Tafsir Ibn Al-Qayyim — النحل 16:127 – الكهف 18:110
المحتويات
- النحل 16:127
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:3
- الإسراء 17:12
- الإسراء 17:13
- الإسراء 17:15
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:19
- الإسراء 17:22
- الإسراء 17:23
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:32
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:44
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:47
- الإسراء 17:48
- الإسراء 17:49
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:51
- الإسراء 17:57
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:63
- الإسراء 17:67
- الإسراء 17:70
- الإسراء 17:72
- الإسراء 17:73
- الإسراء 17:74
- الإسراء 17:75
- الإسراء 17:79
- الإسراء 17:80
- الإسراء 17:81
- الإسراء 17:82
- الإسراء 17:84
- الإسراء 17:85
- الإسراء 17:110
- الإسراء 17:111
- الكهف 18:10
- الكهف 18:14
- الكهف 18:18
- الكهف 18:22
- الكهف 18:23
- الكهف 18:24
- الكهف 18:28
- الكهف 18:33
- الكهف 18:39
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
- الكهف 18:57
- الكهف 18:62
- الكهف 18:65
- الكهف 18:79
- الكهف 18:80
- الكهف 18:81
- الكهف 18:101
- الكهف 18:103
- الكهف 18:104
- الكهف 18:110
النحل 16:127
فإن قيل أي الصبرين أحب إلى الله؟
صبر من يصبر على أوامره أم صبر من يصبر عن محارمه؟
قيل هذا موضع تنازع فيه الناس فقالت طائفة الصبر عن المخالفات أفضل، لأنه أشق وأصعب فإن أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر عن المخالفات إلا الصديقون.
قالوا: ولأن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة هوى النفس، وهو أشق شيء وأفضله.
قالوا ولأن ترك المحبوب الذي تحبه النفوس دليل على أن من ترك لأجله أحب إليه من نفسه وهواه، بخلاف فعل ما يحبه المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك.
قالوا وأيضا فالمروءة والفتوة كلها في هذا الصبر.
قال الإمام أحمد: "الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى"
فمروءة العبد وفتوته بحسب هذا الصبر قالوا وليس العجب ممن يصبر على الأوامر فإن أكثرها محبوبات للنفوس السليمة لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر وهذه محاب للنفوس الفاضلة الزكية، بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محاب للنفوس فيترك المحبوب العاجل في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار أخرى والنفس موكلة بحب العاجل فصبرها عنه مخالف لطبعها.
قالوا: ولأن المناهي لها أربعة دواع تدعو إليها:
نفس الإنسان، وشيطانه، وهواه، ودنياه.
فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة، وذلك أشق شيء على النفوس وأمره قالوا فالمناهي من باب حمية النفوس عن مشتهياتها ولذاتها والحمية مع قيام داعي التناول وقوته من أصعب شيء وأشقه.
قالو أو لذلك كان باب قربان النهي مسدودا كله وباب الأمر إنما يفعل منه المستطاع كما قال النبي ﷺ:
"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه "
فدل على أن باب المنهيات أضيق من باب المأمورات، وأنه لم يرخص في ارتكاب شيء منه كما رخص في ترك بعض المأمورات للعجز والعذر.
قالوا ولهذا كانت عامة العقوبات من الحدود وغيرها على ارتكاب المنهيات بخلاف ترك المأمور فإن الله سبحانه لم يرتب عليه حدا معينا فأعظم المأمورات الصلاة وقد اختلف العلماء هل على تاركها حد أم لا؟
فهذا بعض ما احتجت به الطائفة.
(فصل)
وقالت طائفة أخرى بل الصبر على فعل المأمور أفضل وأجل من الصبر على ترك المحظور، لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى وبيان ذلك من وجوه
أحدها: أن فعل المأمور مقصود لذاته فهو مشروع شرع المقاصد، فإن معرفة الله وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه وإخلاص العمل له ومحبته والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التي خلق لها الخلق وثبت بها الأمر وذلك أمر مقصود لنفسه والمنهيات إنما نهى عنها لأنها صادة عن ذلك أو شاغلة عنه أو مفوتة لكماله ولذلك كانت درجاتها في النهي بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه فلو لم يصد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التواد والتحاب الذي وضعه الله بين عباده لما حرمه وكذلك لو لم يحل بين العبد وبين عقله الذي به يعرف الله ويعبده ويحمده ويمجده ويصلى له ويسجد لما حرمه وكذلك سائر ما حرمه إنما حرمه لأنه يصد عما يحبه ويرضاه ويحول بين العبد وبين إكماله.
الثاني أن المأمورات متعلقة بمعرفة الله وتوحيده وعبادته وذكره وشكره ومحبته والتوكل عليه والإنابة إليه فمتعلقها ذات الرب تعالى وأسماؤه وصفاته ومتعلق المنهيات ذوات الأشياء المنهي عنها والفرق من أعظم ما يكون.
الثالث: أن ضرورة العبد وحاجته إلى فعل المأمور أعظم من ضرورته إلى ترك المحظور فإنه ليس إلى شيء أحوج واشد فاقة منه إلى معرفة ربه وتوحيده وإخلاص العمل له وافراده بالعبودية والمحبة والطاعة وضرورته إلى ذلك أعظم من ضرورته إلى نفسه ونفسه وحياته أعظم من ضرورته إلى غذائه الذي به قوام بدنه بل هذا لقلبه وروحه كالحياه والغذاء لبدنه وهو إنما هو إنسان بروحه وقلبه لا ببدنه وقالبه كما قيل:
؎يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ∗∗∗ فأنت بالقلب لا بالجسم إنسان
وترك المنهي إنما شرع له تحصيلا لهذا الأمر الذي هو ضرورى له وما أحوجه وأفقره إليه.
الرابع: أن ترك المنهي من باب الحمية وفعل المأمور من باب حفظ القوة والغذاء الذي لاتقوم البنية بدونه ولا تحصل الحياة إلا به فقد يعيش الإنسان مع تركه الحميه وإن كان بدنه عليلا أشد ما يكون علة ولا يعيش بدون القوة والغذاء الذي يحفظها فهذا مثل المأمورات والمنهيات.
الخامس: أن الذنوب كلها ترجع إلى هذين الأصلين ترك المأمور وفعل المحظور، ولو فعل العبد المحظور كله من أوله إلى آخره حتى أتى من مأمور الإيمان بأدنى أدنى مثقال ذرة منه نجا بذلك من الخلود في النار.
ولو ترك كل محظور ولم يأت بمأمور الإيمان لكان مخلدا في السعير فأين شيء مثاقيل الذر منه تخرج من النار إلى شيء وزن الجبال منه أضعافا مضاعفة لا تقتضي الخلود في النار مع وجود ذلك المأمور أو أدنى شيء منه.
السادس: أن جميع المحظورات من أولها إلى آخرها تسقط بمأمور التوبة ولا تسقط المأمورات كلها معصية المخالفة إلا بالشرك أو الوفاة عليه ولا خلاف بين الأمة أن كل محظور يسقط بالتوبة منه واختلفوا هل تسقط الطاعة بالمعصية وفي المسألة نزاع وتفاصيل ليس هذا موضعه.
السابع: أن ذنب الأب كان يفعل المحظور فكان عاقبته أن اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وذنب إبليس كان بترك المأمور فكان عاقبته ما ذكر الله سبحانه وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة.
الثامن أن المأمور محبوب إلى الرب والمنهي مكروه له، وهو سبحانه إنما قدره وقضاه لأنه ذريعة إلى حصول محبوبه من عبده ومن نفسه تعالى.
أما مَن عبده فالتوبة والاستغفار والخضوع والذل والانكسار وغير ذلك.
وأما من نفسه فبالمغفرة والتوبة على العبد والعفو عنه والصفح والحلم والتجاوز عن حقه، وغير ذلك مما هو أحب إليه تعالى من فواته بعدم تقدير ما يكرهه، وإذا كان إنما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه علم أن محبوبه هو الغاية ففوات محبوبه أبغض إليه وأكره له من حصول مبغوضه بل إذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه آخر كان المبغوض مرادا له إرادة الوسائل كما كان النهي عنه وكراهته لذلك.
وأما المحبوب فمراده إرادة المقاصد كما تقدم فهو سبحانه إنما خلق الخلق لأجل محبوبه ومأموره وهو عبادته وحده كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾
وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلا لهذه الغاية التي خلق خلقه لأجلها فانه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره كالجهاد الذي هو أحب العمل إليه والموالاة فيه والمعاداة فيه ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من المكروه له ما ما يكون سببا لحصولها.
التاسع: أن ترك المحظور لا يكون قربة ما لم يقارنه فعل المأمور فلو ترك العبد كل محظور لم يثبه الله عليه حتى يقارنه مأمور الإيمان وكذلك المؤمن لا يكون تركه المحظور قربة حتى يقارنه مأمور النية بحيث يكون تركه لله فافتقر ترك المنهيات بكونه قربة يثاب عليها إلى فعل المأمور ولا يفتقر فعل المأمور في كونه قربة وطاعة إلى ترك المحظور ولو افتقر إليه لم يقبل الله طاعة من عصاه أبدا وهذا من أبطل الباطل.
العاشر: أن المنهي عنه مطلوب إعدامه والمأمور مطلوب إيجاده والمراد إيجاد هذا وإعدام ذاك فإذا قدر عدم الأمرين أو وجودهما كان وجودهما خير من عدمهما فإنه إذا عدم المأمور لم ينفع عدم المحظور وإذا وجد المأمور فقد يستعان به على دفع المحظور أو دفع أثره فوجود القوة والمرض خير من عدم الحياة والمرض.
الحادى عشر: أن باب المأمور الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وباب المحظور السيئة فيه بمثلها وهي بصدد الزوال بالتوبة والاستغفار والحسنة الماحية والمصيبة المكفرة واستغفار الملائكة للمؤمنين واستغفار بعضهم لبعض وغير ذلك وهذا يدل على أنه أحب إلى الله من عدم المنهي.
الثاني عشر: أن باب المنهيات يمحوه الله سبحانه ويبطل أثره بأمور عديدة من فعل العبد وغيره فإنه يبطله بالتوبة النصوح وبالاستغفار وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة وباستغفار الملائكة وبدعاء المؤمنين فهذه ستة في حال حياته وبتشديد الموت وكربه وسياقه عليه فهذا عند مفارقته الدنيا وبهول المطلع وروعة الملكين في القبر وضغطته وعصرته له وشدة الموقف وعنائه وصعوبته وبشفاعة الشافعين فيه وبرحمة أرحم الراحمين له فإن عجزت عنه هذه الأمور فلا بد له من دخول النار ويكون لبثه فيها على قدر بقاء خبثه ودرنه فإن الله حرم الجنة إلا على كل طيب فما دام درنه ووسخه وخبثه فيه فهو في كير التطهير حتى يتصفى من ذلك الوسخ والخبث وأما باب المأمورات فلا يبطله إلا الشرك.
الثالث عشر: أن جزاء المأمورات الثواب وهو من باب الإحسان والفضل والرحمة، وجزاء المنهيات العقوبة وهي من باب الغضب والعدل ورحمته سبحانه تغلب غضبه فما تعلق بالرحمة والفضل أحب إليه مما تعلق بالغضب والعدل وتعطيل ما تعلق بالرحمة أكره إليه من فعل ما تعلق بالغضب.
الرابع عشر: أن باب المنهيات تسقط الآلاف المؤلفة منه الواحدة من المأمورات وباب المأمورات لا يسقط الواحدة منه الآلاف المؤلفة من المنهيات.
الخامس عشر: أن متعلق المأمورات الفعل وهو صفة كمال بل كمال المخلوق من فعاله فإنه فعل فكمل ومتعلق النهي الترك والترك عدم ومن حيث هو كذلك لا يكون كمالا فإن العدم المحض ليس بكمال وإنما يكون كمالا لما يتضمنه أو يستلزمه من الفعل الوجودي الذي هو سبب الكمال.
وأما أن يكون مجرد الترك الذي هو عدم محض كمالا أو سببا للكمال فلا.
مثال ذلك لو ترك السجود للصنم لم يكن كماله في مجرد هذا الترك ما لم يكن يسجد لله وإلا فلو ترك السجود لله وللصنم لم يكن ذلك كمالا، وكذلك لو ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك مؤمنا ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق والحب وموالاته وطاعته فعلم أن الكمال كله في المأمور وأن المنهي ما لم يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئا ولم يكن كمالا، فإن الرجل لو قال للرسول لا أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ولا أحاربك ولا أحارب من يحاربك لكان كافرا ولم يكن مؤمنا بترك معاداته وتكذيبه ومحاربته ما لم يأت بالفعل الوجودي الذي أمر به.
السادس عشر: أن العبد إذا أتى بالمأمور به على وجهه ترك المنهي عنه ولا بد، فالمقصود إنما هو فعل المأمور ومع فعله على وجهه يتعذر فعل المنهي فالمنهي عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة فإن العبد إذا فعل ما أمر به من العدل والعفة وامتنع من صدور الظلم والفواحش منه فنفس العدل يتضمن ترك الظلم ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش فدخل ترك المنهي عنه في المأمور به ضمنا وتبعا وليس كذلك في عكسه فإن ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور فإنه قد يتركهما معا كما تقدم فعلم أن المقصود هو إقامة الأمر على وجهه ومع ذلك لا يمكن ارتكاب النهي ألبتة وأما ترك المنهي عنه فإنه يستلزم إقامة الأمر
السابع عشر: أن الرب تعالى إذا أمر عبده بأمر ونهاه عن أمر ففعلهما جميعا كان قد حصل محبوب الرب وبغيضه فقد تقدم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ومقاومته ولا سيما إذا كان فعل ذلك المحبوب أحب إليه من ترك ذلك البغيض فيهب له من جنايته ما فعل من هذا بطاعته ويتجاوز له عما فعل من الآخر.
ونظير هذا في الشاهد أن يقتل الرجل عدوا للملك هو حريص على قتله وشرب مسكرا نهاه عن شربه فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها في جنب ما أتى به من محبوبه وأما إذا ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك بغيضه بمصلحة فعل محبوبه أبدا كما إذا أمر الملك عبده بقتل عدوه ونهاه عن شرب مسكر فعصاه في قتل عدوه مع قدرته عليه وترك شرب المسكر فإن الملك لا يهب له جرمه بترك أمره في جنب ترك ما نهاه عنه وقد فطر الله عباده على هذا فهكذا السادات مع عبيدهم والآباء مع أولادهم والملوك مع جندهم والزوجات مع أزواجهم ليس التارك منهم محبوب الأمر ومكروهه بمنزلة الفاعل منهم محبوب أمره ومكروهه.
يوضحه الوجه الثامن عشر: أن فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه فيستحيل الإتيان بجميع مكروهه وهو يفعل ما أحبه وأبغضه فغايته أنه اجتمع الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه ويبغضه من وجه أما إذا ترك المأمور به جملة فإنه لم يقم به ما يحبه الرب عليه فإن مجرد ترك المنهي لا يكون طاعة إلا باقترانه بالمأمور كما تقدم فلا يحبه على مجرد الترك وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر فصار مبغوضا للرب تعالى من كل وجه إذ ليس فيه ما يحبه الرب عليه فتأمله.
يوضحه الوجه التاسع عشر: وهو أن الله سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر وجودي أمر به إيجابا أو استحبابا ولم يعلقها بالترك من حيث هو ترك ولا في موضع واحد فإنه يحب التوابين ويحب المحسنين ويحب الشاكرين ويحب الصابرين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، ويحب المتقين ويحب الذاكرين، ويحب المتصدقين، فهو سبحانه إنما علق محبته بأوامره إذ هي المقصود من الخلق والأمر كما قال تعالى ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فما خلق الخلق إلا لقيام أوامره وما نهاهم إلا عما يصدهم عن قيام أوامره ويعوقهم عنها.
يوضحه الوجه العشرون: أن المنهيات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها على الوجه الذي أمر الله بها لم يكن للنهي عنها معنى وإنما نهى عنها لمضادتها لأوامره وتعويقها لها وصدها عنها فالنهي عنها من باب التكميل والتتمة للمأمور فهو بمنزلة تنظيف طرق الماء ليجري في مجاريه غير معوق فالأمر بمنزلة الماء الذي أرسل في نهر لحياة البلاد والعباد والنهي بمنزلة تنظيف طرقه ومجراه وتنقيتها مما يعوق الماء والأمر بمنزلة القوة والحياة والنهي بمنزلة الحمية الحافظة للقوة والداء والخادم لها
قالوا وإذا تبين أن فعل المأمور أفضل فالصبر عليه أفضل أنواع الصبر وبه يسهل عليه الصبر عن المحظور، والصبر على المقدور فإن الصبر إلا على يتضمن الصبر الأدنى دون العكس وقد ظهر لك من هذا أن الأنواع الثلاثة متلازمة وكل نوع منها يعين على النوعين الآخرين وإن كان من الناس من قوة صبره على المقدور فإذا جاء الأمر والنهي فقوة صبره هناك ضعيفة ومنهم من هو بالعكس من ذلك، ومنهم من قوة صبره في جانب الأمر أقوى، ومنهم من هو بالعكس والله أعلم.
[فَصْلٌ أنْواعُ الصَّبْرِ]
[الصَّبْرُ بِاللَّهِ ولِلَّهِ ومَعَ اللَّهِ]
وَهُوَ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ: صَبْرٌ بِاللَّهِ. وصَبْرٌ لِلَّهِ. وصَبْرٌ مَعَ اللَّهِ.
فالأوَّلُ: صَبْرُ الِاسْتِعانَةِ بِهِ، ورُؤْيَتُهُ أنَّهُ هو المُصَبِّرُ، وأنَّ صَبْرَ العَبْدِ بِرَبِّهِ لا بِنَفْسِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] يَعْنِي إنْ لَمْ يُصَبِّرْكَ هو لَمْ تَصْبِرْ.
والثّانِي: الصَّبْرُ لِلَّهِ. وهو أنْ يَكُونَ الباعِثُ لَهُ عَلى الصَّبْرِ مَحَبَّةَ اللَّهِ، وإرادَةَ وجْهِهِ. والتَّقَرُّبَ إلَيْهِ. لا لِإظْهارِهِ قُوَّةَ النَّفْسِ، والِاسْتِحْمادَ إلى الخَلْقِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأعْراضِ.
والثّالِثُ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ. وهو دَوَرانُ العَبْدِ مَعَ مُرادِ اللَّهِ الدِّينِيِّ مِنهُ. ومَعَ أحْكامِهِ الدِّينِيَّةِ. صابِرًا نَفْسَهُ مَعَها، سائِرًا بِسَيْرِها. مُقِيمًا بِإقامَتِها. يَتَوَجَّهُ مَعَها أيْنَ تَوَجَّهَتْ رَكائِبُها. ويَنْزِلُ مَعَها أيْنَ اسْتَقَلَّتْ مَضارِبُها.
فَهَذا مَعْنى كَوْنِهِ صابِرًا مَعَ اللَّهِ؛ أيْ قَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ وقْفًا عَلى أوامِرِهِ ومَحابِّهِ. وهو أشَدُّ أنْواعِ الصَّبْرِ وأصْعَبِها. وهو صَبْرُ الصِّدِّيقِينَ.
قالَ الجُنَيْدُ: المَسِيرُ مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ سَهْلٌ هَيِّنٌ عَلى المُؤْمِنِ. وهِجْرانُ الخَلْقِ في جَنْبِ اللَّهِ شَدِيدٌ، والمَسِيرُ مِنَ النَّفْسِ إلى اللَّهِ صَعْبٌ شَدِيدٌ. والصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ أشَدُّ.
وَسُئِلَ عَنِ الصَّبْرِ؟ فَقالَ: تَجَرُّعُ المَرارَةِ مِن غَيْرِ تَعَبُّسٍ.
قالَ ذُو النُّونِ المِصْرِيُّ: الصَّبْرُ: التَّباعُدُ مِنَ المُخالَفاتِ. والسُّكُونُ عِنْدَ تَجَرُّعِ غُصَصِ البَلِيَّةِ. وإظْهارُ الغِنى مَعَ حُلُولِ الفَقْرِ بِساحاتِ المَعِيشَةِ.
وَقِيلَ: الصَّبْرُ: الوُقُوفُ مَعَ البَلاءِ بِحُسْنِ الأدَبِ.
وَقِيلَ: هو الفَناءُ في البَلْوى، بِلا ظُهُورٍ ولا شَكْوى.
وَقِيلَ: تَعْوِيدُ النَّفْسِ الهُجُومَ عَلى المَكارِهِ.
وَقِيلَ: المُقامُ مَعَ البَلاءِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ، كالمُقامِ مَعَ العافِيَةِ.
وَقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: هو الثَّباتُ مَعَ اللَّهِ، وتَلَقِّي بَلائِهِ بِالرَّحْبِ والدَّعَةِ.
وَقالَ الخَوّاصُ: هو الثَّباتُ عَلى أحْكامِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: صَبْرُ المُحِبِّينَ أشَدُّ مِن صَبْرِ الزّاهِدِينَ. واعَجَبًا! كَيْفَ يَصْبِرُونَ؟ وأنْشَدَ:
؎والصَّبْرُ يَجْمُلُ في المَواطِنِ كُلِّها ∗∗∗ إلّا عَلَيْكَ فَإنَّهُ لا يَجْمُلُ
وَقِيلَ: الصَّبْرُ هو الِاسْتِعانَةُ بِاللَّهِ.
وَقِيلَ: هو تَرْكُ الشَّكْوى.
وَقِيلَ:
؎الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ، مُرٌّ مَذاقَتُهُ، ∗∗∗ لَكِنَّ عَواقِبَهُ أحْلى مِنَ العَسَلِ
وَقِيلَ: الصَّبْرُ أنْ تَرْضى بِتَلَفِ نَفْسِكَ في رِضا مَن تُحِبُّهُ. كَما قِيلَ:
؎سَأصْبِرُ كَيْ تَرْضى وأتْلَفَ حَسْرَةً ∗∗∗ وحَسَبِي أنْ تَرْضى ويُتْلِفَنِي صَبْرِي
وَقِيلَ: مَراتِبُ الصّابِرِينَ خَمْسَةٌ: صابِرٌ، ومُصْطَبِرٌ، ومُتَصَبِّرٌ، وصَبُورٌ، وصَبّارٌ، فالصّابِرُ: أعَمُّها، والمُصْطَبِرُ: المُكْتَسِبُ الصَّبْرَ المَلِيءُ بِهِ. والمُتَصَبِّرُ: المُتَكَلِّفُ حامِلٌ نَفْسَهُ عَلَيْهِ. والصَّبُورُ: العَظِيمُ الصَّبْرِ الَّذِي صَبْرُهُ أشَدُّ مِن صَبْرِ غَيْرِهِ. والصَّبّارُ: الكَثِيرُ الصَّبْرِ. فَهَذا في القَدْرِ والكَمِّ. والَّذِي قَبْلَهُ في الوَصْفِ والكَيْفِ.
وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لا تَكْبُو.
وَقَفَ رَجُلٌ عَلى الشِّبْلِيِّ. فَقالَ: أيُّ صَبْرٍ أشَدُّ عَلى الصّابِرِينَ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ في اللَّهِ. قالَ السّائِلُ: لا. فَقالَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ. فَقالَ: لا. فَقالَ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ. فَقالَ: لا. قالَ الشِّبْلِيُّ: فَإيشْ هُوَ؟ قالَ: الصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ. فَصَرَخَ الشِّبْلِيُّ صَرْخَةً كادَتْ رُوحُهُ تَتْلَفَ.
وَقالَ الجَرِيرِيُّ: الصَّبْرُ أنْ لا يُفَرَّقُ بَيْنَ حالِ النِّعْمَةِ وحالِ المَحَبَّةِ، مَعَ سُكُونِ الخاطِرِ فِيهِما. والتَّصَبُّرُ: هو السُّكُونُ مَعَ البَلاءِ، مَعَ وِجْدانِ أثْقالِ المِحْنَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: فازَ الصّابِرُونَ بِعِزِّ الدّارَيْنِ؛ لِأنَّهم نالُوا مِنَ اللَّهِ مَعِيَّتَهُ. فَإنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ.
وَقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. إنَّهُ انْتِقالٌ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى. فالصَّبْرُ دُونَ المُصابَرَةِ. والمُصابَرَةُ دُونَ المُرابَطَةِ والمُرابَطَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ وهو الشَّدُّ. وسُمِّي المُرابِطُ مُرابِطًا لِأنَّ المُرابِطِينَ يَرْبِطُونَ خُيُولَهم يَنْتَظِرُونَ الفَزَعَ. ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُنْتَظِرٍ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ لِطاعَةٍ يَنْتَظِرُها: مُرابِطٌ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟ إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطى إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ».
وَقالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها».
وَقِيلَ: اصْبِرُوا بِنُفُوسِكم عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وصابِرُوا بِقُلُوبِكم عَلى البَلْوى في اللَّهِ. ورابِطُوا بِأسْرارِكم عَلى الشَّوْقِ إلى اللَّهِ.
وَقِيلَ: اصْبِرُوا في اللَّهِ. وصابِرُوا بِاللَّهِ. ورابِطُوا مَعَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: اصْبِرُوا عَلى النَّعْماءِ. وصابِرُوا عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ. ورابِطُوا في دارِ الأعْداءِ. واتَّقَوْا إلَهَ الأرْضِ والسَّماءِ. لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ في دارِ البَقاءِ.
فالصَّبْرُ مَعَ نَفْسِكَ، والمُصابَرَةُ بَيْنَكَ وبَيْنَ عَدُوِّكَ، والمُرابَطَةُ الثَّباتُ وإعْدادُ العُدَّةِ. وكَما أنَّ الرِّباطَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِئَلّا يَهْجُمَ مِنهُ العَدُوُّ. فَكَذَلِكَ الرِّباطُ أيْضًا لُزُومُ ثَغْرِ القَلْبِ لِئَلّا يَهْجُمَ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، فَيَمْلِكَهُ ويُخَرِّبَهُ أوْ يُشَعِّثَهُ.
وَقِيلَ: تَجَرَّعِ الصَّبْرَ، فَإنْ قَتَلَكَ قَتَلَكَ شَهِيدًا. وإنْ أحْياكَ أحْياكَ عَزِيزًا.
وَقِيلَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ غِناءٌ. وبِاللَّهِ تَعالى بَقاءٌ. وفي اللَّهِ بَلاءٌ. ومَعَ اللَّهِ وفاءٌ. وعَنِ اللَّهِ جَفاءٌ. والصَّبْرُ عَلى الطَّلَبِ عُنْوانُ الظَّفَرِ. وفي المِحَنِ عُنْوانُ الفَرَجِ.
وَقِيلَ: حالُ العَبْدِ مَعَ اللَّهِ رِباطُهُ. وما دُونَ اللَّهِ أعْداؤُهُ.
وَفِي كِتابِ الأدَبِ لِلْبُخارِيِّ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإيمانِ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ، والسَّماحَةُ». ذَكَرَهُ عَنْ مُوسى بْنِ إسْماعِيلَ. قالَ: حَدَّثَنا سُوَيْدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَهُ.
وَهَذا مِن أجْمَعِ الكَلامِ وأعْظَمِهِ بُرْهانًا، وأوْعَبِهِ لِمَقاماتِ الإيمانِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها.
فَإنَّ النَّفْسَ يُرادُ مِنها شَيْئانِ: بَذْلُ ما أُمِرَتْ بِهِ، وإعْطاؤُهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ: السَّماحَةُ. وتَرْكُ ما نُهِيَتْ عَنْهُ، والبُعْدُ مِنهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ: الصَّبْرُ.
وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في كِتابِهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ، والصَّفْحِ الجَمِيلِ، والهَجْرِ الجَمِيلِ. فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: الصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ ولا مَعَهُ. والصَّفْحُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا عِتابَ مَعَهُ. والهَجْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا أذى مَعَهُ.
وَفِي أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ: أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ: أنْزَلْتُ بِعَبْدِي بَلائِي، فَدَعانِي. فَماطَلْتُهُ بِالإجابَةِ، فَشَكانِي. فَقُلْتُ: عَبْدِي، كَيْفَ أرْحَمُكَ مِن شَيْءٍ بِهِ أرْحَمُكَ؟
وَقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] قالَ: أخَذُوا بِرَأْسِ الأمْرِ فَجَعَلَهم رُؤَساءَ.
وَقِيلَ: صَبْرُ العابِدِينَ أحْسَنُهُ: أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا، وصَبْرُ المُحِبِّينَ أحْسَنُهُ: أنْ يَكُونَ مَرْفُوضًا. كَما قِيلَ:
؎تَبَيَّنَ يَوْمَ البَيْنِ أنَّ اعْتِزامَهُ ∗∗∗ عَلى الصَّبْرِ مِن إحْدى الظُّنُونِ الكَواذِبِ
والشَّكْوى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا تُنافِي الصَّبْرَ. فَإنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. والنَّبِيُّ إذا وعَدَ لا يُخْلِفُ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وكَذَلِكَ أيُّوبُ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ وجَدَهُ صابِرًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وَإنَّما يُنافِي الصَّبْرَ شَكْوى اللَّهِ، لا الشَّكْوى إلى اللَّهِ. كَما رَأى بَعْضُهم رَجُلًا يَشْكُو إلى آخَرَ فاقَةً وضَرُورَةً. فَقالَ: يا هَذا، تَشْكُو مَن يَرْحَمُكَ إلى مَن لا يَرْحَمُكَ؟ ثُمَّ أنْشَدَ:
؎وَإذا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فاصْبِرْ لَها ∗∗∗ صَبْرَ الكَرِيمِ فَإنَّهُ بِكَ أعْلَمُ
؎وَإذا شَكَوْتَ إلى ابْنِ آدَمَ إنَّما ∗∗∗ تَشْكُو الرَّحِيمَ إلى الَّذِي لا يَرْحَمُ.
[فصل: في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم]
فالمذموم: الصبر عن الله وإرادته ومحبته وسير القلب إليه فإن هذا الصبر يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية وتفويت ما خلق له وهذا كما أنه أقبح الصبر فهو أعظمه وأبلغه فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذي لا حياة له بدونه ألبتة كما أنه لا زهد أبلغ من زهد الزاهد فيما أعد الله لأوليائه من كرامته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فالزهد في هذا أعظم أنواع الزهد كما قال رجل لبعض الزاهدين وقد تعجب لزهده "ما رأيت أزهد منك! "
فقال: "أنت أزهد مني أنا زهدت في الدنيا وهي لا بقاء لها ولا وفاء، وأنت زهدت في الآخرة فمن أزهد منا"
قال يحيى بن معاذ الرازي "صبر المحبين أعجب من صبر الزاهدين واعجبا كيف يصبرون! "
وفي هذا قيل
؎الصبر يحمد في المواطن كلها ∗∗∗ إلا عليك فإنه لا يحمد
ووقف رجل على الشبلي فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟
فقال الصبر في الله.
قال لا.
فقال الصبر لله.
فقال لا.
قال فالصبر مع الله.
قال لا.
قال فإيش هو؟
قال الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تزهق.
وقيل: الصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء وقد أجمع الناس على أن الصبر عن المحبوب غير محمود فكيف إذا كان كمال العبد وفلاحه في محبته ولم تزل الأحباب تعيب المحبين بالصبر عنهم كما قيل:
؎والصبر عنك فمذموم عواقبه ∗∗∗ والصبر في سائر الأشياء محمود
وقال آخر في الصبر عن محبوبه
؎إذا لعب الرجال بكل شيء ∗∗∗ رأيت الحب يلعب بالرجال
؎وكيف الصبر عمن حل منى ∗∗∗ بمنزلة اليمين مع الشمال
وشكا آخر إلى محبوبه ما يقاسي من حبه فقال: لو كنت صادقا لما صبرت عنى.
؎ولما شكوت الحب قالت كذبتنى ∗∗∗ ترى الصب عن محبوبه كيف يصبر
فصل: وأما الصبر المحمود فنوعان: صبر لله وصبر بالله قال الله تعالى ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّه﴾
وقال ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ وقد تنازع الناس أي الصبرين أكمل فقالت طائفة الصبر له أكمل فإن ما كان لله أكمل مما كان بالله فإن ما كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة والغايات أشرف من الوسائل ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبرر أو تقربا إلى الله لأنه نذر له ولم يجب الوفاء به إذا خرج مخرج اليمين لأنه حلف به فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد الألوهية هو المنجى من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته.
وقالت طائفة: الصبر بالله أكمل بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به كما قال تعالى ﴿واصْبِرْ﴾ فأمره بالصبر والمأمور به هو الذي يفعل لأجله
ثم قال ﴿وَما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ﴾ فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التي تقدمتها أخبر فيها إنه لا يمكنه الصبر إلا به وذلك يتضمن أمرين الاستعانة به والمعية الخاصة التي تدل عليها باء المصاحبة كقوله فبي يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبي يمشي وليس المراد بهذه الباء الاستعانة فإن هذا أمر مشترك بين المطيع والعاصى فإن ما لا يكون بالله لا يكون بل هي باء المصاحبة والمعية التي صرح بمضمونها في قوله ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ وهي المعية الحاصلة لعبده الذي تقرب إليه بالنوافل حتى صار محبوبا له فبه يسمع وبه يبصر وكذلك به يصبر فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا والله معه ومن كان كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله كما في الأثر الإلهي يعني "وما يتحمل المتحملون من أجلي" فدل قوله ﴿وَما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ﴾ على أنه من لم يكن الله معه لم يمكنه الصبر وكيف يصبر على الحكم الأمرى امتثالا وتنفيذا وتبليغا وعلى الحكم القدري احتمالا له واضطلاعا به من لم يكن الله معه فلا يطمع في درجة الصبر المحمود عواقبه من لم يكن صبره بالله كما لا يطمع في درجة التقرب المحبوب من لم يكن سمعه وبصره وبطشه ومشيه بالله.
وهذا هو المراد من قوله: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" ليس المراد إني كنت نفس هذه الأعضاء والقوى كما يظنه أعداء الله أهل الوحدة وأن ذات العبد هي ذات الرب تعالى الله عن قول اخوان النصارى علوا كبيرا ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره ولا بين حالتي تقربه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه ولا عبد ولا معبود ولا محب ولا محبوب فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجها تعرف بالتأمل الظاهر.
وقد فسر المراد من قوله: " كنت سمعه وبصره ويده ورجله" بقوله: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي " فعبر عن هذه المصاحبة التي حصلت بالتقرب إليه بمحابه بألطف عبارة وأحسنها تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار له بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله.
ونظير هذا قوله:"الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه".
ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن ينزل إلى منزلة ما يصاحبه ويقارنه حتى يقول المحب للمحبوب أنت روحى وسمعى وبصرى وفي ذلك معنيان أحدهما أنه صار منه بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره والثاني أن محبته وذكره لما استولي على قلبه وروحه صار معه وجليسه كما في الحديث "يقول الله تعالى: أنا جليس من ذكرني"
وفي الحديث الآخر "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"
وفي الحديث "فإذا أحببت عبدي كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا"
ولا يعبر عن هذا المعنى بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا ألطف منها وإيضاح هذه العبارة مما يزيدها جفاء وخفاء.
والمقصود إنما هو ذكر الصبر بالله وأن العبد بحسب نصيبه من معية الله له يكون صبره وإذا كان الله معه أمكن أن يأتي من الصبر بما لا يأتي به غيره قال أبو على فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته قال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾.
وها هنا سر بديع وهو أن من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته إليه والرب تعالى هو الصبور بل لا أحد أصبر على أذى سمعه منه وقد قيل إن الله سبحانه أوحى إلى داود "تخلق بأخلاق فإن من أخلاقى إني أنا الصبور" والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد فإنه جميل يحب الجمال عفو يحب أهل العفو كريم يحب أهل الكرم عليم يحب أهل العلم وتر يحب أهل الوتر قوى والمؤمن القوى أحب إليه من المؤمن الضعيف صبور يحب الصابرين شكور يحب الشاكرين وإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف فهذه المعية الخاصة عبر عنها بقوله "كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا".
[فصل]
وزاد بعضهم قسما ثالثا من أقسام الصبر وهو الصبر مع الله وجعلوه أعلى أنواع الصبر وقالوا هو الوفاء ولو سئل هذا عن حقيقة الصبر مع الله لما أمكنه أن يفسره بغير الأنواع الثلاثة التي ذكرت وهي الصبر على أقضيته والصبر على أوامره والصبر عن نواهيه فإن زعم أن الصبر مع الله هو الثبات معه على أحكامه يدور معها حيث دارت فيكون دائما مع الله لا مع نفسه فهو مع الله بالمحبة والموافقة فهذا المعنى حق ولكن مداره على الصبر على الأنواع المتقدمة وإن زعم أن الصبر مع الله هو الجامع لأنواع الصبر فهذا حق ولكن جعله قسما رابعا من أقسام الصبر غير مستقيم.
واعلم أن حقيقة الصبر مع الله هو ثبات القلب بالاستقامة معه وهو أن لا يروغ عنه روغان الثعالب ها هنا وها هنا فحقيقة هذا هو الاستقامة إليه وعكوف القلب عليه وزاد بعضهم قسما آخر من اقسامه وسماه الصبر فيه وهذا أيضا غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له وهذا كما يقال فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب:
؎وذلك في ذات الإله وإن يشأ ∗∗∗ يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد قال تعالى ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾
وقال ﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ﴾
وفي حديث جابر: "إن الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال يا رب أن ترجعني إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانية"
وقال " ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد"
وهذا يفهم منه معنيان أحدهما أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله وهذا فيما يفعله الإنسان باختياره
كما في الحديث "تعلمت فيك العلم"
والثاني إنه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره وغالب ما يأتي قولهم "ذلك في الله" في هذا المعنى.
فتأمل قوله "ولقد أوذيت في الله"
وقول خبيب وذلك "في ذات الإله"
وقول عبد الله بن حرام "حتى أقتل فيك"
وكذلك قوله ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه.
وليست (في) هاهنا للظرفية ولا لمجرد السببية وإن كانت السببية هي أصلها فانظر إلى قوله "في نفس المؤمن مائة من الإبل" وقوله "دخلت امرأة النار في هرة" كيف تجد فيه معنى زائدا على السببية وليست في للوعاء في جميع معانيها فقولك "فعلت هذا في مرضاتك" فيه معنى زيد على قولك "فعلته لمرضاتك" وأنت إذا قلت "أوذيت في الله" لا يقوم مقام هذا اللفظ كقولك "أوذيت لله" ولا "بسبب الله"
وإذا فهم المعنى طوى حكم العبارة والمقصود أن الصبر في الله أن أريد به هذا المعنى فهو حق وأن أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره وعن نواهيه وله وبه لم يحصل فالصابر في الله كالمجاهد في الله والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله والله الموفق.
وأما قول بعضهم"الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء والصبر في الله بلاء والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء"
فكلام لا يجب التسليم لقائله لأنه ذكر ما سنح له وتصوره وإنما يجب التسليم للنقل المصدق عن القائل المعصوم ونحن نشرح هذه الكلمات.
أما قوله"الصبر لله غناء" فإن الصبر لله بترك حظوظ النفس ومرادها لمراد الله وهذا أشق شيء على النفس وأصعبه فإن قطع المفازة التي بين النفس وبين الله بحيث يسير منها إلى الله شديد جدا على النفس بخلاف السفر إلى الآخرة فإنه سهل كما قال الجنيد"السير من الدنيا إلى الآخرة سهل يعني على المؤمن وهجران الخلق في جنب الحق شديد والسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشد"
وأما قوله:"والصبر بالله بقاء" فلأن العبد إذا كان بالله هان عليه كل شيء ويتحمل الأثقال ولم يجد لها ثقلا فإنه إذا كان بالله لا بالخلق ولا بنفسه كان لقلبه وروحه وجود آخر وشأن آخر غير شأنه إذا كان بنفسه وبالخلق وبهذا الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته وتنقلب مشاق التكليف له نعيما وقرة عين كما قال بعض الزهاد عالجت قيام الليل سنة وتنعمت به عشرين سنة ومن كانت قرة عينه في الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة.
وأما قوله:"والصبر في الله بلاء" فالبلاء فوق العناء والصبر فيه فوق الصبر له وأخص منه كما تقدم فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه وهو أشق من الجهاد له فكل مجاهد في الله وصابر في الله مجاهد له وصابر له من غير عكس فإن الرجل قد يجاهد ويصبر لله مرة ليقع عليه اسم من فعل ذلك لله ولا يقع عليه اسم من فعل ذلك في الله وإنما يقع على من انغمس في الجهاد والصبر ودخل الجنة.
وأما قوله:"والصبر مع الله وفاء" فلأن الصبر معه هو الثبات معه على أحكامه ولا يزيغ القلب عن الإنابة ولا الجوارح عن الطاعة فتعطى المعية حقها من التوفية كما قال تعالى ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ أي وفي ما أمر به بصبره مع الله على أوامره.
[فصل: في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه]
لما كان الصبر المحمود هو الصبر النفساني الاختياري عن إجابة داعي الهوى المذموم كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه فإنه إن كان صبرا عن شهوة الفرج المحرمة سمي عفة، وضدها الفجور والزنا والعهر، وإن كان عن شهوة البطن وعدم التسرع إلى الطعام أو تناول ما لا يجمل منه سمي شرف نفس وشبع نفس، وسمي ضده شرها ودناءة ووضاعة نفس، وإن كان عن إظهار ما لا يحسن إظهاره من الكلام سمي كتمان سر وضده إذاعة وإفشاء أو تهمة أو فحشاء أو سبا أو كذبا أو قذفا وإن كان عن فضول العيش سمي زهدا وضده حرصا، وإن كان على قدر يكفي من الدنيا سمي قناعة وضدها الحرص أيضا، وإن كان عن إجابة داعي الغضب سمي حلما وضده تسرعا، وإن كان عن إجابة داعي العجلة سمي وقارا وثباتا وضده طيشا وخفة وإن كان عن إجابة داعي الفرار والهرب سمي شجاعة وضده جبنا وخورا، وإن كان عن إجابة داعي الانتقام سمي
عفوا وصفحا وضده انتقاما وعقوبة، وإن كان عن إجابة داعي الإمساك والبخل سمي جودا وضده بخلا وإن كان عن إجابة داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص سمي صوما، وإن كان عن إجابة داعي العجز والكسل سمي كيسا، وإن كان عن إجابة داعي إلقاء الكيل على الناس وعدم حمل كلهم سمي مروءة، فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلقه والاسم الجامع لذلك كله الصبر وهذا يدلك على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر من أولها إلى آخرها، وهكذا يسمى عدلا إذا تعلق بالتسوية بين المتماثلين، وضده الظلم ويسمى سماحة إذا تعلق ببذل الواجب والمستحب بالرضا والاختيار، وعلى هذا جميع منازل الدين.
[فصل: في الأسباب التي تعين على الصبر]
لما كان الصبر مأمورا به جعل الله سبحانه له أسبابا تعين عليه وتوصل إليه وكذلك ما أمر الله سبحانه بالأمر إلا أعان عليه ونصب له أسبابا تمده وتعين عليه كما أنه ما قدر داءا إلا وقدر له دواء أو ضمن الشفاء باستعماله فالصبر وإن كان شاقا كريها على النفوس فتحصيله ممكن وهو يتركب من مفردين العلم والعمل فمنهما تركب جميع الادوية التي تداوى بها القلوب والأبدان فلا بد من جزء علمي وجزء عملى فمنها يركب هذا الدواء الذي هو أنفع الادوية فأما الجزء العلمي فهو إدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال وإدراك ما في المحظور من الشر والضر والنقص فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغى أضاف إليهما العزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الإنسانية وضم هذا الجزء إلى هذا الجزء فمتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقه وحلت له مرارته وانقلب ألمه لذة وقد تقدم أن الصبر مصارعة باعث العقل والدين لباعث الهوى والنفس وكل متضارعين أراد أن يتغلب أحدهما على الآخر فالطريق فيه تقوية من أراد أن تكون الغلبة له ويضعف الآخر كالحال مع القوة والمرض سواء فإذا قوى باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه أو يملكه ولكن لا يملك طرفه أو يملكه ولكن لا يملك قلبه بل لا يزال يحدثه بما هناك ويعده ويمنيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكر فيما ينفعه في دنياه وآخرته فإذا عزم على التداوى ومقاومة هذا الداء فليضعفه أولا بأمور: أحدها: أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيحدها من الاغذية المحركة للشهوة إما بنوعها أو بكميتها وكثرتها ليحسم هذه المادة بتقليلها فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم فإنه يضعف مجارى الشهوة ويكسر حدتها ولا سيما إذا كان أكله وقت الفطر معتدلا
الثاني: أن يجتذب محرك الطلب وهو النظر فليقصر لجام طرفه ما أمكنه فإن داعي الإرادة والشهوة إنما يهيج بالنظر والنظر يحرك القلب بالشهوة وفي المسند عنه: "النظر سهم مسموم من سهام إبليس"
وهذا السهم يشرده إبليس نحو القلب ولا يصادف جنة دونه وليست الجنة إلا غض الطرف أو التحيز والانحراف عن جهة الرمى فإنه إنما يرمى هذا السهم عن قوس الصور فإذا لم تقف على طريقها أخطأ السهم وأن نصبت قلبك غرضا فيوشك أن يقتله سهم من تلك السهام المسمومة.
الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيهما أباحه الله سبحانه غنية عنه وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس كما أرشد إليه النبي فالدواء الأول يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح وعن الكلب الضارى لإضعاف قوتهما والدواء الثاني يشبه تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة لئلا تتحرك قوتهما له عند المشاهدة والدواء الثالث يشبه إعطائهما من الغذاء ما يميل إليه طبعهما بحسب الحاجة لتبقى معه القوة فتطيع صاحبهما ولا تغلب بإعطائها الزيادة على ذلك.
الرابع: التفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر فانه لو لم يكن جنة ولا نار لكان في المفاسد الدنيوية ما ينهى عن إجابة هذا الداعي ولو تكلفنا عدها لفاقت الحصر ولكن عين الهوى عمياء.
الخامس الفكرة في مقابح الصورة التي تدعوه نفسه إليها إن كانت معروفة بالإجابة له ولغيره فيعز نفسه أن يشرب من حوض ترده الكلاب والذئاب كما قيل:
؎سأترك وصلكم شرفا وعزا ∗∗∗ لخسة سائر الشركاء فيه
وقال آخر
؎إذ كثر الذباب على طعام ∗∗∗ رفعت يدى ونفسي تشتهيه
؎وتجتنب الأسود ورود ماء ∗∗∗ إذا كان الكلاب يلغن فيه
وليذكر مخالطة ريقه لريق كل خبيث ريقه الداء الدوى فإن ريق الفاسق داء كما قيل:
؎تسل يا قلب عن سمح بمهجته ∗∗∗ مبذل كل من يلقاه يقرفه
؎كالماء أي صيد يأتيه ينهله ∗∗∗ والغصن أي نسيم من يعطفه
؎وان حلا ريق فاذكر مرارته ∗∗∗ في فم أبخر يحفيه ويرشفه
ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه فإن لم تجبه نفسه إلى الإعراض ورضى بالمشاركة فلينظر إلى ما وراء هذا اللون والجمال الظاهر من القبائح الباطنة فإن من مكن نفسه من فعل القبائح فنفسه أقبح من نفوس البهائم فإنه لا يرضى لنفسه بذلك حيوان من الحيوانات أصلا إلا ما يحكى عن الخنزير وأنه ليس في البهائم لوطى سواه فقد رضى هذا الممكن من نفسه إنه يكون بمنزلة الخنزير وهذا القبح يغطى كل جمال وملاحة في الوجه والبدن غير أن حبك الشيء عمى ويصم وإن كانت الصورة أنثى فقد خانت الله ورسوله وأهلها وبعلها ونفسها وأورثت ذلك لمن بعدها من ذريتها فلها نصيب من وزرهم وعارهم ولا نسبة لجمال صورتها إلى هذا القبح ألبتة وإذا أردت معرفة ذلك فانظر إلى القبح الذي يعلو وجه أحدهما في كبره وكيف يقلب الله سبحانه تلك المحاسن مقابح حتى تعلو الوحشة والقبح وجهه كما قيل شعرا:
؎لو فكر العاشق في منتهى ∗∗∗ حسن الذي يسبيه لم يسبه
وتفصيل هذه الوجوه يطول جدا فيكفي ذكر أصولها.
[فصل: أما تقوية باعث الدين فإنه يكون بأمور]
أحدهما: إجلال الله تبارك وتعالى أن يعصى وهو يرى ويسمع ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك ألبتة.
الثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له فإن المحب لمن يحب مطيع وأفضل الترك ترك المحبين كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد.
الثالث: مشهد النعمة والإحسان فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه وإنما يفعل هذا لئام الناس فليمنعه مشهد إحسان الله تعالى ونعمته عن معصيته حياء منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلا إليه ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك فأقبح بها من مقابلة.
الرابع: مشهد الغضب والانتقام فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء فضلا عن هذا العبد الضعيف.
الخامس: مشهد الفوات وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا ويزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعا وعقلا وعرفا ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافا مضاعفة فكيف أن يبيعه بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها تذهب الشهوة وتبقى الشقوة وقد صح عن النبي أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"
قال بعض الصحابة ينزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظلة فإن تاب رجع إليه.
وقال بعض التابعين ينزع عنه الإيمان كما ينزع القميص فإن تاب لبسه ولهذا روي عن النبي في الحديث الذي رواه البخاري: " الزناة في التنور عراة " لأنهم تعروا من لباس الإيمان وعاد تنور الشهوة الذي كان في قلوبهم تنورا ظاهرا يحمى عليه في النار.
السادس: مشهد القهر والظفر فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوه من الآدميين وأحلى موقعا وأتم فرحة وأما عاقبته فأحمد عاقبة وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد وأعاده إلى صحته واعتداله.
السابع: مشهد العوض وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم لأجله ونهى نفسه عن هواها وليوازنه بين العوض المعوض فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه.
الثامن: مشهد المعية وهو نوعان معية عامة ومعية خاصة فالعامة اطلاع الرب عليه، وكونه بعينه لا تخفى عليه حاله وقد تقدم هذا، والمقصود هنا المعية الخاصة كقوله ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ وقوله ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ وقوله ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ فهذه المعية الخاصة خير وأنفع في دنياه وآخرته ممن قضى وطره ونيل شهوته على التمام من أول عمره إلى آخره فكيف يؤثر عليها لذة منغصة منكدة في مدة يسيرة من العمر إنما هي كأحلام نائم أو كظل زائل.
التاسع: مشهد المغافصة والمعاجلة وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فيأخذه الله على غرة فيحال بينه وبين ما يشتهى من لذات الآخرة فيا لها من حسرة ما أمرها وما أصعبها لكن ما يعرفها إلا من جربها وفي بعض الكتب القديمة يامن لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم الحذر الحذر.
العاشر: مشهد البلاء والعافية فإن البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها فأهل البلاء هم أهل المعصية وأن عوفيت أبدانهم وأهل العافية هم أهل الطاعة وإن مرضت أبدانهم.
وقال بعض أهل العلم في الأثر المروي إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية فإن أهل البلاء المبتلون بمعاصي الله والإعراض والغفلة عنه وهذا وإن كان أعظم البلاء فاللفظ يتناول أنواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم والله أعلم.
الحادي عشر: أن يعود باعث الدين ودواعيه مصارعة داعي الهوى ومقاومته على التدريج قليلا قليلا حتى يدرك لذة الظفر فتقوى حينئذ همته فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة تزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة تتزايد بخلاف البزاز والخياط ونحوهما ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين وقوى فيه باعث الشهوة ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد.
الثاني عشر: كف الباطل عن حديث النفس وإذا مرت به الخواطر نفاها ولا يؤويها ويساكنها فإنها تصير أماني وهي رءوس أموال المفاليس، ومتى ساكن الخواطر صارت أماني ثم تقوى فتصير هموما ثم تقوى فتصير أرادات ثم تقوى فتصير عزما يقترن به المراد فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من دفع أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته.
الثالث عشر: قطع العلائق والأسباب التي تدعوه إلى موافقة الهوى وليس المراد أن لا يكون له هوى بل المراد أن يصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معاصيه فإن كل شيء من الإنسان يستعمله لله فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان وما لا يستعمله لله استعمله لنفسه وهواه ولا بد فالعلم أن لم يكن لله كان للنفس والهوى والعمل أن لم يكن لله كان للرياء والنفاق والمال أن لم ينفق في طاعة الله أنفق في طاعة الشيطان والهوى والجاه أن لم يستعمله لله استعمله صاحبه في هواه وحظوظه والقوة أن لم يستعملها في أمر الله استعملته في معصيته فمن عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره ومن عود نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الإخلاص والعمل لله وهذا في جميع أبواب الأعمال فليس شيء أشق على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا بالعكس.
الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التي ندب عباده إلى التفكر فيها وهي آياته المتلوة وآياته المجلوة فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاظرة الشيطان ومحادثته ووسواسه وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاظرا للرحمن وكتابه ورسوله والصحابة فرغب عن ذلك إلى محاظرة الشيطان من الإنس والجن فلا غبن بعد هذا الغبن والله المستعان.
الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها فلا يرضى لنفسه أن يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعا إلا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له فكيف إذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذب به ويناله بسببه غاية الألم بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له كان ذلك حسرة عليه وغبنا.
السادس عشر: تعرضه إلى من القلوب بين أصبعيه وأزمة الأمور بيديه وانتهاء كل شيء إليه على الدوام فلعله أن يصادف أوقات النفحات كما في الأثر المعروف: "إن لله في أيام دهره نفحات فتعرضوا لنفحاته واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم" ولعله في كثرة تعرضه أن يصادف ساعة من الساعات التي لا يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه فمن أعطى منشور الدعاء أعطى الإجابة فإنه لو لم يرد إجابته لما ألهمه الدعاء كما قيل:
؎لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ∗∗∗ من جود كفك ما عودتني الطلبا
ولا يستوحش من ظاهر الحال فإن الله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله كما ليس كمثله شيء في صفاته فإنه ما حرمه إلا ليعطيه ولا أمرضه إلا ليشفيه ولا أفقره إلا ليغنيه ولا أماته إلا ليحييه وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل حال كما قيل:"يا آدم لا تجزع من قولى لك واخرج منها فلك خلقتها وسأعيدك إليها".
فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه ويعطيه بحرمانه ويصحبه بسقمه فلا يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلا إلا إذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه.
السابع عشر: أن يعلم العبد بأن فيه جاذبين متضادين ومحنته بين الجاذبين جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهى إلى حيث يليق به من المحل الأعلى وكلما انقاد إلى الجاذب الاسفل نزل درجة حتى ينتهى إلى موضعه من سجين ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل فلينظر أين روحه في هذا العالم فإنها إذا فارقت البدن تكون في الرفيق الأعلى الذي كانت تجذبه إليه في الدنيا فهو أولى بها فالمرء مع من أحب طبعا وعقلا وجزءا وكل مهتم بشيء فهو منجذب إليه وإلى أهله بالطبع وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه وقد قال تعالى ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه﴾ فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهمها وأعمالها إلى أعلى والنفوس السافلة إلى أسفل.
الثامن عشر: أن يعلم العبد أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلا قابلا ينزل فيه وأن فرغه حتى أصابه غيث الرحمة ولكنه لم ينقه من الدغل لم يكن الزرع زرعا كاملا بل ربما غلب الدغل على الزرع فكان الحكم له وهذا كالذي يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع ويودع فيها البذور وينتظر نزول الغيث فإذا طهر العبد قلبه وفرغه من إرادة السوء وخواطره وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة وانتظر نزول غيث الرحمة في أوإنه كان جديرا بحصول المغل وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة ولا سيما إذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وعظم الجمع كجمع عرفة وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها الله تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة كما نصب سائر الأسباب مقتضية إلى مسبباتها بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبباتها ولكن العبد بجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب الحسن وبظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه ولو فرغ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب فإن فضل الله لا يرده إلا المانع الذي في العبد فلو زال ذلك المانع لسارع إليه الفضل من كل صوب، فتأمل حال نهر عظيم يسقي كل أرض يمر عليها فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة المجدية سكر وسد كثيف فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه.
التاسع عشر: أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لا فناء له، ولعز لا ذل معه وأمن لا خوف فيه وغناء لا فقر معه ولذة لا ألم معها وكمال لا نقص فيه وامتحنه في هذه الدار بالبقاء الذي يسرع إليه الفناء والعز الذي يقارنه الذل ويعقبه الذل والأمن الذي معه الخوف وبعده الخوف وكذلك الغناء واللذة والفرح والسرور والنعيم الذي هنا مشوب بضده لأنه يتعقبه ضده وهو سريع الزوال فغلط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله ففاتهم في محله وأكثرهم لم يظفر بماطليه! من ذلك والذي ظفر به إنما هو متاع قليل والزوال قريب فإنه سريع الزوال عنه والرسل صلوات الله وسلامه عليهم إنما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمن دونهم فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد فيحرص كل الحرص على أن لا يصل إليه فإن العبد إذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعي الدين فهو الملك حقا لأن صاحب هذا الملك حر والملك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه فهو مسخر مملوك في زى مالك يقوده زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير فالمغرور المخدوع يقطع نظره على الملك الظاهر الذي صورته ملك وباطنه رق وعلى الشهوة التي أولها لذة وآخرها حسرة والبصير الموفق يعير نظره من الاوائل إلى الأواخر ومن المبادئ إلى العواقب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
العشرون: أن لا يغتر العبد باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كاف في حصول المقصود بل لا بد أن يضيف إليه بذل الجهد في استعماله واستفراغ الوسع والطاقة فيه وملاك ذلك الخروج عن العوائد فإنها أعداء الكمال والفلاح فلا أفلح من استمر مع عوائده أبدا ويستعين على الخروج عن العوائد بالهرب عن مظان الفتنة والبعد عنها ما أمكنه وقد قال النبي: "مَن سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأ عَنْهُ"
فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه.
وهاهنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق وهي أن يظهر له في مظان الشر بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة. والله أعلم.
[فصل: الفرق بين الصبر والقسوة]
والفرق بين الصبر والقسوة: أن الصبر خلق كسبي يتخلق به العبد وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي، فيحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى والجوارح عما لا ينبغي فعله وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية.
وأما القسوة فيبس في القلب يمنعه من الانفعال وغلظة تمنعه من التأثر بالنوازل فلا يتأثر لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله.
((الجزء التاسع))
الإسراء 17:1
ذكره سُبْحانَهُ باسم عبوديته في أشرف مقاماته في مقام الإسراء ومقام الدعْوَة ومقام التحدي فَقالَ في مقام الإسراء ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ولم يقل بِرَسُولِهِ ولا نبيه إشارَة إلى أنه قامَ هَذا المقام الأعظم بِكَمال عبوديته لرَبه.
وَقالَ في مقام الدعْوَة ﴿وَأنه لما قامَ عبد الله يَدعُوهُ كادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾
وَقالَ في مقام التحدي ﴿وَإن كُنْتُم في ريب مِمّا نزلنا على عَبدنا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ في حَدِيث الشَّفاعَة وتراجع الأنبياء فِيها وقَول المَسِيح "اذْهَبُوا إلى مُحَمَّد عبد غفر الله لَهُ ما تقدم من ذَنبه وما تَأخّر"
فَدلَّ ذَلِك على أنه نالَ ذَلِك المقام الأعظم بِكَمال عبوديته لله وكَمال مغْفرَة الله لَهُ وإذا كانَت العُبُودِيَّة عند الله بِهَذِهِ المنزلَة اقْتَضَت حكمته أن اسكن آدم وذريته دارا ينالون فِيها هَذِه الدرجَة بِكَمال طاعتهم لله وتقربهم إليه بمحابه وترك مألوفاتهم من أجله فَكانَ ذَلِك من تَمام نعْمَته عَلَيْهِم وإحسانه إليهم
(فصل)
وَحَقِيقَةُ التَّعَبُّدِ: الذُّلُّ والخُضُوعُ لِلْمَحْبُوبِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ، قَدْ ذَلَّلَتْهُ الأقْدامُ، فالعَبْدُ هو الَّذِي ذَلَّلَهُ الحُبُّ والخُضُوعُ لِمَحْبُوبِهِ، ولِهَذا كانْتَ أشْرَفُ أحْوالِ العَبْدِ ومَقاماتِهِ في العُبُودِيَّةِ، فَلا مَنزِلَ لَهُ أشْرَفُ مِنها.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أكْرَمَ الخَلْقِ عَلَيْهِ وأحَبَّهم إلَيْهِ، وهو رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالعُبُودِيَّةِ في أشْرَفِ مَقاماتِهِ، وهي مَقامُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، ومَقامُ التَّحَدِّي بِالنُّبُوَّةِ، ومَقامُ الإسْراءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩].
وَقالَ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
وَقالَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسراء: ١].
حَدِيثُ الشَّفاعَةِ: «اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، عَبْدٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ»، فَنالَ مَقامَ الشَّفاعَةِ بِكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ، وكَمالِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، الَّتِي هي أكْمَلُ أنْواعِ المَحَبَّةِ مَعَ أكْمَلِ أنْواعِ الخُضُوعِ، وهَذا هو حَقِيقَةُ الإسْلامِ ومِلَّةُ إبْراهِيمَ الَّتِي مَن رَغِبَ عَنْها فَقَدْ سَفِهَ نَفْسَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ - إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ - ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يابَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ - أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠-١٣٣].
وَلِهَذا كانَ أعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ الشِّرْكُ.
(فائدة)
في قوله تعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِه﴾ دون بعث بعبده وأرسل به ما يفيد مصاحبته له في مسراه فإن الباء هنا للمصاحبة كالهاء في قوله: هاجر بأهله وسافر بغلامه وليست للتعدية فإن أسرى يتعدى بنفسه يقال سري به وأسراه وهذا لأن ذلك السري كان أعظم أسفاره والسفر يعتمد الصاحب ولهذا كان المسافر يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر".
فإن قيل: فهذا المعنى يفهم من الفعل الثلاثي لو قيل سري بعبده فما فائدة الجمع بين الهمزة والباء؟ ففيه أجوبة:
أحدها: أنهما بمعنى وأن أسرى لازم كسرى تقول سرى زيد وأسرى بمعنى واحد هذا قول جماعة.
الثاني: أن أسرى متعد ومفعوله محذوف أي أسرى بعبده البراق هذا قول أبي القاسم السهيلي وغيره ويشهد للقول الأول قول الصديق أسرينا ليلتنا كلها ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة.
الجواب الصحيح أن الثلاثي المتعدي بالباء يفهم منه شيئان:
أحدهما: صدور الفعل من فاعله.
الثاني: مصاحبته لما دخلت عليه الباء.
فإذا قلت سريت بزيد وسافرت به كان قد وجد منك السري والسفر مصاحبا لزيد فيه كما قال:
ولقد سريت على الظلام بمعشر ...
ومنه الحديث: "أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها "، وأما المتعدي
بالهمزة فيقتضي إيقاع الفعل بالمفعول فقط كقوله تعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ونظائره فإذا قرن هذا المتعدي بالهمزة أفاد إيقاع الفعل على المفعول مع المصاحبة المفهومة من الباء ولو أتى فيه بالثلاثي فهم منه معنى المشاركة في مصدره وهو ممتنع فتأمله.
(لطيفة)
كانت كرامة رسول الله ﷺ مفاجأة من غير ميعاد ليحمل عنه ألم الانتظار، ويفاجأ بالكرامة بغتة، وكرامة موسى - عليه السلام - بعد انتظار أربعين ليلة.
(فائدة)
تسخير البراق لحمل رسول الله ﷺ في ليلة واحدة مسيرة شهرين ذهابا وإيابا أعظم من تسخير الريح لسليمان مسيرة شهرين في يوم واحد ذهابا وإيابا، فإن الريح سريعة الحركة طبعها الإسراع بما تحمله وأما البراق فالآية فيه أعظم.
(فائدة)
قول الملائكة للنبي ﷺ ليلة الإسراء: "مرحبا به"
أصل في استعمال هذه الألفاظ وما ناسبها عند اللقاء نحو (أهلا وسهلا ومرحبا وكرامة وخير مقدم وأيمن مورد) ونحوها.
ووقع الاقتصار منها على لفظ مرحبا وحدها لاقتضاء الحال لها، فإن الترحيب هو السعة وكان قد أفضى إلى واسع الأماكن ولم يطلق فيها سهلا لأن معناه وطئت مكانا سهلا والنبي ﷺ محمولا إلى السماء.
(فائدة)
قول النبي ﷺ عن يوسف "أوتي شطر الحسن"
قالت طائفة المراد منه أن يوسف أوتي شطر الحسن الذي أوتيه محمد، فالنبي ﷺ بلغ الغاية في الحسن، ويوسف بلغ شطر تلك الغاية.
قالوا ويحقق ذلك ما رواه الترمذي من حديث قتادة عن أنس قال: "ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا".
والظاهر أن معناه أن يوسف عليه السلام اختص على الناس بشطر الحسن واشترك الناس كلهم في شطره فانفرد عنهم بشطره وحده وهذا ظاهر اللفظ فلماذا يعدل عنه واللام في الحسن للجنس لا للحسن المعين والمعهود المختص بالنبي ﷺ أدري ما الذي حملهم علي العدول عن هذا إلى ما ذكروه وحديث أنس لا ينافى هذا بل يدل على أن النبي ﷺ أحسن الأنبياء وجها وأحسنهم صوتا ولا يلزم من كونه أحسنهم وجها أن لا يكون يوسف اختص عن الناس بشطر الحسن واشتركوا هم في الشطر الآخر ويكون النبي ﷺ شارك يوسف فيما اختص به من الشطر وزاد عليه بحسن آخر من الشطر الثاني. والله أعلم.
(فصل)
أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وجَسَدِهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى فَوْقِ السَّماواتِ بِجَسَدِهِ ورُوحِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَخاطَبَهُ وفَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَواتِ، وكانَ ذَلِكَ مَرَّةً واحِدَةً، هَذا أصَحُّ الأقْوالِ.
وَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مَنامًا، وقِيلَ: بَلْ يُقالُ: أُسْرِيَ بِهِ، ولا يُقالُ: يَقَظَةً ولا مَنامًا.
وَقِيلَ: كانَ الإسْراءُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ يَقَظَةً، وإلى السَّماءِ مَنامًا.
وَقِيلَ: كانَ الإسْراءُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً يَقَظَةً ومَرَّةً مَنامًا.
وَقِيلَ: بَلْ أُسَرِيَ بِهِ ثَلاثَ مَرّاتُ، وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ بِالِاتِّفاقِ.
وَأمّا ما وقَعَ في حَدِيثِ شريك، أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَهَذا مِمّا عُدَّ مِن أغْلاطِ شريك الثَّمانِيَةِ وسُوءِ حِفْظِهِ، لِحَدِيثِ الإسْراءِ.
وَقِيلَ: إنَّ هَذا كانَ إسْراءَ المَنامِ قَبْلَ الوَحْيِ.
وَأمّا إسْراءُ اليَقَظَةُ فَبَعْدَ النُّبُوَّةِ.
وَقِيلَ: بَلِ الوَحْيُ هاهُنا مُقَيَّدٌ ولَيْسَ بِالوَحْيِ المُطْلَقِ الَّذِي هو مَبْدَأُ النُّبُوَّةِ، والمُرادُ: قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ في شَأْنِ الإسْراءِ، فَأُسْرِيَ بِهِ فَجْأةً مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ إعْلامٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ آخر: في الإسْراءُ والمِعْراجُ]
ثُمَّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجَسَدِهِ عَلى الصَّحِيحِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، راكِبًا عَلى البُراقِ، صُحْبَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَنَزَلَ هُناكَ، وصَلّى بِالأنْبِياءِ إمامًا، ورَبَطَ البُراقَ بِحَلْقَةِ بابِ المَسْجِدِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ بِبَيْتِ لَحْمٍ وصَلّى فِيهِ، ولَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُ ألْبَتَّةَ.
«ثُمَّ عُرِجَ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فاسْتَفْتَحَ لَهُ جِبْرِيلُ فَفُتِحَ لَهُ، فَرَأى هُنالِكَ آدَمَ أبا البَشَرِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، وأراهُ اللَّهُ أرْواحَ السُّعَداءِ عَنْ يَمِينِهِ، وأرْواحَ الأشْقِياءِ عَنْ يَسارِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ فاسْتَفْتَحَ لَهُ، فَرَأى فِيها يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا وعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَلَقِيَهُما وسَلَّمَ عَلَيْهِما، فَرَدّا عَلَيْهِ ورَحَّبا بِهِ، وأقَرّا بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الثّالِثَةِ، فَرَأى فِيها يُوسُفَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، فَرَأى فِيها إدْرِيسَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ورَحَّبَ بِهِ وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الخامِسَةِ، فَرَأى فِيها هارُونَ بْنَ عِمْرانَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ السّادِسَةِ، فَلَقِيَ فِيها مُوسى بْنَ عِمْرانَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، فَلَمّا جاوَزَهُ بَكى مُوسى، فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: أبْكِي لِأنَّ غُلامًا بُعِثَ مِن بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِهِ أكْثَرُ مِمّا يَدْخُلُها مِن أُمَّتِي، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَلَقِيَ فِيها إبْراهِيمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ورَحَّبَ بِهِ وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ رُفِعَ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، ثُمَّ رُفِعَ لَهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى الجَبّارِ جَلَّ جَلالُهُ، فَدَنا مِنهُ حَتّى كانَ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ٩]، وفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً. فَرَجَعَ حَتّى مَرَّ عَلى مُوسى فَقالَ لَهُ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قالَ: بِخَمْسِينَ صَلاةً، قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فالتَفَتَ إلى جِبْرِيلَ كَأنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ في ذَلِكَ، فَأشارَ أنْ نَعَمْ إنْ شِئْتَ، فَعَلا بِهِ جِبْرِيلُ حَتّى أتى بِهِ الجَبّارَ تَبارَكَ وتَعالى، وهو في مَكانِهِ. هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في بَعْضِ الطُّرُقِ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ أنْزَلَ حَتى مَرَّ بِمُوسى فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسى وبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتى جَعَلَها خَمْسًا، فَأمَرَهُ مُوسى بِالرُّجُوعِ وسُؤالِ التَّخْفِيفِ، فَقالَ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي، ولَكِنْ أرْضى وأُسَلِّمُ، فَلَمّا بَعُدَ نادى مُنادٍ: قَدْ أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي».
واخْتَلَفَ الصَّحابَةُ: هَلْ رَأى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا؟
فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: (رَآهُ بِفُؤادِهِ).
وَصَحَّ عَنْ عائشة وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وقالا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣] إنَّما هو جِبْرِيلُ.
وَصَحَّ عَنْ «أبي ذر أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ فَقالَ: نُورٌ أنّى أراهُ»، أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَما قالَ في لَفْظٍ آخَرَ: (رَأيْتُ نُورًا).
وَقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابن تيمية قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: " إنَّهُ رَآهُ " مُناقِضًا لِهَذا، ولا قَوْلُهُ: (رَآهُ بِفُؤادِهِ)، وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: " «رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى» " ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ
لَمّا احْتُبِسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ، وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ، ولَكِنْ لَمْ يَقُلْ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ يَقَظَةً، ومَن حَكى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ وهِمَ عَلَيْهِ، ولَكِنْ قالَ مَرَّةً: رَآهُ، ومَرَّةً قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ، فَحُكِيَتْ عَنْهُ رِوايَتانِ، وحُكِيَتْ عَنْهُ الثّالِثَةُ مِن تَصَرُّفِ بَعْضِ أصْحابِهِ: أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وهَذِهِ نُصُوصُ أحمد مَوْجُودَةٌ، لَيْسَ فِيها ذَلِكَ.
وَأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا هو مُسْتَنَدُ الإمامِ أحْمَدَ في قَوْلِهِ: (رَآهُ بِفُؤادِهِ)، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] فَهو غَيْرُ الدُّنُوِّ والتَّدَلِّي في قِصَّةِ الإسْراءِ، فَإنَّ الَّذِي في (سُورَةِ النَّجْمِ) هو دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ، كَما قالَتْ عائشة وابْنُ مَسْعُودٍ، والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وهو جِبْرِيلُ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى - وهو بِالأُفُقِ الأعْلى - ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٦-٨] فالضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى هَذا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوى، وهو ذُو المِرَّةِ، أيْ: القُوَّةُ، وهو الَّذِي اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى، وهو الَّذِي دَنا فَتَدَلّى، فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، فَأمّا الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي الَّذِي في حَدِيثِ الإسْراءِ فَذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّهُ دُنُوُّ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَدَلِّيهِ، ولا تَعَرُّضَ في (سُورَةِ النَّجْمِ) لِذَلِكَ، بَلْ فِيها أنَّهُ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وهَذا هو جِبْرِيلُ، رَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ: في إخْبارُهُ ﷺ لِقُرَيْشٍ بِالإسْراءِ]
فَلَمّا أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَوْمِهِ أخْبَرَهم بِما أراهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن آياتِهِ الكُبْرى، فاشْتَدَّ تَكْذِيبُهم لَهُ، وأذاهم وضَراوَتُهم عَلَيْهِ، وسَألُوهُ أنْ يَصِفَ لَهم بَيْتَ المَقْدِسِ، فَجَلّاهُ اللَّهُ لَهُ حَتّى عايَنَهُ، فَطَفِقَ يُخْبِرُهم عَنْ آياتِهِ، ولا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَأخْبَرَهم عَنْ عِيرِهِمْ في مَسْراهُ ورُجُوعِهِ، وأخْبَرَهم عَنْ وقْتِ قُدُومِها، وأخْبَرَهم عَنِ البَعِيرِ الَّذِي يَقْدُمُها، وكانَ الأمْرُ كَما قالَ، فَلَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا نُفُورًا، وأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا.
[فِصَلٌ في الفَرْقُ بَيْنَ مَن قالَ كانَ الإسْراءُ بِالرُّوحِ وبَيْنَ أنْ يُقالَ كانَ الإسْراءُ مَنامًا]
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ عائشة ومعاوية أنَّهُما قالا: إنَّما كانَ الإسْراءُ بِرُوحِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ، ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ، ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ الفَرْقُ بَيْنَ أنْ يُقالَ: كانَ الإسْراءُ مَنامًا، وبَيْنَ أنْ يُقالَ كانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ، وبَيْنَهُما فَرْقٌ عَظِيمٌ، وعائشة ومعاوية لَمْ يَقُولا: كانَ مَنامًا، وإنَّما قالا: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإنَّ ما يَراهُ النّائِمُ قَدْ يَكُونُ أمْثالًا مَضْرُوبَةً لِلْمَعْلُومِ في الصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ، فَيَرى كَأنَّهُ قَدْ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ، أوْ ذُهِبَ بِهِ إلى مَكَّةَ وأقْطارِ الأرْضِ، ورُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ ولَمْ تَذْهَبْ، وإنَّما مَلَكُ الرُّؤْيا ضَرَبَ لَهُ المِثالَ، والَّذِينَ قالُوا: عُرِجَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طائِفَتانِ: طائِفَةٌ قالَتْ: عُرِجَ بِرُوحِهِ وبَدَنِهِ، وطائِفَةٌ قالَتْ: عُرِجَ بِرُوحِهِ ولَمْ يَفْقِدْ بَدَنَهُ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُرِيدُوا أنَّ المِعْراجَ كانَ مَنامًا، وإنَّما أرادُوا أنَّ الرُّوحَ ذاتَها أُسْرِيَ بِها وعُرِجَ بِها حَقِيقَةً، وباشَرَتْ مِن جِنْسِ ما تُباشِرُ بَعْدَ المُفارَقَةِ، وكانَ حالُها في ذَلِكَ كَحالِها بَعْدَ المُفارَقَةِ في صُعُودِها إلى السَّماواتِ سَماءً سَماءً حَتّى يُنْتَهى بِها إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَتَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَأْمُرُ فِيها بِما يَشاءُ، ثُمَّ تَنْزِلُ إلى الأرْضِ، والَّذِي كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الإسْراءِ أكْمَلُ مِمّا يَحْصُلُ لِلرُّوحِ عِنْدَ المُفارَقَةِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا أمْرٌ فَوْقَ ما يَراهُ النّائِمُ، لَكِنْ لَمّا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَقامِ خَرْقِ العَوائِدِ حَتّى شُقَّ بَطْنُهُ وهو حَيٌّ لا يَتَألَّمُ بِذَلِكَ عُرِجَ بِذاتِ رُوحِهِ المُقَدَّسَةِ حَقِيقَةً مِن غَيْرِ إماتَةٍ، ومَن سِواهُ لا يَنالُ بِذاتِ رُوحِهِ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ إلّا بَعْدَ المَوْتِ والمُفارَقَةِ، فالأنْبِياءُ إنَّما اسْتَقَرَّتْ أرْواحُهم هُناكَ بَعْدَ مُفارَقَةِ الأبْدانِ، ورُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَعِدَتْ إلى هُناكَ في حالِ الحَياةِ ثُمَّ عادَتْ، وبَعْدَ وفاتِهِ اسْتَقَرَّتْ في الرَّفِيقِ الأعْلى مَعَ أرْواحِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَعَ هَذا فَلَها إشْرافٌ عَلى البَدَنِ وإشْراقٌ وتَعَلُّقٌ بِهِ، بِحَيْثُ يَرُدُّ السَّلامَ عَلى مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ، وبِهَذا التَّعَلُّقِ رَأى مُوسى قائِمًا يُصَلِّي في قَبْرِهِ، ورَآهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُعْرَجْ بِمُوسى مِن قَبْرِهِ، ثُمَّ رُدَّ إلَيْهِ، وإنَّما ذَلِكَ مَقامُ رُوحِهِ واسْتِقْرارِها، وقَبْرُهُ مَقامُ بَدَنِهِ واسْتِقْرارُهُ إلى يَوْمِ مَعادِ الأرْواحِ إلى أجْسادِها، فَرَآهُ يُصَلِّي في قَبْرِهِ، ورَآهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، كَما أنَّهُ ﷺ في أرْفَعِ مَكانٍ في الرَّفِيقِ الأعْلى مُسْتَقَرًّا هُناكَ، وبَدَنُهُ في ضَرِيحِهِ غَيْرُ مَفْقُودٍ، وإذا سَلَّمَ عَلَيْهِ المُسَلِّمُ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، ولَمْ يُفارِقِ المَلَأُ الأعْلى، ومَن كَثُفَ إدْراكُهُ وغَلُظَتْ طِباعُهُ عَنْ إدْراكِ هَذا فَلْيُنْظَرْ إلى الشَّمْسِ في عُلُوِّ مَحِلِّها، وتَعَلُّقِها وتَأْثِيرِها في الأرْضِ، وحَياةِ النَّباتِ والحَيَوانِ بِها، هَذا وشَأْنُ الرُّوحِ فَوْقَ هَذا فَلَها شَأْنٌ، ولِلْأبْدانِ شَأْنٌ، وهَذِهِ النّارُ تَكُونُ في مَحِلِّها وحَرارَتُها تُؤَثِّرُ في الجِسْمِ البَعِيدِ عَنْها، مَعَ أنَّ الِارْتِباطَ والتَّعَلُّقَ الَّذِي بَيْنَ الرُّوحِ والبَدَنِ أقْوى وأكْمَلُ مِن ذَلِكَ وأتَمُّ، فَشَأْنُ الرُّوحِ أعْلى مِن ذَلِكَ وألْطَفُ.
؎فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ إيّاكِ أنْ تَرَيْ ∗∗∗ سَنا الشَّمْسِ فاسْتَغْشِي ظَلامَ اللَّيالِيا
فَصْلٌ
قالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: «عُرِجَ بِرُوحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وإلى السَّماءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى المَدِينَةِ بِسَنَةٍ». وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ: كانَ بَيْنَ الإسْراءِ والهِجْرَةِ سَنَةٌ وشَهْرانِ انْتَهى.
وَكانَ الإسْراءُ مَرَّةً واحِدَةً. وقِيلَ: مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً يَقَظَةً، ومَرَّةً مَنامًا، وأرْبابُ هَذا القَوْلِ كَأنَّهم أرادُوا أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ حَدِيثِ شريك، وقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ، وبَيْنَ سائِرِ الرِّواياتِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ كانَ هَذا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً قَبْلَ الوَحْيِ؛ لِقَوْلِهِ في حَدِيثِ شريك: " وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ "، ومَرَّةً بَعْدَ الوَحْيِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ سائِرُ الأحادِيثِ. مِنهم مَن قالَ: بَلْ ثَلاثُ مَرّاتٍ: مَرَّةً قَبْلَ الوَحْيِ، ومَرَّتَيْنِ بَعْدَهُ، وكُلُّ هَذا خَبْطٌ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفاءِ الظّاهِرِيَّةِ مِن أرْبابِ النَّقْلِ الَّذِينَ إذا رَأوْا في القِصَّةِ لَفْظَةً تُخالِفُ سِياقَ بَعْضِ الرِّواياتِ جَعَلُوهُ مَرَّةً أُخْرى، فَكُلَّما اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الرِّواياتُ عَدَّدُوا الوَقائِعَ، والصَّوابُ الَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ النَّقْلِ أنَّ الإسْراءِ كانَ مَرَّةً واحِدَةً بِمَكَّةَ بَعْدَ البَعْثَةِ.
وَيا عَجَبًا لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهُ مِرارًا، كَيْفَ ساغَ لَهم أنْ يَظُنُّوا أنَّهُ في كُلِّ مَرَّةٍ تُفْرَضُ عَلَيْهِ الصّلاةُ خَمْسِينَ، ثُمَّ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ رَبِّهِ وبَيْنَ مُوسى حَتّى تَصِيرَ خَمْسًا، ثُمَّ يَقُولُ: " «أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي» "، ثُمَّ يُعِيدُها في المَرَّةِ الثّانِيَةِ إلى خَمْسِينَ، ثُمَّ يَحُطُّها عَشْرًا عَشْرًا، وقَدْ غَلَّطَ الحُفُّاظُ شريكا في ألْفاظٍ مِن حَدِيثِ الإسْراءِ، ومسلم أوْرَدَ المُسْنَدَ مِنهُ ثُمَّ قالَ: فَقَدَّمَ وأخَّرَ وزادَ ونَقَصَ، ولَمْ يَسْرُدِ الحَدِيثَ، فَأجادَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الإسراء 17:3
وقال ابن المبارك عن شبل عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾
قال لم يأكل شيئا إلا حمد الله عليه ولم يشرب شرابا قط إلا حمد الله عليه ولم يبطش بشيء قط إلا حمد الله عليه فأثنى الله عليه إنه كان عبدا شكورا.
وقال محمد بن كعب: كان نوح إذا أكل قال الحمد لله، وإذا شرب قال الحمد لله، وإذا لبس قال الحمد لله، وإذا ركب قال الحمد لله فسماه الله عبدا شكورا.
وقال ابن أبي الدنيا بلغني عن بعض الحكماء قال: لو لم يعذب الله على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصى لشكر نعمته.
الإسراء 17:12
وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلاَّ بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
ففي القمر وتقدير منازله آيات وحكم لا تخفى على الناظرين واقتضت حكمته سبحانه في تدبيره أن فاوت
بين مقادير الليل والنهار فلم يجعلهما دائما على حد سواء ولا أطول مما هما عليه ولا أقصر بل جاء استواؤهما وأخذ أحدهما من الآخر على وفق الحكمة حتى إن المكان الذي يقصر أحدهما فيه جدا لا يكون فيه حيوان ونبات كالمكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولا تغرب عنه فلو كان النهار مقدار مائة ساعة أو أكثر أو كان الليل كذلك لتعطلت المصالح التي نظمها الله بهذا المقدار من الليل والنهار ثم تأمل الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل فإنه مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء الحيوان وبرد الهواء لم تقتض المصلحة أن يكون الليل ظلمة واحدة داجية لا ضياء فيها فلا يمكن فيه شيء من العمل وربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولإفراط الحر فيه فاحتاجوا إلى العمل في الليل في نور القمر من حرث الأرض وقطع الزرع وغير ذلك فجعل ضوء القمر في الليل معونة للناس على هذه الأعمال وجعل في الكواكب جزءا يسيرا من النور لتسد مسد القمر إذا لم يكن وجعلت زينة السماء ومعالم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ودلالات واضحات على الخلاق العليم وغير ذلك من الحكم التي بها انتظام هذا العالم
وجعلت الشمس على حالة واحدة لا تقبل الزيادة والنقصان لئلا تتعطل الحكمة المقصودة منها وجعل القمر على حالة تقبل الزيادة والنقصان لئلا تتعطل الحكمة المقصودة من جعله كذلك وكان في نوره من التبريد والتصليب ما يقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل فتنتظم المصلحة وتتم الحكمة من هذا التسخين والتبريد وتأمل اللفظ والحكمة الإلهية في جعل الكواكب السيارة ومنازلها تظهر في بعض السنين وتحتجب في بعضها لأنها لو ظهرت دائما أو احتجبت دائما لذابت الحكمة المطلوبة منها وكما اقتضت الحكمة أن يظهر بعضها ويحتجب بعضها فلا تظهر كلها دفعة واحدة ولا تحتجب دفعة واحدة بل ينوب ظاهرها عن خفيها في الدلالة وجعل بعضها ظاهرا لا يحتجب أصلا بمنزلة الأعلام المنصوبة التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر فهم ينظرون إليها متى أرادوا ويهتدون بها حيث شاءوا فجاء الأمران على وفق الحكمة ثم تأمل حال النجوم واختلاف مسيرها ففرقة منها لا تريم مراكزها من الفلك ولا تسير إلا مجتمعة كالجيش الواحد وفرقة منها مطلقة تنتقل في البروج وتفترق في مسيرها فكل واحد منها يسير سيرين مختلفين أحدهما عام مع الفلك نحو الغرب والآخر خاص لنفسه نحو الشرق فله حركتان مختلفتان على وفق الحكمة وذلك من أعظم الدلالة على الفاعل المختار العليم الحكيم وعلى كمال علمه وقدرته وحكمته وتأمل كيف صار هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه يدور على هذا العالم هذا الدوران العظيم السريع المستمر بتقدير محكم لا يزيد ولا ينقص ولا يختل عن نظامه بل هو تقدير العزيز العليم كما أشار تعالى إلى أن ذلك التقدير صادر عن كمال عزته وعلمه فقال تعالى ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨].
الإسراء 17:13
أي ما يطير لَهُ من الخَيْر والشَّر فَهو لازم لَهُ في عُنُقه، والعرب تَقول جرى لَهُ الطّائِر بِكَذا من الخَيْر والشَّر قالَ أبُو عُبَيْدَة الطّائِر عِنْدهم الحَظ وهو الذي تسميه العامَّة البخت يَقُولُونَ هَذا يطير لفُلان أي يحصل لَهُ قلت ومِنه الحَدِيث فطار لنا عُثْمان بن مَظْعُون أي أصابَنا بِالقُرْعَةِ لما اقترع الأنْصار على نزُول المُهاجِرين عَلَيْهِم وفي حَدِيث رويفع ابْن ثابت حَتّى أن أحَدنا ليطير لَهُ النصل والريش والآخر القدح أي يحصل لَهُ بِالشّركَةِ في الغَنِيمَة.
وَقيل في قوله تَعالى: ﴿وكل إنْسان ألزمناه طائِره في عُنُقه﴾ أن الطّائِر هاهُنا هو العَمَل. قالَه الفراء.
وَهُوَ يتَضَمَّن الرَّد على نَفاهُ القدر وخص العُنُق بذلك من بَين سائِر أجزاء البدن لِأنَّها مَحل الطوق الَّذِي يطوقه الإنْسان في عُنُقه فَلا يَسْتَطِيع فكاكه ومن هَذا يُقال إثْم هَذا في عُنُقك وافْعل كَذا وإثمه في عنقِي والعرب تَقول طوقها طوق الحَمامَة وهَذا ربقة في رقبته وعَن الحسن بن آدم لتنظر لَك صحيفَة إذا بعثت قلدتها في عُنُقك فخصوا العُنُق بذلك لِأنَّهُ مَوضِع القلادة والتميمة، واستعمالهم التَّعالِيق فِيها كثير كَما خصت الأيدى بِالذكر في نَحْو ﴿بِما كسبت أيديكم﴾ ﴿بِما قدمت يداك﴾ ونَحْوه.
(فصل)
قال ابن جرير: "وكل إنسان ألزمناه ما قضي له أنه عامله وما هو صائر إليه من شقاء أو سعادة بعمله في عنقه لا يفارقه" وهذا ما قاله الناس في الآية وهو ما طار له من الشقاء والسعادة وما طار عنه من العمل ثم ذكر عن ابن عباس قال: "طائره عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان وزائل معه أينما زال" وكذلك قال ابن جريج وقتادة ومجاهد: "هو عمله" زاد مجاهد: "وما كتب له"
وقال قتادة أيضا: "سعادته وشقاوته بعمله" قال ابن جرير: "فإن قال قائل فكيف قال ألزمناه طائره في عنقه إن كان الأمر على ما وصفت ولم يقل في يديه أو رجليه أو غير ذلك من أعضاء الجسد قيل إن العنق هي موضع السمات وموضع القلائد والأطوقة وغير ذلك مما يزين أو يشين" فجرى كلام العرب بنسبة الأشياء اللازمة سائر الأبدان إلى الأعناق كما أضافوا جنايات أعضاء الأبدان إلى اليد فقالوا ذلك بما كسبت يداه وإن كان الذي جره عليه لسانه أو فرجه فكذلك قوله: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِه﴾
وقال الفراء: "الطائر معناه عندهم العمل"
قال الأزهري: "والأصل في هذا أن الله سبحانه لما خلق آدم علم المطيع من ذريته والعاصي فكتب ما علمه منهم أجمعين وقضى بسعادة من علمه مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا فطار لكل ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه"
وأما قوله: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ فقال أبو إسحاق: "إنما يقال للشيء اللازم هذا في عنق فلان أي لزومه له كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق" قال أبو علي: "مثل هذا قولهم طوقتك كذا وقلدتك كذا. أي صرفته نحوك وألزمتك إياه ومنه قلده السلطان كذا أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوق"
وقيل: "إنما خص العنق لأن عمله لا يخلو إما أن يكون خيرا أو شرا وذلك مما يزين أو يشين كالحلي والغل فأضيف إلى الأعناق"
قالت القدرية: "إلزامه ذلك وسمه به وتعليمه بعلامة يعرف الملائكة أنه سعيد أو شقي والخبر عنه لا أنه ألزمه العمل فجعله لازما له"
قال أهل السنة: هذه طريقة لكم معروفة في تحريف الكلم عن مواضعه سلكتموها في الجسم والطبع والعقل وهذا لا يعرفه أهل اللغة وهو خلاف حقيقة اللفظ وما فسره به أعلم الأمة بالقرآن ولا يعرف ما قلتموه عن أحد من سلف الأمة ألبتة ولا فسر الآية غيركم به، ولا يصح حمل الآية عليه فإن الخبر عنه بذلك والعلامة أعلم بها إنما حصل بعد طائره اللازم له من عمله فلما لزمه ذلك الطائر ولم ينفك عنه أخبر عنه بذلك وصارت عليه علامة وسمة، ونحن قد أريناكم أقوال أئمة الهدى وسلف الأمة في الطائر فأرونا قولكم عن واحد منهم قاله قبلكم وكل طائفة من أهل البدع تجر القرآن إلى بدعها وضلالها وتفسره بمذاهبها وآرائها والقرآن بريء من ذلك. وبالله التوفيق.
الإسراء 17:15
(لطيفة)
قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، {ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
فحكم سبحانه لأعدائه بأربعة أحكام هي غاية العدل والحكمة:
أحدها: أن هدى العباد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه لا لغيره.
الثاني: أن ضلاله بفوات ذلك وتخلفه عنه على نفسه لا على غيره.
الثالث: أن أحدا لا يؤاخذ بجريرة غيره.
الرابع: أنه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله، فتأمل ما في ضمن هذه الأحكام الأربعة من حكمته تعالى وعدله وفضله، والرد على أهل الغرور والأطماع الكاذبة، وعلى أهل الجهل باللّه وأسمائه وصفاته.
(فصل: في الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه)
نعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضًا أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة. الثاني: معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينًا خيرًا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدى ونهاية معرفتى.
والثاني: راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق.
فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزًا وجهلًا، والثاني كمن لم يطلبه، بل مات في شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض.
فتأمل هذا الموضع، والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو بعينه قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول.
هذا في الجملة والتعيين موكول إلى علم الله - عز وجل - وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب. وأما في أحكام الدنيا فهي جارية مع ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة.
وهو مبني على أربعة أُصول:
أحدها: أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذَّبِينَ حَتّى نبعث رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّما ألْقِى فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزْنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فكَذَّبْنا وقُلنا ما نَزَّلَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨-٩]، وقال تعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]، وقال تعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مّنْكم يَقُصّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنذِرُونَكم لِقَآءَ يَوْمِكم هَذا قالُواْ شَهِدْنا عَلىَ أنْفُسِنا وغَرّتْهُمُ الحَياةُ الدّنْيا وشَهِدُواْ عَلىَ أنْفُسِهِمْ أنّهم كانُواْ كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وهذا كثير في القرآن، يخبر أنه إنما يعذّب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة، وهو المذنب الذي يعترف بذنبه، وقال تعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، والظالم من عرف ما جاءَ به الرسول أو تمكن من معرفته، وأما من لم يكن عنده من الرسول خبرًا أصلًا ولا يمكن من معرفته بوجه وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم؟
الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادة العلم بها وبموجبها.
الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد. وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل.
الأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان وفي بقعة وناحية دون أُخرى كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له. فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئًا ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي هريرة وغيرهما.
الأصل الرابع: أن أفعال الله سبحانه وتعالى تابعة لحكمته التي لا يخل بها سبحانه، وأنها مقصودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة.
وهذا الأصل هو أساس الكلام في هذه الطبقات الذي عليه نبني مع تلقي أحكامها من نصوص الكتاب والسنة لا من آراء الرجال وعقولهم ولا يدرى عدد الكلام في هذه الطبقات، إلا من عرف ما في كتب الناس ووقف على أقوال الطوائف في هذا الباب والنهي إلى غاية مراتبهم ونهاية إقدامهم، والله الموفق للسداد الهادى إلى الرشاد.
وأما من لم يثبت حكمة ولا تعليلًا، ورد الأمر إلى محض المشيئة التي ترجح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح، فقد أراح نفسه من هذا المقام الضنك واقتحام عقبات هذه المسائل العظيمة، وأدخلها كلها تحت قوله: ﴿لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وهو الفعال لما يريد، وصدق الله وهو أصدق القائلين: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ لكمال حكمته وعلمه ووضعه الأشياءَ مواضعها، وأنه ليس في أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد يسأل عنه كما يسأل المخلوق، وهو الفعال لما يريد ولكن لا يريد أن يفعل إلا ما هو خير ومصلحة ورحمة وحكمة، فلا يفعل الشر ولا الفساد ولا الجور ولا خلاف مقتضى حكمته، لكمال أسمائه وصفاته، وهو الغنى الحميد العليم الحكيم.
الإسراء 17:16
(فصل)
قوله: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾
هذا أمر تقدير كوني لا أمر ديني شرعي، فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمعنى قضينا ذلك وقدرناه وقالت طائفة بل هو أمر ديني والمعنى أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا والقول الأول أرجح لوجوده.
أحدها أن الإضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا إذا لم يكن تصحيح الكلام بدونه.
الثاني أن ذلك يستلزم إضمارين أحدهما أمرناهم بطاعتنا الثاني فخالفونا أو عصونا ونحو ذلك.
الثالث أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه كقولك أمرته ففعل وأمرته فقام وأمرته فركب لا يفهم المخاطب غير هذا.
الرابع أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور ومن المعلوم أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك بل هو سبب للنجاة والفوز.
فإن قيل أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك؟
قيل هذا يبطل بالوجه الخامس وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين بل هو سبحانه يأمر بطاعته واتّباع رسله المترفين وغيرهم فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين
يوضحه الوجه السادس أن الأمر لو كان بالطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها فإن الإرسال لو كان إلى المترفين لقال من عداهم نحن لم يرسل إلينا.
السابع أن إرادة الله سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم وإلا فقبل ذلك هو لا يريد إهلاكهم لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾
فإذا أرسل الرسل فكذبوهم أراد إهلاكها فأمر رؤسائها ومترفيها أمرا كونيا قدريا لا شرعيا دينيا بالفسق في القرية فاجتمع أهلها على تكذيبهم وفسق رؤسائهم فحينئذ جاءها أمر الله وحق عليها قوله بالإهلاك والمقصود ذكر الأمر الكوني والديني ومن الديني قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والأِحْسانِ﴾ وقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ وهو كثير.
(فصل: في لفظ الأمر)
فإنه نوعان أمر تكوين وأمر تشريع، والثاني قد يعصى ويخالف بخلاف الأول
فقوله تعالى: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ لا يناقض قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾
ولا حاجة إلى تكلف تقدير أمرنا مترفيها فيها بالطاعة فعصونا وفسقوا فيها، بل الأمر هاهنا أمر تكوين وتقدير، لا أمر تشريع لوجوه:
أحدها: أن المستعمل في مثل هذا التركيب أن يكون ما بعد الفاء هو المأمور به كما تقول أمرته فقام وأمرته فأكل كما لو صرح بلفظة أفعل كقوله تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ وهذا كما تقول دعوته فأقبل وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾.
الثاني: أن الأمر بالطاعة لا يخص المترفين فلا يصح حمل الآية عليه بل تسقط فائدة ذكر المترفين فإن جميع المبعوث إليهم مأمورون بالطاعة فلا يصح أن يكون أمر المترفين علة إهلاك جميعهم.
الثالث: أن هذا النسق العجيب والتركيب البديع مقتض ترتب ما بعد الفاء على ما قبلها ترتب المسبب على سببه، والمعلول على علته ألا ترى أن الفسق علة حق القول عليهم، وحق القول عليهم علة لتدميرهم، فهكذا الأمر سبب لفسقهم ومقتض له وذلك هو أمر التكوين لا التشريع.
الرابع: أن إرادته سبحانه لإهلاكهم إنما كانت بعد معصيتهم ومخالفتهم لرسله فمعصيتهم ومخالفتهم قد تقدمت فأراد الله إهلاكهم فعاقبهم بأن قدر عليهم الأعمال التي يتحتم معها هلاكهم.
فإن قيل فمعصيتهم السابقة سبب لهلاكهم فما الفائدة في قوله: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ وقد تقدم الفسق منهم؟
قيل المعصية السابقة وإن كانت سببها للهلاك لكن يجوز تخلف الهلاك عنها ولا يتحتم كما هو عادة الرب تعالى المعلومة في خلقه أنه لا يتحتم هلاكهم بمعاصيهم فإذا أراد إهلاكهم ولا بد أحدث سببا آخر يتحتم معه الهلاك ألا ترى أن ثمود ألم يهلكهم بكفرهم السابق حتى أخرج لهم الناقة فعقروها فأهلكوا حينئذ وقوم فرعون لم يهلكهم بكفرهم السابق بموسى حتى أراهم الآيات المتتابعات واستحكم بغيهم وعنادهم فحينئذ أهلكوا وكذلك قوم لوط لما أراد هلاكهم أرسل الملائكة إلى لوط في صورة الأضياف فقصدوهم بالفاحشة ونالوا من لوط وتواعدوه وكذلك سائر الأمم إذا أراد الله هلاكهم أحدث لها بغيا وعدوانا يأخذها على أثره وهذه عادته مع عباده عموما وخصوصا فيعصيه العبد وهو يحلم عنه ولا يعاجله حتى إذا أراد أخذه قيض له عملا يأخذه به مضافا إلى أعماله الأولى فيظن الظان أنه أخذه بذلك العمل وحده وليس كذلك بل حق عليه القول بذلك وكان قبل ذلك
لم يحق عليهم القول بأعماله الأولى حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه ولكن لم يحكم به أحكم الحاكمين ولم يمض الحكم فإذا عمل بعد ذلك ما يقرر غضب الرب عليه أمضى حكمه عليه وأنفذه قال تعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾
وقد كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم فلما أيس من إيمانهم تقرر الغضب واستحكم فحلت العقوبة فهذا الموضع من أسرار القرآن وأسرار التقدير الإلهي وفكر العبد فيه من أنفع الأمور له فإنه لا يدري أي المعاصي هي الموجبة التي يتحتم عندها عقوبته فلا يقال بعدها والله المستعان.
الإسراء 17:19
(فائِدَة جليلة في القدر)
رب ذُو إرادَة أمر عبدا ذا إرادَة فإن وفّقه وأرادَ من نَفسه أن يُعينهُ ويلهمه فعل ما أمر بِهِ، وإن خذله وخلاّه وإرادته ونَفسه وهو من هَذِه الحثيثة لا يخْتار إلّا ما تهواه نَفسه وطبعه، فَهو من حَيْثُ هو إنْسان لا يُرِيد إلّا ذَلِك، ولذَلِك ذمّه الله في كِتابه من هَذِه الحثيثة، ولم يمدحه إلّا بِأمْر زائِد على تِلْكَ الحثيثة، وهو كَونه مُسلما ومؤمنا وصابرا ومحسنا وشكورا وتقيا وبرا ونَحْو ذَلِك.
وَهَذا أمر زائِد على مجرّد كَونه إنْسانا وإرادته صالِحَة، ولَكِن لا يَكْفِي مجرّد صلاحيتها إن لم تؤيد بِقدر زائِد على ذَلِك وهو التَّوْفِيق، كَما أنه لا يَكْفِي في الرُّؤْيَة مجرّد صَلاحِية العين للإدراك إن لم يحصل سَبَب آخر من النُّور المُنْفَصِل عَنْها.
الإسراء 17:22
فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة، والحمد والثناء تارة، فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه، ويحصل له الخذلان والذم.
والمقصود: أن هذين الوجهين في المخلوق وضدهما في الخالق سبحانه.
فصلاح القلب وسعادته وفلاحه في عبادة الله تعالى والاستعانة به، وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق والاستعانة به.
(فائدة)
أعْظَمُ النّاسِ خِذْلانًا مَن تَعَلَّقَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ ما فاتَهُ مِن مَصالِحِهِ وسَعادَتِهِ وفَلاحِهِ أعْظَمُ مِمّا حَصَلَ لَهُ مِمَّنْ تَعَلَّقَ بِهِ، وهو مُعَرَّضٌ لِلزَّوالِ والفَواتِ. ومَثَلُ المُتَعَلِّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ كَمَثَلِ المُسْتَظِلِّ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وأوْهَنِ البُيُوتِ.
وَبِالجُمْلَةِ فَأساسُ الشِّرْكِ وقاعِدَتُهُ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها التَّعَلُّقُ بِغَيْرِ اللَّهِ، ولِصاحِبِهِ الذَّمُّ والخِذْلانُ، كَما قالَ تَعالى ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾
مَذْمُومًا لا حامِدَ لَكَ، مَخْذُولًا لا ناصِرَ لَكَ، إذْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ النّاسِ مَقْهُورًا مَحْمُودًا كالَّذِي قُهِرَ بِباطِلٍ، وقَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا مَنصُورًا، كالَّذِي قُهِرَ وتُسُلِّطَ عَلَيْهِ بِباطِلٍ، وقَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا مَنصُورًا كالَّذِي تَمَكَّنَ ومَلَكَ بِحَقٍّ، والمُشْرِكُ المُتَعَلِّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ قِسْمُهُ أرْدَأُ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، لا مَحْمُودٌ ولا مَنصُورٌ.
الإسراء 17:23
[فصل: العَمَلُ بِالقِياسِ مَرْكُوزٌ في فِطَرِ النّاسِ]
وَفَهِمْتُ مِن قَوْله تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ إرادَةَ النَّهْيِ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ الأذى بِالقَوْلِ والفِعْلِ، وإنْ لَمْ تَرِدْ نُصُوصٌ أُخْرى بِالنَّهْيِ عَنْ عُمُومِ الأذى، فَلَوْ بَصَقَ رَجُلٌ في وجْهِ والِدَيْهِ وضَرَبَهُما بِالنَّعْلِ وقالَ: إنِّي لَمْ أقُلْ لَهُما أُفٍّ لَعَدَّهُ النّاسُ في غايَةِ السَّخافَةِ والحَماقَةِ والجَهْلِ مِن مُجَرَّدِ تَفْرِيقِهِ بَيْنَ التَّأْفِيفِ المَنهِيِّ عَنْهُ وبَيْنَ هَذا الفِعْلِ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَهُ نَهْيٌ غَيْرُهُ، ومَنعُ هَذا مُكابَرَةٌ لِلْعَقْلِ والفَهْمِ والفِطْرَةِ.
فَمَن عَرَفَ مُرادَ المُتَكَلِّمِ بِدَلِيلٍ مِن الأدِلَّةِ وجَبَ اتِّباعُ مُرادِهِ، والألْفاظُ لَمْ تُقْصَدْ لِذَواتِها، وإنَّما هي أدِلَّةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى مُرادِ المُتَكَلِّمِ، فَإذا ظَهَرَ مُرادُهُ ووَضَحَ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ عَمَلٌ بِمُقْتَضاهُ، سَواءٌ كانَ بِإشارَةٍ، أوْ كِتابَةٍ، أوْ بِإيماءَةٍ أوْ دَلالَةٍ عَقْلِيَّةٍ، أوْ قَرِينَةٍ حالِيَّةٍ، أوْ عادَةٍ لَهُ مُطَّرِدَةٍ لا يُخِلُّ بِها، أوْ مِن مُقْتَضى كَمالِهِ وكَمالِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأنَّهُ يُمْتَنَعُ مِنهُ إرادَةُ ما هو مَعْلُومُ الفَسادِ وتَرْكُ إرادَةِ ما هو مُتَيَقَّنٌ مَصْلَحَتُهُ، وأنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلى إرادَتِهِ لِلنَّظِيرِ بِإرادَةِ نَظِيرِهِ ومِثْلِهِ وشَبَهِهِ، وعَلى كَراهَةِ الشَّيْءِ بِكَراهَةِ مِثْلِهِ ونَظِيرِهِ ومُشَبَّهِهِ، فَيَقْطَعُ العارِفُ بِهِ وبِحِكْمَتِهِ وأوْصافِهِ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ هَذا ويَكْرَهُ هَذا، ويُحِبُّ هَذا ويَبْغَضُ هَذا.
وَأنْتَ تَجِدُ مَن لَهُ اعْتِناءٌ شَدِيدٌ بِمَذْهَبِ رَجُلٍ وأقْوالِهِ كَيْفَ يَفْهَمُ مُرادَهُ مِن تَصَرُّفِهِ ومَذاهِبِهِ؟ ويُخْبِرُ عَنْهُ بِأنَّهُ يُفْتِي بِكَذا ويَقُولُهُ، وأنَّهُ لا يَقُولُ بِكَذا ولا يَذْهَبُ إلَيْهِ، لِما لا يُوجَدُ في كَلامِهِ صَرِيحًا، وجَمِيعُ أتْباعِ الأئِمَّةِ مَعَ أئِمَّتِهِمْ بِهَذِهِ المَثابَةِ.
الإسراء 17:29
[فصل: الفرق بين الاقتصاد والشح]
وأما الفرق بين الاقتصاد والشح، أن الاقتصاد خلق محمود يتولد من خلقين عدل وحكمة فبالعدل في المنع والبذل وبالحكمة يضع كل واحد منهما موضعه الذي يليق به فيتولد من بينهما الاقتصاد وهو وسط بين طرفين مذمومين كما قال تعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾
وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا﴾
وقال تعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾.
وأما الشح: فهو خلق ذميم يتولد من سوء الظن وضعف النفس ويمده وعد الشيطان حتى يصير هلعا والهلع شدة الحرص على الشيء والشر به فيتولد عنه المنع لبذله والجزع لفقده كما قال تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾.
الإسراء 17:32
فَأخْبَرَ عَنْ فُحْشِهِ في نَفْسِهِ، وهو القَبِيحُ الَّذِي قَدْ تَناهى قُبْحُهُ حَتّى اسْتَقَرَّ فُحْشُهُ في العُقُولِ حَتّى عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَوانِ، كَما ذَكَرَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأوْدِيِّ قالَ: "رَأيْتُ في الجاهِلِيَّةِ قِرْدًا زَنى بِقِرْدَةٍ، فاجْتَمَعَ القُرُودُ عَلَيْهِما فَرَجَمُوهُما حَتّى ماتا".
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ غايَتِهِ بِأنَّهُ " ساءَ سَبِيلًا " فَإنَّهُ سَبِيلُ هَلَكَةٍ وبَوارٍ وافْتِقارٍ في الدُّنْيا، وعَذابٍ وخِزْيٍ ونَكالٍ في الآخِرَةِ.
وَلَمّا كانَ نِكاحُ أزْواجِ الآباءِ مِن أقْبَحِهِ خَصَّهُ بِمَزِيدِ ذَمٍّ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].
وَعَلَّقَ سُبْحانَهُ فَلاحَ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ مِنهُ، فَلا سَبِيلَ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ - والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ - والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ - إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٧].
وَهَذا يَتَضَمَّنُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: أنَّ مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ، وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ، ومِنَ العادِينَ، فَفاتَهُ الفَلاحُ، واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ، ووَقَعَ في اللَّوْمِ، فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ.
وَنَظِيرُ هَذا أنَّهُ ذَمَّ الإنْسانَ، وأنَّهُ خُلِقَ هَلُوعًا لا يَصْبِرُ عَلى سَرّاءَ ولا ضَرّاءَ، بَلْ إذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنَعَ وبَخِلَ، وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزِعَ، إلّا مَنِ اسْتَثْناهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النّاجِينَ مِن خَلْقِهِ، فَذَكَرَ مِنهُمْ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ - إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المعارج: ٢٩-٣١].
فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ، وحِفْظِ فُرُوجِهِمْ، وأنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ مُشاهِدٌ لِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وَلَمّا كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ البَصَرِ جُعِلَ الأمْرُ بِغَضِّهِ مُقَدَّمًا عَلى حِفْظِ الفَرْجِ، فَإنَّ الحَوادِثَ مَبْدَؤُها مِنَ البَصَرِ، كَما أنَّ مُعْظَمَ النّارِ مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ، فَتَكُونُ نَظْرَةٌ، ثُمَّ تَكُونُ خَطْرَةٌ، ثُمَّ خُطْوَةٌ، ثُمَّ خَطِيئَةٌ.
وَلِهَذا قِيلَ: مَن حَفِظَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ أحْرَزَ دِينَهُ: اللَّحَظاتِ، والخَطَراتِ، واللَّفَظاتِ، والخُطُواتِ.
فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَكُونَ بَوّابَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأبْوابِ الأرْبَعَةِ، ويُلازِمَ الرِّباطَ عَلى ثُغُورِها، فَمِنها يَدْخُلُ عَلَيْهِ العَدُوُّ، فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُتَبِّرُ ما عَلا تَتْبِيرًا.
(فصل: في ارتكاب سبيلي الحرام وما يفضي إليه من المفاسد والآلام)
حقيق بكل عاقل أن لا يسلك سبيلا حتى يعلم سلامتها وآفاتها وما توصل إليه تلك الطريق من سلامة أو عطب وهذان السبيلان هلاك الأولين والآخرين بهما وفيهما من المعاطب والمهالك ما فيهما ويفضيان بصاحبهما إلى أقبح الغايات وشر موارد الهلكات ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى سبيل الزنا سر سبيل فقال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾
فإذا كانت هذه سبيل الزنا فكيف بسبيل اللواط التي تعدل الفعلة منه في الإثم والعقوبة أضعافها وأضعاف أضعافها من الزنا كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.
فأما سبيل الزنا فأسوأ سبيل ومقيل أهلها في الجحيم شر مقيل ومستقر أرواحهم في البرزخ في تنور من نار يأتيهم لهبها من تحتهم فإذا أتاهم اللهب ضجوا وارتفعوا ثم يعودون إلى موضعهم فهم هكذا إلى يوم القيامة كما رآهم النبي ﷺ في منامه ورؤيا الأنبياء وحي لا شك فيها فروى البخاري في صحيحه من حديث سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمّا يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لِأصْحابِهِ: «هَلْ رَأى أحَدٌ مِنكم مِن رُؤْيا» قالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُصَّ، وإنَّهُ قالَ ذاتَ غَداةٍ: «إنَّهُ أتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ، وإنَّهُما ابْتَعَثانِي، وإنَّهُما قالاَ لِي انْطَلِقْ، وإنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُما، وإنّا أتَيْنا عَلى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وإذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وإذا هو يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ ها هُنا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إلَيْهِ حَتّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَما كانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ما فَعَلَ المَرَّةَ الأُولى» قالَ: " قُلْتُ لَهُما: سُبْحانَ اللَّهِ ما هَذانِ؟ " قالَ: " قالاَ لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ " قالَ: " فانْطَلَقْنا، فَأتَيْنا عَلى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفاهُ، وإذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِن حَدِيدٍ، وإذا هو يَأْتِي أحَدَ شِقَّيْ وجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إلى قَفاهُ، ومَنخِرَهُ إلى قَفاهُ، وعَيْنَهُ إلى قَفاهُ، - قالَ: ورُبَّما قالَ أبُو رَجاءٍ: فَيَشُقُّ - " قالَ: «ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلى الجانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ما فَعَلَ بِالجانِبِ الأوَّلِ، فَما يَفْرُغُ مِن ذَلِكَ الجانِبِ حَتّى يَصِحَّ ذَلِكَ الجانِبُ كَما كانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَ المَرَّةَ الأُولى» قالَ: " قُلْتُ: سُبْحانَ اللَّهِ ما هَذانِ؟ " قالَ: " قالاَ لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنا، فَأتَيْنا عَلى مِثْلِ التَّنُّورِ - قالَ: فَأحْسِبُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ - فَإذا فِيهِ لَغَطٌ وأصْواتٌ " قالَ: «فاطَّلَعْنا فِيهِ، فَإذا فِيهِ رِجالٌ ونِساءٌ عُراةٌ، وإذا هم يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِن أسْفَلَ مِنهُمْ، فَإذا أتاهم ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا» قالَ: " قُلْتُ لَهُما: ما هَؤُلاَءِ؟ " قالَ: " قالاَ لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ " قالَ: «فانْطَلَقْنا، فَأتَيْنا عَلى نَهَرٍ - حَسِبْتُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ - أحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وإذا في النَّهَرِ رَجُلٌ سابِحٌ يَسْبَحُ، وإذا عَلى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجارَةً كَثِيرَةً، وإذا ذَلِكَ السّابِحُ يَسْبَحُ ما يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجارَةَ، فَيَفْغَرُ لَهُ فاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ كُلَّما رَجَعَ إلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فاهُ فَألْقَمَهُ حَجَرًا» قالَ: " قُلْتُ لَهُما: ما هَذانِ؟ " قالَ: " قالاَ لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ " قالَ: «فانْطَلَقْنا، فَأتَيْنا عَلى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ، كَأكْرَهِ ما أنْتَ راءٍ رَجُلًا مَرْآةً، وإذا عِنْدَهُ نارٌ يَحُشُّها ويَسْعى حَوْلَها» قالَ: " قُلْتُ لَهُما: ما هَذا؟ " قالَ: " قالاَ لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنا، فَأتَيْنا عَلى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ، فِيها مِن كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وإذا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لاَ أكادُ أرى رَأْسَهُ طُولًا في السَّماءِ، وإذا حَوْلَ الرَّجُلِ مِن أكْثَرِ وِلْدانٍ رَأيْتُهم قَطُّ " قالَ: " قُلْتُ لَهُما: ما هَذا ما هَؤُلاَءِ؟ " قالَ: " قالاَ لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ " قالَ: «فانْطَلَقْنا فانْتَهَيْنا إلى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ، لَمْ أرَ رَوْضَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها ولاَ أحْسَنَ» قالَ: " قالاَ لِي: ارْقَ فِيها " قالَ: «فارْتَقَيْنا فِيها، فانْتَهَيْنا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ ولَبِنِ فِضَّةٍ، فَأتَيْنا بابَ المَدِينَةِ فاسْتَفْتَحْنا فَفُتِحَ لَنا فَدَخَلْناها، فَتَلَقّانا فِيها رِجالٌ شَطْرٌ مِن خَلْقِهِمْ كَأحْسَنِ ما أنْتَ راءٍ، وشَطْرٌ كَأقْبَحِ ما أنْتَ راءٍ» قالَ: " قالاَ لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا في ذَلِكَ النَّهَرِ " قالَ: «وَإذا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأنَّ ماءَهُ المَحْضُ في البَياضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصارُوا في أحْسَنِ صُورَةٍ» قالَ: " قالاَ لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وهَذاكَ مَنزِلُكَ " قالَ: «فَسَما بَصَرِي صُعُدًا فَإذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبابَةِ البَيْضاءِ» قالَ: " قالاَ لِي: هَذاكَ مَنزِلُكَ " قالَ: " قُلْتُ لَهُما: بارَكَ اللَّهُ فِيكُما ذَرانِي فَأدْخُلَهُ، قالاَ: أمّا الآنَ فَلاَ، وأنْتَ داخِلَهُ " قالَ: " قُلْتُ لَهُما: فَإنِّي قَدْ رَأيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَما هَذا الَّذِي رَأيْتُ؟ " قالَ: " قالاَ لِي: أما إنّا سَنُخْبِرُكَ، أمّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الَّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنامُ عَنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ، وأمّا الرَّجُلُ الَّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إلى قَفاهُ، ومَنخِرُهُ إلى قَفاهُ، وعَيْنُهُ إلى قَفاهُ، فَإنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِن بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ، وأمّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُراةُ الَّذِينَ في مِثْلِ بِناءِ التَّنُّورِ، فَإنَّهُمُ الزُّناةُ والزَّوانِي" وقال قتيبة بن سعيد حدثنا نوح بن قيس قال حدثني أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ:
" لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي انْطَلَقَ بِي إلى خَلْقٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَثِيرٍ، نِساءٍ مُعَلَّقاتٍ بِثَدْيِهِنَّ ومِنهُنَّ بِأرْجُلِهِنَّ مُنَكَّساتٍ، ولَهُنَّ صُراخٌ وجُوارٌ، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ؟ قالَ: هَؤُلاءِ اللَّواتِي يَزْنِينَ، ويَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ، ويَجْعَلْنَ لِأزْواجِهِنَّ ورَثَةً مِن غَيْرِهِمْ "
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا عبد السلام بن شداد عن غزوان بن جرير عن أبيه أنهم تذاكروا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفواحش فقال لهم: هَلْ تَدْرُونَ أيُّ الزِّنا عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ أعْظَمُ؟ قالُوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، كُلَّهُ عَظِيمٌ قالَ: ولَكِنْ سَأُخْبِرُكم بِأعْظَمِ الزِّنا عِنْدَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، هو أنْ يَزْنِيَ العَبْدُ بِزَوْجَةِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ فَيَصِيرُ زانِيًا، وقَدْ أفْسَدَ عَلى الرَّجُلِ المُسْلِمِ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّ النّاسَ يُرْسَلُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ حَتّى يَتَأذّى مِنها كُلُّ بَرٍّ وفاجِرٍ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مِنهم كُلَّ مَبْلَغٍ، وألَمَّتْ أنْ تُمْسِكَ بِأنْفاسِ النّاسِ كُلِّهِمْ ناداهم مُنادٍ يُسْمِعُهُمُ الصَّوْتَ، ويَقُولُ لَهُمْ: هَلْ تَدْرُونَ ما هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي قَدْ آذَنْتُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لا نَدْرِي واللَّهِ، إلّا أنَّها قَدْ بَلَغَتْ مِنّا كُلَّ مَبْلَغٍ، فَيُقالُ: ألا إنَّها رِيحُ فُرُوجِ الزُّناةِ الَّذِينَ لَقُوا اللَّهَ بِزِناهُمْ، ولَمْ يَتُوبُوا مِنهُ، ثُمَّ يُنْصَرَفُ بِهِمْ، فَلَمْ يُذْكَرْ عِنْدَ الصَّرْفِ بِهِمْ جَنَّةٌ ولا نارٌ ".
وقال الخرائطي حدثنا علي بن داود القنطري حدثنا سعيد بن عفير حدثني مسلم بن علي الخشني عن أبي عبد الرحمن عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر المسلمين إياكم والزنا فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأما اللواتي في الدنيا فذهاب البهاء ودوام الفقر وقصر العمر، وأما اللواتي في الآخرة فسخط الله وسوء الحساب ودخول النار"
ويذكر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال المقيم على الزنا كعابد وثن ورفعه بعضهم وهذا أولى أن يشبه بعابد الوثن من مدمن الخمر وفي المسند وغيره مرفوعا مدمن الخمر كعابد وثن فإن الزنا أعظم من شرب الخمر قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنا
وفي الصحيحين من حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ﷺ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ»، قالَ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: «تَقْتُلَ ولَدَكَ مِن أجْلِ أنْ يَأْكُلَ مالَكَ»، قالَ: ثُمَّ أيُّ قالَ؟ قالَ: «أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» "
فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ وقال قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن ابن أنعم عن رجل عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: "الزاني بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه ويقول له ادخل النار مع الداخلين" وذكر سفيان بن عيينة عن جامع بن شداد عن أبي وائل عن عبد الله قال إذا بخس المكيال حبس القطر وإذا ظهر الزنا وقع الطاعون وإذا كثر الكذب كثر الهرج
وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر" وذكر سفيان الثوري عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
"إن الله يبغض ثلاثة الشيخ الزاني والمقل المختال والبخيل المنان" وذكر الأعمش عن خيثمة عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: "مثل الذي يجلس على فراش المغيبة مثل الذي ينهشه الأساود يوم القيامة " المغيبة هي التي قد سافر زوجها في جهاد أو حج أو غيرهما وفي النسائي وغيره من حديث بريدة عن النبي ﷺ قال: "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كأمهاتهم وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله إلا نصب له يوم القيامة فيقال يا فلان هذا فلان فخذ من حسناته ما شئت ثم التفت النبي ﷺ إلى أصحابه فقال ما ترون يدع له من حسناته شيئا وفي لفظ وإذ اخلفه في أهله فخانه قيل يوم القيامة هذا خانك في أهلك فخذ من حسناته ما شئت فما ظنكم"
ويكفي في قبح الزنا أن الله سبحانه وتعالى مع كمال رحمته شرع فيه أفحش القتلات وأصعبها وأفضحها وأمر أن يشهد عباده المؤمنون تعذيب فاعله ومن قبحه أن الله سبحانه فطر عليه بعض الحيوان البهيم الذي لا عقل له كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال رأيت في الجاهلية قردا زنى بقردة فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا وكنت فيمن رجمهما.
(فصل)
والزنا يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلة الغيرة فلا تجد زانيا معه ورع ولا وفاء بعهد ولا صدق في حديث ولا محافظة على صديق ولا غيرة تامة على أهله فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء وعدم المراقبة وعدم الأنفة للحرم وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته
ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمه وعياله ولو تعرض رجل إلى ملك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين ومنها ظلمة القلب وطمس نوره وهو الذي أوجب طمس نور الوجه وغشيان الظلمة له ومنها الفقر اللازم.
وفي أثر يقول الله تعالى "أنا الله مهلك الطغاة ومفقر الزناة"
ومنها أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربه ومن أعين عباده ومنها أنه يسلبه أحسن الأسماء وهو اسم العفة والبر والعدالة ويعطيه أضدادها كاسم الفاجر والفاسق والزاني والخائن ومنها أنه يسلبه اسم المؤمن كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" فسلبه اسم الإيمان المطلق وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان.
وسئل جعفر بن محمد عن هذا الحديث فخط دائرة في الأرض وقال هذه دائرة الإيمان، ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها وقال هذه دائرة الإسلام، فإذا زنى العبد خرج من هذه ولم يخرج من هذه.
ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له أن يسمى مؤمنا كما أن الرجل يكون معه جزء من العلم والفقه ولا يسمى به عالما فقيها ومعه جزء من الشجاعة والجود ولا يسمى بذلك شجاعا ولا جوادا وكذلك يكون معه شيء من التقوى ولا يسمى متقيا ونظائره فالصواب إجراء الحديث على ظاهره ولا يتأول بما يخالف ظاهره والله أعلم ومنها أن يعرض نفسه لسكنى التنور الذي رأى النبي ﷺ فيه الزناة والزواني ومنها أنه يفارقه الطيب الذي وصف الله به أهل العفاف ويستبدل به الخبيث الذي وصف الله به الزناة كما قال الله تعالى: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾
وقد حرم الله الجنة على كل خبيث بل جعلها مأوى الطيبين ولا يدخلها إلا طيب قال الله تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ وقال تعالى: ﴿وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ فإنما استحقوا سلام الملائكة ودخول الجنة بطيبهم والزناة من أخبث الخلق وقد جعل الله سبحانه جهنم دار الخبيث وأهله فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب وجعل الخبيث بعضه على بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم فلا يدخل النار طيب ولا يدخل الجنة خبيث
ومنها الوحشة التي يضعها الله سبحانه وتعالى في قلب الزاني وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس ومن جالسه استأنس به والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به ومنها قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له وهو أحقر شيء في نفوسهم وعيونهم بخلاف العفيف فإنه يرزق المهابة والحلاوة ومنها أن الناس ينظرونه بعين الخيانة ولا يأمنه أحد على حرمته ولا على ولده ومنها الرائحة التي تفوح عليه يشمها كل ذي قلب سليم تفوح من فيه وجسده ولولا اشتراك الناس في هذه الرائحة لفاحت من صاحبها ونادت عليه ولكن كما قيل
؎كل به مثل ما بي غير أنهم ∗∗∗ من غيرة بعضهم للبعض عذال
ومنها ضيقة الصدر وحرجه فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ولم يجعل الله معصيته سببا إلى خير قط ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور وانشراح الصدر وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له دع ربح العاقبة والفوز بثواب الله وكرامته ومنها أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن وقد تقدم أن الله سبحانه وتعالى إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة فكذلك من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا بل كل ما ناله العبد في الدنيا فإن توسع في حلاله ضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما توسع فيه وإن ناله من حرام فاته نظيره يوم القيامة
ومنها أن الزنا يجرئه على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وكسب الحرام وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله وربما قاده قسرا إلى سفك الدم الحرام وربما استعان عليه بالسحر وبالشرك وهو يدري أو لا يدري فهذه المعصية لا تتم إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها وجند بعدها وهي أجلب شيء لشر الدنيا والآخرة وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها عز على الناصحين استنقاذه وأعيى الأطباء دواؤه فأسيرها لا يفدى وقتيلها لا يودى وقد وكلها الله سبحانه بزوال النعم فإذا ابتلي بها عبد فليودع نعم الله فإنها ضيف سريع الانتقال وشيك الزوال قال الله تعالى: ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم﴾ وقال تعالى: ﴿وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾.
الإسراء 17:36
فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦].
فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب.
وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨].
(فصل: تقديم السمع على البصر)
السمع متقدم على البصر حيث وقع في القرآن الكريم مصدرا أو فعلا أو اسما فالأول كقوله تعالى: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
والثاني كقوله تعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾
والثالث كقوله تعالى: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، ﴿وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
فاحتج بهذا من يقول إن السمع أشرف من البصر وهذا قول الأكثرين وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي وحكوا هم وغيرهم عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا البصر أفضل ونصبوا معهم الخلاف وذكروا الحجاج من الطرفين ولا أدري ما يترتب على هذه المسألة من الأحكام حتى تذكر في كتب الفقه وكذلك القولان للمتكلمين والمفسرين
وحكى أبو المعالي عن ابن قتيبة: تفضيل البصر ورد عليه واحتج مفضلو السمع بأن الله تعالى يقدمه في القرآن حيث وقع وبالسمع تنال سعادة الدنيا والآخرة فإن السعادة بأجمعها في طاعة الرسل والإيمان بما جاءوا به وهذا إنما يدرك بالسمع ولهذا في الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث الأسود بن سريع ثلاثة كلهم يدلي على الله بحجته يوم القيامة فذكر منهم رجلا أصم يقول يا رب لقد جاء الإسلام وأنا لا أسمع شيئا صحيح واحتجوا بأن العلوم الحاصلة من السمع أضعاف العلوم الحاصلة من البصر فإن البصر لا يدرك إلا بعض الموجودات المشاهدة بالبصر القريبة والسمع يدرك الموجودات والمعدومات والحاضر والغائب والقريب والبعيد والواجب والممكن والممتنع فلا نسبة لإدراك البصر إلى إدراكه واحتجوا بأن فقد السمع يوجب ثلم القلب واللسان ولهذا كان الأطرش خلقة لا ينطق في الغالب وأما فقد البصر فربما كان معينا على قوة إدراك البصيرة وشدة ذكائها فإن نور البصر ينعكس إلى البصيرة باطنا فيقوي إدراكها ويعظم ولهذا تجد كثيرا من العميان أو أكثرهم عندهم من الذكاء الوقاد والفطنة وضياء الحس الباطن ما لا تكاد تجده عند البصير، ولا ريب أن سفر البصر في الجهات والأقطار ومباشرته للمبصرات على اختلافها يوجب تفرق القلب وتشتيته، ولهذا كان الليل أجمع للقلب والخلوة أعون على إصابة الفكرة قالوا فليس نقص فاقد السمع كنقص فاقد البصر ولهذا كثير في العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام من هو أعمى ولم يعرف فيهم واحد أطرش بل لا يعرف في الصحابة أطرش فهذا ونحوه من احتجاجهم على تفضيل البصر قال منازعوهم يفصل بيننا وبينكم أمران أحدهما أن مدرك البصر النظر إلى وجه الله تعالى في الدار الآخرة وهو أفضل نعيم أهل الجنة وأحبه إليهم ولا شيء أكمل من المنظور إليه سبحانه فلا حاسة في العبد أكمل من حاسة تراه بها الثاني أن هذا النعيم وهذا العطاء إنما نالوه بواسطة السمع فكان السمع كالوسيلة لهذا المطلوب الأعظم فتفضيله عليه كفضيلة الغايات على وسائلها.
وأما ما ذكرتم من سعة إدراكاته وعمومها فيعارضه كثرة الخيانة فيها ووقوع الغلط فإن الصواب فيما يدركه السمع بالإضافة إلى كثرة المسموعات قليل في كثير ويقابل كثير مدركاته صحة مدركات البصر وعدم الخيانة وأن ما يراه ويشاهده لا يعرض فيه من الكذب ما يعرض فيه فيما يسمعه وإذا تقابلت المرتبتان بقي الترجيح بما ذكرناه.
قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه:
"وفصل الخطاب أن إدراك السمع أعم وأشمل وإدراك البصر أتم وأكمل فهذا له التمام والكمال وذاك له العموم والشمول فقد ترجح كل منهما على الآخر بما اختص" به تم كلامه.
وقد ورد في الحديث المشهور أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: " هذان السمع والبصر "
صحيح على الراجح وهذا يحتمل أربعة أوجه أحدها: أن يكون المراد أنهما مني بمنزلة السمع والبصر والثاني يريد أنهما من دين الإسلام بمنزلة السمع والبصر من الإنسان فيكون الرسول بمنزلة القلب والروح وهما بمنزلة السمع والبصر من الدين وعلى هذا فيحتمل وجهين أحدهما التوزيع فيكون أحدهما بمنزلة السمع والآخر بمنزلة البصر والثاني الشركة فيكون هذا التنزيل والتشبيه بالحاستين ثابتا لكل واحد منهما فكل منهما بمنزلة السمع والبصر فعلى احتمال التوزيع والتقسيم تكلم الناس أيهما هو السمع وأيهما هو البصر وبنوا ذلك على أي الصفتين أفضل فهي صفة الصديق والتحقيق أن صفة البصر للصديق وصفة السمع للفاروق ويظهر لك هذا من كون عمر محدثا كما قال النبي ﷺ: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر "
رواه مسلم.
والتحديث المذكور هو ما يلقى في القلب من الصواب والحق وهذا طريقه السمع الباطن وهو بمنزلة التحديث والإخبار في الأذن وأما الصديق فهو الذي كمل مقام الصديقية لكمال بصيرته حتى كأنه قد باشر بصره مما أخبر به الرسول ما باشر قلبه فلم يبق بينه وبين إدراك البصر إلا حجاب الغيب فهو كأنه ينظر إلى ما أخبر به من الغيب من وراء ستوره وهذا لكمال البصيرة وهذا أفضل مواهب العبد وأعظم كراماته التي يكرم بها وليس بعد درجة النبوة إلا هي ولهذا جعلها سبحانه بعدها فقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾
وهذا هو الذي سبق به الصديق لا بكثرة صوم ولا بكثرة صلاة وصاحب هذا يمشي رويدا ويجيء في الأول ولقد تعناه من لم يكن سيره على هذا الطريق وتشميره إلى هذا العلم وقد سبق من شمر إليه وإن كان يزحف زحفا ويحبو حبوا ولا تستطل هذا الفصل فإنه أهم مما قصد بالكلام فليعد إليه.
فقيل تقديم السمع على البصر له سببان أحدهما أن يكون السياق يقتضيه بحيث يكون ذكرها بين الصفتين متضمنا للتهديد والوعيد كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين وتحذيرهم بما يذكره من صفاته التي تقتضي الحذر والاستقامة كقوله: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
وقوله: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
والقرآن الكريم مملوء من هذا وعلى هذا فيكون في ضمن ذلك أني أسمع ما يردون به عليك وما يقابلون به رسالاتي وأبصر ما يفعلون ولا ريب أن المخاطبين بالرسالة بالنسبة إلى الإجابة والطاعة نوعان أحدهما قابلوها بقولهم صدقت ثم عملوا بموجبها والثاني قابلوها بالتكذيب ثم عملوا بخلافها فكانت مرتبة المسموع منهم قبل مرتبة البصر فقدم ما يتعلق به على ما يتعلق بالمبصر، وتأمل هذا المعنى في قوله تعالى: لموسى ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾
هو يسمع ما يجيبهم به ويرى ما يصنعه وهذا لا يعم سائر المواضع بل يختص منها بما هذا شأنه والسبب الثاني أن إنكار الأوهام الفاسدة لسمع الكلام مع غاية البعد بين السامع والمسموع أشد من إنكارها لرؤيته مع بعده وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: "اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول فقال: الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا فقال الثالث: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا " رواه البخاري ومسلم والترمذي ولم يقولوا أترون الله يرانا فكان تقديم السمع أهم والحاجة إلى العلم به أمس.
وسبب ثالث وهو أن حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثيرا في الخير والشر والصلاح والفساد بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان فكان تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى وبهذا يعلم تقديمه على العليم حيث وقع.
(فائدة)
جعل الله بِحِكْمَتِهِ كل جُزْء من أجزاء ابْن آدم ظاهِرَة وباطنة آلَة لشَيْء إذا اسْتعْمل فِيهِ فَهو كَماله فالعين آلَة للنَّظَر والأُذن آلَة للسماع والأنف آلَة للشم واللِّسان آلَة للنطق، والفرج للنِّكاح واليَد للبطش والرجل للمشي والقلب للتوحيد والمعرفة والروح للمحبة والعقل آلَة للتفكر والتدبر لعواقب الأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية وإيثار ما يَنْبَغِي إيثاره وإهمال ما يَنْبَغِي إهماله
أخسر النّاس صَفْقَة من اشْتغل عَن الله بِنَفسِهِ بل أخسر مِنهُ من اشْتغل عَن نَفسه بِالنّاسِ.
فِي السّنَن من حَدِيث أبي سعيد يرفعهُ إذا أصبح ابْن آدم فَإن الأعْضاء كلها تكفر اللِّسان تَقول اتَّقِ الله فَإنَّما نَحن بك فإن اسْتَقَمْت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا.
قَوْله تكفر اللِّسان قيل مَعْناهُ تخضع لَهُ وفي الحَدِيث أن الصَّحابَة لما دخلُوا على النَّجاشِيّ لم يكفروا لَهُ أي لم يسجدوا ولم يخضعوا ولذَلِك قالَ لَهُ عَمْرو بن العاصِ أيها الملك إنَّهُم لا يكفرون لَك وإنَّما خضعت للسان لِأنَّهُ بريد القلب وترجمانه والواسطة بَينه وبَين الأعْضاء وقَوْلها إنَّما نَحن بك أي نجاتنا بك وهلاكنا بك ولِهَذا قالَت فَإن اسْتَقَمْت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا.
الإسراء 17:42
قِيلَ: لابْتَغَوُا السَّبِيلَ إلَيْهِ بِالمُغالَبَةِ والقَهْرِ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾.
قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والصَّحِيحُ أنَّ المَعْنى: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ وطاعَتِهِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ؟ وهم لَوْ كانُوا آلِهَةً كَما يَقُولُونَ لَكانُوا عَبِيدًا لَهُ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا وُجُوهٌ:
مِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِي هم عِبادِي كَما أنْتُمْ عِبادِي، ويَرْجُونَ رَحْمَتِي ويَخافُونَ عَذابِي، فَلِماذا تَعْبُدُونَهم مِن دُونِي؟
الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لابْتَغَوْا عَلَيْهِ سَبِيلًا، بَلْ قالَ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا، وهَذا اللَّفْظُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في التَّقَرُّبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥].
وَأمّا في المُغالَبَةِ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤].
والثّالِثُ: أنَّهم لَمْ يَقُولُوا إنَّ آلِهَتَهم تُغالِبُهُ وتَطْلُبُ العُلُوَّ عَلَيْهِ، وهو سُبْحانَهُ قَدْ قالَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ وهم إنَّما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ آلِهَتَهم تَبْتَغِي التَّقَرُّبَ إلَيْهِ وتُقَرِّبُهم زُلْفى إلَيْهِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ لَكانَتْ تِلْكَ الآلِهَةُ عَبِيدًا لَهُ، فَلِماذا تَعْبُدُونَ عَبِيدَهُ مِن دُونِهِ؟
الإسراء 17:44
(فصل: إفراد السماء وجمعها)
فانظر كيف جاءت مجموعة في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ في جميع الصور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم ونظير هذا جمعها في قوله: ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾
وكذلك جاءت في قوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ﴾ مجموعة إخبارا بأنها تسبح له بذواتها وأنفسها على اختلاف عددها وأكد هذا المعنى بوصفها بالعدد ولم يقتصر على السماوات فقط بل قال: ﴿السَّبْعُ﴾
وانظر كيف جاءت مفردة في قوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ فالرزق المطر وما وعدنا به الجنة وكلاهما في هذه الجهة لا أنهما في كل واحدة واحدة من السماوات فكان لفظ الإفراد أليق بها ثم تأمل كيف جاءت مجموعة في قوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلاّ اللَّهُ﴾ لما كان المراد نفي علم الغيب عن كل من هو في واحدة من السماوات أتى بها مجموعة وتأمل كيف لم يجئ في سياق الإخبار بنزول الماء منها إلا مفردة حيث وقعت لما لم يكن المراد نزوله من ذات السماء بنفسها بل المراد الوصف وهذا باب قد فتح الله ولك فلجه وانظر إلى أسرار الكتاب وعجائبه وموارد ألفاظه جمعا وإفرادا وتقديما وتأخيرا إلى غير ذلك من أسراره فلله الحمد والمنة لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه.
الإسراء 17:45
(فصل)
وأما الحجاب ففي قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾، وقوله: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾
على أصح القولين. والمعنى: جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجابا يحول بينهم وبين فهمه وتدبره، والإيمان به، وبيّنه قوله: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾.
وهذه الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ، وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ فأخبر سبحانه أن ذلك جعله.
فالحب يمنع من رؤية الحق، والأكنة تمنع من فهمه، والوقر يمنع من سماعه.
وقال الكلبي: الحجاب هاهنا مانع يمنعهم من الوصول إلى رسول الله بالأذى من الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه.
ووصفه بكونه مستورا فقيل: بمعنى ساتر. وقيل: على النسب، أي في ستر والصحيح: أنه على بابه، أي مستورا عن الأبصار فلا يرى. ومجيء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت. والنسب في مفعول لم يشتق من فعله، كمكان محول أي ذي حول، ورجل مرطوب، أي ذي رطوبة. فأما مفعول فهو جار على فعله فهو الذي وقع عليه الفعل. كمضروب ومجروح ومستور.
(فائدة)
وَمِمّا يَدْخُلُ في الغَيْرَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾.
قالَ السَّرِيُّ لِأصْحابِهِ: أتَدْرُونَ ما هَذا الحِجابُ؟
حِجابُ الغَيْرَةِ. ولا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ. إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلِ الكُفّارَ أهْلًا لِفَهْمِ كَلامِهِ، ولا أهْلًا لِمَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ ومَحَبَّتِهِ. فَجَعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِ وكَلامِهِ وتَوْحِيدِهِ حِجابًا مَسْتُورًا عَنِ العُيُونِ، غَيْرَةً عَلَيْهِ أنْ يَنالَهُ مَن لَيْسَ أهْلًا بِهِ.
وقال في موضع آخر من مدارج السالكين:
فَمَن عَرَفَهُ وذاقَ حَلاوَةَ قُرْبِهِ ومَحَبَّتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلى مُساكَنَةِ غَيْرِهِ: ثَبَّطَ جَوارِحَهُ عَنْ طاعَتِهِ، وعَقَلَ قَلْبَهُ عَنْ إرادَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وأخَّرَهُ عَنْ مَحَلِّ قُرْبِهِ، ووَلّاهُ ما اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: احْذَرْهُ، فَإنَّهُ غَيُورٌ، لا يُحِبُّ أنْ يَرى في قَلْبِ عَبْدِهِ سِواهُ.
وَمِن غَيْرَتِهِ: أنَّ صَفِيَّهُ آدَمَ لَمّا ساكَنَ بِقَلْبِهِ الجَنَّةَ، وحَرِصَ عَلى الخُلُودِ فِيها أخْرَجَهُ مِنها، ومِن غَيْرَتِهِ سُبْحانَهُ: أنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ لَمّا أخَذَ إسْماعِيلُ شُعْبَةً مِن قَلْبِهِ أمَرَهُ بِذَبْحِهِ، حَتّى يُخْرِجَ مِن قَلْبِهِ ذَلِكَ المُزاحِمَ.
إنَّما كانَ الشِّرْكُ عِنْدَهُ ذَنْبًا لا يُغْفَرُ لِتَعَلُّقِ قَلْبِ المُشْرِكِ بِهِ وبِغَيْرِهِ، فَكَيْفَ بِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ كُلُّهُ بِغَيْرِهِ، وأعْرَضَ عَنْهُ بِكُلِّيَّتِهِ؟
إذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ ما حَلَّ بِكَ مِن بَلاءِ الِانْفِصالِ، وذُلِّ الحِجابِ، فانْظُرْ لِمَنِ اسْتَعْبَدَ قَلْبَكَ، واسْتَخْدَمَ جَوارِحَكَ، وبِمَن شَغَلَ سِرَّكَ، وأيْنَ يَبِيتُ قَلْبُكَ إذا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ؟ وإلى أيْنَ يَطِيرُ إذا اسْتَيْقَظْتَ مِن مَنامِكَ؟ فَذَلِكَ هو مَعْبُودُكَ وإلَهُكَ، فَإذا سَمِعْتَ النِّداءَ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَنْطَلِقَ كُلُّ واحِدٍ مَعَ مَن كانَ يَعْبُدُهُ، انْطَلَقْتَ مَعَهُ كائِنًا مَن كانَ.
لا إلَهَ إلّا اللَّهُ! ما أشَدَّ غَبْنَ مَن باعَ أطْيَبَ الحَياةِ في هَذِهِ الدّارِ المُتَّصِلَةِ بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ هُناكَ، والنَّعِيمَ المُقِيمَ بِالحَياةِ المُنَغَّصَةِ المُنَكَّدَةِ المُتَّصِلَةِ بِالعَذابِ الألِيمِ، والمُدَّةُ ساعَةٌ مِن نَهارٍ، أوْ عَشِيَّةٌ أوْ ضُحاها، أوْ يَوْمٌ أوْ بَعْضُ يَوْمٍ، فِيهِ رِبْحُ الأبَدِ أوْ خَسارَةُ الأبَدِ.
؎فَما هي إلّا ساعَةٌ ثُمَّ تَنْقَضِي ∗∗∗ ويَذْهَبُ هَذا كُلُّهُ ويَزُولُ
(فائدة أخرى)
وهاهنا نوع من غيرة الرب سبحانه وتعالى لطيف لا تهتدي إليه العقول وهو أن العبد يفتح له باب من الصفاء والأنس والوجود فيساكنه ويطمئن إليه وتلتذ به نفسه فيشتغل به عن المقصود فيغار عليه مولاه الحق فيخليه منه ويرده حينئذ إليه بالفقر والذلة والمسكنة ويشهده غاية فقره وإعدامه وأنه ليس معه من نفسه شيء البتة فتعود عزة ذلك الأنس والصفاء الوجود ذلو ومسكنة وفقرا وفاقة وذرة من هذا أحب إليه سبحانه وتعالى وأنفع للعبد من الجبال الرواسي من ذلك الصفاء والأنس المجرد عن شهود الفقر والذلة والمسكنة وهذا باب لا يتسع له قلب كل أحد
فصل ومن الغيرة الغيرة على دقيق العلم ومالا يدركه فهم السامع أن يذكر له ولهذه الغيرة قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
فالعالم يغار على علمه أن يبذله لغير أهله أو يضعه في غير محله، كما قال عيسى ابن مريم "يا بني إسرائيل لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تبذلوها لغير أهلها فتظلموها".
وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن تفسير قوله تعالى الله الذي ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾
فقال للسائل وما يؤمنك أني إن أخبرتك بتفسيرها كفرت فإنك تكذب به وتكذيبك بها كفرك بها فالمسألة الدقيقة اللطيفة التي تبذل لغير أهلها كالمرأة الحسناء التي تهدى إلى ضرير مقعد كما قيل:
خود تزف إلى ضرير مقعد
وكان أبو علي إذا وقع شيء في خلال مجلسه من تشويش الوقت يقول هذا من غيرة الحق يريد أن لا يجري ما يجري من صفاء الوقت.
الإسراء 17:47
(فصل)
أما قوله تعالي عن الكفار أنهم قالوا: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ وقوله قوم صالح له: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ فقيل: المراد به من له سحر وهي الرئة أي أنه بشر مثلهم يأكل ويشرب ليس بملك ليس المراد به السحر وهذا جواب غير مرض وهو في غاية البعد فإن الكفار لم يكونوا يعبرون عن البشر بمسحور ولا يعرف هذا في لغة من اللغات وحيث أرادوا هذا المعنى أتوا بصريح لفظ البشر فقالوا ﴿ما أنتم إلا بشر مثلنا﴾ ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا﴾ ﴿أبعث الله بشرا رسولا﴾.
وأما المسحور فلم يريدوا به ذا السحر وهي الرئة وأي مناسبة لذكر الرئة في هذا الموضع ثم كيف يقول فرعون لموسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ أفتراه ما علم أنه له سحرا وأنه بشر ثم كيف يجيبه موسى بقوله: ﴿وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ولو أراد بالمسحور أنه بشر لصدقه موسى وقال: نعم أنا بشر أرسلني الله إليك كما قالت الرسل لقومهم لما قالوا لهم: ﴿إنْ أنْتُمْ إلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فقالوا ﴿إنْ نَحْنُ إلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ولم ينكروا ذلك فهذا الجواب في غاية الضعف.
وأجابت طائفة منهم ابن جرير وغيره بأن المسحور هنا هو معلم السحر الذي قد علمه إياه غيره فالمسحور عنده بمعنى ساحر أي عالم بالسحر وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة وهو أن من علم السحر يقال له مسحور ولا يكاد هذا يعرف في الإستعمال ولا في اللغة وإنما المسحور من سحره غيره كالمطبوب والمضروب والمقتول وبابه: وأما من علم السحر فإنه يقال له ساحر بمعنى أنه عالم بالسحر وإن لم يسحره غيره كما قال قوم فرعون لموسى: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ففرعون قذفه بكونه مسحورا وقومه قذفوه بكونه ساحرا فالصواب هو الجواب الثالث وهو جواب صاحب الكشاف وغيره إن المسحور على بابه وهو من سحر حتى جن فقالوا مسحور مثل مجنون زائل العقل لا يعقل ما يقول فإن المسحور الذي لا يتبع هو الذي فسد عقله بحيث لا يدري ما يقول فهو كالمجنون ولهذا قالوا فيه معلم مجنون فأما من أصيب في بده بمرض من الأمراض يصاب به الناس فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان وإنما قذفوهم بما يحذرون به سفهاءهم من اتباعهم وهو أنهم قد سحروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون بمنزلة المجانين ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾
مثلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة، والمسحور أخرى، فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيره طريقا يسلكه فلا يقدر عليه فإن أي طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة فهو متحير في أمره لا يهتدي سبيلا ولا يقدر على سلوكها فهكذا حال أعداء رسول الله ﷺ معه حتى ضربوا له أمثالا برأه الله منها وهو أبعد خلق الله منها وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان.
وأما قولكم إن سحر الأنبياء ينافي حماية الله تعالى لهم فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة فيمحقهم بسبب بغيهم وعداوتهم فيعجل تطهير الأرض منهم فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم وله الحكمة البالغة والنعمة السابغة لا إله غيره ولا رب سواه.
الإسراء 17:48
(فصل)
أما قوله تعالي عن الكفار أنهم قالوا: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ وقوله قوم صالح له: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ فقيل: المراد به من له سحر وهي الرئة أي أنه بشر مثلهم يأكل ويشرب ليس بملك ليس المراد به السحر وهذا جواب غير مرض وهو في غاية البعد فإن الكفار لم يكونوا يعبرون عن البشر بمسحور ولا يعرف هذا في لغة من اللغات وحيث أرادوا هذا المعنى أتوا بصريح لفظ البشر فقالوا ﴿ما أنتم إلا بشر مثلنا﴾ ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا﴾ ﴿أبعث الله بشرا رسولا﴾.
وأما المسحور فلم يريدوا به ذا السحر وهي الرئة وأي مناسبة لذكر الرئة في هذا الموضع ثم كيف يقول فرعون لموسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ أفتراه ما علم أنه له سحرا وأنه بشر ثم كيف يجيبه موسى بقوله: ﴿وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ولو أراد بالمسحور أنه بشر لصدقه موسى وقال: نعم أنا بشر أرسلني الله إليك كما قالت الرسل لقومهم لما قالوا لهم: ﴿إنْ أنْتُمْ إلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فقالوا ﴿إنْ نَحْنُ إلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ولم ينكروا ذلك فهذا الجواب في غاية الضعف.
وأجابت طائفة منهم ابن جرير وغيره بأن المسحور هنا هو معلم السحر الذي قد علمه إياه غيره فالمسحور عنده بمعنى ساحر أي عالم بالسحر وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة وهو أن من علم السحر يقال له مسحور ولا يكاد هذا يعرف في الإستعمال ولا في اللغة وإنما المسحور من سحره غيره كالمطبوب والمضروب والمقتول وبابه: وأما من علم السحر فإنه يقال له ساحر بمعنى أنه عالم بالسحر وإن لم يسحره غيره كما قال قوم فرعون لموسى: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ففرعون قذفه بكونه مسحورا وقومه قذفوه بكونه ساحرا فالصواب هو الجواب الثالث وهو جواب صاحب الكشاف وغيره إن المسحور على بابه وهو من سحر حتى جن فقالوا مسحور مثل مجنون زائل العقل لا يعقل ما يقول فإن المسحور الذي لا يتبع هو الذي فسد عقله بحيث لا يدري ما يقول فهو كالمجنون ولهذا قالوا فيه معلم مجنون فأما من أصيب في بده بمرض من الأمراض يصاب به الناس فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان وإنما قذفوهم بما يحذرون به سفهاءهم من اتباعهم وهو أنهم قد سحروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون بمنزلة المجانين ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾
مثلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة، والمسحور أخرى، فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيره طريقا يسلكه فلا يقدر عليه فإن أي طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة فهو متحير في أمره لا يهتدي سبيلا ولا يقدر على سلوكها فهكذا حال أعداء رسول الله ﷺ معه حتى ضربوا له أمثالا برأه الله منها وهو أبعد خلق الله منها وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان.
وأما قولكم إن سحر الأنبياء ينافي حماية الله تعالى لهم فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة فيمحقهم بسبب بغيهم وعداوتهم فيعجل تطهير الأرض منهم فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم وله الحكمة البالغة والنعمة السابغة لا إله غيره ولا رب سواه.
الإسراء 17:49
(فصل)
تَأمَّلْ تَضَمُّنَ هَذِهِ الكَلِماتِ - عَلى اخْتِصارِها وإيجازِها وبَلاغَتِها - لِلْأصْلِ والفَرْعِ والعِلَّةِ والحُكْمِ.
رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ رَدًّا يَتَضَمَّنُ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَتِهِمْ خَلْقًا جَدِيدًا فَقالَ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا (٥٠) أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
فَلَمّا اسْتَبْعَدُوا أنْ يُعِيدَهم اللَّهُ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ أنْ صارُوا عِظامًا ورُفاتًا قِيلَ لَهُمْ: كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ، سَواءٌ كانَ المَوْتَ أوْ السَّماءَ أوْ الأرْضَ أوْ أيَّ خَلْقٍ اسْتَعْظَمْتُمُوهُ وكَبُرَ في صُدُورِكُمْ، ومَضْمُونُ الدَّلِيلِ أنَّكم مَرْبُوبُونَ مَخْلُوقُونَ مَقْهُورُونَ عَلى ما يَشاءُ خالِقُكُمْ، وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى تَغْيِيرِ أحْوالِكم مِن خِلْقَةٍ إلى خِلْقَةٍ لا تَقْبَلُ الِاضْمِحْلالَ كالحِجارَةِ والحَدِيدِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَوْ كُنْتُمْ عَلى هَذِهِ الخِلْقَةِ مِن القُوَّةِ والشِّدَّةِ لَنَفَذَتْ أحْكامِي وقُدْرَتِي ومَشِيئَتِي، ولَمْ تَسْبِقُونِي ولَمْ تَفُوتُونِي، كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن هو في قَبْضَتِهِ: اصْعَدْ إلى السَّماءِ فَإنِّي لاحِقُك؛ أيْ لَوْ صَعِدْت إلى السَّماءِ لَحِقْتُك، وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ لَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا أوْ أعْظَمَ خَلْقًا مِن ذَلِكَ لَما أعْجَزْتُمُونِي ولَما فُتُّمُونِي.
وَقِيلَ: المَعْنى كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا عِنْدَ أنْفُسِكُمْ، أيْ صَوِّرُوا أنْفُسَكم وقَدِّرُوها خَلْقًا لا يَضْمَحِلُّ ولا يَنْحَلُ، فَإنّا سَنُمِيتُكم ثُمَّ نُحْيِيكم ونُعِيدُكم خَلْقًا جَدِيدًا، وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ فَرْقٌ لَطِيفٌ، فَإنَّ المَعْنى الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّكم لَوْ قَدَرْتُمْ عَلى نَقْلِ خِلْقَتِكم مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ هي أشَدَّ مِنها وأقْوى لَنَفَذَتْ مَشِيئَتُنا وقُدْرَتُنا فِيكم ولَمْ تُعْجِزُونا، فَكَيْفَ وأنْتُمْ عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ؟ والمَعْنى الثّانِي يَقْتَضِي أنَّكم صَوِّرُوا أنْفُسَكم وأنْزِلُوها هَذِهِ المَنزِلَةَ، ثُمَّ انْظُرُوا أتَفُوتُونا وتُعْجِزُونا أمْ قُدْرَتُنا ومَشِيئَتُنا مُحِيطَةٌ بِكم ولَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ؟ وهَذا مِن أبْلَغِ البَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي لا تَعْرِضُ فِيها شُبْهَةٌ ألْبَتَّةَ، بَلْ لا تَجِدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ عَنْ الإذْعانِ والِانْقِيادِ لَها بُدًّا، فَلَمّا عَلِمَ القَوْمُ صِحَّةَ هَذا البُرْهانِ وأنَّهُ ضَرُورِيٌّ انْتَقَلُوا إلى المُطالَبَةِ بِمَن يُعِيدُهم فَقالُوا: مَن يُعِيدُنا؟ وهَذا سَواءٌ كانَ سُؤالًا مِنهم عَنْ تَعْيِينِ المُعِيدِ أوْ إنْكارًا مِنهم لَهُ فَهو مِن أقْبَحِ التَّعَنُّتِ وأبْيَنِهِ، ولِهَذا كانَ جَوابُهُ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
وَلَمّا عَلِمَ القَوْمُ أنَّ هَذا جَوابٌ قاطِعٌ انْتَقَلُوا إلى بابٍ آخَرَ مِن التَّعَنُّتِ؛ وهو السُّؤالُ عَنْ وقْتِ هَذِهِ الإعادَةِ، فَأنْغَضُوا إلَيْهِ رُءُوسَهم وقالُوا: مَتى هُوَ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾
فَلْيَتَأمَّلْ اللَّبِيبُ لُطْفَ مَوْقِعِ هَذا الدَّلِيلِ، واسْتِلْزامَهُ لِمَدْلُولِهِ اسْتِلْزامًا لا مَحِيدَ عَنْهُ، وما تَضَمَّنَهُ مِن السُّؤالاتِ والجَوابِ عَنْها أبْلَغَ جَوابٍ وأصَحَّهُ وأوْضَحَهُ، فَلِلَّهِ ما يَفُوتُ المُعْرِضِينَ عَنْ تَدَبُّرِ القُرْآنِ المُتَعَوَّضِينَ عَنْهُ بِزُبالَةِ الأذْهانِ ونُخالَةِ الأفْكارِ.
(فصل آخر)
تأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل فإنهم قالوا أولا إذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا فقيل لهم في جواب هذا السؤال إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب فهلا كنتم خلقا جديدا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد أو ما هو أكبر في صدوركم من ذلك فإن قلتم لنا رب خالق خلقنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء ولم يجعلنا حجارة ولا حديدا فقد قامت عليكم الحجة بإقراركم فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا.
وللحجة تقرير آخر وهو أنكم لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال.
ومن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ونقلها من حال إلى حال فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حال إلى حال.
فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم من يعيدنا إذا استحالت أجسامنا وفنيت فأجابهم بقوله ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّة﴾
وهذا الجواب نظير جواب قول السائل ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فلما أخذتهم الحجة ولزمهم حكمها ولم يجدوا عنها معدلا انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به كما يتعلل المقطوع بالحجاج بمثل ذلك وهو قولهم متى هو فأجيبوا بقوله:
﴿عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا﴾.
الإسراء 17:50
(فصل)
تَأمَّلْ تَضَمُّنَ هَذِهِ الكَلِماتِ - عَلى اخْتِصارِها وإيجازِها وبَلاغَتِها - لِلْأصْلِ والفَرْعِ والعِلَّةِ والحُكْمِ.
رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ رَدًّا يَتَضَمَّنُ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَتِهِمْ خَلْقًا جَدِيدًا فَقالَ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا (٥٠) أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
فَلَمّا اسْتَبْعَدُوا أنْ يُعِيدَهم اللَّهُ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ أنْ صارُوا عِظامًا ورُفاتًا قِيلَ لَهُمْ: كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ، سَواءٌ كانَ المَوْتَ أوْ السَّماءَ أوْ الأرْضَ أوْ أيَّ خَلْقٍ اسْتَعْظَمْتُمُوهُ وكَبُرَ في صُدُورِكُمْ، ومَضْمُونُ الدَّلِيلِ أنَّكم مَرْبُوبُونَ مَخْلُوقُونَ مَقْهُورُونَ عَلى ما يَشاءُ خالِقُكُمْ، وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى تَغْيِيرِ أحْوالِكم مِن خِلْقَةٍ إلى خِلْقَةٍ لا تَقْبَلُ الِاضْمِحْلالَ كالحِجارَةِ والحَدِيدِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَوْ كُنْتُمْ عَلى هَذِهِ الخِلْقَةِ مِن القُوَّةِ والشِّدَّةِ لَنَفَذَتْ أحْكامِي وقُدْرَتِي ومَشِيئَتِي، ولَمْ تَسْبِقُونِي ولَمْ تَفُوتُونِي، كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن هو في قَبْضَتِهِ: اصْعَدْ إلى السَّماءِ فَإنِّي لاحِقُك؛ أيْ لَوْ صَعِدْت إلى السَّماءِ لَحِقْتُك، وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ لَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا أوْ أعْظَمَ خَلْقًا مِن ذَلِكَ لَما أعْجَزْتُمُونِي ولَما فُتُّمُونِي.
وَقِيلَ: المَعْنى كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا عِنْدَ أنْفُسِكُمْ، أيْ صَوِّرُوا أنْفُسَكم وقَدِّرُوها خَلْقًا لا يَضْمَحِلُّ ولا يَنْحَلُ، فَإنّا سَنُمِيتُكم ثُمَّ نُحْيِيكم ونُعِيدُكم خَلْقًا جَدِيدًا، وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ فَرْقٌ لَطِيفٌ، فَإنَّ المَعْنى الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّكم لَوْ قَدَرْتُمْ عَلى نَقْلِ خِلْقَتِكم مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ هي أشَدَّ مِنها وأقْوى لَنَفَذَتْ مَشِيئَتُنا وقُدْرَتُنا فِيكم ولَمْ تُعْجِزُونا، فَكَيْفَ وأنْتُمْ عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ؟ والمَعْنى الثّانِي يَقْتَضِي أنَّكم صَوِّرُوا أنْفُسَكم وأنْزِلُوها هَذِهِ المَنزِلَةَ، ثُمَّ انْظُرُوا أتَفُوتُونا وتُعْجِزُونا أمْ قُدْرَتُنا ومَشِيئَتُنا مُحِيطَةٌ بِكم ولَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ؟ وهَذا مِن أبْلَغِ البَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي لا تَعْرِضُ فِيها شُبْهَةٌ ألْبَتَّةَ، بَلْ لا تَجِدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ عَنْ الإذْعانِ والِانْقِيادِ لَها بُدًّا، فَلَمّا عَلِمَ القَوْمُ صِحَّةَ هَذا البُرْهانِ وأنَّهُ ضَرُورِيٌّ انْتَقَلُوا إلى المُطالَبَةِ بِمَن يُعِيدُهم فَقالُوا: مَن يُعِيدُنا؟ وهَذا سَواءٌ كانَ سُؤالًا مِنهم عَنْ تَعْيِينِ المُعِيدِ أوْ إنْكارًا مِنهم لَهُ فَهو مِن أقْبَحِ التَّعَنُّتِ وأبْيَنِهِ، ولِهَذا كانَ جَوابُهُ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
وَلَمّا عَلِمَ القَوْمُ أنَّ هَذا جَوابٌ قاطِعٌ انْتَقَلُوا إلى بابٍ آخَرَ مِن التَّعَنُّتِ؛ وهو السُّؤالُ عَنْ وقْتِ هَذِهِ الإعادَةِ، فَأنْغَضُوا إلَيْهِ رُءُوسَهم وقالُوا: مَتى هُوَ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾
فَلْيَتَأمَّلْ اللَّبِيبُ لُطْفَ مَوْقِعِ هَذا الدَّلِيلِ، واسْتِلْزامَهُ لِمَدْلُولِهِ اسْتِلْزامًا لا مَحِيدَ عَنْهُ، وما تَضَمَّنَهُ مِن السُّؤالاتِ والجَوابِ عَنْها أبْلَغَ جَوابٍ وأصَحَّهُ وأوْضَحَهُ، فَلِلَّهِ ما يَفُوتُ المُعْرِضِينَ عَنْ تَدَبُّرِ القُرْآنِ المُتَعَوَّضِينَ عَنْهُ بِزُبالَةِ الأذْهانِ ونُخالَةِ الأفْكارِ.
(فصل آخر)
تأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل فإنهم قالوا أولا إذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا فقيل لهم في جواب هذا السؤال إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب فهلا كنتم خلقا جديدا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد أو ما هو أكبر في صدوركم من ذلك فإن قلتم لنا رب خالق خلقنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء ولم يجعلنا حجارة ولا حديدا فقد قامت عليكم الحجة بإقراركم فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا.
وللحجة تقرير آخر وهو أنكم لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال.
ومن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ونقلها من حال إلى حال فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حال إلى حال.
فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم من يعيدنا إذا استحالت أجسامنا وفنيت فأجابهم بقوله ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّة﴾
وهذا الجواب نظير جواب قول السائل ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فلما أخذتهم الحجة ولزمهم حكمها ولم يجدوا عنها معدلا انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به كما يتعلل المقطوع بالحجاج بمثل ذلك وهو قولهم متى هو فأجيبوا بقوله:
﴿عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا﴾.
الإسراء 17:51
(فصل)
تَأمَّلْ تَضَمُّنَ هَذِهِ الكَلِماتِ - عَلى اخْتِصارِها وإيجازِها وبَلاغَتِها - لِلْأصْلِ والفَرْعِ والعِلَّةِ والحُكْمِ.
رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ رَدًّا يَتَضَمَّنُ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَتِهِمْ خَلْقًا جَدِيدًا فَقالَ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا (٥٠) أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
فَلَمّا اسْتَبْعَدُوا أنْ يُعِيدَهم اللَّهُ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ أنْ صارُوا عِظامًا ورُفاتًا قِيلَ لَهُمْ: كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ، سَواءٌ كانَ المَوْتَ أوْ السَّماءَ أوْ الأرْضَ أوْ أيَّ خَلْقٍ اسْتَعْظَمْتُمُوهُ وكَبُرَ في صُدُورِكُمْ، ومَضْمُونُ الدَّلِيلِ أنَّكم مَرْبُوبُونَ مَخْلُوقُونَ مَقْهُورُونَ عَلى ما يَشاءُ خالِقُكُمْ، وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى تَغْيِيرِ أحْوالِكم مِن خِلْقَةٍ إلى خِلْقَةٍ لا تَقْبَلُ الِاضْمِحْلالَ كالحِجارَةِ والحَدِيدِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَوْ كُنْتُمْ عَلى هَذِهِ الخِلْقَةِ مِن القُوَّةِ والشِّدَّةِ لَنَفَذَتْ أحْكامِي وقُدْرَتِي ومَشِيئَتِي، ولَمْ تَسْبِقُونِي ولَمْ تَفُوتُونِي، كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن هو في قَبْضَتِهِ: اصْعَدْ إلى السَّماءِ فَإنِّي لاحِقُك؛ أيْ لَوْ صَعِدْت إلى السَّماءِ لَحِقْتُك، وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ لَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا أوْ أعْظَمَ خَلْقًا مِن ذَلِكَ لَما أعْجَزْتُمُونِي ولَما فُتُّمُونِي.
وَقِيلَ: المَعْنى كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا عِنْدَ أنْفُسِكُمْ، أيْ صَوِّرُوا أنْفُسَكم وقَدِّرُوها خَلْقًا لا يَضْمَحِلُّ ولا يَنْحَلُ، فَإنّا سَنُمِيتُكم ثُمَّ نُحْيِيكم ونُعِيدُكم خَلْقًا جَدِيدًا، وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ فَرْقٌ لَطِيفٌ، فَإنَّ المَعْنى الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّكم لَوْ قَدَرْتُمْ عَلى نَقْلِ خِلْقَتِكم مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ هي أشَدَّ مِنها وأقْوى لَنَفَذَتْ مَشِيئَتُنا وقُدْرَتُنا فِيكم ولَمْ تُعْجِزُونا، فَكَيْفَ وأنْتُمْ عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ؟ والمَعْنى الثّانِي يَقْتَضِي أنَّكم صَوِّرُوا أنْفُسَكم وأنْزِلُوها هَذِهِ المَنزِلَةَ، ثُمَّ انْظُرُوا أتَفُوتُونا وتُعْجِزُونا أمْ قُدْرَتُنا ومَشِيئَتُنا مُحِيطَةٌ بِكم ولَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ؟ وهَذا مِن أبْلَغِ البَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي لا تَعْرِضُ فِيها شُبْهَةٌ ألْبَتَّةَ، بَلْ لا تَجِدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ عَنْ الإذْعانِ والِانْقِيادِ لَها بُدًّا، فَلَمّا عَلِمَ القَوْمُ صِحَّةَ هَذا البُرْهانِ وأنَّهُ ضَرُورِيٌّ انْتَقَلُوا إلى المُطالَبَةِ بِمَن يُعِيدُهم فَقالُوا: مَن يُعِيدُنا؟ وهَذا سَواءٌ كانَ سُؤالًا مِنهم عَنْ تَعْيِينِ المُعِيدِ أوْ إنْكارًا مِنهم لَهُ فَهو مِن أقْبَحِ التَّعَنُّتِ وأبْيَنِهِ، ولِهَذا كانَ جَوابُهُ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
وَلَمّا عَلِمَ القَوْمُ أنَّ هَذا جَوابٌ قاطِعٌ انْتَقَلُوا إلى بابٍ آخَرَ مِن التَّعَنُّتِ؛ وهو السُّؤالُ عَنْ وقْتِ هَذِهِ الإعادَةِ، فَأنْغَضُوا إلَيْهِ رُءُوسَهم وقالُوا: مَتى هُوَ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾
فَلْيَتَأمَّلْ اللَّبِيبُ لُطْفَ مَوْقِعِ هَذا الدَّلِيلِ، واسْتِلْزامَهُ لِمَدْلُولِهِ اسْتِلْزامًا لا مَحِيدَ عَنْهُ، وما تَضَمَّنَهُ مِن السُّؤالاتِ والجَوابِ عَنْها أبْلَغَ جَوابٍ وأصَحَّهُ وأوْضَحَهُ، فَلِلَّهِ ما يَفُوتُ المُعْرِضِينَ عَنْ تَدَبُّرِ القُرْآنِ المُتَعَوَّضِينَ عَنْهُ بِزُبالَةِ الأذْهانِ ونُخالَةِ الأفْكارِ.
(فصل آخر)
تأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل فإنهم قالوا أولا إذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا فقيل لهم في جواب هذا السؤال إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب فهلا كنتم خلقا جديدا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد أو ما هو أكبر في صدوركم من ذلك فإن قلتم لنا رب خالق خلقنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء ولم يجعلنا حجارة ولا حديدا فقد قامت عليكم الحجة بإقراركم فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا.
وللحجة تقرير آخر وهو أنكم لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال.
ومن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ونقلها من حال إلى حال فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حال إلى حال.
فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم من يعيدنا إذا استحالت أجسامنا وفنيت فأجابهم بقوله ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّة﴾
وهذا الجواب نظير جواب قول السائل ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فلما أخذتهم الحجة ولزمهم حكمها ولم يجدوا عنها معدلا انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به كما يتعلل المقطوع بالحجاج بمثل ذلك وهو قولهم متى هو فأجيبوا بقوله:
﴿عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا﴾.
الإسراء 17:57
(فائدة)
الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار مقامات السالكين جميعها وهي: الخوف، والرجاءُ، والمحبة، وقد ذكره سبحانه في قوله: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكم ولا تحويلا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧]
فجمع بين المقامات الثلاثة، فإن ابتغاءَ الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبه وفعل ما يحبه. ثم يقول: (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُون عَذابَهُ)، فذكر الحب والخوف والرجاءَ، والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقربون إلى ربهم ويخافونه ويرجونه، فهم عبيده كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه وأنتم وهم عبيد له؟
(فصل)
وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الرَّجاءِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] فابْتِغاءُ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ: طَلَبُ القُرْبِ مِنهُ بِالعُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ. فَذَكَرَ مَقاماتِ الإيمانِ الثَّلاثَةَ الَّتِي عَلَيْها بِناؤُهُ: الحُبَّ، والخَوْفَ، والرَّجاءَ. قالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]، وقالَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ -: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ».
" الرَّجاءُ " حادٍ يَحْدُو القُلُوبَ إلى بِلادِ المَحْبُوبِ. وهو اللَّهُ والدّارُ الآخِرَةُ. ويَطِيبُ لَها السَّيْرُ.
وَقِيلَ: هو الِاسْتِبْشارُ بِجُودِ وفَضْلِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى. والِارْتِياحُ لِمُطالَعَةِ كَرَمِهِ سُبْحانَهُ.
وَقِيلَ: هو الثِّقَةُ بِجُودِ الرَّبِّ تَعالى.
والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّمَنِّي أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ مَعَ الكَسَلِ. ولا يَسْلُكُ بِصاحِبِهِ طَرِيقَ الجِدِّ والِاجْتِهادِ. و" الرَّجاءُ " يَكُونُ مَعَ بَذْلِ الجُهْدِ وحُسْنِ التَّوَكُّلِ.
فالأوَّلُ كَحالِ مَن يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ لَهُ أرْضٌ يَبْذُرُها ويَأْخُذُ زَرْعَها.
والثّانِي كَحالِ مَن يَشُقُّ أرْضَهُ ويَفْلَحُها ويَبْذُرُها. ويَرْجُو طُلُوعَ الزَّرْعِ.
وَلِهَذا أجْمَعَ العارِفُونَ عَلى أنَّ الرَّجاءَ لا يَصِحُّ إلّا مَعَ العَمَلِ.
قالَ شاهٌ الكَرْمانِيُّ: عَلامَةُ صِحَّةِ الرَّجاءِ حُسْنُ الطّاعَةِ.
والرَّجاءُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: نَوْعانِ مَحْمُودانِ، ونَوْعٌ غَرُورٌ مَذْمُومٌ.
فالأوَّلانِ رَجاءُ رَجُلٍ عَمِلَ بِطاعَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ. فَهو راجٍ لِثَوابِهِ. ورَجُلٌ أذْنَبَ ذُنُوبًا ثُمَّ تابَ مِنها. فَهو راجٍ لِمَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَفْوِهِ وإحْسانِهِ وجُودِهِ وحِلْمِهِ وكَرَمِهِ.
والثّالِثُ: رَجُلٌ مُتَمادٍ في التَّفْرِيطِ والخَطايا. يَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ بِلا عَمَلٍ. فَهَذا هو الغُرُورُ والتَّمَنِّي والرَّجاءُ الكاذِبُ.
وَلِلسّالِكِ نَظَرانِ: نَظَرٌ إلى نَفْسِهِ وعُيُوبِهِ وآفاتِ عَمَلِهِ، يَفْتَحُ عَلَيْهِ بابَ الخَوْفِ إلى سِعَةِ فَضْلِ رَبِّهِ وكَرْمِهِ وبَرِّهِ. ونَظَرٌ يَفْتَحُ عَلَيْهِ بابَ الرَّجاءِ.
وَلِهَذا قِيلَ في حَدِّ الرَّجاءِ: هو النَّظَرُ إلى سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَقالَ أبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبارِيُّ: الخَوْفُ والرَّجاءُ كَجَناحَيِ الطّائِرِ إذا اسْتَوَيا اسْتَوى الطَّيْرُ وتَمَّ طَيَرانُهُ. وإذا نَقَصَ أحَدَهُما وقَعَ فِيهِ النَّقْصُ. وإذا ذَهَبا صارَ الطّائِرُ في حَدِّ المَوْتِ.
وَسُئِلَ أحْمَدُ بْنُ عاصِمٍ: ما عَلامَةُ الرَّجاءِ في العَبْدِ؟ فَقالَ: أنْ يَكُونَ إذا أحاطَ بِهِ الإحْسانُ أُلْهِمَ الشُّكْرَ، راجِيًا لِتَمامِ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَمامِ عَفْوِهِ عَنْهُ في الآخِرَةِ.
واخْتَلَفُوا، أيُّ الرَّجائَيْنِ أكْمَلُ: رَجاءُ المُحْسِنِ ثَوابَ إحْسانِهِ. أوْ رَجاءُ المُسِيءِ التّائِبِ مَغْفِرَةَ رَبِّهِ وعَفْوِهِ؟
فَطائِفَةٌ رَجَّحَتْ رَجاءَ المُحْسِنِ. لِقُوَّةِ أسْبابِ الرَّجاءِ مَعَهُ. وطائِفَةٌ رَجَّحَتْ رَجاءَ المُذْنِبِ؛ لِأنَّ رَجاءَهُ مُجَرَّدٌ عَنْ عِلَّةِ رُؤْيَةِ العَمَلِ، مَقْرُونٌ بِذِلَّةِ رُؤْيَةِ الذَّنْبِ.
قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: يَكادُ رَجائِي لَكَ مَعَ الذُّنُوبِ يَغْلِبُ رَجائِي لَكَ مَعَ الأعْمالِ؛ لِأنِّي أجِدُنِي أعْتَمِدُ في الأعْمالِ عَلى الإخْلاصِ، وكَيْفَ أُصَفِّيها وأُحْرِزُها؟ وأنا بِالآفاتِ مَعْرُوفٌ. وأجِدُنِي في الذُّنُوبِ أعْتَمِدُ عَلى عَفْوِكَ، وكَيْفَ لا تَغْفِرُها وأنْتَ بِالجُودِ مَوْصُوفٌ؟
وَقالَ أيْضًا: إلَهِي، أحْلى العَطايا في قَلْبِي رَجاؤُكَ. وأعْذَبُ الكَلامِ عَلى لِسانِي ثَناؤُكَ. وأحَبُّ السّاعاتِ إلَيَّ ساعَةٌ يَكُونُ فِيها لِقاؤُكَ.
(فصل)
والرَّجاءُ مِن أجَلِّ مَنازِلِهِمْ، وأعْلاها وأشْرَفِها. وعَلَيْهِ وعَلى الحُبِّ والخَوْفِ مَدارُ السَّيْرِ إلى اللَّهِ. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أهْلَهُ، وأثْنى عَلَيْهِمْ. فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الإلَهِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ - «يا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلى ما كانَ مِنكَ ولا أُبالِي.» ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأنا مَعَهُ. إذا ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي. وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ مِنهم. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ شِبْرًا، اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ ذِراعًا، اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ باعًا. وإنْ أتانِي يَمْشِي، أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». رَواهُ مُسْلِمٌ.
وَقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَواصِّ عِبادِهِ الَّذِينَ كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَقَرَّبُونَ بِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى: أنَّهم كانُوا راجِينَ لَهُ، خائِفِينَ مِنهُ. فَقالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦].
يَقُولُ تَعالى: هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِي: هم عِبادِي، يَتَقَرَّبُونَ إلَيَّ بِطاعَتِي، ويَرْجُونَ رَحْمَتِي، ويَخافُونَ عَذابِي، فَلِماذا تَدْعُونَهم مِن دُونِي؟ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِأفْضَلِ أحْوالِهِمْ ومَقاماتِهِمْ مِنَ الحُبِّ، والخَوْفِ والرَّجاءِ.
قَوْلُهُ: لِأنَّهُ مُعارَضَةٌ مِن وجْهٍ، واعْتِراضٌ مِن وجْهٍ.
يُقالُ: وهو عُبُودِيَّةٌ، وتَعَلُّقٌ بِاللَّهِ مِن حَيْثُ اسْمُهُ المُحْسِنُ البَرُّ فَذَلِكَ التَّعَلُّقُ والتَّعَبُّدُ بِهَذا الِاسْمِ والمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ هو الَّذِي أوْجَبَ لِلْعَبْدِ الرَّجاءَ، مِن حَيْثُ يَدْرِي ومِن حَيْثُ لا يَدْرِي. فَقُوَّةُ الرَّجاءِ عَلى حَسَبِ قُوَّةِ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وغَلَبَةِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ. ولَوْلا رُوحُ الرَّجاءِ لَعُطِّلَتْ عُبُودِيَّةُ القَلْبِ والجَوارِحِ. وهُدِّمَتْ صَوامِعُ، وبَيْعٌ، وصَلَواتٌ، ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا. بَلْ لَوْلا رُوحُ الرَّجاءِ لَما تَحَرَّكَتِ الجَوارِحُ بِالطّاعَةِ. ولَوْلا رِيحُهُ الطَّيِّبَةُ لَما جَرَتْ سُفُنُ الأعْمالِ في بَحْرِ الإراداتِ. ولِي مِن أبْياتٍ:
؎لَوْلا التَّعَلُّقُ بِالرَّجاءِ تَقَطَّعَتْ ∗∗∗ نَفْسُ المُحِبِّ تَحَسُّرًا وتَمَزُّقا
؎وَكَذاكَ لَوْلا بَرْدُهُ بِحَرارَةِ ال ∗∗∗ أكْبادِ ذابَتْ بِالحِجابِ تَحَرُّقا
؎أيَكُونُ قَطُّ حَلِيفُ حُبٍّ لا يُرى ∗∗∗ بِرَجائِهِ لِحَبِيبِهِ مُتَعَلِّقًا؟!
؎أمْ كُلَّما قَوِيَتْ مَحَبَّتُهُ لَهُ ∗∗∗ قَوِيَ الرَّجاءُ فَزادَ فِيهِ تَشَوُّقا
؎لَوْلا الرَّجا يَحْدُو المَطِيَّ لَما سَرَتْ ∗∗∗ بِحُمُولِها لِدِيارِهِمْ تَرْجُو اللِّقا
وَعَلى حَسَبِ المَحَبَّةِ وقُوَّتِها يَكُونُ الرَّجاءُ. فَكُلُّ مُحِبٍّ راجٍ خائِفٌ بِالضَّرُورَةِ فَهو أرْجى ما يَكُونُ لِحَبِيبِهِ، أحَبُّ ما يَكُونُ إلَيْهِ. وكَذَلِكَ خَوْفُهُ. فَإنَّهُ يَخافُ سُقُوطَهُ مِن عَيْنَيْهِ. وطَرْدَ مَحْبُوبِهِ لَهُ وإبْعادَهُ. واحْتِجابَهُ عَنْهُ. فَخَوْفُهُ أشَدُّ خَوْفٍ. ورَجاؤُهُ ذاتِيٌّ لِلْمَحَبَّةِ. فَإنَّهُ يَرْجُوهُ قَبْلَ لِقائِهِ والوُصُولِ إلَيْهِ. فَإذا لَقِيَهُ ووَصَلَ إلَيْهِ اشْتَدَّ الرَّجاءُ لَهُ، لِما يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِن حَياةِ رُوحِهِ، ونَعِيمِ قَلْبِهِ مِن ألْطافِ مَحْبُوبِهِ، وبِرِّهِ وإقْبالِهِ عَلَيْهِ، ونَظَرِهِ إلَيْهِ بِعَيْنِ الرِّضا، وتَأْهِيلِهِ في مَحَبَّتِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حَياةَ لِلْمُحِبِّ، ولا نَعِيمَ ولا فَوْزَ إلّا بِوُصُولِهِ إلَيْهِ مِن مَحْبُوبِهِ. فَرَجاؤُهُ أعْظَمُ رَجاءٍ، وأجَلُّهُ وأتَمُّهُ.
فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ يُطْلِعْكَ عَلى أسْرارٍ عَظِيمَةٍ مِن أسْرارِ العُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ. فَكُلُّ مَحَبَّةٍ فَهي مَصْحُوبَةٌ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ. وعَلى قَدْرِ تَمَكُّنِها مِن قَلْبِ المُحِبِّ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ، لَكِنَّ خَوْفَ المُحِبِّ لا يَصْحَبُهُ وحْشَةٌ. بِخِلافِ خَوْفِ المُسِيءِ، ورَجاءِ المُحِبِّ لا يَصْحَبُهُ عِلَّةٌ، بِخِلافِ رَجاءِ الأجِيرِ. وأيْنَ رَجاءُ المُحِبِّ مِن رَجاءِ الأجِيرِ؟! وبَيْنَهُما كَما بَيْنَ حالَيْهِما.
وَبِالجُمْلَةِ: فالرَّجاءُ ضَرُورِيٌّ لِلْمُرِيدِ السّالِكِ، والعارِفُ لَوْ فارَقَهُ لَحْظَةً لَتَلِفَ أوْ كادَ. فَإنَّهُ دائِرٌ بَيْنَ ذَنْبٍ يَرْجُو غُفْرانَهُ، وعَيْبٍ يَرْجُو إصْلاحَهُ، وعَمَلٍ صالِحٍ يَرْجُو قَبُولَهُ، واسْتِقامَةٍ يَرْجُو حُصُولَها ودَوامَها، وقُرْبٍ مِنَ اللَّهِ ومَنزِلَةٍ عِنْدَهُ يَرْجُو وُصُولَهُ إلَيْها. ولا يَنْفَكُّ أحَدٌ مِنَ السّالِكِينَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ أوْ بَعْضِها.
(فصل)
وَلَيْسَ في الرَّجاءِ ولا في الدُّعاءِ مُعارَضَةٌ لِتَصَرُّفِ المالِكِ في مُلْكِهِ. فَإنَّهُ إنَّما يَرْجُو تَصَرُّفَهُ في مُلْكِهِ أيْضًا بِما هو أوْلى وأحَبُّ الأمْرَيْنِ إلَيْهِ. فَإنَّ الفَضْلَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ العَدْلِ، والعَفْوَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِانْتِقامِ، والمُسامَحَةَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِقْصاءِ، والتَّرْكَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِيفاءِ، ورَحْمَتَهُ غَلَبَتْ غَضَبَهُ.
فالرّاجِي عَلَّقَ رَجاءَهُ بِتَصَرُّفِهِ المَحْبُوبِ لَهُ المُرْضِي لَهُ. فَلَمْ يُوجِبْ رَجاؤُهُ خُرُوجَهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ في مُلْكِهِ. بَلِ اقْتَضى عُبُودِيَّتَهُ، وحُصُولَ أحَبِّ التَّصَرُّفَيْنِ إلَيْهِ. وهو سُبْحانُهُ وتَعالى لا يَنْتَفِعُ بِاسْتِيفاءِ حَقِّهِ وعُقُوبَةِ عَبْدِهِ، حَتّى يَكُونَ رَجاؤُهُ مُبْطِلًا لِذَلِكَ. وإنَّما العَبْدُ اسْتَدْعى العُقُوبَةَ، وأخَذَ الحَقَّ مِنهُ لِشِرْكِهِ بِاللَّهِ وكُفْرِهِ بِهِ. واجْتِهادِهِ في غَضَبِهِ. ولِغَضَبِهِ مُوجِباتٌ وآثارٌ ومُقْتَضَياتٌ، والعَبْدُ مُؤْثِرٌ لَها، ساعٍ في تَحْصِيلِها، عامِلٍ عَلَيْها بِإيثارِهِ إيّاها وسَعْيِهِ في أسْبابِها. فَهو المُهْلِكُ لِنَفْسِهِ. ورَبُّهُ يُحَذِّرُهُ ويُبَصِّرُهُ ويُنادِيهِ: هَلُمَّ إلَيَّ أحْمِكَ وأصُنْكَ، وأُنْجِكَ مِمّا تَحْذَرُ، وأُؤَمِّنْكَ مِن كُلِّ ما تَخافُ، وهو يَأْبى إلّا شُرُودًا عَلَيْهِ ونِفارًا عَنْهُ، ومُصالَحَةً لِعَدُوِّهِ، ومُظاهَرَةً لَهُ عَلى رَبِّهِ. ومُتَطَلِّبًا لِمَرْضاةِ خَلْقِهِ بِمَساخِطِهِ. رِضا المَخْلُوقِ آثَرُ عِنْدَهُ مِن رِضا خالِقِهِ. وحَقُّهُ آكُدُ عِنْدَهُ مِن حَقِّهِ. وخَوْفُهُ ورَجاؤُهُ وحُبُّهُ في قَلْبِهِ أعْظَمُ مِن خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ ورَجائِهِ وحُبِّهِ. فَلَمْ يَدَعْ لِفَضْلِ رَبِّهِ وكَرامَتِهِ وثَوابِهِ إلَيْهِ طَرِيقًا، بَلْ سَدَّ دُونَهُ طُرُقَ مَجارِيها بِجُهْدِهِ. وأعْطى بِيَدِهِ لِعَدُوِّهِ. فَصالَحَهُ وسَمِعَ لَهُ وأطاعَ. وانْقادَ إلى مَرْضاتِهِ. فَجاءَ مِنَ الظُّلْمِ بِأقْبَحِهِ وأشَدِّهِ.
فَهُوَ الَّذِي عارَضَ مُرادَهُ بِهِ مِنهُ بِمُرادِهِ وهَواهُ وشَهْوَتِهِ. واعْتَرَضَ لِمَحابِّهِ ومَراضِيهِ بِالدَّفْعِ. ولَمْ يَأْذَنْ لَها في الدُّخُولِ عَلَيْهِ. فَأضاعَ حَظَّهُ وبَخَسَ حَقَّهُ. وظَلَمَ نَفْسَهُ. وعادى حَبِيبَهُ. ووالى عَدُوَّهُ. وأسْخَطَ مِن حَياتِهِ في رِضاهُ. وأرْضى مِن حَياتِهِ في سَخَطِهِ. وجادَ بِنَفْسِهِ لِعَدُوِّهِ. وبَخِلَ بِها عَنْ حَبِيبِهِ ووَلِيِّهِ.
والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لَيْسَ لَهُ ثَأْرٌ عِنْدَ عَبْدِهِ فَيُدْرِكَهُ بِعُقُوبَتِهِ. ولا يَتَشَفّى بِعِقابِهِ. ولا يَزِيدُ ذَلِكَ في مُلْكِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن مُلْكِهِ. كَيْفَ، والرَّحْمَةُ أوْسَعُ مِنَ العُقُوبَةِ وأسْبَقُ مِنَ الغَضَبِ وأغْلَبُ لَهُ؟ وهو قَدْ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. فَرَجاءُ العَبْدِ لَهُ لا يُنْقِصُ شَيْئًا مِن حِكْمَتِهِ. ولا يُنْقِصُ ذَرَّةً مِن مُلِكِهِ. ولا يُخْرِجُهُ عَنْ كَمالِ تَصَرُّفِهِ. ولا يُوجِبُ خِلافَ كَمالِهِ. ولا تَعْطِيلَ أوْصافِهِ وأسْمائِهِ. ولَوْلا أنَّ العَبْدَ هو الَّذِي سَدَّ عَلى نَفْسِهِ طُرُقَ الخَيْراتِ، وأغْلَقَ دُونَها أبْوابَ الرَّحْمَةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَكانَ رَبُّهُ لَهُ فَوْقَ رَجائِهِ وفَوْقَ أمَلِهِ.
وَأمّا اسْتِسْلامُ العَبْدِ لِرَبِّهِ، واسْتِسْلامُهُ بِانْطِراحِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ورِضاهُ بِمَواقِعِ حُكْمِهِ فِيهِ فَما ذاكَ إلّا رَجاءً مِنهُ أنْ يَرْحَمَهُ، ويُقِيلَهُ عَثْرَتَهُ ويَعْفُوَ عَنْهُ، ويَقْبَلَ حَسَناتِهِ مَعَ عُيُوبِ أعْمالِهِ وآفاتِها. ويَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِ. فَقُوَّةُ رَجائِهِ أوْجَبَتْ لَهُ هَذا الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ، والِانْطِراحَ بِالبابِ. ولا يُتَصَوَّرُ هَذا بِدُونِ الرَّجاءِ ألْبَتَّةَ. فالرَّجاءُ حَياةُ الطَّلَبِ. والإرادَةُ رُوحُها.
الإسراء 17:59
وَقد وصف سُبْحانَهُ ثَمُود بأنها كفرت عَن علم وبصيرة بِالحَقِّ ولِهَذا قالَ ﴿وآتينا ثَمُود النّاقة مبصرة فظلموا بها﴾
يَعْنِي بَيِّنَة مضيئة وهَذا كَقوله تَعالى: ﴿وَجَعَلنا آيَة النَّهار مبصرة﴾ أي مضيئة وحَقِيقَة اللَّفْظ أنها تجْعَل من رَآها مبصرا فَهي توجب لَهُ البَصَر فتبصره أي تَجْعَلهُ ذا بصر فَهي مُوضحَة مبينَة يُقال بصر بِهِ إذا رَآهُ كَقوله تَعالى: ﴿فبصرت بِهِ عَن جنب﴾ وقَوله ﴿بصرت بِما لم يبصروا بِهِ﴾
وأما أبصره فَلهُ مَعْنيانِ أحدهما جعله باصرا بالشَّيْء أي ذا بصر بِهِ كآية النَّهار وآيَة ثَمُود.
والثّانِي بِمَعْنى رَآهُ كَقَوْلِك أبصرت زيدا.
وَفِي حَدِيث أبي شُرَيْح العَدْوي "أحدثك قولا قالَ بِهِ رَسُول الله يَوْم الفَتْح فَسَمعته أذناي ووعاه قلبِي وأبصرته عَيْنايَ حِين تكلم بِهِ"
وَمِنه قوله تَعالى: {فتول عَنْهُم حَتّى حِين وأبصرهم فسوق يبصرون)
قيل المَعْنى أبصرهم وما يقْضى عَلَيْهِم من الأسر والقَتْل والعَذاب في الآخرة فَسَوف يبصرونك وما يقْضى لَك من النَّصْر والتأييد وحسن العاقِبَة.
والمراد تقريب المبصر من المُخاطب حَتّى كأنه نصب عَيْنَيْهِ ورَأى ناظريه.
والمَقْصُود أن الآية أوجبت لَهُم البصيرة فآثروا الضلال والكفْر عَن علم ويقين، ولِهَذا والله أعْلَم ذكر قصتهم من بَين قصَص سائِر الأمم في سُورَة والشَّمْس وضُحاها لأنه ذكر فِيها انقسام النُّفُوس إلى الزكية الراشدة المهتدية وإلى الفاجِرَة الضّالة الغاوية وذكر فِيها الأصلين القدر والشَّرْع فَقالَ ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ فَهَذا قدره وقضاؤه.
ثمَّ قالَ ﴿قد أفْلح من زكاها وقد خابَ من دساها﴾ فَهَذا أمره ودينه وثَمُود هداهُم فاستحبوا العَمى على الهدى فَذكر قصتهم ليبين سوء عاقِبَة من آثر الفُجُور على التَّقْوى والتدسية على التَّزْكِيَة والله أعْلَم بِما أرادَ.
الإسراء 17:60
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي رُؤْيا عَيْنٍ، أُرِيَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، ومَعَ هَذا فَأصْبَحَ بَيْنَهم لَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَيْهِ حالُهُ، ولَمْ يَعْرِضْ لَهُ صَعْقٌ ولا غُشِيَ، يُخْبِرُهم عَنْ تَفْصِيلِ ما رَأى، غَيْرَ فانٍ عَنْ نَفْسِهِ، ولا عَنْ شُهُودِهِ، ولِهَذا كانْتَ حالُهُ أكْمَلَ مَن حالِ مُوسى بْنِ عِمْرانَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ لَمّا خَرَّ صَعِقًا حِينَ تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ وجَعَلَهُ دَكًّا.
الإسراء 17:62
وتحت هذا الكلام من الاعتراض معنى: أخبرني، لم كرمته علي؟ وغور هذا الاعتراض: أن الذي فعلته ليس بحكمة ولا صواب، وأن الحكمة كانت تقتضى أن يسجد هو لي، لأن المفضول يخضع للفاضل، فلم خالفت الحكمة؟
ثم أردف ذلك بتفضيل نفسه عليه، وإزرائه به، فقال: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ١٢].
ثم قرر ذلك بحجته الداحضة، في تفضيل مادته وأصله على مادة آدم عليه السلام وأصله. فأنتجت له هذه المقدمات إباءه وامتناعه من السجود، ومعصيته الرب المعبود. فجمع بين الجهل والظلم، والكبر والحسد والمعصية، ومعارضة النص بالرأي والعقل، فأهان نفسه كل الإهانة من حيث أراد تعظيمها، ووضعها من حيث أراد رفعتها، وأذلها من حيث أراد عزتها، وآلها كل الألم من حيث أراد لذتها، ففعل بنفسه ما لو اجتهد أعظم أعدائه في مضرته لم يبلغ منه ذلك المبلغ. ومن كان هذا غشه لنفسه فكيف يسمع منه العاقل ويقبل ويواليه؟
الإسراء 17:63
(فائدة)
قوله تعالى لإبليس: ﴿اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾
أعاد الضمير بلفظ الخطاب وإن كان من تبعك يقتضي الغيبة، لأنه اجتمع مخاطب وغائب فغلب المخاطب وجعل الغائب تبعا له كما كان تبعا له في المعصية والعقوبة، فحسن أن يجعل تبعا له في اللفظ.
وهذا من حسن ارتباط اللفظ بالمعنى واتصاله به وانتصب جزاء موفورا عند ابن مالك على المصدر وعامله عنده المصدر الأول قال والمصدر يعمل في المصدر تقول عجبت من قيامك قياما ويعمل فيه الفعل نحو قيام قياما واسم الفاعل كقوله:
؎فأصبحت لا أقرب الغانيا ∗∗∗ ت مزدجرا عن هواها ازدجارا
واسم المفعول هو مطلوب طلبا وبعد ففي نصب جزاء قولان آخران:
أحدهما: أنه منصوب بما في معنى فإن جهنم جزاؤكم من الفعل فإنه متضمن لتجازون وهو الناصب جزاء.
الثاني: أنه حال وساغ وقوع المصدر حالا هاهنا لأنه موصوف.
ذكر الزمخشري هذين القولين وهذا كما تقول خذ عطاءك عطاء موفورا.
والذي يظهر في الآية أن جزاء ليس بمصدر وإنما هو اسم للحظ والنصيب فليس مصدر جزيته جزاء بل هو كالعطاء والنصيب ولهذا وصفه بأنه موفورا اي تام لا نقص فيه وعلى هذا فنصبه على الاختصاص وهو يشبه نصب الصفات المقطوعة وهذا كما قال الزمخشري وغيره في قوله تعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قال: نصبه على الاختصاص أي أعني نصيبا مفروضا ويجوز أن ينتصب انتصاب المصادر المؤكدة كقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.
الإسراء 17:67
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلاّ إيّاهُ﴾ كيف أتى بـ (إذا) هاهنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله: ﴿لا يَسْأمُ الإنسان مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾
فإنه لم يقيد مس الشر هنا بل أطلقه، ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة (إذا)
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنسانُ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُوسًا﴾ كيف أتى هنا بـ (إذا) المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس، فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له فكان الإتيان بـ (إذا) هاهنا أدل على المعنى المقصود من (إنْ) بخلاف قوله: ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ فإنه بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض وأطال في الدعاء، فإذا تحقق وقوعه كان يؤوسا ومثل هذه الأسرار في القرآن لا يرقى إليها إلا بموهبة من الله وفهم يؤتيه عبدا في كتابه.
فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾
والهلاك محقق؟
قلت التعليق ليس على مطلق الهلاك بل على هلاك مخصوص وهو هلاك لا عن ولد.
فإن قلت فما تصنع بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني وفي الحديث: في السلام على الموتى "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون "
رواه مسلم واللحاق محقق وفي قولة الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة"
الإسراء 17:70
فسبحان من ألبسه خلع الكَرامَة كلها من العقل والعلم والبَيان والنطق والشكل والصُّورَة الحَسَنَة والهيئة الشَّرِيفَة والقد المعتدل واكتساب العُلُوم بالاستدلال والفكر واقتناص الأخلاق الشَّرِيفَة الفاضلة من البر والطّاعَة والانقياد فكم بَين حاله وهو نُطْفَة في داخل الرَّحِم مستودع هُنا وبَين حاله والملك يدْخل عَلَيْهِ في جنّات عدن ﴿فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ﴾ فالدنيا قَرْيَة والمُؤمن رئيسها والكل مَشْغُول بِهِ ساع في مَصالِحه والكل قد اقيم في خدمته وحوائجه فالملائكة الَّذين هم حَملَة عرش الرَّحْمَن ومن حوله يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ والمَلائِكَة الموكلون بِهِ يَحْفَظُونَهُ والموكلون بالقطر والنبات يسعون في رزقه ويعملون فِيهِ والأفلاك سخرت منقادة دائِرَة بِما فِيهِ مَصالِحه والشَّمْس والقَمَر والنجوم مسخرات جاريات بِحِساب أزمنته وأوقاته وإصْلاح رواتب أقواته والعالم الجوي مسخر لَهُ برياحه وهوائه وسحابه وطيره وما اودع فِيهِ والعالم السفلي كُله مسخر لَهُ مَخْلُوق لمصالحه أرضه وجباله وبحاره وأنهاره وأشجاره وثماره ونباته وحيوأنه وكل ما فِيهِ كَما قالَ تَعالى ﴿الله الَّذِي سخر لكم البَحْر لتجري الفلك فِيهِ بأمْره﴾ إلى قَوْله ﴿يتفكرون﴾
وَقالَ تَعالى ﴿الله الَّذِي خلق السَّماوات والأرض وأنزل من السَّماء ماء فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم﴾ إلى قَوْله ﴿كفار﴾
فالسائر في معرفَة آلاء الله وتَأمل حكمته وبديع صِفاته أطول باعا وأمْلَأُ صواعا من اللصيق بمكانه المُقِيم في بلد عادَته وطبعه راضِيا بعيش بني جنسه لا يرضى لنَفسِهِ إلّا أن يكون واحِدًا مِنهُم يَقُول لي أسوة بهم
وَهل أنا إلا من ربيعَة أوْ مُضر، ولَيْسَت نفائس البضائع إلا لمن امتطى غارب الاغتراب، وطوف في الآفاق حَتّى رضي من الغَنِيمَة بالإياب، فاستلان ما استوعره البطالون، وأنس بِما استوحش مِنهُ الجاهلون.
الإسراء 17:72
والمراد عمى القلب في الدُّنْيا.
وَقالَ تَعالى ﴿ونحشرهم يَوْم القِيامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما مأواهم جَهَنَّم﴾ لأنهم هَكَذا كانُوا في الدُّنْيا والعَبْد يبْعَث على ما ماتَ عَلَيْهِ.
واخْتلف في هَذا العَمى في الآخرة فَقيل هو عمى البصيرة بِدَلِيل إخباره تَعالى عَن رُؤْيَة الكفّار ما في القِيامَة ورؤية المَلائِكَة ورؤية النّار.
وَقيل هو عمي البَصَر ورجح هَذا بأن الإطلاق ينْصَرف إليه وبِقَوْلِهِ ﴿قالَ رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بَصيرًا﴾ وهَذا عمي العين فإن الكافِر لم يكن بَصيرًا بحجته.
وأجاب هَؤُلاءِ عَن رُؤْيَة الكفّار في القِيامَة بِأن الله يخرجهم من قُبُورهم إلى موقف القِيامَة بصراء ويحشرون من الموقف إلى النّار عميا.
قالَه الفراء وغَيره.
(فصل)
المَعادُ يَعُودُ عَلى العَبْدِ فِيهِ ما كانَ حاصِلًا لَهُ في الدُّنْيا ولِهَذا يُسَمّى يَوْمَ الجَزاءِ: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى. .﴾ [مريم: ٧٦] الآيَةَ.
وَمَن كانَ مُسْتَوْحِشًا مَعَ اللَّهِ بِمَعْصِيَتِهِ إيّاهُ في هَذِهِ الدّارِ فَوَحْشَتُهُ مَعَهُ في البَرْزَخِ يَوْمَ المَعادِ أعْظَمُ وأشَدُّ، ومَن قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ في " هَذِهِ الحَياةِ " الدُّنْيا قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وعِنْدَ المَوْتِ ويَوْمَ البَعْثِ فَيَمُوتُ العَبْدُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ويُبْعَثُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ويَعُودُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ بِعَيْنِهِ فَيَنْعَمُ بِهِ ظاهِرًا وباطِنًا. فَيُورِثُهُ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ واللَّذَّةِ والبَهْجَةِ وقُرَّةِ العَيْنِ والنَّعِيمِ وقُوَّةِ القَلْبِ واسْتِبْشارِهِ وحَياتِهِ وانْشِراحِهِ واغْتِباطِهِ ما هو مِن أفْضَلِ النَّعِيمِ وأجَلِّهِ وأطْيَبِهِ وألَذِّهِ، وهَلِ النَّعِيمُ إلّا طِيبُ النَّفْسِ وفَرَحُ القَلْبِ وسُرُورُهُ وانْشِراحُهُ واسْتِبْشارُهُ، هَذا ويَنْشَأُ لَهُ مِن أعْمالِهِ ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ وتَلَذُّهُ عَيْنُهُ مِن سائِرِ المُشْتَهَياتِ الَّتِي تَشْتَهِيها الأنْفُسُ وتَلَذُّها الأعْيُنُ ويَكُونُ تَنَوُّعُ تِلْكَ المُشْتَهَياتِ وكَمالُها وبُلُوغُها مَرْتَبَةَ الحُسْنِ والمُوافِقَةِ بِحَسَبِ كَمالِ عَمَلِهِ ومُتابَعَتِهِ فِيهِ وإخْلاصِهِ وبُلُوغِهِ مَرْتَبَةَ الإحْسانِ فِيهِ، وبِحَسَبِ تَنَوُّعِهِ، فَمَن تَنَوَّعَتْ أعْمالُهُ المُرْضِيَةُ لِلَّهِ المَحْبُوبَةُ لَهُ في هَذِهِ الدّارِ تَنَوَّعَتِ الأقْسامُ الَّتِي يَتَلَذَّذُ بِها في تِلْكَ الدّارِ وتَكَثَّرَتْ لَهُ بِحَسَبِ تَكَثُّرِ أعْمالِهِ هُنا وكانَ مَزِيدُهُ مِن تَنَوُّعِها والِابْتِهاجِ بِها والِالتِذاذِ بِنَيْلِها هُناكَ عَلى حَسَبِ مَزِيدِهِ مِنَ الأعْمالِ وتَنَوُّعِهِ فِيها في هَذِهِ الدّارِ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ المَحْبُوبَةِ لَهُ والمَسْخُوطَةِ أثَرًا وجَزاءً ولَذَّةً وألَمًا يَخُصُّهُ لا يُشْبِهُ أثَرُ الآخَرِ وجَزاءُهُ.
وَلِهَذا تَنَوَّعَتْ لَذّاتُ أهْلِ الجَنَّةِ وآلامُ أهْلِ النّارِ، وتَنَوَّعَ ما فِيهِما مِنَ الطَّيِّباتِ والعُقُوباتِ فَلَيْسَتْ لَذَّةُ مَن ضَرَبَ في كُلِّ مَرْضاةِ اللَّهِ بِسَهْمٍ وأخَذَ مِنها بِنَصِيبٍ كَلَذَّةِ مَن أنْمى سَهْمَهُ ونَصِيبَهُ في نَوْعٍ واحِدٍ مِنها ولا ألَمُ مَن ضَرَبَ في كُلِّ
مَسْخُوطٍ لِلَّهِ بِنَصِيبٍ وعُقُوبَتُهُ كَألَمِ مَن ضَرَبَ بِسَهْمٍ واحِدٍ في مَساخِطِهِ.
وَقَدْ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى أنَّ كَمالَ ما يَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنَ الطَّيِّباتِ في الآخِرَةِ بِحَسَبِ كَمالِ ما قابَلَهُ مِنَ الأعْمالِ في الدُّنْيا (. . . . «فَرَأى قِنْوًا مَن حَشَفٍ مُعَلَّقًا في المَسْجِدِ لِلصَّدَقَةِ فَقالَ إنَّ صاحِبَ هَذا يَأْكُلُ الحَشَفَ يَوْمَ القِيامَةِ»)
فَأخْبَرَ أنَّ جَزاءَهُ يَكُونُ مِن جِنْسِ عَمَلِهِ فَيُجْزى عَلى تِلْكَ الصَّدَقَةِ بِحَشَفٍ مِن جِنْسِها.
الإسراء 17:73
[فَصْلٌ قُوَّةُ الإيمانِ والعِلْمِ الَّتِي يُسامَحُ صاحِبُها بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ]
فَإنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أنَّ المُحِبَّ يُسامَحُ بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ، ويُعْفى لِلْوَلِيِّ عَمّا لا يُعْفى لِسِواهُ، وكَذَلِكَ العالِمُ أيْضًا، يُغْفَرُ لَهُ ما لا يُغْفَرُ لِلْجاهِلِ، كَما رَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ - مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا جَمَعَ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ، قالَ لِلْعُلَماءِ: إنِّي كُنْتُ أُعْبَدُ بِفَتْواكُمْ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْلِطُونَ كَما يَخْلِطُ النّاسُ، وإنِّي لَمْ أضَعْ عِلْمِي فِيكم وأنا أُرِيدُ أنْ أُعَذِّبَكُمُ، اذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، هَذا مَعْنى الحَدِيثِ، وقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا ومُرْسَلًا.
فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ، وهو مُقْتَضى الحِكْمَةِ والجُودِ والإحْسانِ، ولَكِنْ ماذا تَصْنَعُونَ بِالعُقُوبَةِ المُضاعَفَةِ الَّتِي ورَدَ التَّهْدِيدُ بِها في حَقِّ أُولَئِكَ إنْ وقَعَ مِنهم ما يُكْرَهُ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]
وَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤-٧٥]
أيْ لَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ بَعْضَ الشَّيْءِ، ولَوْ فَعَلْتَ لَأذَقْناكَ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، أيْ ضاعَفْنا لَكَ العَذابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ تَعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ - لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ.
وَما ذَكَرْتُمْ في قِصَّةِ يُونُسَ هو مِن هَذا البابِ، فَإنَّهُ لَمْ يُسامَحْ بِغَضْبَةٍ، وسُجِنَ لِأجْلِها في بَطْنِ الحُوتِ، ويَكْفِي حالُ أبِي البَشَرِ حَيْثُ لَمْ يُسامَحُ بِلُقْمَةٍ، وكانَتْ سَبَبَ إخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ.
فالجَوابُ أنَّ هَذا أيْضًا حَقٌّ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإنَّ مَن كَمُلَتْ عَلَيْهِ نِعْمَةُ اللَّهِ، واخْتَصَّهُ مِنها بِما لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ غَيْرَهُ في إعْطائِهِ مِنها ما حُرِمَهُ غَيْرُهُ، فَحُبِيَ بِالإنْعامِ، وخُصَّ بِالإكْرامِ، وخُصَّ بِمَزِيدِ التَّقْرِيبِ، وجُعِلَ في مَنزِلَةِ الوَلِيِّ الحَبِيبِ، اقْتَضَتْ حالُهُ مِن حِفْظِ مَرْتَبَةِ الوِلايَةِ والقُرْبِ والِاخْتِصاصِ بِأنْ يُراعِيَ مَرْتَبَتَهُ مِن أدْنى مُشَوِّشٍ وقاطِعٍ، فَلِشِدَّةِ الِاعْتِناءِ بِهِ، ومَزِيدِ تَقْرِيبِهِ، واتِّخاذِهِ لِنَفْسِهِ، واصْطِفائِهِ عَلى غَيْرِهِ، تَكُونُ حُقُوقُ ولِيِّهِ وسَيِّدِهِ عَلَيْهِ أتَمَّ، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ أكْمَلَ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَوْقَ المَطْلُوبِ مِن غَيْرِهِ، فَهو إذا غَفَلَ وأخَلَّ بِمُقْتَضى مَرْتَبَتِهِ نُبِّهَ بِما لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ البَعِيدُ البَرّانِيُّ، مَعَ كَوْنِهِ يُسامَحُ بِما لَمْ يُسامَحْ بِهِ ذَلِكَ أيْضًا، فَيَجْتَمِعُ في حَقِّهِ الأمْرانِ.
وَإذا أرَدْتَ مَعْرِفَةَ اجْتِماعِهِما، وعَدَمِ تَناقُضِهِما، فالواقِعُ شاهِدٌ بِهِ، فَإنَّ المَلِكَ يُسامِحُ خاصَّتَهُ وأوْلِياءَهُ بِما لَمْ يُسامِحْ بِهِ مَن لَيْسَ في مَنزِلَتِهِمْ، ويَأْخُذُهُمْ، ويُؤَدِّبُهم بِما لَمْ يَأْخُذْ بِهِ غَيْرَهُمْ، وقَدْ ذَكَرْنا شَواهِدَ هَذا وهَذا، ولا تَناقُضَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
وَأنْتَ إذا كانَ لَكَ عَبْدانِ، أوْ ولَدانِ، أوْ زَوْجَتانِ، أحَدُهُما أحَبُّ إلَيْكَ مِنَ الآخَرِ، وأقْرَبُ إلى قَلْبِكَ، وأعَزُّ عَلَيْكَ عامَلْتَهُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، واجْتَمَعَ في حَقِّهِ المُعامَلَتانِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنكَ، وحُبِّكَ لَهُ، وعِزَّتِهِ عَلَيْكَ، فَإذا نَظَرْتَ إلى كَمالِ إحْسانِكَ إلَيْهِ، وإتْمامِ نِعْمَتِكَ عَلَيْهِ اقْتَضَتْ مُعامَلَتُهُ بِما لا تُعامِلُ بِهِ مَن دُونَهُ، مِنَ التَّنْبِيهِ وعَدَمِ الإهْمالِ، وإذا نَظَرْتَ إلى إحْسانِهِ ومَحَبَّتِهِ لَكَ، وطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ، وكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ ونُصْحِهِ وهَبْتَ لَهُ وسامَحْتَهُ، وعَفَوْتَ عَنْهُ، بِما لا تَفْعَلُهُ مَعَ غَيْرِهِ، فالمُعامَلَتانِ بِحَسَبِ ما مِنكَ وما مِنهُ.
وَقَدْ ظَهَرَ اعْتِبارُ هَذا المَعْنى في الشَّرْعِ، حَيْثُ جَعَلَ حَدَّ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالتَّزَوُّجِ إذا تَعَدّاهُ إلى الزِّنا الرَّجْمَ، وحَدَّ مَن لَمْ يُعْطِهِ هَذِهِ النِّعْمَةَ الجَلْدَ، وكَذَلِكَ ضاعَفَ الحَدَّ عَلى الحُرِّ الَّذِي قَدْ مَلَّكَهُ نَفْسَهُ، وأتَمَّ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ، وجَعَلَ حَدَّ العَبْدِ المَنقُوصِ بِالرِّقِّ، الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذِهِ النِّعْمَةُ نِصْفَ ذَلِكَ.
فَسُبْحانَ مَن بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ وجَزائِهِ عُقُولَ العالَمِينَ، وشَهِدَتْ بِأنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
؎لِلَّهِ سِرٌّ تَحْتَ كُلِّ لَطِيفَةٍ ∗∗∗ فَأخُو البَصائِرِ غائِصٌ يَتَمَلَّقُ
(فصل)
للقرب من الإمام تأثير في سر الصلاة، ولهذا القرب تأْثير في صلاة الفجر خاصة يعرفه من عرف قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْر إنَّ قُرْآنَ الفَجْر كانَ مَشْهُودًا﴾.
قيل: يشهد الله عَزَّ وجَلَّ وملائكته.
وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فيتفق نزول هؤلاء البدل عند صعود أولئك فيجتمعون في صلاة الفجر، وذلك لأنها هي أول ديوان النهار وآخر ديوان الليل فيشهده ملائكة الليل والنهار.
واحتج لهذا القول بما في الصحيح من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
"فَضْلُ صَلاةِ الجَمِيعِ عَلى صَلاةِ الواحِدِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ دَرَجَةً"
ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر لقول أبي هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٨٧]
رواه البخاري في الصحيح.
قال أصحاب القول الأول: وهذا لا ينافي قولنا، وهو أن يكون الله سبحانه وملائكة الليل والنهار يشهدون قرآن الفجر، وليس المراد الشهادة العامة، فإن الله على كل شيء شهيد، بل المراد شهادة خاصة وهي شهادة حضور ودنوّ متصل بدنو الرب تعالى ونزوله إلى سماءِ الدنيا في الشطر الأخير من الليل.
وقد روى الليث بن سعد: حدثنى زيادة بن محمد عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة ابن عبيد الأنصارى عن أبى الدرداء عن رسول الله ﷺ قال:
"إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَنْزِلُ فِى ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَفْتَحُ الذِّكْرِ فِى السّاعَةِ الأُولى الَّذِى لَم يَرَهُ غَيْرَهُ فَيَمْحُو اللهُ ما يَشاء ويُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِى السّاعَةِ الثانية إلى جَنَّةِ عَدْنٍ وهِى دارُهُ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرُ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ وهِى مَسْكَنُهُ لا يسكنها معه من بني آدم غير ثلاث وهم النبيون والصديقون والشهداءُ، ثم يقول: طوبى لمن دخلك، ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى سماءِ الدنيا بروحه وملائكته فتنفض فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ ألا من سائل يسألني فأعطيه" ألا من داع يدعوني فأُجيبه؟ حتى تكون صلاة الفجر".
ولذلك يقول الله عَزَّ وجلَّ: ﴿وَقُرْآن الفَجْرِ إنَّ قُرْآن الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ يشهده الله عز وجل وملائكته ملائكة الليل والنهار".
ففي هذا الحديث أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر، وعلى هذا فيكون شهود الله سبحانه لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له، وهذه خاصة بصلاة الصبح ليست لغيرها من الصلوات، وهذا لا ينافي دوام النزول في سائر الأحاديث إلى طلوع الفجر ولا سيما وهو معلق في بعضها على انفجار الصبح، وهو اتساع ضوئه.
وفى لفظ: "حَتّى يَضِيءَ الفَجْرُ"، في لفظ: "حَتّى يَسْطَعَ الفَجْر"
وذلك هو وقت قراءَة الفجر، وهذا دليل على استحباب تقديمها مع مواظبة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين على تقديمها في أول وقتها، فكان النبي ﷺ يقرأُ فيها بالستين إلى المائة ويطيل ركوعها وسجودها وينصرف منها والنساءُ لا يعرفن من الغلس، وهذا لا يكون إلا مع شدة التقديم في أول الوقت لتقع القراءة في وقت النزول فيحصل الشهود المخصوص، مع أنه قد جاء في بعض الأحاديث مصرحًا به دوام ذلك إلى الانصراف من صلاة الصبح، رواه الدارقطني في كتاب "نزول الرب تعالى كل ليلة إلى سماءِ الدنيا" من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل الله عَزَّ وجَلَّ إلى سماءِ الدنيا لنصف الليل الآخر أو الثلث الآخر يقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرنى فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر أو ينصرف القارئ من صلاة الصبح"
رواه عن محمد جماعة: منهم سليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر والدراوردى وحفص بن غياث ويزيد بن هارون وعبد الوهاب بن عطاء ومحمد بن جعفر والنضر بن شميل كلهم قال: "أو ينصرف القاريء من صلاة الفجر"، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة عن النبي ﷺ فهى صريحة في المعنى كاشفة للمراد، وإن لم تكن محفوظة وكانت من شك الراوى هل قال هذا أو هذا، فقد قدمنا أنه لا منافاة بين اللفظين.
وأن حديث الليث بن سعد عن محمد بن زياد يدل على دوام النزول إلى وقت صلاة الفجر، وأن تعليقه بالطلوع لكونه أول الوقت الذي يكون فيه الصعود، كما رواه يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن الأغر أبي مسلم قال: شهدت على النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله عزَّ وجَلَّ يُمْهِلُ حَتّى إذا كانَ ثُلُثُ اللَّيْل هَبَط إلى هَذِهِ السَّماءِ ثُمَّ أمَرَ بِأبْوابِ السَّماءِ فَفُتِحَتْ ثُمَّ قالَ: هَلْ مِن سائِلٍ فَأعْطِيَهُ؟ هَلْ مِن داعٍ فَأُجِيبُهُ، هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لهُ هَلْ مِن مُسْتَغِيثٍ أغِيثُهُ؟ هَلْ مِن مُضْطَّرٍ أكشِفُ عَنْهُ؟ فَلا يَزالُ ذَلِكَ مَكانَهُ حَتّى يَطَلَعَ الٌفَجْرُ فِى كُلِّ لَيْلَة مِنَ الدُّنْيا، ثُمَّ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ؟ ".
قال الدارقطني: فزاد فيه يونس بن أبي إسحق زيادة حسنة. والمقصود ذكر القرب من الإمام في صلاة الفجر وتقديمها في أول وقتها. والله أعلم.
الإسراء 17:74
[فَصْلٌ قُوَّةُ الإيمانِ والعِلْمِ الَّتِي يُسامَحُ صاحِبُها بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ]
فَإنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أنَّ المُحِبَّ يُسامَحُ بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ، ويُعْفى لِلْوَلِيِّ عَمّا لا يُعْفى لِسِواهُ، وكَذَلِكَ العالِمُ أيْضًا، يُغْفَرُ لَهُ ما لا يُغْفَرُ لِلْجاهِلِ، كَما رَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ - مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا جَمَعَ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ، قالَ لِلْعُلَماءِ: إنِّي كُنْتُ أُعْبَدُ بِفَتْواكُمْ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْلِطُونَ كَما يَخْلِطُ النّاسُ، وإنِّي لَمْ أضَعْ عِلْمِي فِيكم وأنا أُرِيدُ أنْ أُعَذِّبَكُمُ، اذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، هَذا مَعْنى الحَدِيثِ، وقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا ومُرْسَلًا.
فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ، وهو مُقْتَضى الحِكْمَةِ والجُودِ والإحْسانِ، ولَكِنْ ماذا تَصْنَعُونَ بِالعُقُوبَةِ المُضاعَفَةِ الَّتِي ورَدَ التَّهْدِيدُ بِها في حَقِّ أُولَئِكَ إنْ وقَعَ مِنهم ما يُكْرَهُ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]
وَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤-٧٥]
أيْ لَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ بَعْضَ الشَّيْءِ، ولَوْ فَعَلْتَ لَأذَقْناكَ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، أيْ ضاعَفْنا لَكَ العَذابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ تَعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ - لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ.
وَما ذَكَرْتُمْ في قِصَّةِ يُونُسَ هو مِن هَذا البابِ، فَإنَّهُ لَمْ يُسامَحْ بِغَضْبَةٍ، وسُجِنَ لِأجْلِها في بَطْنِ الحُوتِ، ويَكْفِي حالُ أبِي البَشَرِ حَيْثُ لَمْ يُسامَحُ بِلُقْمَةٍ، وكانَتْ سَبَبَ إخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ.
فالجَوابُ أنَّ هَذا أيْضًا حَقٌّ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإنَّ مَن كَمُلَتْ عَلَيْهِ نِعْمَةُ اللَّهِ، واخْتَصَّهُ مِنها بِما لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ غَيْرَهُ في إعْطائِهِ مِنها ما حُرِمَهُ غَيْرُهُ، فَحُبِيَ بِالإنْعامِ، وخُصَّ بِالإكْرامِ، وخُصَّ بِمَزِيدِ التَّقْرِيبِ، وجُعِلَ في مَنزِلَةِ الوَلِيِّ الحَبِيبِ، اقْتَضَتْ حالُهُ مِن حِفْظِ مَرْتَبَةِ الوِلايَةِ والقُرْبِ والِاخْتِصاصِ بِأنْ يُراعِيَ مَرْتَبَتَهُ مِن أدْنى مُشَوِّشٍ وقاطِعٍ، فَلِشِدَّةِ الِاعْتِناءِ بِهِ، ومَزِيدِ تَقْرِيبِهِ، واتِّخاذِهِ لِنَفْسِهِ، واصْطِفائِهِ عَلى غَيْرِهِ، تَكُونُ حُقُوقُ ولِيِّهِ وسَيِّدِهِ عَلَيْهِ أتَمَّ، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ أكْمَلَ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَوْقَ المَطْلُوبِ مِن غَيْرِهِ، فَهو إذا غَفَلَ وأخَلَّ بِمُقْتَضى مَرْتَبَتِهِ نُبِّهَ بِما لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ البَعِيدُ البَرّانِيُّ، مَعَ كَوْنِهِ يُسامَحُ بِما لَمْ يُسامَحْ بِهِ ذَلِكَ أيْضًا، فَيَجْتَمِعُ في حَقِّهِ الأمْرانِ.
وَإذا أرَدْتَ مَعْرِفَةَ اجْتِماعِهِما، وعَدَمِ تَناقُضِهِما، فالواقِعُ شاهِدٌ بِهِ، فَإنَّ المَلِكَ يُسامِحُ خاصَّتَهُ وأوْلِياءَهُ بِما لَمْ يُسامِحْ بِهِ مَن لَيْسَ في مَنزِلَتِهِمْ، ويَأْخُذُهُمْ، ويُؤَدِّبُهم بِما لَمْ يَأْخُذْ بِهِ غَيْرَهُمْ، وقَدْ ذَكَرْنا شَواهِدَ هَذا وهَذا، ولا تَناقُضَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
وَأنْتَ إذا كانَ لَكَ عَبْدانِ، أوْ ولَدانِ، أوْ زَوْجَتانِ، أحَدُهُما أحَبُّ إلَيْكَ مِنَ الآخَرِ، وأقْرَبُ إلى قَلْبِكَ، وأعَزُّ عَلَيْكَ عامَلْتَهُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، واجْتَمَعَ في حَقِّهِ المُعامَلَتانِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنكَ، وحُبِّكَ لَهُ، وعِزَّتِهِ عَلَيْكَ، فَإذا نَظَرْتَ إلى كَمالِ إحْسانِكَ إلَيْهِ، وإتْمامِ نِعْمَتِكَ عَلَيْهِ اقْتَضَتْ مُعامَلَتُهُ بِما لا تُعامِلُ بِهِ مَن دُونَهُ، مِنَ التَّنْبِيهِ وعَدَمِ الإهْمالِ، وإذا نَظَرْتَ إلى إحْسانِهِ ومَحَبَّتِهِ لَكَ، وطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ، وكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ ونُصْحِهِ وهَبْتَ لَهُ وسامَحْتَهُ، وعَفَوْتَ عَنْهُ، بِما لا تَفْعَلُهُ مَعَ غَيْرِهِ، فالمُعامَلَتانِ بِحَسَبِ ما مِنكَ وما مِنهُ.
وَقَدْ ظَهَرَ اعْتِبارُ هَذا المَعْنى في الشَّرْعِ، حَيْثُ جَعَلَ حَدَّ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالتَّزَوُّجِ إذا تَعَدّاهُ إلى الزِّنا الرَّجْمَ، وحَدَّ مَن لَمْ يُعْطِهِ هَذِهِ النِّعْمَةَ الجَلْدَ، وكَذَلِكَ ضاعَفَ الحَدَّ عَلى الحُرِّ الَّذِي قَدْ مَلَّكَهُ نَفْسَهُ، وأتَمَّ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ، وجَعَلَ حَدَّ العَبْدِ المَنقُوصِ بِالرِّقِّ، الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذِهِ النِّعْمَةُ نِصْفَ ذَلِكَ.
فَسُبْحانَ مَن بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ وجَزائِهِ عُقُولَ العالَمِينَ، وشَهِدَتْ بِأنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
؎لِلَّهِ سِرٌّ تَحْتَ كُلِّ لَطِيفَةٍ ∗∗∗ فَأخُو البَصائِرِ غائِصٌ يَتَمَلَّقُ
(فصل)
للقرب من الإمام تأثير في سر الصلاة، ولهذا القرب تأْثير في صلاة الفجر خاصة يعرفه من عرف قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْر إنَّ قُرْآنَ الفَجْر كانَ مَشْهُودًا﴾.
قيل: يشهد الله عَزَّ وجَلَّ وملائكته.
وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فيتفق نزول هؤلاء البدل عند صعود أولئك فيجتمعون في صلاة الفجر، وذلك لأنها هي أول ديوان النهار وآخر ديوان الليل فيشهده ملائكة الليل والنهار.
واحتج لهذا القول بما في الصحيح من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
"فَضْلُ صَلاةِ الجَمِيعِ عَلى صَلاةِ الواحِدِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ دَرَجَةً"
ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر لقول أبي هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٨٧]
رواه البخاري في الصحيح.
قال أصحاب القول الأول: وهذا لا ينافي قولنا، وهو أن يكون الله سبحانه وملائكة الليل والنهار يشهدون قرآن الفجر، وليس المراد الشهادة العامة، فإن الله على كل شيء شهيد، بل المراد شهادة خاصة وهي شهادة حضور ودنوّ متصل بدنو الرب تعالى ونزوله إلى سماءِ الدنيا في الشطر الأخير من الليل.
وقد روى الليث بن سعد: حدثنى زيادة بن محمد عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة ابن عبيد الأنصارى عن أبى الدرداء عن رسول الله ﷺ قال:
"إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَنْزِلُ فِى ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَفْتَحُ الذِّكْرِ فِى السّاعَةِ الأُولى الَّذِى لَم يَرَهُ غَيْرَهُ فَيَمْحُو اللهُ ما يَشاء ويُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِى السّاعَةِ الثانية إلى جَنَّةِ عَدْنٍ وهِى دارُهُ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرُ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ وهِى مَسْكَنُهُ لا يسكنها معه من بني آدم غير ثلاث وهم النبيون والصديقون والشهداءُ، ثم يقول: طوبى لمن دخلك، ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى سماءِ الدنيا بروحه وملائكته فتنفض فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ ألا من سائل يسألني فأعطيه" ألا من داع يدعوني فأُجيبه؟ حتى تكون صلاة الفجر".
ولذلك يقول الله عَزَّ وجلَّ: ﴿وَقُرْآن الفَجْرِ إنَّ قُرْآن الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ يشهده الله عز وجل وملائكته ملائكة الليل والنهار".
ففي هذا الحديث أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر، وعلى هذا فيكون شهود الله سبحانه لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له، وهذه خاصة بصلاة الصبح ليست لغيرها من الصلوات، وهذا لا ينافي دوام النزول في سائر الأحاديث إلى طلوع الفجر ولا سيما وهو معلق في بعضها على انفجار الصبح، وهو اتساع ضوئه.
وفى لفظ: "حَتّى يَضِيءَ الفَجْرُ"، في لفظ: "حَتّى يَسْطَعَ الفَجْر"
وذلك هو وقت قراءَة الفجر، وهذا دليل على استحباب تقديمها مع مواظبة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين على تقديمها في أول وقتها، فكان النبي ﷺ يقرأُ فيها بالستين إلى المائة ويطيل ركوعها وسجودها وينصرف منها والنساءُ لا يعرفن من الغلس، وهذا لا يكون إلا مع شدة التقديم في أول الوقت لتقع القراءة في وقت النزول فيحصل الشهود المخصوص، مع أنه قد جاء في بعض الأحاديث مصرحًا به دوام ذلك إلى الانصراف من صلاة الصبح، رواه الدارقطني في كتاب "نزول الرب تعالى كل ليلة إلى سماءِ الدنيا" من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل الله عَزَّ وجَلَّ إلى سماءِ الدنيا لنصف الليل الآخر أو الثلث الآخر يقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرنى فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر أو ينصرف القارئ من صلاة الصبح"
رواه عن محمد جماعة: منهم سليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر والدراوردى وحفص بن غياث ويزيد بن هارون وعبد الوهاب بن عطاء ومحمد بن جعفر والنضر بن شميل كلهم قال: "أو ينصرف القاريء من صلاة الفجر"، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة عن النبي ﷺ فهى صريحة في المعنى كاشفة للمراد، وإن لم تكن محفوظة وكانت من شك الراوى هل قال هذا أو هذا، فقد قدمنا أنه لا منافاة بين اللفظين.
وأن حديث الليث بن سعد عن محمد بن زياد يدل على دوام النزول إلى وقت صلاة الفجر، وأن تعليقه بالطلوع لكونه أول الوقت الذي يكون فيه الصعود، كما رواه يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن الأغر أبي مسلم قال: شهدت على النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله عزَّ وجَلَّ يُمْهِلُ حَتّى إذا كانَ ثُلُثُ اللَّيْل هَبَط إلى هَذِهِ السَّماءِ ثُمَّ أمَرَ بِأبْوابِ السَّماءِ فَفُتِحَتْ ثُمَّ قالَ: هَلْ مِن سائِلٍ فَأعْطِيَهُ؟ هَلْ مِن داعٍ فَأُجِيبُهُ، هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لهُ هَلْ مِن مُسْتَغِيثٍ أغِيثُهُ؟ هَلْ مِن مُضْطَّرٍ أكشِفُ عَنْهُ؟ فَلا يَزالُ ذَلِكَ مَكانَهُ حَتّى يَطَلَعَ الٌفَجْرُ فِى كُلِّ لَيْلَة مِنَ الدُّنْيا، ثُمَّ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ؟ ".
قال الدارقطني: فزاد فيه يونس بن أبي إسحق زيادة حسنة. والمقصود ذكر القرب من الإمام في صلاة الفجر وتقديمها في أول وقتها. والله أعلم.
الإسراء 17:75
[فَصْلٌ قُوَّةُ الإيمانِ والعِلْمِ الَّتِي يُسامَحُ صاحِبُها بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ]
فَإنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أنَّ المُحِبَّ يُسامَحُ بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ، ويُعْفى لِلْوَلِيِّ عَمّا لا يُعْفى لِسِواهُ، وكَذَلِكَ العالِمُ أيْضًا، يُغْفَرُ لَهُ ما لا يُغْفَرُ لِلْجاهِلِ، كَما رَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ - مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا جَمَعَ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ، قالَ لِلْعُلَماءِ: إنِّي كُنْتُ أُعْبَدُ بِفَتْواكُمْ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْلِطُونَ كَما يَخْلِطُ النّاسُ، وإنِّي لَمْ أضَعْ عِلْمِي فِيكم وأنا أُرِيدُ أنْ أُعَذِّبَكُمُ، اذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، هَذا مَعْنى الحَدِيثِ، وقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا ومُرْسَلًا.
فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ، وهو مُقْتَضى الحِكْمَةِ والجُودِ والإحْسانِ، ولَكِنْ ماذا تَصْنَعُونَ بِالعُقُوبَةِ المُضاعَفَةِ الَّتِي ورَدَ التَّهْدِيدُ بِها في حَقِّ أُولَئِكَ إنْ وقَعَ مِنهم ما يُكْرَهُ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]
وَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤-٧٥]
أيْ لَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ بَعْضَ الشَّيْءِ، ولَوْ فَعَلْتَ لَأذَقْناكَ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، أيْ ضاعَفْنا لَكَ العَذابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ تَعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ - لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ.
وَما ذَكَرْتُمْ في قِصَّةِ يُونُسَ هو مِن هَذا البابِ، فَإنَّهُ لَمْ يُسامَحْ بِغَضْبَةٍ، وسُجِنَ لِأجْلِها في بَطْنِ الحُوتِ، ويَكْفِي حالُ أبِي البَشَرِ حَيْثُ لَمْ يُسامَحُ بِلُقْمَةٍ، وكانَتْ سَبَبَ إخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ.
فالجَوابُ أنَّ هَذا أيْضًا حَقٌّ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإنَّ مَن كَمُلَتْ عَلَيْهِ نِعْمَةُ اللَّهِ، واخْتَصَّهُ مِنها بِما لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ غَيْرَهُ في إعْطائِهِ مِنها ما حُرِمَهُ غَيْرُهُ، فَحُبِيَ بِالإنْعامِ، وخُصَّ بِالإكْرامِ، وخُصَّ بِمَزِيدِ التَّقْرِيبِ، وجُعِلَ في مَنزِلَةِ الوَلِيِّ الحَبِيبِ، اقْتَضَتْ حالُهُ مِن حِفْظِ مَرْتَبَةِ الوِلايَةِ والقُرْبِ والِاخْتِصاصِ بِأنْ يُراعِيَ مَرْتَبَتَهُ مِن أدْنى مُشَوِّشٍ وقاطِعٍ، فَلِشِدَّةِ الِاعْتِناءِ بِهِ، ومَزِيدِ تَقْرِيبِهِ، واتِّخاذِهِ لِنَفْسِهِ، واصْطِفائِهِ عَلى غَيْرِهِ، تَكُونُ حُقُوقُ ولِيِّهِ وسَيِّدِهِ عَلَيْهِ أتَمَّ، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ أكْمَلَ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَوْقَ المَطْلُوبِ مِن غَيْرِهِ، فَهو إذا غَفَلَ وأخَلَّ بِمُقْتَضى مَرْتَبَتِهِ نُبِّهَ بِما لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ البَعِيدُ البَرّانِيُّ، مَعَ كَوْنِهِ يُسامَحُ بِما لَمْ يُسامَحْ بِهِ ذَلِكَ أيْضًا، فَيَجْتَمِعُ في حَقِّهِ الأمْرانِ.
وَإذا أرَدْتَ مَعْرِفَةَ اجْتِماعِهِما، وعَدَمِ تَناقُضِهِما، فالواقِعُ شاهِدٌ بِهِ، فَإنَّ المَلِكَ يُسامِحُ خاصَّتَهُ وأوْلِياءَهُ بِما لَمْ يُسامِحْ بِهِ مَن لَيْسَ في مَنزِلَتِهِمْ، ويَأْخُذُهُمْ، ويُؤَدِّبُهم بِما لَمْ يَأْخُذْ بِهِ غَيْرَهُمْ، وقَدْ ذَكَرْنا شَواهِدَ هَذا وهَذا، ولا تَناقُضَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
وَأنْتَ إذا كانَ لَكَ عَبْدانِ، أوْ ولَدانِ، أوْ زَوْجَتانِ، أحَدُهُما أحَبُّ إلَيْكَ مِنَ الآخَرِ، وأقْرَبُ إلى قَلْبِكَ، وأعَزُّ عَلَيْكَ عامَلْتَهُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، واجْتَمَعَ في حَقِّهِ المُعامَلَتانِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنكَ، وحُبِّكَ لَهُ، وعِزَّتِهِ عَلَيْكَ، فَإذا نَظَرْتَ إلى كَمالِ إحْسانِكَ إلَيْهِ، وإتْمامِ نِعْمَتِكَ عَلَيْهِ اقْتَضَتْ مُعامَلَتُهُ بِما لا تُعامِلُ بِهِ مَن دُونَهُ، مِنَ التَّنْبِيهِ وعَدَمِ الإهْمالِ، وإذا نَظَرْتَ إلى إحْسانِهِ ومَحَبَّتِهِ لَكَ، وطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ، وكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ ونُصْحِهِ وهَبْتَ لَهُ وسامَحْتَهُ، وعَفَوْتَ عَنْهُ، بِما لا تَفْعَلُهُ مَعَ غَيْرِهِ، فالمُعامَلَتانِ بِحَسَبِ ما مِنكَ وما مِنهُ.
وَقَدْ ظَهَرَ اعْتِبارُ هَذا المَعْنى في الشَّرْعِ، حَيْثُ جَعَلَ حَدَّ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالتَّزَوُّجِ إذا تَعَدّاهُ إلى الزِّنا الرَّجْمَ، وحَدَّ مَن لَمْ يُعْطِهِ هَذِهِ النِّعْمَةَ الجَلْدَ، وكَذَلِكَ ضاعَفَ الحَدَّ عَلى الحُرِّ الَّذِي قَدْ مَلَّكَهُ نَفْسَهُ، وأتَمَّ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ، وجَعَلَ حَدَّ العَبْدِ المَنقُوصِ بِالرِّقِّ، الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذِهِ النِّعْمَةُ نِصْفَ ذَلِكَ.
فَسُبْحانَ مَن بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ وجَزائِهِ عُقُولَ العالَمِينَ، وشَهِدَتْ بِأنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
؎لِلَّهِ سِرٌّ تَحْتَ كُلِّ لَطِيفَةٍ ∗∗∗ فَأخُو البَصائِرِ غائِصٌ يَتَمَلَّقُ
(فصل)
للقرب من الإمام تأثير في سر الصلاة، ولهذا القرب تأْثير في صلاة الفجر خاصة يعرفه من عرف قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْر إنَّ قُرْآنَ الفَجْر كانَ مَشْهُودًا﴾.
قيل: يشهد الله عَزَّ وجَلَّ وملائكته.
وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فيتفق نزول هؤلاء البدل عند صعود أولئك فيجتمعون في صلاة الفجر، وذلك لأنها هي أول ديوان النهار وآخر ديوان الليل فيشهده ملائكة الليل والنهار.
واحتج لهذا القول بما في الصحيح من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
"فَضْلُ صَلاةِ الجَمِيعِ عَلى صَلاةِ الواحِدِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ دَرَجَةً"
ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر لقول أبي هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٨٧]
رواه البخاري في الصحيح.
قال أصحاب القول الأول: وهذا لا ينافي قولنا، وهو أن يكون الله سبحانه وملائكة الليل والنهار يشهدون قرآن الفجر، وليس المراد الشهادة العامة، فإن الله على كل شيء شهيد، بل المراد شهادة خاصة وهي شهادة حضور ودنوّ متصل بدنو الرب تعالى ونزوله إلى سماءِ الدنيا في الشطر الأخير من الليل.
وقد روى الليث بن سعد: حدثنى زيادة بن محمد عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة ابن عبيد الأنصارى عن أبى الدرداء عن رسول الله ﷺ قال:
"إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَنْزِلُ فِى ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَفْتَحُ الذِّكْرِ فِى السّاعَةِ الأُولى الَّذِى لَم يَرَهُ غَيْرَهُ فَيَمْحُو اللهُ ما يَشاء ويُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِى السّاعَةِ الثانية إلى جَنَّةِ عَدْنٍ وهِى دارُهُ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرُ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ وهِى مَسْكَنُهُ لا يسكنها معه من بني آدم غير ثلاث وهم النبيون والصديقون والشهداءُ، ثم يقول: طوبى لمن دخلك، ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى سماءِ الدنيا بروحه وملائكته فتنفض فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ ألا من سائل يسألني فأعطيه" ألا من داع يدعوني فأُجيبه؟ حتى تكون صلاة الفجر".
ولذلك يقول الله عَزَّ وجلَّ: ﴿وَقُرْآن الفَجْرِ إنَّ قُرْآن الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ يشهده الله عز وجل وملائكته ملائكة الليل والنهار".
ففي هذا الحديث أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر، وعلى هذا فيكون شهود الله سبحانه لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له، وهذه خاصة بصلاة الصبح ليست لغيرها من الصلوات، وهذا لا ينافي دوام النزول في سائر الأحاديث إلى طلوع الفجر ولا سيما وهو معلق في بعضها على انفجار الصبح، وهو اتساع ضوئه.
وفى لفظ: "حَتّى يَضِيءَ الفَجْرُ"، في لفظ: "حَتّى يَسْطَعَ الفَجْر"
وذلك هو وقت قراءَة الفجر، وهذا دليل على استحباب تقديمها مع مواظبة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين على تقديمها في أول وقتها، فكان النبي ﷺ يقرأُ فيها بالستين إلى المائة ويطيل ركوعها وسجودها وينصرف منها والنساءُ لا يعرفن من الغلس، وهذا لا يكون إلا مع شدة التقديم في أول الوقت لتقع القراءة في وقت النزول فيحصل الشهود المخصوص، مع أنه قد جاء في بعض الأحاديث مصرحًا به دوام ذلك إلى الانصراف من صلاة الصبح، رواه الدارقطني في كتاب "نزول الرب تعالى كل ليلة إلى سماءِ الدنيا" من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل الله عَزَّ وجَلَّ إلى سماءِ الدنيا لنصف الليل الآخر أو الثلث الآخر يقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرنى فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر أو ينصرف القارئ من صلاة الصبح"
رواه عن محمد جماعة: منهم سليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر والدراوردى وحفص بن غياث ويزيد بن هارون وعبد الوهاب بن عطاء ومحمد بن جعفر والنضر بن شميل كلهم قال: "أو ينصرف القاريء من صلاة الفجر"، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة عن النبي ﷺ فهى صريحة في المعنى كاشفة للمراد، وإن لم تكن محفوظة وكانت من شك الراوى هل قال هذا أو هذا، فقد قدمنا أنه لا منافاة بين اللفظين.
وأن حديث الليث بن سعد عن محمد بن زياد يدل على دوام النزول إلى وقت صلاة الفجر، وأن تعليقه بالطلوع لكونه أول الوقت الذي يكون فيه الصعود، كما رواه يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن الأغر أبي مسلم قال: شهدت على النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله عزَّ وجَلَّ يُمْهِلُ حَتّى إذا كانَ ثُلُثُ اللَّيْل هَبَط إلى هَذِهِ السَّماءِ ثُمَّ أمَرَ بِأبْوابِ السَّماءِ فَفُتِحَتْ ثُمَّ قالَ: هَلْ مِن سائِلٍ فَأعْطِيَهُ؟ هَلْ مِن داعٍ فَأُجِيبُهُ، هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لهُ هَلْ مِن مُسْتَغِيثٍ أغِيثُهُ؟ هَلْ مِن مُضْطَّرٍ أكشِفُ عَنْهُ؟ فَلا يَزالُ ذَلِكَ مَكانَهُ حَتّى يَطَلَعَ الٌفَجْرُ فِى كُلِّ لَيْلَة مِنَ الدُّنْيا، ثُمَّ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ؟ ".
قال الدارقطني: فزاد فيه يونس بن أبي إسحق زيادة حسنة. والمقصود ذكر القرب من الإمام في صلاة الفجر وتقديمها في أول وقتها. والله أعلم.
الإسراء 17:79
(فائدة)
قول النبي ﷺ: "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة "
لأن اللعن إساءة بل من أبلغ الإساءة والشفاعة إحسان فالمسيء في هذه الدار باللعن سلبه الله الإحسان في الأخرى بالشفاعة، فإن الإنسان إنما يحصد ما يزرع والإساءة مانعة من الشفاعة التي هي إحسان.
وأما منع اللعن من الشهادة فإن اللعن عداوة وهي منافية للشهادة، ولهذا كان النبي ﷺ سيد الشفعاء وشفيع الخلائق لكمال إحسانه ورأفته ورحمته بهم.
[فصل: هَدْيِهِ ﷺ في قِيامِ اللَّيْلِ]
قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في أنَّهُ: هَلْ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِ أمْ لا؟ والطّائِفَتانِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾
قالُوا: فَهَذا صَرِيحٌ في عَدَمِ الوُجُوبِ، قالَ الآخَرُونَ: أمَرَهُ بِالتَّهَجُّدِ في هَذِهِ السُّورَةِ، كَما أمَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١،: ٢].
وَلَمْ يَجِئْ ما يَنْسَخُهُ عَنْهُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ فَلَوْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّطَوُّعَ، لَمْ يَخُصُّهُ بِكَوْنِهِ نافِلَةً لَهُ، وإنَّما المُرادُ بِالنّافِلَةِ الزِّيادَةُ، ومُطْلَقُ الزِّيادَةِ لا يَدُلُّ عَلى التَّطَوُّعِ، قالَ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، أيْ: زِيادَةً عَلى الوَلَدِ، وكَذَلِكَ النّافِلَةُ في تَهَجُّدِ النَّبِيِّ ﷺ زِيادَةٌ في دَرَجاتِهِ، وفي أجْرِهِ، ولِهَذا خَصَّهُ بِها، فَإنَّ قِيامَ اللَّيْلِ في حَقِّ غَيْرِهِ مُباحٌ، ومُكَفِّرٌ لِلسَّيِّئاتِ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ، فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَهو يَعْمَلُ في زِيادَةِ الدَّرَجاتِ وعُلُوِّ المَراتِبِ، وغَيْرُهُ يَعْمَلُ في التَّكْفِيرِ.
قالَ مجاهد: إنَّما كانَ نافِلَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَكانَتْ طاعَتُهُ نافِلَةً، أيْ: زِيادَةً في الثَّوابِ، ولِغَيْرِهِ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، قالَ ابن المنذر في تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنا يعلى بن أبي عبيد، حَدَّثَنا الحجاج، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مجاهد قالَ: ما سِوى المَكْتُوبَةِ، فَهو نافِلَةٌ مِن أجْلِ أنَّهُ لا يَعْمَلُ في كَفّارَةِ الذُّنُوبِ، ولَيْسَتْ لِلنّاسِ نَوافِلُ، إنَّما هي لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، والنّاسُ جَمِيعًا يَعْمَلُونَ ما سِوى المَكْتُوبَةِ لِذُنُوبِهِمْ في كَفّارَتِها.
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنا عبد الله، حَدَّثَنا عمرو، عَنْ سعيد وقبيصة، عَنْ سفيان، عَنْ أبي عثمان، عَنِ الحسن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾.
قالَ: (لا تَكُونُ نافِلَةُ اللَّيْلِ إلّا لِلنَّبِيِّ ﷺ
وَذُكِرَ عَنِ الضحاك، قالَ: نافِلَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً.
وَذَكَرَ سليم بن حيان، حَدَّثَنا أبُو غالب، حَدَّثَنا أبو أمامة، قالَ: إذا وضَعْتَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ، قُمْتَ مَغْفُورًا لَكَ، فَإنْ قُمْتَ تُصَلِّي، كانَتْ لَكَ فَضِيلَةً وأجْرًا، فَقالَ رَجُلٌ: يا أبا أمامة، أرَأيْتَ إنْ قامَ يُصَلِّي تَكُونُ لَهُ نافِلَةً؟ قالَ: لا، إنَّما النّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ نافِلَةً، وهو يَسْعى في الذُّنُوبِ والخَطايا؟! تَكُونُ لَهُ
فَضِيلَةً وأجْرًا)
قُلْتُ: والمَقْصُودُ أنَّ النّافِلَةَ في الآيَةِ، لَمْ يُرَدْ بِها ما يَجُوزُ فِعْلُهُ وتَرْكُهُ، كالمُسْتَحَبِّ، والمَندُوبِ، وإنَّما المُرادُ بِها الزِّيادَةُ في الدَّرَجاتِ، وهَذا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الفَرْضِ والمُسْتَحَبِّ، فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ: (نافِلَةً لَكَ) نافِيًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ مِنَ الوُجُوبِ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيانٍ لِهَذِهِ المَسْألَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، عِنْدَ ذِكْرِ خَصائِصِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَلَمْ يَكُنْ ﷺ يَدَعُ قِيامَ اللَّيْلِ حَضَرًا ولا سَفَرًا، وكانَ إذا غَلَبَهُ نَوْمٌ أوْ وجَعٌ، صَلّى مِنَ النَّهارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الوِتْرَ لا يُقْضى لِفَواتِ مَحَلِّهِ، فَهو كَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ، وصَلاةِ الكُسُوفِ والِاسْتِسْقاءِ ونَحْوِها، لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ أنْ يَكُونَ آخِرُ صَلاةِ اللَّيْلِ وِتْرًا، كَما أنَّ المَغْرِبَ آخِرُ صَلاةِ النَّهارِ، فَإذا انْقَضى اللَّيْلُ وصَلَّيْتَ الصُّبْحَ، لَمْ يَقَعِ الوِتْرُ مَوْقِعَهُ. هَذا مَعْنى كَلامِهِ.
وَقَدْ رَوى أبو داود، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن نامَ عَنِ الوِتْرِ أوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّهِ إذا أصْبَحَ أوْ ذَكَرَ» ولَكِنْ لِهَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ عِلَلٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مِن رِوايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وهو ضَعِيفٌ.
الثّانِي: أنَّ الصَّحِيحَ فِيهِ أنَّهُ مُرْسَلٌ لَهُ عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ الترمذي: هَذا أصَحُّ، يَعْنِي المُرْسَلَ.
الثّالِثُ: أنَّ ابْنَ ماجَهْ حَكى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بَعْدَ أنْ رَوى حَدِيثَ أبي سعيد: الصَّحِيحُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أوْتِرُوا قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا». قالَ: فَهَذا الحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَدِيثَ عبد الرحمن واهٍ.
وَكانَ قِيامُهُ ﷺ بِاللَّيْلِ إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعائشة، فَإنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُما هَذا وهَذا، فَفي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْها: «ما كانَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً».
وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْها أيْضًا، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِن ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إلّا في آخِرِهِنَّ».
والصَّحِيحُ عَنْ عائشة الأوَّلُ: والرَّكْعَتانِ فَوْقَ الإحْدى عَشْرَةَ هُما رَكْعَتا الفَجْرِ جاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا عَنْها في هَذا الحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيِ الفَجْرِ» ذَكَرَهُ مسلم في "صَحِيحِهِ". وقالَ البُخارِيُّ في هَذا الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إذا سَمِعَ النِّداءَ بِالفَجْرِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ». وفي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: سَمِعْتُ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَقُولُ: «كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعاتٍ، ويُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، ويَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وذَلِكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» فَهَذا مُفَسَّرٌ مُبَيَّنٌ.
(فائدة)
الذي وقع في صحيح البخاري وأكثر كتب الحديث "وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته"
ووقع في صحيح ابن خزيمة والنسائي بإسناد الصحيحين من رواية جابر "وابعثه المقام المحمود" ورواه ابن خزيمة عن موسى بن سهل الرملي وصدقه أبو حاتم الرازي وباقي الإسناد شرطهما ورواه النسائي عن عمر بن منصور عن علي بن عباس والصحيح ما في البخاري لوجوده:
أحدها اتفاق أكثر الرواة عليه.
الثاني: موافقته للفظ القرآن.
الثالث: إن لفظ التنكير فيه مقصود به التعظيم لقوله: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ وقوله: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾
وقوله ﴿وهذا كتاب مصدق﴾ ونظائره.
الرابع: أن دخول اللام يعينه ويخصه بمقام معين وحذفها يقتضي إطلاقا وتعددا كما في قوله: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ومقاماته المحمودة في الموقف متعددة كما دلت عليه الأحاديث فكان في التنكير من الإطلاق والإشاعة ما ليس في التعريف.
الخامس: أن النبي ﷺ كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديما وتأخيرا وتعريفا وتنكيرا كما يحافظ على معانيه.
ومنه قوله وقد بدأ بالصفا "أبدأ بما بدأ الله به"
ومنه بداءته في الوضوء بالوجه ثم اليدين باتباعا للفظ القرآن.
ومنه قوله في حديث البراء ابن عازب: "آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت " موافقة لقوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ﴾
وعلى هذا فالذي وعدته إما بدل وإما خبر مبتدأ محذوف وإما مفعول فعل محذوف وإما صفة لكون مقاما محمودا قريبا من المعرفة لفظا ومعنى فتأمله.
(فائدة)
قال أبو بكر عبد العزيز: غلام الخلال سمعت بعض شيوخنا يقول إنما امتنع سائر الأنبياء من الشفاعة لأنهم عوتبوا قبل الغفران، فأحجمهم عن الهجوم عليه، ونبينا عليه السلام غفر له قبل العتاب.
(لطيفة)
لما كمل الرَّسُول مقام الافتقار إلى الله سُبْحانَهُ أحْوج الخَلائق كلهم إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَة.
أما حاجتهم إلَيْهِ في الدُّنْيا فأشد من حاجتهم إلى الطَّعام والشراب والنَّفس الَّذِي بِهِ حَياة أبدانهم.
وَأما حاجتهم إلَيْهِ في الآخِرَة فَإنَّهُم يستشفعون بالرسل إلى الله حَتّى يريحهم من ضيق مقامهم فكلهم يتَأخَّر عَن الشَّفاعَة فَيشفع لَهُم، وهو الَّذِي يستفتح لَهُم باب الجنَّة.
(فصل)
رسول الله ﷺ مَحْمُود عند الله ومحمود عند مَلائكَته ومحمود عند إخوانه من المُرْسلين ومحمود عند أهل الأرْض كلهم وإن كفر بِهِ بَعضهم فَإن ما فِيهِ من صِفات الكَمال محمودة عند كل عاقل وإن كابر عقله جحُودًا أو عنادًا أو جهلا باتصافه بها، ولَو علم اتصافه بها لحمده فَإنَّهُ يحمد من اتّصف بِصِفات الكَمال ويجهل وجودها فِيهِ فَهو في الحَقِيقَة حامِد لَهُ وهو ﷺ اخْتصَّ من مُسَمّى الحَمد بِما لم يجْتَمع لغيره فَإن اسْمه مُحَمَّد وأحمد، وأمته الحَمّادُونَ يحْمَدُونَ الله على السَّرّاء والضَّرّاء وصَلاة أمته مفتتحة بِالحَمْد وخطبته مفتتحة بِالحَمْد وكتابه مفتتح بِالحَمْد هَكَذا عند الله في اللَّوْح المَحْفُوظ أن خلفاءه وأصْحابه يَكْتُبُونَ المُصحف مفتتحًا بِالحَمْد وبِيَدِهِ ﷺ لِواء الحَمد يَوْم القِيامَة ولما يسْجد بَين يَدي ربه عز وجل للشفاعة ويُؤذن لَهُ فِيها يحمد ربه بِمَحامِد يفتحها عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وهو صاحب المقام المَحْمُود الَّذِي يغبطه بِهِ الأولونَ والآخرُونَ قالَ تَعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾
على معنى المقام المَحْمُود فليقف على ما ذكره سلف الأمة من الصَّحابَة والتّابِعِينَ فِيهِ في تَفْسِير هَذِه السُّورَة كتفسير ابْن أبي حاتِم وابْن جرير وعبد بن حميد وغَيرها من تفاسير السّلف.
وَإذا قامَ في المقام حَمده حِينَئِذٍ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أوَّلهمْ وآخرهمْ، وهو مَحْمُود ﷺ بِما مَلأ الأرْض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعَمَل الصّالح وفتح بِهِ القُلُوب وكشف بِهِ الظلمَة عَن أهل الأرْض واستنقذهم من أسر الشَّيْطان ومن الشّرك بِالله والكفْر بِهِ والجهل بِهِ حَتّى نالَ بِهِ أتْباعه شرف الدُّنْيا والآخِرَة فَإن رسالَته وافت أهل الأرْض أحْوج ما كانُوا إلَيْها فَإنَّهُم كانُوا بَين عباد أوثان وعباد صلبان وعباد نيران وعباد الكَواكِب ومغضوب عَلَيْهِم قد باؤوا بغضب من الله وحيران لا يعرف رَبًّا يعبده ولا بِماذا يعبده والنّاس يَأْكُل بَعضهم بَعْضًا من اسْتحْسنَ شَيْئا دَعا إلَيْهِ وقاتل من خالفه ولَيْسَ في الأرْض مَوضِع قدم مشرق بِنور الرسالَة وقد نظر الله سُبْحانَهُ حِينَئِذٍ إلى أهل الأرْض فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا على آثار من دين صَحِيح، فأغاث الله بِهِ البِلاد والعباد وكشف بِهِ تِلْكَ الظُّلم وأحْيا بِهِ الخليقة بعد المَوْت فهدى بِهِ من الضَّلالَة وعلم بِهِ من الجَهالَة وكثر بعد القلَّة وأعز بِهِ بعد الذلة وأغنى بِهِ بعد العيلَة وفتح بِهِ أعينًا عميا وآذانًا صمًّا وقُلُوبًا غلفًا فَعرف النّاس رَبهم ومعبودهم غايَة ما يُمكن أن تناله قواهم من المعرفَة وأبدًا وأعاد واخْتصرَ وأطْنَبَ في ذكر أسْمائِهِ وصِفاته وأفعاله حَتّى تجلت مَعْرفَته سُبْحانَهُ في قُلُوب عباده المُؤمنِينَ وانجابت سحائب الشَّك والريب عَنْها كَما ينجاب السَّحاب عَن القَمَر لَيْلَة إبداره ولم يدع لأمته حاجَة في هَذا التَّعْرِيف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عَن كل من تكلم في هَذا الباب ﴿أولم يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
الإسراء 17:80
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأُمِرَ بِالهِجْرَةِ وأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾» [الإسراء: ٨٠].
قالَ قتادة: أخْرَجَهُ اللَّهُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ مَخْرَجَ صِدْقٍ، ونَبِيُّ اللَّهِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ، فَسَألَ اللَّهَ سُلْطانًا نَصِيرًا، وأراهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دارَ الهِجْرَةِ وهو بِمَكَّةَ، فَقالَ: «أُرِيتُ دارَ هِجْرَتِكم بِسَبْخَةٍ ذاتِ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ».
(فصل)
وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ: أنْ يَسْألَهُ أنْ يَجْعَلَ مُدْخَلَهُ ومُخْرَجَهُ عَلى الصِّدْقِ. فَقالَ ﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] وأخْبَرَ عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ ﷺ، أنَّهُ سَألَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ. فَقالَ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وبَشَّرَ عِبادَهُ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ قَدَمَ صِدْقٍ، ومَقْعَدَ صِدْقٍ. فَقالَ تَعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] وقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ - في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤-٥٥].
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أشْياءَ: مُدْخَلُ الصِّدْقِ، ومُخْرَجُ الصِّدْقِ. ولِسانُ الصِّدْقِ، وقَدَمُ الصِّدْقِ، ومَقْعَدُ الصِّدْقِ.
وَحَقِيقَةُ الصِّدْقِ في هَذِهِ الأشْياءِ: هو الحَقُّ الثّابِتُ، المُتَّصِلُ بِاللَّهِ، المُوَصِّلُ إلى اللَّهِ. وهو ما كانَ بِهِ ولَهُ، مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ. وجَزاءُ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
فَمُدْخَلُ الصِّدْقِ، ومُخْرَجُ الصِّدْقِ: أنْ يَكُونَ دُخُولُهُ وخُرُوجُهُ حَقًّا ثابِتًا بِاللَّهِ، وفي مَرْضاتِهِ. بِالظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ، وحُصُولِ المَطْلُوبِ، ضِدَّ مُخْرَجِ الكَذِبِ ومُدْخَلِهِ الَّذِي لا غايَةَ لَهُ يُوَصَلُ إلَيْها. ولا لَهُ ساقٌ ثابِتَةٌ يَقُومُ عَلَيْها. كَمُخْرَجِ أعْدائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ. ومُخْرَجُ الصِّدْقِ كَمُخْرَجِهِ ﷺ هو وأصْحابُهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ.
وَكَذَلِكَ مُدْخَلُهُ ﷺ المَدِينَةَ: كانَ مُدْخَلُ صِدْقٍ بِاللَّهِ، ولِلَّهِ، وابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ. فاتَّصَلَ بِهِ التَّأْيِيدُ، والظَّفَرُ والنَّصْرُ، وإدْراكُ ما طَلَبَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بِخِلافِ مُدْخَلِ الكَذِبِ الَّذِي رامَ أعْداؤُهُ أنْ يَدْخُلُوا بِهِ المَدِينَةَ يَوْمَ الأحْزابِ. فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِاللَّهِ، ولا لِلَّهِ. بَلْ كانَ مُحادَّةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ إلّا الخِذْلانُ والبَوارُ.
وَكَذَلِكَ مُدْخَلُ مَن دَخَلَ مِنَ اليَهُودِ المُحارِبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِصْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَإنَّهُ لَمّا كانَ مُدْخَلَ كَذِبٍ: أصابَهُ مَعَهم ما أصابَهم.
فَكُلُّ مُدْخَلٍ مَعَهم ومُخْرَجٍ كانَ بِاللَّهِ ولِلَّهِ. فَصاحِبُهُ ضامِنٌ عَلى اللَّهِ. فَهو مُدْخَلُ صِدْقٍ، ومُخْرَجُ صِدْقٍ.
وَكانَ بَعْضُ السَّلَفِ إذا خَرَجَ مِن دارِهِ: رَفَعَ رَأسَهُ إلى السَّماءِ، وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أُخْرَجَ مُخْرَجًا لا أكُونُ فِيهِ ضامِنًا عَلَيْكَ.
يُرِيدُ: أنْ لا يَكُونَ المُخْرَجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ. ولِذَلِكَ فُسِّرَ مُدْخَلُ الصِّدْقِ ومُخْرَجُهُ: بِخُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ، ودُخُولِهِ المَدِينَةَ. ولا رَيْبَ أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. فَإنَّ هَذا المُدْخَلَ والمُخْرَجَ مِن أجَلِّ مَداخِلِهِ ومَخارِجِهِ ﷺ. وإلّا فَمَداخِلُهُ كُلُّها مَداخِلُ صِدْقٍ، ومَخارِجُهُ مَخارِجُ صِدْقٍ. إذْ هي لِلَّهِ وبِاللَّهِ وبِأمْرِهِ، ولِابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ.
وَما خَرَجَ أحَدٌ مِن بَيْتِهِ ودَخَلَ سُوقَهُ - أوْ مُدْخَلًا آخَرَ - إلّا بِصِدْقٍ أوْ بِكَذِبٍ، فَمُخْرَجُ كُلِّ واحِدٍ ومُدْخَلُهُ: لا يَعْدُو الصِّدْقَ والكَذِبَ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وَأمّا لِسانُ الصِّدْقِ: فَهو الثَّناءُ الحَسَنُ عَلَيْهِ ﷺ مِن سائِرِ الأُمَمِ بِالصِّدْقِ. لَيْسَ ثَناءً بِالكَذِبِ. كَما قالَ عَنْ إبْراهِيمَ وذُرِّيَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] والمُرادُ بِاللِّسانِ هاهُنا: الثَّناءُ الحَسَنُ. فَلَمّا كانَ الصِّدْقُ بِاللِّسانِ، وهو مَحَلُّهُ. أطْلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ألْسِنَةَ العِبادِ بِالثَّناءِ عَلى الصّادِقِ، جَزاءً وِفاقًا. وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ.
فَإنَّ اللِّسانَ يُرادُ بِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ: هَذا، واللُّغَةُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ويُرادُ بِهِ الجارِحَةُ نَفْسُها. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦].
وَأمّا قَدَمُ الصِّدْقِ: فَفُسِّرَ بِالجَنَّةِ. وفُسِّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وفُسِّرَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وَحَقِيقَةُ القَدَمِ ما قَدَّمُوهُ. وما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وهم قَدَّمُوا الأعْمالَ والإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويَقْدَمُونَ عَلى الجَنَّةِ الَّتِي هي جَزاءُ ذَلِكَ.
فَمَن فَسَّرَهُ بِها أرادَ: ما يَقْدَمُونَ عَلَيْهِ. ومَن فَسَّرَهُ بِالأعْمالِ وبِالنَّبِيِّ ﷺ: فَلِأنَّهم قَدَّمُوها. وقَدَّمُوا الإيمانَ بِهِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. فالثَّلاثَةُ قَدَمُ صِدْقٍ. وأمّا مَقْعَدُ الصِّدْقِ: فَهو الجَنَّةُ عِنْدَ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى.
وَوَصْفُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالصِّدْقِ مُسْتَلْزِمٌ ثُبُوتَهُ واسْتِقْرارَهُ، وأنَّهُ حَقُّ، ودَوامَهُ ونَفْعَهُ، وكَمالَ عائِدَتِهِ. فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ، كائِنٌ بِهِ ولَهُ. فَهو صِدْقٌ غَيْرُ كَذِبٍ. وحَقٌّ غَيْرُ باطِلٍ. ودائِمٌ غَيْرُ زائِلٍ. ونافِعٌ غَيْرُ ضارٍّ. وما لِلْباطِلِ ومُتَعَلَّقاتِهِ إلَيْهِ سَبِيلٌ ولا مَدْخَلٌ.
وَمِن عَلاماتِ الصِّدْقِ: طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ إلَيْهِ. ومِن عَلاماتِ الكَذِبِ: حُصُولُ الرِّيبَةِ، كَما في التِّرْمِذِيِّ - مَرْفُوعًا - مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ. والكَذِبُ رِيبَةٌ». وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ. وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ. وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النّارِ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتّى يُكْتُبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» فَجَعَلَ الصِّدْقَ مِفْتاحَ الصِّدِّيقِيَّةِ ومَبْدَأها. وهي غايَتُهُ. فَلا يَنالُ دَرَجَتَها كاذِبٌ ألْبَتَّةَ. لا في قَوْلِهِ:، ولا في عَمَلِهِ، ولا في حالِهِ. ولا سِيَّما كاذِبٌ عَلى اللَّهِ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ونَفْيِ ما أثْبَتَهُ. أوْ إثْباتِ ما نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ. فَلَيْسَ في هَؤُلاءِ صِدِّيقٌ أبَدًا.
وَكَذَلِكَ الكَذِبُ عَلَيْهِ في دِينِهِ وشَرْعِهِ. بِتَحْلِيلِ ما حَرَّمَهُ. وتَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ. وإسْقاطِ ما أوْجَبَهُ، وإيجابِ ما لَمْ يُوجِبْهُ، وكَراهَةِ ما أحَبَّهُ، واسْتِحْبابِ ما لَمْ يُحِبَّهُ. كُلُّ ذَلِكَ مُنافٍ لِلصِّدِّيقِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ الكَذِبُ مَعَهُ في الأعْمالِ: بِالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ الصّادِقِينَ المُخْلِصِينَ، والزّاهِدِينَ المُتَوَكِّلِينَ. ولَيْسَ في الحَقِيقَةِ مِنهم.
فَلِذَلِكَ كانَتِ الصِّدِّيقِيَّةُ: كَمالَ الإخْلاصِ والِانْقِيادِ، والمُتابَعَةَ لِلْخَبَرِ والأمْرِ، ظاهِرًا وباطِنًا، حَتّى إنَّ صِدْقَ المُتَبايِعَيْنِ يُحِلُّ البَرَكَةَ في بَيْعِهِما. وكَذِبَهُما يَمْحَقُ بَرَكَةَ بَيْعِهِما. كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا. فَإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لَهُما في بَيْعِهِما. وإنْ كَذَبا وكَتَما: مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما».
الإسراء 17:81
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأُمِرَ بِالهِجْرَةِ وأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾» [الإسراء: ٨٠].
قالَ قتادة: أخْرَجَهُ اللَّهُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ مَخْرَجَ صِدْقٍ، ونَبِيُّ اللَّهِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ، فَسَألَ اللَّهَ سُلْطانًا نَصِيرًا، وأراهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دارَ الهِجْرَةِ وهو بِمَكَّةَ، فَقالَ: «أُرِيتُ دارَ هِجْرَتِكم بِسَبْخَةٍ ذاتِ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ».
(فصل)
وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ: أنْ يَسْألَهُ أنْ يَجْعَلَ مُدْخَلَهُ ومُخْرَجَهُ عَلى الصِّدْقِ. فَقالَ ﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] وأخْبَرَ عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ ﷺ، أنَّهُ سَألَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ. فَقالَ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وبَشَّرَ عِبادَهُ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ قَدَمَ صِدْقٍ، ومَقْعَدَ صِدْقٍ. فَقالَ تَعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] وقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ - في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤-٥٥].
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أشْياءَ: مُدْخَلُ الصِّدْقِ، ومُخْرَجُ الصِّدْقِ. ولِسانُ الصِّدْقِ، وقَدَمُ الصِّدْقِ، ومَقْعَدُ الصِّدْقِ.
وَحَقِيقَةُ الصِّدْقِ في هَذِهِ الأشْياءِ: هو الحَقُّ الثّابِتُ، المُتَّصِلُ بِاللَّهِ، المُوَصِّلُ إلى اللَّهِ. وهو ما كانَ بِهِ ولَهُ، مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ. وجَزاءُ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
فَمُدْخَلُ الصِّدْقِ، ومُخْرَجُ الصِّدْقِ: أنْ يَكُونَ دُخُولُهُ وخُرُوجُهُ حَقًّا ثابِتًا بِاللَّهِ، وفي مَرْضاتِهِ. بِالظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ، وحُصُولِ المَطْلُوبِ، ضِدَّ مُخْرَجِ الكَذِبِ ومُدْخَلِهِ الَّذِي لا غايَةَ لَهُ يُوَصَلُ إلَيْها. ولا لَهُ ساقٌ ثابِتَةٌ يَقُومُ عَلَيْها. كَمُخْرَجِ أعْدائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ. ومُخْرَجُ الصِّدْقِ كَمُخْرَجِهِ ﷺ هو وأصْحابُهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ.
وَكَذَلِكَ مُدْخَلُهُ ﷺ المَدِينَةَ: كانَ مُدْخَلُ صِدْقٍ بِاللَّهِ، ولِلَّهِ، وابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ. فاتَّصَلَ بِهِ التَّأْيِيدُ، والظَّفَرُ والنَّصْرُ، وإدْراكُ ما طَلَبَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بِخِلافِ مُدْخَلِ الكَذِبِ الَّذِي رامَ أعْداؤُهُ أنْ يَدْخُلُوا بِهِ المَدِينَةَ يَوْمَ الأحْزابِ. فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِاللَّهِ، ولا لِلَّهِ. بَلْ كانَ مُحادَّةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ إلّا الخِذْلانُ والبَوارُ.
وَكَذَلِكَ مُدْخَلُ مَن دَخَلَ مِنَ اليَهُودِ المُحارِبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِصْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَإنَّهُ لَمّا كانَ مُدْخَلَ كَذِبٍ: أصابَهُ مَعَهم ما أصابَهم.
فَكُلُّ مُدْخَلٍ مَعَهم ومُخْرَجٍ كانَ بِاللَّهِ ولِلَّهِ. فَصاحِبُهُ ضامِنٌ عَلى اللَّهِ. فَهو مُدْخَلُ صِدْقٍ، ومُخْرَجُ صِدْقٍ.
وَكانَ بَعْضُ السَّلَفِ إذا خَرَجَ مِن دارِهِ: رَفَعَ رَأسَهُ إلى السَّماءِ، وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أُخْرَجَ مُخْرَجًا لا أكُونُ فِيهِ ضامِنًا عَلَيْكَ.
يُرِيدُ: أنْ لا يَكُونَ المُخْرَجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ. ولِذَلِكَ فُسِّرَ مُدْخَلُ الصِّدْقِ ومُخْرَجُهُ: بِخُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ، ودُخُولِهِ المَدِينَةَ. ولا رَيْبَ أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. فَإنَّ هَذا المُدْخَلَ والمُخْرَجَ مِن أجَلِّ مَداخِلِهِ ومَخارِجِهِ ﷺ. وإلّا فَمَداخِلُهُ كُلُّها مَداخِلُ صِدْقٍ، ومَخارِجُهُ مَخارِجُ صِدْقٍ. إذْ هي لِلَّهِ وبِاللَّهِ وبِأمْرِهِ، ولِابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ.
وَما خَرَجَ أحَدٌ مِن بَيْتِهِ ودَخَلَ سُوقَهُ - أوْ مُدْخَلًا آخَرَ - إلّا بِصِدْقٍ أوْ بِكَذِبٍ، فَمُخْرَجُ كُلِّ واحِدٍ ومُدْخَلُهُ: لا يَعْدُو الصِّدْقَ والكَذِبَ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وَأمّا لِسانُ الصِّدْقِ: فَهو الثَّناءُ الحَسَنُ عَلَيْهِ ﷺ مِن سائِرِ الأُمَمِ بِالصِّدْقِ. لَيْسَ ثَناءً بِالكَذِبِ. كَما قالَ عَنْ إبْراهِيمَ وذُرِّيَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] والمُرادُ بِاللِّسانِ هاهُنا: الثَّناءُ الحَسَنُ. فَلَمّا كانَ الصِّدْقُ بِاللِّسانِ، وهو مَحَلُّهُ. أطْلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ألْسِنَةَ العِبادِ بِالثَّناءِ عَلى الصّادِقِ، جَزاءً وِفاقًا. وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ.
فَإنَّ اللِّسانَ يُرادُ بِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ: هَذا، واللُّغَةُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ويُرادُ بِهِ الجارِحَةُ نَفْسُها. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦].
وَأمّا قَدَمُ الصِّدْقِ: فَفُسِّرَ بِالجَنَّةِ. وفُسِّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وفُسِّرَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وَحَقِيقَةُ القَدَمِ ما قَدَّمُوهُ. وما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وهم قَدَّمُوا الأعْمالَ والإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويَقْدَمُونَ عَلى الجَنَّةِ الَّتِي هي جَزاءُ ذَلِكَ.
فَمَن فَسَّرَهُ بِها أرادَ: ما يَقْدَمُونَ عَلَيْهِ. ومَن فَسَّرَهُ بِالأعْمالِ وبِالنَّبِيِّ ﷺ: فَلِأنَّهم قَدَّمُوها. وقَدَّمُوا الإيمانَ بِهِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. فالثَّلاثَةُ قَدَمُ صِدْقٍ. وأمّا مَقْعَدُ الصِّدْقِ: فَهو الجَنَّةُ عِنْدَ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى.
وَوَصْفُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالصِّدْقِ مُسْتَلْزِمٌ ثُبُوتَهُ واسْتِقْرارَهُ، وأنَّهُ حَقُّ، ودَوامَهُ ونَفْعَهُ، وكَمالَ عائِدَتِهِ. فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ، كائِنٌ بِهِ ولَهُ. فَهو صِدْقٌ غَيْرُ كَذِبٍ. وحَقٌّ غَيْرُ باطِلٍ. ودائِمٌ غَيْرُ زائِلٍ. ونافِعٌ غَيْرُ ضارٍّ. وما لِلْباطِلِ ومُتَعَلَّقاتِهِ إلَيْهِ سَبِيلٌ ولا مَدْخَلٌ.
وَمِن عَلاماتِ الصِّدْقِ: طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ إلَيْهِ. ومِن عَلاماتِ الكَذِبِ: حُصُولُ الرِّيبَةِ، كَما في التِّرْمِذِيِّ - مَرْفُوعًا - مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ. والكَذِبُ رِيبَةٌ». وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ. وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ. وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النّارِ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتّى يُكْتُبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» فَجَعَلَ الصِّدْقَ مِفْتاحَ الصِّدِّيقِيَّةِ ومَبْدَأها. وهي غايَتُهُ. فَلا يَنالُ دَرَجَتَها كاذِبٌ ألْبَتَّةَ. لا في قَوْلِهِ:، ولا في عَمَلِهِ، ولا في حالِهِ. ولا سِيَّما كاذِبٌ عَلى اللَّهِ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ونَفْيِ ما أثْبَتَهُ. أوْ إثْباتِ ما نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ. فَلَيْسَ في هَؤُلاءِ صِدِّيقٌ أبَدًا.
وَكَذَلِكَ الكَذِبُ عَلَيْهِ في دِينِهِ وشَرْعِهِ. بِتَحْلِيلِ ما حَرَّمَهُ. وتَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ. وإسْقاطِ ما أوْجَبَهُ، وإيجابِ ما لَمْ يُوجِبْهُ، وكَراهَةِ ما أحَبَّهُ، واسْتِحْبابِ ما لَمْ يُحِبَّهُ. كُلُّ ذَلِكَ مُنافٍ لِلصِّدِّيقِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ الكَذِبُ مَعَهُ في الأعْمالِ: بِالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ الصّادِقِينَ المُخْلِصِينَ، والزّاهِدِينَ المُتَوَكِّلِينَ. ولَيْسَ في الحَقِيقَةِ مِنهم.
فَلِذَلِكَ كانَتِ الصِّدِّيقِيَّةُ: كَمالَ الإخْلاصِ والِانْقِيادِ، والمُتابَعَةَ لِلْخَبَرِ والأمْرِ، ظاهِرًا وباطِنًا، حَتّى إنَّ صِدْقَ المُتَبايِعَيْنِ يُحِلُّ البَرَكَةَ في بَيْعِهِما. وكَذِبَهُما يَمْحَقُ بَرَكَةَ بَيْعِهِما. كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا. فَإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لَهُما في بَيْعِهِما. وإنْ كَذَبا وكَتَما: مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما».
الإسراء 17:82
[القُرْآنُ شِفاءٌ]
وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ القُرْآنِ أنَّهُ شِفاءٌ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]
وَقالَ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].
و"مِن" هُنا لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ شِفاءٌ، كَما قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَهو شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ مِن داءِ الجَهْلِ والشَّكِّ والرَّيْبِ، فَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ السَّماءِ شِفاءً قَطُّ أعَمَّ ولا أنْفَعَ ولا أعْظَمَ ولا أشْجَعَ في إزالَةِ الدّاءِ مِنَ القُرْآنِ.
وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ:
«انْطَلَقَ نَفَرٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ في سَفْرَةٍ سافَرُوها، حَتّى نَزَلُوا عَلى حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ فاسْتَضافُوهُمْ، فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أتَيْتُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأتَوْهُمْ، فَقالُوا: يا أيُّها الرَّهْطُ إنَّ سَيِّدَنا لُدِغَ، وسَعَيْنا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ عِنْدَ أحَدٍ مِنكم مِن شَيْءٍ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: واللَّهِ إنِّي لَأُرْقِي، ولَكِنْ واللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْناكم فَلَمْ تُضَيِّفُونا، فَما أنا بِراقٍ حَتّى تَجْعَلُوا لِي جُعْلًا، فَصالَحُوهم عَلى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ ويَقْرَأُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، فانْطَلَقَ يَمْشِي، وما بِهِ قَلَبَةٌ، فَأوْفَوْهم جُعْلَهُمُ الَّذِي صالَحُوهم عَلَيْهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: اقْتَسِمُوا، فَقالَ الَّذِي رَقِيَ: لا نَفْعَلُ حَتّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ
فَنَذْكُرُ لَهُ الَّذِي كانَ، فَنَنْظُرُ ما يَأْمُرُنا، فَقَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: وما يُدْرِيكَ أنَّها رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قالَ: قَدْ أصَبْتُمْ، اقْتَسِمُوا واضْرِبُوا لِي مَعَكم سَهْمًا».
فَقَدْ أثَّرَ هَذا الدَّواءُ في هَذا الدّاءِ، وأزالَهُ حَتّى كَأنْ لَمْ يَكُنْ، وهو أسْهَلُ دَواءٍ وأيْسَرُهُ، ولَوْ أحْسَنَ العَبْدُ التَّداوِيَ بِالفاتِحَةِ، لَرَأى لَها تَأْثِيرًا عَجِيبًا في الشِّفاءِ.
وَمَكَثْتُ بِمَكَّةَ مُدَّةً يَعْتَرِينِي أدْواءٌ ولا أجِدُ طَبِيبًا ولا دَواءً، فَكُنْتُ أُعالِجُ نَفْسِي بِالفاتِحَةِ، فَأرى لَها تَأْثِيرًا عَجِيبًا، فَكُنْتُ أصِفُ ذَلِكَ لِمَن يَشْتَكِي ألَمًا، وكانَ كَثِيرٌ مِنهم يَبْرَأُ سَرِيعًا.
وَلَكِنْ هاهُنا أمْرٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ، وهو أنَّ الأذْكارَ والآياتِ والأدْعِيَةَ الَّتِي يُسْتَشْفى بِها ويُرْقى بِها، هي في نَفْسِها نافِعَةٌ شافِيَةٌ، ولَكِنْ تَسْتَدْعِي قَبُولَ المَحِلِّ، وقُوَّةَ هِمَّةِ الفاعِلِ وتَأْثِيرَهُ، فَمَتى تَخَلَّفَ الشِّفاءُ كانَ لِضَعْفِ تَأْثِيرِ الفاعِلِ، أوْ لِعَدَمِ قَبُولِ المُنْفَعِلِ، أوْ لِمانِعٍ قَوِيٍّ فِيهِ يَمْنَعُ أنْ يَنْجَعَ فِيهِ الدَّواءُ، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في الأدْوِيَةِ والأدْواءِ الحِسِّيَّةِ، فَإنَّ عَدَمَ تَأْثِيرِها قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ قَبُولِ الطَّبِيعَةِ لِذَلِكَ الدَّواءِ، وقَدْ يَكُونُ لِمانِعٍ قَوِيٍّ يَمْنَعُ مِنَ اقْتِضائِهِ أثَرَهُ، فَإنَّ الطَّبِيعَةَ إذا أخَذَتِ الدَّواءَ بِقَبُولٍ تامٍّ كانَ انْتِفاعُ البَدَنِ بِهِ بِحَسْبِ ذَلِكَ القَبُولِ، فَكَذَلِكَ القَلْبُ إذا أخَذَ الرُّقى والتَّعاوِيذَ بِقَبُولٍ تامٍّ، وكانَ لِلرّاقِي نَفْسٌ فَعّالَةٌ وهِمَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ في إزالَةِ الدّاءِ.
وقال في زاد المعاد:
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
والصَّحِيحُ: أنَّ " مِن " هاهُنا، لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧].
فالقُرْآنُ هو الشِّفاءُ التّامُّ مِن جَمِيعِ الأدْواءِ القَلْبِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ، وأدْواءِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما كُلُّ أحَدٍ يُؤَهَّلُ ولا يُوَفَّقُ لِلِاسْتِشْفاءِ بِهِ، وإذا أحْسَنَ العَلِيلُ التَّداوِيَ بِهِ، ووَضَعَهُ عَلى دائِهِ بِصِدْقٍ وإيمانٍ، وقَبُولٍ تامٍّ، واعْتِقادٍ جازِمٍ، واسْتِيفاءِ شُرُوطِهِ، لَمْ يُقاوِمْهُ الدّاءُ أبَدًا.
وَكَيْفَ تُقاوِمُ الأدْواءُ كَلامَ رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ الَّذِي لَوْ نَزَلَ عَلى الجِبالِ لَصَدَّعَها، أوْ عَلى الأرْضِ لَقَطَّعَها، فَما مِن مَرَضٍ مِن أمْراضِ القُلُوبِ والأبْدانِ إلّا وفي القُرْآنِ سَبِيلُ الدِّلالَةِ عَلى دَوائِهِ وسَبَبِهِ، والحَمِيَّةِ مِنهُ لِمَن رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمًا في كِتابِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الكَلامِ عَلى الطِّبِّ بَيانُ إرْشادِ القُرْآنِ العَظِيمِ إلى أُصُولِهِ ومَجامِعِهِ الَّتِي هي حِفْظُ الصِّحَّةِ والحِمْيَةُ، واسْتِفْراغُ المُؤْذِي، والِاسْتِدْلالُ بِذَلِكَ عَلى سائِرِ أفْرادِ هَذِهِ الأنْواعِ.
وَأمّا الأدْوِيَةُ القَلْبِيَّةُ، فَإنَّهُ يَذْكُرُها مُفَصَّلَةً، ويَذْكُرُ أسْبابَ أدْوائِها وعِلاجَها. قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، فَمَن لَمْ يَشْفِهِ القُرْآنُ، فَلا شَفاهُ اللَّهُ، ومَن لَمْ يَكْفِهِ فَلا كَفاهُ اللَّهُ.
الإسراء 17:84
قالَ شَقِيق بن إبْراهِيم أغلق باب التَّوْفِيق عَن الخلق من سِتَّة أشْياء:
اشتغالهم بِالنعْمَةِ عَن شكرها ورغبتهم في العلم وتركهم العَمَل والمسارعة إلى الذَّنب وتَأْخِير التَّوْبَة والاغترار بِصُحْبَة الصّالِحين وترك الِاقْتِداء بفعالهم وإدبار الدُّنْيا عَنْهُم وهم يتبعونها وإقبال الآخِرَة عَلَيْهِم وهم معرضون عَنْها.
قلت وأصل ذَلِك عدم الرَّغْبَة والرهبة وأصله ضعف اليَقِين وأصله ضعف البصيرة وأصله مهانة النَّفس ودناءتها واستبدال الَّذِي هو أدنى بِالَّذِي هو خير وإلّا فَلَو كانَت النَّفس شريفة كَبِيرَة لم ترض بالدون فَأصل الخَيْر كُله بِتَوْفِيق الله ومشيئته وشرف النَّفس ونبلها وكبرها وأصل الشَّرّ خستها ودناءتها وصغرها قالَ تَعالى قَدْ أفْلح من زكاها وقد خابَ من دساها أي أفْلح من كبرها وكثرها ونماها بِطاعَة الله وخاب من صغرها وحقرها بمعاصي الله فالنفوس الشَّرِيفَة لا ترْضى من الأشْياء إلّا بِأعْلاها وأفضلها وأحمدها عاقِبَة والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتَقَع عَلَيْها كَما يَقع الذُّباب على الأقذار فالنَّفْس الشَّرِيفَة العلية لا ترْضى بالظلم ولا بالفواحش ولا بِالسَّرقَةِ والخيانة لِأنَّها أكبر من ذَلِك وأجلّ والنَّفس المهينة الحقيرة والخسيسة بالضد من ذَلِك فَكل نفس تميل إلى ما يُناسِبها ويشاكلها وهَذا معنى قَوْله تَعالى ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه﴾
أي على ما يشاكله ويناسبه فَهو يعْمل على طَرِيقَته الَّتِي تناسب أخلاقه وطبيعته وكل إنْسان يجْرِي على طَرِيقَته ومذهبه وعادته الَّتِي ألفها وجبل عَلَيْها فالفاجر يعْمل بِما يشبه طَرِيقَته من مُقابلَة النعم بِالمَعاصِي والإعراض عَن النعم والمُؤمن يعْمل بِما يشاكله من شكر النعم ومحبته والثناء عَلَيْهِ والتودد إلَيْهِ والحياء مِنهُ والمراقبة لَهُ وتعظيمه وإجلاله.
(لطيفة)
علمت كلبك فَهو يتْرك شَهْوَته في تناول ما صاده احتراما لنعمتك، وخوفا من سطوتك.
وَكم علمك معلم الشَّرْع وأنت لا تقبل.
حرم صيد الجاهِل والممسك لنَفسِهِ فَما ظن الجاهِل الَّذِي أعماله لهوى نَفسه؟
جمع فِيك عقل الملَك، وشهوة البَهِيمَة، وهوى الشَّيْطان.
وَأنت للْغالِب عَلَيْك من الثَّلاثَة.
إن غلبت شهوتك وهواك زِدْت على مرتبَة ملك.
وَإن غلبك هَواك وشهوتك نقصت عَن مرتبَة كلب.
لما صاد الكَلْب لرَبه أُبِيح صَيْده.
وَلما أمسك على نَفسه حرم ما صاده.
(فصل لَذَّة كل أحد على حسب قدره وهمّته وشرف نَفسه)
فَأشْرَف النّاس نفسا وأعْلاهم همّة وأرفعهم قدرا من لذّته في معرفَة الله ومحبته والشوق إلى لِقائِه والتودد إلَيْهِ بِما يُحِبهُ ويرضاه، فلذته في إقباله عَلَيْهِ وعكوف همته عَلَيْهِ ودون ذَلِك مَراتِب لا يحصيها إلّا الله حَتّى تَنْتَهِي إلى من لذته في أخس الأشْياء من القاذورات والفَواحِش في كل شَيْء من الكَلام والفعال والأشغال فَلَو عرضت عَلَيْهِ ما يلتذ بِهِ الأول لم تسمح نَفسه بقبوله ولا الِالتِفات إلَيْهِ ورُبما تألمت من ذَلِك كَما أن الأول إذا عرض عَلَيْهِ ما يلتذ بِهِ هَذا لم تسمح نَفسه بِهِ ولم تلْتَفت إلَيْهِ ونفرت نَفسه مِنهُ وأكمل النّاس لَذَّة من جمع لَهُ بَين لَذَّة القلب والروح ولَذَّة البدن فَهو يتَناوَل لذاته المُباحَة على وجه لا ينقص حَظه من الدّار والآخِرَة ولا يقطع عَلَيْهِ لَذَّة المعرفَة والمحبة والأنس بربه فَهَذا مِمَّن قالَ تَعالى فِيهِ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قل هَل هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ وأبخسهم حظا من اللَّذَّة من تناولها على وجه يحول بَينه وبَين لذات الآخِرَة فَيكون مِمَّن يُقال لَهُم يَوْم اسْتِيفاء اللَّذّات أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَهَؤُلاءِ تمَتَّعُوا بالطيبات وأُولَئِكَ تمَتَّعُوا بالطيبات وافترقوا في وجه التَّمَتُّع فَأُولَئِك تمَتَّعُوا بها على الوَجْه الَّذِي أذن لَهُم فِيهِ فَجمع لَهُم بَين لَذَّة الدُّنْيا والآخِرَة وهَؤُلاء تمَتَّعُوا بها على الوَجْه الَّذِي دعاهم إلَيْهِ الهوى والشهوة وسَواء أذن لَهُم فِيهِ أم لا فانْقَطَعت عَنْهُم لَذَّة الدُّنْيا وفاتتهم لَذَّة الآخِرَة فَلا لَذَّة الدُّنْيا دامَت لَهُم ولا لَذَّة الآخِرَة حصلت لَهُم فَمن أحب اللَّذَّة ودوامها والعيش الطيّب فليجعل لَذَّة الدُّنْيا موصلا لَهُ إلى لَذَّة الآخر بِأن يَسْتَعِين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته فيتناولها بِحكم الِاسْتِعانَة والقُوَّة على طلبه لا بِحكم مُجَرّد الشَّهْوَة والهوى وإن كانَ مِمَّن زويت عَنهُ لذات الدُّنْيا وطيباتها فليجعل ما نقص مِنها زِيادَة في لَذَّة الآخِرَة ويجم نَفسه هاهُنا بِالتّرْكِ ليستوفيها كامِلَة هُناكَ فطيبات الدُّنْيا ولذاتها نعم العون لمن صَحَّ طلبه لله والدّار الآخِرَة وكانَت همه لما هُناكَ وبئسَ القاطِع لمن كانَت هي مَقْصُوده وهمته وحولها يدندن وفواتها في الدُّنْيا نعم العون لطالب الله والدّار الآخِرَة وبئسَ القاطِع النازع من الله والدّار الآخِرَة فَمن أخذ مَنافِع الدُّنْيا على وجه لا ينقص حَظه من الآخِرَة ظفر بهما جَمِيعًا وإلّا خسرهما جَمِيعًا.
سُبْحانَ الله رب العالمين لَو لم يكن في ترك الذُّنُوب والمعاصي إلّا إقامَة المُرُوءَة وصون العرض وحفظ الجاه وصيانة المال الَّذِي جعله الله قواما لمصالح الدُّنْيا والآخِرَة ومحبة الخلق وجوار القَوْل بَينهم وصَلاح المعاش وراحة البدن وقُوَّة القلب وطيب النَّفس ونعيم القلب وانشراح الصَّدْر والأمن من مخاوف الفُسّاق والفجار وقلة الهم والغَم والحزن وعز النَّفس عَن احْتِمال الذل وصون نور القلب أن تطفئه ظلمَة المعْصِيَة وحُصُول المخْرج لَهُ مِمّا ضاقَ على الفُسّاق والفجار وتيسر الرزق عَلَيْهِ من حَيْثُ لا يحْتَسب وتيسير ما عسر على أرْباب الفسوق والمعاصي وتسهيل الطّاعات عَلَيْهِ وتيسير العلم والثناء الحسن في النّاس وكَثْرَة الدُّعاء لَهُ والحلاوة الَّتِي يكتسبها وجهه المهابة الَّتِي تلقى لَهُ في قُلُوب النّاس وانتصارهم وحميتهم لَهُ إذا أوذي وظلم وذبهم عَن عرضه إذا اغتابه مغتاب وسُرْعَة إجابَة دُعائِهِ وزَوال الوحشة الَّتِي بَينه وبَين الله وقرب المَلائِكَة مِنهُ وبعد شياطين الإنْس والجِنّ مِنهُ وتنافس النّاس على خدمته وقَضاء حَوائِجه وخطبتهم لمودته وصحبته وعدم خَوفه من المَوْت بل يفرح بِهِ لقدومه على ربه ولقائه لَهُ ومصيره إلَيْهِ وصغر الدُّنْيا في قلبه وكبر الآخِرَة عِنْده وحرصه على الملك الكَبِير والفوز العَظِيم فِيها وذوق حلاوة الطّاعَة ووجد حلاوة الإيمان ودُعاء حَملَة العَرْش ومن حوله من المَلائِكَة لَهُ وفَرح الكاتِبين بِهِ ودعائهم لَهُ كل وقت والزِّيادَة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته وحُصُول محبَّة الله لَهُ وإقباله عَلَيْهِ وفرحه بتويته وهَكَذا يجازيه بفرح وسرور لا نِسْبَة لَهُ إلى فرحه وسروره بالمعصية بِوَجْه من الوُجُوه
فَهَذِهِ بعض آثار ترك المعاصِي في الدُّنْيا فَإذا ماتَ تَلَقَّتْهُ المَلائِكَة بالبشرى من ربه بِالجنَّةِ وبِأنَّهُ لا خوف عَلَيْهِ ولا حزن وينتقل من سجن الدُّنْيا وضيقها إلى رَوْضَة من رياض الجنَّة ينعم فِيها إلى يَوْم القِيامَة فَإذا كانَ يَوْم القِيامَة كانَ النّاس في الحر والعرق وهو في ظلّ العَرْش فَإذا انصرفوا من بَين يَدي الله أخذ بِهِ ذات اليَمين مَعَ أوليائه المُتَّقِينَ وحزبه المفلحين وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو فضل عَظِيم.
[فَصْلٌ تَعْرِيفُ الإرادَةِ]
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " رَحِمَهُ اللَّهُ:
بابُ الإرادَةِ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤].
فِي تَصْدِيرِهِ البابَ بِهَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِهِ. وجَلالَةِ مَحِلِّهِ مِن هَذا العِلْمِ. فَإنَّ مَعْنى الآيَةِ: كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى كُلِّ ما يُشاكِلُهُ، ويُناسِبُهُ، ويَلِيقُ بِهِ. فالفاجِرُ يَعْمَلُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ. وكَذَلِكَ الكافِرُ والمُنافِقُ، ومُرِيدُ الدُّنْيا وجِيفَتِها عامِلٌ عَلى ما يُناسِبُهُ، ولا يَلِيقُ بِهِ سِواهُ. ومُحِبُّ الصُّوَرِ: عامِلٌ عَلى ما يُناسِبُهُ ويَلِيقُ بِهِ.
فَكُلُّ امْرِئٍ يَهْفُو إلى ما يُحِبُّهُ وكُلُّ امْرِئٍ يَصْبُو إلى ما يُناسِبُهُ فالمُرِيدُ الصّادِقُ المُحِبُّ لِلَّهِ: يَعْمَلُ ما هو اللّائِقُ بِهِ والمُناسِبُ لَهُ. فَهو يَعْمَلُ عَلى شاكِلَةِ إرادَتِهِ. وما هو الألْيَقُ بِهِ، والأنْسَبُ لَها.
قالَ: الإرادَةُ مِن قَوانِينِ هَذا العِلْمِ، وجَوامِعِ أبْنِيَتِهِ. وهي الإجابَةُ لِدَواعِي الحَقِيقَةِ، طَوْعًا أوْ كَرْهًا.
يُرِيدُ: أنَّ هَذا العِلْمَ مَبْنِيٌّ عَلى الإرادَةِ. فَهي أساسُهُ، ومَجْمَعُ بِنائِهِ. وهو مُشْتَمِلٌ عَلى تَفاصِيلِ أحْكامِ الإرادَةِ. وهي حَرَكَةُ القَلْبِ. ولِهَذا سُمِّيَ عِلْمَ الباطِنِ كَما أنَّ عِلْمَ الفِقْهِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفاصِيلِ أحْكامِ الجَوارِحِ. ولِهَذا سَمَّوْهُ عِلْمَ الظّاهِرِ
فَهاتانِ حَرَكَتانِ اخْتِيارِيَّتانِ. ولِلْعَبْدِ حَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ اضْطِرارِيَّةٌ. فالعِلْمُ المُشْتَمِلُ عَلى تَفاصِيلِها، وأحْكامِها: هو عِلْمُ الطِّبِّ. فَهَذِهِ العُلُومُ الثَّلاثَةُ: هي الكَفِيلَةُ بِمَعْرِفَةِ حَرَكاتِ النَّفْسِ والقَلْبِ. وحَرَكاتِ اللِّسانِ والجَوارِحِ، وحَرَكاتِ الطَّبِيعَةِ.
فالطَّبِيبُ: يَنْظُرُ في تِلْكَ الحَرَكاتِ مِن جِهَةِ تَأثُّرِ البَدَنِ عَنْها صِحَّةً واعْتِلالًا، وفي لَوازِمِ ذَلِكَ ومُتَعَلِّقاتِهِ.
والفَقِيهُ: يَنْظُرُ في تِلْكَ الحَرَكاتِ مِن جِهَةِ مُوافَقَتِها لِأمْرِ الشَّرْعِ، ونَهْيِهِ وإذْنِهِ، وكَراهَتِهِ، ومُتَعَلِّقاتِ ذَلِكَ.
والصُّوفِيُّ: يَنْظُرُ في تِلْكَ الحَرَكاتِ مِن جِهَةِ كَوْنِها مُوَصِّلَةً لَهُ إلى مُرادِهِ. أوْ قاطِعَةً عَنْهُ، ومُفْسِدَةً لِقَلْبِهِ، أوْ مُصَحِّحَةً لَهُ.
وَأمّا قَوْلُهُ: وهي الإجابَةُ لِداعِي الحَقِيقِيَّةِ
فالإجابَةُ هي الِانْقِيادُ، والإذْعانُ. والحَقِيقَةُ عِنْدَهُمْ: مُشاهَدَةُ الرُّبُوبِيَّةِ. والشَّرِيعَةُ التِزامُ العُبُودِيَّةِ.
فالشَّرِيعَةُ: أنْ تَعْبُدَه. والحَقِيقَةُ: أنْ تَشَهَدُهُ.
فالشَّرِيعَةُ: قِيامُكَ بِأمْرِهِ. والحَقِيقَةُ: شُهُودُكَ لِوَصْفِهِ. وداعِي الحَقِيقَةِ: هو صِحَّةُ المَعْرِفَةِ. فَإنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ أحَبَّهُ ولا بُدَّ.
وَلا بُدَّ في هَذِهِ الإجابَةِ مِن ثَلاثَةِ أشْياءَ: نَفْسٌ مُسْتَعِدَّةٌ قابِلَةٌ. لا تُعْوِزُ إلّا الدّاعِيَ. ودَعْوَةٌ مُسْتَمَعَةٌ، وتَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ مِنَ المانِعِ.
فَما انْقَطَعَ مَنِ انْقَطَعَ إلّا مِن جِهَةٍ مِن هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثِ.
وَقَوْلُهُ: طَوْعًا أوْ كَرْهًا يُشِيرُ إلى المَجْذُوبِ، المُخْتَطَفِ مِن نَفْسِهِ، والسّالِكِ إرادَةً واخْتِيارًا ومُجاهَدَةً.
(فائدة)
من الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم، قد وفر عليه زمانه مبتغيًا به وجه الله فلا يزال كذلك عاكفًا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى الله ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ على الله﴾ [النساء: ١٠٠].
وقد حكي عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن أنه رؤي بعد موته وأخبره أنه في تكميل مطلوبه وأنه يتعلم في البرزخ، فإن العبد يموت على ما عاش عليه.
ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر وقد جعله زاده لمعاده ورأْس ماله لمآله، فمتى فتر عنه أو قصر رأى أنه قد غبن وخسر، ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، فمتى قصر في ورده منها أو مضى عليه وقت وهو غير مشغول بها أو مستعد لها أظلم عليه وقته وضاق صدره.
ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدى، كقضاءِ الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأنواع الصدقات، قد فتح له في هذا وسلك منه طريقًا إلى ربه. ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن وهي الغالب على أوقاته وهي أعظم أورداه. ومن الناس من يكون طريقه الصوم، فهو متى أفطر تغير عليه قلبه وساءَت حاله.
ومنهم يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد فتح الله له فيه ونفذ منه إلى ربه، ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحج والاعتمار. ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاة الخواطر وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة.
ومنهم من جامع المنفذ السالك إلى الله في كل واد الواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه ونصب عينه يؤمها أين كانت ويسير معها حيث سارت قد ضرب من كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك: إن كان علم وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو ومراقبة ومحبه وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين العبودية أنّى استقلت ركائبها، ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها، لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي حيث كانت وأين كانت، جالبة ما جلبت مقتضية ما اقتضت جمعيتين أو فرقتين أو فرقتني، ليس لي مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها مراقبًا له فيها عاكفًا عليه بالروح والقلب والبدن والسر، قد سلمت إليه المبيع منتظرًا منه تسليم الثمن: ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّة﴾ [التوبة: ١١١]، فهذا هو العبد السالك إلى ربه النافذ إليه حقيقة.
ومعنى النفوذ إليه أن يتصل به قلبه ويعلق به تعلق المحب التام المحبه بمحبوبه فيسلو به عن جميع
المطالب سواه، فلا يبقى في قلبه إلا محبة الله وأمره وطلب التقريب إليه.
فإذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ربه فقربه واصطفاه وأخذ بقلبه إليه وتولاه في جميع أموره في معاشه ودينه وتولى تربيته أحسن وأبلغ مما يربي الوالد الشفيق ولده، فإنه سبحانه القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه، ورضي به من الناس حبيبًا وربًا، ووكيلًا وناصرًا ومعينًا وهاديًا، فلو كشف الغطاءَ عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حبا ًله وشوقًا إليه ويقع شكرًا له، ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك تقدير العزيز العليم.
وإلا فأي قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره ويسكن إلى ما سواه؟
هذا ما لا يكون أبدًا، ومن ذاق شيئًا من ذلك وعرف طريقًا موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته وقع في آثار المعاطب وأودع قلبه سجون المضايق وعذب في حياته عذابًا لم يعذبه أحد من العالمين، فحياته عجز وغم وحزن، وموته كدر وحسرة، ومعاده أسف وندامة، قد فرط عليه أمره وشتت عليه شمله، وأحضرت نفسه الغموم والأحزان، فلا لذة الجاهلين ولا راحة العارفين، يستغيث فلا يغاث ويشتكي فلا يشكى، فقد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة وأقبلت آلامه، وأحزانه وحسراته مقبلة، فقد أُبدل بأُنسه وحشه وبعزه ذلًا وبغناه فقرًا وبجمعيته تشتيتًا، وأبعدوه فلم يظفر بقربهم، وأبدلوه مكان الأنس إيحاشًا، ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها وناكبًا عنها مكبًا على وجهه، فأبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر، وأقبل ثم أدبر ودعى فما أجاب، وفتح له فولى ظهره الباب، قد ترك طريق مولاه وأقبل بكليته على هواه، فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشئونه فهو مقيد القلب عن انطلاقه في فسيح التوحيد وميادين الأُنس ورياض المحبة وموائد القرب، قد انحط بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل السافلين، وحصل في عداد الهالكين فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده، وإعراض الكون عنه - إذ أعرض عن ربه - حائل بينه وبين مراده، فهو قبر يمشي على وجه الأرض فروحه في وحشة من جسمه وقلبه في ملال من حياته، يتمنى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه، حتى إذا جاءه الموت على تلك الحال والعياذ بالله فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم بسب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق وإحداقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته.
فلو توهم العبد المسكين هذه الحال وصورتها له نفسه وأرته إياها على حقيقتها لتقطع والله قلبه ولم يلتذ بطعام ولا شراب، ولخرج إلى الصعدات يجأر إلى الله ويستغيث به ويستعتبه في زمن الاستعتاب، هذا مع أنه إذا آثر شهواته ولذاته الفانية التي كخيال طيف أو مزنة صيف نغصت عليه لذاتها أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها أقدر ما كان عليه، وتلك سنة الله في خلقه كما قال تعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضِ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ، كَذَلِكَ نُفصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
الإسراء 17:85
[فصل: هل الروح قديمة أم محدثة مخلوقة]
وهي هل الروح قديمة أو محدثة مخلوقة، وإذا كانت محدثة مخلوقة وهي من أمر اللّه فكيف يكون أمر اللّه محدثا مخلوقا؟ وقد أخبر سبحانه أنه نفخ في آدم من روحه فهذه الإضافة إليه هل تدل على أنها قديمة أم لا؟
وما حقيقة هذه الإضافة؟
فقد أخبر عن آدم أنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، فأضاف اليد والروح إليه إضافة واحدة؟
فهذه مسألة زل فيها عالم، وضلت فيها طوائف من بني آدم. وهدى اللّه أتباع رسوله فيها للحق المبين والصواب المستبين، فأجمعت الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة. هذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم، كما يعلم بالاضطرار من دينهم أن العالم حادث، وأن معاد الأبدان واقع، وأن اللّه وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق له، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم وهم القرون الفضيلة على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة، حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنّة فزعم أنها قديمة غير مخلوقة، واحتج بأنها من أمر اللّه، وأمره غير مخلوق، وبأن اللّه تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وكتابه وقدرته وسمعه وبصره ويده، وتوقف آخرون فقالوا: لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة.
وسئل عن ذلك حافظ أصبهان: أبو عبد اللّه بن منده فقال: أما بعد فإن سائلا سألني عن الروح التي جعلها اللّه سبحانه قوام نفس الخلق وأبدانهم وذكر أقواما تكلموا في الروح وزعموا أنها غير مخلوقة وخص بعضهم منها أرواح القدس وأنها من ذات اللّه، قال وأنا أذكر اختلاف أقاويل متقدميهم وأبين ما يخالف أقاويلهم من الكتاب والأثر وأوضح خطأ المتكلم في الروح بغير علم وأن كلامهم يوافق قول جهم وأصحابه.
فنقول وباللّه التوفيق:
إن الناس اختلفوا في معرفة الأرواح ومحلها من النفس.
١ - فقال بعضهم: الأرواح كلها مخلوقة، وهذا مذهب أهل الجماعة والأثر.
واحتجوا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف».
والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة.
٢ - وقال بعضهم: الأرواح من أمر اللّه، أخفى اللّه حقيقتها وعلمها عن الخلق واحتجوا بقول اللّه تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾.
٣ - وقال بعضهم: الأرواح نور من نور اللّه تعالى وحياة من حياته واحتجوا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن اللّه خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره»
ثم ذكر الخلاف في الأرواح هل تموت أم لا؟ وهل تعذب مع الأجساد في البرزخ وفي مستقرها بعد الموت؟ وهل هي النفس أو غيرها.
٤ - وقال محمد بن نصر المروزي في كتابه: تأول صنف من الزنادقة وصنف من الروافض في روح آدم ما تأولته النصارى في روح عيسى، وما تأوله قوم من أن الروح انفصل من ذات اللّه فصار في المؤمن فعبد صنف من النصارى عيسى ومريم جميعا، لأن عيسى عندهم روح من اللّه صار في مريم فهو غير مخلوق عندهم.
٥ - وقال صنف من الزنادقة وصنف من الروافض: إن روح آدم مثل ذلك أنه غير مخلوق، وتأولوا قوله تعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ فزعموا أن روح آدم ليس بمخلوق كما تأول من قال: إن النور من الرب غير مخلوق، قال: ثم صاروا بعد آدم في الوصي بعده، ثم هو في كل نبي ووصي إلى أن صار في علي ثم في الحسن والحسين، ثم في كل وصي وإمام فيه يعلم الإمام كل شيء ولا يحتاج أن يتعلم من أحد.
ولا خلاف بين المسلمين أن الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة للّه، خلقها وأنشأها وكونها واخترعها ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف إليه سائر خلقه قال تعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾.
٦ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وائمتها وسائر أهل السنّة.
وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من ائمة المسلمين مثل محمد بن نصر المروزي الإمام المشهور الذي هو من أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، وكذلك أبو محمد بن قتيبة قال في (كتاب اللفظ) لما تكلم على الروح قال: النسم الأرواح.
قال وأجمع الناس على أن اللّه تعالى هو خالق الحبة وبارئ النسمة أي خالق الروح.
وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: سألت رحمك اللّه عن الروح مخلوقة هي أو غير مخلوقة؟
قال: وهذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب أو الروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة، وصنف الحافظ أبو عبد اللّه بن منده في ذلك كتابا كبيرا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره والشيخ أبو سعيد الخراز وأبو يعقوب النهر جوري والقاضي أبو يعلى.
وقد نص على ذلك الأئمة الكبار واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في روح عيسى ابن مريم، فكيف بروح غيره.
الإسراء 17:110
أما قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسماءُ الحُسْنى﴾
فهذا الدعاء المشهور وأنه دعاء المسألة وهو سبب النزول قالوا: "كان النبي ﷺ يدعوا ربه فيقول مرة "يا الله" ومرة: "يا رحمن" فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعوا إليهين فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال ابن عباس: "سمع المشركون النبي ﷺ يدعو في سجوده (يا رحمن يا رحيم) فقالوا: هذا يزعم أنه يدعوا واحدا وهو يدعوا مثنى مثنى فأنزل الله هذه الآية ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أو ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾.
وقيل إن الدعاء هاهنا بمعنى التسمية كقولهم: "دعوت ولدي سعيدا" "وادعه بعبد الله" ونحوه والمعنى: سموا الله أو أو سموا الرحمن فالدعاء هاهنا بمعنى التسمية وهذا قول الزمخشري والذي حمله على هذا قوله: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسماءُ الحُسْنى﴾ فإن المراد بتعدده معنى أي وعمومها هاهنا تعدد الأسماء ليس إلا والمعنى أي اسم سميتموه به من أسماء الله تعالى إما الله إما الرحمن فله الأسماء الحسنى أي فللمسمى سبحانه الأسماء الحسنى والضمير في (له) يعود إلى المسمى فهذا الذي أوجب له أن يحمل الدعاء في الداء في هذه الآية على التسمية وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المرادبالدعاء في الآية وليس هو عين المراد بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن وهو دعاء السؤال ودعاء الثناء ولكنه متضمن معنى التسمية فليس المراد مجرد التسمية الخالية عن العبادة والطلب بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب فعلى هذا المعنى يصح أن يكون في (تدعوا) معنى تسموا فتأمله؛ والمعنى أيا ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم والله أعلم.
[فَصْلٌ: سِرُّ التَّفْرِقَةِ في الوَصْفِ بَيْنَ صَلاةِ اللَّيْلِ وصَلاةِ النَّهارِ]
وَأمّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ صَلاةِ اللَّيْلِ وصَلاةِ النَّهارِ في الجَهْرِ والإسْرارِ فَفي غايَةِ المُناسَبَةِ والحِكْمَةِ؛ فَإنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ هُدُوءِ الأصْواتِ وسُكُونِ الحَرَكاتِ وفَراغِ القُلُوبِ واجْتِماعِ الهِمَمِ المُشَتَّتَةِ بِالنَّهارِ، فالنَّهارُ مَحِلُّ السَّبْحِ الطَّوِيلِ بِالقَلْبِ والبَدَنِ، واللَّيْلُ مَحِلُّ مُواطَأةِ القَلْبِ لِلِّسانِ ومُواطَأةِ اللِّسانِ لِلْأُذُنِ؛ ولِهَذا كانَتْ السُّنَّةُ تَطْوِيلُ قِراءَةِ الفَجْرِ عَلى سائِرِ الصَّلَواتِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِيها بِالسِّتِّينَ إلى المِائَةِ، وكانَ الصِّدِّيقُ يَقْرَأُ فِيها بِالبَقَرَةِ، وعُمَرُ بِالنَّحْلِ وهُودٍ وبَنِي إسْرائِيلَ ويُونُسَ ونَحْوِها مِن السُّوَرِ؛ لِأنَّ القَلْبَ أفْرَغُ ما يَكُونُ مِن الشَّواغِلِ حِينَ انْتِباهِهِ مِن النَّوْمِ، فَإذا كانَ أوَّلُ ما يَقْرَعُ سَمْعَهُ كَلامَ اللَّهِ الَّذِي فِيهِ الخَيْرُ كُلُّهُ بِحَذافِيرِهِ صادَفَهُ خالِيًا مِن الشَّواغِلِ فَتَمَكَّنَ فِيهِ مِن غَيْرِ مُزاحِمٍ؛ وأمّا النَّهارُ فَلَمّا كانَ بِضِدِّ ذَلِكَ كانَتْ قِراءَةُ صَلاتِهِ سِرِّيَّةً إلّا إذا عارَضَ في ذَلِكَ مُعارِضٌ أرْجَحُ مِنهُ، كالمَجامِعِ العِظامِ في العِيدَيْنِ والجُمُعَةِ والِاسْتِسْقاءِ والكُسُوفِ؛ فَإنَّ الجَهْرَ حِينَئِذٍ أحْسَنُ وأبْلَغُ في تَحْصِيلِ المَقْصُودِ، وأنْفَعُ لِلْجَمْعِ، وفِيهِ مِن قِراءَةِ كَلامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وتَبْلِيغِهِ في المَجامِعِ العِظامِ ما هو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ الرِّسالَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:111
فهو سبحانه لا يوالي من يواليه من الذل، كما يوالي المخلوق المخلوق، وإنما يوالي أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم. وأما العباد فإنهم كما قال عز وجل: ﴿واللهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨].
فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانتفاعه به عاجلًا أو آجلًا. ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه. فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ذلك الإحسان إليه. فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء، أو معاوضة بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره. وهو أيضًا إنما يحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير. وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى في الآخرة، فهو أيضًا محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير ملوم في هذا القصد، فإنه فقير محتاج، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه، وقال تعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] وقال: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكمْ وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
وقال تعالى، فيما رواه عنه رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " يا عِبادِي: إنَّكم لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِى فَتَنْفَعُونِي، ولَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، يا عِبادِي: إنّما هي أعْماَلكُم أُحْصِيها لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكم إيّاها، فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، ومَن وجَدَ غيْرَ ذلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ".
فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد انتفاعه بك.
والرب تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه به، وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة، بخلاف إرادة المخلوق نفعك، فإنه قد يكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمل منته.
فتدبر هذا فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون الله عز وجل، أو تطلب منه نفعا، أو دفعا أو تعلق قلبك به، فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك، وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض، وهو حال الولد مع والده، والزوج مع زوجه، والمملوك مع سيده، والشريك مع شريكه. فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم، وأحسن إليهم لله تعالى، وخاف الله تعالى فيهم، ولم يخفهم مع الله تعالى، ورجا الله تعالى بالإحسان إليهم، ولم يرجهم مع الله، وأحبهم بِحُبِّ الله، ولم يحبهم مع الله تعالى، كما قال أولياء الله عز وجل: ﴿إنما نُطعمكم لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكورًا﴾ [الإنسان: ٩].
الكهف 18:10
(فصل)
إذا سلم العبد من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظم غايتين مطلوبتين، بهما سعادته وفلاحه وكماله. وهما الهدى، والرحمة.
قال تعالى عن موسى وفتاه:
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
فجمع له بين الرحمة والعلم، وذلك نظير قول أصحاب الكهف: ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
فإن الرشد هو العلم بما ينفع، والعمل به. والرشد والهدى إذا أفرد كل منها تضمن الآخر، وإذا قرن أحدهما. فالهدى هو العلم بالحق. والرشد هو العمل به وضدهما الغى واتباع الهوى.
وقد يقابل الرشد بالضر والشر. قال تعالى: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١].
وقال مؤمنو الجن: ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَر أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠].
فالرشد يقابل الغي، كما في قوله: ﴿وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخذُوهُ سَبِيلًا، وإنْ يَروْا سَبيلَ الغى يَتَّخِذوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦].
ويقابل الضر والشر كما تقدم، وذلك لأن الغي سبب حصول الشر والضر ووقوعهما بصاحبه.
فالضر والشر غاية البغي وثمرته، كما أن الرحمة والفلاح غاية الهدى وثمرته.
فلهذا يقابل كل منهما بنقيضه وسبب نقبضه، فيقابل الهدى بالضلال، كقوله: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاء﴾ [النحل: ٩٣] وقوله ﴿إنْ تَحْرصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] وهو كثير.
ويقابل بالضلال والعذاب. كقوله: ﴿فَمنِ اتَّبَعَ هُداى فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣].
فقابل الهدى بالضلال والشقاء.
وجمع سبحانه بين الهدى والفلاح، والهدى والرحمة، كما يجمع بين الضلال والشقاء والضلال والعذاب: كقوله: ﴿إنّ المُجْرِمِينَ في ضَلاَلٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧].
فالضلال ضد الهدى، والسعر العذاب، وهو ضد الرحمة.
وقال: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعيِشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمَي﴾ [طه: ١٢٤].
والمقصود: أن من سلم من فتنة الشبهات والشهوات جمع له بين الهدى والرحمة، والهدى والفلاح.
قال تعالى عن أوليائه: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَة إنّكَ أنت الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] وقال تعالى: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتها هُدًى ورَحْمَة لِلَّذِينَ هم لِربِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] وقال تعالى: ﴿هذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِى الألْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولكِنْ تصديِقَ الّذِي بَيْنَ يَدَيَهِ وتفصيل كُلِّ شَئ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَة مِن رَبِّكم وشِفاء لَمِا في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
فقوله: "هذا بصائر من ربكم" عام مطلق، وقوله: "وهدى ورحمة لقوم يوقنون" خاص بأهل اليقين.
ونظير ذلك قوله ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَة مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لَمِا في الصُّدُورِ وهُدى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
ونظيره في الخصوص قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ [المائدة: ١٦].
ونظيره أيضا قوله: ﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨].
وقد أخبر أنه هدى عام لجميع المكلفين. فقال: ﴿إنْ يَتّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءهم مِن رَبِّهِمُ الهُدْى﴾ [النجم: ٢٣].
الكهف 18:14
[فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الوَجْدِ]
وَمِن مَنازِلِ " إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ " مَنزِلَةُ الوَجْدِ
ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما. وأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلّا لِلَّهِ. وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ - بَعْدَ إذْ أنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهُ - كَما يَكْرَهُ أنْ يُلْقى في النّارِ».
وَقَدِ اسْتَشْهَدَ صاحِبُ المَنازِلِ بِقَوْلِهِ تَعالى في أهْلِ الكَهْفِ ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤]
وَهَذا مِن أحْسَنِ الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِشْهادِ. فَإنَّ هَؤُلاءِ كانُوا بَيْنَ قَوْمِهِمُ الكُفّارِ في خِدْمَةِ مَلِكِهِمُ الكافِرِ. فَما هو إلّا أنْ وجَدُوا حَقِيقَةَ الإيمانِ والتَّوْفِيقِ. وذاقُوا حَلاوَتَهُ. وباشَرَ قُلُوبَهم. فَقامُوا مِن بَيْنِ قَوْمِهِمْ، وقالُوا: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] الآيَةَ.
والرَّبْطُ عَلى قُلُوبِهِمْ: يَتَضَمَّنُ الشَّدَّ عَلَيْها بِالصَّبْرِ والتَّثْبِيتِ، وتَقْوِيَتَها وتَأْيِيدَها بِنُورِ الإيمانِ، حَتّى صَبَرُوا عَلى هِجْرانِ دارِ قَوْمِهِمْ، ومُفارَقَةِ ما كانُوا فِيهِ مِن خَفْضِ العَيْشِ. وفَرُّوا بِدِينِهِمْ إلى الكَهْفِ.
والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ: عَكْسُ الخِذْلانِ. فالخِذْلانُ حَلَّهُ مِن رِباطِ التَّوْفِيقِ. فَيَغْفُلُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ. ويَتَّبِعُ هَواهُ، ويَصِيرُ أمْرُهُ فُرُطا.
والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ: شَدُّهُ بِرِباطِ التَّوْفِيقِ. فَيَتَّصِلُ بِذِكْرِ رَبِّهِ. ويَتَّبِعُ مَرْضاتَهُ. ويَجْتَمِعُ عَلَيْهِ شَمْلُهُ. فَلِهَذا اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَقامِ الوَجْدِ.
والشَّيْخُ جَعَلَ مَقامَ الوَجْدِ غَيْرَ مَقامِ الوُجُودِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَإنَّ الوُجُودَ عِنْدَ القَوْمِ هو الظَّفَرُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ. والوَجْدُ هو ما يُصادِفُ القَلْبَ، ويَرِدُ عَلَيْهِ مِن وارِداتِ المَحَبَّةِ والشَّوْقِ، والإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، وتَوابِعِ ذَلِكَ.
والمَواجِيدُ عِنْدَهم فَوْقَ الوَجْدِ. فَإنَّ الوَجْدَ مُصادَفَةٌ. والمَواجِيدَ ثَمَراتُ الأوْرادِ. وكُلَّما كَثُرَتِ الأوْرادُ قَوِيَتِ المَواجِيدُ.
و" الوُجُودُ " عِنْدَهم فَوْقَ ذَلِكَ. وهو الظَّفَرُ بِحَقِيقَةِ المَطْلُوبِ، ولا يَكُونُ إلّا بَعْدَ خُمُودِ البَشَرِيَّةِ. وانْسِلاخِ أحْكامِ النَّفْسِ انْسِلاخًا كُلِّيًّا.
قالَ الجُنَيْدُ: عِلْمُ التَّوْحِيدِ مُبايِنٌ لِوُجُودِهِ، ووُجُودُهُ مُبايِنٌ لِعِلْمِهِ.
وَلا يُرِيدُ بِالمُبايَنَةِ: المُخالَفَةَ والمُناقَضَةَ. فَإنَّهُ يُطابِقُهُ مُطابَقَةَ العِلْمِ لِلْمَعْلُومِ.
وَإنَّما يُرِيدُ بِالمُبايَنَةِ: أنَّ حالَ المُوَحِّدِ وذَوْقَهُ لِلتَّوْحِيدِ، وانْصِباغَ قَلْبِهِ بِحالِهِ: أمْرٌ وراءَ عِلْمِهِ بِهِ، ومَعْرِفَتِهِ بِهِ. والمُبايَنَةُ بَيْنَهُما كالمُبايَنَةِ بَيْنَ عِلْمِ الشَّوْقِ والتَّوَكُّلِ والخَوْفِ ونَحْوِها، وبَيْنَ حَقائِقِها ومَواجِيدِها.
فالمَراتِبُ أرْبَعَةٌ. أضْعَفُها التَّواجُدُ وهو نَوْعُ تَكَلُّفٍ وتَعَمُّلٍ واسْتِدْعاءٍ.
واخْتَلَفُوا فِيهِ: هَلْ يُسَلَّمُ لِصاحِبِهِ أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
فَطائِفَةٌ قالَتْ: لا يُسَلَّمُ لِصاحِبِهِ. ويُنْكَرُ عَلَيْهِ، لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّصَنُّعِ المُبايِنِ لِطَرِيقِ الصّادِقِينَ. وبِناءُ هَذا الأمْرِ عَلى الصِّدْقِ المَحْضِ.
وَطائِفَةٌ قالَتْ: يُسَلَّمُ لِصاحِبِهِ إذا كانَ قَصْدُهُ اسْتِدْعاءَ الحَقِيقَةِ، لا التَّشَبُّهَ بِأهْلِها. واحْتَجُّوا «بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأبا بَكْرٍ يَبْكِيانِ في شَأْنِ أُسارى بَدْرٍ، وما قَبِلُوا مِنهم مِنَ الفِداءَ: أخْبِرانِي ما يُبْكِيكُما؟ فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بِكَيْتُ، وإلّا تَباكَيْتُ». ورَوَوْا أثَرًا «ابْكُوا؛ فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا».
قالُوا: والتَّكَلُّفُ والتَّعَمُّلُ في أوائِلِ السَّيْرِ والسُّلُوكِ لا بُدَّ مِنهُ. إذْ لا يُطالَبُ صاحِبُهُ بِما يُطالَبُ بِهِ صاحِبُ الحالِ. ومَن تَأمَّلَهُ بِنِيَّةِ حُصُولِ الحَقِيقَةِ لِمَن رَصَدَ الوَجْدَ لا يُذَمُّ. والتَّواجُدُ يَكُونُ بِما يَتَكَلَّفُهُ العَبْدُ مِن حَرَكاتٍ ظاهِرَةٍ " والمَواجِيدُ " لِمَن يَتَأوَّلُهُ مِن أحْكامٍ باطِنَةٍ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: المَواجِيدُ، وهي نَتائِجُ الأوْرادِ وثَمَرَتُها.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: الوَجْدُ وهو ثَمَرَةُ أعْمالِ القُلُوبِ، مِنَ الحُبِّ في اللَّهِ والبُغْضِ فِيهِ، كَما جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ثَمَرَةَ كَوْنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أحَبَّ إلى العَبْدِ مِمّا سِواهُما. وثَمَرَةَ الحُبِّ فِيهِ، وكَراهَةَ عَوْدِهِ في الكُفْرِ كَما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النّارِ. فَهَذا الوَجْدُ ثَمَرَةُ هَذِهِ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ، الَّتِي هي الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ.
المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: الوُجُودُ وهي أعْلى ذُرْوَةِ مَقامِ الإحْسانِ. فَمِن مَقامِ الإحْسانِ يَرْقى إلَيْهِ. فَإنَّهُ إذا غَلَبَ عَلى قَلْبِهِ مُشاهَدَةُ مَعْبُودِهِ، حَتّى كَأنَّهُ يَراهُ - وتَمَكَّنَ في ذَلِكَ - صارَ لَهُ مَلَكَةً أخْمَدَتْ أحْكامَ نَفْسِهِ، وتَبَدَّلَ بِها أحْكامًا أُخَرَ، وطَبِيعَةً ثانِيَةً، حَتّى كَأنَّهُ أُنْشِئَ نَشْأةً أُخْرى غَيْرَ نَشْأتِهِ الأُولى، ووُلِدَ وِلادًا جَدِيدًا.
وَمِمّا يُذْكَرُ عَنِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ، لَنْ تَلِجُوا مَلَكُوتَ السَّماءِ حَتّى تُولَدُوا مَرَّتَيْنِ.
سَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ. ويُفَسِّرُهُ بِأنَّ الوِلادَةَ نَوْعانِ. أحَدُهُما: هَذِهِ المَعْرُوفَةُ، والثّانِيَةُ: وِلادَةُ القَلْبِ والرُّوحِ وخُرُوجُهُما مِن مَشِيمَةِ النَّفْسِ، وظُلْمَةِ الطَّبْعِ.
قالَ: وهَذِهِ الوِلادَةُ لَمّا كانَتْ بِسَبَبِ الرَّسُولِ كانَ كالأبِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم ".
قالَ: ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ والقِراءَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] إذْ ثُبُوتُ أُمُومَةِ أزْواجِهِ لَهُمْ: فَرْعٌ عَنْ ثُبُوتِ أُبُوَّتِهِ.
قالَ: فالشَّيْخُ والمُعَلِّمُ والمُؤَدِّبُ أبُ الرُّوحِ. والوالِدُ أبُ الجِسْمِ.
وَيُقالُ في الحُبِّ وجْدٌ، وفي الغَضَبِ مُوْجِدَةٌ، وفي الظَّفَرِ وِجْدانٌ ووُجُودٌ.
الكهف 18:18
(فائدة: أصل لفظة ذات)
أصل هذه اللفظة هو تأنيث ذو بمعنى صاحب، فذات صاحبة كذا في الأصل، ولهذا لا يقال ذات الشيء إلا لما له صفات ونعوت تضاف إليه، فكأنه يقول صاحبة هذه الصفات والنعوت.
ولهذا أنكر جماعة من النحاة منهم ابن برهان وغيره على الأصوليين قولهم الذات، وقالوا لا مدخل للألف واللام هنا كما لا يقال الذو في ذو.
وهذا إنكار صحيح، والاعتذار عنهم أن لفظة الذات في اصطلاحهم قد صارت عبارة عن الشيء نفسه وحقيقته وعينه، فلما استعملوها استعمال النفس والحقيقة عرفوها باللام وجردوها ومن هنا غلطهم السهيلي.
فإن هذا الاستعمال والتجريد أمر اصطلاحي لا لغوي، فإن العرب لا تكاد تقول رأيت الشيء لعينه ونفسه، وإنما يقولون ذلك لما هو منسوب إليه ومن جهته.
وهذا كجنب الشيء إذا قالوا هذا في جنب الله لا يريدون إلا فيما ينسب إليه من سبيله ومرضاته وطاعته لا يريدون غير هذا ألبتة.
فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات على النفس والحقيقة ظن من ظن أن هذا هو المراد من قوله
"ثلاث كذبات في ذات الله"
وقوله "وذلك في ذات الإله"
فغلط واستحق التغليط بل الذات هنا كالجنب في قوله تعالى: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾
ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال هاهنا فرطت في نفس الله وحقيقته، ويحسن أن يقال فرط في ذات الله، كما يقال فعل كذا في ذات الله، وقتل في ذات الله تعالى، وصبر في ذات الله.
فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة التي يثنى على مثلها الخناصر. والله الموفق المعين.
الكهف 18:22
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾
قيل المراد إدخال الواو هاهنا لأجل الثمانية وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: هذا والثاني: أن يكون دخول الواو هاهنا إيذانا بتمام كلامهم عند قولهم سبعة ثم ابتدأ قوله وثامنهم كلبهم وذلك يتضمن تقرير قولهم سبعة كما إذا قال لك زيد فقيه فقلت ونحوي وهذا اختيار السهيلي وقد تقدم الكلام عليه وأن هذا إنما يتم إذا كان قوله وثامنهم كلبهم ليس داخلا في المحكي بالقول والظاهر خلافه والله أعلم.
(فصل)
وأما السؤال التاسع عشر: وهو دخول الواو في قوله ﷺ: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم "
رواه البخاري ومسلم.
فقد استشكلها كثير من الناس كما ذكر في السؤال وقالوا الصواب حذفها وأن يقال عليكم.
قال الخطابي: يرويه عامة المحدثين بالواو وابن عيينة يرويه بحذفها وهو الصواب وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوا بعينه مردودا عليهم وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه لأن الواو حرف العطف والاجتماع بين الشيئين.
قلت: معنى ما أشار إليه الخطابي أن الواو في مثل هذا تقتضي تقرير الجملة وزيادة الثانية عليها كما إذا قلت زيد كاتب فقال المخاطب وشاعر فإنه يقتضي إثبات الكتابة له وزيادة وصف الشعر، وكذلك إذا قلت لرجل فلان محب لك فقال: ومحسن إلي عدة أصحاب الكهف.
ومن هنا استنبط السهيلي في الروض: "أن عدة أصحاب الكهف سبعة قال لأن الله تعالى عطف عليهم الكلب بحرف الواو"
فقال: ﴿وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ ولم يذكر الواو فيما قبل ذلك من كلامهم والواو تقتضي تقرير الجملة الأولى وما استنبطه حسن غير أنه إنما يفيد إذا كان المعطوف بالواو ليس داخلا في جملة قولهم بل يكون قد حكى سبحانه أنهم قالوا سبعة ثم أخبر تعالى أن ثامنهم الكلب فحينئذ يكون ذلك تقريرا لما قالوه وإخبارا بكون الكلب ثامنا.
وأما إذا كان الإخبار عن الكلب من جملة قولهم وأنهم قالوا وهذا وهذا لم يظهر ما قاله ولا تقتضي الواو في ذلك تقريرا ولا تصديقا فتأمله.
وأما قوله المحدثون يروونه بالواو فهذا الحديث رواه عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال " إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا وعليكم" رواه البخاري ومسلم وأبو داود قال أبو داود: "وكذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار وقال فيه: "وعليكم" انتهى كلامه وأخرجه الترمذي والنسائي كذلك ورواه مسلم.
وفي بعض طرقه فقل: عليك ولم يذكر الواو وحديث مالك الذي ذكره أبو داود وأخرجه البخاري في صحيحه وحديث سفيان الثوري متفق عليه كلها بالواو.
وأما ما أشار إليه الخطابي من حديث ابن عيينة فرواه النسائي في سننه بإسقاط الواو وإذا عرف هذا فإدخال الواو في الحديث لا تقتضي محذورا ألبتة وذلك لأن التحية التي يحيون بها المسلمين غايتها الإخبار بوقوع الموت عليهم وطلبه لأن السام معناه الموت فإذا حيوا به المسلم فرده عليهم كان من باب القصاص والعدل وكان مضمون رده أنا لسنا نموت دونكم بل وأنتم أيضا تموتون فما تمنيتموه لنا حال بكم واقع عليكم وأحسن من هذا أن يقال ليس في دخول الواو تقرير لمضمون تحيتهم بل فيه ردها وتقريرها لهم أي ونحن أيضا ندعو عليكم بما دعوتم به علينا فإن دعاءهم قد وقع فإذا رد عليهم المجيب بقوله وعليكم كان في إدخال الواو سر لطيف وهو الدلالة على أن هذا الذي طلبتموه لنا ودعوتم به هو بعينه مردود عليكم لا تحية غيره فإدخال الواو مفيد لهذه الفائدة الجليلة وتأمل هذا في مقابلة الدعاء بالخير إذا قال غفر الله لك فقال له ولك المعنى أن هذه الدعوة بعينها مني لك ولو قلت غفر الله لك فقال لك لم يكن فيه إشعار بأن الدعاء الثاني هو الأول بعينه فتأمله فإنه بديع جدا.
وعلى هذا فيكون الصواب إثبات الواو كما هو ثابت في الصحيح والسنن فهذا ما ظهر لي في هذه اللفظة فمن وجد شيئا فليلحقه بالهامش فيشكر الله له وعباده سعيه فإن المقصود الوصول إلى الصواب فإذا ظهر وضع ما عداه تحت الأرجل وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة بما أمكننا في كتاب تهذيب السنن.
الكهف 18:23
وَقَدْ عَتَبَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ قالَ لِمَن سَألَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ عَنْ أشْياءَ " غَدًا أُخْبِرُكم "، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ الوَحْيُ عَنْهُ شَهْرًا، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾
أيْ: إذا نَسِيتَ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءَ عَقِيبَ كَلامِك فاذْكُرْهُ بِهِ إذا ذَكَرْت، هَذا مَعْنى الآيَةِ، وهو الَّذِي أرادَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المُتَراخِي، ولَمْ يَقُلْ ابْنُ عَبّاسٍ قَطُّ، ولا مَن هو دُونَهُ: إنّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: " أنْتِ طالِقٌ " أوْ لِعَبْدِهِ: " أنْتَ حُرٌّ " ثُمَّ قالَ بَعْدَ سَنَةٍ " إنْ شاءَ اللَّهُ "
إنّها لا تَطْلُقُ، ولا يُعْتَقُ العَبْدُ، وأخْطَأ مَن نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ ألْبَتَّةَ، ولَمْ يَفْهَمُوا مُرادَ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَقْصُودُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَخْتَصُّ بِاليَمِينِ لا شَرْعًا، ولا عُرْفًا، ولا لُغَةً.
(فصل)
وَتَفْسِيرُ الآيَةِ عِنْدَ جَماعَةِ المُفَسِّرِينَ: أنَّكَ لا تَقُلْ لِشَيْءٍ: أفْعَلُ كَذا وكَذا، حَتّى تَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ. فَإذا نَسِيتَ أنْ تَقُولَها فَقُلْها مَتى ذَكَرْتَها. وهَذا هو الِاسْتِثْناءُ المُتَراخِي الَّذِي جَوَّزَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتَأوَّلَ عَلَيْهِ الآيَةَ. وهو الصَّوابُ.
فَغَلِطَ عَلَيْهِ مَن لَمْ يَفْهَمْ كَلامَهُ ونُقِلَ عَنْهُ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، أوْ قالَ: نِسائِيَ الأرْبَعُ طَوالِقُ. ثُمَّ بَعْدَ سَنَةٍ يَقُولُ: إلّا واحِدَةً، أوْ: إلّا زَيْنَبَ - إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ يَنْفَعُهُ.
وَقَدْ صانَ اللَّهُ عَنْ هَذا مَن هو دُونَ غِلْمانِ ابْنِ عَبّاسٍ بِكَثِيرٍ، فَضْلًا عَنِ البَحْرِ حَبْرِ الأُمَّةِ وعالِمِها الَّذِي فَقَّهَهُ اللَّهُ في الدِّينِ وعَلَّمَهُ التَّأْوِيلَ. وما أكْثَرَ ما يَنْقُلُ النّاسُ المَذاهِبَ الباطِلَةَ عَنِ العُلَماءِ بِالأفْهامِ القاصِرَةِ.
وَلَوْ ذَهَبْنا نَذْكُرُ ذَلِكَ لَطالَ جِدًّا وإنْ ساعَدَ اللَّهُ أفْرَدْنا لَهُ كِتابًا.
والَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا النَّبِيَّ عَنِ الرُّوحِ وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَقالَ: أُخْبِرُكم غَدًا. ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ. فَتَلَبَّثَ الوَحْيُ أيّامًا ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ ذَكَرْتَ فاسْتَثْنِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ويَجُوزُ الِاسْتِثْناءُ إلى سَنَةٍ.
وَقالَ عِكْرِمَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هَذا في الصَّلاةِ؛ أيْ إذا نَسِيتَ الصَّلاةَ فَصَلِّها مَتى ذَكَرْتَها.
الكهف 18:24
وَقَدْ عَتَبَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ قالَ لِمَن سَألَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ عَنْ أشْياءَ " غَدًا أُخْبِرُكم "، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ الوَحْيُ عَنْهُ شَهْرًا، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾
أيْ: إذا نَسِيتَ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءَ عَقِيبَ كَلامِك فاذْكُرْهُ بِهِ إذا ذَكَرْت، هَذا مَعْنى الآيَةِ، وهو الَّذِي أرادَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المُتَراخِي، ولَمْ يَقُلْ ابْنُ عَبّاسٍ قَطُّ، ولا مَن هو دُونَهُ: إنّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: " أنْتِ طالِقٌ " أوْ لِعَبْدِهِ: " أنْتَ حُرٌّ " ثُمَّ قالَ بَعْدَ سَنَةٍ " إنْ شاءَ اللَّهُ "
إنّها لا تَطْلُقُ، ولا يُعْتَقُ العَبْدُ، وأخْطَأ مَن نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ ألْبَتَّةَ، ولَمْ يَفْهَمُوا مُرادَ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَقْصُودُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَخْتَصُّ بِاليَمِينِ لا شَرْعًا، ولا عُرْفًا، ولا لُغَةً.
(فصل)
وَتَفْسِيرُ الآيَةِ عِنْدَ جَماعَةِ المُفَسِّرِينَ: أنَّكَ لا تَقُلْ لِشَيْءٍ: أفْعَلُ كَذا وكَذا، حَتّى تَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ. فَإذا نَسِيتَ أنْ تَقُولَها فَقُلْها مَتى ذَكَرْتَها. وهَذا هو الِاسْتِثْناءُ المُتَراخِي الَّذِي جَوَّزَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتَأوَّلَ عَلَيْهِ الآيَةَ. وهو الصَّوابُ.
فَغَلِطَ عَلَيْهِ مَن لَمْ يَفْهَمْ كَلامَهُ ونُقِلَ عَنْهُ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، أوْ قالَ: نِسائِيَ الأرْبَعُ طَوالِقُ. ثُمَّ بَعْدَ سَنَةٍ يَقُولُ: إلّا واحِدَةً، أوْ: إلّا زَيْنَبَ - إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ يَنْفَعُهُ.
وَقَدْ صانَ اللَّهُ عَنْ هَذا مَن هو دُونَ غِلْمانِ ابْنِ عَبّاسٍ بِكَثِيرٍ، فَضْلًا عَنِ البَحْرِ حَبْرِ الأُمَّةِ وعالِمِها الَّذِي فَقَّهَهُ اللَّهُ في الدِّينِ وعَلَّمَهُ التَّأْوِيلَ. وما أكْثَرَ ما يَنْقُلُ النّاسُ المَذاهِبَ الباطِلَةَ عَنِ العُلَماءِ بِالأفْهامِ القاصِرَةِ.
وَلَوْ ذَهَبْنا نَذْكُرُ ذَلِكَ لَطالَ جِدًّا وإنْ ساعَدَ اللَّهُ أفْرَدْنا لَهُ كِتابًا.
والَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا النَّبِيَّ عَنِ الرُّوحِ وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَقالَ: أُخْبِرُكم غَدًا. ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ. فَتَلَبَّثَ الوَحْيُ أيّامًا ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ ذَكَرْتَ فاسْتَثْنِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ويَجُوزُ الِاسْتِثْناءُ إلى سَنَةٍ.
وَقالَ عِكْرِمَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هَذا في الصَّلاةِ؛ أيْ إذا نَسِيتَ الصَّلاةَ فَصَلِّها مَتى ذَكَرْتَها.
الكهف 18:28
والصَّبْرُ في اللُّغَةِ: الحَبْسُ والكَفُّ. ومِنهُ: قُتِلَ فُلانٌ صَبْرًا. إذا أُمْسِكَ وحُبِسَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]؛ أيِ احْبِسْ نَفْسَكَ مَعَهم.
فالصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الجَزَعِ والتَّسَخُّطِ. وحَبْسُ اللِّسانِ عَنِ الشَّكْوى. وحَبْسُ الجَوارِحِ عَنِ التَّشْوِيشِ.
وَهُوَ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: صَبْرٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وصَبْرٌ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وصَبْرٌ عَلى امْتِحانِ اللَّهِ.
فالأوَّلانِ: صَبْرٌ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالكَسْبِ. والثّالِثُ: صَبْرٌ عَلى ما لا كَسْبَ لِلْعَبْدِ فِيهِ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: كانَ صَبْرُ يُوسُفَ عَنْ مُطاوَعَةِ امْرَأةِ العَزِيزِ عَلى شَأْنِها: أكْمَلُ مِن صَبْرِهِ عَلى إلْقاءِ إخْوَتِهِ لَهُ في الجُبِّ، وبَيْعِهِ وتَفْرِيقِهِمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ. فَإنَّ هَذِهِ أُمُورٌ جَرَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ، لا كَسْبَ لَهُ فِيها، لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيها حِيلَةٌ غَيْرَ الصَّبْرِ.
وَأمّا صَبْرُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ: فَصَبْرُ اخْتِيارٍ ورِضًا ومُحارَبَةٍ لِلنَّفْسِ. ولا سِيَّما مَعَ الأسْبابِ الَّتِي تَقْوى مَعَها دَواعِي المُوافَقَةِ. فَإنَّهُ كانَ شابًّا، وداعِيَةُ الشَّبابِ إلَيْها قَوِيَّةٌ. وعَزَبًا لَيْسَ لَهُ ما يُعَوِّضُهُ ويَرُدُّ شَهْوَتَهُ. وغَرِيبًا، والغَرِيبُ لا يَسْتَحِي في بَلَدِ غُرْبَتِهِ مِمّا يَسْتَحِي مِنهُ مَن بَيْنَ أصْحابِهِ ومَعارِفِهِ وأهْلِهِ. ومَمْلُوكًا، والمَمْلُوكُ أيْضًا لَيْسَ وازِعُهُ كَوازِعِ الحُرِّ. والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ، وذاتُ مَنصِبٍ. وهي سَيِّدَتُهُ. وقَدْ غابَ الرَّقِيبُ. وهي الدّاعِيَةُ لَهُ إلى نَفْسِها.
والحَرِيصَةُ عَلى ذَلِكَ أشَدَّ الحِرْصِ، ومَعَ ذَلِكَ تَوَعَّدَتْهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ بِالسِّجْنِ والصَّغارِ. ومَعَ هَذِهِ الدَّواعِي كُلِّها صَبَرَ اخْتِيارًا، وإيثارًا لِما عِنْدَ اللَّهِ. وأيْنَ هَذا مِن صَبْرِهِ في الجُبِّ عَلى ما لَيْسَ مِن كَسْبِهِ؟
وَكانَ يَقُولُ: الصَّبْرُ عَلى أداءِ الطّاعاتِ: أكْمَلُ مِنَ الصَّبْرِ عَلى اجْتِنابِ المُحَرَّماتِ وأفْضَلُ؛ فَإنَّ مَصْلَحَةَ فِعْلِ الطّاعَةِ أحَبُّ إلى الشّارِعِ مِن مَصْلَحَةِ تَرْكِ المَعْصِيَةِ. ومُفْسِدَةُ عَدَمِ الطّاعَةِ: أبْغَضُ إلَيْهِ وأكْرَهُ مِن مَفْسَدَةِ وُجُودِ المَعْصِيَةِ.
وَلَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذَلِكَ مُصَنَّفٌ قَرَّرَهُ فِيهِ بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ وجْهًا. لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.
(فصل: في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها)
أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما ويقال صبر يصبر صبرا وصبر نفسه قال تعالى ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف
وقال عنترة
؎فصبرت عارفة لذلك حرة ∗∗∗ ترسو إذا نفس الجبان تطلع
يقول حبست نفسا عارفة وهي نفس حر يأنف لا نفس عبد لا أنفه له وقوله ترسو أي تثبت وتسكن إذا خفت نفس الجبان واضطربت ويقال صبرت فلانا إذا حبسته وصبرته بالتشديد إذا حملته على الصبر وفي حديث الذي أمسك رجلا وقتله آخر يقتل القاتل ويصبر الصابر أي يحبس للموت كما حبس من أمسكه للموت وصبرت الرجل إذا قتلته صبرا أي أمسكته للقتل وصبرته أيضا وأصبرته إذا حبسه للحلف ومنه الحديث الصحيح من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عنه معرض ومنه الحديث الذي في القسامة ولا تصبر يمينه حيث تصبر الإيمان والمصبورة اليمين المحلوف عليها وفي الحديث نهى عن المصبورة وهي الشاة والدجاجة ونحوهما تصبر للموت فتربط فترمى حيث تموت.
وفعل هذا الباب صبرت أصبر بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل وأما صبرت أصبر بالضم في المستقبل فهو بمعنى الكفالة والصبير الكفيل كأنه حبس نفسه للغرم ومنه قولهم أصبرني أي جعلني كفيلا وقيل أصل الكلمة من الشدة والقوة ومنه الصبر للدواء المعروف لشدة مرارته وكراهته.
قال الأصمعي "إذا لقي الرجل الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارها"
ومنه الصبر بضم الصاد للأرض ذات الحصب لشدتها وصلابتها ومنه سميت الحرة أم صبار ومنه قولهم وقع القوم في أمر صبور بتشديد الباء أي أمر شديد ومنه صبارة الشتاء بتخفيف الباء وتشديد الراء لشدة برده وقيل مأخوذ من الجمع والضم فالصابر يجمع نفسه ويضمها عن الهلع والجزع ومنه صبرة الطعام وصبارة الحجارة.
والتحقيق أن في الصبر المعاني الثلاثة المنع والشدة والضم ويقال صبر إذا أتى بالصبر وتصبر إذا تكلفه واستدعاه واصطبر إذا اكتسبه وتعمله وصابر إذا وقف خصمه في مقام الصبر وصبر نفسه وغيره بالتشديد إذا حملها على الصبر واسم الفاعل صابر وصبار وصبور ومصابر ومصطبر فمصابر من صابر ومصطبر من اصطبر وصابر من صبر وأما صبار وصبور فمن أوزان المبالغة من الثلاثى كضراب وضروب والله أعلم.
(فصل)
وَمن تَأمل حال هَذا الخلق وجدهم كلهم إلّا أقل القَلِيل مِمَّن غفلت قُلُوبهم عَن ذكر الله تَعالى واتبعُوا أهواءهم وصارَت أُمُورهم ومصالحهم ﴿فرطا﴾ أي فرطوا فِيما يَنْفَعهم ويعود بصلاحهم واشْتَغلُوا بِما لا يَنْفَعهم بل يعود بضررهم عاجلا وآجلا
وَهَؤُلاء قد أمر الله سُبْحانَهُ رَسُوله ألا يطيعهم فطاعة الرَّسُول لاتتم إلّا بِعَدَمِ طاعَة هَؤُلاءِ فَإنَّهُم إنَّما يدعونَ إلى ما يشاكلهم من اتِّباع الهوى والغفلة عَن ذكر الله والغفلة عَن الله والدّار الآخِرَة مَتى تزوجت بِاتِّباع الهوى تولد ما بَينهما كل شَرّ وكَثِيرًا ما يقْتَرن أحدهما بِالآخِرَة ولا يُفارِقهُ
وَمن تَأمل فَساد أحْوال العالم عُمُوما وخصوصا وجده ناشئا عَن هذَيْن الأصْلَيْنِ فالغفلة تحول بَين العَبْد وبَين تصور الحق ومعرفته والعلم بِهِ فَيكون من الضّالّين واتِّباع الهوى يصده عَن قصد الحق وإرادته واتباعه فَيكون من المغضوب عَلَيْهِم
وَأما المُنعم عَلَيْهِم فهم الَّذين من الله عَلَيْهِم بِمَعْرِفَة الحق علما وبالانقياد إلَيْهِ وإيثاره على ما سواهُ عملا وهَؤُلاء هم الَّذين على سَبِيل النجاة ومن سواهُم على سَبِيل الهَلاك ولِهَذا أمرنا الله سُبْحانَهُ أن نقُول كل يَوْم ولَيْلَة عدَّة مَرّات ﴿اهدنا الصِّراط المُسْتَقيم صِراط الَّذين أنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم ولا الضّالّين﴾.
(فصل)
وفي الآية رد ظاهر على الطائفتين وإبطال لقولهما فإنه سبحانه أغفل قلب العبد عن ذكره فغفل هو.
فالإغفال فعل الله، والغفلة فعل العبد ثم أخبر عن اتّباعه هواه وذلك فعل العبد حقيقة.
والقدرية تحرف هذا النص وأمثاله بالتسمية والعلم فيقولون: معنى ﴿أغفلنا قلبه﴾ سميناه غافلا، أو وجدناه غافلا أي علمناه كذلك.
وهذا من تحريفهم بل أغفلته مثل أقمته وأقعدته وأغنيته وأفقرته أي جعلته كذلك.
وأما أفعلته أو أوجدته كذلك كأحمدته وأجنبته وأبخلته وأعجزته، فلا يقع في أفعال الله ألبتة إنما يقع في أفعال العاجز أن يجعل جبانا وبخيلا وعاجزا، فيكون معناه صادفته كذلك.
وهل يخطر بقلب الداعي اللهم أقدرني أو أوزعني وألهمني أي سمني وأعلمني كذلك، وهل هذا إلا كذب عليه وعلى المدعو سبحانه، والعقلاء يعلمون علما ضروريا أن الداعي إنما سأل الله أن يخلق له ذلك ويشاءه له ويقدره عليه حتى القدري إذا غابت عنه بدعته وما تقلده عن أشياخه وأسلافه وبقي وفطرته لم يخطر بقلبه سوى ذلك.
وأيضا فلا يمكن أن يكون العبد هو المغفل لنفسه عن الشيء فإن إغفاله لنفسه عنه مشروط بشعوره به، وذلك مضاد لغفلته عنه بخلاف إغفال الرب تعالى له فإنه لا يضاد علمه بما يغفل عنه العبد، وبخلاف غفلة العبد فإنها لا تكون إلا مع عدم شعوره بالمغفول عنه، وهذا ظاهر جدا فثبت أن الإغفال فعل الله بعبده والغفلة فعل العبد.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾
هذه الآية جمعت بين تفويض الأمور كلها نفعها وضرها خيرها وشرها إلى الإله جلت قدرته، وبين إثبات حقائق التكليف وتقرير قواعد الشرع على الوجه المعقول.
ألست في هذا أهدى سبيلا وأقوم قيلا ممن يقدر الطبع منعا والختم صدا ودفعا ثم ينفي التكاليف بزعمه وقد افترق الخلق في هذا المقام فرقا فذهب ذاهبون إلى أن المخذولين ممنوعون مدفوعون لا اقتدار لهم على إجابة دعاة الحق وهم مع ذلك ملزمون وهذا خطب جسيم وأمر عظيم وهو طعن في الشرائع وإبطال للدعوات وقد قال تعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾
وقال إبليس: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُد﴾ نعوذ بالله من سوء النظر في مواقع الخطر وذهب طوائف من الضلال إلى أن العبد يعصي والرب لما يأتي به كاره فهذا خبط في الأحكام الإلهية ومزاحمة في الربوبية، ولو لم يرد الرب من الفجار ما علمه منهم في أزليته لما فطرهم مع علمه بهم كيف وقد أكمل قواهم وأمدهم بالعدد والعدد والعتاد وسهل لهم طريق الحيد عن السداد.
فإن قيل: فعل ذلك بهم ليطيعوه؟
قلنا أنى يستقيم ذلك وقد علم أنهم يعصونه ويهلكون أنفسهم ويهلكون أولياءه وأنبيائه ويشقون شقاوة لا يسعدون بها أبدا ولو علم سيد عن وحي أو أخبار نبي أنه لو أمد عبده بالمال لطغى وأبق وقطع الطريق فأمده بالمال زاعما أنه يريد منه ابتناء القناطر والمساجد وهو مع ذلك يقول أعلم أنه لا يفعل ذلك قطعا، فهذا السيد مفسد عبده وليس مصلحا له باتفاق من أرباب الألباب فقد زاغت الفئتان، وضلت الفرقتان، واعترضت إحداهما على القواعد الشرعية، وزاحمت الأخرى أحكام الربوبية، واقتصد الموفقون فقالوا: مراد الله من عباده ما علم أنهم إليه يصيرون ولكنه لم يسلبهم قدرتهم ولم يمنعهم مراشدهم، فقرت الشريعة في نصابها، وجرت العقيدة في الأحكام الإلهية على صوابها.
(فصل)
ما من شيء أنجى من عذاب الله عز وجل من ذكر الله عز وجل قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع».
ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء.
فإذا ترك صدئ، فإذا جلاه.
وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر.
فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه.
فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا.
وهذا أعظم عقوبات القلب.
وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره، قال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا﴾.
فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين؟
وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟
فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة. كان أمره فرطا.
ومعنى الفرط قد فسر بالتضييع، أي أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه: ضائع، قد فرط فيه.
وفسر بالإسراف، أي قد أفرط بالإهلاك. وفسر بالخلاف للحق.
وكلها أقوال متقاربة.
والمقصود: أن الله سبحانه وتعالى نهي عن طاعة من جمع هذه الصفات. فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه. فإن وجده كذلك فليبعد منه وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى عز وجل واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه.
ولا فرق بين الحي والميت إلا بالذكر، فمثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت.
وفي المسند مرفوعًا «أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال مجنون».
وقد سئل أبو العباس ثعلب عن قوله تعالى: ﴿أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ فقال: جعلناه غافلا.
قال: ويكون في الكلام: أغفلته، سميته غافلا: ووجدته غافلا.
قلت: الغفل الشيء الفارغ، والأرض الغفل: التي لا علامة بها، والكتاب الغفل: الذي لا شكل عليه.
فأغفلناه: تركناه غافلا عن الذكر فارغا منه. فهو إبقاء له على العدم الأصلي، لأنه سبحانه لم يشأ له الذكر، فبقي غافلا، فالغفلة وصفه.
والإغفال فعل الله فيه بمشيئته، وعدم مشيئته لتذكرة. فكل منهما مقتض لغفلته. فإذا لم يشأ له التذكر لم يتذكر، وإذا شاء غفلته امتنع منه الذكر.
فإن قيل: فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب لأضدادها، أم إلى عدم مشيئته لوقوعها؟
قيل: القرآن قد نطق بهذا وبهذا. قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾
وقال: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾
وقال: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾.
فإن قيل: فكيف يكون عدم السبب المقتضي موجبا للأثر؟
قيل: الأثر إن كان وجوديا فلا بد من مؤثر وجودي، وأما العدم فيكفى فيه عدم سببه وموجبه. فيبقى على العدم الأصلي. فإذا أضيف إليه، كان من باب إضافة الشيء إلى دليله. فعدم السبب دليل على عدم المسبب.
وإذا سمي موجبا ومقتضيا بهذا الاعتبار فلا مشاحّة في ذلك وإما أن يكون العدم أثرا ومؤثرا فلا.
وهذا الإغفال ترتب عليه اتباع هواه، وتفريطه في أمره.
قال مجاهد: كان أمره فرطا: أي ضياعا.
وقال قتادة: ضاع أكبر الضيعة.
وقال السدي: هلاكا.
وقال أبو الحسن بن الهيثم: أمر فرط: متهاون به مضيّع. والتفريط تقديم العجز.
: أمر فرط: متهاون به مضيّع. والتفريط تقديم العجز.
وقال أبو إسحاق: من قدم العجز في أمر أضاعه وأهلكه.
وقال الليث: الفرط الأمر الذي يفرط فيه. يقال: كل أمر فلان فرط.
وقال الفراء: فرطا متروكا، فرط فيما لا ينبغي التفريط فيه، واتبع ما لا ينبغي اتباعه. وغفل عما لا يحسن الغفلة عنه.
(فائدة)
قال الحسن: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه، وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟
والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه".
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾
أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه.
الكهف 18:33
(فائدة لغوية)
اختلف الكوفيون والبصريون في (كلا) و (كلتا)
فذهب البصريون إلى أنها اسم مفرد دال على الاثنين فيجوز عود الضمير إليه باعتبار لفظه وهو الأكثر ويجوز عوده باعتبار معناه وهو الأقل وألفها لام الفعل ليست ألف تثنية عندهم ولهم حجج منها أنها في الأحوال الثلاثة مع الظاهر على صورة واحدة والمثنى ليس كذلك وأما انقلابها ياء مع الضمير فلا يدل على أنها ألف تثنية كألف على وإلى ولدى هذا قول الخليل وسيبويه واحتجوا أيضا بقولهم كلاهما ذاهب دون ذاهبان وسيبويه لم يحتج بهذه الحجة لما تقدم من أنك إذا أضفت لفظ كل أفردت خبره مع كونه دالا على الجمع حملا على المعنى لأن قولك كلكم راع بمنزلة كل واحد منكم راع فكذا قولك كلاكما قائم أي كل واحد منكما قائم.
فإن قيل: بل أفرد الخبر عن كل وكلا لأنهما اسمان مفردان قيل هذا يبطل بتوكيد الجمع والتثنية بهما وكما لا ينعت الجمع والمثنى بالواحد فكذلك لا يؤكد به بطريق الأولى لأن التوكيد تكرار للمؤكد بعينه بخلاف النعت فإنه عينه بوجه والمعول عليه لمن نصر مذهب سيبويه على الحجة الأولى على ما فيها وعلى معارضتها بتوكيد الاثنين وكلا والمثنى لا يؤكد بالمفرد كما قررناه.
فإن قيل: الجواب عن هذا أن كلا اسم للمثنى فحسن التوكيد به وحصلت المطابقة باعتبار مدلوله وهو المقصود من الكلام فلا يضر إفراد اللفظ؟
قيل هذا يمكن في الجمع أن يكون لفظه واحدا ومعناه جمعا نحو كل وأسماء الجموع ك رهط وقوم لأن الجموع قد اختلفت صورها أشد اختلاف فمذكر ومؤنث مسلم ومكسر على اختلاف ضروبه وما لفظه على لفظ واحد كما تقدم بيانه فليس ببدع أن يكون صورة اللفظ مفردا ومعناه جمعا وأما التثنية فلم تختلف قط بل لزمت طريقة واحدة أين وقعت فبعيد جدا بل ممتنع أن يكون منها اسم فرد معناه مثنى وليس معكم إلا القياس على الجمع وقد وضح الفرق بينهما فتعين أن تكون كلا لفظا مثنى ينقلب ألفه ياء مع المضمر دون المظهر لأنك إذا أضفته إلى ظاهر استغنيت عن قلب ألفه ياء بانقلابها في المضاف إليه لتنزله منزلة الجزئية لدلالة اللفظ على مدلول واحد لأن كلا هو نفس ما يضاف إليه بخلاف قولك ثوبا الرجلين وفرسا الزيدين فلو قلت مررت بكلا الرجلين جمعت بين علامتي تثنية فيما هو كالكلمة الواحدة لأنهما لا ينفصلان أبدا ولا تنفك هذه عن الإضافة بحال ألا ترى كيف رفضوا ضربت رأسي الزيدين وقالوا: رؤوسهما لما رأوا المضاف والمضاف إليه كاسم واحد هذا مع أن الرؤوس تنفصل عن الإضافة كثيرا، وكذلك القلوب من قوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ فإذا كانوا قد رفضوا علامة التثنية هناك مع أن الإضافة عارضة فما ظنك بهذا الموضع الذي لا تفارقه الإضافة ولا تنفك عنه، فهذا الذي حملهم على أن ألزموها الألف على كل حال وكان هذا أحسن من إلزام طيء وخثعم وبني الحرث وغيرهم المثنى للألف في كل حال نحو: الزيدان والعمران فإذا أضافوه إلى الضمير قلبوا ألفه في النصب والجر لأن المضاف إليه ليس فيه علامة إعراب ولا يثنى بالياء ولكنه أبدا بالألف فقد زالت العلة التي رفضوها في الظاهر.
وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله كما ترى وإن كان سيبويه المعظم المقدم في الصناعة فمأخوذ من قوله ومتروك ومما يدل على صحة هذا القول أن (كلا) يفهم من لفظه ما يفهم من لفظ كل وهو موافق له في فاء الفعل وعينه، وأما اللام فمحذوفة كما حذفت في كثير من الأسماء فمن ادعى أن لام الفعل واو وأنه من غير لفظ كل فليس له دليل يعضده ولا اشتقاق يشهد له.
فإن قيل: فلم رجع الضمير إليها بلفظ الإفراد إذا كانت مثناة؟
قيل: لما تقدم من رجوع الضمير على كل لذلك إيذانا بأن الخبر عن كل واحد واحد فكأنك قلت كل واحد من الرجلين قام وفيه نكتة بديعة وهي أن عود الضمير بلفظ الإفراد أحسن لأنه يتضمن صدور الفعل عن كل واحد منفردا به ومشاركا للآخر.
فإن قيل: فلم كسرت الكاف من (كلا) وهي من كل مضمومة؟
قيل هذا لا يلزمهم لأنهم لم يقولوا إنها لفظة كل بعينها ولهم أن يقولوا كسرت تنبيها على معنى الاثنين كما يبتدئ لفظ الاثنين بالكسر ولهذا كسروا العين من عشرين إشعارا بتثنية عشر ومما يدل على صحة هذا القول أيضا أن (كلتا) بمنزلة قولك ثنتا ولا خلاف أن ألف ثنتا ألف تثنية فكذلك ألف كلتا.
ومن ادعى أن الأصل فيها كلواهما فقد ادعى ما تستبعده العقول ولا يقوم عليه برهان ومما يدل أيضا على صحته أنك تقول في التوكيد مررت بإخوتك ثلاثتهم وأربعتهم فتؤكد بالعدد فاقتضى القياس أن تقول أيضا في التثنية كذلك مررت بأخويك اثنيهما فاستغنوا عنه بكليهما لأنه في معناه وإذا كان كذلك فهو مثنى مثله.
فإن قيل فإنك تقول كلا أخويك جاء ولا تقول اثنا أخويك جاء فدل على أنه ليس في معناه؟
قيل العدد الذي يؤكد به إنما يكون تأكيدا مؤخرا تابعا لما قبله فأما إذا قدم لم يجز ذلك لأنه في معنى الوصف، والوصف لا يقدم على الموصوف فلا تقول ثلاثة إخوتك جاؤوني، وهذا بخلاف كل وكلا وكلتا لأن فيها معنى الإحاطة فصارت كالحرف الداخل لمعنى فيما بعده فحسن تقديمهما في حال الإخبار عنها وتأخيرهما في حال التوكيد فهذا في هذا المذهب كما ترى.
الكهف 18:39
[فَصْلٌ: في هَدْيِهِ ﷺ فِيما يَقُولُ مَن رَأى ما يُعْجِبُهُ مِن أهْلِهِ ومالِهِ]
فينبغي لمن دخل بستانه أو داره أو رأى في ماله وأهله ما يعجبه أن يبادر إلى هذه الكلمة، فإنه لا يرى فيه سوءًا.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ
«ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ، ولا مالٍ، أوْ ولَدٍ، فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، فَيَرى فِيهِ آفَةً دُونَ المَوْتِ».
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾.
وعنه ﷺ أنه كان إذا رأى ما يسره قال «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يسوءه قال الحمد لله على كل حال».
(فصل: في الشيء يراه ويعجبه ويخاف عليه العين)
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾
وقال النبي ﷺ «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» حديث صحيح.
ويذكر عن النبي ﷺ أنه قال «إذا رأى أحدكم ما يعجبه في نفسه أو ماله فليتبرك عليه، فإن العين حق».
ويذكر عنه ﷺ أنه قال «من رأى شيئًا فأعجبه فليقل: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله».
ويذكر عنه ﷺ فيمن خاف أن يصيب شيئًا بعينه قال «اللهم بارك لنا فيه ولا تضره».
وقال أبو سعيد: «كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان، وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما».
قال الترمذي حديث حسن.
ورواه ابن ماجه في سننه.
(فائدة)
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن كَثُرَتْ هُمُومُهُ وغُمُومُهُ، فَلْيُكْثِرْ مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ».
وَثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ ": أنَّها كَنْزٌ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ.
(فصل)
وَأمّا تَأْثِيرُ (لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ) في دَفْعِ هَذا الدّاءِ [جَوى القَلْبِ وغَمِّهِ وهَمِّهِ وحُزْنِهِ] فَلِما فِيها مِن كَمالِ التَّفْوِيضِ، والتَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، إلّا بِهِ وتَسْلِيمِ الأمْرِ كُلِّهِ لَهُ، وعَدَمِ مُنازَعَتِهِ في شَيْءٍ مِنهُ، وعُمُومُ ذَلِكَ لِكُلِّ تَحَوُّلٍ مِن حالٍ إلى حالٍ في العالَمِ العُلْوِيِّ، والسُّفْلِيِّ، والقُوَّةِ عَلى ذَلِكَ التَّحَوُّلِ، وأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِاللَّهِ، وحْدَهُ فَلا يَقُومُ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ شَيْءٌ.
وَفِي بَعْضِ الآثارِ إنَّهُ ما يَنْزِلُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ، ولا يَصْعَدُ إلَيْها إلّا بِلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ولَها تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في طَرْدِ الشَّيْطانِ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
الكهف 18:49
(فصل)
النكرة في سياق النفي تعم مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُن﴾
وفي الاستفهام من قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
الشرط من قوله: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾، ﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾
وفي النهي من قوله: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾
وفي سياق الإثبات بعموم العامة والمقتضى كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾
وإذا أضيف إليها كل نحو: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾
ومن عمومها بعُمُومِ المُقْتَضى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾.
الكهف 18:50
فتحت هذا الخطاب: إني عاديت إبليس وطردته من سمائي وباعدته من قربي إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريته من دوني وهم أعداءٌ لكم.
فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب وشدة لصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح، وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة، وأعلم سبحانه عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل وأفضل المنازل وأجل العلوم والمعارف.
قال تعالى: ﴿إن تَكْفُرُواْ فَإنّ اللهَ غَنِيّ عَنكم ولاَ يَرْضىَ لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]
وقال تعالى: ﴿اليَومَ أكْمَلْتُ لَكم دِيْنَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]
وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ واللهُ يُرِيدُ أن يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَواتِ أن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللهُ أن يُخَفّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦-٢٨].
(فصل)
فإن قيل: أي حكمة في خلق إبليس وجنوده؟
قلنا: في ذلك من الحكم ما لا يحيط بتفصيله إلا الله فمنها أن يكمل لأنبيائه وأوليائه مراتب العبودية بمجاهدة عدو الله وحزبه ومخالفته ومراغمته في الله وإغاظته وإغاظة أوليائه والاستعاذة به منه والإلجاء إليه أن يعيذهم من شره وكيده فيترتب لهم على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه وقدمنا أن الموقوف على الشيء لا يحصل بدونه ومنها خوف الملائكة والمؤمنين من ذنبهم بعد ما شاهدوا من حال إبليس ما شاهدوه وسقوطه من المرتبة الملكية إلى المنزلة الإبليسية يكون أقوى وأتم ولا ريب أن الملائكة لما شاهدوا ذلك حصلت لهم عبودية أخرى للرب تعالى وخضوع آخر وخوف آخر كما هو المشاهد من حال عبيد الملك إذا رأوه قد أهان أحدهم الإهانة التي بلغت منه كل مبلغ وهم يشاهدونه، فلا ريب أن خوفهم وحذرهم يكون أشد.
ومنها أنه سبحانه جعله عبرة لمن خالف أمره وتكبر عن طاعته وأصر على معصيته كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب نهيه أو عصى أمره ثم تاب وندم ورجع إلى ربه، فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل هذا الأب عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه، وهذا الأب عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه.
فلله كم في ضمن ذلك من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ومنها أنه محك امتحن الله به خلقه ليتبين به خبيثهم من طيبهم فإنه سبحانه خلق النوع الإنساني من الأرض، وفيها السهل والحزن والطيب والخبيث فلا بد أن يظهر فيهم ما كان في مادتهم كما في الحديث الذي رواه الترمذي مرفوعا
"إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على مثل ذلك منهم الطيب والخبيث والسهل والحزن"
وغير ذلك.
فما كان في المادة الأصلية فهو كائن في المخلوق منها فاقتضت الحكمة الإلهية إخراجه وظهوره فلا بد إذا من سبب يظهر ذلك وكان إبليس محكا يميز به الطيب من الخبيث كما جعل أنبيائه ورسله محكا لذلك التمييز قال تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
فأرسله إلى المكلفين وفيهم الطيب والخبيث فانضاف الطيب إلى الطيب والخبيث إلى الخبيث واقتضت حكمته البالغة أن خلطهم في دار الامتحان فإذا صاروا إلى دار القرار يميز بينهم وجعل لهؤلاء دارا على حدة ولهؤلاء دارا على حدة حكمة بالغة وقدرة قاهرة ومنها أن يظهر كمال قدرته في خلق مثل جبريل والملائكة وإبليس والشياطين وذلك من أعظم آيات قدرته ومشيئته وسلطانه فإنه خالق الأضداد كالسماء والأرض والضياء والظلام والجنة والنار والماء والنار والحر والبرد والطيب والخبيث.
ومنها أن خلق أحد الضدين من كمال حسن ضده فإن الضد إنما يظهر حسنه بضده فلولا القبيح لم تعرف فضيلة الجميل ولولا الفقر لم يعرف قدر الغنا كما تقدم بيانه ريبا ومنها أنه سبحانه يحب أن يشكر بحقيقة الشكر وأنواعه ولا ريب أن أولياءه نالوا بوجود عدو الله إبليس وجنوده وامتحانهم به من أنواع شكره ما لم يكن ليحصل لهم بدونه فكم بين شكر آدم وهو في الجنة قبل أن يخرج منها وبين شكره بعد أن ابتلي بعدوه ثم اجتباه ربه وتاب عليه وقبله ومنها أن المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضاء ونحوها أحب العبودية إلى الله سبحانه وهذه العبودية إنما تتحقق بالجهاد وبذل النفس لله وتقديم محبته على كل ما سواه فالجهاد ذروة سنام العبودية وأحبها إلى الرب سبحانه فكان في خلق إبليس وحزبه قيام سوق هذه العبودية وتوابعها التي لا يحصي حكمها وفوائدها وما فيها من المصالح إلا الله.
ومنها أن في خلق من يضاد رسله ويكذبهم ويعاديهم من تمام ظهور آياته وعجائب قدرته ولطائف صنعه ما وجوده أحب إليه وأنفع لأوليائه من عدمه كما تقدم من ظهور آية الطوفان والعصا واليد وفلق البحر وإلقاء الخليل في النار وأضعاف أضعاف ذلك من آياته وبراهين قدرته وعلمه وحكمته فلم يكن بد من وجود الأسباب التي يترتب عليها ذلك كما تقدم ومنها أن المادة النارية فيها الإحراق والعلو والفساد وفيها الإشراق والإضاءة والنور فأخرج منها سبحانه هذا وهذا كما أن المادة الترابية الأرضية فيها الطيب والخبيث والسهل والحزن والأحمر والأسود والأبيض فأخرج منها ذلك كله حكمة باهرة وقدرة قاهرة وآية دالة على أنه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
ومنها أن من أسمائه الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل المنتقم وهذه الأسماء تستدعي متعلقات يظهر فيها إحكامها كأسماء الإحسان والرزق الرحمة ونحوها ولا بد من ظهور متعلقات هذه وهذه.
ومنها أنه سبحانه الملك التام الملك ومن تمام ملكه عموم تصرفه وتنوعه بالثواب والعقاب والإكرام والإهانة والعدل والفضل والإعزاز والإذلال فلا بد من وجود من يتعلق به أحد النوعين كما أوجد من يتعلق به النوع الآخر.
ومنها أن من أسمائه الحكيم والحكمة من صفاته سبحانه وحكمته تستلزم وضع كل شيء موضعه الذي لا يليق به سواه فاقتضت خلق المتضادات وتخصصي كل واحد منها لا يليق به غيره من الإحكام والصفات والخصائص وهل تتم الحكمة إلا بذلك فوجود هذا النوع من تمام الحكمة، كما أنه من كمال القدرة.
ومنها أن حمده سبحانه تام كامل من جميع الوجوه فهو محمود على عدله ومنعه وخفضه وانتقامه وإهانته كما هو محمود على فضله وعطائه ورفعه وإكرامه، فلله الحمد التام الكامل على هذا وهذا وهو يحمد نفسه على ذلك كله ويحمده عليه ملائكته ورسله وأوليائه ويحمده عليه أهل الموقف جميعهم وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه فله في خلقه وإيجاده الحكمة التامة كما له عليه الحمد التام فلا يجوز تعطيل حمده كما لا يجوز تعطيل حكمته ومنها أنه سبحانه يحب أن يظهر لعباده حلمه وصبره وأناته وسعة رحمته وجوده فاقتضى ذلك خلق من يشرك به ويضاده في حكمه ويجتهد في مخالفته ويسعى في مساخطه بل يشبهه سبحانه وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع الطيبات ويرزقه ويعاقبه ويمكن له من أسباب ما يلتذ به من أصناف النعم ويجيب دعاءه ويكشف عنه السوء ويعامله من بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءته.
فلله كم في ذلك من حكمة وحمد ويتحبب إلى أوليائه ويتعرف بأنواع كمالاته كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال:
"لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعاقبهم"
وفي الصحيح عنه ﷺ فيما يروي عن ربه:
"شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك أما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي له ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤا أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته" وهو سبحانه مع هذا الشتم له والتكذيب يرزق الشاتم المكذب ويعاقبه ويدفع عنه ويدعوه إلى جنته ويقبل توبته إذا تاب إليه ويبدله بسيئاته حسنات ويلطف به في جميع أحواله ويؤهله لإرسال رسله ويأمرهم بأن يلينوا له القول ويرفقوا به
قال الفضيل بن عياض:
"ما من ليلة يختلط ظلامها إلا نادى الجليل جل جلاله: من أعظم مني جودا الخلائق لي عاصون وأنا أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا أجود بالفضل على العاصي وأتفضل على المسيء من ذا الذي دعاني فلم ألبه ومن ذا الذي سألني فلم أعطه أنا الجواد ومني الجود أنا الكريم ومني الكرم ومن كرمي أني أعطي العبد ما سألني وأعطيه ما لم يسألني ومن كرمي أني أعطي التائب كأنه لم يعصني فأين عني يهرب الخلق وأين عن بابي يتنحى العاصون"
وفي أثر إلهي: "إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي"
وفي أثر حسن: "ابن آدم ما أنصفتني خيري إليك نازل وشرك إلى صاعد كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك وكم تتبغض إلى بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح"
وفي الحديث الصحيح: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم"
فهو سبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته اقتضى حمده وحكمته أن يخلق خلقا يظهر فيهم أحكامها وآثارها فالمحبة للعفو خلق من يحسن العفو عنه ولمحبته للمغفرة خلق من يغفر له ويحلم عنه ويصبر عليه، ولا يعاجله بل يكون يحب أمانه وإمهاله ولمحبته لعدله وحكمته خلق من يظهر فيهم عدله وحكمته ولمحبته للجود والإحسان والبر خلق من يعامله بالإساءة والعصيان وهو سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان فلولا خلق من يجري على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات لفاتت هذه الحكم والمصالح وأضعافها وأضعاف أضعافها.
فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين ذو الحكمة البالغة والنعم السابغة الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته وله في كل شيء حكمة باهرة كما أن له فيه قدرة قاهرة وهدايات إنما ذكرنا منه قطرة من بحر وإلا فعقول البشر أعجز وأضعف وأقصر من أن تحيط بكمال حكمته في شيء من خلقه فكم حصل بسبب هذا المخلوق البغيض للرب المسخوط له من محبوب له تبارك وتعالى يتصل في حبه ما حصل به من مكروهه والحكيم الباهر الحكمة هو الذي يحصل أحب الأمرين إليه باحتمال المكروه الذي يبغضه ويسخطه إذا كان طريقا إلى حصول ذلك المحبوب ووجود الملزوم بدون لازمه محال فإن يكن قد حصل بعدو الله إبليس من السرور والمعاصي ما حصل فكم حصل بسبب وجوده ووجود جنوده من طاعة هي أحب إلى الله وأرضى له من جهاد في سبيله ومخالفة هوى النفس وشهوتها له ويحتمل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته وأحب شيء للحبيب أن يرى محبه يتحمل لأجله من الأذى والوصب ما يصدق محبته:
؎من أجلك قد جعلت خدي أرضا ∗∗∗ للشامت والحسود حتى ترضا
وفي أثر إلهي: "بغيتي ما يتحمل المتحملون من أجلي"
فلله ما أحب إليه احتمال محبيه إذا أعدائه لهم فيه وفي مرضاته وما أنفع ذلك الأذى لهم وما أحمدهم لعاقبته وماذا ينالون به من كرامة حبيبهم وقربه قرة عيونهم به ولكن حرام على منكري محبة الرب تعالى أن يشموا لذلك رائحة أو يدخلوا من هذا الباب أو يذوقوا من هذا الشراب:
؎فقل للعيون العمى للشمس أعين ∗∗∗ سواك يراها في مغيب ومطلع
؎وسامح يؤسا لم يؤهل لحبهم ∗∗∗ فما يحسن التخصيص في كل موضع
فإن أغضب هذا المخلوق ربه فقد أرضاه فيه أنبيائه ورسله وأوليائه وذلك الرضاء أعظم من ذلك الغضب وإن أسخطه ما يجري على يديه من المعاصي والمخالفات فإنه سبحانه أشد فرحا بتوبة عبده من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه إذا وجدها في المفاوز المهلكات وإن أغضبه ما جرى على أنبيائه ورسله من هذا العدو فقد سره وأرضاه ما جرى على أيديهم من حربه ومعصيته ومراغمته وكبته وغيظه وهذا الرضاء أعظم عنده وأبر لديه من فوات ذلك المكروه المستلزم لفوات هذا المرضي المحبوب وإن أسخطه أكل آدم من الشجرة فقد أرضاه توبته وإنابته وخضوعه وتذلله بين يديه وانكساره له وإن أغضبه إخراج أعدائه لرسوله من حرمه وبلدته ذلك لخروج فقط أرضاه أعظم الرضاء دخوله إليها ذلك الدخول وإن أسخطه قتلهم أوليائه وأحبائه وتمزيق لحومهم وإراقة دمائهم فقد أرضاه نيلهم الحياة التي لا أطيب منها ولا أنعم ولا ألذ في قربه وجواره وإن أسخطه معاصي عباده فقد أرضاه شهود ملائكته وأنبيائه ورسله وأوليائه سعة مغفرته وعفوه وبره وكرمه وجوده والثناء عليه بذلك وحمده وتمجديه بهذه الأوصاف التي حمده بها وأثنى عليه بها أحب إليه وأرضى له من فوات تلك المعاصي وفوات هذه المحبوبات.
واعلم أن الحمد هو الأصل الجامع لذلك كله فهو عقد نظام الخلق والأمر والرب تعالى له الحمد كله بجميع وجوهه واعتباراته وتصاريفه فما خلق شيئا ولا حكم بشيء إلا وله فيه الحمد فوصل حمده إلى حيث وصل خلقه، وأمره حمدا حقيقا يتضمن محبته والرضا به وعنه والثناء عليه والإقرار بحكمته البالغة في كل ما خلقه وأمر به، فتعطيل حكمته غير تعطيل حمده كما تقدم بيانه فكما أنه لا يكون إلا حميدا فلا يكون إلا حكيما، فحمده وحكمته كعلمه وقدرته وحياته من لوازم ذاته ولا يجوز تعطيل شيء من صفاته وأسمائه عن مقتضياتها وآثارها فإن ذلك يستلزم النقص الذي يناقض كماله وكبريائه وعظمته يوضحه.
الوجه الخامس والعشرون إنه كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح فمنها أن يعيذ وينصر ويغيث فكما يحب أن يلوذ به اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم ويعوذوا بهم كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه:
؎يا من ألوذ به فيما أومله ∗∗∗ ومن أعوذ به مما أحاذره
؎لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ∗∗∗ ولا يهيضون عظما أنتن جابره
ولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله والمقصود أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه وأن يعوذوا به كما أمر رسوله أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه وبذلك يظهر تمام نعمته على عدوه إذا أعاذه وأجاره من عدوه فلم يكن إعاذته وإجارته منه بأدنى النعمتين والله تعالى يحب أن يكمل نعمته على عباده المؤمنين ويريهم نصره لهم على عدوهم وحمايتهم منه وظفرهم بهم فيا لها من نعمة كمل بها سرورهم ونعيمهم وعدل أظهره في أعدائه وخصمائه:
؎وما منهما الإله فيه حكمة ∗∗∗ يقصر عن إدراكها كل باحث
[فَصْلٌ: المَعاصِي تُوجِبُ القَطِيعَةَ بَيْنَ العَبْدِ والرَّبِّ]
وَمِن أعْظَمِ عُقُوباتِها: أنَّها تُوجِبُ القَطِيعَةَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وإذا وقَعَتِ القَطِيعَةُ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أسْبابُ الخَيْرِ واتَّصَلَتْ بِهِ أسْبابُ الشَّرِّ، فَأيُّ فَلاحٍ، وأيُّ رَجاءٍ، وأيُّ عَيْشٍ لِمَنِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أسْبابُ الخَيْرِ، وقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ولِيِّهِ ومَوْلاهُ الَّذِي لا غِنى عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولا بَدَلَ لَهُ مِنهُ، ولا عِوَضَ لَهُ عَنْهُ، واتَّصَلَتْ بِهِ أسْبابُ الشَّرِّ، ووَصَلَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ أعْدى عَدُوٍّ لَهُ: فَتَوَلّاهُ عَدُوُّهُ وتَخَلّى عَنْهُ ولِيُّهُ؟ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما في هَذا الِانْقِطاعِ والِاتِّصالِ مِن أنْواعِ الآلامِ وأنْواعِ العَذابِ.
قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: رَأيْتُ العَبْدَ مُلْقًى بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ الشَّيْطانِ، فَإنْ أعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَلّاهُ الشَّيْطانُ، وإنْ تَوَلّاهُ اللَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
يَقُولُ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ: أنا أكْرَمْتُ أباكُمْ، ورَفَعْتُ قَدْرَهُ، وفَضَّلْتُهُ عَلى غَيْرِهِ، فَأمَرْتُ مَلائِكَتِي كُلَّهم أنْ يَسْجُدُوا لَهُ، تَكْرِيمًا لَهُ وتَشْرِيفًا، فَأطاعُونِي، وأبى عَدُوِّي وعَدُوُّهُ، فَعَصى أمْرِي، وخَرَجَ عَنْ طاعَتِي، فَكَيْفَ يَحْسُنُ بِكم بَعْدَ هَذا أنْ تَتَّخِذُوهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي، فَتُطِيعُونَهُ في مَعْصِيَتِي، وتُوالُونَهُ في خِلافِ مَرْضاتِي وهم أعْدى عَدُوٍّ لَكُمْ؟ فَوالَيْتُمْ عَدُوِّي وقَدْ أمَرْتُكم بِمُعاداتِهِ، ومَن والى أعْداءَ المَلِكِ، كانَ هو وأعْداؤُهُ عِنْدَهُ سَواءً، فَإنَّ المَحَبَّةَ والطّاعَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِمُعاداةِ أعْداءِ المُطاعِ ومُوالاةِ أوْلِيائِهِ، وأمّا أنْ تُوالِيَ أعْداءَ المَلِكِ ثُمَّ تَدَّعِي أنَّكَ مُوالٍ لَهُ، فَهَذا مُحالٌ.
هَذا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَدُوُّ المَلِكِ عَدُوًّا لَكُمْ، فَكَيْفَ إذا كانَ عَدُوَّكم عَلى الحَقِيقَةِ، والعَداوَةُ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُ أعْظَمُ مِنَ العَداوَةِ الَّتِي بَيْنَ الشّاةِ وبَيْنَ الذِّئْبِ؟ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يُوالِيَ عَدُوَّهُ عَدُوَّ ولِيِّهِ ومَوْلاهُ الَّذِي لا مَوْلى لَهُ سِواهُ، ونَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى قُبْحِ هَذِهِ المُوالاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهم لَكم عَدُوٌّ﴾، كَما نَبَّهَ عَلى قُبْحِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾، فَتَبَيَّنَ أنَّ عَداوَتَهُ لِرَبِّهِ وعَداوَتَهُ لَنا، كُلٌّ مِنهُما سَبَبٌ يَدْعُو إلى مُعاداتِهِ، فَما هَذِهِ المُوالاةُ؟ وما هَذا الِاسْتِبْدالُ؟ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا.
وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ تَحْتَ هَذا الخِطابِ نَوْعٌ مِنَ العِتابِ لَطِيفٌ عَجِيبٌ وهو أنِّي عادَيْتُ إبْلِيسَ إذْ لَمْ يَسْجُدْ لِأبِيكم آدَمَ مَعَ مَلائِكَتِي فَكانَتْ مُعاداتُهُ لِأجْلِكُمْ، ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ هَذِهِ المُعاداةِ أنْ عَقَدْتُمْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ عَقْدَ المُصالَحَةِ.
(موعظة)
يا من هو من أرباب الخبرة هل عرفت قيمة نفسك إنما خلقت الأكوان كلها لك
يا من غذي بلبان البر وقلب بأيدي الألطاف
كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة
صورة وأنت المعنى
وصدف وأنت الدر
،ومخيض وأنت الزبد.
منشور اختيارنا لك واضح الخط ولكن استخراجك ضعيف.
متى رمت طلبي فاطلبني عندك.
ويحك لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي
إنما أبعدنا إبليس لأنه لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك
فواعجبا كيف صالحته وتركتنا: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾
لو كان في قلبك محبة لبانَ أثرها على جسدك.
الكهف 18:57
وهي جمع كنان، كعنان وأعنة. وأصله: من الستر والتغطية.
ويقال: كنه، وأكنه، وكنان، بمعنى واحد، بل بينهما فرق. فأكنه، إذا ستره وأخفاه.
كقوله تعالى: ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ وكنه: إذا صانه وحفظه، كقوله: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ويشتركان في الستر.
والكنان: ما أكنّ الشيء وستره. وهو كالغلاف.
وقد أقروا على أنفسهم بذلك فقالوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾
فذكروا غطاء القلب: وهو الأكنة، وغطاء الأذن، وهو الوقر، وغطاء العين وهو الحجاب.
والمعنى: لا نفقه كلامك، ولا نسمعه، ولا نراك.
والمعنى: إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفقه ما تقول، ولا يراك.
قال ابن عباس: قلوبنا في أكنة: مثل الكنانة التي فيها السهام.
وقال مجاهد: كجعبة النّبل.
وقال مقاتل: عليها غطاء فلا نفقه ما تقول.
الكهف 18:62
(فائدة)
لما سافر موسى إلى الخضر وجد في طريقة مس الجوع والنصب فقال لفتاه: ﴿آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾
فإنه سفر إلى مخلوق.
ولما واعده ربه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فلم يأكل فيها لم يجد مس الجوع ولا النصب فإنه سفر إلى ربه تعالى.
وهكذا سفر القلب وسيره إلى ربه لا يجد فيه من الشقاء والنصب ما يجده في سفره إلى بعض المخلوقين.
الكهف 18:65
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ العِلْمِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ العِلْمِ.
وَهَذِهِ المَنزِلَةُ إنْ لَمْ تَصْحَبِ السّالِكَ مِن أوَّلِ قَدَمٍ يَضَعُهُ في الطَّرِيقِ إلى آخِرِ قَدَمٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ: فَسُلُوكُهُ عَلى غَيْرِ طَرِيقٍ. وهو مَقْطُوعٌ عَلَيْهِ طَرِيقُ الوُصُولِ، مَسْدُودٌ عَلَيْهِ سُبُلُ الهُدى والفَلاحِ، مُغْلَقَةٌ عَنْهُ أبْوابُها. وهَذا إجْماعٌ مِنَ الشُّيُوخِ العارِفِينَ. ولَمْ يَنْهَ عَنْ العِلْمِ إلّا قُطّاعُ الطَّرِيقِ مِنهُمْ، ونُوّابُ إبْلِيسَ وشُرَطُهُ.
قالَ سَيِّدُ الطّائِفَةِ وشَيْخُهُمُ الجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: الطُّرُقُ كُلُّها مَسْدُودَةٌ عَلى الخَلْقِ إلّا عَلى مَنِ اقْتَفى آثارَ الرَّسُولِ ﷺ.
وَقالَ: مَن لَمْ يَحْفَظِ القُرْآنَ ويَكْتُبِ الحَدِيثَ، لا يُقْتَدى بِهِ في هَذا الأمْرِ، لِأنَّ عِلْمَنا مُقَيَّدٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ.
وَقالَ: مَذْهَبُنا هَذا مُقَيَّدٌ بِأُصُولِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وَقالَ أبُو حَفْصٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن لَمْ يَزِنْ أفْعالَهُ وأحْوالَهُ في كُلِّ وقْتٍ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ. ولَمْ يَتَّهِمْ خَواطِرَهُ. فَلا يُعَدُّ في دِيوانِ الرِّجالِ.
وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: رُبَّما يَقَعُ في قَلْبِيَ النُّكْتَةُ مِن نُكَتِ القَوْمِ أيْامًا. فَلا أقْبَلُ مِنهُ إلّا بِشاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ: الكِتابِ، والسُّنَّةِ.
وَقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ العَبْدُ بِغَيْرِ اقْتِداءٍ - طاعَةً كانَ أوْ مَعْصِيَةً - فَهو عَيْشُ النَّفْسِ، وكُلُّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ العَبْدُ بِالِاقْتِداءِ: فَهو عَذابٌ عَلى النَّفْسِ.
وَقالَ السَّرِيُّ: التَّصَوُّفُ اسْمٌ لِثَلاثَةِ مَعانٍ: لا يُطْفِئُ نُورَ مَعْرِفَتِهِ نُورُ ورَعِهِ، ولا يَتَكَلَّمُ بِباطِنٍ في عِلْمٍ يَنْقُضُهُ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكِتابِ، ولا تَحْمِلُهُ الكَراماتُ عَلى هَتْكِ أسْتارِ مَحارِمِ اللَّهِ.
وَقالَ أبُو يَزِيدَ: عَمِلْتُ في المُجاهَدَةِ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَما وجَدْتُ شَيْئًا أشَدَّ عَلَيَّ مِنَ العِلْمِ ومُتابَعَتِهِ، ولَوْلا اخْتِلافُ العُلَماءِ لَبَقِيتُ، واخْتِلافُ العُلَماءِ رَحْمَةٌ، إلّا في تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ.
وَقالَ مَرَّةً لِخادِمِهِ: قُمْ بِنا إلى هَذا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ شَهَّرَ نَفْسَهُ بِالصَّلاحِ لِنَزُورَهُ، فَلَمّا دَخَلا عَلَيْهِ المَسْجِدَ تَنَخَّعَ. ثُمَّ رَمى بِها نَحْوَ القِبْلَةِ، فَرَجَعَ ولَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ. وقالَ: هَذا غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلى أدَبٍ مِن آدابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَأْمُونًا عَلى ما يَدَّعِيهِ؟
وَقالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أسْألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَكْفِيَنِي مُؤْنَةَ النِّساءِ. ثُمَّ قُلْتُ: كَيْفَ يَجُوزُ لِي أنْ أسْألَ اللَّهَ هَذا؟ ولَمْ يَسْألْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ ولَمْ أسْألْهُ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ كَفانِي مُؤْنَةَ النِّساءِ، حَتّى لا أُبالِيَ اسْتَقْبَلَتْنِي امْرَأةٌ أوْ حائِطٌ.
وَقالَ: لَوْ نَظَرْتُمْ إلى رَجُلٍ أُعْطِيَ مِنَ الكَراماتِ إلى أنْ يَرْتَفِعَ في الهَواءِ، فَلا تَغْتَرُّوا بِهِ، حَتّى تَنْظُرُوا كَيْفَ تَجِدُونَهُ عِنْدَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وحِفْظِ الحُدُودِ، وأداءِ الشَّرِيعَةِ؟
وَقالَ أحْمَدُ بْنُ أبِي الحِوارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن عَمِلَ عَمَلًا بِلا اتِّباعِ سُنَّةٍ، فَباطِلٌ عَمَلُهُ.
وَقالَ أبُو عُثْمانَ النَّيْسابُورِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الصُّحْبَةُ مَعَ اللَّهِ: بِحُسْنِ الأدَبِ، ودَوامِ الهَيْبَةِ والمُراقَبَةِ، والصُّحْبَةُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ: بِاتِّباعِ سُنَّتِهِ، ولُزُومِ ظاهِرِ العِلْمِ. ومَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ: بِالِاحْتِرامِ والخِدْمَةِ. ومَعَ الأهْلِ: بِحُسْنِ الخُلُقِ. ومَعَ الإخْوانِ: بِدَوامِ البِشْرِ. ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا. ومَعَ الجُهّالِ: بِالدُّعاءِ لَهم والرَّحْمَةِ.
زادَ غَيْرُهُ: ومَعَ الحافِظِينَ: بِإكْرامِهِما واحْتِرامِهِما، وإمْلائِهِما ما يَحْمَدانِكَ عَلَيْهِ. ومَعَ النَّفْسِ: بِالمُخالَفَةِ. ومَعَ الشَّيْطانِ: بِالعَداوَةِ.
وَقالَ أبُو عُثْمانَ أيْضًا: مَن أمَّرَ السُّنَّةَ عَلى نَفْسِهِ قَوْلًا وفِعْلًا: نَطَقَ بِالحِكْمَةِ، ومَن أمَّرَ الهَوى عَلى نَفْسِهِ قَوْلًا وفِعْلًا: نَطَقَ بِالبِدْعَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
وَقالَ أبُو الحُسَيْنِ النُّورِيُّ: مَن رَأيْتُمُوهُ يَدَّعِي مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حالَةً تُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَلا تَقْرَبُوا مِنهُ.
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ البَلْخِيُّ مِن مَشايِخِ القَوْمِ الكِبارِ: ذَهابُ الإسْلامِ مِن أرْبَعَةٍ:
لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ، ويَعْمَلُونَ بِما لا يَعْلَمُونَ، ولا يَتَعَلَّمُونَ ما يَعْمَلُونَ، ويَمْنَعُونَ النّاسَ مِنَ التَّعَلُّمِ والتَّعْلِيمِ.
وَقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ المَكِّيُّ: العِلْمُ قائِدٌ. والخَوْفُ سائِقٌ.
والنَّفْسُ حَرُونٌ بَيْنَ ذَلِكَ، جُمُوحٌ خَدّاعَةٌ رَوّاغَةٌ. فاحْذَرْها وراعِها بِسِياسَةِ العِلْمِ. وسُقْها بِتَهْدِيدِ الخَوْفِ: يَتِمُّ لَكَ ما تُرِيدُ.
وَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخَرّازُ: كُلُّ باطِنٍ يُخالِفُهُ الظّاهِرُ فَهو باطِلٌ.
وَقالَ ابْنُ عَطاءٍ: مَن ألْزَمَ نَفْسَهُ آدابَ السُّنَّةِ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِنُورِ المَعْرِفَةِ.
لا مَقامَ أشْرَفَ مِن مَقامِ مُتابَعَةِ الحَبِيبِ في أوامِرِهِ وأفْعالِهِ وأخْلاقِهِ.
وَقالَ: كُلُّ ما سَألْتَ عَنْهُ فاطْلُبْهُ في مَفازَةِ العِلْمِ. فَإنْ لَمْ تَجِدْهُ فَفي مَيْدانِ الحِكْمَةِ.
فَإنْ لَمْ تَجِدْهُ فَزِنْهُ بِالتَّوْحِيدِ. فَإنْ لَمْ تَجِدْهُ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ فاضْرِبْ بِهِ وجْهَ الشَّيْطانِ.
وَأُلْقِيَ بَنانٌ الحَمّالُ بَيْنَ يَدَيِ السَّبُعِ. فَجَعَلَ السَّبُعُ يَشَمُّهُ لا يَضُرُّهُ فَلَمّا أُخْرِجَ قِيلَ لَهُ: ما الَّذِي كانَ في قَلْبِكَ حِينَ شَمَّكَ السَّبُعُ؟ قالَ: كُنْتُ أتَفَكَّرُ في اخْتِلافِ العُلَماءِ في سُؤْرِ السِّباعِ.
وَقالَ أبُو حَمْزَةَ البَغْدادِيُّ - مِن أكابِرِ الشُّيُوخِ. وكانَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ لَهُ في المَسائِلِ: ما تَقُولُ يا صُوفِيُّ - مَن عَلِمَ طَرِيقَ الحَقِّ سَهُلَ عَلَيْهِ سُلُوكُهُ. ولا دَلِيلَ عَلى الطَّرِيقِ إلى اللَّهِ إلّا مُتابَعَةُ الرَّسُولِ ﷺ في أحْوالِهِ وأقْوالِهِ وأفْعالِهِ.
وَمَرَّ الشَّيْخُ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى الواسِطِيُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلى الجامِعِ. فانْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ. فَأصْلَحَهُ لَهُ رَجُلٌ صَيْدَلانِيٌّ.
فَقالَ: تَدْرِي لِمَ انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِي؟ فَقُلْتُ: لا. فَقالَ: لِأنِّي ما اغْتَسَلْتُ لِلْجُمُعَةِ.
فَقالَ: هاهُنا حَمّامٌ تَدْخُلُهُ؟ فَقالَ: نَعَمْ. فَدَخَلَ واغْتَسَلَ.
وَقالَ أبُو إسْحاقَ الرَّقِّيُّ، مِن أقْرانِ الجُنَيْدِ: عَلامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ:
إيثارُ طاعَتِهِ، ومُتابَعَةُ رَسُولِهِ ﷺ.
وَقالَ أبُو يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ: أفْضَلُ الأحْوالِ: ما قارَنَ العِلْمَ.
وَقالَ أبُو القاسِمِ النَّصْراباذِيُّ شَيْخُ خُراسانَ في وقْتِهِ: أصْلُ التَّصَوُّفِ مُلازَمَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وتَرْكُ الأهْواءِ والبِدَعِ. وتَعْظِيمُ كَراماتِ المَشايِخِ، ورُؤْيَةُ أعْذارِ الخَلْقِ، والمُداوَمَةُ عَلى الأوْرادِ، وتَرْكُ ارْتِكابِ الرُّخَصِ والتَّأْوِيلاتِ.
وَقالَ أبُو بَكْرٍ الطَّمِسْتانِيُّ - مِن كِبارِ شُيُوخِ الطّائِفَةِ -: الطَّرِيقُ واضِحٌ والكِتابُ والسُّنَّةُ قائِمٌ بَيْنَ أظْهُرِنا.
وَفَضْلُ الصَّحابَةِ مَعْلُومٌ، لِسَبْقِهِمْ إلى الهِجْرَةِ ولِصُحْبَتِهِمْ، فَمَن صَحِبَ الكِتابَ والسُّنَّةَ، وتَغَرَّبَ عَنْ نَفْسِهِ وعَنِ الخَلْقِ، وهاجَرَ بِقَلْبِهِ إلى اللَّهِ: فَهو الصّادِقُ المُصِيبُ.
وَقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ: كُلُّ حالٍ لا يَكُونُ عَنْ نَتِيجَةِ عِلْمٍ فَإنَّ ضَرَرَهُ عَلى صاحِبِهِ أكْثَرُ مِن نَفْعِهِ.
وَقالَ: التَّصَوُّفُ: الصَّبْرُ تَحْتَ الأوامِرِ والنَّواهِي.
وَكانَ بَعْضُ أكابِرِ الشُّيُوخِ المُتَقَدِّمِينَ يَقُولُ: يا مَعْشَرَ الصُّوفِيَّةِ، لا تُفارِقُوا السَّوادَ في البَياضِ تَهْلِكُوا.
[شَرَفُ العِلْمِ وفَضْلُهُ]
وَأمّا الكَلِماتُ الَّتِي تُرْوى عَنْ بَعْضِهِمْ: مِنَ التَّزْهِيدِ في العِلْمِ، والِاسْتِغْناءِ عَنْهُ. كَقَوْلِ مَن قالَ: نَحْنُ نَأْخُذُ عِلْمَنا مِنَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وأنْتُمْ تَأْخُذُونَهُ مِن حَيٍّ يَمُوتُ.
وَقَوْلِ الآخَرِ - وقَدْ قِيلَ لَهُ: ألا تَرْحَلُ حَتّى تَسْمَعَ مِن عَبْدِ الرَّزّاقِ - فَقالَ: ما يَصْنَعُ بِالسَّماعِ مِن عَبْدِ الرَّزّاقِ، مَن يَسْمَعُ مِنَ الخَلّاقِ؟
وَقَوْلِ الآخَرِ: العِلْمُ حِجابٌ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلِ الآخَرِ: لَنا عِلْمُ الحَرْفِ. ولَكم عِلْمُ الوَرَقِ.
وَنَحْوِ هَذا مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي أحْسَنُ أحْوالِ قائِلِها: أنْ يَكُونَ جاهِلًا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ، أوْ شاطِحًا مُعْتَرَفًا بِشَطْحِهِ، وإلّا فَلَوْلا عَبْدُ الرَّزّاقِ وأمْثالُهُ، ولَوْلا أخْبَرَنا وحَدَّثَنا لَما وصَلَ إلى هَذا وأمْثالِهِ شَيْءٌ مِنَ الإسْلامِ.
وَمَن أحالَكَ عَلى غَيْرِ أخْبَرَنا وحَدَّثَنا فَقَدْ أحالَكَ: إمّا عَلى خَيالِ صُوفِيٍّ، أوْ قِياسِ فَلْسَفِيٍّ. أوْ رَأْيِ نَفْسِيٍّ. فَلَيْسَ بَعْدَ القُرْآنِ وأخْبَرَنا وحَدَّثَنا إلّا شُبَهاتُ المُتَكَلِّمِينَ. وآراءُ المُنْحَرِفِينَ، وخَيالاتُ المُتَصَوِّفِينَ، وقِياسُ المُتَفَلْسِفِينَ. ومَن فارَقَ الدَّلِيلَ، ضَلَّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ. ولا دَلِيلَ إلى اللَّهِ والجَنَّةِ، سِوى الكِتابِ والسُّنَّةِ. وكُلُّ طَرِيقٍ لَمْ يَصْحَبْها دَلِيلُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ فَهي مِن طُرُقِ الجَحِيمِ، والشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
والعِلْمُ ما قامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. والنّافِعُ مِنهُ: ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ.
والعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الحالِ: العِلْمُ حاكِمٌ. والحالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ. والعِلْمُ هادٍ. والحالُ تابِعٌ. والعِلْمُ آمِرٌ ناهٍ.
والحالُ مَنفَذٌ قابِلٌ، والحالُ سَيْفٌ، إنْ لَمْ يَصْحَبْهُ العِلْمُ فَهو مِخْراقٌ في يَدِ لاعِبٍ.
الحالُ مَرْكِبٌ لا يُجارى. فَإنْ لَمْ يَصْحَبْهُ عِلْمٌ ألْقى صاحِبَهُ في المَهالِكِ والمَتالِفِ.
والحالُ كالمالِ يُؤْتاهُ البَرُّ والفاجِرُ. فَإنْ لَمْ يَصْحَبْهُ نُورُ العِلْمِ كانَ وبالًا عَلى صاحِبِهِ.
الحالُ بِلا عِلْمٍ كالسُّلْطانِ الَّذِي لا يَزَعُهُ عَنْ سَطْوَتِهِ وازِعٌ.
الحالُ بِلا عِلْمٍ كالنّارِ الَّتِي لا سائِسَ لَها.
نَفْعُ الحالِ لا يَتَعَدّى صاحِبَهُ. ونَفْعُ العِلْمِ كالغَيْثِ يَقَعُ عَلى الظِّرابِ والآكامِ وبُطُونِ الأوْدِيَةِ ومَنابِتِ الشَّجَرِ.
دائِرَةُ العِلْمِ تَسَعُ الدُّنْيا والآخِرَةَ. ودائِرَةُ الحالِ تَضِيقُ عَنْ غَيْرِ صاحِبِهِ. ورُبَّما ضاقَتْ عَنْهُ.
العِلْمُ هادٍ والحالُ الصَّحِيحُ مُهْتَدٍ بِهِ. وهو تَرِكَةُ الأنْبِياءِ وتُراثُهم. وأهْلُهُ عُصْبَتُهم ووُرّاثُهُمْ، وهو حَياةُ القُلُوبِ. ونُورُ البَصائِرِ. وشِفاءُ الصُّدُورِ. ورِياضُ العُقُولِ. ولَذَّةُ الأرْواحِ. وأنَسُ المُسْتَوْحِشِينَ. ودَلِيلُ المُتَحَيِّرِينَ.
وَهُوَ المِيزانُ الَّذِي بِهِ تُوزَنُ الأقْوالُ والأعْمالُ والأحْوالُ.
وَهُوَ الحاكِمُ المُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّكِّ واليَقِينِ، والغَيِّ والرَّشادِ، والهُدى والضَّلالِ.
بِهِ يُعْرَفُ اللَّهُ ويُعْبَدُ، ويُذْكَرُ ويُوَحَّدُ، ويُحْمَدُ ويُمَجَّدُ. وبِهِ اهْتَدى إلَيْهِ السّالِكُونَ.
وَمِن طَرِيقِهِ وصَلَ إلَيْهِ الواصِلُونَ. ومِن بابِهِ دَخَلَ عَلَيْهِ القاصِدُونَ.
بِهِ تُعْرَفُ الشَّرائِعُ والأحْكامُ، ويَتَمَيَّزُ الحَلالُ مِنَ الحَرامِ. وبِهِ تُوصَلُ الأرْحامُ وبِهِ تُعْرَفُ مَراضِي الحَبِيبِ، وبِمَعْرِفَتِها ومُتابَعَتِها يُوصَلُ إلَيْهِ مِن قَرِيبٍ.
وَهُوَ إمامٌ، والعَمَلُ مَأْمُومٌ. وهو قائِدٌ، والعَمَلُ تابِعٌ. وهو الصّاحِبُ في الغُرْبَةِ والمُحَدِّثُ في الخَلْوَةِ، والأنِيسُ في الوَحْشَةِ. والكاشِفُ عَنِ الشُّبْهَةِ. والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ عَلى مَن ظَفِرَ بِكَنْزِهِ. والكَنَفُ الَّذِي لا ضَيْعَةَ عَلى مَن آوى إلى حِرْزِهِ.
مُذَكَراتُهُ تَسْبِيحٌ. والبَحْثُ عَنْهُ جِهادٌ. وطَلَبُهُ قُرْبَةٌ. وبَذْلُهُ صَدَقَةٌ. ومُدارَسَتُهُ تَعْدِلُ بِالصِّيامِ والقِيامِ. والحاجَةُ إلَيْهِ أعْظَمُ مِنها إلى الشَّرابِ والطَّعامِ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: النّاسُ إلى العِلْمِ أحْوَجُ مِنهم إلى الطَّعامِ والشَّرابِ. لِأنَّ الرَّجُلَ يَحْتاجُ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ في اليَوْمِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ. وحاجَتُهُ إلى العِلْمِ بِعَدَدِ أنْفاسِهِ.
وَرُوِّينا عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: طَلَبُ العِلْمِ أفْضَلُ مِن صَلاةِ النّافِلَةِ.
وَنَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقالَ ابْنُ وهْبٍ: كُنْتُ بَيْنَ يَدِي مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَوَضَعْتُ ألْواحِي وقُمْتُ أُصَلِّي. فَقالَ: ما الَّذِي قُمْتَ إلَيْهِ بِأفْضَلَ مِمّا قُمْتَ عَنْهُ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ.
واسْتَشْهَدَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِأهْلِ العِلْمِ عَلى أجَلِّ مَشْهُودٍ بِهِ، وهو التَّوْحِيدُ وقَرَنَ شَهادَتَهم بِشَهادَتِهِ وشَهادَةِ مَلائِكَتِهِ. وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَعْدِيلُهم. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَسْتَشْهِدُ بِمَجْرُوحٍ.
وَمِن هاهُنا - واللَّهُ أعْلَمُ - يُؤْخَذُ الحَدِيثُ المَعْرُوفُ «يَحْمِلُ هَذا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ. يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغالِينَ، وتَأْوِيلَ المُبْطِلِينَ».
وَهُوَ حُجَّةُ اللَّهِ في أرْضِهِ. ونُورُهُ بَيْنَ عِبادِهِ. وقائِدُهم ودَلِيلُهم إلى جَنَّتِهِ. ومُدْنِيهِمْ مِن كَرامَتِهِ.
وَيَكْفِي في شَرَفِهِ: أنَّ فَضْلَ أهْلِهِ عَلى العِبادِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةِ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ. وأنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ لَهم أجْنِحَتَها، وتُظِلُّهم بِها، وأنَّ العالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، حَتّى الحِيتانُ في البَحْرِ، وحَتّى النَّمْلُ في جُحْرِها، وأنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى مُعَلِّمِي النّاسِ الخَيْرَ.
وَلَقَدْ رَحَلَ كَلِيمُ الرَّحْمَنِ مُوسى بْنُ عِمْرانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في طَلَبِ العِلْمِ هو وفَتاهُ، حَتّى مَسَّهُما النَّصَبُ في سَفَرِهِما في طَلَبِ العِلْمِ. حَتّى ظَفِرَ بِثَلاثِ مَسائِلَ.
وَهُوَ مِن أكْرَمِ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ وأعْلَمِهِمْ بِهِ.
وَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَسْألَهُ المَزِيدَ مِنهُ فَقالَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وَحَرَّمَ اللَّهُ صَيْدَ الجَوارِحِ الجاهِلَةِ، وإنَّما أباحَ لِلْأُمَّةِ صَيْدَ الجَوارِحِ العالِمَةِ.
فَهَكَذا جَوارِحُ الإنْسانِ الجاهِلِ لا يُجْدِي عَلَيْهِ صَيْدُها مِنَ الأعْمالِ شَيْئًا. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
[فَصْلٌ تَعْرِيفُ العِلْمِ]
فَصْلٌ
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " رَحِمَهُ اللَّهُ.
العِلْمُ ما قامَ بِدَلِيلٍ. ورَفَعَ الجَهْلَ.
يُرِيدُ: أنَّ لِلْعِلْمِ عَلامَةً قَبْلَهُ، وعَلامَةً بَعْدَهُ، فَعَلامَتُهُ قَبْلَهُ: ما قامَ بِهِ الدَّلِيلُ. وعَلامَتُهُ بَعْدَهُ: رَفْعُ الجَهْلِ.
[دَرَجاتُ العِلْمِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى عِلْمٌ جَلِيٌّ]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثٍ دَرَجاتُ. الدَّرَجَةُ الأُولى: عِلْمٌ جَلِيٌّ. بِهِ يَقَعُ العِيانُ. واسْتِفاضَةٌ صَحِيحَةٌ، أوْ صِحَّةُ تَجْرِبَةٍ قَدِيمَةٍ.
يُرِيدُ بِالجَلِيِّ: الظّاهِرَ، الَّذِي لا خَفاءَ بِهِ. وجَعَلَهُ ثَلاثَةَ أنْواعٍ.
أحَدُها: ما وقَعَ عَنْ عِيانٍ. وهو البَصَرُ.
والثّانِي: ما اسْتَنَدَ إلى السَّمْعِ. وهو عِلْمُ الِاسْتِفاضَةِ.
والثّالِثُ: ما اسْتَنَدَ إلى العَقْلِ. وهو عِلْمُ التَّجْرِبَةِ.
فَهَذِهِ الطُّرُقُ الثَّلاثَةُ - وهي السَّمْعُ، والبَصَرُ، والعَقْلُ - هي طُرُقُ العِلْمِ وأبْوابُهُ ولا تَنْحَصِرُ طُرُقُ العِلْمِ فِيما ذَكَرَهُ. فَإنَّ سائِرَ الحَواسِّ تُوجِبُ العِلْمَ.
وَكَذا ما يُدْرَكُ بِالباطِنِ. وهي الوِجْدانِيّاتُ.
وَكَذا ما يُدْرَكُ بِخَبَرِ المُخْبِرِ الصّادِقِ، وإنْ كانَ واحِدًا.
وَكَذا ما يَحْصُلُ بِالفِكْرِ والِاسْتِنْباطِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَجْرِبَةٍ.
فالعِلْمُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرَها فَقَطْ.
والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْرِفَةِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْرِفَةَ لُبُّ العِلْمِ، ونِسْبَةُ العِلْمِ إلَيْها كَنِسْبَةِ الإيمانِ إلى الإحْسانِ. وهي عِلْمٌ خاصٌّ، مُتَعَلِّقُها أخْفى مِن مُتَعَلِّقِ العِلْمِ وأدَقُّ.
والثّانِي: أنَّ المَعْرِفَةَ هي العِلْمُ الَّذِي يُراعِيهِ صاحِبُهُ بِمُوجِبِهِ ومُقْتَضاهُ. فَهي عِلْمٌ تَتَّصِلُ بِهِ الرِّعايَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْرِفَةَ شاهِدٌ لِنَفْسِها، وهي بِمَنزِلَةِ الأُمُورِ الوِجْدانِيَّةِ، الَّتِي لا يُمْكِنُ صاحِبُها أنْ يَشُكَّ فِيها، ولا يَنْتَقِلَ عَنْها.
وَكَشْفُ المَعْرِفَةِ أتَمُّ مِن كَشْفِ العِلْمِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ عِلْمٌ خَفِيٌّ]
فَصْلٌ
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: عِلْمٌ خَفِيٌّ. يَنْبُتُ في الأسْرارِ الطّاهِرَةِ، مِنَ الأبْدانِ الزّاكِيَةِ، بِماءِ الرِّياضَةِ الخالِصَةِ، ويَظْهَرُ في الأنْفاسِ الصّادِقَةِ، لِأهْلِ الهِمَّةِ العالِيَةِ، في الأحايِينِ الخالِيَةِ، والأسْماعِ الصّاخِيَةِ. وهو عِلْمٌ يُظْهِرُ الغائِبَ، ويُغَيِّبُ الشّاهِدَ، ويُشِيرُ إلى الجَمْعِ.
يَعْنِي: أنَّ هَذا العِلْمَ خَفَّيٌّ عَلى أهْلِ الدَّرَجَةِ الأوْلى، وهو المُسَمّى بِالمَعْرِفَةِ عِنْدَ هَذِهِ الطّائِفَةِ.
قَوْلُهُ: يَنْبُتُ في الأسْرارِ الطّاهِرَةِ.
لَفْظُ السِّرِّ يُطْلَقُ في لِسانِهِمْ ويُرادُ بِهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: اللَّطِيفَةُ المُودَعَةُ في هَذا القالَبِ، الَّتِي حَصَلَ بِها الإدْراكُ والمَحَبَّةُ والإرادَةُ والعِلْمُ. وذَلِكَ هو الرُّوحُ.
الثّانِي: مَعْنًى قائِمٌ بِالرُّوحِ. نِسْبِتُهُ إلى الرُّوحِ كَنِسْبَةِ الرُّوحِ إلى البَدَنِ.
وَغالِبًا ما يُرِيدُونَ بِهِ: هَذا المَعْنى.
وَعِنْدَهُمْ: أنَّ القَلْبَ أشْرَفُ ما في البَدَنِ، والرُّوحَ أشْرَفُ مِنَ القَلْبِ. والسِّرَّ ألْطَفُ مِنَ الرُّوحِ.
وَعِنْدَهُمْ: لِلسِّرِّ سِرٌّ آخَرُ. لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُ الحَقِّ سُبْحانَهُ. وصاحِبُهُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وإنِ اطَّلَعَ عَلى سِرِّهِ. فَيَقُولُونَ السِّرُّ ما لَكَ عَلَيْهِ إشْرافٌ، وسِرُّ السِّرِّ ما لا اطِّلاعَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ.
والمَعْنى الثّالِثُ: يُرادُ بِهِ ما يَكُونُ مَصُونًا مَكْتُومًا بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ، مِنَ الأحْوالِ والمَقاماتِ. كَما قالَ بَعْضُهُمْ: أسْرارُنا بِكْرٌ. لَمْ يَفْتَضَّها وهْمُ واهِمٍ.
وَيَقُولُ قائِلُهُمْ: لَوْ عَرَفَ زِرِّي سِرِّي لِطَرَحْتُهُ.
والمَقْصُودُ قَوْلُهُ: يَنْبُتُ في الأسْرارِ الطّاهِرَةِ.
يَعْنِي: الطّاهِرَةُ مِن كَدَرِ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِها، وعَلائِقِها الَّتِي تَعُوقُ الأرْواحَ عَنْ دِيارِ الأفْراحِ.
فَإنَّ هَذِهِ أكْدارٌ، وتَنَفُّساتٌ في وجْهِ مِرْآةِ القَلْبِ والرُّوحِ. فَلا تَنْجَلِي فِيها صُوَرُ الحَقائِقِ كَما يَنْبَغِي. والنَّفْسُ تَنَفَّسُ فِيها دائِمًا بِالرَّغْبَةِ في الدُّنْيا والرَّهْبَةِ مِن فَوْتِها.
فَإذا جُلِيَتِ المِرْآةُ بِإذْهابِ هَذِهِ الأكْدارِ صَفَتْ. وظَهَرَتْ فِيها الحَقائِقُ والمَعارِفُ.
وَأمّا الأبْدانُ الزَّكِيَّةُ.
فَهِيَ الَّتِي زَكَتْ بِطاعَةِ اللَّهِ، ونَبَتَتْ عَلى أكْلِ الحَلالِ. فَمَتى خَلَصَتِ الأبْدانُ مِنَ الحَرامِ، وأدْناسِ البَشَرِيَّةِ، الَّتِي يَنْهى عَنْها العَقْلُ والدِّينُ والمُرُوءَةُ، وطَهُرَتِ الأنْفُسُ مِن عَلائِقِ الدُّنْيا: زَكَتْ أرْضُ القَلْبِ. فَقَبِلَتْ بَذْرَ العُلُومِ والمَعارِفِ. فَإنْ سُقِيَتْ - بَعْدَ ذَلِكَ - بِماءِ الرِّياضَةِ الشَّرْعِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ - وهي الَّتِي لا تَخْرُجُ عَنْ عِلْمٍ، ولا تَبْعُدُ عَنْ واجِبٍ ولا تُعَطِّلُ سُنَّةً - أنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، مِن عِلْمٍ وحِكْمَةٍ وفائِدَةٍ وتَعَرُّفٍ. فاجْتَنى مِنها صاحِبُها ومَن جالَسَهُ أنْواعَ الطُّرَفِ والفَوائِدِ، والثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ الألْوانِ والأذْواقِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا عُقِدَتِ القُلُوبُ عَلى تَرْكِ المَعاصِي: جالَتْ في المَلَكُوتِ. ثُمَّ رَجَعَتْ إلى أصْحابِها بِأنْواعِ التُّحَفِ والفَوائِدِ.
قَوْلُهُ: وتَظْهَرُ في الأنْفاسِ الصّادِقَةِ يُرِيدُ بِالأنْفاسِ أمْرَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْفاسُ الذِّكْرِ والمَعْرِفَةِ.
والثّانِي: أنْفاسُ المَحَبَّةِ والإرادَةِ. وما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْرُوفِ المَذْكُورِ. وبِالمَحْبُوبِ المُرادِ مِنَ الذّاكِرِ والمُحِبِّ. وصِدْقُها خُلُوصُها مِن شَوائِبِ الأغْيارِ والحُظُوظِ.
وَقَوْلُهُ: لِأهْلِ الهِمَمِ العالِيَةِ فَهي الَّتِي لا تَقِفُ دُونَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ولا تُعَرِّجُ في سَفَرِها عَلى شَيْءٍ سِواهُ. وأعْلى الهِمَمِ: ما تَعَلَّقَ بِالعَلِيِّ الأعْلى. وأوْسَعُها: ما تَعَلَّقَ بِصَلاحِ العِبادِ. وهي هِمَمُ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، ووَرَثَتِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: في الأحايِينِ الخالِيَةِ.
يُرِيدُ بِها: ساعاتِ الصَّفاءِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، وأوْقاتِ النَّفَحاتِ الإلَهِيَّةِ، الَّتِي مَن تَعَرَّضَ لَها يُوشِكُ أنْ لا يُحْرَمَها. ومَن أعْرَضَ عَنْها فَهي عَنْهُ أشَدُّ إعْراضًا.
وَقَوْلُهُ: في الأسْماعِ الصّاخِيَةِ
فَهِيَ الَّتِي صَحَتْ مِن تَعَلُّقِها بِالباطِلِ واللَّغْوِ، وأصاخَتْ لِدَعْوَةِ الحَقِّ، ومُنادِي الإيمانِ. فَإنَّ الباطِلَ واللَّغْوَ خَمْرُ الأسْماعِ والعُقُولِ. فَصَحْوُها بِتَجَنُّبِهِ والإصْغاءِ إلى دَعْوَةِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: وهو عِلْمٌ يُظْهِرُ الغائِبَ أيْ يَكْشِفُ ما كانَ غائِبًا عَنِ العارِفِ.
قَوْلُهُ: ويُغَيِّبُ الشّاهِدَ أيْ يُغِيِّبَهُ عَنْ شُهُودِ ما سِوى مَشْهُودِهِ الحَقِّ.
وَيُشِيرُ إلى الجَمْعِ وهو مَقامُ الفَرْدانِيَّةِ، واضْمِحْلالُ الرُّسُومِ، حَتّى رَسْمِ الشّاهِدِ نَفْسِهِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ عِلْمٌ لَدُنِّيٌ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: عِلْمٌ لَدُنِّيٌ. إسْنادُهُ وُجُودُهُ، وإدْراكُهُ عِيانُهُ. ونَعْتُهُ حُكْمُهُ. لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغَيْبِ حِجابٌ.
يُشِيرُ القَوْمُ بِالعِلْمِ اللَّدُنِّيِ إلى ما يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، بَلْ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ، وتَعْرِيفٍ مِنهُ لِعَبْدِهِ، كَما حَصَلَ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِغَيْرِ واسِطَةِ مُوسى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
وَفَرَّقَ بَيْنَ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ. وجَعَلَهُما مِن عِنْدِهِ ومِن لَدُنْهُ إذْ لَمْ يَنُلْهُما عَلى يَدِ بِشْرٍ، وكانَ مِن لَدُنْهُ أخَصَّ وأقْرَبَ مِن عِنْدِهِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] فالسُلْطانُ النَّصِيرُ الَّذِي مِن لَدُنْهُ سُبْحانَهُ: أخُصُّ وأقْرَبُ مِمّا عِنْدَهُ.
وَلِهَذا قالَ تَعالى ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠].
وَهُوَ الَّذِي أيَّدَهُ بِهِ. والَّذِي مِن عِنْدِهِ: نَصْرُهُ بِالمُؤْمِنِينَ، كَما قالَ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].
والعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ ثَمَرَةُ العُبُودِيَّةِ والمُتابَعَةِ، والصِّدْقِ مَعَ اللَّهِ، والإخْلاصِ لَهُ، وبَذْلِ الجُهْدِ في تَلَقِّي العِلْمِ مِن مِشْكاةِ رَسُولِهِ. وكَمالِ الِانْقِيادِ لَهُ. فَيَفْتَحُ لَهُ مِن فَهْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِأمْرٍ يَخُصُّهُ بِهِ، كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ سُئِلَ هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ - فَقالَ: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأ النَّسْمَةَ. إلّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ.
فَهَذا هو العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ الحَقِيقِيُّ، وأمّا عِلْمُ مَن أعْرَضَ عَنِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يَتَقَيَّدْ بِهِما: فَهو مِن لَدُنِ النَّفْسِ والهَوى، والشَّيْطانِ، فَهو لَدُنَّيٌّ. لَكِنْ مِن لَدُنْ مَن؟ وإنَّما يُعْرَفُ كَوْنُ العِلْمِ لَدُنَّيًّا رَحْمانِيًّا: بِمُوافَقَتِهِ لِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.
فالعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ نَوْعانِ: لَدُنِّيٌّ رَحْمانِيٌّ، ولَدُنِّيٌّ شَيْطانِيٌّ بَطْناوِيٌّ. والمَحَكُّ: هو الوَحْيُ. ولا وحْيَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَأمّا قِصَّةُ مُوسى مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ: فالتَّعَلُّقُ بِها في تَجْوِيزِ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الوَحْيِ بِالعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ إلْحادٌ، وكُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ الإسْلامِ، مُوجِبٌ لِإراقَةِ الدَّمِ.
والفَرْقُ: أنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إلى الخَضِرِ. ولَمْ يَكُنْ الخَضِرُ مَأْمُورًا بِمُتابَعَتِهِ. ولَوْ كانَ مَأْمُورًا بِها لَوَجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُهاجِرَ إلى مُوسى ويَكُونَ مَعَهُ. ولِهَذا قالَ لَهُ: أنْتَ مُوسى نَبِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ.
وَمُحَمَّدٌ ﷺ مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ الثِّقْلَيْنِ. فَرِسالَتُهُ عامَّةٌ لِلْجِنِّ والإنْسِ، في كُلِّ زَمانٍ. ولَوْ كانَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ حَيَّيْنِ لَكانا مِن أتْباعِهِ، وإذا نَزَلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّما يَحْكُمُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَمَنِ ادَّعى أنَّهُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ كالخَضِرِ مَعَ مُوسى. أوْ جَوَّزَ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ: فَلْيُجَدِّدْ إسْلامَهُ، ولْيَتَشَهَّدْ شَهادَةَ الحَقِّ. فَإنَّهُ بِذَلِكَ مُفارِقٌ لِدِينِ الإسْلامِ بِالكُلِّيَّةِ. فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مِن خاصَّةِ أوْلِياءِ اللَّهِ. وإنَّما هو مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ وخُلَفائِهِ ونُوّابِهِ.
وَهَذا المَوْضِعُ مَقْطَعٌ ومَفْرَقٌ بَيْنَ زَنادِقَةِ القَوْمِ، وبَيْنَ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ مِنهُمْ، فَحَرِّكْ تَرَهُ.
قَوْلُهُ: إسْنادُهُ وُجُودُهُ.
يَعْنِي: أنَّ طَرِيقَ هَذا العِلْمِ: وِجْدانُهُ، كَما أنَّ طَرِيقَ غَيْرِهِ: هو الإسْنادُ.
وَإدْراكُهُ عِيانَهُ. أيْ إنَّ هَذا العِلْمَ لا يُؤْخَذُ بِالفِكْرِ والِاسْتِنْباطِ، وإنَّما يُؤْخَذُ عِيانًا وشُهُودًا.
وَنَعْتُهُ حُكْمُهُ. يَعْنِي: أنَّ نُعُوتَهُ لا يُوصَلُ إلَيْها إلّا بِهِ، فَهي قاصِرَةٌ عَنْهُ، يَعْنِي أنَّ شاهِدَهُ مِنهُ، ودَلِيلَ وُجُودِهِ. وإنِّيَتَهُ لِمِّيَّتُهُ، فَبُرْهانُ الإنِّ فِيهِ. هو بُرْهانُ اللَّمِّ. فَهو الدَّلِيلُ. وهو المَدْلُولُ. ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغُيُوبِ حِجابٌ. بِخِلافِ ما دُونَهُ مِنَ العُلُومِ. فَإنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ العُلُومِ حِجابًا.
والَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ القَوْمُ: هو نُورٌ مِن جَنابِ المَشْهُودِ. يَمْحُو قُوى الحَواسِّ وأحْكامَها. ويَقُومُ لِصاحِبِها مَقامَها. فَهو المَشْهُودُ بِنُورِهِ، ويَفْنى ما سِواهُ بِظُهُورِهِ، وهَذا عِنْدَهم مَعْنى الأثَرِ الإلَهِيِّ فَإذا أحْبَبْتَهُ كُنْتَ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، فَبِي يَسْمَعُ. وبِي يُبْصِرُ.
والعِلْمُ اللَّدُنِيُّ الرَّحْمانِيُّ: هو ثَمَرَةُ هَذِهِ المُوافَقَةِ، والمَحَبَّةِ الَّتِي أوْجَبَها التَّقَرُّبُ بِالنَّوافِلِ بَعْدَ الفَرائِضِ.
واللَّدُنِّيُّ الشَّيْطانِيُّ: ثَمَرَةُ الإعْراضِ عَنِ الوَحْيِ، وتَحْكِيمِ الهَوى والشَّيْطانِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
الكهف 18:79
وأما قوله: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ فإن صحت قراءة (وكان أمامهم ملك) فلها معنى لا يناقض القراءة العامة
،وهو أن الملك كان خلف ظهورهم وكان مرجعهم عليه فهو وراءهم في ذهابهم، وأمامهم في مرجعهم.
فالقراءتان بالاعتبارين. والله سبحانه وتعالى أعلم ..
الكهف 18:80
(فائدة)
قال ابن القيم - بعد كلام طويل عن تَفْسِيرُ الإمامِ أحْمَدَ - رحمه الله - لِلْفِطْرَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ:
وَأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «فِي الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: " أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا» " فَمِثْلُ ذَلِكَ سَواءً.
و" كافِرًا " حالٌ مُقَدَّرَةٌ لا مُقارَنَةٌ، أيْ طُبِعَ مُقَدَّرًا كُفْرُهُ، وإلّا فَهو في حالِ كَوْنِهِ جَنِينًا وطِفْلًا لا يَعْقِلُ كُفْرًا ولا إيمانًا.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ هَكَذا فَلِمَ قَتَلَهُ الخَضِرُ؟ فالجَوابُ ما قالَهُ لِمُوسى: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، فاللَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِقَتْلِ ذَلِكَ الغُلامِ لِمَصْلَحَةٍ، وأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالكَفِّ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ، والذُّرِّيَّةِ لِمَصْلَحَةٍ، فَكانَ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ يَشْهَدُها أُولُو الألْبابِ.
ثم قال:
وَأمّا قَوْلُهُ: " إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا "، فالمُرادُ بِهِ كُتِبَ وخُتِمَ، ولَفْظُ الطَّبْعِ لَمّا كانَ يَسْتَعْمِلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الطَّبِيعَةِ الَّتِي هي بِمَعْنى الجِبِلَّةِ والخَلِيقَةِ ظَنَّ الظّانُّ أنَّ هَذا مُرادُ الحَدِيثِ.
وَهَذا الغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ بالِغًا مُطْلَقًا، وسُمِّيَ " غُلامًا " لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالبُلُوغِ، وعَلى هَذا فَلا إشْكالَ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا عاقِلًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، وعَلَيْهِ يَدُلُّ الحَدِيثُ، وهو قَوْلُهُ: " ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ "، وعَلى هَذا فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ إذِ اشْتِراطُ البُلُوغِ في التَّكْلِيفِ إنَّما عِلْمٌ بِشَرِيعَتِنا، ولا يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُ المُراهِقِ العاقِلِ عَقْلًا، كَيْفَ وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ المُمَيِّزِينَ يُكَلَّفُونَ بِالإيمانِ قَبْلَ الِاحْتِلامِ؟ كَما قالَتْ طائِفَةٌ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ، وهو اخْتِيارُ أبِي الخَطّابِ، وعَلَيْهِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الكَلامِ.
وَعَلى هَذا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ مُكَلَّفًا بِالإيمانِ قَبْلَ البُلُوغِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِشَرائِعِهِ، فَكُفْرُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، فَإذا ارْتَدَّ عِنْدَهم صارَ مُرْتَدًّا لَهُ أحْكامُ المُرْتَدِّينَ، وإنْ كانَ لا يُقْتَلُ حَتّى يَبْلُغَ فَيَثْبُتُ عَلَيْهِ كُفْرُهُ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يُضْرَبُ، ويُؤَدَّبُ عَلى كُفْرِهِ أعْظَمَ مِمّا يُؤَدَّبُ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ، فَإنْ كانَ الغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ بالِغًا فَلا إشْكالَ، وإنْ كانَ مُراهِقًا غَيْرَ بالِغٍ فَقَتْلُهُ جائِزٌ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِأمْرِ اللَّهِ، كَيْفَ وهو إنَّما قَتَلَهُ دَفْعًا لِصَوْلِهِ عَلى أبَوَيْهِ في الدِّينِ؟ كَما قالَ: ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠]، والصَّبِيُّ لَوْ صالَ عَلى المُسْلِمِ في بَدَنِهِ، أوْ مالِهِ ولَمْ يَنْدَفِعْ صِيالُهُ لِلْمُسْلِمِ إلّا بِقَتْلِهِ جازَ قَتْلُهُ، بَلِ الصَّبِيُّ إذا قاتَلَ المُسْلِمِينَ قُتِلَ، ولَكِنْ مِن أيْنَ يُعْلَمُ أنَّ هَذا الصَّبِيَّ اليَوْمَ يَصُولُ عَلى أبَوَيْهِ، أوْ غَيْرِهِما في دِينِهِما حَتّى يَفْتِنَهُما عَنْهُ؟ فَإنَّ هَذا غَيْبٌ لا سَبِيلَ لَنا إلى العِلْمِ بِهِ، ولِهَذا عَلَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ الفُتْيا بِهِ فَقالَ لِنَجْدَةَ لَمّا اسْتَفْتاهُ في قَتْلِ الغِلْمانِ:
" إنْ عَلِمْتَ مِنهم ما عَلِمَ الخَضِرُ مِن ذَلِكَ الغُلامِ فاقْتُلْهُمْ، وإلّا فَلا "
رَواهُ مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ ".
وَلَكِنْ يُقالُ: قاعِدَةُ الشَّرْعِ، والجَزاءِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُعاقِبُ العِبادَ بِما سَيَعْلَمُ أنَّهم يَفْعَلُونَهُ، بَلْ لا يُعاقِبُهم إلّا بَعْدَ فِعْلِهِمْ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ نَهى عَنْهُ وتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالوَعِيدِ عَلى فِعْلِهِ، ولَيْسَ في قِصَّةِ الخَضِرِ شَيْءٌ مِن الِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وإنَّما فِيها عِلْمُهُ بِأسْبابٍ تَقْتَضِي أحْكامَها، ولَمْ يَعْلَمْ مُوسى تِلْكَ الأسْبابَ مَثْلَ: عِلْمِهِ بِأنَّ السَّفِينَةَ كانَتْ لِمَساكِينَ، وأنَّ وراءَهم مَلِكًا ظالِمًا إنْ رَآها أخَذَها فَكانَ قَلْعُ لَوْحٍ مِنها لِتَسْلَمَ جَمِيعُها، ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن أحْسَنِ الأحْكامِ، وهو مِن دَفْعِ أعْظَمِ الشَّرَّيْنِ بِاحْتِمالِ أيْسَرِهِما، وعَلى هَذا، فَإذا رَأى إنْسانٌ ظالِمًا يَسْتَأْصِلُ مالَ مُسْلِمٍ غائِبٍ فَدَفَعَهُ عَنْهُ بِبَعْضِهِ كانَ مُحْسِنًا، ولَمْ يَلْزَمْهُ ضَمانُ ما دَفَعَهُ إلى الظّالِمِ قَطْعًا، فَإنَّهُ مُحْسِنٌ وما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ، وكَذَلِكَ لَوْ رَأى حَيَوانًا مَأْكُولًا لِغَيْرِهِ يَمُوتُ، فَذَكّاهُ لَكانَ مُحْسِنًا، ولَمْ يَلْزَمْهُ ضَمانُهُ، كَذَلِكَ كَوْنُ الجِدارِ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ، وأبُوهُما كانَ صالِحًا، أمْرٌ يَعْلَمُهُ النّاسُ، ولَكِنْ خَفِيَ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ كُفْرُ الصَّبِيِّ يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ حَتّى أبَواهُ، ولَكِنْ لِحُبِّهِما إيّاهُ لا يُنْكِرانِ عَلَيْهِ، ولا يَقْبَلُ مِنهُما، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَ في الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى أنَّهُ قُتِلَ لِما يُتَوَقَّعُ مِن كُفْرِهِ، ولَوْ قُدِّرَ أنَّ ذَلِكَ الغُلامَ لَمْ يَكْفُرْ أصْلًا، ولَكِنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ إذا بَلَغَ يَكْفُرُ وأطْلَعَ اللَّهُ الخَضِرَ عَلى ذَلِكَ.
فَقَدْ يَقُولُ القائِلُ: قَتَلَهُ بِالفِعْلِ كَقَتْلِ نُوحٍ لِأطْفالِ الكُفّارِ بِالدَّعْوَةِ المُسْتَجابَةِ الَّتِي أغْرَقَتْ أهْلَ الأرْضِ لَمّا عَلِمَ أنَّ آباءَهم لا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا، فَدَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ العامِّ دَفْعًا لِشَرِّ أطْفالِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ لا يُنافِي كَوْنَهم مَوْلُودِينَ عَلى الفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ " ﴿فاجِرًا كَفّارًا﴾ " حالانِ مُقَدَّرَتانِ أيْ مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ.
الكهف 18:81
(فائدة)
قال ابن القيم - بعد كلام طويل عن تَفْسِيرُ الإمامِ أحْمَدَ - رحمه الله - لِلْفِطْرَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ:
وَأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «فِي الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: " أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا» " فَمِثْلُ ذَلِكَ سَواءً.
و" كافِرًا " حالٌ مُقَدَّرَةٌ لا مُقارَنَةٌ، أيْ طُبِعَ مُقَدَّرًا كُفْرُهُ، وإلّا فَهو في حالِ كَوْنِهِ جَنِينًا وطِفْلًا لا يَعْقِلُ كُفْرًا ولا إيمانًا.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ هَكَذا فَلِمَ قَتَلَهُ الخَضِرُ؟ فالجَوابُ ما قالَهُ لِمُوسى: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، فاللَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِقَتْلِ ذَلِكَ الغُلامِ لِمَصْلَحَةٍ، وأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالكَفِّ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ، والذُّرِّيَّةِ لِمَصْلَحَةٍ، فَكانَ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ يَشْهَدُها أُولُو الألْبابِ.
ثم قال:
وَأمّا قَوْلُهُ: " إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا "، فالمُرادُ بِهِ كُتِبَ وخُتِمَ، ولَفْظُ الطَّبْعِ لَمّا كانَ يَسْتَعْمِلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الطَّبِيعَةِ الَّتِي هي بِمَعْنى الجِبِلَّةِ والخَلِيقَةِ ظَنَّ الظّانُّ أنَّ هَذا مُرادُ الحَدِيثِ.
وَهَذا الغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ بالِغًا مُطْلَقًا، وسُمِّيَ " غُلامًا " لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالبُلُوغِ، وعَلى هَذا فَلا إشْكالَ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا عاقِلًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، وعَلَيْهِ يَدُلُّ الحَدِيثُ، وهو قَوْلُهُ: " ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ "، وعَلى هَذا فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ إذِ اشْتِراطُ البُلُوغِ في التَّكْلِيفِ إنَّما عِلْمٌ بِشَرِيعَتِنا، ولا يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُ المُراهِقِ العاقِلِ عَقْلًا، كَيْفَ وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ المُمَيِّزِينَ يُكَلَّفُونَ بِالإيمانِ قَبْلَ الِاحْتِلامِ؟ كَما قالَتْ طائِفَةٌ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ، وهو اخْتِيارُ أبِي الخَطّابِ، وعَلَيْهِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الكَلامِ.
وَعَلى هَذا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ مُكَلَّفًا بِالإيمانِ قَبْلَ البُلُوغِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِشَرائِعِهِ، فَكُفْرُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، فَإذا ارْتَدَّ عِنْدَهم صارَ مُرْتَدًّا لَهُ أحْكامُ المُرْتَدِّينَ، وإنْ كانَ لا يُقْتَلُ حَتّى يَبْلُغَ فَيَثْبُتُ عَلَيْهِ كُفْرُهُ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يُضْرَبُ، ويُؤَدَّبُ عَلى كُفْرِهِ أعْظَمَ مِمّا يُؤَدَّبُ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ، فَإنْ كانَ الغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ بالِغًا فَلا إشْكالَ، وإنْ كانَ مُراهِقًا غَيْرَ بالِغٍ فَقَتْلُهُ جائِزٌ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِأمْرِ اللَّهِ، كَيْفَ وهو إنَّما قَتَلَهُ دَفْعًا لِصَوْلِهِ عَلى أبَوَيْهِ في الدِّينِ؟ كَما قالَ: ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠]، والصَّبِيُّ لَوْ صالَ عَلى المُسْلِمِ في بَدَنِهِ، أوْ مالِهِ ولَمْ يَنْدَفِعْ صِيالُهُ لِلْمُسْلِمِ إلّا بِقَتْلِهِ جازَ قَتْلُهُ، بَلِ الصَّبِيُّ إذا قاتَلَ المُسْلِمِينَ قُتِلَ، ولَكِنْ مِن أيْنَ يُعْلَمُ أنَّ هَذا الصَّبِيَّ اليَوْمَ يَصُولُ عَلى أبَوَيْهِ، أوْ غَيْرِهِما في دِينِهِما حَتّى يَفْتِنَهُما عَنْهُ؟ فَإنَّ هَذا غَيْبٌ لا سَبِيلَ لَنا إلى العِلْمِ بِهِ، ولِهَذا عَلَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ الفُتْيا بِهِ فَقالَ لِنَجْدَةَ لَمّا اسْتَفْتاهُ في قَتْلِ الغِلْمانِ:
" إنْ عَلِمْتَ مِنهم ما عَلِمَ الخَضِرُ مِن ذَلِكَ الغُلامِ فاقْتُلْهُمْ، وإلّا فَلا "
رَواهُ مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ ".
وَلَكِنْ يُقالُ: قاعِدَةُ الشَّرْعِ، والجَزاءِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُعاقِبُ العِبادَ بِما سَيَعْلَمُ أنَّهم يَفْعَلُونَهُ، بَلْ لا يُعاقِبُهم إلّا بَعْدَ فِعْلِهِمْ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ نَهى عَنْهُ وتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالوَعِيدِ عَلى فِعْلِهِ، ولَيْسَ في قِصَّةِ الخَضِرِ شَيْءٌ مِن الِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وإنَّما فِيها عِلْمُهُ بِأسْبابٍ تَقْتَضِي أحْكامَها، ولَمْ يَعْلَمْ مُوسى تِلْكَ الأسْبابَ مَثْلَ: عِلْمِهِ بِأنَّ السَّفِينَةَ كانَتْ لِمَساكِينَ، وأنَّ وراءَهم مَلِكًا ظالِمًا إنْ رَآها أخَذَها فَكانَ قَلْعُ لَوْحٍ مِنها لِتَسْلَمَ جَمِيعُها، ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن أحْسَنِ الأحْكامِ، وهو مِن دَفْعِ أعْظَمِ الشَّرَّيْنِ بِاحْتِمالِ أيْسَرِهِما، وعَلى هَذا، فَإذا رَأى إنْسانٌ ظالِمًا يَسْتَأْصِلُ مالَ مُسْلِمٍ غائِبٍ فَدَفَعَهُ عَنْهُ بِبَعْضِهِ كانَ مُحْسِنًا، ولَمْ يَلْزَمْهُ ضَمانُ ما دَفَعَهُ إلى الظّالِمِ قَطْعًا، فَإنَّهُ مُحْسِنٌ وما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ، وكَذَلِكَ لَوْ رَأى حَيَوانًا مَأْكُولًا لِغَيْرِهِ يَمُوتُ، فَذَكّاهُ لَكانَ مُحْسِنًا، ولَمْ يَلْزَمْهُ ضَمانُهُ، كَذَلِكَ كَوْنُ الجِدارِ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ، وأبُوهُما كانَ صالِحًا، أمْرٌ يَعْلَمُهُ النّاسُ، ولَكِنْ خَفِيَ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ كُفْرُ الصَّبِيِّ يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ حَتّى أبَواهُ، ولَكِنْ لِحُبِّهِما إيّاهُ لا يُنْكِرانِ عَلَيْهِ، ولا يَقْبَلُ مِنهُما، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَ في الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى أنَّهُ قُتِلَ لِما يُتَوَقَّعُ مِن كُفْرِهِ، ولَوْ قُدِّرَ أنَّ ذَلِكَ الغُلامَ لَمْ يَكْفُرْ أصْلًا، ولَكِنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ إذا بَلَغَ يَكْفُرُ وأطْلَعَ اللَّهُ الخَضِرَ عَلى ذَلِكَ.
فَقَدْ يَقُولُ القائِلُ: قَتَلَهُ بِالفِعْلِ كَقَتْلِ نُوحٍ لِأطْفالِ الكُفّارِ بِالدَّعْوَةِ المُسْتَجابَةِ الَّتِي أغْرَقَتْ أهْلَ الأرْضِ لَمّا عَلِمَ أنَّ آباءَهم لا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا، فَدَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ العامِّ دَفْعًا لِشَرِّ أطْفالِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ لا يُنافِي كَوْنَهم مَوْلُودِينَ عَلى الفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ " ﴿فاجِرًا كَفّارًا﴾ " حالانِ مُقَدَّرَتانِ أيْ مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ.
الكهف 18:101
وهذا يتضمن معنيين.
أحدهما: أن أعينهم في غطاء عما تضمنه الذكر من آيات الله، وأدلة توحيده، وعجائب قدرته.
والثاني: أن أعين قلوبهم في غطاء عن فهم القرآن وتدبره، والاهتداء به.
وهذا الغطاء للقلب أولا، ثم يسري منه إلى العين.
الكهف 18:103
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)
[فصل: الفرق بين الثقة والغرّة]
والفرق بين الثقة والغرة: إن الثقة سكون يستند إلى أدلة وأمارات يسكن القلب إليها فكلما قويت تلك الأمارات قويت واستحكمت ولا سيما على كثرة التجارب وصدق الفراسة واللفظة كأنها واللّه أعلم من الوثاق وهو الرباط فالقلب قد ارتبط بمن وثق به توكلا عليه وحسن ظن به فصار في وثاق محبته ومعاملته والاستناد إليه والاعتماد عليه فهو في وثاقه بقلبه وروحه وبدنه فإذا سار القلب إلى اللّه وانقطع إليه تقيد بحبه وصار في وثاق العبودية فلم يبق له مفزع في النوائب ولا ملجأ غيره
ويصير عدته وشدته وذخيرته في نوائبه وملجأه في نوازله ومستعانه في حوائجه وضروراته.
وأما الغرة: فهي حال المغتر الذي غرته نفس وشيطانه وهواه وأمله الخائب الكاذب بربه حتى اتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني والغرور ثقتك بمن لا يوثق به وسكونك إلى من لا يسكن رجاؤك النفع من المحل الذي لا يأتي بخير كحال المغتر بالسراب قال تعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾
وقال تعالى في وصف المغترين: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
وهؤلاء إذا انكشف الغطاء وثبتت حقائق الأمور علموا أنهم لم يكونوا على شيء: ﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾
وفي أثر معروف إذا رأيت اللّه سبحانه يزيدك من نعمه وأنت مقيم على معصيته فاحذره فإنما هو استدراج يستدرجك به.
وشاهد هذا القرآن في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْ ءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ وهذا من أعظم الغرة أن تراه يتابع عليك نعمة وأنت مقيم على ما يكره فالشيطان موكل بالغرور، وطبع النفس الأمّارة الاغترار فإذا اجتمع الرأي والبغي والرأي المحتاج والشيطان الغرور والنفس المغترة لم يقع هناك خلاف، فالشياطين غروا المغترين باللّه وأطمعوهم مع إقامتهم على ما يسخط اللّه ويغضبه في عفوه وتجاوزه وحدثوهم بالتوبة لتسكن قلوبهم ثم دافعوهم بالتسويف حتى هجم الأجل فأخذوا على أسوأ أحوالهم وقال تعالى: ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾
وقال تعالى: {يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ وأعظم الناس غرورا بربه من إذا مسه اللّه برحمة منه وفضل قالَ هذا رَبِّي. أي أنا أهله وجدير به ومستحق له
ثم قال: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فظن أنه
أهل لما أولاه من النعم مع كفره باللّه ثم زاد في غروره فقال: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾
يعني الجنة والكرامة فكذا تكون الغرة باللّه فالمغتر بالشيطان مغتر بوعوده وأمانيه وقد ساعد اغتراره بدنياه ونفسه فلا يزال كذلك حتى يتردى في آبار الهلاك.
(فائدة)
إذا غصب إنسان مالا وبنى به رباطا أو مسجدا أو قنطرة فهل ينفعه ذلك، أو يكون الثواب للمغصوب منه؟
قال ابن عقيل: "لا ثواب على ذلك لواحد منهما أما الغاصب
فعليه العقوبة وجميع تصرفاته في مال الغير آثام متكررة.
وأما صاحب المال فلا وجه لثوابه لأن ذلك البناء لم يكن له فيه نية ولا حسبة، وما لم يكن للمكلف فيه عمل ولا نية فلا يثاب عليه وإنما يطالب غاصبه يوم القيامة فيؤخذ من حسناته بقدر ماله.
قلت: في هذا نظر لأن النفع الحاصل للناس متولد من مال هذا وعمل هذا والغاصب، وإن عوقب على ظلمه وتعدية واقتص المظلوم من حسناته فما تولد من نفع الناس بعمله له وغصب المال عليه وهو لو غصبه وفسق به لعواقب عقوبتين فإذا غصبه وتصدق به أو بنى به رباطا أو مسجدا أو أفتك به أسيرا فإنه قد عمل خيرا وشرا فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
وأما ثواب صاحب المال فإنه وإن لم يقصد ذلك فهو متولد من مال اكتسبه فقد تولد الخير وأيضا فإن أخذ ماله مصيبة فإذا أنفق في خير فقد تولد له من المصيبة خير والمصائب إذا ولدت خيرا لم يعدم صاحب منه ثوابا وكما أن الأعمال إذا ولدت خيرا أثيب عليه وإن لم يقصده فالمصائب إذا ولدت خيرا لم يمنع أن يثاب عليه وإن لم يقصده والله أعلم.
الكهف 18:104
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)
[فصل: الفرق بين الثقة والغرّة]
والفرق بين الثقة والغرة: إن الثقة سكون يستند إلى أدلة وأمارات يسكن القلب إليها فكلما قويت تلك الأمارات قويت واستحكمت ولا سيما على كثرة التجارب وصدق الفراسة واللفظة كأنها واللّه أعلم من الوثاق وهو الرباط فالقلب قد ارتبط بمن وثق به توكلا عليه وحسن ظن به فصار في وثاق محبته ومعاملته والاستناد إليه والاعتماد عليه فهو في وثاقه بقلبه وروحه وبدنه فإذا سار القلب إلى اللّه وانقطع إليه تقيد بحبه وصار في وثاق العبودية فلم يبق له مفزع في النوائب ولا ملجأ غيره
ويصير عدته وشدته وذخيرته في نوائبه وملجأه في نوازله ومستعانه في حوائجه وضروراته.
وأما الغرة: فهي حال المغتر الذي غرته نفس وشيطانه وهواه وأمله الخائب الكاذب بربه حتى اتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني والغرور ثقتك بمن لا يوثق به وسكونك إلى من لا يسكن رجاؤك النفع من المحل الذي لا يأتي بخير كحال المغتر بالسراب قال تعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾
وقال تعالى في وصف المغترين: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
وهؤلاء إذا انكشف الغطاء وثبتت حقائق الأمور علموا أنهم لم يكونوا على شيء: ﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾
وفي أثر معروف إذا رأيت اللّه سبحانه يزيدك من نعمه وأنت مقيم على معصيته فاحذره فإنما هو استدراج يستدرجك به.
وشاهد هذا القرآن في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْ ءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ وهذا من أعظم الغرة أن تراه يتابع عليك نعمة وأنت مقيم على ما يكره فالشيطان موكل بالغرور، وطبع النفس الأمّارة الاغترار فإذا اجتمع الرأي والبغي والرأي المحتاج والشيطان الغرور والنفس المغترة لم يقع هناك خلاف، فالشياطين غروا المغترين باللّه وأطمعوهم مع إقامتهم على ما يسخط اللّه ويغضبه في عفوه وتجاوزه وحدثوهم بالتوبة لتسكن قلوبهم ثم دافعوهم بالتسويف حتى هجم الأجل فأخذوا على أسوأ أحوالهم وقال تعالى: ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾
وقال تعالى: {يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ وأعظم الناس غرورا بربه من إذا مسه اللّه برحمة منه وفضل قالَ هذا رَبِّي. أي أنا أهله وجدير به ومستحق له
ثم قال: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فظن أنه
أهل لما أولاه من النعم مع كفره باللّه ثم زاد في غروره فقال: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾
يعني الجنة والكرامة فكذا تكون الغرة باللّه فالمغتر بالشيطان مغتر بوعوده وأمانيه وقد ساعد اغتراره بدنياه ونفسه فلا يزال كذلك حتى يتردى في آبار الهلاك.
(فائدة)
إذا غصب إنسان مالا وبنى به رباطا أو مسجدا أو قنطرة فهل ينفعه ذلك، أو يكون الثواب للمغصوب منه؟
قال ابن عقيل: "لا ثواب على ذلك لواحد منهما أما الغاصب
فعليه العقوبة وجميع تصرفاته في مال الغير آثام متكررة.
وأما صاحب المال فلا وجه لثوابه لأن ذلك البناء لم يكن له فيه نية ولا حسبة، وما لم يكن للمكلف فيه عمل ولا نية فلا يثاب عليه وإنما يطالب غاصبه يوم القيامة فيؤخذ من حسناته بقدر ماله.
قلت: في هذا نظر لأن النفع الحاصل للناس متولد من مال هذا وعمل هذا والغاصب، وإن عوقب على ظلمه وتعدية واقتص المظلوم من حسناته فما تولد من نفع الناس بعمله له وغصب المال عليه وهو لو غصبه وفسق به لعواقب عقوبتين فإذا غصبه وتصدق به أو بنى به رباطا أو مسجدا أو أفتك به أسيرا فإنه قد عمل خيرا وشرا فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
وأما ثواب صاحب المال فإنه وإن لم يقصد ذلك فهو متولد من مال اكتسبه فقد تولد الخير وأيضا فإن أخذ ماله مصيبة فإذا أنفق في خير فقد تولد له من المصيبة خير والمصائب إذا ولدت خيرا لم يعدم صاحب منه ثوابا وكما أن الأعمال إذا ولدت خيرا أثيب عليه وإن لم يقصده فالمصائب إذا ولدت خيرا لم يمنع أن يثاب عليه وإن لم يقصده والله أعلم.
الكهف 18:110
[فَصْلٌ: أعْمالُ العِبادِ]
[أعْمالُ العِبادِ أرْبَعَةُ أنْواعٍ المَقْبُولُ مِنها نَوْعٌ واحِدٌ]
وَقَوْلُهُ: " فَإنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِن العِبادِ إلّا ما كانَ لَهُ خالِصًا "
والأعْمالُ أرْبَعَةٌ: واحِدٌ مَقْبُولٌ، وثَلاثَةٌ مَرْدُودَةٌ؛ فالمَقْبُولُ ما كانَ لِلَّهِ خالِصًا ولِلسُّنَّةِ مُوافِقًا، والمَرْدُودُ ما فُقِدَ مِنهُ الوَصْفانِ أوْ أحَدُهُما، وذَلِكَ أنَّ العَمَلَ المَقْبُولَ هو ما أحَبَّهُ اللَّهُ ورَضِيَهُ، وهو سُبْحانَهُ إنّما يُحِبُّ ما أمَرَ بِهِ وما عُمِلَ لِوَجْهِهِ، وما عَدا ذَلِكَ مِن الأعْمالِ فَإنَّهُ لا يُحِبُّها، بَلْ يَمْقُتُها ويَمْقُتُ أهْلَها، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢].
قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: هو أخْلُصُ العَمَلِ وأصْوَبُهُ، فَسُئِلَ عَنْ مَعْنى ذَلِكَ، فَقالَ: إنّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا ولَمْ يَكُنْ صَوابًا لَمْ يُقْبَلْ، وإذا كانَ صَوابًا ولَمْ يَكُنْ خالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، حَتّى يَكُونَ خالِصًا صَوابًا فالخالِصُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ، والصَّوابُ أنْ يَكُونَ عَلى السُّنَّةِ، ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ بانَ بِهَذا أنَّ العَمَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ مَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، والعَمَلَ لِلَّهِ وحْدَهُ مَقْبُولٌ؛ فَبَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وهو أنْ يَعْمَلَ العَمَلَ لِلَّهِ ولِغَيْرِهِ، فَلا يَكُونُ لِلَّهِ مَحْضًا ولا لِلنّاسِ مَحْضًا، فَما حُكْمُ هَذا القِسْمِ؟
هَلْ يَبْطُلُ العَمَلُ كُلُّهُ أمْ يَبْطُلُ ما كانَ لِغَيْرِ اللَّهِ ويَصِحُّ ما كانَ لِلَّهِ؟
قِيلَ: هَذا القِسْمُ تَحْتَهُ أنْواعٌ ثَلاثَةٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الباعِثُ الأوَّلُ عَلى العَمَلِ هو الإخْلاصُ، ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ الرِّياءُ وإرادَةُ غَيْرِ اللَّهِ في أثْنائِهِ، فَهَذا المُعَوَّلُ فِيهِ عَلى الباعِثِ الأوَّلِ ما لَمْ يَفْسَخْهُ بِإرادَةٍ جازِمَةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ قَطْعِ النِّيَّةِ في أثْناءِ العِبادَةِ وفَسْخِها، أعْنِي قَطْعَ تَرْكِ اسْتِصْحابِ حُكْمِها:
الثّانِي: عَكْسَ هَذا، وهو أنْ يَكُونَ الباعِثُ الأوَّلُ لِغَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ قَلْبَ النِّيَّةِ لِلَّهِ، فَهَذا لا يُحْتَسَبُ لَهُ بِما مَضى مِن العَمَلِ، ويُحْتَسَبُ لَهُ مِن حِينِ قَلْبِ نِيَّتِهِ؛ ثُمَّ إنْ كانَتْ العِبادَةُ لا يَصِحُّ آخِرُها إلّا بِصِحَّةِ أوَّلِها وجَبَتْ الإعادَةُ، كالصَّلاةِ، وإلّا لَمْ تَجِبْ كَمَن أحْرَمَ لِغَيْرِ اللَّهِ ثُمَّ قَلَبَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ عِنْدَ الوُقُوفِ والطَّوافِ.
الثّالِثُ: أنْ يَبْتَدِئَها مُرِيدًا بِها اللَّهَ والنّاسَ، فَيُرِيدُ أداءَ فَرْضِهِ والجَزاءَ والشَّكُورَ مِن النّاسِ، وهَذا كَمَن يُصَلِّي بِالأُجْرَةِ، فَهو لَوْ لَمْ يَأْخُذْ الأُجْرَةَ صَلّى، ولَكِنَّهُ يُصَلِّي لِلَّهِ ولِلْأُجْرَةِ، وكَمَن يَحُجُّ لِيَسْقُطَ الفَرْضُ عَنْهُ ويُقالُ فُلانٌ حَجَّ، أوْ يُعْطِي الزَّكاةَ كَذَلِكَ؛ فَهَذا لا يُقْبَلُ مِنهُ العَمَلُ.
وَإنْ كانَتْ النِّيَّةُ شَرْطًا في سُقُوطِ الفَرْضِ وجَبَتْ عَلَيْهِ الإعادَةُ، فَإنَّ حَقِيقَةَ الإخْلاصِ الَّتِي هي شَرْطٌ في صِحَّةِ العَمَلِ والثَّوابِ عَلَيْهِ لَمْ تُوجَدْ، والحُكْمُ المُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَإنَّ الإخْلاصَ هو تَجْرِيدُ القَصْدِ طاعَةً لِلْمَعْبُودِ، ولَمْ يُؤْمَرْ إلّا بِهَذا. وإذا كانَ هَذا هو المَأْمُورُ بِهِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ بَقِيَ في عُهْدَةِ الأمْرِ؛ وقَدْ دَلَّتْ السُّنَّةُ الصَّرِيحَةُ عَلى ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ: أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنْ الشِّرْكِ، فَمَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهو كُلُّهُ لِلَّذِي أشْرَكَ بِهِ» وهَذا هو مَعْنى قَوْله تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
[فصل: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ رَجاءُ أرْبابِ القُلُوبِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: رَجاءُ أرْبابِ القُلُوبِ. وهو رَجاءُ لِقاءِ الخالِقِ الباعِثِ عَلى الِاشْتِياقِ، المُبَغِّضِ المُنَغِّصِ لِلْعَيْشِ، المُزَهِّدِ في الخَلْقِ.
هَذا الرَّجاءُ أفْضَلُ أنْواعِ الرَّجاءِ وأعْلاها، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥].
وَهَذا الرَّجاءُ هو مَحْضُ الإيمانِ وزُبْدَتُهُ، وإلَيْهِ شَخَصَتْ أبْصارُ المُشْتاقِينَ. ولِذَلِكَ سَلّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِإتْيانِ أجَلِ لِقائِهِ. وضَرَبَ لَهم أجَلًا يُسَكِّنُ نُفُوسَهم ويُطَمْئِنُها.
والِاشْتِياقُ هو سَفَرُ القَلْبِ في طَلَبِ مَحْبُوبِهِ.
واخْتَلَفَ المُحِبُّونَ: هَلْ يَبْقى عِنْدَ لِقاءِ المَحْبُوبِ أمْ يَزُولُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
فَقالَتْ طائِفَةٌ: يَزُولُ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَعَ الغَيْبَةِ. وهو سَفَرُ القَلْبِ إلى المَحْبُوبِ. فَإذا انْتَهى السَّفَرُ، واجْتَمَعَ بِمَحْبُوبِهِ، وضَعَ عَصا الِاشْتِياقِ عَنْ عاتِقِهِ. وصارَ الِاشْتِياقُ أُنْسًا بِهِ ولَذَّةً بِقُرْبِهِ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ يَزِيدُ ولا يَزُولُ بِاللِّقاءِ.
قالُوا: لِأنَّ الحُبَّ يَقْوى بِمُشاهَدَةِ جَمالِ المَحْبُوبِ أضْعافَ ما كانَ حالَ غَيْبَتِهِ. وإنَّما يُوارِي سُلْطانُهُ فَناءَهُ ودَهْشَتَهُ بِمُعايَنَةِ مَحْبُوبِهِ، حَتّى إذا تَوارى عَنْهُ ظَهَرَ سُلْطانُ شَوْقِهِ إلَيْهِ، ولِهَذا قِيلَ:
؎وَأعْظَمُ ما يَكُونُ الشَّوْقُ يَوْمًا ∗∗∗ إذا دَنَتِ الخِيامُ مِنَ الخِيامِ
وَقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مُسْتَقْصاةً وتَوابِعَها في كِتابِنا الكَبِيرِ في المَحَبَّةِ. وفي كِتابِ " سَفَرُ الهِجْرَتَيْنِ ". وسَنَعُودُ إلَيْها إذا انْتَهَيْنا إلى مَنزِلَتِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَقَوْلُهُ " المُنَغِّصُ لِلْعَيْشِ " فَلا رَيْبَ أنَّ عَيْشَ المُشْتاقِ مُنَغَّصٌ حَتّى يَلْقى مَحْبُوبَهُ. فَهُناكَ تَقَرُّ عَيْنُهُ. ويَزُولُ عَنْ عَيْشِهِ تَنْغِيصُهُ. وكَذَلِكَ يَزْهَدُ في الخَلْقِ غايَةَ التَّزْهِيدِ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ طالِبٌ لِلْأُنْسِ بِاللَّهِ والقُرْبِ مِنهُ. فَهو أزْهَدُ شَيْءٍ في الخَلْقِ، إلّا مَن أعانَهُ عَلى هَذا المَطْلُوبِ مِنهم وأوْصَلَهُ إلَيْهِ. فَهو أحَبُّ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِ. ولا يَأْنَسُ مِنَ الخَلْقِ بِغَيْرِهِ. ولا يَسْكُنُ إلى سِواهُ. فَعَلَيْكَ بِطَلَبِ هَذا الرَّفِيقِ جُهْدَكَ. فَإنْ لَمْ تَظْفَرْ بِهِ فاتَّخِذِ اللَّهَ صاحِبًا. ودَعِ النّاسَ كُلَّهم جانِبًا.
؎مُتْ بِداءِ الهَوى، وإلّا فَخاطِرْ ∗∗∗ واطْرُقِ الحَيَّ والعُيُونَ نَواظِرْ
؎لا تَخَفْ وحْشَةَ الطَّرِيقِ إذا جِئْ ∗∗∗ تَ وكُنْ في خِفارَةِ الحُبِّ سائِرْ
واصْبِرِ النَّفْسَ ساعَةً عَنْ سِواهم فَإذا لَمْ تُجَبْ لِصَبْرٍ فَصابِرْ ... وصُمِ اليَوْمَ واجْعَلِ الفِطْرَ يَوْمًا
؎فِيهِ تَلْقى الحَبِيبَ بِالبِشْرِ شاكِرْ ∗∗∗ وافْطُمِ النَّفْسَ عَنْ سِواهُ فَكُلُّ ال
؎عَيْشِ بَعْدَ الفِطامِ نَحْوَكَ صائِرْ ∗∗∗ وتَأمَّلْ سَرِيرَةَ القَلْبِ واسْتَحِ
؎يِ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرْ ∗∗∗ واجْعَلِ الهَمَّ واحِدًا يَكْفِكَ اللَّهُ
؎هُمُومًا شَتّى فَرَبُّكَ قادِرْ ∗∗∗ وانْتَظِرْ يَوْمَ دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ
؎رَبِّهِمْ مِن بُطُونِ المَقابِرْ ∗∗∗ واسْتَمِعْ ما الَّذِي بِهِ أنْتَ تُدْعى
؎بِهِ مِن صِفاتٍ تَلُوحُ وسْطَ المَحاضِرْ ∗∗∗ وسِماتٍ تَبْدُو عَلى أوْجُهِ الخَلْ
؎قِ عَيانًا تُجَلّى عَلى كُلِّ ناظِرْ ∗∗∗ يا أخا اللُّبِّ، إنَّما السَّيْرُ عَزْمٌ
؎ثُمَّ صَبْرٌ مُؤَيَّدٌ بِالبَصائِرْ ∗∗∗ يا لَها مِن ثَلاثَةٍ مَن يَنَلْها
؎يَرْقَ يَوْمَ المَزِيدِ فَوْقَ المَنابِرْ ∗∗∗ فاجْتَهِدْ في الَّذِي يُقالُ لَكَ ال
؎بُشْرى بِذا، يَوْمَ ضَرْبِ البَشائِرْ ∗∗∗ عَمَلٌ خالِصٌ بِمِيزانِ وحْيٍ
مَعَ سِرٍّ هُناكَ في القَلْبِ حاضِ
[فَصْلٌ: الشِّرْكُ في العِبادَةِ]
وَأمّا الشِّرْكُ في العِبادَةِ فَهو أسْهَلُ مِن هَذا الشِّرْكِ، وأخَفُّ أمْرًا، فَإنَّهُ يَصْدُرُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يُعْطِي ولا يَمْنَعُ إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ، ولَكِنْ لا يَخُصُّ اللَّهَ في مُعامَلَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، بَلْ يَعْمَلُ لِحَظِّ نَفْسِهِ تارَةً، ولِطَلَبِ الدُّنْيا تارَةً، ولِطَلَبِ الرِّفْعَةِ والمَنزِلَةِ والجاهِ عِنْدَ الخَلْقِ تارَةً، فَلِلَّهِ مِن عَمَلِهِ وسَعْيِهِ نَصِيبٌ، ولِنَفْسِهِ وحَظِّهِ وهَواهُ نَصِيبٌ، ولِلشَّيْطانِ نَصِيبٌ، ولِلْخَلْقِ نَصِيبٌ، وهَذا حالُ أكْثَرِ النّاسِ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ: «الشِّرْكُ في هَذِهِ الأُمَّةِ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ، قالُوا: كَيْفَ نَنْجُو مِنهُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أُشْرِكَ بِكَ وأنا أعْلَمُ، وأسْتَغْفِرُكَ لِما لا أعْلَمُ».
فالرِّياءُ كُلُّهُ شِرْكٌ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
أيْ: كَما أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ، ولا إلَهَ سِواهُ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ العِبادَةُ لَهُ وحْدَهُ، فَكَما تَفَرَّدَ بِالإلَهِيَّةِ يَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعُبُودِيَّةِ، فالعَمَلُ الصّالِحُ هو الخالِي مِنَ الرِّياءِ المُقَيَّدُ بِالسُّنَّةِ.
وَكانَ مِن دُعاءِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صالِحًا واجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ خالِصًا، ولا تَجْعَلْ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْئًا.
وَهَذا الشِّرْكُ في العِبادَةِ يُبْطِلُ ثَوابَ العَمَلِ، وقَدْ يُعاقَبُ عَلَيْهِ إذا كانَ العَمَلُ واجِبًا، فَإنَّهُ يُنْزِلُهُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَعْمَلْهُ، فَيُعاقَبُ عَلى تَرْكِ الأمْرِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما أمَرَ بِعِبادَتِهِ عِبادَةً خالِصَةً، قالَ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة: ٥].
فَمَن لَمْ يُخْلِصْ لِلَّهِ في عِبادَتِهِ لَمْ يَفْعَلْ ما أُمِرَ بِهِ، بَلِ الَّذِي أتى بِهِ شَيْءٌ غَيْرُ المَأْمُورِ بِهِ، فَلا يَصِحُّ ولا يُقْبَلُ مِنهُ، ويَقُولُ اللَّهُ: " «أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي فَهو لِلَّذِي أشْرَكَ بِهِ، وأنا مِنهُ بَرِيءٌ» ".
أقْسامُ الشِّرْكِ
وَهَذا الشِّرْكُ يَنْقَسِمُ إلى مَغْفُورٍ وغَيْرِ مَغْفُورٍ، وأكْبَرَ وأصْغَرَ، والنَّوْعُ الأوَّلُ يَنْقَسِمُ إلى كَبِيرٍ وأكْبَرَ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ مَغْفُورٌ، فَمِنهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ في المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ: أنْ يُحِبَّ مَخْلُوقًا كَما يُحِبُّ اللَّهَ، فَهَذا مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي قالَ سُبْحانَهُ فِيهِ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقالَ أصْحابُ هَذا الشِّرْكِ لِآلِهَتِهِمْ وقَدْ جَمَعَهُمُ الجَحِيمُ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ - إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨].
وَمَعْلُومٌ أنَّهم ما سَوَّوْهم بِهِ سُبْحانَهُ في الخَلْقِ، والرِّزْقِ، والإماتَةِ، والإحْياءِ، والمُلْكِ، والقُدْرَةِ، وإنَّما سَوَّوْهم بِهِ في الحُبِّ، والتَّألُّهِ، والخُضُوعِ لَهم والتَّذَلُّلِ، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَكَيْفَ يُسَوى التُّرابُ بِرَبِّ الأرْبابِ، وكَيْفَ يُسَوى العَبِيدُ بِمالِكِ الرِّقابِ، وكَيْفَ يُسَوى الفَقِيرُ بِالذّاتِ الضَّعِيفُ بِالذّاتِ العاجِزُ بِالذّاتِ المُحْتاجُ بِالذّاتِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، بِالغَنِيِّ بِالذّاتِ، القادِرِ بِالذّاتِ، الَّذِي غِناهُ، وقُدْرَتُهُ ومُلْكُهُ وجُودُهُ، وإحْسانُهُ، وعِلْمُهُ، ورَحْمَتُهُ، وكَمالُهُ المُطْلَقُ التّامُّ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؟
فَأيُّ ظُلْمٍ أقْبَحُ مِن هَذا؟ وأيُّ حُكْمٍ أشَدُّ جَوْرًا مِنهُ؟ حَيْثُ عَدَلَ مَن لا عِدْلَ لَهُ بِخَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ - ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
فَعَدَلَ المُشْرِكُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ، بِمَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ولا لِغَيْرِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، فَيا لَكَ مِن عَدْلٍ تَضَمَّنَ أكْبَرَ الظُّلْمِ وأقْبَحَهُ.
[فَصْلٌ: حَقِيقَةُ الشِّرْكِ]
نَقُولُ: ومِنَ اللَّهِ وحْدَهُ نَسْتَمِدُّ الصَّوابَ:
حَقِيقَةُ الشِّرْكِ: هو التَّشَبُّهُ بِالخالِقِ وتَشْبِيهُ المَخْلُوقِ بِهِ، هَذا هو التَّشْبِيهُ في الحَقِيقَةِ، لا إثْباتُ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ بِها نَفْسَهُ، ووَصَفَهُ بِها رَسُولُهُ، ﷺ. فَعَكَسَ الأمْرَ مَن نَكَسَ اللَّهُ قَلَبَهُ وأعْمى بَصِيرَتَهُ وأرْكَسَهُ بِكَسْبِهِ، وجَعَلَ التَّوْحِيدَ تَشْبِيهًا والتَّشْبِيهَ تَعْظِيمًا وطاعَةً، فالمُشْرِكُ مُشَبِّهٌ لِلْمَخْلُوقِ بِالخالِقِ في خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ.
فَإنَّ مِن خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ التَّفَرُّدَ بِمِلْكِ الضُّرِّ والنَّفْعِ والعَطاءِ والمَنعِ، وذَلِكَ يُوجِبُ تَعْلِيقَ الدُّعاءِ والخَوْفِ والرَّجاءِ والتَّوَكُّلِ بِهِ وحْدَهُ، فَمَن عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَخْلُوقٍ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالخالِقِ وجَعَلَ مَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، ولا مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ - شَبِيهًا بِمَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَأزِمَّةُ الأُمُورِ كُلِّها بِيَدَيْهِ، ومَرْجِعُها إلَيْهِ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ، بَلْ إذا فَتَحَ لِعَبْدِهِ بابَ رَحْمَتِهِ لَمْ يُمْسِكْها أحَدٌ، وإنْ أمْسَكَها عَنْهُ لَمْ يُرْسِلْها إلَيْهِ أحَدٌ.
فَمِن أقْبَحِ التَّشْبِيهِ: تَشْبِيهُ هَذا العاجِزِ الفَقِيرِ بِالذّاتِ بِالقادِرِ الغَنِيِّ بِالذّاتِ.
وَمِن خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ: الكَمالُ المُطْلَقُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ الَّذِي لا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ تَكُونَ العِبادَةُ كُلُّها لَهُ وحْدَهُ، والتَّعْظِيمُ والإجْلالُ والخَشْيَةُ والدُّعاءُ والرَّجاءُ والإنابَةُ والتَّوْبَةُ والتَّوَكُّلُ والِاسْتِعانَةُ، وغايَةُ الذُّلِّ مَعَ غايَةِ الحُبِّ - كُلُّ ذَلِكَ يَجِبُ عَقْلًا وشَرْعًا وفِطْرَةً أنْ يَكُونَ لَهُ وحْدَهُ، ويَمْتَنِعُ عَقْلًا وشَرْعًا وفِطْرَةً أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ، فَمَن جَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَ ذَلِكَ الغَيْرَ بِمَن لا شَبِيهَ لَهُ ولا مَثِيلَ ولا نِدَّ لَهُ، وذَلِكَ أقْبَحُ التَّشْبِيهِ وأبْطَلُهُ، ولِشِدَّةِ قُبْحِهِ وتَضَمُّنِهِ غايَةَ الظُّلْمِ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ، مَعَ أنَّهُ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وَمِن خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ: العُبُودِيَّةُ الَّتِي قامَتْ عَلى ساقَيْنِ لا قِوامَ لَها بِدُونِهِما: غايَةِ الحُبِّ، مَعَ غايَةِ الذُّلِّ. هَذا تَمامُ العُبُودِيَّةِ، وتَفاوُتُ مَنازِلِ الخَلْقِ فِيها بِحَسَبِ تَفاوُتِهِمْ في هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ.
فَمَن أعْطى حُبَّهُ وذُلَّهُ وخُضُوعَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ في خالِصِ حَقِّهِ، وهَذا مِنَ المُحالِ أنْ تَجِيءَ بِهِ شَرِيعَةٌ مِنَ الشَّرائِعِ، وقُبْحُهُ مُسْتَقِرٌّ في كُلِّ فِطْرَةٍ وعَقْلٍ، ولَكِنْ غَيَّرَتِ الشَّياطِينُ فِطَرَ الخَلْقِ وعُقُولَهم وأفْسَدَتْها عَلَيْهِمْ، واجْتالَتْهم عَنْها، ومَضى عَلى الفِطْرَةِ الأُولى مَن سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الحُسْنى، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ بِما يُوافِقُ فِطَرَهم وعُقُولَهُمْ، فازْدادُوا بِذَلِكَ نُورًا عَلى نُورٍ، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٣٥].
إذا عُرِفَ هَذا فَمِن خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ السُّجُودُ، فَمَن سَجَدَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَ المَخْلُوقَ بِهِ.
وَمِنها: التَّوَكُّلُ، فَمَن تَوَكَّلَ عَلى غَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ.
وَمِنها: التَّوْبَةُ، فَمَن تابَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ.
وَمِنها: الحَلِفُ بِاسْمِهِ تَعْظِيمًا وإجْلالًا لَهُ، فَمَن حَلَفَ بِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ، هَذا في جانِبِ التَّشْبِيهِ.
وَأمّا في جانِبِ التَّشَبُّهِ بِهِ: فَمَن تَعاظَمَ وتَكَبَّرَ ودَعا النّاسَ إلى إطْرائِهِ في المَدْحِ والتَّعْظِيمِ والخُضُوعِ والرَّجاءِ، وتَعْلِيقِ القَلْبِ بِهِ خَوْفًا ورَجاءً والتِجاءً واسْتِعانَةً، فَقَدْ تَشَبَّهَ بِاللَّهِ ونازَعَهُ في رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ، وهو حَقِيقٌ بِأنْ يُهِينَهُ غايَةَ الهَوانِ، ويُذِلَّهُ غايَةَ الذُّلِّ، ويَجْعَلَهُ تَحْتَ أقْدامِ خَلْقِهِ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: " العَظَمَةُ إزارِي، والكِبْرِياءُ رِدائِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما عَذَّبْتُهُ "».
وَإذا كانَ المُصَوِّرُ الَّذِي يَصْنَعُ الصُّورَةَ بِيَدِهِ مِن أشَدِّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ لِتَشَبُّهِهِ بِاللَّهِ في مُجَرَّدِ الصُّورَةِ، فَما الظَّنُّ بِالتَّشَبُّهِ بِاللَّهِ في الرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ؟
كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُصَوِّرُونَ، يُقالُ لَهم أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، فَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً»، فَنَبَّهَ بِالذَّرَّةِ والشَّعِيرَةِ عَلى ما هو أعْظَمُ مِنها وأكْبَرُ.
والمَقْصُودُ: أنَّ هَذا حالُ مَن تَشَبَّهَ بِهِ في صَنْعَةِ صُورَةٍ، فَكَيْفَ حالُ مَن تَشَبَّهَ بِهِ في خَواصِّ رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ؟ وكَذَلِكَ مَن تَشَبَّهَ بِهِ في الِاسْمِ الَّذِي لا يَنْبَغِي إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ، كَمَلِكِ المُلُوكِ، وحاكِمِ الحُكّامِ، ونَحْوِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ أخْنَعَ الأسْماءِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ يُسَمّى
بِشاهانْ شاهْ - أيْ مَلِكِ المُلُوكِ - لا مَلِكَ إلّا اللَّهُ» وفي لَفْظٍ: «أغِيظُ رَجُلٍ عَلى اللَّهِ رَجُلٌ يُسَمّى بِمَلِكِ الأمْلاكِ».
فَهَذا مَقْتُ اللَّهِ وغَضَبُهُ عَلى مَن تَشَبَّهَ بِهِ في الِاسْمِ الَّذِي لا يَنْبَغِي إلّا لَهُ، فَهو سُبْحانَهُ مَلِكُ المُلُوكِ وحْدَهُ، وهو حاكِمُ الحُكّامِ وحْدَهُ، فَهو الَّذِي يَحْكُمُ عَلى الحُكّامِ كُلِّهِمْ، ويَقْضِي عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، لا غَيْرُهُ.