Tafsir Ibn Al-Qayyim — هود 11:108 – يوسف 12:109
المحتويات
- هود 11:108
- هود 11:112
- هود 11:113
- هود 11:114
- هود 11:116
- هود 11:117
- هود 11:118
- هود 11:119
- يوسف 12:4
- يوسف 12:18
- يوسف 12:21
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
- يوسف 12:30
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:40
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:53
- يوسف 12:55
- يوسف 12:58
- يوسف 12:62
- يوسف 12:72
- يوسف 12:77
- يوسف 12:84
- يوسف 12:86
- يوسف 12:96
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:103
- يوسف 12:108
- يوسف 12:109
هود 11:108
[الباب الثالث والعشرين: في استيفاء شبه النافين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها]
قالوا والرب تعالى تسمى بالغفور الرحيم ولم يتسمى بالمعذِّب ولا بالمعاقِب بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿إنّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ وهو الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ وقال: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾
وهذا كثير في القرآن فإنه سبحانه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم والحلم ويتسمى ولم يتمدح بأنه المعاقب ولا الغضبان ولا المعذب ولا المسقم إلا في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى ولم يثبت.
وقد كتب على نفسه كتابا أن رحمته سبقت غضبه.
وكذلك هو في أهل النار فإن رحمته فيهم سبقت غضبه، فإنه رحمهم أنواعا من الرحمة قبل أن أغضبوه بشركهم ورحمهم في حال شركهم ورحمهم بإقامة الحجة عليهم ورحمهم بدعوتهم إليه بعد أن أغضبوه وآذوا رسله وكذبوهم، وأمهلهم ولم يعاجلهم بل وسعتهم رحمته فرحمته غلبت غضبه، ولولا ذلك لخرب العالم وسقطت السماوات على الأرض، وخرت الجبال وإذا كانت الرحمة غالبة للغضب سابقة عليه امتنع أن يكون موجب الغضب دائما بدوامه غالبا لرحمته.
قالوا والتعذيب إما أن يكون عبثا أو لمصلحة وحكمة، وكونه عبثا مما ينزه أحكم الحاكمين عنه ونسبته إليه نسبة لما هو من أعظم النقائص إليه.
وإن كان لمصلحة فالمصلحة هي المنفعة ولوازمها وملزوماتها وهي إما أن تعود على الرب تعالى وهو يتعالى عن ذلك ويتقدس عنه.
وإما أن تعود إلى المخلوق إما نفس المعذب وإما غيره أو هما.
والأول ممتنع ولا مصلحة له في دوام العقوبة بلا نهاية.
وأما مصلحة غيره فإن كانت هي الاتعاظ والانزجار فقد حصلت، وإن كانت تكميل لذته وبهجته وسروره بأن يرى عدوه في تلك الحال وهو في غاية النعيم، فهذا لو كان أقسى الخلق لرق لعدوه من طول عذابه ودوام ما يقاسيه فلم يبق إلا كسر تلك النفوس الجبارة العتيدة ومداواتها كيما تصل إلى مادة أدوائها وأمراضها فتحسمها، وتلك المادة شر طارئ على خير خلقت عليه في ابتداء فطرتها.
قالوا والأقسام الممكنة في الخلق خمسة لا مزيد عليها:
خير محض ومقابله، وخير راجح ومقابله، وخير وشر متساويان، والحكمة تقتضي إيجاد قسمين منها وهما الخير الخالص والراجح.
وأما الشر الخالص أو الراجح فإن الحكمة لا تقتضي وجوده بل تأبى ذلك فإن كل ما خلقه الله سبحانه فإنما خلقه لحكمة وجودها أولى من عدمها وخلق الدواب الشريرة والأفعال التي هي شر لما يترتب على خلقها من الخير المحبوب فلم يخلق لمجرد الشر الذي لا يستلزم خيرا بوجه ما هذا غاية المحال.
فالخير هو المقصود بالذات بالقصد الأول، والشر إنما قصد قصد الوسائل والمبادئ لا قصد الغايات والنهايات وحينئذ فإذا حصلت الغاية المقصودة بخلقه بطل وزال كما تبطل الوسائل عند الانتهاء إلى غاياتها كما هو معلوم بالحس والعقل، وعلى هذا فالعذاب شر وله غاية تطلب به وهو وسيلة إليها، فإذا حصلت غايته كان بمنزلة الطريق الموصلة إلى القصد، فإذا وصل بها السائر إلى مقصده لم يبق لسلوكها فائدة.
وسر المسألة أن الرحمة غاية الخلق والأمر لا العذاب فالعذاب من مخلوقاته وذلك مقتضى أنه خلقه لغاية محمودة ولا بد من ظهور أسمائه وأثر صفاته عموما وإطلاقا، فإن هذا هو الكمال، والرب جل جلاله موصوف بالكمال منزه عن النقص.
قالوا وقد قال تعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وقال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قال أبو سعيد الخدري: "هذه تقضي على كل آية في القرآن"
ذكره البيهقي وحرب وغيرهما.
وقال عبد الله بن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا"
وعن عمر بن الخطاب وأبي هريرة مثله ذكره جماعة من المصنفين في السنة.
وهذا يقتضي أن الدار التي لا يبقى فيها أحد هي التي يلبث فيها أهلها أحقابا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة فقال تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار"
قالوا ويكفينا ما في سورة الأنعام من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾
وهذا خطاب للكفار من الجن والإنس من وجوه.
أحدها استكبارهم منهم أي من إغوائهم وإضلالهم وإنما استكبروا من الكفار.
الثاني قوله: ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ وأولياؤهم هم الكفار كما قال تعالى: ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ فحزب الشيطان هم أولياؤه.
والثالث قوله: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ومع هذا فقال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ ثم ختم الآية بقوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ فتعذيبهم متعلق بعلمه وحكمته، وكذلك الاستثناء صادر عن علم وحكمة فهو عليم بما يفعل بهم حكيم في ذلك.
قالوا وقد ورد في القرآن أنه سبحانه إذا ذكر جزاء أهل رحمته وأهل غضبه معا أبّد جزاء أهل الرحمة وأطلق جزاء أهل الغضب كقوله: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ َأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقوله: ﴿إنّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
وقد يقرن بينهما في الذكر ويقضي لهم بالخلود كقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ولكن مجرد ذكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية بل الخلود هو المكث الطويل كقولهم: قيد مخلد، وتأبيد كل شيء بحسبه، فقد يكون التأبيد لمدة الحياة وقد يكون لمدة الدنيا قال تعالى عن اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ومعلوم أنهم يتمنونه في النار حيث يقولون ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ وإنما استفيد عدم انتهاء نعيم الجنة بقوله: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وقوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقوله: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي مقطوع.
ومن قال لا يمن به عليهم فقد أخطأ أقبح الخطأ ولم يجئ مثل ذلك في عذاب أهل النار.
وقوله عز وجل: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّار﴾ ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ في موضعين من القرآن
وقوله: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ غير مصروف عن ظاهره وحقيقته على الصحيح.
وقد زعمت طائفة أن إطلاق هذه الآيات مقيد بآيات التقييد بالاستثناء بالمشيئة فيكون من باب تخصيص العموم، وهذا كأنه قول من قال من السلف في آية الاستثناء أنها تقضي على كل وعيد في القرآن.
والصحيح أن هذه الآيات على عمومها وإطلاقها ولكن ليس فيها ما يدل على أن نفس النار دائمة بدوام الله لا انتهاء لها هذا ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه بوجه ما.
وفرق بين أن يكون عذاب أهلها دائما بدوامها، وبين أن يكون هي أبدية لا انقطاع لها فلا تستحيل ولا تضمحل فهذا شيء وهذا شيء.
لا يقال: فلا فرق على هذا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إذ كان كل منهما يضمحل وينقطع؟
قيل ما أظهر الفروق بينهما والأمر أبين من أن يحتاج إلى فرق.
وأيضا فعذاب الدنيا ينقطع بموت المعذب وإقلاع العذاب عنه.
وأما عذاب الآخرة فلا يموت من استحق الخلود فيه ولا يقلع العذاب عنه ولا يدفعه عنه أحد كما قال تعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ وهو لازم لا يفارق قال تعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أي لازما ومنه سمي الغريم غريما لملازمة غريمه.
(فصل)
وأما الآثار في هذه المسألة فقال الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي ﷺ: "ليأتين على جهنم يوم كأنها ورق هاج واحمر تخفق أبوابها"
وقال حرب في مسائله: "سألت إسحاق قلت قول الله عز وجل: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾
قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن"
حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي حدثنا أبو نصرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي ﷺ قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾
قال المعتمر: "قال أي كل وعيد في القرآن" ثم تأول حرب ذلك فقال: "معناه عندي - والله أعلم - أنها تأتي على كل وعيد في القرآن لأهل التوحيد وكذلك قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ استثنى من أهل القبلة الذين يخرجون من النار"
وهذا التأويل لا يصح لأن الاستثناء إنما هو في وعيد الكفار فإنه سبحانه قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ﴾ الآية ثم قال: ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ﴾ فأهل التوحيد من الذين سعدوا شقوا، وآية الأنعام صريحة في حق الكفار كما تقدم بيانه.
قال حرب وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي ثنا شعبة عن أبي حدثنا مليح سمع عمر بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: "ليأتين على جهنم يوم تصطفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا"
حدثنا عبيد الله ثنا أبي ثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: "أما الذي أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ (فأما الذين شقوا ففي النار) " الآية.
قال عبيد الله: "كان أصحابنا يقولون يعني بها الموحدين" وقد تقدم أن هذا التأويل لا يصح.
وقال عبد بن حميد في تفسيره أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: "لو لبث أهل النار في النار بقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه"
وقال أخبرنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال: "لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه"
ورواة هذا الأثر أئمة ثقات كلهم، والحسن سمعه من بعض التابعين ورواه غير منكر له، فدل هذا الحديث أنه كان متداولا بين هؤلاء الأئمة لا ينكرونه، وقد كانوا ينكرونه على من خرج عن السنة أدنى شيء، ويروون الأحاديث المبطلة لفعله، وكان الإمام أحمد يقول أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا في حلوق المبتدعة فلو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للسنة والإجماع لسارعوا إلى رده وإنكاره، وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
قال: "لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا"
قال الطبري: "وروي عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء أن الله جعل أمر هؤلاء في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته" وهذا التفسير من ابن عباس يبطل قول من تأول الآية على أن معناها سوى ما شاء الله من أنواع العذاب، أو قال المعنى إلا مدة مقامهم قبل الدخول من حين بعثوا إلى أن دخلوا، أو أنها في أهل القبلة، و (ما) بمعنى (مَن) أو أنها بمعنى (الواو) أي وما شاء الله، وهذه كلها تأويلات باردة ركيكة لا تليق بالآية ومن تأملها جزم ببطلانها.
وقال السدي في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ قال سبعمائة حقب كل حقب سبعون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون وتقييد لبثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدرة يحصرها العدد هذا قول الأكثرين ولهذا تأول الزجاج الآية على أن الأحقاب تقييد لقوله لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا وأما مدة مكثهم فيها فلا يتقدر بالأحقاب وهذا تأويل فاسد فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب.
وقالت طائفة أخرى الآية منسوخة بقوله: ﴿ما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾
وهذا فاسد أيضا إن أرادوا بالنسخ الرفع فإنه لا يدخل في الخبر إلا إذا كان بمعنى الطلب وإن أرادوا بالنسخ البيان فهو صحيح وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية فهم فيها خالدون وما هم بمخرجين وهذا حق معلوم دلالة القرآن والسنة عليه لكن الشأن في أمر آخر وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب فأين الدليل على هذا من القرآن أو السنة بوجه من الوجوه.
وقالت طائفة هي في أهل التوحيد وهذا أقبح مما قبله وسياق الآيات يرده ردا صريحا ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات قال لا يدل ذكر الأحقاب على النهاية فإنها غير مقدرة بالعدد فإنه لم يقل عشرة ولا مائة ولو قدرت بالعدد لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم فكيف إذا لم يقدر؟ قالوا ومعنى الآية أنه كلما مضى حقب تبعه حقب لا إلى نهاية.
وهذا الذي قالوه لا تدل الآية عليه بوجه، وقولهم أن الأحقاب فيها غير مقدرة فيقال لو أريد بالآية بيان عدم انتهاء مدة العذاب لم يقيد بالأحقاب فإن ما لا نهاية له لا يقال هو باق أحقابا ودهورا وأعصارا أو نحو ذلك، ولهذا لا يقال ذلك في نعيم أهل الجنة ولا يقال للأبدي الذي لا يزول هو باق أحقابا أو آلافا من السنين، فالصحابة أفهم الآية لمعاني القرآن، وقد فهم منها عمر بن الخطاب خلاف فهم هؤلاء، كما فهم ابن عباس من آية الاستثناء خلاف فهم أولئك، وفهم الصحابة في القرآن هو الغاية التي عليها المعول.
وقد قال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا"
وقال ابن جرير حديث عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾
قال: "أمر الله النار أن تأكلهم"
قال وقال ابن مسعود فذكره وقال حدثنا محمد بن حميد ثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال: "جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا"
قلت لا يدل قوله أسرعهما خرابا على خراب الدار الأخرى كما في قوله تعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله في الحديث: "الله أعلى وأجل"
وقوله: "أسرعهما عمرانا" يحتمل معنيين:
أحدهما مسارعة الناس إلى الأعمال التي يدخلون بها جهنم وإبطاؤهم عن أعمال الدار الأخرى.
والثاني أن أهلها يدخلونها قبل دخول أهل الجنة إليها فإن أهل الجنة إنما يدخلونها بعد عبورهم على الصراط وبعد حبسهم على القنطرة التي وراءه، وأهل النار قد تبوءوا منازلهم منها فإنهم لا يجوزون على الصراط ولا يحبسون على تلك القنطرة.
وأيضا ففي الحديث الصحيح: "أنه لما ينادي المنادي لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فتتبع المشركون أوثانهم وآلهتهم فتتساقط بهم في النار، وتبقى هذه الأمة في الموقف حتى يأتيها ربها عز وجل ويقول: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس"
وقد ذكر الخطيب في تاريخه في ترجمة سهل بن عبيد الله بن داود بن سليمان أبو نصر البخاري حدثنا محمد بن نوح الجند سابوري حدثنا جعفر بن محمد بن عيسى الناقد حدثنا سهل بن عثمان ثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ:
"يأتي على جهنم يوما ما فيها من بني آدم أحد تخفق أبوابها كأنها أبواب الموحدين"
وليس العمدة على هذا وحده فإن إسناده ضعيف، وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود وقد تقدم.
(فصل)
والذين قطعوا بأبدية النار وأنها لا تفنى لهم طرق.
أحدها: الآيات والأحاديث الدالة على خلودهم فيها وأنهم لا يموتون وما هم منها بمخرجين وأن الموت يذبح بين الجنة والنار وأن الكفار لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وأمثال هذه النصوص وهذه الطريق لا تدل على ما ذكروه وإنما يدل على أنها ما دامت باقية فهم فيها فأين فيها ما يدل على عدم فنائها.
الطريق الثاني دعوى الإجماع على ذلك وقد ذكرنا من أقوال الصحابة والتابعين ما يدل على أن الأمر بخلاف ما قالوا حتى لقد ادعى إجماع الصحابة من هذا الجانب استنادا إلى تلك النقول التي لا يعلم عنهم خلافها.
الطريق الثالث أنه كالمعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الجنة والنار لا تفنيان بل هما باقيتان ولهذا أنكر أهل السنة كلهم على أبي الهذيل وجهم وشيعتهما ممن قال بفنائها وعدوا أقوالهم من أقوال أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ولا ريب أن هذا من أقوال أهل البدع التي خرجوا بها عن السنة ولكن من أين تصح دعوى العلم النظري أن النار باقية ببقاء الله دائمة بدوامه فضلا عن العلم الضروري فأين في الأدلة الشرعية أو العقلية دليل واحد يقتضي ذلك.
الطريق الرابع أن السنة المستفيضة أو المتواترة أخبرت بخروج أهل التوحيد من النار دون الكفار، وهذا معلوم من السنة قطعا وهذا الذي قالوه حق لا ريب فيه ولكن أهل التوحيد خرجوا منها وهي باقية لم تفن ولم تعدم والكفار لا يحصل لهم ذلك بل هم باقون فيها ما بقيت.
الطريق الخامس أن العقل يدل على خلود الكفار فيها وعدم خروجهم منها فإن نفوسهم غير قابلة للخير فإنهم لو خرجوا منها لعادوا كفارا كما كانوا وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذا يدل على غاية عتوهم وإصرارهم وعدم قبول الخير فيهم بوجه من الوجوه فلا تصلح نفوسهم الشريرة الخبيثة إلا للعذاب ولو صلحت لصلحت على طول العذاب فحيث لم يؤثر عذابهم تلك الأحقاب الطويلة في نفوسهم ولم يطيبها علم أنه لا قابلية فيهم للخير أصلا وأن أسباب العذاب لم يطف من نفوسهم فلا يطفى العذاب المترتب عليها وهذه الطريق وإن أنكرت ببادئ الرأي فهي طريق قوية وهي ترجع إلى طريق الحكمة وأن الحكمة التي اقتضت دخولهم هي التي اقتضت خلودهم ولكن هذه الطريق محرم سلوكها على نفاة الحكمة وعلى مثبتيها من المعتزلة والقدرية أما النفاة فظاهر.
وأما المثبتة فالحكمة عندهم أن عذابهم لمصلحتهم وهذا إنما يصح إذا كان لهم حالتان حالة يعذبون فيها لأجل مصلحتهم وحالة يزول عنهم العذاب لتحصل لهم تلك المصلحة وإلا فكيف تكون مصلحتهم في عذاب لا انقطاع له أبدا وأما من يثبت حكمة راجعة إلى الرب تعالى فيمكنهم سلوك هذه الطريق، لكن يقال الحكمة لا تقتضي دوام عذابهم بدوام بقائه سبحانه وهو لم يخبر أنه خلقهم لذلك وإنما يعذبون لغاية محمودة إذا حصلت حصل المقصود من عذابهم وهو سبحانه لا يعذب خلقه سدى وهو قادر على أن ينشئهم بعد العذاب الطويل نشأة أخرى مجردة عن تلك الشرور والخبائث التي كانت في نفوسهم وقد أزالها طول العذاب فإنهم خلقوا قابلين للخير على الفطرة وهذا القبول لازم لخلقتهم وبه أقروا بصانعهم وفاطرهم، وإنما طرأ عليه ما أبطل مقتضاه فإذا زال ذلك الطارئ بالعذاب الطويل بقي أصل القبول بلا معارض وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْه﴾ فهذا قبل مثابرتهم للعذاب قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
فتلك الخبائث والشرور قائمة بنفوسهم لم تزلها النار فلو ردوا لعادوا لقيام المقتضى للعود ولكن أين أخبر سبحانه أنه لو ردهم بعد العذاب الطويل السرمدي لعادوا لما نهوا عنه وسر المسألة أن الفطرة الأصلية لا بد أن تعمل عملها كما عمل الطارئ عليها عمله وهذه الفطرة عامة لجميع بني آدم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة" وفي لفظ "على هذه الملة" وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حماد المجاشعي عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه: قال
"إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا"
فأخبر أن الأصل فيهم الحنيفية وأنهم خلقوا عليها وأن صدها عارض فيهم باقتطاع الشياطين لهم عنها فمن الممتنع أن يعمل أثر اقتطاع الشياطين ولا يعمل أثر خلق الرحمن جل جلاله عمله والكل خلقه سبحانه فلا خالق سواه ولكن ذاك خلق يحبه ويرضاه ويضاف أثره إليه وهذا خلق يبغضه ويسخطه ولا يضاف أثره إليه فإن الشر ليس إليه والخير كله في يديه.
فإن قيل فقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ وهذا يقتضي أنه لا قابلية فيهم ولا خير عندهم ألبتة ولو كان عندهم لخرجوا به من النار مع الموحدين فإنه سبحانه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من خير فعلم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر اليسير من الخير؟
قيل الخير في هذا الحديث هو الإيمان بالله ورسله كما في اللفظ الآخر أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان وهو تصديق رسله والانقياد لهم بالقلب والجوارح وأما الخير في الآية فالمراد به القبول والزكاة ومعرفة قدر النعمة وشكر المنعم عليها فلو علم الله سبحانه ذلك فيهم لأسمعهم إسماعا ينتفعون به فإنهم قد سمعوا سماعا تقوم به عليهم الحجة فتلك القابلية ذهب أثرها وتعطلت بالكفر والجحود وعادت كالشيء المعدوم الذي لا ينتفع به وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم ولم يظهر أثرها في انتفاعهم بما عملوه وتيقنوه.
فإن قيل فالغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا وقال نوح عن قومه (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا: "إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيي مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحي كافرا ويموت كافرا" الحديث ..
قيل هذا لا يناقض كونه مولودا على الفطرة فإنه طبع وولد مقدرا كفره إذا عقل وإلا ففي حال ولادته لا يعرف كفرا ولا إيمانا فهي حال مقدرة لا مقارنة للعامل فهو مولود على الفطرة ومولود كافرا باعتبارين صحيحين ثابتين له هذا بالقبول وإيثار الإسلام لو خلى وهذا بالفعل والإرادة إذا عقل فإذا جمعت بين الفطرة السابقة والرحمة السابقة العالية والحكمة البالغة والغنى التام وقرنت بين فطرته ورحمته وحكمته وغناه تبين لك الأمر.
الطريق السادس قياس دار العدل على دار الفضل وأن هذه كما أنها أبدية فالأخرى كذلك لأن هذه توجب عدله وعدله ورحمته من لوازم ذاته وهذه الطريق غير نافذة فإن العدل حقه سبحانه لا يجب عليه أن يستوفيه ولا يلحقه بتركه نقص ولا ذم بوجه من الوجوه والفضل وعده الذي وعد به عباده وأحقه على نفسه والفرق بين الدارين من وجوه عديدة شرعا وعقلا.
أحدها أن الله سبحانه أخبر بأن نعيم الجنة ماله من نفاد وأن عطاء أهلها غير مجذوذ وأنه غير ممنون ولم يجئ ذلك في عذاب أهل النار.
الثاني أنه أخبر بما يدل على انتهاء عذاب أهل النار في عدة آيات كما تقدم ولم يخبر بما يدل على انتهاء نعيم أهل الجنة ولهذا احتاج القائلون بالتأبيد الذي لا انقطاع له إلى تأويل تلك الآيات ولم يجئ في نعيم أهل الجنة ما يحتاجونه إلى تخصيصه بالتأويل.
الثالث أن الأحاديث التي جاءت في انتهاء عذاب النار لم يجئ شيء منها في انتهاء نعيم الجنة.
الرابع أن الصحابة والتابعين إنما ذكروا انقطاع العذاب ولم يذكر أحد منهم انقطاع النعيم.
الخامس أنه قد ثبت أن الله سبحانه يدخل الجنة بلا عمل أصلا بخلاف النار.
السادس أنه سبحانه ينشئ في الجنة خلقا ينعمهم فيها ولا ينشئ في النار خلقا يعذبهم بها.
السابع أن الجنة من مقتضى رحمته والنار من مقتضى غضبه وأن الذين يدخلون النار أضعاف أضعاف الذين يدخلون الجنة فلو دام عذاب هؤلاء كدوام نعيم هؤلاء لغلب غضبه رحمته فكان الغضب هو الغالب السابق وهذا ممتنع.
الثامن أن الجنة دار فضله والنار دار عدله وفضله يغلب عدله.
التاسع أن النار دار استيفاء حقه الذي له والجنة دار وفاء حقه الذي أحقه هو على نفسه وهو سبحانه يترك حقه ولا يترك الحق الذي أحقه على نفسه.
العاشر أن الجنة هي الغاية التي خلقوا لها في الآخرة وأعمالها هي الغاية التي خلقوا لها في الدنيا بخلاف النار فإنه سبحانه لم يخلق خلقه للكفر به والإشراك وإنما خلقهم لعبادته وليرحمهم.
الحادي عشر أن النعيم من موجب أسمائه وصفاته، والعذاب إنما هو من أفعاله قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وقال: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامه.
فإن قيل فإن العذاب صادر عن عزته وحكمته وعدله وهذه أسماء حسنى وصفات كمال فيدوم ما صدر عنها بدوامها؟
قيل لعمر الله إن العذاب صدر عن عزة وحكمة وعدل وانتهاؤه عند حصول المقصود منه يصدر عن عزة وحكمة وعدل فلم يخرج العذاب ولا انقطاعه عن عزته وحكمته وعدله ولكن عند انتهائه يكون عزة مقرونة برحمة وحكمة مقرونة بجود وإحسان وعفو وصفح فالعزة والحكمة لم يزالا ولم ينقص بل صدر جميع ما خلقه ويخلقه وأمر به ويأمر به عن عزته وحكمته.
الثاني عشر أن العذاب مقصود لغيره لا لنفسه وأما الرحمة والإحسان والنعيم فمقصود لنفسه فالإحسان والنعيم غاية والعذاب والألم وسيلة فكيف يقاس أحدهما بالآخر.
الثالث عشر أنه سبحانه أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وأن رحمته سبقت غضبه وأنه كتب على نفسه الرحمة فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته وهذا ظاهر جدا.
فإن قيل فقد قال سبحانه عقيبها: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخر الآية يخرج غيرهم منها لخروجهم من الوصف الذي يستحق به؟
قيل الرحمة المكتوبة لهؤلاء هي غير الرحمة الواسعة لجميع الخلق بل هي رحمة خاصة خصهم بها دون غيرهم وكتبها لهم دون من سواهم وهم أهل الفلاح الذين لا يعذبون بل هم أهل الرحمة والفوز والنعيم وذكر الخاص بعد العام استطرادا وهو كثير في القرآن بل قد يستطرد من الخاص إلى العام كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ فهذا استطراد من ذكر الأبوين إلى ذكر الذرية ومن استطراد قوله: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ فالتي جعلت رجوما ليست هي التي زينت بها السماء ولكن استطرد من ذكر النوع إلى نوع آخر وأعاد ضمير الثاني على الأول لدخولهما تحت جنس واحد فهكذا قوله: ﴿رَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فالمكتوب للذين يتقون نوع خاص من الرحمة الواسعة والمقصود أن الرحمة لا بد أن تسع أهل النار ولا بد أن تنتهي حيث ينتهي العلم كما قالت الملائكة ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما.
الرابع عشر أنه قد صح عنه ﷺ حديث الشفاعة "قول أولي العزم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله"
وهذا صريح في أن ذلك الغضب العظيم لا يدوم، ومعلوم أن أهل النار إنما دخلوها بذلك الغضب فلو دام ذلك الغضب لدام عذابهم إذ هو موجب ذلك الغضب فإذا رضي الرب تبارك وتعالى وزال ذلك الغضب زال موجبه وهذا كما أن عقوبات الدنيا العامة وبلاؤها آثار غضبه فإذا استمر غضبه استمر ذلك البلاء فإذا رضي وزال غضبه زال البلاء وخلفته الرحمة.
الخامس عشر أن رضاه أحب إليه من غضبه، وعفوه أحب إليه من عقوبته، ورحمته أحب إليه من عذابه، وعطاؤه أحب إليه من منعه، وإنما يقع الغضب والعقوبة والمنع بأسباب تناقص موجب تلك الصفات والأسماء، وهو سبحانه كما يحب أسماءه وصفاته ويحب آثارها وموجبها كما في الحديث: "أنه وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال، نظيف يحب النظافة، عفو يحب العفو"
وهو شكور يحب الشاكرين، عليم يحب العالِمين، جواد يحب أهل الجود، حيي ستير يحب أهل الحياء والستر، صبور يحب الصابرين، رحيم يحب الرحماء، فهو يكره ما يضاد ذلك، وكذلك كره الكفر والعصيان والفسوق والظلم والجهل لمضادة هذه الأوصاف لأوصاف كماله الموافقة لأسمائه وصفاته، ولكن يريده سبحانه لاستلزامه ما يحبه ويرضاه فهو مراد له إرادة اللوازم المقصودة لغيرها، إذ هي معصية إلى ما يحب، فإذا حصل بها ما يحبه وأدت إلى الغاية المقصودة له سبحانه لم تبق مقصودة لا لنفسها ولا لغيرها، فتزول ويخلفها أضدادها التي هي أحب إليه سبحانه منها، وهي موجب أسمائه وصفاته.
فإن فهمت سر هذا الوجه وإلا فجاوزه إلى ما قبله ولا تعجل بإنكاره.
هذا وسر المسألة أنه سبحانه حكيم رحيم إنما يخلق بحكمة ورحمة فإذا عذب من يعذب لحكمة كان هذا جاريا على مقتضاها كما يوجد في الدنيا من العقوبات الشرعية والقدرية من التهذيب والتأديب والزجر والرحمة واللطف ما يزكي النفوس ويطيبها ويمحصها ويخلصها من شرها وخبثها، والنفوس الشريرة الظالمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهت عنه لا يصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والشر والظلم، فإذا عذبت هذه النفوس بالنار عذابا يخلصها من ذلك الشر ويخرج خبثها كان هذا معقولا في الحكمة كما يوجد في عذاب الدنيا وخلق من فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة.
أما خلق نفوس شريرة لا يزول شرها ألبتة وإنما خلقت للشر المحض وللعذاب السرمد الدائم بدوام خالقها سبحانه فهذا لا يظهر موافقته للحكمة والرحمة، وإن دخل تحت القدرة فدخوله تحت الحكمة والرحمة ليست بالبين فهذا ما وصل إليه النظر في هذه المسألة التي تكع فيها عقول العقلاء وكنت سألت عنها شيخ الإسلام قدس الله روحه فقال لي هذه المسألة عظيمة كبيرة ولم يجب فيها بشيء فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكثي بعض تلك الآثار التي ذكرت فأرسلت إليه الكتاب وهو في مجلسه الأخير وعلمت على ذلك الموضع وقلت للرسول قل له هذا الموضع يشكل عليه ولا يدري ما هو؟
فكتب فيها مصنفه المشهور - رحمة الله عليه - فمن كان عنده فضل علم فليحدثه فإن فوق كل ذي علم عليم وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه فإنه ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ووصف ذلك أحسن صفة ثم قال "ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء"
وعلى مذهب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث يقول: "لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا" وذكر ذلك في تفسير قوله: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾
وعلى مذهب أبي سعيد الخدري حيث يقول: "انتهى القرآن كله إلى هذه الآية: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ "
وعلى مذهب قتادة حيث يقول: "في قوله: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ الله أعلم بتبيينه على ما وقعت"
وعلى مذهب ابن زيد حيث يقول: "أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة" فقال عطاء: " (غير مجذوذ) ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار"
والقول بأن النار وعذابها دائم بدوام الله خبر عن الله بما يفعله فإن لم يكن مطابقا لخبره عن نفسه بذلك وإلا كان قولا عليه بغير علم، والنصوص لا تفهم ذلك والله أعلم.
(فصل)
وهاهنا مذاهب أخرى باطلة منها قول من قال أنهم يعذبون في النار مدة لبثهم في الدنيا وقول من قال تنقلب عليهم طبيعة نارية يلتذون بها كما يلتذ صاحب الجرب بالحك وقول من يقول أنها تفنى هي والجنة جميعا ويعودان عدما وقول من يقول تفنى حركاتها وتبقى أهلها في سكون دائم ولم يوفق للصواب في هذا الباب غير الصحابة ومن سلك سبيلهم. وبالله التوفيق.
وقال في (حادي الأرواح)
[الباب السابع والستون: في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد]
هذا مما يعلم بالاضطرار إن الرسول ﷺ أخبر به قال تعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
أي مقطوع ولا تنافي بين هذا وبين قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾
واختلف السلف في هذا الاستثناء.
فقال معمر عن الضحاك هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة يقول سبحانه وتعالى إنهم خالدون في الجنة ما دامت السماوات والأرض إلا مدة مكثهم في النار.
قلت وهذا يحتمل أمرين أحدهما أم يكون الأخبار عن الذين سعدوا وقع عن قوم مخصوصين وهم هؤلاء.
والثاني وهو الأظهر أن يكون وقع عن جملة السعداء والتخصيص بالمذكورين هو في الاستثناء وما دل عليه وأحسن من هذين التقديرين أن ترد المشيئة إلى الجميع حيث لم يكونوا في الجنة في الموقف، وعلى هذا فلا يبقى في الآية تخصيص.
وقالت فرقة أخرى هو استثناء استثناه الرب تعالى ولا يفعله كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه بل تجزم بضربه.
وقالت فرقة أخرى العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله ومع ما هو أكثر منه كان معنى (إلا) في ذلك ومعنى (الواو) سواء والمعنى على هذا سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض.
هذا قول الفراء وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن قالوا ونظير ذلك أن تقول لي عليك ألف إلا الألفين الذين قبلها أي سوى الألفين.
قال ابن جرير وهذا أحب الوجهين إليَّ إن الله تعالى لا خلف لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله ﴿عطاء غير مجذوذ﴾
قالوا ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولا إلا ما شئت أي سوى ما شئت أو لكن ما شئت من الزيادة عليه.
وقالت فرقة أخرى هذا الاستثناء إنما هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين الموت والبعث والبرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة ثم هو الخلود الأبد فلم يغيبوا عن الجنة إلا بمقدار إقامتهم في البرزخ.
وقالت فرقة أخرى العزيمة قد وقعت لهم من الله بالخلود الدائم إلى أن يشاء الله خلاف ذلك إعلاما لهم بأنهم مع خلودهم في مشيئته، وهذا كما قال لنبيه ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ وقوله ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وقوله ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم﴾ ونظائره.
وأخبر عباده سبحانه وأن الأمور كلها بمشيئته ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وقالت فرقة أخرى المراد بمدة دوام السماوات والأرض في هذا العالم فأخبر سبحانه أنهم خالدون في الجنة مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء الله أن يزيدهم عليه.
ولعل هذا قول من قال إن (إلا) بمعنى (سوى) ولكن اختلفت عبارته.
وهذا اختيار ابن قتيبة قال: المعنى خالدين فيها مدة العالم سوى ما شاء أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم وقالت فرقة أخرى (ما) بمعنى (مَن) كقوله ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾
والمعنى إلا من شاء ربك أن يدخله النار بذنوبه من السعداء.
والفرق بين هذا القول وبين أول الأقوال أن الاستثناء على هذا القول من المدة، وعلى ذلك القول من الأعيان.
وقالت فرقة أخرى المراد بالسماوات والأرض سماء الجنة وأرضها وهما باقيتان أبدا
وقوله ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ﴾ إن كانت (ما) بمعنى (مَن) فهم الذين يدخلون النار ثم يخرجون منها وإن كانت بمعنى الوقت فهو مدة احتباسهم في البرزخ والموقف.
قال الجعفي سألت عبد الله بن وهب عن هذا الاستثناء فقال سمعت فيه أنه قدر وقوفهم في الموقف يوم القيامة إلى أن يقضي بين الناس.
وقالت فرقة أخرى الاستثناء راجع إلى مدة لبثهم في الدنيا.
وهذه الأقوال متقاربة ويمكن الجمع بينها بأن يقال أخبر سبحانه وعن خلودهم في الجنة كل وقت إلا وقتا يشاء أن لا يكونوا فيها، وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ وفي موقف يوم القيامة وعلى الصراط وكون بعضهم في النار مدة، وعلى كل تقدير فهذه الآية من المتشابه.
وقوله فيها ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ محكم وكذلك قوله ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾
وقوله ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وقوله ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وقوله ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾
وقد أكد الله سبحانه وتعالى خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن وأخبر أنهم ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾
وهذا الاستثناء منقطع وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ تبين لك المراد من الآيتين.
واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنة تقدم على خلودهم فيها وبالله التوفيق.
وقد تقدم قول النبي ﷺ "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت "
وقوله "ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا"
وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال
"يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة فيطلعون مشفقين، ويقال يا أهل النار فيطلعون فرحين، فيقال هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت"
(فصل)
وهذا موضع اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال:
أحدها أن الجنة والنار فانيتان غير أبدتيين بل كما هما حادثتان فهما فانيتان
والقول الثاني أنهما باقيتان دائمتان لا يفنيان أبدا
والقول الثالث أن الجنة باقية أبدية والنار فانية.
ونحن نذكر هذه الأقوال وما قابلها وما احتج به أرباب كل قوله ونرد ما خالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فأما القول بفنائهما فهو قول قاله جهم بن صفوان إمام المعطلة الجهمية وليس له فيه سلف قط من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام ولا قال به أحد من أهل السنة.
وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفروهم به وصاحوا بهم من أقطار الأرض كما ذكره عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة عن خارجة بن مصعب أنه قال كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وهم يقولون لا يدوم وبقول الله تعالى ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ وهم يقولون ينفد، وبقول الله عز وجل ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾
قال شيخ الإسلام وهذا قاله جهمٌ لأصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنع في المستقبل كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات لكونها متعاقبة شيئا بعد شيء فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة وزعمت فرقة ممن وافقهم على امتناع حوادث لا نهاية لها أن هذا القول مقتضى العقل لكن لما جاء السمع ببقاء الجنة والنار قلنا بذلك وكان هؤلاء لم يعلموا أن ما كان ممتنعا في العقل لا يجيء في الشرع بوقوعه إذ يستحيل عليه أن يخبر بوجود ما هو ممتنع في العقل وكأنهم لم يفرقوا بين محالات العقول ومجازاتها فالسمع يجيء بالثاني لا بالأول فالسمع يجيء بما يعجز العقل عن إدراكه ولا يستقل به ولا يجيء بما لا يعلم العقل أحالته والأكثرون الذين وافقوا جهما وأبا الهذيل على هذا الأصل فرقوا بين الماضي والمستقبل وقالوا الماضي قد دخل في الوجود بخلاف المستقبل والممتنع إنما هو دخول ما لا يتناهى في الوجود لا تقدير دخوله شيئا بعد شيء قالوا أو هذا نظيران يقول القائل لا أعطيك درهما إلا وأعطيتك بعده درهما آخر فهذا ممكن والأول نظير أن يقول لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله درهما فهذا محال وهؤلاء عندهم وجود ما لا يتناهى في الماضي محال ووجوده في المستقبل واجب ونازعهم في ذلك آخرون فقالوا بل الأمر في الماضي كما هو في المستقبل ولا فرق بينهما بل الماضي والاستقبال أمر نسبي فكل ما يكون مستقبلا يصير ماضيا وكل ماض فقد كان مستقبلا فلا يعقل إمكان الدوام في أحد الطرفين وإحالته في الطرف الآخر قالوا وهذه مسألة دوام فاعلية الرب تبارك وتعالى وهو لم يزل ربا قادرا فاعل فإنه لم يزل حيا عليما قديرا ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعا عليه لذاته ثم ينقلب فيصير ممكنا لذاته من غير تجدد شيء وليس للأزل حد محدود حتى يصير الفعل ممكنا له عند ذلك الحد ويكون قبله ممتنعا عليه فهذا القول تصوره كاف في الجزم بفساده ويكفي في فساده أن الوقت الذي انقلب فيه الفعل من الإحالة الذاتيه إلى الأماكن الذات إما أن يصح أن يفرض قبله وقت يمكن فيه الفعل أولا لا يصح فإن قلتم لا يصح كان هذا تحكما غير معقول وهو من جنس الهوس وإن قلتم يصح قيل وكذلك ما يفرض قبله لا إلى غاية فما من زمن محقق أو مقدر إلا والفعل مكن فيه وهو صفة كمال وإحسان ومتعلق حمد الرب وتعالى وربوبيته وملكه وهو لم يزل ربا حميدا ملكا قادرا لم تتجدد له هذه الأوصاف كما أنه لم يزل حيا مريدا عليما والحياة والإرادة والعلم والقدرة تقتضي آثارها ومتعلقاتها فكيف يعقل حي قدير عليم مريد ليس له مانع ولا قاهر يقهره يستحيل عليه أن يفعل شيئا ألبتة وكيف يجعل هذا اصل من أصول الدين ويجعل معيارا على ما أخبر الله به ورسوله ويفرق به بين جائزات العقول ومحالاتها فإذا كان وهذا شان الميزان فكيف يستقيم الموزون به وأما قول من فرق بأن الماضي قد دخل في الوجود دون المستقبل فكلام لا تحقيق وراءه فإن الذي يحصره الوجود من الحركات هو المتناهي ثم يعدم فيصير ماضيا كما كان معدوما لما كان مستقبلا فوجوده بين عدمين وكلما انقضت جملة حدثت بعدها جملة أخرى فالذي صار ماضيا هو بعينه الذي كان مستقبلا فإن دل الدليل على امتناع ما لا يتناهى شيئا قبل شيء فهو بعينه دال على امتناعه شيئا بعد شيء وأما تفريقكم بقولكم المستقبل نظير قوله ما أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده درهما فهذا ممكن والماضي نظير قوله ما أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله درهما فهذا الفرق فيه تلبيس لا يخفى وليس بنظير ما نحن فيه بل نظيره أن يقول ما أعطيك درهما إلا وقد تقدم مني أعطاء درهم قبله فهذا ممكن الدوام في الماضي على حد إمكانه في المستقبل ولا فرق في العقل الصحيح بينهما ألبتة ولما لم يجد الجهم وأبو الهذيل واتباعهما بين الأمرين فرقا قالوا بوجوب تناهي الحركات في المستقبل كما يجب ابتداؤها عندهم في الماضي
وقال أهل الحديث بل هما سواء في الإمكان والوقوع ولم يزل الرب سبحانه تعالى فعالا لما يريد ولم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال وليس المتمكن من الفعل كل وقت كالذي لا يمكنه الفعل إلا في وقت معين وليس من يخلق كمن لا يخلق ومن يحسن كمن لا يحسن ومن يدبر الأمر كمن لا يدبر وأي كمال في أن يكون رب العالمين معطلا عن الفعل في مدة مقدرة أو محققة لا تتناهى يستحيل منه الفعل وحقيقة ذلك أنه لا يقدر عليه، وإن أبيتم هذا الإطلاق وقلتم أن المحال لا يوصف بكونه غير مقدور عليه فجمعتم بين محالين الحكم بإباحة الفعل من غير موجب لإحالته وانقلابه من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي من غير تجدد سبب وزعمتم أن هذا هو الأصل الذي تثبتون به وجود الصانع وحدوث العالم وقيامه الأبدان فجنيتم على العقل والشرع والرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل والكلام بمشيئته ولم يزل فعالا لما يريد، ولم يزل ربا محسنا.
والمقصود أن القول بفناء الجنة والنار قول مبتدع لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين والذين قالوه إنما تلقوه عن قياس فاسد كما اشتبه أصله على كثير من الناس فاعتقدوه حقا وبنوا عليه القول بخلق القرآن ونفي الصفات وقد دل القرآن والسنة والعقل الصريح على أن كلمات الله وأفعاله لا تتناهى ولا تنقطع بآخر ولا تحد بأول قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
فأخبر عن عدم نفاد كلماته لعزته وحكمته وهذان وصفان ذاتيان له سبحانه وتعالى لا يكون إلا كذلك.
وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن سليمان بن عامر قال سمعت الربيع بن أنس يقول إن مثل علم العباد كلهم في علم الله عز وجل كقطرة من هذه البحور كلها وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ الآية.
وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا﴾ الآية.
يقول سبحانه وتعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات الله والشجر كلها أقلام لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر وكلمات الله تعالى باقية لا يفنيها شيء لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي بل هو كما أثنى على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما يقول ثم إن مثل نعيم الدنيا أوله وآخره وفي نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها.
(فصل)
وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام فيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين.
قلت هاهنا أقوال سبعة:
أحدها أن من دخلها لا يخرج منها أبدا بل كل من دخلها مخلد فيها أبد الآباد بإذن الله وهذا قول الخوارج والمعتزلة.
والثاني أن أهلها يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي قال في فصوصه: "الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات فيثني عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ولم يقل وعيده بل قال ويتجاوز عن سيئاتهم مع أنه توعد على ذلك وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وقد زال الإمكان في حق الحق لما فيه من طلب المرجح
؎فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ∗∗∗ وما لوعيد الحق عين تعاين
؎وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ∗∗∗ على لذة فيها نعيم مباين
؎نعيم جنان الخلد والأمر واحد ∗∗∗ وبينهما عند التجلي تباين
؎يسمى عذابا من عذوبة طعمه ∗∗∗ وذاك له كالقشر والقشر صاين"
وهذا في طرف، والمعتزلة الذين يقولون لا يجوز على الله أن يخلف وعيده بل يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف.
فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا، وهذا عنده لا يعذب بها أحد أصلا والفريقان مخالفان لما علم بالاضطرار أن الرسول جاء به وأخبر به عن الله عز وجل.
الثالث قول من يقول إن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها قوم آخرون.
وهذا القول حكاه اليهود للنبي فأكذبهم فيه وقد أكذبهم الله تعالى في القرآن فيه فقال تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون﴾ فهذا القول إنما هو قول أعداء الله اليهود فهم شيوخ أربابه والقائلين به وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام على فساده قال تعالى: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ وقال ﴿وَما هم بِخارِجِينَ﴾ وقال ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ وقال تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ وقال تعالى: ﴿لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِهَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾
وهذا أبلغ ما يكون في الإخبار عن استحالة دخولهم الجنة.
الرابع قول من يقول يخرجون منها وتبقى نارا على حالها ليس فيها أحد يعذب حكاه شيخ الإسلام.
والقرآن والسنة أيضا يردان على هذا القول كما تقدم.
الخامس قول من يقول بل تفنى بنفسها لأنها حادثة بعد أن لم تكن وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه وأبديته وهذا قول جهنم بن صفوان وشيعته ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار.
السادس قول من يقول تفنى حياتهم وحركاتهم ويصيرون جمادا لا يتحركون ولا يحسون بألم.
وهذا قول أبى الهذيل العلاف إمام المعتزلة طردا لامتناع حوادث لا نهاية لها، والجنة والنار عنده سواء في هذا الحكم.
السابع قول من يقول بل يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها.
قال شيخ الإسلام وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبى هريرة وأبى سعيد وغيرهم وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره المشهور حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه.
وقال حدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون منه ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾
فقد رواه عبد وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة عن هذين الجليلين سليمان بن حرب وحجاج ابن منهال وكلاهما عن حماد بن سلمة وحسبك به وحماد يرويه عن ثابت وحميد وكلاهما يرويه عن الحسن وحسبك بهذا الإسناد جلالة والحسن وإن لم يسمع من عمر فإنما رواه عن بعض التابعين ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به وقال عمر بن الخطاب ولو قدر أنه لم يحفظ عن عمر فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد مع أنهم ينكرون على من خالف السنة بدون هذا فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأئمة لكانوا أول منكر له.
قال ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها.
فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم كما قال النبي ﷺ "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون"
ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ بل ما أخبر الله به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه لكن إذا انقضى أجلها وفنيت تفنى الدنيا لم تبق نارا ولم يبق فيها عذاب.
قال أرباب هذا القول وفي تفسير علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قال لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا.
قالوا وهذا الوعيد في هذه الآية ليس مختصا بأهل القبلة فإنه سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾ وأولياء الجن من الإنس يدخل فيه الكفار قطعا فإنهم أحق بموالاتهم من عصاة المسلمين كما قال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وقال تعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ والاستثناء وقع في الآية التي أخبرت عن دخول أولياء الشياطين النار
فمن هاهنا قال ابن عباس لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه قالوا قول من قال إن ﴿إلا﴾ بمعنى سوى أي سوى ما شاء الله أن يزيدهم من أنواع العذاب وزمنه لا تخفى منافرته للمستثنى والمستثنى منه وإن الذي يفهمه المخاطب مخالفة ما بعد ﴿إلا﴾ لما قبلها.
قالوا وقول من قال إنه لإخراج ما قبل دخولهم إليها من الزمان كزمان البرزخ والموقف ومدة الدنيا أيضا لا يساعد عليه وجه الكلام فإنه استثناء من جملة خبرية مضمونها أنهم إذا دخلوا النار لبثوا فيها مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء الله وليس المراد الاستثناء قبل الدخول هذا ما لا يفهمه المخاطب ألا ترى أنه سبحانه يخاطبهم بهذا في النار حين يقولون ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا فيقول لهم حينئذ النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله.
وفي قوله ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ نوع اعتراف واستسلام وتحسر أي استمتع الجن بنا واستمتعنا بهم فاشتركنا في الشرك ودواعيه وأسبابه وآثرنا الاستمتاع على طاعتك وطاعة رسلك وانقضت آجالنا وذهبت أعمارنا في ذلك ولم نكتسب فيها رضاك وإنما كان غاية امرنا في مدة آجالنا استمتاع بعضنا ببعض فتأمل ما في هذا القول من الاعتراف بحقيقة ما هم عليه وكيف بدت لهم تلك الحقيقة ذلك اليوم وعلموا أن الذي كانوا فيه في مدة آجالهم هو حظهم من استمتاع بعضهم ببعض ولم يستمتعوا بعبادة ربهم ومعرفته وتوحيده ومحبته وإيثار مرضاته وهذا من نمط قولهم ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ وقوله ﴿فاعترفوا بذنبهم﴾ وقوله ﴿فعلموا أن الحق لله﴾ ونظائره.
والمقصود أن قوله ﴿إلا ما شاء الله﴾ عائد إلى هؤلاء المذكورين مختصا بهم أو شاملا لهم ولعصاة الموحدين، وأما اختصاصه بعصاة المسلمين دون هؤلاء فلا وجه له.
ولما رأت طائفة ضعف هذا القول قالوا الاستثناء يرجع إلى مدة البرزخ والموقف وقد تبين ضعف هذا القول ورأت طائفة أخرى أن الاستثناء يرجع إلى نوع آخر من العذاب غير النار
قالوا والمعنى أنكم في النار أبدا إلا ما شاء الله أن يعذبكم بغيرها وهو الزمهرير وقد قال تعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا لِلطّاغِينَ مَآبًا لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾
قالوا والأبد لا يقدر بالأحقاب.
وقد قال ابن مسعود في هذه الآية: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها أحقابا.
وعن أبي هريرة مثله حكاه البغوي عنهما ثم قال:
ومعناه عند أهل السنة أن ثبت أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان قالوا قد ثبت ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود وعبد الله بن عمر وقد سأل حرب إسحاق بن راهويه عن هذه الآية فقال سألت إسحاق قلت قول الله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ﴾ فقال أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي حدثنا أبو نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي ﷺ قال هذه الآية تأتي على القرآن كله {إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد)
قال المعتمر قال أتى على كل وعيد في القرآن حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا
حدثنا عبيد الله حدثنا أبي حدثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال ما أنا بالذي لا أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرا قوله: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الآية.
قال عبيد الله كان أصحابنا يقولون يعني به الموحدين حدثنا أبو معن حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن سليمان التيمي عن أبي نضرة عن جابر ابن عبد الله أو بعض أصحابه في قوله خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك قال هذه الآية تأتي على القرآن كله وقد حكى ابن جرير هذا القول في تفسيره عن جماعة من السلف فقال وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكل من دخلها ذكر من قال ذلك ثم ذكر الآثار التي نذكرها.
وقال عبد الرزاق أنبأنا ابن التيمي عن أبيه عن أبي نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو عن رجل من أصحاب رسول الله في قوله إلا ما شاء ربك أن ربك فعال لما يريد قال هذه الآية تأتي على القرآن كله يقول حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه قال وسمعت أبا مجلز يقول جزاؤه فإن شاء الله تجاوز عن عذابه وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن يحيى أنبأنا عبد الرزاق فذكره وقال وحدثت عن المسيّب عمن ذكره عن ابن عباس: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾
قال: لا يموتون وما هم منها بمخرجين ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك.
قال استثنى الله قال أمر الله النار أن تأكلهم.
قال وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها أحقابا.
حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا وحكى ابن جرير في ذلك قولا آخر فقال وقال آخرون أخبرنا الله عز وجل بمشيئته لأهل الجنة فعرفنا معنى ثنياه بقوله عطاء غير مجذوذ وأنها لفي الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض قالوا ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار، وجائز أن يكون مشيئته في الزيادة وجائز أن تكون في النقصان حدثني يونس أنبأنا ابن وهب قال أقل ابن زيد في قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فقال أخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة فقال ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
وقال ابن مردويه في تفسيره حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا جبير بن عرفة حدثنا يزيد بن مروان الخلال حدثنا أبو خليد حدثنا سفيان يعني الثوري عن عمرو بن دينار عن جابر قال قرأ رسول الله ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾
قال رسول الله: "إن شاء الله أن يخرج أناسا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل"
وهذا الحديث يدل على أن الاستثناء إنما هو للخروج من النار بعد دخولها خلافا لمن زعم أنه لما قبل الدخول ولكن إنما يدل على إخراج بعضهم من النار وهذا حق بلا ريب وهو لا ينفي انقطاعها وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وأنهم يعذبون فيها دائما ما دامت كذلك وما هم منها بمخرجين.
فالحديث دل على أمرين:
أحدهما أن بعض الأشقياء إن شاء الله أن يخرجهم من النار وهي نار فعل، وأن الاستثناء إنما هو فيما بعد دخولها لا فيما قبله
وعلى هذا فيكون معنى الاستثناء ما شاء ربك من الأشقياء فإنهم لا يخلدون فيها ويكون الأشقياء نوعين نوعا يخرجون منها النار ونوعا يخلدون فيها فيكونون من الذين شقوا أولا ثم يصيرون من الذين سعدوا فتجتمع لهم الشقاوة والسعادة في وقتين قالوا وقد قال تعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيها أحْقابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا (٢٤) إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا (٢٦) إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا (٢٧) وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا (٢٨)﴾
فهذا صريح في وعيد الكفار المكذبين بآياته ولا يقدر إلا بديّ بهذه الأحقاب ولا غيرها كما لا يقدر به القديم ولهذا قال عبد الله بن عمرو فيما رواه شعبة عن أبي بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عنه" ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا"
(فصل)
والذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق:
أحدها اعتقاد الإجماع فكثير من الناس يعتقدون أن هذا مجمع عليه بين الصحابة والتابعين لا يختلفون فيه وأن الاختلاف فيه حادث وهو من أقوال أهل البدع.
الطريق الثاني أن القرآن دل على ذلك دلالة قطعية فإنه سبحانه وتعالى أخبر أنه عذاب مقيم وأنه لا يفتر عنهم وأنه لن يزيدهم إلا عذابا وأنهم خالدين فيها أبدا ﴿وما هم بخارجين منها﴾ أي من النار ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ وأن الله حرم الجنة على الكافرين وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها وأن عذابها كان غراما أي مقيما لازما قالوا وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره.
الطريق الثالث أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دون الكفار وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار وأن هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم ولم يختص الخروج بأهل الإيمان.
الطريق الرابع أن الرسول وقفنا على ذلك وعلمناه من دينه بالضرورة من غير حاجة بنا إلى نقل معين كما علمنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها.
الطريق الخامس أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما لا يفنيان بل هما دائمتان وإنما يذكرون فناءهما عن أهل البدع.
الطريق السادس أن العقل يقضي بخلود الكفار في النار وهذا مبني على قاعدة وهي أن المعاد وثواب النفوس المطيعة وعقوبة النفوس الفاجرة هل هو مما يعلم بالعقل أو لا يعلم إلا بالسمع فيه طريقتان لنظار المسلمين وكثير منهم يذهب إلى أن ذلك يعلم بالعقل مع السمع كما دل عليه القرآن في غير موضع كإنكاره سبحانه على من زعم أنه يسوى بين الأبرار والفجار في المحيا والممات وعلى من زعم أنه خلق خلقه عبثا وأنهم إليها لا يرجعون وأنه يتركهم سدى أي لا يثيبهم ولا يعاقبهم وذلك يقدح في حكمته وكماله وأنه نسبه إلى ما لا يليق به وربما قرروه بأن النفوس البشرية باقية واعتقاداتها وصفاتها لازمة لها لا تفارقها وأن ندمت عليها لما رأت العذاب فلم تندم عليها لقبحها أو كراهة ربها لها بل لو فارقها العذاب رجعت كما كانت أولا قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فهؤلاء قد ذاقوا العذاب وباشروه ولم يزل سببه ومقتضيه من نفوسهم بل خبثها وكفرها قائم بها لم يفارقها بحيث لو ردوا لعادوا كفارا كما كانوا وهذا يدل على أن دوام تعذيبهم يقضي به العقل كما جاء به السمع.
قال أصحاب الفناء الكلام على هذه الطرق يبين الصواب في هذه المسألة.
فأما الطريق الأول فالإجماع الذي ادعيتموه غير معلوم وإنما يظن الإجماع في هذه المسألة من لم يعرف النزاع وقد عرف النزاع فيها قديما وحديثا بل لو كلف مدعي الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم إلى الواحد أنه قال إن النار لا تفنى أبدا لم يجد إلى ذلك سبيلا ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك بل التابعون حكوا عنهم هذا وهذا قالوا والإجماع المعتد به نوعان متفق عليهما ونوع ثالث مختلف فيه ولم يوجد واحد منها في هذه المسألة النوع الأول ما يكون معلوما من ضرورة الدين كوجوب أركان الإسلام وتحريم المحرمات الظاهرة الثاني ما ينقل عن أهل الاجتهاد التصريح بحكمه
والثالث أن يقول بعضهم القول وينشر في الأمة ولا ينكره أحد فأين معكم واحد من هذه الأنواع ولو أن قائلا ادعى الإجماع من هذه الطرق واحتج بأن الصحابة صح عنهم ولم ينكر أحد منهم عليه لكان اسعد بالإجماع منكم قالوا وأما الطريق الثاني وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها فأين في القرآن دليل واحد يدل على ذلك.
نعم الذي دل عليه القرآن أن الكفار خالدين في النار أبدا وأنهم غير خارجين منها وأنه لا يفتر عنهم عذابها وأنهم لا يموتون فيها وأن عذابهم فيها مقيم وأنه غرام لازم لهم وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وليس هذا مورد النزاع وإنما النزاع في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو مما كتب الله عليه الفناء.
وأما كون الكفار لا يخرجون منها ولا يفتر عنهم من عذابها ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة وإنما خالف في ذلك من قد حكينا أقوالهم من اليهود والاتحادية وبعض أهل البدع وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها ألبتة كما يخرج أهل التوحيد منها مع بقائها فالفرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.
قالوا وأما الطريق الثالث وهو مجيء السنة المستفيضة بخروج أهل الكبائر من النار دون أهل الشرك فهي حق لا شك فيه وهي إنما تدل على ما قلناه من خروج الموحدين منها وهي دار العذاب لم تفن ويبقى المشركون فيها ما دامت باقية والنصوص دلت على هذا وعلى هذا قالوا.
وأما الطريق الرابع وهو أن رسول الله وقفنا على ذلك ضرورة فلا ريب أنه من المعلوم من دينه بالضرورة أن الكفار باقون فيها ما دامت باقية هذا معلوم من دينه بالضرورة، وأما كونها أبدية لا انتهاء لها ولا تفنى كالجنة فأين من القرآن والسنة دليل واحد يدل على ذلك.
قالوا وأما الطريق الخامس وهو أن في عقائد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان أبدا فلا ريب أن القول بفنائهما قول أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وهذا القول لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين وأما فناء النار وحدها فقد أوجدنا لكم من قال به من الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار فكيف يكون القول به من أقوال أهل البدع مع أنه لا يعرف عن أحد من أهل البدع التفريق بين الدارين فقولكم أنه من أقوال أهل البدع كلام من لا خبرة له بمقالات بني آدم وآرائهم واختلافهم.
قالوا والقول الذي يعد من أقوال أهل البدع ما خالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة إما الصحابة أو من بعدهم وإما قول يوافق الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة فلا يعد من أقوال أهل البدع وإن دانوا به واعتقدوه فالحق يجب قبوله ممن قاله، والباطل يجب رده على من قاله.
وكان معاذ بن جبل يقول: الله حكم قسط هلك المرتابون إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرؤه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع بدلهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا الحق عمن جاء به فإن على الحق نورا قالوا وكيف زيغة الحكيم قال هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق وأن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة.
والذي أخبر به أهل السنة في عقائدهم هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان وأن أهل النار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها العذاب ولا يفتر عنهم وأنهم خالدون فيها ومن ذكر منهم أن النار لا تفنى أبدا فإنما قاله لظنه أن بعض أهل البدع قال بفنائها ولم يبلغه تلك الآثار التي تقدم ذكرها.
قالوا وأما حكم العقل بتخليد أهل النار فيها فإخبار عن العقل بما ليس عنده فإن المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق وأما أصل الثواب والعقاب فهل يعلم بالعقل مع السمع أول لا يعلم إلا بالسمع وحده؟
ففيه قولان لنظار المسلمين من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، والصحيح أن العقل دل على المعاد والثواب والعقاب إجمالا.
وأما تفصيله فلا يعلم إلا بالسمع ودوام الثواب والعقاب مما لا يدل عليه العقل بمجرده وإنما علم بالسمع وقد دل السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب المطيعين وأما عقاب العصاة فقد دل السمع أيضا دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين وأما دوامه وانقطاعه في حق الكفار فهذا معترك النزال فمن كان السمع من جانبه فهو اسعد بالصواب وبالله التوفيق فصل ونحن نذكر الفرق بين دوام الجنة والنار شرعا وعقلا وذلك يظهر من وجوه أحدها أن الله سبحانه وتعالى أخبر ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامه وأنه لا نفاد له ولا انقطاع وأنه غير مجذوذ وأما النار فلم يخبر عنها بأكثر من خلود أهلها فيها وعدم خروجهم منها وأنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وإنها مؤصدة عليهم وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وأن عذابها لازم لهم وأنه مقيم عليهم لا يفتر عنهم والفرق بين الخبرين ظاهر.
الوجه الثاني أن النار قد أخبر سبحانه وتعالى في ثلاث آيات عنها بما يدل على عدم أبديتها الأولى قوله سبحانه وتعالى قال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ والثانية قوله: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ الثالثة قوله ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ ولولا الأدلة القطعية الدالة على أبدية الجنة ودوامها لكان حكم الاستثنائين في الموضعين واحدا كيف وفي الآيتين من السياق ما يفرق بين الاستثنائين فإنه قال في أهل النار ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ فعلمنا أنه الله سبحانه وتعالى يريد أن يفعل فعلا لم يخبرنا به وقال في أهل الجنة عطاء غير مجذوذ فعلمنا أن هذا العطاء والنعيم غير مقطوع عنهم أبدا فالعذاب موقت معلق والنعيم ليس بموقت ولا معلق.
الوجه الثالث أنه قد ثبت أن الجنة لم يدخلها من لم يعمل خيرا قط من المعذبين الذين يخرجهم الله من النار وأما النار فلم يدخلها من لم يعمل سوءا قط ولا يعذب إلا من عصاه
الوجه الرابع أنه قد ثبت أن الله سبحانه وتعالى ينشئ للجنة خلقا آخر يوم القيامة يسكنهم إياها ولا يفعل ذلك بالنار.
وأما الحديث الذي قد ورد في صحيح البخاري من قوله وأما النار فينشئ الله لها خلقا آخرين فغلط وقع من بعض الرواة انقلب عليه الحديث وإنما هو ما ساقه البخاري في الباب نفسه وأما الجنة فينشئ الله لها خلقا آخرين ذكره البخاري رحمه الله مبينا أن الحديث انقلب لفظه على من رواه بخلاف هذا وهذا والمقصود أنه لا تقاس النار بالجنة في التأبيد مع هذه الفروق
يوضحه الوجه الخامس أن الجنة من موجب رحمته ورضاه والنار من غضبه وسخطه ورحمته سبحانه تغلب غضبه وتسبقه كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش أن رحمتي تغلب غضبي وإذا كان رضاه قد سبق غضبه وهو يغلبه كان التسوية بين ما هو من موجب رضاه وما هو من موجب غضبه ممتنعا" يوضحه الوجه السادس أن ما كان بالرحمة وللرحمة فهو مقصود لذاته قصد الغايات وما كان من موجب الغضب والسخط فهو مقصود لغيره قصد الوسائل فهو مسبوق مغلوب مراد لغيره وما كان بالرحمة فغالب سابق مراد لنفسه.
يوضحه الوجه السابع وهو أنه سبحانه وتعالى قال للجنة أنت رحمتي ارحم بك من أشاء وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء وعذابه مفعول منفصل وهو ناشئ عن غضبه ورحمته هاهنا هي الجنة وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن فهاهنا أربعة أمور رحمة هي وصفه سبحانه وثواب منفصل هو ناشئ عن رحمه وغضب يقوم به سبحانه وعقاب منفصل ينشا عنه فإذا غلبت صفة الرحمة صفة الغضب فلان يغلب ما كان بالرحمة لما كان بالغضب أولى وأحرى فلا تقاوم النار التي نشأت عن الغضب الجنة التي نشأت عن الرحمة.
يوضحه الوجه الثامن أن النار خلقت تخويفا للمؤمنين وتطهيرا للخاطئين والمجرمين فهي طهرة من الخبث الذي اكتسبته النفس في هذا العالم فإن تطهرت هاهنا بالتوبة النصوح والحسنات الماحية والمصائب المكفرة لم يحتج إلى تطهير هناك وقيل لها مع جملة الطيبين سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وأن لم نطهر في هذه الدار ووافت الدار الأخرى بدرنها ونجاستها وخبثها أدخلت النار طهرة لها ويكون مكثها في النار بحسب زوال ذلك الدرن والخبث والنجاسة التي لا يغسلها الماء فإذا تطهرت الطهر التام أخرجت من النار والله سبحانه خلق عباده حنفاء وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها فلو خلوا وفطرهم لما نشؤا إلا على التوحيد ولكن عرض لا كثر الفطر ما غيرها ولهذا كان نصيب النار أكثر من نصيب الجنة وكان هذا التغيير مراتب لا يحصيها إلا الله فأرسل الله رسله وأنزل كتبه يذكر عباده بفطرته التي فطرهم عليها فعرف الموفقون الذين سبقت لهم من الله الحسنى صحة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب بالفطرة الأولى فتوافق عندهم شرع الله ودينه الذي أرسل به رسله وفطرته التي فطرهم عليها فمنعتهم الشرعة المنزلة والفطرة المكملة أن تكتسب نفوسهم خبثا ونجاسة ودرنا يعلق بها ولا يفارقها بل كلما ألم بهم شيء من ذلك ومسهم طائف من الشيطان أغاروا عليه بالشرعة والفطرة فأزالوا موجبه وأثره وكمل لهم الرب تعالى ذلك بأقضية يقضيها لهم مما يحبون أو يكرهون تمحص عنهم تلك الآثار التي شوشت الفطرة فجاء مقتضى الرحمة فصادف مكانا قابلا مستعدا لها ليس فيه شيء يدافعه فقال هاهنا أمرت وليس لله سبحانه غرض في تعذيب عباده بغير موجب كما قال تعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ واستمر الأشقياء مع تغيير الفطرة ونقلها مما خلقت عليه إلى ضده حتى استحكم الفساد وتم التغيير فاحتاجوا في إزالة ذلك إلى تغيير آخر وتطهير ينقلهم إلى الصحة حيث لم تنقلهم آيات الله المتلوة والمخلوقة وأقداره المحبوبة والمكروهة في هذه الدار فأتاح لهم آيات آخر وأقضية وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا تستخرج ذلك الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار فإذا زال موجب العذاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة لا معارض له فإن قيل هذا حق ولكن سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضا كمعاصي الموحدين أما إذا كان لازما كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب وقد أشار سبحانه إلى هذه المعنى بعينه في مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك وإنها غير قابلة للإيمان أصلا ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ فأخبر سبحانه أن ضلالهم وعماهم عن الهدى دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل وإذا كان العمى والضلال لا يفارقهم فإن موجبه وأثره ومقتضاه لا يفارقهم ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير لما ضيع عليهم أثره ويدل على أنهم لا خير فيهم هناك أيضا قوله اخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير فلو كان عند هؤلاء أدنى أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين قيل لعمر الله أن هذا لمن أقوى ما يتمسك به في المسألة وأن الأمر لكما قلتم وأن العذاب يدوم بدوام موجبه وسببه ولا ريب أنهم في الآخرة في عمي وضلال كما كانوا في الدنيا وبواطنهم خبيثة كما كانت في الدنيا والعذاب مستمر عليهم دائم ما داموا كذلك ولكن هل هذا الكفر والتكذيب والخبث أمر ذاتي لهم زواله مستحيل أم هو أمر عارض طارئ على الفطرة قابل للزوال هذا حرف المسألة وليس بأيديكم ما يدل على استحالة زواله وأنه أمر ذاتي وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه فطر عباده على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم عنها فلم يفطرهم سبحانه على الكفر والتكذيب كما فطر الحيوان البهيم على طبيعته وإنما فطرهم على الإقرار بخالقهم ومحبته وتوحيده فإذا كان هذا الحق الذي قد فطروا عليه وقد خلقوا عليه قد أمكن زواله بالكفر والشرك الباطل فإمكان زوال الكفر والشرك الباطل بضده من الحق أولى وأحرى ولا ريب أنهم لو ردوا على تلك الحال التي هم عليها لعادوا لما نهوا عنه ولكن من أين لكم أن تلك الحال لا تزول ولا تتبدل بنشأة أخرى ينشئهم فيها تبارك وتعالى إذا أخذت النار مأخذها منهم وحصلت الحكمة المطلوبة من عذابهم فإن العذاب لم يكن سدى وإنما كان لحكمة مطلوبة فإذا حصلت تلك الحكمة لم يبق في التعذيب أمر يطلب ولا غرض يقصد والله سبحانه ليس يشتفي بعذاب عباده كما يشتفى المظلوم من ظالمه وهو لا يعذب عبده لهذا الغرض وإنما يعذبه طهرة له ورحمة به فعذابه مصلحة له وأن تألم به غاية الألم كما أن عذابه بالحدود في الدنيا مصلحة لأربابها
وقد سمى الله سبحانه وتعالى الحد عذابا وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل لكل داء دواء يناسبه، ودواء الضال يكون من أشق الأدوية والطبيب الشفيق يكون المريض بالنار كيا بعد كي ليخرج منه المادة الرديئة الطارئة على الطبيعة المستقيمة وأن رأى قطع العضو أصلح للعليل قطعه وأذاقه اشد الألم فهذا قضاء الرب وقدره في إزالة مادة غريبة طرأت على الطبيعة المستقيمة بغير اختيار العبد فكيف إذا طرا على الفطرة السليمة مواد فاسدة باختيار العبد وإرادته وإذا تأمل اللبيب شرع الله تبارك وتعالى وقدره في الدنيا وثوابه وعقابه في الآخرة وجد ذلك في غاية التناسب والتوافق وارتباط ذلك ببعضه البعض فإن مصدر الجميع عن علم تام وحكمة بالغة ورحمة سابغة وهو سبحانه والملك الحق المبين وملكه ملك رحمة وإحسان وعدل.
الوجه التاسع أن عقوبته للعبد ليست لحاجته إلى عقوبته لا لمنفعة تعود إليه ولا لدفع مضرة وألم يزول عنه بالعقوبة بل يتعالى عن ذلك ويتنزه كما يتعالى عن سائر العيوب والنقائص ولا هي عبث محض خال عن الحكمة والغاية الحميدة فإنه أيضا يتنزه عن ذلك وتعالى عنه فأما أن يكون من تمام نعيم أوليائه وأحبابه وأما أن يكون من مصلحة الأشقياء ومداواتهم أو لهذا ولهذا وعلى التقادير الثلاث فالتعذيب أمر مقصود لغيره قصد الوسائل لا قصد الغايات والمراد أن الوسيلة إذا حصل على الوجه المطلوب زال حكمها ونعيم أوليائه ليس متوقفا في أصله ولا في كماله على استمرار عذاب أعدائه ودوامه مصلحة الأشقياء ليست في الدوام والاستمرار وأن كان في اصل التعذيب مصلحة لهم.
الوجه العاشر أن رضى الرب تبارك وتعالى ورحمته صفتان ذاتيتان له فلا منتهى لرضاه بل كما قال أعلم الخلق به سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته فإذا كانت رحمته غلبت غضبه فإن رضى نفسه أعلى وأعظم فإن رضوانه أكثر من الجنات ونعيمها وكل ما فيها وقد أخبر أهل الجنة أنه يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا وأما غضبه تبارك وتعالى وسخطه فليس من صفاته الذاتية التي يستحيل انفكاكه عنها بحيث لم يزل ولا يزال غضبان والناس لهم في صفة الغضب قولان أحدهما أنه من صفاته الفعلية القائمة به كسائر أفعاله والثاني أنه صفة فعل منفصل عنه غير قائم به وعلى القوانين فليس كالحياة والعلم والقدرة التي يستحيل مفارقتها له والعذاب إنما ينشا من صفة غضبه وما سعرت النار إلا بغضبه وقد جاء في اثر مرفوع أن الله خلق خلقا من غضبه وأسكنهم بالمشرق وينتقم بهم ممن عصاه فمخلوقاته سبحانه نوعان نوع مخلوق من الرحمة وبالرحمة ونوع مخلوق من الغضب وبالغضب فإنه سبحانه له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي يتنزه عن تقدير خلافه ومنها أنه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل وينتقم ويعفو بل هذا موجب ملكه الحق وحقيقة الملك المقرون بالحكمة والرحمة والحمد فإذا زال غضبه سبحانه وتعالى وتبدل برضاه زالت عقوبته وتبدلت برحمته فانقلبت العقوبة إلى رحمة بل لم تزل رحمة وأن تنوعت صفتها وصورتها كما كان عقوبة العصاة رحمة وإخراجهم من النار رحمة فتقلبوا في رحمته في الدنيا وتقلبوا فيها في الآخرة لكن تلك الرحمة يحبونها وتوافق طبائعهم وهذه رحمة يكرهونها وتشق عليهم كرحمة الطبيب الذي يضع لحم المريض ويلقي عليه المكاوي ليستخرج منه المواد الرديئة الفاسدة فإن قيل هذا اعتبار غير صحيح فإن الطبيب يفعل ذلك بالعليل وهو يحبه وهو راض عنه ولم ينشا فعله به عن غضبه بغضبه عليه ولهذا لا يسمى عقوبة وأما عذاب هؤلاء فإنه إنما حصل بغضبه سبحانه عليهم وهو عقوبة محضة قيل هذا حق ولكن لا ينافي كونه رحمة بهم وأن كان عقوبة لهم وهذا كإقامة الحدود عليهم في الدنيا فإنه عقوبة ورحمة وتخفيف وطهرة فالحدود طهرة لأهلها وعقوبة وهم لما أغضبوا الرب تعالى وقابلوه بما لا يليق أن يقابل به وعاملوه أقبح المعاملة وكذبوه وكذبوا رسله وجعلوا أقل خلقه وأخبثهم وأمقتهم له ندا له وإلهه معه وآثروا رضاهم على رضاه وطاعتهم على طاعته، وهو ولي الإنعام عليهم وهو خالقهم ورازقهم ومولاهم الحق اشتد مقته لهم وغضبه عليهم وذلك يوجب كمال أسمائه وصفاته التي يستحيل عيله تقدير خلافها ويستحيل عليه تخلف آثارها ومقتضاها عنها بل ذلك تعطيل لأحكامها كما أن نفيها عنه تعطيل لحقائقها وكلا التعطيلين محال عليه سبحانه وتعالى فالمعطلون نوعان أحدهما عطل صفاته والثاني عطل أحكامها وموجباتها وكان هذا العذاب عقوبة لهم من هذا الوجه ودواء لهم من جهة الرحمة السابقة للغضب فاجتمع فيه الأمران فإذا زال الغضب بزوال المادة الفاسدة بتغيير الطبيعة المقتضية لها في الجحيم بمرور الأحقاب عليها وحصلت الحكمة التي أوجبت العقوبة عملت الرحمة عملها وطلبت أثرها من غير معارض يوضحه
الوجه الحادي عشر وهو أن العفو أحب إليه سبحانه من الانتقام والرحمة أحب إليه من العقوبة والرضا أحب إليه من الغضب والفضل أحب إليه من العدل، ولهذا ظهرت آثار هذه المحبة في شرعه وقدره ويظهر كل الظهور لعباده في ثوابه وعقابه وإذا كان ذلك أحب الأمرين إليه وله خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع وقدرته سبحانه صالحة لكل شيء لا قصور فيها بوجه ما وتلك المواد الردية الفاسدة مرض من الأمراض وبيده سبحانه وتعالى الشفاء التام والأدوية الموافقة لكل داء وله القدرة التامة والرحمة السابغة والغنى المطلق بالعبد أعظم حاجة إلى من يداوي علته التي بلغت به غاية الضرر والمشقة وقد عرف العبد أنه عليل وأن دواءه بيد الغني الحميد فتضرع إليه ودخل به عليه واستكان له وانكسر قلبه بين يديه وذل لعزته وعرف أن الحمد كله له وأن الحق كله له وأنه هو الظلوم الجهول وأن ربه تبارك وتعالى عامله بكل عدله لا ببعض عدله وأن له غاية الحمد فيما فعل به وأن حمده هو الذي أقامه في هذا المقام وأوصله إليه وأنه لا خير عنده من نفسه بوجه من الوجوه بل ذلك محض فضل الله وصدقته عليه وأنه لا نجاة له مما هو فيه إلا بمجرد العفو والتجاوز عن حقه فنفسه أولى بكل ذم وعيب ونقص وربه تعالى أولى بكل حمد وكمال ومدح فلو أن أهل الجحيم شهدوا نعمته سبحانه ورحمته وكماله وحمده الذي أوجب لهم ذلك فطلبوا مرضاته ولو بدوامهم في تلك الحال وقالوا أن كان ما نحن فيه رضاك فرضاك الذي نريد وما أوصلنا إلى هذه الحال إلا طلب مالا يرضيك فأما إذا أرضاك هذا منا فرضاك غاية ما نقصده وما لجرح إذا أرضاك من ألم وأنت ارحم بنا من أنفسنا واعلم بمصالحنا ولك الحمد كله عاقبت أو عفوت لانقلبت النار عليهم بردا وسلاما وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث الأسود بن سريع أن النبي ﷺ قال يأتي أربعة يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول ربى لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك من رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار قال فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما وفي المسند أيضا من حديث قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله وقال فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها فهؤلاء لما رضوا بتعذيبهم وبادروا إليه لما علموا أن فيه رضى ربهم وموافقة أمره ومحبته انقلب في حقهم نعيما ومثل هذا ما رواه عبد الله بن المبارك حدثني رشدين قال حدثني ابن انعم عن أبي عثمان أنه حدثه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال "إن رجلين ممن دخلا النار يشتد صياحهما فقال الرب جل جلاله أخرجوهما، فإذا أخرجا فقال لهما لأي شيء اشتد صياحكما؟
قال فعلنا ذلك لترحمنا.
قال رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار.
قال فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها الله سبحانه عليه بردا وسلاما، ويقوم الآخر فلا يلقي، فيقول له الرب تبارك وتعالى ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟
فيقول رب إني أرجوك أن لا تعيدني فيها بعدما أخرجتني منها.
فيقول الرب وتعالى لك رجاؤك فيدخلان الجنة جميعا برحمة الله.
وذكر الأوزاعي عن بلال بن سعد قال "يؤمر بإخراج رجلين من النار فإذا خرجا ووقفا قال الله لهما كيف وجدتما مقيلكما وسوء مصيركما فيقولان شر مقيل وأسوا مصير صار إليه العبد فيقول لهما بما قدمت أيديكما وما أنا بظلام للعبيد.
قال فيؤمر بصرفهما إلى النار، فأما أحدهما فيغدوا في أغلاله وسلاسله حتى يقتحمها.
وأما الآخر فيتلكأ فيؤمر بردهما فيقول للذي غدا في أغلاله وسلاسله حتى اقتحمها ما حملك على ما صنعت وقد خرجت منها فيقول إني خبرت من وبال معصيتك وما لم اكن أتعرض لسخطك ثانيا ويقول للذي تلكأ ما حملك على ما صنعت فيقول حسن ظني بك حين أخرجتني منها أن لا تردني إليها فيرحمهما جميعا ويأمر بهما إلى الجنة".
الوجه الثاني عشر أن النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبره كرمه ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه وأما العذاب والعقوبة فإنما هو من مخلوقاته ولذلك لا يسمى بالمعاقب والمعذب بل يفرق بينهما فيجعل ذلك من أوصافه وهذا من مفعولاته حتى في الآية الواحدة كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وقال: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومثلها في آخر الأنعام فما كان مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا سيما إذا كان محبوبا له وهو غاية مطلوبة في نفسها وأما الشر الذي هو العذاب فلا يدخل في أسمائه وصفاته إن ادخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال وفنني بخلاف الخير فإنه سبحانه وتعالى دائم المعروف لا ينقطع معروفه أبدا وهو قديم الإحسان أبدي الإحسان فلم يزل ولا يزال معاقبا على الدوام غضبان على الدوام منتقما على الدوام فتأمل هذا الوجه تأمل ففيه في باب أسماء الله وصفاته يفتح لك باب من أبواب معرفته ومحبته يوضحه
الوجه الثالث عشر وهو قول أعلم خلقه به وأعرفهم بأسمائه وصفاته والشر ليس إليك ولم يقف على المعنى المقصود من قال الشر لا يتقرب به إليك بل الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه فإن ذاته لها الكمال المطلق من جميع الوجوه وصفاته كلها صفات كمال ويحمد عليها ويثنى عليه بها وأفعاله كلها خير ورحمة وعدل وحكمة لا شر فيها بوجه ما وأسماؤه كلها حسنى فكيف يضاف الشر إليه بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته وهو منفصل عنه إذ فعله غير مفعول ففعله خير كله وأما المخلوق المفعول ففيه الخير والشر وإذا كان الشر مخلوقا منفصلا غير قائم بالرب سبحانه فهو لا يضاف إليه وهو لم يقل أنت لا تخلق الشر حتى يطلب تأويل قوله وإنما نفى إضافته إليه وصفا وفعلا وأسماء وإذا عرف هذا فالشر ليس إلا الذنوب وموجباتها وأما الآخر فهو الإيمان والطاعات وموجباتها والإيمان والطاعات متعلقة به سبحانه ولأجلها خلق الله خلقه وأرسل رسله وأنزل كتبه وهي ثناء على الرب تبارك وتعالى وإجلاله وتعظيمه وعبوديته وهذه لها آثار تطلبها وتقتضيها فتدوم آثارها بدوام متعلقها وأما الشرور فليس مقصودة لذاتها ولا هي الغاية التي خلق لها الخلق فهي مفعولات قدرت لأمر محبوب وجعلت وسيلة إليه فإذا حصل ما قدرت له اضمحلت وتلاشت وعاد الأمر إلى الخير المحض.
الوجه الرابع عشر أنه سبحانه وتعالى أخبر أن رحمته وسعت كل شيء فليس شيء من الأشياء إلا وفيه رحمته، ولا ينافي هذا أنت ترحم العبد بمات يشق عليه ويؤلمه وتشتد كراهته له فإن ذلك من أيضا كما تقدم وقد ذكرنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه آنفا وقوله تعالى: لذينك الرجلين رحمتي لكما إن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار وقد جاء في بعض الآثار إن العبد إذا دعى لمبتلى قد اشتد بلاؤه وقال اللهم ارحمه يقول الرب تبارك وتعالى كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟
فالابتلاء رحمة منه لعباده وفي اثر الهي يقول الله تعالى أهل ذكر أهل مجالستي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل معصيتي لأقنطهم من رحمتي إن تأبوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ابتليهم بالمصايب لأطهرهم من المعايب فالبلاء والعقوبة قدرته لإزالة أدواء لا تزول إلا بها والنار هي الدواء الأكبر فمن تداوى في الدنيا أغناه ذلك عن الدواء في الآخرة وإلا فلا بدله من الدواء بحسب دائه ومن عرف الرب تبارك وتعالى بصفات جلاله ونعوت كماله من حكمته ورحمته وبره وإحسانه وغناه وجوده وتحببه إلى عباده وإرادة الأنعام عليهم وسبق رحمته لهم يبادر لا إنكار ذلك إن لم يبادر إلى قبوله.
يوضحه الوجه الخامس عشر أن أفعاله سبحانه لا تخرج عن الحكمة والرحمة والمصلحة والعدل فلا يفعل عبثا ولا جورا ولا باطلا بل هو المنزه عن ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص وإذا ثبت ذلك فتعذيبهم إن كان رحمة بهم حتى يزول ذلك الخبث وتكمل الطهارة فظاهر، وإن كان لحكمة فإذا حصلت تلك الحكمة المطلوبة زال العذاب وليس في الحكمة دوام العذاب أبدا الآباد بحيث يكون دائما بدوام الرب تبارك وتعالى وإن كان لمصلحة، فإن كان يرجع إليهم فليست مصلحتهم في بقائهم في العذاب كذلك، وإن كانت المصلحة تعود إلى أوليائه فإن ذلك أكمل في نعيمهم فهذا لا يقتضي تأبيد العذاب وليس نعيم أوليائه وكماله موقوفا على بقاء آبائهم وأبنائهم وأزواجهم في العذاب السرمد فإن قلتم إن ذلك موجب الرحمة والحكمة والمصلحة قلتم ما لا يعقل وإن قلتم إن ذلك عائد إلى محض المشيئة ولا تطلب له حكمة ولا غاية فجوابه من وجهين أحدهما إن ذلك محال على أحكم الحاكمين وأعلم العالمين إن تكون أفعاله معطلة عن الحكم والمصالح والغايات المحمودة والقرآن والسنة وأدلة العقول والفطر والآيات المشهودة شاهدة ببطلان ذلك والثاني أنه لو كان الأمر كذلك لكان بقاؤهم في العذاب وانقطاعه عنهم بالنسبة إلى مشيئته سواء ولم يكن في انقضائه ما ينافي كماله وهو سبحانه لم يخبر بأبدية العذاب وأنه لا نهاية له وغاية الأمر على هذا التقدير إن يكون من الجائزات الممكنات الموقوف على حكمها على خبر الصادق فإن سلكت طريق التعليل بالحكمة والرحمة والمصلحة لم يقتض الدوام وإن سلكت طريق المشيئة المحضة التي لا تعلل لم تقتضه أيضا وإن وقف الأمر على مجرد السمع فليس فيه متن يقتضيه.
الوجه السادس عشر أن رحمته سبحانه سبقت غضبه في المعذبين فإنه أنشأهم برحمته ورباهم برحمته ورزقهم وعافاهم برحمته وأرسل إليهم الرسل برحمته وأسباب النقمة والعذاب متأخر عن أسباب الرحمة طارئة عليها فرحمته سبقت غضبه فيهم وخلقهم على خلقة تكون رحمته إليهم أقرب من غضبه وعقوبته ولهذا ترى الأطفال الكفار قد آلت عليهم رحمته فمن رآهم رحمهم، ولهذا نهى عن قتلهم فرحمته سبقت غضبه فيهم فكانت هي السابقة إليهم ففي كل حال هم في رحمته في حال معافاتهم وابتلائهم.
وإذا كانت الرحمة هي السابقة فيهم لم يبطل أثرها بالكلية وإن عارضها أثر الغضب والسخط فذلك لسبب منهم وأما أثر الرحمة فسببه منه سبحانه وتعالى فما منه يقتضي رحمتهم وما منهم يقتض عقوبتهم والذي منه سابق وغالب وإذا كانت رحمته تغلب غضبه فلان يغلب أثر الرحمة أثر الغضب أولى وأحرى.
الوجه السابع عشر أنه سبحانه وتعالى يخبر عن العذاب أنه عذاب يوم عقيم وعذاب يوم عظيم وعذاب يوم اليم ولا يخبر عن النعيم أنه نعيم يوم ولا في موضع واحد وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة والمعذبون متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم والله سبحانه جعل العذاب على ما كان في الدنيا وأسبابها وما أريد به الدنيا ولم ولك يرد به الله فالعذاب على ذلك وأما إن كان للآخرة وأريد به وجه الله فلا عذاب والدنيا قد جعل لها اجل تنتهي إليه فما انتقل منها إلى تلك الدار مما ليس لله فهو المعذب به وأما ما أريد به وجه الله والدار الآخرة فقد أريد به ما لا يفنى ولا يزول فيدوم بدوام المراد به فإن الغاية المطلوبة إذا كانت دائمة لا تزول ما لم يزل ما تعلق بها بخلاف الغاية المضمحلة الفانية فما أريد به غير الله يضمحل ويزول بزوال مراده ومطلوبه وما أريد به وجه الله يبقى ببقاء المطلوب المراد فإذا اضمحلت الدنيا وانقطعت أسبابها وانتقل ما كان فيها لغير الله من الأعمال والذوات وانقلب عذابا وآلاما لم يكن له متعلق يدوم بدوامه بخلاف النعيم.
الوجه الثامن عشر أنه ليس في حكمة احكم الحاكمين إن يخلق خلقا يعذبهم ابد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له ولا انقطاع أبدا وقد دلت الأدلة السمعية والعقلية والفطرية على أنه سبحانه وتعالى حكيم وأنه أحكم الحاكمين فإذا عذب خلقه عذبهم بحكمة كما يوجد التعذيب والعقوبة في الدنيا في شرعه وقدره فإن فيه من الحكم والمصالح وتطهير العبد ومداواته وإخراج المواد الردية عنه بتلك الآلام ما تشهده العقول الصحيحة وفي ذلك من تزكية النفوس وصلاحها وزجرها وردع نظائرها وتوقيفها على فقرها وضرورتها إلى ربها وغير ذلك من الحكم والغايات الحميدة ما لا يعلمه إلا الله ولا ريب إن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا يحاسبون إذا قطعوا الصراط على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا ذهبوا ونفوا أذن لهم في دخول الجنة ومعلوم إن النفوس الشريرة الخبيثة المظلمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه لا يصلح إن تسكن دار السلام في جوار رب العالمين فإذا عذبوا في النار عذابا تخلص نفوسهم من ذلك الخبث والوسخ والدرن كان ذلك من حكمة احكم الحاكمين ورحمته ولا يتنافى الحكمة خلق نفوس فيها شر يزول بالبلاء الطويل والنار كما يزول بها خبث الذهب والفضة والحديد فهذا معقول في الحكمة وهو من لوازم العالم المخلوق على هذه الصفة أما خلق نفوس لا يزول شرها أبدا وعذابها لا انتهاء له فلا يظهر في الحكمة والرحمة وفي وجود مثل هذا النوع نزاع بين العقلاء أعني ذواتا هي شر من كل وجه ليس فيها شيء من خير أصلا وعلى تقدير دخوله في الوجود فالرب تبارك وتعالى قادر على قلب الأعيان وإحالتها وإحالة صفاتها فإذا وجدت الحكمة المطلوبة من خلق هذه النفوس والحكمة المطلوبة من تعذيبها فالله سبحانه قادر إن ينشئها نشأة أخرى غير تلك النشأة ويرحمها في النشأة الثانية نوعا آخر من الرحمة.
يوضحه الوجه التاسع عشر وهو أنه قد ثبت إن الله سبحانه وتعالى ينشئ للجنة خلقا آخر يسكنهم إياها ولم يعملوا خيرا قط تكون الجنة جزاء لهم عليه فإذا أخذ العذاب من هذه النفوس مأخذه وبلغت العقوبة مبلغها فانكسرت تلك النفوس وخضعت وذلت واعترفت لربها وفاطرها بالحمد وأنه عدل فيها كل العدل وإنها في هذه الحال كانت في تخفيف منه ولو شاء إن يكون عذابهم اشد من ذلك لفعل وشاء كتب العقوبة طلبا لموافقة رضاه ومحبته وعلم إن العذاب أولى بها وأنه لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له فذابت منها تلك الخبائث كلها وتلاشت وتبدلت بذل وانكسار وحمد وثناء الرب تبارك وتعالى لم يكن في حكمته إن يستمر بها في العذاب بعد ذلك إذ قد تبدل شرها بخيرها وشركها بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها ولا ينتقض هذا بقول الله عز وجل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه فإن هذا قبل مباشرة العذاب الذي يزيل تلك الخبائث وإنما هو عند المعاينة قبل الدخول فإنه سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فهذا إنما قالوه قبل إن يستخرج العذاب منهم تلك الخبائث فأما إذا لبثوا في العذاب أحقابا والحقب كما رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال الحقب خمسون ألف سنة فإنه من الممتع إن يبقى ذا الكبر والشرك والخبث بعد هذه المدد المتطاولة في العذاب.
الوجه العشرون أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة فيقول عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبي ﷺ، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيها في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حمل السيل فيقول الله الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير فإن لفظ الحديث هكذا فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبي ﷺ وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من نار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط فهذا السياق يدل على إن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة ومن هذا رحمته سبحانه وتعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه وتعالى فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا فقال له ما حملك على ما صنعت قال خشيتك وأنت تعلم فما تلافاه إن رحمه الله فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه إن رسول الله قال يقول الله عز وجل اخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام قالوا ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر به يوما واحدا ولا خافه ساعة واحدة ولا ريب إن رحمته سبحانه وتعالى إذا أخرجت من النار من ذكره وقتا أو خافه في مقام ما فغير بدع إن تنفى النار ولكن هؤلاء خرجوا منها وهي نار.
الوجه الحادي والعشرون إن اعتراف العبد بذنبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم واللوم إليه من كل وجه ونسبة وعدل والحمد والرحمة والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه يستعطف ربه تبارك وتعالى عليه ويستدعي رحمته له وإذا أراد إن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه والرحمة معه ولا سيما إذا اقترن بذلك جزم العبد على ترك المعاودة لما يسخط ربه عليه وعلم الله إن ذلك داخل في قلبه وسويدائه فإنه لا تتخلف عنه الرحمة مع ذلك وفي معجم الطبراني من حديث يزيد بن سنان الرهاوي عن سليمان بن عامر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله " إن آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه يعجز عنه عمله إن يسعى فيقول يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار فيوحي الله تبارك وتعالى إليه عبدي إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك فيقول العبد نعم يا رب وعزتك وجلالك إن نجيتني من النار لاعترفن لك بذنوبي وخطاياي فيجوز الجسر فيقول العبد فيما بينه وبين نفسه لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار فيوحي الله إليه عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك اغفرها لك وأدخلك الجنة فيقول العبد لا وعزتك وجلالك ما أذنبت ذنبا قط ولا أخطأت خطيئة قط فيوحي الله إليه عبدي إن لي عليك بينة فيلتفت العبد يمينا وشمالا فلا يرى أحدا فيقول أي رب ارني بينتك فينطق الله تعالى جلده بالمحقرات فإذا رأى ذلك العبد يقول يا رب عندي وعزتك العظائم فيوحي الله إليه عبدي أنا اعرف بها منك اعترف لي بها اغفرها لك وأدخلك الجنة فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة ثم ضحك رسول الله حتى بدت نواجذه يقول هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه" فالرب تبارك وتعالى يريد من عبده الاعتراف والانكسار بين يديه والخضوع والذلة له والعزم على مرضاته فما دام أهل النار فاقدين لهذه الروح لروح فهم فاقدون الرحمة فإذا أراد عز وجل إن يرحمهم أو من يشاء منهم جعل في قلبه ذلك فتدركه الرحمة وقدرة الرب تبارك وتعالى غير قاصرة عن ذلك وليس فيه ما يناقض موجب أسمائه وصفاته وقد أخبر أنه فعال لما يريد الوجه الثاني والعشرون أنه سبحانه وتعالى أوجب الخلود على معاصي الكبائر وقيده بالتأبيد ولم يناف ذلك انقطاعه وانتهاؤه فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ ومنها قول النبي صلى الله عليه وسل" من قتل نفسا بحديدة فحديدته في يده يتوجا بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" وهو حديث صحيح وكذلك قوله في الحديث الآخر في قاتل نفسه فيقول الله تبارك وتعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة وابلغ من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ فهذا وعيد مقيد بالخلود والتأبيد مع انقطاعه قطعا بسبب العبد وهو التوحيد فكذلك الوعيد العام لأهل النار لا يمتنع انقطاعه بسبب ممن كتب على نفسه الرحمة وغلبت رحمته غضبه فلو يعلم الكافر بكل ما عنده من الرحمة لما يئس من رحمته كما في صحيح البخاري عنه خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة وقال في آخره "فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" الوجه الثالث والعشرون أنه لو جاء الخبر منه سبحانه وتعالى صريحا بأن عذاب النار لا انتهاء له وأنه أبدي لا انقطاع له لكان ذلك وعيدا منه سبحانه وتعالى والله تعالى لا يخلف وعده وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم إن إخلافه كرم وعفو وتجاوز يمدح الحرب تبارك وتعالى به ويثنى عليه به فإنه حق له إن شاء تركه وإن شاء استوفاه والكريم لا يستوفي حقه فكيف بأكرم الأكرمين وقد صرح سبحانه وتعالى في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف وعده ولم يقل في موضع واحد لا يخلف وعيده وقد روى أبو يعلى الموصلي ثنا هدبة بن خالد حدثنا سهيل بن أبي حزم ثنا ثابت البنائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه إن رسول الله قال من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه ومن واعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار وقال أبو الشيخ الأصبهاني ثنا محمد بن حمزة ثنا أحمد بن الخليل ثنا الأصمعي قال جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال يا أبا عمرو يخلف الله ما وعده قال لا قال أفرأيت من أوعده الله على عمله عقابا أيخلف الله وعده عليه فقال أبو عمرو بن العلاء من العجمة أتيت يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا إن تعد شرا ثم لا تفعله ترى ذلك كرما وفضلا وإنما الخلف إن تعد خيرا ثم لا تفعله قال فأوجدني هذا في كلام العرب قال نعم أما سمعت إلى قول الأول:
؎ولا يرهب ابن العم ما عشت سطوتي ∗∗∗ ولا اختشي من صولة المتهدد
؎وإني وإن أوعدته أو وعدته ∗∗∗ لمخلف ايعادي ومنجز موعدي
قال أبو الشيخ وقال يحيى بن معاذ الوعد والوعيد حق فالوعد حق العباد على الله ضمن لهم إذا فعلوا كذا وإن يعطيهم كذا ومن أولى بالوفاء من الله؟ والوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فإن شاء عفا، وإن شاء آخذ، لأنه حقه.
وأولاهما بربنا تبارك وتعالى العفو والكرم إنه غفور رحيم.
ومما يدل على ذلك ويؤيده خبر كعب بن زهير حين أوعده رسول الله فقال:
؎نبئت أن رسول الله أوعدني ∗∗∗ والعفو عند رسول الله مأمول
فإذا كان هذا في وعيد مطلق فكيف بوعيد مقرون باستثناء معقب بقوله ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾
وهذا إخبار منه أنه يفعل ما يريد عقيب قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ فهو عائد إليه ولا بد.
ولا يجوز أن يرجع إلى المستثنى منه وحده بل إما أن يختص بالمستثنى أو يعود إليهما وغير خاف أن تعلقه بقوله إلا ما شاء ربك أولى من تعلقه بقوله خالدين بخالدين فيها وذلك ظاهر للمتأمل وهو الذي فهمه الصحابة فقالوا أتت هذه الآية في وعيد القرآن ولم يريدوا بذلك الاستثناء وحده فإن الاستثناء مذكور في الأنعام أيضا وإنما أرادوا أنه عقب الاستثناء بقوله ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وهذا التعقيب نظير قوله في الأنعام ﴿خالدين فيها إلا ما شاء ربك إن ربك حكيم عليم﴾ فأخبر أن عذابهم في جميع الأوقات ورفعه عنهم في وقت يشاؤه صادر عن كمال علمه وحكمته لا عن مشيئة مجردة عن الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل إذ يستحيل تجرد مشيئته عن ذلك.
الوجه الرابع والعشرون إن جانب الرحمة أغلب في هذه الدار من الباطلة الفانية الزائلة عن قرب من جانب العقوبة والغضب ولولا ذلك لما عمرت ولا قام لها وجود كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ وقال ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة فلولا سعة رحمته ومغفرته وعفوه لما قام العالم، ومع هذا فالذي أظهره من الرحمة في هذه الدار وأنزله بين الخلائق جزء من مائة جزء من الرحمة فإذا كان جانب الرحمة قد غلب في هذه الدار ونالت البر والفاجر والمؤمن والكافر مع قيام مقتضى العقوبة به ومباشرته له وتمكنه من إغضاب ربه والسعي في مساخطته فكيف لا يغلب جانب الرحمة في دار تكون الرحمة فيها مضاعفة على ما في هذه الدار تسعة وتسعين ضعفا وقد أخذ العذاب من الكفار مأخذه وانكسرت تلك النفوس ونهكها العذاب وأذاب منها خبثا وشرا لم يكن يحول بينها وبين رحمته لها في الدنيا بل كان يرحمها مع قيام مقتضى العقوبة والغضب بها فكيف إذا زال مقتضى الغضب والعقوبة وقوى جانب الرحمة أضعاف أضعاف الرحمة في هذه الدار واضمحل الشر والخبث الذي فيها فأذابته النار وأكلته وسر الأمر إن أسماء الرحمة والإحسان أغلب واظهر وأكثر من أسماء الانتقام وفعل الرحمة أكثر من فعل الانتقام وظهور آثار الرحمة أعظم من ظهور آثار الانتقام والرحمة أحب إليه من الانتقام وبالرحمة خلق خلقه ولها خلقهم وهي التي سبقت غضبه وغلبته وكتبها على نفسه ووسعت كل شيء وما خلق بها فمطلوب لذاته وما خلق بالغضب فمراد لغيره كما تقدم تقرير ذلك والعقوبة تأديب وتطهير والرحمة إحسان وكرم وجود والعقوبة مداواة والرحمة عطاء وبذل.
الوجه الخامس والعشرون أنه سبحانه وتعالى لا بد إن يظهر لخلقه جميعهم يوم القيامة صدقه وصدق رسله وإن أعداؤه كانوا هم الكاذبين المفترين ويظهر لهم حكمه الذي هو اعدل حكم في أعدائه وأنه حكم فيهم حكما يحمدونه هم عليه فضلا عن أوليائه وملائكته ورسله بحيث ينطق الكون كله بالحمد لله رب العالمين، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فحذف فاعل القول لإرادة الإطلاق وإن ذلك جار على لسان كل ناطق وقلبه قال الحسن لقد دخلوا النار وإن قلوبهم لممتلئة من حمده ما وجدوا عليه سبيلا وهذا هو الذي حسن حذف الفاعل من قوله ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ حتى كان الكون كله قائل ذلك لهم إذ هو حكمه العدل فيهم ومقتضى حكمته وحمده وأما أهل الجنة فقال تعالى: ﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ فهم لم يستحقوها بأعمالهم وإنما استحقوها بعفوه ورحمته وفضله فإذا اشهد سبحانه وتعالى ملائكته وخلقه كلهم حكمه العدل وحكمته الباهرة وضعه العقوبة حيث تشهد العقول والفطر والخليقة أنه أولى المواضع وأحقها بها وإن ذلك من كمال حمده الذي هو مقتضى أسمائه وصفاته وإن هذه النفوس الخبيثة الظالمة الفاجرة لا يليق بها غير ذلك ولا يحسن بها سواه بحيث تعترف بها هي من ذواتها بأنها أهل ذلك وإنها أولى به حصلت الحكمة التي لأجلها وجد الشر وموجباته في هذه الدار وتلك الدار وليس في الحكمة الإلهية إن الشرور تبقى دائما لا نهاية لها ولا انقطاع أبدا فتكون هي والخيرات في ذلك على حد سواء فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب فإن قيل فإلي أين أنهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن التي هي أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة قيل إلى قوله تبارك وتعالى ﴿إنَّ رَبَكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وإلى هنا قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيها حيث ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء وقال ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء.
هود 11:112
قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢].
فَبَيَّنَ أنَّ الِاسْتِقامَةَ ضِدُّ الطُّغْيانِ.
وَهُوَ مُجاوَزَةُ الحُدُودِ في كُلِّ شَيْءٍ.
(فائدة)
إذا صارت النفس حرة طيبة مطمئنة غنية بما أغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها استقامت بذلك الغنى على الأمر الموهوب، وسلمت به عن الأمر المسخوط وبرئت من المراءاة، ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنا وظاهرا، ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾.
(قاعدة: في ذكر طريق يوصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال)
وهي شيئان:
أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها، والحذر من إهمالها والاسترسال معها، فإن أصل الفساد كله من قبلها يجيء، لأنها هي بذر الشيطان، والنفس في أرض القلب، فإذا تمكن بذرها تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات، ثم يسقيها حتى تكون عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم، فيجد العبد نفسه عاجزًا أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة، وهو المفرط إذا لم يدفعها وهي خاطر ضعيف، كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس، فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها.
فإن قلت: فما الطريق إلى حفظ الخواطر؟
قلت: أسباب عدة:
أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب تعالى ونظره إلى قلبك وعلمه بتفصيل خواطرك.
الثاني: حياؤك منه.
الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلقه لمعرفته ومحبته.
الرابع: خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.
الخامس: إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته.
السادس: خشيتك أن تتولد تلك الخواطر يستعر شرارها فتأْكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله فتذهب به جملة وأنت لا تشعر.
السابع: أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذي يلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر.
الثامن: أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلًا، بل هي ضدها من كل وجه، وما اجتمعا في قلب إلا وغلب أحدهما صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس والشيطان فيه خواطر الإيمان والمعرفة والمحبة فأخرجتها واستوطنت مكانها، لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك وأحس بمصابه.
التاسع: أن يعلم أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه وتاه في ظلماته فيطلب الخلاص منه فلا يجد إليه سبيلًا، فقلب تملكه الخواطر بعيد من الفلاح معذب مشغول بما لا يفيد.
العاشر: أن تلك الخواطر هي وادي الحمقى وأماني الجاهلين، فلا تثمر لصاحبها إلا الندامة والخزي، وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس وعزلته عن سلطانها وأفسدت عليه رعيته وألقته في الأسر الطويل كما أن هذا معلوم في الخواطر النفسانية فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية هي أصل الخير كله، فإن أرض القلب إذا بذر فيها خواطر الإيمان والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء الثواب، وسقيت مرة بعد مرة، وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها، أثمرت له كل فعل جميل، وملأت قلبه من الخيرات، واستعملت جوارحه في الطاعات، واستقر بها الملك في سلطانه واستقامت له رعيته، ولهذا لما تحققت طائفة من السالكين ذلك عملت على حفظ الخواطر، وكان ذلك هو سيرها وجل عملها وهذا نافع لصاحبه بشرطين: أحدهما: أن لا يترك به واجبًا، ولا سنة، الثاني: أن لا يجعل مجرد حفظها هو المقصود بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية فيفرّغ قلبه من تلك الخواطر ويعمره بأضدادها، وإلا فمتى عمل على تفريغه منها معًا كان خاسرًا، فلا بد من التفطن لهذا.
ومن هنا غلط أقوام من أرباب السلوك وعملوا على إلقاء الخواطر وإزالتها جملة فبذر فيها الشيطان أنواع الشبه والخيالات فظنوها تحقيقًا وفتحًا رحمانيًا، وهم فيها غالطون، وإنما هي خيالات وفتوحات شيطانية، والميزان هو الكتاب الناطق والفطرة السليمة والعقل المؤيد بنور النبوة. والله المستعان.
هود 11:113
قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
قال الإمام أحمد: "لا ترضوا أعمالهم"
هود 11:114
«سَألَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تَقُولُ في رَجُلٍ لَقِيَ امْرَأةً لا يَعْرِفُها، فَلَيْسَ يَأْتِي الرَّجُلَ مِن امْرَأتِهِ شَيْءٌ إلّا قَدْ أتاهُ مِنها، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يُجامِعْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤]
فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ تَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ فَقالَ مُعاذٌ: فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ألَهُ خاصَّةً أمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً؟
قالَ بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً».
وفي رواية:
«سَألَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ: أصَبْتُ مِن امْرَأةٍ قُبْلَةً، فَنَزَلَتْ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] فَقالَ الرَّجُلُ: إلَيَّ هَذِهِ؟ فَقالَ: بَلْ لِمَن عَمِلَ بِها مِن أُمَّتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَن يَرى أنَّ التَّعْزِيرَ لَيْسَ بِواجِبٍ، وأنَّ لِلْإمامِ إسْقاطَهُ، ولا دَلِيلَ فِيهِ، فَتَأمَّلْهُ.
هود 11:116
[فَصْلُ الغُرْبَةِ]
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: بابُ الغُرْبَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ [هود: ١١٦].
اسْتِشْهادُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في هَذا البابِ يَدُلُّ عَلى رُسُوخِهِ في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ وفَهْمِ القُرْآنِ، فَإنَّ الغُرَباءَ في العالَمِ هم أهْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، وهُمُ الَّذِينَ أشارَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ: «بَدَأ الإسْلامُ غَرِيبًا، وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأ، فَطُوبى لِلْغُرَباءِ، قِيلَ: ومَنِ الغُرَباءُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إذا فَسَدَ النّاسُ».
وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو مَوْلى المُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «طُوبى لِلْغُرَباءِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ومَنِ الغُرَباءُ؟ قالَ: الَّذِينَ يَزِيدُونَ إذا نَقَصَ النّاسُ».
فَإنْ كانَ هَذا الحَدِيثُ بِهَذا اللَّفْظِ مَحْفُوظًا لَمْ يَنْقَلِبْ عَلى الرّاوِي لَفْظُهُ وهُوَ: الَّذِينَ يَنْقُصُونَ إذا زادَ النّاسُ فَمَعْناهُ: الَّذِينَ يَزِيدُونَ خَيْرًا وإيمانًا وتُقًى إذا نَقَصَ النّاسُ مِن ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَفِي حَدِيثِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيبًا، وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأ، فَطُوبى لِلْغُرَباءِ، قِيلَ: ومَنِ الغُرَباءُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: النُّزّاعُ مِنَ القَبائِلِ».
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ ونَحْنُ عِنْدَهُ طُوبى لِلْغُرَباءِ، قِيلَ: ومَنِ الغُرَباءُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ناسٌ صالِحُونَ قَلِيلٌ في ناسٍ كَثِيرٍ، مَن يَعْصِيهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ».
وَقالَ أحْمَدُ: حَدَّثَنا الهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قالَ: «إنَّ أحَبَّ شَيْءٍ إلى اللَّهِ الغُرَباءُ، قِيلَ: ومَنِ الغُرَباءُ؟ قالَ: الفَرّارُونَ بِدِينِهِمْ، يَجْتَمِعُونَ إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ القِيامَةِ».
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «بَدَأ الإسْلامُ غَرِيبًا، وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأ، فَطُوبى لِلْغُرَباءِ قِيلَ: ومَنِ الغُرَباءُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي ويُعَلِّمُونَها النّاسَ».
وَقالَ نافِعٌ، عَنْ مالِكٍ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ المَسْجِدَ، فَوَجَدَ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ جالِسًا إلى بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وهو يَبْكِي، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ما يُبْكِيكَ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ هَلَكَ أخُوكَ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ حَبِيبِي ﷺ وأنا في هَذا المَسْجِدِ، فَقالَ: ما هُوَ؟ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأخْفِياءَ الأحْفِياءَ الأتْقِياءَ الأبْرِياءَ الَّذِينَ إذا غابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وإذا حَضَرُوا لَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهم مَصابِيحُ الهُدى يَخْرُجُونَ مِن كُلِّ فِتْنَةٍ عَمْياءَ مُظْلِمَةٍ».
فَهَؤُلاءِ هُمُ الغُرَباءُ المَمْدُوحُونَ المَغْبُوطُونَ، ولِقِلَّتِهِمْ في النّاسِ جِدًّا؛ سُمُّوا غُرَباءَ، فَإنَّ أكْثَرَ النّاسِ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَأهْلُ الإسْلامِ في النّاسِ غُرَباءُ، والمُؤْمِنُونَ في أهْلِ الإسْلامِ غُرَباءُ، وأهْلُ العِلْمِ في المُؤْمِنِينَ غُرَباءُ.
وَأهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَها مِنَ الأهْواءِ والبِدَعِ فَهم غُرَباءُ، والدّاعُونَ إلَيْها الصّابِرُونَ عَلى أذى المُخالِفِينَ هم أشَدُّ هَؤُلاءِ غُرْبَةً، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ هم أهْلُ اللَّهِ حَقًّا، فَلا غُرْبَةَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما غُرْبَتُهم بَيْنَ الأكْثَرِينَ، الَّذِينَ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، فَأُولَئِكَ هُمُ الغُرَباءُ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ودِينِهِ، وغُرْبَتُهم هي الغُرْبَةُ المُوحِشَةُ، وإنْ كانُوا هُمُ المَعْرُوفِينَ المُشارُ إلَيْهِمْ، كَما قِيلَ:
؎فَلَيْسَ غَرِيبًا مَن تَناءَتْ دِيارُهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ مَن تَنْأيْنَ عَنْهُ غَرِيبُ
وَلَمّا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هارِبًا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ انْتَهى إلى مَدْيَنَ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، وهو وحِيدٌ غَرِيبٌ خائِفٌ جائِعٌ، فَقالَ: يا رَبِّ وحِيدٌ مَرِيضٌ غَرِيبٌ، فَقِيلَ لَهُ: يا مُوسى الوَحِيدُ: مَن لَيْسَ لَهُ مِثْلِي أنِيسٌ، والمَرِيضُ: مَن لَيْسَ لَهُ مِثْلِي طَبِيبٌ، والغَرِيبُ: مَن لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ مُعامَلَةٌ.
[أنْواعُ الغُرْبَةِ]
[الأوَّلُ غُرْبَةُ أهْلِ اللَّهِ وأهْلِ سُنَةِ رَسُولِهِ بَيْنَ هَذا الخَلْقِ]
فالغُرْبَةُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: غُرْبَةُ أهْلِ اللَّهِ وأهْلِ سُنَّةِ رَسُولِهِ بَيْنَ هَذا الخَلْقِ، وهي الغُرْبَةُ الَّتِي مَدَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَها، وأخْبَرَ عَنِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ: أنَّهُ بَدَأ غَرِيبًا وأنَّهُ سَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأ وأنَّ أهْلَهُ يَصِيرُونَ غُرَباءَ.
وَهَذِهِ الغُرْبَةُ قَدْ تَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، ووَقْتٍ دُونَ وقْتٍ، وبَيْنَ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، ولَكِنَّ أهْلَ هَذِهِ الغُرْبَةِ هم أهْلُ اللَّهِ حَقًّا، فَإنَّهم لَمْ يَأْوُوا إلى غَيْرِ اللَّهِ، ولَمْ يَنْتَسِبُوا إلى غَيْرِ رَسُولِهِ ﷺ، ولَمْ يَدْعُوا إلى غَيْرِ ما جاءَ بِهِ، وهُمُ الَّذِينَ فارَقُوا النّاسَ أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْهِمْ، فَإذا انْطَلَقَ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ آلِهَتِهِمْ بَقُوا في مَكانِهِمْ، فَيُقالُ لَهُمْ: ألا تَنْطَلِقُونَ حَيْثُ انْطَلَقَ النّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: فارَقْنا النّاسَ ونَحْنُ أحْوَجُ إلَيْهِمْ مِنّا اليَوْمَ، وإنّا نَنْتَظِرُ رَبَّنا الَّذِي كُنّا نَعْبُدُهُ.
فَهَذِهِ الغُرْبَةُ لا وحْشَةَ عَلى صاحِبِها، بَلْ وآنَسُ ما يَكُونُ إذا اسْتَوْحَشَ النّاسُ، وأشَدُّ ما تَكُونُ وحْشَتُهُ إذا اسْتَأْنَسُوا، فَوَلِيُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا، وإنْ عاداهُ أكْثَرُ النّاسِ وجَفَوْهُ.
وَفِي حَدِيثِ القاسِمِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: عَنِ اللَّهِ تَعالى «إنَّ أغْبَطَ أوْلِيائِي عِنْدِي: لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الحاذِّ ذُو حَظٍّ مِن صَلاتِهِ، أحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ، وكانَ رِزْقُهُ كَفافًا، وكانَ مَعَ ذَلِكَ غامِضًا في النّاسِ، لا يُشارُ إلَيْهِ بِالأصابِعِ، وصَبَرَ عَلى ذَلِكَ حَتّى لَقِيَ اللَّهَ، ثُمَّ حَلَّتْ مَنِيَّتُهُ، وقَلَّ تُراثُهُ، وقَلَّتْ بَواكِيهِ».
وَمِن هَؤُلاءِ الغُرَباءِ: مَن ذَكَرَهم أنَسٌ في حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ، ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لَأبَرَّهُ».
وَفِي حَدِيثِ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم عَنْ مُلُوكِ أهْلِ الجَنَّةِ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: كُلُّ ضَعِيفٍ أغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لَأبَرَّهُ» وقالَ الحَسَنُ: المُؤْمِنُ في الدُّنْيا كالغَرِيبِ لا يَجْزَعُ مِن ذُلِّها، ولا يُنافِسُ في عَزْلِها، لِلنّاسِ حالٌ ولَهُ حالٌ، النّاسُ مِنهُ في راحَةٍ وهو مِن نَفْسِهِ في تَعَبٍ.
فَإذا أرادَ المُؤْمِنُ الَّذِي قَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ بَصِيرَةً في دِينِهِ، وفِقْهًا في سُنَّةِ رَسُولِهِ، وفَهْمًا في كِتابِهِ، وأراهُ ما النّاسُ فِيهِ مِنَ الأهْواءِ والبِدَعِ والضَّلالاتِ وتَنَكُّبِهِمْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَسْلُكَ هَذا الصِّراطَ فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلى قَدْحِ الجُهّالِ وأهْلِ البِدَعِ فِيهِ، وطَعْنِهِمْ عَلَيْهِ، وإزْرائِهِمْ بِهِ وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْهُ وتَحْذِيرِهِمْ مِنهُ، كَما كانَ سَلَفُهم مِنَ الكُفّارِ يَفْعَلُونَ مَعَ مَتْبُوعِهِ وإمامِهِ ﷺ، فَأمّا إنْ دَعاهم إلى ذَلِكَ، وقَدَحَ فِيما هم عَلَيْهِ: فَهُنالِكَ تَقُومُ قِيامَتُهم ويَبْغُونَ لَهُ الغَوائِلَ ويَنْصِبُونَ لَهُ الحَبائِلَ ويَجْلِبُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلِ كَبِيرِهِمْ ورِجْلِهِ.
فَهُوَ غَرِيبٌ في دِينِهِ لِفَسادِ أدْيانِهِمْ، غَرِيبٌ في تَمَسُّكِهِ بِالسُّنَّةِ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالبِدَعِ، غَرِيبٌ في اعْتِقادِهِ لِفَسادِ عَقائِدِهِمْ، غَرِيبٌ في صِلاتِهِ لِسُوءِ صِلاتِهِمْ، غَرِيبٌ في طَرِيقِهِ لِضَلالِ وفَسادِ طُرُقِهِمْ، غَرِيبٌ في نِسْبَتِهِ لِمُخالَفَةِ نَسَبِهِمْ، غَرِيبٌ في مُعاشَرَتِهِ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ يُعاشِرُهم عَلى ما لا تَهْوى أنْفُسُهم.
وَبِالجُمْلَةِ: فَهو غَرِيبٌ في أُمُورِ دُنْياهُ وآخِرَتِهِ لا يَجِدُ مِنَ العامَّةِ مُساعِدًا ولا مُعِينًا فَهو عالِمٌ بَيْنَ جُهّالٍ، صاحِبُ سُنَّةٍ بَيْنَ أهْلِ بِدَعٍ، داعٍ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ بَيْنَ دُعاةٍ إلى الأهْواءِ والبِدَعِ، آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ بَيْنَ قَوْمٍ المَعْرُوفُ لَدَيْهِمْ مُنْكَرٌ والمُنْكَرُ مَعْرُوفٌ.
[فَصْلٌ: الثّانِي غُرْبَةُ أهْلِ الباطِلِ]
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الغُرْبَةِ غُرْبَةٌ مَذْمُومَةٌ وهي غُرْبَةُ أهْلِ الباطِلِ وأهْلِ الفُجُورِ بَيْنَ أهْلِ الحَقِّ، فَهي غُرْبَةٌ بَيْنَ حِزْبِ اللَّهِ المُفْلِحِينَ وإنْ كَثُرَ أهْلُها فَهم غُرَباءُ عَلى كَثْرَةِ أصْحابِهِمْ وأشْياعِهِمْ، أهْلُ وحْشَةٍ عَلى كَثْرَةِ مُؤْنِسِهِمْ، يُعْرَفُونَ في أهْلِ الأرْضِ، ويَخْفَوْنَ عَلى أهْلِ السَّماءِ.
[فَصْلٌ: الثّالِثُ غُرْبَةٌ مُشْتَرَكَةٌ لا تُحْمَدُ ولا تُذَمُّ]
وَهِيَ الغُرْبَةُ عَنِ الوَطَنِ؛ فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم في هَذِهِ الدّارِ غُرَباءُ، فَإنَّها لَيْسَتْ لَهم بِدارِ مَقامٍ، ولا هي الدّارُ الَّتِي خُلِقُوا لَها، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «كُنْ في الدُّنْيا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عابِرُ سَبِيلٍ». وهَكَذا هو في نَفْسِ الأمْرِ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ أنْ يُطالِعَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ويَعْرِفَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ، ولِي مِن أبْياتٍ في هَذا المَعْنى:
؎وَحَيَّ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ فَإنَّها ∗∗∗ مَنازِلُكَ الأُولى وفِيها المُخَيَّمُ
؎وَلَكِنَّنا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تَرى ∗∗∗ نَعُودُ إلى أوْطانِنا ونُسَلَّمُ
؎وَأيُّ اغْتِرابٍ فَوْقَ غُرْبَتِنا الَّتِي ∗∗∗ لَها أضْحَتِ الأعَداءُ فِينا تَحَكَّمُ
؎وَقَدْ زَعَمُوا أنَّ الغَرِيبَ إذا نَأى ∗∗∗ وشَطَّتْ بِهِ أوْطانُهُ لَيْسَ يَنْعَمُ
؎فَمِن أجْلِ ذا لا يَنْعَمُ العَبْدُ ساعَةً ∗∗∗ مِنَ العُمْرِ إلّا بَعْدَ ما يَتَألَّمُ
وَكَيْفَ لا يَكُونُ العَبْدُ في هَذِهِ الدّارِ غَرِيبًا، وهو عَلى جَناحِ سَفَرٍ، لا يَحِلُّ عَنْ راحِلَتِهِ إلّا بَيْنَ أهْلِ القُبُورِ؟ فَهو مُسافِرٌ في صُورَةِ قاعِدٍ، وقَدْ قِيلَ:
؎وَما هَذِهِ الأيّامُ إلّا مَراحِلُ ∗∗∗ يَحُثُّ بِها داعٍ إلى المَوْتِ قاصِدُ
؎وَأعْجَبُ شَيْءٍ لَوْ تَأمَّلْتَ أنَّها ∗∗∗ مَنازِلُ تُطْوى والمُسافِرُ قاعِدُ
هود 11:117
وَفي الآيَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: ما كانَ لِيُهْلِكَها بِظُلْمٍ مِنهُمْ، الثّانِي: ما كانَ لِيُهْلِكَها بِظُلْمٍ مِنهُ.
والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ما كانَ لِيُهْلِكَها بِظُلْمِهِمُ المُتَقَدِّمِ، وهم مُصْلِحُونَ الآنَ، أيْ إنَّهم بَعْدَ أنْ أصْلَحُوا وتابُوا، لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَهم بِما سَلَفَ مِنهم مِنَ الظُّلْمِ.
وَعَلى القَوْلِ الثّانِي إنَّهُ لَمْ يَكُنْ ظالِمًا لَهم في إهْلاكِهِمْ، فَإنَّهُ لَمْ يُهْلِكْهم وهم مُصْلِحُونَ! وإنَّما أهْلَكَهم وهم ظالِمُونَ، فَهُمُ الظّالِمُونَ لِمُخالَفَتِهِمْ، وهو العادِلُ في إهْلاكِهِمْ، والقَوْلانِ في آيَةِ الأنْعامِ أيْضًا ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١].
هود 11:118
قال ابن عباس ومالك وجماعة من السَلَف في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
قالوا: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف.
هود 11:119
قال ابن عباس ومالك وجماعة من السَلَف في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
قالوا: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف.
يوسف 12:4
(حكم ومواعظ وعبر)
لما تمكن الحسد من قلوب إخوة يوسف عليه السلام أرى المظلوم مآل الظالم في مرآة ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾.
شكرك لا يساوي قدر قوتك.
لا كانت دابة لا تعمل بعلفها ..
متى رأيت العقل يؤثر الفاني على الباقي فاعلم أنه قد مسخ.
ومتى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والاستعداد للقائه وحل فيه حب المخلوق والرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها فالعلم أنه قد خسف به.
ومتى أقحطت العين من البكاء من خشية الله تعالى فاعلم أن قحطها من قسوة القلب، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي.
ومتى رأيت نفسك تهرب من الأنس به إلى الأنس بالخلق ومن الخلوة مع الله إلى الخلوة مع الأغيار فاعلم أنك لا تصلح له.
ومتى رأيته يستزيد غيرك وأنت لا تطلب ويستدني سواك وأنت لا تقرب.
فإن تحركت لك قدم في الزيارة تخلف قلبك في المنزل فاعلم أنه الحجاب والعذاب مزاج الإيمان منحرف عن الصحة ونبض الهوى شديد الخفقان.
تحكمت أخلاط الشهوات في أعضاء الكسل فثبطت عن الحركة فتولدت الأمراض المختلفة هذا وما يسهل عليك شرب مسهل فإن تداركت المرض وإلا قتل.
لو احتميت ساعة لم تحتج إلى معالجة الدواء مدة.
من ركب ظهر التفريط والتواني نزل به دار العسرة والندامة.
ربك يحب حياة نفسك وأنت تريد قتلها. يريد بك اليسر وأنت تريد العسر.
يريد بها الكرامة وأنت جاهد في إهانتها:
؎ما يبلغ الأعداء من جاهل ∗∗∗ ما يبلغ الجاهل من نفسه
من أدلج في غياهب الليل على نجائب الصبر صبح منزل السرور. ومن نام على فراش الكسل أصبح ملقى بوادي الأسف. الجد كله حركة والكسل كله سكون. فتورك عن السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث العزم.
إذا أردت أن تعرف الديك من الدجاجة وقت خروجه من البيضة فعلقه بمنقارة فإن تحرك فديك وإلا فدجاجة.
الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج فلذلك عيب عشاقها.
؎ميزت بين جمالها وفعالها ∗∗∗ فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي
؎حلفت لنا أن لا تخون عهودها ∗∗∗ فكأنما حلفت لنا أن لا تفي
ما حظي الدينار بنقش اسم الملك فيه حتى صبرت سبيكته على الترداد على النار فنفت عنها كل خبث ثم صبرت علي تقطيعها دنانير ثم صبرت على ضربها على السكة فحينئذ يظهر عليها رقم النقش، فكيف يطمع في نقش كتب في قلوبهم الإيمان من كله خبث. مكابدة البادية تهون عند ذكر البيت المضحي بوادي الجوع والمعشي بوادي السهر إلى أن تلوح أعلام المنزل.
إذا ونت الركاب في السير فبثوا حداة الغزم في نواحيها يطيب لها السرى.
إذا حال غيم الهوى بين القلوب وبين شمس الهدى تحير السالك.
الحيوان البهيم يتأمل العواقب وأنت لا ترى إلا الحاضر.
ما تكاد تهتم بمؤونة الشتاء حتى يقوى البرد ولا بمؤونه الصيف حتى يقوى الحر والذر يدخر الزاد من الصيف لأيام الشتاء.
وهذا الطائر إذا علم أن الأنثى قد حملت أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع أفتراك ما علمت قرب رحيلك إلى القبر فهلا بعثت فراش ﴿من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون﴾.
وهذا اليربوع لا يتخذ بيتا إلا في موضع صلب ليسلم من الحافز ويكون مرتفعا ليسلم من السيل ويكون عند أكمه أو صخرة لئلا يضل عنه ثم يجعل له أبوابا ويرقق بعضها فلا ينقذه، فإذا أتى من باب مفتوح دفع برأسه ما رق من التراب وخرج منه، وأنت قد ضيقت على نفسك الخناق فما أبقيت للنجاة موضعا.
النفس كالعدو إن عرفت صوله الجد منك استأسرت لك وإن أنست عنك المهانة أسرتك أتمنعها ملذوذ مباحاتها ليقع الصلح على ترك الحرام فإذا احتجت لطلب المباح فإما منا بعد وإما فداء.
الدنيا والشيطان عدوان خارجان عنك والنفس عدو بين جنبيك.
من سنة الجهاد قاتلوا الذين يلونكم.
أليس المبارك بالمحاربة كالكمين الذي يطلع عليك من حيث لا تشعر.
أقل ما تفعل النفس معك أنها تمزق العمر بكف التبذير والبطاله اخل معها في بيت الفكر سويعة ثم انظر هل هي معك أو عليك ثم عاملها بما تعامل به واحدا منهما. من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه.
سينقشع غيم التعب عن فجر الآخرة. كم صبر بشر عن شهوة حتى سمع كل يا من لم يأكل. يامن حسد سجاف نعم العبد على قبة ووهبنا له حتى وصل على قدر إنا وجدناه صابرا.
كيف يفلح من يشكو الليل إلى ربه من طول يومه والنهار من قبيح فعله. كيف يفلح من هو جيفة بالليل قطرب بالنهار ينصب بميزان البخس ومكيال التطفيف والقدر ثالثة الأثافي.
لو فكر الطائر في الذبح ما حام حول القمح. لولا صبر المضمرات على قلة العلف ما قيل لها سوابق.
؎مما أضر بأهل العشق أنهم ∗∗∗ هووا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا
؎تفنى نفوسهم شوقا وأعينهم ∗∗∗ في إثر كل قبيح وجهه حسن
؎تحمل حميلكم كل رابحة ∗∗∗ فكل بين على اليوم مؤتمن
؎ما في هوادجكم من مهجتي عوض ∗∗∗ إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن
؎سهرت بعد رحيل وحشة لكم ∗∗∗ ثم استمر مريري وارعوى الوسن
؎لا تلق دهرك إلا غير مكترث ∗∗∗ ما دام تصحب فيه روحك البدن
؎فما يديم سرورا قد سررت به ∗∗∗ لا يرد عليك الغائب الحزن
إذا لم تكن من أنصار الرسول فتناول الحرب فكن من حراس الخيام فإن لم تفعل فكن من نظارة الحرب الذين يتمنون الظفر للمسلمين ولا تكن الرابعة فتهلك. إذا رأيت الباب مسدودا في وجهك فاقنع بالوقوف خارج الدار مستقبلا الباب سائلا مستعطيا فعسى ولكن لا تول ظهرك وتقول ما حيلتي وقد سد الباب دوني.
لما نادي منادي الأفضال ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثالها﴾ سارت نجائب الأعمال قام الجزاء يصيح بالدليل ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ فقال: " ما منكم من ينجيه عمله ".
إن لم تقدر على مشارع أرباب العزائم فرد باقي الحياض. فمن لم يكن عنده ابن لبون قبلت منه ابنة مخاض.
لا تحتقر معصية فكم أحرقت شررة.
أما عرفت سر: ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ لو قنع آدم لاكتفى ولكن المحنة كانت في الشرة. الخلوة شرك لصيد المؤانسة. أخفى الصيادين شخصا وأقلهم حركة أكثرهم التقاط للصيد. ما صاد هرنوا أي صوت.
أبدا نفوس العاشقين ... إلى ربوعكم تحن
وكذا القلوب بذكركم ... بعد المخافة تطمئن
وقال غيره:
؎طلولي إذا يشكو إليها متيم ∗∗∗ شكا غير ذي نطق إلى غير ذي فهم
وقال غيره:
؎وأنما عمر الفتى سوق له ∗∗∗ يصدر عنه غانمأ أو خاسرا
قال غيره:
؎تراع إذا الجنائز قابلتنا ∗∗∗ ونلهو حين تخفي ذاهبات
؎كروعة ثلة لظهور ذئب ∗∗∗ فلما غاب عادت راتعات
خذ نفسك بالعزائم لا ترخص. حائط الباطن خراب فعلام إذا تجصص. العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة. الجهل والبطالة توأمان أمهما إيثار الكسل.
أيها المعلم تثبت على المبتدى وقدر في السر فللعالم رسوخ وللمتعلم قلق.
ويا أيها الطالب تواضع في الطلب فإن التراب بيننا هو تحت الأخمص صار طهورا للوجه.
تجلى عليك عروس المعرفة ولكن علي غير كفؤ. وإنما يحل النظر إذا كان العقد جائزا.
"فغض الطرف إنك من نمير".
ليس العالم شخصا واحدا العالم عالم تصانيف. العالم أولاده المخلدون دون أولاده.
من خلق للعلم شف جوهره من الصغر. طول الشهر مفض إلى طيب المرقد والهوان في ظل الهوينا كامن. وجلالة الأخطار في ركوب الأخطار.
مياه المعاني مخزونة في قلب العالم يفتح منها للسقي سيحا بعد سيح ويدخر أصفاها لأهل الصفا فإذا تكاثرت عليه نادى للسبيل فيبقي علمه سيح ولهذا يتضاعف عليه زكاة الشكر. كل وقت تسافر بضائع فكره من مدينة قلبه إلى قلوب الطالبين فينادي عليها دلال لسانه وهو يعرضها في مواسم النصح على تجار الطلب والإرادة من يشترى حكمه وعلما بتخيير الثمن
فيا من يرى علو تلك المرتبة لا تنس الدرج.
كم خاض بحرا ملحا حتى وقع بالعذب وكم تاه في مهمه قفر حتى سمى بالدليل وكم أنض مراكب الجسم وفض شهوات الحس وواصل السرى ليلا ونهارا وأوقد نار الصبر في دياجي الهوى فإن وثقتم بأمانته فهذا تخبير السرى.
الدنيا تفوق سهامها نحو بنيها وتقول خذوا حذركم فلهذا دم قتلاها هدر.
غاب الهدهد عن سليمان ساعة فتوعده، فيا من أطال الغيبة عن ربه هل أمنت غضبه؟!
تخلف الثلاثة عن الرسول ﷺ في غزوة واحدة فجرى لهم ما سمعت، فكيف بمن عمره في التخلف عنه؟!
إذا سكر الغراب بشراب الحرص تنقل بالجيف فإذا صحا من خماره ندم على الطلل خالف موسى الخضر في طريق الصحبة ثلاث مرات فحل عقدة الوصال بيد هذا فراق بيني وبينك أفما تخاف يا من لم يف لربه قط أن تقول في بعض زلاتك هذا فراق بيني وبينك. أعظم عذاب أهل جهنم جهلهم بالمعذب.
لو صحت معرفتهم بما لمالك هنالك لما استغاثوا بمالك يا مالك.
وقع بينهم شخص ليس من الجنس كان في باطنه ذرة من المعرفة فكلما حملت عليه النار اتقاها بدرع يا حنان يا منان.
كان موته في المعاصي سكن فقبر في جهنم فلما تحرك الروح في الباطن أخرج من القبر.
حرص العصفور يخنقه وقنع العنكبوت في زاوية الضعف يسوق إليها الذباب قوتا لها. رب ساع لقاعد.
أرسلت قلبك مع كل مطلوب من الهوى ثم تبعث وراءه وقت الصلاة فربما لا يلقاه الرسول فتصلي بلا قلب.
؎خلفت قلبك في الأظغان إذ نزلت ∗∗∗ بالمازمين غداة النفر بالنفر
؎ورحت تطلب في أرض العراق ضحى ∗∗∗ ما ضاع عند مني فاعجب لذا الخبر
؎لما طرقنا مني كان الفؤاد معي ∗∗∗ فضل عني بين الضال والسمر
؎بأرجل العيس تنبيك الرمال فما ∗∗∗ أمشي بوجدي غذا إلا على الأثر
يا من فقد قلبه لا تيأس من عوده
؎فقد يجمع الله الشتيتين بعدما ∗∗∗ يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
الهوى قاطن والصواب خاطر وطرد القاطن صعب وإمساك الخاطر أصعب.
إنك لم تزل في حبس فأول الحبوس صلب الأب والثاني بطن الأم والثالث القماط والمهد والرابع المكتب والخامس الكد على العيال والسادس مرض الموت والسابع القبر فإن وقعت في الثامن نسيت مرارة كل حبس تقدم.
ادخل حبس التقوى باختيارك أياما ليحصل لك الإطلاق على الدوام ولا تؤثر إطلاق نفسك فيما تحب فإنه يؤثر حبس الأبد.
العذل على حمل العشق علاوة ومريخ قطب الشم يوجده فروى له خبر التعذيب فعرضا متى تركت المعصية وما حللت عقد الإصرار لم يفد شيئا كما لو سكن المرض من غير استفراغ فإنه على حاله إن لم يتحقق قصد القلب لم يؤثر النطق شيئا.
يمين المكره لا تنعقد ويحك نفسك سلعتك وقد استامها المشترى بأفخر الثمن فاجهد في إصلاح عيوبها لعلة يرضي بها.
منام المنى أضغاث ورائد الأمال كذوب ومرتع الشهوات وخيم. العجز شريك الحرمان التفريط مصائب الكسل.
قفل قلبك رومي ما يقع عليه غش.
متى خامر من جنود عزمك عليك واحد لم يأمن قلبك الهزيمة عليه.
وإذا كان في الأنابيب خلف وقع الطيش في رؤوس الصعاد. كمن قيما على جوارحك ورعيتك إذا وفيتها الحظوظ فاستوف منها الحقوق. تأمل قوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ كيف شرك بينهما في الخروج وخص الذَّكَر بالشقاء لاشتغاله بالكسب والمعاش والمرأة في خدرها
؎تزود من الماء القراح فلن يرى ∗∗∗ بوادي الغضا ماء نقاحا ولا بردا
؎فهل من نسيم البان والرند نفحة ∗∗∗ فهيهات واد ينبت البان والرندا
؎وكر إلى نجد بطرفك إنه ∗∗∗ متى تسر لا تنظر عقيقا ولا نجدا
انظر يمنه فهل ترى محنة ثم اعطف يسرة فهل ترى إلا حسرة أم الربع العامر فدرس وأما أسر الممات فغرس وأما الراكب فكبت به الفرس ساروا في ظلم ظلامتهم فما عندهم قبس وقفت بهم سفن نجاتهم لأن البحر يبس وانقلبت تلك الدور كلها في تعس وجاء منكر بآخر سبأ ونكير بأول عبس أفلا يقوم لنجاته من طال ما قد جلس.
؎يا نفس ما هي إلا صبر أيام ∗∗∗ كأن مدتها أضغاث أحلام
؎يا نفس جودي عن الدنيا ولذتها ∗∗∗ وخل عنها فإن العيش قدامي
ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهوله العاقبة وإنما هي ساعة ويصل إلى برج أمنة وكم فيه من حبة.
؎وإن حننت للحمى وروضة ∗∗∗ فبالغضا ماء وروضات أخر
حامل الكتب من الطير أقوى عزيمة فلعل وضعك على غير الاعتدال.
لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة.
إذا حمل الطائر الرسالة صابر العزيمة ولازم بطون الأوديه فإن خفيت عليه الطريق تنسم الرياح وتلمح قرص الشمس وتستر وهو مع شدة جوعه يحذر الحب الملقى خوفا من دفينة فخ توجب تعرقل الجناح ويضيع ما حمل فإذا بلغ الرسالة اطلق نفسه في أغراضها داخل البرج.
فيا حاملي كتب الأمانة أكثركم على غير الجادة
وما يستدل منكم من قد راقه الحب فنزل بما حمل فارتهن وربح فيسلم تعرقل جناحه وينتظر الذبح، فلا الحبة حصلت ولا الرسالة وصلت.
؎قطاة غرها شرك فباتت ∗∗∗ تجاذبه وقد علق الجناح
؎فلا في الليل نالت ما تمنت ∗∗∗ ولا في الصبح كان لها سراح
لو صابرتم مشقة الطريق لانتهي السفر فتوطنتم مستريحين في جنات عدن يا مهملين النظر في العواقب أسلفوا في وقت الرخص فما يؤمن تغير الأسعار لا ترم بسهام النظر فإنها والله فيك تقع رب راع مقلة أهملها فأغير على السرح.
؎كل الحوادث مبدأها من النظر ∗∗∗ ومعظم النار من مستصغر الشرر
؎كم نظرة فعلت قلب ناظرها ∗∗∗ فعل السهام بلا قوس ولا وتر
وقال غيره:
؎وأرى السهام نام من يرمي بها ∗∗∗ فعلام سهم للخط يصمى من رمي
اعرف قدر لطفه بل وحفظه لك. إنما نهاك عن المعاصي حماية لك وصيانة لك لا بخلا منه عليك وإنما أمرك بالطاعة رحمة وإحسانا. لا حاجة منه إليك لما عرفته بالعقل حرم ما يزيله وهو الخمر صيانة لبيت المعرفة. يا متناولا للمسكر لا تفعل يكفيك سكر جهلك فلا تجمع بين سكرين. سلعة وإني لغفار لا تبذل إلا بثمن لمن تاب. يا خارجا من سبيلة وأمن عن سكة وعمل صالحا. من داري ضرب ثم اهتدى إن لم تقدر على الجد في العمل فقف على باب الطلب. تعرض لنفحة من نفحات الرب ففي لحظة أفلح السجرة.
؎لا تجزعن من كل خطب عرى ∗∗∗ ولا ترى الأعداء ما يشمت
؎واصبر فبالصبر تنال المنى ∗∗∗ إذا لقيتم فئة فاثبتوا
ثمن المعالي الجد والفتور داء أمر من السلوة. أفي عينيك آيات وآثار إذا ما برد القلب فما تسخنه النار. الوجود بحر والعلماء جواهره والزهاد عنبره والتجار حيتانه والأشرار تماسيحه والجهال على ظهره كالزبد. لو كشفت لك الدنيا ما تحت نقابها لرأيت المعشوقة عجوزا وما ترضى إلا بقتل عشاقها وكم تدللت عليهم بالنشوز إذاقتهم برد كانون الأماني وإذا هم في وسط تموز. تطلب مشاركة الغانمين وما شهدت الحرب تحل الغنيمة لمن شهد الوقعة. البلايا تظهر جواهر الرجال وما أسرع ما يفتضح المدعي.
؎تنام عيناك وتشكو الهوى ∗∗∗ لو كنت صبا لم تكن هكذا
يا مؤثرا ما يفنى على ما يبقى هذا رأي هواك فهلا استشرت العقل لتعلم أنصحهما لك. لا تحقرن يسير المعصية كالعشب الضعيف يفتل منه حبال تجر السفن.
أوَما نفذت في سد سبأ حيلة جرد العمر ثوب غير مكفوف وكل نفس خيط يسل منه.
أنت أجير وعليك عمل فأخر ثياب الراحة إلى انقضاء العمل.
كم غرقت سفينة في بحر شوق ساروا وما يسألون ما فعل الفجر ولا كيف مالت الشهب عودهم هجرهم مطالبة الراحات أن يظفروا بما طلبوا.
الشجاع يلبس القلب على الدرع والجبان يلبس الدرع على القلب.
أعظم البلايا تردد الركب إلى بلد الحبيب يودعون الدمن.
؎ومعال لو ادعاها سواهم ∗∗∗ لزمته جناية السراق
؎نالوا السماء وحطوا من نفوسهم ∗∗∗ إن الكرام إذا انحطوا فقد صعدوا
لو صدق عزمك قذفتك ديار الكسل إلى بيداء الطلب.
الناقد يخاف دخول المبهرج عليه واختلاطه بماله والبهرج آفته. هذا الصديق يمسك بلسانه ويقول هذا أوردني الموارد.
وعمر يناشد حذيفة هل أنا منهم والمخلط على بساط الأمن.
إذا جن الليل وقع الحرب بين النوم والسهر فكان الشوق والخوف في مقدمة عسكر اليقظة وصار الكسل والتواني في كتيبة الغفلة فإذا حمل الغريم حملة صادقة هزم جنود الفتور والنوم فحصل الظفر والغنيمة فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان وما عند النائمين خبر.
قام المتهجدون على اقدام الجد تحت ستر الدجى يبكون على زمن ضاع في غير الوصال. ما زالت مطايا السهر تذرع بيداء الدجى وعيون آمالها لا ترى إلا المنزل وحادى العزم يقول:
؎يا رفقة الليل طاب السير فاغتنموا ∗∗∗ المسرى فمن نام طول الليل لم يصل
إلى أن هب نسيم السحر فقام الصادح يبغي ظلام الليل فلما هم بالرحيل تشبث القوم بأذياله يبكون على فراق المحبوب فلما طلع الفجر حدا حاديهم. عند الصباح يحمد القوم السرى. يا من يستعظم أحوال القوم تنقل في المراقي تصل.
من جمع بين العلم بالسنة ومتابعتها أنتحاله المعاني البديعة فهي تنادي على رؤوس الأشهاد ولدت من نكاح لا من سفاح ومن قرن بين البدعة والهوى أنتحاله ضروب الهذيان فهي تنادي على رؤوس الأشهاد أيها الفطن لا تغتر إذا فتحت الوردة عينها فرأت الشوك حولها فلتصبر على مجاورته قليلا فوحدها تقصد وتقبل وتشم إذا تكلم من يريد الدنيا بكلامه فإنه كلما حفر في قليب قلبه وأمعن في الاستنباط انهار عليه تراب الطمع فطمه.
إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلص عنك فاعلم أنه لطف بك، لأن المنعم لم يقبضه بخلا أن يتمزق ولكن رفقا بالساعي أن يتعثر.
فتش على القلب الضائع قبل الشروع فحضور القلب أول منزل من منازل الصلاة، فإذا نزلته انتقلت إلى بادية المعنى فإذا رحلت عنها أنخت بباب المناجاة فكان أول قرى ضيف اليقظة.
كشف الحجاب لعين القلب فكيف يطمع في دخول مكة من لا خرج إلى البادية بعد.
إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم أخرج عليهن استغرقت إحساس الناظرات فقطعن أيديهن وما شعرن فكيف بالحال يوم المزيد.
لو أحببت العبود لحضر قلبك في عبادته قيل لعامر بن عبد القيس أما تسهو في صلاتك قال أو حديث أحب إلى من القرآن حتى استغل به.
وكان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته حتى انهدمت ناحية من نواحي المسجد فزع لها أهل السوق فما التفت وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته فإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا علما منهم بالغيبة.
وقيل لبعضهم إنا لنوسوس في صلاتنا.
قال بأي شيء بالجنة أو الحور العين والقيامة؟
قالوا لا بل بالدنيا، فقال لأن تختلف فيَّ الأسنة أحب إلي من ذلك، تقف في صلاتك بجسدك وقد وجهت وجهك إلى القبلة ووجهت قلبك إلى قطر آخر، ويحك ما تصلح هذه الصلاة مهرا للجنة فكيف تصلح ثمنا للمحبة ..
رأت فأرة جملا فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فلما وصلت إلى باب بيتها وقف فنادى بلسان الحال إما أن تتخذي دارا تليق بمحبوبك أو محبوبا يليق بدارك وهكذا أنت إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك وإما أن تتخذ معبودا يليق بصلاتك. تعاهد قلبك فإن رأيت الهوى قد أمال أحد الحملين فاجعل في الجانب الآخر ذكر الجنة والنار ليعتدل الحمل فإن غلبك الهوى فاستعنت بصاحب القلب يعينك على الحمل فإن تأخرت الإجابة فابعث رائد الانكسار خلفها تجده عند المنكسرة قلوبهم اللطف مع الضعف أكثر فتضاعف ما أمكنك.
لما كانت الدجاجة لا تحنو على الولد اخرج كاسبا.
لما كانت النملة ضعيفة البصر أعينت بقوة الشم فهي تجد ريح المطعوم من البعد. ولما كانت الخلد عمياء ألهمت وقت الحاجة إلى القوت أن تفتح الذباب فيسقط فيه فتناول منه حاجتها.
الأطيار تترنم طول النهار فقيل للضفدع ما لك لا تنطقين فقالت مع صوت المزمار يستبشع صوتي ولكن الليل أجمل بي.
لا تنس العناية بالسحرة جاءوا يحاربونه ويحاربون رسله وخلع الصلح قد فصلت وتيجان الرضى قد وضعت وشراب الوصال مروق فمدوا أيديهم إلى ما اعتصروا من خمر الهوى فإذا بها قد انقلبت خلا فأقطروا عليه فسكروا بشراب المحبة فلما عربدت عليهم المحبة صلبوا في جذوع النخل. واعجبا لعزمات ما ثناها لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف. سجدوا له سجدة واحدة فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا منازلهم من الجنة فغلبهم الوجد وتمكن منهم الشوق فقالوا اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا.
؎تمر الصبا بساكن ذي الغضا ∗∗∗ ويصدع قلبي أن يهب هبوبها
؎قريبة عهد بالحبيب وإنما ∗∗∗ هوى كل نفس أين حل حبيبها
قطعت نياق جدهم بادية الليل ولم تجد مس التعب فالطريق إلى المحبوب لا تطول.
؎بعيد على كسلان أو ذي ملالة ∗∗∗ وأما علي المشتاق فهو قريب
يا حاضرين معنا بنية النزهة لستم معنا عودوا إلى أوكار الكسل فالحرب طعن وضرب ويا مودعين ارجعوا فقد عبرنا العذيب وعن قريب تأتيكم أخبارنا بعد قليل ويا أيها الحادث عرس بالخيف من منى تعلمك الدموع كيف ترمى حصا الجمار.
ضيف المحبة ما له قرى إلا المهج. إذا رأيت محبا ولم تدر لمن وضع يدك على نبضه وسم له من تطبه به فإن النبض ينزعج عند ذكره.
المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. حر الخوف صيف الذوبان وبرودة الرجاء شتاء العطلة ومن لطف به فزمانه كله فصل الربيع.
؎عين تسر إذا رأتك وأختها ∗∗∗ تبكي لطول تباعد وفراق
؎فاحفظ لواحدة دوام سرورها ∗∗∗ وعد التي أبكيتها بتلاق
إذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة فإن أيدي المعاشرة نهاية واحذر معاشرة البطالين فإن الطبع لص لا تصادقن فاسقا ولا تثق إليه فإن من خان أول منعم عليه لا يفى لك.
يا فرح التوبة لازم ذكر الخلوة فإن هر الهوي صيود.
إياك والتقرب من طرف الوكر والخروج من بيت العزلة حتى تتكامل نيات الحوافي وإلا كنت رزق الصائد.
الأنس بالخلوة دبق أول ما يعلق جناج الطير والمخالطة توجب التخليط وأيسرها تشتيت الهمة وضعف العزيمة
؎أقل ما في سقوط الذئب في غنم ∗∗∗ إن لم يصب بعضها أن تنفر الغنم
إن لم تكن من جملة المستحقين للميراث فكن من رفقة إذا حضر القسمة أولوا القربى ويحك لا تحقر نفسك فالتائب حبيب والمنكر صحيح.
إقرارك بالإفلاس عين الغنى. تنكيس رأسك بالندم هو الرفعة.
اعترافك بالخطأ نفس الإصابة عرضت سلعة العبودية في سوق البيع فبذلت الملائكة نقد ونحن تسبح بحمدك فقال آدم ما عندي إلا فلوس الإفلاس نقشها ربنا ظلمنا أنفسنا فقيل هذا الذي ينفق على خزانة الخاص.
أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين.
إن كان يأجوج الطبع ومأجوج الهوى قد كانوا في أرض القلوب فأفسدوا فيها فأعينوا الملك بقوة يجعل بينكم وبينهم ردما.
أجمعوا له من العزائم ما يشابه زبر الحديد ثم تفكروا فيما أسلفتم ليثور صعد الأسف فلا يحتاج إلى أن يقول لكم انفخوا. شدوا بنيان العزم بهجر المألوفات والعوائد وقد استحكم البناء فحينئذ أفرغوا عليه قطر الصبر وهكذا بنى الأولياء قبلكم فجاء العدو فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ضاقت أيام الموسم فأسرعوا بالإبل لا تفتكم الوقفة.
لا تحد وما لك بعير. لا تمد القوس وما لها وتر كم بذل نفسه مراء ليمدحه الخلق فذهبت نفسه فانقلب المدح ذما. ولو بذلها لله لبقيت ما بقى الدهر. عمل الرائي بصلة كلها قشور المرائي يحشو جراب الزوادة رملا يثقله في الطريق وما ينفعه.
ريح الرياء جيفه تجافاها مشام القلوب لما أخذ دود القز ينسج أقبلت العنكبوت تشبهه وقالت لك نسج ولي نسج فقالت دودة القز ولكن نسيجي أردية الملوك ونسجك شبكة الذباب وعند مس الحاجة يتبين الفرق
؎إذا اشتبكت دموع في خدود ∗∗∗ تبين من بكا ممن تباكا
شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين فتقول للصنوبرة إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين ويقال لي شجرة ولك شجرة فقالت لها الصنوبرة مهلا حتى تهب رياح الخريف فإن ثبت لها تم فخرك. كان التصوف والفقر في مواطن القلوب فصار في ظواهر الثياب كان خرقة فصار حرفه.
غير زيك أيها المرائي فإنه يصبح بك خذوني. السيف والدرع لتزين هيئتك فضيحة البهرج تبين عند المحك. لو أبصرت طلائع الصديقين في أوائل الركب أو سمعت استغاثة المحبين في وسط الركب أو شاهدت ساقة المستغفرين في آخر الركب لعلمت انك قد انقطعت تحت شجر أم غيلان. واحسرتا لمنقطع دون الركب يعد المنازل.
؎أعد الليالي ليلة بعد ليلة ∗∗∗ وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا
؎وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ∗∗∗ يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
إلام الرواح في الهوى والتفليس وحتام السعي في صحبة إبليس وكم بهرجة في العمل وتدليس.
أين أقرنك هل تسمع لهم من حسيس؟!
أعلمت أنهم اشتد ندمهم وحسرتهم على إيثار الخسيس تالله لقد ودوا أن لو كانوا طلقوا الدنيا قبل المسيس.
؎عين المنية تغضي غير مطرقة ∗∗∗ وطرف مطلوبها مذ كان وسنان
؎جهلا تمكن منه حين مولده ∗∗∗ فالنطق صاح ولب المرء سكران
لا تنفع الرياضة إلا في نجيب.
لو سقى الحنظل بماء السكر لم يخرج إلا مرا.
شجر الأثل والصفصاف والحور ونحوها ولو دام الماء في عروقها لا تثمر أبدا سحاب الهوى قد طبق بيداء الأكوان وأمطر مشارق الأرض ومغربها، ولكن قيعان أرض قلبك قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ.
ومع هذا فلا تيأس فقد يستحيل الخمر خلا، ولكن إنما ذلك لطيب العنصر.
خلا الفكر في القلب في بيت التلاوة فجرى ذكر الحبيب وأوصافه فنهض الشوق على قدم السعي يا من لم يشاهد جمال يوسف لم يعرف ما الذي ألم قلب يعقوب.
يوسف 12:18
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لا جزع فيه.
قلت: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه مرارا يقول: "ذكر الله الصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل فالصبر الجميل الذي لا شكوى معه، والهجر الجميل الذي لا أذى معه، والصفح الجميل الذي لا عتاب معه" انتهى.
وقال حسان ابن أبي جبلة أيضا في قوله تعالى ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال لا شكوى فيه ورفعه ابن أبي الدنيا أيضا
وقال مجاهد ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ في غير جزع
وقال عمرو بن قيس ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال الرضا بالمصيبة والتسليم
وقال بعض السلف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لا شكوى فيه.
يوسف 12:21
(لطيفة)
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ في يُوسُفَ، حَيْثُ قالَ لِامْرَأتِهِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾
وابْنَةُ شُعَيْبٍ حِينَ قالَتْ لِأبِيها في مُوسى: اسْتَأْجِرْهُ وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، حَيْثُ اسْتَخْلَفَهُ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ حِينَ قالَتْ: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩].
وَكانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أعْظَمَ الأُمَّةِ فِراسَةً. وبَعْدَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ووَقائِعُ فِراسَتِهِ مَشْهُورَةٌ. فَإنَّهُ ما قالَ لِشَيْءٍ أظُنُّهُ كَذا إلّا كانَ كَما قالَ.
وَيَكْفِي في فِراسَتِهِ: مُوافَقَتُهُ رَبَّهُ في المَواضِعِ المَعْرُوفَةِ.
وَمَرَّ بِهِ سَوّادُ بْنُ قارِبٍ، ولَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ. فَقالَ: لَقَدْ أخْطَأ ظَنِّي، أوْ أنَّ هَذا كاهِنٌ، أوْ كانَ يَعْرِفُ الكِهانَةَ في الجاهِلِيَّةِ. فَلَمّا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ قالَ لَهُ ذَلِكَ عُمَرُ. فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما اسْتَقْبَلْتَ أحَدًا مِن جُلَسائِكَ بِمِثْلِ ما اسْتَقْبَلْتَنِي بِهِ. فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما كُنّا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. ولَكِنْ أخْبِرْنِي عَمّا سَألْتُكَ عَنْهُ. فَقالَ: صَدَقْتَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. كُنْتُ كاهِنًا في الجاهِلِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ.
وَكَذَلِكَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صادِقُ الفِراسَةِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَخَلْتُ عَلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وكُنْتُ رَأيْتُ امْرَأةً في الطَّرِيقِ تَأمَّلْتُ مَحاسِنَها. فَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَدْخُلُ عَلَيَّ أحَدُكم وأثَرُ الزِّنا ظاهِرٌ في عَيْنَيْهِ. فَقُلْتُ: أوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: ولَكِنْ تَبْصِرَةٌ وبُرْهانٌ وفِراسَةٌ صادِقَةٌ.
وَفِراسَةُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أصْدَقُ الفِراسَةِ.
وَأصْلُ هَذا النَّوْعِ مِنَ الفِراسَةِ: مِنَ الحَياةِ والنُّورِ اللَّذَيْنِ يَهَبُهُما اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَيَحْيا القَلْبُ بِذَلِكَ ويَسْتَنِيرُ، فَلا تَكادُ فِراسَتُهُ تُخْطِئُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢] كانَ مَيْتًا بِالكُفْرِ والجَهْلِ، فَأحْياهُ اللَّهُ بِالإيمانِ والعِلْمِ. وجَعَلَ لَهُ بِالقُرْآنِ والإيمانِ نُورًا يَسْتَضِيءُ بِهِ في النّاسِ عَلى قَصْدِ السَّبِيلِ. ويَمْشِي بِهِ في الظُّلَمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:23
[فَصْلٌ: عِشْقُ الصُّوَرِ]
وَنَخْتِمُ الجَوابَ بِفَصْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِعِشْقِ الصُّوَرِ وما فِيهِ مِنَ المَفاسِدِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، وإنْ كانَتْ أضْعافَ ما ذَكَرَهُ ذاكِرٌ، فَإنَّهُ يُفْسِدُ القَلْبَ بِالذّاتِ، وإذا فَسَدَ القَلْبُ؛ فَسَدَتِ الإراداتُ والأقْوالُ والأعْمالُ، وفَسَدَ ثَغْرُ التَّوْحِيدِ كَما تَقَدَّمَ، وكَما سَنُقَرِّرُهُ أيْضًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما حَكى هَذا المَرَضَ عَنْ طائِفَتَيْنِ مِنَ النّاسِ، وهُمُ اللُّوطِيَّةُ والنِّساءُ، فَأخْبَرَ عَنْ عِشْقِ امْرَأةِ العَزِيزِ لِيُوسُفَ، وما راوَدَتْهُ وكادَتْهُ بِهِ، وأخْبَرَ عَنِ الحالِ الَّتِي صارَ إلَيْها يُوسُفُ بِصَبْرِهِ وعِفَّتِهِ وتَقْواهُ، مَعَ أنَّ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ أمْرٌ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ إلّا مَن صَبَّرَهُ اللَّهُ، فَإنَّ مُواقَعَةَ الفِعْلِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الدّاعِي وزَوالِ المانِعِ، وكانَ الدّاعِي هاهُنا في غايَةِ القُوَّةِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما رَكَّبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في طَبْعِ الرَّجُلِ مِن مَيْلِهِ إلى المَرْأةِ، كَما يَمِيلُ العَطْشانُ إلى الماءِ، والجائِعُ إلى الطَّعامِ، حَتّى إنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ولا يَصْبِرُ عَنِ النِّساءِ، وهَذا لا يُذَمُّ إذا صادَفَ حَلالًا، بَلْ يُحْمَدُ كَما في كِتابِ الزُّهْدِ لِلْإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ الصِّفارِ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، أصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ولا أصْبِرُ عَنْهُنَّ».
الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شابًّا، وشَهْوَةُ الشَّبابِ وحِدَّتُهُ أقْوى.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَزَبا، لَيْسَ لَهُ زَوْجَةٌ ولا سُرِّيَّةٌ تَكْسِرُ شِدَّةَ الشَّهْوَةِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ في بِلادِ غُرْبَةٍ، يَتَأتّى لِلْغَرِيبِ فِيها مِن قَضاءِ الوَطَرِ ما لا يَتَأتّى لَهُ في وطَنِهِ وبَيْنَ أهْلِهِ ومَعارِفِهِ.
الخامِسُ: أنَّ المَرْأةَ كانَتْ ذاتَ مَنصِبٍ وجِمالٍ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَدْعُو إلى مُواقَعَتِها.
السّادِسُ: أنَّها غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ ولا آبِيَةٍ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُزِيلُ رَغْبَتَهُ في المَرْأةِ إباؤُها وامْتِناعُها، لِما يَجِدُ في نَفْسِهِ مِن ذُلِّ الخُضُوعِ والسُّؤالِ لَها، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَزِيدُهُ الإباءُ والِامْتِناعُ إرادَةً وحُبًّا، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وَزادَنِي كَلَفًا في الحُبِّ أنْ مَنَعَتْ ∗∗∗ أحَبُّ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ ما مَنَعا
فَطِباعُ النّاسِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنهم مَن يَتَضاعَفُ حُبُّهُ عِنْدَ بَذْلِ المَرْأةِ ورَغْبَتِها، ويَضْمَحِلُّ عِنْدَ إبائِها وامْتِناعِها، وأخْبَرَنِي بَعْضُ القُضاةِ أنَّ إرادَتَهُ وشَهْوَتَهُ تَضْمَحِلُّ عِنْدَ امْتِناعِ امْرَأتِهِ أوْ سُرِّيَّتِهِ وإبائِها، بِحَيْثُ لا يُعاوِدُها، ومِنهم مَن يَتَضاعَفُ حُبُّهُ وإرادَتُهُ بِالمَنعِ فَيَشْتَدُّ شَوْقُهُ كُلَّما مُنِعَ، ويَحْصُلُ لَهُ مِنَ اللَّذَّةِ بِالظَّفَرِ بِالضِّدِّ بَعْدَ امْتِناعِهِ ونِفارِهِ، واللَّذَّةُ بِإدْراكِ المَسْألَةِ بَعْدَ اسْتِصْعابِها، وشِدَّةِ الحِرْصِ عَلى إدْراكِها.
السّابِعُ: أنَّها طَلَبَتْ وأرادَتْ وبَذَلَتِ الجُهْدَ، فَكَفَتْهُ مُؤْنَةَ الطَّلَبِ وذُلَّ الرَّغْبَةِ إلَيْها، بَلْ كانَتْ هي الرّاغِبَةَ الذَّلِيلَةَ، وهو العَزِيزُ المَرْغُوبُ إلَيْهِ.
الثّامِنُ: أنَّهُ في دارِها، وتَحْتَ سُلْطانِها وقَهْرِها، بِحَيْثُ يَخْشى إنْ لَمْ يُطاوِعْها مِن أذاها لَهُ، فاجْتَمَعَ داعِي الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
التّاسِعُ: أنَّهُ لا يَخْشى أنْ تَنِمَّ عَلَيْهِ هي ولا أحَدٌ مِن جِهَتِها، فَإنَّها هي الطّالِبَةُ الرّاغِبَةُ، وقَدْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ وغَيَّبَتِ الرُّقَباءَ.
العاشِرُ: أنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ مَمْلُوكًا لَها في الدّارِ، بِحَيْثُ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ ويَحْضُرُ مَعَها ولا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وكانَ الأُنْسُ سابِقًا عَلى الطَّلَبِ وهو مِن أقْوى الدَّواعِي، كَما قِيلَ لِامْرَأةٍ شَرِيفَةٍ مِن أشْرافِ العَرَبِ: ما حَمَلَكِ عَلى الزِّنا؟ قالَتْ: قُرْبُ الوِسادِ، وطُولُ السَّوادِ، تَعْنِي قُرْبَ وِسادِ الرَّجُلِ مِن وِسادَتِي، وطُولَ السَّوادِ بَيْنَنا.
الحادِيَ عَشَرَ: أنَّها اسْتَعانَتْ عَلَيْهِ بِأئِمَّةِ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، فَأرَتْهُ إيّاهُنَّ، وشَكَتْ حالَها إلَيْهِنَّ؛ لِتَسْتَعِينَ بِهِنَّ عَلَيْهِ، واسْتَعانَ هو بِاللَّهِ عَلَيْهِنَّ، فَقالَ: ﴿وَإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].
الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّها تَوَعَّدَتْهُ بِالسِّجْنِ والصَّغارِ، وهَذا نَوْعُ إكْراهٍ، إذْ هو تَهْدِيدُ مَن يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ وُقُوعُ ما هَدَّدَ بِهِ، فَيَجْتَمِعُ داعِي الشَّهْوَةِ، وداعِي السَّلامَةِ مِن ضِيقِ السِّجْنِ والصَّغارِ.
الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ الغَيْرَةُ والنَّخْوَةُ ما يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَهُما، ويُبْعِدُ كُلًّا مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ، بَلْ كانَ غايَةَ ما قابَلَها بِهِ أنْ قالَ لِيُوسُفَ: ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ ولِلْمَرْأةِ: ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ وشِدَّةُ الغَيْرَةِ لِلرَّجُلِ مِن أقْوى المَوانِعِ، وهُنا لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ غَيْرَةٌ.
وَمَعَ هَذِهِ الدَّواعِي كُلِّها فَآثَرَ مَرْضاةَ اللَّهِ وخَوْفَهُ، وحَمَلَهُ حُبُّهُ لِلَّهِ عَلى أنِ اخْتارَ السَّجْنَ عَلى الزِّنا: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣].
وَعَلِمَ أنَّهُ لا يُطِيقُ صَرْفَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وأنَّ رَبَّهُ تَعالى إنْ لَمْ يَعْصِمْهُ ويَصْرِفْ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ؛ صَبا إلَيْهِنَّ بِطَبْعِهِ، وكانَ مِنَ الجاهِلِينَ، وهَذا مِن كَمالِ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ وبِنَفْسِهِ.
وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ العِبَرِ والفَوائِدِ والحِكَمِ ما يَزِيدُ عَلى الألْفِ فائِدَةٍ، لَعَلَّنا إنْ وفَّقَ اللَّهُ أنْ نُفْرِدَها في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ.
[فصل: في أضْرارُ العِشْقِ]
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَيْسَ في عِشْقِ الصُّوَرِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ ولا دُنْيَوِيَّةٌ، بَلْ مَفْسَدَتُهُ الدِّينِيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ أضْعافُ أضْعافِ ما يُقَدَّرُ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: الِاشْتِغالُ بِحُبِّ المَخْلُوقِ وذِكْرِهِ عَنْ حُبِّ الرَّبِّ تَعالى وذِكْرِهِ، فَلا يَجْتَمِعُ في القَلْبِ هَذا وهَذا إلّا ويَقْهَرُ أحَدُهُما الآخَرَ، ويَكُونُ السُّلْطانُ والغَلَبَةُ لَهُ.
الثّانِي: عَذابُ قَلْبِهِ بِهِ، فَإنَّ مَن أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ عُذِّبَ بِهِ ولا بُدَّ، كَما قِيلَ:
؎فَما في الأرْضِ أشْقى مِن مُحِبٍّ ∗∗∗ وإنْ وجَدَ الهَوى حُلْوَ المَذاقِ
؎تَراهُ باكِيًا في كُلٍّ حِينٍ ∗∗∗ مَخافَةَ فُرْقَةٍ أوْ لِاشْتِياقِ
؎فَيَبْكِي إنْ نَأوْا شَوْقًا إلَيْهِمْ ∗∗∗ ويَبْكِي إنْ دَنَوْا خَوْفَ الفِراقِ
؎فَتَسْخَنُ عَيْنُهُ عِنْدَ الفِراقِ ∗∗∗ وتَسْخَنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّلاقِي
والعِشْقُ وإنِ اسْتَلَذَّ بِهِ صاحِبُهُ، فَهو أعْظَمُ مِن عَذابِ القَلْبِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَلْبَهُ أسِيرُ قَبْضَةِ غَيْرِهِ يَسُومُهُ الهَوانَ، ولَكِنْ لِسَكْرَتِهِ لا يَشْعُرُ بِمُصابِهِ، فَقَلْبُهُ كَعُصْفُورَةٍ في كَفِّ طِفْلٍ يَسُومُها حِياضَ الرَّدى، والطِّفْلُ يَلْهُو ويَلْعَبُ، كَما قالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ:
؎مَلَكْتَ فُؤادِي بِالقَطِيعَةِ والجَفا ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيُّ البالِ تَلْهُو وتَلْعَبُ
فَعَيْشُ العاشِقِ عَيْشُ الأسِيرِ المُوثَقِ، وعَيْشُ الخَلِيِّ عَيْشُ المُسَيَّبِ المُطْلَقِ.
؎طَلِيقٌ بِرَأْيِ العَيْنِ وهْوَ أسِيرُ ∗∗∗ عَلِيلٌ عَلى قُطْبِ الهَلاكِ يَدُورُ
؎وَمَيِّتٌ يُرى في صُورَةِ الحَيِّ غادِيا ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ
؎أخُو غَمَراتٍ ضاعَ فِيهِنَّ قَلْبُهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهُ حَتّى المَماتِ حُضُورُ
الرّابِعُ: أنَّهُ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ مَصالِحِ دِينِهِ ودُنْياهُ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أضَيْعُ لِمَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا مِن عِشْقِ الصُّوَرِ، أمّا مَصالِحُ الدِّينِ فَإنَّها مَنُوطَةٌ بِلَمِّ شَعَثِ القَلْبِ وإقْبالِهِ عَلى اللَّهِ، وعِشْقُ الصُّوَرِ أعْظَمُ شَيْءٍ تَشْعِيثًا وتَشْتِيتًا لَهُ.
وَأمّا مَصالِحُ الدُّنْيا فَهي تابِعَةٌ في الحَقِيقَةِ لِمَصالِحِ الدِّينِ، فَمَنِ انْفَرَطَتْ عَلَيْهِ مَصالِحُ دِينِهِ وضاعَتْ عَلَيْهِ، فَمَصالِحُ دُنْياهُ أضْيَعُ وأضْيَعُ.
الخامِسُ: أنَّ آفاتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أسْرَعُ إلى عُشّاقِ الصُّوَرِ مِنَ النّارِ في يابِسِ الحَطَبِ، وسَبَبُ ذَلِكَ: أنَّ القَلْبَ كُلَّما قَرُبَ مِنَ العِشْقِ وقَوِيَ اتِّصالُهُ بِهِ بَعُدَ مِنَ اللَّهِ، فَأبْعَدُ القُلُوبِ مِنَ اللَّهِ قُلُوبُ عُشّاقِ الصُّوَرِ، وإذا بَعُدَ القَلْبُ مِنَ اللَّهِ طَرَقَتْهُ الآفاتُ، وتَوَلّاهُ الشَّيْطانُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، واسْتَوْلى عَلَيْهِ لَمْ يَدَعْ أذًى يُمْكِنُهُ إيصالُهُ إلَيْهِ إلّا أوْصَلَهُ، فَما الظَّنُّ بِقَلْبٍ تَمَكَّنَ مِنهُ عَدُّوهُ وأحْرَصُ الخَلْقِ عَلى غَيِّهِ وفَسادِهِ، وبَعُدَ مِنهُ ولِيُّهُ، ومَن لا سَعادَةَ لَهُ ولا فَرَحَ ولا سُرُورَ إلّا بِقُرْبِهِ ووِلايَتِهِ؟
السّادِسُ: أنَّهُ إذا تَمَكَّنَ مِنَ القَلْبِ واسْتَحْكَمَ وقَوِيَ سُلْطانُهُ، أفْسَدَ الذِّهْنَ، وأحْدَثَ الوَسْواسَ، ورُبَّما ألْحَقَ صاحِبَهُ بِالمَجانِينِ الَّذِينَ فَسَدَتْ عُقُولُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِها.
وَأخْبارُ العُشّاقِ في ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ في مَواضِعِها، بَلْ بَعْضُها مَشاهَدٌ بِالعِيانِ، وأشْرَفُ ما في الإنْسانِ عَقْلُهُ، وبِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ سائِرِ الحَيَواناتِ، فَإذا عُدِمَ عَقْلَهُ التَحَقَ بِالحَيَوانِ البَهِيمِ، بَلْ رُبَّما كانَ حالُ الحَيَوانِ أصْلَحَ مِن حالِهِ، وهَلْ أذْهَبَ عَقْلَ مَجْنُونِ لَيْلى وأضْرابِهِ إلّا ذَلِكَ؟ ورُبَّما زادَ جُنُونُهُ عَلى جُنُونِ غَيْرِهِ كَما قِيلَ:
؎قالُوا جُنِنْتَ بِمَن تَهْوى فَقُلْتُ لَهم ∗∗∗ العِشْقُ أعْظَمُ مِمّا بِالمَجانِينِ
؎العِشْقُ لا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صاحِبُهُ ∗∗∗ وإنَّما يُصْرَعُ المَجْنُونُ في الحِينِ
السّابِعُ: أنَّهُ رُبَّما أفْسَدَ الحَواسَّ أوْ بَعْضَها، إمّا إفْسادًا مَعْنَوِيًّا أوْ صُورِيًّا، أمّا الفَسادُ المَعْنَوِيُّ فَهو تابِعٌ لِفَسادِ القَلْبِ، فَإنَّ القَلْبَ إذا فَسَدَ فَسَدَتِ العَيْنُ والأُذُنُ واللِّسانُ، فَيَرى القَبِيحَ حَسَنًا مِنهُ ومِن مَعْشُوقِهِ كَما في المُسْنَدِ مَرْفُوعًا: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي ويُصِمُّ» فَهو يُعْمِي عَيْنَ القَلْبِ عَنْ رُؤْيَةِ مَساوِئِ المَحْبُوبِ وعُيُوبِهِ، فَلا تَرى العَيْنُ ذَلِكَ، ويُصِمُّ أُذُنَهُ عَنِ الإصْغاءِ إلى العَدْلِ فِيهِ، فَلا تَسْمَعُ الأُذُنُ ذَلِكَ، والرَّغَباتُ تَسْتُرُ العُيُوبَ، فالرّاغِبُ في الشَّيْءِ لا يَرى عُيُوبَهُ، حَتّى إذْ زالَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ أبْصَرَ عُيُوبَهُ، فَشِدَّةُ الرَّغْبَةِ غِشاوَةٌ عَلى العَيْنِ، تَمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ الشَّيْءِ عَلى ما هو بِهِ، كَما قِيلَ:
؎هَوَيْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفَسِي ألُومُها
والدّاخِلُ في الشَّيْءِ لا يَرى عُيُوبَهُ، والخارِجُ مِنهُ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ لا يَرى عُيُوبَهُ، ولا يَرى عُيُوبَهُ إلّا مَن دَخَلَ فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ، ولِهَذا كانَ الصَّحابَةُ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ الكُفْرِ خَيْرًا مِنَ الَّذِينَ وُلِدُوا في الإسْلامِ.
قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّما تَنْتَقِضُ عُرى الإسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إذا وُلِدَ في الإسْلامِ مَن لا يَعْرِفُ الجاهِلِيَّةَ.
وَأمّا فَسادُ الحَواسِّ ظاهِرًا، فَإنَّهُ يُمْرِضُ البَدَنَ ويُنْهِكُهُ، ورُبَّما أدّى إلى تَلَفِهِ، كَما هو المَعْرُوفُ في أخْبارِ مَن قَتَلَهُمُ العِشْقُ.
وَقَدْ رُفِعَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وهو بِعَرَفَةَ شابٌّ قَدِ انْتَحَلَ حَتّى عادَ جِلْدًا عَلى عَظْمٍ، فَقالَ: ما شَأْنُ هَذا؟ قالُوا: بِهِ العِشْقُ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبّاسٍ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ العِشْقِ عامَّةَ يَوْمِهِ.
الثّامِنُ: أنَّ العِشْقَ كَما تَقَدَّمَ هو الإفْراطُ في المَحَبَّةِ، بِحَيْثُ يَسْتَوْلِي المَعْشُوقُ عَلى قَلْبِ العاشِقِ، حَتّى لا يَخْلُوَ مِن تَخَيُّلِهِ وذِكْرِهِ والفِكْرِ فِيهِ، بِحَيْثُ لا يَغِيبُ عَنْ خاطِرِهِ وذِهْنِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَشْتَغِلُ النَّفْسُ عَنِ اسْتِخْدامِ القُوَّةِ الحَيَوانِيَّةِ والنَّفْسانِيَّةِ فَتَتَعَطَّلُ تِلْكَ القُوَّةُ، فَيَحْدُثُ بِتَعْطِيلِها مِنَ الآفاتِ عَلى البَدَنِ والرُّوحِ ما يَعِزُّ دَواؤُهُ ويَتَعَذَّرُ، فَتَتَغَيَّرُ أفْعالُهُ وصِفاتُهُ ومَقاصِدُهُ، ويَخْتَلُّ جَمِيعُ ذَلِكَ، فَتَعْجِزُ البَشَرُ عَنْ صَلاحِهِ، كَما قِيلَ:
؎الحُبُّ أوَّلُ ما يَكُونُ لَجاجَةٌ ∗∗∗ يَأْتِي بِها وتَسُوقُهُ الأقْدارُ
؎حَتّى إذا خاضَ الفَتى لُجَجَ الهَوى ∗∗∗ جاءَتْ أُمُورٌ لا تُطاقُ كِبارُ
والعِشْقُ مَبادِيهِ سَهْلَةٌ حُلْوَةٌ، وأوْسَطُهُ هَمٌّ وشُغْلُ قَلْبٍ وسَقَمٌ، وآخِرُهُ عَطَبٌ وقَتْلٌ، إنْ لَمْ تَتَدارَكْهُ عِنايَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما قِيلَ:
؎وَعِشْ خالِيًا فالحُبُّ أوَّلُهُ عَنا ∗∗∗ وأوْسَطُهُ سَقَمٌ وآخِرُهُ قَتْلُ
وَقالَ آخَرُ:
؎تَوَلَّعَ بِالعِشْقِ حَتّى عَشِقْ ∗∗∗ فَلَمّا اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يُطِقْ
؎رَأى لُجَّةً ظَنَّها مَوْجَةً ∗∗∗ فَلَمّا تَمَكَّنَ مِنها غَرِقْ
والذَّنْبُ لَهُ، فَهو الجانِي عَلى نَفْسِهِ، وقَدْ قَعَدَ تَحْتَ المَثَلِ السّائِرِ: " يَداكَ أوْكَتا، وفُوكَ نَفَخَ ".
يوسف 12:24
(فصل)
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن يوسف الصديق من العفاف أعظم ما يكون فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره، فإنه كان شابا والشباب مركب الشهوة، وكان عزبا ليس عنده ما يعوضه وكان غريبا عن أهله ووطنه والمقيم بين أهله وأصحابه يستحي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم فإذا تغرب زال هذا المانع وكان في صورة المملوك والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر، وكانت المرأة ذات منصب وجمال والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كلفة تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافه من فجوره وكانت في محل سلطانها وبيتها بحيث تعرف وقت الإمكان ومكانه الذي لا تناله العيون وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن هجوم الداخل على بغتة وأتته بالرغبة والرهبة ومع هذا كله فعف لله ولم يطعها وقد حق الله وحق سيدها على ذلك كله وهذا أمر لو ابتلي به سواه لم يعلم كيف كانت تكون حاله.
فإن قيل فقد هم بها؟
قيل عنه جوابان:
أحدهما أنه لم يهم بها بل لولا أن رأى برهان ربه لهم هذا قول بعضهم في تقدير الآية.
والثاني وهو الصواب أن همه كان هم خطرات فتركه لله فأثابه الله عليه وهمها كان هم إصرار بذلت معه جهدها فلم تصل إليه فلم يستو الهمّان.
قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه الهم همان همُّ خطرات وهمُّ إصرار، فهم الخطرات لا يؤاخذ به وهم الإصرار يؤاخذ به.
[فَصْلٌ: دَواءُ العِشْقِ]
وَدَواءُ هَذا الدّاءُ القَتّالُ: أنْ يَعْرِفَ أنْ ما ابْتُلِيَ بِهِ مِن هَذا الدّاءِ المُضادِّ لِلتَّوْحِيدِ، إنَّما هو مِن جَهْلِهِ وغَفْلَةِ قَلْبِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلَيْهِ أنْ يَعْرِفَ تَوْحِيدَ رَبِّهِ وسُنَّتَهُ أوَّلًا، ثُمَّ يَأْتِي مِنَ العِباداتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِما يَشْغَلُ قَلْبَهُ عَنْ دَوامِ الفِكْرَةِ فِيهِ، ويُكْثِرُ اللَّجَأ والتَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْهُ، وأنْ يُراجِعَ بِقَلْبِهِ إلَيْهِ، ولَيْسَ لَهُ دَواءٌ أنْفَعُ مِنَ الإخْلاصِ لِلَّهِ، وهو الدَّواءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ صَرَفَ عَنْهُ السُّوءَ مِنَ العِشْقِ والفَحْشاءَ مِنَ الفِعْلِ بِإخْلاصِهِ، فَإنَّ القَلْبَ إذا أخْلَصَ وأخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنهُ عِشْقُ الصُّوَرِ فَإنَّهُ إنَّما يَتَمَكَّنُ مِن قَلْبٍ فارِغٍ، كَما قالَ:
؎أتانِي هَواها قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوى ∗∗∗ فَصادَفَ قَلْبًا خالِيًا فَتَمَكَّنا
وَلْيَعْلَمِ العاقِلُ أنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ يُوجِبانِ تَحْصِيلَ المَصالِحِ وتَكْمِيلَها، وإعْدامَ المَفاسِدِ وتَقْلِيلَها، فَإذا عَرَضَ لِلْعاقِلِ أمْرٌ يَرى فِيهِ مَصْلَحَةً ومَفْسَدَةً، وجَبَ عَلَيْهِ أمْرانِ: أمْرٌ عِلْمِيٌّ، وأمْرٌ عَمَلِيٌّ، فالعِلْمِيُّ: مَعْرِفَةُ الرّاجِحِ مِن طَرَفَيِ المَصْلَحَةِ والمَفْسَدَةِ، فَإذا تَبَيَّنَ لَهُ الرُّجْحانُ وجَبَ عَلَيْهِ إيثارُ الأصْلَحِ لَهُ.
يوسف 12:26
[الحُكْمِ بِالقَرائِنِ]
أمّا بَعْدُ: وسَألْت عَنْ الحاكِمِ، أوْ الوالِي يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ والقَرائِنِ الَّتِي يَظْهَرُ لَهُ فِيها الحَقُّ، والِاسْتِدْلالِ بِالأماراتِ ولا يَقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ ظَواهِرِ البَيِّناتِ والإقْرارِ، حَتّى إنّهُ رُبَّما يَتَهَدَّدُ أحَدَ الخَصْمَيْنِ، إذا ظَهَرَ مِنهُ أنَّهُ مُبْطِلٌ ورُبَّما ضَرَبَهُ، ورُبَّما سَألَهُ عَنْ أشْياءَ تَدُلُّهُ عَلى صُورَةِ الحالِ.
فَهَلْ ذَلِكَ صَوابٌ أمْ خَطَأٌ؟ فَهَذِهِ مَسْألَةٌ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةُ النَّفْعِ، جَلِيلَةُ القَدْرِ، إنْ أهْمَلَها الحاكِمُ أوْ الوالِي أضاعَ حَقًّا كَثِيرًا، وأقامَ باطِلًا كَثِيرًا، وإنْ تَوَسَّعَ فِيها وجَعَلَ مُعَوِّلَهُ عَلَيْها، دُونَ الأوْضاعِ الشَّرْعِيَّةِ، وقَعَ في أنْواعٍ مِن الظُّلْمِ والفَسادِ وقَدْ سُئِلَ أبُو الوَفاءِ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ حُكْمًا بِالفِراسَةِ، بَلْ هو حُكْمٌ بِالأماراتِ. وإذا تَأمَّلْتُمْ الشَّرْعَ وجَدْتُمُوهُ يُجَوِّزُ التَّعْوِيلَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَهَبَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى التَّوَصُّلِ بِالإقْرارِ بِما يَراهُ الحاكِمُ وذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلى قَوْله تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ولِذا حَكَمْنا بِعَقْدِ الأزَجِ، وكَثْرَةِ الخُشُبِ في الحائِطِ، ومَعاقِدِ القُمُطِ في الخُصِّ، وما يَخُصُّ المَرْأةَ والرَّجُلَ في الدَّعاوى.
وَفِي مَسْألَةِ العَطّارِ والدَّبّاغِ إذا اخْتَصَما في الجِلْدِ، والنَّجّارِ والخَيّاطِ إذا تَنازَعا في المِنشارِ والقَدُومِ، والطَّبّاخِ والخَبّازِ إذا تَنازَعا في القِدْرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَلْ ذَلِكَ إلّا الِاعْتِمادُ عَلى الأماراتِ؟ وكَذَلِكَ الحُكْمُ بِالقافَةِ والنَّظَرِ في أمْرِ الخُنْثى؛ والأماراتِ الدّالَّةِ عَلى أحَدِ حالَيْهِ. والنَّظَرِ في أماراتِ جِهَةِ القِبْلَةِ، واللَّوْثِ في القَسامَةِ. انْتَهى.
فالحاكِمُ إذا لَمْ يَكُنْ فَقِيهَ النَّفْسِ في الأماراتِ، ودَلائِلِ الحالِ، ومَعْرِفَةِ شَواهِدِهِ، وفي القَرائِنِ الحالِيَّةِ والمَقالِيَّةِ، كَفِقْهِهِ في جُزْئِيّاتِ وكُلِّيّاتِ الأحْكامِ: أضاعَ حُقُوقًا كَثِيرَةً عَلى أصْحابِها. وحَكَمَ بِما يَعْلَمُ النّاسُ بُطْلانَهُ لا يَشُكُّونَ فِيهِ، اعْتِمادًا مِنهُ عَلى نَوْعٍ ظاهِرٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى باطِنِهِ وقَرائِنِ أحْوالِهِ. فَهاهُنا نَوْعانِ مِن الفِقْهِ، لا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِنهُما: فِقْهٌ في أحْكامِ الحَوادِثِ الكُلِّيَّةِ، وفِقْهٌ في نَفْسِ الواقِعِ وأحْوالِ النّاسِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ. ثُمَّ يُطابِقُ بَيْنَ هَذا وهَذا فَيُعْطِي الواقِعَ حُكْمَهُ مِن الواجِبِ، ولا يَجْعَلُ الواجِبَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ. ومَن لَهُ ذَوْقٌ في الشَّرِيعَةِ، واطِّلاعٌ عَلى كَمالاتِها وتَضَمُّنِها لِغايَةِ مَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، ومَجِيئِها بِغايَةِ العَدْلِ، الَّذِي يَسَعُ الخَلائِقَ، وأنَّهُ لا عَدْلَ فَوْقَ عَدْلِها، ولا مَصْلَحَةَ فَوْقَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن المَصالِحِ: تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ السِّياسَةَ العادِلَةَ جُزْءٌ مِن أجْزائِها، وفَرْعٌ مِن فُرُوعِها، وأنَّ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِمَقاصِدِها ووَضْعِها وحَسُنَ فَهْمُهُ فِيها: لَمْ يَحْتَجْ مَعَها إلى سِياسَةِ غَيْرِها ألْبَتَّةَ.
فَإنَّ السِّياسَةَ نَوْعانِ: سِياسَةٌ ظالِمَةٌ فالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُها، وسِياسَةٌ عادِلَةٌ تُخْرِجُ الحَقَّ مِن الظّالِمِ الفاجِرِ، فَهي مِن الشَّرِيعَةِ، عَلِمَها مَن عَلِمَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها.
وَلا تَنْسَ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلَ سُلَيْمانَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِلْمَرْأتَيْنِ اللَّتَيْنِ ادَّعَتا الوَلَدَ. فَحَكَمَ بِهِ داوُد ﷺ لِلْكُبْرى فَقالَ سُلَيْمانُ " ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أشُقُّهُ بَيْنَكُما " فَسَمَحَتْ الكُبْرى بِذَلِكَ فَقالَتْ الصُّغْرى: " لا تَفْعَلْ يَرْحَمُك اللَّهُ، هو ابْنُها " فَقَضى بِهِ لِلصُّغْرى، فَأيُّ شَيْءٍ أحْسَنُ مِن اعْتِبارِ هَذِهِ القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ، فاسْتَدَلَّ بِرِضا الكُبْرى بِذَلِكَ، وأنَّها قَصَدَتْ الِاسْتِرْواحَ إلى التَّأسِّي بِمُساواةِ الصُّغْرى في فَقْدِ ولَدِها، وبِشَفَقَةِ الصُّغْرى عَلَيْهِ، وامْتِناعِها مِن الرِّضا بِذَلِكَ: عَلى أنَّها هي أُمُّهُ، وأنَّ الحامِلَ لَها عَلى الِامْتِناعِ هو ما قامَ بِقَلْبِها مِن الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ تَعالى في قَلْبِ الأُمِّ، وقَوِيَتْ هَذِهِ القَرِينَةُ عِنْدَهُ، حَتّى قَدَّمَها عَلى إقْرارِها، فَإنَّهُ حَكَمَ بِهِ لَها مَعَ قَوْلِها " هو ابْنُها ".
وَهَذا هو الحَقُّ، فَإنَّ الإقْرارَ إذا كانَ لِعِلَّةٍ اطَّلَعَ عَلَيْها الحاكِمُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ أبَدًا.
وَلِذَلِكَ ألْغَيْنا إقْرارَ المَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ بِمالٍ لِوارِثِهِ لِانْعِقادِ سَبَبِ التُّهْمَةِ واعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ الحالِ في قَصْدِهِ تَخْصِيصَهُ.
وَمِن تَراجِمِ قُضاةِ السُّنَّةِ والحَدِيثِ عَلى هَذا الحَدِيثِ تَرْجَمَةُ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسائِيّ في سُنَنِهِ " قالَ: " التَّوْسِعَةُ لِلْحاكِمِ في أنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ أفْعَلُ كَذا؛ لِيَسْتَبِينَ بِهِ الحَقَّ ".
ثُمَّ تَرْجَمَ عَلَيْهِ تَرْجَمَةً أُخْرى أحْسَنَ مِن هَذِهِ، فَقالَ: " الحُكْمُ بِخِلافِ ما يَعْتَرِفُ بِهِ المَحْكُومُ عَلَيْهِ، إذا تَبَيَّنَ لِلْحاكِمِ أنَّ الحَقَّ غَيْرُ ما اعْتَرَفَ بِهِ " فَهَكَذا يَكُونُ الفَهْمُ عَنْ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
ثُمَّ تَرْجَمَ عَلَيْهِ تَرْجَمَةً أُخْرى فَقالَ: " نَقْضُ الحاكِمِ ما حَكَمَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ هو مِثْلُهُ، أوْ أجَلُّ مِنهُ " فَهَذِهِ ثَلاثُ قَواعِدَ ورابِعَةٌ: وهي ما نَحْنُ فِيهِ وهي الحُكْمُ بِالقَرائِنِ وشَواهِدِ الحالِ.
وَخامِسَةٌ: وهي أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الوَلَدَ لَهُما، كَما يَقُولُهُ أبُو حَنِيفَةَ، فَهَذِهِ خَمْسُ سُنَنٍ في هَذا الحَدِيثِ.
وَمِن ذَلِكَ: قَوْلُ الشّاهِدِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ شَهادَتَهُ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعِبْهُ بَلْ حَكاها مُقَرِّرًا لَها، فَقالَ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] فَتَوَصَّلَ بِقَدِّ القَمِيصِ إلى مَعْرِفَةِ الصّادِقِ مِنهُما مِن الكاذِبِ.
وَهَذا لَوْثٌ في أحَدِ المُتَنازِعَيْنِ، يُبَيِّنُ بِهِ أوْلاهُما بِالحَقِّ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ اللَّوْثَ في دَعْوى المالِ في قِصَّةِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وأمَرَ بِالحُكْمِ بِمُوجِبِهِ.
«وَحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُوجِبِ اللَّوْثِ في القَسامَةِ، وجَوَّزَ لِلْمُدَّعِينَ أنْ يَحْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا، ويَسْتَحِقُّونَ دَمَ القَتِيلِ»، فَهَذا لَوَثٌ في الدِّماءِ، واَلَّذِي في سُورَةِ المائِدَةِ لَوْثٌ في الأمْوالِ، واَلَّذِي في سُورَةِ يُوسُفَ لَوْثٌ في الدَّعْوى في العِرْضِ ونَحْوِهِ.
وَهَذا حُكْمُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والصَّحابَةِ مَعَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - بِرَجْمِ المَرْأةِ الَّتِي ظَهَرَ بِها الحَبَلُ، ولا زَوْجَ لَها ولا سَيِّدَ.
وَذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ وأحْمَدُ - في أصَحِّ رِوايَتَيْهِ - اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ.
وَحَكَمَ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ولا يُعْرَفُ لَهُما مُخالِفٌ - بِوُجُوبِ الحَدِّ بِرائِحَةِ الخَمْرِ مِن في الرَّجُلِ، أوْ قَيْئِهِ خَمْرًا، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ.
وَلَمْ تَزَلْ الأئِمَّةُ والخُلَفاءُ يَحْكُمُونَ بِالقَطْعِ إذا وُجِدَ المالُ المَسْرُوقُ مَعَ المُتَّهَمِ، وهَذِهِ القَرِينَةُ أقْوى مِن البَيِّنَةِ والإقْرارِ، فَإنَّهُما خَبَرانِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِما الصِّدْقُ والكَذِبُ، ووُجُودُ المالِ مَعَهُ نَصٌّ صَرِيحٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شُبْهَةٌ، وهَلْ يَشُكُّ أحَدٌ رَأى قَتِيلًا يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، وآخَرَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ بِالسِّكِّينِ: أنَّهُ قَتَلَهُ؟ ولا سِيَّما إذا عُرِفَ بِعَداوَتِهِ، ولِهَذا جَوَّزَ جُمْهُورُ العُلَماءِ لِوَلِيِّ القَتِيلِ أنْ يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَتَلَهُ، ثُمَّ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ: يُقْتَلُ بِهِ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ: يُقْضى عَلَيْهِ بِدِيَتِهِ وكَذَلِكَ إذا رَأيْنا رَجُلًا مَكْشُوفَ الرَّأْسِ - ولَيْسَ ذَلِكَ عادَتَهُ - وآخَرَ هارِبًا قُدّامَهُ بِيَدِهِ عِمامَةٌ، وعَلى رَأْسِهِ عِمامَةٌ: حَكَمْنا لَهُ بِالعِمامَةِ الَّتِي بِيَدِ الهارِبِ قَطْعًا، ولا نَحْكُمُ بِها لِصاحِبِ اليَدِ الَّتِي قَدْ قَطَعْنا وجَزَمْنا بِأنَّها يَدٌ ظالِمَةٌ غاصِبَةٌ بِالقَرِينَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي أقْوى بِكَثِيرٍ مِن البَيِّنَةِ والِاعْتِرافِ.
وَهَلْ القَضاءُ بِالنُّكُولِ إلّا رُجُوعٌ إلى مُجَرَّدِ القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ، الَّتِي عَلِمْنا بِها ظاهِرًا أنَّهُ لَوْلا صِدْقُ المُدَّعِي لَدَفَعَ المُدَّعى عَلَيْهِ دَعْواهُ بِاليَمِينِ؟ فَلَمّا نَكَلَ عَنْها كانَ نُكُولُهُ قَرِينَةً ظاهِرَةً، دالَّةً عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، فَقُدِّمَتْ عَلى أصْلِ بَراءَةِ الذِّمَّةِ.
وَكَثِيرٌ مِن القَرائِنِ والأماراتِ أقْوى مِن النُّكُولِ، والحِسُّ شاهِدٌ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ تَعْطِيلُ شَهادَتِها؟ ومِن ذَلِكَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ الزُّبَيْرَ أنْ يُقَرِّرَ عَمَّ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ بِالعَذابِ عَلى إخْراجِ المالِ الَّذِي غَيَّبَهُ، وادَّعى نَفادَهُ فَقالَ لَهُ: العَهْدُ قَرِيبٌ، والمالُ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ».
فَهاتانِ قَرِينَتانِ في غايَةِ القُوَّةِ: كَثْرَةُ المالِ، وقِصَرُ المُدَّةِ الَّتِي يُنْفَقُ كُلُّهُ فِيها.
وكذلك قول الشاهد من أهل امرأة العزيز ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾
فذكر الله تعالى ذلك مقررا له غير منكر على قائله بل رتب عليه العلم ببراءة يوسف عليه السلام وكذب المرأة عليه، وقد أمر النبي ﷺ الزبير أن يقرر ابني أبي الحقيق بالتعذيب على إخراج الكنز فعذبهما حتى أقرا به. ومن ذلك قول علي للظعينة التي حملت كتاب حاطب وأنكرته فقال لها: "لتخرجن الكتاب أو لنجردنك"
وهل تقتضي محاسن الشريعة الكاملة إلا هذا؟
وهل يشك أحد في أن كثيرا من القرائن تفيد علما أقوى من الظن المستفاد من الشاهدين بمراتب عديدة، فالعلم المستفاد من مشاهدة الرجل مكشوف الرأس وآخر هارب قدامه وبيده عمامة وعلى رأسه عمامة، فالعلم بأن هذه عمامة المكشوف رأسه كالضروري فكيف تقدم عليه اليد التي إنما تفيد ظنا ما عند عدم المعارضة.
وأما مع هذه المعارضة فلا تفيد شيئا سوى العلم بأنها يد عادية فلا يجوز الحكم بها ألبتة، ولم تأت الشريعة بالحكم لهذه اليد وأمثالها ألبتة.
وقد أمر النبي ﷺ أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وقد نص أحمد على اعتبار الوصف عند تنازع المالك والمستأجر في الدفين في الدار.
وهذه من محاسن مذهبه، ونص على البلد يفتح فيوجد فيه أبواب مكتوب عليها بالكتابة القديمة أنها وقف أنه يحكم بذلك لقوة هذه القرينة.
يوسف 12:27
[الحُكْمِ بِالقَرائِنِ]
أمّا بَعْدُ: وسَألْت عَنْ الحاكِمِ، أوْ الوالِي يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ والقَرائِنِ الَّتِي يَظْهَرُ لَهُ فِيها الحَقُّ، والِاسْتِدْلالِ بِالأماراتِ ولا يَقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ ظَواهِرِ البَيِّناتِ والإقْرارِ، حَتّى إنّهُ رُبَّما يَتَهَدَّدُ أحَدَ الخَصْمَيْنِ، إذا ظَهَرَ مِنهُ أنَّهُ مُبْطِلٌ ورُبَّما ضَرَبَهُ، ورُبَّما سَألَهُ عَنْ أشْياءَ تَدُلُّهُ عَلى صُورَةِ الحالِ.
فَهَلْ ذَلِكَ صَوابٌ أمْ خَطَأٌ؟ فَهَذِهِ مَسْألَةٌ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةُ النَّفْعِ، جَلِيلَةُ القَدْرِ، إنْ أهْمَلَها الحاكِمُ أوْ الوالِي أضاعَ حَقًّا كَثِيرًا، وأقامَ باطِلًا كَثِيرًا، وإنْ تَوَسَّعَ فِيها وجَعَلَ مُعَوِّلَهُ عَلَيْها، دُونَ الأوْضاعِ الشَّرْعِيَّةِ، وقَعَ في أنْواعٍ مِن الظُّلْمِ والفَسادِ وقَدْ سُئِلَ أبُو الوَفاءِ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ حُكْمًا بِالفِراسَةِ، بَلْ هو حُكْمٌ بِالأماراتِ. وإذا تَأمَّلْتُمْ الشَّرْعَ وجَدْتُمُوهُ يُجَوِّزُ التَّعْوِيلَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَهَبَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى التَّوَصُّلِ بِالإقْرارِ بِما يَراهُ الحاكِمُ وذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلى قَوْله تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ولِذا حَكَمْنا بِعَقْدِ الأزَجِ، وكَثْرَةِ الخُشُبِ في الحائِطِ، ومَعاقِدِ القُمُطِ في الخُصِّ، وما يَخُصُّ المَرْأةَ والرَّجُلَ في الدَّعاوى.
وَفِي مَسْألَةِ العَطّارِ والدَّبّاغِ إذا اخْتَصَما في الجِلْدِ، والنَّجّارِ والخَيّاطِ إذا تَنازَعا في المِنشارِ والقَدُومِ، والطَّبّاخِ والخَبّازِ إذا تَنازَعا في القِدْرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَلْ ذَلِكَ إلّا الِاعْتِمادُ عَلى الأماراتِ؟ وكَذَلِكَ الحُكْمُ بِالقافَةِ والنَّظَرِ في أمْرِ الخُنْثى؛ والأماراتِ الدّالَّةِ عَلى أحَدِ حالَيْهِ. والنَّظَرِ في أماراتِ جِهَةِ القِبْلَةِ، واللَّوْثِ في القَسامَةِ. انْتَهى.
فالحاكِمُ إذا لَمْ يَكُنْ فَقِيهَ النَّفْسِ في الأماراتِ، ودَلائِلِ الحالِ، ومَعْرِفَةِ شَواهِدِهِ، وفي القَرائِنِ الحالِيَّةِ والمَقالِيَّةِ، كَفِقْهِهِ في جُزْئِيّاتِ وكُلِّيّاتِ الأحْكامِ: أضاعَ حُقُوقًا كَثِيرَةً عَلى أصْحابِها. وحَكَمَ بِما يَعْلَمُ النّاسُ بُطْلانَهُ لا يَشُكُّونَ فِيهِ، اعْتِمادًا مِنهُ عَلى نَوْعٍ ظاهِرٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى باطِنِهِ وقَرائِنِ أحْوالِهِ. فَهاهُنا نَوْعانِ مِن الفِقْهِ، لا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِنهُما: فِقْهٌ في أحْكامِ الحَوادِثِ الكُلِّيَّةِ، وفِقْهٌ في نَفْسِ الواقِعِ وأحْوالِ النّاسِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ. ثُمَّ يُطابِقُ بَيْنَ هَذا وهَذا فَيُعْطِي الواقِعَ حُكْمَهُ مِن الواجِبِ، ولا يَجْعَلُ الواجِبَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ. ومَن لَهُ ذَوْقٌ في الشَّرِيعَةِ، واطِّلاعٌ عَلى كَمالاتِها وتَضَمُّنِها لِغايَةِ مَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، ومَجِيئِها بِغايَةِ العَدْلِ، الَّذِي يَسَعُ الخَلائِقَ، وأنَّهُ لا عَدْلَ فَوْقَ عَدْلِها، ولا مَصْلَحَةَ فَوْقَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن المَصالِحِ: تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ السِّياسَةَ العادِلَةَ جُزْءٌ مِن أجْزائِها، وفَرْعٌ مِن فُرُوعِها، وأنَّ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِمَقاصِدِها ووَضْعِها وحَسُنَ فَهْمُهُ فِيها: لَمْ يَحْتَجْ مَعَها إلى سِياسَةِ غَيْرِها ألْبَتَّةَ.
فَإنَّ السِّياسَةَ نَوْعانِ: سِياسَةٌ ظالِمَةٌ فالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُها، وسِياسَةٌ عادِلَةٌ تُخْرِجُ الحَقَّ مِن الظّالِمِ الفاجِرِ، فَهي مِن الشَّرِيعَةِ، عَلِمَها مَن عَلِمَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها.
وَلا تَنْسَ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلَ سُلَيْمانَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِلْمَرْأتَيْنِ اللَّتَيْنِ ادَّعَتا الوَلَدَ. فَحَكَمَ بِهِ داوُد ﷺ لِلْكُبْرى فَقالَ سُلَيْمانُ " ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أشُقُّهُ بَيْنَكُما " فَسَمَحَتْ الكُبْرى بِذَلِكَ فَقالَتْ الصُّغْرى: " لا تَفْعَلْ يَرْحَمُك اللَّهُ، هو ابْنُها " فَقَضى بِهِ لِلصُّغْرى، فَأيُّ شَيْءٍ أحْسَنُ مِن اعْتِبارِ هَذِهِ القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ، فاسْتَدَلَّ بِرِضا الكُبْرى بِذَلِكَ، وأنَّها قَصَدَتْ الِاسْتِرْواحَ إلى التَّأسِّي بِمُساواةِ الصُّغْرى في فَقْدِ ولَدِها، وبِشَفَقَةِ الصُّغْرى عَلَيْهِ، وامْتِناعِها مِن الرِّضا بِذَلِكَ: عَلى أنَّها هي أُمُّهُ، وأنَّ الحامِلَ لَها عَلى الِامْتِناعِ هو ما قامَ بِقَلْبِها مِن الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ تَعالى في قَلْبِ الأُمِّ، وقَوِيَتْ هَذِهِ القَرِينَةُ عِنْدَهُ، حَتّى قَدَّمَها عَلى إقْرارِها، فَإنَّهُ حَكَمَ بِهِ لَها مَعَ قَوْلِها " هو ابْنُها ".
وَهَذا هو الحَقُّ، فَإنَّ الإقْرارَ إذا كانَ لِعِلَّةٍ اطَّلَعَ عَلَيْها الحاكِمُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ أبَدًا.
وَلِذَلِكَ ألْغَيْنا إقْرارَ المَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ بِمالٍ لِوارِثِهِ لِانْعِقادِ سَبَبِ التُّهْمَةِ واعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ الحالِ في قَصْدِهِ تَخْصِيصَهُ.
وَمِن تَراجِمِ قُضاةِ السُّنَّةِ والحَدِيثِ عَلى هَذا الحَدِيثِ تَرْجَمَةُ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسائِيّ في سُنَنِهِ " قالَ: " التَّوْسِعَةُ لِلْحاكِمِ في أنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ أفْعَلُ كَذا؛ لِيَسْتَبِينَ بِهِ الحَقَّ ".
ثُمَّ تَرْجَمَ عَلَيْهِ تَرْجَمَةً أُخْرى أحْسَنَ مِن هَذِهِ، فَقالَ: " الحُكْمُ بِخِلافِ ما يَعْتَرِفُ بِهِ المَحْكُومُ عَلَيْهِ، إذا تَبَيَّنَ لِلْحاكِمِ أنَّ الحَقَّ غَيْرُ ما اعْتَرَفَ بِهِ " فَهَكَذا يَكُونُ الفَهْمُ عَنْ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
ثُمَّ تَرْجَمَ عَلَيْهِ تَرْجَمَةً أُخْرى فَقالَ: " نَقْضُ الحاكِمِ ما حَكَمَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ هو مِثْلُهُ، أوْ أجَلُّ مِنهُ " فَهَذِهِ ثَلاثُ قَواعِدَ ورابِعَةٌ: وهي ما نَحْنُ فِيهِ وهي الحُكْمُ بِالقَرائِنِ وشَواهِدِ الحالِ.
وَخامِسَةٌ: وهي أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الوَلَدَ لَهُما، كَما يَقُولُهُ أبُو حَنِيفَةَ، فَهَذِهِ خَمْسُ سُنَنٍ في هَذا الحَدِيثِ.
وَمِن ذَلِكَ: قَوْلُ الشّاهِدِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ شَهادَتَهُ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعِبْهُ بَلْ حَكاها مُقَرِّرًا لَها، فَقالَ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] فَتَوَصَّلَ بِقَدِّ القَمِيصِ إلى مَعْرِفَةِ الصّادِقِ مِنهُما مِن الكاذِبِ.
وَهَذا لَوْثٌ في أحَدِ المُتَنازِعَيْنِ، يُبَيِّنُ بِهِ أوْلاهُما بِالحَقِّ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ اللَّوْثَ في دَعْوى المالِ في قِصَّةِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وأمَرَ بِالحُكْمِ بِمُوجِبِهِ.
«وَحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُوجِبِ اللَّوْثِ في القَسامَةِ، وجَوَّزَ لِلْمُدَّعِينَ أنْ يَحْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا، ويَسْتَحِقُّونَ دَمَ القَتِيلِ»، فَهَذا لَوَثٌ في الدِّماءِ، واَلَّذِي في سُورَةِ المائِدَةِ لَوْثٌ في الأمْوالِ، واَلَّذِي في سُورَةِ يُوسُفَ لَوْثٌ في الدَّعْوى في العِرْضِ ونَحْوِهِ.
وَهَذا حُكْمُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والصَّحابَةِ مَعَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - بِرَجْمِ المَرْأةِ الَّتِي ظَهَرَ بِها الحَبَلُ، ولا زَوْجَ لَها ولا سَيِّدَ.
وَذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ وأحْمَدُ - في أصَحِّ رِوايَتَيْهِ - اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ.
وَحَكَمَ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ولا يُعْرَفُ لَهُما مُخالِفٌ - بِوُجُوبِ الحَدِّ بِرائِحَةِ الخَمْرِ مِن في الرَّجُلِ، أوْ قَيْئِهِ خَمْرًا، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ.
وَلَمْ تَزَلْ الأئِمَّةُ والخُلَفاءُ يَحْكُمُونَ بِالقَطْعِ إذا وُجِدَ المالُ المَسْرُوقُ مَعَ المُتَّهَمِ، وهَذِهِ القَرِينَةُ أقْوى مِن البَيِّنَةِ والإقْرارِ، فَإنَّهُما خَبَرانِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِما الصِّدْقُ والكَذِبُ، ووُجُودُ المالِ مَعَهُ نَصٌّ صَرِيحٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شُبْهَةٌ، وهَلْ يَشُكُّ أحَدٌ رَأى قَتِيلًا يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، وآخَرَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ بِالسِّكِّينِ: أنَّهُ قَتَلَهُ؟ ولا سِيَّما إذا عُرِفَ بِعَداوَتِهِ، ولِهَذا جَوَّزَ جُمْهُورُ العُلَماءِ لِوَلِيِّ القَتِيلِ أنْ يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَتَلَهُ، ثُمَّ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ: يُقْتَلُ بِهِ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ: يُقْضى عَلَيْهِ بِدِيَتِهِ وكَذَلِكَ إذا رَأيْنا رَجُلًا مَكْشُوفَ الرَّأْسِ - ولَيْسَ ذَلِكَ عادَتَهُ - وآخَرَ هارِبًا قُدّامَهُ بِيَدِهِ عِمامَةٌ، وعَلى رَأْسِهِ عِمامَةٌ: حَكَمْنا لَهُ بِالعِمامَةِ الَّتِي بِيَدِ الهارِبِ قَطْعًا، ولا نَحْكُمُ بِها لِصاحِبِ اليَدِ الَّتِي قَدْ قَطَعْنا وجَزَمْنا بِأنَّها يَدٌ ظالِمَةٌ غاصِبَةٌ بِالقَرِينَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي أقْوى بِكَثِيرٍ مِن البَيِّنَةِ والِاعْتِرافِ.
وَهَلْ القَضاءُ بِالنُّكُولِ إلّا رُجُوعٌ إلى مُجَرَّدِ القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ، الَّتِي عَلِمْنا بِها ظاهِرًا أنَّهُ لَوْلا صِدْقُ المُدَّعِي لَدَفَعَ المُدَّعى عَلَيْهِ دَعْواهُ بِاليَمِينِ؟ فَلَمّا نَكَلَ عَنْها كانَ نُكُولُهُ قَرِينَةً ظاهِرَةً، دالَّةً عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، فَقُدِّمَتْ عَلى أصْلِ بَراءَةِ الذِّمَّةِ.
وَكَثِيرٌ مِن القَرائِنِ والأماراتِ أقْوى مِن النُّكُولِ، والحِسُّ شاهِدٌ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ تَعْطِيلُ شَهادَتِها؟ ومِن ذَلِكَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ الزُّبَيْرَ أنْ يُقَرِّرَ عَمَّ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ بِالعَذابِ عَلى إخْراجِ المالِ الَّذِي غَيَّبَهُ، وادَّعى نَفادَهُ فَقالَ لَهُ: العَهْدُ قَرِيبٌ، والمالُ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ».
فَهاتانِ قَرِينَتانِ في غايَةِ القُوَّةِ: كَثْرَةُ المالِ، وقِصَرُ المُدَّةِ الَّتِي يُنْفَقُ كُلُّهُ فِيها.
وكذلك قول الشاهد من أهل امرأة العزيز ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾
فذكر الله تعالى ذلك مقررا له غير منكر على قائله بل رتب عليه العلم ببراءة يوسف عليه السلام وكذب المرأة عليه، وقد أمر النبي ﷺ الزبير أن يقرر ابني أبي الحقيق بالتعذيب على إخراج الكنز فعذبهما حتى أقرا به. ومن ذلك قول علي للظعينة التي حملت كتاب حاطب وأنكرته فقال لها: "لتخرجن الكتاب أو لنجردنك"
وهل تقتضي محاسن الشريعة الكاملة إلا هذا؟
وهل يشك أحد في أن كثيرا من القرائن تفيد علما أقوى من الظن المستفاد من الشاهدين بمراتب عديدة، فالعلم المستفاد من مشاهدة الرجل مكشوف الرأس وآخر هارب قدامه وبيده عمامة وعلى رأسه عمامة، فالعلم بأن هذه عمامة المكشوف رأسه كالضروري فكيف تقدم عليه اليد التي إنما تفيد ظنا ما عند عدم المعارضة.
وأما مع هذه المعارضة فلا تفيد شيئا سوى العلم بأنها يد عادية فلا يجوز الحكم بها ألبتة، ولم تأت الشريعة بالحكم لهذه اليد وأمثالها ألبتة.
وقد أمر النبي ﷺ أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وقد نص أحمد على اعتبار الوصف عند تنازع المالك والمستأجر في الدفين في الدار.
وهذه من محاسن مذهبه، ونص على البلد يفتح فيوجد فيه أبواب مكتوب عليها بالكتابة القديمة أنها وقف أنه يحكم بذلك لقوة هذه القرينة.
يوسف 12:30
الشَّغَفُ يُقالُ: شُغِفَ بِكَذا. فَهو مَشْغُوفٌ بِهِ. وقَدْ شَغَفَهُ المَحْبُوبُ. أيْ وصَلَ حُبُّهُ إلى شَغافِ قَلْبِهِ. كَما قالَ النِّسْوَةُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الحُبُّ المُسْتَوْلِي عَلى القَلْبِ، بِحَيْثُ يَحْجُبُهُ عَنْ غَيْرِهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: حَجَبَ حُبُّهُ قَلْبَها حَتّى لا تَعْقِلَ سِواهُ.
الثّانِي: الحُبُّ الواصِلُ إلى داخِلِ القَلْبِ. قالَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ: المَعْنى أحَبَّتْهُ حَتّى دَخَلَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها، أيْ داخِلَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الحُبُّ الواصِلُ إلى غِشاءِ القَلْبِ. والشَّغافُ غِشاءُ القَلْبِ إذا وصَلَ الحُبُّ إلَيْهِ باشَرَ القَلْبَ. قالَ السُّدِّيُّ: الشَّغافُ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ عَلى القَلْبِ. يَقُولُ: دَخَلَهُ الحُبُّ حَتّى أصابَ القَلْبَ.
وَقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ " شَعَفَها " بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ. ومَعْناهُ: ذَهَبَ الحُبُّ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ. وبَلَغَ بِها أعْلى مَراتِبِهِ، ومِنهُ: شَعَفُ الجِبالِ، لِرُءُوسِها.
(فصل)
هذا الكلام متضمن لوجوه من المكر.
أحدها: قولهن: ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها﴾ ولم يسموها باسمها، بل ذكروها بالوصف الذي ينادي عليها بقبيح فعلها بكونها ذات بعل، فصدور الفاحشة من ذات الزوج أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.
الثاني: أن زوجها عزيز مصر، ورئيسها، وكبيرها. وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.
الثالث: أن الذي تراوده مملوك لا حرّ. وذلك أبلغ في القبح.
الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها، وتحت كنفها، فحكمه حكم أهل البيت. بخلاف من تطلب ذلك من الأجنبي البعيد.
والخامس: أنها هي المراودة الطالبة.
السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ، حتى وصل حبها له إلى شغاف قلبها.
السابع: أن في ضمن هذا: أنه أعفّ منها وأبر، وأوفى، حيث كانت هي المراودة الطالبة، وهو الممتنع، عفافا وكرما وحياء. وهذا غاية الذم لها.
الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار والوقوع حالا واستقبالا، وأن هذا شأنها، ولم يقلن: راودت فتاها. وفرق بين قولك: فلان أضاف ضيفا، وفلان يقري الضيف ويطعم الطعام، ويحمل الكلّ. فإن هذا يدل على أن هذا شأنه وعادته.
التاسع: قولهن ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح. فنسبن الاستقباح إليهن ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى ولا يكدن يرين ذلك قبيحا، كما يساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك، فحيث استقبحن منها ذلك كان هذا دليلا على أنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه.
العاشر: أنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط، والطلب المفرط، فلم تقتصد في حبها، ولا في طلبها.
أما العشق فقولهن ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أي وصل حبه إلى شغاف قلبها.
وأما الطلب المفرط فقولهن تُراوِدُ فَتاها والمراودة: الطلب مرة بعد مرة فنسبوها إلى شدة العشق، وشدة الحرص على الفاحشة.
فلما سمعت بهذا المكر منهن هيأت لهن مكرا أبلغ منه، فهيأت لهن متكأ، ثم أرسلت إليهن، فجمعتهن، وخبأت يوسف عليه السلام عنهن.
وقيل: إنها جملته، وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته عليهن فجأة.
فلم يرعهنّ إلا وأحسن خلق الله وأجمله قد طلع عليهن بغتة، فراعهن ذلك المنظر البهي. وفي أيديهن مدى يقطعن بها ما يأكلن، فدهش حتى قطعن أيديهن، وهن لا يشعرن.
وقد قيل: إنهن أبنّ أيديهن. ولكن الظاهر خلاف ذلك. وإنما تقطيعهن أيديهن جرحها، وشقها بالمدى، لدهشتهن بما رأين. فقابلت مكرهن القولي بهذا المكر الفعلي، وكانت هذه في النساء غاية في المكر.
يوسف 12:32
ومنه قول امرأة العزيز عن يوسف عليه السلام لما أرته النسوة اللائمات لها في حبه: ﴿فَذلِكُنَّ الَّذِي لمُتُنَّنِي فِيه﴾
فأرتهن جماله الظاهر. ثم قالت: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾.
فأخبرت عن جماله الباطن بعفته، فأخبرتهن بجمال باطنه، وأرتهن جمال ظاهره.
(فائدة)
قالت امرأة العزيز للنسوة لما أرتهن إياه ليعذرنها في محبته ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي هذا هو الذي فتنت به وشغفت بحبه فمن يلومني على محبته وهذا حسن منظره ثم قالت ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾
أي فمنع هذا الجمال فباطنه أحسن من ظاهره، فإنه في غاية العفة والنزاهة والبعد عن الخنا، والمحب وإن غيب محبوبه فلا يجري لسانه إلا بمحاسنه ومدحه.
ويتعلق بهذا قوله تعالى في صفة أهل الجنة ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ فجمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالسرور ومثله قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ فإنه لا شيء أشهى إليهم وأقر لعيونهم وأنعم لبواطنهم من النظر إليه فنضر وجوههم بالحسن ونعم قلوبهم بالنظر إليه.
يوسف 12:33
(فصل: فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذة الوصال الحرام)
هذا باب إنما يدخل منه رجلان أحدهما من تمكن من قلبه الإيمان بالآخرة وما أعد الله فيها من الثواب والعقاب لمن عصاه فآثر أدنى الفوتين واختار أسهل العقوبتين والثاني رجل غلب عقله على هواه فعلم ما في الفاحشة من المفاسد وما في العدول عنها من المصالح فآثر الأعلى على الأدنى وقد جمع الله سبحانه وتعالى ليوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه بين الأمرين فاختار عقوبة الدنيا بالسجن على ارتكاب الحرام فقالت المرأة ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاختار السجن على الفاحشة ثم تبرأ إلى الله من حوله وقوته وأخبر أن ذلك ليس إلا بمعونة الله له وتوفيقه وتأييده لا من نفسه فقال ﴿وَإلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ فلا يركن العبد إلى نفسه وصبره وحاله وعفته ومتى ركن إلى ذلك تخلت عنه عصمة الله وأحاط به الخذلان وقد قال الله تعالى لأكرم الخلق عليه وأحبهم إليه ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾
ولهذا كان من دعائه يا مقلب
القلوب ثبت قلبي على دينك وكانت أكثر يمينه لا ومقلب القلوب كيف وهو الذي أنزل عليه ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ وقد جرت سنة الله تعالى في خلقه أن من آثر الألم العاجل على الوصال الحرام أعقبه ذلك في الدنيا المسرة التامة وإن هلك فالفوز العظيم والله تعالى لا يضيع ما تحمل عبده لأجله وفي بعض الآثار الإلهية يقول الله سبحانه وتعالى بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي وكل من خرج عن شيء منه لله حفظه الله عليه أو أعاضه الله ما هو أجل منه ولهذا لما خرج الشهداء عن نفوسهم لله جعلهم الله أحياء عنده يرزقون وعوضهم عن أبدانهم التي بذلوها له أبدان طير خضر جعل أرواحهم فيها تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش ولما تركوا مساكنهم له عوضهم مساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم
وقال وهب بن منبه كان عابد من عباد بني إسرائيل يتعبد في صومعة فجاء رجل من بني إسرائيل إلى امرأة بغي فبذل لها مالا وقال لعلك أن تفتنيه فجاءته في ليلة مطيرة فنادته فأشرف عليها فقالت آوني إليك فتركها وأقبل على صلاته فقالت يا عبد الله آوني إليك أما ترى الظلمة والمطر فلم تزل به حتى آواها فاضطجعت قريبا منه فجعلت تريه محاسنها حتى دعته نفسه إليها فقال لا والله حتى أنظر كيف صبرك على النار فتقدم إلى المصباح فوضع إصبعا من أصابعه حتى احترقت ثم عاد إلى صلاته فدعته نفسه إليها فعاود المصباح فوضع إصبعه الأخرى حتى احترقت فلم يزل تدعوه نفسه وهو يعود إلى المصباح حتى احترقت أصابعه جميعا وهي تنظر فصعقت وماتت.
وقال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا أمية بن شبل عن عبد الله بن وهب قال لا أعلمه إلا ذكره عن أبيه أن عابدا من بني إسرائيل كان في صومعته يتعبد فإذا نفر من الغواة قالوا لو استنزلناه بشيء فذهبوا إلى امرأة بغي فقالوا لها تعرضى له فجاءته في ليلة مظلمة مطيرة فقالت يا عبد الله آوني إليك وهو قائم يصلي ومصباحه ثاقب فلم يلتفت إليها فقالت يا عبد الله الظلمة والغيث آوني إليك فلم تزل به حتى أدخلها إليه فاضطجعت وهو قائم يصلي فجعلت تتقلب وتريه محاسن خلقها حتى دعته نفسه إليها فقال لا والله حتى أنظر كيف صبرك على النار فدنا إلى المصباح فوضع إصبعا من أصابعه فيه حتى احترقت قال ثم رجع إلى مصلاه قال فدعته نفسه أيضا فعاد إلى المصباح فوضع إصبعه أيضا حتى احترقت أصابعه وهي تنظر إليه فصعقت فماتت فلما أصبحوا غدوا لينظروا ما صنعت فإذا بها ميتة فقالوا يا عدو الله يا مرائي وقعت عليها ثم قتلتها قال فذهبوا به إلى ملكهم فشهدوا عليه فأمر بقتله فقال دعوني حتىأصلي ركعتين قال فصلى ثم دعا فقال أي رب إني أعلم أنك لم تكن لتؤاخذني بما لم أفعل ولكن اسألك أن لا أكون عارا على القرى بعدي قال فرد الله نفسها فقالت أنظروا إلى يده ثم عادت ميتة وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور عن إبراهيم قال بينما رجل عابد عند امرأة إذ عمد فضرب بيده على فخذها فأخذ يده فوضعها في النار حتى نشت
وقال حصين بن عبد الرحمن بلغني أن فتى من أهل المدينة كان يشهد الصلوات كلها مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان عمر يتفقده إذا غاب فعشقته امرأة من أهل المدينة فذكرت ذلك لبعض نسائها فقالت أنا أحتال لك في إدخاله عليك فقعدت له في الطريق فلما مر بها قالت له إني امرأة كبيرة السن ولي شاة لا أستطيع أن أحلبها فلو دخلت فحلبتها لي وكانوا أرغب شيء في الخير فدخل فلم ير شاة فقالت اجلس حتى آتيك بها فإذا المرأة قد طلعت عليه فلما رأى ذلك عمد إلى محراب في البيت فقعد فيه فأرادته عن نفسه فأبى وقال اتقي الله أيتها المرأة فجعلت لا تكف عنه ولا تلتفت إلى قوله فلما أبى عليها صاحت عليه فجاءوا فقالت إن هذا دخل علي يريدني عن نفسي فوثبوا عليه وجعلوا يضربونه وأوثقوه فلما صلى عمر الغداة فقده فبينا هو كذلك إذ جاءوا به في وثاق فلما رآه عمر قال اللهم لا تخلف ظني به قال مالكم قالوا استغاثت امرأة بالليل فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها فضربناه وأوثقناه فقال عمر رضي الله عنه اصدقني فأخبره بالقصة على وجهها فقال له عمر رضي الله عنه أتعرف العجوز فقال نعم إن رايتها عرفتها فأرسل عمر إلى نساء جيرانها وعجائزهن فجاء بهن فعرضهن فلم يعرفها فيهن حتى مرت به العجوز فقال هذه يا أمير المؤمنين فرفع عمر عليها الدرة وقال أصدقيني فقصت عليه القصة كما قصها الفتى فقال عمر الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف وقال أبو الزناد كان راهب يتعبد في صومعته فأشرف منها فرأى امرأة ففتن بها فأخرج رجله من الصومعة لينزل إليها فنزلت عليه العصمة فقال رجل خرجت من الصومعة لتعصي الله والله لا تعود معي في صومعتي فتركها معلقة خارج الصومعة يسقط عليها الثلوج والأمطار حتى تناثرت وسقطت فشكر الله ذلك من صنعه ومدحه في بعض كتبه بذي الرجل
وقال مصعب بن عثمان كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجها فدخلت عليه امرأة بيته فسألته نفسه فامتنع عليها فقالت إذن أفضحك فخرج هاربا عن منزله وتركها فيه
وقال جابر بن نوح كنت بالمدينة جالسا عند رجل في حاجة فمر بنا شيخ حسن الوجه حسن الثياب فقام إليه ذلك الرجل فسلم عليه وقال يا أبا محمد أسأل الله أن يعظم أجرك وأن يربط على قلبك بالصبر فقال الشيخ
؎وكان يميني في الوغى ومساعدي ∗∗∗ فأصبحت قد خانت يميني ذراعها
؎وقد صرت حيرانا من الثكل باهتا ∗∗∗ أخا كلف ضاقت علي رباعها
فقال له الرجل أبشر فإن الصبر معول المؤمن وإني لأرجو أن لا يحرمك الله الأجر على مصيبتك فقلت له من هذا الشيخ فقال رجل منا من الأنصار فقلت وما قصته قال أصيب بابنه وكان به بارا قد كفاه جميع ما يعنيه ومنيته عجب قلت وما كانت قال أحبته امرأة فأرسلت إليه تشكو حبه وتسأله الزيارة وكان لها زوج فألحت عليه فأفشى ذلك إلى صديق له فقال له لو بعثت إليها بعض أهلك فوعظتها وزجرتها رجوت أن تكف عنك فأمسك وأرسلت إليه إما أن تزورني وإما أن أزورك فأبى فلما يئست منه ذهبت إلى امرأة كانت تعمل السحر فجعلت لها الرغائب في تهييجه فعملت لها في ذلك فبينا هو ذات ليلة مع أبيه إذ خطر ذكرها بقلبه وهاج منه أمر لم يكن يعرفه واختلط فقام مسرعا فصلى واستعاذ والأمر يشتد فقال يا أبه أدركني بقيد فقال يا بني ما قصتك فحدثه بالقصة فقام وقيده وأدخله بيتا فجعل يضطرب ويخور كما يخور الثور ثم هدأ فإذا هو ميت والدم يسيل من منخره.
(فصل)
وهذا ليس بعجيب من الرجال ولكنه من النساء أعجب قال أبو إدريس الأودي كان رجلان في بني إسرائيل عابدان وكانت جارية جميلة فأحباها وكتم كل منهما صاحبه واختبأ كل منهما خلف شجرة ينظر إليها فبصر كل منهما سره إلى صاحبه فاتفقا على أن يراوداها فلما قربت منهما قالا لها قد عرفت منزلتنا في بني إسرائيل وإنك إن لم تؤاتينا وإلا قلنا إذا أصبحنا إنا أصبنا معك رجلا وإنه أفلتنا وإنا أخذناك فقالت ما كنت لأطيعكما في معصية الله فأخذاها وقالا إنا أصبنا معها رجلا فأفلتنا وأقبل نبي من أنبيائهم فوضعوا له كرسيا فجلس عليه وقال أقضي بينكم فقالا نعم اقض بيننا ففرق بين الرجلين وقال لأحدهما خلف أي شجرة رأيتها قال شجرة كذا
وكذا وقال للآخر فقال شجرة كذا وكذا غير التي ذكر صاحبه ونزلت نار من السماء فأحرقتهما وأفلتت المرأة
وقال عبد الله بن المبارك عشق هارون الرشيد جارية من جواريه فأرادها فقالت إن أباك مسني فشغف بها وقال فيها
؎أرى ماء وبي عطش شديد ∗∗∗ ولكن لا سبيل إلى الورود
؎أما يكفيك أنك تملكيني ∗∗∗ وأن الناس عندي كالعبيد
؎وأنك لو قطعت يدي ورجلي ∗∗∗ لقلت من الرضا أحسنت زيدي
فسأل أبا يوسف عن ذلك فقال أو كلما قالت جارية شيئا تصدق
قال ابن المبارك فلا أدري ممن أعجب من هارون الرشيد حيث رغب فيها أو منها حيث رغبت عنه أو من أبي يوسف حيث سوغ له إتيانها.
يوسف 12:40
إنما عبدوا المسميات، ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة، كاللات والعزّى، وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة.
فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها. وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى. فما عبدوا إلا أسماء، لا حقائق لمسمياتها. وهذا كمن سمى قشور البصل لحما، وأكلها. فيقال: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه، وكمن سمى التراب خبزا وأكله، يقال له: ما أكلت إلا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم. فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه. وما الحكمة ثمّ إلا مجرد الاسم.
فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى.
يوسف 12:43
[السِّرُّ في ضَرْبِ الأمْثالِ]
قالُوا: قَدْ ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأمْثالَ وصَرَّفَها قَدْرًا وشَرْعًا ويَقَظَةً ومَنامًا، ودَلَّ عِبادَهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِذَلِكَ، وعُبُورِهِمْ مِن الشَّيْءِ إلى نَظِيرِهِ، واسْتِدْلالِهِمْ بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ، بَلْ هَذا أهْلُ عِبارَةِ الرُّؤْيا الَّتِي هي جُزْءٌ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ ونَوْعٌ مِن أنْواعِ الوَحْيِ؛ فَإنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى القِياسِ والتَّمْثِيلِ، واعْتِبارِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، ألا تَرى أنَّ الثِّيابَ في التَّأْوِيلِ كالقُمُصِ تَدُلُّ عَلى الدِّينِ، فَما كانَ فِيها مِن طُولٍ أوْ قِصَرٍ أوْ نَظافَةٍ أوْ دَنَسٍ فَهو في الدِّينِ كَما أوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ القَمِيصَ بِالدِّينِ والعِلْمِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُما أنَّ كُلًّا مِنهُما يَسْتُرُ صاحِبَهُ ويُجَمِّلُهُ بَيْنَ النّاسِ؛ فالقَمِيصُ يَسْتُرُ بَدَنَهُ والعِلْمُ والدِّينُ يَسْتُرُ رُوحَهُ وقَلْبَهُ ويُجَمِّلُهُ بَيْنَ النّاسِ
[الرُّؤْيا الحُلْمِيَّةُ وتَأْوِيلُها] ومِن هَذا تَأْوِيلُ اللَّبَنِ بِالفِطْرَةِ لِما في كُلٍّ مِنهُما مِن التَّغْذِيَةِ المُوجِبَةِ لِلْحَياةِ وكَمالِ النَّشْأةِ، وأنَّ الطِّفْلَ إذا خُلِّيَ وفِطْرَتَهُ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ اللَّبَنِ؛ فَهو مَفْطُورٌ عَلى إيثارِهِ عَلى ما سِواهُ، وكَذَلِكَ فِطْرَةُ الإسْلامِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْها النّاسَ.
وَمِن هَذا تَأْوِيلُ البَقَرِ بِأهْلِ الدِّينِ والخَيْرِ الَّذِينَ بِهِمْ عِمارَةُ الأرْضِ كَما أنَّ البَقَرَ كَذَلِكَ، مَعَ عَدَمِ شَرِّها وكَثْرَةِ خَيْرِها وحاجَةِ الأرْضِ وأهْلِها إلَيْها؛ ولِهَذا لَمّا «رَأى النَّبِيُّ ﷺ بَقَرًا تُنْحَرُ» كانَ ذَلِكَ نَحْرًا في أصْحابِهِ.
وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ الزَّرْعِ والحَرْثِ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ العامِلَ زارِعٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، ولا بُدَّ أنْ يَخْرُجَ لَهُ ما بَذَرَهُ كَما يَخْرُجُ لِلْباذِرِ زَرْعُ ما بَذَرَهُ؛ فالدُّنْيا مَزْرَعَةٌ، والأعْمالُ البَذْرُ، ويَوْمُ القِيامَةِ يَوْمُ طُلُوعِ الزَّرْعِ لِلْباذِرِ وحَصادِهِ.
وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ الخَشَبِ المَقْطُوعِ المُتَسانَدِ بِالمُنافِقِينَ، والجامِعُ بَيْنَهُما أنَّ المُنافِقَ لا رُوحَ فِيهِ ولا ظِلَّ ولا ثَمَرَ، فَهو بِمَنزِلَةِ الخَشَبِ الَّذِي هو كَذَلِكَ؛ ولِهَذا شَبَّهَ اللَّهُ - تَعالى - المُنافِقِينَ بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ؛ لِأنَّهم أجْسامٌ خالِيَةٌ عَنْ الإيمانِ والخَيْرِ، وفي كَوْنِها مُسَنَّدَةً نُكْتَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ الخَشَبَ إذا انْتُفِعَ بِهِ جُعِلَ في سَقْفٍ أوْ جِدارٍ أوْ غَيْرِهِما مِن مَظانِّ الِانْتِفاعِ، وما دامَ مَتْرُوكًا فارِغًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ جُعِلَ مُسْنَدًا بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، فَشَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالخُشُبِ في الحالَةِ الَّتِي لا يُنْتَفَعُ فِيها بِها.
وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ النّارِ بِالفِتْنَةِ لِإفْسادِ كُلٍّ مِنهُما ما يَمُرُّ عَلَيْهِ ويَتَّصِلُ بِهِ، فَهَذِهِ تُحْرِقُ الأثاثَ والمَتاعَ والأبْدانَ، وهَذِهِ تُحْرِقُ القُلُوبَ والأدْيانَ والإيمانَ.
وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ النُّجُومِ بِالعُلَماءِ والأشْرافِ؛ لِحُصُولِ هِدايَةِ أهْلِ الأرْضِ بِكُلٍّ مِنهُما، ولِارْتِفاعِ الأشْرافِ بَيْنَ النّاسِ كارْتِفاعِ النُّجُومِ.
وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ الغَيْثِ بِالرَّحْمَةِ والعِلْمِ والقُرْآنِ والحِكْمَةِ وصَلاحِ حالِ النّاسِ.
وَمِن ذَلِكَ خُرُوجُ الدَّمِ في التَّأْوِيلِ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِ المالِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ أنَّ قِوامَ البَدَنِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
وَمِن ذَلِكَ الحَدَثُ في التَّأْوِيلِ يَدُلُّ عَلى الحَدَثِ في الدِّينِ؛ فالحَدَثُ الأصْغَرُ ذَنْبٌ صَغِيرٌ والأكْبَرُ ذَنْبٌ كَبِيرٌ.
وَمِن ذَلِكَ أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ في التَّأْوِيلِ بِدْعَةٌ في الدِّينِ؛ فاليَهُودِيَّةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ القَصْدِ واتِّباعِ غَيْرِ الحَقِّ، والنَّصْرانِيَّة تَدُلُّ عَلى فَسادِ العِلْمِ والجَهْلِ والضَّلالِ.
وَمِن ذَلِكَ الحَدِيدُ في التَّأْوِيلِ وأنْواعُ السِّلاحِ يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ والنَّصْرِ بِحَسَبِ جَوْهَرِ ذَلِكَ السِّلاحِ ومَرْتَبَتِهِ.
وَمِن ذَلِكَ الرّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ تَدُلُّ في الثَّناءِ الحَسَنِ وطِيبِ القَوْلِ والعَمَلِ، والرّائِحَةُ الخَبِيثَةُ بِالعَكْسِ، والمِيزانُ يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، والجَرادُ يَدُلُّ عَلى الجُنُودِ والعَساكِرِ والغَوْغاءِ الَّذِينَ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، والنَّحْلُ يَدُلُّ عَلى مَن يَأْكُلُ طَيِّبًا ويَعْمَلُ صالِحًا، والدِّيكُ رَجُلٌ عالِي الهِمَّةِ بَعِيدُ الصِّيتِ، والحَيَّةُ عَدُوٌّ أوْ صاحِبُ بِدْعَةٍ يُهْلِكُ بِسُمِّهِ، والحَشَراتُ أوْغادُ النّاسِ، والخُلْدُ رَجُلٌ أعْمى يَتَكَفَّفُ النّاسَ بِالسُّؤالِ، والذِّئْبُ رَجُلٌ غَشُومٌ ظَلُومٌ غادِرٌ فاجِرٌ، والثَّعْلَبُ رَجُلٌ غادِرٌ مَكّارٌ مُحْتالٌ مُراوِغٌ عَنْ الحَقِّ، والكَلْبُ عَدُوٌّ ضَعِيفٌ كَثِيرُ الصَّخَبِ والشَّرِّ في كَلامِهِ وسِبابِهِ، أوْ رَجُلٌ مُبْتَدِعٌ مُتَّبِعٌ هَواهُ مُؤْثِرٌ لَهُ عَلى دِينِهِ، والسِّنَّوْرُ العَبْدُ والخادِمُ الَّذِي يَطُوفُ عَلى أهْلِ الدّارِ، والفَأْرَةُ امْرَأةُ سُوءٍ فاسِقَةٌ فاجِرَةٌ، والأسَدُ رَجُلٌ قاهِرٌ مُسَلَّطٌ، والكَبْشُ الرَّجُلُ المَنِيعُ المَتْبُوعُ.
وَمِن كُلِّيّاتِ التَّعْبِيرِ أنَّ كُلَّ ما كانَ وِعاءٌ لِلْماءِ فَهو دالٌ عَلى الأثاثِ، وكُلَّ ما كانَ وِعاءً لِلْمالِ كالصُّنْدُوقِ والكِيسِ والجِرابِ فَهو دالٌ عَلى القَلْبِ، وكُلُّ مَدْخُولٍ بَعْضُهُ في بَعْضٍ ومُمْتَزِجٍ ومُخْتَلَطٍ فَدالٌ عَلى الِاشْتِراكِ والتَّعاوُنِ أوْ النِّكاحِ، وكُلُّ سُقُوطٍ وخُرُورٍ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ فَمَذْمُومٌ، وكُلُّ صُعُودٍ وارْتِفاعٍ فَمَحْمُودٌ إذا لَمْ يُجاوِزْ العادَةَ وكانَ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهِ، وكُلُّ ما أحْرَقَتْهُ النّارُ فَجائِحَةٌ ولَيْسَ يُرْجى صَلاحُهُ ولا حَياتُهُ، وكَذَلِكَ ما انْكَسَرَ مِن الأوْعِيَةِ الَّتِي لا يَنْشَعِبُ مِثْلُها.
وَكُلُّ ما خُطِفَ وسُرِقَ مِن حَيْثُ لا يُرى خاطِفُهُ ولا سارِقُهُ فَإنَّهُ ضائِعٌ لا يُرْجى، وما عُرِفَ خاطِفُهُ أوْ سارِقُهُ أوْ مَكانُهُ أوْ لَمْ يَغِبْ عَنْ عَيْنِ صاحِبِهِ فَإنَّهُ يُرْجى عَوْدُهُ، وكُلُّ زِيادَةٍ مَحْمُودَةٍ في الجِسْمِ والقامَةِ واللِّسانِ والذَّكَرِ واللِّحْيَةِ واليَدِ والرِّجْلِ فَزِيادَةُ خَيْرٍ، وكُلُّ زِيادَةٍ مُتَجاوِزَةٍ لِلْحَدِّ في ذَلِكَ فَمَذْمُومَةٌ وشَرٌّ وفَضِيحَةٌ.
وَكُلُّ ما رَأى مِن اللِّباسِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُخْتَصِّ بِهِ فَمَكْرُوهٌ كالعِمامَةِ في الرِّجْلِ والخُفِّ في الرَّأْسِ والعِقْدِ في السّاقِ، وكُلُّ مَن اسْتَقْضى أوْ اسْتَخْلَفَ أوْ أمَّرَ أوْ اسْتَوْزَرَ أوْ خَطَبَ مِمَّنْ لا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ نالَ بَلاءً مِن الدُّنْيا وشَرًّا وفَضِيحَةً وشُهْرَةً قَبِيحَةً، وكُلُّ ما كانَ مَكْرُوهًا مِن المُلابِسِ فَخَلِقُهُ أهْوَنُ عَلى لابِسِهِ مِن جَدِيدِهِ، والجَوْزُ مالٌ مَكْنُوزٌ، فَإنْ تَفَقَّعَ كانَ قَبِيحًا وشَرًّا، ومَن صارَ لَهُ رِيشٌ أوْ جَناحٌ صارَ لَهُ مالٌ، فَإنْ طارَ سافَرَ، وخُرُوجُ المَرِيضِ مِن دارِهِ ساكِتًا يَدُلُّ عَلى مَوْتِهِ، ومُتَكَلِّمًا يَدُلُّ عَلى حَياتِهِ، والخُرُوجُ مِن الأبْوابِ الضَّيِّقَةِ يَدُلُّ عَلى النَّجاةِ والسَّلامَةِ مِن شَرٍّ وضِيقٍ هو فِيهِ وعَلى تَوْبَةٍ، ولا سِيَّما إنْ كانَ الخُرُوجُ إلى فَضاءٍ وسَعَةٍ فَهو خَيْرٌ مَحْضٌ، والسَّفَرُ والنُّقْلَةُ مِن مَكان إلى مَكان انْتِقالٌ مِن حالٍ إلى حالٍ بِحَسَبِ حالِ المَكانَيْنِ.
وَمَن عادَ في المَنامِ إلى حالٍ كانَ فِيها في اليَقَظَةِ عادَ إلَيْهِ ما فارَقَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، ومَوْتُ الرَّجُلِ رُبَّما دَلَّ عَلى تَوْبَتِهِ ورُجُوعِهِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ المَوْتَ رُجُوعٌ إلى اللَّهِ، قالَ - تَعالى -: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] والمَرْهُونُ مَأْسُورٌ بِدَيْنٍ أوْ بِحَقٍّ عَلَيْهِ لِلَّهِ أوْ لِعَبِيدِهِ، ووَداعُ المَرِيضِ أهْلَهُ أوْ تَوْدِيعُهم لَهُ دالٌ عَلى مَوْتِهِ.
وَبِالجُمْلَةِ فَما تَقَدَّمَ مِن أمْثالِ القُرْآنِ كُلُّها أُصُولٌ وقَواعِدُ لِعِلْمِ التَّعْبِيرِ لِمَن أحْسَنَ الِاسْتِدْلالَ بِها، وكَذَلِكَ مَن فَهِمَ القُرْآنَ فَإنَّهُ يُعَبِّرُ بِهِ الرُّؤْيا أحْسَنَ تَعْبِيرٍ. وأُصُولُ التَّعْبِيرِ الصَّحِيحَةِ إنّما أُخِذَتْ مِن مِشْكاةِ القُرْآنِ، فالسَّفِينَةُ تُعَبَّرُ بِالنَّجاةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥] وتُعَبَّرُ بِالتِّجارَةِ، والخَشَبُ بِالمُنافِقِينَ، والحِجارَةُ بِقَساوَةِ القَلْبِ، والبَيْضُ بِالنِّساءِ، واللِّباسُ أيْضًا بِهِنَّ، وشُرْبُ الماءِ بِالفِتْنَةِ، وأكْلُ لَحْمِ الرَّجُلِ بِغَيْبَتِهِ، والمَفاتِيحُ بِالكَسْبِ والخَزائِنِ والأمْوالِ، والفَتْحُ يُعَبَّرُ مَرَّةً بِالدُّعاءِ ومَرَّةً بِالنَّصْرِ، وكالمَلِكِ يُرى في مَحَلَّةٍ لا عادَةَ لَهُ بِدُخُولِها يُعَبَّرُ بِإذْلالِ أهْلِها وفَسادِها، والحَبْلُ يُعَبَّرُ بِالعَهْدِ والحَقِّ والعَضُدِ، والنُّعاسُ قَدْ يُعَبَّرُ بِالأمْنِ، والبَقْلُ والبَصَلُ والثُّومُ والعَدَسُ يُعَبَّرُ لِمَن أخَذَهُ بِأنَّهُ قَدْ اسْتَبْدَلَ شَيْئًا أدْنى بِما هو خَيْرٌ مِنهُ مِن مالٍ أوْ رِزْقٍ أوْ عِلْمٍ أوْ زَوْجَةٍ أوْ دارٍ، والمَرَضُ يُعَبَّرُ بِالنِّفاقِ والشَّكِّ وشَهْوَةِ الرِّياءِ، والطِّفْلُ الرَّضِيعُ يُعَبَّرُ بِالعَدُوِّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] والنِّكاحُ بِالبِناءِ، والرَّمادُ بِالعَمَلِ الباطِلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨]
والنُّورُ يُعَبَّرُ بِالهُدى، والظُّلْمَةُ بِالضَّلالِ.
وَمِن ها هُنا قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِحابِسِ بْنِ سَعْدٍ الطّائِيِّ وقَدْ ولّاهُ القَضاءَ، فَقالَ لَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنِّي رَأيْتُ الشَّمْسَ والقَمَرَ يَقْتَتِلانِ، والنُّجُومَ بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: مَعَ أيِّهِما كُنْتَ؟ قالَ: مَعَ القَمَرِ عَلى الشَّمْسِ، قالَ: كُنْتُ مَعَ الآيَةِ المَمْحُوَّةِ، اذْهَبْ فَلَسْتَ تَعْمَلُ لِي عَمَلًا، ولا تُقْتَلُ إلّا في لَبْسٍ مِن الأمْرِ، فَقُتِلَ يَوْمَ صِفِّينَ، وقِيلَ لِعابِرٍ: رَأيْتُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دَخَلا في جَوْفِي، فَقالَ: تَمُوتُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠].
وَقالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُ مَعِي أرْبَعَةَ أرْغِفَةِ خُبْزٍ فَطَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَقالَ: تَمُوتُ إلى أرْبَعَةِ أيّامٍ، ثُمَّ قَرَأ قَوْله تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ [الفرقان: ٤٥] ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦]. وأخَذَ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّهُ حَمَلَ رِزْقَهُ أرْبَعَةَ أيّامٍ، وقالَ لَهُ آخَرُ: رَأيْتُ كِيسِي مَمْلُوءًا أرَضَةً، فَقالَ: أنْتَ مَيِّتٌ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ [سبأ: ١٤] والنَّخْلَةُ تَدُلُّ عَلى الرَّجُلِ المُسْلِمِ وعَلى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، والحَنْظَلَةُ تَدُلُّ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، والصَّنَمُ يَدُلُّ عَلى العَبْدِ السُّوءِ الَّذِي لا يَنْفَعُ، والبُسْتانُ يَدُلُّ عَلى العَمَلِ، واحْتِراقُهُ يَدُلُّ عَلى حُبُوطِهِ؛ لِما تَقَدَّمَ في أمْثالِ القُرْآنِ، ومَن رَأى أنَّهُ يَنْقُضُ غَزْلًا أوْ ثَوْبًا لِعَبِيدِهِ مَرَّةً ثانِيَةً فَإنَّهُ يَنْقُضُ عَهْدًا ويَنْكُثُهُ، والمَشْيُ سَوِيًّا في طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَدُلُّ عَلى اسْتِقامَتِهِ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والأخْذُ في بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ يَدُلُّ عَلى عُدُولِهِ عَنْهُ إلى ما خالَفَهُ، وإذا عَرَضَتْ لَهُ طَرِيقانِ ذاتُ يَمِينٍ وذاتُ شِمالٍ فَسَلَكَ أحَدَهُما فَإنَّهُ مِن أهْلِها، وظُهُورُ عَوْرَةِ الإنْسانِ لَهُ ذَنْبٌ يَرْتَكِبُهُ ويَفْتَضِحُ بِهِ، وهُرُوبُهُ وفِرارُهُ مِن شَيْءٍ نَجاةٌ وظَفَرٌ، وغَرَقُهُ في الماءِ فِتْنَةٌ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وتَعَلُّقُهُ بِحَبْلٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَمَسُّكُهُ بِكِتابِ اللَّهِ وعَهْدِهِ واعْتِصامُهُ بِحَبْلِهِ، فَإنْ انْقَطَعَ بِهِ فارَقَ العِصْمَةَ إلّا أنْ يَكُونَ ولِيَ أمْرًا فَإنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ أوْ يَمُوتُ.
فالرُّؤْيا أمْثالٌ مَضْرُوبَةٌ يَضْرِبُها المَلَكُ الَّذِي قَدْ وكَّلَهُ اللَّهُ بِالرُّؤْيا لِيَسْتَدِلَّ الرّائِي بِما ضُرِبَ بِهِ مِن المِثْلِ عَلى نَظِيرِهِ، ويُعَبَّرُ مِنهُ إلى شَبَهِهِ، ولِهَذا سُمِّيَ تَأْوِيلُها تَعْبِيرًا، وهو تَفْعِيلٌ مِن العُبُورِ، كَما أنَّ الِاتِّعاظَ يُسَمّى اعْتِبارًا وعِبْرَةً لِعُبُورِ المُتَّعِظِ مِن النَّظِيرِ إلى نَظِيرِهِ، ولَوْلا أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ وحُكْمُ النَّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ لَبَطَلَ هَذا التَّعْبِيرُ والِاعْتِبارُ، ولَما وُجِدَ إلَيْهِ سَبِيلٌ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ ضَرَبَ الأمْثالَ لِعِبادِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، وأمَرَ بِاسْتِماعِ أمْثالِهِ، ودَعا عِبادَهُ إلى تَعَقُّلِها، والتَّفْكِيرِ فِيها، والِاعْتِبارِ بِها، وهَذا هو المَقْصُودُ بِها.
يوسف 12:44
[السِّرُّ في ضَرْبِ الأمْثالِ]
قالُوا: قَدْ ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأمْثالَ وصَرَّفَها قَدْرًا وشَرْعًا ويَقَظَةً ومَنامًا، ودَلَّ عِبادَهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِذَلِكَ، وعُبُورِهِمْ مِن الشَّيْءِ إلى نَظِيرِهِ، واسْتِدْلالِهِمْ بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ، بَلْ هَذا أهْلُ عِبارَةِ الرُّؤْيا الَّتِي هي جُزْءٌ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ ونَوْعٌ مِن أنْواعِ الوَحْيِ؛ فَإنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى القِياسِ والتَّمْثِيلِ، واعْتِبارِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، ألا تَرى أنَّ الثِّيابَ في التَّأْوِيلِ كالقُمُصِ تَدُلُّ عَلى الدِّينِ، فَما كانَ فِيها مِن طُولٍ أوْ قِصَرٍ أوْ نَظافَةٍ أوْ دَنَسٍ فَهو في الدِّينِ كَما أوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ القَمِيصَ بِالدِّينِ والعِلْمِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُما أنَّ كُلًّا مِنهُما يَسْتُرُ صاحِبَهُ ويُجَمِّلُهُ بَيْنَ النّاسِ؛ فالقَمِيصُ يَسْتُرُ بَدَنَهُ والعِلْمُ والدِّينُ يَسْتُرُ رُوحَهُ وقَلْبَهُ ويُجَمِّلُهُ بَيْنَ النّاسِ
[الرُّؤْيا الحُلْمِيَّةُ وتَأْوِيلُها] ومِن هَذا تَأْوِيلُ اللَّبَنِ بِالفِطْرَةِ لِما في كُلٍّ مِنهُما مِن التَّغْذِيَةِ المُوجِبَةِ لِلْحَياةِ وكَمالِ النَّشْأةِ، وأنَّ الطِّفْلَ إذا خُلِّيَ وفِطْرَتَهُ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ اللَّبَنِ؛ فَهو مَفْطُورٌ عَلى إيثارِهِ عَلى ما سِواهُ، وكَذَلِكَ فِطْرَةُ الإسْلامِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْها النّاسَ.
وَمِن هَذا تَأْوِيلُ البَقَرِ بِأهْلِ الدِّينِ والخَيْرِ الَّذِينَ بِهِمْ عِمارَةُ الأرْضِ كَما أنَّ البَقَرَ كَذَلِكَ، مَعَ عَدَمِ شَرِّها وكَثْرَةِ خَيْرِها وحاجَةِ الأرْضِ وأهْلِها إلَيْها؛ ولِهَذا لَمّا «رَأى النَّبِيُّ ﷺ بَقَرًا تُنْحَرُ» كانَ ذَلِكَ نَحْرًا في أصْحابِهِ.
وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ الزَّرْعِ والحَرْثِ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ العامِلَ زارِعٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، ولا بُدَّ أنْ يَخْرُجَ لَهُ ما بَذَرَهُ كَما يَخْرُجُ لِلْباذِرِ زَرْعُ ما بَذَرَهُ؛ فالدُّنْيا مَزْرَعَةٌ، والأعْمالُ البَذْرُ، ويَوْمُ القِيامَةِ يَوْمُ طُلُوعِ الزَّرْعِ لِلْباذِرِ وحَصادِهِ.
وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ الخَشَبِ المَقْطُوعِ المُتَسانَدِ بِالمُنافِقِينَ، والجامِعُ بَيْنَهُما أنَّ المُنافِقَ لا رُوحَ فِيهِ ولا ظِلَّ ولا ثَمَرَ، فَهو بِمَنزِلَةِ الخَشَبِ الَّذِي هو كَذَلِكَ؛ ولِهَذا شَبَّهَ اللَّهُ - تَعالى - المُنافِقِينَ بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ؛ لِأنَّهم أجْسامٌ خالِيَةٌ عَنْ الإيمانِ والخَيْرِ، وفي كَوْنِها مُسَنَّدَةً نُكْتَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ الخَشَبَ إذا انْتُفِعَ بِهِ جُعِلَ في سَقْفٍ أوْ جِدارٍ أوْ غَيْرِهِما مِن مَظانِّ الِانْتِفاعِ، وما دامَ مَتْرُوكًا فارِغًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ جُعِلَ مُسْنَدًا بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، فَشَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالخُشُبِ في الحالَةِ الَّتِي لا يُنْتَفَعُ فِيها بِها.
وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ النّارِ بِالفِتْنَةِ لِإفْسادِ كُلٍّ مِنهُما ما يَمُرُّ عَلَيْهِ ويَتَّصِلُ بِهِ، فَهَذِهِ تُحْرِقُ الأثاثَ والمَتاعَ والأبْدانَ، وهَذِهِ تُحْرِقُ القُلُوبَ والأدْيانَ والإيمانَ.
وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ النُّجُومِ بِالعُلَماءِ والأشْرافِ؛ لِحُصُولِ هِدايَةِ أهْلِ الأرْضِ بِكُلٍّ مِنهُما، ولِارْتِفاعِ الأشْرافِ بَيْنَ النّاسِ كارْتِفاعِ النُّجُومِ.
وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ الغَيْثِ بِالرَّحْمَةِ والعِلْمِ والقُرْآنِ والحِكْمَةِ وصَلاحِ حالِ النّاسِ.
وَمِن ذَلِكَ خُرُوجُ الدَّمِ في التَّأْوِيلِ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِ المالِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ أنَّ قِوامَ البَدَنِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
وَمِن ذَلِكَ الحَدَثُ في التَّأْوِيلِ يَدُلُّ عَلى الحَدَثِ في الدِّينِ؛ فالحَدَثُ الأصْغَرُ ذَنْبٌ صَغِيرٌ والأكْبَرُ ذَنْبٌ كَبِيرٌ.
وَمِن ذَلِكَ أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ في التَّأْوِيلِ بِدْعَةٌ في الدِّينِ؛ فاليَهُودِيَّةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ القَصْدِ واتِّباعِ غَيْرِ الحَقِّ، والنَّصْرانِيَّة تَدُلُّ عَلى فَسادِ العِلْمِ والجَهْلِ والضَّلالِ.
وَمِن ذَلِكَ الحَدِيدُ في التَّأْوِيلِ وأنْواعُ السِّلاحِ يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ والنَّصْرِ بِحَسَبِ جَوْهَرِ ذَلِكَ السِّلاحِ ومَرْتَبَتِهِ.
وَمِن ذَلِكَ الرّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ تَدُلُّ في الثَّناءِ الحَسَنِ وطِيبِ القَوْلِ والعَمَلِ، والرّائِحَةُ الخَبِيثَةُ بِالعَكْسِ، والمِيزانُ يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، والجَرادُ يَدُلُّ عَلى الجُنُودِ والعَساكِرِ والغَوْغاءِ الَّذِينَ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، والنَّحْلُ يَدُلُّ عَلى مَن يَأْكُلُ طَيِّبًا ويَعْمَلُ صالِحًا، والدِّيكُ رَجُلٌ عالِي الهِمَّةِ بَعِيدُ الصِّيتِ، والحَيَّةُ عَدُوٌّ أوْ صاحِبُ بِدْعَةٍ يُهْلِكُ بِسُمِّهِ، والحَشَراتُ أوْغادُ النّاسِ، والخُلْدُ رَجُلٌ أعْمى يَتَكَفَّفُ النّاسَ بِالسُّؤالِ، والذِّئْبُ رَجُلٌ غَشُومٌ ظَلُومٌ غادِرٌ فاجِرٌ، والثَّعْلَبُ رَجُلٌ غادِرٌ مَكّارٌ مُحْتالٌ مُراوِغٌ عَنْ الحَقِّ، والكَلْبُ عَدُوٌّ ضَعِيفٌ كَثِيرُ الصَّخَبِ والشَّرِّ في كَلامِهِ وسِبابِهِ، أوْ رَجُلٌ مُبْتَدِعٌ مُتَّبِعٌ هَواهُ مُؤْثِرٌ لَهُ عَلى دِينِهِ، والسِّنَّوْرُ العَبْدُ والخادِمُ الَّذِي يَطُوفُ عَلى أهْلِ الدّارِ، والفَأْرَةُ امْرَأةُ سُوءٍ فاسِقَةٌ فاجِرَةٌ، والأسَدُ رَجُلٌ قاهِرٌ مُسَلَّطٌ، والكَبْشُ الرَّجُلُ المَنِيعُ المَتْبُوعُ.
وَمِن كُلِّيّاتِ التَّعْبِيرِ أنَّ كُلَّ ما كانَ وِعاءٌ لِلْماءِ فَهو دالٌ عَلى الأثاثِ، وكُلَّ ما كانَ وِعاءً لِلْمالِ كالصُّنْدُوقِ والكِيسِ والجِرابِ فَهو دالٌ عَلى القَلْبِ، وكُلُّ مَدْخُولٍ بَعْضُهُ في بَعْضٍ ومُمْتَزِجٍ ومُخْتَلَطٍ فَدالٌ عَلى الِاشْتِراكِ والتَّعاوُنِ أوْ النِّكاحِ، وكُلُّ سُقُوطٍ وخُرُورٍ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ فَمَذْمُومٌ، وكُلُّ صُعُودٍ وارْتِفاعٍ فَمَحْمُودٌ إذا لَمْ يُجاوِزْ العادَةَ وكانَ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهِ، وكُلُّ ما أحْرَقَتْهُ النّارُ فَجائِحَةٌ ولَيْسَ يُرْجى صَلاحُهُ ولا حَياتُهُ، وكَذَلِكَ ما انْكَسَرَ مِن الأوْعِيَةِ الَّتِي لا يَنْشَعِبُ مِثْلُها.
وَكُلُّ ما خُطِفَ وسُرِقَ مِن حَيْثُ لا يُرى خاطِفُهُ ولا سارِقُهُ فَإنَّهُ ضائِعٌ لا يُرْجى، وما عُرِفَ خاطِفُهُ أوْ سارِقُهُ أوْ مَكانُهُ أوْ لَمْ يَغِبْ عَنْ عَيْنِ صاحِبِهِ فَإنَّهُ يُرْجى عَوْدُهُ، وكُلُّ زِيادَةٍ مَحْمُودَةٍ في الجِسْمِ والقامَةِ واللِّسانِ والذَّكَرِ واللِّحْيَةِ واليَدِ والرِّجْلِ فَزِيادَةُ خَيْرٍ، وكُلُّ زِيادَةٍ مُتَجاوِزَةٍ لِلْحَدِّ في ذَلِكَ فَمَذْمُومَةٌ وشَرٌّ وفَضِيحَةٌ.
وَكُلُّ ما رَأى مِن اللِّباسِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُخْتَصِّ بِهِ فَمَكْرُوهٌ كالعِمامَةِ في الرِّجْلِ والخُفِّ في الرَّأْسِ والعِقْدِ في السّاقِ، وكُلُّ مَن اسْتَقْضى أوْ اسْتَخْلَفَ أوْ أمَّرَ أوْ اسْتَوْزَرَ أوْ خَطَبَ مِمَّنْ لا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ نالَ بَلاءً مِن الدُّنْيا وشَرًّا وفَضِيحَةً وشُهْرَةً قَبِيحَةً، وكُلُّ ما كانَ مَكْرُوهًا مِن المُلابِسِ فَخَلِقُهُ أهْوَنُ عَلى لابِسِهِ مِن جَدِيدِهِ، والجَوْزُ مالٌ مَكْنُوزٌ، فَإنْ تَفَقَّعَ كانَ قَبِيحًا وشَرًّا، ومَن صارَ لَهُ رِيشٌ أوْ جَناحٌ صارَ لَهُ مالٌ، فَإنْ طارَ سافَرَ، وخُرُوجُ المَرِيضِ مِن دارِهِ ساكِتًا يَدُلُّ عَلى مَوْتِهِ، ومُتَكَلِّمًا يَدُلُّ عَلى حَياتِهِ، والخُرُوجُ مِن الأبْوابِ الضَّيِّقَةِ يَدُلُّ عَلى النَّجاةِ والسَّلامَةِ مِن شَرٍّ وضِيقٍ هو فِيهِ وعَلى تَوْبَةٍ، ولا سِيَّما إنْ كانَ الخُرُوجُ إلى فَضاءٍ وسَعَةٍ فَهو خَيْرٌ مَحْضٌ، والسَّفَرُ والنُّقْلَةُ مِن مَكان إلى مَكان انْتِقالٌ مِن حالٍ إلى حالٍ بِحَسَبِ حالِ المَكانَيْنِ.
وَمَن عادَ في المَنامِ إلى حالٍ كانَ فِيها في اليَقَظَةِ عادَ إلَيْهِ ما فارَقَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، ومَوْتُ الرَّجُلِ رُبَّما دَلَّ عَلى تَوْبَتِهِ ورُجُوعِهِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ المَوْتَ رُجُوعٌ إلى اللَّهِ، قالَ - تَعالى -: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] والمَرْهُونُ مَأْسُورٌ بِدَيْنٍ أوْ بِحَقٍّ عَلَيْهِ لِلَّهِ أوْ لِعَبِيدِهِ، ووَداعُ المَرِيضِ أهْلَهُ أوْ تَوْدِيعُهم لَهُ دالٌ عَلى مَوْتِهِ.
وَبِالجُمْلَةِ فَما تَقَدَّمَ مِن أمْثالِ القُرْآنِ كُلُّها أُصُولٌ وقَواعِدُ لِعِلْمِ التَّعْبِيرِ لِمَن أحْسَنَ الِاسْتِدْلالَ بِها، وكَذَلِكَ مَن فَهِمَ القُرْآنَ فَإنَّهُ يُعَبِّرُ بِهِ الرُّؤْيا أحْسَنَ تَعْبِيرٍ. وأُصُولُ التَّعْبِيرِ الصَّحِيحَةِ إنّما أُخِذَتْ مِن مِشْكاةِ القُرْآنِ، فالسَّفِينَةُ تُعَبَّرُ بِالنَّجاةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥] وتُعَبَّرُ بِالتِّجارَةِ، والخَشَبُ بِالمُنافِقِينَ، والحِجارَةُ بِقَساوَةِ القَلْبِ، والبَيْضُ بِالنِّساءِ، واللِّباسُ أيْضًا بِهِنَّ، وشُرْبُ الماءِ بِالفِتْنَةِ، وأكْلُ لَحْمِ الرَّجُلِ بِغَيْبَتِهِ، والمَفاتِيحُ بِالكَسْبِ والخَزائِنِ والأمْوالِ، والفَتْحُ يُعَبَّرُ مَرَّةً بِالدُّعاءِ ومَرَّةً بِالنَّصْرِ، وكالمَلِكِ يُرى في مَحَلَّةٍ لا عادَةَ لَهُ بِدُخُولِها يُعَبَّرُ بِإذْلالِ أهْلِها وفَسادِها، والحَبْلُ يُعَبَّرُ بِالعَهْدِ والحَقِّ والعَضُدِ، والنُّعاسُ قَدْ يُعَبَّرُ بِالأمْنِ، والبَقْلُ والبَصَلُ والثُّومُ والعَدَسُ يُعَبَّرُ لِمَن أخَذَهُ بِأنَّهُ قَدْ اسْتَبْدَلَ شَيْئًا أدْنى بِما هو خَيْرٌ مِنهُ مِن مالٍ أوْ رِزْقٍ أوْ عِلْمٍ أوْ زَوْجَةٍ أوْ دارٍ، والمَرَضُ يُعَبَّرُ بِالنِّفاقِ والشَّكِّ وشَهْوَةِ الرِّياءِ، والطِّفْلُ الرَّضِيعُ يُعَبَّرُ بِالعَدُوِّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] والنِّكاحُ بِالبِناءِ، والرَّمادُ بِالعَمَلِ الباطِلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨]
والنُّورُ يُعَبَّرُ بِالهُدى، والظُّلْمَةُ بِالضَّلالِ.
وَمِن ها هُنا قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِحابِسِ بْنِ سَعْدٍ الطّائِيِّ وقَدْ ولّاهُ القَضاءَ، فَقالَ لَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنِّي رَأيْتُ الشَّمْسَ والقَمَرَ يَقْتَتِلانِ، والنُّجُومَ بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: مَعَ أيِّهِما كُنْتَ؟ قالَ: مَعَ القَمَرِ عَلى الشَّمْسِ، قالَ: كُنْتُ مَعَ الآيَةِ المَمْحُوَّةِ، اذْهَبْ فَلَسْتَ تَعْمَلُ لِي عَمَلًا، ولا تُقْتَلُ إلّا في لَبْسٍ مِن الأمْرِ، فَقُتِلَ يَوْمَ صِفِّينَ، وقِيلَ لِعابِرٍ: رَأيْتُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دَخَلا في جَوْفِي، فَقالَ: تَمُوتُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠].
وَقالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُ مَعِي أرْبَعَةَ أرْغِفَةِ خُبْزٍ فَطَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَقالَ: تَمُوتُ إلى أرْبَعَةِ أيّامٍ، ثُمَّ قَرَأ قَوْله تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ [الفرقان: ٤٥] ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦]. وأخَذَ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّهُ حَمَلَ رِزْقَهُ أرْبَعَةَ أيّامٍ، وقالَ لَهُ آخَرُ: رَأيْتُ كِيسِي مَمْلُوءًا أرَضَةً، فَقالَ: أنْتَ مَيِّتٌ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ [سبأ: ١٤] والنَّخْلَةُ تَدُلُّ عَلى الرَّجُلِ المُسْلِمِ وعَلى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، والحَنْظَلَةُ تَدُلُّ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، والصَّنَمُ يَدُلُّ عَلى العَبْدِ السُّوءِ الَّذِي لا يَنْفَعُ، والبُسْتانُ يَدُلُّ عَلى العَمَلِ، واحْتِراقُهُ يَدُلُّ عَلى حُبُوطِهِ؛ لِما تَقَدَّمَ في أمْثالِ القُرْآنِ، ومَن رَأى أنَّهُ يَنْقُضُ غَزْلًا أوْ ثَوْبًا لِعَبِيدِهِ مَرَّةً ثانِيَةً فَإنَّهُ يَنْقُضُ عَهْدًا ويَنْكُثُهُ، والمَشْيُ سَوِيًّا في طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَدُلُّ عَلى اسْتِقامَتِهِ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والأخْذُ في بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ يَدُلُّ عَلى عُدُولِهِ عَنْهُ إلى ما خالَفَهُ، وإذا عَرَضَتْ لَهُ طَرِيقانِ ذاتُ يَمِينٍ وذاتُ شِمالٍ فَسَلَكَ أحَدَهُما فَإنَّهُ مِن أهْلِها، وظُهُورُ عَوْرَةِ الإنْسانِ لَهُ ذَنْبٌ يَرْتَكِبُهُ ويَفْتَضِحُ بِهِ، وهُرُوبُهُ وفِرارُهُ مِن شَيْءٍ نَجاةٌ وظَفَرٌ، وغَرَقُهُ في الماءِ فِتْنَةٌ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وتَعَلُّقُهُ بِحَبْلٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَمَسُّكُهُ بِكِتابِ اللَّهِ وعَهْدِهِ واعْتِصامُهُ بِحَبْلِهِ، فَإنْ انْقَطَعَ بِهِ فارَقَ العِصْمَةَ إلّا أنْ يَكُونَ ولِيَ أمْرًا فَإنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ أوْ يَمُوتُ.
فالرُّؤْيا أمْثالٌ مَضْرُوبَةٌ يَضْرِبُها المَلَكُ الَّذِي قَدْ وكَّلَهُ اللَّهُ بِالرُّؤْيا لِيَسْتَدِلَّ الرّائِي بِما ضُرِبَ بِهِ مِن المِثْلِ عَلى نَظِيرِهِ، ويُعَبَّرُ مِنهُ إلى شَبَهِهِ، ولِهَذا سُمِّيَ تَأْوِيلُها تَعْبِيرًا، وهو تَفْعِيلٌ مِن العُبُورِ، كَما أنَّ الِاتِّعاظَ يُسَمّى اعْتِبارًا وعِبْرَةً لِعُبُورِ المُتَّعِظِ مِن النَّظِيرِ إلى نَظِيرِهِ، ولَوْلا أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ وحُكْمُ النَّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ لَبَطَلَ هَذا التَّعْبِيرُ والِاعْتِبارُ، ولَما وُجِدَ إلَيْهِ سَبِيلٌ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ ضَرَبَ الأمْثالَ لِعِبادِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، وأمَرَ بِاسْتِماعِ أمْثالِهِ، ودَعا عِبادَهُ إلى تَعَقُّلِها، والتَّفْكِيرِ فِيها، والِاعْتِبارِ بِها، وهَذا هو المَقْصُودُ بِها.
يوسف 12:53
فإن قيل فكيف قال وقت ظهور براءته ﴿وما أبرئ نفسي﴾؟
قيل هذا قد قاله جماعة من المفسرين، وخالفهم في ذلك آخرون أجل منهم، وقالوا إن هذا من قول امرأة العزيز لا من قول يوسف عليه السلام والصواب معهم لوجوه أحدها أنه متصل بكلام المرأة وهو قولها ﴿الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي﴾
ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه والقول في مثل هذا لا يحذف لئلا يوقع في اللبس فإن غايته أن يحتمل الأمرين فالكلام الأول أولى به قطعا
الثاني أن يوسف عليه السلام لم يكن حاضرا وقت مقالتها هذه قبل كان في السجن لما تكلمت بقولها ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ والسياق صريح في ذلك فإنه لما أرسل الملك إليه يدعوه قال للرسول ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ فأرسل إليهم الملك وأحضرهن وسألهن وفيهن امرأته فشهدن ببراءته ونزاهته في غيبته ولم يمكنهن إلا قول الحق فقال النسوة ﴿حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ وقالت امرأة العزيز أنا روادته عن نفسه وإنه لمن الصادقين.
فإن قيل لكن قوله ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ الأحسن أن يكون من كلام يوسف عليه السلام
أي إنما كان تأخيري عن الحضور مع رسوله ليعلم الملك أني لم أخنه في امرأته في حال غيبته وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ثم إنه قال وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي إن ربي غفور رحيم وهذا من تمام معرفته بربه ونفسه فإنه لما أظهر براءته ونزاهته مما قذف به أخبر عن حال نفسه وأنه لا يزكيها ولا يبرئها فإنها أمارة بالسوء لكن رحمة ربه وفضله هو الذي عصمه فرد الأمر إلى الله بعد أن أظهر برءته قيل هذا وإن كان قد قاله طائفة فالصواب أنه من تمام كلامها فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه وهو قول النسوة ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ وقول امرأة العزيز ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر ثم اتصل بها قوله ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فهذا هو
المذكور أولا بعينه فلا شيء يفصل الكلام عن نظمه ويضمر فيه قول لا دليل عليه.
فإن قيل فما معنى قولها ﴿لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾؟
قيل هذا من تمام الاعتذار قرنت الاعتذار بالاعتراف فقالت ذلك أي قولي هذا وإقراري ببراءته ليعلم أني لم أخنه بالكذب عليه في غيبته وإن خنته في وجهه في أول الأمر فالآن يعلم أني لم أخنه في غيبته ثم اعتذرت عن نفسها بقولها وما أبرئ نفسي ثم ذكرت السبب الذي لأجله لم تبرئ نفسها وهي أن النفس أمارة بالسوء فتأمل ما أعجب أخر هذه المرأة أقرت بالحق واعتذرت عن محبوبها ثم اعتذرت عن نفسها ثم ذكرت السبب الحامل لها على ما فعلت ثم ختمت ذلك بالطمع في مغفرة الله ورحمته وأنه إن لم يرحم عبده وإلا فهو عرضة للشر فوازن بين هذا وبين تقدير كون هذا الكلام كلام يوسف عليه السلام لفظا ومعنى.
وتأمل ما بين التقديرين من التفاوت ولا يستبعد أن تقول المرأة هذا وهي على دين الشرك فإن القوم كانوا يقرون بالرب سبحانه وتعالى وبحقه وإن أشركوا معه غيره ولا تنس قول سيدها لها في أول الحال ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾.
(فصل)
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ:
"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه".
يوسف 12:55
وَتَأمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» فَكَيْفَ أخْبَرَ بِفَضْلِ اللَّهِ ومِنَّتِهِ عَلَيْهِ. وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ افْتِخارًا بِهِ عَلى مَن دُونَهُ، ولَكِنْ إظْهارًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإعْلامًا لِلْأُمَّةِ بِقَدْرِ إمامِهِمْ ومَتْبُوعِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ. لِتَعْرِفَ الأُمَّةُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ.
وَيُشْبِهُ هَذا قَوْلَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ لِلْعَزِيزِ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
فَإخْبارُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ، لَمّا كانَ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلى العَزِيزِ وعَلى الأُمَّةِ، وعَلى نَفْسِهِ: كانَ حَسَنًا. إذْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الفَخْرَ عَلَيْهِمْ، فَمَصْدَرُ الكَلِمَةِ والحامِلُ عَلَيْها يُحَسِّنُها ويُهَجِّنُها. وصُورَتُهُ واحِدَةٌ.
يوسف 12:58
[فَصْلٌ الفَرْقُ بَيْنَ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ]
والفَرْقُ بَيْنَ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا اللَّفْظُ: فَفِعْلُ المَعْرِفَةِ يَقَعُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، تَقُولُ: عَرْفْتُ الدّارَ، وعَرَفْتُ زَيْدًا، قالَ تَعالى: ﴿فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]، وقالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وَفِعْلُ العِلْمِ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] وإنْ وقَعَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كانَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وأمّا الفَرْقُ المَعْنَوِيُّ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المَعْرِفَةَ تَتَعَلَّقُ بِذاتِ الشَّيْءِ، والعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِهِ، فَتَقُولُ: عَرَفْتُ أباكَ، وعَلِمْتُهُ صالِحًا عالِمًا، ولِذَلِكَ جاءَ الأمْرُ في القُرْآنِ بِالعِلْمِ دُونَ المَعْرِفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [المائدة: ٩٨]، وقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤].
فالمَعْرِفَةُ: حُضُورُ صُورَةِ الشَّيْءِ ومِثالِهِ العِلْمِيِّ في النَّفْسِ، والعِلْمُ: حُضُورُ أحْوالِهِ وصِفاتِهِ ونِسْبَتِها إلَيْهِ، فالمَعْرِفَةُ: تُشْبِهُ التَّصَوُّرَ، والعِلْمُ: يُشْبِهُ التَّصْدِيقَ.
الثّانِي: أنَّ المَعْرِفَةَ في الغالِبِ تَكُونُ لِما غابَ عَنِ القَلْبِ بَعْدَ إدْراكِهِ، فَإذا أدْرَكَهُ قِيلَ: عَرَفَهُ، أوْ تَكُونُ لِما وُصِفَ لَهُ بِصِفاتٍ قامَتْ في نَفْسِهِ، فَإذا رَآهُ وعَلِمَ أنَّهُ المَوْصُوفُ بِها، قِيلَ: عَرَفَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وقالَ تَعالى: ﴿وَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]، وقالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] لَمّا كانَتْ صِفاتُهُ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ، فَرَأوْهُ: عَرَفُوهُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِآخِرِ أهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا: أتَعْرِفُ الزَّمانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنّى عَلى رَبِّهِ» وقالَ تَعالى: ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] فالمَعْرِفَةُ: تُشْبِهُ الذِّكْرَ لِلشَّيْءِ، وهو حُضُورُ ما كانَ غائِبًا عَنِ الذِّكْرِ، ولِهَذا كانَ ضِدَّ المَعْرِفَةِ الإنْكارُ، وضِدَّ العِلْمِ الجَهْلُ، قالَ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣]
وَيُقالُ: عَرَفَ الحَقَّ فَأقَرَّ بِهِ، وعَرَفَهُ فَأنْكَرَهُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ مِنَ الفَرْقِ: أنَّ المَعْرِفَةَ تُفِيدُ تَمْيِيزَ المَعْرُوفِ عَنْ غَيْرِهِ والعِلْمَ يُفِيدُ تَمْيِيزَ ما يُوصَفُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وهَذا الفَرْقُ غَيْرُ الأوَّلِ، فَإنَّ ذاكَ يَرْجِعُ إلى إدْراكِ الذّاتِ وإدْراكِ صِفاتِها، وهَذا يَرْجِعُ إلى تَخْلِيصِ الذّاتِ مِن غَيْرِها، وتَخْلِيصِ صِفاتِها مِن صِفاتِ غَيْرِها.
الفَرْقُ الرّابِعُ: أنَّكَ إذا قُلْتَ: عَلِمْتُ زَيْدًا، لَمْ يُفِدِ المُخاطَبَ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ يَنْتَظِرُ بَعْدُ: أنْ تُخْبِرَهُ عَلى أيِّ حالٍ عَلِمْتَهُ؟ فَإذا قُلْتَ: كَرِيمًا أوْ شُجاعًا، حَصَلَتْ لَهُ الفائِدَةُ، وإذا قُلْتَ: عَرَفْتُ زَيْدًا. اسْتَفادَ المُخاطَبُ، أنَّكَ أثْبَتَّهُ ومَيَّزْتَهُ عَنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يَبْقَ مُنْتَظِرًا لِشَيْءٍ آخَرَ، وهَذا الفَرْقُ في التَّحْقِيقِ إيضاحٌ لِلْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَهُ.
الفَرْقُ الخامِسُ وهو فَرْقُ العَسْكَرِيِّ في فُرُوقِهِ وفُرُوقِ غَيْرِهِ: أنَّ المَعْرِفَةَ عِلْمٌ بِعَيْنِ الشَّيْءِ مُفَصَّلًا عَمّا سِواهُ، بِخِلافِ العِلْمِ فَإنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ مُجْمَلًا، وهَذا يُشْبِهُ فَرْقَ صاحِبِ المَنازِلِ، فَإنَّهُ قالَ: المَعْرِفَةُ إحاطَةٌ بِعَيْنِ الشَّيْءِ كَما هُوَ، وعَلى هَذا الحَدِّ: فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُعْرَفَ اللَّهُ ألْبَتَّةَ، ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ هَذا البابُ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُحاطُ بِهِ عِلْمًا، ولا مَعْرِفَةً ولا رُؤْيَةً، فَهو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ وأجَلُّ وأعْظَمُ، قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] بَلْ حَقِيقَةُ هَذا الحَدِّ: انْتِفاءُ تَعَلُّقِ المَعْرِفَةِ بِأكْبَرِ المَخْلُوقاتِ حَتّى بِأظْهَرِها، وهو الشَّمْسُ والقَمَرُ، بَلْ لا يَصِحُّ أنْ يَعْرِفَ أحَدٌ نَفْسَهُ وذاتَهُ ألْبَتَّةَ.
والفَرْقُ بَيْنَ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ عِنْدَ أهْلِ هَذا الشَّأْنِ: أنَّ المَعْرِفَةَ عِنْدَهم هي العِلْمُ الَّذِي يَقُومُ العالِمُ بِمُوجِبِهِ ومُقْتَضاهُ، فَلا يُطْلِقُونَ المَعْرِفَةَ عَلى مَدْلُولِ العِلْمِ وحْدَهُ، بَلْ لا يَصِفُونَ بِالمَعْرِفَةِ إلّا مَن كانَ عالِمًا بِاللَّهِ، وبِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى اللَّهِ، وبِآفاتِها وقَواطِعِها، ولَهُ حالٌ مَعَ اللَّهِ تَشْهَدُ لَهُ بِالمَعْرِفَةِ، فالعارِفُ عِنْدَهم مَن عَرَفَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ثُمَّ صَدَقَ اللَّهَ في مُعامَلَتِهِ، ثُمَّ أخْلَصَ لَهُ في قُصُودِهِ ونِيّاتِهِ، ثُمَّ انْسَلَخَ مِن أخْلاقِهِ الرَّدِيئَةِ وآفاتِهِ، ثُمَّ تَطَهَّرَ مِن أوْساخِهِ وأدْرانِهِ ومُخالَفاتِهِ، ثُمَّ صَبَرَ عَلى أحْكامِ اللَّهِ في نِعَمِهِ وبَلِيّاتِهِ، ثُمَّ دَعا إلَيْهِ عَلى بَصِيرَةٍ بِدِينِهِ وآياتِهِ، ثُمَّ جَرَّدَ الدَّعْوَةَ إلَيْهِ وحْدَهُ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ، ولَمْ يَشُبْها بِآراءِ الرِّجالِ وأذْواقِهِمْ ومَواجِيدِهِمْ ومَقايِيسِهِمْ ومَعْقُولاتِهِمْ، ولَمْ يَزِنْ بِها ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ أفْضَلُ صَلَواتِهِ، فَهَذا الَّذِي يَسْتَحِقُّ اسْمَ العارِفِ عَلى الحَقِيقَةِ، إذا سُمِّيَ بِهِ غَيْرُهُ عَلى الدَّعْوى والِاسْتِعارَةِ.
وَقَدْ تَكَلَّمُوا عَلى المَعْرِفَةِ بِآثارِها وشَواهِدِها، فَقالَ بَعْضُهُمْ: مِن أماراتِ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ: حُصُولُ الهَيْبَةِ مِنهُ، فَمَنِ ازْدادَتْ مَعْرِفَتُهُ ازْدادَتْ هَيْبَتُهُ.
وَقالَ أيْضًا: المَعْرِفَةُ تُوجِبُ السُّكُونَ، فَمَنِ ازْدادَتْ مَعْرِفَتُهُ ازْدادَتْ سَكِينَتُهُ.
وَقالَ لِي بَعْضُ أصْحابِنا: ما عَلامَةُ المَعْرِفَةِ الَّتِي يُشِيرُونَ إلَيْها؟ فَقُلْتُ لَهُ: أُنْسُ القَلْبِ بِاللَّهِ، قالَ لِي: عَلامَتُها أنْ يُحِسَّ بِقُرْبِ قَلْبِهِ مِنَ اللَّهِ، فَيَجِدُهُ قَرِيبًا مِنهُ.
وَقالَ الشِّبْلِيُّ: لَيْسَ لِعارِفٍ عَلاقَةٌ، ولا لِمُحِبٍّ شَكْوى، ولا لِعَبْدٍ دَعْوى، ولا لِخائِفٍ قَرارٌ. ولا لِأحَدٍ مِنَ اللَّهِ فِرارٌ.
وَهَذا كَلامٌ جَيِّدٌ، فَإنَّ المَعْرِفَةَ الصَّحِيحَةَ تَقْطَعُ مِنَ القَلْبِ العَلائِقَ كُلَّها، وتُعَلِّقُهُ بِمَعْرُوفِهِ، فَلا يَبْقى فِيهِ عَلاقَةٌ بِغَيْرِهِ، ولا تَمُرُّ بِهِ العَلائِقُ إلّا وهي مُجْتازَةٌ، لا تَمُرُّ مُرُورَ اسْتِيطانٍ.
وَقالَ أحْمَدُ بْنُ عاصِمٍ: مَن كانَ بِاللَّهِ أعْرَفَ كانَ لَهُ أخْوَفَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أنا أعْرَفُكم بِاللَّهِ، وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً».
وَقالَ آخَرُ: مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى ضاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا بِسِعَتِها.
وَقالَ غَيْرُهُ: مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى اتَّسَعَ عَلَيْهِ كُلُّ ضِيقٍ.
وَلا تَنافِيَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَإنَّهُ يَضِيقُ عَلَيْهِ كُلُّ مَكانٍ لا يُساعَدُ فِيهِ عَلى شَأْنِهِ ومَطْلُوبِهِ، ويَتَّسِعُ عَلَيْهِ ما ضاقَ عَلى غَيْرِهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ، ولا هو مُساكِنٌ لَهُ بِقَلْبِهِ، فَقَلْبُهُ غَيْرُ مَحْبُوسٍ فِيهِ.
والأوَّلُ: في بِدايَةِ المَعْرِفَةِ. والثّانِي: في نِهايَتِها الَّتِي يَصِلُ إلَيْها العَبْدُ.
وَقالَ آخَرُ: مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى صَفا لَهُ العَيْشُ، فَطابَتْ لَهُ الحَياةُ، وهابَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وذَهَبَ عَنْهُ خَوْفُ المَخْلُوقِينَ، وأنِسَ بِاللَّهِ.
وَقالَ غَيْرُهُ: مَن عَرَفَ اللَّهَ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِاللَّهِ، وقَرَّتْ عَيْنُهُ بِالمَوْتِ، وقَرَّتْ بِهِ كُلُّ عَيْنٍ، ومَن لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ تَقَطَّعَ قَلْبُهُ عَلى الدُّنْيا حَسَراتٍ، ومَن عَرَفَ اللَّهَ لَمْ يَبْقَ لَهُ رَغْبَةٌ فِيما سِواهُ، ومَنِ ادَّعى مَعْرِفَةَ اللَّهِ وهو راغِبٌ في غَيْرِهِ: كَذَّبَتْ رَغْبَتُهُ مَعْرِفَتَهُ، ومَن عَرَفَ اللَّهَ أحَبَّهُ عَلى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ بِهِ، وخافَهُ ورَجاهُ، وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وأنابَ إلَيْهِ، ولَهِجَ بِذِكْرِهِ، واشْتاقَ إلى لِقائِهِ، واسْتَحْيا مِنهُ، وأجَلَّهُ وعَظَمَّهُ عَلى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ بِهِ، وعَلامَةُ العارِفِ: أنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مِرْآةً إذا نَظَرَ فِيها الغَيْبَ الَّذِي دُعِيَ إلى الإيمانِ بِهِ، فَعَلى قَدْرِ جِلاءِ تِلْكَ المِرْآةِ يَتَراءى لَهُ فِيها اللَّهُ سُبْحانَهُ، والدّارُ الآخِرَةُ، والجَنَّةُ والنّارُ، والمَلائِكَةُ، والرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، كَما قِيلَ:
؎إذا سَكَنَ الغَدِيرُ عَلى صَفاءٍ ∗∗∗ وجُنِّبَ أنْ يُحَرِّكَهُ النَّسِيمُ
؎بَدَتْ فِيهِ السَّماءُ بِلا امْتِراءٍ ∗∗∗ كَذاكَ الشَّمْسُ تَبْدُو والنُّجُومُ
؎كَذاكَ قُلُوبُ أرْبابِ التَّجَلِّي ∗∗∗ يُرى في صَفْوِها اللَّهُ العَظِيمُ
وَهَذِهِ رُؤْيَةُ المَثَلِ الأعْلى، كَما تَقَدَّمَ.
وَمِن عَلاماتِ المَعْرِفَةِ: أنْ يَبْدُوَ لَكَ الشّاهِدُ، وتَفْنى الشَّواهِدُ، وتَنْحَلَّ العَلائِقُ، وتَنْقَطِعَ العَوائِقُ، وتَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ تَعالى، وتَقُومَ وتَضْطَجِعَ عَلى التَّأهُّبِ لِلِقائِهِ، كَما يَجْلِسُ الَّذِي شَدَّ أحْمالَهُ وأزْمَعَ السَّفَرَ عَلى التَّأهُّبِ لَهُ، ويَقُومُ عَلى ذَلِكَ ويَضْطَجِعُ عَلَيْهِ، كَما يَنْزِلُ المُسافِرُ في المَنزِلِ، فَهو قائِمٌ وجالِسٌ ومُضْطَجِعٌ عَلى التَّأهُّبِ.
وَقِيلَ لِلْجُنَيْدِ: إنَّ أقْوامًا يَدَّعُونَ المَعْرِفَةَ، يَقُولُونَ: إنَّهم يَصِلُونَ بِتَرْكِ الحَرَكاتِ مِن بابِ البِرِّ والتَّقْوى؟ فَقالَ الجُنَيْدُ: هَذا قَوْلُ أقْوامٍ تَكَلَّمُوا بِإسْقاطِ الأعْمالِ، وهو عِنْدِي عَظِيمٌ، والَّذِي يَسْرِقُ ويَزْنِي أحْسَنُ حالًا مِنَ الَّذِي يَقُولُ هَذا، إنَّ العارِفِينَ بِاللَّهِ أخَذُوا الأعْمالَ عَنِ اللَّهِ، وإلى اللَّهِ رَجَعُوا فِيها، ولَوْ بَقِيتُ ألْفَ عامٍ لَمْ أنْقُصْ مِن أعْمالِ البِرِّ ذَرَّةً إلّا أنْ يُحالَ بَيْنِي وبَيْنَها.
وَمِن عَلاماتِ العارِفِ: أنَّهُ لا يُطالِبُ ولا يُخاصِمُ، ولا يُعاتِبُ، ولا يَرى لَهُ عَلى أحَدٍ فَضْلًا، ولا يَرى لَهُ عَلى أحَدٍ حَقًّا.
وَمِن عَلاماتِهِ: أنَّهُ لا يَأْسَفُ عَلى فائِتٍ، ولا يَفْرَحُ لِآتٍ؛ لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى الأشْياءِ بِعَيْنِ الفَناءِ والزَّوالِ؛ لِأنَّها في الحَقِيقَةِ كالظِّلالِ والخَيالِ.
وَقالَ الجُنَيْدُ: لا يَكُونُ العارِفُ عارِفًا حَتّى يَكُونَ كالأرْضِ يَطَؤُها البَرُّ والفاجِرُ، وكالسَّحابِ يُظِلُّ كُلَّ شَيْءٍ، وكالمَطَرِ يَسْقِي ما يُحِبُّ وما لا يُحِبُّ.، وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: يَخْرُجُ العارِفُ مِنَ الدُّنْيا ولَمْ يَقْضِ وطَرَهُ مِن شَيْئَيْنِ: بُكاءٍ عَلى نَفْسِهِ، وثَناءٍ عَلى رَبِّهِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الكَلامِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ وعُيُوبِهِ وآفاتِهِ، وعَلى مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ وكَمالِهِ وجَلالِهِ، فَهو شَدِيدُ الإزْراءِ عَلى نَفْسِهِ، لَهِجٌ بِالثَّناءِ عَلى رَبِّهِ.
وَقالَ أبُو يَزِيدَ: إنَّما نالُوا المَعْرِفَةَ بِتَضْيِيعِ ما لَهم والوُقُوفِ مَعَ ما لَهُ.
يُرِيدُ تَضْيِيعَ حُظُوظِهِمْ، والوُقُوفَ مَعَ حُقُوقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَتُغْنِيهِمْ حُقُوقُهُ عَنْ حُظُوظِهِمْ.
وَقالَ آخَرُ: لا يَكُونُ العارِفُ عارِفًا حَتّى لَوْ أُعْطِيَ مُلْكَ سُلَيْمانَ لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وهَذا يَحْتاجُ إلى شَرْحٍ، فَإنَّ ما هو دُونَ ذَلِكَ يَشْغَلُ القَلْبَ، لَكِنْ يَكُونُ اشْتِغالُهُ بِغَيْرِ اللَّهِ لِلَّهِ، فَذَلِكَ اشْتِغالٌ بِهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ إذا اشْتَغَلَ بِغَيْرِهِ لِأجْلِهِ لَمْ يَشْتَغِلْ عَنْهُ.
قالَ ابْنُ عَطاءٍ: المَعْرِفَةُ عَلى ثَلاثَةِ أرْكانٍ: الهَيْبَةُ والحَياءُ والأُنْسُ. وقِيلَ لِذِي النُّونِ: بِمَ عَرَفْتَ اللَّهَ رَبَّكَ؟ قالَ: عَرَفْتُ رَبِّي بِرَبِّي، ولَوْلا رَبِّي لَما عَرَفْتُ رَبِّي. وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ: بِماذا نَعْرِفُ رَبَّنا؟ قالَ: بِأنَّهُ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، فَأتى عَبْدُ اللَّهِ بِأصْلِ المَعْرِفَةِ الَّتِي لا يَصِحُّ لِأحَدٍ مَعْرِفَةٌ ولا إقْرارٌ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا بِهِ، وهو المُبايَنَةُ والعُلُوُّ عَلى العَرْشِ.
وَمِن عَلاماتِ العارِفِ: أنْ يَعْتَزِلَ الخَلْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، حَتّى كَأنَّهم أمْواتٌ لا يَمْلِكُونَ لَهُ ضَرًّا ولا نَفْعًا، ولا مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا، ويَعْتَزِلُ نَفْسَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلْقِ، حَتّى يَكُونَ بَيْنَهم بِلا نَفْسٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: العارِفُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ بِخُطْوَتَيْنِ: خُطْوَةٌ عَنْ نَفْسِهِ، وخُطْوَةٌ عَنِ الخَلْقِ.
وَقِيلَ: العارِفُ ابْنُ وقْتِهِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الكَلامِ وأخْصَرِهِ، فَهو مَشْغُولٌ بِوَظِيفَةِ وقْتِهِ عَمّا مَضى، وصارَ في العَدَمِ، وعَمّا لَمْ يَدْخُلْ بَعْدُ في الوُجُودِ، فَهَمُّهُ عِمارَةُ وقْتِهِ الَّذِي هو مادَّةُ حَياتِهِ الباقِيَةِ.
وَمِن عَلاماتِهِ: أنَّهُ مُسْتَأْنِسٌ بِرَبِّهِ، مُسْتَوْحِشٌ مِمَّنْ يَقْطَعُهُ عَنْهُ، ولِهَذا قِيلَ: العارِفُ مَن أنِسَ بِاللَّهِ، فَأوْحَشَهُ مِنَ الخَلْقِ، وافْتَقَرَ إلى اللَّهِ فَأغْناهُ عَنْهُمْ، وذَلَّ لِلَّهِ فَأعَزَّهُ فِيهِمْ، وتَواضَعَ لِلَّهِ فَرَفَعَهُ بَيْنَهُمْ، واسْتَغْنى بِاللَّهِ فَأحْوَجَهم إلَيْهِ.
وَقِيلَ: العارِفُ فَوْقَ ما يَقُولُ، والعالِمُ دُونَ ما يَقُولُ، يَعْنِي أنَّ العالِمَ عِلْمُهُ أوْسَعُ مِن حالِهِ وصِفَتِهِ، والعارِفُ حالُهُ وصِفَتُهُ فَوْقَ كَلامِهِ وخَبَرِهِ.
وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ لِلْعارِفِ عَلى فِراشِهِ ما لَمْ يَفْتَحْ لَهُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي، وقالَ غَيْرُهُ: العارِفُ تَنْطِقُ المَعْرِفَةُ عَلى قَلْبِهِ وحالِهِ وهو ساكِتٌ.
وَقالَ ذُو النُّونِ: لِكُلِّ شَيْءٍ عُقُوبَةٌ. وعُقُوبَةُ العارِفِ انْقِطاعُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: رِياءُ العارِفِينَ أفْضَلُ مِن إخْلاصِ المُرِيدِينَ، وهَذا كَلامٌ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ جِدًّا يَحْتاجُ إلى شَرْحٍ، فالعارِفُ لا يُرائِي المَخْلُوقَ طَلَبًا لِلْمَنزِلَةِ في قَلْبِهِ وإنَّما يَكُونُ رِياؤُهُ نَصِيحَةً وإرْشادًا وتَعْلِيمًا لِيُقْتَدى بِهِ، فَهو يَدْعُو إلى اللَّهِ بِعَمَلِهِ كَما يَدْعُو إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، فَهو يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ ويَنْفَعُ بِهِ غَيْرَهُ، وإخْلاصُ المُرِيدِ مَقْصُورٌ عَلى نَفْسِهِ، فالعارِفُ جَمَعَ بَيْنَ الإخْلاصِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، فَإخْلاصُهُ في قَلْبِهِ، وهو يُظْهِرُ عَمَلَهُ وحالَهُ لِيُقْتَدى بِهِ، والعارِفُ يَنْفَعُ بِسُكُوتِهِ، والعالِمُ إنَّما يَنْفَعُ بِكَلامِهِ.
وَلَوْ سَكَتُوا أثْنَتْ عَلَيْكَ الحَقائِقُ
وَقالَ ذُو النُّونِ: الزُّهّادُ مُلُوكُ الآخِرَةِ، وهم فُقَراءُ العارِفِينَ. وسُئِلَ الجُنَيْدُ عَنِ العارِفِ؟ فَقالَ: لَوْنُ الماءِ لَوْنُ إنائِهِ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ رَمَزَ بِها إلى حَقِيقَةِ العُبُودِيَّةِ، وهو أنْ يَتَلَوَّنَ بِتَلَوُّنِ أقْسامِ العُبُودِيَّةِ، فَبَيْنَما تَراهُ مُصَلِّيًا إذْ رَأيْتَهُ ذاكِرًا، أوْ قارِئًا، أوْ مُعَلِّمًا، أوْ مُتَعَلِّمًا، أوْ مُجاهِدًا، أوْ حاجًّا، أوْ مُساعِدًا لِلضَّيْفِ، أوْ مُغِيثًا لِلْمَلْهُوفِ، فَيَضْرِبُ في كُلِّ غَنِيمَةٍ مِنَ الغَنائِمِ بِسَهْمٍ، فَهو مَعَ المُتَسَبِّبِينَ مُتَسَبِّبٌ، ومَعَ المُتَعَلِّمِينَ مُتَعَلِّمٌ، ومَعَ الغُزاةِ غازٍ، ومَعَ المُصَلِّينَ مُصَلٍّ، ومَعَ المُتَصَدِّقِينَ مُتَصَدِّقٌ، فَهو يَتَنَقَّلُ في مَنازِلِ العُبُودِيَّةِ مِن عُبُودِيَّةٍ إلى عُبُودِيَّةٍ، وهو مُقِيمٌ عَلى مَعْبُودٍ واحِدٍ، لا يَنْتَقِلُ إلى غَيْرِهِ.
وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: العارِفُ كائِنٌ بائِنٌ، وهَذا يُفَسَّرُ عَلى وُجُوهٍ.
مِنها: أنَّهُ كائِنٌ مَعَ الخَلْقِ بِظاهِرِهِ، بائِنٌ عَنْهم بِسِرِّهِ وقَلْبِهِ.
وَمِنها: أنَّهُ كائِنٌ بِرَبِّهِ بائِنٌ عَنْ نَفْسِهِ.
وَمِنها: أنَّهُ كائِنٌ مَعَ أبْناءِ الآخِرَةِ، بائِنٌ عَنْ أبْناءِ الدُّنْيا.
وَمِنها: أنَّهُ كائِنٌ مَعَ اللَّهِ بِمُوافَقَتِهِ، بائِنٌ عَنِ النّاسِ في مُخالَفَتِهِ.
وَمِنها: أنَّهُ داخِلٌ في الأشْياءِ خارِجٌ مِنها، فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن هو داخِلٌ فِيها لا يَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ مِنها، ومِنهم مَن هو خارِجٌ عَنْها لا يَقْدِرُ عَلى الدُّخُولِ فِيها، والعارِفُ داخِلٌ فِيها خارِجٌ مِنها، ولَعَلَّ هَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ.
وَقالَ ذُو النُّونِ: عَلامَةُ العارِفِ ثَلاثَةٌ: لا يُطْفِئُ نُورُ مَعْرِفَتِهِ نُورَ ورَعِهِ، ولا يَعْتَقِدُ باطِنًا مِنَ العِلْمِ يَنْقُضُهُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ مِنَ الحُكْمِ، ولا تَحْمِلُهُ كَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ عَلى هَتْكِ أسْتارِ مَحارِمِ اللَّهِ.
وَهَذا مِن أحْسَنِ الكَلامِ الَّذِي قِيلَ في المَعْرِفَةِ، وهو مُحْتاجٌ إلى شَرْحٍ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَرى أنَّ التَّوَرُّعَ عَنِ الأشْياءِ مِن قِلَّةِ المَعْرِفَةِ، فَإنَّ المَعْرِفَةَ مُتَّسِعَةُ الأكْنافِ، واسِعَةُ الأرْجاءِ.
فالعارِفُ واسِعٌ مُوَسَّعٌ، والسِّعَةُ تُطْفِئُ نُورَ الوَرَعِ، فالعارِفُ لا تَنْقُصُ مَعْرِفَتُهُ ورَعَهُ، ولا يُخالِفُ ورَعُهُ مَعْرِفَتَهُ، كَما قالَ بَعْضُهُمُ: العارِفُ لا يُنْكِرُ مُنْكَرًا؛ لِاسْتِبْصارِهِ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ، فَعِنْدَهُ: أنْ مُشاهَدَةَ القَدَرِ والحَقِيقَةِ الكَوْنِيَّةِ: هو غايَةُ المَعْرِفَةِ، وإذا شاهَدَ الحَقِيقَةَ عَذَرَ الخَلِيقَةَ؛ لِأنَّهم مَأْسُورُونَ في قَبْضَةِ القَدَرِ، فَمَن يَعْذُرُ أصْحابَ الكَبائِرِ والجَرائِمِ، بَلْ أرْبابَ الكُفْرِ فَهو أبْعَدُ خَلْقِ اللَّهِ عَنِ الوَرَعِ، بَلْ لِظَلامِ مَعْرِفَتِهِ قَدْ أطْفَأ نُورَ إيمانِهِ.
قَوْلُهُ " باطِنُ العِلْمِ الَّذِي يَنْقُضُهُ ظاهِرُ الحُكْمِ " فَإنَّهُ يُشِيرُ بِهِ إلى ما عَلَيْهِ المُنْحَرِفُونَ، مِمَّنْ يُنْسَبُ إلى السُّلُوكِ، فَإنَّهم يَقَعُ لَهم أذْواقٌ ومَواجِيدُ، ووارِداتٌ تُخالِفُ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، وتَكُونُ تِلْكَ مَعْلُومَةً لَهم لا يُمْكِنُهم جَحْدُها، فَيَعْتَقِدُونَها ويَتْرُكُونَ بِها ظاهِرَ الحُكْمِ، وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا، وهو الَّذِي انْتَقَدَ أئِمَّةَ الطَّرِيقِ عَلى هَؤُلاءِ، وصاحُوا بِهِمْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، وبَدَّعُوهم وضَلَّلُوهم بِهِ.
قَوْلُهُ " ولا تَحْمِلُهُ كَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ عَلى هَتْكِ أسْتارِ مَحارِمِ اللَّهِ " كَثْرَةُ النِّعَمِ تُطْغِي العَبْدَ، وتَحْمِلُهُ عَلى أنْ يَصْرِفَها في وُجُوهِها وغَيْرِ وُجُوهِها، وهي تَدْعُو إلى أنْ يَتَناوَلَ العَبْدُ بِها ما حَلَّ وما لا يَحِلُّ، وأكْثَرُ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ لا يَقْتَصِرُونَ في صَرْفِ النِّعْمَةِ عَلى القَدْرِ الحَلالِ، بَلْ يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، وتُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ أنَّ مَعْرِفَتَهُ بِاللَّهِ تَرُدُّ عَلَيْهِ ما انْتَهَبَتْهُ مِنهم أيْدِي الشَّهَواتِ والمُخالَفاتِ، ويَقُولُ: العارِفُ لا تَضُرُّهُ الذُّنُوبُ، كَما تَضُرُّ الجاهِلَ، ورُبَّما يُسَوَّلُ لَهُ أنَّ ذُنُوبَهُ خَيْرٌ مِن طاعاتِ الجُهّالِ، وهَذا مِن أعْظَمِ المَكْرِ، والأمْرُ بِضِدِّ ذَلِكَ، فَيُحْتَمَلُ مِنَ الجاهِلِ ما لا يُحْتَمَلُ مِنَ العارِفِ وإذا عُوقِبَ الجاهِلُ ضِعْفًا عُوقِبَ العارِفُ ضِعْفَيْنِ، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا شَرْعُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، ولِهَذا كانَتْ عُقُوبَةُ الحُرِّ في الحُدُودِ مِثْلَيْ عُقُوبَةِ العَبْدِ، وقالَ تَعالى في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] فَإذا أُكْمِلَتِ النِّعْمَةُ عَلى العَبْدِ، فَقابَلَها بِالإساءَةِ والعِصْيانِ: كانَتْ عُقُوبَتُهُ أعْظَمَ، فَدَرَجَتُهُ أعْلى وعُقُوبَتُهُ أشَدُّ.
وَقالَ أيْضًا: لَيْسَ بِعارِفٍ مَن وصَفَ المَعْرِفَةِ عِنْدَ أبْناءِ الآخِرَةِ، فَكَيْفَ عِنْدَ أبْناءِ الدُّنْيا؟ يُرِيدُ: أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَعْرِفَةِ وصْفُ المَعْرِفَةِ لِغَيْرِ أهْلِها، سَواءٌ كانُوا عُبّادًا، أوْ مِن أبْناءِ الدُّنْيا.
وَقالَ أبُو سَعِيدٍ: المَعْرِفَةُ تَأْتِي مِن عَيْنِ الوُجُودِ، وبَذْلِ المَجْهُودِ، وهَذا كَلامٌ حَسَنٌ، يُشِيرُ إلى أنَّ المَعْرِفَةَ ثَمَرَةُ بَذْلِ المَجْهُودِ في الأعْمالِ، وتَحَقُّقِ الوَجْدِ في الأحْوالِ؛ فَهي ثَمَرَةُ عَمَلِ الجَوارِحِ، وحالُ القَلْبِ لا يُنالُ بِمُجَرَّدِ العِلْمِ والبَحْثِ، فَمَن لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ ولا حالٌ فَلا مَعْرِفَةَ لَهُ.
وَسُئِلَ ذُو النُّونِ عَنِ العارِفِ؟ فَقالَ: كانَ هاهُنا فَذَهَبَ.
فَسُئِلَ الجُنَيْدُ عَمّا أرادَ بِكَلامِهِ هَذا؟ فَقالَ: لا يَحْصُرُهُ حالٌ عَنْ حالٍ، ولا يَحْجُبُهُ مَنزِلٌ عَنِ التَّنَقُّلِ في المَنازِلِ، فَهو مَعَ كُلِّ أهْلِ مَنزِلٍ بِمِثْلِ الَّذِي هم فِيهِ، يَجِدُ مِثْلَ الَّذِي يَجِدُونَ، ويَنْطِقُ بِمَعالِمِها لِيَنْتَفِعُوا.
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: المَعْرِفَةُ حَياةُ القَلْبِ مَعَ اللَّهِ.
وَسُئِلَ أبُو سَعِيدٍ: هَلْ يَصِلُ العارِفُ إلى حالٍ يَجْفُو عَلَيْهِ البُكاءُ؟ فَقالَ: نَعَمْ، إنَّما البُكاءُ في أوْقاتِ سَيْرِهِمْ إلى اللَّهِ، فَإذا نَزَلُوا بِحَقائِقِ القُرْبِ، وذاقُوا طَعْمَ الوُصُولِ مِن بِرِّهِ؛ زالَ عَنْهم ذَلِكَ.
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: نَوْمُ العارِفِ يَقَظَةٌ، وأنْفاسُهُ تَسْبِيحٌ، ونَوْمُ العارِفِ أفْضَلُ مِن صَلاةِ الغافِلِ.
وَإنَّما كانَ نَوْمُ العارِفِ يَقَظَةً؛ لِأنَّ قَلْبَهُ حَيٌّ؛ فَعَيْناهُ تَنامانِ، ورُوحُهُ ساجِدَةٌ تَحْتَ العَرْشِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها وفاطِرِها، جَسَدُهُ في الفَرْشِ، وقَلَبُهُ حَوْلَ العَرْشِ، وإنَّما كانَ نَوْمُهُ أفْضَلَ مِن صَلاةِ الغافِلِ؛ لِأنَّ بَدَنَ الغافِلِ واقِفٌ في الصَّلاةِ، وقَلْبَهُ يُسَبِّحُ في حُشُوشِ الدُّنْيا والأمانِيِّ؛ ولِذَلِكَ كانَتْ يَقَظَتُهُ نَوْمًا؛ لِأنَّ قَلْبَهُ مَواتٌ.
وَقِيلَ: مُجالَسَةُ العارِفِ تَدْعُوكَ مِن سِتٍّ إلى سِتٍّ: مِنَ الشَّكِّ إلى اليَقِينِ، ومِنَ الرِّياءِ إلى الإخْلاصِ، ومِنَ الغَفْلَةِ إلى الذِّكْرِ، ومِنَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا إلى الرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ، ومِنَ الكِبْرِ إلى التَّواضُعِ، ومِن سُوءِ الطَّوِيَّةِ إلى النَّصِيحَةِ.
((الجزء الثامن))
يوسف 12:62
[فصل]
قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مِمّا قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ مِن جِنْسِ الحِيَلِ الَّتِي بَيَّنّا تَحْرِيمَها ولَيْسَ مِن جِنْسِها قِصَّةُ يُوسُفَ حِين كادَ اللَّهُ لَهُ في أخْذِ أخِيهِ كَما قَصَّ ذَلِكَ تَعالى في كِتابِهِ، فَإنَّ فِيهِ ضُرُوبًا مِن الحِيَلِ الحَسَنَةِ:
أحَدُها: قَوْلُهُ لِفِتْيانِهِ: ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] فَإنَّهُ تَسَبَّبَ بِذَلِكَ إلى رُجُوعِهِمْ، وقَدْ ذَكَرُوا في ذَلِكَ مَعانِيَ:
مِنها أنَّهُ تَخَوَّفَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَهم ورِقٌ يَرْجِعُونَ بِها، ومِنها أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَضُرَّ أخْذُ الثَّمَنِ بِهِمْ، ومِنها أنَّهُ رَأى لَوْ ما أخَذَ الثَّمَنَ مِنهُمْ، ومِنها أنَّهُ أراهم كَرَمَهُ في رَدِّ البِضاعَةِ لِيَكُونَ أدْعى لَهم إلى العَوْدِ.
وَمِنها أنَّهُ عَلِمَ أنَّ أمانَتَهم تَحُوجُهم إلى العَوْدِ لِيَرُدُّوها إلَيْهِ؛ فَهَذا المُحْتالُ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، والمَقْصُودُ رُجُوعُهم ومَجِيءُ أخِيهِ، وذَلِكَ أمْرٌ فِيهِ مَنفَعَةٌ لَهم ولِأبِيهِمْ ولَهُ، وهو مَقْصُودٌ صالِحٌ، وإنَّما لَمْ يُعَرِّفُهم نَفْسَهُ لِأسْبابٍ أُخَرَ فِيها أيْضًا مَنفَعَةٌ لَهم ولَهُ ولِأبِيهِمْ وتَمامٌ لِما أرادَهُ اللَّهُ بِهِمْ مِن الخَيْرِ في البَلاءِ.
والمقصود: رجوعهم ومجيء أخيه، وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم وله، وهو مقصود صالح، وإنما لم يعرفهم نفسه لأسباب أخر، فيها منفعة لهم ولأبيهم وله، وتمام لما أراده الله تعالى بهم من الخير في هذا البلاء.
وأيضًا، فلو عرفهم نفسه في أول مرة لم يقع الاجتماع بهم وبأبيه ذلك الموقع العظيم، ولم يحل ذلك المحل، وهذه عادة الله سبحانه في الغايات العظيمة الحميدة: إذا أراد أن يوصل عبده إليها هيأ لها أسبابًا من المحن والبلايًا والمشاق، فيكون وصوله إلى تلك الغايات بعدها كوصول أهل الجنة إليها بعد الموت، وأهوال البرزخ، والبعث والنشور والموقف، والحساب، والصراط، ومقاساة تلك، الأهوال والشدائد، وكما أدخل رسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى مكة ذلك المدخل العظيم، بعد أن أخرجه الكفار ذلك المحرج ونصره ذلك النصر العزيز، بعد أن قاسى مع أعداء الله ما قاساه.
الضَّرْبُ الثّانِي: أنَّهُ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ لِما جَهَّزَهم بِجِهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ، وهَذا القَدْرُ تَضَمَّنَ إيهامَ أنَّ أخاهُ سارِقٌ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ هَذا كانَ بِمُواطَأةٍ مِن أخِيهِ ورِضًا مِنهُ بِذَلِكَ، والحَقُّ لَهُ في ذَلِكَ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْله تَعالى: ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ٦٩] وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَّفَهُ أنَّهُ يُوسُفُ ووَطَّنَهُ عَلى عَدَمِ الِابْتِئاسِ بِالحِيلَةِ الَّتِي فَعَلَها في أخْذِهِ مِنهم.
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، وإنَّما أرادَ إنِّي مَكانَ أخِيكَ المَفْقُودَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما يُعامِلُكَ بِهِ إخْوَتُكَ مِن الجَفاءِ.
وَمَن قالَ هَذا قالَ: إنّهُ وضَعَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ والأخُ لا يَشْعُرُ، ولَكِنْ هَذا خِلافُ المَفْهُومِ مِن القُرْآنِ وخِلافُ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، وفِيهِ تَرْوِيعٌ لِمَن لَمْ يَسْتَوْجِبْ التَّرْوِيعَ.
وَأمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَقَدْ قالَ كَعْبٌ وغَيْرُهُ: لَمّا قالَ لَهُ إنِّي أنا أخُوكَ، قالَ: فَأنا لا أُفارِقُكَ قالَ يُوسُفُ: فَقَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ والِدِي بِي، فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ، ولا يُمْكِنُنِي هَذا إلّا بَعْدَ أنْ أُشْهِرُكَ بِأمْرٍ فَظِيعٍ وأنْسُبَكَ إلى ما لا يُحْتَمَلُ، قالَ: لا أُبالِي. فافْعَلْ ما بَدا لَكَ فَإنِّي لا أُفارِقُكَ، قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صُواعِي.
هَذا في رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِالسَّرِقَةِ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ، قالَ: فافْعَلْ؛ وعَلى هَذا فَهَذا التَّصَرُّفُ إنّما كانَ بِإذْنِ الأخِ ورِضاهُ.
وَمِثْلُ هَذا النَّوْعِ ما ذَكَرَ أهْلُ السِّيَرِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أنَّهُ لَمّا هَمَّ قَوْمُهُ بِالرِّدَّةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَّهم عَنْ ذَلِكَ، وأمَرَهم بِالتَّرَبُّصِ، وكانَ يَأْمُرُ ابْنَهُ إذا رَعى إبِلَ الصَّدَقَةِ أنْ يَبْعُدَ، فَإذا جاءَ خاصَمَهُ بَيْنَ يَدَيْ قَوْمِهِ وهَمَّ بِضَرْبِهِ، فَيَقُومُونَ فَيَشْفَعُونَ إلَيْهِ فِيهِ؛ ويَأْمُرَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ أنْ يَزْدادَ بُعْدًا، فَلَمّا كانَ ذاتَ لَيْلَةٍ أمَرَهُ أنْ يَبْعُدَ بِها جِدًّا، وجَعَلَ يَنْتَظِرُهُ بَعْدَما دَخَلَ اللَّيْلُ وهو يَلُومُ قَوْمَهُ عَلى شَفاعَتِهِمْ ومَنعِهِمْ إيّاهُ مِن ضَرْبِهِ، وهم يَعْتَذِرُونَ عَنْ ابْنِهِ، ولا يُنْكِرُونَ إبْطاءَهُ، حَتّى إذا انْهارَ اللَّيْلُ رَكِبَ في طَلَبِهِ فَلَحِقَهُ، واسْتاقَ الإبِلَ حَتّى قَدِمَ بِها عَلى أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ فَكانَتْ صَدَقاتُ طَيِّئٍ مِمّا اسْتَعانَ بِها أبُو بَكْرٍ في قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ.
وَكَذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ عَدِيًّا قالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أما تَعْرِفُنِي يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قالَ: بَلى، أعْرِفُكَ، أسْلَمْتَ إذْ كَفَرُوا، ووَفَيْتَ إذْ غَدَرُوا، وأقْبَلْتَ إذْ أدْبَرُوا، وعَرَفْتَ إذْ أنْكَرُوا.
وَمِثْلُ هَذا ما أذِنَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِلْوَفْدِ الَّذِينَ أرادُوا قَتْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ أنْ يَقُولُوا، وأذِنَ لِلْحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ عامَ خَيْبَرَ أنْ يَقُولَ، وهَذا كُلُّهُ مِن الِاحْتِيالِ المُباحِ؛ لِكَوْنِ صاحِبِ الحَقِّ قَدْ أذِنَ فِيهِ ورَضِيَ بِهِ، والأمْرُ المُحْتالُ عَلَيْهِ طاعَةٌ لِلَّهِ وأمْرٌ مُباحٌ.
الضَّرْبُ الثّالِثُ: أنَّهُ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ [يوسف: ٧١] ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٧٤] ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ - فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٥-٧٦] وقَدْ ذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِمْ سارِقِينَ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن بابِ المَعارِيضِ وأنَّ يُوسُفَ نَوى بِذَلِكَ أنَّهم سَرَقُوهُ مِن أبِيهِ حَيْثُ غَيَّبُوهُ عَنْهُ بِالحِيلَةِ الَّتِي احْتالُوا عَلَيْهِ، وخانُوهُ فِيهِ، والخائِنُ يُسَمّى سارِقًا، وهو مِن الكَلامِ المَرْمُوزِ، ولِهَذا يُسَمّى خَوَنَةُ الدَّواوِينِ لُصُوصًا. الثّانِي: أنَّ المُنادِيَ هو الَّذِي قالَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أمْرِ يُوسُفَ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى وغَيْرُهُ: أمَرَ يُوسُفُ بَعْضَ أصْحابِهِ أنْ يَجْعَلَ الصُّواعَ في رَحْلِ أخِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُ المُوَكَّلِينَ وقَدْ فَقَدُوهُ ولَمْ يَدْرِ مَن أخَذَهُ: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] عَلى ظَنٍّ مِنهم أنَّهم كَذَلِكَ، مِن غَيْرِ أمْرِ يُوسُفَ لَهم بِذَلِكَ، أوْ لَعَلَّ يُوسُفَ قَدْ قالَ لِلْمُنادِي: هَؤُلاءِ سَرَقُوا، وعَنى أنَّهم سَرَقُوهُ مِن أبِيهِ، والمُنادِي فَهِمَ سَرِقَةَ الصُّواعِ فَصَدَقَ يُوسُفَ في قَوْلِهِ، وصَدَقَ المُنادِي، وتَأمَّلْ حَذْفَ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] لِيَصِحَّ أنْ يُضَمِّنَ سَرِقَتَهم لِيُوسُفَ فَيَتِمُّ التَّعْرِيضُ، ويَكُونُ الكَلامُ صِدْقًا، وذَكَرَ المَفْعُولَ في قَوْلِهِ: ﴿نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٢] وهو صادِقٌ في ذَلِكَ، فَصَدَقَ في الجُمْلَتَيْنِ مَعًا تَعْرِيضًا وتَصْرِيحًا، وتَأمَّلْ قَوْلَ يُوسُفَ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] ولَمْ يَقُلْ إلّا مَن سَرَقَ، وهو أخْصَرُ لَفْظًا، تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ، فَإنَّ الأخَ لَمْ يَكُنْ سارِقًا بِوَجْهٍ، وكانَ المَتاعُ عِنْدَهُ حَقًّا؛ فالكَلامُ مِن أحْسَنِ المَعارِيضِ وأصْدَقِها.
وَمِثْلُ هَذا قَوْلُ المَلَكَيْنِ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ غَلَبَنِي في الخِطابِ، ولَكِنَّ تَخْرِيجَ هَذا الكَلامَ عَلى المَعارِيض لا يَكادُ يَتَأتّى، وإنَّما وجْهُهُ أنَّهُ كَلامٌ خَرَجَ عَلى ضَرْبِ المِثالِ: أيْ إذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ الحُكْمُ بَيْنَنا.
وَنَظِيرُ هَذا قَوْلُ المَلِكِ لِلثَّلاثَةِ الَّذِينَ أرادَ اللَّهُ أنْ يَبْتَلِيَهُمْ: " مِسْكِينٌ وغَرِيبٌ وعابِرُ سَبِيلٍ، وقَدْ تَقَطَّعَتْ بِي الحِبالُ، ولا بَلاغَ لِي اليَوْمَ إلّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، فَأسْألُكَ بِاَلَّذِي أعْطاكَ هَذا المالَ بَعِيرًا أتَبَلَّغُ بِهِ في سَفَرِي هَذا " وهَذا لَيْسَ بِتَعْرِيضٍ، وإنَّما هو تَصْرِيحٌ عَلى وجْهِ ضَرْبِ المِثالِ وإيهامٌ أنِّي أنا صاحِبُ هَذِهِ القَضِيَّةِ كَما أوْهَمَ المَلَكانِ داوُد أنَّهُما صاحِبا القِصَّةِ لِيَتِمَّ الِامْتِحانُ.
وَلِهَذا قالَ نَصْرُ بْنُ حاجِبٍ: سُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الرَّجُلِ يَعْتَذِرُ إلى أخِيهِ مِن الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ فَعَلَهُ، ويُحَرِّفُ القَوْلَ فِيهِ لِيُرْضِيَهُ، لَمْ يَأْثَمْ في ذَلِكَ؟ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: «لَيْسَ بِكاذِبٍ مَن أصْلَحَ بَيْنَ النّاسِ يَكْذِبُ فِيهِ» فَإذا أصْلَحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ المُسْلِمِ خَيْرٌ مِن أنْ يُصْلِحَ بَيْنَ النّاسِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ إذا أرادَ بِهِ مَرْضاةَ اللَّهِ، وكَرِهَ أذى المُؤْمِنِ، ويَنْدَمُ عَلى ما كانَ مِنهُ، ويَدْفَعُ شَرَّهُ عَنْ نَفْسِهِ، ولا يُرِيدُ بِالكَذِبِ اتِّخاذَ المَنزِلَةِ عِنْدَهم ولا طَمَعًا في شَيْءٍ يُصِيبُ مِنهُمْ؛ فَإنَّهُ لَمْ يُرَخَّصْ في ذَلِكَ، ورَخَّصَ لَهُ إذا كَرِهَ مَوْجِدَتَهم وخافَ عَداوَتَهم. قالَ حُذَيْفَةُ: إنِّي أشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مَخافَةَ أنْ أُقْدِمَ عَلى ما هو أعْظَمُ مِنهُ.
قالَ سُفْيانُ وقالَ المَلَكانِ: ﴿خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] أرادَ مَعْنى شَيْءٍ
وَلَمْ يَكُونا خَصْمَيْنِ فَلَمْ يَصِيرا بِذَلِكَ كاذِبَيْنِ، وقالَ إبْراهِيمُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقالَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقالَ يُوسُفُ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] فَبَيَّنَ سُفْيانُ أنَّ هَذا مِن المَعارِيضِ المُباحَةِ.
(فصل)
ومنها: أنه لما جهزهم في المرة الثانية بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه. وهذا القدر يتضمن اتهام أخيه بأنه سارق.
وقد قيل: إنه كان بمواطأة من أخيه ورضا منه بذلك، والحق كان له، وقد أذن فيه، وطابت نفسه به، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿ولَمّا دَخلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ، قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبتَئِسْ بَما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ٦٩].
فهذا يدل على أنه عَرّف أخاه نفسه.
وقد قيل: إنه لم يصرح له بأنه يوسف، وأنه إنما أراد بقوله: ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩].
أي أنا مكان أخيك المفقود.
ومن قال هذا قال: إنه وضع السقاية في رحل أخيه، والأخ لا يشعر بذلك، والقرآن يدل على خلاف هذا، والعدل يرده. وأكثر أهل التفسير على خلافه.
ومن لطيف الكيد في ذلك: أنه لما أراد أخذ أخيه توصل إلى أخذه بما يقر إخوته أنه حق وعدل، ولو أخذه بحكم قدرته وسلطانه لنسب إلى الظلم والجور، ولم يكن له طريق في دين الملك يأخذه بها. فتوصل إلى أخذه بطريق يعترف إخوته أنها ليست ظلما، فوضع الصواع فى رحل أخيه بمواطأة منه له على ذلك. ولهذا قال: ﴿فلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُون﴾ [يوسف: ٦٩].
ومن لطيف الكيد: أنه لم يفتش رحالهم وهم عنده، بل أمهلهم حتى جهزهم بجهازهم، وخرجوا من البلد، ثم أرسل في آثارهم لذلك.
قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا على بن الحسين حدثنا محمد بن عيسى حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال:
"أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية أمر فأدركوا ثم جلسوا، ثم ناداهم مناد: أيتها العير إنكم لسارقون، فوقفوا، وانتهى إليهم رسوله، فقال لهم فيما يذكرون: ألم نكرم ضيافتكم، ونوفكم كيلكم ونحسن منزلتكم، ونفعل بكم ما لم نفعله بغيركم، وأدخلنا كم علينا في بيوتنا ومنازلنا؟ قالوا: بلى، وما ذاك؟ ﴿قال إنكم لسارقون﴾.
وذكر عن السدي "فلما ارتحلوا أذن مؤذن أيتها العير".
والسياق يقتضي ذلك، إذ لو كان هذا وهم بحضرته لم يحتج إلى الأذان، وإنما يكون الأذان نداء لبعيد، يطلب وقوفه وحبسه.
فكان في هذا من لطيف الكيد: أنه أبعد من التهمة للطالب بالمواطأة والموافقة، وأنه لا يشعر بما فقد له، فكأنه لما خرج القوم وارتحلوا، وفصلوا عن المدينة احتاج الملك إلى صواعه لبعض حاجته إليه، فالتمسه، فلم يجده، فسأل عنه الحاضرين، فلم يجدوه، فأرسلوا في أثر القوم. فهذا أحسن وأبعد من التفطن للحيلة من التفتيش في الحال قبل انفصالهم عنه. بل كلما ازدادوا بعدا عنه كان أبلغ في هذه المعنى.
ومن لطيف الكيد: أنه أذن فيهم بصوت عال رفيع، يسمعه جميعهم، ولم يقل لواحد واحد منهم، إعلامًا بزن ذهاب الصواع أمر قد اشتهر، ولم يبق فيه خفاء، وأنتم قد اشتهرتم بأخذه، ولم يتهم به سواكم.
ومن لطيف الكيد: أن المؤذن قال إنكم لسارقون ولم يعين المسروق، حتى سألهم عنه القوم، فقالوا لهم: ماذا تفتقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك فاستقر عند القوم أن الصواع هو المتهم به، وأنهم لم يفقدوا غيره. فإذا ظهر لم يكونوا ظالمين باتهامهم بغيره. وظهر صدقهم وعدلهم في اتهامهم به وحده، وهذا من لطيف الكيد.
ومن لطيف الكيد: قول المؤذن وأصحابه لإخوة يوسف عليه السلام - ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ - أي ما عقوبة من ظهر عليه أنه سرقه منكم، ووجد معه؟ أي ما عقوبته عندكم وفي دينكم؟ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥].
فأخذوهم بما حكموا به على نفوسهم، لا بحكم الملك وقومه.
ومن لطيف الكيد: أن الطالب لما هم بتفتيش رواحلهم بدأ بأوعيتهم يفتشها قبل وعاء من هو معه، تطمينا لهم، وبعدا عن تهمة المواطأة.
فإنه لو بدأ بوعاء من هو فيه لقالوا: وما يدريه أنه في هذا الوعاء دون غيره من أوعيتنا؟ وما هذا إلا بمواطأة وموافقة. فأزال هذه التهمة بأن بدأ بأوعيتهم أولا، فلما لم يجده فيها هم بالرجوع قبل تفتيش وعاء من فيه الصواع، وقال: ما أراكم سارقين وما أظن هذا أيضًا أخذ شيئًا. فقالوا: لا والله، لا ندعكم حتى تفتشوا متاعه، فإنه أطيب لقلوبكم، وأظهر لبراءتنا، فلما ألحوا عليهم بذلك فتشوا متاعه، فاستخرجوا منه الصواع. وهذا من أحسن الكيد. فلهذا قال تعالى: ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ الملِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
فالعلم بالكيد الواجب أو المستحب الذي يتوصل به إلى طاعة الله تعالى ورسوله، ونصر المحق وكسر المبطل مما يرفع الله به درجة العبد.
وقد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين:
أحدهما: أنه من باب المعاريض، وأن يوسف عليه السلام نوى بذلك أنهم سرقوه من أبيه، حيث غيبوه عنه بالحيلة التي احتالوا بها عليه، وخانوه فيه. والخائن يسمى سارقًا، وهو من الاستعمال المشهور.
الثاني: أن المنادى هو الذي قال ذلك، من غير أمر يوسف عليه السلام.
قال القاضى أبو يعلى وغيره: أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصاع في رحل أخيه. ثم قال بعض الموكلين به لما فقده، ولم يدر من أخذه - أيتها العير إنكم لسارقون - على ظن منهم أنهم كذلك ولم يأمرهم يوسف عليه السلام بذلك، ولعل يوسف عليه السلام قال للمنادى: هؤلاء قد سرقوا، وعنى سرقته من أبيه، والمنادى فهم سرقة الصواع، وصدق في قوله: إنكم لسارقون - ولم يقل: صواع الملك ثم لما جاء إلى ذكر المفقود قال - نفقد الملك - وهو صادق في ذلك، فحذف المفعول في قوله - لسارقون - وذكره في قوله - نفقد صواع الملك - وكذلك قال يوسف عليه السلام لما عرضوا عليه أن يأخذ أحدهم مكان أخيهم - معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده - ولم يقل: أن نأخذ إلا من سرق، فإن المتاع كان موجودًا عنده، ولم يكن سارقًا. وهذا من أحسن المعاريض.
وقد قال نصر بن حاجب: سئل سفيان بن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله، ويحرف القول فيه ليرضيه، أيأثم في ذلك؟ فقال: ألم تسمع قوله عليه الصلاة والسلام:
"لَيْسَ بِكاذِبٍ مَن أصْلَحَ بَيْنَ النّاسِ فَكَذَبَ فِيهِ".
فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم كان خيرًا من أن يصلح بين الناس بعضهم في بعض، ذلك أنه أراد به مرضاة الله، وكراهية أذى المؤمن، ويندم على ما كان منه، ويدفع شره عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم، ولا طمعًا في شيء يصيبه منهم، فإنه لم يرخص في ذلك ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عداوتهم.
قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه "إني أشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن أقدم على ما هو أعظم منه".
قال سفيان: وقال الملكان: ﴿خَصْمانِ بَغى بَعْضنا عَلى بَعْضِ﴾ [ص: ٢٢].
أراد معنى شيء ولم يكونا خصمين، فلم يصيرا بذلك كاذبين.
وقال إبراهيم عليه السلام: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقالَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هذا﴾ [الأنبياء: ٦٣].
وقال يوسف عليه السلام ﴿إنكم لسارقون﴾ [يوسف: ٧٠] أراد يعني أخاهم.
فبين سفيان رحمه الله تعالى أن هذا كله من المعاريض المباحة، مع تسميته كذبًا. وإن لم يكن في الحقيقة كذبًا.
وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه يجوز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق.
قال شيخنا: وهذه الحجة ضعيفة، فإن يوسف عليه السلام لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف. حتى يقال قد اقتص منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم كان تخلفه عنهم مما يؤذيهم لتأذى أبيهم، وللميثاق الذي أخذه عليهم، وقد استثنى في الميثاق بقوله:
﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦].
وقد أحيط بهم ويوسف عليه السلام لم يكن قصده باحتباس أخيه الانتقام من إخوته، فإنه كان أكرم من هذا وإن كان في ضمن ما فعل من تأذى أبيه أعظم من أذى إخوته، فإنما ذلك أمر أمره الله تعالى به، ليبلغ الكتاب أجله، ويتم البلاء الذي استحق به يوسف ويعقوب عليهما السلام كمال الجزاء، وعلو المنزلة، وتبلغ حكمة الله تعالى - التي قدّرها وقضاها - نهايتها، ولو فرض أن يوسف عليه السلام قصد الاقتصاص منهم بما فعل، فليس هذا، بموضع خلاف بين العلماء. فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل له أن يخونه، كما خانه؟ أو يسرقه، كما سرقه؟ ولم تكن قصة يوسف عليه السلام من هذا النوع.
نعم لو كان يوسف عليه السلام أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا شبهة له أيضا على هذا التقدير، فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه، كان في هذا ابتلاء من الله تعالى لذلك المعتقل، كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيا خاصا، كالوحى إلى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، وتكون حكمته في حق الأخ امتحانه وابتلاءه، لينال درجة الصبر على حكم الله، والرضا بقضائه، ويكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب عليه السلام في احتباس يوسف عليه السلام عنه.
وقد دل على هذا نسبة الله سبحانه ذلك الكيد إلى نفسه بقوله:
﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ الله﴾ [يوسف: ٧٦].
وهو سبحانه ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعاني، وما هو منها حكمة وحق وصواب، وجزاء للمسيء، وذلك غاية العدل والحق، كقوله تعالى: ﴿إنّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا وأكِيدُ كيدا﴾ [الطارق: ١٥-١٦] وقوله ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ الله﴾ [آل عمران:٥٤] وقوله ﴿اللهُ يسْتَهْزِئُ بِهم﴾ [البقرة: ١٥] وقوله ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يَخادِعُونَ اللهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقوله ﴿وَأُمْلِى لهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٥].
فهذا منه سبحانه في أعلى مراتب الحسن، وإن كان من العبد قبيحًا سيئًا، لأنه ظالم فيه، وموقعه بمن لا يستحقه، والرب تعالى عادل فيه، موقعه بأهله ومن يستحقه، سواء قيل: إنه مجاز للمشاكلة الصورية، أو للمقابلة، أو سماه كذلك مشاكلة لاسم ما فعلوه، أو قيل: إنه حقيقة، وإن مسمى هذه الأفعال ينقسم إلى مذموم ومحمود، واللفظ حقيقة في هذا وهذا، كما قد بسطنا هذا المعنى واستوفينا عليه الكلام في كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.
(فصل)
وإذا عرف ذلك، فيوسف صلوات الله عليه وسلامه أكْيَد، من وجوه عديدة.
أحدها: أن إخوته كادوه، حيث احتالوا في التفريق بينه وبين أبيه، كما قال له يعقوب عليه السلام: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥].
وثانيها: أنهم كادوه حيث باعوه بيع العبيد، وقالوا: إنه غلام لنا أبق.
وثالثها: كيد امرأة العزيز له، بتغليق الأبواب، ودعائه إلى نفسها.
ورابعها: كيدها له بقولها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بأهْلِكَ سُوءا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥].
فكادته بالمراودة أولا، وكادته بالكذب عليه ثانيا، ولهذا قال لها الشاهد لما تبين له براءة يوسف عليه السلام: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨].
وخامسها، كيدها له حيث جمعت له النسوة، وأخرجته عليهن، تستعين بهن عليه، وتستعذر إليهن من شغفها به.
وسادسها: كيد النسوة له، حتى استجار بالله تعالى من كيدهن فقال: ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ إلَيْهِنَّ أصب وأكُنْ مِنَ الجاهِلِين فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيم﴾ [يوسف: ٣٣-٣٤].
ولهذا لما جاء الرسول بالخروج من السجن قال له: ﴿ارْجعْ إلى ربك فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠].
فإن قيل: فما كان مكر النسوة اللاتي مكرن به، وسمعت به امرأة العزيز، فإن الله سبحانه لم يقصه في كتابه؟
قيل: بلى، قد أشار إليه بقوله: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدينَةِ امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبا إنّا لَنَراها في ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٣٠].
وهذا الكلام متضمن لوجوه من المكر:
أحدها: قولهن: ﴿امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِد فَتاها﴾ [يوسف: ٣٠].
ولم يسموها باسمها، بل ذكروها بالوصف الذي ينادى عليها بقبيح فعلها، بكونها ذات بَعْل. فصدور الفاحشة منها أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.
الثاني، أن زوجها عزيز مصر ورئيسها وكبيرها، وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.
الثالث: أن الذي تراوده مملوك لا حُر، وذلك أبلغ في القبح.
الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها وتحت كنفها، فحكمه حكم أهل البيت، بخلاف من طلب ذلك من الأجنبي البعيد.
الخامس: أنها هي المراودة الطالبة.
السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ، حتى وصل حبها له إلى شغاف قلبها.
السابع: أن في ضمن هذا أنه أعف منها وأبر، وأوفى، حيث كانت هي المراودة الطالبة، وهو الممتنع، عفافًا وكرمًا وحياء، وهذا غاية الذم لها.
الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار والوقوع، حالا واستقبالا: وأن هذا شأنها، ولم يقلن: راودت فتاها. وفرق بين قولك: فلان أضاف ضيفا، وفلان يقرى الضيف، ويطعم الطعام، ويحمل الكل. فإن هذا يدل على أن هذا شأنه وعادته.
التاسع قولهن: ﴿إنّا لَنَراها في ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٣٠].
أي إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح فنسبن الاستقباح إليها. ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى، ولا يكدن يرين ذلك قبيحا، كما يساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك، فحيث استقبحن منها ذلك كان هذا دليلا على أنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه.
العاشر: أنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط، والطلب المفرط. فلم تقتصد في حبها، ولا في طلبها. أما العشق فقولهن: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًا﴾ [يوسف: ٣٠].
أي وصل حبه إلى شغاف قلبها. وأما الطلب المفرط فقولهن: ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾ [يوسف: ٣٠].
والمراودة: الطلب مرة بعد مرة، فنسبوها إلى شدة العشق، وشدة الحرص على الفاحشة. فلما سمعت بهذا المكر منهن هيأت لهن مكرا أبلغ منه، فهيأت لهن متكأ، ثم أرسلت إليهن، فجمعتهن وخبأت يوسف عليه السلام عنهن. وقيل: إنها جملته وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته عليهن فجأة، فلم يَرعْهُنَّ إلا وأحسن خلق الله وأجملهم قد طلع عليهن بغتة، فراعهن ذلك المنظر البهى، وفي أيديهن مُدًى يقطعن بها ما يأكلنه فدهشن حتى قطعن أيديهن، وهن لا يشعرن. وقد قيل: إنهن أبن أيديهن، والظاهر خلاف ذلك، وإنما تقطيعهن أيديهن: جُرحُها وشقها بالمُدى لدَهَشهنَّ بما رأين، فقابلت مكرهن القولى بهذا المكر الفعلى، وكانت هذه في النساء غاية في المكر.
والمقصود: أن الله سبحانه كاد ليوسف عليه السلام، بأن جمع بينه وبين أخيه، وأخرجه من أيدى إخوته بغير اختيارهم، كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره. وكاد له بأن أوقفهم بين يديه موقف الذليل الخاضع المستجدى، فقالوا: ﴿يا أيَّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللهَ يَجْزِى المَتَصَدِّقيِنَ﴾ [يوسف: ٨٨].
فهذا الذل والخضوع في مقابلة ذله وخضوعه لهم يوم إلقائه في الجب وبيعه بيع العبيد.
وكاد له بأن هيأ له الأسباب التي سجدوا له هم وأبوه وخالته، في مقابلة كيدهم له، حذرا من وقوع ذلك، فإن الذي حملهم على إلقائه في الجب خشيتهم أن يرتفع عليهم حتى يسجدوا له كلهم، فكادوه خشية ذلك. فكاد الله تعالى له حتى وقع ذلك. كما رآه في منامه.
وهذا كما كاد فرعون بني إسرائيل: ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيى نِساءَهُمْ﴾ [القصص: ٤].
خشية أن يخرج فيهم من يكون زوال ملكه على يديه، فكاده الله سبحانه، بأن أخرج له هذا المولود، ورباه في بيته، وفي حجره، حتى وقع به منه ما كان يحذره، كما قيل:
؎وَإذا خَشيتَ مِنَ الأُمُورِ مُقَدَّرا ∗∗∗ وفَرَرْتَ منْهُ، فَنَحْوَهُ تَتَوَجَّهُ
(فصل)
وكيد الله سبحانه لا يخرج عن نوعين.
أحدهما: أن يفعل سبحانه فعلا خارجًا عن قدرة العبد الذي كاد له، فيكون الكيد قدرا محضا، ليس من باب الشرع، كما كاد الذين كفروا، بأن انتقم منهم بأنواع العقوبات وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام، فإن يوسف أكثر ما قدر عليه أن ألقى الصواع في رحل أخيه، وأرسل مؤذنا يؤذن: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنّكم لَسارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] فلما أنكروا قال: ﴿فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتَمْ كاذِبينَ قالُوا جَزاؤُهُ مَن وجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤].
أي جزاؤه استعباد المسروق ماله للسارق، إما مطلقا، وإما إلى مدة. وهذه كانت شريعة آل يعقوب عليه السلام
حتى قيل: إن مثل هذا كان مشروعا في أول الإسلام: أن المدين إذا أعسر بالدين استرقه صاحب الحق، وعليه حمل حديث بيع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سُرَّق.
وقيل: بل كان بيعه إياه: إيجاره لمن يستعمله، وقضى دينه بأجرته، وعلى هذا فليس بمنسوخ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى: أن المفلس إذا بقيت عليه ديون وله صنعة أجبر على إجارته نفسه، أو أجره الحاكم ووفى دينه من أجرته.
وكان إلهام الله تعالى لإخوة يوسف عليه السلام قولهم: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥].
كيدا من الله تعالى ليوسف عليه السلام، أجراه على ألسن إخوته، وذلك خارج عن قدرته. وكان يمكنهم أن يتخلصوا من ذلك، بأن يقولوا: لا جزاء عليه، حتى يثبت أنه هو الذي سرق، فإن مجرد وجوده في رحله لا يوجب أن يكون سارقًا.
وقد كان يوسف عليه السلام عادلا لا يأخذهم بغير حجة، وكان يمكنهم التخلص أيضا بأن يقولوا: جزاؤه أن يفعل به ما تفعلونه بالسراق في دينكم، وقد كان من دين ملك مصر - فيما ذكر -: أن السارق يضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين، فلو قالوا له ذلك، لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم، فلذلك قال سبحانه: ﴿كَذلكَ كِدْنا لِيُوسُفْ ما كانَ لِيَأْخُذُ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [يوسف: ٧٦].
أي ما كان ليمكنه أخذه في دين ملك مصر، لأنه لم يكن في دينه طريق إلى أخذه.
وقوله ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [يوسف: ٧٦].
استثناء منقطع، أي لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر، ويجوز أن يكون متصلا، والمعنى: إلا أن يهيئ الله سببا آخر يؤخذ به في دين الملك غير السرقة.
وفى هذه القصة تنبيه على الأخذ باللوث الظاهر في الحدود، وإن لم تقم بينة، ولم يحصل إقرار، فإن وجود المسروق مع السارق أصدق من البينة، فهو بينة لا تلحقها التهمة، وقد اعتبرت شريعتنا ذلك في مواضع.
منها: اللوث في القسامة، والصحيح: أنها يقُاد بها، كما دل عليه النص الصحيح الصريح.
ومنها: حد الصحابة رضي الله عنهم في الخمر بالرائحة والقيء.
ومنها: حد عمر رضي الله عنه في الزنا بالحبل، وجعله قسيم الاعتراف والشهادة فوجود المسروق مع السارق إن لم يكن أظهر من هذا كله فليس دونه.
فلما فتشوا متاعه فوجدوا فيه الصواع كان ذلك قائما مقام البينة والاعتراف، فلهذا لم يمكنهم أن يتظلموا من أخذه ولو كان هذا ظلما لقالوا: كيف يأخذه بغير بينة ولا إقرار؟
وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتاب "الإعلام باتساع طرق الأحكام".
والمقصود: أنه ليس في قصة يوسف عليه السلام شبهة، فضلا عن الحجة، لأرباب الحيل.
فإنا إنما تكلمنا في الحيل التي يفعلها العبد، وحكمها في الإباحة، والتحريم، لا فيما يكيد الله سبحانه وتعالى لعبده، بل في قصة يوسف عليه السلام تنبيه على أن من كاد غيره كيدًا محرمًا فإن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يكيده، وأنه لا بد أن يكيد للمظلوم إذا صبر على كيد كائده، وتلطف به، فالمؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله تعالى يكيد له، وينتصر له، بغير حول منه ولا قوة.
فهذا أحد النوعين من كيده سبحانه لعبده.
النوع الثاني: أن يلهمه أمرا مباحا، أو مستحبا، أو واجبا، يوصله به إلى المقصود الحسن، فيكون على هذا إلهامه ليوسف عليه السلام أن يفعل ما فعل هو من كيده سبحانه أيضا، فيكون قد كاد له نوعي الكيد، ولهذا قال سبحانه: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ٧٦].
وفى ذلك تنبيه على أن العلم الدقيق بلطيف الحيل الموصلة إلى المقصود الشرعى الذي يحبه الله تعالى ورسوله، من نصر دينه وكسر أعدائه، ونصر المحق وقمع المبطل: صفة مدح يرفع الله تعالى بها درجة العبد، كما أن العلم الذي يخصم به المبطل، ويدحض حجته صفة مدح يرفع بها درجة عبده، كما قال سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام، ومناظرته قومه، وكسر حجتهم:
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبراهيم عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣].
وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع، ولكن ليس هو الكيد الذي تستحل به المحرمات، وتسقط به الواجبات، فإن هذا كيد لله تعالى ودينه، فالله سبحانه ودينه هو المكيد في هذا القسم، فمحال أن يشرع الله سبحانه هذا النوع من الكيد.
وأيضا، فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يقصد به غير مقصوده الشرعى، ومحال أن يشرع الله تعالى لعبد أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له.
وأيضا، فإن الأمر المشروع هو عام لا يختص به شخص دون شخص، فالشيء إذا كان مباحًا لشخص كان مباح لكل من كان حاله مثل حاله، فمن احتال بحيلة فقهية محرمة أو مباحة لم يكن له اختصاص بتلك الحيلة عمن لا يفهمها ولا يعلمها، وإنما خاصية الفقيه، إذا حدثت به حادثة: أن يتفطن لاندراجها تحت الحكم العام الذي يعلمه هو وغيره والله سبحانه إنما كاد ليوسف عليه السلام كيدا خاصًا به، جزاء له على صبره، وإحسانه، وذكره في معرض المنة عليه، وهذه الأفعال التي فعلها يوسف عليه السلام والأفعال التي فعلها الله سبحانه له إذا تأملها اللبيب رآها لا تخرج عن نوعين:
أحدهما: إلهام الله سبحانه له فعلا كان مباحا له أن يفعله.
الثاني: فعل من الله تعالى به خارج عن مقدور العبد.
وكلا النوعين مباين للحيل المحرمة التي يحتال بها على إسقاط الواجبات وإباحة المحرمات.
(فصل)
لعلك تقول: قد أطلت الكلام في هذا الفصل جدا، وقد كان يكفي الإشارة إليه.
فيقال: بل الأمر أعظم مما ذكرنا، وهو بالإطالة أجدر. فإن بلاء الإسلام ومحنته عظمت من هاتين الطائفتين: أهل المكر والمخادعة، والاحتيال في العمليات، وأهل التحريف والسفسطة والقرمطة في العلميات. وكل فساد في الدين - بل والدنيا - فمنشؤه من هاتين الطائفتين.
فبالتأويل الباطل قتل عثمان رضي الله عنه، وعاثت الأمة في دمائها، وكفر بعضها بعضا وتفرقت على بضع وسبعين فرقة، فجرى على الإسلام من تأويل هؤلاء، وخداع هؤلاء ومكرهم ما جرى، واستولت الطائفتان، وقويت شوكتهما، وعاقبوا من لم يوافقهم وأنكر عليهم، ويأبي الله إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه، ويبين أعلامه وحقائقه، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته على عباده.
[فَصْلٌ: اسْتِنْباطٌ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ وتَعْقِيبٌ عَلَيْهِ].
وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ الفُقَهاءِ بِقِصَّةِ يُوسُفَ عَلى أنَّهُ جائِزٌ لِلْإنْسانِ التَّوَصُّلُ إلى أخْذِ حَقِّهِ مِن الغَيْرِ بِما يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِغَيْرِ رِضا مَن عَلَيْهِ الحَقُّ.
قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذِهِ الحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ؛ فَإنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ حَبْسَ أخِيهِ عِنْدَهُ بِغَيْرِ رِضاهُ، ولَمْ يَكُنْ هَذا الأخُ مِمَّنْ ظَلَمَ يُوسُفَ حَتّى يُقالُ إنّهُ قَدْ اقْتَصَّ مِنهُ، وإنَّما سائِرُ الإخْوَةِ هم الَّذِينَ كانُوا قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، نَعَمْ تَخَلُّفُهُ عِنْدَهُ كانَ يُؤْذِيهِمْ مِن أجْلِ تَأذِّي أبِيهِمْ والمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ اسْتَثْنى في المِيثاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وقَدْ أُحِيطَ بِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ قَصْدُ يُوسُفَ بِاحْتِباسِ أخِيهِ الِانْتِقامَ مِن إخْوَتِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ أكْرَمَ مِن هَذا، وكانَ في ذَلِكَ مِن الإيذاءِ لِأبِيهِ.
أعْظَمُ مِمّا فِيهِ مِن إيذاءِ إخْوَتِهِ، وإنَّما هو أمْرٌ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ لِيَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ ويَتِمَّ البَلاءُ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ يَعْقُوبُ ويُوسُفُ كَمالَ الجَزاءِ، وتَبْلُغُ حِكْمَةُ اللَّهِ الَّتِي قَضاها لَهم نِهايَتُها.
وَلَوْ كانَ يُوسُفُ قَصَدَ القِصاصَ مِنهم بِذَلِكَ فَلَيْسَ هَذا مَوْضِعُ الخِلافِ بَيْنَ العُلَماءِ؛ فَإنَّ الرَّجُلَ لَهُ أنْ يُعاقِبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ، وإنَّما مَوْضِعُ الخِلافِ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْرِقَ أوْ يَخُونَ مَن سَرَقَهُ أوْ خانَهُ مِثْلَ ما سَرَقَ مِنهُ أوْ خانَهُ إيّاهُ؟ وقِصَّةُ يُوسُفَ لَمْ تَكُنْ مِن هَذا الضَّرْبِ. نَعَمْ، لَوْ كانَ يُوسُفُ أخَذَ أخاهُ بِغَيْرِ أمْرِهِ لَكانَ لِهَذا المُحْتَجِّ شُبْهَةٌ، مَعَ أنَّهُ لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا؛ فَإنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ في شَرْعِنا بِالِاتِّفاقِ، وهو أنْ يُحْبَسَ رَجُلٌ بَرِيءٌ، ويُعْتَقَلَ لِلِانْتِقامِ مِن غَيْرِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ جُرْمٌ، ولَوْ قُدِّرَ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ مِن يُوسُفَ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ مِن اللَّهِ ابْتِلاءً مِنهُ لِذَلِكَ المُعْتَقَلِ، كَما ابْتَلى إبْراهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ، فَيَكُونُ المُبِيحُ لَهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وحْيًا خاصًّا كالوَحْيِ الَّذِي جاءَ إبْراهِيمُ بِذَبْحِ ابْنِهِ، وتَكُونُ حِكْمَتُهُ في حَقِّ المُبْتَلى امْتِحانُهُ وابْتِلاؤُهُ لِيَنالَ دَرَجَةَ الصَّبْرِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ والرِّضا بِقَضائِهِ، وتَكُونُ حالُهُ في هَذا كَحالِ أبِيهِ يَعْقُوبَ في احْتِباسِ يُوسُفَ عَنْهُ، وهَذا مَعْلُومٌ مِن فِقْهِ القِصَّةِ وسِياقِها ومِن حالِ يُوسُفَ.
وَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] فَنَسَبَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَيْدَ إلى نَفْسِهِ كَما نَسَبَهُ إلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
وَقَدْ قِيلَ: إنّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ مَكْرًا وكَيْدًا واسْتِهْزاءً وخِداعًا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ ومَجازِ المُقابَلَةِ نَحْوُ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ونَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقِيلَ وهو أصْوَبُ: بَلْ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ حَقِيقَةً عَلى بابِهِ؛ فَإنَّ المَكْرَ إيصالُ الشَّيْءِ إلى الغَيْرِ بِطَرِيقٍ خَفِيٍّ، وكَذَلِكَ الكَيْدُ والمُخادَعَةُ، ولَكِنَّهُ نَوْعانِ: قَبِيحٌ وهو إيصالُ ذَلِكَ لِمَن لا يَسْتَحِقُّهُ، وحَسَنٌ وهو إيصالُهُ إلى مُسْتَحِقِّهِ عُقُوبَةً لَهُ؛ فالأوَّلُ مَذْمُومٌ والثّانِي مَمْدُوحٌ، والرَّبُّ تَعالى إنّما يَفْعَلُ مِن ذَلِكَ ما يُحْمَدُ عَلَيْهِ عَدْلًا مِنهُ وحِكْمَةً، وهو تَعالى يَأْخُذُ الظّالِمَ والفاجِرَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ لا كَما يَفْعَلُ الظَّلَمَةُ بِعِبادِهِ.
وَأمّا السَّيِّئَةُ فَهي فَيْعَلَةٌ مِمّا يَسُوءُ، ولا رَيْبَ أنَّ العُقُوبَةَ تَسُوءُ صاحِبَها؛ فَهي سَيِّئَةٌ لَهُ حَسَنَةٌ مِن الحَكَمِ العَدْلِ، وإذا عَرَفْتُ ذَلِكَ فَيُوسُفُ الصِّدِّيقُ كانَ قَدْ كِيدَ غَيْرَ مَرَّةٍ: أوَّلُها أنَّ إخْوَتَهُ كادُوا بِهِ كَيْدًا حَيْثُ احْتالُوا بِهِ في التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ، ثُمَّ إنّ امْرَأةَ العَزِيزِ كادَتْهُ بِما أظْهَرَتْ أنَّهُ راوَدَها عَنْ نَفْسِها ثُمَّ أُودِعَ السِّجْنَ، ثُمَّ إنّ النِّسْوَةَ كادُوهُ حَتّى اسْتَعاذَ.
بِاللَّهِ مِن كَيْدِهِنَّ فَصَرَفَهُ عَنْهُ، وقالَ لَهُ يَعْقُوبُ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] وقالَ الشّاهِدُ لِامْرَأةِ العَزِيزِ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]. وقالَ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] فَكادَ اللَّهُ لَهُ أحْسَنَ كَيْدٍ وألْطَفَهُ وأعْدَلَهُ، بِأنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ، وأخْرَجَهُ مِن أيْدِي إخْوَتِهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِمْ كَما أخْرَجُوا يُوسُفَ مِن يَدِ أبِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ، وكادَ لَهُ عِوَضَ كَيْدِ المَرْأةِ بِأنْ أخْرَجَهُ مِن ضِيقِ السِّجْنِ إلى فَضاءِ المُلْكِ، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ، وكانَ لَهُ في تَصْدِيقِ النِّسْوَةِ اللّاتِي كَذَّبْنَهُ وراوَدْنَهُ حَتّى شَهِدْنَ بِبَراءَتِهِ وعِفَّتِهِ، وكادَ لَهُ في تَكْذِيبِ امْرَأةَ العَزِيزِ لِنَفْسِها واعْتِرافِها بِأنَّها هي الَّتِي راوَدَتْهُ وأنَّهُ مِن الصّادِقِينَ؛ فَهَذِهِ عاقِبَةُ مَن صَبَرَ عَلى كَيْدِ الكائِدِ لَهُ بَغْيًا وعُدْوانًا.
[فَصْلٌ: مَكْرُ اللَّهِ تَعالى عَلى ضَرْبَيْنِ]
وَكَيْدُ اللَّهِ تَعالى لا يَخْرُجُ عَنْ نَوْعَيْنِ؛ أحَدُهُما وهو الأغْلَبُ: أنْ يَفْعَلَ تَعالى فِعْلًا خارِجًا عَنْ قُدْرَةِ العَبْدِ الَّذِي كادَ لَهُ؛ فَيَكُونُ الكَيْدُ قَدْرًا زائِدًا مَحْضًا لَيْسَ هو مِن بابٍ لا يَسُوغُ، كَما كادَ أعْداءَ الرُّسُلِ بِانْتِقامِهِ مِنهم بِأنْواعِ العُقُوباتِ، وكَذَلِكَ كانَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ؛ فَإنَّ أكْثَرَ ما أمْكَنَهُ أنْ يَفْعَلَ أنْ ألْقى الصُّواعَ، في رَحْلِ أخِيهِ، وأنْ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ بِسَرِقَتِهِمْ، فَلَمّا أنْكَرُوا قالَ: ﴿فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٧٤] أيْ جَزاءُ السّارِقِ أوْ جَزاءُ السَّرَقِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ جَزاؤُهُ نَفْسَ السّارِقِ، يَسْتَعْبِدُهُ المَسْرُوقُ مِنهُ إمّا مُطْلَقًا وإمّا إلى مُدَّةٍ، وهَذِهِ كانَتْ شَرِيعَةُ آلِ يَعْقُوبَ.
[إعْرابُ جُمْلَةٍ في قِصَّةِ يُوسُفَ]
ثُمَّ في إعْرابِ هَذا الكَلامِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ [يوسف: ٧٥] جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ قائِمَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] جُمْلَةٌ ثانِيَةٌ كَذَلِكَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى مُقَرِّرَةٌ لَها، والفَرْقُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ الأُولى إخْبارٌ عَنْ اسْتِحْقاقِ المَسْرُوقِ لِرَقَبَةِ السّارِقِ، والثّانِيَةَ إخْبارٌ أنَّ هَذا جَزاؤُهُ في شَرْعِنا وحُكْمِنا؛ فالأُولى إخْبارٌ عَنْ المَحْكُومِ عَلَيْهِ، والثّانِيَةُ إخْبارٌ عَنْ الحُكْمِ، وإنْ كانا مُتَلازِمَيْنِ، وإنْ أفادَتْ الثّانِيَةُ مَعْنى الحَصْرِ فَإنَّهُ لا جَزاءَ لَهُ غَيْرُهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤] الأوَّلَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، والمَعْنى جَزاءُ السّارِقِ أنَّ مَن وُجِدَ المَسْرُوقُ في رَحْلِهِ كانَ هو الجَزاءُ، كَما تَقُولُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ مَن سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ
وَجَزاءُ الأعْمالِ مَن عَمِلَ حَسَنَةً فَبِعَشْرٍ أوْ سَيِّئَةً فَبِواحِدَةٍ، ونَظائِرُهُ.
قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وإنَّما احْتَمَلَ الوَجْهَيْنِ ` لِأنَّ الجَزاءَ قَدْ يُرادُ بِهِ نَفْسُ الحُكْمِ بِاسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ، وقَدْ يُرادُ بِهِ نَفْسُ فِعْلِ العُقُوبَةِ، وقَدْ يُرادُ بِهِ نَفْسُ الألَمِ الواصِلِ إلى المُعاقَبِ؛ والمَقْصُودُ أنَّ إلْهامَ اللَّهِ لَهم هَذا الكَلامَ كَيْدٌ كادَهُ لِيُوسُفَ خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِ؛ إذْ قَدْ كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: لا جَزاءَ عَلَيْهِ حَتّى يَثْبُتَ أنَّهُ هو الَّذِي سَرَقَ؛ فَإنَّ مُجَرَّدَ وُجُودِهِ في رَحْلِهِ لا يُوجِبُ ثُبُوتَ السَّرِقَةِ، وقَدْ كانَ يُوسُفُ عادِلًا لا يَأْخُذُهم بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وقَدْ كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: يُفْعَلُ بِهِ ما يُفْعَلُ بِالسُّرّاقِ في دِينِكُمْ، وقَدْ كانَ في دِينِ مَلِكِ مِصْرَ - كَما قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ - أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ ويُغَرَّمَ قِيمَةَ المَسْرُوقِ مَرَّتَيْنِ، ولَوْ قالُوا ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يُلْزِمَهم بِما لا يُلْزِمُ بِهِ غَيْرَهُمْ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] أيْ ما كانَ يُمْكِنُهُ أخْذُهُ في دِينِ مَلِكِ مِصْرَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ في دِينِهِ طَرِيقٌ لَهُ إلى أخْذِهِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ إنْ شاءَ اللَّهُ أخَذَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، أوْ يَكُونَ مُتَّصِلًا عَلى بابِهِ، أيْ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ فَيُهَيِّئُ لَهُ سَبَبًا يُؤْخَذُ بِهِ في دِينِ المَلِكِ مِن الأسْبابِ الَّتِي كانَ الرَّجُلُ يُعْتَقَلُ بِها، فَإذا كانَ المُرادُ مِن الكَيْدِ فِعْلًا مِن اللَّهِ - بِأنْ يُيَسِّرَ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ المَظْلُومِ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ أُمُورًا يَحْصُلُ بِها مَقْصُودُهُ مِن الِانْتِقامِ مِن الظّالِمِ - كانَ هَذا خارِجًا عَنْ الحِيَلِ الفِقْهِيَّةِ؛ فَإنَّ كَلامَنا في الحِيَلِ الَّتِي يَفْعَلُها العَبْدُ، لا فِيما يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى، بِما في قِصَّةِ يُوسُفَ.
تَنْبِيهٌ عَلى بُطْلانِ الحِيَلِ وأنَّ مَن كادَ كَيْدًا مُحَرَّمًا؛ فَإنَّ اللَّهَ يَكِيدُهُ ويُعامِلُهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ وبِمِثْلِ عَمَلِهِ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في أرْبابِ الحِيَلِ المُحَرَّمَةِ أنَّهُ لا يُبارِكُ لَهم فِيما نالُوهُ بِهَذِهِ الحِيَلِ، ويُهَيِّئُ لَهم كَيْدًا عَلى يَدِ مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ يُجْزَوْنَ بِهِ مِن جِنْسِ كَيْدِهِمْ وحِيَلِهِمْ.
[ما تَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ يُوسُفَ]
وَفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ المُتَوَكِّلَ عَلى اللَّهِ إذا كادَهُ الخَلْقُ فَإنَّ اللَّهَ يَكِيدُ لَهُ ويَنْتَصِرُ لَهُ بِغَيْرِ حَوْلٍ مِنهُ ولا قُوَّةٍ.
وَفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ وُجُودَ المَسْرُوقِ بِيَدِ السّارِقِ كافٍ في إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ إقْرارِهِ، وهو أقْوى مِن البَيِّنَةِ، وغايَةُ البَيِّنَةِ أنْ يُسْتَفادَ مِنها ظَنٌّ، وأمّا وُجُودُ المَسْرُوقِ بِيَدِ السّارِقِ فَيُسْتَفادُ مِنهُ اليَقِينُ وبِهَذا جاءَتْ السُّنَّةُ في وُجُوبِ الحَدِّ بِالحَبَلِ والرّائِحَةِ في الخَمْرِ كَما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ، والِاحْتِجاجُ بِقِصَّةِ يُوسُفَ عَلى هَذا أحْسَنُ وأوْضَحُ مِن الِاحْتِجاجِ بِها عَلى الحِيَلِ.
وَفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العِلْمَ الخَفِيَّ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقاصِدِ الحَسَنَةِ مِمّا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ دَرَجاتِ العَبْدِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وغَيْرُهُ: بِالعِلْمِ، وقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنْ رَفْعِهِ دَرَجاتِ أهْلِ العِلْمِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] فَأخْبَرَ أنَّهُ يَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن يَشاءُ بِعِلْمِ الحُجَّةِ. وقالَ في قِصَّةِ يُوسُفَ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] فَأخْبَرَ أنَّهُ يَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن يَشاءُ بِالعِلْمِ الخَفِيِّ الَّذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ صاحِبُهُ إلى المَقاصِدِ المَحْمُودَةِ، وقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] فَأخْبَرَ أنَّهُ يَرْفَعُ دَرَجاتِ أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ.
فَصْلٌ [النَّوْعُ الثّانِي مِن كَيْدِ اللَّهِ تَعالى لِعَبْدِهِ]
النَّوْعُ الثّانِي مِن كَيْدِهِ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ: هو أنْ يُلْهِمَهُ تَعالى أمْرًا مُباحًا أوْ مُسْتَحَبًّا أوْ واجِبًا يُوَصِّلُهُ بِهِ إلى المَقْصُودِ الحَسَنِ؛ فَيَكُونُ عَلى هَذا إلْهامُهُ لِيُوسُفَ أنْ يَفْعَلَ ما فَعَلَ هو مِن كَيْدِهِ تَعالى أيْضًا، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] فَإنَّ فِيها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِلْمَ الدَّقِيقَ المُوَصِّلَ إلى المَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ صِفَةُ مَدْحٍ، كَما أنَّ العِلْمَ الَّذِي يَخْصِمُ بِهِ المُبْطِلَ صِفَةُ مَدْحٍ؛ وعَلى هَذا فَيَكُونُ مِن الكَيْدِ ما هو مَشْرُوعٌ، لَكِنْ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكَيْدُ الَّذِي تُسْتَحَلُّ بِهِ المُحَرَّماتُ أوْ تُسْقَطُ بِهِ الواجِباتُ؛ فَإنَّ هَذا كَيْدٌ لِلَّهِ، واللَّهُ هو الَّذِي يَكِيدُ الكائِدَ، ومُحالٌ أنْ يَشْرَعَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُكادَ دِينُهُ، وأيْضًا فَإنَّ هَذا الكَيْدَ لا يَتِمُّ إلّا بِفِعْلِ يُقْصَدُ بِهِ غَيْرَ مَقْصُودِهِ الشَّرْعِيِّ، ومُحالٌ أنْ يَشْرَعَ اللَّهُ لِعَبْدِهِ أنْ يَقْصِدَ بِفِعْلِهِ ما لَمْ يَشْرَعْ اللَّهُ ذَلِكَ الفِعْلَ لَهُ.
فَهَذا هو الجَوابُ عَنْ احْتِجاجِ المُتَحَيِّلِينَ بِقِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّها مِن أعْظَمِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
يوسف 12:72
[فصل: في ضَمانُ ما لا يَجِبُ]
يَصِحُّ ضَمانُ ما لا يَجِب كَقَوْلِهِ: " ما أعْطَيْت لِفُلانٍ فَهو عَلَيَّ " عِنْدَ الأكْثَرِينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ في قَوْلِ مُؤَذِّنِ يُوسُفَ: ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]
والمَصْلَحَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، بَلْ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ الحاجَةُ أوْ الضَّرُورَةُ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ لا يَجُوزُ، وسَلِمَ جَوازُهُ إذا تَبَيَّنَ سَبَبُ وُجُوبِهِ كَدَرَكِ المَبِيعِ.
والحِيلَةُ في جَوازِهِ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّهُ إذا رَضِيَ بِأنْ يَلْتَزِمَ عَنْهُ مِقْدارًا لَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ يُقِرَّ المَضْمُونُ عَنْهُ بِهِ لِلدّافِعِ ثُمَّ يَضْمَنَهُ عَنْهُ الضّامِنُ، فَإنْ خَشِيَ المُقِرُّ أنْ يُطالِبَهُ المُقَرُّ لَهُ بِذَلِكَ ولا يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فالحِيلَةُ أنْ يَقُولَ: هو عَلَيَّ مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أقْبِضْهُ، فَإنْ تَحَرَّجَ مِن الإخْبارِ بِالكَذِبِ فالحِيلَةُ أنْ يَبِيعَهُ ما يُرِيدُ أخْذَهُ مِنهُ بِالمَبْلَغِ الَّذِي التَزَمَ الضّامِنُ أداءَهُ، فَإذا صارَ في ذِمَّتِهِ ضَمِنَهُ عَنْهُ، وهَذا الحُكْمُ إذا زَوَّجَ ابْنَهُ أوْ عَبْدَهُ أوْ أجِيرَهُ وضَمِنَ لِلْمَرْأةِ نَفَقَتَها وكِسْوَتَها فالصَّحِيحُ في هَذا كُلِّهِ جَوازُ الضَّمانِ، والحاجَةُ تَدْعُو إلَيْهِ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ، ولَيْسَ بِعَقْدِ مُعاوَضَةٍ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ الجَهالَةُ، وعُقُودُ الِالتِزامِ لا تُؤَثِّرُ فِيها الجَهالَةُ كالنَّذْرِ، ثُمَّ يُمْكِنُ رَفْعُ الجَهالَةِ بِأنْ يَحُدَّ لَهُ حَدًّا فَيَقُولَ: مِن دِرْهَمٍ إلى كَذا وكَذا.
فَإنْ قِيلَ: ما بَيْنَ الدِّرْهَمِ والغايَةِ مَجْهُولٌ لا يَدْرِي كَمْ يَلْزَمُهُ مِنهُ.
قِيلَ: لا يَقْدَحُ ذَلِكَ في جَوازِ الِالتِزامِ؛ لِأنَّهُ يَتَبَيَّنُ في الآخَرِ كَمْ هو الواجِبُ مِنهُ، ثُمَّ لَوْ أقَرَّ بِذَلِكَ فَقالَ: " لَهُ عَلَيَّ ما بَيْنَ دِرْهَمٍ إلى ألْفٍ " صَحَّ؛ فَهَكَذا إذا قالَ: " ضَمِنت عَنْهُ ما بَيْنَ دِرْهَمٍ إلى ألْفٍ ".
فَإنْ قِيلَ: الضّامِنُ فَرْعٌ عَلى المَضْمُونِ عَنْهُ، فَإذا كانَ الأصْلُ لَمْ يَثْبُتْ في ذِمَّتِهِ شَيْءٌ فَعَلى أيِّ شَيْءٍ يَنْبَنِي الضَّمانُ ويَتَفَرَّعُ؟ قِيلَ: إنّما يَصِيرُ ضامِنًا إذا ثَبَتَ في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عَنْهُ، وإلّا في الحالِ فَلَيْسَ هو ضامِنًا. وإنْ صَحَّ أنْ يُقالَ: " هو ضامِنٌ بِالقُوَّةِ " فَفي الحَقِيقَةِ هو ضَمانٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ، وذَلِكَ جائِزٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:77
[فَصْلٌ: قِياسُ الشَّبَهِ]
وَأمّا قِياسُ الشَّبَهِ فَلَمْ يَحْكِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلّا عَنْ المُبْطِلِينَ؛ فَمِنهُ قَوْله تَعالى إخْبارًا عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ أنَّهم قالُوا لَمّا وجَدُوا الصُّواعَ في رَحْلِ أخِيهِمْ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]
فَلَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ بِعِلَّةٍ ولا دَلِيلِها، وإنَّما ألْحَقُوا أحَدَهُما بِالآخَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ جامِعٍ سِوى مُجَرَّدِ الشَّبَهِ الجامِعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَقالُوا: هَذا مَقِيسٌ عَلى أخِيهِ، بَيْنَهُما شَبَهٌ مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، وذاكَ قَدْ سَرَقَ فَكَذَلِكَ هَذا، وهَذا هو الجَمْعُ بِالشَّبَهِ الفارِغِ، والقِياسِ بِالصُّورَةِ المُجَرَّدَةِ عَنْ العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّساوِي، وهو قِياسٌ فاسِدٌ، والتَّساوِي في قَرابَةِ الأُخُوَّةِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلتَّساوِي في السَّرِقَةِ لَوْ كانَتْ حَقًّا، ولا دَلِيلَ عَلى التَّساوِي فِيها؛ فَيَكُونُ الجَمْعُ لِنَوْعِ شَبَهٍ خالٍ عَنْ العِلَّةِ ودَلِيلِها.
يوسف 12:84
وقال همام عن قتادة في قوله تعالى ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ قال كظم على حزن فلم يقل إلا خيرا.
وقال يحيى بن المختار عن الحسن الكظيم الصبور.
وقال همام عن قتادة في قوله تعالى ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ أي كميد أي كمد الحزن.
وقال الحسن ما جرعتين أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة محزنة ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر وجرعة غيظ ردها بحلم.
[فصل: حَقِيقَةُ الغَيْبَةِ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ:
(بابُ الغَيْبَةِ) قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وَجْهُ اسْتِدْلالِهِ بِإشارَةِ الآيَةِ أنَّ يَعْقُوبَ ﷺ لَمّا امْتَلَأ قَلْبُهُ بِحُبِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذِكْرِهِ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ أخِيهِ، مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِمُصِيبَةِ فِراقِهِ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ مَعَ ذَلِكَ ولَمْ يَتَأسَّفْ عَلَيْهِ غَيْبَةً عَنْهُ بِمَحَبَّةِ يُوسُفَ واسْتِيلائِهِ عَلى قَلْبِهِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] لَكانَ دَلِيلًا أيْضًا، فَإنَّ مُشاهَدَتَهُ في تِلْكَ الحالِ غَيَّبَ عَنِ النِّسْوَةِ السَّكاكِينَ وما يَقْطَعْنَ بِهِنَّ، حَتّى قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ولا يَشْعُرْنَ، وذَلِكَ مِن قُوَّةِ الغَيْبَةِ.
يوسف 12:86
(فائِدَة)
الجاهِل يشكو الله إلى النّاس وهَذا غايَة الجَهْل بالمشكو والمشكو إلَيْهِ، فَإنَّهُ لَو عرف ربه لما شكاه ولَو عرف النّاس لما شكا إلَيْهِم.
وَرَأى بعض السّلف رجلا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته فَقالَ يا هَذا والله ما زِدْت على أن شَكَوْت من يَرْحَمك.
وَفِي ذَلِك قيل
؎إذا شَكَوْت إلى ابْن آدم إنَّما ∗∗∗ تَشْكُو الرَّحِيم إلى الَّذِي لا يرحم
والعارف إنَّما يشكو إلى الله وحده وأعرف العارفين من جعل شكواه إلى الله من نَفسه لا من النّاس فَهو يشكو من مُوجبات تسليط النّاس عَلَيْهِ فَهو ناظر إلى قَوْله تَعالى ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَما كسبت أيْدِيكُم﴾ وقَوله ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفسك﴾ وقَوله ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا {قُلْ هو مِن عند أنفسكُم﴾
فالمراتب ثَلاثَة أخسها أن تَشْكُو الله إلى خلقه، وأعلاها أن تَشْكُو نَفسك إلَيْهِ، وأوسطها أن تَشْكُو خلقه إلَيْهِ.
(فصل)
الشكوى نوعان أحدهما الشكوى إلى الله فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ مع قوله ﴿فصبر جميل﴾ وقال أيوب ﴿مسني الضر﴾ مع وصف الله له بالصبر.
وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه "اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي ... الخ".
وقال موسى صلوات الله وسلامه عليه "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك".
والنوع الثاني شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله فالفرق بين شكواه والشكوى إليه وسنعود لهذه المسألة في باب اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما إن شاء الله تعالى.
وقيل الصبر شجاعة النفس ومن ها هنا أخذ القائل قوله الشجاعة صبر ساعة وقيل الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب والصبر والجزع ضدان ولهذا يقابل أحدهما بالآخر قال تعالى عن أهل النار: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ والجزع قرين العجز وشقيقه والصبر قرين الكيس ومادته فلو سئل الجزع من أبوك لقال العجز ولو سئل الكيس من أبوك لقال الصبر والنفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام للمطيه فإن لم يكن للمطيه خطام ولا زمام شردت في كل مذهب.
وحفظ من خطب الحجاج "اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله امرءا جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها عن معاصي الله فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه".
قلت: والنفس فيها قوتان قوة الإقدام وقوة الإحجام فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه وقوة الإحجام إمساكا عما يضره ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن داعي
هواه إلى ارتكاب ما نهى عنه، ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات، ومنهم من لا صبر له على هذا ولا ذاك، وأفضل الناس أصبرهم على النوعين فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة الصيام، ولا يصبر عن نظرة محرمة.
وكثير من الناس يصبر عن النظر وعن الالتفات إلى الصور، ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين، بل هو أضعف شيء عن هذا وأعجزه.
وأكثرهم لا صبر له على واحد من الأمرين وأقلهم أصبرهم في الموضعين.
وقيل "الصبر ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوة"
ومعنى هذا أن الطبع يتقاضى ما يحب وباعث العقل والدين يمنع منه والحرب قائمة بينهما وهو سجال ومحرك هذا الحرب قلب العبد والصبر والشجاعة والثبات.
يوسف 12:96
(فائدة بديعة: دخول (أن) على الفعل)
في دخول أن على الفعل دون الاكتفاء بالمصدر ثلاث فوائد أحدها: أن المصدر قد يكون فيما مضى وفيما هو آت وليس في صيغته ما يدل عليه فجاءوا بلفظ الفعل المشتق منه مع أن ليجتمع لهم الإخبار عن الحدث مع الدلالة على الزمان
الثانية: أن تدل على إمكان الفعل دون الوجوب والاستحالة
الثالثة: أنها تدل على مجرد معنى الحدث دون احتمال معنى زائد عليه ففيها تحصين من الإشكال وتخليص له من شوائب الإجمال بيانه أنك إذا قلت كرهت خروجك وأعجبني قدومك احتمل الكلام معاني منها أن يكون نفس القدوم هو المعجب لك دون صفة من صفاته وهيأته وإن كان لا يوصف في الحقيقة بصفات ولكنها عبارة عن الكيفيات واحتمل أيضا أنك تريد أنه أعجبك سرعته أو بطؤه، أو حالة من حالاته فإذا قلت أعجبني أن قدمت كانت أن على الفعل بمنزلة الطبايع والصواب من عوارض الإجمالات المتصورة في الأذهان، وكذلك زادوا (أن) بعد (لما) في قولهم: لما أن جاء زيد أكرمتك.
ولم يزيدوها بغير ظرف سوى (لما).
وذلك أن لما ليست في الحقيقة ظرف زمان، ولكنه حرف يدل على ارتباط الفعل الثاني بالأول، وأن أحدهما كالعلة للآخر بخلاف الظرف إذا قلت: حين قام زيد قام عمرو، فجعلت أحدهما وقتا للآخر على اتفاق لا على ارتباط.
فلذلك زادوا (أن) بعدها صيانة لهذا المعنى، وتخليصا له من الاحتمال العارض في الظرف، إذ ليس الظرف من الزمان بحرف فيكون قد جاء لمعنى كما جاءت لما تركيب لما.
وقد زعم الفارسي أنها مركبة من (لم وما)
وقال السهيلي: ولا أدري ما وجه قوله: وهي عندي من الحروف التي في لفظها شبه من الاشتقاق وإشارة إلى مادة هي مأخوذة منها نحو: ما تقدم في سوف وثم لأنك تقول لممت الشيء لما إذا ضممت بعضه إلى بعض وهذا نحو من هذا المعنى الذي سيقت إليه لأنه ربط فعل بفعل على جهة التسبيب أو التعقيب فإذا كان التسبيب حسن إدخال أن بعدها زائدة إشعارا بمعنى المفعول من أجله وإن لم يكن مفعولا من أجله نحو قوله: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ ونحوه وإذا كان التعقيب مجردا من التسبب لم يحسن زيادة أن بعدها وتأمله في القرآن الكريم أن التفسيرية وأن المصدرية
وأما (أن) التي للتفسير فليست مع ما بعدها بتأويل المصدر، ولكنها تشارك (أن) التي تقدم ذكرها في بعض معانيها لأنها تحصين لما بعدها من الاحتمالات، وتفسير لما قبلها من المصادر المجملة التي في معنى المقالات والإشارات، فلا يكون تفسيرا إلا لفعل في معنى التراجم الخمسة الكاشفة عن كلام النفس، لأن الكلام القائم في النفس والغائب عن الحواس في الأفئدة يكشفه للمخاطبين خمسة أشياء:
اللفظ والخط والإشارة والعقد والنصب، وهي لسان الحال وهي أصدق من لسان المقال فلا تكون (أن) المفسرة إلا تفسيرا لما أجمل من هذه الأشياء، كقولك: كتبت إليه أن اخرج، وأشرت إليه اذهب
﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾
وأوصيته أن اشكر، وعقدت في يدي أن قد أخذت بخمسين، وزريت على حائطي أن لا يدخلوه.
ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَوَضَعَ المِيزانَ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾
هي هاهنا لتفسير النصبة التي هي لسان الحال.
وإذا كان الأمر فيها كذلك فهي بعينها التي تقدم ذكرها، لأنها إذا كانت تفسيرا فإنما تفسر الكلام، والكلام مصدر فهي إذا في تأويل مصدر، إلا أنك أوقعت بعدها الفعل بلفظ الأمر والنهي، وذلك مزيد فائدة، ومزيد الفائدة لا تخرج الفعل عن كونه فعلا فلذلك لا تخرج عن كونها مصدرية، كما لا يخرجها عن ذلك صيغة المضي والاستقبال بعدها إذا قلت: يعجبني أن تقوم، وأن قمت.
فكأنهم إنما قصدوا إلى ماهية الحدث مخبرا عن الفاعل لا الحدث مطلقا، ولذلك لا تكون مبتدأة وخبرها في ظرف أو مجرور لأن المجرور لا يتعلق بالمعنى الذي يدل عليه (أن) ولا الذي من أجله صيغ الفعل، واشتق من المصدر، وإنما يتعلق المجرور بالمصدر نفسه مجردا من هذا المعنى كما تقدم.
فلا يكون خبرا عن أن المتقدمة وإن كانت في تأويل اسم وكذلك أيضا لا يخبر عنها بشيء مما هو من صفة للمصدر كقولك: قيام سريع أو بطيء ونحوه، لا يكون مثل هذا خبرا عن المصدر.
فإن قلت: حسن أن تقوم، وقبح أن تفعل جاز ذلك لأنك تريد بها معنى المفعول كأنك تقول: أستحسن هذا أو أستقبحه.
وكذلك إذا قلت لأن تقوم خير من أن تقعد. جاز لأنه ترجيح وتفصيل فكأنك تأمره بأن يفعل ولست بمخبر عن الحدث بدليل امتناع ذلك في المضي فإنك لا تقول: إن قمت خير من أن قعد، ولا إن قام زيد خير من أن قعد.
وامتناع هذا دليل على ما قدمناه من أن الحدث هو الذي يخبر عنه.
وأما (أن) وما بعدها فإنها وإن كانت في تأويل المصدر فإن لها معنى زائدا، ولا يجوز الإخبار عنه ولكنه يراد ويلزم يؤمر به، فإن وجدتها مبتدأة ولها خبر فليس الكلام على ظاهره كما تقدم تركيب (لن).
يوسف 12:100
وَقَوْلُ يُوسُفَ لِأبِيهِ وإخْوَتِهِ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
وَلَمْ يَقُلْ: أخْرَجَنِي مِنَ الجُبِّ، حِفْظًا لِلْأدَبِ مَعَ إخْوَتِهِ. وتَفَتِّيًا عَلَيْهِمْ: أنْ لا يُخْجِلَهم بِما جَرى في الجُبِّ.
وَقالَ ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: رَفَعَ عَنْكم جُهْدَ الجُوعِ والحاجَةَ. أدَبًا مَعَهم.
وَأضافَ ما جَرى إلى السَّبَبِ. ولَمْ يُضِفْهُ إلى المُباشِرِ الَّذِي هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِنهُ. فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾
فَأعْطى الفُتُوَّةَ والكَرْمَ والأدَبَ حَقَّهُ. ولِهَذا لَمْ يَكُنْ كَمالُ هَذا الخُلُقِ إلّا لِلرُّسُلِ والأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ.
وَمِن هَذا أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلَ: أنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ، وإنْ كانَ خالِيًا لا يَراهُ أحَدٌ، أدَبًا مَعَ اللَّهِ، عَلى حَسَبِ القُرْبِ مِنهُ، وتَعْظِيمِهِ وإجْلالِهِ، وشِدَّةِ الحَياءِ مِنهُ، ومَعْرِفَةِ وقارِهِ.
وَقالَ بَعْضُهُمُ: الزَمِ الأدَبَ ظاهِرًا وباطِنًا. فَما أساءَ أحَدٌ الأدَبَ في الظّاهِرِ إلّا عُوقِبَ ظاهِرًا.
وَما أساءَ أحَدٌ الأدَبَ باطِنًا إلّا عُوقِبَ باطِنًا.
وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن تَهاوَنَ بِالأدَبِ عُوقِبَ بِحِرْمانِ السُّنَنِ. ومَن تَهاوَنَ بِالسُّنَنِ. عُوقِبَ بِحِرْمانِ الفَرائِضِ. ومَن تَهاوَنَ بِالفَرائِضِ عُوقِبَ بِحِرْمانِ المَعْرِفَةِ.
وَقِيلَ: الأدَبُ في العَمَلِ عَلامَةُ قَبُولِ العَمَلِ.
(فصل)
قول يوسف الصديق: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
فأخبر أنه يلطف لما يريده فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية ومنه التلطف كما قال أهل الكهف: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ فكان ظاهر ما امتحن به يوسف من مفارقة أبيه وإلقائه في السجن وبيعه رقيقا ثم مراودة التي هو في بيتها عن نفسه وكذبها عليه وسجنه محنا ومصائب وباطنها نعما وفتحا جعلها الله سببا لسعادته في الدنيا والآخرة.
يوسف 12:101
جمعت هَذِه الدعْوَة الإقْرار بِالتَّوْحِيدِ والاستلام للرب وإظْهار الافتقار إلَيْهِ والبراءة من مُوالاة غَيره سُبْحانَهُ وكَون الوَفاة على الإسْلام أجلّ غايات العَبْد وأن ذَلِك بيد الله لا بيد العَبْد والِاعْتِراف بالمعاد وطلب مرافقة السُّعَداء.
يوسف 12:103
(فصل)
فإن قيل فما الحكمة في كون الكفار أكثر من المؤمنين وأهل النار أضعاف أضعاف أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
وقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقال: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ وقال: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
وبعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد إلى الجنة وكيف نشأ هذا عن الرحمة الغالبة وعن الحكمة البالغة وهلا كان الأمر بالضد من ذلك؟
قيل هذا السؤال من أظهر الأدلة على قول الصحابة والتابعين في هذه المسألة وأن الأمر يعود إلى الرحمة التي وسعت كل شيء وسبقت الغضب وغلبته وعلى هذا فاندفع السؤال بالكلية ثم نقول المادة الأرضية اقتضت حصول التفاوت في النوع الإنساني كما في المسند والترمذي عنه ﷺ: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فكان منهم الخبيث والطيب والسهل والحزن وغير ذلك"
فاقتضت مادة النوع الإنساني تفاوتهم في أخلاقهم وإراداتهم وأعمالهم ثم اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن ابتلى المخلوق من هذه المادة بالشهوة والغضب والحب والبغض ولوازمها، وابتلاه بعدوه الذي لا يألوه خبالا ولا يغفل عنه ثم ابتلاه مع ذلك بزينة الدنيا وبالهوى الذي أمر بمخالفته هذا على ضعفه وحاجته وزين له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وأمره بترك قضاء أوطاره وشهواته في هذه الدار الحاضرة العتيدة المشاهدة إلى دار أخرى غايته إنما تحصل فيها بعد طي الدنيا والذهاب بها وكان مقتضى الطبيعة الإنسانية أن لا يثبت على هذا الابتلاء أحد وأن يذهب كلهم مع ميل الطبع ودواعي الغضب والشهوة فلم يحل بينهم وبين ذلك خالقهم وفاطرهم بل أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين لهم مواقع رضاه وغضبه ووعدهم على مخالفة هواهم وطبائعهم أكمل اللذات في دار النعيم فلم تقو عقول الأكثرين على إيثار الآجل المنتظر بعد زوال الدنيا على هذا العاجل الحاضر المشاهد وقالوا كيف يباع نقد حاضر وهو قبض باليد بنسيئة مؤخرة وعدنا بحصولها بعد طي الدنيا وخراب العالم ولسان حال أكثرهم يقول "خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به" فساعد التوفيق الإلهي من علم أنه يصلح لمواقع فضله فأمده بقوة إيمان وبصيرة رأى في ضوءها حقيقة الآخرة ودوامها وما أعد الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته ورأى حقيقة الدنيا وسرعة انقضائها وقله وفائها وظلم شركائها وأنها كما وصفها الله سبحانه لعب ولهو وتفاخر بين أهلها وتكاثر في الأموال والأولاد وأنها كغيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما فنشأنا في هذه الدار ونحن منها وبنوها لا نألف غيرها وحكمت العادات وقهر السلطان الهوى وساعده داعي النفوس وتقاضاه موجب الطباع وغلب الحس على العقل وكانت الدولة له والناس على دين الملك ولا ريب أن الذي يخرق هذه الحجب ويقطع هذه العلائق ويخالف العوائد ولا يستجيب لدواعي الطبع ويعصي سلطان الهوى لا يكون إلا الأقل ولهذا كانت المادة النارية أقل اقتضاء لهذا الصنف من المادة الترابية لخفة النار وطيشها وكثرة نقلتها وسرعة حركتها وعدم ثباتها والماء المادة الملكية فتر به من ذلك فلذلك كان المخلوق خيرا كله فالعقلاء المخاطبون مخلوقون من هذه المواد الثلاث واقتضت الحكمة أن يكونوا على هذه الصفة والخلقة ولو كانوا على غير ذلك لم يحصل مقصود الامتحان والابتلاء وتنوع العبودية وظهور آثار الأسماء والصفات فلو كان أهل الإيمان والخير هم الأكثرين الغالبين لفاتت مصلحة الجهاد وتوابعه التي هي من أجل أنواع العبودية وفات الكمال المترتب على ذلك فلا أحسن مما اقتضاه حكمة أحكم الحاكمين في المخلوق من هذه المواد ثم أنه سبحانه يخلص ما في المخلوق من تينك المادتين من الخبث والشر ويمحصه ويستخرج طيبه إلى دار الطيبين ويلقي خبثه حيث تلقى الخبائث والأوساخ وهذا غاية الحكمة كما هو الواقع في جواهر المعادن المنتفع بها من الذهب والفضة والحديد والصفر فخلاصة هذه المواد وطيبها أقل من وسخها وخبثها والناس زرع الأرض والخير الصافي من الزرع بعد زوانه وقصله وعصفه وتبنه أقل من بقية الأجزاء وتلك الأجزاء كالصور له والوقاية كالحطب والشوك للثمر والتراب والحجارة للمعادن النفيسة.
يوسف 12:108
قال الفراء: وجماعة «ومن اتبعني» معطوف على الضمير في «أدعو» يعني أنا ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو، وهذا قول الكلبي، قال: حق على كل من أتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة.
ويقوى هذا القول من وجوه كثيرة:
قال ابن الأنباري: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله «إلى الله» ثم يبتدئ بقوله «على بصيرة أنا ومن اتبعني» فيكون الكلام على قوله جملتين، أخبر في أولاهما أنه يدعو إلى الله، وفي الثانية: بأنه مع أتباعه على بصيرة، والقولان متلازمان فلا يكون الرجل من أتباعه حقا حتى يدعو إلى ما دعا إليه ويكون على بصيرة.
وقول الفراء أحسن وأقرب إلى الفصاحة والبلاغة.
وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها: فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد أقصى يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم: أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء.
(فائدة)
قَوْله تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾
أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَن اتَّبَعَ الرَّسُولَ يَدْعُو إلى اللَّهِ، ومَن دَعا إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ وجَبَ اتِّباعُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيما حَكاهُ عَنْ الجِنِّ ورَضِيَهُ: ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] ولِأنَّ مَن دَعا إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ فَقَدْ دَعا إلى الحَقِّ عالِمًا بِهِ، والدُّعاءُ إلى أحْكامِ اللَّهِ دُعاءٌ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ دُعاءٌ إلى طاعَتِهِ فِيما أمَرَ ونَهى، وإذًا فالصَّحابَةُ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَدْ اتَّبَعُوا الرَّسُولَ ﷺ فَيَجِبُ اتِّباعُهم إذا دَعَوْا إلى اللَّهِ.
(فصل)
قَوله تَعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى الله على بَصِيرَة أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾
وَسَواء كانَ المَعْنى أنا ومن اتبعني يَدْعُو إلى الله على بَصِيرَة أو كانَ الوَقْف عند قَوْله ﴿أدْعُو إلى الله﴾ ثمَّ يَبْتَدِئ ﴿على بَصِيرَة أنا ومن اتبعني﴾ فالقولان متلازمان فَإنَّهُ أمره سُبْحانَهُ أن يخبر أن سَبيله الدعْوَة إلى الله فَمن دَعا إلى الله تَعالى فَهو على سَبِيل رَسُوله ﷺ وهو على بَصِيرَة وهو من أتْباعه ومن دَعا إلى غير ذَلِك فَلَيْسَ على سَبيله ولا هو على بَصِيرَة ولا هو من أتْباعه.
فالدعوة إلى الله تَعالى هي وظِيفَة المُرْسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرُّسُل في أممهم والنّاس تبع لَهُم والله سُبْحانَهُ قد أمر رَسُوله أن يبلغ ما أنزل إلَيْهِ وضمن لَهُ حفظه وعصمته من النّاس وهَكَذا المبلغون عَنهُ من أمته لَهُم من حفظ الله وعصمته إيّاهُم بِحَسب قيامهم بِدِينِهِ وتبليغهم لَهُم وقد أمر النَّبِي ﷺ بالتبليغ عَنهُ ولَو آيَة ودعا لمن بلغ عَنهُ ولَو حَدِيثا وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تَبْلِيغ السِّهام إلى نحور العَدو لِأن ذَلِك التَّبْلِيغ يَفْعَله كثير من النّاس وأما تَبْلِيغ السّنَن فَلا تقوم بِهِ إلّا ورَثَة الأنْبِياء وخلفاؤهم في أممهم جعلنا الله تَعالى مِنهُم بمنه وكَرمه.
وهم كَما قالَ فيهم عمر بن الخطاب رَضِي الله عَنهُ في خطبَته الَّتِي ذكرها ابْن وضاح في كتاب الحَوادِث والبدع لَهُ قالَ الحَمد لله الَّذِي أمتن على العباد بِأن جعل في كل زمان فَتْرَة من الرُّسُل بقايا من أهل العلم يدعونَ من ضل إلى الهدى ويصبرون مِنهُم على الأذى ويحيون بِكِتاب الله أهل العَمى، كم من قَتِيل لإبليس قد أحيوه، وضال تائه قد هدوه، بذلوا دِماءَهم وأمْوالهمْ دون هلكة العباد، فَما أحسن أثَرهم على النّاس، وأقبح أثر النّاس عَلَيْهِم، يقبلونهم في سالف الدَّهْر وإلى يَوْمنا هَذا فَما نسيهم رَبك ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾
وَجعل قصصهم هدى وأخْبر عَن حسن مقالتهم فَلا تقصر عَنْهُم فَإنَّهُم في منزلَة رفيعة وإن أصابَتْهُم الوضيعة.
وَقالَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ "إن لله عند كل بِدعَة كيد بها الإسْلام وليا من أوليائه يذب عَنْها وينطق بعلاماتها فاغتنموا حُضُور تِلْكَ المواطن وتوكلوا على الله"
وَيَكْفِي في هَذا قَول النَّبِي ﷺ لعَلي رَضِي الله عَنهُ "لِأن يهدي الله بك رجلا واحِدًا خير لَك من حمر النعم"
وَقَوله ﷺ من أحْيا شَيْئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنَّة كهاتين وضم بَين أصبعيه
وَقَوله ﷺ من دَعا إلى هدى فاتبع عَلَيْهِ كانَ لَهُ مثل أجر من تبعه إلى يَوْم القِيامَة
فَمَتى يدْرك العامِل هَذا الفضل العَظِيم والحظ الجسيم بِشَيْء من عمله وإنَّما ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشاء والله ذُو الفضل العَظِيم فحقيق بالمبلغ عَن رَسُول الله ﷺ الَّذِي أقامَهُ الله سُبْحانَهُ في هَذا المقام أن يفْتَتح كَلامه بِحَمْد الله تَعالى والثناء عَلَيْهِ وتمجيده والِاعْتِراف لَهُ بالوحدانية وتعريف حُقُوقه على العباد ثمَّ بِالصَّلاةِ على رَسُول الله ﷺ وتمجيده والثناء عَلَيْهِ أن يختمه أيْضا بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ ﷺ تَسْلِيمًا.
[فَصْلٌ: عُلَماءُ الأُمَّةِ عَلى ضَرْبَيْنِ]
وَلَمّا كانَتْ الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ والتَّبْلِيغُ عَنْ رَسُولِهِ شِعارُ حِزْبِهِ المُفْلِحِينَ، وأتْباعِهِ مِن العالَمِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] وكانَ التَّبْلِيغُ عَنْهُ مِن عَيْنِ تَبْلِيغِ ألْفاظِهِ وما جاءَ بِهِ وتَبْلِيغِ مَعانِيهِ كانَ العُلَماءُ مِن أُمَّتِهِ مُنْحَصِرِينَ في قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: حُفّاظُ الحَدِيثِ، وجَهابِذَتُهُ، والقادَةُ الَّذِينَ هم أئِمَّةُ الأنامِ وزَوامِلُ الإسْلامِ، الَّذِينَ حَفِظُوا عَلى الأئِمَّةِ مَعاقِدَ الدِّينِ ومَعاقِلَهُ، وحَمَوْا مِن التَّغْيِيرِ والتَّكْدِيرِ مَوارِدَهُ ومَناهِلَهُ، حَتّى ورَدَ مَن سَبَقَتْ لَهُ مِن اللَّهِ الحُسْنى تِلْكَ المَناهِلَ صافِيَةً مِن الأدْناسِ لَمْ تَشُبْها الآراءُ تَغْيِيرًا، ووَرَدُوا فِيها ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، وهم الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في خُطْبَتِهِ المَشْهُورَةِ في كِتابِهِ في الرَّدِّ عَلى الزَّنادِقَةِ والجَهْمِيَّةِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في كُلِّ زَمانِ فَتْرَةٍ مِن الرُّسُلِ بَقايا مِن أهْلِ العِلْمِ يَدْعُونَ مَن ضَلَّ إلى الهُدى، ويَصْبِرُونَ مِنهم عَلى الأذى، ويُحْيُونَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى المَوْتى، ويُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أهْلَ العَمى، فَكَمْ مِن قَتِيلٍ لِإبْلِيسٍ قَدْ أحْيَوْهُ، وكَمْ مِن ضالٍّ تائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ، فَما أحْسَنَ أثَرَهم عَلى النّاسِ وما أقْبَحَ أثَرَ النّاسِ عَلَيْهِمْ، يَنْفُونَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَحْرِيفَ الغالِينَ، وانْتِحالِ المُبْطِلِينَ، وتَأْوِيلِ الجاهِلِينَ، الَّذِينَ عَقَدُوا ألْوِيَةَ البِدْعَةِ، وأطْلَقُوا عَنانَ الفِتْنَةِ، فَهم مُخْتَلِفُونَ في الكِتابِ، مُخالِفُونَ لِلْكِتابِ، مُجْمِعُونَ عَلى مُفارَقَةِ الكِتابِ، يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ وفي اللَّهِ وفي كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، يَتَكَلَّمُونَ بِالمُتَشابِهِ مِن الكَلامِ، ويَخْدَعُونَ جُهّالَ النّاسِ بِما يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ؛ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ المُضِلِّينَ القِسْمُ الثّانِي: فُقَهاءُ الإسْلامِ، ومَن دارَتْ الفُتْيا عَلى أقْوالِهِمْ بَيْنَ الأنامِ، الَّذِينَ خُصُّوا بِاسْتِنْباطِ الأحْكامِ، وعَنَوْا بِضَبْطِ قَواعِدِ الحَلالِ والحَرامِ؛ فَهم في الأرْضِ بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ في السَّماءِ، بِهِمْ يَهْتَدِي الحَيْرانُ في الظَّلْماءِ، وحاجَةُ النّاسِ إلَيْهِمْ أعْظَمُ مِن حاجَتِهِمْ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ، وطاعَتُهم أفْرَضَ عَلَيْهِمْ مِن طاعَةِ الأُمَّهاتِ والآباءِ بِنَصِّ الكِتابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: ٥٩] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وأبُو العالِيَةِ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ: أُولُو الأمْرِ هم العُلَماءُ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ.
وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ في الرِّوايَةِ الأُخْرى وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: هم الأُمَراءُ، وهو الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنْ أحْمَدَ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ الأُمَراءَ إنّما يُطاعُونَ إذا أمَرُوا بِمُقْتَضى العِلْمِ؛ فَطاعَتُهم تَبَعٌ لِطاعَةِ العُلَماءِ؛ فَإنَّ الطّاعَةَ إنّما تَكُونُ في المَعْرُوفِ وما أوْجَبَهُ العِلْمُ، فَكَما أنَّ طاعَةَ العُلَماءِ تَبَعٌ لِطاعَةِ الرَّسُولِ فَطاعَةُ الأُمَراءِ تَبَعٌ لِطاعَةِ العُلَماءِ، ولَمّا كانَ قِيامُ الإسْلامِ بِطائِفَتَيْ العُلَماءِ والأُمَراءِ، وكانَ النّاسُ كُلُّهم لَهم تَبَعًا، كانَ صَلاحُ العالَمِ بِصَلاحِ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، وفَسادُهُ بِفَسادِهِما، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ وغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ: صِنْفانِ مِن النّاسِ إذا صَلَحا صَلَحَ النّاسُ، وإذا فَسَدا فَسَدَ النّاسُ، قِيلَ: مَن هُمْ؟ قالَ: المُلُوكُ، والعُلَماءُ كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ:
؎رَأيْت الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها
؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِك عِصْيانُها
؎وَهَلْ أفْسَدَ الدِّينَ إلّا المُلُوكُ ∗∗∗ وأحْبارُ سُوءٍ ورُهْبانُها
يوسف 12:109
هذا يدل على أنه لم يرسل جنيًا ولا امرأة ولا بدويًا.