Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — إبراهيم 14:5 – النحل 16:126

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. إبراهيم 14:5
  2. إبراهيم 14:6
  3. إبراهيم 14:7
  4. إبراهيم 14:10
  5. إبراهيم 14:12
  6. إبراهيم 14:16
  7. إبراهيم 14:18
  8. إبراهيم 14:22
  9. إبراهيم 14:24
  10. إبراهيم 14:25
  11. إبراهيم 14:26
  12. إبراهيم 14:27
  13. إبراهيم 14:34
  14. إبراهيم 14:35
  15. إبراهيم 14:36
  16. إبراهيم 14:39
  17. الحجر 15:11
  18. الحجر 15:12
  19. الحجر 15:21
  20. الحجر 15:36
  21. الحجر 15:37
  22. الحجر 15:38
  23. الحجر 15:41
  24. الحجر 15:42
  25. الحجر 15:47
  26. الحجر 15:67
  27. الحجر 15:68
  28. الحجر 15:69
  29. الحجر 15:70
  30. الحجر 15:71
  31. الحجر 15:75
  32. الحجر 15:88
  33. الحجر 15:92
  34. الحجر 15:93
  35. الحجر 15:94
  36. الحجر 15:99
  37. النحل 16:2
  38. النحل 16:3
  39. النحل 16:10
  40. النحل 16:11
  41. النحل 16:12
  42. النحل 16:13
  43. النحل 16:32
  44. النحل 16:35
  45. النحل 16:36
  46. النحل 16:37
  47. النحل 16:38
  48. النحل 16:39
  49. النحل 16:48
  50. النحل 16:49
  51. النحل 16:50
  52. النحل 16:51
  53. النحل 16:53
  54. النحل 16:61
  55. النحل 16:66
  56. النحل 16:68
  57. النحل 16:69
  58. النحل 16:73
  59. النحل 16:74
  60. النحل 16:75
  61. النحل 16:76
  62. النحل 16:78
  63. النحل 16:80
  64. النحل 16:81
  65. النحل 16:83
  66. النحل 16:84
  67. النحل 16:88
  68. النحل 16:89
  69. النحل 16:90
  70. النحل 16:97
  71. النحل 16:98
  72. النحل 16:106
  73. النحل 16:110
  74. النحل 16:112
  75. النحل 16:120
  76. النحل 16:121
  77. النحل 16:122
  78. النحل 16:125
  79. النحل 16:126

إبراهيم 14:5

وَقَدْ فُسِّرَتْ أيّامُ اللَّهِ بِنِعَمِهِ، وفُسِّرَتْ بِنِقَمِهِ مِن أهْلِ الكُفْرِ والمَعاصِي، فالأوَّلُ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُجاهِدٍ، والثّانِي تَفْسِيرُ مُقاتِلٍ. والصَّوابُ أنَّ أيّامَهُ تَعُمُّ النَّوْعَيْنِ، وهي وقائِعُهُ الَّتِي أوْقَعَها بِأعْدائِهِ، ونِعَمُهُ الَّتِي ساقَها إلى أوْلِيائِهِ، وسُمِّيَتْ هَذِهِ النِّعَمُ والنِّقَمُ الكِبارُ المُتَحَدَّثُ بِها أيّامًا لِأنَّها ظَرْفٌ لَها، تَقُولُ العَرَبُ: فُلانٌ عالِمٌ بِأيّامِ العَرَبِ وأيّامِ النّاسِ، أيْ بِالوَقائِعِ الَّتِي كانَتْ في تِلْكَ الأيّامِ، فَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الأيّامِ تُوجِبُ لِلْعَبْدِ اسْتِبْصارَ العِبَرِ، وبِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ بِها تَكُونُ عِبْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١]. قوله تعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ وَسَمّى نَفْسَهُ شاكِرًا وشَكُورًا وسَمّى الشّاكِرِينَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ. فَأعْطاهم مِن وصْفِهِ. وسَمّاهم بِاسْمِهِ. وحَسْبُكَ بِهَذا مَحَبَّةً لِلشّاكِرِينَ وفَضْلًا. وَإعادَتُهُ لِلشّاكِرِ مَشْكُورًا. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] وَرِضا الرَّبِّ عَنْ عَبْدِهِ بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وقِلَّةُ أهْلِهِ في العالَمِينَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم هم خَواصُّهُ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ. فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذا وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟ فَقالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟». (فصل: في أن الصبر نصف الإيمان) والإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر قال غير واحد من السلف الصبر نصف الإيمان. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر" ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ في سورة إبراهيم وفي سورة حم عسق وفي سورة سبأ وفي سورة لقمان. وقد ذكر لهذا التنصيف اعتبارات أحدها أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية وهي ترجع إلى شطرين فعل وترك، فالفعل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر، والترك هو الصبر عن المعصية، والدين كله في هذين الشيئين فعل المأمور وترك المحظور الاعتبار الثاني أن الإيمان مبني على ركنين يقين وصبر، وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ فباليقين يعلم حقيقة الأمر والنهي والثواب والعقاب، وبالصبر ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهي عنه، ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي إنه من عند الله وبالثواب والعقاب إلا باليقين، ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن المحظور إلا بالصبر، فصار الصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني الشكر بفعل ما أمر به وبترك ما نهي عنه (فصل آخر) الصَّبْرُ نِصْفُ الإيمانِ، فَإنَّهُ ماهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن صَبْرٍ وشُكْرٍ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] والصَّبْرُ مِنَ الإيمانِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، وهو ثَلاثَةُ أنْواعٍ: صَبْرٌ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ، فَلا يُضَيِّعُها، وصَبْرٌ عَنْ مَحارِمِهِ، فَلا يَرْتَكِبُها، وصَبْرٌ عَلى أقْضِيَتِهِ وأقْدارِهِ، فَلا يَتَسَخَّطُها، ومَنِ اسْتَكْمَلَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَ، اسْتَكْمَلَ الصَّبْرَ، ولَذَّةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ونَعِيمَها، والفَوْزُ والظَّفَرُ فِيهِما لا يَصِلُ إلَيْهِ أحَدٌ إلّا عَلى جِسْرِ الصَّبْرِ، كَما لا يَصِلُ أحَدٌ إلى الجَنَّةِ إلّا عَلى الصِّراطِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (خَيْرُ عَيْشٍ أدْرَكْناهُ بِالصَّبْرِ). وَإذا تَأمَّلْتَ مَراتِبَ الكَمالِ المُكْتَسَبِ في العالَمِ، رَأيْتَها كُلَّها مَنُوطَةً بِالصَّبْرِ، وإذا تَأمَّلْتَ النُّقْصانَ الَّذِي يُذَمُّ صاحِبُهُ عَلَيْهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، رَأيْتَهُ كُلَّهُ مِن عَدَمِ الصَّبْرِ، فالشَّجاعَةُ والعِفَّةُ، والجُودُ والإيثارُ كُلُّهُ صَبْرُ ساعَةٍ. ؎فالصَّبْرُ طِلَّسْمٌ عَلى كَنْزِ العُلى ∗∗∗ مَن حَلَّ ذا الطِّلَّسْمَ فازَ بِكَنْزِهِ وَأكْثَرُ أسْقامِ البَدَنِ والقَلْبِ، إنَّما تَنْشَأُ عَنْ عَدَمِ الصَّبْرِ، فَما حُفِظَتْ صِحَّةُ القُلُوبِ والأبْدانِ والأرْواحِ بِمِثْلِ الصَّبْرِ، فَهو الفارُوقُ الأكْبَرُ، والتِّرْياقُ الأعْظَمُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا مَعِيَّةُ اللَّهِ مَعَ أهْلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ ومَحَبَّتَهُ لَهُمْ، فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الصّابِرِينَ، ونَصْرُهُ لِأهْلِهِ، فَإنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وإنَّهُ خَيْرٌ لِأهْلِهِ، ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وإنَّهُ سَبَبُ الفَلاحِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].

إبراهيم 14:6

(فصل) وتأمل ما حصل بالطوفان وغرق آل فرعون للأمم من الهدى والإيمان الذي غمر مفسدة من هلك به حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته، فكم لله من حكمة في آياته التي ابتلى بها أعداءه، وأكرم فيها أولياءه، وكم له فيها من آية وحجة وتبصرة وتذكرة، ولهذا أمر سبحانه رسوله أن يذكر بها أمته فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٥) وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ (٦)﴾ فذكرهم بأيامه وإنعامه ونجاتهم من عدوهم وإهلاكهم وهم ينظرون فحصل بذلك من ذكره وشكره ومحبته وتعظيمه وإجلاله ما تلاشت فيه مفسدة إهلاك الأبناء وذبحهم واضمحلت فإنهم صاروا إلى النعيم وخلصوا من مفسدة العبودية لفرعون إذ كبروا وسومهم له سوء العذاب وكان الألم الذي ذاقه الأبوان عند الذبح أيسر من الآلام التي كانوا تجرعوها باستعباد فرعون وقومه لهم بكثير فحظي بذلك الآباء والأبناء وأراد سبحانه أن يرى عباده ما هو من أعظم آياته وهو أن يربي هذا المولود الذي ذبح فرعون ما شاء الله من الأولاد في طلبه في حجر فرعون وفي بيته وعلى فراشه فكم في ضمن هذه الآية من حكمة ومصلحة ورحمة وهداية وتبصرة وهي موقوفة على لوازمها وأسبابها ولم تكن لتوجد بدونها فإنه ممتنع فمصلحة تلك الآية وحكمتها غمرت مفسدة ذبح الأبناء وجعلتها كأن لم تكن.

إبراهيم 14:7

والشُّكْرُ مَعَهُ المَزِيدُ أبَدًا. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ فَمَتى لَمْ تَرَ حالَكَ في مَزِيدٍ. فاسْتَقْبِلِ الشُّكْرَ. وَفِي أثَرٍ إلَهِيٍّ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ «أهْلُ ذِكْرِي أهْلُ مُجالَسَتِي، وأهْلُ شُكْرِي أهْلُ زِيادَتِي، وأهْلُ طاعَتِي أهْلُ كَرامَتِي، وأهْلُ مَعْصِيَتِي لا أُقَنِّطُهم مِن رَحْمَتِي. إنْ تابُوا فَأنا حَبِيبُهُمْ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأنا طَبِيبُهم. أبْتَلِيهِمْ بِالمَصائِبِ، لِأُطَهِّرَهم مِنَ المَعايِبِ». وَقِيلَ: مَن كَتَمَ النِّعْمَةَ فَقَدْ كَفَرَها. ومَن أظْهَرَها ونَشَرَها فَقَدْ شَكَرَها. وَهَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ إذا أنْعَمَ عَلى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ أحَبَّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ». وَفِي هَذا قِيلَ: ؎وَمِنَ الرَّزِيَّةِ أنَّ شُكْرِيَ صامِتٌ ∗∗∗ عَمّا فَعَلْتَ وأنَّ بِرَّكَ ناطِقُ ؎وَأرى الصَّنِيعَةَ مِنكَ ثُمَّ أُسِرُّها ∗∗∗ إنِّي إذًا لِنَدى الكَرِيمِ لَسارِقُ (فصل) النعم ثَلاثَة: نعْمَة حاصِلَة يعلم بها العَبْد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فِيها لا يشْعر بها .. فَإذا أرادَ الله إتْمام نعْمَته على عَبده عرّفه نعْمَته الحاضِرَة، وأعْطاهُ من شكره قيدا يقيدها بِهِ حَتّى لا تشرد، فَإنَّها تشرد بالمعصية، وتقيّد بالشكر. ووفقه لعمل يستجلب بِهِ النِّعْمَة المنتظرة، وبصَّره بالطرق الَّتِي تسدها وتقطع طريقها، ووفقه لاجتنابها. وَإذا بها قد وافت إلَيْهِ على أتم الوُجُوه، وعرّفه النعم الَّتِي هو فِيها فَلا يشْعر بها. ويحكى أن أعْرابِيًا دخل على الرشيد فَقالَ أمِير المُؤمنِينَ ثبّت الله عَلَيْك النعم الَّتِي أنْت فِيها بإدامة شكرها وحقق لَك النعم الَّتِي ترجوها بِحسن الظَّن بِهِ ودوام طاعَته، وعرّفك النعم الَّتِي أنْت فِيها ولا تعرفها لتشكرها. فأعجبه ذَلِك مِنهُ وقالَ ما أحسن تقسيمه. (موعظة) قال ابن المبارك سمعت عليا بن صالح يقول في قوله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ قال أي من طاعتي. والتحقيق أن الزيادة من النعم وطاعته من أجل نعمه. وذكر أبن أبي الدنيا أن محارب بن دثار كان يقوم بالليل ويرفع صوته أحيانا أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد، وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد، وأنا العارى الذي كسوته فلك الحمد، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد، ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا. (فائدة) اعلمْ أنه ما استجلبت نعم الله عز وجل واستدفعت نقمة بمثل ذكر الله تعالى. فالذكر جلاب للنعم، دافع للنقم. قال سبحانه وتعالى ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ وفي القراءة الأخرى ﴿إن الله يدفع﴾ فدفعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله. ومادة الإيمان وقوته بذكر الله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا وأكثر ذكرًا كان دفع الله تعالى عنه ودفاعه أعظم، ومن نقص نقص، ذكرًا بذكر ونسيانًا بنسيان. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وإذ تأذن ربكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾، والذكر رأس الشكر كما تقدم، والشكر جلاب النعم وموجب للمزيد. قال بعض السلف رحمة الله عليهم: ما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك.

إبراهيم 14:10

قالت الرسل لأممهم: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فالخلق مفطورون على معرفته وتوحيده، فلو خلوا وهذه الفطرة لنشأوا على معرفته وعبادته وحده، وهذه الفطرة أمر خلقي خلقوا عليه، ولا تبديل لخلقه فمضى الناس على هذه الفطرة قرونا عديدة، ثم عرض لها موجب فسادها وخروجها عن الصحة والاستقامة بمنزلة ما يعرض للبدن الصحيح والطبيعة الصحيحة مما يوجب خروجهما عن الصحة إلى الانحراف، فأرسل رسله ترد الناس إلى فطرتهم الأولى التي فطروا عليها فانقسم الناس معهم ثلاثة أقسام. منهم من استجاب لهم كل الاستجابة وانقاد إليهم كل الانقياد، فرجعت فطرته إلى ما كانت عليه مع ما حصل لها من الكمال والتمام في قوتي العلم النافع والعمل الصالح، فازدادت فطرتهم كمالا إلى كمالها، فهؤلاء لا يحتاجون في المعاد إلى تهذيب وتأديب ونار تذيب فضلاتهم الخبيثة، وتطهرهم من الأردن والأوساخ، فإن انقيادهم للرسل أزال عنهم ذلك كله. وقسم استجابوا لهم من وجه دون وجه، فبقيت عليهم بقية من الأدران والأوساخ التي تنافي الحق الذي خلقوا له فهيأ لهم العليم الحكيم من الأدوية الابتلاء والامتحان بحسب تلك الأدواء التي قامت بهم، فإن وفت بالخلاص منها في هذه الدار وإلا ففي البرزخ فإن وفّى بالخلاص وإلا ففي موقف القيامة وأهوالها ما يخلصهم من تلك البقية، فإن وفّى بها وإلا فلا بد من المداواة بالدواء الأعظم، وآخر الطب الكي فيدخلون كير التمحيص والتخليص حتى إذا هذبوا ولم يبق للدواء فائدة أخرجوا من مارستان المرضى إلى دار أهل العافية كما دل على ذلك السنة المتواترة عن النبي ﷺ وصرح به في قوله: "حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة" وكذلك قوله تعالى: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ فلم يأذن لهم في دخولها إلا بعد طيبهم فإنها دار الطيبين فليس فيها شيء من الخبث أصلا ولهذا يلبث هؤلاء في النار على قدر حاجتهم إلى التطهر وزوال الخبث. القسم الثالث قوم لم يستجيبوا للرسل ولا انقادوا لهم بل استمروا على الخروج عن الفطرة ولم يرجعوا إليها واستحكم فسادها فيهم أتم استحكام لا يرجى لهم صلاح فهؤلاء لا يفي مجيء الدنيا ومصائب الموت وما بعده وأهوال القيامة بزوال أوساخهم وأدرانهم ولا يليق بحكمة العليم الحكيم أن يجاور بهم الطيبين في دارهم ولم يخلقوا للفناء فهؤلاء أهل دار الابتلاء والامتحان باقون فيها ببقاء ما معهم من درن الكفر والشرك والنار إنما أوقدت عليهم بأعمالهم الخبيثة فعذابهم بنفس أعمالهم السيئة لهم منها صور من العذاب يناسبها ويشاكلها فالعذاب باق عليهم ما بقيت حقائق تلك الأعمال وما تولد منها فما دامت موجبات العذاب باقية فالعذاب باق. (فصل) وَتَأمَّلْ حالَ العالَمِ كُلِّهِ، عُلْوِيِّهِ وسُفْلِيِّهِ، بِجَمِيعِ أجْزائِهِ: تَجِدُهُ شاهِدًا بِإثْباتِ صانِعِهِ وفاطِرِهِ ومَلِيكِهِ، فَإنْكارُ صانِعِهِ وجَحْدُهُ في العُقُولِ والفِطَرِ بِمَنزِلَةِ إنْكارِ العِلْمِ وجَحْدِهِ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما، بَلْ دِلالَةُ الخالِقِ عَلى المَخْلُوقِ، والفَعّالِ عَلى الفِعْلِ، والصّانِعِ عَلى أحْوالِ المَصْنُوعِ عِنْدَ العُقُولِ الزَّكِيَّةِ المُشْرِقَةِ العُلْوِيَّةِ، والفِطَرِ الصَّحِيحَةِ أظْهَرُ مِنَ العَكْسِ. فالعارِفُونَ أرْبابُ البَصائِرِ يَسْتَدِلُّونَ بِاللَّهِ عَلى أفْعالِهِ وصُنْعِهِ، إذا اسْتَدَلَّ النّاسُ بِصُنْعِهِ وأفْعالِهِ عَلَيْهِ، ولا رَيْبَ أنَّهُما طَرِيقانِ صَحِيحانِ، كُلٌّ مِنهُما حَقٌّ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِما. فَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالصَّنْعَةِ فَكَثِيرٌ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالصّانِعِ فَلَهُ شَأْنٌ، وهو الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ بِقَوْلِهِمْ لِأُمَمِهِمْ ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] أيْ أيُشَكُّ في اللَّهِ حَتّى يُطْلَبَ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى وُجُودِهِ؟ وأيُّ دَلِيلٍ أصَحُّ وأظْهَرُ مِن هَذا المَدْلُولِ؟ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلى الأظْهَرِ بِالأخْفى؟ ثُمَّ نَبَّهُوا عَلى الدَّلِيلِ بِقَوْلِهِمْ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: كَيْفَ يُطْلَبُ الدَّلِيلُ عَلى مَن هو دَلِيلٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟ وكانَ كَثِيرًا ما يَتَمَثَّلُ بِهَذا البَيْتِ: ؎وَلَيْسَ يَصِحُّ في الأذْهانِ شَيْءٌ ∗∗∗ إذا احْتاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلٍ وَمَعْلُومٌ أنَّ وُجُودَ الرَّبِّ تَعالى أظْهَرُ لِلْعُقُولِ والفِطَرِ مِن وُجُودِ النَّهارِ، ومَن لَمْ يَرَ ذَلِكَ في عَقْلِهِ وفِطْرَتِهِ فَلْيَتَّهِمْهُما.

إبراهيم 14:12

فالعَبْدُ آفَتُهُ إمّا مِن عَدَمِ الهِدايَةِ، وإمّا مِن عَدَمِ التَّوَكُّلِ. فَإذا جَمَعَ التَّوَكُّلَ إلى الهِدايَةِ فَقَدْ جَمَعَ الإيمانَ كُلَّهُ. نَعَمْ، التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ في مَعْلُومِ الرِّزْقِ المَضْمُونِ، والِاشْتِغالُ بِهِ عَنِ التَّوَكُّلِ في نُصْرَةِ الحَقِّ والدِّينِ مِن أوْهى مَنازِلِ الخاصَّةِ. أمّا التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ في حُصُولِ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ فِيهِ وفي الخَلْقِ، فَهَذا تَوَكُّلُ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. (فصل) قالت الرسل لقومهم: ﴿وَما لَنَآ ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ فعجبوا من تركهم التوكل على الله وهو هداهم، وأقروا أن ذلك لا يكون أبدًا. وهذا دليل على أن الهداية والتوكل متلازمان: فصادف الحق - لعلمه بالحق وليقينه بأن الله ولى الحق وناصره - مضطر إلى توكله على الله لا يجد بدًا من توكله. فإن التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله. أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك. وأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأٌنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك. ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه. فبهذين الأصلين يتحقق التوكل، وهما جُماعه، وإن كان التوكل دخل في عمل القلب من عمله، كما قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب، ولكن لا بد فيه من العلم، وهو إما شرط فيه، وإما جزءٌ من ماهيته. والمقصود أن القلب متى كان على الحق كان أعظم لطمأنينته ووثوقه بأن الله وليه وناصره وسكونه إليه، فما له أن لا يتوكل على ربه؟ وإذا كان على الباطل علمًا وعملًا أو أحدهما لم يكن مطمئنًا واثقًا بربه فإنه لا ضمان له عليه، ولا عهد له عنده، فإن الله سبحانه لا يتولى الباطل ولا ينصره، ولا ينسب إليه بوجه، فهو منقطع النسب إليه بالكلية، فإنه سبحانه هو الحق، وقوله الحق، ودينه الحق ووعده حق، ولقاؤه حق، وفعله كله حق. ليس في أفعاله شيء باطل، بل أفعاله سبحانه بريئة من الباطل، كما أقواله سبحانه كذلك، فلما كان الباطل لا يتعلق به سبحانه، بل هو مقطوع عليه ألبتة كان صاحبه كذلك. ومن لم يكن له تعلق بالله العظيم، وكان منقطعًا عن ربه لم يكن الله وليه ولا ناصره ولا وكيله. فتدبر هذا السر العظيم في اقتران التوكل والكفاية بالحق والهدى وارتباط أحدهما بالآخر، لو لم يكن في هذه الرسالة إلا هذه الفائدة السرية لكانت حقيقة أن تودع في خزانة القلب، لشدة الحاجة إليها. والله المستعان وعليه التكلان فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأْس، فكما لا يقوم الرأْس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل. والله أعلم.

إبراهيم 14:16

قوله: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ المعنى أنه ملاق جهنم بعد موته فهي من بعده. أي بعد مفارقته الدنيا فهي لما كان تبعد حياته كانت وراءه لأن (وراء) كـ (بعد) فكما لا يكون (بعد) (قبل) فلا يكون (وراء) (أمام)، وأنت لو قلت جهنم بعد موت الكافر لم يكن فيها معنى قبل بوجه. فـ (وراء) هاهنا زمان لا مكان فتأمله - رحمك الله تعالى - فهي خلف زمان حياته وبعده وهي أمامه ومستقبلته فكونها خلفا وأماما باعتبارين وإنما وقع الاشتباه لأن بعدية الزمان إنما يكون فيما يستقبل أمامك كقولك: بعد غد وورائية المكان فيما تخلف وراء ظهرك فمن ورائه جهنم ورائية زمان لا مكان وهي إنما تكون في المستقبل الذي هو أمامك فلما كان معنى الأمام لازم لها ظن من ظن أنها مشتركة ولا اشتراك فيها وكذلك قوله: ﴿وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وكذلك: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾.

إبراهيم 14:18

شَبَّهَ تَعالى أعْمالَ الكُفّارِ في بُطْلانِها وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِها بِرَمادٍ مَرَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ في يَوْمٍ عاصِفٍ؛ فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ أعْمالَهم في حُبُوطِها وذَهابِها باطِلًا كالهَباءِ المَنثُورِ لِكَوْنِها عَلى غَيْرِ أساس مِن الإيمانِ والإحْسانِ وكَوْنِها لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَلى غَيْرِ أمْرِهِ بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفُ فَلا يَقْدِرُ صاحِبُهُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ وقْتَ شِدَّةِ حاجَتِهِ إلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] لا يَقْدِرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِمّا كَسَبُوا مِن أعْمالِهِمْ عَلى شَيْءٍ، فَلا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابٍ ولا فائِدَةٍ نافِعَةٍ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِن العَمَلِ إلّا ما كانَ خالِصًا لِوَجْهِهِ، مُوافِقًا لِشَرْعِهِ، والأعْمالُ أرْبَعَةٌ، فَواحِدٌ مَقْبُولٌ وثَلاثُهُ مَرْدُودَةٌ؛ فالمَقْبُولُ الخالِصُ الصَّوابُ، فالخالِصُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ. والصَّوابُ أنْ يَكُونَ مِمّا شَرَعَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ، والثَّلاثَةُ المَرْدُودَةُ ما خالَفَ ذَلِكَ. وَفِي تَشْبِيهِها بِالرَّمادِ سِرٌّ بَدِيعٌ، وذَلِكَ لِلتَّشابُهِ الَّذِي بَيْنَ أعْمالِهِمْ وبَيْنَ الرَّمادِ في إحْراقِ النّارِ وإذْهابِها لِأصْلِ هَذا وهَذا، فَكانَتْ الأعْمالُ الَّتِي لِغَيْرِ اللَّهِ وعَلى غَيْرِ مُرادِهِ طُعْمَةً لِلنّارِ، وبِها تُسْعَرُ النّارُ عَلى أصْحابِها، ويُنْشِئُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم مِن أعْمالِهِمْ الباطِلَةِ نارًا وعَذابًا، كَما يُنْشِئُ لِأهْلِ الأعْمالِ المُوافِقَةِ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ الَّتِي هي خالِصَةٌ لِوَجْهِهِ مِن أعْمالِهِمْ نَعِيمًا ورُوحًا، فَأثَّرَتْ النّارُ في أعْمالِ أُولَئِكَ حَتّى جَعَلَتْها رَمادًا، فَهم وأعْمالُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وُقُودُ النّارِ.

إبراهيم 14:22

السلطان المنفي في هذا الموضع: هو الحجة والبرهان، أي ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم، كما قال ابن عباس: "ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم" أي: ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، وصدقتم مقالتي، واتبعتموني بلا برهان ولا حجة. فأما السلطان الذي أثبته في قوله: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠]. فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم، بحيث يؤزُّهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه كما قال تعالى: ﴿ألمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزا﴾ [مريم: ٨٣].

إبراهيم 14:24

شَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ؛ لِأنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ العَمَلَ الصّالِحَ، والشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ الثَّمَرَ النّافِعَ. وَهَذا ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ " الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " فَإنَّها تُثْمِرُ جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَكُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مَرَضِيٍّ لِلَّهِ ثَمَرَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وَفِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وهو المُؤْمِنُ، أصْلُها ثابِتٌ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، في قَلْبِ المُؤْمِنِ، وفَرْعُها في السَّماءِ يَقُولُ يُرْفَعُ بِها عَمَلُ المُؤْمِنِ إلى السَّماءِ ". وَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: " كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ هَذا مَثَلُ الإيمانِ؛ فالإيمانُ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ. وأصْلُها الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ الإخْلاصُ فِيهِ، وفَرْعُهُ في السَّماءِ خَشْيَةُ اللَّهِ " والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا القَوْلِ أصَحُّ وأظْهَرُ وأحْسَنُ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ شَجَرَةَ التَّوْحِيدِ في القَلْبِ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الثّابِتَةِ الأصْلِ الباسِقَةِ الفَرْعِ في السَّماءِ عُلُوًّا، الَّتِي لا تَزالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَها كُلَّ حِينٍ، وإذا تَأمَّلْت هَذا التَّشْبِيهَ رَأيْتَهُ مُطابِقًا لِشَجَرَةِ التَّوْحِيدِ الثّابِتَةِ الرّاسِخَةِ في القَلْبِ، الَّتِي فُرُوعُها مِن الأعْمالِ الصّالِحَةِ صاعِدَةٌ إلى السَّماءِ، ولا تُزال هَذِهِ الشَّجَرَةُ تُثْمِرُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ كُلَّ وقْتٍ؛ بِحَسْبِ ثَباتِها في القَلْبِ، ومَحَبَّةِ القَلْبِ لَها، وإخْلاصِهِ فِيها، ومَعْرِفَتِهِ بِحَقِيقَتِها، وقِيامِهِ بِحُقُوقِها، ومُراعاتِها حَقَّ رِعايَتِها، فَمَن رَسَخَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في قَلْبِهِ بِحَقِيقَتِها الَّتِي هي حَقِيقَتُها واتَّصَفَ قَلْبُهُ بِها وانْصَبَغَ بِها بِصِبْغَةِ اللَّهِ الَّتِي لا أحْسَنَ صِبْغَةً مِنها فَعَرَفَ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ الَّتِي يُثْبِتُها قَلْبُهُ لِلَّهِ ويَشْهَدُ بِها لِسانُهُ وتُصَدِّقُها جَوارِحُهُ، ونَفى تِلْكَ الحَقِيقَةِ ولَوازِمَها عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، وواطَأ قَلْبُهُ لِسانَهُ في هَذا النَّفْيِ والإثْباتِ، وانْقادَتْ جَوارِحُهُ لِمَن شَهِدَ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ طائِعَةً سالِكَةً سُبُلَ رَبِّهِ ذُلُلًا غَيْرَ ناكِبَةٍ عَنْها ولا باغِيَةٍ سِواها بَدَلًا كَما لا يَبْتَغِي القَلْبُ سِوى مَعْبُودِهِ الحَقِّ بَدَلًا. فَلا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن هَذا القَلْبِ عَلى هَذا اللِّسانِ لا تَزالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَها مِن العَمَلِ الصّالِحِ الصّاعِدِ إلى اللَّهِ كُلَّ وقْتٍ؛ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي الَّتِي رَفَعَتْ هَذا العَمَلَ الصّالِحَ إلى الرَّبِّ تَعالى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تُثْمِرُ كَلِمًا كَثِيرًا طَيِّبًا يُقارِنُهُ عَمَلٌ صالِحٌ فَيَرْفَعُ العَمَلُ الصّالِحُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، وأخْبَرَ أنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ لِقائِلِها عَمَلًا صالِحًا كُلَّ وقْتٍ. [أثَرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ] والمَقْصُودُ أنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إذا شَهِدَ بِها المُؤْمِنُ عارِفًا بِمَعْناها وحَقِيقَتِها نَفْيًا وإثْباتًا مُتَّصِفًا بِمُوجِبِها قائِمًا قَلْبُهُ ولِسانُهُ وجَوارِحُهُ بِشَهادَتِهِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي الَّتِي رَفَعَتْ هَذا العَمَلَ مِن هَذا الشّاهِدِ، أصْلُها ثابِتٌ راسِخٌ في قَلْبِهِ، وفُرُوعُها مُتَّصِلَةٌ بِالسَّماءِ، وهي مُخْرِجَةٌ لِثَمَرَتِها كُلَّ وقْتٍ. وَمِن السَّلَفِ مَن قالَ: إنّ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ هي النَّخْلَةُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الصَّحِيحُ، ومِنهم مَن قالَ: هي المُؤْمِنُ نَفْسُهُ كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي أبِي حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أبِي عَنْ أبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] يَعْنِي بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ المُؤْمِنَ، ويَعْنِي بِالأصْلِ الثّابِتِ في الأرْضِ والفَرْعِ في السَّماءِ يَكُونُ المُؤْمِنُ يَعْمَلُ في الأرْضِ ويَتَكَلَّمُ فَيَبْلُغُ عَمَلُهُ وقَوْلُهُ السَّماءَ وهو في الأرْضِ. وَقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] قالَ: ذَلِكَ مَثَلُ المُؤْمِنِ، لا يَزالُ يَخْرُجُ مِنهُ كَلامٌ طَيِّبٌ وعَمَلٌ صالِحٌ يَصْعَدُ إلى اللَّهِ. وَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] قالَ: ذَلِكَ المُؤْمِنُ، ضَرَبَ مَثَلَهُ في الإخْلاصِ لِلَّهِ وحْدَهُ وعِبادَتَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، أصْلُها ثابِتٌ، قالَ: أصْلُ عَمَلِهِ ثابِتٌ في الأرْضِ، وفَرْعُها في السَّماءِ، قالَ: ذِكْرُهُ في السَّماءِ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، والمَقْصُودُ بِالمَثَلِ المُؤْمِنُ، والنَّخْلَةُ مُشَبَّهَةٌ بِهِ وهو مُشَبَّهٌ بِها، وإذا كانَتْ النَّخْلَةُ شَجَرَةً طَيِّبَةً فالمُؤْمِنُ المُشَبَّهُ بِها أوْلى أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، ومَن قالَ مِن السَّلَفِ إنّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ فالنَّخْلَةُ مِن أشْرَفِ أشْجارِ الجَنَّةِ. [بَعْضُ أسْرارِ تَشْبِيهِ المُؤْمِنِ بِالشَّجَرَةِ] وَفِي هَذا المَثَلِ مِن الأسْرارِ والعُلُومِ والمَعارِفِ ما يَلِيقُ بِهِ، ويَقْتَضِيه عِلْمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وحِكْمَتُهُ. فَمِن ذَلِكَ أنَّ الشَّجَرَةَ لا بُدَّ لَها مِن عُرُوقٍ وساقٍ وفُرُوعٍ ووَرَقٍ وثَمَرٍ، فَكَذَلِكَ شَجَرَةُ الإيمانِ والإسْلامِ؛ لِيُطابِقَ المُشَبَّهُ المُشَبَّهَ بِهِ، فَعُرُوقُها العِلْمُ والمَعْرِفَةُ واليَقِينُ، وساقُها الإخْلاصُ، وفُرُوعُها الأعْمالُ، وثَمَرَتُها ما تُوجِبُهُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ مِن الآثارِ الحَمِيدَةِ والصِّفاتِ المَمْدُوحَةِ والأخْلاقِ الزَّكِيَّةِ والسَّمْتِ الصّالِحِ والهَدْيِ والدَّلِّ المَرْضِيِّ، فَيُسْتَدَلُّ عَلى غَرْسِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ في القَلْبِ وثُبُوتِها فِيهِ بِهَذِهِ الأُمُورِ، فَإذا كانَ العِلْمُ صَحِيحًا مُطابِقًا لِمَعْلُومِهِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ كِتابَهُ بِهِ والِاعْتِقادُ مُطابِقًا لِما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وأخْبَرَتْ بِهِ عَنْهُ رُسُلُهُ والإخْلاصُ قائِمٌ في القَلْبِ والأعْمالُ مُوافِقَةٌ لِلْأمْرِ، والهَدْيُ والدَّلُّ والسَّمْتُ مُشابِهٌ لِهَذِهِ الأُصُولِ مُناسِبٌ لَها، عُلِمَ أنَّ شَجَرَةَ الإيمانِ في القَلْبِ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ، وإذا كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ عُلِمَ أنَّ القائِمَ بِالقَلْبِ إنّما هو الشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ. وَمِنها: أنَّ الشَّجَرَةَ لا تَبْقى حَيَّةً إلّا بِمادَّةٍ تُسْقِيها وتُنَمِّيها، فَإذا قُطِعَ عَنْها السَّقْيُ أوْشَكَ أنْ تَيْبَسَ، فَهَكَذا شَجَرَةُ الإسْلامِ في القَلْبِ إنْ لَمْ يَتَعاهَدْها صاحِبُها بِسَقْيِها كُلَّ وقْتٍ بِالعِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ والعَوْدِ بِالتَّذَكُّرِ عَلى التَّفْكِيرِ والتَّفَكُّرِ عَلى التَّذَكُّرِ، وإلّا أوْشَكَ أنْ تَيْبَسَ، وفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنّ الإيمانَ يَخْلَقُ في القَلْبِ كَما يَخْلَقُ الثَّوْبُ فَجَدِّدُوا إيمانَكُمْ» وبِالجُمْلَةِ فالغَرْسُ إنْ لَمْ يَتَعاهَدْهُ صاحِبُهُ أوْشَكَ أنْ يَهْلَكَ، ومِن هُنا تَعْلَمُ شِدَّةَ حاجَةِ العِبادِ إلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن العِباداتِ عَلى تَعاقُبِ الأوْقاتِ وعَظِيمِ رَحْمَتِهِ وتَمامِ نِعْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى عِبادِهِ بِأنْ وظَّفَها عَلَيْها وجَعَلَها مادَّةً لِسَقْيِ غِراسِ التَّوْحِيدِ الَّذِي غَرَسَهُ في قُلُوبِهِمْ. وَمِنها: أنَّ الغَرْسَ والزَّرْعَ النّافِعَ قَدْ أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ العادَةَ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُخالِطَهُ دَغَلٌ ونَبْتٌ غَرِيبٌ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، فَإنْ تَعاهَدَهُ رَبُّهُ ونَقّاهُ وقَلَعَهُ كَمُلَ الغَرْسُ والزَّرْعُ، واسْتَوى، وتَمَّ نَباتُهُ، وكانَ أوْفَرَ لِثَمَرَتِهِ، وأطْيَبَ وأزْكى، وإنْ تَرَكَهُ أوْشَكَ أنْ يَغْلِبَ عَلى الغَرْسِ والزَّرْعِ، ويَكُونُ الحُكْمُ لَهُ، أوْ يُضْعِفَ الأصْلَ ويَجْعَلَ الثَّمَرَةَ ذَمِيمَةً ناقِصَةً بِحَسْبِ كَثْرَتِهِ وقِلَّتِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ فِقْهُ نَفْسٍ في هَذا ومَعْرِفَةٌ بِهِ فَإنَّهُ يَفُوتُهُ رِبْحٌ كَبِيرٌ وهو لا يَشْعُرُ؛ فالمُؤْمِنُ دائِمًا سَعْيُهُ في شَيْئَيْنِ: سَقْيِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وتَنْقِيَةِ ما حَوْلَها، فَبِسَقْيِها تَبْقى وتَدُومُ وبِتَنْقِيَةِ ما حَوْلَها تَكْمُلُ وتَتِمُّ، واللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ. فَهَذا بَعْضُ ما تَضَمَّنَهُ هَذا المَثَلُ العَظِيمُ الجَلِيلُ مِن الأسْرارِ والحِكَمِ، ولَعَلَّها قَطْرَةٌ مِن بَحْرٍ بِحَسَبِ أذْهانِنا الواقِفَةِ، وقُلُوبِنا المُخْطِئَةِ، وعُلُومِنا القاصِرَةِ، وأعْمالِنا الَّتِي تُوجِبُ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ، وإلّا فَلَوْ طَهُرَتْ مِنّا القُلُوبُ، وصَفَتْ الأذْهانُ وزَكَتْ النُّفُوسُ، وخَلَصَتْ الأعْمالُ، وتَجَرَّدَتْ لَهم لِلتَّلَقِّي عَنْ اللَّهِ ورَسُولِهِ؛ لَشاهَدْنا مِن مَعانِي كَلامِ اللَّهِ وأسْرارِهِ وحِكَمِهِ ما تَضْمَحِلُّ عِنْدَهُ العُلُومُ، وتَتَلاشى عِنْدَهُ مَعارِفُ الخَلْقِ، وبِهَذا تَعْرِفُ قَدْرَ عُلُومِ الصَّحابَةِ ومَعارِفِهِمْ، وأنَّ التَّفاوُتَ الَّذِي بَيْنَ عُلُومِهِمْ وعُلُومِ مَن بَعْدَهم كالتَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَهم في الفَضْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ مَواقِعَ فَضْلِهِ ومَن يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ. (فصل) السّنة شَجَرَة والشهور فروعها والأيّام أغْصانها والساعات أوراقها، والأنفاس ثَمَرها، فَمن كانَت أنفاسه في طاعَة فثمرة شجرته طيبَة ومن كانَت في مَعْصِيّة فثمرته حنظل وإنَّما يكون الجداد يَوْم المعاد فَعِنْدَ الجداد يتَبَيَّن حُلْو الثِّمار من مرّها والإخْلاص والتوحيد شَجَرَة في القلب فروعها الأعْمال وثَمَرها طيب الحَياة في الدُّنْيا والنَّعِيم المُقِيم في الآخِرَة وكما أن ثمار الجنَّة لا مَقْطُوعَة ولا مَمْنُوعَة فثمرة التَّوْحِيد والإخْلاص في الدُّنْيا كَذَلِك والشرك والكذب والرياء شَجَرَة في القلب ثَمَرها في الدُنْيا والخَوْف والهم والغَم وضيق الصَّدْر وظلمة القلب وثَمَرها في الآخِرَة الزقّوم والعَذاب المُقِيم وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سُورَة إبْراهِيم. (موعظة) شجرة الإخلاص أصلها ثابت لا يضرها زعازع ﴿أين شركائي الذي كنتم تزعمون﴾ وأما شجرة الدباء فإنها تجتث عند نسمة من كان يعبد شيئا فليتبعه. رياء المرائين صير مسجد الضرار مزبلة وخربة لا تقم فيه أبدا، وإخلاص المخلصين رفع قدر التفث. رب أشعث أغبر قلب من ترائيه بيد من أعرضت عنه يصرفه عنك إلى غيرك فلا على ثواب المخلصين حصلت ولا إلى ما قصدته بالرياء وصلت وفات الأجر والمدح فلا هذا ولا هذا.

إبراهيم 14:25

شَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ؛ لِأنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ العَمَلَ الصّالِحَ، والشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ الثَّمَرَ النّافِعَ. وَهَذا ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ " الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " فَإنَّها تُثْمِرُ جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَكُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مَرَضِيٍّ لِلَّهِ ثَمَرَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وَفِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وهو المُؤْمِنُ، أصْلُها ثابِتٌ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، في قَلْبِ المُؤْمِنِ، وفَرْعُها في السَّماءِ يَقُولُ يُرْفَعُ بِها عَمَلُ المُؤْمِنِ إلى السَّماءِ ". وَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: " كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ هَذا مَثَلُ الإيمانِ؛ فالإيمانُ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ. وأصْلُها الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ الإخْلاصُ فِيهِ، وفَرْعُهُ في السَّماءِ خَشْيَةُ اللَّهِ " والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا القَوْلِ أصَحُّ وأظْهَرُ وأحْسَنُ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ شَجَرَةَ التَّوْحِيدِ في القَلْبِ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الثّابِتَةِ الأصْلِ الباسِقَةِ الفَرْعِ في السَّماءِ عُلُوًّا، الَّتِي لا تَزالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَها كُلَّ حِينٍ، وإذا تَأمَّلْت هَذا التَّشْبِيهَ رَأيْتَهُ مُطابِقًا لِشَجَرَةِ التَّوْحِيدِ الثّابِتَةِ الرّاسِخَةِ في القَلْبِ، الَّتِي فُرُوعُها مِن الأعْمالِ الصّالِحَةِ صاعِدَةٌ إلى السَّماءِ، ولا تُزال هَذِهِ الشَّجَرَةُ تُثْمِرُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ كُلَّ وقْتٍ؛ بِحَسْبِ ثَباتِها في القَلْبِ، ومَحَبَّةِ القَلْبِ لَها، وإخْلاصِهِ فِيها، ومَعْرِفَتِهِ بِحَقِيقَتِها، وقِيامِهِ بِحُقُوقِها، ومُراعاتِها حَقَّ رِعايَتِها، فَمَن رَسَخَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في قَلْبِهِ بِحَقِيقَتِها الَّتِي هي حَقِيقَتُها واتَّصَفَ قَلْبُهُ بِها وانْصَبَغَ بِها بِصِبْغَةِ اللَّهِ الَّتِي لا أحْسَنَ صِبْغَةً مِنها فَعَرَفَ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ الَّتِي يُثْبِتُها قَلْبُهُ لِلَّهِ ويَشْهَدُ بِها لِسانُهُ وتُصَدِّقُها جَوارِحُهُ، ونَفى تِلْكَ الحَقِيقَةِ ولَوازِمَها عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، وواطَأ قَلْبُهُ لِسانَهُ في هَذا النَّفْيِ والإثْباتِ، وانْقادَتْ جَوارِحُهُ لِمَن شَهِدَ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ طائِعَةً سالِكَةً سُبُلَ رَبِّهِ ذُلُلًا غَيْرَ ناكِبَةٍ عَنْها ولا باغِيَةٍ سِواها بَدَلًا كَما لا يَبْتَغِي القَلْبُ سِوى مَعْبُودِهِ الحَقِّ بَدَلًا. فَلا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن هَذا القَلْبِ عَلى هَذا اللِّسانِ لا تَزالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَها مِن العَمَلِ الصّالِحِ الصّاعِدِ إلى اللَّهِ كُلَّ وقْتٍ؛ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي الَّتِي رَفَعَتْ هَذا العَمَلَ الصّالِحَ إلى الرَّبِّ تَعالى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تُثْمِرُ كَلِمًا كَثِيرًا طَيِّبًا يُقارِنُهُ عَمَلٌ صالِحٌ فَيَرْفَعُ العَمَلُ الصّالِحُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، وأخْبَرَ أنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ لِقائِلِها عَمَلًا صالِحًا كُلَّ وقْتٍ. [أثَرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ] والمَقْصُودُ أنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إذا شَهِدَ بِها المُؤْمِنُ عارِفًا بِمَعْناها وحَقِيقَتِها نَفْيًا وإثْباتًا مُتَّصِفًا بِمُوجِبِها قائِمًا قَلْبُهُ ولِسانُهُ وجَوارِحُهُ بِشَهادَتِهِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي الَّتِي رَفَعَتْ هَذا العَمَلَ مِن هَذا الشّاهِدِ، أصْلُها ثابِتٌ راسِخٌ في قَلْبِهِ، وفُرُوعُها مُتَّصِلَةٌ بِالسَّماءِ، وهي مُخْرِجَةٌ لِثَمَرَتِها كُلَّ وقْتٍ. وَمِن السَّلَفِ مَن قالَ: إنّ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ هي النَّخْلَةُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الصَّحِيحُ، ومِنهم مَن قالَ: هي المُؤْمِنُ نَفْسُهُ كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي أبِي حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أبِي عَنْ أبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] يَعْنِي بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ المُؤْمِنَ، ويَعْنِي بِالأصْلِ الثّابِتِ في الأرْضِ والفَرْعِ في السَّماءِ يَكُونُ المُؤْمِنُ يَعْمَلُ في الأرْضِ ويَتَكَلَّمُ فَيَبْلُغُ عَمَلُهُ وقَوْلُهُ السَّماءَ وهو في الأرْضِ. وَقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] قالَ: ذَلِكَ مَثَلُ المُؤْمِنِ، لا يَزالُ يَخْرُجُ مِنهُ كَلامٌ طَيِّبٌ وعَمَلٌ صالِحٌ يَصْعَدُ إلى اللَّهِ. وَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] قالَ: ذَلِكَ المُؤْمِنُ، ضَرَبَ مَثَلَهُ في الإخْلاصِ لِلَّهِ وحْدَهُ وعِبادَتَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، أصْلُها ثابِتٌ، قالَ: أصْلُ عَمَلِهِ ثابِتٌ في الأرْضِ، وفَرْعُها في السَّماءِ، قالَ: ذِكْرُهُ في السَّماءِ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، والمَقْصُودُ بِالمَثَلِ المُؤْمِنُ، والنَّخْلَةُ مُشَبَّهَةٌ بِهِ وهو مُشَبَّهٌ بِها، وإذا كانَتْ النَّخْلَةُ شَجَرَةً طَيِّبَةً فالمُؤْمِنُ المُشَبَّهُ بِها أوْلى أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، ومَن قالَ مِن السَّلَفِ إنّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ فالنَّخْلَةُ مِن أشْرَفِ أشْجارِ الجَنَّةِ. [بَعْضُ أسْرارِ تَشْبِيهِ المُؤْمِنِ بِالشَّجَرَةِ] وَفِي هَذا المَثَلِ مِن الأسْرارِ والعُلُومِ والمَعارِفِ ما يَلِيقُ بِهِ، ويَقْتَضِيه عِلْمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وحِكْمَتُهُ. فَمِن ذَلِكَ أنَّ الشَّجَرَةَ لا بُدَّ لَها مِن عُرُوقٍ وساقٍ وفُرُوعٍ ووَرَقٍ وثَمَرٍ، فَكَذَلِكَ شَجَرَةُ الإيمانِ والإسْلامِ؛ لِيُطابِقَ المُشَبَّهُ المُشَبَّهَ بِهِ، فَعُرُوقُها العِلْمُ والمَعْرِفَةُ واليَقِينُ، وساقُها الإخْلاصُ، وفُرُوعُها الأعْمالُ، وثَمَرَتُها ما تُوجِبُهُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ مِن الآثارِ الحَمِيدَةِ والصِّفاتِ المَمْدُوحَةِ والأخْلاقِ الزَّكِيَّةِ والسَّمْتِ الصّالِحِ والهَدْيِ والدَّلِّ المَرْضِيِّ، فَيُسْتَدَلُّ عَلى غَرْسِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ في القَلْبِ وثُبُوتِها فِيهِ بِهَذِهِ الأُمُورِ، فَإذا كانَ العِلْمُ صَحِيحًا مُطابِقًا لِمَعْلُومِهِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ كِتابَهُ بِهِ والِاعْتِقادُ مُطابِقًا لِما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وأخْبَرَتْ بِهِ عَنْهُ رُسُلُهُ والإخْلاصُ قائِمٌ في القَلْبِ والأعْمالُ مُوافِقَةٌ لِلْأمْرِ، والهَدْيُ والدَّلُّ والسَّمْتُ مُشابِهٌ لِهَذِهِ الأُصُولِ مُناسِبٌ لَها، عُلِمَ أنَّ شَجَرَةَ الإيمانِ في القَلْبِ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ، وإذا كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ عُلِمَ أنَّ القائِمَ بِالقَلْبِ إنّما هو الشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ. وَمِنها: أنَّ الشَّجَرَةَ لا تَبْقى حَيَّةً إلّا بِمادَّةٍ تُسْقِيها وتُنَمِّيها، فَإذا قُطِعَ عَنْها السَّقْيُ أوْشَكَ أنْ تَيْبَسَ، فَهَكَذا شَجَرَةُ الإسْلامِ في القَلْبِ إنْ لَمْ يَتَعاهَدْها صاحِبُها بِسَقْيِها كُلَّ وقْتٍ بِالعِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ والعَوْدِ بِالتَّذَكُّرِ عَلى التَّفْكِيرِ والتَّفَكُّرِ عَلى التَّذَكُّرِ، وإلّا أوْشَكَ أنْ تَيْبَسَ، وفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنّ الإيمانَ يَخْلَقُ في القَلْبِ كَما يَخْلَقُ الثَّوْبُ فَجَدِّدُوا إيمانَكُمْ» وبِالجُمْلَةِ فالغَرْسُ إنْ لَمْ يَتَعاهَدْهُ صاحِبُهُ أوْشَكَ أنْ يَهْلَكَ، ومِن هُنا تَعْلَمُ شِدَّةَ حاجَةِ العِبادِ إلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن العِباداتِ عَلى تَعاقُبِ الأوْقاتِ وعَظِيمِ رَحْمَتِهِ وتَمامِ نِعْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى عِبادِهِ بِأنْ وظَّفَها عَلَيْها وجَعَلَها مادَّةً لِسَقْيِ غِراسِ التَّوْحِيدِ الَّذِي غَرَسَهُ في قُلُوبِهِمْ. وَمِنها: أنَّ الغَرْسَ والزَّرْعَ النّافِعَ قَدْ أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ العادَةَ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُخالِطَهُ دَغَلٌ ونَبْتٌ غَرِيبٌ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، فَإنْ تَعاهَدَهُ رَبُّهُ ونَقّاهُ وقَلَعَهُ كَمُلَ الغَرْسُ والزَّرْعُ، واسْتَوى، وتَمَّ نَباتُهُ، وكانَ أوْفَرَ لِثَمَرَتِهِ، وأطْيَبَ وأزْكى، وإنْ تَرَكَهُ أوْشَكَ أنْ يَغْلِبَ عَلى الغَرْسِ والزَّرْعِ، ويَكُونُ الحُكْمُ لَهُ، أوْ يُضْعِفَ الأصْلَ ويَجْعَلَ الثَّمَرَةَ ذَمِيمَةً ناقِصَةً بِحَسْبِ كَثْرَتِهِ وقِلَّتِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ فِقْهُ نَفْسٍ في هَذا ومَعْرِفَةٌ بِهِ فَإنَّهُ يَفُوتُهُ رِبْحٌ كَبِيرٌ وهو لا يَشْعُرُ؛ فالمُؤْمِنُ دائِمًا سَعْيُهُ في شَيْئَيْنِ: سَقْيِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وتَنْقِيَةِ ما حَوْلَها، فَبِسَقْيِها تَبْقى وتَدُومُ وبِتَنْقِيَةِ ما حَوْلَها تَكْمُلُ وتَتِمُّ، واللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ. فَهَذا بَعْضُ ما تَضَمَّنَهُ هَذا المَثَلُ العَظِيمُ الجَلِيلُ مِن الأسْرارِ والحِكَمِ، ولَعَلَّها قَطْرَةٌ مِن بَحْرٍ بِحَسَبِ أذْهانِنا الواقِفَةِ، وقُلُوبِنا المُخْطِئَةِ، وعُلُومِنا القاصِرَةِ، وأعْمالِنا الَّتِي تُوجِبُ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ، وإلّا فَلَوْ طَهُرَتْ مِنّا القُلُوبُ، وصَفَتْ الأذْهانُ وزَكَتْ النُّفُوسُ، وخَلَصَتْ الأعْمالُ، وتَجَرَّدَتْ لَهم لِلتَّلَقِّي عَنْ اللَّهِ ورَسُولِهِ؛ لَشاهَدْنا مِن مَعانِي كَلامِ اللَّهِ وأسْرارِهِ وحِكَمِهِ ما تَضْمَحِلُّ عِنْدَهُ العُلُومُ، وتَتَلاشى عِنْدَهُ مَعارِفُ الخَلْقِ، وبِهَذا تَعْرِفُ قَدْرَ عُلُومِ الصَّحابَةِ ومَعارِفِهِمْ، وأنَّ التَّفاوُتَ الَّذِي بَيْنَ عُلُومِهِمْ وعُلُومِ مَن بَعْدَهم كالتَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَهم في الفَضْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ مَواقِعَ فَضْلِهِ ومَن يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ. (فصل) السّنة شَجَرَة والشهور فروعها والأيّام أغْصانها والساعات أوراقها، والأنفاس ثَمَرها، فَمن كانَت أنفاسه في طاعَة فثمرة شجرته طيبَة ومن كانَت في مَعْصِيّة فثمرته حنظل وإنَّما يكون الجداد يَوْم المعاد فَعِنْدَ الجداد يتَبَيَّن حُلْو الثِّمار من مرّها والإخْلاص والتوحيد شَجَرَة في القلب فروعها الأعْمال وثَمَرها طيب الحَياة في الدُّنْيا والنَّعِيم المُقِيم في الآخِرَة وكما أن ثمار الجنَّة لا مَقْطُوعَة ولا مَمْنُوعَة فثمرة التَّوْحِيد والإخْلاص في الدُّنْيا كَذَلِك والشرك والكذب والرياء شَجَرَة في القلب ثَمَرها في الدُنْيا والخَوْف والهم والغَم وضيق الصَّدْر وظلمة القلب وثَمَرها في الآخِرَة الزقّوم والعَذاب المُقِيم وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سُورَة إبْراهِيم. (موعظة) شجرة الإخلاص أصلها ثابت لا يضرها زعازع ﴿أين شركائي الذي كنتم تزعمون﴾ وأما شجرة الدباء فإنها تجتث عند نسمة من كان يعبد شيئا فليتبعه. رياء المرائين صير مسجد الضرار مزبلة وخربة لا تقم فيه أبدا، وإخلاص المخلصين رفع قدر التفث. رب أشعث أغبر قلب من ترائيه بيد من أعرضت عنه يصرفه عنك إلى غيرك فلا على ثواب المخلصين حصلت ولا إلى ما قصدته بالرياء وصلت وفات الأجر والمدح فلا هذا ولا هذا.

إبراهيم 14:26

[فَصْلٌ: مَثَلُ الكافِرِ] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَثَلَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ فَشَبَّهَها بِالشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ، فَلا عِرْقَ ثابِتٌ، ولا فَرْعَ عالٍ، ولا ثَمَرَةَ زاكِيَةٌ، فَلا ظِلَّ، ولا جَنًى، ولا ساقَ قائِمٌ، ولا عِرْقَ في الأرْضِ ثابِتٌ، فَلا أسْفَلَها مُغْدِقٌ ولا أعْلاها مُونِقٌ، ولا جَنى لَها، ولا تَعْلُو بَلْ تُعْلى. وَإذا تَأمَّلَ اللَّبِيبُ أكْثَرَ كَلامِ هَذا الخَلْقِ في خِطابِهِمْ وكَسْبِهِمْ وجَدَهُ كَذَلِكَ؛ فالخُسْرانُ الوُقُوفُ مَعَهُ والِاشْتِغالُ بِهِ عَنْ أفْضَلِ الكَلامِ وأنْفَعِهِ. قالَ الضَّحّاكُ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْكافِرِ بِشَجَرَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ، يَقُولُ: لَيْسَ لَها أصْلٌ ولا فَرْعٌ، ولَيْسَ لَها ثَمَرَةٌ، ولا فِيها مَنفَعَةٌ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَعْمَلُ خَيْرًا ولا يَقُولُهُ، ولا يَجْعَلُ اللَّهَ فِيهِ بَرَكَةً ولا مَنفَعَةً. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]- وهي الشِّرْكُ - ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] يَعْنِي الكافِرَ، ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، يَقُولُ: الشِّرْكُ لَيْسَ لَهُ أصْلٌ يَأْخُذُ بِهِ الكافِرُ ولا بُرْهانٌ، ولا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلًا، فَلا يُقْبَلُ عَمَلُ المُشْرِكِ، ولا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ أصْلٌ ثابِتٌ في الأرْضِ ولا فَرْعٌ في السَّماءِ؛ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ في السَّماءِ ولا في الأرْضِ. وَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مَثَلُ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ مَثَلُ الكافِرِ، لَيْسَ لِقَوْلِهِ ولا لِعَمَلِهِ أصْلٌ ولا فَرْعٌ، ولا يَسْتَقِرُّ قَوْلُهُ ولا عَمَلُهُ عَلى الأرْضِ، ولا يَصْعَدُ إلى السَّماءِ. وَقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ رَجُلًا لَقِيَ رَجُلًا مِن أهْلِ العِلْمِ فَقالَ لَهُ: ما تَقُولُ في الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ؟ قالَ: ما أعْلَمُ لَها في الأرْضِ مُسْتَقَرًّا ولا في السَّماءِ مِصْعَدًا، إلّا أنْ تَلْزَمَ عُنُقَ صاحِبِها حَتّى يُوافى بِها يَوْمَ القِيامَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ [إبراهيم: ٢٦] أيْ اسْتُؤْصِلَتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ.

إبراهيم 14:27

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ في الفَرِيقَيْنِ أصْحابِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ والكَلِمِ الخَبِيثِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ يُثَبِّتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِإيمانِهِمْ بِالقَوْلِ الثّابِتِ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنَّهُ يُضِلُّ الظّالِمِينَ وهم المُشْرِكُونَ عَنْ القَوْلِ الثّابِتِ، فَأضَلَّ هَؤُلاءِ بِعَدْلِهِ لِظُلْمِهِمْ، وثَبَّتَ المُؤْمِنِينَ بِفَضْلِهِ لِإيمانِهِمْ. وَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] كَنْزٌ عَظِيمٌ مَن وُفِّقَ لِمَظِنَّتِهِ وأحْسَنَ اسْتِخْراجَهُ واقْتِناءَهُ وأنْفَقَ مِنهُ فَقَدْ غَنِمَ، ومَن حُرِمَهُ فَقَدْ حُرِمَ، وذَلِكَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَغْنِي عَنْ تَثْبِيتِ اللَّهِ لَهُ طُرْفَةَ عَيْنٍ فَإنْ لَمْ يُثَبِّتْهُ وإلّا زالَتْ سَماءُ إيمانِهِ وأرْضِهِ عَنْ مَكانِهِما، وقَدْ قالَ تَعالى لِأكْرَمِ خَلْقِهِ عَلَيْهِ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقالَ تَعالى لِأكْرَمِ خَلْقِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ البَجَلِيِّ قالَ: «وَهُوَ يَسْألُهم ويُثَبِّتُهُمْ» وقالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] فالخَلْقُ كُلُّهم قِسْمانِ: مُوَفَّقٌ بِالتَّثْبِيتِ، ومَخْذُولٌ بِتَرْكِ التَّثْبِيتِ، ومادَّةُ التَّثْبِيتِ أصْلُهُ ومَنشَؤُهُ مِن القَوْلِ الثّابِتِ وفِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ العَبْدُ، فَبِهِما يُثَبِّتُ اللَّهُ عَبْدَهُ، فَكُلُّ مَن كانَ أثْبَتَ قَوْلًا وأحْسَنَ فِعْلًا كانَ أعْظَمَ تَثْبِيتًا، قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] فَأثْبَتُ النّاسِ قَلْبًا أثْبَتُهم قَوْلًا، والقَوْلُ الثّابِتُ هو القَوْلُ الحَقُّ والصِّدْقُ، وهو ضِدُّ القَوْلِ الباطِلِ الكَذِبِ؛ فالقَوْلُ نَوْعانِ: ثابِتٌ لَهُ حَقِيقَةٌ، وباطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأثْبَتُ القَوْلِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ ولَوازِمُها، فَهي أعْظَمُ ما يُثَبِّتُ اللَّهُ بِها عَبْدَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ولِهَذا تَرى الصّادِقَ مِن أثْبَتِ النّاسِ وأشْجَعِهِمْ قَلْبًا، والكاذِبَ مِن أمْهَنِ النّاسِ وأخْبَثِهِمْ وأكْثَرِهِمْ تَلَوُّثًا وأقَلِّهِمْ ثَباتًا، وأهْلُ الفِراسَةِ يَعْرِفُونَ صِدْقَ الصّادِقِ مِن ثَباتِ قَلْبِهِ وقْتَ الإخْبارِ وشَجاعَتِهِ ومَهابَتِهِ، ويَعْرِفُونَ كَذِبَ الكاذِبِ بِضِدِّ ذَلِكَ؛ ولا يَخْفى ذَلِكَ إلّا عَلى ضَعِيفِ البَصِيرَةِ. وَسُئِلَ بَعْضُهم عَنْ كَلامٍ سَمِعَهُ مِن مُتَكَلِّمٍ بِهِ، فَقالَ: واللَّهِ ما فَهِمْت مِنهُ شَيْئًا، إلّا أنِّي رَأيْت لِكَلامِهِ صَوْلَةً لَيْسَتْ بِصَوْلَةِ مُبْطِلٍ، فَما مُنِحَ العَبْدُ مِنحَةً أفْضَلَ مِن مِنحَةِ القَوْلِ الثّابِتِ، ويَجِدُ أهْلُ القَوْلِ الثّابِتِ ثَمَرَتَهُ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ في قُبُورِهِمْ ويَوْمَ مَعادِهِمْ، كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَذابِ القَبْرِ». [سُؤالُ القَبْرِ والتَّثْبِيتُ فِيهِ] وَقَدْ جاءَ هَذا مُبَيَّنًا في أحادِيثَ صِحاحٍ؛ فَمِنها ما في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ داوُد بْنِ أبِي هِنْدَ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلى في قُبُورِها، فَإذا الإنْسانُ دُفِنَ وتَفَرَّقَ عَنْهُ أصْحابُهُ جاءَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِطْراقٌ فَأقْعَدَهُ فَقالَ: ما تَقُولُ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَإنْ كانَ مُؤْمِنًا قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْت، فَيُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى النّارِ فَيُقالُ لَهُ: هَذا مَنزِلُك لَوْ كَفَرْت بِرَبِّك، فَأمّا إذْ آمَنت فَإنَّ اللَّهَ أبْدَلَك بِهِ هَذا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى الجَنَّةِ، فَيُرِيدُ أنْ يَنْهَضَ لَهُ، فَيُقالُ لَهُ: اسْكُنْ، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ، وأمّا الكافِرُ والمُنافِقُ فَيُقالُ لَهُ: ما تَقُولُ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أدْرِي، فَيُقالُ لَهُ: لا دَرَيْت ولا اهْتَدَيْت، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا مَنزِلُك لَوْ آمَنَتْ بِرَبِّك، فَأمّا إذْ كَفَرْت فَإنَّ اللَّهَ أبْدَلَك بِهِ هَذا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى النّارِ، ثُمَّ يَقْمَعُهُ المَلَكُ بِالمِطْراقِ قَمْعَةً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم إلّا الثَّقَلَيْنِ، قالَ بَعْضُ أصْحابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما مِنّا مِن أحَدٍ يَقُومُ عَلى رَأْسِهِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِطْراقٌ إلّا هُبِلَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]». وفي المُسْنَدِ نَحْوُهُ مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ. وَرَوى المِنهالُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زاذانَ عَنْ البَراءِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ فَقالَ: يَأْتِيهِ آتِ، يَعْنِي في قَبْرِهِ، فَيَقُولُ: مَن رَبُّك؟ وما دِينُك؟ ومَن نَبِيُّك؟ فَيَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ، ودِينِي الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَ: فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ: ما رَبُّك؟ وما دِينُك؟ وهي آخَرُ فِتْنَةٍ تَعْرِضُ عَلى المُؤْمِنِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. فَيَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ، ودِينِي الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ، فَيُقالُ لَهُ: صَدَقْت» وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قالَ: إذا قِيلَ لَهُ في القَبْرِ: مَن رَبُّك؟ وما دِينُك؟ فَيَقُولُ رَبِّي اللَّهُ، ودِينِي الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ، جاءَنا بِالبَيِّناتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَآمَنت بِهِ وصَدَّقْت، فَيُقالُ لَهُ: صَدَقْت، عَلى هَذا عِشْت، وعَلَيْهِ مِتَّ، وعَلَيْهِ تُبْعَثُ». وَقالَ الأعْمَشُ عَنْ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو، وعَنْ زاذانَ عَنْ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ، قالَ: فَتَرْجِعُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، ويُبْعَثُ إلَيْهِ مَلَكانِ شَدِيدا الِانْتِهارِ، فَيُجْلِسانِهِ ويَنْتَهِرانِهِ ويَقُولانِ: مَن رَبُّك؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ، وما دِينُك: فَيَقُولُ: الإسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما هَذا الرَّجُلُ أوْ النَّبِيُّ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: وما يُدْرِيَك؟ قالَ: فَيَقُولُ: قَرَأْت كِتابَ اللَّهِ فَآمَنت بِهِ وصَدَّقْت، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]». وَرَواهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والإمامُ أحْمَدُ وفي صَحِيحِهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قالَ: «إنّ المَيِّتَ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ مُدْبِرِينَ، فَإذا كانَ مُؤْمِنًا كانَتْ الصَّلاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، والزَّكاةُ عَنْ يَمِينِهِ، وكانَ الصِّيامُ عَنْ يَسارِهِ، وكانَ فِعْلُ الخَيْراتِ مِن الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ والمَعْرُوفِ والإحْسانِ إلى النّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتى مِن عِنْدِ رَأْسِهِ فَتَقُولُ الصَّلاةُ: ما قَبْلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتى عَنْ يَمِينِهِ فَتَقُولُ الزَّكاةُ: ما قَبْلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتى عَنْ يَسارِهِ فَيَقُولُ الصِّيامُ: ما قَبْلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتى مِن عِنْدِ رِجْلَيْهِ فَيَقُولُ فِعْلُ الخَيْراتِ مِن الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ والمَعْرُوفِ والإحْسانِ إلى النّاسِ: ما قَبْلِي مَدْخَلٌ، فَيُقالُ لَهُ: اجْلِسْ، فَيَجْلِسُ قَدْ مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ قَدْ دَنَتْ لِلْغُرُوبِ فَيَقُولُ لَهُ: أخْبِرْنا عَنْ ما نَسْألُك عَنْهُ، فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتّى أُصَلِّيَ، فَيُقالُ: إنّك سَتَفْعَلُ، فَأخْبِرْنا عَمّا نَسْألُك، فَيَقُولُ: وعَمَّ تَسْألُونِي؟ فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْت هَذا الرَّجُلَ الَّذِي كانَ فِيكُمْ، ماذا تَقُولُ فِيهِ؟ وماذا تَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: أمُحَمَّدٌ ﷺ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّهُ جاءَ بِالبَيِّناتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَصَدَّقْناهُ، فَيُقالُ لَهُ: عَلى ذَلِكَ حَيِيت، وعَلى ذَلِكَ مِتَّ، وعَلى ذَلِكَ تُبْعَثُ إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِراعًا، ويُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: انْظُرْ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَك فِيها، فَيَزْدادُ غِبْطَةً وسُرُورًا، ثُمَّ تُجْعَلُ نِسْمَتُهُ في النَّسَمِ الطَّيِّبِ، وهي طَيْرٌ خُضْرٌ تَعَلَّقَ بِشَجَرِ الجَنَّةِ، ويُعادُ الجَسَدُ إلى ما بَدَأ مِنهُ مِن التُّرابِ. وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]» ولا تَسْتَطِيلُ هَذا الفَصْلَ المُعْتَرِضَ في المُفْتِي والشّاهِدِ والحاكِمِ، بَلْ وكُلُّ مُسْلِمٍ أشَدُّ ضَرُورَةً إلَيْهِ مِن الطَّعامِ والشَّرابِ والنَّفَسِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ: المَعاصِي تُضْعِفُ العَبْدَ أمامَ نَفْسِهِ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تَخُونُ العَبْدَ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلى نَفْسِهِ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَنْفَعُهُ وما يَضُرُّهُ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ، وأعْلَمُ النّاسِ أعْرَفُهم بِذَلِكَ عَلى التَّفْصِيلِ، وأقْواهم وأكْيَسُهم مَن قَوِيَ عَلى نَفْسِهِ وإرادَتِهِ، فاسْتَعْمَلَها فِيما يَنْفَعُهُ وكَفَّها عَمّا يَضُرُّهُ. وَفِي ذَلِكَ تَتَفاوَتُ مَعارِفُ النّاسِ وهِمَمُهم ومَنازِلُهُمْ، فَأعْرَفُهم مَن كانَ عارِفًا بِأسْبابِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وأرْشَدُهم مَن آثَرَ هَذِهِ عَلى هَذِهِ، كَما أنَّ أسْفَهَهم مَن عَكَسَ الأمْرَ. والمَعاصِي تَخُونُ العَبْدَ أحْوَجَ ما كانَ إلى نَفْسِهِ في تَحْصِيلِ هَذا العِلْمِ، وإيثارِ الحَظِّ الأشْرَفِ العالِي الدّائِمِ عَلى الحَظِّ الخَسِيسِ الأدْنى المُنْقَطِعِ، فَتَحْجُبُهُ الذُّنُوبُ عَنْ كَمالِ هَذا العِلْمِ، وعَنْ الِاشْتِغالِ بِما هو أوْلى بِهِ، وأنْفَعُ لَهُ في الدّارَيْنِ. فَإذا وقَعَ مَكْرُوهٌ واحْتاجَ إلى التَّخَلُّصِ مِنهُ، خانَهُ قَلْبُهُ ونَفْسُهُ وجَوارِحُهُ، وكانَ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ مَعَهُ سَيْفٌ قَدْ غَشِيَهُ الصَّدَأُ ولَزِمَ قِرابَهُ، بِحَيْثُ لا يَنْجَذِبُ مَعَ صاحِبِهِ إذا جَذَبَهُ، فَعَرَضَ لَهُ عَدُوٌّ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَوَضَعَ يَدِهِ عَلى قائِمِ سَيْفِهِ واجْتَهَدَ لِيُخْرِجَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ، فَدَهَمَهُ العَدُوُّ وظَفِرَ بِهِ. كَذَلِكَ القَلْبُ يَصْدَأُ بِالذُّنُوبِ ويَصِيرُ مُثْخَنًا بِالمَرَضِ، فَإذا احْتاجَ إلى مُحارَبَةِ العَدُوِّ لَمْ يَجِدْ مَعَهُ مِنهُ شَيْئًا، والعَبْدُ إنَّما يُحارِبُ ويُصاوِلُ ويُقْدِمُ بِقَلْبِهِ، والجَوارِحُ تَبَعٌ لِلْقَلْبِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ مَلِكِها قُوَّةٌ يَدْفَعُ بِها، فَما الظَّنُّ بِها؟ وَكَذَلِكَ النَّفْسُ فَإنَّها تَخْبُثُ بِالشَّهَواتِ والمَعاصِي وتَضْعُفُ، أعْنِي النَّفْسَ المُطْمَئِنَّةَ، وإنْ كانَتِ الأمّارَةُ تَقْوى وتَتَأسَّدُ، وكُلَّما قَوِيَتْ هَذِهِ ضَعُفَتْ تِلْكَ، فَيَبْقى الحُكْمُ والتَّصَرُّفُ لِلْأمّارَةِ. وَرُبَّما ماتَتْ نَفْسُهُ المُطْمَئِنَّةُ مَوْتًا لا يُرْتَجى مَعَهُ حَياةٌ يَنْتَفِعُ بِها، بَلْ حَياتُهُ حَياةٌ يُدْرِكُ بِها الألَمَ فَقَطْ. والمَقْصُودُ أنَّ العَبْدَ إذا وقَعَ في شِدَّةٍ أوْ كُرْبَةٍ أوْ بَلِيَّةٍ خانَهُ قَلْبُهُ ولِسانُهُ وجَوارِحُهُ عَمّا هو أنْفَعُ شَيْءٍ لَهُ، فَلا يَنْجَذِبُ قَلْبُهُ لِلتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى والإنابَةِ إلَيْهِ والجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ والتَّضَرُّعِ والتَّذَلُّلِ والِانْكِسارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولا يُطاوِعُهُ لِسانُهُ لِذِكْرِهِ، وإنْ ذَكَرَهُ بِلِسانِهِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ قَلْبِهِ ولِسانِهِ، فَيَنْحَبِسُ القَلْبُ عَلى اللِّسانِ بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ الذِّكْرُ، ولا يَنْحَبِسُ القَلْبُ واللِّسانُ عَلى الذِّكْرِ، بَلْ إنْ ذَكَرَ أوْ دَعا ذَكَرَ بِقَلْبٍ لاهٍ ساهٍ غافِلٍ، ولَوْ أرادَ مِن جَوارِحِهِ أنْ تُعِينَهُ بِطاعَةٍ تَدْفَعُ عَنْهُ لَمْ تَنْقَدْ لَهُ ولَمْ تُطاوِعْهُ. وَهَذا كُلُّهُ أثَرُ الذُّنُوبِ والمَعاصِي كَمَن لَهُ جُنْدٌ يَدْفَعُ عَنْهُ الأعْداءَ، فَأهْمَلَ جُنْدَهُ، وضَيَّعَهُمْ، وأضْعَفَهُمْ، وقَطَعَ أخْبارَهُمْ، ثُمَّ أرادَ مِنهم عِنْدَ هُجُومِ العَدُوِّ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَفْرِغُوا وُسْعَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ بِغَيْرِ قُوَّةٍ. هَذا، وثَمَّ أمْرٌ أخْوَفُ مِن ذَلِكَ وأدْهى مِنهُ وأمَرُّ، وهو أنْ يَخُونَهُ قَلْبُهُ ولِسانُهُ عِنْدَ الِاحْتِضارِ والِانْتِقالِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَرُبَّما تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِالشَّهادَةِ، كَما شاهَدَ النّاسُ كَثِيرًا مِنَ المُحْتَضَرِينَ أصابَهم ذَلِكَ، حَتّى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: آهْ آهْ، لا أسْتَطِيعُ أنْ أقُولَها. وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: شاهْ رُخْ، غَلَبْتُكَ. ثُمَّ قَضى. وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: ؎يا رُبَّ قائِلَةٍ يَوْمًا وقَدْ تَعِبَتْ ∗∗∗ أيْنَ الطَّرِيقُ إلى حَمّامِ مِنجابِ ثُمَّ قَضى. وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَجَعَلَ يَهْذِي بِالغِناءِ ويَقُولُ: تاتِنا تِنِنْتا. حَتّى قَضى وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقالَ: وما يَنْفَعُنِي ما تَقُولُ ولَمْ أدَعْ مَعْصِيَةً إلّا رَكِبْتُها؟ ثُمَّ قَضى ولَمْ يَقُلْها. وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقالَ: وما يُغْنِي عَنِّي، وما أعْرِفُ أنِّي صَلَّيْتُ لِلَّهِ صَلاةً؟ ثُمَّ قَضى ولَمْ يَقُلْها. وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقالَ: هو كافِرٌ بِما تَقُولُ. وقَضى. وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقالَ: كُلَّما أرَدْتُ أنْ أقُولَها لِسانِي يُمْسِكُ عَنْها. وَأخْبَرَنِي مَن حَضَرَ بَعْضَ الشَّحّاذِينَ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: لِلَّهِ، فِلْسٌ لِلَّهِ. حَتّى قَضى. وَأخْبَرَنِي بَعْضُ التُّجّارِ عَنْ قَرابَةٍ لَهُ أنَّهُ احْتُضِرَ وهو عِنْدَهُ، وجَعَلُوا يُلَقِّنُونَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو يَقُولُ: هَذِهِ القِطْعَةُ رَخِيصَةٌ، هَذا مُشْتَرٍ جَيِّدٌ، هَذِهِ كَذا. حَتّى قَضى. وَسُبْحانَ اللَّهِ! كَمْ شاهَدَ النّاسُ مِن هَذا عِبَرًا؟ والَّذِي يَخْفى عَلَيْهِمْ مِن أحْوالِ المُحْتَضِرِينَ أعْظَمُ وأعْظَمُ. فَإذا كانَ العَبْدُ في حالِ حُضُورِ ذِهْنِهِ وقُوَّتِهِ وكَمالِ إدْراكِهِ قَدْ تَمَكَّنَ مِنهُ الشَّيْطانُ، واسْتَعْمَلَهُ فِيما يُرِيدُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ، وقَدْ أغْفَلَ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَطَّلَ لِسانَهُ عَنْ ذِكْرِهِ وجَوارِحَهُ عَنْ طاعَتِهِ، فَكَيْفَ الظَّنُّ بِهِ عِنْدَ سُقُوطِ قُواهُ واشْتِغالِ قَلْبِهِ ونَفَسِهِ بِما هو فِيهِ مِن ألَمِ النَّزْعِ؟ وجَمَعَ الشَّيْطانُ لَهُ كُلَّ قُوَّتِهِ وهِمَّتِهِ، وحَشَدَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِيَنالَ مِنهُ فُرْصَتَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ آخِرُ العَمَلِ، فَأقْوى ما يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْطانُهُ ذَلِكَ الوَقْتِ، وأضْعَفُ ما يَكُونُ هو في تِلْكَ الحالِ، فَمَن تُرى يَسْلَمُ عَلى ذَلِكَ؟ فَهُناكَ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. فَكَيْفَ يُوَفَّقُ بِحُسْنِ الخاتِمَةِ مَن أغْفَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِهِ واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا. فَبَعِيدٌ مَن قَلْبُهُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، غافِلٌ عَنْهُ مُتَعَبِّدٌ لِهَواهُ أسِيرٌ لِشَهَواتِهِ، ولِسانُهُ يابِسٌ مِن ذِكْرِهِ، وجَوارِحُهُ مُعَطَّلَةٌ مِن طاعَتِهِ مُشْتَغِلَةٌ بِمَعْصِيَتِهِ - أنْ يُوَفَّقَ لِلْخاتِمَةِ بِالحُسْنى. وَلَقَدْ قَطَعَ خَوْفُ الخاتِمَةِ ظُهُورَ المُتَّقِينَ، وكَأنَّ المُسِيئِينَ الظّالِمِينَ قَدْ أخَذُوا تَوْقِيعًا بِالأمانِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ - سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٣٩-٤٠] كَما قِيلَ: ؎يا آمِنًا مِن قَبِيحِ الفِعْلِ مِنهُ أهَلْ ∗∗∗ أتاكَ تَوْقِيعُ أمْنٍ أنْتَ تَمْلِكُهُ ؎جَمَعْتَ شَيْئَيْنِ أمْنًا واتِّباعَ هَوًى ∗∗∗ هَذا وإحْداهُما في المَرْءِ تُهْلِكُهُ ؎والمُحْسِنُونَ عَلى دَرْبِ المَخاوِفِ قَدْ ∗∗∗ سارُوا وذَلِكَ دَرْبٌ لَسْتَ تَسْلُكُهُ ؎فَرَّطْتَ في الزَّرْعِ وقْتَ البَذْرِ مِن سَفَهٍ ∗∗∗ فَكَيْفَ عِنْدَ حَصادِ النّاسِ تُدْرِكُهُ ؎هَذا وأعْجَبُ شَيْءٍ مِنكَ زُهْدُكَ في ∗∗∗ دارِ البَقاءِ بِعَيْشٍ سَوْفَ تَتْرُكُهُ ؎مَنِ السَّفِيهُ إذًا بِاللَّهِ أنْتَ أمِ ال ∗∗∗ مَغْبُونُ في البَيْعِ غَبْنًا سَوْفَ يُدْرِكُهُ

إبراهيم 14:34

(فصل) الرب تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره هو المنعم على الحقيقة بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه فإيجادهم نعمة منه وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه وإعطائهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها وأصنافها نعمة منه، وتعريفهم نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه، وإجراء ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته على قلوبهم نعمة منه، وحفظهم بعد إيجادهم نعمة منه، وقيامه بمصالحهم دقيقها وجليلها نعمة منه، وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعايشهم نعمة منه، وذكر نعمه على سبيل التفصيل لا سبيل إليه ولا قدرة للبشر عليه. ويكفي أن النفس من أدنى نعمه التي لا يكادون يعدونها وهو أربعة وعشرون ألف نفس في كل يوم وليلة، فلله على العبد في النفس خاصة أربعة وعشرون ألف نعمة كل يوم وليلة، دع ما عدا ذلك من أصناف نعمه على العبد، ولكل نعمة من هذه النعم حق من الشكر يستدعيه ويقتضيه، فإذا وزعت طاعات العبد كلها على هذه النعم لم يخرج قسط كل نعمة منها إلا جزء يسير جدا لا نسبة له إلى قدر تلك النعمة بوجه من الوجوه. (فائدة) وكان بعض الخطباء يقول في خطبته اختط لك الأنف فأقامه وأتمه فأحسن تمامه ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقه وبأشفار معلقه ونقلك من طبقة إلى طبقه وحنن عليك قلب الوالدين برقة ومقة فنعمه عليك مورقة وأياديه بك محدقة وكان بعض العلماء يقول في قوله تعالى ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ سبحان من لم يجعل لحد معرفة نعمه إلا العلم بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل لحد إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدرك فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكرا، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله إيمانا علما منه أن العباد لا يتجاوزون ذلك. وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا مثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله يقول: "خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابرا شاكرا، ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابرا شاكرا من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه. فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله صابرا شاكرا ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله صابرا شاكرا. (فصل) وأما شهود النعمة فإنه لا يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلا ولو عمل أعمال الثقلين فإن نعم الله سبحانه أكثر من أعماله، وأدنى نعمه من نعمه تستنفذ عمله فينبغي للعبد ألا يزال ينظر في حق الله عليه. قال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع فقال: يا رب ارحمه فإني قد رحمته. فأوحى الله إليه لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه. فمشاهدة العبد النعمه والواجب لا تدع له حسنة يراها، ولا يزال مزريا على نفسه ذاما لها، وما أقرَّ به من الرحمه إذا أعطى هذين المشهدين حقهما والله المستعان.

إبراهيم 14:35

وَلَمْ يَقُلْ: فَإنَّكَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ اسْتِعْطافٍ وتَعْرِيضٍ بِالدُّعاءِ، أيْ إنْ تَغْفِرْ لَهم وتَرْحَمْهُمْ، بِأنْ تُوَفِّقَهم لِلرُّجُوعِ مِنَ الشِّرْكِ إلى التَّوْحِيدِ، ومِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ، كَما في الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ». وَفِي هَذا أظْهَرُ الدِّلالَةِ عَلى أنَّ أسْماءَ الرَّبِّ تَعالى مُشْتَقَّةٌ مِن أوْصافٍ ومَعانٍ قامَتْ بِهِ، وأنَّ كُلَّ اسْمٍ يُناسِبُ ما ذُكِرَ مَعَهُ، واقْتَرَنَ بِهِ، مِن فِعْلِهِ وأمْرِهِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

إبراهيم 14:36

وَلَمْ يَقُلْ: فَإنَّكَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ اسْتِعْطافٍ وتَعْرِيضٍ بِالدُّعاءِ، أيْ إنْ تَغْفِرْ لَهم وتَرْحَمْهُمْ، بِأنْ تُوَفِّقَهم لِلرُّجُوعِ مِنَ الشِّرْكِ إلى التَّوْحِيدِ، ومِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ، كَما في الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ». وَفِي هَذا أظْهَرُ الدِّلالَةِ عَلى أنَّ أسْماءَ الرَّبِّ تَعالى مُشْتَقَّةٌ مِن أوْصافٍ ومَعانٍ قامَتْ بِهِ، وأنَّ كُلَّ اسْمٍ يُناسِبُ ما ذُكِرَ مَعَهُ، واقْتَرَنَ بِهِ، مِن فِعْلِهِ وأمْرِهِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

إبراهيم 14:39

وأما قول إبراهيم الخليل: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ فالمراد بالسمع هنا السمع الخاص وهو سمع الإجابة والقبول لا السمع العام لأنه سميع لكل مسموع وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب وسمع الرب تبارك وتعالى له إثابته على الثناء وإجابته للطلب فهو سميع لهذا وهذا. ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فالمعنى أنه ملاق جهنم بعد موته فهي من بعده أي بعد مفارقته الدنيا فهي لما كان تبعد حياته كانت وراءه لأن وراء كبعد فكما لا يكون بعد قبل فلا يكون وراء أمام، وأنت لو قلت: "جهنم بعد موت الكافر" لم يكن فيها معنى قبل بوجه. فوراء هاهنا زمان لا مكان فتأمله - رحمك الله تعالى - فهي خلف زمان حياته وبعده، وهي أمامه ومستقبلته. فكونها خلفا وأماما باعتبارين، وإنما وقع الاشتباه لأن بعدية الزمان إنما يكون فيما يستقبل أمامك كقولك: بعد غد وورائية المكان فيما تخلف وراء ظهرك فـ (من ورائه جهنم) ورائية زمان لا مكان، وهي إنما تكون في المستقبل الذي هو أمامك، فلما كان معنى الأمام لازم لها ظن من ظن أنها مشتركة ولا اشتراك فيها وكذلك قوله: ﴿وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وكذلك: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وأما قوله: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ فإن صحت قراءة وكان أمامهم ملك فلها معنى لا يناقض القراءة العامة وهو أن الملك كان خلف ظهورهم وكان مرجعهم عليه فهو وراءهم في ذهابهم وأمامهم في مرجعهم فالقراءتان بالاعتبارين. والله سبحانه وتعالى أعلم.

الحجر 15:11

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ (١٢)﴾ وقد وقع هذا المعنى في القرآن في موضعين هذا أحدهما، والثاني في سورة الشعراء في قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ قال ابن عباس: "سلك الشرك في قلوب المكذبين كما سلك الخرزة في الخيط" وقال أبو إسحاق: "أي كما فعل بالمجرمين الذين استهزؤا بمن تقدم من الرسل كذلك سلك الضلال في قلوب المجرمين" واختلفوا في مفسر الضمير في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ فقال ابن عباس: "سلكنا الشرك" وهو قول الحسن. وقال الزجاج وغيره: "هو الضلال" وقال الربيع: "يعني الاستهزاء" وقال الفراء: "التكذيب" وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد والتكذيب والاستهزاء والشرك كل ذلك فعلهم حقيقة وقد أخبر أنه سبحانه هو الذي سلكه في قلوبهم وعندي في هذه الأقوال شيء فإن الظاهر أن الضمير في قوله (لا يؤمنون به) هو الضمير في قوله سلكناه فلا يصح أن يكون المعنى لا يؤمنون بالشرك والتكذيب والاستهزاء فلا تصح تلك الأقوال إلا باختلاف مفسر الضميرين والظاهر اتحاده فالذين لا يؤمنون به هو الذي سلكه في قلوبهم وهو القرآن. فإن قيل فما معنى سلكه إياه في قلوبهم وهم ينكرونه؟ قيل: سلكه في قلوبهم بهذه الحال أي سلكناه غير مؤمنين به فدخل في قلوبهم مكذبا به كما دخل في قلوب المؤمنين مصدقا به وهذا مراد من قال إن الذي سلكه في قلوبهم هو التكذيب والضلال ولكن فسر الآية بالمعنى فإنه إذا دخل في قلوبهم مكذبين به فقد دخل التكذيب والضلال في قلوبهم. فإن قيل فما معنى إدخاله في قلوبهم وهم لا يؤمنون به؟ قيل لتقوم عليهم بذلك حجة الله فدخل في قلوبهم وعلموا أنه حق وكذبوا به فلم يدخل في قلوبهم دخول مصدق به مؤمن به مرضي به وتكذيبهم به بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرا من تكذيبهم به قبل أن يدخل في قلوبهم فإن المكذب بالحق بعد معرفته له شر من المكذب به ولم يعرفه فتأمله فإنه من فقه التفسير والله الموفق للصواب.

الحجر 15:12

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ (١٢)﴾ وقد وقع هذا المعنى في القرآن في موضعين هذا أحدهما، والثاني في سورة الشعراء في قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ قال ابن عباس: "سلك الشرك في قلوب المكذبين كما سلك الخرزة في الخيط" وقال أبو إسحاق: "أي كما فعل بالمجرمين الذين استهزؤا بمن تقدم من الرسل كذلك سلك الضلال في قلوب المجرمين" واختلفوا في مفسر الضمير في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ فقال ابن عباس: "سلكنا الشرك" وهو قول الحسن. وقال الزجاج وغيره: "هو الضلال" وقال الربيع: "يعني الاستهزاء" وقال الفراء: "التكذيب" وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد والتكذيب والاستهزاء والشرك كل ذلك فعلهم حقيقة وقد أخبر أنه سبحانه هو الذي سلكه في قلوبهم وعندي في هذه الأقوال شيء فإن الظاهر أن الضمير في قوله (لا يؤمنون به) هو الضمير في قوله سلكناه فلا يصح أن يكون المعنى لا يؤمنون بالشرك والتكذيب والاستهزاء فلا تصح تلك الأقوال إلا باختلاف مفسر الضميرين والظاهر اتحاده فالذين لا يؤمنون به هو الذي سلكه في قلوبهم وهو القرآن. فإن قيل فما معنى سلكه إياه في قلوبهم وهم ينكرونه؟ قيل: سلكه في قلوبهم بهذه الحال أي سلكناه غير مؤمنين به فدخل في قلوبهم مكذبا به كما دخل في قلوب المؤمنين مصدقا به وهذا مراد من قال إن الذي سلكه في قلوبهم هو التكذيب والضلال ولكن فسر الآية بالمعنى فإنه إذا دخل في قلوبهم مكذبين به فقد دخل التكذيب والضلال في قلوبهم. فإن قيل فما معنى إدخاله في قلوبهم وهم لا يؤمنون به؟ قيل لتقوم عليهم بذلك حجة الله فدخل في قلوبهم وعلموا أنه حق وكذبوا به فلم يدخل في قلوبهم دخول مصدق به مؤمن به مرضي به وتكذيبهم به بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرا من تكذيبهم به قبل أن يدخل في قلوبهم فإن المكذب بالحق بعد معرفته له شر من المكذب به ولم يعرفه فتأمله فإنه من فقه التفسير والله الموفق للصواب.

الحجر 15:21

(فائِدَة) قَول الله تَعالى ﴿وَإن من شَيْء إلّا عندنا خزائنه﴾ مُتَضَمّن لكنز من الكُنُوز وهو أن يطْلب كل شَيْء لا يطْلب إلّا مِمَّن عِنْده خزائنه ومفاتيح تِلْكَ الخزائن بيدَيْهِ وأن طلبه من غَيره طلب مِمَّن لَيْسَ عِنْده ولا يقدر عَلَيْهِ. وَقَوله ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ مُتَضَمّن لكنز عَظِيم وهو أن كل مُراد إن لم يرد لأجله ويتصل بِهِ وإلّا فَهو مضمحل مُنْقَطع فَإنَّهُ لَيْسَ إلَيْهِ المُنْتَهى، ولَيْسَ المُنْتَهى إلّا إلى الَّذِي انْتَهَت إلَيْهِ الأُمُور كلها فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه فَهو غايَة كل مَطْلُوب وكل مَحْبُوب لا يحب لأجله فمحبته عناء وعَذاب وكل عمل لا يُراد لأجله فَهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إلَيْهِ فَهو شقي مَحْجُوب عَن سعادته وفلاحه فاجْتمع ما يُراد مِنهُ كُله في قَوْله ﴿وَإن من شَيْء إلّا عندنا خزائنه﴾ واجْتمعَ ما يُراد لَهُ كُله في قَوْله ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ فَلَيْسَ وراءه سُبْحانَهُ غايَة تطلب ولَيْسَ دونه غايَة إلَيْها المُنْتَهى. وَتَحْت هَذا سر عَظِيم من أسرار التَّوْحِيد وهو أن القلب لا يسْتَقرّ ولا يطمئن ويسكن إلّا بالوصول إلَيْهِ وكل ما سواهُ مِمّا يحب ويُراد فمراد لغيره ولَيْسَ المُراد المحبوب لذاته إلّا واحِد إلَيْهِ المُنْتَهى ويستحيل أن يكون المُنْتَهى إلى اثْنَيْنِ كَما يَسْتَحِيل أن يكون ابْتِداء المَخْلُوقات من اثْنَيْنِ فَمن كانَ انْتِهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غَيره بَطل عَلَيْهِ ذَلِك وزالَ عَنهُ وفارقه أحْوج ما كانَ إلَيْهِ ومن كانَ انْتِهاء محبته ورغبته ورهبته وطَلَبه هو سُبْحانَهُ ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبَد الآباد العَبْد دائِما متقلب بَين أحْكام الأوامِر وأحْكام النَّوازِل فَهو مُحْتاج بل مُضْطَر إلى العون عند الأوامِر وإلى اللطف عند النَّوازِل وعَلى قدر قِيامه بالأوامر يحصل لَهُ من اللطف عند النَّوازِل فَإن كمل القيام بالأوامر ظاهرا وباطنا ناله اللطف ظاهرا وباطنا وإن قامَ بصورها دون حقائقها وبواطنها ناله اللطف في الظّاهِر وقل نصِيبه من اللطف في الباطِن فَإن قلت وما اللطف الباطِن فَهو ما يحصل للقلب عند النَّوازِل من السكينَة والطمأنينة وزَوال القلق والِاضْطِراب والجزع فيستخذى بَين يَدي سيّده ذليلا لَهُ مستكينا ناظرا إلَيْهِ بِقَلْبِه ساكِنا إلَيْهِ بِرُوحِهِ وسره قد شغله مُشاهدَة لطفه بِهِ عَن شدَّة ما هو فِيهِ من الألَم وقد غيّبه عَن شُهُود ذَلِك مَعْرفَته بِحسن اخْتِياره لَهُ وأنه عبد مَحْض يجْرِي عَلَيْهِ سيّده أحْكامه رَضِي أو سخط فَإن رَضِي نالَ الرِّضا وإن سخط فحظه السخط فَهَذا اللطف الباطِن ثَمَرَة تِلْكَ المُعامَلَة الباطِنَة يزِيد بزيادتها وينْقص بنقصانها.

الحجر 15:36

فإن قيل: أي حكمة في إبقاء إبليس إلى آخر الدهر وإماتة الرسل؟ فالجواب: كم لله في ذلك من حكمة تضيق بها الأوهام فمنها أنه سبحانه لما جعله محكا ومحنة يخرج به الطيب من الخبيث ووليه من عدوه اقتضت حكمته إبقاءه ليحصل الغرض المطلوب بخلقه ولو أماته لفات ذلك الغرض كما أن الحكمة اقتضت بقاء أعدائه الكفار في الأرض إلى آخر الدهر ولو أهلكهم ألبتة لتعطلت الحكم الكثيرة في إبقائهم فكما اقتضت حكمته امتحان أبي البشر اقتضت امتحان أولاده من بعده به فتحصل السعادة لمن خالفه وعاداه وينحاز إليه من وافقه ووالاه ومنها أنه لما سبق حلمه وحكمته أنه لا نصيب له في الآخرة وقد سبق له طاعة وعبادة جزاه بها في الدنيا بأن أعطاه البقاء فيها إلى آخر الدهر فإنه سبحانه لا يظلم أحدا حسنة عملها فأما المؤمن فيجزيه بحسناته في الدنيا وفي الآخرة وأما الكافر فيجزيه بحسنات ما عمل في الدنيا فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له شيء كما ثبت هذا المعنى في الصحيح عن النبي ﷺ ومنها أن إبقاءه لم يكن كرامة في حقه فإنه لو مات كان خيرا له وأخف لعذابه وأقل لشره ولكن لما غلظ ذنبه بالإصرار على المعصية ومخاصمة من ينبغي التسليم لحكمه والقدح في حكمته والخلف على اقتطاع عباده وصدهم عن عبوديته كانت عقوبة الذنب أعظم عقوبة بحسب تغلظه فأبقى في الدنيا وأملى له ليزداد هذا إثما على إثم ذلك الذنب فيستوجب العقوبة التي لا تصلح لغيره فيكون رأس أهل الشر في العقوبة كما كان رأسهم في الشر والكفر ولما كان مادة كل شر فعنه ينشأ جوزي في النار مثل فعله فكل عذاب ينزل بأهل النار يبدأ به فيه ثم يسري منه إلى أتباعه عدلا ظاهرا أو حكمة بالغة ومنها أنه قال في مخاصمته لربه أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا وعلم سبحانه أن في الذرية من لا يصلح لمساكنته في داره ولا يصلح إلا لما يصلح له الشوك والروث أبقاه له، وقال له بلسان القدر هؤلاء أصحابك وأوليائك فاجلس في انتظارهم وكلما مر بك واحد منهم فشأنك به فلو صلح لي لما ملكتك منه فإني أتولى الصالحين وهم الذي يصلحون لي وأنت ولي المجرمين الذين غنوا عن موالاتي وابتغاء مرضاتي قال تعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ِنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. فأما إماتة الأنبياء والمرسلين فلم يكن ذلك لهوانهم عليه ولكن ليصلوا إلى محل كرامته ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم وليحي الرسل بعدهم يرى رسولا بعد رسول فإماتتهم أصلح لهم وللأمة أما هم فلراحتهم من الدنيا ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور ولا سيما وقد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به. وأما الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة بل أطاعوهم بعد مماتهم كما أطاعوهم في حياتهم وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم والله هو الحي الذي لا يموت فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمم هذا وهم بشر ولم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام بل جعلهم خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضا فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف ولضاقت بهم الأرض فالموت كمال لكل مؤمن ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا ولا هناء لأهلها بها فالحكمة في الموت كالحكمة في الحياة.

الحجر 15:37

فإن قيل: أي حكمة في إبقاء إبليس إلى آخر الدهر وإماتة الرسل؟ فالجواب: كم لله في ذلك من حكمة تضيق بها الأوهام فمنها أنه سبحانه لما جعله محكا ومحنة يخرج به الطيب من الخبيث ووليه من عدوه اقتضت حكمته إبقاءه ليحصل الغرض المطلوب بخلقه ولو أماته لفات ذلك الغرض كما أن الحكمة اقتضت بقاء أعدائه الكفار في الأرض إلى آخر الدهر ولو أهلكهم ألبتة لتعطلت الحكم الكثيرة في إبقائهم فكما اقتضت حكمته امتحان أبي البشر اقتضت امتحان أولاده من بعده به فتحصل السعادة لمن خالفه وعاداه وينحاز إليه من وافقه ووالاه ومنها أنه لما سبق حلمه وحكمته أنه لا نصيب له في الآخرة وقد سبق له طاعة وعبادة جزاه بها في الدنيا بأن أعطاه البقاء فيها إلى آخر الدهر فإنه سبحانه لا يظلم أحدا حسنة عملها فأما المؤمن فيجزيه بحسناته في الدنيا وفي الآخرة وأما الكافر فيجزيه بحسنات ما عمل في الدنيا فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له شيء كما ثبت هذا المعنى في الصحيح عن النبي ﷺ ومنها أن إبقاءه لم يكن كرامة في حقه فإنه لو مات كان خيرا له وأخف لعذابه وأقل لشره ولكن لما غلظ ذنبه بالإصرار على المعصية ومخاصمة من ينبغي التسليم لحكمه والقدح في حكمته والخلف على اقتطاع عباده وصدهم عن عبوديته كانت عقوبة الذنب أعظم عقوبة بحسب تغلظه فأبقى في الدنيا وأملى له ليزداد هذا إثما على إثم ذلك الذنب فيستوجب العقوبة التي لا تصلح لغيره فيكون رأس أهل الشر في العقوبة كما كان رأسهم في الشر والكفر ولما كان مادة كل شر فعنه ينشأ جوزي في النار مثل فعله فكل عذاب ينزل بأهل النار يبدأ به فيه ثم يسري منه إلى أتباعه عدلا ظاهرا أو حكمة بالغة ومنها أنه قال في مخاصمته لربه أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا وعلم سبحانه أن في الذرية من لا يصلح لمساكنته في داره ولا يصلح إلا لما يصلح له الشوك والروث أبقاه له، وقال له بلسان القدر هؤلاء أصحابك وأوليائك فاجلس في انتظارهم وكلما مر بك واحد منهم فشأنك به فلو صلح لي لما ملكتك منه فإني أتولى الصالحين وهم الذي يصلحون لي وأنت ولي المجرمين الذين غنوا عن موالاتي وابتغاء مرضاتي قال تعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ِنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. فأما إماتة الأنبياء والمرسلين فلم يكن ذلك لهوانهم عليه ولكن ليصلوا إلى محل كرامته ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم وليحي الرسل بعدهم يرى رسولا بعد رسول فإماتتهم أصلح لهم وللأمة أما هم فلراحتهم من الدنيا ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور ولا سيما وقد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به. وأما الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة بل أطاعوهم بعد مماتهم كما أطاعوهم في حياتهم وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم والله هو الحي الذي لا يموت فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمم هذا وهم بشر ولم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام بل جعلهم خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضا فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف ولضاقت بهم الأرض فالموت كمال لكل مؤمن ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا ولا هناء لأهلها بها فالحكمة في الموت كالحكمة في الحياة.

الحجر 15:38

فإن قيل: أي حكمة في إبقاء إبليس إلى آخر الدهر وإماتة الرسل؟ فالجواب: كم لله في ذلك من حكمة تضيق بها الأوهام فمنها أنه سبحانه لما جعله محكا ومحنة يخرج به الطيب من الخبيث ووليه من عدوه اقتضت حكمته إبقاءه ليحصل الغرض المطلوب بخلقه ولو أماته لفات ذلك الغرض كما أن الحكمة اقتضت بقاء أعدائه الكفار في الأرض إلى آخر الدهر ولو أهلكهم ألبتة لتعطلت الحكم الكثيرة في إبقائهم فكما اقتضت حكمته امتحان أبي البشر اقتضت امتحان أولاده من بعده به فتحصل السعادة لمن خالفه وعاداه وينحاز إليه من وافقه ووالاه ومنها أنه لما سبق حلمه وحكمته أنه لا نصيب له في الآخرة وقد سبق له طاعة وعبادة جزاه بها في الدنيا بأن أعطاه البقاء فيها إلى آخر الدهر فإنه سبحانه لا يظلم أحدا حسنة عملها فأما المؤمن فيجزيه بحسناته في الدنيا وفي الآخرة وأما الكافر فيجزيه بحسنات ما عمل في الدنيا فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له شيء كما ثبت هذا المعنى في الصحيح عن النبي ﷺ ومنها أن إبقاءه لم يكن كرامة في حقه فإنه لو مات كان خيرا له وأخف لعذابه وأقل لشره ولكن لما غلظ ذنبه بالإصرار على المعصية ومخاصمة من ينبغي التسليم لحكمه والقدح في حكمته والخلف على اقتطاع عباده وصدهم عن عبوديته كانت عقوبة الذنب أعظم عقوبة بحسب تغلظه فأبقى في الدنيا وأملى له ليزداد هذا إثما على إثم ذلك الذنب فيستوجب العقوبة التي لا تصلح لغيره فيكون رأس أهل الشر في العقوبة كما كان رأسهم في الشر والكفر ولما كان مادة كل شر فعنه ينشأ جوزي في النار مثل فعله فكل عذاب ينزل بأهل النار يبدأ به فيه ثم يسري منه إلى أتباعه عدلا ظاهرا أو حكمة بالغة ومنها أنه قال في مخاصمته لربه أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا وعلم سبحانه أن في الذرية من لا يصلح لمساكنته في داره ولا يصلح إلا لما يصلح له الشوك والروث أبقاه له، وقال له بلسان القدر هؤلاء أصحابك وأوليائك فاجلس في انتظارهم وكلما مر بك واحد منهم فشأنك به فلو صلح لي لما ملكتك منه فإني أتولى الصالحين وهم الذي يصلحون لي وأنت ولي المجرمين الذين غنوا عن موالاتي وابتغاء مرضاتي قال تعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ِنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. فأما إماتة الأنبياء والمرسلين فلم يكن ذلك لهوانهم عليه ولكن ليصلوا إلى محل كرامته ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم وليحي الرسل بعدهم يرى رسولا بعد رسول فإماتتهم أصلح لهم وللأمة أما هم فلراحتهم من الدنيا ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور ولا سيما وقد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به. وأما الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة بل أطاعوهم بعد مماتهم كما أطاعوهم في حياتهم وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم والله هو الحي الذي لا يموت فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمم هذا وهم بشر ولم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام بل جعلهم خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضا فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف ولضاقت بهم الأرض فالموت كمال لكل مؤمن ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا ولا هناء لأهلها بها فالحكمة في الموت كالحكمة في الحياة.

الحجر 15:41

قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ صِراطٌ إلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ أنَّهُ مِن بابِ إقامَةِ الأدَواتِ بَعْضِها مَقامَ بَعْضٍ، فَقامَتْ أداةُ " عَلى " مَقامَ " إلى ". والثّانِي: أنَّهُ أرادَ التَّفْسِيرَ عَلى المَعْنى، وهو الأشْبَهُ بِطَرِيقِ السَّلَفِ، أيْ صِراطٌ مُوَّصِلٌ إلَيَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَقُّ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، وعَلَيْهِ طَرِيقُهُ، لا يُعَرَّجُ عَلى شَيْءٍ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ الحَسَنِ وأبْيَنُ مِنهُ، وهو مِن أصَحِّ ما قِيلَ في الآيَةِ، وقِيلَ: عَلَيَّ فِيهِ لِلْوُجُوبِ، أيْ عَلَيَّ بَيانُهُ وتَعْرِيفُهُ والدِّلالَةُ عَلَيْهِ، والقَوْلانِ نَظِيرُ القَوْلَيْنِ في آيَةِ النَّحْلِ، وهي ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] والصَّحِيحُ فِيها كالصَّحِيحِ في آيَةِ الحِجْرِ: أنَّ السَّبِيلَ القاصِدَ وهو المُسْتَقِيمُ المُعْتَدِلُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، ويُوَصِّلُ إلَيْهِ، قالَ طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ: ؎مَضَوْا سَلَفًا قَصْدُ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُشَقْلَبُ أيْ مَمَرُّنا عَلَيْهِمْ، وإلَيْهِمْ وُصُولُنا، وقالَ الآخَرُ: ؎فَهُنَّ المَنايا أيُّ وادٍ سَلَكْتُهُ ∗∗∗ عَلَيْها طَرِيقِي أوْ عَلَيَّ طَرِيقُها فَإنْ قِيلَ: لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَكانَ الألْيَقُ بِهِ أداةَ إلى الَّتِي هي لِلِانْتِهاءِ، لا أداةَ عَلى الَّتِي هي لِلْوُجُوبِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أرادَ الوُصُولَ قالَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهم ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] وقالَ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠] وقالَ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقالَ لَمّا أرادَ الوُجُوبَ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] وقالَ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وقالَ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] ونَظائِرُ ذَلِكَ. قِيلَ: في أداةِ عَلى سِرٌّ لَطِيفٌ، وهو الإشْعارُ بِكَوْنِ السّالِكِ عَلى هَذا الصِّراطِ عَلى هُدًى، وهو حَقٌّ، كَما قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الحَقُّ، وصِراطُهُ حقٌّ، ودِينُهُ حَقٌ، فَمَنِ اسْتَقامَ عَلى صِراطِهِ فَهو عَلى الحَقِّ والهُدى، فَكانَ في أداةِ " عَلى " عَلى هَذا المَعْنى ما لَيْسَ في أداةِ إلى فَتَأمَّلْهُ، فَإنَّهُ سِرٌّ بَدِيعٌ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ إنَّهُ عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] كَما قالَ: تَقُولُ طَرِيقُكَ عَلَيَّ، ومَمَرُّكَ عَلَيَّ، لِمَن تُرِيدُ إعْلامَهُ بِأنَّهُ غَيْرُ فائِتٍ لَكَ، ولا مُعْجِزٍ، والسِّياقُ يَأْبى هَذا، ولا يُناسِبُهُ لِمَن تَأمَّلَهُ، فَإنَّهُ قالَهُ مُجِيبًا لِإبْلِيسَ الَّذِي قالَ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لِي إلى إغْوائِهِمْ، ولا طَرِيقَ لِي عَلَيْهِمْ. فَقَرَّرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ أتَمَّ التَّقْرِيرِ، وأخْبَرَ أنَّ الإخْلاصَ صِراطٌ عَلَيْهِ مُسْتَقِيمٌ، فَلا سُلْطانَ لَكَ عَلى عِبادِي الَّذِينَ هم عَلى هَذا الصِّراطِ، لِأنَّهُ صِراطٌ عَلَيَّ، ولا سَبِيلَ لِإبْلِيسَ إلى هَذا الصِّراطِ، ولا الحَوْمِ حَوْلَ ساحَتِهِ، فَإنَّهُ مَحْرُوسٌ مَحْفُوظٌ بِاللَّهِ، فَلا يَصِلُ عَدُوُّ اللَّهِ إلى أهْلِهِ. فَلْيَتَأمَّلِ العارِفُ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ، ولْيَنْظُرْ إلى هَذا المَعْنى، ويُوازِنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، أيُّهُما ألْيَقُ بِالآيَتَيْنِ، وأقْرَبُ إلى مَقْصُودِ القُرْآنِ وأقْوالِ السَّلَفِ؟ وأمّا تَشْبِيهُ الكِسائِيِّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَلا يَخْفى الفَرْقُ بَيْنَهُما سِياقًا ودِلالَةً، فَتَأمَّلْهُ، ولا يُقالُ في التَّهْدِيدِ: هَذا طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ عَلَيَّ، لِمَن لا يَسْلُكُهُ، ولَيْسَتْ سَبِيلُ المُهَدَّدِ مُسْتَقِيمَةً، فَهو غَيْرُ مُهَدَّدٍ بِصِراطِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ، وسَبِيلُهُ الَّتِي هو عَلَيْها لَيْسَتْ مُسْتَقِيمَةً عَلى اللَّهِ، فَلا يَسْتَقِيمُ هَذا القَوْلُ ألْبَتَّةَ. وَأمّا مَن فَسَّرَهُ بِالوُجُوبِ، أيْ عَلَيَّ بَيانُ اسْتِقامَتِهِ والدِّلالَةُ عَلَيْهِ، فالمَعْنى صَحِيحٌ، لَكِنْ في كَوْنِهِ هو المُرادَ بِالآيَةِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ حَذْفٌ في غَيْرِ مَوْضِعِ الدِّلالَةِ، ولَمْ يُؤَلَّفِ الحَذْفُ المَذْكُورُ لِيَكُونَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ إذا حُذِفَ، بِخِلافِ عامِلِ الظَّرْفِ إذا وقَعَ صِفَةً فَإنَّهُ حَذْفٌ مَأْلُوفٌ مَعْرُوفٌ، حَتّى إنَّهُ لا يُذْكَرُ ألْبَتَّةَ، فَإذا قُلْتَ: لَهُ دِرْهَمٌ عَلَيَّ، كانَ الحَذْفُ مَعْرُوفًا مَأْلُوفًا، فَلَوْ أرَدْتَ: عَلَيَّ نَقْدُهُ، أوْ عَلَيَّ وزْنُهُ وحِفْظُهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ وحَذَفْتَ لَمْ يَسُغْ، وهو نَظِيرُ: عَلَيَّ بَيانُهُ المُقَدَّرِ في الآيَةِ، مَعَ أنَّ الَّذِي قالَهُ السَّلَفُ ألْيَقُ بِالسِّياقِ، وأجَلُّ المَعْنَيَيْنِ وأكْبَرُهُما. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ تَقِيَّ الدِّينِ أحْمَدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: وهُما نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٢] قالَ: فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ في القُرْآنِ في هَذا المَعْنى. قُلْتُ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَذْكُرْ في سُورَةِ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] " إلّا مَعْنى الوُجُوبِ، أيْ عَلَيْنا بَيانُ الهُدى مِنَ الضَّلالِ، ومِنهم مَن لَمْ يَذْكُرْ في سُورَةِ النَّحْلِ إلّا هَذا المَعْنى كالبَغَوِيِّ، وذَكَرَ في الحِجْرِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ في بَسِيطِهِ المَعْنَيَيْنِ في سُورَةِ النَّحْلِ، واخْتارَ شَيْخُنا قَوْلَ مُجاهِدٍ والحَسَنِ في السُّوَرِ الثَّلاثِ.

الحجر 15:42

هذا استثناء منقطع لأن اتباعه الغاوين لم يدخلوا في عبادة المضافين إليه وإن دخلوا في مطلق العباد فإن الإضافة فيها معنى التخصيص والتشريف، كما لم تدخل الخانات والحمامات في بيوت الله قال تعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرض هَوْنًا﴾ إلى آخر الآيات. وقال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ فعباده المضافون إليه هم الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون قال تعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنتمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ومن هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فعباده هاهنا الذين يغفر ذنوبهم جميعا هم المؤمنون التائبون. والانقطاع في هذا قول ابن خروف وهو الصواب. وقال الزمخشري: "هو متصل وجعل لفظ العباد عاما" وقد عرفت غلطه وعلي تقدير الانقطاع فإن لم يقدر دخوله في الأول فظاهر، وإن قدرنا دخوله فقالوا تقديره إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا على غيرهم إلا من اتبعك من الغاوين. ولا يخفى التكلف الظاهر عليه، بل الأحسن أن يقال لما ذكر العباد وأضافهم إليه والإضافة يحتمل أن تكون إلى ربوبيته العامة فتكون إضافة ملك، وأن تكون إلى الهيئة فتكون إضافة اختصاص ومحبة، والغاووين داخلون في العباد عند التعميم والإطلاق لقوله تعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرض إلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فالأول متناول له بوجه فصح إخراجه.

الحجر 15:47

أخبر عن تلاقي قلوبهم وتلاقي وجوههم. وفي الصحيحين: "أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا في السماء" والرواية "على خَلْق" بفتح الخاء وسكون اللام، والأخلاق كما تكون جمعا للخُلق بالضم فهي جمع للخَلق بالفتح، والمراد تساويهم في الطول والعرض والسن وإن تفاوتوا في الحسن والجمال، ولهذا فسره بقوله على صورة أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا في السماء. وأما أخلاقهم وقلوبهم ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة: " أوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُوَرُهم عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لا يَبْصُقُونَ فِيها ولا يَمْتَخِطُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ فِيها، آنِيَتُهم وأمْشاطُهم مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ومَجامِرُهم مِنَ الألُوَّةِ، ورَشْحُهُمُ المِسْكُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم زَوْجَتانِ، يُرى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهم ولا تَباغُضَ، قُلُوبُهم عَلى قَلْبٍ واحِدٍ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وعَشِيًّا ". وقد تقدم وفيه اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشية وكذلك وصف الله سبحانه وتعالى نساءهم بإنهن أتراب أي في سن واحد ليس فيهن العجائز والشواب وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى فأنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذات، لأنه أكمل سن القوة عظم الآت اللذة، وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مائة عذراء كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض فإنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال، وتناسب الخلقة يصير طولا مع دقة أو غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب. والله أعلم.

الحجر 15:67

[فَصْلٌ: عِشْقُ اللُّوطِيَّةِ] والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ، الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهُمُ العِشْقَ: هُمُ اللُّوطِيَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ - قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ - واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ - قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ - قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ - لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧-٧٢]. فَهَذِهِ الأُمَّةُ عَشِقَتْ فَحَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ طائِفَتَيْنِ، عَشِقَ كُلٌّ مِنهُما ما حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّوَرِ، ولَمْ يُبالِ بِما في عِشْقِهِ مِنَ الضَّرَرِ. وَهَذا داءٌ أعْيا الأطِبّاءَ دَواؤُهُ، وعَزَّ عَلَيْهِمْ شِفاؤُهُ، وهو واللَّهِ الدّاءُ العُضالُ، والسُّمُّ القَتّالُ، الَّذِي ما عَلِقَ بِقَلْبٍ إلّا وعَزَّ عَلى الوَرى خَلاصُهُ مِن إسارِهِ، ولا اشْتَعَلَتْ نارُهُ في مُهْجَةٍ إلّا وصَعُبَ عَلى الخَلْقِ تَخْلِيصُها مِن نارِهِ. وَهُوَ أقْسامٌ: تارَةً يَكُونُ كُفْرًا: لِمَنِ اتَّخَذَ مَعْشُوقَهُ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ مَحَبَّتُهُ أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ في قَلْبِهِ؟ فَهَذا عِشْقٌ لا يُغْفَرُ لِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، واللَّهُ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإنَّما يَغْفِرُ بِالتَّوْبَةِ الماحِيَةِ ما دُونُ ذَلِكَ. وَعَلامَةُ العِشْقِ الشَّرِكِيِّ الكُفْرِيِّ: أنْ يُقَدِّمَ العاشِقُ رِضاءَ مَعْشُوقِهِ عَلى رَبِّهِ، وإذا تَعارَضَ عِنْدَهُ حَقُّ مَعْشُوقِهِ وحَظُّهُ، وحَقُّ رَبِّهِ وطاعَتُهُ، قَدَّمَ حَقَّ مَعْشُوقِهِ عَلى حَقِّ رَبِّهِ، وآثَرَ رِضاهُ عَلى رِضاهُ، وبَذَلَ لَهُ أنْفَسَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وبَذَلَ لِرَبِّهِ - إنْ بَذَلَ - أرْدَأ ما عِنْدَهُ، واسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في مَرْضاةِ مَعْشُوقِهِ وطاعَتِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، وجَعَلَ لِرَبِّهِ - إنْ أطاعَهُ - الفَضْلَةَ الَّتِي تَفَضَّلَ مَعْشُوقُهُ مِن ساعاتِهِ. فَتَأمَّلْ حالَ أكْثَرِ عُشّاقِ الصُّوَرِ تَجِدْها مُطابِقَةً لِذَلِكَ، ثُمَّ ضَعْ حالَهم في كِفَّةٍ، وتَوْحِيدَهم وإيمانَهم في كِفَّةٍ، ثُمَّ زِنْ وزْنًا يَرْضى اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ ويُطابِقُ العَدْلَ، ورُبَّما صَرَّحَ العاشِقُ مِنهم بِأنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ رَبِّهِ، كَما قالَ العاشِقُ الخَبِيثُ: ؎يَتَرَشَّفْنَ مِن فَمِي رَشَفاتٍ ∗∗∗ هُنَّ أحْلى فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَكَما صَرَّحَ الخَبِيثُ الآخَرُ أنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أشْهى إلَيْهِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، وقَدْ مَرَّ. بِلا رَيْبٍ إنَّ هَذا العِشْقَ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، وكَثِيرٌ مِنهم يُصَرِّحُ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ لِغَيْرِ مَعْشُوقِهِ ألْبَتَّةَ، بَلْ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ كُلَّهُ فَصارَ عَبْدًا مَحْضًا مِن كُلِّ وجْهٍ لِمَعْشُوقِهِ، فَقَدْ رَضِيَ هَذا مِن عُبُودِيَّةِ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ بِعُبُودِيَّةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ: فَإنَّ العُبُودِيَّةَ هي كَمالُ الحُبِّ والخُضُوعِ، وهَذا قَدِ اسْتَفْرَغَ قُوَّةَ حُبِّهِ وخُضُوعِهِ وذُلِّهِ لِمَعْشُوقِهِ فَقَدْ أعْطاهُ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ. وَلا نِسْبَةَ بَيْنَ مَفْسَدَةِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ومَفْسَدَةِ الفاحِشَةِ، فَإنَّ تِلْكَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ لِفاعِلِهِ حُكْمُ أمْثالِهِ، ومَفْسَدَةُ هَذا العِشْقِ مَفْسَدَةُ الشِّرْكِ، وكانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنَ العارِفِينَ يَقُولُ: لَأنْ أُبْتَلى بِالفاحِشَةِ مَعَ تِلْكَ الصُّورَةِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُبْتَلى فِيها بِعِشْقٍ يَتَعَبَّدُ لَها قَلْبِي ويَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ. أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف عن السلف فيه نزاعًا أن هذا قسم من الله بحياة رسوله، وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته وهذه مزية لا تعرف لغيره. ولم يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط، وأنه من قول الملائكة فقال: هو على إرادة القول أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام لعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال قال ابن عباس رضي الله عنهما لعمرك أي وحياتك قال وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره. والعُمُر والعُمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإثبات الأخف لكثرة دوران الحلف على ألسنتهم وأيضًا فإن العمر حياة مخصوصة فهو عمر شريف عظيم أهلٌ أن يقسم لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم ولا ريب أن عمره وحياته من أعظم النعم والآيات فهو أهل أن يقسم به والقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات. وقوله تعالى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي يتحيرون وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة لأن سكرة العشق مثل سكرة الخمرة كما قال القائل: ؎سكران بكسر هوى وسكر مدامة ∗∗∗ ومتى إفاقة من به سكران

الحجر 15:68

[فَصْلٌ: عِشْقُ اللُّوطِيَّةِ] والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ، الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهُمُ العِشْقَ: هُمُ اللُّوطِيَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ - قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ - واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ - قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ - قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ - لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧-٧٢]. فَهَذِهِ الأُمَّةُ عَشِقَتْ فَحَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ طائِفَتَيْنِ، عَشِقَ كُلٌّ مِنهُما ما حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّوَرِ، ولَمْ يُبالِ بِما في عِشْقِهِ مِنَ الضَّرَرِ. وَهَذا داءٌ أعْيا الأطِبّاءَ دَواؤُهُ، وعَزَّ عَلَيْهِمْ شِفاؤُهُ، وهو واللَّهِ الدّاءُ العُضالُ، والسُّمُّ القَتّالُ، الَّذِي ما عَلِقَ بِقَلْبٍ إلّا وعَزَّ عَلى الوَرى خَلاصُهُ مِن إسارِهِ، ولا اشْتَعَلَتْ نارُهُ في مُهْجَةٍ إلّا وصَعُبَ عَلى الخَلْقِ تَخْلِيصُها مِن نارِهِ. وَهُوَ أقْسامٌ: تارَةً يَكُونُ كُفْرًا: لِمَنِ اتَّخَذَ مَعْشُوقَهُ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ مَحَبَّتُهُ أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ في قَلْبِهِ؟ فَهَذا عِشْقٌ لا يُغْفَرُ لِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، واللَّهُ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإنَّما يَغْفِرُ بِالتَّوْبَةِ الماحِيَةِ ما دُونُ ذَلِكَ. وَعَلامَةُ العِشْقِ الشَّرِكِيِّ الكُفْرِيِّ: أنْ يُقَدِّمَ العاشِقُ رِضاءَ مَعْشُوقِهِ عَلى رَبِّهِ، وإذا تَعارَضَ عِنْدَهُ حَقُّ مَعْشُوقِهِ وحَظُّهُ، وحَقُّ رَبِّهِ وطاعَتُهُ، قَدَّمَ حَقَّ مَعْشُوقِهِ عَلى حَقِّ رَبِّهِ، وآثَرَ رِضاهُ عَلى رِضاهُ، وبَذَلَ لَهُ أنْفَسَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وبَذَلَ لِرَبِّهِ - إنْ بَذَلَ - أرْدَأ ما عِنْدَهُ، واسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في مَرْضاةِ مَعْشُوقِهِ وطاعَتِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، وجَعَلَ لِرَبِّهِ - إنْ أطاعَهُ - الفَضْلَةَ الَّتِي تَفَضَّلَ مَعْشُوقُهُ مِن ساعاتِهِ. فَتَأمَّلْ حالَ أكْثَرِ عُشّاقِ الصُّوَرِ تَجِدْها مُطابِقَةً لِذَلِكَ، ثُمَّ ضَعْ حالَهم في كِفَّةٍ، وتَوْحِيدَهم وإيمانَهم في كِفَّةٍ، ثُمَّ زِنْ وزْنًا يَرْضى اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ ويُطابِقُ العَدْلَ، ورُبَّما صَرَّحَ العاشِقُ مِنهم بِأنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ رَبِّهِ، كَما قالَ العاشِقُ الخَبِيثُ: ؎يَتَرَشَّفْنَ مِن فَمِي رَشَفاتٍ ∗∗∗ هُنَّ أحْلى فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَكَما صَرَّحَ الخَبِيثُ الآخَرُ أنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أشْهى إلَيْهِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، وقَدْ مَرَّ. بِلا رَيْبٍ إنَّ هَذا العِشْقَ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، وكَثِيرٌ مِنهم يُصَرِّحُ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ لِغَيْرِ مَعْشُوقِهِ ألْبَتَّةَ، بَلْ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ كُلَّهُ فَصارَ عَبْدًا مَحْضًا مِن كُلِّ وجْهٍ لِمَعْشُوقِهِ، فَقَدْ رَضِيَ هَذا مِن عُبُودِيَّةِ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ بِعُبُودِيَّةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ: فَإنَّ العُبُودِيَّةَ هي كَمالُ الحُبِّ والخُضُوعِ، وهَذا قَدِ اسْتَفْرَغَ قُوَّةَ حُبِّهِ وخُضُوعِهِ وذُلِّهِ لِمَعْشُوقِهِ فَقَدْ أعْطاهُ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ. وَلا نِسْبَةَ بَيْنَ مَفْسَدَةِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ومَفْسَدَةِ الفاحِشَةِ، فَإنَّ تِلْكَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ لِفاعِلِهِ حُكْمُ أمْثالِهِ، ومَفْسَدَةُ هَذا العِشْقِ مَفْسَدَةُ الشِّرْكِ، وكانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنَ العارِفِينَ يَقُولُ: لَأنْ أُبْتَلى بِالفاحِشَةِ مَعَ تِلْكَ الصُّورَةِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُبْتَلى فِيها بِعِشْقٍ يَتَعَبَّدُ لَها قَلْبِي ويَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ. أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف عن السلف فيه نزاعًا أن هذا قسم من الله بحياة رسوله، وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته وهذه مزية لا تعرف لغيره. ولم يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط، وأنه من قول الملائكة فقال: هو على إرادة القول أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام لعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال قال ابن عباس رضي الله عنهما لعمرك أي وحياتك قال وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره. والعُمُر والعُمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإثبات الأخف لكثرة دوران الحلف على ألسنتهم وأيضًا فإن العمر حياة مخصوصة فهو عمر شريف عظيم أهلٌ أن يقسم لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم ولا ريب أن عمره وحياته من أعظم النعم والآيات فهو أهل أن يقسم به والقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات. وقوله تعالى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي يتحيرون وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة لأن سكرة العشق مثل سكرة الخمرة كما قال القائل: ؎سكران بكسر هوى وسكر مدامة ∗∗∗ ومتى إفاقة من به سكران

الحجر 15:69

[فَصْلٌ: عِشْقُ اللُّوطِيَّةِ] والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ، الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهُمُ العِشْقَ: هُمُ اللُّوطِيَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ - قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ - واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ - قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ - قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ - لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧-٧٢]. فَهَذِهِ الأُمَّةُ عَشِقَتْ فَحَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ طائِفَتَيْنِ، عَشِقَ كُلٌّ مِنهُما ما حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّوَرِ، ولَمْ يُبالِ بِما في عِشْقِهِ مِنَ الضَّرَرِ. وَهَذا داءٌ أعْيا الأطِبّاءَ دَواؤُهُ، وعَزَّ عَلَيْهِمْ شِفاؤُهُ، وهو واللَّهِ الدّاءُ العُضالُ، والسُّمُّ القَتّالُ، الَّذِي ما عَلِقَ بِقَلْبٍ إلّا وعَزَّ عَلى الوَرى خَلاصُهُ مِن إسارِهِ، ولا اشْتَعَلَتْ نارُهُ في مُهْجَةٍ إلّا وصَعُبَ عَلى الخَلْقِ تَخْلِيصُها مِن نارِهِ. وَهُوَ أقْسامٌ: تارَةً يَكُونُ كُفْرًا: لِمَنِ اتَّخَذَ مَعْشُوقَهُ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ مَحَبَّتُهُ أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ في قَلْبِهِ؟ فَهَذا عِشْقٌ لا يُغْفَرُ لِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، واللَّهُ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإنَّما يَغْفِرُ بِالتَّوْبَةِ الماحِيَةِ ما دُونُ ذَلِكَ. وَعَلامَةُ العِشْقِ الشَّرِكِيِّ الكُفْرِيِّ: أنْ يُقَدِّمَ العاشِقُ رِضاءَ مَعْشُوقِهِ عَلى رَبِّهِ، وإذا تَعارَضَ عِنْدَهُ حَقُّ مَعْشُوقِهِ وحَظُّهُ، وحَقُّ رَبِّهِ وطاعَتُهُ، قَدَّمَ حَقَّ مَعْشُوقِهِ عَلى حَقِّ رَبِّهِ، وآثَرَ رِضاهُ عَلى رِضاهُ، وبَذَلَ لَهُ أنْفَسَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وبَذَلَ لِرَبِّهِ - إنْ بَذَلَ - أرْدَأ ما عِنْدَهُ، واسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في مَرْضاةِ مَعْشُوقِهِ وطاعَتِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، وجَعَلَ لِرَبِّهِ - إنْ أطاعَهُ - الفَضْلَةَ الَّتِي تَفَضَّلَ مَعْشُوقُهُ مِن ساعاتِهِ. فَتَأمَّلْ حالَ أكْثَرِ عُشّاقِ الصُّوَرِ تَجِدْها مُطابِقَةً لِذَلِكَ، ثُمَّ ضَعْ حالَهم في كِفَّةٍ، وتَوْحِيدَهم وإيمانَهم في كِفَّةٍ، ثُمَّ زِنْ وزْنًا يَرْضى اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ ويُطابِقُ العَدْلَ، ورُبَّما صَرَّحَ العاشِقُ مِنهم بِأنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ رَبِّهِ، كَما قالَ العاشِقُ الخَبِيثُ: ؎يَتَرَشَّفْنَ مِن فَمِي رَشَفاتٍ ∗∗∗ هُنَّ أحْلى فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَكَما صَرَّحَ الخَبِيثُ الآخَرُ أنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أشْهى إلَيْهِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، وقَدْ مَرَّ. بِلا رَيْبٍ إنَّ هَذا العِشْقَ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، وكَثِيرٌ مِنهم يُصَرِّحُ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ لِغَيْرِ مَعْشُوقِهِ ألْبَتَّةَ، بَلْ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ كُلَّهُ فَصارَ عَبْدًا مَحْضًا مِن كُلِّ وجْهٍ لِمَعْشُوقِهِ، فَقَدْ رَضِيَ هَذا مِن عُبُودِيَّةِ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ بِعُبُودِيَّةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ: فَإنَّ العُبُودِيَّةَ هي كَمالُ الحُبِّ والخُضُوعِ، وهَذا قَدِ اسْتَفْرَغَ قُوَّةَ حُبِّهِ وخُضُوعِهِ وذُلِّهِ لِمَعْشُوقِهِ فَقَدْ أعْطاهُ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ. وَلا نِسْبَةَ بَيْنَ مَفْسَدَةِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ومَفْسَدَةِ الفاحِشَةِ، فَإنَّ تِلْكَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ لِفاعِلِهِ حُكْمُ أمْثالِهِ، ومَفْسَدَةُ هَذا العِشْقِ مَفْسَدَةُ الشِّرْكِ، وكانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنَ العارِفِينَ يَقُولُ: لَأنْ أُبْتَلى بِالفاحِشَةِ مَعَ تِلْكَ الصُّورَةِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُبْتَلى فِيها بِعِشْقٍ يَتَعَبَّدُ لَها قَلْبِي ويَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ. أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف عن السلف فيه نزاعًا أن هذا قسم من الله بحياة رسوله، وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته وهذه مزية لا تعرف لغيره. ولم يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط، وأنه من قول الملائكة فقال: هو على إرادة القول أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام لعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال قال ابن عباس رضي الله عنهما لعمرك أي وحياتك قال وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره. والعُمُر والعُمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإثبات الأخف لكثرة دوران الحلف على ألسنتهم وأيضًا فإن العمر حياة مخصوصة فهو عمر شريف عظيم أهلٌ أن يقسم لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم ولا ريب أن عمره وحياته من أعظم النعم والآيات فهو أهل أن يقسم به والقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات. وقوله تعالى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي يتحيرون وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة لأن سكرة العشق مثل سكرة الخمرة كما قال القائل: ؎سكران بكسر هوى وسكر مدامة ∗∗∗ ومتى إفاقة من به سكران

الحجر 15:70

[فَصْلٌ: عِشْقُ اللُّوطِيَّةِ] والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ، الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهُمُ العِشْقَ: هُمُ اللُّوطِيَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ - قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ - واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ - قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ - قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ - لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧-٧٢]. فَهَذِهِ الأُمَّةُ عَشِقَتْ فَحَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ طائِفَتَيْنِ، عَشِقَ كُلٌّ مِنهُما ما حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّوَرِ، ولَمْ يُبالِ بِما في عِشْقِهِ مِنَ الضَّرَرِ. وَهَذا داءٌ أعْيا الأطِبّاءَ دَواؤُهُ، وعَزَّ عَلَيْهِمْ شِفاؤُهُ، وهو واللَّهِ الدّاءُ العُضالُ، والسُّمُّ القَتّالُ، الَّذِي ما عَلِقَ بِقَلْبٍ إلّا وعَزَّ عَلى الوَرى خَلاصُهُ مِن إسارِهِ، ولا اشْتَعَلَتْ نارُهُ في مُهْجَةٍ إلّا وصَعُبَ عَلى الخَلْقِ تَخْلِيصُها مِن نارِهِ. وَهُوَ أقْسامٌ: تارَةً يَكُونُ كُفْرًا: لِمَنِ اتَّخَذَ مَعْشُوقَهُ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ مَحَبَّتُهُ أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ في قَلْبِهِ؟ فَهَذا عِشْقٌ لا يُغْفَرُ لِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، واللَّهُ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإنَّما يَغْفِرُ بِالتَّوْبَةِ الماحِيَةِ ما دُونُ ذَلِكَ. وَعَلامَةُ العِشْقِ الشَّرِكِيِّ الكُفْرِيِّ: أنْ يُقَدِّمَ العاشِقُ رِضاءَ مَعْشُوقِهِ عَلى رَبِّهِ، وإذا تَعارَضَ عِنْدَهُ حَقُّ مَعْشُوقِهِ وحَظُّهُ، وحَقُّ رَبِّهِ وطاعَتُهُ، قَدَّمَ حَقَّ مَعْشُوقِهِ عَلى حَقِّ رَبِّهِ، وآثَرَ رِضاهُ عَلى رِضاهُ، وبَذَلَ لَهُ أنْفَسَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وبَذَلَ لِرَبِّهِ - إنْ بَذَلَ - أرْدَأ ما عِنْدَهُ، واسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في مَرْضاةِ مَعْشُوقِهِ وطاعَتِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، وجَعَلَ لِرَبِّهِ - إنْ أطاعَهُ - الفَضْلَةَ الَّتِي تَفَضَّلَ مَعْشُوقُهُ مِن ساعاتِهِ. فَتَأمَّلْ حالَ أكْثَرِ عُشّاقِ الصُّوَرِ تَجِدْها مُطابِقَةً لِذَلِكَ، ثُمَّ ضَعْ حالَهم في كِفَّةٍ، وتَوْحِيدَهم وإيمانَهم في كِفَّةٍ، ثُمَّ زِنْ وزْنًا يَرْضى اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ ويُطابِقُ العَدْلَ، ورُبَّما صَرَّحَ العاشِقُ مِنهم بِأنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ رَبِّهِ، كَما قالَ العاشِقُ الخَبِيثُ: ؎يَتَرَشَّفْنَ مِن فَمِي رَشَفاتٍ ∗∗∗ هُنَّ أحْلى فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَكَما صَرَّحَ الخَبِيثُ الآخَرُ أنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أشْهى إلَيْهِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، وقَدْ مَرَّ. بِلا رَيْبٍ إنَّ هَذا العِشْقَ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، وكَثِيرٌ مِنهم يُصَرِّحُ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ لِغَيْرِ مَعْشُوقِهِ ألْبَتَّةَ، بَلْ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ كُلَّهُ فَصارَ عَبْدًا مَحْضًا مِن كُلِّ وجْهٍ لِمَعْشُوقِهِ، فَقَدْ رَضِيَ هَذا مِن عُبُودِيَّةِ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ بِعُبُودِيَّةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ: فَإنَّ العُبُودِيَّةَ هي كَمالُ الحُبِّ والخُضُوعِ، وهَذا قَدِ اسْتَفْرَغَ قُوَّةَ حُبِّهِ وخُضُوعِهِ وذُلِّهِ لِمَعْشُوقِهِ فَقَدْ أعْطاهُ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ. وَلا نِسْبَةَ بَيْنَ مَفْسَدَةِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ومَفْسَدَةِ الفاحِشَةِ، فَإنَّ تِلْكَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ لِفاعِلِهِ حُكْمُ أمْثالِهِ، ومَفْسَدَةُ هَذا العِشْقِ مَفْسَدَةُ الشِّرْكِ، وكانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنَ العارِفِينَ يَقُولُ: لَأنْ أُبْتَلى بِالفاحِشَةِ مَعَ تِلْكَ الصُّورَةِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُبْتَلى فِيها بِعِشْقٍ يَتَعَبَّدُ لَها قَلْبِي ويَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ. أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف عن السلف فيه نزاعًا أن هذا قسم من الله بحياة رسوله، وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته وهذه مزية لا تعرف لغيره. ولم يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط، وأنه من قول الملائكة فقال: هو على إرادة القول أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام لعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال قال ابن عباس رضي الله عنهما لعمرك أي وحياتك قال وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره. والعُمُر والعُمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإثبات الأخف لكثرة دوران الحلف على ألسنتهم وأيضًا فإن العمر حياة مخصوصة فهو عمر شريف عظيم أهلٌ أن يقسم لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم ولا ريب أن عمره وحياته من أعظم النعم والآيات فهو أهل أن يقسم به والقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات. وقوله تعالى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي يتحيرون وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة لأن سكرة العشق مثل سكرة الخمرة كما قال القائل: ؎سكران بكسر هوى وسكر مدامة ∗∗∗ ومتى إفاقة من به سكران

الحجر 15:71

[فَصْلٌ: عِشْقُ اللُّوطِيَّةِ] والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ، الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهُمُ العِشْقَ: هُمُ اللُّوطِيَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ - قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ - واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ - قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ - قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ - لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧-٧٢]. فَهَذِهِ الأُمَّةُ عَشِقَتْ فَحَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ طائِفَتَيْنِ، عَشِقَ كُلٌّ مِنهُما ما حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّوَرِ، ولَمْ يُبالِ بِما في عِشْقِهِ مِنَ الضَّرَرِ. وَهَذا داءٌ أعْيا الأطِبّاءَ دَواؤُهُ، وعَزَّ عَلَيْهِمْ شِفاؤُهُ، وهو واللَّهِ الدّاءُ العُضالُ، والسُّمُّ القَتّالُ، الَّذِي ما عَلِقَ بِقَلْبٍ إلّا وعَزَّ عَلى الوَرى خَلاصُهُ مِن إسارِهِ، ولا اشْتَعَلَتْ نارُهُ في مُهْجَةٍ إلّا وصَعُبَ عَلى الخَلْقِ تَخْلِيصُها مِن نارِهِ. وَهُوَ أقْسامٌ: تارَةً يَكُونُ كُفْرًا: لِمَنِ اتَّخَذَ مَعْشُوقَهُ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ مَحَبَّتُهُ أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ في قَلْبِهِ؟ فَهَذا عِشْقٌ لا يُغْفَرُ لِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، واللَّهُ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإنَّما يَغْفِرُ بِالتَّوْبَةِ الماحِيَةِ ما دُونُ ذَلِكَ. وَعَلامَةُ العِشْقِ الشَّرِكِيِّ الكُفْرِيِّ: أنْ يُقَدِّمَ العاشِقُ رِضاءَ مَعْشُوقِهِ عَلى رَبِّهِ، وإذا تَعارَضَ عِنْدَهُ حَقُّ مَعْشُوقِهِ وحَظُّهُ، وحَقُّ رَبِّهِ وطاعَتُهُ، قَدَّمَ حَقَّ مَعْشُوقِهِ عَلى حَقِّ رَبِّهِ، وآثَرَ رِضاهُ عَلى رِضاهُ، وبَذَلَ لَهُ أنْفَسَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وبَذَلَ لِرَبِّهِ - إنْ بَذَلَ - أرْدَأ ما عِنْدَهُ، واسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في مَرْضاةِ مَعْشُوقِهِ وطاعَتِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، وجَعَلَ لِرَبِّهِ - إنْ أطاعَهُ - الفَضْلَةَ الَّتِي تَفَضَّلَ مَعْشُوقُهُ مِن ساعاتِهِ. فَتَأمَّلْ حالَ أكْثَرِ عُشّاقِ الصُّوَرِ تَجِدْها مُطابِقَةً لِذَلِكَ، ثُمَّ ضَعْ حالَهم في كِفَّةٍ، وتَوْحِيدَهم وإيمانَهم في كِفَّةٍ، ثُمَّ زِنْ وزْنًا يَرْضى اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ ويُطابِقُ العَدْلَ، ورُبَّما صَرَّحَ العاشِقُ مِنهم بِأنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ رَبِّهِ، كَما قالَ العاشِقُ الخَبِيثُ: ؎يَتَرَشَّفْنَ مِن فَمِي رَشَفاتٍ ∗∗∗ هُنَّ أحْلى فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَكَما صَرَّحَ الخَبِيثُ الآخَرُ أنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أشْهى إلَيْهِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، وقَدْ مَرَّ. بِلا رَيْبٍ إنَّ هَذا العِشْقَ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، وكَثِيرٌ مِنهم يُصَرِّحُ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ لِغَيْرِ مَعْشُوقِهِ ألْبَتَّةَ، بَلْ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ كُلَّهُ فَصارَ عَبْدًا مَحْضًا مِن كُلِّ وجْهٍ لِمَعْشُوقِهِ، فَقَدْ رَضِيَ هَذا مِن عُبُودِيَّةِ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ بِعُبُودِيَّةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ: فَإنَّ العُبُودِيَّةَ هي كَمالُ الحُبِّ والخُضُوعِ، وهَذا قَدِ اسْتَفْرَغَ قُوَّةَ حُبِّهِ وخُضُوعِهِ وذُلِّهِ لِمَعْشُوقِهِ فَقَدْ أعْطاهُ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ. وَلا نِسْبَةَ بَيْنَ مَفْسَدَةِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ومَفْسَدَةِ الفاحِشَةِ، فَإنَّ تِلْكَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ لِفاعِلِهِ حُكْمُ أمْثالِهِ، ومَفْسَدَةُ هَذا العِشْقِ مَفْسَدَةُ الشِّرْكِ، وكانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنَ العارِفِينَ يَقُولُ: لَأنْ أُبْتَلى بِالفاحِشَةِ مَعَ تِلْكَ الصُّورَةِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُبْتَلى فِيها بِعِشْقٍ يَتَعَبَّدُ لَها قَلْبِي ويَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ. أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف عن السلف فيه نزاعًا أن هذا قسم من الله بحياة رسوله، وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته وهذه مزية لا تعرف لغيره. ولم يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط، وأنه من قول الملائكة فقال: هو على إرادة القول أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام لعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال قال ابن عباس رضي الله عنهما لعمرك أي وحياتك قال وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره. والعُمُر والعُمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإثبات الأخف لكثرة دوران الحلف على ألسنتهم وأيضًا فإن العمر حياة مخصوصة فهو عمر شريف عظيم أهلٌ أن يقسم لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم ولا ريب أن عمره وحياته من أعظم النعم والآيات فهو أهل أن يقسم به والقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات. وقوله تعالى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي يتحيرون وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة لأن سكرة العشق مثل سكرة الخمرة كما قال القائل: ؎سكران بكسر هوى وسكر مدامة ∗∗∗ ومتى إفاقة من به سكران

الحجر 15:75

قد مدح الله سبحانه وتعالى الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه. هذا منها. والمتوسمون: هم المتفرسون الذين يأخذون بالسيماء، وهي العلامة. يقال: توسمت فيك كذا، أي تفرسته، كأنها أخذت من السيماء، وهي فعلاء من السمة، وهي العلامة. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ وفي الترمذي مرفوعا «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» «١» ثم قرأ إنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. وَكانَ أبُو الدَّرْداءِ يَقُولُ: إيّاكم وفِراسَةَ العُلَماءِ، احْذَرُوا أنْ يَشْهَدُوا عَلَيْكم شَهادَةً تَكُبُّكم عَلى وُجُوهِكم في النّارِ، فَواللَّهِ إنّهُ لَلْحَقُّ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ. قُلْت: وأصْلُ هَذا في التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ؛ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]» [فصل: الفرق بين الفراسة، والظن] والفرق بين الفراسة، والظن أن الظن يخطئ ويصيب وهو يكون مع ظلمة القلب ونوره وطهارته ونجاسته ولهذا أمر تعالى باجتناب كثير منه وأخبر أن بعضه إثم. وأما الفراسة: فأثنى على أهلها مدحهم في قوله تعالى: ﴿إنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وغيره أي للمتفرسين وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ فالفراسة الصادقة لقلب قد تطهر وتصفى وتنزه من الأدناس وقرب من اللّه فهو ينظر بنور اللّه الذي جعله في قلبه. وفي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه). وهذه الفراسة نشأت له من قربه من اللّه فإن القلب إذا قرب من اللّه انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق وإدراكه وكان تلقيه من مشكاة قريبة من اللّه بحسب قربه منه وأضاء له النور بقدر قربه فرأى في ذلك النور ما لم يره البعيد والمحجوب، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيما يروي عنه ربه عز وجل أنه: قال ما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، فأخبر سبحانه أن تقرب عبده منه يفيده محبته له فإذا أحبه قرب من سمعه وبصره ويده ورجله فسمع به وأبصر به وبطش به ومشى به فصار قلبه كالمرآة الصافية تبدو فيها صور الحقائق على ما هي عليه فلا تكاد تخطئ له فراسة فإن العبد إذا أبصر باللّه أبصر الأمر على ما هو عليه، فإذا سمع باللّه سمع على ما هو عليه، وليس هذا من علم الغيب بل علّام الغيوب قذف الحق في قلب قريب مستبشر بنوره غير مشغول بنقوش الأباطيل والخيالات والوساوس التي تمنعه من حصول صور الحقائق فيه وإذا غلب على القلب النور فاض على الأركان وبادر من القلب إلى العين فكشف بعين بصره يحسب ذلك النور وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يرى أصحابه به في الصلاة وهم خلفه كما يراهم وهم أمامه، ورأى بيت المقدس عيانا وهو بمكة، ورأى قصور الشام، وأبواب صنعاء، ومدائن كسرى وهو بالمدينة يحفر الخندق، ورأى أمراءه بمؤتة وقد أصيبوا وهو بالمدينة، ورأى النجاشي بالحبشة لما مات وهو بالمدينة فخرج إلى المصلي فصلى عليه، ورأى عمر سارية بنهاوند من أرض فارس هو وعساكر المسلمين وهم يقاتلون عدوهم فناداه يا سارية الجبل، ودخل عليه نفر من مذحج فيهم الأشتر النخعي فصعد فيه البصر وصوبه وقال أيهم هذا؟ قال مالك بن الحارث فقال ما له قاتله اللّه إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا. ودخل عمرو بن عبيد على الحسن فقال هذا سيد الفتيان إن لم يحدث. وقيل إن الشافعي ومحمد بن الحسن جلسا في المسجد الحرام فدخل رجل فقال محمد أتفرس أنه نجار، فقال الشافعي أتفرس أنه حداد، فسألاه فقال كنت حدادا وأنا اليوم أنجر، ودخل أبو الحسن البوسنجي والحسن الحداد على أبي القاسم المناوي يعودانه فاشتريا في طريقهما بنصف درهم تفاحا نسيئة فلما دخلا عليه قال ما هذه الظلمة؟ فخرجا وقالا ما علمنا لعل هذا من قبل ثمن التفاح فأعطيا القمن ثم عادا إليه وقع بصره عليهما فقال يمكن الإنسان أن يخرج من الظلمة بهذه السرعة؟ أخبراني عن شأنكما فأخبراه بالقصة فقال نعم كان كل واحد منكما يعتمد على صاحبه في إعطاء الثمن والرجل مستح منكما في التقاضي، وكان بين أبي زكريا النخشبي وبين امرأة سبب قبل توبته فكان يوما واقفا على رأس أبي عثمان الحيري فتفكر في شأنها فرفع أبو عثمان إليه رأسه وقال ألا يستحي، وكان شاه الكرماني جيد الفراسة لا تخطئ فراسته وكان يقول من غض بصره عن المحارم وأمسك نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وتعود أكل الخلال لم تخطئ فراسته. وكان شاب يصحب الجنيد يتكلم على الخواطر فذكر للجنيد فقال إيش هذا الذي ذكر لي عنك؟ فقال له أعتقد شيئا، فقال له الجنيد اعتقدت فقال الشاب اعتقدت كذا وكذا فقال الجنيد لا، فقال فاعتقد ثانيا قال اعتقدت فقال الشاب اعتقدت كذا وكذا فقال الجنيد لا، قال فاعتقد ثالثا قال اعتقدت قال الشاب هو كذا وكذا قال لا، فقال الشاب هذا عجب وأنت صدوق، وأنا أعرف قلبي، فقال الجنيد صدقت في الأولى والثانية والثالثة لكن أردت أن أمتحنك هل يتغير قلبك؟ وقال أبو سعيد الخراز دخلت المسجد الحرام فدخل فقير عليه خرقتان يسأل شيئا فقلت في نفسي مثل هذا كَلٌّ على الناس، فنظر إليَّ وقال: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ قال فاستغفرت في سري فناداني وقال: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾. وقال إبراهيم الخواص كنت في الجامع فأقبل شاب طيب الرائحة حسن الوجه حسن الحرمة فقلت لأصحابنا يقع لي أنه يهودي! فكلهم كره ذلك فخرجت وخرج الشاب ثم رجع إليهم فقال: إيش قال الشيخ في؟ فاحتشموه فألح عليهم فقالوا قال إنك يهودي فجاء فأكب على يدي فأسلم فقلت ما السبب؟ فقال نجد في كتابنا أن الصديق لا تخطئ فراسته فقلت أمتحن المسلمين فتأملتهم. فقلت: إن كان فيهم صديق ففي هذه الطائفة فلبست عليكم فلما اطلع هذا الشيخ علي وتفرسني علمت أنه صديق. وهذا عثمان بن عفان دخل عليه رجل من الصحابة، وقد رأى امرأة في الطريق فتأمل محاسنها، فقال له عثمان: يدخل أحدكم وأثر الزنا ظاهر على عينيه فقلت: أوحى بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟ فقال لا ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة. فهذا شأن الفراسة وهي نور يقذفه اللّه في القلب فيخطر له الشيء فيكون كما خطر له وينفذ إلى العين فيرى ما لا يراه غيرها. [فَصْلٌ في عَجائِب الفِراسَة] وَمِن عَجِيبِ الفِراسَةِ ما ذُكِرَ عَنْ أحْمَدَ بْنِ طُولُونَ: أنَّهُ بَيْنَما هو في مَجْلِسٍ لَهُ يَتَنَزَّهُ فِيهِ، إذْ رَأى سائِلًا في ثَوْبٍ خَلِقٍ، فَوَضَعَ دَجاجَةً في رَغِيفٍ وحَلْوى وأمَرَ بَعْضَ الغِلْمانِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ، فَلَمّا وقَعَ في يَدِهِ لَمْ يَهَشَّ، ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، فَقالَ لِلْغُلامِ: جِئْنِي بِهِ، فَلَمّا وقَفَ قُدّامَهُ اسْتَنْطَقَهُ، فَأحْسَنَ الجَوابَ، ولَمْ يَضْطَرِبْ مِن هَيْبَتِهِ، فَقالَ: هاتِ الكُتُبَ الَّتِي مَعَك، واصْدُقْنِي مَن بَعَثَك، فَقَدْ صَحَّ عِنْدِي أنَّك صاحِبُ خَبَرٍ. وأحْضَرَ السِّياطَ، فاعْتَرَفَ، فَقالَ بَعْضُ جُلَسائِهِ: هَذا واللَّهِ السِّحْرُ، قالَ: ما هو بِسِحْرٍ، ولَكِنْ فِراسَةٌ صادِقَةٌ، رَأيْت سُوءَ حالِهِ، فَوَجَّهْت إلَيْهِ بِطَعامٍ يَشْرَهُ إلى أكْلِهِ الشَّبْعانُ، فَما هَشَّ لَهُ، ولا مَدَّ يَدَهُ إلَيْهِ، فَأحْضَرْته فَتَلَقّانِي بِقُوَّةِ جَأْشٍ، فَلَمّا رَأيْت رَثاثَةَ حالِهِ، وقُوَّةَ جَأْشِهِ، عَلِمْت أنَّهُ صاحِبُ خَبَرٍ، فَكانَ كَذَلِكَ. وَرَأى يَوْمًا حَمّالًا يَحْمِلُ صِنًّا وهو يَضْطَرِبُ تَحْتَهُ، فَقالَ: لَوْ كانَ هَذا الِاضْطِرابُ مِن ثِقَلِ المَحْمُولِ لَغاصَتْ عُنُقُ الحَمّالِ، وأنا أرى عُنُقَهُ بارِزَةً، وما أرى هَذا الأمْرَ إلّا مِن خَوْفٍ، فَأمَرَ بِحَطِّ الصِّنِّ، فَإذا فِيهِ جارِيَةٌ قَدْ قُتِلَتْ وقُطِّعَتْ، فَقالَ: اصْدُقْنِي عَنْ حالِها، فَقالَ: أرْبَعَةُ نَفَرٍ في الدّارِ الفُلانِيَّةِ أعْطَوْنِي هَذِهِ الدَّنانِيرَ، وأمَرُونِي بِحَمْلِ هَذِهِ المَقْتُولَةِ. فَضَرَبَهُ وقَتَلَ الأرْبَعَةَ. وَكانَ يَتَنَكَّرُ ويَطُوفُ بِالبَلَدِ يَسْمَعُ قِراءَةَ الأئِمَّةِ فَدَعا ثِقَتَهُ، وقالَ: خُذْ هَذِهِ الدَّنانِيرَ، وأعْطِها إمامَ مَسْجِدِ كَذا، فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَشْغُولُ القَلْبِ. فَفَعَلَ، وجَلَسَ مَعَهُ وباسَطَهُ، فَوَجَدَ زَوْجَتَهُ قَدْ ضَرَبَها الطَّلْقُ، ولَيْسَ مَعَهُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ فَقالَ: صَدَقَ، عَرَفْت شُغْلَ قَلْبِهِ في كَثْرَةِ غَلَطِهِ في القِراءَةِ ومِن ذَلِكَ: أنَّ اللُّصُوصَ أخَذُوا في زَمَنِ المُكْتَفِي مالًا عَظِيمًا، فَألْزَمَ المُكْتَفِي صاحِبَ الشُّرْطَةِ بِإخْراجِ اللُّصُوصِ. ، أوْ غَرامَةِ المالِ؛ فَكانَ يَرْكَبُ وحْدَهُ، ويَطُوفُ لَيْلًا ونَهارًا، إلى أنْ اجْتازَ يَوْمًا في زُقاقٍ خالٍ في بَعْضِ أطْرافِ البَلَدِ، فَدَخَلَهُ فَوَجَدَهُ مُنْكَرًا، ووَجَدَهُ لا يَنْفُذُ، فَرَأى عَلى بَعْضِ أبْوابِهِ شَوْكَ سَمَكٍ كَثِيرٍ، وعِظامَ الصُّلْبِ. فَقالَ لِشَخْصٍ: كَمْ يَكُونُ تَقْدِيرُ ثَمَنِ هَذا السَّمَكِ الَّذِي هَذِهِ عِظامُهُ؟ قالَ: دِينارٌ، قالَ: أهْلُ الزُّقاقِ لا تَحْتَمِلُ أحْوالُهم مُشْتَرِيَ مِثْلِ هَذا، لِأنَّهُ زُقاقٌ بَيِّنُ الِاخْتِلالِ إلى جانِبِ الصَّحْراءِ، لا يَنْزِلُهُ مَن مَعَهُ شَيْءٌ يَخافُ عَلَيْهِ، أوْ لَهُ مالٌ يُنْفِقُ مِنهُ هَذِهِ النَّفَقَةَ، وما هي إلّا بَلِيَّةٌ، يَنْبَغِي أنْ يُكْشَفَ عَنْها، فاسْتَبْعَدَ الرَّجُلُ هَذا، وقالَ: هَذا فِكْرٌ بَعِيدٌ، فَقالَ: اطْلُبُوا لِي امْرَأةً مِن الدَّرْبِ أُكَلِّمُها. فَدَقَّ بابًا غَيْرَ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّوْكُ واسْتَسْقى ماءً، فَخَرَجَتْ عَجُوزٌ ضَعِيفَةٌ. فَما زالَ يَطْلُبُ شَرْبَةً بَعْدَ شَرْبَةٍ، وهي تَسْقِيهِ، وهو في خِلالِ ذَلِكَ يَسْألُ عَنْ الدَّرْبِ وأهْلِهِ، وهي تُخْبِرُهُ غَيْرَ عارِفَةٍ بِعَواقِبِ ذَلِكَ، إلى أنْ قالَ لَها: وهَذِهِ الدّارُ مَن يَسْكُنُها؟ - وأوْمَأ إلى الَّتِي عَلَيْها عِظامُ السَّمَكِ - فَقالَتْ: فِيها خَمْسَةُ شَبابٍ أعْفارٍ، كَأنَّهم تُجّارٌ، وقَدْ نَزَلُوا مُنْذُ شَهْرٍ لا نَراهم نَهارًا إلّا في كُلِّ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ونَرى الواحِدَ مِنهم يَخْرُجُ في الحاجَةِ ويَعُودُ سَرِيعًا، وهم في طُولِ النَّهارِ يَجْتَمِعُونَ فَيَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، ويَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ والنَّرْدِ، ولَهم صَبِيٌّ يَخْدُمُهُمْ، فَإذا كانَ اللَّيْلُ انْصَرَفُوا إلى دارٍ لَهم بِالكَرْخِ، ويَدَعُونَ الصَّبِيَّ في الدّارِ يَحْفَظُها. فَإذا كانَ سَحَرًا جاءُوا ونَحْنُ نِيامٌ لا نَشْعُرُ بِهِمْ فَقالَتْ لِلرَّجُلِ: هَذِهِ صِفَةُ لُصُوصٍ أمْ لا؟ قالَ: بَلى، فَأنْفَذَ في الحالِ، فاسْتَدْعى عَشَرَةً مِن الشُّرَطِ، وأدْخَلَهم إلى أسْطِحَةِ الجِيرانِ، ودَقَّ هو البابَ، فَجاءَ الصَّبِيُّ فَفَتَحَ. فَدَخَلَ الشُّرَطُ مَعَهُ، فَما فاتَهُ مِن القَوْمِ أحَدٌ فَكانُوا هم أصْحابُ الجِنايَةِ بِعَيْنِهِمْ ومِن ذَلِكَ: أنَّ بَعْضَ الوُلاةِ سَمِعَ في بَعْضِ لَيالِي الشِّتاءِ صَوْتًا بِدارٍ يَطْلُبُ ماءً بارِدًا، فَأمَرَ بِكَبْسِ الدّارِ، فَأخْرَجُوا رَجُلًا وامْرَأةً، فَقِيلَ لَهُ: مِن أيْنَ عَلِمْت؟ قالَ: الماءُ لا يُبَرَّدُ في الشِّتاءِ، إنّما ذَلِكَ عَلامَةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ. وَأحْضَرَ بَعْضُ الوُلاةِ شَخْصَيْنِ مُتَّهَمَيْنِ بِسَرِقَةٍ، فَأمَرَ أنْ يُؤْتى بِكُوزٍ مِن ماءٍ، فَأخَذَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ ألْقاهُ عَمْدًا فانْكَسَرَ، فارْتاعَ أحَدُهُما، وثَبَتَ الآخَرُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ، فَقالَ لِلَّذِي انْزَعَجَ: اذْهَبْ، وقالَ لِلْآخَرِ: أحْضِرْ العُمْلَةَ. فَقِيلَ لَهُ: ومِن أيْنَ عَرَفْت ذَلِكَ؟ فَقالَ: اللِّصُّ قَوِيُّ القَلْبِ لا يَنْزَعِجُ، والبَرِيءُ يَرى أنَّهُ لَوْ تَحَرَّكَتْ في البَيْتِ فَأْرَةٌ لَأزْعَجَتْهُ، ومَنَعَتْهُ مِن السَّرِقَةِ. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الفِراسَةِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَنزِلَةُ الفِراسَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُتَفَرِّسِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لِلنّاظِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُعْتَبِرِينَ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلْمُتَفَكِّرِينَ. وَلا تَنافِي بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ، فَإنَّ النّاظِرَ مَتى نَظَرَ في آثارِ دِيارِ المُكَذِّبِينَ ومَنازِلِهِمْ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُمْ: أوْرَثَهُ فِراسَةً وعِبْرَةً وفِكْرَةً. وقالَ تَعالى في حَقِّ المُنافِقِينَ: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. فالأوَّلُ: فِراسَةُ النَّظَرِ والعَيْنِ. والثّانِي: فِراسَةُ الأُذُنِ والسَّمْعِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: عَلَّقَ مَعْرِفَتَهُ إيّاهم بِالنَّظَرِ عَلى المَشِيئَةِ، ولَمْ يُعَلِّقْ تَعْرِيفَهم بِلَحْنِ خِطابِهِمْ عَلى شَرْطٍ. بَلْ أخْبَرَ بِهِ خَبَرًا مُؤَكَّدًا بِالقَسَمِ. فَقالَ: ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ وهو تَعْرِيضُ الخِطابِ، وفَحْوى الكَلامِ ومَغْزاهُ. واللَّحْنُ ضَرْبانِ: صَوابٌ وخَطَأٌ. فَلَحْنُ الصَّوابِ نَوْعانِ. أحَدُهُما: الفِطْنَةُ. وَمِنهُ الحَدِيثَ «وَلَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ». والثّانِي: التَّعْرِيضُ والإشارَةُ. وهو قَرِيبٌ مِنَ الكِنايَةِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وَحَدِيثٌ ألَذُّهُ وهْوَ مِمّا ∗∗∗ يَشْتَهِي السّامِعُونَ يُوزَنُ وزْنًا ؎مَنطِقٌ صائِبٌ. وتَلْحَنُ أحْيا ∗∗∗ نًا وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا والثّالِثُ: فَسادُ المَنطِقِ في الإعْرابِ. وحَقِيقَتُهُ: تَغْيِيرُ الكَلامِ عَنْ وجْهِهِ: إمّا إلى خَطَأٍ، وإمّا إلى مَعْنًى خَفِيٍّ لَمْ يُوضَعْ لَهُ اللَّفْظُ. والمَقْصُودُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ عَلى مَعْرِفَتِهِمْ مِن لَحْنِ خِطابِهِمْ. فَإنَّ مَعْرِفَةَ المُتَكَلِّمِ وما في ضَمِيرِهِ مِن كَلامِهِ: أقْرَبُ مِن مَعْرِفَتِهِ بِسِيماهُ وما في وجْهِهِ. فَإنَّ دَلالَةَ الكَلامِ عَلى قَصْدِ قائِلِهِ وضَمِيرِهِ أظْهَرُ مِنَ السِّيماءِ المَرْئِيَّةِ. والفِراسَةُ تَتَعَلَّقُ بِالنَّوْعَيْنِ بِالنَّظَرِ والسَّماعِ. وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اتَّقَوْا فِراسَةَ المُؤْمِنِ. فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ. ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].» [فَصْلٌ أنْواعُ الفِراسَةِ] والفِراسَةُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: إيمانِيَّةٌ. وهي المُتَكَلَّمُ فِيها في هَذِهِ المَنزِلَةِ. وَسَبَبُها: نُورُ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ. يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحالِي والعاطِلِ، والصّادِقِ والكاذِبِ. وَحَقِيقَتُها: أنَّها خاطِرٌ يَهْجُمُ عَلى القَلْبِ يَنْفِي ما يُضادُّهُ. يَثِبُ عَلى القَلْبِ كَوُثُوبِ الأسَدِ عَلى الفَرِيسَةِ. لَكِنَّ الفَرِيسَةَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مُفَعُولَةٌ. وبِناءُ الفِراسَةِ كَبِناءِ الوِلايَةِ والإمارَةِ والسِّياسَةِ. وَهَذِهِ الفِراسَةُ عَلى حَسَبِ قُوَّةِ الإيمانِ. فَمَن كانَ أقْوى إيمانًا فَهو أحَدُّ فِراسَةً. قالَ أبُو سَعِيدٍ الخَرّازُ: مَن نَظَرَ بِنُورِ الفِراسَةِ نَظَرَ بِنُورِ الحَقِّ، وتَكُونُ مَوادُّ عِلْمِهِ مَعَ الحَقِّ بِلا سَهْوٍ ولا غَفْلَةٍ. بَلْ حُكْمُ حَقٍّ جَرى عَلى لِسانِ عَبْدِهِ. وَقالَ الواسِطِيُّ: الفِراسَةُ شَعاشِعُ أنْوارٍ لَمَعَتْ في القُلُوبِ، وتَمَكُّنُ مُعْرِفَةِ جُمْلَةِ السَّرائِرِ في الغُيُوبِ مَن غَيْبٍ إلى غَيْبٍ، حَتّى يَشْهَدَ الأشْياءَ مِن حَيْثُ أشْهَدَهُ الحَقُّ إيّاها، فَيَتَكَلَّمَ عَنْ ضَمِيرِ الخَلْقِ. وَقالَ الدّارانِيُّ: الفِراسَةُ مُكاشَفَةُ النَّفْسِ ومُعايَنَةُ الغَيْبِ، وهي مِن مَقاماتِ الإيمانِ. وَسُئِلَ بَعْضُهم عَنِ الفِراسَةِ؟ فَقالَ: أرْواحٌ تَتَقَلَّبُ في المَلَكُوتِ. فَتُشْرِفُ عَلى مَعانِي الغُيُوبِ. فَتَنْطِقُ عَنْ أسْرارِ الخَلْقِ، نُطْقَ مُشاهَدَةٍ لا نُطْقَ ظَنٍّ وحُسْبانٍ. وَقالَ عَمْرُو بْنُ نُجِيدٍ: كانَ شاهُ الكِرْمانِيُّ حادَّ الفِراسَةِ لا يُخْطِئُ. ويَقُولُ: مَن غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ المَحارِمِ، وأمْسَكَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ، وعَمَّرَ باطِنَهُ بِالمُراقَبَةِ وظاهِرَهُ بِاتِّباعِ السُّنَّةِ، وتَعَوَّدَ أكْلَ الحَلالِ: لَمْ تُخْطِئْ فِراسَتُهُ. وَقالَ أبُو جَعْفَرٍ الحَدّادُ: الفِراسَةُ أوَّلُ خاطِرٍ بِلا مُعارِضٍ، فَإنْ عارَضَهُ مُعارِضٌ آخَرُ مِن جِنْسِهِ. فَهو خاطِرٌ وحَدِيثُ نَفْسٍ. وَقالَ أبُو حَفْصٍ النَّيْسابُورِيُّ: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَدَّعِيَ الفِراسَةَ. ولَكِنْ يَتَّقِي الفِراسَةَ مِنَ الغَيْرِ. لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اتَّقَوْا فِراسَةَ المُؤْمِنِ. فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ». ولَمْ يَقُلْ: تَفَرَّسُوا. وكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوى الفِراسَةِ لِمَن هو في مَحَلِّ اتِّقاءِ الفِراسَةِ؟ وَقالَ أحْمَدُ بْنُ عاصِمٍ الأنْطاكِيُّ: إذا جالَسْتُمْ أهْلَ الصِّدْقِ فَجالِسُوهم بِالصِّدْقِ. فَإنَّهم جَواسِيسُ القُلُوبِ، يَدْخُلُونَ في قُلُوبِكم ويَخْرُجُونَ مِن حَيْثُ لا تَحْتَسِبُونَ. وَكانَ الجُنَيْدُ يَوْمًا يَتَكَلَّمُ عَلى النّاسِ. فَوَقَفَ عَلَيْهِ شابٌّ نَصْرانِيٌّ مُتَنَكِّرًا. فَقالَ: أيُّها الشَّيْخُ ما مَعْنى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «اتَّقَوْا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» فَأطْرَقَ الجُنَيْدُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَيْهِ. وقالَ: أسْلِمْ. فَقَدْ حانَ وقْتُ إسْلامِكَ. فَأسْلَمَ الغُلامُ. وَيُقالُ في بَعْضِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ: إنَّ الصِّدِّيقَ لا تُخْطِئُ فِراسَتُهُ. وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ في يُوسُفَ، حَيْثُ قالَ لِامْرَأتِهِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١]. وابْنَةُ شُعَيْبٍ حِينَ قالَتْ لِأبِيها في مُوسى: اسْتَأْجِرْهُ وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، حَيْثُ اسْتَخْلَفَهُ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ حِينَ قالَتْ: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩]. وَكانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أعْظَمَ الأُمَّةِ فِراسَةً. وبَعْدَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ووَقائِعُ فِراسَتِهِ مَشْهُورَةٌ. فَإنَّهُ ما قالَ لِشَيْءٍ أظُنُّهُ كَذا إلّا كانَ كَما قالَ. ويَكْفِي في فِراسَتِهِ: مُوافَقَتُهُ رَبَّهُ في المَواضِعِ المَعْرُوفَةِ. وَمَرَّ بِهِ سَوّادُ بْنُ قارِبٍ، ولَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ. فَقالَ: لَقَدْ أخْطَأ ظَنِّي، أوْ أنَّ هَذا كاهِنٌ، أوْ كانَ يَعْرِفُ الكِهانَةَ في الجاهِلِيَّةِ. فَلَمّا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ قالَ لَهُ ذَلِكَ عُمَرُ. فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما اسْتَقْبَلْتَ أحَدًا مِن جُلَسائِكَ بِمِثْلِ ما اسْتَقْبَلْتَنِي بِهِ. فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما كُنّا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. ولَكِنْ أخْبِرْنِي عَمّا سَألْتُكَ عَنْهُ. فَقالَ: صَدَقْتَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. كُنْتُ كاهِنًا في الجاهِلِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ. وَكَذَلِكَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صادِقُ الفِراسَةِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَخَلْتُ عَلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وكُنْتُ رَأيْتُ امْرَأةً في الطَّرِيقِ تَأمَّلْتُ مَحاسِنَها. فَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَدْخُلُ عَلَيَّ أحَدُكم وأثَرُ الزِّنا ظاهِرٌ في عَيْنَيْهِ. فَقُلْتُ: أوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: ولَكِنْ تَبْصِرَةٌ وبُرْهانٌ وفِراسَةٌ صادِقَةٌ. وَفِراسَةُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أصْدَقُ الفِراسَةِ. وَأصْلُ هَذا النَّوْعِ مِنَ الفِراسَةِ: مِنَ الحَياةِ والنُّورِ اللَّذَيْنِ يَهَبُهُما اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَيَحْيا القَلْبُ بِذَلِكَ ويَسْتَنِيرُ، فَلا تَكادُ فِراسَتُهُ تُخْطِئُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢] كانَ مَيْتًا بِالكُفْرِ والجَهْلِ، فَأحْياهُ اللَّهُ بِالإيمانِ والعِلْمِ. وجَعَلَ لَهُ بِالقُرْآنِ والإيمانِ نُورًا يَسْتَضِيءُ بِهِ في النّاسِ عَلى قَصْدِ السَّبِيلِ. ويَمْشِي بِهِ في الظُّلَمِ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ: الثّانِيَةُ فِراسَةُ الرِّياضَةِ والجُوعِ] الفِراسَةُ الثّانِيَةُ: فِراسَةُ الرِّياضَةِ والجُوعِ، والسَّهَرِ والتَّخَلِّي. فَإنَّ النَّفْسَ إذا تَجَرَّدَتْ عَنِ العَوائِقِ صارَ لَها مِنَ الفِراسَةِ والكَشْفِ بِحَسَبِ تَجَرُّدِها. وهَذِهِ فِراسَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. ولا تَدُلُّ عَلى إيمانٍ ولا عَلى وِلايَةٍ. وكَثِيرٌ مِنَ الجُهّالِ يَغْتَرُّ بِها. ولِلرُّهْبانِ فِيها وقائِعُ مَعْلُومَةٌ. وهي فِراسَةٌ لا تَكْشِفُ عَنْ حَقٍّ نافِعٍ. ولا عَنْ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. بَلْ كَشْفُها جُزْئِيٌّ مِن جِنْسِ فِراسَةِ الوُلاةِ، وأصْحابِ عِبارَةِ الرُّؤْيا والأطِبّاءِ ونَحْوِهِمْ. وَلِلْأطِبّاءِ فِراسَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِن حِذْقِهِمْ في صِناعَتِهِمْ. ومَن أحَبَّ الوُقُوفَ عَلَيْها فَلْيُطالِعْ تارِيخَهم وأخْبارَهم. وقَرِيبٌ مِن نِصْفِ الطِّبِّ فِراسَةٌ صادِقَةٌ، يَقْتَرِنُ بِها تَجْرِبَةٌ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ الثّالِثَةُ الفِراسَةُ الخَلْقِيَّةُ] فَصْلٌ الفِراسَةُ الثّالِثَةُ: الفِراسَةُ الخَلْقِيَّةُ. وهي الَّتِي صَنَّفَ فِيها الأطِبّاءُ وغَيْرُهم. واسْتَدَلُّوا بِالخَلْقِ عَلى الخُلُقِ لِما بَيْنَهُما مِن الِارْتِباطِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَةُ اللَّهِ. كالِاسْتِدْلالِ بِصِغَرِ الرَّأْسِ الخارِجِ عَنِ العادَةِ عَلى صِغَرِ العَقْلِ. وبِكِبَرِهِ، وبِسِعَةِ الصَّدْرِ، وبُعْدِ ما بَيْنَ جانِبَيْهِ: عَلى سَعَةِ خُلُقِ صاحِبِهِ. واحْتِمالِهِ وبِسْطَتِهِ. وبِضِيقِهِ عَلى ضِيقِهِ، وبِخُمُودِ العَيْنِ وكَلالِ نَظَرِها عَلى بَلادَةِ صاحِبِها، وضَعْفِ حَرارَةِ قَلْبِهِ. وبِشِدَّةِ بَياضِها مَعَ إشْرابِهِ بِحُمْرَةٍ - وهو الشَّكْلُ - عَلى شَجاعَتِهِ وإقْدامِهِ وفِطْنَتِهِ. وبِتَدْوِيرِها مَعَ حُمْرَتِها وكَثْرَةِ تَقَلُّبِها عَلى خِيانَتِهِ ومَكْرِهِ وخِداعِهِ. وَمُعْظَمُ تَعَلُّقِ الفِراسَةِ بِالعَيْنِ. فَإنَّها مِرْآةُ القَلْبِ وعُنْوانُ ما فِيهِ. ثُمَّ بِاللِّسانِ. فَإنَّهُ رَسُولُهُ وتُرْجُمانُهُ. وبِالِاسْتِدْلالِ بِزُرْقَتِها مَعَ شُقْرَةِ صاحِبِها عَلى رَداءَتِهِ. وبِالوَحْشَةِ الَّتِي تُرى عَلَيْها عَلى سُوءِ داخِلِهِ وفَسادِ طَوِيَّتِهِ. وَكالِاسْتِدْلالِ بِإفْراطِ الشَّعَرِ في السُّبُوطَةِ عَلى البَلادَةِ. وبِإفْراطِهِ في الجُعُودَةِ عَلى الشَّرِّ. وبِاعْتِدالِهِ عَلى اعْتِدالِ صاحِبِهِ. وَأصْلُ هَذِهِ الفِراسَةِ: أنَّ اعْتِدالَ الخِلْقَةِ والصُّورَةِ: هو مِنِ اعْتِدالِ المِزاجِ والرُّوحِ. وعَنِ اعْتِدالِها يَكُونُ اعْتِدالُ الأخْلاقِ والأفْعالِ. وَبِحَسَبِ انْحِرافِ الخِلْقَةِ والصُّورَةِ عَنْ الِاعْتِدالِ: يَقَعُ الِانْحِرافُ في الأخْلاقِ والأعْمالِ. هَذا إذا خُلِّيتِ النَّفْسُ وطَبِيعَتَها. وَلَكِنَّ صاحِبَ الصُّورَةِ والخِلْقَةِ المُعْتَدِلَةِ يَكْتَسِبُ بِالمُقارَنَةِ والمُعاشَرَةِ أخْلاقَ مَن يُقارِنُهُ ويُعاشِرُهُ. ولَوْ أنَّهُ مِنَ الحَيَوانِ البَهِيمِ. فَيَصِيرُ مِن أخْبَثِ النّاسِ أخْلاقًا وأفْعالًا، وتَعُودُ لَهُ تِلْكَ طِباعًا، ويَتَعَذَّرُ - أوْ يَتَعَسَّرُ - عَلَيْهِ الِانْتِقالُ عَنْها. وَكَذَلِكَ صاحَبُ الخِلْقَةِ والصُّورَةِ المُنْحَرِفَةِ عَنْ الِاعْتِدالِ يَكْتَسِبُ بِصُحْبَةِ الكامِلِينَ بِخُلْطَتِهِمْ أخْلاقًا وأفْعالًا شَرِيفَةً. تَصِيرُ لَهُ كالطَّبِيعَةِ. فَإنَّ العَوائِدَ والمُزاوَلاتِ تُعْطِي المَلَكاتِ والأخْلاقَ. فَلْيَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ ولا يُعَجِّلْ بِالقَضاءِ بِالفِراسَةِ دُونَهُ. فَإنَّ القاضِيَ حِينَئِذٍ يَكُونُ خَطَؤُهُ كَثِيرًا. فَإنَّ هَذِهِ العَلاماتِ أسْبابٌ لا مُوجِبَةٌ. وقَدْ تَتَخَلَّفُ عَنْها أحْكامُها لِفَواتِ شَرْطٍ، أوْ لِوُجُودِ مانِعٍ. وَفِراسَةُ المُتَفَرِّسِ تَتَعَلَّقُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِعَيْنِهِ. وأُذُنِهِ. وقَلْبِهِ. فَعَيْنُهُ لِلسِّيماءِ والعَلاماتِ. وأُذُنُهُ: لِلْكَلامِ وتَصْرِيحِهِ وتَعْرِيضِهِ، ومَنطُوقِهِ، ومَفْهُومِهِ، وفَحْواهُ وإشارَتِهِ. ولَحْنِهِ وإيمانِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقَلْبُهُ لِلْعُبُورِ: والِاسْتِدْلالِ مِنَ المَنظُورِ والمَسْمُوعِ إلى باطِنِهِ وخَفِيِّهِ. فَيَعْبُرُ إلى ما وراءَ ظاهِرِهِ، كَعُبُورِ النُّقّادِ مِن ظاهِرِ النَّقْشِ والسِّكَّةِ إلى باطِنِ النَّقْدِ والِاطِّلاعِ عَلَيْهِ: هَلْ هو صَحِيحٌ، أوْ زَغَلٌ؟ وكَذَلِكَ عُبُورُ المُتَفَرِّسِ مِن ظاهِرِ الهَيْئَةِ والدَّلِّ، إلى باطِنِ الرُّوحِ والقَلْبِ، فَنِسْبَةُ نَقْدِهِ لِلْأرْواحِ مِنَ الأشْباحِ كَنِسْبَةِ نَقْدِ الصَّيْرَفِيِّ يَنْظُرُ لِلْجَوْهَرِ مِن ظاهِرِ السِّكَّةِ والنَّقْدِ. وَكَذَلِكَ نَقْدُ أهْلِ الحَدِيثِ. فَإنَّهُ يَمُرُّ إسْنادٌ ظاهِرٌ كالشَّمْسِ عَلى مَتْنٍ مَكْذُوبٍ. فَيُخْرِجُهُ ناقِدُهُمْ، كَما يُخْرِجُ الصَّيْرَفِيُّ الزَّغَلَ مِن تَحْتِ الظّاهِرِ مِنَ الفِضَّةِ. وَكَذَلِكَ فِراسَةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وأحْوالِهِ. وَلِلْفِراسَةِ سَبَبانِ. أحَدُهُما: جَوْدَةُ ذِهْنِ المُتَفَرِّسِ، وحِدَّةُ قَلْبِهِ، وحُسْنُ فِطْنَتِهِ. والثّانِي: ظُهُورُ العَلاماتِ والأدِلَّةِ عَلى المُتَفَرِّسِ فِيهِ. فَإذا اجْتَمَعَ السَّبَبانِ لَمْ تَكَدْ تُخْطِئُ لِلْعَبْدِ فِراسَةٌ. وإذا انْتَفَيا لَمْ تَكَدْ تَصِحُّ لَهُ فِراسَةٌ. وإذا قَوِيَ أحَدُهُما وضَعُفَ الآخَرُ. كانَتْ فِراسَتُهُ بَيْنَ بَيْنَ. وَكانَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ مِن أعْظَمِ النّاسِ فِراسَةً. ولَهُ الوَقائِعُ المَشْهُورَةُ. وَكَذَلِكَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: إنَّ لَهُ فِيها تَآلِيفُ. وَلَقَدْ شاهَدْتُ مِن فِراسَةِ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أُمُورًا عَجِيبَةً. وما لَمْ أُشاهِدْهُ مِنها أعْظَمُ وأعْظَمُ. ووَقائِعُ فِراسَتِهِ تَسْتَدْعِي سِفْرًا ضَخْمًا. أخْبَرَ أصْحابَهُ بِدُخُولِ التَّتارِ الشّامَ سَنَةَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ وسِتِّمِائَةٍ، وأنَّ جُيُوشَ المُسْلِمِينَ تُكْسَرُ، وأنَّ دِمَشْقَ لا يَكُونُ بِها قَتْلٌ عامٌّ ولا سَبْيٌ عامٌّ، وأنَّ كَلَبَ الجَيْشِ وحِدَّتَهُ في الأمْوالِ. وهَذا قَبْلَ أنْ يَهُمَّ التَّتارُ بِالحَرَكَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ النّاسَ والأُمَراءَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِمِائَةٍ لَمّا تَحَرَّكَ التَّتارُ وقَصَدُوا الشّامَ: أنَّ الدّائِرَةَ والهَزِيمَةَ عَلَيْهِمْ. وأنَّ الظَّفَرَ والنَّصْرَ لِلْمُسْلِمِينَ. وأقْسَمَ عَلى ذَلِكَ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ يَمِينًا. فَيُقالُ لَهُ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَيَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ تَحْقِيقًا لا تَعْلِيقًا. وسَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ. قالَ: فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيَّ. قُلْتُ: لا تُكْثِرُوا. كَتَبَ اللَّهُ تَعالى في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. أنَّهم مَهْزُومُونَ في هَذِهِ الكَرَّةِ. وأنَّ النَّصْرَ لِجُيُوشِ الإسْلامِ. قالَ: وأطْمَعَتْ بَعْضَ الأُمَراءِ والعَسْكَرِ حَلاوَةُ النَّصْرِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلى لِقاءِ العَدُوِّ. وَكانَتْ فِراسَتُهُ الجُزْئِيَّةُ في خِلالِ هاتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ مِثْلَ المَطَرِ. وَلَمّا طُلِبَ إلى الدِّيارِ المِصْرِيَّةِ، وأُرِيدَ قَتْلُهُ - بَعْدَما أُنْضِجَتْ لَهُ القُدُورُ، وقُلِّبَتْ لَهُ الأُمُورُ - اجْتَمَعَ أصْحابُهُ لِوَداعِهِ. وقالُوا: قَدْ تَواتَرَتِ الكُتُبُ بِأنَّ القَوْمَ عامِلُونَ عَلى قَتْلِكَ. فَقالَ: واللَّهِ لا يَصِلُونَ إلى ذَلِكَ أبَدًا. قالُوا: أفَتُحْبَسُ؟ قالَ: نَعَمْ، ويَطُولُ حَبْسِي. ثُمَّ أخْرُجُ وأتَكَلَّمُ بِالسُّنَّةِ عَلى رُءُوسِ النّاسِ. سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ. وَلَمّا تَوَلّى عَدُوُّهُ المُلَقَّبُ بِالجاشِنْكِيرِ المُلْكَ أخْبَرُوهُ بِذَلِكَ. وقالُوا: الآنَ بَلَغَ مُرادَهُ مِنكَ. فَسَجَدَ لِلَّهِ شُكْرًا وأطالَ. فَقِيلَ لَهُ: ما سَبَبُ هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقالَ: هَذا بِدايَةُ ذُلِّهِ ومُفارَقَةُ عِزِّهِ مِنَ الآنِ، وقُرْبُ زَوالِ أمْرِهِ. فَقِيلَ: مَتى هَذا؟ فَقالَ: لا تُرْبَطُ خُيُولُ الجُنْدِ عَلى القُرْطِ حَتّى تُغْلَبَ دَوْلَتُهُ. فَوَقَعَ الأمْرُ مِثْلَ ما أخْبَرَ بِهِ. سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنهُ. وَقالَ مَرَّةً: يَدْخُلُ عَلَيَّ أصْحابِي وغَيْرُهم. فَأرى في وُجُوهِهِمْ وأعْيُنِهِمْ أُمُورًا لا أذْكُرُها لَهم. فَقُلْتُ لَهُ - أوَ غَيْرِي - لَوْ أخْبَرْتَهُمْ؟ فَقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مُعَرِّفًا كَمُعَرَّفِ الوُلاةِ؟ وقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: لَوْ عامَلْتَنا بِذَلِكَ لَكانَ أدْعى إلى الِاسْتِقامَةِ والصَّلاحِ. فَقالَ: لا تَصْبِرُونَ مَعِي عَلى ذَلِكَ جُمُعَةً، أوْ قالَ: شَهْرًا. وَأخْبَرَنِي غَيْرَ مَرَّةٍ بِأُمُورٍ باطِنَةٍ تَخْتَصُّ بِي مِمّا عَزَمْتُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسانِي. وَأخْبَرَنِي بِبَعْضِ حَوادِثَ كِبارٍ تَجْرِي في المُسْتَقْبَلِ. ولَمْ يُعَيِّنْ أوْقاتَها. وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَها وأنا أنْتَظِرُ بَقِيَّتَها. وَما شاهَدَهُ كِبارُ أصْحابِهِ مِن ذَلِكَ أضْعافُ أضْعافِ ما شاهَدَتْهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل آخر) قَوْلُهُ " وتُنْبِتُ الفِراسَةَ مَعْناها ". يَعْنِي أنَّ البَصِيرَةَ تُنْبِتُ في أرْضِ القَلْبِ الفِراسَةَ الصّادِقَةَ، وهي نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في القَلْبِ، يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصّادِقِ والكاذِبِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ مُجاهِدٌ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]». والتَّوَسُّمُ مَعْناهُ تَفَعُّلٌ مِنَ السِّيما، وهي العَلامَةُ، فَسُمِّيَ المُتَفَرِّسُ مُتَوَسِّمًا، لِأنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِما يَشْهَدُ عَلى ما غابَ، فَيَسْتَدِلُّ بِالعِيانِ عَلى الإيمانِ، ولِهَذا خَصَّ اللَّهُ تَعالى بِالآياتِ والِانْتِفاعِ بِها هَؤُلاءِ، لِأنَّهم يَسْتَدِلُّونَ بِما يُشاهِدُونَ مِنها عَلى حَقِيقَةِ ما أخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، والثَّوابِ والعِقابِ، وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ ذَلِكَ لِآدَمَ، وعَلَّمَهُ إيّاهُ حِينَ عَلَّمَهُ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ، وبَنُوهُ هم نُسْخَتُهُ وخُلَفاؤُهُ، فَكُلُّ قَلْبٍ فَهو قابِلٌ لِذَلِكَ، وهو فِيهِ بِالقُوَّةِ، وبِهِ تَقُومُ الحُجَّةُ، وتَحْصُلُ العِبْرَةُ، وتَصِحُّ الدِّلالَةُ، وبَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ مُذَكِّرِينَ ومُنَبِّهِينَ، ومُكَمِّلِينَ لِهَذا الِاسْتِعْدادِ، بِنُورِ الوَحْيِ والإيمانِ، فَيَنْضافُ ذَلِكَ إلى نُورِ الفِراسَةِ والِاسْتِعْدادِ، فَيَصِيرُ نُورًا عَلى نُورٍ، فَتَقْوى البَصِيرَةُ، ويَعْظُمُ النُّورُ ويَدُومُ، بِزِيادَةِ مادَّتِهِ ودَوامِها، ولا يَزالُ في تَزايُدٍ حَتّى يُرى عَلى الوَجْهِ والجَوارِحِ، والكَلامِ والأعْمالِ، ومَن لَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ ولَمْ يَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا دَخَلَ قَلْبُهُ في الغُلافِ والأكِنَّةِ، فَأظْلَمَ، وعَمِيَ عَنِ البَصِيرَةِ، فَحُجِبَتْ عَنْهُ حَقائِقُ الإيمانِ، فَيَرى الحَقَّ باطِلًا، والباطِلَ حَقًّا، والرُّشْدَ غَيًّا، والغَيَّ رُشْدًا، قالَ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] " والرَّيْنُ " " والرّانُّ " هو الحِجابُ الكَثِيفُ المانِعُ لِلْقَلْبِ مِن رُؤْيَةِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ. وَعَلى حَسَبِ قُوَّةِ البَصِيرَةِ وضَعْفِها تَكُونُ الفِراسَةُ، وهي نَوْعانِ: فِراسَةٌ عُلْوِيَّةٌ شَرِيفَةٌ، مُخْتَصَّةٌ بِأهْلِ الإيمانِ، وفِراسَةٌ سُفْلِيَّةٌ دَنِيئَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وهي فِراسَةُ أهْلِ الرِّياضَةِ والجُوعِ والسَّهَرِ والخُلْوَةِ، وتَجْرِيدِ البَواطِنِ مِن أنْواعِ الشَّواغِلِ، فَهَؤُلاءِ لَهم فِراسَةُ كَشْفِ الصُّوَرِ، والإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ السُّفْلِيَّةِ الَّتِي لا يَتَضَمَّنُ كَشْفُها والإخْبارُ بِها كَمالًا لِلنَّفْسِ، ولا زَكاةً ولا إيمانًا ولا مَعْرِفَةً، وهَؤُلاءِ لا تَتَعَدّى فِراسَتُهم هَذِهِ السُفْلِيّاتِ، لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ عَنِ الحَقِّ تَعالى، فَلا تَصْعَدُ فِراسَتُهم إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ، وطَرِيقِ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ. وَأمّا فِراسَةُ الصّادِقِينَ، العارِفِينَ بِاللَّهِ وأمْرِهِ فَإنَّ هِمَّتَهم لَمّا تَعَلَّقَتْ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلَيْهِ عَلى بَصِيرَةٍ، كانَتْ فِراسَتُهم مُتَّصِلَةً بِاللَّهِ، مُتَعَلِّقَةً بِنُورِ الوَحْيِ مَعَ نُورِ الإيمانِ، فَمَيَّزَتْ بَيْنَ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ وما يُبْغِضُهُ مِنَ الأعْيانِ والأقْوالِ والأعْمالِ، ومَيَّزَتْ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ، والصّادِقِ والكاذِبِ، وعَرَفَتْ مَقادِيرَ اسْتِعْدادِ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ، فَحَمَلَتْ كُلَّ إنْسانٍ عَلى قَدْرِ اسْتِعْدادِهِ، عِلْمًا وإرادَةً وعَمَلًا. فَفِراسَةُ هَؤُلاءِ دائِمًا حائِمَةٌ حَوْلَ كَشْفِ طَرِيقِ الرَّسُولِ وتَعَرُّفِها، وتَخْلِيصِها مِن بَيْنِ سائِرِ الطُّرُقِ، وبَيْنَ كَشْفِ عُيُوبِ النَّفْسِ، وآفاتِ الأعْمالِ العائِقَةِ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ المُرْسَلِينَ، فَهَذا أشْرَفُ أنْواعِ البَصِيرَةِ والفِراسَةِ، وأنْفَعُها لِلْعَبْدِ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ.

الحجر 15:88

[فصل: الفرق بين التواضع والمهانة] والفرق بين التواضع والمهانة أن التواضع يتولد من بين العلم باللّه سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عمله وآفاتها، من بين ذلك كله خلق هو التواضع وهو انكسار القلب للّه وخفض جناح الذل والرحمة بعباده فلا يرى له على أحد فضلا ولا يرى له عند أحد حقا بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه اللّه عز وجل من يحبه ويكرمه ويقربه. وأما المهانة: فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها كتواضع السفل في نيل شهواتهم وتواضع المفعول به للفاعل وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه فهذا كله ضعة لا تواضع واللّه سبحانه يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة: وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأوحى إلى تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد والتواضع المحمود على نوعين: النوع الأول: تواضع العبد عند أمر اللّه امتثالا وعند نهيه اجتنابا فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره فيبدو منها أنواع إباء وشراد هربا من العبودية وتثبت عند نهيه طلبا للظفر بما منع منه فإذا وضع العبد نفسه لأمر اللّه نهيه فقد تواضع للعبودية. والنوع الثاني: تواضعه لعظمة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه، فكلما شمخت نفسه ذكر عظمة الرب تعالى وتفرده بذلك، وغضبه الشديد على من نازعه ذلك، فتواضعت إليه نفسه، وانكسر لعظمة اللّه قلبه، واطمأن لهيبته وأخبت لسلطانه، فهذا غاية التواضع وهو يستلزم الأول من غير عكس. والمتواضع حقيقة من رزق الأمرين. واللّه المستعان.

الحجر 15:92

قال غير واحد من السلف: هو عن قول: "لا إله إلا الله"، وهذا حق. فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها، فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها، قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فالسؤال عمّاذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عمّاذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها، فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأْنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله، بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.

الحجر 15:93

قال غير واحد من السلف: هو عن قول: "لا إله إلا الله"، وهذا حق. فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها، فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها، قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فالسؤال عمّاذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عمّاذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها، فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأْنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله، بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.

الحجر 15:94

(لطيفة) سمع بعض الأعراب قارئا يقرأ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فسجد فقيل له ليست بآية سجود! فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام. [فَصْلٌ: أكْمَلُ الخَلْقِ مَن كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ] وَأكْمَلُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مَن كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ كُلَّها، والخَلْقُ مُتَفاوِتُونَ في مَنازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَفاوُتُهم في مَراتِبِ الجِهادِ، ولِهَذا كانَ أكْمَلُ الخَلْقِ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ خاتِمَ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَإنَّهُ كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ، وجاهَدَ في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، وشَرَعَ في الجِهادِ مِن حِينَ بُعِثَ إلى أنْ تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١-٤] شَمَّرَ عَنْ ساقِ الدَّعْوَةِ، وقامَ في ذاتِ اللَّهِ أتَمَّ قِيامٍ، ودَعا إلى اللَّهِ لَيْلًا ونَهارًا، وسِرًّا وجِهارًا، ولَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فَصَدَعَ بِأمْرِ اللَّهِ لا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، فَدَعا إلى اللَّهِ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ والحُرَّ والعَبْدَ والذَّكَرَ والأُنْثى والأحْمَرَ والأسْوَدَ والجِنَّ والإنْسَ. وَلَمّا صَدَعَ بِأمْرِ اللَّهِ وصَرَّحَ لِقَوْمِهِ بِالدَّعْوَةِ، وناداهم بِسَبِّ آلِهَتِهِمْ، وعَيْبِ دِينِهِمْ، اشْتَدَّ أذاهم لَهُ، ولِمَنِ اسْتَجابَ لَهُ مِن أصْحابِهِ، ونالُوهُ ونالُوهم بِأنْواعِ الأذى، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] وقالَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقالَ: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ - أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢-٥٣]. فَعَزّى سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ، وأنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وعَزّى أتْباعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].

الحجر 15:99

الصادق لا نهاية لطلبه ولا فتور لقصده، بل قصده أتم وطلبه أكمل ونيته. قال تعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيكَ اليَقِينْ﴾ واليقين هنا الموت باتفاق أهل الإسلام، فجاء ﷺ إذ جاءه وإرادته وقصده ونيته في الذروة العليا ونهاية كمالها وتمامها، فأين العلة في هذه الإرادة؟ ولكن العلة والنقص في الإرادة التي يكون مصدرها النفس والهوى، وغايتها نيل حظ المريد من محبوبه، وإن كان المحبوب يريد ذلك لكن غيره أحب إليه منه، وهو أن يكون مراده محض حق محبوبه وحصول مرضاته، فانيًا عن حظه هو من محبوبه، بل قد صار حظه منه نفس حقه ومراده، فهذه هي الإرادة والمحبة التي لا عِلَّة فيها ولا نقص. نسأل الله تعالى أن يمن علينا ويحيينا ولو بنفس منها، كما منّ بتعليمها ومعرفتها إنه جواد كريم. (فصل) قال ابن القيم - بعد كلام طويل عن منزلة الفناء -: وَيَقُولُ قائِلُهُمْ: مَن شَهِدَ الحَقِيقَةَ سَقَطَ عَنْهُ الأمْرُ، ويَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] ويُفَسِّرُونَ اليَقِينَ بِشُهُودِ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ، وهي الحَقِيقَةُ عِنْدَهم. وَلا رَيْبَ أنَّ العامَّةَ خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ وأصَحُّ إيمانًا، فَإنَّ هَذا زَنْدَقَةٌ ونِفاقٌ، وكَذِبٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ ونَبِيِّهِمْ وإلَهِهِمْ. أمّا كَذِبُهم عَلى أنْفُسِهِمْ فَإنَّهم لا بُدَّ أنْ يُفَرِّقُوا قَطْعًا، فَرَغِبُوا عَنِ الفَرْقِ النَّبَوِيِّ والقُرْآنِيِّ، ووَقَعُوا في الفَرْقِ النَّفْسِيِّ الطَّبْعِيِّ، مِثْلَ حالِ إبْلِيسَ، تَكَبَّرَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، ورَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالقِيادَةِ لِفُسّاقِ ذُرِّيَّتِهِ، ومِثْلَ المُشْرِكِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ الحَيِّ القَيُّومِ، وَرَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِعِبادَةِ الأحْجارِ والأشْجارِ والمَوْتى والأوْثانِ، ومِثْلَ أهْلِ البِدَعِ تَكَبَّرُوا عَنْ تَقْلِيدِ النُّصُوصِ، وتَلَقِّي الهُدى مِن مِشْكاتِها، ورَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِتَقْلِيدِ أقْوالٍ مُخالِفَةٍ لِلْفِطْرَةِ والعَقْلِ والشَّرْعِ، وظَنُّوها قَواطِعَ عَقْلِيَّةً، وقَدَّمُوها عَلى نُصُوصِ الأنْبِياءِ، وهي في الحَقِيقَةِ شُبُهاتٌ مُخالِفَةٌ لِلسَّمْعِ والعَقْلِ. وَمِثْلَ الجَهْمِيَّةِ نَزَّهُوا الرَّبَّ عَنْ عَرْشِهِ، وجَعَلُوهُ في أجْوافِ البُيُوتِ والحَوانِيتِ والحَمّاماتِ، وقالُوا: هو في كُلِّ مَكانٍ بِذاتِهِ، ونَزَّهُوهُ عَنْ صِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ حَذَرًا - بِزَعْمِهِمْ - مِنَ التَّشْبِيهِ فَشَبَّهُوهُ بِالجامِداتِ النّاقِصَةِ الخَسِيسَةِ الَّتِي لا تَتَكَلَّمُ، ولا سَمْعَ لَها ولا بَصَرَ، ولا عِلْمَ ولا حَياةَ، بَلْ شَبَّهُوهُ بِالمَعْدُوماتِ المُمْتَنِعِ وُجُودُها. وَمِثْلَ المُعَطَّلَةِ الَّذِينَ قالُوا: ما فَوْقَ العَرْشِ إلّا العَدَمُ، ولَيْسَ فَوْقَ العَرْشِ رَبٌّ يُعْبَدُ، ولا إلَهٌ يُصَلّى لَهُ ويُسْجَدُ، ولا تَرْتَفِعُ الأيْدِي إلَيْهِ، ولا رَفَعَ المَسِيحُ إلَيْهِ، ولا تَعَرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، ولا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ، ولا دُنِّيَ مِنهُ حَتّى كانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، ولا يَنْزِلُ مِن عِنْدِهِ شَيْءٌ، ولا يَصْعَدُ إلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ مِن فَوْقِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، واسْتِواؤُهُ عَلى عَرْشِهِ لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ عَلى المَجازِ الَّذِي يَصِحُّ نَفْيُهُ، وعُلُوُّهُ فَوْقَ خَلْقِهِ بِالرُّتْبَةِ والشَّرَفِ لا بِالذّاتِ، وكَذَلِكَ فَوَقِيَّتُهُ فَوْقِيَّةُ قَهْرٍ، لا فَوْقِيَّةَ ذاتٍ، فَنَزَّهُوهُ عَنْ كَمالِ عُلُوِّهِ وفَوْقِيَّتِهِ، ووَصَفُوهُ بِما ساوَوْا بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَدَمِ والمُسْتَحِيلِ، فَقالُوا: لا هو داخِلَ العالَمِ، ولا خارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ بِهِ، ولا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، ولا مُحايِثٌ لَهُ، ولا مُبايِنٌ لَهُ، ولا هو فِينا، ولا خارِجٌ عَنّا. وَمَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِأحَدِهِمْ: صِفْ لَنا العَدَمَ، لَوَصَفَهُ بِهَذا بِعَيْنِهِ. وانْطِباقُ هَذا السَّلْبِ عَلى العَدَمِ المَحْضِ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والفِطَرِ مِنِ انْطِباقِهِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي لَيْسَ في مَخْلُوقاتِهِ شَيْءٌ مِن ذاتِهِ، ولا في ذاتِهِ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ، بَلْ هو بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ، عالٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ. والقَصْدُ أنَّ كُلَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الحَقِّ وجَحَدَهُ، وقَعَ في باطِلٍ مُقابِلٍ لِما أعْرَضَ عَنْهُ مِنَ الحَقِّ وجَحَدَهُ ولا بُدَّ، حَتّى في الأعْمالِ مَن رَغِبَ عَنِ العَمَلِ لِوَجْهِ اللَّهِ وحْدَهُ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالعَمَلِ لِوُجُوهِ الخَلْقِ، فَرَغِبَ عَنِ العَمَلِ لِمَن ضَرُّهُ ونَفْعُهُ ومَوْتُهُ وحَياتُهُ وسَعادَتُهُ بِيَدِهِ، فابْتُلِيَ بِالعَمَلِ لِمَن لا يَمْلِكُ لَهُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَن رَغِبَ عَنْ إنْفاقِ مالِهِ في طاعَةِ اللَّهِ ابْتُلِيَ بِإنْفاقِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وهو راغِمٌ. وَكَذَلِكَ مَن رَغِبَ عَنِ التَّعَبِ لِلَّهِ ابْتُلِيَ بِالتَّعَبِ في خِدْمَةِ الخَلْقِ ولا بُدَّ. وَكَذَلِكَ مَن رَغِبَ عَنِ الهَدْيِ بِالوَحْيِ، ابْتُلِيَ بِكُناسَةِ الآراءِ وزِبالَةِ الأذْهانِ، ووَسَخِ الأفْكارِ. فَلْيَتَأمَّلْ مَن يُرِيدُ نُصْحَ نَفْسِهِ وسَعادَتَها وفَلاحَها هَذا المَوْضِعَ في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ. وَلا رَيْبَ أنَّ العامَّةَ - مَعَ غَفْلَتِهِمْ وشَهَواتِهِمْ - أصَحُّ إيمانًا مِن هَؤُلاءِ إذا لَمْ يُعَطِّلُوا الأمْرَ والنَّهْيَ، فَإنَّ إيمانًا مَعَ تَفْرِقَةٍ وغَفْلَةٍ، خَيْرٌ مِن شُهُودٍ وجَمْعِيَّةٍ يَصْحَبُها فَسادُ الإيمانِ والِانْسِلاخُ مِنهُ. وَأمّا كَذِبُهم عَلى نَبِيِّهِمْ فاعْتِقادُهم أنَّهُ إنَّما كانَ قِيامُهُ بِالأوْرادِ والعِباداتِ لِأجْلِ التَّشْرِيعِ، لا لِأنَّها فَرْضٌ عَلَيْهِ، إذْ قَدْ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ بِشُهُودِ الحَقِيقَةِ وكَمالِ اليَقِينِ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَهُ وأمَرَ سائِرَ رُسُلِهِ بِعِبادَتِهِ إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، فَقالَ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وهو المَوْتُ بِالإجْماعِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى عَنِ الكُفّارِ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٦] وقالَ ﷺ «أمّا عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ» قالَهُ لَمّا ماتَ عُثْمانُ، وقالَ المَسِيحُ ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠] فَهَذِهِ وصِيَّةُ اللَّهِ لِلْمَسِيحِ، وكَذَلِكَ لِجَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ، قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ أجَلًا دُونَ المَوْتِ. وَإذا جَمَعَ هَؤُلاءِ التَّجَهُّمَ في الأسْماءِ والصِّفاتِ إلى شُهُودِ الحَقِيقَةِ والوُقُوفِ عِنْدَها، فَأعاذَكَ اللَّهُ مِن تَعْطِيلِ الرَّبِّ وشَرْعِهِ بِالكُلِّيَّةِ، فَلا رَبَّ يُعْبَدُ، ولا شَرْعَ يُتَّبَعُ بِالكُلِّيَّةِ. وَمَن أرادَ الوُقُوفَ عَلى حَقِيقَةِ ما ذَكَرْنا فَلْيُسَيِّرْ طَرْفَهُ بَيْنَ تِلْكَ المَعالِمِ، ولْيَقِفْ عَلى تِلْكَ المَعاهِدِ، ولْيَسْألِ الأحْوالَ والرُّسُومَ والشَّواهِدَ، فَإنْ لَمْ تَجُبْهُ حِوارًا، أجابَتْهُ حالًا واعْتِبارًا، وإنَّما يُصَدِّقُ بِهَذا مَن رافَقَ السّالِكِينَ، وفارَقَ القاعِدِينَ وتَبَوَّأ الإيمانَ، وفارَقَ عَوائِدَ أهْلِ الزَّمانِ، ولَمْ يَرْضَ بِقَوْلِ القائِلِ: ؎دَعِ المَعالِي لا تَنْهَضْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي

النحل 16:2

الإيمان والإسْلام والقُرْآن والجهاد يحي القُلُوب الحَياة الطّيبَة وكَمال الحَياة في الجنَّة والرَّسُول داع إلى الإيمان وإلى الجنَّة فَهو داع إلى الحَياة في الدُّنْيا والآخِرَة، والإنْسان مُضْطَر إلى نَوْعَيْنِ من الحَياة: حَياة بدنه الَّتِي بها يدْرك النافع والضار، ويؤثر ما يَنْفَعهُ على ما يضرّه، ومَتى نقصت فِيهِ هَذِه الحَياة ناله من الألَم والضعف بِحَسب ذَلِك، ولذَلِك كانَت حَياة المَرِيض والمحزون وصاحب الهم والغَم والخَوْف والفقر والذل دون حَياة من هو معافى من ذَلِك. وحياة قلبه وروحه الَّتِي بها يُمَيّز بَين الحق والباطِل والغي والرشاد والهوى والضلال، فيختار الحق على ضِدّه فتفيده هَذِه الحَياة قُوَّة التميز بَين النافع والضار في العُلُوم والإرادات والأعمال وتفيده قُوَّة الإيمان والإرادة والحب للحق وقُوَّة البغض والكَراهَة للباطل فشعوره وتمييزه وحبه ونفرته بِحَسب نصِيبه من هَذِه الحَياة كَما أن البدن الحَيّ يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم، ويكون ميله إلى النافع ونفرته عَن المؤلم أعظم، فَهَذا بِحَسب حَياة البدن، وذاكَ بِحِساب حَياة القلب فَإذا بطلت حَياته بَطل تَمْيِيزه، وإن كانَ لَهُ نوع تَمْيِيز لم يكن فِيهِ قُوَّة يُؤثر بها النافع على الضار كَما أن الإنْسان لا حَياة لَهُ حَتّى ينْفخ فِيهِ الملك الَّذِي هو رَسُول الله من روحه فَيصير حَيا بذلك النفخ، وإن كانَ قبل ذَلِك من جملَة الأمْوات، فَكَذَلِك لا حَياة لروحه وقَلبه حَتّى ينْفخ فِيهِ الرَّسُول من الرّوح الَّذِي ألْقى إلَيْهِ قالَ تَعالى ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ من عباده﴾ وقالَ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى من يَشاء من عباده﴾ وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا لإيمان ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ فَأخْبر أن وحيه روح ونور فالحياة والاستنارة مَوْقُوفَة على نفخ الرَّسُول الملكي فَمن أصابَهُ نفخ الرَّسُول الملكي ونفخ الرَّسُول البشري حصلت لَهُ الحياتان ومن حصل لَهُ نفخ الملك دون نفخ الرَّسُول حصلت لَهُ إحْدى الحياتين وفاتته الأُخْرى الأُخْرى قالَ تَعالى ﴿أو من كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِج مِنها﴾ فَجمع لَهُ بَين النُّور والحياة كَما جمع لمن أعرض عَن كِتابه بَين المَوْت والظلمة قالَ ابْن عَبّاس وجَمِيع المُفَسّرين كانَ كافِرًا ضالًّا فهديناه.

النحل 16:3

ولم يخلق ذلك باطلا بل خلقه خلقا صادرا عن الحق آيلا إلى الحق مشتملا على الحق، فالحق سابق لخلقها مقارن له غاية له ولهذا أتى بالباء الدالة على هذا المعنى دون اللام المفيدة لمعنى الغاية وحدها، فالباء مفيدة معنى اشتمال خلقها على الحق السابق والمقارن والغاية، فالحق السابق صدور ذلك عن علمه وحكمته، فمصدر خلقه تعالى وأمره عن كمال علمه وحكمته وبكمال هاتين الصفتين يكون المفعول الصادر عن الموصوف بهما حكمة كله ومصلحة وحقا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فأخبر أن مصدر التلقي عن علم المتكلم وحكمته وما كان كذلك كان صدقا وعدلا وهدى وإرشادا وكذلك قالت الملائكة لامرأة إبراهيم حين قالت: ﴿أألد وأنا عجوز عقيم قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وهذا راجع إلى قوله وخلقه وهو خلق الولد لها على الكبر، وأما مقارنة الحق لهذه المخلوقات فهو ما اشتملت من الحكم والمصالح والمنافع والآيات الدالة للعباد على الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسله وأن لقاءه حق لا ريب فيه ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة بذلك بل شهادتها أتم من شهادة الخبر المجرد لأنها شهادة حال لا يقبل كذبا فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقا حق تأمله إلا وجده دالا على فاطره وبارئه وعلى وحدانيته وعلى كمال صفاته وأسمائه وعلى صدق رسله وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه، وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقة وبما لو تأملوه لرأوه مركوزا في فطرهم مستقرا في عقولهم وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه من أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار.

النحل 16:10

{هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وهو الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ (١٤) (فصل) وَتَأمل كَيفَ وحد سُبْحانَهُ الآية من قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل من السَّماء ماء لكم مِنهُ شراب﴾ إلى آخرها وختمها بأصحاب الفكرة. فأما تَوْحِيد الآية فَلِأن مَوضِع الدّلالَة واحِد وهو الماء الَّذِي أنزله من السَّماء فَأخرج بِهِ كلما ذكره من الأرض وهو على اخْتِلاف أنواعه لقاحه واحِد وأمه واحِدَة، فَهَذا نوع واحِد من آياته. وَأما تَخْصِيصه ذَلِك بِأهْل الفِكر فَلِأن هَذِه المَخْلُوقات الَّتِي ذكرها من الماء مَوضِع فكر وهو نظر القلب وتأمله لا مَوضِع نظر مُجَرّد بِالعينِ فَلا ينْتَفع النّاظر بِمُجَرَّد رُؤْيَة العين حَتّى ينْتَقل مِنهُ إلى نظر القلب في حِكْمَة ذَلِك وبديع صنعه والِاسْتِدْلال بِهِ على خالقه وباريه وذَلِكَ هو الفِكر بِعَيْنِه. وأما قوله تَعالى في الآية الَّتِي بعْدها ﴿إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَجمع الآيات لأنها تَضَمَّنت اللَّيْل والنَّهار والشَّمْس والقَمَر والنجوم وهِي آيات مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة في أنفسها وخلقها وكيفياتها، فَإن إظلام الجو لغروب الشَّمْس ومجيء اللَّيْل الَّذِي يلبس العالم كالثَّوْبِ ويسكنون تَحْتَهُ آيَة باهرة، ثمَّ ورد جَيش الضياء يقدمهُ بشير الصَّباح فينهزم عَسْكَر الظلام وينتشر الحَيَوان وينكشط ذَلِك اللباس بجملته آيَة أخرى، ثمَّ في الشَّمْس الَّتِي هي آيَة النَّهار آيَة أُخْرى، وفي القَمَر الَّذِي هو آيَة اللَّيْل آيَة أخرى وفي النُّجُوم آيات أخر كَما قدمْناهُ، هَذا مَعَ ما يتبعها من الآيات المُقارنَة لَها من الرِّياح واختلافها وسائِر ما يحدثه الله بِسَبَبِها آيات أخر، فالموضع مَوضِع جمع، وخص هَذِه الآيات بِأهْل العقل لأنها أعظم مِمّا قبلها وأدل وأكبر والأولى كألباب لهَذِهِ، فَمن اسْتدلَّ بِهَذِهِ الآيات وأعطاها حَقّها من الدّلالَة اسْتحق من الوَصْف ما يسْتَحقّهُ صاحب الفِكر وهو العقل، ولِأن منزله المنزلَة العقل بعد منزلَة الفِكر فَلَمّا دلهم بالآية الأولى على الفِكر نقلهم بالآية الثّانِيَة الَّتِي هي أعظم مِنها إلى العقل الَّذِي هو فَوق الفِكر فَتَأمّله. فَأما قَوْله في الآية الثّالِثَة ﴿إن في ذَلِك لآيَة لقوم يذكرُونَ﴾ فَوحد الآية وخصها بِأهْل التَّذَكُّر فَأما توحيدها فكتوحيد الأولى سَواء فَإن ما ذَرأ في الأرض على اختلافه من الجَواهِر والنبات والمعادن والحَيَوان كُله في مَحل واحِد، فَهو نوع من أنواع آياته وإن تعدّدت أصنافه وأنواعه. وأما تَخْصِيصه إياها بِأهْل التَّذَكُّر فطريقة القُرْآن في ذَلِك أن يَجْعَل آياته للتبصر والتذكر كَما قالَ تَعالى في سُورَة ق ﴿والأرْض مددناها وألقينا فِيها رواسي وأنبتنا فِيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ فالتبصرة التعقل والتذكرة التَّذَكُّر والفكر باب ذَلِك ومدخله فَإذا فكر تبصر، وإذا تبصر تذكر، فجاء التَّذْكِير في الآية لترتيبه على العقل المُرَتّب على الفِكر فَقدم الفِكر إذْ هو الباب والمدخل، ووسط العقل إذْ هو ثَمَرَة الفِكر ونتيجته، وأخر التَّذَكُّر إذْ هو المَطْلُوب من الفِكر والعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأمُّل. فَإن قلت فَما الفرق بَين التَّذَكُّر والتفكر؟ فَإذا تبين الفرق ظَهرت الفائِدَة؟ قلت التفكر والتذكر أصل الهدى والفلاح وهما قطبا السَّعادَة، ولِهَذا وسعنا الكَلام في التفكر في هَذا الوَجْه لعظم المَنفَعَة وشدَّة الحاجة إليه قالَ الحسن ما زالَ أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون القُلُوب حَتّى نطقت فَإذا لَها أسماع وأبصار فاعْلَم أن التفكر طلب القلب ما لَيْسَ بحاصل من العُلُوم من أمْر هو حاصِل مِنها هَذا حَقِيقَته فَإنَّهُ لَو لم يكن ثمَّ مُراد يكون موردا للفكر اسْتَحالَ الفِكر، لأن الفِكر بِغَيْر مُتَعَلق متفكر فِيهِ محال، وتلك المواد هي الأمور الحاصِلَة ولَو كانَ المَطْلُوب بها حاصِلا عِنْده لم يتفكر فِيهِ، فَإذا عرف هَذا فالمتفكر ينْتَقل من المُقدمات والمبادي الَّتِي عِنْده إلى المَطْلُوب الَّذِي يُريدهُ فَإذا ظفر بِهِ وتحصل لَهُ تذكر بِهِ وأبصر مواقع الفِعْل والتّرْك، وما يَنْبَغِي إيثاره، وما يَنْبَغِي اجتنابه، فالتذكر هو مَقْصُود التفكر وثمرته فَإذا تذكر عاد بتذكرة على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصِلا عِنْده، فَهو لا يزال يُكَرر بتفكره على تذكره، وبتذكره على تفكره ما دامَ عاقِلا، لأن العلم والإرادة لا يقفان على حد بل هو دائِما سائِر بن العلم والإرادة، وإذا عرفت معنى كَون آيات الرب تبارك وتَعالى ﴿تبصرة وذكرى﴾ يتبصر بها من عمى القلب ويتذكر بها من غفلته، فإن المضاد للْعلم إما عمى القلب وزواله بالتبصر، وإمّا غفلته وزواله بالتذكر، والمَقْصُود تَنْبِيه القلب من رقدته بالإشارة إلى شَيْء من بعض آيات الله، ولَو ذَهَبْنا نتتبع ذَلِك لنفذ الزَّمان ولم نحط بتفصيل واحِدَة من آياته على التَّمام، ولَكِن ما لا يدْرك جملَة لا يتْرك جملَة، وأحسن ما أنفقت فِيهِ الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال مِنها إلى تعلق القلب والهمة بِهِ دون شَيْء من مخلوقاته.

النحل 16:11

{هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وهو الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ (١٤) (فصل) وَتَأمل كَيفَ وحد سُبْحانَهُ الآية من قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل من السَّماء ماء لكم مِنهُ شراب﴾ إلى آخرها وختمها بأصحاب الفكرة. فأما تَوْحِيد الآية فَلِأن مَوضِع الدّلالَة واحِد وهو الماء الَّذِي أنزله من السَّماء فَأخرج بِهِ كلما ذكره من الأرض وهو على اخْتِلاف أنواعه لقاحه واحِد وأمه واحِدَة، فَهَذا نوع واحِد من آياته. وَأما تَخْصِيصه ذَلِك بِأهْل الفِكر فَلِأن هَذِه المَخْلُوقات الَّتِي ذكرها من الماء مَوضِع فكر وهو نظر القلب وتأمله لا مَوضِع نظر مُجَرّد بِالعينِ فَلا ينْتَفع النّاظر بِمُجَرَّد رُؤْيَة العين حَتّى ينْتَقل مِنهُ إلى نظر القلب في حِكْمَة ذَلِك وبديع صنعه والِاسْتِدْلال بِهِ على خالقه وباريه وذَلِكَ هو الفِكر بِعَيْنِه. وأما قوله تَعالى في الآية الَّتِي بعْدها ﴿إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَجمع الآيات لأنها تَضَمَّنت اللَّيْل والنَّهار والشَّمْس والقَمَر والنجوم وهِي آيات مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة في أنفسها وخلقها وكيفياتها، فَإن إظلام الجو لغروب الشَّمْس ومجيء اللَّيْل الَّذِي يلبس العالم كالثَّوْبِ ويسكنون تَحْتَهُ آيَة باهرة، ثمَّ ورد جَيش الضياء يقدمهُ بشير الصَّباح فينهزم عَسْكَر الظلام وينتشر الحَيَوان وينكشط ذَلِك اللباس بجملته آيَة أخرى، ثمَّ في الشَّمْس الَّتِي هي آيَة النَّهار آيَة أُخْرى، وفي القَمَر الَّذِي هو آيَة اللَّيْل آيَة أخرى وفي النُّجُوم آيات أخر كَما قدمْناهُ، هَذا مَعَ ما يتبعها من الآيات المُقارنَة لَها من الرِّياح واختلافها وسائِر ما يحدثه الله بِسَبَبِها آيات أخر، فالموضع مَوضِع جمع، وخص هَذِه الآيات بِأهْل العقل لأنها أعظم مِمّا قبلها وأدل وأكبر والأولى كألباب لهَذِهِ، فَمن اسْتدلَّ بِهَذِهِ الآيات وأعطاها حَقّها من الدّلالَة اسْتحق من الوَصْف ما يسْتَحقّهُ صاحب الفِكر وهو العقل، ولِأن منزله المنزلَة العقل بعد منزلَة الفِكر فَلَمّا دلهم بالآية الأولى على الفِكر نقلهم بالآية الثّانِيَة الَّتِي هي أعظم مِنها إلى العقل الَّذِي هو فَوق الفِكر فَتَأمّله. فَأما قَوْله في الآية الثّالِثَة ﴿إن في ذَلِك لآيَة لقوم يذكرُونَ﴾ فَوحد الآية وخصها بِأهْل التَّذَكُّر فَأما توحيدها فكتوحيد الأولى سَواء فَإن ما ذَرأ في الأرض على اختلافه من الجَواهِر والنبات والمعادن والحَيَوان كُله في مَحل واحِد، فَهو نوع من أنواع آياته وإن تعدّدت أصنافه وأنواعه. وأما تَخْصِيصه إياها بِأهْل التَّذَكُّر فطريقة القُرْآن في ذَلِك أن يَجْعَل آياته للتبصر والتذكر كَما قالَ تَعالى في سُورَة ق ﴿والأرْض مددناها وألقينا فِيها رواسي وأنبتنا فِيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ فالتبصرة التعقل والتذكرة التَّذَكُّر والفكر باب ذَلِك ومدخله فَإذا فكر تبصر، وإذا تبصر تذكر، فجاء التَّذْكِير في الآية لترتيبه على العقل المُرَتّب على الفِكر فَقدم الفِكر إذْ هو الباب والمدخل، ووسط العقل إذْ هو ثَمَرَة الفِكر ونتيجته، وأخر التَّذَكُّر إذْ هو المَطْلُوب من الفِكر والعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأمُّل. فَإن قلت فَما الفرق بَين التَّذَكُّر والتفكر؟ فَإذا تبين الفرق ظَهرت الفائِدَة؟ قلت التفكر والتذكر أصل الهدى والفلاح وهما قطبا السَّعادَة، ولِهَذا وسعنا الكَلام في التفكر في هَذا الوَجْه لعظم المَنفَعَة وشدَّة الحاجة إليه قالَ الحسن ما زالَ أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون القُلُوب حَتّى نطقت فَإذا لَها أسماع وأبصار فاعْلَم أن التفكر طلب القلب ما لَيْسَ بحاصل من العُلُوم من أمْر هو حاصِل مِنها هَذا حَقِيقَته فَإنَّهُ لَو لم يكن ثمَّ مُراد يكون موردا للفكر اسْتَحالَ الفِكر، لأن الفِكر بِغَيْر مُتَعَلق متفكر فِيهِ محال، وتلك المواد هي الأمور الحاصِلَة ولَو كانَ المَطْلُوب بها حاصِلا عِنْده لم يتفكر فِيهِ، فَإذا عرف هَذا فالمتفكر ينْتَقل من المُقدمات والمبادي الَّتِي عِنْده إلى المَطْلُوب الَّذِي يُريدهُ فَإذا ظفر بِهِ وتحصل لَهُ تذكر بِهِ وأبصر مواقع الفِعْل والتّرْك، وما يَنْبَغِي إيثاره، وما يَنْبَغِي اجتنابه، فالتذكر هو مَقْصُود التفكر وثمرته فَإذا تذكر عاد بتذكرة على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصِلا عِنْده، فَهو لا يزال يُكَرر بتفكره على تذكره، وبتذكره على تفكره ما دامَ عاقِلا، لأن العلم والإرادة لا يقفان على حد بل هو دائِما سائِر بن العلم والإرادة، وإذا عرفت معنى كَون آيات الرب تبارك وتَعالى ﴿تبصرة وذكرى﴾ يتبصر بها من عمى القلب ويتذكر بها من غفلته، فإن المضاد للْعلم إما عمى القلب وزواله بالتبصر، وإمّا غفلته وزواله بالتذكر، والمَقْصُود تَنْبِيه القلب من رقدته بالإشارة إلى شَيْء من بعض آيات الله، ولَو ذَهَبْنا نتتبع ذَلِك لنفذ الزَّمان ولم نحط بتفصيل واحِدَة من آياته على التَّمام، ولَكِن ما لا يدْرك جملَة لا يتْرك جملَة، وأحسن ما أنفقت فِيهِ الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال مِنها إلى تعلق القلب والهمة بِهِ دون شَيْء من مخلوقاته.

النحل 16:12

{هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وهو الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ (١٤) (فصل) وَتَأمل كَيفَ وحد سُبْحانَهُ الآية من قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل من السَّماء ماء لكم مِنهُ شراب﴾ إلى آخرها وختمها بأصحاب الفكرة. فأما تَوْحِيد الآية فَلِأن مَوضِع الدّلالَة واحِد وهو الماء الَّذِي أنزله من السَّماء فَأخرج بِهِ كلما ذكره من الأرض وهو على اخْتِلاف أنواعه لقاحه واحِد وأمه واحِدَة، فَهَذا نوع واحِد من آياته. وَأما تَخْصِيصه ذَلِك بِأهْل الفِكر فَلِأن هَذِه المَخْلُوقات الَّتِي ذكرها من الماء مَوضِع فكر وهو نظر القلب وتأمله لا مَوضِع نظر مُجَرّد بِالعينِ فَلا ينْتَفع النّاظر بِمُجَرَّد رُؤْيَة العين حَتّى ينْتَقل مِنهُ إلى نظر القلب في حِكْمَة ذَلِك وبديع صنعه والِاسْتِدْلال بِهِ على خالقه وباريه وذَلِكَ هو الفِكر بِعَيْنِه. وأما قوله تَعالى في الآية الَّتِي بعْدها ﴿إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَجمع الآيات لأنها تَضَمَّنت اللَّيْل والنَّهار والشَّمْس والقَمَر والنجوم وهِي آيات مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة في أنفسها وخلقها وكيفياتها، فَإن إظلام الجو لغروب الشَّمْس ومجيء اللَّيْل الَّذِي يلبس العالم كالثَّوْبِ ويسكنون تَحْتَهُ آيَة باهرة، ثمَّ ورد جَيش الضياء يقدمهُ بشير الصَّباح فينهزم عَسْكَر الظلام وينتشر الحَيَوان وينكشط ذَلِك اللباس بجملته آيَة أخرى، ثمَّ في الشَّمْس الَّتِي هي آيَة النَّهار آيَة أُخْرى، وفي القَمَر الَّذِي هو آيَة اللَّيْل آيَة أخرى وفي النُّجُوم آيات أخر كَما قدمْناهُ، هَذا مَعَ ما يتبعها من الآيات المُقارنَة لَها من الرِّياح واختلافها وسائِر ما يحدثه الله بِسَبَبِها آيات أخر، فالموضع مَوضِع جمع، وخص هَذِه الآيات بِأهْل العقل لأنها أعظم مِمّا قبلها وأدل وأكبر والأولى كألباب لهَذِهِ، فَمن اسْتدلَّ بِهَذِهِ الآيات وأعطاها حَقّها من الدّلالَة اسْتحق من الوَصْف ما يسْتَحقّهُ صاحب الفِكر وهو العقل، ولِأن منزله المنزلَة العقل بعد منزلَة الفِكر فَلَمّا دلهم بالآية الأولى على الفِكر نقلهم بالآية الثّانِيَة الَّتِي هي أعظم مِنها إلى العقل الَّذِي هو فَوق الفِكر فَتَأمّله. فَأما قَوْله في الآية الثّالِثَة ﴿إن في ذَلِك لآيَة لقوم يذكرُونَ﴾ فَوحد الآية وخصها بِأهْل التَّذَكُّر فَأما توحيدها فكتوحيد الأولى سَواء فَإن ما ذَرأ في الأرض على اختلافه من الجَواهِر والنبات والمعادن والحَيَوان كُله في مَحل واحِد، فَهو نوع من أنواع آياته وإن تعدّدت أصنافه وأنواعه. وأما تَخْصِيصه إياها بِأهْل التَّذَكُّر فطريقة القُرْآن في ذَلِك أن يَجْعَل آياته للتبصر والتذكر كَما قالَ تَعالى في سُورَة ق ﴿والأرْض مددناها وألقينا فِيها رواسي وأنبتنا فِيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ فالتبصرة التعقل والتذكرة التَّذَكُّر والفكر باب ذَلِك ومدخله فَإذا فكر تبصر، وإذا تبصر تذكر، فجاء التَّذْكِير في الآية لترتيبه على العقل المُرَتّب على الفِكر فَقدم الفِكر إذْ هو الباب والمدخل، ووسط العقل إذْ هو ثَمَرَة الفِكر ونتيجته، وأخر التَّذَكُّر إذْ هو المَطْلُوب من الفِكر والعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأمُّل. فَإن قلت فَما الفرق بَين التَّذَكُّر والتفكر؟ فَإذا تبين الفرق ظَهرت الفائِدَة؟ قلت التفكر والتذكر أصل الهدى والفلاح وهما قطبا السَّعادَة، ولِهَذا وسعنا الكَلام في التفكر في هَذا الوَجْه لعظم المَنفَعَة وشدَّة الحاجة إليه قالَ الحسن ما زالَ أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون القُلُوب حَتّى نطقت فَإذا لَها أسماع وأبصار فاعْلَم أن التفكر طلب القلب ما لَيْسَ بحاصل من العُلُوم من أمْر هو حاصِل مِنها هَذا حَقِيقَته فَإنَّهُ لَو لم يكن ثمَّ مُراد يكون موردا للفكر اسْتَحالَ الفِكر، لأن الفِكر بِغَيْر مُتَعَلق متفكر فِيهِ محال، وتلك المواد هي الأمور الحاصِلَة ولَو كانَ المَطْلُوب بها حاصِلا عِنْده لم يتفكر فِيهِ، فَإذا عرف هَذا فالمتفكر ينْتَقل من المُقدمات والمبادي الَّتِي عِنْده إلى المَطْلُوب الَّذِي يُريدهُ فَإذا ظفر بِهِ وتحصل لَهُ تذكر بِهِ وأبصر مواقع الفِعْل والتّرْك، وما يَنْبَغِي إيثاره، وما يَنْبَغِي اجتنابه، فالتذكر هو مَقْصُود التفكر وثمرته فَإذا تذكر عاد بتذكرة على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصِلا عِنْده، فَهو لا يزال يُكَرر بتفكره على تذكره، وبتذكره على تفكره ما دامَ عاقِلا، لأن العلم والإرادة لا يقفان على حد بل هو دائِما سائِر بن العلم والإرادة، وإذا عرفت معنى كَون آيات الرب تبارك وتَعالى ﴿تبصرة وذكرى﴾ يتبصر بها من عمى القلب ويتذكر بها من غفلته، فإن المضاد للْعلم إما عمى القلب وزواله بالتبصر، وإمّا غفلته وزواله بالتذكر، والمَقْصُود تَنْبِيه القلب من رقدته بالإشارة إلى شَيْء من بعض آيات الله، ولَو ذَهَبْنا نتتبع ذَلِك لنفذ الزَّمان ولم نحط بتفصيل واحِدَة من آياته على التَّمام، ولَكِن ما لا يدْرك جملَة لا يتْرك جملَة، وأحسن ما أنفقت فِيهِ الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال مِنها إلى تعلق القلب والهمة بِهِ دون شَيْء من مخلوقاته.

النحل 16:13

{هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وهو الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ (١٤) (فصل) وَتَأمل كَيفَ وحد سُبْحانَهُ الآية من قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل من السَّماء ماء لكم مِنهُ شراب﴾ إلى آخرها وختمها بأصحاب الفكرة. فأما تَوْحِيد الآية فَلِأن مَوضِع الدّلالَة واحِد وهو الماء الَّذِي أنزله من السَّماء فَأخرج بِهِ كلما ذكره من الأرض وهو على اخْتِلاف أنواعه لقاحه واحِد وأمه واحِدَة، فَهَذا نوع واحِد من آياته. وَأما تَخْصِيصه ذَلِك بِأهْل الفِكر فَلِأن هَذِه المَخْلُوقات الَّتِي ذكرها من الماء مَوضِع فكر وهو نظر القلب وتأمله لا مَوضِع نظر مُجَرّد بِالعينِ فَلا ينْتَفع النّاظر بِمُجَرَّد رُؤْيَة العين حَتّى ينْتَقل مِنهُ إلى نظر القلب في حِكْمَة ذَلِك وبديع صنعه والِاسْتِدْلال بِهِ على خالقه وباريه وذَلِكَ هو الفِكر بِعَيْنِه. وأما قوله تَعالى في الآية الَّتِي بعْدها ﴿إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَجمع الآيات لأنها تَضَمَّنت اللَّيْل والنَّهار والشَّمْس والقَمَر والنجوم وهِي آيات مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة في أنفسها وخلقها وكيفياتها، فَإن إظلام الجو لغروب الشَّمْس ومجيء اللَّيْل الَّذِي يلبس العالم كالثَّوْبِ ويسكنون تَحْتَهُ آيَة باهرة، ثمَّ ورد جَيش الضياء يقدمهُ بشير الصَّباح فينهزم عَسْكَر الظلام وينتشر الحَيَوان وينكشط ذَلِك اللباس بجملته آيَة أخرى، ثمَّ في الشَّمْس الَّتِي هي آيَة النَّهار آيَة أُخْرى، وفي القَمَر الَّذِي هو آيَة اللَّيْل آيَة أخرى وفي النُّجُوم آيات أخر كَما قدمْناهُ، هَذا مَعَ ما يتبعها من الآيات المُقارنَة لَها من الرِّياح واختلافها وسائِر ما يحدثه الله بِسَبَبِها آيات أخر، فالموضع مَوضِع جمع، وخص هَذِه الآيات بِأهْل العقل لأنها أعظم مِمّا قبلها وأدل وأكبر والأولى كألباب لهَذِهِ، فَمن اسْتدلَّ بِهَذِهِ الآيات وأعطاها حَقّها من الدّلالَة اسْتحق من الوَصْف ما يسْتَحقّهُ صاحب الفِكر وهو العقل، ولِأن منزله المنزلَة العقل بعد منزلَة الفِكر فَلَمّا دلهم بالآية الأولى على الفِكر نقلهم بالآية الثّانِيَة الَّتِي هي أعظم مِنها إلى العقل الَّذِي هو فَوق الفِكر فَتَأمّله. فَأما قَوْله في الآية الثّالِثَة ﴿إن في ذَلِك لآيَة لقوم يذكرُونَ﴾ فَوحد الآية وخصها بِأهْل التَّذَكُّر فَأما توحيدها فكتوحيد الأولى سَواء فَإن ما ذَرأ في الأرض على اختلافه من الجَواهِر والنبات والمعادن والحَيَوان كُله في مَحل واحِد، فَهو نوع من أنواع آياته وإن تعدّدت أصنافه وأنواعه. وأما تَخْصِيصه إياها بِأهْل التَّذَكُّر فطريقة القُرْآن في ذَلِك أن يَجْعَل آياته للتبصر والتذكر كَما قالَ تَعالى في سُورَة ق ﴿والأرْض مددناها وألقينا فِيها رواسي وأنبتنا فِيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ فالتبصرة التعقل والتذكرة التَّذَكُّر والفكر باب ذَلِك ومدخله فَإذا فكر تبصر، وإذا تبصر تذكر، فجاء التَّذْكِير في الآية لترتيبه على العقل المُرَتّب على الفِكر فَقدم الفِكر إذْ هو الباب والمدخل، ووسط العقل إذْ هو ثَمَرَة الفِكر ونتيجته، وأخر التَّذَكُّر إذْ هو المَطْلُوب من الفِكر والعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأمُّل. فَإن قلت فَما الفرق بَين التَّذَكُّر والتفكر؟ فَإذا تبين الفرق ظَهرت الفائِدَة؟ قلت التفكر والتذكر أصل الهدى والفلاح وهما قطبا السَّعادَة، ولِهَذا وسعنا الكَلام في التفكر في هَذا الوَجْه لعظم المَنفَعَة وشدَّة الحاجة إليه قالَ الحسن ما زالَ أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون القُلُوب حَتّى نطقت فَإذا لَها أسماع وأبصار فاعْلَم أن التفكر طلب القلب ما لَيْسَ بحاصل من العُلُوم من أمْر هو حاصِل مِنها هَذا حَقِيقَته فَإنَّهُ لَو لم يكن ثمَّ مُراد يكون موردا للفكر اسْتَحالَ الفِكر، لأن الفِكر بِغَيْر مُتَعَلق متفكر فِيهِ محال، وتلك المواد هي الأمور الحاصِلَة ولَو كانَ المَطْلُوب بها حاصِلا عِنْده لم يتفكر فِيهِ، فَإذا عرف هَذا فالمتفكر ينْتَقل من المُقدمات والمبادي الَّتِي عِنْده إلى المَطْلُوب الَّذِي يُريدهُ فَإذا ظفر بِهِ وتحصل لَهُ تذكر بِهِ وأبصر مواقع الفِعْل والتّرْك، وما يَنْبَغِي إيثاره، وما يَنْبَغِي اجتنابه، فالتذكر هو مَقْصُود التفكر وثمرته فَإذا تذكر عاد بتذكرة على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصِلا عِنْده، فَهو لا يزال يُكَرر بتفكره على تذكره، وبتذكره على تفكره ما دامَ عاقِلا، لأن العلم والإرادة لا يقفان على حد بل هو دائِما سائِر بن العلم والإرادة، وإذا عرفت معنى كَون آيات الرب تبارك وتَعالى ﴿تبصرة وذكرى﴾ يتبصر بها من عمى القلب ويتذكر بها من غفلته، فإن المضاد للْعلم إما عمى القلب وزواله بالتبصر، وإمّا غفلته وزواله بالتذكر، والمَقْصُود تَنْبِيه القلب من رقدته بالإشارة إلى شَيْء من بعض آيات الله، ولَو ذَهَبْنا نتتبع ذَلِك لنفذ الزَّمان ولم نحط بتفصيل واحِدَة من آياته على التَّمام، ولَكِن ما لا يدْرك جملَة لا يتْرك جملَة، وأحسن ما أنفقت فِيهِ الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال مِنها إلى تعلق القلب والهمة بِهِ دون شَيْء من مخلوقاته.

النحل 16:32

فالجنة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شيء من الخبث. فمن تطهر في الدنيا ولقي الله طاهرًا من نجاساته دخلها بغير معوق، ومن لم يتطهر في الدنيا فإن كانت نجاسته عينية، كالكافر، لم يدخلها بحال. وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر في النار من تلك النجاسة، ثم يخرج منها، حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيهَذَّبون وينقَّون من بقايا بقيت عليهم، قصرت بهم عن الجنة، ولم توجب لهم دخول النار، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة، فلا يدخل المصلي عليه حتى يتطهر. وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب والطهارة، فلا يدخلها إلا طيب طاهر. فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب. ولهذا شرع للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه: "أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحّمدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ". فطهارة القلب بالتوبة، وطهارة البدن بالماء. فلما اجتمع له الطهران صلح للدخول على الله تعالى، والوقوف بين يديه ومناجاته. (فائدة) إنَّما أوْجَبَ لَهم هَذا السَّلامَ مِنَ المَلائِكَةِ والبِشارَةَ بِقَيْدٍ، وهو وفاتُهم طَيِّبِينَ. فَلَمْ تُبْقِ الآيَةُ لِغَيْرِ الطَّيِّبِ سَبِيلًا إلى هَذِهِ البِشارَةِ.

النحل 16:35

(فصل) وأما القدرية الإبليسية والشركية فكثير منهم منسلخ عن الشرع، عدو لله ورسله، لا يقر بأمر ولا نهى، وتلك وراثة عن شيوخهم الذين قال الله فيهم: ﴿سَيَقُولُ الّذِينَ أشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللهُ مَآ أشْرَكْنا ولاَ آباؤُنا ولاَ حَرّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذّبَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتّىَ ذاقُواْ بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إن تَتّبِعُونَ إلاّ الظّنّ وإنْ أنتُمْ إَلاّ تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَقالَ الّذِينَ أشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نّحْنُ ولآ آباؤُنا ولاَ حَرّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرّسُلِ إلاّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل:٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَقالُواْ لَوْ شَآءَ الرّحْمَنُ ما عَبَدْناهم مّا لَهُم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلاّ يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وقال: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنفِقُواْ مِمّا رِزَقَكُمُ الله قالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِلّذِينَ آمَنُواْ أنُطْعِمُ مَن لّوْ يَشَآءُ اللهُ أطْعَمَهُ إنْ أنتُمْ إلاّ في ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾ [يس: ٤٧]، فهذه أربعة مواضع في القرآن بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل. وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربعة فرق: الفرقة الأولى: جعلت هذه الآيات حجة صحيحة، وأن للمحتج بها الحجة على الله. ثم افترق هؤلاء فرقتين: فرقة كذبت بالأمر والوعد والوعيد، وزعمت أن الأمر والنهي والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلمًا، والله لا يظلم من خلقه أحدًا وفرقة صدقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد وقالت: ليس ذلك بظلم، والله يتصرف في ملكه كما يشاءُ، ويعذب العبد على ما لا صنع له فيه، بل يعذبه على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده، إذ العبد لا فعل له، والملك ملكه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فإن هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة التي حكاها الله عنهم استهزاءً منهم، ولو قالوها اعتقادًا للقضاء والقدر وإسنادًا لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته لم ينكر ذلك عليهم، ومضمون قول هذه الفرقة أن هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد لا على جهة الاستهزاء فيكون للمشركين على الله الحجة، وكفى بهذا القول فسادًا وبطلانًا. الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة إذ لو صحت المشيئة العامة وكان الله عز وجل قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان لكانوا قد قالوا الحق وكان الله - عز وجل - يصدقهم عليه ولم ينكر عليهم، فحيث وصفهم بالخرص الذي هو الكذب، ونفى عنهم العلم، دل على أن هذا الذي قالوه ليس بصحيح، وأنهم كاذبون فيه إذ لو كان علمًا لكانوا صادقين في الإخبار به ولم يقل لهم: ﴿هَلْ عِندَكم مِن عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء والقدر، وزعمت بها أن يكون في ملكه ما لا يشاءُ، ويشاء ما لا يكون، وأنه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة ولا على أفعال الحيوانات، وأنه لا يقدر أن يضل أحدًا ولا يهديه ولا يوفقه أكثر مما فعل به، ولا يعصمه من الذنوب والكفر ولا يلهمه رشده، ولا يجعل في قلبه الإيمان، ولا هو الذي جعل المصلى مصليًا والبر برًا والفاجر فاجرًا والمؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا، بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك. فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر: فالأولى تحيزت إلى القدر وحاربت الشرع، والثانية تحيزت إلى الشرع وكذبت القدر. والطائفتان ضالتان، وإحداهما أضل من الأخرى. والفرقة الثالثة: آمنت بالقضاء والقدر، وأقرت بالأمر والنهي، ونزلوا كل واحد منزلته. فالقضاءُ والقدر يؤمن به ولا يحتج به، والأمر والنهي يمتثل ويطاع. فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إلَه إلا الله، والقيام بالأمر والنهي موجب شهادة أن محمدًا رسول الله. وقالوا: من لم يقر بالقضاء والقدر ويقوم بالأمر والنهي فقد كذب بالشهادتين وإن نطق بهما بلسانه. ثم افترقوا في وجه هذه الآيات فرقتين: فرقة قالت: إنما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك، فجعلوا مشيئته له وتقديره له دليلًا على رضاه به ومحبته له، إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينهم وبينه، فإن الحكيم إذا كان قادرًا على دفع ما يكرهه ويبغضه دفعه ومنع من وقوعه وإذا لم يمنع من وقوعه لزم إماعدم قدرته وإما عدم حكمته، وكلاهما ممتنع في حق الله، فعلم محبته لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به، وقد وافق هؤلاء من قال: إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها، ولكن خالفهم في أنه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها، فوافقهم في نصف قولهم وخالفهم في الشطر الآخر، وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين، وأن مشيئة الله تعالى العامة وقضاءَه وقدره لا يستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءَه وقدَّره. وهؤلاء المشركون لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه كذبهم وأنكر عليهم وأخبر أنه لا علم لهم بذلك وأنهم خارصون مفترون فإن محبة الله تعالى للشيء ورضاه به إنما يعلم بأمره به على لسان رسوله لا بمجرد خلقه له، فإنه خلق إبليس وجنوده وهم أعداؤه وهو تعالى يبغضهم ويلعنهم وهم خلقه، فهكذا في الأفعال خلق خيرها وشرها، وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه ويبغض شرها وينهى عنه ويعاقب عليه وكلاهما خلقه ولله تعالى الحكمة البالغة التامة في خلقه ما يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال، كل صادر عن حكمته وعلمه كما هو صادر عن قدرته ومشيئته. وقالت الفرقة الثانية: إنما أنكر عليهم معارضة الشرع بالقدر ودفع الأمر بالمشيئة، فلما قامت عليهم حجة الله ولزمهم أمره ونهيه دفعوه بقضائه وقدره، فجعلوا القضاءَ والقدر إبطالًا لدعوة الرسل ودفعًا لما جاؤوا به، وشاركهم في ذلك إخوانهم وذريتهم الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي والذنوب في نصف أقوالهم وخالفوهم في النصف الآخر وهو إقرارهم بالأمر والنهي. فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام وورث كل قوم أئمتهم وأسلافهم، إما في جميع تركتهم وإما في كثير منها. وإما في جزء منها. وهدى الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض، بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد، وأنه هو الذي جعل المؤمن مؤمنًا والمصلى مصليًا والمتقى متقيًا، وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره وأئمة الضلالة يدعون إلى النار، وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها؛ وأنه يهدى من يشاءُ بفضله ورحمته ويضل من يشاءُ بعدله وحكمته، وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه ولو شاء لخذلهم فعصوه وأنه حال بين الكفار وقلوبهم فإنه يحول بين المرء وقلبه فكفروا به ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه، وأنه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعًا إيمانًا يثابون عليه ويقبل منهم ويرضى به عنهم، وأنه لو شاء ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد: ﴿ولَوْ شَآءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. والقضاءُ والقدر عندهم أربع مراتب جاءَ بها نبيهم وأخبر بها عن ربه تعالى: الأولى: علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم. الثانية كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض. الثالثة مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه. الرابعة خلقه له وإيجاده وتكوينه، فإنه لا خالق إلا الله، والله خالق كل شيء. فالخالق عندهم واحد وما سواه فمخلوق ولا واسطة عندهم بين الخالق والمخلوق، ويؤمنون مع ذلك بحكمته، وأنه حكيم في كل ما فعله وخلقه، وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة هي التي اقتضت صدور ذلك وخلقه، وإن حكمته حكمة حق عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها، بل هي أمر وراء ذلك، وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوّى وقَدَّر فهدى، وأمات وأحيا وأسعد وأشقى، وأضل وهدى ومنع وأعطى، وهذه الحكمة هي الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفى للغايات وهو محال، إذ نفي الغاية مستلزم لنفى الوسيلة، فنفي الوسيلة وهي الفعل لازم لنفى الغاية وهي الحكمة، ونفى قيام الفعل والحكمة به نفى لهما في الحقيقة، إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته، وهذا لازم لمن نفى ذلك، ولا محيد له عنه وإن أبي التزامه، وأما من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل لم يلزم من قوله محذور ألبتة، بل قوله حق، ولازم الحق حق كائنًا ما كان. والمقصود أن ورثة الرسل وخلفاءَهم - لكمال ميراثهم لنبيهم - آمنوا بالقضاء والقدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره، وقاموا مع ذلك بالأمر والنهي، وصدقوا بالوعد والوعيد، فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان به إثبات القدر والحكمة، وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب، فصدقوا بالخلق والأمر، ولم ينفوهما بنفى لوازمهما كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر، وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواص الخلق ولب العالم، وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال، فإن القدرية تؤمن بلفظ القدر، ومنهم من يرده إلى العلم، ومنهم من يرده إلى الأمر الديني ويجعل قضاءه وقدره هو نفس أمره ونهيه ونفس مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها وهذا حقيقة إنكار القضاءِ والقدر. وكذلك الحكمة، فإن الجبرية تؤمن بلفظها ويجحدون حقيقتها، فإنهم يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه تعالى، وإرادته لمراده تعالى، فهى عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته. والقدرية النفاة لا يرضون بهذا، بل يرتفعون عنه طبقة ويثبتون حكمة زائدة على ذلك، لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم ويجعلونها مخلوقًا من مخلوقاته كما قالوا في كلامه وإرادته فهؤلاء كلهم أقروا بلفظ الحكمة وجحدوا معناها وحقيقتها. وكذلك الأمر والشرع، فإن من أنكر كلام الله وقال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، ولا يحب شيئًا ولا يبغض شيئًا، وجميع الكائنات محبوبة له وما لم يكن فهو مكروه له، ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب، ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب والبر والفجور، والسجود للأصنام والشمس والقمر والسجود له، ولم يكلف أحدًا ما يقدر عليه بل كل تكليفه [تكليف] ما لا يطاق ولا قدرة للمكلف عليه ألبتة، ويجوز أن يعذب رجالًا إذ لم يكونوا نساءً ويعذب نساءً إذ لم يكونوا رجالًا وسودًا حيث لم يكونوا بيضًا وبيضًا حيث لم يكونوا سودًا، ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدى الكذابين ويرسل رسولًا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان، ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور. ولا ريب أن هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية، ولولا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل - صلوات الله وسلامه عليه - ولكن مشى الحال بعض المشي بتناقضهم وهو خير لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها. والمقصود أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل وورثتهم، والقضاءُ والقدر منشؤُه عن علم الرب وقدرته. ولهذا قال الإمام أحمد: القدر قدرة الله، واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد غاية الاستحسان، وقال: إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر. المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته، وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة. وفرقة جحدت كمال القدرة وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورة لله تعالى وصرحت بأن الله لا يقدر عليها، فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب، وأنكرت الأخرى كمال علمه، وقابلتهم الجبرية فجاءت على إثبات القدرة والعلم وأنكرت الحكمة والرحمة، ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاءِ والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته، ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين والصفتين] من هذه الثلاثة كثيرًا كقوله: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِنَ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]، وقال: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِن الله العَزِيز﴾ [الزمر: ١]، وقال: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ الله العَزِيزِ العَلٍيمِ﴾ [غافر: ١-٢] وقال: في حم فصلت بعد ذكر تخليق العالم: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] وذكر نظير هذا في الأنعام فقال: ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللّيْلَ سَكَنًا والشّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]. فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي أن لا يخرج موجود عن قدرته، وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب تعالى. وكذلك ارتباط أمره بعلمه وحكمته وعزته، فهو عليم بخلقه وأمره حكيم في خلقه عزيز في خلقه وأمره. ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى والحكمة من صفاته العلى، والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة، والحكمة هي سنة الرسول ﷺ وهي تتضمن العلم بالحق والعمل به والخبر عنه والأمر به، فكل هذا يسمى حكمة. وفي الأثر "الحكمة ضالة المؤمن" وفي الحديث: "إن من الشعر حكمة" فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده، وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدًا استحقه لذاته وصدر عنه خلقه وأمره، فمصدر ذلك كله عن الحكمة، فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة. والله أعلم.

النحل 16:36

فإن قيل: فما الفرق بين قوله: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ وبين قوله: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾؟ قيل: الفرق من وجهين لفظي ومعنوي أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل والفاعل في قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ أكثر منها في قوله: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ وقد تقدم أن الحذف مع كثرة الحواجز أحسن وأما المعنوي فإن من في قوله: ﴿وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ واقعة على الأمة والجماعة وهي مؤنثة لفظا ألا تراه يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا﴾ وأما: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ فالفريق مذكر ولو قال: فريقا ضلوا لكان بغير تاء وقولهم: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ في معناه فجاء بغير تاء وهذا أسلوب لطيف من أساليب العربية تدع العرب حكم اللفظ الواجب له في قياس لغتها إذا كان في معنى كلمة لا يجب لها ذلك الحكم تراهم يقولون هو أحسن الفتيان وأجمله لأنه في معنى هو أحسن فتى وأجمله. ونظيره تصحيحهم حول وعور لأنه في معنى أحول وأعور ونظائره كثيرة جدا فإذا حسن الحمل على المعنى فيما كان القياس لا يجوزه فما ظنك به حيث يجوزه القياس والاستعمال وأحسن من هذا أن يقول إنهم أرادوا أحسن شيء وأجمله فجعلوا مكان شيء قولهم الفتيان تنبيها على أنه أحسن شيء من هذا الجنس فلو اقتصروا على ذكر شيء لم يدل على الجنس المفضل عليه.

النحل 16:37

وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له ﷺ ولو حرص عليه ولا إلى أحد غير الله وأن الله سبحانه إذا أضل عبدا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته كما قال تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرات﴾ وقال تعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وقال: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماء﴾ وقال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّه﴾ ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم بل الهدى كله منه ولولا هدايته لهم لما اهتدوا وقال تعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ وقال: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُو﴾ وقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفاسِقِينَ﴾ وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وأمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كل يوم وليلة في الصلوات الخمس وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط والهداية فيه كما أن الضلال نوعان ضلال عن الصراط فلا يهتدي إليه وضلال فيه فالأول ضلال عن معرفته والثاني ضلال عن تفاصيله أو بعضها.

النحل 16:38

ذكر تعالى حكمتين بالغتين في بعثة الأموات بعدما أماتهم: إحداهما: أن يبين للناس الذي اختلفوا فيه وهذا بيان عياني تشترك فيه الخلائق كلهم والذي حصل في الدنيا بيان إيماني اختص به بعضهم. الحكمة الثانية: علم المبطل بأنه كان كاذبا وإن كان على باطل وأن نسبة أهل الحق إلى الباطل من افترائه وكذبه وبهتانه فيخزيه ذلك أعظم خزي فتأمل أسرار كلام الرب تعالى وما تضمنته آيات الكتاب المجيد من الحكمة البالغة الشاهدة بأنه كلام رب العالمين والشاهدة لرسوله بأنه الصادق المصدوق، وهذا كله من مقتضى حكمته وحمده تعالى وهو معنى كونه ﴿خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق﴾.

النحل 16:39

ذكر تعالى حكمتين بالغتين في بعثة الأموات بعدما أماتهم: إحداهما: أن يبين للناس الذي اختلفوا فيه وهذا بيان عياني تشترك فيه الخلائق كلهم والذي حصل في الدنيا بيان إيماني اختص به بعضهم. الحكمة الثانية: علم المبطل بأنه كان كاذبا وإن كان على باطل وأن نسبة أهل الحق إلى الباطل من افترائه وكذبه وبهتانه فيخزيه ذلك أعظم خزي فتأمل أسرار كلام الرب تعالى وما تضمنته آيات الكتاب المجيد من الحكمة البالغة الشاهدة بأنه كلام رب العالمين والشاهدة لرسوله بأنه الصادق المصدوق، وهذا كله من مقتضى حكمته وحمده تعالى وهو معنى كونه ﴿خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق﴾.

النحل 16:48

(لطيفة: في إفراد اليمين، وجمع الشمال) ولما كانت اليمين جهة الخير والفلاح وأهلها هم الناجون أفردت ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾. فإن قيل فهلا كذلك في قوله: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ وما بالها جاءت مفردة؟ قيل: جاءت مفردة لأن المراد أهل هذه الجهة ومصيرهم ومآلهم إلى جهة واحدة وهي جهة الشمال مستقر أهل النار والنار من جهة الشمال فلا يحسن مجيئها مجموعة لأن الطرق الباطلة وإن تعددت فغايتها المرد إلى طريق الجحيم، وهي جهة الشمال وكذلك مجيئها مفردة في قوله: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ لما كان المراد أن لكل عبد قعيدين قعيدا عن يمينه وقعيدا عن شماله يحصيان عليه الخير والشر فلكل عبد من يختص بيمينه وشماله من الحفظة فلا معنى للجمع هاهنا وهذا بخلاف قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ فإن الجمع هنا في مقابلة كثرة من يريد إغواءهم فكأنه أقسم أن يأتي كل واحد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يحسن هنا عن يمينهم وعن شمالهم بل الجمع هاهنا من مقابلة الجملة بالجملة المقتضى توزيع الأفراد ونظيره: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ وقد قال بعض الناس: إن الشمال إنما جمعت في الظلال وأفرد اليمين، لأن الظل حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطول يبدو كذلك ظلا واحدا من جهة اليمين ثم يأخذ في النقصان وأما إذا أخذ في جهة الشمال فإنه يتزايد شيئا فشيئا والثاني منه غير الأول فلما زاد منه شيئا فهو غير ما كان قبله فصار كل جزء منه كأنه ظل فحسن جمع الشمائل في مقابلة تعدد الظلال وهذا معنى حسن.

النحل 16:49

فإن قيل: فما وجه خوف الملائكة وهم معصومون من الذنوب التي هي أسباب المخافة، وشدة خوف النبي ﷺ مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأنه أقرب الخلق إلى الله؟ قيل: عن هذا أربعة أجوبة: الجواب الأول: إن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده. وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد، لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره، ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره. ونظير هذا في المشاهد أن الماثل بين يدي أحد الملوك المشاهد له أشد خوفًا منه من البعيد عنه، بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه، وأنه يطالب من حقوقه الخدمة وأدائها بما لا يطالب به غيره، فهو أحق بالخوف من البعيد. ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله ﷺ: "إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية"، وفهم قوله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم ". وليس المراد به لو عذبهم لتصرف في ملكه - والمتصرف في ملكه غير ظالم - كما يظنه كثير من الناس، فإن هذا يتضمن مدحًا، والحديث إنما سيق للمدح وبيان عظم حق الله على عباده وأنه لو عذبهم لعذبهم بحقه عليهم ولم يكن بغير استحقاق، فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف أضعاف ما أتوا. ولهذا قال بعده: "ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم" يعني أن رحمته لهم ليست ثمنًا لأعمالهم ولا تبلغ أعمالهم رحمته فرحمته لهم ليست على قدر أعمالهم، إذ أعمالهم لا تستقل باقتضاء الرحمة، وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقها عليهم لم يقوموا بها، فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبًا لحقه، وهو غير ظالم لهم فيه. ولا سيما فإن أعمالهم لا توازى القليل من نعمه عليهم، فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداءِ حقه الذي ينبغي له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالمًا لهم. فإن قيل: فهم إذا فعلوا مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغي له مقدورًا لهم. فكيف يحسن العذاب عليه؟ قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أن المقدور للعبد لا يأْتي به كله، بل لا بد من فتور وإعراض وغفلة وتوان. وأيضًا ففى نفس قيامه بالعبودية لا يوفيها حقها الواجب لها من كمال المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامة لله فيها، بحيث يبذل مقدوره كله في تحسينها وتكميلها ظاهرًا وباطنًا، فالتقصير لازم في حال الترك وفي حال الفعل، ولهذا سأل الصديق النبي، دعاءً يدعو به في صلاته، فقال له: "قل: اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم"، فأخبر عن ظلمه لنفسه مؤكدًا له بأن المقتضية ثبوت الخبر وتحققه، ثم أكده بالمصدر النافي للتجوز والاستعارة، ثم وصفه بالكثرة المقتضية لتعدده وتكثره، ثم قال: "فاغفر لى مغفرة من عندك"، أي لا ينالها عملى ولا سعيى بل عملى يقصر عنها، وإنما هي من فضلك وإحسانك، لا بكسبي ولا باستغفاري وتوبتي. ثم قال: "وارحمني" أي ليس معولي إلا على مجرد رحمتك، فإن رحمتى وإلا فالهلاك لازم لى فليتدبر اللبيب هذا الدعاء وما فيه من المعارف والعبودية، وفي ضمنه: إنه لو عذبتني لعدلت في ولم يتظلمني، وإني لا أنجو إلا برحمتك ومغفرتك. ومن هذا قوله ﷺ: "لن ينجى أحدًا منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل"، فإذا كان عمل العبد لا يستقل بالنجاة، فلو لم ينجه الله فلم يكن قد بخسه شيئًا من حقه ولا ظلمه، فإنه ليس معه ما يقتضي نجاته، وعمله ليس وافيًا بشكر القليل من نعمه، فهل يكون ظالمًا له لو عذبه؟ وهل تكون رحمته له جزاءً لعمله، ويكون العمل ثمنًا لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغي له من بذل النصيحة فيه، وكمال العبودية من الحياءِ والمراقبة، والمحبة والخشوع وحضور القلب بين يدى الله في العمل له؟ ومن علم هذا علم السر في كون أعمال الطاعات تختم بالاستغفار، ففى صحيح مسلم عن ثوبان قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثًا. وقال: اللَّهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، قال تعالى: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧-١٨]، فأخبر عن استغفارهم عقيب صلاة الليل. قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، فلما كان السحر جلسوا يستغفرون الله. وأمر الله تعالى عباده بالاستغفار عقيب الإفاضة في الحج فقال: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وشرع رسول الله ﷺ للمتوضئ أن يختم وضوءَه بالتوحيد والاستغفار فيقول: "أشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلا اللهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه، اللَّهمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِين واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِين" فهذا ونحوه مما يبين حقيقة الأمر، وأن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله ورحمته، وأنه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ورحمته أصلًا. الجواب الثاني: أنه لو فرض أن العبد يأْتي بمقدوره كله من الطاعة ظاهرًا وباطنًا، فالذي ينبغي لربه سبحانه فوق ذلك وأضعاف أضعافه. فإذا عجز العبد عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاءِ. والذي أتى به لا يقابل أقل النعم. فإذا حرم جزاءَ العمل الذي ينبغي للرب سبحانه من عبده كان ذلك تعذيبًا له، ولم يكن الرب ظالمًا له في هذا الحرمان. ولو كان عاجزًا عن أسبابه فإنه لم يمنعه حقًا يستحقه عليه فيكون ظالمًا بمنعه. فإذا أعطاه الثواب كان مجرد صدقة منه وفضل تصدق بها عليه لا ينالها عمله، بل هي خير من عمله وأفضل وأكثر، ليست معوضة عليه. والله أعلم. الجواب الثالث عن السؤال الأول: إن العبد إذا علم أن الله سبحانه وتعالى هو مقلب القلوب، وأنه يحول بين المرءِ وقلبه وأنه تعالى سبحانه كل يوم هو في شأْن، يفعل ما يشاءُ ويحكم ما يريد وأنه يهدى من يشاءُ ويضل من يشاءُ، ويرفع من يشاءُ ويخفض من يشاءُ، فما يؤمنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه وبينه ويزيغه بعد إقامته؟ وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقولهم: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨]، فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم. وكان من دعاء النبي ﷺ: " اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك، ومثبت القلوب، ثبت قلوبنا على دينك"، وفي الترمذي عنه ﷺ أنه كان يدعو: "أعوذ بعزتك أن تضلنى أنت الحي الذي لا تموت". وكان من دعائه: "اللَّهُمَّ إنِّى أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطكَ وأعُوذُ بِمُعافاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ وأعُوذُ بِكَ مِنكَ". فاستعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب، وبفعل العافية من فعل العقوبة، واستعاذ به منه باعتبارين. وكأن في استعاذته منه جمعًا لما فصله في الجملتين قبله. فإن الاستعاذة به منه ترجع إلى معنى الكلام قبلها، مع تضمنها فائدة شريفة وهي كمال التوحيد وأن الذي يستعيذ به العائذ ويهرب منه إنما هو فعل الله ومشيئته وقدره، فهو وحده المنفرد بالحكم. فإذا أراد بعبده سوءًا لم يعذه منه إلا هو. فهو الذي يريد به ما يسوؤه، وهو الذي يريد دفعه عنه. فصار سبحانه مستعاذًا به منه باعتبار الإرادتين: ﴿وَإنْ يمسسك اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، فهو الذي يمس بالضر، وهو الذي يكشفه، لا إله إلا هو فالمهرب منه إليه، والفرار منه إليه، واللجأُ منه إليه، كما أن الاستعاذة منه، فإنه لا رب غيره ولا مدبر للعبد سواه. فهو الذي يحركه ويقلبه، ويصرفه كيف يشاءُ. الجواب الرابع: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق أفعال العبد الظاهرة والباطنة، فهو الذي يجعل الإيمان والهدى في القلب ويجعل التوبة والإنابة والإقبال والمحبة والتفويض وأضدادها والعبد في كل لحظة مفتقر إلى هداية يجعلها الله في قلبه وحركات يحركها بها في طاعته. وهذا إلى الله سبحانه وتعالى فهو خلقه وقدره، وكان من دعاءِ النبي ﷺ: "اللَّهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" وعلم حصين بن المنذر أن يقول: "اللَّهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي" وعامة أدعيته ﷺ متضمنة لطلب توفيق ربه وتزكيته له واستعماله في محابه، فمن هداه وصلاحه وأسباب نجاته بيد غيره، وهو المالك له ولها، المتصرف فيه بما يشاءُ ليس له من أمره شيء، من أحق بالخوف منه؟ وهب أنه قد خلق له في الحال الهداية، فهل هو على يقين وعلم أن الله سبحانه وتعالى يخلقها له في المستقبل ويلهمه رشده أبدًا؟ فعلم أن خوف المقربين عند ربهم أعظم من خوف غيرهم والله المستعان، ومن هاهنا كان خوف السابقين من فوات الإيمان كما قال بعض السلف: أنتم تخافون الذنب، وأنا أخاف الكفر. وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: نشدتك الله هل سماني لك رسول الله ﷺ؟ يعني في المنافقين فيقول: لا، ولا أزكى بعدك أحدًا" رواه البخاري يعني لا أفتح على هذا الباب في سؤال الناس لى، وليس مراده أنه لم يخلص من النفاق غيرك.

النحل 16:50

فإن قيل: فما وجه خوف الملائكة وهم معصومون من الذنوب التي هي أسباب المخافة، وشدة خوف النبي ﷺ مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأنه أقرب الخلق إلى الله؟ قيل: عن هذا أربعة أجوبة: الجواب الأول: إن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده. وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد، لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره، ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره. ونظير هذا في المشاهد أن الماثل بين يدي أحد الملوك المشاهد له أشد خوفًا منه من البعيد عنه، بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه، وأنه يطالب من حقوقه الخدمة وأدائها بما لا يطالب به غيره، فهو أحق بالخوف من البعيد. ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله ﷺ: "إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية"، وفهم قوله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم ". وليس المراد به لو عذبهم لتصرف في ملكه - والمتصرف في ملكه غير ظالم - كما يظنه كثير من الناس، فإن هذا يتضمن مدحًا، والحديث إنما سيق للمدح وبيان عظم حق الله على عباده وأنه لو عذبهم لعذبهم بحقه عليهم ولم يكن بغير استحقاق، فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف أضعاف ما أتوا. ولهذا قال بعده: "ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم" يعني أن رحمته لهم ليست ثمنًا لأعمالهم ولا تبلغ أعمالهم رحمته فرحمته لهم ليست على قدر أعمالهم، إذ أعمالهم لا تستقل باقتضاء الرحمة، وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقها عليهم لم يقوموا بها، فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبًا لحقه، وهو غير ظالم لهم فيه. ولا سيما فإن أعمالهم لا توازى القليل من نعمه عليهم، فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداءِ حقه الذي ينبغي له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالمًا لهم. فإن قيل: فهم إذا فعلوا مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغي له مقدورًا لهم. فكيف يحسن العذاب عليه؟ قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أن المقدور للعبد لا يأْتي به كله، بل لا بد من فتور وإعراض وغفلة وتوان. وأيضًا ففى نفس قيامه بالعبودية لا يوفيها حقها الواجب لها من كمال المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامة لله فيها، بحيث يبذل مقدوره كله في تحسينها وتكميلها ظاهرًا وباطنًا، فالتقصير لازم في حال الترك وفي حال الفعل، ولهذا سأل الصديق النبي، دعاءً يدعو به في صلاته، فقال له: "قل: اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم"، فأخبر عن ظلمه لنفسه مؤكدًا له بأن المقتضية ثبوت الخبر وتحققه، ثم أكده بالمصدر النافي للتجوز والاستعارة، ثم وصفه بالكثرة المقتضية لتعدده وتكثره، ثم قال: "فاغفر لى مغفرة من عندك"، أي لا ينالها عملى ولا سعيى بل عملى يقصر عنها، وإنما هي من فضلك وإحسانك، لا بكسبي ولا باستغفاري وتوبتي. ثم قال: "وارحمني" أي ليس معولي إلا على مجرد رحمتك، فإن رحمتى وإلا فالهلاك لازم لى فليتدبر اللبيب هذا الدعاء وما فيه من المعارف والعبودية، وفي ضمنه: إنه لو عذبتني لعدلت في ولم يتظلمني، وإني لا أنجو إلا برحمتك ومغفرتك. ومن هذا قوله ﷺ: "لن ينجى أحدًا منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل"، فإذا كان عمل العبد لا يستقل بالنجاة، فلو لم ينجه الله فلم يكن قد بخسه شيئًا من حقه ولا ظلمه، فإنه ليس معه ما يقتضي نجاته، وعمله ليس وافيًا بشكر القليل من نعمه، فهل يكون ظالمًا له لو عذبه؟ وهل تكون رحمته له جزاءً لعمله، ويكون العمل ثمنًا لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغي له من بذل النصيحة فيه، وكمال العبودية من الحياءِ والمراقبة، والمحبة والخشوع وحضور القلب بين يدى الله في العمل له؟ ومن علم هذا علم السر في كون أعمال الطاعات تختم بالاستغفار، ففى صحيح مسلم عن ثوبان قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثًا. وقال: اللَّهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، قال تعالى: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧-١٨]، فأخبر عن استغفارهم عقيب صلاة الليل. قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، فلما كان السحر جلسوا يستغفرون الله. وأمر الله تعالى عباده بالاستغفار عقيب الإفاضة في الحج فقال: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وشرع رسول الله ﷺ للمتوضئ أن يختم وضوءَه بالتوحيد والاستغفار فيقول: "أشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلا اللهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه، اللَّهمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِين واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِين" فهذا ونحوه مما يبين حقيقة الأمر، وأن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله ورحمته، وأنه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ورحمته أصلًا. الجواب الثاني: أنه لو فرض أن العبد يأْتي بمقدوره كله من الطاعة ظاهرًا وباطنًا، فالذي ينبغي لربه سبحانه فوق ذلك وأضعاف أضعافه. فإذا عجز العبد عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاءِ. والذي أتى به لا يقابل أقل النعم. فإذا حرم جزاءَ العمل الذي ينبغي للرب سبحانه من عبده كان ذلك تعذيبًا له، ولم يكن الرب ظالمًا له في هذا الحرمان. ولو كان عاجزًا عن أسبابه فإنه لم يمنعه حقًا يستحقه عليه فيكون ظالمًا بمنعه. فإذا أعطاه الثواب كان مجرد صدقة منه وفضل تصدق بها عليه لا ينالها عمله، بل هي خير من عمله وأفضل وأكثر، ليست معوضة عليه. والله أعلم. الجواب الثالث عن السؤال الأول: إن العبد إذا علم أن الله سبحانه وتعالى هو مقلب القلوب، وأنه يحول بين المرءِ وقلبه وأنه تعالى سبحانه كل يوم هو في شأْن، يفعل ما يشاءُ ويحكم ما يريد وأنه يهدى من يشاءُ ويضل من يشاءُ، ويرفع من يشاءُ ويخفض من يشاءُ، فما يؤمنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه وبينه ويزيغه بعد إقامته؟ وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقولهم: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨]، فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم. وكان من دعاء النبي ﷺ: " اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك، ومثبت القلوب، ثبت قلوبنا على دينك"، وفي الترمذي عنه ﷺ أنه كان يدعو: "أعوذ بعزتك أن تضلنى أنت الحي الذي لا تموت". وكان من دعائه: "اللَّهُمَّ إنِّى أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطكَ وأعُوذُ بِمُعافاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ وأعُوذُ بِكَ مِنكَ". فاستعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب، وبفعل العافية من فعل العقوبة، واستعاذ به منه باعتبارين. وكأن في استعاذته منه جمعًا لما فصله في الجملتين قبله. فإن الاستعاذة به منه ترجع إلى معنى الكلام قبلها، مع تضمنها فائدة شريفة وهي كمال التوحيد وأن الذي يستعيذ به العائذ ويهرب منه إنما هو فعل الله ومشيئته وقدره، فهو وحده المنفرد بالحكم. فإذا أراد بعبده سوءًا لم يعذه منه إلا هو. فهو الذي يريد به ما يسوؤه، وهو الذي يريد دفعه عنه. فصار سبحانه مستعاذًا به منه باعتبار الإرادتين: ﴿وَإنْ يمسسك اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، فهو الذي يمس بالضر، وهو الذي يكشفه، لا إله إلا هو فالمهرب منه إليه، والفرار منه إليه، واللجأُ منه إليه، كما أن الاستعاذة منه، فإنه لا رب غيره ولا مدبر للعبد سواه. فهو الذي يحركه ويقلبه، ويصرفه كيف يشاءُ. الجواب الرابع: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق أفعال العبد الظاهرة والباطنة، فهو الذي يجعل الإيمان والهدى في القلب ويجعل التوبة والإنابة والإقبال والمحبة والتفويض وأضدادها والعبد في كل لحظة مفتقر إلى هداية يجعلها الله في قلبه وحركات يحركها بها في طاعته. وهذا إلى الله سبحانه وتعالى فهو خلقه وقدره، وكان من دعاءِ النبي ﷺ: "اللَّهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" وعلم حصين بن المنذر أن يقول: "اللَّهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي" وعامة أدعيته ﷺ متضمنة لطلب توفيق ربه وتزكيته له واستعماله في محابه، فمن هداه وصلاحه وأسباب نجاته بيد غيره، وهو المالك له ولها، المتصرف فيه بما يشاءُ ليس له من أمره شيء، من أحق بالخوف منه؟ وهب أنه قد خلق له في الحال الهداية، فهل هو على يقين وعلم أن الله سبحانه وتعالى يخلقها له في المستقبل ويلهمه رشده أبدًا؟ فعلم أن خوف المقربين عند ربهم أعظم من خوف غيرهم والله المستعان، ومن هاهنا كان خوف السابقين من فوات الإيمان كما قال بعض السلف: أنتم تخافون الذنب، وأنا أخاف الكفر. وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: نشدتك الله هل سماني لك رسول الله ﷺ؟ يعني في المنافقين فيقول: لا، ولا أزكى بعدك أحدًا" رواه البخاري يعني لا أفتح على هذا الباب في سؤال الناس لى، وليس مراده أنه لم يخلص من النفاق غيرك.

النحل 16:51

(فائدة) قال ابن عقيل في مناظرته لبعض المعتزلة: "أنتم اعتمدتم في نفي التثنية على دليل التمانع وهو بعينه ينقلب عليكم في خلق الأفعال، لأنا إذا قدرنا أنه تعالى أراد تحريك جسم، وأراد العبد تسكينه فلا يخلوا ... إلى آخره. وفعل الله لا يدخل تحت مقدور العبد، وفعل العبد لا يدخل تحت مقدور الله عندكم، فلا انفكاك لكم ألبتة عن هذا السؤال فأين توحيدكم؟!.

النحل 16:53

قوله تعالى: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ والإيمان والطاعة من أجل النعم بل هما أجل النعم على الإطلاق فهما منه سبحانه تعليما وإرشادا وإلهاما وتوفيقا ومشيئة وخلقا ولا يصح أن يقال أنها أمرا وبيانا فقط فإن ذلك حاصل بالنسبة إلى الكفار والعصاة فتكون نعمته على أكفر الخلق كنعمته على أهل الإيمان والطاعة والبر منهم إذ نعمة البيان والإرشاد مشتركة وهذا قول القدرية وقد صرح به كثير منهم ولم يجعلوا لله على العبد نعمة في مشيئته وخلقه فعله وتوفيقه إياه حين فعله وهذا من قولهم الذي باينوا به جميع الرسل والكتب وطردوا ذلك حين لم يجعلوا لله على العبد منه في إعطائه الجزاء بل قالوا ذلك محض حقه الذي لا منة لله عليه فيه واحتجوا بقوله: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالوا أي غير ممنون به عليهم إذ هو جزاء أعمالهم وأجورها قالوا والمنة تكدر النعمة والعطية ولم يدعوا هؤلاء للجهل بالله موضعا وقاسوا منته على منة المخلوق فإنهم مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات وليست المنة في الحقيقة إلا لله فهو المان بفضله وأهل سماواته وأهل أرضه في محض منته عليهم قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وقال تعالى لكليمه موسى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ وقال: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ولما قال النبي ﷺ للأنصار "ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي" قالوا الله ورسوله أمن. وقال الرسل لقومهم: ﴿إنْ نَحْنُ إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ فمنه سبحانه وتعالى محض إحسانه وفضله ورحمته وما طاب عيش أهل الجنة فيها إلا بمنته عليهم، ولهذا قال أهلها وقد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾ فأجزوا لمعرفتهم بربهم، وحقه عليهم أن نجاهم من عذاب السموم بمحض منته عليهم. وقد قال أعلم الخلق بالله وأحبهم إليه وأقربهم منه وأطوعهم له: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل " وقال: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم" والأول في الصحيح والثاني في المسند والسنن وصححه الحاكم وغيره. فأخبر سيد العالمين والعاملين أنه لا يدخل الجنة بعمله، وقالت القدرية إنهم يدخلونها بأعمالهم لئلا يتكدر نعيمهم عليهم بمشيئة الله بل يكون ذلك النعيم عوضا وما رمى السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم القدرية عن قوس واحد إلا لعظم بدعهم ومنافاتها لما بعث الله به أنبياءه ورسله فلو أتى العباد بكل طاعة وكانت أنفاسهم كلها طاعات لله لكانوا في محض منته وفضله وكانت له المنة عليهم، وكلما عظمت طاعة العبد كانت منة الله عليه أعظم فهو المان بفضله فمن أنكر منته فقد أنكر إحسانه وأما قوله تعالى: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فلم يختلف أهل العلم بالله ورسوله وكتابه أن معناه غير مقطوع ومنه ريب المنون وهو الموت لأنه يقطع العمر. (قاعِدَة جليلة) قد فكّرت في هَذا الأمر فَإذا أصله أن تعلم أن النعم كلها من الله وحده نعم الطّاعات ونعم اللَّذّات فترغب إلَيْهِ أن يلهمك ويوزعك شكرها قالَ تَعالى ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تجأرون﴾ وَقالَ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وَقالَ ﴿واشكروا نعْمَة اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاه تَعْبدُونَ﴾ وكما أن تِلْكَ النعم مِنهُ ومن ومُجَرَّد فَضله فَذكرها وشكرها لا ينال إلّا بتوفيقه والذنُوب من خذلانه وتخليه عَن عَبده وتخليته بَينه وبَين نَفسه وإن لم يكْشف ذَلِك عَن عَبده فَلا سَبِيل لَهُ إلى كشفه عَن نَفسه فَإذا هو مُضْطَر إلى التضرع والابتهال إلَيْهِ أن تدفع عَنهُ أسبابها حَتّى لا تصدر مِنهُ وإذا وقعت بِحكم المَقادِير ومُقْتَضى البشرية فَهو مُضْطَر إلى التضرع والدُّعاء أن يدْفع عَنهُ موجباتها وعقوباتها فَلا يَنْفَكّ عَن العَبْد عَن ضَرُورَته إلى هَذِه الأُصُول الثَّلاثَة ولا فلاح لَهُ إلّا بها الشُّكْر وطلب العافِيَة والتَّوْبَة النصوح. ثمَّ فَكرت فَإذا مدار ذَلِك على الرَّغْبَة والرهبة وليسا بيد العَبْد بل بيد مُقَلِّب القُلُوب ومصرفها كَيفَ يَشاء فَإن وفْق عَبده أقبل بِقَلْبِه إلَيْهِ وملأه رَغْبَة ورَهْبَة وإن خذله لَهُ تَركه ونَفسه ولم يَأْخُذ بِقَلْبِه إلَيْهِ ولم يسْأله ذَلِك وما شاءَ الله كانَ وما لم يَشَأ لم يكن ثمَّ فَكرت هَل للتوفيق والخذلان سَبَب أم هما بِمُجَرَّد المشية لا سَبَب لَهما فَإذا سببهما أهْلِيَّة المحل وعدمها فَهو سُبْحانَهُ خالق المحال مُتَفاوِتَة في الاستعداد والقَبُول أعظم تفاوت فالجمادات لا تقبل ما يقبله الحَيَوان وكَذَلِكَ النوعان كل مِنهُما متفاوت في القبُول فالحيوان النّاطِق يقبل ما لا يقبله البهيم وهو متفاوت في القبُول أعظم تفاوت وكَذَلِكَ الحَيَوان البهيم متفاوت في القبُول لَكِن لَيْسَ بَين النَّوْع الواحِد م ن التَّفاوُت كَما بَين النَّوْع الإنساني فَإذا كانَ المحل قابلا للنعمة بِحَيْثُ يعرفها ويعرف قدرها وخطرها ويشكر المُنعم بها ويثني عَلَيْهِ بها ويعظمه عَلَيْها ويعلم أنَّها من مَحْض الجُود وعين المِنَّة من غير أن يكون هو مُسْتَحقّا لَها ولا هي لَهُ ولا بِهِ، وإنَّما هي لله وحده وبِه وحده فوحده بنعمته إخلاصا وصرفها في محبته شكرا وشهدها من مَحْض جوده منَّة وعرف قصوره وتقصيره في شكرها عجز أو ضعفا وتفريطا وعلم أنه إن أدامها عَلَيْهِ فَذَلِك مَحْض صدقته وفضله وإحسانه وإن سلبه إيّاها فَهو أهل لذَلِك مُسْتَحقّ لَهُ وكلما زاده من نعمه ازْدادَ زلالة وانكسارا وخضوعا بَين يَدَيْهِ، وقياما بشكره وخشيته لَهُ سُبْحانَهُ أن يسلبه إيّاها لعدم توفيته شكرها كَما سلب نعْمَته عَمَّن لم يعرفها ولم يرعها حق رعايتها فَإن لم يشْكر نعْمَته وقابلها بضد ما يلق أن يُقابل بِهِ سلبه إيّاها ولا بُد قالَ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَم بِالشّاكِرِينَ﴾ وهم الَّذين عرفُوا قدر النِّعْمَة وقبلوها وأحبوها وأثنوا على المُنعم بها وأحبوه وقامُوا بشكره وقالَ تَعالى ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته﴾. (قاعِدَة) أساس كل خير أن تعلم أن ما شاءَ الله كانَ، وما لم يَشَأْ لم يكن فتيقن حِينَئِذٍ أن الحَسَنات من نعمه فتشكره عَلَيْها وتتضرّع إلَيْهِ أن لا يقطعها عَنْك وأن السَّيِّئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إلَيْهِ أن يحول بَيْنك وبَينها ولا يكلك في فعل الحَسَنات وترك السَّيِّئات إلى نَفسك وَقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بِتَوْفِيق الله للْعَبد وكل شَرّ فأصله خذلانه لعَبْدِهِ. وَأجْمعُوا أن التَّوْفِيق أن لا يكلك الله نفسك وأن الخذلان أن يخلي بَيْنك وبَين نَفسك فَإذا كانَ كل خير فأصله التَّوْفِيق وهو بيد الله إلى نَفسك وأن لا بيد العَبْد فمفتاحه الدُّعاء والافتقار وصدق اللجأ والرَّغْبَة والرهبة إلَيْهِ فَمَتى أعْطى العَبْد هَذا المِفْتاح فقد أرادَ أن يفتح لَهُ ومَتى أضلّه عَن المِفْتاح بَقِي باب الخَيْر مُرْتَجًا دونه. قالَ أمِير المُؤمنِينَ عمر بن الخطاب إنِّي لا أحمل هم الإجابَة ولَكِن هم الدُّعاء فَإذا ألهمت الدُّعاء فَإن الإجابَة مَعَه وعَلى قدرنية العَبْد وهمته ومراده ورغبته في ذَلِك يكون توفيقه سُبْحانَهُ وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم. والخذلان ينزل عَلَيْهِم على حسب ذَلِك فالله سُبْحانَهُ أحكم الحاكِمين وأعلم العالمين يضع التَّوْفِيق في مواضعه اللائقة بِهِ، والخذلان في مواضعه اللائقة بِهِ هو العَلِيم الحَكِيم.

النحل 16:61

[فَصْلٌ: شُؤْمُ الذُّنُوبِ] وَمِنها: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ يَعُودُ عَلَيْهِ شُؤْمُ ذَنْبِهِ، فَيَحْتَرِقُ هو وغَيْرُهُ بِشُؤْمِ الذُّنُوبِ والظُّلْمِ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: إنَّ الحُبارى لَتَمُوتَ في وكْرِها مِن ظُلْمِ الظّالِمِ. وَقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ البَهائِمَ تَلْعَنُ عُصاةَ بَنِي آدَمَ إذا اشْتَدَّتِ السَّنَةُ، وأُمْسِكَ المَطَرُ، وتَقُولُ: هَذا بِشُؤْمِ مَعْصِيَةِ ابْنِ آدَمَ. وَقالَ عِكْرِمَةُ: دَوابُّ الأرْضِ وهَوامُّها حَتّى الخَنافِسُ والعَقارِبُ، يَقُولُونَ: مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ. فَلا يَكْفِيهِ عِقابُ ذَنْبِهِ، حَتّى يَلْعَنَهُ مَن لا ذَنْبَ لَهُ.

النحل 16:66

[اللَّبَنُ] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] وَقالَ في الجَنَّةِ: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥]. وَفِي " السُّنَنِ " مَرْفُوعًا: «مَن أطْعَمَهُ اللَّهُ طَعامًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وارْزُقْنا خَيْرًا مِنهُ، ومَن سَقاهُ اللَّهُ لَبَنًا، فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وزِدْنا مِنهُ، فَإنِّي لا أعْلَمُ ما يُجْزِئُ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ إلّا اللَّبَنَ». اللَّبَنُ: وإنْ كانَ بَسِيطًا في الحِسِّ، إلّا أنَّهُ مُرَكَّبٌ في أصْلِ الخِلْقَةِ تَرْكِيبًا طَبِيعِيًّا مِن جَواهِرَ ثَلاثَةٍ: الجُبْنِيَّةُ، والسَّمْنِيَّةُ، والمائِيَّةُ، فالجُبْنِيَّةُ: بارِدَةٌ رَطْبَةٌ، مُغَذِّيَةٌ لِلْبَدَنِ، والسَّمْنِيَّةُ: مُعْتَدِلَةُ الحَرارَةِ والرُّطُوبَةِ مُلائِمَةٌ لِلْبَدَنِ الإنْسانِيِّ الصَّحِيحِ، كَثِيرَةُ المَنافِعِ، والمائِيَّةُ: حارَّةٌ رَطْبَةٌ، مُطْلِقَةٌ لِلطَّبِيعَةِ، مُرَطِّبَةٌ لِلْبَدَنِ، واللَّبَنُ عَلى الإطْلاقِ أبْرَدُ وأرْطَبُ مِنَ المُعْتَدِلِ. وَقِيلَ: قُوَّتُهُ عِنْدَ حَلْبِهِ الحَرارَةُ والرُّطُوبَةُ، وقِيلَ مُعْتَدِلٌ في الحَرارَةِ والبُرُودَةِ. وَأجْوَدُ ما يَكُونُ اللَّبَنُ حِينَ يُحْلَبُ، ثُمَّ لا يَزالُ تَنْقُصُ جَوْدَتُهُ عَلى مَرِّ السّاعاتِ، فَيَكُونُ حِينَ يُحْلَبُ أقَلَّ بُرُودَةً، وأكْثَرَ رُطُوبَةً، والحامِضُ بِالعَكْسِ، ويُخْتارُ اللَّبَنُ بَعْدَ الوِلادَةِ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا، وأجْوَدُهُ ما اشْتَدَّ بَياضُهُ، وطابَ رِيحُهُ، ولَذَّ طَعْمُهُ، وكانَ فِيهِ حَلاوَةٌ يَسِيرَةٌ، ودُسُومَةٌ مُعْتَدِلَةٌ، واعْتَدَلَ قِوامُهُ في الرِّقَّةِ والغِلَظِ، وحُلِبَ مِن حَيَوانٍ فَتِيٍّ صَحِيحٍ، مُعْتَدِلِ اللَّحْمِ، مَحْمُودِ المَرْعى والمَشْرَبِ. وَهُوَ مَحْمُودٌ يُوَلِّدُ دَمًا جَيِّدًا، ويُرَطِّبُ البَدَنَ اليابِسَ، ويَغْذُو غِذاءً حَسَنًا، ويَنْفَعُ مِنَ الوَسْواسِ والغَمِّ والأمْراضِ السَّوْداوِيَّةِ، وإذا شُرِبَ مَعَ العَسَلِ نَقّى القُرُوحَ الباطِنَةَ مِنَ الأخْلاطِ العَفِنَةِ، وشُرْبُهُ مَعَ السُّكَّرِ يُحَسِّنُ اللَّوْنَ جِدًّا، والحَلِيبُ يَتَدارَكُ ضَرَرَ الجِماعِ، ويُوافِقُ الصَّدْرَ والرِّئَةَ، جَيِّدٌ لِأصْحابِ السُّلِّ، رَدِيءٌ لِلرَّأْسِ والمَعِدَةِ، والكَبِدِ والطِّحالِ، والإكْثارُ مِنهُ مُضِرٌّ بِالأسْنانِ واللِّثَةِ، ولِذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُتَمَضْمَضَ بَعْدَهُ بِالماءِ وفي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعا بِماءٍ فَتَمَضْمَضَ وقالَ: " إنَّ لَهُ دَسَمًا». وَهُوَ رَدِيءٌ لِلْمَحْمُومِينَ، وأصْحابِ الصُّداعِ، مُؤْذٍ لِلدِّماغِ، والرَّأْسِ الضَّعِيفِ، والمُداوَمَةُ عَلَيْهِ تُحْدِثُ ظُلْمَةَ البَصَرِ والغِشاءَ، ووَجَعَ المَفاصِلِ وسُدَّةَ الكَبِدِ، والنَّفْخَ في المَعِدَةِ والأحْشاءِ، وإصْلاحُهُ بِالعَسَلِ والزَّنْجَبِيلِ المُرَبّى ونَحْوِهِ، وهَذا كُلُّهُ لِمَن لَمْ يَعْتَدْهُ. (فصل) تَأمل العبْرَة الَّتِي ذكرها الله عز وجل في الأنعام وما سقانا من بطونها من اللَّبن الخالِص السائغ الهنيء المريء الخارِج من بَين الفرث والدَّم، فَتَأمل كَيفَ ينزل الغذاء من أفواهها إلى المعدة فينقلب بعضه دَمًا بإذن الله وما يسرى في عروقها وأعضائها وشحومها ولحومها فَإذا أرسلته العُرُوق في مجاريها إلى جملَة الأجزاء قلبه كل عُضْو أوْ عصب وغضروف وشعر وظفر وحافر إلى طَبِيعَته ثمَّ يبْقى الدَّم في تِلْكَ الخزائن الَّتِي لَهُ إذْ بِهِ قوام الحَيَوان، ثمَّ ينصب ثقله إلى الكرش فَيصير زبلا، ثمَّ يَنْقَلِب باقِيَة لَبَنًا صافيا أبيض سائغا للشاربين فَيخرج من بَين الفرث والدَّم حَتّى إذا أنهكت الشّاة أوْ غَيرها حَلبًا خرج الدَّم مشوبا بحمرة فصفى الله سُبْحانَهُ الألطف من الثفل بالطبخ الأول فانفصل إلى الكبد وصارَ دَمًا وكانَ مخلوطا بالأخلاط الأربعة فَأذْهب الله عز وجل كل خلط مِنها إلى مقره وخزانته المهيأة لَهُ من المرارة والطحال والكلية، وباقِي الدَّم الخالِص يدْخل في أوردة الكبد فينصب من تِلْكَ العُرُوق إلى الضَّرع فيقلبه الله تبارك وتَعالى من صُورَة الدَّم وطبعه وطعمه إلى صُورَة اللَّبن وطبعه وطعمه فاستخرج من الفرث والدَّم، فسل المُعَطل الجاحد من الَّذِي دبر هَذا التَّدْبِير وقدر هَذا التَّقْدِير وأتقن هَذا الصنع ولطف هَذا اللطف سوى اللَّطِيف الخَبِير.

النحل 16:68

(لطيفة: في الفرق بين قولك: كل من كل الثمرات وكل من الثمرات كلها) فإن قيل: فإذا استوى الأمران كقولك كل من كل الثمرات وكل من الثمرات كلها فلم اختص أحد النظمين بالقرآن في موضع دون موضع؟ قيل: هذا لا يلزم لأن كل واحد منه فصيح ولكن لا بد من فائدة في الاختصاص أما قوله تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ فـ (مِن) هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف وإنما تريد الثمرات نفسها إلا أنه أخرج منها شيئا وأدخل من لبيان الجنس كله ولو قال أخرجنا به من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف وأن مفعول أخرجنا فيما بعد ولم يتوهم ذلك مع تقديم كل لعلم المخاطبين أن كلا إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس وإذا تأخرت وكانت توكيدا اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة جنسا شائعا كان أو معهودا معروفا. وأما قوله تعالى: ﴿كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ولم يقل من الثمرات كلها ففيها الحكمة التي في الآية قبلها، ومزيد فائدة وهو أنه تقدمها في النظم قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ فلو قال بعدها كلي من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أنه يريد الثمرات المذكورة قبل هذا أعني (ثمرات النخيل والأعناب) لأن اللام إنما تنصرف إلى المعهود فكان الابتداء بكل أحصن للمعنى وأجمع للجنس وأرفع للبس وأبدع في النظم فتأمله. [فصل: بَيانُ أنَّ العَسَلَ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ] وَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، هَلِ الضَّمِيرُ في "فِيهِ" راجِعٌ إلى الشَّرابِ، أوْ راجِعٌ إلى القُرْآنِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ رُجُوعُهُ إلى الشَّرابِ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحسن، وقتادة، والأكْثَرِينَ فَإنَّهُ هو المَذْكُورُ والكَلامُ سِيقَ لِأجْلِهِ، ولا ذِكْرَ لِلْقُرْآنِ في الآيَةِ، وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ وهو قَوْلُهُ: " صَدَقَ اللَّهُ " كالصَّرِيحِ فِيهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. (فصل: تَأمل أحوال النَّحْل وما فِيها من العبر والآيات) فانْظُر إليها وإلى اجتهادها في صَنْعَة العَسَل وبنائها البيُوت المسدسة الَّتِي هي من أتم الاشكال وأحسنها استدارة وأحكمها صنعا فَإذا انْضَمَّ بَعْضها إلى بعض لم يكن بَينها فُرْجَة ولا خلل كل هَذا بِغَيْر مقياس ولا آله ولا بيكار وتلك من أثر صنع الله وإلهامه إيّاها وايحائه إليها كَما قالَ تَعالى ﴿وَأوحى رَبك إلى النَّحْل أن اتخذي من الجبال بُيُوتًا﴾ إلى قَوْله ﴿لآيات لقوم يتفكرون﴾ فَتَأمل كَمال طاعتها وحسن ائتمارها لأمر رَبها اتَّخذت بيوتها في هَذِه الأمكنة الثَّلاثَة في الجبال الشقفان، وفي الشّجر، وفي بيُوت النّاس حَيْثُ يعرشون أي بيبنون العروش وهِي البيُوت فَلا يرى للنحل بَيت غير هَذِه الثَّلاثَة ألْبَتَّةَ. وتأمل كَيفَ أكثر بيوتها في الجبال والشقفان وهو البَيْت المُقدم في الآية ثمَّ في الأشجار وهِي من أكثر بيوتها ومِمّا يعرش النّاس واقل بيوتها بَينهم حَيْثُ يعرشون، وأما في الجبال والشَّجر فبيوت عَظِيمَة يُؤْخَذ مِنها من العَسَل الكثير جدا. وتأمل كَيفَ أداها حسن الِامْتِثال إلى أن اتَّخذت البيُوت أولا، فَإذا اسْتَقر لَها بَيت خرجت مِنهُ فرعت وأكلت من الثِّمار ثمَّ آوت إلى بيوتها لأن رَبها سُبْحانَهُ امرها باتخاذ البيُوت أولا ثمَّ بالأكل بعد ذَلِك ثمَّ إذا اكلت سلكت سبل رَبها مذللة لا يستوعز عَلَيْها شَيْء ترعى ثمَّ تعود ومن عَجِيب شَأْنها أن لَها أميرا يُسمى اليعسوب لا يتم لَها رواح ولا إياب ولا عمل ولا مرعى إلّا بِهِ فَهي مؤتمره لأمره سامعة لَهُ مطيعه وله عَلَيْها تَكْلِيف وأمر ونهى وهِي رعية لَهُ منقادة لأمره متبعة لرايه يدبرها كَما يدبر الملك امْر رَعيته حَتّى إنَّها إذا آوت إلا بيوتها وقف على باب البَيْت فَلا يدع واحِدَة تزاحم الأخرى ولا تتقدم عَلَيْها في العبور بل تعبر بيوتها واحِدَة بعد واحِدَة بِغَيْر تزاحم ولا تصادم ولا تراكم كَما يفعل الأمير إذا انْتهى بعسكره إلى معبر ضيق لا يجوزه إلا واحِد واحِد ومن تدبر أحوالها وسياساتها وهدايتها واجتماع شملها وانتظام امرها وتدبير ملكها وتفويض كل عمل إلى واحِد مِنها يتعجب مِنها كل العجب ويعلم أن هَذا لَيْسَ في مقدورها ولا هو من ذاتها فَإن هَذِه أعمال محكمَة متقنة في غايَة الأحكام والاتقان فَإذا نظرت إلى العامِل رَأيْته من أضْعَف خلق الله أجهله بِنَفسِهِ وبحاله وأعجزه عَن القيام بمصلحته فضلا عَمّا يصدر عَنهُ من الأمور العجيبة ومن عَجِيب أمرها أن فِيها أميرين لا يَجْتَمِعانِ في بَيت واحِد ولا يتأمران على جمع واحِد بل إذا اجْتمع مِنها جندان وأميران قتلوا احْدُ الأميرين وقطعوه واتَّفَقُوا على الأمير الواحِد من غير معاداة بَينهم ولا أذى من بَعضهم لبَعض بل يصيرون يدا واحِدَة وجندا واحِدًا. (فصل) وَمن أعجب أمرها ما لا يَهْتَدِي لَهُ أكثر النّاس ولا يعرفونه وهو النِّتاج الَّذِي يكون لَها هَل هو على وجه الولادَة والتوالد أوْ الاستحالة فَقل من يعرف ذَلِك أوْ يفْطن لَهُ ولَيْسَ نتاجها على واحِد من هذَيْن الوَجْهَيْنِ، وإنَّما نتاجها بِأمْر من أعجب العجيب فَإنَّها إذا ذهبت إلى المرعي أخذت تِلْكَ الأجزاء الصافية الَّتِي على الوَرق من الورْد والزهر والحشيش وغَيره وهِي الطل فتمصها وذَلِكَ مادَّة العَسَل ثمَّ أنها تكبس الأجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها كالعدسة فتملأ بها المسدسات الفارغة من العَسَل ثمَّ يقوم يعسوبها على بَيته مبتدئا مِنهُ فينفخ فِيهِ ثمَّ يطوف على تِلْكَ البيُوت بَيْتا بَيْتا وينفخ فِيها كلها فتدب فِيها الحَياة بِإذن الله عز وجل فتتحرك وتخرج طيورا بِإذن الله وتلك أحدى الآيات والعجائب الَّتِي قل من يتفطن لَها وهَذا كُله من ثَمَرَة ذَلِك الوَحْي الإلهي أفادها وأكسبها هَذا التَّدْبِير والسّفر والمعاش والبناء والنتاج فسل المُعَطل من الَّذِي أوحى إليها أمرها وجعل ما جعل في طباعها؟ وَمن الَّذِي سهل لَها سبله ذللا منقادة لا تستعصي عَلَيْها ولا تستوعرها ولا تضل عَنْها على بعْدها؟ وَمن الَّذِي هداها لشأنها؟ ومن الَّذِي أنزل لَها من الطل ما إذا جنته ردته عسلا صافيا مُخْتَلفا ألوانه في غايَة الحَلاوَة واللذاذة والمَنفَعَة من بَين أبيض يرى فِيهِ الوَجْه أعظم من رُؤْيَته في المرْآة وسمه لي من جاءَ بِهِ وقالَ هَذا أفخر ما يعرف النّاس من العَسَل وأصفاه وأطيبه فَإذا طعمه ألذ شَيْء يكون من الحَلْوى ومن بَين أحمر وأخضر ومورد وأسود وأشقر وغير ذَلِك من الألوان والطعوم المُخْتَلفَة فِيهِ بِحَسب مراعيه ومادتها. وَإذا تَأمَّلت ما فِيهِ من المَنافِع والشفاء ودخوله في غالب الأدوية حَتّى كانَ المتقدمون لا يعْرفُونَ السكر ولا هو مَذْكُور في كتبهمْ أصلا وإنَّما كانَ الَّذِي يستعملونه في الأدوية هو العَسَل وهو المَذْكُور في كتب القَوْم ولعمر الله أنه لأنفع من السكر وأجدى وأجلى للأخلاط وأقمع لَها وأذهب لضررها وأقوى للمعدة وأشد تفريحا للنَّفس وتقوية للأرواح وتنفيذا للدواء وإعانة لَهُ على اسْتِخْراج الدّاء من اعماق البدن ولِهَذا لم يَجِيء في شَيْء من الحَدِيث قطّ ذكر السكر ولا كانُوا يعرفونه أصلا ولَو عدم من العالم لما احْتاجَ إليه، ولَو عدم العَسَل لاشتدت الحاجة إليه، وإنَّما غلب على بعض المدن اسْتِعْمال السكر حَتّى هجروا العَسَل واستطابوه عَلَيْهِ ورأوه أقل حِدة وحرارة مِنهُ، ولم يعلمُوا أن من مَنافِع العَسَل ما فِيهِ من الحدة والحرارة فَإذا لم يُوافق من يَسْتَعْمِلهُ كسرها بمقابلها فَيصير أنفع لَهُ من السكر. وسنفرد - إن شاءَ الله - مقالَة نبين فِيها فضل العَسَل على السكر من طرق عديدة لا تمنع وبراهين كَثِيرَة لا تدفع ومَتى رأيت السكر يجلو بلغما ويذيب خلطا أوْ يشفي من داء، وإنَّما غايَته بعض التَّنْفِيذ للدواء إلى العُرُوق للطافته وحلاوته. وَأما الشِّفاء الحاصِل من العَسَل فقد حرمه الله كثيرا من النّاس حَتّى صارُوا يذمونه ويخشون غائلته من حرارته وحدته ولا ريب أن كَونه شِفاء وكَون القُرْآن شِفاء والصَّلاة شِفاء وذكر الله والإقبال عَلَيْهِ شِفاء، أمر لا يعم الطبائع والأنفس فَهَذا كتاب الله هو الشِّفاء النافع وهو أعظم الشِّفاء، وما أقل المستشفين بِهِ بل لا يزِيد الطبائع الرَّديئَة رداءة ولا يزِيد الظّالِمين إلا خسارا. وَكَذَلِكَ ذكر الله والإقبال عَلَيْهِ والإنابة إليه والفزع إلى الصَّلاة كم قد شفي بِهِ من عليل، وكم قد عوفي بِهِ من مَرِيض، وكم قامَ مقام كثير من الأدوية الَّتِي لا تبلغ قَرِيبا من مبلغه في الشِّفاء وأنت ترى كثيرا من النّاس بل أكثرهم لا نصيب لَهُم من الشِّفاء بذلك أصلا. وَلَقَد رأيت في بعض كتب الأطباء المُسلمين في ذكر الأدوية المفردة ذكر الصَّلاة ذكرها في باب الصّاد وذكر من مَنافِعها في البدن الَّتِي توجب الشِّفاء وُجُوهًا عديدة، ومن مَنافِعها في الرّوح والقلب. وَسمعت شَيخنا أبا العَبّاس ابن تَيْمِية رَحمَه الله يَقُول وقد عرض لَهُ بعض الألم فَقالَ لَهُ الطَّبِيب أضر ما عَلَيْك الكَلام في العلم والفكر فِيهِ والتوجه والذكر. فَقالَ ألستم تَزْعُمُونَ أن النَّفس إذا قويت وفرحت اوجب فرحها لَها قُوَّة تعين بها الطبيعة على دفع العارِض فَإنَّهُ عدوها فَإذا قويت عَلَيْهِ قهرته فَقالَ لَهُ الطَّبِيب بلى فَقالَ إذا اشتغلت نَفسِي بالتوجه والذكر والكَلام في العلم وظفرت بِما يشكل عَلَيْها مِنهُ فرحت بِهِ وقويت فَأوجب ذَلِك دفع العارِض هَذا أوْ نَحوه من الكَلام. والمَقْصُود أن ترك كثير من النّاس الِاسْتِشْفاء بالعسل لا يُخرجهُ عَن كَونه شِفاء كَما أن ترك أكثرهم الِاسْتِشْفاء بِالقُرْآنِ من أمراض القُلُوب لا يُخرجهُ عَن كَونه شِفاء لَها وهو شِفاء لما في الصُّدُور وإن لم يسْتَشف بِهِ أكثر المرضى كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيها النّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم وشفاء لما في الصُّدُور وهدى ورَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ فَعم بِالمَوْعِظَةِ والشفاء وخص بِالهدى والمعرفة فَهو نَفسه شِفاء أستشفي بِهِ أوْ لم يسْتَشف بِهِ ولم يصف الله في كِتابه بالشفاء إلّا القُرْآن والعَسَل فهما الشفاآن هَذا شِفاء القُلُوب من أمراض غيها وضلالها وأدواء شبهاتها وشهواتها، وهَذا شِفاء للأبدان من كثير من أسقامها وأخلاطها وآفاتها ولَقَد أصابني أيام مقامي بِمَكَّة أسقام مُخْتَلفَة ولا طَبِيب هُناكَ ولا أدوية كَما في غَيرها من المدن فَكنت أستشفي بالعسل وماء زَمْزَم ورأيت فيهما من الشِّفاء أمرا عجيبا، وتَأمل إخباره سُبْحانَهُ وتَعالى عَن القُرْآن بِأنَّهُ نَفسه شِفاء وقالَ عَن السعل ﴿فِيهِ شِفاء للنّاس﴾ وما كانَ نَفسه شِفاء أبلغ مِمّا جعل فِيهِ شِفاء ولَيْسَ هَذا مَوضِع استقصاء فوائد العسل ومنافعه. (فصل آخر) وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب وذلك أن لها أميرا ومدبرا وهو اليعسوب وهو أكبر جسما من جميع النحل وأحسن لونا وشكلا وإناث النحل تلد في إقبال الربيع وأكثر أولادها يكن إناثا وإذا وقع فيها ذكر لم تدعه بينها بل إما أن تطرده وإما أن تقتله إلا طائفة يسيرة منها تكون حول الملك وذلك أن الذكر منها لا تعمل شيئا ولا تكسب ثم تجمع الأمهات وفراخها عند الملك فيخرج بها إلى المرعى من المزوج والرياض والبساتين والمراتع في أقصد الطرق وأقربها فيجتني منها كفايتها فيرجع بها الملك فإذا انتهوا إلى الخلايا وقف على بابها ولم يدع ذكرا ولا نحلة غريبة تدخلها فإذا تكامل دخولها دخل بعدها وتواجدت النحل على مقاعدها وأماكنها فيبتدئ الملك بالعمل كأنه يعلمها إياه فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه ويترك الملك العمل ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات الأوراق والأنوار، ثم تقتسم النحل فرقا فمنها فرقة تلزم الملك ولا تفارقه ولا تعمل ولا تكسب وهم حاشية الملك من الذكورة ومنها فرقة تهيئ الشمع وتصنعه والشمع هو ثفل العسل وفيه حلاوة كحلاوة التين وللنحل فيه عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل فينظفه النحل ويصفيه ويخلصه مما يخالطه من أبوالها وغيرها وفرقة تبني البيوت وفرقة تسقي الماء وتحمله على متونها وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل وإذا رأت بينها نحلة مهينة بطالة قطعها وقتلها حتى لا تفسد عليهن بقية العمال وتعديهن ببطالتها ومهانتها وأول ما يبنى في الخلية مقعد الملك وبيته فيبنى له بيتا مربعا يشبه السرير والتخت فيجلس عليه ويستدير حوله طائفة من النحل يشبه الأمراء والخدم والخواص لا يفارقنه ويجعل النحل بين يديه شيئا يشبه الحوض يصب فيه من العسل أصفى ما يقدر عليه ويملأ منه الحوض يكون ذلك طعاما للملك وخواصه ثم يأخذن في ابتناء البيوت على خطوط متساوية كأنها سكك ومحال وتبنى بيوتها مسدسة متساوية الأضلاع كأنها قرأت كتاب إقليدس حتى عرفت أوفق الأشكال لبيوتها لأن المطلوب من بناء الدور هو الوثاقة والسعة والشكل المسدس دون سائر الأشكال إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صار شكلا مستديرا كاستدارة الرحى ولا يبقى فيه فروج ولا خلل ويشد بعضه بعضا حتى يصير طبقا واحدا محكما لا يدخل بين بيوته رؤوس الإبر فتبارك الذي ألهمها أن تبني بيوتها هذا البناء المحكم الذي يعجز البشر عن صنع مثله فعلمت أنها محتاجة إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين إحداهما: أن لا يكون زواياها ضيقة حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلا. الثانية: أن تكون تلك البيوت مشكلة بأشكال إذا انضم بعضها إلى بعض وامتلأت العرصة منها فلا يبقى منها ضائعا ثم إنها علمت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هو المسدس فقط فإن المثلثات والمربعات وإن أمكن امتلاء العرصة منها إلا أن زواياها ضيقة وأما سائر الأشكال وإن كانت زواياها واسعة إلا أنها لا تمتلئ العرصة منها بل يبقى فيما بينها فروج خالية ضائعة وأما المسدس فهو موصوف بهاتين الصفتين فهداها سبحانه على بناء بيوتها على هذا الشكل من غير مسطر ولا آلة ولا مثال يحتذى عليه وأصنع بني آدم لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالآلات الكبيرة فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها على قوتها وتأتها ذللا لا تستعصي عليها ولا تضل عنها وأن تجتني أطيب ما في المرعى وألطفه وأن تعود إلى بيوتها الخالية فتصب فيها شرابا مختلفا ألوانه (فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) فإذا فرغت من بناء البيوت خرجت خماصا تسيح سهلا وجبلا فأكلت من الحلاوات المرتفعة على رؤوس الأزهار وورق الأشجار فترجع بطانا وجعل سبحانه في أفواهها حرارة منضجة تنضج ما جنته فتعيده حلاوة ونضجا ثم تمجه في البيوت حتى إذا امتلأت ختمتها وسدت رؤوسها بالشمع المصفى فإذا امتلأت تلك البيوت عمدت إلى مكان آخر إن صادفته فاتخذت فيه بيوتا وفعلت كما فعلت في البيوت الأولى فإذا برد الهوى وأخلف المرعى وحيل بينها وبين الكسب لزمت بيوتها واغتذت بما ادخرته من العسل وهي في أيام الكسب والسعي تخرج بكرة وتسيح في المراتع وتستعمل كل فرقة منها بما يخصها من العمل فإذا أمست رجعت إلى بيوتها وإذا كان وقت رجوعها وقف على باب الخلية بواب منها ومعه أعوان فكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد منها رائحة منكرة أو رأى بها لطخة من قذر منعها من الدخول وعزلها ناحية إلى أن يدخل الجميع فيرجع إلى المعزولات الممنوعات من الدخول فيتفقدهن ويكشف أحوالهن مرة ثانية فمن وجده قد وقع على شيء منتن أو نجس قده نصفين ومن كانت جنايته خفيفة تركه خارج الخلية هذا دأب البواب كل عشية، وأما الملك فلا يكثر الخروج من الخلية إلا نادرا إذا اشتهى التنزه فيخرج ومعه أمراء النحل والخدم فيطوف في المروج والرياض والبساتين ساعة من النهار ثم يعود إلى مكانه ومن عجيب أمره أنه ربما لحقه أذى من النحل أو من صاحب الخلية أو من خدمه فيغضب ويخرج من الخلية ويتباعد عنها ويتبعه جميع النحل وتبقى الخلية خالية فإذا رأى صاحبها ذلك وخاف أن يأخذ النحل ويذهب بها إلى مكان آخر احتال لاسترجاعه وطلب رضاه فيتعرف موضعه الذي صار إليه بالنحل فيعرفه باجتماع النحل إليه فإنها لا تفارقه وتجتمع عليه حتى تصير عليه عنقودا وهو إذا خرج غضبا جلس على مكان مرتفع من الشجرة وطافت به النحل وانضمت إليه حتى يصير كالكرة فيأخذ صاحب النحل رمحا أو قصبة طويلة ويشد على رأسه حزمة من النبات الطيب الرائحة العطر النظيف ويدنيه إلى محل الملك ويكون معه إما مزهر أو يراع أو شيء من آلات الطرب فيحركه وقد أدنى إليه ذلك الحشيش فلا يزال كذلك إلى أن يرضى الملك فإذا رضي وزال غضبه طفر ووقع على الضغث وتبعه خدمه وسائر النحل فيحمله صاحبه إلى الخلية فينزل ويدخلها هو وجنوده ولا يقع النحل على جيفة ولا حيوان ولا طعام ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة ولا تدين لطاعتها والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العسالة وهي تحاول مقاتلة الطوال القليلة النفع وإخراجها ونفيها عن الخلايا وإذا فعلت ذلك جاد العسل وتجتهد أن تقتل ما تريد قتلها خارج الخلية صيانة للخلية عن جيفته ومنها صنف قليل النفع كبير الجسم وبينها وبين العسالة حرب فهي تقصدها وتغتالها وتفتح عليها بيوتها وتقصد هلاكها والعسالة شديدة التيقظ والتحفظ منها فإذا هجمت عليها في بيوتها حاولتها وألجأتها إلى أبواب البيوت فتتلطخ بالعسل فلا تقدر على الطيران ولا يفلت منها الآكل طويل العمر فإذا انقضت الحرب وبرد القتال عادت إلى القتلى فحملتها وألقتها خارج الخلية وقد ذكرنا أن الملك لا يخرج إلا في الأحايين وإذا خرج خرج في جموع من الفراخ والشبان وإذا عزم على الخروج ظل قبل ذلك اليوم أو يومين يعلم الفراخ وينزلها منازلها ويرتبها فيخرج ويخرجن معه على ترتيب ونظام قد دبره معهن لا يخرجن عنه وإذا تولدت عنده ذكران عرف أنهن يتطلبن الملك فيجعل كل واحد منهم على طائفة من الفراخ ولا يقتل ملك منها ملكا آخر لما في ذلك من فساد الرعية وهلاكها وتفرقها وإذا رأى صاحب الخلية الملوك قد كثرت في الخلية وخاف من تفرق النحل بسببهم احتال عليهم وأخذ الملوك كلها إلا واحدا ويحبس الباقي عنده في إناء ويدع عندهم من العسل ما يكفيهم حتى إذا حدث بالملك المنصوب حدث مرض أو موت أو كان مفسدا فقتلته النحل أخذ من هؤلاء المحبوسين واحدا وجعله مكانه لئلا يبقى النحل بلا ملك فيتشتت أمرها ومن عجيب أمرها أن الملك إذا خرج متنزها ومعه الأمراء والجنود ربما لحقه إعياء فتحمله الفراخ وفي النحل كرام عمال لها سعي وهمة واجتهاد وفيها لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة للبطالة فالكرام دائما تطردها وتنفيها عن الخلية ولا تساكنها خشية أن تعدي كرامها وتفسدها والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه ولذلك لا تلقي زبلها إلا حين تطير وتكره النتن والروائح الخبيثة وأبكارها وفراخها أحرس وأشد اجتهادا من الكبار وأقل لسعا وأجود عسلا ولسعها إذا لسعت أقل ضررا من لسع الكبار ولما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته لما لم يشركها فيه غيرها وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام والنور الذي يضيء في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام كان أكثر الحيوان أعداء وكان أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة وهذه سنة الله في خلقه وهو العزيز الحكيم.

النحل 16:69

(لطيفة: في الفرق بين قولك: كل من كل الثمرات وكل من الثمرات كلها) فإن قيل: فإذا استوى الأمران كقولك كل من كل الثمرات وكل من الثمرات كلها فلم اختص أحد النظمين بالقرآن في موضع دون موضع؟ قيل: هذا لا يلزم لأن كل واحد منه فصيح ولكن لا بد من فائدة في الاختصاص أما قوله تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ فـ (مِن) هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف وإنما تريد الثمرات نفسها إلا أنه أخرج منها شيئا وأدخل من لبيان الجنس كله ولو قال أخرجنا به من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف وأن مفعول أخرجنا فيما بعد ولم يتوهم ذلك مع تقديم كل لعلم المخاطبين أن كلا إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس وإذا تأخرت وكانت توكيدا اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة جنسا شائعا كان أو معهودا معروفا. وأما قوله تعالى: ﴿كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ولم يقل من الثمرات كلها ففيها الحكمة التي في الآية قبلها، ومزيد فائدة وهو أنه تقدمها في النظم قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ فلو قال بعدها كلي من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أنه يريد الثمرات المذكورة قبل هذا أعني (ثمرات النخيل والأعناب) لأن اللام إنما تنصرف إلى المعهود فكان الابتداء بكل أحصن للمعنى وأجمع للجنس وأرفع للبس وأبدع في النظم فتأمله. [فصل: بَيانُ أنَّ العَسَلَ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ] وَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، هَلِ الضَّمِيرُ في "فِيهِ" راجِعٌ إلى الشَّرابِ، أوْ راجِعٌ إلى القُرْآنِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ رُجُوعُهُ إلى الشَّرابِ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحسن، وقتادة، والأكْثَرِينَ فَإنَّهُ هو المَذْكُورُ والكَلامُ سِيقَ لِأجْلِهِ، ولا ذِكْرَ لِلْقُرْآنِ في الآيَةِ، وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ وهو قَوْلُهُ: " صَدَقَ اللَّهُ " كالصَّرِيحِ فِيهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. (فصل: تَأمل أحوال النَّحْل وما فِيها من العبر والآيات) فانْظُر إليها وإلى اجتهادها في صَنْعَة العَسَل وبنائها البيُوت المسدسة الَّتِي هي من أتم الاشكال وأحسنها استدارة وأحكمها صنعا فَإذا انْضَمَّ بَعْضها إلى بعض لم يكن بَينها فُرْجَة ولا خلل كل هَذا بِغَيْر مقياس ولا آله ولا بيكار وتلك من أثر صنع الله وإلهامه إيّاها وايحائه إليها كَما قالَ تَعالى ﴿وَأوحى رَبك إلى النَّحْل أن اتخذي من الجبال بُيُوتًا﴾ إلى قَوْله ﴿لآيات لقوم يتفكرون﴾ فَتَأمل كَمال طاعتها وحسن ائتمارها لأمر رَبها اتَّخذت بيوتها في هَذِه الأمكنة الثَّلاثَة في الجبال الشقفان، وفي الشّجر، وفي بيُوت النّاس حَيْثُ يعرشون أي بيبنون العروش وهِي البيُوت فَلا يرى للنحل بَيت غير هَذِه الثَّلاثَة ألْبَتَّةَ. وتأمل كَيفَ أكثر بيوتها في الجبال والشقفان وهو البَيْت المُقدم في الآية ثمَّ في الأشجار وهِي من أكثر بيوتها ومِمّا يعرش النّاس واقل بيوتها بَينهم حَيْثُ يعرشون، وأما في الجبال والشَّجر فبيوت عَظِيمَة يُؤْخَذ مِنها من العَسَل الكثير جدا. وتأمل كَيفَ أداها حسن الِامْتِثال إلى أن اتَّخذت البيُوت أولا، فَإذا اسْتَقر لَها بَيت خرجت مِنهُ فرعت وأكلت من الثِّمار ثمَّ آوت إلى بيوتها لأن رَبها سُبْحانَهُ امرها باتخاذ البيُوت أولا ثمَّ بالأكل بعد ذَلِك ثمَّ إذا اكلت سلكت سبل رَبها مذللة لا يستوعز عَلَيْها شَيْء ترعى ثمَّ تعود ومن عَجِيب شَأْنها أن لَها أميرا يُسمى اليعسوب لا يتم لَها رواح ولا إياب ولا عمل ولا مرعى إلّا بِهِ فَهي مؤتمره لأمره سامعة لَهُ مطيعه وله عَلَيْها تَكْلِيف وأمر ونهى وهِي رعية لَهُ منقادة لأمره متبعة لرايه يدبرها كَما يدبر الملك امْر رَعيته حَتّى إنَّها إذا آوت إلا بيوتها وقف على باب البَيْت فَلا يدع واحِدَة تزاحم الأخرى ولا تتقدم عَلَيْها في العبور بل تعبر بيوتها واحِدَة بعد واحِدَة بِغَيْر تزاحم ولا تصادم ولا تراكم كَما يفعل الأمير إذا انْتهى بعسكره إلى معبر ضيق لا يجوزه إلا واحِد واحِد ومن تدبر أحوالها وسياساتها وهدايتها واجتماع شملها وانتظام امرها وتدبير ملكها وتفويض كل عمل إلى واحِد مِنها يتعجب مِنها كل العجب ويعلم أن هَذا لَيْسَ في مقدورها ولا هو من ذاتها فَإن هَذِه أعمال محكمَة متقنة في غايَة الأحكام والاتقان فَإذا نظرت إلى العامِل رَأيْته من أضْعَف خلق الله أجهله بِنَفسِهِ وبحاله وأعجزه عَن القيام بمصلحته فضلا عَمّا يصدر عَنهُ من الأمور العجيبة ومن عَجِيب أمرها أن فِيها أميرين لا يَجْتَمِعانِ في بَيت واحِد ولا يتأمران على جمع واحِد بل إذا اجْتمع مِنها جندان وأميران قتلوا احْدُ الأميرين وقطعوه واتَّفَقُوا على الأمير الواحِد من غير معاداة بَينهم ولا أذى من بَعضهم لبَعض بل يصيرون يدا واحِدَة وجندا واحِدًا. (فصل) وَمن أعجب أمرها ما لا يَهْتَدِي لَهُ أكثر النّاس ولا يعرفونه وهو النِّتاج الَّذِي يكون لَها هَل هو على وجه الولادَة والتوالد أوْ الاستحالة فَقل من يعرف ذَلِك أوْ يفْطن لَهُ ولَيْسَ نتاجها على واحِد من هذَيْن الوَجْهَيْنِ، وإنَّما نتاجها بِأمْر من أعجب العجيب فَإنَّها إذا ذهبت إلى المرعي أخذت تِلْكَ الأجزاء الصافية الَّتِي على الوَرق من الورْد والزهر والحشيش وغَيره وهِي الطل فتمصها وذَلِكَ مادَّة العَسَل ثمَّ أنها تكبس الأجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها كالعدسة فتملأ بها المسدسات الفارغة من العَسَل ثمَّ يقوم يعسوبها على بَيته مبتدئا مِنهُ فينفخ فِيهِ ثمَّ يطوف على تِلْكَ البيُوت بَيْتا بَيْتا وينفخ فِيها كلها فتدب فِيها الحَياة بِإذن الله عز وجل فتتحرك وتخرج طيورا بِإذن الله وتلك أحدى الآيات والعجائب الَّتِي قل من يتفطن لَها وهَذا كُله من ثَمَرَة ذَلِك الوَحْي الإلهي أفادها وأكسبها هَذا التَّدْبِير والسّفر والمعاش والبناء والنتاج فسل المُعَطل من الَّذِي أوحى إليها أمرها وجعل ما جعل في طباعها؟ وَمن الَّذِي سهل لَها سبله ذللا منقادة لا تستعصي عَلَيْها ولا تستوعرها ولا تضل عَنْها على بعْدها؟ وَمن الَّذِي هداها لشأنها؟ ومن الَّذِي أنزل لَها من الطل ما إذا جنته ردته عسلا صافيا مُخْتَلفا ألوانه في غايَة الحَلاوَة واللذاذة والمَنفَعَة من بَين أبيض يرى فِيهِ الوَجْه أعظم من رُؤْيَته في المرْآة وسمه لي من جاءَ بِهِ وقالَ هَذا أفخر ما يعرف النّاس من العَسَل وأصفاه وأطيبه فَإذا طعمه ألذ شَيْء يكون من الحَلْوى ومن بَين أحمر وأخضر ومورد وأسود وأشقر وغير ذَلِك من الألوان والطعوم المُخْتَلفَة فِيهِ بِحَسب مراعيه ومادتها. وَإذا تَأمَّلت ما فِيهِ من المَنافِع والشفاء ودخوله في غالب الأدوية حَتّى كانَ المتقدمون لا يعْرفُونَ السكر ولا هو مَذْكُور في كتبهمْ أصلا وإنَّما كانَ الَّذِي يستعملونه في الأدوية هو العَسَل وهو المَذْكُور في كتب القَوْم ولعمر الله أنه لأنفع من السكر وأجدى وأجلى للأخلاط وأقمع لَها وأذهب لضررها وأقوى للمعدة وأشد تفريحا للنَّفس وتقوية للأرواح وتنفيذا للدواء وإعانة لَهُ على اسْتِخْراج الدّاء من اعماق البدن ولِهَذا لم يَجِيء في شَيْء من الحَدِيث قطّ ذكر السكر ولا كانُوا يعرفونه أصلا ولَو عدم من العالم لما احْتاجَ إليه، ولَو عدم العَسَل لاشتدت الحاجة إليه، وإنَّما غلب على بعض المدن اسْتِعْمال السكر حَتّى هجروا العَسَل واستطابوه عَلَيْهِ ورأوه أقل حِدة وحرارة مِنهُ، ولم يعلمُوا أن من مَنافِع العَسَل ما فِيهِ من الحدة والحرارة فَإذا لم يُوافق من يَسْتَعْمِلهُ كسرها بمقابلها فَيصير أنفع لَهُ من السكر. وسنفرد - إن شاءَ الله - مقالَة نبين فِيها فضل العَسَل على السكر من طرق عديدة لا تمنع وبراهين كَثِيرَة لا تدفع ومَتى رأيت السكر يجلو بلغما ويذيب خلطا أوْ يشفي من داء، وإنَّما غايَته بعض التَّنْفِيذ للدواء إلى العُرُوق للطافته وحلاوته. وَأما الشِّفاء الحاصِل من العَسَل فقد حرمه الله كثيرا من النّاس حَتّى صارُوا يذمونه ويخشون غائلته من حرارته وحدته ولا ريب أن كَونه شِفاء وكَون القُرْآن شِفاء والصَّلاة شِفاء وذكر الله والإقبال عَلَيْهِ شِفاء، أمر لا يعم الطبائع والأنفس فَهَذا كتاب الله هو الشِّفاء النافع وهو أعظم الشِّفاء، وما أقل المستشفين بِهِ بل لا يزِيد الطبائع الرَّديئَة رداءة ولا يزِيد الظّالِمين إلا خسارا. وَكَذَلِكَ ذكر الله والإقبال عَلَيْهِ والإنابة إليه والفزع إلى الصَّلاة كم قد شفي بِهِ من عليل، وكم قد عوفي بِهِ من مَرِيض، وكم قامَ مقام كثير من الأدوية الَّتِي لا تبلغ قَرِيبا من مبلغه في الشِّفاء وأنت ترى كثيرا من النّاس بل أكثرهم لا نصيب لَهُم من الشِّفاء بذلك أصلا. وَلَقَد رأيت في بعض كتب الأطباء المُسلمين في ذكر الأدوية المفردة ذكر الصَّلاة ذكرها في باب الصّاد وذكر من مَنافِعها في البدن الَّتِي توجب الشِّفاء وُجُوهًا عديدة، ومن مَنافِعها في الرّوح والقلب. وَسمعت شَيخنا أبا العَبّاس ابن تَيْمِية رَحمَه الله يَقُول وقد عرض لَهُ بعض الألم فَقالَ لَهُ الطَّبِيب أضر ما عَلَيْك الكَلام في العلم والفكر فِيهِ والتوجه والذكر. فَقالَ ألستم تَزْعُمُونَ أن النَّفس إذا قويت وفرحت اوجب فرحها لَها قُوَّة تعين بها الطبيعة على دفع العارِض فَإنَّهُ عدوها فَإذا قويت عَلَيْهِ قهرته فَقالَ لَهُ الطَّبِيب بلى فَقالَ إذا اشتغلت نَفسِي بالتوجه والذكر والكَلام في العلم وظفرت بِما يشكل عَلَيْها مِنهُ فرحت بِهِ وقويت فَأوجب ذَلِك دفع العارِض هَذا أوْ نَحوه من الكَلام. والمَقْصُود أن ترك كثير من النّاس الِاسْتِشْفاء بالعسل لا يُخرجهُ عَن كَونه شِفاء كَما أن ترك أكثرهم الِاسْتِشْفاء بِالقُرْآنِ من أمراض القُلُوب لا يُخرجهُ عَن كَونه شِفاء لَها وهو شِفاء لما في الصُّدُور وإن لم يسْتَشف بِهِ أكثر المرضى كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيها النّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم وشفاء لما في الصُّدُور وهدى ورَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ فَعم بِالمَوْعِظَةِ والشفاء وخص بِالهدى والمعرفة فَهو نَفسه شِفاء أستشفي بِهِ أوْ لم يسْتَشف بِهِ ولم يصف الله في كِتابه بالشفاء إلّا القُرْآن والعَسَل فهما الشفاآن هَذا شِفاء القُلُوب من أمراض غيها وضلالها وأدواء شبهاتها وشهواتها، وهَذا شِفاء للأبدان من كثير من أسقامها وأخلاطها وآفاتها ولَقَد أصابني أيام مقامي بِمَكَّة أسقام مُخْتَلفَة ولا طَبِيب هُناكَ ولا أدوية كَما في غَيرها من المدن فَكنت أستشفي بالعسل وماء زَمْزَم ورأيت فيهما من الشِّفاء أمرا عجيبا، وتَأمل إخباره سُبْحانَهُ وتَعالى عَن القُرْآن بِأنَّهُ نَفسه شِفاء وقالَ عَن السعل ﴿فِيهِ شِفاء للنّاس﴾ وما كانَ نَفسه شِفاء أبلغ مِمّا جعل فِيهِ شِفاء ولَيْسَ هَذا مَوضِع استقصاء فوائد العسل ومنافعه. (فصل آخر) وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب وذلك أن لها أميرا ومدبرا وهو اليعسوب وهو أكبر جسما من جميع النحل وأحسن لونا وشكلا وإناث النحل تلد في إقبال الربيع وأكثر أولادها يكن إناثا وإذا وقع فيها ذكر لم تدعه بينها بل إما أن تطرده وإما أن تقتله إلا طائفة يسيرة منها تكون حول الملك وذلك أن الذكر منها لا تعمل شيئا ولا تكسب ثم تجمع الأمهات وفراخها عند الملك فيخرج بها إلى المرعى من المزوج والرياض والبساتين والمراتع في أقصد الطرق وأقربها فيجتني منها كفايتها فيرجع بها الملك فإذا انتهوا إلى الخلايا وقف على بابها ولم يدع ذكرا ولا نحلة غريبة تدخلها فإذا تكامل دخولها دخل بعدها وتواجدت النحل على مقاعدها وأماكنها فيبتدئ الملك بالعمل كأنه يعلمها إياه فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه ويترك الملك العمل ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات الأوراق والأنوار، ثم تقتسم النحل فرقا فمنها فرقة تلزم الملك ولا تفارقه ولا تعمل ولا تكسب وهم حاشية الملك من الذكورة ومنها فرقة تهيئ الشمع وتصنعه والشمع هو ثفل العسل وفيه حلاوة كحلاوة التين وللنحل فيه عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل فينظفه النحل ويصفيه ويخلصه مما يخالطه من أبوالها وغيرها وفرقة تبني البيوت وفرقة تسقي الماء وتحمله على متونها وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل وإذا رأت بينها نحلة مهينة بطالة قطعها وقتلها حتى لا تفسد عليهن بقية العمال وتعديهن ببطالتها ومهانتها وأول ما يبنى في الخلية مقعد الملك وبيته فيبنى له بيتا مربعا يشبه السرير والتخت فيجلس عليه ويستدير حوله طائفة من النحل يشبه الأمراء والخدم والخواص لا يفارقنه ويجعل النحل بين يديه شيئا يشبه الحوض يصب فيه من العسل أصفى ما يقدر عليه ويملأ منه الحوض يكون ذلك طعاما للملك وخواصه ثم يأخذن في ابتناء البيوت على خطوط متساوية كأنها سكك ومحال وتبنى بيوتها مسدسة متساوية الأضلاع كأنها قرأت كتاب إقليدس حتى عرفت أوفق الأشكال لبيوتها لأن المطلوب من بناء الدور هو الوثاقة والسعة والشكل المسدس دون سائر الأشكال إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صار شكلا مستديرا كاستدارة الرحى ولا يبقى فيه فروج ولا خلل ويشد بعضه بعضا حتى يصير طبقا واحدا محكما لا يدخل بين بيوته رؤوس الإبر فتبارك الذي ألهمها أن تبني بيوتها هذا البناء المحكم الذي يعجز البشر عن صنع مثله فعلمت أنها محتاجة إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين إحداهما: أن لا يكون زواياها ضيقة حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلا. الثانية: أن تكون تلك البيوت مشكلة بأشكال إذا انضم بعضها إلى بعض وامتلأت العرصة منها فلا يبقى منها ضائعا ثم إنها علمت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هو المسدس فقط فإن المثلثات والمربعات وإن أمكن امتلاء العرصة منها إلا أن زواياها ضيقة وأما سائر الأشكال وإن كانت زواياها واسعة إلا أنها لا تمتلئ العرصة منها بل يبقى فيما بينها فروج خالية ضائعة وأما المسدس فهو موصوف بهاتين الصفتين فهداها سبحانه على بناء بيوتها على هذا الشكل من غير مسطر ولا آلة ولا مثال يحتذى عليه وأصنع بني آدم لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالآلات الكبيرة فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها على قوتها وتأتها ذللا لا تستعصي عليها ولا تضل عنها وأن تجتني أطيب ما في المرعى وألطفه وأن تعود إلى بيوتها الخالية فتصب فيها شرابا مختلفا ألوانه (فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) فإذا فرغت من بناء البيوت خرجت خماصا تسيح سهلا وجبلا فأكلت من الحلاوات المرتفعة على رؤوس الأزهار وورق الأشجار فترجع بطانا وجعل سبحانه في أفواهها حرارة منضجة تنضج ما جنته فتعيده حلاوة ونضجا ثم تمجه في البيوت حتى إذا امتلأت ختمتها وسدت رؤوسها بالشمع المصفى فإذا امتلأت تلك البيوت عمدت إلى مكان آخر إن صادفته فاتخذت فيه بيوتا وفعلت كما فعلت في البيوت الأولى فإذا برد الهوى وأخلف المرعى وحيل بينها وبين الكسب لزمت بيوتها واغتذت بما ادخرته من العسل وهي في أيام الكسب والسعي تخرج بكرة وتسيح في المراتع وتستعمل كل فرقة منها بما يخصها من العمل فإذا أمست رجعت إلى بيوتها وإذا كان وقت رجوعها وقف على باب الخلية بواب منها ومعه أعوان فكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد منها رائحة منكرة أو رأى بها لطخة من قذر منعها من الدخول وعزلها ناحية إلى أن يدخل الجميع فيرجع إلى المعزولات الممنوعات من الدخول فيتفقدهن ويكشف أحوالهن مرة ثانية فمن وجده قد وقع على شيء منتن أو نجس قده نصفين ومن كانت جنايته خفيفة تركه خارج الخلية هذا دأب البواب كل عشية، وأما الملك فلا يكثر الخروج من الخلية إلا نادرا إذا اشتهى التنزه فيخرج ومعه أمراء النحل والخدم فيطوف في المروج والرياض والبساتين ساعة من النهار ثم يعود إلى مكانه ومن عجيب أمره أنه ربما لحقه أذى من النحل أو من صاحب الخلية أو من خدمه فيغضب ويخرج من الخلية ويتباعد عنها ويتبعه جميع النحل وتبقى الخلية خالية فإذا رأى صاحبها ذلك وخاف أن يأخذ النحل ويذهب بها إلى مكان آخر احتال لاسترجاعه وطلب رضاه فيتعرف موضعه الذي صار إليه بالنحل فيعرفه باجتماع النحل إليه فإنها لا تفارقه وتجتمع عليه حتى تصير عليه عنقودا وهو إذا خرج غضبا جلس على مكان مرتفع من الشجرة وطافت به النحل وانضمت إليه حتى يصير كالكرة فيأخذ صاحب النحل رمحا أو قصبة طويلة ويشد على رأسه حزمة من النبات الطيب الرائحة العطر النظيف ويدنيه إلى محل الملك ويكون معه إما مزهر أو يراع أو شيء من آلات الطرب فيحركه وقد أدنى إليه ذلك الحشيش فلا يزال كذلك إلى أن يرضى الملك فإذا رضي وزال غضبه طفر ووقع على الضغث وتبعه خدمه وسائر النحل فيحمله صاحبه إلى الخلية فينزل ويدخلها هو وجنوده ولا يقع النحل على جيفة ولا حيوان ولا طعام ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة ولا تدين لطاعتها والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العسالة وهي تحاول مقاتلة الطوال القليلة النفع وإخراجها ونفيها عن الخلايا وإذا فعلت ذلك جاد العسل وتجتهد أن تقتل ما تريد قتلها خارج الخلية صيانة للخلية عن جيفته ومنها صنف قليل النفع كبير الجسم وبينها وبين العسالة حرب فهي تقصدها وتغتالها وتفتح عليها بيوتها وتقصد هلاكها والعسالة شديدة التيقظ والتحفظ منها فإذا هجمت عليها في بيوتها حاولتها وألجأتها إلى أبواب البيوت فتتلطخ بالعسل فلا تقدر على الطيران ولا يفلت منها الآكل طويل العمر فإذا انقضت الحرب وبرد القتال عادت إلى القتلى فحملتها وألقتها خارج الخلية وقد ذكرنا أن الملك لا يخرج إلا في الأحايين وإذا خرج خرج في جموع من الفراخ والشبان وإذا عزم على الخروج ظل قبل ذلك اليوم أو يومين يعلم الفراخ وينزلها منازلها ويرتبها فيخرج ويخرجن معه على ترتيب ونظام قد دبره معهن لا يخرجن عنه وإذا تولدت عنده ذكران عرف أنهن يتطلبن الملك فيجعل كل واحد منهم على طائفة من الفراخ ولا يقتل ملك منها ملكا آخر لما في ذلك من فساد الرعية وهلاكها وتفرقها وإذا رأى صاحب الخلية الملوك قد كثرت في الخلية وخاف من تفرق النحل بسببهم احتال عليهم وأخذ الملوك كلها إلا واحدا ويحبس الباقي عنده في إناء ويدع عندهم من العسل ما يكفيهم حتى إذا حدث بالملك المنصوب حدث مرض أو موت أو كان مفسدا فقتلته النحل أخذ من هؤلاء المحبوسين واحدا وجعله مكانه لئلا يبقى النحل بلا ملك فيتشتت أمرها ومن عجيب أمرها أن الملك إذا خرج متنزها ومعه الأمراء والجنود ربما لحقه إعياء فتحمله الفراخ وفي النحل كرام عمال لها سعي وهمة واجتهاد وفيها لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة للبطالة فالكرام دائما تطردها وتنفيها عن الخلية ولا تساكنها خشية أن تعدي كرامها وتفسدها والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه ولذلك لا تلقي زبلها إلا حين تطير وتكره النتن والروائح الخبيثة وأبكارها وفراخها أحرس وأشد اجتهادا من الكبار وأقل لسعا وأجود عسلا ولسعها إذا لسعت أقل ضررا من لسع الكبار ولما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته لما لم يشركها فيه غيرها وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام والنور الذي يضيء في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام كان أكثر الحيوان أعداء وكان أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة وهذه سنة الله في خلقه وهو العزيز الحكيم.

النحل 16:73

وأما قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ ففيها قولان: أحدهما: أن شيئا بدل من رزقه ورزقا أبين من شيئا لأنه أخص منه والأخص أبين من الأعم وجاز هذا من أجل تقدم النفي لأن النكرة إنما تفيد بالإخبار عنها بعد النفي فلما اقتضى النفي العام ذكر الاسم العام الذي هو أنكر النكرات ووقعت الفائدة به من أجل النفي صلح أن يكون بدلا من رزق ألا ترى أنك لو طرحت الاسم الأول واقتصرت على الثاني لم يكون إخلالا بالكلام. والقول الثاني: أن شيئا هنا مفعول المصدر الذي هو الرزق وتقديره لا يملكون أن يرزقوا شيئا وهذا قول الأكثرين إلا أنه يرد عليهم أن الرزق هنا اسم لا مصدر لأنه بوزن الذبح والطحن للمذبوح والمطحون ولو أريد المصدر لجاء بالفتح نحو قول الشاعر يخاطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله وعفا عنه: ؎واقصد إلى الخير ولا توقه ∗∗∗ وارزق عيال المسلمين رزقه وقد يجاب عن هذا بأن الرزق من المصادر التي جاءت على فِعْل بكسر أوائلها كالفسق، ويطلق على المصدر والاسم بلفظ واحد كالنسخ للمصدر والمنسوخ وبابه وهذا أحسن والبيت لا نسلم أن راءه مفتوحة وإنما هي مكسورة وهذا اللائق بحال عمر ابن عبد العزيز والشاعر فإنه طلب منه أن يرزق عيال المسلمين رزق الله الذي هو المال المرزوق لا أنه يرزقهم كرزق الله الذي هو المصدر هذا مما لا يخاطب به أحد ولا يقصده. عاقل والله أعلم.

النحل 16:74

وأما قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ ففيها قولان: أحدهما: أن شيئا بدل من رزقه ورزقا أبين من شيئا لأنه أخص منه والأخص أبين من الأعم وجاز هذا من أجل تقدم النفي لأن النكرة إنما تفيد بالإخبار عنها بعد النفي فلما اقتضى النفي العام ذكر الاسم العام الذي هو أنكر النكرات ووقعت الفائدة به من أجل النفي صلح أن يكون بدلا من رزق ألا ترى أنك لو طرحت الاسم الأول واقتصرت على الثاني لم يكون إخلالا بالكلام. والقول الثاني: أن شيئا هنا مفعول المصدر الذي هو الرزق وتقديره لا يملكون أن يرزقوا شيئا وهذا قول الأكثرين إلا أنه يرد عليهم أن الرزق هنا اسم لا مصدر لأنه بوزن الذبح والطحن للمذبوح والمطحون ولو أريد المصدر لجاء بالفتح نحو قول الشاعر يخاطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله وعفا عنه: ؎واقصد إلى الخير ولا توقه ∗∗∗ وارزق عيال المسلمين رزقه وقد يجاب عن هذا بأن الرزق من المصادر التي جاءت على فِعْل بكسر أوائلها كالفسق، ويطلق على المصدر والاسم بلفظ واحد كالنسخ للمصدر والمنسوخ وبابه وهذا أحسن والبيت لا نسلم أن راءه مفتوحة وإنما هي مكسورة وهذا اللائق بحال عمر ابن عبد العزيز والشاعر فإنه طلب منه أن يرزق عيال المسلمين رزق الله الذي هو المال المرزوق لا أنه يرزقهم كرزق الله الذي هو المصدر هذا مما لا يخاطب به أحد ولا يقصده. عاقل والله أعلم.

النحل 16:75

يَعْنِي إذا كانَ لا يَسْتَوِي عنْدكم عبد مَمْلُوك لا يقدر على شَيْء وغني موسع عَلَيْهِ ينْفق مِمّا رزقه الله فَكيف تَجْعَلُونَ الصَّنَم الَّذِي هو أسْوَأ حالا من هَذا العَبْد شَرِيكا لله، وكَذَلِكَ إذا كانَ لا يَسْتَوِي عنْدكم رجلانِ أحدهما أبكم لا يعقل ولا ينْطق وهو مَعَ ذَلِك عاجز لا يقدر على شَيْء وآخر على طَرِيق مُسْتَقِيم في أقْواله وأفعاله وهو آمُر بِالعَدْلِ عامل بِهِ لِأنَّهُ على صِراط مُسْتَقِيم فَكيف تسوون بَين الله وبَين الصَّنَم في العِبادَة؟! ونظائر ذَلِك كَثِيرَة في القُرْآن وفي الحَدِيث كَقَوْلِه في حَدِيث الحارِث الأشْعَرِيّ "وأن الله أمركُم أن تَعْبُدُوهُ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا، وإن مثل من أشرك كَمثل رجل اشْترى عبدا من خالص ماله وقالَ لَهُ اعْمَلْ وأد إلَيَّ، فَكانَ يعْمل ويُؤَدِّي إلى غَيره فَأيكم يحب أن يكون عَبده كَذَلِك؟ فالله سُبْحانَهُ لا تضرب [له] الأمْثال الَّتِي يشْتَرك هو وخلقه فِيها لا شمولا ولا تمثيلا، وإنما يسْتَعْمل في حَقه قِياس الأولى كَما تقدم. (فائدة) قَولُهُ - تَعالى -: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قالُوا: ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآيَةَ حَقَّ التَّأمُّلِ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّها نَصٌّ عَلى إبْطالِ القِياسِ وتَحْرِيمِهِ؛ لِأنَّ القِياسَ كُلَّهُ ضَرْبُ الأمْثالِ لِلدَّيْنِ، وتَمْثِيلُ ما لا نَصَّ فِيهِ بِما فِيهِ نَصٌّ، ومَن مَثَّلَ ما لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ أوْ إيجابِهِ بِما حَرَّمَهُ أوْ أوْجَبَهُ فَقَدْ ضَرَبَ لِلَّهِ الأمْثالَ، ولَوْ عَلِمَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الَّذِي سَكَتَ عَنْهُ مِثْلُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ لَأعْلَمَنا بِهِ، ولَما أغْفَلَهُ - سُبْحانَهُ - ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ولْيُبَيِّنْ لَنا ما نَتَّقِي كَما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ إذْ يَقُولُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وَلَمّا وكَلَهُ إلى آرائِنا ومَقايِيسِنا الَّتِي يَنْقُضُ بَعْضُها بَعْضًا، فَهَذا يَقِيسُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ عَلى ما يَزْعُمُ أنَّهُ نَظِيرُهُ فَيَجِيءُ مُنازِعُهُ فَيَقِيسُ ضِدَّ قِياسِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ويُبْدِي مِن الوَصْفِ الجامِعِ مِثْلَ ما أبْداهُ مُنازِعُوهُ أوْ أظْهَرَ مِنهُ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ القِياسانِ مَعًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَيْسَ أحَدُهُما أوْلى مِن الآخَرِ، فَلَيْسا مِن عِنْدِهِ، وهَذا وحْدَهُ كافٍ في إبْطالِ القِياسِ. (فصل) هَذانِ مَثَلانِ مُتَضَمِّنانِ قِياسَيْنِ مِن قِياسِ العَكْسِ، وهو نَفْيُ الحُكْمِ لِنَفْيِ عِلَّتِهِ ومُوجِبِهِ، فَإنْ القِياسَ نَوْعانِ: قِياسُ طَرْدٍ يَقْتَضِي إثْباتَ الحُكْمِ في الفَرْعِ لِثُبُوتِ عِلَّةِ الأصْلِ فِيهِ؛ وقِياسُ عَكْسٍ يَقْتَضِي نَفْيِ الحُكْمِ عَنْ الفَرْعِ لِنَفْيِ عِلَّةِ الحُكْمِ فِيهِ؛ فالمَثَلُ الأوَّلُ ما ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ ولِلْأوْثانِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ هو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُ كَيْف يَشاءُ عَلى عَبِيدِهِ سِرًّا وجَهْرًا ولَيْلًا ونَهارًا يَمِينُهُ مَلْأى لا يَغِيضُها نَفَقَةُ سَحّاءَ اللَّيْلَ والنَّهارَ، والأوْثانُ مَمْلُوكَةٌ عاجِزَةٌ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَكَيْف يَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِي ويَعْبُدُونَها مِن دُونِي مَعَ هَذا التَّفاوُتِ العَظِيمِ والفَرْقِ المُبِينِ؟ هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ في الخَيْرِ الَّذِي عِنْدَهُ ثُمَّ رَزَقَهُ مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى غَيْرِهِ سِرًّا وجَهْرًا، والكافِرُ بِمَنزِلَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عاجِزٍ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِأنَّهُ لا خَيْرَ عِنْدَهُ، فَهَلْ يَسْتَوِي الرَّجُلانِ عِنْدَ أحَدٍ مِن العُقَلاءِ؟ والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهَ بِالمُرادِ، فَإنَّهُ أظْهَرُ في بُطْلانِ الشِّرْكِ، وأوْضَحُ عِنْدَ المُخاطَبِ، وأعْظَمُ في إقامَةِ الحُجَّةِ، وأقْرَبُ نَسَبًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] ومِن لَوازِمِ هَذا المِثْلِ وأحْكامِهِ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ المُوَحِّدُ كَمِن رَزَقَهُ مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا، والكافِرُ المُشْرِكُ كالعَبْدِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَهَذا مِمّا نَبَّهَ عَلَيْهِ المِثْلُ وأرْشِدْ إلَيْهِ، فَذَكَره ابْنُ عَبّاسٍ مُنَبِّهًا عَلى إرادَتِهِ لا أنَّ الآيَةَ اخْتَصَّتْ بِهِ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّك تَجِدْهُ كَثِيرًا في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِن السَّلَفِ في فَهْمِ القُرْآنِ، فَيُظَنُّ أنَّ ذَلِكَ هو مَعْنى الآيَةِ الَّتِي لا مَعْنى لَها غَيْرُهُ فَيَحْكِيه قَوْلُهُ. (فَصْلٌ) وَأمّا المَثَلُ الثّانِي فَهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَفْسِهِ ولِما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ أيْضًا فالصَّنَمُ الَّذِي يُعْبَدُ مِن دُونِهِ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ أبْكَمَ لا يَعْقِلُ ولا يَنْطِقُ، بَلْ هو أبْكَمُ القَلْبِ واللِّسانِ، قَدْ عَدِمَ النُّطْقَ القَلْبِيَّ واللِّسانِيَّ، ومَعَ هَذا فَهو عاجِزٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، ومَعَ هَذا فَأيْنَما أرَسْلَتَهُ لا يَأْتِيَك بِخَيْرٍ، ولا يَقْضِي لَك حاجَةً، واللَّهُ سُبْحانَهُ حَيٌّ قادِرٌ مُتَكَلِّمٌ، يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وهو صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، وهَذا وصْفٌ لَهُ بِغايَةِ الكَمالِ والحَمْدِ، فَإنَّ أمْرَهُ بِالعَدْلِ - وهو الحَقُّ - يَتَضَمَّنُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عالَمٌ بِهِ، مُعَلِّمٌ لَهُ، راضٍ بِهِ، آمِرٌ لِعِبادِهِ بِهِ، مُحِبٌّ لِأهْلِهِ، لا يَأْمُرُ بِسِواهُ، بَلْ تَنَزَّهَ عَنْ ضِدِّهِ الَّذِي هو الجَوْرُ والظُّلْمُ والسَّفَهُ والباطِلُ، بَلْ أمْرُهُ وشَرْعُهُ عَدْلٌ كُلُّهُ، وأهْلُ العَدْلِ هم أوْلِياؤُهُ وأحِبّاؤُهُ، وهم المُجاوِرُونَ لَهُ عَنْ يَمِينِهِ عَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، وأمْرُهُ بِالعَدْلِ يَتَناوَلُ الأمْرَ الشَّرْعِيَّ الدِّينِيَّ والأمْرَ القَدَرِيَّ الكَوْنِيَّ، وكِلاهُما عَدْلٌ لا جَوْرَ فِيهِ بِوَجْهٍ ما، كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أمَتِك، ناصِيَتِي بِيَدِك، ماضٍ في حُكْمُك، عَدْلٌ في قَضاؤُك» فَقَضاؤُهُ هو أمْرُهُ الكَوْنِيُّ. فَإنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ، فَلا يَأْمُرُ إلّا بِحَقٍّ وعَدْلٍ، وقَضاؤُهُ وقَدَرُهُ القائِمُ بِهِ حَقٌّ وعَدْلٌ، وإنْ كانَ في المَقْضِيِّ المُقَدَّرِ ما هو جَوْرٌ وظُلْمٌ فالقَضاءُ غَيْرُ المَقْضِيِّ، والقَدَرُ غَيْرُ المُقَدَّرِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ رَسُولِهِ [هود]: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: «ناصِيَتِي بِيَدِك» وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: «عَدْلٌ في قَضاؤُك». فالأوَّلُ مُلْكُهُ، والثّانِي حَمْدُهُ، وهو سُبْحانَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وكَوْنُهُ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، ولا يَأْمُرُ إلّا بِالعَدْلِ، ولا يَفْعَلُ إلّا ما هو مَصْلَحَةٌ ورَحْمَةٌ وحِكْمَةٌ وعَدْلٌ؛ فَهو عَلى الحَقِّ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ؛ فَلا يَقْضِي عَلى العَبْدِ بِما يَكُونُ ظالِمًا لَهُ بِهِ، ولا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ، ولا يَنْقُصُهُ مِن حَسَناتِهِ شَيْئًا، ولا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِن سَيِّئاتِ غَيْرِهِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها ولَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْها شَيْئًا، ولا يُؤاخِذُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا يَفْعَلُ قَطُّ ما لا يُحْمَدُ عَلَيْهِ، ويُثْنى بِهِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ لَهُ فِيهِ العَواقِبُ الحَمِيدَةُ، والغاياتُ المَطْلُوبَةُ، فَإنَّ كَوْنَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَأْبى ذَلِكَ كُلَّهُ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] يَقُولُ: إنّ رَبِّي عَلى طَرِيقِ الحَقِّ، يُجازِي المُحْسِنَ مِن خَلْقِهِ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا يَظْلِمُ أحَدًا مِنهم شَيْئًا، ولا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ لَهُ، والإيمانَ بِهِ، ثُمَّ حَكى عَنْ مُجاهِدٍ مِن طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] قالَ: الحَقُّ، وكَذَلِكَ رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] وهَذا اخْتِلافُ عِبارَةٍ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِالمِرْصادِ هو مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنّ رَبِّي يَحُثُّكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ويَحُضُّكم عَلَيْهِ؛ وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِها فَلَيْسَ كَما زَعَمُوا، ولا دَلِيلَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وقَدْ فَرَّقَ سُبْحانَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ آمِرًا بِالعَدْلِ وبَيْنَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وإنْ أرادُوا أنَّ حَثَّهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مِن جُمْلَةِ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فَقَدْ أصابُوا. وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْنى كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أنَّ مَرَدَّ العِبادِ والأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنها، وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ أرادُوا أنَّ هَذا مِن لَوازِمِ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ومِن مُقْتَضاهُ ومُوجِبِهِ فَهو حَقٌّ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْناهُ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ وفي مِلْكِهِ وقَبْضَتِهِ، وهَذا وإنْ كانَ حَقًّا فَلَيْسَ هو مَعْنى الآيَةِ، وقَدْ فَرَّقَ شُعَيْبٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَهُما مَعْنَيانِ مُسْتَقِلّانِ. فالقَوْلُ قَوْلُ مُجاهِدٍ، وهو قَوْلُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، ولا تَحْتَمِلُ العَرَبِيَّةُ غَيْرَهُ إلّا عَلى اسْتِكْراهٍ؛ وقالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ: ؎أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ ∗∗∗ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمِ وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] وإذا كانَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ رُسُلَهُ وأتْباعَهم عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَهو سُبْحانَهُ أحَقُّ بِأنْ يَكُونَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، وإنْ كانَ صِراطُ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ هو مُوافَقَةُ أمْرِهِ؛ فَصِراطُهُ الَّذِي هو سُبْحانَهُ عَلَيْهِ هو ما يَقْتَضِيهِ حَمْدُهُ وكَمالُهُ ومَجْدُهُ مِن قَوْلِ الحَقِّ وفِعْلِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَفِي الآيَةِ قَوْلٌ ثانٍ مِثْلُ الآيَةِ الأُولى سَواءٌ، أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما في هَذا القَوْلِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وقال في مفتاح دار السعادة: فالمثل الأول للصنم وعابديه. والمثل الثاني: ضربه الله تعالى لنفسه، وأنه يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم. فكيف تسوّى بينه وبين الصنم الذي له مثل السوء؟ فما فعله الرب تبارك وتعالى مع عباده: هو غاية الحكمة والإحسان والعدل، في إقدارهم وإعطائهم ومنعهم، وأمرهم ونهيهم. فدعوى المدعي: أن هذا نظير تخلية السيد بين عبيده وإمائه يفجر بعضهم ببعض، ويسبي بعضهم بعضا أكذب دعوى وأبطلها. والفرق بينهما أظهر وأعظم من أن يحتاج إلى ذكره، والتنبيه عليه. والحمد لله الغني الحميد. فغناه التام فارق، وحمده وملكه، وعزته وحكمته وعلمه، وإحسانه وعدله، ودينه وشرعه وحكمه وكرمه، ومحبته للمغفرة والعفو عن الجناة، والصفح عن المسيئين، وقبوله توبة التائبين، وصبر الصابرين، وشكر الشاكرين الذين يؤثرونه على غيره، ويتطلبون مرضاته، ويعبدونه وحده، ويسيرون في عبيده سيرة العدل والإحسان والنصائح، ويجاهدون أعداءه، فيبذلون دماءهم وأموالهم في محبته ومرضاته. ليتميز الخبيث من الطيب، ووليه من عدوه، ويخرج طيبات هؤلاء وخبائث أولئك إلى الخارج، فيترتب عليها آثارها المحبوبة للرب تعالى من الثواب والعقاب، والحمد لأوليائه والذم لأعدائه.

النحل 16:76

يَعْنِي إذا كانَ لا يَسْتَوِي عنْدكم عبد مَمْلُوك لا يقدر على شَيْء وغني موسع عَلَيْهِ ينْفق مِمّا رزقه الله فَكيف تَجْعَلُونَ الصَّنَم الَّذِي هو أسْوَأ حالا من هَذا العَبْد شَرِيكا لله، وكَذَلِكَ إذا كانَ لا يَسْتَوِي عنْدكم رجلانِ أحدهما أبكم لا يعقل ولا ينْطق وهو مَعَ ذَلِك عاجز لا يقدر على شَيْء وآخر على طَرِيق مُسْتَقِيم في أقْواله وأفعاله وهو آمُر بِالعَدْلِ عامل بِهِ لِأنَّهُ على صِراط مُسْتَقِيم فَكيف تسوون بَين الله وبَين الصَّنَم في العِبادَة؟! ونظائر ذَلِك كَثِيرَة في القُرْآن وفي الحَدِيث كَقَوْلِه في حَدِيث الحارِث الأشْعَرِيّ "وأن الله أمركُم أن تَعْبُدُوهُ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا، وإن مثل من أشرك كَمثل رجل اشْترى عبدا من خالص ماله وقالَ لَهُ اعْمَلْ وأد إلَيَّ، فَكانَ يعْمل ويُؤَدِّي إلى غَيره فَأيكم يحب أن يكون عَبده كَذَلِك؟ فالله سُبْحانَهُ لا تضرب [له] الأمْثال الَّتِي يشْتَرك هو وخلقه فِيها لا شمولا ولا تمثيلا، وإنما يسْتَعْمل في حَقه قِياس الأولى كَما تقدم. (فائدة) قَولُهُ - تَعالى -: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قالُوا: ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآيَةَ حَقَّ التَّأمُّلِ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّها نَصٌّ عَلى إبْطالِ القِياسِ وتَحْرِيمِهِ؛ لِأنَّ القِياسَ كُلَّهُ ضَرْبُ الأمْثالِ لِلدَّيْنِ، وتَمْثِيلُ ما لا نَصَّ فِيهِ بِما فِيهِ نَصٌّ، ومَن مَثَّلَ ما لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ أوْ إيجابِهِ بِما حَرَّمَهُ أوْ أوْجَبَهُ فَقَدْ ضَرَبَ لِلَّهِ الأمْثالَ، ولَوْ عَلِمَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الَّذِي سَكَتَ عَنْهُ مِثْلُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ لَأعْلَمَنا بِهِ، ولَما أغْفَلَهُ - سُبْحانَهُ - ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ولْيُبَيِّنْ لَنا ما نَتَّقِي كَما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ إذْ يَقُولُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وَلَمّا وكَلَهُ إلى آرائِنا ومَقايِيسِنا الَّتِي يَنْقُضُ بَعْضُها بَعْضًا، فَهَذا يَقِيسُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ عَلى ما يَزْعُمُ أنَّهُ نَظِيرُهُ فَيَجِيءُ مُنازِعُهُ فَيَقِيسُ ضِدَّ قِياسِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ويُبْدِي مِن الوَصْفِ الجامِعِ مِثْلَ ما أبْداهُ مُنازِعُوهُ أوْ أظْهَرَ مِنهُ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ القِياسانِ مَعًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَيْسَ أحَدُهُما أوْلى مِن الآخَرِ، فَلَيْسا مِن عِنْدِهِ، وهَذا وحْدَهُ كافٍ في إبْطالِ القِياسِ. (فصل) هَذانِ مَثَلانِ مُتَضَمِّنانِ قِياسَيْنِ مِن قِياسِ العَكْسِ، وهو نَفْيُ الحُكْمِ لِنَفْيِ عِلَّتِهِ ومُوجِبِهِ، فَإنْ القِياسَ نَوْعانِ: قِياسُ طَرْدٍ يَقْتَضِي إثْباتَ الحُكْمِ في الفَرْعِ لِثُبُوتِ عِلَّةِ الأصْلِ فِيهِ؛ وقِياسُ عَكْسٍ يَقْتَضِي نَفْيِ الحُكْمِ عَنْ الفَرْعِ لِنَفْيِ عِلَّةِ الحُكْمِ فِيهِ؛ فالمَثَلُ الأوَّلُ ما ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ ولِلْأوْثانِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ هو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُ كَيْف يَشاءُ عَلى عَبِيدِهِ سِرًّا وجَهْرًا ولَيْلًا ونَهارًا يَمِينُهُ مَلْأى لا يَغِيضُها نَفَقَةُ سَحّاءَ اللَّيْلَ والنَّهارَ، والأوْثانُ مَمْلُوكَةٌ عاجِزَةٌ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَكَيْف يَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِي ويَعْبُدُونَها مِن دُونِي مَعَ هَذا التَّفاوُتِ العَظِيمِ والفَرْقِ المُبِينِ؟ هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ في الخَيْرِ الَّذِي عِنْدَهُ ثُمَّ رَزَقَهُ مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى غَيْرِهِ سِرًّا وجَهْرًا، والكافِرُ بِمَنزِلَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عاجِزٍ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِأنَّهُ لا خَيْرَ عِنْدَهُ، فَهَلْ يَسْتَوِي الرَّجُلانِ عِنْدَ أحَدٍ مِن العُقَلاءِ؟ والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهَ بِالمُرادِ، فَإنَّهُ أظْهَرُ في بُطْلانِ الشِّرْكِ، وأوْضَحُ عِنْدَ المُخاطَبِ، وأعْظَمُ في إقامَةِ الحُجَّةِ، وأقْرَبُ نَسَبًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] ومِن لَوازِمِ هَذا المِثْلِ وأحْكامِهِ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ المُوَحِّدُ كَمِن رَزَقَهُ مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا، والكافِرُ المُشْرِكُ كالعَبْدِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَهَذا مِمّا نَبَّهَ عَلَيْهِ المِثْلُ وأرْشِدْ إلَيْهِ، فَذَكَره ابْنُ عَبّاسٍ مُنَبِّهًا عَلى إرادَتِهِ لا أنَّ الآيَةَ اخْتَصَّتْ بِهِ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّك تَجِدْهُ كَثِيرًا في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِن السَّلَفِ في فَهْمِ القُرْآنِ، فَيُظَنُّ أنَّ ذَلِكَ هو مَعْنى الآيَةِ الَّتِي لا مَعْنى لَها غَيْرُهُ فَيَحْكِيه قَوْلُهُ. (فَصْلٌ) وَأمّا المَثَلُ الثّانِي فَهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَفْسِهِ ولِما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ أيْضًا فالصَّنَمُ الَّذِي يُعْبَدُ مِن دُونِهِ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ أبْكَمَ لا يَعْقِلُ ولا يَنْطِقُ، بَلْ هو أبْكَمُ القَلْبِ واللِّسانِ، قَدْ عَدِمَ النُّطْقَ القَلْبِيَّ واللِّسانِيَّ، ومَعَ هَذا فَهو عاجِزٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، ومَعَ هَذا فَأيْنَما أرَسْلَتَهُ لا يَأْتِيَك بِخَيْرٍ، ولا يَقْضِي لَك حاجَةً، واللَّهُ سُبْحانَهُ حَيٌّ قادِرٌ مُتَكَلِّمٌ، يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وهو صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، وهَذا وصْفٌ لَهُ بِغايَةِ الكَمالِ والحَمْدِ، فَإنَّ أمْرَهُ بِالعَدْلِ - وهو الحَقُّ - يَتَضَمَّنُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عالَمٌ بِهِ، مُعَلِّمٌ لَهُ، راضٍ بِهِ، آمِرٌ لِعِبادِهِ بِهِ، مُحِبٌّ لِأهْلِهِ، لا يَأْمُرُ بِسِواهُ، بَلْ تَنَزَّهَ عَنْ ضِدِّهِ الَّذِي هو الجَوْرُ والظُّلْمُ والسَّفَهُ والباطِلُ، بَلْ أمْرُهُ وشَرْعُهُ عَدْلٌ كُلُّهُ، وأهْلُ العَدْلِ هم أوْلِياؤُهُ وأحِبّاؤُهُ، وهم المُجاوِرُونَ لَهُ عَنْ يَمِينِهِ عَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، وأمْرُهُ بِالعَدْلِ يَتَناوَلُ الأمْرَ الشَّرْعِيَّ الدِّينِيَّ والأمْرَ القَدَرِيَّ الكَوْنِيَّ، وكِلاهُما عَدْلٌ لا جَوْرَ فِيهِ بِوَجْهٍ ما، كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أمَتِك، ناصِيَتِي بِيَدِك، ماضٍ في حُكْمُك، عَدْلٌ في قَضاؤُك» فَقَضاؤُهُ هو أمْرُهُ الكَوْنِيُّ. فَإنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ، فَلا يَأْمُرُ إلّا بِحَقٍّ وعَدْلٍ، وقَضاؤُهُ وقَدَرُهُ القائِمُ بِهِ حَقٌّ وعَدْلٌ، وإنْ كانَ في المَقْضِيِّ المُقَدَّرِ ما هو جَوْرٌ وظُلْمٌ فالقَضاءُ غَيْرُ المَقْضِيِّ، والقَدَرُ غَيْرُ المُقَدَّرِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ رَسُولِهِ [هود]: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: «ناصِيَتِي بِيَدِك» وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: «عَدْلٌ في قَضاؤُك». فالأوَّلُ مُلْكُهُ، والثّانِي حَمْدُهُ، وهو سُبْحانَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وكَوْنُهُ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، ولا يَأْمُرُ إلّا بِالعَدْلِ، ولا يَفْعَلُ إلّا ما هو مَصْلَحَةٌ ورَحْمَةٌ وحِكْمَةٌ وعَدْلٌ؛ فَهو عَلى الحَقِّ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ؛ فَلا يَقْضِي عَلى العَبْدِ بِما يَكُونُ ظالِمًا لَهُ بِهِ، ولا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ، ولا يَنْقُصُهُ مِن حَسَناتِهِ شَيْئًا، ولا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِن سَيِّئاتِ غَيْرِهِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها ولَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْها شَيْئًا، ولا يُؤاخِذُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا يَفْعَلُ قَطُّ ما لا يُحْمَدُ عَلَيْهِ، ويُثْنى بِهِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ لَهُ فِيهِ العَواقِبُ الحَمِيدَةُ، والغاياتُ المَطْلُوبَةُ، فَإنَّ كَوْنَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَأْبى ذَلِكَ كُلَّهُ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] يَقُولُ: إنّ رَبِّي عَلى طَرِيقِ الحَقِّ، يُجازِي المُحْسِنَ مِن خَلْقِهِ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا يَظْلِمُ أحَدًا مِنهم شَيْئًا، ولا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ لَهُ، والإيمانَ بِهِ، ثُمَّ حَكى عَنْ مُجاهِدٍ مِن طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] قالَ: الحَقُّ، وكَذَلِكَ رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] وهَذا اخْتِلافُ عِبارَةٍ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِالمِرْصادِ هو مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنّ رَبِّي يَحُثُّكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ويَحُضُّكم عَلَيْهِ؛ وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِها فَلَيْسَ كَما زَعَمُوا، ولا دَلِيلَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وقَدْ فَرَّقَ سُبْحانَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ آمِرًا بِالعَدْلِ وبَيْنَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وإنْ أرادُوا أنَّ حَثَّهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مِن جُمْلَةِ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فَقَدْ أصابُوا. وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْنى كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أنَّ مَرَدَّ العِبادِ والأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنها، وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ أرادُوا أنَّ هَذا مِن لَوازِمِ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ومِن مُقْتَضاهُ ومُوجِبِهِ فَهو حَقٌّ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْناهُ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ وفي مِلْكِهِ وقَبْضَتِهِ، وهَذا وإنْ كانَ حَقًّا فَلَيْسَ هو مَعْنى الآيَةِ، وقَدْ فَرَّقَ شُعَيْبٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَهُما مَعْنَيانِ مُسْتَقِلّانِ. فالقَوْلُ قَوْلُ مُجاهِدٍ، وهو قَوْلُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، ولا تَحْتَمِلُ العَرَبِيَّةُ غَيْرَهُ إلّا عَلى اسْتِكْراهٍ؛ وقالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ: ؎أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ ∗∗∗ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمِ وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] وإذا كانَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ رُسُلَهُ وأتْباعَهم عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَهو سُبْحانَهُ أحَقُّ بِأنْ يَكُونَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، وإنْ كانَ صِراطُ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ هو مُوافَقَةُ أمْرِهِ؛ فَصِراطُهُ الَّذِي هو سُبْحانَهُ عَلَيْهِ هو ما يَقْتَضِيهِ حَمْدُهُ وكَمالُهُ ومَجْدُهُ مِن قَوْلِ الحَقِّ وفِعْلِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَفِي الآيَةِ قَوْلٌ ثانٍ مِثْلُ الآيَةِ الأُولى سَواءٌ، أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما في هَذا القَوْلِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وقال في مفتاح دار السعادة: فالمثل الأول للصنم وعابديه. والمثل الثاني: ضربه الله تعالى لنفسه، وأنه يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم. فكيف تسوّى بينه وبين الصنم الذي له مثل السوء؟ فما فعله الرب تبارك وتعالى مع عباده: هو غاية الحكمة والإحسان والعدل، في إقدارهم وإعطائهم ومنعهم، وأمرهم ونهيهم. فدعوى المدعي: أن هذا نظير تخلية السيد بين عبيده وإمائه يفجر بعضهم ببعض، ويسبي بعضهم بعضا أكذب دعوى وأبطلها. والفرق بينهما أظهر وأعظم من أن يحتاج إلى ذكره، والتنبيه عليه. والحمد لله الغني الحميد. فغناه التام فارق، وحمده وملكه، وعزته وحكمته وعلمه، وإحسانه وعدله، ودينه وشرعه وحكمه وكرمه، ومحبته للمغفرة والعفو عن الجناة، والصفح عن المسيئين، وقبوله توبة التائبين، وصبر الصابرين، وشكر الشاكرين الذين يؤثرونه على غيره، ويتطلبون مرضاته، ويعبدونه وحده، ويسيرون في عبيده سيرة العدل والإحسان والنصائح، ويجاهدون أعداءه، فيبذلون دماءهم وأموالهم في محبته ومرضاته. ليتميز الخبيث من الطيب، ووليه من عدوه، ويخرج طيبات هؤلاء وخبائث أولئك إلى الخارج، فيترتب عليها آثارها المحبوبة للرب تعالى من الثواب والعقاب، والحمد لأوليائه والذم لأعدائه.

النحل 16:78

الإنسان كما قال الله عز وجل ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ فهو في أصل الخلقة خلق خاليا ساذجا لا علم له بشيء من المعقولات ولا المحسوسات ألبتة فأول ما يخلق فيه حاسة اللمس فيدرك بها أجناسا من الموجودات كالحرارة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة وغيرها فاللمس قاصر عن الألوان والأصوات بل هي كالمعدومة بالنسبة إليه ثم يخلق له البصر فيدرك به الألوان والأشكال والقرب والبعد والصغر والكبر والطول والقصر والحركة والسكون وغير ذلك ثم ينفتح له السمع فيسمع الأصوات الساذجة والنغمات ثم يترقى في مدارك هذه الحاسة على التدريج حتى يسمع من البعد ما لم يكن يسمعه قبل ذلك ويتفاوت الناس في قوة هذين الإدراكين وضعفهما تفاوتا بينا حتى يدرك الواحد ما يجزم الآخر بكذبه فيه والمدرك مشاهد له لا يمكنه تكذيب نفسه فيه وذنبه عند المكذب له أنه اختص بإدراكه دونه ثم يخلق له الذوق فيدرك به تفاضل الطعوم من الحلاوة والحموضة والمرارة وما بين ذلك ما لم يكن له به شعور قبل ذلك وكذلك الشم هو أكمله وليس عنده من المعقولات عين ولا أثر ولا حس ولا خبر ثم يخلق فيه التمييز وهو طور آخر من أطوار وجوده فيدرك في هذا الطور أمورا أخر زائدة على المحسوسات لم يكن يدركها قبل ذلك ثم يترقى إلى طور آخر يدرك به الواجب والجائز والمستحيل وأن حكم الشيء حكم مثله والضد لا يجتمع مع ضده والنقيضان إذا صدق أحدهما كذب الآخر ونحو ذلك من أوائل العلوم الضرورية ثم يترقى إلى طور آخر يستنتج فيه العلوم النظرية من تلك الضروريات التي تقدم علمه بها ثم يترقى في هذا الطور من أمر إلى أمر فوقه وأغمض منه نسبة ما قبله إليه كنسبة الحس إلى العقل ثم وراء ذلك كله طور آخر نسبة ما قبله إليه كنسبة أطوار الإنسان إلى طور العقل أو دون هذه النسبة ينفتح فيه عين يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأمور العقل معزول عنها كعزل الحس عن مدركات العقل وهذا هو طور النبوة الذي نسبة نور العقل المجرد إليه دون نسبة ضوء السراج إلى الشمس فإنكار العقل لما يخبر به النبي عين الجهل ولا مستند له في إنكاره إلا أنه لم يبلغه ولم يصل إليه فيظن أنه غير ثابت في نفسه.

النحل 16:80

(فصل) ثمَّ تَأمل كَيفَ كُسِيت أجسام الحَيَوان البهيمي هَذِه الكسْوَة من الشّعْر والوبر والصُّوف وكسيت الطُّيُور الريش، وكسي بعض الدَّوابّ من الجلد ما هو في غايَة الصلابة والقُوَّة كالسلحفاة وبَعضها من الريش ما هو كالأسنة كل ذَلِك بِحَسب حاجاتها إلى الوِقايَة من الحر والبرد والعدو الَّذِي يُرِيد أذاها، فإنها لما لم يكن لَها سَبِيل إلى اتِّخاذ الملابس واصطناع الكسْوَة وآلات الحَرْب أعينت بملابس وكِسْوَة لا تفارقها وآلات وأسلحة تدفع بها عَن نَفسها وأعينت بأظلاف وأخفاف وحوافر لما عدمت الأحذية والنعال، فمعها حذاؤها وسقاؤها، وخص الفرس والبغل والحمار بالحوافر لما خلق للركض والشد والجري، وجعل لَها ذَلِك أيضا سِلاحا عند انتصافها من خصمها عوضا عَن الصَّياصِي والمخالب والأنياب والبرائن. فَتَأمل هَذا اللطف والحكمَة فَإنَّها لما كانَت بهائم خرصا لا عقول لَها ولا أكف ولا أصابع مهيأة للِانْتِفاع والدفاع ولا حظ لَها فِيما يتَصَرَّف فِيهِ الآدميون من النسج والغزل ولطف الحِيلَة جعلت كسوتها من خلقتها باقِيَة عَلَيْها ما بقيت لا تحْتاج إلى الِاسْتِبْدال بها، وأعْطيت آلات وأسلحة تحفظ بها أنفسها كل ذَلِك لتتم الحِكْمَة الَّتِي أريدت بها ومِنها. وَأما الإنسان فَإنَّهُ ذُو حِيلَة وكف مهيئة للْعَمَل فَهي تغزل وتنسج ويتخذ لنَفسِهِ الكسْوَة ويستبدل بها حالا بعد حال، وله في ذَلِك صَلاح من جِهات عديدة مِنها أن يستريح إذا خلع كسوته إذا شاءَ ويلبسها إذا شاءَ لَيْسَ كالمضطر إلى حمل كسْوَة. وَمِنها أنه يتَّخذ لنَفسِهِ ضروبا من الكسْوَة للصيف وضروبا للشتاء، فَإن كسْوَة الصَّيف لا تليق بالشتاء، وكِسْوَة الشتاء لا تلِيق بالصيف، فيتخذ لنَفسِهِ في كل فصل كسْوَة مُوافقَة. وَمِنها أنه يَجْعَلها تابِعَة لشهوته وإرادته. وَمِنها أنه يتلذذ بأنواع الملابس كَما يتلذذ بأنواع المطاعم فَجعلت كسوته متنوعة تابِعَة لاختياره، كَما جعلت مطاعمه كَذَلِك فَهو يكتسي ما يَشاء من أنواع الملابس المتخذة من النَّبات تارَة كالقطن والكتان، ومن الحَيَوان تارَة كالوبر والصُّوف والشعر ومن الدُّود تارَة كالحرير والإبريسم، ومن المَعادِن تارَة كالذهب والفِضَّة، فَجعلت كسوته متنوعة لتتم لذته وسروره وابتهاجه وزينته بها، ولذَلِك كانَت كسْوَة أهل الجنَّة مُنْفَصِلَة عَنْهُم كَما هي في الدُّنْيا لَيست مخلوقة من أجسامهم كالحيوان، فَدلَّ على أن ذَلِك أكمل وأجل وأبلغ في النِّعْمَة. وَمِنها إرادَة تَمْيِيزه عَن الحَيَوان في ملبسه كَما ميزه عَنهُ في مطعمه ومسكنه وبَيانه وعقله وفهمه ومِنها اخْتِلاف الكسْوَة واللباس وتباينه بِحَسب تباين أحواله وصنائعه وجَربه وسلمهُ وظعنه وإقامته وصِحَّته ومرضه ونومه ويقظته ورفاهيته. فَلِكُل حال من هَذِه الأحوال لِباس وكِسْوَة تخصها لا تلِيق إلا بها، فَلم يَجْعَل كسوته في هَذِه الأحوال كلها واحِدَة لا سَبِيل إلى الاسبتدال بها، فَهَذا من تكريمه وتفضيله على سائِر الحَيَوان.

النحل 16:81

(فصل) ومن الدليل على خلق أعمال العباد قوله تعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلا أن بعد تحيلها صنعة الآدميين وعملهم فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيآتها ونظير هذا قوله: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ فأخبر سبحانه أن البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة مجعولة له وهي إنما صارت بيوتا بالصنعة الآدمية.

النحل 16:83

قال مجاهد: "المساكن والأنعام وسرابيل الثياب والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم" وقال عون بن عبد الله: "يقولون لولا فلان لكان كذا وكذا" وقال الفراء وابن قتيبة: "يعرفون أن النعم من الله ولكن يقولون هذه بشفاعة آلهتنا" وقالت طائفة: "النعمة هاهنا محمد ﷺ وإنكارها جحدهم نبوته" وهذا يروى عن مجاهد والسدّي وهذا أقرب إلى حقيقة الإنكار فإنه إنكار لما هو أجل النعم أن تكون نعمة. وأما على القول الأول والثاني والثالث فإنهم لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره فإن الذي قال إنما كان هذا لآبائنا ورثناه كابرا عن كابر جاحدا لنعمة الله عليه غير معترف بها وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما فأنكرا وقالا إنما ورثنا هذا كابرا عن كابر فقال إن كنتما كاذبين فصيركما الله إلى ما كنتما وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم بها على آباءهم ثم ورثهم إياها فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمة، وأما قول الآخرين لولا فلان لما كان كذا فيتضمن قطع إضافة النعمة إلى من لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا وغايته أن تكون جزء من أجزاء السبب أجرى الله تعالى نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد وجعله سببا هو من نعم الله عليه وهو المنعم بتلك النعمة وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب، وقد ينعم بدونه فلا يكون له أثر، وقد يسلبه تسبيبيته، وقد يجعل لها معارضا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه فهو وحده المنعم على الحقيقة. وأما قول القائل بشفاعة آلهتنا فتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذل من أن تشفع عند الله وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها، وأقرب الخلق إلى الله وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه، فالشفاعة بإذنه من نعمة فهو المنعم بالشفاعة وهو المنعم بقبولها وهو المنعم بتأهيل المشفوع له إذ ليس كل أحد أهلا أن يشفع له فمن المنعم على الحقيقة سواه قال تعالى: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا ذم الله سبحانه من أتاه شيئا من نعمه فقال ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾.

النحل 16:84

وقوله: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي لا يطلب منهم إعتابنا وإعتابه تعالى إزالة عتبه بالتوبة والعمل الصالح فلا يطلب منهم يوم القيامة أن يعتبوا ربهم فيزيلوا عتبه بطاعته واتباع رسله. وكذلك قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وقول النبي ﷺ في دعاء الطائف: "لك العتبى " هو اسم من الإعتاب لا من العتب أي أنت المطلوب إعتابه، ولك علي أن أعتبك وأرضيك بطاعتك فافعل ما ترضى به عني وما يزول به عتبك علي. فالعتب منه على عبده، والعتبي والإعتاب له من عبده. فهاهنا أربعة أمور: الأول: العتب وهو من الله تعالى فإن العبد لا يعتب على ربه، فإنه المحسن العادل فلا يتصور أن يعتب عليه عبده إلا والعبد ظالم، ومن ظن من المفسرين خلاف ذلك غلط أقبح غلط. الثاني: الإعتاب وهو من الله، ومن العبد باعتبارين، فإعتاب الله عبده إزالة عتب نفسه عن عبده، وإعتاب العبد ربه إزالة عتب الله عليه، والعبد لا قدرة له على ذلك إلا بتعاطي الأسباب التي يزول بها عتب الله تعالى عليه. الثالث: استعتاب وهو من الله أيضا ومن العبد بالاعتبارين، فالله تعالى يستعتب عباده أي يطلب منهم أن يعتبوه ويزيلوا عتبه عليهم. ومنه قول ابن مسعود وقد وقعت الزلزلة بالكوفة "إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه" والعبد يستعتب ربه أي يطلب منه إزالة عتبه. الرابع: العتبى وهي اسم الإعتاب فاشدد يديك بهذا الفصل الذي يعصمك من تخبيط كثير من المفسدين لهذه المواضع. ومنه قول النبي ﷺ: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل له، فإما محسن فلعله أن يزداد، وإما مسيء فلعله أن يستعتب" أي يطلب من ربه إعتابه إياه بتوفيقه للتوبة وقبولها منه، فيزول عتبة عليه. والاستعتاب نظير الاسترضاء وهو طلب الرضى وفي الأثر "إن العبد ليسترضي ربه فيرضى عنه" وإن الله ليسترضى فيرضى، لكن الاسترضاء فوق الاستعتاب فإنه طلب رضوان الله تعالى، والاستعتاب طلب إزالة غضبه وعتبه وهما متلازمان.

النحل 16:88

(فصل) الطبقة السادسة عشرة: رؤساء الكفر وأئمته، ودعاته الذين كفروا وصدوا عباد الله عن الإيمان وعن الدخول في دينه رغبة ورهبة فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم عذابان: عذاب بالكفر، وعذاب بصد الناس عن الدخول في الإيمان. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] فأحد العذابين بكفرهم، والعذاب الآخر بصدهم عن سبيل الله. وقد استقرت حكمة الله وعدله أن يجعل على الداعي إلى الضلال مثل آثام من اتبعه واستجاب له، ولا ريب أن عذاب هذا يتضاعف ويتزايد بحسب من اتبعه وضل به. وهذا النوع في الأشقياء مقابل دعاة الهدى في السعداءِ، فأُولئك يتضاعف ثوابهم وتعلو درجاتهم بحسب من اتبعهم واهتدى بهم، وهؤلاء عكسهم، ولهذا كان فرعون وقومه في أشد العذاب، قال تعالى في حقهم: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلِ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وهذا تنبيه على أن فرعون نفسه في الأشد من ذلك، لأنهم إنما دخلوا أشد العذاب تبعًا له، فإنه هو الذي استخفهم فأطاعوه، وغرهم فاتبعوه. ولهذا يكون يوم القيامة إمامهم وفرطهم في هذا الورد، قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهم النّارَ﴾ [هود: ٩٨]. والمقصود: أنهم استحقوا أشد العذاب لغلظ كفرهم، وصدهم عن سبيل الله وعقوبتهم من آمن بالله. فليس عذاب الرؤساء في النار كعذاب أتباعهم، ولهذا كان في كتاب النبي ﷺ لهرقل: "فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ". والصحيح في اللفظ أنهم الأتباع ولهذا كان عدو الله إبليس أشد أهل النار عذابًا، وهو أول من يكسى حلة من النار، لأنه إمام كل كفر وشرك وشر. فما عصى الله إلا على يديه وبسببه، ثم الأمثل فالأمثل من نوابه في الأرض ودعاته. ولا ريب أن الكفر يتفاوت، فكفر أغلظ من كفر، كما أن الإيمان يتفاوت فإيمان أفضل من إيمان. فكما أن المؤمنين ليسوا في درجة واحدة، بل هم درجات عند الله، فكذلك الكفار ليسوا في طبقة واحدة ودرك واحد بل النار دركات كما أن الجنة درجات. ولا يظلم الله من خلقه أحدًا. وهو الغنى الحميد. (فصل) وغلظ الكفر الموجب لغلظ العذاب يكون من ثلاثة أوجه: أحدها: من حيث العقيدة الكافرة في نفسها، كمن جحد رب العالمين بالكلية وعطل العالم عن الرب الخالق المدبر له، فلم يؤمن بالله وملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر. ولهذا لا يقر أرباب هذا الكفر بالجزية عند كثير من العلماءِ، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم اتفاقًا لتغلظ كفرهم، وهؤلاءِ هم المعطلة والدهرية وكثير من الفلاسفة وأهل الوحدة القائلين بأنه لا وجود للرب سبحانه وتعالى غير وجود هذا العالم. الجهة الثانية: تغلظه بالعناد والضلال عمدًا على بصيرة، ككفر من شهد قلبه أن الرسول حق لما رآه من آيات صدقه، وكفر عنادًا وبغيًا، كقوم ثمود، وقوم فرعون واليهود الذين عرفوا الرسول كما عرفوا أبناءَهم، وكفر أبي جهل وأُمية ابن أبي الصلت وأمثال هؤلاء. الجهة الثالثة: السعي في إطفاءِ نور الله وصد عباده عن دينه بما تصل إليه قدرتهم، فهؤلاءِ أشد الكفار عذابًا بحسب تغلظ كفرهم، ومنهم من يجتمع في حقه الجهات الثلاث، ومنهم من يكون فيه جهتان منها أو واحدة فليس عذاب هؤلاءِ كعذاب من هو دونهم في الكفر ممن هو ملبوس عليه لجهله، والمؤمنون من أذاه في سلامة لا ينالهم منه أذى، ولم يتغلظ كفره كتغلظ هؤلاءِ، بل هو مقر بالله ووحدانيته وملائكته وجنس الكتب والرسل واليوم الآخر. وإن شارك أولئك في كفرهم بالرسول فقد زادوا عليه أنواعًا من الكفر. وهل يستوي في النار عذاب أبي طالب وأبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأبي ابن خلف وأضرابهم؟ والمقصود أن هذه الطبقة وهي طبقة الرؤساءِ الدعاة الصادين عن دين الله ليست كطبقة من دونهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "أهون أهل النار عذابًا أبو طالب"، ومعلوم أن كفر أبي طالب لم يكن مثل كفر أبي جهل وأمثاله.

النحل 16:89

(فائدة) قال ابن عقيل: الجري في جواز العمل في السلطنة الشرعية بالسياسة هو الحزم فلا يخلو منه إمام" قال الشافعي: "لا سياسة إلا ما وافق الشرع" قال ابن عقيل: "السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي فإن أردت بقولك إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليظ للصحابة فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسنن ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة وتحريق علي في الأخاديد وقال: ؎إني إذا شاهدت أمرا منكرا ∗∗∗ أججت ناري ودعوت قنبرا ونفي عمر نصر بن حجاج. قلت: هذا موضع مزلة أقدام وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرؤوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بها مصالح العباد وسدوا على نفوسهم طرقا عديدة من طرق معرفة الحق من الباطل بل عطلوها مع علمهم قطعا وعلم غيرهم بأنها أدلة حق ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها أمر العالم فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وأفرطت طائفة أخرى فسوغت منه ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أتت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي به قامت السماوات والأرض فإذا ظهرت أمارات العدل وتبين وجهة بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وعلاماته في شيء ونفي غيرها من الطرق التي هي مثلها أو أقوى منها بل بين ما شرعه من الطرق أن مقصودة إقامة العدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين لا يقال إنها مخالفة له فلا تقول إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل موافقة لما جاء به بل هي جزء من أجزائه ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحكم وإنما هي شرع حق فقد حبس رسول الله ﷺ في نميمة وعاقب في تهمة لما ظهر أمارات الريبة على المتهم فمن أطلق كل متهم وخلى سبيله مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض ونقبه البيوت وكثرة سرقاته وقال: "لا آخذه إلا بشاهدي عدل" فقوله مخالف للسياسة الشرعية. وكذلك منع النبي ﷺ الغال من سهمه من الغنيمة وتحريق الخلفاء الراشدين متاعه وكذلك أخذه شطره مال مانع الزكاة وكذلك إضعافه الغرم على سارق ما لا يقطع فيه عقوبته بالجلد وكذلك إضعافه الغرم على كاتم الضالة وكذلك تحريق عمر حانوت الخمار وتحريقه قربه خمر وتحريقه قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية وكذلك حلقه رأس نصر ابن حجاج ونفيه وكذلك ضربه صبيغا وكذلك مصادرته عماله وكذلك إلزامه الصحابة أن يقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ ليشتغل الناس بالقرآن فلا يضيعوه إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فصارت سنة إلى يوم القيامة وإن خالفها من خالفها. ومن هذا تحريق الصديق رضي الله عنه للوطي، ومن هذا تحريق عثمان رضي الله عنه للصحف المخالفة للسان قريش، ومن هذا اختيار عمر رضي الله عنه للناس الإفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهره فلا يزال البيت الحرام مقصودا .. إلى أضعاف أضعاف ذلك من سياسته التي ساسوا بها الأمة وهي بتأويل القرآن وسنته. وتقسيم الناس الحكم إلى شرعية وسياسية كتقسيم من قسم الطريقة إلى شريعة وحقيقة، وذلك تقسيم باطل فالحقيقة نوعان: حقيقة: هي حق صحيح فهي لب الشرعية لا قسيمتها، وحقيقة باطلة فهي مضادة للشريعة كمضادة الضلال للهدى. وكذلك السياسة نوعان: سياسة عادلة فهي جزء من الشريعة وقسم من أقسامها لا قسيمتها، وسياسة باطلة فهي مضادة للشريعة مضادة الظلم للعدل. ونظير هذا تقسيم بعض الناس الكلام في الدين إلى الشرع والعقل هو تقسيم باطل بل المعقول قسمان: قسم يوافق ما جاء به الرسول فهو معقول وإنما هي خيلات وشبه باطلة لظن صاحبه أنه معقولات وإنما هي خيالات وشبهات قسم يخالفه هي خيالات وشبه باطلة لظن صاحبها أنها معقولات وإنما هي خيالات وشبهات وكذلك القياس والشرع، فالقياس الصحيح هو معقول النصوص، والقياس الباطل المخالف للنصوص مضاد للشرع. فهذا الفصل هو فرق ما بين ورثه الأنبياء وغيرهم وأصله مبني على حرف واحد وهو عموم رسالته بالسنة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم وأنه لا حاجة إلى أحد سواه ألبتة وإنما حاجتنا إلى من يبلغنا عنه ما جاء به فمن لم يستقر هذا في قلبه لم يرسخ قدمه في الإيمان بالرسول بل يجب الإيمان بعموم رسالته في ذلك كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المكلفين فكما لا يخرج أحد من الناس عن رسالته ألبتة فكذلك لا يخرج حق من العلم به والعمل عما جاء به فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلى سواه وإنما يحتاج إلى غيره من قبل نصيبه من معرفته وفهمه فبحسب قلة نصيبه من ذلك تكون حاجته وإلا فقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علما وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول ووصف لهم وآداب العرش والكرسي والملائكة والجنة والنار ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين وعرفهم بربهم ومعبودهم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه بما وصفه لهم به من صفات كماله ونعوت جلاله وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله، وعرفهم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما جلى لهم ذلك حتى كأنهم يعاينوه، وكذلك عرفهم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع طوائف أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه إلى كلام أحد من الناس ألبتة، وكذلك عرفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به ما لو علموه وفعلوه لم يقم لهم عدوا أبدا، وكذلك عرفهم من مكائد إبليس طرقه التي يأتيهم منها ويحترزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه وبذلك أرشدهم في معاشهم إلى ما لو فعلوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة وبالجملة فقد جاءهم رسول الله بخير الدنيا والآخرة بحذافيره ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه ولهذا ختم الله به ديوان النبوة فلم يجعل بعده رسولا لاستغناء الأمة به عمن سواه فكيف يظن أن شريعته الكاملة المكملة محتاجة إلى سياسة خارجه عنها أو إلى حقيقة خارجه عنها أو إلى قياس خارج عنها أو إلى معقول خارج عنها فمن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك قال تعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدىً ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي بعشر معشار ما الناس محتاجون إليه على زعمهم الباطل. ويا لله العجب كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين واستخراج هذه الآراء والمقاييس والأقوال أهل كانوا مهتدين بالنصوص أم كانوا على خلاف ذلك حتى جاء المتأخرون أعلم منهم وأهدي منهم هذا ما لا يظنه من به رمق من عقل أو حياء نعوذ بالله من الخذلان ولكن من أوتي فهما في الكتاب وأحاديث الرسول استغنى بهما عن غيرهما بحسب ما أوتيه من الفهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وهذا الفصل لو بسط كما ينبغي لقام منه عدة أسفار ولكن هذه لفظات تشير إلى ما وراءها.

النحل 16:90

[فَصْلٌ: المَعاصِي تُخْرِجُ العَبْدَ مِن دائِرَةِ الإحْسانِ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تُخْرِجُ العَبْدَ مِن دائِرَةِ الإحْسانِ وتَمْنَعُهُ مِن ثَوابِ المُحْسِنِينَ، فَإنَّ الإحْسانَ إذا باشَرَ القَلْبَ مَنَعَهُ عَنِ المَعاصِي، فَإنَّ مَن عَبَدَ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ، لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ إلّا لِاسْتِيلاءِ ذِكْرِهِ ومَحَبَّتِهِ وخَوْفِهِ ورَجائِهِ عَلى قَلْبِهِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ كَأنَّهُ يُشاهِدُهُ، وذَلِكَ سَيَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إرادَةِ المَعْصِيَةِ، فَضْلًا عَنْ مُواقَعَتِها، فَإذا خَرَجَ مِن دائِرَةِ الإحْسانِ، فاتَهُ صُحْبَةُ رُفْقَتِهِ الخاصَّةِ، وعَيْشُهُمُ الهَنِيءُ، ونَعِيمُهُمُ التّامُّ، فَإنْ أرادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا أقَرَّهُ في دائِرَةِ عُمُومِ المُؤْمِنِينَ، فَإنْ عَصاهُ بِالمَعاصِي الَّتِي تُخْرِجُهُ مِن دائِرَةِ الإيمانِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ السّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ إلَيْهِ فِيها النّاسُ أبْصارَهم حِينَ يَنْتَهِبُها وهو مُؤْمِنٌ» فَإيّاكم إيّاكُمْ، والتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ. [فَصْلٌ: الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ] وَأمّا الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ فالفَحْشاءُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ قَدْ حُذِفَ تَجْرِيدًا لِقَصْدِ الصِّفَةِ، وهي الفِعْلَةُ الفَحْشاءُ، والخَصْلَةُ الفَحْشاءُ، وهي ما ظَهَرَ قُبْحُها لِكُلِّ أحَدٍ، واسْتَفْحَشَهُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ، ولِهَذا فُسِّرَتْ بِالزِّنا واللِّواطِ، وسَمّاها اللَّهُ فاحِشَةً لِتَناهِي قُبْحِهِما، وكَذَلِكَ القَبِيحُ مِنَ القَوْلِ يُسَمّى فُحْشًا، وهو ما ظَهَرَ قُبْحُهُ جِدًّا مِنَ السَّبِّ القَبِيحِ، والقَذْفِ ونَحْوِهِ. وَأمّا المُنْكَرُ فَصِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا، أيِ الفِعْلُ المُنْكَرُ، وهو الَّذِي تَسْتَنْكِرُهُ العُقُولُ والفِطَرُ، ونِسْبَتُهُ إلَيْها كَنِسْبَةِ الرّائِحَةِ القَبِيحَةِ إلى حاسَّةِ الشَّمِّ، والمَنظَرِ القَبِيحِ إلى العَيْنِ، والطَّعْمِ المُسْتَكْرَهِ إلى الذَّوْقِ، والصَّوْتِ المُسْتَنْكَرِ إلى الأُذُنِ، فَما اشْتَدَّ إنْكارُ العُقُولِ والفِطَرِ لَهُ فَهو فاحِشَةٌ، كَما فَحُشَ إنْكارُ الحَواسِّ لَهُ مِن هَذِهِ المُدْرَكاتِ. فالمُنْكَرُ لَها ما لَمْ تَعْرِفْهُ ولَمْ تَأْلَفْهُ، والقَبِيحُ المُسْتَكْرَهُ لَها الَّذِي تَشْتَدُّ نَفْرَتُها عَنْهُ هو الفاحِشَةُ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفاحِشَةُ الزِّنا، والمُنْكَرُ ما لَمْ يُعْرَفْ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ. فَتَأمَّلْ تَفْرِيقَهُ بَيْنَ ما لَمْ يُعْرَفْ حُسْنُهُ ولَمْ يُؤْلَفْ، وبَيْنَ ما اسْتَقَرَّ قُبْحُهُ في الفِطَرِ والعُقُولِ.

النحل 16:97

واللَّهُ تَعالى إنَّما جَعَلَ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لِمَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ صالِحًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. فَضَمِنَ لِأهْلِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ الجَزاءَ في الدُّنْيا بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ، والحُسْنى يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَهم أطْيَبُ الحَياتَيْنِ، فَهم أحْياءٌ في الدّارَيْنِ. (فصل) وَقَدْ فُسِّرَتِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ بِالقَناعَةِ والرِّضا، والرِّزْقِ الحَسَنِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والصَّوابُ: أنَّها حَياةُ القَلْبِ ونَعِيمُهُ، وبَهْجَتُهُ وسُرُورُهُ بِالإيمانِ ومَعْرِفَةُ اللَّهِ، ومَحَبَّتُهُ، والإنابَةُ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا حَياةَ أطْيَبُ مِن حَياةِ صاحِبِها، ولا نَعِيمَ فَوْقَ نَعِيمِهِ إلّا نَعِيمَ الجَنَّةِ، كَما كانَ بَعْضُ العارِفِينَ يَقُولُ: إنَّهُ لَتَمُرُّ بِي أوْقاتٌ أقُولُ فِيها إنْ كانَ أهْلُ الجَنَّةِ في مِثْلِ هَذا إنَّهم لَفي عَيْشٍ طَيِّبٍ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ لَيَمُرُّ بِالقَلْبِ أوْقاتٌ يَرْقُصُ فِيها طَرَبًا. وَإذا كانَتْ حَياةُ القَلْبِ حَياةً طَيِّبَةً تَبِعَتْهُ حَياةُ الجَوارِحِ، فَإنَّهُ مَلَكَها، ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ لِمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ، وهي عَكْسُ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ. وَهَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ تَكُونُ في الدُّورِ الثَّلاثِ، أعْنِي: دارَ الدُّنْيا، ودارَ البَرْزَخِ، ودارَ القَرارِ، والمَعِيشَةُ الضَّنْكُ أيْضًا تَكُونُ في الدُّورِ الثَّلاثِ، فالأبْرارُ في النَّعِيمِ هُنا وهُنالِكَ، والفُجّارُ في الجَحِيمِ هُنا وهُنالِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠]، وقالَ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] فَذِكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَحَبَّتُهُ وطاعَتُهُ، والإقْبالُ عَلَيْهِ ضامِنٌ لِأطْيَبِ الحَياةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والإعْراضُ عَنْهُ والغَفْلَةُ ومَعْصِيَتُهُ كَفِيلٌ بِالحَياةِ المُنَغَّصَةِ، والمَعِيشَةِ الضَّنْكِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. (فصل: في الحَياةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها المُصَنِّفُ، وهي حَياةُ العِلْمِ مِن مَوْتِ الجَهْلِ) فَإنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ لِأصْحابِهِ، كَما قِيلَ: ؎وَفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ ∗∗∗ وأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ ؎وَأرْواحُهم في وحْشَةٍ مِن جُسُومِهِمْ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهم حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ فَإنَّ الجاهِلَ مَيِّتُ القَلْبِ والرُّوحِ، وإنْ كانَ حَيَّ البَدَنِ فَجَسَدُهُ قَبْرٌ يَمْشِي بِهِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ - لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩-٧٠]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [النمل: ٨٠]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وَشَبَّهَهم في مَوْتِ قُلُوبِهِمْ بِأهْلِ القُبُورِ، فَإنَّهم قَدْ ماتَتْ أرْواحُهُمْ، وصارَتْ أجْسامُهم قُبُورًا لَها، فَكَما أنَّهُ لا يَسْمَعُ أصْحابُ القُبُورِ، كَذَلِكَ لا يَسْمَعُ هَؤُلاءِ، وإذا كانَتِ الحَياةُ هي الحِسُّ والحَرَكَةُ ومَلْزُومُهُما، فَهَذِهِ القُلُوبُ لَمّا لَمْ تُحِسَّ بِالعِلْمِ والإيمانِ، ولَمْ تَتَحَرَّكْ لَهُ: كانَتْ مَيْتَةً حَقِيقِةً، ولَيْسَ هَذا تَشْبِيهًا لِمَوْتِها بِمَوْتِ البَدَنِ، بَلْ ذَلِكَ مَوْتُ القَلْبِ والرُّوحِ. وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ مِن كَلامِ لُقْمانَ، أنَّهُ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ جالِسِ العُلَماءَ، وزاحِمْهم بِرُكْبَتَيْكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِي القُلُوبَ بِنُورِ الحِكْمَةِ، كَما يُحْيِي الأرْضَ بِوابِلِ القَطْرِ، وقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ تَعَلَّمُوا العِلْمَ، فَإنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وطَلَبَهُ عِبادَةٌ، ومُذاكَرَتَهٌ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَن لا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وبَذْلَهُ لِأهْلِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأنَّهُ مَعالِمُ الحَلالِ والحَرامِ، ومَنارُ سُبُلِ أهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنِيسُ في الوَحْشَةِ، والصّاحِبُ في الغُرْبَةِ، والمُحَدِّثُ في الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والسِّلاحُ عَلى الأعْداءِ، والزَّيْنُ عِنْدَ الأخِلّاءِ، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أقْوامًا، فَيَجْعَلُهم في الخَيْرِ قادَةً، وأئِمَّةً تُقْتَصُّ آثارُهُمْ، ويُقْتَدى بِأفْعالِهِمْ، ويُنْتَهى إلى رَأْيِهِمْ، تَرْغَبُ المَلائِكَةُ في خُلَّتِهِمْ، وبِأجْنِحَتِها تَمْسَحُهُمْ، يَسْتَغْفِرُ لَهم كُلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ، وحِيتانُ البَحْرِ وهَوامُّهُ، وسِباعُ البَرِّ وأنْعامُهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ، ومَصابِيحُ الأبْصارِ مِنَ الظُّلَمِ، يَبْلُغُ العَبْدُ بِالعِلْمِ مَنازِلَ الأخْيارِ، والدَّرَجاتِ العُلى في الدُّنْيا والآخِرَةِ، التَّفَكُّرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيامَ، ومُدارَسَتُهُ تَعْدِلُ القِيامَ، بِهِ تُوصَلُ الأرْحامُ، وبِهِ يُعْرَفُ الحَلالُ مِنَ الحَرامِ، وهو إمامُ العَمَلِ، والعَمَلُ تابِعٌ لَهُ يُلْهَمُهُ السُّعَداءُ، ويُحْرَمُهُ الأشْقِياءَ. رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُما، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، والوَقْفُ أصَحُّ. والمَقْصُودُ: قَوْلُهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ فالقَلْبُ مَيِّتٌ، وحَياتُهُ بِالعِلْمِ والإيمانِ. (فائِدَة) ترك الشَّهَوات لله وإن أنجى من عَذاب الله وأوجب الفَوْز برحمته فذخائر الله وكنوز البر ولَذَّة الأنس والشوق إلَيْهِ والفرح والابتهاج بِهِ لا يحصل في قلب فِيهِ غَيره وإن كانَ من أهل العِبادَة والزهد والعلم فَإن سُبْحانَهُ أبى أن يَجْعَل ذخائره في قلب فِيهِ سواهُ وهمّته ومتعلقة بِغَيْرِهِ وإنَّما يودع ذخائره في قلب يرى الفقر غنى مَعَ الله، والغنى فقرا دون الله، والعز ذلا دونه، والذل عزا مَعَهُ، والنَّعِيم عذابا دونه، والعَذاب نعيما مَعَه. وَبِالجُمْلَةِ فَلا يرى الحَياة إلّا بِهِ ومَعَ المَوْت والألم والهم والغَم والحزن إذا لم يكن مَعَه فَهَذا لَهُ جنتان جنَّة في الدُّنْيا مُعجلَة وجنة يَوْم القِيامَة. (فصل) أهل السعادة والفلاح حياتهم في الدنيا أطيب الحياة، ولهم في البرزخ وفي الآخرة أفضل الثواب. قال تعالى: ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ فهذا في الدنيا، ثم قال: ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ فهذا في البرزخ والآخرة. وقال تعالى: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ وقال تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله﴾ فهذا في الآخرة. وقال تعالى: ﴿قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ فهذه أربعة مواضع ذكر الله تعالى فيها أنه يجزي المحسن بإحسانه جزاءين: جزاء في الدنيا وجزاء في الآخرة. فالإحسان له جزاء معجل ولا بد، والإساءة لها جزاء معجل ولا بد. ولو لم يكن إلا ما يجازى به المحسن من انشراح صدوره في انفساح قلبه وسروره ولذاته بمعاملة ربه عز وجل وطاعته وذكره ونعيم روحه بمحبته. وذكره وفرحه بربه سبحانه وتعالى أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه. وما يجازى به المسيء من ضيق الصدر وقسوة القلب وتشتته وظلمته وحزازاته وغمه وهمه وحزنه وخوفه وهذا أمر لا يكاد من له أدني حس وحياة يرتاب فيه، بل الغموم والهموم والأحزان والضيق عقوبات عاجلة ونار دنيوية وجهنم حاضرة، والاقبال على الله تعالى والإنابة إليه والرضاء به وعنه وامتلاء القلب من محبته واللهج بذكره والفرح والسرور بمعرفته ثواب عاجل وجنة وعيش لا نسبة لعيش الملوك إليه ألبتة. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله. وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ﴿فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها. وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. وقال آخر: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها؟ قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره. أو نحو هذا. وقال آخر: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا. وقال آخر: إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. فمحبة الله تعالى ومعرفته ودوام ذكره والسكون إليه والطمأنينة إليه وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل والمعاملة بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته، هو جنة الدنيا والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قوة عين المحبين، وحياة العارفين. وإنما تقر عيون الناس به على حسب قرة أعينهم بالله عز وجل، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. وإنما يصدق هذا من في قلبه حياة، وأما ميت القلب فيوحشك ما له ثم، فاستأنس بغيبته ما أمكنك، فإنك لا يوحشك إلا حضوره عندك، فإذا ابتليت به فأعطه ظاهرك، وترحل عنه بقلبك، وفارقه بسرك، ولا تشغل به عما هو أولى بك. واعلم أن الحسرة كل الحسرة الاشتغال بمن لا يجر عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظك من الله عز وجل، وانقطاعك عنه، وضياع وقتك، وضعف عزيمتك، وتفرق همك. فإذا بليت بهذا - ولا بد لك منه - فعامل الله تعالى فيه واحتسب عليه ما أمكنك، وتقرب إلى الله تعالى بمرضاته فيه، واجعل اجتماعك به متجرًا لك لا تجعله خسارة وكن معه كرجل سائر في طريقه عرض له رجل وقفه عن سيره، فاجتهد أن تأخذه معك وتسير به فتحمله ولا يحملك، فإن أبى ولم يكن في سيره مطمع فلا تقف معه بلا ركب الدرب ودعه ولا تلتفت إليه فإنه قاطع الطريق ولو كان من كان، فانج بقلبك، وضن بيومك وليلتك، لا تغرب عليك الشمس قبل وصول المنزلة فتؤخذ أو يطلع الفجر أنى لك بلماقهم. (فصل) قوله تعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنها الحَياةَ المُشْتَرَكَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، والأبْرارِ والفُجّارِ، ومِن طِيبِ المَأْكَلِ والمَلْبَسِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ، بَلْ رُبَّما زادَ أعْداءُ اللَّهِ عَلى أوْلِيائِهِ في ذَلِكَ أضْعافًا مُضاعَفَةً، وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ مَن عَمِلَ صالِحًا أنْ يُحْيِيَهُ حَياةً طَيِّبَةً، فَهو صادِقُ الوَعْدِ الَّذِي لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وأيُّ حَياةٍ أطْيَبُ مِن حَياةِ مَنِ اجْتَمَعَتْ هُمُومُهُ كُلُّها وصارَتْ هَمًّا واحِدًا في مَرْضاةِ اللَّهِ؟ ولَمْ يَتَشَعَّبْ قَلْبُهُ، بَلْ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ، واجْتَمَعَتْ إرادَتُهُ وأفْكارُهُ الَّتِي كانَتْ مُتَقَسِّمَةً بِكُلِّ وادٍ مِنها شُعْبَةٌ عَلى اللَّهِ، فَصارَ ذِكْرُهُ بِمَحْبُوبِهِ الأعْلى وحُبُّهُ والشَّوْقُ إلى لِقائِهِ، والأُنْسُ بِقُرْبِهِ هو المُسْتَوْلِي عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ تَدُورُ هُمُومُهُ وإرادَتُهُ وقُصُودُهُ بِكُلِّ خَطَراتِ قَلْبِهِ، فَإنْ سَكَتَ سَكَتَ بِاللَّهِ، وإنْ نَطَقَ نَطَقَ بِاللَّهِ، وإنْ سَمِعَ فَبِهِ يَسْمَعُ، وإنْ أبْصَرَ فَبِهِ يُبْصِرُ، وبِهِ يَبْطِشُ، وبِهِ يَمْشِي، وبِهِ يَسْكُنُ، وبِهِ يَحْيا، وبِهِ يَمُوتُ، وبِهِ يُبْعَثُ، كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْهُ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أنَّهُ قالَ: " «ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَمْشِي، ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أنا فاعِلُهُ، كَتَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِيَ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأكْرَهُ مُساءَتَهُ ولا بُدَّ لَهُ مِنهُ "». فَتَضَمَّنَ هَذا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ الإلَهِيُّ - الَّذِي حَرامٌ عَلى غَلِيظِ الطَّبْعِ كَسِيفِ القَلْبِ فَهْمُ مَعْناهُ والمُرادُ بِهِ - حَصْرَ أسْبابِ مَحَبَّتِهِ في أمْرَيْنِ: أداءِ فَرائِضِهِ، والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالنَّوافِلِ. وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أداءَ فَرائِضِهِ أحَبُّ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ المُتَقَرِّبُونَ، ثُمَّ بَعْدَها النَّوافِلُ، وأنَّ المُحِبَّ لا يَزالُ يُكْثِرُ مِنَ النَّوافِلِ حَتّى يَصِيرَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ، فَإذا صارَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ أوْجَبَتْ مَحَبَّتُهُ لِلَّهِ لَهُ مَحَبَّةً أُخْرى مِنهُ فَوْقَ المَحَبَّةِ الأُولى، فَشَغَلَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ قَلْبَهُ عَنِ الفِكْرَةِ والِاهْتِمامِ بِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ، ومَلَكَتْ عَلَيْهِ رُوحَهُ، ولَمْ يَبْقَ فِيهِ سِعَةٌ لِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ ألْبَتَّةَ، فَصارَ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ وحُبُّهُ ومَثَلُهُ الأعْلى، ومالِكًا لِزِمامِ قَلْبِهِ مُسْتَوْلِيًا عَلى رُوحِهِ اسْتِيلاءَ المَحْبُوبِ عَلى مَحَبَّةِ الصّادِقِ في مَحَبَّتِهِ، الَّتِي قَدِ اجْتَمَعَتْ قُوى مَحَبَّةِ حُبِّهِ كُلُّها لَهُ. وَلا رَيْبَ أنَّ هَذا المُحِبَّ إنْ سَمِعَ سَمِعَ بِمَحْبُوبِهِ، وإنْ أبْصَرَ أبْصَرَ بِهِ، وإنْ بَطَشَ بَطَشَ بِهِ، وإنْ مَشى مَشى بِهِ، فَهو في قَلْبِهِ ومَعَهُ وأنِيسُهُ وصاحِبُهُ، فالباءُ هاهُنا لِلْمُصاحَبَةِ، وهي مُصاحَبَةٌ لا نَظِيرَ لَها، ولا تُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ الإخْبارِ عَنْها والعِلْمِ بِها، فالمَسْألَةُ حالِيَّةٌ لا عِلْمِيَّةٌ مَحْضَةٌ. وَإذا كانَ المَخْلُوقُ يَجِدُ هَذا في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَها ولَمْ يُفْطَرْ عَلَيْها، كَما قالَ بَعْضُ المُحِبِّينَ: ؎خَيالُكَ في عَيْنِي وذِكْرُكَ في فَمِي ∗∗∗ ومَثْواكَ في قَلْبِي فَأيْنَ تَغِيبُ وَقالَ الآخَرُ: ؎وَمِن عَجَبٍ أنِّي أحِنُّ إلَيْهِمُ ∗∗∗ فَأسْألُ عَنْهم مَن لَقِيتُ وهم مَعِي ؎وَتَطْلُبُهم عَيْنِي وهم في سَوادِها ∗∗∗ ويَشْتاقُهم قَلْبِي وهم بَيْنَ أضْلُعِي وَهَذا ألْطَفُ مِن قَوْلِ الآخَرِ: ؎إنْ قُلْتُ غِبْتِ فَقَلْبِي لا يُصَدِّقُنِي ∗∗∗ إذْ أنْتَ فِيهِ مَكانَ السِّرِّ لَمْ تَغِبِ ؎أوْ قُلْتُ ما غِبْتِ قالَ الطَّرْفُ ذا كَذِبٌ ∗∗∗ فَقَدْ تَحَيَّرْتُ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أدْنى إلى المُحِبِّ مِن مَحْبُوبِهِ، ورُبَّما تَمَكَّنَتْ مِنهُ المَحَبَّةُ، حَتّى يَصِيرَ أدْنى إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ، بِحَيْثُ يَنْسى نَفْسَهُ ولا يَنْساهُ، كَما قالَ: ؎أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تُمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ وَقالَ الآخَرُ: ؎يُرادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيانُكم ∗∗∗ وتَأْبى الطِّباعُ عَلى النّاقِلِ وَخَصَّ في الحَدِيثِ السَّمْعَ والبَصَرَ واليَدَ والرِّجْلَ بِالذِّكْرِ، فَإنَّ هَذِهِ الآلاتِ آلاتُ الإدْراكِ وآلاتُ الفِعْلِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ يُورِدانِ عَلى القَلْبِ الإرادَةَ والكَراهَةَ، ويَجْلِبانِ إلَيْهِ الحُبَّ والبُغْضَ، فَيَسْتَعْمِلُ اليَدَ والرِّجْلَ، فَإذا كانَ سَمْعُ العَبْدِ بِاللَّهِ، وبَصَرُهُ بِاللَّهِ كانَ مَحْفُوظًا في آلاتِ إدْراكِهِ، وكانَ مَحْفُوظًا في حُبِّهِ وبُغْضِهِ، فَحُفِظَ في بَطْشِهِ ومَشْيِهِ. وَتَأمَّلْ كَيْفَ اكْتَفى بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ واليَدِ والرِّجْلِ عَنِ اللِّسانِ، فَإنَّهُ إذا كانَ إدْراكُ السَّمْعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِاخْتِيارِهِ تارَةً، وبِغَيْرِ اخْتِيارِهِ تارَةً، وكَذَلِكَ البَصَرُ قَدْ يَقَعُ بِغَيْرِ الِاخْتِيارِ فَجْأةً، وكَذَلِكَ حَرَكَةُ اليَدِ والرِّجْلِ الَّتِي لا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنهُما، فَكَيْفَ بِحَرَكَةِ اللِّسانِ الَّتِي لا تَقَعُ إلّا بِقَصْدٍ واخْتِيارٍ؟ وقَدْ يَسْتَغْنِي العَبْدُ عَنْها إلّا حَيْثُ أُمِرَ بِها. وَأيْضًا فانْفِعالُ اللِّسانِ عَنِ القَلْبِ أتَمُّ مِنَ انْفِعالِ سائِرِ الجَوارِحِ، فَإنَّهُ تُرْجُمانُهُ ورَسُولُهُ. وَتَأمَّلْ كَيْفَ حَقَّقَ تَعالى كَوْنَ العَبْدِ بِهِ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وبَطْشُهُ ومَشْيُهُ بِقَوْلِهِ: " «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها» " تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ مَعَ عَبْدِهِ، وكَوْنِ عَبْدِهِ في إدْراكاتِهِ، بِسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وحَرَكاتِهِ بِيَدَيْهِ ورِجْلِهِ. وَتَأمَّلْ كَيْفَ قالَ: " فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ " ولَمْ يَقُلْ: فَلِي يَسْمَعُ، ولِي يُبْصِرُ، ورُبَّما يَظُنُّ الظَّنّانُ أنَّ اللّامَ أوْلى بِهَذا المَوْضِعِ، إذْ هي أدَلُّ عَلى الغايَةِ، ووُقُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ لِلَّهِ، وذَلِكَ أخَصُّ مِن وُقُوعِها بِهِ، وهَذا مِنَ الوَهْمِ والغَلَطِ، إذْ لَيْسَتِ الباءُ هاهُنا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعانَةِ، فَإنَّ حَرَكاتِ الأبْرارِ والفُجّارِ وإدْراكاتِهِمْ إنَّما هي بِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهُمْ، وإنَّ الباءَ هاهُنا لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: إنَّما يَسْمَعُ ويُبْصِرُ ويَبْطِشُ ويَمْشِي وأنا صاحِبُهُ مَعَهُ، كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ الآخَرِ: " «أنا مَعَ عَبْدِي ما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ» " وهَذِهِ هي المَعِيَّةُ الخاصَّةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]. وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وَقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وَقَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. وَقَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦]. فَهَذِهِ الباءُ مُفِيدَةٌ لِمَعْنى هَذِهِ المَعِيَّةِ دُونَ اللّامِ، ولا يَتَأتّى لِلْعَبْدِ الإخْلاصُ والصَّبْرُ والتَّوَكُّلُ، ونُزُولُهُ في مَنازِلِ العُبُودِيَّةِ إلّا بِهَذِهِ الباءِ وهَذِهِ المَعِيَّةِ. فَمَتى كانَ العَبْدُ بِاللَّهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَشاقُّ، وانْقَلَبَتِ المَخاوِفُ في حَقِّهِ، فَبِاللَّهِ يَهُونُ كُلُّ صَعْبٍ، ويَسْهُلُ كُلُّ عَسِيرٍ، ويَقْرُبُ كُلُّ بَعِيدٍ، وبِاللَّهِ تَزُولُ الهُمُومُ والغُمُومُ والأحْزانُ، فَلا هَمَّ مَعَ اللَّهِ، ولا غَمَّ ولا حَزَنَ إلّا حَيْثُ يُفَوِّتُهُ العَبْدُ مَعْنى هَذِهِ الباءِ، فَيَصِيرُ قَلْبُهُ حِينَئِذٍ كالحُوتِ، إذا فارَقَ الماءَ يَثِبُ ويَنْقَلِبُ حَتّى يَعُودَ إلَيْهِ. وَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ المُوافَقَةُ مِنَ العَبْدِ لِرَبِّهِ في مَحابِّهِ؛ حَصَلَتْ مُوافَقَةُ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ في حَوائِجِهِ ومَطالِبِهِ، فَقالَ: «وَلَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» ". أيْ: كَما وافَقَنِي في مُرادِي بِامْتِثالِ أوامِرِي والتَّقَرُّبِ بِمَحابِّي، فَأنا أُوافِقُهُ في رَغْبَتِهِ ورَهْبَتِهِ فِيما يَسْألُنِي أنْ أفْعَلَهُ بِهِ، ويَسْتَعِيذُنِي أنْ يَنالَهُ، وقَوِيَ أمْرُ هَذِهِ المُوافَقَةِ مِنَ الجانِبَيْنِ حَتّى اقْتَضى تَرَدُّدَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ في إماتَةِ عَبْدِهِ؛ لِأنَّهُ يَكْرَهُ المَوْتَ، والرَّبُّ تَعالى يَكْرَهُ ما يَكْرَهُهُ عَبْدُهُ، ويَكْرَهُ مُساءَتَهُ، فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ يَقْتَضِي أنْ لا يُمِيتَهُ ولَكِنَّ مَصْلَحَتَهُ في إماتَتِهِ، فَإنَّهُ ما أماتَهُ إلّا لِيُحْيِيَهُ، ولا أمْرَضَهُ إلّا لِيُصِحَّهُ، ولا أفْقَرَهُ إلّا لِيُغْنِيَهُ، ولا مَنَعَهُ إلّا لِيُعْطِيَهُ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنَ الجَنَّةِ في صُلْبِ أبِيهِ إلّا لِيُعِيدَهُ إلَيْها عَلى أحْسَنِ أحْوالِهِ، ولَمْ يَقُلْ لِأبِيهِ اخْرُجْ مِنها إلّا وهو يُرِيدُ أنْ يُعِيدَهُ إلَيْها، فَهَذا هو الحَبِيبُ عَلى الحَقِيقَةِ لا سِواهُ، بَلْ لَوْ كانَ في كُلِّ مَنبَتِ شَعْرَةٍ مِنَ العَبْدِ مَحَبَّةٌ تامَّةٌ لِلَّهِ، لَكانَ بَعْضُ ما يَسْتَحِقُّهُ عَلى عَبْدِهِ. ؎نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوى ∗∗∗ ما الحُبُّ إلّا لِلْحَبِيبِ الأوَّلِ ؎كَمْ مَنزِلٍ في الأرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتى ∗∗∗ وحَنِينُهُ أبَدًا لِأوَّلِ مَنزِلِ

النحل 16:98

فصل قال تعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشّيْطانِ الرَّجِيمِ إنّهُ لَيْسَ لَهُ سَلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلطانُهُ عَلى الّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والّذِينَ هم بِه مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨-١٠٠]. ومعنى "استعذ بالله" امتنع به واعتصم به والجأ إليه، ومصدره العوذ، والعياذ، والمعاذ؛ وغالب استعماله في المستعاذ به، ومنه قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لَقَدْ عُذْتِ بمُعاذٍ". وأصل اللفظة: من اللجأ إلى الشيء والاقتراب منه، ومن كلام العرب "أطيب اللحم عوذه" أي الذي قد عاذ بالعظم واتصل به. وناقة عائذ: يعوذ بها ولدها، وجمعها "عوذ" كحمر. ومنه في حديث الحديبية: "مَعَهُمُ العُوذُ المَطافِيلُ". والمطافيل: جمع مطفل، وهي الناقة التي معها فصيلها. قالت طائفة منهم صاحب جامع الأصول: استعار ذلك للنساء، أي معهم النساء وأطفالهم، ولا حاجة إلى ذلك، بل اللفظ على حقيقته. أي قد خرجوا إليك بدوابهم ومراكبهم حتى أخرجوا معهم النوق التي معها أولادها، فأمر سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن. وفي ذلك وجوه: منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور يذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أمَرَّه فيها الشيطان، فأمر أن يطرد مادة الداء ويخلى منه القلب ليصادف الدواء محلًا خاليا، فيتمكن منه، ويؤثر فيه، كما قيل: ؎أتانِي هَواها قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوى ∗∗∗ فَصادَفَ قَلْبًا خالِيًا فَتَمَكّنا فيجئ هذا الدواء الشافى إلى قلب قد خلا من مزاحم ومضاد له فينجع فيه. ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطان نار يحرق النبات أولا فأولا، فكلما أحس بنبات الخير في القلب سعى في إفساده وإحراقه، فأمر أن يستعيذ بالله عز وجل منه لئلا يفسد عليه ما يحصل له بالقرآن. والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله، أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفي الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها. وكأن من قال: إن الاستعاذة بعد القراءة لاحظ هذا المعنى، وهو لعمر الله ملحظ جيد، إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعاذة قبل الشروع في القراءة وهو قول جمهور الأمة من السلف والخلف، وهو محصل للأمرين. ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته. كما في حديث أُسيد ابنُ حضَير لما كان يقرأ ورأى مثل الظلة فيها مثل المصابيح، فقال النبيّ عليه الصلاة والسلام: "تِلْكَ المَلائِكُة". والشيطان ضد الملك وعدوه. فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى يحضره خاصته وملائكته، فهذه وليمة لا يجتمع فيها الملائكة والشياطين. ومنها: أن الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأمر عند الشروع أن يستعيذ بالله عز وجل منه. ومنها: أن القارئ مُناجٍ لله تعالى كلامه، والله تعالى أشد أذنًا للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته. والشيطان إنما قراءته الشعر والغناء. فأمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاته تعالى واستماع الرب قراءته. ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته. كما قال الشاعر في عثمان: ؎تَمنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ فإذا كان هذا فعله مع الرسل عليهم الصلاة والسلام فكيف بغيرهم؟ ولهذا يغلط القارئ تارة ويخلط عليه القراءة، ويشوشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يشوش عليه ذهنه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يعدم منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: الاستعاذة بالله تعالى منه عند القراءة. ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل فيه فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه، وفي الصحيح عن النبي ﷺ: "إنّ شَيْطانًا تَفَلّتَ عَلَيَّ البارِحَةَ، فأرادَ أنْ يَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي" الحديث. وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى كان اعتراض الشيطان له أكثر. وفي مسند الإمام أحمد من حديث سبرة بن أبي الفاكه أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إنّ الشّيْطانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإسْلامِ، فَقالَ: أتُسْلِمُ وتَذَرُ دِينَكَ ودِينَ آبائِكَ وآباءِ آبائِكَ؟ فعصاهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ، فَقالَ: أتُهاجِرُ وتَذَرُ أرْضَكَ وسَماءَكَ؟ وإنَما مَثَلُ المهاجِرِ كالفَرَسِ في الطول فَعَصاهُ وهاجَر، ثُمَّ قعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ، وهو جِهادُ النَّفْسِ والمال فقال: تقاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ المَرْأةُ ويُقْسَمُ المالُ؟ قالَ: فَعَصاهُ فَجاهَدَ". فالشيطان بالرصد للإنسان على طريق كل خير. وقال منصور عن مجاهد رحمه الله: "ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهز معهم إبليس مثل عدتهم" رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، فهو بالرصد، ولاسيما عند قراءة القرآن، فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدوه الذي يقطع عليه الطريق ويستعيذ بالله تعالى منه أولا، ثم يأخذ في السير، كما أن المسافر إذا عرض له قاطع طريق اشتغل بدفعه، ثم اندفع في سيره. ومنها: أن الاستعاذة قبل القراءة عنوان وإعلام بأن المأتي به بعدها القرآن، ولهذا لم تشرع الاستعاذة بين يدى كلام غيره، بل الاستعاذة مقدمة وتنبيه للسامع أن الذي يأتي بعدها هو التلاوة، فإذا سمع السامع الاستعاذة استعد لاستماع كلام الله تعالى، ثم شرع ذلك للقارئ، وإن كان وحده، لما ذكرنا من الحكم وغيرها. فهذه بعض فوائد الاستعاذة. وقد قال أحمد في رواية حنبل: "لا يقرأ في صلاة ولا غير صلاة، إلا استعاذ؛ لقوله عز وجل: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. وقال في رواية ابن مشيش: "كلما قرأ يستعيذ". وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي كان إذا قرأ استعاذ، يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم". وفى المسند والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: "كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ اسْتَفْتَحَ ثُمَّ يَقُولُ: أعُوذُ باللهِ السَّمِيعِ العليم مِنَ الشّيْطانِ الرَّجِيمِ: مِن هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ". (فصل) وأما قوله تعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ فعلى ما ذكرنا من التعبير عن إرادة الفعل بالفعل هذا هو المشهور وفيه وجه ألطف من هذا وهو أن العرب تعبر بالفعل عن ابتداء الشروع فيه تارة، وتعبر عن انتهائه تارة فيقولون فعلت عند الشروع، وفعلت عند الفراغ، وهذا استعمال حقيقي، وعلى هذا فيكون معنى قرأت في الآية ابتداء الفعل أي إذا شرعت وأخذت في القراءة فاستعذ فالاستعاذة مرتبة على الشروع الذي هو مبادئ الفعل ومقدمته وطليعته. ومنه قوله: "فصلى الصبح حتى طلع الفجر" رواه مسلم والترمذي والنسائي. أي أخذ في الصلاة عند طلوعه. وأما قوله: "ثم صلاها من الغد بعد أن أسفر " فالصحيح أن المراد به الابتداء وقالت طائفة: المراد الانتهاء منهم السهيلي. وغلطوا في ذلك والحديث صريح في أنه قدمها في اليوم الأول وأخرها في اليوم الثاني ليبين أول الوقت وآخره. ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ قال مجاهد وعكرمة والمفسرون: ليس له حجة. والصواب: أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم: لا من جهة الحجة، ولا من جهة القدرة. والقدرة داخلة في مسمى السلطان، وإنما سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحبها يتسلط بها تسلط صاحب القدرة بيده، وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين، فقال في سورة الحجر: ﴿قالَ رَبِّ بما أغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأغْوِيَنّهم أجْمَعِينَ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المخْلَصِينَ قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٣٩-٤٢]. وقال في سورة النحل: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكّلُونَ * إنّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩-١٠٠]. فتضمن ذلك أمرين: أحدهما نفى سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص. والثاني إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه. ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمعِينَ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المخلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢-٨٣]. فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، عز وجل، وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم. فإن قيل: فقد أثبت له على أوليائه هاهنا سلطانا، فكيف نفاه بقوله تعالى حاكيا عنه مقررا له ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾. قيل: السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه من وجهين. أحدهما: أن السلطان الثابت: هو سلطان التمكن منهم، وتلاعبه بهم، وسوقه إياهم كيف أراد، بتمكينهم إياه من ذلك، بطاعته وموالاته. والسلطان الذي نفاه: سلطان الحجة. فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها، غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان. الثاني: أن الله لم يجعل له عليهم سلطانا ابتداء ألبتة، ولكن هم سلطوه على أنفسهم بطاعته، ودخولهم في جملة جنده وحزبه، فلم يتسلط عليهم بقوته، فإن كيده ضعيف. وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم. والمقصود: أن من قصده أعظم أوليائه وأحبابه ونصحائه، فأخذه وأخذ أولاده وحاشيته وسلمهم إلى عدوه. كان من عقوبته: أن يسلط عليه ذلك العدو نفسه. وقال في إغاثة اللهفان: فإن قيل: فقد أثبت له السلطان على أوليائه في هذا الموضع. فكيف ينفيه في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢٠-٢١]. قيل: إن كان الضمير في قوله: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ [سبأ: ٢١]. عائدا على المؤمنين فالسؤال ساقط، ويكون الاستثناء منقطعا: أي لكن امتحنّاهم بإبليس، لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. وإن كان عائدا على ما عاد عليه في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ: ٢٠]. وهو الظاهر، ليصح الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفي ويكون المعنى: وما سلطناه عليهم إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة. قال ابن قُتيبة: "إن إبليس لما سأل الله تعالى النظرة قال لأغوينهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا، ولأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضا وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنا أن ما قدره فيه يتم، وإنما قال ظانا، فلما اتَّبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم، فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين، يعني نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاء". وعلى هذا فيكون السلطان هاهنا على من لم يؤمن بالآخرة وشك فيها، وهم الذين تولوه وأشركوا به فيكون السلطان ثابتا لا منفيا، فتتفق هذه الآية مع سائر الآيات. فإن قيل: فما تصنع بالتي في سورة إبراهيم. حيث يقول لأهل النار: ﴿وَما كانَ لِيَ عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مقررًا له، لا منكرا، فدل على أنه كذلك. قيل: هذا سؤال جيد. وجوابه: أن السلطان المنفي في هذا الموضع: هو الحجة والبرهان، أي ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم، كما قال ابن عباس: "ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم" أي: ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، وصدقتم مقالتي، واتبعتموني بلا برهان ولا حجة. فأما السلطان الذي أثبته في قوله: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠]. فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم، بحيث يؤزُّهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه كما قال تعالى: ﴿ألمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزا﴾ [مريم: ٨٣]. قال ابن عباس: "تغريهم إغراء" وفي رواية: "تشليهم إشلاء" وفي لفظ: "تحرضهم تحريضا" وفي آخر: "تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا" وفي آخر: "توقدهم" أي تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته، قال الأخفش: "توهجهم". وحقيقة ذلك: أن "الأزَّ" هو التحريك والتهييج، ومنه يقال لغليان القدر: الأزيز؛ لأن الماء يتحرك عند الغليان. ومنه الحديث: "لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء". قال أبو عبيدة "الأزيز" الالتهاب والحركة، كالتهاب النار في الحطب، يقال: إزَّ قِدْرَك، أي ألْهِب تحتها بالنار، وأيزت القدر إذا اشتد غليانها، فقد حصل للأزِّ معنيان: أحدهما: التحريك، والثاني: الإيقاد والإلهاب، وهما متقاربان، فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب. فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك، ولكن ليس له على ذلك سلطان حجة وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم، لما وافقت أهواءهم وأغراضهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم، بموافقته ومتابعته فلما أعطوا بأيديهم واستأسروا له سُلِّط عليهم؛ عقوبة لهم. وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون تصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم كما تسببوا إليه يوم أحد بمعصية الرسول ومخالفته، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا، حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له عليه تسلطا وقهرا، فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه، والشرك وفروعه يوجب سلطانه، والجميع بقضاء مَن أزِمَّة الأمور بيده، ومَردها إليه، وله الحجة البالغة، فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة، لكن أبت حكمته وحمده وملكه إلا ذلك. ﴿فَلِله الحمْدُ رَبِّ السَّمواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ ولَهُ الكِبْرياء في السَّمواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحكيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦-٣٧].

النحل 16:106

(فائدة) استشكل الناس من حديث قتل كعب بن الأشرف استئذان الصحابة أن يقولوا في النبي ﷺ وذلك ينافي الإيمان وقد أذن لهم فيه. وأجيب عنه بأجوبة: أحدها: بأن الإكراه على التكلم بكلمة الكفر يخرجها عن كونها كفرا مع طمأنينة القلب وبالإيمان وكعب قد اشتد في أذى المسلمين وبالغ في ذلك فكان يحرّض على قتالهم وكان في قتله خلاص المسلمين من ذلك فكان إكراه الناس على النطق بما نطقوا به ألجأهم إليه فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع طمأنينة قلوبهم بالإيمان وليس هذا بقوي. الجواب الثاني: أن ذلك القتل والكلام لم يكن صريحا بما يتضمن كفرا بل تعريضا وتورية فيه مقاصد صحيحة موهمة موافقة في غرضه وهذا قد يجوز في الحرب الذي هو خدعة. الجواب الثالث: إن هذا الكلام والنيل كان بإذنه والحق له وصاحب الحق إذا أذن في حقه لمصلحة شرعية عامة لم يكن ذلك محظورا.

النحل 16:110

فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له، ومخلصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة.

النحل 16:112

فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَمَعَ بَيْنَ الذَّوْقِ واللِّباسِ، لِيَدُلَّ عَلى مُباشَرَةِ المَذُوقِ وإحاطَتِهِ وشُمُولِهِ. فَأفادَ الإخْبارُ عَنْ إذاقَتِهِ: أنَّهُ واقِعٌ مُباشَرٌ غَيْرُ مُنْتَظَرٍ. فَإنَّ الخَوْفَ قَدْ يُتَوَقَّعُ ولا يُباشَرُ، وأفادَ الإخْبارُ عَنْ لِباسِهِ: أنَّهُ مُحِيطٌ شامِلٌ كاللِّباسِ لِلْبَدَنِ.

النحل 16:120

أثنى الله سُبْحانَهُ على إبْراهِيم خَلِيله بقوله تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ﴾ فَهَذِهِ أرْبَع أنواع من الثَّناء افتتحها بِأنَّهُ أمة، والأمة هو القدْوَة الَّذِي يؤتم بِهِ. قالَ ابْن مَسْعُود والأمة المعلم للخير. وَهِي فعلة من الائتمام كقدوة وهو الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ. والفرق بَين الأمة والإمام من وجْهَيْن: أحدهما أن الإمام كل ما يؤتم بِهِ سَواء كانَ بِقَصْدِهِ وشعوره أو لا، ومِنه سمي الطَّرِيق إمامًا كَقوله تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ أي بطرِيق واضح لا يخفى على السالك، ولا يُسمى الطَّرِيق أمة. الثّانِي أن الأمة فِيهِ زِيادَة معنى وهو الَّذِي جمع صِفات الكَمال من العلم والعَمَل بِحَيْثُ بَقِي فِيها فَردا وحده، فَهو الجامِع لخصال تَفَرَّقت في غَيره فَكَأنَّهُ باين غَيره باجتماعها فِيهِ وتفرقها، أوْ عدمها في غَيره. وَلَفظ الأمة يشْعر بِهَذا المَعْنى لما فِيهِ من المِيم المضعفة الدّالَّة على الضَّم بمخرجها وتكريرها، وكَذَلِكَ ضم أوله فَإن الضمة من الواو ومخرجها يَنْضَم عند النُّطْق بها، وأتى بِالتّاءِ الدّالَّة على الوحدَة كالغرفة واللقمة. وَمِنه الحَدِيث "إن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل يبْعَث يَوْم القِيامَة أمة وحده" فالضم والاجتماع لازم لِمَعْنى الأمة، ومِنه سميت الأمة الَّتِي هي آحاد الأمم لأنهم النّاس المجتمعون على دين واحِد أوْ في عصر واحِد. الثّانِي قَوْله ﴿قانِتًا لله﴾ قالَ ابْن مَسْعُود القانت المُطِيع. والقنوت يُفَسر بأشياء كلها ترجع إلى دوام الطّاعَة. الثّالِث قَوْله ﴿حَنِيفا﴾ والحنيف المقبل على الله، ويلْزم هَذا المَعْنى ميله عَمّا سواهُ فالميل لازم معنى الحنيف لا أنه مَوْضُوعه لُغَة. الرّابِع قَوْله ﴿شاكرا لأنعمه﴾ والشُّكْر للنعم مَبْنِيّ على ثَلاثَة أركان الإقرار بِالنعْمَةِ، وإضافتها إلى المُنعم بها، وصرفها في مرضاته، والعَمَل فِيها بِما يجب فَلا يكون العَبْد شاعِرًا إلّا بِهَذِهِ الأشياء الثَّلاثَة. والمَقْصُود أنه مدح خَلِيله بأربع صِفات كلها ترجع إلى العلم والعَمَل بِمُوجبِه، وتعليمه ونشره، فَعاد الكَمال كُله إلى العلم والعَمَل بِمُوجبِه ودعوة الخلق إليه. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الشُّكْرِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الشُّكْرِ وَهِيَ مِن أعْلى المَنازِلِ. وهي فَوْقَ مَنزِلَةِ الرِّضا وزِيادَةٌ. فالرِّضا مُنْدَرِجٌ في الشُّكْرِ. إذْ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الشُّكْرِ بِدُونِهِ. وَهُوَ نِصْفُ الإيمانِ - كَما تَقَدَّمَ - والإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ شُكْرٌ. ونِصْفٌ صَبْرٌ. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِهِ. ونَهى عَنْ ضِدِّهِ، وأثْنى عَلى أهْلِهِ. ووَصَفَ بِهِ خَواصَّ خَلْقِهِ. وجَعَلَهُ غايَةَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ. ووَعَدَ أهْلَهُ بِأحْسَنِ جَزائِهِ. وجَعَلَهُ سَبَبًا لِلْمَزِيدِ مِن فَضْلِهِ. وحارِسًا وحافِظًا لِنِعْمَتِهِ. وأخْبَرَ أنَّ أهْلَهُ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِآياتِهِ. واشْتَقَّ لَهُمُ اسْمًا مِن أسْمائِهِ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هو الشَّكُورُ وهو يُوَصِلُ الشّاكِرَ إلى مَشْكُورِهِ بَلْ يُعِيدُ الشّاكِرَ مَشْكُورًا. وهو غايَةُ الرَّبِّ مِن عَبْدِهِ. وأهْلُهُ هُمُ القَلِيلُ مِن عِبادِهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤] وقالَ ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقالَ عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ ﷺ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ - شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢٠-١٢١] وقالَ عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] وَقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] وقالَ تَعالى: ﴿واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] وقالَ تَعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] وَسَمّى نَفْسَهُ شاكِرًا وشَكُورًا وسَمّى الشّاكِرِينَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ. فَأعْطاهم مِن وصْفِهِ. وسَمّاهم بِاسْمِهِ. وحَسْبُكَ بِهَذا مَحَبَّةً لِلشّاكِرِينَ وفَضْلًا. وَإعادَتُهُ لِلشّاكِرِ مَشْكُورًا. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] وَرِضا الرَّبِّ عَنْ عَبْدِهِ بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وقِلَّةُ أهْلِهِ في العالَمِينَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم هم خَواصُّهُ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ. فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذا وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟ فَقالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟». «وَقالَ لِمُعاذٍ واللَّهِ يا مُعاذُ، إنِّي لَأُحِبُّكَ. فَلا تَنْسَ أنْ تَقُولَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبادَتِكَ». وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ: اللَّهُمَّ أعِنِّي ولا تُعِنْ عَلَيَّ. وانْصُرْنِي ولا تَنْصُرْ عَلَيَّ. وامَكْرُ لِي ولا تَمْكُرْ بِي. واهْدِنِي ويَسِّرِ الهُدى لِي. وانْصُرْنِي عَلى مَن بَغى عَلَيَّ. رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكّارًا لَكَ ذَكّارًا لَكَ رَهّابًا لَكَ مُطاوِعًا لَكَ مُخْبِتًا إلَيْكَ أوّاهًا مُنِيبًا. رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي. واغْسِلْ حَوْبَتِي. وأجِبْ دَعْوَتِي. وثَبِّتْ حُجَّتِي. واهْدِ قَلْبِي. وسَدِّدْ لِسانِي. واسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي». [فَصْلٍ أصْلُ الشُّكْرِ في اللُّغَةِ] فَصْلٍ وأصْلُ الشُّكْرِ في وضْعِ اللِّسانِ: ظُهُورُ أثَرِ الغِذاءِ في أبْدانِ الحَيَوانِ ظُهُورًا بَيِّنًا. يُقالُ: شَكِرَتِ الدّابَّةُ تَشْكَرُ شَكَرًا عَلى وزْنِ سَمِنَتْ تَسْمَنُ سِمَنًا: إذا ظَهَرَ عَلَيْها أثَرُ العَلَفِ، ودابَّةٌ شَكُورٌ: إذا ظَهَرَ عَلَيْها مِنَ السِّمَنِ فَوْقَ ما تَأْكُلُ وتُعْطى مِنَ العَلَفِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَتّى إنَّ الدَّوابَّ لَتَشْكَرُ مِن لُحُومِهِمْ أيْ لَتَسَمَنُ مِن كَثْرَةِ ما تَأْكُلُ مِنها. وَكَذَلِكَ حَقِيقَتُهُ في العُبُودِيَّةِ. وهو ظُهُورُ أثَرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى لِسانِ عَبْدِهِ: ثَناءً واعْتِرافًا. وعَلى قَلْبِهِ: شُهُودًا ومَحَبَّةً. وعَلى جَوارِحِهِ: انْقِيادًا وطاعَةً. والشُّكْرُ مَبْنِيٌ عَلى خَمْسِ قَواعِدَ: خُضُوعُ الشّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ. وحُبُّهُ لَهُ. واعْتِرافُهُ بِنِعْمَتِهِ. وثَناؤُهُ عَلَيْهِ بِها. وأنْ لا يَسْتَعْمِلَها فِيما يَكْرَهُ. فَهَذِهِ الخَمْسُ: هي أساسُ الشُّكْرِ. وبِناؤُهُ عَلَيْها. فَمَتى عُدِمَ مِنها واحِدَةً: اخْتَلَّ مِن قَواعِدِ الشُّكْرِ قاعِدَةٌ. وَكُلُّ مَن تَكَلَّمَ في الشُّكْرِ وحْدَهُ، فَكَلامُهُ إلَيْها يَرْجِعُ. وعَلَيْها يَدُورُ. فَقِيلَ: حَدُّهُ الِاعْتِرافُ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ عَلى وجْهِ الخُضُوعِ. وَقِيلَ: الثَّناءُ عَلى المُحْسِنِ بِذِكْرِ إحْسانِهِ. وَقِيلَ: هو عُكُوفُ القَلْبِ عَلى مَحَبَّةِ النِّعَمِ، والجَوارِحِ عَلى طاعَتِهِ، وجَرَيانُ اللِّسانِ بِذِكْرِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: هو مُشاهَدَةُ المِنَّةِ. وحِفْظُ الحُرْمَةِ. وَما ألْطَفَ ما قالَ حَمْدُونُ القَصّارُ: شُكْرُ النِّعْمَةِ أنْ تَرى نَفْسَكَ فِيها طُفَيْلِيًّا. وَقالَ أبُو عُثْمانَ: الشُّكْرُ مَعْرِفَةُ العَجْزِ عَنِ الشُّكْرِ. وَقِيلَ: الشُّكْرُ إضافَةُ النِّعَمِ إلى مُولِيها بِنَعْتِ الِاسْتِكانَةِ لَهُ. وَقالَ الجُنَيْدُ: الشُّكْرُ أنْ لا تَرى نَفْسَكَ أهْلًا لِلنِّعْمَةِ. هَذا مَعْنى قَوْلِ حَمْدُونَ أنْ يَرى نَفْسَهُ فِيها طُفَيْلِيًّا. وَقالَ رُوَيْمٌ: الشُّكْرُ اسْتِفْراغُ الطّاقَةِ. وَقالَ الشِّبْلِيُّ: الشُّكْرُ رُؤْيَةُ المُنْعِمِ لا رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ. قُلْتُ: يَحْتَمِلُ كَلامُهُ أمْرَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ يَفْنى بِرُؤْيَةِ المُنْعِمِ عَنْ رُؤْيَةِ نِعَمِهِ. والثّانِي: أنْ لا تَحْجُبَهُ رُؤْيَةُ نِعَمِهِ ومُشاهَدَتُها عَنْ رُؤْيَةِ المُنْعِمِ بِها. وهَذا أكْمَلُ. والأوَّلُ أقْوى عِنْدَهم. والكَمالُ: أنْ تَشْهَدَ النِّعْمَةَ والمُنْعِمَ. لِأنَّ شُكْرَهُ بِحَسَبِ شُهُودِ النِّعْمَةِ. فَكُلَّما كانَ أتَمَّ كانَ الشُّكْرُ أكْمَلَ. واللَّهُ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ: أنْ يَشْهَدَ نِعَمَهُ، ويَعْتَرِفَ لَهُ بِها. ويُثْنِيَ عَلَيْهِ بِها. ويُحِبُّهُ عَلَيْها. لا أنْ يَفْنى عَنْها. ويَغِيبَ عَنْ شُهُودِها. وَقِيلَ: الشُّكْرُ قَيْدُ النِّعَمِ المَوْجُودَةِ، وصَيْدُ النِّعَمِ المَفْقُودَةِ. وَشُكْرُ العامَّةِ: عَلى المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ، وقُوتِ الأبْدانِ. وَشُكْرُ الخاصَّةِ: عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ وقُوتِ القُلُوبِ. وَقالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ، كَيْفَ أشْكُرُكَ؟ وشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ عَلَيَّ مِن عِنْدِكَ تَسْتَوْجِبُ بِها شُكْرًا. فَقالَ: الآنَ شَكَرْتَنِي يا داوُدُ. وَفِي أثَرٍ آخَرَ إسْرائِيلِيٍّ: أنَّ مُوسى ﷺ قالَ يا رَبِّ، خَلَقْتَ آدَمَ بِيَدِكَ. ونَفَخْتَ فِيهِ مِن رُوحِكَ. وأسْجَدْتَ لَهُ مَلائِكَتَكَ. وعَلَّمْتَهُ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ. وفَعَلْتَ وفَعَلْتَ. فَكَيْفَ شَكَرَكَ؟ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِنِّي. فَكانَتْ مَعْرِفَتُهُ بِذَلِكَ شُكْرًا لِي. وَقِيلَ: الشُّكْرُ التَّلَذُّذُ بِثَنائِهِ، عَلى ما لَمْ تَسْتَوْجِبْ مِن عَطائِهِ. وَقالَ الجُنَيْدُ - وقَدْ سَألَهُ سَرِيٌّ عَنِ الشُّكْرِ، وهو صَبِيٌّ - الشُّكْرُ: أنْ لا يُسْتَعانَ بِشَيْءٍ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلى مَعاصِيهِ. فَقالَ: مِن أيْنَ لَكَ هَذا؟ قالَ: مِن مُجالَسَتِكَ. وَقِيلَ: مَن قَصُرَتْ يَداهُ عَنِ المُكافَآتِ فَلْيَطُلْ لِسانُهُ بِالشُّكْرِ. والشُّكْرُ مَعَهُ المَزِيدُ أبَدًا. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فَمَتى لَمْ تَرَ حالَكَ في مَزِيدٍ. فاسْتَقْبِلِ الشُّكْرَ. وَفِي أثَرٍ إلَهِيٍّ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ «أهْلُ ذِكْرِي أهْلُ مُجالَسَتِي، وأهْلُ شُكْرِي أهْلُ زِيادَتِي، وأهْلُ طاعَتِي أهْلُ كَرامَتِي، وأهْلُ مَعْصِيَتِي لا أُقَنِّطُهم مِن رَحْمَتِي. إنْ تابُوا فَأنا حَبِيبُهُمْ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأنا طَبِيبُهم. أبْتَلِيهِمْ بِالمَصائِبِ، لِأُطَهِّرَهم مِنَ المَعايِبِ». وَقِيلَ: مَن كَتَمَ النِّعْمَةَ فَقَدْ كَفَرَها. ومَن أظْهَرَها ونَشَرَها فَقَدْ شَكَرَها. وَهَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ إذا أنْعَمَ عَلى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ أحَبَّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ». وَفِي هَذا قِيلَ: ؎وَمِنَ الرَّزِيَّةِ أنَّ شُكْرِيَ صامِتٌ ∗∗∗ عَمّا فَعَلْتَ وأنَّ بِرَّكَ ناطِقُ ؎وَأرى الصَّنِيعَةَ مِنكَ ثُمَّ أُسِرُّها ∗∗∗ إنِّي إذًا لِنَدى الكَرِيمِ لَسارِقُ [فَصْلٌ دَرَجاتُ الشُّكْرِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى الشُّكْرُ عَلى المَحابِّ] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: الشُّكْرُ عَلى المُحابِّ. وهَذا شُكْرٌ تَشارَكَتْ فِيهِ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ومِن سِعَةِ رَحْمَةِ البارِي سُبْحانَهُ: أنْ عَدَّهُ شُكْرًا. ووَعَدَ عَلَيْهِ الزِّيادَةَ، وأوْجَبَ فِيهِ المَثُوبَةَ. إذا عَلِمْتَ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ وأنَّ جُزْءَ حَقِيقَتِهِ: الِاسْتِعانَةُ بِنِعَمِ المُنْعِمِ عَلى طاعَتِهِ ومَرْضاتِهِ: عَلِمْتَ اخْتِصاصَ أهْلِ الإسْلامِ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ. وأنَّ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ عَلى المَحابِّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ. نَعَمْ لِغَيْرِهِمْ مِنها بَعْضُ أرْكانِها وأجْزائِها، كالِاعْتِرافِ بِالنِّعْمَةِ، والثَّناءِ عَلى المُنْعِمِ بِها. فَإنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ في نِعَمِ اللَّهِ، وكُلُّ مَن أقَرَّ بِاللَّهِ رَبًّا، وتَفَرَّدَهُ بِالخَلْقِ والإحْسانِ. فَإنَّهُ يُضِيفُ نِعْمَتَهُ إلَيْهِ، لَكِنَّ الشَّأْنَ في تَمامِ حَقِيقَةِ الشُّكْرِ. وهو الِاسْتِعانَةُ بِها عَلى مَرْضاتِهِ. وقَدْ كَتَبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها إلى مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ أقَلَّ ما يَجِبُ لِلْمُنْعِمِ عَلى مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ: أنْ لا يَجْعَلَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ سَبِيلًا إلى مَعْصِيَتِهِ. وَقَدْ عُرِفَ مُرادُ الشَّيْخِ. وهو أنَّ هَذا الشُّكْرَ مُشْتَرَكٌ. وهو الِاعْتِرافُ بِنِعَمِهِ سُبْحانَهُ، والثَّناءُ عَلَيْهِ بِها، والإحْسانُ إلى خَلْقِهِ مِنها. وهَذا بِلا شَكٍّ يُوجِبُ حِفْظَها عَلَيْهِمْ والمَزِيدَ مِنها. فَهَذا الجُزْءُ مِنَ الشُّكْرِ مُشْتَرَكٌ. وقَدْ تَكُونُ ثَمَرَتُهُ في الدُّنْيا بِعاجِلِ الثَّوابِ. وفي الآخِرَةِ: بِتَخْفِيفِ العِقابِ. فَإنَّ النّارَ دَرَكاتٌ في العُقُوبَةِ مُخْتَلِفَةٌ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ الشُّكْرُ في المَكارِهِ] قال: وهَذا مِمَّنْ تَسْتَوِي عِنْدَهُ الحالاتُ: إظْهارًا لِلرِّضا. ومِمَّنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الأحْوالِ: لِكَظْمِ الغَيْظِ، وسَتْرِ الشَّكْوى. ورِعايَةِ الأدَبِ. وسَلُوكِ مَسْلَكِ العِلْمِ. وهَذا الشّاكِرُ أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ. يَعْنِي أنْ الشُّكْرَ عَلى المَكارِهِ: أشَدُّ وأصْعَبُ مِنَ الشُّكْرِ عَلى المَحابِّ. ولِهَذا كانَ فَوْقَهُ في الدَّرَجَةِ. ولا يَكُونُ إلّا مِن أحَدِ رَجُلَيْنِ: إمّا رَجُلٌ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الحالاتِ: بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ المَكْرُوهُ والمَحْبُوبُ. فَشُكْرُ هَذا: إظْهارٌ مِنهُ لِلرِّضا بِما نَزَلَ بِهِ. وهَذا مَقامُ الرِّضا. الرَّجُلُ الثّانِي: مَن يُمَيِّزُ بَيْنَ الأحْوالِ. فَهو لا يُحِبُّ المَكْرُوهَ. ولا يَرْضى بِنُزُولِهِ بِهِ. فَإذا نَزَلَ بِهِ مَكْرُوهٌ شَكَرَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ، فَكانَ شُكْرُهُ كَظْمًا لِلْغَيْظِ الَّذِي أصابَهُ، وسَتْرًا لِلشَّكْوى، ورِعايَةً مِنهُ لِلْأدَبِ، وسُلُوكًا لِمَسْلَكِ العِلْمِ. فَإنَّ العِلْمَ والأدَبَ يَأْمُرانِ بِشُكْرِ اللَّهِ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. فَهو يَسْلُكُ بِهَذا الشُّكْرِ مَسْلَكَ العِلْمِ. لِأنَّهُ شاكِرٌ لِلَّهِ شُكْرَ مَن رَضِيَ بِقَضائِهِ، كَحالِ الَّذِي قَبْلَهُ. فالَّذِي قَبْلَهُ: أرْفَعُ مِنهُ. وَإنَّما كانَ هَذا الشّاكِرُ أوَّلَ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ: لِأنَّهُ قابِلٌ لِلْمَكارِهِ - الَّتِي يُقابِلُها أكْثَرُ النّاسِ بِالجَزَعِ والسُّخْطِ، وأوْساطُهم بِالصَّبْرِ، وخاصَّتُهم بِالرِّضا - فَقابَلَها هو بِأعْلى مِن ذَلِكَ كُلِّهِ. وهو الشُّكْرُ. فَكانَ أسْبَقَهم دُخُولًا إلى الجَنَّةِ. وأوَّلَ مَن يُدْعى مِنهم إلَيْها. وَقَسَّمَ أهْلَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ إلى قِسْمَيْنِ: سابِقِينَ، ومُقَرَّبِينَ بِحَسَبِ انْقِسامِهِمْ إلى مَن يَسْتَوِي عِنْدَهُ الحالاتُ، مِنَ المَكْرُوهِ والمَحْبُوبِ، فَلا يُؤْثَرُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ. بَلْ قَدْ فَنِيَ بِإيثارِهِ ما يَرْضى لَهُ بِهِ رَبُّهُ عَمّا يَرْضاهُ هو لِنَفْسِهِ. وإلى مَن يُؤْثِرُ المَحْبُوبَ، ولَكِنْ إذا نَزَلَ بِهِ المَكْرُوهُ قابَلَهُ بِالشُّكْرِ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ أنْ لا يَشْهَدَ العَبْدُ إلّا المُنْعِمَ] قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ لا يَشْهَدَ العَبْدُ إلّا المُنْعِمَ. فَإذا شَهِدَ المُنْعِمَ عُبُودِيَّةً: اسْتَعْظَمَ مِنهُ النِّعْمَةَ. وإذا شَهِدَهُ حُبًّا: اسْتَحْلى مِنهُ الشِّدَّةَ. وإذا شَهِدَهُ تَفْرِيدًا: لَمْ يَشْهَدْ مِنهُ نِعْمَةً، ولا شَدَّةً. هَذِهِ الدَّرَجَةُ يَسْتَغْرِقُ صاحِبُها بِشُهُودِ المُنْعِمِ عَنِ النِّعْمَةِ. فَلا يَتَّسِعُ شُهُودُهُ لِلْمُنْعِمِ ولِغَيْرِهِ. وَقَسَّمَ أصْحابَها إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أصْحابُ شُهُودِ العُبُودِيَّةِ. وأصْحابُ شُهُودِ الحُبِّ. وأصْحابُ شُهُودِ التَّفْرِيدِ. وجَعَلَ لِكُلٍّ مِنهم حُكْمًا، هو أوْلى بِهِ. فَأمّا شُهُودُهُ عُبُودِيَّةً: فَهو مُشاهَدَةُ العَبْدِ لِلسَّيِّدِ بِحَقِيقَةِ العُبُودِيَّةِ والمِلْكِ لَهُ، فَإنَّ العَبِيدَ إذا حَضَرُوا بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِمْ، فَإنَّهم يَنْسَوْنَ ما هم فِيهِ مِنَ الجاهِ، والقُرْبِ الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ بِاسْتِغْراقِهِمْ في أدَبِ العُبُودِيَّةِ وحَقِّها، ومُلاحَظَتِهِمْ لِسَيِّدِهِمْ، خَوْفًا أنْ يُشِيرَ إلَيْهِمْ بِأمْرٍ، فَيَجِدَهم غافِلِينَ عَنْ مُلاحَظَتِهِ. وهَذا أمْرٌ يَعْرِفُهُ مَن شاهَدَ أحْوالَ المُلُوكِ وخَواصَّهم. فَهَذا هو شُهُودُ العَبْدِ لِلْمُنْعِمِ بِوَصْفِ عُبُودِيَّتِهِ لَهُ، واسْتِغْراقِهِ عَنِ الإحْسانِ بِما حَصَلَ لَهُ مِنهُ القُرْبُ الَّذِي تَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. فَصاحِبُ هَذا المَشْهَدِ: إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ في هَذِهِ الحالِ - مَعَ قِيامِهِ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ - يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَصْغِرَ نَفْسَهُ في حَضْرَةِ سَيِّدِهِ غايَةَ الِاسْتِصْغارِ، مَعَ امْتِلاءِ قَلْبِهِ مِن مَحَبَّتِهِ، فَأيُّ إحْسانٍ نالَهُ مِنهُ في هَذِهِ الحالَةِ. رَآهُ عَظِيمًا. والواقِعُ شاهِدٌ بِهَذا في حالِ المُحِبِّ الكامِلِ المَحَبَّةِ، المُسْتَغْرِقِ في مُشاهَدَةِ مَحْبُوبِهِ إذا ناوَلَهُ شَيْئًا يَسِيرًا. فَإنَّهُ يَراهُ في ذَلِكَ المَقامِ عَظِيمًا جِدًّا. ولا يَراهُ غَيْرُهُ كَذَلِكَ. القِسْمُ الثّانِي: يَشْهَدُ الحَقَّ شُهُودَ مَحَبَّةٍ غالِبَةٍ قاهِرَةٍ لَهُ، مُسْتَغْرِقٌ في شُهُودِهِ كَذَلِكَ. فَإنَّهُ يَسْتَحْلِي في هَذِهِ الحالِ الشِّدَّةَ مِنهُ. لِأنَّ المُحِبَّ يَسْتَحْلِي فِعْلَ المَحْبُوبِ بِهِ. وَأقَلُّ ما في هَذا المَشْهَدِ: أنْ يُخِفَّ عَلَيْهِ حِمْلُ الشَّدائِدِ، إنْ لَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِاسْتِحْلائِها. وفي هَذا مِنَ الحِكاياتِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ النّاسِ ما يُغْنِي عَنْ ذِكْرِها، كَحالِ الَّذِي كانَ يُضْرَبُ بِالسِّياطِ ولا يَتَحَرَّكُ، حَتّى ضُرِبَ آخَرَ سَوْطٍ. فَصاحَ صِياحًا شَدِيدًا. فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: العَيْنُ الَّتِي كانَتْ تَنْظُرُ إلَيَّ وقْتَ الضَّرْبِ كانَتْ تَمْنَعُنِي مِنَ الإحْساسِ بِالألَمِ. فَلَمّا فَقَدْتُها وجَدْتُ ألَمَ الضَّرْبِ. وَهَذِهِ الحالُ عارِضَةٌ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ. فَإنَّ الطَّبِيعَةَ تَأْبى اسْتِحْلاءَ المُنافِي كاسْتِحْلاءِ المُوافِقِ. نَعَمْ قَدْ يَقْوى سُلْطانُ المَحَبَّةِ حَتّى يَسْتَحْلِيَ المُحِبُّ ما يَسْتَمِرُّهُ غَيْرُهُ. ويَسْتَخِفَّ ما يَسْتَثْقِلُهُ غَيْرُهُ. ويَأْنَسَ بِما يَسْتَوْحِشُ مِنهُ الخَلِيُّ. ويَسْتَوْحِشَ مِمّا يَأْنَسُ بِهِ، ويَسْتَلِينَ ما يَسْتَوْعِرُهُ. وقُوَّةُ هَذا وضَعْفُهُ بِحَسَبِ قَهْرِ سُلْطانِ المَحَبَّةِ، وغَلَبَتِهِ عَلى قَلْبِ المُحِبِّ. القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَشْهَدَهُ تَفْرِيدًا. فَإنَّهُ لا يَشْهَدُ مَعَهُ نِعْمَةً ولا شِدَّةً. يَقُولُ: إنَّ شُهُودَ التَّفْرِيدِ: يُفْنِي الرَّسْمَ. وهَذِهِ حالُ الفَناءِ المُسْتَغْرِقِ فِيهِ، الَّذِي لا يَشْهَدُ نِعْمَةً ولا بَلِيَّةً. فَإنَّهُ يَغِيبُ بِمَشْهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِ لَهُ. ويَفْنى بِهِ عَنْهُ. فَكَيْفَ يَشْهَدُ مَعَهُ نِعْمَةً أوْ بَلِيَّةً؟

النحل 16:121

أثنى الله سُبْحانَهُ على إبْراهِيم خَلِيله بقوله تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ﴾ فَهَذِهِ أرْبَع أنواع من الثَّناء افتتحها بِأنَّهُ أمة، والأمة هو القدْوَة الَّذِي يؤتم بِهِ. قالَ ابْن مَسْعُود والأمة المعلم للخير. وَهِي فعلة من الائتمام كقدوة وهو الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ. والفرق بَين الأمة والإمام من وجْهَيْن: أحدهما أن الإمام كل ما يؤتم بِهِ سَواء كانَ بِقَصْدِهِ وشعوره أو لا، ومِنه سمي الطَّرِيق إمامًا كَقوله تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ أي بطرِيق واضح لا يخفى على السالك، ولا يُسمى الطَّرِيق أمة. الثّانِي أن الأمة فِيهِ زِيادَة معنى وهو الَّذِي جمع صِفات الكَمال من العلم والعَمَل بِحَيْثُ بَقِي فِيها فَردا وحده، فَهو الجامِع لخصال تَفَرَّقت في غَيره فَكَأنَّهُ باين غَيره باجتماعها فِيهِ وتفرقها، أوْ عدمها في غَيره. وَلَفظ الأمة يشْعر بِهَذا المَعْنى لما فِيهِ من المِيم المضعفة الدّالَّة على الضَّم بمخرجها وتكريرها، وكَذَلِكَ ضم أوله فَإن الضمة من الواو ومخرجها يَنْضَم عند النُّطْق بها، وأتى بِالتّاءِ الدّالَّة على الوحدَة كالغرفة واللقمة. وَمِنه الحَدِيث "إن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل يبْعَث يَوْم القِيامَة أمة وحده" فالضم والاجتماع لازم لِمَعْنى الأمة، ومِنه سميت الأمة الَّتِي هي آحاد الأمم لأنهم النّاس المجتمعون على دين واحِد أوْ في عصر واحِد. الثّانِي قَوْله ﴿قانِتًا لله﴾ قالَ ابْن مَسْعُود القانت المُطِيع. والقنوت يُفَسر بأشياء كلها ترجع إلى دوام الطّاعَة. الثّالِث قَوْله ﴿حَنِيفا﴾ والحنيف المقبل على الله، ويلْزم هَذا المَعْنى ميله عَمّا سواهُ فالميل لازم معنى الحنيف لا أنه مَوْضُوعه لُغَة. الرّابِع قَوْله ﴿شاكرا لأنعمه﴾ والشُّكْر للنعم مَبْنِيّ على ثَلاثَة أركان الإقرار بِالنعْمَةِ، وإضافتها إلى المُنعم بها، وصرفها في مرضاته، والعَمَل فِيها بِما يجب فَلا يكون العَبْد شاعِرًا إلّا بِهَذِهِ الأشياء الثَّلاثَة. والمَقْصُود أنه مدح خَلِيله بأربع صِفات كلها ترجع إلى العلم والعَمَل بِمُوجبِه، وتعليمه ونشره، فَعاد الكَمال كُله إلى العلم والعَمَل بِمُوجبِه ودعوة الخلق إليه. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الشُّكْرِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الشُّكْرِ وَهِيَ مِن أعْلى المَنازِلِ. وهي فَوْقَ مَنزِلَةِ الرِّضا وزِيادَةٌ. فالرِّضا مُنْدَرِجٌ في الشُّكْرِ. إذْ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الشُّكْرِ بِدُونِهِ. وَهُوَ نِصْفُ الإيمانِ - كَما تَقَدَّمَ - والإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ شُكْرٌ. ونِصْفٌ صَبْرٌ. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِهِ. ونَهى عَنْ ضِدِّهِ، وأثْنى عَلى أهْلِهِ. ووَصَفَ بِهِ خَواصَّ خَلْقِهِ. وجَعَلَهُ غايَةَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ. ووَعَدَ أهْلَهُ بِأحْسَنِ جَزائِهِ. وجَعَلَهُ سَبَبًا لِلْمَزِيدِ مِن فَضْلِهِ. وحارِسًا وحافِظًا لِنِعْمَتِهِ. وأخْبَرَ أنَّ أهْلَهُ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِآياتِهِ. واشْتَقَّ لَهُمُ اسْمًا مِن أسْمائِهِ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هو الشَّكُورُ وهو يُوَصِلُ الشّاكِرَ إلى مَشْكُورِهِ بَلْ يُعِيدُ الشّاكِرَ مَشْكُورًا. وهو غايَةُ الرَّبِّ مِن عَبْدِهِ. وأهْلُهُ هُمُ القَلِيلُ مِن عِبادِهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤] وقالَ ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقالَ عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ ﷺ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ - شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢٠-١٢١] وقالَ عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] وَقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] وقالَ تَعالى: ﴿واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] وقالَ تَعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] وَسَمّى نَفْسَهُ شاكِرًا وشَكُورًا وسَمّى الشّاكِرِينَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ. فَأعْطاهم مِن وصْفِهِ. وسَمّاهم بِاسْمِهِ. وحَسْبُكَ بِهَذا مَحَبَّةً لِلشّاكِرِينَ وفَضْلًا. وَإعادَتُهُ لِلشّاكِرِ مَشْكُورًا. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] وَرِضا الرَّبِّ عَنْ عَبْدِهِ بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وقِلَّةُ أهْلِهِ في العالَمِينَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم هم خَواصُّهُ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ. فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذا وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟ فَقالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟». «وَقالَ لِمُعاذٍ واللَّهِ يا مُعاذُ، إنِّي لَأُحِبُّكَ. فَلا تَنْسَ أنْ تَقُولَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبادَتِكَ». وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ: اللَّهُمَّ أعِنِّي ولا تُعِنْ عَلَيَّ. وانْصُرْنِي ولا تَنْصُرْ عَلَيَّ. وامَكْرُ لِي ولا تَمْكُرْ بِي. واهْدِنِي ويَسِّرِ الهُدى لِي. وانْصُرْنِي عَلى مَن بَغى عَلَيَّ. رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكّارًا لَكَ ذَكّارًا لَكَ رَهّابًا لَكَ مُطاوِعًا لَكَ مُخْبِتًا إلَيْكَ أوّاهًا مُنِيبًا. رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي. واغْسِلْ حَوْبَتِي. وأجِبْ دَعْوَتِي. وثَبِّتْ حُجَّتِي. واهْدِ قَلْبِي. وسَدِّدْ لِسانِي. واسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي». [فَصْلٍ أصْلُ الشُّكْرِ في اللُّغَةِ] فَصْلٍ وأصْلُ الشُّكْرِ في وضْعِ اللِّسانِ: ظُهُورُ أثَرِ الغِذاءِ في أبْدانِ الحَيَوانِ ظُهُورًا بَيِّنًا. يُقالُ: شَكِرَتِ الدّابَّةُ تَشْكَرُ شَكَرًا عَلى وزْنِ سَمِنَتْ تَسْمَنُ سِمَنًا: إذا ظَهَرَ عَلَيْها أثَرُ العَلَفِ، ودابَّةٌ شَكُورٌ: إذا ظَهَرَ عَلَيْها مِنَ السِّمَنِ فَوْقَ ما تَأْكُلُ وتُعْطى مِنَ العَلَفِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَتّى إنَّ الدَّوابَّ لَتَشْكَرُ مِن لُحُومِهِمْ أيْ لَتَسَمَنُ مِن كَثْرَةِ ما تَأْكُلُ مِنها. وَكَذَلِكَ حَقِيقَتُهُ في العُبُودِيَّةِ. وهو ظُهُورُ أثَرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى لِسانِ عَبْدِهِ: ثَناءً واعْتِرافًا. وعَلى قَلْبِهِ: شُهُودًا ومَحَبَّةً. وعَلى جَوارِحِهِ: انْقِيادًا وطاعَةً. والشُّكْرُ مَبْنِيٌ عَلى خَمْسِ قَواعِدَ: خُضُوعُ الشّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ. وحُبُّهُ لَهُ. واعْتِرافُهُ بِنِعْمَتِهِ. وثَناؤُهُ عَلَيْهِ بِها. وأنْ لا يَسْتَعْمِلَها فِيما يَكْرَهُ. فَهَذِهِ الخَمْسُ: هي أساسُ الشُّكْرِ. وبِناؤُهُ عَلَيْها. فَمَتى عُدِمَ مِنها واحِدَةً: اخْتَلَّ مِن قَواعِدِ الشُّكْرِ قاعِدَةٌ. وَكُلُّ مَن تَكَلَّمَ في الشُّكْرِ وحْدَهُ، فَكَلامُهُ إلَيْها يَرْجِعُ. وعَلَيْها يَدُورُ. فَقِيلَ: حَدُّهُ الِاعْتِرافُ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ عَلى وجْهِ الخُضُوعِ. وَقِيلَ: الثَّناءُ عَلى المُحْسِنِ بِذِكْرِ إحْسانِهِ. وَقِيلَ: هو عُكُوفُ القَلْبِ عَلى مَحَبَّةِ النِّعَمِ، والجَوارِحِ عَلى طاعَتِهِ، وجَرَيانُ اللِّسانِ بِذِكْرِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: هو مُشاهَدَةُ المِنَّةِ. وحِفْظُ الحُرْمَةِ. وَما ألْطَفَ ما قالَ حَمْدُونُ القَصّارُ: شُكْرُ النِّعْمَةِ أنْ تَرى نَفْسَكَ فِيها طُفَيْلِيًّا. وَقالَ أبُو عُثْمانَ: الشُّكْرُ مَعْرِفَةُ العَجْزِ عَنِ الشُّكْرِ. وَقِيلَ: الشُّكْرُ إضافَةُ النِّعَمِ إلى مُولِيها بِنَعْتِ الِاسْتِكانَةِ لَهُ. وَقالَ الجُنَيْدُ: الشُّكْرُ أنْ لا تَرى نَفْسَكَ أهْلًا لِلنِّعْمَةِ. هَذا مَعْنى قَوْلِ حَمْدُونَ أنْ يَرى نَفْسَهُ فِيها طُفَيْلِيًّا. وَقالَ رُوَيْمٌ: الشُّكْرُ اسْتِفْراغُ الطّاقَةِ. وَقالَ الشِّبْلِيُّ: الشُّكْرُ رُؤْيَةُ المُنْعِمِ لا رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ. قُلْتُ: يَحْتَمِلُ كَلامُهُ أمْرَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ يَفْنى بِرُؤْيَةِ المُنْعِمِ عَنْ رُؤْيَةِ نِعَمِهِ. والثّانِي: أنْ لا تَحْجُبَهُ رُؤْيَةُ نِعَمِهِ ومُشاهَدَتُها عَنْ رُؤْيَةِ المُنْعِمِ بِها. وهَذا أكْمَلُ. والأوَّلُ أقْوى عِنْدَهم. والكَمالُ: أنْ تَشْهَدَ النِّعْمَةَ والمُنْعِمَ. لِأنَّ شُكْرَهُ بِحَسَبِ شُهُودِ النِّعْمَةِ. فَكُلَّما كانَ أتَمَّ كانَ الشُّكْرُ أكْمَلَ. واللَّهُ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ: أنْ يَشْهَدَ نِعَمَهُ، ويَعْتَرِفَ لَهُ بِها. ويُثْنِيَ عَلَيْهِ بِها. ويُحِبُّهُ عَلَيْها. لا أنْ يَفْنى عَنْها. ويَغِيبَ عَنْ شُهُودِها. وَقِيلَ: الشُّكْرُ قَيْدُ النِّعَمِ المَوْجُودَةِ، وصَيْدُ النِّعَمِ المَفْقُودَةِ. وَشُكْرُ العامَّةِ: عَلى المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ، وقُوتِ الأبْدانِ. وَشُكْرُ الخاصَّةِ: عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ وقُوتِ القُلُوبِ. وَقالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ، كَيْفَ أشْكُرُكَ؟ وشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ عَلَيَّ مِن عِنْدِكَ تَسْتَوْجِبُ بِها شُكْرًا. فَقالَ: الآنَ شَكَرْتَنِي يا داوُدُ. وَفِي أثَرٍ آخَرَ إسْرائِيلِيٍّ: أنَّ مُوسى ﷺ قالَ يا رَبِّ، خَلَقْتَ آدَمَ بِيَدِكَ. ونَفَخْتَ فِيهِ مِن رُوحِكَ. وأسْجَدْتَ لَهُ مَلائِكَتَكَ. وعَلَّمْتَهُ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ. وفَعَلْتَ وفَعَلْتَ. فَكَيْفَ شَكَرَكَ؟ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِنِّي. فَكانَتْ مَعْرِفَتُهُ بِذَلِكَ شُكْرًا لِي. وَقِيلَ: الشُّكْرُ التَّلَذُّذُ بِثَنائِهِ، عَلى ما لَمْ تَسْتَوْجِبْ مِن عَطائِهِ. وَقالَ الجُنَيْدُ - وقَدْ سَألَهُ سَرِيٌّ عَنِ الشُّكْرِ، وهو صَبِيٌّ - الشُّكْرُ: أنْ لا يُسْتَعانَ بِشَيْءٍ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلى مَعاصِيهِ. فَقالَ: مِن أيْنَ لَكَ هَذا؟ قالَ: مِن مُجالَسَتِكَ. وَقِيلَ: مَن قَصُرَتْ يَداهُ عَنِ المُكافَآتِ فَلْيَطُلْ لِسانُهُ بِالشُّكْرِ. والشُّكْرُ مَعَهُ المَزِيدُ أبَدًا. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فَمَتى لَمْ تَرَ حالَكَ في مَزِيدٍ. فاسْتَقْبِلِ الشُّكْرَ. وَفِي أثَرٍ إلَهِيٍّ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ «أهْلُ ذِكْرِي أهْلُ مُجالَسَتِي، وأهْلُ شُكْرِي أهْلُ زِيادَتِي، وأهْلُ طاعَتِي أهْلُ كَرامَتِي، وأهْلُ مَعْصِيَتِي لا أُقَنِّطُهم مِن رَحْمَتِي. إنْ تابُوا فَأنا حَبِيبُهُمْ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأنا طَبِيبُهم. أبْتَلِيهِمْ بِالمَصائِبِ، لِأُطَهِّرَهم مِنَ المَعايِبِ». وَقِيلَ: مَن كَتَمَ النِّعْمَةَ فَقَدْ كَفَرَها. ومَن أظْهَرَها ونَشَرَها فَقَدْ شَكَرَها. وَهَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ إذا أنْعَمَ عَلى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ أحَبَّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ». وَفِي هَذا قِيلَ: ؎وَمِنَ الرَّزِيَّةِ أنَّ شُكْرِيَ صامِتٌ ∗∗∗ عَمّا فَعَلْتَ وأنَّ بِرَّكَ ناطِقُ ؎وَأرى الصَّنِيعَةَ مِنكَ ثُمَّ أُسِرُّها ∗∗∗ إنِّي إذًا لِنَدى الكَرِيمِ لَسارِقُ [فَصْلٌ دَرَجاتُ الشُّكْرِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى الشُّكْرُ عَلى المَحابِّ] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: الشُّكْرُ عَلى المُحابِّ. وهَذا شُكْرٌ تَشارَكَتْ فِيهِ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ومِن سِعَةِ رَحْمَةِ البارِي سُبْحانَهُ: أنْ عَدَّهُ شُكْرًا. ووَعَدَ عَلَيْهِ الزِّيادَةَ، وأوْجَبَ فِيهِ المَثُوبَةَ. إذا عَلِمْتَ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ وأنَّ جُزْءَ حَقِيقَتِهِ: الِاسْتِعانَةُ بِنِعَمِ المُنْعِمِ عَلى طاعَتِهِ ومَرْضاتِهِ: عَلِمْتَ اخْتِصاصَ أهْلِ الإسْلامِ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ. وأنَّ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ عَلى المَحابِّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ. نَعَمْ لِغَيْرِهِمْ مِنها بَعْضُ أرْكانِها وأجْزائِها، كالِاعْتِرافِ بِالنِّعْمَةِ، والثَّناءِ عَلى المُنْعِمِ بِها. فَإنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ في نِعَمِ اللَّهِ، وكُلُّ مَن أقَرَّ بِاللَّهِ رَبًّا، وتَفَرَّدَهُ بِالخَلْقِ والإحْسانِ. فَإنَّهُ يُضِيفُ نِعْمَتَهُ إلَيْهِ، لَكِنَّ الشَّأْنَ في تَمامِ حَقِيقَةِ الشُّكْرِ. وهو الِاسْتِعانَةُ بِها عَلى مَرْضاتِهِ. وقَدْ كَتَبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها إلى مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ أقَلَّ ما يَجِبُ لِلْمُنْعِمِ عَلى مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ: أنْ لا يَجْعَلَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ سَبِيلًا إلى مَعْصِيَتِهِ. وَقَدْ عُرِفَ مُرادُ الشَّيْخِ. وهو أنَّ هَذا الشُّكْرَ مُشْتَرَكٌ. وهو الِاعْتِرافُ بِنِعَمِهِ سُبْحانَهُ، والثَّناءُ عَلَيْهِ بِها، والإحْسانُ إلى خَلْقِهِ مِنها. وهَذا بِلا شَكٍّ يُوجِبُ حِفْظَها عَلَيْهِمْ والمَزِيدَ مِنها. فَهَذا الجُزْءُ مِنَ الشُّكْرِ مُشْتَرَكٌ. وقَدْ تَكُونُ ثَمَرَتُهُ في الدُّنْيا بِعاجِلِ الثَّوابِ. وفي الآخِرَةِ: بِتَخْفِيفِ العِقابِ. فَإنَّ النّارَ دَرَكاتٌ في العُقُوبَةِ مُخْتَلِفَةٌ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ الشُّكْرُ في المَكارِهِ] قال: وهَذا مِمَّنْ تَسْتَوِي عِنْدَهُ الحالاتُ: إظْهارًا لِلرِّضا. ومِمَّنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الأحْوالِ: لِكَظْمِ الغَيْظِ، وسَتْرِ الشَّكْوى. ورِعايَةِ الأدَبِ. وسَلُوكِ مَسْلَكِ العِلْمِ. وهَذا الشّاكِرُ أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ. يَعْنِي أنْ الشُّكْرَ عَلى المَكارِهِ: أشَدُّ وأصْعَبُ مِنَ الشُّكْرِ عَلى المَحابِّ. ولِهَذا كانَ فَوْقَهُ في الدَّرَجَةِ. ولا يَكُونُ إلّا مِن أحَدِ رَجُلَيْنِ: إمّا رَجُلٌ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الحالاتِ: بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ المَكْرُوهُ والمَحْبُوبُ. فَشُكْرُ هَذا: إظْهارٌ مِنهُ لِلرِّضا بِما نَزَلَ بِهِ. وهَذا مَقامُ الرِّضا. الرَّجُلُ الثّانِي: مَن يُمَيِّزُ بَيْنَ الأحْوالِ. فَهو لا يُحِبُّ المَكْرُوهَ. ولا يَرْضى بِنُزُولِهِ بِهِ. فَإذا نَزَلَ بِهِ مَكْرُوهٌ شَكَرَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ، فَكانَ شُكْرُهُ كَظْمًا لِلْغَيْظِ الَّذِي أصابَهُ، وسَتْرًا لِلشَّكْوى، ورِعايَةً مِنهُ لِلْأدَبِ، وسُلُوكًا لِمَسْلَكِ العِلْمِ. فَإنَّ العِلْمَ والأدَبَ يَأْمُرانِ بِشُكْرِ اللَّهِ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. فَهو يَسْلُكُ بِهَذا الشُّكْرِ مَسْلَكَ العِلْمِ. لِأنَّهُ شاكِرٌ لِلَّهِ شُكْرَ مَن رَضِيَ بِقَضائِهِ، كَحالِ الَّذِي قَبْلَهُ. فالَّذِي قَبْلَهُ: أرْفَعُ مِنهُ. وَإنَّما كانَ هَذا الشّاكِرُ أوَّلَ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ: لِأنَّهُ قابِلٌ لِلْمَكارِهِ - الَّتِي يُقابِلُها أكْثَرُ النّاسِ بِالجَزَعِ والسُّخْطِ، وأوْساطُهم بِالصَّبْرِ، وخاصَّتُهم بِالرِّضا - فَقابَلَها هو بِأعْلى مِن ذَلِكَ كُلِّهِ. وهو الشُّكْرُ. فَكانَ أسْبَقَهم دُخُولًا إلى الجَنَّةِ. وأوَّلَ مَن يُدْعى مِنهم إلَيْها. وَقَسَّمَ أهْلَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ إلى قِسْمَيْنِ: سابِقِينَ، ومُقَرَّبِينَ بِحَسَبِ انْقِسامِهِمْ إلى مَن يَسْتَوِي عِنْدَهُ الحالاتُ، مِنَ المَكْرُوهِ والمَحْبُوبِ، فَلا يُؤْثَرُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ. بَلْ قَدْ فَنِيَ بِإيثارِهِ ما يَرْضى لَهُ بِهِ رَبُّهُ عَمّا يَرْضاهُ هو لِنَفْسِهِ. وإلى مَن يُؤْثِرُ المَحْبُوبَ، ولَكِنْ إذا نَزَلَ بِهِ المَكْرُوهُ قابَلَهُ بِالشُّكْرِ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ أنْ لا يَشْهَدَ العَبْدُ إلّا المُنْعِمَ] قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ لا يَشْهَدَ العَبْدُ إلّا المُنْعِمَ. فَإذا شَهِدَ المُنْعِمَ عُبُودِيَّةً: اسْتَعْظَمَ مِنهُ النِّعْمَةَ. وإذا شَهِدَهُ حُبًّا: اسْتَحْلى مِنهُ الشِّدَّةَ. وإذا شَهِدَهُ تَفْرِيدًا: لَمْ يَشْهَدْ مِنهُ نِعْمَةً، ولا شَدَّةً. هَذِهِ الدَّرَجَةُ يَسْتَغْرِقُ صاحِبُها بِشُهُودِ المُنْعِمِ عَنِ النِّعْمَةِ. فَلا يَتَّسِعُ شُهُودُهُ لِلْمُنْعِمِ ولِغَيْرِهِ. وَقَسَّمَ أصْحابَها إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أصْحابُ شُهُودِ العُبُودِيَّةِ. وأصْحابُ شُهُودِ الحُبِّ. وأصْحابُ شُهُودِ التَّفْرِيدِ. وجَعَلَ لِكُلٍّ مِنهم حُكْمًا، هو أوْلى بِهِ. فَأمّا شُهُودُهُ عُبُودِيَّةً: فَهو مُشاهَدَةُ العَبْدِ لِلسَّيِّدِ بِحَقِيقَةِ العُبُودِيَّةِ والمِلْكِ لَهُ، فَإنَّ العَبِيدَ إذا حَضَرُوا بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِمْ، فَإنَّهم يَنْسَوْنَ ما هم فِيهِ مِنَ الجاهِ، والقُرْبِ الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ بِاسْتِغْراقِهِمْ في أدَبِ العُبُودِيَّةِ وحَقِّها، ومُلاحَظَتِهِمْ لِسَيِّدِهِمْ، خَوْفًا أنْ يُشِيرَ إلَيْهِمْ بِأمْرٍ، فَيَجِدَهم غافِلِينَ عَنْ مُلاحَظَتِهِ. وهَذا أمْرٌ يَعْرِفُهُ مَن شاهَدَ أحْوالَ المُلُوكِ وخَواصَّهم. فَهَذا هو شُهُودُ العَبْدِ لِلْمُنْعِمِ بِوَصْفِ عُبُودِيَّتِهِ لَهُ، واسْتِغْراقِهِ عَنِ الإحْسانِ بِما حَصَلَ لَهُ مِنهُ القُرْبُ الَّذِي تَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. فَصاحِبُ هَذا المَشْهَدِ: إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ في هَذِهِ الحالِ - مَعَ قِيامِهِ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ - يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَصْغِرَ نَفْسَهُ في حَضْرَةِ سَيِّدِهِ غايَةَ الِاسْتِصْغارِ، مَعَ امْتِلاءِ قَلْبِهِ مِن مَحَبَّتِهِ، فَأيُّ إحْسانٍ نالَهُ مِنهُ في هَذِهِ الحالَةِ. رَآهُ عَظِيمًا. والواقِعُ شاهِدٌ بِهَذا في حالِ المُحِبِّ الكامِلِ المَحَبَّةِ، المُسْتَغْرِقِ في مُشاهَدَةِ مَحْبُوبِهِ إذا ناوَلَهُ شَيْئًا يَسِيرًا. فَإنَّهُ يَراهُ في ذَلِكَ المَقامِ عَظِيمًا جِدًّا. ولا يَراهُ غَيْرُهُ كَذَلِكَ. القِسْمُ الثّانِي: يَشْهَدُ الحَقَّ شُهُودَ مَحَبَّةٍ غالِبَةٍ قاهِرَةٍ لَهُ، مُسْتَغْرِقٌ في شُهُودِهِ كَذَلِكَ. فَإنَّهُ يَسْتَحْلِي في هَذِهِ الحالِ الشِّدَّةَ مِنهُ. لِأنَّ المُحِبَّ يَسْتَحْلِي فِعْلَ المَحْبُوبِ بِهِ. وَأقَلُّ ما في هَذا المَشْهَدِ: أنْ يُخِفَّ عَلَيْهِ حِمْلُ الشَّدائِدِ، إنْ لَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِاسْتِحْلائِها. وفي هَذا مِنَ الحِكاياتِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ النّاسِ ما يُغْنِي عَنْ ذِكْرِها، كَحالِ الَّذِي كانَ يُضْرَبُ بِالسِّياطِ ولا يَتَحَرَّكُ، حَتّى ضُرِبَ آخَرَ سَوْطٍ. فَصاحَ صِياحًا شَدِيدًا. فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: العَيْنُ الَّتِي كانَتْ تَنْظُرُ إلَيَّ وقْتَ الضَّرْبِ كانَتْ تَمْنَعُنِي مِنَ الإحْساسِ بِالألَمِ. فَلَمّا فَقَدْتُها وجَدْتُ ألَمَ الضَّرْبِ. وَهَذِهِ الحالُ عارِضَةٌ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ. فَإنَّ الطَّبِيعَةَ تَأْبى اسْتِحْلاءَ المُنافِي كاسْتِحْلاءِ المُوافِقِ. نَعَمْ قَدْ يَقْوى سُلْطانُ المَحَبَّةِ حَتّى يَسْتَحْلِيَ المُحِبُّ ما يَسْتَمِرُّهُ غَيْرُهُ. ويَسْتَخِفَّ ما يَسْتَثْقِلُهُ غَيْرُهُ. ويَأْنَسَ بِما يَسْتَوْحِشُ مِنهُ الخَلِيُّ. ويَسْتَوْحِشَ مِمّا يَأْنَسُ بِهِ، ويَسْتَلِينَ ما يَسْتَوْعِرُهُ. وقُوَّةُ هَذا وضَعْفُهُ بِحَسَبِ قَهْرِ سُلْطانِ المَحَبَّةِ، وغَلَبَتِهِ عَلى قَلْبِ المُحِبِّ. القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَشْهَدَهُ تَفْرِيدًا. فَإنَّهُ لا يَشْهَدُ مَعَهُ نِعْمَةً ولا شِدَّةً. يَقُولُ: إنَّ شُهُودَ التَّفْرِيدِ: يُفْنِي الرَّسْمَ. وهَذِهِ حالُ الفَناءِ المُسْتَغْرِقِ فِيهِ، الَّذِي لا يَشْهَدُ نِعْمَةً ولا بَلِيَّةً. فَإنَّهُ يَغِيبُ بِمَشْهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِ لَهُ. ويَفْنى بِهِ عَنْهُ. فَكَيْفَ يَشْهَدُ مَعَهُ نِعْمَةً أوْ بَلِيَّةً؟

النحل 16:122

[فَصْلٌ: جَزاءُ المُخْلِصِ] وَقَوْلُهُ: " فَما ظَنُّك بِثَوابٍ عِنْدَ اللَّهِ في عاجِلِ رِزْقِهِ وخَزائِنِ رَحْمَتِهِ " يُرِيدُ بِهِ تَعْظِيمَ جَزاءِ المُخْلِصِ وأنَّهُ رِزْقٌ عاجِلٌ إمّا لِلْقَلْبِ أوْ لِلْبَدَنِ أوْ لَهُما. ورَحْمَتُهُ مُدَّخَرَةٌ في خَزائِنِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَجْزِي العَبْدَ عَلى ما عَمِلَ مِن خَيْرٍ في الدُّنْيا ولا بُدَّ، ثُمَّ في الآخِرَةِ يُوفِيهِ أجْرَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فَما يَحْصُلُ في الدُّنْيا مِن الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لَيْسَ جَزاءُ تَوْفِيَةٍ، وإنْ كانَ نَوْعًا آخَرَ كَما قالَ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] وهَذا نَظِيرُ قَوْله تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ آتى خَلِيلَهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا مِن النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ في نَفْسِهِ وقَلْبِهِ ووَلَدِهِ ومالِهِ وحَياتِهِ الطَّيِّبَةِ، ولَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ أجْرُ تَوْفِيَةٍ، وقَدْ دَلَّ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلى أنَّ لِكُلِّ مَن عَمِلَ خَيْرًا أجْرَيْنِ: عَمَلُهُ في الدُّنْيا ويُكَمَّلُ لَهُ أجْرُهُ في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠] وفي الآيَةِ الأُخْرى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١]، وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقالَ فِيها عَنْ خَلِيلِهِ: ﴿وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢] فَقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى في هَذِهِ السُّورَةِ دُونَ غَيْرِها في أرْبَعَةِ مَواضِعَ لِسِرٍّ بَدِيعٍ، فَإنَّها سُورَةُ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيها أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها، فَعَرَّفَ عِبادَهُ أنَّ لَهم عِنْدَهُ في الآخِرَةِ مِن النِّعَمِ أضْعافَ هَذِهِ بِما لا يُدْرَكُ تَفاوُتُهُ، وأنَّ هَذِهِ مِن بَعْضِ نِعَمِهِ العاجِلَةِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم إنْ أطاعُوهُ زادَهم إلى هَذِهِ النِّعَمِ نِعَمًا أُخْرى، ثُمَّ في الآخِرَةِ يُوَفِّيهِمْ أُجُورَ أعْمالِهِمْ تَمامَ التَّوْفِيَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] فَلِهَذا قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ: " فَما ظَنُّك بِثَوابٍ عِنْدَ اللَّهِ في عاجِلِ رِزْقِهِ وخَزائِنِ رَحْمَتِهِ، والسَّلامُ ". فَهَذا بَعْضُ ما يَتَعَلَّقُ بِكِتابِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن الحِكَمِ والفَوائِدِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

النحل 16:125

جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق. فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه: يدعى بطريق الحكمة. والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يدعى بالموعظة الحسنة. وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. والمعاند الجاحد: يجادل بالتي هي أحسن. هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية. لا ما يزعم أسير منطق اليونان: أن الحكمة قياس البرهان. وهي دعوة الخواص، والموعظة الحسنة: قياس الخطابة، وهي دعوة العوام. وبالمجادلة بالتي هي أحسن: القياس الجدلي. وهو رد شغب المشاغب بقياس جدلي مسلّم المقدمات. وهذا باطل. وهو مبني على أصول الفلسفة. وهو مناف لأصول المسلمين. وقواعد الدين من وجوه كثيرة. ليس هذا موضع ذكرها. (فصل) ذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو، فإنه إما أن يكون طالبا للحق راغبا فيه محبا له مؤثرا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال. وإما أن يكون معرضا مشتغلا بضد الحق ولكن لو عرفه عرفه وآثره واتبعه فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب. وإما أن يكون معاندا معارضا فهذا يجادل بالتي هي أحسن فإن رجع إلى الحق وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن. فلمناظرة المبطل فائدتان أحدهما: أن يرد عن باطله ويرجع إلى الحق الثانية: أن ينكف شره وعداوته ويتبين للناس أن الذي معه باطل وهذه الوجوه كلها لا يمكن أن تنال بأحسن من حجج القرآن ومناظرته للطوائف فإنه كفيل بذلك على أتم الوجوه لمن تأمله وتدبره ورزق فهما فيه وحججه مع أنها في أعلى مراتب الحجج وهي طريقة أخرى غير طريقة المتكلمين وأرباب الجدل والمعقولات فهي أقرب شيء تناولا وأوضح دلالة وأقوى برهانا وأبعد من كل شبهة وتشكيك. وأما طريق المتكلمين وأرباب الجدل فهي كما قال الخبير بها ؎حجج تهافت كالزجاج تخالها ∗∗∗ حقا وكل كاسر مكسور وأخص أوصافها أنها تعطيك مناقضة الخصوم واضطراب أقوالهم وأما أن تعطيك علما وهدى ؎فإذا بعثت إلىالسباخ برائد ∗∗∗ تبغي الرياض فقد ظلمت الرائدا وإذا كان هذا حالها وهي خير من طريق الفلاسفة وأقرب إلى الحق فكيف يعارض الوحي بهذه الطرق وهذه ثم تقدم عليه. (فصل) قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: أبْنِيَةُ التَّذَكُّرِ ثَلاثَةٌ: الِانْتِفاعُ بِالعِظَةِ، والِاسْتِبْصارُ بِالعِبْرَةِ، والظَّفَرُ بِثَمَرَةِ الفِكْرَةِ. الِانْتِفاعُ بِالعِظَةِ: هو أنْ يَقْدَحَ في القَلْبِ قادِحُ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَيَتَحَرَّكَ لِلْعَمَلِ، طَلَبًا لِلْخَلاصِ مِنَ الخَوْفِ، ورَغْبَةً في حُصُولِ المَرْجُوِّ. والعِظَةُ هي الأمْرُ والنَّهْيُ، المَقْرُونُ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. والعِظَةُ نَوْعانِ: عِظَةٌ بِالمَسْمُوعِ، وعِظَةٌ بِالمَشْهُودِ، فالعِظَةُ بِالمَسْمُوعِ الِانْتِفاعُ بِما يَسْمَعُهُ مِنَ الهُدى والرُّشْدِ، والنَّصائِحِ الَّتِي جاءَتْ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ وما أُوحِيَ إلَيْهِمْ، وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِالعِظَةِ مِن كُلِّ ناصِحٍ ومُرْشِدٍ في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. والعِظَةُ بِالمَشْهُودِ الِانْتِفاعُ بِما يَراهُ ويَشْهَدُهُ في العالَمِ مِن مَواقِعِ العِبَرِ، وأحْكامِ القَدَرِ، ومَجارِيهِ، وما يُشاهِدُهُ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ. وَأمّا اسْتِبْصارُ العِبْرَةِ فَهو زِيادَةُ البَصِيرَةِ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ في مَنزِلِ التَّفَكُّرِ بِقُوَّةِ الِاسْتِحْضارِ، لِأنَّ التَّذَكُّرَ يَعْتَقِلُ المَعانِي الَّتِي حَصَلَتْ بِالتَّفَكُّرِ في مَواقِعِ الآياتِ والعِبَرِ، فَهو يَظْفَرُ بِها بِالتَّفَكُّرِ، وتَنْصَقِلُ لَهُ وتَنْجَلِي بِالتَّذَكُّرِ، فَيَقْوى العَزْمُ عَلى السَّيْرِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الِاسْتِبْصارِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ تَحْدِيدَ النَّظَرِ فِيما يُحَرِّكُ المَطْلَبَ إذِ الطَّلَبُ فَرْعُ الشُّعُورِ، فَكُلَّما قَوِيَ الشُّعُورُ بِالمَحْبُوبِ اشْتَدَّ سَفَرُ القَلْبِ إلَيْهِ، وكُلَّما اشْتَغَلَ الفِكْرُ بِهِ ازْدادَ الشُّعُورُ بِهِ والبَصِيرَةُ فِيهِ، والتَّذَكُّرُ لَهُ. وَأمّا الظَّفَرُ بِثَمَرَةِ الفِكْرَةِ فَهَذا مَوْضِعٌ لَطِيفٌ. وَلِلْفِكْرَةِ ثَمَرَتانِ: حُصُولُ المَطْلُوبِ تامًّا بِحَسَبِ الإمْكانِ، والعَمَلُ بِمَوْجِبِهِ رِعايَةً لِحَقِّهِ، فَإنَّ القَلْبَ حالَ التَّفَكُّرِ كانَ قَدْ كَلَّ بِأعْمالِهِ في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهُ المَعانِي وتَخَمَّرَتْ في القَلْبِ، واسْتَراحَ العَقْلُ عادَ فَتَذَكَّرَ ما كانَ حَصَّلَهُ وطالَعَهُ، فابْتَهَجَ بِهِ وفَرِحَ بِهِ، وصَحَّحَ في هَذا المَنزِلِ ما كانَ فاتَهُ في مَنزِلِ التَّفَكُّرِ، لِأنَّهُ قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِ في مَقامِ التَّذَكُّرِ، الَّذِي هو أعْلى مِنهُ، فَأخَذَ حِينَئِذٍ في الثَّمَرَةِ المَقْصُودَةِ، وهي العَمَلُ بِمُوجَبِهِ مُراعاةً لِحَقِّهِ، فَإنَّ العَمَلَ الصّالِحَ هو ثَمَرَةُ العِلْمِ النّافِعِ، الَّذِي هو ثَمَرَةُ التَّفَكُّرِ. وَإذا أرَدْتَ فَهْمَ هَذا بِمِثالٍ حِسِّيٍّ. فَطالِبُ المالِ ما دامَ جادًّا في طَلَبِهِ، فَهو في كَلالٍ وتَعَبٍ، حَتّى إذا ظَفِرَ بِهِ اسْتَراحَ مِن كَدِّ الطَّلَبِ، وقَدِمَ مِن سَفَرِ التِّجارَةِ، فَطالَعَ ما حَصَّلَهُ وأبْصَرَهُ، وصَحَّحَ في هَذا الحالِ ما عَساهُ غَلِطَ فِيهِ في حالِ اشْتِغالِهِ بِالطَّلَبِ، فَإذا صَحَّ لَهُ وبَرَدَتْ غَنِيمَتُهُ لَهُ أخَذَ في صَرْفِ المالِ في وُجُوهِ الِانْتِفاعِ المَطْلُوبَةِ مِنهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَصْلٌ قالَ: وإنَّما يَنْتَفِعُ بِالعِظَةِ بَعْدَ حُصُولِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: شِدَّةِ الِافْتِقارِ إلَيْها، والعَمى عَنْ عَيْبِ الواعِظِ، وتَذَكُّرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ. إنَّما يَشْتَدُّ افْتِقارُ العَبْدِ إلى العِظَةِ وهي التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ إذا ضَعُفَتْ إنابَتُهُ وتَذَكُّرُهُ، وإلّا فَمَتى قَوِيَتْ إنابَتُهُ وتَذَكُّرُهُ لَمْ تَشْتَدَّ حاجَتُهُ إلى التَّذْكِيرِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ولَكِنْ تَكُونُ الحاجَةُ مِنهُ شَدِيدَةً إلى مَعْرِفَةِ الأمْرِ والنَّهْيِ. والعِظَةُ يُرادُ بِها أمْرانِ: الأمْرُ والنَّهْيُ المَقْرُونانِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، ونَفْسُ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ. فالمُنِيبُ المُتَذَكِّرُ شَدِيدُ الحاجَةِ إلى الأمْرِ والنَّهْيِ، والمُعْرِضُ الغافِلُ شَدِيدُ الحاجَةِ إلى التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، والمُعارِضُ المُتَكَبِّرُ شَدِيدُ الحاجَةِ إلى المُجادَلَةِ فَجاءَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ في حَقِّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] أطْلَقَ الحِكْمَةَ ولَمْ يُقَيِّدْها بِوَصْفِ الحَسَنَةِ، إذْ كُلُّها حَسَنَةٌ، ووَصْفُ الحُسْنِ لَها ذاتِيٌّ. وَأمّا المَوْعِظَةُ فَقَيَّدَها بِوَصْفِ الإحْسانِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَوْعِظَةٍ حَسَنَةً. وَكَذَلِكَ الجَدَلُ قَدْ يَكُونُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى حالِ المُجادِلِ وغِلْظَتِهِ، ولِينِهِ وحِدَّتِهِ ورِفْقِهِ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِمُجادَلَتِهِمْ بِالحالِ الَّتِي هي أحْسَنُ. وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِما يُجادَلُ بِهِ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، والكَلِماتِ الَّتِي هي أحْسَنُ شَيْءٍ وأبْيَنُهُ، وأدَلُّهُ عَلى المَقْصُودِ، وأوْصَلُهُ إلى المَطْلُوبِ. والتَّحْقِيقُ: أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُ النَّوْعَيْنِ. وَأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى أنْواعِ القِياساتِ فالحِكْمَةُ هي طَرِيقَةُ البُرْهانِ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ هي طَرِيقَةُ الخَطابَةِ، والمُجادَلَةُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ طَرِيقَةُ الجَدَلِ، فالأوَّلُ: بِذِكْرِ المُقَدِّماتِ البُرْهانِيَّةِ لِمَن لا يَرْضى إلّا بِالبُرْهانِ، ولا يَنْقادُ إلّا لَهُ، وهم خَواصُّ النّاسِ، والثّانِي: بِذِكْرِ المُقَدِّماتِ الخَطابِيَّةِ الَّتِي تُثِيرُ رَغْبَةً ورَهْبَةً لِمَن يَقْنَعُ بِالخَطابَةِ وهُمُ الجُمْهُورُ، والثّالِثُ: بِذِكْرِ المُقَدِّماتِ الجَدَلِيَّةِ لِلْمُعارِضِ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِالجَدَلِ، وهُمُ المُخالِفُونَ فَتَنْزِيلُ القُرْآنِ عَلى قَوانِينِ أهْلِ المَنطِقِ اليُونانِيِّ واصْطِلاحِهِمْ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها، وإنَّما ذُكِرَ هَذا اسْتِطْرادًا لِذِكْرِ العِظَةِ، وأنَّ المُنِيبَ المُتَذَكِّرَ لا تَشْتَدُّ حاجَتُهُ إلَيْها كَحاجَةِ الغافِلِ المُعْرِضِ، فَإنَّهُ شَدِيدُ الحاجَّةِ جِدًّا إلى العِظَةِ لِيَتَذَكَّرَ ما قَدْ نَسِيَهُ، فَيَنْتَفِعَ بِالتَّذَكُّرِ. وَأمّا العَمى عَنْ عَيْبِ الواعِظِ فَإنَّهُ إذا اشْتَغَلَ بِهِ حُرِمَ الِانْتِفاعَ بِمَوْعِظَتِهِ، لِأنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلى عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِكَلامِ مَن لا يَعْمَلُ بِعَمَلِهِ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ، وهَذا بِمَنزِلَةِ مَن يَصِفُ لَهُ الطَّبِيبُ دَواءً لِمَرَضٍ بِهِ مِثْلُهُ، والطَّبِيبُ مُعْرِضٌ عَنْهُ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ، بَلِ الطَّبِيبُ المَذْكُورُ عِنْدَهم أحْسَنُ حالًا مِن هَذا الواعِظِ المُخالِفِ لِما يَعِظُ بِهِ، لِأنَّهُ قَدْ يَقُومُ دَواءٌ آخَرُ عِنْدَهُ مَقامَ هَذا الدَّواءِ، وقَدْ يَرى أنَّ بِهِ قُوَّةً عَلى تَرْكِ التَّداوِي، وقَدْ يَقْنَعُ بِعَمَلِ الطَّبِيعَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِخِلافِ هَذا الواعِظِ، فَإنَّ ما يَعِظُ بِهِ طَرِيقٌ مُعَيَّنٌ لِلنَّجاةِ لا يَقُومُ غَيْرُها مَقامَها، ولا بُدَّ مِنها، ولِأجْلِ هَذِهِ النُّفْرَةِ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا أرَدْتَ أنْ يُقْبَلَ مِنكَ الأمْرُ والنَّهْيُ فَإذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ فَكُنْ أوَّلَ الفاعِلِينَ لَهُ، المُؤْتَمِرِينَ بِهِ، وإذا نَهَيْتَ عَنْ شَيْءٍ، فَكُنْ أوَّلَ المُنْتَهِينَ عَنْهُ، وقَدْ قِيلَ: ؎يا أيُّها الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيْرَهُ ∗∗∗ هَلّا لِنَفْسِكَ كانَ ذا التَّعْلِيمُ؟ ؎تَصِفُ الدَّواءَ لِذِي السِّقامِ مِنَ الضَّنى ∗∗∗ ومِنَ الضَّنى تُمْسِي وأنْتَ سَقِيمُ ؎لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ∗∗∗ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ ذَمِيمُ ؎ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها ∗∗∗ فَإذا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمُ ؎هُناكَ يُقْبَلُ ما تَقُولُ ويُقْتَدى ∗∗∗ بِالقَوْلِ مِنكَ ويَنْفَعُ التَّعْلِيمُ فالعَمى عَنْ عَيْبِ الواعِظِ مِن شُرُوطِ تَمامِ الِانْتِفاعِ بِمَوْعِظَتِهِ. وَأمّا تَذَكُّرُ الوَعْدِ والوَعِيدِ فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ خَشْيَتَهُ والحَذَرَ مِنهُ، ولا تَنْفَعُ المَوْعِظَةُ إلّا لِمَن آمَنَ بِهِ، وخافَهُ ورَجاهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣] وقالَ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] وقالَ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] فالإيمانُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وذِكْرُهُ: شَرْطٌ في الِانْتِفاعِ بِالعِظاتِ والآياتِ والعِبَرِ، يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ بِدُونِهِ.

النحل 16:126

فإن قيل أي الصبرين أحب إلى الله؟ صبر من يصبر على أوامره أم صبر من يصبر عن محارمه؟ قيل هذا موضع تنازع فيه الناس فقالت طائفة الصبر عن المخالفات أفضل، لأنه أشق وأصعب فإن أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر عن المخالفات إلا الصديقون. قالوا: ولأن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة هوى النفس، وهو أشق شيء وأفضله. قالوا ولأن ترك المحبوب الذي تحبه النفوس دليل على أن من ترك لأجله أحب إليه من نفسه وهواه، بخلاف فعل ما يحبه المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك. قالوا وأيضا فالمروءة والفتوة كلها في هذا الصبر. قال الإمام أحمد: "الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى" فمروءة العبد وفتوته بحسب هذا الصبر قالوا وليس العجب ممن يصبر على الأوامر فإن أكثرها محبوبات للنفوس السليمة لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر وهذه محاب للنفوس الفاضلة الزكية، بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محاب للنفوس فيترك المحبوب العاجل في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار أخرى والنفس موكلة بحب العاجل فصبرها عنه مخالف لطبعها. قالوا: ولأن المناهي لها أربعة دواع تدعو إليها: نفس الإنسان، وشيطانه، وهواه، ودنياه. فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة، وذلك أشق شيء على النفوس وأمره قالوا فالمناهي من باب حمية النفوس عن مشتهياتها ولذاتها والحمية مع قيام داعي التناول وقوته من أصعب شيء وأشقه. قالو أو لذلك كان باب قربان النهي مسدودا كله وباب الأمر إنما يفعل منه المستطاع كما قال النبي ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " فدل على أن باب المنهيات أضيق من باب المأمورات، وأنه لم يرخص في ارتكاب شيء منه كما رخص في ترك بعض المأمورات للعجز والعذر. قالوا ولهذا كانت عامة العقوبات من الحدود وغيرها على ارتكاب المنهيات بخلاف ترك المأمور فإن الله سبحانه لم يرتب عليه حدا معينا فأعظم المأمورات الصلاة وقد اختلف العلماء هل على تاركها حد أم لا؟ فهذا بعض ما احتجت به الطائفة. (فصل) وقالت طائفة أخرى بل الصبر على فعل المأمور أفضل وأجل من الصبر على ترك المحظور، لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى وبيان ذلك من وجوه أحدها: أن فعل المأمور مقصود لذاته فهو مشروع شرع المقاصد، فإن معرفة الله وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه وإخلاص العمل له ومحبته والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التي خلق لها الخلق وثبت بها الأمر وذلك أمر مقصود لنفسه والمنهيات إنما نهى عنها لأنها صادة عن ذلك أو شاغلة عنه أو مفوتة لكماله ولذلك كانت درجاتها في النهي بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه فلو لم يصد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التواد والتحاب الذي وضعه الله بين عباده لما حرمه وكذلك لو لم يحل بين العبد وبين عقله الذي به يعرف الله ويعبده ويحمده ويمجده ويصلى له ويسجد لما حرمه وكذلك سائر ما حرمه إنما حرمه لأنه يصد عما يحبه ويرضاه ويحول بين العبد وبين إكماله. الثاني أن المأمورات متعلقة بمعرفة الله وتوحيده وعبادته وذكره وشكره ومحبته والتوكل عليه والإنابة إليه فمتعلقها ذات الرب تعالى وأسماؤه وصفاته ومتعلق المنهيات ذوات الأشياء المنهي عنها والفرق من أعظم ما يكون. الثالث: أن ضرورة العبد وحاجته إلى فعل المأمور أعظم من ضرورته إلى ترك المحظور فإنه ليس إلى شيء أحوج واشد فاقة منه إلى معرفة ربه وتوحيده وإخلاص العمل له وافراده بالعبودية والمحبة والطاعة وضرورته إلى ذلك أعظم من ضرورته إلى نفسه ونفسه وحياته أعظم من ضرورته إلى غذائه الذي به قوام بدنه بل هذا لقلبه وروحه كالحياه والغذاء لبدنه وهو إنما هو إنسان بروحه وقلبه لا ببدنه وقالبه كما قيل: ؎يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ∗∗∗ فأنت بالقلب لا بالجسم إنسان وترك المنهي إنما شرع له تحصيلا لهذا الأمر الذي هو ضرورى له وما أحوجه وأفقره إليه. الرابع: أن ترك المنهي من باب الحمية وفعل المأمور من باب حفظ القوة والغذاء الذي لاتقوم البنية بدونه ولا تحصل الحياة إلا به فقد يعيش الإنسان مع تركه الحميه وإن كان بدنه عليلا أشد ما يكون علة ولا يعيش بدون القوة والغذاء الذي يحفظها فهذا مثل المأمورات والمنهيات. الخامس: أن الذنوب كلها ترجع إلى هذين الأصلين ترك المأمور وفعل المحظور، ولو فعل العبد المحظور كله من أوله إلى آخره حتى أتى من مأمور الإيمان بأدنى أدنى مثقال ذرة منه نجا بذلك من الخلود في النار. ولو ترك كل محظور ولم يأت بمأمور الإيمان لكان مخلدا في السعير فأين شيء مثاقيل الذر منه تخرج من النار إلى شيء وزن الجبال منه أضعافا مضاعفة لا تقتضي الخلود في النار مع وجود ذلك المأمور أو أدنى شيء منه. السادس: أن جميع المحظورات من أولها إلى آخرها تسقط بمأمور التوبة ولا تسقط المأمورات كلها معصية المخالفة إلا بالشرك أو الوفاة عليه ولا خلاف بين الأمة أن كل محظور يسقط بالتوبة منه واختلفوا هل تسقط الطاعة بالمعصية وفي المسألة نزاع وتفاصيل ليس هذا موضعه. السابع: أن ذنب الأب كان يفعل المحظور فكان عاقبته أن اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وذنب إبليس كان بترك المأمور فكان عاقبته ما ذكر الله سبحانه وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة. الثامن أن المأمور محبوب إلى الرب والمنهي مكروه له، وهو سبحانه إنما قدره وقضاه لأنه ذريعة إلى حصول محبوبه من عبده ومن نفسه تعالى. أما مَن عبده فالتوبة والاستغفار والخضوع والذل والانكسار وغير ذلك. وأما من نفسه فبالمغفرة والتوبة على العبد والعفو عنه والصفح والحلم والتجاوز عن حقه، وغير ذلك مما هو أحب إليه تعالى من فواته بعدم تقدير ما يكرهه، وإذا كان إنما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه علم أن محبوبه هو الغاية ففوات محبوبه أبغض إليه وأكره له من حصول مبغوضه بل إذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه آخر كان المبغوض مرادا له إرادة الوسائل كما كان النهي عنه وكراهته لذلك. وأما المحبوب فمراده إرادة المقاصد كما تقدم فهو سبحانه إنما خلق الخلق لأجل محبوبه ومأموره وهو عبادته وحده كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلا لهذه الغاية التي خلق خلقه لأجلها فانه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره كالجهاد الذي هو أحب العمل إليه والموالاة فيه والمعاداة فيه ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من المكروه له ما ما يكون سببا لحصولها. التاسع: أن ترك المحظور لا يكون قربة ما لم يقارنه فعل المأمور فلو ترك العبد كل محظور لم يثبه الله عليه حتى يقارنه مأمور الإيمان وكذلك المؤمن لا يكون تركه المحظور قربة حتى يقارنه مأمور النية بحيث يكون تركه لله فافتقر ترك المنهيات بكونه قربة يثاب عليها إلى فعل المأمور ولا يفتقر فعل المأمور في كونه قربة وطاعة إلى ترك المحظور ولو افتقر إليه لم يقبل الله طاعة من عصاه أبدا وهذا من أبطل الباطل. العاشر: أن المنهي عنه مطلوب إعدامه والمأمور مطلوب إيجاده والمراد إيجاد هذا وإعدام ذاك فإذا قدر عدم الأمرين أو وجودهما كان وجودهما خير من عدمهما فإنه إذا عدم المأمور لم ينفع عدم المحظور وإذا وجد المأمور فقد يستعان به على دفع المحظور أو دفع أثره فوجود القوة والمرض خير من عدم الحياة والمرض. الحادى عشر: أن باب المأمور الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وباب المحظور السيئة فيه بمثلها وهي بصدد الزوال بالتوبة والاستغفار والحسنة الماحية والمصيبة المكفرة واستغفار الملائكة للمؤمنين واستغفار بعضهم لبعض وغير ذلك وهذا يدل على أنه أحب إلى الله من عدم المنهي. الثاني عشر: أن باب المنهيات يمحوه الله سبحانه ويبطل أثره بأمور عديدة من فعل العبد وغيره فإنه يبطله بالتوبة النصوح وبالاستغفار وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة وباستغفار الملائكة وبدعاء المؤمنين فهذه ستة في حال حياته وبتشديد الموت وكربه وسياقه عليه فهذا عند مفارقته الدنيا وبهول المطلع وروعة الملكين في القبر وضغطته وعصرته له وشدة الموقف وعنائه وصعوبته وبشفاعة الشافعين فيه وبرحمة أرحم الراحمين له فإن عجزت عنه هذه الأمور فلا بد له من دخول النار ويكون لبثه فيها على قدر بقاء خبثه ودرنه فإن الله حرم الجنة إلا على كل طيب فما دام درنه ووسخه وخبثه فيه فهو في كير التطهير حتى يتصفى من ذلك الوسخ والخبث وأما باب المأمورات فلا يبطله إلا الشرك. الثالث عشر: أن جزاء المأمورات الثواب وهو من باب الإحسان والفضل والرحمة، وجزاء المنهيات العقوبة وهي من باب الغضب والعدل ورحمته سبحانه تغلب غضبه فما تعلق بالرحمة والفضل أحب إليه مما تعلق بالغضب والعدل وتعطيل ما تعلق بالرحمة أكره إليه من فعل ما تعلق بالغضب. الرابع عشر: أن باب المنهيات تسقط الآلاف المؤلفة منه الواحدة من المأمورات وباب المأمورات لا يسقط الواحدة منه الآلاف المؤلفة من المنهيات. الخامس عشر: أن متعلق المأمورات الفعل وهو صفة كمال بل كمال المخلوق من فعاله فإنه فعل فكمل ومتعلق النهي الترك والترك عدم ومن حيث هو كذلك لا يكون كمالا فإن العدم المحض ليس بكمال وإنما يكون كمالا لما يتضمنه أو يستلزمه من الفعل الوجودي الذي هو سبب الكمال. وأما أن يكون مجرد الترك الذي هو عدم محض كمالا أو سببا للكمال فلا. مثال ذلك لو ترك السجود للصنم لم يكن كماله في مجرد هذا الترك ما لم يكن يسجد لله وإلا فلو ترك السجود لله وللصنم لم يكن ذلك كمالا، وكذلك لو ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك مؤمنا ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق والحب وموالاته وطاعته فعلم أن الكمال كله في المأمور وأن المنهي ما لم يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئا ولم يكن كمالا، فإن الرجل لو قال للرسول لا أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ولا أحاربك ولا أحارب من يحاربك لكان كافرا ولم يكن مؤمنا بترك معاداته وتكذيبه ومحاربته ما لم يأت بالفعل الوجودي الذي أمر به. السادس عشر: أن العبد إذا أتى بالمأمور به على وجهه ترك المنهي عنه ولا بد، فالمقصود إنما هو فعل المأمور ومع فعله على وجهه يتعذر فعل المنهي فالمنهي عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة فإن العبد إذا فعل ما أمر به من العدل والعفة وامتنع من صدور الظلم والفواحش منه فنفس العدل يتضمن ترك الظلم ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش فدخل ترك المنهي عنه في المأمور به ضمنا وتبعا وليس كذلك في عكسه فإن ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور فإنه قد يتركهما معا كما تقدم فعلم أن المقصود هو إقامة الأمر على وجهه ومع ذلك لا يمكن ارتكاب النهي ألبتة وأما ترك المنهي عنه فإنه يستلزم إقامة الأمر السابع عشر: أن الرب تعالى إذا أمر عبده بأمر ونهاه عن أمر ففعلهما جميعا كان قد حصل محبوب الرب وبغيضه فقد تقدم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ومقاومته ولا سيما إذا كان فعل ذلك المحبوب أحب إليه من ترك ذلك البغيض فيهب له من جنايته ما فعل من هذا بطاعته ويتجاوز له عما فعل من الآخر. ونظير هذا في الشاهد أن يقتل الرجل عدوا للملك هو حريص على قتله وشرب مسكرا نهاه عن شربه فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها في جنب ما أتى به من محبوبه وأما إذا ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك بغيضه بمصلحة فعل محبوبه أبدا كما إذا أمر الملك عبده بقتل عدوه ونهاه عن شرب مسكر فعصاه في قتل عدوه مع قدرته عليه وترك شرب المسكر فإن الملك لا يهب له جرمه بترك أمره في جنب ترك ما نهاه عنه وقد فطر الله عباده على هذا فهكذا السادات مع عبيدهم والآباء مع أولادهم والملوك مع جندهم والزوجات مع أزواجهم ليس التارك منهم محبوب الأمر ومكروهه بمنزلة الفاعل منهم محبوب أمره ومكروهه. يوضحه الوجه الثامن عشر: أن فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه فيستحيل الإتيان بجميع مكروهه وهو يفعل ما أحبه وأبغضه فغايته أنه اجتمع الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه ويبغضه من وجه أما إذا ترك المأمور به جملة فإنه لم يقم به ما يحبه الرب عليه فإن مجرد ترك المنهي لا يكون طاعة إلا باقترانه بالمأمور كما تقدم فلا يحبه على مجرد الترك وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر فصار مبغوضا للرب تعالى من كل وجه إذ ليس فيه ما يحبه الرب عليه فتأمله. يوضحه الوجه التاسع عشر: وهو أن الله سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر وجودي أمر به إيجابا أو استحبابا ولم يعلقها بالترك من حيث هو ترك ولا في موضع واحد فإنه يحب التوابين ويحب المحسنين ويحب الشاكرين ويحب الصابرين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، ويحب المتقين ويحب الذاكرين، ويحب المتصدقين، فهو سبحانه إنما علق محبته بأوامره إذ هي المقصود من الخلق والأمر كما قال تعالى ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فما خلق الخلق إلا لقيام أوامره وما نهاهم إلا عما يصدهم عن قيام أوامره ويعوقهم عنها. يوضحه الوجه العشرون: أن المنهيات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها على الوجه الذي أمر الله بها لم يكن للنهي عنها معنى وإنما نهى عنها لمضادتها لأوامره وتعويقها لها وصدها عنها فالنهي عنها من باب التكميل والتتمة للمأمور فهو بمنزلة تنظيف طرق الماء ليجري في مجاريه غير معوق فالأمر بمنزلة الماء الذي أرسل في نهر لحياة البلاد والعباد والنهي بمنزلة تنظيف طرقه ومجراه وتنقيتها مما يعوق الماء والأمر بمنزلة القوة والحياة والنهي بمنزلة الحمية الحافظة للقوة والداء والخادم لها قالوا وإذا تبين أن فعل المأمور أفضل فالصبر عليه أفضل أنواع الصبر وبه يسهل عليه الصبر عن المحظور، والصبر على المقدور فإن الصبر إلا على يتضمن الصبر الأدنى دون العكس وقد ظهر لك من هذا أن الأنواع الثلاثة متلازمة وكل نوع منها يعين على النوعين الآخرين وإن كان من الناس من قوة صبره على المقدور فإذا جاء الأمر والنهي فقوة صبره هناك ضعيفة ومنهم من هو بالعكس من ذلك، ومنهم من قوة صبره في جانب الأمر أقوى، ومنهم من هو بالعكس والله أعلم. [فَصْلٌ أنْواعُ الصَّبْرِ] [الصَّبْرُ بِاللَّهِ ولِلَّهِ ومَعَ اللَّهِ] وَهُوَ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ: صَبْرٌ بِاللَّهِ. وصَبْرٌ لِلَّهِ. وصَبْرٌ مَعَ اللَّهِ. فالأوَّلُ: صَبْرُ الِاسْتِعانَةِ بِهِ، ورُؤْيَتُهُ أنَّهُ هو المُصَبِّرُ، وأنَّ صَبْرَ العَبْدِ بِرَبِّهِ لا بِنَفْسِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] يَعْنِي إنْ لَمْ يُصَبِّرْكَ هو لَمْ تَصْبِرْ. والثّانِي: الصَّبْرُ لِلَّهِ. وهو أنْ يَكُونَ الباعِثُ لَهُ عَلى الصَّبْرِ مَحَبَّةَ اللَّهِ، وإرادَةَ وجْهِهِ. والتَّقَرُّبَ إلَيْهِ. لا لِإظْهارِهِ قُوَّةَ النَّفْسِ، والِاسْتِحْمادَ إلى الخَلْقِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأعْراضِ. والثّالِثُ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ. وهو دَوَرانُ العَبْدِ مَعَ مُرادِ اللَّهِ الدِّينِيِّ مِنهُ. ومَعَ أحْكامِهِ الدِّينِيَّةِ. صابِرًا نَفْسَهُ مَعَها، سائِرًا بِسَيْرِها. مُقِيمًا بِإقامَتِها. يَتَوَجَّهُ مَعَها أيْنَ تَوَجَّهَتْ رَكائِبُها. ويَنْزِلُ مَعَها أيْنَ اسْتَقَلَّتْ مَضارِبُها. فَهَذا مَعْنى كَوْنِهِ صابِرًا مَعَ اللَّهِ؛ أيْ قَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ وقْفًا عَلى أوامِرِهِ ومَحابِّهِ. وهو أشَدُّ أنْواعِ الصَّبْرِ وأصْعَبِها. وهو صَبْرُ الصِّدِّيقِينَ. قالَ الجُنَيْدُ: المَسِيرُ مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ سَهْلٌ هَيِّنٌ عَلى المُؤْمِنِ. وهِجْرانُ الخَلْقِ في جَنْبِ اللَّهِ شَدِيدٌ، والمَسِيرُ مِنَ النَّفْسِ إلى اللَّهِ صَعْبٌ شَدِيدٌ. والصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ أشَدُّ. وَسُئِلَ عَنِ الصَّبْرِ؟ فَقالَ: تَجَرُّعُ المَرارَةِ مِن غَيْرِ تَعَبُّسٍ. قالَ ذُو النُّونِ المِصْرِيُّ: الصَّبْرُ: التَّباعُدُ مِنَ المُخالَفاتِ. والسُّكُونُ عِنْدَ تَجَرُّعِ غُصَصِ البَلِيَّةِ. وإظْهارُ الغِنى مَعَ حُلُولِ الفَقْرِ بِساحاتِ المَعِيشَةِ. وَقِيلَ: الصَّبْرُ: الوُقُوفُ مَعَ البَلاءِ بِحُسْنِ الأدَبِ. وَقِيلَ: هو الفَناءُ في البَلْوى، بِلا ظُهُورٍ ولا شَكْوى. وَقِيلَ: تَعْوِيدُ النَّفْسِ الهُجُومَ عَلى المَكارِهِ. وَقِيلَ: المُقامُ مَعَ البَلاءِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ، كالمُقامِ مَعَ العافِيَةِ. وَقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: هو الثَّباتُ مَعَ اللَّهِ، وتَلَقِّي بَلائِهِ بِالرَّحْبِ والدَّعَةِ. وَقالَ الخَوّاصُ: هو الثَّباتُ عَلى أحْكامِ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: صَبْرُ المُحِبِّينَ أشَدُّ مِن صَبْرِ الزّاهِدِينَ. واعَجَبًا! كَيْفَ يَصْبِرُونَ؟ وأنْشَدَ: ؎والصَّبْرُ يَجْمُلُ في المَواطِنِ كُلِّها ∗∗∗ إلّا عَلَيْكَ فَإنَّهُ لا يَجْمُلُ وَقِيلَ: الصَّبْرُ هو الِاسْتِعانَةُ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: هو تَرْكُ الشَّكْوى. وَقِيلَ: ؎الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ، مُرٌّ مَذاقَتُهُ، ∗∗∗ لَكِنَّ عَواقِبَهُ أحْلى مِنَ العَسَلِ وَقِيلَ: الصَّبْرُ أنْ تَرْضى بِتَلَفِ نَفْسِكَ في رِضا مَن تُحِبُّهُ. كَما قِيلَ: ؎سَأصْبِرُ كَيْ تَرْضى وأتْلَفَ حَسْرَةً ∗∗∗ وحَسَبِي أنْ تَرْضى ويُتْلِفَنِي صَبْرِي وَقِيلَ: مَراتِبُ الصّابِرِينَ خَمْسَةٌ: صابِرٌ، ومُصْطَبِرٌ، ومُتَصَبِّرٌ، وصَبُورٌ، وصَبّارٌ، فالصّابِرُ: أعَمُّها، والمُصْطَبِرُ: المُكْتَسِبُ الصَّبْرَ المَلِيءُ بِهِ. والمُتَصَبِّرُ: المُتَكَلِّفُ حامِلٌ نَفْسَهُ عَلَيْهِ. والصَّبُورُ: العَظِيمُ الصَّبْرِ الَّذِي صَبْرُهُ أشَدُّ مِن صَبْرِ غَيْرِهِ. والصَّبّارُ: الكَثِيرُ الصَّبْرِ. فَهَذا في القَدْرِ والكَمِّ. والَّذِي قَبْلَهُ في الوَصْفِ والكَيْفِ. وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لا تَكْبُو. وَقَفَ رَجُلٌ عَلى الشِّبْلِيِّ. فَقالَ: أيُّ صَبْرٍ أشَدُّ عَلى الصّابِرِينَ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ في اللَّهِ. قالَ السّائِلُ: لا. فَقالَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ. فَقالَ: لا. فَقالَ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ. فَقالَ: لا. قالَ الشِّبْلِيُّ: فَإيشْ هُوَ؟ قالَ: الصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ. فَصَرَخَ الشِّبْلِيُّ صَرْخَةً كادَتْ رُوحُهُ تَتْلَفَ. وَقالَ الجَرِيرِيُّ: الصَّبْرُ أنْ لا يُفَرَّقُ بَيْنَ حالِ النِّعْمَةِ وحالِ المَحَبَّةِ، مَعَ سُكُونِ الخاطِرِ فِيهِما. والتَّصَبُّرُ: هو السُّكُونُ مَعَ البَلاءِ، مَعَ وِجْدانِ أثْقالِ المِحْنَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: فازَ الصّابِرُونَ بِعِزِّ الدّارَيْنِ؛ لِأنَّهم نالُوا مِنَ اللَّهِ مَعِيَّتَهُ. فَإنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ. وَقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. إنَّهُ انْتِقالٌ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى. فالصَّبْرُ دُونَ المُصابَرَةِ. والمُصابَرَةُ دُونَ المُرابَطَةِ والمُرابَطَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ وهو الشَّدُّ. وسُمِّي المُرابِطُ مُرابِطًا لِأنَّ المُرابِطِينَ يَرْبِطُونَ خُيُولَهم يَنْتَظِرُونَ الفَزَعَ. ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُنْتَظِرٍ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ لِطاعَةٍ يَنْتَظِرُها: مُرابِطٌ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟ إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطى إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ». وَقالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها». وَقِيلَ: اصْبِرُوا بِنُفُوسِكم عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وصابِرُوا بِقُلُوبِكم عَلى البَلْوى في اللَّهِ. ورابِطُوا بِأسْرارِكم عَلى الشَّوْقِ إلى اللَّهِ. وَقِيلَ: اصْبِرُوا في اللَّهِ. وصابِرُوا بِاللَّهِ. ورابِطُوا مَعَ اللَّهِ. وَقِيلَ: اصْبِرُوا عَلى النَّعْماءِ. وصابِرُوا عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ. ورابِطُوا في دارِ الأعْداءِ. واتَّقَوْا إلَهَ الأرْضِ والسَّماءِ. لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ في دارِ البَقاءِ. فالصَّبْرُ مَعَ نَفْسِكَ، والمُصابَرَةُ بَيْنَكَ وبَيْنَ عَدُوِّكَ، والمُرابَطَةُ الثَّباتُ وإعْدادُ العُدَّةِ. وكَما أنَّ الرِّباطَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِئَلّا يَهْجُمَ مِنهُ العَدُوُّ. فَكَذَلِكَ الرِّباطُ أيْضًا لُزُومُ ثَغْرِ القَلْبِ لِئَلّا يَهْجُمَ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، فَيَمْلِكَهُ ويُخَرِّبَهُ أوْ يُشَعِّثَهُ. وَقِيلَ: تَجَرَّعِ الصَّبْرَ، فَإنْ قَتَلَكَ قَتَلَكَ شَهِيدًا. وإنْ أحْياكَ أحْياكَ عَزِيزًا. وَقِيلَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ غِناءٌ. وبِاللَّهِ تَعالى بَقاءٌ. وفي اللَّهِ بَلاءٌ. ومَعَ اللَّهِ وفاءٌ. وعَنِ اللَّهِ جَفاءٌ. والصَّبْرُ عَلى الطَّلَبِ عُنْوانُ الظَّفَرِ. وفي المِحَنِ عُنْوانُ الفَرَجِ. وَقِيلَ: حالُ العَبْدِ مَعَ اللَّهِ رِباطُهُ. وما دُونَ اللَّهِ أعْداؤُهُ. وَفِي كِتابِ الأدَبِ لِلْبُخارِيِّ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإيمانِ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ، والسَّماحَةُ». ذَكَرَهُ عَنْ مُوسى بْنِ إسْماعِيلَ. قالَ: حَدَّثَنا سُوَيْدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَهُ. وَهَذا مِن أجْمَعِ الكَلامِ وأعْظَمِهِ بُرْهانًا، وأوْعَبِهِ لِمَقاماتِ الإيمانِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها. فَإنَّ النَّفْسَ يُرادُ مِنها شَيْئانِ: بَذْلُ ما أُمِرَتْ بِهِ، وإعْطاؤُهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ: السَّماحَةُ. وتَرْكُ ما نُهِيَتْ عَنْهُ، والبُعْدُ مِنهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ: الصَّبْرُ. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في كِتابِهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ، والصَّفْحِ الجَمِيلِ، والهَجْرِ الجَمِيلِ. فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: الصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ ولا مَعَهُ. والصَّفْحُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا عِتابَ مَعَهُ. والهَجْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا أذى مَعَهُ. وَفِي أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ: أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ: أنْزَلْتُ بِعَبْدِي بَلائِي، فَدَعانِي. فَماطَلْتُهُ بِالإجابَةِ، فَشَكانِي. فَقُلْتُ: عَبْدِي، كَيْفَ أرْحَمُكَ مِن شَيْءٍ بِهِ أرْحَمُكَ؟ وَقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] قالَ: أخَذُوا بِرَأْسِ الأمْرِ فَجَعَلَهم رُؤَساءَ. وَقِيلَ: صَبْرُ العابِدِينَ أحْسَنُهُ: أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا، وصَبْرُ المُحِبِّينَ أحْسَنُهُ: أنْ يَكُونَ مَرْفُوضًا. كَما قِيلَ: ؎تَبَيَّنَ يَوْمَ البَيْنِ أنَّ اعْتِزامَهُ ∗∗∗ عَلى الصَّبْرِ مِن إحْدى الظُّنُونِ الكَواذِبِ والشَّكْوى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا تُنافِي الصَّبْرَ. فَإنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. والنَّبِيُّ إذا وعَدَ لا يُخْلِفُ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وكَذَلِكَ أيُّوبُ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ وجَدَهُ صابِرًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وَإنَّما يُنافِي الصَّبْرَ شَكْوى اللَّهِ، لا الشَّكْوى إلى اللَّهِ. كَما رَأى بَعْضُهم رَجُلًا يَشْكُو إلى آخَرَ فاقَةً وضَرُورَةً. فَقالَ: يا هَذا، تَشْكُو مَن يَرْحَمُكَ إلى مَن لا يَرْحَمُكَ؟ ثُمَّ أنْشَدَ: ؎وَإذا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فاصْبِرْ لَها ∗∗∗ صَبْرَ الكَرِيمِ فَإنَّهُ بِكَ أعْلَمُ ؎وَإذا شَكَوْتَ إلى ابْنِ آدَمَ إنَّما ∗∗∗ تَشْكُو الرَّحِيمَ إلى الَّذِي لا يَرْحَمُ. [فصل: في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم] فالمذموم: الصبر عن الله وإرادته ومحبته وسير القلب إليه فإن هذا الصبر يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية وتفويت ما خلق له وهذا كما أنه أقبح الصبر فهو أعظمه وأبلغه فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذي لا حياة له بدونه ألبتة كما أنه لا زهد أبلغ من زهد الزاهد فيما أعد الله لأوليائه من كرامته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فالزهد في هذا أعظم أنواع الزهد كما قال رجل لبعض الزاهدين وقد تعجب لزهده "ما رأيت أزهد منك! " فقال: "أنت أزهد مني أنا زهدت في الدنيا وهي لا بقاء لها ولا وفاء، وأنت زهدت في الآخرة فمن أزهد منا" قال يحيى بن معاذ الرازي "صبر المحبين أعجب من صبر الزاهدين واعجبا كيف يصبرون! " وفي هذا قيل ؎الصبر يحمد في المواطن كلها ∗∗∗ إلا عليك فإنه لا يحمد ووقف رجل على الشبلي فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال الصبر في الله. قال لا. فقال الصبر لله. فقال لا. قال فالصبر مع الله. قال لا. قال فإيش هو؟ قال الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تزهق. وقيل: الصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء وقد أجمع الناس على أن الصبر عن المحبوب غير محمود فكيف إذا كان كمال العبد وفلاحه في محبته ولم تزل الأحباب تعيب المحبين بالصبر عنهم كما قيل: ؎والصبر عنك فمذموم عواقبه ∗∗∗ والصبر في سائر الأشياء محمود وقال آخر في الصبر عن محبوبه ؎إذا لعب الرجال بكل شيء ∗∗∗ رأيت الحب يلعب بالرجال ؎وكيف الصبر عمن حل منى ∗∗∗ بمنزلة اليمين مع الشمال وشكا آخر إلى محبوبه ما يقاسي من حبه فقال: لو كنت صادقا لما صبرت عنى. ؎ولما شكوت الحب قالت كذبتنى ∗∗∗ ترى الصب عن محبوبه كيف يصبر فصل: وأما الصبر المحمود فنوعان: صبر لله وصبر بالله قال الله تعالى ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّه﴾ وقال ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ وقد تنازع الناس أي الصبرين أكمل فقالت طائفة الصبر له أكمل فإن ما كان لله أكمل مما كان بالله فإن ما كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة والغايات أشرف من الوسائل ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبرر أو تقربا إلى الله لأنه نذر له ولم يجب الوفاء به إذا خرج مخرج اليمين لأنه حلف به فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد الألوهية هو المنجى من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته. وقالت طائفة: الصبر بالله أكمل بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به كما قال تعالى ﴿واصْبِرْ﴾ فأمره بالصبر والمأمور به هو الذي يفعل لأجله ثم قال ﴿وَما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ﴾ فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التي تقدمتها أخبر فيها إنه لا يمكنه الصبر إلا به وذلك يتضمن أمرين الاستعانة به والمعية الخاصة التي تدل عليها باء المصاحبة كقوله فبي يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبي يمشي وليس المراد بهذه الباء الاستعانة فإن هذا أمر مشترك بين المطيع والعاصى فإن ما لا يكون بالله لا يكون بل هي باء المصاحبة والمعية التي صرح بمضمونها في قوله ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ وهي المعية الحاصلة لعبده الذي تقرب إليه بالنوافل حتى صار محبوبا له فبه يسمع وبه يبصر وكذلك به يصبر فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا والله معه ومن كان كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله كما في الأثر الإلهي يعني "وما يتحمل المتحملون من أجلي" فدل قوله ﴿وَما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ﴾ على أنه من لم يكن الله معه لم يمكنه الصبر وكيف يصبر على الحكم الأمرى امتثالا وتنفيذا وتبليغا وعلى الحكم القدري احتمالا له واضطلاعا به من لم يكن الله معه فلا يطمع في درجة الصبر المحمود عواقبه من لم يكن صبره بالله كما لا يطمع في درجة التقرب المحبوب من لم يكن سمعه وبصره وبطشه ومشيه بالله. وهذا هو المراد من قوله: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" ليس المراد إني كنت نفس هذه الأعضاء والقوى كما يظنه أعداء الله أهل الوحدة وأن ذات العبد هي ذات الرب تعالى الله عن قول اخوان النصارى علوا كبيرا ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره ولا بين حالتي تقربه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه ولا عبد ولا معبود ولا محب ولا محبوب فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجها تعرف بالتأمل الظاهر. وقد فسر المراد من قوله: " كنت سمعه وبصره ويده ورجله" بقوله: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي " فعبر عن هذه المصاحبة التي حصلت بالتقرب إليه بمحابه بألطف عبارة وأحسنها تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار له بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله. ونظير هذا قوله:"الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه". ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن ينزل إلى منزلة ما يصاحبه ويقارنه حتى يقول المحب للمحبوب أنت روحى وسمعى وبصرى وفي ذلك معنيان أحدهما أنه صار منه بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره والثاني أن محبته وذكره لما استولي على قلبه وروحه صار معه وجليسه كما في الحديث "يقول الله تعالى: أنا جليس من ذكرني" وفي الحديث الآخر "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" وفي الحديث "فإذا أحببت عبدي كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا" ولا يعبر عن هذا المعنى بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا ألطف منها وإيضاح هذه العبارة مما يزيدها جفاء وخفاء. والمقصود إنما هو ذكر الصبر بالله وأن العبد بحسب نصيبه من معية الله له يكون صبره وإذا كان الله معه أمكن أن يأتي من الصبر بما لا يأتي به غيره قال أبو على فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته قال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾. وها هنا سر بديع وهو أن من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته إليه والرب تعالى هو الصبور بل لا أحد أصبر على أذى سمعه منه وقد قيل إن الله سبحانه أوحى إلى داود "تخلق بأخلاق فإن من أخلاقى إني أنا الصبور" والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد فإنه جميل يحب الجمال عفو يحب أهل العفو كريم يحب أهل الكرم عليم يحب أهل العلم وتر يحب أهل الوتر قوى والمؤمن القوى أحب إليه من المؤمن الضعيف صبور يحب الصابرين شكور يحب الشاكرين وإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف فهذه المعية الخاصة عبر عنها بقوله "كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا". [فصل] وزاد بعضهم قسما ثالثا من أقسام الصبر وهو الصبر مع الله وجعلوه أعلى أنواع الصبر وقالوا هو الوفاء ولو سئل هذا عن حقيقة الصبر مع الله لما أمكنه أن يفسره بغير الأنواع الثلاثة التي ذكرت وهي الصبر على أقضيته والصبر على أوامره والصبر عن نواهيه فإن زعم أن الصبر مع الله هو الثبات معه على أحكامه يدور معها حيث دارت فيكون دائما مع الله لا مع نفسه فهو مع الله بالمحبة والموافقة فهذا المعنى حق ولكن مداره على الصبر على الأنواع المتقدمة وإن زعم أن الصبر مع الله هو الجامع لأنواع الصبر فهذا حق ولكن جعله قسما رابعا من أقسام الصبر غير مستقيم. واعلم أن حقيقة الصبر مع الله هو ثبات القلب بالاستقامة معه وهو أن لا يروغ عنه روغان الثعالب ها هنا وها هنا فحقيقة هذا هو الاستقامة إليه وعكوف القلب عليه وزاد بعضهم قسما آخر من اقسامه وسماه الصبر فيه وهذا أيضا غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له وهذا كما يقال فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب: ؎وذلك في ذات الإله وإن يشأ ∗∗∗ يبارك على أوصال شلو ممزع وقد قال تعالى ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ وقال ﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ وفي حديث جابر: "إن الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال يا رب أن ترجعني إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانية" وقال " ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد" وهذا يفهم منه معنيان أحدهما أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله وهذا فيما يفعله الإنسان باختياره كما في الحديث "تعلمت فيك العلم" والثاني إنه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره وغالب ما يأتي قولهم "ذلك في الله" في هذا المعنى. فتأمل قوله "ولقد أوذيت في الله" وقول خبيب وذلك "في ذات الإله" وقول عبد الله بن حرام "حتى أقتل فيك" وكذلك قوله ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه. وليست (في) هاهنا للظرفية ولا لمجرد السببية وإن كانت السببية هي أصلها فانظر إلى قوله "في نفس المؤمن مائة من الإبل" وقوله "دخلت امرأة النار في هرة" كيف تجد فيه معنى زائدا على السببية وليست في للوعاء في جميع معانيها فقولك "فعلت هذا في مرضاتك" فيه معنى زيد على قولك "فعلته لمرضاتك" وأنت إذا قلت "أوذيت في الله" لا يقوم مقام هذا اللفظ كقولك "أوذيت لله" ولا "بسبب الله" وإذا فهم المعنى طوى حكم العبارة والمقصود أن الصبر في الله أن أريد به هذا المعنى فهو حق وأن أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره وعن نواهيه وله وبه لم يحصل فالصابر في الله كالمجاهد في الله والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله والله الموفق. وأما قول بعضهم"الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء والصبر في الله بلاء والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء" فكلام لا يجب التسليم لقائله لأنه ذكر ما سنح له وتصوره وإنما يجب التسليم للنقل المصدق عن القائل المعصوم ونحن نشرح هذه الكلمات. أما قوله"الصبر لله غناء" فإن الصبر لله بترك حظوظ النفس ومرادها لمراد الله وهذا أشق شيء على النفس وأصعبه فإن قطع المفازة التي بين النفس وبين الله بحيث يسير منها إلى الله شديد جدا على النفس بخلاف السفر إلى الآخرة فإنه سهل كما قال الجنيد"السير من الدنيا إلى الآخرة سهل يعني على المؤمن وهجران الخلق في جنب الحق شديد والسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشد" وأما قوله:"والصبر بالله بقاء" فلأن العبد إذا كان بالله هان عليه كل شيء ويتحمل الأثقال ولم يجد لها ثقلا فإنه إذا كان بالله لا بالخلق ولا بنفسه كان لقلبه وروحه وجود آخر وشأن آخر غير شأنه إذا كان بنفسه وبالخلق وبهذا الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته وتنقلب مشاق التكليف له نعيما وقرة عين كما قال بعض الزهاد عالجت قيام الليل سنة وتنعمت به عشرين سنة ومن كانت قرة عينه في الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة. وأما قوله:"والصبر في الله بلاء" فالبلاء فوق العناء والصبر فيه فوق الصبر له وأخص منه كما تقدم فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه وهو أشق من الجهاد له فكل مجاهد في الله وصابر في الله مجاهد له وصابر له من غير عكس فإن الرجل قد يجاهد ويصبر لله مرة ليقع عليه اسم من فعل ذلك لله ولا يقع عليه اسم من فعل ذلك في الله وإنما يقع على من انغمس في الجهاد والصبر ودخل الجنة. وأما قوله:"والصبر مع الله وفاء" فلأن الصبر معه هو الثبات معه على أحكامه ولا يزيغ القلب عن الإنابة ولا الجوارح عن الطاعة فتعطى المعية حقها من التوفية كما قال تعالى ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ أي وفي ما أمر به بصبره مع الله على أوامره. [فصل: في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه] لما كان الصبر المحمود هو الصبر النفساني الاختياري عن إجابة داعي الهوى المذموم كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه فإنه إن كان صبرا عن شهوة الفرج المحرمة سمي عفة، وضدها الفجور والزنا والعهر، وإن كان عن شهوة البطن وعدم التسرع إلى الطعام أو تناول ما لا يجمل منه سمي شرف نفس وشبع نفس، وسمي ضده شرها ودناءة ووضاعة نفس، وإن كان عن إظهار ما لا يحسن إظهاره من الكلام سمي كتمان سر وضده إذاعة وإفشاء أو تهمة أو فحشاء أو سبا أو كذبا أو قذفا وإن كان عن فضول العيش سمي زهدا وضده حرصا، وإن كان على قدر يكفي من الدنيا سمي قناعة وضدها الحرص أيضا، وإن كان عن إجابة داعي الغضب سمي حلما وضده تسرعا، وإن كان عن إجابة داعي العجلة سمي وقارا وثباتا وضده طيشا وخفة وإن كان عن إجابة داعي الفرار والهرب سمي شجاعة وضده جبنا وخورا، وإن كان عن إجابة داعي الانتقام سمي عفوا وصفحا وضده انتقاما وعقوبة، وإن كان عن إجابة داعي الإمساك والبخل سمي جودا وضده بخلا وإن كان عن إجابة داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص سمي صوما، وإن كان عن إجابة داعي العجز والكسل سمي كيسا، وإن كان عن إجابة داعي إلقاء الكيل على الناس وعدم حمل كلهم سمي مروءة، فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلقه والاسم الجامع لذلك كله الصبر وهذا يدلك على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر من أولها إلى آخرها، وهكذا يسمى عدلا إذا تعلق بالتسوية بين المتماثلين، وضده الظلم ويسمى سماحة إذا تعلق ببذل الواجب والمستحب بالرضا والاختيار، وعلى هذا جميع منازل الدين. [فصل: في الأسباب التي تعين على الصبر] لما كان الصبر مأمورا به جعل الله سبحانه له أسبابا تعين عليه وتوصل إليه وكذلك ما أمر الله سبحانه بالأمر إلا أعان عليه ونصب له أسبابا تمده وتعين عليه كما أنه ما قدر داءا إلا وقدر له دواء أو ضمن الشفاء باستعماله فالصبر وإن كان شاقا كريها على النفوس فتحصيله ممكن وهو يتركب من مفردين العلم والعمل فمنهما تركب جميع الادوية التي تداوى بها القلوب والأبدان فلا بد من جزء علمي وجزء عملى فمنها يركب هذا الدواء الذي هو أنفع الادوية فأما الجزء العلمي فهو إدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال وإدراك ما في المحظور من الشر والضر والنقص فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغى أضاف إليهما العزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الإنسانية وضم هذا الجزء إلى هذا الجزء فمتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقه وحلت له مرارته وانقلب ألمه لذة وقد تقدم أن الصبر مصارعة باعث العقل والدين لباعث الهوى والنفس وكل متضارعين أراد أن يتغلب أحدهما على الآخر فالطريق فيه تقوية من أراد أن تكون الغلبة له ويضعف الآخر كالحال مع القوة والمرض سواء فإذا قوى باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه أو يملكه ولكن لا يملك طرفه أو يملكه ولكن لا يملك قلبه بل لا يزال يحدثه بما هناك ويعده ويمنيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكر فيما ينفعه في دنياه وآخرته فإذا عزم على التداوى ومقاومة هذا الداء فليضعفه أولا بأمور: أحدها: أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيحدها من الاغذية المحركة للشهوة إما بنوعها أو بكميتها وكثرتها ليحسم هذه المادة بتقليلها فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم فإنه يضعف مجارى الشهوة ويكسر حدتها ولا سيما إذا كان أكله وقت الفطر معتدلا الثاني: أن يجتذب محرك الطلب وهو النظر فليقصر لجام طرفه ما أمكنه فإن داعي الإرادة والشهوة إنما يهيج بالنظر والنظر يحرك القلب بالشهوة وفي المسند عنه: "النظر سهم مسموم من سهام إبليس" وهذا السهم يشرده إبليس نحو القلب ولا يصادف جنة دونه وليست الجنة إلا غض الطرف أو التحيز والانحراف عن جهة الرمى فإنه إنما يرمى هذا السهم عن قوس الصور فإذا لم تقف على طريقها أخطأ السهم وأن نصبت قلبك غرضا فيوشك أن يقتله سهم من تلك السهام المسمومة. الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيهما أباحه الله سبحانه غنية عنه وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس كما أرشد إليه النبي فالدواء الأول يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح وعن الكلب الضارى لإضعاف قوتهما والدواء الثاني يشبه تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة لئلا تتحرك قوتهما له عند المشاهدة والدواء الثالث يشبه إعطائهما من الغذاء ما يميل إليه طبعهما بحسب الحاجة لتبقى معه القوة فتطيع صاحبهما ولا تغلب بإعطائها الزيادة على ذلك. الرابع: التفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر فانه لو لم يكن جنة ولا نار لكان في المفاسد الدنيوية ما ينهى عن إجابة هذا الداعي ولو تكلفنا عدها لفاقت الحصر ولكن عين الهوى عمياء. الخامس الفكرة في مقابح الصورة التي تدعوه نفسه إليها إن كانت معروفة بالإجابة له ولغيره فيعز نفسه أن يشرب من حوض ترده الكلاب والذئاب كما قيل: ؎سأترك وصلكم شرفا وعزا ∗∗∗ لخسة سائر الشركاء فيه وقال آخر ؎إذ كثر الذباب على طعام ∗∗∗ رفعت يدى ونفسي تشتهيه ؎وتجتنب الأسود ورود ماء ∗∗∗ إذا كان الكلاب يلغن فيه وليذكر مخالطة ريقه لريق كل خبيث ريقه الداء الدوى فإن ريق الفاسق داء كما قيل: ؎تسل يا قلب عن سمح بمهجته ∗∗∗ مبذل كل من يلقاه يقرفه ؎كالماء أي صيد يأتيه ينهله ∗∗∗ والغصن أي نسيم من يعطفه ؎وان حلا ريق فاذكر مرارته ∗∗∗ في فم أبخر يحفيه ويرشفه ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه فإن لم تجبه نفسه إلى الإعراض ورضى بالمشاركة فلينظر إلى ما وراء هذا اللون والجمال الظاهر من القبائح الباطنة فإن من مكن نفسه من فعل القبائح فنفسه أقبح من نفوس البهائم فإنه لا يرضى لنفسه بذلك حيوان من الحيوانات أصلا إلا ما يحكى عن الخنزير وأنه ليس في البهائم لوطى سواه فقد رضى هذا الممكن من نفسه إنه يكون بمنزلة الخنزير وهذا القبح يغطى كل جمال وملاحة في الوجه والبدن غير أن حبك الشيء عمى ويصم وإن كانت الصورة أنثى فقد خانت الله ورسوله وأهلها وبعلها ونفسها وأورثت ذلك لمن بعدها من ذريتها فلها نصيب من وزرهم وعارهم ولا نسبة لجمال صورتها إلى هذا القبح ألبتة وإذا أردت معرفة ذلك فانظر إلى القبح الذي يعلو وجه أحدهما في كبره وكيف يقلب الله سبحانه تلك المحاسن مقابح حتى تعلو الوحشة والقبح وجهه كما قيل شعرا: ؎لو فكر العاشق في منتهى ∗∗∗ حسن الذي يسبيه لم يسبه وتفصيل هذه الوجوه يطول جدا فيكفي ذكر أصولها. [فصل: أما تقوية باعث الدين فإنه يكون بأمور] أحدهما: إجلال الله تبارك وتعالى أن يعصى وهو يرى ويسمع ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك ألبتة. الثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له فإن المحب لمن يحب مطيع وأفضل الترك ترك المحبين كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد. الثالث: مشهد النعمة والإحسان فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه وإنما يفعل هذا لئام الناس فليمنعه مشهد إحسان الله تعالى ونعمته عن معصيته حياء منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلا إليه ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك فأقبح بها من مقابلة. الرابع: مشهد الغضب والانتقام فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء فضلا عن هذا العبد الضعيف. الخامس: مشهد الفوات وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا ويزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعا وعقلا وعرفا ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافا مضاعفة فكيف أن يبيعه بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها تذهب الشهوة وتبقى الشقوة وقد صح عن النبي أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" قال بعض الصحابة ينزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظلة فإن تاب رجع إليه. وقال بعض التابعين ينزع عنه الإيمان كما ينزع القميص فإن تاب لبسه ولهذا روي عن النبي في الحديث الذي رواه البخاري: " الزناة في التنور عراة " لأنهم تعروا من لباس الإيمان وعاد تنور الشهوة الذي كان في قلوبهم تنورا ظاهرا يحمى عليه في النار. السادس: مشهد القهر والظفر فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوه من الآدميين وأحلى موقعا وأتم فرحة وأما عاقبته فأحمد عاقبة وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد وأعاده إلى صحته واعتداله. السابع: مشهد العوض وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم لأجله ونهى نفسه عن هواها وليوازنه بين العوض المعوض فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه. الثامن: مشهد المعية وهو نوعان معية عامة ومعية خاصة فالعامة اطلاع الرب عليه، وكونه بعينه لا تخفى عليه حاله وقد تقدم هذا، والمقصود هنا المعية الخاصة كقوله ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ وقوله ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ وقوله ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ فهذه المعية الخاصة خير وأنفع في دنياه وآخرته ممن قضى وطره ونيل شهوته على التمام من أول عمره إلى آخره فكيف يؤثر عليها لذة منغصة منكدة في مدة يسيرة من العمر إنما هي كأحلام نائم أو كظل زائل. التاسع: مشهد المغافصة والمعاجلة وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فيأخذه الله على غرة فيحال بينه وبين ما يشتهى من لذات الآخرة فيا لها من حسرة ما أمرها وما أصعبها لكن ما يعرفها إلا من جربها وفي بعض الكتب القديمة يامن لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم الحذر الحذر. العاشر: مشهد البلاء والعافية فإن البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها فأهل البلاء هم أهل المعصية وأن عوفيت أبدانهم وأهل العافية هم أهل الطاعة وإن مرضت أبدانهم. وقال بعض أهل العلم في الأثر المروي إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية فإن أهل البلاء المبتلون بمعاصي الله والإعراض والغفلة عنه وهذا وإن كان أعظم البلاء فاللفظ يتناول أنواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم والله أعلم. الحادي عشر: أن يعود باعث الدين ودواعيه مصارعة داعي الهوى ومقاومته على التدريج قليلا قليلا حتى يدرك لذة الظفر فتقوى حينئذ همته فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة تزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة تتزايد بخلاف البزاز والخياط ونحوهما ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين وقوى فيه باعث الشهوة ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد. الثاني عشر: كف الباطل عن حديث النفس وإذا مرت به الخواطر نفاها ولا يؤويها ويساكنها فإنها تصير أماني وهي رءوس أموال المفاليس، ومتى ساكن الخواطر صارت أماني ثم تقوى فتصير هموما ثم تقوى فتصير أرادات ثم تقوى فتصير عزما يقترن به المراد فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من دفع أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته. الثالث عشر: قطع العلائق والأسباب التي تدعوه إلى موافقة الهوى وليس المراد أن لا يكون له هوى بل المراد أن يصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معاصيه فإن كل شيء من الإنسان يستعمله لله فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان وما لا يستعمله لله استعمله لنفسه وهواه ولا بد فالعلم أن لم يكن لله كان للنفس والهوى والعمل أن لم يكن لله كان للرياء والنفاق والمال أن لم ينفق في طاعة الله أنفق في طاعة الشيطان والهوى والجاه أن لم يستعمله لله استعمله صاحبه في هواه وحظوظه والقوة أن لم يستعملها في أمر الله استعملته في معصيته فمن عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره ومن عود نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الإخلاص والعمل لله وهذا في جميع أبواب الأعمال فليس شيء أشق على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا بالعكس. الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التي ندب عباده إلى التفكر فيها وهي آياته المتلوة وآياته المجلوة فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاظرة الشيطان ومحادثته ووسواسه وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاظرا للرحمن وكتابه ورسوله والصحابة فرغب عن ذلك إلى محاظرة الشيطان من الإنس والجن فلا غبن بعد هذا الغبن والله المستعان. الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها فلا يرضى لنفسه أن يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعا إلا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له فكيف إذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذب به ويناله بسببه غاية الألم بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له كان ذلك حسرة عليه وغبنا. السادس عشر: تعرضه إلى من القلوب بين أصبعيه وأزمة الأمور بيديه وانتهاء كل شيء إليه على الدوام فلعله أن يصادف أوقات النفحات كما في الأثر المعروف: "إن لله في أيام دهره نفحات فتعرضوا لنفحاته واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم" ولعله في كثرة تعرضه أن يصادف ساعة من الساعات التي لا يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه فمن أعطى منشور الدعاء أعطى الإجابة فإنه لو لم يرد إجابته لما ألهمه الدعاء كما قيل: ؎لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ∗∗∗ من جود كفك ما عودتني الطلبا ولا يستوحش من ظاهر الحال فإن الله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله كما ليس كمثله شيء في صفاته فإنه ما حرمه إلا ليعطيه ولا أمرضه إلا ليشفيه ولا أفقره إلا ليغنيه ولا أماته إلا ليحييه وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل حال كما قيل:"يا آدم لا تجزع من قولى لك واخرج منها فلك خلقتها وسأعيدك إليها". فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه ويعطيه بحرمانه ويصحبه بسقمه فلا يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلا إلا إذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه. السابع عشر: أن يعلم العبد بأن فيه جاذبين متضادين ومحنته بين الجاذبين جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهى إلى حيث يليق به من المحل الأعلى وكلما انقاد إلى الجاذب الاسفل نزل درجة حتى ينتهى إلى موضعه من سجين ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل فلينظر أين روحه في هذا العالم فإنها إذا فارقت البدن تكون في الرفيق الأعلى الذي كانت تجذبه إليه في الدنيا فهو أولى بها فالمرء مع من أحب طبعا وعقلا وجزءا وكل مهتم بشيء فهو منجذب إليه وإلى أهله بالطبع وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه وقد قال تعالى ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه﴾ فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهمها وأعمالها إلى أعلى والنفوس السافلة إلى أسفل. الثامن عشر: أن يعلم العبد أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلا قابلا ينزل فيه وأن فرغه حتى أصابه غيث الرحمة ولكنه لم ينقه من الدغل لم يكن الزرع زرعا كاملا بل ربما غلب الدغل على الزرع فكان الحكم له وهذا كالذي يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع ويودع فيها البذور وينتظر نزول الغيث فإذا طهر العبد قلبه وفرغه من إرادة السوء وخواطره وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة وانتظر نزول غيث الرحمة في أوإنه كان جديرا بحصول المغل وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة ولا سيما إذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وعظم الجمع كجمع عرفة وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها الله تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة كما نصب سائر الأسباب مقتضية إلى مسبباتها بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبباتها ولكن العبد بجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب الحسن وبظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه ولو فرغ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب فإن فضل الله لا يرده إلا المانع الذي في العبد فلو زال ذلك المانع لسارع إليه الفضل من كل صوب، فتأمل حال نهر عظيم يسقي كل أرض يمر عليها فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة المجدية سكر وسد كثيف فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه. التاسع عشر: أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لا فناء له، ولعز لا ذل معه وأمن لا خوف فيه وغناء لا فقر معه ولذة لا ألم معها وكمال لا نقص فيه وامتحنه في هذه الدار بالبقاء الذي يسرع إليه الفناء والعز الذي يقارنه الذل ويعقبه الذل والأمن الذي معه الخوف وبعده الخوف وكذلك الغناء واللذة والفرح والسرور والنعيم الذي هنا مشوب بضده لأنه يتعقبه ضده وهو سريع الزوال فغلط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله ففاتهم في محله وأكثرهم لم يظفر بماطليه! من ذلك والذي ظفر به إنما هو متاع قليل والزوال قريب فإنه سريع الزوال عنه والرسل صلوات الله وسلامه عليهم إنما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمن دونهم فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد فيحرص كل الحرص على أن لا يصل إليه فإن العبد إذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعي الدين فهو الملك حقا لأن صاحب هذا الملك حر والملك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه فهو مسخر مملوك في زى مالك يقوده زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير فالمغرور المخدوع يقطع نظره على الملك الظاهر الذي صورته ملك وباطنه رق وعلى الشهوة التي أولها لذة وآخرها حسرة والبصير الموفق يعير نظره من الاوائل إلى الأواخر ومن المبادئ إلى العواقب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. العشرون: أن لا يغتر العبد باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كاف في حصول المقصود بل لا بد أن يضيف إليه بذل الجهد في استعماله واستفراغ الوسع والطاقة فيه وملاك ذلك الخروج عن العوائد فإنها أعداء الكمال والفلاح فلا أفلح من استمر مع عوائده أبدا ويستعين على الخروج عن العوائد بالهرب عن مظان الفتنة والبعد عنها ما أمكنه وقد قال النبي: "مَن سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأ عَنْهُ" فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه. وهاهنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق وهي أن يظهر له في مظان الشر بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة. والله أعلم. [فصل: الفرق بين الصبر والقسوة] والفرق بين الصبر والقسوة: أن الصبر خلق كسبي يتخلق به العبد وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي، فيحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى والجوارح عما لا ينبغي فعله وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية. وأما القسوة فيبس في القلب يمنعه من الانفعال وغلظة تمنعه من التأثر بالنوازل فلا يتأثر لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله. ((الجزء التاسع))