿وهم لا يشعرون﴾ فكأنها جمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش بكونهم لا يشعرون وبين لوم أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم ويدخلوا مساكنهم ولذلك تبسم نبي الله ضاحكا من قولها وإنه لموضع تعجب وتبسم.
وقد روى الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عيينة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: "نهى عن قتل النمل والنحلة والهدهد والصرد" وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "نزل بني من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج وأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح فهلا نملة واحدة" وذكر هشام بن حسان: "أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدة فأمر الأحنف بكرسي فوضع عند تنورين فجلس عليه ثم تشهد ثم قال لتنتهن أو ليحرقن عليكن ونفعل ونفعل قال فذهبن"
وروى عوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال قال أبو موسى الأشعري: "إن لكل شيء سادة حتى للنمل سادة ومن عجيب هدايتها أنها تعرف ربها بأنه فوق سماواته على عرشه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد من حديث أبي هريرة يرفعه قال: "خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون فأذاهم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء تدعو مستلقية على ظهرها فقال ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم بغيركم" ولهذا الأثر عدة طرق ورواه الطحاوي في التهذيب وغيره وقال الإمام أحمد حدثنا قال: "خرج سليمان بن داؤد يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنا عن سقياك ورزقك فأما أن تسقينا وترزقنا وإما أن تهلكنا فقال ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم" ولقد حدثني أن نملة خرجت من بيتها فصادفت شق جرادة فحاولت أن تحمله فلم تطق فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها قال فرفعت ذلك من الأرض فطافت في مكانه فلم تجده فانصرفوا وتركوها قال فوضعته فعادت تحاول حمله فلم تقدر فذهبت وجاءت بهم فرفعته فطافت فلم تجده فانصرفوا قال فعلت ذلك مرارا فلما كان في المرة الأخرى استدار النمل حلقة ووضعوها في وسطها وقطعوها عضوا عضوا.
قال شيخنا: وقد حكيت له هذه الحكاية فقال هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب وعقوبة الكذاب والنمل من أحرص الحيوان ويضرب بحرصه المثل ويذكر أن سليمان صلوات الله وسلامه عليه لما رأى حرص النملة وشدة ادخارها للغذاء استحضر نملة وسألها كم تأكل النملة من الطعام كل سنة قالت ثلاث حبات من الحنطة فأمر بإلقائها في قارورة وسد فم القارورة وجعل معها ثلاث حبات حنطة وتركها سنة بعد ما قالت ثم أمر بفتح القارورة عند فراغ السنة فوجد حبة ونصف حبة فقال أين زعمك أنت زعمت أن قوتك كل سنة ثلاث حبات فقالت: نعم ولكن لما رأيتك مشغولا بمصالح أبناء جنسك حسبت الذي بقي من عمري فوجدته أكثر من المدة المضروبة فاقتصرت على نصف القوت واستبقيت نصفه استبقاء لنفسي فعجب سليمان من شدة حرصها وهذا من أعجب الهداية والعطية ومن حرصها أنها تكد طوال الصيف وتجمع للشتاء علما منها بإعواز الطلب في الشتاء وتعذر الكسب فيه وهي على ضعفها شديدة القوى فإنها تحمل أضعاف أضعاف وزنها وتجره إلى بيتها ومن عجيب أمرها أنك إذا أخذت عضو كزبرة يابس فأدنيته إلى أنفك لم تشم له رائحة فإذا وضعته على الأرض أقبلت النملة من مكان بعيد إليه فإن عجزت عن حمله ذهبت وأتت معها بصف من النمل يحتملونه فكيف وجدت رائحة ذلك من جوف بيتها حتى أقبلت بسرعة إليه فهي تدرك بالشم من البعد ما يدركه غيرها بالبصر أو بالسمع فتأتي من مكان بعيد إلى موضع أكل فيه الإنسان وبقي فيه فتات من الخبز أو غيره فتحلمه وتذهب به وإن كان أكبر منها فإن عجزت عن حمله ذهبت إلى جحرها وجاءت معها بطائفة من أصحابها فجاؤا كخيط أسود يتبع بعضهم بعضا حتى يتساعدوا على حمله ونقله وهي تأتي إلى السنبلة فتشمها فإن وجدتها حنطة قطعتها ومزقتها وحملتها وإن وجدتها شعيرا فلا ولها صدق الشم وبعد الهمة وشدة الحرص والجرأة على محاولة نقل ما هو أضعاف أضعاف وزنها وليس للنمل قائد ورئيس يدبرها كما يكون للنحل إلا أن لها رائدا يطلب الرزق فإذا وقف عليه أخبر أصحابه فيخرجن مجتمعات وكل نملة تجتهد في صلاح العامة منها غير مختلسة من الحب شيئا لنفسها دون صواحباتها ومن عجيب أمرها أن الرجل إذا أراد أن يحترز من النمل لا يسقط في عسل أو نحوه فإنه يحفر حفيرة ويجعل حولها ماء أو يتخذ إناء كبيرا ويملأه ماء ثم يضع فيه ذلك الشيء فيأتي الذي يطيف به فلا يقدر عليه فيتسلق في الحائط ويمشي على السقف إلى أن يحاذي ذلك الشيء فتلقي نفسها عليه وجربنا نحن ذلك وأحمى صانع مرة طوقا بالنار ورماه على الأرض ليبرد واتفق أن اشتمل الطوق على نمل فتوجه في الجهات ليخرج فلحقه وهج النار فلزم المركز ووسط الطوق وكان ذلك مركزا له وهو أبعد مكان من المحيط.
(فصل)
وهذا الهدهد من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه غيره ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أن قال لنبي الله سليمان وقد فقده وتوعده فلما جاءه بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة وخاطبه خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه فقال أحطت بما لم تحط به وفي ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به وهو خبر عظيم له شأن فلذلك قال ﴿وجئتك من سبأ بنبإ يقين﴾
والنبأ هو الخبر الذي له شأن والنفوس متطلعة إلى معرفته ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد فقال إني وجدت امرأة تملكهم ثم أخبر عن شأن تلك الملكة وأنها من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها التي تجلس عليه وأنه عرش عظيم ثم أخبره بما يدعوهم إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال: ﴿وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾
وحذف أداة العطف من هذه الجملة وأتى بها مستقلة غير معطوفة على ما قبلها إيذانا بأنها هي المقصودة وما قبلها توطئة لها ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله وحده ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج الخبء في السماوات والأرض وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض وفي ذكر الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب تعالى بخصوصه إشعار بما خصه الله به من إخراج الماء المخبوء تحت الأرض قال صاحب الكشاف "وفي إخراج الخبء إمارة على أنه من كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله فما عمل آدمي عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله".
(فصل)
وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية حتى قال الشافعي: "أعقل الطير الحمام"
وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب ربما زادت قيمة الطير منها على قيمة المملوك والعبد فإن الغرض الذي يحصل به لا يحصل بمملوك ولا بحيوان غيره لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ألف فرسخ فما دونها وتنهي الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها مهمات الممالك والدول والقيمون بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناء عظيما فيفرقون بين ذكورها وإناثها وقت السفاد وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها والإناث عن ذكورها ويخافون عليها من فساد أنسابها وحملها من غيرها ويتعرفون صحة طرقها ومحلها لا يأمنون أن تفسد الأنثى ذكرا من عرض الحمام فتعتريها الهجنة والقيمون بأمرها لا يحفظون أرحام نسائهم ويحتاطون لها كما يحفظون أرحام حمامهم ويحتاطون لها والقيمون لهم في ذلك قواعد وطرق يعتنون بها غاية الاعتناء بحيث إذا رأوا حماما ساقطا لم يخف عليهم حسبها ونسبها وبلدها ويعظمون صاحب التجربة والمعرفة وتسمح أنفسهم بالجعل الوافر له ويختارون لحمل الكتب والرسائل الذكور منها ويقولون هو أحن إلى بيته لمكان أنثاه وهو أشد متنا وأقوى بدنا وأحسن اهتداء وطائفة منهم يختار لذلك الإناث ويقولون الذكر إذا سافر وبعد عهده حن إلى الإناث وتاقت نفسه إليهن فربما رأى أنثى في طريقه ومجيئه فلا يصبر عنها فيترك المسير ومال إلى قضاء وطره منها وهدايته على قدر التعليم والتوطين والحمام موصوف باليمن والألف للناس ويحب الناس ويحبونه ويألف المكان ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه وإن أساء إليه ويعود إليه من مسافات بعيدة وربما صد فترك وطنه عشر حجج وهو ثابت على الوفاء حتى إذا وجد فرصة واستطاعة عاد إليه والحمام إذا أراد السفاد يلطف للأنثى غاية اللطف فيبدأ بنشر ذنبه وإرخاء جناحه ثم يدنو من الأنثى فيهدر لها ويقبلها ويزفها وينتفش ويرفع صدره ثم يعتريه ضرب من الوله والأنثى في ذلك مرسلة جناحها وكتفها على الأرض فإذا قضى حاجته منها ركبته الأنثى وليس ذلك في شيء من الحيوان سواه وإذا علم الذكر أنه أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد يقدم هو والأنثى بطلب القصب والحشيش وصغار العيدان فيعملان منه أفحوصة وينسجانها نسجا متداخلا في الوضع الذي يكون بقدر حيمان الحمامة ويجعلان حروفها شاخصة مرتفعة لئلا يتدحرج عنها البيض ويكون حصنا للحاضن ثم يتعاودان ذلك المكان ويتعاقبان الأفحوص يسخنانه ويطيبانه وينفيان طباعه الأول ويحدثان فيه طبعا آخر مشتقا ومستخرجا من طباع أبدانهما ورائحتهما لكي تقع البيضة إذا وقعت في مكان هو أشبه المواضع بأرحام الحمام ويكون على مقدار من الحر والبرد والرخاوة والصلابة ثم إذا ضربها المخاض بادرت إلى ذلك المكان ووضعت فيه البيض فإن أفزعها رعد قاصف رمت بالبيضة دون ذلك المكان الذي هيأته كالمرأة التي تسقط من الفزع فإذا وضعت البيض في ذلك المكان لم يزالا يتعاقبان الحضن حتى إذا بلغ الحضن مداه وانتهت أيامه انصدع عن الفرخ فأعاناه على خروجه فيبدآن أولا بنفخ الريح في حلقه حتى تتسع حوصلته علما منهما بأن الحوصلة تضيق عن الغذاء فتتسع الحوصلة بعد التحامها وتنفتق بعد ارتقاقها ثم يعلمان أن الحوصلة وإن كانت قد اتسعت شيئا فإنها في أول الأمر لا تحتمل الغذاء فيزقانه بلعابهما المختلط بالغذاء وفيه قوى الطعم ثم يعلمان أن طبع الحوصلة تضعف عن استمرار الغذاء وأنها تحتاج إلى دفع وتقوية لتكون لها بعض المتانة فيلقطان من الغيطان الحب اللين الرخو ويزقانه الفرخ ثم يزقانه بعد ذلك الحب الذي هو أقوى وأشد ولا يزالان يزقانه بالحب والماء على تدريج بحسب قوة الفرخ وهو يطلب ذلك منهما حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ليحتاج إلى اللقط ويعتاده وإذا علما أن رئته في قويت ونمت وأنهما إن فطماه فطما تاما قوي على اللقط وتبلغ لنفسه ضرباه إذا سألهما الزق ومنعاه ثم تنزع تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد أطاق القيام بنفسه والتكسب ثم يبتدآن العمل ابتداء على ذلك النظام.
والحمام يشاكل الناس في أكثر طباعه ومذاهبه، فإن من إناثه أنثى لا تريد إلا زوجها، وفيه أخرى لا ترد يد لامس وأخرى لا تنال إلا بعد الطلب الحثيث وأخرى تركب من أول وهلة وأول طلب وأخرى لها ذكر معروف بها وهي تمكن ذكرا آخر منها إذا غاب زوجها لم تمتنع ممن ركبها وأخرى تمكن من يغنيها عن زوجها وهو يراهما ويشاهدهما ولا تبالي بحضوره وأخرى تعمط الذكر وتدعوه إلى نفسها وأنثى تركب أنثى وتساحقها وذكر يركب ذكرا ويعسفه وكل حالة توجد في الناس ذكورهم وإناثهم توجد في الحمام وفيها من لا تبيض وإن باضت أفسدت البيضة كالمرأة التي لا تريد الولد كيلا يشغلها عن شأنها وفي إناث الحمام من إذا عرض لها ذكر أي ذكر كان أسرعت هاربة ولا تواتي غير زوجها ألبتة بمنزلة المرأة الحرة ومنها ما يأخذ أنثى يتمتع بها تم ينتقل عنها إلى غيرها وكذلك الأنثى توافق ذكرا آخر عن زوجها وتنتقل عنه وإن كانوا جميعا في برج واحد ومنها ما يتصالح على الأنثى منها ذكران أو أكثر فتعايرهم كلهم حتى إذا غلب واحد منهم لرفيقه وقهره مالت إليه وأعرضت عن المغلوب وفي الحديث أن النبي ﷺ: "رأى حمامة تتبع حمامة فقال شيطان يتبع شيطانه" ومنها ما يزق فراخه خاصة ومنا ما فيه شفقة ورحمة بالغة يزق فراخه وغيرها ومن عجيب هداها أنها إذا حملت الرسائل سلكت الطرق البعيدة عن القرى ومواضع الناس لئلا يعرض لها من يصدها ولا يرد مياههم بل يرد المياه التي لا يردها الناس ومن هدايتها أيضا أنه إذا رأى الناس في الهواء عرف أي صنف يريده وأي نوع من الأنواع ضده فيخالف فعله ليسلم منه ومن هدايته أنه في أول نهوضه يغفل ويمر بين النسر والعقاب وبين الرخم والبازي، وبين الغراب والصقر فيعرف من يقصده ومن لا يقصده وإن رأى الشاهين فكأنه يرى السم الناقع وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة عند رؤية الذئب والحمار عند مشاهدة الأسد ومن هداية الحمام أن الذكر والأنثى يتقاسمان أمر الفراخ فتكون الحضانة والتربية والكفالة على الأنثى وجلب القوت والزق على الذكر فإن الأب هو صاحب العيال والكاسب لهم والأم هي التي تحبل وتلد وترضع ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ أن رجلا كان له زوج حمام مقصوص وزوج طيار وللطيار فرخان قال ففتحت لهما في أعلى الغرفة كوة للدخول والخروج وزق فراخهما قال فحبسني السلطان فجأة فاهتممت بشأن المقصوص غاية الاهتمام ولم أشك في موتهما لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة وليس عندهما ما يأكلان ويشربان قال فلما خلى سبيلي لم يكن لي هم غيرهما ففتحت البيت فوجدت الفراخ قد كبرت ووجدت المقصوص على أحسن حال فعجبت فما لبث أن جاء الزوج الطيار فدنا الزوج المقصوص إلى أفواههما يستطعمانهما كما يستطعم الفرخ فزقاهم فانظر إلى هذه الهداية فإن المقصوصبن لما شاهدا تلطف الفراخ للأبوين وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش فعلا كفعل الفرخين فأدركتهما رحمة الطيارين فزقاهما كما يزقان فرخيهما ونظير ذلك ما ذكره الجاحظ وغيره قال الجاحظ: "وهو أمر مشهور عندنا بالبصرة أنه لما وقع الطاعون الجارف أتى على أهل دار فلم يشك أهل تلك المحلة أنه لم يبق منهم أحد فعمدوا إلى باب الدار فسدوه وكان قد بقي صبي صغير يرضع ولم يفطنوا له فلما كان بعد ذلك بمدة تحول إليها بعض ورثة القوم ففتح الباب فلما أفضى إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدار فراعه ذلك فلم يلبث أن أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار فلما رآها الصبي حبا إليها فأمكنته من أطبائها فمصها وذلك أن الصبي لما اشتد جوعه ورأى جراء الكلبة يرتضعون من أطباء الكلبة حبا إليها فعطفت عليه فلما سقته مرة أدامت له ذلك وأدام هو الطلب ولا يستبعد هذا" وما هو أعجب منه فإن الذي هدى المولود إلى مص إبهامه ساعة يولد ثم هداه إلى التقام حلمة ثدي لم يتقدم له به عادة كأنه قد قيل له هذه خزانة طعامك وشرابك التي كأنك لم تزل بها عارفا وفي هدايته للحيوان إلى مصالحة ما هو أعجب من ذلك ومن ذلك أن الديك الشاب إذا لقي حبا لم يأكله حتى يفرقه فإذا هرم وشاخ أكله من غير تفريق كما قال المدائني "إن إياس بن معاوية مر بديك ينقر حبا ولا يفرقه فقال ينبغي أن يكون هرما فإن الديك الشاب يفرق الحب ليجتمع الدجاج حوله فتصيب منه والهرم قد فنيت رغبته فليس له همة إلا نفسه قال إياس: والديك يأخذ الحبة فهو يريها الدجاجة حتى يلقيها من فيه والهرم يبتلعها ولا يلقيها للدجاجة" وذكر ابن الأعرابي قال: "أكلت حبة بيض مكاء فجعل المكاء يصوت ويطير على رأسها ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها وهمت به ألقى حسكة فأخذت بحلقها حتى ماتت" وأنشد أبو عمرو الشيباني في ذلك قول الأسدي:
؎إن كنت أبصرتني عيلا ومصطلما ∗∗∗ فربما قتل المكاء ثعبانا
وهداية الحيوانات إلى مصالح معاشها كالبحر حدث عنه ولا حرج ومن عجيب هدايتها أن الثعلب إذا امتلأ من البراغيث أخذ صوفة بفمه ثم عمد إلى ماء رقيق فنزل فيه قليلا قليلا حتى ترتفع البراغيث إلى الصوفة فيلقيها في الماء ويخرج ومن عجيب أمره أن ذئبا أكل أولاده وكان للذئب أولاد وهناك زبية فعمد الثعلب وألقى نفسه فيها وحفر فيها سردابا يخرج منه ثم عمد إلى أولاد الذئب فقتلهم وجلس ناحية ينتظر الذئب فلما أقبل وعرف أنها فعلته هرب قدامه وهو يتبعه فألقى نفسه في الزبية ثم خرج من السرداب فألقى الذئب نفسه وراءه فلم يجده ولم يطق الخروج فقتله أهل الناحية ومن عجيب أمره أن رجلا كان معه دجاجتان فاختفى له وخطف إحداهما وفر ثم أعمل فكرة في أخذ الأخرى فتراأى لصاحبها من بعيد وفي فمه شيء شبيه بالطائر وأطمعه في استعادتها بأن تركه وفر فظن الرجل أنها الدجاجة فأسرع نحوها وخالفه الثعلب إلى أختها فأخذها وذهب ومن عجيب أمره أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا فلم يطق فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير ففزع منه فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى تواظب الطير على ذلك وألفته فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها وعبر إلى الطير فلم يشك الطير أنه من جنس ما قبله فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به ومن عجيب أمر الذئب أنه عرض لإنسان يريد قتله فرأى معه قوسا وسهما فذهب وجاء بعظم رأس جمل في فيه وأقبل نحو الرجل فجعل الرجل كلما رماه بسهم اتقاه بذلك العظم حتى أعجزه وعاين نفاذ سهمه فصادف من استعان به على طرد الذئب ومن عجيب أمر القرد ما ذكره البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: "رأيت في الجاهلية قردا وقردة زنيا فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا"
فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم وهذه البقر يضرب ببلادتها المثل وقد أخبر النبي ﷺ: "أن رجلا بينا هو يسوق بقرة إذ ركبها فقالت لم أخلق لهذا فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم قال وبينا رجل يرعى غنما له إذ عدا الذئب على شاة منها فاستنقذها منه فقال الذئب هذه استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس سبحان الله ذئب يتكلم فقال رسول الله ﷺ أني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم" ومن هداية الحمار الذي هو من أبلد الحيوان أن الرجل يسير به ويأتي به منزله من البعد في ليلة مظلمة فيعرف المنزل فإذا خلى جاء إليه ويفرق بين الصوت الذي يستوقف به والصوت الذي يحث به على السير.
ومن عجيب أمر الفأر أنها إذا شربت من الزيت الذي في أعلى الجرة فنقص وعز عليها الوصول إليه ذهبت وحملت في أفواهها ماء وصبته في الجرة حتى يرتفع الزيت فتشربه والأطباء تزعم أن الحقنة أخذت من طائر طويل المنقار إذا تعسر عليه الذرق جاء إلى البحر المالح وأخذ بمنقاره منه واحتقن به فيخرج الذرق بسرعة وهذا الثعلب إذا اشتد به الجوع انتفخ ورمى بنفسه في الصحراء كأنه جيفة فتتداوله الطير فلا يظهر حركة ولا نفسا فلا تشك أنه ميت حتى إذا نقر بمنقاره وثب عليها فضمها ضمة الموت وهذا ابن عرس والقنفذ إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدا إلى الصتر النهري فأكلاه كالترياق لذلك ومن عجيب أمر الثعلب أنه إذا أصاب القنفذ قلبه لظهره لأجل شوكه فيجتمع القنفذ حتى يصير كبة شوك فيبول الثعلب على بطنه ما بين مغرز عجبه إلى فكيه فإذا أصابه البول اعتراه الأسر فانبسط فيسلخه الثعلب من بطنه ويأكل مسلوخه وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أمورا تنفعه في معاشه وأخلاقه وصناعته وحربه وحزمه وصبره وهداية الحيوان فوق هداية أكثر الناس قال تعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلاَّ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾.
قال أبو جعفر الباقر والله ما اقتصر على تشبيههم بالأنعام حتى جعلهم أضل سبيلا منها.
فمن هدى الأنثى من السباع إذا وضعت ولدها أن ترفعه في الهواء أياما تهرب به من الذر والنمل لأنها تضعه كقطعة من لحم فهي تخاف عليه الذر والنمل فلا تزال ترفعه وتضعه وتحوله من مكان إلى مكان حتى يشتد.
وقال ابن الأعرابي: "قيل لشيخ من قريش من علمك هذا كله وإنما يعرف مثله أصحاب التجارب والتكسب؟
قال: علمني الله ما علم الحمامة تقلب بيضها حتى تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من حضانتها ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمر على جانب واحد"
وقيل لآخر: "من علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها قال: من علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط ثم تصعد ثم تسقط مرارا عديدة حتى تستمر صاعدة"
وقيل لآخر: "من علمك البكور في حوائجك أول النهار لا تخل به؟ قال من علم الطير تغدو خماصا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها لا تسأم ذلك ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض" وقيل لآخر: "من علمك السكون والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته فقال الذي علم السهر أن ترصد جحر الفأرة فلا تتحرك ولا تتلوى ولا تختلج كأنها ميتة حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسد"
وقيل لآخر: "من علمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون قال من علم أبا أيوب صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة والمشي والتعب وغلظة الجمال وضربه فالثقل والكل على ظهره ومرارة الجوع والعطش في كبده وجهد التعب والمشقة ملأ جوارحه ولا يعدل به ذلك عن الصبر"
وقيل لآخر: "من علمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل قال من علم الديك يصادف الحبة في الأرض وهو يحتاج إليها فلا يأكلها بل يستدعي الدجاج ويطلبهن طلبا حثيثا حتى تجيء الواحدة منهن فتلقطها، وهو مسرور بذلك طيب النفس به.
وإذا وضع له الحب الكثير فرقه هاهنا وهاهنا وإن لم يكن هناك دجاج لأن طبعه قد ألف البذل والجود فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام"
وقيل لآخر: "من علمك هذا التحيل في طلب الرزق ووجوه تحصيله قال من علم الثعلب تلك الحيل التي يعجز العقلاء عن علمها وعملها وهي أكثر من أن تذكر"
ومن علم الأسد إذا مشى وخاف أن يقتفى أثره ويطلب عفى أثر مشيته بذنبه ومن علمه أن يأتي إلى شبله في اليوم الثالث من وضعه فينفخ في منخريه لأن اللبؤة تضعه جروا كالميت فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه فيفعل به ذلك ومن ألهم كرام الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها وإذا مر بفريسة غيره لم يدن منها ولو جهده الجوع.
ومن علم الأسد أن يخضع للبر ويذل له إذا اجتمعا حتى ينال منه له.
ومن عجيب أمره أنه إذا استعصى عليه شيء من السباع دعا الأسد فأجابه إجابة المملوك لمالكه ثم أمره فربض بين يديه فيبول في أذنيه، فإذا أراد السباع ذلك أذعنت له بالطاعة والخضوع.
ومن علم الثعلب إذا اشتد به الجوع أن يستلقي على ظهره، ويختلس نفسه إلى داخل بدنه حتى ينتفخ فيظن الظان أنه ميتة فيقع عليه فيثب على من انقضى عمره منها.
ومن علمه إذا أصابه صدع أو جرح أن يأتي إلى صبغ معروف فيأخذ منه ويضعه على جرحه كالمرهم.
ومن علم الدب إذا أصابه كلم أن يأتي إلى نبت قد عرفه وجهله صاحب الحشائش فيتداوى به فيبرأ.
ومن علم الأنثى من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها أن تأتي إلى الماء فتلد فيه لأنها دون الحيوانات لا تلد إلا قائمة لأن أوصالها على خلاف أوصال الحيوان وهي عالية فتخاف أن تسقطه على الأرض فينصدع أو ينشق فتأتي ما وسطها تضعه فيه فيكون كالفراش اللين والوطاء الناعم ومن علم الذباب إذا سقط في مائع أن يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الآخر ومن علم الكلب إذا عاين الظباء أن يعرف المعتل من غيره والذكر من الأنثى فيقصد الذكر مع علمه بأن عدوه أشد وأبعد وثبة ويدع الأنثى على نقصان عدوها لأنه قد علم أن الذكر إذا عدا شوطا أو شوطين حقن ببوله وكل حيوان إذا اشتد فزعه فإنه يدركه الحقن وإذا حقن الذكر لم يستطع البول مع شدة العدو فيقل عدوه فيدركه كالكلب وأما الأنثى فتحذف بولها لسعة القبل وسهولة المخرج فيدوم عدوها ومن علمه أنه إذا كسا الثلج الأرض أن يتأمل الموضع الرقيق الذي قد انخسف فيعلم أن تحته جحر الأرنب فينبشه ويصطادها علما منه بأن حرارة أنفاسها تذيب بعض الثلج فيرق ومن علم الذئب إذا نام أن يجعل النوم نوبا بين عينيه فينام بإحداهما حتى إذا نعست الأخرى نام بها وفتح النائمة حتى قال بعض العرب:
؎ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ∗∗∗ بأخرى المنايا فهو يقظان نائم
ومن علم العصفورة إذا سقط فرخها أن تستغيث فلا يبقى عصفور بجوارها حتى يجيء فيطيرون حول الفرخ ويحركونه بأفعالهم ويحدثون له قوة وهمة وحركة حتى يطير معهم قال بعض الصيادين: ربما رأيت العصفور على الحائط فأومئ بيدي كأني أرميه فلا يطير وربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئا فلا يتحرك فإن مسست بيدي أدنى حصاة أو حجر أو نواة طار قبل أن تتمكن منها يدي ومن علم الحمامة إذا حملت أن تأخذ هي والأب في بناء العش وأن يقيما له حروفا تشبه الحائط ثم يسخناه ويحدثا فيه طبيعة أخرى ثم يقلبان البيض في الأيام ومن قسم بينهما الحضانة والكد فأكثر ساعات الحضانة على الأنثى وأكثر ساعات جلب القوت على الأب وإذا خرج الفرخ علما ضيق حوصلته عن الطعام فنفخا فيه نفخا متداركا حتى تتسع حوصلته ثم يزقانه اللعاب أو شيئا قبل الطعام وهو كاللبا للطفل ثم يعلمانه احتياج الحوصلة إلى دباغ فيزقانه من أصل الحيطان من شيء بين الملح والتراب تندبغ به الحوصلة فإذا اندبغت زقاه الحب فإذا علما أنه أطاق اللقط منعاه الزق على التدريج فإذا تكاملت قوته وسألهما الكفالة ضرباه ومن علمهما إذا أراد السفاد أن يبتدئ الذكر بالدعاء فتتطارد له الأنثى قليلا لتذيقه حلاوة المواصلة ثم تطيعه في نفسها ثم تمتنع بعض التمنع ليشتد طلبه وحبه، ثم تتهادى وتتكسل وتريه معاطفها وتعرض محاسنها ثم يحدث بينهما من التغزل والعشق والتقبيل والرشف ما هو مشاهد بالعيان ومن علم المرسلة منها إذا سافرت ليلا أن تستدل ببطون الأودية ومجاري المياه والجبال ومهاب الريح ومطلع الشمس ومغربها فتستدل بذلك وبغيره إذا ضلت فإذا عرفت الطريق مرت كالريح ومن علم اللبب وهو صنف من العناكب أن يلطأ بالأرض ويجمع نفسه فيرى الذبابة أنه لاه عنها ثم يثب عليها وثوب الفهد ومن علم العنكبوت أن تنسج تلك الشبكة الرفيعة المحكمة وتجعل في أعلاها خيطا ثم تتعلق به فإذا تعرقلت البعوضة في الشبكة تدلت إليها فاصطادتها ومن علم الظبي أنه لا يدخل كناسة إلا مستدبرا ليستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وخشفه ومن علم السنور إذا رأى فأرة في السقف أن يرفع رأسه كالمشير إليها بالعود ثم يشير إليها بالرجوع وإنما يريد أن يدهشها فتزلق فتسقط ومن علم اليربوع أن يحفر بيته في سفح الوادي حيث يرتفع عن مجرى السيل ليسلم من مدق الحافر ومجرى الماء ويعمقه ثم يتخذ في زواياه أبوابا عديدة ويجعل بينها وبين وجه الأرض حاجزا رقيقا فإذا أحس بالشر فتح بعضها بأيسر شيء وخرج منه ولما كان كثير النسيان لم يحفر بيته إلا عند أكمة أو صخرة علامة له على البيت إذا ضل عنه ومن علم الفهد إذا سمن أن يتوارى لثقل الحركة عليه حتى يذهب ذلك السمن ثم يظهر ومن علم الأيل إذا سقط قرنه أن يتوارى لأن سلاحه قد ذهب فيسمن لذلك فإذا كمل نبات قرنه تعرض للشمس والريح وأكثر من الحركة ليشتد لحمه ويزول السمن المانع له من العدو وهذا باب واسع جدا ويكفي فيه قوله سبحانه: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
وقد قال النبي ﷺ: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" وهذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون إخبارا عن أمر غير ممكن فعله وهو أن الكلاب أمة لا يمكن إفناؤها لكثرتها في الأرض فلو أمكن إعدامها من الأرض لأمرت بقتلها والثاني: أن يكون مثل قوله: "أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح" فهي أمة مخلوقة بحكمة ومصلحة فإعدامها وإفناؤها يناقض ما خلقت لأجله والله أعلم بما أراد رسوله قال ابن عباس في رواية عطاء: ": ﴿إلاَّ أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ يريد يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني" مثل قوله تعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِه﴾ ومثل قوله: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوُابّ﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ﴾ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ ويدل عليه قوله: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْل﴾ وقوله: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ﴾ وقول سليمان: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ وقال مجاهد: "أمم أمثالكم أصناف مصنفة تعرف بأسمائها"
وقال الزجاج: "أمم أمثالكم في أنها تبعث"
وقال ابن قتيبة: "أمم أمثالكم في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك"
وقال سفيان بن عيينة: "ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم" فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ينبح نباح الكلب ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي إليها الطعام عافته فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمه لم يحفظ واحدة منها وإن أخطأ رجل ترواه وحفظه قال الخطابي: "ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة" وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره وجب المصير إلى باطنه وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة فوجب أن يكون منصرفا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق وإذا كان الأمر كذلك فاعلم أنك إنما تعاشر البهائم والسباع فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك انتهى كلامه والله سبحانه قد جعل بعض الدواب كسوبا محتالا وبعضها متوكلا غير محتال وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقا مضمونا وأمرا مقطوعا وبعضها يدخر وبعضها لا تكسب له وبعض الذكورة يعول ولده وبعضها لا يعرف ولده ألبتة وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه وبعضها تضع ولدها وتكفل ولد غيرها وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه
وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل أمهاتها وبعضها يتمها من قبل آبائها وبعضها لا يلتمس الولد وبعضها يستفرغ الهم في طلبه وبعضها يعرف الإحسان ويشكره وبعضها ليس ذلك عنده شيئا وبعضها يؤثر على نفسه وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحدا يدنو منه وبعضها يحب السفاد ويكثر منه وبعضها لا يفعله في السنة إلا مرة وبعضها يقتصر على أنثاه وبعضها لا يقف على أنثى ولو كانت أمه أو أخته وبعضها لا تمكن غير زوجها من نفسها وبعضها لا ترد يد لامس وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار وبعضها لا يأكل إلا الطيب وبعضها لا يأكل إلا الخبائث وبعضها يجمع بين الأمرين وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها وبعضها يؤذي من لا يؤذيها وبعضها حقود لا تنسى الإساءة وبعضها لا يذكرها ألبتة وبعضها لا يغضب وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك ألبتة وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده وبعضها يقبل التعليم بسرعة وبعضها مع الطول وبعضها لا يقبل ذلك بحال وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه وعلى إتقان صنعه وعجيب تدبيره ولطيف حكمته فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض الحيل وحسن التدبير والتأني لما تريده ما يستنطق الأفواه بالتسبيح ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته وما يعلم به كل عاقل أنه لم يخلق عبثا ولم يترك سدى وأن له سبحانه في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة وبرهانا قاطعا يدل على أنه رب كل شيء ومليكه وأنه المنفرد بكل كمال دون خلقه وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم.
(فصل)
فلنرجع إلى ما ساقنا إلى هذا الموضع وهو الكلام على الهداية العامة التي هي قرينة الخلق في الدلالة على الرب تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته وتوحيده قال تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾
قال مجاهد: "أعطى كل شيء خلقه لم يعط الإنسان خلق البهائم ولا البهائم خلق الإنسان" وأقوال أكثر المفسرين تدور على هذا المعنى قال عطية ومقاتل: "أعطى كل شيء صورته"
وقال الحسن وقتادة: "أعطى كل شيء صلاحه" والمعنى أعطاه من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له ثم هداه لما خلق له وهداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه وتقلبه وتصرفه هذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين فيكون نظير قوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدى﴾ وقال الكلبي والسدي: "أعطى الرجل المرأة والبعير الناقة والذكر الأنثى من جنسه" ولفظ السدي: "أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه ثم هدى إلى الجماع" وهذا القول اختيار ابن قتيبة والفراء قال الفراء: "أعطى الذكر من الناس امرأة مثله والشاة شاة والثور بقرة ثم ألهم الذكر كيف يأتيها" قال أبو إسحاق: "وهذا التفسير جائز لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى ولم ير ذكرا قد أتى أنثى قبله فألهمه الله ذلك وهداه إليه" قال: والقول الأول ينتظم هذا المعنى لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة قلت: أرباب هذا القول هضموا الآية معناها فإن معناها أجل وأعظم مما ذكروه وقوله أعطى كل شيء يأبى هذا التفسير فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصة ممتنع لا وجه له وكيف يخرج من هذا اللفظ الملائكة والجن ومن لم يتزوج من بني آدم ومن لم يسافد من الحيوان وكيف يسمى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقا له وأين نظير هذا في القرآن وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه وذكره بأدل عبارة عليه وأوضحها فقال: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثى﴾ فحمل قوله: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ على هذا المعنى غير صحيح فتأمله وفي الآية قول آخر قاله الضحاك قال: "أعطى كل شيء خلقه أعطى اليد البطش والرجل المشي واللسان النطق والعين البصر والأذن السمع" ومعنى هذا القول أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له والخلق على هذا بمعنى المفعول أي أعطى كل عضو مخلوقه الذي خلقه له فإن هذه المعاني كلها مخلوقة لله أودعها الأعضاء وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه لكن معنى الآية أعم والقول هو الأول وأنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص به ثم هداه لما خلق له ولا خالق سواه سبحانه ولا هادي غيره فهذا الخلق وهذه الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته فهذا وجه الاستدلال على عدو الله فرعون ولهذا لما علم فرعون أن هذه حجة قاطعة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه عدل إلى سؤال فاسد عن وارد فقال: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ أي فما للقرون الأولى لم تقر بهذا الرب ولم تعبده بل عبدت الأوثان والمعنى لو كان ما تقوله حقا لم يخف على القرون الأولى ولم يهملوه فاحتج عليه بما يشاهده هو وغيره من آثار ربوبية رب العالمين فعارضه عدو الله بكفر الكافرين به وشرك المشركين وهذا شأن كل مبطل ولهذا صار هذا ميزانا في ورثته يعارضون نصوص الأنبياء بأقوال الزنادقة والملاحدة وأفراخ الفلاسفة والصابئة والسحرة ومبتدعة الأمة وأهل الضلال منهم فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أي أعمال تلك القرون وكفرهم وشركهم معلوم لربي قد أحصاه وحفظه وأودعه في كتاب فيجازيهم عليه يوم القيامة ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال فإنه سبحانه لا يضل ولا ينسى وعلى هذا فالكتاب ها هنا كتاب الأعمال وقال الكلبي: "يعني به اللوح المحفوظ" وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق والمعنى على هذا أنه سبحانه قد علم أعمالهم وكتبها عنده قبل أن يعملوها فيكون هذا من تمام قوله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فتأمله.
(فصل)
وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في أول سورة أنزلها على رسوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ وقوله: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ولِسانًا وشَفَتَيْنِ وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ وقوله: ﴿إنّا خَلَقْنا الأِنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ وقوله: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ الآيات ثم قال: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني فهذا خلقه وهذا هداه وتعليمه.
(فصل)
المرتبة الثانية من مراتب الهداية هداية الإرشاد والبيان للمكلفين وهذه الهداية لا تستلزم حصول التوفيق واتّباع الحق وإن كانت شرطا فيه أو جزء سبب وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبب بل قد يتخلف عنه المقتضى إما لعدم كمال السبب أو لوجود مانع ولهذا قال تعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ وقال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ فهداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولا
بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه فأعماهم عنه بعد أن أراهموه وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها فإنه يسلبه إياها بعد أن كانت نصيبه وحظه كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ وقال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ أي جحدوا بآياتنا بعد أن تيقنوا صحتها وقال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهذه الهداية هي التي أثبتها لرسوله حيث قال: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ونفى عنه ملك الهداية الموجبة وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْت﴾ ولهذا قال ﷺ: "بعثت داعيا ومبلغا وليس إليّ من الهداية شيء وبعث إبليس مزينا ومغويا وليس إليه من الضلالة شيء" قال تعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فجمع سبحانه بين الهداء يتبين العامة والخاصة فعم بالدعوة حجة مشيئة وعدلا وخص بالهداية نعمة مشيئة وفضلا وهذه المرتبة أخص من التي قبلها فإنها هداية تخص المكلفين وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدا إلا بعد إقامتها عليه قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾
وقال: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾
وقال: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلاَّ في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾.
فإن قيل كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه؟
قيل حجته قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى وبيان الرسل لهم وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانا وأقام لهم أسباب الهداية ظاهرا وباطنا ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل أو صغر لا تمييز معه أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله فإنه لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته فلم يمنعهم من هذا الهدى ولم يحل بينهم وبينه نعم قطع عنهم توفيقه ولم يرد من نفسه إعانتهم والإقبال بقلوبهم إليه فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدور لهم وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه وهو فعله ومشيئته وتوفيقه فهذا غير مقدور لهم وهو الذي منعوه وحيل بينهم وبينه فتأمل هذا الموضع واعرف قدره والله المستعان.
(فصل)
المرتبة الثالثة من مراتب الهداية هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل
وهذه المرتبة أخص من التي قبلها وهي التي ضل جهال القدرية بإنكارها وصاح عليهم سلف الأمة وأهل السنة منهم من نواحي الأرض عصرا بعد عصر إلى وقتنا هذا ولكن الجبرية ظلمتهم ولم تنصفهم كما ظلموا أنفسهم بإنكار الأسباب والقوى وإنكار فعل العبد وقدرته وأن يكون له تأثير في الفعل ألبتة فلم يهتدوا لقول هؤلاء بل زادهم ضلالا على ضلالهم وتمسكا بما هم عليه وهذا شأن المبطل إذا دعى مبطلا آخر إلى ترك مذهبه لقوله ومذهبه الباطل كالنصراني إذا دعى اليهودي إلى التثليث وعبادة الصليب وأن المسيح إله تام غير مخلوق إلى أمثال ذلك من الباطل الذي هو عليه وهذه المرتبة تستلزم أمرين أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء وهو أثر فعله سبحانه فهو الهادي والعبد المهتدي قال تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ﴾ ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد ولهذا قال تعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلّ﴾
وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له ﷺ ولو حرص عليه ولا إلى أحد غير الله وأن الله سبحانه إذا أضل عبدا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته كما قال تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرات﴾ وقال تعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وقال: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماء﴾ وقال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّه﴾ ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم بل الهدى كله منه ولولا هدايته لهم لما اهتدوا.
وقال تعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾
وقال: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾
وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُو﴾
وقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفاسِقِينَ﴾
وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
وأمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كل يوم وليلة في الصلوات الخمس وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط والهداية فيه كما أن الضلال نوعان ضلال عن الصراط فلا يهتدي إليه وضلال فيه فالأول ضلال عن معرفته، والثاني ضلال عن تفاصيله أو بعضها.
قال شيخنا: "ولما كان العبد في كل حال مفتقرا إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية فهو محتاج إلى التوبة منها وأمور هدي إلى أصلها دون تفصيلها أو هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدى وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية إلى غير ذلك من أنواع الهدايات فرض الله عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله وهي الصلاة مرات متعددة في اليوم والليلة" انتهى كلامه.
ولا يتم المقصود إلا بالهداية إلى الطريق والهداية فيها فإن العبد قد يهتدي إلى طريق قصده وتنزيله عن غيرها ولا يهتدي إلى تفاصيل سيره فيها وأوقات السير من غيره وزاد المسير وآفات الطريق ولهذا قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ قال: "سبيلا وسنة" وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير فالسبيل الطريق وهي المنهاج والسنة الشرعة وهي تفاصيل الطريق وحزوناته وكيفية المسير فيه وأوقات المسير وعلى هذا فقوله سبيلا وسنة يكون السبيل المنهاج، والسنة الشرعة فالمقدم في الآية للمؤخر في التفسير وفي لفظ آخر سنة وسبيلا فيكون المقدم للمقدم والمؤخر للتالي.
(فصل)
ومن هذا إخباره سبحانه بأنه طبع على قلوب الكافرين وختم عليها وأنه أصمها عن الحق وأعمى أبصارها عنه كما قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾
والوقف التام هنا ثم قال: ﴿وَعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ كقوله: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾
وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾، ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾
وأخبر سبحانه أن على بعض القلوب أقفالا تمنعها من أن تنفتح لدخول الهدى إليها
وقال: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمى﴾ فهذا الوقر والعمى حال بينهم وبين أن يكون لهم هدى وشفاء
وقال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾
قرأها الكوفيون وصد بضم الصاد حملا على زين وقال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾
وقال: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ومعلوم أنه لم ينف هدى البيان والدلالة الذي تقوم به الحجة فإنه حجته على عباده.
والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه وتجعله من متشابه القرآن وتتأوله على غير تأويله بل تتأوله بما يقطع ببطلانه وعدم إرادة المتكلم له كقول بعضهم المراد من ذلك تسمية الله العبد مهتديا وضالا فجعلوا هداه وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك وهذا مما يعلم قطعا أنه لا يصح حمل هذه الآيات عليه وأنت إذا تأملتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه ألبتة وليس في لغة أمة من الأمم فضلا عن أفصح اللغات وأكملها هداه بمعنى سماه مهتديا وأضله سماه ضالا وهل يصح أن يقال علمه إذا سماه عالما وفهمه إذا سماه فهما وكيف يصح هذا في مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاء﴾ فهل فهم أحد غير القدرية المحرفة للقرآن من هذا ليس عليك تسميتم مهتدين ولكن الله يسمي من يشاء مهتديا.
وهل فهم أحد قط من قوله تعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْت﴾
لا تسميه مهتديا ولكن الله يسميه بهذا الاسم.
وهل فهم أحد من قول الداعي ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وقوله اللهم اهدني من عندك ونحوه اللهم سمني مهتديا وهذا من جناية القدرية على القرآن ومعناه نظير جناية إخوانهم من الجهمية على نصوص الصفات وتحريفها عن مواضعها وفتحوا للزنادقة والملاحدة جنايتهم على نصوص المعاد وتأويلها بتأويلات إن لم تكن أقوى من تأويلاتهم لم تكن دونها وفتحوا للقرامطة والباطنية تأويل نصوص الأمر والنهي بنحو تأويلاتهم فتأويل التحريف الذي سلسلته هذه الطوائف أصل فساد الدنيا والدين وخراب العالم وسنفرد إن شاء الله كتابا نذكر فيه جناية المتأولين على الدنيا والدين وأنت إذا وازيت بين تأويلات القدرية والجهمية والرافضة لم تجد بينها وبين تأويلات الملاحدة والزنادقة من القرامطة الباطنية وأمثالهم كبير فرق والتأويل الباطل يتضمن تعطيل ما جاء به الرسول والكذب على المتكلم أنه أراد ذلك المعنى فتتضمن إبطال الحق وتحقيق الباطل ونسبة المتكلم إلى ما لا يليق به من التلبيس والألغاز مع القول عليه بلا علم أنه أراد هذا المعنى فالمتأول عليه أن يبين صلاحية اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا واستعمال المتكلم له في ذلك المعنى في أكثر المواضع حتى إذا استعمله فيما يحتمل غيره حمل على ما عهد منه استعماله فيه وعليه أن يقيم دليلا سالما عن المعارض على الموجب لصرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه واستعارته وإلا كان ذلك مجرد دعوى منه فلا تقبل.
وتأويل بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة وهذا التأويل من أبطل الباطل فإن الله سبحانه يخبر أنه قسم هدايته للعبد قسمين قسما لا يقدر عليه غيره وقسما مقدورا للعباد فقط في القسم المقدور للغير: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
وقال في غير المقدور للغير: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾
وقال: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ ومعلوم قطعا أن البيان والدلالة قد تحصل له ولا تنفى عنه
وكذلك قوله: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلّ﴾ لا يصح حمله على هداية الدعوة والبيان فإن هذا يهدى وإن أضله الله بالدعوة والبيان وكذا قوله: ﴿وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾
هل يجوز حمله على معنى فمن يدعوه إلى الهدى ويبين له ما تقوم به حجة الله عليه وكيف يصنع هؤلاء بالنصوص التي فيها أنه سبحانه هو الذي أضلهم أيجوز لهم حملها على أنه دعاهم إلى الضلال
فإن قالوا ليس ذلك معناها وإنما معناها الفاهم ووجدهم كذلك أو أعلم ملائكته ورسله بضلالهم أو جعل على قلوبهم علامة يعرف الملائكة بها أنهم ضلال قيل هذا من جنس قولكم إن هداه سبحانه وإضلاله بتسميتهم مهتدين وضالين فهذه أربع تحريفات لكم وهو أنه سماهم بذلك وعلمهم بعلامة يعرفهم بها الملائكة، وأخبر عنهم بذلك ووجدهم كذلك، فالإخبار من جنس التسمية وقد بينا أن اللغة لا تحتمل ذلك، وأن النصوص إذا تأملها المتأمل وجدها أبعد شيء من هذا المعنى وأما العلامة فيا عجبا لفرقة التحريف وما جنت على القرآن والإيمان ففي أي لغة وأي لسان يدل قوله تعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْت﴾ على معنى أنك لا تعلمه بعلامة ولكن الله هو الذي يعلمه بها وقوله: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ من يعلمه الله بعلامة الضلال لم يعلمه غيره بعلامة الهدى وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ لعلمناها بعلامة الهدى الذي خلقته هي لنفسها وأعطته نفسها وفي أي لغة يفهم من قول الداعي اهدنا الصراط المستقيم علمنا بعلامة يعرف الملائكة بها أننا مهتدون وقولهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا لا تعلمها بعلامة أهل الزيغ وقوله يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك وأمثال ذلك من النصوص ففي أي لغة وأي لسان يفهم من هذا علمنا بعلامة الثبات والتصريف على طاعتك وفي أي لغة يكون معنى قوله: ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَة﴾ علمناها بعلامة القسوة أو وجدناها كذلك نعم لو نزل القرآن بلغة القدرية والجهمية وأهل البدع لأمكن حمله على ذلك أو كان الحق تبعا لأهوائهم وكانت نصوصه تبعا لبدع المبتدعين وآراء المتحيرين وأنت تجد جميع هذه الطوائف تنزل القرآن على مذاهبهم وبدعها وآرائها فالقرآن عند الجهمية جهمي وعند المعتزلة معتزلي وعند القدرية قدري وعند الرافضة رافضي وكذلك هو عند جميع أهل الباطل: ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلاَّ المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وأما تحريفهم هذه النصوص وأمثالها بأن المعنى ألفاهم ووجدهم ففي أي لسان وأي لغة وجدتم هديت الرجل إذا وجدته مهتديا وختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة وجده كذلك وهل هذا إلا افتراء محض على القرآن واللغة فإن قالوا نحن لم نقل هذا في نحو ذلك وإنما قلناه في نحو أضله الله أي وجده ضالا كما يقال أحمدت الرجل وأبخلته وأجننته إذا
وجدته كذلك أو نسبته إليه فيقال لفرقة التحريف هذا إنما ورد في ألفاظ معدودة نادرة وإلا فوضع هذا البناء على أنك فعلت ذلك به ولا سيما إذا كانت الهمزة للتعدية من الثلاثي كقام وأقمته وقعد وأقعدته وذهب وأذهبته وسمع وأسمعته ونام وأنمته وكذا ضل وأضله الله وأسعده وأشقاه وأعطاه وأخزاه وأماته وأحياه وأزاغ قلبه وأقامه إلى طاعته، وأيقظه من غفلته وأراه آياته وأنزله منزلا مباركا وأسكنه جنته إلى أضعاف ذلك.
هل تجد فيها لفظا واحدا معناه أنه وجده كذلك تعالى الله عما يقول المحرفون ثم انظر في كتاب فعل وافعل هل تظفر فيه بأفعلته بمعنى وجدته مع سعة الباب إلا في الحرفين أو الثلاثة نقلا عن أهل اللغة ثم انظر هل قال أحد من الأولين والآخرين من أهل اللغة أن العرب وضعت أضله الله وهداه وختم على سمعه وقلبه وأزاغ قلبه وصرفه عن طاعته ونحو ذلك لمعنى وجده كذلك ولما أراد سبحانه الإبانة عن هذا المعنى قال: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًا فَهَدى﴾ ولم يقل وأضلك وقال في حق من خالف الرسول وكفر بما جاء به وأضله على علم ولم يقل ووجده الله ضالا ثم أي توحيد تمدح وتعريف للعباد أن الأمر كله لله وبيده وأنه ليس لأحد من أمره شيء في مجرد التسمية والعلامة ومصادفة الرب تعالى عباده كذلك ووجوده لهم على هذا الصفات من غير أن يكون له فيها صنع أو خلق أو مشيئة وهل يعجز البشر عن التسمية والمصادفة والوجود كذلك فأي مدح وأي ثناء يحسن على الرب تعالى بمجرد ذلك فأنتم وإخوانكم من الجبرية لم تمدحوا الرب بما يستحق أن يمدح به ولم تثنوا عليه بأوصاف كماله ولم تقدروه حق قدره وأتباع الرسول وحزبه وخاصته بريئون منكم ومنهم في باطلكم وباطلهم وهم معكم ومعهم فيما عندكم من الحق لا يتحيزون إلى غير ما بينه الرسول وجاء به ولا ينحرفون عنه نصرة لآراء الرجال المختلفة وأهوائهم المتشتتة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم قال ابن مسعود: "علمنا رسول لله ﷺ التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا لله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ويقرأ ثلاث آيات: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ الآية: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية"
قال الترمذي هذا حديث صحيح وقال أبو داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن خالد الحذاء عن عبد الأعلى عن عبد الله بن الحارث قال:
"خطب عمر بن الخطاب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه وعنده جاثليق يترجم له ما يقول فقال: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فنفض جبينه كالمنكر لما يقول قال عمر: ما يقول قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحدا قال عمر: كذبت أي عدو الله بل الله خلقك وقد أضلك ثم يدخلك النار أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك إن الله عز وجل خلق أهل الجنة وما هم عاملون وخلق أهل النار وما هم عاملون فقال هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه قال: فتفرق الناس وما يختلفون في القدر".
(فصل)
المرتبة الرابعة من مراتب الهداية الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة
قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ فهذه هداية بعد قتلهم فقيل المعنى سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح حالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم.
وقال ابن عباس سيهديهم إلى أرشد الأمور ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا واستشكل هذا القول لأنه أخبر عن المقتولين في سبيله بأنهم سيهديهم واختاره الزجاج وقال: "يصلح بالهم في المعاش وأحكام الدنيا" قال: "وأراد به يجمع لهم خير الدنيا والآخرة" وعلى هذا القول فلا بد من حمل قوله قتلوا في سبيل الله على معنى يصح معه إثبات الهداية وإصلاح البال.
الفاتحة 1:7
ثم بيَّن أن سبيل أهل هذه الهداية مغاير لسبيل أهل الغضب وأهل الضلال، فانقسم الخلق إذن ثلاثة أقسام بالنسبة إلى هذه الهداية:
مُنعَمٌ عليه بحصولها، واستمرار حظّه من النعم بحسب حظه من تفاصيلها وأقسامها.
وضالٌّ لم يُعطَ هذه الهداية ولم يُوفَّق لها.
ومغضوب عليه عرفَها ولم يُوفَّق للعمل بموجبها.
فالأول المنعم عليه قائم بالهدى ودين الحق علمًا وعملًا، والضالّ منسلخٌ عنه علمًا وعملًا، والمغضوب عليه عارفٌ به علمًا، منسلخ منه عملًا، والله الموفق للصواب.
(فائدة)
وَأما المُنعم عَلَيْهِم فهم الَّذين من الله عَلَيْهِم بِمَعْرِفَة الحق علما وبالانقياد إلَيْهِ وإيثاره على ما سواهُ عملا وهَؤُلاء هم الَّذين على سَبِيل النجاة ومن سواهُم على سَبِيل الهَلاك ولِهَذا أمرنا الله سُبْحانَهُ أن نقُول كل يَوْم ولَيْلَة عدَّة مَرّات ﴿اهدنا الصِّراط المُسْتَقيم صِراط الَّذين أنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم ولا الضّالّين﴾
فَإن العَبْد مُضْطَر كل الِاضْطِرار إلى أن يكون عارِفًا بِما يَنْفَعهُ في معاشه ومعاده وأن يكون مؤثرا مرِيدا لما يَنْفَعهُ مجتنبا لما يضرّهُ فبمجموع هذَيْن يكون قد هدي إلى الصِّراط المُسْتَقيم فَإن فاتَهُ معرفَة ذَلِك سلك سَبِيل الضّالّين وإن فاتَهُ قَصده واتباعه سلك سَبِيل المغضوب عَلَيْهِم وبِهَذا يعرف قدر هَذا الدُّعاء العَظِيم وشدَّة الحاجة إلَيْهِ وتوقف سَعادَة الدُّنْيا والآخِرَة عَلَيْهِ
والعَبْد مفتقر إلى الهِدايَة في كل لَحْظَة ونَفس في جَمِيع ما يَأْتِيهِ ويذره فَإنَّهُ بَين أُمُور لا يَنْفَكّ عَنْها
أحدها أُمُور قد أتاها على غير وجه الهِدايَة جهلا فَهو مُحْتاج إلى أن يطْلب الهِدايَة إلى الحق فِيها
أو يكون عارِفًا بالهداية فِيها فَأتاها على غير وجهها عمدا فَهو مُحْتاج إلى التَّوْبَة مِنها
أو أُمُور لم يعرف وجه الهِدايَة فِيها علما ولا عملا ففاتته الهِدايَة إلى علمها ومعرفتها وإلى قَصدها وإرادتها وعملها
أو أُمُور قد هدي إلَيْها من وجه دون وجه فَهو مُحْتاج إلى تَمام الهِدايَة فِيها
أو أُمُور قد هدي إلى أصْلها دون تفاصيلها فَهو مُحْتاج إلى هِدايَة التَّفْصِيل
أو طَرِيق قد هدي أليها وهو مُحْتاج إلى هِدايَة أُخْرى فِيها فالهداية إلى الطَّرِيق شَيْء والهِدايَة في نفس الطَّرِيق شَيْء آخر ألا ترى أن الرجل يعرف أن طَرِيق البَلَد الفُلانِيّ هو طَرِيق كَذا وكَذا ولَكِن لا يحسن أن يسلكه فَإن سلوكه يحْتاج إلى هِدايَة خاصَّة في نفس السلوك كالسير في وقت كَذا دون وقت كَذا وأخذ الماء في مفازة كَذا مِقْدار كَذا والنُّزُول في مَوضِع كَذا دون كَذا فَهَذِهِ هِدايَة في نفس السّير قد يهملها من هو عارِف بِأن الطَّرِيق هي هَذِه فَيهْلك ويَنْقَطِع عَن المَقْصُود.
وَكَذَلِكَ أيْضا ثمَّ أُمُور هو مُحْتاج إلى أن يحصل لَهُ فِيها من الهِدايَة في المُسْتَقْبل مثل ما حصل لَهُ في الماضِي
وَأُمُور هو خال عَن اعْتِقاد حق أو باطِل فِيها فَهو مُحْتاج إلى هِدايَة الصَّواب فِيها
وَأُمُور يعْتَقد أنه فِيها على هدى وهو على ضَلالَة ولا يشْعر فَهو مُحْتاج إلى انْتِقاله عَن ذَلِك الِاعْتِقاد بهداية من الله
وَأُمُور قد فعلها على وجه الهِدايَة وهو مُحْتاج إلى أن يهدي غَيره إلَيْها ويرشده وينصحه فإهماله
ذَلِك يفوت عَلَيْهِ من الهِدايَة بِحَسبِهِ كَما أن هدايته للْغَيْر وتعليمه ونصحه يفتح لَهُ باب الهِدايَة فَإن الجَزاء من جنس العَمَل فَكلما هدى غَيره وعلمه هداه الله وعلمه فَيصير هاديا مهديا كَما في دُعاء النَّبِي ﷺ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيّ وغَيره اللَّهُمَّ زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين غير ضالِّينَ ولا مضلين سلما لأوليائك حَربًا لأعدائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك
وَقد أثنى الله سُبْحانَهُ على عباده المُؤمنِينَ الَّذين يسألونه أن يجعلهم أئِمَّة يهتدى بهم فَقالَ تَعالى في صِفات عباده ﴿والَّذين يَقُولُونَ رَبنا هَب لنا من أزواجنا وذُرِّيّاتنا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إمامًا﴾
قالَ ابْن عَبّاس يهتدى بِنا في الخَيْر.
وَقالَ أبُو صالح يقْتَدى بهدانا.
وَقالَ مَكْحُول أئِمَّة في التَّقْوى يَقْتَدِي بِنا المتقون.
(فصل)
المَوْضِعُ السّابِعُ: مِن مَعْرِفَةِ نَفْسِ المَسْئُولِ، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ
وَلا تَكُونُ الطَّرِيقُ صِراطًا حَتّى تَتَضَمَّنَ خَمْسَةَ أُمُورٍ: الِاسْتِقامَةَ، والإيصالَ إلى المَقْصُودِ، والقُرْبَ، وسَعَتَهُ لِلْمارِّينَ عَلَيْهِ، وتَعَيُّنَهُ طَرِيقًا لِلْمَقْصُودِ، ولا يَخْفى تَضَمُّنُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِهَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ.
فَوَصْفُهُ بِالِاسْتِقامَةِ يَتَضَمَّنُ قُرْبَهُ، لِأنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ هو أقْرَبُ خَطٍّ فاصِلٍ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ، وكُلَّما تَعَوَّجَ طالَ وبَعُدَ، واسْتِقامَتُهُ تَتَضَمَّنُ إيصالَهُ إلى المَقْصُودِ، ونَصْبُهُ لِجَمِيعِ مَن يَمُرُّ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ سَعَتَهُ، وإضافَتُهُ إلى المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ووَصْفُهُ بِمُخالَفَةِ صِراطِ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ يَسْتَلْزِمُ تَعَيُّنَهُ طَرِيقًا.
والصِّراطُ تارَةً يُضافُ إلى اللَّهِ، إذْ هو الَّذِي شَرَعَهُ ونَصَبَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقَولِهِ ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢] وتارَةً يُضافُ إلى العِبادِ كَما في الفاتِحَةِ، لِكَوْنِهِمْ أهْلَ سُلُوكِهِ، وهو المَنسُوبُ لَهُمْ، وهُمُ المارُّونَ عَلَيْهِ.
(المَوْضِعُ الثّامِنُ: مِن ذِكْرِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وتَمْيِيزِهِمْ عَنْ طائِفَتَيِ الغَضَبِ والضَّلالِ)
فانْقَسَمَ النّاسُ بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ والعَمَلِ بِهِ إلى هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، لِأنَّ العَبْدَ إمّا أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالحَقِّ، وإمّا جاهِلًا بِهِ، والعالِمُ بِالحَقِّ إمّا أنْ يَكُونَ عامِلًا بِمُوجَبِهِ أوْ مُخالِفًا لَهُ، فَهَذِهِ أقْسامُ المُكَلَّفِينَ لا يَخْرُجُونَ عَنْها ألْبَتَّةَ، فالعالِمُ بِالحَقِّ العامِلُ بِهِ هو المُنْعَمُ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي زَكّى نَفْسَهُ بِالعِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وهو المُفْلِحُ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] والعالِمُ بِهِ المُتَّبِعُ هَواهُ هو المَغْضُوبُ عَلَيْهِ، والجاهِلُ بِالحَقِّ هو الضّالُّ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِ ضالٌّ عَنْ هِدايَةِ العَمَلِ، والضّالُّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ لِضَلالِهِ عَنِ العِلْمِ المُوجِبِ لِلْعَمَلِ، فَكُلٌّ مِنهُما ضالٌّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ تارِكَ العَمَلِ بِالحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ أوْلى بِوَصْفِ الغَضَبِ وأحَقُّ بِهِ، ومِن هُنا كانَ اليَهُودُ أحَقَّ بِهِ، وهو مُتَغَلِّظٌ في حَقِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّهِمْ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] وقالَ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] والجاهِلُ بِالحَقِّ أحَقُّ بِاسْمِ الضَّلالِ، ومِن هُنا وُصِفَتِ النَّصارى بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] فالأُولى في سِياقِ الخِطابِ مَعَ اليَهُودِ، والثّانِيَةُ في سِياقِهِ مَعَ النَّصارى، وفي التِّرْمِذِيِّ وصَحِيحِ ابْنِ حَبّانَ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، والنَّصارى ضالُّونَ».
فَفِي ذِكْرِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وهم مَن عَرَفَ الحَقَّ واتَّبَعَهُ والمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهم مَن عَرَفَهُ واتَّبَعَ هَواهُ والضّالِّينَ وهم مَن جَهِلَهُ ما يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، لِأنَّ انْقِسامَ النّاسِ إلى ذَلِكَ هو الواقِعُ المَشْهُودُ، وهَذِهِ القِسْمَةُ إنَّما أوْجَبَها ثُبُوتُ الرِّسالَةِ.
وَأضافَ النِّعْمَةَ إلَيْهِ، وحَذَفَ فاعِلَ الغَضَبِ لِوُجُوهٍ:
مِنها: أنَّ النِّعْمَةَ هي الخَيْرُ والفَضْلُ، والغَضَبَ مِن بابِ الِانْتِقامِ والعَدْلِ، والرَّحْمَةَ تَغْلِبُ الغَضَبَ، فَأضافَ إلى نَفْسِهِ أكْمَلَ الأمْرَيْنِ، وأسْبَقَهُما وأقْواهُما، وهَذِهِ طَرِيقَةُ القُرْآنِ في إسْنادِ الخَيْراتِ والنِّعَمِ إلَيْهِ، وحَذْفِ الفاعِلِ في مُقابَلَتِهِما، كَقَوْلِ مُؤْمِنِي الجِنِّ ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] ومِنهُ قَوْلُ الخَضِرِ في شَأْنِ الجِدارِ واليَتِيمَيْنِ ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ [الكهف: ٨٢] وقالَ في خَرْقِ السَّفِينَةِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩] ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقَوْلَهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وقَوْلَهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ قالَ ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وَفِي تَخْصِيصِهِ لِأهْلِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِالنِّعْمَةِ ما دَلَّ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ المُطْلَقَةَ هي المُوجِبَةُ لِلْفَلاحِ الدّائِمِ، وأمّا مُطْلَقُ النِّعْمَةِ فَعَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَكُلُّ الخَلْقِ في نِعْمَةٍ، وهَذا فَصْلُ النِّزاعِ في مَسْألَةِ: هَلْ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ مِن نِعْمَةٍ أمْ لا؟
فالنِّعْمَةُ المُطْلَقَةُ لِأهْلِ الإيمانِ، ومُطْلَقُ النِّعْمَةِ تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والنِّعْمَةُ مِن جِنْسِ الإحْسانِ، بَلْ هي الإحْسانُ، والرَّبُّ تَعالى إحْسانُهُ عَلى البَرِّ والفاجِرِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ.
وَأمّا الإحْسانُ المُطْلَقُ فَلِلَّذِينِ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُنْفَرِدُ بِالنِّعَمِ ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] فَأُضِيفَ إلَيْهِ ما هو مُنْفَرِدٌ بِهِ، وإنْ أُضِيفَ إلى غَيْرِهِ فَلِكَوْنِهِ طَرِيقًا ومَجْرًى لِلنِّعْمَةِ، وأمّا الغَضَبُ عَلى أعْدائِهِ فَلا يَخْتَصُّ بِهِ تَعالى، بَلْ مَلائِكَتُهُ وأنْبِياؤُهُ ورُسُلُهُ وأوْلِياؤُهُ يَغْضَبُونَ لِغَضَبِهِ، فَكانَ في لَفْظَةِ " ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] " بِمُوافَقَةِ أوْلِيائِهِ لَهُ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإنْعامِ، وأنَّ النِّعْمَةَ المُطْلَقَةَ مِنهُ وحْدَهُ، هو المُنْفَرِدُ بِها ما لَيْسَ في لَفْظَةِ " المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ".
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ في حَذْفِ فاعِلِ الغَضَبِ مِنَ الإشْعارِ بِإهانَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، وتَحْقِيرِهِ وتَصْغِيرِ شَأْنِهِ ما لَيْسَ في ذِكْرِ فاعِلِ النِّعْمَةِ مِن إكْرامِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ والإشادَةِ بِذِكْرِهِ، ورَفْعِ قَدْرِهِ ما لَيْسَ في حَذْفِهِ، فَإذا رَأيْتَ مَن قَدْ أكْرَمَهُ مَلِكٌ وشَرَّفَهُ ورَفَعَ قَدْرَهُ، فَقُلْتَ: هَذا الَّذِي أكْرَمَهُ السُّلْطانُ، وخَلَعَ عَلَيْهِ وأعْطاهُ ما تَمَنّاهُ، كانَ أبْلَغَ في الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِن قَوْلِكَ: هَذا الَّذِي أُكْرِمَ وخُلِعَ عَلَيْهِ وشُرِّفَ وأُعْطِيَ.
وَتَأمَّلْ سِرًّا بَدِيعًا في ذِكْرِ السَّبَبِ والجَزاءِ لِلطَّوائِفِ الثَّلاثَةِ بِأوْجَزِ لَفْظٍ وأخْصَرِهِ، فَإنَّ الإنْعامَ عَلَيْهِمْ يَتَضَمَّنُ إنْعامَهُ بِالهِدايَةِ الَّتِي هي العِلْمُ النّافِعُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وهي الهُدى ودِينُ الحَقِّ، ويَتَضَمَّنُ كَمالَ الإنْعامِ بِحُسْنِ الثَّوابِ والجَزاءِ، فَهَذا تَمامُ النِّعْمَةِ، ولَفْظُ " ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] " يَتَضَمَّنُ الأمْرَيْنِ.
وَذِكْرُ غَضَبِهِ عَلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يَتَضَمَّنُ أيْضًا أمْرَيْنِ: الجَزاءُ بِالغَضَبِ الَّذِي مُوجَبُهُ غايَةُ العَذابِ والهَوانِ، والسَّبَبُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ غَضَبَهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ أرْحَمُ وأرْأفُ مِن أنْ يَغْضَبَ بِلا جِنايَةٍ مِنهم ولا ضَلالٍ، فَكَأنَّ الغَضَبَ عَلَيْهِمْ مُسْتَلْزِمٌ لِضَلالِهِمْ، وذِكْرُ الضّالِّينَ مُسْتَلْزِمٌ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ وعِقابِهِ لَهُمْ، فَإنَّ مَن ضَلَّ اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ الَّتِي هي مُوجَبُ ضَلالِهِ وغَضَبِ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فاسْتَلْزَمَ وصْفَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ لِلسَّبَبِ والجَزاءِ أبْيَنَ اسْتِلْزامٍ، واقْتَضاهُ أكْمَلَ اقْتِضاءٍ في غايَةِ الإيجازِ والبَيانِ والفَصاحَةِ، مَعَ ذِكْرِ الفاعِلِ في أهْلِ السَّعادَةِ، وحَذْفِهِ في أهْلِ الغَضَبِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ في أهْلِ الضَّلالِ.
وَتَأمَّلِ المُقابَلَةَ بَيْنَ الهِدايَةِ والنِّعْمَةِ، والغَضَبِ والضَّلالِ، فَذِكْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ في مُقابَلَةِ المُهْتَدِينَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ، يَقْرِنُ بَيْنَ الضَّلالِ والشَّقاءِ، وبَيْنَ الهُدى والفَلاحِ، فالثّانِي كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] والأوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقَوْلِهِ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] وقَدْ جَمَعَ سُبْحانَهُ بَيْنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] فَهَذا الهُدى والسَّعادَةُ، ثُمَّ قالَ ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٤] فَذَكَرَ الضَّلالَ والشَّقاءَ.
فالهُدى والسَّعادَةُ مُتَلازِمانِ، والضَّلالُ والشَّقاءُ مُتَلازِمانِ.
[فَصْلٌ: ذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مُفْرَدًا مُعَرَّفًا تَعْرِيفَيْنِ: تَعْرِيفًا بِاللّامِ، وتَعْرِيفًا بِالإضافَةِ]
وَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مُفْرَدًا مُعَرَّفًا تَعْرِيفَيْنِ: تَعْرِيفًا بِاللّامِ، وتَعْرِيفًا بِالإضافَةِ، وذَلِكَ يُفِيدُ تَعَيُّنَهُ واخْتِصاصَهُ، وأنَّهُ صِراطٌ واحِدٌ، وأمّا طُرُقُ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْمَعُها ويُفْرِدُها، كَقَوْلِهِ ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فَوَحَّدَ لَفْظَ الصِّراطِ وسَبِيلِهِ، وجَمَعَ السُّبُلَ المُخالِفَةَ لَهُ،
«وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ خَطَّ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، وقالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسارِهِ، وقالَ: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلى كُلِّ سَبِيلٍ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» وهَذا لِأنَّ الطَّرِيقَ المُوَّصِلَ إلى اللَّهِ واحِدٌ، وهو ما بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، لا يَصِلُ إلَيْهِ أحَدٌ إلّا مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ، ولَوْ أتى النّاسُ مِن كُلِّ طَرِيقٍ، واسْتَفْتَحُوا مِن كُلِّ بابٍ، فالطُّرُقُ عَلَيْهِمْ مَسْدُودَةٌ، والأبْوابُ عَلَيْهِمْ مُغَلَّقَةٌ إلّا مِن هَذا الطَّرِيقِ الواحِدِ، فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِاللَّهِ، مُوَصِّلٌ إلى اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ صِراطٌ إلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ أنَّهُ مِن بابِ إقامَةِ الأدَواتِ بَعْضِها مَقامَ بَعْضٍ، فَقامَتْ أداةُ " عَلى " مَقامَ " إلى "، والثّانِي: أنَّهُ أرادَ التَّفْسِيرَ عَلى المَعْنى، وهو الأشْبَهُ بِطَرِيقِ السَّلَفِ، أيْ صِراطٌ مُوَّصِلٌ إلَيَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَقُّ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، وعَلَيْهِ طَرِيقُهُ، لا يُعَرَّجُ عَلى شَيْءٍ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ الحَسَنِ وأبْيَنُ مِنهُ، وهو مِن أصَحِّ ما قِيلَ في الآيَةِ، وقِيلَ: عَلَيَّ فِيهِ لِلْوُجُوبِ، أيْ عَلَيَّ بَيانُهُ وتَعْرِيفُهُ والدِّلالَةُ عَلَيْهِ، والقَوْلانِ نَظِيرُ القَوْلَيْنِ في آيَةِ النَّحْلِ، وهي ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] والصَّحِيحُ فِيها كالصَّحِيحِ في آيَةِ الحِجْرِ: أنَّ السَّبِيلَ القاصِدَ وهو المُسْتَقِيمُ المُعْتَدِلُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، ويُوَصِّلُ إلَيْهِ، قالَ طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ:
؎مَضَوْا سَلَفًا قَصْدُ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُشَقْلَبُ
أيْ مَمَرُّنا عَلَيْهِمْ، وإلَيْهِمْ وُصُولُنا، وقالَ الآخَرُ:
؎فَهُنَّ المَنايا أيُّ وادٍ سَلَكْتُهُ ∗∗∗ عَلَيْها طَرِيقِي أوْ عَلَيَّ طَرِيقُها
فَإنْ قِيلَ: لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَكانَ الألْيَقُ بِهِ أداةَ إلى الَّتِي هي لِلِانْتِهاءِ، لا أداةَ عَلى الَّتِي هي لِلْوُجُوبِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أرادَ الوُصُولَ قالَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهم ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] وقالَ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠] وقالَ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقالَ لَمّا أرادَ الوُجُوبَ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] وقالَ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وقالَ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] ونَظائِرُ ذَلِكَ.
قِيلَ: في أداةِ عَلى سِرٌّ لَطِيفٌ، وهو الإشْعارُ بِكَوْنِ السّالِكِ عَلى هَذا الصِّراطِ عَلى هُدًى، وهو حَقٌّ، كَما قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الحَقُّ، وصِراطُهُ حقٌّ، ودِينُهُ حَقٌ، فَمَنِ اسْتَقامَ عَلى صِراطِهِ فَهو عَلى الحَقِّ والهُدى، فَكانَ في أداةِ " عَلى " عَلى هَذا المَعْنى ما لَيْسَ في أداةِ إلى فَتَأمَّلْهُ، فَإنَّهُ سِرٌّ بَدِيعٌ.
فَإنْ قُلْتَ: فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ عَلى في ذَلِكَ أيْضًا؟ وكَيْفَ يَكُونُ المُؤْمِنُ مُسْتَعْلِيًا عَلى الحَقِّ، وعَلى الهُدى؟
قُلْتُ: لِما فِيهِ مِنِ اسْتِعْلائِهِ وعُلُوِّهِ بِالحَقِّ والهُدى، مَعَ ثَباتِهِ عَلَيْهِ، واسْتِقامَتِهِ إلَيْهِ، فَكانَ في الإتْيانِ بِأداةِ " عَلى " ما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّهِ وثُبُوتِهِ واسْتِقامَتِهِ، وهَذا بِخِلافِ الضَّلالِ والرَّيْبِ، فَإنَّهُ يُؤْتى فِيهِ بِأداةِ " في " الدّالَّةِ عَلى انْغِماسِ صاحِبِهِ، وانْقِماعِهِ وتَدَسُّسِهِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] وقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ٣٩] وقَوْلِهِ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿وَإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠].
وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] فَإنَّ طَرِيقَ الحَقِّ تَأْخُذُ عُلُوًّا صاعِدَةً بِصاحِبِها إلى العَلِيِّ الكَبِيرِ، وطَرِيقَ الضَّلالِ تَأْخُذُ سُفْلًا، هاوِيَةً بِسالِكِها في أسْفَلِ سافِلِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ إنَّهُ عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] كَما قالَ: تَقُولُ طَرِيقُكَ عَلَيَّ، ومَمَرُّكَ عَلَيَّ، لِمَن تُرِيدُ إعْلامَهُ بِأنَّهُ غَيْرُ فائِتٍ لَكَ، ولا مُعْجِزٍ، والسِّياقُ يَأْبى هَذا، ولا يُناسِبُهُ لِمَن تَأمَّلَهُ، فَإنَّهُ قالَهُ مُجِيبًا لِإبْلِيسَ الَّذِي قالَ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لِي إلى إغْوائِهِمْ، ولا طَرِيقَ لِي عَلَيْهِمْ.
فَقَرَّرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ أتَمَّ التَّقْرِيرِ، وأخْبَرَ أنَّ الإخْلاصَ صِراطٌ عَلَيْهِ مُسْتَقِيمٌ، فَلا سُلْطانَ لَكَ عَلى عِبادِي الَّذِينَ هم عَلى هَذا الصِّراطِ، لِأنَّهُ صِراطٌ عَلَيَّ، ولا سَبِيلَ لِإبْلِيسَ إلى هَذا الصِّراطِ، ولا الحَوْمِ حَوْلَ ساحَتِهِ، فَإنَّهُ مَحْرُوسٌ مَحْفُوظٌ بِاللَّهِ، فَلا يَصِلُ عَدُوُّ اللَّهِ إلى أهْلِهِ.
فَلْيَتَأمَّلِ العارِفُ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ، ولْيَنْظُرْ إلى هَذا المَعْنى، ويُوازِنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، أيُّهُما ألْيَقُ بِالآيَتَيْنِ، وأقْرَبُ إلى مَقْصُودِ القُرْآنِ وأقْوالِ السَّلَفِ؟
وَأمّا تَشْبِيهُ الكِسائِيِّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَلا يَخْفى الفَرْقُ بَيْنَهُما سِياقًا ودِلالَةً، فَتَأمَّلْهُ، ولا يُقالُ في التَّهْدِيدِ: هَذا طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ عَلَيَّ، لِمَن لا يَسْلُكُهُ، ولَيْسَتْ سَبِيلُ المُهَدَّدِ مُسْتَقِيمَةً، فَهو غَيْرُ مُهَدَّدٍ بِصِراطِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ، وسَبِيلُهُ الَّتِي هو عَلَيْها لَيْسَتْ مُسْتَقِيمَةً عَلى اللَّهِ، فَلا يَسْتَقِيمُ هَذا القَوْلُ ألْبَتَّةَ.
وَأمّا مَن فَسَّرَهُ بِالوُجُوبِ، أيْ عَلَيَّ بَيانُ اسْتِقامَتِهِ والدِّلالَةُ عَلَيْهِ، فالمَعْنى صَحِيحٌ، لَكِنْ في كَوْنِهِ هو المُرادَ بِالآيَةِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ حَذْفٌ في غَيْرِ مَوْضِعِ الدِّلالَةِ، ولَمْ يُؤَلَّفِ الحَذْفُ المَذْكُورُ لِيَكُونَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ إذا حُذِفَ، بِخِلافِ عامِلِ الظَّرْفِ إذا وقَعَ صِفَةً فَإنَّهُ حَذْفٌ مَأْلُوفٌ مَعْرُوفٌ، حَتّى إنَّهُ لا يُذْكَرُ ألْبَتَّةَ، فَإذا قُلْتَ: لَهُ دِرْهَمٌ عَلَيَّ، كانَ الحَذْفُ مَعْرُوفًا مَأْلُوفًا، فَلَوْ أرَدْتَ: عَلَيَّ نَقْدُهُ، أوْ عَلَيَّ وزْنُهُ وحِفْظُهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ وحَذَفْتَ لَمْ يَسُغْ، وهو نَظِيرُ: عَلَيَّ بَيانُهُ المُقَدَّرِ في الآيَةِ، مَعَ أنَّ الَّذِي قالَهُ السَّلَفُ ألْيَقُ بِالسِّياقِ، وأجَلُّ المَعْنَيَيْنِ وأكْبَرُهُما.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ تَقِيَّ الدِّينِ أحْمَدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: وهُما نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٢] قالَ: فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ في القُرْآنِ في هَذا المَعْنى.
قُلْتُ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَذْكُرْ في سُورَةِ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] " إلّا مَعْنى الوُجُوبِ، أيْ عَلَيْنا بَيانُ الهُدى مِنَ الضَّلالِ، ومِنهم مَن لَمْ يَذْكُرْ في سُورَةِ النَّحْلِ إلّا هَذا المَعْنى كالبَغَوِيِّ، وذَكَرَ في الحِجْرِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ في بَسِيطِهِ المَعْنَيَيْنِ في سُورَةِ النَّحْلِ، واخْتارَ شَيْخُنا قَوْلَ مُجاهِدٍ والحَسَنِ في السُّوَرِ الثَّلاثِ.
[فَصْلٌ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو صِراطُ اللَّهِ]
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو صِراطُ اللَّهِ، وهو يُخْبِرُ أنَّ الصِّراطَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما ذَكَرْنا، ويُخْبِرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وهَذا في مَوْضِعَيْنِ مِنَ القُرْآنِ: في هُودٍ، والنَّحْلِ، قالَ في هُودٍ ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وقالَ في النَّحْلِ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]
فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ، ولا تَنْطِقُ ولا تَعْقِلُ، وهي كَلٌّ عَلى عابِدِها، يَحْتاجُ الصَّنَمُ إلى أنْ يَحْمِلَهُ عابِدُهُ، ويَضَعَهُ ويُقِيمَهُ ويَخْدِمَهُ، فَكَيْفَ يُسَوُّونَهُ في العادَةِ بِاللَّهِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والتَّوْحِيدِ؟ وهو قادِرٌ مُتَكَلِّمٌ، غَنِيٌّ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَقَوْلُهُ صِدْقٌ ورُشْدٌ ونُصْحٌ وهُدًى، وفِعْلُهُ حِكْمَةٌ وعَدْلٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ، هَذا أصَحُّ الأقْوالِ في الآيَةِ، وهو الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ غَيْرَهُ، ومَن ذَكَرَ غَيْرَهُ قَدَّمَهُ عَلى الأقْوالِ، ثُمَّ حَكاها بَعْدَهُ كَما فَعَلَ البَغْوِيُّ، فَإنَّهُ جَزَمَ بِهِ، وجَعَلَهُ تَفْسِيرَ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: وقالَ الكَلْبِيُّ: يَدُلُّكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قُلْتُ: ودِلالَتُهُ لَنا عَلى الصِّراطِ هي مِن مُوجَبِ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّ دِلالَتَهُ بِفِعْلِهِ وقَوْلِهِ، وهو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، فَلا يُناقِضُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
قالَ: وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قُلْتُ: وهَذا حَقٌّ لا يُناقِضُ القَوْلَ الأوَّلَ، فالَلَّهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ورَسُولُهُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَفْعَلُ إلّا مُقْتَضاهُ ومُوجَبَهُ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَثَلُ مَضْرُوبًا لِإمامِ الكُفّارِ وهادِيهِمْ، وهو الصَّنَمُ الَّذِي هو أبْكَمُ، لا يَقْدِرُ عَلى هُدًى ولا خَيْرٍ، ولِإمامِ الأبْرارِ، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: يَكُونُ مَضْرُوبًا لِمَعْبُودِ الكُفّارِ ومَعْبُودِ الأبْرارِ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ، فَبَعْضُهم ذَكَرَ هَذا، وبَعْضُهم ذَكَرَ هَذا، وكِلاهُما مُرادٌ مِنَ الآيَةِ، قالَ، وقِيلَ: كِلاهُما لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، يَرْوِيهِ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ عَطاءٌ: الأبْكَمُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: حَمْزَةُ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ.
قُلْتُ: والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، ولا يُناقِضُ القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ، فَإنَّ اللَّهَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ورَسُولَهُ وأتِّباعَ رَسُولِهِ، وضِدُّ ذَلِكَ: مَعْبُودُ الكُفّارِ وهادِيهِمْ، والكافِرُ التّابِعُ والمَتْبُوعُ والمَعْبُودُ، فَيَكُونُ بَعْضُ السَّلَفِ ذَكَرَ أعْلى الأنْواعِ، وبَعْضُهم ذَكَرَ الهادِيَ، وبَعْضُهم ذَكَرَ المُسْتَجِيبَ القابِلَ، وتَكُونُ الآيَةُ مُتَناوِلَةً لِذَلِكَ كُلِّهِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
وَأمّا آيَةُ هُودٍ: فَصَرِيحَةٌ لا تَحْتَمِلُ إلّا مَعْنًى واحِدًا، وهو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهو سُبْحانُهُ أحَقُّ مَن كانَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَإنَّ أقْوالَهُ كُلَّها صِدْقٌ ورُشْدٌ وهُدًى وعَدْلٌ وحِكْمَةٌ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وأفْعالُهُ كُلُّها مَصالِحُ وحِكَمٌ، ورَحْمَةٌ وعَدْلٌ وخَيْرٌ، فالشَّرُّ لا يَدْخُلُ في أفْعالِ مَن هو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أوْ أقْوالِهِ، وإنَّما يَدْخُلُ في أفْعالِ مَن خَرَجَ عَنْهُ وفي أقْوالِهِ.
وَفِي دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ» ولا يُلْتَفَتُ إلى تَفْسِيرِ مَن فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: والشَّرُّ لا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْكَ، أوْ لا يَصْعَدُ إلَيْكَ، فَإنَّ المَعْنى أجَلُّ مِن ذَلِكَ، وأكْبَرُ وأعْظَمُ قَدْرًا، فَإنَّ مَن أسْماؤُهُ كُلُّها حُسْنى، وأوْصافُهُ كُلُّها كَمالٌ، وأفْعالُهُ كُلُّها كَمالٌ، وأقْوالُهُ كُلُّها صِدْقٌ وعَدْلٌ يَسْتَحِيلُ دُخُولُ الشَّرِّ في أسْمائِهِ أوْ أوْصافِهِ، أوْ أفْعالِهِ أوْ أقْوالِهِ، فَطابِقْ بَيْنَ هَذا المَعْنى وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وتَأمَّلْ كَيْفَ ذَكَرَ هَذا عَقِيبَ قَوْلِهِ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦] أيْ هو رَبِّي، فَلا يُسَّلِمُنِي ولا يُضَيِّعُنِي، وهو رَبُّكم فَلا يُسَلِّطُكم عَلَيَّ ولا يُمَكِّنُكم مِنِّي، فَإنَّ نَواصِيَكم بِيَدِهِ، لا تَفْعَلُونَ شَيْئًا بِدُونِ مَشِيئَتِهِ، فَإنَّ ناصِيَةَ كُلِّ دابَّةٍ بِيَدِهِ، لا يُمْكِنُها أنْ تَتَحَرَّكَ إلّا بِإذْنِهِ، فَهو المُتَصَرِّفُ فِيها، ومَعَ هَذا فَهو في تَصَرُّفِهِ فِيها وتَحْرِيكِهِ لَها، ونُفُوذِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ فِيها عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، لا يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِن ذَلِكَ إلّا بِحِكْمَةٍ وعَدْلٍ ومَصْلَحَةٍ، ولَوْ سَلَّطَكم عَلَيَّ فَلَهُ مِنَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ ما لَهُ الحَمْدُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَسْلِيطُ مَن هو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، لا يَظْلِمُ ولا يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ.
فَهَكَذا تَكُونُ المَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، لا مَعْرِفَةَ القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ، والقَدَرِيَّةِ الجَبْرِيَّةِ، نُفاةِ الحُكْمِ والمَصالِحِ والتَّعْلِيلِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ سُبْحانَهُ.
[فَصْلٌ: رَفِيقُ طالِبِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ هُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ]
وَلَمّا كانَ طالِبُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ طالِبَ أمْرٍ أكْثَرُ النّاسِ ناكِبُونَ عَنْهُ، مُرِيدًا لِسُلُوكِ طَرِيقٍ مُرافِقُهُ فِيها في غايَةِ القِلَّةِ والعِزَّةِ، والنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلى وحْشَةِ التَّفَرُّدِ، وعَلى الأُنْسِ بِالرَّفِيقِ، نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الرَّفِيقِ في هَذِهِ الطَّرِيقِ، وأنَّهم هُمُ الَّذِينَ ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فَأضافَ الصِّراطَ إلى الرَّفِيقِ السّالِكِينَ لَهُ، وهُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لِيَزُولَ عَنِ الطّالِبِ لِلْهِدايَةِ وسُلُوكِ الصِّراطِ وحْشَةُ تَفَرُّدِهِ عَنْ أهْلِ زَمانِهِ وبَنِي جِنْسِهِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ رَفِيقَهُ في هَذا الصِّراطِ هُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَلا يَكْتَرِثُ بِمُخالَفَةِ النّاكِبِينَ عَنْهُ لَهُ، فَإنَّهم هُمُ الَأقَلُّونَ قَدْرًا،
وَإنْ كانُوا الأكْثَرِينَ عَدَدًا، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " عَلَيْكَ بِطَرِيقِ الحَقِّ، ولا تَسْتَوْحِشْ لِقِلَّةِ السّالِكِينَ، وإيّاكَ وطَرِيقَ الباطِلِ، ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهالِكِينَ "، وكُلَّما اسْتَوْحَشْتَ في تَفَرُّدِكَ فانْظُرْ إلى الرَّفِيقِ السّابِقِ، واحْرِصْ عَلى اللَّحاقِ بِهِمْ، وغُضَّ الطَّرْفَ عَمَّنْ سِواهُمْ، فَإنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وإذا صاحُوا بِكَ في طَرِيقِ سَيْرِكَ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ، فَإنَّكَ مَتى التَفَتَّ إلَيْهِمْ أخَذُوكَ وعاقُوكَ.
وَقَدْ ضَرَبْتُ لِذَلِكَ مَثَلَيْنِ، فَلْيَكُونا مِنكَ عَلى بالٍ:
المَثَلُ الأوَّلُ: رَجُلٌ خَرَجَ مِن بَيْتِهِ إلى الصَّلاةِ، لا يُرِيدُ غَيْرَها، فَعَرَضَ لَهُ في طَرِيقِهِ شَيْطانٌ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، فَألْقى عَلَيْهِ كَلامًا يُؤْذِيهِ، فَوَقَفَ ورَدَّ عَلَيْهِ، وتَماسَكا، فَرُبَّما كانَ شَيْطانُ الإنْسِ أقْوى مِنهُ، فَقَهَرَهُ، ومَنَعَهُ عَنِ الوُصُولِ إلى المَسْجِدِ، حَتّى فاتَتْهُ الصَّلاةُ، ورُبَّما كانَ الرَّجُلُ أقْوى مِن شَيْطانِ الإنْسِ، ولَكِنِ اشْتَغَلَ بِمُهاوَشَتِهِ عَنِ الصَّفِّ الأوَّلِ، وكَمالِ إدْراكِ الجَماعَةِ، فَإنِ التَفَتَ إلَيْهِ أطْمَعَهُ في نَفْسِهِ، ورُبَّما فَتَرَتْ عَزِيمَتُهُ، فَإنْ كانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ وعِلْمٌ زادَ في السَّعْيِ والجَمْزِ بِقَدْرِ التِفاتِهِ أوْ أكْثَرَ، فَإنْ أعْرَضَ عَنْهُ واشْتَغَلَ لِما هو بِصَدَدِهِ، وخافَ فَوْتَ الصَّلاةِ أوِ الوَقْتِ لَمْ يَبْلُغْ عَدُوُّهُ مِنهُ ما شاءَ.
المَثَلُ الثّانِي: الظَّبْيُ أشَدُّ سَعْيًا مِنَ الكَلْبِ، ولَكِنَّهُ إذا أحَسَّ بِهِ التَفَتَ إلَيْهِ فَيَضْعُفُ سَعْيُهُ، فَيُدْرِكُهُ الكَلْبُ فَيَأْخُذُهُ.
والقَصْدُ: أنَّ في ذِكْرِ هَذا الرَّفِيقِ ما يُزِيلُ وحْشَةَ التَّفَرُّدِ، ويَحُثُّ عَلى السَّيْرِ والتَّشْمِيرِ لِلَّحاقِ بِهِمْ.
وَهَذِهِ إحْدى الفَوائِدِ في دُعاءِ القُنُوتِ " «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَن هَدَيْتَ» " أيْ أدْخِلْنِي في هَذِهِ الزُّمْرَةِ، واجْعَلْنِي رَفِيقًا لَهم ومَعَهم.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِنِعَمِهِ وإحْسانِهِ إلى مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالهِدايَةِ أيْ قَدْ أنْعَمْتَ بِالهِدايَةِ عَلى مَن هَدَيْتَ، وكانَ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنكَ، فاجْعَلْ لِي نَصِيبًا مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، واجْعَلْنِي واحِدًا مِن هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، فَهو تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِإحْسانِهِ.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: كَما يَقُولُ السّائِلُ لِلْكَرِيمِ: تَصَدَّقْ عَلَيَّ في جُمْلَةِ مَن تَصَدَّقْتَ عَلَيْهِمْ، وعَلِّمْنِي في جُمْلَةِ مَن عَلَّمْتَهُ، وأحْسِنْ إلَيَّ في جُمْلَةِ مَن شَمِلْتَهُ بِإحْسانِكَ.
[فصل: صِحَّةُ الفَهْمِ نِعْمَةٌ]
صِحَّةُ الفَهْمِ وحُسْنُ القَصْدِ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى عَبْدِهِ، بَلْ ما أُعْطِيَ عَبْدٌ عَطاءً بَعْدَ الإسْلامِ أفْضَلُ ولا أجَلُّ مِنهُما، بَلْ هُما ساقا الإسْلامِ، وقِيامُهُ عَلَيْهِما، وبِهِما يَأْمَنُ العَبْدُ طَرِيقَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الَّذِينَ فَسَدَ قَصْدُهم وطَرِيقُ الضّالِّينَ الَّذِينَ فَسَدَتْ فُهُومُهُمْ، ويَصِيرُ مِن المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ الَّذِينَ حَسُنَتْ أفْهامُهم وقُصُودُهُمْ، وهم أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِينَ أُمِرْنا أنْ نَسْألَ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَنا صِراطَهم في كُلِّ صَلاةٍ، وصِحَّةُ الفَهْمِ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِ العَبْدِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ، والحَقِّ والباطِلِ، والهُدى والضَّلالِ، والغَيِّ والرَّشادِ، ويَمُدُّهُ حُسْنَ القَصْدِ، وتَحَرِّي الحَقَّ، وتَقْوى الرَّبِّ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، ويَقْطَعُ مادَّتُهُ اتِّباعَ الهَوى، وإيثارَ الدُّنْيا، وطَلَبَ مَحْمَدَةِ الخَلْقِ، وتَرْكَ التَّقْوى.
[فَصْلٌ: في بَيانِ تَضَمُّنِ الفاتحة لِلرَّدِّ عَلى الرّافِضَةِ]
وَذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخِرِها.
وَوَجْهُ تَضَمُّنِهِ إبْطالَ قَوْلِهِمْ: أنَّهُ سُبْحانَهُ قَسَّمَ النّاسَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ وهم أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ واتَّبَعُوهُ، ومَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ
وَهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ ورَفَضُوهُ، وضالُّونَ وهُمُ الَّذِينَ جَهِلُوهُ فَأخْطَئُوهُ.
فَكُلُّ مَن كانَ أعْرَفَ لِلْحَقِّ، وأتْبَعَ لَهُ كانَ أوْلى بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
وَلا رَيْبَ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم هم أوْلى بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الرَّوافِضِ، فَإنَّهُ مِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم جَهِلُوا الحَقَّ وعَرَفَهُ الرَّوافِضُ، أوْ رَفَضُوهُ وتَمَسَّكَ بِهِ الرَّوافِضُ.
ثُمَّ إنّا رَأيْنا آثارَ الفَرِيقَيْنِ تَدُلُّ عَلى أهْلِ الحَقِّ مِنهُما، فَرَأيْنا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَحُوا بِلادَ الكُفْرِ، وقَلَبُوها بِلادَ إسْلامٍ، وفَتَحُوا القُلُوبَ بِالقُرْآنِ والعِلْمِ والهُدى، فَآثارُهم تَدُلُّ عَلى أنَّهم هم أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ورَأيْنا الرّافِضَةَ بِالعَكْسِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، فَإنَّهُ قَطٌّ ما قامَ لِلْمُسْلِمِينَ عَدُوٌّ مِن غَيْرِهِمْ إلّا كانُوا أعْوانَهم عَلى الإسْلامِ، وكَمْ جَرُّوا عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ مِن بَلِيَّةٍ؟ وهَلْ عاثَتْ سُيُوفُ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ مِن عَسْكَرِ هُولاكُو وذَوِيهِ مِنَ التَّتارِ إلّا مِن تَحْتِ رُءُوسِهِمْ؟ وهَلْ عُطِّلَتِ المَساجِدُ، وحُرِّقَتِ المَصاحِفُ، وقُتِلَ سَرَواتُ المُسْلِمِينَ وعُلَماؤُهم وعُبّادُهم وخَلِيفَتُهُمْ، إلّا بِسَبَبِهِمْ ومِن جَرّائِهِمْ؟ ومُظاهَرَتُهم لِلْمُشْرِكِينَ والنَّصارى مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وآثارُهم في الدِّينِ مَعْلُومَةٌ.
فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؟ وأيُّهم أحَقُّ بِالغَضَبِ والضَّلالِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ ولِهَذا فَسَّرَ السَّلَفُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وأهْلَهُ: بِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وهو كَما فَسَّرُوهُ، فَإنَّهُ صِراطُهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وهو عَيْنُ صِراطِ نَبِيِّهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وغَضِبَ عَلى أعْدائِهِمْ، وحُكِمَ لِأعْدائِهِمْ بِالضَّلالِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ الرِّياحِيُّ والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وهُما مِن أجَلِّ التّابِعِينَ
" الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصاحِباهُ "
وَقالَ أبُو العالِيَةِ أيْضًا في قَوْلِهِ " ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هم آلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ "
وَهَذا حَقٌّ، فَإنَّ آلَهُ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ، ولا خِلافَ بَيْنَهُمْ، ومُوالاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وثَناؤُهم عَلَيْهِما، ومُحارَبَةُ مَن حارَبا، ومُسالَمَةُ مَن سالَما مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الأُمَّةِ خاصِّها وعامِّها، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ.
وَلا رَيْبَ أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ هم أتْباعُهُ، والمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ اتِّباعِهِ، وأتْبَعُ الأُمَّةِ لَهُ وأطْوَعَهم أصْحابُهُ وأهْلُ بَيْتِهِ، وأتْبَعُ الصَّحابَةِ لَهُ السَّمْعُ والبَصَرُ، أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وأشَدُّ الأُمَّةِ مُخالَفَةً لَهُ هُمُ الرّافِضَةُ، فَخِلافُهم لَهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ فِرَقِ الأُمَّةِ، ولِهَذا يُبْغِضُونَ السُّنَّةَ وأهْلَها، ويُعادُونَها ويُعادُونَ أهْلَها، فَهم أعْداءُ سُنَّتِهِ ﷺ، وأهْلِ بَيْتِهِ وأتْباعُهُ مِن بَنِيهِمْ أكْمَلُ مِيراثًا؟ بَلْ هم ورَثَتُهُ حَقًّا.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ طَرِيقُ أصْحابِهِ وأتْباعِهِ، وطَرِيقُ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ طَرِيقُ الرّافِضَةِ.
وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ بِعَيْنِها يُرَدُّ عَلى الخَوارِجِ، فَإنَّ مُعاداتَهُمُ الصَّحابَةَ مَعْرُوفَةٌ.
(فصل نفيس)
حكى الأستاذ أبو القاسم الرماني رواية عن يونس: أنه حكى الإعمال في ﴿لكنْ﴾ مع تخفيفها وكان يستغرب هذه الرواية.
واعلم أن ﴿لكنْ﴾ لا تكون حرف عطف مع دخول الواو عليها لأنه لا يجتمع حرفان من حروف العطف فمتى رأيت حرفا من حروف العطف مع الواو فالواو هي العاطفة دونه، فمن ذلك (إما) إذا قلت: إما زيد وإما عمرو، وكذلك (لا) إذا قلت: ما قام زيد ولا عمرو ودخلت ﴿لا﴾ لتوكيد النفي ولئلا يتوهم أن الواو جامعة وأنك نفيت قيامهما في وقت واحد ولا تكون ﴿لا﴾ عاطفة إلا بعد إيجاب وشرط آخر وهو أن يكون الكلام قبلها يتضمن بمفهوم الخطاب نفي الفعل عما بعدها كقولك: جاءني رجل لا امرأة، ورجل عالم لا رجل جاهل.
ولو قلت مررت برجل لا زيد. لم يجز وكذلك: مررت برجل لا عاقل. لأنه ليس في مفهوم الكلام ما ينفي الفعل عن الثاني وهي لا تدخل إلا لتوكيد نفي فإن أردت ذلك المعنى جئت بلفظ (غير) فتقول مررت برجل غير زيد ورجل غير عالم.
ولا تقول برجل غير امرأة، ولا بطويل غير قصير لأن في مفهوم الخطاب ما يغنيك عن مفهوم النفي الذي في غير، وذلك المعنى الذي دل عليه المفهوم حتى قلت بطويل لا قصير.
وأما إذا كانا اسمين معرفين نحو مررت بزيد لا عمرو فجائز هنا دخول غير لجمود الاسم العلم فإنه ليس له مفهوم خطاب عند الأصوليين بخلاف الأسماء المشتقة وما جرى مجراها كرجل فإنه بمنزلة قولك ذَكَر.
ولذلك دل بمفهومه على انتقال الخبر عن المرأة ويجوز أيضا مررت بزيد لا عمرو لأنه اسم مخصوص بشخص وكأنه حين خصصته بالذكر نفيت المرور عن عمرو ثم أكدت ذلك النفي بـ لا وأما الكلام المنفي فلا يعطف عليه بـ لا لأن نفيك الفعل عن زيد إذا قلت ما قام زيد لا يفهم منه نفيه عن عمرو فيؤكد بـ لا.
فإن قلت أكد بها النفي المتقدم قيل لك وأي شيء يكون حينئذ إعراب عمرو وهو اسم مفرد ولم يدخل عليه عاطف يعطف على ما قبله فهذا لا يجوز إلا أن تجعله مبتدأ وتأتي بخبر فتقول ما قام زيد ولا عمرو وهو القائم.
أما إن أردت تشريكهما في النفي فلا بد من الواو إما وحدها وإما مع ﴿لا﴾ فلا تكون الواو عاطفة ومعها ﴿لا﴾
وأما قوله: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ فإن معنى النفي موجود في غير.
فإن قيل: فهلا قال: ﴿لا المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾؟
قيل في ذكر غير بيان للفضلة للذين أنعم عليهم وتحصيله لنفي صفة الضلال والغضب عنهم وأنهم الذين أنعم عليهم بالنبوة والهدى دون غيرهم ولو قال لا المغضوب عليهم ولا الضالين لم يكن في ذلك إلا تأكيد نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم كما تقول هذا غلام زيد لا عمرو أكدت نفي الإضافة عن عمرو بخلاف قولك هذا غلام الفقيه غير الفاسق ولا الخبيث وكأنك جمعت بين إضافة الغلام إلى الفقيه دون غيره وهي نفي الصفة المذمومة عن الفقيه فافهمه.
فإن قيل: وأي شيء أكدت ﴿لا﴾ حتى أدخلت عليها الواو وقد قلت إنها لا تؤكد المنفي المتقدم وإنما تؤكد نصبا يدل عليه اختصاص الفعل الواجب بوصف ما كقولك جاءني رجل عالم لا جاهل؟
فالجواب أنك حين قلت ما جاءني زيد لم يدل الكلام على نفي المجيء عن عمرو كما تقدم فلما عطفت بالواو دل الكلام على انتفاء الفعل عن عمرو كما انتفى عن الأول لقيام الواو مقام تكرار حرف النفي فدخلت ﴿لا﴾ لتوكيد النفي عن الثاني.
(فائدة بديعة)
قوله تعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
فيها عشرون مسألة:
أحدها: ما فائدة البدل في الدعاء والداعي مخاطب لمن لا يحتاج إلى البيان والبدل القصد به بيان الاسم الأول
الثانية: ما فائدة تعريف ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ باللام وهلا أخبر عنه بمجرد اللفظ دونها كما قال: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟
الثالثة: ما معنى ﴿الصِّراطَ﴾ ومن أي شيء اشتقاقه ولم جاء على وزن فعال ولم ذكر في أكثر المواضع في القرآن الكريم بهذا اللفظ، وفي سورة الأحقاف ذكر بلفظ الطريق فقال: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟
الرابعة: ما الحكمة في إضافته إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بهذا اللفظ ولم يذكرهم بخصوصهم فيقول صراط النبيين والصديقين فلم عدل إلى لفظ المبهم دون المفسر؟
الخامسة: ما الحكمة في التعبير عنهم بلفظ الذي مع صلتها دون أن يقال المنعم عليهم وهو أخصر كما قال: ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وما الفرق؟
السادسة: لم فرق بين المنعم عليهم والمغضوب عليهم فقال في أهل النعمة الذين أنعمت وفي أهل الغضب المغضوب بحذف الفاعل؟
السابعة: لم قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فعدى الفعل بنفسه ولم يعده بـ ﴿إلى﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟ الثامنة: أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يقتضي أن نعمته مختصة بالأولين دون المغضوب عليهم ولا الضالين وهذا حجة لمن ذهب إلى أنه لا نعمة له على كافر فهل هذا استدلال صحيح أم لا؟
التاسعة: أن يقال لم وصفهم بلفظ غير وهلا قال تعالى لا المغضوب عليهم كما قال والضالين وهذا كما تقول مررت بزيد لا عمرو وبالعاقل لا الأحمق؟
العاشرة: كيف جرت غير صفة على الموصوف وهي لا تتعرف بالإضافة وليس المحل محل عطف بيان إذ بابه الإعلام ولا محل لذلك إذ المقصود في باب البدل هو الثاني والأول توطئة وفي باب الصفات المقصود الأول والثاني بيان وهذا شأن هذا الموضع فإن المقصود ذكر المنعم عليهم ووصفهم بمغايرتهم معنى الغضب والضلال؟
الحادية عشرة: إذا ثبت ذلك في البدل فالصراط المستقيم مقصود الإخبار عنه بذلك وليس في نية الطرح فكيف جاء صراط الذين أنعمت عليهم بدلا منه وما فائدة البدل هنا؟
الثانية عشرة: أنه قد ثبت في الحديث الذي رواه الترمذي والإمام أحمد وابن أبي حاتم: "تفسير المغضوب عليهم بأنهم اليهود والنصارى بأنهم الضالون" حسن فما وجه هذا التقسيم والاختصاص وكل من الطائفتين ضال مغضوب عليه؟ الثالثة عشرة: لم قدم المغضوب عليهم في اللفظ على الضالين؟
الرابعة عشرة: لم أتى في أهل الغضب بصيغة مفعول المأخوذة من فعل ولم يأت في أهل الضلال بذلك فيقال المضلين بل أتى فيهم بصيغة فاعل المأخوذة من فعل؟
الخامسة عشرة: ما فائدة العطف بـ ﴿لا﴾ هنا ولو قيل: المغضوب عليهم والضالين لم يختل الكلام وكان أوجز؟
السادسة عشرة: إذ قد عطف بها فيأتي العطف بها مع الواو للمنفى نحو ما قام زيد ولا عمرو وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ وأما بدون الواو فبابها الإيجاب نحو مررت بزيد لا عمرو؟
السابعة عشرة: هل الهداية هنا هداية التعريف والبيان أو هداية التوفيق والإلهام؟
الثامنة عشرة: كل مؤمن مأمور بهذا الدعاء أمرا لازما لا يقوم غيره مقامه ولا بد منه وهذا إنما نسأله في الصلاة بعد هدايته فما وجه السؤال لأمر حاصل وكيف يطلب تحصيل الحاصل؟
التاسعة عشرة: ما فائدة الإتيان بضمير الجمع في (اهدنا) والداعي يسأل ربه لنفسه في الصلاة وخارجها ولا يليق به ضمير الجمع ولهذا يقول: "رب اغفر لي وارحمني وتب عليَّ"؟
العشرون: ما حقيقة ﴿الصراط المستقيم﴾ الذي يتصوره العبد وقت سؤاله؟
فهذه أربع مسائل حقها أن تقدم أولا ولكن جر الكلام إليها بعد ترتيب المسائل الست عشرة.
الجواب بعون الله وتعليمه: أنه لا علم لأحد من عباده إلا ما علمه ولا قوة له إلا بإعانته.
(فائدة البدل في الدعاء)
لقد وردت الآية في معرض التعليم للعباد والدعاء حق الداعي أن يستشعر عند دعائها ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به إذ الدعاء مخ العبادة والمخ لا يكون إلا في عظم والعظم في لحم ودم فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء وجب أن يكون الطلب ممزوجا بالثناء فمن ثم جاء لفظ الطلب للهداية والرغبة فيها مشوبا بالخير تصريحا من الداعي بمعتقده وتوسلا منه بذلك الاعتقاد الصحيح إلى ربه فكأنه متوسل إليه بإيمانه واعتقاده أن صراط الحق هو الصراط المستقيم وأنه صراط الذين اختصهم بنعمته وحباهم بكرامته فإذا قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ والمخالفون للحق يزعمون أنهم على الصراط المستقيم أيضا والداعي يجب عليهم اعتقاد خلافهم وإظهار الحق الذي في نفسه فلذلك أبدل وبين لهم ليمرن اللسان على ما اعتقده الجنان ففي ضمن هذا الدعاء المهم الإخبار بفائدتين جليلتين إحداهما فائدة الخبر والفائدة الثانية فائدة لازم الخبر فأما فائدة الخبر فهي الإخبار عنه بالاستقامة وأنه الصراط المستقيم الذي نصبه لأهل نعمته وكرامته.
وأما فائدة لازم الخبر فإقرار الداعي بذلك وتصديقه وتوسله بهذا الإقرار إلى ربه فهذه أربع فوائد الدعاء بالهداية إليه والخبر عنه بذلك والإقرار والتصديق لشأنه والتوسل إلى المدعو إليه بهذا التصديق وفيه فائدة خامسة وهي أن الداعي إنما أمر بذلك لحاجته إليه وأن سعادته وفلاحه لا تتم إلا به فهو مأمور بتدبير ما يطلب وتصور معناه فذكر له من أوصافه ما إذا تصور في خلده وقام بقلبه كان أشد طلبا له وأعظم رغبة فيه وأحرص على دوام الطلب والسؤال له فتأمل هذه النكت البديعة.
(فصل)
وأما المسألة الثانية وهي تعريف (الصراط) باللام.
اعلم أن الألف واللام إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره ألا ترى أن قولك جالس فقيها أو عالما ليس كقولك جالس الفقيه أو العالم ولا قولك أكلت طيبا كقولك أكلت الطيب ألا ترى إلى قوله ﷺ: "أنت الحق ووعدك الحق
وقولك الحق" ثم قال: ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق " رواه البخاري ومسلم فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة وأدخلها على اسم الرب تعالى ووعده وكلامه فإذا عرفت هذا فلو قال اهدنا صراطا مستقيما لكان الداعي إنما يطلب الهداية إلى صراط ما مستقيم على الإطلاق وليس المراد ذلك بل المراد الهداية إلى الصراط المعين الذي نصبه الله تعالى لأهل نعمته وجعله طريقا إلى رضوانه وجنته وهو دينه الذي لا دين له سواه فالمطلوب أمر معين في الخارج والذهن لا شيء مطلق منكر واللام هنا للعهد العلمي الذهني وهو أنه طلب الهداية إلى سر معهود قد قام في القلوب معرفته والتصديق به وتميزه عن سائر طرق الضلال فلم يكن بد من التعريف.
فإن قيل: لم جاء منكرا في قوله لنبيه ﷺ: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟
فالجواب عن هذه المواضع بجواب واحد وهو أنها ليست في مقام الدعاء والطلب وإنما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم وهداية رسوله إليه ولم يكن للمخاطبين عهد به ولم يكن معروفا لهم فلم يجئ معرفا بلام العهد المشيرة إلى معروف في ذهن المخاطب قائم في خلده ولا تقدمه في اللفظ معهود تكون اللام معروفة إليه وإنما تأتي لام العهد في أحد هذين الموضعين أعني أن يكون لها معهود ذهني أو ذكر لفظي وإذ لا واحد منهما في هذه المواضع فالتنكير هو الأصل وهذا بخلاف قوله اهدنا الصراط المستقيم فإنه لما تقرر عند المخاطبين أن لله صراطا مستقيما هدي إليه أنبياءه ورسله وكان المخاطب سبحانه المسئول من هدايته عالما به دخلت اللام عليه فقال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وقال السهيلي: إن قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله ﷺ أعلم فأنزل الله على رسوله ﷺ هذه الآية فلم يرد صراطا مستقيما
في الدين وإنما أراد صراطا في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم ولو قال في هذا الموطن إلى الصراط المستقيم لجعل للكفر وللضلال حظا من الإستقامة إذ الألف واللام تنبيء أن ما دخلت عليه من الأسماء الموصلة أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر أو ما قرب به في الوهم ولا يكون أحق به إلا أن يكون في الآخر طرف منه وغير خاف ما في هذين الجوابين من الضعف والوهن
أما قوله أن المراد بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾
في الحرب والمكيدة فهضم لهذا الفضل العظيم والحظ الجزيل الذي امتن الله به على رسول ﷺ وأخبر النبي ﷺ أن هذه الآية أحب إليه من الدنيا وما فيها ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطا مستقيما وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك؟ بل الصراط المستقيم ما جعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله تعالى هداه إليه في قوله: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم فسره بقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونصب (دينا) هنا على البدل من الجار والمجرور أي هداني دينا قيما أفتراه يمكنه هاهنا أن يقول إن الحرب والمكيدة فهذا جواب فاسد جدا.
وتأمل: ما جمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا وذلك خمسة أشياء أحدها: الفتح المبين
والثاني: مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر
والثالث: هدايته الصراط المستقيم
والرابع: إتمام نعمته عليه
والخامس: إعطاء النصر العزيز، وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح فإن الهدى هو العلم بالله تعالى ودينه والعمل بمرضاته وطاعته فهو العلم النافع والعمل الصالح والنصر والقدرة التامة على تنفيذ دينه فالحجة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد وقهر القلوب المخالفين له بالحجة وقهر أبدانهم باليد وهو سبحانه كثيرا ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾
في موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ فهذا الهدى
ثم قال: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فهذا النصر فذكر الكتاب الهادي والحديد الناصر
وقال تعالى: ﴿ألم اللَّهُ لا إلَهَ إلاّ هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل وسر اقتران النصر بالهدى أن كلا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل ولهذا سمى تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانا كما قال تعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾
فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر وهو اليوم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم ومن هذا قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين﴾ فالفرقان نصره له على فرعون وقومه والضياء والذكر التوراة هذا هو معنى الآية ولم يصب من قال: إن الواو زائدة وإن ضياء منصوب على الحال كما بينا فساده في "الأمالي المكية" فبين أن آية الفتح تضمنت الأصلين الهدى والنصر وأنه لا يصح فيها غير ذلك ألبتة.
وأما جوابه الثاني عن قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بأنه لو عرف لجعل للكفر والضلال حظا من الاستقامة فما أدري من أين جاء له هذا الفهم مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع رحمه الله تعالى وما هي إلا كبوة جواد ونبوة صارم أفترى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة وما ثم غيره إلا طرق الضلال وإنما الصراط المستقيم واحد وهو ما هدى الله تعالى إليه أنبياءه ورسله أجمعين وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال إنه يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة؟
بل يقال تعريفه ينبئ أن لا يكون لغيره حظ من الاستقامة فإن فإن التعريف في قوة الحصر فكأنه قيل الذي لا صراط مستقيم سواه وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة فتأمله. هنا وفي نظائره.
(فصل)
وأما المسألة الثالثة: وهي اشتقاق الصراط
فالمشهور أنه من صرطت الشيء أصرطه إذا بلعته بلعا سهلا فسمي الطريق صراطا لأنه يسترط المارة فيه والصراط ما جمع خمسة أوصاف أن يكون طريقا مستقيما سهلا مسلوكا واسعا موصلا إلى المقصود فلا تسمي العرب الطريق المعوج صراطا ولا الصعب المشتق ولا المسدود غير الموصول ومن تأمل موارد الصراط في لسانهم واستعمالهم تبين له ذلك قال جرير:
؎أمير المؤمنين على صراط ∗∗∗ إذا أعوج الموارد مستقيم
وبنوا الصراط على زنة فعال لأنه مشتمل على سالكه اشتمال الحلق على الشيء المسروط وهذا الوزن كثير في المشتملات على الأشياء كاللحاف والخمار والرداء والغطاء والفراش والكتاب إلى سائر الباب يأتي لثلاثة معان أحدها: المصدر كالقتال والضراب والثاني: المفعول نحو الكتاب والبناء والغراس والثالث: أنه يقصد به قصد الآلة التي يحصل بها الفعل ويقع بها كالخمار والغطاء والسداد لما يخمر به ويغطى ويسد به فهذا آلة محضة والمفعول هو الشيء المخمر والمغطى والمسدود ومن هذا القسم الثالث إله بمعنى مألوه وأما ذكره له بلفظ الطريق في سورة الأحقاف خاصة فهذا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجن أنهم قالوا لقومهم: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وتعبيرهم عنه هاهنا بالطريق فيه نكتة بديعة وهي أنهم قدموا قبله ذكر موسى وأن الكتاب الذي سمعوه مصدقا لما بين يديه من كتاب موسى وغيره فكان فيه كالنبأ عن رسول الله ﷺ في قوله لقومه: ﴿ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي لم أكن أول رسول بعث إلى أهل الأرض بل قد تقدمت رسل من الله إلى الأمم وإنما بعثت مصدقا لهم بمثل ما بعثوا به من التوحيد والإيمان فقال مؤمنوا الجن: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي إلى سبيل مطروق قد مرت عليه الرسل قبله وإنه ليس بدع كما قال في أول السورة نفسها فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ الطريق لأنه فعيل بمعنى مفعول أي مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل فحقيق على من صدق رسل الله وآمن بهم أن يؤمن به ويصدقه فذكر الطريق هاهنا إذا أولى لأنه أدخل في باب الدعوة والتنبيه على تعين أتباعه والله أعلم ثم رأيت هذا المعنى بعينه قد ذكره السهيلي فوافق فيه الخاطر الخاطر.
(فصل)
وأما المسألة الرابعة: وهي إضافته إلى الموصول المبهم دون أن يقول صراط النبيين والمرسلين
ففيه ثلاث فوائد: إحداها: إحضار العلم وإشعار الذهن عند سماع هذا فإن استحقاق كونهم من المنعم عليهم هو بهدايتهم إلى هذا الصراط فبه صاروا من أهل النعمة وهذا كما يعلق الحكم بالصلة دون الاسم الجامد لما فيه من الإنعام باستحقاق ما علق عليها من الحكم بها وهذا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا الباب مطرد فالإتيان بالاسم موصولا على هذا المعنى من ذكر الاسم الخاص الفائدة الثانية: إشارة إلى أن نفي التقليد عن القلب واستشعار العلم بأن من هدى إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه فالسائل مستشعر سؤاله الهداية وطلب الإنعام من الله عليه والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول يتضمن الإخبار بأن أهل النعمة هم أهل الهداية إليه والثاني يتضمن الطلب والإرادة وأن تكون منه الفائدة الثالثة: أن الآية عامة في جميع طبقات المنعم عليهم ولو أتى باسم خاص لكان لم يكن فيه سؤال الهداية إلى صراط جميع المنعم عليهم فكان في الإتيان بالاسم العام من الفائدة أن المسئول الهدى إلى جميع تفاصيل الطريق التي سلكها كل من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذا أجل مطلوب وأعظم مسئول ولو عرف الداعي قدر هذا السؤال لجعله هجيرا وقرنه بأنفاسه فإنه لم يدع شيئا من خير الدنيا والآخرة إلا تضمنه ولما كان بهذه المثابة فرضه الله على جميع عباده فرضا متكررا في اليوم والليلة لا يقوم غيره مقامه ومن ثم يعلم تعين الفاتحة في الصلاة وأنها ليس منها عوض يقوم مقامها.
(فصل)
وأما المسألة الخامسة وهي أنه قال: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل المنعم عليهم كما قال المغضوب عليهم فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد وفيه فوائد عديدة إحداها أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن الكريم وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يبني الفعل معها للمفعول فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبني الفعل معها للمفعول أدبا في الخطاب وإضافته إلى الله تعالى أشرف قسمي أفعاله فمنه هذه الآية فإنه ذكر النعمة فأضافها إليه ولم يحذف فاعلها ولما ذكر الغضب حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول فقال: ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وقال في الإحسان ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى ولما جاء إلى ذكر المرض قال وإذا مرضت ولم يقل أمرضني وقال فهو يشفين ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب وحذفوا فاعل إرادة الشر وبنوا الفعل للمفعول ومنه قول الخضر عليه الصلاة والسلام في السفينة: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ فأضاف العيب إلى نفسه وقال في الغلامين: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ فحذف الفاعل وبناه للمفعول وقال: ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ لأن في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل ومنه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ إلى آخرها ومنه وهو ألطف من هذا وأدق معنى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكُمْ﴾ إلى آخرها ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وتأمل قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ كيف صرح بفاعل التحريم في هذا الموضع وقال في حق المؤمنين: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾
الفائدة الثانية: أن الإنعام بالهداية يستوجب شكر المنعم بها وأصل الشكر ذكر المنعم والعمل بطاعته وكان من شكره إبراز الضمير المتضمن لذكره تعالى الذي هو أساس الشكر وكان في قوله: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من ذكره وإضافته النعمة إليه ما ليس في ذكر المنعم عليهم لو قاله فضمن هذا اللفظ الأصلين وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾
الفائدة الثالثة: أن النعمة بالهداية إلى الصراط لله وحده وهو المنعم بالهداية دون أن يشرك أحد في نعمته فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال أنعمت عليهم أي أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة وأما الغضب فإن الله سبحانه غضب على من لم يكن من أهل الهداية إلى هذا الصراط وأمر عباده المؤمنين بمعاداتهم وذلك يستلزم غضبهم عليهم موافقة لغضب ربهم عليهم فموافقته تعالى تقتضي أن يغضب على من غضب عليه ويرضى عمن رضي عنه فيغضب لغضبه ويرضى لرضاه وهذا حقيقة العبودية واليهود قد غضب الله عليهم فحقيق بالمؤمنين الغضب عليهم فحذف فاعل الغضب وقال المغضوب عليهم لما كان للمؤمنين نصيب من غضب الله عليه بخلاف الإنعام فإن لله وحده فتأمل هذه النكت البديعة الفائدة الرابعة: أن المغضوب عليهم في مقام الإعراض عنهم وترك الالتفات والإشارة إلى نفس الصفة التي لهم والاقتصار عليها وأما أهل النعمة فهم في مقام الإشارة إليهم وتعيينهم والإشادة بذكرهم وإذا ثبت هذا فالألف واللام في المغضوب وإن كانتا بمعنى الذين فليست مثل الذين في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات المسمى فإن قولك: الذين فعلوا معناه القوم الذين فعلوا وقولك الضاربون والمضروبون ليس فيه ما في قولك الذين ضربوا أو ضربوا فتأمل ذلك فالذين أنعمت عليهم إشارة إلى تعريفهم بأعيانهم وقصد ذواتهم بخلاف المغضوب عليهم فالمقصود التحذير من صفتهم والإعراض عنهم وعدم الالتفات إليهم والمعول عليه من الأجوبة ما تقدم.
(فصل)
المسألة السابعة: وهي تعدية الفعل هنا بنفسه دون حرف (إلى)
فجوابها أن فعل الهداية يتعدى بنفسه تارة وبحرف إلى تارة وباللام تارة والثلاثة في القرآن فمن المعدى بنفسه هذه الآية وقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ومن المعدى بـ إلى قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومن المعدى باللام قوله في قول أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ وقوله تعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ والفروق لهذه المواضع تدق جدا عن أفهام العلماء ولكن نذكر قاعدة تشير إلى الفرق وهي أن الفعل المعدى بالحروف المتعددة لا بد أن لا يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الآخر وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو: رغبت عنه ورغبت فيه وعدلت إليه وعدلت عنه وملت إليه وعنه وسعيت إليه وسعيت به وأن تفاوت معنى الأدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه وقصدت له وهديته إلى كذا وهديته لكذا وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال فيشربون الفعل المتعدى به معناه هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى وطريقة حذاق أصحابه يضمنون الفعل معنى الفعل لا يقيمون الحرف مقام الحرف وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن وهذا نحو قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ فإنهم يضمنون يشرب معنى يروي فيعدونه بالباء التي تطلبها فيكون في ذلك دليل على الفعلين أحدهما: بالتصريح به والثاني: بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها ومنه قوله في السحاب شربن بماء البحر حتى روين ثم ترفعن وصعدن وهذا أحسن من أن يقال يشرب منها فإنه لا دلالة فيه على الري وأن يقال يروى بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه بل باللزوم فإذا قال يشرب بها دل على الشرب بصريحه وعلى الري بخلاف الباء فتأمله.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ﴾ وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء ولكن ضمن معنى يهم فيه بكذا وهو أبلغ من الإرادة فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة وهذا باب واسع لو تتبعناه لطال الكلام فيه.
ويكفي المثالان المذكوران فإذا عرفت هذا ففعل الهداية متى عدي بـ إلى تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة فأتى بحرف الغاية ومتى عدي باللام تضمن التخصيص بالشيء المطلوب فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين فإذا قلت هديته لكذا فهم معنى ذكرته له وجعلته له وهيأته ونحو هذا وإذا تعدى بنفسه تضمن المعنى الجامع لذلك كله وهو التعرف والبيان والإلهام فالقائل إذا قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو طالب من الله أن يعرفه إياه ويبينه له ويلهمه إياه ويقدره عليه فيجعل في قلبه علمه وإرادته والقدرة عليه فجرد الفعل من الحرف وأتى به مجردا معدي بنفسه ليتضمن هذه المراتب كلها ولو عدي بحرف تعين معناه وتخصص بحسب معنى الحرف فتأمله: فإنه من دقائق اللغة وأسرارها.
(فصل)
وأما المسألة الثامنة: وهي أنه خص أهل السعادة بالهداية دون غيرهم
فهذه مسألة اختلف الناس فيها وطال الحجاج من الطرفين وهي أنه هل لله على الكافر نعمة أم لا؟
فمن ناف محتج بهذه وبقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾
فخص هؤلاء بالإنعام فدل على أن غيرهم غير منعم عليه، وبقوله لعباده المؤمنين ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وبأن الإنعام ينافي الانتقام والعقوبة، فأي نعمة على من خلق للعذاب الأبدي؟
ومن مثبت محتج بقوله ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ وقوله لليهود: ﴿يا بَنِي إسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا خطاب لهم في حال كفرهم، وبقوله في سورة النحل التي عدد فيها نعمه المشتركة على عباده من أولها إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ (٨١) فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ (٨٣)﴾
وهذا نص صريح لا يحتمل صرفا.
واحتجوا بأن البر والفاجر والمؤمن والكافر كلهم يعيش في نعمة الله، وكل أحد مقر لله تعالى بأنه إنما يعيش في نعمته، وهذا معلوم بالاضطرار عند جميع أصناف بني آدم إلا من كابر وجحد حق الله تعالى وكفر بنعمته.
وفصل الخطاب في المسألة أن النعمة المطلقة مختصة بأهل الإيمان لا يشركهم فيها سواهم، ومطلق النعمة عام للخليقة كلهم برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، فالنعمة المطلقة التامة هي المتصلة بسعادة الأبد وبالنعيم المقيم، فهذه غير مشتركة.
ومطلق النعمة عام مشترك فإذا أراد النافي سلب النعمة المطلقة للكافر أخطأ، وإن أراد إثبات مطلق النعمة أصاب.
وبهذا تتفق الأدلة ويزول النزاع ويتبين أن كل واحد من الفريقين معه خطأ وصواب والله الموفق للصواب.
وأما قوله تعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ فإنما يذكرهم بنعمته على آبائهم، ولهذا يعددها واحدة واحدة بأن أنجاهم من آل فرعون، وأن فرق بهم البحر، وأن وعد موسى أربعين ليلة، فضلوا بعده، ثم تاب عليهم وعفا عنهم، وبأن ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، إلى غير ذلك من نعمه التي يعددها عليهم، وإنما كانت لأسلافهم وآبائهم فأمرهم أن يذكروها ليدعوهم ذكرهم لها إلى طاعته والإيمان برسله، والتحذير من عقوبته بما عاقب به من لم يؤمن برسوله ولم ينقد لدينه وطاعته وكانت نعمته على آبائهم نعمة منه عليهم تستدعي منهم شكرا، فكيف تجعلون مكان الشكر عليها كفركم برسولي وتكذيبكم له ومعاداتكم إياه، وهذا لا يدل على أن نعمته المطلقة التامة حاصلة لهم في حال كفرهم والله أعلم.
(فصل)
المسألة التاسعة: وهي أنه قال ﴿غير المغضوب﴾ ولم يقل لا المغضوب عليهم
فيقال لا ريب أن "لا" يعطف بها بعد الإيجاب كما تقول جاءني زيد لا عمرو وجاءني العالم لا الجاهل وأما غير فهي تابع لما قبلها وهي صفة ليس إلا كما سيأتي وإخراج الكلام هنا مخرج الصفة أحسن من إخراجه مخرج العطف وهذا إنما يعلم إذا عرف فرق ما بين العطف في هذا الموضع والوصف فتقول لو أخرج الكلام مخرج العطف وقيل: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لا المغضوب عليهم لم يكن في العطف بها أكثر من نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم كما هو مقتضى العطف فإنك إذا قلت: جاءني العالم لا الجاهل لم يكن في العطف أكثر من نفي المجيء عن الجاهل وإثباته للعالم وأما الإتيان بلفظ غير فهي صفة لما قبلها فأفاد الكلام معها وصفهم بشيئين أحدهما أنهم منعم عليهم والثاني: أنهم غير مغضوب عليهم فأفاد ما يفيد العطف مع زيادة الثناء عليهم ومدحهم فإنه يتضمن صفتين ثبوتية وهي كونهم منعما عليهم وصفة سلبية وهي كونهم غير مستحقين لوصف الغضب وأنهم مغايرون لأهله ولهذا لما أريد بها هذا المعنى جرت صفة على المنعم عليهم ولم تكن صفة منصوبة على الاستثناء لأنه يزول منها معنى الوصفية المقصود وفيها فائدة أخرى وهي أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ادعوا أنهم هم المنعم عليهم دون أهل الإسلام فكأنه قيل لهم المنعم عليهم غيركم لا أنتم وقيل: للمسلمين المغضوب عليهم غيركم لا أنتم فالإتيان بلفظة غير في هذا السياق أحسن وأدل على إثبات المغايرة المطلوبة فتأمله.
وتأمل كيف قال المغضوب عليهم ولا الضالين ولم يقل اليهود والنصارى مع أنهم هم الموصوفون بذلك تجريدا لوصفهم بالغضب والضلال الذي به غايروا المنعم عليهم ولم يكونوا منهم بسبيل لأن الإنعام المطلق ينافي الغضب والضلال فلا يثبت لمغضوب عليه ولا ضال فتبارك من أودع كلامه من الأسرار ما يشهد بأنه تنزيل من حكيم حميد.
(فصل)
وأما المسألة العاشرة: وهي جريان ﴿غير﴾ صفة على المعرفة وهي لا تتعرف بالإضافة
ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن غير هنا بدل لا صفة وبدل النكرة من
المعرفة جائز وهذا فاسد من وجوه ثلاثة
أحدها أن باب البدل المقصود فيه الثاني والأول توطئة له ومهاد أمامه وهو المقصود بالذكر فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ المقصود هو أهل الاستطاعة خاصة وذكر الناس قبلهم توطئة وقولك أعجبني زيد علمه إنما وقع الإعجاب على علمه وذكرت صاحبه توطئة لذكره وكذا قوله ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ المقصود إنما هو السؤال عن القتال في الشهر الحرام لا عن نفس الشهر وهذا ظاهر جدا في بدل البعض وبدل الاشتمال ويراعى في بدل الكل من الكل ولهذا سمي بدلا إيذانا بأنه المقصود فقوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ المقصود: لنسفعا بالناصية الكاذبة الخاطئة وذكر المبدل منه توطئة لها وإذا عرف هذا فالمقصود هنا ذكر المنعم عليهم وإضافة الصراط إليهم ومن تمام هذا المقصود وتكميله الإخبار بمغايرتهم للمغضوب عليهم فجاء ذكر غير المغضوب مكملا لهذا المعنى ومتمما ومحققا لأن أصحاب الصراط المسئول هدايته هم أهل النعمة فكونهم غير مغضوب عليهم وصف محقق وفائدته فائدة الوصف المبين للموصوف المكمل له وهذا واضح الوجه الثاني أن البدل يجري مجرى توكيد المبدل وتكريره وتثنيته ولهذا كان في تقدير تكرار العامل وهو المقصود بالذكر كما تقدم فهو الأول بعينه ذاتا ووصفا وإنما ذكر بوصف آخر مقصود بالذكر كقوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولهذا يحسن الاقتصار عليه دون الأول ولا يكون مخلا بالكلام ألا ترى أنك لو قلت في غير القرآن لله حج البيت على من استطاع إليه السبيل لكان كاملا مستقيما لا خلل فيه ولو قلت في دعائك رب اهدني صراط من أنعمت عليه من عبادك لكان مستقيما وإذا كان كذلك فلو قدر الاقتصار على غير وما في حيزها لاختل الكلام وذهب معظم المقصود منه إذ المقصود إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم لا إضافته إلى غير المغضوب عليهم بل أتى بلفظ غير زيادة في وصفهم والثناء عليهم فتأمله.
الوجه الثالث: أن غير لا يعقل ورودها بدلا وإنما ترد استثناء أو صفة أو حالا وسر ذلك أنها لم توضع مستقلة بنفسها بل لا تكون إلا تابعة لغيرها ولهذا قلما يقال جاءني غير زيد ومررت بغير عمرو والبدل لا بدل أن يكون مستقلا بنفسه كما تبين أنه المقصود ونكتة الفرق أنك في باب البدل قاصد إلى الثاني متوجه إليه قد جعلت الأول سلما ومرقاة إليه فهو موضع قصدك ومحط إرادتك وفي باب الصفة بخلاف ذلك إنما أنت قاصد الموصوف موضح له بصفته فجعل هذه النكتة معيارا على باب البدل والوصف ثم زن بها غير المغضوب عليهم هل يصح أن يكون بدلا أو وصفا الجواب الثاني أن غير هاهنا صح جريانه صفة على المعرفة لأنها موصولة والموصول مبهم غير معين ففيه رائحة من النكرة لإبهامه فإنه غير دال على معين فصلح وصفه بـ غير لقربه من النكرة وهذا جواب صاحب الكشاف.
فإن قلت: كيف صح أن يقع (غير) صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف قلت: الذين أنعمت عليهم لا توقيت فيه فهو كقوله:
؎ولقد أمر على اللئيم يسبني ∗∗∗ فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
ومعنى قوله: لا توقيت فيه أي لا تعيين لواحد من واحد كما تعين المعرفة بل هو مطلق في الجنس فجرى مجرى النكرة واستشهاده بالبيت معناه أن الفعل نكرة وهو يسبني وقد أوقعه صفة للئيم المعرفة باللام لكونه غير معين فهو في قوة النكرة فجاز أن ينعت بالنكرة وكأنه قال على لئيم يسبني وهذا استدلال ضعيف فإن قوله: يسبني حال منه لا وصف والعامل فيه فعل المرور المعني أمر على اللئيم سابا لي أي أمر عليه في هذه الحال فأتجاوزه ولا أحتفل بسبه الجواب الثالث: وهو الصحيح أن غير هاهنا قد تعرفت بالإضافة فأن المانع لها من تعريفها شدة إبهامها أو عمومها في كل مغاير للمذكور فلا يحصل بها تعيين ولهذا تجري صفة على النكرة فتقول رجل غيرك يقول كذا ويفعل كذا فتجري صفة للنكرة مع إضافتها إلى المعرفة ومعلوم أن هذا الإبهام يزول لوقوعها بين متضادين يذكر أحدهما ثم تضيفها إلى الثاني فيتعين بالإضافة ويزول الإبهام الذي يمنع تعريفها بالإضافة كما قال:
؎نحن بنو عمرو الهجان الأزهر ∗∗∗ النسب المعروف غير المنكر
أفلا تراه أجرى غير المنكر صفة على النسب كما أجرى عليه المعرف لأنهما صفتان معينتان فلا إبهام في غير لأن مقابلها المعروف وهو معرفة وضده المنكر متميز متعين كتعين المعرف أعني تعين الجنس وهكذا قوله صراط الذين أنعمت عليهم فالمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم فإذا كان الأول معرفة كانت غير معرفة لإضافتها إلى محصل متميز غير مبهم فاكتسب منه التعريف وينبغي أن تتفطن هاهنا لنكتة لطيفة في غير تكشف لك حقيقة أمرها ف أين تكون معرفة وأين تكون نكرة وهي أن غيرا هي نفس ما تكون تابعة له وضد ما هي مضافة إليه فهي واقعة على متبوعها وقوع الاسم المرادف على مرادفه فإن المعرف هو تفسير غير المنكر والمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم هذا حقيقة اللفظة فإذا كان متبوعها نكرة لم تكن إلا نكرة وإن أضيفت كما إذا قلت رجل غيرك فعل كذا وكذا وإذا كان متبوعها معرفة لم تكن إلا معرفة كما إذا قيل المحسن غير المسيء محبوب معظم عند الناس والبر غير الفاجر مهيب والعادل غير الظالم مجاب الدعوة فهذا لا تكون فيه غير إلا معرفة ومن ادعى فيها التنكير هنا غلط وقال ما لا دليل عليه إذ لا إبهام فيها بحال فتأمله.
فإن قلت: عدم تعريفها بالإضافة له سبب آخر وهي أنها بمعنى مغاير اسم فاعل من غاير كمثل بمعنى مماثل وشبه بمعنى مشابه وأسماء الفاعلين لا تعرف بالإضافة وكذا ما ناب عنها قلت اسم الفاعل إنما لا يتعرف بالإضافة إذا أضيف إلى معموله لأن الإضافة في تقدير الانفصال نحو هذا ضارب زيد غدا وليست غير بعاملة فيما بعدها عمل اسم الفاعل في المفعول حتى يقال الإضافة في تقدير الانفصال بل إضافتها إضافة محضة كإضافة غيرها من النكرات ألا ترى أن قولك غيرك بمنزلة قولك سواك ولا فرق بينهما والله أعلم.
(فصل)
وأما المسألة الحادية عشرة: وهي ما فائدة إخراج الكلام في قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مخرج البدل مع أن الأول في نية الطرح؟
فالجواب: أن قولهم الأول في البدل في نية الطرح كلام لا يصح أن يؤخذ على إطلاقه بل البدل نوعان نوع يكون الأول فيه في نية الطرح وهو بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال لأن المقصود هو الثاني لا الأول وقد تقدم ونوع لا ينوي فيه طرح الأول وهو بدل الكل من الكل بل يكون الثاني بمنزلة التذكير والتوكيد وتقوية النسبة مع ما تعطيه النسبة الإسنادية إليه من الفائدة المتجددة الزائدة على الأول فيكون فائدة البدل التوكيد والإشعار بحصول وصف المبدل للمبدل منه فإنه لما قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فكأن الذهن طلب المعرفة ما إذا كان هذا الصراط مختصا بنا أم سلكه غيرنا ممن هداه الله فقال: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا كما إذا دللت رجلا على طريق لا يعرفها وأردت توكيد الدلالة وتحريضه على لزومها وأن لا يفارقها فأنت تقول هذه الطريق الموصلة إلى مقصودك ثم تزيد ذلك عنده توكيدا وتقوية فتقول وهي الطريق التي سلكها الناس والمسافرون وأهل النجاة أفلا ترى كيف أفاد وصفك لها بأنها طريق السالكين الناجين قدرا زائدا على وصفك لها بأنها طريق موصلة وقريبة سهلة مستقيمة فإن النفوس مجبولة على التأسي والمتابعة فإذا ذكر لها من تتأسى به في سلوكها أنست واقتحمتها فتأمله.
(فصل)
وأما المسألة الثانية عشرة: وهي ما وجه تفسير ﴿المغضوب عليهم﴾ باليهود و ﴿الضالين﴾ بالنصارى مع تلازم وصفي الغضب والضلال؟
فالجواب أن يقال هذا ليس بتخصيص يقتضي نفي كل صفة عن أصحاب الصفة الأخرى فإن كل مغضوب عليه ضال وكل ضال مغضوب عليه لكن ذكر كل طائفة بأشهر وصفيها وأحقها به وألصقه بها وأن ذلك هو الوصف الغالب عليهما وهذا مطابق لوصف الله اليهود بالغضب في القرآن والنصارى بالضلال فهو تفسير للآية بالصفة التي وصفهم بها في ذلك الموضع أما اليهود فقال تعالى في حقهم: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وفي تكرار هذا الغضب هنا أقوال أحدها: أنه غضب متكرر في مقابلة تكرر كفرهم برسول ﷺ الله والبغي عليه ومحاربته فاستحقوا بكفرهم غضبا وبالبغي والصد عنه غضبا آخر ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ فالعذاب الأول بكفرهم والعذاب الذي زادهم إياه بصدهم الناس عن سبيله القول الثاني: أن الغضب الأول بتحريفهم وتبديلهم وقتلهم الأنبياء والغضب الثاني بكفرهم بالمسيح القول الثالث: أن الغضب الأول بكفرهم بالمسيح والغضب الثاني بكفرهم بمحمد ﷺ والصحيح في الآية أن التكرار هنا ليس المراد به التثنية التي تشفع الواحد بل المراد غضب بعد غضب بحسب تكرر كفرهم وإفسادهم وقتلهم الأنبياء وكفرهم بالمسيح وبمحمد ﷺ ومعاداتهم لرسل الله إلى غير ذلك من الأعمال التي كل عمل منها يقتضي غضبا على حدته وهذا كما في قوله: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أي كرة بعد كرة لا مرتين فقط وقصد التعدد في قوله: ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ أظهر ولا ريب أن تعطيلهم ما عطلوه من شرائع التوراة وتحريفهم وتبديلهم يستدعي غضبا وتكذيبهم الأنبياء يستدعي غضبا آخر وقتلهم إياهم يستدعي غضبا آخر وتكذبيهم المسيح وطلبهم قتله ورميهم أمه بالبهتان العظيم يستدعي غضبا وتكذبيهم النبي ﷺ يستدعي غضبا ومحاربتهم له وأذاهم لأتباعه يقتضي غضبا وصدهم من أراد الدخول في دينه عنه يقتضي غضبا فهم الأمة الغضبية أعاذنا الله من غضبه فهي الأمة التي باءت بغضب الله المضاعف المتكرر وكانوا أحق بهذا الاسم والوصف من النصارى وقال تعالى في شأنهم: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ فهذا غضب مشفوع باللعنة والمسخ وهو أشد ما يكون من الغضب وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ وأما وصف النصارى بالضلال ففي قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ فهذا خطاب للنصارى لأنه في سياق خطابه معهم بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ فوصفهم بأنهم قد ضلوا أولا ثم أضلوا كثيرا وهم أتباعهم فهذا قبل مبعث النبي محمد ﷺ حيث ضلوا في أمر المسيح وأضلوا أتباعهم فلما بعث النبي ﷺ ازدادوا ضلالا آخر بتكذيبهم له وكفرهم به فتضاعف الضلال في حقهم هذا قول طائفة منهم الزمخشري وغيره وهو ضعيف فإن هذا كله وصف لأسلافهم الذين هم لهم تبع فوصفهم بثلاث صفات إحداها أنهم قد ضلوا من قبلهم والثانية: أضلوا أتباعهم والثالثة: أنهم ضلوا عن سواء السبيل فهذه صفات لأسلافهم الذين نهي هؤلاء عن اتباع أهوائهم فلا يصح أن يكون وصفا للموجودين في زمن النبي ﷺ لأنهم هم المنهيون أنفسهم لا المنهي عنهم فتأمله.
وإنما سر الآية أنها اقتضت تكرار الضلال في النصارى ضلالا بعد ضلال لفرط جهلهم بالحق وهي نظير الآية التي تقدمت في تكرار الغضب في حق اليهود ولهذا كان النصارى أخص بالضلال من اليهود ووجه تكرار هذا الضلال أن الضلال قد أخطأ نفس مقصوده فيكون ضالا فيه فيقصد ما لا ينبغي أن يقصده ويعبد من لا ينبغي أن يعبده وقد يصيب مقصودا حقا لكن يضل في طريق طلبة والسبيل الموصلة إليه فالأول ضلال في الغاية والثاني ضلال في الوسيلة ثم إذا دعا غيره إلى ذلك فقد أضله وأسلاف النصارى اجتمعت لهم الأنواع الثلاثة فضلوا عن مقصودهم حيث لم يصيبوه وزعموا أن إلههم بشر يأكل ويشرب ويبكي وأنه قتل وصلب وصفع فهذا ضلال في نفس المقصود حيث لم يظفروا به وضلوا عن السبيل الموصلة إليه فلا اهتدوا إلى المطلوب ولا إلى الطريق الموصل إليه ودعوا أتباعهم إلى ذلك فضلوا عن الحق وعن طريقه وأضلوا كثيرا فكانوا أدخل في الضلال من اليهود فوصفوا بأخص الوصفين والذي يحقق ذلك أن اليهود إنما أتوا من فساد الإرادة والحسد وإيثار ما كان لهم على قومهم من السحت والرياسة فخافوا أن يذهب بالإسلام فلم يؤتوا من عدم العلم بالحق فإنهم كانوا يعرفون أن محمدا رسول الله ﷺ كما يعرفون أبناءهم ولهذا لم يوبخهم الله تعالى ويقرعهم إلا بإراداتهم الفاسدة من الكبر والحسد وإيثار السحت والبغي وقتل الأنبياء ووبخ النصارى بالضلال والجهل الذي هو عدم العلم بالحق فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الحق تارة ومن عدم إرادته والعمل بها أخرى يتركب منها فكفر اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به وإيثار غير عليه بعد معرفته فلم يكن ضلالا محضا وكفر النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه فإذا تبين لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمة الغضبية وبقوا مغضوبا عليهم ضالين ثم لما كان الهدى والفلاح والسعادة لا سبيل إلى نيله إلا بمعرفة الحق وإيثاره على غيره وكان الجهل يمنع العبد من معرفته بالحق والبغي يمنعه من إرادته كان العبد أحوج شيء إلى أن يسأل الله تعالى كل وقت أن يهديه الصراط المستقيم تعريفا وبيانا وإرشادا وإلهاما وتوفيقا وإعانة فيعلمه ويعرفه ثم يجعله مريدا له قاصدا لاتباعه فيخرج بذلك عن طريقة المغضوب عليهم الذين عدلوا عنه على عمد وعلم والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال كان السلف يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى وهذا كما قالوا فإن من فسد من العلماء فاستعمل أخلاق اليهود من تحريف الكلم عن مواضعه وكتمان ما أنزل الله إذا كان فيه فوات غرضه وحسد من آتاه الله من فضله وطلب قتله وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس ويدعونهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم إلى غير ذلك من الأخلاق التي ذم بها اليهود من الكفر واللي والكتمان والتحريف والتحيل على المحارم وتلبيس الحق بالباطل فهذا شبهه باليهود ظاهر وأما من فسد من العباد فعبد الله بمقتضى هواه لا بما بعث به رسوله ﷺ وغلا في الشيوخ فأنزلهم منزلة الربوبية وجاوز ذلك إلى نوع من الحلول أو الإتحاد فشبهه بالنصارى ظاهر فعلى المسلم أن يبعد من هذين الشبهين غاية البعد ومن تصور الشبهين والوصفين وعلم أحوال الخلق علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه ولا أوجب منه عليه وأن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنفس لأن غاية ما يقدر بفوتهما موته وهذا يحصل له بفوته شقاوة الأبد فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين إنه قريب مجيب.
[فصل: تقديم ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ والضالين﴾]
وأما المسألة الثالثة عشرة: وهو تقديم (المغضوب عليهم) على (الضالين) فلوجوه:
أحدها أنهم متقدمون عليهم بالزمان الثاني أنهم كانوا هم الذين يلون النبي ﷺ من أهل الكتابين فإنهم كانوا جيرانه في المدينة والنصارى كانت ديارهم نائية عنه ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن الكريم أكثر من خطاب النصارى كما في سورة البقرة والمائدة وآل عمران وغيرها من السور الثالث أن اليهود أغلظ كفرا من النصارى ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة فإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم فالتحذير من سبيلهم والبعد منها أحق وأهم بالتقديم وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم الرابع وهو أحسنها أنه تقدم ذكر المنعم عليهم والغضب ضد الإنعام والسورة هي السبع المثاني التي يذكر فيها الشيء ومقابله فذكر المغضوب عليهم مع المنعم عليهم فيه من الازدواج والمقابلة ما ليس في تقديم الضالين فقولك الناس منعم عليه ومغضوب عليه فكن من المنعم عليهم أحسن من قولك منعم عليه وضال فصل اسم المفعول في المغضوب واسم الفاعل في الضال.
(فصل)
وأما المسألة الرابعة عشرة: وهي أنه أتى في أهل الغضب باسم المفعول وفي (الضالين) باسم الفاعل
فجوابهما ظاهر فإن أهل الغضب من غضب الله عليهم وأصابهم غضبه فهم مغضوب عليهم.
وأما أهل الضلال فإنهم هم الذين ضلوا وآثروا الضلال واكتسبوه ولهذا استحقوا العقوبة عليه، ولا يليق أن يقال ولا المضلين مبنيا للمفعول لما في رائحته من إقامة عذرهم وأنهم لم يكتسبوا الضلال من أنفسهم بل فعل فيهم ولا حجة في هذا للقدرية فإنا نقول إنهم هم الذين ضلوا وإن كان الله أضلهم بل فيه رد على الجبرية الذين لا ينسبون إلى العبد فعلا إلا على جهة المجاز لا الحقيقة فتضمنت الآية الرد عليهم كما تضمن قوله اهدنا الصراط المستقيم الرد على القدرية ففي الآية إبطال قول الطائفتين والشهادة لأهل الحق أنهم هم المصيبون وهم المثبتون للقدر توحيدا وخلقا والقدرة لإضافة أفعال العباد إليهم عملا وكسبا وهو متعلق الأمر والعمل كما أن الأول متعلق الخلق والقدرة فاقتضت الآية إثبات الشرع والقدر والمعاد والنبوة فإن النعمة والغضب هو ثوابه وعقابه فالمنعم عليهم رسله وأتباعهم ليس إلا وهدى أتباعهم إنما يكون على أيديهم فاقتضى إثبات النبوة بأقرب طريق وأبينهما وأدلها على عموم الحاجة وشدة الضرورة إليها وأنه لا سبيل للعبد أن يكون من المنعم عليهم إلا بهداية الله له ولا تنال هذه الهداية إلا على أيدي الرسل وأن هذه الهداية لها ثمرة وهي النعمة التامة المطلقة في دار النعيم ولخلافها ثمرة وهي الغضب المقتضي للشفاء الأبدي فتأمل كيف اشتملت هذه الآية مع وجازتها واختصارها على أهم مطالب الدين وأجلها والله الهادي إلى سواء السبيل وهو أعلم.
(فصل)
وأما المسألة الخامسة عشرة: وهي ما فائدة زيادة (لا) بين المعطوف والمعطوف عليه
ففي ذلك أربع فوائد:
أحدها: أن ذكرها تأكيد للنفي الذي تضمنه غير فلولا ما فيها من معنى النفي لما عطف عليها بـ (لا) مع الواو فهو في قوة لا المغضوب عليهم ولا الضالين أو غير المغضوب عليهم وغير الضالين.
الفائدة الثانية: أن المراد المغايرة الواقعة بين النوعين وبين كل نوع بمفرده فلو لم يذكر لا وقيل: غير المغضوب عليهم والضالين أوهم أن المراد ما غاير المجموع المركب من النوعين لا ما غاير كل نوع بمفرده فإذا قيل ولا الضالين كان صريحا في أن المراد صراط غير هؤلاء وغير هؤلاء وبيان ذلك أنك إذا قلت: ما قام زيد وعمرو فإنما نفيت القيام عنهما ولا يلزم من ذلك نفيه عن كل واحد منهما بمفرده.
الفائدة الثالثة: رفع توهم أن الضالين وصف للمغضوب عليهم وأنهما صنف واحد وصفوا بالغضب والضلال ودخل العطف بينهما كما يدخل في عطف الصفات بعضها على بعض نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ إلى آخرها فإن هذه صفات المؤمنين ومثل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ونظائره فلما دخلت (لا) علم أنهما صنفان متغايران مقصودان بالذكر وكانت لا أولى بهذا المعنى من (غير) لوجوه:
أحدها: أنها أقل حروفا
الثاني: التفادي من تكرار اللفظ
الثالث: الثقل الحاصل بالنطق بـ (غير) مرتين من غير فصل إلا بكلمة مفردة ولا ريب أنه ثقيل على اللسان
الرابع: أن (لا) إنما يعطف بها بعد النفي فالإتيان بها مؤذن بنفي الغضب عن أصحاب الصراط المستقيم كما نفى عنهم الضلال و (غير) وإن أفهمت هذا فلا أدخل في النفي منها وقد عرف بهذا جواب المسألة السادسة عشرة وهي أن (لا) إنما يعطف بها في النفي.
(فصل)
وأما المسألة السابعة عشرة: وهي أن الهداية هنا من أي أنواع الهدايات؟
فاعلم أن أنواع الهداية أربعة:
أحدها الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره وأعطى كل عضو شكله وهيئته وأعطى كل موجود خلقه المختص به ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال وهذه هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره وهداية الجمال المسخر لما خلق له فله هداية تليق به كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها وكذلك كل عضو له هداية تليق به فهدى الرجلين للمشي واليدين للبطش والعمل واللسان للكلام والأذن للاستماع والعين لكشف المرئيات وكل عضو لما خلق له وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد، وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه وطلبه مراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو فتبارك الله رب العالمين.
وهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومن الأبنية ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها ثم تأوي إلى بيوتها وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه والائتمام به أين توجه بها ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء ومن تأمل بعض هدايته المثبوتة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسر نظر وأول وهلة وأحسن طريق وأخصرها وأبعدها من كل شبهة فإنه لم يهمل هذه الحيوانات سدى ولم يتركها معطلة بل هداها إلى هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها كيف يليق به أن يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملا وسدى معطلا لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته بل يتركه معطلا لا يأمره ولا ينهاه ولا يثبه ولا يعاقبه وهل هذا إلا مناف لحكمته ونسبته له مما لا يليق بجلاله ولهذا أنكر ذلك على من زعمه ونزه نفسه عنه وبين أنه يستحيل نسبة ذلك إليه وأنه يتعالى عنه فقال تعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ فنزه نفسه عن هذا الحسبان فدل على أنه مستقر بطلانه في الفطر السليمة والعقول المستقيمة وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل وأنه مما تظاهر عليه العقل والشرع وكما هو أصح الطريقين في ذلك ومن فهم هذا فهم سر اقتران قوله تعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة وأن من لم يهمل أمر كل دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه بل جعلها أمما وهداها إلى غاياتها ومصالحها وكيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها.
النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر وطريقي النجاة والهلاك وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط لا موجب ولهذا ينبغي الهدى معها كقوله تعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أي بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا ومنها قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها وهي المذكورة في قوله: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وفي قوله: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾
وفي قول النبي ﷺ: "من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له "
رواه مسلم وأحمد والبيهقي.
وفي قوله تعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
النوع الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾
وقال أهل الجنة فيها: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ وقال تعالى عن أهل النار: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾
إذا عرف هذا فالهداية المسئولة في قوله: ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنما تتناول المرتبة الثانية والثالثة خاصة فهي طلب التعريف والبيان والإرشاد والتوفيق والإلهام طلب التعريف والبيان والتوفيق.
فإن قيل: كيف يطلب التعريف والبيان وهو حاصل له وكذلك الإلهام والتوفيق؟
قلنا: لقد أجيب عنها بأن المراد التثبيت ودوام الهداية.
واعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور هو محتاج إليها حاجة لا غنى له عنها الأمر الأول معرفته في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوبا للرب تعالى مرضيا له فيؤثره وكونه مغضوبا له مسخوطا عليه فيجتنبه فإن نقص من هذا العلم والمعرفة شيء نقص من الهداية التامة بحسبه الأمر الثاني: أن يكون مريد الجميع ما يحب الله منه أن يفعله عازما عليه ومريدا لترك جميع ما نهى الله عازما على تركه بعد خطوره بالبال مفصلا وعازما على تركه من حيث الجملة مجملا فإن نقص من إرادته لذلك شيء نقص من الهدى التام بحسب ما نقص من الإرادة الأمر الثالث أن يكون قائما به فعلا وتركا فإن نقص من فعله شيء نقص من هداه بحسبه فهذه ثلاثة هي أصول في الهداية ويتبعها ثلاثة هي من تمامها وكمالها
أحدها: أمور هدي إليها جملة ولم يهتد إلى تفاصيلها فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها
الثاني: أمرو هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها لتكمل له هدايتها
الثالث: الأمور التي هدي إليها تفصيلا من جميع وجوهها فهو محتاج إلى الاستمرار إلى الهداية والدوام عليها فهذه أصول تتعلق بما يعزم على فعله وتركه الأمر السابع يتعلق بالماضي وهو أمور وقعت منه على غير جهة الاستقامة فهو محتاج إلى تداركها بالتوبة منها وتبديلها بغيرها وإذا كان كذلك فإنما يقال كيف يسأل الهداية وهي موجودة له ثم يجاب عن ذلك بأن المراد التثبيت والدوام عليها إذا كانت هذه المراتب حاصلة له بالفعل فحينئذ يكون سؤاله الهداية سؤال تثبيت ودوام فأما إذا كان ما يجهله أضعاف ما يعلمه وما لا يريده من رشده أكثر مما يريده ولا سبيل له إلى فعله إلا بأن يخلق الله فاعليه فيه فالمسئول هو أصل الهداية على الدوام تعليما وتوفيقا وخلقا للإرادة فيه وإقدارا له وخلقا للفاعلية وتثبيتا له على ذلك فعلم أنه ليس أعظم ضرورة منه إلى سؤال الهداية أصلها وتفصيلها علما وعملا والتثبيت عليها والدوام إلى الممات وسر ذلك أن العبد مفتقر إلى الهداية في كل نفس في جميع ما يأتيه ويذره أصلا وتفصيلا وتثبيتا ومفتقر إلى مزيد العلم بالهدى على الدوام فليس له أنفع ولا هو إلى شيء أحوج من سؤال الهداية فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم وأن يثبت قلوبنا على دينه.
(فصل)
أما المسألة التاسعة عشرة: وهي الإتيان بالضمير في قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾ ضمير جمع
فقد قال بعض الناس في جوابه: إن كل عضو من أعضاء العبد وكل حاسة ظاهرة وباطنة مفتقرة إلى هداية خاصة به فأتى بصيغة الجمع تنزيلا لكل عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه وعرضت هذا الجواب على شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه فاستضعفه جدا وهو كما قال: "فإن الإنسان اسم للجملة لا لكل جزء من أجزائه وعضو من أعضائه" والقائل إذا قال: "اغفر لي وارحمني واجبرني وأصلحني واهدني" سائل من الله ما يحصل لجملته ظاهره وباطنه فلا يحتاج أن يستشعر لكل عضو مسألة تخصه يفرد لها لفظه فالصواب أن يقال هذا مطابق لقوله: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته فأتى به بصيغة ضمير الجمع أي نحن معاشر عبيدك مقرون لك بالعبودية وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك فيكون هذا أحسن وأعظم موقعا عند الملك من أن يقول أنا عبدك ومملوكك ولهذا لو قال أنا وحدي مملوكك استدعى مقته فإذا قال أنا وكل من في البلد مماليكك وعبيدك وجند لك كان أعظم وأفخم لأن ذلك يتضمن أن عبيدك كثير جدا وأنا واحد منهم وكلنا مشتركون في عبوديتك والاستعانة بك وطلب الهداية منك فقد تضمن ذلك من الثناء على الرب بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ الإفراد فتأمله.
وإذا تأملت أدعية القرآن رأيت عامتها على هذا النمط نحو: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ونحو دعاء آخر البقرة وآخر آل عمران وأولها وهو أكثر أدعية القرآن الكريم.
(فصل)
المسألة العشرون: وهي ما هو (الصراط المستقيم)؟
فنذكر فيه قولا وجيزا فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلا لعباده إليه ولا طريق لهم إليه سواه بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة فلا يشرك به أحدا في عبوديته ولا يشرك برسوله أحدا في طاعته فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول وهذا معنى قول بعض العارفين: "إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين صدق محبته وحسن معاملته" وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته الأول يحصل بالتحقيق بشهادة أن لا إله إلا الله والثاني يحصل بالتحقيق بشهادة أن محمدا رسول الله وهذا هو الهادي ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل له وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها وهي معنى قول من قال علوم وأعمال ظاهرة وباطنة مستفادة من مشكاة النبوة ومعنى قول من قال: متابعة رسول الله ﷺ ظاهرا وباطنا علما وعملا ومعنى قول من قال: الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره وأما ما عدا هذا من الأقوال كقول من قال: الصلوات الخمس وقول من قال: حب أبي بكر وعمر وقول من قال: هو أركان الإسلام الخمس التي بني عليها فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع لا تفسير مطابق له بل هي جزء من أجزائه وحقيقته الجامعة ما تقدم.
والله أعلم.
[الجَهْرِ بِـ (آمِينَ) في الصَّلاةِ]
تَرْكُ السُّنَّةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ في الجَهْرِ بِآمِينَ في الصَّلاةِ كَقَوْلِهِ في الصَّحِيحَيْنِ: «إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا فَإنَّهُ مَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»
وَلَوْلا جَهْرُهُ بِالتَّأْمِينِ لَما أمْكَنَ المَأْمُومُ أنْ يُؤَمِّنَ مَعَهُ ويُوافِقَهُ في التَّأْمِينِ.
وَأصْرَحُ مِن هَذا حَدِيثُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حُجْرٌ بْنِ عَنْبَسٍ عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٌ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قالَ ولا الضّالِّينَ قالَ آمِينَ، ورَفَعَ بِها صَوْتَهُ».
وَفِي لَفْظٍ: «وَطَوَّلَ بِها»
رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وَقَدْ خالَفَ شُعْبَةُ سُفْيانَ في هَذا الحَدِيثِ فَقالَ: «وَخَفَضَ بِها صَوْتَهُ»
وَحُكْمُ أئِمَّةِ الحَدِيثِ وحُفّاظِهِ في هَذا لِسُفْيانَ فَقالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ يَقُولُ: حَدِيثُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ في هَذا البابِ أصَحُّ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ، أخْطَأ شُعْبَةُ في هَذا الحَدِيثِ في مَواضِعَ، فَقالَ: " عَنْ حُجْرٌ أبِي العَنْبَسِ "
وَإنَّما كُنْيَتُهُ أبُو السَّكَنِ، وزادَ فِيهِ عَلْقَمَةُ بْنُ وائِلٍ، وإنَّما هو حُجْرٌ بْنُ عَنْبَسٍ عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٌ، لَيْسَ فِيهِ عَلْقَمَةُ، وقالَ: «وَخَفَضَ بِها صَوْتَهُ»
والصَّحِيحُ أنَّهُ جَهَرَ بِها.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: وسَألْت أبا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثِ سُفْيانَ وشُعْبَةَ هَذا، فَقالَ: حَدِيثُ سُفْيانَ أصَحُّ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ، وقَدْ رَوى العَلاءُ بْنُ صالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ نَحْوَ رِوايَةِ سُفْيانَ، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: كَذا قالَ شُعْبَةُ: «وَأخْفى بِها صَوْتَهُ» ويُقالُ: إنّهُ وهَمَ فِيهِ؛ لِأنَّ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ ومُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وغَيْرَهُما رَوَوْهُ عَنْ سَلَمَةَ فَقالُوا: «وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ»
وَهُوَ الصَّوابُ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: لا أعْلَمُ اخْتِلافًا بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ أنَّ سُفْيانَ وشُعْبَةَ إذا اخْتَلَفا فالقَوْلُ قَوْلُ سُفْيانَ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: لَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن شُعْبَةَ، ولا يَعْدِلُهُ عِنْدِي أحَدٌ، وإذا خالَفَهُ سُفْيانُ أخَذْت بِقَوْلِ سُفْيانَ، وقالَ شُعْبَةُ: سُفْيانُ أحْفَظُ مِنِّي؛ فَهَذا تَرْجِيحٌ لِرِوايَةِ سُفْيانَ، وتَرْجِيحٌ ثانٍ: وهو مُتابَعَةُ العَلاءِ بْنِ صالِحٍ ومُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ لَهُ، وتَرْجِيحٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ أبا الوَلِيدِ الطَّيالِسِيَّ - وحَسْبُك بِهِ رَواهُ عَنْ شُعْبَةَ بِوِفاقِ الثَّوْرِيِّ في مَتْنِهِ، فَقَدْ اخْتُلِفَ عَلى شُعْبَةَ كَما تَرى.
قالَ البَيْهَقِيُّ: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ فَعادَ إلى الصَّوابِ في مَتْنِهِ، وتَرَكَ ذِكْرَ ذَلِكَ عَلْقَمَةُ في إسْنادِهِ، وتَرْجِيحٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الرِّوايَتَيْنِ لَوْ تَقاوَمَتا لَكانَتْ رِوايَةُ الرَّفْعِ مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةٍ وكانَتْ أوْلى بِالقَبُولِ، وتَرْجِيحٌ خامِسٌ: وهو مُوافَقَتُها وتَفْسِيرُها لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «وَإذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا، فَإنَّ الإمامَ يَقُولُ آمِينَ والمَلائِكَةُ تَقُولُ: آمِينَ، فَمَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ». وتَرْجِيحٌ سادِسٌ: وهو ما رَواهُ الحاكِمُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ أُمِّ القُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ» ولِأبِي داوُد بِمَعْناهُ، وزادَ بَيانًا فَقالَ: «قالَ آمِينَ حَتّى يَسْمَعَ مَن يَلِيه مِن الصَّفِّ الأوَّلِ» وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قالَ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: آمِينَ يَرْفَعُ بِها صَوْتَهُ، ويَأْمُرُ بِذَلِكَ».
وَذَكَرَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهِهِ قالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ إذا قَرَأ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾»
وَعَنْهُ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كانَ إذا قَرَأ ولا الضّالِّينَ رَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ»
وَعِنْدَ أبِي داوُد عَنْ «بِلالٍ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ».
قالَ الرَّبِيعُ: سُئِلَ الشّافِعِيُّ عَنْ الإمامِ: هَلْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِآمِينَ؟ قالَ: نَعَمْ، ويَرْفَعُ بِها مَن خَلْفَهُ أصْواتَهُمْ، فَقُلْت: وما الحُجَّةُ؟ فَقالَ: أنْبَأنا مالِكٌ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ، ثُمَّ قالَ: فَفي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا» دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ أمَرَ الإمامَ أنْ يَجْهَرَ بِآمِينَ؛ لِأنَّ مَن خَلْفَهُ لا يَعْرِفُونَ وقْتَ تَأْمِينِهِ إلّا بِأنْ يَسْمَعَ تَأْمِينَهُ، ثُمَّ بَيَّنَهُ ابْنُ شِهابٍ فَقالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ»، فَقُلْت لِلشّافِعِيِّ: فَإنّا نَكْرَهُ لِلْإمامِ أنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ، فَقالَ: هَذا خِلافُ ما رَوى صاحِبُنا وصاحِبُكم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا وعِنْدَهم عِلْمٌ إلّا هَذا الحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنْ مالِكٍ فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَدِلَّ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْهَرُ بِآمِينَ، وأنَّهُ أمَرَ الإمامَ أنْ يَجْهَرَ بِها، فَكَيْفَ ولَمْ يَزَلْ أهْلُ العِلْمِ عَلَيْهِ؟ ورَوى وائِلُ بْنُ حُجْرٌ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كانَ يَقُولُ آمِينَ يَرْفَعُ بِها صَوْتَهُ» ويَحْكِي مَدَّهُ إيّاها.
وَكانَ أبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِلْإمامِ: لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ، وكانَ يُؤَذِّنُ لَهُ، أنْبَأنا مُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ: كُنْت أسْمَعُ الأئِمَّةَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ومَن بَعْدَهُ يَقُولُونَ: آمِينَ ومَن خَلَفَهم آمِينَ، حَتّى إنّ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً.
وَقَوْلُهُ: «كانَ أبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِلْإمامِ لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ» يُرِيدُ ما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي رافِعٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يُؤَذِّنُ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، فاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أنْ لا يَسْبِقَهُ بِالضّالِّينَ، حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلى الصَّفِّ، فَكانَ مَرْوانُ إذا قالَ: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: (آمِينَ) يَمُدُّ بِها صَوْتَهُ، وقالَ: إذا وافَقَ تَأْمِينُ أهْلِ الأرْضِ تَأْمِينَ أهْلِ السَّماءِ غُفِرَ لَهم. وقالَ عَطاءٌ: أدْرَكْت مِائَتَيْنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذا المَسْجِدِ إذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] سَمِعْت لَهم رَجَّةً بِآمِينَ. فَرُدَّ هَذا كُلُّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] واَلَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ هو الَّذِي رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّأْمِينِ، واَلَّذِينَ أُمِرُوا بِها رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهُمْ، ولا مُعارَضَةَ بَيْنَ الآيَةِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ ما.
((الجزء الثاني))
البقرة 2:1
(فائدة)
تأمل سر: ﴿الم﴾ كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة فالألف إذا بدئ بها أولا كانت همزة وهي أول المخارج من أقصى الصدر واللام من وسط مخارج وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم وهذه الثلاثة هي أصول مخارج الحروف أعني الحلق واللسان والشفتين وترتيب في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية. فهذه الحروف معتمد المخارج الثلاثة التي تتفرع منها ستة عشر مخرجا فيصير منها تسعة وعشرون حرفا عليها دار كلام الأمم الأولين والآخرين مع تضمنها سرا عجيبا وهو أن للألف البداية واللام التوسط والميم النهاية فاشتملت الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة فهي مشتملة على بدء الخلق ونهايته وتوسطه فمشتملة على تخليق العالم وغايته وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر فتأمل ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم.
وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والسين مهموس رخو مستفل صفيري منفتح فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك (ق) والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مرارا والقرب من ابن آدم وتلقي الملكين قول العبد وذكر الرقيب وذكر السائق والقرين والإلقاء في جهنم والتقدم بالوعيد وذكر المتقين وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد وذكر القيل مرتين وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها وبسوق النخل والرزق وذكر القوم وحقوق الوعيد ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح.
وإذا أردت زياة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي ﷺ أجعل الآلهة لها واحد إلى أخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامة ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير (ص) وسورة (ق) غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف. والله أعلم.
البقرة 2:2
وَهَذا يتَضَمَّن أمريْن أحدهما أنه يهدي بِهِ من اتَّقى ما خطه قبل نزُول الكتاب فَإن النّاس على اخْتِلاف مللهم ونحلهم قد اسْتَقر عِنْدهم أن الله سُبْحانَهُ يكره الظُّلم والفَواحِش والفساد في الأرْض ويمقت فاعل ذَلِك ويُحب العدْل والإحْسان والجود والصدق والإصلاح في الأرْض ويُحب فاعل ذَلِك فَلَمّا نزل الكتاب أثاب سُبْحانَهُ أهل البر بِأن وفقهم للْإيمان بِهِ جَزاء لَهُم على برهم وطاعتهم وخذل أهل الفُجُور والفُحْش والظُّلم بِأن حال بَينهم وبَين الاهتداء بِهِ والأمر الثّانِي أن العَبْد إذا آمن بِالكتاب واهتدى بِهِ مُجملا وقبل أوامره وصدق بأخباره كانَ ذَلِك سَببا لهداية أُخْرى تحصل لَهُ على التَّفْصِيل فَإن الهِدايَة لا نِهايَة لَها ولَو بلغ العَبْد فِيها ما بلغ ففوق هدايته هِدايَة أُخْرى وفَوق تِلْكَ الهِدايَة هِدايَة أُخْرى إلى غير غايَة فَكلما اتَّقى العَبْد ربه ارْتقى إلى هِدايَة أُخْرى فَهو في مزِيد هِدايَة ما دامَ في مزِيد من التَّقْوى وكلما فوّت خطا من التَّقْوى فاتَهُ حَظّ من الهِدايَة بِحَسبِهِ فَكلما اتَّقى زاد هداه وكلما اهْتَدى زادَت تقواه قالَ تَعالى ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقالَ تَعالى ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وقالَ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ وقالَ ﴿وَما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ فهداهم أولا للْإيمان فَلَمّا آمنُوا هداهُم للْإيمان هِدايَة بعد هِدايَة ونَظِير هَذا قَوْله ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهتدوا هدى﴾.
(فائدة)
الفرق بين الشك والريب من وجوه:
أحدها: أنه يقال شك مريب لا يقال ريب مشكك.
الثاني: أن يقال رابني أمر كذا ولا يقال شككني.
الثالث: أنه يقال رابه يريبه إذا أزعجه وأقلقه ومنه قول النبي ﷺ وقد مر بظني خافت في أصل شجرة "لا يريبه أحد" ولا يحسن هنا لا يشككه أحد.
الرابع: أنه لا يقال للشاك في طلوع الشمس أو في غروبها أو دخول الشهر أو وقت الصلاة هو مرتاب في ذلك وأن كان شاكا فيه.
الخامس: إن الريب ضد الطمأنينة واليقين فهو قلق واضطراب وانزعاج كما أن اليقين والطمأنينة ثبات واستقرار.
السادس: يقال رابني مجيئه وذهابه وفعله ولا يقال شككني فالشك سبب الريب فإنه يشك أولا فيوقعه شكه في الريب فالشك مبتد االريب كما أن العلم مبتدأ اليقين الاستنجاء.
(فائدة أخرى)
قوله: "هذا بصائر من ربكم" عام مطلق، وقوله: "وهدى ورحمة لقوم يوقنون" خاص بأهل اليقين.
ونظير ذلك قوله ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَة مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لَمِا فِى الصُّدُورِ وهُدى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
ونظيره في الخصوص قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتّقِينَ﴾ وقوله: ﴿يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ [المائدة: ١٦].
ونظيره أيضا قوله: ﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨].
وقد أخبر أنه هدى عام لجميع المكلفين. فقال: ﴿إنْ يَتّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءهم مِن رَبِّهِمُ الهُدْى﴾ [النجم: ٢٣].
فأخبر سبحانه أن القرآن بصائر لجميع الناس. والبصائر جمع بصيرة، وهى فعيلة بمعنى مفعلة، أي مبصرة لمن تبصر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنا ثُمودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩].
أي مبينة موجبة للتبصر. وفعل الإبصار يستعمل لازما ومتعديا. يقال: أبصرته، بمعنى أريته، وأبصرته، بمعنى رأيته، فمبصرة في الآية: بمعنى مرئية، لا بمعنى رائية، والذين ظنوها بمعنى رائية غلطوا في الآية، وتحيروا في معناها.
فإنه يقال: بصر به، وأبصره، فيعدى بالباء تارة، والهمزة تارة. ثم يقال: أبصرته كذا، أي أريته إياه، كما يقال: بصرته به. وبصر هو به.
فهاهنا بصيرة، وتبصرة، ومبصرة. فالبصيرة: المبينة التي تبصر، والتبصرة مصدر مثل التذكرة، وسمى بها ما يوجب التبصرة، فيقال: هذه الآية تبصرة، لكونها آلة التبصر، وموجبه.
فالقرآن بصيرة وتبصرة، وهدى وشفاء، ورحمة، بمعنى عام، وبمعنى خاص. ولهذا يذكر الله سبحانه هذا وهذا، فهو هدى للعالمين، وموعظة للمتقين، وهدى للمتقين، وشفاء للعالمين، وشفاء للمؤمنين، وموعظة للعالمين، وموعظة للمتقين، فهو في نفسه هدى ورحمة، وشفاء وموعظة.
فمن اهتدى به واتعظ واشتفى، كان بمنزلة من استعمل الدواء الذي يحصل به الشفاء فهو دواء له بالفعل. وإن لم يستعمله، فهو دواء له بالقوة، وكذلك الهدى.
فالقرآن هدى بالفعل لمن اهتدى به، وبالقوة لمن يهتد به، فإنما يهتدى به ويرحم ويتعظ المتقون الموقنون.
والهدى في الأصل: مصدر هدى يهدى هدى.
فمن لم يعمل بعلمه لم يكن مهتديا، كما في الأثر "من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله تعالى إلا بعدا" ولكن يسمى هدى، لأن من شأنه أن يهدى.
وهذا أحسن من قول من قال: إنه هدى، بمعنى هاد، فهو مصدر بمعنى الفاعل، كعدل بمعنى العادل، وزور بمعنى الزائر، ورجل صوم أي بمعنى صائم، فإن الله سبحانه قد أخبر أنه يهدى به.
فالله الهادى، وكتابه الهدى الذي يهدى به على لسان رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
فهاهنا ثلاثة أشياء: فاعل وقابل وآله. فالفاعل: هو الله تعالى، والقابل: قلب العبد، والآلة: هو الذي يحصل به الهدى، وهو الكتاب المنزل، والله سبحانه يهدى خلقه هدى، كما يقال: دلهم دلالة، وأرشدهم إرشادا، وبين لهم بيانا.
والمقصود: أن المحل القابل هو قلب العبد المتقى، المنيب إلى ربه، الخائف منه، الذي يبتغى رضاه، ويهرب من سخطه، فإذا هداه الله فكأنه وصل أثر فعله إلى محل قابل، فيتأثر به، فصار هدى له وشفاء ورحمة وموعظة بالوجود والفعل والقبول، وإذا لم يكن المحل قابلا وصل إليه الهدى فلم يؤثر فيه، كما يصل الغذاء إلى محل غير قابل للاغتذاء، فإنه لا يؤثر فيه شيئا، بل لا يزيده إلا ضعفا وفسادا إلى فساده، كما قال تعالى في السورة التي نزلها: ﴿فَأمّا الّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِروُنَ وأمّا الّذِينَ فِى قُلُوبِهمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥]، وقال: ﴿وَنُنَزَّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ، ولا يزِيدُ الظّالمِينَ إلا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
فتخلف الاهتداء يكون لعدم قبول المحل تارة، ولعدم آلة الهدى تارة، ولعدم فعل الفاعل، وهو الهادى تارة، ولا يحصل الهدى على الحقيقة إلا عند اجتماع هذه الأمور الثلاثة.
وقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ، ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
فأخبر سبحانه أنه قطع عنهم مادة الاهتداء، وهو إسماع قلوبهم وإفهامها ما ينفعها، لعدم قبول المحل، فإنه لا خير فيه، فإن الرجل إنما ينقاد للحق بالخير الذي فيه، والميل إليه، والطلب له، ومحبته، والحرص عليه، والفرح بالظفر به، وهؤلاء ليس في قلوبهم شيء من ذلك، فوصل الهدى إليها ووقع عليها كما يصل الغيث النازل من السماء ويقع على الأرض الغليظة العالية، والتي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلاء، فلا هى قابلة للماء ولا للنبات، فالماء في نفسه رحمة وحياة، ولكن ليس فيها قبول له.
ثم أكد الله هذا المعنى في حقهم بقوله: ﴿وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
فأخبر أن فيهم مع عدم القبول والفهم آفة أخرى، وهى الكبر والإعراض، وفساد القصد، فلو فهموا لم ينقادوا، ولم يتبعوا الحق. ولم يعملوا به، فالهدى في حق هؤلاء هدى بيان وإقامة حجة، لا هدى توفيق وإرشاد، فلم يتصل الهدى في حقهم بالرحمة.
وأما المؤمنون: فاتصل الهدى في حقهم بالرحمة، فصار القرآن لهم هدى ورحمة ولأولئك هدى بلا رحمة.
والرحمة المقارنة للهدى في حق المؤمنين عاجلة وآجلة.
فأما العاجلة فما يعطيهم الله تعالى في الدنيا من محبة الخير والبر، وذوق طعم الإيمان، ووجد حلاوته، والفرح والسرور بأن هداهم الله تعالى لما أضل عنه غيرهم، ولما اختلف فيه من الحق، فهم يتقلبون في نور هداه، ويمشون به في الناس، ويرون غيرهم متحيرا في الظلمات، فهم أشد الناس فرحا بما آتاهم ربهم من الهدى، قال تعالى: ﴿قلْ بِفَضْل اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذلكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مَّمِا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
فأمر سبحانه عباده المؤمنين المهتدين أن يفرحوا بفضله ورحمته.
البقرة 2:3
(فائدة)
تأمل الحكمة في التشديد في أول التكليف ثم التيسير في آخره بعد توطين النفس على العزم والامتثال فيحصل للعبد الأمران الأجر على عزمه وتوطين نفسه على الامتثال والتيسير والسهولة بما خفف الله عنه.
فمن ذلك أمر الله تعالى رسوله بخمسين صلاة ليلة الإسراء ثم خففها وتصدق بجعلها خمسا.
ومن ذلك انه أمر أولا بصبر الواحد إلى العشرة ثم خفف عنهم ذلك إلى الاثنين.
ومن ذلك أنه حرم عليهم في الصيام إذا نام أحدهم أن يأكل بعد ذلك أو يجامع ثم خفف عنهم.
ومن ذلك أنه أوجب عليهم تقديم الصدقة بين يدي مناجاة رسوله فلما وطنوا له أنفسهم على ذلك خففه عنهم بإباحة ذلك عنهم إلى الفجر.
ومن ذلك تخفيف الاعتداد بالحول بأربعة اشهر وعشرا وهذا كما قد يقع في الابتلاء بالأوامر فقد يقع في الابتلاء بالقضاء والقدر يشدد على العبد أولا ثم يخفف عنه وحكمه تسهيل الثاني بالأول وتلقى الثاني بالرضي وشهود المنة والرحمة.
وقد يفعل الملوك ببعض رعاياهم قريبا من هذا فهؤلاء المصادرون يطلب منهم الكثير جدا الذي ربما عجزوا عنه ثم يحطون إلى ما دونه لتطوع لهم أنفسهم بذلة ويسهل عليهم وقد يفعل بعض الحمالين قريبا من هذا فيزيدون على الحمل شيئا لا يحتاجون إليها ثم يحط تلك الأشياء فيسهل حمل الباقي عليهم.
والمقصود أن هذا باب من الحكمة خلقا وأمرا ويقع في الأمر والقضاء والقدر أيضا ضد هذا فينقل عباده بالتدريج من اليسير إلى ما هو أشد منه لئلا يفجأ هذا التشديد بغتة فلا تحمله ولا تنقاد له.
وهذا كتدريجهم في الشرائع شيئا بعد شيء دون أن يؤمروا بها كلها وهلة واحدة. وكذلك المحرمات ومن هذا أنهم أمروا بالصلاة أولا ركعتين ركعتين فلما ألفوها زيد فيها ركعتين أخريين في الحضر.
ومن هذا أنهم أمروا أولا بالصيام وخيروا فيه بين الصوم عينا وبين التخيير بينه وبين الفدية فلما ألفوه أمروا بالصوم عينا.
ومن هذا أنهم أذن لهم بالجهاد أولا من غير أن يوجبه عليهم فلما توطنت عليه نفوسهم وباشروا حسن عاقبته وثمرته أمروا به فرضا.
وحكمة هذا التدريج التربية على قبول الأحكام والإذعان لها والانقياد لها شيئا فشيئا وكذلك يقع مثل هذا في قضائه وقدره مقدر على عبده بل لا بد منه اقتضاه حمده وحكمته فيبتليه بالأخف أولا ثم يرقيه إلى ما هو فوقه حتى يستكمل ما كتب عليه منه ولهذا قد يسعى العبد في أول البلاء في دفعه وزواله ولا يزداد إلا شدة لأنه كالمرض في أوله وتزايده فالعاقل يستكين له أولا وينكسر ويذل لربه ويمد عنقه خاضعا ذليلا لعزته حتى إذا مر به معظمه وغمرته وأذن ليله بالصباح فإذا سعى في زواله ساعدته الأسباب ومن تأمل هذا في الخلق أنتفع به انتفاعا عظيما ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
(فصل)
ويكفي العاقل البصير الحي القلب فكرة في فرع واحد من فروع الأمر والنهي وهو الصلاة وما اشتملت عليه من الحكم الباهرة والمصالح الباطنة والظاهرة والمنافع المتصلة بالقلب والروح والبدن والقوى التي لو اجتمع حكماء العالم قاطبة واستفرغوا قواهم وأذهانهم لما أحاطوا بتفاصيل حكمها وأسرارها وغاياتها المحمودة بل انقطعوا كلهم دون أسرار الفاتحة وما فيها من المعارف الإلهية والحكم الربانية والعلوم النافعة والتوحيد التام والثناء على الله بأصول أسمائه وصفاته وذكر أقسام الخلقة باعتبار غاياتهم ووسائلهم وما في مقدماتها وشروطها من الحكم العجيبة من تطهير الأعضاء والثياب والمكان وأخذ الزينة واستقبال بيته الذي جعله إماما للناس وتفريغ القلب وإخلاص النية وافتتاحها بكلمة جامعة لمعاني العبودية دالة على أصول الثناء وفروعه مخرجة من القلب الالتفات إلى ما سواه والإقبال على غيره فيقدم بقلبه الوقوف بين يدي عظيم جليل أكبر من كل شيء وأجل من كل شيء وأعظم من كل شيء بلا سبب في كبريائه السماوات وما أظلت والأرض وما أقلت والعوالم كلها عنت له الوجوه وخضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة قاهر عباده ناظر إليهم عالم بما تكن صدورهم يسمع كلامهم ويرى مكانهم لا يخفى عليه خافية من أمرهم ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكر تبارك اسمه وتعالى جده وتفرده بالإلهية ثم أخذ في الثناء عليه بأفضل ما يثنى عليه به من حمده وذكر ربوبيته للعالم وإحسانه إليهم ورحمته بهم وتمجيده بالملك الأعظم في اليوم الذي لا يكون فيه ملك سواه حتى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ويدينهم بأعمالهم ثم إفراده بنوعي التوحيد توحيد ربوبيته استعانة به وتوحيد إلهيته عبودية له ثم سؤاله أفضل مسئول وأجل مطلوب على الإطلاق وهو هداية الصراط المستقيم الذي نصبه لأنبيائه ورسله وأتباعهم وجعله صراطا موصلا لمن سلكه إليه وإلى جنته وأنه صراط من اختصهم بنعمته بأن عرفهم الحق وجعلهم متبعين له دون صراط أمة الغضب الذي عرفوا الحق ولم يتبعوه، وأهل الضلال الذين ضلوا عن معرفته واتّباعه فتضمنت تعريف الرب والطريق الموصل إليه والغاية بعد الوصول وتضمنت الثناء والدعاء وأشرف الغايات وهي العبودية وأقرب الوسائل إليها وهي الاستعانة مقدما فيها على الوسيلة والمعبود المستعان على الفعل إيذانا لاختصاصه وإن ذلك لا يصلح إلا له سبحانه وتضمنت ذكر الإلهية والربوبية والرحمة فيثنى عليه ويعبد بإلهيته ويخلق ويرزق ويميت ويحيى ويدبر الملك ويضل من يستحق الإضلال ويغضب على من يستحق الغضب بربوبيته وحكمته وينعم ويرحم ويجود ويعفو ويغفر ويهدي ويتوب برحمته فلله كم في هذه السورة من أنواع المعارف والعلوم والتوحيد وحقائق الإيمان ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ربيع القلوب وشفاء الصدور ونور البصائر وحياة الأرواح وهو كلام رب العالمين فيحل به في ما شاء من روضات مونقات وحدائق معجبات زاهية أزهارها مونقة ثمارها قد ذللت قطوفها تذليلا وسهلت لمتناولها تسهيلا فهو يجتني من تلك الثمار خيرا يؤمر به وشرا ينهى عنه وحكمة وموعظة وتبصرة وتذكرة وعبرة وتقريرا لحق ودحضا لباطل وإزالة لشبهة وجوابا عن مسألة وإيضاحا لمشكل وترغيبا في أسباب فلاح وسعادة وتحذيرا من أسباب خسران وشقاوة ودعوة إلى هدى ورد عن ردي فتنزل على القلوب نزول الغيث على الأرض التي لا حياة لها بدونه ويحل منها محل الأرواح من أبدانها فأي نعيم وقرة عين ولذة قلب وابتهاج وسرور لا يحصل له في هذه المناجاة والرب تعالى يسمع لكلامه جاريا على لسان عبده ويقول حمدني عبدي أثنى علي عبدي مجدني عبدي ثم يعود إلى تكبير ربه عز وجل فيجد ربه عهد التذكرة كونه أكبر من كل شيء بحق عبوديته وما ينبغي أن يعامل به ثم يرجع جاثيا له ظهره خضوعا لعظمته وتذللا لعزته واستكانة لجبروته مسبحا له بذكر اسمه العظيم فنزه عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه وقابل تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع قد تطامن وطأطأ رأسه وطوى ظهره وربه فوقه يرى خضوعه وذله ويسمع كلامه فهو ركن تعظيم وإجلال كما قال ﷺ:
"أما الركوع فعظموا فيه الرب" ثم عاد إلى حاله من القيام حامدا لربه مثنيا عليه بأكمل محامده وأجمعها وأعمها مثنيا عليه بأنه أهل الثناء والمجد ومعترفا بعبوديته شاهدا بتوحيده وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وأنه لا ينفع أصحاب الجدد والأموال والحظوظ جدودهم عنه ولو عظمت ثم يعود إلى تكبيره ويخر له ساجدا على أشرف ما فيه وهو الوجه فيعفره في التراب ذلا بين يديه ومسكنه وانكسارا وقد أخذ كل عضو من البدن حظه من هذا الخضوع حتى أطراف الأنامل ورؤوس الأصابع وندب له أن يسجد معه ثيابه وشعره فلا يكفيه، وأن لا يكون بعضه محمولا على بعض وأن يتأسر التراب بجبهته وينال قبل وجهة المصلى ويكون رأسه أسفل ما فيه تكميلا للخضوع والتذليل لمن له العز كله والعظمة كلها وهذا أيسر اليسير من حقه على عبده فلو دام كذلك من حين خلق إلى أن يموت لما أدى حق ربه عليه ثم أمر أن يسبح ربه الأعلى فيذكر علوه سبحانه في حال سفوله وهو وينزهه عن مثل هذه الحال وأن من هو فوق كل شيء وعال على كل شيء ينزه عن السفول بكل معنى بل هو الأعلى بكل معنى من معاني العلو ولما كان هذا غاية ذل العبد وخضوعه وانكساره كان أقرب ما يكون الرب منه في هذه الحال فأمر أن يجتهد في الدعاء لقربه من القريب المجيب وقد قال تعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
وكان الركوع كالمقدمة بين يدي السجود والتوطئة له فينتقل من خضوع إلى خضوع أكمل وأتم منه وأرفع شأنا وفصل بينهما بركن مقصود في نفسه يجتهد فيه بالحمد والثناء والتمجيد وجعل بين خضوع خضوع قبله وخضوع بعده وجعل خضوع السجود بعد الحمد والثناء والمجد كما جعل خضوع الركوع بعد ذلك فتأمل هذا الترتيب العجيب وهذا التنقل في مراتب العبودية كيف ينتقل من مقام الثناء على الرب بأحسن أوصافه وأسمائه وأكمل محامده إلى من له خضوعه وتذلله أن له هذا الثناء ويستصحب في مقامه خضوعه بما يناسب ذلك المقام ويليق به فتذكر عظمة الرب في حال خضوعه وعلوه في حال سفوله ولما كان أشرف أذكار الصلاة القرآن شرع في أشرف أحوال الإنسان وهي هيئة القيام التي قد انتصب فيها قائما على أحسن هيئة ولما كان أفضل أركانها الفعلية السجود شرع فيها بوصف التكرار وجعل خاتمة الركعة وغايتها التي انتهت إليها مطابق افتتاح الركعة بالقرآن واختتامها بالسجود أول سورة افتتح بها الوحي فإنها بدئت بالقراءة وختمت بالسجود وشرع له بين هذين الخضوعين أن يجلس جلسة العبيد ويسأل ربه أن يغفر له ويرحمه ويرزقه ويهديه ويعافيه وهذه الدعوات تجمع له خير دنياه وآخرته ثم شرع له تكرار هذه الركعة مرة بعد مرة كما شرع تكرار الأذكار والدعوات مرة بعد مرة ليستعد بالأول لتكميل ما بعده ويجبر بما بعده ما قبله وليشبع القلب من هذا الغذاء وليأخذ رواه ونصيبه وافرا من الدواء ليقاومه فإن منزلة الصلاة من القلب منزلة الغذاء والدواء فإذا تناول الجائع الشديد الجوع من اللقمة أو اللقمتين كان غناؤها عنه وسدها من جوعه يسيرا جدا وكذلك المرض الذي يحتاج إلى قدر يغني من الدواء إذا أخذ منه المريض قيراطا من ذلك لم يزل مرضه بالكلية وأزال بحسبه فما حصل الغذاء أو الشفاء للقلب بمثل الصلاة وهي لصحته ودوائه بمنزلة غذاء البدن ودوائه ثم لما أكمل صلاته شرع له أن يقعد قعدة العبد الذليل المسكين لسيده ويثني عليه بأفضل التحيات ويسلم على من جاء بهذا الحظ الجزيل ومن نالته الأمة على يديه ثم يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله المشاركين له في هذه العبودية ثم يتشهد شهادة الحق ثم يعود فيصلي على من علم الأمة هذا الخير ودلهم عليه ثم شرع له أن يسأل حوائجه ويدعو بما أحب ما دام بين يدي ربه مقبلا عليه
فإذا قضى ذلك أذن له في الخروج منها بالتسليم على المشاركين له في الصلاة هذا إلى ما تضمنته الأحوال والمعارف من أول المقامات إلى آخرها فلا تجد منزلة من منازل السير إلى الله ولا مقاما من مقامات العارفين إلا وهو في ضمن الصلاة وهذا الذي ذكرناه من شأنها كقطرة من بحر فكيف يقال إنها تكليف محض لم يشرع لحكمة ولا لغاية قصدها الشارع بل هي محض وكلفة ومشقة مستندة إلى محض المشيئة لا لغرض ولا لفائدة ألبتة بل مجرد قهر وتكليف وليست سببا لشيء من مصالح الدنيا والآخرة.
ثم تأمل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها كيف تجدها مشحونة بالحكم المقصودة والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها التي لولاها لكان الناس كالبهائم بل أسوأ حالا فكم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب والبدن وتفريح للقلب وتنشيط للجوارح وتخفيف من أحمال ما أوجبته الطبيعة وألقاه عز النفس من درن المخالفات فهي منظفة للقلب والروح والبدن وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والإخلاف على البدن نظير ما تحلل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور.
البقرة 2:6
قال السهيلي:
قوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾
لما لم يبالوا بالإنذار ولا نفعهم ولا دخل في قلوبهم منه شيء صار في حكم المستفهم عنه أكان أم لم يكن فلا تسمى الألف ألف التسوية كما فعل بعضهم ولكن ألف الاستفهام بالمعنى الذي وضعت له ولم يزل عنه مجيء أنذرتهم وأدعوتهم بلفظ الماضي.
فإن قيل: فلم جاء بلفظ الماضي أعني ﴿أنذرتهم﴾ وكذلك: ﴿أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنتمْ صامِتُونَ﴾
وأقام زيد أم قعد.
ولم يجئ بلفظ الحال ولا المستقبل؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن في الكلام معنى الشرط والشرط يقع بعد المستقبل بلفظ الماضي تقول إن قام زيد غذا قمت وهاهنا يتعذر ذلك المعنى كأنك قلت إن قام زيد أو قعد لم أباله ولا ينتفع القوم إن أنذرتهم أم لم تنذرهم فلذلك جاء بلفظ الماضي وقد قال الفارسي قولا غير هذا ولكنه قريب منه في اللفظ قال إن ألف الاستفهام تضارع إن التي للجزاء لأن الاستفهام واجب كما أن الشرط ليس بحاصل إذا عدم المشروط فهذه العبارة فاسدة من وجوه يطول ذكرها ولو رأي المعنى الذي قدمناه لكان أشبه على أنه عندي مدخول أيضا لأن معنى الشرط يطلب الاستقبال خاصة دون الحال والماضي
وقوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ و ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ لا تختص بالاستقبال بل المساواة في عدم المبالاة موجودة في كل حال بل هي أظهر في فعل الحال ولا يقع بعد حرف الشرط فعل حال بوجه.
والتحقيق في الجواب أن تقول قد أصلنا في نتائج الفكر أصلا وهو أن الفعل لم يشتق من المصدر مضافا إلا ليدل على كون الاسم مخبرا عنه أعني الفاعل الذي كان المصدر مضافا إليه ولم تختلف أبنيته بعدما اشتق من المصدر إلا لاختلاف أحوال الحدث من مضي أو استقبال فإن كان قصد المتكلم أن لا يقيد الحدث بزمان دون زمان ولا بحال استقبال دون حال مضي بل يجعله مطلقا جاء بلفظ الماضي الذي لا زوائد فيه ليكون أخف على اللسان وأقرب إلى لفظ الحدث المشتق منه ألا ترى أنهم يقولون (لا أفعله ما لاح برق وما طار طائر) بلفظ الماضي خاصة لما أرادوا مدة مطلقة غير مقيدة وأنه لا يفعل هذا الشيء في مدة لوح البرق وطيران الطائر ونحو ذلك فلم يجاوزوا لفظ الماضي لأنهم لا يريدون استقبالا ولا حالا على الخصوص.
فإن قلت ولا يريدون أيضا ماضيا فكيف جاء بلفظ الماضي؟
قلنا قد قرن معه لا أكلمه ولا أفعله فدل على أن قوله ما لاح برق لا يريد به لوحا قد انقضى وانقطع إنما يريد مقارنة الفعل المنفي للفعل الآخر في المدة على الإطلاق والدوام فليس في قوله ما لاح برق إلا معنى اللوح خاصة غير أنه ترك لفظ المصدر ليكون البرق مخبرا عنه كما تقدم فمتى أردت هذا ولم ترد تقييدا بزمان فلفظ الماضي أحق وأولى.
وكذلك قوله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ أضاف الإنذار إلى المخاطب المخبر عنه، فاشتق من الإنذار الفعل ليدل على أن المخاطب فاعل الإنذار، وترك الفعل بلفظ الماضي لأنه مطلق في الزمان كله، وأن القوم لم يبالوا بهذا ولا هم في حال مبالاة فلم يكن لإدخال الزوائد الأربع معنى إذ ليس المراد تقييد الفعل بوقت ولا تخصيصه بحال.
فإن قلت لفظ الماضي يخصصه بالانقطاع؟
قلت حدث حديثين امرأة وفيما قدمناه ما يغني عن الجواب مع ما في قوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ من ثبوت هذه الصفة فيهم وحصولها في الحال وفي المآل فلا تقول سواء ثوباك أو غلاماك إذا كان الاستواء فيما مضى وهما الآن مختلفان فهذه القرينة تنفي الانقطاع الذي يتوهم في لفظ المضي كما كان لفظ الحال في قولك: لا أكلمه ما دامت السماوات والأرض بنفي الانقطاع المتوهم في دام وإذا انتفى الانقطاع وانتفت الزوائد الأربع بقي الحدث مطلقا غير مقيد في المسألتين جميعا.
فتأمل هذا تجده صحيحا.
فإن قيل فإذا جوزتم أن يكون الطبع والختم والقفل عقوبة وجزاء على الجرائم والإعراض والكفر السابق على فعل الجرائم؟
قيل هذا موضع يغلط فيه أكثر الناس ويظنون بالله سبحانه خلاف موجب أسمائه وصفاته والقرآن من أوله إلى آخره إنما يدل على أن الطبع والختم والغشاوة لم يفعلها الرب سبحانه بعبده من أول وهلة حين أمره بالإيمان أو بينه له وإنما فعله بعد تكرار الدعوة منه سبحانه والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار الإعراض منهم والمبالغة في الكفر والعناد فحينئذ يطبع على قلوبهم ويختم عليها فلا تقبل الهدى بعد ذلك والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع بل كان اختيارا فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية فتأمل هذا المعنى في قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ومعلوم أن هذا ليس حكما يعم جميع الكفار بل الذين آمنوا وصدقوا الرسل كان أكثرهم كفارا قبل ذلك ولم يختم على قلوبهم وعلى أسماعهم فهذه الآيات في حق أقوام مخصوصين من الكفار فعل الله بهم ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا بهذا النوع من العقوبة العاجلة كما عاقب بعضهم بالمسخ قردة وخنازير وبعضهم بالطمس على أعينهم فهو سبحانه يعاقب بالطمس على القلوب كما يعاقب بالطمس على الأعين وهو سبحانه قد يعاقب بالضلال عن الحق عقوبة دائمة مستمرة وقد يعاقب به إلى وقت ثم يعافي عبده ويهديه كما يعاقب بالعذاب كذلك.
(إشكالات إعرابية)
قوله عز وجل: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
وقال تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
وقوله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنتمْ صامِتُونَ﴾
مما أشكل إعرابه على فحول العربية واختلفت أقوالهم في ذلك: فقال صاحب الكشاف: "سواء اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر" ومنه قوله تعالى: ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فِي أربعة أيام سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ بمعنى مستوية وارتفاعه على أنه خبر لأن ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُم﴾ في موضع رفع على الفاعلية كأنه؟
قيل: إن للذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه كما تقول: إن زيدا مختصم أخوه وابن عمه أو يكون ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُم﴾ في موضع الابتداء وسواء خبرا مقدما بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه والجملة خبر لـ (إن).
فإن قلت الفعل أبدا خبر لا مخبر عنه فكيف صح الإخبار عنه في هذا الكلام؟
قلت هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعني وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلا بينا، من ذلك قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن.
وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل والهمزة وأم مجردتان بمعنى الاستواء، وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسا.
قال سيبويه: "جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك: (اللهم اغفر لنا أيتها العصابة)
يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام كما أن ذاك جرى على صورة النداء ولا نداء ومعنى الاستواء استواؤهما في علم المستفهم عنهما لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن إما الإنذار وإما عدمه ولكن لا بعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معين".
قلت: هذا قوله وقول طائفة من النحاة وقد اعترض على ما ذكراه بأنه يلزم القائل به أن يجيز سواء قمت أم قعدت دون أن تقول علي أو عليك وأنه يجيز سيان أذهب زيد أم جلس ويتفقان أقام زيد أم قعد وما كان نحو هذا مما لا يجوز في الكلام ولا روي عن أحد لأن التقدير الذي قدروه منطبق على هذا.
وقالت طائفة أخرى (سواء) هاهنا مبتدأ والجملة الاستفهامية في موضع الخبر.
وإنما قالوا هذا وإن كان (سواء) نكرة لأن الجملة لا تكون في موضع المبتدأ أبدا، ولا في موضع الفاعل.
وأورد عليهم أن الجملة إذا وقعت خبرا فلا بد فيها من ضمير يعود على المبتدأ فأين الضمير العائد على سواء هاهنا
فأجابوا عن هذا بأن (سواء) وإن كان مبتدأ في اللفظ فهو في المعنى خبر لأن المعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه.
قالوا ولا يلزم أن يعود من المبتدأ ضمير على الخبر فلما كان سواء خبر في المعنى دون اللفظ روعي المعنى.
ونظير هذا قولهم ضربي زيدا قائما. فإنه لم يعد على ضربي ضمير من الحال التي سدت مسد الخبر، لأن معناه اضرب زيدا أو ضربت زيدا، والفعل لا يعود عليه ضمير.
فكذلك ما هو في معناه وقوته.
ونظيره أيضا أقائم أخوك لأن أخوك وإن سد مسد الخبر فإنه فاعل في المعنى وقائم معناه معنى الفعل الرافع للفاعل فروعيت هذه المعاني في هذه المواضع وهجر فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى وبقي حكم الابتداء مقتضيا للرفع لفظا والمبتدأ متضمن لمعنى يخالف معنى الابتداء فحكم لذلك المعنى فلم يعد على اللفظ ضمير وحكم للفظ المبتدأ بحكم الابتداء فارتفع.
فهذا قول هذه الطائفة الأخرى واعترض عليه بعد الاعتراف بحسنه وقوته بأن العرب لم تنطق بمثل هذا في سواء حتى قرنته بالضمير المجرور بـ على نحو سواء عليكم وسواء عليهم وسواء علي فإن طردوا ما أصلوه في سواء سواء قرن بـ (على) أم لم يقرن فليس كذلك وإن خصوه بالمقرون بـ (على) فلم يبينوا سر اختصاصه بذلك.
وقالت طائفة ثالثة منهم السهيلي وهذا لفظه "لما كانت العرب لا تقول سيان أقمت أم قعدت ولا مثلان ولا شبيهان ولا يقولون ذلك إلا في سواء مع المجرور بـ (على) وجب البحث عن السر في ذلك وعن مقصد القوم في هذا الكلام وعن المساواة بين أي شيء هي وفي أي الصفات هي من الاسمين الموصوفين بالتساوى فوجدنا معنى الكلام ومقصوده إنما هو تساوي عدم المبالاة بقيام أو قعود أو إنذار أو ترك إنذار ولو أرادوا المساواة في صفة موجودة في الذات لقالوا سواء الإقامة والشخوص كما يقولون سواء زيد وعمرو وسيان ومثلان يعني استواءهما في صفة ذاتيهما فإذا أردت أن تسوى بين أمرين في عدم المبالاة وترك الالتفات لهما وأنهما قد هانا عليك وخفا عليك، قلت: سواء علي أفعل أم لم يفعل كما تقول: لا أبالي أفعل أم لم يفعل؛ لأن المبالاة فعل من أفعال القلب وأفعال القلب تلغي إذا وقعت بعدها الجمل المستفهم عنها أو المؤكد باللام تقول: لا أدري أقام زيد أم قعد وقد وقعت بعدها ليقومن زيد ولكن لا تلغى هذه الأفعال القلبية حتى يذكر فاعلها في اللفظ أو في المعنى فتكون حينئذ في موضع المفعول بالعلم" ثم قال: فإذا ثبت هذا فسواء مبتدأ في اللفظ و (على وعليكم أو عليهم) مجرور في اللفظ وهو فاعل في المعنى المضمون من مقصود الكلام إذ قولك سواء علي في معنى لا أبالي وفي أبالي فاعل وذلك الضمير الفاعل هو المجرور بـ على في المعنى لان الأمرين إنما استويا عليك في عدم المبالاة فإن لم تبال بهما لم تلتفت بقلبك إليهما وإذا لم تلتفت فكأنك قلت: لا أدري أقمت أم قعدت، فلما صارت الجملة الاستفهامية في معنى المفعول لفعل من أفعال القلب لم يلزم أن يكون فيها ضمير يعود على ما قبلها إذ لبس قبلها في الحقيقة إلا معنى فعل يعمل فيها من المفعول ضمير على عامله.
ولولا قولك: (علي وعليكم) ما قوي ذلك المعنى ولا عمل في الجملة ولكن لما تعلق الجارية صار في حكم المنطوق به وصار المجرور هو الفاعل في المعنى كالفاعل في علمت ودريت وباليت، ألا ترى كيف صار المجرور في قولهم: له صوت صوت غراب، بمنزلة الفاعل في يصوت حتى كأنك نطقت بيصوت فنصب صوت غراب لذلك، وإذا قلت: عليه نوح الحمام؛ رفعت نوح الحمام لأن الضمير المخفوض بعلى ليس هو الفاعل الذي ينوح كما كان في قولك: له صوت صوت غراب، وكذلك المجرور في سواء عليهم هو الفاعل الذي في قولك: لا يبالون ولا يلتفتون إذ المساواة إنما هي في عدم المبالاة والالتفات والمتكلم لا يريد غير هذا فصار الفاعل مذكورا والمبالاة مفعوله مقصوده فوقعت الجملة الاستفهامية مفعولا لها".
البقرة 2:7
«الختم» قال الأزهري: أصله التغطية، وختم البذر في الأرض، إذا غطاه.
قال أبو إسحاق: معنى ختم وطبع في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء والاستيثاق منه، فلا يدخله شيء، كما قال تعالى: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ كذلك قوله: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾.
قلت: الختم والطبع يشتركان فيما ذكر، ويفترقان في معنى آخر، وهو أن الطبع ختم بصير سجيّة وطبيعة، فهو تأثير لازم لا يفارق.
فإن قيل على ماذا تحملون آيات الطبع والختم والإضلال في القرآن وهي متضمنة اضطرار الرب سبحانه للأشقياء إلى ضلالتهم؟
قلنا إذا أباح الله حل هذا الإشكال والجواب عن هذا السؤال لم يبق على ذوي البصائر بعده غموض فنقول أولا من أنبأ الله سبحانه عن الطبع على قلوبهم كانوا مخاطبين بالإيمان مطالبين بالإسلام والتزام الأحكام مطالبة تكاليف ودعاء مع وصفهم بالتمكن والاقتدار والإيثار كما سبق تقريره ومن اعتقد أنهم كانوا ممنوعين مأمورين مصدودين قهرا مدعوين فالتكليف عنده إذا بمثابة ما لو شد من الرجل يداه ورجلاه رباطا وألقي في البحر ثم قيل له لا تبتل وهذا أمر لا يحمل شرائع الرسل عليه إلا عائب بنفسه مجترئ على ربه ولا فرق عند هذا القائل بين أمر التسخير والتكوين في قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾
وقوله: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
وبين أمر التكليف فإذا بطل ذلك فالوجه في الكلام على هذه الآي وقد غوى في حقائقها أكثر الفرق أن يقول إذا أراد الله بعبد خيرا أكمل عقله وأتم بصيرته ثم صرف عنه العوائق والدوافع وأزاح عنه الموانع ووفق له قرناء الخير وسهل له سبله وقطع عنه الملهيات وأسباب الغفلات وقيض له ما يقربه إلى القربات فيوافيها ثم يعتادها ويمرن عليها وإذا أراد الله بعبده شرا قدر له مما يبعده عن الخير ويقصيه وهيأ له أسباب تماديه في الغي وحبب إليه التشوف إلى الشهوات وعرضه للآفات وكلما غلبت عليه دواعي النفس خنست دواعي الخير ثم يستمر على الشرور على مر الدهور ويأتي مهاويها ويتعاون عليه الوسواس ونزعات الشيطان ونزفات النفس الإمارة بالسوء فتنسخ الغفلة على قلبه غشاوة بقضاء الله وقدره فذلكم الطبع والختم والأكنة وأنا أضرب في ذلك مثلا فأقول لو فرضنا شابا حديث العهد بحلمه لم تهذبه المذاهب ولم تحنكه التجارب وهو على نهاية في غلمته وشهوته وقد استمكن من بلغة من الحطام وخص بمسحة من الجمال ولم يقم عليه قوام يزعه عن ورطات الردى ويمنعه عن الارتباك في شبكات الهوى ووافاه أخدان الفساد وهو في غلواء شبابه يحدث نفسه بالبقاء أمدا بعيدا فما أقرب من هذا وصفه من خلع العذار والبدار إلى شيم الأشرار وهو مع ذلك كله مؤثر مختار ليس مجبرا على المعاصي والزلات ولا مصدودا عن الطاعات ومعه من العقل ما يستوجب به اللائمة إذا عصى فمن هذا سبيله لا يستحيل في العقل تكليفه فإنه ليس ممنوعا ولكن إن سبق له من الله سوء القضاء فهو صائر إلى حكم الله الجزم وقضائه الفصل محجوج بحجة الله ألا أن يتغمده الله برحمته وهو أرحم الراحمين وهذا الذي ذكرته بين في معاني الآيات لا يتمارى فيه موفق.
فإن قيل كيف يريد الحكيم السفه؟
فقد أوضحنا أن الأفعال متساوية في حق من لا ينتفع ولا يتضرر ولكن إذا أخبر أنه مكلف مطالب عباده مزيح عللهم فقوله الحق وكلامه الصدق وأقرب أمر يعارضون به أن الحكيم منا إذا رأى جواريه وعبيده يمرج بعضهم في بعض وهم على محارمهم بمرأى منه ومسمع فلا يحسن تركهم على ما هم عليه والرب سبحانه يطلع على سوء أفعالهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون ثم قال قد أطلقت أنفاسي ولكن لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل لكان وحق القائم على كل نفس بما كسبت أحب إلي من ملك الدنيا بحذافيرها أطول أمدها" انتهى كلامه.
بلفظه وهذا توسط حسن بين الفريقين وقد أنكره عليه عامة أصحابه منهم الأنصاري شارح الإرشاد وغيره وقالوا هو أقرب من مذهب المعتزلة ولا يرجع الخلاف بينه وبينهم إلا إلى الاسم فقط وأن هذا مما انفرد به ولكن بقي عليه فيه أمور منها أنه نفى كراهة الله لما قدره من المعاصي بناء على أصله أن كل مراد له فهو محبوب له وأنه إذا كان قد قدر الكفر والفسوق والعصيان فهو يريده ويحبه ولا يكرهه.
وإن كانت قدرة العبد واختياره مؤثرة في إيجاد الفعل عنده بأقدار الرب سبحانه وقد أصاب في هذا وأجاد ولكن القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يكرهه إذا كان واقعا قول في غاية البطلان وهو مخالف لصريح العقل والنقل والذي قاده إلى ذلك قوله أن المحبة هي الإرادة والمشيئة وأن كل ما شاءه فقد أراده وأحبه ومن لم يفرق بين المشيئة والمحبة لزمه أحد أمرين باطلين لا بد له من التزامه.
أما القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان أو القول بأنه ما شاء ذلك ولا قدره ولا قضاه وقد قال بكل من المتلازمين طائفة قالت طائفه لا يحبها ولا يرضاها فما شاءها ولا قضاها وقالت طائفة هي واقعة بمشيئته وإرادته فهو يحبها ويرضاها فاشترك الطائفتان في هذا الأصل وتباينا في لازمه.
وقد أنكر الله سبحانه على من احتج على محبته بمشيئته في ثلاثة مواضع من كتابه في سورة الأنعام والنحل والزخرف فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلاَّ تَخْرُصُونَ﴾
وكذلك حكى عنهم في النحل ثم قال: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾
وقال في الزخرف: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾
فاحتجوا على محبته لشركهم ورضاه به بكونه أقرهم عليه وأنه لولا محبته له ورضاه به لما شاءه منهم وعارضوا بذلك أمره ونهيه ودعوة الرسل قالوا كيف يأمر بالشيء قد شاء منا خلافه وكيف يكره منا شيئا قد شاء وقوعه ولو كرهه لم يمكنا منه ولحال بيننا وبينه فكذبهم سبحانه في ذلك وأخبر أن هذا تكذيب منهم لرسله وأن رسله متفقون على أنه سبحانه يكره شركهم ويبغضه ويمقته وأنه لولا بغضه وكراهته لما أذاق المشركين بالله عذابه فإنه لا يعذب عبده على ما يحبه ثم طالبهم بالعلم على صحة مذهبهم بأن الله أذن فيه وأنه يحبه ويرضى به ومجرد إقراره لهم قدرا لا يدل على ذلك عند أحد من العقلاء وإلا كان الظلم والفواحش والسعي في الأرض بالفساد والبغي محبوبا له مرضيا ثم أخبر سبحانه أن مستندهم في ذلك إنما هو الظن وهو أكذب الحديث وأنهم لذلك كانوا أهل الخرص والكذب ثم أخبر سبحانه أن له الحجة عليهم من جهتين إحداهما ما ركبّه فيهم من العقول التي يفرقون بها بين الحسن والقبيح والباطل والأسماع والأبصار التي هي آلة إدراك الحق والتي يفرق بها بينه وبين الباطل والثانية إرسال رسله وإنزال كتبه وتمكينهم من الإيمان والإسلام ولم يؤاخذهم بأحد الأمرين، بل بمجموعها لكمال عدله وقطعا لعذرهم من جميع الوجوه ولذلك سمى حجته عليهم بالغة أي قد بلغت غاية البيان وأقصاه بحيث لم يبق معها مقال لقائل ولا عذر لمعتذر ومن اعتذر إليه سبحانه بعذر صحيح قبله ثم ختم الآية بقوله: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته وهذا من تمام حجته البالغة فإنه إذا امتنع الشيء لعدم مشيئته لزم وجوده عند مشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كان هذا من أعظم أدلة التوحيد ومن أبين أدلة بطلان ما أنتم عليه من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه فما احتججتم به من المشيئة على ما أنتم عليه من الشرك هو من أظهر الأدلة على بطلانه وفساده فلو أنهم ذكروا القدر والمشيئة توحيدا له وافتقارا والتجاء إليه وبراءة من الحول والقوة إلا به ورغبة إليه أن يقيلهم مما لو شاء أن لا يقع منهم لما وقع لنفعهم ذلك ولفتح لهم باب الهداية ولكن ذكروه معارضين به أمره ومبطلين به دعوة الرسل فما ازدادوا به إلا ضلالا.
والمقصود أنه سبحانه قد فرق بين حجته ومشيئته وقد حكى أبو الحسن الأشعري في مقالاته اتفاق أهل السنة والحديث على ذلك والذي حكى عنه ابن فورك في كتاب تجريده لمقالاته أنه كان يفرق بين ذلك قال: "وكان لا يفرق بين الود والحب والإرادة والمشيئة والرضا وكان لا يقول أن شيئا منها يخص بعض المردات دون بعض بل كان يقول أن كل واحد منها بمعنى صاحبه على جهة التقييد الذي يزول معه الإبهام وهو أن المؤمن محبوب لله أن يكون مؤمنا من أهل الخير كما علم والكافر أيضا مراد أن يكون كافرا كما علم من أهل الشر ويحب أن يكون ذلك كذلك كما علم وكذلك كان يقول في الرضا والاصطفاء والاختيار ويقيد اللفظ بذلك حتى لا يتوهم فيه الخطأ" انتهى والذي عليه أهل الحديث والسنة قاطبه والفقهاء كلهم وجمهور المتكلمين والصوفية أنه سبحانه يكره بعض الأعيان والأفعال والصفات وإن كانت واقعة بمشيئته فهو يبغضها ويمقتها كما يبغض ذات إبليس وذوات جنوده ويبغض أعمالهم ولا يحب ذلك وإن وجد بمشيئته قال الله تعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾
وقال: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ وقال: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ وقال: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ وقال: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾
فهذا إخبار عن عدم محبته لهذه الأمور ورضاه بها بعد وقوعها فهذا صريح في إبطال قول من تأول النصوص على أنه لا يحبها ممن لم تقع منه ويحبها إذا وقعت فهو يحبها ممن وقعت منه ولا يحبها ممن لم تقع منه وهذا من أعظم الباطل والكذب على الله بل هو سبحانه يكرهها ويبغضها قبل وقوعها وحال وقوعها وبعد وقوعها فإنها قبائح وخبائث والله منزه عن محبة القبيح والخبيث بل هو أكره شيء إليه قال الله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾
وقد أخبر سبحانه أنه يكره طاعات المنافقين ولأجل ذلك يثبطهم عنها فكيف يحب نفاقهم ويرضاه ويكون أهله محبوبين له مصطفين عنده مرضيين ومن هذا الأصل الباطل نشأ قولهم باستواء الأفعال بالنسبة إلى الرب سبحانه وأنها لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح فلا فرق بالنسبة إليه سبحانه بين الشكر والكفر ولذلك قالوا لا يجب شكره على نعمه عقلا فعن هذا الأصل قالوا أن مشيئته هي عين محبته وإن كل ما شاءه فهو محبوب له ومرضى له ومصطفى ومختار فلم يمكنهم بعد تأصل هذا الأصل أن يقولوا أنه يبغض الأعيان والأفعال التي خلقها ويحب بعضها بل كل ما فعله وخلقه فهو محبوب له والمكروه المبغوض ما لم يشأه ولم يخلقه وإنما أصلوا هذا الأصل محافظة منهم على القدر فحثوا به على الشرع والقدر والتزموا لأجله لوازم شوشوا بها على القدر والحكمة وكابروا لأجلها صريح العقل وسووا بين أقبح القبائح وأحسن الحسنات في نفس الأمر وقالوا هما سواء لا فرق بينهما إلا بمجرد الأمر والنهي فالكذب عندهم والظلم والبغي والعدوان مساو للصدق والعدل والإحسان في نفس الأمر ليس في هذا ما يقتضي حسنه ولا في هذا ما يقتضي قبحه وجعلوا هذا المذهب شعارا لأهل السنة والقول بخلافه قول أهل البدع من المعتزلة وغيرهم ولعمر الله أنه لمن أبطل الأقوال وأشدها منافاة الأسباب وأنه لا يفعل شيئا بشيء وإنكار القوى والطبائع والغرائز وأن تكون أسبابا أو يكون لها أثر انسد عليهم باب الصواب في مسائل القدر والتزموا لهذه الأصول الباطلة لوازم هي أظهر بطلانا وفسادا وهي من أول شيء على فساد هذه الأصول وبطلانها فإن فساد اللازم من فساد ملزومه.
(فصل)
وهاهنا عدة أمور عاقب بها الكفار بمنعهم عن الإيمان وهي:
الختم والطبع والأكنة والغطاء والغلاف والحجاب والوقر والغشاوة والران والغل والسد والقفل والصمم والبكم والعمى والصد والصرف والشد على القلب والضلال والإغفال والمرض وتقليب الأفئدة والحول بين المرء وقلبه وإزاغة القلوب والخذلان والإركاس والتثبيط والتزيين وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم وإماتة قلوبهم بعد خلق الحياة فيها فتبقى على الموت الأصلي وإمساك النور عنها فتبقى في الظلمة الأصلية وجعل القلب قاسيا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته وجعل الصدر ضيفا حرجا لا يقبل الإيمان وهذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب كالختم والطبع والقفل والأكنة والإغفال والمرض ونحوها ومنها ما يرجع إلى رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والغشا ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي وهو نتيجة البكم القلبي فإذا بكم القلب بكم اللسان ولا تصغ إلى قول من يقول أن هذه مجازات واستعارات فإنه قال بحسب مبلغه من العلم والفهم عن الله ورسوله وكان هذا القائل حقيقة الفعل عنده أن يكون من حديد والختم أن يكون بشمع أو طين والمرض أن يكون حمى بنافض أو قولنج أو غيرهما من أمراض البدن والموت هو مفارقة الروح للبدن ليس إلا والعمى ذهاب ضوء العين الذي تبصر به وهذه الفرقة من أغلظ الناس حجابا فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى محلها كانت بحسب تلك المحال فنسبة قفل القلب إلى القلب كنسبة قفل الباب إليه وكذلك الختم والطابع الذي عليه هو بالنسبة إليه كالختم والطابع الذي على الباب والصندوق ونحوهما وكذلك نسبة الصمم والعمى إلى الأذن والعين وكذلك موته وحياته نظير موت البدن وحياته بل هذه الأمور ألزم للقلب منها للبدن فلو قيل أنها حقيقة في ذلك مجاز في الأجسام المحسوسة لكان مثل قول هؤلاء وأقوى منه وكلاهما باطل فالعمى في الحقيقة والبكم والموت والقفل للقلب ثم قال تعالى ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ والمعنى أنه معظم العمى وأصله وهذا كقوله ﷺ: "إنما الربا في النسيئة"
وقوله: "إنما الماء من الماء"
وقوله: "ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس"
وقوله: "ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان إنما المسكين الذي لا يجد ما يعنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه"
وقوله: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"
ولم يرد نفي الاسم عن هذه المسميات إنما أراد أن هؤلاء أولى بهذه الأسماء وأحق ممن يسمونه بها فهكذا قوله لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقريب من هذا قوله: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية.
وعلى التقديرين فقد أثبت للقلب عمى حقيقة وهكذا جميع ما نسب إليه ولما كان القلب ملك الأعضاء وهي جنوده وهو الذي يحركها ويستعملها والإرادة والقوى والحركة الاختيارية تنبعث كانت هذه الأمثال أصلا وللأعضاء تبعا فلنذكر هذه الأمور مفصلة ومواقعها في القرآن فقد تقدم الختم
قال الأزهري: "وأصله التغطية وختم البذر في الأرض إذ غطاه"
قال أبو إسحاق: "معنى ختم وطبع في اللغة واحد وهو التغطية على الشيء والاستيثاق منه فلا يدخله شيء كما قال تعالى: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ وكذلك قوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ "
قلت الختم والطبع يشتركان فيما ذكر ويفترقان في معنى آخر وهو أن الطبع ختم يصير سجية وطبيعة فهو تأثير لازم لا يفارق.
البقرة 2:8
وَقَدْ هَتَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أسْتارَ المُنافِقِينَ، وكَشَفَ أسْرارَهم في القُرْآنِ، وجَلّى لِعِبادِهِ أُمُورَهُمْ، لِيَكُونُوا مِنها ومِن أهْلِها عَلى حَذَرٍ، وذَكَرَ طَوائِفَ العالَمِ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: المُؤْمِنِينَ، والكُفّارَ، والمُنافِقِينَ، فَذَكَرَ في المُؤْمِنِينَ أرْبَعَ آياتٍ، وفي الكُفّارِ آيَتَيْنِ، وفي المُنافِقِينَ ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً، لِكَثْرَتِهِمْ وعُمُومِ الِابْتِلاءِ بِهِمْ، وشِدَّةِ فِتْنَتِهِمْ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ، فَإنَّ بَلِيَّةَ الإسْلامِ بِهِمْ شَدِيدَةٌ جِدًّا، لِأنَّهم مَنسُوبُونُ إلَيْهِ، وإلى نُصْرَتِهِ ومُوالاتِهِ، وهم أعْداؤُهُ في الحَقِيقَةِ، يُخْرِجُونَ عَداوَتَهُ في كُلِّ قالَبٍ يَظُنُّ الجاهِلُ أنَّهُ عِلْمٌ وإصْلاحٌ، وهو غايَةُ الجَهْلِ والإفْسادِ.
فَلِلَّهِ كَمْ مِن مَعْقِلٍ لِلْإسْلامِ قَدْ هَدَمُوهُ؟! وكَمْ مِن حِصْنٍ لَهُ قَدْ قَلَعُوا أساسَهُ وخَرَّبُوهُ؟! وكَمْ مِن عِلْمٍ لَهُ قَدْ طَمَسُوهُ؟! وكَمْ مِن لِواءٍ لَهُ مَرْفُوعٍ قَدْ وضَعُوهُ؟! وكَمْ ضَرَبُوا بِمَعاوِلِ الشُّبَهِ في أُصُولِ غِراسِهِ لِيَقْلَعُوها؟! وكَمْ عَمَّوْا عُيُونَ مَوارِدِهِ بِآرائِهِمْ لِيَدْفِنُوها ويَقْطَعُوها؟!.
فَلا يَزالُ الإسْلامُ وأهْلُهُ مِنهم في مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ، ولا يَزالُ يَطْرُقُهُ مِن شُبَهِهِمْ سَرِيَّةٌ بَعْدَ سَرِيَّةٍ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم بِذَلِكَ مُصْلِحُونَ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].
اتَّفَقُوا عَلى مُفارَقَةِ الوَحْيِ، فَهم عَلى تَرْكِ الِاهْتِداءِ بِهِ مُجْتَمِعُونَ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] ولِأجْلِ ذَلِكَ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
دَرَسَتْ مَعالِمُ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ فَلَيْسُوا يَعْرِفُونَها، ودَثَرَتْ مَعاهِدُهُ عِنْدَهم فَلَيْسُوا يَعْمُرُونَها، وأفَلَتْ كَواكِبُهُ النَّيِّرَةُ مِن قُلُوبِهِمْ فَلَيْسُوا يُحِبُّونَها، وكَسَفَتْ شَمْسُهُ عِنْدَ اجْتِماعِ ظُلَمِ آرائِهِمْ وأفْكارِهِمْ فَلَيْسُوا يُبْصِرُونَها، لَمْ يَقْبَلُوا هُدى اللَّهِ الَّذِي أرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ، ولَمْ يَرْفَعُوا بِهِ رَأْسًا، ولَمْ يَرَوْا بِالإعْراضِ عَنْهُ إلى آرائِهِمْ وأفْكارِهِمْ بَأْسًا، خَلَعُوا نُصُوصَ الوَحْيِ عَنْ سَلْطَنَةِ الحَقِيقَةِ، وعَزَلُوها عَنْ وِلايَةِ اليَقِينِ، وشَنُّوا عَلَيْها غاراتِ التَّأْوِيلاتِ الباطِلَةَ، فَلا يَزالُ يَخْرُجُ عَلَيْها مِنهم كَمِينٌ بَعْدَ كَمِينٍ، نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ نُزُولَ الضَّيْفِ عَلى أقْوامٍ لِئامٍ، فَقابَلُوها بِغَيْرِ ما يَنْبَغِي لَها مِنَ القَبُولِ والإكْرامِ، وتَلَقَّوْها مِن بَعِيدٍ، ولَكِنْ بِالدَّفْعِ في الصُّدُورِ مِنها والأعْجازِ، وقالُوا: ما لَكَ عِنْدَنا مِن عُبُورٍ وإنْ كانَ لا بُدَّ فَعَلى سَبِيلِ الِاجْتِيازِ، أعَدُّوا لِدَفْعِها أصْنافَ العُدَدِ وضُرُوبَ القَوانِينِ، وقالُوا لَمّا حَلَّتْ بِساحَتِهِمْ: ما لَنا ولِظَواهِرَ لَفْظِيَّةٍ لا تُفِيدُنا شَيْئًا مِنَ اليَقِينِ، وعَوامُّهم قالُوا: حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ خَلَفَنا مِنَ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّهم أعْلَمُ بِها مِنَ السَّلَفِ الماضِينَ، وأقْوَمُ بِطَرائِقِ الحُجَجِ والبَراهِينِ، وأُولَئِكَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ السَّذاجَةُ وسَلامَةُ الصُّدُورِ، ولَمْ يَتَفَرَّغُوا لِتَمْهِيدِ قَواعِدِ النَّظَرِ، ولَكِنْ صَرَفُوا هِمَمَهم إلى فِعْلِ المَأْمُورِ وتَرْكِ المَحْظُورِ، فَطَرِيقَةُ المُتَأخِّرِينَ أعْلَمُ وأحْكَمُ، وطَرِيقَةُ السَّلَفِ الماضِينَ أجْهَلُ، لَكِنَّها أسْلَمُ.
أنْزَلُوا نُصُوصَ السُّنَّةِ والقُرْآنِ مَنزِلَةَ الخَلِيفَةِ في هَذا الزَّمانِ، اسْمُهُ عَلى السِّكَّةِ وفي الخُطْبَةِ فَوْقَ المَنابِرِ مَرْفُوعٌ، والحُكْمُ النّافِذُ لِغَيْرِهِ، فَحُكْمُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ ولا مَسْمُوعٍ.
لَبِسُوا ثِيابَ أهْلِ الإيمانِ عَلى قُلُوبِ أهْلِ الزَّيْغِ والخُسْرانِ، والغِلِّ والكُفْرانِ، فالظَّواهِرُ ظَواهِرُ الأنْصارِ، والبَواطِنُ قَدْ تَحَيَّزَتْ إلى الكُفّارِ، فَألْسِنَتُهم ألْسِنَةُ المُسالِمِينَ، وقُلُوبُهم قُلُوبُ المُحارِبِينَ، ويَقُولُونَ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
رَأْسُ مالِهِمُ الخَدِيعَةُ والمَكْرُ، وبِضاعَتُهُمُ الكَذِبُ والخَتْرُ، وعِنْدَهُمُ العَقْلُ المَعِيشِيُّ أنَّ الفَرِيقَيْنِ عَنْهم راضُونَ، وهم بَيْنَهم آمِنُونَ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩].
قَدْ نَهَكَتْ أمْراضُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ قُلُوبَهم فَأهْلَكَتْها، وغَلَبَتِ القُصُودُ السَّيِّئَةُ عَلى إراداتِهِمْ ونِيّاتِهِمْ فَأفْسَدَتْها، فَفَسادُهم قَدْ تَرامى إلى الهَلاكِ، فَعَجَزَ عَنْهُ الأطِبّاءُ العارِفُونَ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠].
مَن عَلَقَتْ مَخالِبُ شُكُوكِهِمْ بِأدِيمِ إيمانِهِ مَزَّقَتْهُ كُلَّ تَمْزِيقٍ، ومَن تَعَلَّقَ شَرَرُ فِتْنَتِهِمْ بِقَلْبِهِ ألْقاهُ في عَذابِ الحَرِيقِ، ومَن دَخَلَتْ شُبُهاتُ تَلْبِيسِهِمْ في مَسامِعِهِ حالَ بَيْنَ قَلْبِهِ وبَيْنَ التَّصْدِيقِ، فَفَسادُهم في الأرْضِ كَثِيرٌ، وأكْثَرُ النّاسِ عَنْهُ غافِلُونَ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ - ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١-١٢].
المُتَمَسِّكُ عِنْدَهم بِالكِتابِ والسُّنَّةِ صاحِبُ ظَواهِرَ، مَبْخُوسٌ حَظُّهُ مِنَ المَعْقُولِ، والدّائِرُ مَعَ النُّصُوصِ عِنْدَهم كَحِمارٍ يَحْمِلُ أسْفارًا، فَهَمُّهُ في حَمْلِ المَنقُولِ، وبِضاعَةُ تاجِرِ الوَحْيِ لَدَيْهِمْ كاسِدَةٌ، وما هو عِنْدَهم بِمَقْبُولٍ، وأهْلُ الِاتِّباعِ عِنْدَهم سُفَهاءُ فَهم في خَلَواتِهِمْ ومَجالِسِهِمْ بِهِمْ يَتَطَيَّرُونَ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣].
لِكُلٍّ مِنهم وجْهانِ، وجْهٌ يَلْقى بِهِ المُؤْمِنِينَ، ووَجْهٌ يَنْقَلِبُ بِهِ إلى إخْوانِهِ مِنَ المُلْحِدِينَ، ولَهُ لِسانانِ: أحَدُهُما يَقْبَلُهُ بِظاهِرِهِ المُسْلِمُونَ، والآخَرُ يُتَرْجِمُ بِهِ عَنْ سِرِّهِ المَكْنُونِ ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
قَدْ أعْرَضُوا عَنِ الكِتابِ والسُّنَّةِ اسْتِهْزاءً بِأهْلِهِما واسْتِحْقارًا، وأبَوْا أنْ يَنْقادُوا لِحُكْمِ الوَحْيَيْنِ فَرَحًا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ الَّذِي لا يَنْفَعُ الِاسْتِكْثارُ مِنهُ أشَرًا واسْتِكْبارًا، فَتَراهم أبَدًا بِالمُتَمَسِّكِينَ بِصَرِيحِ الوَحْيِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥].
خَرَجُوا في طَلَبِ التِّجارَةِ البائِرَةِ في بِحارِ الظُّلُماتِ، فَرَكِبُوا مَراكِبَ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجِ الخَيالاتِ، فَلَعِبَتْ بِسُفُنِهِمُ الرِّيحُ العاصِفُ، فَألْقَتْها بَيْنَ سُفُنِ الهالِكِينَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦].
أضاءَتْ لَهم نارُ الإيمانِ فَأبْصَرُوا في ضَوْئِها مَواقِعَ الهُدى والضَّلالِ، ثُمَّ طُفِئَ ذَلِكَ النُّورُ، وبَقِيَتْ نارٌ تَأجَّجُ ذاتُ لَهَبٍ واشْتِعالٍ، فَهم بِتِلْكَ النّارِ مُعَذَّبُونَ، وفي تِلْكَ الظُّلُماتِ يَعْمَهُونَ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧].
أسْماعُ قُلُوبِهِمْ قَدْ أثْقَلَها الوَقْرُ، فَهي لا تَسْمَعُ مُنادِيَ الإيمانِ، وعُيُونُ بَصائِرِهِمْ عَلَيْها غِشاوَةُ العَمى، فَهي لا تُبْصِرُ حَقائِقَ القُرْآنِ، وألْسِنَتُهم بِها خَرَسٌ عَنِ الحَقِّ فَهم بِهِ لا يَنْطِقُونَ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨].
صابَ عَلَيْهِمْ صَيِّبُ الوَحْيِ، وفِيهِ حَياةُ القُلُوبِ والأرْواحِ، فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ إلّا رَعْدَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ والتَّكالِيفِ الَّتِي وُظِّفَتْ عَلَيْهِمْ في المَساءِ والصَّباحِ، فَجَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ، واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ، وجَدُّوا في الهَرَبِ، والطَّلَبُ في آثارِهِمْ والصِّياحُ، فَنُودِيَ عَلَيْهِمْ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وكُشِفَتْ حالُهم لِلْمُسْتَبْصِرِينَ، وضُرِبَ لَهم مَثَلانِ بِحَسَبَ حالِ الطّائِفَتَيْنِ مِنهُمْ: المُناظِرِينَ، والمُقَلِّدِينَ، فَقِيلَ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].
ضَعُفَتْ أبْصارُ بَصائِرِهِمْ عَنِ احْتِمالِ ما في الصَّيِّبِ مِن بُرُوقِ أنْوارِهِ وضِياءِ مَعانِيهِ، وعَجَزَتْ أسْماعُهم عَنْ تَلَقِّي رُعُودِ وُعُودِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَقامُوا عِنْدَ ذَلِكَ حَيارى في أوْدِيَةِ التِّيهِ، لا يَنْتَفِعُ بِسَمْعِهِ السّامِعُ، ولا يَهْتَدِي بِبَصَرِهِ البَصِيرُ، ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠].
لَهم عَلاماتٌ يُعْرَفُونَ بِها مُبَيَّنَةٌ في السُّنَّةِ والقُرَآنِ، بادِيَةٌ لِمَن تَدَبَّرَها مِن أهْلِ بَصائِرِ الإيمانِ، قامَ بِهِمْ واللَّهِ الرِّياءُ، وهو أقْبَحُ مَقامٍ قامَهُ الإنْسانُ، وقَعَدَ بِهِمُ الكَسَلُ عَمّا أُمِرُوا بِهِ مِن أوامِرِ الرَّحْمَنِ، فَأصْبَحَ الإخْلاصُ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ ثَقِيلًا ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
أحَدُهم كالشّاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تَيْعَرُ إلى هَذِهِ مَرَّةً وإلى هَذِهِ مَرَّةً، ولا تَسْتَقِرُّ مَعَ إحْدى الفِئَتَيْنِ، فَهم واقِفُونَ بَيْنَ الجَمْعَيْنِ، يَنْظُرُونَ أيُّهم أقْوى وأعَزُّ قَبِيلًا ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣].
يَتَرَبَّصُونَ الدَّوائِرَ بِأهْلِ السُّنَّةِ والقُرْآنِ، فَإنْ كانَ لَهم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ، قالُوا: ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ وأقْسَمُوا عَلى ذَلِكَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ، وإنْ كانَ لِأعْداءِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِنَ النُّصْرَةِ نَصِيبٌ، قالُوا: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ عَقْدَ الإخاءِ بَيْنَنا مُحْكَمٌ، وأنَّ النَّسَبَ بَيْنَنا قَرِيبٌ؟ فَيا مَن يُرِيدُ مَعْرِفَتَهُمْ، خُذْ صِفاتِهِمْ مِن كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، فَلا تَحْتاجُ بَعْدَهُ دَلِيلًا ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
يُعْجِبُ السّامِعَ قَوْلُ أحَدِهِمْ لِحَلاوَتِهِ ولِينِهِ، ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ مِن كَذِبِهِ ومَيْنِهِ، فَتَراهُ عِنْدَ الحَقِّ نائِمًا، وفي الباطِلِ عَلى الأقْدامِ، فَخُذْ وصْفَهم مِن قَوْلِ القُدُّوسِ السَّلامِ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].
أوامِرُهُمُ الَّتِي يَأْمُرُونَ بِها أتْباعَهم مُتَضَمِّنَةٌ لِفَسادِ البِلادِ والعِبادِ، ونَواهِيهِمْ عَمّا فِيهِ صَلاحُهم في المَعاشِ والمَعادِ، وأحَدُهم تَلْقاهُ بَيْنَ جَماعَةِ أهْلِ الإيمانِ في الصَّلاةِ والذِّكْرِ والزُّهْدِ والِاجْتِهادِ ﴿وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
فَهم جِنْسٌ بَعْضُهُ يُشْبِهُ بَعْضًا، يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ بَعْدَ أنْ يَفْعَلُوهُ، ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ بَعْدَ أنْ يَتْرُكُوهُ، ويَبْخَلُونَ بِالمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ أنْ يُنْفِقُوهُ، كَمْ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِنِعَمِهِ فَأعْرَضُوا عَنْ ذِكْرِهِ ونَسُوهُ؟ وكَمْ كَشَفَ حالَهم لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ لِيَجْتَنِبُوهُ؟ فاسْمَعُوا أيُّها المُؤْمِنِينَ ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].
إنْ حاكَمْتَهم إلى صَرِيحِ الوَحْيِ وجَدْتَهم عَنْهُ نافِرِينَ، وإنْ دَعْوَتَهم إلى حُكْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ رَأيْتَهم عَنْهُ مُعْرِضِينَ، فَلَوْ شَهِدْتَ حَقائِقَهُ لَرَأيْتَ بَيْنَها وبَيْنَ الهُدى أمَدًا بَعِيدًا، ورَأيْتَها مُعْرِضَةً عَنِ الوَحْيِ إعْراضًا شَدِيدًا ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١].
فَكَيْفَ لَهم بِالفَلاحِ والهُدى! بَعْدَما أُصِيبُوا في عُقُولِهِمْ وأدْيانِهِمْ؟ وأنّى لَهُمُ التَّخَلُّصُ مِنَ الضَّلالِ والرَّدى! وقَدِ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِإيمانِهِمْ؟ فَما أخْسَرَ تِجارَتَهُمُ البائِرَةَ! وقَدِ اسْتَبْدَلُوا بِالرَّحِيقِ المَخْتُومِ حَرِيقًا ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢].
نَشَبَ زَقُّومُ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ في قُلُوبِهِمْ، فَلا يَجِدُونَ لَهُ مُسِيغًا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣].
تَبًّا لَهُمْ، ما أبْعَدَهم عَنْ حَقِيقَةِ الإيمانِ! وما أكْذَبَ دَعْواهم لِلتَّحْقِيقِ والعِرْفانِ، فالقَوْمُ في شَأْنٍ وأتْباعُ الرَّسُولِ في شَأْنٍ، لَقَدْ أقْسَمَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ في كِتابِهِ بِنَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ قَسَمًا عَظِيمًا، يَعْرِفُ مَضْمُونَهُ أُولُو البَصائِرِ، فَقُلُوبُهم مِنهُ عَلى حَذَرٍ إجْلالًا لَهُ وتَعْظِيمًا، فَقالَ تَعالى تَحْذِيرًا لِأوْلِيائِهِ وتَنْبِيهًا عَلى حالِ هَؤُلاءِ وتَفْهِيمًا ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
تَسْبِقُ يَمِينُ أحَدِهِمْ كَلامَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِ أنَّ قُلُوبَ أهْلِ الإيمانِ لا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ، فَيَتَبَرَّأُ بِيَمِينِهِ مِن سُوءِ الظَّنِّ بِهِ وكَشْفِ ما لَدَيْهِ، وكَذَلِكَ أهْلُ الرِّيبَةِ يَكْذِبُونَ، ويَحْلِفُونَ لِيَحْسَبَ السّامِعُ أنَّهم صادِقُونَ، قَدِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢].
تَبًّا لَهُمْ! بَرَزُوا إلى البَيْداءِ مَعَ رَكْبِ الإيمانِ، فَلَمّا رَأوْا طُولَ الطَّرِيقِ وبُعْدَ الشُّقَّةِ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ ورَجَعُوا، وظَنُّوا أنَّهم يَتَمَتَّعُونَ بِطِيبِ العَيْشِ ولَذَّةِ المَنامِ في دِيارِهِمْ، فَما مُتِّعُوا بِهِ ولا بِتِلْكَ الهَجْعَةِ انْتَفَعُوا، فَما هو إلّا أنْ صاحَ بِهِمُ الصّائِحُ فَقامُوا عَنْ مَوائِدِ أطْعِمَتِهِمْ والقَوْمُ جِياعٌ ما شَبِعُوا، فَكَيْفَ حالُهم عِنْدَ اللِّقاءِ؟ وقَدْ عَرَفُوا ثُمَّ أنْكَرُوا، وعَمُوا بَعْدَما عايَنُوا الحَقَّ وأبْصَرُوا ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣].
أحْسَنُ النّاسِ أجْسامًا، وأخْلَبُهم لِسانًا، وألْطَفُهم بَيانًا، وأخْبَثُهم قُلُوبًا، وأضْعَفُهم جَنانًا، فَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ الَّتِي لا ثَمَرَ لَها، قَدْ قُلِعَتْ مِن مَغارِسِها فَتَسانَدَتْ إلى حائِطٍ يُقِيمُها، لِئَلّا يَطَأها السّالِكُونَ ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].
يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وقْتِها الأوَّلِ إلى شَرَقِ المَوْتى فالصُّبْحُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ والعَصْرُ عِنْدَ الغُرُوبِ، ويَنْقُرُونَها نَقْرَ الغُرابِ، إذْ هي صَلاةُ الأبْدانِ، لا صَلاةُ القُلُوبِ، ويَلْتَفِتُونَ فِيها التِفاتَ الثَّعْلَبِ، إذْ يَتَيَقَّنُ أنَّهُ مَطْرُودٌ مَطْلُوبٌ، ولا يَشْهَدُونَ الجَماعَةَ، بَلْ إنْ صَلّى أحَدُهم فَفي البَيْتِ أوِ الدُّكّانِ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ، هَذِهِ مُعامَلَتُهم لِلْخَلْقِ، وتِلْكَ مُعامَلَتُهم لِلْخالِقِ، فَخُذْ وصْفَهم مِن أوَّلِ المُطَفِّفِينَ، وآخِرِ والسَّماءِ والطّارِقِ فَلا يُنْبِئُكُ عَنْ أوْصافِهِمْ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] فَما أكْثَرَهُمْ! وهُمُ الأقَلُّونَ، وما أجْبَرَهُمْ! وهُمُ الأذَلُّونَ، وما أجْهَلَهُمْ! وهُمُ المُتَعالِمُونَ، وما أغَرَّهم بِاللَّهِ! إذْ هم بِعَظَمَتِهِ جاهِلُونَ ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦].
إنْ أصابَ أهْلَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عافِيَةٌ ونَصْرٌ وظُهُورٌ ساءَهم ذَلِكَ وغَمَّهُمْ، وإنْ أصابَهُمُ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ يُمَحِّصُ بِهِ ذُنُوبَهُمْ، ويُكَفِّرُ بِهِ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ أفْرَحَهم ذَلِكَ وسَرَّهُمْ، وهَذا يُحَقِّقُ إرْثَهم وإرْثَ مَن عَداهُمْ، ولا يَسْتَوِي مَن مَوْرُوثُهُ المُنافِقُونَ ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ - قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥٠-٥١] وقالَ تَعالى في شَأْنِ السَّلَفَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، والحَقُّ لا يَنْدَفِعُ بِمُكابَرَةِ أهْلِ الزَّيْغِ والتَّخْلِيطِ، ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
كَرِهَ اللَّهُ طاعاتِهِمْ، لِخُبْثِ قُلُوبِهِمْ وفَسادِ نِيّاتِهِمْ، فَثَبَّطَهم عَنْها وأقْعَدَهُمْ، وأبْغَضَ قُرْبَهم مِنهُ وجِوارَهُ، لِمَيْلِهِمْ إلى أعْدائِهِ، فَطَرَدَهم عَنْهُ وأبْعَدَهُمْ، وأعْرَضُوا عَنْ وحْيِهِ فَأعْرَضَ عَنْهُمْ، وأشْقاهم وما أسْعَدَهُمْ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمٍ عَدْلٍ لا مَطْمَعَ لَهم في الفَلاحِ بَعْدَهُ، إلّا أنْ يَكُونُوا مِنَ التّائِبِينَ، فَقالَ تَعالى ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَتَهُ في تَثْبِيطِهِمْ وإقْعادِهِمْ، وطَرْدِهِمْ عَنْ بابِهِ وإبْعادِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ مِن لُطْفِهِ بِأوْلِيائِهِ وإسْعادِهِمْ، فَقالَ، وهو أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧].
ثَقُلَتْ عَلَيْهِمُ النُّصُوصُ فَكَرِهُوها، وأعْياهم حَمْلُها فَألْقَوْها عَنْ أكْتافِهِمْ ووَضَعُوها، وتَفَلَّتَتْ مِنهُمُ السُّنَنُ أنْ يَحْفَظُوها فَأهْمَلُوها، وصالَتْ عَلَيْهِمْ نُصُوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ فَوَضَعُوا لَها قَوانِينَ رَدُّوها بِها ودَفَعُوها، وقَدْ هَتَكَ اللَّهُ أسْتارَهُمْ، وكَشَفَ أسْرارَهُمْ، وضَرَبَ لِعِبادِهِ أمْثالَهُمْ، وأعْلَمَ أنَّهُ كُلَّما انْقَرَضَ مِنهم طَوائِفُ خَلَفَهم أمْثالُهُمْ، فَذَكَرَ أوْصافَهُمْ، لِأوْلِيائِهِ لِيَكُونُوا مِنها عَلى حَذَرٍ، وبَيَّنَها لَهُمْ، فَقالَ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٩].
هَذا شَأْنُ مَن ثَقُلَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، فَرَآها حائِلَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ بِدْعَتِهِ وهَواهُ، فَهي في وجْهِهِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، فَباعَها بِمُحَصَّلٍ مِنَ الكَلامِ الباطِلِ، واسْتَبْدَلَ مِنها بِالفُصُوصِ فَأعْقَبَهم ذَلِكَ أنْ أفْسَدَ عَلَيْهِمْ إعْلانَهم وإسْرارَهم ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهم - فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم - ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٦-٢٨].
أسَرُّوا سَرائِرَ النِّفاقِ، فَأظْهَرَها اللَّهُ عَلى صَفَحاتِ الوُجُوهِ مِنهُمْ، وفَلَتاتِ اللِّسانِ، ووَسَمَهم لِأجْلِها بِسِيماءَ لا يَخْفَوْنَ بِها عَلى أهْلِ البَصائِرِ والإيمانِ، وظَنُّوا أنَّهم إذْ كَتَمُوا كُفْرَهم وأظْهَرُوا إيمانَهم راجُوا عَلى الصَّيارِفِ والنُّقّادِ، كَيْفَ والنّاقِدُ البَصِيرُ قَدْ كَشَفَها لَكُمْ؟ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهم - ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٢٩-٣٠].
فَكَيْفَ إذا جُمِعُوا لِيَوْمِ التَّلاقِ، وتَجَلّى اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ لِلْعِبادِ وقَدْ كُشِفَ عَنْ ساقٍ؟ ودُعُوا إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣].
أمْ كَيْفَ بِهِمْ إذا حُشِرُوا إلى جِسْرِ جَهَنَّمَ؟ وهو أدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وأحَدُّ مِنَ الحُسامِ، وهو دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، مُظْلِمٌ لا يَقْطَعُهُ أحَدٌ إلّا بِنُورٍ يُبْصِرُ بِهِ مَواطِئَ الأقْدامِ، فَقُسِّمَتْ بَيْنَ النّاسِ الأنْوارُ، وهم عَلى قَدْرِ تَفاوُتِها في المُرُورِ والذَّهابِ، وأُعْطُوا نُورًا ظاهِرًا مَعَ أهْلِ الإسْلامِ، كَما كانُوا بَيْنَهم في هَذِهِ الدّارِ يَأْتُونَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والصِّيامِ، فَلَمّا تَوَسَّطُوا الجِسْرَ عَصَفَتْ عَلى أنْوارِهِمْ أهْوِيَةُ النِّفاقِ، فَأطْفَأتْ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ المَصابِيحِ، فَوَقَفُوا حَيارى لا يَسْتَطِيعُونَ المُرُورَ، فَضُرِبَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الإيمانِ بِسُورٍ لَهُ بابٌ، ولَكِنْ قَدْ حِيلَ بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ المَفاتِيحِ، باطِنُهُ الَّذِي يَلِي المُؤْمِنِينَ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وما يَلِيهِمْ مِن قِبَلِهِمُ العَذابُ والنِّقْمَةُ، يُنادُونَ مَن تَقَدَّمَهم مِن وفْدِ الإيمانِ، ومَشاعِلُ الرَّكْبِ تَلُوحُ عَلى بُعْدٍ كالنُّجُومِ، تَبْدُو لِناظِرِ الإنْسانِ ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] لِنَتَمَكَّنَ في هَذا المَضِيقِ مِنَ العُبُورِ، فَقَدْ طُفِئَتْ أنْوارُنا، ولا جَوازَ اليَوْمَ إلّا بِمِصْباحٍ مِنَ النُّورِ ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ حَيْثُ قُسِّمَتِ الأنْوارُ، فَهَيْهاتَ الوُقُوفُ لِأحَدٍ في مِثْلِ هَذا المِضْمارِ! كَيْفَ نَلْتَمِسُ الوُقُوفَ في هَذا المَضِيقِ؟ فَهَلْ يَلْوِي اليَوْمَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ في هَذا الطَّرِيقِ؟ وهَلْ يَلْتَفِتُ اليَوْمَ رَفِيقٌ إلى رَفِيقٍ؟
فَذَكَّرُوهم بِاجْتِماعِهِمْ مَعَهم وصُحْبَتِهِمْ لَهم في هَذِهِ الدّارِ، كَما يُذَكِّرُ الغَرِيبُ صاحِبَ الوَطَنِ بِصُحْبَتِهِ لَهُ في الأسْفارِ ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نَصُومُ كَما تَصُومُونَ، ونُصَلِّي كَما تُصَلُّونَ، ونَقْرَأُ كَما تَقْرَءُونَ، ونَتَصَدَّقُ كَما تَتَصَدَّقُونَ، ونَحُجُّ كَما تَحُجُّونَ؟ فَما الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَنا اليَوْمَ، حَتّى انْفَرَدْتُمْ دُونَنا بِالمُرُورِ؟
﴿قالُوا بَلى﴾ ولَكِنَّكم كانَتْ ظَواهِرُكم مَعَنا وبَواطِنُكم مَعَ كُلِّ مُلْحِدٍ، وكُلِّ ظَلُومٍ كَفُورٍ ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ - فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٤-١٥].
لا تَسْتَطِلْ أوْصافَ القَوْمِ، فالمَتْرُوكُ واللَّهِ أكْثَرُ مِنَ المَذْكُورِ، كادَ القُرْآنُ أنْ يَكُونَ كُلُّهُ في شَأْنِهِمْ، لِكَثْرَتِهِمْ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ وفي أجْوافِ القُبُورِ، فَلا خَلَتْ بِقاعُ الأرْضِ مِنهم لِئَلّا يَسْتَوْحِشَ المُؤْمِنُونَ في الطُّرُقاتِ، وتَتَعَطَّلَ بِهِمْ أسْبابُ المَعايِشِ، وتَخْطَفَهُمُ الوُحُوشُ والسِّباعُ في الفَلَواتِ، سَمِعَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أهْلِكِ المُنافِقِينَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، لَوْ هَلَكَ المُنافِقُونَ لاسْتَوْحَشْتُمْ في طُرُقاتِكم مِن قِلَّةِ السّالِكِ.
تاللَّهِ لَقَدْ قَطَّعَ خَوْفُ النِّفاقِ قُلُوبَ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ، لِعِلْمِهِمْ بِدِقِّهِ وجِلِّهِ وتَفاصِيلِهِ وجُمَلِهِ، ساءَتْ ظُنُونُهم بِنُفُوسِهِمْ حَتّى خَشَوْا أنْ يَكُونُوا مِن جُمْلَةِ المُنافِقِينَ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا حُذَيْفَةُ، نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنهُمْ؟ قالَ: لا، ولا أُزَكِّي بَعْدَكَ أحَدًا، وقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّ إيمانَهُ كَإيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، ذَكَرَهُ البُخارِيُّ، وذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: ما أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ، وما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن خُشُوعِ النِّفاقِ، قِيلَ: وما خُشُوعُ النِّفاقِ؟ قالَ: أنْ يُرى البَدَنُ خاشِعًا والقَلْبُ لَيْسَ بِخاشِعٍ.
تاللَّهِ لَقَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُ القَوْمِ إيمانًا ويَقِينًا، وخَوْفُهم مِنَ النِّفاقِ شَدِيدٌ، وهَمُّهم لِذَلِكَ ثَقِيلٌ، وسِواهم كَثِيرٌ مِنهم لا يُجاوِزُ إيمانُهم حَناجِرَهُمْ، وهم يَدَّعُونَ أنَّ إيمانَهم كَإيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
زَرْعُ النِّفاقِ يَنْبُتُ عَلى ساقِيَتَيْنِ: ساقِيَةِ الكَذِبِ، وساقِيَةِ الرِّياءِ، ومَخْرَجُهُما مِن عَيْنَيْنِ: عَيْنِ ضِعْفِ البَصِيرَةِ، وعَيْنِ ضَعْفِ العَزِيمَةِ، فَإذا تَمَّتْ هَذِهِ الأرْكانُ الأرْبَعُ اسْتَحْكَمَ نَباتُ النِّفاقِ وبُنْيانُهُ، ولَكِنَّهُ بِمَدارِجِ السُّيُولِ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَإذا شاهَدُوا سَيْلَ الحَقائِقِ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ، وكُشِفَ المَسْتُورُ، وبُعْثِرَ ما في القُبُورِ، وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ، تَبَيَّنَ حِينَئِذٍ لِمَن كانَتْ بِضاعَتُهُ النِّفاقَ أنَّ حَواصِلَهُ الَّتِي حَصَّلَها كانَتْ كالسَّرابِ ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩]
قُلُوبُهم عَنِ الخَيْراتِ لاهِيَةٌ، وأجْسادُهم إلَيْها ساعِيَةٌ، والفاحِشَةُ في فِجاجِهِمْ فاشِيَّةٌ، وإذا سَمِعُوا الحَقَّ كانَتْ قُلُوبُهم عَنْ سَماعِهِ قاسِيَةً، وإذا حَضَرُوا الباطِلَ وشَهِدُوا الزُّورَ انْفَتَحَتْ أبْصارُ قُلُوبِهِمْ، وكانَتْ آذانُهم واعِيَةً فَهَذِهِ واللَّهِ أماراتُ النِّفاقِ، فاحْذَرْها أيُّها الرَّجُلُ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ بِكَ القاضِيَةُ، إذا عاهَدُوا لَمْ يَفُوا، وإنْ وعَدُوا أخْلَفُوا، وإنْ قالُوا لَمْ يُنْصِفُوا، وإنْ دُعُوا إلى الطّاعَةِ وقَفُوا، وإذا قِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ صَدَفُوا، وإذا دَعَتْهم أهْواؤُهم إلى أغْراضِهِمْ أسْرَعُوا إلَيْها وانْصَرَفُوا، فَذَرْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الهَوانِ، والخِزْيِ والخُسْرانِ، فَلا تَثِقْ بِعُهُودِهِمْ، ولا تَطْمَئِنَّ إلى وُعُودِهِمْ، فَإنَّهم فِيها كاذِبُونَ، وهم لِما سِواها مُخالِفُونَ ﴿وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ - فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ - فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥-٧٧].
[فَصْلٌ المَعاصِي تُضْعِفُ القَلْبَ]
وَمِن عُقُوبَتِها: أنَّها تُضْعِفُ سَيْرَ القَلْبِ إلى اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، أوْ تَعُوقُهُ أوْ تُوقِفُهُ وتَقْطَعُهُ عَنِ السَّيْرِ، فَلا تَدَعُهُ يَخْطُو إلى اللَّهِ خُطْوَةً، هَذا إنْ لَمْ تَرُدَّهُ عَنْ وُجْهَتِهِ إلى ورائِهِ، فالذَّنْبُ يَحْجِبُ الواصِلَ، ويَقْطَعُ السّائِرَ، ويُنَكِّسُ الطّالِبَ، والقَلْبُ إنَّما يَسِيرُ إلى اللَّهِ بِقُوَّتِهِ، فَإذا مَرِضَ بِالذُّنُوبِ ضَعُفَتْ تِلْكَ القُوَّةُ الَّتِي تُسَيِّرُهُ، فَإنْ زالَتْ بِالكُلِّيَّةِ انْقَطَعَ عَنِ اللَّهِ انْقِطاعًا يَبْعُدُ تَدارُكُهُ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
فالذَّنْبُ إمّا يُمِيتُ القَلْبَ، أوْ يُمْرِضُهُ مَرَضًا مُخَوِّفًا، أوْ يُضْعِفُ قُوَّتَهُ ولا بُدَّ حَتّى يَنْتَهِيَ ضَعْفُهُ إلى الأشْياءِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي اسْتَعاذَ مِنها النَّبِيُّ ﷺ وهِيَ: «الهَمُّ، والحَزَنُ، والعَجْزُ، والكَسَلُ، والجُبْنُ، والبُخْلُ، وضَلَعُ الدَّيْنِ، وغَلَبَةُ الرِّجالِ» وكُلُّ اثْنَيْنِ مِنها قَرِينانِ.
فالهَمُّ والحَزَنُ قَرِينانِ: فَإنَّ المَكْرُوهَ الوارِدَ عَلى القَلْبِ إنْ كانَ مِن أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ يَتَوَقَّعُهُ أحْدَثَ الهَمَّ، وإنْ كانَ مِن أمْرٍ ماضٍ قَدْ وقَعَ أحْدَثَ الحَزَنَ.
والعَجْزُ والكَسَلُ قَرِينانِ: فَإنْ تَخَلَّفَ العَبْدُ عَنْ أسْبابِ الخَيْرِ والفَلاحِ، إنْ كانَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ فَهو العَجْزُ، وإنْ كانَ لِعَدَمِ إرادَتِهِ فَهو الكَسَلُ.
والجُبْنُ والبُخْلُ قَرِينانِ: فَإنَّ عَدَمَ النَّفْعِ مِنهُ إنْ كانَ بِبَدَنِهِ فَهو الجُبْنُ، وإنْ كانَ بِمالِهِ فَهو البُخْلُ.
وَضَلَعُ الدَّيْنِ وقَهْرُ الرِّجالِ قَرِينانِ: فَإنَّ اسْتِعْلاءَ الغَيْرِ عَلَيْهِ إنْ كانَ بِحَقٍّ فَهو مِن ضَلَعِ الدَّيْنِ، وإنْ كانَ بِباطِلٍ فَهو مِن قَهْرِ الرِّجالِ.
والمَقْصُودُ أنَّ الذُّنُوبَ مِن أقْوى الأسْبابِ الجالِبَةِ لِهَذِهِ الثَّمانِيَةِ، كَما أنَّها مِن أقْوى الأسْبابِ الجالِبَةِ لِجَهْدِ البَلاءِ، ودَرَكِ الشَّقاءِ، وسُوءِ القَضاءِ، وشَماتَةِ الأعْداءِ، ومِن أقْوى الأسْبابِ الجالِبَةِ لِزَوالِ نِعَمِ اللَّهِ، وتَحَوُّلِ عافِيَتِهِ إلى نِقْمَتِهِ وتَجْلِبُ جَمِيعَ سُخْطِهِ.
البقرة 2:9
وقال تعالى: ﴿إنَّ الُمْنافِقِينَ يَخادِعُونَ اللهَ وهو خادِعُهٌمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال في أهل العهد: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ [الأنفال: ٦٢].
فأخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء المخادعين مخدوعون، وهم لا يشعرون أن الله تعالى خادع من خدعه، وأنه يكفى المخدوع شر من خدعه.
والمخادعة: هى الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه، ليحصل مقصود المخادع. وهذا موافق لاشتقاق اللفظ في اللغة. فإنهم يقولون: طريق خيدع، إذا كان مخالفًا للقصد لا يشعر به ولا يفطن له، ويقال للسراب الخيدع، لأنه يغر من يراه، وضب خدَعِ، أي مراوغ. كما قالوا: أخدع من ضب، ومنه: "الحرب خدعة" وسوق خادعة، أي متلونة، وأصله: الإخفاء والستر. ومنه سميت الخزانة مخدعًا.
فلما كان القائل "آمنت" مظهرًا لهذه الكلمة، غير مريد حقيقتها المرعية المطلوبة شرعًا، بل مريد لحكمها وثمرتها فقط مخادعًا، كان المتكلم بلفظ "بعت" و "اشتريت" و "طلقت" و "نكحت" و"خالعت" و "آجرت"، و "ساقيت" و "أو صيت" غير مريد لحقائقها الشرعية المطلوبة منها شرعًا، بل مريد لأمور أخرى غير ما شرعت له، أو ضد ما شرعت له مخادعًا. ذاك مخادع في أصل الإيمان، وهذا مخادع في أعماله وشرائعه.
قال شيخنا: وهذا ضرب من النفاق في آيات الله تعالى وحدوده، كما أن الأول نفاق في أصل الدين.
يؤيد ذلك: ما رواه سعيد بن منصور عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما "أنه جاءه رجل فقال: إن عمى طلق امرأته ثلاثا، أيحلها له رجل؟ فقال: من يخادع الله يخدعه".
وعن أنس بن مالك: أنه سئل عن العينة، يعني بيع الحريرة؟ فقال: إن الله تعالى لا يخدع، هذا ما حرم الله تعالى ورسوله.
رواه أبو جعفر محمد بن سليمان الحافظ المعروف بمُطَين في كتاب البيوع له.
وعن ابن عباس: أنه سئل عن العِينة، يعني بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله تعالى ورسوله، رواه الحافظ أبو محمد النخشى.
فسمى الصحابة من أظهر عقد التبايع ومقصود به الربا خداعًا لله، وهم المرجوع إليهم في هذا الشأن والمعوّل عليهم في فهم القرآن. وقد تقدم عن عثمان، وعبد الله بن عمر، وغيرهما أنهما قالا في المطلقة ثلاثا: لا يحلها إلا نكاح رغبة، لا نكاح دِلسة.
قال أهل اللغة: المدالسة: المخادعة.
وقال أيوب السختياني في المحتالين: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، فلو أتوا الأمر عيانًا كان أهون علىّ.
وقال شريك بن عبد الله القاضى في كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة.
وكذلك المعاهدون إذا أظهروا للرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنهم يريدون سلمه، وهم يقصدون بذلك المكر به من حيث لا يشعر. فيظهرون له أمانا ويبطنون له خلافه. كما أن المحلل والمرابى يظهران النكاح والبيع المقصودين، ومقصود هذا الطلاق بعد استفراش المرأة، ومقصود الآخر ما تواطآ عليه قبل إظهار العقد، من بيع الألف الحالة بالألف والمائتين إلى أجل، فمخالفة ما يدل عليه العقد شرعًا أو عرفًا خديعة.
قال: وتلخيص ذلك أن مخادعة الله تعالى حرام، والحيل مخادعة لله.
بيان الأول: أن الله تعالى ذم المنافقين بالمخادعة وأخبر أنه خادعهم، وخدعه للعبد عقوبة تستلزم فعله للمحرم.
وبيان الثاني: أن ابن عباس وأنسًا وغيرهما من الصحابة والتابعين أفتوا أن التحليل ونحوه من الحيل مخادعة لله تعالى، وهم أعلم بكتاب الله تعالى.
الثاني: أن المخادعة إظهار شيء من الخير وإبطان خلافه كما تقدم.
الثالث: أن المنافق لما أظهر الإسلام، ومراده غيره، سمى مخادعا لله تعالى، وكذلك المرابى. فإن النفاق والربا من باب واحد. فإذا كان هذا الذي أظهر قولًا غير معتقد ولا مريد لما يفهم منه، وهذا الذي أظهر فعلًا غير معتقد ولا مريد لما شرع له مخادعًا. فالمحتال لا يخرج عن أحد القسمين: إما إظهار فعل لغير مقصوده الذي شرع له، أو إظهار قول لغير مقصوده الذي شرع له. وإذا كان مشاركًا لهما في المعنى الذي سميا به مخادعين وجب أن يشركهما في اسم الخداع، وعلم أن الخداع اسم لعموم الحيل لا لخصوص هذا النفاق.
(فائدة)
لفظ الخداع، فإنه ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن كان بحق فهو محمود، وإن كان بباطل فهو مذموم.
ومن النوع المحمود: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "الحرب خدعة" وقوله في الحديث الذي رواه الترمذى وغيره:
"كُلُّ الكَذِبِ يُكْتَبُ عَلى ابْنِ آدَمَ، إلا ثَلاثَ خِصالٍ: رَجُل كَذَبَ عَلى امْرَأتِهِ لِيُرْضِيَها، ورَجُلٌ كَذَبَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِيُصْلِجَ بَيْنَهُما، ورَجُلٌ كَذَبَ في خِدْعَةِ حَرْبٍ.
ومن النوع المذموم قوله في حديث عياض بن جمار، الذي رواه مسلم في صحيحه: "أهْلُ النّارِ خَمْسَةٌ، ذَكَرَ مِنهم رَجُلًا لا يُصْبِحُ ولا يُمْسِي إلا وهْوَ يَخادِعُكَ عَنْ أهْلِكَ ومِالِكَ".
وقوله تعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]
وقوله تعالى: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ [الأنفال: ٦٢].
ومن النوع المحمود: خدع كعب بن الأشراف وأبي رافع، عَدُوَّي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، حتى قتلا، وقتل خالد بن سفيان الهذلى.
ومن أحسن ذلك: خديعة معبد بن أبي معبد الخزاعي لأبي سفيان وعسكر المشركين حين هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، وردهم من فورهم.
ومن ذلك: خديعة نعيم بن مسعود الأشجعى ليهود بنى قريظة، ولكفار قريش والأحزاب، حتى ألقى الخلْف بينهم، وكان سبب تفرقهم ورجوعهم. ونظائر ذلك كثيرة.
البقرة 2:10
وقال ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ وقال: ﴿وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا﴾.
ومرض القلب خروجه عن صحته واعتداله. فإن صحته أن يكون عارفا بالحق محبا له، مؤثرا له على غيره، فمرضه إما بالشك فيه، وإما بإيثار غيره عليه.
فمرض المنافقين: مرض شك وريب، ومرض العصاة غي وشهوة.
وقد سمى الله سبحانه كلّا منهما مرضا.
قال ابن الأنباري: أصل المرض في اللغة: الفساد، مرض فلان:
فسد جسمه، وتغيرت حاله. ومرضت بالمرض: تغيرت وفسدت، قالت ليلى الأخيلية:
؎إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ∗∗∗ تتبع أقصى دائها فشفاها
وقال آخر:
؎ألم تر أنّ الأرض أضحت مريضة ∗∗∗ لفقد الحسين، والبلاد اقشعرت
والمرض يدور على أربعة أشياء: فساد، وضعف، ونقصان، وظلمة. ومنه مرض الرجل في الأمر، إذا ضعف فيه. ولم يبالغ، وعين مريضة النظر: أي فاترة ضعيفة. وريح مريضة: إذا هبّ هبوبها، كما قال:
راحت لأربعك الرياح مريضة
أي لينة ضعيفة، حتى لا يعفى أثرها.
وقال ابن الأعرابي: أصل المرض النقصان. ومنه: بدن مريض، أي ناقص القوة، وقلب مريض: ناقص الدين، ومرض في حاجتي: إذا نقصت حركته.
وقال الأزهري، عن المنذري عن بعض أصحابه: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها.
قال: والمرض الظلمة، وأنشد:
؎وليلة مرضت من كل ناحية ∗∗∗ فما يضيء لها شمس ولا قمر
هذا أصله في اللغة.
ثم الشك، والجهل، والحيرة، والضلال، وإرادة الغي، وشهوة الفجور في القلب: تعود إلى هذه الأمور الأربعة، فيتعاطى العبد أسباب المرض حتى يمرض، فيعاقبه الله بزيادة المرض، لإيثاره أسبابه وتعاطيه لها.
(فصل)
المَرَضُ نَوْعانِ: مَرَضُ القُلُوبِ، ومَرَضُ الأبَدانِ، وهُما مَذْكُورانِ في القُرْآنِ.
وَمَرَضُ القُلُوبِ نَوْعانِ: مَرَضُ شُبْهَةٍ وشَكٍّ، ومَرَضُ شَهْوَةٍ وغَيٍّ، وكِلاهُما في القُرْآنِ. قالَ تَعالى في مَرَضِ الشُّبْهَةِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ وقالَ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ [المدثر: ٣١] وقالَ تَعالى في حَقِّ مَن دُعِيَ إلى تَحْكِيمِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ فَأبى وأعْرَضَ: ﴿وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ - وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ - أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٤٨-٤٩] فَهَذا مَرَضُ الشُّبُهاتِ والشُّكُوكِ.
وَأمّا مَرَضُ الشَّهَواتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]
﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فَهَذا مَرَضُ شَهْوَةِ الزِّنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ المَعاصِي تُمْرِضُ القُلُوبَ]
وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تَصْرِفُ القَلْبَ عَنْ صِحَّتِهِ واسْتِقامَتِهِ إلى مَرَضِهِ وانْحِرافِهِ، فَلا يَزالُ مَرِيضًا مَعْلُولًا لا يَنْتَفِعُ بِالأغْذِيَةِ الَّتِي بِها حَياتُهُ وصَلاحُهُ، فَإنَّ تَأْثِيرَ الذُّنُوبِ في القُلُوبِ كَتَأْثِيرِ الأمْراضِ في الأبْدانِ، بَلِ الذُّنُوبُ أمْراضُ القُلُوبِ وداؤُها، ولا دَواءَ لَها إلّا تَرْكُها.
وَقَدْ أجْمَعَ السّائِرُونَ إلى اللَّهِ أنَّ القُلُوبَ لا تُعْطى مُناها حَتّى تَصِلَ إلى مَوْلاها، ولا تَصِلُ إلى مَوْلاها حَتّى تَكُونَ صَحِيحَةً سَلِيمَةً، ولا تَكُونُ صَحِيحَةً سَلِيمَةً حَتّى يَنْقَلِبَ داؤُها، فَيَصِيرَ نَفْسَ دَوائِها، ولا يَصِحُّ لَها ذَلِكَ إلّا بِمُخالَفَةِ هَواها، فَهَواها مَرَضُها، وشِفاؤُها مُخالَفَتُهُ، فَإنِ اسْتَحْكَمَ المَرَضُ قَتَلَ أوْ كادَ.
وَكَما أنَّ مَن نَهى نَفْسَهُ عَنِ الهَوى كانَتِ الجَنَّةُ مَأْواهُ، فَكَذا يَكُونُ قَلْبُهُ في هَذِهِ الدّارِ في جَنَّةٍ عاجِلَةٍ، لا يُشْبِهُ نَعِيمُ أهْلِها نَعِيمًا ألْبَتَّةَ، بَلِ التَّفاوُتُ الَّذِي بَيْنَ النَّعِيمَيْنِ، كالتَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذا أمْرٌ لا يُصَدِّقُ بِهِ إلّا مَن باشَرَ قَلْبُهُ هَذا وهَذا.
البقرة 2:11
وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكرا وافيا اطلعت فيه من أسرار المناظرات وتقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشبه الفاسدة وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ فهذه مناظرة جرت بين المؤمنين والمنافقين فقال لهم المؤمنون: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ فأجابهم المنافقون بقولهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فكأن المناظرة انقطعت بين الفريقين ومنع المنافقون ما ادعى عليهم أهل الإيمان من كونهم مفسدين وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاح لا فساد فحكم العزيز الحكيم بين الفريقين بأن سجل على المنافقين أربع إسجالات:
أحدها: تكذيبهم.
والثاني الإخبار بأنهم مفسدون.
والثالث: حصر الفساد فيهم بقوله: ﴿هُمُ المُفْسِدُونَ﴾.
والرابع: وصفهم بغاية الجهل وهو أنه لا شعور لهم ألبتة بكونهم
مفسدين.
وتأمل كيف نفى الشعور عنهم في هذا الموضع ثم نفى العلم في قولهم: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ فقال: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فنفى علمهم بسفههم وشعورهم بفسادهم، وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل أن يكون الرجل مفسدا ولا شعور له بفساده ألبتة مع أن أثر فساده مشهور في الخارج مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه وكذلك كونه سفيها والسفه غاية الجهل وهو مركب من عدم العلم بما يصلح معاشه ومعاده وإرادته بخلافه فإذا كان بهذه المنزلة وهو لا يعلم بحاله كان من أشقى النوع الإنساني فنفي العلم عنه بالسفه الذي هو فيه متضمن لإثبات جهله ونفى الشعور عنه بالفساد الواقع منه متضمن لفساد آلات إدراكه فتضمنت الآيتان الإسجال عليهم بالجهل وفساد آلات الإدراك بحيث يعتقدون الفساد صلاحا والشر خيرا.
وكذلك المناظرة الثانية معهم أيضا فإن المؤمنين قالوا لهم: ﴿آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ فأجابهم المنافقون بقولهم: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ وتقرير المناظرة من الجانبين أن المؤمنين دعوهم إلى الإيمان الصادر من العقلاء بالله ورسوله وأن العاقل يتعين عليه الدخول فيما دخل فيه العقلاء الناصحون لأنفسهم ولا سيما إذا قامت أدلته وصحت شواهده فأجابهم المنافقون بما مضمونه أنا إنما يجب علينا موافقة العقلاء وأما السفهاء الذي لا عقل لهم يميزون به بين النافع والضار فلا يجب علينا موافقتهم فرد الله تعالى عليهم وحكم للمؤمنين وأسجل على المنافقين بأربعة أنواع:
أحدها: تسفيههم.
الثاني: حصر السفه فيهم.
الثالث: نفي العلم عنهم.
الرابع: تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من دعواهم التنزيه من السفه.
البقرة 2:12
وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكرا وافيا اطلعت فيه من أسرار المناظرات وتقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشبه الفاسدة وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ فهذه مناظرة جرت بين المؤمنين والمنافقين فقال لهم المؤمنون: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ فأجابهم المنافقون بقولهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فكأن المناظرة انقطعت بين الفريقين ومنع المنافقون ما ادعى عليهم أهل الإيمان من كونهم مفسدين وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاح لا فساد فحكم العزيز الحكيم بين الفريقين بأن سجل على المنافقين أربع إسجالات:
أحدها: تكذيبهم.
والثاني الإخبار بأنهم مفسدون.
والثالث: حصر الفساد فيهم بقوله: ﴿هُمُ المُفْسِدُونَ﴾.
والرابع: وصفهم بغاية الجهل وهو أنه لا شعور لهم ألبتة بكونهم
مفسدين.
وتأمل كيف نفى الشعور عنهم في هذا الموضع ثم نفى العلم في قولهم: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ فقال: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فنفى علمهم بسفههم وشعورهم بفسادهم، وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل أن يكون الرجل مفسدا ولا شعور له بفساده ألبتة مع أن أثر فساده مشهور في الخارج مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه وكذلك كونه سفيها والسفه غاية الجهل وهو مركب من عدم العلم بما يصلح معاشه ومعاده وإرادته بخلافه فإذا كان بهذه المنزلة وهو لا يعلم بحاله كان من أشقى النوع الإنساني فنفي العلم عنه بالسفه الذي هو فيه متضمن لإثبات جهله ونفى الشعور عنه بالفساد الواقع منه متضمن لفساد آلات إدراكه فتضمنت الآيتان الإسجال عليهم بالجهل وفساد آلات الإدراك بحيث يعتقدون الفساد صلاحا والشر خيرا.
وكذلك المناظرة الثانية معهم أيضا فإن المؤمنين قالوا لهم: ﴿آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ فأجابهم المنافقون بقولهم: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ وتقرير المناظرة من الجانبين أن المؤمنين دعوهم إلى الإيمان الصادر من العقلاء بالله ورسوله وأن العاقل يتعين عليه الدخول فيما دخل فيه العقلاء الناصحون لأنفسهم ولا سيما إذا قامت أدلته وصحت شواهده فأجابهم المنافقون بما مضمونه أنا إنما يجب علينا موافقة العقلاء وأما السفهاء الذي لا عقل لهم يميزون به بين النافع والضار فلا يجب علينا موافقتهم فرد الله تعالى عليهم وحكم للمؤمنين وأسجل على المنافقين بأربعة أنواع:
أحدها: تسفيههم.
الثاني: حصر السفه فيهم.
الثالث: نفي العلم عنهم.
الرابع: تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من دعواهم التنزيه من السفه.
البقرة 2:13
وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكرا وافيا اطلعت فيه من أسرار المناظرات وتقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشبه الفاسدة وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ فهذه مناظرة جرت بين المؤمنين والمنافقين فقال لهم المؤمنون: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ فأجابهم المنافقون بقولهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فكأن المناظرة انقطعت بين الفريقين ومنع المنافقون ما ادعى عليهم أهل الإيمان من كونهم مفسدين وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاح لا فساد فحكم العزيز الحكيم بين الفريقين بأن سجل على المنافقين أربع إسجالات:
أحدها: تكذيبهم.
والثاني الإخبار بأنهم مفسدون.
والثالث: حصر الفساد فيهم بقوله: ﴿هُمُ المُفْسِدُونَ﴾.
والرابع: وصفهم بغاية الجهل وهو أنه لا شعور لهم ألبتة بكونهم
مفسدين.
وتأمل كيف نفى الشعور عنهم في هذا الموضع ثم نفى العلم في قولهم: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ فقال: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فنفى علمهم بسفههم وشعورهم بفسادهم، وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل أن يكون الرجل مفسدا ولا شعور له بفساده ألبتة مع أن أثر فساده مشهور في الخارج مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه وكذلك كونه سفيها والسفه غاية الجهل وهو مركب من عدم العلم بما يصلح معاشه ومعاده وإرادته بخلافه فإذا كان بهذه المنزلة وهو لا يعلم بحاله كان من أشقى النوع الإنساني فنفي العلم عنه بالسفه الذي هو فيه متضمن لإثبات جهله ونفى الشعور عنه بالفساد الواقع منه متضمن لفساد آلات إدراكه فتضمنت الآيتان الإسجال عليهم بالجهل وفساد آلات الإدراك بحيث يعتقدون الفساد صلاحا والشر خيرا.
وكذلك المناظرة الثانية معهم أيضا فإن المؤمنين قالوا لهم: ﴿آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ فأجابهم المنافقون بقولهم: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ وتقرير المناظرة من الجانبين أن المؤمنين دعوهم إلى الإيمان الصادر من العقلاء بالله ورسوله وأن العاقل يتعين عليه الدخول فيما دخل فيه العقلاء الناصحون لأنفسهم ولا سيما إذا قامت أدلته وصحت شواهده فأجابهم المنافقون بما مضمونه أنا إنما يجب علينا موافقة العقلاء وأما السفهاء الذي لا عقل لهم يميزون به بين النافع والضار فلا يجب علينا موافقتهم فرد الله تعالى عليهم وحكم للمؤمنين وأسجل على المنافقين بأربعة أنواع:
أحدها: تسفيههم.
الثاني: حصر السفه فيهم.
الثالث: نفي العلم عنهم.
الرابع: تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من دعواهم التنزيه من السفه.
البقرة 2:17
شَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْداءَهُ المُنافِقِينَ بِقَوْمٍ أوْقَدُوا نارًا لِتُضِيءَ لَهم ويَنْتَفِعُوا بِها، فَلَمّا أضاءَتْ لَهُمُ النّارُ فَأبْصَرُوا في ضَوْئِها ما يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم وأبْصَرُوا الطَّرِيقَ بَعْدَ أنْ كانُوا حَيارى تائِهِينَ فَهم كَقَوْمٍ سَفْرٍ ضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ فَأوْقَدُوا النّارَ لِتُضِيءَ لَهُمُ الطَّرِيقَ؛ فَلَمّا أضاءَتْ لَهم فَأبْصَرُوا وعَرَفُوا طُفِئَتْ تِلْكَ النّارُ وبَقُوا في الظُّلُماتِ لا يُبْصِرُونَ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الهُدى الثَّلاثُ، فَإنَّ الهُدى يَدْخُلُ إلى العَبْدِ مِن ثَلاثَةِ أبْوابٍ، مِمّا يَسْمَعُهُ بِأُذُنِهِ ويَراهُ بِعَيْنِهِ ويَعْقِلُهُ بِقَلْبِهِ، وهَؤُلاءِ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الهُدى فَلا تَسْمَعُ قُلُوبُهم شَيْئًا ولا تُبْصِرُهُ ولا تَعْقِلُ ما يَنْفَعُها.
وَقِيلَ: لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وقُلُوبِهِمْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لا سَمْعَ لَهُ ولا بَصَرَ ولا عَقْلَ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ، وقالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]؛ لِأنَّهم قَدْ رَأوْا في ضَوْءِ النّارِ وأبْصَرُوا الهُدى فَلَمّا طُفِئَتْ عَنْهم لَمْ يَرْجِعُوا إلى ما رَأوْا وأبْصَرُوا وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، ولَمْ يَقُلْ: ذَهَبَ نُورُهُمْ، وفِيهِ سِرٌّ بَدِيعٌ وهو انْقِطاعُ تِلْكَ المَعِيَّةِ الخاصَّةِ الَّتِي هي لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مَعَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ، و﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، فَذَهابُ اللَّهِ بِذَلِكَ النُّورِ انْقِطاعٌ لِمَعِيَّتِهِ الخاصَّةِ الَّتِي هي لِلْمُؤْمِنِينَ خَصَّ بِها أوْلِياءَهُ فَقَطَعَها بَيْنَهُ وبَيْنَ المُنافِقِينَ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهم بَعْدَ ذَهابِ نُورِهِمْ ولا مَعَهم فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] ولا مِن: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].
وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] كَيْفَ جَعَلَ ضَوْءَها خارِجًا عَنْهُ مُنْفَصِلًا ولَوِ اتَّصَلَ ضَوْءُها بِهِ ولابَسَهُ لَمْ يَذْهَبْ، ولَكِنَّهُ كانَ ضَوْءَ مُجاوَرَةٍ لا مُلابَسَةٍ ومُخالَطَةٍ وكانَ الضَّوْءُ عارِضًا والظُّلْمَةُ أصْلِيَّةً فَرَجَعَ الضَّوْءُ إلى مَعْدِنِهِ وبَقِيَتِ الظُّلْمَةُ في مَعْدِنِها فَرَجَعَ كُلٌّ مِنهُما إلى أصْلِهِ اللّائِقِ بِهِ، حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ قائِمَةٌ، وحِكْمَةٌ بالِغَةٌ تَعَرَّفَ بِها إلى أُولِي الألْبابِ مِن عِبادِهِ، وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ولَمْ يَقُلْ: بِنارِهِمْ لِتُطابِقَ أوَّلَ الآيَةِ؛ فَإنَّ النّارَ فِيها إشْراقٌ وإحْراقٌ، فَذَهَبَ بِما فِيها مِنَ الإشْراقِ وهو النُّورُ وأبْقى عَلَيْهِمْ ما فِيها مِنَ الإحْراقِ وهو النّارِيَّةُ.
وَتَأمَّلْ كَيْفَ قالَ: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ولَمْ يَقُلْ: بِضَوْئِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧]؛ لِأنَّ الضَّوْءَ هو زِيادَةٌ في النُّورِ، ولَوْ قِيلَ: ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ لَأوْهَمَ الذَّهابَ بِالزِّيادَةِ فَقَطْ دُونَ الأصْلِ، فَلَمّا كانَ النُّورُ أصْلُ الضَّوْءِ كانَ الذَّهابُ بِهِ ذَهابًا بِالشَّيْءِ وزِيادَتِهِ، وأيْضًا فَإنَّهُ أبْلَغُ في النَّفْيِ عَنْهم وأنَّهم مِن أهْلِ الظُّلُماتِ الَّذِينَ لا نُورَ لَهُمْ، وأيْضًا: فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى سَمّى كِتابَهُ نُورًا، ورَسُولَهُ ﷺ نُورًا، ودِينَهُ نُورًا، وهُداهُ نُورًا، ومِن أسْمائِهِ النُّورُ، والصَّلاةُ نُورٌ، فَذَهابُهُ سُبْحانَهُ بِنُورِهِمْ ذَهابٌ بِهَذا كُلِّهِ.
وَتَأمَّلْ مُطابَقَةَ هَذا المَثَلِ لِما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، كَيْفَ طابَقَ هَذِهِ التِّجارَةَ الخاسِرَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ حُصُولَ الضَّلالَةِ والرِّضى بِها وبَذْلَ الهُدى في مُقابَلَتِها وحُصُولَ الظُّلُماتِ الَّتِي هي الضَّلالَةُ والرِّضى بِها، بَدَلًا عَنِ النُّورِ الَّذِي هو الهُدى والنُّورُ فَبَذَلُوا الهُدى والنُّورَ وتَعَوَّضُوا عَنْهُ بِالظُّلْمَةِ والضَّلالَةِ فَيالَها " مِن " تِجارَةٍ ما أخْسَرَها وصَفْقَةٍ ما أشَدَّ غَبْنَها.
وَتَأمَّلْ كَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] فَوَحَّدَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ فَجَمَعَها، فَإنَّ الحَقَّ واحِدٌ وهو صِراطُ اللَّهِ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا صِراطَ يُوصِلُ إلَيْهِ سِواهُ وهو عِبادَتُهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ بِما شَرَعَهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ لا بِالأهْواءِ والبِدَعِ وطُرُقِ الخارِجِينَ عَمّا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الهُدى ودِينِ الحَقِّ بِخِلافِ طُرُقِ الباطِلِ، فَإنَّها مُتَعَدِّدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ ولِهَذا يُفْرِدُ سُبْحانَهُ وتَعالى الحَقَّ، ويَجْمَعُ الباطِلَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]
وَقالَ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
فَجَمَعَ سُبُلَ الباطِلِ ووَحَّدَ سَبِيلَهُ الحَقَّ ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦]
فَإنَّ تِلْكَ هي طُرُقُ مَرْضاتِهِ الَّتِي يَجْمَعُها سَبِيلُهُ الواحِدُ وصِراطُهُ المُسْتَقِيمُ، فَإنَّ طُرُقَ مَرْضاتِهِ كُلُّها تَرْجِعُ إلى صِراطٍ واحِدٍ وسَبِيلٍ واحِدٍ، وهي سَبِيلُهُ الَّتِي لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا مِنها وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُسْتَقِيمًا، وقالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ فَقالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَثَلٌ لِلْمُنافِقِينَ وما يُوقِدُونَهُ مِن نارِ الفِتْنَةِ الَّتِي يُوقِعُونَها بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ويَكُونُ تَخْيِيبُهم وإبْطالُ ما رامُوهُ هو تَرْكُهم في ظُلُماتِ الحَيْرَةِ لا يَهْتَدُونَ إلى التَّخَلُّصِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ ولا يُبْصِرُونَ سَبِيلًا بَلْ هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
وَهَذا التَّقْدِيرُ وإنْ كانَ حَقًّا فَفي كَوْنِهِ مُرادًا بِالآيَةِ نَظَرٌ، فَإنَّ السِّياقَ إنَّما قُصِدَ لِغَيْرِهِ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾
وَمَوْقِدُ نارِ الحَرْبِ لا يُضِيءُ ما حَوْلَهُ أبَدًا، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ومَوْقِدُ نارِ الحَرْبِ لا نُورَ لَهُ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾
وَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُمُ انْتَقَلُوا مِن نُورِ المَعْرِفَةِ والبَصِيرَةِ إلى ظُلْمَةِ الشَّكِّ والكُفْرِ، قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هو المُنافِقُ أبْصَرَ ثُمَّ عَمِيَ وعَرَفَ ثُمَّ أنْكَرَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨].
" أيْ: لا يَرْجِعُونَ " إلى النُّورِ الَّذِي فارَقُوهُ.
وَقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ فَسَلَبَ العَقْلَ عَنِ الكُفّارِ إذْ لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ البَصِيرَةِ والإيمانِ وسَلَبَ الرُّجُوعَ عَنِ المُنافِقِينَ لِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا إلى الإيمانِ.
البقرة 2:18
شَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْداءَهُ المُنافِقِينَ بِقَوْمٍ أوْقَدُوا نارًا لِتُضِيءَ لَهم ويَنْتَفِعُوا بِها، فَلَمّا أضاءَتْ لَهُمُ النّارُ فَأبْصَرُوا في ضَوْئِها ما يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم وأبْصَرُوا الطَّرِيقَ بَعْدَ أنْ كانُوا حَيارى تائِهِينَ فَهم كَقَوْمٍ سَفْرٍ ضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ فَأوْقَدُوا النّارَ لِتُضِيءَ لَهُمُ الطَّرِيقَ؛ فَلَمّا أضاءَتْ لَهم فَأبْصَرُوا وعَرَفُوا طُفِئَتْ تِلْكَ النّارُ وبَقُوا في الظُّلُماتِ لا يُبْصِرُونَ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الهُدى الثَّلاثُ، فَإنَّ الهُدى يَدْخُلُ إلى العَبْدِ مِن ثَلاثَةِ أبْوابٍ، مِمّا يَسْمَعُهُ بِأُذُنِهِ ويَراهُ بِعَيْنِهِ ويَعْقِلُهُ بِقَلْبِهِ، وهَؤُلاءِ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الهُدى فَلا تَسْمَعُ قُلُوبُهم شَيْئًا ولا تُبْصِرُهُ ولا تَعْقِلُ ما يَنْفَعُها.
وَقِيلَ: لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وقُلُوبِهِمْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لا سَمْعَ لَهُ ولا بَصَرَ ولا عَقْلَ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ، وقالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]؛ لِأنَّهم قَدْ رَأوْا في ضَوْءِ النّارِ وأبْصَرُوا الهُدى فَلَمّا طُفِئَتْ عَنْهم لَمْ يَرْجِعُوا إلى ما رَأوْا وأبْصَرُوا وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، ولَمْ يَقُلْ: ذَهَبَ نُورُهُمْ، وفِيهِ سِرٌّ بَدِيعٌ وهو انْقِطاعُ تِلْكَ المَعِيَّةِ الخاصَّةِ الَّتِي هي لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مَعَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ، و﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، فَذَهابُ اللَّهِ بِذَلِكَ النُّورِ انْقِطاعٌ لِمَعِيَّتِهِ الخاصَّةِ الَّتِي هي لِلْمُؤْمِنِينَ خَصَّ بِها أوْلِياءَهُ فَقَطَعَها بَيْنَهُ وبَيْنَ المُنافِقِينَ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهم بَعْدَ ذَهابِ نُورِهِمْ ولا مَعَهم فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] ولا مِن: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].
وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] كَيْفَ جَعَلَ ضَوْءَها خارِجًا عَنْهُ مُنْفَصِلًا ولَوِ اتَّصَلَ ضَوْءُها بِهِ ولابَسَهُ لَمْ يَذْهَبْ، ولَكِنَّهُ كانَ ضَوْءَ مُجاوَرَةٍ لا مُلابَسَةٍ ومُخالَطَةٍ وكانَ الضَّوْءُ عارِضًا والظُّلْمَةُ أصْلِيَّةً فَرَجَعَ الضَّوْءُ إلى مَعْدِنِهِ وبَقِيَتِ الظُّلْمَةُ في مَعْدِنِها فَرَجَعَ كُلٌّ مِنهُما إلى أصْلِهِ اللّائِقِ بِهِ، حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ قائِمَةٌ، وحِكْمَةٌ بالِغَةٌ تَعَرَّفَ بِها إلى أُولِي الألْبابِ مِن عِبادِهِ، وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ولَمْ يَقُلْ: بِنارِهِمْ لِتُطابِقَ أوَّلَ الآيَةِ؛ فَإنَّ النّارَ فِيها إشْراقٌ وإحْراقٌ، فَذَهَبَ بِما فِيها مِنَ الإشْراقِ وهو النُّورُ وأبْقى عَلَيْهِمْ ما فِيها مِنَ الإحْراقِ وهو النّارِيَّةُ.
وَتَأمَّلْ كَيْفَ قالَ: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ولَمْ يَقُلْ: بِضَوْئِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧]؛ لِأنَّ الضَّوْءَ هو زِيادَةٌ في النُّورِ، ولَوْ قِيلَ: ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ لَأوْهَمَ الذَّهابَ بِالزِّيادَةِ فَقَطْ دُونَ الأصْلِ، فَلَمّا كانَ النُّورُ أصْلُ الضَّوْءِ كانَ الذَّهابُ بِهِ ذَهابًا بِالشَّيْءِ وزِيادَتِهِ، وأيْضًا فَإنَّهُ أبْلَغُ في النَّفْيِ عَنْهم وأنَّهم مِن أهْلِ الظُّلُماتِ الَّذِينَ لا نُورَ لَهُمْ، وأيْضًا: فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى سَمّى كِتابَهُ نُورًا، ورَسُولَهُ ﷺ نُورًا، ودِينَهُ نُورًا، وهُداهُ نُورًا، ومِن أسْمائِهِ النُّورُ، والصَّلاةُ نُورٌ، فَذَهابُهُ سُبْحانَهُ بِنُورِهِمْ ذَهابٌ بِهَذا كُلِّهِ.
وَتَأمَّلْ مُطابَقَةَ هَذا المَثَلِ لِما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، كَيْفَ طابَقَ هَذِهِ التِّجارَةَ الخاسِرَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ حُصُولَ الضَّلالَةِ والرِّضى بِها وبَذْلَ الهُدى في مُقابَلَتِها وحُصُولَ الظُّلُماتِ الَّتِي هي الضَّلالَةُ والرِّضى بِها، بَدَلًا عَنِ النُّورِ الَّذِي هو الهُدى والنُّورُ فَبَذَلُوا الهُدى والنُّورَ وتَعَوَّضُوا عَنْهُ بِالظُّلْمَةِ والضَّلالَةِ فَيالَها " مِن " تِجارَةٍ ما أخْسَرَها وصَفْقَةٍ ما أشَدَّ غَبْنَها.
وَتَأمَّلْ كَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] فَوَحَّدَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ فَجَمَعَها، فَإنَّ الحَقَّ واحِدٌ وهو صِراطُ اللَّهِ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا صِراطَ يُوصِلُ إلَيْهِ سِواهُ وهو عِبادَتُهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ بِما شَرَعَهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ لا بِالأهْواءِ والبِدَعِ وطُرُقِ الخارِجِينَ عَمّا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الهُدى ودِينِ الحَقِّ بِخِلافِ طُرُقِ الباطِلِ، فَإنَّها مُتَعَدِّدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ ولِهَذا يُفْرِدُ سُبْحانَهُ وتَعالى الحَقَّ، ويَجْمَعُ الباطِلَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]
وَقالَ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
فَجَمَعَ سُبُلَ الباطِلِ ووَحَّدَ سَبِيلَهُ الحَقَّ ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦]
فَإنَّ تِلْكَ هي طُرُقُ مَرْضاتِهِ الَّتِي يَجْمَعُها سَبِيلُهُ الواحِدُ وصِراطُهُ المُسْتَقِيمُ، فَإنَّ طُرُقَ مَرْضاتِهِ كُلُّها تَرْجِعُ إلى صِراطٍ واحِدٍ وسَبِيلٍ واحِدٍ، وهي سَبِيلُهُ الَّتِي لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا مِنها وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُسْتَقِيمًا، وقالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ فَقالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَثَلٌ لِلْمُنافِقِينَ وما يُوقِدُونَهُ مِن نارِ الفِتْنَةِ الَّتِي يُوقِعُونَها بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ويَكُونُ تَخْيِيبُهم وإبْطالُ ما رامُوهُ هو تَرْكُهم في ظُلُماتِ الحَيْرَةِ لا يَهْتَدُونَ إلى التَّخَلُّصِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ ولا يُبْصِرُونَ سَبِيلًا بَلْ هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
وَهَذا التَّقْدِيرُ وإنْ كانَ حَقًّا فَفي كَوْنِهِ مُرادًا بِالآيَةِ نَظَرٌ، فَإنَّ السِّياقَ إنَّما قُصِدَ لِغَيْرِهِ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾
وَمَوْقِدُ نارِ الحَرْبِ لا يُضِيءُ ما حَوْلَهُ أبَدًا، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ومَوْقِدُ نارِ الحَرْبِ لا نُورَ لَهُ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾
وَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُمُ انْتَقَلُوا مِن نُورِ المَعْرِفَةِ والبَصِيرَةِ إلى ظُلْمَةِ الشَّكِّ والكُفْرِ، قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هو المُنافِقُ أبْصَرَ ثُمَّ عَمِيَ وعَرَفَ ثُمَّ أنْكَرَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨].
" أيْ: لا يَرْجِعُونَ " إلى النُّورِ الَّذِي فارَقُوهُ.
وَقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ فَسَلَبَ العَقْلَ عَنِ الكُفّارِ إذْ لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ البَصِيرَةِ والإيمانِ وسَلَبَ الرُّجُوعَ عَنِ المُنافِقِينَ لِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا إلى الإيمانِ.
البقرة 2:19
ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم مَثَلًا آخَرَ مائِيًّا فَقالَ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩]
فَشَبَّهَ نَصِيبَهم مِمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِنَ النُّورِ والحَياةِ بِنَصِيبِ المُسْتَوْقِدِ لِلنّارِ الَّتِي طُفِئَتْ عَنْهُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْها وذَهَبَ نُورُهُ وبَقِيَ في الظُّلُماتِ حائِرًا تائِهًا لا يَهْتَدِي سَبِيلًا ولا يَعْرِفُ طَرِيقًا، وبِنَصِيبِ أصْحابِ الصَّيِّبِ وهو المَطَرُ الَّذِي يَصُوبُ أيْ يَنْزِلُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ فَشَبَّهَ الهُدى الَّذِي هَدى بِهِ عِبادَهُ بِالصَّيِّبِ، لِأنَّ القُلُوبَ تَحْيا بِهِ حَياةَ الأرْضِ بِالمَطَرِ، ونَصِيبَ المُنافِقِينَ مِن هَذا الهُدى بِنَصِيبِ مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنَ الصَّيِّبِ إلّا ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ ولا نَصِيبَ لَهُ فِيما وراءَ ذَلِكَ مِمّا هو المَقْصُودُ بِالصَّيِّبِ مِن حَياةِ البِلادِ والعِبادِ والشَّجَرِ والدَّوابِّ، وأنَّ تِلْكَ الظُّلُماتِ الَّتِي فِيهِ، وذَلِكَ الرَّعْدَ والبَرْقَ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ وهو وسِيلَةٌ إلى كَمالِ الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ الصَّيِّبِ، فالجاهِلُ لِفَرْطِ جَهْلِهِ يَقْتَصِرُ عَلى الإحْساسِ بِما في الصَّيِّبِ مِن ظُلْمَةٍ ورَعْدٍ وبَرْقٍ ولَوازِمُ ذَلِكَ مِن بَرْدٍ شَدِيدٍ وتَعَطُّلِ مُسافِرٍ عَنْ سَفَرِهِ وصانِعٍ عَنْ صَنْعَتِهِ، ولا بَصِيرَةَ لَهُ تَنْفُذُ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُ ذَلِكَ الصَّيِّبِ مِنَ الحَياةِ والنَّفْعِ العامِّ، وهَكَذا شَأْنُ كُلِّ قاصِرِ النَّظَرِ ضَعِيفِ العَقْلِ لا يُجاوِزُ نَظَرُهُ الأمْرَ المَكْرُوهَ الظّاهِرَ إلى ما وراءَهُ مِن كُلِّ مَحْبُوبٍ.
وَهَذِهِ حالُ أكْثَرِ الخَلْقِ إلّا مَن صَحَّتْ بَصِيرَتُهُ، فَإذا رَأى ضَعِيفُ البَصِيرَةِ ما في الجِهادِ مِنَ التَّعَبِ والمَشاقِّ والتَّعَرُّضِ لِتَلافِ المُهْجَةِ والجِراحاتِ الشَّدِيدَةِ ومَلامَةِ اللُّوّامِ ومُعاداةِ مَن يَخافُ مُعاداتَهُ لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ العَواقِبِ الحَمِيدَةِ والغاياتِ الَّتِي إلَيْها تَسابَقَ المُتَسابِقُونَ وفِيها تَنافَسَ المُتَنافِسُونَ، وكَذَلِكَ مَن عَزَمَ عَلى سَفَرِ الحَجِّ إلى البَيْتِ الحَرامِ فَلَمْ يَعْلَمْ مِن سَفَرِهِ ذَلِكَ إلّا مَشَقَّةَ السَّفَرِ ومُفارَقَةَ الأهْلِ والوَطَنِ ومُقاساةَ الشَّدائِدِ وفِراقَ المَأْلُوفاتِ
وَلا يُجاوِزُ نَظَرُهُ وبَصِيرَتُهُ آخِرَ ذَلِكَ السَّفَرِ ومَآلَهُ وعاقِبَتَهُ، فَإنَّهُ لا يَخْرُجُ إلَيْهِ ولا يَعْزِمُ عَلَيْهِ وحالُ هَؤُلاءِ حالُ ضَعِيفِ البَصِيرَةِ والإيمانِ الَّذِي يَرى ما في القُرْآنِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والزَّواجِرِ والنَّواهِي والأوامِرِ الشّاقَّةِ عَلى النُّفُوسِ الَّتِي تَفْطِمُها عَنْ رِضاعِها مِن ثَدْيِ المَأْلُوفاتِ والشَّهَواتِ، والفِطامُ عَلى الصَّبِيِّ أصْعَبُ شَيْءٍ وأشَقُّهُ والنّاسُ كُلُّهم صِبْيانُ العُقُولِ إلّا مَن بَلَغَ مَبالِغَ الرِّجالِ العُقَلاءِ الألِبّاءِ وأدْرَكَ الحَقَّ عِلْمًا وعَمَلًا ومَعْرِفَةً فَهَذا الَّذِي يَنْظُرُ إلى ما وراءِ الصَّيِّبِ وما فِيهِ مِنَ الرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ويَعْلَمُ أنَّهُ حَياةُ الوُجُودِ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: " لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: شَبَّهَ دِينَ الإسْلامِ بِالصَّيِّبِ لِأنَّ القُلُوبَ تَحْيا بِهِ حَياةَ الأرْضِ بِالمَطَرِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن شَبَهِ الكُفّارِ بِالظُّلُماتِ، وما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِالرَّعْدِ والبَرْقِ وما يُصِيبُ الكَفَرَةَ مِنَ الأفْزاعِ والبَلايا والفِتَنِ مِن جِهَةِ أهْلِ الإسْلامِ بِالصَّواعِقِ، والمَعْنى: أوْ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ والمُرادُ كَمَثَلِ قَوْمٍ أخَذَتْهُمُ السَّماءُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَقُوا مِنها ما لَقُوا.
قالَ: والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ عُلَماءُ البَيانِ لا يَتَخَطَّوْنَهُ أنَّ التَّمْثِيلَيْنِ جَمِيعًا مِن جِهَةِ التَّمْثِيلاتِ المُرَكَّبَةِ دُونَ المُفَرَّقَةِ لا يَتَكَلَّفُ لِواحِدٍ واحِدٌ شَيْئًا يُقَدَّرُ شَبَهُهُ بِهِ وهَذا القَوْلُ الفَحْلُ، والمَذْهَبُ الجَزْلُ بَيانُهُ أنَّ العَرَبَ تَأْخُذُ أشْياءَ فُرادى مَعْزُولًا بَعْضُها مِن بَعْضٍ لَمْ يَأْخُذْ هَذا بِحُجْزَةِ ذاكَ فَشَبَّهَها بِنَظائِرِها. . كَما جاءَ في القُرْآنِ حَيْثُ شَبَّهَ كَيْفِيَّةً حاصِلَةً مِن مَجْمُوعِ أشْياءَ قَدْ تَضامَنَتْ وتَلاصَقَتْ حَتّى عادَتْ شَيْئًا واحِدًا بِأُخْرى مِثْلِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] الآيَةَ، الغَرَضُ تَشْبِيهُ حالِ اليَهُودِ في جَهْلِها بِما مَعَها مِنَ التَّوْراةِ وآياتِها الباهِرَةِ بِحالِ الحِمارِ في جَهْلِهِ بِما يَحْمِلُ مِن أسْفارِ الحِكْمَةِ، وتُساوِي الحالَتَيْنِ عِنْدَهُ مَن حَمَلَ أسْفارَ الحِكْمَةِ وحَمَلَ ما سِواها مِنَ الأوْقارِ ولا يَشْعُرُ مِن ذَلِكَ إلّا بِما يَمُرُّ بِدُفَّيْهِ مِنَ الكَدِّ والتَّعَبِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ [الكهف: ٤٥].
المُرادُ: قِلَّةُ بَقاءِ زَهْرَةِ الدُّنْيا كَقِلَّةِ بَقاءِ هَذا الخَضِرِ.
فَأمّا أنْ يُرادَ تَشْبِيهُ الأفْرادِ بِالأفْرادِ غَيْرِ مَنُوطٍ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، ومَصِيرُهُ شَيْئًا واحِدًا فَلا. فَكَذَلِكَ لَمّا وصَفَ وُقُوعَ المُنافِقِينَ في ضَلالَتِهِمْ وما خُبِّطُوا فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ شُبِّهَتْ حَيْرَتُهم وشِدَّةُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِما يُكابِدُ مَن طُفِئَتْ نارُهُ بَعْدَ إيقادِها في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وكَذَلِكَ مَن أخَذَتْهُ السَّماءُ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ مَعَ رَعْدٍ وبَرْقٍ وخَوْفٍ مِنَ الصَّواعِقِ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ التَّمْثِيلَيْنِ أبْلَغُ؟ قُلْتُ: الثّانِي لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى فَرْطِ الحَيْرَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ وفَظاعَتِهِ، ولِذَلِكَ أُخِّرَ وهم يَتَدَرَّجُونَ في مِثْلِ هَذا مِنَ الأهْوَنِ إلى الأغْلَظِ.
(فصل)
وَقَدِ اشْتَمَلَ هَذانِ المَثَلانِ عَلى حِكَمٍ عَظِيمَةٍ:
مِنها: أنَّ المُسْتَضِيءَ بِالنّارِ مُسْتَضِيءٌ بِنُورٍ مِن جِهَةِ غَيْرِهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، فَإذا ذَهَبَتْ تِلْكَ النّارُ بَقِيَ في ظُلْمَةٍ. وهَكَذا المُنافِقُ لَمّا أقَرَّ بِلِسانِهِ مِن غَيْرِ اعْتِقادٍ ومَحَبَّةٍ بِقَلْبِهِ وتَصْدِيقٍ جازِمٍ كانَ ما مَعَهُ مِنَ النُّورِ كالمُسْتَعارِ.
وَمِنها: أنَّ ضِياءَ النّارِ يَحْتاجُ في دَوامِهِ إلى مادَّةٍ تَحْمِلُهُ وتِلْكَ المادَّةُ لِلضِّياءِ بِمَنزِلَةِ غِذاءِ الحَيَوانِ، فَكَذَلِكَ نُورُ الإيمانِ يَحْتاجُ إلى مادَّةٍ مِنَ العِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ يَقُومُ بِها ويَدُومُ بِدَوامِها فَإذا انْقَطَعَتْ مادَّةُ الإيمانِ طُفِيءَ كَما تُطْفَأُ النّارُ بِفَراغِ مادَّتِها.
وَمِنها: أنَّ الظُّلْمَةَ نَوْعانِ: ظُلْمَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَمْ يَتَقَدَّمْها نُورٌ، وظُلْمَةٌ حادِثَةٌ بَعْدَ النُّورِ وهي أشَدُّ الظُّلْمَتَيْنِ وأشَقُّهُما عَلى مَن كانَتْ حَظَّهُ، وظُلْمَةُ المُنافِقِ ظُلْمَةٌ بَعْدَ إضاءَةٍ فَمُثِّلَتْ حالُهُ بِحالِ المُسْتَوْقِدِ لِلنّارِ الَّذِي حَصَلَ في الظُّلْمَةِ بَعْدَ الضَّوْءِ، وأمّا الكافِرُ فَهو في الظُّلُماتِ لَمْ يَخْرُجْ مِنها قَطُّ.
وَمِنها: أنَّ في هَذا المَثَلِ إيذانًا وتَنْبِيهًا عَلى حالِهِمْ في الآخِرَةِ وأنَّهم يُعْطَوْنَ نُورًا ظاهِرًا كَما كانَ نُورُهم في الدُّنْيا ظاهِرًا ثُمَّ يُطْفَأُ ذَلِكَ النُّورُ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ إذْ لَمْ تَكُنْ لَهُ مادَّةٌ باقِيَةٌ تَحْمِلُهُ ويَبْقَوْنَ عَلى الجِسْرِ في الظُّلْمَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ العُبُورَ؛ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ أحَدٌ عُبُورَهُ إلّا بِنُورٍ ثابِتٍ يَصْحَبُهُ حَتّى يَقْطَعَ الجِسْرَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ النُّورِ مادَّةٌ مِنَ العِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ وإلّا ذَهَبَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِ صاحِبُهُ، فَطابَقَ مَثَلَهم في الدُّنْيا بِحالَتِهِمُ الَّتِي هم عَلَيْها في هَذِهِ الدّارِ وبِحالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَما تُقَسَّمُ الأنْوارُ دُونَ الجِسْرِ ويَثْبُتُ نُورُ المُؤْمِنِينَ ويُطْفَأُ نُورُ المُنافِقِينَ.
وَمِن هاهُنا تَعْلَمُ السِّرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. . .﴾ [البقرة: ١٧] الآيَةَ ولَمْ يَقُلْ: أذْهَبَ اللَّهُ نُورَهُمْ، فَإنْ أرَدْتَ زِيادَةَ بَيانٍ وإيضاحٍ فَتَأمَّلْ ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الوُرُودِ فَقالَ: «نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ القِيامَةِ " عَلى تَلٍّ " فَوْقَ النّاسِ قالَ: فَتُدْعى الأُمَمُ بِأوْثانِها وما كانَتْ تَعْبُدُ الأوَّلَ فالأوَّلَ، ثُمَّ يَأْتِينا رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: مَن تَنْتَظِرُونَ؟ فَيَقُولُونَ نَنْتَظِرُ رَبَّنا. فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتّى نَنْظُرَ إلَيْكَ، فَيَتَجَلّى لَهم يَضْحَكُ، قالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ ويَتْبَعُونَهُ ويُعْطى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم مُنافِقٍ أوْ مُؤْمِنٍ نُورًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وعَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلالِيبَ وحَسَكٍ تَأْخُذُ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ المُنافِقِينَ ثُمَّ يَنْجُو المُؤْمِنُونَ فَيَنْجُو أوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ سَبْعُونَ ألْفًا لا يُحاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم كَأضْواءِ نَجْمٍ في السَّماءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ تُحَلُّ الشَّفاعَةُ ويُشَفَّعُونَ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ النّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ ما يَزِنُ شَعِيرَةً فَيُجْعَلُونَ بِفَناءِ الجَنَّةِ ويَجْعَلُ أهْلُ الجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الماءَ». وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ.
فَتَأمَّلْ قَوْلَهُ: «فَيَنْطَلِقُ فَيَتْبَعُونَهُ ويُعْطى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم نُورًا المُنافِقِ والمُؤْمِنِ»، ثُمَّ تَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] الآيَةَ.
وَتَأمَّلْ حالَهم إذا أُطْفِئَتْ أنْوارُهم فَبَقُوا في الظُّلْمَةِ وقَدْ ذَهَبَ المُؤْمِنُونَ في نُورِ إيمانِهِمْ يَتَّبِعُونَ رَبَّهم عَزَّ وجَلَّ، وتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ «لِتَتْبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ» " فَيَتْبَعُ كُلُّ " مُشْرِكٍ إلَهَهُ الَّذِي كانَ يَعْبُدُهُ. والمُوَحِّدُ حَقِيقٌ بِأنْ يَتْبَعَ الإلَهَ الحَقَّ الَّذِي كُلُّ مَعْبُودٍ سِواهُ باطِلٌ، وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]
وَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ في هَذا المَوْضِعِ، وقَوْلَهُ في الحَدِيثِ: فَيُكْشَفُ عَنْ ساقِهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُبَيِّنُ المُرادَ بِالسّاقِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، وتَأمَّلْ ذِكْرِ الِانْطِلاقِ واتِّباعِهِ سُبْحانَهُ، بَعْدَ هَذا وذَلِكَ يَفْتَحُ لَكَ بابًا مِن أسْرارِ التَّوْحِيدِ وفَهْمِ القُرْآنِ ومُعامَلَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأهْلِ تَوْحِيدِهِ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وحْدَهُ ولَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، هَذِهِ المُعامَلَةُ الَّتِي عامَلَ بِمُقابِلِها أهْلَ الشِّرْكِ حَيْثُ ذَهَبَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ مَعْبُودِها فانْطَلَقَ بِها واتَّبَعَتْهُ إلى النّارِ، وانْطَلَقَ المَعْبُودُ الحَقُّ واتَّبَعَهُ أوْلِياؤُهُ وعابِدُوهُ فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي قَرَّتْ عُيُونُ أهْلِ التَّوْحِيدِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وفارَقُوا النّاسَ فِيهِ أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْهِمْ.
وَمِنها: أنَّ المَثَلَ الأوَّلَ مُتَضَمِّنٌ لِحُصُولِ الظُّلْمَةِ الَّتِي هي الضَّلالُ والحَيْرَةُ الَّتِي ضِدُّها الهُدى، والمَثَلَ الثّانِي: مُتَضَمِّنٌ لِحُصُولِ الخَوْفِ الَّذِي ضِدُّهُ الأمْنُ، فَلا هُدى ولا أمْنَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: مَثَلُ هَؤُلاءِ في نِفاقِهِمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أوْقَدَ نارًا في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ في مَفازَةٍ فاسْتَدْفَأ ورَأى ما حَوْلَهُ فاتَّقى مِمّا يَخافُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ طُفِئَتْ نارُهُ فَبَقِيَ في ظُلْمَةٍ خائِفًا مُتَحَيِّرًا كَذَلِكَ المُنافِقُونَ بِإظْهارِ كَلِمَةِ الإيمانِ أمِنُوا عَلى أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ وناكَحُوا المُؤْمِنِينَ ووارَثُوهم وقاسَمُوهُمُ الغَنائِمَ، فَذَلِكَ نُورُهم فَإذا ماتُوا عادُوا إلى الظُّلْمَةِ والخَوْفِ. قالَ مُجاهِدٌ: (إضاءَةُ النّارِ لَهم إقْبالُهم إلى المُسْلِمِينَ والهُدى، وذَهابُ نُورِهِمْ إقْبالُهم إلى المُشْرِكِينَ والضَّلالَةِ) وقَدْ فُسِّرَتْ تِلْكَ الإضاءَةُ وذَهابُ النُّورِ بِأنَّها في الدُّنْيا وفُسِّرَتْ بِالبَرْزَخِ، وفُسِّرَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والصَّوابُ أنَّ ذَلِكَ شَأْنُهم في الدُّورِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهم لَمّا كانُوا كَذَلِكَ في الدُّنْيا جُوزُوا في البَرْزَخِ وفي القِيامَةِ بِمِثْلِ حالِهِمْ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]، ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] فَإنَّ المَعادَ يَعُودُ عَلى العَبْدِ فِيهِ ما كانَ حاصِلًا لَهُ في الدُّنْيا ولِهَذا يُسَمّى يَوْمَ الجَزاءِ: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى. .﴾ [مريم: ٧٦] الآيَةَ.
وَقَدْ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى أنَّ كَمالَ ما يَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنَ الطَّيِّباتِ في الآخِرَةِ بِحَسَبِ كَمالِ ما قابَلَهُ مِنَ الأعْمالِ في الدُّنْيا (. . . . «فَرَأى قِنْوًا مَن حَشَفٍ مُعَلَّقًا في المَسْجِدِ لِلصَّدَقَةِ فَقالَ إنَّ صاحِبَ هَذا يَأْكُلُ الحَشَفَ يَوْمَ القِيامَةِ» فَأخْبَرَ أنَّ جَزاءَهُ يَكُونُ مِن جِنْسِ عَمَلِهِ فَيُجْزى عَلى تِلْكَ الصَّدَقَةِ بِحَشَفٍ مِن جِنْسِها.
وَهَذا البابُ يَفْتَحُ لَكَ أبْوابًا عَظِيمَةً مِن فَهْمِ المَعادِ وتَفاوُتِ النّاسِ في أحْوالِهِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الأُمُورِ المُتَنَوِّعَةِ، فَمِنها: خِفَّةُ حِمْلِ العَبْدِ عَلى ظَهْرِهِ وثِقَلِهِ إذا قامَ مِن قَبْرِهِ فَإنَّهُ بِحَسَبِ خِفَّةِ وِزْرِهِ وثِقَلِهِ، إنْ خَفَّ خَفَّ وإنْ ثَقُلَ ثَقُلَ.
وَمِنها: اسْتِظْلالُهُ بِظِلِّ العَرْشِ أوْ ضِحاؤُهُ لِلْحَرِّ والشَّمْسِ إنْ كانَ لَهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الخالِصَةِ والإيمانِ ما يُظِلُّهُ في هَذِهِ الدّارِ مِن حَرِّ الشِّرْكِ والمَعاصِي والظُّلْمِ اسْتَظَلَّ هُناكَ في ظِلِّ أعْمالِهِ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ. وإنْ كانَ ضاحِيًا هُنا لِلْمَناهِي والمُخالَفاتِ والبِدَعِ والفُجُورِ ضَحى هُناكَ لِلْحَرِّ الشَّدِيدِ.
وَمِنها: طُولُ وُقُوفِهِ في المَوْقِفِ ومَشَقَّتُهُ عَلَيْهِ وتَهْوِينُهُ " عَلَيْهِ " إنْ طالَ وُقُوفُهُ في الصَّلاةِ لَيْلًا ونَهارًا لِلَّهِ، وتَحَمَّلَ لِأجْلِهِ المَشاقَّ في مَرْضاتِهِ وطاعَتِهِ خَفَّ عَلَيْهِ " الوُقُوفُ في ذَلِكَ اليَوْمِ
وَسَهُلَ عَلَيْهِ وإنْ آثَرَ الرّاحَةَ " هُنا والدَّعَةَ البَطالَةَ والنِّعْمَةَ طالَ عَلَيْهِ الوُقُوفُ هُناكَ واشْتَدَّتْ مَشَقَّتُهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾
فَمَن سَبَّحَ اللَّهَ لَيْلًا طَوِيلًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اليَوْمُ ثَقِيلًا عَلَيْهِ بَلْ كانَ أخَفَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ.
وَمِنها: أنَّ ثِقَلَ مِيزانِهِ هُناكَ بِحَسَبِ تَحَمُّلِهِ ثِقَلَ الحَقِّ في هَذِهِ الدّارِ لا بِحَسَبِ مُجَرَّدِ كَثْرَةِ الأعْمالِ، وإنَّما يَثْقُلُ المِيزانُ بِاتِّباعِ الحَقِّ والصَّبْرِ عَلَيْهِ وبَذْلِهِ إذا سُئِلَ، وأخْذِهِ إذا بَذَلَ كَما قالَ الصِّدِّيقُ في وصِيَّتِهِ لِعُمَرَ: (واعْلَمْ أنَّ لِلَّهِ حَقًّا بِاللَّيْلِ لا يَقْبَلُهُ بِالنَّهارِ ولَهُ حَقٌّ بِالنَّهارِ لا يَقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما ثَقُلَتْ مَوازِينُ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الحَقَّ وثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في دارِ الدُّنْيا وحُقَّ لِمِيزانٍ يُوضَعُ فِيهِ الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وإنَّما خَفَّتْ مَوازِينُ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ في دارِ الدُّنْيا خِفَّتُهُ عَلَيْهِمْ وحُقَّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الباطِلُ أنْ يَكُونَ خَفِيفًا. .).
وَمِنها: أنَّ وُرُودَ النّاسِ الحَوْضَ وشُرْبَهم مِنهُ يَوْمَ العَطَشِ الأكْبَرِ بِحَسَبِ وُرُودِهِمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وشُرْبِهِمْ مِنها، فَمَن ورَدَها في هَذِهِ الدّارِ وشَرِبَ مِنها وتَضَلَّعَ ورَدَ هُناكَ حَوْضَهُ وشَرِبَ مِنهُ وتَضَلَّعَ، فَلَهُ ﷺ حَوْضانِ عَظِيمانِ: حَوْضٌ في الدُّنْيا وهو سُنَّتُهُ وما جاءَ بِهِ، وحَوْضٌ في الآخِرَةِ، فالشّارِبُونَ مِن هَذا الحَوْضِ في الدُّنْيا هُمُ الشّارِبُونَ مِن حَوْضِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَشارِبٌ ومَحْرُومٌ ومُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ والَّذِينَ يَذُودُهم هو والمَلائِكَةُ عَنْ حَوْضِهِ يَوْمَ القِيامَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا يَذُودُونَ أنْفُسَهم وأتْباعَهم عَنْ سُنَّتِهِ ويُؤْثِرُونَ عَلَيْها غَيْرَها فَمَن ظَمِأ مِن سُنَّتِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِنها شُرْبٌ فَهو في الآخِرَةِ أشَدُّ ظَمَأً وأحَرُّ كَبِدًا وإنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يا فُلانُ أشَرِبْتَ فَيَقُولُ: نَعَمْ واللَّهِ فَيَقُولُ: لَكِنِّي واللَّهِ ما شَرِبْتُ، واعَطَشاهُ.
فَرِدْ أيُّها الظَّمْآنُ والوِرْدُ مُمْكِنٌ فَإنْ لَمْ تَرِدْ فاعْلَمْ بِأنَّكَ هالِكُ وإنْ لَمْ يَكُنْ رِضْوانُ يَسْقِيكَ شَرْبَةً سَيَسْقِيكَها إذْ أنْتَ ظَمْآنُ مالِكُ وإنْ لَمْ تَرِدْ في هَذِهِ الدّارِ حَوْضَهُ سَتُصْرَفُ عَنْهُ يَوْمَ يَلْقاكَ آنِكُ ومِنها: قَسْمُهُ الأنْوارَ في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ، فَإنَّ العَبْدَ يُعْطى مِنَ النُّورِ هُناكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ نُورِ إيمانِهِ ويَقِينِهِ وإخْلاصِهِ ومُتابَعَتِهِ لِلرَّسُولِ في دارِ الدُّنْيا فَمِنهُمْ: مَن يَكُونُ نُورُهُ كالشَّمْسِ ودُونَ ذَلِكَ كالقَمَرِ ودُونَهُ كَأشَدِّ كَوْكَبٍ في السَّماءِ إضاءَةً.
وَمِنهُمْ: مَن يَكُونُ نُورُهُ كالسِّراجِ في قُوَّتِهِ وضَعْفِهِ وما بَيْنَ ذَلِكَ.
وَمِنهُمْ: مَن يُعْطى نُورٌ عَلى إبْهامِ قَدَمِهِ يُضِئُ مَرَّةً ويُطْفِيُ أُخْرى بِحَسَبِ ما كانَ مَعَهُ مِن نُورِ الإيمانِ في دارِ الدُّنْيا فَهو هَذا النُّورُ بِعَيْنِهِ أبْرَزَهُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ في الآخِرَةِ ظاهِرًا يُرى عِيانًا بِالأبْصارِ، ولا يَسْتَضِيءُ بِهِ غَيْرُهُ ولا يَمْشِي أحَدًا إلّا في نُورِ نَفْسِهِ إنْ كانَ " لَهُ " نُورٌ مَشى في نُورِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ أصْلًا لَمْ يَنْفَعْهُ نُورُ غَيْرِهِ.
وَلَمّا كانَ المُنافِقُ في الدُّنْيا قَدْ حَصَلَ لَهُ نُورٌ ظاهِرٌ غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ ولا مُتَّصِلٍ بِباطِنِهِ ولا لَهُ مادَّةٍ مِنَ الإيمانِ أُعْطِيَ في الآخِرَةِ نُورًا ظاهِرًا لا مادَّةَ لَهُ ثُمَّ يُطْفَأُ عَنْهُ أحْوَجُ ما كانَ إلَيْهِ. ومِنها: أنَّ مَشْيَهم عَلى الصِّراطِ في السُّرْعَةِ والبِطْءِ بِحَسَبِ " سُرْعَةِ " سَيْرِهِمْ وبُطْئِهِ عَلى صِراطِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ في الدُّنْيا فَأسْرَعُهم سَيْرًا هُنا أسْرَعُهم هُناكَ وأبْطَأُهم هُنا أبْطَأُهم هُناكَ.
وَأشَدُّهم ثَباتًا عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ " هُنا " أثْبَتُهم هُناكَ ومَن خَطِفَتْهُ كَلالِيبُ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ والبِدَعِ المُضِلَّةِ هُنا خَطِفَتْهُ الكَلالِيبُ الَّتِي كَأنَّها شَوْكُ السَّعْدانِ هُناكَ ويَكُونُ تَأْثِيرُ الكَلالِيبِ فِيهِ هُناكَ فِيهِ عَلى حَسَبِ الشَّهَواتِ " والشُّبُهاتِ " والبِدَعِ فِيهِ هاهُنا فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَخْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، ومَخْزُولٌ أيْ: مُقَطَّعٌ بِالكَلالِيبِ مُكَرْدَسٌ في النّارِ كَما أثَّرَتْ فِيهِمْ تِلْكَ الكَلالِيبُ في الدُّنْيا ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى ضَرَبَ لِعِبادِهِ المَثَلَيْنِ المائِيَّ والنّارِيَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الرَّعْدِ، وفي سُورَةِ النُّورِ لِما تَضَمَّنَ المَثَلانِ مِنَ الحَياةِ والإضاءَةِ. فالمُؤْمِنُ حَيُّ القَلْبِ مُسْتَنِيرُهُ، والكافِرُ والمُنافِقُ مَيِّتُ القَلْبِ مُظْلِمُهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢] الآيَةَ وقالَ تَعالى ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ١٩] الآيَةَ فَجَعَلَ مَنِ اهْتَدى بِهُداهُ واسْتَنارَ بِنُورِهِ بَصِيرًا حَيًّا في ظِلٍّ يَقِيهِ مِن حَرِّ الشُّبُهاتِ والضَّلالِ والبِدَعِ والشِّرْكِ مُسْتَنِيرًا بِنُورِهِ والآخِرُ أعْمى مَيْتًا في حَرِّ الكُفْرِ والشِّرْكِ والضَّلالِ مُنْغَمِسًا في الظُّلُماتِ وقالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] الآيَةَ.
(لطيفة)
قال تعالى: «ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ» ولم يقل: بنارهم فإن النار فيها الإحراق والإشراق. فذهب بما فيها من الإضاءة والإشراق، وأبقى عليهم ما فيها من الأذى والإشراق، وكذلك حال المنافقين: ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم، وقلوبهم قد صليت بحرها وأذاها، وسمومها ووهجها في الدنيا، فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارا مؤصدة تطلع على الأفئدة.
فهذا مثل من لم يصبه نور الإيمان في الدنيا، بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به، وهو حال المنافق، عرف ثم أنكر وأقر ثم جحد. فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى، كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾.
شبه الله تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار، وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم، وصيامهم معهم، وسماعهم القرآن، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره، قد شاهدوا الضوء ورأوا النور عيانا.
ولهذا قال تعالى في حقهم فَهم لا يَرْجِعُونَ إليه. لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا. فهم لا يرجعون إليه.
وقال تعالى في حق الكفار ﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا استناروا له، لا بل يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي.
فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيا. وإلى الإيمان وحقائقه مناديا، وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعيا، وإلى طريق الرشاد هاديا.
لقد أسمع منادي الإيمان لو صادف آذانا واعية، وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوبا خالية. ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها. وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها. وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام، وسكرت بشهوات الغي وشبهات الباطل، فلم تصغ بعد إلى الملام.
ووعظت بمواعظ أنكى فيها من الأسنة والسهام، ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة، وأسر الهوى والشهوة. وما لجرح بميت إيلام.
وأما الصم والوقر ففي قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾
وقوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾
وقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾
وقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾.
قال ابن عباس: في آذانهم صمم عن استماع القرآن، وهو عليهم عمى. أعمى الله قلوبهم فلا يفقهون.
أولئك ينادون من مكان بعيد، مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء.
وقال مجاهد: بعيد من قلوبهم.
وقال الفراء: تقول للرجل الذي لا يفهم كذلك: أنت تنادى من مكان بعيد.
قال: وجاء في التفسير: كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون. انتهى.
والمعنى: أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم.
وأما البكم فقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ والبكم جمع أبكم، وهو الذي لا ينطق.
والبكم نوعان. بكم القلب وبكم اللسان، كما أن النطق نطقان: نطق القلب ونطق اللسان.
وأشدهما: بكم القلب، كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين وصمم الأذن.
فوصفهم الله سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق، ولا تنطق به ألسنتهم.
والعلم يدخل من ثلاثة أبواب: من سمعه، وبصره، وقلبه. وقد سدت عليهم هذه الأبواب الثلاثة، فسد السمع بالصمم، والبصر بالعمى، والقلب بالبكم. ونظيره قوله تعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها وقد جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله: {وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾
فإذا أراد سبحانه هداية عبد فتح قلبه وسمعه وبصره.
وإذا أراد ضلاله أصمه وأعماه وأبكمه وبالله التوفيق.
﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ، فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ، يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾.
الصيب: المطر الذي يصوب من السماء أي ينزل منها بسرعة، وهو مثل للقرآن الذي به حياة القلوب، كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان. فأدرك المؤمنون ذلك منه، وعلموا ما يحصل لهم به من الحياة التي لا خطر لها. فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثلاث، التي حذر الله بها من خالف أمره.
وأخبر أنه منزلها على من كذب رسول الله ﷺ، أو ما فيه من الأوامر الشديدة، كجهاد الأعداء والصبر على الأمر، أو الأوامر الشاقة على النفوس التي هي على خلاف أهوائها، فهي كالظلمات والرعد والبرق.
ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق. بل يستأنس بذلك ويفرح به، لما يرجو من ورائه من الحياة والخصب.
وأما المنافق فإنه قد عمي قلبه، ولم يجاوز بصره الظلمة، ولم ير إلا برقا يكاد يخطف البصر، ووعدا عظيما وظلمة، فاستوحش من ذلك وخاف منه. فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صوت الرعد، وهاله مشاهدة ذلك البرق، وشدة لمعانه، وعظم نوره. فهو خائف أن يختطف بصره. لأن بصره أضعف من أن يثبت معه. فهو في ظلمة يسمع أصوات الرعد القاصف، ويرى ذلك البرق الخاطف. فإن أضاء له ما بين يديه مشي في ضوئه. وإن فقد الضوء قام متحيرا، لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات، وحياته هو في نفسه، بل لا يدرك إلا رعدا وبرقا وظلمة، ولا شعور له بما وراء ذلك. فالوحشة لازمة له. والرعب والفزع لا يفارقانه.
وأما من أنس بالصيب، وعلم ما يحصل به من الخير والحياة والنفع، وعلم أنه لا بد فيه من رعد وبرق وظلمة بسبب الغيم، فإنه يستأنس بذلك، ولا يستوحش منه، ولا يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب.
فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل ﷺ من عند رب العالمين تبارك وتعالى على قلب رسول الله ﷺ، ليحيي به القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصيب من الماء، حكمة بالغة، وأسبابا منتظمة، نظمها العليم الحكيم. فكان حظ المنافق من ذلك الصيب سحابه ورعوده وبروقه فقط. لم يعلم ما وراءه، فاستوحش بما أنس به المؤمنون، وارتاب مما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقنه المبصرون العارفون. فبصره في المثل الناري كبصر الخفاش في نحر الظهيرة، وسمعه في المثل المائي كسمع من يموت من صوت الرعد. وقد ذكر عن بعض الحيوانات أنها تموت من سماع الرعد. فإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات شيطانية، وخيالات فاسدة، وظنون كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت بها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكثر قيلها وقالها. فملأت الأسماع من هذيانها، والأرض من دواوينها، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء والقابلين منهم، والقائمين بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم، والمكثّرين لسوادهم. ولعموم البلية بهم وضرر القلوب بكلامهم - هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك، وكشف أستارهم غاية الكشف، وبين علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل عز وجل يقول: ومنهم، ومنهم، ومنهم. حتى انكشف أمرهم وبانت حقائقهم، وظهرت أسرارهم.
البقرة 2:21
قوله تعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾
فهذا استدلال في غاية الظهور ونهاية البيان على جميع مطالب أصول الدين من إثبات الصانع وصفات كماله من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وحكمته وأفعاله وحدوث العالم وإثبات نوعي توحيده تعالى، توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب الخالق الفاطر.
وتوحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود المحبوب الذي لا تصلح العبادة والذل والخضوع والحب إلا له ثم قرر تعالى بعد ذلك إثبات نبوة رسوله محمد أبلغ تقرير وأحسنه وأتمه وأبعده عن المعارض فثبت بذلك صدق رسوله في كل ما يقوله وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك ضرورة.
فقررت هذه الآيات هذه المطالب كلها على أحسن وجه فصدرها تعالى بقوله: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ وهذا خطاب لجميع بني آدم يشتركون كلهم في تعلقه بهم ثم قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فأمرهم بعبادة ربهم وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعي على وجوب عبادته لأنه إذا كان ربنا الذي يربينا بنعمة وإحسانه وهو مالك ذواتنا ورقابنا وأنفسنا وكل ذرة من العبد فمملوكه له ملكا خالصا حقيقيا وقد رباه بإحسانه إليه وإنعامه عليه عبادته له وشكره إياه واجب عليه ولهذا قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ولم يقل إلهكم والرب هو السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها فلا شيء أوجب في العقول والفطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له.
ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فنبه بهذا أيضا على وجوب عبادته وحده وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود وأنشأهم واخترعهم وحده بلا شريك باعترافهم وإقرارهم كما قال في غير موضع من القرآن ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فإذا كان هو وحده الخالق فكيف لا يكون وحده المعبود وكيف يجعلون معه شريكا في العبادة وأنتم مقرون بأنه لا شريك له في الخلق.
وهذه طريقة القرآن يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية ثم قال: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فنبه بذلك على أنه وحده الخالق لكم ولآبائكم ومن تقدمكم وإنه لم يشركه أحد في خلق من قبلكم ولا في خلقكم وخلقه تعالى لهم متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ونعوت جلاله فتضمن ذلك إثبات صفاته وأفعاله ووحدانيته في صفاته فلا شبيه له فيها ولا في أفعاله فلا شريك له فيها ثم ذكر المطلوب من خلقهم وهو أن يتقوه فيطيعونه ولا يعصونه ويذكرونه فلا ينسونه ويشكرونه ولا يكفرونه فهذه حقيقة تقواه وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قيل إنه تعليل للأمر وقيل تعليل للخلق وقيل المعنى اعبدوه لتتقوه بعبادته وقيل المعنى خلقكم لتتقوه وهو أظهر لوجوه:
أحدها: أن التقوى هي العبادة والشيء لا يكون علة لنفسه.
الثاني: أن نظيره قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾.
الثالث: أن الخلق أقرب في اللفظ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ من الأمر.
ولمن نصر الأول أن يقول لا يمتنع أن يكون قوله لعلكم تتقون تعليلا للأمر بالعبادة ونظيره قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فهذا تعليل لكتب الصيام ولا يمتنع أن يكون تعليلا للأمرين معا وهذا هو الأليق بالآية والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾
فذكر تعالى دليلا آخر متضمنا للاستدلال بحكمته في مخلوقاته فالأول متضمن لأصل الخلق والإيجاد ويسمى دليل الاختراع والإنشاء والثاني متضمن للحكم المشهودة في خلقه ويسمى دليل العناية والحكمة وهو تعالى كثيرا ما يكرر هذين النوعين من الاستدلال في القرآن ونظيره قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فذكر خلق السماوات والأرض ثم ذكر منافع المخلوقات وحكمها ونظيره قوله تعالى: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ إلى آخر الآيات.
على أن في هذه الآيات من الأسرار والحكم بما بحسب عقول العالمين أن يفهموه ويدركوه ولعله أن يمر بك إن شاء الله التنبيه على رائحة يسيرة من ذلك.
ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهذا كثير في القرآن لمن تأمله.
وذكر سبحانه في سورة البقرة قرار العالم وهو الأرض وسقفه وهو السماء وأصول منافع العباد وهو الماء الذي أنزله من السماء فذكر المسكن والساكن وما يحتاج إليه من مصالحه ونبه تعالى بجعله للأرض فراشا على تمام حكمته في أن هيأها لاستقرار الحيوان عليها فجعلها فراشا ومهادا وبساطا وقرارا وجعل سقفها بناء محكما مستويا لا فطور فيه ولا تفاوت ولا عيب ثم قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها وظفر العقل بها بأول وهلة وخلوصها من كل شبهة وريبة وقادح وإن كل متكلم ومستدل ومحاج إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله وأعرض القول فيه فغايته إن صح ما يذكره أن ينتهي إلي بعض ما في القرآن فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد أي إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال فكيف يجعلون له أندادا وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله إعجاز القرآن في بلاغته.
فلما قرر نوعي التوحيد انتقل إلى النبوة فقال: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
إن حصل لكم ريب في القرآن الكريم وصدق من جاء به وقلتم إنه مفتعل فأتوا بسورة واحدة تشبهه وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم ومن المحال أن يأت واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه ثم يطالب أهل الأرض بجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك حتى أن الذين راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه فإنهم أتوا بشيء يستحي العقلاء من سماعه ويحكمون بسماجته وقبح ركاكته وخسته فهو كمن أظهر طيبا لم يشم احد مثل ريحه قط وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم وجاء الحمقاء بعذرة منتنة خبيثة وقالوا قد جئنا بمثل ما جئت به فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة وجلالة وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ كما يقول المعجز لمن يدعى مقاومته أجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلا إن كان غير إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله والنبي ﷺ يقرأ هذه الآية وأمثالها على أصناف الخلائق أميهم وكتابيهم وعربهم وعجمهم ويقول لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبدا فيعدلون معه إلى الحرب والرضى بقتل الأحباب فلو قدروا على الإتيان بسورة واحدة لم يعدلوا عنها إلى اختيار المحاربة وأيتام الأولاد وقتل النفوس والإقرار بالعجز عن معارضته.
وتقرير النبوة بهذه الآية وجوه متعددة:
هذا أحدها.
وثانيها: إقدامه هذا الأمر وإسجاله على الخلائق إسجالا عاما إلى يوم القيامة أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا فهذا لا يقدم عليه ويخبر به إلا عن علم لا يخالجه شك مستند إلى وحي من الله تعالى وإلا فعلم البشر وقدرته يضعفان عن ذلك.
وثالثها: النظر إلى نفس ما تحدى به وما اشتمل عليه من الأمور التي تعجز قوى البشر على الإتيان بمثله الذي فصاحته ونظمه وبلاغته فرد من أفراد إعجازه.
وهذا الوجه يكون معجزة لمن سمعه وتأمله وفهمه، وبالوجهين الأولين يكون معجزة لكل من بلغة خبره ولو لم يفهمه ولم يتأمله فتأمل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف فيه قصور كثير من المتكلمين وتقصيرهم في بيان إعجازه وأنهم
لن يوفوه عشر معشار حقه حتى قصر بعضهم الإعجاز على صرف الدواعي عن معارضته مع القدرة عليها وبعضهم قصر الإعجاز على مجرد فصاحته وبلاغته وبعضهم على مخالفة أسلوب نظمه لأساليب نظم الكلام وبعضهم على ما اشتمل عليه من الإخبار بالغيوب إلى غير ذلك من الأقوال القاصرة التي لا تشفي ولا تجدي وإعجازه فوق ذلك ووراء ذلك كله فإذا ثبتت النبوة بهذه الحجة القاطعة فقد وجب على الناس تصديق الرسول في خبره وطاعة أمره وقد أخبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك يقينا فقال تعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾.
﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)﴾
(مسألة)
المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن أداة (إنْ) لا يعلق عليها إلا محتمل الوجود والعدم كقولك إن تأتني أكرمك ولا يعلق عليها محقق الوجود فلا تقول إن طلعت الشمس أتيتك بل تقول إذا طلعت الشمس أتيتك وإذا يعلق عليها النوعان واستشكل هذا بعض الأصوليين فقال قد وردت إن في القرآن في معلوم الوقوع قطعا كقوله: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ وهو سبحانه يعلم أن الكفار في ريب منهم وقوله ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّار﴾ ومعلوم قطعا انتفاء فعلهم وأجاب عن هذا بأن قال إن الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية بل الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وعلى منوالهم فكل ما كان في عادة العرب حسنا أنزل القرآن على ذلك الوجه أو قبيحا لم ينزل في القرآن فكل ما كان شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه بين الناس حسن تعليقه بـ (إنْ) من قبل الله ومن قبل غيره سواء كان معلوما للمتكلم أو للسامع أم لا وكذلك يحسن من الواحد منا أن يقول: إن كان زيد في الدار فأكرمه مع علمه بأنه في الدار لأن حصول زيد في الدار شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه.
فهذا هو الضابط لما تعلق على (إنْ) فاندفع الإشكال.
قلت هذا السؤال لا يرد فإن الذي قاله القوم إن الواقع ولا بد يعلق ب (إنْ)
وأما ما يجوز أن يقع، ويجوز أن لا يقع فهو الذي يعلق بها وإن كان بعد وقوعه متعين الوقوع وإذا عرفت هذا فتدبر قوله تعالى: ﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنسان مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنسان كَفُورٌ﴾ كيف أتى في تعليق الرحمة المحققة إصابتها من الله تعالى بـ (إذا) وأتى في إصابة السيئة بـ (إنْ) فإن ما يعفو الله تعالى عنه أكثر، وأتى في الرحمة بالفعل الماضي الدال على تحقيق الوقوع وفي حصول السيئة بالمستقبل الدال على أنه غير محقق ولا بد.
وكيف أتى في وصول الرحمة بفعل الإذاقة الدال على مباشرة الرحمة لهم وأنها مذوقة لهم والذوق هو أخص أنواع الملابسة وأشدها.
وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافة إليه فقال: ﴿مِنّا رَحْمَةً﴾ وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم وكيف أكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف (إنْ) دون الجملة الثانية وأسرار القرآن الكريم أكثر وأعظم من أن يحيط بها عقول البشر.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلاّ إيّاهُ﴾ كيف أتى بـ (إذا) هاهنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله: ﴿لا يَسْأمُ الإنسان مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ فإنه لم يقيد مس الشر هنا بل أطلقه
ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة (إذا) وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنسانُ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُوسًا﴾ كيف أتى هنا بـ (إذا) المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له فكان الإتيان بـ (إذا) هاهنا أدل على المعنى المقصود من (إنْ) بخلاف قوله: ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ فإنه
بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض وأطال في الدعاء فإذا تحقق وقوعه كان يؤوسا ومثل هذه الأسرار في القرآن لا يرقى إليها إلا بموهبة من الله وفهم يؤتيه عبدا في كتابه.
فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ والهلاك محقق قلت التعليق ليس على مطلق الهلاك بل على هلاك مخصوص وهو هلاك لا عن ولد.
فإن قلت فما تصنع بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني
وفي الحديث: في السلام على الموتى "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون "
رواه مسلم واللحاق محقق وفي قولة الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة"
قلت أما قوله: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ الذي حسن مجيء (إنْ) هاهنا الاحتجاج والإلزام فإن المعنى إن عبادتكم لله تستلزم شكركم له بل هي الشكر نفسه فإن كنتم ملتزمين لعبادته داخلين في جملتها فكلوا من رزقه واشكروه على نعمه.
وهذا كثيرا ما يورد في الحجاج كما تقول للرجل إن كان الله ربك وخالقك فلا تعصه وإن كان لقاء الله حقا فتأهب له وإن كانت الجنة حقا فتزود إليها وهذا أحسن من جواب من أجاب بأن (إنْ) هنا قامت مقام (إذ) وكذا قوله: ﴿إن كنتم بآياته مؤمنين﴾ [الأنعام: ١١٨]
وكذا قولهم إن كنت ابني فأطعني ونظائر ذلك.
أما قوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"
فالتعليق هنا ليس لمطلق الموت وإنما هو للحاقهم بالمؤمنين ومصيرهم إلى حيث صاروا وأما قول الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة" فلأن الموت وإن كان محققا لكن لما لم يعرف تعين وقته وطال الأمد وانفردت مسافة أمنية الحياة نزل منزلة المشكوك كما هو الواقع الذي يدل عليه أحوال العباد فإن عاقلا لا يتيقن الموت ويرضى بإقامته على حال لا يحب الموت عليها أبدا كما قال بعض السلف: "ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت"
وعلى هذا حمل بعض أهل المعاني ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فأكد الموت باللام وأتى فيه باسم الفاعل الدال على الثبوت وأتى في البعث بالفعل ولم يؤكده.
البقرة 2:22
قوله تعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾
فهذا استدلال في غاية الظهور ونهاية البيان على جميع مطالب أصول الدين من إثبات الصانع وصفات كماله من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وحكمته وأفعاله وحدوث العالم وإثبات نوعي توحيده تعالى، توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب الخالق الفاطر.
وتوحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود المحبوب الذي لا تصلح العبادة والذل والخضوع والحب إلا له ثم قرر تعالى بعد ذلك إثبات نبوة رسوله محمد أبلغ تقرير وأحسنه وأتمه وأبعده عن المعارض فثبت بذلك صدق رسوله في كل ما يقوله وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك ضرورة.
فقررت هذه الآيات هذه المطالب كلها على أحسن وجه فصدرها تعالى بقوله: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ وهذا خطاب لجميع بني آدم يشتركون كلهم في تعلقه بهم ثم قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فأمرهم بعبادة ربهم وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعي على وجوب عبادته لأنه إذا كان ربنا الذي يربينا بنعمة وإحسانه وهو مالك ذواتنا ورقابنا وأنفسنا وكل ذرة من العبد فمملوكه له ملكا خالصا حقيقيا وقد رباه بإحسانه إليه وإنعامه عليه عبادته له وشكره إياه واجب عليه ولهذا قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ولم يقل إلهكم والرب هو السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها فلا شيء أوجب في العقول والفطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له.
ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فنبه بهذا أيضا على وجوب عبادته وحده وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود وأنشأهم واخترعهم وحده بلا شريك باعترافهم وإقرارهم كما قال في غير موضع من القرآن ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فإذا كان هو وحده الخالق فكيف لا يكون وحده المعبود وكيف يجعلون معه شريكا في العبادة وأنتم مقرون بأنه لا شريك له في الخلق.
وهذه طريقة القرآن يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية ثم قال: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فنبه بذلك على أنه وحده الخالق لكم ولآبائكم ومن تقدمكم وإنه لم يشركه أحد في خلق من قبلكم ولا في خلقكم وخلقه تعالى لهم متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ونعوت جلاله فتضمن ذلك إثبات صفاته وأفعاله ووحدانيته في صفاته فلا شبيه له فيها ولا في أفعاله فلا شريك له فيها ثم ذكر المطلوب من خلقهم وهو أن يتقوه فيطيعونه ولا يعصونه ويذكرونه فلا ينسونه ويشكرونه ولا يكفرونه فهذه حقيقة تقواه وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قيل إنه تعليل للأمر وقيل تعليل للخلق وقيل المعنى اعبدوه لتتقوه بعبادته وقيل المعنى خلقكم لتتقوه وهو أظهر لوجوه:
أحدها: أن التقوى هي العبادة والشيء لا يكون علة لنفسه.
الثاني: أن نظيره قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾.
الثالث: أن الخلق أقرب في اللفظ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ من الأمر.
ولمن نصر الأول أن يقول لا يمتنع أن يكون قوله لعلكم تتقون تعليلا للأمر بالعبادة ونظيره قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فهذا تعليل لكتب الصيام ولا يمتنع أن يكون تعليلا للأمرين معا وهذا هو الأليق بالآية والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾
فذكر تعالى دليلا آخر متضمنا للاستدلال بحكمته في مخلوقاته فالأول متضمن لأصل الخلق والإيجاد ويسمى دليل الاختراع والإنشاء والثاني متضمن للحكم المشهودة في خلقه ويسمى دليل العناية والحكمة وهو تعالى كثيرا ما يكرر هذين النوعين من الاستدلال في القرآن ونظيره قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فذكر خلق السماوات والأرض ثم ذكر منافع المخلوقات وحكمها ونظيره قوله تعالى: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ إلى آخر الآيات.
على أن في هذه الآيات من الأسرار والحكم بما بحسب عقول العالمين أن يفهموه ويدركوه ولعله أن يمر بك إن شاء الله التنبيه على رائحة يسيرة من ذلك.
ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهذا كثير في القرآن لمن تأمله.
وذكر سبحانه في سورة البقرة قرار العالم وهو الأرض وسقفه وهو السماء وأصول منافع العباد وهو الماء الذي أنزله من السماء فذكر المسكن والساكن وما يحتاج إليه من مصالحه ونبه تعالى بجعله للأرض فراشا على تمام حكمته في أن هيأها لاستقرار الحيوان عليها فجعلها فراشا ومهادا وبساطا وقرارا وجعل سقفها بناء محكما مستويا لا فطور فيه ولا تفاوت ولا عيب ثم قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها وظفر العقل بها بأول وهلة وخلوصها من كل شبهة وريبة وقادح وإن كل متكلم ومستدل ومحاج إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله وأعرض القول فيه فغايته إن صح ما يذكره أن ينتهي إلي بعض ما في القرآن فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد أي إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال فكيف يجعلون له أندادا وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله إعجاز القرآن في بلاغته.
فلما قرر نوعي التوحيد انتقل إلى النبوة فقال: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
إن حصل لكم ريب في القرآن الكريم وصدق من جاء به وقلتم إنه مفتعل فأتوا بسورة واحدة تشبهه وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم ومن المحال أن يأت واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه ثم يطالب أهل الأرض بجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك حتى أن الذين راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه فإنهم أتوا بشيء يستحي العقلاء من سماعه ويحكمون بسماجته وقبح ركاكته وخسته فهو كمن أظهر طيبا لم يشم احد مثل ريحه قط وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم وجاء الحمقاء بعذرة منتنة خبيثة وقالوا قد جئنا بمثل ما جئت به فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة وجلالة وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ كما يقول المعجز لمن يدعى مقاومته أجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلا إن كان غير إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله والنبي ﷺ يقرأ هذه الآية وأمثالها على أصناف الخلائق أميهم وكتابيهم وعربهم وعجمهم ويقول لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبدا فيعدلون معه إلى الحرب والرضى بقتل الأحباب فلو قدروا على الإتيان بسورة واحدة لم يعدلوا عنها إلى اختيار المحاربة وأيتام الأولاد وقتل النفوس والإقرار بالعجز عن معارضته.
وتقرير النبوة بهذه الآية وجوه متعددة:
هذا أحدها.
وثانيها: إقدامه هذا الأمر وإسجاله على الخلائق إسجالا عاما إلى يوم القيامة أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا فهذا لا يقدم عليه ويخبر به إلا عن علم لا يخالجه شك مستند إلى وحي من الله تعالى وإلا فعلم البشر وقدرته يضعفان عن ذلك.
وثالثها: النظر إلى نفس ما تحدى به وما اشتمل عليه من الأمور التي تعجز قوى البشر على الإتيان بمثله الذي فصاحته ونظمه وبلاغته فرد من أفراد إعجازه.
وهذا الوجه يكون معجزة لمن سمعه وتأمله وفهمه، وبالوجهين الأولين يكون معجزة لكل من بلغة خبره ولو لم يفهمه ولم يتأمله فتأمل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف فيه قصور كثير من المتكلمين وتقصيرهم في بيان إعجازه وأنهم
لن يوفوه عشر معشار حقه حتى قصر بعضهم الإعجاز على صرف الدواعي عن معارضته مع القدرة عليها وبعضهم قصر الإعجاز على مجرد فصاحته وبلاغته وبعضهم على مخالفة أسلوب نظمه لأساليب نظم الكلام وبعضهم على ما اشتمل عليه من الإخبار بالغيوب إلى غير ذلك من الأقوال القاصرة التي لا تشفي ولا تجدي وإعجازه فوق ذلك ووراء ذلك كله فإذا ثبتت النبوة بهذه الحجة القاطعة فقد وجب على الناس تصديق الرسول في خبره وطاعة أمره وقد أخبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك يقينا فقال تعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾.
﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)﴾
(مسألة)
المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن أداة (إنْ) لا يعلق عليها إلا محتمل الوجود والعدم كقولك إن تأتني أكرمك ولا يعلق عليها محقق الوجود فلا تقول إن طلعت الشمس أتيتك بل تقول إذا طلعت الشمس أتيتك وإذا يعلق عليها النوعان واستشكل هذا بعض الأصوليين فقال قد وردت إن في القرآن في معلوم الوقوع قطعا كقوله: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ وهو سبحانه يعلم أن الكفار في ريب منهم وقوله ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّار﴾ ومعلوم قطعا انتفاء فعلهم وأجاب عن هذا بأن قال إن الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية بل الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وعلى منوالهم فكل ما كان في عادة العرب حسنا أنزل القرآن على ذلك الوجه أو قبيحا لم ينزل في القرآن فكل ما كان شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه بين الناس حسن تعليقه بـ (إنْ) من قبل الله ومن قبل غيره سواء كان معلوما للمتكلم أو للسامع أم لا وكذلك يحسن من الواحد منا أن يقول: إن كان زيد في الدار فأكرمه مع علمه بأنه في الدار لأن حصول زيد في الدار شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه.
فهذا هو الضابط لما تعلق على (إنْ) فاندفع الإشكال.
قلت هذا السؤال لا يرد فإن الذي قاله القوم إن الواقع ولا بد يعلق ب (إنْ)
وأما ما يجوز أن يقع، ويجوز أن لا يقع فهو الذي يعلق بها وإن كان بعد وقوعه متعين الوقوع وإذا عرفت هذا فتدبر قوله تعالى: ﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنسان مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنسان كَفُورٌ﴾ كيف أتى في تعليق الرحمة المحققة إصابتها من الله تعالى بـ (إذا) وأتى في إصابة السيئة بـ (إنْ) فإن ما يعفو الله تعالى عنه أكثر، وأتى في الرحمة بالفعل الماضي الدال على تحقيق الوقوع وفي حصول السيئة بالمستقبل الدال على أنه غير محقق ولا بد.
وكيف أتى في وصول الرحمة بفعل الإذاقة الدال على مباشرة الرحمة لهم وأنها مذوقة لهم والذوق هو أخص أنواع الملابسة وأشدها.
وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافة إليه فقال: ﴿مِنّا رَحْمَةً﴾ وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم وكيف أكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف (إنْ) دون الجملة الثانية وأسرار القرآن الكريم أكثر وأعظم من أن يحيط بها عقول البشر.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلاّ إيّاهُ﴾ كيف أتى بـ (إذا) هاهنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله: ﴿لا يَسْأمُ الإنسان مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ فإنه لم يقيد مس الشر هنا بل أطلقه
ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة (إذا) وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنسانُ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُوسًا﴾ كيف أتى هنا بـ (إذا) المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له فكان الإتيان بـ (إذا) هاهنا أدل على المعنى المقصود من (إنْ) بخلاف قوله: ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ فإنه
بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض وأطال في الدعاء فإذا تحقق وقوعه كان يؤوسا ومثل هذه الأسرار في القرآن لا يرقى إليها إلا بموهبة من الله وفهم يؤتيه عبدا في كتابه.
فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ والهلاك محقق قلت التعليق ليس على مطلق الهلاك بل على هلاك مخصوص وهو هلاك لا عن ولد.
فإن قلت فما تصنع بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني
وفي الحديث: في السلام على الموتى "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون "
رواه مسلم واللحاق محقق وفي قولة الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة"
قلت أما قوله: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ الذي حسن مجيء (إنْ) هاهنا الاحتجاج والإلزام فإن المعنى إن عبادتكم لله تستلزم شكركم له بل هي الشكر نفسه فإن كنتم ملتزمين لعبادته داخلين في جملتها فكلوا من رزقه واشكروه على نعمه.
وهذا كثيرا ما يورد في الحجاج كما تقول للرجل إن كان الله ربك وخالقك فلا تعصه وإن كان لقاء الله حقا فتأهب له وإن كانت الجنة حقا فتزود إليها وهذا أحسن من جواب من أجاب بأن (إنْ) هنا قامت مقام (إذ) وكذا قوله: ﴿إن كنتم بآياته مؤمنين﴾ [الأنعام: ١١٨]
وكذا قولهم إن كنت ابني فأطعني ونظائر ذلك.
أما قوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"
فالتعليق هنا ليس لمطلق الموت وإنما هو للحاقهم بالمؤمنين ومصيرهم إلى حيث صاروا وأما قول الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة" فلأن الموت وإن كان محققا لكن لما لم يعرف تعين وقته وطال الأمد وانفردت مسافة أمنية الحياة نزل منزلة المشكوك كما هو الواقع الذي يدل عليه أحوال العباد فإن عاقلا لا يتيقن الموت ويرضى بإقامته على حال لا يحب الموت عليها أبدا كما قال بعض السلف: "ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت"
وعلى هذا حمل بعض أهل المعاني ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فأكد الموت باللام وأتى فيه باسم الفاعل الدال على الثبوت وأتى في البعث بالفعل ولم يؤكده.
البقرة 2:25
فتأمل جلالة المبشّر ومنزلته وصدقه، وعظمته وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة، وقد بشرك به، وضمنه لك، وجعله أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات، وما فيها من الأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، نعيم القلب، وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه.
(فوائد وفرائد)
وقولهم ﴿هذا الذي رزقنا من قبل﴾ أي شبيهه ونظيره لا عينه وهل المراد هذا الذي رزقنا في الدنيا نظيره من الفواكه والثمار أو هذا نظير الذي رزقناه قبل في الجنة؟
قيل فيه قولان ففي تفسير السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ أنهم أتوا بالثمرة في الجنة فلما نظروا إليها قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا قال مجاهد: ما أشبهه به وقال ابن زيد: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ يعرفونه وقال آخرون هذا الذي رزقنا من قبل من ثمار الجنة من قبل هذا لشدة مشابهة بعضه بعضا في اللون والطعم واحتج أصحاب هذا القول بحجج:
إحداها: أن المشابهة التي بين الثمار الجنة بعضها لبعض أعظم من المشابهه التي بينها وبين ثمار الدنيا ولشدة المشابهة قالوا: هذا هو الحجة الثانية: ما حكاه بن جرير عنهم قال ومن علة قائلي هذا القول أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله كما كان
حدثنا ابن بشار حدثنا ابن مهدي حدثنا سفيان سمعت ابن مرة يحدث عن أبي عبيدة وذكر ثمر الجنة وقال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى الحجة الثالثة قوله وأتوا به متشابها وهذا كالتعليل والسبب الموجب لقولهم هذا الذي رزقنا من قبل
الحجة الرابعة أن من المعلوم أنه ليس كل ما في الجنة من الثمار قد رزقوه في الدنيا وكثير من أهلها لا يعرفون ثمار الدنيا ولا رأوها ورجحت طائفة منهم ابن جرير وغيره القول الآخر واحتجت بوجوه
قال ابن جرير والذي يحقق صحة قول القائلين أن معنى ذلك ﴿هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ في الدنيا أن الله جل ثناؤه قال ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ يقولون هذا الذي رزقنا من قبل ولم يخصص أن ذلك من قيلهم في بعض دون بعض فإذا كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قبلهم كلما رزقوا ثمرة فلا شك أن ذلك من قبلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة فإذا كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله كما هو من قبلهم في وسطه وما يتلوه فمعلوم أنه محال يقولوا لأول رزق رزقوه من ثمار الجنة هذا الذي من رزقنا من قبل هذا من ثمار الجنة وكيف يجوز أن يقولا لأول رزق من ثمارها ولما يتقدمه عندهم غيرها هذا هو الذي رزقنا من قبل أن يلبسهم ذو غية وضلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قيلهم الأول رزق يرزقونه من ثمارها فيدفع صحة ما أوجب الله صحته من غير نصب دلالة على أن ذلك في حال من أحوالهم دون حال فقد تبين أن معنى الآية كلما رزقوا من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا
قلت: أصحاب القول الأول يخصون هذا العام بما عدا الرزق الأول لدلالة العقل والسياق عليه وليس هذا ببدع من طريقة القرآن وأنت مضطر إلى تخصيصة ولا بد بأنواع من التخصيصات:
أحدها: أن كثيرا من ثمار الجنة وهي التي لا نظير لها في الدنيا لا يقال فيها ذلك الثاني: أن كثيرا من أهلها لم يرزقوا جميع ثمرات الدنيا التي لها نظير في الجنة
الثالث: أنه من المعلوم أنهم لا يستمرون على هذا القول أبد الآباد كلما أكلوا ثمرة واحدة قالوا: هذا الذي رزقنا في الدنيا ويستمرون على هذا الكلام دائما إلى غير نهاية والقرآن العظيم لم يقصد إلى هذا المعنى ولا هو مما يعتني بهم من نعيمهم ولدتهم وإنما هو كلام مبين خارج على المعتاد المفهوم من المخاطب.
ومعناه: أنه يشبه بعضه بعضا ليس أوله خيرا من آخره ولا هو مما يعرض له ما يعرض لثمار الدنيا عند تقادم الشجر وكبرها من نقصان حملها وصغر ثمرها وغير ذلك بل أوله مثل أخره وآخره مثل أوله هو خيار كله يشبه بعضه بعضا فهذا وجه قولهم ولا يلزم مخالفة ما نصه الله سبحانه وتعالى ولا نسبة أهل الجنة إلى الكذب بوجه والذي يلزمهم من التخصيص يلزمك نظيره وأكثر منه والله أعلم
وأما قوله عز وجل ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ قال الحسن: خيار كله لا رذل ألم تروا إلى ثمر الدنيا كيف تسترذلون بعضه وأن ذلك ليس فيه ذل وقال قتادة خيار لأرذل فيه فإن ثمار الدنيا ينقى منها ويرذل منها وكذلك قال ابن جريح وجماعة وعلى هذا فالمراد بالتشابه التوافق والتماثل.
وقالت طائفة أخرى منهم ابن مسعود وابن عباس وناس من أصحاب رسول الله ﷺ متشابها في اللون والمرأى وليس يشبه الطعم قال مجاهد: متشابها لونه مختلفا طعمه وكذا قال الربيع بن أنس وقال يحيى بن أبي كثير عشب الجنة الزعفران وكثبانها المسك ويطوف عليهم الولدان بالفاكهة فيأكلونها ثم يأتونهم بمثلها فيقولون هذا الذي جئتمونا به آنفا فيقول لهم الخدم كلوا فإن اللون واحد والطعم مختلف فهو قوله عز وجل: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ وقالت طائفة: معنى الآية أن يشبه ثمر الدنيا غير أن ثمر الجنة أفضل وأطيب قال ابن وهب: قال عبد الرحمن ابن زيد: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا التفاح بالتفاح والرمان بالرمان قالوا في الجنة هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها يعرفونه وليس هو مثله في الطعم واختار ابن جرير هذا القول قال: ودليلنا على فساد قول من قال أن معنى الآية هذا الذي رزقنا من قبل أي في الجنة وتلك الدلالة على فساد ذلك القول هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن المعنى الذي من أجله قال القوم هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها
قلت: هذا لا يدل على فساد قولهم لما تقدم وقال: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ هذا يدل على أمنهم من انقطاعها ومضرتها وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ أي لا تكون في وقت دون وقت ولا تمنع ممن أرادها وقال فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية والقطوف جمع قطف وهو ما يقطف والقطف بالفتح الفعل أي ثمارها دانية قريبة ممن يتناولها فيأخذها كيف يشاء قال البراء بن عازب يتناول الثمرة وهو نائم وقال تعالى: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قال ابن عباس إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت له حتى يتناول ما يريده وقال غيره قريب إليهم مذللة كيف شاؤا فهم يتناولونها قياما وقعودا ومضطجعين فيكون كقوله: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ ومعنى تذليل القطف تسهيل تناوله وأهل المدينة يقولون ذلل النخل أي سو عروقها وأخرجها من السعف حتى يسهل تناولها وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عقبة بن مكرم العمي حدثنا ربعي بن إبراهيم بن عليه حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى قال قال رسول الله ﷺ: "أهبط الله آدم من الجنة عليه السلام وعلمه صنعة كل شيء وزوده من ثمار الجنة فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أنها تغير وتلك لا تغير" وقد تقدم: أن سدرة المنتهى نبقها مثل القلال
وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الجنة حتى لو تناولت منها قطفا أخذته وفي لفظ فتناولت منها قطفا فقصرت عنه يدي"
وقال أبو خيثمة حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا عبيد الله حدثنا ابن عقيل عن جابر قال بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله فتقدمنا ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب يا رسول الله ﷺ صنعت اليوم في صلاتك شيئا ما كنت تصنعه قال: "إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه".
وقال ابن المبارك أنبأنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ثمر الجنة أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيه عجم".
وقال سعيد بن منصور حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: "إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياما وقعودا ومضطجعين على أي حال شاؤا"
وقال البزار في مسنده حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي حدثنا محمد بن المهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى قال حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول قال رسول الله ﷺ: "ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا حظر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة في مقام أبدا في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية" قالوا: نعم يا رسول الله ﷺ نحن المشمرون لها قال: "قولوا إن شاء الله" قال القوم: إن شاء الله
قال البزار وهذا الحديث لا نعلم من رواه عن النبي ﷺ إلا أسامة ولا نعلم له طريقا عن أسامة إلا هذا الطريق ولا نعلم رواه عن الضحاك المعافري إلا هذا الرجل محمد بن مهاجر.
وفي حديث لقيط بن صبرة الذي رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وغيره قلت يا رسول الله ﷺ: على ما يطلع أهل الجنة قال: "على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وبفاكهة لعمر إلهك مما يعلمون وخير من مثله معه وأما الريحان فهو كل نبت طيب الرائحة قال الحسن وأبو العالية هو ريحاننا هذا يؤتي بنص من ريحان الجنة فنشمه.
(فائدة)
الثَّناءُ: مِنَ البُشْرى، والرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ البُشْرى، وتَبْشِيرُ المَلائِكَةِ لَهُ عِنْدَ المَوْتِ مِنَ البُشْرى. والجَنَّةُ مِن أعْظَمِ البُشْرى. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾
وَقالَ تَعالى: ﴿وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
قِيلَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُؤَثِّرُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ.
وَلِذَلِكَ كانَتْ نَوْعَيْنِ: بُشْرى سارَّةٌ تُؤَثِّرُ فِيهِ نَضارَةً وبَهْجَةً، وبُشْرى مُحْزِنَةٌ تُؤَثِّرُ فِيهِ بُسُورًا وُعُبُوسًا. ولَكِنْ إذا أُطْلِقَتْ كانَتْ لِلسُّرُورِ. وإذا قُيِّدَتْ كانَتْ بِحَسَبِ ما تُقَيَّدُ بِهِ.
قَوْلُهُ " وهو أصْفى مِنَ الفَرَحِ " واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ الأفْراحَ رُبَّما شابَها أحْزانٌ، أيْ رُبَّما مازَجَها ضِدُّها. بِخِلافِ السُّرُورِ.
فَيُقالُ: والمَسَرّاتُ رُبَّما شابَها أنْكادٌ وأحْزانٌ فَلا فَرْقَ.
قَوْلُهُ: ولِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ بِاسْمِهِ في أفْراحِ الدُّنْيا في مَواضِعَ
يُرِيدُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَبَ الفَرَحَ إلى أحْوالِ الدُّنْيا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]. فَإنَّ الدُّنْيا لا تَتَخَلَّصُ أفْراحُها مِن أحْزانِها وأتْراحِها ألْبَتَّةَ.
بَلْ ما مِن فَرْحَةٍ إلّا ومَعَها تَرْحَةٌ سابِقَةٌ، أوْ مُقارِنَةٌ، أوْ لاحِقَةٌ. ولا تَتَجَرَّدُ الفَرْحَةُ. بَلْ لا بُدَّ مِن تَرْحَةٍ تُقارِنُها. ولَكِنْ قَدْ تَقْوى الفَرْحَةُ عَلى الحُزْنِ فَيَنْغَمِرُ حُكْمُهُ وألَمُهُ مَعَ وُجُودِها. وبِالعَكْسِ.
فَيُقالُ: ولَقَدْ نَزَلَ القُرْآنُ أيْضًا بِالفَرَحِ في أُمُورِ الآخِرَةِ في مَواضِعَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما مِن هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: ووَرَدَ اسْمُ السُّرُورِ في القُرْآنِ في مَوْضِعَيْنِ في حالِ الآخِرَةِ.
يُرِيدُ بِهِما: قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧] والمَوْضِعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١].
فَيُقالُ: ووَرَدَ السُّرُورُ في أحْوالِ الدُّنْيا في مَوْضِعٍ عَلى وجْهِ الذَّمِّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ويَصْلى سَعِيرًا إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ١٠].
فَقَدْ رَأيْتَ وُرُودَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ في القُرْآنِ بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ الدُّنْيا وأحْوالِ الآخِرَةِ. فَلا يَظْهَرُ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّرْجِيحِ.
بَلْ قَدْ يُقالُ: التَّرْجِيحُ لِلْفَرَحِ: لِأنَّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى يُوصَفُ بِهِ. ويُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ دُونَ السُّرُورِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْناهُ أكْمَلُ مِن مَعْنى السُّرُورِ، وأمَرَ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]
وَأثْنى عَلى السُّعَداءِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠].
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] وقَوْلُهُ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٩] فَعَدَلَ إلى لَفْظِ السُّرُورِ لِاتِّفاقِ رُءُوسِ الآيِ. ولَوْ أنَّهُ تَرْجَمَ البابَ بِبابِ الفَرَحِ، لَكانَ أشَدَّ مُطابَقَةً لِلْآيَةِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِها. والأمْرُ في ذَلِكَ قَرِيبٌ. فالمَقْصُودُ أمْرٌ وراءَ ذَلِكَ.
(فصل)
و «الأزواج» جمع زوج. والمرأة زوج للرجل، وهو زوجها. هذا هو الأفصح، وهو لغة قريش. وبها نزل القرآن كقوله: ٢: ٣٥ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ومن العرب من يقول: زوجة، وهو نادر، لا يكادون يقولونه.
وأما «المطهرة» فإن جرى صفة على الواحد، فيجري صفة على جمع التكثير إجراء له مجرى جماعة، كقوله تعالى: ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ وقولهم: قوى ظاهرة، ونظائره.
و «المطهرة» من طهرت من الحيض والبول والنفائس والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر، وكل أذى يكون من نساء الدنيا، فطهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة، والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن تطمح إلى غير زوجها، وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ.
قال عبد الله بن المبارك: حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﷺ: ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من القذرة وقال: «من الحيض والغائط والنخامة والبصاق»
وقال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس «مطهرة: لا يحضن ولا يحدثن ولا يتنجسن» وقال ابن عباس أيضا «مطهرة من القذر والأذى، لا يبلن، ولا يتغوطن، ولا يمذين، ولا يمنين، ولا يحضن، ولا يبصقن، ولا يتنخمن، ولا يلدن»
وقال قتادة: «مطهرة من الإثم والأذى، طهرهن الله سبحانه من كل بول وغائط وقذر ومأثم»
وقال عبد الرحمن بن زيد: «المطهرة: التي لا يحيض، وأزواج الدنيا لسن بمطهرات، ألا تراهن يدمين، ويتركن الصلاة والصيام؟
قال: وكذلك خلقت حواء، حتى عصت، فلما عصت قال الله لها: إني خَلَقْتُكَ، وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة.
(فائدة بديعة)
قوله تعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ (٢٥)﴾
الاسم من (هذا) الذال وحدها دون الألف على أصح القولين بدليل سقوط الألف في التثنية والمؤنث وخصت الذال بهذا الاسم لأنها من طرف اللسان والمبهم مشار إليه فالمتكلم يشير نحوه بلفظه أو بيده ويشير مع ذلك بلسانه فإن الجوارح خدم القلب فإذا ذهب القلب إلى شيء ذهابا معقولا ذهبت الجوارح نحوه ذهابا محسوسا والعمدة في الإشارة في مواطن التخاطب على اللسان ولا يمكن إشارته إلا بحرف يكون مخرجه من عذبة اللسان التي هي آلة الإشارة دون سائر أجزائه فأما الذال أو التاء فالتاء مهموسة رخوة فالمجهور أو الشديد من الحروف أولى منها للبيان والذال مجهورة فخصت بالإشارة إلى المذكر وخصت التاء بالإشارة إلى المؤنث لأجل الفرق وكانت التاء به أولى لهمسها وضعف المؤنث ولأنها قد ثبتت علامة التأنيث في غير هذا الباب ثم بينوا حركة الذال بالألف كما فعلوا في النون من أنا وربما شركوا المؤنث مع المذكر في الذال فاكتفوا بالكسرة فرقا بينهما وربما اكتفوا بمجرد لفظ التاء في الفرق بينهما وربما جمعوا بين لفظ التاء والكسرة حرصا على البيان وأما في المؤنث الغائب فلا بد من لفظ التاء مع الكسرة لأنه أحوج إلى البيان لدلالة المشاهدة على الخاطر فتقول: تيك وربما زادوا اللام توكيدا كما زادوها في المذكر الغائب إلا أنهم سكنوها في المؤنث لئلا تتوالى الكسرات مع التاء وذلك ثقيل عليهم وكانت اللام أولى بهذا الموطن حين أرادوا الإشارة إلى البعيد فكثرت الحروف حين كثرت مسافة هذه الإشارة وقللوها حين قلت لأن اللام قد وجدت في كلامهم توكيدا وهذا الموطن موطن توكيد وقد وجدت بمعنى الإضافة للشيء وهذا الموطن شبيه بها لأنك إذا أومأت إلى الغائب بالاسم المبهم فأنت مشير إلى من يخاطب ويقبل عليه لينظر إلى من تشير إما بالعين وإما بالقلب وكذلك جئت بكاف الخطاب فكأنك تقول له لك أقول ولك أرمز بهذا الاسم ففي اللام طرف من هذا المعنى كما كان ذلك في الكاف وكما لم يكن الكاف هاهنا اسما مضمرا لم يكن اللام حرف جر وإنما كل منهما طرف من المعنى دون جميعه فلذلك خلعوا من المكان معنى الاسمية وأبقوا فيها معنى الخطاب واللام كذلك إنما اجتلبت لطرف من معناها الذي وضعت له في باب الإضافة وأما دخول هاء التنبيه فلأن المخاطب يحتاج إلى تنبيه على الاسم الذي يشير به إليه لأن للإشارة قرائن حال يحتاج إلى أن ينظر إليها فالمتكلم كأنه آمر له بالالتفات إلى المشار إليه أو منبه له فلذلك اختص هذا الموطن بالتنبيه وقلما يتكلمون به في المبهم الغائب لأن كاف الخطاب يغني عنها مع أن المخاطب مأمور بالالتفات بلحظه إلى المبهم الحاضر فكان التنبيه في أول الكلام أولى بهذا الموطن لأنه بمنزلة الأمر الذي له صدر الكلام وعندي أن حرف التنبيه بمنزلة حرف النداء وسائر حروف المعاني لا يجوز أن تعمل معانيها في الأحوال ولا في الظروف كما لا يعمل معنى الاستفهام والنفي في هل وما في ذلك ولا نعلم حرفا يعمل معناه في الحال والظرف إلا كان وحدها على أنها فعل فدع عنك ما شعبوا به في مسائل الحال في هذا الباب من قولهم هذا قائما زيد وقائما هذا زيد فإنه لا يصلح من ذلك إلا تأخير الحال عن الاسم الذي هو ذا لأن العامل فيه معنى الإشارة دون معنى التنبيه وكلاهما معنوي.
فإن قيل: لم جاز أن يعمل فيه معنى الإشارة دون معنى التنبيه وكلاهما معنوي؟
قيل: معنى الإشارة تدل عليه قرائن الأحوال من الإيماء باللحظ واللفظ الخارج من طرف اللسان وهيئة المتكلم فقامت تلك الدلالة مقام التصريح بلفظ الإشارة لأن الدال على المعنى إما لفظ وإما إشارة
وإما لحظ فقد جرت الإشارة مجرى اللفظ فلتعمل فيما عمل فيه اللفظ وإن لم تقو قوته في جميع أحكام العمل وأصح من هذا أن يقال معنى الإشارة ليس هو العامل إذ الاسم الذي هو هذا ليس بمشتق من أشار يشير ولو جاز أن تعمل أسماء الإشارة لجاز أن تعمل علامات الإضمار لأنها أيضا إيماء وإشارة إلى مذكور وإنما العامل فعل مضمر تقديره انظر وأبصر لدلالة الحال عليه من التوجه واللفظ وقد قالوا: من الدار مفتوحا بابها فأعملوا في الحال معنى انظر وأبصر ودل عليه التوجه من المتكلم بوجهه نحوها وكذلك: ﴿وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ وهو قوي في الدلالة لاجتماع اللفظ مع التوجه وإذا ثبت هذا فلا سبيل إلى تقديم الحال لأن العامل المعنوي خفي يدل عليه الدليل اللفظي أو التوجه أو ما شاكله.
البقرة 2:26
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ الآية.
وهذا جواب اعتراض اعترض به الكفار على القرآن وقالوا إن الرب أعظم من أن يذكر الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات الخسيسة فلو كان ما جاء به محمد كلام الله لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة فأجابهم الله تعالى بأن قال: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال الباطل وإدحاضه كان من أحسن الأشياء والحسن لا يستحيا منه فهذا جواب الاعتراض فكأن معترضا اعترض على هذا الجواب أو طلب حكمه ذلك فأخبر تعالى عما له في ضرب تلك الأمثال من الحكمة وهي إضلال من شاء وهداية من شاء ثم كأن سائلا سأل عن حكمة الإضلال لمن يضله بذلك فأخبر تعالى عن حكمته وعدله وأنه إنما يضل به الفاسقين: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي ارتكبوها سببا لأن أضلهم وأعماهم عن الهدى.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله تعالى أمر مستقر في الفطر والعقول وأنه لا عذر لأحد في الكفر به ألبتة.
فذكر تعالى أربعة أمور ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم والرابع منتظر موعود به وعد الحق:
الأول: كونهم كانوا أمواتا لا أرواح فيهم بل نطفا وعلقا ومضغة مواتا لا حياة فيها.
الثاني: أنه تعالى أحياهم بعد هذه الإماتة.
الثالث: أنه تعالى يميتهم بعد هذه الحياة.
الرابع: أنه يحييهم بعد هذه الإماتة فيرجعون إليه فما بال العاقل يشهد الثلاثة الأطوار الأول ويكذب بالرابع وهل الرابع إلا طور من أطوار التخليق فالذي أحياكم بعد أن كنتم مواتا ثم أماتكم بعد أن أحياكم ما الذي يعجزه عن إحيائكم بعد ما يميتكم وهل إنكاركم ذلك إلا كفر مجرد بالله تعالى فكيف يقع منكم بعد ما شاهدتموه ففي ضمن هذه الآية الاستدلال على وجود الخالق وصفاته وأفعاله على المعاد.
(فصل)
وَأما الأصْل الثّانِي وهو اقْتِضاء الفُجُور والكبر والكذب للضلال فكثير أيْضا في القُرْآن كَقَوْلِه تَعالى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفاسِقين الَّذين ينقضون عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
وَقالَ تَعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاء﴾ وقالَ تَعالى فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كسبوا} وقالَ تَعالى ﴿وَقالُوا قُلُوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يُؤمنُونَ﴾ وقالَ تَعالى ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أول مرّة﴾
فَأخْبر أنه عاقبهم على تخلفهم عَن الإيمان لما جاءَهُم وعرفوه وأعرضوا عَنهُ بِأن قلب أفئدتهم وأبصارهم وحال بَينهم وبَين الإيمان كَما قالَ تَعالى يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَم أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ فَأمرهمْ بالاستجابة لَهُ ولِرَسُولِهِ حِين يَدعُوهُم إلى ما فِيهِ حياتهم ثمَّ حذّرهم من التَّخَلُّف والتأخر عَن الاستجابة الَّذِي يكون سَببا لِأن يحول بَينهم وبَين قُلُوبهم قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقين﴾ وقالَ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فَأخْبر سُبْحانَهُ أن كسبهم غطى على قُلُوبهم وحال بَينها وبَين الإيمان بآياته فَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ وقالَ تَعالى في المُنافِقين ﴿نَسُوا اللَّهَ فنسيهم﴾ فجازاهم على نسيانهم لَهُ أن نسيهم فَلم يذكرهم بِالهدى والرَّحْمَة وأخْبر أنه أنساهم أنفسهم فَلم يطلبوا كمالها بِالعلمِ النافع والعَمَل الصّالح وهما الهدى ودين الحق فأنساهم طلب ذَلِك ومحبته ومعرفته والحرص عَلَيْهِ عُقُوبَة لنسيانهم لَهُ وقالَ تَعالى في حقّهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهم والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدىً وآتاهم تقواهم﴾ فَجمع لَهُم بَين اتّباع الهوى والضلال الَّذِي هو ثَمَرَته وموجبه كَما جمع للمهتدين بَين التَّقْوى والهدى.
البقرة 2:27
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ الآية.
وهذا جواب اعتراض اعترض به الكفار على القرآن وقالوا إن الرب أعظم من أن يذكر الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات الخسيسة فلو كان ما جاء به محمد كلام الله لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة فأجابهم الله تعالى بأن قال: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال الباطل وإدحاضه كان من أحسن الأشياء والحسن لا يستحيا منه فهذا جواب الاعتراض فكأن معترضا اعترض على هذا الجواب أو طلب حكمه ذلك فأخبر تعالى عما له في ضرب تلك الأمثال من الحكمة وهي إضلال من شاء وهداية من شاء ثم كأن سائلا سأل عن حكمة الإضلال لمن يضله بذلك فأخبر تعالى عن حكمته وعدله وأنه إنما يضل به الفاسقين: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي ارتكبوها سببا لأن أضلهم وأعماهم عن الهدى.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله تعالى أمر مستقر في الفطر والعقول وأنه لا عذر لأحد في الكفر به ألبتة.
فذكر تعالى أربعة أمور ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم والرابع منتظر موعود به وعد الحق:
الأول: كونهم كانوا أمواتا لا أرواح فيهم بل نطفا وعلقا ومضغة مواتا لا حياة فيها.
الثاني: أنه تعالى أحياهم بعد هذه الإماتة.
الثالث: أنه تعالى يميتهم بعد هذه الحياة.
الرابع: أنه يحييهم بعد هذه الإماتة فيرجعون إليه فما بال العاقل يشهد الثلاثة الأطوار الأول ويكذب بالرابع وهل الرابع إلا طور من أطوار التخليق فالذي أحياكم بعد أن كنتم مواتا ثم أماتكم بعد أن أحياكم ما الذي يعجزه عن إحيائكم بعد ما يميتكم وهل إنكاركم ذلك إلا كفر مجرد بالله تعالى فكيف يقع منكم بعد ما شاهدتموه ففي ضمن هذه الآية الاستدلال على وجود الخالق وصفاته وأفعاله على المعاد.
(فصل)
وَأما الأصْل الثّانِي وهو اقْتِضاء الفُجُور والكبر والكذب للضلال فكثير أيْضا في القُرْآن كَقَوْلِه تَعالى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفاسِقين الَّذين ينقضون عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
وَقالَ تَعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاء﴾ وقالَ تَعالى فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كسبوا} وقالَ تَعالى ﴿وَقالُوا قُلُوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يُؤمنُونَ﴾ وقالَ تَعالى ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أول مرّة﴾
فَأخْبر أنه عاقبهم على تخلفهم عَن الإيمان لما جاءَهُم وعرفوه وأعرضوا عَنهُ بِأن قلب أفئدتهم وأبصارهم وحال بَينهم وبَين الإيمان كَما قالَ تَعالى يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَم أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ فَأمرهمْ بالاستجابة لَهُ ولِرَسُولِهِ حِين يَدعُوهُم إلى ما فِيهِ حياتهم ثمَّ حذّرهم من التَّخَلُّف والتأخر عَن الاستجابة الَّذِي يكون سَببا لِأن يحول بَينهم وبَين قُلُوبهم قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقين﴾ وقالَ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فَأخْبر سُبْحانَهُ أن كسبهم غطى على قُلُوبهم وحال بَينها وبَين الإيمان بآياته فَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ وقالَ تَعالى في المُنافِقين ﴿نَسُوا اللَّهَ فنسيهم﴾ فجازاهم على نسيانهم لَهُ أن نسيهم فَلم يذكرهم بِالهدى والرَّحْمَة وأخْبر أنه أنساهم أنفسهم فَلم يطلبوا كمالها بِالعلمِ النافع والعَمَل الصّالح وهما الهدى ودين الحق فأنساهم طلب ذَلِك ومحبته ومعرفته والحرص عَلَيْهِ عُقُوبَة لنسيانهم لَهُ وقالَ تَعالى في حقّهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهم والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدىً وآتاهم تقواهم﴾ فَجمع لَهُم بَين اتّباع الهوى والضلال الَّذِي هو ثَمَرَته وموجبه كَما جمع للمهتدين بَين التَّقْوى والهدى.
البقرة 2:28
فكانوا أمواتا وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة وإلا كانت ثلاث موتات، وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها، ففي الحديث الصحيح أن «الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور».
فهذا صعق في موقف القيامة إذ جاء اللّه تعالى لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذ تصعق الخلائق كلهم، قال تعالى: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾، ولو كان هذا الصعق موتا لكانت موتة أخرى.
البقرة 2:29
(فائدة)
اختلف الناس هل السماء أشرف من الأرض أم الأرض أشرف من السماء؟ فالأكثرون على الأول.
واحتج من فضل الأرض بأن الله تعالى أنشأ منها أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين وبأنها مساكنهم ومحله أحياء وأمواتا وبأن الله سبحانه وتعالى لما أراد إظهار آدم للملائكة قال: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرض خَلِيفَةً﴾ فأظهر فضله عليهم بعلمه واستخلافه في الأرض وبأن الله سبحانه وتعالى وضعها بأن جعلها محل بركاته عموما وخصوصا فقال: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ﴾
ووصف الشام بالبركة في ست آيات ووصف بعضها بأنها مقدسة ففيها الأرض المباركة والمقدسة والوادي المقدس وفيها بيته الحرام ومشاعر الحج والمساجد التي هي بيوته سبحانه والطور الذي كلم عليه كليمه ونجيه وبإقسامه سبحانه بالأرض عموما وخصوصا أكثر من إقسامه بالسماء فإنه أقسم بالطور والبلد الأمين والتين والزيتون ولما أقسم بالسماء أقسم بالأرض معها وبأنه سبحانه خلقها قبل خلق السماء كما دلت عليه سورة (حم السجدة) وبأنها مهبط وحيه ومستقر كتبه ورسله ومحل أحب الأعمال إليه وهو الجهاد والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومغايظة أعدائه ونصر أوليائه وليس في السماء من ذلك شيء وبأن ساكنيها من الرسل والأنبياء والمتقين أفضل من سكان السماء من الملائكة كما هو مذهب أهل السنة فمسكنهم أشرف من مسكن الملائكة وبأن ما أودع فيها من المنافع والأنهار والثمار والمعارف والأقوات والحيوان والنبات ما هو من بركاتهم لم يودع في السماء مثله وبأن الله سبحانه قال: ﴿وَفِي الأرض آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ فجعل الأرض محل آياته والسماء محل رزقه ولو لم يكن له فيها إلا بيته وبيت خاتم أنبيائه ورسله حيا وميتا وبأن الأرض جعلها الله قرارا وبساطا ومهادا وفراشا وكفاتا ومادة للساكن لملابسه وطعامه وشرابه ومراكبه وجميع آلاته ولا سيما إذا أخرجت بركتها وازّيّنت وأنبتت من كل زوج بهيج.
قال المفضلون للسماء على الأرض: يكفي في فضلها أن رب العالمين سبحانه فيها وأن عرشه وكرسيه فيها وأن الرفيق الأعلى الذي أنعم الله عليه فيها وأن دار كرامته فيها وأنها مستقر أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين يوم الحشر وأنها مطهرة مبرأة من كل شر وخبث ودنس يكون في الأرض ولهذا لا تفتح أبوابها للأرواح الخبيثة ولا يلج ملكوتها ولأنها مسكن من لا يعصون الله طرفة عين فليس فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد أو قائم وبأنها أشرف مادة من الأرض وأوسع وأنور وصفى وأحسن خلقه وأعظم آيات وبأن الأرض محتاجة في كمالها إليها ولا تحتاج هي إلى الأرض.
ولهذا جاءت في كتاب الله في غالب المواضع مقدمة على الأرض وجمعت وأفردت الأرض فبشرفها وفضلها أتى بها مجموعة.
وأما الأرض فلم يأت بها إلا مفردة وحيث أريد تعدادها قال: ﴿وَمِنَ الأرْضِ﴾
وهذا القول هو الصواب والله سبحانه وتعالى أعلم.
البقرة 2:30
فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد ما لا يعلمه الملائكة. فلما أمرهم بالسجود ظهر ما في قلوب الملائكة من الطاعة والمحبة، والخشية والانقياد، فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد. فأبى واستكبر وكان من الكافرين.
(لطيفة)
الله سبحانه مهد الأرض لآدم وذريته قبل خلقه فقال: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرض خَلِيفَةً﴾ وقضى أن يعرفه قدر المخالفة وأقام عذره بقوله: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ﴾ وتداركه برحمته بقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّه﴾
يا آدم لا تجزع من كأس خطإٍ كان سبب كيسك، فقد استخرج منك داء العُجب وألبسك رداء العبودية
"لو لم تذنبوا"
لا تحزن بقولي لك ﴿اهْبِطُوا مِنها﴾ فلك خلقتُها، ولكن اخرج إلى مزرعة المجاهدة، واجتهد في البذر واسق شجرة الندم بساقية الدمع، فإذا عاد العود أخضر فعُدْ لما كان.
(فصل)
جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه وإن كان السائل لا يعلمها كما أجاب الملائكة لما قال لهم: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالوا: ﴿تَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ فأجابهم بقوله: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
ولو كان فعله مجردا عن الحكم والغايات والمصالح لكان الملائكة أعلم به أن سألوا هذا السؤال ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم ما لا يعلمونه من الحكم والمصلحة التي في خلق هذه الخليفة ولهذا كان سؤالهم إنما وقع عن وجه الحكمة لم يكن اعتراضا على الرب تعالى ولو قدر أنه على وجه الاعتراض فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئا إلا لحكمة فلما رأوا أن خلق هذا الخليفة مناف للحكمة في الظاهر سألوه عن ذلك ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾
فأجابهم بأن حكمته وعلمه يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها وعند غير أهلها ولو كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم يكن في هذا جوابا بل كان الجواب أن أفعاله لا تعلل وهو يرجح مثلا على مثل بغير مرجح والأمر عائد إلى مجرد القدرة كما يقوله المنكرون وكذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ فلما سألوا عن التخصيص بمشيئة الله وأنكروا ذلك أجيبوا بأن الله أعلم بمن يصلح لمشيئته وهو أهل لها وهم الشاكرون الذين يعرفون قدر النعمة ويشكرون عليها المنعم فهؤلاء يصلحون بمشيئته ولو كان الأمر عائدا إلى محض المشيئة لم يحسن هذا الجواب ولهذا يذكر سبحانه صفة العلم حيث يذكر التخصيص والتفصيل بينهما على أنه إنما حصل بعلمه سبحانه بما في التخصيص المفصل مما يقتضي تخصيصه وتفصيله وهو الذي جعله أهلا لذلك كما قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ فذكر علمه عقيب تخصيصه سليمان بتسخير الريح له وتخصيصه الأرض المذكورة بالبركة ومنه قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فذكر صفة العلم التي اقتضت تخصيص هذا المكان وهذا الزمان بأمر اختصا به دون سائر الأمكنة والأزمنة ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فأخبر أنه وضع هذه الكلمة عند أهلها ومن هم أحق بها وأنه أعلم بمن يستحقها من غيرهم فهل هذا وصف من يخص بمحض المشيئة لا بسبب وغاية.
(فائدة)
قال للملائكة: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
ثم أظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر هذا الخليفة ما لم يكونوا يعرفونه بأن جعل من نسله من أوليائه وأحبائه ورسله وأنبيائه من يتقرب إليه بأنواع التقرب ويبذل نفسه في محبته ومرضاته يسبح بحمده آناء الليل وأطراف النهار ويذكره قائما وقاعدا وعلى جنبه ويعبده ويذكره ويشكره في السراء والضراء والعافية والبلاء والشدة والرخاء فلا يثنيه عن ذكره وشكره وعبادته شدة ولا بلاء ولا فقر ولا مرض ويعبده مع معارضة الشهوة وغلبات الهوى وتعاضد الطباع لأحكامها ومعاداة بني جنسه وغيرهم له فلا يصده ذلك عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه فإن كانت عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع والشواغل وأيضا فإنه سبحانه أراد أن يظهر لهم
ما خفي عليهم من شأن ما كانوا يعظمونه ويجلونه ولا يعرفون ما في نفسه من الكبر والحسد والشر فذلك الخير، وهذا الشر كامن في نفوس لا يعلمونها فلا بد من إخراجه وإبرازه لكي يعلم حكمة أحكم الحاكمين في مقابلة كل منهما بما يليق به وأيضا فإنه سبحانه لما خلق خلقه أطوارا وأصنافا وسبق في حكمه وحكمته تفضيل آدم وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلا جعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم وكانت العبودية أفضل أحوالهم وأعلى درجاتهم أعني العبودية الاختيارية التي يأتون بها طوعا واختيارا لا كرها واضطرارا، ولهذا أرسل الله جبريل إلى سيد هذا النوع الإنساني يخيره بين أن يكون عبدا رسولا أو ملكا نبيا فاختار بتوفيق ربه له أن يكون عبدا رسولا وذكره سبحانه بأتم العبودية في أشرف مقاماته وأفضل أحواله كمقام الدعوة والتحدي والإسراء وإنزال القرآن: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ فأثنى عليه ونوه الله لعبوديته التامة له ولهذا يقول أهل الموقف حين يطلبون الشفاعة اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلما كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم وأحبها إلى الله وكان لها لوازم وأسباب مشروطة لا يحصل إلا بها كان من أعظم الحكمة أن أخرجوا إلى دار تجري عليهم فيها أحكام العبودية وأسبابها وشروطها وموجباتها فكان إخراجهم من الجنة تنكيلا لهم وإتماما لنعمته عليهم مع ما في ذلك من محبوبات الرب تعالى فإنه يحب إجابة الدعوات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات ومغفرة الزلات وتكفير السيئات ودفع البليات وإعزاز من يستحق العز وإذلال من يستحق الذل ونصر المظلوم وجبر الكسير ورفع بعض خلقة على بعض وجعلهم درجات ليعرف قدر فضله وتخصيصه فاقتضى ملكه التام وحمده الكامل أن يخرجهم إلى دار يحصل فيها محبوباته سبحانه وإن كان لكثير منها طرق وأسباب يكرهها فالوقوف على الشيء لا بدونه وإيجاد لوازم الحكمة من الحكمة كما أن إيجاد لوازم العدل من العدل كما ستقف عليه في فصل إيلام الأطفال إن شاء الله.
وقيل: أجابهم سبحانه بأن في خلقه من الحكم والمصالح ما لا تعلمه الملائكة والخالق سبحانه يعلمه وإذا كانت الملائكة لا تعلم ما في خلق هذا الإنسان الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء من الحكم والمصالح فغيرهم أولى أن لا يحيط به علما فخلق هذا الإنسان من تمام الحكمة والرحمة والمصلحة وإن كان وجوده مستلزما لشر فهو شر مغمور بما في إيجاده من الخير كإنزال المطر والثلج وهبوب الرياح وطلوع الشمس وخلق الحيوان والنبات والجبال والبحار وهذا كما أنه في خلقه فهو في شرعه ودينه وأمره فإن ما أمر به من الأعمال الصالحة خيره ومصلحته راجح وإن كان فيه شر فهو مغمور جدا بالنسبة إلى خيره وما نهى عنه من الأعمال والأقوال القبيحة فشره ومفسدته راجح والخير الذي فيه مغمور جدا بالنسبة إلى شره فسنته سبحانه في خلقه وأمره فعل الخير الخالص والراجح والأمر بالخير الخالص والراجح فإذا تناقضت أسباب الخير والشر والجمع بين النقيضين محال قدم أسباب الخير الراجحة على المرجوحة ولم يكن تفويت المرجوحة شرا ودفع أسباب الشر الراجحة بالأسباب المرجوحة ولم يكن حصول المرجوحة شرا بالنسبة إلى ما اندفع بها من الشر الراجح وكذلك سنته في شرعه وأمره فهو يقدم الخير الراجح وإن كان في ضمنه شر مرجوح ويعطل الشر الراجح وإن فات بتعطيله خير مرجوح هذه سنته فيما يحدثه ويبدعه في سماواته وأرضه وما يأمر به وينهى عنه وكذلك سنته في الآخرة وهو سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وقد أتقن كل ما صنع وهذا أمر يعلمه العالمون بالله جملة ويتفاوتون في العلم بتفاصيله.
وإذا عرف ذلك فالآلام والمشاق إما إحسان ورحمة، وإما عدل وحكمة، وإما إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها، وإما لدفع ألم هو أصعب منها، وإما لتولدها عن لذات ونعم يولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات، وإما أن يكون من لوازم العدل أو لوازم الفضل والإحسان، فيكون من لوازم الخير التي إن عطلت ملزوماتها فات بتعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الآلام.
والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر، وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى كما سماه الله بقوله: ﴿إنْ كانَ بِكم أذىً مِن مَطَرٍ﴾
وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام لصنوف من الحيوانات وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل والشرب والنكاح واللباس والرياسة ومعظم آلام أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها ومتولدة منها بل الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق كالعلم والشجاعة والزهد والعفة والحلم والمروءة والصبر والإحسان كما قال:
؎لولا المشقة ساد الناس كلهم ∗∗∗ الجود يفقر والأقدام قتال
وإذا كانت الآلام أسبابا للذاتٍ أعظم منها وأدوم منها كان العقل يقضي باحتمالها وكثيرا ما تكون الآلام أسبابا لصحة لولا تلك الآلام لفاتت وهذا شأن أكبر أمراض الأبدان فهذه الحمى فيها من المنافع للأبدان ما لا يعلمه إلا الله وفيها من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفجة وإخراجها ما لا يصل إليه دواء غيرها وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمى استبشر بها الطبيب وأما انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض فأمر لا يحس به إلا من فيه حياة فصحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها وقد أحصيت فوائد الأمراض فزادت على مائة فائدة وقد حجب الله سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره وجعلها جسرا موصلا إليها كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات وجعلها جسرا موصلا إليها ولهذا قالت العقلاء قاطبة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن الراحة لا تنال بالراحة وأن من آثر اللذات فاتته اللذات فهذه الآلام والأمراض والمشاق من أعظم النعم إذ هي أسباب النعم وما تنال الحيوانات غير المكلفة منها فمغمور جدا بالنسبة إلى مصالحها ومنافعها كما ينالها من حر الصيف وبرد الشتاء وحبس المطر والثلج وألم الحمل والولادة والسعي في طلب أقواتها وغير ذلك ولكن لذاتها أضعاف أضعاف آلامها وما ينالها من المنافع والخيرات أضعاف ما ينالها من الشرور والآلام فسنة الله في خلقه وأمره هي التي أوجبها كمال علمه وحكمته وعزته، ولو اجتمعت عقول العقلاء كلهم على أن يقترحوا أحسن منها لعجزوا عن ذلك وقيل لكل منهم أرجع بصر العقل فهل ترى من خلل: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾
فتبارك الذي من كمال حكمته وقدرته أن أخرج الأضداد من أضدادها، والأشياء من خلافها فأخرج الحي من الميت والميت من الحي والرطب من اليابس واليابس من الرطب فكذلك أنشأ اللذات من الآلام والآلام من اللذات فأعظم اللذات ثمرات الآلام ونتائجها وأعظم الآلام ثمرات اللذات ونتائجها وبعد فاللذة والسرور والخير والنعم والعافية والمصلحة والرحمة في هذه الدار المملوءة بالمحن والبلاء وأكثر من أضدادها بأضعاف مضاعفة فأين آلام الحيوان من لذته وأين سقمه من صحته وأين جوعه وعطشه من شبعه وريه وتعبه من راحته قال تعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ولن يغلب عسر يسرين وهذا لأن الرحمة غلبت الغضب والعفو سبق العقوبة والنعمة تقدمت المحنة والخير في الصفات والأفعال والشر في المفعولات لا في الأفعال فأوصافه كلها كمال وأفعاله كلها خيرات فإن ألم الحيوان لم يعدم بألمه عافية من ألم هو أشد من ذلك الألم أو تهيئة لقوة وصحة وكمال أو عوضا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما فآلام الدنيا جميعها نسبتها إلى لذات الآخرة وخيراتها أقل من نسبة ذرة إلى جبال الدنيا بكثير وكذلك لذات الدنيا جميعها بالنسبة إلى آلام الآخرة والله سبحانه لم يخلق الآلام واللذات سدى ولم يقدرهما عبثا ومن كمال قدرته وحكمته أن جعل كل واحد منهما يثمر الأخرى هذا ولوازم الخلقة يستحيل ارتفاعها كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق فلا يكون المخلوق إلا فقيرا محتاجا ناقص العلم والقدرة فلو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يتألم في عالم الكون والفساد لم يكن حيوانا ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة والله لم يجعلها كذلك وإنما جعلها دارا ممتزجا ألمها بلذتها وسرورها بأحزانها وغمومها وصحتها بسقمها حكمة منه بالغة.
وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لما قالَ للْمَلائكَة ﴿إنِّي جاعل في الأرْض خَليفَة قالُوا أتجْعَلُ فِيها من يفْسد فِيها ويسفك الدِّماء ونحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك﴾ أجابهم بقوله ﴿إنِّي أعلم ما لا تعلمُونَ﴾ ثمَّ أظهر سُبْحانَهُ علمه لِعِبادِهِ ولملائكته بِما جعله في الأرض من خَواص خلقه ورُسُله وأنبيائه وأوليائه ومن يتَقرَّب إليه ويبذل نَفسه في محبته ومرضاته مَعَ مجاهدة شَهْوَته وهواه فَيتْرك محبوباته تقربا الي ويتْرك شهواته ابْتِغاء مرضاتي ويبذل دَمه ونَفسه في محبتي وأخصه بِعلم لا تعلمونه يسبح بحمدي آناء اللَّيْل وأطراف النَّهار ويعبدني مَعَ معارضات الهوى والشهوة والنَّفس والعدو إذْ تعبدوني أنتم من غير معارض يعارضكم ولا شَهْوَة تعتريكم ولا عَدو أسلطه عَلَيْكُم بل عبادتكم لي بِمَنزِلَة النَّفس لأحدهم وأيْضًا فَإنِّي أريد أن أظهر ما خفي عَلَيْكُم من شَأْن عدوي ومحاربته لي وتكبره عَن أمْرِي وسعيه في خلاف مرضاتي وهَذا وهَذا كانا كامنين مستترين في أبي البشر وأبي الجِنّ فأنزلهم دارا أظهر فِيها ما كانَ الله سُبْحانَهُ مُنْفَردا بِعِلْمِهِ لا يُعلمهُ سواهُ وظَهَرت حكمته وتمّ امْرَهْ وبدا للْمَلائكَة من علمه ما لم يَكُونُوا يعلمُونَ وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لما كانَ يحب الصابرين ويُحب المُحْسِنِينَ ويُحب الَّذين يُقاتلُون في سَبيله صفا ويُحب التوابين ويُحب المتطهرين ويُحب الشّاكِرِينَ وكانَت محبته أعلى أنواع الكرامات اقْتَضَت حكمته أن أسكن آدم وبنيه دارا يأْتونَ فِيها بِهَذِهِ الصِّفات الَّتِي ينالون بها أعلى الكرامات من محبته، فَكانَ إنزالهم إلى الأرض من أعظم النعم عَلَيْهِم ﴿والله يخْتَص برحمته من يَشاء والله ذُو الفضل العَظِيم﴾
وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أن يتَّخذ من آدم ذُرِّيَّة يواليهم ويودهم ويحبهم ويُحِبُّونَهُ فمحبتهم لَهُ هي غايَة كمالهم ونِهايَة شرفهم، ولم يُمكن تَحْقِيق هَذِه المرتبَة السّنيَّة إلا بموافقة رِضاهُ واتباع أمره وترك إرادات النَّفس وشهواتها الَّتِي يكرهها محبوبهم فأنزلهم دارا أمرهم فِيها ونهاهم فَقامُوا بأمْره ونَهْيه فنالوا دَرَجَة محبتهم لَهُ فأنالهم دَرَجَة حبه إيّاهُم وهَذا من تَمام حكمته وكَمال رَحمته وهو البر الرَّحِيم.
وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لما خلق خلقه أطوارا وأصنافا وسبق في حكمه تفضيله آدم وبنيه على كثير من مخلوقاته جعل عبوديته أفضل درجاتهم اعنى العُبُودِيَّة الاختيارية الَّتِي يأْتونَ بها طَوْعًا واختيارا لا كرها واضطرارا وقد ثَبت أن الله سُبْحانَهُ أرسل جِبْرِيل إلى النَّبِي يخيره بَين أن يكون ملكا نَبيا أوْ عبدا نَبيا فَنظر إلى جِبْرِيل كالمستشير لَهُ فأشار إليه أن تواضع فَقالَ بل أن اكون عبدا نَبيا فَذكره سُبْحانَهُ باسم عبوديته في أشرف مقاماته في مقام الإسراء ومقام الدعْوَة ومقام التحدي فَقالَ في مقام الإسراء ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ولم يقل بِرَسُولِهِ ولا نبيه إشارَة إلى أنه قامَ هَذا المقام الأعظم بِكَمال عبوديته لرَبه وقالَ في مقام الدعْوَة ﴿وَأنه لما قامَ عبد الله يَدعُوهُ كادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾
وَقالَ في مقام التحدي ﴿وَإن كُنْتُم في ريب مِمّا نزلنا على عَبدنا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ وفي الصَّحِيحَيْنِ في حَدِيث الشَّفاعَة وتراجع الأنبياء فِيها وقَول المَسِيح إذْهَبُوا إلى مُحَمَّد عبد غفر الله لَهُ ما تقدم من ذَنبه وما تَأخّر فَدلَّ ذَلِك على أنه نالَ ذَلِك المقام الأعظم بِكَمال عبوديته لله وكَمال مغْفرَة الله لَهُ وإذا كانَت العُبُودِيَّة عند الله بِهَذِهِ المنزلَة اقْتَضَت حكمته أن اسكن آدم وذريته دارا ينالون فِيها هَذِه الدرجَة بِكَمال طاعتهم لله وتقربهم إليه بمحابه وترك مألوفاتهم من أجله فَكانَ ذَلِك من تَمام نعْمَته عَلَيْهِم وإحسانه إليهم وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أن يعرف عباده الَّذين أنْعم عَلَيْهِم تَمام نعْمَته عَلَيْهِم وقدرها ليكونوا أعظم محبَّة وأكْثر شكرا وأعظم التذاذا بِما أعطاهم من النَّعيم فَأراهُم سُبْحانَهُ فعله بأعدائه وما أعد لَهُم من العَذاب وأنواع الآلام وأشهدهم تخليصهم من ذَلِك وتخصيصهم بِأعْلى أنواع النَّعيم لِيَزْدادَ سرورهم وتكمل غبطتهم ويعظم فَرَحهمْ وتتم لذتهم وكانَ ذَلِك من إتْمام الأنعام عَلَيْهِم ومحبتهم ولم يكن بُد في ذَلِك من إنزالهم إلى الأرض وامتحانهم واختبارهم وتوفيق من شاءَ مِنهُم رَحْمَة مِنهُ وفضلا وخذلان من شاءَ مِنهُم حِكْمَة مِنهُ وعدلا وهو العَلِيم الحَكِيم ولا ريب أن المُؤمن إذا رأى عدوه ومحبوبه الَّذِي هو أحب الأشياء إليه في أنْواع العَذاب والآلام وهو يتقلب في أنواع النَّعيم واللذة ازْدادَ بذلك سُرُورًا وعظمت لذته وكملت نعْمَته وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خلق الخلق لعبادته وهِي الغايَة مِنهُم قالَ تَعالى ﴿وَما خلقت الجِنّ والإنس إلا ليعبدون﴾ ومَعْلُوم أن كَمال العُبُودِيَّة المَطْلُوب من الخلق لا يحصل في دار النَّعيم والبقاء إنَّما يحصل في دار المحنة والابتلاء وأما دار البَقاء فدار لَذَّة ونعيم لا دار ابتلاء وامتحان وتكليف.
وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَضَت حكمته خلق آدم وذريته من تركيب مُسْتَلْزم لداعي الشَّهْوَة والفتنة وداعي العقل والعلم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خلق فِيهِ العقل والشهوة ونصبهما داعيين بمقتضياتهما ليتم مُراده ويظْهر لِعِبادِهِ عزته في حكمته وجبروته ورَحمته وبره ولطفه في سُلْطانه وملكه فاقتضت حكمته ورَحمته أن أذاق أباهم وبيل مُخالفَته وعرفه ما يجني عواقب إجابَة الشَّهْوَة والهوى ليَكُون أعظم حذرا فِيها وأشد هروبا وهَذا كَحال رجل سائِر على طَرِيق قد كمنت الأعداء في جنباته وخَلفه وأمامه وهو لا يشْعر فَإذا أصيب مِنها مرّة بمصيبة استعد في سيره وأخذ اهبة عدوه وأعد لَهُ ما يَدْفَعهُ ولَوْلا أنه ذاق ألم إغارة عدوه عَلَيْهِ وتبييته لَهُ لما سمحت نَفسه بالاستعداد والحذر وأخذ العدة فَمن تَمام نعْمَة الله على آدم وذريته أن أراهم ما فعل العَدو بهم فاسْتَعدوا لَهُ وأخذوا اهبته فَإن قيل كانَ من المُمكن أن لا يُسَلط عَلَيْهِم العَدو قيل قد تقدم أنه سُبْحانَهُ خلق آدم وذريته على بنية وتركيب مُسْتَلْزم لمخالطتهم لعدوهم وابتلائهم بِهِ ولَو شاءَ لخلقهم كالملائكة الَّذين هم عقول بِلا شهوات فَلم يكن لعدوهم طَرِيق إليهم ولَكِن لَو خلقُوا هَكَذا لكانوا خلقا آخر غير بني آدم فَإن بنى آدم قد ركبُوا على العقل والشهوة وأيْضًا فَإنَّهُ لما كانَت محبَّة الله وحده هي غايَة كَمال العَبْد وسعادته الَّتِي لا كَمال لَهُ ولا سَعادَة بِدُونِها أصلا وكانَت المحبَّة الصادقة إنَّما تتَحَقَّق بغيثار المحبوب على غَيره من محبوبات النُّفُوس واحْتِمال أعظم المشاق في طاعَته ومرضاته فَبِهَذا تتَحَقَّق المحبَّة ويعلم ثُبُوتها في القلب اقْتَضَت حكمته سُبْحانَهُ اخراجهم إلى هَذِه الدّار المحفوفة بالشهوات ومحاب النُّفُوس الَّتِي بإيثار الحق عَلَيْها والإعراض عَنْها يتَحَقَّق حبهم لَهُ وإيثارهم إيّاه على غَيره ولذَلِك يتَحَمَّل المشاق الشَّدِيدَة وركوب الأخطار واحْتِمال المَلامَة والصَّبْر على دواعي الغي والضلال ومجاهدتها يقوى سُلْطان المحبَّة وتثبت شجرتها في القلب وتطعم ثَمَرَتها على الجَوارِح فَإن المحبَّة الثّابِتَة اللّازِمَة على كَثْرَة المَوانِع والعوارض والصوارف هي المحبَّة الحَقِيقِيَّة النافعة وأما المحبَّة المَشْرُوطَة بالعافية والنَّعِيم واللذة وحُصُول مُراد المُحب من محبوبه فَلَيْسَتْ محبَّة صادِقَة ولا ثبات لَها عند المعارضات والموانع فَإن المُعَلق على الشَّرْط عدم عند عَدمه ومن ودك لأمر ولي عند انقضائه وفرق بَين من يعبد الله على السَّرّاء والرخاء والعافية فَقَط وبَين من يعبده على السَّرّاء والضَّرّاء والشدة والرخاء والعافية والبَلاء وأيضا فَإن الله سُبْحانَهُ لَهُ الحَمد المُطلق الكامِل الَّذِي لا نِهايَة بعده وكانَ ظُهُور الأسباب الَّتِي يحمد عَلَيْها من مُقْتَضى كَونه مَحْمُودًا وهِي من لَوازِم حَمده تَعالى وهِي نَوْعانِ فضل وعدل إذْ هو سُبْحانَهُ المَحْمُود على هَذا وعَلى هَذا فَلا بُد من ظُهُور أسباب العدْل واقتضائها لمسمياتها ليترتب عَلَيْها كَمال الحَمد الَّذِي هو أهله فَكَما أنه سُبْحانَهُ مَحْمُود على إحسانه وبره وفضله وثوابه فَهو مَحْمُود على عدله وانتقامه وعقابه إذْ يصدر ذَلِك كُله عَن عزته وحكمته ولِهَذا نبه سُبْحانَهُ على هَذا كثيرا كَما في سُورَة الشُّعَراء حَيْثُ يذكر في آخر كل قصَّة من قصَص الرُّسُل وأممهم ﴿إن في ذَلِك لآية وما كانَ أكثرهم مُؤمنين وإن رَبك لَهو العَزِيز الرَّحِيم﴾
فَأخْبر سُبْحانَهُ أن ذَلِك صادر عَن عزته المتضمنة كَمال قدرته وحكمته المتضمنة كَمال علمه ووَضعه الأشياء مواضعها اللائقة بها ما وضع نعْمَته ونجاته لرسله ولاتباعهم ونقمته وإهلاكه لأعدائهم إلا في محلها اللّائِق بها لكَمال عزته وحكمته ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عقيب إخْباره عَن قَضائِهِ بَين أهل السَّعادَة والشقاوة ومصير كل مِنهُم إلى دِيارهمْ الَّتِي لا يَلِيق بهم غَيرها ولا تقتضي حكمته سواها ﴿وَقضى بَينهم بِالحَقِّ وقيل الحَمد لله رب العالمين﴾
وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَضَت حكمته وحمده أن فاوت بَين عباده أعظم تفاوت وأبينه ليشكره مِنهُم من ظَهرت عَلَيْهِ نعْمَته وفضله ويعرف أنه قد حبى بالإنعام وخص دون غَيره بالإكرام ولَو تساووا جَمِيعهم في النِّعْمَة والعافية لم يعرف صاحب النِّعْمَة قدرها ولم يبْذل شكرها إذْ لا يرى أحدا إلّا في مثل حاله ومن أقوى أسباب الشُّكْر وأعْظَمها استخرجا لَهُ من العَبْد أن يرى غَيره في ضد حاله الَّذِي هو عَلَيْها من الكمال والفلاح.
وَفِي الأثر المَشْهُور "أن الله سُبْحانَهُ لما أرى آدم ذُريَّته وتفاوت مَراتِبهمْ قالَ يا رب هلا سويت بَين عِبادك؟
قالَ إنِّي أحب أن أُشكر"
فاقتضت محبته سُبْحانَهُ لأن يشْكر خلق الأسباب الَّتِي يكن شكر الشّاكِرِينَ عِنْدها أعظم وأكمل وهَذا هو عين الحِكْمَة الصادرة عَن صفة الحَمد وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَيْء أحب إليه من العَبْد من تذلله بَين يَدَيْهِ وخضوعه وافتقاره وانكساره وتضرعه إليه ومَعْلُوم أن هَذا المَطْلُوب من العَبْد إنَّما يتم بأسبابه الَّتِي تتَوَقَّف عَلَيْها وحُصُول هَذِه الأسباب في دار النَّعيم المُطلق والعافية الكامِلَة يمْتَنع إذْ هو مُسْتَلْزم للْجمع بَين الضدين وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الخلق والأمر، والأمر هو شَرعه وأمره ودينه الَّذِي بعث بِهِ رسله وأنْزلْ بِهِ كتبه ولَيْسَت الجنَّة دار تَكْلِيف تجرى عَلَيْهِم فِيها أحْكام التَّكْلِيف ولوازمها وإنَّما هي دار نعيم ولَذَّة واقتضت حكمته سُبْحانَهُ اسْتِخْراج آدم وذريته إلى دار تجرى عَلَيْهِم فِيها أحكام دينه وأمره ليظْهر فيهم مُقْتَضى الأمر ولوازمه فَإن الله سُبْحانَهُ كَما أن أفعاله وخلقه من لَوازِم كَمال أسمائه الحسنى وصِفاته العلى فَكَذَلِك امْرَهْ وشرعه وما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الثَّواب والعِقاب وقد ارشد سُبْحانَهُ إلى هَذا المَعْنى في غير مَوضِع من كِتابه فَقالَ تَعالى ﴿أيحسب الإنسان أن يتْرك سدى﴾ أي مهملا معطلا لا يُؤمر ولا ينْهى ولا يُثاب ولا يُعاقب.
وَهَذا يدل على أن هَذا مناف لكَمال حكمته وأن ربوبيته وعزته وحكمته تأبى ذَلِك ولِهَذا أخرج الكَلام مخرج الإنكار على من زعم ذَلِك وهو يدل على أن حسنه مُسْتَقر في الفطر والعقول وقبح تَركه سدا معطلا أيضا مُسْتَقر في الفطر فَكيف ينْسب إلى الرب ما قبحه مُسْتَقر في فطركم وعقولكم.
وَقالَ تَعالى ﴿أفحسبتم أنما خَلَقْناكم عَبَثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إلَه إلا هو رب العَرْش الكَرِيم﴾.
(فصل)
كانَ أول المَخْلُوقات القَلَم ليكتب المَقادِير قبل كَونها وجعل آدم آخر المَخْلُوقات
وَفِي ذَلِك حكم أحدها تمهيد الدّار قبل السّاكِن
الثّانِيَة أنه الغايَة الَّتِي خلق لأجلها ما سواهُ من السَّماوات والأرْض والشَّمْس والقَمَر والبر والبَحْر
الثّالِثَة أن أحذق الصنّاع يخْتم عمله بأحسنه وغايته كَما يبدؤه بأساسه ومبادئه
الرّابِعَة أن النُّفُوس متطلعة إلى النهايات والأواخر دائِما ولِهَذا قالَ مُوسى للسحرة ولا ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ ملقون﴾ فَلَمّا رأى النّاس فعلهم تطلعوا إلى ما يَأْتِي بعده.
الخامِسَة أن الله سُبْحانَهُ أخّر أفضل الكتب والأنبياء والأمم إلى آخر الزَّمان وجعل الآخِرَة خيرا من الأولى والنهايات أكمل من البدايات فكم بَين قَول الملك للرسول اقْرَأ فَيَقُول ما أنا بقارئ وبَين قَوْله تَعالى ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دينكُمْ﴾
السّادِسَة أنه سُبْحانَهُ جمع ما فرقه في العالم في آدم فَهو العالم الصَّغِير وفِيه ما في العالم الكَبِير
السّابِعَة أن خُلاصَة الوُجُود وثمرته فَناسَبَ أن يكون خلقه بعد الموجودات
الثّامِنَة أن من كرامته على خالقه أنه هيأ لَهُ مَصالِحه وحوائجه وآلات معيشته وأسْباب حَياته فَما رفع رَأسه إلّا وذَلِكَ كُله حاضر عتيد.
التّاسِعَة أنه سُبْحانَهُ أرادَ أن يظْهر شرفه وفضله على سائِر المَخْلُوقات فَقَدمها عَلَيْهِ في الخلق ولِهَذا قالَت المَلائِكَة ليخلق رَبنا ما شاءَ فَلَنْ يخلق خلقا أكْرم عَلَيْهِ منا فَلَمّا خلق آدم وأمرهمْ بِالسُّجُود لَهُ ظهر فَضله وشرفه عَلَيْهِم بِالعلمِ والمعرفة فَلَمّا وقع في الذَّنب ظنت المَلائِكَة أن ذَلِك الفضل
قد نسخ ولم تطلع على عبودية التَّوْبَة الكامنة فَلَمّا تابَ إلى ربه وأنى بِتِلْكَ العُبُودِيَّة علمت المَلائِكَة أن لله في خلقه سرا لا يُعلمهُ سواهُ.
العاشِرَة أنه سُبْحانَهُ لما افْتتح خلق هَذا العالم بالقلم من أحسن المُناسبَة أن يختمه بِخلق الإنْسان فَإن القَلَم آلَة العلم والإنْسان هو العالم ولِهَذا أظهر سُبْحانَهُ فضل آدم على المَلائِكَة بِالعلمِ الَّذِي خُصّ بِهِ دونهم وتَأمل كَيفَ كتب سُبْحانَهُ عذر آدم قبل هُبُوطه إلى الأرْض ونبهَ المَلائِكَة على فَضله وشرفه ونوه باسمه قبل إيجاده بقوله ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْض خَليفَة﴾
وَتَأمل كَيفَ وسمه بالخلافة وتلك ولايَة لَهُ قبل وجوده وأقام عذره قبل الهبوط بقوله ﴿فِي الأرْض﴾ والمحب يُقيم عذر المحبوب قبل جِنايَته فَلَمّا صوره ألْقاهُ على باب الجنَّة أرْبَعِينَ سنة لِأن دأب المُحب الوُقُوف على باب الحبيب رمى بِهِ في طَرِيق ذل ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئا﴾ لِئَلّا يعجب يَوْم ﴿اسجدوا﴾ كانَ إبْلِيس يمر على جسده فيعجب مِنهُ ويَقُول لأمر قد خلقت ثمَّ يدْخل من فِيهِ ويخرج من دبره ويَقُول لَئِن سلطت عَلَيْك لأهلكنك ولَئِن سلطت عَليّ لأعصينك ولم يعلم أن هَلاكه على يَده رأى طينا مجموعا فاحتقر فَلَمّا صور الطين صُورَة دب فِيهِ داء الحَسَد فَلَمّا نفخ فِيهِ الرّوح ماتَ الحاسِد فَلَمّا بسط لَهُ بِساط العِزّ عرضت عَلَيْهِ المَخْلُوقات فاسْتَحْضر مدعي ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّح﴾ إلى حاكم ﴿أنْبِئُونِي﴾ وقد أخْفى الوَكِيل عَنهُ بَيِّنَة وعَلَّمَ فنكسوا رُؤُوس الدَّعاوى على صُدُور الإقْرار فَقامَ مُنادِي التَّفْضِيل في أندية المَلائِكَة يُنادي اسجدوا فتطهروا من حَدِيث دَعْوى ونَحْن بِماء العذر في آنِية ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ فسجدوا على طَهارَة التَّسْلِيم وقامَ إبْلِيس ناحيَة لم يسْجد لِأنَّهُ خبث وقد تلون بِنَجاسَة الِاعْتِراض وما كانَت نَجاسَته تتلافى بالتطهير لِأنَّها عَيْنِيَّة فَلَمّا تمّ كَمال آدم قالَ لا بُد من خال جمال على وجه اسْجُدُوا فَجرى القدر بالذنب ليتبين أثر العُبُودِيَّة في الذل يا آدم لَو عفى لَك عَن تِلْكَ اللُّقْمَة لقالَ الحاسدون كَيفَ فضل ذُو شَره لم يصبر على شَجَرَة لَوْلا نزولك ما تصاعدت صعداء الأنفاس ولا نزلت رسائل هَل من وسائِل ولا فاحت رَوائِح ولخلوف فَم الصّائِم فَتبين حِينَئِذٍ أن ذَلِك التَّناوُل لم يكن عَن شَرَهٍ يا آدم ضحكك في الجنَّة لَك وبكاؤك في دار التَّكْلِيف لنا ما ضرّ من كَسره عزي إذا جبره فضلي إنَّما تلِيق خلعة العِزّ ببدن الانكسار أنا عند المنكسرة قُلُوبهم من أجلي مازالت تِلْكَ الأكلَة تعاده حَتّى استولى داؤه على أوْلاده فَأرْسل إلَيْهِم اللَّطِيف الخَبِير الدَّواء على أيدي أطباء الوُجُود ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدىً فَمن تبع هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يشقى﴾ فحماهم الطَّبِيب بالمناهي وحفظ القُوَّة بالأوامر واستفرغ أخلاطهم الرَّديئَة بِالتَّوْبَةِ فَجاءَت العافِيَة من كل ناحيَة.
فيا من ضيّع القُوَّة ولم يحفظها وخلط في مَرضه وما احتمى ولا صَبر على مرارَة الاستفراغ لا تنكر قرب الهَلاك فالداء مترام إلى الفساد لَو ساعد القدر فأعنت الطَّبِيب على نَفسك بالحمية من شَهْوَة خسيسة ظَفرت بأنواع اللَّذّات وأصناف المشتهيات ولَك بخار الشَّهْوَة غطى عين البصيرة فَظَنَنْت أن الحزم بيع الوَعْد بِالنَّقْدِ يالها بَصِيرَة عمياء جزعت من صَبر ساعَة واحتملت ذل الأبَد سافَرت في طلب الدُّنْيا وهِي عَنْها زائلة وقَعَدت عَن السّفر إلى الآخِرَة وهِي إلَيْها راحِلَة إذا رَأيْت الرجل يَشْتَرِي الخسيس بالنفيس ويبِيع العَظِيم بالحقير فاعْلَم بِأنَّهُ سَفِيه.
(فصل)
فهذه كالمناظرة من الملائكة والجواب عن سؤالهم كأنهم قالوا إن استخلفت في الأرض خليفة كان منه الفساد وسفك الدماء وحكمتك تقتضي أن لا تفعل ذلك وإن جعلت فيها فتجعل فيها من يسبح بحمدك ويقدس لك ونحن نفعل ذلك فأجابهم تعالى عن هذا السؤال بأن له من الحكمة في جعل هذا الخليفة في الأرض ما لا تعلمه الملائكة وإن وراء ما زعمتم من الفساد مصالح وحكما لا تعلمونها أنتم وقد ذكرنا منها قريبا من أربعين حكمة في كتاب التحفة المكية فاستخرج تعالى من هذا الخليفة
وذريته الأنبياء والرسل والأولياء والمؤمنين وعمر بهم الجنة وميز الخبيث من ذريته من الطيب فعمر بهم النار.
وكان في ضمن ذلك من الحكم والمصالح ما لم يكن للملائكة تعلمه ثم إنه سبحانه أظهر فضل الخليفة عليهم بما خص به من العلم الذي لم تعلمه الملائكة وأمرهم بالسجود له تكريما له وتعظيما له وإظهار لفضله.
وفي ضمن ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله فمنها امتحانهم بالسجود لمن زعموا أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء فأسجدهم له وأظهر فضله عليهم لما أثنوا على أنفسهم وذموا الخليفة كما فعل سبحانه ذلك بموسى لما أخبر عن نفسه أنه أعلم أهل الأرض فامتحنه بالخضر وعجزه معه في تلك الوقائع الثلاث وهذه سنته تعالى في خليقته وهو الحكيم العليم.
ومنها خبره لهذا الخليفة وابتداؤه له بالإكرام والإنعام لما علم مما يحصل له من الانكسار والمصيبة والمحنة فابتدأه بالجبر والفضل ثم جاءت المحنة والبلية والذل وكانت عاقبتها إلى الخبر والفضل والإحسان فكانت المصيبة التي لحقته محفوفة بإنعامين إنعام قبلها وبعدها ولذريته المؤمنين نصيب مما لأبيهم فإن الله تعالى أنعم عليهم بالإيمان ابتداء وجعل العاقبة لهم فما أصابهم بين ذلك من الذنوب والمصائب فهي محفوفة بإنعام قبلها وإنعام بعدها فتبارك الله رب العالمين.
ومنها استخراجه تعالى ما كان كامنا في نفس عدوه إبليس من الكبر والمعصية الذي ظهر عند أمره بالسجود فاستحق اللعنة والطرد والإبعاد على ما كان كامنا في نفسه عند إظهاره والله تعالى كان يعلم منه ولم يكن ليعاقبه ويلعنه على علمه فيها بل على وقوع معلومة فكان أمره بالسجود له مع الملائكة مظهرا للخبث والكفر الذي كان كامنا فيه ولم تكن الملائكة تعلمه فأظهر لهم سبحانه ما كان يعلمه وكان خافيا عنهم من أمره فكان في الأمر بالسجود له تكريما لخليفته الذي أخبرهم بجعله في الأرض وجبرا له وتأديبا للملائكة وإظهارا لما كان مستخفيا في نفس إبليس وكان ذلك سببا لتمييز الخبيث من الطيب وهذا من بعض حكمه تعالى في إسجادهم لآدم ثم إنه سبحانه لما علم آدم ما علمه ثم امتحن الملائكة بعلمه فلم يعلموه فأنبأهم به آدم وكان في طي ذلك جوابا لهم عن كون هذا الخليفة لا فائدة في جعله في الأرض فإنه يفسد فيها ويسفك الدماء فأراهم من فضله وعلمه خلاف ما كان في ظنهم.
(فَصْلٌ المَشْهَدُ الخامِسُ وهو أحَدُ مَشاهِدِ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ: مَشْهَدُ الحِكْمَةِ)
وَهُوَ مَشْهَدُ حِكْمَةِ اللَّهِ في تَقْدِيرِهِ عَلى عَبْدِهِ ما يُبْغِضُهُ سُبْحانَهُ ويَكْرَهُهُ، ويَلُومُ ويُعاقِبُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ لَعَصَمَهُ مِنهُ، ولَحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعْصى قَسْرًا، وأنَّهُ لا يَكُونُ في العالَمِ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وَهَؤُلاءِ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا عَبَثًا ولا سُدًى، وأنَّهُ لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ في كُلِّ ما قَدَّرَهُ وقَضاهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، وحِكْمَةٍ باهِرَةٍ تَعْجِزُ العُقُولُ عَنِ الإحاطَةِ بِكُنْهِها، وتَكِلُّ الألْسُنُ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْها.
فَمَصْدَرُ قَضائِهِ وقَدَرِهِ لِما يُبْغِضُهُ ويُسْخِطُهُ اسْمُهُ الحَكِيمُ الَّذِي بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ الألْبابَ، وقَدْ قالَ تَعالى لِمَلائِكَتِهِ لَمّا قالُوا ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَأجابَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَلِلَّهِ سُبْحانَهُ في ظُهُورِ المَعاصِي والذُّنُوبِ والجَرائِمِ وتَرَتُّبِ آثارِها مِنَ الآياتِ والحِكَمِ، وأنْواعِ التَّعَرُّفاتِ إلى خَلْقِهِ، وتَنْوِيعِ آياتِهِ، ودَلائِلِ رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وإلَهِيَّتِهِ، وحِكْمَتِهِ، وعِزَّتِهِ، وتَمامِ مُلْكِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وإحاطَةِ عِلْمِهِ ما يَشْهَدُهُ أُولُو البَصائِرِ عِيانًا بِبَصائِرِ قُلُوبِهِمْ، فَيَقُولُونَ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١] إنْ هي إلّا حِكْمَتُكَ الباهِرَةُ، وآياتُكَ الظّاهِرَةُ.
؎وَلِلَّهِ في كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ∗∗∗ وتَسْكِينَةٍ أبَدًا شاهِدُ
؎وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
فَكَمْ مِن آيَةٍ مِنَ الأرْضِ بَيِّنَةٍ، دالَّةٍ عَلى اللَّهِ، وعَلى صِدْقِ رُسُلِهِ، وعَلى أنَّ لِقاءَهُ حَقٌّ، كانَ سَبَبُها مَعاصِيَ بَنِي آدَمَ وذُنُوبَهُمْ، كَآيَتِهِ في إغْراقِ قَوْمِ نُوحٍ، وعُلُوِّ الماءِ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ حَتّى أغْرَقَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ ونَجّى أوْلِياءَهُ، وأهْلَ مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، فَكَمْ في ذَلِكَ مِن آيَةٍ وعِبْرَةٍ، ودَلالَةٍ باقِيَةٍ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ؟! وكَذَلِكَ إهْلاكُ قَوْمِ عادٍ وثَمُودَ.
وَكَمْ لَهُ مِن آيَةٍ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن حِينِ بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ بَلْ قَبْلَ مَبْعَثِهِ إلى حَيْثُ إغْراقُهُمْ، لَوْلا مَعاصِيهِمْ وكُفْرُهم لَمْ تَظْهَرْ تِلْكَ الآياتُ والعَجائِبُ، وفي التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ فَإنِّي سَأُقَسِّي قَلْبَهُ، وأمْنَعُهُ عَنِ الإيمانِ لِأُظْهِرَ آياتِي وعَجائِبِي بِمِصْرَ، وكَذَلِكَ فَعَلَ سُبْحانَهُ فَأظْهَرَ مِن آياتِهِ وعَجائِبِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ما أظْهَرَ.
وَكَذَلِكَ إظْهارُهُ سُبْحانَهُ ما أظْهَرَ مِن جَعْلِ النّارِ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ بِسَبَبِ ذُنُوبِ قَوْمِهِ ومَعاصِيهِمْ، وإلْقائِهِمْ لَهُ في النّارِ، حَتّى صارَتْ تِلْكَ آيَةً، وحَتّى نالَ إبْراهِيمُ بِها ما نالَ مِن كَمالِ الخُلَّةِ.
وَكَذَلِكَ ما حَصَلَ لِلرُّسُلِ مِنَ الكَرامَةِ والمَنزِلَةِ والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ والوَجاهَةِ عِنْدَهُ، بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى أذى قَوْمِهِمْ، وعَلى مُحارَبَتِهِمْ لَهم ومُعاداتِهِمْ.
وَكَذَلِكَ اتِّخاذُ اللَّهِ تَعالى الشُّهَداءَ والأوْلِياءَ والأصْفِياءَ مِن بَنِي آدَمَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى أذى بَنِي آدَمَ مِن أهْلِ المَعاصِي والظُّلْمِ، ومُجاهَدَتِهِمْ في اللَّهِ، وتَحَمُّلِهِمْ لِأجْلِهِ مِن أعْدائِهِ ما هو بِعَيْنِهِ وعِلْمِهِ، واسْتِحْقاقُهم بِذَلِكَ رِفْعَةُ الدَّرَجاتِ.
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَصالِحِ والحِكَمِ الَّتِي وُجِدَتْ بِسَبَبِ ظُهُورِ المَعاصِي والجَرائِمِ، وكانَ مِن سَبَبِها تَقْدِيرُ ما يَبْغَضُهُ اللَّهُ ويَسْخَطُهُ، وكانَ ذَلِكَ مَحْضَ الحِكْمَةِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمّا هو أحَبُّ إلَيْهِ وآثَرُ عِنْدَهُ مِن فَوْتِهِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ المَعْصِيَةِ.
فَحُصُولُ هَذا المَحْبُوبِ العَظِيمِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن فَواتِ ذَلِكَ المَبْغُوضِ المَسْخُوطِ، فَإنَّ فَواتَهُ وعَدَمَهُ وإنْ كانَ مَحْبُوبًا لَهُ لَكِنَّ حُصُولَ هَذا المَحْبُوبِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ بِدُونِ وُجُودِ ذَلِكَ المَكْرُوهِ المَسْخُوطِ، وكَمالُ حِكْمَتِهِ تَقْتَضِي حُصُولَ أحَبِّ الأمْرَيْنِ إلَيْهِ بِفَواتِ أدْنى المَحْبُوبِينِ، وأنْ لا يُعَطَّلَ هَذا الأحَبُّ بِتَعْطِيلِ ذَلِكَ المَكْرُوهِ، وفَرْضُ الذِّهْنِ وُجُودَ هَذا بِدُونِ هَذا، كَفَرْضِهِ وُجُودَ المُسَبَّباتِ بِدُونِ أسْبابِها، والمَلْزُوماتِ بِدُونِ لَوازِمِها مِمّا تَمْنَعُهُ حِكْمَةُ اللَّهِ، وكَمالُ قُدْرَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ.
وَيَكْفِي مِن هَذا مِثالٌ واحِدٌ، وهو أنَّهُ لَوْلا المَعْصِيَةُ مِن أبِي البَشَرِ بِأكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ لَما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ما تَرَتَّبَ مِن وُجُودِ هَذِهِ المَحْبُوباتِ العِظامِ لِلرَّبِّ تَعالى، مِنَ امْتِحانِ خَلْقِهِ وتَكْلِيفِهِمْ، وإرْسالِ رُسُلِهِ، وإنْزالِ كُتُبِهِ، وإظْهارِ آياتِهِ وعَجائِبِهِ وتَنْوِيعِها وتَصْرِيفِها، وإكْرامِ أوْلِيائِهِ، وإهانَةِ أعْدائِهِ، وظُهُورِ عَدْلِهِ وفَضْلِهِ، وعِزَّتِهِ وانْتِقامِهِ، وعَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ وصَفْحِهِ وحِلْمِهِ، وظُهُورِ مَن يَعْبُدُهُ ويُحِبُّهُ ويَقُومُ بِمَراضِيهِ بَيْنَ أعْدائِهِ في دارِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ.
فَلَوْ قَدَّرَ أنَّ آدَمَ لَمْ يَأْكُلْ مِنَ الشَّجَرَةِ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنَ الجَنَّةِ هو وأوْلادُهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن تِلْكَ، ولا ظَهَرَ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ ما كانَ كامِنًا في قَلْبِ إبْلِيسَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ولا تَعْلَمُهُ المَلائِكَةُ، ولَمْ يَتَمَيَّزْ خَبِيثُ الخَلْقِ مِن طَيِّبِهِمْ، ولَمْ تَتِمَّ المَمْلَكَةُ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ إكْرامٌ وثَوابٌ، وعُقُوبَةٌ وإهانَةٌ، ودارُ سَعادَةٍ وفَضْلٍ، ودارُ شَقاوَةٍ وعَدْلٍ.
وَكَمْ في تَسْلِيطِ أوْلِيائِهِ عَلى أعْدائِهِ، وتَسْلِيطِ أعْدائِهِ عَلى أوْلِيائِهِ، والجَمْعِ بَيْنَهُما في دارٍ واحِدَةٍ، وابْتِلاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مِن حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، ونِعْمَةٍ سابِغَةٍ!.
وَكَمْ فِيها مِن حُصُولِ مَحْبُوبٍ لِلرَّبِّ، وحَمْدٍ لَهُ مِن أهْلِ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، وخُضُوعٍ لَهُ وتَذَلُّلٍ، وتَعَبُّدٍ وخَشْيَةٍ وافْتِقارٍ إلَيْهِ، وانْكِسارٍ بَيْنَ يَدَيْهِ أنْ لا يَجْعَلَهم مِن أعْدائِهِ، إذْ هم يُشاهِدُونَهم ويُشاهِدُونَ خِذْلانَ اللَّهِ لَهُمْ، وإعْراضَهُ عَنْهُمْ، ومَقْتَهُ لَهُمْ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، وتَصَرُّفِهِ في مَمْلَكَتِهِ، فَأوْلِياؤُهُ مِن خَشْيَةِ خِذْلانِهِ خاضِعُونَ مُشْفِقُونَ، عَلى أشَدِّ وجَلِّ، وأعْظَمِ مَخافَةٍ، وأتَمِّ انْكِسارٍ.
فَإذا رَأتِ المَلائِكَةُ إبْلِيسَ وما جَرى لَهُ، وهارُوتَ ومارُوتَ وضَعَتْ رُءُوسَها بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ خُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، واسْتِكانَةً لِعِزَّتِهِ، وخَشْيَةً مِن إبْعادِهِ وطَرْدِهِ، وتَذَلُّلًّا لِهَيْبَتِهِ، وافْتِقارًا إلى عِصْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، وعَلِمَتْ بِذَلِكَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، وإحْسانَهُ إلَيْهِمْ، وتَخْصِيصَهُ لَهم بِفَضْلِهِ وكَرامَتِهِ.
وَكَذَلِكَ أوْلِياؤُهُ المُتَّقُونَ، إذا شاهَدُوا أحْوالَ أعْدائِهِ ومَقْتَهُ لَهُمْ، وغَضَبَهُ عَلَيْهِمْ، وخِذْلانَهُ لَهُمْ، ازْدادُوا خُضُوعًا وذُلًّا، وافْتِقارًا وانْكِسارًا، وبِهِ اسْتِعانَةً وإلَيْهِ إنابَةً، وعَلَيْهِ تَوَكُّلًا، وفِيهِ رَغْبَةً، ومِنهُ رَهْبَةً، وعَلِمُوا أنَّهم لا مَلْجَأ لَهم مِنهُ إلّا إلَيْهِ، وأنَّهم لا يُعِيذُهم مِن بَأْسِهِ إلّا هُوَ، ولا يُنْجِيهِمْ مِن سَخَطِهِمْ إلّا مَرْضاتُهُ، فالفَضْلُ بِيَدِهِ أوَّلًا وآخِرًا.
وَهَذِهِ قَطْرَةٌ مِن بَحْرِ حِكْمَتِهِ المُحِيطَةِ بِخَلْقِهِ، والبَصِيرُ يُطالِعُ بِبَصِيرَتِهِ ما وراءَهُ، فَيُطْلِعُهُ عَلى عَجائِبَ مِن حِكْمَتِهِ، لا تَبْلُغُها العِبارَةُ، ولا تَنالُها الصِّفَةُ.
وَأمّا حَظُّ العَبْدِ في نَفْسِهِ، وما يَخُصُّهُ مِن شُهُودِ هَذِهِ الحِكْمَةِ فَبِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِ وقُوَّةِ بَصِيرَتِهِ، وكَمالِ عِلْمِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ومَعْرِفَتِهِ بِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ مِن ذَلِكَ شِرْبٌ مَعْلُومٌ، ومَقامٌ لا يَتَعَدّاهُ ولا يَتَخَطّاهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ والمُعِينُ.
البقرة 2:32
(لطيفة)
سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ: لا أدْرِي، فَقِيلَ لَهُ: ألا تَسْتَحْيِي مِن قَوْلِكَ لا أدْرِي وأنْتَ فَقِيهُ أهْلِ العِراقِ؟
فَقالَ: لَكِنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تَسْتَحِي حِينَ قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تَعَلَّمْ لا أدْرِي فَإنَّكَ إنْ قُلْتَ لا أدْرِي عَلَّمُوكَ حَتّى تَدْرِيَ، وإنْ قُلْتُ: أدْرِي سَألُوكَ حَتّى لا تَدْرِيَ.
وَقالَ عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ أرْبَعَةً وثَلاثِينَ شَهْرًا، فَكانَ كَثِيرًا ما يُسْألُ فَيَقُولُ: لا أدْرِي.
وَكانَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ لا يَكادُ يُفْتِي فُتْيا ولا يَقُولُ شَيْئًا إلّا قالَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي وسَلِّمْ مِنِّي.
وَسُئِلَ الشّافِعِيُّ عَنْ مَسْألَةٍ، فَسَكَتَ، فَقِيلَ: ألا تُجِيبُ؟ فَقالَ: حَتّى أدْرِيَ الفَضْلُ في سُكُوتِي أوْ في الجَوابِ، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: أدْرَكْتُ مِائَةً وعِشْرِينَ مِن الأنْصارِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْألُ أحَدُهم عَنْ المَسْألَةِ فَيَرُدَّها هَذا إلى هَذا وهَذا إلى هَذا حَتّى تَرْجِعَ إلى الأوَّلِ، وما مِنهم مِن أحَدٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ أوْ يُسْألَ عَنْ شَيْءٍ إلّا ودَّ أنَّ أخاهُ كَفاهُ.
وَقالَ أبُو الحُسَيْنِ الأزْدِيُّ: إنّ أحَدَهم لَيُفْتِي في المَسْألَةِ لَوْ ورَدَتْ عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لَجَمَعَ لَها أهْلَ بَدْرٍ.
وَسُئِلَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ شَيْءٍ، فَقالَ: إنِّي لا أُحْسِنُهُ، فَقالَ لَهُ السّائِلُ: إنِّي جِئْتُكَ لا أعْرِفُ غَيْرَكَ، فَقالَ لَهُ القاسِمُ: لا تَنْظُرُ إلى طُولِ لِحْيَتِي وكَثْرَةِ النّاسِ حَوْلِي، واللَّهِ ما أُحْسِنُهُ، فَقالَ شَيْخٌ مِن قُرَيْشٍ جالِسٌ إلى جَنْبِهِ: يا ابْنَ أخِي الزَمْها، فَواللَّهِ ما رَأيْناكَ في مَجْلِسٍ أنْبَلَ مِنكَ اليَوْمَ، فَقالَ القاسِمُ: واللَّهِ لَأنْ يُقْطَعَ لِسانِي أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أتَكَلَّم بِما لا عِلْمَ لِي بِهِ.
وَكَتَبَ سَلْمانُ إلى أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وكانَ بَيْنَهُما مُؤاخاةٌ: بَلَغَنِي أنَّكَ قَعَدْتَ طَبِيبًا فاحْذَرْ أنْ تَكُونَ مُتَطَبِّبًا أوْ تَقْتُلَ مُسْلِمًا، فَكانَ رُبَّما جاءَهُ الخَصْمانِ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُما ثُمَّ يَقُولُ: رَدُّوهُما عَلَيَّ، مُتَطَبِّبٌ واللَّهِ، أعِيدا عَلَيَّ قَضِيَّتَكُما.
البقرة 2:33
إن الله سُبْحانَهُ فاوت بَين النَّوْع الإنساني أعظم تفاوت يكون بَين المخلوقين فَلا يعرف اثْنان من نوع واحِد بَينهما من التَّفاوُت ما بَين خير البشر وشرهم والله سُبْحانَهُ خلق المَلائِكَة عقولا بِلا شهوات وخلق الحَيَوانات ذَوات شهوات بِلا عقول وخلق الإنسان مركبا من عقل وشهوة، فَمن غلب عقله شَهْوَته كانَ خيرا من المَلائِكَة، ومن غلبت شَهْوَته عقله كانَ شرا من الحَيَوانات وفاوت سُبْحانَهُ بَينهم في العلم فَجعل عالمهم معلم المَلائِكَة كَما قالَ تَعالى ﴿يا آدم أنبئهم بِأسْمائِهِمْ﴾ وتلك مرتبَة لا مرتبَة فَوْقها وجعل جاهلهم بِحَيْثُ لا يرضى الشَّيْطان بِهِ ولا يصلح لَهُ كَما قالَ الشَّيْطان لجاهلهم الَّذِي أطاعه في الكفْر ﴿إنِّي بَرِيء مِنك﴾ وقالَ لجهلتهم الَّذين عصوا رَسُوله ﴿إنِّي بَرِيء مِنكُم﴾ فَللَّه ما أشد هَذا التَّفاوُت بَين شَخْصَيْنِ أحدهما تسْجد لَهُ المَلائِكَة ويعلمها مِمّا الله علمه والآخر لا يرضى الشَّيْطان بِهِ وليا.
وَهَذا التَّفاوُت العَظِيم إنَّما حصل بِالعلمِ وثمرته ولَو لم يكن في العلم إلا القرب من رب العالمين والالتحاق بعالم المَلائِكَة وصحبة المَلأ الأعلى لكفى بِهِ فضلا وشرفا، فَكيف وعز الدُّنْيا والآخِرَة مَنُوط بِهِ ومشروط بحصوله.
البقرة 2:34
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا﴾ ﴿وَإذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ ﴿وَإذْ فَرَقْنا﴾ وهو كثير جدا بواو العطف من غير ذكر عامل يعمل في إذ لأن الكلام في سياق تعداد النعم وتكرار الأقاصيص فيشير بالواو العاطفة إليها كأنها مذكورة في اللفظ لعلم المخاطب بالمراد ولما خفي هذا على بعض ظاهرية النحاة قال إن أو زائدة هنا وليس كذلك ومن هذا الباب الواو المتضمنة معنى رب فإنك تجدها في أول الكلام كثيرا إشارة منهم إلى تعداد المذكور بعدها من فخر أو مدح أو غير ذلك فهذه كلها معان مضمرة في النفس وهذه الحروف عاطفة عليها وربما صرحوا بذلك المضمر كقول ابن مسعود: "دع ما في نفسك وإن أفتوك عنه وأفتوك" ومن هذا الباب حذف كثير من الأجوبة في القرآن لدلالة الواو عليها لعلم المخاطب أن الواو عاطفة ولا يعطف بها إلا على شيء كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ وكقوله تعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وهذا الباب واسع في اللغة فهذا ما في هذه المسألة وكان قد وقع لي هذا بعينه أمام المقام بمكة وكان يجول في نفسي فأضرب عنه صفحا لأني لم أره في مباحث القوم
ثم رأيته بعد لفاضلين من النحاة أحدهما حام حوله وما ورد ولا أعرف اسمه والثاني أبو القاسم السهيلي رحمه الله فإنه كشفه وصرح به وإذا لاحت الحقائق فكن أسعد الناس بها وإن جفاها الأغمار. والله الموفق للصواب.
(فصل)
أرْكان الكفْر أرْبَعَة الكبر والحسد والغَضَب والشهوة.
فالكبر يمنعهُ الانقياد والحسد يمنعهُ قبُول النَّصِيحَة وبذلها والغَضَب يمنعهُ العدْل والشهوة تَمنعهُ التفرّغ لِلْعِبادَةِ فَإذا انْهَدم ركن الكبر سهل عَلَيْهِ الانقياد وإذا انْهَدم ركن الحَسَد سهل عَلَيْهِ قبُول النصح وبذله وإذا انْهَدم ركن الغَضَب سهل عَلَيْهِ العدْل والتواضع وإذا انْهَدم ركن الشَّهْوَة سهل عَلَيْهِ الصَّبْر والعفاف والعِبادَة وزَوال الجبال عَن أماكنها أيسر من زَوال هَذِه الأرْبَعَة عَمَّن بلي بها ولا سِيما إذا صارَت هيئات راسخة وملكات وصفات ثابِتَة فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيم لَهُ مَعها عمل ألْبَتَّةَ ولا تزكو نَفسه مَعَ قِيامها بها وكلما اجْتهد في العَمَل أفسدته عَلَيْهِ هَذِه الأرْبَعَة وكل الآفات مُتَوَلّدَة مِنها وإذا استحكمت في القلب أرته الباطِل في صُورَة الحق والحق في صُورَة الباطِل والمَعْرُوف في صُورَة المُنكر والمُنكر في صُورَة المَعْرُوف وقربت مِنهُ الدُّنْيا وبعدت مِنهُ الآخِرَة وإذا تَأمَّلت كفر الأُمَم رَأيْته ناشئا مِنها وعَلَيْها يَقع العَذاب وتَكون خفته وشدته بِحَسب خفتها وشدتها فَمن فتحها على نَفسه فتح عَلَيْهِ أبْواب الشرور كلها عاجلا وآجلا ومن أغلقها على نَفسه أغلق عَنهُ أبوب الشرورفاتها تمنع الانقياد والإخْلاص والتَّوْبَة والإنابة وقبُول الحق ونصيحة المُسلمين والتواضع لله ولخلقه
ومنشأ هَذِه الأرْبَعَة من جَهله بربه وجهله بِنَفسِهِ فَإنَّهُ لَو عرف ربه بِصِفات الكَمال ونعوت الجلال وعرف نَفسه بالنقائص والآفات لم يتكبر ولم يغْضب لَها ولم يحْسد أحدا على ما أتاهُ الله فَإن الحَسَد في الحَقِيقَة نوع من معاداة الله فَإنَّهُ يكره نعْمَة الله على عَبده وقد أحبها الله وأحب زَوالها عَنهُ والله يكره ذَلِك فَهو مضاد لله في قَضائِهِ وقدره ومحبته وكراهته ولذَلِك كانَ إبْلِيس عدوه حَقِيقَة لِأن ذَنبه كانَ عَن كبر وحسد فَقلع هاتين الصفتين بِمَعْرِفَة الله وتوحيده والرِّضا بِهِ وعنهُ والإنابة إلَيْهِ وقلع الغَضَب بِمَعْرِفَة النَّفس وأنَّها لا تسْتَحقّ أن يغْضب لَها وينتقم لَها فَإن ذَلِك إيثار لَها بِالرِّضا والغَضَب على خالِقها وفاطرها وأعظم ما تدفع بِهِ هَذِه الآفة أن يعوّدها أن تغْضب لَهُ سُبْحانَهُ وترضى لَهُ فَكلما دَخلها شَيْء من الغَضَب والرِّضا لَهُ خرج مِنها مُقابِله من الغَضَب والرِّضا لَها وكَذا بِالعَكْسِ.
وَأما الشَّهْوَة فدواؤها صِحَة العلم والمعرفة بِأن إعطاءها شهواتها أعظم أسباب حرمانها إيّاها ومنعها مِنها وحميتها أعظم أسباب اتصالها إلَيْها فَكلما فتحت عَلَيْها باب الشَّهَوات كنت ساعيا في حرمانها إيّاها وكلما أغلقت عَنْها ذَلِك الباب كنت ساعيا في إيصالها إلَيْها على أكمل الوُجُوه.
فالغضب مثل السَّبع إذا أفلته صاحبه بَدَأ بِأكْلِهِ والشهوة مثل النّار إذا أضرمها صاحبها بدأت بإحراقه والكبر بِمَنزِلَة مُنازعَة الملك ملكه فَإن لم يهلكك طردك عَنهُ والحسد بِمَنزِلَة معاداة من هو أقدر مِنك والَّذِي يغلب شَهْوَته وغضبه يفرق الشَّيْطان من ظله ومن تغلبه شَهْوَته وغضبه يفرق من خياله.
(فصل: إياك والمعاصي فإنها أزالت عِزَّ اسْجُدُوا)
وأخرجت إقطاع (اسْكُن) يا لَها لَحْظَة أثمرت حرارة القلق ألف سنة مازال يكْتب بِدَم النَّدَم سطور الحزن في القَصَص ويرسلها مَعَ أنفاس الأسف حَتّى جاءَهُ توقيعُ ﴿فَتابَ عَلَيْه﴾ فَرح إبْلِيس بنزول آدم من الجنة وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف الدّرّ صعُود كم بَين قَوْله لآدَم ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَليفَة﴾ وقَوله لَك ﴿اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ ما جرى على آدم هو المُراد من وجوده (لَو لم تذنبوا ... )
يا آدم لا تجزع من قولي لَك ﴿اخْرُجْ مِنها﴾ فلك ولصالح ذريتك خلقتها
يا آدم كنت تدخل عليَّ دُخُول المُلُوك على المُلُوك واليَوْم تدخل عليَّ دُخُول العبيد على المُلُوك
يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانَت سَبَب كيسك فقد استخرج مِنك داء العجب وألبست خلعة العُبُودِيَّة ﴿وَعَسى أنْ تكْرهُوا﴾
يا آدم لم أخرج إقطاعك إلى غَيْرك إنَّما نحيّتك عَنهُ لأكمل عِمارَته لَك وليبعث إلى العمّال نَفَقَة ﴿تَتَجافى جنُوبهم﴾
تالله ما نَفعه عند مَعْصِيَته عز ﴿اسجدوا﴾ ولا شرف ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ ولا خصيصة ﴿لِما خلقت بيَدي﴾ ولا فَخر ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ وإنَّما انْتفع بذل ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾
لما لبس درع التَّوْحِيد على بدن الشُّكْر وقع سهم العَدو مِنهُ في غير مقتل
فجرحه فَوضع عَلَيْهِ جَبّار الانكسار فَعاد كَما كانَ فَقامَ الجريح كَأن لم يكن بِهِ قلبة.
(فصل مناظرة إبليس في آدم)
في ذكر مناظرة إبليس عدو الله في شأن آدم وإبائه من السجود له وبيان فسادها وقد كرر الله تعالى ذكرها في كتابه وأخبر فيها أن امتناع إبليس من السجود كان كبرا منه وكفرا ومجرد إباء وإنما ذكر الشبهة تعنتا وإلا فسبب معصيته الاستكبار والإباء والكفر وإلا فليس في أمره بالسجود لآدم ما يناقض الحكمة بوجه وأما شبهته الداحضة وهي أن أصله وعنصره النار وأصل آدم وعنصره التراب ورتب علي ذلك أنه خير من آدم ثم رتب على هاتين المقدمين أنه لا يحسن منه الخضوع لمن هو فوقه وخير منه فهي باطلة من وجوه عديدة منها أن دعواه كونه خيرا من آدم دعوى كاذبة باطلة واستدلاله عليها بكونه مخلوقا من نار وآدم من طين استدلال باطل وليست النار خيرا من الطين والتراب بل التراب خير من النار وأفضل عنصرا من وجوه:
أحدها: أن النار طبعها الفساد وإتلاف ما تعلقت به بخلاف التراب.
الثاني: أن طبعها الخفة والحدة والطيش والتراب طبعه الرزانة والسكون والثبات.
الثالث: أن التراب يتكون فيه ومنه أرزاق الحيوان وأقواتهم ولباس العباد وزينتهم والآت معايشهم ومساكنهم والنار لا يتكون فيها شيء من ذلك.
الرابع: أن التراب ضروري للحيوان لا يستغني عنه ألبتة ولا عن ما يتكون فيه ومنه والنار يستغني عنها الحيوان البهيم مطلقا وقد يستغنى عنها الإنسان الأيام والشهور فلا تدعوه إليها الضرورة فأين انتفاع الحيوان كله بالتراب إلى انتفاع الإنسان بالنار في بعض الأحيان.
الخامس: أن التراب إذا وضع فيه القوت أخرجه أضعاف أضعاف ما وضع فيه فمن بركته يؤدي إليك ما تستودعه فيه مضاعفا ولو استودعته النار لخانتك وأكلته ولم تبق ولم نذر.
السادس: أن النار لا تقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به فيكون حاملا لها والتراب لا يفتقر إلى حامل فالتراب أكمل منها.
السابع: أن النار مفتقرة إلى التراب وليس بالتراب فقر إليها فإن المحمل الذي تقوم به النار لا يكون إلا مكونا من التراب أو فيه فهي الفقيرة إلى التراب وهو الغني عنها.
الثامن: أن المادة الإبليسية هي المارج من النار وهو ضعيف يتلاعب به الهوى فيميل معه كيفما مال ولهذا غلب الهوى على المخلوق منه فأسره وقهره ولما كانت المادة الآدمية التراب وهو قوي لا يذهب مع الهوى أينما ذهب وقهر هواه وأسره ورجع إلى ربه فاجتباه واصطفاه فكان الهوى الذي مع المادة الآدمية عارضا سريع الزوال فزال وكان الثبات والرزانة أصليا له فعاد إليه وكان إبليس بالعكس من ذلك فرجع كل من الأبوين إلى أصله وعنصر آدم إلي أصله الطيب الشريف واللعين إلى أصله الرديء.
التاسع: أن النار وإن حصل بها بعض المنفعة والمتاع فالشر فيها لا يصدها عنه إلا قسرها وحبسها ولولا القاسر والحابس لها لأفسدت الحرث والنسل وأما التراب فالخير والبر والبركة كامن فيه كلما أثير وقلب ظهرت بركته وخيره وثمرته فأين أحدهما من الآخر.
العاشر: أن الله تعالى أكثر ذكر الأرض في كتابه وأخبر عن منافعها وخلقها وأنه جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات ودعا عباده إلى التفكر فيها والنظر في آياتها وعجائب ما أودع فيها ولم يذكر النار إلا في معرض العقوبة والتخويف والعذاب إلا موضعا أو موضعين ذكرها فيه بأنها تذكرة ومتاع للمقوين تذكرة بنار الآخرة ومتاع لبعض أفراد الإنسان وهم المقوون النازلون بالأرض الخالية إذا نزلها المسافر تمتع بالنار في منزلة فأين هذا من أوصاف الأرض في القرآن.
الحادي عشر: أن الله تعالى وصف الأرض بالبركة في غير موضع من كتابه خصوصا وأخبر أنه بارك فيها عموما فقال: ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ فهذه بركة عامة.
وأما البركة الخاصة ببعضها فكقوله: ﴿وَنَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً﴾ وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وأما النار فلم يخبر أنه جعل فيها بركة أصلا، بل المشهور أنها مذهبة للبركة ماحِقة لها فأين المبارك في نفسه المبارك فيما وضع فيه إلى مزيل البركة وماحِقها.
الثاني عشر: أن الله تعالى جعل الأرض محل بيوته التي يذكر فيها اسمه ويسبح له فيها بالغدو والآصال عموما وبيته الحرام الذي جعله قياما للناس مباركا فيه وهدى للعالمين خصوصا ولو لم يكن في الأرض إلا بيته الحرام لكفاها ذلك شرفا وفضلا على النار.
الثالث عشر: أن الله تعالى أودع في الأرض من المنافع والمعادن والأنهار والعيون والثمرات والحبوب والأقوات وأصناف الحيوانات وأمتعتها والجبال والجنان والرياض والمراكب البهية والصور البهيجة ما لم يودع في النار شيئا منه فأي روضة وجدث في النار أو جنة أو معدن أو صورة أو عين فوارة أو نهر مطرد أو ثمرة لذيذة أو زوجة حسنة أو لباس وسترة.
الرابع عشر: أن غاية النار أنها وضعت خادمة لما في الأرض فالنار إنما محلها محل الخادم لهذه الأشياء المكمل لها فهي تابعة لها خادمة فقط إذا استغنت عنها طردتها وأبعدتها عن قربها وإذا احتاجت إليها استدعتها استدعاء المخدوم لخادمة ومن يقضي حوائجه.
الخامس عشر: أن اللعين لقصور نظره وضعف بصيرته رأى صورة الطين ترابا ممتزجا بماء فاحتقره ولم يعلم أن الطين مركب من أصلين الماء الذي جعل الله تعالى منه كل شيء حي والتراب الذي جعله خزانة المنافع والنعم هذا وكم يجئ من الطين من المنافع وأنواع الأمتعة فلو تجاوز نظره صورة الطين إلى مادته ونهايته لرأى أنه خير من النار وأفضل وإذا استقريت الوجوه التي تدلك على أن التراب أفضل من النار وخير منها وجدتها كثيرة جدا وإنما أشرنا إليها إشارة ثم لو سلم بطريق الفرض الباطل أن النار خير من الطين لم يلزمه من ذلك أن يكون المخلوق منها خيرا من المخلوق من الطين فإن القادر على كل شيء يخلق من المادة المفضولة من هو خير ممن خلقه من المادة الفاضلة والاعتبار بكمال النهاية لا ينقص المادة فاللعين لم يتجاوز نظره محل المادة ولم يعبر منها إلى كمال الصورة ونهاية الخلقة فأين الماء المهين الذي هو نطفة ومضغة واستقذار النفوس له إلى كمال الصورة الإنسانية التامة المحاسن خلقا وخلقا وقد خلق الله تعالى الملائكة من نور وآدم من تراب ومنه ذرية آدم من هو خير من الملائكة وإن كان النور أفضل من التراب فهذا وأمثاله مما يدلك على ضعف مناظرة اللعين وفساد نظره وإدراكه وأن الحكمة كانت توجب عليه خضوعه لآدم فعارض حكمه الله وأمره برأيه الباطل ونظره الفاسد فقياسه باطل نصا وعقلا وكل من عارض نصوص الأنبياء بقياسه ورأيه فهو من خلفائه وأتباعه فنعوذ بالله من الخذلان ونسأله التوفيق والعصمة من هذا البلاء الذي ما رمي العبد بشر منه ولأن يلقي الله بذنوب الخلائق كلها ما خلا الإشراك به أسلم له من أن يلقي الله وقد عارض نصوص أنبيائه برأيه ورأي بنى جنسه وهل طرد الله تعالى إبليس ولعنه وأحل عليه سخطه وغضبه إلا حيث عارض النص بالرأي والقياس ثم قدمه عليه والله يعلم أن شبه عدو الله مع كونها داحضة باطلة أقوى من كثير من شبه المعارضين لنصوص الأنبياء بآرائهم وعقولهم فالعالم يتدبر سر تكرير الله تعالى لهذه القصة مرة بعد مرة وليحذر أن يكون له نصيب من هذا الرأي والقياس وهو لا يشعر فقد أقسم عدو الله أنه ليغوين بنى آدم أجمعين إلا المخلصين منهم وصدق تعالى ظنه عليهم وأخبر أن المخلصين لا سبيل له عليهم والمخلصون هم الذين أخلصوا العبادة والمحبة والإجلال والطاعة لله والمتابعة والانقياد لنصوص الأنبياء فيجرد عبادة الله عن عبادة ما سواه ويجرد متابعة رسوله وترك ما خالفه لقوله دون متابعة غيره فليزن العاقل نفسه بهذا الميزان قبل أن يوزن يوم القدوم على الله والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.