Tafsir Ibn Al-Qayyim — الروم 30:1 – السجدة 32:4
المحتويات
- الروم 30:1
- الروم 30:2
- الروم 30:3
- الروم 30:4
- الروم 30:6
- الروم 30:7
- الروم 30:14
- الروم 30:15
- الروم 30:16
- الروم 30:21
- الروم 30:28
- الروم 30:30
- الروم 30:31
- الروم 30:41
- الروم 30:46
- الروم 30:54
- الروم 30:55
- الروم 30:56
- الروم 30:60
- لقمان 31:6
- لقمان 31:7
- لقمان 31:11
- لقمان 31:13
- لقمان 31:17
- لقمان 31:18
- لقمان 31:27
- لقمان 31:29
- لقمان 31:31
- لقمان 31:33
- السجدة 32:4
الروم 30:1
(فصل: مراهنة الصّديق للْمُشْرِكين بِعِلْمِهِ وإذنه ﷺ
وَأما مراهنة الصّديق للْمُشْرِكين بِعِلْمِهِ وإذنه فروى التِّرْمِذِيّ في جامِعَة من حَدِيث سُفْيان الثَّوْريّ عَن حبيب بن أبي عمْرَة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبّاس في قَول الله تَعالى عز وجل ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾
قالَ: كانَ المُشْركُونَ يحبونَ أن يظْهر أهل فارس على الرّوم لأنهم وإياهم أهل أوثان وكانَ المُسلمُونَ يحبونَ أن يظْهر الرّوم على فارس لأنهم أهل كتاب فذكروه لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ فَذكره أبُو بكر لرَسُول الله ﷺ فَقالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ:
أما إنَّهُم سيغلبون فذكروه لَهُم فَقالُوا اجعلوا بَيْننا وبَيْنك أجَلًا فَإن ظهرنا كانَ لنا كَذا وكَذا وإن ظهرتم كانَ لكم كَذا فَجعل أجل خمس سِنِين فَلم يظهروا فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقالَ ألا جعلت إلى دون العشْر.
قالَ سعيد: والبضع ما دون العشْر قالَ ثمَّ ظَهرت الرّوم بعد قالَ فَذَلِك قَوْله ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سِنِين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المُؤْمِنُونَ بنصر الله﴾
قالَ سُفْيان سَمِعت أنهم ظَهَرُوا عَلَيْهِم يَوْم بدر
قالَ التِّرْمِذِيّ: هَذا حَدِيث حسن صَحِيح.
وَفِي جامعه أيْضا عَن نيار بن مكرم الأسْلَمِيّ قالَ:
لما نزلت ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض﴾ إلى قَوْله ﴿فِي بضع سِنِين﴾
وَكانَت فارس يَوْم نزلت هَذِه الآيَة قاهرين للروم وكانَ المُسلمُونَ يحبونَ ظُهُور الرّوم عَلَيْهِم لأنهم وإياهم أهل كتاب وفي ذَلِك قَوْله تَعالى ﴿ويومئذ يفرح المُؤْمِنُونَ بنصر الله ينصر من يَشاء وهو العَزِيز الرَّحِيم﴾
وَكانَت قُرَيْش تحب ظُهُور فارس لأنهم وإياهم لَيْسُوا بِأهْل كتاب ولا إيمان ببعث فَلَمّا أنزل الله هَذِه الآيَة خرج أبُو بكر الصّديق يَصِيح في نواحي مَكَّة ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سِنِين﴾
فَقالَ ناس من قُرَيْش لأبي بكر فَذَلِك بَيْننا وبَيْنكُم بزعم صاحبك أن الرّوم ستغلب فارس في بضع سِنِين افلا نراهنك على ذَلِك قالَ بلى قالَ وذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهان فارتهن أبُو بكر والمُشْرِكُونَ وتواضعوا الرِّهان وقالُوا لأبي بكر كم نجْعَل البضْع وهو ثَلاث سِنِين إلى تسع سِنِين فسم بَيْننا وبَيْنك وسطا ننتهي إلَيْهِ قالَ فسموا بَينهم سِتّ سِنِين قالَ فمضت السِّت سِنِين قبل أن يظهروا فَأخذ المُشْركُونَ رهن أبي بكر فَلَمّا دخلت السّنة السّابِعَة ظَهرت الرّوم على فارس فعاب المُسلمُونَ على أبي بكر تَسْمِيَته سِتّ سِنِين لِأن الله قالَ ﴿فِي بضع سِنِين﴾ قالَ وأسلم عند ذَلِك ناس كثير
قالَ التِّرْمِذِيّ: هَذا حَدِيث حسن صَحِيح
وَفِي الجامِع أيْضا من حَدِيث ابْن عَبّاس أن رَسُول الله ﷺ قالَ لأبي بكر في مناحبته
ألا أخفضت (وَفِي لفظ ألا احتطت)
فَإن البضْع ما بَين الثَّلاث إلى التسع
رَواهُ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عتبَة عَن ابْن عَبّاس.
وَقَوله في الحَدِيث "مناحبته" فالمناحبة المخاطرة وهِي المُراهنَة من النحب وهو النّذر وكِلاهُما مناحب هَذا بِالعقدِ وهَذا بِالنذرِ
وَقَوله "ألا أخفضت" يجوز أن يكون من الخَفْض وهو الدعة والمعْنى هلا نفست المدَّة فَكنت في خفض من أمرك ودعة ويجوز أن يكون من الخَفْض الَّذِي هو من الانخفاض أي هلا استنزلتم إلى أكثر مِمّا اتفقتم عَلَيْهِ.
وَقَوله في اللَّفْظ الآخر "هلا احتطت: هو من الاحتياط أي هلا أخذت بالأحوط وجعلت الأجَل أقْصى ما يَنْتَهِي إلَيْهِ البضْع فَإن النَّص لا يتعداه.
وَقَوله "وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهان" من كَلام بعض الرواة لَيْسَ من كَلام أبي بكر ولا من كَلام النَّبِي ﷺ.
الروم 30:2
(فصل: مراهنة الصّديق للْمُشْرِكين بِعِلْمِهِ وإذنه ﷺ
وَأما مراهنة الصّديق للْمُشْرِكين بِعِلْمِهِ وإذنه فروى التِّرْمِذِيّ في جامِعَة من حَدِيث سُفْيان الثَّوْريّ عَن حبيب بن أبي عمْرَة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبّاس في قَول الله تَعالى عز وجل ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾
قالَ: كانَ المُشْركُونَ يحبونَ أن يظْهر أهل فارس على الرّوم لأنهم وإياهم أهل أوثان وكانَ المُسلمُونَ يحبونَ أن يظْهر الرّوم على فارس لأنهم أهل كتاب فذكروه لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ فَذكره أبُو بكر لرَسُول الله ﷺ فَقالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ:
أما إنَّهُم سيغلبون فذكروه لَهُم فَقالُوا اجعلوا بَيْننا وبَيْنك أجَلًا فَإن ظهرنا كانَ لنا كَذا وكَذا وإن ظهرتم كانَ لكم كَذا فَجعل أجل خمس سِنِين فَلم يظهروا فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقالَ ألا جعلت إلى دون العشْر.
قالَ سعيد: والبضع ما دون العشْر قالَ ثمَّ ظَهرت الرّوم بعد قالَ فَذَلِك قَوْله ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سِنِين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المُؤْمِنُونَ بنصر الله﴾
قالَ سُفْيان سَمِعت أنهم ظَهَرُوا عَلَيْهِم يَوْم بدر
قالَ التِّرْمِذِيّ: هَذا حَدِيث حسن صَحِيح.
وَفِي جامعه أيْضا عَن نيار بن مكرم الأسْلَمِيّ قالَ:
لما نزلت ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض﴾ إلى قَوْله ﴿فِي بضع سِنِين﴾
وَكانَت فارس يَوْم نزلت هَذِه الآيَة قاهرين للروم وكانَ المُسلمُونَ يحبونَ ظُهُور الرّوم عَلَيْهِم لأنهم وإياهم أهل كتاب وفي ذَلِك قَوْله تَعالى ﴿ويومئذ يفرح المُؤْمِنُونَ بنصر الله ينصر من يَشاء وهو العَزِيز الرَّحِيم﴾
وَكانَت قُرَيْش تحب ظُهُور فارس لأنهم وإياهم لَيْسُوا بِأهْل كتاب ولا إيمان ببعث فَلَمّا أنزل الله هَذِه الآيَة خرج أبُو بكر الصّديق يَصِيح في نواحي مَكَّة ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سِنِين﴾
فَقالَ ناس من قُرَيْش لأبي بكر فَذَلِك بَيْننا وبَيْنكُم بزعم صاحبك أن الرّوم ستغلب فارس في بضع سِنِين افلا نراهنك على ذَلِك قالَ بلى قالَ وذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهان فارتهن أبُو بكر والمُشْرِكُونَ وتواضعوا الرِّهان وقالُوا لأبي بكر كم نجْعَل البضْع وهو ثَلاث سِنِين إلى تسع سِنِين فسم بَيْننا وبَيْنك وسطا ننتهي إلَيْهِ قالَ فسموا بَينهم سِتّ سِنِين قالَ فمضت السِّت سِنِين قبل أن يظهروا فَأخذ المُشْركُونَ رهن أبي بكر فَلَمّا دخلت السّنة السّابِعَة ظَهرت الرّوم على فارس فعاب المُسلمُونَ على أبي بكر تَسْمِيَته سِتّ سِنِين لِأن الله قالَ ﴿فِي بضع سِنِين﴾ قالَ وأسلم عند ذَلِك ناس كثير
قالَ التِّرْمِذِيّ: هَذا حَدِيث حسن صَحِيح
وَفِي الجامِع أيْضا من حَدِيث ابْن عَبّاس أن رَسُول الله ﷺ قالَ لأبي بكر في مناحبته
ألا أخفضت (وَفِي لفظ ألا احتطت)
فَإن البضْع ما بَين الثَّلاث إلى التسع
رَواهُ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عتبَة عَن ابْن عَبّاس.
وَقَوله في الحَدِيث "مناحبته" فالمناحبة المخاطرة وهِي المُراهنَة من النحب وهو النّذر وكِلاهُما مناحب هَذا بِالعقدِ وهَذا بِالنذرِ
وَقَوله "ألا أخفضت" يجوز أن يكون من الخَفْض وهو الدعة والمعْنى هلا نفست المدَّة فَكنت في خفض من أمرك ودعة ويجوز أن يكون من الخَفْض الَّذِي هو من الانخفاض أي هلا استنزلتم إلى أكثر مِمّا اتفقتم عَلَيْهِ.
وَقَوله في اللَّفْظ الآخر "هلا احتطت: هو من الاحتياط أي هلا أخذت بالأحوط وجعلت الأجَل أقْصى ما يَنْتَهِي إلَيْهِ البضْع فَإن النَّص لا يتعداه.
وَقَوله "وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهان" من كَلام بعض الرواة لَيْسَ من كَلام أبي بكر ولا من كَلام النَّبِي ﷺ.
الروم 30:3
(فصل: مراهنة الصّديق للْمُشْرِكين بِعِلْمِهِ وإذنه ﷺ
وَأما مراهنة الصّديق للْمُشْرِكين بِعِلْمِهِ وإذنه فروى التِّرْمِذِيّ في جامِعَة من حَدِيث سُفْيان الثَّوْريّ عَن حبيب بن أبي عمْرَة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبّاس في قَول الله تَعالى عز وجل ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾
قالَ: كانَ المُشْركُونَ يحبونَ أن يظْهر أهل فارس على الرّوم لأنهم وإياهم أهل أوثان وكانَ المُسلمُونَ يحبونَ أن يظْهر الرّوم على فارس لأنهم أهل كتاب فذكروه لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ فَذكره أبُو بكر لرَسُول الله ﷺ فَقالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ:
أما إنَّهُم سيغلبون فذكروه لَهُم فَقالُوا اجعلوا بَيْننا وبَيْنك أجَلًا فَإن ظهرنا كانَ لنا كَذا وكَذا وإن ظهرتم كانَ لكم كَذا فَجعل أجل خمس سِنِين فَلم يظهروا فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقالَ ألا جعلت إلى دون العشْر.
قالَ سعيد: والبضع ما دون العشْر قالَ ثمَّ ظَهرت الرّوم بعد قالَ فَذَلِك قَوْله ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سِنِين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المُؤْمِنُونَ بنصر الله﴾
قالَ سُفْيان سَمِعت أنهم ظَهَرُوا عَلَيْهِم يَوْم بدر
قالَ التِّرْمِذِيّ: هَذا حَدِيث حسن صَحِيح.
وَفِي جامعه أيْضا عَن نيار بن مكرم الأسْلَمِيّ قالَ:
لما نزلت ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض﴾ إلى قَوْله ﴿فِي بضع سِنِين﴾
وَكانَت فارس يَوْم نزلت هَذِه الآيَة قاهرين للروم وكانَ المُسلمُونَ يحبونَ ظُهُور الرّوم عَلَيْهِم لأنهم وإياهم أهل كتاب وفي ذَلِك قَوْله تَعالى ﴿ويومئذ يفرح المُؤْمِنُونَ بنصر الله ينصر من يَشاء وهو العَزِيز الرَّحِيم﴾
وَكانَت قُرَيْش تحب ظُهُور فارس لأنهم وإياهم لَيْسُوا بِأهْل كتاب ولا إيمان ببعث فَلَمّا أنزل الله هَذِه الآيَة خرج أبُو بكر الصّديق يَصِيح في نواحي مَكَّة ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سِنِين﴾
فَقالَ ناس من قُرَيْش لأبي بكر فَذَلِك بَيْننا وبَيْنكُم بزعم صاحبك أن الرّوم ستغلب فارس في بضع سِنِين افلا نراهنك على ذَلِك قالَ بلى قالَ وذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهان فارتهن أبُو بكر والمُشْرِكُونَ وتواضعوا الرِّهان وقالُوا لأبي بكر كم نجْعَل البضْع وهو ثَلاث سِنِين إلى تسع سِنِين فسم بَيْننا وبَيْنك وسطا ننتهي إلَيْهِ قالَ فسموا بَينهم سِتّ سِنِين قالَ فمضت السِّت سِنِين قبل أن يظهروا فَأخذ المُشْركُونَ رهن أبي بكر فَلَمّا دخلت السّنة السّابِعَة ظَهرت الرّوم على فارس فعاب المُسلمُونَ على أبي بكر تَسْمِيَته سِتّ سِنِين لِأن الله قالَ ﴿فِي بضع سِنِين﴾ قالَ وأسلم عند ذَلِك ناس كثير
قالَ التِّرْمِذِيّ: هَذا حَدِيث حسن صَحِيح
وَفِي الجامِع أيْضا من حَدِيث ابْن عَبّاس أن رَسُول الله ﷺ قالَ لأبي بكر في مناحبته
ألا أخفضت (وَفِي لفظ ألا احتطت)
فَإن البضْع ما بَين الثَّلاث إلى التسع
رَواهُ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عتبَة عَن ابْن عَبّاس.
وَقَوله في الحَدِيث "مناحبته" فالمناحبة المخاطرة وهِي المُراهنَة من النحب وهو النّذر وكِلاهُما مناحب هَذا بِالعقدِ وهَذا بِالنذرِ
وَقَوله "ألا أخفضت" يجوز أن يكون من الخَفْض وهو الدعة والمعْنى هلا نفست المدَّة فَكنت في خفض من أمرك ودعة ويجوز أن يكون من الخَفْض الَّذِي هو من الانخفاض أي هلا استنزلتم إلى أكثر مِمّا اتفقتم عَلَيْهِ.
وَقَوله في اللَّفْظ الآخر "هلا احتطت: هو من الاحتياط أي هلا أخذت بالأحوط وجعلت الأجَل أقْصى ما يَنْتَهِي إلَيْهِ البضْع فَإن النَّص لا يتعداه.
وَقَوله "وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهان" من كَلام بعض الرواة لَيْسَ من كَلام أبي بكر ولا من كَلام النَّبِي ﷺ.
الروم 30:4
(فصل: مراهنة الصّديق للْمُشْرِكين بِعِلْمِهِ وإذنه ﷺ
وَأما مراهنة الصّديق للْمُشْرِكين بِعِلْمِهِ وإذنه فروى التِّرْمِذِيّ في جامِعَة من حَدِيث سُفْيان الثَّوْريّ عَن حبيب بن أبي عمْرَة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبّاس في قَول الله تَعالى عز وجل ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾
قالَ: كانَ المُشْركُونَ يحبونَ أن يظْهر أهل فارس على الرّوم لأنهم وإياهم أهل أوثان وكانَ المُسلمُونَ يحبونَ أن يظْهر الرّوم على فارس لأنهم أهل كتاب فذكروه لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ فَذكره أبُو بكر لرَسُول الله ﷺ فَقالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ:
أما إنَّهُم سيغلبون فذكروه لَهُم فَقالُوا اجعلوا بَيْننا وبَيْنك أجَلًا فَإن ظهرنا كانَ لنا كَذا وكَذا وإن ظهرتم كانَ لكم كَذا فَجعل أجل خمس سِنِين فَلم يظهروا فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقالَ ألا جعلت إلى دون العشْر.
قالَ سعيد: والبضع ما دون العشْر قالَ ثمَّ ظَهرت الرّوم بعد قالَ فَذَلِك قَوْله ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سِنِين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المُؤْمِنُونَ بنصر الله﴾
قالَ سُفْيان سَمِعت أنهم ظَهَرُوا عَلَيْهِم يَوْم بدر
قالَ التِّرْمِذِيّ: هَذا حَدِيث حسن صَحِيح.
وَفِي جامعه أيْضا عَن نيار بن مكرم الأسْلَمِيّ قالَ:
لما نزلت ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض﴾ إلى قَوْله ﴿فِي بضع سِنِين﴾
وَكانَت فارس يَوْم نزلت هَذِه الآيَة قاهرين للروم وكانَ المُسلمُونَ يحبونَ ظُهُور الرّوم عَلَيْهِم لأنهم وإياهم أهل كتاب وفي ذَلِك قَوْله تَعالى ﴿ويومئذ يفرح المُؤْمِنُونَ بنصر الله ينصر من يَشاء وهو العَزِيز الرَّحِيم﴾
وَكانَت قُرَيْش تحب ظُهُور فارس لأنهم وإياهم لَيْسُوا بِأهْل كتاب ولا إيمان ببعث فَلَمّا أنزل الله هَذِه الآيَة خرج أبُو بكر الصّديق يَصِيح في نواحي مَكَّة ﴿الم غلبت الرّوم في أدنى الأرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سِنِين﴾
فَقالَ ناس من قُرَيْش لأبي بكر فَذَلِك بَيْننا وبَيْنكُم بزعم صاحبك أن الرّوم ستغلب فارس في بضع سِنِين افلا نراهنك على ذَلِك قالَ بلى قالَ وذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهان فارتهن أبُو بكر والمُشْرِكُونَ وتواضعوا الرِّهان وقالُوا لأبي بكر كم نجْعَل البضْع وهو ثَلاث سِنِين إلى تسع سِنِين فسم بَيْننا وبَيْنك وسطا ننتهي إلَيْهِ قالَ فسموا بَينهم سِتّ سِنِين قالَ فمضت السِّت سِنِين قبل أن يظهروا فَأخذ المُشْركُونَ رهن أبي بكر فَلَمّا دخلت السّنة السّابِعَة ظَهرت الرّوم على فارس فعاب المُسلمُونَ على أبي بكر تَسْمِيَته سِتّ سِنِين لِأن الله قالَ ﴿فِي بضع سِنِين﴾ قالَ وأسلم عند ذَلِك ناس كثير
قالَ التِّرْمِذِيّ: هَذا حَدِيث حسن صَحِيح
وَفِي الجامِع أيْضا من حَدِيث ابْن عَبّاس أن رَسُول الله ﷺ قالَ لأبي بكر في مناحبته
ألا أخفضت (وَفِي لفظ ألا احتطت)
فَإن البضْع ما بَين الثَّلاث إلى التسع
رَواهُ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عتبَة عَن ابْن عَبّاس.
وَقَوله في الحَدِيث "مناحبته" فالمناحبة المخاطرة وهِي المُراهنَة من النحب وهو النّذر وكِلاهُما مناحب هَذا بِالعقدِ وهَذا بِالنذرِ
وَقَوله "ألا أخفضت" يجوز أن يكون من الخَفْض وهو الدعة والمعْنى هلا نفست المدَّة فَكنت في خفض من أمرك ودعة ويجوز أن يكون من الخَفْض الَّذِي هو من الانخفاض أي هلا استنزلتم إلى أكثر مِمّا اتفقتم عَلَيْهِ.
وَقَوله في اللَّفْظ الآخر "هلا احتطت: هو من الاحتياط أي هلا أخذت بالأحوط وجعلت الأجَل أقْصى ما يَنْتَهِي إلَيْهِ البضْع فَإن النَّص لا يتعداه.
وَقَوله "وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهان" من كَلام بعض الرواة لَيْسَ من كَلام أبي بكر ولا من كَلام النَّبِي ﷺ.
الروم 30:6
وأما العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك فإلى الرسل قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾
قال بعض السلف: يبلغ من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيعلم وزنه ولا علم له بشيء من دينه
وقال تعالى في علوم هؤلاء واغترارهم بها: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣] وقد فاوت الله سبحانه بين عباده فيما تناله عقولهم وأذهانهم أعظم تفاوت والعقل يعطي صاحبه فائدته في النوع الذي يلزمه به ويشغله به ويقصره عليه ما لا يعطيه في غيره، وإن كان غيره أسهل منه بكثير كما يعطيه همته وقريحته في الصناعة التي هو معني بها ومقصور العناية عليها ما لا يعطيه في صناعة غيرها.
وكثيرا ما تجد الرجل قد برز في اللطيف من أبواب العلم والنظر، وتخلف في الجليل منهما وأصاب الأغمض الأدق منها وأخطأ الأجل الأوضح.
هذا أمر واقع تحت العيان فكيف وعلوم الأنبياء ومعارفهم من وراء طور العقل، والعقل وإن لم يستقل بإدراكها فإنه لا يحيلها بل إذا أوردت عليه أقر بصحتها وبادر إلى قبولها وأذعن بالانقياد إليها، وعلم أن نسبة العلوم التي نالها الناس بأفكارهم إليها دون نسبة علوم الصبيان ومعارفهم إلى علوم هؤلاء بما لا يدرك.
(مسألة)
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ التَّصْدِيقُ الجازِمُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ بِالمَعادِ والجَنَّةِ والنّارِ ويَتَخَلَّفُ العَمَلُ؟
وَهَلْ في الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّهُ مَطْلُوبٌ غَدًا إلى بَيْنِ يَدَيْ بَعْضِ المُلُوكِ لِيُعاقِبَهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ، أوْ يُكْرِمَهُ أتَمَّ كَرامَةٍ، ويَبِيتُ ساهِيًا غافِلًا لا يَتَذَكَّرُ مَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ولا يَسْتَعِدُّ لَهُ، ولا يَأْخُذُ لَهُ أُهْبَتَهُ؟
قِيلَ: هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ سُؤالٌ صَحِيحٌ وارِدٌ عَلى أكْثَرِ هَذا الخَلْقِ، فاجْتِماعُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِن أعْجَبِ الأشْياءِ وهَذا التَّخَلُّفُ لَهُ عِدَّةُ أسْبابٍ:
أحَدُها: ضَعْفُ العِلْمِ، ونُقْصانُ اليَقِينِ، ومَن ظَنَّ أنَّ العِلْمَ لا يَتَفاوَتُ، فَقَوْلُهُ مِن أفْسَدِ الأقْوالِ وأبْطَلِها.
وَقَدْ سَألَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى عِيانًا بَعْدَ عِلْمِهِ بِقُدْرَةِ الرَّبِّ عَلى ذَلِكَ، لِيَزْدادَ طُمَأْنِينَةً، ويَصِيرَ المَعْلُومُ غَيْبًا شَهادَةً.
وَقَدْ رَوى أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ».
فَإذا اجْتَمَعَ إلى ضَعْفِ العِلْمِ عَدَمُ اسْتِحْضارِهِ، أوْ غَيْبَتُهُ عَنِ القَلْبِ في كَثِيرٍ مِن أوْقاتِهِ أوْ أكْثَرِها لِاشْتِغالِهِ بِما يُضادُّهُ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ تَقاضِي الطَّبْعِ، وغَلَباتُ الهَوى، واسْتِيلاءُ الشَّهْوَةِ، وتَسْوِيلُ النَّفْسِ، وغُرُورُ الشَّيْطانِ، واسْتِبْطاءُ الوَعْدِ، وطُولُ الأمَلِ، ورَقْدَةُ الغَفْلَةِ، وحُبُّ العاجِلَةِ، ورُخَصُ التَّأْوِيلِ وإلْفُ العَوائِدِ، فَهُناكَ لا يُمْسِكُ الإيمانَ إلّا الَّذِي يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا، وبِهَذا السَّبَبِ يَتَفاوَتُ النّاسُ في الإيمانِ والأعْمالِ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى أدْنى مِثْقالِ ذَرَّةٍ في القَلْبِ.
وَجِماعُ هَذِهِ الأسْبابِ يَرْجِعُ إلى ضَعْفِ البَصِيرَةِ والصَّبْرِ، ولِهَذا مَدَحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ الصَّبْرِ واليَقِينِ، وجَعَلَهم أئِمَّةً في الدِّينِ، فَقالَ تَعالى: ﴿مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
(موعظة)
والعجب وكل العجب من غفلة من لحظاته معدودة عليه وكل نفس من أنفاسه لا قيمة له إذا ذهب لم يرجع إليه فمطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ويسار به أعظم من سير البريد ولا يدري إلى أي الدارين ينقل فإذا نزل به الموت أشتد قلقه لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته وسلف من تفريطه حيث لم يقدم لحياته فإذا خطرت له خطرة عارضة لما خلق له دفعها باعتماده على العفو وقال قد أنبئنا أنه هو الغفور الرحيم وكأنه لم ينبأ أن عذابه هو العذاب الأليم.
الروم 30:7
وأما العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك فإلى الرسل قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾
قال بعض السلف: يبلغ من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيعلم وزنه ولا علم له بشيء من دينه
وقال تعالى في علوم هؤلاء واغترارهم بها: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣] وقد فاوت الله سبحانه بين عباده فيما تناله عقولهم وأذهانهم أعظم تفاوت والعقل يعطي صاحبه فائدته في النوع الذي يلزمه به ويشغله به ويقصره عليه ما لا يعطيه في غيره، وإن كان غيره أسهل منه بكثير كما يعطيه همته وقريحته في الصناعة التي هو معني بها ومقصور العناية عليها ما لا يعطيه في صناعة غيرها.
وكثيرا ما تجد الرجل قد برز في اللطيف من أبواب العلم والنظر، وتخلف في الجليل منهما وأصاب الأغمض الأدق منها وأخطأ الأجل الأوضح.
هذا أمر واقع تحت العيان فكيف وعلوم الأنبياء ومعارفهم من وراء طور العقل، والعقل وإن لم يستقل بإدراكها فإنه لا يحيلها بل إذا أوردت عليه أقر بصحتها وبادر إلى قبولها وأذعن بالانقياد إليها، وعلم أن نسبة العلوم التي نالها الناس بأفكارهم إليها دون نسبة علوم الصبيان ومعارفهم إلى علوم هؤلاء بما لا يدرك.
(مسألة)
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ التَّصْدِيقُ الجازِمُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ بِالمَعادِ والجَنَّةِ والنّارِ ويَتَخَلَّفُ العَمَلُ؟
وَهَلْ في الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّهُ مَطْلُوبٌ غَدًا إلى بَيْنِ يَدَيْ بَعْضِ المُلُوكِ لِيُعاقِبَهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ، أوْ يُكْرِمَهُ أتَمَّ كَرامَةٍ، ويَبِيتُ ساهِيًا غافِلًا لا يَتَذَكَّرُ مَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ولا يَسْتَعِدُّ لَهُ، ولا يَأْخُذُ لَهُ أُهْبَتَهُ؟
قِيلَ: هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ سُؤالٌ صَحِيحٌ وارِدٌ عَلى أكْثَرِ هَذا الخَلْقِ، فاجْتِماعُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِن أعْجَبِ الأشْياءِ وهَذا التَّخَلُّفُ لَهُ عِدَّةُ أسْبابٍ:
أحَدُها: ضَعْفُ العِلْمِ، ونُقْصانُ اليَقِينِ، ومَن ظَنَّ أنَّ العِلْمَ لا يَتَفاوَتُ، فَقَوْلُهُ مِن أفْسَدِ الأقْوالِ وأبْطَلِها.
وَقَدْ سَألَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى عِيانًا بَعْدَ عِلْمِهِ بِقُدْرَةِ الرَّبِّ عَلى ذَلِكَ، لِيَزْدادَ طُمَأْنِينَةً، ويَصِيرَ المَعْلُومُ غَيْبًا شَهادَةً.
وَقَدْ رَوى أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ».
فَإذا اجْتَمَعَ إلى ضَعْفِ العِلْمِ عَدَمُ اسْتِحْضارِهِ، أوْ غَيْبَتُهُ عَنِ القَلْبِ في كَثِيرٍ مِن أوْقاتِهِ أوْ أكْثَرِها لِاشْتِغالِهِ بِما يُضادُّهُ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ تَقاضِي الطَّبْعِ، وغَلَباتُ الهَوى، واسْتِيلاءُ الشَّهْوَةِ، وتَسْوِيلُ النَّفْسِ، وغُرُورُ الشَّيْطانِ، واسْتِبْطاءُ الوَعْدِ، وطُولُ الأمَلِ، ورَقْدَةُ الغَفْلَةِ، وحُبُّ العاجِلَةِ، ورُخَصُ التَّأْوِيلِ وإلْفُ العَوائِدِ، فَهُناكَ لا يُمْسِكُ الإيمانَ إلّا الَّذِي يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا، وبِهَذا السَّبَبِ يَتَفاوَتُ النّاسُ في الإيمانِ والأعْمالِ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى أدْنى مِثْقالِ ذَرَّةٍ في القَلْبِ.
وَجِماعُ هَذِهِ الأسْبابِ يَرْجِعُ إلى ضَعْفِ البَصِيرَةِ والصَّبْرِ، ولِهَذا مَدَحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ الصَّبْرِ واليَقِينِ، وجَعَلَهم أئِمَّةً في الدِّينِ، فَقالَ تَعالى: ﴿مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
(موعظة)
والعجب وكل العجب من غفلة من لحظاته معدودة عليه وكل نفس من أنفاسه لا قيمة له إذا ذهب لم يرجع إليه فمطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ويسار به أعظم من سير البريد ولا يدري إلى أي الدارين ينقل فإذا نزل به الموت أشتد قلقه لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته وسلف من تفريطه حيث لم يقدم لحياته فإذا خطرت له خطرة عارضة لما خلق له دفعها باعتماده على العفو وقال قد أنبئنا أنه هو الغفور الرحيم وكأنه لم ينبأ أن عذابه هو العذاب الأليم.
الروم 30:14
(فصل: في عقد مجلس يتضمن مناظرةً بين صاحب غناءٍ وصاحب قرآن)
قال صاحب السماع: وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾
جاء في التفسير أنه السماع، ولو كان حرامًا لما كان من أفضل نعيم الجنة.
قال صاحب القرآن: لو أمسكتم عن استدلالكم لصحة ما ذهبتم إليه لكان أسترَ له وأروجَ عند من قلَّ نصيبُه من البصيرة والعلم، ولكن يأبى الله إلا أن يَكشِفه ويَهتِكَه على ألسنتكم.
ولا ريبَ أنه قال بعض السلف: إن الحبرة هاهنا هي السماع
الحسن في الجنة، وإن الحور العين يُغنِّين بأصواتٍ لم يَسمَعْ خلائقُ بأحسنَ منها، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نَبْأسَ، ونحن الراضيات فلا نَسْخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له.
وذكر أبو نعيم في "صفة الجنة" من حديث سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:
"إن أزواجَ أهل الجنة ليغنِّين أزواجَهن بأحسن أصواتٍ سمعها أحدٌ قطُّ، وإن مما يُغنِّينَ: نحن الخيراتُ الحسانُ، نحن أزواجُ قومٍ كرام، ينظرون بقرةِ أعيان. وإن مما يُغنين: نحن الخالداتُ فلا يَمُتْنَهْ، نحن الآمناتُ فلا يَخَفْنَهْ، نحن المقيماتُ فلا يَظْعَنَّهْ ".
تفرد به سعيد بن أبي مريم.
وروى من طريق الوليد بن أبي ثور حدثني سعد الطائي عن عبد الرحمن بن سابط عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر حديثًا فيه: "إنه يجتمع الحور العين في كل سبعة أيام، فيقلن بأصوات حسانٍ لم يَسمع الخلائقُ بمثلها: نحن الخالداتُ فلا نَبيدُ، ونحن الناعماتُ فلا نبأسُ، ونحن الراضياتُ فلا نَسخطُ، ونحن المقيماتُ فلا نَظعَنُ، طوبى لمن كان لنا وكنا له".
ورَوى من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عون بن الخطاب عن ابنٍ لأنسٍ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الحور العين يغنين في الجنة: نحن الحسان، خُلِقنا لأزواج كرام".
ومن طريق زيد بن واقد عن رجل عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة شجرةً جُذوعها من ذهبٍ وفروعها من زبرجد ولؤلؤ، فتهبُّ لها ريحٌ فتَصْطَفِقُ، فما سمع السامعون بصوت شيء ألذَّ منه".
ومن طريق خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال:
"ما من عبدٍ يدخل الجنةَ إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتانِ من الحور العين، تُغِّنيانه بأحسنِ صوتٍ سمعه الإنس والجن، وليس بمزامير الشيطان".
وروى الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي، قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة مجتمعا للحور العين يرفعن أصواتًا لم يسمع الخلائق مثلها"، قال: "يقلن: نحن الخالداتُ فلا نَبيد، ونحن الناعمات فلا نَبْأسُ، ونحن الراضياتُ فلا نسخَط، طوبى لمن كان لنا وكنا له".
وقال: حديث غريب.
وروى الطبراني من حديث سليمان بن أبي كريمة - وفيه كلام - عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله! نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: "بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين، كفضل الظِّهارة على البِطانة"، قلت: يا رسول الله! وبمَ ذلك؟ قال: "بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن لله، ألبسَ الله وجوهَهن النورَ، وأجسادَهن الحريرَ، بِيضُ الألوان، خُضْر الثياب، صُفْر الحلي، مَجامِرُهن الدُّرّ، وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالداتُ فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نَبْأس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، طوبى لمن كنا له وكان لنا. الحديث.
فيقال لكم: هل يلزم من كون الشيء يُنعِم الله به عبادَه في الآخرة أن يكون مباحًا لهم في الدنيا؟
فإن قلتم: لا يلزم ذلك، بطل استدلالكم.
وإن قلتم: يلزم، قيل لكم: فالله سبحانه يُنعِمهم في الآخرة بلباس الحرير وأساورة الذهب، فجوِّزوا لهم لباسَ ذلك في الدنيا وخالِفوا دينَه وأمره. وأيضًا فإن الله - عز وجل - يُنعِمهم في الجنة بالخمر، فجوِّزوا لهم شُربَها في الدنيا على طرد قولكم. وأيضًا فإنهم في الجنة يأكلون ويشربون في صِحاف الذهب والفضة، وقد قال ﷺ: "هي لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة". وطردُ قولكم أنها كما هي للمسلمين في الآخرة، تكون مباحةً لهم في الدنيا، وقد قال النبي ﷺ: "من شرب الخمرَ في الدنيا لم يشربها في الآخرة". و"من لبسَ الحريرَ في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وقال في صِحاف الذهب والفضة: "هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة".
فأخبر أنه من استعمل هذه الأمور في الدنيا من المطعوم والملبوس وغيرهما لم يستعملها في الآخرة، فإما أن يستعملها أهل الجنة وُيحْرَمها هو وإن دخلها، كما روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا حسن يعني ابن علي بن حسن البراد عن حميد الخراط عن محمد بن كعب قال: "من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة".
قال: قلت: فإنه تاب حتى أدخله الله الجنة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]
قال: يُنسِيهم الله ذكرَها.
أو أن ذلك وعيدٌ له بأنه لا يدخل الجنة، فإن هذه الأمور يستعملها أهل الجنة، فمن لم تحصل له في الآخرة لم يكن من أهل الجنة. وهما تأويلان للسلف في هذه الأحاديث.
فلو قيل: إن هذا السماع اللذيذ الموعود به في الجنة إنما هو لمن نزَّه سمْعَه في الدنيا عن سماع الغناء والملاهي، اعتبارًا بنظيره من اللباس وشرب الخمر واستعمال آنية الذهب والفضة، لكان هذا أشبهَ بالصواب، وأصحَّ من استدلالكم على إباحته في الدنيا باستعمال أهل الجنة له.
وقد جاء الأثر بما قلنا صريحًا، وهو ما روى أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا عبد الله بن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين كانوا يُنزِّهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟ أسكِنوهم في رياض المسك. ثم يقول للملائكة أسمِعوهم حمدي وثنائي، وأعلِموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وقد تقدم نقله عن مجاهد من كلام ابن بطة.
وأيضًا فإنه قد جاء في الحديث: أن الرجل من أهل الجنة يُزوَّج باثنتين وسبعين زوجة، ذكره أبو نعيم في كتاب صفة الجنة من حديث خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: "ما من عبدٍ يدخل الجنة إلا ويُزوَّج ثنتين وسبعين زوجةً، ثنتان من الحور
العين وسبعين من أهل ميراثه من أهل الدنيا، ليس منهن امرأة إلا لها قُبُلٌ شَهِيٌّ، وله ذَكَرٌ لا يَنثني".
وذكر من حديث الحجاج عن قتادة عن أنس يرفعه: "للمؤمن في الجنة ثلاثون زوجة"، فقلنا: يا رسول الله! أوَله قوةُ ذلك؟ قال: " إنه لَيُعطى قوةَ مائةٍ".
وفي حديث آخر: "إن الرجل منهم ليصل في اليوم إلى مائة عذراءَ".
وهذه الآثار لا تناقُضَ بينها، فإن تفاضلهم في العدد على حسب تفاضلهم في مقدار الثواب، فعلى قياس قول المحتجِّين على حِلّ السماع في الدنيا بأنه يكون لأهل الجنة، ينبغي أن يُحِلُّوا للرجل في الدنيا أن يتزوج بهذا العدد. اهـ
(فصل: في ذكر سماع الجنة وغناء الحور العين وما فيه من الطرب واللذة)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُون﴾
قال محمد بن جرير: حدثني محمد بن موسى الحرشي قال حدثنا عامر بن نساف قال سألت يحيى بن أبي كثير عن قوله عز وجل ﴿فهم في روضة يحبرون﴾
قال الحبرة اللذة والسماع حدثنا عبد الله بن محمد الفريابي حدثنا ضمرة بن ربيعة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير في قوله يحبرون قال السماع في الجنة ولا يخالف هذا قول ابن عباس يكرمون وقال مجاهد وقتادة ينعمون فلذة الأذن بالسماع من الحبرة والنعيم
وقال الترمذي حدثنا هناد وأحمد بن منيع قالا حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي قال قال رسول الله ﷺ:
"إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها يقلن نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له"
وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وانس وحديث علي حديث غريب.
قلت وفي الباب عن ابن أبي أوفى وأبي أمامة وعبد الله بن عمر أيضا فأما حديث أبي هريرة فقال جعفر الفريابي حدثنا سعد بن حفص حدثنا محمد بن مسلمة عن أبي عبد الرحمن عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: "إن في الجنة نهرا طول الجنة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأصوات حتى يسمعها الخلائق ما يرون في الجنة لذة مثلها فقلنا يا أبا هريرة وما ذاك الغناء قال إن شاء الله التسبيح والتحميد والتقديس وثناء على الرب عز وجل"
هكذا رواه موقوفا.
وروى أبو نعيم في صفة الجنة من حديث مسلمة ابن علي عن زيد بن واقد عن رجل عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة شجرة جذوعها من ذهب وفروعها من زبرجد ولؤلؤ فتهب لها ريح فيصطفقن فما سمع السامعون بصوت شيء قط ألذ منه".
وأما حديث أنس فقال أبو نعيم أنبأنا عبد الله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عون بن الحطاب عن عبد الله بن رافع عن أبي الأسن عن أنس قال قال رسول الله ﷺ:
"إن الحور العين يغنين في الجنة يقلن نحن الحور الحسان خلقن لأزواج كرام "
ورواه ابن أبي الدنيا حدثنا أبو خيثمة حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا ابن أبي ذئب عن أبي عبد الله بن رافع عن بعض ولد أنس فذكره
وأما حديث ابن أبي أوفى فقال أبو نعيم حدثنا محمد بن جعفر من أصله حدثنا موسى بن هارون حدثنا حامد بن يحيى البلخي حدثنا يونس بن محمد المؤدب حدثنا الوليد بن أبي ثور وحدثني سعد الطائي عن عبد الرحمن بن سابط عن ابن أبي أوفى قال قال رسول الله ﷺ:
"يزوج كل واحد من أهل الجنة أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم، ومائة حوراء فيجتمعن في كل سبعة أيام فيقلن بأصوات حسان لم تسمع الخلائق بمثلهن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط ونحن المقيمات فلا نظعن طوبى لمن كان لنا وكنا له ".
وأما حديث أبي أمامة فقال: جعفر الفريابي حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد عن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله قال:
"ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه اثنتان من الحور العين يغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجن وليس بمزامير الشيطان".
وأما حديث ابن عمر فقال الطبراني حدثنا أبو رفاعة عمارة بن وثيمة بن موسى بن الفرات المصري حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد ابن اسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ:
"إن أزواج أهل الجنة ليغنين لأزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها احد قط إن مما يغنين به نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعين وإن مما يغنين به نحن الخالدات فلا نمتنه نحن الآمنات فلا نخفنه نحن المقيمات فلا نظعنه"
قال الطبراني لم يروه عن زيد بن أسلم إلا محمد تفرد به بن أبي مريم
وقال ابن وهب حدثني سعيد ابن أبي أيوب قال وقال رجل من قريش لابن شهاب: هل في الجنة سماع فإنه حبب إلي السماع؟
فقال: إي والذي نفس ابن شهاب بيده إن في الجنة لشجرا حمله اللؤلؤ والزبرجد تحته جوار ناهدات يتغنين بألوان يقلن نحن الناعمات فلا نبأس ونحن الخالدات فلا نموت يتغنين بألوان فإذا سمع ذلك الشجر صفق بعضه بعضا فأجبن الحواري فلا ندري أصوات الحواري أحسن أم أصوات الشجر"
قال ابن وهب: وحدثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد: "أن الحور العين يغنين أزواجهن فيقلن نحن الخيرات الحسان أزواج شباب كرام ونحن الخالدات فلا نموت ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط ونحن المقيمات فلا نطعن في صدر إحداهن مكتوب أنت حبي وأنا حبك انتهت نفسي عندك لم تر عيناني مثلك"
وقال ابن المبارك حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير:
"إن الحور العين يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة فيقلن طالما انتظرناكم فنحن الراضيات فلا نسخط والمقيمات فلا نظعن والخالدات فلا نموت بأحسن أصوات وتقول أنت حبي وأنا حبك ليس دونك مقصر ولا وراءك معدل"
(فصل: ولهم سماع أعلى من هذا)
قال ابن أبي الدنيا حدثني دهثم بن الفضل القرشي حدثنا الأوزاعي قال: بلغني أنه ليس من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل فيأمره الله تبارك وتعالى فيأخذ في السماع فما يبقى ملك في السماوات إلا قطع عليه صلاته فيمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث فيقول الله عز وجل:
"وعزتي وجلالي لو يعلم العباد قدر عظمتي ما عبدوا غيري وحدثني داود بن عمر الضيبي حدثنا عبد الله ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس الله ومزامير الشيطان اسكنوهم رياض المسك ثم يقول للملائكة اسمعوهم تمجيدي وتحميدي"
وقال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن الحسن حدثني عبد الله بن أبي بكر حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار في قوله عز وجل ﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾ قال إذا كان يوم القيامة أمر بمنبر رفيع فوضع في الجنة ثم نودي يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في دار الدنيا قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنان فذلك قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾
وذكر حماد بن سلمة عن ثابت البناني وحجاج الأسود عن شهر بن حوشب قال إن الله جل ثناؤه يقول للملائكة:
"إن عبادي كانوا يحبون الصوت الحسن في الدنيا فيدعونه من اجلي فاسمعوا عبادي فيأخذوا بأصوات من تهليل وتسبيح وتكبير لم يسمعوا بمثله قط" وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني علي بن مسلم الطوسي حدثني سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار: في قوله عز وجل: ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾
قال يقيم الله سبحانه داود عند ساق العرش فيقول:
"يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم، فيقول إلهي كيف أمجدك وقد سلبتنيه في دار الدنيا.
قال فيقول الله عز وجل فإني أرده عليك، قال فيرده عليه فيزداد صوته.
قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنة"
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا مسلم بن إبراهيم الحراني حدثنا مسكين بن بكير عن الأوزاعي عن عبيدة بن أبي لبابة قال:
"إن في الجنة شجرة ثمرها زبرجد وياقوت ولؤلؤ فيبعث الله ريحا فتصفق فتسمع لها أصوات لم يسمع ألذ منها"
حدثنا أبو بكر بن يزيد وإبراهيم بن سعيد قالا حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا رفعة بن صالح عن سلمة بن زهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال:
"في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب في ظلها مائة عام فيتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم فيذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا"
حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا علي بن عاصم حدثني سعيد بن سعيد الحارثي قال
"حدثت أن في الجنة آجاما من قصب من ذهب حملها اللؤلؤ فإذا اشتهى أهل الجنة يسمعوا صوتا حسنا بعث الله على تلك الآجام ريحا فتأتيهم بكل صوت يشتهونه".
(فصل)
ولهم سماع أعلى من هذا يضمحل دونه كل سماع وذلك حين يسمعون كلام الرب جل جلاله وخطابه وسلامه عليهم ومحاضرته لهم ويقرأ عليهم كلامه فإذا سمعوه منه فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك وسيمر بك أيها السني من الأحاديث الصحاح والحسان في ذلك ما هو من أحب سماع لك في الدنيا وألذ لأذنك وأقر لعينك إذ ليس في الجنة لذة أعظم من النظر إلى وجه الرب تعالى وسماع كلامه منه ولا يعطى أهل الجنة شيئا أحب إليهم من ذلك.
وقد ذكر أبو الشيخ عن صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة قال:
"إن أهل الجنة يدخلون كل يوم مرتين على الجبار جل جلاله فيقرأ عليهم القرآن، وقد جلس كل امرئ منهم مجلسه الذي هو مجلسه على منابر الدر والياقوت والزبرجد والذهب والزمرد فلم تقر أعينهم بشيء ولم يسمعوا شيئا قط أعظم ولا أحسن منه ثم ينصرفون إلى رحالهم ناعمين قريرة أعينهم إلى مثلها من الغد".
الروم 30:15
(فصل: في عقد مجلس يتضمن مناظرةً بين صاحب غناءٍ وصاحب قرآن)
قال صاحب السماع: وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾
جاء في التفسير أنه السماع، ولو كان حرامًا لما كان من أفضل نعيم الجنة.
قال صاحب القرآن: لو أمسكتم عن استدلالكم لصحة ما ذهبتم إليه لكان أسترَ له وأروجَ عند من قلَّ نصيبُه من البصيرة والعلم، ولكن يأبى الله إلا أن يَكشِفه ويَهتِكَه على ألسنتكم.
ولا ريبَ أنه قال بعض السلف: إن الحبرة هاهنا هي السماع
الحسن في الجنة، وإن الحور العين يُغنِّين بأصواتٍ لم يَسمَعْ خلائقُ بأحسنَ منها، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نَبْأسَ، ونحن الراضيات فلا نَسْخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له.
وذكر أبو نعيم في "صفة الجنة" من حديث سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:
"إن أزواجَ أهل الجنة ليغنِّين أزواجَهن بأحسن أصواتٍ سمعها أحدٌ قطُّ، وإن مما يُغنِّينَ: نحن الخيراتُ الحسانُ، نحن أزواجُ قومٍ كرام، ينظرون بقرةِ أعيان. وإن مما يُغنين: نحن الخالداتُ فلا يَمُتْنَهْ، نحن الآمناتُ فلا يَخَفْنَهْ، نحن المقيماتُ فلا يَظْعَنَّهْ ".
تفرد به سعيد بن أبي مريم.
وروى من طريق الوليد بن أبي ثور حدثني سعد الطائي عن عبد الرحمن بن سابط عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر حديثًا فيه: "إنه يجتمع الحور العين في كل سبعة أيام، فيقلن بأصوات حسانٍ لم يَسمع الخلائقُ بمثلها: نحن الخالداتُ فلا نَبيدُ، ونحن الناعماتُ فلا نبأسُ، ونحن الراضياتُ فلا نَسخطُ، ونحن المقيماتُ فلا نَظعَنُ، طوبى لمن كان لنا وكنا له".
ورَوى من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عون بن الخطاب عن ابنٍ لأنسٍ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الحور العين يغنين في الجنة: نحن الحسان، خُلِقنا لأزواج كرام".
ومن طريق زيد بن واقد عن رجل عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة شجرةً جُذوعها من ذهبٍ وفروعها من زبرجد ولؤلؤ، فتهبُّ لها ريحٌ فتَصْطَفِقُ، فما سمع السامعون بصوت شيء ألذَّ منه".
ومن طريق خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال:
"ما من عبدٍ يدخل الجنةَ إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتانِ من الحور العين، تُغِّنيانه بأحسنِ صوتٍ سمعه الإنس والجن، وليس بمزامير الشيطان".
وروى الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي، قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة مجتمعا للحور العين يرفعن أصواتًا لم يسمع الخلائق مثلها"، قال: "يقلن: نحن الخالداتُ فلا نَبيد، ونحن الناعمات فلا نَبْأسُ، ونحن الراضياتُ فلا نسخَط، طوبى لمن كان لنا وكنا له".
وقال: حديث غريب.
وروى الطبراني من حديث سليمان بن أبي كريمة - وفيه كلام - عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله! نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: "بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين، كفضل الظِّهارة على البِطانة"، قلت: يا رسول الله! وبمَ ذلك؟ قال: "بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن لله، ألبسَ الله وجوهَهن النورَ، وأجسادَهن الحريرَ، بِيضُ الألوان، خُضْر الثياب، صُفْر الحلي، مَجامِرُهن الدُّرّ، وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالداتُ فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نَبْأس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، طوبى لمن كنا له وكان لنا. الحديث.
فيقال لكم: هل يلزم من كون الشيء يُنعِم الله به عبادَه في الآخرة أن يكون مباحًا لهم في الدنيا؟
فإن قلتم: لا يلزم ذلك، بطل استدلالكم.
وإن قلتم: يلزم، قيل لكم: فالله سبحانه يُنعِمهم في الآخرة بلباس الحرير وأساورة الذهب، فجوِّزوا لهم لباسَ ذلك في الدنيا وخالِفوا دينَه وأمره. وأيضًا فإن الله - عز وجل - يُنعِمهم في الجنة بالخمر، فجوِّزوا لهم شُربَها في الدنيا على طرد قولكم. وأيضًا فإنهم في الجنة يأكلون ويشربون في صِحاف الذهب والفضة، وقد قال ﷺ: "هي لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة". وطردُ قولكم أنها كما هي للمسلمين في الآخرة، تكون مباحةً لهم في الدنيا، وقد قال النبي ﷺ: "من شرب الخمرَ في الدنيا لم يشربها في الآخرة". و"من لبسَ الحريرَ في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وقال في صِحاف الذهب والفضة: "هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة".
فأخبر أنه من استعمل هذه الأمور في الدنيا من المطعوم والملبوس وغيرهما لم يستعملها في الآخرة، فإما أن يستعملها أهل الجنة وُيحْرَمها هو وإن دخلها، كما روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا حسن يعني ابن علي بن حسن البراد عن حميد الخراط عن محمد بن كعب قال: "من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة".
قال: قلت: فإنه تاب حتى أدخله الله الجنة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]
قال: يُنسِيهم الله ذكرَها.
أو أن ذلك وعيدٌ له بأنه لا يدخل الجنة، فإن هذه الأمور يستعملها أهل الجنة، فمن لم تحصل له في الآخرة لم يكن من أهل الجنة. وهما تأويلان للسلف في هذه الأحاديث.
فلو قيل: إن هذا السماع اللذيذ الموعود به في الجنة إنما هو لمن نزَّه سمْعَه في الدنيا عن سماع الغناء والملاهي، اعتبارًا بنظيره من اللباس وشرب الخمر واستعمال آنية الذهب والفضة، لكان هذا أشبهَ بالصواب، وأصحَّ من استدلالكم على إباحته في الدنيا باستعمال أهل الجنة له.
وقد جاء الأثر بما قلنا صريحًا، وهو ما روى أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا عبد الله بن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين كانوا يُنزِّهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟ أسكِنوهم في رياض المسك. ثم يقول للملائكة أسمِعوهم حمدي وثنائي، وأعلِموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وقد تقدم نقله عن مجاهد من كلام ابن بطة.
وأيضًا فإنه قد جاء في الحديث: أن الرجل من أهل الجنة يُزوَّج باثنتين وسبعين زوجة، ذكره أبو نعيم في كتاب صفة الجنة من حديث خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: "ما من عبدٍ يدخل الجنة إلا ويُزوَّج ثنتين وسبعين زوجةً، ثنتان من الحور
العين وسبعين من أهل ميراثه من أهل الدنيا، ليس منهن امرأة إلا لها قُبُلٌ شَهِيٌّ، وله ذَكَرٌ لا يَنثني".
وذكر من حديث الحجاج عن قتادة عن أنس يرفعه: "للمؤمن في الجنة ثلاثون زوجة"، فقلنا: يا رسول الله! أوَله قوةُ ذلك؟ قال: " إنه لَيُعطى قوةَ مائةٍ".
وفي حديث آخر: "إن الرجل منهم ليصل في اليوم إلى مائة عذراءَ".
وهذه الآثار لا تناقُضَ بينها، فإن تفاضلهم في العدد على حسب تفاضلهم في مقدار الثواب، فعلى قياس قول المحتجِّين على حِلّ السماع في الدنيا بأنه يكون لأهل الجنة، ينبغي أن يُحِلُّوا للرجل في الدنيا أن يتزوج بهذا العدد. اهـ
(فصل: في ذكر سماع الجنة وغناء الحور العين وما فيه من الطرب واللذة)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُون﴾
قال محمد بن جرير: حدثني محمد بن موسى الحرشي قال حدثنا عامر بن نساف قال سألت يحيى بن أبي كثير عن قوله عز وجل ﴿فهم في روضة يحبرون﴾
قال الحبرة اللذة والسماع حدثنا عبد الله بن محمد الفريابي حدثنا ضمرة بن ربيعة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير في قوله يحبرون قال السماع في الجنة ولا يخالف هذا قول ابن عباس يكرمون وقال مجاهد وقتادة ينعمون فلذة الأذن بالسماع من الحبرة والنعيم
وقال الترمذي حدثنا هناد وأحمد بن منيع قالا حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي قال قال رسول الله ﷺ:
"إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها يقلن نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له"
وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وانس وحديث علي حديث غريب.
قلت وفي الباب عن ابن أبي أوفى وأبي أمامة وعبد الله بن عمر أيضا فأما حديث أبي هريرة فقال جعفر الفريابي حدثنا سعد بن حفص حدثنا محمد بن مسلمة عن أبي عبد الرحمن عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: "إن في الجنة نهرا طول الجنة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأصوات حتى يسمعها الخلائق ما يرون في الجنة لذة مثلها فقلنا يا أبا هريرة وما ذاك الغناء قال إن شاء الله التسبيح والتحميد والتقديس وثناء على الرب عز وجل"
هكذا رواه موقوفا.
وروى أبو نعيم في صفة الجنة من حديث مسلمة ابن علي عن زيد بن واقد عن رجل عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة شجرة جذوعها من ذهب وفروعها من زبرجد ولؤلؤ فتهب لها ريح فيصطفقن فما سمع السامعون بصوت شيء قط ألذ منه".
وأما حديث أنس فقال أبو نعيم أنبأنا عبد الله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عون بن الحطاب عن عبد الله بن رافع عن أبي الأسن عن أنس قال قال رسول الله ﷺ:
"إن الحور العين يغنين في الجنة يقلن نحن الحور الحسان خلقن لأزواج كرام "
ورواه ابن أبي الدنيا حدثنا أبو خيثمة حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا ابن أبي ذئب عن أبي عبد الله بن رافع عن بعض ولد أنس فذكره
وأما حديث ابن أبي أوفى فقال أبو نعيم حدثنا محمد بن جعفر من أصله حدثنا موسى بن هارون حدثنا حامد بن يحيى البلخي حدثنا يونس بن محمد المؤدب حدثنا الوليد بن أبي ثور وحدثني سعد الطائي عن عبد الرحمن بن سابط عن ابن أبي أوفى قال قال رسول الله ﷺ:
"يزوج كل واحد من أهل الجنة أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم، ومائة حوراء فيجتمعن في كل سبعة أيام فيقلن بأصوات حسان لم تسمع الخلائق بمثلهن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط ونحن المقيمات فلا نظعن طوبى لمن كان لنا وكنا له ".
وأما حديث أبي أمامة فقال: جعفر الفريابي حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد عن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله قال:
"ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه اثنتان من الحور العين يغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجن وليس بمزامير الشيطان".
وأما حديث ابن عمر فقال الطبراني حدثنا أبو رفاعة عمارة بن وثيمة بن موسى بن الفرات المصري حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد ابن اسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ:
"إن أزواج أهل الجنة ليغنين لأزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها احد قط إن مما يغنين به نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعين وإن مما يغنين به نحن الخالدات فلا نمتنه نحن الآمنات فلا نخفنه نحن المقيمات فلا نظعنه"
قال الطبراني لم يروه عن زيد بن أسلم إلا محمد تفرد به بن أبي مريم
وقال ابن وهب حدثني سعيد ابن أبي أيوب قال وقال رجل من قريش لابن شهاب: هل في الجنة سماع فإنه حبب إلي السماع؟
فقال: إي والذي نفس ابن شهاب بيده إن في الجنة لشجرا حمله اللؤلؤ والزبرجد تحته جوار ناهدات يتغنين بألوان يقلن نحن الناعمات فلا نبأس ونحن الخالدات فلا نموت يتغنين بألوان فإذا سمع ذلك الشجر صفق بعضه بعضا فأجبن الحواري فلا ندري أصوات الحواري أحسن أم أصوات الشجر"
قال ابن وهب: وحدثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد: "أن الحور العين يغنين أزواجهن فيقلن نحن الخيرات الحسان أزواج شباب كرام ونحن الخالدات فلا نموت ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط ونحن المقيمات فلا نطعن في صدر إحداهن مكتوب أنت حبي وأنا حبك انتهت نفسي عندك لم تر عيناني مثلك"
وقال ابن المبارك حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير:
"إن الحور العين يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة فيقلن طالما انتظرناكم فنحن الراضيات فلا نسخط والمقيمات فلا نظعن والخالدات فلا نموت بأحسن أصوات وتقول أنت حبي وأنا حبك ليس دونك مقصر ولا وراءك معدل"
(فصل: ولهم سماع أعلى من هذا)
قال ابن أبي الدنيا حدثني دهثم بن الفضل القرشي حدثنا الأوزاعي قال: بلغني أنه ليس من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل فيأمره الله تبارك وتعالى فيأخذ في السماع فما يبقى ملك في السماوات إلا قطع عليه صلاته فيمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث فيقول الله عز وجل:
"وعزتي وجلالي لو يعلم العباد قدر عظمتي ما عبدوا غيري وحدثني داود بن عمر الضيبي حدثنا عبد الله ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس الله ومزامير الشيطان اسكنوهم رياض المسك ثم يقول للملائكة اسمعوهم تمجيدي وتحميدي"
وقال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن الحسن حدثني عبد الله بن أبي بكر حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار في قوله عز وجل ﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾ قال إذا كان يوم القيامة أمر بمنبر رفيع فوضع في الجنة ثم نودي يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في دار الدنيا قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنان فذلك قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾
وذكر حماد بن سلمة عن ثابت البناني وحجاج الأسود عن شهر بن حوشب قال إن الله جل ثناؤه يقول للملائكة:
"إن عبادي كانوا يحبون الصوت الحسن في الدنيا فيدعونه من اجلي فاسمعوا عبادي فيأخذوا بأصوات من تهليل وتسبيح وتكبير لم يسمعوا بمثله قط" وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني علي بن مسلم الطوسي حدثني سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار: في قوله عز وجل: ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾
قال يقيم الله سبحانه داود عند ساق العرش فيقول:
"يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم، فيقول إلهي كيف أمجدك وقد سلبتنيه في دار الدنيا.
قال فيقول الله عز وجل فإني أرده عليك، قال فيرده عليه فيزداد صوته.
قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنة"
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا مسلم بن إبراهيم الحراني حدثنا مسكين بن بكير عن الأوزاعي عن عبيدة بن أبي لبابة قال:
"إن في الجنة شجرة ثمرها زبرجد وياقوت ولؤلؤ فيبعث الله ريحا فتصفق فتسمع لها أصوات لم يسمع ألذ منها"
حدثنا أبو بكر بن يزيد وإبراهيم بن سعيد قالا حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا رفعة بن صالح عن سلمة بن زهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال:
"في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب في ظلها مائة عام فيتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم فيذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا"
حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا علي بن عاصم حدثني سعيد بن سعيد الحارثي قال
"حدثت أن في الجنة آجاما من قصب من ذهب حملها اللؤلؤ فإذا اشتهى أهل الجنة يسمعوا صوتا حسنا بعث الله على تلك الآجام ريحا فتأتيهم بكل صوت يشتهونه".
(فصل)
ولهم سماع أعلى من هذا يضمحل دونه كل سماع وذلك حين يسمعون كلام الرب جل جلاله وخطابه وسلامه عليهم ومحاضرته لهم ويقرأ عليهم كلامه فإذا سمعوه منه فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك وسيمر بك أيها السني من الأحاديث الصحاح والحسان في ذلك ما هو من أحب سماع لك في الدنيا وألذ لأذنك وأقر لعينك إذ ليس في الجنة لذة أعظم من النظر إلى وجه الرب تعالى وسماع كلامه منه ولا يعطى أهل الجنة شيئا أحب إليهم من ذلك.
وقد ذكر أبو الشيخ عن صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة قال:
"إن أهل الجنة يدخلون كل يوم مرتين على الجبار جل جلاله فيقرأ عليهم القرآن، وقد جلس كل امرئ منهم مجلسه الذي هو مجلسه على منابر الدر والياقوت والزبرجد والذهب والزمرد فلم تقر أعينهم بشيء ولم يسمعوا شيئا قط أعظم ولا أحسن منه ثم ينصرفون إلى رحالهم ناعمين قريرة أعينهم إلى مثلها من الغد".
الروم 30:16
(فصل: في عقد مجلس يتضمن مناظرةً بين صاحب غناءٍ وصاحب قرآن)
قال صاحب السماع: وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾
جاء في التفسير أنه السماع، ولو كان حرامًا لما كان من أفضل نعيم الجنة.
قال صاحب القرآن: لو أمسكتم عن استدلالكم لصحة ما ذهبتم إليه لكان أسترَ له وأروجَ عند من قلَّ نصيبُه من البصيرة والعلم، ولكن يأبى الله إلا أن يَكشِفه ويَهتِكَه على ألسنتكم.
ولا ريبَ أنه قال بعض السلف: إن الحبرة هاهنا هي السماع
الحسن في الجنة، وإن الحور العين يُغنِّين بأصواتٍ لم يَسمَعْ خلائقُ بأحسنَ منها، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نَبْأسَ، ونحن الراضيات فلا نَسْخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له.
وذكر أبو نعيم في "صفة الجنة" من حديث سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:
"إن أزواجَ أهل الجنة ليغنِّين أزواجَهن بأحسن أصواتٍ سمعها أحدٌ قطُّ، وإن مما يُغنِّينَ: نحن الخيراتُ الحسانُ، نحن أزواجُ قومٍ كرام، ينظرون بقرةِ أعيان. وإن مما يُغنين: نحن الخالداتُ فلا يَمُتْنَهْ، نحن الآمناتُ فلا يَخَفْنَهْ، نحن المقيماتُ فلا يَظْعَنَّهْ ".
تفرد به سعيد بن أبي مريم.
وروى من طريق الوليد بن أبي ثور حدثني سعد الطائي عن عبد الرحمن بن سابط عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر حديثًا فيه: "إنه يجتمع الحور العين في كل سبعة أيام، فيقلن بأصوات حسانٍ لم يَسمع الخلائقُ بمثلها: نحن الخالداتُ فلا نَبيدُ، ونحن الناعماتُ فلا نبأسُ، ونحن الراضياتُ فلا نَسخطُ، ونحن المقيماتُ فلا نَظعَنُ، طوبى لمن كان لنا وكنا له".
ورَوى من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عون بن الخطاب عن ابنٍ لأنسٍ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الحور العين يغنين في الجنة: نحن الحسان، خُلِقنا لأزواج كرام".
ومن طريق زيد بن واقد عن رجل عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة شجرةً جُذوعها من ذهبٍ وفروعها من زبرجد ولؤلؤ، فتهبُّ لها ريحٌ فتَصْطَفِقُ، فما سمع السامعون بصوت شيء ألذَّ منه".
ومن طريق خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال:
"ما من عبدٍ يدخل الجنةَ إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتانِ من الحور العين، تُغِّنيانه بأحسنِ صوتٍ سمعه الإنس والجن، وليس بمزامير الشيطان".
وروى الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي، قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة مجتمعا للحور العين يرفعن أصواتًا لم يسمع الخلائق مثلها"، قال: "يقلن: نحن الخالداتُ فلا نَبيد، ونحن الناعمات فلا نَبْأسُ، ونحن الراضياتُ فلا نسخَط، طوبى لمن كان لنا وكنا له".
وقال: حديث غريب.
وروى الطبراني من حديث سليمان بن أبي كريمة - وفيه كلام - عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله! نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: "بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين، كفضل الظِّهارة على البِطانة"، قلت: يا رسول الله! وبمَ ذلك؟ قال: "بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن لله، ألبسَ الله وجوهَهن النورَ، وأجسادَهن الحريرَ، بِيضُ الألوان، خُضْر الثياب، صُفْر الحلي، مَجامِرُهن الدُّرّ، وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالداتُ فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نَبْأس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، طوبى لمن كنا له وكان لنا. الحديث.
فيقال لكم: هل يلزم من كون الشيء يُنعِم الله به عبادَه في الآخرة أن يكون مباحًا لهم في الدنيا؟
فإن قلتم: لا يلزم ذلك، بطل استدلالكم.
وإن قلتم: يلزم، قيل لكم: فالله سبحانه يُنعِمهم في الآخرة بلباس الحرير وأساورة الذهب، فجوِّزوا لهم لباسَ ذلك في الدنيا وخالِفوا دينَه وأمره. وأيضًا فإن الله - عز وجل - يُنعِمهم في الجنة بالخمر، فجوِّزوا لهم شُربَها في الدنيا على طرد قولكم. وأيضًا فإنهم في الجنة يأكلون ويشربون في صِحاف الذهب والفضة، وقد قال ﷺ: "هي لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة". وطردُ قولكم أنها كما هي للمسلمين في الآخرة، تكون مباحةً لهم في الدنيا، وقد قال النبي ﷺ: "من شرب الخمرَ في الدنيا لم يشربها في الآخرة". و"من لبسَ الحريرَ في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وقال في صِحاف الذهب والفضة: "هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة".
فأخبر أنه من استعمل هذه الأمور في الدنيا من المطعوم والملبوس وغيرهما لم يستعملها في الآخرة، فإما أن يستعملها أهل الجنة وُيحْرَمها هو وإن دخلها، كما روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا حسن يعني ابن علي بن حسن البراد عن حميد الخراط عن محمد بن كعب قال: "من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة".
قال: قلت: فإنه تاب حتى أدخله الله الجنة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]
قال: يُنسِيهم الله ذكرَها.
أو أن ذلك وعيدٌ له بأنه لا يدخل الجنة، فإن هذه الأمور يستعملها أهل الجنة، فمن لم تحصل له في الآخرة لم يكن من أهل الجنة. وهما تأويلان للسلف في هذه الأحاديث.
فلو قيل: إن هذا السماع اللذيذ الموعود به في الجنة إنما هو لمن نزَّه سمْعَه في الدنيا عن سماع الغناء والملاهي، اعتبارًا بنظيره من اللباس وشرب الخمر واستعمال آنية الذهب والفضة، لكان هذا أشبهَ بالصواب، وأصحَّ من استدلالكم على إباحته في الدنيا باستعمال أهل الجنة له.
وقد جاء الأثر بما قلنا صريحًا، وهو ما روى أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا عبد الله بن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين كانوا يُنزِّهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟ أسكِنوهم في رياض المسك. ثم يقول للملائكة أسمِعوهم حمدي وثنائي، وأعلِموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وقد تقدم نقله عن مجاهد من كلام ابن بطة.
وأيضًا فإنه قد جاء في الحديث: أن الرجل من أهل الجنة يُزوَّج باثنتين وسبعين زوجة، ذكره أبو نعيم في كتاب صفة الجنة من حديث خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: "ما من عبدٍ يدخل الجنة إلا ويُزوَّج ثنتين وسبعين زوجةً، ثنتان من الحور
العين وسبعين من أهل ميراثه من أهل الدنيا، ليس منهن امرأة إلا لها قُبُلٌ شَهِيٌّ، وله ذَكَرٌ لا يَنثني".
وذكر من حديث الحجاج عن قتادة عن أنس يرفعه: "للمؤمن في الجنة ثلاثون زوجة"، فقلنا: يا رسول الله! أوَله قوةُ ذلك؟ قال: " إنه لَيُعطى قوةَ مائةٍ".
وفي حديث آخر: "إن الرجل منهم ليصل في اليوم إلى مائة عذراءَ".
وهذه الآثار لا تناقُضَ بينها، فإن تفاضلهم في العدد على حسب تفاضلهم في مقدار الثواب، فعلى قياس قول المحتجِّين على حِلّ السماع في الدنيا بأنه يكون لأهل الجنة، ينبغي أن يُحِلُّوا للرجل في الدنيا أن يتزوج بهذا العدد. اهـ
(فصل: في ذكر سماع الجنة وغناء الحور العين وما فيه من الطرب واللذة)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُون﴾
قال محمد بن جرير: حدثني محمد بن موسى الحرشي قال حدثنا عامر بن نساف قال سألت يحيى بن أبي كثير عن قوله عز وجل ﴿فهم في روضة يحبرون﴾
قال الحبرة اللذة والسماع حدثنا عبد الله بن محمد الفريابي حدثنا ضمرة بن ربيعة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير في قوله يحبرون قال السماع في الجنة ولا يخالف هذا قول ابن عباس يكرمون وقال مجاهد وقتادة ينعمون فلذة الأذن بالسماع من الحبرة والنعيم
وقال الترمذي حدثنا هناد وأحمد بن منيع قالا حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي قال قال رسول الله ﷺ:
"إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها يقلن نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له"
وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وانس وحديث علي حديث غريب.
قلت وفي الباب عن ابن أبي أوفى وأبي أمامة وعبد الله بن عمر أيضا فأما حديث أبي هريرة فقال جعفر الفريابي حدثنا سعد بن حفص حدثنا محمد بن مسلمة عن أبي عبد الرحمن عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: "إن في الجنة نهرا طول الجنة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأصوات حتى يسمعها الخلائق ما يرون في الجنة لذة مثلها فقلنا يا أبا هريرة وما ذاك الغناء قال إن شاء الله التسبيح والتحميد والتقديس وثناء على الرب عز وجل"
هكذا رواه موقوفا.
وروى أبو نعيم في صفة الجنة من حديث مسلمة ابن علي عن زيد بن واقد عن رجل عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة شجرة جذوعها من ذهب وفروعها من زبرجد ولؤلؤ فتهب لها ريح فيصطفقن فما سمع السامعون بصوت شيء قط ألذ منه".
وأما حديث أنس فقال أبو نعيم أنبأنا عبد الله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عون بن الحطاب عن عبد الله بن رافع عن أبي الأسن عن أنس قال قال رسول الله ﷺ:
"إن الحور العين يغنين في الجنة يقلن نحن الحور الحسان خلقن لأزواج كرام "
ورواه ابن أبي الدنيا حدثنا أبو خيثمة حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا ابن أبي ذئب عن أبي عبد الله بن رافع عن بعض ولد أنس فذكره
وأما حديث ابن أبي أوفى فقال أبو نعيم حدثنا محمد بن جعفر من أصله حدثنا موسى بن هارون حدثنا حامد بن يحيى البلخي حدثنا يونس بن محمد المؤدب حدثنا الوليد بن أبي ثور وحدثني سعد الطائي عن عبد الرحمن بن سابط عن ابن أبي أوفى قال قال رسول الله ﷺ:
"يزوج كل واحد من أهل الجنة أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم، ومائة حوراء فيجتمعن في كل سبعة أيام فيقلن بأصوات حسان لم تسمع الخلائق بمثلهن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط ونحن المقيمات فلا نظعن طوبى لمن كان لنا وكنا له ".
وأما حديث أبي أمامة فقال: جعفر الفريابي حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد عن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله قال:
"ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه اثنتان من الحور العين يغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجن وليس بمزامير الشيطان".
وأما حديث ابن عمر فقال الطبراني حدثنا أبو رفاعة عمارة بن وثيمة بن موسى بن الفرات المصري حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد ابن اسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ:
"إن أزواج أهل الجنة ليغنين لأزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها احد قط إن مما يغنين به نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعين وإن مما يغنين به نحن الخالدات فلا نمتنه نحن الآمنات فلا نخفنه نحن المقيمات فلا نظعنه"
قال الطبراني لم يروه عن زيد بن أسلم إلا محمد تفرد به بن أبي مريم
وقال ابن وهب حدثني سعيد ابن أبي أيوب قال وقال رجل من قريش لابن شهاب: هل في الجنة سماع فإنه حبب إلي السماع؟
فقال: إي والذي نفس ابن شهاب بيده إن في الجنة لشجرا حمله اللؤلؤ والزبرجد تحته جوار ناهدات يتغنين بألوان يقلن نحن الناعمات فلا نبأس ونحن الخالدات فلا نموت يتغنين بألوان فإذا سمع ذلك الشجر صفق بعضه بعضا فأجبن الحواري فلا ندري أصوات الحواري أحسن أم أصوات الشجر"
قال ابن وهب: وحدثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد: "أن الحور العين يغنين أزواجهن فيقلن نحن الخيرات الحسان أزواج شباب كرام ونحن الخالدات فلا نموت ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط ونحن المقيمات فلا نطعن في صدر إحداهن مكتوب أنت حبي وأنا حبك انتهت نفسي عندك لم تر عيناني مثلك"
وقال ابن المبارك حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير:
"إن الحور العين يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة فيقلن طالما انتظرناكم فنحن الراضيات فلا نسخط والمقيمات فلا نظعن والخالدات فلا نموت بأحسن أصوات وتقول أنت حبي وأنا حبك ليس دونك مقصر ولا وراءك معدل"
(فصل: ولهم سماع أعلى من هذا)
قال ابن أبي الدنيا حدثني دهثم بن الفضل القرشي حدثنا الأوزاعي قال: بلغني أنه ليس من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل فيأمره الله تبارك وتعالى فيأخذ في السماع فما يبقى ملك في السماوات إلا قطع عليه صلاته فيمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث فيقول الله عز وجل:
"وعزتي وجلالي لو يعلم العباد قدر عظمتي ما عبدوا غيري وحدثني داود بن عمر الضيبي حدثنا عبد الله ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس الله ومزامير الشيطان اسكنوهم رياض المسك ثم يقول للملائكة اسمعوهم تمجيدي وتحميدي"
وقال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن الحسن حدثني عبد الله بن أبي بكر حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار في قوله عز وجل ﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾ قال إذا كان يوم القيامة أمر بمنبر رفيع فوضع في الجنة ثم نودي يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في دار الدنيا قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنان فذلك قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾
وذكر حماد بن سلمة عن ثابت البناني وحجاج الأسود عن شهر بن حوشب قال إن الله جل ثناؤه يقول للملائكة:
"إن عبادي كانوا يحبون الصوت الحسن في الدنيا فيدعونه من اجلي فاسمعوا عبادي فيأخذوا بأصوات من تهليل وتسبيح وتكبير لم يسمعوا بمثله قط" وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني علي بن مسلم الطوسي حدثني سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار: في قوله عز وجل: ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾
قال يقيم الله سبحانه داود عند ساق العرش فيقول:
"يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم، فيقول إلهي كيف أمجدك وقد سلبتنيه في دار الدنيا.
قال فيقول الله عز وجل فإني أرده عليك، قال فيرده عليه فيزداد صوته.
قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنة"
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا مسلم بن إبراهيم الحراني حدثنا مسكين بن بكير عن الأوزاعي عن عبيدة بن أبي لبابة قال:
"إن في الجنة شجرة ثمرها زبرجد وياقوت ولؤلؤ فيبعث الله ريحا فتصفق فتسمع لها أصوات لم يسمع ألذ منها"
حدثنا أبو بكر بن يزيد وإبراهيم بن سعيد قالا حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا رفعة بن صالح عن سلمة بن زهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال:
"في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب في ظلها مائة عام فيتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم فيذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا"
حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا علي بن عاصم حدثني سعيد بن سعيد الحارثي قال
"حدثت أن في الجنة آجاما من قصب من ذهب حملها اللؤلؤ فإذا اشتهى أهل الجنة يسمعوا صوتا حسنا بعث الله على تلك الآجام ريحا فتأتيهم بكل صوت يشتهونه".
(فصل)
ولهم سماع أعلى من هذا يضمحل دونه كل سماع وذلك حين يسمعون كلام الرب جل جلاله وخطابه وسلامه عليهم ومحاضرته لهم ويقرأ عليهم كلامه فإذا سمعوه منه فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك وسيمر بك أيها السني من الأحاديث الصحاح والحسان في ذلك ما هو من أحب سماع لك في الدنيا وألذ لأذنك وأقر لعينك إذ ليس في الجنة لذة أعظم من النظر إلى وجه الرب تعالى وسماع كلامه منه ولا يعطى أهل الجنة شيئا أحب إليهم من ذلك.
وقد ذكر أبو الشيخ عن صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة قال:
"إن أهل الجنة يدخلون كل يوم مرتين على الجبار جل جلاله فيقرأ عليهم القرآن، وقد جلس كل امرئ منهم مجلسه الذي هو مجلسه على منابر الدر والياقوت والزبرجد والذهب والزمرد فلم تقر أعينهم بشيء ولم يسمعوا شيئا قط أعظم ولا أحسن منه ثم ينصرفون إلى رحالهم ناعمين قريرة أعينهم إلى مثلها من الغد".
الروم 30:21
[فَصْلٌ: مَحَبَّةُ الزَّوْجاتِ]
وَأمّا مَحَبَّةُ الزَّوْجاتِ: فَلا لَوْمَ عَلى المُحِبِّ فِيها بَلْ هي مِن كَمالِهِ، وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِها عَلى عِبادِهِ فَقالَ:
﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
فَجَعَلَ المَرْأةَ سَكَنًا لِلرَّجُلِ، يَسْكُنُ قَلْبُهُ إلَيْها، وجَعَلَ بَيْنَهُما خالِصَ الحُبِّ، وهو المَوَدَّةُ المُقْتَرِنَةُ بِالرَّحْمَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى عُقَيْبَ ذِكْرِهِ ما أُحِلَّ لَنا مِنَ النِّساءِ وما حُرِّمَ مِنهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦-٢٨].
ذَكَرَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: كانَ إذا نَظَرَ إلى النِّساءِ لَمْ يَصْبِرْ.
وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَأى امْرَأةً، فَأتى زَيْنَبَ فَقَضى حاجَتَهُ مِنها، وقالَ: إنَّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، وتُدْبِرُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، فَإذا رَأى أحَدُكُمُ امْرَأةً فَأعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أهْلَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ ما في نَفْسِهِ»
فَفِي هَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ فَوائِدَ:
مِنها: الإرْشادُ إلى التَّسَلِّي عَنِ المَطْلُوبِ بِجِنْسِهِ، كَما يَقُومُ الطَّعامُ مَكانَ الطَّعامِ، والثَّوْبُ مَقامَ الثَّوْبِ.
وَمِنها: الأمْرُ بِمُداواةِ الإعْجابِ بِالمَرْأةِ المُوَرِّثِ لِشَهْوَتِها بِأنْفَعِ الأدْوِيَةِ، وهو قَضاءُ وطَرِهِ مِن أهْلِهِ، وذَلِكَ يَنْقُضُ شَهْوَتَهُ لَها، وهَذا كَما أرْشَدَ المُتَحابِّينَ إلى النِّكاحِ، كَما في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مَرْفُوعًا: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحابِّينَ مِثْلُ النِّكاحِ».
فَنِكاحُ المَعْشُوقَةِ هو دَواءُ العِشْقِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَواءً شَرْعًا، وقَدْ تَداوى بِهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَرْتَكِبْ نَبِيُّ اللَّهِ مُحَرَّمًا، وإنَّما تَزَوَّجَ المَرْأةَ وضَمَّها إلى نِسائِهِ لِمَحَبَّتِهِ لَها، وكانَتْ تَوْبَتُهُ بِحَسَبِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، ولا يَلِيقُ بِنا المَزِيدُ عَلى هَذا.
وَأمّا قِصَّةُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: فَزَيْدٌ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى طَلاقِها ولَمْ تُوافِقْهُ، وكانَ يَسْتَشِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في فِراقِها، وهو يَأْمُرُهُ بِإمْساكِها، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مُفارِقُها لا بُدَّ، فَأخْفى في نَفْسِهِ أنَّهُ يَتَزَوَّجُها إذا فارَقَها زَيْدٌ، وخَشِيَ مَقالَةَ النّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، والرَّبُّ تَعالى يُرِيدُ أنْ يُشَرِّعَ شَرْعًا عامًّا فِيهِ مَصالِحُ عِبادِهِ، فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُ، أرْسَلَهُ إلَيْها يَخْطُبُها لِنَفْسِهِ، فَجاءَ زَيْدٌ واسْتَدْبَرَ البابَ بِظَهْرِهِ، وعَظُمَتْ في صَدْرِهِ لَمّا ذَكَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَناداها مِن وراءِ البابِ: يا زَيْنَبُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُكِ، فَقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، وقامَتْ إلى مِحْرابِها فَصَلَّتْ، فَتَوَلّى اللَّهُ عِزَّ وجَلَّ نِكاحَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وعَقَدَ النِّكاحَ لَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وجاءَ الوَحْيُ بِذَلِكَ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧].
فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَقْتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْها، فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وتَقُولُ: أنْتُنَّ زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، فَهَذِهِ قِصَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَيْنَبَ.
وَلا رَيْبَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ قَدْ حُبِّبَ إلَيْهِ النِّساءُ، كَما في الصَّحِيحِ عَنْ أنَسٍ عَنْهُ ﷺ:
«حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ»
هَذا لَفْظُ الحَدِيثِ، لا ما يَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ،»
زادَ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ في هَذا الحَدِيثِ:
«أصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ولا أصْبِرُ عَنْهُنَّ»
وَقَدْ حَسَدَهُ أعْداءُ اللَّهِ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ فَقالُوا: ما هَمَّهُ إلّا النِّكاحُ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ ونافَحَ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤].
وَهَذا خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ كانَ عِنْدَهُ سارَّةُ أجْمَلُ نِساءِ العالَمِينَ، وأحَبَّ هاجَرَ وتَسَرّى بِها.
وَهَذا داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عِنْدَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، فَأحَبَّ تِلْكَ المَرْأةَ وتَزَوَّجَها فَكَمَّلَ المِائَةَ، وهَذا سُلَيْمانُ ابْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَطُوفُ في اللَّيْلَةِ عَلى تِسْعِينَ امْرَأةً.
«وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ، فَقالَ: عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وقالَ عَنْ خَدِيجَةَ: إنِّي رُزِقْتُ حُبَّها».
فَمَحَبَّةُ النِّساءِ مِن كَمالِ الإنْسانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أكْثَرُها نِساءً، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وقَعَ في سَهْمِهِ يَوْمَ جَلُولاءَ جارِيَةٌ كَأنَّ عُنُقَها إبْرِيقٌ مِن فِضَّةٍ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَما صَبَرْتُ عَنْها أنْ قَبَّلْتُها والنّاسُ يَنْظُرُونَ، وبِهَذا احْتَجَّ الإمامُ أحْمَدُ عَلى جَوازِ الِاسْتِمْتاعِ مِنَ المَسْبِيَّةِ قَبْلَ الِاسْتِبْراءِ بِغَيْرِ الوَطْءِ، بِخِلافِ الأمَةِ المُشْتَراةِ.
والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ انْفِساخَ المِلْكِ لا يُتَوَهَّمُ في المَسْبِيَّةِ بِخِلافِ المُشْتَراةِ، فَقَدْ يَنْفَسِخُ فِيها المِلْكُ، فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِأمَةِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ شَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ لِعاشِقٍ أنْ تُواصِلَهُ مَعْشُوقَتُهُ بِأنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ فَأبَتْ، وذَلِكَ في قِصَّةِ مُغِيثٍ وبَرِيرَةَ «لَمّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي خَلْفَها ودُمُوعُهُ تَجْرِي عَلى خَدَّيْهِ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ راجَعْتِيهِ؟
فَقالَتْ: أتَأْمُرُنِي يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لا، إنَّما أشْفَعُ، فَقالَتْ: لا حاجَةَ لِي بِهِ، فَقالَ لِعَمِّهِ: يا عَبّاسُ ألا تَعْجَبُ مِن حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيَرَةَ، ومِن بُغْضِها لَهُ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ حُبَّها، وإنْ كانَتْ قَدْ بانَتْ مِنهُ».
وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُساوِي بَيْنَ نِسائِهِ في القَسْمِ ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما لا أمْلِكُ» يَعْنِي في الحُبِّ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، يَعْنِي في الحُبِّ والجِماعِ.
وَلَمْ يَزَلِ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ والرُّحَماءُ مِنَ النّاسِ يَشْفَعُونَ لِلْعُشّاقِ إلى مَعْشُوقِهِمُ الجائِزِ وصْلُهُنَّ، كَما تَقَدَّمَ مِن فِعْلِ أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، وكَذَلِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِيَ بِغُلامٍ مِنَ العَرَبِ وُجِدَ في دارِ قَوْمٍ بِاللَّيْلِ، فَقالَ لَهُ: ما قِصَّتُكَ؟ قالَ: لَسْتُ بِسارِقٍ، ولَكِنِّي أصْدُقُكَ:
؎تَعَلَّقْتُ في دارِ الرِّياحِيِّ خُودَةً ∗∗∗ يَذِلُّ لَها مِن حُسْنِ مَنظَرِها البَدْرُ
؎لَها في بَناتِ الرُّومِ حُسْنٌ ومَنظَرُ ∗∗∗ إذا افْتَخَرَتْ بِالحُسْنِ خافَتْها الفَخْرُ
؎فَلَمّا طَرَقْتُ الدّارَ مِن حَرِّ مُهْجَتِي ∗∗∗ أبَيْتُ وفِيها مِن تَوَقُّدِها الجَمْرُ
؎تَبادَرَ أهْلُ الدّارِ بِي ثُمَّ صَيَّحُوا ∗∗∗ هو اللِّصُّ مَحْتُومًا لَهُ القَتْلُ والأسْرُ
فَلَمّا سَمِعَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شِعْرَهُ، رَقَّ لَهُ، وقالَ لِلْمُهَلَّبِ بْنِ رَباحٍ: اسْمَحْ لَهُ بِها، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، سَلْهُ مَن هُوَ؟ فَقالَ: النَّهّاسُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَقالَ: خُذْها فَهي لَكَ.
واشْتَرى مُعاوِيَةُ جارِيَةً فَأُعْجِبَ بِها إعْجابًا شَدِيدًا، فَسَمِعَها يَوْمًا تُنْشِدُ أبْياتًا مِنها:
؎وَفارَقْتُهُ كالغُصْنِ يَهْتَزُّ في الثَّرى ∗∗∗ طَرِيرًا وسِيمًا بَعْدَ ما طَرَّ شارِبُهُ
فَسَألَها، فَأخْبَرَتْهُ أنَّها تُحِبُّ سَيِّدَها، فَرَدَّها إلَيْهِ وفي قَلْبِهِ مِنها.
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في رَبِيعَةَ أنَّ زُبَيْدَةَ قَرَأتْ في طَرِيقِ مَكَّةَ عَلى حائِطٍ:
؎أما في عِبادِ اللَّهِ أوْ في إمائِهِ ∗∗∗ كَرِيمٌ يُجْلِي الهَمَّ عَنْ ذاهِبِ العَقْلِ
؎لَهُ مُقْلَةٌ أمّا الأماقِي قَرِيحَةٌ ∗∗∗ وأمّا الحَشا فالنّارُ مِنهُ عَلى رِجْلِ
فَنَذَرَتْ أنْ تَحْتالَ لِقائِلِها إنْ عَرَفَتْهُ حَتّى تَجْمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُحِبُّهُ، فَبَيْنا هي بِالمُزْدَلِفَةِ، إذْ سَمِعَتْ مَن يُنْشِدُهُما، فَطَلَبَتْهُ، فَزَعَمَ أنَّهُ قالَهُما في ابْنَةِ عَمٍّ لَهُ نَذَرَ أهْلُها أنْ لا يُزَوِّجُوها مِنهُ، فَوَجَّهَتْ إلى الحَيِّ، وما زالَتْ تَبْذُلُ لَهُمُ المالَ حَتّى زَوَّجُوها مِنهُ، وإذا المَرْأةُ أعْشَقُ لَهُ مِنهُ لَها، فَكانَتْ تَعُدُّهُ مِن أعْظَمِ حَسَناتِها، وتَقُولُ: ما أنا بِشَيْءٍ أسَرَّ مِنِّي مِن جَمْعِي بَيْنَ ذَلِكَ الفَتى والفَتاةِ.
وَقالَ الخَرائِطِيُّ: وكانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ غُلامٌ وجارِيَةٌ يَتَحابّانِ، فَكَتَبَ الغُلامُ إلَيْها يَوْمًا:
؎وَلَقَدْ رَأيْتُكِ في المَنامِ كَأنَّما ∗∗∗ عاطَيْتِنِي مِن رِيقِ فِيكِ البارِدِ
؎وَكَأنَّ كَفَّكِ في يَدِي وكَأنَّنا ∗∗∗ بِتْنا جَمِيعًا في فِراشٍ واحِدِ
؎فَطَفِقْتُ يَوْمِي كُلَّهُ مُتَراقِدًا ∗∗∗ لِأراكِ في نَوْمِي ولَسْتُ بِراقِدِ
فَأجابَتْهُ الجارِيَةُ:
؎خَيْرًا رَأيْتَ وكُلُّ ما أبْصَرْتَهُ ∗∗∗ سَتَنالُهُ مِنِّي بِرَغْمِ الحاسِدِ
؎إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونَ مُعانِقِي ∗∗∗ فَتَبِيتُ مِنِّي فَوْقَ ثَدْيٍ ناهِدِ
؎وَأراكَ بَيْنَ خَلاخِلِي ودَمالِجِي ∗∗∗ وأراكَ فَوْقَ تَرائِبِي ومَجاسِدِي
فَبَلَغَ سُلَيْمانَ ذَلِكَ فَأنْكَحَها الغُلامَ وأحْسَنَ حالَهُما عَلى فَرْطِ غَيْرَتِهِ.
وَقالَ جامِعُ بْنُ بِرْخِيَّةَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ مُفْتِي المَدِينَةِ: هَلْ في حُبٍّ دَهَمَنا مِن وِزْرٍ؟
فَقالَ سَعِيدٌ: إنَّما تُلامُ عَلى ما تَسْتَطِيعُ مِنَ الأمْرِ، فَقالَ سَعِيدٌ: واللَّهِ ما سَألَنِي أحَدٌ عَنْ هَذا، ولَوْ سَألَنِي ما كُنْتُ أُجِيبُ إلّا بِهِ.
(فصل)
فَعِشْقُ النِّساءِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: قِسْمٌ هو قُرْبَةٌ وطاعَةٌ، وهو عِشْقُ امْرَأتِهِ وجارِيَتِهِ، وهَذا العِشْقُ نافِعٌ؛ فَإنَّهُ أدْعى إلى المَقاصِدِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ لَها النِّكاحَ، وأكَفُّ لِلْبَصَرِ والقَلْبِ عَنِ التَّطَلُّعِ إلى غَيْرِ أهْلِهِ، ولِهَذا يُحْمَدُ هَذا العاشِقُ عِنْدَ اللَّهِ، وعِنْدَ النّاسِ.
وَعِشْقٌ: هو مَقْتٌ عِنْدَ اللَّهِ وبُعْدٌ مِن رَحْمَتِهِ، وهو أضَرُّ شَيْءٍ عَلى العَبْدِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وهو عِشْقُ المُرْدانِ، فَما ابْتُلِيَ بِهِ إلّا مَن سَقَطَ مِن عَيْنِ اللَّهِ، وطُرِدَ عَنْ بابِهِ، وأُبْعِدَ قَلْبُهُ عَنْهُ، وهو مِن أعْظَمِ الحُجُبِ القاطِعَةِ عَنِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا سَقَطَ العَبْدُ مِن عَيْنِ اللَّهِ، ابْتَلاهُ بِمَحَبَّةِ المُرْدانِ، وهَذِهِ المَحَبَّةُ هي الَّتِي جَلَبَتْ عَلى قَوْمِ لُوطٍ ما جَلَبَتْ، فَما أُتُوا إلّا مِن هَذا العِشْقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢].
وَدَواءُ هَذا الدّاءِ: الِاسْتِعانَةُ بِمُقَلِّبِ القُلُوبِ، وصِدْقُ اللَّجَأِ إلَيْهِ، والِاشْتِغالُ بِذِكْرِهِ، والتَّعْوِيضُ بِحُبِّهِ وقُرْبِهِ، والتَّفَكُّرُ في الألَمِ الَّذِي يُعْقِبُهُ هَذا العِشْقُ، واللَّذَّةُ الَّتِي تَفُوتُهُ بِهِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَواتُ أعْظَمِ مَحْبُوبٍ، وحُصُولُ أعْظَمِ مَكْرُوهٍ، فَإذا أقْدَمَتْ نَفْسُهُ عَلى هَذا وآثَرَتْهُ، فَلْيُكَبِّرْ عَلى نَفْسِهِ تَكْبِيرَ الجِنازَةِ، ولْيَعْلَمْ أنَّ البَلاءَ قَدْ أحاطَ بِهِ.
والقِسْمُ الثّالِثُ: العِشْقُ المُباحُ، وهو الواقِعُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، كَعِشْقِ مَن وُصِفَتْ لَهُ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ، أوْ رَآها فَجْأةً مِن غَيْرِ قَصْدٍ، فَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِها، ولَمْ يُحْدِثْ لَهُ ذَلِكَ العِشْقُ مَعْصِيَةً، فَهَذا لا يُمْلَكُ ولا يُعاقَبُ، والأنْفَعُ لَهُ مُدافَعَتُهُ، والِاشْتِغالُ بِما هو أنْفَعُ لَهُ مِنهُ، ويَجِبُ الكَتْمُ والعِفَّةُ والصَّبْرُ فِيهِ عَلى البَلْوى، فَيُثَبِّتُهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، ويُعَوِّضُهُ عَلى صَبْرِهِ لِلَّهِ وعِفَّتِهِ، وتَرْكِهِ طاعَةَ هَواهُ، وإيثارِ مَرْضاةِ اللَّهِ وما عِنْدَهُ.
[فَصْلٌ: أقْسامُ النّاسِ في العِشْقِ]
والنّاسُ في العِشْقِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ:
مِنهُمْ: مَن يَعْشَقُ الجَمالَ المُطْلَقَ، وقَلْبُهُ يَهِيمُ في كُلِّ وادٍ، لَهُ في كُلِّ صُورَةٍ جَمِيلَةٍ مُرادٌ.
وَمِنهُمْ: مَن يَعْشَقُ الجَمالَ المُقَيَّدَ، سَواءٌ طَمِعَ في وِصالِهِ أوْ لا.
وَمِنهُمْ: مَن لا يَعْشَقُ إلّا مَن يَطْمَعُ في وِصالِهِ.
وَبَيْنَ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ تَفاوُتٌ في القُوَّةِ والضَّعْفِ.
فَعاشِقُ الجَمالِ المُطْلَقِ، يَهِيمُ قَلْبُهُ في كُلِّ وادٍ، ولَهُ في كُلِّ صُورَةٍ جَمِيلَةٍ مُرادٌ:
فَيَوْمًا بِحَزْوَرى، ويَوْمًا بِالعَقِيقِ وبالعَذِيبِ يَوْمًا ويَوْمًا بِالخُلَيْصاءِ
؎وَتارَةً يَنْتَحِي نَجْدًا وآوِنَةً ∗∗∗ شِعْبَ العَقِيقِ وطَوْرًا قَصْرَ تَيْماءَ
فَهَذا عِشْقُهُ أوْسَعُ، ولَكِنَّهُ غَيْرُ ثابِتٍ كَثِيرُ التَّنَقُّلِ:
؎يَهِيمُ بِهَذا ثُمَّ يَعْشَقُ غَيْرَهُ ∗∗∗ ويَسْلاهم مِن وقْتِهِ حِينَ يُصْبِحُ
وَعاشِقُ الجَمالِ المُقَيَّدِ أثْبَتُ عَلى مَعْشُوقِهِ، وأدْوَمُ مَحَبَّةً لَهُ، ومَحَبَّتُهُ أقْوى مِن مَحَبَّةِ الأوَّلِ، لِاجْتِماعِهِما في واحِدٍ، ولَكِنْ يُضْعِفُهُما عَدَمُ الطَّمَعِ في الوِصالِ، وعاشِقُ الجَمالِ الَّذِي يُطْمَعُ في وِصالِهِ أعْقَلُ العُشّاقِ وأعْرَفُهُمْ، وحُبُّهُ أقْوى لِأنَّ الطَّمَعَ يَمُدُّهُ ويُقَوِّيهِ.
الروم 30:28
يَحْتَجُّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِما في عُقُولِهِمْ مِن قُبْحِ كَوْنِ مَمْلُوكِ أحَدِهِمْ شَرِيكًا لَهُ، فَإذا كانَ أحَدُكم يَسْتَقْبِحُ أنْ يَكُونَ مَمْلُوكُهُ شَرِيكَهُ، ولا يَرْضى بِذَلِكَ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ لِي مِن عَبِيدِي شُرَكاءَ تَعْبُدُونَهم كَعِبادَتِي؟
وَهَذا يُبَيِّنُ أنَّ قُبْحَ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِرٌّ في العُقُولِ والفِطَرِ، والسَّمْعُ نَبَّهَ العُقُولَ وأرْشَدَها إلى مَعْرِفَةِ ما أُودِعَ فِيها مِن قُبْحِ ذَلِكَ.
(فصل)
اعْلَمْ أنَّ العابِدَ مُعَظِّمٌ لِمَعْبُودِهِ، مُتَألِّهٌ خاضِعٌ ذَلِيلٌ لَهُ، والرَّبُّ تَعالى وحْدَهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ كَمالَ التَّعْظِيمِ والجَلالِ والتَّألُّهِ والخُضُوعِ والذُّلِّ، وهَذا خالِصُ حَقِّهِ، فَمِن أقْبَحِ الظُّلْمِ أنْ يُعْطِيَ حَقَّهُ لِغَيْرِهِ، أوْ يُشْرِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فِيهِ، ولا سِيَّما إذا كانَ الَّذِي جُعِلَ شَرِيكَهُ في حَقِّهِ هو عَبْدُهُ ومَمْلُوكُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨].
أيْ: إذا كانَ أحَدُكم يَأْنَفُ أنْ يَكُونَ مَمْلُوكُهُ شَرِيكَهُ في رِزْقِهِ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ لِي مِن عَبِيدِي شُرَكاءَ فِيما أنا بِهِ مُنْفَرِدٌ؟ وهو الإلَهِيَّةُ الَّتِي لا تَنْبَغِي لِغَيْرِي، ولا تَصِحُّ لِسِوايَ.
فَمَن زَعَمَ ذَلِكَ فَما قَدَرَنِي حَقَّ قَدْرِي، ولا عَظَّمَنِي حَقَّ تَعْظِيمِي، ولا أفْرَدَنِي بِما أنا مُفْرَدٌ بِهِ وحْدِي دُونَ خَلْقِي، فَما قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ مَن عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ.
(فصل)
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾
وَهَذا دَلِيلُ قِياسٍ احْتَجَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ مِن عَبِيدِهِ ومِلْكِهِ شُرَكاءَ، فَأقامَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً يَعْرِفُونَ صِحَّتَها مِن نُفُوسِهِمْ، لا يَحْتاجُونَ فِيها إلى غَيْرِهِمْ، ومِن أبْلَغِ الحِجاجِ أنْ يَأْخُذَ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، ويَحْتَجَّ عَلَيْهِ بِما هو في نَفْسِهِ، مُقَرَّرٌ عِنْدَها، مَعْلُومٌ لَها، فَقالَ: هَلْ لَكم مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن عَبِيدِكم وإمائِكم شُرَكاءَ في المالِ والأهْلِ؟ أيْ هَلْ يُشارِكُكم عَبِيدُكم في أمْوالِكم وأهْلِيكم فَأنْتُمْ وهم في ذَلِكَ سَواءٌ تَخافُونَ أنْ يُقاسِمُوكم أمْوالَكم ويُشاطِرُوكم إيّاها، ويَسْتَأْثِرُونَ بِبَعْضِها عَلَيْكُمْ، كَما يَخافُ الشَّرِيكُ شَرِيكَهُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَخافُونَهم أنْ يَرِثُوكم كَما يَرِثُ بَعْضُكم بَعْضًا، والمَعْنى هَلْ يَرْضى أحَدٌ مِنكم أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ في مالِهِ وأهْلِهِ حَتّى يُساوِيَهُ في التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ فَهو يَخافُ أنْ يَنْفَرِدَ في مالِهِ بِأمْرٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما يَخافُ غَيْرَهُ مِن الشُّرَكاءِ والأحْرارِ؟ فَإذا لَمْ تَرْضَوْا ذَلِكَ لِأنْفُسِكم فَلِمَ عَدَلْتُمْ بِي مِن خَلْقِي مَن هو مَمْلُوكٌ لِي؟ فَإنْ كانَ هَذا الحُكْمُ باطِلًا في فِطَرِكم وعُقُولِكم - مَعَ أنَّهُ جائِزٌ عَلَيْكم مُمْكِنٌ في حَقِّكُمْ؛ إذْ لَيْسَ عَبِيدُكم مِلْكًا لَكم حَقِيقَةً، وإنَّما هم إخْوانُكم جَعَلَهم اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ، وأنْتُمْ وهم عَبِيدٌ لِي - فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ مِثْلَ هَذا الحُكْمِ في حَقِّي، مَعَ أنَّ مَن جَعَلْتُمُوهم لِي شُرَكاءَ عَبِيدِي ومِلْكِي وخَلْقِي؟ فَهَكَذا يَكُونُ تَفْصِيلُ الآياتِ لِأُولِي العُقُولِ.
الروم 30:30
فـ (حنيفًا) هو حال مقررة لمضمون قَوْله ﴿فأقم وجهك للدّين﴾
وَلِهَذا فسرت مخلصًا، فَتكون الآيَة قد تَضَمَّنت الصدْق والإخْلاص.
فَإن إقامَة الوَجْه للدّين هو إفْراد طلبه بِحَيْثُ لا يبْقى في القلب إرادَة لغيره.
والحنيف المُفْرد لا يُرِيد غَيره، فالصدق أن لا يَنْقَسِم طَلَبك، والإفراد أن لا يَنْقَسِم مطلوبك.
الأول تَوْحِيد الطّلب، والثّانِي تَوْحِيد المَطْلُوب.
(فصل)
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها" ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
وفي لفظ آخر: "ما من مولود إلا يولد على هذه الملة"
وقد اختلف في معنى هذه الفطرة والمراد بها فقال القاضي أبو يعلي في معنى الفطرة: "هاهنا روايتان عن أحمد:
أحدهما الإقرار بمعرفة الله تعالى، وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في أصلاب آبائهم حتى مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى.
فليس أحد إلا وهو يقرُّ بأن له صانعا ومدبرا، وإن سماه بغير اسمه قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول"
قال: وليس الفطرة هنا الإسلام لوجهين:
أحدهما أن معنى الفطرة ابتداء الخلقة ومنه قوله تعالى: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أي مبتدئها، وإذ كانت الفطرة هي الابتداء وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة، وجرت في فطرة المعقول وهو استخراجهم ذرية لأن تلك حالة ابتدائهم، ولأنها لو كانت الفطرة هنا الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثهما ولا يرثانه ما دام طفلا، لأنه مسلم واختلاف الدين يمنع الإرث ولوجب أن لا يصح استرقاقه ولا يحكم بإسلامه بإسلام أبيه لأنه مسلم"
قال: وهذا تأويل ابن قتيبة وذكره ابن بطة في الإبانة.
قال: وليس كل من تثبت له المعرفة حكم بإسلامه كالبالغين من الكفار، فإن المعرفة حاصلة وليسوا بمسلمين.
قال: وقد أومأ أحمد إلى هذا التأويل وفي رواية الميموني فقال الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها فقال له الميموني الفطرة الدين قال نعم
قال القاضي وأراد أحمد بالدين المعرفة التي ذكرناها"
قال والرواية الثانية: "الفطرة هنا ابتداء خلقه في بطن أمه لأن حمله على العهد الذي أخذه عليهم وهو الإقرار بمعرفته حمل للفطرة على الإسلام لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان والمؤمن مسلم ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثانه ولا يرثهما
قال ولأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقا لله وأصول أهل السنة بخلافه
قال وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية على بن سعيد وقد سأله عن قوله كل مولود يولد على الفطرة فقال على الشقاوة والسعادة ولذلك نقل محمد بن يحيى الكحال أنه سأله فقال هي التي فطر الناس عليها شقي أو سعيد، وكذلك نقل جبيل عنه قال الفطرة التي فطر الله عليها العباد من الشقاوة والسعادة قال وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة ها هنا ابتداء خلقه في بطن أمه"
قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية أحمد: "لم يذكر العهد الأول وإنما قال الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها وهي الدين
وقال في غير موضع إن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما حكم بإسلامه واستدل بهذا الحديث فدل على أنه فسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث ولو لم تكن الفطرة عنده الإسلام لما صح استدلاله بالحديث"
وقوله في موضع آخر: "يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك فإن الله سبحانه قدر السعادة والشقاوة وكتبهما وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل الأبوين فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله أنه يفعل بالمولود والمولود ولد على الفطرة سليما، وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدر سبحانه ذلك وكتبه كما مثل النبي ﷺ ذلك بقوله "كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء"
فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدعها الإنسان وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة سليما ثم يفسده أبواه وذلك أيضا بقضاء الله وقدره.
وإنما قال أحمد وغيره من الأئمة على ما فطر عليه من شقاوة أو سعادة، لأن القدرية يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقضاء الله وقدره بل مما ابتدأ الناس إحداثه، ولهذا قالوا لمالك بن أنس إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث فقال احتجوا عليهم بآخره، وهو قول "الله أعلم بما كانوا عاملين"
فبين الإمام أحمد وغيره أنه لا حجة فيه للقدرية فإنهم لا يقولون إن نفس الأبوين خلقا تهويده وتنصيره بل هو تهود وتنصر باختياره، ولكن كانا سببا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين، فإذا أضيف إليهما هذا الاعتبار فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى لأنه سبحانه وإن كان خلقه مولودا على الفطرة سليما فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك كما في الحديث الصحيح
"إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا"
فقوله طبع يوم طبع. أي قدر وقضى في الكتاب أنه يكفر لا أن كفره كان موجودا قبل أن يولد، ولا في حال ولادته، فإنه مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير ويكفر من ظن أن الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلب الكفار فهو غالط فإن ذلك لا يقال فيه طبع يوم طبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:
"خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.
وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره.
قال بعث النبي ﷺ سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية فقال لهم النبي ﷺ:
"ما حملكم على قتل الذرية؟
قالوا يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين؟
قال أوليس خياركم أولاد المشركين" ثم قام النبي ﷺ خطيبا فقال: "ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه"
فخطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم "أو ليس خياركم أولاد المشركين"
نص أنه أراد بهم ولدوا غير كفار، ثم الكفر طرأ بعد ذلك.
ولو أراد أن المولود حين يولد يكون إما مسلما وإما كافرا على ما سبق له به القدر لم يكن فيما ذكر حجة على ما قصد من نهيه عن قتل أولاد المشركين.
وقد ظن بعضهم أن معنى قوله "أو ليس خياركم أولاد المشركين"
أنه قد يكون في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من التجويز.
وليس هذا معنى الحديث لكن معناه أن خياركم هم السابقون الأولون، وهؤلاء من أولاد المشركين فإن آباءهم كانوا كفارا، ثم إن البنين أسلموا بعد ذلك فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا، فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه وهو سبحانه يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن كما يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي.
(مسألة)
فإن قيل فالغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، وقال نوح عن قومه ﴿ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا: "إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيي مؤمنا ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحي كافرا ويموت كافرا" .. الحديث؟
قيل: هذا لا يناقض كونه مولودا على الفطرة فإنه طبع وولد مقدرا كفره إذا عقل وإلا ففي حال ولادته لا يعرف كفرا ولا إيمانا فهي حال مقدرة لا مقارنة للعامل فهو مولود على الفطرة، ومولود كافرا باعتبارين صحيحين ثابتين له، هذا بالقبول وإيثار الإسلام لو خلي، وهذا بالفعل والإرادة إذا عقل، فإذا جمعت بين الفطرة السابقة والرحمة السابقة العالية والحكمة البالغة والغنى التام وقرنت بين فطرته ورحمته وحكمته وغناه تبين لك الأمر.
(فصل)
والله سبحانه قد أنعم على عباده من جملة إحسانه ونعمه بأمرين هما أصل السعادة:
أحدهما: أن خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة فكل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ وشبه ذلك بخروج البهيمة صحيحة سالمة حتى يجدعها صاحبها وثبت عنه أنه قال:
"يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا"
فإذا تركت النفس وفطرتها لم تؤثر على محبة باريها وفاطرها وعبادته وحده شيئا ولم تشرك به ولم تجحد كمال ربوبيته وكان أحب شيء إليها وأطوع شيء لها وآثر شيء عندها ولكن يعدها من يقترن بها من شياطين الجن والإنس بتزيينه وإغوائه حتى ينغمس موجبها وحكمها.
الأمر الثاني أنه سبحانه هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من المعرفة ومكنهم من أسبابها وبما أنزل إليهم من الكتب وأرسل إليهم من الرسل وعلمهم ما لم يكونوا يعلمونه ففي كل نفس ما يقتضي معرفتها بالحق ومحبتها له وقد هدى الله كل عبد إلى أنواع من العلم يمكنه التوصل بها إلى سعادة الآخرة وجعل في فطرته محبة لذلك لكن قد يعرض العبد عن طلب علم ما ينفعه فلا يريده ولا يعرفه وكونه لا يريد ذلك ولا يعرفه أمر عدمي فلا يضاف إلى الرب لا هذا ولا هذا فإنه من هذه الحيثية شر والذي يضاف إلى الرب علمه به وقضاؤه له بعدم مشيئته لضده وإبقائه على العدم الأصلي وهو من هذه الجهة خير فإن العلم بالشر خير من الجهل به وعدم رفعه بإثبات ضده إذا كان مقتضى الحكمة كان خيرا وإن كان شرا بالنسبة إلى محله وسيأتي تمام تقرير هذا في باب دخول الشر في القضاء الإلهي إن شاء الله سبحانه.
[فَصْلٌ في مَعْنى الفِطْرَةِ]
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا كُلُّهُ بِناءً مِنكم عَلى أنَّ الفِطْرَةَ الأُولى هي فِطْرَةُ الإسْلامِ، وأحْمَدُ قَدْ نَصَّ عَلى أنَّ الفِطْرَةَ هي ما فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّقاوَةِ، والسَّعادَةِ، فَقالَ في رِوايَةِ الحَسَنِ بْنِ ثَوابٍ: كُلُّ مَوْلُودٍ مِن أطْفالِ المُشْرِكِينَ عَلى الفِطْرَةِ، يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها مِنَ الشَّقاوَةِ، والسَّعادَةِ الَّتِي سَبَقَتْ في الكِتابِ، ارْجِعْ في ذَلِكَ إلى الأصْلِ هَذا مَعْناهُ.
وَقالَ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، وأبِي الحارِثِ، والفَضْلِ بْنِ زِيادٍ: الفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرَ
العِبادُ عَلَيْها مِنَ الشَّقاوَةِ، والسَّعادَةِ.
وَقالَ في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، وقَدْ سَألَهُ عَنِ الحَدِيثِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» "، قالَ: عَلى السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ عَلى ما خُلِقَ.
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى الكَحّالُ: قُلْتُ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» " ما تَفْسِيرُها؟
قالَ: هي الفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها شَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، وإذا كانَ هَذا نَصَّهُ في الفِطْرَةِ، فَكَيْفَ يَكْتُمُ مَعَ مَذْهَبِهِ في الأطْفالِ أنَّهم عَلى الإسْلامِ بِمَوْتِ آبائِهِمْ؟
قِيلَ: هَذا مَوْضِعٌ قَدِ اضْطَرَبَتْ فِيهِ الأقْدامُ، وطالَ فِيهِ النِّزاعُ، والخِصامُ، ونَحْنُ نَذْكُرُ فِيهِ بَعْضَ ما انْتَهى إلَيْنا مِن كَلامِ أئِمَّةِ الإسْلامِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ في كِتابِ " غَرِيبِ الحَدِيثِ " الَّذِي هو لِما بَعْدَهُ مِن كُتُبِ الغَرِيبِ إمامٌ: " سَألْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذا الحَدِيثِ، فَقالَ: كانَ هَذا في أوَّلِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الفَرائِضُ، وقَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ المُسْلِمُونَ بِالجِهادِ ".
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: " فَأمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَأْوِيلِ هَذا الحَدِيثِ
الآخَرِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ أطْفالِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: " اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ».
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: فَذَهَبَ إلى أنَّهم يُولَدُونَ عَلى ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن كُفْرٍ، أوْ إسْلامٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَكى أبُو عُبَيْدٍ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، ولَمْ يُحِلَّ عَلى نَفْسِهِ في هَذا قَوْلًا ولا اخْتِيارًا.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ " الرَّدُّ عَلى ابْنِ قُتَيْبَةَ ": فَيُقالُ لَهُ: وما عَلى رَجُلٍ حَكى اخْتِلافًا في شَيْءٍ، ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الصَّوابُ فَأمْسَكَ عَنِ التَّقَدُّمِ عَلى ما لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ صَوابُهُ، ما عَلى هَذا مِن سَبِيلٍ، بَلْ هو مَحْمُودٌ عَلى التَّوَقُّفِ عَمّا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ عَسى أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ، بَلِ العَيْبُ المَذْمُومُ مَنِ اجْتَرَأ عَلى القَوْلِ فِيما لا عِلْمَ لَهُ، فَفَسَّرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ تَفْسِيرًا خالَفَ فِيهِ حُكْمَ الكِتابِ، وخَرَجَ مِن قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ، وتَرَكَ القِياسَ والنَّظَرَ، فَقالَ قَوْلًا لا يَصْلُحُ في خَبَرٍ، ولا يَقُومُ عَلى نَظَرٍ.
وَهُوَ هَذا العائِبُ عَلى أبِي عُبَيْدٍ: زَعَمَ أنَّ الفِطْرَةَ الَّتِي أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَيْها: هي خَلْقُهُ في كُلِّ مَوْلُودٍ مَعْرِفَةً بِرَبِّهِ، وزَعَمَ أنَّهُ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فَزَعَمَ هَذا أنَّهم يَعْرِفُونَ أعْظَمَ الأشْياءِ، وهو اللَّهُ تَعالى، فَمَن أعْظَمُ جُرْمًا، وأشَدُّ مُخالَفَةً لِلْكِتابِ مَن سَمِعَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فَزَعَمَ أنَّهم يَعْلَمُونَ أعْظَمَ الأشْياءِ، وهَذا هو المُعانِدُ لِرَبِّ العالَمِينَ، والجاهِلُ بِالكِتابِ.
قُلْتُ: إنْ أرادَ أبُو مُحَمَّدٍ " المَعْرِفَةَ " المَعْرِفَةَ الثّانِيَةَ بِالفِعْلِ الَّتِي هي لِلْكِبارِ، فَإنْكارُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ مُتَوَجِّهٌ، وإنْ أرادَ أنَّهُ مُهَيَّأٌ لِلْمَعْرِفَةِ، وأنَّ المَعْرِفَةَ فِيهِ بِالقُوَّةِ كَما هو مُهَيَّأٌ لِلْفِعْلِ والنُّطْقِ لَمْ يَلْزَمْهُ ما ذَكَرَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ
كَما إذا قِيلَ: يُولَدُ ناطِقًا عاقِلًا بِحَيْثُ إذا عَقَلَ عَرَفَ رَبَّهُ بِتِلْكَ القُوَّةِ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ فِيهِ دُونَ الجَماداتِ، بِحَيْثُ لَوْ خُلِّيَ وما فُطِرَ عَلَيْهِ ولَمْ تُغَيَّرْ فِطْرَتُهُ لَكانَ عارِفًا بِرَبِّهِ، مُوَحِّدًا لَهُ، مُحِبًّا لَهُ.
فَإنْ قِيلَ: أبُو عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُنْكِرْ هَذا، وإنَّما أنْكَرَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفِطْرَةِ المِيثاقَ الأوَّلَ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ، ولا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ، والإقْرارَ غَيْرُ حاصِلَيْنِ مِنَ الطِّفْلِ، فَصَحَّ إنْكارُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ.
قِيلَ: ابْنُ قُتَيْبَةَ إنَّما قالَ: الفِطْرَةُ هي خَلْقُهُ في كُلِّ مَوْلُودٍ مَعْرِفَةً بِرَبِّهِ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، وهَذا لا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ حاصِلَةً في المَوْلُودِ بِالفِعْلِ، وتَشْبِيهُهُ الحَدِيثَ بِالآيَةِ في هَذا المَعْنى لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المِيثاقَ الَّذِي ذَكَرَ في الآيَةِ هو المَعْرِفَةُ الفِعْلِيَّةُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلى الدُّنْيا أحْياءً ناطِقِينَ، وإنْ كانَ هَذا قَدْ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ فَلا يَلْزَمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنْ يَخْتارَ هَذا القَوْلَ، بَلْ هَذا مِن حُسْنِ فَهْمِهِ في القُرْآنِ، والسُّنَّةِ: إذْ حَمَلَ الحَدِيثَ عَلى الآيَةِ، وفَسَّرَ كُلًّا مِنهُما بِالآخَرِ. وقَدْ قالَ هَذا غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ، وأحْسَنُ ما فُسِّرَتْ بِهِ الآيَةُ قَوْلُهُ ﷺ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ: فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ» "
فالمِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ، والإشْهادُ الَّذِي أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، والإقْرارُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ هو الفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْها؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وهو لا يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِما لا يَعْرِفُهُ أحَدٌ مِنهم ولا يَذْكُرُهُ، بَلْ بِما يُشْرَكُونَ في مَعْرِفَتِهِ، والإقْرارِ بِهِ.
وَأيْضًا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ولَمْ يَقُلْ " مِن آدَمَ "، ثُمَّ قالَ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ولَمْ يَقُلْ: " مِن ظَهْرِهِمْ "، ثُمَّ قالَ: (ذُرِّيَّتَهُمْ)، ولَمْ يَقُلْ: (ذُرِّيَّتَهُ)، ثُمَّ قالَ: ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وهَذا يَقْتَضِي إقْرارَهم بِرُبُوبِيَّتِهِ إقْرارًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، وهَذا إنَّما هو الإقْرارُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]،: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]،: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٥]، ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ: يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِما فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنَ الإقْرارِ بِرَبِّهِمْ وفاطِرِهِمْ، ويَدْعُوهم بِهَذا الإقْرارِ إلى عِبادَتِهِ وحْدَهُ، وألّا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، هَذِهِ طَرِيقَةُ القُرْآنِ.
وَمِن ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في " الأعْرافِ " وهي قَوْلُهُ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، ولِهَذا قالَ في آخِرِها: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ - أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣] فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما أقَرُّوا بِهِ مِن رُبُوبِيَّتِهِ عَلى بُطْلانِ شِرْكِهِمْ وعِبادَةِ غَيْرِهِ، وألّا يَعْتَذِرُوا، إمّا بِالغَفْلَةِ عَنِ الحَقِّ، وإمّا بِالتَّقْلِيدِ في الباطِلِ، فَإنَّ الضَّلالَ لَهُ سَبَبانِ: إمّا غَفْلَةٌ عَنِ الحَقِّ، وإمّا تَقْلِيدُ أهْلِ الضَّلالِ، فَيُطابِقُ الحَدِيثَ مَعَ الآيَةِ، ويُبَيِّنُ مَعْنى كُلٍّ مِنهُما بِالآخَرِ، فَلَمْ يَقَعِ ابْنُ قُتَيْبَةَ في مُعانَدَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ولا جَهِلَ الكِتابَ، ولا خَرَجَ عَنِ المَعْقُولِ، ولَكِنْ لَمّا ظَنَّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْرَجَهم أحْياءً ناطِقِينَ مِن صُلْبِ آدَمَ في آنٍ واحِدٍ، ثُمَّ خاطَبَهُمْ، وكَلَّمَهم وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ، ثُمَّ رَدَّهم في ظَهْرِهِ، وأنَّ أبا مُحَمَّدٍ فَسَّرَ الفِطْرَةَ بِهَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ ألْزَمَهُ ما ألْزَمَهُ.
ثُمَّ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: واحْتَجَّ - يَعْنِي ابْنَ قُتَيْبَةَ - بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ﴾ [فاطر: ١] خالِقِها، وبِقَوْلِهِ تَعالى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ في سُورَةِ يس: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، أيْ خَلَقَنِي، وبِقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، قالَ: وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُسْرِعُ بِهَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ رِوايَتِهِ لِهَذا الحَدِيثِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الفِطْرَةَ خِلْقَةٌ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: فَيُقالُ لَهُ: لَسْنا نُخالِفُكَ في أنَّ الفِطْرَةَ خِلْقَةٌ في اللُّغَةِ وأنَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ خالِقُهُما، ولَكِنْ ما
الدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذِهِ الخِلْقَةَ هي مَعْرِفَةٌ؟ هَلْ عِنْدَكَ مِن دَلِيلٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ أنَّ الخِلْقَةَ هي المَعْرِفَةُ؟ فَإنْ أتَيْتَ بِحُجَّةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ أنَّ الخِلْقَةَ هي المَعْرِفَةُ، وإلّا فَأنْتَ مُبْطِلٌ في دَعْواكَ، وقائِلٌ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ.
قُلْتُ: لَمْ يُرِدِ ابْنُ قُتَيْبَةَ ولا مَن قالَ بِقَوْلِهِ: " إنَّ الفِطْرَةَ خِلْقَةٌ " أنَّها مَعْرِفَةٌ حاصِلَةٌ بِالفِعْلِ مَعَ المَوْلُودِ حِينَ يُولَدُ، فَهَذا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ، وقَدْ قالَ أحْمَدُ في رِوايَةِ المَيْمُونِيِّ: الفِطْرَةُ الأُولى الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها، فَقالَ لَهُ المَيْمُونِيُّ: الفِطْرَةُ الدِّينُ؟ قالَ: نَعَمْ.
وَقَدْ نَصَّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ الكافِرَ إذا ماتَ أبَواهُ، أوْ أحَدُهُما حُكِمَ بِإسْلامِهِ، واسْتَدَلَّ بِالحَدِيثِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» " فَفَسَّرَ الحَدِيثَ بِأنَّهُ يُولَدُ عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ كَما جاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ في الحَدِيثِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْناهُ عِنْدَهُ لَما صَحَّ اسْتِدْلالُهُ بَعْدُ في بَعْضِ ألْفاظِهِ " «ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى هَذِهِ المِلَّةِ» ".
وَأمّا قَوْلُ أحْمَدَ في مَواضِعَ أُخَرَ: " يُولَدُ عَلى ما فُطِرَ عَلَيْهِ مِن شَقاوَةٍ، أوْ سَعادَةٍ " فَلا تَنافِيَ بَيْنَهُ، وبَيْنَ قَوْلِهِ: إنَّها الدِّينُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ وكَتَبَهُما، وإنَّها تَكُونُ بِالأسْبابِ الَّتِي تَحْصُلُ بِها كَفِعْلِ الأبَوَيْنِ: فَتَهْوِيدُهُما، وتَنْصِيرُهُما، وتَمْجِيسُهُما، هو بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، والمَوْلُودُ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ مُسْلِمًا، ويُولَدُ عَلى أنَّ هَذِهِ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ قَدْ يُغَيِّرُها الأبَوانِ كَما قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ، وكَتَبَهُ، كَما مَثَّلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " «كَما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ جَمْعاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهِما مِن جَدْعاءَ» ".
فَبَيَّنَ أنَّ البَهِيمَةَ تُولَدُ سَلِيمَةً، ثُمَّ يَجْدَعُها النّاسُ، وذَلِكَ أيْضًا بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَدَرِهِ، فَكَذَلِكَ المَوْلُودُ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ مُسْلِمًا، ثُمَّ يُفْسِدُهُ أبَواهُ، وإنَّما قالَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ: وُلِدَ عَلى ما فُطِرَ عَلَيْهِ مِن شَقاوَةٍ وسَعادَةٍ؛ لِأنَّ القَدَرِيَّةَ كانُوا يَحْتَجُّونَ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ لَيْسَتْ بِقَدَرِ اللَّهِ، بَلْ بِما فَعَلَهُ النّاسُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، وكُفْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النّاسِ، ولِهَذا لَمّا قِيلَ لِمالِكٍ: إنَّ القَدَرِيَّةَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنا بِأوَّلِ الحَدِيثِ.
قالَ: احْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ، وهو قَوْلُهُ: " «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» " فَبَيَّنَ الأئِمَّةُ أنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ لِلْقَدَرِيَّةِ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الأبَوَيْنِ خَلَقا تَهْوِيدَهُ وتَنْصِيرَهُ، والقَدَرِيَّةُ لا تَقُولُ ذَلِكَ بَلْ عِنْدَهم أنَّهُ تَهَوَّدَ وتَنَصَّرَ بِاخْتِيارِهِ، ولَكِنْ كانَ الأبَوانِ سَبَبًا في حُصُولِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيمِ، والتَّلْقِينِ، وهَذا حَقٌّ لا يَقْتَضِي نَفْيَ القَدَرِ السّابِقِ مِنَ العِلْمِ، والكِتابِ، والمَشِيئَةِ، بَلْ ذَلِكَ مُضافٌ إلى اللَّهِ تَعالى عِلْمًا، وكِتابَةً، ومَشِيئَةً، وإلى الأبَوَيْنِ تَسَبُّبًا، وتَعْلِيمًا، وتَلْقِيَنًا، وإلى الشَّيْطانِ تَزْيِينًا، ووَسْوَسَةً، وإلى العَبْدِ رِضًا، واخْتِيارًا، ومَحَبَّةً.
وَلا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ عاشَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا "
فَإنَّ مَعْناهُ أنَّهُ قُضِيَ عَلَيْهِ وقُدِّرَ في أُمِّ الكِتابِ أنَّهُ يَكُونُ كافِرًا، فَهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [النحل: ٢٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢]، ونَظائِرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ: أنَّ كُفْرَهُ كانَ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ مَعَهُ حَتّى طُبِعَ، كَما يُقالُ: وُلِدَ مَلِكًا، ووُلِدَ عالِمًا، ووُلِدَ جَبّارًا ومَن ظَنَّ أنَّ " الطَّبْعَ " المَذْكُورَ في الحَدِيثِ هو " الطَّبْعُ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا ظاهِرًا، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ فِيهِ: طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ فَإنَّ الطَّبْعَ عَلى القَلْبِ إنَّما يُوجَدُ بَعْدَ كُفْرِهِ.
[فَصْلٌ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفِطْرَةِ الدِّينُ]
وَيَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما فَسَّرَ بِهِ الأئِمَّةُ الفِطْرَةَ أنَّها " الدِّينُ " ما رَواهُ مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ المُجاشِعِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى: " «إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهُمْ، وإنَّهم أتَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهُمْ، وأمَرَتْهم أنْ يُشْرِكُوا بِي ما لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا» "
وَهَذا صَرِيحٌ في أنَّهم خُلِقُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ، وأنَّ الشَّياطِينَ اقْتَطَعَتْهم بَعْدَ ذَلِكَ عَنْها، وأخْرَجُوهم مِنها، قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهَذا يَتَناوَلُ إخْراجَ الشَّياطِينِ لَهم مِن نُورِ الفِطْرَةِ إلى ظُلْمَةِ الكُفْرِ والشِّرْكِ، ومِنَ النُّورِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الهُدى، والعِلْمِ إلى ظُلُماتِ الجَهْلِ والضَّلالِ.
وَفِي " المُسْنَدِ "، وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قالَ:
«بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً، فَأفْضى بِهِمُ القَتْلُ إلى الذُّرِّيَّةِ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: " ما حَمَلَكم عَلى قَتْلِ الذُّرِّيَّةِ "؟
قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَيْسُوا أوْلادَ المُشْرِكِينَ؟ قالَ: " أوَلَيْسَ خِيارُكم أوْلادَ المُشْرِكِينَ؟ " ثُمَّ قامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا، فَقالَ: " ألا إنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسانُهُ» فَخُطْبَتُهُ لَهم بِهَذا الحَدِيثِ عَقِيبَ نَهْيِهِ لَهم عَنْ قَتْلِ أوْلادِ المُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ لَهُمْ: " «أوَلَيْسَ خِيارُكم أوْلادَ المُشْرِكِينَ»؟ " نَصَّ أنَّهُ أرادَ أنَّهم وُلِدُوا غَيْرَ كُفّارٍ، ثُمَّ الكُفْرُ طَرَأ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَوْ أرادَ: أنَّ المَوْلُودَ حِينَ يُولَدُ يَكُونُ إمّا كافِرًا وإمّا مُسْلِمًا عَلى ما سَبَقَ بِهِ القَدَرُ، لَمْ يَكُنْ فِيما ذَكَرَهُ حُجَّةٌ عَلى ما قَصَدَهُ مِن نَهْيِهِ لَهم عَنْ قَتْلِ أوْلادِ المُشْرِكِينَ.
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: " «أوَ لَيْسَ خِيارُكم أوْلادَ المُشْرِكِينَ» " مَعْناهُ: لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم لَوْ بَقُوا لَآمَنُوا، فَيَكُونُ النَّهْيُ راجِعًا إلى هَذا المَعْنى مِنَ التَّجْوِيزِ، ولَيْسَ هَذا مَعْنى الحَدِيثِ، ولَكِنْ مَعْناهُ: أنَّ خِيارَكم هُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ، والأنْصارِ، وهَؤُلاءِ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ آباؤُهم كانُوا كُفّارًا، ثُمَّ إنَّ البَنِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلا يَضُرُّ الطِّفْلَ أنْ يَكُونَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ إذا كانَ مُؤْمِنًا، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما يَجْزِيهِ بِعَمَلِهِ لا بِعَمَلِ أبَوَيْهِ، وهو سُبْحانَهُ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، والمُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ.
وَهَذا الحَدِيثُ - وهو حَدِيثُ الفِطْرَةِ - ألْفاظُهُ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا، فَفي الصَّحِيحَيْنِ - واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ - عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
" «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمَجِّسانِهِ كَما تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَرَأيْتَ مَن يَمُوتُ صَغِيرًا؟
قالَ: " اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» ".
وَفِي " الصَّحِيحِ "، قالَ الزُّهْرِيُّ: يُصَلّى عَلى كُلِّ مَوْلُودٍ يُتَوَفّى، وإنْ كانَ لِغَيَّةٍ، مِن أجْلِ أنَّهُ وُلِدَ عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ إذا اسْتَهَلَّ خارِجًا، ولا يُصَلّى عَلى مَن لَمْ يَسْتَهِلَّ مِن أجْلِ أنَّهُ سَقَطَ، وأنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يُحَدِّثُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:
" «ما مِن مَوْلُودٍ إلّا ويُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمَجِّسانِهِ كَما تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ؟ " ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]».
وَفِي " الصَّحِيحِ " مِن رِوايَةِ الأعْمَشِ: " «ما مِن مَوْلُودٍ إلّا وهو عَلى المِلَّةِ» ".
وَفِي رِوايَةِ أبِي مُعاوِيَةَ عَنْهُ " «إلّا عَلى هَذِهِ المِلَّةِ، حَتّى يُبِينَ عَنْهُ لِسانُهُ» ": فَهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ يُولَدُ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ كَما فَسَّرَهُ ابْنُ شِهابٍ راوِي الحَدِيثِ، واسْتِشْهادُ أبِي هُرَيْرَةَ بِالآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وسُئِلَ ابْنُ شِهابٍ عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ: أيُجْزِئُ عَنْهُ الصَّبِيُّ أنْ يُعْتِقَهُ، وهو رَضِيعٌ؟ قالَ: نَعَمْ؛ لِأنَّهُ وُلِدَ عَلى الفِطْرَةِ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وقَدْ ذَكَرَ أقْوالَ النّاسِ في هَذا الحَدِيثِ.
وَقالَ آخَرُونَ: الفِطْرَةُ هاهُنا هي الإسْلامُ. قالُوا: وهو المَعْرُوفُ عِنْدَ عامَّةِ السَّلَفِ، وأهْلُ التَّأْوِيلِ قَدْ أجْمَعُوا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، عَلى أنْ قالُوا: فِطْرَةُ اللَّهِ دِينُ الإسْلامِ.
واحْتَجُّوا بِقَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذا الحَدِيثِ: " «اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]».
قالَ: وذَكَرُوا عَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، قالُوا: فِطْرَةُ اللَّهِ دِينُ الإسْلامِ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، قالُوا: لِدِينِ اللَّهِ.
واحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ يَحْيى بْنِ جابِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عائِذٍ الأزْدِيِّ، عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ المُجاشِعِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلنّاسِ يَوْمًا: " «ألا أُحَدِّثُكم بِما حَدَّثَنِي اللَّهُ في الكِتابِ؟ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وبَنِيهِ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ، وأعْطاهُمُ المالَ حَلالًا لا حَرامَ فِيهِ، فَجَعَلُوا ما أعْطاهُمُ اللَّهُ حَرامًا وحَلالًا» " الحَدِيثَ.
قالَ: وكَذَلِكَ رَوى بَكْرُ بْنُ مُهاجِرٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ بِإسْنادِهِ مِثْلَهُ في هَذا الحَدِيثِ: " «حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ» ".
قالَ أبُو عُمَرَ: رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ، ولَمْ يَسْمَعْهُ قَتادَةُ مِن مُطَرِّفٍ، ولَكِنْ قالَ: حَدَّثَنِي ثَلاثَةٌ: عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الغافِرِ، ويَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ، كُلُّهم يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ، عَنْ عِياضٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ فِيهِ: " «وَإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهُمْ» " لَمْ يَقُلْ " مُسْلِمِينَ ".
وَكَذَلِكَ رَواهُ الحَسَنُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِياضٍ.
وَرَواهُ ابْنُ إسْحاقَ عَمَّنْ لا يُتَّهَمُ، عَنْ قَتادَةَ بِإسْنادِهِ قالَ فِيهِ: " «وَإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهُمْ» "، ولَمْ يَقُلْ " مُسْلِمِينَ ".
قالَ: فَدَلَّ هَذا عَلى حِفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، وإتْقانِهِ، وضَبْطِهِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ " مُسْلِمِينَ " في رِوايَتِهِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ لِهَذا الحَدِيثِ، وأسْقَطَهُ مِن رِوايَةِ قَتادَةَ، وكَذَلِكَ رَواهُ النّاسُ عَنْ قَتادَةَ: قَصَّرَ فِيهِ عَنْ قَوْلِهِ " مُسْلِمِينَ " وزادَهُ ثَوْرٌ بِإسْنادِهِ، فاللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ أبُو عُمَرَ: والحَنِيفُ في كَلامِ العَرَبِ المُسْتَقِيمُ المُخْلِصُ، ولا اسْتِقامَةَ أكْبَرُ مِنَ الإسْلامِ، قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " الحَنِيفِيَّةُ حَجُّ البَيْتِ " وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ الإسْلامَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ " حُنَفاءَ: حُجّاجًا "، وعَنْ مُجاهِدٍ: " حُنَفاءَ مُتَّبِعِينَ "، قالَ: وهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَنِيفِيَّةَ: الإسْلامُ.
قالَ: وقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ. وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] وقالَ تَعالى: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، قالَ الرّاعِي:
؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا
؎عَرَبٌ نَرى اللَّهَ في أمْوالِنا ∗∗∗ حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلا
قالَ: فَوَصَفَ الحَنِيفِيَّةَ بِالإسْلامِ، وهو أمْرٌ واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ، قالَ: ومِمّا احْتَجَّ بِهِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الفِطْرَةَ في هَذا الحَدِيثِ: " الإسْلامُ " قَوْلُهُ ﷺ: " «خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ» "، ويُرْوى: " «عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ» " يَعْنِي: فِطْرَةَ الإسْلامِ. انْتَهى.
قالَ شَيْخُنا: فالأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ أرادَ فِطْرَةَ الإسْلامِ كَثِيرَةٌ: كَألْفاظِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المُتَقَدِّمَةِ، كَقَوْلِهِ: " «عَلى المِلَّةِ» ": و" «عَلى هَذِهِ المِلَّةِ» " وقَوْلُهُ: " «خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ» "
وَفِي الرِّوايَةِ الأُخْرى: " «حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ» "، ومِثْلُ تَفْسِيرِ أبِي هُرَيْرَةَ، وهو أعْلَمُ بِما سَمِعَ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِالفِطْرَةِ الإسْلامَ لَما سَألُوا عَقِيبَ ذَلِكَ: " «أرَأيْتَ مَن يَمُوتُ مِن أطْفالِ المُشْرِكِينَ وهو صَغِيرٌ»؟ " لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ ما يُغَيِّرُ تِلْكَ الفِطْرَةَ لَما سَألُوهُ، والعِلْمُ القَدِيمُ والكِتابُ السّابِقُ لا يَتَغَيَّرُ.
وَقَوْلُهُ: " «فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ» " بَيِّنٌ فِيهِ أنَّهم يُغَيِّرُونَ الفِطْرَةَ المَخْلُوقَ عَلَيْها بِذَلِكَ.
وَأيْضًا، فَإنَّهُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِالبَهِيمَةِ الَّتِي تُولَدُ مُجْتَمِعَةَ الخَلْقِ لا نَقْصَ فِيها، ثُمَّ تُجْدَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ التَّغَيُّرَ وارِدٌ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي وُلِدَ العَبْدُ عَلَيْها.
وَأيْضًا، فالحَدِيثُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وهَذا يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ، فَعُلِمَ أنَّ اللَّهَ فَطَرَ النّاسَ كُلَّهم عَلى فِطْرَتِهِ المَذْكُورَةِ، وفِطْرَةُ اللَّهِ أضافَها إلَيْهِ إضافَةَ مَدْحٍ لا إضافَةَ ذَمٍّ، فَعُلِمَ أنَّها فِطْرَةٌ مَحْمُودَةٌ لا مَذْمُومَةٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وهَذا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الأوَّلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأصْحابِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ إقامَةَ الوَجْهِ لِلدِّينِ حَنِيفًا هو فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها كَما في نَظائِرِهِ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، فَهَذا عِنْدَهم مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لازِمٍ إضْمارُهُ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المُتَقَدِّمُ، كَأنَّهُ قالَ: كَتَبَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ، وكَذَلِكَ هُنا فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلى ذَلِكَ: عَلى إقامَةِ الدِّينِ حَنِيفًا.
وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ السَّلَفُ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ: فَسَدِّدْ وجْهَكَ نَحْوَ الوَجْهِ الَّذِي وجَّهَكَ اللَّهُ يا مُحَمَّدُ لِطاعَتِهِ، وهو الدِّينُ حَنِيفًا، يَقُولُ: " مُسْتَقِيمًا لِدِينِهِ وطاعَتِهِ "، ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، يَقُولُ: " صَنْعَةَ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَ النّاسَ عَلَيْها " ونَصْبُ فِطْرَةٍ عَلى المَصْدَرِ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠]، وذَلِكَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلى ذَلِكَ فِطْرَةً.
قالَ: وبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنا في ذَلِكَ قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ، ثُمَّ رَوى عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: " فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها قالَ: هي الإسْلامُ مُنْذُ خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِن آدَمَ جَمِيعًا، يُقِرُّونَ بِذَلِكَ، وقَرَأ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فَهَذا قَوْلُ اللَّهِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [بَعْدُ].
ثُمَّ ذَكَرَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، قالَ: الدِّينُ الإسْلامُ.
حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، ثَنا يَحْيى بْنُ واضِحٍ، ثَنا يُونُسُ بْنُ أبِي إسْحاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي مَرْيَمَ قالَ: مَرَّ عُمَرُ بِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَقالَ: ما قِوامُ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قالَ مُعاذٌ: ثَلاثٌ وهُنَّ المُنْجِياتُ: الإخْلاصُ، وهو الفِطْرَةُ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، والصَّلاةُ، وهي المِلَّةُ، والطّاعَةُ، وهي العِصْمَةُ. فَقالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ.
ثُمَّ قالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، ثَنا ابْنُ عُلَيَّةَ، ثَنا أيُّوبُ، عَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّ عُمَرَ قالَ لِمُعاذٍ: ما قِوامُ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قالَ وقَوْلُهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، يَقُولُ: لا تَغْيِيرَ لِدِينِ اللَّهِ، أيْ: لا يَصْلُحُ ذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ.
وَرَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: أرْسَلَ مُجاهِدٌ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: قاسِمٌ إلى عِكْرِمَةَ يَسْألُهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، فَقالَ: لِدِينِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، قالَ: الإسْلامُ.
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وإبْراهِيمَ
النَّخَعِيِّ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خِصاءِ البَهائِمِ؟ فَكَرِهَهُ، وقالَ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
وَكَذَلِكَ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةِ لَيْثٍ عَنْهُ.
قالَ شَيْخُنا: ولا مُنافاةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ عَنْهُما، كَما قالَ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ: ﴿وَلَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، فَتَغْيِيرُ ما خَلَقَ اللَّهُ عِبادَهُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ تَغْيِيرٌ لِدِينِهِ، والخِصاءُ وقَطْعُ الأُذُنِ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِهِ، ولِهَذا شَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ أحَدَهُما بِالآخَرِ في قَوْلِهِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ كَما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ جَمْعاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ؟» " فَأُولَئِكَ يُغَيِّرُونَ الدِّينَ، وهَؤُلاءِ يُغَيِّرُونَ الصُّورَةَ بِالجَدْعِ، والخِصاءِ، هَذا يُغَيِّرُ ما خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ، وهَذا يُغَيِّرُ ما خَلَقَ عَلَيْهِ بَدَنَهُ.
الروم 30:31
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الإنابَةِ]
[مَعْنى الإنابَةِ والدَّلِيلُ عَلَيْها]
قَدْ عَلِمْتَ أنَّ مَن نَزَلَ مِن مَنزِلِ التَّوْبَةِ وقامَ في مَقامِها نَزَلَ في جَمِيعِ مَنازِلِ الإسْلامِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ الكامِلَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لَها، وهي مُنْدَرِجَةٌ فِيها، ولَكِنْ لا بُدَّ مِن إفْرادِها بِالذِّكْرِ والتَّفْصِيلِ، تَبْيِينًا لِحَقائِقِها وخَواصِّها وشُرُوطِها.
فَإذا اسْتَقَرَّتْ قَدَمُهُ في مَنزِلِ التَّوْبَةِ نَزَلَ بَعْدَهُ مَنزِلَ الإنابَةِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِها في كِتابِهِ، وأثْنى عَلى خَلِيلِهِ بِها، فَقالَ ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] وقالَ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]
وَأخْبَرَ أنَّ آياتِهِ إنَّما يَتَبَصَّرُ بِها ويَتَذَكَّرُ أهْلُ الإنابَةِ، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها﴾ [ق: ٦] إلى أنْ قالَ ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨] وقالَ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] وقالَ تَعالى ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ
فَـ " مُنِيبِينَ " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في قَوْلِهِ " ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ "
لِأنَّ هَذا الخِطابَ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، أيْ أقِمْ وجْهَكَ أنْتَ وأُمَّتُكَ مُنِيبِينَ إلَيْهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ ﴿فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ أيْ فَطَرَهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، فَلَوْ خُلُّوا وفَطَرَهم لَما عَدَلَتْ عَنِ الإنابَةِ إلَيْهِ، ولَكِنَّها تَتَحَوَّلُ وتَتَغَيَّرُ عَمّا فُطِرَتْ عَلَيْهِ، كَما قالَ ﷺ «ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ وفي رِوايَةٍ: عَلى المِلَّةِ حَتّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسانُهُ»
وَقالَ عَنْ نَبِيِّهِ داوُدَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤]
وَأخْبَرَ أنَّ ثَوابَهُ وجَنَّتَهُ لِأهْلِ الخَشْيَةِ والإنابَةِ، فَقالَ ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ [ق: ٣١]
وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ البُشْرى مِنهُ إنَّما هي لِأهْلِ الإنابَةِ، فَقالَ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ [الزمر: ١٧].
والإنابَةُ إنابَتانِ: إنابَةٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، وهي إنابَةُ المَخْلُوقاتِ كُلِّها، يَشْتَرِكُ فِيها المُؤْمِنُ والكافِرُ، والبَرُّ والفاجِرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣] فَهَذا عامٌّ في حَقِّ كُلِّ داعٍ أصابَهُ ضُرٌّ، كَما هو الواقِعُ، وهَذِهِ الإنابَةُ لا تَسْتَلْزِمُ الإسْلامَ، بَلْ تُجامِعُ الشِّرْكَ والكُفْرَ، كَما قالَ تَعالى في حَقِّ هَؤُلاءِ ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [الروم: ٣٣] فَهَذا حالُهم بَعْدَ إنابَتِهِمْ.
والإنابَةُ الثّانِيَةُ إنابَةُ أوْلِيائِهِ، وهي إنابَةٌ لِإلَهِيَّتِهِ، إنابَةَ عُبُودِيَّةٍ ومَحَبَّةٍ.
وَهِيَ تَتَضَمَّنُ أرْبَعَةَ أُمُورٍ: مَحَبَّتَهُ، والخُضُوعَ لَهُ، والإقْبالَ عَلَيْهِ، والإعْراضَ عَمّا سِواهُ، فَلا يَسْتَحِقُّ اسْمُ المُنِيبِ إلّا مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الأرْبَعُ، وتَفْسِيرُ السَّلَفِ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ يَدُورُ عَلى ذَلِكَ.
وَفِي اللَّفْظَةِ مَعْنى الإسْراعِ والرُّجُوعِ والتَّقَدُّمِ، والمُنِيبُ إلى اللَّهِ المُسْرِعُ إلى مَرْضاتِهِ، الرّاجِعُ إلَيْهِ كُلَّ وقْتٍ، المُتَقَدِّمُ إلى مُحابِّهِ.
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: الإنابَةُ في اللُّغَةِ الرُّجُوعُ، وهي هاهُنا الرُّجُوعُ إلى الحَقِّ.
وَهِيَ ثَلاثَةُ أشْياءَ: الرُّجُوعُ إلى الحَقِّ إصْلاحًا، كَما رَجَعَ إلَيْهِ اعْتِذارًا، والرُّجُوعُ إلَيْهِ وفاءً، كَما رَجَعَ إلَيْهِ عَهْدًا، والرُّجُوعُ إلَيْهِ حالًا، كَما رَجَعْتَ إلَيْهِ إجابَةً.
لَمّا كانَ التّائِبُ قَدْ رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالِاعْتِذارِ والإقْلاعِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، كانَ مِن تَتِمَّةِ ذَلِكَ رُجُوعُهُ إلَيْهِ بِالِاجْتِهادِ، والنُّصْحِ في طاعَتِهِ، كَما قالَ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] وقالَ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] فَلا تَنْفَعُ تَوْبَةٌ وبَطالَةٌ، فَلا بُدَّ مِن تَوْبَةٍ وعَمَلٍ صالِحٍ، تَرْكٍ لِما يَكْرَهُ، وفِعْلٍ لِما يُحِبُّ، تَخَلٍّ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وتَحَلٍّ بِطاعَتِهِ.
وَكَذَلِكَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِالوَفاءِ بِعَهْدِهِ، كَما رَجَعْتَ إلَيْهِ عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْكَ، فَرَجَعْتَ إلَيْهِ بِالدُّخُولِ تَحْتَ عَهْدِهِ أوَّلًا، فَعَلَيْكَ بِالرُّجُوعِ بِالوَفاءِ بِما عاهَدْتَهُ عَلَيْهِ ثانِيًا، والدِّينُ كُلُّهُ عَهْدٌ ووَفاءٌ، فَإنَّ اللَّهَ أخَذَ عَهْدَهُ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ بِطاعَتِهِ، فَأخَذَ عَهْدَهُ عَلى أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ عَلى لِسانِ مَلائِكَتِهِ، أوْ مِنهُ إلى الرَّسُولِ بِلا واسِطَةٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، وأخَذَ عَهْدَهُ عَلى الأُمَمِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، وأخَذَ عَهْدَهُ عَلى الجُهّالِ بِواسِطَةِ العُلَماءِ، فَأخَذَ عَهْدَهُ عَلى هَؤُلاءِ بِالتَّعْلِيمِ، وعَلى هَؤُلاءِ بِالتَّعَلُّمِ، ومَدَحَ المُوفِينَ بِعَهْدِهِ، وأخْبَرَ بِما لَهم عِنْدَهُ مِنَ الأجْرِ، فَقالَ ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]
وَقالَ ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] وقالَ ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]
وَقالَ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧].
وَهَذا يَتَناوَلُ عُهُودَهم مَعَ اللَّهِ بِالوَفاءِ لَهُ بِالإخْلاصِ والإيمانِ والطّاعَةِ، وعُهُودَهم مَعَ الخَلْقِ.
وَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ «أنَّ مِن عَلاماتِ النِّفاقِ الغَدْرَ بَعْدَ العَهْدِ».
فَما أنابَ إلى اللَّهِ مَن خانَ عَهْدَهُ وغَدَرَ بِهِ، كَما أنَّهُ لَمْ يُنِبْ إلَيْهِ مَن لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ عَهْدِهِ، فالإنابَةُ لا تَتَحَقَّقُ إلّا بِالتِزامِ العَهْدِ والوَفاءِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: والرُّجُوعُ إلَيْهِ حالًا، كَما رَجَعْتَ إلَيْهِ إجابَةً.
أيْ هو سُبْحانَهُ قَدْ دَعاكَ فَأجَبْتَهُ بِلَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ قَوْلًا، فَلا بُدَّ مِنَ الإجابَةِ حالًا تُصَدِّقُ بِهِ المَقالَ، فَإنَّ الأحْوالَ تُصَدِّقُ الأقْوالَ أوْ تُكَذِّبُها، وكُلُّ قَوْلٍ فَلِصِدْقِهِ وكَذِبِهِ شاهِدٌ مِن حالِ قائِلِهِ، فَكَما رَجَعْتَ إلى اللَّهِ إجابَةً بِالمَقالِ، فارْجِعْ إلَيْهِ إجابَةً بِالحالِ.
قالَ الحَسَنُ: ابْنَ آدَمَ؟ لَكَ قَوْلٌ وعَمَلٌ، وعَمَلُكَ أوْلى بِكَ مِن قَوْلِكَ، ولَكَ سَرِيرَةٌ وعَلانِيَةٌ، وسَرِيرَتُكَ أمْلَكُ بِكَ مِن عَلانِيَتِكَ.
[فَصْلٌ الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ]
قالَ: وإنَّما يَسْتَقِيمُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ إصْلاحًا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِالخُرُوجِ مِنَ التَّبِعاتِ، والتَّوَجُّعِ لِلْعَثَراتِ، واسْتِدْراكِ الفائِتاتِ.
والخُرُوجُ مِنَ التَّبِعاتِ هو بِالتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، وأداءِ الحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ. والتَّوَجُّعُ لِلْعَثَراتِ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ:
أحَدَهُما: أنْ يَتَوَجَّعَ لِعَثْرَتِهِ إذا عَثَرَ، فَيَتَوَجَّعُ قَلْبُهُ ويَنْصَدِعُ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى إنابَتِهِ إلى اللَّهِ، بِخِلافِ مَن لا يَتَألَّمُ قَلْبُهُ، ولا يَنْصَدِعُ مِن عَثْرَتِهِ، فَإنَّهُ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَلْبِهِ ومَوْتِهِ.
الثّانِي: أنْ يَتَوَجَّعَ لِعَثْرَةِ أخِيهِ المُؤْمِنِ إذا عَثَرَ، حَتّى كَأنَّهُ هو الَّذِي عَثَرَ بِها ولا يَشْمَتُ بِهِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى رِقَّةِ قَلْبِهِ وإنابَتِهِ.
واسْتِدْراكُ الفائِتاتِ هو اسْتِدْراكُ ما فاتَهُ مِن طاعَةٍ وقُرْبَةٍ بِأمْثالِها، أوْ خَيْرٍ مِنها ولاسِيَّما في بَقِيَّةِ عُمُرِهِ، عِنْدَ قُرْبِ رَحِيلِهِ إلى اللَّهِ، فَبَقِيَّةُ عُمُرِ المُؤْمِنِ لا قِيمَةَ لَها. يَسْتَدْرِكُ بِها ما فاتَ، ويُحْيِي بِها ما أماتَ.
(فَصْلٌ)
قالَ: وإنَّما يَسْتَقِيمُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عَهْدًا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِالخَلاصِ مِن لَذَّةِ الذَّنْبِ، وبِتَرْكِ الِاسْتِهانَةِ بِأهْلِ الغَفْلَةِ، تَخَوُّفًا عَلَيْهِمْ، مَعَ الرَّجاءِ لِنَفْسِكَ، بِالِاسْتِقْصاءِ في رُؤْيَةِ عِلَّةِ الخِدْمَةِ.
إذا صَفَتْ لَهُ الإنابَةُ إلى رَبِّهِ تَخَلَّصَ مِنَ الفِكْرَةِ في لَذَّةِ الذَّنْبِ، وعادَ مَكانَها ألَمًا وتَوَجُّعًا لِذَكَرِهِ، والفِكْرَةِ فِيهِ، فَما دامَتْ لَذَّةُ الفِكْرَةِ فِيهِ مَوْجُودَةً في قَلْبِهِ، فَإنابَتُهُ غَيْرُ صافِيَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ الحالَيْنِ أعْلى؟ حالُ مَن يَجِدُ لَذَّةَ الذَّنْبِ في قَلْبِهِ، فَهو يُجاهِدُها لِلَّهِ، ويَتْرُكُها مِن خَوْفِهِ ومَحَبَّتِهِ وإجْلالِهِ أوْ حالُ مَن ماتَتْ لَذَّةُ الذَّنْبِ في قَلْبِهِ وصارَ مَكانَها ألَمًا وتَوَجُّعًا وطُمَأْنِينَةً إلى رَبِّهِ، وسُكُونًا إلَيْهِ، والتِذاذًا بِحُبِّهِ، وتَنَعُّمًا بِذِكْرِهِ؟
قِيلَ: حالُ هَذا أكْمَلُ وأرْفَعُ، وغايَةُ صاحِبِ المُجاهَدَةِ أنْ يُجاهِدَ نَفْسَهُ حَتّى يَصِلَ إلى مَقامِ هَذا ومَنزِلَتِهِ، ولَكِنَّهُ يَتْلُوهُ في المَنزِلَةِ والقُرْبِ ومَنُوطٌ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ أجْرُ مُجاهِدَةِ صاحِبِ اللَّذَّةِ، وتَرْكِهِ مَحابَّهُ لِلَّهِ، وإيثارِهِ رِضى اللَّهِ عَلى هَواهُ؟ وبِهَذا كانَ النَّوْعُ الإنْسانِيُّ أفْضَلَ مِنَ النَّوْعِ المَلَكِيِّ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ وكانُوا خَيْرَ البَرِيَّةِ. والمُطْمَئِنُّ قَدِ اسْتَراحَ مِن ألَمِ هَذِهِ المُجاهَدَةِ وعُوفِيَ مِنها، فَبَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ ما بَيْنَ دَرَجَةِ المُعافى والمُبْتَلى.
قِيلَ: النَّفْسُ لَها ثَلاثَةُ أحْوالٍ: الأمْرُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ اللَّوْمُ عَلَيْهِ والنَّدَمُ مِنهُ، ثُمَّ الطُّمَأْنِينَةُ إلى رَبِّها والإقْبالُ بِكُلِّيَّتِها عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالُ أعْلى أحْوالِها، وأرْفَعُها وهي الَّتِي يُشَمِّرُ إلَيْها المُجاهِدُ، وما يَحْصُلُ لَهُ مِن ثَوابِ مُجاهَدَتِهِ وصَبْرِهِ فَهو لِتَشْمِيرِهِ إلى دَرَجَةِ الطُّمَأْنِينَةِ إلى اللَّهِ، فَهو بِمَنزِلَةِ راكِبِ القِفارِ، والمَهامِهِ والأهْوالِ لِيَصِلَ إلى البَيْتِ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِرُؤْيَتِهِ والطَّوافِ بِهِ، والآخَرُ بِمَنزِلَةِ مَن هو مَشْغُولٌ بِهِ طائِفًا وقائِمًا، وراكِعًا وساجِدًا، لَيْسَ لَهُ التِفاتٌ إلى غَيْرِهِ، فَهَذا مَشْغُولٌ بِالغايَةِ، وذاكَ بِالوَسِيلَةِ، وكُلٌّ لَهُ أجْرٌ، ولَكِنْ بَيْنَ أجْرِ الغاياتِ وأجْرِ الوَسائِلِ بَوْنٌ.
وَما يَحْصُلُ لِلْمُطْمَئِنِّ مِنَ الأحْوالِ والعُبُودِيَّةِ والإيمانِ فَوْقَ ما يَحْصُلُ لِهَذا المُجاهِدِ نَفْسَهُ في ذاتِ اللَّهِ، وإنْ كانَ أكْثَرَ عَمَلًا، فَقَدْرُ عَمَلِ المُطْمَئِنِّ المُنِيبِ بِجُمْلَتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ أعْظَمُ، وإنْ كانَ هَذا المُجاهِدُ أكْثَرَ عَمَلًا، وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، فَما سَبَقَ الصِّدِّيقُ الصَّحابَةَ بِكَثْرَةِ عَمَلٍ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن هو أكْثَرُ صِيامًا وحَجًّا وقِراءَةً وصَلاةً مِنهُ، ولَكِنْ بِأمْرٍ آخَرَ قامَ بِقَلْبِهِ، حَتّى إنَّ أفْضَلَ الصَّحابَةِ كانَ يُسابِقُهُ ولا يَراهُ إلّا أمامَهُ.
وَلَكِنَّ عُبُودِيَّةَ مُجاهِدِ نَفْسِهِ عَلى لَذَّةِ الذَّنْبِ والشَّهْوَةِ قَدْ تَكُونُ أشَقَّ، ولا يَلْزَمُ مِن مَشَقَّتِها تَفْضِيلُها في الدَّرَجَةِ، فَأفْضَلُ الأعْمالِ الإيمانُ بِاللَّهِ، والجِهادُ أشَقُّ مِنهُ وهو تالِيهِ في الدَّرَجَةِ، ودَرَجَةُ الصِّدِّيقِينَ أعْلى مِن دَرَجَةِ المُجاهِدِينَ والشُّهَداءِ، وفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الشُّهَداءَ فَقالَ «إنَّ أكْثَرَ شُهَداءِ أُمَّتِي لَأصْحابُ الفُرُشِ، ورُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ اللَّهُ أعْلَمُ بِنِيَّتِهِ».
[فَصْلٌ عَلاماتُ الإنابَةِ]
وَمِن عَلاماتِ الإنابَةِ تَرْكُ الِاسْتِهانَةِ بِأهْلِ الغَفْلَةِ والخَوْفُ عَلَيْهِمْ، مَعَ فَتْحِكَ بابَ الرَّجاءِ لِنَفْسِكَ، فَتَرْجُو لِنَفْسِكَ الرَّحْمَةَ، وتَخْشى عَلى أهْلِ الغَفْلَةِ النِّقْمَةَ، ولَكِنِ ارْجُ لَهُمُ الرَّحْمَةَ، واخْشَ عَلى نَفْسِكَ النِّقْمَةَ، فَإنْ كُنْتَ لا بُدَّ مُسْتَهِينًا بِهِمْ ماقِتًا لَهم لِانْكِشافِ أحْوالِهِمْ لَكَ، ورُؤْيَةِ ما هم عَلَيْهِ، فَكُنْ لِنَفْسِكَ أشَدَّ مَقْتًا مِنكَ لَهُمْ، وكُنْ أرْجى لَهم لِرَحْمَةِ اللَّهِ مِنكَ لِنَفْسِكَ.
قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَنْ تَفْقَهَ كُلَّ الفِقْهِ حَتّى تَمْقُتَ النّاسَ في ذاتِ اللَّهِ، ثُمَّ تَرْجِعَ إلى نَفْسِكَ فَتَكُونَ لَها أشَدَّ مَقْتًا.
وَهَذا الكَلامُ لا يَفْقَهُ مَعْناهُ إلّا الفَقِيهُ في دِينِ اللَّهِ، فَإنَّ مَن شَهِدَ حَقِيقَةَ الخَلْقِ، وعَجْزَهم وضَعْفَهم وتَقْصِيرَهُمْ، بَلْ تَفْرِيطَهُمْ، وإضاعَتَهم لِحَقِّ اللَّهِ، وإقْبالَهم عَلى غَيْرِهِ، وبَيْعَهم حَظَّهم مِنَ اللَّهِ بِأبْخَسِ الثَّمَنِ مِن هَذا العاجِلِ الفانِي لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِن مَقْتِهِمْ، ولا يُمْكِنُهُ غَيْرُ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، ولَكِنْ إذا رَجَعَ إلى نَفْسِهِ وحالِهِ وتَقْصِيرِهِ، وكانَ عَلى بَصِيرَةٍ مِن ذَلِكَ كانَ لِنَفْسِهِ أشَدَّ مَقْتًا واسْتِهانَةً، فَهَذا هو الفَقِيهُ.
وَأمّا الِاسْتِقْصاءُ في رُؤْيَةِ عِلَلِ الخِدْمَةِ فَهو التَّفْتِيشُ عَمّا يَشُوبُها مِن حُظُوظِ النَّفْسِ، وتَمْيِيزُ حَقِّ الرَّبِّ مِنها مِن حَظِّ النَّفْسِ، ولَعَلَّ أكْثَرَها أوْ كُلَّها أنْ تَكُونَ حَظًّا لِنَفْسِكَ وأنْتَ لا تَشْعُرُ.
فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَمْ في النُّفُوسِ مِن عِلَلٍ وأغْراضٍ وحُظُوظٍ تَمْنَعُ الأعْمالَ أنْ تَكُونَ لِلَّهِ خالِصَةً، وأنْ تَصِلَ إلَيْهِ؟ وإنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ العَمَلَ حَيْثُ لا يَراهُ بَشَرٌ ألْبَتَّةَ، وهو غَيْرُ خالِصٍ لِلَّهِ، ويَعْمَلُ العَمَلَ والعُيُونُ قَدِ اسْتَدارَتْ عَلَيْهِ نِطاقًا، وهو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا يُمَيِّزُ هَذا إلّا أهْلُ البَصائِرِ وأطِبّاءُ القُلُوبِ العالِمُونَ بِأدْوائِها وعِلَلِها.
فَبَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَ القَلْبِ مَسافَةٌ، وفي تِلْكَ المَسافَةِ قُطّاعٌ تَمْنَعُ وصُولَ العَمَلِ إلى القَلْبِ، فَيَكُونُ الرَّجُلُ كَثِيرَ العَمَلِ، وما وصَلَ مِنهُ إلى قَلْبِهِ مَحَبَّةٌ ولا خَوْفٌ ولا رَجاءٌ، ولا زُهْدٌ في الدُّنْيا ولا رَغْبَةٌ في الآخِرَةِ، ولا نُورٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ وأعْدائِهِ، وبَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولا قُوَّةٌ في أمْرِهِ، فَلَوْ وصَلَ أثَرُ الأعْمالِ إلى قَلْبِهِ لاسْتَنارَ وأشْرَقَ، ورَأى الحَقَّ والباطِلَ، ومَيَّزَ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ وأعْدائِهِ، وأوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ المَزِيدَ مِنَ الأحْوالِ.
ثُمَّ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ الرَّبِّ مَسافَةٌ، وعَلَيْها قُطّاعٌ تَمْنَعُ وصُولَ العَمَلِ إلَيْهِ، مِن كِبْرٍ وإعْجابٍ وإدْلالٍ، ورُؤْيَةِ العَمَلِ، ونِسْيانِ المِنَّةِ، وعِلَلٍ خَفِيَّةٍ لَوِ اسْتَقْصى في طَلَبِها لَرَأى العَجَبَ، ومِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى سَتْرُها عَلى أكْثَرِ العُمّالِ، إذْ لَوْ رَأوْها وعايَنُوها لَوَقَعُوا فِيما هو أشَدُّ مِنها، مِنَ اليَأْسِ والقُنُوطِ والِاسْتِحْسارِ، وتَرْكِ العَمَلِ، وخُمُودِ العَزْمِ، وفُتُورِ الهِمَّةِ، ولِهَذا لَمّا ظَهَرَتْ " رِعايَةُ " أبِي عَبْدِ اللَّهِ الحارِثِ بْنِ أسَدٍ المُحاسِبِيِّ واشْتَغَلَ بِها العُبّادُ عُطِّلَتْ مِنهم مَساجِدُ كانُوا يَعْمُرُونَها بِالعِبادَةِ. والطَّبِيبُ الحاذِقُ يَعْلَمُ كَيْفَ يُطَبِّبُ النُّفُوسَ، فَلا يَعْمُرُ قَصْرًا ويَهْدِمُ مِصْرًا.
(فَصْلٌ)
قالَ: وإنَّما يَسْتَقِيمُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ حالًا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِالإياسِ مِن عَمَلِكَ، وبِمُعايَنَةِ اضْطِرارِكَ، وشَيْمِ بَرْقِ لُطْفِهِ بِكَ.
الإياسُ مِنَ العَمَلِ يُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ:
أحَدِهِما: أنَّهُ إذا نَظَرَ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ إلى الفاعِلِ الحَقِّ، والمُحَرِّكِ الأوَّلِ، وأنَّهُ لَوْلا مَشِيئَتُهُ لَما كانَ مِنكَ فِعْلٌ، فَمَشِيئَتُهُ أوْجَبَتْ فِعْلَكَ لا مَشِيئَتَكَ بَقِيَ بِلا فِعْلٍ. فَهاهُنا تَنْفَعُ مُشاهَدَةُ القَدَرِ، والفَناءُ عَنْ رُؤْيَةِ الأعْمالِ.
والثّانِي: أنْ تَيْأسَ مِنَ النَّجاةِ بِعَمَلِكَ، وتَرى النَّجاةَ إنَّما هي بِرَحْمَتِهِ تَعالى وعَمَلِهِ وفَضْلِهِ، كَما في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» فالمَعْنى الأوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِبِدايَةِ الفِعْلِ، والثّانِي بِغايَتِهِ ومَآلِهِ.
وَأمّا مُعايَنَةُ الِاضْطِرارِ فَإنَّهُ إذا أيِسَ مِن عَمَلِهِ بِدايَةً، وأيِسَ مِنَ النَّجاةِ بِهِ نِهايَةً، شَهِدَ بِهِ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِنهُ ضَرُورَةً تامَّةً إلَيْهِ، ولَيْسَتْ ضَرُورَتُهُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ وحْدَها، بَلْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وجِهاتُ ضَرُورَتِهِ لا تَنْحَصِرُ بِعَدَدٍ، ولا لَها سَبَبٌ، بَلْ هو مُضْطَرٌّ إلَيْهِ بِالذّاتِ، كَما أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ غَنِيٌّ بِالذّاتِ، فَإنَّ الغِنى وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلرَّبِّ، والفَقْرَ والحاجَةَ والضَّرُورَةَ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلْعَبْدِ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:
؎والفَقْرُ لِي وصْفُ ذاتٍ لازِمٌ أبَدًا ∗∗∗ كَما الغِنى أبَدًا وصْفٌ لَهُ ذاتِيٌّ
وَأمّا شَيْمُ بَرْقِ لُطْفِهِ بِكَ فَإنَّهُ إذا تَحَقَّقَ لَهُ قُوَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وأيِسَ مِن عَمَلِهِ والنَّجاةِ بِهِ، نَظَرَ إلى ألْطافِ اللَّهِ وشامَ بِرْقَها، وعَلِمَ أنَّ كُلَّ ما هو فِيهِ وما يَرْجُوهُ وما تَقَدَّمَ لَهُ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِهِ، ومِنَّةٌ مَنَّ بِها عَلَيْهِ، وصَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بِها عَلَيْهِ بِلا سَبَبٍ مِنهُ، إذْ هو المُحْسِنُ بِالسَّبَبِ والمُسَبَّبِ، والأمْرُ لَهُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، وهو الأوَّلُ والآخِرُ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ.
الروم 30:41
[فَصْلٌ: الذُّنُوبُ تُحْدِثُ الفَسادَ في الأرْضِ]
وَمِن آثارِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي: أنَّها تُحْدِثُ في الأرْضِ أنْواعًا مِنَ الفَسادِ في المِياهِ والهَواءِ، والزَّرْعِ، والثِّمارِ، والمَساكِنِ، قالَ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
قالَ مُجاهِدٌ: إذا ولِيَ الظّالِمُ سَعى بِالظُّلْمِ والفَسادِ فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ القَطْرَ، فَيَهْلِكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
ثُمَّ قالَ: أما واللَّهِ ما هو بَحْرُكم هَذا، ولَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلى ماءٍ جارٍ فَهو بَحْرٌ.
وَقالَ عِكْرِمَةُ: ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ، أما إنِّي لا أقُولُ لَكُمْ: بَحْرُكم هَذا، ولَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلى ماءٍ.
وَقالَ قَتادَةُ: أمّا البَرُّ فَأهْلُ العَمُودِ، وأمّا البَحْرُ فَأهْلُ القُرى والرِّيفِ، قُلْتُ: وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى الماءَ العَذْبَ بَحْرًا، فَقالَ: ﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢].
وَلَيْسَ في العالَمِ بَحْرٌ حُلْوٌ واقِفٌ، وإنَّما هي الأنْهارُ الجارِيَةُ، والبَحْرُ المالِحُ هو السّاكِنُ، فَسَمّى القُرى الَّتِي عَلَيْها المِياهُ الجارِيَةُ بِاسْمِ تِلْكَ المِياهِ.
وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ قالَ: الذُّنُوبُ.
قُلْتُ: أرادَ أنَّ الذُّنُوبَ سَبَبُ الفَسادِ الَّذِي ظَهَرَ، وإنْ أرادَ أنَّ الفَسادَ الَّذِي ظَهَرَ هو الذُّنُوبُ نَفْسُها فَتَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لامَ العاقِبَةِ والتَّعْلِيلِ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالفَسادِ: النَّقْصُ والشَّرُّ والآلامُ الَّتِي يُحْدِثُها اللَّهُ في الأرْضِ عِنْدَ مَعاصِي العِبادِ، فَكُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا أحْدَثَ اللَّهُ لَهم عُقُوبَةً، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ:
كُلَّما أحْدَثْتُمْ ذَنْبًا أحْدَثَ اللَّهُ لَكم مِن سُلْطانِهِ عُقُوبَةً.
والظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الفَسادَ المُرادَ بِهِ الذُّنُوبُ ومُوجِباتُها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَهَذا حالُنا، وإنَّما أذاقَنا الشَّيْءَ اليَسِيرَ مِن أعْمالِنا، ولَوْ أذاقَنا كُلَّ أعْمالِنا لَما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ.
وَمِن تَأْثِيرِ مَعاصِي اللَّهِ في الأرْضِ ما يَحِلُّ بِها مِنَ الخَسْفِ والزَّلازِلِ، ويَمْحَقُ بَرَكَتَها، وقَدْ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى دِيارِ ثَمُودَ، فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ دِيارِهِمْ إلّا وهم باكُونَ، ومِن شُرْبِ مِياهِهِمْ، ومِنَ الِاسْتِسْقاءِ مِن آبارِهِمْ، حَتّى أمَرَ أنْ لا يُعْلَفَ العَجِينُ الَّذِي عُجِنَ بِمِياهِهِمْ لِلنَّواضِحِ، لِتَأْثِيرِ شُؤْمِ المَعْصِيَةِ في الماءِ»
وَكَذَلِكَ شُؤْمِ تَأْثِيرِ الذُّنُوبِ في نَقْصِ الثِّمارِ وما تَرى بِهِ مِنَ الآفاتِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ في ضِمْنِ حَدِيثٍ قالَ: وُجِدَتْ في خَزائِنَ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ، حِنْطَةٌ، الحَبَّةُ بِقَدْرِ نَواةِ التَّمْرَةِ، وهي في صُرَّةٍ مَكْتُوبٌ عَلَيْها: كانَ هَذا يَنْبُتُ في زَمَنٍ مِنَ العَدْلِ، وكَثِيرٌ مِن هَذِهِ الآفاتِ أحْدَثَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما أحْدَثَ العِبادُ مِنَ الذُّنُوبِ.
وَأخْبَرَنِي جَماعَةٌ مِن شُيُوخِ الصَّحْراءِ أنَّهم كانُوا يَعْهَدُونَ الثِّمارَ أكْبَرَ مِمّا هي الآنَ، وكَثِيرٌ مِن هَذِهِ الآفاتِ الَّتِي تُصِيبُها لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَها، وإنَّما حَدَثَتْ مِن قُرْبٍ.
تَأْثِيرُ الذُّنُوبِ في الصُّوَرِ.
وَأمّا تَأْثِيرُ الذُّنُوبِ في الصُّوَرِ والخَلْقِ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وطُولُهُ في السَّماءِ سِتُّونَ ذِراعًا، ولَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتّى الآنَ».
فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ الأرْضَ مِنَ الظَّلَمَةِ والخَوَنَةِ والفَجَرَةِ، يُخْرِجُ عَبْدًا مِن عِبادِهِ مِن أهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ ﷺ فَيَمْلَأُ الأرْضَ قِسْطًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَقْتُلُ المَسِيحُ اليَهُودَ والنَّصارى، ويُقِيمُ الدِّينَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وتُخْرِجَ الأرْضُ بَرَكاتِها، وتَعُودُ كَما كانَتْ، حَتّى إنَّ العِصابَةَ مِنَ النّاسِ لَيَأْكُلُونِ الرُّمّانَةَ ويَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِها، ويَكُونُ العُنْقُودُ مِنَ العِنَبِ وقْرَ بَعِيرٍ، ولَبَنُ اللِّقْحَةِ الواحِدَةِ لَتَكْفِي الفِئامَ مِنَ النّاسِ، وهَذِهِ لِأنَّ الأرْضَ لَمّا طَهُرَتْ مِنَ المَعاصِي ظَهَرَتْ فِيها آثارُ البَرَكَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مَحَقَتْها الذُّنُوبُ والكُفْرُ، ولا رَيْبَ أنَّ العُقُوباتِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ في الأرْضِ بَقِيَتْ آثارُها سارِيَةً في الأرْضِ تَطْلُبُ ما يُشاكِلُها مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي هي آثارُ تِلْكَ الجَرائِمِ الَّتِي عُذِّبَتْ بِها الأُمَمُ، فَهَذِهِ الآثارُ في الأرْضِ مِن آثارِ تِلْكَ العُقُوباتِ، كَما أنَّ هَذِهِ المَعاصِي مِن آثارِ تِلْكَ الجَرائِمِ، فَتَناسَبَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ وحُكْمَهُ الكَوْنِيُّ أوَّلًا وآخِرًا، وكانَ العَظِيمُ مِنَ العُقُوبَةِ لِلْعَظِيمِ مِنَ الجِنايَةِ، والأخَفُّ لِلْأخَفِّ.
وَهَكَذا يَحْكُمُ سُبْحانَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ في دارِ البَرْزَخِ ودارِ الجَزاءِ.
وَتَأمَّلْ مُقارَنَةَ الشَّيْطانِ ومَحِلَّهُ ودارَهُ، فَإنَّهُ لَمّا قارَنَ العَبْدَ واسْتَوْلى عَلَيْهِ نُزِعَتِ البَرَكَةُ مِن عُمُرِهِ، وعَمَلِهِ، وقَوْلِهِ، ورِزْقِهِ، ولَمّا أثَّرَتْ طاعَتُهُ في الأرْضِ ما أثَّرَتْ، ونُزِعَتِ البَرَكَةُ مِن كُلِّ مَحِلٍّ ظَهَرَتْ فِيهِ طاعَتُهُ، وكَذَلِكَ مَسَكْنُهُ لَمّا كانَ الجَحِيمَ لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ مِنَ الرُّوحِ والرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ.
(فصل)
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ، وأحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَهو عِنْدَ مَبْدَأِ خَلْقِهِ بَرِيءٌ مِنَ الآفاتِ والعِلَلِ، تامُّ المَنفَعَةِ لِما هُيِّئَ وخُلِقَ لَهُ، وإنَّما تَعْرِضُ لَهُ الآفاتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأُمُورٍ أُخَرَ مِن مُجاوَرَةٍ أوِ امْتِزاجٍ واخْتِلاطٍ، أوْ أسْبابٍ أُخَرَ تَقْتَضِي فَسادَهُ، فَلَوْ تُرِكَ عَلى خِلْقَتِهِ الأصْلِيَّةِ مِن غَيْرِ تَعَلُّقِ أسْبابِ الفَسادِ بِهِ لَمْ يَفْسُدْ.
وَمَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأحْوالِ العالَمِ ومَبْدَئِهِ يَعْرِفُ أنَّ جَمِيعَ الفَسادِ في جَوِّهِ ونَباتِهِ وحَيَوانِهِ، وأحْوالِ أهْلِهِ حادِثٌ بَعْدَ خَلْقِهِ بِأسْبابٍ اقْتَضَتْ حُدُوثَهُ، ولَمْ تَزَلْ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ومُخالَفَتُهم لِلرُّسُلِ تُحْدِثُ لَهم مِنَ الفَسادِ العامِّ والخاصِّ ما يَجْلِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلامِ والأمْراضِ، والأسْقامِ، والطَّواعِينِ، والقُحُوطِ والجُدُوبِ، وسَلْبِ بَرَكاتِ الأرْضِ وثِمارِها ونَباتِها وسَلْبِ مَنافِعِها أوْ نُقْصانِها أُمُورًا مُتَتابِعَةً يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا، فَإنْ لَمْ يَتَّسِعْ عِلْمُكَ لِهَذا فاكْتَفِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾
وَنَزِّلْ هَذِهِ الآيَةَ عَلى أحْوالِ العالَمِ وطابِقْ بَيْنَ الواقِعِ وبَيْنَها، وأنْتَ تَرى كَيْفَ تَحْدُثُ الآفاتُ والعِلَلُ كُلَّ وقْتٍ في الثِّمارِ والزَّرْعِ والحَيَوانِ، وكَيْفَ يَحْدُثُ مِن تِلْكَ الآفاتِ آفاتٌ أُخَرُ مُتَلازِمَةٌ، بَعْضُها آخِذٌ بِرِقابِ بَعْضٍ، وكُلَّما أحْدَثَ النّاسُ ظُلْمًا وفُجُورًا، أحْدَثَ لَهم رَبُّهم تَبارَكَ وتَعالى مِنَ الآفاتِ والعِلَلِ في أغْذِيَتِهِمْ وفَواكِهِهِمْ، وأهْوِيَتِهِمْ ومِياهِهِمْ، وأبْدانِهِمْ وخَلْقِهِمْ، وصُوَرِهِمْ وأشْكالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ مِنَ النَّقْصِ والآفاتِ ما هو مُوجَبُ أعْمالِهِمْ وظُلْمِهِمْ وفُجُورِهِمْ.
وَلَقَدْ كانَتِ الحُبُوبُ مِنَ الحِنْطَةِ وغَيْرِها أكْبَرَ مِمّا هي اليَوْمَ، كَما كانَتِ البَرَكَةُ فِيها أعْظَمَ.
وَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ بِإسْنادِهِ: أنَّهُ وجَدَ في خَزائِنِ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ صُرَّةً فِيها حِنْطَةٌ أمْثالُ نَوى التَّمْرِ مَكْتُوبٌ عَلَيْها: هَذا كانَ يَنْبُتُ أيّامَ العَدْلِ. وهَذِهِ القِصَّةُ، ذَكَرَها في " مُسْنَدِهِ " عَلى أثَرِ حَدِيثٍ رَواهُ.
وَأكْثَرُ هَذِهِ الأمْراضِ والآفاتِ العامَّةِ بَقِيَّةُ عَذابٍ عُذِّبَتْ بِهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ، ثُمَّ بَقِيَتْ مِنها بَقِيَّةٌ مُرْصَدَةٌ لِمَن بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِن أعْمالِهِمْ، حَكَمًا قِسْطًا، وقَضاءً عَدْلًا، وقَدْ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى هَذا بِقَوْلِهِ في الطّاعُونِ: «إنَّهُ بَقِيَّةُ رِجْزٍ أوْ عَذابٍ أُرْسِلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ».
وَكَذَلِكَ سَلَّطَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الرِّيحَ عَلى قَوْمٍ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ، ثُمَّ أبْقى في العالَمِ مِنها بَقِيَّةً في تِلْكَ الأيّامِ، وفي نَظِيرِها عِظَةٌ وعِبْرَةٌ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أعْمالَ البَرِّ والفاجِرِ مُقْتَضِياتٍ لِآثارِها في هَذا العالَمِ اقْتِضاءً لا بُدَّ مِنهُ، فَجَعَلَ مَنعَ الإحْسانِ والزَّكاةِ والصَّدَقَةِ سَبَبًا لِمَنعِ الغَيْثِ مِنَ السَّماءِ، والقَحْطِ والجَدْبِ، وجَعَلَ ظُلْمَ المَساكِينِ، والبَخْسَ في المَكايِيلِ والمَوازِينِ، وتَعَدِّي القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ سَبَبًا لِجَوْرِ المُلُوكِ والوُلاةِ الَّذِينَ لا يَرْحَمُونَ إنِ اسْتُرْحِمُوا، ولا يَعْطِفُونَ إنِ اسْتُعْطِفُوا، وهم في الحَقِيقَةِ أعْمالُ الرَّعايا ظَهَرَتْ في صُوَرِ وُلاتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِحِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ يُظْهِرُ لِلنّاسِ أعْمالَهم في قَوالِبَ وصُوَرٍ تُناسِبُها، فَتارَةً بِقَحْطٍ وجَدْبٍ، وتارَةً بِعَدُوٍّ، وتارَةً بِوُلاةٍ جائِرِينَ، وتارَةً بِأمْراضٍ عامَّةٍ، وتارَةً بِهُمُومٍ وآلامٍ وغُمُومٍ تُحْضِرُها نُفُوسُهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها، وتارَةً بِمَنعِ بَرَكاتِ السَّماءِ والأرْضِ عَنْهُمْ، وتارَةً بِتَسْلِيطِ الشَّياطِينِ عَلَيْهِمْ تَؤُزُّهم إلى أسْبابِ العَذابِ أزًّا لِتَحِقَّ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ، ولِيَصِيرَ كُلٌّ مِنهم إلى ما خُلِقَ لَهُ، والعاقِلُ يُسَيِّرُ بَصِيرَتَهُ بَيْنَ أقْطارِ العالَمِ فَيُشاهِدُهُ، ويَنْظُرُ مَواقِعَ عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، وحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَهُ أنَّ الرُّسُلَ وأتْباعَهم خاصَّةً عَلى سَبِيلِ النَّجاةِ، وسائِرُ الخَلْقِ عَلى سَبِيلِ الهَلاكِ سائِرُونَ، وإلى دارِ البَوارِ صائِرُونَ، واللُّهُ بالِغٌ أمْرَهُ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا رادَّ لِأمْرِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(موعظة)
اقشعرّت الأرْض وأظلمت السَّماء وظهر الفساد في البر والبَحْر من ظلم الفجرة، وذَهَبت البركات، وقلّت الخيرات، وهُزلت الوحوش، وتكدرت الحَياة من فسق الظلمَة، وبكى ضوء النَّهار، وظلمة اللَّيْل من الأعْمال الخبيثة، والأفْعال الفظيعة، وشكا الكِرام الكاتبون والمعقبات إلى رَبهم من كَثْرَة الفَواحِش، وغَلَبَة المُنْكَرات والقبائح.
وَهَذا والله مُنْذر بسيل عَذاب قد انْعَقَد غمامه، ومؤذن بلَيْل بلاء قد ادلهمّ ظلامه، فاعزلوا عَن طَرِيق هَذا السَّبِيل بتوبة نصوح ما دامَت التَّوْبَة مُمكنَة وبابها مَفْتُوح، وكأنكم بِالبابِ وقد أغلق، وبالرهن وقد غلق، وبالجناح وقد علق ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون﴾.
الروم 30:46
(فصل)
وَتسَمى رياح الرَّحْمَة المُبَشِّرات، والنشر والذاريات والمرسلات والرخاء واللواقع ورياح العَذاب العاصف والقاصف وهما في البَحْر والعقيم والصرصر وهما في البر وإن شاءَ حركه بحركة العَذاب فَجعله عقيما وأودعه عذابا اليما وجعله نقمة على من يَشاء من عباده فَيَجْعَلهُ صَرْصَرًا ونحسا وعاتيا ومفسدا لما يمر عَلَيْهِ وهِي مُخْتَلفَة في مهابها فَمِنها صبا ودبور وجنوب وشمال وفي مَنفَعَتها وتأثيرها أعظم اخْتِلاف فريح لينَة رطبَة تغذي النَّبات وأبدان الحَيَوان وأخرى تجففه وأخرى تهلكه وتعطبه وأُخْرى تشده وتصلبه وأُخْرى توهنه وتضعفه.
وَلِهَذا يخبر سُبْحانَهُ عَن رياح الرَّحْمَة بِصِيغَة الجمع لاخْتِلاف مَنافِعها وما يحدث مِنها فريح تثير السَّحاب وريح تلقحه وريح تحمله على متونها وريح تغذي النَّبات، ولما كانَت الرِّياح مُخْتَلفَة في مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحًا مقابلتها تكسر سورتها وحدتها ويبقى لينها ورحمتها فرياح الرَّحْمَة مُتعَدِّدَة، وأما ريح العَذاب فَإنَّهُ ريح واحِدَة ترسل من وجه واحِد لإهلاك ما ترسل بإهلاكه فلاتقوم لَها ريح أخرى تقابلها وتكسر سورتها وتدفع حدتها بل تكون كالجيش العَظِيم الَّذِي لا يقاومه شَيْء يدمر كل ما أتى عَلَيْهِ وتَأمل حِكْمَة القُرْآن وجلالته وفصاحته كَيفَ طرد هَذا في البر، وأما في البَحْر فَجاءَت ريح الرَّحْمَة فِيهِ بِلَفْظ الواحِد كَقوله تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم في البر والبَحْر حَتّى إذا كُنْتُم في الفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مَكان﴾
فَإن السفن إنَّما تسير بِالرِّيحِ الواحِدَة الَّتِي تَأتي من وجه واحِد فَإذا اخْتلفت الرِّياح على السفن وتقابلت لم يتم سَيرها فالمقصود مِنها في البَحْر خلاف المَقْصُود مِنها في البر إذْ المَقْصُود في البَحْر أن تكون واحِدَة طيبَة لا يعارضها شَيْء، فأفردت هُنا وجمعت في البر، ثمَّ إنه سُبْحانَهُ أعطى هَذا المَخْلُوق اللَّطِيف الَّذِي يحركه أضعف المَخْلُوقات ويخرقه من الشدَّة والقُوَّة والبأس ما يقلق بِهِ الأجسام الصلبة القوية الممتنعة ويزعجها عَن أماكنها ويفتتها ويحملها على مَتنه فانْظُر إليه مَعَ لطافته وخِفته إذا دخل في الزق مثلا وامتلأ بِهِ ثمَّ وضع عَلَيْهِ الجِسْم الثقيل كالرّجلِ وغَيره وتحامل عَلَيْهِ ليغمسه في الماء لم يطق، ويَضَع الحَدِيد الصلب الثقيل على وجه الماء فيرسب فِيهِ فامْتنعَ هَذا اللَّطِيف من قهر الماء لَهُ، ولم يمْتَنع مِنهُ القوي الشَّديد وبهذه الحِكْمَة أمسك الله سُبْحانَهُ السفن على وجه الماء مَعَ ثقلها وثقل ما تحويه، وكَذَلِكَ كل مجوف حل فِيهِ الهَواء فَإنَّهُ لا يرسب فِيهِ لأن الهَواء يمْتَنع من الغوس في الماء فتتعلق بِهِ السَّفِينَة المشحونة الموقرة.
فَتَأمل كَيفَ استجار هَذا الجِسْم الثقيل العَظِيم بِهَذا اللَّطِيف الخَفِيف وتعلق بِهِ حَتّى أمن من الغَرق وهَذا كالَّذي يهوي في قليب فَيتَعَلَّق بذيل رجل قوي شَدِيد يمْتَنع عَن السُّقُوط في القليب فينجو بتعلقه بِهِ فسبحان من علق هَذا المركب العَظِيم الثقيل بِهَذا الهَواء اللَّطِيف من غير علاقَة ولا عقدة تشاهد، ومن آياته السَّحاب المسخر بَين السَّماء والأرض كَيفَ ينشئه سُبْحانَهُ بالرياح فتثيره كسيفا ثمَّ يؤلف بَينه ويضم بعضه إلى بعض ثمَّ تلقحه الرّيح وهِي الَّتِي سَمّاها سُبْحانَهُ لَواقِح ثمَّ يَسُوقهُ على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه فَإذا علاها واستوى عَلَيْها إهراق ماءَهُ عليها، فَيُرْسل سُبْحانَهُ عَلَيْهِ الرّيح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لِئَلّا يُؤْذِي ويهدم ما ينزل عَلَيْهِ بجملته حَتّى إذا رويت وأخذت حاجَتها مِنهُ أقلع عَنْها وفارقها فَهي روايا الأرض مَحْمُولَة على ظُهُور الرِّياح.
وَفِي التِّرْمِذِيّ وغَيره أن النَّبِي لما رأى السَّحاب قالَ هَذِه روايا الأرض يَسُوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يذكرُونَهُ فالسحاب حامِل رزق العباد وغَيرهم الَّتِي عَلَيْها ميرتهم وكانَ الحسن إذا رأى السَّحاب قالَ في هَذا والله رزقكم ولَكِنَّكم تحرموه بخطاياكم وذنوبكم".
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي قالَ:
"بَينا رجل بفلاة من الأرض إذْ سمع صَوتا في سَحابَة اسْقِ حديقة فلان فَمر الرجل مَعَ السحابة حَتّى أتت على حديقة فَلَمّا توسطتها أفرغت فِيها ماءها، فَإذا بِرَجُل مَعَه مسحاة يسحي الماء بها فَقالَ: ما اسْمك يا عبد الله؟
قالَ فلان للاسم الَّذِي سَمعه في السحابة"
وَبِالجُمْلَةِ فَإذا تَأمَّلت السَّحاب الكثيف المظلم كَيفَ تراهُ يجْتَمع في جو صاف لا كدورة فِيهِ، وكَيف يخلقه الله مَتى شاءَ وإذا شاءَ وهو مَعَ لينه ورخاوته حامِل للْماء الثقيل بَين السَّماء والأرْض، إلى أن يَأْذَن لَهُ ربه وخالقه في إرسال ما مَعَه من الماء فيرسله وينزله مِنهُ مقطعا بالقطرات كل قَطْرَة بِقدر مَخْصُوص اقتضته حكمته ورَحمته فيرش السَّحاب الماء على الأرض رشا ويرسله قطرات مفصلة لاتختلط قَطْرَة مِنها بأخرى، ولا يتَقَدَّم متأخرها ولا يتَأخَّر متقدمها ولا تدْرك القطرة صاحبتها فتمزج بها بل تنزل كل واحِدَة في الطَّرِيق الَّذِي رسم لَها لا تعدل عَنهُ حَتّى تصيب الأرض قَطْرَة قَطْرَة قد عينت كل قَطْرَة مِنها لجزء من الأرض لا تتعداه إلى غَيره، فَلَو اجْتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا مِنها قَطْرَة واحِدَة أوْ يحصوا عدد القطر في لَحْظَة واحِدَة لعجزوا عَنهُ.
فَتَأمل كَيفَ يَسُوقهُ سُبْحانَهُ رزقا للعباد والدَّواب والطير والذر والنمل يَسُوقهُ رزقا للحيوان الفُلانِيّ في الأرض الفُلانِيَّة بِجانِب الجَبَل الفُلانِيّ فيصل إليه على شدَّة من الحاجة والعطش في وقت كَذا وكَذا، ثمَّ كَيفَ أودعه في الأرض ثمَّ أخرج بِهِ أنواع الأغذية والأدوية والأقوات.
الروم 30:54
اعلم أن الإنسان بعد الأرْبَعين يَأْخُذ في النُّقْصان وضعف القوى على التدريج كَما أخذ في زيادتها على التدريج قالَ الله تَعالى ﴿الله الَّذِي خَلقكُم من ضعف ثمَّ جعل من بعد ضعف قُوَّة ثمَّ جعل من بعد قُوَّة ضعفا وشَيْبَة﴾
فقوته بَين ضعفين وحياته بَين موتين فَهو أولا نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ جَنِينا ما دامَ في البَطن فَإذا خرج فَهو وليد فَما لم يستتم سَبْعَة أيّام فَهو صديغ بالغين المُعْجَمَة لِأنَّهُ لم يشْتَد صُدْغه ثمَّ ما دامَ يرضع فَهو رَضِيع فَإذا قطع عَنهُ اللَّبن فَهو فطيم فَإذا دب ودرج فَهو دارج قالَ الراجز
؎(يا لَيْتَني قد زرت غير خارج ∗∗∗ أم صبي قد حبا ودارج)
فَإذا بلغ طوله خَمْسَة أشبار فَهو خماسي فَإذا سَقَطت أسْنانه فَهو مثغور وقد ثفر فَإذا نَبتَت بعد سُقُوطها فَهو مثغر بِوَزْن مدكر بِالتّاءِ والثاء مَعًا فَإذا بلغ السَّبع وما قاربها فَهو مُمَيّز فَإذا بلغ العشْر فَهو مترعرع وناشئ فَإذا قارب الحلم فَهو يافع ومراهق ومناهز للحلم فَإذا بلغ فَهو بالغ فَإذا اجْتمعت قوته فَهو حزور واسْمه في جَمِيع ذَلِك غُلام ما لم يخضر شاربه فَإذا اخضر شاربه وأخذ عذاره في الطُّلُوع فَهو باقِل وقد بقل وجهه بِالتَّخْفِيفِ ثمَّ هو ما بَين ذَلِك وبَين تَكامل لحيته فَتى وشارخ بِحُصُول شرخ الشَّباب لَهُ.
قالَ الجَوْهَرِي الفَتى الشّاب والفتاة الشّابَّة ويُطلق الفَتى على المَمْلُوك وإن كانَ شَيخا كَبِيرا ومِنه الحَدِيث لا يقل أحدكُم عَبدِي وأمتِي وليقل فَتاي وفَتاتِي ويُقال الفَتى على السخي الكَرِيم فَإذا اجْتمعت لحيته فَهو شاب إلى الأرْبَعين ثمَّ يَأْخُذ في الكهولة إلى السِّتين ثمَّ يَأْخُذ في الشيخوخة فَإذا أخذ شعره في البياض قيل شاب فَإذا ازْدادَ قيل وخطه الشيب فَإذا زاد قيل شمط فَإذا غلب شَيْبه فَهو أغثم فَإذا اشتعل رَأسه ولحيته شيبا فَهو متقعوس فَإذا انحط قواه فَهو هرم فَإذا تَغَيَّرت أحْواله وظهر نَقصه فقد رد إلى أرذل العُمر فالموت أقرب إلَيْهِ من اليَد إلى الفَم.
(لطيفة)
وَتَأمَّلْ أسْماءَ السِّتَّةِ المُتَبارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَيْفَ اقْتَضى القَدَرُ مُطابَقَةَ أسْمائِهِمْ لِأحْوالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَكانَ الكُفّارُ شيبة وعتبة والوليد، ثَلاثَةُ أسْماءٍ مِنَ الضَّعْفِ، فالوليد لَهُ بِدايَةُ الضَّعْفِ، وشيبة لَهُ نِهايَةُ الضَّعْفِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾
وعتبة مِنَ العَتَبِ، فَدَلَّتْ أسَماؤُهم عَلى عَتَبٍ يَحِلُّ بِهِمْ، وضَعْفٍ يَنالُهُمْ، وكانَ أقْرانُهم مِنَ المُسْلِمِينَ علي، وعبيدة، والحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ثَلاثَةُ أسْماءٍ تُناسِبُ أوْصافَهم وهي العُلُوُّ، والعُبُودِيَّةُ، والسَّعْيُ الَّذِي هو الحَرْثُ، فَعَلَوْا عَلَيْهِمْ بِعُبُودِيَّتِهِمْ وسَعْيِهِمْ في حَرْثِ الآخِرَةِ.
الروم 30:55
(موعظة)
ما تساوي لذة سنة غم ساعة فكيف والأمر بالعكس؟!
كم في يم الغرور من تمساح فاحذر يا غائص ستعلم أيها الغريم قصتك عند علق الغرماء بك
؎إذا التقى كل ذي دين وماطلة ∗∗∗ ستعلم ليلى أي دين تداينت
من لم يتتبع بمنقاش العدل شوك الظلم من أيدي التصرف أثر ما لا يؤمن تعديه إلى القلب.
الروم 30:56
(فائِدَة عَظِيمَة)
أفضل ما اكتسبته النُّفُوس وحصلته القُلُوب العَبْد ونال بِهِ العَبْد الرّفْعَة في الدُّنْيا والآخِرَة هو العلم والإيمان ولِهَذا قرن بَينهما سُبْحانَهُ في قَوْله ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والأِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْم البَعْث﴾
وَقَوله ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجات﴾
وهؤلاهم خُلاصَة الوُجُود ولبه والمؤهلون للمراتب العالِيَة، ولَكِن أكثر النّاس غالطون في حَقِيقَة مُسَمّى العلم والإيمان اللَّذين بهما السَّعادَة والرفقة، وفي حقيقتهما حَتّى أن كل طائِفَة تظن أن ما مَعها من العلم والإيمان هو هَذا الَّذِي بِهِ تنال السَّعادَة، ولَيْسَ كَذَلِك بل أكْثَرهم لَيْسَ مَعَهم إيمان يُنجي ولا علم يرفع بل قد سدوا على نُفُوسهم طرق العلم والإيمان اللَّذين جاءَ بهما الرَّسُول ودعا إلَيْهِما الأمة، وكانَ عَلَيْهِما هو وأصْحابه من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم
فَكل طائِفَة اعتقدت أن العلم ما مَعها وفرحت و ﴿تقطعوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لديهم فَرِحُونَ﴾
وَأكْثر ما عِنْدهم كَلام وآراء وخرص والعلم وراء الكَلام، كَما قالَ حمّاد بن زيد:
قلت لأيوب: العلم اليَوْم أكثر أو فِيما تقدّم؟
فَقالَ الكَلام اليَوْم أكثر والعلم فِيما تقدم أكثر.
فَفرق هَذا الراسخ بَين العلم والكَلام، فالكتب كَثِيرَة جدا، والكَلام والجدال والمقدرات الذهنية كَثِيرَة، والعلم بمعزل عَن أكْثَرها وهو ما جاءَ بِهِ الرَّسُول عَن الله قالَ تَعالى ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ من العلم﴾
وَقالَ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَك من العلم﴾ وقالَ في القُرْآن ﴿أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي وفِيه علمه
وَلما بعد العَهْد بِهَذا العلم آل الأمر بِكَثِير من النّاس إلى أن اتَّخذُوا هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما، ووَضَعُوا فِيها الكتب، وأنفقوا فِيها الأنفاس فضيعوا فِيها الزَّمان وملأوا بها الصُّحُف مدادا، والقلوب سوادا حَتّى صرح كثير مِنهُم أنه لَيْسَ في القُرْآن والسّنة علم، وأن أدلتها لفظية لا تفِيد يَقِينا ولا علما، وصرخ الشَّيْطان بِهَذِهِ الكَلِمَة فيهم، وأذَّن بها بَين أظهرهم حَتّى أسمعها دانيهم لقاصيهم، فانسلخت بها القُلُوب من العلم والإيمان كانسلاخ الحَيَّة من قشرها، والثَّوْب عَن لابسه.
الروم 30:60
[فَصْلُ التَّمَكُّنِ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ:
(بابُ التَّمَكُّنِ) قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠].
وَجْهُ اسْتِدْلالِهِ بِالآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وهو أنَّ المُتَمَكِّنَ لا يُبالِي بِكَثْرَةِ الشَّواغِلِ، ولا بِمُخالَطَةِ أصْحابِ الغَفَلاتِ، ولا بِمُعاشَرَةِ أهْلِ البَطالاتِ، بَلْ قَدْ تَمَكَّنَ بِصَبْرِهِ ويَقِينِهِ عَنِ اسْتِفْزازِهِمْ إيّاهُ، واسْتِخْفافِهِمْ لَهُ. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠] فَمَن وفّى الصَّبْرَ حَقَّهُ، وتَيَقَّنَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لَمْ يَسْتَفِزَّهُ المُبْطِلُونَ، ولَمْ يَسْتَخِفَّهُ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ومَتى ضَعُفَ صَبْرُهُ ويَقِينُهُ أوْ كِلاهُما اسْتَفَزَّهُ هَؤُلاءِ واسْتَخَفَّهُ هَؤُلاءِ، فَجَذَبُوهُ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ ضَعْفِ قُوَّةِ صَبْرِهِ ويَقِينِهِ، فَكُلَّما ضَعُفَ ذَلِكَ مِنهُ قَوِيَ جَذْبُهم لَهُ، وكُلَّما قَوِيَ صَبْرُهُ ويَقِينُهُ قَوِيَ انْجِذابُهُ مِنهم وجَذْبُهُ لَهم.
(فَصْلٌ)
قالَ الشَّيْخُ: التَّمَكُّنُ: فَوْقَ الطُّمَأْنِينَةِ، وهو الإشارَةُ إلى غايَةِ الِاسْتِقْرارِ.
التَّمَكُّنُ هو القُدْرَةُ عَلى التَّصَرُّفِ في الفِعْلِ والتَّرْكِ، ويُسَمّى مَكانَةً أيْضًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ﴾ [الأنعام: ١٣٥] الآيَةَ.
وَأكْثَرُ ما يُطْلَقُ في اصْطِلاحِ القَوْمِ: عَلى مَنِ انْتَقَلَ إلى مَقامِ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ وهو الوُصُولُ عِنْدَهُمْ، وحَقِيقَتُهُ: ظَفَرُ العَبْدِ بِنَفْسِهِ، وهو أنْ تَتَوارى عَنْهُ أحْكامُ البَشَرِيَّةِ بِطُلُوعِ شَمْسِ الحَقِيقَةِ واسْتِيلاءِ سُلْطانِها، فَإذا دامَتْ لَهُ هَذِهِ الحالُ أوْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ فَهو صاحِبُ تَمْكِينٍ.
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: التَّمَكُّنُ: فَوْقَ الطُّمَأْنِينَةِ، وهو الإشارَةُ إلى غايَةِ الِاسْتِقْرارِ إنَّما كانَ فَوْقَ الطُّمَأْنِينَةِ؛ لِأنَّها تَكُونُ مَعَ نَوْعٍ مِنَ المُنازَعَةِ، فَيَطْمَئِنُّ القَلْبُ إلى ما يَسْكُنُهُ، وقَدْ يَتَمَكَّنُ فِيهِ وقَدْ لا يَتَمَكَّنُ، ولِذَلِكَ كانَ التَّمَكُّنُ هو غايَةُ الِاسْتِقْرارِ، وهو تَفَعُّلٌ مِنَ المَكانِ، فَكَأنَّهُ قَدْ صارَ مَقامُهُ مَكانًا لِقَلْبِهِ قَدْ تَبَوَّأهُ مَنزِلًا ومُسْتَقَرًّا.
لقمان 31:6
قال الواحدي وغيره: أكثر المفسرين: على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، قاله ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه، وقاله عبد الله بن مسعود، في رواية أبي الصهباء عنه، وهو قول مجاهد وعكرمة.
وروى ثور بن أبي فاختة عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾
قال: "هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الَجْارِيَةَ تُغَنِّيهِ لِيْلًا ونهارًا"
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: "هو اشتراء المغني والمغنية بالمال الكثير، والاستماع إليه، وإلى مثله من الباطل"
وهذا قول مكحول.
وهذا اختيار أبي إسحاق أيضًا.
قال: أكثر ما جاء في التفسير: أن لهو الحديث هاهنا هو الغناء، لأنه يلهي عن ذكر الله تعالى.
قال الواحدي: قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو، والغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء، فلفظ الشراء يذكر في الاستبدال، والاختيار، وهو كثير في القرآن.
قال: ويدل على هذا: ما قاله قتادة في هذه الآية "لعله أن لا يكون أنفق مالًا"
قال: "وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق".
قال الواحدي: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء، ثم ذكر كلام الشافعي في رد الشهادة بإعلان الغناء.
قال: وأما غناء القينات: فذلك أشد ما في الباب، وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه وهو ما روى أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "مَنِ اسْتَمَعَ إلى قَيْنَةٍ صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيامَةِ".
الآنك: الرصاص المذاب.
وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعًا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
ففى "مسند الإمام أحمد"، "ومسند عبد الله بن الزبير الحميدى"، "وجامع الترمذي" من حديث أبي أمامة، والسياق للترمذي: أن النبي ﷺ قال:"لا تَبِيعُوا القيناتِ، ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا تُعَلِّمُوهُنَّ، ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثمَنُهُنَّ حَرامٌ".
فى مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦].
وهذا الحديث وإن كان مداره على عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد الإلهانى عن القاسم، فعبيد الله بن زحر ثقة، والقاسم ثقة، وعلى ضعيف، إلا أن للحديث شواهد ومتابعات، سنذكرها إن شاء الله، ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث: بأنه الغناء، فقد صح ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود.
قال أبو الصهباء: "سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشترى لهو الحديث﴾ [لقمان: ٦] فقال: والله الذي لا إله غيره هو الغناء - يرددها ثلاث مرات.
وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا أنه: الغناء.
قال الحاكم أبو عبد الله في التفسير، من كتاب المستدرك: "ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابى الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين: حديث مسند.
وقال في موضع آخر من كتابه: "هو عندنا في حكم المرفوع".
وهذا، وإن كان فيه نظر، فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله عز وجل من كتابه، فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة.
وقد شاهدوا تفسيره من الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم علمًا وعملًا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل.
ولا تعارض بين تفسير "لهو الحديث" بالغناء، وتفسيره: بأخبار الأعاجم وملوكها، وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يحدث به أهل مكة، يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث، ولهذا قال ابن عباس: "لهو الحديث: الباطل والغناء".
فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما.
والغناء أشد لهوًا، وأعظم ضررًا من أحاديث الملوك وأخبارهم، فإنه رقية الزنا، ومنبت النفاق، وشرك الشيطان، وخمرة العقل، وصده عن القرآن أعظم من صد غيره من الكلام الباطل، لشدة ميل النفوس إليه، ورغبتها فيه.
إذا عرف هذا، فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإن الآيات تضمنت ذم من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا، وإذا تليى عليه القرآن ولي مستكبرًا كأن لم يسمعه، كأن في أذنيه وقرًا، وهو الثقل والصمم، وإذا علم منه شيئًا استهزأ به، فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرًا، وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم، فلهم حصة ونصيب من هذا الذم.
يوضحه: أنك لا تجد أحدًا عني بالغناء وسماع آلاته، إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى، علمًا وعملًا، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك، وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله الحال على أن يسكت القارئ ويستطيل قراءته، ويستزيد المغنى ويستقصر نوبته، وأقل ما في هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم، إن لم يحظ به جميعه
والكلام في هذا مع من في قلبه بعض حياة يحس بها.
فأما من مات قلبه، وعظمت فتنته، فقد سد على نفسه طريق النصيحة:
﴿وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يَطَهِّرَ قُلُوبَهم لهم في الدُّنْيا خِزْىٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١].
لقمان 31:7
قال الواحدي وغيره: أكثر المفسرين: على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، قاله ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه، وقاله عبد الله بن مسعود، في رواية أبي الصهباء عنه، وهو قول مجاهد وعكرمة.
وروى ثور بن أبي فاختة عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾
قال: "هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الَجْارِيَةَ تُغَنِّيهِ لِيْلًا ونهارًا"
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: "هو اشتراء المغني والمغنية بالمال الكثير، والاستماع إليه، وإلى مثله من الباطل"
وهذا قول مكحول.
وهذا اختيار أبي إسحاق أيضًا.
قال: أكثر ما جاء في التفسير: أن لهو الحديث هاهنا هو الغناء، لأنه يلهي عن ذكر الله تعالى.
قال الواحدي: قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو، والغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء، فلفظ الشراء يذكر في الاستبدال، والاختيار، وهو كثير في القرآن.
قال: ويدل على هذا: ما قاله قتادة في هذه الآية "لعله أن لا يكون أنفق مالًا"
قال: "وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق".
قال الواحدي: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء، ثم ذكر كلام الشافعي في رد الشهادة بإعلان الغناء.
قال: وأما غناء القينات: فذلك أشد ما في الباب، وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه وهو ما روى أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "مَنِ اسْتَمَعَ إلى قَيْنَةٍ صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيامَةِ".
الآنك: الرصاص المذاب.
وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعًا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
ففى "مسند الإمام أحمد"، "ومسند عبد الله بن الزبير الحميدى"، "وجامع الترمذي" من حديث أبي أمامة، والسياق للترمذي: أن النبي ﷺ قال:"لا تَبِيعُوا القيناتِ، ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا تُعَلِّمُوهُنَّ، ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثمَنُهُنَّ حَرامٌ".
فى مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦].
وهذا الحديث وإن كان مداره على عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد الإلهانى عن القاسم، فعبيد الله بن زحر ثقة، والقاسم ثقة، وعلى ضعيف، إلا أن للحديث شواهد ومتابعات، سنذكرها إن شاء الله، ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث: بأنه الغناء، فقد صح ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود.
قال أبو الصهباء: "سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشترى لهو الحديث﴾ [لقمان: ٦] فقال: والله الذي لا إله غيره هو الغناء - يرددها ثلاث مرات.
وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا أنه: الغناء.
قال الحاكم أبو عبد الله في التفسير، من كتاب المستدرك: "ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابى الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين: حديث مسند.
وقال في موضع آخر من كتابه: "هو عندنا في حكم المرفوع".
وهذا، وإن كان فيه نظر، فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله عز وجل من كتابه، فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة.
وقد شاهدوا تفسيره من الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم علمًا وعملًا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل.
ولا تعارض بين تفسير "لهو الحديث" بالغناء، وتفسيره: بأخبار الأعاجم وملوكها، وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يحدث به أهل مكة، يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث، ولهذا قال ابن عباس: "لهو الحديث: الباطل والغناء".
فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما.
والغناء أشد لهوًا، وأعظم ضررًا من أحاديث الملوك وأخبارهم، فإنه رقية الزنا، ومنبت النفاق، وشرك الشيطان، وخمرة العقل، وصده عن القرآن أعظم من صد غيره من الكلام الباطل، لشدة ميل النفوس إليه، ورغبتها فيه.
إذا عرف هذا، فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإن الآيات تضمنت ذم من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا، وإذا تليى عليه القرآن ولي مستكبرًا كأن لم يسمعه، كأن في أذنيه وقرًا، وهو الثقل والصمم، وإذا علم منه شيئًا استهزأ به، فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرًا، وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم، فلهم حصة ونصيب من هذا الذم.
يوضحه: أنك لا تجد أحدًا عني بالغناء وسماع آلاته، إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى، علمًا وعملًا، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك، وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله الحال على أن يسكت القارئ ويستطيل قراءته، ويستزيد المغنى ويستقصر نوبته، وأقل ما في هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم، إن لم يحظ به جميعه
والكلام في هذا مع من في قلبه بعض حياة يحس بها.
فأما من مات قلبه، وعظمت فتنته، فقد سد على نفسه طريق النصيحة:
﴿وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يَطَهِّرَ قُلُوبَهم لهم في الدُّنْيا خِزْىٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١].
لقمان 31:11
قوله تعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾
فلله ما أحلى هذا اللفظ وأوجزه وأدله على بطلان الشرك، فإنهم إن زعموا أن آلهتهم خلقت شيئا مع الله طولبوا بأن يروه إياه.
وإن اعترفوا بأنها أعجز وأضعف وأقل من ذلك كانت آلهيتها باطلا ومحالا.
لقمان 31:13
(فائدة)
ولما نزل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]
قال الصحابة وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم قال ذلك الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
فلما أشكل عليهم المراد بالظلم وظنوا أن ظلم النفس داخل فيه وأن من ظلم نفسه أي ظلم كان لا يكون آمِنًا، أجابهم بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك.
وهذا والله الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل، فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها.
والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة، والهدى إلى الصراط المستقيم، فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق، ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعا من مطلق الأمن، ومطلق الهدى فتأمله.
لقمان 31:17
فأمره بالمعروف يتناول فعله بنفسه وأمر غيره به، وكذلك نهيه عن المنكر.
أما من حيث إطلاق اللفظ فتدخل نفسه فيه وغيره.
وأما من حيث اللزوم الشرعي فإن الآمر الناهي لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهي.
وذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في قوله ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ (٢٠) والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ (٢١) والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ (٢٢)﴾.
لقمان 31:18
(فصل)
قال أبو عمر بن عبد البر: أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج
حدثنا سعيد بن عفير وعبد العزيز يحيى المدني، حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن إسماعيل بن محمد بن ثابت الأنصاري عن ثابت بن قيس بن شماس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال له:
«يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة».
قال مالك: فقتل ثابت بن قيس يوم اليمامة شهيدا.
قال أبو عمر: روى هشام بن عمار عن صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني عطاء الخراساني قال: حدثتني ابنة ثابت ابن قيس بن شماس قالت، لما نزلت: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾
دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه، ففقده رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأرسل إليه يسأله ما خبره؟
قال: أنا رجل شديد الصوت أخاف أن يكون قد حبط عملي.
قال: لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير.
قال: ثم أنزل اللّه ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ فأغلق عليه بابه وطفق يبكي، ففقده رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأرسل إليه فأخبره، فقال: يا رسول اللّه: إني أحب الجمال، وأحب أن أسود قومي.
فقال: «لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة».
قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة، فلما التقوا وانكشفوا قال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هَكَذا كُنّا نُقاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ احْتَفَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِنَفْسِهِ حُفْرَةً وحَمَلَ عَلَيْهِمُ القَوْمُ فَثَبَتا وقاتَلا حَتّى قُتِلا، وعَلى ثابِتٍ يَوْمَئِذٍ دِرْعٌ لَهُ نَفِيسَةٌ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأخَذَها.
فبينما رجل من المسلمين نائم إذ أتاه في منامه فقال له:
أُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ، إيّاكَ أنْ تَقُولَ: هَذا حُلْمٌ فَتُضَيِّعَهُ، إنِّي لَمّا قُتِلْتُ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأخَذَ دِرْعِي، ومَنزِلُهُ في أقْصى النّاسِ، وعِنْدَ خِبائِهِ فَرَسٌ يَسْتَنُّ في طُولِهِ، وقَدْ كَفَأ عَلى دِرْعِي بُرْمَةً وجَعَلَ فَوْقَ البُرْمَةِ رَحْلا، فَأْتِ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَمُرْهُ أنْ يَبْعَثَ إلى دِرْعِي فَيَأْخُذَهُ، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم (يعني أبا بكر الصديق) فَقُلْ لَهُ: إنَّ عَلَيَّ مِنَ الدِّينِ كَذا وكَذا، ولِي مِنَ الدِّينِ كَذا وكَذا، وفُلانُ مِن رَقِيقِي عَتِيقٌ، وفلان.
فأتى الرجل خالدا فأخبره، فبعث إليّ الدرع فأتى بها، وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته.
قال: ولا نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس رحمه اللّه. انتهى ما ذكره أبو عمرو.
فقد اتفق خالد وأبو بكر الصديق والصحابة معه على العمل بهذه الرؤيا وتنفيذ الوصية بها وانتزاع الدرع ممن هي في يده بها وهذا محض الفقه.
وإذا كان أبو حنيفة وأحمد ومالك يقبلون قول المدعي من الزوجين ما يصلح دون الآخر بقرينة صدقه فهذا أولى.
وكذلك أبو حنيفة يقبل قول المدعي للحائط بوجود الآجر إلى جانبه وبمعاقد القمط «١».
لقمان 31:27
فأخبر عن عدم نفاد كلماته لعزته وحكمته وهذان وصفان ذاتيان له سبحانه وتعالى لا يكون إلا كذلك.
وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن سليمان بن عامر قال سمعت الربيع بن أنس يقول
"إن مثل علم العباد كلهم في علم الله عز وجل كقطرة من هذه البحور كلها، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ الآية.
وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا﴾ الآية.
يقول سبحانه وتعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات الله والشجر كلها أقلام لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وكلمات الله تعالى باقية لا يفنيها شيء لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي بل هو كما أثنى على نفسه.
إن ربنا كما يقول وفوق ما يقول.
وقال في (الصواعق المرسلة)
فقدر البحر المحيط بالعالم مدادا ووراءه سبعة أبحر تحيط به كلها مداد تكتب به كلمات الله نفدت البحار، وفنيت الأقلام التي لو قدرت جميع أشجار الأرض من حين خلقت إلى آخر الدنيا ولم تنفد كلمات الله.
(فصل)
(لو) يؤتى بها للربط لتعلق ماض بماض كقولك لو زرتني لأكرمتك ولهذا لم تجزم إذا دخلت على مضارع لأن الوضع للماضي لفظا ومعنى كقولك لو يزورني زيد لأكرمته فهي في الشرط نظير إن في الربط بين الجملتين لا في العمل ولا في الاستقبال وكان بعض فضلاء المتأخرين وهو تاج الدين الكندي ينكر أن تكون لو حرف شرط وغلط الزمخشري في عدها في أدوات الشرط قال الأندلسي في شرح المفصل: فحكيت ذلك لشيخنا أبي البقاء فقال غلط تاج الدين في هذا التغليط فإن لو تربط شيئا بشيء كما تفعل إن قلت ولعل النزاع لفظي فإن أريد بالشرط الربط المعنوي الحكمي فالصواب ما قاله أبو البقاء الزمخشري وإن أريد بالشرط ما يعمل في الجزأين فليست من أدوات الشرط.
المسألة الثامنة: المشهور أن (لو) إذا دخلت على ثبوتين نفتهما أو نفيين أثبتتهما أو نفي وثبوت أثبتت المنفي ونفت المثبت وذلك لأنها تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره وإذا امتنع النفي صار إثباتا فجاءت الأقسام الأربعة وأورد على هذا أمور.
أحدها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾
ومقتضى ما ذكرتم أن تكون كلمات الله تعالى قد نفدت وهو محال لأن الأول ثبوت وهو كون أشجار الأرض أقلاما والبحار مدادا لكلماته وهذا منتف والثاني وهو قوله ما نفدت كلمات الله فيلزم أن يكون ثبوتا.
الثاني قول عمر: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" لا أصل له فعلى ما ذكرتم يكون الخوف ثابتا لأنه منفي والمعصية كذلك لأنها منفية أيضا وقد اختلفت أجوبة الناس عن ذلك فقال: أبو الحسن بن عصفور: لو في الحديث بمعنى إن لمطلق الربط فلا يكون نفيها إثباتا ولا إثباتها نفيا فاندفع الإشكال وفي هذا الجواب ضعف بين فإنه لم يقصد في الحديث مطلق الربط كما قال وإنما قصد ارتباط متضمن لنفي الجزاء ولا سيق الكلام إلا لهذا ففي الجواب إبطال خاصية لو التي فارقت بها سائر أدوات الشرط وقال غيره لو في اللغة لمطلق الربط وإنما اشتهرت في العرف في انقلاب ثبوتها نفيا وبالعكس والحديث إنما ورد بمعنى اللفظ في اللغة حكى هذا الجواب محمد القرافي عن الخسر وشاهي وهو أفسد من الذي قبله بكثير فإن اقتضاء لو لنفي الثابت بعدها وإثبات المنفي متلقى من أصل وضعها لا من العرف الحادث كما أن معاني سائر الحروف من نفي أو تأكيد أو تخصيص أو بيان أو ابتداء أو انتهاء إنما هو متلقى من الوضع لا من العرف فما قاله ظاهر البطلان.
الثالث جواب الشيخ: أبي محمد بن عبد السلام وغيره وهو أن الشيء الواحد قد يكون له سبب واحد فينتفي عند انتفائه وقد يكون له سببان فلا يلزم من عدم أحدهما عدمه لأن السبب الثاني يخلف السبب الأول كقولنا في زوج هو ابن عم لو لم يكن زوجا لورث أي بالتعصيب فإنهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر وكذلك الناس هاهنا في الغالب إنما لم يعصوا لأجل الخوف فإذا ذهب الخوف عنهم عصوا لاتحاد السبب في حقهم فأخبر عمر أن صهيبا اجتمع له سببان يمنعانه المعصية الخوف والإجلال فلو انتفى الخوف في حقه لانتفى العصيان للسبب الآخر وهو الإجلال وهذا مدح عظيم له قلت وبهذا الجواب بعينه يجاب عن قوله ﷺ في ابنة حمزة: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة"
رواه البخاري ومسلم.
أي فيها سببان يقتضيان التحريم فلو قدر انتفاء أحدهما لم ينتف التحريم للسبب الثاني وهذا جواب حسن جدا الجواب الرابع ذكره بعضهم بأن قال جواب لو محذوف وتقديره لو لم يخف الله لعصمه فلم يعصه بإحلاله ومحبته إياه فإن الله يعصم عبده بالخوف تارة والمحبة والإجلال تارة وعصمة الإجلال والمحبة أعظم من عصمة الخوف لأن الخوف يتعلق بعقابه والمحبة والإجلال يتعلقان بذاته وما يستحقه تبارك وتعالى فأين أحدهما من الآخر ولهذا كان دين الحب أثبت وأرسخ من دين الخوف وأمكن وأعظم تأثيرا وشاهد ما نراه من طاعة المحب لمحبوبه وطاعة الخائف لمن يخافه كما قال بعض الصحابة إنه ليستخرج حبه مني من الطاعة ما لا يستخرجه الخوف وليس هذا موضع بسط هذا الشأن العظيم القدر وقد بسطته في كتاب الفتوحات القدسية الخامس أن لو أصلها أن تستعمل للربط بين شيئين كما تقدم ثم إنها قد تستعمل لقطع الربط فتكون جوابا لسؤال محقق أو متوهم وقع فيه ربط فتقطعه أنت لاعتقادك بطلان ذلك الربط كما لو قال القائل إن لم يكن زيد زوجا لم يرث فتقول أنت لو لم يكن زوجا لورث زيد إن ما ذكره من الربط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحق فمقصودك قطع ربط كلامه لا ربطه وتقول لو لم يكن زيد عالما لأكرم أي لشجاعته جوابا لسؤال سائل يتوهم أنه لو لم يكن عالما لما أكرم فتربط بين عدم العلم والإكرام فتقطع أنت ذلك الربط وليس مقصودك أن تربط بين عدم العلم والإكرام لأن ذلك ليس بمناسب ولا من أغراض العقلاء ولا يتجه كلامك إلا على عدم الربط كذلك الحديث لما كان الغالب على الناس أن يرتبط عصيانهم بعدم خوفهم وإن ذلك في الأوهام قطع عمر هذا الربط وقال لو لم يخف الله لم يعصه وكذلك لما كان الغالب على الأوهام أن الشجر كلها إذا صارت أقلاما والبحار المذكورة كلها تكتب به الكلمات الإلهية فلعل الوهم يقول ما يكتب بهذا شيء إلا نفد كائنا ما كان، فقطع الله تعالى هذا الربط ونفى هذا الوهم وقال: ما نفدت.
قلت: ونظير هذا في الحديث أن زوجته لما توهمت أن ابنة عمه حمزة تحل له لكونها بنت عمه فقطع هذا الربط بقوله إنها لا تحل وذكر للتحريم سببين الرضاعة وكونها ربيبة له وهذا جواب القرافي قال: وهو أصلح من الأجوبة المتقدمة من وجهين أحدهما: "شموله للحديث والآية وبعض الأجوبة لا تنطبق على الآية والثاني أن ورود لو بمعنى إن خلاف الظاهر وما ذكره لا يتضمن خلاف الظاهر" قلت: وهذا الجواب فيه ما فيه فإنه إن ادعى أن لو وضعت أو جيء بها لقطع الربط فغلط فإنها حرف من حروف الشرط التي مضمونها ربط السبب بمسببه والملزوم بلازمه ولم يؤت بها لقطع هذا الارتباط ولا وضعت له أصلا فلا يفسر الحرف بضد موضوعه ونظير هذا قول من يقول: إن إلا قد تكون بمعنى الواو وهذا فاسد فإن الواو للتشريك والجمع وإلا للإخراج وقطع التشريك ونظائر ذلك وإن أراد أن قطع الربط المتوهم مقصود للمتكلم من أدلة فهذا حق ولكن لم ينشأ هذا من حرف لو وإنما جاء من خصوصية ما صحبها من الكلام المتضمن لنفي ما توهمه القائل أو ادعاه ولم يأت من قبل لو.
فهذا كلام هؤلاء الفضلاء في هذه المسألة.
وإنما جاء الإشكال سؤالا وجوابا من عدم الإحاطة بمعنى هذا الحرف ومقتضاه وحقيقته، وأنا أذكر حقيقة هذا الحرف ليتبين سر المسألة بعون الله.
(لو) للملازمة بين أمرين:
فاعلم أن (لو) حرف وضع للملازمة بين أمرين يدل على أن الحرف الأول منهما ملزوم.
الثاني لازم هذا وضع هذا الحرف وطبيعته وموارده في هذه الملازمة أربعة.
فإنه إما أن يلازم بين نفيين أو ثبوتين، أو بين ملزوم مثبت ولازم منفي، أو عكسه. ونعني بالثبوت والنفي هنا الصوري اللفظي لا المعنوي فمثال الأول: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ونظائره.
ومثال الثاني لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي ولو لم يخف الله لم يعصه
ومثال الثالث: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾
ومثال الرابع لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم فهذه صورة وردوها على النفي والإثبات
وأما حكم ذلك فأمران أحدهما: نفي الأول لنفي الثاني: لأن الأول ملزوم والثاني لازم والملزوم عدم عند عدم لازمه، والثاني تحقق الثاني لتحقق الأول، لأن تحقق الملزوم يستلزم تحقق لازمه فإذا عرفت هذا فليس في طبيعة لو ولا وضعها ما يؤذن بنفي واحد من الجزأين ولا إثباته وإنما طبعها وحقيقتها الدلالة على التلازم المذكور لكن إنما يؤتى بها للتلازم المتضمن نفي اللازم أو الملزوم أو تحققها ومن هنا نشأت الشبهة فلم يؤت بها لمجرد التلازم مع قطع النظر عن ثبوت الجزأين أو نفيهما فإذا دخلت على جزأين متلازمين قد انتفى اللازم منهما استفيد نفي الملزوم من قضية اللزوم لا من نفس الحرف وبيان ذلك أن قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾، لم يستفد نفي الفساد من حرف لو بل الحرف دخل على أمرين قد علم انتفاء أحدهما حسا فلازمت بينه وبين من يريد نفيه من تعدد الآلهة وقضية الملازمة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه فإذا كان اللازم منتف قطعا وحسا انتفى ملزومه لانتفائه لا من حيث الحرف فهنا أمران أحدهما الملازمة التي فهمت من الحرف والثاني انتفاء اللازم المعلوم بالحس فعلى هذا الوجه ينبغي أن يفهم انتفاء اللازم والملزوم بـ لو فمن هنا قالوا إن دخلت على مثبتين صارا منتفيين بمعنى أن الثاني منهما قد علم انتفاؤه من خارج فينتفي الأول لانتفائه، وإذا دخلت على منفيين أثبتتهما لذلك أيضا لأنها تدخل على ملزوم محقق الثبوت من خارج فيتحقق ثبوت ملزومه كما في قوله: " لو لم تذنبوا"
فهذا الملزوم وهو صدور الذنب متحقق في الخارج من البشر، فتحقق لازمه وهو بقاء النوع الإنساني وعدم الذهاب به لأن الملازمة وقعت بين عدم الذنب وعدم البقاء لكن عدم الذنب منتف قطعا فانتفى لازمه وهو عدم الذهاب بنا، فثبت الذنب وثبت البقاء وكذلك نفيه الأقسام الأربعة يفهم على هذا الوجه وإذا عرف هذا فاللازم الواحد قد يلزم ملزومات متعددة كالحيوانية اللازمة للإنسان والفرس وغيرهما فيقصد المتكلم إثبات الملازمة بين بعض تلك الملزومات واللازم على تقدير انتفاء البعض الآخر فيكون مقصوده أن الملازمة حاصلة على تقدير انتفاء ذلك الملزوم الآخر فلا يتوهم المتوهم انتفاء اللازم عند نفي ملزوم معين فإن الملازمة حاصلة بدونه.
وعلى هذا يخرجه "لو لم يخف الله لم يعصه" و "لو لم تكن ربيبتي لما حلت لي"
فإن عدم المعصية له ملزومات فهي الخشية والمحبة والإجلاء فلو انتفى بعضها وهو الخوف مثلا لم يبطل اللازم لأن له ملزومات أخرى غيره.
وكذلك لو انتفى كون البنت ربيبة لما انتفى التحريم لحصول الملازمة بينه وبين وصف آخر وهو الرضاع وذلك الوصف ثابت وهذا القسم إنما يأتي في لازم له ملزومات متعددة فيقصد المتكلم تحقق الملازمة على تقدير نفي ما نفاه منها.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ فإن الآية سيقت لبيان أن أشجار الأرض لو كانت أقلاما والبحار مدادا فكتبت بها كلمات الله لنفدت البحار والأقلام ولم تنفد كلمات الله فالآية سيقت لبيان الملازمة بين عدم نفاد كلماته وبين كون الأشجار أقلاما والبحار مدادا يكتب بها فإذا كانت الملازمة ثابتة على هذا التقدير الذي هو أبلغ تقدير يكون في نفاد المكتوب فثبوتها على غيره من التقادير أولى ونوضح هذا بضرب مثل يرتقى منه إلى فهم مقصود الآية إذا قلت لرجل لا يعطي أحدا شيئا لو أن لك الدنيا بأسرها ما أعطيت أحدا منها شيئا فإنك إذا قصدت أن عدم إعطائه ثابت على أعظم التقادير التي تقتضي الإعطاء فلازمت بين عدم إعطائه أسباب الإعطاء وهو كثرة ما يملكه فدل هذا على أن عدم إعطائه ثابت على ما هو دون هذا التقدير وأن عدم الإعطاء لازم لكل تقدير فافهم نظير هذا المعنى في الآية وهو عدم نفاد كلمات الله تعالى على تقدير أن الأشجار أقلام والبحار مداد يكتب بها فإذا لم تنفد على هذا التقدير كان عدم نفادها لازما له فكيف بما دونه من التقديرات فافهم هذه النكتة التي لا يسمح بمثلها كل وقت ولا تكاد تجدها في الكتب وإنما هي من فتح الله وفضله فله الحمد والمنة ونسأله المزيد من فضله فانظر كيف اتفقت القاعدة العقلية مع القاعدة النحوية وجاءت النصوص بمقتضاهما معا من غير خروج عن موجب عقل ولا لغة ولا تحريف لنص ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذه الفائدة لساوت رحلة فكيف وقد تضمن من غرر الفوائد ما لا يتفق إلا على تجارة وأما من ليس هناك فإنه يظن الجوهرة زجاجة، والزجاجة المستديرة المثقوبة جوهرة، ويزري على الجوهري ويزعم أنه لا يفرق بينهما والله المعين.
لقمان 31:29
(فصل)
ثمَّ تَأمل الحِكْمَة في مقادير اللَّيْل والنَّهار تجدها على غايَة المصلحَة والحكمَة وأن مِقْدار اليَوْم واللَّيْلَة لَو زاد على ما قدر عَلَيْهِ أوْ نقص لفاتت المصلحَة، واخْتلفت الحِكْمَة بذلك بل جعل مكيالها أربعة وعشْرين ساعَة، وجعلا يتقارضان الزِّيادَة والنُّقْصان بَينهما، فَما يزِيد في أحدهما من الآخر يعود الآخر فيسترده مِنهُ قالَ الله تَعالى ﴿يولج اللَّيْل في النَّهار ويولج النَّهار في اللَّيْل﴾
وَفِيه قَولانِ:
أحدهما أن المَعْنى يدْخل ظلمَة هَذا في مَكان ضِياء ذَلِك، وضياء هَذا في مَكان ظلمَة الآخر، فَيدْخل كل واحِد مِنهُما في مَوضِع صاحبه.
وعَلى هَذا فَهي عامَّة في كل ليل ونهار.
والقَوْل الثّانِي أنه يزِيد في أحدهما ما ينقصهُ من الآخر، فَما ينقص مِنهُ يلج في الآخر لا يذهب جملَة.
وعَلى هَذا فالآية خاصَّة بِبَعْض ساعات كل من اللَّيْل والنَّهار في غير زمن الاعْتِدال فَهي خاصَّة في الزَّمان، وفي مِقْدار ما يلج في أحدهما من الآخر وهو في الأقاليم المعتدلة غايَة ما تَنْتَهِي الزِّيادَة خمس عشرَة ساعَة، فَيصير الآخر تسع ساعات، فَإذا زاد على ذَلِك انحرف ذَلِك الإقليم في الحَرارَة أوْ البُرُودَة إلى أن يَنْتَهِي إلى حد لا يسكنه الإنسان ولا يتكون فِيهِ النَّبات، وكل مَوضِع لا تقع عَلَيْهِ الشَّمْس لا يعِيش فِيهِ حَيَوان ولا نَبات لفرط برده ويبسه، وكل مَوضِع لا تفارقه كَذَلِك لفرط حره ويبسه، والمواضع الَّتِي يعِيش فِيها الحَيَوان والنبات هي الَّتِي تطلع عَلَيْها الشَّمْس وتغيب، وأعدلها المَواضِع الَّتِي تتعاقب عَلَيْها الفُصُول الأربعة ويكون فِيها اعتدالان خريفين وربيعين.
لقمان 31:31
(فصل: في أن الصبر نصف الإيمان، والإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر)
قال غير واحد من السلف الصبر نصف الإيمان وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر" ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله ﴿ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ في سورة إبراهيم وفي سورة حم عسق وفي سورة سبأ وفي سورة لقمان وقد ذكر لهذا التنصيف اعتبارات.
أحدها: أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية وهي ترجع إلى شطرين فعل وترك فالفعل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر والترك هو الصبر عن المعصية والدين كله في هذين الشيئين فعل المأمور وترك المحظور.
(الاعتبار الثاني)
أن الإيمان مبني على ركنين يقين وصبر وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾
فباليقين يعلم حقيقة الأمر والنهي والثواب والعقاب وبالصبر ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهى عنه ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي إنه من عند الله وبالثواب والعقاب إلا باليقين ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن المحظور إلا بالصبر، فصار الصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني الشكر بفعل ما أمر به وبترك ما نهي عنه.
(الاعتبار الثالث)
أن الإيمان قول وعمل والقول قول القلب واللسان والعمل عمل القلب والجوارح وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنا كما قال عن قوم فرعون ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾
وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح ﴿وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين﴾
وقال موسى لفرعون ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ فهؤلاء حصل قول القلب وهو المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمنا بل كان من المنافقين وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنا حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة فيحب الله ورسوله ويوالى أولياء الله ويعادي أعداءه ويستسلم بقلبه لله وحده وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهرا وباطنا وإذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به.
فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه وهي ترجع إلى علم وعمل ويدخل في العمل كف النفس الذي هو متعلق النهي وكلاهما لا يحصل إلا بالصبر، فصار الإيمان نصفين:
أحدهما الصبر والثاني متولد عنه من العلم والعمل.
(الاعتبار الرابع)
أن النفس لها قوتان قوة الإقدام وقوة الاحجام وهي دائما تتردد بين أحكام هاتين القوتين فتقدم على ما تحبه وتحجم عما تكرهه والدين كله اقدام واحجام اقدام على طاعة واحجام عن معاصي الله وكل منهما لا يمكن حصوله إلا بالصبر
الاعتبار الخامس أن الدين كله رغبة ورهبة فالمؤمن هو الراغب الراهب قال تعالى ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ وفي الدعاء عند النوم الذي رواه البخاري في صحيحه
"اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهى إليك وفوضت امري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك "
فلا تجد المؤمن أبدا إلا راغبا وراهبا والرغبة والرهبة لا تقوم إلا على ساق الصبر فرهبته تحمله على الصبر ورغبته تقوده إلى الشكر.
(الاعتبار السادس)
أن جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه في الدنيا والآخرة أو يضره في الدنيا والآخرة أو ينفعه في أحد الدارين ويضره في الأخرى وأشرف الاقسام أن يفعل ما ينفعه في الآخرة ويترك ما يضره فيها وهو حقيقة الإيمان ففعل ما ينفعه هو الشكر وترك ما يضره هو الصبر.
(الاعتبار السابع)
أن العبد لا ينفك عن أمر يفعله ونهى يتركه وقدر يجري عليه وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر.
ففعل المأمور هو الشكر، وترك المحظور، والصبر على المقدور هو الصبر.
(الاعتبار الثامن)
إن العبد فيه داعيان داع يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها وداع يدعوه إلى الله والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من النعيم المقيم فعصيان داعي الشهوة والهوى هو الصبر وإجابة داعي الله والدار الآخرة هو الشكر
(الاعتبار التاسع)
أن الدين مداره على أصلين العزم والثبات وهما الأصلان المذكوران في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن النبي: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد" وأصل الشكر صحة العزيمة وأصل الصبر قوة الثبات فمتى أيد العبد بعزيمة وثبات فقد أيد بالمعونة والتوفيق
الاعتبار العاشر أن الدين مبني على أصلين الحق والصبر وهما المذكوران في قوله تعالى ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾
ولما كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس وكان هذا هو حقيقة الشكر لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه فكان الصبر نصف الإيمان والله سبحانه وتعالى أعلم.
لقمان 31:33
[فَصْلٌ: مُغالَطَةُ النَّفْسِ حَوْلَ الأسْبابِ]
الأمْرُ الثّانِي أنْ يَحْذَرَ مُغالَطَةَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأسْبابِ وهَذا مِن أهَمِّ الأُمُورِ فَإنَّ العَبْدَ يَعْرِفُ أنَّ المَعْصِيَةَ والغَفْلَةَ مِنَ الأسْبابِ المُضِرَّةِ لَهُ في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ ولا بُدَّ، ولَكِنْ تُغالِطُهُ نَفْسُهُ بِالِاتِّكالِ عَلى عَفْوِ اللَّهِ ومَغْفِرَتِهِ تارَةً، وبِالتَّسْوِيفِ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ بِاللِّسانِ تارَةً، وبِفِعْلِ المَندُوباتِ تارَةً، وبِالعِلْمِ تارَةً، وبِالِاحْتِجاجِ بِالقَدَرِ تارَةً، وبِالِاحْتِجاجِ بِالأشْباهِ والنُّظَراءِ تارَةً، وبِالِاقْتِداءِ بِالأكابِرِ تارَةً أُخْرى.
وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَظُنُّ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ما فَعَلَ ثُمَّ قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، زالَ أثَرُ الذَّنْبِ وراحَ هَذا بِهَذا، وقالَ لِي رَجُلٌ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى الفِقْهِ: أنا أفْعَلُ ما أفْعَلُ ثُمَّ أقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ وقَدْ غُفِرَ ذَلِكَ أجْمَعُهُ كَما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن قالَ في يَوْمٍ سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطاياهُ، ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»، وقالَ لِي آخَرُ مِن أهْلِ مَكَّةَ: نَحْنُ إذا فَعَلَ أحَدُنا ما فَعَلَ، اغْتَسَلَ وطافَ بِالبَيْتِ أُسْبُوعًا وقَدْ مُحِيَ عَنْهُ ذَلِكَ، وقالَ لِي آخَرُ: قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«أذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقالَ: أيْ رَبِّ أصَبْتُ ذَنْبًا فاغْفِرْ لِي، فَغَفَرَ اللَّهُ ذَنْبَهُ، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَقالَ: أيْ رَبِّ أصَبْتُ ذَنْبًا، فاغْفِرْ لِي، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَصْنَعْ ما شاءَ».
وَقالَ: أنا لا أشُكُّ أنَّ لِي رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ، وهَذا الضَّرْبُ مِنَ النّاسِ قَدْ تَعَلَّقَ بِنُصُوصٍ مِنَ الرَّجاءِ، واتَّكَلَ عَلَيْها وتَعَلَّقَ بِها بِكِلْتا يَدَيْهِ وإذا عُوتِبَ عَلى الخَطايا والِانْهِماكِ فِيها، سَرَدَ لَكَ ما يَحْفَظُهُ مِن سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ ومَغْفِرَتِهِ ونُصُوصِ الرَّجاءِ، ولِلْجُهّالِ مِن هَذا الضَّرْبِ مِنَ النّاسِ في هَذا البابِ غَرائِبُ وعَجائِبُ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ:
؎وَكَثِّرْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطايا ∗∗∗ إذا كانَ القُدُومُ عَلى كَرِيمٍ
وَقَوْلِ الآخَرِ: التَّنَزُّهُ مِنَ الذُّنُوبِ جَهْلٌ بِسَعَةِ عَفْوِ اللَّهِ.
وَقالَ الآخَرُ: تَرْكُ الذُّنُوبِ جَراءَةٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ واسْتِصْغارٌ.
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ: رَأيْتُ بَعْضَ هَؤُلاءِ يَقُولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ العِصْمَةِ.
التَّعَلُّقُ بِالجَبْرِ
وَمِن هَؤُلاءِ المَغْرُورِينَ مَن يَتَعَلَّقُ بِمَسْألَةِ الجَبْرِ، وأنَّ العَبْدَ لا فِعْلَ لَهُ ألْبَتَّةَ ولا اخْتِيارَ، وإنَّما هو مَجْبُورٌ عَلى فِعْلِ المَعاصِي.
التَّعَلُّقُ بِالإرْجاءِ
وَمِن هَؤُلاءِ مَن يَغْتَرُّ بِمَسْألَةِ الإرْجاءِ، وأنَّ الإيمانَ هو مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ، والأعْمالَ لَيْسَتْ مِنَ الإيمانِ، وأنَّ إيمانَ أفْسَقِ النّاسِ كَإيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
وَمِن هَؤُلاءِ مَن يَغْتَرُّ بِمَحَبَّةِ الفُقَراءِ والمَشايِخِ والصّالِحِينَ، وكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ إلى قُبُورِهِمْ، والتَّضَرُّعِ إلَيْهِمْ، والِاسْتِشْفاعِ بِهِمْ، والتَّوَسُّلِ إلى اللَّهِ بِهِمْ، وسُؤالِهِ بِحَقِّهِمْ عَلَيْهِ، وحُرْمَتِهِمْ عِنْدَهُ.
وَمِنهم مَن يَغْتَرُّ بِآبائِهِ وأسْلافِهِ، وأنَّ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مَكانَةً وصَلاحًا، فَلا يَدَعُوهُ أنْ يُخَلِّصُوهُ كَما يُشاهِدُ في حَضْرَةِ المُلُوكِ، فَإنَّ المُلُوكَ تَهَبُ لِخَواصِّهِمْ ذُنُوبَ أبْنائِهِمْ وأقارِبِهِمْ، وإذا وقَعَ أحَدٌ مِنهم في أمْرٍ مُفْظِعٍ خَلَّصَهُ أبُوهُ وجَدُّهُ بِجاهِهِ ومَنزِلَتِهِ.
الِاغْتِرارُ بِاللَّهِ
وَمِنهم مَن يَغْتَرُّ بِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ غَنِيٌّ عَنْ عَذابِهِ، وعَذابُهُ لا يَزِيدُ في مُلْكِهِ شَيْئًا، ورَحْمَتُهُ لَهُ لا تَنْقُصُ مِن مُلْكِهِ شَيْئًا، فَيَقُولُ: أنا مُضْطَرٌّ إلى رَحْمَتِهِ، وهو أغْنى الأغْنِياءِ، ولَوْ أنَّ فَقِيرًا مِسْكِينًا مُضْطَرًّا إلى شَرْبَةِ ماءٍ عِنْدَ مَن في دارِهِ شَطٌّ يَجْرِي لَما مَنَعَهُ مِنها فاللَّهُ أكْرَمُ وأوْسَعُ فالمَغْفِرَةُ لا تَنْقُصُهُ شَيْئًا والعُقُوبَةُ لا تَزِيدُ في مُلْكِهِ شَيْئًا.
الِاغْتِرارُ بِالفَهْمِ الفاسِدِ والقُرْآنِ والسُّنَّةِ
وَمِنهم مَن يَغْتَرُّ بِفَهْمٍ فاسِدٍ فَهِمَهُ هو وأضْرابُهُ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، فاتَّكَلُوا عَلَيْهِ كاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥٥].
قالَ وهو لا يَرْضى أنْ يَكُونَ في النّارِ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ، وهَذا مِن أقْبَحِ الجَهْلِ، وأبْيَنِ الكَذِبِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَرْضى بِما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ تَعالى يُرْضِيهِ تَعْذِيبُ الظَّلَمَةِ والفَسَقَةِ والخَوَنَةِ والمُصِرِّينَ عَلى الكَبائِرِ، فَحاشا رَسُولَهُ أنْ يَرْضى بِما لا يَرْضى بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]
وَهَذا أيْضًا مِن أقْبَحِ الجَهْلِ، فَإنَّ الشِّرْكَ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ رَأْسُ الذُّنُوبِ وأساسُها، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في حَقِّ التّائِبِينَ، فَإنَّهُ يَغْفِرُ ذَنْبَ كُلِّ تائِبٍ مِن أيِّ ذَنْبٍ كانَ، ولَوْ كانَتِ الآيَةُ في حَقِّ غَيْرِ التّائِبِينَ لَبَطَلَتْ نُصُوصُ الوَعِيدِ كُلُّها.
وَأحادِيثُ إخْراجِ قَوْمٍ مِنَ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ بِالشَّفاعَةِ.
وَهَذا إنَّما أتى صاحِبَهُ مِن قِلَّةِ عِلْمِهِ وفَهْمِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا عَمَّمَ وأطْلَقَ، فَعُلِمَ أنَّهُ أرادَ التّائِبِينَ، وفي سُورَةِ النِّساءِ خَصَّصَ وقَيَّدَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، وأخْبَرَ أنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونَهُ، ولَوْ كانَ هَذا في حَقِّ التّائِبِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ، وكاغْتِرارِ بَعْضِ الجُهّالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦٦] فَيَقُولُ: كَرَمُهُ، وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَقَّنَ المُغْتَرَّ حُجَّتَهُ، وهَذا جَهْلٌ قَبِيحٌ، وإنَّما غَرَّهُ بِرَبِّهِ الغَرُورُ، وهو الشَّيْطانُ، ونَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجَهْلُهُ وهَواهُ، وأتى سُبْحانَهُ بِلَفْظِ الكَرِيمِ وهو السَّيِّدُ العَظِيمُ المُطاعُ، الَّذِي لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ، ولا إهْمالُ حَقِّهِ، فَوَضَعَ هَذا المُغْتَرُّ الغَرُورَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، واغْتَرَّ بِمَن لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ.
وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى في النّارِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى - الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥-١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
وَلَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ هي نارٌ مَخْصُوصَةٌ مِن جُمْلَةِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، ولَوْ كانَتْ جَمِيعَ جَهَنَّمَ فَهو سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لا يَدْخُلُها بَلْ قالَ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صَلْيِها، عَدَمُ دُخُولِها، فَإنَّ الصَّلْيَ أخَصُّ مِنَ الدُّخُولِ، ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.
ثُمَّ هَذا المُغْتَرُّ لَوْ تَأمَّلَ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها؛ لَعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيها، فَلا يَكُونُ مَضْمُونًا لَهُ أنْ يُجَنَّبَها.
وَأمّا قَوْلُهُ في النّارِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾، فَقَدْ قالَ في الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ولا يُنافِي إعْدادُ النّارِ لِلْكافِرِينَ أنْ يَدْخُلَها الفُسّاقُ والظَّلَمَةُ، ولا يُنافِي إعْدادُ الجَنَّةِ لِلْمُتَّقِينَ أنْ يَدْخُلَها مَن في قَلْبِهِ أدْنى مِثْقالِ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ، ولَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ.
وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ عَلى صَوْمِ يَوْمِ عاشُوراءَ، أوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، حَتّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ عاشُوراءَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ العامِ كُلَّها، ويَبْقى صَوْمُ عَرَفَةَ زِيادَةً في الأجْرِ، ولَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ، أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ، والصَّلَواتِ الخَمْسِ، أعْظَمُ وأجَلُّ مِن صِيامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، ويَوْمِ عاشُوراءَ، وهي إنَّما تُكَفِّرُ ما بَيْنَهُما إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ.
فَرَمَضانُ إلى رَمَضانَ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، لا يَقْوَيا عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ، إلّا مَعَ انْضِمامِ تَرْكِ الكَبائِرِ إلَيْها، فَيَقْوى مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ.
فَكَيْفَ يُكَفِّرُ صَوْمُ يَوْمِ تَطَوُّعٍ كُلَّ كَبِيرَةٍ عَمِلَها العَبْدُ وهو مُصِرٌّ عَلَيْها، غَيْرُ تائِبٍ مِنها؟ هَذا مُحالٌ عَلى أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ ويَوْمِ عاشُوراءَ مُكَفِّرًا لِجَمِيعِ ذُنُوبِ العامِ عَلى عُمُومِهِ، ويَكُونُ مِن نُصُوصِ الوَعْدِ الَّتِي لَها شُرُوطٌ ومَوانِعُ، ويَكُونُ إصْرارُهُ عَلى الكَبائِرِ مانِعًا مِنَ التَّكْفِيرِ، فَإذا لَمْ يُصِرَّ عَلى الكَبائِرِ لِتَساعُدِ الصَّوْمِ وعَدَمِ الإصْرارِ، وتَعاوُنِهِما عَلى عُمُومِ التَّكْفِيرِ، كَما كانَ رَمَضانُ والصَّلَواتُ الخَمْسُ مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ مُتَساعِدَيْنِ مُتَعاوِنَيْنِ عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ قالَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]
فَعُلِمَ أنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ سَبَبًا لِلتَّكْفِيرِ لا يَمْنَعُ أنْ يَتَساعَدَ هو وسَبَبٌ آخَرُ عَلى التَّكْفِيرِ، ويَكُونُ التَّكْفِيرُ مَعَ اجْتِماعِ السَّبَبَيْنِ أقْوى وأتَمَّ مِنهُ مَعَ انْفِرادِ أحَدِهِما، وكُلَّما قَوِيَتْ أسْبابُ التَّكْفِيرِ كانَ أقْوى وأتَمَّ وأشْمَلَ.
حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ
وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ ﷺ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ " «أنا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ» يَعْنِي ما كانَ في ظَنِّهِ فَإنِّي فاعِلُهُ بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإحْسانِ، فَإنَّ المُحْسِنَ حَسَنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى إحْسانِهِ ولا يُخْلِفَ وعْدَهُ، ويَقْبَلَ تَوْبَتَهُ.
وَأمّا المُسِيءُ المُصِرُّ عَلى الكَبائِرِ والظُّلْمِ والمُخالَفاتِ فَإنَّ وحْشَةَ المَعاصِي والظُّلْمِ والحَرامِ تَمْنَعُهُ مِن حُسْنِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، وهَذا مَوْجُودٌ في الشّاهِدِ، فَإنَّ العَبْدَ الآبِقَ الخارِجَ عَنْ طاعَةِ سَيِّدِهِ لا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، ولا يُجامِعُ وحْشَةَ الإساءَةِ إحْسانُ الظَّنِّ أبَدًا، فَإنَّ المُسِيءَ مُسْتَوْحِشٌ بِقَدْرِ إساءَتِهِ، وأحْسَنُ النّاسِ ظَنًّا بِرَبِّهِ أطْوَعُهم لَهُ.
كَما قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأحْسَنَ العَمَلَ وإنَّ الفاجِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ.
وَكَيْفَ يَكُونُ مُحْسِنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ مَن هو شارِدٌ عَنْهُ، حالٌّ مُرْتَحِلٌ في مَساخِطِهِ وما يُغْضِبُهُ، مُتَعَرِّضٌ لِلَعْنَتِهِ قَدْ هانَ حَقُّهُ وأمْرُهُ عَلَيْهِ فَأضاعَهُ، وهانَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ فارْتَكَبَهُ وأصَرَّ عَلَيْهِ؟
وَكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن بارَزَهُ بِالمُحارَبَةِ، وعادى أوْلِياءَهُ، ووالى أعْداءَهُ، وجَحَدَ صِفاتَ كَمالِهِ، وأساءَ الظَّنَّ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وظَنَّ بِجَهْلِهِ أنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ ضَلالٌ وكُفْرٌ؟ وكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَأْمُرُ ولا يَنْهى ولا يَرْضى ولا يَغْضَبُ؟
وَقَدْ قالَ اللَّهُ في حَقِّ مَن شَكَّ في تَعَلُّقِ سَمْعِهِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ، وهو السِّرُّ مِنَ القَوْلِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣].
فَهَؤُلاءِ لَمّا ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا يَعْمَلُونَ، كانَ هَذا إساءَةً لِظَنِّهِمْ بِرَبِّهِمْ، فَأرْداهم ذَلِكَ الظَّنُّ، وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَن جَحَدَ صِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتَ جَلالِهِ، ووَصَفَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، فَإذا ظَنَّ هَذا أنَّهُ يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ كانَ هَذا غُرُورًا وخِداعًا مِن نَفْسِهِ، وتَسْوِيلًا مِنَ الشَّيْطانِ، لا إحْسانَ ظَنٍّ بِرَبِّهِ.
فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ، وتَأمَّلْ شِدَّةَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وكَيْفَ يَجْتَمِعُ في قَلْبِ العَبْدِ تَيَقُّنُهُ بِأنَّهُ مُلاقٍ اللَّهَ، وأنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ويَرى مَكانَهُ، ويَعْلَمُ سِرَّهُ وعَلانِيَتَهُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن أمْرِهِ، وأنَّهُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، ومَسْئُولٌ عَنْ كُلِّ ما عَمِلَ، وهو مُقِيمٌ عَلى مَساخِطِهِ مُضَيِّعٌ لِأوامِرِهِ، مُعَطِّلٌ لِحُقُوقِهِ، وهو مَعَ هَذا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، وهَلْ هَذا إلّا مِن خِدَعِ النُّفُوسِ، وغُرُورِ الأمانِيِّ؟
وَقَدْ قالَ أبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: دَخَلْتُ أنا وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَقالَتْ «لَوْ رَأيْتُما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضٍ لَهُ، وكانَتْ عِنْدِي سِتَّةُ دَنانِيرَ، أوْ سَبْعَةٌ، فَأمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أُفَرِّقَها، قالَتْ: فَشَغَلَنِي وجَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى عافاهُ اللَّهُ، ثُمَّ سَألَنِي عَنْها فَقالَ: ما فَعَلْتِ؟ أكُنْتِ فَرَّقَتِ السِّتَّةَ الدَّنانِيرَ؟ فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لَقَدْ شَغَلَنِي وجَعُكَ، قالَتْ فَدَعا بِها، فَوَضَعَها في كَفِّهِ، فَقالَ: ما ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وهَذِهِ عِنْدَهُ؟ وفي لَفْظٍ: ما ظَنُّ مُحَمَّدٍ بِرَبِّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وهَذِهِ عِنْدَهُ».
فَيا لَلَّهِ ما ظَنُّ أصْحابِ الكَبائِرِ والظَّلَمَةِ بِاللَّهِ إذا لَقَوْهُ ومَظالِمُ العِبادِ عِنْدَهُمْ؟ فَإنْ كانَ يَنْفَعُهم قَوْلُهُمْ: حَسَّنّا ظُنُونَنا بِكَ، إنَّكَ لَنْ تُعَذِّبَ ظالِمًا ولا فاسِقًا، فَلْيَصْنَعِ العَبْدُ ما شاءَ، ولِيَرْتَكِبْ كُلَّ ما نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولِيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النّارَ لا تَمَسُّهُ، فَسُبْحانَ اللَّهِ! ما يَبْلُغُ الغُرُورُ بِالعَبْدِ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ - فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦-٨٧].
أيْ ما ظَنُّكم أنْ يَفْعَلَ بِكم إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ.
وَمَن تَأمَّلَ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ عَلِمَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ هو حُسْنُ العَمَلِ نَفْسُهُ، فَإنَّ العَبْدَ إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى حُسْنِ العَمَلِ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى أعْمالِهِ ويُثِيبَهُ عَلَيْها ويَتَقَبَّلَها مِنهُ، فالَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَمَلِ حُسْنُ الظَّنِّ، فَكُلَّما حَسُنَ ظَنُّهُ حَسُنَ عَمَلُهُ، وإلّا فَحُسْنُ الظَّنِّ مَعَ اتِّباعِ الهَوى عَجْزٌ، كَما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ والمُسْنَدِ مِن حَدِيثِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللَّهِ».
وَبِالجُمْلَةِ فَحُسْنُ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ النَّجاةِ، وأمّا مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ الهَلاكِ فَلا يَتَأتّى إحْسانُ الظَّنِّ.
الفَرْقُ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ والغُرُورِ
فَإنْ قِيلَ: بَلْ يَتَأتّى ذَلِكَ، ويَكُونُ مُسْتَنَدُ حُسْنِ الظَّنِّ سَعَةَ مَغْفِرَةِ اللَّهِ، ورَحْمَتِهِ وعَفْوِهِ وجُودِهِ، وأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّهُ لا تَنْفَعُهُ العُقُوبَةُ، ولا يَضُرُّهُ العَفْوُ.
قِيلَ: الأمْرُ هَكَذا، واللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ وأجَلُّ وأكْرَمُ وأجْوَدُ وأرْحَمُ، ولَكِنْ إنَّما يَضَعُ ذَلِكَ في مَحِلِّهِ اللّائِقِ بِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مَوْصُوفٌ بِالحِكْمَةِ، والعِزَّةِ والِانْتِقامِ، وشِدَّةِ البَطْشِ، وعُقُوبَةِ مَن يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ، فَلَوْ كانَ مُعَوَّلُ حُسْنِ الظَّنِّ عَلى مُجَرَّدِ صِفاتِهِ وأسْمائِهِ لاشْتَرَكَ في ذَلِكَ البَرُّ والفاجِرُ، والمُؤْمِنُ والكافِرُ، ووَلِيُّهُ وعَدُّوهُ، فَما يَنْفَعُ المُجْرِمَ أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ وقَدْ باءَ بِسُخْطِهِ وغَضَبِهِ، وتَعَرَّضَ لِلَعْنَتِهِ، ووَقَعَ في مَحارِمِهِ، وانْتَهَكَ حُرُماتِهِ، بَلْ حُسْنُ الظَّنِّ يَنْفَعُ مَن تابَ ونَدِمَ وأقْلَعَ، وبَدَّلَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ، واسْتَقْبَلَ بَقِيَّةَ عُمُرِهِ بِالخَيْرِ والطّاعَةِ، ثُمَّ أحْسَنَ الظَّنَّ، فَهَذا هو حُسْنُ ظَنٍّ، والأوَّلُ غُرُورٌ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وَلا تَسْتَطِلْ هَذا الفَصْلَ، فَإنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ شَدِيدَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ وبَيْنَ الغُرُورِ بِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] فَجَعَلَ هَؤُلاءِ أهْلَ الرَّجاءِ، لا البَطّالِينَ والفاسِقِينَ.
قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]
فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَن فَعَلَها، فالعالِمُ يَضَعُ الرَّجاءَ مَواضِعَهُ والجاهِلُ المُغْتَرُّ يَضَعُهُ في غَيْرِ مَواضِعِهِ.
السجدة 32:4
[الرَّدُّ عَلى المَلاحِدَةِ والمُعَطِّلَةِ]
وَتَأمَّلْ ما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الرَّدِّ عَلى طَوائِفِ المُعَطِّلِينَ والمُشْرِكِينَ فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾
يَتَضَمَّنُ إبْطالَ قَوْلِ المَلاحِدَةِ القائِلِينَ بِقِدَمِ العالَمِ وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَخْلُقْهُ بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ ومَن أثْبَتَ مِنهم وُجُودَ الرَّبِّ جَعَلَهُ لازِمًا لِذاتِهِ أوَّلًا وأبَدًا غَيْرَ مَخْلُوقٍ كَما هو قَوْلُ ابْنِ سِينا والنَّصِيرِ الطُّوسِيِّ وأتْباعِهِما مِنَ المَلاحِدَةِ الجاحِدِينَ لِما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والكُتُبُ وشَهِدَتْ بِهِ العُقُولُ والفِطَرُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ يَتَضَمَّنُ إبْطالَ قَوْلِ المُعَطِّلَةِ والجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ عَلى العَرْشِ شَيْءٌ سِوى العَدَمِ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ مُسْتَوِيًا عَلى عَرْشِهِ، ولا تُرْفَعُ إلَيْهِ الأيْدِي، ولا يَصْعَدُ إلَيْهِ الكَلِمُ الطَّيِّبُ، ولا رَفَعَ المَسِيحَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ، ولا عُرِجَ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ " إلَيْهِ " ولا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ ولا يَنْزِلُ مِن عِنْدِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا غَيْرُهُ، ولا يَنْزِلُ هو كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، ولا يَخافُهُ عِبادُهُ مِنَ المَلائِكَةِ
وَغَيْرِهِمْ مِن فَوْقِهِمْ ولا يَراهُ المُؤْمِنُونَ في الدّارِ الآخِرَةِ عِيانًا بِأبْصارِهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، ولا تَجُوزُ الإشارَةُ إلَيْهِ بِالأصابِعِ إلى فَوْقٍ كَما أشارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ في أعْظَمِ مَجامِعِهِ في حِجَّةِ الوَداعِ وجَعَلَ يَرْفَعُ إصْبَعَهُ إلى السَّماءِ ويَنْكُبُها إلى النّاسِ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ.
[إثْباتُ اسْتِواءِ اللَّهِ عَلى عَرْشِهِ بِالكِتابِ]
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: " وهَذا كِتابُ اللَّهِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ وسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ وعامَّةُ كَلامِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وكَلامُ سائِرِ الأئِمَّةِ مَمْلُوءٌ بِما هو نَصٌّ أوْ ظاهِرٌ في أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ فَوْقَ السَّماواتِ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ. مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: (. . . . . . . . . ﴿ذِي المَعارِجِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، فَذَكَرَ التَّوْحِيدَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٤].
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].
وَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الحديد: ٤] فَذَكَرَ عُمُومَ عِلْمِهِ وعُمُومَ قُدْرَتِهِ وعُمُومَ إحاطَتِهِ وعُمُومَ رُؤْيَتِهِ.
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦] الآيَةَ.
قالَ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ: وقَدِ احْتُجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الجَهْمِيَّةِ فَكَذَّبَ فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ " فَوْقَ " السَّماواتِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةُ كَلامِهِ بِحُرُوفِهِ.
[إثْباتُ اسْتِواءِ اللَّهِ عَلى عَرْشِهِ بِالسُّنَّةِ]
وَأمّا الأحادِيثُ فَمِنها قِصَّةُ المِعْراجِ وهي مُتَواتِرَةٌ «وَتَجاوُزِ النَّبِيِّ ﷺ " السَّماواتِ " سَماءً سَماءً حَتّى انْتَهى إلى رَبِّهِ تَعالى فَقَرَّبَهُ وأدْناهُ وفَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَواتِ خَمْسِينَ صَلاةً فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى، يَنْزِلُ مِن عِنْدِ رَبِّهِ إلى عِنْدِ مُوسى فَيَسْألُهُ كَمْ فَرَضَ عَلَيْهِ؟ فَيُخْبِرُهُ فَيَقُولُ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ فَيَصْعَدُ إلى رَبِّهِ " فَيَسْألُهُ التَّخْفِيفَ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابِهِ فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي». وفي لَفْظٍ آخَرَ: «كَتَبَ في كِتابِهِ عَلى نَفْسِهِ فَهو مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي») وفي لَفْظٍ: «وُضِعَ عِنْدَهُ عَلى العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ: «فَهُوَ مَكْتُوبٌ " عِنْدَهُ " فَوْقَ العَرْشِ». وهَذِهِ الألْفاظُ كُلُّها صِحاحٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، " وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسَ كَلِماتٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ».
وَذَكَرَ البُخارِيُّ في كِتابِ التَّوْحِيدِ في صَحِيحِهِ حَدِيثَ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثَ الإسْراءِ، «وَقالَ فِيهِ: ثُمَّ عَلا بِهِ - يَعْنِي جِبْرائِيلَ - فَوْقَ ذَلِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ حَتّى جاوَزَ سِدْرَةَ المُنْتَهى ودَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى فَأوْحى إلَيْهِ فِيما أوْحى إلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً عَلى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حَتّى بَلَغَ مُوسى فاحْتَبَسَهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ماذا عَهِدَ إلَيْكَ رَبُّكَ؟ قالَ: عَهِدَ إلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً " كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ " قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ " ذَلِكَ " فارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وعَنْهُمْ، فالتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرائِيلَ كَأنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ في ذَلِكَ فَأشارَ إلَيْهِ جِبْرائِيلُ أنْ نَعَمْ إنْ شِئْتَ، فَعَلا بِهِ إلى الجَبّارِ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ وهو مَكانُهُ: يا رَبِّ خَفِّفْ عَنّا. . . وذَكَرَ الحَدِيثَ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قالَ: يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ العَصْرِ وصَلاةِ الفَجْرَ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكم فَيَسْألُهم - وهو أعْلَمُ بِهِمْ - فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْناهم وهم يُصَلُّونَ وأتَيْناهم وهم يُصَلُّونَ» ". ولَمّا «حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في بَنِي قُرَيْظَةَ بِأنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبى ذُرِّيَّتُهم وتُقَسَّمَ أمْوالُهُمْ، قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ حَكَمَتْ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ» وفي لَفْظٍ «مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ».
وَأصْلُ القِصَّةِ في الصَّحِيحَيْنِ وهَذا السِّياقُ لِمُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ في المَغازِي.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثٍ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إلى النَّبِيِّ بِذُهَيْبَةٍ في أدِيمٍ مَقْرُوضٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِن تُرابِها. قالَ: فَقَسَّمَها بَيْنَ أرْبَعَةٍ بَيْنَ - عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ والأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ وزَيْدٍ الخَيْرِ " والرّابِعُ: إمّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ، وإمّا عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ "، قالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ: كُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهَذا مِن هَؤُلاءِ، قالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ألا تَأْمَنُونِي وأنا أمِينُ مَن في السَّماءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّماءِ صَباحًا ومَساءً» ".
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «قالَ: لَطَمْتُ جارِيَةً لِي فَأخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قَلَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا أعْتِقُها؟ قالَ: بَلى ائْتِنِي بِها قالَ: فَجِئْتُ بِها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَها: أيْنَ اللَّهُ؟ قالَتْ: في السَّماءِ قالَ: فَمَن أنا؟ قالَتْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: " اعْتِقْها " فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ».
وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ.
وَفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ جَهِدَتِ الأنْفُسُ، وجاعَ العِيالُ، ونُهِكَتِ الأمْوالُ، وهَلَكَتِ الأنْعامُ، فاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنا فَإنّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلى اللَّهِ ونَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ويْحَكَ! أتُدْرِي ما تَقُولُ؟ " وسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَما زالَ يُسَبِّحُ حَتّى عُرِفَ ذَلِكَ في وُجُوهِ أصْحابِهِ، ثُمَّ قالَ: " ويْحَكَ! إنَّهُ لا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلى أحَدٍ مِن خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، ويْحَكَ! أتُدْرِي ما اللَّهُ؟ إنَّ عَرْشَهُ عَلى سَماواتِهِ لَهَكَذا " وقالَ بِأصابِعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ عَلَيْهِ " وإنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أطِيطَ الرَّحْلِ بِالرّاكِبِ» ". وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ أيْضًا ومُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ في البَطْحاءِ في عِصابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحابَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها فَقالَ: " ما تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ " قالُوا: السَّحابُ قالَ: " والمُزْنُ " قالُوا: والمُزْنُ قالَ: " والعَنانُ " قالُوا: والعَنانُ قالَ: " هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بُعْدُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ؟ " قالُوا: لا نَدْرِي قالَ: " إنَّ بُعْدَ ما بَيْنَهُما إمّا واحِدَةٌ أوِ اثْنَتانِ أوْ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ سَنَةً ثُمَّ السَّماءُ فَوْقَها كَذَلِكَ " حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ " ثُمَّ فَوْقَ السّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أعْلاهُ وأسْفَلِهِ مِثْلَ ما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمانِيَةُ أوْعالَ بَيْنَ أظْلافِهِمْ ورُكَبِهِمْ مِثْلَ ما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ ثُمَّ عَلى ظُهُورِهِمُ العَرْشُ (بَيْنَ) أسْفَلِهِ وأعْلاهُ مِثْلُ ما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ ثُمَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَوْقَ ذَلِكَ» " زادَ أحْمَدُ: «وَلَيْسَ يَخْفى عَلَيْهِ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ شَيْءٌ».
وَفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ أيْضًا عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اشْتَكى مِنكم شَيْئًا أوِ اشْتَكاهُ أخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبَّنا اللَّهُ الَّذِي في السَّماءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أمْرُكَ في السَّماءِ والأرْضِ، كَما رَحْمَتُكَ في السَّماءِ فاجْعَلْ رَحْمَتَكَ في الأرْضِ، واغْفِرْ لَنا حُوبَنا وخَطايانا، أنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أنْزِلْ رَحْمَةً مِن رَحْمَتِكَ وشِفاءً مِن شِفائِكَ عَلى " هَذا " الوَجَعِ فَيَبْرَأُ»، وفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ بِجارِيَةٍ سَوْداءَ أعْجَمِيَّةٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيْنَ اللَّهُ؟ فَأشارَتْ بِإصْبَعِها السَّبّابَةِ إلى السَّماءِ فَقالَ لَها: مَن أنا؟ فَأشارَتْ بِإصْبَعِها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإلى السَّماءِ أيْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: أعْتِقْها»)، وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «الرّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَن في الأرْضِ يَرْحَمْكم مَن في السَّماءِ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وفِيهِ أيْضًا عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي: يا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إلَهًا؟ قالَ أبِي: سَبْعَةً، سِتَّةً في الأرْضِ وواحِدًا في السَّماءِ قالَ: فَأيُّهم تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟ قالَ الَّذِي في السَّماءِ قالَ: يا حُصَيْنُ أما أنَّكَ لَوْ أسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ يَنْفَعانِكَ قالَ: فَلَمّا أسْلَمَ حَصِينٌ جاءَ فَقالَ: يا رَسُولُ اللَّهِ عَلِّمْنِي الكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وعَدْتَنِي قالَ: قُلِ اللَّهُمَّ ألْهِمْنِي رُشْدِي وأعِذْنِي مِن شَرِّ نَفْسِي».
وَفِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِن رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ فَتَأْبى عَلَيْهِ إلّا كانَ الَّذِي في السَّماءِ ساخِطًا عَلَيْها حَتّى يَرْضى عَنْها» " ورَوى الشّافِعِيُّ في مُسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: " «أتى جِبْرِيلُ وفي كَفِّهِ مِرْآةٌ بَيْضاءُ فِيها نُكْتَةٌ سَوْداءُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ ما هَذِهِ يا (جِبْرِيلُ)؟
قالَ: هَذِهِ الجُمْعَةُ فُضِّلْتَ بِها أنْتَ وأُمَّتُكَ فالنّاسُ لَكم فِيها تَبَعٌ اليَهُودُ والنَّصارى ولَكم فِيها خَيْرٌ وفِيها ساعَةٌ لا يُوافِقُها مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ وهي عِنْدُنا يَوْمُ المَزِيدِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يا جِبْرِيلُ وما يَوْمُ المَزِيدُ؟ قالَ: إنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ في الجَنَّةِ وادِيًا أفْيَحَ فِيهِ كُثُبٌ مِن مِسْكٍ فَإذا كانَ يَوْمُ الجُمْعَةِ أنْزَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى ما شاءَ مِن مَلائِكَتِهِ وحَوْلَهُ مَنابِرُ مِن نُورٍ عَلَيْها مَقاعِدُ النَّبِيِّينَ وحَفَّ تِلْكَ المَنابِرَ بِمَنابِرَ مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بِالياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ عَلَيْها الشُّهَداءُ والصِّدِّيقُونَ فَجَلَسُوا مِن ورائِهِمْ عَلى تِلْكَ الكُثُبِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا رَبُّكم وقَدْ صَدَقْتُكم وعْدِي فاسْألُونِي أُعْطِكم فَيَقُولُونَ: رَبَّنا نَسْألُكَ رِضْوانَكَ فَيَقُولُ: قَدْ رَضِيتُ عَنْكم ولَكم ما تَمَنَّيْتُمْ ولَدَيَّ مَزِيدٌ، فَهم يُحِبُّونَ يَوْمَ الجُمْعَةِ لِما يُعْطِيهِمْ فِيهِ رَبُّهم مِنَ الخَيْرِ وهو اليَوْمُ الَّذِي اسْتَوى فِيهِ رَبُّكَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العَرْشِ، وفِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ».
وَلِهَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ طُرُقٍ جَمَعَها أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي داوُدَ في جُزْءٍ، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ فَرَفَعُوا رُءُوسَهم فَإذا الرَّبُّ تَعالى قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ فَقالَ السَّلامَ عَلَيْكم يا أهْلَ الجَنَّةِ قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، قالَ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهم ويَبْقى نُورُهُ وبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِيارِهِمْ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَن تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ إلّا الطَّيِّبُ فَإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُها بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرْبِيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» ".
وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدَيِّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: («إنَّ رَبَّكم حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي مِن عَبْدِهِ إذا رَفَعَ إلَيْهِ يَدَيْهِ أنْ يَرُدَّهُما صِفْرًا لَيْسَ فِيهِما شَيْءٌ»)، ورَوى ابْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أبِي أيُّوبَ عَنْ زَهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: " «مَن تَوَضَّأ فَأحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ " وأشْهَدُ " أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أبْوابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِن أيُّها شاءَ» " وفي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الطَّوِيلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «فَأدْخُلُ عَلى رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى وهو عَلى عَرْشِهِ» وذَكَرَ الحَدِيثَ، وفي بَعْضِ ألْفاظِ البُخارِيِّ في صَحِيحِهِ، «فَأسْتَأْذِنُ عَلى رَبِّي في دارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ»، قالَ عَبْدُ الحَقِّ في الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ هَكَذا قالَ في دارِهِ في المَواضِعِ الثَّلاثِ يُرِيدُ مَواضِعَ الشَّفاعاتِ الثَّلاثِ الَّتِي يَسْجُدُ فِيها ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ورَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «خَرَجَ عَبْدٌ أسْوَدُ لِبَعْضِ أهْلِ خَيْبَرَ حَتّى جاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن هَذا؟ قالُوا: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: الَّذِي في السَّماءِ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ الَّذِي في السَّماءِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالشَّهادَةِ فَتَشَهَّدَ فَقاتَلَ حَتّى اسْتُشْهِدَ» ورَوى عَدِيُّ بْنُ عَمِيرَةَ الكِنْدِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ: " «وَعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِي فَوْقَ عَرْشِي ما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ولا بَيْتٍ ولا رَجُلٍ بِبادِيَةٍ كانُوا عَلى ما كَرِهْتُ مِن مَعْصِيَتِي فَتَحَوَّلُوا عَنْها إلى ما أحْبَبْتُ مِن طاعَتِي إلّا تَحَوَّلْتُ لَهم عَمّا يَكْرَهُونَ مِن عَذابِي إلى ما يُحِبُّونَ مِن رَحْمَتِي»، رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في كِتابِ العَرْشِ، وأبُو أحْمَدَ العَسّالُ في كِتابِ المَعْرِفَةِ. وصَحَّ عَنْهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإسْنادِ مُسْلِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ " «إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيّارَةً " فَضَلًا " يَتَّبِعُونَ مَجالِسَ الذِّكْرِ فَإذا وجَدُوا مَجْلِسَ ذِكْرٍ جَلَسُوا مَعَهم فَإذا تَفَرَّقُوا صَعَدُوا إلى رَبِّهِمْ» " وأصْلُ الحَدِيثِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، ولَفْظُهُ: «فَإذا تَفَرَّقُوا صَعَدُوا إلى السَّماءِ. فَيَسْألُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو أعْلَمُ بِهِمْ مِن " أيْنَ " جِئْتُمْ؟ الحَدِيثَ». . . وذَكَرَ الدّارَقُطْنِيُّ في كِتابِ نُزُولِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، " «يَنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقى ثُلْثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: ألا عَبْدٌ مِن عِبادِي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ ألا ظالِمٌ لِنَفْسِهِ يَدْعُونِي فَأفُكَّهُ؟ فَيَكُونُ كَذَلِكَ إلى مَطْلَعِ الصُّبْحِ ويَعْلُو عَلى كُرْسِيِّهِ». وعَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كانَ قَبْلُكم لَبِسَ بُرْدَيْنِ لَهُ فَتَبَخْتَرَ فِيهِما فَنَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ فَمَقَتَهُ فَأمَرَ الأرْضَ فَأخَذَتْهُ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها» " رَواهُ الدّارِمِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ بَكّارٍ أحَدِ شُيُوخِ البُخارِيِّ، ولَهُ شاهِدٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اقْبَلُوا البُشْرى يا بَنِي تَمِيمٍ قالُوا قَدْ بَشَّرَتْنا فَأعْطِنا، فَدَخَلَ ناسٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، فَقالَ اقْبَلُوا البُشْرى يا أهْلَ اليَمَنِ إذْ لَمْ يَقْبَلْها بَنُو تَمِيمٍ قالُوا: قَبِلْنا جِئْناكَ لِنَتَفَقَّهَ في الدِّينِ ولِنَسْألَكَ عَنْ أوَّلِ هَذا الأمْرِ ما كانَ؟ فَقالَ: كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى العَرْشِ وكانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وكَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ») حَدِيثٌ صَحِيحٌ أصْلُهُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، ورَوى الخَلّالُ في كِتابِ السُّنَّةِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَمّا فَرَغَ اللَّهُ مِن خَلْقِهِ اسْتَوى عَلى عَرْشِهِ» " وفي قِصَّةِ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " إذا أنا مِتُّ فَغَسِّلْنِي أنْتَ وابْنُ عَبّاسٍ يَصُبُّ الماءَ وجِبْرائِيلُ ثالِثُكُما وكَفِّنِّي في ثَلاثَةِ أثْوابٍ (بِيضٍ) جُدُدٍ وضَعُونِي في المَسْجِدِ فَإنَّ أوَّلَ مَن يُصَلِّي عَلَيَّ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ» " وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ خِطْبَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا اسْتَأْذَنَها قالَتْ: يا أبَتِ كَأنَّكَ إنَّما ادَّخَرْتَنِي لِفَقِيرِ قُرَيْشٍ، فَقالَ: والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ (نَبِيًّا) ما تَكَلَّمْتُ بِهَذا حَتّى أذِنَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ السَّماءِ فَقالَتْ: رَضِيتُ بِما رَضِيَ اللَّهُ لِي»، وفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قِصَّةُ الشَّفاعَةِ الحَدِيثُ بِطُولِهِ مَرْفُوعًا، وفِيهِ: «فَآتِي رَبِّي عَزَّ وجَلَّ فَأجِدُهُ عَلى كُرْسِيِّهِ أوْ سَرِيرِهِ جالِسًا». وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «قالَ: " يَأْتُونِي فَأمْشِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتّى آتِيَ بابَ الجَنَّةِ ولِلْجَنَّةِ مِصْراعانِ مِن ذَهَبٍ مَسِيرَةَ ما بَيْنَهُما خَمْسِمِائَةِ عامٍ قالَ مَعْبَدٌ: فَكَأنِّي أنْظُرُ إلى أصابِعِ أنَسٍ حِينَ فَتَحَها، يَقُولُ مَسِيرَةَ ما بَيْنَهُما خَمْسِمِائَةِ عامٍ فاسْتَفْتَحَ فَيُؤْذَنُ لِي فَأدْخُلُ عَلى رَبِّي فَأجِدُهُ قاعِدًا عَلى كُرْسِيِّ العِزَّةِ فَأخِرُّ لَهُ ساجِدًا»، رَواهُ خُشَيْشُ بْنُ أصْرَمَ النَّسائِيُّ في كِتابِ السُّنَّةِ لَهُ، وذَكَرَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا ولَهُ في كُلِّ سَماءٍ كُرْسِيٌّ فَإذا نَزَلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا جَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ ولا ظَلُومٍ؟ مَن ذا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرُ لَهُ؟ مَن ذا الَّذِي يَتُوبُ فَأتُوبُ عَلَيْهِ؟ فَإذا كانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ارْتَفَعَ فَجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ»، رَواهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَندَهْ ورُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلًا ومَوْصُولًا، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مُرْسَلُ سَعِيدٍ عِنْدَنا حَسَنٌ وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: " «إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ حاسَبَهم فَيَمِيزُ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ وهو في جَنَّتِهِ عَلى عَرْشِهِ»، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ الحافِظُ هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وعَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم لَبِسَ بُرْدَيْنِ فَتَبَخْتَرَ فَنَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ فَمَقَتَهُ فَأمَرَ الأرْضَ فَأخَذَتْهُ» " حَدِيثٌ صَحِيحٌ ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ عَوانَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ذَكْوانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كُنّا جُلُوسًا ذاتَ يَوْمٍ بِفَناءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ مَرَّتْ بِنا امْرَأةٌ مِن بَناتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ هَذِهِ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ أبُو سُفْيانَ ما مَثَلُ مُحَمَّدٍ في بَنِي هاشِمٍ إلّا كَمَثَلِ رَيْحانَةٍ في وسَطِ الذَّبْلِ فَسَمِعَتْهُ تِلْكَ المَرْأةُ فَأبْلَغَتْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحْسَبُهُ قالَ مُغْضَبًا فَصَعِدَ عَلى مِنبَرِهِ وقالَ: " ما بالُ أقْوالٍ تَبْلُغُنِي عَنْ أقْوامٍ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَماواتِهِ سَبْعًا فاخْتارَ العُلْيا فَسَكَنَها وأسْكَنَ سَماواتِهِ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ وخَلَقَ أرَضِينَ سَبْعًا فاخْتارَ العُلْيا فَأسْكَنَ فِيها مِن خَلْقِهِ واخْتارَ خَلْقَهُ فاخْتارَ بَنِي آدَمَ ثُمَّ اخْتارَ بَنِي آدَمَ فاخْتارَ العَرَبَ ثُمَّ اخْتارَ مُضَرَ فاخْتارَ قُرَيْشًا، ثُمَّ اخْتارَ قُرَيْشًا فاخْتارَ بَنِي هاشِمٍ ثُمَّ اخْتارَ بَنِي هاشِمٍ فاخْتارَنِي مِن بَنِي هاشِمٍ فَلَمْ أزَلْ خِيارًا، ألا مَن أحَبَّ قُرَيْشًا فَبِحُبِّي أحَبَّهم ومَن أبْغَضَ قُرَيْشًا فَبِبُغْضِي أبْغَضَهُمْ» ورَوى الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو عَنْ عَطاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ أبِي (هُرَيْرَةَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ المَيِّتَ تَحْضُرُهُ المَلائِكَةُ فَإذا كانَ الرَّجُلُ الصّالِحُ قالُوا: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ غَيْرِ غَضْبانَ فَلا يَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى يَنْتَهِيَ بِها إلى السَّماءِ الَّتِي فِيها اللَّهُ تَعالى وإذا كانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قالُوا: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ اخْرُجِي ذَمِيمَةً وأبْشِرِي بِحَمِيمٍ وغَسّاقٍ وآخَرَ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ فَلا يَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ، فَيُسْتَفْتَحُ لَها فَيُقالُ مَن هَذا؟ فَيُقالُ فُلانٌ فَيُقالُ: لا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الخَبِيثَةِ كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإنَّهُ لا يُفْتَحُ لَكِ أبْوابُ السَّماءِ فَتُرْسَلُ مِنَ السَّماءِ ثُمَّ تَصِيرُ إلى القَبْرِ. . .»
وَرَوى الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا في مُسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في جِنازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ فانْتَهَيْنا إلى القَبْرِ ولَمْ يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وجَلَسْنا حَوْلَهُ كَأنَّ عَلى رُءُوسِنا الطَّيْرَ وفي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ في الأرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِن عَذابِ القَبْرِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا كانَ في انْقِطاعٍ مِنَ الدُّنْيا وإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ نَزَلَ إلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّماءِ بِيضُ الوُجُوهِ كَأنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ مَعَهم كَفَنٌ مِن أكْفانِ الجَنَّةِ وحَنُوطٌ مِن حَنُوطِ الجَنَّةِ حَتّى يَجْلِسُوا مِنهُ مَدَّ البَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حَتّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ قالَ: فَتَخْرُجُ فَتَسِيلُ كَما تَسِيلُ القَطْرَةُ مِن فِيِّ السِّقاءِ فَيَأْخُذُها فَإذا أخَذَها لَمْ يَدْعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتّى يَأْخُذُوها فَيَجْعَلُوها في ذَلِكَ الكَفَنِ وفي ذَلِكَ الحَنُوطِ ويَخْرُجُ مِنها كَأطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلى وجْهِ الأرْضِ قالَ فَيَصْعَدُونَ بِها فَلا يَمُرُّونَ بِها عَلى مَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا قالُوا ما هَذِهِ الرُّوحِ الطَّيِّبَةِ؟ فَيَقُولُونَ: فُلانٌ ابْنُ فُلانٍ بِأحْسَنِ أسْمائِهِ الَّتِي كانُوا يُسَمُّونَهُ بِها في الدُّنْيا حَتّى يَنْتَهُوا إلى سَماءِ الدُّنْيا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُشَيِّعُهُ مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبُوها إلى السَّماءِ الَّتِي تَلِيها حَتّى يُنْتَهى بِها إلى السَّماءِ السّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى (اكْتُبُوا كِتابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ وأعِيدُوهُ إلى الأرْضِ فَإنِّي مِنها خَلَقْتُهم وفِيها أُعِيدُهم ومِنها أُخْرِجُهم تارَةً أُخْرى، قالَ فَتُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينَيَ الإسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما هَذا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هو رَسُولُ اللَّهِ فَيَقُولانِ " لَهُ ": وما عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتابَ اللَّهِ فَآمَنتُ بِهِ وصَدَّقْتُ فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنْ صَدَقَ عَبْدِي فافْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ وألْبِسُوهُ مِنَ الجَنَّةِ وافْتَحُوا لَهُ بابًا إلى الجَنَّةِ، قالَ: فَيَأْتِيهِ مِن رُوحِها وطِيبِها ويُفْسِحُ لَهُ في قَبْرِهِ مُدَّ بَصَرِهِ، قالَ: ويَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ: أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ فَهَذا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوْعَدُ فَيَقُولُ لَهُ: مَن أنْتَ؟ فَوَجَهُكَ وجْهُ الَّذِي يَأْتِي بِالخَيْرِ، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ فَيَقُولُ: رَبِّ أقِمِ السّاعَةَ، رَبِّ أقِمِ السّاعَةَ، حَتّى أرْجِعَ إلى أهْلِي ومالِي». .)
وَذَكَرَ الحَدِيثَ وهو صَحِيحٌ صَحَّحَهُ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ.
وَقالَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ الإمامُ الحافِظُ أحَدُ أئِمَّةِ الإسْلامِ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ حَدَّثَنا حَمّادٌ وهو ابْنُ سَلَمَةَ حَدَّثَنا عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنِ السّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَمّا أُسْرِيَ بِي مَرَرْتُ بِرائِحَةٍ طَيِّبَةٍ فَقُلْتُ يا جِبْرائِيلُ ما هَذِهِ الرّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ قالَ هَذِهِ رائِحَةُ ماشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وأوْلادِها كانَتْ تُمَشِّطُها فَوَقَعَ المُشْطُ مِن يَدِها فَقالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ تَعالى فَقالَتِ ابْنَتُهُ أبِي؟ قالَتْ: لا، ولَكِنْ رَبِّي ورَبُّ أبِيكِ اللَّهُ، فَقالَتْ: أُخْبِرُ ذَلِكَ أبِي " قالَتْ: نَعَمْ "، فَأخْبَرَتْهُ فَدَعا بِها فَقالَ: مَن رَبُّكِ هَلْ لَكِ رَبٌّ غَيْرِي قالَتْ رَبِّي ورَبُّكَ اللَّهُ الَّذِي في السَّماءِ فَأمَرَ بِنَقْرَةٍ مِن نُحاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ دَعا بِها وبِوَلَدِها فَألْقاهُما فِيها» وساقَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: " «كانَ مَلَكُ المَوْتِ يَأْتِي النّاسَ " عِيانًا " فَأتى مُوسى فَلَطَمَهُ فَذَهَبَ بِعَيْنِهِ فَعَرَجَ إلى رَبِّهِ فَقالَ: بَعَثْتَنِي إلى مُوسى فَلَطَمَنِي فَذَهَبَ بِعَيْنِي، ولَوْلا كَرامَتُهُ عَلَيْكَ لَشَقَقْتُ عَلَيْهِ. قالَ: ارْجِعْ إلى عَبْدِي فَقُلْ لَهُ. . فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَوارَتْ بِيَدِهِ سَنَةٌ يَعِيشُها فَأتى فَبَلَّغَهُ ما أمَرَهُ بِهِ، فَقالَ: ما بَعْدَ ذَلِكَ؟ قالَ: المَوْتُ، قالَ: الآنَ، فَشَمَّهُ شَمَّةً قَبَضَ رَوْحَهُ فِيها ورَدَّ اللَّهُ عَلى مَلَكِ المَوْتِ بَصَرَهُ». هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أصْلُهُ وشاهِدُهُ في الصَّحِيحَيْنِ، وقالَ أيْضًا: حَدَّثَنا ابْنُ هِشامٍ الرِّفاعِيُّ حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ سُلَيْمانَ حَدَّثَنا أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيُّ عَنْ عاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «لَمّا أُلْقِيَ إبْراهِيمُ في النّارِ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ في السَّماءِ أحَدٌ وأنا في الأرْضِ واحِدٌ أعْبُدُكَ»، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَرْفَعُهُ «عَجِبْتُ مِن مَلَكَيْنِ نَزَلا يَلْتَمِسانِ عَبْدًا في مُصَلّاهُ كانَ يُصَلِّي فِيهِ فَلَمْ يَجِداهُ فَعَرَجا إلى اللَّهِ فَقالا: يا رَبَّنا عَبْدُكَ فُلانٌ كُنّا نَكْتُبُ لَهُ مِنَ العَمَلِ فَوَجَدْناهُ قَدْ حَبَسْتَهُ في حِبالِكَ فَقالَ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي عَمَلَهُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُ» رَواهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا ولَهُ شاهِدٌ في البُخارِيِّ، وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أنِيسٍ الأنْصارِيِّ الَّذِي رَحَلَ إلى جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ المَدِينَةِ إلى مِصْرَ حَتّى سَمِعَهُ مِنهُ، وقالَ لَهُ: بَلَغَنِي أنَّكَ تُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ في القَصاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ أشْهَدْهُ ولَيْسَ أحَدٌ أحْفَظُ لَهُ مِنكَ، فَقالَ: نَعَمْ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا بُهْمًا ثُمَّ يَجْمَعُكم ثُمَّ يُنادِي - وهو قائِمٌ عَلى عَرْشِهِ» - وذَكَرَ الحَدِيثَ احْتَجَّ بِهِ أئِمَّةُ أهْلِ السُّنَّةِ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وغَيْرُهُ، ورَوى الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ لَيَكْرَهَ في السَّماءِ أنْ يُخَطَّأ أبُو بَكْرٍ في الأرْضِ». ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا الحَدِيثِ وبَيْنَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ الرُّؤْيا: «أصَبْتَ بَعْضًا وأخْطَأْتَ بَعْضًا». لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَكْرَهُ تَخْطِئَةَ غَيْرِهِ مِن آحادِ الأُمَّةِ لَهُ لا تَخْطِئَةَ الرَّسُولِ ﷺ لَهُ في أمْرٍ ما، فَإنَّ الحَقَّ والصَّوابَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطَعا بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ فَإنَّهُ إذا أخْطَأ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أنَّ الصَّوابَ مَعَهُ بَلْ ما تَنازَعَ الصِّدِّيقُ وغَيْرُهُ في أمْرٍ ما إلّا وكانَ الصَّوابُ مَعَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّ التَّخْطِئَةَ هُنا نِسْبَةٌ إلى الخَطَأِ (العَمْدِ) الَّذِي هو الإثْمُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]، لا مِنَ الخَطَأِ الَّذِي هو ضِدُّ العِلْمِ والتَّعَمُّدُ واللَّهُ أعْلَمُ.
وَرَوى أبُو نُعَيْمٍ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «إنَّ العَبْدَ لَيُشْرِفُ عَلى حاجَةٍ مِن حاجاتِ الدُّنْيا فَيَذْكُرُهُ اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ فَيَقُولُ: مَلائِكَتِي إنَّ عَبْدِي هَذا قَدْ أشْرَفَ عَلى حاجَةٍ مِن حاجاتِ الدُّنْيا فَإنْ فَتَحْتُها لَهُ فَتَحْتُ لَهُ بابًا مِن أبْوابِ النّارِ ولَكِنِ ازْوُوها عَنْهُ، فَيُصْبِحُ العَبْدُ عاضًّا عَلى أنامِلِهِ يَقُولُ: مَن سَبَقَنِي مَن دَهانِي؟ وما هي إلّا رَحْمَةٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بِها»، وفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، «قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أرَكَ تَصُومُ مِن شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ ما تَصُومُ مِن شَعْبانَ؟ قالَ: ذاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ ورَمَضانَ وهو شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأعْمالُ إلى رَبِّ العالَمِينَ عَزَّ وجَلَّ فَأُحِبُّ أنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وأنا صائِمٌ». وفي الثَّقَفِيّاتِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كانَ قَبْلُكم لَبِسَ بُرْدَيْنِ فَتَبَخْتَرَ فِيهِما فَنَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ فَمَقَتَهُ فَأمَرَ الأرْضَ فَأخَذَتْهُ فَهو يَتَجَلْجَلُ» (فِي الأرْضِ) فاحْذَرُوا مَعاصِيَ اللَّهِ وأصْلُهُ في الصَّحِيحِ.
وَقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ أبِي حَيّانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ أنَّ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْشَدَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ:
؎شَهِدْتُ بِإذْنِ اللَّهِ أنَّ مُحَمَّدًا ∗∗∗ رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّماواتِ مِن عَلِ
؎وَإنَّ أبا يَحْيى ويَحْيى كِلاهُما ∗∗∗ لَهُ عَمَلٌ في دِينِهِ مُتَقَبَّلُ
؎وَإنَّ أخا الأحْقافِ إذْ يَعُذْ لَوْنُهُ ∗∗∗ يُجاهِدُ في ذاتِ الإلَهِ ويَعْدِلُ
وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ بِشْرٍ أخْبَرَنا ابْنُ مَندَهْ أخْبَرَنا خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ حَدَّثَنا السَّرِيُّ " بْنُ يَحْيى حَدَّثَنا هَنّادُ بُنْ السَّرِيِّ " حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ البَقّالِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَسَألُوهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا. . قالُوا: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ قالُوا: أصَبْتَ يا مُحَمَّدُ لَوْ أتْمَمْتَ ثُمَّ اسْتَراحَ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
[فَصْلٌ فِيما حُفِظَ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والتّابِعِينَ والأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ وغَيْرِهِمْ مِن ذَلِكَ]
[قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فَصْلٌ: فِيما حُفِظَ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والتّابِعِينَ والأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ وغَيْرِهِمْ مِن ذَلِكَ:
أوَّلًا: ما حُفِظَ عَنْ أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ: (قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أيُّها النّاسُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ إلَهَكُمُ الَّذِي تَعْبُدُونَ فَإنَّ إلَهَكم قَدْ ماتَ وإنْ كانَ إلَهَكُمُ اللَّهُ الَّذِي في السَّماءِ فَإنَّ إلَهَكم لَمْ يَمُتْ ثُمَّ تَلا:
﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] حَتّى خَتَمَ الآيَةَ.
وَقالَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوانَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَخَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ (فَأكَبَّ عَلَيْهِ) وقَبَّلَ جَبْهَتَهُ وقالَ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، وقالَ: مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ في السَّماءِ (حَيٌّ) لا يَمُوتُ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إلى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهم فَحانَتِ الصَّلاةُ فَجاءَ المُؤَذِّنُ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرَ الحَدِيثَ وفِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أشارَ إلى أبِي بَكْرٍ أنِ امْكُثْ مَكانَكَ فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما أمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ. . . فَذَكَرَهُ».
[ذِكْرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
عَنْ إسْماعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الشّامَ اسْتَقْبَلَهُ النّاسُ وهو عَلى بَعِيرِهِ فَقالُوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْ رَكِبْتَ بِرْذَوْنًا لِيَلْقاكَ عُظَماءُ النّاسِ ووُجُوهُهم فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ألا أراكم هاهُنا إنَّما الأمْرُ مِن هاهُنا وأشارَ بِيَدِهِ إلى السَّماءِ.
وَذَكَرَ أبُو نُعَيْمٍ بِإسْنادِهِ عَنْهُ: ويْلٌ لِدَيّانِ الأرْضِ مِن دَيّانِ السَّماءِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ إلّا مَن أمَرَ بِالعَدْلِ وقَضى بِالحَقِّ ولِمَ يَقْضِي عَلى هَوًى ولا قَرابَةٍ ولا عَلى رَغَبٍ ولا عَلى رَهَبٍ وجَعَلَ كِتابَ اللَّهِ مِرْآةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
وَقالَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا يَزِيدَ المُزَنِيَّ قالَ: لَقِيَتِ امْرَأةٌ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُقالُ لَها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وهو يَسِيرُ مَعَ النّاسِ فاسْتَوْقَفَتْهُ فَوَقَفَ لَها ودَنا مِنها وأصْغى إلَيْها رَأْسَهُ حَتّى قَضَتْ حاجَتَها وانْصَرَفَتْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ حَبَسْتَ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ عَلى هَذِهِ العَجُوزِ قالَ: ويْلُكَ تَدْرِي مِن هَذِهِ؟ (قالَ: لا)، (قالَ: هَذِهِ امْرَأةٌ سَمِعَ اللَّهُ شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ واللَّهِ لَوْ لَمْ تَنْصَرِفْ عَنِّي إلى اللَّيْلِ ما انْصَرَفْتُ حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها إلّا أنْ تَحْضُرَنِي صَلاةٌ فَأُصَلِّيَها ثُمَّ أرْجِعَ إلَيْها حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها).
وَقالَ خُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ المَسْجِدِ ومَعَهُ جارُودٌ العَبْدِيُّ، فَإذا بِامْرَأةٍ بارِزَةٍ عَلى ظَهْرِ الطَّرِيقِ فَسَلَّمَ عَلَيْها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَدَّتْ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَتْ: هِيها يا عُمَرُ عَهِدْتُكَ يا عُمَرُ وأنْتَ تُسَمّى عُمَيْرًا في سُوقِ عُكاظَ تَزَعُ الصِّبْيانَ بِعَصاكَ فَلَمْ تَذْهَبِ الأيّامُ حَتّى سُمِّيتَ عُمَرَ ولَمْ تَذْهَبِ الأيّامُ حَتّى سُمِّيتَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فاتَّقِ اللَّهَ في الرَّعِيَّةِ واعْلَمْ أنَّهُ مَن خافَ الوَعِيدَ قُرِّبَ عَلَيْهِ البَعِيدُ ومَن خافَ المَوْتَ خَشِيَ الفَوْتَ، فَقالَ الجارُودُ: فَقَدْ أكْثَرْتِ أيَّتُها المَرْأةُ عَلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْها أما تَعْرِفُها هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ الَّتِي سَمِعَ اللَّهُ شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ فَعُمَرُ واللَّهِ أحَقُّ أنْ يَسْتَمِعَ لَها. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: ورُوِّينا مِن وُجُوهٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ خَرَجَ ومَعَهُ النّاسُ فَمَرَّ بِعَجُوزٍ فاسْتَوْقَفَتْهُ فَوَقَفَ (لَها) وجَعَلَ يُحَدِّثُها وتُحَدِّثُهُ فَقالَ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ حَبَسْتَ النّاسَ عَلى هَذِهِ العَجُوزِ قالَ: ويْلَكَ أتَدْرِي مَن هَذِهِ؟ هَذِهِ امْرَأةٌ سَمِعَ اللَّهُ شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
[قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِ الِاسْتِيعابِ رُوِّينا مِن وُجُوهٍ صِحاحٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَشى إلى أمَةٍ لَهُ فَنالَها فَرَأتْهُ امْرَأتُهُ فَلامَتْهُ، فَجَحَدَها فَقالَتْ لَهُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فاقْرَأِ القُرْآنَ فَإنَّ الجُنُبَ لا يَقْرَأُ (القُرْآنَ) فَقالَ:
؎شَهِدْتُ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ∗∗∗ وأنَّ النّارَ مَثْوى الكافِرِينا
؎وَأنَّ العَرْشَ فَوْقَ الماءِ طافَ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينا
؎وَتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلَهِ مُسَوِّمِينا
فَقالَتْ: آمَنتُ بِاللَّهِ وكَذَّبْتُ عَيْنِي وكانَتْ لا تَحْفَظُ القُرْآنَ ولا تَقْرَؤُهُ.
[قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
قالَ الدّارِمَيُّ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما بَيْنَ السَّماءِ الدُّنْيا والَّتِي تَلِيها خَمْسُمِائَةِ عامٍ وبَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ وبَيْنَ الكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وبَيْنَ الكُرْسِيِّ إلى الماءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، والعَرْشُ عَلى الماءِ، واللَّهُ تَعالى فَوْقَ العَرْشِ وهو يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ورَوى الأعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْهُ: إنَّ العَبْدَ لَيَهُمُّ بِالأمْرِ مِنَ التِّجارَةِ أوِ الإمارَةِ حَتّى إذا تَيَسَّرَ لَهُ نَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ فَيَقُولُ لِلْمَلَكِ: اصْرِفْهُ عَنْهُ، قالَ: فَيَصْرِفُهُ.
[قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما]
: ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في كِتابِ السُّنَّةِ مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «تَفَكَّرُوا في كُلِّ شَيْءٍ ولا تَفَكَّرُوا في ذاتِ اللَّهِ فَإنَّ بَيْنَ السَّماواتِ السَّبْعِ إلى الكُرْسِيِّ سَبْعَةَ آلافِ نُورٍ وهو فَوْقُ ذَلِكَ»، وفي مُسْنَدِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ وكِتابِ عُثْمانَ بْنِ سَعِيدٍ الدّارِمِيِّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّهُ حَدَّثَهُ ذَكْوانُ قالا: اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وهي تَمُوتُ فَقالَ لَها: كُنْتِ أحَبَّ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ إلّا طَيِّبًا، وأنْزَلَ اللَّهُ بَراءَتَكِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ جاءَ بِها الرُّوحُ الأمِينُ فَأصْبَحَ لَيْسَ مَسْجِدٌ مِن مَساجِدِ اللَّهِ يُذْكَرُ فِيهِ اللَّهُ
إلّا وهي تُتْلى فِيها آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ. وذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ في شَرْحِ السُّنَّةِ مِن حَدِيثِ سُفْيانَ عَنْ أبِي هاشِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ناسًا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، قالَ: يُكَذِّبُونَ بِالكِتابِ لَئِنْ أخَذْتُ شَعْرَ أحَدِهِمْ لَأنْضُوَنَّهُ إنِ اللَّهَ كانَ عَلى عَرْشِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا فَخَلَقَ الخَلْقَ فَكَتَبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّما يَجْرِي النّاسُ عَلى أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ.
وَقالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: أخْبَرَنا إبْراهِيمُ بْنُ الحَكَمِ بْنِ أبانَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَقُولَ مِن فَوْقِهِمْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مِن فَوْقِهِمْ.
[قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]
(قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها)، قالَ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ حَدَّثَنا جُوَيْرِيَّةُ بْنُ أسْماءَ قالَ: سَمِعْتُ نافِعًا يَقُولُ: قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: وايْمُ اللَّهِ إنِّي لَأخْشى لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ قَتْلَهُ لَقَتَلْتُهُ، (تَعْنِي: عُثْمانَ) ولَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ " مِن " فَوْقِ عَرْشِهِ إنِّي لَمْ أُحِبَّ قَتْلَهُ.
[قَوْلُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]
ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَتْ زَيْنَبُ تَفْتَخِرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ وزَوَّجَنِيَ اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، وفي لَفْظٍ لِغَيْرِهِما كانَتْ تَقُولُ: زَوَّجْنِيكَ الرَّحْمَنُ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ كانَ جِبْرِيلُ السَّفِيرُ بِذَلِكَ وأنا ابْنَةُ عَمَّتِكَ. رَواهُ العَسّالُ.
[قَوْلُ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
قالَ: لَمّا لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ وأخْرَجَهُ مِن سَماواتِهِ وأخْزاهُ قالَ: رَبِّ أخْزَيْتَنِي ولَعَنْتَنِي وطَرَدْتَنِي مِن سَماواتِكَ وجِوارِكَ، وعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّ خَلْقَكَ ما دامَتِ الأرْواحُ في أجْسادِها، فَأجابَهُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى " فَقالَ ": وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِي عَلى عَرْشِي لَوْ أنَّ عَبْدِي أذْنَبَ حَتّى مَلَأ السَّماءَ والأرْضَ خَطاياهُ ثُمَّ لَمْ يَبْقَ مِن عُمُرِهِ إلّا نَفَسٌ واحِدٌ فَنَدِمَ عَلى ذُنُوبِهِ لَغَفَرْتُها وبَدَّلْتُ سَيِّآتِهِ كُلَّها حَسَناتٍ، وقَدْ رُوِيَ هَذا المَتْنَ مَرْفُوعًا ولَفْظُهُ: «وَعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِي لَوْ أنَّ عَبْدِي». . . فَذَكَرَهُ ورَواهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وعَزَّتِكَ يا رَبِّ لا أبْرَحُ أُغْوِي عِبادَكَ ما دامَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، فَقالَ الرَّبُّ: وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِ مَكانِي لا أزالُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي»
[قَوْلُ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ]
" قَوْلُ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم " قالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ: حَدَّثَنا البَكّائِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ سِنانٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الأُجَيْرِدِ الكِنْدِيُّ عَنِ العُرْسِ بْنِ قَيْسٍ الكِنْدِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَرَجْتُ مُهاجِرًا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وقالَ فِيها: فَإذا هو ومَن مَعَهُ يَسْجُدُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ ويَزْعُمُونَ أنَّ إلَهَهم في السَّماءِ فَأسْلَمْتُ وتَبِعْتُهُ».
[ذِكْرُ أقْوالِ التّابِعِينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى]
قَوْلُ مَسْرُوقٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: قالَ عَلِيُّ بْنُ الأقْمَرِ: كانَ مَسْرُوقٌ إذا حَدَّثَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالَ: حَدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ ﷺ المُبَرَّأةُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ.
[قَوْلُ عِكْرِمَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ الحَكَمِ قالَ حَدَّثَنِي أبِي عَنْ عِكْرِمَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، قالَ: بَيْنَما رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلى مَتْنِهِ في الجَنَّةِ، فَقالَ في نَفْسِهِ لَمْ يُحَرِّكْ شَفَتَيْهِ: لَوْ أنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ لِي لَزَرَعْتُ في الجَنَّةِ فَلَمْ يَعْلَمْ إلّا والمَلائِكَةُ عَلى أبْوابِ جَنَّتِهِ قابِضِينَ عَلى أكُفِّهِمْ فَيَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكَ فاسْتَوى قاعِدًا، فَقالُوا لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ تَمَنَّيْتَ شَيْئًا في نَفْسِكَ قَدْ عَلِمْتُهُ وقَدْ بَعَثَ مَعَنا هَذا البَذْرَ، يَقُولُ لَكَ: ابْذُرْ فَألْقى يَمِينًا وشِمالًا وبَيْنَ يَدَيْهِ وخَلْفَهُ فَخَرَجَ أمْثالَ الجِبالِ عَلى ما كانَ تَمَنّى وزادَ، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ: كُلْ يا ابْنَ آدَمَ فَإنَّ ابْنَ آدَمَ لا يَشْبَعُ.
[قَوْلُ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ حَدَّثَنا أبُو هِلالٍ حَدَّثَنا قَتادَةَ قالَ: قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: يا رَبِّ أنْتَ في السَّماءِ ونَحْنُ في الأرْضِ فَكَيْفَ لَنا أنْ نَعْرِفَ رِضاكَ وغَضَبَكَ قالَ: إذا أُرْضِيتُ عَنْكُمُ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكم خِيارَكم وإذا غَضِبْتُ عَلَيْكُمُ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكم شِرارَكم.
[قَوْلُ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ في تارِيخِهِ حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ " قالَ " حَدَّثَنا ضَمْرَةُ عَنْ صَدَقَةَ التَّيْمِيِّ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: لَوْ سُئِلْتُ أيْنَ اللَّهُ؟ لَقُلْتَ في السَّماءِ.
[قَوْلُ كَعْبِ الأحْبارِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي خالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ زَيْدَ بْنَ أسْلَمَ حَدَّثَهُ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: أتى رَجُلٌ كَعْبًا وهو في نَفَرٍ فَقالَ: يا أبا إسْحاقَ حَدِّثْنِي عَنِ الجَبّارِ فَأعْظَمَ القَوْمُ قَوْلَهُ، فَقالَ كَعْبٌ: دَعُوا الرَّجُلَ فَإنْ كانَ جاهِلًا تَعَلَّمْ وإنْ كانَ عالِمًا ازْدادَ عِلْمًا، ثُمَّ قالَ كَعْبٌ: أُخْبِرُكَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ثُمَّ جَعَلَ ما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ كَما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ وكَثَّفَهُنَ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ رَفَعَ العَرْشَ فاسْتَوى عَلَيْهِ.
وَقالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ: أخْبَرَنا أبُو صَفْوانَ الأُمَوِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: قالَ اللَّهُ في التَّوْراةِ: أنا اللَّهُ فَوْقَ عِبادِي وعَرْشِي فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِي وأنا عَلى عَرْشِي أُدَبِّرُ " أُمُورَ " عِبادِي لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِن أمْرِ عِبادِي في سَمائِي ولا في أرْضِي، وإلَيَّ مَرْجِعُ خَلْقِي، فَأُنْبِئُهم بِما خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِي، أغْفِرُ لِمَن شِئْتُ مِنهم بِمَغْفِرَتِي، وأُعاقِبُ مَن شِئْتُ بِعِقابِي.
[قَوْلُ مُقاتِلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ بَكْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ مُقاتِلٍ بَلَغَنا - واللَّهُ أعْلَمُ - في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ [الحديد: ٣] الآيَةَ، الأوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ والآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ والظّاهِرُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ والباطِنُ أقْرَبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ. وإنَّما يَعْنِي القُرْبَ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وهو فَوْقَ عَرْشِهِ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وبِهَذا الإسْنادِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا هو مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] يَقُولُ بِعِلْمِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] فَيَعْلَمُ نَجْواهُمْ، ويَسْمَعُ كَلامَهم ثُمَّ يُنْبِئُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ وهو فَوْقَ عَرْشِهِ وعِلْمُهُ مَعَهم.
[قَوْلُ الضَّحّاكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
رَوى بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ عَنْهُ ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم. . .﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ.
قالَ هو اللَّهُ عَلى العَرْشِ وعِلْمُهُ مَعَهم.
[قَوْلُ التّابِعِينَ جُمْلَةٌ]
رَوى البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ إلى الأوْزاعِيِّ قالَ: كُنّا والتّابِعُونَ مُتَوافِرُونَ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَلَّ ذِكْرُهُ فَوْقَ عَرْشِهِ ونُؤْمِنُ بِما ورَدَتِ السُّنَّةُ بِهِ مِن صِفاتِهِ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ وإنَّما قالَ الأوْزاعِيُّ ذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ جَهْمٍ المُنْكِرِ لِكَوْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَوْقَ عَرْشِهِ والنّافِي لِصِفاتِهِ لِيَعْرِفَ النّاسُ أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ كانَ بِخِلافِ قَوْلِهِ ".
وَقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ " لِأنَّ عُلَماءَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ الَّذِينَ حُمِلَ عَنْهُمُ التَّأْوِيلُ قالُوا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]
هُوَ عَلى العَرْشِ وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ وما خالَفَهم أحَدٌ في ذَلِكَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ.
[قَوْلُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
رَوى أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ عِنْدَ رَبِّكَ مِنَ الخَلْقِ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن إسْرافِيلَ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ مَسِيرَةُ سَبْعَةِ حُجُبٍ كُلِّ حِجابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وإسْرافِيلُ دُونَ هَؤُلاءِ ورَأْسُهُ مِن تَحْتِ العَرْشِ ورِجْلاهُ في تُخُومِ الثَّرى.
[قَوْلُ مالِكِ بْنِ دِينارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
ذَكَرَ أبُو العَبّاسِ السَّرّاجِ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي زِيادٍ وهارُونُ قالا: حَدَّثَنا سَيّارٌ " قالَ " حَدَّثَنا جَعْفَرٌ قالَ: سَمِعْتُ مالِكَ بْنَ دِينارٍ يَقُولُ: إنَّ الصِّدِّيقِينَ إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ طَرِبَتْ قُلُوبُهم إلى الآخِرَةِ ثُمَّ يَقُولُ: خُذُوا فَيُقْرَأُ ويَقُولُ اسْمَعُوا إلى قَوْلِهِ الصّادِقِ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ. وكانَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ وغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ يَذْكُرُونَ هَذا الأثَرَ: ابْنَ آدَمَ خَيْرِي إلَيْكَ نازِلٌ وشَرُّكَ يَصْعَدُ إلَيَّ وأتَحَبَّبُ إلَيْكَ بِالنِّعَمِ وتَتَبَغَّضُ إلَيَّ بِالمَعاصِي ولا يَزالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ قَدْ عَرَجَ إلَيَّ مِنكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ.
[قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ شَيْخِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ]
قالَ يَحْيى بْنُ آدَمَ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: سُئِلَ رَبِيعَةُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوى؟ قالَ: الِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ومِنَ اللَّهِ تَعالى الرِّسالَةُ وعَلى الرَّسُولِ ﷺ البَلاغُ وعَلَيْنا التَّصْدِيقُ.
[قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الكَوّا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
ذَكَرَ الحافِظُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تارِيخِهِ عَنْ هِشامِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الكَوّاءِ عَلى مُعاوِيَةَ، فَقالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ البَصْرَةِ؟ قالَ: " يُقاتِلُونَ مَعًا ويُدْبِرُونَ شَتّى. قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ الكُوفَةِ؟ قالَ: أنْظَرُ النّاسِ في صَغِيرَةٍ وأوْقَعُهم في كَبِيرَةٍ. قالَ فَأخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ؟ قالَ: أحْرَصُ النّاسِ عَلى الفِتْنَةِ وأعْجَزُهم عَنْها. قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ مِصْرَ، قالَ: لُقْمَةُ أكْلٍ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ الجَزِيرَةِ؟ قالَ كُناسَةٌ بَيْنَ مَدِينَتَيْنِ. قالَ فَأخْبَرَنِي عَنْ أهْلِ المَوْصِلِ؟ قالَ: قِلادَةُ ولِيدَةٍ فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ خَرَزَةٌ. قالَ فَأخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ الشّامِ؟ قالَ: جُنْدُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ لا أقُولُ فِيهِمْ شَيْئًا، قالَ: لَتَقُولَنَّ. قالَ: أطْوَعُ النّاسِ لِمَخْلُوقٍ وأعْصاهم لِخالِقٍ ولا يَحْسَبُونَ لِلسَّماءِ ساكِنًا.
[قَوْلُ تابِعِ التّابِعِينَ جُمْلَةً رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى]
[ذِكْرُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ]
رَوى الدّارِمِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم بِأصَحِّ إسْنادٍ إلى عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ المُبارَكِ يَقُولُ: نَعْرِفُ رَبَّنا بِأنَّهُ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ عَلى العَرْشِ اسْتَوى بائِنٌ مِن خَلْقِهِ ولا نَقُولُ كَما قالَتِ الجَهْمِيَّةُ، وفِي
لَفْظٍ آخَرِ قُلْتُ: كَيْفَ نَعْرِفُ رَبَّنا؟ قالَ: في السَّماءِ السّابِعَةِ عَلى عَرْشِهِ، ولا نَقُولُ كَما قالَتِ الجَهْمِيَّةُ.
قالَ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ الصَّبّاحِ البَزّارُ حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ قالَ: قِيلَ لَهُ كَيْفَ نَعْرِفُ رَبَّنا؟ قالَ: بِأنَّهُ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ عَلى العَرْشِ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ. قالَ الإمامُ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ: ومِمّا يُحَقِّقُ قَوْلَ ابْنِ المُبارَكِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْجارِيَةِ أيْنَ اللَّهُ؟ يَمْتَحِنُ بِذَلِكَ إيمانَها؟ فَلَمّا قالَتْ: «فِي السَّماءِ قالَ أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» والآثارُ في ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرَةٌ والحُجَجُ مُتَظاهِرَةٌ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ ساقَها الدّارِمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وذَكَرَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ خِفْتُ مِن كَثْرَةِ ما أدْعُو عَلى الجَهْمِيَّةِ، فَقالَ: لا تَخَفْ فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ إلَهَكَ الَّذِي في السَّماءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وصَحَّ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ: إنّا نَسْتَطِيعُ أنْ نَحْكِيَ كَلامَ اليَهُودِ والنَّصارى ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نَحْكِيَ كَلامَ الجَهْمِيَّةِ.
[قَوْلُ الأوْزاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الجَوْهَرِيُّ بِبَغْدادَ، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ الهَيْثَمِ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ المِصِّيصِيُّ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ يَقُولُ كُنّا والتّابِعُونَ مُتَوافِرُونَ، نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ فَوْقَ عَرْشِهِ ونُؤْمِنُ بِما ورَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وهَذا الأثَرُ يَدْخُلُ في حِكايَةِ مَذْهَبِهِ ومَذاهِبِ التّابِعِينَ فَلِذَلِكَ ذَكَرْناهُ في المَوْضِعَيْنِ.
[قَوْلُ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: سَمِعْتُ حَمّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: " الجَهْمِيَّةُ إنَّما يُحاوِلُونَ أنْ يَقُولُوا لَيْسَ في السَّماءِ شَيْءٌ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ وهَذا الَّذِي كانَتِ الجَهْمِيَّةُ يُحاوِلُونَهُ قَدْ صَرَّحَ بِهِ المُتَأخِّرُونَ مِنهم وكانَ ظُهُورُ السُّنَّةِ وكَثْرَةُ الأئِمَّةِ في عَصْرِ أُولَئِكَ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّصْرِيحِ بِهِ فَلَمّا بَعُدَ العَهْدُ وخَفِيَتِ السُّنَّةُ وانْقَرَضَتِ الأئِمَّةُ صَرَّحَتِ الجَهْمِيَّةُ النُّفاةُ بِما كانَ سَلَفُهم يُحاوِلُونَهُ ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن إظْهارِهِ.
[قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ]
قالَ مَعْدانُ: سَألْتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] قالَ: عَلْمُهُ. ذَكَرَهُ أبُو عُمَرَ.
[قَوْلُ وهْبِ بْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ الأثْرَمُ حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الأوْسِيُّ قالَ: سَمِعْتُ وهْبَ بْنَ جَرِيرٍ يَقُولُ: إنَّما يُرِيدُ الجَهْمِيَّةُ أنَّهُ لَيْسَ في السَّماءِ شَيْءٌ. قالَ: وقُلْتُ لِسُلَيْمانَ بْنِ حَرْبٍ أيَّ شَيْءٍ كانَ حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ يَقُولُ في الجَهْمِيَّةِ؟ فَقالَ: كانَ يَقُولُ إنَّما يُرِيدُونَ أنَّهُ لَيْسَ في السَّماءِ شَيْءٌ.
[ذِكْرُ أقْوالِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى]
[قَوْلُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ]
قالَ البَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الحارِثِ الفَقِيهُ حَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيّانَ أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَصْرٍ (قالَ) حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَعْلى (قالَ: سَمِعْتُ نُعَيْمَ بْنَ حَمّادٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ نُوحًا بْنَ أبِي مَرْيَمَ أبا عِصْمَةَ يَقُولُ كُنّا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أوَّلَ ما ظَهَرَ إذْ جاءَتْهُ امْرَأةٌ مِن تِرْمِذَ كانَتْ تُجالِسُ جَهْمًا فَدَخَلَتِ الكُوفَةَ، فَقِيلَ
لَها إنَّ هاهُنا رَجُلًا قَدْ نَظَرَ في المَعْقُولِ يُقالُ لَهُ: أبُو حَنِيفَةَ، فَأْتِيهِ فَأتَتْهُ فَقالَتْ: أنْتَ الَّذِي تُعَلِّمَ النّاسَ المَسائِلَ وقَدْ تَرَكْتَ دِينَكَ؟ أيْنَ إلَهُكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ؟ فَسَكَتَ عَنْها ثُمَّ مَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يُجِيبُها ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنا وقَدْ وضَعَ كِتابًا إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى في السَّماءِ دُونَ الأرْضِ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] قالَ هو كَما تَكْتُبُ لِلرَّجُلِ إنِّي مَعَكَ وأنْتَ عَنْهُ غائِبٌ، قالَ البَيْهَقِيُّ: لَقَدْ أصابَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما نَفى عَنِ اللَّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ مِنَ الكَوْنِ في الأرْضِ وفِيما ذَكَرَ مِن تَأْوِيلِ الآيَةِ، وتَبِعَ مُطْلَقَ السَّمْعِ في قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في السَّماءِ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وفي كِتابِ الفِقْهِ الأكْبَرِ المَشْهُورِ عِنْدَ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ الَّذِي رَوَوْهُ بِالإسْنادِ عَنْ أبِي مُطِيعٍ البَلْخِيِّ الحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَألْتُ أبا حَنِيفَةَ عَنِ الفِقْهِ الأكْبَرِ قالَ: لا تُكَفِّرْ أحَدًا بِذَنْبٍ ولا تَنْفِ أحَدًا مِنَ الإيمانِ وتَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ وتَعْلَمُ أنَّ ما أصابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وما أخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ولا تَتَبَرَّأْ مِن أحَدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا تُوالِي أحَدًا دُونَ أحَدٍ وأنْ تَرُدَّ أمْرَ عُثْمانَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إلى اللَّهِ تَعالى، قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الفِقْهُ الأكْبَرُ في الدِّينِ خَيْرٌ مِنَ الفِقْهِ في العِلْمِ، ولَأنْ يَتَفَقَّهَ الرَّجُلُ كَيْفَ يَعْبُدُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَيْرٌ مِن أنْ يَجْمَعَ العِلْمَ الكَثِيرَ قالَ أبُو مُطِيعٍ قُلْتُ: فَأخْبِرْنِي عَنْ أفْضَلِ الفِقْهِ؟ قالَ: يَتَعَلَّمُ الرَّجُلُ الإيمانَ والشَّرائِعَ، والسُّنَنَ، والحُدُودَ، واخْتِلافَ الأئِمَّةِ. وذَكَرَ مَسائِلَ في الإيمانِ ثُمَّ ذَكَرَ مَسائِلَ في القَدَرِ. . . ثُمَّ قالَ: فَقُلْتُ: فَما تَقُولُ فِيمَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ فَيَتْبَعُهُ عَلى ذَلِكَ أُناسٌ فَيَخْرُجُ مِنَ الجَماعَةِ، هَلْ تَرى ذَلِكَ؟ قالَ: لا، قُلْتُ: ولِمَ؟ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسِلْمَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وهو فَرِيضَةٌ واجِبَةٌ. فَقالَ: هو كَذَلِكَ لَكِنْ ما يُفْسِدُونَ أكْثَرَ مِمّا يُصْلِحُونَ مِن سَفْكِ الدِّماءِ واسْتِحْلالِ الحَرامِ وذَكَرَ الكَلامَ في قِتالِ الخَوارِجِ والبُغاةِ إلى أنْ قالَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومَن قالَ: لا أعْرِفُ رَبِّي في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ فَقَدْ كَفَرَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ (قُلْتُ): فَإنْ قالَ: إنَّهُ عَلى العَرْشِ ولَكِنَّهُ يَقُولُ: لا أدْرِي العَرْشَ في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ قالَ: هو كافِرٌ؛ لِأنَّهُ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ في السَّماءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى في أعْلى عِلِّيِّينَ وأنَّهُ يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ، وفي لَفْظٍ سَألْتُ أبا حَنِيفَةَ عَمَّنْ يَقُولُ: لا أدْرِي رَبِّي في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ قالَ: قَدْ كَفَرَ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ قالَ: فَإنَّهُ يَقُولُ: عَلى العَرْشِ اسْتَوى ولَكِنَّهُ لا يَدْرِي العَرْشَ في الأرْضِ أوْ في السَّماءِ، قالَ إذا أنْكَرَ أنَّهُ في السَّماءِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَرُوِيَ هَذا عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ أبِي إسْماعِيلَ الأنْصارِيِّ في كِتابِهِ (الفارُوقِ) بِإسْنادِهِ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو العَبّاسِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: فَفي هَذا الكَلامِ المَشْهُورِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدَ أصْحابِهِ أنَّهُ كَفَّرَ الواقِفَ الَّذِي يَقُولُ: لا أعْرِفُ رَبِّي في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ الجاحِدُ النّافِي الَّذِي يَقُولُ لَيْسَ في السَّماءِ ولا في الأرْضِ؟ واحْتَجَّ عَلى كُفْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: وعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ وبَيَّنَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] دَلَّ أنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّماواتِ فَوْقَ العَرْشِ، وأنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بِنَفْسِهِ فَوْقَ العَرْشِ ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِكُفْرِ مَن قالَ إنَّهُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ولَكِنْ تَوَقَّفَ في كَوْنِ العَرْشِ في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ. قالَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ في السَّماءِ وأنَّ اللَّهَ في أعْلى عِلِّيِّينَ وأنَّهُ يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ واحْتَجَّ بِأنَّ اللَّهَ في أعْلى عِلِّيِّينَ وأنَّهُ يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ. وكُلٌّ مِن هاتَيْنِ الحُجَّتَيْنِ فِطْرِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فَإنَّ القُلُوبَ مَفْطُورَةٌ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في العُلُوِّ وعَلى أنَّهُ يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ وكَذَلِكَ أصْحابُهُ مِن بَعْدِهِ، كَأبِي يُوسُفَ وهِشامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وشَيْخُ الإسْلامِ بِأسانِيدِهِما أنَّ هِشامَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الرّازِيَّ صاحِبَ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ قاضِي الرَّيِّ حَبَسَ رَجُلًا في التَّجَهُّمِ فَتابَ فَجِيءَ بِهِ إلى هِشامٍ لِيَمْتَحِنَهُ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى التَّوْبَةِ، فامْتَحَنَهُ هِشامٌ فَقالَ: أتَشْهَدُ أنَّ اللَّهَ عَلى عَرْشِهِ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ؟ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّ اللَّهَ عَلى عَرْشِهِ ولا أدْرِي ما بائِنٌ مِن خَلْقِهِ. فَقالَ: رُدُّوهُ إلى الحَبْسِ فَإنَّهُ لَمْ يَتُبْ، وسَيَأْتِي قَوْلُ الطَّحاوِيِّ عِنْدَ أقْوالِ أهْلِ الحَدِيثِ.
[قَوْلُ إمامِ دارِ الهِجْرَةِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
ذَكَرَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتابِ التَّمْهِيدِ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ المُؤْمِنِ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدانَ بْنِ مالِكٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (قالَ) حَدَّثَنِي أبِي (قالَ) حَدَّثَنا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمانِ (قالَ) حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نافِعٍ قالَ: قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: اللَّهُ في السَّماءِ وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ (لا يَخْلُو مِنهُ مَكانٌ) قالَ: وقِيلَ لِمالِكٍ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوى؟ فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى (اسْتِواؤُهُ مَعْقُولٌ وكَيْفِيَّتُهُ مَجْهُولَةٌ وسُؤالُكَ عَنْ هَذا بِدْعَةٌ وأراكَ رَجُلَ سُوءٍ). وكَذَلِكَ أئِمَّةُ أصْحابِ مالِكٍ مِن بَعْدِهِ.
[قَوْلُ أئِمَّةِ أصْحابِ مالِكٍ مِن بَعْدِهِ]
قالَ يَحْيى بْنُ إبْراهِيمَ الطُّلَيْطِيُّ في كِتابِ سِيَرِ الفُقَهاءِ وهو كِتابٌ جَلِيلٌ غَزِيرُ العِلْمِ حَدَّثَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ وكانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُ هو الدَّهْرُ، وكانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: رُغْمَ (أنْفِي لِلَّهِ)، وإنَّما يُرْغَمُ أنْفُ الكافِرِ، وكانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: لا والَّذِي خاتَمُهُ عَلى فَمِي، وإنَّما يُخْتَمُ عَلى فَمِ الكافِرِ، وكانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: واللَّهِ حَيْثُ كانَ أوْ أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ مَكانٍ. قالَ أصْبَغُ: وهو مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ وبِكُلِّ مَكانِ عِلْمُهُ وإحاطَتُهُ وأصْبَغُ مِن أجَلِّ أصْحابِ مالِكٍ وأفْقَهِهِمْ.
[ذِكْرُ قَوْلِ أبِي عَمْرٍو الطَّلَمَنكِيِّ]
قالَ في كِتابِهِ في الأُصُولِ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ اسْتَوى عَلى عَرْشِهِ بِذاتِهِ. وقالَ في هَذا الكِتابِ أيْضًا: أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلى حَقِيقَتِهِ لا عَلى المَجازِ ثُمَّ ساقَ بِسَنَدِهِ عَنْ مالِكٍ قَوْلَهُ: اللَّهُ في السَّماءِ وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ ثُمَّ قالَ في هَذا الكِتابِ: وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما﴾ [الحديد: ٤] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ: أنَّ ذَلِكَ عِلْمُهُ وأنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّماواتِ بِذاتِهِ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ كَيْفَ شاءَ، وهَذا لَفْظُهُ في كِتابِهِ.
[ذِكْرُ قَوْلِ بُخارِيِّ الغَرْبِ الإمامِ الحافِظِ أبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ إمامِ السُّنَّةِ في زَمانِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
" ذِكْرُ قَوْلِ بُخارِيِّ الغَرْبِ الإمامِ الحافِظِ أبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ إمامِ السُّنَّةِ في زَمانِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ": قالَ في كِتابِ التَّمْهِيدِ في شَرْحِ الحَدِيثِ الثّامِنِ لِابْنِ شِهابٍ عَنِ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنا في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقى ثُلْثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ؟» هَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ مِن جِهَةِ النَّقْلِ صَحِيحُ الإسْنادِ لا يَخْتَلِفُ أهْلُ الحَدِيثِ في صِحَّتِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا في السَّماءِ عَلى العَرْشِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ كَما قالَتِ الجَماعَةُ، وهو حُجَّتُهم عَلى المُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ في قَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَكانٍ ولَيْسَ عَلى العَرْشِ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قالَ أهْلُ الحَقِّ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] وقَوْلُهُ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] وقالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] وهَذا مِنَ العُلُوِّ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] و﴿الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] و﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ﴾ [غافر: ١٥] و﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] والجَهْمِيُّ يَقُولُ إنَّهُ أسْفَلُ وقالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وقالَ لِعِيسى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وقالَ ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ [فصلت: ٣٨] وقالَ: ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٢] والعُرُوجُ هو الصُّعُودُ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [الملك: ١٦] فَمَعْناهُ مَن عَلى السَّماءِ يَعْنِي عَلى العَرْشِ، وقَدْ تَكُونُ في بِمَعْنى عَلى ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢] أيْ: عَلى الأرْضِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وهَذا كُلُّهُ يُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. وما كانَ مِثْلَهُ مِمّا تَلَوْنا مِنَ الآياتِ في هَذا البابِ، وهَذِهِ الآياتُ كُلُّها واضِحاتٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا ادِّعاؤُهُمُ المَجازَ في الِاسْتِواءِ وقَوْلُهم في تَأْوِيلِ اسْتَوى: اسْتَوْلى فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ في اللُّغَةِ ومَعْنى الِاسْتِيلاءِ في اللُّغَةِ المُغالَبَةُ واللَّهُ تَعالى لا يُغالِبُهُ ولا يَعْلُوهُ أحَدٌ، وهو الواحِدُ الصَّمَدُ.
وَمِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُحْمَلَ عَلى حَقِيقَتِهِ، حَتّى تَتَّفِقَ الأُمَّةُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المَجازُ إذْ لا سَبِيلَ إلى اتِّباعِ ما أُنْزِلَ إلَيْنا مِن رَبِّنا تَعالى إلّا عَلى ذَلِكَ وإنَّما يُوَجَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الأشْهَرِ والأظْهَرِ مِن وُجُوهِهِ ما لَمْ يَمْنَعْ مِن ذَلِكَ ما يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ، ولَوْ ساغَ ادِّعاءُ المَجازِ لِكُلِّ مُدَّعٍ ما ثَبَتَ شَيْءٌ مِنَ العِباداتِ، وجَلَّ اللَّهُ أنْ يُخاطِبَ إلّا بِما تَفْهَمُهُ العَرَبُ مِن مَعْهُودِ مُخاطِباتِها مِمّا يَصِحُّ مَعْناهُ عِنْدَ السّامِعِينَ، والِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ في اللُّغَةِ مَفْهُومٌ، وهُوَ: العُلُوُّ والِارْتِفاعُ عَلى الشَّيْءِ والِاسْتِقْرارُ والتَّمَكُّنُ فِيهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: عَلا، قالَ: وتَقُولُ العَرَبُ: اسْتَوَيْتُ فَوْقَ الدّابَّةِ واسْتَوَيْتُ فَوْقَ البَيْتِ. وقالَ غَيْرُهُ: اسْتَوى أيِ اسْتَقَرَّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] أيِ انْتَهى شَبابُهُ واسْتَقَرَّ فَلَمْ يَكُنْ في شَبابِهِ مَزِيدٌ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: والِاسْتِواءُ الِاسْتِقْرارُ في العُلُوِّ وبِهَذا خاطَبَنا اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ فَقالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨].
وَقالَ الشّاعِرُ:
؎فَأوْرَدْتَهم ماءً بِفَيْفاءَ قَفْرَةٍ ∗∗∗ وقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ اليَمانِيُّ فاسْتَوى
وَهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ فِيهِ أحَدٌ اسْتَوْلى. لِأنَّ النَّجْمَ لا يَسْتَوْلِي وقَدْ ذَكَرَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وكانَ ثِقَةً مَأْمُونًا جَلِيلًا في عِلْمِ الدِّيانَةِ واللُّغَةِ قالَ: حَدَّثَنِي الخَلِيلُ وحَسْبُكَ بِالخَلِيلِ قالَ: أتَيْتُ أبا رَبِيعَةَ الأعْرابِيَّ وكانَ مِن أعْلَمِ ما رَأيْتُ فَإذا هو عَلى سَطْحٍ فَسَلَّمْنا فَرَدَّ عَلَيْنا السَّلامَ وقالَ لَنا. . اسْتَوُوا. فَبَقِينا مُتَحَيِّرِينَ ولَمْ نَدْرِ ما قالَ. فَقالَ لَنا أعْرابِيٌّ إلى جَنْبِهِ إنَّهُ أمَرَكم أنْ تَرْفَعُوا، فَقالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١] فَصَعِدْنا إلَيْهِ. قالَ: وأمّا نَزْعُ مَن نَزَعَ مِنهم بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ داوُدَ الواسِطِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ بْنِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: اسْتَوْلى عَلى جَمِيعِ بَرِّيَّتِهِ فَلا يَخْلُو مِنهُ مَكانٌ.
فالجَوابُ: إنَّ هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ونَقَلَتُهُ مَجْهُولُونَ وضُعَفاءُ، فَأمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ داوُدَ الواسِطِيُّ وعَبْدُ الوَهّابِ بْنُ مُجاهِدٍ: فَضَعِيفانِ، وإبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ، وهم لا يَقْبَلُونَ أخْبارَ الآحادِ العُدُولِ فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهم الِاحْتِجاجُ بِمِثْلِ هَذا مِنَ الحَدِيثِ لَوْ عَقَلُوا وأنْصَفُوا، أما سَمِعُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦] فَدَلَّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ إنَّ إلَهِيَ في السَّماءِ وفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كاذِبًا.
وَقالَ الشّاعِرُ:
؎فَسُبْحانَ مَن لا يُقِّدُرُ الخَلْقُ قَدْرَهُ ∗∗∗ ومَن هو فَوْقَ العَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُوا الوُجُوهُ وتَسْجُدُ
وَهَذا الشِّعْرُ لِأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وفِيهِ يَقُولُ في وصْفِ المَلائِكَةِ:
؎وَساجِدُهم لا يَرْفَعُ الدَّهْرَ رَأْسَهُ ∗∗∗ يُعَظِّمُ رَبًّا فَوْقَهُ ويُمَجِّدُ
قالَ: فَإنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وبُقُولِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ، وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في كُلِّ مَكانٍ بِنَفْسِهِ وذاتِهِ تَبارَكَ وتَعالى جَدُّهُ. قِيلَ لَهُمْ: لا خِلافَ بَيْنِنا وبَيْنَكم وبَيْنَ سائِرِ الأُمَّةِ أنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ بِذاتِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآياتِ عَلى المَعْنى الصَّحِيحِ المُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وذَلِكَ أنَّهُ في السَّماءِ إلَهٌ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ السَّماءِ وفي الأرْضِ إلَهٌ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ الأرْضِ، وكَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ وظاهِرُ التَّنْزِيلِ يَشْهَدُ أنَّهُ عَلى العَرْشِ فالِاخْتِلافُ في ذَلِكَ ساقِطٌ وأسْعَدُ النّاسِ بِهِ مَن ساعَدَهُ الظّاهِرُ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَفِي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فالإجْماعُ والِاتِّفاقُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ الأرْضِ فَتَدَبَّرْ هَذا فَإنَّهُ قاطِعٌ.
وَمِنَ الحُجَّةِ أيْضًا في أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى العَرْشِ فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ أنَّ المُوَحِّدِينَ أجْمَعِينَ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ إذا كَرَبَهم أمْرٌ، أوْ نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّةٌ رَفَعُوا وُجُوهَهم إلى السَّماءِ ونَصَبُوا أيْدِيَهم رافِعِينَ مُشِيرِينَ بِها إلى السَّماءِ يَسْتَغِيثُونَ اللَّهَ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى وهَذا أشْهَرُ وأعْرَفُ عِنْدَ الخاصَّةِ والعامَّةِ مِن أنْ يُحْتاجَ فِيهِ إلى " أكْثَرَ مِن " حِكايَتِهِ لِأنَّهُ اضْطِرارٌ لَمْ يُوقِعْهم عَلَيْهِ أحَدٌ ولا أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مُسْلِمٌ، وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأمَةِ الَّتِي أرادَ مَوْلاها عِتْقَها إنْ كانَتْ مُؤْمِنَةً فاخْتَبَرَها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنْ قالَ لَها أيْنَ اللَّهُ؟ فَأشارَتْ إلى السَّماءِ ثُمَّ قالَ لَها مَن أنا؟ قالَتْ: " أنْتَ " رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» فاكْتَفى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنها بِرَفْعِها رَأسَها إلى السَّماءِ واسْتَغْنى بِذَلِكَ عَمّا سِواهُ قالَ وأمّا احْتِجاجُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: (ما ﴿يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فَلا حُجَّةَ لَهم في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ عُلَماءَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ الَّذِينَ حُمِلَ عَنْهُمُ التَّأْوِيلُ في القُرْآنِ قالُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: هو عَلى العَرْشِ وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ وما خالَفَهم في ذَلِكَ أحَدٌ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وذَكَرَ سُنَيْدٌ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قالَ هو عَلى عَرْشِهِ، وعِلْمُهُ مَعَهم أيْنَما كانُوا. قالَ: وبَلَغَنِي عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ مِثْلُهُ
قالَ سُنَيْدٌ وحَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم. ثُمَّ ساقَ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما بَيْنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى الأُخْرى مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى الكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ الكُرْسِيِّ إلى الماءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، والعَرْشُ عَلى الماءِ واللَّهُ عَلى العَرْشِ، ويَعْلَمُ أعْمالَكم وذَكَرَ هَذا الكَلامَ أوْ قَرِيبًا مِنهُ في كِتابِ الِاسْتِذْكارِ.
[قَوْلُ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسى المالِكِيِّ المَشْهُورِ بِابْنِ أبِي زَمَنِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ في كِتابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ في أُصُولِ السُّنَّةِ: بابُ الإيمانِ بِالعَرْشِ قالَ: ومِن قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ العَرْشَ واخْتَصَّهُ بِالعُلُوِّ والِارْتِفاعِ فَوْقَ جَمِيعِ ما خَلَقَ ثُمَّ اسْتَوى عَلَيْهِ كَيْفَ شاءَ كَما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ [الحديد: ٤] وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ قالَ: قُلْتُ «يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ؟ قالَ كانَ في عَماءٍ ما فَوْقَهُ هَواءٌ وما تَحْتَهُ هَواءٌ ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلى الماءِ»: ثُمَّ ذَكَرَ الآثارَ في ذَلِكَ إلى أنْ قالَ: بابُ الإيمانِ بِالحُجُبِ قالَ: ومِن قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بائِنٌ مِن خَلْقِهِ مُحْتَجِبٌ عَنْهم بِالحُجُبِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] إلى أنْ قالَ: بابُ الإيمانِ بِالنُّزُولِ، قالَ: ومِن قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا وذَكَرَ حَدِيثَ النُّزُولِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى عَرْشِهِ في السَّماءِ دُونَ الأرْضِ وهو أيْضًا بَيِّنٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ وفي غَيْرِ ما حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ [السجدة: ٥] ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وساقَ الآياتِ في العُلُوِّ وذَكَرَ مِن طَرِيقِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْجارِيَةِ أيْنَ اللَّهُ؟ ثُمَّ قالَ: والأحادِيثُ مِثْلُ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
[ذِكْرُ قَوْلِ الإمامِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وقَدَّسَ رُوحَهُ ونَوَّرَ ضَرِيحَهُ]
قالَ الإمامُ ابْنُ الإمامِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ الرّازِيُّ حَدَّثَنا أبُو شُعَيْبٍ وأبُو ثَوْرٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: القَوْلُ في السُّنَّةِ الَّتِي أنا عَلَيْها ورَأيْتُ أصْحابَنا عَلَيْها أهْلَ الحَدِيثِ الَّذِينَ رَأيْتُهم وأخَذْتُ عَنْهم مِثْلَ سُفْيانَ ومالِكٍ وغَيْرِهِما الإقْرارُ بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى عَرْشِهِ في سَمائِهِ يَقْرُبُ مِن خَلْقِهِ كَيْفَ شاءَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا كَيْفَ شاءَ. قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وحَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى قالَ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إدْرِيسَ الشّافِعِيَّ يَقُولُ وقَدْ سُئِلَ عَنْ صِفاتِ اللَّهِ وما يُؤْمِنُ بِهِ فَقالَ: لِلَّهِ تَعالى أسْماءٌ وصَفاتٌ جاءَ بِها كِتابُهُ وأخْبَرَ بِها نَبِيُّهُ أُمَّتَهُ لا يَسَعُ أحَدًا مِن خَلْقِ اللَّهِ قامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ رَدُّها؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِها وصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ القَوْلُ " بِها " فِيما رَوى عَنْهُ العُدُولُ فَإنْ خالَفَ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ فَهو كافِرٌ أمّا قَبْلَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ فَمَعْذُورٌ بِالجَهْلِ لِأنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ ولا بِالرَّوِيَّةِ والقَلْبِ ولا نُكَفِّرُ بِالجَهْلِ بِها أحَدًا إلّا بَعْدَ انْتِهاءِ الخَبَرِ إلَيْهِ بِها وتَثْبِيتِ هَذِهِ الصِّفاتِ ونَنْفِي عَنْها التَّشْبِيهَ كَما نَفى التَّشْبِيهَ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وصَحَّ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ: خِلافَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " حَقٌّ " قَضاها اللَّهُ في سَمائِهِ وجَمَعَ عَلَيْها قُلُوبَ أصْحابِ نَبِيِّهِ ومَعْلُومٌ أنَّ المَقْضِيَّ في الأرْضِ والقَضاءَ فِعْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُتَضَمِّنُ لِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ وقالَ في خُطْبَةِ رِسالَتِهِ: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هو كَما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وفَوْقَ ما يَصِفُهُ بِهِ خَلْقُهُ) فَجَعَلَ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ إنَّما تُتَلَقّى بِالسَّمْعِ. وقالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الأصْلُ قُرْآنٌ وسُنَّةٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَقِياسٌ عَلَيْهِما وإذا اتَّصَلَ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وصَحَّ الإسْنادُ مِنهُ فَهو سُنَّةٌ، والإجْماعُ أكْبَرُ مِنَ الخَبَرِ المُفْرَدِ، والحَدِيثُ عَلى ظاهِرِهِ، وإذا احْتَمَلَ المَعانِي فَما أشْبَهَ مِنها ظاهَرَهُ فَهو أوْلى بِهِ، قالَ الخَطِيبُ في الكِفايَةِ: أخْبَرَنا أبُو نُعَيْمٍ الحافِظُ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيّانَ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ حَدَّثَنا أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى فَذَكَرَهُ بِهِ.
[قَوْلُ صاحِبِهِ إمامِ الشّافِعِيَّةِ في وقْتِهِ أبِي إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ بْنِ يَحْيى المُزَنِيِّ]
فِي رِسالَتِهِ في السُّنَّةِ الَّتِي رَواها أبُو طاهِرٍ السِّلَفِيُّ عَنْهُ بِإسْنادِهِ ونَحْنُ نَسُوقُها كُلَّها بِلَفْظِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. عَصَمَنا اللَّهُ وإيّاكم بِالتَّقْوى ووَفَّقَنا وإيّاكم لِمُوافَقَةِ الهُدى، أمّا بَعْدُ فَإنَّكَ سَألْتَنِي أنْ أُوَضِّحَ لَكَ مِنَ السُّنَّةِ أمْرًا تُبَصِّرُ نَفْسَكَ عَلى التَّمَسُّكِ " بِهِ " وتَدْرَأُ بِهِ عَنْكَ شُبَهَ الأقاوِيلِ وزَيْغَ مُحْدَثاتِ الضّالِّينَ فَقَدْ شَرَحْتُ " لَكَ " مِنهاجًا واضِحًا لَمْ آلُ نَفْسِي وإيّاكَ فِيهِ نُصْحًا، بَدَأْتُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ ذِي الرُّشْدِ والتَّسْدِيدِ، الحَمْدُ لِلَّهِ أحَقِّ ما بُدِأ، وأوْلى مَن شُكِرَ، وعَلَيْهِ أُثْنِي، الواحِدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ صاحِبَةٌ ولا ولَدٌ جَلَّ عَنِ المَثَلِ فَلا شَبِيهَ لَهُ ولا عَدِيلَ السَّمِيعِ البَصِيرِ العَلِيمِ الخَبِيرِ المَنِيعِ الرَّفِيعِ، عالٍ عَلى عَرْشِهِ وهو دانٍ بِعِلْمِهِ مِن خَلْقِهِ أحاطَ عِلْمُهُ
بِالأُمُورِ وأنْفَذَ في خَلْقِهِ سابِقَ المَقْدُورِ، و﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، فالخَلْقُ عامِلُونَ بِسابِقِ عِلْمِهِ ونافِذُونَ لِما خَلَقَهم لَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الطّاعَةِ ولا يَجِدُونَ إلى صَرْفِ المَعْصِيَةِ عَنْها دَفْعًا، خَلَقَ الخَلْقَ بِمَشِيئَتِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ كانَتْ بِهِ، فَخَلَقَ المَلائِكَةَ جَمِيعًا لِطاعَتِهِ وجَبَلَهم عَلى عِبادَتِهِ، فَمِنهم مَلائِكَةٌ بِقُدْرَتِهِ لِلْعَرْشِ حامِلُونَ، وطائِفَةٌ مِنهم حَوْلَ عَرْشِهِ يَسْبَحُونَ، وآخَرُونَ بِحَمْدِهِ يُقَدِّسُونَ، واصْطَفى مِنهم رُسُلًا إلى رُسُلِهِ، وبَعْضٌ مُدَبِّرُونَ لِأمْرِهِ. ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وأسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وقَبْلَ ذَلِكَ لِلْأرْضِ خَلَقَهُ ونَهاهُ عَنْ شَجَرَةٍ قَدْ نَفَذَ قَضاؤُهُ عَلَيْهِ بِأكْلِها ثُمَّ ابْتَلاهُ بِما نَهاهُ عَنْهُ مِنها ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِ عَدُوَّهُ فَأغْواهُ عَلَيْها وجَعَلَ أكْلَهُ " إلى الهُبُوطِ " إلى الأرْضِ سَبَبًا فَما وجَدَ إلى تَرْكِ أكْلِها سَبِيلًا ولا عَنْهُ لَها مَذْهَبًا. ثُمَّ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ مِن ذُرِّيَّتِهِ أهْلًا فَهم بِأعْمالِهِمْ؟ بِمَشِيئَتِهِ عامِلُونَ وبِقُدْرَتِهِ وبِإرادَتِهِ يُنَفِّذُونَ. وخَلَقَ مِن ذُرِّيَّتِهِ لِلنّارِ أهْلًا فَخَلَقَ لَهم أعْيُنًا لا يُبْصِرُونَ بِها وآذانًا لا يَسْمَعُونَ بِها وقُلُوبًا لا يَفْقَهُونَ بِها فَهم بِذَلِكَ عَنِ الهُدى مَحْجُوبُونَ وهم بِأعْمالِ أهْلِ النّارِ بِسابِقِ قَدَرِهِ يَعْمَلُونَ، والإيمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ وهُما شَيْئانِ ونِظامانِ وقَرِينانِ لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما؛ لا إيمانَ إلّا بِعَمَلٍ ولا عَمَلَ إلّا بِإيمانٍ.
والمُؤْمِنُونَ في الإيمانِ يَتَفاضَلُونَ وبِصالِحِ الأعْمالِ هم مُتَزايَدُونَ ولا يَخْرُجُونَ مِنَ الإيمانِ بِالذُّنُوبِ ولا يُكَفَّرُونَ بِرُكُوبِ كَبِيرَةٍ ولا عِصْيانٍ ولا يُوجَبُ لِمُحْسِنِهِمْ بِغَيْرِ ما أوْجَبَ لَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ولا يُشْهَدُ عَلى مُسِيئِهِمْ بِالنّارِ.
والقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومِنَ اللَّهِ، ولَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَيَبِيدُ وقُدْرَةُ اللَّهِ ونِعْمَتُهُ وصِفاتُهُ كُلُّها غَيْرُ مَخْلُوقاتٍ دائِماتٌ أزَلِيَّةٌ لَيْسَتْ بِمُحْدَثاتٍ ولا كانَ رَبُّنا ناقِصًا فَيَزِيدُ جَلَّتْ صِفاتُهُ عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقِينَ وقَصُرَتْ عَنْ فِطَنِ الواصِفِينَ قَرِيبٌ بِالإجابَةِ عِنْدَ السُّؤالِ بَعِيدٌ بِالتَّعْزِيزِ لا يُنالُ عالٍ عَرْشُهُ بائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمَعْدُومٍ ولا مَفْقُودٍ، والخَلْقُ مَيِّتُونَ بِآجالِهِمْ عِنْدَ نَفادِ أرْزاقِهِمْ وانْقِطاعِ آثارِهِمْ. ثُمَّ هم بَعْدَ الضَّغْطَةِ في القُبُورِ مَسْئُولُونَ. وبَعْدَ البِلى مَنشُورُونَ ويَوْمَ القِيامَةِ إلى رَبِّهِمْ مَحْشُورُونَ وعِنْدَ العَرْضِ عَلَيْهِ مُحاسَبُونَ بِحَضْرَةِ المَوازِينِ ونَشْرِ صُحُفِ الدَّواوِينِ أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ لَوْ كانَ غَيْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الحاكِمَ بَيْنَ خَلْقِهِ، فاللَّهُ يَلِي الحُكْمَ بَيْنَهم بِعَدْلِهِ بِمِقْدارِ القائِلَةِ في الدُّنْيا وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ كَما بَدَأهُمْ، مَن لَهُ شَقاوَةٌ وسَعادَةٌ. يَوْمَئِذٍ تَعُودُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وأهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ يَنْعَمُونَ وبِصُنُوفِ اللَّذّاتِ يَتَلَذَّذُونَ وبِأفْضَلِ الكَرامَةِ يُحْبَرُونَ، فَهم حِينَئِذٍ إلى رَبِّهِمْ يَنْظُرُونَ، لا يُمارُونَ في النَّظَرِ ولا يَشْكُونَ فَوُجُوهُهم بِكَرامَتِهِ ناضِرَةٌ وأعْيُنُهم بِفَضْلِهِ إلَيْهِ ناظِرَةٌ في نَعِيمٍ دائِمٍ مُقِيمٍ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ [الرعد: ٣٥]. وأهَلُ الجَحْدِ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ مَحْجُوبُونَ وفي النّارِ مُسْجَرُونَ ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠] لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها إلّا مَن شاءَ اللَّهُ إخْراجَهُ مِنَ المُوَحِّدِينَ مِنها، والطّاعَةُ لِأُولِي الأمْرِ فِيما كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَرْضِيًّا واجْتِنابُ ما كانَ مُسْخَطًا وتَرْكُ الخُرُوجِ عِنْدَ تَعَدِّيهِمْ وجَوْرِهِمْ والتَّوْبَةُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَيْما يَعْطِفْ بِهِمْ عَلى رَعِيَّتِهِمْ والإمْساكُ عَنْ تَكْفِيرِ أهْلِ القِبْلَةِ والبَراءَةُ مِنهم فِيما أحْدَثُوا ما لَمْ يَبْتَدِعُوا ضَلالَةً، فَمَنِ ابْتَدَعَ مِنهم ضَلالَةً كانَ عَنْ أهْلِ القِبْلَةِ خارِجًا ومِنَ الدِّينِ مارِقًا ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ بِالبَراءَةِ مِنهُ، ونَهْجُرُ ونَتَجَنَّبُ غُرَّتَهُ فَهي أعْدى مِن غِرَّةِ الحَرْبِ.
وَيُقالُ يُفَضَّلُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ عُمَرُ فَهُما وزِيرا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وضَجِيعاهُ، ثُمَّ عُثْمانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ ثُمَّ الباقِينَ مِنَ العَشَرَةِ الَّذِينَ أوْجَبَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الجَنَّةَ ويُخْلَصُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم مَنِ المَحَبَّةِ بِقَدْرِ الَّذِي أوْجَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّفْضِيلِ ثُمَّ لِسائِرِ أصْحابِهِ مِن بَعْدِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، ويُقالُ بِفَضْلِهِمْ، ويُذْكَرُونَ بِمَحاسِنِ أفْعالِهِمْ، ويُمْسَكُ عَنِ الخَوْضِ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم وهم خِيارُ أهْلِ الأرْضِ بَعْدَ نَبِيِّهِمُ اخْتارَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وجَعَلَهم أنْصارًا لِدِينِهِ فَهم أئِمَّةُ الدِّينِ وأعْلامُ المُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، ولا نَتْرُكُ حُضُورَ صَلاةِ الجُمْعَةِ وصَلاتَها مَعَ بَرِّ هَذِهِ الأُمَّةِ وفاجِرِها ما كانَ مِنَ البِدْعَةِ بَرِيًّا، والجِهادُ مَعَ كُلِّ إمامٍ عادِلٍ أوْ جائِرٍ والحَجُّ وإقْصارُ الصَّلاةِ في الأسْفارِ والتَّخْيِيرُ فِيهِ بَيْنَ الصِّيامِ والإفْطارِ، هَذِهِ مَقالاتٌ اجْتَمَعَ عَلَيْها الماضُونَ الأوَّلُونَ مِن أئِمَّةِ الهُدى وبِتَوْفِيقِ اللَّهِ اعْتَصَمَ بِها التّابِعُونَ قُدْوَةً ورِضا وجانَبُوا التَّكَلُّفَ فِيما كَفُّوا فَسَدَّدُوا بِعَوْنِ اللَّهِ ووُفِّقُوا لَمْ يَرْغَبُوا عَنْ الِاتِّباعِ فَيُقَصِّرُوا ولَمْ يُجاوِزُوهُ فَيَعْتَدُوا فَنَحْنُ بِاللَّهِ واثِقُونَ وعَلَيْهِ مُتَوَكِّلُونَ وإلَيْهِ في اتِّباعِ آثارِهِمْ راغِبُونَ. فَهَذا شَرْحُ السُّنَّةِ تَحَرَّيْتُ كَشْفَها وأوْضَحْتُهُ، فَمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْقِيامِ بِما أبَنْتُهُ مَعَ مَعُونَتِهِ لَهُ بِالقِيامِ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ بِالِاحْتِياطِ في النَّجاساتِ وإسْباغِ الطِّهاراتِ عَلى الطّاعاتِ وأداءِ الصَّلَواتِ عَلى الِاسْتِطاعاتِ وإيتاءِ الزَّكاةِ عَلى أهْلِ الجِداتِ والحَجِّ عَلى أهْلِ الجِدَةِ والِاسْتِطاعاتِ وصِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ لِأهْلِ الصِّحّاتِ، وخَمْسِ صَلَواتٍ سَنَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَلاةِ الوَتْرِ في كُلِّ لَيْلَةٍ ورَكْعَتا الفَجْرِ وصَلاةِ الفِطْرِ والنَّحْرِ وصَلاةِ الكُسُوفِ وصَلاةِ الِاسْتِسْقاءِ واجْتِنابِ المَحارِمِ والِاحْتِرازِ مِنَ النَّمِيمَةِ والكَذِبِ والغَيْبَةِ والبَغْيِ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تَقُولَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُ، كُلُّ هَذِهِ كَبائِرُ مُحَرَّماتٌ والتَّحَرِّي في المَكاسِبِ والمَطاعِمِ والمَحارِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ واجْتِنابِ الشَّهَواتِ فَإنَّها داعِيَةٌ لِرُكُوبِ المُحَرَّماتِ فَمَن رَعى حَوْلَ الحِمى فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يُواقِعَ في الحِمى فَمَن يُسِّرَ لِهَذا فَإنَّهُ مِنَ الدِّينِ عَلى هُدى ومِنَ الرَّحْمَنِ عَلى رَجاءٍ. وفَّقَنا اللَّهُ وإيّاكَ إلى سَبِيلِهِ الأقْوَمِ بِمَنِّهِ الجَزِيلِ الأقْدَمِ وجَلالِهِ العَلِيِّ الأكْرَمِ والسَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ وعَلى مَن قَرَأ عَلَيْنا السَّلامَ ولا يَنالُ سَلامَ اللَّهِ تَعالى الضّالُّونَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
[قَوْلُ إمامِ الشّافِعِيَّةِ في وقْتِهِ أبِي العَبّاسِ ابْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
ذَكَرَ أبُو القاسِمِ سَعْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّنْجانِيُّ في جَواباتِ المَسائِلِ الَّتِي سُئِلَ عَنْها بِمَكَّةَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوَّلًا وآخِرًا وظاهِرًا وباطِنًا وعَلى كُلِّ حالٍ وصَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ المُصْطَفى وعَلى الأخْيارِ الطَّيِّبِينَ مِنَ الأصْحابِ والآلِ، سَألْتَ أيَّدَكَ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِ بَيانَ ما صَحَّ لَدَيَّ وتَأدّى حَقِيقَتُهُ إلى مَن مَذْهَبِ السَّلَفِ وصالِحِي الخَلَفِ في الصِّفاتِ الوارِدَةِ في الكِتابِ المُنَزَّلِ والسُّنَّةِ المَنقُولَةِ بِالطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ بِرِوايَةِ الثِّقاتِ الأثْباتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِوَجِيزٍ مِنَ القَوْلِ واخْتِصارٍ في الجَوابِ فاسْتَخَرْتُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وأجَبْتُ عَنْهُ بِجَوابِ بَعْضِ الأئِمَّةِ الفُقَهاءِ، وهو أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وقَدْ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ فَقالَ: أقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، حَرامٌ عَلى العُقُولِ أنْ تُمَثِّلَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى، وعَلى الأوْهامِ أنْ تَحُدَّهُ، وعَلى الظُّنُونِ أنْ تَقْطَعَ، وعَلى الضَّمائِرِ أنْ تَعْمُقَ، وعَلى النُّفُوسِ أنَّ تُفَكِّرَ، وعَلى الأفْكارِ أنْ تُحِيطَ وعَلى الألْبابِ أنْ تَصِفَ إلّا ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ في كِتابِهِ أوْ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ وقَدْ صَحَّ وتَقَرَّرَ واتَّضَحَ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ الدِّيانَةِ والسُّنَّةِ والجَماعَةِ مِنَ السَّلَفِ الماضِينَ والصَّحابَةِ والتّابِعِينَ مِنَ الأئِمَّةِ المُهْتَدِينَ الرّاشِدِينَ المَشْهُورِينَ إلى زَمانِنا هَذا: أنَّ جَمِيعَ الآيِ الوارِدَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ والأخْبارِ الصّادِقَةِ (الصّادِرَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في اللَّهِ وفي صِفاتِهِ) الَّتِي صَحَّحَها أهْلُ النَّقْلِ وقَبِلَها النُّقّادُ الأثْباتُ. يَجِبُ عَلى المَرْءِ المُسْلِمِ المُؤْمِنِ المُوَقِنِ الإيمانَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُ، كَما ورَدَ وتَسْلِيمُ أمْرِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما أمَرَ وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ونَظائِرُها مِمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ كالفَوْقِيَّةِ والنَّفْسِ واليَدَيْنِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ والعَيْنِ والنَّظَرِ والإرادَةِ والرِّضى والغَضَبِ والمَحَبَّةِ والكَراهَةِ والعِنايَةِ والقُرْبِ والبُعْدِ والسُّخْطِ والِاسْتِحْياءِ والدُّنُوِّ كَقابِ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى وصُعُودِ الكَلامِ الطَّيِّبِ " إلَيْهِ " وعُرُوجِ المَلائِكَةِ والرُّوحِ إلَيْهِ ونُزُولِ القُرْآنِ مِنهُ ونِدائِهِ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ السَّلامُ وقَوْلِهِ لِلْمَلائِكَةِ وقَبْضِهِ وبَسْطِهِ وعِلْمِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وصَمَدِيَّتِهِ وفَرْدانِيَّتِهِ وأوَّلِيَّتِهِ وآخِرِيَّتِهِ وظاهِرِيَّتِهِ وباطِنِيَّتِهِ وحَياتِهِ وبَقائِهِ وأزَلِيَّتِهِ وأبَدِيَّتِهِ ونُورِهِ وتَجَلِّيهِ والوَجْهِ وخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِيَدِهِ، ونَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وسَماعِهِ مِن غَيْرِهِ، وسَماعِ غَيْرِهِ مِنهُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ المَذْكُورَةِ في كِتابِهِ المُنَزَّلِ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ وجَمِيعِ ما لَفَظَ بِهِ المُصْطَفى ﷺ مِن صِفاتِهِ كَغَرْسِهِ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ بِيَدِهِ وشَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ وخَطِّ التَّوْراةِ بِيَدِهِ والضَّحِكِ والتَّعَجُّبِ ووَضْعِهِ القَدَمَ عَلى النّارِ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وذِكْرِ الأصابِعِ، والنُّزُولِ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا ولَيْلَةَ الجُمْعَةِ ولَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ ولَيْلَةَ القَدْرِ، وكَغَيْرَتِهِ وفَرَحِهِ بِتَوْبَةِ العَبْدِ واحْتِجابِهِ بِالنُّورِ وبِرِداءِ الكِبْرِياءِ وأنَّهُ لَيْسَ بِأعْوَرَ، وأنَّهُ يُعْرِضُ عَمّا يَكْرَهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ، وأنَّ كِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ واخْتِيارِ آدَمَ قَبْضَتَةُ اليُمْنى وحَدِيثِ القَبْضَةِ ولَهُ كُلَّ يَوْمٍ كَذا وكَذا نَظْرَةٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وأنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْثُو ثَلاثَ حَثَياتٍ. . . فَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ولَمّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَقَبَضَ قَبْضَةً فَقالَ: هَذِهِ لِلْجَنَّةِ ولا أُبالِي أصْحابَ اليَمِينِ، وقَبَضَ قَبْضَةً أُخْرى وقالَ: هَذِهِ لِلنّارِ ولا أُبالِي أصْحابَ الشِّمالِ ثُمَّ رَدَّهم في صُلْبِ آدَمَ، وحَدِيثِ القَبْضَةِ الَّتِي يَخْرُجُ بِها مِنَ النّارِ قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ عادُوا حُمَمًا فَيُلْقَوْنَ في نَهْرٍ مِنَ الجَنَّةِ يُقالُ لَهُ: (نَهْرُ) الحَياةِ، وحَدِيثُ خَلْقِ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ وقَوْلِهِ: «لا تُقَبِّحُوا الوَجْهَ فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ صُورَةِ الرَّحْمَنِ» وإثْباتِ الكَلامِ بِالحَرْفِ والصَّوْتِ وبِاللُّغاتِ وبِالكَلِماتِ وبِالسُّوَرِ وكَلامِهِ تَعالى لِجِبْرِيلَ والمَلائِكَةَ ولِمَلَكِ الأرْحامِ ولِلرَّحِمِ ولِمَلَكِ المَوْتِ ولِرِضْوانَ ولِمالِكٍ ولِآدَمَ ولِمُوسى ولِمُحَمَّدٍ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِ عِنْدَ الحِسابِ، وفي الجَنَّةِ ونُزُولِ القُرْآنِ إلى سَماءِ الدُّنْيا وكُوْنِ القُرْآنِ في المَصاحِفِ وما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ وقَوْلِهِ: «لَلَّهُ أشُدُّ أذَنًا لِقارِيءِ القُرْآنِ مِن صاحِبِ القَيْنَةِ إلى قَيْنَتِهِ وأنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطاسَ ويَكْرَهُ التَّثاؤُبَ»، وفَرَغَ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ، والأجْلِ. وحَدِيثِ ذَبْحِ المَوْتِ ومُباهاتِ اللَّهِ تَعالى وصُعُودِ الأقْوالِ والأعْمالِ والأرْواحِ إلَيْهِ. وحَدِيثِ مِعْراجِ الرَّسُولِ ﷺ بِبَدَنِهِ ونَفْسِهِ ونَظَرِهِ إلى الجَنَّةِ والنّارِ، وبُلُوغِهِ إلى العَرْشِ إلى أنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى إلّا حِجابُ العِزَّةِ وعَرْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وعَرْضِ أعْمالِ الأُمَّةِ عَلَيْهِ وغَيْرِ هَذا مِمّا صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنَ الأخْبارِ المُتَشابِهَةِ الوارِدَةِ في صِفاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ما بَلَغَنا وما لَمْ يَبْلُغْنا مِمّا صَحَّ عَنْهُ اعْتِقادُنا فِيهِ، وفي الآياتِ المُتَشابِهَةِ في القُرْآنِ أنْ نَقْبَلَها ولا نَرُدَّها ولا نَتَأوَّلَها بِتَأْوِيلِ المُخالِفِينَ ولا نَحْمِلُها عَلى تَشْبِيهِ المُشَبِّهِينَ ولا نَزِيدُ عَلَيْها ولا نَنْقُصُ مِنها ولا نُفَسِّرُها، ولا نَكْفِيها ولا نُتَرْجِمُ عَنْ صِفاتِهِ بِلُغَةٍ غَيْرِ العَرَبِيَّةِ، ولا نُشِيرُ إلَيْها بِخَواطِرِ القُلُوبِ ولا بِحَرَكاتِ الجَوارِحِ بَلْ نُطْلِقُ ما أطْلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ونُفَسِّرُ ما فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ والتّابِعُونَ والأئِمَّةُ المَرْضِيُّونَ مِنَ السَّلَفِ المَعْرُوفِينَ بِالدِّينِ والأمانَةِ ونَجْمَعُ عَلى ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ، ونُمْسِكُ عَنْ ما أمْسَكُوا عَنْهُ، ونُسَلِّمُ الخَبَرَ الظّاهِرَ والآيَةَ الظّاهِرِ تَنْزِيلُها لا نَقُولُ بِتَأْوِيلِ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ والجَهْمِيَّةِ والمُلْحِدَةِ والمُجَسِّمَةِ والمُشَبِّهَةِ والكَرّامِيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بَلْ نَقْبَلُها بِلا تَأْوِيلٍ، ونُؤْمِنُ بِها بِلا تَمْثِيلٍ، ونَقُولُ: الإيمانُ بِها واجِبٌ والقَوْلُ بِها سُنَّةٌ وابْتِغاءُ تَأْوِيلِها بِدْعَةٌ.
آخِرُ كَلامِ أبِي العَبّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي حَكاهُ أبُو القاسِمِ سَعِيدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّنْجانِيُّ في أجْوِبَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ باقِيَ المَسائِلِ وأجْوِبَتَها.
الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وخَيْرُهُمُ العَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالجَنَّةِ وخَيْرُ هَؤُلاءِ العَشَرَةِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ونَعْتَقِدُ حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأزْواجِهِ وسائِرِ أصْحابِهِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ونَذْكُرُ مَحاسِنَهم ونَنْشُرُ فَضائِلَهم ونَمْسِكُ ألْسِنَتَنا وقُلُوبَنا عَنِ التَّطَلُّعِ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ونَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَهم ونَتَوَسَّلُ إلى اللَّهِ تَعالى بِاتِّباعِهِمْ، ونَرى الجِهادَ والجُمْعَةَ والجَماعَةَ ماضِيانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والسَّمْعُ والطّاعَةُ لِوُلاةِ الأمْرِ مِنَ المُسْلِمِينَ واجِبٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى دُونَ مَعْصِيَتِهِ لا يَجُوزُ الخُرُوجُ عَلَيْهِمْ ولا المُفارَقَةُ لَهم ولا نُكَفِّرُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِذَنْبٍ عَمِلَهُ ولَوْ كَبُرَ، ولا نَدَعَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ بَلْ نَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَتَرَحَّمُ عَلى مُعاوِيَةَ ونَكِلُ سَرِيرَةَ يَزِيدَ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ رَوى عَنْهُ أنَّهُ لَمّا رَأى رَأْسَ الحُسَيْنِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قالَ: لَقَدْ قَتَلَكَ مَن كانَتِ الرَّحِمُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قاطِعَةً، ونَبْرَأُ مِمَّنْ قَتَلَ الحُسَيْنَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وأعانَ عَلَيْهِ وأشارَ بِهِ ظاهِرًا أوْ باطِنًا هَذا اعْتِقادُنا ونَكِلُ سَرِيرَتَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، والعِبارَةُ الجامِعَةُ في بابِ التَّوْحِيدِ أنْ يُقالَ: إثْباتٌ مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ ونَفْيٌ مِن غَيْرِ تَعْطِيلٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والعِبارَةُ الجامِعَةُ في المُتَشابِهِ مِن آياتِ الصِّفاتِ أنْ يُقالَ: آمَنتُ بِما قالَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما أرادَهُ وآمَنتُ بِما قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ما أرادَهُ، فَهَذا اعْتِقادُنا الَّذِي نَتَمَسَّكُ بِهِ ونَنْتَهِي إلَيْهِ ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُحْيِيَنا (عَلَيْهِ) ويُمِيتَنا عَلَيْهِ ويَجْعَلَهُ وسِيلَتَنا يَوْمَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّهُ جَوادٌ كَرِيمٌ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
[قَوْلُ الإمامِ إسْماعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ التَّيْمِيِّ]
صاحِبِ كِتابِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وكِتابِ الحُجَّةِ في بَيانِ المَحَجَّةِ، ومَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وكانَ إمامًا لِلشّافِعِيَّةِ في وقْتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وجَمَعَ لَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ مَناقِبَ جَلِيلَةً لِجَلالَتِهِ، قالَ في كِتابِ الحُجَّةِ (بابٌ في بَيانِ اسْتِواءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العَرْشِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥]. وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقالَ: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤].
وَقالَ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ أهْلُ السُّنَّةِ: اللَّهُ فَوْقَ السَّماواتِ لا يَعْلُوهُ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ أنَّ الخَلْقَ يُشِيرُونَ إلى السَّماءِ بِأصابِعِهِمْ ويَدْعُونَهُ ويَرْفَعُونَ إلَيْهِ رُءُوسَهم وأبْصارَهم وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] وقالَ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ - أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦-١٧] والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ الآياتُ الَّتِي فِيها ذِكْرُ نُزُولِ الوَحْيِ.
فَصْلٌ في بَيانِ أنَّ العَرْشَ فَوْقَ السَّماواتِ وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَوْقَ العَرْشِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الَّذِي في البُخارِيِّ: «لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ فَهو عِنْدُهُ فَوْقَ العَرْشِ " إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» وبَسَطَ الِاسْتِدْلالَ عَلى ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ قالَ: قالَ عُلَماءُ السُّنَّةِ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَرْشِهِ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو بِذاتِهِ في كُلِّ مَكانٍ.
قالَ: وقالَتِ الأشْعَرِيَّةُ: الِاسْتِواءُ عائِدٌ إلى العَرْشِ قالَ: ولَوْ كانَ كَما قالُوا لَكانَتِ القِراءَةُ بِرَفْعِ العَرْشِ فَلَمّا كانَتْ بِخَفْضِ العَرْشِ دَلَّ عَلى أنَّهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: وقالَ بَعْضُهُمُ: اسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى قالَ الشّاعِرُ:
؎قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ أوْ دَمٍ مُهْراقِ
والِاسْتِيلاءُ لا يُوصَفُ بِهِ إلّا مَن قَدَرَ عَلى الشَّيْءِ بَعْدَ العَجْزِ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ قادِرًا عَلى الأشْياءِ ومُسْتَوْلِيًا عَلَيْها، ألا تَرى أنَّهُ لا يُوصَفُ بِشْرٌ بِالِاسْتِيلاءِ عَلى العِراقِ إلّا وهو عاجِزٌ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَكى أبُو القاسِمِ عَنْ ذِي النُّونِ المِصْرِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِخَلْقِ العَرْشِ؟ قالَ: أرادَ أنْ لا تَتُوهَ قُلُوبُ العارِفِينَ. قالَ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قالَ: هو عَلى العَرْشِ وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ، ثُمَّ ساقَ الِاحْتِجاجَ بِالآثارِ إلى أنْ قالَ: وزَعَمَ هَؤُلاءِ أنَّ مَعْنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] أيْ مَلَكَهُ وأنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِالعَرْشِ أكْثَرُ مِمّا لَهُ بِالأمْكِنَةِ وهَذا إلْغاءٌ لِتَخْصِيصِ العَرْشِ وتَشْرِيفِهِ.
(وَقالَ أهْلُ السُّنَّةِ): خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ وكانَ عَرْشُهُ مَخْلُوقًا قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما ورَدَ بِهِ النَّصُّ ولَيْسَ مَعْناهُ المُماسَّةُ بَلْ هو مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ بِلا كَيْفٍ كَما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ.
قالَ: وزَعَمَ هَؤُلاءِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الإشارَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالرُّءُوسِ والأصابِعِ إلى فَوْقَ فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ التَّحْدِيدَ، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ العَلِيُّ الأعْلى، ونَطَقَ بِذَلِكَ القُرْآنُ فَزَعَمَ هَؤُلاءِ أنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى عُلُوِّ الغَلَبَةِ لا عُلُوِّ الذّاتِ، وعِنْدَ المُسْلِمِينَ أنَّ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عُلُوَّ الغَلَبَةِ. والعُلُوُّ مِن سائِرِ وُجُوهِ العُلُوِّ؛ لِأنَّ العُلُوَّ صِفَةُ مَدْحٍ فَثَبَتَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى عُلُوَّ الذّاتِ وعُلُوَّ الصِّفاتِ وعُلُوَّ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وفي مَنعِهِمُ الإشارَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن جِهَةِ الفَوْقِ خِلافٌ مِنهم لِسائِرِ المِلَلِ؛ لِأنَّ جَماهِيرَ المُسْلِمِينَ وسائِرَ المِلَلِ قَدْ وقَعَ مِنهُمُ الإجْماعُ عَلى الإشارَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن جِهَةِ الفَوْقِ في الدُّعاءِ والسُّؤالِ، واتِّفاقُهم بِأجْمَعِهِمْ عَلى ذَلِكَ حُجَّةٌ، ولَمْ يَسْتَجِزْ أحَدٌ الإشارَةَ إلَيْهِ مِن جِهَةِ الأسْفَلِ ولا مِن سائِرِ الجِهاتِ سِوى جِهَةِ الفَوْقِ، وقالَ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وقالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. وقالَ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وأخْبَرَ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ - أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٦-٣٧] فَكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ فَهِمَ مِن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ يُثْبِتُ إلَهًا فَوْقَ السَّماءِ، حَتّى رامَ بِصَرْحِهِ أنْ يَطَّلِعَ إلَيْهِ واتَّهَمَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالكَذِبِ في ذَلِكَ، والجَهْمِيَّةُ لا تَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ فَوْقَها بِوُجُودِ ذاتِهِ فَهم أعْجَزُ فَهْمًا مِن فِرْعَوْنَ (بَلْ وأضَلُّ)، وقَدْ صَحَّ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ سَألَ الجارِيَةَ الَّتِي أرادَ مَوْلاها عِتْقَها أيْنَ اللَّهُ؟ قالَتْ: في السَّماءِ وأشارَتْ بِرَأْسِها إلى السَّماءِ وقالَ: مَن أنا؟ فَقالَتْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ». فَحَكَمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِإيمانِها حِينَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ في السَّماءِ، وحَكَمَ الجَهْمِيُّ بِكُفْرِ مَن يَقُولُ ذَلِكَ. هَذا كُلُّهُ كَلامُ أبِي القاسِمِ التَيْمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
[فَصْلٌ في ذِكْرِ قَوْلِ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وأصْحابِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ الخَلّالُ في كِتابِ السُّنَّةِ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ مُوسى (قالَ): أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قالَ: قِيلَ لِأبِي: رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ عَلى عَرْشِهِ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، وقُدْرَتُهُ وعَلْمُهُ بِكُلِّ مَكانٍ؟ قالَ: نَعَمْ، لا يَخْلُو شَيْءٌ مِن عِلْمِهِ. قالَ الخَلّالُ: وأخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ المَيْمُونِيُّ قالَ: سَألْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ أحْمَدَ عَمَّنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ عَلى العَرْشِ فَقالَ: كَلامُهم كُلُّهُ يَدُورُ عَلى الكُفْرِ، ورَوى أبُو القاسِمِ الطَّبَرِيُّ الشّافِعِيُّ في كِتابِ السُّنَّةِ لَهُ بِإسْنادِهِ عَنْ حَنْبَلٍ قالَ: قِيلَ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ: ما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] قالَ: عِلْمُهُ مُحِيطٌ بِالكُلِّ ورَبُّنا عَلى العَرْشِ بِلا حَدٍّ ولا صِفَةٍ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، وقالَ أبُو طالِبٍ: سَألْتُ أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ رَجُلٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قالَ: يَأْخُذُونَ بِآخِرِ الآيَةِ ويَدَعُونَ أوَّلَها، هَلّا قَرَأْتَ عَلَيْهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ﴾ [المجادلة: ٧] فَعِلْمُهُ مَعَهم وقالَ في (ق) ﴿وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وقالَ المَرْوَزِيُّ: قُلْتُ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَجُلًا قالَ: أقُولُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أقُولُ: هَذا ولا أُجاوِزُهُ إلى غَيْرِهِ فَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذا كَلامٌ الجَهْمِيَّةِ فَقُلْتُ لَهُ: فَكَيْفَ نَقُولُ ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قالَ: عِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ وعِلْمُهُ مَعَهُمْ، قالَ: أوَّلُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عِلْمُهُ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَرْشِهِ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ يَعْلَمُ ما تَحْتَ الأرْضِ السُّفْلى وأنَّهُ غَيْرُ مُماسٍّ لِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ هو تَبارَكَ وتَعالى بائِنٌ مِن خَلْقِهِ وخَلْقُهُ بائِنُونَ مِنهُ. وقالَ في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ الَّذِي رَواهُ عَنْهُ الخَلّالُ مِن طَرِيقِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بابُ بَيانِ ما نَكِرَتِ الجَهْمِيَّةُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى عَلى العَرْشِ، قُلْنا لَهم ما أنْكَرْتُمْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى عَلى العَرْشِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥]؟ فَقالُوا: هو تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما هو عَلى العَرْشِ وفي السَّماواتِ والأرْضِ وفي كُلِّ مَكانٍ وتَلا: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] قالَ أحْمَدُ: فَقُلْنا قَدْ عَرَفَ المُسْلِمُونَ أماكِنَ كَثِيرَةً لَيْسَ فِيها مِن عَظَمَةِ الرَّبِّ شَيْءٌ أجْسامُكم وأجْوافُكم والحُشُوشُ والأماكِنُ القَذِرَةِ لَيْسَتْ فِيها مِن عَظَمَةِ الرَّبِّ تَعالى شَيْءٌ، وقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ في السَّماءِ فَقالَ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [الملك: ١٦] الآيَةَ. وقالَ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقالَ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. ذَكَرَ هَذا الكِتابَ كُلَّهُ أبُو بَكْرٍ الخَلّالُ في كِتابِ السُّنَّةِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ نُصُوصَ أحْمَدَ وكَلامَهُ، وعَلى مِنوالِهِ جَمَعَ البَيْهَقِيُّ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ جامِعَ النُّصُوصِ مِن كَلامِ الشّافِعِيِّ وهُما كِتابانِ جَلِيلانِ لا يَسْتَغْنِي عَنْهُما عالِمٌ، وخُطْبَةُ كِتابِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في كُلِّ زَمانٍ فَتْرَةً مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَقايا مِن أهْلِ العِلْمِ يَدْعُونَ مَن ضَلَّ إلى الهُدى ويَصْبِرُونَ مِنهم عَلى الأذى، يُحْيُونَ بِكِتابِ اللَّهِ (المَوْتى) ويُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى أهْلَ العَمى، فَكَمْ مِن قَتِيلٍ لِإبْلِيسَ قَدْ أحْيَوْهُ، وكَمْ مِن ضالٍّ تائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ فَما أحْسَنَ آثارِهم عَلى النّاسِ وما أقْبَحَ أثَرِ النّاسِ عَلَيْهِمْ، يَنْفُونَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَحْرِيفَ الضّالِّينَ وانْتِحالَ المُبْطِلِينَ وتَأْوِيلَ الجاهِلِينَ الَّذِينَ عَقَدُوا ألْوِيَةَ البِدْعَةِ وأطْلَقُوا عِنانَ الفِتْنَةِ فَهم مُخْتَلِفُونَ في الكِتابِ، مُخالِفُونَ لِلْكِتابِ، مُجْمِعُونَ عَلى مُخالَفَةِ الكِتابِ، يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى وفي اللَّهِ تَعالى وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ، يَتَكَلَّمُونَ بِالمُتَشابِهِ مِنَ الكَلامِ ويَخْدَعُونَ الجُهّالَ بِما يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن فِتَنِ المُضِلِّينَ (ثُمَّ) قالَ: بابُ بَيانِ ما ضَلَّتْ فِيهِ الجَهْمِيَّةُ الزَّنادِقَةُ مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦].
قالَ: قالَتِ الزَّنادِقَةُ: فَما بالُ جُلُودِهِمُ الَّتِي قَدْ عَصَتْ قَدِ احْتَرَقَتْ وأبْدَلَهُمُ اللَّهُ جُلُودًا غَيْرَها فَلا نَرى إلّا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُعَذِّبُ جُلُودًا بِلا ذَنْبٍ حِينَ يَقُولُ: " ﴿جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] " فَشَكُّوا في القُرْآنِ وزَعَمُوا أنَّهُ مُتَناقِضٌ فَقُلْنا: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] لَيْسَ يَعْنِي جُلُودًا أُخْرى غَيْرَ جُلُودِهِمْ وإنَّما يَعْنِي بِتَبْدِيلِها تَجْدِيدِها لِأنَّ جُلُودَهم إذا نَضِجَتْ جَدَّدَها اللَّهُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلى آياتٍ مِن مُشْكِلِ القُرْآنِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّ مِمّا أنْكَرَتِ الجَهْمِيَّةُ الضُّلّالُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى العَرْشِ اسْتَوى وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ثُمَّ ساقَ أدِلَّةَ القُرْآنِ ثُمَّ قالَ: ووَجَدْنا كُلَّ شَيْءٍ أسْفَلَ مَذْمُومًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وقالَ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] ثُمَّ قالَ: ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] يَقُولُ: هو إلَهُ مَن في السَّماواتِ، وإلَهُ مَن في الأرْضِ، وهو عَلى العَرْشِ، وقَدْ أحاطَ عِلْمُهُ بِما دُونَ العَرْشِ، لا يَخْلُو مِن عِلْمِهِ مَكانٌ ولا يَكُونُ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، قالَ الإمامُ أحْمَدُ: ومِنَ الِاعْتِبارِ في ذَلِكَ لَوْ أنَّ رَجُلًا كانَ في يَدِهِ قَدَحٌ مِن قَوارِيرَ وفِيهِ (شَيْءٌ) كانَ نَظَرُ ابْنِ آدَمَ قَدْ أحاطَ بِالقَدْحِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ابْنُ آدَمَ في القَدَحِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ - ولَهُ المَثَلُ الأعْلى - قَدْ أحاطَ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ وقَدْ عَلِمَ كَيْفَ هو وما هو مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، قالَ: وخَصْلَةٌ أُخْرى لَوْ أنَّ رَجُلًا بَنى دارًا بِجَمِيعِ مَرافِقِها ثُمَّ أغْلَقَ بابَها كانَ لا يَخْفى عَلَيْهِ كَمْ بَيْتٌ في دارِهِ وكَمْ سَعَةُ كُلِّ بَيْتٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ صاحِبُ الدّارِ في جَوْفِ الدّارِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أحاطَ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ، وقَدْ عَلِمَ كَيْفَ هُوَ؟ وما هُوَ؟ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى ولَيْسَ هو في شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: ومِمّا تَأوَّلَتِ الجَهْمِيَّةُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ مَعَنا وفِينا فَقُلْنا لَهُمْ: لِمَ قَطَعْتُمُ الخَبَرَ مِن أوَّلِهِ؟ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ يَعْنِي: عِلْمَهُ فِيهِمْ أيْنَما كانُوا: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] فَفَتَحَ الخَبَرَ بِعِلْمِهِ وخَتْمَهُ بِعِلْمِهِ، قالَ الإمامُ أحْمَدُ: إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ أنَّ الجَهْمِيَّ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حِينَ زَعَمَ أنَّهُ في كُلِّ مَكانٍ ولا يَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، فَقُلْ لَهُ: ألَيْسَ كانَ اللَّهُ ولا شَيْءَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَقُلْ لَهُ: فَحِينَ خَلَقَ الشَّيْءَ خَلْقَهُ في نَفْسِهِ أوْ خارِجًا عَنْ نَفْسِهِ فَإنَّهُ يَصِيرُ إلى أحَدِ ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: إنْ زَعَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ في نَفْسِهِ كَفَرَ حِينَ زَعَمَ أنَّ الجِنَّ والإنْسَ والشَّياطِينَ وإبْلِيسَ في نَفْسِ اللَّهِ، (وَإنْ قالَ: خَلَقَهم خارِجًا مِن نَفْسِهِ ثُمَّ دَخَلَ فِيهِمْ كَفَرَ أيْضًا حِينَ زَعَمَ أنَّهُ دَخَلَ في كُلِّ مَكانٍ وحِشٍ وقَذِرٍ)، وإنْ قالَ: خَلَقَهم خارِجًا مِن نَفْسِهِ ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ كُلِّهِ أجْمَعَ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، قالَ أحْمَدُ: بابُ بَيانِ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ وهو مَعَكم. وهَذا عَلى وُجُوهٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] يَقُولُ: في الدَّفْعِ عَنْكُما، وقالَ: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] يَعْنِي: في الدَّفْعِ عَنّا، وقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] يَعْنِي في النُّصْرَةِ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] يَعْنِي: في النُّصْرَةِ لَكم عَلى عَدُوِّكُمْ، وقالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] (يَعْنِي) يَقُولُ: بِعِلْمِهِ فِيهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] يَقُولُ بِالعَوْنِ عَلى فِرْعَوْنَ، فَلَمّا ظَهَرَتِ الحُجَّةُ عَلى الجَهْمِيِّ بِما ادَّعى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ خَلْقِهِ قالَ: هو في كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ مُماسٍّ لِشَيْءٍ، ولا مُبايِنًا لَهُ، فَقُلْنا لَهُ: فَإذا كانَ غَيْرَ مُبايِنٍ لِلْبَشَرِ أهَوَ مُماسٌّ لَهُمْ؟ قالَ: لا، قُلْنا: فَكَيْفَ يَكُونُ في كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ مُماسٍّ لِشَيْءٍ ولا مُبايِنًا لِشَيْءٍ؟ فَلَمْ يُحْسِنِ الجَوابَ. فَقالَ: بِلا كَيْفٍ لِيَخْدَعَ الجُهّالَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، ويُمَوِّهَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قُلْنا لَهُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، ألَيْسَ إنَّما تَكُونُ الجَنَّةُ والنّارُ والعَرْشُ والهَوى؟ فَقالَ: بَلى، فَقُلْنا: أيْنَ يَكُونُ رَبُّنا؟ قالَ: يَكُونُ في كُلِّ شَيْءٍ كَما كانَ حَيْثُ كانَتِ الدُّنْيا. .)، قُلْنا: فَفي مَذْهَبِكم أنَّ (ما كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في النّارِ فَهو في النّارِ، وما كانَ مِنهُ في الهَوى فَهو في الهَوى، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لِلنّاسِ كَذِبُهم عَلى اللَّهِ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: وقُلْنا لِلْجَهْمِيَّةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى في كُلِّ مَكانٍ. . قُلْنا: أخْبِرُونا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أكانَ في الجَبَلِ بِزَعْمِكُمْ؟ فَلَوْ كانَ فِيهِ كَما تَزْعُمُونَ لَمْ يَكُنْ تَجَلّى لِشَيْءٍ هو فِيهِ بَلْ كانَ سُبْحانَهُ عَلى العَرْشِ فَتَجَلّى لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، ورَأى الجَبَلَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ رَآهُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: وقُلْنا لِلْجَهْمِيَّةِ: اللَّهُ نُورٌ؟ فَقالُوا: هو نُورٌ كُلُّهُ، فَقُلْنا لَهُمْ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها، فَقَدْ أخْبَرَ جَلَّ ثَناؤُهُ أنَّ لَهُ نُورًا، قُلْنا لَهُمْ: أخْبِرُونا حِينَ زَعَمْتُمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في كُلِّ مَكانٍ، وهو نُورٌ، فَلِمَ لا يُضِيءُ البَيْتَ المُظْلِمَ بِلا سِراجٍ؟ وما بالُ السِّراجُ إذا دَخَلَ البَيْتَ المُظْلِمَ يُضِيءُ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لِلنّاسِ كَذِبُهم عَلى اللَّهِ تَعالى، قالَ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ جَهْمٌ وشِيعَتُهُ كَذَلِكَ دَعَوُا النّاسَ إلى المُتَشابِهِ مِنَ القُرْآنِ والحَدِيثِ، فَضَلُّوا وأضَلُّوا بِكَلامِهِمْ بَشَرًا كَثِيرًا وكانَ فِيما بَلَغَنا أنَّ الجَهْمَ عَدُوُّ اللَّهِ كانَ مِن أهْلِ خُراسانَ وكانَ صاحِبَ خُصُوماتٍ وشَرٍّ وكَلامٍ، وكانَ أكْثَرُ كَلامِهِ في اللَّهِ تَعالى فَلَقِيَ أُناسًا مِنَ الكُفّارِ يُقالُ لَهُمُ: السُّمَنِيَّةُ فَعَرَفُوا الجَهْمَ فَقالُوا لَهُ: نُكَلِّمُكَ فَإنْ ظَهَرَتْ حُجَّتُنا عَلَيْكَ دَخَلْتَ في دِينِنا وإنْ ظَهَرَتْ حُجَّتُكَ عَلَيْنا دَخَلْنا في دِينِكَ وكانَ فِيما كَلَّمُوا جَهْمًا قالُوا: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ لَكَ إلَهًا؟ قالَ الجَهْمُ: نَعَمْ قالُوا لَهُ: فَهَلْ رَأتْ عَيْنُكَ إلَهَكَ؟ قالَ: لا. قالُوا: فَهَلْ سَمِعْتَ كَلامَهُ؟ قالَ: لا. قالُوا: فَهَلْ شَمَمْتَ لَهُ رائِحَةً؟ قالَ: لا. قالُوا: فَهَلْ وجَدْتَ لَهُ حِسًّا؟ قالَ: لا. قالُوا: فَهَلْ وجَدْتَ لَهُ مِجَسًّا؟ قالَ: لا. قالُوا: فَما يُدْرِيكَ أنَّهُ إلَهٌ؟ قالَ: فَتَحَيَّرَ الجَهْمُ فَلَمْ يَدْرِ مَن يَعْبُدُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ أنَّهُ اسْتَدْرَكَ حُجَّةً مِن جِنْسِ حُجَجِ زَنادِقَةِ النَّصارى (لَعَنَهُمُ اللَّهُ) وذَلِكَ أنَّ زَنادِقَةَ النَّصارى لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَزْعُمُونَ أنَّ الرُّوحَ الَّذِي في عِيسى بْنِ مَرْيَمَ رُوحُ اللَّهِ مِن ذاتِ اللَّهِ فَإذا أرادَ أنْ يُحْدِثَ أمْرًا دَخَلَ في بَعْضِ خَلْقِهِ فَتَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ فَيَأْمُرُ بِما يَشاءُ ويَنْهى عَمّا يَشاءُ وهو رُوحٌ غائِبٌ عَنِ الأبْصارِ، فاسْتَدْرَكَ الجَهْمُ حَجَّةً مِثْلَ هَذِهِ الحِجَّةِ فَقالَ لِلسُّمَنِيِّ: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ فِيكَ رُوحًا؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَهَلْ رَأيْتَ رُوحَكَ؟ قالَ: لا. قالَ فَهَلْ سَمِعْتَ كَلامَهُ؟ قالَ: لا. قالَ: فَهَلْ وجَدْتَ لَهُ مِجَسًّا أوْ حِسًّا؟ قالَ: لا. قالَ: فَكَذَلِكَ اللَّهُ لا يُرى لَهُ وجْهٌ ولا يُسْمَعُ لَهُ صَوَّتٌ ولا يُشُمُّ لَهُ رائِحَةٌ وهو غائِبٌ عَنِ الأبْصارِ ولا يَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، ووَجَدَ ثَلاثَ آياتٍ في القُرْآنِ مِنَ المُتَشابِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فَبَنى أصْلَ كَلامِهِ عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ وتَأوَّلَ القُرْآنَ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وكَذَّبَ أحادِيثَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَزَعَمَ أنَّ مَن وصَفَ اللَّهَ تَعالى بِشَيْءٍ مِمّا وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ في كِتابٍ أوْ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ كافِرًا أوْ كانَ مِنَ المُشَبِّهَةِ. فَأضَلَّ بَشَرًا كَثِيرًا وتَبِعَهُ عَلى قَوْلِهِ رِجالٌ مِن أصْحابِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وأصْحابِ فُلانٍ ووَضَعَ دِينَ الجَهْمِيَّةِ فَإذا سَألَهُمُ النّاسُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ما تَفْسِيرُهُ؟ يَقُولُونَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ وهو تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما هو عَلى العَرْشِ لا يَخْلُو مِنهُ مَكانٌ ولا هو في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ ولا يَتَكَلَّمُ ولا يُكَلِّمُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ أحَدٌ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ ولا يُوَصَفُ، ولا يُعْرَفُ بِصِفَةٍ، ولا يُعْقَلُ ولا لَهُ غايَةٌ ولا مُنْتَهًى ولا يُدْرَكُ بِعَقْلٍ وهو وجْهٌ كُلُّهُ وهو عِلْمٌ كُلُّهُ وهو سَمْعٌ كُلُّهُ وهو بَصَرٌ كُلُّهُ وهو نُورٌ كُلُّهُ وهو قُدْرَةٌ كُلُّهُ لا يُوصَفُ بِوَصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ولَيْسَ بِمَعْلُومٍ ولا مَعْقُولٍ وكُلُّ ما يَخْطُرُ بِقَلْبِكَ أنَّهُ شَيْءٌ تَعْرِفُهُ فَهو عَلى خِلافِهِ فَقُلْنا لَهم فَمَن تَعْبُدُونَ؟ قالُوا: نَعْبُدُ مَن يُدَبِّرُ أمْرَ هَذا الخَلْقِ. قُلْنا: فالَّذِي يُدَبِّرُ أمْرَ هَذا الخَلْقِ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ بِصَفِّهٍ؟ قالُوا: نَعَمْ. قُلْنا: قَدْ عَرَفَ المُسْلِمُونَ أنَّكم لا تُثْبِتُونَ شَيْئًا إنَّما تَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِكُمُ الشُّنْعَةَ بِما تُظْهِرُونَ، ثُمَّ قُلْنا لَهُمْ: هَذا الَّذِي يُدَبِّرُ هو الَّذِي كَلَّمَ مُوسى؟ قالُوا: لَمْ يُكَلِّمْ ولا يَتَكَلَّمُ لِأنَّ الكَلامَ لا يَكُونُ إلّا بِجارِحَةٍ والجَوارِحُ مَنفِيَّةٌ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإذا سَمِعَ الجاهِلُ قَوْلَهم ظَنَّ أنَّهم مِن أشَدِّ النّاسِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ كَلامَهم إنَّما يَعُودُ إلى ضَلالَةٍ وكُفْرٍ فَلَعَنَهُمُ اللَّهُ، قالَ الخَلّالُ: كَتَبْتُ هَذا الكِتابَ مِن خَطِّ عَبْدِ اللَّهِ وكَتَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ مِن خَطِّ أبِيهِ. واحْتَجَّ القاضِي أبُو يَعْلى في كِتابِهِ (إبْطالُ التَّأْوِيلِ) بِما نَقَلَهُ مِنهُ عَنْ أحْمَدَ، وذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ في كِتابِهِ بَعْضَ ما فِيهِ عَنْ أحْمَدَ، ونَقَلَ مِنهُ أصْحابُهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ونَقَلَ مِنهُ البَيْهَقِيُّ وعَزاهُ إلى أحْمَدَ وصَحَّحَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ أحْمَدَ ولَمْ يُسْمَعْ مِن أحَدٍ مِن مُتَقَدِّمِي أصْحابِهِ ولا مُتَأخِّرِيهِمْ طَعْنٌ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الكِتابُ يَرْوِيهِ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ غُلامُ الخَلّالِ عَنِ الخَلّالِ عَنِ الخَضِرِ بْنِ المُثَنّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ عَنْ أبِيهِ وهَؤُلاءِ كُلُّهم أئِمَّةٌ مَعْرُوفُونَ إلّا الخَضِرَ بْنَ المُثَنّى فَإنَّهُ مَجْهُولٌ. فَكَيْفَ تُثْبِتُونَ هَذا الكِتابَ عَنْ أحْمَدَ بِرِوايَةٍ مَجْهُولَةٍ، فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الخَضِرَ هَذا قَدْ عَرَفَهُ الخَلّالُ ورَوى عَنْهُ كَما رَوى كَلامَ أبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أصْحابِهِ وأصْحابِ أصْحابِهِ ولا يَضُرُّ جَهالَةُ غَيْرِهِ لَهُ.
الثّانِي: أنَّ الخَلّالَ قَدْ قالَ كَتَبْتُهُ مِن خَطِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ وكَتَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ مِن خَطِّ أبِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ الخَلّالَ إنَّما رَواهُ عَنِ الخَضِرِ لِأنَّهُ أحَبَّ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ السَّنَدِ عَلى طَرِيقِ أهْلِ النَّقْلِ وضَمَّ ذَلِكَ إلى الوِجادَةِ، والخَضِرُ كانَ صَغِيرًا حِينَ سَمِعَهُ مِن عَبْدِ اللَّهِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المُعَمَّرِينَ المَشْهُورِينَ بِالعِلْمِ ولا هو مِنَ الشُّيُوخِ وقَدْ رَوى الخَلّالُ عَنْهُ غَيْرَ هَذا في جامِعِهِ؛ فَقالَ في كِتابِ الأدَبِ مِنَ الجامِعِ: دَفَعَ إلَيَّ الخَضِرُ بْنُ المُثَنّى بِخَطِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ أجازَ لِي أنْ أرْوِيَ عَنْهُ، قالَ الخَضِرُ: حَدَّثَنا مُهَنّا، قالَ: سَألْتُ أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ الرَّجُلِ يَبْزُقُ عَنْ يَمِينِهِ في الصَّلاةِ (وَفِي غَيْرِ الصَّلاةِ) فَقالَ يُكْرَهُ أنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ (فِي الصَّلاةِ وفي غَيْرِ الصَّلاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ يُكْرَهُ أنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ) في غَيْرِ الصَّلاةِ؟ قالَ: ألَيْسَ عَنْ يَمِينِهِ المَلَكُ؟ فَقُلْتُ: وعَنْ يَسارِهِ أيْضًا مَلَكٌ، فَقالَ: الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الحَسَناتِ، والَّذِي عَنْ يَسارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئاتِ.
(قالَ الخَلّالُ): وأخْبَرَنا الخَضِرُ بْنُ المُثَنّى الكِنْدِيُّ قالَ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهُ بْنُ أحْمَدَ قالَ: قالَ أبِي لا بَأْسَ بِأكْلِ ذَبِيحَةِ المُرْتَدِّ إذا كانَ ارْتِدادُهُ إلى يَهُودِيَّةٍ أوْ نَصْرانِيَّةٍ ولَمْ يَكُنْ إلى مَجُوسِيَّةٍ، قُلْتُ: والمَشْهُورُ في مَذْهَبِهِ خِلافُ هَذِهِ الرِّوايَةِ وأنَّ ذَبِيحَةَ المُرْتَدِّ حَرامٌ، رَواها عَنْهُ جُمْهُورُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ أكْثَرُ أصْحابِهِ غَيْرَها.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الكِتابِ ما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو الحُسَيْنِ بْنُ القاضِي أبِي يَعْلى، فَقالَ: قَرَأْتُ في كِتابِ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ صالِحِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى أبِي صالِحِ بْنِ أحْمَدَ هَذا الكِتابَ، وقالَ: هَذا كِتابٌ عَمِلَهُ أبِي في مَجْلِسِهِ رَدًّا عَلى مَنِ احْتَجَّ بِظاهِرِ القُرْآنِ وتَرَكَ ما فَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما يَلْزَمُ اتِّباعُهُ.
(وَقالَ الخَلّالُ) في كِتابِ السُّنَّةِ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْبَلٍ أخْبَرَنِي أبِي حَنْبَلُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: قالَ عَمِّي: يَعْنِي: أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ نَحْنُ نُؤْمِنُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى العَرْشِ اسْتَوى كَيْفَ شاءَ وكَما يَشاءُ بِلا حَدٍّ ولا صِفَةٍ يَبْلُغُها واصِفٌ أوْ يَحُدُّهُ أحَدٌ فَصِفاتُ اللَّهِ لَهُ ومِنهُ وهو كَما وصَفَ نَفْسَهُ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ بِحَدٍّ ولا غايَةٍ، وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وعَلّامُ الغُيُوبِ.
(قالَ الخَلّالُ): وأخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسى أنَّ حَنْبَلًا حَدَّثَهم قالَ: سَألْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الأحادِيثِ الَّتِي تُرْوى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ يُرى، وأنَّ اللَّهَ يَضَعُ قَدَمَهُ وما أشْبَهَ هَذِهِ الأحادِيثَ، فَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: نُؤْمِنُ بِها، ونُصَدِّقُ بِها. . .، ولا نَرُدُّ مِنها شَيْئًا، ونَعْلَمُ أنَّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَقٌّ إذا كانَتْ بِأسانِيدَ صِحاحٍ ولا نَرُدُّ عَلى اللَّهِ قَوْلَهُ ولا يُوصَفُ بِأكْثَرَ مِمّا وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ بِلا حَدٍّ ولا غايَةٍ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
(وَقالَ حَنْبَلٌ) في مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ أحْمَدَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ كَما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، قَدْ أجْمَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى الصِّفَةَ لِنَفْسِهِ فَحَدَّ لِنَفْسِهِ صِفَةً لَيْسَ يُشَبِهُهُ شَيْءٌ، وصِفاتُهُ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ ولا مَعْلُومَةٍ إلّا بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ. قالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فَهو سُمَيْعٌ بَصِيرٌ بِلا حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ، ولا يَبْلُغُ الواصِفُونَ صِفَتَهُ، ولا نَتَعَدّى القُرْآنَ والحَدِيثَ فَنَقُولُ كَما قالَ، ونَصِفُهُ بِما وصَفَ (بِهِ) نَفْسَهُ ولا نَتَعَدّى ذَلِكَ ولا يَبْلُغُ صِفَتَهُ الواصِفُونَ. نُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ ولا نُزِيلُ عَنْهُ صِفَةً مِن صِفاتِهِ لِشَناعَةٍ شُنِّعَتْ، وما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِن كَلامٍ ونُزُولٍ وخَلْوَةٍ بِعَبْدِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ووَضْعِهِ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرى في الآخِرَةِ، والتَّحْدِيدُ في هَذا كُلِّهِ بِدَعَةٌ والتَّسْلِيمُ فِيهِ لِلَّهِ بِغَيْرِ صِفَةٍ ولا حَدٍّ إلّا ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا عالِمًا غَفُورًا عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ عَلّامَ الغُيُوبِ فَهَذِهِ صِفاتٌ وصَفَ بِها نَفْسَهُ لا تُدْفَعُ ولا تُرَدُّ وهو عَلى العَرْشِ بِلا حَدٍّ كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كَيْفَ شاءَ، المَشِيئَةُ إلَيْهِ والِاسْتِطاعَةُ إلَيْهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو كَما (وَصَفَ نَفْسَهُ) سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِلا حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لا نَتَعَدّى القُرْآنَ والحَدِيثَ. . . تَعالى عَمّا يَقُولُ الجَهْمِيَّةُ، والمُشَبِّهَةُ، قُلْتُ (لَهُ): والمُشَبِّهُ ما تَقُولُ؟ قالَ: مَن قالَ: بَصَرٌ كَبَصَرِي ويَدٌ كَيَدِي وقَدَمٌ كَقَدَمِي فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِخَلْقِهِ. وكَلامُ أحْمَدَ في هَذا كَثِيرٌ فَإنَّهُ امْتُحِنَ بِالجَهْمِيَّةِ، وجَمِيعُ المُتَقَدِّمِينَ مِن أصْحابِهِ عَلى مِثْلِ مِنهاجِهِ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنهم دَخَلَ في نَوْعٍ مِنَ البِدْعَةِ الَّتِي أنْكَرَها الإمامُ أحْمَدُ ولَكِنَّ الرَّعِيلَ الأوَّلَ مِن أصْحابِهِ كُلِّهِمْ وجَمِيعَ أئِمَّةِ الحَدِيثِ قَوْلُهم قَوْلُهُ.
[أقْوالُ أئِمَّةِ أهْلِ الحَدِيثِ الَّذِينَ رَفَعَ اللَّهُ مَنازِلَهم في العالَمِينَ وجَعَلَ لَهم لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ]
[ذِكْرُ قَوْلِ إمامِهِمْ وشَيْخِهِمْ): الَّذِي رَوى لَهُ كُلُّ مُحَدِّثٍ: أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
رَوى الدّارِمِيُّ عَنْهُ في كِتابِ النَّقْضِ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ قالَ: لَمّا أُلْقِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في النّارِ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ في السَّماءِ واحِدٌ وأنا في الأرْضِ واحِدٌ أعْبُدُكَ.
[أحَدِ أئِمَّةِ الدُّنْيا الأرْبَعَةِ: أبِي عُمَرَ الأوْزاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
رَوى البَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الصِّفاتِ أنَّهُ قالَ: كُنّا والتّابِعُونَ مُتَوافِرِينَ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَوْقَ عَرْشِهِ ونُؤْمِنُ بِما ورَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِن صِفاتِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهُ.
[ذِكْرُ قَوْلِ إمامِ أهْلِ الدُّنْيا في وقْتِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صِحَّةً قَرِيبَةً مِنَ التَّواتُرِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ بِماذا نَعْرِفُ رَبَّنا؟ قالَ: بِأنَّهُ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ؛ ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ وقَبْلَهُ الحاكِمُ وقَبْلَهُ عُثْمانُ الدّارِمِيُّ (وَقَدْ تَقَدَّمَ).
[قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ]
قالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ في كِتابِ السُّنَّةِ: حَدَّثَنا عَبّاسٌ حَدَّثَنا شَدّادُ بْنُ يَحْيى قالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هارُونَ يَقُولُ: مَن زَعَمَ أنَّ الرَّحْمَنَ عَلى العَرْشِ اسْتَوى عَلى خِلافِ ما تَقَرَّرَ في قُلُوبِ العامَّةِ فَهو جَهْمِيٌّ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: والَّذِي تَقَرَّرَ في قُلُوبِ العامَّةِ هو ما فَطَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الخَلِيقَةَ مِن تَوَجُّهِها إلى رَبِّها تَعالى عِنْدَ النَّوازِلِ والشَّدائِدِ والدُّعاءِ والرَّغَباتِ إلَيْهِ تَعالى: نَحْوُ العُلُوِّ، لا يُلْتَفَتُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً مِن غَيْرِ مَوْقِفٍ وقَفَهم عَلَيْهِ (وَ) لَكِنْ " ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] "، وما مِن مَوْلُودٍ إلّا وهو يُولَدُ عَلى هَذِهِ الفِطْرَةِ حَتّى يُجَهِّمَهُ ويَنْقُلَهُ إلى التَّعْطِيلِ مَن يُقَيَّضُ لَهُ.
[قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ]
رَوى عَنْهُ غَيْرُ واحِدٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ الجَهْمِيَّةَ أرادُوا أنْ يَنْفُوا أنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسى وأنْ يَكُونَ عَلى العَرْشِ أرى أنْ يُسْتَتابُوا فَإنْ تابُوا وإلّا ضُرِبَتْ أعْناقُهُمْ، قالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: لَوْ حُلِّفْتُ لَحَلَفْتُ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ أنِّي ما رَأيْتُ أعْلَمَ مِن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ.
[قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ عامِرِ الضُّبَعِيِّ]
(قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ عامِرِ الضُّبَعِيِّ): إمامِ أهْلِ البَصْرَةِ عَلى رَأْسِ المِائَتَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في كِتابِ السُّنَّةِ أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الجَهْمِيَّةُ فَقالَ: هم شَرٌّ قَوْلًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وقَدْ أجْمَعَ أهْلُ الأدْيانِ مَعَ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ اللَّهَ عَلى العَرْشِ وقالُوا هُمْ: لَيْسَ عَلى العَرْشِ شَيْءٌ.
[قَوْلُ عَبّادِ بْنِ العَوّامِ]
(قَوْلُ عَبّادِ بْنِ العَوّامِ): أحَدِ أئِمَّةِ الحَدِيثِ بِواسِطَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: كَلَّمْتُ بِشْرًا المَرِيسِيَّ
وَأصْحابَهُ فَرَأيْتُ آخِرَ كَلامِهِمْ. . . يَقُولُونَ: لَيْسَ في السَّماءِ شَيْءٌ، أرى واللَّهِ أنْ لا يُناكَحُوا ولا يُوارَثُوا.
[قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيِّ]
شَيْخِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى قالَ بَيانُ بْنُ أحْمَدَ: كُنّا عِنْدَ القَعْنَبِيِّ فَسَمِعَ رَجُلًا مِنَ الجَهْمِيَّةِ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] اسْتَوْلى. فَقالَ القَعْنَبِيُّ: مَن لا يُوقِنُ أنَّ الرَّحْمَنَ عَلى العَرْشِ اسْتَوى كَما تَقَرَّرَ في قُلُوبِ العامَّةِ فَهو جَهْمِيٌّ؟ قالَ البُخارِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِ خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ مِثْلَهُ سَواءً، وقَدْ تَقَدَّمَ.
[قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عاصِمٍ شَيْخِ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى]
صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما الَّذِينَ قالُوا إنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ولَدًا أكْفَرَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وقالَ احْذَرُوا مِنَ المَرِيسِيِّ وأصْحابِهِ فَإنَّ كَلامَهُمُ الزَّنْدَقَةُ، وأنا كَلَّمْتُ أُسْتاذَهم فَلَمْ يُثْبِتْ أنَّ في السَّماءِ إلَهًا، حَكاهُ عَنْهُ غَيْرُ واحِدٍ مِمَّنْ صَنَّفَ في السُّنَّةِ، وقالَ يَحْيى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عاصِمِ كُنْتُ عِنْدَ أبِي فاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ المَرَيْسِيُّ فَقُلْتُ لَهُ: يا أبَتِ مِثْلُ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكَ! فَقالَ ومالَهُ: فَقُلْتُ: إنَّهُ يَقُولُ: " إنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ، ويَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ مَعَهُ في الأرْضِ، ذَكَرْتُهُ فَما رَأيْتُهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ما اشْتَدَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وقَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ مَعَهُ في الأرْضِ، ذَكَرَ هَذَيْنِ الأثَرَيْنِ عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ.
[قَوْلُ الإمامِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ يَحْيى الكِنانِيِّ]
صاحِبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى لَهُ كِتابٌ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ قالَ فِيهِ: بابُ قَوْلِ الجَهْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] زَعَمَتِ الجَهْمِيَّةُ أنَّ مَعْنى اسْتَوى: اسْتَوْلى مِن قَوْلِ العَرَبِ اسْتَوى فُلانٌ عَلى مِصْرَ يُرِيدُونَ اسْتَوْلى عَلَيْها، قالَ: فَيُقالُ لَهُ: هَلْ يَكُونُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ أتَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَيْسَ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ؟ فَإذا قالَ: لا. قِيلَ لَهُ: فَمَن زَعَمَ ذَلِكَ فَهو كافِرٌ. فَيُقالُ لَهُ: يَلْزَمُكَ أنْ تَقُولَ أنَّ العَرْشَ أتَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَيْسَ اللَّهُ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ العَرْشَ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ اسْتَوى عَلَيْهِ بَعْدَ خَلْقِهِنَّ. . . فَيَلْزَمُكَ أنْ تَقُولَ: المُدَّةُ الَّتِي كانَ " عَلى " العَرْشِ " فِيها " قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضَ لَيْسَ اللَّهُ تَعالى بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ فِيها ثُمَّ ذَكَرَ، كَلامًا طَوِيلًا في تَقْرِيرِ العُلُوِّ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ.
[ذِكْرُ قَوْلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ]
شَيْخِ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ وغَيْرِهِ مِنَ الأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى قالَ: كَلامُ الجَهْمِيَّةِ أوَّلُهُ عَسَلٌ وآخِرُهُ سُمٌّ وإنَّما يُحاوِلُونَ أنْ يَقُولُوا لَيْسَ في السَّماءِ إلَهٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ.
[قَوْلُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ]
[قَوْلُ إمامِهِمْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما]
وَهَذا بابٌ لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُهُ لِكَثْرَةِ ما يُوجَدُ مِن كَلامِ أهْلِ السُّنَّةِ في التَّفْسِيرِ وهو بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ وإنَّما نَذْكُرُ طَرَفًا مِنهُ يَسِيرًا يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلى ما وراءَهُ ومَن أرادَ الوُقُوفَ عَلَيْهِ فَهَذِهِ تَفاسِيرُ السَّلَفِ وأهْلِ السُّنَّةِ مَوْجُودَةٌ فَمَن طَلَبَها وجَدَها.
(قَوْلُ إمامِهِمْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما): ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: اسْتَقَرَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى عَنْ إبْلِيسَ: (ثُمَّ ﴿لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَقُولَ مِن فَوْقِهِمْ؛ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مِن فَوْقِهِمْ. وتَقَدَّمَ حِكايَةُ قَوْلِهِ أنَّ اللَّهَ كانَ عَلى عَرْشِهِ. . . وكَتَبَ ما هو كائِنٌ. . . (وَإنَّما) يَجْرِي النّاسُ عَلى أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ. رَواهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أبِي هاشِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْهُ، وذَكَرَ البُخارِيُّ عَنْهُ في صَحِيحِهِ أنَّ سائِلًا سَألَهُ فَقالَ: إنِّي أجِدُ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ؛ أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ. . .: ﴿أمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات: ٢٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَذَكَرَ. . . خَلْقَ السَّماءِ قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ ثُمَّ قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] إلى أنْ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فصلت: ١١] فَذَكَرَ هُنا خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ السَّماءِ. . . فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿أمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات: ٢٧] فَإنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ قَبْلَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ثُمَّ نَزَلَ إلى الأرْضِ فَدَحاها. . . وهَذِهِ الزِّيادَةُ وهي قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَزَلَ إلى الأرْضِ) لَيْسَتْ عِنْدَ البُخارِيِّ وهي صَحِيحَةٌ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ (أحْمَدَ) بْنِ عُثْمانَ في رِسالَتِهِ في العُلُوِّ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ لِيُوسُفَ إنِّي كَثِيرَةُ الدُّرِّ والياقُوتِ فَأُعْطِيكَ ذَلِكَ حَتّى تُنْفِقَ في مَرْضاةِ سَيِّدِكِ الَّذِي في السَّماءِ. . وعَنْ ذَكْوانَ حاجِبِ عائِشَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ دَخَلَ عَلى عائِشَةَ وهي تَمُوتُ فَقالَ لَها: كُنْتِ أحَبَّ نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُحِبُّ إلّا طَيِّبًا، وأنْزَلَ اللَّهُ بَراءَتَكِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ جاءَ بِها جِبْرائِيلُ فَأصْبَحَ لَيْسَ مَسْجِدٌ مِن مَساجِدِ اللَّهِ يُذْكَرُ فِيهِ اللَّهُ إلّا وهي تُتْلى آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ، وأصْلُ القِصَّةِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أبِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] قالَ: يَعْنِي مِن ثِقَلِ الرَّحْمَنِ وعَظَمَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وهَذا التَّفْسِيرُ تَلَقّاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ، فَقالَ سَعِيدُ عَنْ قَتادَةَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ (قالَ): مِن عَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: تَشَقَّقُ بِاللَّهِ. وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ مِن رِوايَةِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ العَرْشَ أوَّلَ ما خَلَقَ فاسْتَوى عَلَيْهِ قُلْتُ: وهَذا في تَفْسِيرِ الضَّحّاكِ، وفي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ وأبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: قَعَدَ.
[قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
رَوى أبُو الشَّيْخِ في كِتابِ العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الحاقَّةُ؟ قالَ: يَوْمَ يَنْزِلُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى عَرْشِهِ»
وَقالَ البُخارِيُّ في (كِتابِ) خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فصلت: ١١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] قالَ: العَرْشُ عَلى الماءِ واللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ وهو يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ تَلَقّاهُنَّ مَلَكٌ فَعَرَجَ بِهِنَّ إلى اللَّهِ فَلا يَمُرُّ بِمَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا اسْتَغْفَرُوا لِقائِلِهِنَّ حَتّى يَجِيءَ بِهِنَّ وجْهَ الرَّحْمَنِ. أخْرَجَهُ العَسّالُ في كِتابِ المَعْرِفَةِ بِإسْنادٍ كُلُّهم ثِقاتٌ، وقالَ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ عَنْ أيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الفِهْرِيِّ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إنَّ رَبَّكم لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مِن نُورِ وجْهِهِ، وإنَّ مِقْدارَ كُلِّ يَوْمٍ مِن أيّامِكم عِنْدَهُ اثْنَتا عَشْرَةَ ساعَةً فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أعْمالُكم بِالأمْسِ أوَّلَ النَّهارِ اليَوْمَ فَيَنْظُرُ فِيها ثَلاثَ ساعاتٍ فَيَطَّلِعُ فِيها عَلى ما يَكْرَهُ فَيُغْضِبُهُ ذَلِكَ فَأوَّلُ مَن يَعْلَمُ بِغَضَبِهِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ يَجِدُونَهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ فَيُسَبِّحُهُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وسُرادِقاتُ العَرْشِ والمَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وسائِرُ المَلائِكَةِ وهو في مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ أطْوَلُ مِن هَذا. وصَحَّ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ أبِي مالِكٍ وأبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُرَّةَ عَنْ ناسٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فصلت: ١١] وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كانَ عَلى عَرْشِهِ عَلى الماءِ ولَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا قَبْلَ الماءِ. . . الحَدِيثَ. وفِيهِ فَلَمّا فَرَغَ مِن خَلْقِ ما أحَبَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، ولا يُناقِضُ هَذا حَدِيثَ " «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ» " لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلِيَّةَ راجِعَةٌ إلى كِتابَتِهِ لا إلى خَلْقِهِ فَإنَّ الحَدِيثَ: («أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ) قالَ لَهُ: اكْتُبْ. قالَ: ما أكْتُبُ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ». والثّانِي: أنَّ المُرادَ أوَّلُ ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِن هَذا العالَمِ بَعْدَ خَلْقِ العَرْشِ، فَإنَّ العَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلَهُ في أصَحِّ قَوْلَيِ السَّلَفِ حَكاهُما الحافِظُ عَبْدُ القادِرِ الرُّهاوِيُّ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ خَلْقِ العَرْشِ قَوْلُهُ في الحَدِيثِ الثّابِتِ: «قَدَّرَ اللَّهُ مَقادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ».
وَقَدْ أخْبَرَ أنَّهُ حِينَ خَلْقَ القَلَمَ قَدَّرَ بِهِ المَقادِيرَ كَما في اللَّفْظِ الآخَرِ، «قالَ: اكْتُبْ. قالَ: ما أكْتُبُ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ». فَهَذا هو التَّقْدِيرُ المُؤَقَّتُ قَبْلَ خَلْقِ العالَمِ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فَثَبَتَ أنَّ العَرْشَ سابِقٌ عَلى القَلَمِ، والعَرْشُ كانَ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَأقْوالُ الصَّحابَةِ لا تُناقِضُ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، ورَوى أبُو القاسِمِ اللّالَكائِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَهُمُّ بِالأمْرِ مِنَ التِّجارَةِ أوِ الإمارَةِ حَتّى إذا تَيَسَّرَ لَهُ نَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ فَيَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: اصْرِفُوهُ عَنْهُ فَإنَّهُ إنْ يَسَّرْتُهُ لَهُ أدْخَلْتُهُ النّارَ». وقَدْ سَبَقَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا. وذَكَرَ سُنَيْدُ بْنُ داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «(ما) بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى الكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، والعَرْشُ عَلى الماءِ واللَّهُ تَعالى عَلى العَرْشِ ويَعْلَمُ أعْمالَكُمْ». وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ حَدَّثَنا الأعْمَشُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: ارْحَمْ مَن في الأرْضِ يَرْحَمْكَ مَن في السَّماءِ. وقالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ مَلَأ العَرْشَ حَتّى إنَّ لَهُ أطِيطًا كَأطِيطِ الرَّحْلِ. . . رَواهُ حَرْبٌ عَنْ إسْحاقَ عَنْ رُوحٍ عَنْ آدَمَ بْنِ أبِي إياسٍ عَنْ حَمّادٍ.
[قَوْلُ مُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ]
رَوى البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ شِبْلٍ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] قالَ: بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ وبَيْنَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ
حِجابٍ فَما زالَ يُقَرِّبُ مُوسى حَتّى كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حِجابٌ واحِدٌ فَلَمّا رَأى مَكانَهُ وسَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ قالَ: رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ. وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ: اسْتَوى إلى السَّماءِ ارْتَفَعَ، وقالَ مُجاهِدٌ: اسْتَوى عَلا عَلى العَرْشِ، وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ [مريم: ٥٩] قالَ: هم في هَذِهِ الأُمَّةِ يَتَراكَبُونَ كَما تَتَراكَبُ الحُمُرُ والأنْعامُ في الطُّرُقِ ولا يَسْتَحْيُونَ النّاسَ في الأرْضِ ولا يَخافُونَ اللَّهَ في السَّماءِ. رَواهُ الهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ في كِتابِ تَحْرِيمِ اللِّواطِ.
[قَوْلُ قَتادَةَ]
قَدْ تَقَدَّمَ ما رَواهُ عُثْمانُ الدّارِمِيُّ عَنْهُ في كِتابِ النَّقْضِ قالَ: قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: يا رَبِّ أنْتَ في السَّماءِ ونَحْنُ في الأرْضِ فَكَيْفَ لَنا أنْ نَعْرِفَ رِضاكَ وغَضَبَكَ؟ قالَ: إذا رَضِيَتُ عَلَيْكُمُ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكم خِيارَكم وإذا غَضِبْتُ عَلَيْكُمُ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكم شِرارَكم.
وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ.
[قَوْلُ عِكْرِمَةَ]
صَحَّ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ الحَكَمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: بَيْنَما رَجُلٌ في الجَنَّةِ فَقالَ في نَفْسِهِ: لَوْ أنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ لِي لَزَرَعْتُ فَلا يَعْلَمُ إلّا والمَلائِكَةُ عَلى أبْوابِ جَنَّتِهِ فَيَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكَ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: تَمَنَّيْتَ شَيْئًا فَقَدْ عَلِمْتُهُ، وقَدْ بَعَثَ مَعَنا البَذْرَ يَقُولُ (لَكَ): ابْذُرْ فَيَخْرُجُ أمْثالُ الجِبالِ فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ: كُلْ يا ابْنَ آدَمَ فَإنَّ ابْنَ آدَمَ لا يَشْبَعُ. ولَهُ شاهِدٌ مَرْفُوعٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ.
[قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ]
رَوى عَنْهُ مِن طُرُقٍ قالَ: قَحِطَ النّاسُ في زَمَنِ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ المَلِكُ لَيُرْسِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا السَّماءَ أوْ لَنُؤْذِيَنَّهُ، فَقالَ جُلَساؤُهُ: فَكَيْفَ تَقْدِرُ وهو في السَّماءِ؟ فَقالَ: أقْتُلُ أوْلِياءَهُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّماءَ.
[قَوْلُ الضَّحّاكِ]
قَدْ تَقَدَّمَ " عَنْهُ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قالَ: هو عَلى عَرْشِهِ وعِلْمُهُ مَعَهُمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّةَ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ والعَسّالُ في كِتابِ المَعْرِفَةِ، ولَفْظُهُ قالَ: هو فَوْقَ عَرْشِهِ وعِلْمُهُ مَعَهم أيْنَما كانُوا، ورَواهُ أحْمَدُ عَنْ نُوحِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ مُقاتِلٍ عَنْهُ ولَفْظُهُ: هو عَلى العَرْشِ وعِلْمُهُ مَعَهم. ونَقَلَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ إجْماعَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ عَلى ذَلِكَ.
[أقْوالُ الزُّهّادِ والصُّوفِيَّةِ أهْلِ الإتْباعِ وسَلَفِهِمْ]
[قَوْلُ ثابِتٍ البُنانِيِّ شَيْخِ الزُّهّادِ]
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ في رِسالَتِهِ: صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُطِيلُ الصَّلاةَ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ ثُمَّ يَقُولُ: إلَيْكَ رَفَعْتُ رَأْسِي نَظَرَ العَبِيدِ إلى أرْبابِها يا ساكِنَ السَّماءِ. ورَواهُ اللّالَكائِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا في كِتابِ الزُّهْدِ، وهَذا الرَّفْعُ إنْ كانَ في الصَّلاةِ فَهو مَنسُوخٌ في شَرْعِنا وإنْ كانَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَهو جائِزٌ كَرَفْعِ اليَدَيْنِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
[قَوْلُ مالِكِ بْنِ دِينارٍ]
قَدْ أسْلَفْنا عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: خُذُوا فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَقُولُ: اسْمَعُوا إلى قَوْلِ الصّادِقِ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ، رَواهُ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، ورَوى ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْهُ قالَ: قَرَأْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ خَيْرِي إلَيْكَ يَنْزِلُ وشَرُّكَ يَصْعَدُ إلَيَّ، وأتَحَبَّبُ إلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وتَتَبَغَّضُ إلَيَّ بِالمَعاصِي، ولا يَزالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ يَعْرُجُ إلَيَّ مِنكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ.
[قَوْلُ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ]
قالَ البُخارِيُّ في كِتابِ خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ قالَ: - ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ صَدَقَةَ عَنْ سُلَيْمانَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ -: لَوْ سُئِلْتُ أيْنَ اللَّهُ؟ لَقُلْتُ: في السَّماءِ، ولَوْ سُئِلْتُ: أيْنَ كانَ العَرْشُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماءَ؟ لَقُلْتُ: عَلى الماءِ، ولَوْ سُئِلْتُ: أيْنَ كانَ عَرْشُهُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الماءَ؟ لَقُلْتُ: لا أدْرِي.
[قَوْلُ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ]
رَوى عَنْهُ أبُو الشَّيْخِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ارْتَفَعَ إلَيْكَ ثَناءُ التَّسْبِيحِ وصَعِدَ إلَيْكَ وقارُ التَّقَدُّسِ، سُبْحانَكَ ذا الجَبَرُوتِ، بِيَدِكَ المَلِكُ والمَلَكُوتُ والمَفاتِيحُ والمَقادِيرُ.
[قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ]
رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِ السُّنَّةِ لَهُ مِن حَدِيثِ حَجّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّهُ قالَ: يَنْزِلُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ شَطْرَ اللَّيْلِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ؟ حَتّى إذا كانَ الفَجْرُ صَعِدَ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ.
[قَوْلُ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ]
قالَ الأثْرَمُ في كِتابِ السُّنَّةِ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ الحارِثِ يَعْنِي العُبادِيَّ. حَدَّثَنا اللَّيْثُ بْنُ يَحْيى قالَ: سَمِعْتُ إبْراهِيمَ بْنَ الأشْعَثِ قالَ: أبُو بَكْرٍ صاحِبُ الفُضَيْلِ سَمِعْتُ الفُضَيْلَ بْنَ عِياضٍ يَقُولُ: لَيْسَ لَنا أنْ نَتَوَهَّمَ في اللَّهِ كَيْفَ وكَيْفَ؛ لِأنَّ اللَّهَ وصَفَ نَفْسَهُ فَأبْلَغَ فَقالَ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ - ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١-٤] فَلا صِفَةَ أبْلَغُ مِمّا وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، وكَذا النُّزُولُ والضَّحِكُ والمُباهاتُ والِاطِّلاعُ كَما شاءَ أنْ يَنْزِلَ وكَما شاءَ أنْ يُباهِيَ (وَكَما شاءَ أنْ يَطَّلِعَ) وكَما شاءَ أنْ يَضْحَكَ فَلَيْسَ لَنا أنْ نَتَوَهَّمَ كَيْفَ وكَيْفَ، وإذا قالَ لَكَ الجَهْمِيُّ: أنا كَفَرْتُ بِرَبٍّ يَزُولُ عَنْ مَكانِهِ فَقُلْ أنْتَ: أنا أُؤْمِنُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. وقَدْ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ الأخِيرَ عَنِ الفُضَيْلِ البُخارِيُّ في كِتابِ خَلْقِ الأفْعالِ فَقالَ: وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ إذا قالَ لَكَ الجَهْمِيُّ. . . فَذَكَرَهُ.
[قَوْلُ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ الرّازِيِّ]
قالَ: اللَّهُ تَعالى عَلى العَرْشِ بائِنٌ مِنَ الخَلْقِ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِما وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ولا يَشُكُّ في هَذِهِ المَقالَةِ إلّا جَهْمِيٌّ رَدِيءٌ ضَلِيلٌ وهالِكٌ مُرْتابٌ يَقُولُ: يُمْزَجُ اللَّهَ بِخَلْقِهِ، ويَخْلِطُ الذّاتَ بِالأقْذارِ والأنْتانِ.
[قَوْلُ عَطاءٍ السَّلِيمِيِّ]
ثَبَتَ أنَّهُ كانَ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِن هَذا نَهْيُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المُصَلِّيَ عَنْ رَفْعِ بَصَرِهِ إلى السَّماءِ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإطْراقًا بَيْنَ يَدَيْهِ وإجْلالًا لَهُ كَما يَقِفُ العَبِيدُ بَيْنَ يَدَيِ المُلُوكِ ولا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهم إلَيْهِمْ إجْلالًا لَهُمْ، فَإذا ضُمَّ هَذا إلى رَفْعِ الأيْدِي في الرَّغَباتِ والرَّهَباتِ وتَوَجُّهِ القُلُوبِ إلى العُلُوِّ دُونَ اليَمْنَةِ واليَسْرَةِ والخَلْفِ والأمامِ أفادَ العِلْمُ بِأنَّ هَذا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
[قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ الخَوّاصِّ]
ذَكَرَ أبُو نُعَيْمٍ وابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْهُ أنَّهُ مَكَثَ كَذا وكَذا سَنَةً لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ حَياءً مِنَ اللَّهِ.
[قَوْلُ بِشْرٍ الحافِيِّ]
صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأرْفَعُ يَدَيَّ إلى اللَّهِ ثُمَّ أرُدُّهُما وأقُولُ: إنَّما يَفْعَلُ هَذا مَن لَهُ جاهٌ (عِنْدَ اللَّهِ).
[قَوْلُ ذِي النُّونِ المِصْرِيِّ]
رَوى أبُو الشَّيْخِ في كِتابِ العَظَمَةِ بِإسْنادِهِ عَنْهُ قالَ: أشْرَقَتْ لِنُورِهِ السَّماواتُ وأنارَ بِوَجْهِهِ الظُّلُماتُ وحُجِبَ جَلالُهُ عَنِ العُيُونِ وناجاهُ عَلى عَرْشِهِ ألْسِنَةُ الصُّدُورِ. (فَإنْ قِيلَ) قَدْ نَقَلَ القُشَيْرِيُّ عَنْ ذِي النُّونِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] فَقالَ: أثْبَتَ ذاتَهُ ونَفى مَكانَهُ فَهو مَوْجُودٌ بِذاتِهِ والأشْياءُ مَوْجُودَةٌ بِحِكْمَتِهِ كَما شاءَ، قِيلَ: القُشَيْرِيُّ لَمْ يَذْكُرْ لِهَذِهِ الحِكايَةِ إسْنادًا وما ذَكَرْناهُ مُسْنَدٌ عَنْهُ، وفي كُتُبِ التَّصَوُّفِ مِنَ الحِكاياتِ المَكْذُوبَةِ ما اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا النَّقْلُ باطِلٌ فَإنَّ هَذا الكَلامَ لَيْسَ فِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْآيَةِ بَلْ هو مُناقِضٌ لَها فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَتَضَمَّنْ إثْباتَ ذاتِهِ ونَفْيَ مَكانِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِذَلِكَ؟ قالَ: وأمّا قَوْلُهُ هو مَوْجُودٌ بِذاتِهِ والأشْياءُ مَوْجُودَةٌ بِحُكْمِهِ فَحَقٌّ ولَكِنْ لَيْسَ هو مَعْنى الآيَةِ.
[قَوْلُ الحارِثِ بْنِ أسَدٍ المُحاسِبِيِّ]
قالَ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [الملك: ١٦] ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] فَهَذِهِ وغَيْرُها مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] هَذا يُوجِبُ أنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ فَوْقَ الأشْياءِ كُلِّها مُتَنَزِّهٌ عَنِ الدُّخُولِ في خَلْقِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم خافِيَةٌ لِأنَّهُ أبانَ في هَذِهِ الآياتِ أنَّهُ أرادَ أنَّهُ بِنَفْسِهِ فَوْقَ عِبادِهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] يَعْنِي فَوْقَ العَرْشِ والعَرْشُ عَلى السَّماءِ لِأنَّ مَن (قَدْ) كانَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ عَلى السَّماءِ، في السَّماءِ وقَدْ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] أيْ عَلى الأرْضِ لا يُرِيدُ الدُّخُولَ في جَوْفِها وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] يَعْنِي: عَلى الأرْضِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] يَعْنِي: فَوْقَها عَلَيْها، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: " فَبَيَّنَ " عُرُوجَ الأمْرِ وعُرُوجَ المَلائِكَةِ ثُمَّ وصَفَ وقْتَ عُرُوجِها بِالِارْتِفاعِ صاعِدَةً إلَيْهِ فَقالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فَذَكَرَ صُعُودَها إلَيْهِ ووُصُولَها (بِقَوْلِهِ) إلَيْهِ كَقَوْلِ القائِلِ: اصْعَدْ إلى فُلانٍ في لَيْلَةٍ أوْ يَوْمٍ وذَلِكَ أنَّهُ في العُلُوِّ وأنْ صُعُودَكَ إلَيْهِ في يَوْمٍ فَإذا صَعِدُوا إلى العَرْشِ فَقَدْ صَعِدُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنْ كانُوا لَمْ يَرَوْهُ ولَمْ يُساوُوهُ في الِارْتِفاعِ في عُلُوِّهِ فَإنَّهم صَعِدُوا مِنَ الأرْضِ وعَرَجُوا بِالأمْرِ إلى العُلُوِّ الَّذِي اللَّهُ تَعالى فَوْقَهُ، وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] ولَمْ يَقُلْ: عِنْدَهُ، وقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ - أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٦-٣٧] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ وقالَ: ﴿وَإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] يَعْنِي: فِيما قالَ أنَّ إلَهَهُ فَوْقَ السَّماواتِ فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ فِرْعَوْنَ ظَنَّ بِمُوسى أنَّهُ كاذِبٌ فِيما قالَ لَهُ، وعَمَدَ إلى طَلَبِهِ، حَيْثُ قالَ لَهُ مَعَ الظَّنِّ بِمُوسى أنَّهُ كاذِبٌ ولَوْ أنَّ مُوسى قالَ إنَّهُ في كُلِّ مَكانٍ بِذاتِهِ لَطَلَبَهُ في بَيْتِهِ أوْ حُشِّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا " ولَمْ يُجْهِدُ نَفْسَهُ بِبِناءِ الصَّرْحِ ".
[قَوْلُ إمامِ الصُّوفِيَّةِ في وقْتِهِ الإمامُ العارِفُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ المَكِّيُّ]
(قَوْلُ إمامِ الصُّوفِيَّةِ في وقْتِهِ): الإمامُ العارِفُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ المَكِّيُّ قالَ في كِتابِهِ آدابِ المُرِيدِينَ والتَّعَرُّفِ بِأحْوالِ العِبادِ. . . في بابِ ما يَجِيءُ بِهِ الشَّيْطانُ " لِلتّائِبِينَ " مِنَ الوَسْوَسَةِ. وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ الَّذِي يَأْتِي بِهِ النّاسُ إذا هُمُ امْتَنَعُوا عَلَيْهِ واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ فَإنَّهُ يُوَسْوِسُ لَهم في أمْرِ الخالِقِ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِمْ أُصُولَ التَّوْحِيدِ، وذَكَرَ كَلامًا طَوِيلًا إلى أنْ قالَ: فَهَذا مِن أعْظَمِ ما يُوَسْوِسُ بِهِ في التَّوْحِيدِ بِالتَّشْكِيكِ، وفي صِفاتِ الرَّبِّ بِالتَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ أوْ بِالجَحْدِ لَها والتَّعْطِيلِ، وأنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِمْ مَقايِيسَ عَظَمَةِ الرَّبِّ بِقَدْرِ عُقُولِهِمْ فَيَهْلِكُوا (إنْ قَبِلُوا) أوْ يُضَعْضِعَ أرْكانَهم إلّا أنْ يَلْجَئُوا في ذَلِكَ إلى العِلْمِ وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن حَيْثُ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ ووَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ فَهو تَعالى القائِلُ: أنا اللَّهُ، لا الشَّجَرَةُ الجائِي هو لا أمْرُهُ المُسْتَوِي عَلى عَرْشِهِ بِعَظَمَةِ جَلالِهِ دُونَ كُلِّ مَكانٍ، الَّذِي كَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا وأراهُ مِن آياتِهِ عَظِيمًا فَسَمِعَ مُوسى كَلامَ اللَّهِ الوارِثِ لِخَلْقِهِ السَّمِيعِ لِأصْواتِهِمُ النّاظِرِ بِعَيْنِهِ إلى أجْسامِهِمْ يَداهُ، مَبْسُوطَتانِ وهُما غَيْرُ نِعْمَتِهِ وقُدْرَتِهُ، وخَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ ثُمَّ ساقَ كَلامًا طَوِيلًا في السُّنَّةِ وهو رَحِمَهُ اللَّهُ مِن نُظَراءِ الجُنَيْدِ وأعْيانِ مَشايِخِ القَوْمِ تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدى وتِسْعِينَ ومِائَتَيْنِ بِبَغْدادَ.
[قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الهَمْدانِيِّ الصُّوفِيِّ]
ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ طاهِرِ المَقْدِسِيُّ مُحَدِّثُ الصُّوفِيَّةِ في كِتابِهِ عَنْهُ أنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ أبِي المَعالِي الجُوَيْنِيِّ وهو يَقُولُ: كانَ اللَّهُ ولا عَرْشَ وهو الآنَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ. . . وكَلامًا مِن هَذا المَعْنى. فَقالَ: يا شَيْخُ دَعْنا مِن ذِكْرِ العَرْشِ وأخْبِرْنا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُها في قُلُوبِنا؛ فَإنَّهُ ما قالَ عارِفٌ قَطُّ يا اللَّهُ إلّا وجَدَ مِن قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ ولا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً فَكَيْفَ نَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ قُلُوبِنا؟ قالَ: فَصَرَخَ أبُو المَعالِي ولَطَمَ عَلى رَأْسِهِ وقالَ: حَيَّرَنِي الهَمْدانِيُّ حَيَّرَنِي الهَمْدانِيُّ.
[قَوْلُ الإمامِ العارِفِ مَعْمَرِ بْنِ أحْمَدَ الأصْبَهانِيِّ]
شَيْخِ الصُّوفِيَّةِ في أواخِرِ المِائَةِ الرّابِعَةِ قالَ في رِسالَةٍ: أحْبَبْتُ أنْ أُوصِيَ أصْحابِي بِوَصِيَّةٍ مِنَ السُّنَّةِ ومَوْعِظَةٍ مِنَ الحِكْمَةِ وأجْمَعَ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الحَدِيثِ والأثَرِ وأهْلُ المَعْرِفَةِ والتَّصَوُّفِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ قالَ فِيها: وإنَّ اللَّهَ اسْتَوى عَلى عَرْشِهِ بِلا كَيْفٍ ولا تَشْبِيهٍ ولا تَأْوِيلٍ، والِاسْتِواءُ مَعْقُولٌ والكَيْفُ مَجْهُولٌ، وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ والخَلْقُ بائِنُونَ مِنهُ بِلا حُلُولٍ ولا مُمازَجَةٍ ولا اخْتِلاطٍ ولا مُلاصَقَةٍ؛ لِأنَّهُ الفَرْدُ البائِنُ مِنَ الخَلْقِ الواحِدُ الغَنِيُّ عَنِ الخَلْقِ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يَتَكَلَّمُ ويَرْضى ويَسْخَطُ ويَضْحَكُ ويَعْجَبُ ويَتَجَلّى لِعِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ضاحِكًا ويَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا كَيْفَ شاءَ فَيَقُولُ: هَلْ مِن داعٍ فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِن تائِبٍ فَأتُوبَ عَلَيْهِ؟ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ. ونُزُولُ الرَّبِّ إلى السَّماءِ بِلا كَيْفٍ ولا تَشْبِيهٍ ولا تَأْوِيلٍ، فَمَن أنْكَرَ النُّزُولَ أوْ تَأوَّلَ فَهو مُبْتَدِعٌ ضالٌّ.
[قَوْلُ الشَّيْخِ الإمامِ العارِفِ قُدْوَةِ العارِفِينَ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الجِيلانِيِّ]
قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ قالَ في كِتابِهِ " تُحْفَةُ المُتَّقِينَ وسَبِيلِ العارِفِينَ " في بابِ اخْتِلافِ المَذاهِبِ في صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وفي ذِكْرِ اخْتِلافِ النّاسِ في الوَقْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] إلى أنْ قالَ واللَّهُ تَعالى بِذاتِهِ عَلى العَرْشِ وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَكانٍ والوَقْفُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهَذا الوَقْفُ حَسَنٌ لِمَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ بِذاتِهِ فَوْقِ العَرْشِ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إلى أنْ قالَ: ووَقَفَ جَماعَةٌ مِن مُنْكِرِي اسْتِواءِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وابْتَدَءُوا بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَوى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [طه: ٥] يُرِيدُونَ بِذَلِكَ نَفِيَ الِاسْتِواءِ الَّذِي وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وهَذا خَطَأٌ مِنهُمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَوى عَلى العَرْشِ بِذاتِهِ. وقالَ في كِتابِهِ " الغُنْيَةُ ": أمّا مَعْرِفَةُ الصّانِعِ بِالآياتِ والدَّلالاتِ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ فَهُوَ: أنْ تَعْرِفَ وتَتَيَقَّنَ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ أحَدٌ إلى أنْ قالَ وهو بِجِهَةِ العُلُوِّ مُسْتَوٍ عَلى العَرْشِ مُحْتَوٍ عَلى المُلْكِ مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِالأشْياءِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، (يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ).
فَلا يَجُوزُ وصْفُهُ بِأنَّهُ في كُلِّ مَكانٍ بَلْ يُقالُ: إنَّهُ في السَّماءِ عَلى العَرْشِ اسْتَوى كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وساقَ آياتٍ وأحادِيثَ ثُمَّ قالَ: ويَنْبَغِي إطْلاقُ صِفَةِ الِاسْتِواءِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وأنَّهُ اسْتِواءُ الذّاتِ عَلى العَرْشِ ثُمَّ قالَ: وكَوْنُهُ عَلى العَرْشِ مَذْكُورٌ في كُلِّ كِتابٍ أُنْزِلَ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ بِلا كَيْفٍ. هَذا نَصُّ كَلامِهِ في الغُنْيَةِ.