Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — يونس 10:2 – هود 11:107

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. يونس 10:2
  2. يونس 10:5
  3. يونس 10:11
  4. يونس 10:16
  5. يونس 10:17
  6. يونس 10:18
  7. يونس 10:22
  8. يونس 10:24
  9. يونس 10:25
  10. يونس 10:26
  11. يونس 10:31
  12. يونس 10:33
  13. يونس 10:42
  14. يونس 10:43
  15. يونس 10:53
  16. يونس 10:57
  17. يونس 10:58
  18. يونس 10:61
  19. يونس 10:85
  20. يونس 10:87
  21. يونس 10:94
  22. يونس 10:99
  23. يونس 10:100
  24. يونس 10:107
  25. هود 11:7
  26. هود 11:9
  27. هود 11:10
  28. هود 11:15
  29. هود 11:16
  30. هود 11:18
  31. هود 11:19
  32. هود 11:20
  33. هود 11:23
  34. هود 11:24
  35. هود 11:27
  36. هود 11:30
  37. هود 11:31
  38. هود 11:32
  39. هود 11:34
  40. هود 11:43
  41. هود 11:44
  42. هود 11:46
  43. هود 11:53
  44. هود 11:54
  45. هود 11:55
  46. هود 11:56
  47. هود 11:66
  48. هود 11:67
  49. هود 11:69
  50. هود 11:71
  51. هود 11:73
  52. هود 11:78
  53. هود 11:79
  54. هود 11:80
  55. هود 11:81
  56. هود 11:82
  57. هود 11:83
  58. هود 11:106
  59. هود 11:107

يونس 10:2

قال ابن عباس في رواية الوالبي عنه في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال سبقت لهم السعادة في الذكر الأول. وهذا لا يخالف قول من قال أنه الأعمال الصالحة التي قدموها، ولا قول من قال أنه محمد ﷺ فإنه سبق لهم من الله في الذكر الأول السعادة بأعمالهم على يد محمد ﷺ، فهو خير تقدم لهم من الله، ثم قدمه لهم على يد رسوله، ثم يقدمهم عليه يوم لقائه. (فائدة) تأمل قوله تعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ كيف لم يعطف فعل القول بأداة عطف لأنه كالتفسير لتعجبهم والبدل من قوله تعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ فجرى مجرى قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ فلما كان مضاعفة العذاب بدلا وتفسيرا لـ ﴿أثاما﴾ لم يحسن عطفه عليه. (فصل) وَأمّا قَدَمُ الصِّدْقِ: فَفُسِّرَ بِالجَنَّةِ. وفُسِّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وفُسِّرَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. وَحَقِيقَةُ القَدَمِ ما قَدَّمُوهُ. وما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وهم قَدَّمُوا الأعْمالَ والإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويَقْدَمُونَ عَلى الجَنَّةِ الَّتِي هي جَزاءُ ذَلِكَ. فَمَن فَسَّرَهُ بِها أرادَ: ما يَقْدَمُونَ عَلَيْهِ. ومَن فَسَّرَهُ بِالأعْمالِ وبِالنَّبِيِّ ﷺ: فَلِأنَّهم قَدَّمُوها. وقَدَّمُوا الإيمانَ بِهِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. فالثَّلاثَةُ قَدَمُ صِدْقٍ.

يونس 10:5

(فصل) تَأمل أحوال هَذِه الشَّمْس في انخفاضها وارتفاعها لإقامة هَذِه الأزمنة والفصول، وما فِيها من المصالح والحكم، إذْ لَو كانَ الزَّمان كُله فصلا واحِدًا لفاتت مصالح الفُصُول الباقِيَة فِيهِ. فَلَو كانَ صيفا كُله لفاتت مَنافِع مصالح الشتاء، ولَو كانَ شتاء لفاتت مصالح الصَّيف، وكَذَلِكَ لَو كانَ ربيعا كُله أوْ خَرِيفًا كُله فَفي الشتاء تغور الحَرارَة في الأجواف وبطون الأرض والجِبال، فتتولد مواد الثِّمار وغَيرها، وتبرد الظَّواهِر ويستكثف فِيهِ الهَواء فَيحصل السَّحاب والمطر والثلج والبرد الَّذِي بِهِ حَياة الأرض وأهْلها، واشتداد أبدان الحَيَوان وقوتها وتزايد القوى الطبيعية واستخلاف ما حللته حرارة الصَّيف من الأبدان. وَفِي الرّبيع تتحرك الطبائع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء فَيظْهر النَّبات ويتنور الشّجر بالزهر، ويتحرك الحَيَوان للتناسل. وَفِي الصَّيف يحتد الهَواء ويسخن جدا فتنضج الثِّمار، وتنحل فضلات الأبدان والأخلاط الَّتِي انْعَقَدت في الشتاء وتغور البُرُودَة وتهرب إلى الأجواف. وَلِهَذا تبرد العُيُون والآبار ولا تهضم المعدة الطَّعام الَّتِي كانَت تهضمه في الشتاء من الأطعمة الغليظة، لأنها كانَت تهضمها بالحرارة الَّتِي سكنت في البُطُون، فَلَمّا جاءَ الصَّيف خرجت الحَرارَة إلى ظاهر الجَسَد، وغارَتْ البُرُودَة فِيهِ، فَإذا جاءَ الخريف اعتدل الزَّمان وصفا الهَواء وبرد فانكسر ذَلِك السَّمُوم، وجعله الله بِحِكْمَتِهِ برزخا بَين سموم الصَّيف وبرد الشتاء لِئَلّا يتنقل الحَيَوان وهلة واحِدَة من الحر الشَّديد إلى البرد الشَّديد فيجد أذاه ويعظم ضَرَره، فَإذا انْتقل إليه بتدريج وترتب لم يصعب عَلَيْهِ فَإنَّهُ عند كل جُزْء يستعد لقبُول ما هو أشد مِنهُ حَتّى تَأتي جَمْرَة البرد بعد استعداد وقبُول حِكْمَة بالِغَة وآيَة باهرة، وكَذَلِكَ الرّبيع برزخ بَين الشتاء والصيف ينْتَقل فِيهِ الحَيَوان من برد هَذا إلى حر هَذا بتدريج وترتيب فَتَبارَكَ الله رب العالمين وأحسن الخالِقِينَ. (فصل) ثمَّ تَأمل حال الشَّمْس والقَمَر وما أودعاه من النُّور والإضاءة، وكَيف جعل لَهما بروجا ومنازل ينزلانها مرحلة بعد مرحلة لإقامة دولة السّنة، وتَمام مصالح حِساب العالم الَّذِي لا غناء لَهُم في مصالحهم عَنهُ، فبذلك يعلم حِساب الأعمار والآجال المؤجلة للديون والإجارات والمعاملات والعدَد وغير ذَلِك. فلولا حلوك الشَّمْس والقَمَر في تِلْكَ المنازل وتنقلهما فِيها منزلَة بعد منزلة لم يعلم شَيْء من ذَلِك. وَقد نبه تَعالى على هَذا في غير مَوضِع من كِتابه كَقَوْلِه ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ وَقالَ تَعالى ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ ثمَّ تَأمل الحِكْمَة في طُلُوع الشَّمْس على العالم كَيفَ قدره العَزِيز العَلِيم سُبْحانَهُ، فَإنَّها لَو كانَت تطلع في مَوضِع من السَّماء فتقف فِيهِ ولا تعدوه لما وصل شعاعها إلى كثير من الجِهات، لأن ظلّ أحد جَوانِب كرة الأرض يحجبها عَن الجانِب الآخر، وكانَ يكون اللَّيْل دائِما سرمدا على من لم تطلع عَلَيْهِم والنَّهار سرمدا على من هي طالعة عَلَيْهِم فَيفْسد هَؤُلاءِ وهَؤُلاء. فاقتضت الحِكْمَة الإلهية والعناية الربانية أن قدر طُلُوعها من أول النَّهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من الأفق الغربي ثمَّ لا تزال تَدور وتغشى جِهَة بعد جِهَة حَتّى تَنْتَهِي إلى الغرب فتشرق على ما استتر عَنْها في أول النَّهار، فيختلف عِنْدهم اللَّيْل والنَّهار فتنتظم مصالحهم.

يونس 10:11

قالَ السَّلَفُ: هو دُعاءُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ ووَلَدِهِ وأهْلِهِ في حالِ الغَضَبِ، ولَوْ اسْتَجابَهُ اللَّهُ تَعالى لَأهْلَكَهُ وأهْلَكَ مَن يَدْعُو عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ لا يَسْتَجِيبُهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ الدّاعِيَ لَمْ يَقْصِدْهُ.

يونس 10:16

فتأمل هاتين الحجتين القاطعتين تحت هذا اللفظ الوجيز إحداهما أن هذا من الله لا من قبلي ولا هو مقدور لي ولا من جنس مقدور البشر وأن الله سبحانه وتعالى لو شاء لأمسك عنه قلبي ولساني وأسماعكم وأفهامكم فلم أتمكن من تلاوته عليكم ولم تتمكنوا من درايته وفهمه. الحجة الثانية: أني قد لبثت فيكم عمري إلى حين أتيتكم به وأنتم تشاهدوني وتعرفون حالي وتصحبوني حضرا وسفرا وتعرفون دقيق أمري وجليله وتتحققون سيرتي هل كانت سيرة من هو من أكذب الخلق وأفجرهم وأظلمهم فإنه لا أكذب ولا أظلم ولا أقبح سيرة ممن جاهر ربه وخالفه بالكذب والفرية عليه وطلب إفساد العالم وظلم النفوس والبغي في الأرض بغير الحق. هذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أقرأ كتابا ولا أخطه بيميني ولا صاحبت من أتعلم منه بل صحبتكم أنتم في أسفاركم لمن تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار الأمم والملوك وغيرها ما لم أشارككم فيه بوجه ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل. فأي برهان أوضح من هذا وأي عبارة أفصح وأوجز من هذه العبارة المتضمنة له.

يونس 10:17

فتأمل هاتين الحجتين القاطعتين تحت هذا اللفظ الوجيز إحداهما أن هذا من الله لا من قبلي ولا هو مقدور لي ولا من جنس مقدور البشر وأن الله سبحانه وتعالى لو شاء لأمسك عنه قلبي ولساني وأسماعكم وأفهامكم فلم أتمكن من تلاوته عليكم ولم تتمكنوا من درايته وفهمه. الحجة الثانية: أني قد لبثت فيكم عمري إلى حين أتيتكم به وأنتم تشاهدوني وتعرفون حالي وتصحبوني حضرا وسفرا وتعرفون دقيق أمري وجليله وتتحققون سيرتي هل كانت سيرة من هو من أكذب الخلق وأفجرهم وأظلمهم فإنه لا أكذب ولا أظلم ولا أقبح سيرة ممن جاهر ربه وخالفه بالكذب والفرية عليه وطلب إفساد العالم وظلم النفوس والبغي في الأرض بغير الحق. هذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أقرأ كتابا ولا أخطه بيميني ولا صاحبت من أتعلم منه بل صحبتكم أنتم في أسفاركم لمن تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار الأمم والملوك وغيرها ما لم أشارككم فيه بوجه ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل. فأي برهان أوضح من هذا وأي عبارة أفصح وأوجز من هذه العبارة المتضمنة له.

يونس 10:18

(فائدة) وأما منافاة عموم علمه تعالى للولد فيحتاج إلى فهم خاص وتقريره أن يقال لو كان له ولد لعلمه لأنه بكل شيء عليم وهو تعالى لا يعلم له ولد فيستحيل أن يكون له ولد لا يعلمه وهذا استدلال بنفي علمه للشيء على نفيه في نفسه إذ لو كان لعلمه فحيث لم يعلمه فهو غير كائن ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ الآية. فهذا نفي لما ادعوه من الشفعاء بنفي علم الرب تعالى بهم المستلزم لنفي المعلوم ولا يمكن أعداء الله المكابرة وأن يقولوا قد علم الله وجود ذلك لأنه تعالى إنما يعلم وجود ما أوجده وكونه ويعلم أنه سيوجد ما يريد إيجاده فهو يعلم نفسه وصفاته ويعلم مخلوقاته التي دخلت في الوجود وانقطعت والتي دخلت في الوجود وبقيت والتي لم توجد بعد وأما شيء آخر غير مخلوق له ولا مربوب فالرب تعالى لا يعلمه لأنه مستحيل في نفسه فهو يعلمه مستحيلا لا يعلمه واقعا إذ لو علمه واقعا لكان العلم به عين الجهل وذلك من أعظم المحال. فهذه حجج الرب تبارك وتعالى على بطلان ما نسبه إليه أعداؤه والمفترون عليه فوازن بينها وبين حجج المتكلمين الطويلة العريضة التي هي كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع فإذا وازنت بينهما ظهرت لك المفاضلة إن كنت بصيرا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا فالحمد لله الذي أغنى عباده المؤمنين بكتابه وما أودعه من حججه وببيانه عن شقاشق المتكلمين وهذيانات المتهوكين فلقد عظمت نعمة الله تعالى على عبد أغناه بفهم كتابه عن الفقر إلى غيره ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

يونس 10:22

(إفراد الرياح وجمعها) ومن هذا الباب ذكر الرياح في القرآن جمعا ومفردة فحيث كانت في سياق الرحمة أتت مجموعة وحيث وقعت في سياق العذاب أتت مفردة وسر ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والمهاب والمنافع وإذا هاجت منها ريح أنشأ لها ما يقابلها ما يكسر سورتها ويصدم حدتها فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات فكل ريح منها في مقابلها ما يعدلها ويرد سورتها فكانت في الرحمة ريحا وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد وحمام واحد لا يقوم لها شيء ولا يعارضها غيرها حتى تنتهي إلى حيث أمرت لا يرد سورتها ولا يكسر شرتها فتمتثل ما أمرت به وتصيب ما أرسلت إليه ولهذا وصف سبحانه الريح التي أرسلها على عاد بأنها عقيم فقال: ﴿أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ وهي التي لا تلقح ولا خير فيها والتي تعقم ما مرت عليه ثم تأمل كيف اطرد هذا إلا في قوله في سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ فذكر ريح الرحمة الطيبة بلفظ الإفراد لأن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد سيرها فإذا اختلفت عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك فالمطلوب هناك ريح واحدة لا رياح وأكد هذا المعنى بوصفها بالطيب دفعا لتوهم أن تكون ريحا عاصفة بل هي مما يفرح بها لطيبها فلينزه الفطن بصيرته في هذه الرياض المونقة المعجبة التي ترقص القلوب لها فرحا ويتغذى بها عن الطعام والشراب والحمد لله الفتاح العليم فمثل هذا الفصل يعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر فإنه يشرف بك على أسرار عجائب تجتنيها من كلام الله والله الموفق للصواب. (فصل) يخبر سُبْحانَهُ عَن رياح الرَّحْمَة بِصِيغَة الجمع لاخْتِلاف مَنافِعها وما يحدث مِنها فريح تثير السَّحاب وريح تلقحه وريح تحمله على متونها وريح تغذي النَّبات ولما كانَت الرِّياح مُخْتَلفَة في مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحًا مقابلتها تكسر سورتها وحدتها ويبقى لينها ورحمتها فرياح الرَّحْمَة مُتعَدِّدَة، وأما ريح العَذاب فَإنَّهُ ريح واحِدَة ترسل من وجه واحِد لإهلاك ما ترسل بإهلاكه فلا تقوم لَها ريح أخرى تقابلها وتكسر سورتها وتدفع حدتها بل تكون كالجيش العَظِيم الَّذِي لا يقاومه شَيْء يدمر كل ما أتى عَلَيْهِ وتَأمل حِكْمَة القُرْآن وجلالته وفصاحته كَيفَ طرد هَذا في البر، وأما في البَحْر فَجاءَت ريح الرَّحْمَة فِيهِ بِلَفْظ الواحِد كَقوله تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم في البر والبَحْر حَتّى إذا كُنْتُم في الفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مَكان﴾ فَإن السفن إنَّما تسير بِالرِّيحِ الواحِدَة الَّتِي تَأتي من وجه واحِد فَإذا اخْتلفت الرِّياح على السفن وتقابلت لم يتم سَيرها فالمقصود مِنها في البَحْر خلاف المَقْصُود مِنها في البر إذْ المَقْصُود في البَحْر أن تكون واحِدَة طيبَة لا يعارضها شَيْء، فأفردت هُنا وجمعت في البر، ثمَّ إنه سُبْحانَهُ أعطى هَذا المَخْلُوق اللَّطِيف الَّذِي يحركه أضعف المَخْلُوقات ويخرقه من الشدَّة والقُوَّة والبأس ما يقلق بِهِ الأجسام الصلبة القوية الممتنعة ويزعجها عَن أماكنها ويفتتها ويحملها على مَتنه فانْظُر إليه مَعَ لطافته وخِفته إذا دخل في الزق مثلا وامتلأ بِهِ ثمَّ وضع عَلَيْهِ الجِسْم الثقيل كالرّجلِ وغَيره وتحامل عَلَيْهِ ليغمسه في الماء لم يطق، ويَضَع الحَدِيد الصلب الثقيل على وجه الماء فيرسب فِيهِ فامْتنعَ هَذا اللَّطِيف من قهر الماء لَهُ، ولم يمْتَنع مِنهُ القوي الشَّديد وبهذه الحِكْمَة أمسك الله سُبْحانَهُ السفن على وجه الماء مَعَ ثقلها وثقل ما تحويه، وكَذَلِكَ كل مجوف حل فِيهِ الهَواء فَإنَّهُ لا يرسب فِيهِ لأن الهَواء يمْتَنع من الغوس في الماء فتتعلق بِهِ السَّفِينَة المشحونة الموقرة. فَتَأمل كَيفَ استجار هَذا الجِسْم الثقيل العَظِيم بِهَذا اللَّطِيف الخَفِيف وتعلق بِهِ حَتّى أمن من الغَرق وهَذا كالَّذي يهوي في قليب فَيتَعَلَّق بذيل رجل قوي شَدِيد يمْتَنع عَن السُّقُوط في القليب فينجو بتعلقه بِهِ فسبحان من علق هَذا المركب العَظِيم الثقيل بِهَذا الهَواء اللَّطِيف من غير علاقَة ولا عقدة تشاهد.

يونس 10:24

شَبَّهَ سُبْحانَهُ الحَياةَ الدُّنْيا في أنَّها تَتَزَيَّنُ في عَيْنِ النّاظِرِ فَتَرُوقُهُ بِزِينَتِها وتُعْجِبُهُ فَيَمِيلُ إلَيْها ويَهْواها اغْتِرارًا مِنهُ بِها، حَتّى إذا ظَنَّ أنَّهُ مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها سُلِبَها بَغْتَةً أحْوَجَ ما كانَ إلَيْها، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَها، فَشَبَّهَها بِالأرْضِ الَّتِي يَنْزِلُ الغَيْثُ عَلَيْها فَتُعْشِبُ ويَحْسُنُ نَباتُها ويَرُوقُ مَنظَرُها لِلنّاظِرِ، فَيَغْتَرَّ بِهِ، ويَظُنَّ أنَّهُ قادِرٌ عَلَيْها، مالِكٌ لَها، فَيَأْتِيها أمْرُ اللَّهِ فَتُدْرِكُ نَباتَها الآفَةُ بَغْتَةً، فَتُصْبِحُ كَأنْ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ، فَيَخِيبُ ظَنُّهُ، وتُصْبِحُ يَداهُ صِفْرًا مِنها: فَكَذا حالُ الدُّنْيا والواثِقُ بِها سَواءٌ؛ وهَذا مِن أبْلَغِ التَّشْبِيهِ والقِياسِ. (فائدة) والمقصود أن الترتيب هنا ترتيب التفصيل على الجمل وهو ترتيب علمي لا خارجي فإن الذهن يشعر بالشيء جملة أولا ثم بطلب تفصيله بعد ذلك، وأما في الخارج فلم يقع إلا مفصلا فتأمل هذا الموضع الذي خفي على كثير من الناس حتى ظن أن الترتيب في الآية كترتيب الإخبار أي إنا أخبرناكم بهذا قبل هذا. (فصل) وَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُهُمُ الصُّوفِيَّةَ أرْبَعَةَ أقْسامٍ: أصْحابُ السَّوابِقِ، وأصْحابُ العَواقِبِ، وأصْحابُ الوَقْتِ، وأصْحابُ الحَقِّ. قالَ: فَأمّا أصْحابُ السَّوابِقِ: فَقُلُوبُهم أبَدًا فِيما سَبَقَ لَهم مِنَ اللَّهِ. لِعِلْمِهِمْ أنَّ الحُكْمَ الأزَلِيَّ لا يَتَغَيَّرُ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. وَيَقُولُونَ: مَن أقْصَتْهُ السَّوابِقُ لَمْ تُدْنِهِ الوَسائِلُ. فَفِكْرُهم في هَذا أبَدًا. ومَعَ ذَلِكَ: فَهم يَجِدُّونَ في القِيامِ بِالأوامِرِ، واجْتِنابِ النَّواهِي، والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِأنْواعِ القُرَبِ، غَيْرَ واثِقِينَ بِها، ولا مُلْتَفِتِينَ إلَيْها، ويَقُولُ قائِلُهُمْ: ؎مِن أيْنَ أُرْضِيكَ إلّا أنْ تُوَفِّقَنِي ∗∗∗ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ما التَّوْفِيقُ مِن قِبَلِي ؎إنْ لَمْ يَكُنْ لِي في المَقْدُورِ سابِقَةٌ ∗∗∗ فَلَيْسَ يَنْفَعُ ما قَدَّمْتُ مِن عَمَلِي. وَأمّا أصْحابُ العَواقِبِ: فَهم مُتَفَكِّرُونَ فِيما يُخْتَمُ بِهِ أمْرُهم. فَإنَّ الأُمُورَ بِأواخِرِها. والأعْمالَ بِخَواتِيمِها، والعاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ. كَما قِيلَ: ؎لا يَغُرَّنَّكَ صَفا الأوْقاتِ ∗∗∗ فَإنَّ تَحْتَها غَوامِضَ الآفاتِ فَكَمْ مِن رَبِيعٍ نَوَّرَتْ أشْجارُهُ، وتَفَتَّحَتْ أزْهارُهُ، وزَهَتْ ثِمارُهُ، لَمْ يَلْبَثْ أنْ أصابَتْهُ جائِحَةٌ سَماوِيَّةٌ. فَصارَ كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ [يونس: ٢٤]- إلى قَوْلِهِ - ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. ؎فَكَمْ مِن مُرِيدٍ كَبا بِهِ جَوادُ عَزْمِهِ ∗∗∗ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ - وقَدْ شُوهِدَ مِنهُ خِلافُ ما كانَ يُعْهَدُ عَلَيْهِ -: ما الَّذِي أصابَكَ؟ فَقالَ: حِجابٌ وقَعَ، وأنْشَدَ: ؎أحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأيّامِ إذْ حَسُنَتْ ∗∗∗ ولَمْ تَخَفْ سُوءَ ما يَأْتِي بِهِ القَدَرُ ؎وَسالَمَتْكَ اللَّيالِي فاغْتَرَرْتَ بِها ∗∗∗ وعِنْدَ صَفْوِ اللَّيالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ لَيْسَ العَجَبُ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ؟ إنَّما العَجَبُ مِمَّنْ نَجا كَيْفَ نَجا؟ ؎تَعْجَبِينَ مِن سَقَمِي ∗∗∗ صِحَّتِي هي العَجَبُ النّاكِصُونَ عَلى أعْقابِهِمْ أضْعافُ أضْعافِ مَنِ اقْتَحَمَ العَقَبَةَ: ؎خُذْ مِنَ الألْفِ واحِدًا ∗∗∗ واطَّرِحِ الكُلَّ مِن بَعْدِهِ. وَأمّا أصْحابُ الوَقْتِ: فَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِالسَّوابِقِ، ولا بِالعَواقِبِ. بَلِ اشْتَغَلُوا بِمُراعاةِ الوَقْتِ، وما يَلْزَمُهم مِن أحْكامِهِ. وقالُوا: العارِفُ ابْنُ وقْتِهِ. لا ماضِيَ لَهُ ولا مُسْتَقْبَلَ. وَرَأى بَعْضُهُمُ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في مَنامِهِ. فَقالَ لَهُ: أوْصِنِي. فَقالَ لَهُ: كُنِ ابْنَ وقْتِكَ. وَأمّا أصْحابُ الحَقِّ: فَهم مَعَ صاحِبِ الوَقْتِ والزَّمانِ، ومالِكِهِما ومُدَبِّرِهِما. مَأْخُوذُونَ بِشُهُودِهِ عَنْ مُشاهَدَةِ الأوْقاتِ. لا يَتَفَرَّغُونَ لِمُراعاةِ وقْتٍ ولا زَمانٍ. كَما قِيلَ: ؎لَسْتُ أدْرِي أطالَ لَيْلِي أمْ لا ∗∗∗ كَيْفَ يَدْرِي بِذاكَ مَن يَتَقَلّى ؎لَوْ تَفَرَّغْتُ لِاسْتِطالَةِ لَيْلِي ∗∗∗ ولِرَعْيِ النُّجُومِ كُنْتُ مُخَلّى ؎إنَّ لِلْعاشِقِينَ عَنْ قِصَرِ اللَّيْـ ∗∗∗ لِ، وعَنْ طُولِهِ مِنَ العِشْقِ شُغْلا قالَ الجُنَيْدُ: دَخَلْتُ عَلى السَّرِيِّ يَوْمًا. فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ فَأنْشَأ يَقُولُ: ؎ما في النَّهارِ ولا في اللَّيْلِ لِي فَرَجٌ ∗∗∗ فَلا أُبالِي أطالَ اللَّيْلُ أمْ قَصُرا ثُمَّ قالَ: لَيْسَ عِنْدَ رَبِّكم لَيْلٌ ولا نَهارٌ. يُشِيرُ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَطَلِّعٍ إلى الأوْقاتِ. بَلْ هو مَعَ الَّذِي قَدَّرَ اللَّيْلَ والنَّهارِ. (فصل) وأما (حتى) فموضوعة للدلالة على أن ما بعدها غاية لما قبلها وغاية كل شيء حده لذلك كان لفظها كلفظ الحد فإنها حاء قبل تاءين كما أن الحد جاء قبل دالين والدال كالتاء في المخرج والصفة إلا في الجهر فكانت لجهرها أولى بالاسم لقوته والتاء لهمسها أولى بالحرف لضعفه ومن حيث كانت حتى للغاية خفضوا بها كما يخفضون بـ (إلى) التي للغاية والفرق بينهما: أن حتى غاية لما قبلها وهو منه وما بعد إلى ليس مما قبلها بل عنده انتهى ما قبل الحرف ولذلك فارقتها في أكثر أحكامها ولم تكن إلى عاطفة لانقطاع ما بعدها عما قبلها بخلاف حتى، ومن ثم دخلت حتى في حروف العطف، ولم يجز دخولها على المضمر المخفوض إذ كانت خافضة لا تقول قام القوم حتاك كما لا تقول قاموا وك ومن حيث كان ما بعدها غاية لما قبلها لم يجز في العطف قام زيد حتى عمرو ولا أكلت خبزا حتى تمرا، لأن الثاني ليس بحد للأول ولا ظرف. (تنبيه) ليس المراد من كون حتى لانتهاء الغاية وأن ما بعدها ظرفا أن يكون متأخرا في الفعل عما قبلها فإذا قلت مات الناس حتى الأنبياء وقدم الحجاج حتى المشاة لم يلزم تأخر موت الأنبياء عن الناس وتأخر قدوم المشاة عن الحجاج ولهذا قال بعض الناس: إن حتى مثل الواو لا تخالفها إلا في شيئين أحدهما أن يكون المعطوف من قبيل المعطوف عليه فلا تقول قدم الناس حتى الخيل بخلاف الواو. الثاني أن تخالفه بقوة أو ضعف أو كثرة أو قلة. وأما أن يفهم منها الغاية والحد فلا والذي حمله على ذلك ما تقدم من المثالين ولكن فاته أن يعلم المراد بكون ما بعدها غاية وظرفا فاعلم أن المراد به أن يكون غاية في المعطوف عليه لا في الفعل فإنه يجب أن يخالفه في الأشد والأضعف والقلة والكثرة وإذا فهمت هذا فالأنبياء غاية للناس في الشرف والفضل والمشاة غاية للحجاج في الضعف والعجز وأنت إذا قلت: أكلت السمكة حتى رأسها فالرأس غاية لانتهاء السمكة وليس المراد أن غاية أكلك كان الرأس بل يجوز أن يتقدم أكلك للرأس وهذا مما أغفله كثير من النحويين لم ينبهوا عليه.

يونس 10:25

وَلَمّا كانَتْ الدُّنْيا عُرْضَةً لِهَذِهِ الآفاتِ، والجَنَّةُ سَلِيمَةً مِنها قالَ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ فَسَمّاها هُنا دارَ السَّلامِ لِسَلامَتِها مِن هَذِهِ الآفاتِ الَّتِي ذَكَرَها في الدُّنْيا، فَعَمَّ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها، وخَصَّ بِالهِدايَةِ مَن يَشاءُ، فَذاكَ عَدْلُهُ وهَذا فَضْلُهُ. (فائدة) قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ البَيانَ والدَّلالَةَ، وخَصَّ بِهِدايَتِهِ التَّوْفِيقَ والإلْهامَ. (فصل) وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ الجَنَّةِ بِدارِ السَّلامِ، فَقِيلَ: السَّلامُ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ. وَقِيلَ: السَّلامُ هو السَّلامَةُ، والجَنَّةُ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ وعَيْبٍ ونَقْصٍ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ؛ لِأنَّ تَحِيَّتَهم فِيها سَلامٌ ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها. (لطيفة) وفي إضافة الجنة إلى السلام ثلاثة أقوال: أحدها أنها إضافة إلى مالكها السلام سبحانه. الثاني أنها إضافة إلى تحية أهلها فإن تحيتهم فيها السلام. الثالث أنها إضافة إلى معنى السلام أي دار السلام من كل آفة ونقص وشر والثلاثة متلازمة وإن كان الثالث أظهرها فإنه لو كانت الإضافة إلى مالكها لأضيفت إلى اسم من أسمائه غير السلام، وكان يقال دار الرحمن أو دار الله أو دار الملك ونحو ذلك. فإذا عهدت إضافتها إليه ثم جاء دار السلام حملت على المعهود. وأيضا فإن المعهود في القرآن إضافتها إلى صفتها أو إلى أهلها. أما الأول: فنحو: دار القرار، دار المجد، جنة المأوى، جنات النعيم، جنات الفردوس. وأما الثاني: فنحو دار المتقين، ولم تعهد إضافتها إلى اسم من أسماء الله تعالى في القرآن، فالأولى حمل الإضافة على المعهود في القرآن. وكذلك إضافتها إلى التحية ضعيف من وجهين: أحدهما: أن التحية بالسلام مشتركة بين دار الدنيا والآخرة وما يضاف إلى الجنة لا يكون إلا مختصا بها كالخلد والقرار والبقاء. الثاني: أن من أوصافها غير التحية ما هو أكمل منها مثل كونها دائمة وباقية ودار الخلد والتحية فيها عارضة عند التلاقي والتزاور بخلاف السلامة من كل عيب ونقص وشر فإنها من أكمل أوصافها المقصودة على الدوام التي لا يتم النعيم فيها إلا به فإضافتها إليه أولى وهذا ظاهر. وإذا عرفت هذان فإطلاق السلام على الله تعالى اسما من أسمائه هو أولى من هذا كله وأحق بهذا الاسم من كل مسمى به لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار والمخلوق سلام بالإضافة. (فصل) وفي صحيح مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن صهيب أن النبي ﷺ قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله فوالله ما أعطاهم الله شيئا هو أحب اليهم من النظر إليه" وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا أبو بكر الألهاني أخبرني أبو تميم الهجيمي قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة يقول: إن الله عز وجل يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحلي والحلل والأنهار والأزواج المطهرة فيقولون نعم قد أنجزنا ما وعدنا قالوا ذلك ثلاث مرات فينظرون فلا يفتقدون شيئا مما وعدوا فيقولون نعم فيقول قد بقي شيء إن الله يقول: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قال: ألا إن الحسنى الجنة والزيادة: النظر إلى وجه الله" وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك قال أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا. وفي الصحيحين من حديث نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه" وهذا الأذان وإن كان بين الجنة والنار فهو يبلغ جميع أهل الجنة والنار، ولهم فيها نداء آخر يوم زيارتهم ربهم تبارك وتعالى يرسل إليهم ملكا فيؤذن فيهم بذلك فيتسارعون إلى الزيارة كما يؤذن مؤذن الجمعة إليها وذلك في مقدار يوم الجمعة. والله أعلم. (فصل آخر) وَفِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِن رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ فَتَأْبى عَلَيْهِ إلّا كانَ الَّذِي في السَّماءِ ساخِطًا عَلَيْها حَتّى يَرْضى عَنْها» " ورَوى الشّافِعِيُّ في مُسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: " «أتى جِبْرِيلُ وفي كَفِّهِ مِرْآةٌ بَيْضاءُ فِيها نُكْتَةٌ سَوْداءُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ ما هَذِهِ يا (جِبْرِيلُ)؟ قالَ: هَذِهِ الجُمْعَةُ فُضِّلْتَ بِها أنْتَ وأُمَّتُكَ فالنّاسُ لَكم فِيها تَبَعٌ اليَهُودُ والنَّصارى ولَكم فِيها خَيْرٌ وفِيها ساعَةٌ لا يُوافِقُها مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ وهي عِنْدُنا يَوْمُ المَزِيدِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يا جِبْرِيلُ وما يَوْمُ المَزِيدُ؟ قالَ: إنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ في الجَنَّةِ وادِيًا أفْيَحَ فِيهِ كُثُبٌ مِن مِسْكٍ فَإذا كانَ يَوْمُ الجُمْعَةِ أنْزَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى ما شاءَ مِن مَلائِكَتِهِ وحَوْلَهُ مَنابِرُ مِن نُورٍ عَلَيْها مَقاعِدُ النَّبِيِّينَ وحَفَّ تِلْكَ المَنابِرَ بِمَنابِرَ مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بِالياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ عَلَيْها الشُّهَداءُ والصِّدِّيقُونَ فَجَلَسُوا مِن ورائِهِمْ عَلى تِلْكَ الكُثُبِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا رَبُّكم وقَدْ صَدَقْتُكم وعْدِي فاسْألُونِي أُعْطِكم فَيَقُولُونَ: رَبَّنا نَسْألُكَ رِضْوانَكَ فَيَقُولُ: قَدْ رَضِيتُ عَنْكم ولَكم ما تَمَنَّيْتُمْ ولَدَيَّ مَزِيدٌ، فَهم يُحِبُّونَ يَوْمَ الجُمْعَةِ لِما يُعْطِيهِمْ فِيهِ رَبُّهم مِنَ الخَيْرِ وهو اليَوْمُ الَّذِي اسْتَوى فِيهِ رَبُّكَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العَرْشِ، وفِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ». وَلِهَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ طُرُقٍ جَمَعَها أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي داوُدَ في جُزْءٍ، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ فَرَفَعُوا رُءُوسَهم فَإذا الرَّبُّ تَعالى قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ فَقالَ السَّلامَ عَلَيْكم يا أهْلَ الجَنَّةِ قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، قالَ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهم ويَبْقى نُورُهُ وبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِيارِهِمْ». (موعظة) تزينت الجنة للخطاب فجدوا في تحصيل المهور. تعرف رب العزة للمحبين فعملوا على اللقاء وأنت مشغول بالجيف. ما يساوى ربع الدينار خجل الفضيحة فكيف بألم القطع. المعرفة بساط لا يطأ عليه إلا مقرب والمحبة نشيد لا يطرب عليها إلا محب مغرم والحب غدير في صحراء ليس عليه جادة فلهذا قل وراده. المحب يهرب إلى العزلة والخلوة بمحبوبة والتعلق بذكره كهرب الحوت إلى الماء والطفل إلى أمه. وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليا لو رأيت المحبين في الدجى تمر عليهم زمر النجوم مر الوصائف إلى أن تقبل هوادج هل من سائل فينثرون عليه الأرواح نثر الفراش على النار. ليس للعابدين مستراح إلا تحت شجرة طوبى ولا للمحبين قرار إلا يوم المزيد فمثل لقلبك الاستراحة تحت شجرة طوبى يهن عليك النصب واستحضر يوم المزيد يهن عليك ما تتحمل من أجله. كنوز الجواهر مودعة في مصر الليل فتتبع آثار المحبين لعلك تظفر بكنز. أنت طفل في حجر العادة مشدود بقماط الهوى فما لك ولمزاحمة الرجال. أين أنت والمحبة وأنت أسير الحبة. تمسكت بالدنيا تمسك الرضيع بالظئر والقوم ما أعاروها الطرف. أف لبدوي لا يطربه ذكر حاجر. انقسم الصالحون عند السباق: فمنهم من أخذه القلق فكان يقول "ويل لي إن لم يغفرها أنا أمضي إلى النار أو يغفر" ومنهم من غلبه عليه الرجاء كبلال الحبشي كانت زوجته تقول: "واحزناه" وهو يقول: "واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه" واها لبلال علم أن الإمام لا ينسى المؤذن. اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت. دق كؤوس الرحيل فسار الركب وتأهبوا للمسير وعكمت أحمال الزاد وسار رفقة المجدين وأنت في الرقدة الأولى بعد كيف تطيق السهر مع الشيع أم كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل. هيهات ما وصل القوم إلى المنزل إلا بعد مواصلة السرى ولا عبروا إلى مقر الراحة إلا على جسر التعب. ؎وأطيب الأرض ما للقلب فيه هوى ∗∗∗ سم الخياط مع المحبوب ميدان لو رأيت أهل القبور في وثاق الأسر فلا يستطيعون الحركة إلى نجاة ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾. يا منفقا بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد منه ليس في أعدائك أشد شرا عليك منك.

يونس 10:26

وَلَمّا كانَتْ الدُّنْيا عُرْضَةً لِهَذِهِ الآفاتِ، والجَنَّةُ سَلِيمَةً مِنها قالَ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ فَسَمّاها هُنا دارَ السَّلامِ لِسَلامَتِها مِن هَذِهِ الآفاتِ الَّتِي ذَكَرَها في الدُّنْيا، فَعَمَّ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها، وخَصَّ بِالهِدايَةِ مَن يَشاءُ، فَذاكَ عَدْلُهُ وهَذا فَضْلُهُ. (فائدة) قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ البَيانَ والدَّلالَةَ، وخَصَّ بِهِدايَتِهِ التَّوْفِيقَ والإلْهامَ. (فصل) وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ الجَنَّةِ بِدارِ السَّلامِ، فَقِيلَ: السَّلامُ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ. وَقِيلَ: السَّلامُ هو السَّلامَةُ، والجَنَّةُ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ وعَيْبٍ ونَقْصٍ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ؛ لِأنَّ تَحِيَّتَهم فِيها سَلامٌ ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها. (لطيفة) وفي إضافة الجنة إلى السلام ثلاثة أقوال: أحدها أنها إضافة إلى مالكها السلام سبحانه. الثاني أنها إضافة إلى تحية أهلها فإن تحيتهم فيها السلام. الثالث أنها إضافة إلى معنى السلام أي دار السلام من كل آفة ونقص وشر والثلاثة متلازمة وإن كان الثالث أظهرها فإنه لو كانت الإضافة إلى مالكها لأضيفت إلى اسم من أسمائه غير السلام، وكان يقال دار الرحمن أو دار الله أو دار الملك ونحو ذلك. فإذا عهدت إضافتها إليه ثم جاء دار السلام حملت على المعهود. وأيضا فإن المعهود في القرآن إضافتها إلى صفتها أو إلى أهلها. أما الأول: فنحو: دار القرار، دار المجد، جنة المأوى، جنات النعيم، جنات الفردوس. وأما الثاني: فنحو دار المتقين، ولم تعهد إضافتها إلى اسم من أسماء الله تعالى في القرآن، فالأولى حمل الإضافة على المعهود في القرآن. وكذلك إضافتها إلى التحية ضعيف من وجهين: أحدهما: أن التحية بالسلام مشتركة بين دار الدنيا والآخرة وما يضاف إلى الجنة لا يكون إلا مختصا بها كالخلد والقرار والبقاء. الثاني: أن من أوصافها غير التحية ما هو أكمل منها مثل كونها دائمة وباقية ودار الخلد والتحية فيها عارضة عند التلاقي والتزاور بخلاف السلامة من كل عيب ونقص وشر فإنها من أكمل أوصافها المقصودة على الدوام التي لا يتم النعيم فيها إلا به فإضافتها إليه أولى وهذا ظاهر. وإذا عرفت هذان فإطلاق السلام على الله تعالى اسما من أسمائه هو أولى من هذا كله وأحق بهذا الاسم من كل مسمى به لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار والمخلوق سلام بالإضافة. (فصل) وفي صحيح مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن صهيب أن النبي ﷺ قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله فوالله ما أعطاهم الله شيئا هو أحب اليهم من النظر إليه" وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا أبو بكر الألهاني أخبرني أبو تميم الهجيمي قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة يقول: إن الله عز وجل يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحلي والحلل والأنهار والأزواج المطهرة فيقولون نعم قد أنجزنا ما وعدنا قالوا ذلك ثلاث مرات فينظرون فلا يفتقدون شيئا مما وعدوا فيقولون نعم فيقول قد بقي شيء إن الله يقول: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قال: ألا إن الحسنى الجنة والزيادة: النظر إلى وجه الله" وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك قال أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا. وفي الصحيحين من حديث نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه" وهذا الأذان وإن كان بين الجنة والنار فهو يبلغ جميع أهل الجنة والنار، ولهم فيها نداء آخر يوم زيارتهم ربهم تبارك وتعالى يرسل إليهم ملكا فيؤذن فيهم بذلك فيتسارعون إلى الزيارة كما يؤذن مؤذن الجمعة إليها وذلك في مقدار يوم الجمعة. والله أعلم. (فصل آخر) وَفِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِن رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ فَتَأْبى عَلَيْهِ إلّا كانَ الَّذِي في السَّماءِ ساخِطًا عَلَيْها حَتّى يَرْضى عَنْها» " ورَوى الشّافِعِيُّ في مُسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: " «أتى جِبْرِيلُ وفي كَفِّهِ مِرْآةٌ بَيْضاءُ فِيها نُكْتَةٌ سَوْداءُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ ما هَذِهِ يا (جِبْرِيلُ)؟ قالَ: هَذِهِ الجُمْعَةُ فُضِّلْتَ بِها أنْتَ وأُمَّتُكَ فالنّاسُ لَكم فِيها تَبَعٌ اليَهُودُ والنَّصارى ولَكم فِيها خَيْرٌ وفِيها ساعَةٌ لا يُوافِقُها مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ وهي عِنْدُنا يَوْمُ المَزِيدِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يا جِبْرِيلُ وما يَوْمُ المَزِيدُ؟ قالَ: إنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ في الجَنَّةِ وادِيًا أفْيَحَ فِيهِ كُثُبٌ مِن مِسْكٍ فَإذا كانَ يَوْمُ الجُمْعَةِ أنْزَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى ما شاءَ مِن مَلائِكَتِهِ وحَوْلَهُ مَنابِرُ مِن نُورٍ عَلَيْها مَقاعِدُ النَّبِيِّينَ وحَفَّ تِلْكَ المَنابِرَ بِمَنابِرَ مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بِالياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ عَلَيْها الشُّهَداءُ والصِّدِّيقُونَ فَجَلَسُوا مِن ورائِهِمْ عَلى تِلْكَ الكُثُبِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا رَبُّكم وقَدْ صَدَقْتُكم وعْدِي فاسْألُونِي أُعْطِكم فَيَقُولُونَ: رَبَّنا نَسْألُكَ رِضْوانَكَ فَيَقُولُ: قَدْ رَضِيتُ عَنْكم ولَكم ما تَمَنَّيْتُمْ ولَدَيَّ مَزِيدٌ، فَهم يُحِبُّونَ يَوْمَ الجُمْعَةِ لِما يُعْطِيهِمْ فِيهِ رَبُّهم مِنَ الخَيْرِ وهو اليَوْمُ الَّذِي اسْتَوى فِيهِ رَبُّكَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العَرْشِ، وفِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ». وَلِهَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ طُرُقٍ جَمَعَها أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي داوُدَ في جُزْءٍ، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ فَرَفَعُوا رُءُوسَهم فَإذا الرَّبُّ تَعالى قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ فَقالَ السَّلامَ عَلَيْكم يا أهْلَ الجَنَّةِ قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، قالَ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهم ويَبْقى نُورُهُ وبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِيارِهِمْ». (موعظة) تزينت الجنة للخطاب فجدوا في تحصيل المهور. تعرف رب العزة للمحبين فعملوا على اللقاء وأنت مشغول بالجيف. ما يساوى ربع الدينار خجل الفضيحة فكيف بألم القطع. المعرفة بساط لا يطأ عليه إلا مقرب والمحبة نشيد لا يطرب عليها إلا محب مغرم والحب غدير في صحراء ليس عليه جادة فلهذا قل وراده. المحب يهرب إلى العزلة والخلوة بمحبوبة والتعلق بذكره كهرب الحوت إلى الماء والطفل إلى أمه. وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليا لو رأيت المحبين في الدجى تمر عليهم زمر النجوم مر الوصائف إلى أن تقبل هوادج هل من سائل فينثرون عليه الأرواح نثر الفراش على النار. ليس للعابدين مستراح إلا تحت شجرة طوبى ولا للمحبين قرار إلا يوم المزيد فمثل لقلبك الاستراحة تحت شجرة طوبى يهن عليك النصب واستحضر يوم المزيد يهن عليك ما تتحمل من أجله. كنوز الجواهر مودعة في مصر الليل فتتبع آثار المحبين لعلك تظفر بكنز. أنت طفل في حجر العادة مشدود بقماط الهوى فما لك ولمزاحمة الرجال. أين أنت والمحبة وأنت أسير الحبة. تمسكت بالدنيا تمسك الرضيع بالظئر والقوم ما أعاروها الطرف. أف لبدوي لا يطربه ذكر حاجر. انقسم الصالحون عند السباق: فمنهم من أخذه القلق فكان يقول "ويل لي إن لم يغفرها أنا أمضي إلى النار أو يغفر" ومنهم من غلبه عليه الرجاء كبلال الحبشي كانت زوجته تقول: "واحزناه" وهو يقول: "واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه" واها لبلال علم أن الإمام لا ينسى المؤذن. اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت. دق كؤوس الرحيل فسار الركب وتأهبوا للمسير وعكمت أحمال الزاد وسار رفقة المجدين وأنت في الرقدة الأولى بعد كيف تطيق السهر مع الشيع أم كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل. هيهات ما وصل القوم إلى المنزل إلا بعد مواصلة السرى ولا عبروا إلى مقر الراحة إلا على جسر التعب. ؎وأطيب الأرض ما للقلب فيه هوى ∗∗∗ سم الخياط مع المحبوب ميدان لو رأيت أهل القبور في وثاق الأسر فلا يستطيعون الحركة إلى نجاة ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾. يا منفقا بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد منه ليس في أعدائك أشد شرا عليك منك.

يونس 10:31

فإن قيل: فهل يظهر فرق بين قوله تعالى: ﴿في سورة يونس: {قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ وبين قوله في سورة سبأ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾؟ قيل هذا من أدق هذه المواضع وأغمضها وألطفها فرقا فتدبر السياق تجده نقيضا لما وقع فإن الآيات التي في يونس سيقت مساق الاحتجاج عليهم بما أقروا به ولم يمكنهم إنكاره من كون الرب تعالى هو رازقهم ومالك أسماعهم وأبصارهم ومدبر أمورهم وغيرها ومخرج الحي من الميت والميت من الحي فلما كانوا مقرين بهذا كله حسن الاحتجاج به عليهم إن فاعل هذا هو الله الذي لا إله غيره فكيف يعبدون معه غيره ويجعلون له شركاء لا يملكون شيئا من هذا ولا يستطيعون فعل شيء منه ولهذا قال بعد أن ذكر ذلك من شأنه تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أي لا بد أنهم يقرون بذلك ولا يجحدونه فلا بد أن يكون المذكور مما يقرون به والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية إنما كانوا مقرين بنزول الرزق من قبل هذه السماء التي يشاهدونها بالحس ولم يكونوا مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء حتى تنتهي إليهم ولم يصل علمهم إلى هذا فأفردت لفظ السماء هنا فإنه لا يمكنهم إنكار مجيء الرزق منها لا سيما والرزق هاهنا إن كان هو المطر فمجيئه من السماء التي هي السحاب فإنه يسمى سماء لعلوه، وقد أخبر سبحانه أنه بسط السحاب في السماء بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ والسحاب إنما هو مبسوط في جهة العلو لا في نفس الفلك وهذا معلوم بالحس فلا يلتفت إلى غيره. فلما انتظم هذا بذكر الاحتجاج عليهم لم يصلح فيه إلا إفراد السماء لأنهم لا يقرون بما ينزل من فوق ذلك من الأرزاق العظيمة للقلوب والأرواح ولا بد من الوحي الذي به الحياة الحقيقية الأبدية وهو أولى باسم الرزق من المطر الذي به الحياة الفانية المنقضية فما ينزل من فوق ذلك من الوحي والرحمة والألطاف والموارد الربانية والتنزلات الإلهية وما به قوام العالم العلوي والسفلي من أعظم أنواع الرزق، ولكن القوم لم يكونوا مقرين به فخوطبوا بما هو أقرب الأشياء إليهم بحيث لا يمكنهم إنكاره. وأما الآية التي في سورة سبأ فلم ينتظم بها ذكر إقرارهم بما ينزل من السماوات، ولهذا أمر رسوله بأن يتولى الجواب فيها ولم يذكر عنهم أنهم المجيبون المقرون فقال: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ ولم يقل: (سيقولون الله) فأمر تعالى نبيه ﷺ أن يجيب بأن ذلك هو الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من السماوات السبع وأما الأرض فلم يدع السياق إلى جمعها في واحدة من الاثنين إذ يقر به كل أحد مؤمن وكافر وبر وفاجر.

يونس 10:33

وَقالَ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٦]. فالكَلِمَةُ الَّتِي حَقَّتْ كَلِمَتانِ: كَلِمَةُ الإضْلالِ، وكَلِمَةُ العَذابِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وَكَلِمَتُهُ سُبْحانَهُ، إنَّما حَقَّتْ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ حُجَّتِهِ، وكَلِمَةُ عَدْلِهِ بِعُقُوبَتِهِ. وَحاصِلُ هَذا كُلِّهِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ، أمَرَ العِبادَ أنْ يَكُونُوا مَعَ مُرادِهِ الدِّينِيِّ مِنهُمْ، لا مَعَ مُرادِ أنْفُسِهِمْ، فَأهْلُ طاعَتِهِ آثَرُوا اللَّهَ ومُرادَهُ عَلى مُرادِهِمْ، فاسْتَحَقُّوا كَرامَتَهُ، وأهْلُ مَعْصِيَتِهِ آثَرُوا مُرادَهم عَلى مُرادِهِ، وعَلِمَ سُبْحانَهُ مِنهم أنَّهم لا يُؤْثِرُونَ مُرادَهُ ألْبَتَّةَ، وإنَّما يُؤْثِرُونَ أهْواءَهم ومُرادَهُمْ، فَأمَرَهم ونَهاهُمْ، فَظَهَرَ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ مِنَ القَدَرِ الَّذِي قَدَّرَ عَلَيْهِمْ مِن إيثارِهِمْ هَوى أنْفُسِهِمْ ومُرادِهِمْ عَلى مَرْضاةِ رَبِّهِمْ ومُرادِهِ، فَقامَتْ عَلَيْهِمْ بِالمَعْصِيَةِ حُجَّةُ عَدْلِهِ، فَعاقَبَهم بِظُلْمِهِمْ. (فصل) وأما الكلمات الكونية فكقوله: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وقوله ﷺ: "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق" فهذه كلماته الكونية التي يخلق بها ويكون ولو كانت الكلمات الدينية هي التي يأمر بها وينهى لكانت مما يجاوزهن الفجار والكفار. وأما الديني فكقوله: ﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ والمراد به القرآن وقوله ﷺ في النساء "واستحللتم فروجهن بكلمة الله" أي بإباحته ودينه وقوله: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ وقد اجتمع النوعان في قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ فكتبه كلماته التي يأمر بها وينهى ويحل ويحرم وكلماته التي يخلق بها ويكون فأخبر أنها ليست جهمية تنكر كلمات دينه وكلمات تكوينه وتجعلها خلقا من جملة مخلوقاته.

يونس 10:42

(فائدة) اختلف ابن قتيبة وابن الأنباري في السمع والبصر أيهما أفضل، ففضل ابن قتيبة السمع ووافقه طائفة واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ قال: "فلما قرن بذهاب السمع ذهاب العقل ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر كان دليلا على أن السمع أفضل" قال ابن الأنباري: "هذا غلط وكيف يكون السمع أفضل وبالبصر يكون الإقبال والإدبار والقرب إلى النجاة والبعد من الهلاك وبه جمال الوجه وبذهابه شينة، وفي الحديث: "من ذهبت كريمتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة ". وأجاب عما ذكره ابن قتيبة بأن الذي نفاه الله تعالى مع السمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر إذا كأنه أراد إبصار القلوب ولم يرد إبصار العيون والذي يبصره القلب هو الذي يعقله لأنها نزلت في قوم من اليهود كانوا يستمعون كلام النبي ﷺ فيقفون على صحته ثم يكذبونه فأنزل في الله فيهم ﴿أفأنت تسمع الصم﴾ أي المعرضين ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك بعين نقص أفأنت تهدي العمي أي المعرضين ولو كانوا لا يبصرون. قال: "ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا فقد أخبر في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾. قلت: واحتج مفضلو السمع بأن به ينال غاية السعادة من سمع كلام الله وسماع كلام رسوله، قالوا وبه حصلت العلوم النافعة. قالوا وبه يدرك الحاضر والغائب والمحسوس والمعقول، فلا نسبة لمدرك البصر إلى مدرك السمع. قالوا ولهذا يكون فاقده أقل علما من فاقد البصر بل قد يكون فاقد البصر أحد العلماء الكبار بخلاف فاقد صفة السمع فإنه لم يعهد من هذا الجنس عالم ألبتة. قال مفضلو البصر أفضل النعيم النظر إلى الرب تعالى وهو يكون بالبصر والذي يراه البصر لا يقبل الغلط بخلاف ما يسمع فإنه يقع فيه الغلط والكذب والوهم، فمدرك البصر أتم وأكمل. قالوا وأيضا فمحله أحسن وأكمل وأعظم عجائب من محل السمع وذلك لشرفه وفضله. قال شيخنا: "والتحقيق أن السمع له مزية والبصر له مزية، فمزية السمع العموم والشمول، ومزية البصر كمال الإدراك وتمامه فالسمع أعم وأشمل، والبصر أتم وأكمل، فهذا أفضل من جهة شمول إدراكه وعمومه، وهذا أفضل من جهة كمال إدراكه وتمامه".

يونس 10:43

(فائدة) اختلف ابن قتيبة وابن الأنباري في السمع والبصر أيهما أفضل، ففضل ابن قتيبة السمع ووافقه طائفة واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ قال: "فلما قرن بذهاب السمع ذهاب العقل ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر كان دليلا على أن السمع أفضل" قال ابن الأنباري: "هذا غلط وكيف يكون السمع أفضل وبالبصر يكون الإقبال والإدبار والقرب إلى النجاة والبعد من الهلاك وبه جمال الوجه وبذهابه شينة، وفي الحديث: "من ذهبت كريمتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة ". وأجاب عما ذكره ابن قتيبة بأن الذي نفاه الله تعالى مع السمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر إذا كأنه أراد إبصار القلوب ولم يرد إبصار العيون والذي يبصره القلب هو الذي يعقله لأنها نزلت في قوم من اليهود كانوا يستمعون كلام النبي ﷺ فيقفون على صحته ثم يكذبونه فأنزل في الله فيهم ﴿أفأنت تسمع الصم﴾ أي المعرضين ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك بعين نقص أفأنت تهدي العمي أي المعرضين ولو كانوا لا يبصرون. قال: "ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا فقد أخبر في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾. قلت: واحتج مفضلو السمع بأن به ينال غاية السعادة من سمع كلام الله وسماع كلام رسوله، قالوا وبه حصلت العلوم النافعة. قالوا وبه يدرك الحاضر والغائب والمحسوس والمعقول، فلا نسبة لمدرك البصر إلى مدرك السمع. قالوا ولهذا يكون فاقده أقل علما من فاقد البصر بل قد يكون فاقد البصر أحد العلماء الكبار بخلاف فاقد صفة السمع فإنه لم يعهد من هذا الجنس عالم ألبتة. قال مفضلو البصر أفضل النعيم النظر إلى الرب تعالى وهو يكون بالبصر والذي يراه البصر لا يقبل الغلط بخلاف ما يسمع فإنه يقع فيه الغلط والكذب والوهم، فمدرك البصر أتم وأكمل. قالوا وأيضا فمحله أحسن وأكمل وأعظم عجائب من محل السمع وذلك لشرفه وفضله. قال شيخنا: "والتحقيق أن السمع له مزية والبصر له مزية، فمزية السمع العموم والشمول، ومزية البصر كمال الإدراك وتمامه فالسمع أعم وأشمل، والبصر أتم وأكمل، فهذا أفضل من جهة شمول إدراكه وعمومه، وهذا أفضل من جهة كمال إدراكه وتمامه".

يونس 10:53

[فصل: في حَلِف المفتى عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ] يَجُوزُ لِلْمُفْتِي والمُناظِرِ أنْ يَحْلِفَ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ عِنْدَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ حَلِفُهُ مُوجِبًا لِثُبُوتِهِ عِنْدَ السّائِلِ والمُنازِعِ؛ لِيَشْعُرَ السّائِلُ والمُنازِعُ لَهُ أنَّهُ عَلى ثِقَةٍ ويَقِينٍ مِمّا قالَ لَهُ، وأنَّهُ غَيْرُ شاكٍّ فِيهِ، فَقَدْ تَناظَرَ رَجُلانِ في مَسْألَةٍ؛ فَحَلَفَ أحَدُهُما عَلى ما يَعْتَقِدُهُ، فَقالَ لَهُ مُنازِعُهُ: لا يَثْبُتُ الحُكْمُ بِحَلِفِك، فَقالَ: إنِّي لَمْ أحْلِفْ لِيَثْبُتَ الحُكْمُ عِنْدَك، ولَكِنْ؛ لِأُعْلِمَك أنِّي عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ مِن قَوْلِي، وأنَّ شُبْهَتَك لا تُغَيِّرُ عِنْدِي في وجْهِ يَقِينِي ما أنا جازِمٌ بِهِ. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَحْلِفَ عَلى ثُبُوتِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، أحَدُها: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] والثّانِي: قَوْله تَعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣] والثّالِثُ: قَوْله تَعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. وَقَدْ أقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن الحَقِّ في أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ مَوْضِعًا، وهي مَوْجُودَةٌ في الصِّحاحِ والمَسانِيدِ، وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يَحْلِفُونَ عَلى الفَتاوى والرِّوايَةِ، «فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ لِابْنِ عَبّاسٍ في مُتْعَةِ النِّساءِ: إنّك امْرُؤٌ تائِهٌ، فانْظُرْ ما تُفْتِي بِهِ في مُتْعَةِ النِّساءِ، فَواللَّهِ وأشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ نَهى عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». وَلَمّا وُلِّيَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: يا أيُّها النّاسُ إنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أحَلَّ المُتْعَةَ ثَلاثًا، ثُمَّ حَرَّمَها ثَلاثًا، فَأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَمًا لا أجِدُ أحَدًا مِن المُسْلِمِينَ مُتَمَتِّعًا إلّا رَجَمْتُهُ، إلّا أنْ يَأْتِيَ بِأرْبَعَةٍ مِن المُسْلِمِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أحَلَّها بَعْدَ أنْ حَرَّمَها. وَقَدْ حَلَفَ الشّافِعِيُّ في بَعْضِ أجْوِبَتِهِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ: سَألْت الشّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ المُتْعَةِ كانَ يَكُونُ فِيها طَلاقٌ أوْ مِيراثٌ أوْ نَفَقَةٌ أوْ شَهادَةٌ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ ما أدْرِي. وَقالَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ: مَن قالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ أوْ شَيْءٌ مِنهُ مَخْلُوقٌ فَهو واللَّهِ عِنْدِي زِنْدِيقٌ. وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ في الرُّؤْيَةِ، فَقالَ: واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو مَن كَذَّبَ بِهِ ما هم إلّا زَنادِقَةً، وأمّا الإمامُ أحْمَدُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ورِضْوانُهُ فَإنَّهُ حَلَفَ عَلى عِدَّةِ مَسائِلَ مِن فَتاوِيهِ. قِيلَ: أيَزِيدُ الرَّجُلُ في الوُضُوءِ عَلى ثَلاثِ مَرّاتٍ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ، إلّا رَجُلٌ مُبْتَلًى، يَعْنِي بِالوَسْواسِ. وَسُئِلَ عَنْ تَخَلُّلِ الرَّجُلِ لِحْيَتَهُ إذا تَوَضَّأ، فَقالَ: إي واللَّهِ. وَسُئِلَ يَكُونُ الرَّجُلُ في الجِهادِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يُبارِزُ عِلْجًا بِغَيْرِ إذْنِ الإمامِ، فَقالَ: لا واللَّهِ. وَقِيلَ لَهُ: أتَكْرَهُ الصَّلاةَ في المَقْصُورَةِ؟ فَقالَ: إي واللَّهِ، قُلْت: وهَذا لَمّا كانَتْ المَقْصُورَةُ تُحْمى لِلْأُمَراءِ وأتْباعِهِمْ. وَسُئِلَ: أيُؤْجَرُ الرَّجُلُ عَلى بُغْضِ مَن خالَفَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: إي واللَّهِ. وَسُئِلَ: مَن قالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ كافِرٌ؟ فَقالَ: إي واللَّهِ، وسُئِلَ: هَلْ صَحَّ عِنْدَك في النَّبِيذِ حَدِيثٌ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما صَحَّ عِنْدِي حَدِيثٌ واحِدٌ إلّا عَلى التَّحْرِيمِ. وَقالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُونَ: إنّك وقَفْت عَلى عُثْمانَ، فَقالَ: كَذَبُوا واللَّهِ عَلَيَّ، وإنَّما حَدَّثَتْهم بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كُنّا نُفاضِلُ بَيْنَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَقُولُ: أبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمانُ ثُمَّ عَلِيٌّ، فَيَبْلُغُ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ، ولَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ ﷺ لا تُخايِرُوا بَعْدَ هَؤُلاءِ، فَمَن وقَفَ عَلى عُثْمانَ ولَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهو عَلى غَيْرِ السُّنَّةِ». وَسُئِلَ أحْمَدُ: هَلْ المُقامُ بِالثَّغْرِ أفْضَلُ مِن المُقامِ بِمَكَّةَ؟ فَقالَ: إي واللَّهِ.

يونس 10:57

فهو شفاء لما في الصدور من مرض الجهل والغي، فإن الجهل مرض شفاؤه العلم والهدى. والغي مرض شفاؤه الرشد، وقد نزه الله سبحانه نبيه عن هذين الداءين. فقال: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى (٢)﴾. ووصف رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خلفاءه بضدهما فقال: " عَلَيْكم بِسُنّتِي وسُنَّةِ اَلْخْلَفاءِ الرّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ مِن بَعْدِي". وجعل كلامه سبحانه موعظة للناس عامة، وهدى ورحمة لمن آمن به خاصة، وشفاء تاما لما في الصدور، فمن استشفى به صح وبرئ من مرضه ومن لم يستشف به فهو كما قيل: ؎إذا بَلَّ مِن داءٍ بِهِ ظَنَّ أنّهُ ∗∗∗ نَجا وبِهِ الدّاءُ الّذِي هو قاتِلُهْ وقال تعالى ﴿وَنُنَزلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالمِينَ إلا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] والأظهر أن "من" هاهنا لبيان الجنس، فالقرآن جميعه شفاء ورحمة للمؤمنين. (فائدة) قوله تعالى: ﴿يا أيها النّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم وشفاء لما في الصُّدُور وهدى ورَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ فَعم بِالمَوْعِظَةِ والشفاء وخص بِالهدى والمعرفة فَهو نَفسه شِفاء استشفى بِهِ أوْ لم يسْتَشف بِهِ ولم يصف الله في كِتابه بالشفاء إلّا القُرْآن والعَسَل فهما الشفاآن هَذا شِفاء القُلُوب من أمراض غيها وضلالها وأدواء شبهاتها وشهواتها، وهَذا شِفاء للأبدان من كثير من أسقامها وأخلاطها وآفاتها ولَقَد أصابني أيام مقامي بِمَكَّة أسقام مُخْتَلفَة ولا طَبِيب هُناكَ ولا أدوية كَما في غَيرها من المدن فَكنت استشفي بالعسل وماء زَمْزَم ورأيت فيهما من الشِّفاء أمرا عجيبا، وتَأمل إخباره سُبْحانَهُ وتَعالى عَن القُرْآن بِأنَّهُ نَفسه شِفاء وقالَ عَن السعل ﴿فِيهِ شِفاء للنّاس﴾ وما كانَ نَفسه شِفاء أبلغ مِمّا جعل فِيهِ شِفاء ولَيْسَ هَذا مَوضِع استقصاء فوائد العسل ومنافعه. [فصل: في أن القرآن متضمن لأدوية القلب، وعلاجه من جميع أمراضه] قال الله عز وجل: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظةٌ مِن ربكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات. والقرآن شفاء للنوعين. ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية: من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوات، ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة، مثل القرآن. فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا. فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك، ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه. فمن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه، كما يرى الليل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم بين علوم لا ثقة بها، وإنما هي آراء وتقليد. وبين ظنون كاذبة لا تغنى من الحق شيئا. وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها. وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها، مع قلة نفعها. فهي: "لَحْمُ جَمَلٍ غَثّ عَلى رَأْسِ جَبَلٍ وعْرٍ، لا سَهْلٌ فَيُرْتَقى، ولا سَمِينٌ فَينتفلُ". وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو في القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد، كما قيل: ؎لوْلا التَّنافُسُ في الدُّنْيا لَما وُضِعَتْ ∗∗∗ كُتْبُ التَّناظُرِ لا المُغْنى ولا العُمَدُ ؎يُحَلِّلُونَ بِزَعْمٍ مِنهُمُ عُقَدًا ∗∗∗ وبِالذِي وضَعُوهُ زادَتِ العُقَدُ فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك، والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك. ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى، والعلم واليقين من كتاب الله تعالى وكلام رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين المتشككين الشاكين، الذين أخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من ميراثهم، حيث يقول: ؎نهايَةُ إقدامِ العُقُولِ عِقالُ ∗∗∗ وأكثَرُ سعْي العالَمِينَ ضَلاَلُ ؎وَأرْواحُنا في وحْشَةٍ مِن جُسُومِنا ∗∗∗ وحاصِلُ دُنْيانا أذًى ووَبالُ ؎وَلمْ نَسْتَفِدْ مِن بَحْثِنا طُولَ عُمرِنا سِوى ∗∗∗ أنْ جَمَعْنا فِيه قِيلَ وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحمنُ عَلى العَرْش اسْتَوى﴾ [طه: ٥]، ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلمًا﴾ [طه: ١١٠]. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. فهذا إنشاده وألفاظه في آخر كتبه. وهو أفضل أهل زمانه على الإطلاق في علم الكلام والفلسفة، وكلام أمثاله في مثل ذلك كثير جدا قد ذكرناه في كتاب الصواعق وغيره. وذكرنا قول بعض العارفين بكلام هؤلاء "آخر أمر المتكلمين الشك، وآخر أمر المتصوفين الشطح" والقرآن يوصلك إلى نفس اليقين في هذه المطالب التي هي أعلى مطالب العباد، ولذلك أنزله من تكلم به. وجعله شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده ويرغب عما يضره، فيصير القلب محبا للرشد، مبغضا للغي. فالقرآن مزيل للأمراض الموجهة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها، فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعى، فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل ليس بقابل إلا اللبن. ؎وَعادَ الفَتى كالطِّفْلِ، لَيْسَ بِقابِلٍ ∗∗∗ سِوى المَحْضِ شَيْئًا، واسْتَراحَتْ عَواذِلُهْ فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه، ويؤيده ويفرحه، ويسره وينشطه، ويثبت ملكه، كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه. وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى؛ فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو بالأغذية المصلحة له والحمية عما يضره، فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه، ومنع ما يضره، فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو، ولا يتم صلاحه إلا بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن، وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو نزر يسير لا يحصله به تمام المقصود، وكذلك الزرع لا يتم إلا بهذين الأمرين، فحينئذ يقال: زكا الزرع وكمل.

يونس 10:58

وَقَدْ دارَتْ أقْوالُ السَّلَفِ عَلى أنَّ فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ هي الإسْلامُ والسُّنَّةُ وعَلى حَسَبِ حَياةِ القَلْبِ يَكُونُ فَرَحُهُ بِهِما، وكُلَّما كانَ أرْسَخَ فِيهِما كانَ قَلْبُهُ أشَدَّ فَرَحًا حَتّى إنَّ القَلْبَ لَيَرْقُصُ فَرَحا إذا باشَرَ رُوحَ السُّنَّةِ أحْزَنَ ما يَكُونُ النّاسُ، وهو مُمْتَلِئٌ أمْنًا أخْوَفَ ما يَكُونُ النّاسُ. فَإنَّ السُّنَّةَ حِصْنُ اللَّهِ الحَصِينُ الَّذِي مَن دَخَلَهُ كانَ مِنَ الآمِنِينَ. وبابُهُ الأعْظَمُ الَّذِي مَن دَخَلَهُ كانَ إلَيْهِ مِنَ الواصِلِينَ تَقُومُ بِأهْلِها وإنْ قَعَدَتْ بِهِمْ أعْمالُهم ويَسْعى نُورُها بَيْنَ أيْدِيهِمْ إذا طُفِئَتْ لِأهْلِ " البِدَعِ والنِّفاقِ أنْوارُهم "، وأهْلُ السُّنَّةِ: هُمُ المُبْيَضَّةُ وُجُوهُهم إذا اسْوَدَّتْ وُجُوهُ أهْلِ البِدْعَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الآيَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أهْلِ السُّنَّةِ والِائْتِلافِ وتَسْوَدُّ وُجُوهُ أهْلِ البِدْعَةِ والتَّفَرُّقِ. وَهِيَ الحَياةُ والنُّورُ " اللَّذانِ " بِهِما سَعادَةُ العَبْدِ وهُداهُ وفَوْزُهُ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها. . .﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فَصاحِبُ السُّنَّةِ: حَيُّ القَلْبِ، مُسْتَنِيرُ القَلْبِ، وصاحِبُ البِدْعَةِ: مَيِّتُ القَلْبِ مُظْلِمُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ في كِتابِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ وجَعَلَهُما صِفَةَ أهْلِ الإيمانِ وجَعَلَ ضِدَّهُما صِفَةَ مَن خَرَجَ عَنِ الإيمانِ، فَإنَّ القَلْبَ الحَيَّ المُسْتَنِيرَ هو الَّذِي عَقَلَ عَنِ اللَّهِ، وأذْعَنَ وفَهِمَ عَنْهُ، وانْقادَ لِتَوْحِيدِهِ، ومُتابَعَةِ ما بُعِثَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. " والقَلْبُ المَيِّتُ المُظْلِمُ الَّذِي لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ ولا انْقادَ لِما بُعِثَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ولِهَذا يَصِفُ سُبْحانَهُ هَذا الضَّرْبَ مِنَ النّاسِ بِأنَّهم أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ، وبِأنَّهم في الظُّلُماتِ لا يَخْرُجُونَ مِنها، ولِهَذا كانَتِ الظُّلْمَةُ مُسْتَوْلِيَةً عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَقُلُوبُهم مُظْلِمَةٌ تَرى الحَقَّ في صُورَةِ الباطِلِ، والباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ، وأعْمالُهم مُظْلِمَةٌ، وأقْوالُهم مُظْلِمَةٌ، وأحْوالُهم كُلُّها مُظْلِمَةٌ، وقُبُورُهم مُمْتَلِئَةٌ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةً. وَإذا قُسِمَتِ الأنْوارُ دُونَ الجِسْرِ لِلْعُبُورِ عَلَيْهِ بَقُوا في الظُّلُماتِ، ومُدْخَلُهم في النّارِ مُظْلِمٌ، وهَذِهِ الظُّلْمَةُ هي الَّتِي خُلِقَ فِيها الخَلْقُ أوَّلًا، فَمَن أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ السَّعادَةَ أخْرَجَهُ مِنها إلى النُّورِ، ومَن أرادَ بِهِ الشَّقاوَةَ تَرَكَهُ فِيها، كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («إنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ، فَمَن أصابَهُ مِن ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أقُولُ جَفَّ القَلَمُ عَلى عِلْمِ اللَّهِ») "، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ نُورًا في قَلْبِهِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وشَعْرِهِ وبَشَرِهِ ولَحْمِهِ وعَظْمِهِ ودَمِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ وخَلْفَهُ وأمامَهُ وأنْ يَجْعَلَ ذاتَهُ نُورًا، فَطَلَبَ ﷺ النُّورَ لِذاتِهِ ولِأبْعاضِهِ ولِحَواسِّهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ ولِجِهاتِهِ السِّتِّ. وَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ": " المُؤْمِنُ مُدْخَلُهُ مِن نُورٍ، ومُخْرَجُهُ مِن نُورٍ، وقَوْلُهُ نُورٌ، وعَمَلُهُ نُورٌ. . " وهَذا النُّورُ بِحَسَبِ قُوَّتِهِ وضَعْفِهِ يَظْهَرُ لِصاحِبِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَسْعى بَيْنَ يَدَيْهِ ويَمِينِهِ. فَمِنَ النّاسِ مَن يَكُونُ نُورُهُ كالشَّمْسِ، وآخَرُ كالنَّجْمِ، وآخَرُ كالنَّخْلَةِ السَّحُوقِ، وآخَرُ دُونَ ذَلِكَ حَتّى " إنَّ " مِنهم مَن يُعْطى نُورًا عَلى رَأْسِ إبْهامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةً ويُطْفِئُ أُخْرى، كَما كانَ نُورُ إيمانِهِ ومُتابَعَتِهِ في الدُّنْيا كَذَلِكَ، فَهو هَذا بِعَيْنِهِ يَظْهَرُ هُناكَ لِلْحِسِّ والعِيانِ. (فصل) وَقد تنوعت عِبارات السّلف في تَفْسِير الفضل والرَّحْمَة والصَّحِيح أنَّهُما الهدى والنعْمَة ففضله هداه ورَحمته نعْمَته ولذَلِك يقرن بَين الهدى والنعْمَة كَقَوْلِه في سُورَة الفاتِحَة ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومن ذَلِك قَوْله لنَبيه يذكرهُ بنعمه عَلَيْهِ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ووَجَدَكَ ضالًا فَهَدى ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ فَجمع لَهُ بَين هدايته لَهُ وإنعامه عَلَيْهِ بإيوائه وإغنائه ومن ذَلِك قَول نوح ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كنت على بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْده﴾ وقَول شُعَيْب ﴿أرَأيْتُمْ إن كنت على بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنا﴾ وقالَ عَن الخضر ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا علما﴾ وقالَ لرَسُوله ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فتحا مُبينًا لغفر لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وقالَ ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما﴾ ﴿وَقالَ {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكى مِنكم أحد أبدا﴾ ففضله هدايته ورَحمته وإنعامه وإحسانه إلَيْهِم وبره بهم وقالَ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يشقى﴾ والهدى مَنعه من الضلال والرَّحْمَة مَنعه من الشَّقاء وهَذا هو الَّذِي ذكره في أوّل السُّورَة في قَوْله طه ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآن لتشقى﴾ فَجمع لَهُ بَين إنْزال القُرْآن عَلَيْهِ ونفي الشَّقاء عَنهُ كَما قالَ في آخرها في حق أتْباعه فَلا يَضِلُّ ولا يشقى فالهدى والفضل والنعْمَة والرحمة متلازمات لا يَنْفَكّ بَعْضها عَن بعض كَما أن الضلال والشقاء متلازمان لا يَنْفَكّ أحدهما عَن الآخر قالَ تَعالى ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضلال وسعر﴾ والسعر جمع سعير وهو العَذاب الَّذِي هو غايَة الشَّقاء وقالَ تَعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والأِنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ وقالَ تَعالى عَنْهُم ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحاب السعير﴾ ومن هَذا أنه سُبْحانَهُ يجمع بَين الهدى وانشراح الصَّدْر والحياة الطيّبة وبَين الضلال وضيق الصَّدْر والمعيشة والضنك قالَ تَعالى ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ لَهُ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وقالَ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ من ربه﴾ وكَذَلِكَ يجمع بَين الهدى والإنابة وبَين الضلال وقسوة القلب قالَ تَعالى ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وقالَ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. (فائدة) والهدى والرَّحْمَة وتوابعها من الفضل والإنعام كُله من صفة العَطاء والإضلال، والعَذاب وتوابعها من صفة المَنع وهو سُبْحانَهُ يصرف خلقه بَين عطائه ومنعه وذَلِكَ كُله صادر عَن حِكْمَة بالِغَة وملك تامّ وحمد تامّ فَلا إلَه إلّا الله. (فصل) وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول، وإن وقع ذلك ضمنا وتبعا في بعضها، لأسباب اقتضته لابد منها، هي من لوازم هذه النشأة. فأوامره سبحانه، وحقه الذي أوجبه على عباده، وشرائعه التي شرعها لهم هي قرة العيون ولذة القلوب، ونعيم الأرواح وسرورها، وبها شفاؤها وسعادتها وفلاحها، وكمالها في معاشها ومعادها، بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لمِا في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحمةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفضْلِ اللهِ وبِرحمتِه فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيٌر مِمّا يجمعُونَ﴾ [يونس: ٥٧-٥٨]. قال أبو سعيد الخدري "فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله" وقال هلال بن يساف "بالإسلام الذي هداكم إليه. وبالقرآن الذي علمكم إياه، هو خير مما تجمعون: من الذهب والفضة" وكذلك قال ابن عباس والحسن وقتادة "فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن" وقالت طائفة من السلف "فضله: القرآن، ورحمته: الإسلام". والتحقيق: أن كلا منهما فيه الوصفان، الفضل والرحمة، وهما الأمران اللذان امتن الله بهما على رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿وَكَذلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. والله سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان. ووضع من وضع بعدمهما. (فصل) قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم: ورحمته القرآن، فجعلوا رحمته أخص من فضله. فإن فضله الخاص على أهل الإسلام، ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعض. فجعلهم مسلمين بفضله، وأنزل إليهم كتابه برحمته. قال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ وقال أبو سعيد الخدري «فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلنا من أهله». قلت: يريد بذلك أن هاهنا أمرين: أحدهما: الفضل في نفسه. والثاني: استعداد المحل لقبوله، كالغيث يقع على الأرض القليلة النبات فيتم المقصود بالفضل وقبول المحل له. والله أعلم. وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين: مطلق، ومقيد. فالمطلق: جاء في الذم كقوله: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ وقوله ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ والمقيد نوعان أيضا: مقيد بالدنيا، ينسي صاحبه فضل الله ومنته، فهو مذموم. كقوله ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ والثاني: مقيد بفضل الله وبرحمته، وهو نوعان أيضا: فضل ورحمة بالسبب وفضل ورحمة بالمسبب. فالأول: كقوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾. والثاني: كقوله ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فالفرح بالله ورسوله وبالإيمان والسنة وبالعلم والقرآن من علامات العارفين. قال الله تعالى: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقال ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ فالفرح بالعلم والإيمان والسنة دليل على تعظيمه عند صاحبه ومحبته له. وإيثاره له على غيره. فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله على قدر محبته له ورغبته فيه. فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله، ولا يحزنه فواته. فالفرح تابع للمحبة والرغبة. فالفرق بينه وبين الاستبشار: أن الفرح بالمحبوب بعد حصوله، والاستبشار يكون به قبل حصوله إذا كان على ثقة من حصوله ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾. والفرح صفة كمال. ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه وأكملها، كفرحه بتوبة التائب أعظم من فرح الواحد براحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقده لها والناس من حصولها. والمقصود: أن الفرح على أنواع: نعيم القلب ولذته، وبهجته، والفرح والسرور: نعيمه. والهم والحزن: عذابه. والفرح بالشيء فوق الرضى به، فإن الرضى طمأنينته وسكونه وانشراحه. والفرح لذته وبهجته وسروره. فكل فرح راض. وليس كل راض فرح. ولهذا كان الفرح ضد الحزن، والرضى ضد السخط، والحزن يؤلم صاحبه. والسخط لا يؤلمه، إلا إن كان مع العجز عن الانتقام. والله أعلم. (فائِدَة جليلة) لا يزال مُنْقَطِعًا عَن الله حَتّى تتصل إرادَته ومحبته بِوَجْه الأعْلى، والمراد بِهَذا الِاتِّصال أن تُفْضِي المحبَّة إلَيْهِ وتتعلق بِهِ وحده فَلا يحجبها شَيْء دونه وأن تتصل المعرفَة بأسمائه وصِفاته وأفعاله فَلا يطمس نورها ظلمَة التعطيل كَما لا يطمس نور المحبَّة ظلمَة الشّرك وأن يتَّصل ذكره بِهِ سُبْحانَهُ فيزول بَين الذاكر والمَذْكُور حجاب الغَفْلَة والتفاته في حال الذّكر إلى غير مذكوره فَحِينَئِذٍ يتَّصل الذّكر بِهِ ويتصل العَمَل بأوامره ونواهيه فيفعل الطّاعَة لا أنه أمر بها وأحبها ويتْرك المناهي لكَونه نهى عَنْها وأبغضها فَهَذا معنى اتِّصال العَمَل بأمْره ونَهْيه وحَقِيقَة زَوال العِلَل الباعثة على الفِعْل والتّرْك من الأغْراض والحظوظ العاجلة ويتصل التَّوَكُّل والحب بِهِ بِحَيْثُ يصير واثقا بِهِ سُبْحانَهُ مطمئنا إلَيْهِ راضِيا بِحسن تَدْبيره لَهُ غير مُتَّهم لَهُ في حال من الأحْوال ويتصل فقره وفاقته بِهِ سُبْحانَهُ دون سواهُ ويتصل خَوفه ورجاؤه وفرحه وسروره وابتهاجه بِهِ وحده فَلا يخاف غَيره ولا يرجوه ولا يفرح بِهِ كل الفَرح ولا يسر بِهِ غايَة السرُور وإن ناله بالمخلوق بعض الفَرح والسُّرُور فَلَيْسَ الفَرح التّام والسُّرُور الكامِل والابتهاج والنَّعِيم وقرة العين وسُكُون القلب إلّا بِهِ سُبْحانَهُ وما سواهُ إن أعان على هَذا المَطْلُوب فَرح بِهِ وسر بِهِ وإن حجب عَنهُ فَهو بالحزن بِهِ والوحشة مِنهُ واضطراب القلب بحصوله أحَق مِنهُ بِأن يفرح بِهِ فَلا فرحة ولا سرُور إلّا بِهِ أو بِما أوصل إلَيْهِ وأعان على مرضاته وقد أخبر سُبْحانَهُ أنه لا يحب الفرحين بالدنيا وزينتها وأمر بالفرح بفضله ورَحمته وهو الإسْلام والإيمان والقُرْآن كَما فسره الصَّحابَة والتابعون والمَقْصُود أن من اتَّصَلت لَهُ هَذِه الأُمُور بِالله سُبْحانَهُ فقد وصل وإلّا فَهو مَقْطُوع عَن ربه مُتَّصِل بحظه ونَفسه ملبس عَلَيْهِ في مَعْرفَته وإرادته وسلوكه. (فصل) والرحمة المقارنة للهدى في حق المؤمنين عاجلة وآجلة. فأما العاجلة فما يعطيهم الله تعالى في الدنيا من محبة الخير والبر، وذوق طعم الإيمان، ووجد حلاوته، والفرح والسرور بأن هداهم الله تعالى لما أضل عنه غيرهم، ولما اختلف فيه من الحق، فهم يتقلبون في نور هداه، ويمشون به في الناس، ويرون غيرهم متحيرا في الظلمات، فهم أشد الناس فرحا بما آتاهم ربهم من الهدى، قال تعالى: ﴿قلْ بِفَضْل اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذلكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مَّمِا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. فأمر سبحانه عباده المؤمنين المهتدين أن يفرحوا بفضله ورحمته. وقد دارت عبارات السلف على أن الفضل والرحمة هو العلم والإيمان والقرآن، واتباع الرسول، وهذا من أعظم الرحمة التي يرحم الله بها من يشاء من عباده، فإن الأمن والعافية والسرور، ولذة القلب ونعيمه وبهجته، وطمأنينته: مع الإيمان والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة، والخوف، ولهم، والغم، والبلاء، والألم، والقلق: مع الضلال والحيرة. ومثل هذا بمسافرين أحدهما قد اهتدى لطريق مقصده، فسار آمنا مطمئنا، والآخر قد ضل الطريق فلم يدر أين يتوجه؟ كما قال تعالى: ﴿قلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللهُ كالّذِي اسْتهْوَتْهُ الشّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنّ هُدى الله هو الُهدى﴾ [الأنعام: ٧١]. فالرحمة التي تحصل لمن حصل له الهدى، هي بحسب هداه، فكلما كان نصيبه من الهدى أتم كان حظه من الرحمة أوفر، وهذه هي الرحمة الخاصة بعباده المؤمنين، وهي غير الرحمة العامة بالبر والفاجر. وقد جمع الله سبحانه لأهل هدايته بين الهدى والرحمة والصلاة عليهم، فقال تعالى: ﴿أُولِئكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحَمةٌ وأُولئِكَ هم المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]. قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه "نعم العدلان، ونعمت العلاوة" فبالهدى خلصوا من الضلال، وبالرحمة نجوا من الشقاء والعذاب، وبالصلاة عليهم نالوا منزلة القرب والكرامة. والضالون حصل لهم ضد هذه الثلاثة: الضلال عن طريق السعادة، والوقوع في ضد الرحمة من الألم والعذاب، والذم واللعن، الذي هو ضد الصلاة. ولما كان نصيب كل عبد من الرحمة على قدر نصيبه من الهدى كان أكمل المؤمنين إيمانا أعظمهم رحمة، كما قال تعالى في أصحاب رسوله ﷺ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ على الكُفّارِ رُحَماء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وكان الصديق رضي الله تعالى عنه من أرحم الأمة، وقد روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "أرحم أمتى بأمتى أبو بكر" رواه الترمذي، وكان أعلم الصحابة باتفاق الصحابة، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه "وكان أبو بكر رضي الله عنه أعلمنا به، يعني النبي صلى الله تعالى وآله وسلم" فجمع الله له بين سعة العلم والرحمة. وهكذا الرجل كلما اتسع علمه اتسعت رحمته، وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلما. فوسعت رحمته كل شيء، وأحاط بكل شيء علما، فهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، بل هو أرحم بالعبد من نفسه، كما هو أعلم بمصلحة العبد من نفسه، والعبد لجهله بمصالح نفسه وظلمه لها يسعى فيما يضرها ويؤلمها، وينقص حظها من كرامته وثوابه، ويبعدها من قربه، وهو يظن أنه ينفعها ويكرمها، وهذا غاية الجهل والظلم والإنسان ظلوم جهول، فكم من مكرم لنفسه بزعمه، وهو لها مهين، ومرفه لها، وهو لها متعب، ومعطيها بعض غرضها ولذتها، وقد حال بينها وبين جميع لذاتها، فلا علم له بمصالحها التي هي مصالحها، ولا رحمة عنده لها، فما يبلغ عدوه منه ما يبلغ هو من نفسه. فقد بخسها حظها، وأضاع حقها، وعطل مصالحها، وباع نعيمها الباقى، ولذتها الدائمة الكاملة، بلذة فانية مشوبة بالتنغيص، إنما هي كأضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام، وليس هذا بعجيب من شأنه، وقد فقد نصيبه من الهدى والرحمة. فلو هدى ورحم لكان شأنه غير هذا الشأن، ولكن الرب تعالى أعلم بالمحل الذي يصلح للهدى والرحمة. فهو الذي يؤتيها العبد. كما قال عن عبده الخضر: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلمْناهُ مِن لَدُنّا عِلمًْا﴾ [الكهف: ٦٥]، ﴿رَبنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهِّيئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]. ومما ينبغي أن يعلم: أن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها. فهذه هي الرحمة الحقيقية فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك، ودفع المضار عنك. فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه [ويرفّهُهُ] ويريحه. فهذه رحمة مقرونة بجهل، كرحمة الأم. ولهذا كان من إتمام رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أعراضه وشهواته: من رحمته به ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه. (فائدة) اعْلَمْ أنَّ العَبْدَ إذا لاحَظَ ما هو فِيهِ مِنَ الألْطافِ، وشَهِدَهُ مِن عَيْنِ المِنَّةِ، ومَحْضِ الجُودِ: شَهِدَ مَعَ ذَلِكَ فَقْرَهُ إلَيْهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ، وعَدَمَ اسْتِغْنائِهِ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أبْوابِ الشُّكْرِ، وأسْبابِ المَزِيدِ، وتَوالِي النِّعَمِ عَلَيْهِ. وَكُلَّما تَوالَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ: أنْشَأتْ في قَلْبِهِ سَحائِبَ السُّرُورِ. وإذا انْبَسَطَتْ هَذِهِ السَّحائِبُ في سَماءِ قَلْبِهِ، وامْتَلَأ بِها أُفُقُهُ: أمْطَرَتْ عَلَيْهِ وابِلَ الطَّرَبِ بِما هو فِيهِ مِن لَذِيذِ السُّرُورِ. فَإنْ لَمْ يُصِبْهُ وابِلٌ فَطَلٌّ. وحِينَئِذٍ يَجْرِي عَلى لِسانِهِ وظاهِرِهِ نَهْرُ الِافْتِخارِ مِن غَيْرِ عُجْبٍ ولا فَخْرٍ، بَلْ فَرَحًا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] فالِافْتِخارُ عَلى ظاهِرِهِ، والِافْتِقارُ والِانْكِسارُ في باطِنِهِ، ولا يُنافِي أحَدُهُما الآخَرَ. وَتَأمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» فَكَيْفَ أخْبَرَ بِفَضْلِ اللَّهِ ومِنَّتِهِ عَلَيْهِ. وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ افْتِخارًا بِهِ عَلى مَن دُونَهُ، ولَكِنْ إظْهارًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإعْلامًا لِلْأُمَّةِ بِقَدْرِ إمامِهِمْ ومَتْبُوعِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ. لِتَعْرِفَ الأُمَّةُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ. وَيُشْبِهُ هَذا قَوْلَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ لِلْعَزِيزِ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] فَإخْبارُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ، لَمّا كانَ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلى العَزِيزِ وعَلى الأُمَّةِ، وعَلى نَفْسِهِ: كانَ حَسَنًا. إذْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الفَخْرَ عَلَيْهِمْ، فَمَصْدَرُ الكَلِمَةِ والحامِلُ عَلَيْها يُحَسِّنُها ويُهَجِّنُها. وصُورَتُهُ واحِدَةٌ. (فائدة أخرى) الفرح بفضله ورحمته تبع للفرح به سبحانه. فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به: من حبيب أو حياة، أو مال، أو نعمة، أو ملك. يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا كله، ولا ينال القلب حقيقة الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة، فيظهر سرورها في قلبه ومضرتها في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقّاهم الله نضرة وسرورًا. فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فهذا هو العلم الذي شمر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم. ؎تلك المكارم لا قعبانِ من لبن ∗∗∗ شيبًا بماءٍ فماذا بعد أبوالا (فَصْلٌ) قَوْلُهُ: ويُنْبِتُ السُّرُورَ، إلّا ما يَشُوبُهُ مِن حَذَرِ المَكْرِ. يَعْنِي: أنَّ هَذا اللَّحْظَ مِنَ العَبْدِ يُنْبِتُ لَهُ السُّرُورَ، إذا عَلِمَ أنَّ فَضْلَ رَبِّهِ قَدْ سَبَقَ لَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وبِأحْوالِهِ وتَقْصِيرِهِ، عَلى التَّفْصِيلِ. ولَمْ يَمْنَعْهُ عِلْمُهُ بِهِ: أنْ يُقَدِّرَ لَهُ ذَلِكَ الفَضْلَ والإحْسانَ. فَهو أعْلَمُ بِهِ إذْ أنْشَأهُ مِنَ الأرْضِ، وإذْ هو جَنِينٌ في بَطْنِ أُمِّهِ. ومَعَ ذَلِكَ فَقَدَّرَ لَهُ مِنَ الفَضْلِ والجُودِ ما قَدَّرَهُ بِدُونِ سَبَبٍ مِنهُ. بَلْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ يَأْتِي مِنَ الأسْبابِ ما يَقْتَضِي قَطْعَ ذَلِكَ ومَنعَهُ عَنْهُ. فَإذا شاهَدَ العَبْدُ ذَلِكَ: اشْتَدَّ سُرُورُهُ بِرَبِّهِ، وبِمَواقِعِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ. وهَذا فَرَحٌ مَحْمُودٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] فَفَضْلُهُ: الإسْلامُ والإيمانُ، ورَحْمَتُهُ: العِلْمُ والقُرْآنُ. وهو يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ: أنْ يَفْرَحَ بِذَلِكَ ويُسَرَّ بِهِ. بَلْ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ: أنْ يَفْرَحَ بِالحَسَنَةِ إذا عَمِلَها وأنَّ يُسَرَّ بِها. وهو في الحَقِيقَةِ فَرَحٌ بِفَضْلِ اللَّهِ، حَيْثُ وفَّقَهُ اللَّهُ لَها، وأعانَهُ عَلَيْها ويَسَّرَها لَهُ. فَفي الحَقِيقَةِ: إنَّما يَفْرَحُ العَبْدُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ. وَمِن أعْظَمِ مَقاماتِ الإيمانِ: الفَرَحُ بِاللَّهِ، والسُّرُورُ بِهِ. فَيَفْرَحُ بِهِ إذْ هو عَبْدُهُ ومُحِبُّهُ. ويَفْرَحُ بِهِ سُبْحانَهُ رَبًّا وإلَهًا، ومُنْعِمًا ومُرَبِّيًا، أشَدَّ مِن فَرَحِ العَبْدِ بِسَيِّدِهِ المَخْلُوقِ المُشْفِقِ عَلَيْهِ، القادِرِ عَلى ما يُرِيدُهُ العَبْدُ ويَطْلُبُهُ مِنهُ. المُتَنَوِّعُ في الإحْسانِ إلَيْهِ، والذَّبِّ عَنْهُ. قَوْلُهُ " إلّا ما يَشُوبُهُ مِن حَذَرِ المَكْرِ " أيْ يُمازِجُهُ. فَإنَّ السُّرُورَ والفَرَحَ يَبْسُطُ النَّفْسَ ويُنَمِّيها. ويُنْسِيها عُيُوبَها وآفاتِها ونَقائِصَها. إذْ لَوْ شَهِدَتْ ذَلِكَ وأبْصَرَتْهُ لَشَغَلَها ذَلِكَ عَنِ الفَرَحِ. وَأيْضًا فَإنَّ الفَرَحَ بِالنِّعْمَةِ قَدْ يُنْسِيهِ المُنْعِمَ. فَيَشْتَغِلُ بِالخِلْعَةِ الَّتِي خَلَعَها عَلَيْهِ عَنْهُ. فَيَطْفَحُ عَلَيْهِ السُّرُورُ، حَتّى يَغِيبَ بِنِعْمَتِهِ عَنْهُ. وهُنا يَكُونُ المَكْرُ إلَيْهِ أقْرَبَ مِنَ اليَدِ لِلْفَمِ. وَلِلَّهِ كَمْ هاهُنا مِن مُسْتَرِدٍّ مِنهُ ما وهَبَ لَهُ عَزَّةً وحِكْمَةً! ورُبَّما كانَ ذَلِكَ رَحْمَةً بِهِ. إذْ لَوِ اسْتَمَرَّ عَلى تِلْكَ الوِلايَةِ لَخِيفَ عَلَيْهِ مِنَ الطُّغْيانِ. كَما قالَ تَعالى ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى - أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦-٧] فَإذا كانَ هَذا غِنًى بِالحُطامِ الفانِي، فَكَيْفَ بِالغِنى بِما هو أعْلى مِن ذَلِكَ وأكْثَرُ؟ فَصاحِبُ هَذا إنْ لَمْ يَصْحَبْهُ حَذَرُ المَكْرِ: خِيفَ عَلَيْهِ أنْ يُسْلَبَهُ ويَنْحَطَّ عَنْهُ. و" المَكْرُ " الَّذِي يُخافُ عَلَيْهِ مِنهُ: أنْ يُغَيِّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ شُهُودَ أوَّلِيَّتِهِ في ذَلِكَ ومِنَّتِهِ وفَضْلِهِ، وأنَّهُ مَحْضُ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ، وأنَّهُ بِهِ وحْدَهُ، ومِنهُ وحْدَهُ. فَيَغِيبُ عَنْ شُهُودِ حَقِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقَوْلِهِ ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] وَقَوْلِهِ ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] وقَوْلِهِ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٢١] وأمْثالِ ذَلِكَ. فَيُغَيِّبُهُ عَنْ شُهُودِ ذَلِكَ. ويُحِيلُهُ عَلى مَعْرِفَتِهِ في كَسْبِهِ وطَلَبِهِ. فَيُحِيلُهُ عَلى نَفْسِهِ الَّتِي لَها الفَقْرُ بِالذّاتِ، ويَحْجُبُهُ عَنِ الحِوالَةِ عَلى المَلِيءِ الوَفِيِّ الَّذِي لَهُ الغِنى التّامُّ كُلُّهُ بِالذّاتِ فَهَذا مِن أعْظَمِ أسْبابِ المَكْرِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَلَوْ بَلَغَ العَبْدُ مِنَ الطّاعَةِ ما بَلَغَ، فَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُفارِقَهُ هَذا الحَذَرُ. وقَدْ خافَهُ خِيارُ خَلْقِهِ، وصَفْوَتِهِ مِن عِبادِهِ. قالَ شُعَيْبٌ ﷺ، وقَدْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ [الأعراف: ٨٨] - إلى قَوْلِهِ - ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الأعراف: ٨٩] فَرَدَّ الأمْرَ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ، أدَبًا مَعَ اللَّهِ، ومَعْرِفَةً بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وُوُقُوفًا مَعَ حَدِّ العُبُودِيَّةِ. وكَذَلِكَ قالَ إبْراهِيمُ ﷺ لِقَوْمِهِ - وقَدْ خَوَّفُوهُ بِآلِهَتِهِمْ - فَقالَ ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] فَرَدَّ الأمْرَ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ. وقَدْ قالَ تَعالى ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. (موعظة) إذا اسْتغنى النّاس بالدنيا فاستغن أنْت بِالله وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنْت بِالله وإذا أنسوا بأحبابهم فاجْعَلْ أنسك بِالله وإذا تعرفوا إلى مُلُوكهمْ وكبرائهم وتقربوا إلَيْهِم لينالوا بهم العِزَّة والرفعة فتعرف أنْت إلى الله وتودد إلَيْهِ تنَلْ بذلك غايَة العِزّ والرفعة قالَ بعض الزهاد ما علمت أن أحدا سمع بِالجنَّةِ والنّار تَأتي عَلَيْهِ ساعَة لا يُطِيع الله فِيها بذكرا وصَلاة أو قراة أو إحْسان فَقالَ لَهُ رجل إنِّي أكثر البكاء فَقالَ إنَّك إن تضحك وأنت مقرّ بخطيئتك خير من أن تبْكي وأنت مدل بعملك وإن المدل لا يصعد عمله فَوق رَأسه فَقالَ أوصني فَقالَ دع الدُّنْيا لأهْلها كَما تركوهم الآخِرَة لأهْلها وكن في الدُّنْيا كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن أطعمت أطعمت طيبا وإن سَقَطت على شَيْء لم تكسره ولم تخدشه. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ السُّرُورِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: بابُ السُّرُورِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. تَصْدِيرُ البابِ بِهَذِهِ الآيَةِ في غايَةِ الحُسْنِ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ عِبادَهُ بِالفَرَحِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ. وذَلِكَ تَبَعٌ لِلْفَرَحِ والسُّرُورِ بِصاحِبِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. فَإنَّ مَن فَرِحَ بِما يَصِلُ إلَيْهِ مِن جَوادٍ كَرِيمٍ، مُحْسِنٍ، بَرٍّ. يَكُونُ فَرَحُهُ بِمَن أوْصَلَ ذَلِكَ إلَيْهِ: أوْلى وأحْرى. وَنَذْكُرُ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المَعْنى. ثُمَّ نَشْرَحُ كَلامَ المُصَنِّفِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وغَيْرُهُمْ: فَضْلُ اللَّهِ: الإسْلامُ. ورَحْمَتُهُ: القُرْآنُ. فَجَعَلُوا رَحْمَتَهُ أخَصَّ مِن فَضْلِهِ، فَإنَّ فَضْلَهُ الخاصَّ عامٌّ عَلى أهْلِ الإسْلامِ، ورَحْمَتَهُ بِتَعْلِيمِ كِتابِهِ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ. فَجَعَلَهم مُسْلِمِينَ بِفَضْلِهِ. وأنْزَلَ إلَيْهِمْ كِتابَهُ بِرَحْمَتِهِ. قالَ تَعالى ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فَضْلُ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ: أنْ جَعَلَنا مِن أهْلِهِ. قُلْتُ: يُرِيدُ بِذَلِكَ. أنَّ هاهُنا أمْرَيْنِ. أحَدُهُما: الفَضْلُ في نَفْسِهِ. والثّانِي: اسْتِعْدادُ المَحَلِّ لِقَبُولِهِ، كالغَيْثِ يَقَعُ عَلى الأرْضِ القابِلَةِ لِلنَّباتِ. فَيَتِمُّ المَقْصُودُ بِالفَضْلِ، وقَبُولُ المَحَلِّ لَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. والفَرَحُ لَذَّةٌ تَقَعُ في القَلْبِ بِإدْراكِ المَحْبُوبِ ونَيْلِ المُشْتَهى. فَيَتَوَلَّدُ مِن إدْراكِهِ حالَةٌ تُسَمّى الفَرَحَ والسُّرُورَ. كَما أنَّ الحُزْنَ والغَمَّ مِن فَقْدِ المَحْبُوبِ. فَإذا فَقَدَهُ: تَوَلَّدَ مِن فَقْدِهِ حالَةٌ تُسَمّى الحُزْنَ والغَمَّ. وذَكَرَ سُبْحانَهُ الأمْرَ بِالفَرَحِ بِفَضْلِهِ وبِرَحْمَتِهِ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] وَلا شَيْءَ أحَقُّ أنْ يَفْرَحَ العَبْدُ بِهِ مِن فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، الَّتِي تَتَضَمَّنُ المَوْعِظَةَ وشِفاءَ الصُّدُورِ مِن أدْوائِها بِالهُدى والرَّحْمَةِ. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ: أنَّ ما آتى عِبادَهُ مِنَ المَوْعِظَةِ - الَّتِي هي الأمْرُ والنَّهْيُ، المَقْرُونُ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وشِفاءَ الصُّدُورِ المُتَضَمِّنَ لِعافِيَتِها مِن داءِ الجَهْلِ، والظُّلْمَةِ، والغَيِّ، والسَّفَهِ - وهو أشَدُّ ألَمًا لَها مِن أدْواءِ البَدَنِ، ولَكِنَّها لَمّا ألِفَتْ هَذِهِ الأدْواءَ لَمْ تُحِسَّ بِألَمِها. وإنَّما يَقْوى إحْساسُها بِها عِنْدَ المُفارَقَةِ لِلدُّنْيا. فَهُناكَ يَحْضُرُها كُلُّ مُؤْلِمٍ مُحْزِنٍ. وما آتاها مِن رَبِّها الهُدى الَّذِي يَتَضَمَّنُ ثَلْجَ الصُّدُورِ بِاليَقِينِ، وطُمَأْنِينَةَ القَلْبِ بِهِ، وسُكُونَ النَّفْسِ إلَيْهِ، وحَياةَ الرُّوحِ بِهِ. والرَّحْمَةَ الَّتِي تَجْلِبُ لَها كُلَّ خَيْرٍ ولَذَّةٍ. وتَدْفَعُ عَنْها كُلَّ شَرٍّ ومُؤْلِمٍ. فَذَلِكَ خَيْرٌ مِن كُلِّ ما يَجْمَعُ النّاسُ مِن أعْراضِ الدُّنْيا وزِينَتِها. أيْ هَذا هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفْرَحَ بِهِ. ومَن فَرِحَ بِهِ فَقَدْ فَرِحَ بِأجَلِّ مَفْرُوحٍ بِهِ. لا ما يَجْمَعُ أهْلُ الدُّنْيا مِنها. فَإنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلْفَرَحِ. لِأنَّهُ عُرْضَةٌ لِلْآفاتِ. ووَشِيكُ الزَّوالِ، ووَخِيمُ العاقِبَةِ، وهو طَيْفُ خَيالٍ زارَ الصَّبَّ في المَنامِ. ثُمَّ انْقَضى المَنامُ. ووَلّى الطَّيْفُ. وأعْقَبَ مَزارَهُ الهِجْرانَ. وَقَدْ جاءَ الفَرَحُ في القُرْآنِ عَلى نَوْعَيْنِ. مُطْلَقٌ ومُقَيَّدٌ. فالمُطْلَقُ: جاءَ في الذَّمِّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]. والمُقَيَّدُ: نَوْعانِ أيْضًا. مُقَيَّدٌ بِالدُّنْيا. يُنْسِي صاحِبَهُ فَضْلَ اللَّهِ ومِنَّتَهُ. فَهو مَذْمُومٌ. كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. والثّانِي: مُقَيَّدٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ. وهو نَوْعانِ أيْضًا. فَضْلٌ ورَحْمَةٌ بِالسَّبَبِ. وفَضْلٌ بِالمُسَبَّبِ، فالأوَّلُ: كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] والثّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. فالفَرَحُ بِاللَّهِ، وبِرَسُولِهِ، وبِالإيمانِ، وبِالسُّنَّةِ، وبِالعِلْمِ، وبِالقُرْآنِ: مِن أعْلى مَقاماتِ العارِفِينَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وَقالَ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦]. فالفَرَحُ بِالعِلْمِ والإيمانِ والسُّنَّةِ: دَلِيلٌ عَلى تَعْظِيمِهِ عِنْدَ صاحِبِهِ، ومَحَبَّتِهِ لَهُ، وإيثارِهِ لَهُ عَلى غَيْرِهِ، فَإنَّ فَرَحَ العَبْدِ بِالشَّيْءِ عِنْدَ حُصُولِهِ لَهُ: عَلى قَدْرِ مَحَبَّتِهِ لَهُ، ورَغْبَتِهِ فِيهِ. فَمَن لَيْسَ لَهُ رَغْبَةٌ في الشَّيْءِ لا يُفْرِحُهُ حُصُولُهُ لَهُ، ولا يُحْزِنُهُ فَواتُهُ. فالفَرَحُ تابِعٌ لِلْمَحَبَّةِ والرَّغْبَةِ. والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِبْشارِ: أنَّ الفَرَحَ بِالمَحْبُوبِ بَعْدَ حُصُولِهِ، والِاسْتِبْشارُ يَكُونُ بِهِ قَبْلَ حُصُولِهِ إذا كانَ عَلى ثِقَةٍ مِن حُصُولِهِ. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. والفَرَحُ صِفَةُ كَمالٍ ولِهَذا يُوصَفُ الرَّبُّ تَعالى بِأعْلى أنْواعِهِ وأكْمَلِها، كَفَرَحِهِ بِتَوْبَةِ التّائِبِ أعْظَمُ مِن فَرْحَةِ الواجِدِ لِراحِلَتِهِ الَّتِي عَلَيْها طَعامُهُ وشَرابُهُ في الأرْضِ المُهْلِكَةِ بَعْدَ فَقْدِهِ لَها، واليَأْسِ مِن حُصُولِها. والمَقْصُودُ: أنَّ الفَرَحَ أعْلى أنْواعِ نَعِيمِ القَلْبِ، ولَذَّتِهِ وبَهْجَتِهِ. والفَرَحُ والسُّرُورُ نَعِيمُهُ. والهَمُّ والحُزْنُ عَذابُهُ. والفَرَحُ بِالشَّيْءِ فَوْقَ الرِّضا بِهِ. فَإنَّ الرِّضا طُمَأْنِينَةٌ وسُكُونٌ وانْشِراحٌ. والفَرَحُ لَذَّةٌ وبَهْجَةٌ وسُرُورٌ. فَكُلُّ فَرِحٍ راضٍ. ولَيْسَ كُلُّ راضٍ فَرِحًا. ولِهَذا كانَ الفَرَحُ ضِدَّ الحُزْنِ، والرِّضا ضِدَّ السُّخْطِ. والحُزْنُ يُؤْلِمُ صاحِبَهُ، والسُّخْطُ لا يُؤْلِمُهُ، إلّا إنْ كانَ مَعَ العَجْزِ عَنِ الِانْتِقامِ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ: حَدُّ السُّرُورِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: السُّرُورُ: اسْمٌ لِاسْتِبْشارٍ جامِعٍ. وهو أصْفى مِنَ الفَرَحِ. لِأنَّ الأفْراحَ رُبَّما شابَها الأحْزانُ. ولِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ بِاسْمِهِ في أفْراحِ الدُّنْيا في مَواضِعَ. ووَرَدَ السُّرُورُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ القُرْآنِ في حالِ الآخِرَةِ. السُّرُورُ والمَسَرَّةُ: مَصْدَرُ سَرَّهُ سُرُورًا ومَسَرَّةً. وكَأنَّ مَعْنى سَرَّهُ: أثَّرَ في أسارِيرِ وجْهِهِ. فَإنَّهُ تَبْرُقُ مِنهُ أسارِيرُ الوَجْهِ. كَما قالَ شاعِرُ العَرَبِ: ؎وَإذا نَظَرْتَ إلى أسِرَّةِ وجْهِهِ ∗∗∗ بَرَقَتْ كَبَرْقِ العارِضِ المُتَهَلِّلِ وَهَذا كَما يُقالُ: رَأسَهُ؛ إذا أصابَ رَأْسَهُ، وبَطَنَهُ وظَهَرَهُ؛ إذا أصابَ بَطْنَهُ وظَهْرَهُ، وأمَّهُ؛ إذا أصابَ أُمَّ رَأْسِهِ. وَأمّا الِاسْتِبْشارُ: فَهو اسْتِفْعالٌ مِنَ البُشْرى. والبِشارَةُ: هي أوَّلُ خَبَرٍ صادِقٍ سارٍّ. و" البُشْرى " يُرادُ بِها أمْرانِ. أحَدُهُما: بِشارَةُ المُخْبِرِ. والثّانِي: سُرُورُ المُخْبَرِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]. فُسِّرَتِ البُشْرى بِهَذا وهَذا. فَفي حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ. وأبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «هِيَ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ، أوْ تُرى لَهُ». وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بُشْرى الحَياةِ الدُّنْيا: هي عِنْدَ المَوْتِ تَأْتِيهِمْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِالبُشْرى مِنَ اللَّهِ، وفي الآخِرَةِ: عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِ المُؤْمِنِ إذا خَرَجَتْ يَعْرُجُونَ بِها إلى اللَّهِ، تُزَفُّ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ، تُبَشَّرُ بِرِضْوانِ اللَّهِ. وَقالَ الحَسَنُ: هي الجَنَّةُ. واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ. وفُسِّرَتْ بُشْرى الدُّنْيا بِالثَّناءِ الحَسَنِ، يَجْرِي لَهُ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ. وكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ. فالثَّناءُ: مِنَ البُشْرى، والرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ البُشْرى، وتَبْشِيرُ المَلائِكَةِ لَهُ عِنْدَ المَوْتِ مِنَ البُشْرى. والجَنَّةُ مِن أعْظَمِ البُشْرى. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وقالَ تَعالى: ﴿وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. قِيلَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُؤَثِّرُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ. ولِذَلِكَ كانَتْ نَوْعَيْنِ: بُشْرى سارَّةٌ تُؤَثِّرُ فِيهِ نَضارَةً وبَهْجَةً، وبُشْرى مُحْزِنَةٌ تُؤَثِّرُ فِيهِ بُسُورًا وُعُبُوسًا. ولَكِنْ إذا أُطْلِقَتْ كانَتْ لِلسُّرُورِ. وإذا قُيِّدَتْ كانَتْ بِحَسَبِ ما تُقَيَّدُ بِهِ. قَوْلُهُ " وهو أصْفى مِنَ الفَرَحِ " واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ الأفْراحَ رُبَّما شابَها أحْزانٌ، أيْ رُبَّما مازَجَها ضِدُّها. بِخِلافِ السُّرُورِ. فَيُقالُ: والمَسَرّاتُ رُبَّما شابَها أنْكادٌ وأحْزانٌ فَلا فَرْقَ. قَوْلُهُ: ولِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ بِاسْمِهِ في أفْراحِ الدُّنْيا في مَواضِعَ يُرِيدُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَبَ الفَرَحَ إلى أحْوالِ الدُّنْيا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]. فَإنَّ الدُّنْيا لا تَتَخَلَّصُ أفْراحُها مِن أحْزانِها وأتْراحِها ألْبَتَّةَ. بَلْ ما مِن فَرْحَةٍ إلّا ومَعَها تَرْحَةٌ سابِقَةٌ، أوْ مُقارِنَةٌ، أوْ لاحِقَةٌ. ولا تَتَجَرَّدُ الفَرْحَةُ. بَلْ لا بُدَّ مِن تَرْحَةٍ تُقارِنُها. ولَكِنْ قَدْ تَقْوى الفَرْحَةُ عَلى الحُزْنِ فَيَنْغَمِرُ حُكْمُهُ وألَمُهُ مَعَ وُجُودِها. وبِالعَكْسِ. فَيُقالُ: ولَقَدْ نَزَلَ القُرْآنُ أيْضًا بِالفَرَحِ في أُمُورِ الآخِرَةِ في مَواضِعَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما مِن هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ. قَوْلُهُ: ووَرَدَ اسْمُ السُّرُورِ في القُرْآنِ في مَوْضِعَيْنِ في حالِ الآخِرَةِ. يُرِيدُ بِهِما: قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧] والمَوْضِعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]. فَيُقالُ: ووَرَدَ السُّرُورُ في أحْوالِ الدُّنْيا في مَوْضِعٍ عَلى وجْهِ الذَّمِّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ويَصْلى سَعِيرًا إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ١٠]. فَقَدْ رَأيْتَ وُرُودَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ في القُرْآنِ بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ الدُّنْيا وأحْوالِ الآخِرَةِ. فَلا يَظْهَرُ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّرْجِيحِ. بَلْ قَدْ يُقالُ: التَّرْجِيحُ لِلْفَرَحِ: لِأنَّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى يُوصَفُ بِهِ. ويُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ دُونَ السُّرُورِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْناهُ أكْمَلُ مِن مَعْنى السُّرُورِ، وأمَرَ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وأثْنى عَلى السُّعَداءِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] وقَوْلُهُ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٩] فَعَدَلَ إلى لَفْظِ السُّرُورِ لِاتِّفاقِ رُءُوسِ الآيِ. ولَوْ أنَّهُ تَرْجَمَ البابَ بِبابِ الفَرَحِ، لَكانَ أشَدَّ مُطابَقَةً لِلْآيَةِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِها. والأمْرُ في ذَلِكَ قَرِيبٌ. فالمَقْصُودُ أمْرٌ وراءَ ذَلِكَ.

يونس 10:61

وأما تقديم الأرض على السماء في سورة يونس فإنه لما كان السياق سياق تحذير وتهديد للبشر وإعلامهم أنه سبحانه عالم بأعمالهم دقيقها وجليلها وأنه لا يغيب عنه منها شيء اقتضى ذلك ذكر محلهم وهو الأرض قبل ذكر السماء فتبارك من أودع كلامه من الحكم والأسرار والعلوم ما يشهد أنه كلام الله تعالى وأن مخلوقا لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا الحكم أبدا. وقال ابن القيم أيضا: وأما تقديم الأرض في قوله: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فبالرتبة أيضا لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه وهم المخاطبون بقوله: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ فاقتضى حسن النظم تقديمها مرتبة في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها بخلاف الآية التي في سبأ فإنها منتظمة بقوله ﴿عالم الغيب﴾. وأما تقديمه المال على الولد في كثير من الآي فلأن الولد بعد وجود المال نعمة ومسرة وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة، فهذا من باب تقديم السبب على المسبب لأن المال سبب تمام النعمة بالولد.

يونس 10:85

قال أصحاب موسى عليه السلام: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنْةً لِلْقَوْمِ الظّالمِينَ﴾ قال مجاهد: المعنى، لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا. وقال الزجاج: معناه: لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق، فيفتنوا بذلك. وقال الفراء: لا تظهر علينا الكفار، فيروا أنهم على حق وأنا على باطل. وقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم.

يونس 10:87

هو من أحسن النظم وأبدعه فإنه ثنى أولا إذ كان موسى وهارون هما الرسولان المطاعان ويجب على بنى إسرائيل طاعة كل واحد منهما سواء وإذا تبوءا البيوت لقومهما فهم تبع لهما ثم جمع الضمير فقال: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لأن إقامتها فرض على الجميع ثم وحده في قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أن موسى هو الأصل في الرسالة وأخوه ردءا ووزيرا، وكما أرسلا برسالة واحدة كانا رسولا واحدا كقوله تعالى: ﴿إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فهذا الرسول هو الذي قيل له: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ ..

يونس 10:94

وَقَدْ أشْكَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ وأوْرَدَ اليَهُودُ والنَّصارى عَلى المُسْلِمِينَ فِيها إيرادًا وقالُوا: كانَ في شَكٍّ فَأُمِرَ أنْ يَسْألَنا ولَيْسَ فِيها بِحَمْدِ اللَّهِ إشْكالٌ، وإنَّما أُتِيَ أشْباهُ الأنْعامِ مِن سُوءِ قَصْدِهِمْ وقِلَّةِ فَهْمِهِمْ وإلّا فالآيَةُ مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الشَّكِّ ولا السُّؤالُ أصْلًا، فَإنَّ الشَّرْطَ لا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ المَشْرُوطِ بَلْ ولا عَلى إمْكانِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ونَظائِرِهِ، فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَشُكَّ ولَمْ يَسْألْ. وَفِي تَفْسِيرِ سَعِيدٍ «عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " لا أشُكُّ ولا أسْألُ» ". وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ أنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم فاسْألْهم وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ. قالَ: يَقُولُ تَعالى لِنَبِيِّهِ: فَإنْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في شَكٍّ مِن حَقِيقَةِ ما أخْبَرْناكَ وأنْزَلْنا إلَيْكَ، مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَخْتَلِفُوا في نُبُوَّتِكَ قَبْلَ أنْ أبْعَثَكَ رَسُولًا إلى خَلْقِي لِأنَّهم يَجِدُونَكَ مَكْتُوبًا عِنْدَهم ويَعْرِفُونَكَ بِالصِّفَةِ الَّتِي أنْتَ بِها مَوْصُوفٌ في كُتُبِهِمْ، فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ونَحْوِهِ مِن أهْلِ الصِّدْقِ والإيمانِ بِكَ مِنهم دُونَ أهْلِ الكَذِبِ والكُفْرِ بِكَ. وَكَذَلِكَ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقالَ الضَّحّاكُ: سَلْ أهْلَ التَّقْوى والإيمانِ مِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ مِمَّنْ أدْرَكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ. وَلَمْ يَقَعْ هَؤُلاءِ ولا هَؤُلاءِ عَلى مَعْنى الآيَةِ ومَقْصُودِها وأيْنَ كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؟ فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وابْنَ سَلامٍ إذْ ذاكَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ، وكَيْفَ يُؤْمَرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَسْتَشْهِدَ عَلى مُنْكِرِي نُبُوَّتِهِ بِأتْباعِهِ؟ وَقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلَيْهِ بِلُغَةِ العَرَبِ، وهم قَدْ يُخاطِبُونَ الرَّجُلَ بِالشَّيْءِ ويُرِيدُونَ غَيْرَهُ كَما يَقُولُ مُتَمَثِّلُهُمْ: (إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ). وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، والمُرادُ أتْباعُهُ بِهَذا الخِطابِ. قالَ أبُو إسْحاقَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُخاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ والخِطابُ شامِلٌ لِلْخَلْقِ، والمَعْنى: وإنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٤]. وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَ النّاسُ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ أصْنافًا مِنهم كافِرٌ بِهِ مُكَذِّبٌ، وآخَرُ مُؤْمِنٌ بِهِ مُصَدِّقٌ، وآخَرُ شاكٌّ في الأمْرِ لا يَدْرِي كَيْفَ هُوَ، فَهو يُقَدِّمُ رِجْلًا ويُؤَخِّرُ رِجْلًا، فَخاطَبَ اللَّهُ تَعالى هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ وقالَ: فَإنْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ مِنَ الهُدى عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ فَسَلْ. قالَ: ووَحَّدَ وهو يُرِيدُ الجَمْعَ كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، و: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، و: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨]. وَهَذا - وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ - فَسِياقُ الكَلامِ يَأْباهُ فَتَأمَّلْهُ. وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦]، وقَوْلَهُ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وهَذا كُلُّهُ خِطابٌ واحِدٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وَلَمّا عَرَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ أنَّ الخِطابَ لا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: الخِطابُ لَهُ والمُرادُ بِهِ هَذا الصِّنْفُ الشّاكُّ، وكُلُّ هَذا فِرارٌ مِن تَوَهُّمِ ما لَيْسَ بِمَوْهُومٍ: وهو وُقُوعُ الشَّكِّ مِنهُ والسُّؤالُ، وقَدْ بَيَّنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ إمْكانُ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَإذا لَمْ يَكُنْ واقِعًا ولا مُمْكِنًا فَما مَقْصُودُ الخِطابِ والمُرادُ بِهِ؟ قِيلَ: المَقْصُودُ بِهِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى مُنْكِرِي النُّبُوّاتِ والتَّوْحِيدِ، وأنَّهم مُقِرُّونَ بِذَلِكَ لا يَجْحَدُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ بِذَلِكَ، وأرْسَلَ مَلائِكَتَهُ إلى أنْبِيائِهِ بِوَحْيِهِ وكَلامِهِ، فَمَن شَكَّ في ذَلِكَ فَلْيَسْألْ أهْلَ الكِتابِ، فَأُخْرِجَ هَذا المَعْنى في أوْجَزِ عِبارَةٍ وأدَلِّها عَلى المَقْصُودِ، بِأنْ جُعِلَ الخِطابُ لِرَسُولِهِ الَّذِي لَمْ يَشُكَّ قَطُّ ولَمْ يَسْألْ قَطُّ ولا عَرَضَ لَهُ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ، وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ هَذا الخِطابَ بَدا لَكَ عَلى صَفَحاتِهِ: مَن شَكَّ فَلْيَسْألْ فَرَسُولِي لَمْ يَشُكَّ ولَمْ يَسْألْ.

يونس 10:99

المراد حصول الإيمان من الجميع، لا إيمانهم كلهم في آن واحد، سابقهم ولاحقهم. قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وإذنه هاهنا قضاؤه وقدره لا مجرد أمره وشرعه كذلك قال السلف في تفسير هذه الآية قال ابن المبارك عن الثوري: "بقضاء الله" وقال محمد بن جرير: "يقول جل ذكره لنبيه وما لنفس خلقها من سبيل إلى أن تصدقك إلا أن يأذن لها في ذلك فلا تجهدن نفسك في طلب هداها وبلغها وعيد الله ثم خلها فإن هداها بيد خالقها" وما قبل الآية وما بعدها لا يدل إلا على ذلك فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أي لا تكفي دعوتك في حصول الإيمان حتى يأذن الله لمن دعوته أن يؤمن ثم قال: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى يا محمد قل لهؤلاء السائلينك الآيات على صحة ما تدعو إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان أنظروا أيها القوم ماذا في السماوات من الآيات الدالة على حقية ما أدعوكم إليه من توحيد الله من شمسها وقمرها واختلاف ليلها ونهارها ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها وفي الأرض من جبالها وتصدعها بنباتها وأقوات أهلها وسائر صنوف عجائبها فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم عظة ومعتبرا ودلالة على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك ولا له على حفظه وتدبيره ظهير يغنيكم عما سواه من الآيات وما يغني عن قوم قد سبق لهم من الله الشقاء وقضى عليهم في أم الكتاب أنهم من أهل النار فهم لا يؤمنون بشيء من ذلك ولا يصدقون به ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم.

يونس 10:100

المراد حصول الإيمان من الجميع، لا إيمانهم كلهم في آن واحد، سابقهم ولاحقهم. قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وإذنه هاهنا قضاؤه وقدره لا مجرد أمره وشرعه كذلك قال السلف في تفسير هذه الآية قال ابن المبارك عن الثوري: "بقضاء الله" وقال محمد بن جرير: "يقول جل ذكره لنبيه وما لنفس خلقها من سبيل إلى أن تصدقك إلا أن يأذن لها في ذلك فلا تجهدن نفسك في طلب هداها وبلغها وعيد الله ثم خلها فإن هداها بيد خالقها" وما قبل الآية وما بعدها لا يدل إلا على ذلك فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أي لا تكفي دعوتك في حصول الإيمان حتى يأذن الله لمن دعوته أن يؤمن ثم قال: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى يا محمد قل لهؤلاء السائلينك الآيات على صحة ما تدعو إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان أنظروا أيها القوم ماذا في السماوات من الآيات الدالة على حقية ما أدعوكم إليه من توحيد الله من شمسها وقمرها واختلاف ليلها ونهارها ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها وفي الأرض من جبالها وتصدعها بنباتها وأقوات أهلها وسائر صنوف عجائبها فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم عظة ومعتبرا ودلالة على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك ولا له على حفظه وتدبيره ظهير يغنيكم عما سواه من الآيات وما يغني عن قوم قد سبق لهم من الله الشقاء وقضى عليهم في أم الكتاب أنهم من أهل النار فهم لا يؤمنون بشيء من ذلك ولا يصدقون به ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم.

يونس 10:107

المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع بل ربه سبحانه الذي خلقه ورزقه وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمة وتحبب إليه بها مع غناه عنه ومع تبغض العبد إليه بالمعاصي مع فقره إليه، فإذا مسه الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإذا أصابه بنعمه فلا رادَّ لها ولا مانع كما قال تعالى: ﴿وَإن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرّ فَلاَ كاشِفَ لَهُ إلاّ هو وإن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، و ﴿مّا يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]، فالعبد لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله، فالأمر كله لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، هو مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاءُ، المتفرد بالضر والنفع والعطاءِ والمنع والخفض والرفع، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين، وهذا الوجه أعظم لعموم الناس من الوجه الأول، ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول، لكن من تدبر طريقة القرآن تبين له أن الله سبحانه يدعو عباده بهذا الوجه إلى لأول، فهذا الوجه يقتضي التوكل على الله والاستعانة به والدعاءَ له ومسألته دون ما سواه، ويقتضي أيضًا محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده وإسباغ نعمه عليه، فإذا عبده وأحبه وتوكل عليه من هذا الوجه دخل في الوجه الأول. وهكذا كمن نزل به بلاءٌ عظيم وفاقة شديدة أو خوف مقلق فجعل يدعو الله ويتضرع إليه حتى فتح له من لذيذ مناجاته له باب الإيمان به والإنابة إليه وما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا لكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه فعرفه إياه بما أقامه له من الأسباب التي أوصلته إليه. والقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد إلى الله دون ما سواه ومن ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم به في الآخرة من صنوف النعيم واللذات، وليس عند المخلوق شيء من هذا. فهذا الوجه يحقق التوكل على الله والشكر له ومحبته على إحسانه. ومما يوضح ذلك ويقويه أن في تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته المعينة له على عبودية الله ومحبته وتفريغ قلبه له، فإنه إن نال من الطعام الشراب فوق حاجاته ضره أو أهلكه، وكذلك من النكاح واللباس، وإن أحب شيئًا بحيث يُخالِلُهُ فلا بد أن يسأمه أو يفارقه، فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد، فإن فقد تعذب بالفراق وتَألم، وإن وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة. وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء أن كل من أحب شيئًا دون الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته وعذابه أعظم من نعيمه، ويزيد ذلك إيضاحًا أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته، فإنه يخذل من تلك الجهة. وهذا أيضًا معلوم بالاعتبار والاستقراء فأإنه ما علق العبد رجاءَه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة، ولا استنصر بغيره إلا خذل، قال تعالى: ﴿واتّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لّيَكُونُواْ لَهم عِزًّا كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١-٨٢]، وقال تعالى: ﴿واتّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لّعَلّهم يُنصَرُونَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُندٌ مّحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤-٧٥]. وقال تعالى عن إمام الحنفاء أنه قال للمشركين: ﴿إنّما اتّخَذْتُمْ مّن دُونِ اللهِ أوْثانًا مّوَدّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدّنْيا ثُمّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، ولما كان غاية صلاح العبد في عبادة الله وحده واستعانته وحده كان في عبادة غيره والاستعانة بغيره غاية مضرته. ومما يوضح الأمر في ذلك ويبينه أن الله سبحانه غنى حميد كريم رحيم، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه سبحانه ولا لدفع مضرة، بل رحمة وإحسانًا وجودًا محضًا فإنه رحيم لذاته محسن لذاته جواد لذاته كريم لذاته كما أنه غنى لذاته قادر لذاته حى لذاته، فإحسانه وجوده وبره ورحمته من لوازم ذاته لا يكون إلا كذلك، كما أن قيامه قدرته وغناه من لوازم ذاته فلا يكون إلا كذلك. وأما العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه ليجلبوا له منفعة ويدفعوا عنه مضرة، وذلك من تيسير الله وإذنه لهم به، فهو في الحقيقة ولى هذه النعمة ومسديها ومجريها على أيديهم، ومع هذا فإنهم يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد، فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته سواءٌ أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر فإذا أحبوا الأنبياءَ والأولياءَ فطلبوا لقاءَهم فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك، وكذلك من أحب إنسانًا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة ولولا التذاذه بها لما أحب ذلك، وإن جلبوا له منفعة أو دفعوا عنه مضرة - كمرض وعدو - ولو بالدعاءِ فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله، فأجناد الملوك وعبيد المماليك وأجراءُ المستأْجر وأعوان الرئيس كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم إلا أن يكون قد علم وهذب من جهة أُخرى فيدخل ذلك في الجهة الدينية، أو يكون فيه طبع عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة، وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه، وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه إذ قسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا. (فصل) لله سُبْحانَهُ على عَبده أمر أمره بِهِ وقَضاء يَقْضِيه عَلَيْهِ ونعمة ينعم بها عَلَيْهِ فَلا يَنْفَكّ من هَذِه الثَّلاثَة. والقَضاء نَوْعانِ إمّا مصائب، وإمّا معائب، وله عَلَيْهِ عبودية في هَذِه المَراتِب كلها فَأحب الخلق إلَيْهِ من عرف عبوديته في هَذِه المَراتِب ووفاها حَقّها، فَهَذا أقرب الخلق إلَيْهِ، وأبعدهم مِنهُ من جهل عبوديته في هَذِه المَراتِب فعطلها علما وعَملا فعبوديته في الأمر وامتثاله إخلاصا واقتداءا برَسُول الله، وفي النَّهْي اجتنابه خوفًا مِنهُ وإجلالا ومحبة وعبوديته في قَضاء المصائب الصَّبْر عَلَيْها ثمَّ الرِّضا بها وهو أعلى مِنهُ، ثمَّ الشُّكْر عَلَيْها وهو أعلى من الرِّضا، وهَذا إنَّما يأتي مِنهُ إذا تمكن حبه من قلبه وعلم حسن اخْتِياره لَهُ وبره بِهِ ولطفه بِهِ وإحسانه إلَيْهِ بالمصيبة وإن كره المُصِيبَة، وعبوديته في قَضاء المعائب المُبادرَة إلى التَّوْبَة مِنها والتنصل والوُقُوف في مقام الِاعْتِذار والانكسار عالما بِأنَّهُ لا يرفعها عَنهُ إلّا هُوَ، ولا يَقِيه شَرها سواهُ، وأنَّها إن استمرت أبعدته من ربه وطردته من بابه فيراها من الضّر الَّذِي لا يكشفه غَيره حَتّى إنه ليراها أعظم من ضرّ البدن فهو عائِذ بِرِضاهُ من سخطه وبعفوه من عُقُوبَته وبِه مِنهُ مستجير وملتجئ مِنهُ اليه بِعلم أنه إن تخلى عَنهُ وخلى بَينه وبَين نَفسه فعده أمْثالها وشر مِنها وأنه لا سَبِيل لَهُ إلى الإقلاع والتَّوْبَة إلّا بتوفيقه وإعانته وأن ذَلِك بِيَدِهِ سُبْحانَهُ لا بيد العَبْد فَهو أعجز وأضعف وأقل من أن يوفق نَفسه أو يَأْتِي بمرضاة سَيّده بِدُونِ إذْنه ومشيئته وإعانته فَهو ملتجئ إلَيْهِ متضرع ذليل مِسْكين مُلْقٍ نَفسه بَين يَدَيْهِ طريح بابه مستخذله أذلّ شَيْء وأكسره لَهُ وأفقره وأحوجه إلَيْهِ وأرغبه فِيهِ وأحبه لَهُ بدنه متصرف في أشغاله وقَلبه ساجد بَين يَدَيْهِ يعلم يَقِينا انه لا خبر فِيهِ ولا لَهُ ولا بِهِ ولا مِنهُ وأن الخَيْر كُله لله وفي يَدَيْهِ وبِه ومِنه فَهو ولي نعْمَته ومبتدئه بها من غير اسْتِحْقاق ومجريها عَلَيْهِ مَعَ تمقته إلَيْهِ بإعراضه وغفلته ومعصيته فحظه سُبْحانَهُ الحَمد والشُّكْر والثناء وحظ العَبْد الذَّم والنَّقْص والعَيْب قد اسْتَأْثر بالمحامد والمدح والثناء وولى العَبْد المَلامَة والنقائص ولعيوب فالحَمْد كُله لَهُ والخَيْر كُله في يَدَيْهِ والفضل كُله لَهُ والثناء كُله لَهُ والمنَّة كلها لَهُ فَمِنهُ الإحْسان ومن العَبْد الإساءَة ومِنه التودد إلى العَبْد بنعمه ومن العَبْد التبغض إلَيْهِ بمعاصيه ومِنه النصح لعَبْدِهِ ومن العَبْد الغِشّ لَهُ في مُعامَلَته. وَأما عبودية النعم فمعرقتها والِاعْتِراف بها أولا ثمَّ العياذ بِهِ أن يَقع في قلبه نسبتها وإضافتها إلى سواهُ وإن كانَ سَببا من الأسْباب فَهو مسببه ومقيمه فالنعمة مِنهُ وحده بِكُل وجه واعْتِبار ثمَّ الثَّناء بها عَلَيْهِ ومحبته عَلَيْها وشكره بِأن يستعملها في طاعَته ومن لطائف التَّعَبُّد بِالنعَم أن يكثر قليلها عَلَيْهِ ويستقل كثير شكره عَلَيْها وبعلم أنَّها وصلت إلَيْهِ من سَيّده من غير ثمن بذله فِيها ولا وسِيلَة مِنهُ توسل بها إلَيْهِ ولا اسْتِحْقاق مِنهُ لَها وأنَّها لله في الحَقِيقَة لا للْعَبد فَلا تزيده النعم إلّا انكسارا وذلا وتواضعا ومحبة للمنعم وكلما جدد لَهُ نعْمَة أحدث لَها عبودية ومحبة وخضوعا وذلا وكلما أحدث لَهُ قبضا أحدث لَهُ رضى وكلما أحدث ذَنبا أحدث لَهُ تَوْبَة وانكسارا واعتذارا فَهَذا هو العَبْد الكيّس والعاجِز بمعزل عَن ذَلِك وبِاللَّهِ التَّوْفِيق. (فصل) قال سهل: إنما يكون الالتجاءُ، على معرفة الابتلاء، يعني وعلى قدر الابتلاءِ تكون المعرفة بالمبتلي، ومن عرف قوله ﷺ: "وأعُوذ بك منك"، وقام بهذه المعرفة شهودًا وذوقًا، وأعطاها حقها من العبودية، فهو الفقير حقًا، ومدار الفقر الصحيح على هذه الكلمة، فمن زرق فهم سر هذا فهم سر الفقر المحمدي، فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه، وهو الذي يعيذ بنفسه من نفسه، وهو الذي يدفع ما منه بما منه، فالخلق كله له، والأمر كله له والحكم كله له، وما شاءَ كان وما لم يشأْ لم يكن، وما شاءَ لم يستطع أن يصرفه إلا مشيئته، وما لم يشأْ لم يمكن أن يجلبه إلا مشيئته، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو: ﴿وَإن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرّ فَلاَ كاشِفَ لَهُ إلاّ هو وإن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] والتحقق بمعرفة هذا يوجب صحة الاضطرار وكمال الفقر والفاقة، ويحول بين العبد وبين رؤية أعماله وأحواله والاستغناءِ بها والخروج عن رفقة العبودية إلى دعوى ما ليس له. وكيف يدعي مع الله حالًا أو ملكة أو مقامًا من قلبه وإرادته وحركاته الظاهرة والباطنة بيد ربه ومليكة لا يملك هو منها شيئًا، وإنما هي بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاءُ فالإيمان بهذا والتحقق به نظام التوحيد، ومتى من القلب انحل نظام التوحيد، فسبحان من لا يوصل إليه إلا به. ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا ينال ما عنده من الكرامة إلا بطاعته ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته فعاد الأمر كله إليه كما ابتدأ الأمر كله منه، فهو الأول والآخر ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾. ومن وصل إلى هذا الحال وقع في يد التقطع والتجريد، وأشرف على مقام التوحيد الخاص، فإن التوحيد نوعان: عام وخاص، كما أن الصلاة نوعان، والذكر نوعان، وسائر القرب كذلك خاصية وعامية، فالخاصية ما بذل فيها العامل نصحه وقصده بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها، والعامية ما لم يكن كذلك. فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله، وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم باطنًا وظاهرًا أمر لا يحصيه إلا الله عَزَّ وجَلَّ.

هود 11:7

والله سبحانه قد علم قبل أن يوجد عباده أحوالهم وما هم عاملون وما هم إليه صائرون ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما أظهر معلومه فاستحقوا المدح والذم والثواب والعقاب بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابقة للعلم السابق ولم يكونوا يستحقون ذلك وهي في علمه قبل أن يعملوها فأرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه إعذارا إليهم وإقامة للحجة عليهم لئلا يقولوا كيف تعاقبنا على علمك فينا وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم حصل العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء والاختبار وكما ابتلاهم بأمره ونهيه ابتلاهم بما زين لهم من الدنيا وبما ركب فيهم من الشهوات فذلك ابتلاه بشرعه وأمره وهذا ابتلاء بقضائه وقدره وقال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ فأخبر في هذه الآية أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي عباده بأمره ونهيه وهذا من الحق الذي خلق به خلقه وأخبر في الآية التي قبلها أنه خلق الموت والحياة ليبتليهم أيضا فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه وقدر عليهم الموت الذي ينالوا به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب والعقاب وإن أخبر في الآية الأولى أنه زين لهم ما على الأرض ليبتليهم به أيهم يؤثر ما عنده وابتلى بعضهم ببعض والجن كل منهما بالآخر فأظهر ابتلاء آدم ما علمه منه وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه منه فلهذا قال للملائكة: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ واستمر هذا الابتلاء في الذرية إلى يوم القيامة فابتلى الأنبياء بأممهم وابتلى أممهم بهم وقال لعبده ورسوله وخليله إني مبتليك ومبتل بك وقال: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ وقال: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ وفي الحديث الصحيح: "أن ثلاثة أراد الله أن يبتليهم أبرص وأقرع وأعمى فأظهر الابتلاء حقائقهم التي كانت في علمه قبل أن يخلقهم فأما الأعمى فاعترف بإنعام الله عليه وأنه كان أعمى فقيرا فأعطاه الله البصر والغنى وبذل للسائل ما طلبه شكرا لله وأما الأقرع والأبرص فكلاهما جحدا ما كان عليه قبل ذلك من سوء الحال والفقر وقال في الغنى إنما أوتيته كابرا عن كابر وهذا حال أكثر الناس لا يعترف بما كان عليه أولا من نقص أو جهل وفقر وذنوب وأن الله سبحانه نقله من ذلك إلى ضد ما كان عليه وأنعم بذلك عليه ولهذا ينبه سبحانه الإنسان على مبدأ خلقه الضعيف من الماء المهين ثم نقله في أطباق خلقه وأطواره من حال إلى حال حتى جعله بشرا سويا يسمع ويبصر ويقول وينطق ويبطش ويعلم فنسي مبدأه وأوله وكيف كان ولم يعترف بنعم ربه عليه كما قال تعالى: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاَّ إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُون﴾.

هود 11:9

فذمه باليأس والكفْر عند الامتحان بالبلاء وبالفرح والفَخْر عند الِابْتِلاء بالنعماء واستبدل بِحَمْد الله وشكره والثناء عَلَيْهِ إذْ كشف عَنهُ البلاء قَوْله ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عني لَو أنه قالَ أذهب الله السَّيِّئات عني برحمته ومِنه لما ذمّ على ذَلِك بل كانَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ ولكنه غفل عَن المُنعم بكشفها ونسب الذّهاب إلَيْها فَرح وافتخر فَإذا علم الله سُبْحانَهُ هَذا من قلب عبد فَذَلِك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عَنهُ فَإن مَحَله لا تناسبه النِّعْمَة المُطلقَة التّامَّة، كَما قالَ تَعالى ﴿إن شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم معرضون﴾ فَأخْبر سُبْحانَهُ أن محلهم غير قابل لنعمته ومَعَ عدم القبُول ففيهم مانع آخر يمْنَع وصولها إلَيْهِم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها.

هود 11:10

فذمه باليأس والكفْر عند الامتحان بالبلاء وبالفرح والفَخْر عند الِابْتِلاء بالنعماء واستبدل بِحَمْد الله وشكره والثناء عَلَيْهِ إذْ كشف عَنهُ البلاء قَوْله ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عني لَو أنه قالَ أذهب الله السَّيِّئات عني برحمته ومِنه لما ذمّ على ذَلِك بل كانَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ ولكنه غفل عَن المُنعم بكشفها ونسب الذّهاب إلَيْها فَرح وافتخر فَإذا علم الله سُبْحانَهُ هَذا من قلب عبد فَذَلِك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عَنهُ فَإن مَحَله لا تناسبه النِّعْمَة المُطلقَة التّامَّة، كَما قالَ تَعالى ﴿إن شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم معرضون﴾ فَأخْبر سُبْحانَهُ أن محلهم غير قابل لنعمته ومَعَ عدم القبُول ففيهم مانع آخر يمْنَع وصولها إلَيْهِم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها.

هود 11:15

(فصل) المال إن لم ينفع صاحبه ضره ولا بد وكذلك العلم والملك والقدرة كل ذلك إن لم ينفعه ضره فإن هذه الأمور وسائل لمقاصد يتوسل بها إليها في الخير والشر فإن عطلت عن التوسل بها إلى المقاصد والغايات المحمودة توسل بها إلى أضدادها. فأربح الناس من جعلها وسائل إلى الله والدار الآخرة وذلك الذي ينفعه في معاشه ومعاده، وأخسر الناس من توسل بها إلى هواه ونيل شهواته وأغراضه العاجلة فخسر الدنيا والآخرة، فهذا لم يجعل الوسائل مقاصد ولو جعلها كذلك لكان خاسرا لكنه جعلها وسائل إلى ضد ما جعلت له فهو بمثابة من توسل بأسباب اللذة إلى أعظم الآلام أدوائها. فالأقسام أربعة لا خامس لها أحدها معطل الأسباب معرض عنها الثاني مكب عليها واقف مع جمعها وتحصيلها الثالث متوصل بها إلى ما يضره ولا ينفعه في معاشه ومعاده فهؤلاء الثلاثة في الخسران الرابع متوصل بها إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده وهو الرابح قال تعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد أشكل فهم هذه الآية على كثير من الناس حيث فهموا منها أن من كان له إرادة في الدنيا وزينتها فله هذا الوعيد ثم اختلفوا في معناها فقالت طائفة منهم ابن عباس من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب ولا بالعقاب قالوا والآية في الكفار خاصة على قول ابن عباس. وقال قتادة من كانت الدنيا همه وسدمه ونيته وطلبه جازاه الله في الدنيا بحسناته، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها. وأما المؤمن فيجزى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في الآخرة قال هؤلاء فالآية في الكفار بدليل قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالوا المؤمن من يريد الدنيا والآخرة فأما من كانت إرادته مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أبي صالح عنه نزلت في أهل القبلة. قال مجاهد هم أهل الرياء. وقال الضحاك من عمل صالحا من أهل الإيمان من غير تقوى عجل له ثواب عمله في الدنيا. واختار الفراء هذا القول وقال من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس. وهذا القول أرجح، ومعنى الآية على هذا من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهذا لا يكون مؤمنا ألبتة فإن العاصي والفاسق ولو بالغا في المعصية والفسق فإنما يحملهما على أن يعملا أعمال البر لله فيريدان بأعمال البر وجه الله وإن عملا بمعصيته. فأما من لم يرد بعمله وجه الله وإنما أراد به الدنيا وزينتها فهذا لا يدخل في دائرة أهل الإيمان، وهذا هو الذي فهمه معاوية من الآية واستشهد بها على حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة القارئ الذي قرأ القرآن ليقال فلان قارئ، والمتصدق الذي أنفق أمواله ليقال فلان جواد، والغازي الذي قتل في الجهاد ليقال هو جريء. وكما أن خيار خلق الله هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون فشرار الخلق من تشبه بهم وليس منهم فمن تشبه بأهل الصدق والإخلاص وهو مراءٍ كمن تشبه بالأنبياء وهو كاذب.

هود 11:16

(فصل) المال إن لم ينفع صاحبه ضره ولا بد وكذلك العلم والملك والقدرة كل ذلك إن لم ينفعه ضره فإن هذه الأمور وسائل لمقاصد يتوسل بها إليها في الخير والشر فإن عطلت عن التوسل بها إلى المقاصد والغايات المحمودة توسل بها إلى أضدادها. فأربح الناس من جعلها وسائل إلى الله والدار الآخرة وذلك الذي ينفعه في معاشه ومعاده، وأخسر الناس من توسل بها إلى هواه ونيل شهواته وأغراضه العاجلة فخسر الدنيا والآخرة، فهذا لم يجعل الوسائل مقاصد ولو جعلها كذلك لكان خاسرا لكنه جعلها وسائل إلى ضد ما جعلت له فهو بمثابة من توسل بأسباب اللذة إلى أعظم الآلام أدوائها. فالأقسام أربعة لا خامس لها أحدها معطل الأسباب معرض عنها الثاني مكب عليها واقف مع جمعها وتحصيلها الثالث متوصل بها إلى ما يضره ولا ينفعه في معاشه ومعاده فهؤلاء الثلاثة في الخسران الرابع متوصل بها إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده وهو الرابح قال تعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد أشكل فهم هذه الآية على كثير من الناس حيث فهموا منها أن من كان له إرادة في الدنيا وزينتها فله هذا الوعيد ثم اختلفوا في معناها فقالت طائفة منهم ابن عباس من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب ولا بالعقاب قالوا والآية في الكفار خاصة على قول ابن عباس. وقال قتادة من كانت الدنيا همه وسدمه ونيته وطلبه جازاه الله في الدنيا بحسناته، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها. وأما المؤمن فيجزى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في الآخرة قال هؤلاء فالآية في الكفار بدليل قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالوا المؤمن من يريد الدنيا والآخرة فأما من كانت إرادته مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أبي صالح عنه نزلت في أهل القبلة. قال مجاهد هم أهل الرياء. وقال الضحاك من عمل صالحا من أهل الإيمان من غير تقوى عجل له ثواب عمله في الدنيا. واختار الفراء هذا القول وقال من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس. وهذا القول أرجح، ومعنى الآية على هذا من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهذا لا يكون مؤمنا ألبتة فإن العاصي والفاسق ولو بالغا في المعصية والفسق فإنما يحملهما على أن يعملا أعمال البر لله فيريدان بأعمال البر وجه الله وإن عملا بمعصيته. فأما من لم يرد بعمله وجه الله وإنما أراد به الدنيا وزينتها فهذا لا يدخل في دائرة أهل الإيمان، وهذا هو الذي فهمه معاوية من الآية واستشهد بها على حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة القارئ الذي قرأ القرآن ليقال فلان قارئ، والمتصدق الذي أنفق أمواله ليقال فلان جواد، والغازي الذي قتل في الجهاد ليقال هو جريء. وكما أن خيار خلق الله هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون فشرار الخلق من تشبه بهم وليس منهم فمن تشبه بأهل الصدق والإخلاص وهو مراءٍ كمن تشبه بالأنبياء وهو كاذب.

هود 11:18

وهؤلاء المعارضون للوحي بعقولهم جمعوا بين الأمور الثلاثة الكذب على الله والصد عن سبيل الله وبغيها عوجا. أما الكذب على الله فإنهم نفوا عنه ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ووصفوه بما لم يصف به نفسه. وأما صدهم عن سبيله وبغيها عوجا فإنهم أفهموا الناس بل صرحوا لهم بأن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد علما ولا يقينا، وأن العقول عارضتها فيجب تقديم العقول عليها. وأي عوج أعظم من عوج مخالفة العقل الصريح، وقد وصف الله كتابه بأنه ﴿غير ذي عوج﴾ ولا ريب أن الله هو الصادق في ذلك وأنهم هم الكاذبون. فإن قلت ﴿يبغونها﴾ متعدي إلى مفعول واحد فما وجه انتصاب ﴿عوجا﴾؟ قيل: فيه وجوه: أحدها: أنه نصب على الحال أي يطلبونها ذات عوج لا يطلبونها مستقيمة والمعنى يطلبون لها العوج. الثاني: أن ﴿عوجا﴾ مفعول ﴿يبغونها﴾ على تقدير حذف اللام أي يطلبون لها عوجا يرمونها به ويصفونها به وأحسن منهما أن تضمن يبغونها إما معنى يعوجونها فيكون عوجا منصوبا على المصدر ودل فعل البغي على طلب ذلك وابتغائه. وأما معنى يسومونها ويؤولونها وعلى كل تقدير فسبيل الله هداه وكتابه الهادي للطريق الأقوم والسبيل الأقصد فمن زعم أن في العقل ما يعارضه فقد بغاه عوجا ودعا إلى الصد عنه ومن له خبرة بالمعقول الصحيح يعلم أن العوج في كلام هؤلاء المعوجين الذين هم عن الصراط ناكبون، وعن سبيل الرشد حائدون، وعن آيات الله بعيدون وبالباطل، والقضايا الكاذبة يصدقون، وفي ضلالهم يعمهون وفي ريبهم يترددون، وهم للعقل الصريح والسمع الصحيح مخالفون: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.

هود 11:19

وهؤلاء المعارضون للوحي بعقولهم جمعوا بين الأمور الثلاثة الكذب على الله والصد عن سبيل الله وبغيها عوجا. أما الكذب على الله فإنهم نفوا عنه ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ووصفوه بما لم يصف به نفسه. وأما صدهم عن سبيله وبغيها عوجا فإنهم أفهموا الناس بل صرحوا لهم بأن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد علما ولا يقينا، وأن العقول عارضتها فيجب تقديم العقول عليها. وأي عوج أعظم من عوج مخالفة العقل الصريح، وقد وصف الله كتابه بأنه ﴿غير ذي عوج﴾ ولا ريب أن الله هو الصادق في ذلك وأنهم هم الكاذبون. فإن قلت ﴿يبغونها﴾ متعدي إلى مفعول واحد فما وجه انتصاب ﴿عوجا﴾؟ قيل: فيه وجوه: أحدها: أنه نصب على الحال أي يطلبونها ذات عوج لا يطلبونها مستقيمة والمعنى يطلبون لها العوج. الثاني: أن ﴿عوجا﴾ مفعول ﴿يبغونها﴾ على تقدير حذف اللام أي يطلبون لها عوجا يرمونها به ويصفونها به وأحسن منهما أن تضمن يبغونها إما معنى يعوجونها فيكون عوجا منصوبا على المصدر ودل فعل البغي على طلب ذلك وابتغائه. وأما معنى يسومونها ويؤولونها وعلى كل تقدير فسبيل الله هداه وكتابه الهادي للطريق الأقوم والسبيل الأقصد فمن زعم أن في العقل ما يعارضه فقد بغاه عوجا ودعا إلى الصد عنه ومن له خبرة بالمعقول الصحيح يعلم أن العوج في كلام هؤلاء المعوجين الذين هم عن الصراط ناكبون، وعن سبيل الرشد حائدون، وعن آيات الله بعيدون وبالباطل، والقضايا الكاذبة يصدقون، وفي ضلالهم يعمهون وفي ريبهم يترددون، وهم للعقل الصريح والسمع الصحيح مخالفون: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.

هود 11:20

نفى عَنهُ استطاعة السّمع مَعَ صِحَة حواسهم وسلامتها وإنَّما لفرط بغضهم ونفرتهم عَنهُ وعَن كَلامه صارُوا بِمَنزِلَة من لا يَسْتَطِيع أن يسمعهُ ولا يراهُ وهَذا اسْتِعْمال مَعْرُوف للخاصة والعامة يَقُولُونَ لا أطيق انْظُر إلى فلان ولا أستطيع أن اسْمَع كَلامه من بغضه ونفرته عَنهُ. وَبَعض الجبرية يحْتَج بِهَذِهِ الآية وشبهها على مَذْهَبهم ولا دلالَة فِيها إذْ لَيْسَ المُراد سلبهم السّمع والبَصَر الَّذِي تقوم بِهِ الحجَّة قطعا، وإنَّما المُراد سلب السّمع الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فائِدَته وثمرته والقدر حق ولَكِن الواجِب تَنْزِيل القُرْآن مَنازِله ووضع الآيات مواضعها واتِّباع الحق حَيْثُ كانَ، ومثل هَذا إذا لم يحصل لَهُ فهم الخطاب لا يعْذر بذلك لأن الآفة مِنهُ وهو بِمَنزِلَة من سد أذنيه عند الخطاب فَلم يسمعهُ فَلا يكون ذَلِك عذرا لَهُ.

هود 11:23

والخبت في أصل اللغة: المكان المنخفض من الأرض، وبه فسر ابن عباس وقتادة لفظ «المخبتين» وقالا: هم المتواضعون. وقال مجاهد: المخبت: المطمئن إلى الله عز وجل. قال: والخبت المكان المطمئن من الأرض. وقال الأخفش: الخاشعون. وقال: إبراهيم النخعي: المصلون المخلصون. وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع، والسكون إلى الله عز وجل ولذلك عدّي ب «إلى» تضمينا، لمعنى الطمأنينة والإنابة، والسكون إلى الله.

هود 11:24

فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الكُفّارَ، ووَصَفَهم بِأنَّهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ، ووَصَفَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ والإخْباتِ إلى رَبِّهِمْ، فَوَصَفَهم بِعُبُودِيَّةِ الظّاهِرِ والباطِنِ، وجَعَلَ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ مِن حَيْثُ كانَ قَلْبُهُ أعْمى عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ أصَمَّ عَنْ سَماعِهِ؛ فَشَبَّهَهُ بِمَن بَصَرُهُ أعْمى عَنْ رُؤْيَةِ الأشْياءِ وسَمْعُهُ أصَمُّ عَنْ سَماعِ الأصْواتِ، والفَرِيقُ الآخَرُ بَصِيرُ القَلْبِ سَمِيعُهُ، كَبَصِيرِ العَيْنِ وسَمِيعِ الأُذُنِ؛ فَتَضَمَّنَتْ الآيَةُ قِياسَيْنِ وتَمْثِيلَيْنِ لِلْفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ نَفى التَّسْوِيَةَ عَنْ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ [هود: ٢٤] ..

هود 11:27

قَوْله تَعالى إخْبارًا عَنْ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ فاعْتُبِرُوا صُورَةَ مُجَرَّدِ الآدَمِيَّةِ وشَبَهَ المُجانَسَةِ فِيها، واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ حُكْمَ أحَدِ الشَّبَهَيْنِ حُكْمُ الآخَرِ؛ فَكَما لا نَكُونُ نَحْنُ رُسُلًا فَكَذَلِكَ أنْتُمْ، فَإذا تَساوَيْنا في هَذا الشَّبَهِ فَأنْتُمْ مِثْلُنا لا مَزِيَّةَ لَكم عَلَيْنا، وهَذا مِن أبطل القِياسِ؛ فَإنَّ الواقِعَ مِن التَّخْصِيصِ والتَّفْضِيلِ وجَعْلِ بَعْضِ هَذا النَّوْعِ شَرِيفًا وبَعْضَهُ دَنِيًّا، وبَعْضَهُ مَرْءُوسًا وبَعْضَهُ رَئِيسًا، وبَعْضَهُ مَلِكًا وبَعْضَهُ سُوقَةً، يُبْطِلُ هَذا القِياسَ، كَما أشارَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وَأجابَتْ الرُّسُلُ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] وأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] فاعْتَبَرُوا المُساواةَ في البَشَرِيَّةِ وما هو مِن خَصائِصِها مِن الأكْلِ والشُّرْبِ، وهَذا مُجَرَّدُ قِياسِ شَبَهٍ وجَمْعٍ صُورِيٍّ، ونَظِيرُ هَذا قَوْله: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] وَمِن هَذا قِياسُ المُشْرِكِينَ الرِّبا عَلى البَيْعِ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ الصُّورِيِّ، ومِنهُ قِياسُهم المَيْتَةَ عَلى المُذَكّى في إباحَةِ الأكْلِ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ. وَبِالجُمْلَةِ فَلَمْ يَجِئْ هَذا القِياسُ في القُرْآنِ إلّا مَرْدُودًا مَذْمُومًا.

هود 11:30

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ السِّرِّ] [حَقِيقَةُ السِّرِّ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: بابُ السِّرِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ أصْحابُ السِّرِّ: هُمُ الأخْفِياءُ الَّذِينَ ورَدَ فِيهِمُ الخَبَرُ. أمّا اسْتِشْهادُهُ بِالآيَةِ، فَوَجْهُهُ: أنَّ أتْباعَ الرُّسُلِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُمْ، وآثَرُوا اللَّهَ والدّارَ الآخِرَةَ عَلى قَوْمِهِمْ وأصْحابِهِمْ قَدْ أوْدَعَ اللَّهُ قُلُوبَهم سِرًّا مِن أسْرارِ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ والإيمانِ بِهِ، خَفِيَ عَلى أعْداءِ الرُّسُلِ، فَنَظَرُوا إلى ظَواهِرِهِمْ، وعَمُوا عَنْ بَواطِنِهِمْ فازْدَرَوْهم واحْتَقَرُوهُمْ، وقالُوا لِلرَّسُولِ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ عَنْكَ، حَتّى نَأْتِيَكَ ونَسْمَعَ مِنكَ، وقالُوا: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ: ﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١] قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم إنَّما اتَّبَعُونِي في بادِي الرَّأْيِ وظاهِرِهِ، فَلَيْسَ عَلَيَّ أنْ أطَّلِعَ عَلى ما في أنْفُسِهِمْ، فَإذا رَأيْتُ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ عَمِلْتُ عَلى ظاهِرِهِ، ورَدَدْتُ عِلْمَ ما في نُفُوسِهِمْ إلى اللَّهِ، وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ، إذْ أهَّلَهم لِقَبُولِ دِينِهِ وتَوْحِيدِهِ، وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلِيمٌ حَكِيمٌ، يَضَعُ العَطاءَ في مَواضِعِهِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] فَإنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهَّلَهم لِلْهُدى والحَقِّ، وحَرَمَهُ رُؤَساءَ الكُفّارِ وأهْلَ العِزَّةِ والثَّرْوَةِ مِنهُمْ، كَأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِعَطاءِ الدُّنْيا عَلى عَطاءِ الآخِرَةِ. فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أنَّهُ أعْلَمُ بِمَن يُؤَهِّلُهُ لِذَلِكَ لِسِرٍّ عِنْدَهُ: مِن مَعْرِفَةِ قَدْرِ النِّعْمَةِ، ورُؤْيَتِها مِن مُجَرَّدِ فَضْلِ المُنْعِمِ، ومَحَبَّتِهِ وشُكْرِهِ عَلَيْها. ولَيْسَ كُلُّ أحَدٍ عِنْدَهُ هَذا السِّرُّ. فَلا يُؤَهَّلُ كُلُّ أحَدٍ لِهَذا العَطاءِ. قَوْلُهُ: أصْحابُ السِّرِّ: هُمُ الأخْفِياءُ الَّذِينَ ورَدَ فِيهِمُ الخَبَرُ قَدْ يُرِيدُ بِهِ: حَدِيثَ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ. حَيْثُ قالَ لَهُ ابْنُهُ: أنْتَ هاهُنا والنّاسُ يَتَنازَعُونَ في الإمارَةِ؟ فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ». وَقَدْ يُرِيدُ بِهِ: قَوْلَهُ ﷺ: «رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالأبْوابِ لا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لَأبَرَّهُ»، وقَوْلَهُ في الحَدِيثِ الآخَرِ وقَدْ «مَرَّ بِهِ رَجُلٌ: فَقالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا؟ فَقالُوا: هَذا حَرِيٌّ، إنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ، وإنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ قالَ أنْ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. ثُمَّ مَرَّ بِهِ آخَرُ فَقالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا؟ فَقالُوا: هَذا حَرِيٌّ إنْ شَفَعَ ألّا يُشَفَّعَ، وإنْ خَطَبَ: أنْ لا يُنْكَحَ، وإنْ قالَ: ألّا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذا خَيْرٌ مِن مِلْءِ الأرْضِ مِن مِثْلِ هَذا».

هود 11:31

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ السِّرِّ] [حَقِيقَةُ السِّرِّ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: بابُ السِّرِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ أصْحابُ السِّرِّ: هُمُ الأخْفِياءُ الَّذِينَ ورَدَ فِيهِمُ الخَبَرُ. أمّا اسْتِشْهادُهُ بِالآيَةِ، فَوَجْهُهُ: أنَّ أتْباعَ الرُّسُلِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُمْ، وآثَرُوا اللَّهَ والدّارَ الآخِرَةَ عَلى قَوْمِهِمْ وأصْحابِهِمْ قَدْ أوْدَعَ اللَّهُ قُلُوبَهم سِرًّا مِن أسْرارِ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ والإيمانِ بِهِ، خَفِيَ عَلى أعْداءِ الرُّسُلِ، فَنَظَرُوا إلى ظَواهِرِهِمْ، وعَمُوا عَنْ بَواطِنِهِمْ فازْدَرَوْهم واحْتَقَرُوهُمْ، وقالُوا لِلرَّسُولِ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ عَنْكَ، حَتّى نَأْتِيَكَ ونَسْمَعَ مِنكَ، وقالُوا: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ: ﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١] قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم إنَّما اتَّبَعُونِي في بادِي الرَّأْيِ وظاهِرِهِ، فَلَيْسَ عَلَيَّ أنْ أطَّلِعَ عَلى ما في أنْفُسِهِمْ، فَإذا رَأيْتُ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ عَمِلْتُ عَلى ظاهِرِهِ، ورَدَدْتُ عِلْمَ ما في نُفُوسِهِمْ إلى اللَّهِ، وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ، إذْ أهَّلَهم لِقَبُولِ دِينِهِ وتَوْحِيدِهِ، وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلِيمٌ حَكِيمٌ، يَضَعُ العَطاءَ في مَواضِعِهِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] فَإنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهَّلَهم لِلْهُدى والحَقِّ، وحَرَمَهُ رُؤَساءَ الكُفّارِ وأهْلَ العِزَّةِ والثَّرْوَةِ مِنهُمْ، كَأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِعَطاءِ الدُّنْيا عَلى عَطاءِ الآخِرَةِ. فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أنَّهُ أعْلَمُ بِمَن يُؤَهِّلُهُ لِذَلِكَ لِسِرٍّ عِنْدَهُ: مِن مَعْرِفَةِ قَدْرِ النِّعْمَةِ، ورُؤْيَتِها مِن مُجَرَّدِ فَضْلِ المُنْعِمِ، ومَحَبَّتِهِ وشُكْرِهِ عَلَيْها. ولَيْسَ كُلُّ أحَدٍ عِنْدَهُ هَذا السِّرُّ. فَلا يُؤَهَّلُ كُلُّ أحَدٍ لِهَذا العَطاءِ. قَوْلُهُ: أصْحابُ السِّرِّ: هُمُ الأخْفِياءُ الَّذِينَ ورَدَ فِيهِمُ الخَبَرُ قَدْ يُرِيدُ بِهِ: حَدِيثَ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ. حَيْثُ قالَ لَهُ ابْنُهُ: أنْتَ هاهُنا والنّاسُ يَتَنازَعُونَ في الإمارَةِ؟ فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ». وَقَدْ يُرِيدُ بِهِ: قَوْلَهُ ﷺ: «رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالأبْوابِ لا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لَأبَرَّهُ»، وقَوْلَهُ في الحَدِيثِ الآخَرِ وقَدْ «مَرَّ بِهِ رَجُلٌ: فَقالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا؟ فَقالُوا: هَذا حَرِيٌّ، إنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ، وإنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ قالَ أنْ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. ثُمَّ مَرَّ بِهِ آخَرُ فَقالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا؟ فَقالُوا: هَذا حَرِيٌّ إنْ شَفَعَ ألّا يُشَفَّعَ، وإنْ خَطَبَ: أنْ لا يُنْكَحَ، وإنْ قالَ: ألّا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذا خَيْرٌ مِن مِلْءِ الأرْضِ مِن مِثْلِ هَذا».

هود 11:32

أودع الله في قلوب أتباع رسله سرا من أسرار معرفته ومحبته، والإيمان به خفي على أعداء الرسل، فنظروا إلى ظواهرهم، وعموا عن بواطنهم، فازدروهم واحتقروهم وقالوا للرسول: وهؤلاء عنك حتى نأتيك ونسمع منك، وقالوا: ﴿أهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ فقال نوح لقومه ﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾. قال الزجاج: المعنى: إن كنتم تزعمون أنهم اتبعوني في بادئ الرأي وظاهره فليس عليّ أن أطلع على ما في أنفسهم، فإذا رأيت من يوحد الله عملت على ظاهره ورددت علم ما في نفوسهم إلى الله. وهذا معنى حسن. والذي يظهر من الآية: أن الله يعلم ما في أنفسهم إذ أهّلهم، لقبول دينه، وتوحيده، وتصديق رسله، والله سبحانه وتعالى حكيم، يضع العطاء في مواضعه. وتكون هذه الآية مثل قوله ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾؟ فإنهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهّلهم للهدى والحق، وحرمه رؤساء الكفار وأهل العزة منهم والثروة، كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة، فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يؤهله لذلك، لسر عنده من معرفة قدر النعمة ورؤيتها من مجرد فضل المنعم ومحبته وشكره عليها، وليس كل أحد عنده هذا السر، فلا يؤهل لهذا العطاء كل أحد.

هود 11:34

(فائدة) في دخول الشرط على الشروط وهو صور: أحدها: إن خرجت ولبست فأنت طالق لا يحنث إلا بهما كيفما كانا. الثانية: إن لبست فخرجت لم يحنث إلا بخروج بعد لبس. الثالثة: إن لبست ثم خرجت لا يحنث إلا بخروجها بعد لبسها لا معه ويكون متراخيا هذا البناء على ظاهر اللفظ وأما قصده فيراعي ولا يلتفت إلى هذا. الرابعة: إن خرجت لا إن لبست يحنث بالخروج وحده ولا يحنث باللبس ويحتمل هذا التعليق أمرين: أحدهما: أن يجعل الخروج شرطا ويبقى أن يكون اللبس شرطا فحكمه ما ذكرنا. الثاني: أن يجعل الخروج مع عدم اللبس شرطا فلا يحنث بخروج معه لبس ويكون المعنى إن خرجت لا لابسه أو غير لابسة فإن خرجت لابسة لم يحنث. الخامسة: إن خرجت بل إن لبست فلا يحنث إلا باللبس دون الخروج ويحتمل هذا التعليق أيضا أمرين: أحدهما: هذا. والثاني: أن يكون كل منهما شرطا فيحنث بأيهما وجد ويكون الإضراب إضراب اقتصار لا إضراب إلغاء فكأنه يقول: لا أقتصر على جعل الأول وحده شرطا بل أيهما وجد فهو شرط فعلى التقدير الأول يكون إضراب إلغاء ورجوع وعلى الثاني إضراب اقتصار وإفراد. السادسة: إن خرجت أو إن لبست يحنث بأيهما وجد. السابعة: إن لبست لكن إن خرجت فالشرط الثاني قد لغا الأول بـ (لكن) لأنها للاستدراك. الثامنة: وهي أشكلها إن لبست إن خرجت وهذه مسألة دخول الشرط على ويحتمل التعليق في ذلك أمرين: أحدهما: أن يجعل كل واحد منهما شرطا مستقلا فيكون كالمعطوف بالواو سواء ولا إشكال. والثاني: أن يجعل أحدهما شرطا في الآخر. واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة فقال أصحاب مالك هو تعليق للتعليق ففي هذا الكلام تعليقان: أحدهما إن لبست فأنت طالق ثم علق هذه الجملة المعلقة بالخروج فكأنه قال شرط نفوذ هذا التعليق الخروج فعلى هذا لا يحنت حتى يوجد الخروج بعد اللبس وممن نص عليها ابن شاش في الجواهر وقال أبو إسحاق في المهذب وقد صور المسألة: "إن كلمت زيدا إن دخلت الدار فأنت طالق ثم كلمت زيدا طلقت وإن كلمت زيدا أولا ثم دخلت الدار لم تطلق لأنه جعل دخول الدار شرطا في كلام زيد فوجب تقديمه عليه" وهكذا عكس قول المالكية ورجح أبو المعالي قول المالكية في نهايته. وقد وقع هذا التعليق في كتاب الله عز وجل في مواضع: أحدها: قوله - حكاية عن نوح-: ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُم﴾ وهذا ظاهر في أن الشرط الثاني شرط في الشرط الأول والمعنى إن أراد الله أن يغويكم لم ينفعكم نصحي إن أردته وهذا يشهد لصحة ما قال الشيخ أبو إسحاق. الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ﴾ قالوا فهذه الآية ظاهرة في قول المالكية لأن إرادة رسول الله ﷺ متأخرة عن هبتها فإنها تجري مجرى القبول في هذا العقد والإيجاب هو هبتها. ونظير هذا أن يقول: إن وهب لي شيئا إن أردت قبوله أخذته فإرادة القبول متأخرة عن الهبة فلا يكون شرطا فيها قال الأولون: يجوز أن تكون إرادة رسول الله ﷺ فلما فهمت المرأة منه ذلك وهبت نفسها له فيكون كالآية الأولى. وهذا غير صحيح والقصة تأباه فإن المرأة قامت وقالت: يا رسول الله إني وهبت لك نفسي فصعّد فيها النظر وصوّبه ثم لم يتزوجها وزوجها غيره. الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ المعنى: فلولا ترجعونها أي تردون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين مملوكين إن كنتم صادقين وهنا الثاني شرط للأول والمعنى إن كنتم صادقين في قولكم فهلا تردونها إن كنتم غير مدينين ويدل عليه قول الشاعر أنشده عبد الله بن مالك: ؎إن تستغيثوا بنا أن تذعروا وتجدوا ∗∗∗ منا معاقل عز زانها الكرم ومعلوم أن الاستغاثة إنما تكون بعد الذعر، فالذعر شرط فيها ومن هذا قول الدريدي: ؎فَإن عَثرتُ بَعدَها إن وألَت ∗∗∗ نَفسِيَ مِن هاتا فَقولا لا لعا. ومعلوم أن العثور مرة ثانية إنما يكون بعد النجاة من الأولى فوالت شرط في الشرط الثاني وعلى هذا فإذا ذكرت الشرطين وأتيت بالجواب كان جوابا للأول خاصة والثاني جرى معه مجرى الفضلة والتتمة كالحال وغيرها من الفضلات قاله ابن مالك. وأحسن من هذا أن يقال ليس الكلام بشرطين يستدعيان جوابين بل هو شرط واحد وتعليق واحد اعتبر في شطره قيد خاص جعل شرطا فيه وصار الجواب للشرط المقيد فهو جواب لهما معا بهذا الاعتبار وإيضاحه أنك إذا قلت إن كلمت زيدا إن رأيته فأنت طالق جعلت الطلاق جزاء على كلام مقيد بالرؤية لا على كلام مطلق وكأنه قال إن كلمته ناظرة إليه فأنت طالق وهذا يبين لك حرف المسألة ويزل عنك إشكالها جملة وبالله التوفيق.

هود 11:43

لما ذكر العاصم استدعى معصوما مفهوما من السياق فكأنه قيل لا معصوم اليوم من أمره إلا من رحِمه فإنه لما قال ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله﴾ بقي الذهن طالبا للمعصوم فكأنه قيل فمن الذي يعصم فأجيب بأنه لا يعصم إلا من رحمة الله ودل هذا الفظ باختصاره وجلالته وفصاحته علي نفي كل عاصم سواه وعلى نفي كل معصوم سوى من رحمة الله فدل الاستثناء على أمرين على المعصوم من هو وعلى العاصم وهو ذو الرحمة وهذا من أبلغ الكلام وأفصحه وأوجزه ولا يلتفت إلى ما قيل في الآية بعد ذلك وقد قالوا فيها ثلاثة أقوال أُخر: أحدها: أن عاصما بمعنى معصوم كماء دافق وعيشة راضية والمعنى لا معصوم إلا من رحمة الله وهذا فاسد لأن كل واحد من اسم الفاعل واسم المفعول موضوع لمعناه الخاص به فلا يشاركه فيه الآخر وليس الماء الدافق بمنى المدفوق بل هو فاعل على بابه كما يقال ماء جار فدافق كجار فما الموجب للتكليف البارد وأما عيشة راضية فهي عند سيبويه على النسب كتامر ولابن أي ذات رضي وعند غيره كنهار صائم وليل قائم على المبالغة. والقول الثاني: أن من رحم فاعل لا مفعول والمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم فهو استثناء فاعل من فاعل وهذا وإن كان أقل تكلفا فهو أيضا ضعيف جدا وجزالة الكلام وبلاغته تأباه بأول نظر. والقول الثالث إن في الكلام مضافا محذوفا قام المضاف إليه مقامه والتقدير لا معصوم عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحمة الله وهذا من أنكر الأقوال وأشدها منافاة للفصاحة والبلاغة ولو صرح به لكان مستغثا.

هود 11:44

(فائدة) كانَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَكْتُبُ عَلى جَبْهَتِهِ: ﴿وَقِيلَ ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ﴾ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَتَبْتُها لِغَيْرِ واحِدٍ فَبَرَأ، فَقالَ: ولا يَجُوزُ كِتابَتُها بِدَمِ الرّاعِفِ، كَما يَفْعَلُهُ الجُهّالُ، فَإنَّ الدَّمَ نَجِسٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُكْتَبَ بِهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى.

هود 11:46

واحْتج بعضهم بِأن الله عز وجل قالَ لنوح عَن ابْنه ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ فَأخْرجهُ بشركه أن يكون من أهله فَعلم أن آل الرَّسُول ﷺ هم أتْباعه. وَأجاب عَنهُ الشّافِعِي رَحمَه الله بِجَواب جيد وهو أن المُراد إنه لَيْسَ من أهلك الَّذين أمرنا بحملهم ووعدناك نجاتهم، لِأن الله سُبْحانَهُ قالَ لَهُ قبل ذَلِك ﴿احْمِلْ فِيها من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْل﴾ فَلَيْسَ ابْنه من أهله الَّذين ضمن نجاتهم. قلت: ويدل على صِحَة هَذا أن سِياق الآيَة يدل على أن المُؤمنِينَ بِهِ قسم غير أهله الَّذين هم أهله لِأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ ﴿احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ﴾ فـ ﴿مَن آمَنَ﴾ مَعْطُوف على المَفْعُول بِالحملِ وهم الأهْل والاثنان من كل زَوْجَيْنِ.

هود 11:53

إنَّ مِن أخْفى آياتِ الرُّسُلِ آياتُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ وَمَعَ هَذا فَبَيِّنَتُهُ مِن أظْهَرِ البَيِّناتِ، وقَدْ أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونَ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦]، فَهَذا مِن أعْظَمِ الآياتِ: أنَّ رَجُلًا واحِدًا يُخاطِبُ أُمَّةً عَظِيمَةً بِهَذا الخِطابِ، غَيْرَ جَزِعٍ ولا فَزِعٍ، ولا خَوّارٍ، بَلْ واثِقٌ مِمّا قالَهُ جازِمٌ بِهِ، قَدْ أشْهَدَ اللَّهَ أوَّلًا عَلى بَراءَتِهِ مِن دِينِهِمْ، ومِمّا هم عَلَيْهِ إشْهادَ واثِقٍ بِهِ، مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ، مُعْلِمٍ لِقَوْمِهِ: أنَّهُ ولِيُّهُ وناصِرُهُ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسَلِّطِهِمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أشْهَدَهم - إشْهادَ مُجاهِرٍ لَهم بِالمُخالَفَةِ -: أنَّهُ بَرِيءٌ مِن دِينِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، الَّتِي يُوالُونَ عَلَيْها ويُعادُونَ، ويَبْذُلُونَ دِماءَهم وأمْوالَهم في نُصْرَتِها. ثُمَّ أكَّدَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِالِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، واحْتِقارِهِمْ وازْدِرائِهِمْ، وأنَّهم لَوْ يَجْتَمِعُونَ كُلُّهم عَلى كَيْدِهِ، وشِفاءِ غَيْظِهِمْ مِنهُ، ثُمَّ يُعالِجُونَهُ ولا يُمْهِلُونَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ: أنَّهم أضْعَفُ وأعْجَزُ وأقَلُّ مِن ذَلِكَ، وأنَّكم لَوْ رُمْتُمُوهُ لانْقَلَبْتُمْ بِغَيْظِكم مَكْبُوتِينَ مَخْذُولِينَ. ثُمَّ قَرَّرَ دَعْوَتَهُ أحَسَنَ تَقْرِيرٍ، وبَيَّنَ أنَّ رَبَّهُ تَعالى ورَبَّهُمْ، الَّذِي نَواصِيهِمْ بِيَدِهِ: هو ولِيُّهُ ووَكِيلُهُ، القائِمُ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، وأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلا يَخْذُلُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وآمَنَ بِهِ، ولا يُشْمِتُ بِهِ أعْداءَهُ، ولا يَكُونُ مَعَهم عَلَيْهِ، فَإنَّ صِراطَهُ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو عَلَيْهِ - في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ - يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَأْباهُ. وَتَحْتَ هَذا الخِطابِ أنَّ مِن صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ أنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهُ وعَمِلَ بِخِلافِهِ، ويُنْزِلَ بِهِ بِأْسَهُ، فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو العَدْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ تَعالى، ومِنهُ انْتِقامُهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ والإجْرامِ، ونَصْرُهُ أوْلِياءَهُ ورُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ، وأنَّهُ يَذْهَبُ بِهِمْ، ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا غَيْرَهُمْ، ولا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وأنَّهُ القائِمُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حِفْظًا ورِعايَةً وتَدْبِيرًا وإحْصاءً. فَأيُّ آيَةٍ وبُرْهانٍ ودَلِيلٍ أحْسَنُ مِن آياتِ الأنْبِياءِ وبَراهِينِهِمْ وأدِلَّتِهِمْ؟ وهي شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُمْ، بَيَّنَها لِعِبادِهِ غايَةَ البَيانِ، وأظْهَرَها لَهم غايَةَ الإظْهارِ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما آمَنَ عَلى مِثْلِهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ».

هود 11:54

إنَّ مِن أخْفى آياتِ الرُّسُلِ آياتُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ وَمَعَ هَذا فَبَيِّنَتُهُ مِن أظْهَرِ البَيِّناتِ، وقَدْ أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونَ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦]، فَهَذا مِن أعْظَمِ الآياتِ: أنَّ رَجُلًا واحِدًا يُخاطِبُ أُمَّةً عَظِيمَةً بِهَذا الخِطابِ، غَيْرَ جَزِعٍ ولا فَزِعٍ، ولا خَوّارٍ، بَلْ واثِقٌ مِمّا قالَهُ جازِمٌ بِهِ، قَدْ أشْهَدَ اللَّهَ أوَّلًا عَلى بَراءَتِهِ مِن دِينِهِمْ، ومِمّا هم عَلَيْهِ إشْهادَ واثِقٍ بِهِ، مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ، مُعْلِمٍ لِقَوْمِهِ: أنَّهُ ولِيُّهُ وناصِرُهُ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسَلِّطِهِمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أشْهَدَهم - إشْهادَ مُجاهِرٍ لَهم بِالمُخالَفَةِ -: أنَّهُ بَرِيءٌ مِن دِينِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، الَّتِي يُوالُونَ عَلَيْها ويُعادُونَ، ويَبْذُلُونَ دِماءَهم وأمْوالَهم في نُصْرَتِها. ثُمَّ أكَّدَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِالِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، واحْتِقارِهِمْ وازْدِرائِهِمْ، وأنَّهم لَوْ يَجْتَمِعُونَ كُلُّهم عَلى كَيْدِهِ، وشِفاءِ غَيْظِهِمْ مِنهُ، ثُمَّ يُعالِجُونَهُ ولا يُمْهِلُونَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ: أنَّهم أضْعَفُ وأعْجَزُ وأقَلُّ مِن ذَلِكَ، وأنَّكم لَوْ رُمْتُمُوهُ لانْقَلَبْتُمْ بِغَيْظِكم مَكْبُوتِينَ مَخْذُولِينَ. ثُمَّ قَرَّرَ دَعْوَتَهُ أحَسَنَ تَقْرِيرٍ، وبَيَّنَ أنَّ رَبَّهُ تَعالى ورَبَّهُمْ، الَّذِي نَواصِيهِمْ بِيَدِهِ: هو ولِيُّهُ ووَكِيلُهُ، القائِمُ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، وأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلا يَخْذُلُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وآمَنَ بِهِ، ولا يُشْمِتُ بِهِ أعْداءَهُ، ولا يَكُونُ مَعَهم عَلَيْهِ، فَإنَّ صِراطَهُ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو عَلَيْهِ - في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ - يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَأْباهُ. وَتَحْتَ هَذا الخِطابِ أنَّ مِن صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ أنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهُ وعَمِلَ بِخِلافِهِ، ويُنْزِلَ بِهِ بِأْسَهُ، فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو العَدْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ تَعالى، ومِنهُ انْتِقامُهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ والإجْرامِ، ونَصْرُهُ أوْلِياءَهُ ورُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ، وأنَّهُ يَذْهَبُ بِهِمْ، ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا غَيْرَهُمْ، ولا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وأنَّهُ القائِمُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حِفْظًا ورِعايَةً وتَدْبِيرًا وإحْصاءً. فَأيُّ آيَةٍ وبُرْهانٍ ودَلِيلٍ أحْسَنُ مِن آياتِ الأنْبِياءِ وبَراهِينِهِمْ وأدِلَّتِهِمْ؟ وهي شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُمْ، بَيَّنَها لِعِبادِهِ غايَةَ البَيانِ، وأظْهَرَها لَهم غايَةَ الإظْهارِ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما آمَنَ عَلى مِثْلِهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ».

هود 11:55

إنَّ مِن أخْفى آياتِ الرُّسُلِ آياتُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ وَمَعَ هَذا فَبَيِّنَتُهُ مِن أظْهَرِ البَيِّناتِ، وقَدْ أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونَ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦]، فَهَذا مِن أعْظَمِ الآياتِ: أنَّ رَجُلًا واحِدًا يُخاطِبُ أُمَّةً عَظِيمَةً بِهَذا الخِطابِ، غَيْرَ جَزِعٍ ولا فَزِعٍ، ولا خَوّارٍ، بَلْ واثِقٌ مِمّا قالَهُ جازِمٌ بِهِ، قَدْ أشْهَدَ اللَّهَ أوَّلًا عَلى بَراءَتِهِ مِن دِينِهِمْ، ومِمّا هم عَلَيْهِ إشْهادَ واثِقٍ بِهِ، مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ، مُعْلِمٍ لِقَوْمِهِ: أنَّهُ ولِيُّهُ وناصِرُهُ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسَلِّطِهِمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أشْهَدَهم - إشْهادَ مُجاهِرٍ لَهم بِالمُخالَفَةِ -: أنَّهُ بَرِيءٌ مِن دِينِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، الَّتِي يُوالُونَ عَلَيْها ويُعادُونَ، ويَبْذُلُونَ دِماءَهم وأمْوالَهم في نُصْرَتِها. ثُمَّ أكَّدَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِالِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، واحْتِقارِهِمْ وازْدِرائِهِمْ، وأنَّهم لَوْ يَجْتَمِعُونَ كُلُّهم عَلى كَيْدِهِ، وشِفاءِ غَيْظِهِمْ مِنهُ، ثُمَّ يُعالِجُونَهُ ولا يُمْهِلُونَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ: أنَّهم أضْعَفُ وأعْجَزُ وأقَلُّ مِن ذَلِكَ، وأنَّكم لَوْ رُمْتُمُوهُ لانْقَلَبْتُمْ بِغَيْظِكم مَكْبُوتِينَ مَخْذُولِينَ. ثُمَّ قَرَّرَ دَعْوَتَهُ أحَسَنَ تَقْرِيرٍ، وبَيَّنَ أنَّ رَبَّهُ تَعالى ورَبَّهُمْ، الَّذِي نَواصِيهِمْ بِيَدِهِ: هو ولِيُّهُ ووَكِيلُهُ، القائِمُ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، وأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلا يَخْذُلُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وآمَنَ بِهِ، ولا يُشْمِتُ بِهِ أعْداءَهُ، ولا يَكُونُ مَعَهم عَلَيْهِ، فَإنَّ صِراطَهُ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو عَلَيْهِ - في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ - يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَأْباهُ. وَتَحْتَ هَذا الخِطابِ أنَّ مِن صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ أنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهُ وعَمِلَ بِخِلافِهِ، ويُنْزِلَ بِهِ بِأْسَهُ، فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو العَدْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ تَعالى، ومِنهُ انْتِقامُهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ والإجْرامِ، ونَصْرُهُ أوْلِياءَهُ ورُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ، وأنَّهُ يَذْهَبُ بِهِمْ، ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا غَيْرَهُمْ، ولا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وأنَّهُ القائِمُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حِفْظًا ورِعايَةً وتَدْبِيرًا وإحْصاءً. فَأيُّ آيَةٍ وبُرْهانٍ ودَلِيلٍ أحْسَنُ مِن آياتِ الأنْبِياءِ وبَراهِينِهِمْ وأدِلَّتِهِمْ؟ وهي شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُمْ، بَيَّنَها لِعِبادِهِ غايَةَ البَيانِ، وأظْهَرَها لَهم غايَةَ الإظْهارِ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما آمَنَ عَلى مِثْلِهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ».

هود 11:56

فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] نَظِيرُ قَوْلِهِ: «ناصِيَتِي بِيَدِك» وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] نَظِيرُ قَوْلِهِ: «عَدْلٌ في قَضاؤُك». فالأوَّلُ مُلْكُهُ، والثّانِي حَمْدُهُ، وهو سُبْحانَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وكَوْنُهُ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، ولا يَأْمُرُ إلّا بِالعَدْلِ، ولا يَفْعَلُ إلّا ما هو مَصْلَحَةٌ ورَحْمَةٌ وحِكْمَةٌ وعَدْلٌ؛ فَهو عَلى الحَقِّ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ؛ فَلا يَقْضِي عَلى العَبْدِ بِما يَكُونُ ظالِمًا لَهُ بِهِ، ولا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ، ولا يَنْقُصُهُ مِن حَسَناتِهِ شَيْئًا، ولا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِن سَيِّئاتِ غَيْرِهِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها ولَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْها شَيْئًا، ولا يُؤاخِذُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا يَفْعَلُ قَطُّ ما لا يُحْمَدُ عَلَيْهِ، ويُثْنى بِهِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ لَهُ فِيهِ العَواقِبُ الحَمِيدَةُ، والغاياتُ المَطْلُوبَةُ، فَإنَّ كَوْنَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَأْبى ذَلِكَ كُلَّهُ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] يَقُولُ: إنّ رَبِّي عَلى طَرِيقِ الحَقِّ، يُجازِي المُحْسِنَ مِن خَلْقِهِ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا يَظْلِمُ أحَدًا مِنهم شَيْئًا، ولا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ لَهُ، والإيمانَ بِهِ، ثُمَّ حَكى عَنْ مُجاهِدٍ مِن طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] قالَ: الحَقُّ، وكَذَلِكَ رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] وهَذا اخْتِلافُ عِبارَةٍ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِالمِرْصادِ هو مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنّ رَبِّي يَحُثُّكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ويَحُضُّكم عَلَيْهِ؛ وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِها فَلَيْسَ كَما زَعَمُوا، ولا دَلِيلَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وقَدْ فَرَّقَ سُبْحانَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ آمِرًا بِالعَدْلِ وبَيْنَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وإنْ أرادُوا أنَّ حَثَّهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مِن جُمْلَةِ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فَقَدْ أصابُوا. وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْنى كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أنَّ مَرَدَّ العِبادِ والأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنها، وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ أرادُوا أنَّ هَذا مِن لَوازِمِ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ومِن مُقْتَضاهُ ومُوجِبِهِ فَهو حَقٌّ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْناهُ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ وفي مِلْكِهِ وقَبْضَتِهِ، وهَذا وإنْ كانَ حَقًّا فَلَيْسَ هو مَعْنى الآيَةِ، وقَدْ فَرَّقَ شُعَيْبٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَهُما مَعْنَيانِ مُسْتَقِلّانِ فالقَوْلُ قَوْلُ مُجاهِدٍ، وهو قَوْلُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، ولا تَحْتَمِلُ العَرَبِيَّةُ غَيْرَهُ إلّا عَلى اسْتِكْراهٍ؛ وقالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ: ؎أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ ∗∗∗ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمِ وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] وإذا كانَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ رُسُلَهُ وأتْباعَهم عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَهو سُبْحانَهُ أحَقُّ بِأنْ يَكُونَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، وإنْ كانَ صِراطُ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ هو مُوافَقَةُ أمْرِهِ؛ فَصِراطُهُ الَّذِي هو سُبْحانَهُ عَلَيْهِ هو ما يَقْتَضِيهِ حَمْدُهُ وكَمالُهُ ومَجْدُهُ مِن قَوْلِ الحَقِّ وفِعْلِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فصل) أخبر عن عموم قدرته تعالى، وأن الخلق كلهم تحت تسخيره وقدرته، وأنه آخذ بنواصيهم. فلا محيص لهم عن نفوذ مشيئته وقدرته فيهم. ثم عقب ذلك بالإخبار عن تصرفه فيهم، وأنه بالعدل لا بالظلم، وبالإحسان لا بالإساءة، وبالصلاح لا بالفساد. فهو يأمرهم وينهاهم إحسانا إليهم وحماية وصيانة لهم. لا حاجة إليهم، ولا بخلا عليهم. بل جودا وكرما وبرا ولطفا ويثيبهم إحسانا وتفضلا ورحمة. لا لمعاوضة واستحقاق منهم ودين واجب يستحقونه عليه ويعاقبهم عدلا وحكمة. لا تشفيا ولا مخافة ولا ظلما. كما يعاقب الملوك وغيرهم. بل هو على الصراط المستقيم. وهو صراط العدل والإحسان. في أمره ونهيه، وثوابه وعقابه. فتأمل ألفاظ هذه الآية وما جمعته من عموم القدرة، وكمال الملك، ومن تمام الحكمة والعدل والإحسان، وما تضمنته من الرد على الطائفتين، فإنها من كنوز القرآن. ولقد كفت وشفت لمن فتح عليه باب فهمها. فكونه تعالى على صراط مستقيم: ينفي ظلمه للعباد. وتكليفه إياهم ما لا يطيقون. وينفي العيب من أفعاله وشرعه، ويثبت لها غاية الحكمة والسداد، ردا على منكري ذلك، وكون كل دابة تحت قبضته وقدرته، وهو آخذ بناصيتها. ينبغي أن لا يقع في ملكه من أحد من مخلوقاته شيء بغير مشيئته وقدرته. وأن من ناصيته بيد الله وفي قبضته لا يمكنه أن يتحرك إلا بتحريكه، ولا يفعل إلا بإقداره ولا يشاء إلا بمشيئته تعالى وهذا أبلغ رد على منكري ذلك من القدرية. فالطائفتان ما وفوا الآية معناها، ولا قدروها حق قدرها. فهو سبحانه على صراط مستقيم في إعطائه ومنعه، وهدايته وإضلاله، وفي نفعه وضره، وعافيته وبلائه، وإغنائه وإفقاره، وإعزازه وإذلاله، وإنعامه وانتقامه، وثوابه وعقابه، وإحيائه وإماتته، وأمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، وفي كل ما يخلق، وكل ما يأمر به، وهذه المعرفة بالله لا تكون إلا للأنبياء ولورثتهم. (موعظة) ماذا يملك مِن أمره مَن ناصيته بيد الله، ونَفسه بِيَدِهِ وقَلبه بَين أصبعين من أصابِعه يقلبه كَيفَ يَشاء وحياته بِيَدِهِ ومَوته بِيَدِهِ وسعادته بِيَدِهِ وشقاوته بِيَدِهِ وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بِإذْنِهِ ومشيئته فَلا يَتَحَرَّك إلّا بِإذْنِهِ ولا يفعل إلّا بمشيئته إن وكله إلى نَفسه وكله إلى عجز وضيعة وتفريط وذنب وخطيئة وإن وكله إلى غَيره وكله إلى من لا يملك لَهُ ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حَياة ولا نشورا وإن تخلى عَنهُ استولى عَلَيْهِ عدوّه وجعله أسِيرًا لَهُ فَهو لا غنى لَهُ عَنهُ طرفَة عين بل هو مُضْطَر إلَيْهِ على مدى الأنفاس في كل ذرة من ذراته باطِنا وظاهرًا فاقته تامَّة إلَيْهِ ومَعَ ذَلِك فَهو متخلف عَنهُ معرض عَنهُ يتبغض إلَيْهِ بمعصيته مَعَ شدَّة الضَّرُورَة إلَيْهِ من كل وجه قد صار لذكره نسيا واتخذه وراءه ظهريا هَذا وإلَيْهِ مرجعه وبَين يَدَيْهِ موقفه. (فصل) النوع السادس عشر إخباره سبحانه أنه على صراط مستقيم في موضعين من كتابه أحدهما قوله حاكيا عن نبيه هود: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والثاني قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال أبو إسحاق: "أخبر أنه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فهو لا يشاء إلا العدل" قال ابن الأنباري: "لما قال إلا هو آخذ بناصيتها كان في معنى لا تخرج عن قبضته" قاهر بعظيم سلطانه كل دابة فأتبع ذلك قوله: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي أنه على الحق قال وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا رجلا حسن السيرة والعدل والإنصاف قالوا فلان طريقه حسنة وليس ثم طريق وذكر في معنى الآية أقوال أخر هي من لوازم هذا المعنى وآثاره كقول بعضهم إن ربي يدل على صراط مستقيم فدلالته على الصراط من موجبات كونه في نفسه على صراط مستقيم فإن تلك الدلالة والتعريف من تمام رحمته وإحسانه وعدله وحكمته. وقال بعضهم معناه لا يخفى عليه شيء ولا يعدل عنه هارب وقال بعضهم المعنى لا مسلك لأحد ولا طريق له إلا عليه كقوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ وهذا المعنى حق ولكن كونه هو المراد بالآية ليس بالبين فإن الناس كلهم لا يسلكون الصراط المستقيم حتى يقال إنهم يصلون سلوكه إليه ولما أراد سبحانه هذا المعنى قال: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾: ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ وأما وصفه سبحانه بأنه على صراط مستقيم فهو كونه يقول الحق ويفعل الصواب فكلماته صدق وعدل كله صواب وخير والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فلا يقول إلا ما يحمد عليه لكونه حقا وعدلا وصدقا وحكمة في نفسه وهذا معروف في كلام للعرب قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: ؎أمير المؤمنين على صراط ∗∗∗ إذا اعوج الموارد مستقيم وإذا عرف هذا فمن ضرورة كونه على صراط مستقيم أنه لا يفعل شيئا إلا بحكمة يحمد عليها وغاية هي أولى بالإرادة من غيرها فلا تخرج أفعاله عن الحكمة والمصلحة والإحسان والرحمة والعدل والصواب كما لا تخرج أقواله عن العدل والصدق.

هود 11:66

{فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ (٦٦) وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) فإذا قلت: فإذا استوى ذكر التاء وتركها في الفعل المتقدم وفاعله مؤنث غير حقيقي فما الحكمة في اختصاصها في قصة شعيب بالفعل وحذفها في قصة صالح {وأخذ الذين ظلموا الصيحة)؟ قلت الصيحة في قصة صالح في معنى العذاب والخزي إذ كانت منتظمة بقوله سبحانه: ﴿وَمِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي وعن العذاب المذكور في الآية فقوي التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك. هذا جواب السهيلي. وعندي فيه جواب أحسن من هذا إن شاء الله وهو: أن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح فيحسن فيها التذكير ويراد بها الواحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة اللفظ أحدها: الرجفة في قوله في الأعراف: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الثاني: الظلة بقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ الثالث: الصيحة: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وجمع لهم بين الثلاثة فإن الرجفة بدأت بهم فأصحروا إلى الفضاء خوفا من سقوط الأبنية عليهم فصهرتهم الشمس بحرها ورفعت لهم الظلة فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس فنزل عليهم منها العذاب وفيه الصيحة فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح وكان ذكر التاء والله أعلم. فإن قيل: فلم قلتم إن التاء حرف ولم تجعلوها بمنزلة الواو والألف في قاما وقاموا؟ قيل: لإجماع العرب على قولهم الهندان قامتا بالتاء والضمير، ولا يجوز أن يكون للفعل ضميران فاعلان.

هود 11:67

{فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ (٦٦) وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) فإذا قلت: فإذا استوى ذكر التاء وتركها في الفعل المتقدم وفاعله مؤنث غير حقيقي فما الحكمة في اختصاصها في قصة شعيب بالفعل وحذفها في قصة صالح {وأخذ الذين ظلموا الصيحة)؟ قلت الصيحة في قصة صالح في معنى العذاب والخزي إذ كانت منتظمة بقوله سبحانه: ﴿وَمِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي وعن العذاب المذكور في الآية فقوي التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك. هذا جواب السهيلي. وعندي فيه جواب أحسن من هذا إن شاء الله وهو: أن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح فيحسن فيها التذكير ويراد بها الواحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة اللفظ أحدها: الرجفة في قوله في الأعراف: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الثاني: الظلة بقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ الثالث: الصيحة: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وجمع لهم بين الثلاثة فإن الرجفة بدأت بهم فأصحروا إلى الفضاء خوفا من سقوط الأبنية عليهم فصهرتهم الشمس بحرها ورفعت لهم الظلة فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس فنزل عليهم منها العذاب وفيه الصيحة فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح وكان ذكر التاء والله أعلم. فإن قيل: فلم قلتم إن التاء حرف ولم تجعلوها بمنزلة الواو والألف في قاما وقاموا؟ قيل: لإجماع العرب على قولهم الهندان قامتا بالتاء والضمير، ولا يجوز أن يكون للفعل ضميران فاعلان.

هود 11:69

(فصل) وأما السؤال العاشر: وهو السر في نصب سلام ضيف إبراهيم الملائكة ورفع سلامه؟ فالجواب: أنك قد عرفت قول النحاة فيه أن سلام الملائكة تضمن جملة فعلية لأن نصب السلام يدل على سلمنا عليك سلاما وسلام إبراهيم تضمن جملة اسمية لأن رفعه يدل على أن المعنى سلام عليكم والجملة الاسمية تدل على الثبوت والتقرر والفعلية تدل على الحدوث والتجدد فكان سلامه عليهم أكمل من سلامهم عليه وكان له من مقامات الرد ما يليق بمنصبه ﷺ وهو مقام الفضل إذ حياهم بأحسن من تحيتهم، هذا تقرير ما قالوه. وعندي فيه جواب أحسن من هذا وهو أنه لم يقصد حكاية سلام الملائكة فنصب قوله سلاما مفعول القول المفرد كأنه قيل قالوا قولا سلاما وقالوا سدادا وصوابا ونحو ذلك فإن القول إنما تحكي به الجمل وأما المفرد فلا يكون محكيا به بل منصوب به انتصاب المفعول به. ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ ليس المراد أنهم قالوا هذا اللفظ المفرد المنصوب وإنما معناه قالوا قولا سلاما مثل سدادا وصوابا وسمي القول سلاما لأنه يؤدي معنى السلام ويتضمنه من رفع الوحشة وحصول الاستئناس. وحكى عن إبراهيم لفظ سلامه فأتى به على لفظه مرفوعا بالابتداء محكيا بالقول ولولا قصد الحكاية لقال سلاما بالنصب لأن ما بعد القول إذا كان مرفوعا فعلى الحكاية ليس إلا فحصل من الفرق بين الكلامين في حكاية سلام إبراهيم ورفعه ونصب ذلك إشارة إلى معنى لطيف جدا وهو أن قوله سلام عليكم من دين الإسلام المتلقى عن إمام الحنفاء وأبي الأنبياء وأنه من ملة إبراهيم التي أمر الله بها وباتباعها فحكى لنا قوله ليحصل الاقتداء به والاتباع له ولم يحك قول أضيافه وإنما أخبر به على الجملة دون التفصيل والله أعلم فزن هذا الجواب والذي قبله بميزان غير جائر يظهر لك أقواهما وبالله التوفيق.

هود 11:71

(فائدة: في أن الذبيح إسماعيل - عليه السلام - لا إسْحاقُ) وَكَيْفَ يَسُوغُ أنْ يُقالَ: إنَّ الذَّبِيحَ إسْحاقُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ بَشَّرَ أُمَّ إسْحاقَ بِهِ وبِابْنِهِ يَعْقُوبَ، فَقالَ تَعالى عَنِ المَلائِكَةِ: إنَّهم قالُوا لِإبْراهِيمَ لَمّا أتَوْهُ بِالبُشْرى: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ - وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ فَمُحالٌ أنْ يُبَشِّرَها بِأنَّهُ يَكُونُ لَها ولَدٌ ثُمَّ يَأْمُرَ بِذَبْحِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ يَعْقُوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ داخِلٌ في البِشارَةِ، فَتَناوُلُ البِشارَةِ لِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ في اللَّفْظِ واحِدٌ، وهَذا ظاهِرُ الكَلامِ وسِياقُهُ. وأيضا فإن الله سبحانه بشر سارة أم إسحاق: ﴿بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ فبشرها بهما جمعيا، فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحاق، وقد بشر أبويه بولد ولده؟! فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمُوهُ لَكانَ " يَعْقُوبُ " مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى إسْحاقَ، فَكانَتِ القِراءَةُ ﴿وَمِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أيْ: ويَعْقُوبُ مِن وراءِ إسْحاقَ. قِيلَ لا يَمْنَعُ الرَّفْعُ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ مُبَشَّرًا بِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ قَوْلٌ مَخْصُوصٌ، وهي أوَّلُ خَبَرٍ سارٍّ صادِقٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِهَذِهِ القُيُودِ، فَتَكُونُ بِشارَةً، بَلْ حَقِيقَةُ البِشارَةِ هي الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ. وَلَمّا كانَتِ البِشارَةُ قَوْلًا كانَ مَوْضِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ نَصْبًا عَلى الحِكايَةِ بِالقَوْلِ، كَأنَّ المَعْنى: وقُلْنا لَها: مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ، والقائِلُ إذا قالَ: بَشَّرْتُ فُلانًا بِقُدُومِ أخِيهِ وثِقَلِهِ في أثَرِهِ لَمْ يُعْقَلْ مِنهُ إلّا بِشارَتُهُ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا. هَذا مِمّا لا يَسْتَرِيبُ ذُو فَهْمٍ فِيهِ ألْبَتَّةَ، ثُمَّ يُضْعِفُ الجَرَّ أمْرٌ آخَرُ وهو ضَعْفُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ومِن بَعْدِهِ عَمْرٍو، ولِأنَّ العاطِفَ يَقُومُ مَقامَ حَرْفِ الجَرِّ، فَلا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَجْرُورِ، كَما لا يُفْصَلُ بَيْنَ حَرْفِ الجَرِّ والمَجْرُورِ.

هود 11:73

(فَصْلٌ نفيسٌ: في اختتام الصَّلاة على النبي ﷺ بِهَذَيْنِ الاسمين من أسماء الرب سُبْحانَهُ وتَعالى وهما الحميد والمجيد) فالحميد فعيل من الحَمد وهو بِمَعْنى مَحْمُود وأكْثر ما يَأْتِي فعيلًا في أسْمائِهِ تَعالى بِمَعْنى فاعل كسميع وبصير وعَلِيم وقدير وعلي وحَكِيم وحليم وهو كثير وكَذَلِكَ فعول كغفور وشكور وصبور وَأما الوَدُود فَفِيهِ قَولانِ أحدهما أنه بِمَعْنى فاعل وهو الَّذِي يحب أنبياءه ورُسُله وأولياءه وعباده المُؤمنِينَ والثّانِي أنه بِمَعْنى مودود وهو المحبوب الَّذِي يسْتَحق أن يحب الحبّ كُله وأن يكون أحب إلى العَبْد من سَمعه وبصره وجَمِيع محبوباته وَأما الحميد فَلم يَأْتِ إلّا بِمَعْنى المَحْمُود وهو أبلغ من المَحْمُود فَإن فعيلًا إذا عدل بِهِ عَن مفعول دلّ على أن تِلْكَ الصّفة قد صارَت مثل السجية والغريزة والخلق اللّازِم إذا قلت فلان ظريف وشريف وكريم ولِهَذا يكون هَذا البناء غالِبا من فعل بِوَزْن شرف هَذا البناء من أبنية الغرائز والسجايا اللّازِمَة ككبر وصغر وحسن ولطف ونَحْو ذَلِك وَلِهَذا كانَ حبيب أبلغ من مَحْبُوب لان الحبيب الَّذِي حصلت فِيهِ الصِّفات والأفْعال الَّتِي يحب لأجلها فَهو حبيب في نَفسه وإن قدر أن غَيره لا يُحِبهُ لعدم شعوره بِهِ أو لمانع مَنعه من حبه وأما المحبوب فَهو الَّذِي تعلق بِهِ حب المُحب فَصارَ محبوبًا بحب الغَيْر لَهُ وأما الحبيب فَهو حبيب بِذاتِهِ وصِفاته تعلق بِهِ حب الغَيْر أو لم يتَعَلَّق وهَكَذا الحميد والمحمود فالحميد هو الَّذِي لَهُ من الصِّفات وأسْباب الحَمد ما يَقْتَضِي أن يكون مَحْمُودًا وإن لم يحمده غَيره فَهو حميد في نَفسه والمحمود من تعلق بِهِ حمد الحامدين وهَكَذا المجِيد والممجد والكَبِير والمكبر والعظيم والمعظم والحَمْد والمجد إلَيْهِما يرجع الكَمال كُله فَإن الحَمد يسْتَلْزم الثَّناء والمحبة للمحمود فَمن أحببته ولم تثن عَلَيْهِ لم تكن حامدًا لَهُ حَتّى تكون مثنيًا عَلَيْهِ محبًا لَهُ وهَذا الثَّناء والحب تبع للأسباب المُقْتَضِيَة لَهُ وهو ما عَلَيْهِ المَحْمُود من صِفات الكَمال ونعوت الجلال والإحْسان إلى الغَيْر فَإن هَذِه هي أسباب المحبَّة وكلما كانَت هَذِه الصِّفات أجمع وأكمل كانَ الحَمد والحب أتم وأعظم والله سُبْحانَهُ لَهُ الكَمال المُطلق الَّذِي لا نقص فِيهِ بِوَجْه ما والإحْسان كُله لَهُ ومِنه فَهو أحَق بِكُل حمد وبِكُل حب من كل جِهَة فَهو أهل أن يحب لذاته ولصفاته ولأفعاله ولأسمائه ولإحسانه ولكُل ما صدر مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأما المجد فَهو مُسْتَلْزم للعظمة والسعَة والجلال والحَمْد يدل على صِفات الإكْرام والله سُبْحانَهُ وتَعالى ذُو الجلال والإكْرام وهَذا معنى قَول العَبْد لا إلَه إلّا الله والله اكبر ف لا إلَه إلّا الله دال على ألوهيته وتفرده فِيها فألوهيته تَسْتَلْزِم محبته التّامَّة والله أكبر دال على مجده وعظمته وذَلِكَ يسْتَلْزم تَعْظِيمه وتمجيده وتكبيره ولِهَذا يقرن سُبْحانَهُ بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ في القُرْآن كثيرا كَقَوْلِه ﴿رَحْمَة الله وبَرَكاته عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] وَقَوله تَعالى ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شريك في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] فَأمر بِحَمْدِهِ وتكبيره وَقالَ تَعالى ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجلال والإكْرام﴾ [الرحمن: ٧٨] وَقالَ تَعالى ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكْرام﴾ [الرحمن: ٢٧] وَفِي المسند وصحيح أبي حاتِم وغَيره من حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ أنه قالَ ألظُّوا بِياذا الجلال والإكْرام حَدِيث صَحِيح يَعْنِي الزموها وتعلقوا بها فالجلال والإكْرام هو الحَمد والمجد ونَظِير هَذا قَوْله تَعالى ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كريم﴾ [النمل: ٤٠] وَقَوله تَعالى ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] وَقَوله تَعالى ﴿واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧] وَقَوله تَعالى ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤-١٥] وَهُوَ كثير في القُرْآن وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح حَدِيث دُعاء الكرب لا إلَه إلّا الله العَظِيم الحَلِيم لا إلَه إلّا الله رب العَرْش العَظِيم لا إلَه إلّا الله رب السَّماوات ورب الأرْض ورب العَرْش الكَرِيم فَذكر هذَيْن الاسمين الحميد المجِيد عقيب الصَّلاة على النَّبِي ﷺ وعَلى آله مُطابق لقَوْله تَعالى ﴿رَحْمَة الله وبَرَكاته عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] وَلما كانَت الصَّلاة على النَّبِي ﷺ وهِي ثَناء الله تَعالى عَلَيْهِ وتكريمه والتنويه بِهِ ورفع ذكره وزِيادَة حبه وتقريبه كَما تقدم كانَت مُشْتَمِلَة على الحَمد والمجد فَكَأن المُصَلِّي طلب من الله تَعالى أن يزِيد في حَمده ومجده فَإن الصَّلاة عَلَيْهِ هي نوع حمد لَهُ وتمجيد هَذا حَقِيقَتها فَذكر في هَذا المَطْلُوب الاسمين المناسبين لَهُ وهما أسماء الحميد والمجيد وهَذا كَما تقدم أن الدّاعِي يشرع لَهُ أن يخْتم دعاءه باسم من الأسْماء الحسنى مُناسِب لمطلوبه أو يفْتَتح دعاءه بِهِ وتقدم أن هَذا من قَوْله ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بها﴾ [الأعراف: ١٨٠] قالَ سُلَيْمان عَلَيْهِ السَّلام في دُعائِهِ ربه ﴿رب اغْفِر لي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [ص: ٣٥] وَقالَ الخَلِيل وابْنه إسماعيل عَلَيْهِما السَّلام في دعائهما ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّك أنْت التواب الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٢٨] وَكانَ النَّبِي ﷺ يَقُول رب اغْفِر لي وتب عَليّ إنَّك أنْت التواب الغفور مائَة مرّة في مَجْلِسه [[إسْناده صَحِيح]] وَقالَ ﷺ لعائِشَة رَضِي الله عَنْها وقد سَألته إن وافَقت لَيْلَة القدر ما أدْعُو بِهِ قالَ قولي اللَّهُمَّ إنَّك عَفْو تحب العَفو فاعْفُ عني [[سَنَده صَحِيح]] وَقالَ ﷺ للصديق رَضِي الله عَنهُ وقد سَألَهُ أن يُعلمهُ دُعاء يَدْعُو بِهِ في صلاته قالَ قل اللَّهُمَّ إنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا ولا يغْفر الذُّنُوب إلّا أنْت فاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وارحمني إنَّك أنْت الغفور الرَّحِيم وهَذا كثير قد ذَكرْناهُ في = كتاب الرّوح والنَّفس = وَما قالَه النّاس في قَول المَسِيح ﷺ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وَلم يقل الغفور الرَّحِيم. وَقَول الخَلِيل عَلَيْهِ السَّلام ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] فَلَمّا كانَ المَطْلُوب للرسول ﷺ حمدًا ومجدًا بِصَلاة الله عَلَيْهِ ختم هَذا السُّؤال باسمي الحميد والمجيد وأيْضًا فَإنَّهُ لما كانَ المَطْلُوب للرسول حمدًا ومجدًا وكانَ ذَلِك حاصِلا لَهُ ختم ذَلِك بالإخبار عَن ثُبُوت ذنيك الوصفين للرب بطرِيق الأولى إذْ كل كَمال في العَبْد غير مُسْتَلْزم للنقص فالرب أحَق بِهِ. وَأيْضًا فَإنَّهُ لما طلب للرسول حمدًا ومجدًا بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ وذَلِكَ يسْتَلْزم الثَّناء عَلَيْهِ ختم هَذا المَطْلُوب بالثناء على مُرْسلَة بِالحَمْد والمجد فَيكون هَذا الدُّعاء متضمنًا لطلب الحَمد والمجد للرسول ﷺ والإخبار عَن ثُبُوته للرب سُبْحانَهُ وتَعالى

هود 11:78

قول لوط لقومه: ﴿يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يجمع أنواعا من الاستعطاف: أحدها: خطابهم بخطاب الناصح المشفق بقوله: ﴿يا قَوْمِ﴾ ولم يقل يا هؤلاء. الثاني: عرضه بناته عليهم بقوله: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾. الثالث: تنجيز ذلك بالإشارة بلفظ الحضور. الرابع: ترغيبه فيهن لطهارتهن وطيبهن. الخامس: تذكيرهم بالله تعالى بقوله: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾. السادس: المطالبة بحفظ الذمام وترك الأذى بقوله: ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾. السابع: التوبيخ الشديد بقوله: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.

هود 11:79

{وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) وَتَأمَّلْ خُبْثَ اللُّوطِيَّةِ وفَرْطَ تَمَرُّدِهِمْ عَلى اللَّهِ حَيْثُ جاءُوا نَبِيَّهم لُوطًا لَمّا سَمِعُوا بِأنَّهُ قَدْ طَرَقَهُ أضْيافٌ هم مِن أحْسَنِ البَشَرِ صُوَرًا، فَأقْبَلَ اللُّوطِيَّةُ إلَيْهِمْ يُهَرْوِلُونَ، فَلَمّا رَآهم قالَ لَهُمْ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]. فَفَدى أضْيافَهُ بِبَناتِهِ يُزَوِّجُهم بِهِمْ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ وأضْيافِهِ مِنَ العارِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، فَرَدُّوا عَلَيْهِ، ولَكِنْ رَدَّ جَبّارٍ عَنِيدٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]. فَنَفَثَ نَبِيُّ اللَّهِ مِنهُ نَفْثَةَ مَصْدُورٍ خَرَجَتْ مِن قَلْبٍ مَكْرُوبٍ، فَقالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فَنَفَّسَ لَهُ رُسُلُ اللَّهِ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ، وأعْلَمُوهُ أنَّهم مِمَّنْ لَيْسُوا يُوصَلُ إلَيْهِمْ، ولا إلَيْهِ بِسَبَبِهِمْ، فَلا تَخَفْ مِنهُمْ، ولا تَعْبَأْ بِهِمْ، وهَوِّنْ عَلَيْكَ، فَقالُوا: ﴿يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وبَشَّرُوهُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ لَهُ ولِقَوْمِهِ مِنَ الوَعِيدِ المُصِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. فاسْتَبْطَأ نَبِيُّ اللَّهِ مَوْعِدَ هَلاكِهِمْ، وقالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن هَذا، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فَواللَّهِ ما كانَ بَيْنَ إهْلاكِ أعْداءِ اللَّهِ ونَجاةِ نَبِيِّهِ وأوْلِيائِهِ إلّا ما بَيْنَ السَّحَرِ وطُلُوعِ الفَجْرِ، وإذا بِدِيارِهِمْ قَدِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها، ورُفِعَتْ نَحْوَ السَّماءِ حَتّى سَمِعَتِ المَلائِكَةُ نُباحَ الكِلابِ ونَهِيقَ الحَمِيرِ، فَبَرَزَ المَرْسُومُ الَّذِي لا يُرَدُّ مِن عِنْدِ الرَّبِّ الجَلِيلِ، إلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ جِبْرائِيلَ، بِأنْ قَلَبَها عَلَيْهِمْ كَما أخْبَرَ بِهِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] فَجَعَلَهم آيَةً لِلْعالَمِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، ونَكالًا وسَلَفًا لِمَن شارَكَهم في أعْمالِهِمْ مِنَ المُجْرِمِينَ، وجَعَلَ دِيارَهم بِطَرِيقِ السّالِكِينَ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ - وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ - إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٥-٧٧]. أخَذَهم عَلى غِرَّةٍ وهم نائِمُونَ، وجاءَهم بَأْسُهُ وهم في سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ، فَقُلِبَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ آلامًا، فَأصْبَحُوا بِها يُعَذَّبُونَ. ؎مَآرِبُ كانَتْ في الحَياةِ لِأهْلِها ∗∗∗ عَذابًا فَصارَتْ في المَماتِ عَذابًا ذَهَبَتِ اللَّذّاتُ وأعْقَبَتِ الحَسَراتِ، وانْقَضَتِ الشَّهَواتُ، وأوْرَثَتِ الشِّقْواتِ، وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا، وعُذِّبُوا طَوِيلًا، رَتَعُوا مَرْتَعًا وخِيمًا فَأعْقَبَهم عَذابًا ألِيمًا، أسْكَرَتْهم خَمْرَةُ تِلْكَ الشَّهَواتِ، فَما اسْتَفاقُوا مِنها إلّا في دِيارِ المُعَذَّبِينَ، وأرْقَدَتْهم تِلْكَ الغَفْلَةُ، فَما اسْتَيْقَظُوا مِنها إلّا وهم في مَنازِلِ الهالِكِينَ، فَنَدِمُوا واللَّهِ أشَدَّ النَّدامَةِ حِينَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وبَكَوْا عَلى ما أسْلَفُوهُ بَدَلَ الدُّمُوعِ بِالدَّمِ، فَلَوْ رَأيْتَ الأعْلى والأسْفَلَ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، والنّارُ تَخْرُجُ مِن مَنافِذِ وُجُوهِهِمْ وأبْدانِهِمْ وهم بَيْنَ أطْباقِ الجَحِيمِ، وهم يَشْرَبُونَ بَدَلَ لَذِيذِ الشَّرابِ كُئُوسَ الحَمِيمِ، ويُقالُ لَهم وهم عَلى وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ - اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]. وَقَدْ قَرَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَسافَةَ العَذابِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ وبَيْنَ إخْوانِهِمْ في العَمَلِ، فَقالَ مُخَوِّفًا لَهم أنْ يَقَعَ الوَعِيدُ: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. ؎فَيا ناكِحِي الذُّكْرانِ يَهْنِيكُمُ البُشْرى ∗∗∗ فَيَوْمَ مَعادِ النّاسِ إنَّ لَكم أجْرًا ؎كُلُوا واشْرَبُوا وازْنُوا ولُوطُوا وأبْشِرُوا ∗∗∗ فَإنَّ لَكم زَفَرًا إلى الجَنَّةِ الحَمْرا ؎فَإخْوانُكم قَدْ مَهَّدُوا الدّارَ قَبْلَكُمُ ∗∗∗ وقالُوا إلَيْنا عَجِّلُوا لَكُمُ البُشْرى وَها نَحْنُ أسْلافٌ لَكم في انْتِظارِكُمُ ؎سَيَجْمَعُنا الجَبّارُ في نارِهِ الكُبْرى ∗∗∗ ولا تَحْسَبُوا أنَّ الَّذِينَ نَكَحْتُمُو ؎يَغِيبُونَ عَنْكم بَلْ تَرَوْنَهم جَهْرًا ∗∗∗ ويَلْعَنُ كُلًّا مِنكُما بِخَلِيلِهِ ؎وَيَشْقى بِهِ المَحْزُونُ في الكَرَّةِ الأُخْرى ∗∗∗ يُعَذِّبُ كُلًّا مِنهُما بِشَرِيكِهِ كَما اشْتَرَكا في لَذَّةٍ تُوجِبُ الوِزْرا (فصل) قال مجاهد لو أن الذي يعمل ذلك العمل - يعني عمل قوم لوط - اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن وهي سورة الأعراف وهود والحجر والأنبياء والفرقان والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات واقتربت الساعة وجمع على القوم بين عمى الأبصار وخسف الديار والقذف بالأحجار ودخول النار وقال محذرا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ وقال بعض العلماء إذا علا الذَّكَرُ الذَّكَرَ هربت الملائكة وعجت الأرض إلى ربها ونزل سخط الجبار جل جلاله عليهم وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت الجحيم، فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم، وذلك أضيق مكانا وأعظم عذابا من تنور الزناة، فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم تذهب اللذات وتعقب الحسرات وتفنى الشهوة وتبقى الشقوة وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينشد ؎تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ∗∗∗ من الحرام ويبقى الخزي والعار ؎تبقى عواقب سوء في مغبتها ∗∗∗ لا خير في لذة من بعدها النار

هود 11:80

{وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) وَتَأمَّلْ خُبْثَ اللُّوطِيَّةِ وفَرْطَ تَمَرُّدِهِمْ عَلى اللَّهِ حَيْثُ جاءُوا نَبِيَّهم لُوطًا لَمّا سَمِعُوا بِأنَّهُ قَدْ طَرَقَهُ أضْيافٌ هم مِن أحْسَنِ البَشَرِ صُوَرًا، فَأقْبَلَ اللُّوطِيَّةُ إلَيْهِمْ يُهَرْوِلُونَ، فَلَمّا رَآهم قالَ لَهُمْ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]. فَفَدى أضْيافَهُ بِبَناتِهِ يُزَوِّجُهم بِهِمْ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ وأضْيافِهِ مِنَ العارِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، فَرَدُّوا عَلَيْهِ، ولَكِنْ رَدَّ جَبّارٍ عَنِيدٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]. فَنَفَثَ نَبِيُّ اللَّهِ مِنهُ نَفْثَةَ مَصْدُورٍ خَرَجَتْ مِن قَلْبٍ مَكْرُوبٍ، فَقالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فَنَفَّسَ لَهُ رُسُلُ اللَّهِ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ، وأعْلَمُوهُ أنَّهم مِمَّنْ لَيْسُوا يُوصَلُ إلَيْهِمْ، ولا إلَيْهِ بِسَبَبِهِمْ، فَلا تَخَفْ مِنهُمْ، ولا تَعْبَأْ بِهِمْ، وهَوِّنْ عَلَيْكَ، فَقالُوا: ﴿يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وبَشَّرُوهُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ لَهُ ولِقَوْمِهِ مِنَ الوَعِيدِ المُصِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. فاسْتَبْطَأ نَبِيُّ اللَّهِ مَوْعِدَ هَلاكِهِمْ، وقالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن هَذا، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فَواللَّهِ ما كانَ بَيْنَ إهْلاكِ أعْداءِ اللَّهِ ونَجاةِ نَبِيِّهِ وأوْلِيائِهِ إلّا ما بَيْنَ السَّحَرِ وطُلُوعِ الفَجْرِ، وإذا بِدِيارِهِمْ قَدِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها، ورُفِعَتْ نَحْوَ السَّماءِ حَتّى سَمِعَتِ المَلائِكَةُ نُباحَ الكِلابِ ونَهِيقَ الحَمِيرِ، فَبَرَزَ المَرْسُومُ الَّذِي لا يُرَدُّ مِن عِنْدِ الرَّبِّ الجَلِيلِ، إلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ جِبْرائِيلَ، بِأنْ قَلَبَها عَلَيْهِمْ كَما أخْبَرَ بِهِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] فَجَعَلَهم آيَةً لِلْعالَمِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، ونَكالًا وسَلَفًا لِمَن شارَكَهم في أعْمالِهِمْ مِنَ المُجْرِمِينَ، وجَعَلَ دِيارَهم بِطَرِيقِ السّالِكِينَ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ - وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ - إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٥-٧٧]. أخَذَهم عَلى غِرَّةٍ وهم نائِمُونَ، وجاءَهم بَأْسُهُ وهم في سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ، فَقُلِبَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ آلامًا، فَأصْبَحُوا بِها يُعَذَّبُونَ. ؎مَآرِبُ كانَتْ في الحَياةِ لِأهْلِها ∗∗∗ عَذابًا فَصارَتْ في المَماتِ عَذابًا ذَهَبَتِ اللَّذّاتُ وأعْقَبَتِ الحَسَراتِ، وانْقَضَتِ الشَّهَواتُ، وأوْرَثَتِ الشِّقْواتِ، وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا، وعُذِّبُوا طَوِيلًا، رَتَعُوا مَرْتَعًا وخِيمًا فَأعْقَبَهم عَذابًا ألِيمًا، أسْكَرَتْهم خَمْرَةُ تِلْكَ الشَّهَواتِ، فَما اسْتَفاقُوا مِنها إلّا في دِيارِ المُعَذَّبِينَ، وأرْقَدَتْهم تِلْكَ الغَفْلَةُ، فَما اسْتَيْقَظُوا مِنها إلّا وهم في مَنازِلِ الهالِكِينَ، فَنَدِمُوا واللَّهِ أشَدَّ النَّدامَةِ حِينَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وبَكَوْا عَلى ما أسْلَفُوهُ بَدَلَ الدُّمُوعِ بِالدَّمِ، فَلَوْ رَأيْتَ الأعْلى والأسْفَلَ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، والنّارُ تَخْرُجُ مِن مَنافِذِ وُجُوهِهِمْ وأبْدانِهِمْ وهم بَيْنَ أطْباقِ الجَحِيمِ، وهم يَشْرَبُونَ بَدَلَ لَذِيذِ الشَّرابِ كُئُوسَ الحَمِيمِ، ويُقالُ لَهم وهم عَلى وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ - اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]. وَقَدْ قَرَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَسافَةَ العَذابِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ وبَيْنَ إخْوانِهِمْ في العَمَلِ، فَقالَ مُخَوِّفًا لَهم أنْ يَقَعَ الوَعِيدُ: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. ؎فَيا ناكِحِي الذُّكْرانِ يَهْنِيكُمُ البُشْرى ∗∗∗ فَيَوْمَ مَعادِ النّاسِ إنَّ لَكم أجْرًا ؎كُلُوا واشْرَبُوا وازْنُوا ولُوطُوا وأبْشِرُوا ∗∗∗ فَإنَّ لَكم زَفَرًا إلى الجَنَّةِ الحَمْرا ؎فَإخْوانُكم قَدْ مَهَّدُوا الدّارَ قَبْلَكُمُ ∗∗∗ وقالُوا إلَيْنا عَجِّلُوا لَكُمُ البُشْرى وَها نَحْنُ أسْلافٌ لَكم في انْتِظارِكُمُ ؎سَيَجْمَعُنا الجَبّارُ في نارِهِ الكُبْرى ∗∗∗ ولا تَحْسَبُوا أنَّ الَّذِينَ نَكَحْتُمُو ؎يَغِيبُونَ عَنْكم بَلْ تَرَوْنَهم جَهْرًا ∗∗∗ ويَلْعَنُ كُلًّا مِنكُما بِخَلِيلِهِ ؎وَيَشْقى بِهِ المَحْزُونُ في الكَرَّةِ الأُخْرى ∗∗∗ يُعَذِّبُ كُلًّا مِنهُما بِشَرِيكِهِ كَما اشْتَرَكا في لَذَّةٍ تُوجِبُ الوِزْرا (فصل) قال مجاهد لو أن الذي يعمل ذلك العمل - يعني عمل قوم لوط - اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن وهي سورة الأعراف وهود والحجر والأنبياء والفرقان والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات واقتربت الساعة وجمع على القوم بين عمى الأبصار وخسف الديار والقذف بالأحجار ودخول النار وقال محذرا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ وقال بعض العلماء إذا علا الذَّكَرُ الذَّكَرَ هربت الملائكة وعجت الأرض إلى ربها ونزل سخط الجبار جل جلاله عليهم وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت الجحيم، فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم، وذلك أضيق مكانا وأعظم عذابا من تنور الزناة، فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم تذهب اللذات وتعقب الحسرات وتفنى الشهوة وتبقى الشقوة وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينشد ؎تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ∗∗∗ من الحرام ويبقى الخزي والعار ؎تبقى عواقب سوء في مغبتها ∗∗∗ لا خير في لذة من بعدها النار

هود 11:81

{وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) وَتَأمَّلْ خُبْثَ اللُّوطِيَّةِ وفَرْطَ تَمَرُّدِهِمْ عَلى اللَّهِ حَيْثُ جاءُوا نَبِيَّهم لُوطًا لَمّا سَمِعُوا بِأنَّهُ قَدْ طَرَقَهُ أضْيافٌ هم مِن أحْسَنِ البَشَرِ صُوَرًا، فَأقْبَلَ اللُّوطِيَّةُ إلَيْهِمْ يُهَرْوِلُونَ، فَلَمّا رَآهم قالَ لَهُمْ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]. فَفَدى أضْيافَهُ بِبَناتِهِ يُزَوِّجُهم بِهِمْ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ وأضْيافِهِ مِنَ العارِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، فَرَدُّوا عَلَيْهِ، ولَكِنْ رَدَّ جَبّارٍ عَنِيدٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]. فَنَفَثَ نَبِيُّ اللَّهِ مِنهُ نَفْثَةَ مَصْدُورٍ خَرَجَتْ مِن قَلْبٍ مَكْرُوبٍ، فَقالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فَنَفَّسَ لَهُ رُسُلُ اللَّهِ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ، وأعْلَمُوهُ أنَّهم مِمَّنْ لَيْسُوا يُوصَلُ إلَيْهِمْ، ولا إلَيْهِ بِسَبَبِهِمْ، فَلا تَخَفْ مِنهُمْ، ولا تَعْبَأْ بِهِمْ، وهَوِّنْ عَلَيْكَ، فَقالُوا: ﴿يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وبَشَّرُوهُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ لَهُ ولِقَوْمِهِ مِنَ الوَعِيدِ المُصِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. فاسْتَبْطَأ نَبِيُّ اللَّهِ مَوْعِدَ هَلاكِهِمْ، وقالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن هَذا، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فَواللَّهِ ما كانَ بَيْنَ إهْلاكِ أعْداءِ اللَّهِ ونَجاةِ نَبِيِّهِ وأوْلِيائِهِ إلّا ما بَيْنَ السَّحَرِ وطُلُوعِ الفَجْرِ، وإذا بِدِيارِهِمْ قَدِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها، ورُفِعَتْ نَحْوَ السَّماءِ حَتّى سَمِعَتِ المَلائِكَةُ نُباحَ الكِلابِ ونَهِيقَ الحَمِيرِ، فَبَرَزَ المَرْسُومُ الَّذِي لا يُرَدُّ مِن عِنْدِ الرَّبِّ الجَلِيلِ، إلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ جِبْرائِيلَ، بِأنْ قَلَبَها عَلَيْهِمْ كَما أخْبَرَ بِهِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] فَجَعَلَهم آيَةً لِلْعالَمِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، ونَكالًا وسَلَفًا لِمَن شارَكَهم في أعْمالِهِمْ مِنَ المُجْرِمِينَ، وجَعَلَ دِيارَهم بِطَرِيقِ السّالِكِينَ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ - وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ - إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٥-٧٧]. أخَذَهم عَلى غِرَّةٍ وهم نائِمُونَ، وجاءَهم بَأْسُهُ وهم في سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ، فَقُلِبَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ آلامًا، فَأصْبَحُوا بِها يُعَذَّبُونَ. ؎مَآرِبُ كانَتْ في الحَياةِ لِأهْلِها ∗∗∗ عَذابًا فَصارَتْ في المَماتِ عَذابًا ذَهَبَتِ اللَّذّاتُ وأعْقَبَتِ الحَسَراتِ، وانْقَضَتِ الشَّهَواتُ، وأوْرَثَتِ الشِّقْواتِ، وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا، وعُذِّبُوا طَوِيلًا، رَتَعُوا مَرْتَعًا وخِيمًا فَأعْقَبَهم عَذابًا ألِيمًا، أسْكَرَتْهم خَمْرَةُ تِلْكَ الشَّهَواتِ، فَما اسْتَفاقُوا مِنها إلّا في دِيارِ المُعَذَّبِينَ، وأرْقَدَتْهم تِلْكَ الغَفْلَةُ، فَما اسْتَيْقَظُوا مِنها إلّا وهم في مَنازِلِ الهالِكِينَ، فَنَدِمُوا واللَّهِ أشَدَّ النَّدامَةِ حِينَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وبَكَوْا عَلى ما أسْلَفُوهُ بَدَلَ الدُّمُوعِ بِالدَّمِ، فَلَوْ رَأيْتَ الأعْلى والأسْفَلَ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، والنّارُ تَخْرُجُ مِن مَنافِذِ وُجُوهِهِمْ وأبْدانِهِمْ وهم بَيْنَ أطْباقِ الجَحِيمِ، وهم يَشْرَبُونَ بَدَلَ لَذِيذِ الشَّرابِ كُئُوسَ الحَمِيمِ، ويُقالُ لَهم وهم عَلى وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ - اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]. وَقَدْ قَرَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَسافَةَ العَذابِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ وبَيْنَ إخْوانِهِمْ في العَمَلِ، فَقالَ مُخَوِّفًا لَهم أنْ يَقَعَ الوَعِيدُ: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. ؎فَيا ناكِحِي الذُّكْرانِ يَهْنِيكُمُ البُشْرى ∗∗∗ فَيَوْمَ مَعادِ النّاسِ إنَّ لَكم أجْرًا ؎كُلُوا واشْرَبُوا وازْنُوا ولُوطُوا وأبْشِرُوا ∗∗∗ فَإنَّ لَكم زَفَرًا إلى الجَنَّةِ الحَمْرا ؎فَإخْوانُكم قَدْ مَهَّدُوا الدّارَ قَبْلَكُمُ ∗∗∗ وقالُوا إلَيْنا عَجِّلُوا لَكُمُ البُشْرى وَها نَحْنُ أسْلافٌ لَكم في انْتِظارِكُمُ ؎سَيَجْمَعُنا الجَبّارُ في نارِهِ الكُبْرى ∗∗∗ ولا تَحْسَبُوا أنَّ الَّذِينَ نَكَحْتُمُو ؎يَغِيبُونَ عَنْكم بَلْ تَرَوْنَهم جَهْرًا ∗∗∗ ويَلْعَنُ كُلًّا مِنكُما بِخَلِيلِهِ ؎وَيَشْقى بِهِ المَحْزُونُ في الكَرَّةِ الأُخْرى ∗∗∗ يُعَذِّبُ كُلًّا مِنهُما بِشَرِيكِهِ كَما اشْتَرَكا في لَذَّةٍ تُوجِبُ الوِزْرا (فصل) قال مجاهد لو أن الذي يعمل ذلك العمل - يعني عمل قوم لوط - اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن وهي سورة الأعراف وهود والحجر والأنبياء والفرقان والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات واقتربت الساعة وجمع على القوم بين عمى الأبصار وخسف الديار والقذف بالأحجار ودخول النار وقال محذرا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ وقال بعض العلماء إذا علا الذَّكَرُ الذَّكَرَ هربت الملائكة وعجت الأرض إلى ربها ونزل سخط الجبار جل جلاله عليهم وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت الجحيم، فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم، وذلك أضيق مكانا وأعظم عذابا من تنور الزناة، فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم تذهب اللذات وتعقب الحسرات وتفنى الشهوة وتبقى الشقوة وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينشد ؎تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ∗∗∗ من الحرام ويبقى الخزي والعار ؎تبقى عواقب سوء في مغبتها ∗∗∗ لا خير في لذة من بعدها النار

هود 11:82

{وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) وَتَأمَّلْ خُبْثَ اللُّوطِيَّةِ وفَرْطَ تَمَرُّدِهِمْ عَلى اللَّهِ حَيْثُ جاءُوا نَبِيَّهم لُوطًا لَمّا سَمِعُوا بِأنَّهُ قَدْ طَرَقَهُ أضْيافٌ هم مِن أحْسَنِ البَشَرِ صُوَرًا، فَأقْبَلَ اللُّوطِيَّةُ إلَيْهِمْ يُهَرْوِلُونَ، فَلَمّا رَآهم قالَ لَهُمْ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]. فَفَدى أضْيافَهُ بِبَناتِهِ يُزَوِّجُهم بِهِمْ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ وأضْيافِهِ مِنَ العارِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، فَرَدُّوا عَلَيْهِ، ولَكِنْ رَدَّ جَبّارٍ عَنِيدٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]. فَنَفَثَ نَبِيُّ اللَّهِ مِنهُ نَفْثَةَ مَصْدُورٍ خَرَجَتْ مِن قَلْبٍ مَكْرُوبٍ، فَقالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فَنَفَّسَ لَهُ رُسُلُ اللَّهِ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ، وأعْلَمُوهُ أنَّهم مِمَّنْ لَيْسُوا يُوصَلُ إلَيْهِمْ، ولا إلَيْهِ بِسَبَبِهِمْ، فَلا تَخَفْ مِنهُمْ، ولا تَعْبَأْ بِهِمْ، وهَوِّنْ عَلَيْكَ، فَقالُوا: ﴿يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وبَشَّرُوهُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ لَهُ ولِقَوْمِهِ مِنَ الوَعِيدِ المُصِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. فاسْتَبْطَأ نَبِيُّ اللَّهِ مَوْعِدَ هَلاكِهِمْ، وقالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن هَذا، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فَواللَّهِ ما كانَ بَيْنَ إهْلاكِ أعْداءِ اللَّهِ ونَجاةِ نَبِيِّهِ وأوْلِيائِهِ إلّا ما بَيْنَ السَّحَرِ وطُلُوعِ الفَجْرِ، وإذا بِدِيارِهِمْ قَدِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها، ورُفِعَتْ نَحْوَ السَّماءِ حَتّى سَمِعَتِ المَلائِكَةُ نُباحَ الكِلابِ ونَهِيقَ الحَمِيرِ، فَبَرَزَ المَرْسُومُ الَّذِي لا يُرَدُّ مِن عِنْدِ الرَّبِّ الجَلِيلِ، إلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ جِبْرائِيلَ، بِأنْ قَلَبَها عَلَيْهِمْ كَما أخْبَرَ بِهِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] فَجَعَلَهم آيَةً لِلْعالَمِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، ونَكالًا وسَلَفًا لِمَن شارَكَهم في أعْمالِهِمْ مِنَ المُجْرِمِينَ، وجَعَلَ دِيارَهم بِطَرِيقِ السّالِكِينَ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ - وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ - إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٥-٧٧]. أخَذَهم عَلى غِرَّةٍ وهم نائِمُونَ، وجاءَهم بَأْسُهُ وهم في سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ، فَقُلِبَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ آلامًا، فَأصْبَحُوا بِها يُعَذَّبُونَ. ؎مَآرِبُ كانَتْ في الحَياةِ لِأهْلِها ∗∗∗ عَذابًا فَصارَتْ في المَماتِ عَذابًا ذَهَبَتِ اللَّذّاتُ وأعْقَبَتِ الحَسَراتِ، وانْقَضَتِ الشَّهَواتُ، وأوْرَثَتِ الشِّقْواتِ، وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا، وعُذِّبُوا طَوِيلًا، رَتَعُوا مَرْتَعًا وخِيمًا فَأعْقَبَهم عَذابًا ألِيمًا، أسْكَرَتْهم خَمْرَةُ تِلْكَ الشَّهَواتِ، فَما اسْتَفاقُوا مِنها إلّا في دِيارِ المُعَذَّبِينَ، وأرْقَدَتْهم تِلْكَ الغَفْلَةُ، فَما اسْتَيْقَظُوا مِنها إلّا وهم في مَنازِلِ الهالِكِينَ، فَنَدِمُوا واللَّهِ أشَدَّ النَّدامَةِ حِينَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وبَكَوْا عَلى ما أسْلَفُوهُ بَدَلَ الدُّمُوعِ بِالدَّمِ، فَلَوْ رَأيْتَ الأعْلى والأسْفَلَ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، والنّارُ تَخْرُجُ مِن مَنافِذِ وُجُوهِهِمْ وأبْدانِهِمْ وهم بَيْنَ أطْباقِ الجَحِيمِ، وهم يَشْرَبُونَ بَدَلَ لَذِيذِ الشَّرابِ كُئُوسَ الحَمِيمِ، ويُقالُ لَهم وهم عَلى وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ - اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]. وَقَدْ قَرَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَسافَةَ العَذابِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ وبَيْنَ إخْوانِهِمْ في العَمَلِ، فَقالَ مُخَوِّفًا لَهم أنْ يَقَعَ الوَعِيدُ: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. ؎فَيا ناكِحِي الذُّكْرانِ يَهْنِيكُمُ البُشْرى ∗∗∗ فَيَوْمَ مَعادِ النّاسِ إنَّ لَكم أجْرًا ؎كُلُوا واشْرَبُوا وازْنُوا ولُوطُوا وأبْشِرُوا ∗∗∗ فَإنَّ لَكم زَفَرًا إلى الجَنَّةِ الحَمْرا ؎فَإخْوانُكم قَدْ مَهَّدُوا الدّارَ قَبْلَكُمُ ∗∗∗ وقالُوا إلَيْنا عَجِّلُوا لَكُمُ البُشْرى وَها نَحْنُ أسْلافٌ لَكم في انْتِظارِكُمُ ؎سَيَجْمَعُنا الجَبّارُ في نارِهِ الكُبْرى ∗∗∗ ولا تَحْسَبُوا أنَّ الَّذِينَ نَكَحْتُمُو ؎يَغِيبُونَ عَنْكم بَلْ تَرَوْنَهم جَهْرًا ∗∗∗ ويَلْعَنُ كُلًّا مِنكُما بِخَلِيلِهِ ؎وَيَشْقى بِهِ المَحْزُونُ في الكَرَّةِ الأُخْرى ∗∗∗ يُعَذِّبُ كُلًّا مِنهُما بِشَرِيكِهِ كَما اشْتَرَكا في لَذَّةٍ تُوجِبُ الوِزْرا (فصل) قال مجاهد لو أن الذي يعمل ذلك العمل - يعني عمل قوم لوط - اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن وهي سورة الأعراف وهود والحجر والأنبياء والفرقان والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات واقتربت الساعة وجمع على القوم بين عمى الأبصار وخسف الديار والقذف بالأحجار ودخول النار وقال محذرا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ وقال بعض العلماء إذا علا الذَّكَرُ الذَّكَرَ هربت الملائكة وعجت الأرض إلى ربها ونزل سخط الجبار جل جلاله عليهم وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت الجحيم، فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم، وذلك أضيق مكانا وأعظم عذابا من تنور الزناة، فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم تذهب اللذات وتعقب الحسرات وتفنى الشهوة وتبقى الشقوة وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينشد ؎تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ∗∗∗ من الحرام ويبقى الخزي والعار ؎تبقى عواقب سوء في مغبتها ∗∗∗ لا خير في لذة من بعدها النار

هود 11:83

{وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) وَتَأمَّلْ خُبْثَ اللُّوطِيَّةِ وفَرْطَ تَمَرُّدِهِمْ عَلى اللَّهِ حَيْثُ جاءُوا نَبِيَّهم لُوطًا لَمّا سَمِعُوا بِأنَّهُ قَدْ طَرَقَهُ أضْيافٌ هم مِن أحْسَنِ البَشَرِ صُوَرًا، فَأقْبَلَ اللُّوطِيَّةُ إلَيْهِمْ يُهَرْوِلُونَ، فَلَمّا رَآهم قالَ لَهُمْ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]. فَفَدى أضْيافَهُ بِبَناتِهِ يُزَوِّجُهم بِهِمْ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ وأضْيافِهِ مِنَ العارِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، فَرَدُّوا عَلَيْهِ، ولَكِنْ رَدَّ جَبّارٍ عَنِيدٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]. فَنَفَثَ نَبِيُّ اللَّهِ مِنهُ نَفْثَةَ مَصْدُورٍ خَرَجَتْ مِن قَلْبٍ مَكْرُوبٍ، فَقالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فَنَفَّسَ لَهُ رُسُلُ اللَّهِ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ، وأعْلَمُوهُ أنَّهم مِمَّنْ لَيْسُوا يُوصَلُ إلَيْهِمْ، ولا إلَيْهِ بِسَبَبِهِمْ، فَلا تَخَفْ مِنهُمْ، ولا تَعْبَأْ بِهِمْ، وهَوِّنْ عَلَيْكَ، فَقالُوا: ﴿يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وبَشَّرُوهُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ لَهُ ولِقَوْمِهِ مِنَ الوَعِيدِ المُصِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. فاسْتَبْطَأ نَبِيُّ اللَّهِ مَوْعِدَ هَلاكِهِمْ، وقالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن هَذا، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فَواللَّهِ ما كانَ بَيْنَ إهْلاكِ أعْداءِ اللَّهِ ونَجاةِ نَبِيِّهِ وأوْلِيائِهِ إلّا ما بَيْنَ السَّحَرِ وطُلُوعِ الفَجْرِ، وإذا بِدِيارِهِمْ قَدِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها، ورُفِعَتْ نَحْوَ السَّماءِ حَتّى سَمِعَتِ المَلائِكَةُ نُباحَ الكِلابِ ونَهِيقَ الحَمِيرِ، فَبَرَزَ المَرْسُومُ الَّذِي لا يُرَدُّ مِن عِنْدِ الرَّبِّ الجَلِيلِ، إلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ جِبْرائِيلَ، بِأنْ قَلَبَها عَلَيْهِمْ كَما أخْبَرَ بِهِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] فَجَعَلَهم آيَةً لِلْعالَمِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، ونَكالًا وسَلَفًا لِمَن شارَكَهم في أعْمالِهِمْ مِنَ المُجْرِمِينَ، وجَعَلَ دِيارَهم بِطَرِيقِ السّالِكِينَ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ - وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ - إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٥-٧٧]. أخَذَهم عَلى غِرَّةٍ وهم نائِمُونَ، وجاءَهم بَأْسُهُ وهم في سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ، فَقُلِبَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ آلامًا، فَأصْبَحُوا بِها يُعَذَّبُونَ. ؎مَآرِبُ كانَتْ في الحَياةِ لِأهْلِها ∗∗∗ عَذابًا فَصارَتْ في المَماتِ عَذابًا ذَهَبَتِ اللَّذّاتُ وأعْقَبَتِ الحَسَراتِ، وانْقَضَتِ الشَّهَواتُ، وأوْرَثَتِ الشِّقْواتِ، وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا، وعُذِّبُوا طَوِيلًا، رَتَعُوا مَرْتَعًا وخِيمًا فَأعْقَبَهم عَذابًا ألِيمًا، أسْكَرَتْهم خَمْرَةُ تِلْكَ الشَّهَواتِ، فَما اسْتَفاقُوا مِنها إلّا في دِيارِ المُعَذَّبِينَ، وأرْقَدَتْهم تِلْكَ الغَفْلَةُ، فَما اسْتَيْقَظُوا مِنها إلّا وهم في مَنازِلِ الهالِكِينَ، فَنَدِمُوا واللَّهِ أشَدَّ النَّدامَةِ حِينَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وبَكَوْا عَلى ما أسْلَفُوهُ بَدَلَ الدُّمُوعِ بِالدَّمِ، فَلَوْ رَأيْتَ الأعْلى والأسْفَلَ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، والنّارُ تَخْرُجُ مِن مَنافِذِ وُجُوهِهِمْ وأبْدانِهِمْ وهم بَيْنَ أطْباقِ الجَحِيمِ، وهم يَشْرَبُونَ بَدَلَ لَذِيذِ الشَّرابِ كُئُوسَ الحَمِيمِ، ويُقالُ لَهم وهم عَلى وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ - اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]. وَقَدْ قَرَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَسافَةَ العَذابِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ وبَيْنَ إخْوانِهِمْ في العَمَلِ، فَقالَ مُخَوِّفًا لَهم أنْ يَقَعَ الوَعِيدُ: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. ؎فَيا ناكِحِي الذُّكْرانِ يَهْنِيكُمُ البُشْرى ∗∗∗ فَيَوْمَ مَعادِ النّاسِ إنَّ لَكم أجْرًا ؎كُلُوا واشْرَبُوا وازْنُوا ولُوطُوا وأبْشِرُوا ∗∗∗ فَإنَّ لَكم زَفَرًا إلى الجَنَّةِ الحَمْرا ؎فَإخْوانُكم قَدْ مَهَّدُوا الدّارَ قَبْلَكُمُ ∗∗∗ وقالُوا إلَيْنا عَجِّلُوا لَكُمُ البُشْرى وَها نَحْنُ أسْلافٌ لَكم في انْتِظارِكُمُ ؎سَيَجْمَعُنا الجَبّارُ في نارِهِ الكُبْرى ∗∗∗ ولا تَحْسَبُوا أنَّ الَّذِينَ نَكَحْتُمُو ؎يَغِيبُونَ عَنْكم بَلْ تَرَوْنَهم جَهْرًا ∗∗∗ ويَلْعَنُ كُلًّا مِنكُما بِخَلِيلِهِ ؎وَيَشْقى بِهِ المَحْزُونُ في الكَرَّةِ الأُخْرى ∗∗∗ يُعَذِّبُ كُلًّا مِنهُما بِشَرِيكِهِ كَما اشْتَرَكا في لَذَّةٍ تُوجِبُ الوِزْرا (فصل) قال مجاهد لو أن الذي يعمل ذلك العمل - يعني عمل قوم لوط - اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن وهي سورة الأعراف وهود والحجر والأنبياء والفرقان والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات واقتربت الساعة وجمع على القوم بين عمى الأبصار وخسف الديار والقذف بالأحجار ودخول النار وقال محذرا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ وقال بعض العلماء إذا علا الذَّكَرُ الذَّكَرَ هربت الملائكة وعجت الأرض إلى ربها ونزل سخط الجبار جل جلاله عليهم وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت الجحيم، فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم، وذلك أضيق مكانا وأعظم عذابا من تنور الزناة، فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم تذهب اللذات وتعقب الحسرات وتفنى الشهوة وتبقى الشقوة وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينشد ؎تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ∗∗∗ من الحرام ويبقى الخزي والعار ؎تبقى عواقب سوء في مغبتها ∗∗∗ لا خير في لذة من بعدها النار

هود 11:106

[الباب الثالث والعشرين: في استيفاء شبه النافين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها] قالوا والرب تعالى تسمى بالغفور الرحيم ولم يتسمى بالمعذِّب ولا بالمعاقِب بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿إنّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ وهو الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ وقال: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ وهذا كثير في القرآن فإنه سبحانه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم والحلم ويتسمى ولم يتمدح بأنه المعاقب ولا الغضبان ولا المعذب ولا المسقم إلا في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى ولم يثبت. وقد كتب على نفسه كتابا أن رحمته سبقت غضبه. وكذلك هو في أهل النار فإن رحمته فيهم سبقت غضبه، فإنه رحمهم أنواعا من الرحمة قبل أن أغضبوه بشركهم ورحمهم في حال شركهم ورحمهم بإقامة الحجة عليهم ورحمهم بدعوتهم إليه بعد أن أغضبوه وآذوا رسله وكذبوهم، وأمهلهم ولم يعاجلهم بل وسعتهم رحمته فرحمته غلبت غضبه، ولولا ذلك لخرب العالم وسقطت السماوات على الأرض، وخرت الجبال وإذا كانت الرحمة غالبة للغضب سابقة عليه امتنع أن يكون موجب الغضب دائما بدوامه غالبا لرحمته. قالوا والتعذيب إما أن يكون عبثا أو لمصلحة وحكمة، وكونه عبثا مما ينزه أحكم الحاكمين عنه ونسبته إليه نسبة لما هو من أعظم النقائص إليه. وإن كان لمصلحة فالمصلحة هي المنفعة ولوازمها وملزوماتها وهي إما أن تعود على الرب تعالى وهو يتعالى عن ذلك ويتقدس عنه. وإما أن تعود إلى المخلوق إما نفس المعذب وإما غيره أو هما. والأول ممتنع ولا مصلحة له في دوام العقوبة بلا نهاية. وأما مصلحة غيره فإن كانت هي الاتعاظ والانزجار فقد حصلت، وإن كانت تكميل لذته وبهجته وسروره بأن يرى عدوه في تلك الحال وهو في غاية النعيم، فهذا لو كان أقسى الخلق لرق لعدوه من طول عذابه ودوام ما يقاسيه فلم يبق إلا كسر تلك النفوس الجبارة العتيدة ومداواتها كيما تصل إلى مادة أدوائها وأمراضها فتحسمها، وتلك المادة شر طارئ على خير خلقت عليه في ابتداء فطرتها. قالوا والأقسام الممكنة في الخلق خمسة لا مزيد عليها: خير محض ومقابله، وخير راجح ومقابله، وخير وشر متساويان، والحكمة تقتضي إيجاد قسمين منها وهما الخير الخالص والراجح. وأما الشر الخالص أو الراجح فإن الحكمة لا تقتضي وجوده بل تأبى ذلك فإن كل ما خلقه الله سبحانه فإنما خلقه لحكمة وجودها أولى من عدمها وخلق الدواب الشريرة والأفعال التي هي شر لما يترتب على خلقها من الخير المحبوب فلم يخلق لمجرد الشر الذي لا يستلزم خيرا بوجه ما هذا غاية المحال. فالخير هو المقصود بالذات بالقصد الأول، والشر إنما قصد قصد الوسائل والمبادئ لا قصد الغايات والنهايات وحينئذ فإذا حصلت الغاية المقصودة بخلقه بطل وزال كما تبطل الوسائل عند الانتهاء إلى غاياتها كما هو معلوم بالحس والعقل، وعلى هذا فالعذاب شر وله غاية تطلب به وهو وسيلة إليها، فإذا حصلت غايته كان بمنزلة الطريق الموصلة إلى القصد، فإذا وصل بها السائر إلى مقصده لم يبق لسلوكها فائدة. وسر المسألة أن الرحمة غاية الخلق والأمر لا العذاب فالعذاب من مخلوقاته وذلك مقتضى أنه خلقه لغاية محمودة ولا بد من ظهور أسمائه وأثر صفاته عموما وإطلاقا، فإن هذا هو الكمال، والرب جل جلاله موصوف بالكمال منزه عن النقص. قالوا وقد قال تعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وقال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قال أبو سعيد الخدري: "هذه تقضي على كل آية في القرآن" ذكره البيهقي وحرب وغيرهما. وقال عبد الله بن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا" وعن عمر بن الخطاب وأبي هريرة مثله ذكره جماعة من المصنفين في السنة. وهذا يقتضي أن الدار التي لا يبقى فيها أحد هي التي يلبث فيها أهلها أحقابا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة فقال تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار" قالوا ويكفينا ما في سورة الأنعام من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ وهذا خطاب للكفار من الجن والإنس من وجوه. أحدها استكبارهم منهم أي من إغوائهم وإضلالهم وإنما استكبروا من الكفار. الثاني قوله: ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ وأولياؤهم هم الكفار كما قال تعالى: ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ فحزب الشيطان هم أولياؤه. والثالث قوله: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ومع هذا فقال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ ثم ختم الآية بقوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ فتعذيبهم متعلق بعلمه وحكمته، وكذلك الاستثناء صادر عن علم وحكمة فهو عليم بما يفعل بهم حكيم في ذلك. قالوا وقد ورد في القرآن أنه سبحانه إذا ذكر جزاء أهل رحمته وأهل غضبه معا أبّد جزاء أهل الرحمة وأطلق جزاء أهل الغضب كقوله: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ َأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقوله: ﴿إنّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وقد يقرن بينهما في الذكر ويقضي لهم بالخلود كقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ولكن مجرد ذكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية بل الخلود هو المكث الطويل كقولهم: قيد مخلد، وتأبيد كل شيء بحسبه، فقد يكون التأبيد لمدة الحياة وقد يكون لمدة الدنيا قال تعالى عن اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ومعلوم أنهم يتمنونه في النار حيث يقولون ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ وإنما استفيد عدم انتهاء نعيم الجنة بقوله: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وقوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقوله: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي مقطوع. ومن قال لا يمن به عليهم فقد أخطأ أقبح الخطأ ولم يجئ مثل ذلك في عذاب أهل النار. وقوله عز وجل: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّار﴾ ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ في موضعين من القرآن وقوله: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ غير مصروف عن ظاهره وحقيقته على الصحيح. وقد زعمت طائفة أن إطلاق هذه الآيات مقيد بآيات التقييد بالاستثناء بالمشيئة فيكون من باب تخصيص العموم، وهذا كأنه قول من قال من السلف في آية الاستثناء أنها تقضي على كل وعيد في القرآن. والصحيح أن هذه الآيات على عمومها وإطلاقها ولكن ليس فيها ما يدل على أن نفس النار دائمة بدوام الله لا انتهاء لها هذا ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه بوجه ما. وفرق بين أن يكون عذاب أهلها دائما بدوامها، وبين أن يكون هي أبدية لا انقطاع لها فلا تستحيل ولا تضمحل فهذا شيء وهذا شيء. لا يقال: فلا فرق على هذا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إذ كان كل منهما يضمحل وينقطع؟ قيل ما أظهر الفروق بينهما والأمر أبين من أن يحتاج إلى فرق. وأيضا فعذاب الدنيا ينقطع بموت المعذب وإقلاع العذاب عنه. وأما عذاب الآخرة فلا يموت من استحق الخلود فيه ولا يقلع العذاب عنه ولا يدفعه عنه أحد كما قال تعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ وهو لازم لا يفارق قال تعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أي لازما ومنه سمي الغريم غريما لملازمة غريمه. (فصل) وأما الآثار في هذه المسألة فقال الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي ﷺ: "ليأتين على جهنم يوم كأنها ورق هاج واحمر تخفق أبوابها" وقال حرب في مسائله: "سألت إسحاق قلت قول الله عز وجل: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن" حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي حدثنا أبو نصرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي ﷺ قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ قال المعتمر: "قال أي كل وعيد في القرآن" ثم تأول حرب ذلك فقال: "معناه عندي - والله أعلم - أنها تأتي على كل وعيد في القرآن لأهل التوحيد وكذلك قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ استثنى من أهل القبلة الذين يخرجون من النار" وهذا التأويل لا يصح لأن الاستثناء إنما هو في وعيد الكفار فإنه سبحانه قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ﴾ الآية ثم قال: ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ﴾ فأهل التوحيد من الذين سعدوا شقوا، وآية الأنعام صريحة في حق الكفار كما تقدم بيانه. قال حرب وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي ثنا شعبة عن أبي حدثنا مليح سمع عمر بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: "ليأتين على جهنم يوم تصطفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" حدثنا عبيد الله ثنا أبي ثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: "أما الذي أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ (فأما الذين شقوا ففي النار) " الآية. قال عبيد الله: "كان أصحابنا يقولون يعني بها الموحدين" وقد تقدم أن هذا التأويل لا يصح. وقال عبد بن حميد في تفسيره أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: "لو لبث أهل النار في النار بقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه" وقال أخبرنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال: "لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه" ورواة هذا الأثر أئمة ثقات كلهم، والحسن سمعه من بعض التابعين ورواه غير منكر له، فدل هذا الحديث أنه كان متداولا بين هؤلاء الأئمة لا ينكرونه، وقد كانوا ينكرونه على من خرج عن السنة أدنى شيء، ويروون الأحاديث المبطلة لفعله، وكان الإمام أحمد يقول أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا في حلوق المبتدعة فلو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للسنة والإجماع لسارعوا إلى رده وإنكاره، وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قال: "لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا" قال الطبري: "وروي عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء أن الله جعل أمر هؤلاء في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته" وهذا التفسير من ابن عباس يبطل قول من تأول الآية على أن معناها سوى ما شاء الله من أنواع العذاب، أو قال المعنى إلا مدة مقامهم قبل الدخول من حين بعثوا إلى أن دخلوا، أو أنها في أهل القبلة، و (ما) بمعنى (مَن) أو أنها بمعنى (الواو) أي وما شاء الله، وهذه كلها تأويلات باردة ركيكة لا تليق بالآية ومن تأملها جزم ببطلانها. وقال السدي في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ قال سبعمائة حقب كل حقب سبعون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون وتقييد لبثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدرة يحصرها العدد هذا قول الأكثرين ولهذا تأول الزجاج الآية على أن الأحقاب تقييد لقوله لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا وأما مدة مكثهم فيها فلا يتقدر بالأحقاب وهذا تأويل فاسد فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب. وقالت طائفة أخرى الآية منسوخة بقوله: ﴿ما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهذا فاسد أيضا إن أرادوا بالنسخ الرفع فإنه لا يدخل في الخبر إلا إذا كان بمعنى الطلب وإن أرادوا بالنسخ البيان فهو صحيح وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية فهم فيها خالدون وما هم بمخرجين وهذا حق معلوم دلالة القرآن والسنة عليه لكن الشأن في أمر آخر وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب فأين الدليل على هذا من القرآن أو السنة بوجه من الوجوه. وقالت طائفة هي في أهل التوحيد وهذا أقبح مما قبله وسياق الآيات يرده ردا صريحا ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات قال لا يدل ذكر الأحقاب على النهاية فإنها غير مقدرة بالعدد فإنه لم يقل عشرة ولا مائة ولو قدرت بالعدد لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم فكيف إذا لم يقدر؟ قالوا ومعنى الآية أنه كلما مضى حقب تبعه حقب لا إلى نهاية. وهذا الذي قالوه لا تدل الآية عليه بوجه، وقولهم أن الأحقاب فيها غير مقدرة فيقال لو أريد بالآية بيان عدم انتهاء مدة العذاب لم يقيد بالأحقاب فإن ما لا نهاية له لا يقال هو باق أحقابا ودهورا وأعصارا أو نحو ذلك، ولهذا لا يقال ذلك في نعيم أهل الجنة ولا يقال للأبدي الذي لا يزول هو باق أحقابا أو آلافا من السنين، فالصحابة أفهم الآية لمعاني القرآن، وقد فهم منها عمر بن الخطاب خلاف فهم هؤلاء، كما فهم ابن عباس من آية الاستثناء خلاف فهم أولئك، وفهم الصحابة في القرآن هو الغاية التي عليها المعول. وقد قال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" وقال ابن جرير حديث عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ قال: "أمر الله النار أن تأكلهم" قال وقال ابن مسعود فذكره وقال حدثنا محمد بن حميد ثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال: "جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا" قلت لا يدل قوله أسرعهما خرابا على خراب الدار الأخرى كما في قوله تعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله في الحديث: "الله أعلى وأجل" وقوله: "أسرعهما عمرانا" يحتمل معنيين: أحدهما مسارعة الناس إلى الأعمال التي يدخلون بها جهنم وإبطاؤهم عن أعمال الدار الأخرى. والثاني أن أهلها يدخلونها قبل دخول أهل الجنة إليها فإن أهل الجنة إنما يدخلونها بعد عبورهم على الصراط وبعد حبسهم على القنطرة التي وراءه، وأهل النار قد تبوءوا منازلهم منها فإنهم لا يجوزون على الصراط ولا يحبسون على تلك القنطرة. وأيضا ففي الحديث الصحيح: "أنه لما ينادي المنادي لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فتتبع المشركون أوثانهم وآلهتهم فتتساقط بهم في النار، وتبقى هذه الأمة في الموقف حتى يأتيها ربها عز وجل ويقول: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس" وقد ذكر الخطيب في تاريخه في ترجمة سهل بن عبيد الله بن داود بن سليمان أبو نصر البخاري حدثنا محمد بن نوح الجند سابوري حدثنا جعفر بن محمد بن عيسى الناقد حدثنا سهل بن عثمان ثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ: "يأتي على جهنم يوما ما فيها من بني آدم أحد تخفق أبوابها كأنها أبواب الموحدين" وليس العمدة على هذا وحده فإن إسناده ضعيف، وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود وقد تقدم. (فصل) والذين قطعوا بأبدية النار وأنها لا تفنى لهم طرق. أحدها: الآيات والأحاديث الدالة على خلودهم فيها وأنهم لا يموتون وما هم منها بمخرجين وأن الموت يذبح بين الجنة والنار وأن الكفار لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وأمثال هذه النصوص وهذه الطريق لا تدل على ما ذكروه وإنما يدل على أنها ما دامت باقية فهم فيها فأين فيها ما يدل على عدم فنائها. الطريق الثاني دعوى الإجماع على ذلك وقد ذكرنا من أقوال الصحابة والتابعين ما يدل على أن الأمر بخلاف ما قالوا حتى لقد ادعى إجماع الصحابة من هذا الجانب استنادا إلى تلك النقول التي لا يعلم عنهم خلافها. الطريق الثالث أنه كالمعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الجنة والنار لا تفنيان بل هما باقيتان ولهذا أنكر أهل السنة كلهم على أبي الهذيل وجهم وشيعتهما ممن قال بفنائها وعدوا أقوالهم من أقوال أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ولا ريب أن هذا من أقوال أهل البدع التي خرجوا بها عن السنة ولكن من أين تصح دعوى العلم النظري أن النار باقية ببقاء الله دائمة بدوامه فضلا عن العلم الضروري فأين في الأدلة الشرعية أو العقلية دليل واحد يقتضي ذلك. الطريق الرابع أن السنة المستفيضة أو المتواترة أخبرت بخروج أهل التوحيد من النار دون الكفار، وهذا معلوم من السنة قطعا وهذا الذي قالوه حق لا ريب فيه ولكن أهل التوحيد خرجوا منها وهي باقية لم تفن ولم تعدم والكفار لا يحصل لهم ذلك بل هم باقون فيها ما بقيت. الطريق الخامس أن العقل يدل على خلود الكفار فيها وعدم خروجهم منها فإن نفوسهم غير قابلة للخير فإنهم لو خرجوا منها لعادوا كفارا كما كانوا وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذا يدل على غاية عتوهم وإصرارهم وعدم قبول الخير فيهم بوجه من الوجوه فلا تصلح نفوسهم الشريرة الخبيثة إلا للعذاب ولو صلحت لصلحت على طول العذاب فحيث لم يؤثر عذابهم تلك الأحقاب الطويلة في نفوسهم ولم يطيبها علم أنه لا قابلية فيهم للخير أصلا وأن أسباب العذاب لم يطف من نفوسهم فلا يطفى العذاب المترتب عليها وهذه الطريق وإن أنكرت ببادئ الرأي فهي طريق قوية وهي ترجع إلى طريق الحكمة وأن الحكمة التي اقتضت دخولهم هي التي اقتضت خلودهم ولكن هذه الطريق محرم سلوكها على نفاة الحكمة وعلى مثبتيها من المعتزلة والقدرية أما النفاة فظاهر. وأما المثبتة فالحكمة عندهم أن عذابهم لمصلحتهم وهذا إنما يصح إذا كان لهم حالتان حالة يعذبون فيها لأجل مصلحتهم وحالة يزول عنهم العذاب لتحصل لهم تلك المصلحة وإلا فكيف تكون مصلحتهم في عذاب لا انقطاع له أبدا وأما من يثبت حكمة راجعة إلى الرب تعالى فيمكنهم سلوك هذه الطريق، لكن يقال الحكمة لا تقتضي دوام عذابهم بدوام بقائه سبحانه وهو لم يخبر أنه خلقهم لذلك وإنما يعذبون لغاية محمودة إذا حصلت حصل المقصود من عذابهم وهو سبحانه لا يعذب خلقه سدى وهو قادر على أن ينشئهم بعد العذاب الطويل نشأة أخرى مجردة عن تلك الشرور والخبائث التي كانت في نفوسهم وقد أزالها طول العذاب فإنهم خلقوا قابلين للخير على الفطرة وهذا القبول لازم لخلقتهم وبه أقروا بصانعهم وفاطرهم، وإنما طرأ عليه ما أبطل مقتضاه فإذا زال ذلك الطارئ بالعذاب الطويل بقي أصل القبول بلا معارض وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْه﴾ فهذا قبل مثابرتهم للعذاب قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فتلك الخبائث والشرور قائمة بنفوسهم لم تزلها النار فلو ردوا لعادوا لقيام المقتضى للعود ولكن أين أخبر سبحانه أنه لو ردهم بعد العذاب الطويل السرمدي لعادوا لما نهوا عنه وسر المسألة أن الفطرة الأصلية لا بد أن تعمل عملها كما عمل الطارئ عليها عمله وهذه الفطرة عامة لجميع بني آدم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة" وفي لفظ "على هذه الملة" وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حماد المجاشعي عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه: قال "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" فأخبر أن الأصل فيهم الحنيفية وأنهم خلقوا عليها وأن صدها عارض فيهم باقتطاع الشياطين لهم عنها فمن الممتنع أن يعمل أثر اقتطاع الشياطين ولا يعمل أثر خلق الرحمن جل جلاله عمله والكل خلقه سبحانه فلا خالق سواه ولكن ذاك خلق يحبه ويرضاه ويضاف أثره إليه وهذا خلق يبغضه ويسخطه ولا يضاف أثره إليه فإن الشر ليس إليه والخير كله في يديه. فإن قيل فقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ وهذا يقتضي أنه لا قابلية فيهم ولا خير عندهم ألبتة ولو كان عندهم لخرجوا به من النار مع الموحدين فإنه سبحانه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من خير فعلم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر اليسير من الخير؟ قيل الخير في هذا الحديث هو الإيمان بالله ورسله كما في اللفظ الآخر أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان وهو تصديق رسله والانقياد لهم بالقلب والجوارح وأما الخير في الآية فالمراد به القبول والزكاة ومعرفة قدر النعمة وشكر المنعم عليها فلو علم الله سبحانه ذلك فيهم لأسمعهم إسماعا ينتفعون به فإنهم قد سمعوا سماعا تقوم به عليهم الحجة فتلك القابلية ذهب أثرها وتعطلت بالكفر والجحود وعادت كالشيء المعدوم الذي لا ينتفع به وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم ولم يظهر أثرها في انتفاعهم بما عملوه وتيقنوه. فإن قيل فالغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا وقال نوح عن قومه (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا: "إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيي مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحي كافرا ويموت كافرا" الحديث .. قيل هذا لا يناقض كونه مولودا على الفطرة فإنه طبع وولد مقدرا كفره إذا عقل وإلا ففي حال ولادته لا يعرف كفرا ولا إيمانا فهي حال مقدرة لا مقارنة للعامل فهو مولود على الفطرة ومولود كافرا باعتبارين صحيحين ثابتين له هذا بالقبول وإيثار الإسلام لو خلى وهذا بالفعل والإرادة إذا عقل فإذا جمعت بين الفطرة السابقة والرحمة السابقة العالية والحكمة البالغة والغنى التام وقرنت بين فطرته ورحمته وحكمته وغناه تبين لك الأمر. الطريق السادس قياس دار العدل على دار الفضل وأن هذه كما أنها أبدية فالأخرى كذلك لأن هذه توجب عدله وعدله ورحمته من لوازم ذاته وهذه الطريق غير نافذة فإن العدل حقه سبحانه لا يجب عليه أن يستوفيه ولا يلحقه بتركه نقص ولا ذم بوجه من الوجوه والفضل وعده الذي وعد به عباده وأحقه على نفسه والفرق بين الدارين من وجوه عديدة شرعا وعقلا. أحدها أن الله سبحانه أخبر بأن نعيم الجنة ماله من نفاد وأن عطاء أهلها غير مجذوذ وأنه غير ممنون ولم يجئ ذلك في عذاب أهل النار. الثاني أنه أخبر بما يدل على انتهاء عذاب أهل النار في عدة آيات كما تقدم ولم يخبر بما يدل على انتهاء نعيم أهل الجنة ولهذا احتاج القائلون بالتأبيد الذي لا انقطاع له إلى تأويل تلك الآيات ولم يجئ في نعيم أهل الجنة ما يحتاجونه إلى تخصيصه بالتأويل. الثالث أن الأحاديث التي جاءت في انتهاء عذاب النار لم يجئ شيء منها في انتهاء نعيم الجنة. الرابع أن الصحابة والتابعين إنما ذكروا انقطاع العذاب ولم يذكر أحد منهم انقطاع النعيم. الخامس أنه قد ثبت أن الله سبحانه يدخل الجنة بلا عمل أصلا بخلاف النار. السادس أنه سبحانه ينشئ في الجنة خلقا ينعمهم فيها ولا ينشئ في النار خلقا يعذبهم بها. السابع أن الجنة من مقتضى رحمته والنار من مقتضى غضبه وأن الذين يدخلون النار أضعاف أضعاف الذين يدخلون الجنة فلو دام عذاب هؤلاء كدوام نعيم هؤلاء لغلب غضبه رحمته فكان الغضب هو الغالب السابق وهذا ممتنع. الثامن أن الجنة دار فضله والنار دار عدله وفضله يغلب عدله. التاسع أن النار دار استيفاء حقه الذي له والجنة دار وفاء حقه الذي أحقه هو على نفسه وهو سبحانه يترك حقه ولا يترك الحق الذي أحقه على نفسه. العاشر أن الجنة هي الغاية التي خلقوا لها في الآخرة وأعمالها هي الغاية التي خلقوا لها في الدنيا بخلاف النار فإنه سبحانه لم يخلق خلقه للكفر به والإشراك وإنما خلقهم لعبادته وليرحمهم. الحادي عشر أن النعيم من موجب أسمائه وصفاته، والعذاب إنما هو من أفعاله قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وقال: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامه. فإن قيل فإن العذاب صادر عن عزته وحكمته وعدله وهذه أسماء حسنى وصفات كمال فيدوم ما صدر عنها بدوامها؟ قيل لعمر الله إن العذاب صدر عن عزة وحكمة وعدل وانتهاؤه عند حصول المقصود منه يصدر عن عزة وحكمة وعدل فلم يخرج العذاب ولا انقطاعه عن عزته وحكمته وعدله ولكن عند انتهائه يكون عزة مقرونة برحمة وحكمة مقرونة بجود وإحسان وعفو وصفح فالعزة والحكمة لم يزالا ولم ينقص بل صدر جميع ما خلقه ويخلقه وأمر به ويأمر به عن عزته وحكمته. الثاني عشر أن العذاب مقصود لغيره لا لنفسه وأما الرحمة والإحسان والنعيم فمقصود لنفسه فالإحسان والنعيم غاية والعذاب والألم وسيلة فكيف يقاس أحدهما بالآخر. الثالث عشر أنه سبحانه أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وأن رحمته سبقت غضبه وأنه كتب على نفسه الرحمة فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته وهذا ظاهر جدا. فإن قيل فقد قال سبحانه عقيبها: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخر الآية يخرج غيرهم منها لخروجهم من الوصف الذي يستحق به؟ قيل الرحمة المكتوبة لهؤلاء هي غير الرحمة الواسعة لجميع الخلق بل هي رحمة خاصة خصهم بها دون غيرهم وكتبها لهم دون من سواهم وهم أهل الفلاح الذين لا يعذبون بل هم أهل الرحمة والفوز والنعيم وذكر الخاص بعد العام استطرادا وهو كثير في القرآن بل قد يستطرد من الخاص إلى العام كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ فهذا استطراد من ذكر الأبوين إلى ذكر الذرية ومن استطراد قوله: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ فالتي جعلت رجوما ليست هي التي زينت بها السماء ولكن استطرد من ذكر النوع إلى نوع آخر وأعاد ضمير الثاني على الأول لدخولهما تحت جنس واحد فهكذا قوله: ﴿رَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فالمكتوب للذين يتقون نوع خاص من الرحمة الواسعة والمقصود أن الرحمة لا بد أن تسع أهل النار ولا بد أن تنتهي حيث ينتهي العلم كما قالت الملائكة ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما. الرابع عشر أنه قد صح عنه ﷺ حديث الشفاعة "قول أولي العزم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله" وهذا صريح في أن ذلك الغضب العظيم لا يدوم، ومعلوم أن أهل النار إنما دخلوها بذلك الغضب فلو دام ذلك الغضب لدام عذابهم إذ هو موجب ذلك الغضب فإذا رضي الرب تبارك وتعالى وزال ذلك الغضب زال موجبه وهذا كما أن عقوبات الدنيا العامة وبلاؤها آثار غضبه فإذا استمر غضبه استمر ذلك البلاء فإذا رضي وزال غضبه زال البلاء وخلفته الرحمة. الخامس عشر أن رضاه أحب إليه من غضبه، وعفوه أحب إليه من عقوبته، ورحمته أحب إليه من عذابه، وعطاؤه أحب إليه من منعه، وإنما يقع الغضب والعقوبة والمنع بأسباب تناقص موجب تلك الصفات والأسماء، وهو سبحانه كما يحب أسماءه وصفاته ويحب آثارها وموجبها كما في الحديث: "أنه وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال، نظيف يحب النظافة، عفو يحب العفو" وهو شكور يحب الشاكرين، عليم يحب العالِمين، جواد يحب أهل الجود، حيي ستير يحب أهل الحياء والستر، صبور يحب الصابرين، رحيم يحب الرحماء، فهو يكره ما يضاد ذلك، وكذلك كره الكفر والعصيان والفسوق والظلم والجهل لمضادة هذه الأوصاف لأوصاف كماله الموافقة لأسمائه وصفاته، ولكن يريده سبحانه لاستلزامه ما يحبه ويرضاه فهو مراد له إرادة اللوازم المقصودة لغيرها، إذ هي معصية إلى ما يحب، فإذا حصل بها ما يحبه وأدت إلى الغاية المقصودة له سبحانه لم تبق مقصودة لا لنفسها ولا لغيرها، فتزول ويخلفها أضدادها التي هي أحب إليه سبحانه منها، وهي موجب أسمائه وصفاته. فإن فهمت سر هذا الوجه وإلا فجاوزه إلى ما قبله ولا تعجل بإنكاره. هذا وسر المسألة أنه سبحانه حكيم رحيم إنما يخلق بحكمة ورحمة فإذا عذب من يعذب لحكمة كان هذا جاريا على مقتضاها كما يوجد في الدنيا من العقوبات الشرعية والقدرية من التهذيب والتأديب والزجر والرحمة واللطف ما يزكي النفوس ويطيبها ويمحصها ويخلصها من شرها وخبثها، والنفوس الشريرة الظالمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهت عنه لا يصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والشر والظلم، فإذا عذبت هذه النفوس بالنار عذابا يخلصها من ذلك الشر ويخرج خبثها كان هذا معقولا في الحكمة كما يوجد في عذاب الدنيا وخلق من فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة. أما خلق نفوس شريرة لا يزول شرها ألبتة وإنما خلقت للشر المحض وللعذاب السرمد الدائم بدوام خالقها سبحانه فهذا لا يظهر موافقته للحكمة والرحمة، وإن دخل تحت القدرة فدخوله تحت الحكمة والرحمة ليست بالبين فهذا ما وصل إليه النظر في هذه المسألة التي تكع فيها عقول العقلاء وكنت سألت عنها شيخ الإسلام قدس الله روحه فقال لي هذه المسألة عظيمة كبيرة ولم يجب فيها بشيء فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكثي بعض تلك الآثار التي ذكرت فأرسلت إليه الكتاب وهو في مجلسه الأخير وعلمت على ذلك الموضع وقلت للرسول قل له هذا الموضع يشكل عليه ولا يدري ما هو؟ فكتب فيها مصنفه المشهور - رحمة الله عليه - فمن كان عنده فضل علم فليحدثه فإن فوق كل ذي علم عليم وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه فإنه ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ووصف ذلك أحسن صفة ثم قال "ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء" وعلى مذهب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث يقول: "لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا" وذكر ذلك في تفسير قوله: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ وعلى مذهب أبي سعيد الخدري حيث يقول: "انتهى القرآن كله إلى هذه الآية: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ " وعلى مذهب قتادة حيث يقول: "في قوله: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ الله أعلم بتبيينه على ما وقعت" وعلى مذهب ابن زيد حيث يقول: "أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة" فقال عطاء: " (غير مجذوذ) ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار" والقول بأن النار وعذابها دائم بدوام الله خبر عن الله بما يفعله فإن لم يكن مطابقا لخبره عن نفسه بذلك وإلا كان قولا عليه بغير علم، والنصوص لا تفهم ذلك والله أعلم. (فصل) وهاهنا مذاهب أخرى باطلة منها قول من قال أنهم يعذبون في النار مدة لبثهم في الدنيا وقول من قال تنقلب عليهم طبيعة نارية يلتذون بها كما يلتذ صاحب الجرب بالحك وقول من يقول أنها تفنى هي والجنة جميعا ويعودان عدما وقول من يقول تفنى حركاتها وتبقى أهلها في سكون دائم ولم يوفق للصواب في هذا الباب غير الصحابة ومن سلك سبيلهم. وبالله التوفيق. وقال في (حادي الأرواح) [الباب السابع والستون: في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد] هذا مما يعلم بالاضطرار إن الرسول ﷺ أخبر به قال تعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي مقطوع ولا تنافي بين هذا وبين قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ واختلف السلف في هذا الاستثناء. فقال معمر عن الضحاك هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة يقول سبحانه وتعالى إنهم خالدون في الجنة ما دامت السماوات والأرض إلا مدة مكثهم في النار. قلت وهذا يحتمل أمرين أحدهما أم يكون الأخبار عن الذين سعدوا وقع عن قوم مخصوصين وهم هؤلاء. والثاني وهو الأظهر أن يكون وقع عن جملة السعداء والتخصيص بالمذكورين هو في الاستثناء وما دل عليه وأحسن من هذين التقديرين أن ترد المشيئة إلى الجميع حيث لم يكونوا في الجنة في الموقف، وعلى هذا فلا يبقى في الآية تخصيص. وقالت فرقة أخرى هو استثناء استثناه الرب تعالى ولا يفعله كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه بل تجزم بضربه. وقالت فرقة أخرى العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله ومع ما هو أكثر منه كان معنى (إلا) في ذلك ومعنى (الواو) سواء والمعنى على هذا سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض. هذا قول الفراء وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن قالوا ونظير ذلك أن تقول لي عليك ألف إلا الألفين الذين قبلها أي سوى الألفين. قال ابن جرير وهذا أحب الوجهين إليَّ إن الله تعالى لا خلف لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ قالوا ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولا إلا ما شئت أي سوى ما شئت أو لكن ما شئت من الزيادة عليه. وقالت فرقة أخرى هذا الاستثناء إنما هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين الموت والبعث والبرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة ثم هو الخلود الأبد فلم يغيبوا عن الجنة إلا بمقدار إقامتهم في البرزخ. وقالت فرقة أخرى العزيمة قد وقعت لهم من الله بالخلود الدائم إلى أن يشاء الله خلاف ذلك إعلاما لهم بأنهم مع خلودهم في مشيئته، وهذا كما قال لنبيه ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ وقوله ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وقوله ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم﴾ ونظائره. وأخبر عباده سبحانه وأن الأمور كلها بمشيئته ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقالت فرقة أخرى المراد بمدة دوام السماوات والأرض في هذا العالم فأخبر سبحانه أنهم خالدون في الجنة مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء الله أن يزيدهم عليه. ولعل هذا قول من قال إن (إلا) بمعنى (سوى) ولكن اختلفت عبارته. وهذا اختيار ابن قتيبة قال: المعنى خالدين فيها مدة العالم سوى ما شاء أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم وقالت فرقة أخرى (ما) بمعنى (مَن) كقوله ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ والمعنى إلا من شاء ربك أن يدخله النار بذنوبه من السعداء. والفرق بين هذا القول وبين أول الأقوال أن الاستثناء على هذا القول من المدة، وعلى ذلك القول من الأعيان. وقالت فرقة أخرى المراد بالسماوات والأرض سماء الجنة وأرضها وهما باقيتان أبدا وقوله ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ﴾ إن كانت (ما) بمعنى (مَن) فهم الذين يدخلون النار ثم يخرجون منها وإن كانت بمعنى الوقت فهو مدة احتباسهم في البرزخ والموقف. قال الجعفي سألت عبد الله بن وهب عن هذا الاستثناء فقال سمعت فيه أنه قدر وقوفهم في الموقف يوم القيامة إلى أن يقضي بين الناس. وقالت فرقة أخرى الاستثناء راجع إلى مدة لبثهم في الدنيا. وهذه الأقوال متقاربة ويمكن الجمع بينها بأن يقال أخبر سبحانه وعن خلودهم في الجنة كل وقت إلا وقتا يشاء أن لا يكونوا فيها، وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ وفي موقف يوم القيامة وعلى الصراط وكون بعضهم في النار مدة، وعلى كل تقدير فهذه الآية من المتشابه. وقوله فيها ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ محكم وكذلك قوله ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ وقوله ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وقوله ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وقوله ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقد أكد الله سبحانه وتعالى خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن وأخبر أنهم ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ وهذا الاستثناء منقطع وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ تبين لك المراد من الآيتين. واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنة تقدم على خلودهم فيها وبالله التوفيق. وقد تقدم قول النبي ﷺ "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت " وقوله "ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا" وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال "يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة فيطلعون مشفقين، ويقال يا أهل النار فيطلعون فرحين، فيقال هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت" (فصل) وهذا موضع اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال: أحدها أن الجنة والنار فانيتان غير أبدتيين بل كما هما حادثتان فهما فانيتان والقول الثاني أنهما باقيتان دائمتان لا يفنيان أبدا والقول الثالث أن الجنة باقية أبدية والنار فانية. ونحن نذكر هذه الأقوال وما قابلها وما احتج به أرباب كل قوله ونرد ما خالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. فأما القول بفنائهما فهو قول قاله جهم بن صفوان إمام المعطلة الجهمية وليس له فيه سلف قط من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام ولا قال به أحد من أهل السنة. وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفروهم به وصاحوا بهم من أقطار الأرض كما ذكره عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة عن خارجة بن مصعب أنه قال كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وهم يقولون لا يدوم وبقول الله تعالى ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ وهم يقولون ينفد، وبقول الله عز وجل ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ قال شيخ الإسلام وهذا قاله جهمٌ لأصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنع في المستقبل كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات لكونها متعاقبة شيئا بعد شيء فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة وزعمت فرقة ممن وافقهم على امتناع حوادث لا نهاية لها أن هذا القول مقتضى العقل لكن لما جاء السمع ببقاء الجنة والنار قلنا بذلك وكان هؤلاء لم يعلموا أن ما كان ممتنعا في العقل لا يجيء في الشرع بوقوعه إذ يستحيل عليه أن يخبر بوجود ما هو ممتنع في العقل وكأنهم لم يفرقوا بين محالات العقول ومجازاتها فالسمع يجيء بالثاني لا بالأول فالسمع يجيء بما يعجز العقل عن إدراكه ولا يستقل به ولا يجيء بما لا يعلم العقل أحالته والأكثرون الذين وافقوا جهما وأبا الهذيل على هذا الأصل فرقوا بين الماضي والمستقبل وقالوا الماضي قد دخل في الوجود بخلاف المستقبل والممتنع إنما هو دخول ما لا يتناهى في الوجود لا تقدير دخوله شيئا بعد شيء قالوا أو هذا نظيران يقول القائل لا أعطيك درهما إلا وأعطيتك بعده درهما آخر فهذا ممكن والأول نظير أن يقول لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله درهما فهذا محال وهؤلاء عندهم وجود ما لا يتناهى في الماضي محال ووجوده في المستقبل واجب ونازعهم في ذلك آخرون فقالوا بل الأمر في الماضي كما هو في المستقبل ولا فرق بينهما بل الماضي والاستقبال أمر نسبي فكل ما يكون مستقبلا يصير ماضيا وكل ماض فقد كان مستقبلا فلا يعقل إمكان الدوام في أحد الطرفين وإحالته في الطرف الآخر قالوا وهذه مسألة دوام فاعلية الرب تبارك وتعالى وهو لم يزل ربا قادرا فاعل فإنه لم يزل حيا عليما قديرا ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعا عليه لذاته ثم ينقلب فيصير ممكنا لذاته من غير تجدد شيء وليس للأزل حد محدود حتى يصير الفعل ممكنا له عند ذلك الحد ويكون قبله ممتنعا عليه فهذا القول تصوره كاف في الجزم بفساده ويكفي في فساده أن الوقت الذي انقلب فيه الفعل من الإحالة الذاتيه إلى الأماكن الذات إما أن يصح أن يفرض قبله وقت يمكن فيه الفعل أولا لا يصح فإن قلتم لا يصح كان هذا تحكما غير معقول وهو من جنس الهوس وإن قلتم يصح قيل وكذلك ما يفرض قبله لا إلى غاية فما من زمن محقق أو مقدر إلا والفعل مكن فيه وهو صفة كمال وإحسان ومتعلق حمد الرب وتعالى وربوبيته وملكه وهو لم يزل ربا حميدا ملكا قادرا لم تتجدد له هذه الأوصاف كما أنه لم يزل حيا مريدا عليما والحياة والإرادة والعلم والقدرة تقتضي آثارها ومتعلقاتها فكيف يعقل حي قدير عليم مريد ليس له مانع ولا قاهر يقهره يستحيل عليه أن يفعل شيئا ألبتة وكيف يجعل هذا اصل من أصول الدين ويجعل معيارا على ما أخبر الله به ورسوله ويفرق به بين جائزات العقول ومحالاتها فإذا كان وهذا شان الميزان فكيف يستقيم الموزون به وأما قول من فرق بأن الماضي قد دخل في الوجود دون المستقبل فكلام لا تحقيق وراءه فإن الذي يحصره الوجود من الحركات هو المتناهي ثم يعدم فيصير ماضيا كما كان معدوما لما كان مستقبلا فوجوده بين عدمين وكلما انقضت جملة حدثت بعدها جملة أخرى فالذي صار ماضيا هو بعينه الذي كان مستقبلا فإن دل الدليل على امتناع ما لا يتناهى شيئا قبل شيء فهو بعينه دال على امتناعه شيئا بعد شيء وأما تفريقكم بقولكم المستقبل نظير قوله ما أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده درهما فهذا ممكن والماضي نظير قوله ما أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله درهما فهذا الفرق فيه تلبيس لا يخفى وليس بنظير ما نحن فيه بل نظيره أن يقول ما أعطيك درهما إلا وقد تقدم مني أعطاء درهم قبله فهذا ممكن الدوام في الماضي على حد إمكانه في المستقبل ولا فرق في العقل الصحيح بينهما ألبتة ولما لم يجد الجهم وأبو الهذيل واتباعهما بين الأمرين فرقا قالوا بوجوب تناهي الحركات في المستقبل كما يجب ابتداؤها عندهم في الماضي وقال أهل الحديث بل هما سواء في الإمكان والوقوع ولم يزل الرب سبحانه تعالى فعالا لما يريد ولم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال وليس المتمكن من الفعل كل وقت كالذي لا يمكنه الفعل إلا في وقت معين وليس من يخلق كمن لا يخلق ومن يحسن كمن لا يحسن ومن يدبر الأمر كمن لا يدبر وأي كمال في أن يكون رب العالمين معطلا عن الفعل في مدة مقدرة أو محققة لا تتناهى يستحيل منه الفعل وحقيقة ذلك أنه لا يقدر عليه، وإن أبيتم هذا الإطلاق وقلتم أن المحال لا يوصف بكونه غير مقدور عليه فجمعتم بين محالين الحكم بإباحة الفعل من غير موجب لإحالته وانقلابه من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي من غير تجدد سبب وزعمتم أن هذا هو الأصل الذي تثبتون به وجود الصانع وحدوث العالم وقيامه الأبدان فجنيتم على العقل والشرع والرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل والكلام بمشيئته ولم يزل فعالا لما يريد، ولم يزل ربا محسنا. والمقصود أن القول بفناء الجنة والنار قول مبتدع لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين والذين قالوه إنما تلقوه عن قياس فاسد كما اشتبه أصله على كثير من الناس فاعتقدوه حقا وبنوا عليه القول بخلق القرآن ونفي الصفات وقد دل القرآن والسنة والعقل الصريح على أن كلمات الله وأفعاله لا تتناهى ولا تنقطع بآخر ولا تحد بأول قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فأخبر عن عدم نفاد كلماته لعزته وحكمته وهذان وصفان ذاتيان له سبحانه وتعالى لا يكون إلا كذلك. وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن سليمان بن عامر قال سمعت الربيع بن أنس يقول إن مثل علم العباد كلهم في علم الله عز وجل كقطرة من هذه البحور كلها وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا﴾ الآية. يقول سبحانه وتعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات الله والشجر كلها أقلام لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر وكلمات الله تعالى باقية لا يفنيها شيء لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي بل هو كما أثنى على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما يقول ثم إن مثل نعيم الدنيا أوله وآخره وفي نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها. (فصل) وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام فيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين. قلت هاهنا أقوال سبعة: أحدها أن من دخلها لا يخرج منها أبدا بل كل من دخلها مخلد فيها أبد الآباد بإذن الله وهذا قول الخوارج والمعتزلة. والثاني أن أهلها يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي قال في فصوصه: "الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات فيثني عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ولم يقل وعيده بل قال ويتجاوز عن سيئاتهم مع أنه توعد على ذلك وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وقد زال الإمكان في حق الحق لما فيه من طلب المرجح ؎فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ∗∗∗ وما لوعيد الحق عين تعاين ؎وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ∗∗∗ على لذة فيها نعيم مباين ؎نعيم جنان الخلد والأمر واحد ∗∗∗ وبينهما عند التجلي تباين ؎يسمى عذابا من عذوبة طعمه ∗∗∗ وذاك له كالقشر والقشر صاين" وهذا في طرف، والمعتزلة الذين يقولون لا يجوز على الله أن يخلف وعيده بل يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف. فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا، وهذا عنده لا يعذب بها أحد أصلا والفريقان مخالفان لما علم بالاضطرار أن الرسول جاء به وأخبر به عن الله عز وجل. الثالث قول من يقول إن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها قوم آخرون. وهذا القول حكاه اليهود للنبي فأكذبهم فيه وقد أكذبهم الله تعالى في القرآن فيه فقال تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون﴾ فهذا القول إنما هو قول أعداء الله اليهود فهم شيوخ أربابه والقائلين به وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام على فساده قال تعالى: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ وقال ﴿وَما هم بِخارِجِينَ﴾ وقال ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ وقال تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ وقال تعالى: ﴿لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِهَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ وهذا أبلغ ما يكون في الإخبار عن استحالة دخولهم الجنة. الرابع قول من يقول يخرجون منها وتبقى نارا على حالها ليس فيها أحد يعذب حكاه شيخ الإسلام. والقرآن والسنة أيضا يردان على هذا القول كما تقدم. الخامس قول من يقول بل تفنى بنفسها لأنها حادثة بعد أن لم تكن وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه وأبديته وهذا قول جهنم بن صفوان وشيعته ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار. السادس قول من يقول تفنى حياتهم وحركاتهم ويصيرون جمادا لا يتحركون ولا يحسون بألم. وهذا قول أبى الهذيل العلاف إمام المعتزلة طردا لامتناع حوادث لا نهاية لها، والجنة والنار عنده سواء في هذا الحكم. السابع قول من يقول بل يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها. قال شيخ الإسلام وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبى هريرة وأبى سعيد وغيرهم وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره المشهور حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. وقال حدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون منه ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ فقد رواه عبد وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة عن هذين الجليلين سليمان بن حرب وحجاج ابن منهال وكلاهما عن حماد بن سلمة وحسبك به وحماد يرويه عن ثابت وحميد وكلاهما يرويه عن الحسن وحسبك بهذا الإسناد جلالة والحسن وإن لم يسمع من عمر فإنما رواه عن بعض التابعين ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به وقال عمر بن الخطاب ولو قدر أنه لم يحفظ عن عمر فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد مع أنهم ينكرون على من خالف السنة بدون هذا فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأئمة لكانوا أول منكر له. قال ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها. فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم كما قال النبي ﷺ "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون" ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ بل ما أخبر الله به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه لكن إذا انقضى أجلها وفنيت تفنى الدنيا لم تبق نارا ولم يبق فيها عذاب. قال أرباب هذا القول وفي تفسير علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قال لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا. قالوا وهذا الوعيد في هذه الآية ليس مختصا بأهل القبلة فإنه سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾ وأولياء الجن من الإنس يدخل فيه الكفار قطعا فإنهم أحق بموالاتهم من عصاة المسلمين كما قال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وقال تعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ والاستثناء وقع في الآية التي أخبرت عن دخول أولياء الشياطين النار فمن هاهنا قال ابن عباس لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه قالوا قول من قال إن ﴿إلا﴾ بمعنى سوى أي سوى ما شاء الله أن يزيدهم من أنواع العذاب وزمنه لا تخفى منافرته للمستثنى والمستثنى منه وإن الذي يفهمه المخاطب مخالفة ما بعد ﴿إلا﴾ لما قبلها. قالوا وقول من قال إنه لإخراج ما قبل دخولهم إليها من الزمان كزمان البرزخ والموقف ومدة الدنيا أيضا لا يساعد عليه وجه الكلام فإنه استثناء من جملة خبرية مضمونها أنهم إذا دخلوا النار لبثوا فيها مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء الله وليس المراد الاستثناء قبل الدخول هذا ما لا يفهمه المخاطب ألا ترى أنه سبحانه يخاطبهم بهذا في النار حين يقولون ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا فيقول لهم حينئذ النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله. وفي قوله ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ نوع اعتراف واستسلام وتحسر أي استمتع الجن بنا واستمتعنا بهم فاشتركنا في الشرك ودواعيه وأسبابه وآثرنا الاستمتاع على طاعتك وطاعة رسلك وانقضت آجالنا وذهبت أعمارنا في ذلك ولم نكتسب فيها رضاك وإنما كان غاية امرنا في مدة آجالنا استمتاع بعضنا ببعض فتأمل ما في هذا القول من الاعتراف بحقيقة ما هم عليه وكيف بدت لهم تلك الحقيقة ذلك اليوم وعلموا أن الذي كانوا فيه في مدة آجالهم هو حظهم من استمتاع بعضهم ببعض ولم يستمتعوا بعبادة ربهم ومعرفته وتوحيده ومحبته وإيثار مرضاته وهذا من نمط قولهم ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ وقوله ﴿فاعترفوا بذنبهم﴾ وقوله ﴿فعلموا أن الحق لله﴾ ونظائره. والمقصود أن قوله ﴿إلا ما شاء الله﴾ عائد إلى هؤلاء المذكورين مختصا بهم أو شاملا لهم ولعصاة الموحدين، وأما اختصاصه بعصاة المسلمين دون هؤلاء فلا وجه له. ولما رأت طائفة ضعف هذا القول قالوا الاستثناء يرجع إلى مدة البرزخ والموقف وقد تبين ضعف هذا القول ورأت طائفة أخرى أن الاستثناء يرجع إلى نوع آخر من العذاب غير النار قالوا والمعنى أنكم في النار أبدا إلا ما شاء الله أن يعذبكم بغيرها وهو الزمهرير وقد قال تعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا لِلطّاغِينَ مَآبًا لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ قالوا والأبد لا يقدر بالأحقاب. وقد قال ابن مسعود في هذه الآية: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها أحقابا. وعن أبي هريرة مثله حكاه البغوي عنهما ثم قال: ومعناه عند أهل السنة أن ثبت أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان قالوا قد ثبت ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود وعبد الله بن عمر وقد سأل حرب إسحاق بن راهويه عن هذه الآية فقال سألت إسحاق قلت قول الله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ﴾ فقال أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي حدثنا أبو نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي ﷺ قال هذه الآية تأتي على القرآن كله {إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) قال المعتمر قال أتى على كل وعيد في القرآن حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا حدثنا عبيد الله حدثنا أبي حدثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال ما أنا بالذي لا أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرا قوله: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الآية. قال عبيد الله كان أصحابنا يقولون يعني به الموحدين حدثنا أبو معن حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن سليمان التيمي عن أبي نضرة عن جابر ابن عبد الله أو بعض أصحابه في قوله خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك قال هذه الآية تأتي على القرآن كله وقد حكى ابن جرير هذا القول في تفسيره عن جماعة من السلف فقال وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكل من دخلها ذكر من قال ذلك ثم ذكر الآثار التي نذكرها. وقال عبد الرزاق أنبأنا ابن التيمي عن أبيه عن أبي نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو عن رجل من أصحاب رسول الله في قوله إلا ما شاء ربك أن ربك فعال لما يريد قال هذه الآية تأتي على القرآن كله يقول حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه قال وسمعت أبا مجلز يقول جزاؤه فإن شاء الله تجاوز عن عذابه وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن يحيى أنبأنا عبد الرزاق فذكره وقال وحدثت عن المسيّب عمن ذكره عن ابن عباس: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ قال: لا يموتون وما هم منها بمخرجين ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك. قال استثنى الله قال أمر الله النار أن تأكلهم. قال وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها أحقابا. حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا وحكى ابن جرير في ذلك قولا آخر فقال وقال آخرون أخبرنا الله عز وجل بمشيئته لأهل الجنة فعرفنا معنى ثنياه بقوله عطاء غير مجذوذ وأنها لفي الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض قالوا ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار، وجائز أن يكون مشيئته في الزيادة وجائز أن تكون في النقصان حدثني يونس أنبأنا ابن وهب قال أقل ابن زيد في قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فقال أخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة فقال ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار. وقال ابن مردويه في تفسيره حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا جبير بن عرفة حدثنا يزيد بن مروان الخلال حدثنا أبو خليد حدثنا سفيان يعني الثوري عن عمرو بن دينار عن جابر قال قرأ رسول الله ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ قال رسول الله: "إن شاء الله أن يخرج أناسا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل" وهذا الحديث يدل على أن الاستثناء إنما هو للخروج من النار بعد دخولها خلافا لمن زعم أنه لما قبل الدخول ولكن إنما يدل على إخراج بعضهم من النار وهذا حق بلا ريب وهو لا ينفي انقطاعها وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وأنهم يعذبون فيها دائما ما دامت كذلك وما هم منها بمخرجين. فالحديث دل على أمرين: أحدهما أن بعض الأشقياء إن شاء الله أن يخرجهم من النار وهي نار فعل، وأن الاستثناء إنما هو فيما بعد دخولها لا فيما قبله وعلى هذا فيكون معنى الاستثناء ما شاء ربك من الأشقياء فإنهم لا يخلدون فيها ويكون الأشقياء نوعين نوعا يخرجون منها النار ونوعا يخلدون فيها فيكونون من الذين شقوا أولا ثم يصيرون من الذين سعدوا فتجتمع لهم الشقاوة والسعادة في وقتين قالوا وقد قال تعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيها أحْقابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا (٢٤) إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا (٢٦) إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا (٢٧) وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا (٢٨)﴾ فهذا صريح في وعيد الكفار المكذبين بآياته ولا يقدر إلا بديّ بهذه الأحقاب ولا غيرها كما لا يقدر به القديم ولهذا قال عبد الله بن عمرو فيما رواه شعبة عن أبي بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عنه" ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" (فصل) والذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق: أحدها اعتقاد الإجماع فكثير من الناس يعتقدون أن هذا مجمع عليه بين الصحابة والتابعين لا يختلفون فيه وأن الاختلاف فيه حادث وهو من أقوال أهل البدع. الطريق الثاني أن القرآن دل على ذلك دلالة قطعية فإنه سبحانه وتعالى أخبر أنه عذاب مقيم وأنه لا يفتر عنهم وأنه لن يزيدهم إلا عذابا وأنهم خالدين فيها أبدا ﴿وما هم بخارجين منها﴾ أي من النار ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ وأن الله حرم الجنة على الكافرين وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها وأن عذابها كان غراما أي مقيما لازما قالوا وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره. الطريق الثالث أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دون الكفار وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار وأن هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. الطريق الرابع أن الرسول وقفنا على ذلك وعلمناه من دينه بالضرورة من غير حاجة بنا إلى نقل معين كما علمنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها. الطريق الخامس أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما لا يفنيان بل هما دائمتان وإنما يذكرون فناءهما عن أهل البدع. الطريق السادس أن العقل يقضي بخلود الكفار في النار وهذا مبني على قاعدة وهي أن المعاد وثواب النفوس المطيعة وعقوبة النفوس الفاجرة هل هو مما يعلم بالعقل أو لا يعلم إلا بالسمع فيه طريقتان لنظار المسلمين وكثير منهم يذهب إلى أن ذلك يعلم بالعقل مع السمع كما دل عليه القرآن في غير موضع كإنكاره سبحانه على من زعم أنه يسوى بين الأبرار والفجار في المحيا والممات وعلى من زعم أنه خلق خلقه عبثا وأنهم إليها لا يرجعون وأنه يتركهم سدى أي لا يثيبهم ولا يعاقبهم وذلك يقدح في حكمته وكماله وأنه نسبه إلى ما لا يليق به وربما قرروه بأن النفوس البشرية باقية واعتقاداتها وصفاتها لازمة لها لا تفارقها وأن ندمت عليها لما رأت العذاب فلم تندم عليها لقبحها أو كراهة ربها لها بل لو فارقها العذاب رجعت كما كانت أولا قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فهؤلاء قد ذاقوا العذاب وباشروه ولم يزل سببه ومقتضيه من نفوسهم بل خبثها وكفرها قائم بها لم يفارقها بحيث لو ردوا لعادوا كفارا كما كانوا وهذا يدل على أن دوام تعذيبهم يقضي به العقل كما جاء به السمع. قال أصحاب الفناء الكلام على هذه الطرق يبين الصواب في هذه المسألة. فأما الطريق الأول فالإجماع الذي ادعيتموه غير معلوم وإنما يظن الإجماع في هذه المسألة من لم يعرف النزاع وقد عرف النزاع فيها قديما وحديثا بل لو كلف مدعي الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم إلى الواحد أنه قال إن النار لا تفنى أبدا لم يجد إلى ذلك سبيلا ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك بل التابعون حكوا عنهم هذا وهذا قالوا والإجماع المعتد به نوعان متفق عليهما ونوع ثالث مختلف فيه ولم يوجد واحد منها في هذه المسألة النوع الأول ما يكون معلوما من ضرورة الدين كوجوب أركان الإسلام وتحريم المحرمات الظاهرة الثاني ما ينقل عن أهل الاجتهاد التصريح بحكمه والثالث أن يقول بعضهم القول وينشر في الأمة ولا ينكره أحد فأين معكم واحد من هذه الأنواع ولو أن قائلا ادعى الإجماع من هذه الطرق واحتج بأن الصحابة صح عنهم ولم ينكر أحد منهم عليه لكان اسعد بالإجماع منكم قالوا وأما الطريق الثاني وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها فأين في القرآن دليل واحد يدل على ذلك. نعم الذي دل عليه القرآن أن الكفار خالدين في النار أبدا وأنهم غير خارجين منها وأنه لا يفتر عنهم عذابها وأنهم لا يموتون فيها وأن عذابهم فيها مقيم وأنه غرام لازم لهم وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وليس هذا مورد النزاع وإنما النزاع في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو مما كتب الله عليه الفناء. وأما كون الكفار لا يخرجون منها ولا يفتر عنهم من عذابها ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة وإنما خالف في ذلك من قد حكينا أقوالهم من اليهود والاتحادية وبعض أهل البدع وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها ألبتة كما يخرج أهل التوحيد منها مع بقائها فالفرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه. قالوا وأما الطريق الثالث وهو مجيء السنة المستفيضة بخروج أهل الكبائر من النار دون أهل الشرك فهي حق لا شك فيه وهي إنما تدل على ما قلناه من خروج الموحدين منها وهي دار العذاب لم تفن ويبقى المشركون فيها ما دامت باقية والنصوص دلت على هذا وعلى هذا قالوا. وأما الطريق الرابع وهو أن رسول الله وقفنا على ذلك ضرورة فلا ريب أنه من المعلوم من دينه بالضرورة أن الكفار باقون فيها ما دامت باقية هذا معلوم من دينه بالضرورة، وأما كونها أبدية لا انتهاء لها ولا تفنى كالجنة فأين من القرآن والسنة دليل واحد يدل على ذلك. قالوا وأما الطريق الخامس وهو أن في عقائد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان أبدا فلا ريب أن القول بفنائهما قول أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وهذا القول لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين وأما فناء النار وحدها فقد أوجدنا لكم من قال به من الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار فكيف يكون القول به من أقوال أهل البدع مع أنه لا يعرف عن أحد من أهل البدع التفريق بين الدارين فقولكم أنه من أقوال أهل البدع كلام من لا خبرة له بمقالات بني آدم وآرائهم واختلافهم. قالوا والقول الذي يعد من أقوال أهل البدع ما خالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة إما الصحابة أو من بعدهم وإما قول يوافق الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة فلا يعد من أقوال أهل البدع وإن دانوا به واعتقدوه فالحق يجب قبوله ممن قاله، والباطل يجب رده على من قاله. وكان معاذ بن جبل يقول: الله حكم قسط هلك المرتابون إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرؤه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع بدلهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا الحق عمن جاء به فإن على الحق نورا قالوا وكيف زيغة الحكيم قال هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق وأن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة. والذي أخبر به أهل السنة في عقائدهم هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان وأن أهل النار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها العذاب ولا يفتر عنهم وأنهم خالدون فيها ومن ذكر منهم أن النار لا تفنى أبدا فإنما قاله لظنه أن بعض أهل البدع قال بفنائها ولم يبلغه تلك الآثار التي تقدم ذكرها. قالوا وأما حكم العقل بتخليد أهل النار فيها فإخبار عن العقل بما ليس عنده فإن المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق وأما أصل الثواب والعقاب فهل يعلم بالعقل مع السمع أول لا يعلم إلا بالسمع وحده؟ ففيه قولان لنظار المسلمين من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، والصحيح أن العقل دل على المعاد والثواب والعقاب إجمالا. وأما تفصيله فلا يعلم إلا بالسمع ودوام الثواب والعقاب مما لا يدل عليه العقل بمجرده وإنما علم بالسمع وقد دل السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب المطيعين وأما عقاب العصاة فقد دل السمع أيضا دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين وأما دوامه وانقطاعه في حق الكفار فهذا معترك النزال فمن كان السمع من جانبه فهو اسعد بالصواب وبالله التوفيق فصل ونحن نذكر الفرق بين دوام الجنة والنار شرعا وعقلا وذلك يظهر من وجوه أحدها أن الله سبحانه وتعالى أخبر ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامه وأنه لا نفاد له ولا انقطاع وأنه غير مجذوذ وأما النار فلم يخبر عنها بأكثر من خلود أهلها فيها وعدم خروجهم منها وأنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وإنها مؤصدة عليهم وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وأن عذابها لازم لهم وأنه مقيم عليهم لا يفتر عنهم والفرق بين الخبرين ظاهر. الوجه الثاني أن النار قد أخبر سبحانه وتعالى في ثلاث آيات عنها بما يدل على عدم أبديتها الأولى قوله سبحانه وتعالى قال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ والثانية قوله: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ الثالثة قوله ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ ولولا الأدلة القطعية الدالة على أبدية الجنة ودوامها لكان حكم الاستثنائين في الموضعين واحدا كيف وفي الآيتين من السياق ما يفرق بين الاستثنائين فإنه قال في أهل النار ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ فعلمنا أنه الله سبحانه وتعالى يريد أن يفعل فعلا لم يخبرنا به وقال في أهل الجنة عطاء غير مجذوذ فعلمنا أن هذا العطاء والنعيم غير مقطوع عنهم أبدا فالعذاب موقت معلق والنعيم ليس بموقت ولا معلق. الوجه الثالث أنه قد ثبت أن الجنة لم يدخلها من لم يعمل خيرا قط من المعذبين الذين يخرجهم الله من النار وأما النار فلم يدخلها من لم يعمل سوءا قط ولا يعذب إلا من عصاه الوجه الرابع أنه قد ثبت أن الله سبحانه وتعالى ينشئ للجنة خلقا آخر يوم القيامة يسكنهم إياها ولا يفعل ذلك بالنار. وأما الحديث الذي قد ورد في صحيح البخاري من قوله وأما النار فينشئ الله لها خلقا آخرين فغلط وقع من بعض الرواة انقلب عليه الحديث وإنما هو ما ساقه البخاري في الباب نفسه وأما الجنة فينشئ الله لها خلقا آخرين ذكره البخاري رحمه الله مبينا أن الحديث انقلب لفظه على من رواه بخلاف هذا وهذا والمقصود أنه لا تقاس النار بالجنة في التأبيد مع هذه الفروق يوضحه الوجه الخامس أن الجنة من موجب رحمته ورضاه والنار من غضبه وسخطه ورحمته سبحانه تغلب غضبه وتسبقه كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش أن رحمتي تغلب غضبي وإذا كان رضاه قد سبق غضبه وهو يغلبه كان التسوية بين ما هو من موجب رضاه وما هو من موجب غضبه ممتنعا" يوضحه الوجه السادس أن ما كان بالرحمة وللرحمة فهو مقصود لذاته قصد الغايات وما كان من موجب الغضب والسخط فهو مقصود لغيره قصد الوسائل فهو مسبوق مغلوب مراد لغيره وما كان بالرحمة فغالب سابق مراد لنفسه. يوضحه الوجه السابع وهو أنه سبحانه وتعالى قال للجنة أنت رحمتي ارحم بك من أشاء وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء وعذابه مفعول منفصل وهو ناشئ عن غضبه ورحمته هاهنا هي الجنة وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن فهاهنا أربعة أمور رحمة هي وصفه سبحانه وثواب منفصل هو ناشئ عن رحمه وغضب يقوم به سبحانه وعقاب منفصل ينشا عنه فإذا غلبت صفة الرحمة صفة الغضب فلان يغلب ما كان بالرحمة لما كان بالغضب أولى وأحرى فلا تقاوم النار التي نشأت عن الغضب الجنة التي نشأت عن الرحمة. يوضحه الوجه الثامن أن النار خلقت تخويفا للمؤمنين وتطهيرا للخاطئين والمجرمين فهي طهرة من الخبث الذي اكتسبته النفس في هذا العالم فإن تطهرت هاهنا بالتوبة النصوح والحسنات الماحية والمصائب المكفرة لم يحتج إلى تطهير هناك وقيل لها مع جملة الطيبين سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وأن لم نطهر في هذه الدار ووافت الدار الأخرى بدرنها ونجاستها وخبثها أدخلت النار طهرة لها ويكون مكثها في النار بحسب زوال ذلك الدرن والخبث والنجاسة التي لا يغسلها الماء فإذا تطهرت الطهر التام أخرجت من النار والله سبحانه خلق عباده حنفاء وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها فلو خلوا وفطرهم لما نشؤا إلا على التوحيد ولكن عرض لا كثر الفطر ما غيرها ولهذا كان نصيب النار أكثر من نصيب الجنة وكان هذا التغيير مراتب لا يحصيها إلا الله فأرسل الله رسله وأنزل كتبه يذكر عباده بفطرته التي فطرهم عليها فعرف الموفقون الذين سبقت لهم من الله الحسنى صحة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب بالفطرة الأولى فتوافق عندهم شرع الله ودينه الذي أرسل به رسله وفطرته التي فطرهم عليها فمنعتهم الشرعة المنزلة والفطرة المكملة أن تكتسب نفوسهم خبثا ونجاسة ودرنا يعلق بها ولا يفارقها بل كلما ألم بهم شيء من ذلك ومسهم طائف من الشيطان أغاروا عليه بالشرعة والفطرة فأزالوا موجبه وأثره وكمل لهم الرب تعالى ذلك بأقضية يقضيها لهم مما يحبون أو يكرهون تمحص عنهم تلك الآثار التي شوشت الفطرة فجاء مقتضى الرحمة فصادف مكانا قابلا مستعدا لها ليس فيه شيء يدافعه فقال هاهنا أمرت وليس لله سبحانه غرض في تعذيب عباده بغير موجب كما قال تعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ واستمر الأشقياء مع تغيير الفطرة ونقلها مما خلقت عليه إلى ضده حتى استحكم الفساد وتم التغيير فاحتاجوا في إزالة ذلك إلى تغيير آخر وتطهير ينقلهم إلى الصحة حيث لم تنقلهم آيات الله المتلوة والمخلوقة وأقداره المحبوبة والمكروهة في هذه الدار فأتاح لهم آيات آخر وأقضية وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا تستخرج ذلك الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار فإذا زال موجب العذاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة لا معارض له فإن قيل هذا حق ولكن سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضا كمعاصي الموحدين أما إذا كان لازما كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب وقد أشار سبحانه إلى هذه المعنى بعينه في مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك وإنها غير قابلة للإيمان أصلا ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ فأخبر سبحانه أن ضلالهم وعماهم عن الهدى دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل وإذا كان العمى والضلال لا يفارقهم فإن موجبه وأثره ومقتضاه لا يفارقهم ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير لما ضيع عليهم أثره ويدل على أنهم لا خير فيهم هناك أيضا قوله اخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير فلو كان عند هؤلاء أدنى أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين قيل لعمر الله أن هذا لمن أقوى ما يتمسك به في المسألة وأن الأمر لكما قلتم وأن العذاب يدوم بدوام موجبه وسببه ولا ريب أنهم في الآخرة في عمي وضلال كما كانوا في الدنيا وبواطنهم خبيثة كما كانت في الدنيا والعذاب مستمر عليهم دائم ما داموا كذلك ولكن هل هذا الكفر والتكذيب والخبث أمر ذاتي لهم زواله مستحيل أم هو أمر عارض طارئ على الفطرة قابل للزوال هذا حرف المسألة وليس بأيديكم ما يدل على استحالة زواله وأنه أمر ذاتي وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه فطر عباده على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم عنها فلم يفطرهم سبحانه على الكفر والتكذيب كما فطر الحيوان البهيم على طبيعته وإنما فطرهم على الإقرار بخالقهم ومحبته وتوحيده فإذا كان هذا الحق الذي قد فطروا عليه وقد خلقوا عليه قد أمكن زواله بالكفر والشرك الباطل فإمكان زوال الكفر والشرك الباطل بضده من الحق أولى وأحرى ولا ريب أنهم لو ردوا على تلك الحال التي هم عليها لعادوا لما نهوا عنه ولكن من أين لكم أن تلك الحال لا تزول ولا تتبدل بنشأة أخرى ينشئهم فيها تبارك وتعالى إذا أخذت النار مأخذها منهم وحصلت الحكمة المطلوبة من عذابهم فإن العذاب لم يكن سدى وإنما كان لحكمة مطلوبة فإذا حصلت تلك الحكمة لم يبق في التعذيب أمر يطلب ولا غرض يقصد والله سبحانه ليس يشتفي بعذاب عباده كما يشتفى المظلوم من ظالمه وهو لا يعذب عبده لهذا الغرض وإنما يعذبه طهرة له ورحمة به فعذابه مصلحة له وأن تألم به غاية الألم كما أن عذابه بالحدود في الدنيا مصلحة لأربابها وقد سمى الله سبحانه وتعالى الحد عذابا وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل لكل داء دواء يناسبه، ودواء الضال يكون من أشق الأدوية والطبيب الشفيق يكون المريض بالنار كيا بعد كي ليخرج منه المادة الرديئة الطارئة على الطبيعة المستقيمة وأن رأى قطع العضو أصلح للعليل قطعه وأذاقه اشد الألم فهذا قضاء الرب وقدره في إزالة مادة غريبة طرأت على الطبيعة المستقيمة بغير اختيار العبد فكيف إذا طرا على الفطرة السليمة مواد فاسدة باختيار العبد وإرادته وإذا تأمل اللبيب شرع الله تبارك وتعالى وقدره في الدنيا وثوابه وعقابه في الآخرة وجد ذلك في غاية التناسب والتوافق وارتباط ذلك ببعضه البعض فإن مصدر الجميع عن علم تام وحكمة بالغة ورحمة سابغة وهو سبحانه والملك الحق المبين وملكه ملك رحمة وإحسان وعدل. الوجه التاسع أن عقوبته للعبد ليست لحاجته إلى عقوبته لا لمنفعة تعود إليه ولا لدفع مضرة وألم يزول عنه بالعقوبة بل يتعالى عن ذلك ويتنزه كما يتعالى عن سائر العيوب والنقائص ولا هي عبث محض خال عن الحكمة والغاية الحميدة فإنه أيضا يتنزه عن ذلك وتعالى عنه فأما أن يكون من تمام نعيم أوليائه وأحبابه وأما أن يكون من مصلحة الأشقياء ومداواتهم أو لهذا ولهذا وعلى التقادير الثلاث فالتعذيب أمر مقصود لغيره قصد الوسائل لا قصد الغايات والمراد أن الوسيلة إذا حصل على الوجه المطلوب زال حكمها ونعيم أوليائه ليس متوقفا في أصله ولا في كماله على استمرار عذاب أعدائه ودوامه مصلحة الأشقياء ليست في الدوام والاستمرار وأن كان في اصل التعذيب مصلحة لهم. الوجه العاشر أن رضى الرب تبارك وتعالى ورحمته صفتان ذاتيتان له فلا منتهى لرضاه بل كما قال أعلم الخلق به سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته فإذا كانت رحمته غلبت غضبه فإن رضى نفسه أعلى وأعظم فإن رضوانه أكثر من الجنات ونعيمها وكل ما فيها وقد أخبر أهل الجنة أنه يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا وأما غضبه تبارك وتعالى وسخطه فليس من صفاته الذاتية التي يستحيل انفكاكه عنها بحيث لم يزل ولا يزال غضبان والناس لهم في صفة الغضب قولان أحدهما أنه من صفاته الفعلية القائمة به كسائر أفعاله والثاني أنه صفة فعل منفصل عنه غير قائم به وعلى القوانين فليس كالحياة والعلم والقدرة التي يستحيل مفارقتها له والعذاب إنما ينشا من صفة غضبه وما سعرت النار إلا بغضبه وقد جاء في اثر مرفوع أن الله خلق خلقا من غضبه وأسكنهم بالمشرق وينتقم بهم ممن عصاه فمخلوقاته سبحانه نوعان نوع مخلوق من الرحمة وبالرحمة ونوع مخلوق من الغضب وبالغضب فإنه سبحانه له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي يتنزه عن تقدير خلافه ومنها أنه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل وينتقم ويعفو بل هذا موجب ملكه الحق وحقيقة الملك المقرون بالحكمة والرحمة والحمد فإذا زال غضبه سبحانه وتعالى وتبدل برضاه زالت عقوبته وتبدلت برحمته فانقلبت العقوبة إلى رحمة بل لم تزل رحمة وأن تنوعت صفتها وصورتها كما كان عقوبة العصاة رحمة وإخراجهم من النار رحمة فتقلبوا في رحمته في الدنيا وتقلبوا فيها في الآخرة لكن تلك الرحمة يحبونها وتوافق طبائعهم وهذه رحمة يكرهونها وتشق عليهم كرحمة الطبيب الذي يضع لحم المريض ويلقي عليه المكاوي ليستخرج منه المواد الرديئة الفاسدة فإن قيل هذا اعتبار غير صحيح فإن الطبيب يفعل ذلك بالعليل وهو يحبه وهو راض عنه ولم ينشا فعله به عن غضبه بغضبه عليه ولهذا لا يسمى عقوبة وأما عذاب هؤلاء فإنه إنما حصل بغضبه سبحانه عليهم وهو عقوبة محضة قيل هذا حق ولكن لا ينافي كونه رحمة بهم وأن كان عقوبة لهم وهذا كإقامة الحدود عليهم في الدنيا فإنه عقوبة ورحمة وتخفيف وطهرة فالحدود طهرة لأهلها وعقوبة وهم لما أغضبوا الرب تعالى وقابلوه بما لا يليق أن يقابل به وعاملوه أقبح المعاملة وكذبوه وكذبوا رسله وجعلوا أقل خلقه وأخبثهم وأمقتهم له ندا له وإلهه معه وآثروا رضاهم على رضاه وطاعتهم على طاعته، وهو ولي الإنعام عليهم وهو خالقهم ورازقهم ومولاهم الحق اشتد مقته لهم وغضبه عليهم وذلك يوجب كمال أسمائه وصفاته التي يستحيل عيله تقدير خلافها ويستحيل عليه تخلف آثارها ومقتضاها عنها بل ذلك تعطيل لأحكامها كما أن نفيها عنه تعطيل لحقائقها وكلا التعطيلين محال عليه سبحانه وتعالى فالمعطلون نوعان أحدهما عطل صفاته والثاني عطل أحكامها وموجباتها وكان هذا العذاب عقوبة لهم من هذا الوجه ودواء لهم من جهة الرحمة السابقة للغضب فاجتمع فيه الأمران فإذا زال الغضب بزوال المادة الفاسدة بتغيير الطبيعة المقتضية لها في الجحيم بمرور الأحقاب عليها وحصلت الحكمة التي أوجبت العقوبة عملت الرحمة عملها وطلبت أثرها من غير معارض يوضحه الوجه الحادي عشر وهو أن العفو أحب إليه سبحانه من الانتقام والرحمة أحب إليه من العقوبة والرضا أحب إليه من الغضب والفضل أحب إليه من العدل، ولهذا ظهرت آثار هذه المحبة في شرعه وقدره ويظهر كل الظهور لعباده في ثوابه وعقابه وإذا كان ذلك أحب الأمرين إليه وله خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع وقدرته سبحانه صالحة لكل شيء لا قصور فيها بوجه ما وتلك المواد الردية الفاسدة مرض من الأمراض وبيده سبحانه وتعالى الشفاء التام والأدوية الموافقة لكل داء وله القدرة التامة والرحمة السابغة والغنى المطلق بالعبد أعظم حاجة إلى من يداوي علته التي بلغت به غاية الضرر والمشقة وقد عرف العبد أنه عليل وأن دواءه بيد الغني الحميد فتضرع إليه ودخل به عليه واستكان له وانكسر قلبه بين يديه وذل لعزته وعرف أن الحمد كله له وأن الحق كله له وأنه هو الظلوم الجهول وأن ربه تبارك وتعالى عامله بكل عدله لا ببعض عدله وأن له غاية الحمد فيما فعل به وأن حمده هو الذي أقامه في هذا المقام وأوصله إليه وأنه لا خير عنده من نفسه بوجه من الوجوه بل ذلك محض فضل الله وصدقته عليه وأنه لا نجاة له مما هو فيه إلا بمجرد العفو والتجاوز عن حقه فنفسه أولى بكل ذم وعيب ونقص وربه تعالى أولى بكل حمد وكمال ومدح فلو أن أهل الجحيم شهدوا نعمته سبحانه ورحمته وكماله وحمده الذي أوجب لهم ذلك فطلبوا مرضاته ولو بدوامهم في تلك الحال وقالوا أن كان ما نحن فيه رضاك فرضاك الذي نريد وما أوصلنا إلى هذه الحال إلا طلب مالا يرضيك فأما إذا أرضاك هذا منا فرضاك غاية ما نقصده وما لجرح إذا أرضاك من ألم وأنت ارحم بنا من أنفسنا واعلم بمصالحنا ولك الحمد كله عاقبت أو عفوت لانقلبت النار عليهم بردا وسلاما وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث الأسود بن سريع أن النبي ﷺ قال يأتي أربعة يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول ربى لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك من رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار قال فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما وفي المسند أيضا من حديث قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله وقال فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها فهؤلاء لما رضوا بتعذيبهم وبادروا إليه لما علموا أن فيه رضى ربهم وموافقة أمره ومحبته انقلب في حقهم نعيما ومثل هذا ما رواه عبد الله بن المبارك حدثني رشدين قال حدثني ابن انعم عن أبي عثمان أنه حدثه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال "إن رجلين ممن دخلا النار يشتد صياحهما فقال الرب جل جلاله أخرجوهما، فإذا أخرجا فقال لهما لأي شيء اشتد صياحكما؟ قال فعلنا ذلك لترحمنا. قال رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار. قال فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها الله سبحانه عليه بردا وسلاما، ويقوم الآخر فلا يلقي، فيقول له الرب تبارك وتعالى ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول رب إني أرجوك أن لا تعيدني فيها بعدما أخرجتني منها. فيقول الرب وتعالى لك رجاؤك فيدخلان الجنة جميعا برحمة الله. وذكر الأوزاعي عن بلال بن سعد قال "يؤمر بإخراج رجلين من النار فإذا خرجا ووقفا قال الله لهما كيف وجدتما مقيلكما وسوء مصيركما فيقولان شر مقيل وأسوا مصير صار إليه العبد فيقول لهما بما قدمت أيديكما وما أنا بظلام للعبيد. قال فيؤمر بصرفهما إلى النار، فأما أحدهما فيغدوا في أغلاله وسلاسله حتى يقتحمها. وأما الآخر فيتلكأ فيؤمر بردهما فيقول للذي غدا في أغلاله وسلاسله حتى اقتحمها ما حملك على ما صنعت وقد خرجت منها فيقول إني خبرت من وبال معصيتك وما لم اكن أتعرض لسخطك ثانيا ويقول للذي تلكأ ما حملك على ما صنعت فيقول حسن ظني بك حين أخرجتني منها أن لا تردني إليها فيرحمهما جميعا ويأمر بهما إلى الجنة". الوجه الثاني عشر أن النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبره كرمه ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه وأما العذاب والعقوبة فإنما هو من مخلوقاته ولذلك لا يسمى بالمعاقب والمعذب بل يفرق بينهما فيجعل ذلك من أوصافه وهذا من مفعولاته حتى في الآية الواحدة كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وقال: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومثلها في آخر الأنعام فما كان مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا سيما إذا كان محبوبا له وهو غاية مطلوبة في نفسها وأما الشر الذي هو العذاب فلا يدخل في أسمائه وصفاته إن ادخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال وفنني بخلاف الخير فإنه سبحانه وتعالى دائم المعروف لا ينقطع معروفه أبدا وهو قديم الإحسان أبدي الإحسان فلم يزل ولا يزال معاقبا على الدوام غضبان على الدوام منتقما على الدوام فتأمل هذا الوجه تأمل ففيه في باب أسماء الله وصفاته يفتح لك باب من أبواب معرفته ومحبته يوضحه الوجه الثالث عشر وهو قول أعلم خلقه به وأعرفهم بأسمائه وصفاته والشر ليس إليك ولم يقف على المعنى المقصود من قال الشر لا يتقرب به إليك بل الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه فإن ذاته لها الكمال المطلق من جميع الوجوه وصفاته كلها صفات كمال ويحمد عليها ويثنى عليه بها وأفعاله كلها خير ورحمة وعدل وحكمة لا شر فيها بوجه ما وأسماؤه كلها حسنى فكيف يضاف الشر إليه بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته وهو منفصل عنه إذ فعله غير مفعول ففعله خير كله وأما المخلوق المفعول ففيه الخير والشر وإذا كان الشر مخلوقا منفصلا غير قائم بالرب سبحانه فهو لا يضاف إليه وهو لم يقل أنت لا تخلق الشر حتى يطلب تأويل قوله وإنما نفى إضافته إليه وصفا وفعلا وأسماء وإذا عرف هذا فالشر ليس إلا الذنوب وموجباتها وأما الآخر فهو الإيمان والطاعات وموجباتها والإيمان والطاعات متعلقة به سبحانه ولأجلها خلق الله خلقه وأرسل رسله وأنزل كتبه وهي ثناء على الرب تبارك وتعالى وإجلاله وتعظيمه وعبوديته وهذه لها آثار تطلبها وتقتضيها فتدوم آثارها بدوام متعلقها وأما الشرور فليس مقصودة لذاتها ولا هي الغاية التي خلق لها الخلق فهي مفعولات قدرت لأمر محبوب وجعلت وسيلة إليه فإذا حصل ما قدرت له اضمحلت وتلاشت وعاد الأمر إلى الخير المحض. الوجه الرابع عشر أنه سبحانه وتعالى أخبر أن رحمته وسعت كل شيء فليس شيء من الأشياء إلا وفيه رحمته، ولا ينافي هذا أنت ترحم العبد بمات يشق عليه ويؤلمه وتشتد كراهته له فإن ذلك من أيضا كما تقدم وقد ذكرنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه آنفا وقوله تعالى: لذينك الرجلين رحمتي لكما إن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار وقد جاء في بعض الآثار إن العبد إذا دعى لمبتلى قد اشتد بلاؤه وقال اللهم ارحمه يقول الرب تبارك وتعالى كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟ فالابتلاء رحمة منه لعباده وفي اثر الهي يقول الله تعالى أهل ذكر أهل مجالستي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل معصيتي لأقنطهم من رحمتي إن تأبوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ابتليهم بالمصايب لأطهرهم من المعايب فالبلاء والعقوبة قدرته لإزالة أدواء لا تزول إلا بها والنار هي الدواء الأكبر فمن تداوى في الدنيا أغناه ذلك عن الدواء في الآخرة وإلا فلا بدله من الدواء بحسب دائه ومن عرف الرب تبارك وتعالى بصفات جلاله ونعوت كماله من حكمته ورحمته وبره وإحسانه وغناه وجوده وتحببه إلى عباده وإرادة الأنعام عليهم وسبق رحمته لهم يبادر لا إنكار ذلك إن لم يبادر إلى قبوله. يوضحه الوجه الخامس عشر أن أفعاله سبحانه لا تخرج عن الحكمة والرحمة والمصلحة والعدل فلا يفعل عبثا ولا جورا ولا باطلا بل هو المنزه عن ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص وإذا ثبت ذلك فتعذيبهم إن كان رحمة بهم حتى يزول ذلك الخبث وتكمل الطهارة فظاهر، وإن كان لحكمة فإذا حصلت تلك الحكمة المطلوبة زال العذاب وليس في الحكمة دوام العذاب أبدا الآباد بحيث يكون دائما بدوام الرب تبارك وتعالى وإن كان لمصلحة، فإن كان يرجع إليهم فليست مصلحتهم في بقائهم في العذاب كذلك، وإن كانت المصلحة تعود إلى أوليائه فإن ذلك أكمل في نعيمهم فهذا لا يقتضي تأبيد العذاب وليس نعيم أوليائه وكماله موقوفا على بقاء آبائهم وأبنائهم وأزواجهم في العذاب السرمد فإن قلتم إن ذلك موجب الرحمة والحكمة والمصلحة قلتم ما لا يعقل وإن قلتم إن ذلك عائد إلى محض المشيئة ولا تطلب له حكمة ولا غاية فجوابه من وجهين أحدهما إن ذلك محال على أحكم الحاكمين وأعلم العالمين إن تكون أفعاله معطلة عن الحكم والمصالح والغايات المحمودة والقرآن والسنة وأدلة العقول والفطر والآيات المشهودة شاهدة ببطلان ذلك والثاني أنه لو كان الأمر كذلك لكان بقاؤهم في العذاب وانقطاعه عنهم بالنسبة إلى مشيئته سواء ولم يكن في انقضائه ما ينافي كماله وهو سبحانه لم يخبر بأبدية العذاب وأنه لا نهاية له وغاية الأمر على هذا التقدير إن يكون من الجائزات الممكنات الموقوف على حكمها على خبر الصادق فإن سلكت طريق التعليل بالحكمة والرحمة والمصلحة لم يقتض الدوام وإن سلكت طريق المشيئة المحضة التي لا تعلل لم تقتضه أيضا وإن وقف الأمر على مجرد السمع فليس فيه متن يقتضيه. الوجه السادس عشر أن رحمته سبحانه سبقت غضبه في المعذبين فإنه أنشأهم برحمته ورباهم برحمته ورزقهم وعافاهم برحمته وأرسل إليهم الرسل برحمته وأسباب النقمة والعذاب متأخر عن أسباب الرحمة طارئة عليها فرحمته سبقت غضبه فيهم وخلقهم على خلقة تكون رحمته إليهم أقرب من غضبه وعقوبته ولهذا ترى الأطفال الكفار قد آلت عليهم رحمته فمن رآهم رحمهم، ولهذا نهى عن قتلهم فرحمته سبقت غضبه فيهم فكانت هي السابقة إليهم ففي كل حال هم في رحمته في حال معافاتهم وابتلائهم. وإذا كانت الرحمة هي السابقة فيهم لم يبطل أثرها بالكلية وإن عارضها أثر الغضب والسخط فذلك لسبب منهم وأما أثر الرحمة فسببه منه سبحانه وتعالى فما منه يقتضي رحمتهم وما منهم يقتض عقوبتهم والذي منه سابق وغالب وإذا كانت رحمته تغلب غضبه فلان يغلب أثر الرحمة أثر الغضب أولى وأحرى. الوجه السابع عشر أنه سبحانه وتعالى يخبر عن العذاب أنه عذاب يوم عقيم وعذاب يوم عظيم وعذاب يوم اليم ولا يخبر عن النعيم أنه نعيم يوم ولا في موضع واحد وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة والمعذبون متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم والله سبحانه جعل العذاب على ما كان في الدنيا وأسبابها وما أريد به الدنيا ولم ولك يرد به الله فالعذاب على ذلك وأما إن كان للآخرة وأريد به وجه الله فلا عذاب والدنيا قد جعل لها اجل تنتهي إليه فما انتقل منها إلى تلك الدار مما ليس لله فهو المعذب به وأما ما أريد به وجه الله والدار الآخرة فقد أريد به ما لا يفنى ولا يزول فيدوم بدوام المراد به فإن الغاية المطلوبة إذا كانت دائمة لا تزول ما لم يزل ما تعلق بها بخلاف الغاية المضمحلة الفانية فما أريد به غير الله يضمحل ويزول بزوال مراده ومطلوبه وما أريد به وجه الله يبقى ببقاء المطلوب المراد فإذا اضمحلت الدنيا وانقطعت أسبابها وانتقل ما كان فيها لغير الله من الأعمال والذوات وانقلب عذابا وآلاما لم يكن له متعلق يدوم بدوامه بخلاف النعيم. الوجه الثامن عشر أنه ليس في حكمة احكم الحاكمين إن يخلق خلقا يعذبهم ابد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له ولا انقطاع أبدا وقد دلت الأدلة السمعية والعقلية والفطرية على أنه سبحانه وتعالى حكيم وأنه أحكم الحاكمين فإذا عذب خلقه عذبهم بحكمة كما يوجد التعذيب والعقوبة في الدنيا في شرعه وقدره فإن فيه من الحكم والمصالح وتطهير العبد ومداواته وإخراج المواد الردية عنه بتلك الآلام ما تشهده العقول الصحيحة وفي ذلك من تزكية النفوس وصلاحها وزجرها وردع نظائرها وتوقيفها على فقرها وضرورتها إلى ربها وغير ذلك من الحكم والغايات الحميدة ما لا يعلمه إلا الله ولا ريب إن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا يحاسبون إذا قطعوا الصراط على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا ذهبوا ونفوا أذن لهم في دخول الجنة ومعلوم إن النفوس الشريرة الخبيثة المظلمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه لا يصلح إن تسكن دار السلام في جوار رب العالمين فإذا عذبوا في النار عذابا تخلص نفوسهم من ذلك الخبث والوسخ والدرن كان ذلك من حكمة احكم الحاكمين ورحمته ولا يتنافى الحكمة خلق نفوس فيها شر يزول بالبلاء الطويل والنار كما يزول بها خبث الذهب والفضة والحديد فهذا معقول في الحكمة وهو من لوازم العالم المخلوق على هذه الصفة أما خلق نفوس لا يزول شرها أبدا وعذابها لا انتهاء له فلا يظهر في الحكمة والرحمة وفي وجود مثل هذا النوع نزاع بين العقلاء أعني ذواتا هي شر من كل وجه ليس فيها شيء من خير أصلا وعلى تقدير دخوله في الوجود فالرب تبارك وتعالى قادر على قلب الأعيان وإحالتها وإحالة صفاتها فإذا وجدت الحكمة المطلوبة من خلق هذه النفوس والحكمة المطلوبة من تعذيبها فالله سبحانه قادر إن ينشئها نشأة أخرى غير تلك النشأة ويرحمها في النشأة الثانية نوعا آخر من الرحمة. يوضحه الوجه التاسع عشر وهو أنه قد ثبت إن الله سبحانه وتعالى ينشئ للجنة خلقا آخر يسكنهم إياها ولم يعملوا خيرا قط تكون الجنة جزاء لهم عليه فإذا أخذ العذاب من هذه النفوس مأخذه وبلغت العقوبة مبلغها فانكسرت تلك النفوس وخضعت وذلت واعترفت لربها وفاطرها بالحمد وأنه عدل فيها كل العدل وإنها في هذه الحال كانت في تخفيف منه ولو شاء إن يكون عذابهم اشد من ذلك لفعل وشاء كتب العقوبة طلبا لموافقة رضاه ومحبته وعلم إن العذاب أولى بها وأنه لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له فذابت منها تلك الخبائث كلها وتلاشت وتبدلت بذل وانكسار وحمد وثناء الرب تبارك وتعالى لم يكن في حكمته إن يستمر بها في العذاب بعد ذلك إذ قد تبدل شرها بخيرها وشركها بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها ولا ينتقض هذا بقول الله عز وجل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه فإن هذا قبل مباشرة العذاب الذي يزيل تلك الخبائث وإنما هو عند المعاينة قبل الدخول فإنه سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فهذا إنما قالوه قبل إن يستخرج العذاب منهم تلك الخبائث فأما إذا لبثوا في العذاب أحقابا والحقب كما رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال الحقب خمسون ألف سنة فإنه من الممتع إن يبقى ذا الكبر والشرك والخبث بعد هذه المدد المتطاولة في العذاب. الوجه العشرون أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة فيقول عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبي ﷺ، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيها في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حمل السيل فيقول الله الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير فإن لفظ الحديث هكذا فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبي ﷺ وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من نار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط فهذا السياق يدل على إن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة ومن هذا رحمته سبحانه وتعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه وتعالى فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا فقال له ما حملك على ما صنعت قال خشيتك وأنت تعلم فما تلافاه إن رحمه الله فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه إن رسول الله قال يقول الله عز وجل اخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام قالوا ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر به يوما واحدا ولا خافه ساعة واحدة ولا ريب إن رحمته سبحانه وتعالى إذا أخرجت من النار من ذكره وقتا أو خافه في مقام ما فغير بدع إن تنفى النار ولكن هؤلاء خرجوا منها وهي نار. الوجه الحادي والعشرون إن اعتراف العبد بذنبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم واللوم إليه من كل وجه ونسبة وعدل والحمد والرحمة والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه يستعطف ربه تبارك وتعالى عليه ويستدعي رحمته له وإذا أراد إن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه والرحمة معه ولا سيما إذا اقترن بذلك جزم العبد على ترك المعاودة لما يسخط ربه عليه وعلم الله إن ذلك داخل في قلبه وسويدائه فإنه لا تتخلف عنه الرحمة مع ذلك وفي معجم الطبراني من حديث يزيد بن سنان الرهاوي عن سليمان بن عامر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله " إن آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه يعجز عنه عمله إن يسعى فيقول يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار فيوحي الله تبارك وتعالى إليه عبدي إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك فيقول العبد نعم يا رب وعزتك وجلالك إن نجيتني من النار لاعترفن لك بذنوبي وخطاياي فيجوز الجسر فيقول العبد فيما بينه وبين نفسه لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار فيوحي الله إليه عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك اغفرها لك وأدخلك الجنة فيقول العبد لا وعزتك وجلالك ما أذنبت ذنبا قط ولا أخطأت خطيئة قط فيوحي الله إليه عبدي إن لي عليك بينة فيلتفت العبد يمينا وشمالا فلا يرى أحدا فيقول أي رب ارني بينتك فينطق الله تعالى جلده بالمحقرات فإذا رأى ذلك العبد يقول يا رب عندي وعزتك العظائم فيوحي الله إليه عبدي أنا اعرف بها منك اعترف لي بها اغفرها لك وأدخلك الجنة فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة ثم ضحك رسول الله حتى بدت نواجذه يقول هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه" فالرب تبارك وتعالى يريد من عبده الاعتراف والانكسار بين يديه والخضوع والذلة له والعزم على مرضاته فما دام أهل النار فاقدين لهذه الروح لروح فهم فاقدون الرحمة فإذا أراد عز وجل إن يرحمهم أو من يشاء منهم جعل في قلبه ذلك فتدركه الرحمة وقدرة الرب تبارك وتعالى غير قاصرة عن ذلك وليس فيه ما يناقض موجب أسمائه وصفاته وقد أخبر أنه فعال لما يريد الوجه الثاني والعشرون أنه سبحانه وتعالى أوجب الخلود على معاصي الكبائر وقيده بالتأبيد ولم يناف ذلك انقطاعه وانتهاؤه فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ ومنها قول النبي صلى الله عليه وسل" من قتل نفسا بحديدة فحديدته في يده يتوجا بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" وهو حديث صحيح وكذلك قوله في الحديث الآخر في قاتل نفسه فيقول الله تبارك وتعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة وابلغ من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ فهذا وعيد مقيد بالخلود والتأبيد مع انقطاعه قطعا بسبب العبد وهو التوحيد فكذلك الوعيد العام لأهل النار لا يمتنع انقطاعه بسبب ممن كتب على نفسه الرحمة وغلبت رحمته غضبه فلو يعلم الكافر بكل ما عنده من الرحمة لما يئس من رحمته كما في صحيح البخاري عنه خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة وقال في آخره "فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" الوجه الثالث والعشرون أنه لو جاء الخبر منه سبحانه وتعالى صريحا بأن عذاب النار لا انتهاء له وأنه أبدي لا انقطاع له لكان ذلك وعيدا منه سبحانه وتعالى والله تعالى لا يخلف وعده وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم إن إخلافه كرم وعفو وتجاوز يمدح الحرب تبارك وتعالى به ويثنى عليه به فإنه حق له إن شاء تركه وإن شاء استوفاه والكريم لا يستوفي حقه فكيف بأكرم الأكرمين وقد صرح سبحانه وتعالى في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف وعده ولم يقل في موضع واحد لا يخلف وعيده وقد روى أبو يعلى الموصلي ثنا هدبة بن خالد حدثنا سهيل بن أبي حزم ثنا ثابت البنائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه إن رسول الله قال من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه ومن واعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار وقال أبو الشيخ الأصبهاني ثنا محمد بن حمزة ثنا أحمد بن الخليل ثنا الأصمعي قال جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال يا أبا عمرو يخلف الله ما وعده قال لا قال أفرأيت من أوعده الله على عمله عقابا أيخلف الله وعده عليه فقال أبو عمرو بن العلاء من العجمة أتيت يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا إن تعد شرا ثم لا تفعله ترى ذلك كرما وفضلا وإنما الخلف إن تعد خيرا ثم لا تفعله قال فأوجدني هذا في كلام العرب قال نعم أما سمعت إلى قول الأول: ؎ولا يرهب ابن العم ما عشت سطوتي ∗∗∗ ولا اختشي من صولة المتهدد ؎وإني وإن أوعدته أو وعدته ∗∗∗ لمخلف ايعادي ومنجز موعدي قال أبو الشيخ وقال يحيى بن معاذ الوعد والوعيد حق فالوعد حق العباد على الله ضمن لهم إذا فعلوا كذا وإن يعطيهم كذا ومن أولى بالوفاء من الله؟ والوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فإن شاء عفا، وإن شاء آخذ، لأنه حقه. وأولاهما بربنا تبارك وتعالى العفو والكرم إنه غفور رحيم. ومما يدل على ذلك ويؤيده خبر كعب بن زهير حين أوعده رسول الله فقال: ؎نبئت أن رسول الله أوعدني ∗∗∗ والعفو عند رسول الله مأمول فإذا كان هذا في وعيد مطلق فكيف بوعيد مقرون باستثناء معقب بقوله ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وهذا إخبار منه أنه يفعل ما يريد عقيب قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ فهو عائد إليه ولا بد. ولا يجوز أن يرجع إلى المستثنى منه وحده بل إما أن يختص بالمستثنى أو يعود إليهما وغير خاف أن تعلقه بقوله إلا ما شاء ربك أولى من تعلقه بقوله خالدين بخالدين فيها وذلك ظاهر للمتأمل وهو الذي فهمه الصحابة فقالوا أتت هذه الآية في وعيد القرآن ولم يريدوا بذلك الاستثناء وحده فإن الاستثناء مذكور في الأنعام أيضا وإنما أرادوا أنه عقب الاستثناء بقوله ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وهذا التعقيب نظير قوله في الأنعام ﴿خالدين فيها إلا ما شاء ربك إن ربك حكيم عليم﴾ فأخبر أن عذابهم في جميع الأوقات ورفعه عنهم في وقت يشاؤه صادر عن كمال علمه وحكمته لا عن مشيئة مجردة عن الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل إذ يستحيل تجرد مشيئته عن ذلك. الوجه الرابع والعشرون إن جانب الرحمة أغلب في هذه الدار من الباطلة الفانية الزائلة عن قرب من جانب العقوبة والغضب ولولا ذلك لما عمرت ولا قام لها وجود كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ وقال ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة فلولا سعة رحمته ومغفرته وعفوه لما قام العالم، ومع هذا فالذي أظهره من الرحمة في هذه الدار وأنزله بين الخلائق جزء من مائة جزء من الرحمة فإذا كان جانب الرحمة قد غلب في هذه الدار ونالت البر والفاجر والمؤمن والكافر مع قيام مقتضى العقوبة به ومباشرته له وتمكنه من إغضاب ربه والسعي في مساخطته فكيف لا يغلب جانب الرحمة في دار تكون الرحمة فيها مضاعفة على ما في هذه الدار تسعة وتسعين ضعفا وقد أخذ العذاب من الكفار مأخذه وانكسرت تلك النفوس ونهكها العذاب وأذاب منها خبثا وشرا لم يكن يحول بينها وبين رحمته لها في الدنيا بل كان يرحمها مع قيام مقتضى العقوبة والغضب بها فكيف إذا زال مقتضى الغضب والعقوبة وقوى جانب الرحمة أضعاف أضعاف الرحمة في هذه الدار واضمحل الشر والخبث الذي فيها فأذابته النار وأكلته وسر الأمر إن أسماء الرحمة والإحسان أغلب واظهر وأكثر من أسماء الانتقام وفعل الرحمة أكثر من فعل الانتقام وظهور آثار الرحمة أعظم من ظهور آثار الانتقام والرحمة أحب إليه من الانتقام وبالرحمة خلق خلقه ولها خلقهم وهي التي سبقت غضبه وغلبته وكتبها على نفسه ووسعت كل شيء وما خلق بها فمطلوب لذاته وما خلق بالغضب فمراد لغيره كما تقدم تقرير ذلك والعقوبة تأديب وتطهير والرحمة إحسان وكرم وجود والعقوبة مداواة والرحمة عطاء وبذل. الوجه الخامس والعشرون أنه سبحانه وتعالى لا بد إن يظهر لخلقه جميعهم يوم القيامة صدقه وصدق رسله وإن أعداؤه كانوا هم الكاذبين المفترين ويظهر لهم حكمه الذي هو اعدل حكم في أعدائه وأنه حكم فيهم حكما يحمدونه هم عليه فضلا عن أوليائه وملائكته ورسله بحيث ينطق الكون كله بالحمد لله رب العالمين، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فحذف فاعل القول لإرادة الإطلاق وإن ذلك جار على لسان كل ناطق وقلبه قال الحسن لقد دخلوا النار وإن قلوبهم لممتلئة من حمده ما وجدوا عليه سبيلا وهذا هو الذي حسن حذف الفاعل من قوله ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ حتى كان الكون كله قائل ذلك لهم إذ هو حكمه العدل فيهم ومقتضى حكمته وحمده وأما أهل الجنة فقال تعالى: ﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ فهم لم يستحقوها بأعمالهم وإنما استحقوها بعفوه ورحمته وفضله فإذا اشهد سبحانه وتعالى ملائكته وخلقه كلهم حكمه العدل وحكمته الباهرة وضعه العقوبة حيث تشهد العقول والفطر والخليقة أنه أولى المواضع وأحقها بها وإن ذلك من كمال حمده الذي هو مقتضى أسمائه وصفاته وإن هذه النفوس الخبيثة الظالمة الفاجرة لا يليق بها غير ذلك ولا يحسن بها سواه بحيث تعترف بها هي من ذواتها بأنها أهل ذلك وإنها أولى به حصلت الحكمة التي لأجلها وجد الشر وموجباته في هذه الدار وتلك الدار وليس في الحكمة الإلهية إن الشرور تبقى دائما لا نهاية لها ولا انقطاع أبدا فتكون هي والخيرات في ذلك على حد سواء فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب فإن قيل فإلي أين أنهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن التي هي أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة قيل إلى قوله تبارك وتعالى ﴿إنَّ رَبَكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وإلى هنا قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيها حيث ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء وقال ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء.

هود 11:107

[الباب الثالث والعشرين: في استيفاء شبه النافين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها] قالوا والرب تعالى تسمى بالغفور الرحيم ولم يتسمى بالمعذِّب ولا بالمعاقِب بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿إنّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ وهو الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ وقال: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ وهذا كثير في القرآن فإنه سبحانه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم والحلم ويتسمى ولم يتمدح بأنه المعاقب ولا الغضبان ولا المعذب ولا المسقم إلا في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى ولم يثبت. وقد كتب على نفسه كتابا أن رحمته سبقت غضبه. وكذلك هو في أهل النار فإن رحمته فيهم سبقت غضبه، فإنه رحمهم أنواعا من الرحمة قبل أن أغضبوه بشركهم ورحمهم في حال شركهم ورحمهم بإقامة الحجة عليهم ورحمهم بدعوتهم إليه بعد أن أغضبوه وآذوا رسله وكذبوهم، وأمهلهم ولم يعاجلهم بل وسعتهم رحمته فرحمته غلبت غضبه، ولولا ذلك لخرب العالم وسقطت السماوات على الأرض، وخرت الجبال وإذا كانت الرحمة غالبة للغضب سابقة عليه امتنع أن يكون موجب الغضب دائما بدوامه غالبا لرحمته. قالوا والتعذيب إما أن يكون عبثا أو لمصلحة وحكمة، وكونه عبثا مما ينزه أحكم الحاكمين عنه ونسبته إليه نسبة لما هو من أعظم النقائص إليه. وإن كان لمصلحة فالمصلحة هي المنفعة ولوازمها وملزوماتها وهي إما أن تعود على الرب تعالى وهو يتعالى عن ذلك ويتقدس عنه. وإما أن تعود إلى المخلوق إما نفس المعذب وإما غيره أو هما. والأول ممتنع ولا مصلحة له في دوام العقوبة بلا نهاية. وأما مصلحة غيره فإن كانت هي الاتعاظ والانزجار فقد حصلت، وإن كانت تكميل لذته وبهجته وسروره بأن يرى عدوه في تلك الحال وهو في غاية النعيم، فهذا لو كان أقسى الخلق لرق لعدوه من طول عذابه ودوام ما يقاسيه فلم يبق إلا كسر تلك النفوس الجبارة العتيدة ومداواتها كيما تصل إلى مادة أدوائها وأمراضها فتحسمها، وتلك المادة شر طارئ على خير خلقت عليه في ابتداء فطرتها. قالوا والأقسام الممكنة في الخلق خمسة لا مزيد عليها: خير محض ومقابله، وخير راجح ومقابله، وخير وشر متساويان، والحكمة تقتضي إيجاد قسمين منها وهما الخير الخالص والراجح. وأما الشر الخالص أو الراجح فإن الحكمة لا تقتضي وجوده بل تأبى ذلك فإن كل ما خلقه الله سبحانه فإنما خلقه لحكمة وجودها أولى من عدمها وخلق الدواب الشريرة والأفعال التي هي شر لما يترتب على خلقها من الخير المحبوب فلم يخلق لمجرد الشر الذي لا يستلزم خيرا بوجه ما هذا غاية المحال. فالخير هو المقصود بالذات بالقصد الأول، والشر إنما قصد قصد الوسائل والمبادئ لا قصد الغايات والنهايات وحينئذ فإذا حصلت الغاية المقصودة بخلقه بطل وزال كما تبطل الوسائل عند الانتهاء إلى غاياتها كما هو معلوم بالحس والعقل، وعلى هذا فالعذاب شر وله غاية تطلب به وهو وسيلة إليها، فإذا حصلت غايته كان بمنزلة الطريق الموصلة إلى القصد، فإذا وصل بها السائر إلى مقصده لم يبق لسلوكها فائدة. وسر المسألة أن الرحمة غاية الخلق والأمر لا العذاب فالعذاب من مخلوقاته وذلك مقتضى أنه خلقه لغاية محمودة ولا بد من ظهور أسمائه وأثر صفاته عموما وإطلاقا، فإن هذا هو الكمال، والرب جل جلاله موصوف بالكمال منزه عن النقص. قالوا وقد قال تعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وقال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قال أبو سعيد الخدري: "هذه تقضي على كل آية في القرآن" ذكره البيهقي وحرب وغيرهما. وقال عبد الله بن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا" وعن عمر بن الخطاب وأبي هريرة مثله ذكره جماعة من المصنفين في السنة. وهذا يقتضي أن الدار التي لا يبقى فيها أحد هي التي يلبث فيها أهلها أحقابا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة فقال تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار" قالوا ويكفينا ما في سورة الأنعام من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ وهذا خطاب للكفار من الجن والإنس من وجوه. أحدها استكبارهم منهم أي من إغوائهم وإضلالهم وإنما استكبروا من الكفار. الثاني قوله: ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ وأولياؤهم هم الكفار كما قال تعالى: ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ فحزب الشيطان هم أولياؤه. والثالث قوله: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ومع هذا فقال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ ثم ختم الآية بقوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ فتعذيبهم متعلق بعلمه وحكمته، وكذلك الاستثناء صادر عن علم وحكمة فهو عليم بما يفعل بهم حكيم في ذلك. قالوا وقد ورد في القرآن أنه سبحانه إذا ذكر جزاء أهل رحمته وأهل غضبه معا أبّد جزاء أهل الرحمة وأطلق جزاء أهل الغضب كقوله: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ َأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقوله: ﴿إنّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وقد يقرن بينهما في الذكر ويقضي لهم بالخلود كقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ولكن مجرد ذكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية بل الخلود هو المكث الطويل كقولهم: قيد مخلد، وتأبيد كل شيء بحسبه، فقد يكون التأبيد لمدة الحياة وقد يكون لمدة الدنيا قال تعالى عن اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ومعلوم أنهم يتمنونه في النار حيث يقولون ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ وإنما استفيد عدم انتهاء نعيم الجنة بقوله: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وقوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقوله: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي مقطوع. ومن قال لا يمن به عليهم فقد أخطأ أقبح الخطأ ولم يجئ مثل ذلك في عذاب أهل النار. وقوله عز وجل: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّار﴾ ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ في موضعين من القرآن وقوله: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ غير مصروف عن ظاهره وحقيقته على الصحيح. وقد زعمت طائفة أن إطلاق هذه الآيات مقيد بآيات التقييد بالاستثناء بالمشيئة فيكون من باب تخصيص العموم، وهذا كأنه قول من قال من السلف في آية الاستثناء أنها تقضي على كل وعيد في القرآن. والصحيح أن هذه الآيات على عمومها وإطلاقها ولكن ليس فيها ما يدل على أن نفس النار دائمة بدوام الله لا انتهاء لها هذا ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه بوجه ما. وفرق بين أن يكون عذاب أهلها دائما بدوامها، وبين أن يكون هي أبدية لا انقطاع لها فلا تستحيل ولا تضمحل فهذا شيء وهذا شيء. لا يقال: فلا فرق على هذا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إذ كان كل منهما يضمحل وينقطع؟ قيل ما أظهر الفروق بينهما والأمر أبين من أن يحتاج إلى فرق. وأيضا فعذاب الدنيا ينقطع بموت المعذب وإقلاع العذاب عنه. وأما عذاب الآخرة فلا يموت من استحق الخلود فيه ولا يقلع العذاب عنه ولا يدفعه عنه أحد كما قال تعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ وهو لازم لا يفارق قال تعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أي لازما ومنه سمي الغريم غريما لملازمة غريمه. (فصل) وأما الآثار في هذه المسألة فقال الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي ﷺ: "ليأتين على جهنم يوم كأنها ورق هاج واحمر تخفق أبوابها" وقال حرب في مسائله: "سألت إسحاق قلت قول الله عز وجل: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن" حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي حدثنا أبو نصرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي ﷺ قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ قال المعتمر: "قال أي كل وعيد في القرآن" ثم تأول حرب ذلك فقال: "معناه عندي - والله أعلم - أنها تأتي على كل وعيد في القرآن لأهل التوحيد وكذلك قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ استثنى من أهل القبلة الذين يخرجون من النار" وهذا التأويل لا يصح لأن الاستثناء إنما هو في وعيد الكفار فإنه سبحانه قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ﴾ الآية ثم قال: ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ﴾ فأهل التوحيد من الذين سعدوا شقوا، وآية الأنعام صريحة في حق الكفار كما تقدم بيانه. قال حرب وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي ثنا شعبة عن أبي حدثنا مليح سمع عمر بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: "ليأتين على جهنم يوم تصطفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" حدثنا عبيد الله ثنا أبي ثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: "أما الذي أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ (فأما الذين شقوا ففي النار) " الآية. قال عبيد الله: "كان أصحابنا يقولون يعني بها الموحدين" وقد تقدم أن هذا التأويل لا يصح. وقال عبد بن حميد في تفسيره أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: "لو لبث أهل النار في النار بقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه" وقال أخبرنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال: "لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه" ورواة هذا الأثر أئمة ثقات كلهم، والحسن سمعه من بعض التابعين ورواه غير منكر له، فدل هذا الحديث أنه كان متداولا بين هؤلاء الأئمة لا ينكرونه، وقد كانوا ينكرونه على من خرج عن السنة أدنى شيء، ويروون الأحاديث المبطلة لفعله، وكان الإمام أحمد يقول أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا في حلوق المبتدعة فلو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للسنة والإجماع لسارعوا إلى رده وإنكاره، وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قال: "لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا" قال الطبري: "وروي عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء أن الله جعل أمر هؤلاء في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته" وهذا التفسير من ابن عباس يبطل قول من تأول الآية على أن معناها سوى ما شاء الله من أنواع العذاب، أو قال المعنى إلا مدة مقامهم قبل الدخول من حين بعثوا إلى أن دخلوا، أو أنها في أهل القبلة، و (ما) بمعنى (مَن) أو أنها بمعنى (الواو) أي وما شاء الله، وهذه كلها تأويلات باردة ركيكة لا تليق بالآية ومن تأملها جزم ببطلانها. وقال السدي في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ قال سبعمائة حقب كل حقب سبعون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون وتقييد لبثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدرة يحصرها العدد هذا قول الأكثرين ولهذا تأول الزجاج الآية على أن الأحقاب تقييد لقوله لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا وأما مدة مكثهم فيها فلا يتقدر بالأحقاب وهذا تأويل فاسد فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب. وقالت طائفة أخرى الآية منسوخة بقوله: ﴿ما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهذا فاسد أيضا إن أرادوا بالنسخ الرفع فإنه لا يدخل في الخبر إلا إذا كان بمعنى الطلب وإن أرادوا بالنسخ البيان فهو صحيح وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية فهم فيها خالدون وما هم بمخرجين وهذا حق معلوم دلالة القرآن والسنة عليه لكن الشأن في أمر آخر وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب فأين الدليل على هذا من القرآن أو السنة بوجه من الوجوه. وقالت طائفة هي في أهل التوحيد وهذا أقبح مما قبله وسياق الآيات يرده ردا صريحا ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات قال لا يدل ذكر الأحقاب على النهاية فإنها غير مقدرة بالعدد فإنه لم يقل عشرة ولا مائة ولو قدرت بالعدد لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم فكيف إذا لم يقدر؟ قالوا ومعنى الآية أنه كلما مضى حقب تبعه حقب لا إلى نهاية. وهذا الذي قالوه لا تدل الآية عليه بوجه، وقولهم أن الأحقاب فيها غير مقدرة فيقال لو أريد بالآية بيان عدم انتهاء مدة العذاب لم يقيد بالأحقاب فإن ما لا نهاية له لا يقال هو باق أحقابا ودهورا وأعصارا أو نحو ذلك، ولهذا لا يقال ذلك في نعيم أهل الجنة ولا يقال للأبدي الذي لا يزول هو باق أحقابا أو آلافا من السنين، فالصحابة أفهم الآية لمعاني القرآن، وقد فهم منها عمر بن الخطاب خلاف فهم هؤلاء، كما فهم ابن عباس من آية الاستثناء خلاف فهم أولئك، وفهم الصحابة في القرآن هو الغاية التي عليها المعول. وقد قال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" وقال ابن جرير حديث عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ قال: "أمر الله النار أن تأكلهم" قال وقال ابن مسعود فذكره وقال حدثنا محمد بن حميد ثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال: "جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا" قلت لا يدل قوله أسرعهما خرابا على خراب الدار الأخرى كما في قوله تعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله في الحديث: "الله أعلى وأجل" وقوله: "أسرعهما عمرانا" يحتمل معنيين: أحدهما مسارعة الناس إلى الأعمال التي يدخلون بها جهنم وإبطاؤهم عن أعمال الدار الأخرى. والثاني أن أهلها يدخلونها قبل دخول أهل الجنة إليها فإن أهل الجنة إنما يدخلونها بعد عبورهم على الصراط وبعد حبسهم على القنطرة التي وراءه، وأهل النار قد تبوءوا منازلهم منها فإنهم لا يجوزون على الصراط ولا يحبسون على تلك القنطرة. وأيضا ففي الحديث الصحيح: "أنه لما ينادي المنادي لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فتتبع المشركون أوثانهم وآلهتهم فتتساقط بهم في النار، وتبقى هذه الأمة في الموقف حتى يأتيها ربها عز وجل ويقول: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس" وقد ذكر الخطيب في تاريخه في ترجمة سهل بن عبيد الله بن داود بن سليمان أبو نصر البخاري حدثنا محمد بن نوح الجند سابوري حدثنا جعفر بن محمد بن عيسى الناقد حدثنا سهل بن عثمان ثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ: "يأتي على جهنم يوما ما فيها من بني آدم أحد تخفق أبوابها كأنها أبواب الموحدين" وليس العمدة على هذا وحده فإن إسناده ضعيف، وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود وقد تقدم. (فصل) والذين قطعوا بأبدية النار وأنها لا تفنى لهم طرق. أحدها: الآيات والأحاديث الدالة على خلودهم فيها وأنهم لا يموتون وما هم منها بمخرجين وأن الموت يذبح بين الجنة والنار وأن الكفار لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وأمثال هذه النصوص وهذه الطريق لا تدل على ما ذكروه وإنما يدل على أنها ما دامت باقية فهم فيها فأين فيها ما يدل على عدم فنائها. الطريق الثاني دعوى الإجماع على ذلك وقد ذكرنا من أقوال الصحابة والتابعين ما يدل على أن الأمر بخلاف ما قالوا حتى لقد ادعى إجماع الصحابة من هذا الجانب استنادا إلى تلك النقول التي لا يعلم عنهم خلافها. الطريق الثالث أنه كالمعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الجنة والنار لا تفنيان بل هما باقيتان ولهذا أنكر أهل السنة كلهم على أبي الهذيل وجهم وشيعتهما ممن قال بفنائها وعدوا أقوالهم من أقوال أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ولا ريب أن هذا من أقوال أهل البدع التي خرجوا بها عن السنة ولكن من أين تصح دعوى العلم النظري أن النار باقية ببقاء الله دائمة بدوامه فضلا عن العلم الضروري فأين في الأدلة الشرعية أو العقلية دليل واحد يقتضي ذلك. الطريق الرابع أن السنة المستفيضة أو المتواترة أخبرت بخروج أهل التوحيد من النار دون الكفار، وهذا معلوم من السنة قطعا وهذا الذي قالوه حق لا ريب فيه ولكن أهل التوحيد خرجوا منها وهي باقية لم تفن ولم تعدم والكفار لا يحصل لهم ذلك بل هم باقون فيها ما بقيت. الطريق الخامس أن العقل يدل على خلود الكفار فيها وعدم خروجهم منها فإن نفوسهم غير قابلة للخير فإنهم لو خرجوا منها لعادوا كفارا كما كانوا وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذا يدل على غاية عتوهم وإصرارهم وعدم قبول الخير فيهم بوجه من الوجوه فلا تصلح نفوسهم الشريرة الخبيثة إلا للعذاب ولو صلحت لصلحت على طول العذاب فحيث لم يؤثر عذابهم تلك الأحقاب الطويلة في نفوسهم ولم يطيبها علم أنه لا قابلية فيهم للخير أصلا وأن أسباب العذاب لم يطف من نفوسهم فلا يطفى العذاب المترتب عليها وهذه الطريق وإن أنكرت ببادئ الرأي فهي طريق قوية وهي ترجع إلى طريق الحكمة وأن الحكمة التي اقتضت دخولهم هي التي اقتضت خلودهم ولكن هذه الطريق محرم سلوكها على نفاة الحكمة وعلى مثبتيها من المعتزلة والقدرية أما النفاة فظاهر. وأما المثبتة فالحكمة عندهم أن عذابهم لمصلحتهم وهذا إنما يصح إذا كان لهم حالتان حالة يعذبون فيها لأجل مصلحتهم وحالة يزول عنهم العذاب لتحصل لهم تلك المصلحة وإلا فكيف تكون مصلحتهم في عذاب لا انقطاع له أبدا وأما من يثبت حكمة راجعة إلى الرب تعالى فيمكنهم سلوك هذه الطريق، لكن يقال الحكمة لا تقتضي دوام عذابهم بدوام بقائه سبحانه وهو لم يخبر أنه خلقهم لذلك وإنما يعذبون لغاية محمودة إذا حصلت حصل المقصود من عذابهم وهو سبحانه لا يعذب خلقه سدى وهو قادر على أن ينشئهم بعد العذاب الطويل نشأة أخرى مجردة عن تلك الشرور والخبائث التي كانت في نفوسهم وقد أزالها طول العذاب فإنهم خلقوا قابلين للخير على الفطرة وهذا القبول لازم لخلقتهم وبه أقروا بصانعهم وفاطرهم، وإنما طرأ عليه ما أبطل مقتضاه فإذا زال ذلك الطارئ بالعذاب الطويل بقي أصل القبول بلا معارض وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْه﴾ فهذا قبل مثابرتهم للعذاب قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فتلك الخبائث والشرور قائمة بنفوسهم لم تزلها النار فلو ردوا لعادوا لقيام المقتضى للعود ولكن أين أخبر سبحانه أنه لو ردهم بعد العذاب الطويل السرمدي لعادوا لما نهوا عنه وسر المسألة أن الفطرة الأصلية لا بد أن تعمل عملها كما عمل الطارئ عليها عمله وهذه الفطرة عامة لجميع بني آدم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة" وفي لفظ "على هذه الملة" وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حماد المجاشعي عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه: قال "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" فأخبر أن الأصل فيهم الحنيفية وأنهم خلقوا عليها وأن صدها عارض فيهم باقتطاع الشياطين لهم عنها فمن الممتنع أن يعمل أثر اقتطاع الشياطين ولا يعمل أثر خلق الرحمن جل جلاله عمله والكل خلقه سبحانه فلا خالق سواه ولكن ذاك خلق يحبه ويرضاه ويضاف أثره إليه وهذا خلق يبغضه ويسخطه ولا يضاف أثره إليه فإن الشر ليس إليه والخير كله في يديه. فإن قيل فقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ وهذا يقتضي أنه لا قابلية فيهم ولا خير عندهم ألبتة ولو كان عندهم لخرجوا به من النار مع الموحدين فإنه سبحانه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من خير فعلم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر اليسير من الخير؟ قيل الخير في هذا الحديث هو الإيمان بالله ورسله كما في اللفظ الآخر أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان وهو تصديق رسله والانقياد لهم بالقلب والجوارح وأما الخير في الآية فالمراد به القبول والزكاة ومعرفة قدر النعمة وشكر المنعم عليها فلو علم الله سبحانه ذلك فيهم لأسمعهم إسماعا ينتفعون به فإنهم قد سمعوا سماعا تقوم به عليهم الحجة فتلك القابلية ذهب أثرها وتعطلت بالكفر والجحود وعادت كالشيء المعدوم الذي لا ينتفع به وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم ولم يظهر أثرها في انتفاعهم بما عملوه وتيقنوه. فإن قيل فالغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا وقال نوح عن قومه (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا: "إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيي مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحي كافرا ويموت كافرا" الحديث .. قيل هذا لا يناقض كونه مولودا على الفطرة فإنه طبع وولد مقدرا كفره إذا عقل وإلا ففي حال ولادته لا يعرف كفرا ولا إيمانا فهي حال مقدرة لا مقارنة للعامل فهو مولود على الفطرة ومولود كافرا باعتبارين صحيحين ثابتين له هذا بالقبول وإيثار الإسلام لو خلى وهذا بالفعل والإرادة إذا عقل فإذا جمعت بين الفطرة السابقة والرحمة السابقة العالية والحكمة البالغة والغنى التام وقرنت بين فطرته ورحمته وحكمته وغناه تبين لك الأمر. الطريق السادس قياس دار العدل على دار الفضل وأن هذه كما أنها أبدية فالأخرى كذلك لأن هذه توجب عدله وعدله ورحمته من لوازم ذاته وهذه الطريق غير نافذة فإن العدل حقه سبحانه لا يجب عليه أن يستوفيه ولا يلحقه بتركه نقص ولا ذم بوجه من الوجوه والفضل وعده الذي وعد به عباده وأحقه على نفسه والفرق بين الدارين من وجوه عديدة شرعا وعقلا. أحدها أن الله سبحانه أخبر بأن نعيم الجنة ماله من نفاد وأن عطاء أهلها غير مجذوذ وأنه غير ممنون ولم يجئ ذلك في عذاب أهل النار. الثاني أنه أخبر بما يدل على انتهاء عذاب أهل النار في عدة آيات كما تقدم ولم يخبر بما يدل على انتهاء نعيم أهل الجنة ولهذا احتاج القائلون بالتأبيد الذي لا انقطاع له إلى تأويل تلك الآيات ولم يجئ في نعيم أهل الجنة ما يحتاجونه إلى تخصيصه بالتأويل. الثالث أن الأحاديث التي جاءت في انتهاء عذاب النار لم يجئ شيء منها في انتهاء نعيم الجنة. الرابع أن الصحابة والتابعين إنما ذكروا انقطاع العذاب ولم يذكر أحد منهم انقطاع النعيم. الخامس أنه قد ثبت أن الله سبحانه يدخل الجنة بلا عمل أصلا بخلاف النار. السادس أنه سبحانه ينشئ في الجنة خلقا ينعمهم فيها ولا ينشئ في النار خلقا يعذبهم بها. السابع أن الجنة من مقتضى رحمته والنار من مقتضى غضبه وأن الذين يدخلون النار أضعاف أضعاف الذين يدخلون الجنة فلو دام عذاب هؤلاء كدوام نعيم هؤلاء لغلب غضبه رحمته فكان الغضب هو الغالب السابق وهذا ممتنع. الثامن أن الجنة دار فضله والنار دار عدله وفضله يغلب عدله. التاسع أن النار دار استيفاء حقه الذي له والجنة دار وفاء حقه الذي أحقه هو على نفسه وهو سبحانه يترك حقه ولا يترك الحق الذي أحقه على نفسه. العاشر أن الجنة هي الغاية التي خلقوا لها في الآخرة وأعمالها هي الغاية التي خلقوا لها في الدنيا بخلاف النار فإنه سبحانه لم يخلق خلقه للكفر به والإشراك وإنما خلقهم لعبادته وليرحمهم. الحادي عشر أن النعيم من موجب أسمائه وصفاته، والعذاب إنما هو من أفعاله قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وقال: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامه. فإن قيل فإن العذاب صادر عن عزته وحكمته وعدله وهذه أسماء حسنى وصفات كمال فيدوم ما صدر عنها بدوامها؟ قيل لعمر الله إن العذاب صدر عن عزة وحكمة وعدل وانتهاؤه عند حصول المقصود منه يصدر عن عزة وحكمة وعدل فلم يخرج العذاب ولا انقطاعه عن عزته وحكمته وعدله ولكن عند انتهائه يكون عزة مقرونة برحمة وحكمة مقرونة بجود وإحسان وعفو وصفح فالعزة والحكمة لم يزالا ولم ينقص بل صدر جميع ما خلقه ويخلقه وأمر به ويأمر به عن عزته وحكمته. الثاني عشر أن العذاب مقصود لغيره لا لنفسه وأما الرحمة والإحسان والنعيم فمقصود لنفسه فالإحسان والنعيم غاية والعذاب والألم وسيلة فكيف يقاس أحدهما بالآخر. الثالث عشر أنه سبحانه أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وأن رحمته سبقت غضبه وأنه كتب على نفسه الرحمة فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته وهذا ظاهر جدا. فإن قيل فقد قال سبحانه عقيبها: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخر الآية يخرج غيرهم منها لخروجهم من الوصف الذي يستحق به؟ قيل الرحمة المكتوبة لهؤلاء هي غير الرحمة الواسعة لجميع الخلق بل هي رحمة خاصة خصهم بها دون غيرهم وكتبها لهم دون من سواهم وهم أهل الفلاح الذين لا يعذبون بل هم أهل الرحمة والفوز والنعيم وذكر الخاص بعد العام استطرادا وهو كثير في القرآن بل قد يستطرد من الخاص إلى العام كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ فهذا استطراد من ذكر الأبوين إلى ذكر الذرية ومن استطراد قوله: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ فالتي جعلت رجوما ليست هي التي زينت بها السماء ولكن استطرد من ذكر النوع إلى نوع آخر وأعاد ضمير الثاني على الأول لدخولهما تحت جنس واحد فهكذا قوله: ﴿رَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فالمكتوب للذين يتقون نوع خاص من الرحمة الواسعة والمقصود أن الرحمة لا بد أن تسع أهل النار ولا بد أن تنتهي حيث ينتهي العلم كما قالت الملائكة ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما. الرابع عشر أنه قد صح عنه ﷺ حديث الشفاعة "قول أولي العزم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله" وهذا صريح في أن ذلك الغضب العظيم لا يدوم، ومعلوم أن أهل النار إنما دخلوها بذلك الغضب فلو دام ذلك الغضب لدام عذابهم إذ هو موجب ذلك الغضب فإذا رضي الرب تبارك وتعالى وزال ذلك الغضب زال موجبه وهذا كما أن عقوبات الدنيا العامة وبلاؤها آثار غضبه فإذا استمر غضبه استمر ذلك البلاء فإذا رضي وزال غضبه زال البلاء وخلفته الرحمة. الخامس عشر أن رضاه أحب إليه من غضبه، وعفوه أحب إليه من عقوبته، ورحمته أحب إليه من عذابه، وعطاؤه أحب إليه من منعه، وإنما يقع الغضب والعقوبة والمنع بأسباب تناقص موجب تلك الصفات والأسماء، وهو سبحانه كما يحب أسماءه وصفاته ويحب آثارها وموجبها كما في الحديث: "أنه وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال، نظيف يحب النظافة، عفو يحب العفو" وهو شكور يحب الشاكرين، عليم يحب العالِمين، جواد يحب أهل الجود، حيي ستير يحب أهل الحياء والستر، صبور يحب الصابرين، رحيم يحب الرحماء، فهو يكره ما يضاد ذلك، وكذلك كره الكفر والعصيان والفسوق والظلم والجهل لمضادة هذه الأوصاف لأوصاف كماله الموافقة لأسمائه وصفاته، ولكن يريده سبحانه لاستلزامه ما يحبه ويرضاه فهو مراد له إرادة اللوازم المقصودة لغيرها، إذ هي معصية إلى ما يحب، فإذا حصل بها ما يحبه وأدت إلى الغاية المقصودة له سبحانه لم تبق مقصودة لا لنفسها ولا لغيرها، فتزول ويخلفها أضدادها التي هي أحب إليه سبحانه منها، وهي موجب أسمائه وصفاته. فإن فهمت سر هذا الوجه وإلا فجاوزه إلى ما قبله ولا تعجل بإنكاره. هذا وسر المسألة أنه سبحانه حكيم رحيم إنما يخلق بحكمة ورحمة فإذا عذب من يعذب لحكمة كان هذا جاريا على مقتضاها كما يوجد في الدنيا من العقوبات الشرعية والقدرية من التهذيب والتأديب والزجر والرحمة واللطف ما يزكي النفوس ويطيبها ويمحصها ويخلصها من شرها وخبثها، والنفوس الشريرة الظالمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهت عنه لا يصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والشر والظلم، فإذا عذبت هذه النفوس بالنار عذابا يخلصها من ذلك الشر ويخرج خبثها كان هذا معقولا في الحكمة كما يوجد في عذاب الدنيا وخلق من فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة. أما خلق نفوس شريرة لا يزول شرها ألبتة وإنما خلقت للشر المحض وللعذاب السرمد الدائم بدوام خالقها سبحانه فهذا لا يظهر موافقته للحكمة والرحمة، وإن دخل تحت القدرة فدخوله تحت الحكمة والرحمة ليست بالبين فهذا ما وصل إليه النظر في هذه المسألة التي تكع فيها عقول العقلاء وكنت سألت عنها شيخ الإسلام قدس الله روحه فقال لي هذه المسألة عظيمة كبيرة ولم يجب فيها بشيء فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكثي بعض تلك الآثار التي ذكرت فأرسلت إليه الكتاب وهو في مجلسه الأخير وعلمت على ذلك الموضع وقلت للرسول قل له هذا الموضع يشكل عليه ولا يدري ما هو؟ فكتب فيها مصنفه المشهور - رحمة الله عليه - فمن كان عنده فضل علم فليحدثه فإن فوق كل ذي علم عليم وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه فإنه ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ووصف ذلك أحسن صفة ثم قال "ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء" وعلى مذهب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث يقول: "لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا" وذكر ذلك في تفسير قوله: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ وعلى مذهب أبي سعيد الخدري حيث يقول: "انتهى القرآن كله إلى هذه الآية: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ " وعلى مذهب قتادة حيث يقول: "في قوله: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ الله أعلم بتبيينه على ما وقعت" وعلى مذهب ابن زيد حيث يقول: "أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة" فقال عطاء: " (غير مجذوذ) ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار" والقول بأن النار وعذابها دائم بدوام الله خبر عن الله بما يفعله فإن لم يكن مطابقا لخبره عن نفسه بذلك وإلا كان قولا عليه بغير علم، والنصوص لا تفهم ذلك والله أعلم. (فصل) وهاهنا مذاهب أخرى باطلة منها قول من قال أنهم يعذبون في النار مدة لبثهم في الدنيا وقول من قال تنقلب عليهم طبيعة نارية يلتذون بها كما يلتذ صاحب الجرب بالحك وقول من يقول أنها تفنى هي والجنة جميعا ويعودان عدما وقول من يقول تفنى حركاتها وتبقى أهلها في سكون دائم ولم يوفق للصواب في هذا الباب غير الصحابة ومن سلك سبيلهم. وبالله التوفيق. وقال في (حادي الأرواح) [الباب السابع والستون: في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد] هذا مما يعلم بالاضطرار إن الرسول ﷺ أخبر به قال تعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي مقطوع ولا تنافي بين هذا وبين قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ واختلف السلف في هذا الاستثناء. فقال معمر عن الضحاك هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة يقول سبحانه وتعالى إنهم خالدون في الجنة ما دامت السماوات والأرض إلا مدة مكثهم في النار. قلت وهذا يحتمل أمرين أحدهما أم يكون الأخبار عن الذين سعدوا وقع عن قوم مخصوصين وهم هؤلاء. والثاني وهو الأظهر أن يكون وقع عن جملة السعداء والتخصيص بالمذكورين هو في الاستثناء وما دل عليه وأحسن من هذين التقديرين أن ترد المشيئة إلى الجميع حيث لم يكونوا في الجنة في الموقف، وعلى هذا فلا يبقى في الآية تخصيص. وقالت فرقة أخرى هو استثناء استثناه الرب تعالى ولا يفعله كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه بل تجزم بضربه. وقالت فرقة أخرى العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله ومع ما هو أكثر منه كان معنى (إلا) في ذلك ومعنى (الواو) سواء والمعنى على هذا سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض. هذا قول الفراء وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن قالوا ونظير ذلك أن تقول لي عليك ألف إلا الألفين الذين قبلها أي سوى الألفين. قال ابن جرير وهذا أحب الوجهين إليَّ إن الله تعالى لا خلف لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ قالوا ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولا إلا ما شئت أي سوى ما شئت أو لكن ما شئت من الزيادة عليه. وقالت فرقة أخرى هذا الاستثناء إنما هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين الموت والبعث والبرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة ثم هو الخلود الأبد فلم يغيبوا عن الجنة إلا بمقدار إقامتهم في البرزخ. وقالت فرقة أخرى العزيمة قد وقعت لهم من الله بالخلود الدائم إلى أن يشاء الله خلاف ذلك إعلاما لهم بأنهم مع خلودهم في مشيئته، وهذا كما قال لنبيه ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ وقوله ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وقوله ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم﴾ ونظائره. وأخبر عباده سبحانه وأن الأمور كلها بمشيئته ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقالت فرقة أخرى المراد بمدة دوام السماوات والأرض في هذا العالم فأخبر سبحانه أنهم خالدون في الجنة مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء الله أن يزيدهم عليه. ولعل هذا قول من قال إن (إلا) بمعنى (سوى) ولكن اختلفت عبارته. وهذا اختيار ابن قتيبة قال: المعنى خالدين فيها مدة العالم سوى ما شاء أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم وقالت فرقة أخرى (ما) بمعنى (مَن) كقوله ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ والمعنى إلا من شاء ربك أن يدخله النار بذنوبه من السعداء. والفرق بين هذا القول وبين أول الأقوال أن الاستثناء على هذا القول من المدة، وعلى ذلك القول من الأعيان. وقالت فرقة أخرى المراد بالسماوات والأرض سماء الجنة وأرضها وهما باقيتان أبدا وقوله ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ﴾ إن كانت (ما) بمعنى (مَن) فهم الذين يدخلون النار ثم يخرجون منها وإن كانت بمعنى الوقت فهو مدة احتباسهم في البرزخ والموقف. قال الجعفي سألت عبد الله بن وهب عن هذا الاستثناء فقال سمعت فيه أنه قدر وقوفهم في الموقف يوم القيامة إلى أن يقضي بين الناس. وقالت فرقة أخرى الاستثناء راجع إلى مدة لبثهم في الدنيا. وهذه الأقوال متقاربة ويمكن الجمع بينها بأن يقال أخبر سبحانه وعن خلودهم في الجنة كل وقت إلا وقتا يشاء أن لا يكونوا فيها، وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ وفي موقف يوم القيامة وعلى الصراط وكون بعضهم في النار مدة، وعلى كل تقدير فهذه الآية من المتشابه. وقوله فيها ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ محكم وكذلك قوله ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ وقوله ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وقوله ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وقوله ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقد أكد الله سبحانه وتعالى خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن وأخبر أنهم ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ وهذا الاستثناء منقطع وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ تبين لك المراد من الآيتين. واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنة تقدم على خلودهم فيها وبالله التوفيق. وقد تقدم قول النبي ﷺ "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت " وقوله "ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا" وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال "يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة فيطلعون مشفقين، ويقال يا أهل النار فيطلعون فرحين، فيقال هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت" (فصل) وهذا موضع اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال: أحدها أن الجنة والنار فانيتان غير أبدتيين بل كما هما حادثتان فهما فانيتان والقول الثاني أنهما باقيتان دائمتان لا يفنيان أبدا والقول الثالث أن الجنة باقية أبدية والنار فانية. ونحن نذكر هذه الأقوال وما قابلها وما احتج به أرباب كل قوله ونرد ما خالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. فأما القول بفنائهما فهو قول قاله جهم بن صفوان إمام المعطلة الجهمية وليس له فيه سلف قط من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام ولا قال به أحد من أهل السنة. وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفروهم به وصاحوا بهم من أقطار الأرض كما ذكره عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة عن خارجة بن مصعب أنه قال كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وهم يقولون لا يدوم وبقول الله تعالى ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ وهم يقولون ينفد، وبقول الله عز وجل ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ قال شيخ الإسلام وهذا قاله جهمٌ لأصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنع في المستقبل كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات لكونها متعاقبة شيئا بعد شيء فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة وزعمت فرقة ممن وافقهم على امتناع حوادث لا نهاية لها أن هذا القول مقتضى العقل لكن لما جاء السمع ببقاء الجنة والنار قلنا بذلك وكان هؤلاء لم يعلموا أن ما كان ممتنعا في العقل لا يجيء في الشرع بوقوعه إذ يستحيل عليه أن يخبر بوجود ما هو ممتنع في العقل وكأنهم لم يفرقوا بين محالات العقول ومجازاتها فالسمع يجيء بالثاني لا بالأول فالسمع يجيء بما يعجز العقل عن إدراكه ولا يستقل به ولا يجيء بما لا يعلم العقل أحالته والأكثرون الذين وافقوا جهما وأبا الهذيل على هذا الأصل فرقوا بين الماضي والمستقبل وقالوا الماضي قد دخل في الوجود بخلاف المستقبل والممتنع إنما هو دخول ما لا يتناهى في الوجود لا تقدير دخوله شيئا بعد شيء قالوا أو هذا نظيران يقول القائل لا أعطيك درهما إلا وأعطيتك بعده درهما آخر فهذا ممكن والأول نظير أن يقول لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله درهما فهذا محال وهؤلاء عندهم وجود ما لا يتناهى في الماضي محال ووجوده في المستقبل واجب ونازعهم في ذلك آخرون فقالوا بل الأمر في الماضي كما هو في المستقبل ولا فرق بينهما بل الماضي والاستقبال أمر نسبي فكل ما يكون مستقبلا يصير ماضيا وكل ماض فقد كان مستقبلا فلا يعقل إمكان الدوام في أحد الطرفين وإحالته في الطرف الآخر قالوا وهذه مسألة دوام فاعلية الرب تبارك وتعالى وهو لم يزل ربا قادرا فاعل فإنه لم يزل حيا عليما قديرا ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعا عليه لذاته ثم ينقلب فيصير ممكنا لذاته من غير تجدد شيء وليس للأزل حد محدود حتى يصير الفعل ممكنا له عند ذلك الحد ويكون قبله ممتنعا عليه فهذا القول تصوره كاف في الجزم بفساده ويكفي في فساده أن الوقت الذي انقلب فيه الفعل من الإحالة الذاتيه إلى الأماكن الذات إما أن يصح أن يفرض قبله وقت يمكن فيه الفعل أولا لا يصح فإن قلتم لا يصح كان هذا تحكما غير معقول وهو من جنس الهوس وإن قلتم يصح قيل وكذلك ما يفرض قبله لا إلى غاية فما من زمن محقق أو مقدر إلا والفعل مكن فيه وهو صفة كمال وإحسان ومتعلق حمد الرب وتعالى وربوبيته وملكه وهو لم يزل ربا حميدا ملكا قادرا لم تتجدد له هذه الأوصاف كما أنه لم يزل حيا مريدا عليما والحياة والإرادة والعلم والقدرة تقتضي آثارها ومتعلقاتها فكيف يعقل حي قدير عليم مريد ليس له مانع ولا قاهر يقهره يستحيل عليه أن يفعل شيئا ألبتة وكيف يجعل هذا اصل من أصول الدين ويجعل معيارا على ما أخبر الله به ورسوله ويفرق به بين جائزات العقول ومحالاتها فإذا كان وهذا شان الميزان فكيف يستقيم الموزون به وأما قول من فرق بأن الماضي قد دخل في الوجود دون المستقبل فكلام لا تحقيق وراءه فإن الذي يحصره الوجود من الحركات هو المتناهي ثم يعدم فيصير ماضيا كما كان معدوما لما كان مستقبلا فوجوده بين عدمين وكلما انقضت جملة حدثت بعدها جملة أخرى فالذي صار ماضيا هو بعينه الذي كان مستقبلا فإن دل الدليل على امتناع ما لا يتناهى شيئا قبل شيء فهو بعينه دال على امتناعه شيئا بعد شيء وأما تفريقكم بقولكم المستقبل نظير قوله ما أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده درهما فهذا ممكن والماضي نظير قوله ما أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله درهما فهذا الفرق فيه تلبيس لا يخفى وليس بنظير ما نحن فيه بل نظيره أن يقول ما أعطيك درهما إلا وقد تقدم مني أعطاء درهم قبله فهذا ممكن الدوام في الماضي على حد إمكانه في المستقبل ولا فرق في العقل الصحيح بينهما ألبتة ولما لم يجد الجهم وأبو الهذيل واتباعهما بين الأمرين فرقا قالوا بوجوب تناهي الحركات في المستقبل كما يجب ابتداؤها عندهم في الماضي وقال أهل الحديث بل هما سواء في الإمكان والوقوع ولم يزل الرب سبحانه تعالى فعالا لما يريد ولم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال وليس المتمكن من الفعل كل وقت كالذي لا يمكنه الفعل إلا في وقت معين وليس من يخلق كمن لا يخلق ومن يحسن كمن لا يحسن ومن يدبر الأمر كمن لا يدبر وأي كمال في أن يكون رب العالمين معطلا عن الفعل في مدة مقدرة أو محققة لا تتناهى يستحيل منه الفعل وحقيقة ذلك أنه لا يقدر عليه، وإن أبيتم هذا الإطلاق وقلتم أن المحال لا يوصف بكونه غير مقدور عليه فجمعتم بين محالين الحكم بإباحة الفعل من غير موجب لإحالته وانقلابه من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي من غير تجدد سبب وزعمتم أن هذا هو الأصل الذي تثبتون به وجود الصانع وحدوث العالم وقيامه الأبدان فجنيتم على العقل والشرع والرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل والكلام بمشيئته ولم يزل فعالا لما يريد، ولم يزل ربا محسنا. والمقصود أن القول بفناء الجنة والنار قول مبتدع لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين والذين قالوه إنما تلقوه عن قياس فاسد كما اشتبه أصله على كثير من الناس فاعتقدوه حقا وبنوا عليه القول بخلق القرآن ونفي الصفات وقد دل القرآن والسنة والعقل الصريح على أن كلمات الله وأفعاله لا تتناهى ولا تنقطع بآخر ولا تحد بأول قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فأخبر عن عدم نفاد كلماته لعزته وحكمته وهذان وصفان ذاتيان له سبحانه وتعالى لا يكون إلا كذلك. وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن سليمان بن عامر قال سمعت الربيع بن أنس يقول إن مثل علم العباد كلهم في علم الله عز وجل كقطرة من هذه البحور كلها وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا﴾ الآية. يقول سبحانه وتعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات الله والشجر كلها أقلام لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر وكلمات الله تعالى باقية لا يفنيها شيء لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي بل هو كما أثنى على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما يقول ثم إن مثل نعيم الدنيا أوله وآخره وفي نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها. (فصل) وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام فيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين. قلت هاهنا أقوال سبعة: أحدها أن من دخلها لا يخرج منها أبدا بل كل من دخلها مخلد فيها أبد الآباد بإذن الله وهذا قول الخوارج والمعتزلة. والثاني أن أهلها يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي قال في فصوصه: "الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات فيثني عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ولم يقل وعيده بل قال ويتجاوز عن سيئاتهم مع أنه توعد على ذلك وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وقد زال الإمكان في حق الحق لما فيه من طلب المرجح ؎فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ∗∗∗ وما لوعيد الحق عين تعاين ؎وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ∗∗∗ على لذة فيها نعيم مباين ؎نعيم جنان الخلد والأمر واحد ∗∗∗ وبينهما عند التجلي تباين ؎يسمى عذابا من عذوبة طعمه ∗∗∗ وذاك له كالقشر والقشر صاين" وهذا في طرف، والمعتزلة الذين يقولون لا يجوز على الله أن يخلف وعيده بل يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف. فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا، وهذا عنده لا يعذب بها أحد أصلا والفريقان مخالفان لما علم بالاضطرار أن الرسول جاء به وأخبر به عن الله عز وجل. الثالث قول من يقول إن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها قوم آخرون. وهذا القول حكاه اليهود للنبي فأكذبهم فيه وقد أكذبهم الله تعالى في القرآن فيه فقال تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون﴾ فهذا القول إنما هو قول أعداء الله اليهود فهم شيوخ أربابه والقائلين به وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام على فساده قال تعالى: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ وقال ﴿وَما هم بِخارِجِينَ﴾ وقال ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ وقال تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ وقال تعالى: ﴿لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِهَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ وهذا أبلغ ما يكون في الإخبار عن استحالة دخولهم الجنة. الرابع قول من يقول يخرجون منها وتبقى نارا على حالها ليس فيها أحد يعذب حكاه شيخ الإسلام. والقرآن والسنة أيضا يردان على هذا القول كما تقدم. الخامس قول من يقول بل تفنى بنفسها لأنها حادثة بعد أن لم تكن وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه وأبديته وهذا قول جهنم بن صفوان وشيعته ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار. السادس قول من يقول تفنى حياتهم وحركاتهم ويصيرون جمادا لا يتحركون ولا يحسون بألم. وهذا قول أبى الهذيل العلاف إمام المعتزلة طردا لامتناع حوادث لا نهاية لها، والجنة والنار عنده سواء في هذا الحكم. السابع قول من يقول بل يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها. قال شيخ الإسلام وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبى هريرة وأبى سعيد وغيرهم وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره المشهور حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. وقال حدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون منه ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ فقد رواه عبد وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة عن هذين الجليلين سليمان بن حرب وحجاج ابن منهال وكلاهما عن حماد بن سلمة وحسبك به وحماد يرويه عن ثابت وحميد وكلاهما يرويه عن الحسن وحسبك بهذا الإسناد جلالة والحسن وإن لم يسمع من عمر فإنما رواه عن بعض التابعين ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به وقال عمر بن الخطاب ولو قدر أنه لم يحفظ عن عمر فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد مع أنهم ينكرون على من خالف السنة بدون هذا فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأئمة لكانوا أول منكر له. قال ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها. فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم كما قال النبي ﷺ "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون" ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ بل ما أخبر الله به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه لكن إذا انقضى أجلها وفنيت تفنى الدنيا لم تبق نارا ولم يبق فيها عذاب. قال أرباب هذا القول وفي تفسير علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قال لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا. قالوا وهذا الوعيد في هذه الآية ليس مختصا بأهل القبلة فإنه سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾ وأولياء الجن من الإنس يدخل فيه الكفار قطعا فإنهم أحق بموالاتهم من عصاة المسلمين كما قال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وقال تعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ والاستثناء وقع في الآية التي أخبرت عن دخول أولياء الشياطين النار فمن هاهنا قال ابن عباس لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه قالوا قول من قال إن ﴿إلا﴾ بمعنى سوى أي سوى ما شاء الله أن يزيدهم من أنواع العذاب وزمنه لا تخفى منافرته للمستثنى والمستثنى منه وإن الذي يفهمه المخاطب مخالفة ما بعد ﴿إلا﴾ لما قبلها. قالوا وقول من قال إنه لإخراج ما قبل دخولهم إليها من الزمان كزمان البرزخ والموقف ومدة الدنيا أيضا لا يساعد عليه وجه الكلام فإنه استثناء من جملة خبرية مضمونها أنهم إذا دخلوا النار لبثوا فيها مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء الله وليس المراد الاستثناء قبل الدخول هذا ما لا يفهمه المخاطب ألا ترى أنه سبحانه يخاطبهم بهذا في النار حين يقولون ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا فيقول لهم حينئذ النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله. وفي قوله ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ نوع اعتراف واستسلام وتحسر أي استمتع الجن بنا واستمتعنا بهم فاشتركنا في الشرك ودواعيه وأسبابه وآثرنا الاستمتاع على طاعتك وطاعة رسلك وانقضت آجالنا وذهبت أعمارنا في ذلك ولم نكتسب فيها رضاك وإنما كان غاية امرنا في مدة آجالنا استمتاع بعضنا ببعض فتأمل ما في هذا القول من الاعتراف بحقيقة ما هم عليه وكيف بدت لهم تلك الحقيقة ذلك اليوم وعلموا أن الذي كانوا فيه في مدة آجالهم هو حظهم من استمتاع بعضهم ببعض ولم يستمتعوا بعبادة ربهم ومعرفته وتوحيده ومحبته وإيثار مرضاته وهذا من نمط قولهم ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ وقوله ﴿فاعترفوا بذنبهم﴾ وقوله ﴿فعلموا أن الحق لله﴾ ونظائره. والمقصود أن قوله ﴿إلا ما شاء الله﴾ عائد إلى هؤلاء المذكورين مختصا بهم أو شاملا لهم ولعصاة الموحدين، وأما اختصاصه بعصاة المسلمين دون هؤلاء فلا وجه له. ولما رأت طائفة ضعف هذا القول قالوا الاستثناء يرجع إلى مدة البرزخ والموقف وقد تبين ضعف هذا القول ورأت طائفة أخرى أن الاستثناء يرجع إلى نوع آخر من العذاب غير النار قالوا والمعنى أنكم في النار أبدا إلا ما شاء الله أن يعذبكم بغيرها وهو الزمهرير وقد قال تعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا لِلطّاغِينَ مَآبًا لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ قالوا والأبد لا يقدر بالأحقاب. وقد قال ابن مسعود في هذه الآية: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها أحقابا. وعن أبي هريرة مثله حكاه البغوي عنهما ثم قال: ومعناه عند أهل السنة أن ثبت أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان قالوا قد ثبت ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود وعبد الله بن عمر وقد سأل حرب إسحاق بن راهويه عن هذه الآية فقال سألت إسحاق قلت قول الله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ﴾ فقال أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي حدثنا أبو نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي ﷺ قال هذه الآية تأتي على القرآن كله {إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) قال المعتمر قال أتى على كل وعيد في القرآن حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا حدثنا عبيد الله حدثنا أبي حدثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال ما أنا بالذي لا أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرا قوله: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الآية. قال عبيد الله كان أصحابنا يقولون يعني به الموحدين حدثنا أبو معن حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن سليمان التيمي عن أبي نضرة عن جابر ابن عبد الله أو بعض أصحابه في قوله خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك قال هذه الآية تأتي على القرآن كله وقد حكى ابن جرير هذا القول في تفسيره عن جماعة من السلف فقال وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكل من دخلها ذكر من قال ذلك ثم ذكر الآثار التي نذكرها. وقال عبد الرزاق أنبأنا ابن التيمي عن أبيه عن أبي نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو عن رجل من أصحاب رسول الله في قوله إلا ما شاء ربك أن ربك فعال لما يريد قال هذه الآية تأتي على القرآن كله يقول حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه قال وسمعت أبا مجلز يقول جزاؤه فإن شاء الله تجاوز عن عذابه وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن يحيى أنبأنا عبد الرزاق فذكره وقال وحدثت عن المسيّب عمن ذكره عن ابن عباس: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ قال: لا يموتون وما هم منها بمخرجين ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك. قال استثنى الله قال أمر الله النار أن تأكلهم. قال وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها أحقابا. حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا وحكى ابن جرير في ذلك قولا آخر فقال وقال آخرون أخبرنا الله عز وجل بمشيئته لأهل الجنة فعرفنا معنى ثنياه بقوله عطاء غير مجذوذ وأنها لفي الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض قالوا ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار، وجائز أن يكون مشيئته في الزيادة وجائز أن تكون في النقصان حدثني يونس أنبأنا ابن وهب قال أقل ابن زيد في قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فقال أخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة فقال ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار. وقال ابن مردويه في تفسيره حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا جبير بن عرفة حدثنا يزيد بن مروان الخلال حدثنا أبو خليد حدثنا سفيان يعني الثوري عن عمرو بن دينار عن جابر قال قرأ رسول الله ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ قال رسول الله: "إن شاء الله أن يخرج أناسا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل" وهذا الحديث يدل على أن الاستثناء إنما هو للخروج من النار بعد دخولها خلافا لمن زعم أنه لما قبل الدخول ولكن إنما يدل على إخراج بعضهم من النار وهذا حق بلا ريب وهو لا ينفي انقطاعها وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وأنهم يعذبون فيها دائما ما دامت كذلك وما هم منها بمخرجين. فالحديث دل على أمرين: أحدهما أن بعض الأشقياء إن شاء الله أن يخرجهم من النار وهي نار فعل، وأن الاستثناء إنما هو فيما بعد دخولها لا فيما قبله وعلى هذا فيكون معنى الاستثناء ما شاء ربك من الأشقياء فإنهم لا يخلدون فيها ويكون الأشقياء نوعين نوعا يخرجون منها النار ونوعا يخلدون فيها فيكونون من الذين شقوا أولا ثم يصيرون من الذين سعدوا فتجتمع لهم الشقاوة والسعادة في وقتين قالوا وقد قال تعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيها أحْقابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا (٢٤) إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا (٢٦) إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا (٢٧) وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا (٢٨)﴾ فهذا صريح في وعيد الكفار المكذبين بآياته ولا يقدر إلا بديّ بهذه الأحقاب ولا غيرها كما لا يقدر به القديم ولهذا قال عبد الله بن عمرو فيما رواه شعبة عن أبي بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عنه" ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" (فصل) والذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق: أحدها اعتقاد الإجماع فكثير من الناس يعتقدون أن هذا مجمع عليه بين الصحابة والتابعين لا يختلفون فيه وأن الاختلاف فيه حادث وهو من أقوال أهل البدع. الطريق الثاني أن القرآن دل على ذلك دلالة قطعية فإنه سبحانه وتعالى أخبر أنه عذاب مقيم وأنه لا يفتر عنهم وأنه لن يزيدهم إلا عذابا وأنهم خالدين فيها أبدا ﴿وما هم بخارجين منها﴾ أي من النار ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ وأن الله حرم الجنة على الكافرين وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها وأن عذابها كان غراما أي مقيما لازما قالوا وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره. الطريق الثالث أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دون الكفار وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار وأن هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. الطريق الرابع أن الرسول وقفنا على ذلك وعلمناه من دينه بالضرورة من غير حاجة بنا إلى نقل معين كما علمنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها. الطريق الخامس أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما لا يفنيان بل هما دائمتان وإنما يذكرون فناءهما عن أهل البدع. الطريق السادس أن العقل يقضي بخلود الكفار في النار وهذا مبني على قاعدة وهي أن المعاد وثواب النفوس المطيعة وعقوبة النفوس الفاجرة هل هو مما يعلم بالعقل أو لا يعلم إلا بالسمع فيه طريقتان لنظار المسلمين وكثير منهم يذهب إلى أن ذلك يعلم بالعقل مع السمع كما دل عليه القرآن في غير موضع كإنكاره سبحانه على من زعم أنه يسوى بين الأبرار والفجار في المحيا والممات وعلى من زعم أنه خلق خلقه عبثا وأنهم إليها لا يرجعون وأنه يتركهم سدى أي لا يثيبهم ولا يعاقبهم وذلك يقدح في حكمته وكماله وأنه نسبه إلى ما لا يليق به وربما قرروه بأن النفوس البشرية باقية واعتقاداتها وصفاتها لازمة لها لا تفارقها وأن ندمت عليها لما رأت العذاب فلم تندم عليها لقبحها أو كراهة ربها لها بل لو فارقها العذاب رجعت كما كانت أولا قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فهؤلاء قد ذاقوا العذاب وباشروه ولم يزل سببه ومقتضيه من نفوسهم بل خبثها وكفرها قائم بها لم يفارقها بحيث لو ردوا لعادوا كفارا كما كانوا وهذا يدل على أن دوام تعذيبهم يقضي به العقل كما جاء به السمع. قال أصحاب الفناء الكلام على هذه الطرق يبين الصواب في هذه المسألة. فأما الطريق الأول فالإجماع الذي ادعيتموه غير معلوم وإنما يظن الإجماع في هذه المسألة من لم يعرف النزاع وقد عرف النزاع فيها قديما وحديثا بل لو كلف مدعي الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم إلى الواحد أنه قال إن النار لا تفنى أبدا لم يجد إلى ذلك سبيلا ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك بل التابعون حكوا عنهم هذا وهذا قالوا والإجماع المعتد به نوعان متفق عليهما ونوع ثالث مختلف فيه ولم يوجد واحد منها في هذه المسألة النوع الأول ما يكون معلوما من ضرورة الدين كوجوب أركان الإسلام وتحريم المحرمات الظاهرة الثاني ما ينقل عن أهل الاجتهاد التصريح بحكمه والثالث أن يقول بعضهم القول وينشر في الأمة ولا ينكره أحد فأين معكم واحد من هذه الأنواع ولو أن قائلا ادعى الإجماع من هذه الطرق واحتج بأن الصحابة صح عنهم ولم ينكر أحد منهم عليه لكان اسعد بالإجماع منكم قالوا وأما الطريق الثاني وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها فأين في القرآن دليل واحد يدل على ذلك. نعم الذي دل عليه القرآن أن الكفار خالدين في النار أبدا وأنهم غير خارجين منها وأنه لا يفتر عنهم عذابها وأنهم لا يموتون فيها وأن عذابهم فيها مقيم وأنه غرام لازم لهم وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وليس هذا مورد النزاع وإنما النزاع في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو مما كتب الله عليه الفناء. وأما كون الكفار لا يخرجون منها ولا يفتر عنهم من عذابها ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة وإنما خالف في ذلك من قد حكينا أقوالهم من اليهود والاتحادية وبعض أهل البدع وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها ألبتة كما يخرج أهل التوحيد منها مع بقائها فالفرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه. قالوا وأما الطريق الثالث وهو مجيء السنة المستفيضة بخروج أهل الكبائر من النار دون أهل الشرك فهي حق لا شك فيه وهي إنما تدل على ما قلناه من خروج الموحدين منها وهي دار العذاب لم تفن ويبقى المشركون فيها ما دامت باقية والنصوص دلت على هذا وعلى هذا قالوا. وأما الطريق الرابع وهو أن رسول الله وقفنا على ذلك ضرورة فلا ريب أنه من المعلوم من دينه بالضرورة أن الكفار باقون فيها ما دامت باقية هذا معلوم من دينه بالضرورة، وأما كونها أبدية لا انتهاء لها ولا تفنى كالجنة فأين من القرآن والسنة دليل واحد يدل على ذلك. قالوا وأما الطريق الخامس وهو أن في عقائد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان أبدا فلا ريب أن القول بفنائهما قول أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وهذا القول لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين وأما فناء النار وحدها فقد أوجدنا لكم من قال به من الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار فكيف يكون القول به من أقوال أهل البدع مع أنه لا يعرف عن أحد من أهل البدع التفريق بين الدارين فقولكم أنه من أقوال أهل البدع كلام من لا خبرة له بمقالات بني آدم وآرائهم واختلافهم. قالوا والقول الذي يعد من أقوال أهل البدع ما خالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة إما الصحابة أو من بعدهم وإما قول يوافق الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة فلا يعد من أقوال أهل البدع وإن دانوا به واعتقدوه فالحق يجب قبوله ممن قاله، والباطل يجب رده على من قاله. وكان معاذ بن جبل يقول: الله حكم قسط هلك المرتابون إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرؤه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع بدلهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا الحق عمن جاء به فإن على الحق نورا قالوا وكيف زيغة الحكيم قال هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق وأن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة. والذي أخبر به أهل السنة في عقائدهم هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان وأن أهل النار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها العذاب ولا يفتر عنهم وأنهم خالدون فيها ومن ذكر منهم أن النار لا تفنى أبدا فإنما قاله لظنه أن بعض أهل البدع قال بفنائها ولم يبلغه تلك الآثار التي تقدم ذكرها. قالوا وأما حكم العقل بتخليد أهل النار فيها فإخبار عن العقل بما ليس عنده فإن المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق وأما أصل الثواب والعقاب فهل يعلم بالعقل مع السمع أول لا يعلم إلا بالسمع وحده؟ ففيه قولان لنظار المسلمين من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، والصحيح أن العقل دل على المعاد والثواب والعقاب إجمالا. وأما تفصيله فلا يعلم إلا بالسمع ودوام الثواب والعقاب مما لا يدل عليه العقل بمجرده وإنما علم بالسمع وقد دل السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب المطيعين وأما عقاب العصاة فقد دل السمع أيضا دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين وأما دوامه وانقطاعه في حق الكفار فهذا معترك النزال فمن كان السمع من جانبه فهو اسعد بالصواب وبالله التوفيق فصل ونحن نذكر الفرق بين دوام الجنة والنار شرعا وعقلا وذلك يظهر من وجوه أحدها أن الله سبحانه وتعالى أخبر ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامه وأنه لا نفاد له ولا انقطاع وأنه غير مجذوذ وأما النار فلم يخبر عنها بأكثر من خلود أهلها فيها وعدم خروجهم منها وأنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وإنها مؤصدة عليهم وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وأن عذابها لازم لهم وأنه مقيم عليهم لا يفتر عنهم والفرق بين الخبرين ظاهر. الوجه الثاني أن النار قد أخبر سبحانه وتعالى في ثلاث آيات عنها بما يدل على عدم أبديتها الأولى قوله سبحانه وتعالى قال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ والثانية قوله: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ الثالثة قوله ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ ولولا الأدلة القطعية الدالة على أبدية الجنة ودوامها لكان حكم الاستثنائين في الموضعين واحدا كيف وفي الآيتين من السياق ما يفرق بين الاستثنائين فإنه قال في أهل النار ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ فعلمنا أنه الله سبحانه وتعالى يريد أن يفعل فعلا لم يخبرنا به وقال في أهل الجنة عطاء غير مجذوذ فعلمنا أن هذا العطاء والنعيم غير مقطوع عنهم أبدا فالعذاب موقت معلق والنعيم ليس بموقت ولا معلق. الوجه الثالث أنه قد ثبت أن الجنة لم يدخلها من لم يعمل خيرا قط من المعذبين الذين يخرجهم الله من النار وأما النار فلم يدخلها من لم يعمل سوءا قط ولا يعذب إلا من عصاه الوجه الرابع أنه قد ثبت أن الله سبحانه وتعالى ينشئ للجنة خلقا آخر يوم القيامة يسكنهم إياها ولا يفعل ذلك بالنار. وأما الحديث الذي قد ورد في صحيح البخاري من قوله وأما النار فينشئ الله لها خلقا آخرين فغلط وقع من بعض الرواة انقلب عليه الحديث وإنما هو ما ساقه البخاري في الباب نفسه وأما الجنة فينشئ الله لها خلقا آخرين ذكره البخاري رحمه الله مبينا أن الحديث انقلب لفظه على من رواه بخلاف هذا وهذا والمقصود أنه لا تقاس النار بالجنة في التأبيد مع هذه الفروق يوضحه الوجه الخامس أن الجنة من موجب رحمته ورضاه والنار من غضبه وسخطه ورحمته سبحانه تغلب غضبه وتسبقه كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش أن رحمتي تغلب غضبي وإذا كان رضاه قد سبق غضبه وهو يغلبه كان التسوية بين ما هو من موجب رضاه وما هو من موجب غضبه ممتنعا" يوضحه الوجه السادس أن ما كان بالرحمة وللرحمة فهو مقصود لذاته قصد الغايات وما كان من موجب الغضب والسخط فهو مقصود لغيره قصد الوسائل فهو مسبوق مغلوب مراد لغيره وما كان بالرحمة فغالب سابق مراد لنفسه. يوضحه الوجه السابع وهو أنه سبحانه وتعالى قال للجنة أنت رحمتي ارحم بك من أشاء وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء وعذابه مفعول منفصل وهو ناشئ عن غضبه ورحمته هاهنا هي الجنة وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن فهاهنا أربعة أمور رحمة هي وصفه سبحانه وثواب منفصل هو ناشئ عن رحمه وغضب يقوم به سبحانه وعقاب منفصل ينشا عنه فإذا غلبت صفة الرحمة صفة الغضب فلان يغلب ما كان بالرحمة لما كان بالغضب أولى وأحرى فلا تقاوم النار التي نشأت عن الغضب الجنة التي نشأت عن الرحمة. يوضحه الوجه الثامن أن النار خلقت تخويفا للمؤمنين وتطهيرا للخاطئين والمجرمين فهي طهرة من الخبث الذي اكتسبته النفس في هذا العالم فإن تطهرت هاهنا بالتوبة النصوح والحسنات الماحية والمصائب المكفرة لم يحتج إلى تطهير هناك وقيل لها مع جملة الطيبين سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وأن لم نطهر في هذه الدار ووافت الدار الأخرى بدرنها ونجاستها وخبثها أدخلت النار طهرة لها ويكون مكثها في النار بحسب زوال ذلك الدرن والخبث والنجاسة التي لا يغسلها الماء فإذا تطهرت الطهر التام أخرجت من النار والله سبحانه خلق عباده حنفاء وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها فلو خلوا وفطرهم لما نشؤا إلا على التوحيد ولكن عرض لا كثر الفطر ما غيرها ولهذا كان نصيب النار أكثر من نصيب الجنة وكان هذا التغيير مراتب لا يحصيها إلا الله فأرسل الله رسله وأنزل كتبه يذكر عباده بفطرته التي فطرهم عليها فعرف الموفقون الذين سبقت لهم من الله الحسنى صحة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب بالفطرة الأولى فتوافق عندهم شرع الله ودينه الذي أرسل به رسله وفطرته التي فطرهم عليها فمنعتهم الشرعة المنزلة والفطرة المكملة أن تكتسب نفوسهم خبثا ونجاسة ودرنا يعلق بها ولا يفارقها بل كلما ألم بهم شيء من ذلك ومسهم طائف من الشيطان أغاروا عليه بالشرعة والفطرة فأزالوا موجبه وأثره وكمل لهم الرب تعالى ذلك بأقضية يقضيها لهم مما يحبون أو يكرهون تمحص عنهم تلك الآثار التي شوشت الفطرة فجاء مقتضى الرحمة فصادف مكانا قابلا مستعدا لها ليس فيه شيء يدافعه فقال هاهنا أمرت وليس لله سبحانه غرض في تعذيب عباده بغير موجب كما قال تعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ واستمر الأشقياء مع تغيير الفطرة ونقلها مما خلقت عليه إلى ضده حتى استحكم الفساد وتم التغيير فاحتاجوا في إزالة ذلك إلى تغيير آخر وتطهير ينقلهم إلى الصحة حيث لم تنقلهم آيات الله المتلوة والمخلوقة وأقداره المحبوبة والمكروهة في هذه الدار فأتاح لهم آيات آخر وأقضية وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا تستخرج ذلك الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار فإذا زال موجب العذاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة لا معارض له فإن قيل هذا حق ولكن سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضا كمعاصي الموحدين أما إذا كان لازما كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب وقد أشار سبحانه إلى هذه المعنى بعينه في مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك وإنها غير قابلة للإيمان أصلا ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ فأخبر سبحانه أن ضلالهم وعماهم عن الهدى دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل وإذا كان العمى والضلال لا يفارقهم فإن موجبه وأثره ومقتضاه لا يفارقهم ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير لما ضيع عليهم أثره ويدل على أنهم لا خير فيهم هناك أيضا قوله اخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير فلو كان عند هؤلاء أدنى أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين قيل لعمر الله أن هذا لمن أقوى ما يتمسك به في المسألة وأن الأمر لكما قلتم وأن العذاب يدوم بدوام موجبه وسببه ولا ريب أنهم في الآخرة في عمي وضلال كما كانوا في الدنيا وبواطنهم خبيثة كما كانت في الدنيا والعذاب مستمر عليهم دائم ما داموا كذلك ولكن هل هذا الكفر والتكذيب والخبث أمر ذاتي لهم زواله مستحيل أم هو أمر عارض طارئ على الفطرة قابل للزوال هذا حرف المسألة وليس بأيديكم ما يدل على استحالة زواله وأنه أمر ذاتي وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه فطر عباده على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم عنها فلم يفطرهم سبحانه على الكفر والتكذيب كما فطر الحيوان البهيم على طبيعته وإنما فطرهم على الإقرار بخالقهم ومحبته وتوحيده فإذا كان هذا الحق الذي قد فطروا عليه وقد خلقوا عليه قد أمكن زواله بالكفر والشرك الباطل فإمكان زوال الكفر والشرك الباطل بضده من الحق أولى وأحرى ولا ريب أنهم لو ردوا على تلك الحال التي هم عليها لعادوا لما نهوا عنه ولكن من أين لكم أن تلك الحال لا تزول ولا تتبدل بنشأة أخرى ينشئهم فيها تبارك وتعالى إذا أخذت النار مأخذها منهم وحصلت الحكمة المطلوبة من عذابهم فإن العذاب لم يكن سدى وإنما كان لحكمة مطلوبة فإذا حصلت تلك الحكمة لم يبق في التعذيب أمر يطلب ولا غرض يقصد والله سبحانه ليس يشتفي بعذاب عباده كما يشتفى المظلوم من ظالمه وهو لا يعذب عبده لهذا الغرض وإنما يعذبه طهرة له ورحمة به فعذابه مصلحة له وأن تألم به غاية الألم كما أن عذابه بالحدود في الدنيا مصلحة لأربابها وقد سمى الله سبحانه وتعالى الحد عذابا وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل لكل داء دواء يناسبه، ودواء الضال يكون من أشق الأدوية والطبيب الشفيق يكون المريض بالنار كيا بعد كي ليخرج منه المادة الرديئة الطارئة على الطبيعة المستقيمة وأن رأى قطع العضو أصلح للعليل قطعه وأذاقه اشد الألم فهذا قضاء الرب وقدره في إزالة مادة غريبة طرأت على الطبيعة المستقيمة بغير اختيار العبد فكيف إذا طرا على الفطرة السليمة مواد فاسدة باختيار العبد وإرادته وإذا تأمل اللبيب شرع الله تبارك وتعالى وقدره في الدنيا وثوابه وعقابه في الآخرة وجد ذلك في غاية التناسب والتوافق وارتباط ذلك ببعضه البعض فإن مصدر الجميع عن علم تام وحكمة بالغة ورحمة سابغة وهو سبحانه والملك الحق المبين وملكه ملك رحمة وإحسان وعدل. الوجه التاسع أن عقوبته للعبد ليست لحاجته إلى عقوبته لا لمنفعة تعود إليه ولا لدفع مضرة وألم يزول عنه بالعقوبة بل يتعالى عن ذلك ويتنزه كما يتعالى عن سائر العيوب والنقائص ولا هي عبث محض خال عن الحكمة والغاية الحميدة فإنه أيضا يتنزه عن ذلك وتعالى عنه فأما أن يكون من تمام نعيم أوليائه وأحبابه وأما أن يكون من مصلحة الأشقياء ومداواتهم أو لهذا ولهذا وعلى التقادير الثلاث فالتعذيب أمر مقصود لغيره قصد الوسائل لا قصد الغايات والمراد أن الوسيلة إذا حصل على الوجه المطلوب زال حكمها ونعيم أوليائه ليس متوقفا في أصله ولا في كماله على استمرار عذاب أعدائه ودوامه مصلحة الأشقياء ليست في الدوام والاستمرار وأن كان في اصل التعذيب مصلحة لهم. الوجه العاشر أن رضى الرب تبارك وتعالى ورحمته صفتان ذاتيتان له فلا منتهى لرضاه بل كما قال أعلم الخلق به سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته فإذا كانت رحمته غلبت غضبه فإن رضى نفسه أعلى وأعظم فإن رضوانه أكثر من الجنات ونعيمها وكل ما فيها وقد أخبر أهل الجنة أنه يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا وأما غضبه تبارك وتعالى وسخطه فليس من صفاته الذاتية التي يستحيل انفكاكه عنها بحيث لم يزل ولا يزال غضبان والناس لهم في صفة الغضب قولان أحدهما أنه من صفاته الفعلية القائمة به كسائر أفعاله والثاني أنه صفة فعل منفصل عنه غير قائم به وعلى القوانين فليس كالحياة والعلم والقدرة التي يستحيل مفارقتها له والعذاب إنما ينشا من صفة غضبه وما سعرت النار إلا بغضبه وقد جاء في اثر مرفوع أن الله خلق خلقا من غضبه وأسكنهم بالمشرق وينتقم بهم ممن عصاه فمخلوقاته سبحانه نوعان نوع مخلوق من الرحمة وبالرحمة ونوع مخلوق من الغضب وبالغضب فإنه سبحانه له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي يتنزه عن تقدير خلافه ومنها أنه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل وينتقم ويعفو بل هذا موجب ملكه الحق وحقيقة الملك المقرون بالحكمة والرحمة والحمد فإذا زال غضبه سبحانه وتعالى وتبدل برضاه زالت عقوبته وتبدلت برحمته فانقلبت العقوبة إلى رحمة بل لم تزل رحمة وأن تنوعت صفتها وصورتها كما كان عقوبة العصاة رحمة وإخراجهم من النار رحمة فتقلبوا في رحمته في الدنيا وتقلبوا فيها في الآخرة لكن تلك الرحمة يحبونها وتوافق طبائعهم وهذه رحمة يكرهونها وتشق عليهم كرحمة الطبيب الذي يضع لحم المريض ويلقي عليه المكاوي ليستخرج منه المواد الرديئة الفاسدة فإن قيل هذا اعتبار غير صحيح فإن الطبيب يفعل ذلك بالعليل وهو يحبه وهو راض عنه ولم ينشا فعله به عن غضبه بغضبه عليه ولهذا لا يسمى عقوبة وأما عذاب هؤلاء فإنه إنما حصل بغضبه سبحانه عليهم وهو عقوبة محضة قيل هذا حق ولكن لا ينافي كونه رحمة بهم وأن كان عقوبة لهم وهذا كإقامة الحدود عليهم في الدنيا فإنه عقوبة ورحمة وتخفيف وطهرة فالحدود طهرة لأهلها وعقوبة وهم لما أغضبوا الرب تعالى وقابلوه بما لا يليق أن يقابل به وعاملوه أقبح المعاملة وكذبوه وكذبوا رسله وجعلوا أقل خلقه وأخبثهم وأمقتهم له ندا له وإلهه معه وآثروا رضاهم على رضاه وطاعتهم على طاعته، وهو ولي الإنعام عليهم وهو خالقهم ورازقهم ومولاهم الحق اشتد مقته لهم وغضبه عليهم وذلك يوجب كمال أسمائه وصفاته التي يستحيل عيله تقدير خلافها ويستحيل عليه تخلف آثارها ومقتضاها عنها بل ذلك تعطيل لأحكامها كما أن نفيها عنه تعطيل لحقائقها وكلا التعطيلين محال عليه سبحانه وتعالى فالمعطلون نوعان أحدهما عطل صفاته والثاني عطل أحكامها وموجباتها وكان هذا العذاب عقوبة لهم من هذا الوجه ودواء لهم من جهة الرحمة السابقة للغضب فاجتمع فيه الأمران فإذا زال الغضب بزوال المادة الفاسدة بتغيير الطبيعة المقتضية لها في الجحيم بمرور الأحقاب عليها وحصلت الحكمة التي أوجبت العقوبة عملت الرحمة عملها وطلبت أثرها من غير معارض يوضحه الوجه الحادي عشر وهو أن العفو أحب إليه سبحانه من الانتقام والرحمة أحب إليه من العقوبة والرضا أحب إليه من الغضب والفضل أحب إليه من العدل، ولهذا ظهرت آثار هذه المحبة في شرعه وقدره ويظهر كل الظهور لعباده في ثوابه وعقابه وإذا كان ذلك أحب الأمرين إليه وله خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع وقدرته سبحانه صالحة لكل شيء لا قصور فيها بوجه ما وتلك المواد الردية الفاسدة مرض من الأمراض وبيده سبحانه وتعالى الشفاء التام والأدوية الموافقة لكل داء وله القدرة التامة والرحمة السابغة والغنى المطلق بالعبد أعظم حاجة إلى من يداوي علته التي بلغت به غاية الضرر والمشقة وقد عرف العبد أنه عليل وأن دواءه بيد الغني الحميد فتضرع إليه ودخل به عليه واستكان له وانكسر قلبه بين يديه وذل لعزته وعرف أن الحمد كله له وأن الحق كله له وأنه هو الظلوم الجهول وأن ربه تبارك وتعالى عامله بكل عدله لا ببعض عدله وأن له غاية الحمد فيما فعل به وأن حمده هو الذي أقامه في هذا المقام وأوصله إليه وأنه لا خير عنده من نفسه بوجه من الوجوه بل ذلك محض فضل الله وصدقته عليه وأنه لا نجاة له مما هو فيه إلا بمجرد العفو والتجاوز عن حقه فنفسه أولى بكل ذم وعيب ونقص وربه تعالى أولى بكل حمد وكمال ومدح فلو أن أهل الجحيم شهدوا نعمته سبحانه ورحمته وكماله وحمده الذي أوجب لهم ذلك فطلبوا مرضاته ولو بدوامهم في تلك الحال وقالوا أن كان ما نحن فيه رضاك فرضاك الذي نريد وما أوصلنا إلى هذه الحال إلا طلب مالا يرضيك فأما إذا أرضاك هذا منا فرضاك غاية ما نقصده وما لجرح إذا أرضاك من ألم وأنت ارحم بنا من أنفسنا واعلم بمصالحنا ولك الحمد كله عاقبت أو عفوت لانقلبت النار عليهم بردا وسلاما وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث الأسود بن سريع أن النبي ﷺ قال يأتي أربعة يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول ربى لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك من رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار قال فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما وفي المسند أيضا من حديث قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله وقال فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها فهؤلاء لما رضوا بتعذيبهم وبادروا إليه لما علموا أن فيه رضى ربهم وموافقة أمره ومحبته انقلب في حقهم نعيما ومثل هذا ما رواه عبد الله بن المبارك حدثني رشدين قال حدثني ابن انعم عن أبي عثمان أنه حدثه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال "إن رجلين ممن دخلا النار يشتد صياحهما فقال الرب جل جلاله أخرجوهما، فإذا أخرجا فقال لهما لأي شيء اشتد صياحكما؟ قال فعلنا ذلك لترحمنا. قال رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار. قال فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها الله سبحانه عليه بردا وسلاما، ويقوم الآخر فلا يلقي، فيقول له الرب تبارك وتعالى ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول رب إني أرجوك أن لا تعيدني فيها بعدما أخرجتني منها. فيقول الرب وتعالى لك رجاؤك فيدخلان الجنة جميعا برحمة الله. وذكر الأوزاعي عن بلال بن سعد قال "يؤمر بإخراج رجلين من النار فإذا خرجا ووقفا قال الله لهما كيف وجدتما مقيلكما وسوء مصيركما فيقولان شر مقيل وأسوا مصير صار إليه العبد فيقول لهما بما قدمت أيديكما وما أنا بظلام للعبيد. قال فيؤمر بصرفهما إلى النار، فأما أحدهما فيغدوا في أغلاله وسلاسله حتى يقتحمها. وأما الآخر فيتلكأ فيؤمر بردهما فيقول للذي غدا في أغلاله وسلاسله حتى اقتحمها ما حملك على ما صنعت وقد خرجت منها فيقول إني خبرت من وبال معصيتك وما لم اكن أتعرض لسخطك ثانيا ويقول للذي تلكأ ما حملك على ما صنعت فيقول حسن ظني بك حين أخرجتني منها أن لا تردني إليها فيرحمهما جميعا ويأمر بهما إلى الجنة". الوجه الثاني عشر أن النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبره كرمه ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه وأما العذاب والعقوبة فإنما هو من مخلوقاته ولذلك لا يسمى بالمعاقب والمعذب بل يفرق بينهما فيجعل ذلك من أوصافه وهذا من مفعولاته حتى في الآية الواحدة كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وقال: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومثلها في آخر الأنعام فما كان مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا سيما إذا كان محبوبا له وهو غاية مطلوبة في نفسها وأما الشر الذي هو العذاب فلا يدخل في أسمائه وصفاته إن ادخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال وفنني بخلاف الخير فإنه سبحانه وتعالى دائم المعروف لا ينقطع معروفه أبدا وهو قديم الإحسان أبدي الإحسان فلم يزل ولا يزال معاقبا على الدوام غضبان على الدوام منتقما على الدوام فتأمل هذا الوجه تأمل ففيه في باب أسماء الله وصفاته يفتح لك باب من أبواب معرفته ومحبته يوضحه الوجه الثالث عشر وهو قول أعلم خلقه به وأعرفهم بأسمائه وصفاته والشر ليس إليك ولم يقف على المعنى المقصود من قال الشر لا يتقرب به إليك بل الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه فإن ذاته لها الكمال المطلق من جميع الوجوه وصفاته كلها صفات كمال ويحمد عليها ويثنى عليه بها وأفعاله كلها خير ورحمة وعدل وحكمة لا شر فيها بوجه ما وأسماؤه كلها حسنى فكيف يضاف الشر إليه بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته وهو منفصل عنه إذ فعله غير مفعول ففعله خير كله وأما المخلوق المفعول ففيه الخير والشر وإذا كان الشر مخلوقا منفصلا غير قائم بالرب سبحانه فهو لا يضاف إليه وهو لم يقل أنت لا تخلق الشر حتى يطلب تأويل قوله وإنما نفى إضافته إليه وصفا وفعلا وأسماء وإذا عرف هذا فالشر ليس إلا الذنوب وموجباتها وأما الآخر فهو الإيمان والطاعات وموجباتها والإيمان والطاعات متعلقة به سبحانه ولأجلها خلق الله خلقه وأرسل رسله وأنزل كتبه وهي ثناء على الرب تبارك وتعالى وإجلاله وتعظيمه وعبوديته وهذه لها آثار تطلبها وتقتضيها فتدوم آثارها بدوام متعلقها وأما الشرور فليس مقصودة لذاتها ولا هي الغاية التي خلق لها الخلق فهي مفعولات قدرت لأمر محبوب وجعلت وسيلة إليه فإذا حصل ما قدرت له اضمحلت وتلاشت وعاد الأمر إلى الخير المحض. الوجه الرابع عشر أنه سبحانه وتعالى أخبر أن رحمته وسعت كل شيء فليس شيء من الأشياء إلا وفيه رحمته، ولا ينافي هذا أنت ترحم العبد بمات يشق عليه ويؤلمه وتشتد كراهته له فإن ذلك من أيضا كما تقدم وقد ذكرنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه آنفا وقوله تعالى: لذينك الرجلين رحمتي لكما إن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار وقد جاء في بعض الآثار إن العبد إذا دعى لمبتلى قد اشتد بلاؤه وقال اللهم ارحمه يقول الرب تبارك وتعالى كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟ فالابتلاء رحمة منه لعباده وفي اثر الهي يقول الله تعالى أهل ذكر أهل مجالستي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل معصيتي لأقنطهم من رحمتي إن تأبوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ابتليهم بالمصايب لأطهرهم من المعايب فالبلاء والعقوبة قدرته لإزالة أدواء لا تزول إلا بها والنار هي الدواء الأكبر فمن تداوى في الدنيا أغناه ذلك عن الدواء في الآخرة وإلا فلا بدله من الدواء بحسب دائه ومن عرف الرب تبارك وتعالى بصفات جلاله ونعوت كماله من حكمته ورحمته وبره وإحسانه وغناه وجوده وتحببه إلى عباده وإرادة الأنعام عليهم وسبق رحمته لهم يبادر لا إنكار ذلك إن لم يبادر إلى قبوله. يوضحه الوجه الخامس عشر أن أفعاله سبحانه لا تخرج عن الحكمة والرحمة والمصلحة والعدل فلا يفعل عبثا ولا جورا ولا باطلا بل هو المنزه عن ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص وإذا ثبت ذلك فتعذيبهم إن كان رحمة بهم حتى يزول ذلك الخبث وتكمل الطهارة فظاهر، وإن كان لحكمة فإذا حصلت تلك الحكمة المطلوبة زال العذاب وليس في الحكمة دوام العذاب أبدا الآباد بحيث يكون دائما بدوام الرب تبارك وتعالى وإن كان لمصلحة، فإن كان يرجع إليهم فليست مصلحتهم في بقائهم في العذاب كذلك، وإن كانت المصلحة تعود إلى أوليائه فإن ذلك أكمل في نعيمهم فهذا لا يقتضي تأبيد العذاب وليس نعيم أوليائه وكماله موقوفا على بقاء آبائهم وأبنائهم وأزواجهم في العذاب السرمد فإن قلتم إن ذلك موجب الرحمة والحكمة والمصلحة قلتم ما لا يعقل وإن قلتم إن ذلك عائد إلى محض المشيئة ولا تطلب له حكمة ولا غاية فجوابه من وجهين أحدهما إن ذلك محال على أحكم الحاكمين وأعلم العالمين إن تكون أفعاله معطلة عن الحكم والمصالح والغايات المحمودة والقرآن والسنة وأدلة العقول والفطر والآيات المشهودة شاهدة ببطلان ذلك والثاني أنه لو كان الأمر كذلك لكان بقاؤهم في العذاب وانقطاعه عنهم بالنسبة إلى مشيئته سواء ولم يكن في انقضائه ما ينافي كماله وهو سبحانه لم يخبر بأبدية العذاب وأنه لا نهاية له وغاية الأمر على هذا التقدير إن يكون من الجائزات الممكنات الموقوف على حكمها على خبر الصادق فإن سلكت طريق التعليل بالحكمة والرحمة والمصلحة لم يقتض الدوام وإن سلكت طريق المشيئة المحضة التي لا تعلل لم تقتضه أيضا وإن وقف الأمر على مجرد السمع فليس فيه متن يقتضيه. الوجه السادس عشر أن رحمته سبحانه سبقت غضبه في المعذبين فإنه أنشأهم برحمته ورباهم برحمته ورزقهم وعافاهم برحمته وأرسل إليهم الرسل برحمته وأسباب النقمة والعذاب متأخر عن أسباب الرحمة طارئة عليها فرحمته سبقت غضبه فيهم وخلقهم على خلقة تكون رحمته إليهم أقرب من غضبه وعقوبته ولهذا ترى الأطفال الكفار قد آلت عليهم رحمته فمن رآهم رحمهم، ولهذا نهى عن قتلهم فرحمته سبقت غضبه فيهم فكانت هي السابقة إليهم ففي كل حال هم في رحمته في حال معافاتهم وابتلائهم. وإذا كانت الرحمة هي السابقة فيهم لم يبطل أثرها بالكلية وإن عارضها أثر الغضب والسخط فذلك لسبب منهم وأما أثر الرحمة فسببه منه سبحانه وتعالى فما منه يقتضي رحمتهم وما منهم يقتض عقوبتهم والذي منه سابق وغالب وإذا كانت رحمته تغلب غضبه فلان يغلب أثر الرحمة أثر الغضب أولى وأحرى. الوجه السابع عشر أنه سبحانه وتعالى يخبر عن العذاب أنه عذاب يوم عقيم وعذاب يوم عظيم وعذاب يوم اليم ولا يخبر عن النعيم أنه نعيم يوم ولا في موضع واحد وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة والمعذبون متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم والله سبحانه جعل العذاب على ما كان في الدنيا وأسبابها وما أريد به الدنيا ولم ولك يرد به الله فالعذاب على ذلك وأما إن كان للآخرة وأريد به وجه الله فلا عذاب والدنيا قد جعل لها اجل تنتهي إليه فما انتقل منها إلى تلك الدار مما ليس لله فهو المعذب به وأما ما أريد به وجه الله والدار الآخرة فقد أريد به ما لا يفنى ولا يزول فيدوم بدوام المراد به فإن الغاية المطلوبة إذا كانت دائمة لا تزول ما لم يزل ما تعلق بها بخلاف الغاية المضمحلة الفانية فما أريد به غير الله يضمحل ويزول بزوال مراده ومطلوبه وما أريد به وجه الله يبقى ببقاء المطلوب المراد فإذا اضمحلت الدنيا وانقطعت أسبابها وانتقل ما كان فيها لغير الله من الأعمال والذوات وانقلب عذابا وآلاما لم يكن له متعلق يدوم بدوامه بخلاف النعيم. الوجه الثامن عشر أنه ليس في حكمة احكم الحاكمين إن يخلق خلقا يعذبهم ابد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له ولا انقطاع أبدا وقد دلت الأدلة السمعية والعقلية والفطرية على أنه سبحانه وتعالى حكيم وأنه أحكم الحاكمين فإذا عذب خلقه عذبهم بحكمة كما يوجد التعذيب والعقوبة في الدنيا في شرعه وقدره فإن فيه من الحكم والمصالح وتطهير العبد ومداواته وإخراج المواد الردية عنه بتلك الآلام ما تشهده العقول الصحيحة وفي ذلك من تزكية النفوس وصلاحها وزجرها وردع نظائرها وتوقيفها على فقرها وضرورتها إلى ربها وغير ذلك من الحكم والغايات الحميدة ما لا يعلمه إلا الله ولا ريب إن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا يحاسبون إذا قطعوا الصراط على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا ذهبوا ونفوا أذن لهم في دخول الجنة ومعلوم إن النفوس الشريرة الخبيثة المظلمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه لا يصلح إن تسكن دار السلام في جوار رب العالمين فإذا عذبوا في النار عذابا تخلص نفوسهم من ذلك الخبث والوسخ والدرن كان ذلك من حكمة احكم الحاكمين ورحمته ولا يتنافى الحكمة خلق نفوس فيها شر يزول بالبلاء الطويل والنار كما يزول بها خبث الذهب والفضة والحديد فهذا معقول في الحكمة وهو من لوازم العالم المخلوق على هذه الصفة أما خلق نفوس لا يزول شرها أبدا وعذابها لا انتهاء له فلا يظهر في الحكمة والرحمة وفي وجود مثل هذا النوع نزاع بين العقلاء أعني ذواتا هي شر من كل وجه ليس فيها شيء من خير أصلا وعلى تقدير دخوله في الوجود فالرب تبارك وتعالى قادر على قلب الأعيان وإحالتها وإحالة صفاتها فإذا وجدت الحكمة المطلوبة من خلق هذه النفوس والحكمة المطلوبة من تعذيبها فالله سبحانه قادر إن ينشئها نشأة أخرى غير تلك النشأة ويرحمها في النشأة الثانية نوعا آخر من الرحمة. يوضحه الوجه التاسع عشر وهو أنه قد ثبت إن الله سبحانه وتعالى ينشئ للجنة خلقا آخر يسكنهم إياها ولم يعملوا خيرا قط تكون الجنة جزاء لهم عليه فإذا أخذ العذاب من هذه النفوس مأخذه وبلغت العقوبة مبلغها فانكسرت تلك النفوس وخضعت وذلت واعترفت لربها وفاطرها بالحمد وأنه عدل فيها كل العدل وإنها في هذه الحال كانت في تخفيف منه ولو شاء إن يكون عذابهم اشد من ذلك لفعل وشاء كتب العقوبة طلبا لموافقة رضاه ومحبته وعلم إن العذاب أولى بها وأنه لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له فذابت منها تلك الخبائث كلها وتلاشت وتبدلت بذل وانكسار وحمد وثناء الرب تبارك وتعالى لم يكن في حكمته إن يستمر بها في العذاب بعد ذلك إذ قد تبدل شرها بخيرها وشركها بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها ولا ينتقض هذا بقول الله عز وجل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه فإن هذا قبل مباشرة العذاب الذي يزيل تلك الخبائث وإنما هو عند المعاينة قبل الدخول فإنه سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فهذا إنما قالوه قبل إن يستخرج العذاب منهم تلك الخبائث فأما إذا لبثوا في العذاب أحقابا والحقب كما رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال الحقب خمسون ألف سنة فإنه من الممتع إن يبقى ذا الكبر والشرك والخبث بعد هذه المدد المتطاولة في العذاب. الوجه العشرون أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة فيقول عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبي ﷺ، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيها في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حمل السيل فيقول الله الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير فإن لفظ الحديث هكذا فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبي ﷺ وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من نار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط فهذا السياق يدل على إن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة ومن هذا رحمته سبحانه وتعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه وتعالى فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا فقال له ما حملك على ما صنعت قال خشيتك وأنت تعلم فما تلافاه إن رحمه الله فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه إن رسول الله قال يقول الله عز وجل اخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام قالوا ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر به يوما واحدا ولا خافه ساعة واحدة ولا ريب إن رحمته سبحانه وتعالى إذا أخرجت من النار من ذكره وقتا أو خافه في مقام ما فغير بدع إن تنفى النار ولكن هؤلاء خرجوا منها وهي نار. الوجه الحادي والعشرون إن اعتراف العبد بذنبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم واللوم إليه من كل وجه ونسبة وعدل والحمد والرحمة والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه يستعطف ربه تبارك وتعالى عليه ويستدعي رحمته له وإذا أراد إن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه والرحمة معه ولا سيما إذا اقترن بذلك جزم العبد على ترك المعاودة لما يسخط ربه عليه وعلم الله إن ذلك داخل في قلبه وسويدائه فإنه لا تتخلف عنه الرحمة مع ذلك وفي معجم الطبراني من حديث يزيد بن سنان الرهاوي عن سليمان بن عامر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله " إن آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه يعجز عنه عمله إن يسعى فيقول يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار فيوحي الله تبارك وتعالى إليه عبدي إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك فيقول العبد نعم يا رب وعزتك وجلالك إن نجيتني من النار لاعترفن لك بذنوبي وخطاياي فيجوز الجسر فيقول العبد فيما بينه وبين نفسه لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار فيوحي الله إليه عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك اغفرها لك وأدخلك الجنة فيقول العبد لا وعزتك وجلالك ما أذنبت ذنبا قط ولا أخطأت خطيئة قط فيوحي الله إليه عبدي إن لي عليك بينة فيلتفت العبد يمينا وشمالا فلا يرى أحدا فيقول أي رب ارني بينتك فينطق الله تعالى جلده بالمحقرات فإذا رأى ذلك العبد يقول يا رب عندي وعزتك العظائم فيوحي الله إليه عبدي أنا اعرف بها منك اعترف لي بها اغفرها لك وأدخلك الجنة فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة ثم ضحك رسول الله حتى بدت نواجذه يقول هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه" فالرب تبارك وتعالى يريد من عبده الاعتراف والانكسار بين يديه والخضوع والذلة له والعزم على مرضاته فما دام أهل النار فاقدين لهذه الروح لروح فهم فاقدون الرحمة فإذا أراد عز وجل إن يرحمهم أو من يشاء منهم جعل في قلبه ذلك فتدركه الرحمة وقدرة الرب تبارك وتعالى غير قاصرة عن ذلك وليس فيه ما يناقض موجب أسمائه وصفاته وقد أخبر أنه فعال لما يريد الوجه الثاني والعشرون أنه سبحانه وتعالى أوجب الخلود على معاصي الكبائر وقيده بالتأبيد ولم يناف ذلك انقطاعه وانتهاؤه فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ ومنها قول النبي صلى الله عليه وسل" من قتل نفسا بحديدة فحديدته في يده يتوجا بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" وهو حديث صحيح وكذلك قوله في الحديث الآخر في قاتل نفسه فيقول الله تبارك وتعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة وابلغ من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ فهذا وعيد مقيد بالخلود والتأبيد مع انقطاعه قطعا بسبب العبد وهو التوحيد فكذلك الوعيد العام لأهل النار لا يمتنع انقطاعه بسبب ممن كتب على نفسه الرحمة وغلبت رحمته غضبه فلو يعلم الكافر بكل ما عنده من الرحمة لما يئس من رحمته كما في صحيح البخاري عنه خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة وقال في آخره "فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" الوجه الثالث والعشرون أنه لو جاء الخبر منه سبحانه وتعالى صريحا بأن عذاب النار لا انتهاء له وأنه أبدي لا انقطاع له لكان ذلك وعيدا منه سبحانه وتعالى والله تعالى لا يخلف وعده وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم إن إخلافه كرم وعفو وتجاوز يمدح الحرب تبارك وتعالى به ويثنى عليه به فإنه حق له إن شاء تركه وإن شاء استوفاه والكريم لا يستوفي حقه فكيف بأكرم الأكرمين وقد صرح سبحانه وتعالى في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف وعده ولم يقل في موضع واحد لا يخلف وعيده وقد روى أبو يعلى الموصلي ثنا هدبة بن خالد حدثنا سهيل بن أبي حزم ثنا ثابت البنائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه إن رسول الله قال من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه ومن واعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار وقال أبو الشيخ الأصبهاني ثنا محمد بن حمزة ثنا أحمد بن الخليل ثنا الأصمعي قال جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال يا أبا عمرو يخلف الله ما وعده قال لا قال أفرأيت من أوعده الله على عمله عقابا أيخلف الله وعده عليه فقال أبو عمرو بن العلاء من العجمة أتيت يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا إن تعد شرا ثم لا تفعله ترى ذلك كرما وفضلا وإنما الخلف إن تعد خيرا ثم لا تفعله قال فأوجدني هذا في كلام العرب قال نعم أما سمعت إلى قول الأول: ؎ولا يرهب ابن العم ما عشت سطوتي ∗∗∗ ولا اختشي من صولة المتهدد ؎وإني وإن أوعدته أو وعدته ∗∗∗ لمخلف ايعادي ومنجز موعدي قال أبو الشيخ وقال يحيى بن معاذ الوعد والوعيد حق فالوعد حق العباد على الله ضمن لهم إذا فعلوا كذا وإن يعطيهم كذا ومن أولى بالوفاء من الله؟ والوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فإن شاء عفا، وإن شاء آخذ، لأنه حقه. وأولاهما بربنا تبارك وتعالى العفو والكرم إنه غفور رحيم. ومما يدل على ذلك ويؤيده خبر كعب بن زهير حين أوعده رسول الله فقال: ؎نبئت أن رسول الله أوعدني ∗∗∗ والعفو عند رسول الله مأمول فإذا كان هذا في وعيد مطلق فكيف بوعيد مقرون باستثناء معقب بقوله ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وهذا إخبار منه أنه يفعل ما يريد عقيب قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ فهو عائد إليه ولا بد. ولا يجوز أن يرجع إلى المستثنى منه وحده بل إما أن يختص بالمستثنى أو يعود إليهما وغير خاف أن تعلقه بقوله إلا ما شاء ربك أولى من تعلقه بقوله خالدين بخالدين فيها وذلك ظاهر للمتأمل وهو الذي فهمه الصحابة فقالوا أتت هذه الآية في وعيد القرآن ولم يريدوا بذلك الاستثناء وحده فإن الاستثناء مذكور في الأنعام أيضا وإنما أرادوا أنه عقب الاستثناء بقوله ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وهذا التعقيب نظير قوله في الأنعام ﴿خالدين فيها إلا ما شاء ربك إن ربك حكيم عليم﴾ فأخبر أن عذابهم في جميع الأوقات ورفعه عنهم في وقت يشاؤه صادر عن كمال علمه وحكمته لا عن مشيئة مجردة عن الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل إذ يستحيل تجرد مشيئته عن ذلك. الوجه الرابع والعشرون إن جانب الرحمة أغلب في هذه الدار من الباطلة الفانية الزائلة عن قرب من جانب العقوبة والغضب ولولا ذلك لما عمرت ولا قام لها وجود كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ وقال ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة فلولا سعة رحمته ومغفرته وعفوه لما قام العالم، ومع هذا فالذي أظهره من الرحمة في هذه الدار وأنزله بين الخلائق جزء من مائة جزء من الرحمة فإذا كان جانب الرحمة قد غلب في هذه الدار ونالت البر والفاجر والمؤمن والكافر مع قيام مقتضى العقوبة به ومباشرته له وتمكنه من إغضاب ربه والسعي في مساخطته فكيف لا يغلب جانب الرحمة في دار تكون الرحمة فيها مضاعفة على ما في هذه الدار تسعة وتسعين ضعفا وقد أخذ العذاب من الكفار مأخذه وانكسرت تلك النفوس ونهكها العذاب وأذاب منها خبثا وشرا لم يكن يحول بينها وبين رحمته لها في الدنيا بل كان يرحمها مع قيام مقتضى العقوبة والغضب بها فكيف إذا زال مقتضى الغضب والعقوبة وقوى جانب الرحمة أضعاف أضعاف الرحمة في هذه الدار واضمحل الشر والخبث الذي فيها فأذابته النار وأكلته وسر الأمر إن أسماء الرحمة والإحسان أغلب واظهر وأكثر من أسماء الانتقام وفعل الرحمة أكثر من فعل الانتقام وظهور آثار الرحمة أعظم من ظهور آثار الانتقام والرحمة أحب إليه من الانتقام وبالرحمة خلق خلقه ولها خلقهم وهي التي سبقت غضبه وغلبته وكتبها على نفسه ووسعت كل شيء وما خلق بها فمطلوب لذاته وما خلق بالغضب فمراد لغيره كما تقدم تقرير ذلك والعقوبة تأديب وتطهير والرحمة إحسان وكرم وجود والعقوبة مداواة والرحمة عطاء وبذل. الوجه الخامس والعشرون أنه سبحانه وتعالى لا بد إن يظهر لخلقه جميعهم يوم القيامة صدقه وصدق رسله وإن أعداؤه كانوا هم الكاذبين المفترين ويظهر لهم حكمه الذي هو اعدل حكم في أعدائه وأنه حكم فيهم حكما يحمدونه هم عليه فضلا عن أوليائه وملائكته ورسله بحيث ينطق الكون كله بالحمد لله رب العالمين، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فحذف فاعل القول لإرادة الإطلاق وإن ذلك جار على لسان كل ناطق وقلبه قال الحسن لقد دخلوا النار وإن قلوبهم لممتلئة من حمده ما وجدوا عليه سبيلا وهذا هو الذي حسن حذف الفاعل من قوله ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ حتى كان الكون كله قائل ذلك لهم إذ هو حكمه العدل فيهم ومقتضى حكمته وحمده وأما أهل الجنة فقال تعالى: ﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ فهم لم يستحقوها بأعمالهم وإنما استحقوها بعفوه ورحمته وفضله فإذا اشهد سبحانه وتعالى ملائكته وخلقه كلهم حكمه العدل وحكمته الباهرة وضعه العقوبة حيث تشهد العقول والفطر والخليقة أنه أولى المواضع وأحقها بها وإن ذلك من كمال حمده الذي هو مقتضى أسمائه وصفاته وإن هذه النفوس الخبيثة الظالمة الفاجرة لا يليق بها غير ذلك ولا يحسن بها سواه بحيث تعترف بها هي من ذواتها بأنها أهل ذلك وإنها أولى به حصلت الحكمة التي لأجلها وجد الشر وموجباته في هذه الدار وتلك الدار وليس في الحكمة الإلهية إن الشرور تبقى دائما لا نهاية لها ولا انقطاع أبدا فتكون هي والخيرات في ذلك على حد سواء فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب فإن قيل فإلي أين أنهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن التي هي أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة قيل إلى قوله تبارك وتعالى ﴿إنَّ رَبَكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وإلى هنا قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيها حيث ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء وقال ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء.