Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الشعراء 26:75 – العنكبوت 29:69

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الشعراء 26:75
  2. الشعراء 26:76
  3. الشعراء 26:77
  4. الشعراء 26:80
  5. الشعراء 26:89
  6. الشعراء 26:96
  7. الشعراء 26:97
  8. الشعراء 26:98
  9. الشعراء 26:189
  10. الشعراء 26:190
  11. الشعراء 26:191
  12. الشعراء 26:205
  13. الشعراء 26:206
  14. الشعراء 26:207
  15. الشعراء 26:214
  16. الشعراء 26:227
  17. النمل 27:10
  18. النمل 27:11
  19. النمل 27:15
  20. النمل 27:16
  21. النمل 27:17
  22. النمل 27:18
  23. النمل 27:19
  24. النمل 27:20
  25. النمل 27:21
  26. النمل 27:22
  27. النمل 27:59
  28. النمل 27:60
  29. النمل 27:62
  30. النمل 27:65
  31. النمل 27:72
  32. النمل 27:79
  33. النمل 27:80
  34. النمل 27:88
  35. القصص 28:4
  36. القصص 28:5
  37. القصص 28:6
  38. القصص 28:7
  39. القصص 28:8
  40. القصص 28:9
  41. القصص 28:10
  42. القصص 28:12
  43. القصص 28:14
  44. القصص 28:19
  45. القصص 28:47
  46. القصص 28:50
  47. القصص 28:55
  48. القصص 28:59
  49. القصص 28:68
  50. القصص 28:71
  51. القصص 28:72
  52. القصص 28:76
  53. القصص 28:77
  54. القصص 28:78
  55. القصص 28:83
  56. القصص 28:86
  57. العنكبوت 29:2
  58. العنكبوت 29:3
  59. العنكبوت 29:4
  60. العنكبوت 29:5
  61. العنكبوت 29:25
  62. العنكبوت 29:29
  63. العنكبوت 29:41
  64. العنكبوت 29:45
  65. العنكبوت 29:51
  66. العنكبوت 29:52
  67. العنكبوت 29:64
  68. العنكبوت 29:69

الشعراء 26:75

[فَصْلٌ: الحُبُّ أصْلُ كُلِّ عَمَلٍ] وَإذا كانَ الحُبُّ أصْلَ كُلِّ عَمَلٍ مِن حَقٍّ وباطِلٍ، فَأصْلُ الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، كَما أصْلُ الأقْوالِ الدِّينِيَّةِ تَصْدِيقُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وكُلُّ إرادَةٍ تَمْنَعُ كَمالَ الحُبِّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتُزاحِمُ هَذِهِ المَحَبَّةَ أوْ شُبْهَةٍ تَمْنَعُ كَمالَ التَّصْدِيقِ، فَهي مُعارِضَةٌ لِأصْلِ الإيمانِ أوْ مُضْعِفَةٌ لَهُ، فَإنْ قَوِيَتْ حَتّى عارَضَتْ أصْلَ الحُبِّ والتَّصْدِيقِ كانَتْ كُفْرًا أوْ شِرْكًا أكْبَرَ، وإنْ لَمْ تُعارِضْهُ قَدَحَتْ في كَمالِهِ، وأثَّرَتْ فِيهِ ضَعْفًا وفُتُورًا في العَزِيمَةِ والطَّلَبِ، وهي تَحْجُبُ الواصِلَ، وتَقْطَعُ الطّالِبَ، وتُنَكِّسُ الرّاغِبَ، فَلا تَصِحُّ المُوالاةُ إلّا بِالمُعاداةِ كَما قالَ تَعالى عَنْ إمامِ الحُنَفاءِ المُحِبِّينَ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ (٧٦) فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ (٧٧)﴾. فَلَمْ يَصِحَّ لِخَلِيلِ اللَّهِ هَذِهِ المُوالاةُ والخُلَّةُ إلّا بِتَحْقِيقِ هَذِهِ المُعاداةِ، فَإنَّهُ لا ولاءَ إلّا بِالبَراءَةِ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ، قالَ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ - وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٨]. أيْ جَعَلَ هَذِهِ المُوالاةَ لِلَّهِ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ يَتَوارَثُها الأنْبِياءُ وأتْباعُهم بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ وهي كَلِمَةُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهي الَّتِي ورَّثَها إمامُ الحُنَفاءِ لِأتْباعِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

الشعراء 26:76

[فَصْلٌ: الحُبُّ أصْلُ كُلِّ عَمَلٍ] وَإذا كانَ الحُبُّ أصْلَ كُلِّ عَمَلٍ مِن حَقٍّ وباطِلٍ، فَأصْلُ الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، كَما أصْلُ الأقْوالِ الدِّينِيَّةِ تَصْدِيقُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وكُلُّ إرادَةٍ تَمْنَعُ كَمالَ الحُبِّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتُزاحِمُ هَذِهِ المَحَبَّةَ أوْ شُبْهَةٍ تَمْنَعُ كَمالَ التَّصْدِيقِ، فَهي مُعارِضَةٌ لِأصْلِ الإيمانِ أوْ مُضْعِفَةٌ لَهُ، فَإنْ قَوِيَتْ حَتّى عارَضَتْ أصْلَ الحُبِّ والتَّصْدِيقِ كانَتْ كُفْرًا أوْ شِرْكًا أكْبَرَ، وإنْ لَمْ تُعارِضْهُ قَدَحَتْ في كَمالِهِ، وأثَّرَتْ فِيهِ ضَعْفًا وفُتُورًا في العَزِيمَةِ والطَّلَبِ، وهي تَحْجُبُ الواصِلَ، وتَقْطَعُ الطّالِبَ، وتُنَكِّسُ الرّاغِبَ، فَلا تَصِحُّ المُوالاةُ إلّا بِالمُعاداةِ كَما قالَ تَعالى عَنْ إمامِ الحُنَفاءِ المُحِبِّينَ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ (٧٦) فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ (٧٧)﴾. فَلَمْ يَصِحَّ لِخَلِيلِ اللَّهِ هَذِهِ المُوالاةُ والخُلَّةُ إلّا بِتَحْقِيقِ هَذِهِ المُعاداةِ، فَإنَّهُ لا ولاءَ إلّا بِالبَراءَةِ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ، قالَ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ - وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٨]. أيْ جَعَلَ هَذِهِ المُوالاةَ لِلَّهِ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ يَتَوارَثُها الأنْبِياءُ وأتْباعُهم بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ وهي كَلِمَةُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهي الَّتِي ورَّثَها إمامُ الحُنَفاءِ لِأتْباعِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

الشعراء 26:77

[فَصْلٌ: الحُبُّ أصْلُ كُلِّ عَمَلٍ] وَإذا كانَ الحُبُّ أصْلَ كُلِّ عَمَلٍ مِن حَقٍّ وباطِلٍ، فَأصْلُ الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، كَما أصْلُ الأقْوالِ الدِّينِيَّةِ تَصْدِيقُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وكُلُّ إرادَةٍ تَمْنَعُ كَمالَ الحُبِّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتُزاحِمُ هَذِهِ المَحَبَّةَ أوْ شُبْهَةٍ تَمْنَعُ كَمالَ التَّصْدِيقِ، فَهي مُعارِضَةٌ لِأصْلِ الإيمانِ أوْ مُضْعِفَةٌ لَهُ، فَإنْ قَوِيَتْ حَتّى عارَضَتْ أصْلَ الحُبِّ والتَّصْدِيقِ كانَتْ كُفْرًا أوْ شِرْكًا أكْبَرَ، وإنْ لَمْ تُعارِضْهُ قَدَحَتْ في كَمالِهِ، وأثَّرَتْ فِيهِ ضَعْفًا وفُتُورًا في العَزِيمَةِ والطَّلَبِ، وهي تَحْجُبُ الواصِلَ، وتَقْطَعُ الطّالِبَ، وتُنَكِّسُ الرّاغِبَ، فَلا تَصِحُّ المُوالاةُ إلّا بِالمُعاداةِ كَما قالَ تَعالى عَنْ إمامِ الحُنَفاءِ المُحِبِّينَ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ (٧٦) فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ (٧٧)﴾. فَلَمْ يَصِحَّ لِخَلِيلِ اللَّهِ هَذِهِ المُوالاةُ والخُلَّةُ إلّا بِتَحْقِيقِ هَذِهِ المُعاداةِ، فَإنَّهُ لا ولاءَ إلّا بِالبَراءَةِ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ، قالَ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ - وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٨]. أيْ جَعَلَ هَذِهِ المُوالاةَ لِلَّهِ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ يَتَوارَثُها الأنْبِياءُ وأتْباعُهم بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ وهي كَلِمَةُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهي الَّتِي ورَّثَها إمامُ الحُنَفاءِ لِأتْباعِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

الشعراء 26:80

وَلَمْ يَقُلْ: وإذا أمْرَضَنِي. حِفْظًا لِلْأدَبِ مَعَ اللَّهِ.

الشعراء 26:89

القلب السليم: هو النقي من الغل والدغل وحقيقته الذي قد سلم لله تعالى وحده فخلص من دغل الشرك وغله ودغل الذنوب والمخالفات بل هو المستقيم على صدق حبه وحسن معاملته فهذا هو الذي ضمن له النجاة من عذابه والفوز بكرامته ومنه أخذ الإسلام فإنه من هذه المادة لأنه الاستسلام والانقياد لله تعالى والتخلص من شوائب الشرك فسلم لربه وخلص له كالعبد الذي سلم لمولاه ليس فيه شركاء متشاكسون ولهذا ضرب سبحانه هذين المثلين للمسلم المخلص الخالص لربه والمشرك به ومنه السلم للسلف وحقيقته العوض المسلم فيه لأن من هو في ذمته قد ضمن سلامته لربه ثم سمى العقد سلما وحقيقته ما ذكرناه. فإن قيل: فهذا ينتقض بقولهم للديغ سليما؟ قيل: ليس هذا بنقض له بل طرد لما قلناه فإنهم سموه سليما باعتبار ما يهمه ويطلبه ويرجو أن يئول إليه حاله من السلامة فليس عنده أهم من السلامة ولا هو أشد طلبا منه لغيرها فسمى سليما لذلك وهذا من جنس تسميتهم المهلكة مفازة لأنه لا شيء أهم عند سالكها من فوزه منها أي نجاته فسميت مفازة لأنه يطلب الفوز منها وهذا أحسن من قولهم إنما سميت مفازة وسميت اللديغ سليما تفاؤلا وإن كان التفاؤل جزء هذا المعنى الذي ذكرناه وداخل فيه فهو أعم وأحسن. وقال في (الجواب الكافي) والقَلْبُ السَّلِيمُ هو الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ والغِلِّ والحِقْدِ والحَسَدِ والشُّحِّ والكِبْرِ وحُبِّ الدُّنْيا والرِّياسَةِ، فَسَلِمَ مِن كُلِّ آفَةٍ تُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ، وسَلِمَ مِن كُلِّ شُبْهَةٍ تُعارِضُ خَبَرَهُ، ومِن كُلِّ شَهْوَةٍ تُعارِضُ أمْرَهُ، وسَلِمَ مِن كُلِّ إرادَةٍ تُزاحِمُ مُرادَهُ، وسَلِمَ مِن كُلِّ قاطِعٍ يَقْطَعُ عَنِ اللَّهِ، فَهَذا القَلْبُ السَّلِيمُ في جَنَّةٍ مُعَجَّلَةٍ في الدُّنْيا، وفي جَنَّةٍ في البَرْزَخِ، وفي جَنَّةِ يَوْمِ المَعادِ. وقال في (مفتاح دار السعادة) والقلب السَّلِيم الَّذِي ينجو من عَذاب الله هو القلب الَّذِي قد سلم من هَذا وهَذا، فَهو القلب الَّذِي قد سلم لرَبه وسلم لأمره ولم تبْق فِيهِ مُنازعَة لأمره ولا مُعارضَة لخبره، فَهو سليم مِمّا سوى الله وأمره لا يُرِيد إلا الله، ولا يفعل إلّا ما أمره الله، فالله وحده غايَته، وأمره وشرعه وسيلته وطريقته، لا تعترضه شُبْهَة تحول بَينه وبَين تَصْدِيق خَبره، لَكِن لا تمر عَلَيْهِ إلّا وهِي مجتازة تعلم أنه لا قَرار لَها فِيهِ ولا شَهْوَة تحول بَينه وبَين مُتابعَة رِضاهُ، ومَتى كانَ القلب كَذَلِك فَهو سليم من الشّرك، وسليم من البدع، وسليم من الغي، وسليم من الباطِل، وكل الأقوال الَّتِي قيلت في تَفْسِيره فَذَلِك يتضمنها. وَحَقِيقَته أنه القلب الَّذِي قد سلم لعبودية ربه حَياء وخوفا وطَمَعًا ورجاء، ففنى بحبه عَن حب ما سواهُ، وبخوفه عَن خوف ما سواهُ، وبرجائه عَن رَجاء ما سواهُ، وسلم لأمره ولِرَسُولِهِ تَصْدِيقًا وطاعَة كَما تقدم، واستسلم لقضائه وقدره فَلم يتهمه ولم ينازعه، ولم يتسخط لأقداره، فَأسلم لرَبه انقيادا وخضوعا وذلا وعبودية، وسلم جَمِيع أحواله وأقواله وأعماله وأذواقه ومواجيده ظاهرا وباطنا من مشاكة رَسُوله ﷺ، وعرض ما جاءَ من سواها عَلَيْها، فَما وافقها قبله، وما خالفها رده، وما لم يتَبَيَّن لَهُ فِيهِ مُوافقَة ولا مُخالفَة وقف أمره وأرجأه إلى أن يتَبَيَّن لَهُ، وسالم أولياءه وحزبه المفلحين الذابين عَن دينه وسنة نبيه القائمين بها، وعادى أعداءه المُخالفين لكتابه وسنة نبيه الخارجين عَنْهُما الداعين إلى خلافهما. (فائدة) سَلامَةُ القَلْبِ لا تَتِمُّ لَهُ سَلامَتُهُ مُطْلَقًا حَتّى يَسْلَمَ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ: مِن شِرْكٍ يُناقِضُ التَّوْحِيدَ، وبِدْعَةٍ تُخالِفُ السُّنَّةَ، وشَهْوَةٍ تُخالِفُ الأمْرَ، وغَفْلَةٍ تُناقِضُ الذِّكْرَ، وهَوًى يُناقِضُ التَّجْرِيدَ والإخْلاصَ. وَهَذِهِ الخَمْسَةُ حُجُبٌ عَنِ اللَّهِ، وتَحْتَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، تَتَضَمَّنُ أفْرادًا لا تَنْحَصِرُ. (فصل) والسليم: هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطويل والقصير والظريف. فالسليم: القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له كالعليم والقدير وأيضا فإنه ضد المريض والسليم والعليل. وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم. والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره. فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله فسلم في محبته مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده. فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيها شركة بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة، ومحبة وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله وأمره كله لله، فإن أحب أحب في الله، وإن بغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكم لكل من عدا رسول الله ﷺ، فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأموال والأعمال: من أقوال القلب، وهي العقائد. وأقوال اللسان، وهي الخبر عما في القلب وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهية وتوابعها، وأعمال الجوارح، فيكون الحكم عليه في ذلك كله دقّة وجلّه: لما جاء به الرسول ﷺ. فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر. قال بعض السلف: ما من فعلة، وإن صغرت، إلا ينشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟ فالأول سؤال: عن علة الفعل وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض النفس في محبة المدح من الناس وخوف ذمهم؟ أو استجلاب محبوب عاجل أو دفع مكروه عاجل، أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية لله، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه، وابتغاء الوسيلة إليه؟ ومحل هذا السؤال: أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك أم فعلته لحظك وهواك؟ والثاني: سؤالك عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد؟ أي هل كان ذلك العمل بما شرعته لك على لسان رسولي، أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضه؟ فالأول: سؤال عن الإخلاص. والثاني: عن المتابعة. فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما. فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص. وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة. وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص ومن هوى يعارض الاتباع. فهذا حقيقة سلامة القلب. فمن سلم قلبه ضمنت له النجاة والسعادة. [فصل: الفرق بين سلامة القلب والبله والغفل] والفرق بين سلامة القلب والبله والغفل أن سلامة القلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفته به، وهذا بخلاف البله والغفلة فإنها جهل وقلة معرفة. وهذا لا يحمد إذ هو نقص وإنما يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه، والكمال أن يكون القلب عارفا بتفاصيل الشر سليما من إرادته قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لست بخب ولا يخدعني الخب وكان عمر أعقل من أن يخدع، وأروع من أن يخدع وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فهذا هو السليم من الآفات التي تعتري القلوب المريضة من مرض الشبهة التي توجب اتباع الظن ومرض الشهوة التي توجب اتباع ما تهوى الأنفس فالقلب السليم الذي سلم من هذا وهذا.

الشعراء 26:96

وَمَعْلُومٌ أنَّهم ما سَوَّوْهم بِهِ سُبْحانَهُ في الخَلْقِ، والرِّزْقِ، والإماتَةِ، والإحْياءِ، والمُلْكِ، والقُدْرَةِ، وإنَّما سَوَّوْهم بِهِ في الحُبِّ، والتَّألُّهِ، والخُضُوعِ لَهم والتَّذَلُّلِ، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَكَيْفَ يُسَوى التُّرابُ بِرَبِّ الأرْبابِ، وكَيْفَ يُسَوى العَبِيدُ بِمالِكِ الرِّقابِ، وكَيْفَ يُسَوى الفَقِيرُ بِالذّاتِ الضَّعِيفُ بِالذّاتِ العاجِزُ بِالذّاتِ المُحْتاجُ بِالذّاتِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، بِالغَنِيِّ بِالذّاتِ، القادِرِ بِالذّاتِ، الَّذِي غِناهُ، وقُدْرَتُهُ ومُلْكُهُ وجُودُهُ، وإحْسانُهُ، وعِلْمُهُ، ورَحْمَتُهُ، وكَمالُهُ المُطْلَقُ التّامُّ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؟ فَأيُّ ظُلْمٍ أقْبَحُ مِن هَذا؟ وأيُّ حُكْمٍ أشَدُّ جَوْرًا مِنهُ؟ حَيْثُ عَدَلَ مَن لا عِدْلَ لَهُ بِخَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ - ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. فَعَدَلَ المُشْرِكُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ، بِمَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ولا لِغَيْرِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، فَيا لَكَ مِن عَدْلٍ تَضَمَّنَ أكْبَرَ الظُّلْمِ وأقْبَحَهُ. (فصل) وهذه التسوية إنما كانت في الحب والتأليه واتباع ما شرعوا، لا في الخلق والقدرة والربوبية وهي العدل الذي أخبر به عن الكفار، كقوله: ٦: ١ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. وأصح القولين: أن المعنى: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فيجعلون له عدلا يحبونه ويقدسونه ويعبدونه، كما يعبدون الله ويعبدونه، ويعظمون أمره. وقال في طريق الهجرتين: وهذه التسوية لم تكن منهم في الأفعال والصفات، بحيث اعتقدوا أنها مساوية لله سبحانه في أفعاله وصفاته. وإنما كانت تسوية منهم بين الله وبينها في المحبة والعبودية والتعظيم، مع إقرارهم بالفرق بين الله وبينها. فتصحيح هذه: هو تصحيح شهادة أن لا إله إلّا الله. فحقيق لمن نصح نفسه، وأحب سعادتها ونجاتها: أن يتيقظ لهذه المسألة علما وعملا، وتكون أهم الأشياء عنده، وأجلّ علومه وأعماله، فإن الشأن كله فيها، والمدار كله عليها، والسؤال يوم القيامة عنها. قال تعالى: {١٥: ٩٢ - ٩٣ فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهم أجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ قال غير واحد من السلف: هو عن قول «لا إله إلا الله» وهذا حق. فإن السؤال كله عنها، وعن أحكامها وحقوقها، وواجباتها ولوازمها. فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها، ولوازمها وحقوقها. قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فالسؤال عما ذا كانوا يعبدون: هو السؤال عنها نفسها. والسؤال عما ذا أجابوا المرسلين: سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها؟ فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأنه حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ويعضّ عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر. ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضلة، بل يجعل هو المطلب الأعظم، وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه. [فَصْلٌ: الشِّرْكُ نَوْعانِ أكْبَرُ وأصْغَرُ] وَأمّا الشِّرْكُ، فَهو نَوْعانِ: أكْبَرُ وأصْغَرُ، فالأكْبَرُ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ، وهو أنْ يَتَّخِذَ مِن دُونِ اللَّهِ نِدًّا، يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي تَضَمَّنَ تَسْوِيَةَ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ بِرَبِّ العالَمِينَ، ولِهَذا قالُوا لِآلِهَتِهِمْ في النّارِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ - إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨] مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ وحْدَهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ورَبُّهُ ومَلِيكُهُ، وأنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ ولا تُرْزَقُ، ولا تُحْيِي ولا تُمِيتُ، وإنَّما كانَتْ هَذِهِ التَّسْوِيَةُ في المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ والعِبادَةِ كَما هو حالُ أكْثَرِ مُشْرِكِي العالَمِ، بَلْ كُلُّهم يُحِبُّونَ مَعْبُوداتِهِمْ ويُعَظِّمُونَها ويُوالُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، وكَثِيرٌ مِنهم - بَلْ أكْثَرُهم - يُحِبُّونَ آلِهَتَهم أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِهِمْ أعْظَمَ مِنِ اسْتِبْشارِهِمْ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ، ويَغْضَبُونَ لِمُنْتَقِصِ مَعْبُودِيهِمْ وآلِهَتِهِمْ - مِنَ المَشايِخِ - أعْظَمَ مِمّا يَغْضَبُونَ إذا انْتَقَصَ أحَدٌ رَبَّ العالَمِينَ، وإذا انْتُهِكَتْ حُرْمَةٌ مِن حُرُماتِ آلِهَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ غَضِبُوا غَضَبَ اللَّيْثِ إذا حَرِدَ، وإذا انْتُهِكَتْ حُرُماتُ اللَّهِ لَمْ يَغْضَبُوا لَها، بَلْ إذا قامَ المُنْتَهِكُ لَها بِإطْعامِهِمْ شَيْئًا رَضُوا عَنْهُ، ولَمْ تَتَنَكَّرْ لَهُ قُلُوبُهُمْ، وقَدْ شاهَدْنا هَذا نَحْنُ وغَيْرُنا مِنهم جَهْرَةً، وتَرى أحَدَهم قَدِ اتَّخَذَ ذِكْرَ إلَهِهِ ومَعْبُودِهِ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى لِسانِهِ دَيْدَنًا لَهُ إنْ قامَ وإنْ قَعَدَ، وإنْ عَثَرَ وإنْ مَرِضَ وإنِ اسْتَوْحَشَ، فَذِكْرُ إلَهِهِ ومَعْبُودِهِ مِن دُونِ اللَّهِ هو الغالِبُ عَلى قَلْبِهِ ولِسانِهِ، وهو لا يُنْكِرُ ذَلِكَ، ويَزْعُمُ أنَّهُ بابُ حاجَتِهِ إلى اللَّهِ، وشَفِيعُهُ عِنْدَهُ، ووَسِيلَتُهُ إلَيْهِ. وَهَكَذا كانَ عُبّادُ الأصْنامِ سَواءً، وهَذا القَدْرُ هو الَّذِي قامَ بِقُلُوبِهِمْ، وتَوارَثَهُ المُشْرِكُونَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ آلِهَتِهِمْ، فَأُولَئِكَ كانَتْ آلِهَتُهم مِنَ الحَجَرِ وغَيْرُهُمُ اتَّخَذُوها مِنَ البَشَرِ، قالَ اللَّهُ تَعالى، حاكِيًا عَنْ أسْلافِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٣] ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والكَذِبِ، وأخْبَرَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾. فَهَذِهِ حالُ مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، يَزْعُمُ أنَّهُ يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ، وما أعَزَّ مَن يَخْلُصُ مِن هَذا؟ بَلْ ما أعَزَّ مَن لا يُعادِي مَن أنْكَرَهُ!. والَّذِي في قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وسَلَفِهِمْ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا عَيْنُ الشِّرْكِ، وقَدْ أنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في كِتابِهِ وأبْطَلَهُ، وأخْبَرَ أنَّ الشَّفاعَةَ كُلَّها لَهُ، وأنَّهُ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ أنْ يَشْفَعَ فِيهِ، ورَضِيَ قَوْلَهُ وعَمَلَهُ، وهم أهْلُ التَّوْحِيدِ، الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَأْذَنُ لِمَن شاءَ في الشَّفاعَةِ لَهُمْ، حَيْثُ لَمْ يَتَّخِذْهم شُفَعاءَ مِن دُونِهِ، فَيَكُونُ أسْعَدَ النّاسِ بِشَفاعَةِ مَن يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُ صاحِبُ التَّوْحِيدِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ شَفِيعًا مِن دُونِ اللَّهِ رَبِّهِ ومَوْلاهُ. والشَّفاعَةُ الَّتِي أثْبَتَها اللَّهُ ورَسُولُهُ هي الشَّفاعَةُ الصّادِرَةُ عَنْ إذْنِهِ لِمَن وحَّدَهُ، والَّتِي نَفاها اللَّهُ هي الشَّفاعَةُ الشِّرْكِيَّةُ، الَّتِي في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، المُتَّخِذِينَ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ، فَيُعامَلُونَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ مِن شُفَعائِهِمْ، ويَفُوزُ بِها المُوَحِّدُونَ. وَتَأمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِأبِي هُرَيْرَةَ - وقَدْ سَألَهُ مَن أسْعَدُ النّاسِ بِشَفاعَتِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ - قالَ «أسْعَدُ النّاسِ بِشَفاعَتِي مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ خالِصًا مِن قَلْبِهِ» كَيْفَ جَعَلَ أعْظَمَ الأسْبابِ الَّتِي تُنالُ بِها شَفاعَتُهُ تَجْرِيدَ التَّوْحِيدِ، عَكْسَ ما عِنْدَ المُشْرِكِينَ أنَّ الشَّفاعَةَ تُنالُ بِاتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَهم شُفَعاءَ، وعِبادَتِهِمْ ومُوالاتِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، فَقَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ ما في زَعْمِهِمُ الكاذِبِ، وأخْبَرَ أنَّ سَبَبَ الشَّفاعَةِ هو تَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ، فَحِينَئِذٍ يَأْذَنُ اللَّهُ لِلشّافِعِ أنْ يُشَفَّعَ. وَمِن جَهْلِ المُشْرِكِ اعْتِقادُهُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَهُ ولِيًّا أوْ شَفِيعًا أنَّهُ يَشْفَعُ لَهُ، ويَنْفَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، كَما يَكُونُ خَواصُّ المُلُوكِ والوُلاةِ تَنْفَعُ شَفاعَتُهم مَن والاهُمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ إلّا لِمَن رَضِيَ قَوْلَهُ وعَمَلَهُ، كَما قالَ تَعالى في الفَصْلِ الأوَّلِ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَفِي الفَصْلِ الثّانِي ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وبَقِيَ فَصْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّهُ لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ إلّا التَّوْحِيدَ، واتِّباعَ الرَّسُولِ، وعَنْ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ يَسْألُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، كَما قالَ أبُو العالِيَةِ: كَلِمَتانِ يُسْألُ عَنْهُما الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: ماذا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ وماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ؟ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أُصُولٍ، تَقْطَعُ شَجَرَةَ الشِّرْكِ مِن قَلْبِ مَن وعاها وعَقَلَها لا شَفاعَةَ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَأْذَنُ إلّا لِمَن رَضِيَ قَوْلَهُ وعَمَلَهُ، ولا يَرْضى مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ إلّا تَوْحِيدَهُ، واتِّباعَ رَسُولِهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ شِرْكَ العادِلِينَ بِهِ غَيْرَهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ والمُوالاةِ والمَحَبَّةِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ - إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨] وكَما في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وَتَرى المُشْرِكَ يُكَذِّبُ حالَهُ وعَمَلَهُ قَوْلُهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ: لا نُحِبُّهم كَحُبِّ اللَّهِ، ولا نُسَوِّيهِمْ بِاللَّهِ، ثُمَّ يَغْضَبُ لَهم ولِحُرُماتِهِمْ - إذا انْتُهِكَتْ - أعْظَمَ مِمّا يَغْضَبُ لِلَّهِ، ويَسْتَبْشِرُ بِذِكْرِهِمْ، ويَتَبَشْبَشُ بِهِ، سِيَّما إذا ذُكِرَ عَنْهم ما لَيْسَ فِيهِمْ مِن إغاثَةِ اللَّهَفاتِ، وكَشْفِ الكُرُباتِ، وقَضاءِ الحاجاتِ، وأنَّهُمُ البابُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِبادِهِ، فَإنَّكَ تَرى المُشْرِكَ يَفْرَحُ ويُسَرُّ ويَحِنُّ قَلْبُهُ، وتَهِيجُ مِنهُ لَواعِجُ التَّعْظِيمِ والخُضُوعِ لَهم والمُوالاةِ، وإذا ذَكَرْتَ لَهُ اللَّهَ وحْدَهُ، وجَرَّدْتَ تَوْحِيدَهُ لَحِقَتْهُ وحْشَةٌ، وضِيقٌ، وحَرَجٌ ورَماكَ بِنَقْصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لَهُ، ورُبَّما عاداكَ. رَأيْنا واللَّهِ مِنهم هَذا عِيانًا، ورَمَوْنا بِعَداوَتِهِمْ، وبَغَوْا لَنا الغَوائِلَ، واللَّهُ مُخْزِيهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَمْ تَكُنْ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا، كَما قالَ إخْوانُهُمْ: عابَ آلِهَتَنا، فَقالَ هَؤُلاءِ: تَنَقَّصْتُمْ مَشايِخَنا، وأبْوابَ حَوائِجِنا إلى اللَّهِ، وهَكَذا قالَ النَّصارى لِلنَّبِيِّ ﷺ، لَمّا قالَ لَهُمْ: إنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ، قالُوا: تَنَقَّصْتَ المَسِيحَ وعِبْتَهُ، وهَكَذا قالَ أشْباهُ المُشْرِكِينَ لِمَن مَنَعَ اتِّخاذَ القُبُورِ أوْثانًا تُعْبَدُ، ومَساجِدَ تُقْصَدُ، وأمَرَ بِزِيارَتِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي أذِنَ اللَّهُ فِيهِ ورَسُولُهُ، قالُوا: تَنَقَّصْتَ أصْحابَها. فانْظُرْ إلى هَذا التَّشابُهِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، حَتّى كَأنَّهم قَدْ تَواصَوْا بِهِ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. وَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ الأسْبابِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها المُشْرِكُونَ جَمِيعًا، قَطْعًا يَعْلَمُ مَن تَأمَّلَهُ وعَرَفَهُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، أوْ شَفِيعًا، فَهو كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ فَقالَ تَعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ - ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣]. فالمُشْرِكُ إنَّما يَتَّخِذُ مَعْبُودَهُ لِما يَعْتَقِدُ أنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ، والنَّفْعُ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِن هَذِهِ الأرْبَعِ إمّا مالِكٌ لِما يُرِيدُهُ عِبادُهُ مِنهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مالِكًا كانَ شَرِيكًا لِلْمالِكِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا لَهُ كانَ مُعِينًا لَهُ وظَهِيرًا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُعِينًا ولا ظَهِيرًا كانَ شَفِيعًا عِنْدَهُ. فَنَفى سُبْحانَهُ المَراتِبَ الأرْبَعَ نَفْيًا مُتَرَتِّبًا، مُتَنَقِّلًا مِنَ الأعْلى إلى ما دُونَهُ، فَنَفى المِلْكَ، والشِّرْكَةَ، والمُظاهَرَةَ، والشَّفاعَةَ، الَّتِي يَظُنُّها المُشْرِكُ، وأثْبَتَ شَفاعَةً لا نَصِيبَ فِيها لِمُشْرِكٍ، وهي الشَّفاعَةُ بِإذْنِهِ. فَكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ نُورًا، وبُرْهانًا ونَجاةً، وتَجْرِيدًا لِلتَّوْحِيدِ، وقَطْعًا لِأُصُولِ الشِّرْكِ ومُوَدّاهُ لِمَن عَقَلَها، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن أمْثالِها ونَظائِرِها، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْعُرُونَ بِدُخُولِ الواقِعِ تَحْتَهُ، وتَضَمُّنِهِ لَهُ، ويَظُنُّونَهُ في نَوْعٍ وفي قَوْمٍ قَدْ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَمْ يُعْقِبُوا وارِثًا، وهَذا هو الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ فَهْمِ القُرْآنِ. وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنْ كانَ أُولَئِكَ قَدْ خَلَوْا، فَقَدْ ورِثَهم مَن هو مِثْلُهُمْ، أوْ شَرٌّ مِنهُمْ، أوْ دُونَهُمْ، وتَناوُلُ القُرْآنِ لَهم كَتَناوُلِهِ لِأُولَئِكَ، ولَكِنَّ الأمْرَ كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما تُنْقَضُ عُرى الإسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إذا نَشَأ في الإسْلامِ مَن لا يَعْرِفُ الجاهِلِيَّةَ. وَهَذا لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْرِفِ الجاهِلِيَّةَ والشِّرْكَ، وما عابَهُ القُرْآنُ وذَمَّهُ وقَعَ فِيهِ وأقَرَّهُ، ودَعا إلَيْهِ وصَوَّبَهُ وحَسَّنَهُ، وهو لا يَعْرِفُ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، أوْ نَظِيرُهُ، أوْ شَرٌّ مِنهُ، أوْ دُونَهُ، فَيَنْقُضُ بِذَلِكَ عُرى الإسْلامِ عَنْ قَلْبِهِ، ويَعُودُ المَعْرُوفُ مُنْكَرًا، والمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، والبِدْعَةُ سُنَّةً، والسُّنَّةُ بِدْعَةً، ويَكْفُرُ الرَّجُلُ بِمَحْضِ الإيمانِ وتَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ، ويُبَدَّعُ بِتَجْرِيدِ مُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ ومُفارَقَةِ الأهْواءِ والبِدَعِ، ومَن لَهُ بَصِيرَةٌ وقَلْبٌ حَيٌّ يَرى ذَلِكَ عِيانًا، واللَّهُ المُسْتَعانُ. فَصْلٌ وأمّا الشِّرْكُ الأصْغَرُ فَكَيَسِيرِ الرِّياءِ، والتَّصَنُّعِ لِلْخَلْقِ، والحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ» وقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، وهَذا مِنَ اللَّهِ ومِنكَ، وإنّا بِاللَّهِ وبِكَ، وما لِي إلّا اللَّهُ وأنْتَ، وأنا مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ وعَلَيْكَ، ولَوْلا أنْتَ لَمْ يَكُنْ كَذا وكَذا، وقَدْ يَكُونُ هَذا شِرْكًا أكْبَرَ، بِحَسَبِ قائِلِهِ ومَقْصِدِهِ، وصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ قالَ لَهُ ما شاءَ اللَّهُ وما شِئْتَ: أجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ» وهَذا اللَّفْظُ أخَفُّ مِن غَيْرِهِ مِنَ الألْفاظِ. وَمِن أنْواعِ الشِّرْكِ سُجُودُ المُرِيدِ لِلشَّيْخِ، فَإنَّهُ شِرْكٌ مِنَ السّاجِدِ والمَسْجُودِ لَهُ، والعَجَبُ أنَّهم يَقُولُونَ: لَيْسَ هَذا بِسُجُودٍ، وإنَّما هو وضْعُ الرَّأْسِ قُدّامَ الشَّيْخِ احْتِرامًا وتَواضُعًا، فَيُقالُ لِهَؤُلاءِ: ولَوْ سَمَّيْتُمُوهُ ما سَمَّيْتُمُوهُ، فَحَقِيقَةُ السُّجُودِ وضْعُ الرَّأْسِ لِمَن يُسْجَدُ لَهُ، وكَذَلِكَ السُّجُودُ لِلصَّنَمِ، ولِلشَّمْسِ، ولِلنَّجْمِ، ولِلْحَجَرِ، كُلُّهُ وضْعُ الرَّأْسِ قُدّامَهُ. وَمِن أنْواعِهِ رُكُوعُ المُتَعَمِّمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدِ المُلاقاةِ، وهَذا سُجُودٌ في اللُّغَةِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤] أيْ مُنْحَنِينَ، وإلّا فَلا يُمْكِنُ الدُّخُولُ بِالجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: سَجَدَتِ الأشْجارُ، إذا أمالَتْها الرِّيحُ. وَمِن أنْواعِهِ حَلْقُ الرَّأْسِ لِلشَّيْخِ، فَإنَّهُ تَعَبُّدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولا يُتَعَبَّدُ بِحَلْقِ الرَّأْسِ إلّا في النُّسُكِ لِلَّهِ خاصَّةً. وَمِن أنْواعِهِ التَّوْبَةُ لِلشَّيْخِ، فَإنَّها شِرْكٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ التَّوْبَةَ لا تَكُونُ إلّا لِلَّهِ، كالصَّلاةِ، والصِّيامِ، والحَجِّ، والنُّسُكِ، فَهي خالِصُ حَقِّ اللَّهِ. وَفِي المُسْنَدِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِأسِيرٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ، ولا أتُوبُ إلى مُحَمَّدٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَرَفَ الحَقَّ لِأهْلِهِ». فالتَّوْبَةُ عِبادَةٌ لا تَنْبَغِي إلّا لِلَّهِ، كالسُّجُودِ والصِّيامِ. وَمِن أنْواعِهِ: النَّذْرُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ شِرْكٌ، وهو أعْظَمُ مِنَ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإذا كانَ مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ فَكَيْفَ بِمَن نَذَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؟ مَعَ أنَّ في السُّنَنِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنْهُ ﷺ «النَّذْرُ حَلْفَةٌ». وَمِن أنْواعِهِ: الخَوْفُ مِن غَيْرِ اللَّهِ، والتَّوَكُّلُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، والعَمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ، والإنابَةُ والخُضُوعُ، والذُّلُّ لِغَيْرِ اللَّهِ، وابْتِغاءُ الرِّزْقِ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ، وحَمَدُ غَيْرِهِ عَلى ما أعْطى، والغُنْيَةُ بِذَلِكَ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ، والذَّمُّ والسَّخَطُ عَلى ما لَمْ يَقْسِمْهُ، ولَمْ يَجْرِ بِهِ القَدَرُ، وإضافَةُ نِعَمِهِ إلى غَيْرِهِ، واعْتِقادُ أنْ يَكُونَ في الكَوْنِ ما لا يَشاؤُهُ. وَمِن أنْواعِهِ طَلَبُ الحَوائِجِ مِنَ المَوْتى، والِاسْتِغاثَةُ بِهِمْ، والتَّوَجُّهُ إلَيْهِمْ. وَهَذا أصْلُ شِرْكِ العالَمِ، فَإنَّ المَيِّتَ قَدِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وهو لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرّا ولا نَفْعًا، فَضْلًا عَمَّنِ اسْتَغاثَ بِهِ وسَألَهُ قَضاءَ حاجَتِهِ، أوْ سَألَهُ أنْ يَشْفَعَ لَهُ إلى اللَّهِ فِيها، وهَذا مِن جَهْلِهِ بِالشّافِعِ والمَشْفُوعِ لَهُ عِنْدَهُ، كَما تَقَدَّمَ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ، واللَّهُ لَمْ يَجْعَلِ اسْتِغاثَتَهُ وسُؤالَهُ سَبَبًا لِإذْنِهِ، وإنَّما السَّبَبُ لِإذْنِهِ كَمالُ التَّوْحِيدِ، فَجاءَ هَذا المُشْرِكُ بِسَبَبٍ يَمْنَعُ الإذْنَ، وهو بِمَنزِلَةِ مَنِ اسْتَعانَ في حاجَةٍ بِما يَمْنَعُ حُصُولَها، وهَذِهِ حالَةُ كُلِّ مُشْرِكٍ، والمَيِّتُ مُحْتاجٌ إلى مَن يَدْعُو لَهُ، ويَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، ويَسْتَغْفِرُ لَهُ، كَما أوْصانا النَّبِيُّ ﷺ إذا زُرْنا قُبُورَ المُسْلِمِينَ أنْ نَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ، ونَسْألَ لَهُمُ العافِيَةَ والمَغْفِرَةَ، فَعَكَسَ المُشْرِكُونَ هَذا، وزارُوهم زِيارَةَ العِبادَةِ، واسْتِقْضاءِ الحَوائِجِ، والِاسْتِغاثَةِ بِهِمْ، وجَعَلُوا قُبُورَهم أوْثانًا تُعْبَدُ، وسَمَّوْا قَصْدَها حَجًّا، واتَّخَذُوا عِنْدَها الوَقْفَةَ وحَلَقَ الرَّأْسِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الشِّرْكِ بِالمَعْبُودِ الحَقِّ، وتَغْيِيرِ دِينِهِ، ومُعاداةِ أهْلِ التَّوْحِيدِ، ونِسْبَةِ أهْلِهِ إلى التَّنَقُّصِ لِلْأمْواتِ، وهم قَدْ تَنَقَّصُوا الخالِقَ بِالشِّرْكِ، وأوْلِياءَهُ المُوَحِّدِينَ لَهُ، الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا بِذَمِّهِمْ وعَيْبِهِمْ ومُعاداتِهِمْ، وتَنَقَّصُوا مَن أشْرَكُوا بِهِ غايَةَ التَّنَقُّصِ، إذْ ظَنُّوا أنَّهم راضُونَ مِنهم بِهَذا، وأنَّهم أمَرُوهم بِهِ، وأنَّهم يُوالُونَهم عَلَيْهِ، وهَؤُلاءِ هم أعْداءُ الرُّسُلِ والتَّوْحِيدِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، وما أكْثَرَ المُسْتَجِيبِينَ لَهُمْ! ولِلَّهِ خَلِيلُهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ يَقُولُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ - رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥-٣٦]. وَما نَجا مِن شَرَكِ هَذا الشِّرْكِ الأكْبَرِ إلّا مَن جَرَّدَ تَوْحِيدَهُ لِلَّهِ، وعادى المُشْرِكِينَ في اللَّهِ، وتَقَرَّبَ بِمَقْتِهِمْ إلى اللَّهِ، واتَّخَذَ اللَّهَ وحْدَهُ ولِيَّهُ وإلَهَهُ ومَعْبُودَهُ، فَجَرَّدَ حُبَّهُ لِلَّهِ، وخَوْفَهُ لِلَّهِ، ورَجاءَهُ لِلَّهِ، وذُلَّهُ لِلَّهِ، وتَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ، واسْتِعانَتَهُ بِاللَّهِ، والتِجاءَهُ إلى اللَّهِ، واسْتِغاثَتَهُ بِاللَّهِ، وأخْلَصَ قَصْدَهُ لِلَّهِ، مُتَّبِعًا لِأمْرِهِ، مُتَطَلِّبًا لِمَرْضاتِهِ، إذا سَألَ سَألَ اللَّهَ، وإذا اسْتَعانَ اسْتَعانَ بِاللَّهِ، وإذا عَمِلَ عَمِلَ لِلَّهِ، فَهو لِلَّهِ، وبِاللَّهِ، ومَعَ اللَّهِ. والشِّرْكُ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ. وَلَوْ ذَهَبْنا نَذْكُرُ أنْواعَهُ لاتَّسَعَ الكَلامُ أعْظَمَ اتِّساعٍ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُساعِدَ بِوَضْعِ كِتابٍ فِيهِ، وفي أقْسامِهِ، وأسْبابِهِ ومَبادِيهِ، ومَضَرَّتِهِ، وما يَنْدَفِعُ بِهِ. فَإنَّ العَبْدَ إذا نَجا مِنهُ ومِنَ التَّعْطِيلِ وهُما الدّاءانِ اللَّذانِ هَلَكَتْ بِهِما الأُمَمُ فَما بَعْدَهُما أيْسَرُ مِنهُما، وإنْ هَلَكَ بِهِما فَبِسَبِيلِ مَن هَلَكَ، ولا آسى عَلى الهالِكِينَ.

الشعراء 26:97

وَمَعْلُومٌ أنَّهم ما سَوَّوْهم بِهِ سُبْحانَهُ في الخَلْقِ، والرِّزْقِ، والإماتَةِ، والإحْياءِ، والمُلْكِ، والقُدْرَةِ، وإنَّما سَوَّوْهم بِهِ في الحُبِّ، والتَّألُّهِ، والخُضُوعِ لَهم والتَّذَلُّلِ، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَكَيْفَ يُسَوى التُّرابُ بِرَبِّ الأرْبابِ، وكَيْفَ يُسَوى العَبِيدُ بِمالِكِ الرِّقابِ، وكَيْفَ يُسَوى الفَقِيرُ بِالذّاتِ الضَّعِيفُ بِالذّاتِ العاجِزُ بِالذّاتِ المُحْتاجُ بِالذّاتِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، بِالغَنِيِّ بِالذّاتِ، القادِرِ بِالذّاتِ، الَّذِي غِناهُ، وقُدْرَتُهُ ومُلْكُهُ وجُودُهُ، وإحْسانُهُ، وعِلْمُهُ، ورَحْمَتُهُ، وكَمالُهُ المُطْلَقُ التّامُّ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؟ فَأيُّ ظُلْمٍ أقْبَحُ مِن هَذا؟ وأيُّ حُكْمٍ أشَدُّ جَوْرًا مِنهُ؟ حَيْثُ عَدَلَ مَن لا عِدْلَ لَهُ بِخَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ - ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. فَعَدَلَ المُشْرِكُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ، بِمَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ولا لِغَيْرِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، فَيا لَكَ مِن عَدْلٍ تَضَمَّنَ أكْبَرَ الظُّلْمِ وأقْبَحَهُ. (فصل) وهذه التسوية إنما كانت في الحب والتأليه واتباع ما شرعوا، لا في الخلق والقدرة والربوبية وهي العدل الذي أخبر به عن الكفار، كقوله: ٦: ١ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. وأصح القولين: أن المعنى: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فيجعلون له عدلا يحبونه ويقدسونه ويعبدونه، كما يعبدون الله ويعبدونه، ويعظمون أمره. وقال في طريق الهجرتين: وهذه التسوية لم تكن منهم في الأفعال والصفات، بحيث اعتقدوا أنها مساوية لله سبحانه في أفعاله وصفاته. وإنما كانت تسوية منهم بين الله وبينها في المحبة والعبودية والتعظيم، مع إقرارهم بالفرق بين الله وبينها. فتصحيح هذه: هو تصحيح شهادة أن لا إله إلّا الله. فحقيق لمن نصح نفسه، وأحب سعادتها ونجاتها: أن يتيقظ لهذه المسألة علما وعملا، وتكون أهم الأشياء عنده، وأجلّ علومه وأعماله، فإن الشأن كله فيها، والمدار كله عليها، والسؤال يوم القيامة عنها. قال تعالى: {١٥: ٩٢ - ٩٣ فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهم أجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ قال غير واحد من السلف: هو عن قول «لا إله إلا الله» وهذا حق. فإن السؤال كله عنها، وعن أحكامها وحقوقها، وواجباتها ولوازمها. فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها، ولوازمها وحقوقها. قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فالسؤال عما ذا كانوا يعبدون: هو السؤال عنها نفسها. والسؤال عما ذا أجابوا المرسلين: سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها؟ فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأنه حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ويعضّ عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر. ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضلة، بل يجعل هو المطلب الأعظم، وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه. [فَصْلٌ: الشِّرْكُ نَوْعانِ أكْبَرُ وأصْغَرُ] وَأمّا الشِّرْكُ، فَهو نَوْعانِ: أكْبَرُ وأصْغَرُ، فالأكْبَرُ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ، وهو أنْ يَتَّخِذَ مِن دُونِ اللَّهِ نِدًّا، يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي تَضَمَّنَ تَسْوِيَةَ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ بِرَبِّ العالَمِينَ، ولِهَذا قالُوا لِآلِهَتِهِمْ في النّارِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ - إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨] مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ وحْدَهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ورَبُّهُ ومَلِيكُهُ، وأنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ ولا تُرْزَقُ، ولا تُحْيِي ولا تُمِيتُ، وإنَّما كانَتْ هَذِهِ التَّسْوِيَةُ في المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ والعِبادَةِ كَما هو حالُ أكْثَرِ مُشْرِكِي العالَمِ، بَلْ كُلُّهم يُحِبُّونَ مَعْبُوداتِهِمْ ويُعَظِّمُونَها ويُوالُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، وكَثِيرٌ مِنهم - بَلْ أكْثَرُهم - يُحِبُّونَ آلِهَتَهم أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِهِمْ أعْظَمَ مِنِ اسْتِبْشارِهِمْ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ، ويَغْضَبُونَ لِمُنْتَقِصِ مَعْبُودِيهِمْ وآلِهَتِهِمْ - مِنَ المَشايِخِ - أعْظَمَ مِمّا يَغْضَبُونَ إذا انْتَقَصَ أحَدٌ رَبَّ العالَمِينَ، وإذا انْتُهِكَتْ حُرْمَةٌ مِن حُرُماتِ آلِهَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ غَضِبُوا غَضَبَ اللَّيْثِ إذا حَرِدَ، وإذا انْتُهِكَتْ حُرُماتُ اللَّهِ لَمْ يَغْضَبُوا لَها، بَلْ إذا قامَ المُنْتَهِكُ لَها بِإطْعامِهِمْ شَيْئًا رَضُوا عَنْهُ، ولَمْ تَتَنَكَّرْ لَهُ قُلُوبُهُمْ، وقَدْ شاهَدْنا هَذا نَحْنُ وغَيْرُنا مِنهم جَهْرَةً، وتَرى أحَدَهم قَدِ اتَّخَذَ ذِكْرَ إلَهِهِ ومَعْبُودِهِ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى لِسانِهِ دَيْدَنًا لَهُ إنْ قامَ وإنْ قَعَدَ، وإنْ عَثَرَ وإنْ مَرِضَ وإنِ اسْتَوْحَشَ، فَذِكْرُ إلَهِهِ ومَعْبُودِهِ مِن دُونِ اللَّهِ هو الغالِبُ عَلى قَلْبِهِ ولِسانِهِ، وهو لا يُنْكِرُ ذَلِكَ، ويَزْعُمُ أنَّهُ بابُ حاجَتِهِ إلى اللَّهِ، وشَفِيعُهُ عِنْدَهُ، ووَسِيلَتُهُ إلَيْهِ. وَهَكَذا كانَ عُبّادُ الأصْنامِ سَواءً، وهَذا القَدْرُ هو الَّذِي قامَ بِقُلُوبِهِمْ، وتَوارَثَهُ المُشْرِكُونَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ آلِهَتِهِمْ، فَأُولَئِكَ كانَتْ آلِهَتُهم مِنَ الحَجَرِ وغَيْرُهُمُ اتَّخَذُوها مِنَ البَشَرِ، قالَ اللَّهُ تَعالى، حاكِيًا عَنْ أسْلافِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٣] ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والكَذِبِ، وأخْبَرَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾. فَهَذِهِ حالُ مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، يَزْعُمُ أنَّهُ يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ، وما أعَزَّ مَن يَخْلُصُ مِن هَذا؟ بَلْ ما أعَزَّ مَن لا يُعادِي مَن أنْكَرَهُ!. والَّذِي في قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وسَلَفِهِمْ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا عَيْنُ الشِّرْكِ، وقَدْ أنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في كِتابِهِ وأبْطَلَهُ، وأخْبَرَ أنَّ الشَّفاعَةَ كُلَّها لَهُ، وأنَّهُ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ أنْ يَشْفَعَ فِيهِ، ورَضِيَ قَوْلَهُ وعَمَلَهُ، وهم أهْلُ التَّوْحِيدِ، الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَأْذَنُ لِمَن شاءَ في الشَّفاعَةِ لَهُمْ، حَيْثُ لَمْ يَتَّخِذْهم شُفَعاءَ مِن دُونِهِ، فَيَكُونُ أسْعَدَ النّاسِ بِشَفاعَةِ مَن يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُ صاحِبُ التَّوْحِيدِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ شَفِيعًا مِن دُونِ اللَّهِ رَبِّهِ ومَوْلاهُ. والشَّفاعَةُ الَّتِي أثْبَتَها اللَّهُ ورَسُولُهُ هي الشَّفاعَةُ الصّادِرَةُ عَنْ إذْنِهِ لِمَن وحَّدَهُ، والَّتِي نَفاها اللَّهُ هي الشَّفاعَةُ الشِّرْكِيَّةُ، الَّتِي في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، المُتَّخِذِينَ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ، فَيُعامَلُونَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ مِن شُفَعائِهِمْ، ويَفُوزُ بِها المُوَحِّدُونَ. وَتَأمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِأبِي هُرَيْرَةَ - وقَدْ سَألَهُ مَن أسْعَدُ النّاسِ بِشَفاعَتِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ - قالَ «أسْعَدُ النّاسِ بِشَفاعَتِي مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ خالِصًا مِن قَلْبِهِ» كَيْفَ جَعَلَ أعْظَمَ الأسْبابِ الَّتِي تُنالُ بِها شَفاعَتُهُ تَجْرِيدَ التَّوْحِيدِ، عَكْسَ ما عِنْدَ المُشْرِكِينَ أنَّ الشَّفاعَةَ تُنالُ بِاتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَهم شُفَعاءَ، وعِبادَتِهِمْ ومُوالاتِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، فَقَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ ما في زَعْمِهِمُ الكاذِبِ، وأخْبَرَ أنَّ سَبَبَ الشَّفاعَةِ هو تَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ، فَحِينَئِذٍ يَأْذَنُ اللَّهُ لِلشّافِعِ أنْ يُشَفَّعَ. وَمِن جَهْلِ المُشْرِكِ اعْتِقادُهُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَهُ ولِيًّا أوْ شَفِيعًا أنَّهُ يَشْفَعُ لَهُ، ويَنْفَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، كَما يَكُونُ خَواصُّ المُلُوكِ والوُلاةِ تَنْفَعُ شَفاعَتُهم مَن والاهُمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ إلّا لِمَن رَضِيَ قَوْلَهُ وعَمَلَهُ، كَما قالَ تَعالى في الفَصْلِ الأوَّلِ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَفِي الفَصْلِ الثّانِي ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وبَقِيَ فَصْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّهُ لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ إلّا التَّوْحِيدَ، واتِّباعَ الرَّسُولِ، وعَنْ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ يَسْألُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، كَما قالَ أبُو العالِيَةِ: كَلِمَتانِ يُسْألُ عَنْهُما الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: ماذا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ وماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ؟ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أُصُولٍ، تَقْطَعُ شَجَرَةَ الشِّرْكِ مِن قَلْبِ مَن وعاها وعَقَلَها لا شَفاعَةَ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَأْذَنُ إلّا لِمَن رَضِيَ قَوْلَهُ وعَمَلَهُ، ولا يَرْضى مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ إلّا تَوْحِيدَهُ، واتِّباعَ رَسُولِهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ شِرْكَ العادِلِينَ بِهِ غَيْرَهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ والمُوالاةِ والمَحَبَّةِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ - إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨] وكَما في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وَتَرى المُشْرِكَ يُكَذِّبُ حالَهُ وعَمَلَهُ قَوْلُهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ: لا نُحِبُّهم كَحُبِّ اللَّهِ، ولا نُسَوِّيهِمْ بِاللَّهِ، ثُمَّ يَغْضَبُ لَهم ولِحُرُماتِهِمْ - إذا انْتُهِكَتْ - أعْظَمَ مِمّا يَغْضَبُ لِلَّهِ، ويَسْتَبْشِرُ بِذِكْرِهِمْ، ويَتَبَشْبَشُ بِهِ، سِيَّما إذا ذُكِرَ عَنْهم ما لَيْسَ فِيهِمْ مِن إغاثَةِ اللَّهَفاتِ، وكَشْفِ الكُرُباتِ، وقَضاءِ الحاجاتِ، وأنَّهُمُ البابُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِبادِهِ، فَإنَّكَ تَرى المُشْرِكَ يَفْرَحُ ويُسَرُّ ويَحِنُّ قَلْبُهُ، وتَهِيجُ مِنهُ لَواعِجُ التَّعْظِيمِ والخُضُوعِ لَهم والمُوالاةِ، وإذا ذَكَرْتَ لَهُ اللَّهَ وحْدَهُ، وجَرَّدْتَ تَوْحِيدَهُ لَحِقَتْهُ وحْشَةٌ، وضِيقٌ، وحَرَجٌ ورَماكَ بِنَقْصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لَهُ، ورُبَّما عاداكَ. رَأيْنا واللَّهِ مِنهم هَذا عِيانًا، ورَمَوْنا بِعَداوَتِهِمْ، وبَغَوْا لَنا الغَوائِلَ، واللَّهُ مُخْزِيهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَمْ تَكُنْ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا، كَما قالَ إخْوانُهُمْ: عابَ آلِهَتَنا، فَقالَ هَؤُلاءِ: تَنَقَّصْتُمْ مَشايِخَنا، وأبْوابَ حَوائِجِنا إلى اللَّهِ، وهَكَذا قالَ النَّصارى لِلنَّبِيِّ ﷺ، لَمّا قالَ لَهُمْ: إنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ، قالُوا: تَنَقَّصْتَ المَسِيحَ وعِبْتَهُ، وهَكَذا قالَ أشْباهُ المُشْرِكِينَ لِمَن مَنَعَ اتِّخاذَ القُبُورِ أوْثانًا تُعْبَدُ، ومَساجِدَ تُقْصَدُ، وأمَرَ بِزِيارَتِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي أذِنَ اللَّهُ فِيهِ ورَسُولُهُ، قالُوا: تَنَقَّصْتَ أصْحابَها. فانْظُرْ إلى هَذا التَّشابُهِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، حَتّى كَأنَّهم قَدْ تَواصَوْا بِهِ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. وَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ الأسْبابِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها المُشْرِكُونَ جَمِيعًا، قَطْعًا يَعْلَمُ مَن تَأمَّلَهُ وعَرَفَهُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، أوْ شَفِيعًا، فَهو كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ فَقالَ تَعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ - ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣]. فالمُشْرِكُ إنَّما يَتَّخِذُ مَعْبُودَهُ لِما يَعْتَقِدُ أنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ، والنَّفْعُ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِن هَذِهِ الأرْبَعِ إمّا مالِكٌ لِما يُرِيدُهُ عِبادُهُ مِنهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مالِكًا كانَ شَرِيكًا لِلْمالِكِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا لَهُ كانَ مُعِينًا لَهُ وظَهِيرًا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُعِينًا ولا ظَهِيرًا كانَ شَفِيعًا عِنْدَهُ. فَنَفى سُبْحانَهُ المَراتِبَ الأرْبَعَ نَفْيًا مُتَرَتِّبًا، مُتَنَقِّلًا مِنَ الأعْلى إلى ما دُونَهُ، فَنَفى المِلْكَ، والشِّرْكَةَ، والمُظاهَرَةَ، والشَّفاعَةَ، الَّتِي يَظُنُّها المُشْرِكُ، وأثْبَتَ شَفاعَةً لا نَصِيبَ فِيها لِمُشْرِكٍ، وهي الشَّفاعَةُ بِإذْنِهِ. فَكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ نُورًا، وبُرْهانًا ونَجاةً، وتَجْرِيدًا لِلتَّوْحِيدِ، وقَطْعًا لِأُصُولِ الشِّرْكِ ومُوَدّاهُ لِمَن عَقَلَها، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن أمْثالِها ونَظائِرِها، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْعُرُونَ بِدُخُولِ الواقِعِ تَحْتَهُ، وتَضَمُّنِهِ لَهُ، ويَظُنُّونَهُ في نَوْعٍ وفي قَوْمٍ قَدْ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَمْ يُعْقِبُوا وارِثًا، وهَذا هو الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ فَهْمِ القُرْآنِ. وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنْ كانَ أُولَئِكَ قَدْ خَلَوْا، فَقَدْ ورِثَهم مَن هو مِثْلُهُمْ، أوْ شَرٌّ مِنهُمْ، أوْ دُونَهُمْ، وتَناوُلُ القُرْآنِ لَهم كَتَناوُلِهِ لِأُولَئِكَ، ولَكِنَّ الأمْرَ كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما تُنْقَضُ عُرى الإسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إذا نَشَأ في الإسْلامِ مَن لا يَعْرِفُ الجاهِلِيَّةَ. وَهَذا لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْرِفِ الجاهِلِيَّةَ والشِّرْكَ، وما عابَهُ القُرْآنُ وذَمَّهُ وقَعَ فِيهِ وأقَرَّهُ، ودَعا إلَيْهِ وصَوَّبَهُ وحَسَّنَهُ، وهو لا يَعْرِفُ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، أوْ نَظِيرُهُ، أوْ شَرٌّ مِنهُ، أوْ دُونَهُ، فَيَنْقُضُ بِذَلِكَ عُرى الإسْلامِ عَنْ قَلْبِهِ، ويَعُودُ المَعْرُوفُ مُنْكَرًا، والمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، والبِدْعَةُ سُنَّةً، والسُّنَّةُ بِدْعَةً، ويَكْفُرُ الرَّجُلُ بِمَحْضِ الإيمانِ وتَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ، ويُبَدَّعُ بِتَجْرِيدِ مُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ ومُفارَقَةِ الأهْواءِ والبِدَعِ، ومَن لَهُ بَصِيرَةٌ وقَلْبٌ حَيٌّ يَرى ذَلِكَ عِيانًا، واللَّهُ المُسْتَعانُ. فَصْلٌ وأمّا الشِّرْكُ الأصْغَرُ فَكَيَسِيرِ الرِّياءِ، والتَّصَنُّعِ لِلْخَلْقِ، والحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ» وقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، وهَذا مِنَ اللَّهِ ومِنكَ، وإنّا بِاللَّهِ وبِكَ، وما لِي إلّا اللَّهُ وأنْتَ، وأنا مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ وعَلَيْكَ، ولَوْلا أنْتَ لَمْ يَكُنْ كَذا وكَذا، وقَدْ يَكُونُ هَذا شِرْكًا أكْبَرَ، بِحَسَبِ قائِلِهِ ومَقْصِدِهِ، وصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ قالَ لَهُ ما شاءَ اللَّهُ وما شِئْتَ: أجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ» وهَذا اللَّفْظُ أخَفُّ مِن غَيْرِهِ مِنَ الألْفاظِ. وَمِن أنْواعِ الشِّرْكِ سُجُودُ المُرِيدِ لِلشَّيْخِ، فَإنَّهُ شِرْكٌ مِنَ السّاجِدِ والمَسْجُودِ لَهُ، والعَجَبُ أنَّهم يَقُولُونَ: لَيْسَ هَذا بِسُجُودٍ، وإنَّما هو وضْعُ الرَّأْسِ قُدّامَ الشَّيْخِ احْتِرامًا وتَواضُعًا، فَيُقالُ لِهَؤُلاءِ: ولَوْ سَمَّيْتُمُوهُ ما سَمَّيْتُمُوهُ، فَحَقِيقَةُ السُّجُودِ وضْعُ الرَّأْسِ لِمَن يُسْجَدُ لَهُ، وكَذَلِكَ السُّجُودُ لِلصَّنَمِ، ولِلشَّمْسِ، ولِلنَّجْمِ، ولِلْحَجَرِ، كُلُّهُ وضْعُ الرَّأْسِ قُدّامَهُ. وَمِن أنْواعِهِ رُكُوعُ المُتَعَمِّمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدِ المُلاقاةِ، وهَذا سُجُودٌ في اللُّغَةِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤] أيْ مُنْحَنِينَ، وإلّا فَلا يُمْكِنُ الدُّخُولُ بِالجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: سَجَدَتِ الأشْجارُ، إذا أمالَتْها الرِّيحُ. وَمِن أنْواعِهِ حَلْقُ الرَّأْسِ لِلشَّيْخِ، فَإنَّهُ تَعَبُّدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولا يُتَعَبَّدُ بِحَلْقِ الرَّأْسِ إلّا في النُّسُكِ لِلَّهِ خاصَّةً. وَمِن أنْواعِهِ التَّوْبَةُ لِلشَّيْخِ، فَإنَّها شِرْكٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ التَّوْبَةَ لا تَكُونُ إلّا لِلَّهِ، كالصَّلاةِ، والصِّيامِ، والحَجِّ، والنُّسُكِ، فَهي خالِصُ حَقِّ اللَّهِ. وَفِي المُسْنَدِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِأسِيرٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ، ولا أتُوبُ إلى مُحَمَّدٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَرَفَ الحَقَّ لِأهْلِهِ». فالتَّوْبَةُ عِبادَةٌ لا تَنْبَغِي إلّا لِلَّهِ، كالسُّجُودِ والصِّيامِ. وَمِن أنْواعِهِ: النَّذْرُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ شِرْكٌ، وهو أعْظَمُ مِنَ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإذا كانَ مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ فَكَيْفَ بِمَن نَذَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؟ مَعَ أنَّ في السُّنَنِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنْهُ ﷺ «النَّذْرُ حَلْفَةٌ». وَمِن أنْواعِهِ: الخَوْفُ مِن غَيْرِ اللَّهِ، والتَّوَكُّلُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، والعَمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ، والإنابَةُ والخُضُوعُ، والذُّلُّ لِغَيْرِ اللَّهِ، وابْتِغاءُ الرِّزْقِ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ، وحَمَدُ غَيْرِهِ عَلى ما أعْطى، والغُنْيَةُ بِذَلِكَ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ، والذَّمُّ والسَّخَطُ عَلى ما لَمْ يَقْسِمْهُ، ولَمْ يَجْرِ بِهِ القَدَرُ، وإضافَةُ نِعَمِهِ إلى غَيْرِهِ، واعْتِقادُ أنْ يَكُونَ في الكَوْنِ ما لا يَشاؤُهُ. وَمِن أنْواعِهِ طَلَبُ الحَوائِجِ مِنَ المَوْتى، والِاسْتِغاثَةُ بِهِمْ، والتَّوَجُّهُ إلَيْهِمْ. وَهَذا أصْلُ شِرْكِ العالَمِ، فَإنَّ المَيِّتَ قَدِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وهو لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرّا ولا نَفْعًا، فَضْلًا عَمَّنِ اسْتَغاثَ بِهِ وسَألَهُ قَضاءَ حاجَتِهِ، أوْ سَألَهُ أنْ يَشْفَعَ لَهُ إلى اللَّهِ فِيها، وهَذا مِن جَهْلِهِ بِالشّافِعِ والمَشْفُوعِ لَهُ عِنْدَهُ، كَما تَقَدَّمَ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ، واللَّهُ لَمْ يَجْعَلِ اسْتِغاثَتَهُ وسُؤالَهُ سَبَبًا لِإذْنِهِ، وإنَّما السَّبَبُ لِإذْنِهِ كَمالُ التَّوْحِيدِ، فَجاءَ هَذا المُشْرِكُ بِسَبَبٍ يَمْنَعُ الإذْنَ، وهو بِمَنزِلَةِ مَنِ اسْتَعانَ في حاجَةٍ بِما يَمْنَعُ حُصُولَها، وهَذِهِ حالَةُ كُلِّ مُشْرِكٍ، والمَيِّتُ مُحْتاجٌ إلى مَن يَدْعُو لَهُ، ويَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، ويَسْتَغْفِرُ لَهُ، كَما أوْصانا النَّبِيُّ ﷺ إذا زُرْنا قُبُورَ المُسْلِمِينَ أنْ نَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ، ونَسْألَ لَهُمُ العافِيَةَ والمَغْفِرَةَ، فَعَكَسَ المُشْرِكُونَ هَذا، وزارُوهم زِيارَةَ العِبادَةِ، واسْتِقْضاءِ الحَوائِجِ، والِاسْتِغاثَةِ بِهِمْ، وجَعَلُوا قُبُورَهم أوْثانًا تُعْبَدُ، وسَمَّوْا قَصْدَها حَجًّا، واتَّخَذُوا عِنْدَها الوَقْفَةَ وحَلَقَ الرَّأْسِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الشِّرْكِ بِالمَعْبُودِ الحَقِّ، وتَغْيِيرِ دِينِهِ، ومُعاداةِ أهْلِ التَّوْحِيدِ، ونِسْبَةِ أهْلِهِ إلى التَّنَقُّصِ لِلْأمْواتِ، وهم قَدْ تَنَقَّصُوا الخالِقَ بِالشِّرْكِ، وأوْلِياءَهُ المُوَحِّدِينَ لَهُ، الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا بِذَمِّهِمْ وعَيْبِهِمْ ومُعاداتِهِمْ، وتَنَقَّصُوا مَن أشْرَكُوا بِهِ غايَةَ التَّنَقُّصِ، إذْ ظَنُّوا أنَّهم راضُونَ مِنهم بِهَذا، وأنَّهم أمَرُوهم بِهِ، وأنَّهم يُوالُونَهم عَلَيْهِ، وهَؤُلاءِ هم أعْداءُ الرُّسُلِ والتَّوْحِيدِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، وما أكْثَرَ المُسْتَجِيبِينَ لَهُمْ! ولِلَّهِ خَلِيلُهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ يَقُولُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ - رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥-٣٦]. وَما نَجا مِن شَرَكِ هَذا الشِّرْكِ الأكْبَرِ إلّا مَن جَرَّدَ تَوْحِيدَهُ لِلَّهِ، وعادى المُشْرِكِينَ في اللَّهِ، وتَقَرَّبَ بِمَقْتِهِمْ إلى اللَّهِ، واتَّخَذَ اللَّهَ وحْدَهُ ولِيَّهُ وإلَهَهُ ومَعْبُودَهُ، فَجَرَّدَ حُبَّهُ لِلَّهِ، وخَوْفَهُ لِلَّهِ، ورَجاءَهُ لِلَّهِ، وذُلَّهُ لِلَّهِ، وتَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ، واسْتِعانَتَهُ بِاللَّهِ، والتِجاءَهُ إلى اللَّهِ، واسْتِغاثَتَهُ بِاللَّهِ، وأخْلَصَ قَصْدَهُ لِلَّهِ، مُتَّبِعًا لِأمْرِهِ، مُتَطَلِّبًا لِمَرْضاتِهِ، إذا سَألَ سَألَ اللَّهَ، وإذا اسْتَعانَ اسْتَعانَ بِاللَّهِ، وإذا عَمِلَ عَمِلَ لِلَّهِ، فَهو لِلَّهِ، وبِاللَّهِ، ومَعَ اللَّهِ. والشِّرْكُ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ. وَلَوْ ذَهَبْنا نَذْكُرُ أنْواعَهُ لاتَّسَعَ الكَلامُ أعْظَمَ اتِّساعٍ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُساعِدَ بِوَضْعِ كِتابٍ فِيهِ، وفي أقْسامِهِ، وأسْبابِهِ ومَبادِيهِ، ومَضَرَّتِهِ، وما يَنْدَفِعُ بِهِ. فَإنَّ العَبْدَ إذا نَجا مِنهُ ومِنَ التَّعْطِيلِ وهُما الدّاءانِ اللَّذانِ هَلَكَتْ بِهِما الأُمَمُ فَما بَعْدَهُما أيْسَرُ مِنهُما، وإنْ هَلَكَ بِهِما فَبِسَبِيلِ مَن هَلَكَ، ولا آسى عَلى الهالِكِينَ.

الشعراء 26:98

وَمَعْلُومٌ أنَّهم ما سَوَّوْهم بِهِ سُبْحانَهُ في الخَلْقِ، والرِّزْقِ، والإماتَةِ، والإحْياءِ، والمُلْكِ، والقُدْرَةِ، وإنَّما سَوَّوْهم بِهِ في الحُبِّ، والتَّألُّهِ، والخُضُوعِ لَهم والتَّذَلُّلِ، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَكَيْفَ يُسَوى التُّرابُ بِرَبِّ الأرْبابِ، وكَيْفَ يُسَوى العَبِيدُ بِمالِكِ الرِّقابِ، وكَيْفَ يُسَوى الفَقِيرُ بِالذّاتِ الضَّعِيفُ بِالذّاتِ العاجِزُ بِالذّاتِ المُحْتاجُ بِالذّاتِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، بِالغَنِيِّ بِالذّاتِ، القادِرِ بِالذّاتِ، الَّذِي غِناهُ، وقُدْرَتُهُ ومُلْكُهُ وجُودُهُ، وإحْسانُهُ، وعِلْمُهُ، ورَحْمَتُهُ، وكَمالُهُ المُطْلَقُ التّامُّ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؟ فَأيُّ ظُلْمٍ أقْبَحُ مِن هَذا؟ وأيُّ حُكْمٍ أشَدُّ جَوْرًا مِنهُ؟ حَيْثُ عَدَلَ مَن لا عِدْلَ لَهُ بِخَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ - ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. فَعَدَلَ المُشْرِكُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ، بِمَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ولا لِغَيْرِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، فَيا لَكَ مِن عَدْلٍ تَضَمَّنَ أكْبَرَ الظُّلْمِ وأقْبَحَهُ. (فصل) وهذه التسوية إنما كانت في الحب والتأليه واتباع ما شرعوا، لا في الخلق والقدرة والربوبية وهي العدل الذي أخبر به عن الكفار، كقوله: ٦: ١ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. وأصح القولين: أن المعنى: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فيجعلون له عدلا يحبونه ويقدسونه ويعبدونه، كما يعبدون الله ويعبدونه، ويعظمون أمره. وقال في طريق الهجرتين: وهذه التسوية لم تكن منهم في الأفعال والصفات، بحيث اعتقدوا أنها مساوية لله سبحانه في أفعاله وصفاته. وإنما كانت تسوية منهم بين الله وبينها في المحبة والعبودية والتعظيم، مع إقرارهم بالفرق بين الله وبينها. فتصحيح هذه: هو تصحيح شهادة أن لا إله إلّا الله. فحقيق لمن نصح نفسه، وأحب سعادتها ونجاتها: أن يتيقظ لهذه المسألة علما وعملا، وتكون أهم الأشياء عنده، وأجلّ علومه وأعماله، فإن الشأن كله فيها، والمدار كله عليها، والسؤال يوم القيامة عنها. قال تعالى: {١٥: ٩٢ - ٩٣ فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهم أجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ قال غير واحد من السلف: هو عن قول «لا إله إلا الله» وهذا حق. فإن السؤال كله عنها، وعن أحكامها وحقوقها، وواجباتها ولوازمها. فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها، ولوازمها وحقوقها. قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فالسؤال عما ذا كانوا يعبدون: هو السؤال عنها نفسها. والسؤال عما ذا أجابوا المرسلين: سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها؟ فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأنه حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ويعضّ عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر. ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضلة، بل يجعل هو المطلب الأعظم، وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه. [فَصْلٌ: الشِّرْكُ نَوْعانِ أكْبَرُ وأصْغَرُ] وَأمّا الشِّرْكُ، فَهو نَوْعانِ: أكْبَرُ وأصْغَرُ، فالأكْبَرُ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ، وهو أنْ يَتَّخِذَ مِن دُونِ اللَّهِ نِدًّا، يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي تَضَمَّنَ تَسْوِيَةَ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ بِرَبِّ العالَمِينَ، ولِهَذا قالُوا لِآلِهَتِهِمْ في النّارِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ - إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨] مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ وحْدَهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ورَبُّهُ ومَلِيكُهُ، وأنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ ولا تُرْزَقُ، ولا تُحْيِي ولا تُمِيتُ، وإنَّما كانَتْ هَذِهِ التَّسْوِيَةُ في المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ والعِبادَةِ كَما هو حالُ أكْثَرِ مُشْرِكِي العالَمِ، بَلْ كُلُّهم يُحِبُّونَ مَعْبُوداتِهِمْ ويُعَظِّمُونَها ويُوالُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، وكَثِيرٌ مِنهم - بَلْ أكْثَرُهم - يُحِبُّونَ آلِهَتَهم أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِهِمْ أعْظَمَ مِنِ اسْتِبْشارِهِمْ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ، ويَغْضَبُونَ لِمُنْتَقِصِ مَعْبُودِيهِمْ وآلِهَتِهِمْ - مِنَ المَشايِخِ - أعْظَمَ مِمّا يَغْضَبُونَ إذا انْتَقَصَ أحَدٌ رَبَّ العالَمِينَ، وإذا انْتُهِكَتْ حُرْمَةٌ مِن حُرُماتِ آلِهَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ غَضِبُوا غَضَبَ اللَّيْثِ إذا حَرِدَ، وإذا انْتُهِكَتْ حُرُماتُ اللَّهِ لَمْ يَغْضَبُوا لَها، بَلْ إذا قامَ المُنْتَهِكُ لَها بِإطْعامِهِمْ شَيْئًا رَضُوا عَنْهُ، ولَمْ تَتَنَكَّرْ لَهُ قُلُوبُهُمْ، وقَدْ شاهَدْنا هَذا نَحْنُ وغَيْرُنا مِنهم جَهْرَةً، وتَرى أحَدَهم قَدِ اتَّخَذَ ذِكْرَ إلَهِهِ ومَعْبُودِهِ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى لِسانِهِ دَيْدَنًا لَهُ إنْ قامَ وإنْ قَعَدَ، وإنْ عَثَرَ وإنْ مَرِضَ وإنِ اسْتَوْحَشَ، فَذِكْرُ إلَهِهِ ومَعْبُودِهِ مِن دُونِ اللَّهِ هو الغالِبُ عَلى قَلْبِهِ ولِسانِهِ، وهو لا يُنْكِرُ ذَلِكَ، ويَزْعُمُ أنَّهُ بابُ حاجَتِهِ إلى اللَّهِ، وشَفِيعُهُ عِنْدَهُ، ووَسِيلَتُهُ إلَيْهِ. وَهَكَذا كانَ عُبّادُ الأصْنامِ سَواءً، وهَذا القَدْرُ هو الَّذِي قامَ بِقُلُوبِهِمْ، وتَوارَثَهُ المُشْرِكُونَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ آلِهَتِهِمْ، فَأُولَئِكَ كانَتْ آلِهَتُهم مِنَ الحَجَرِ وغَيْرُهُمُ اتَّخَذُوها مِنَ البَشَرِ، قالَ اللَّهُ تَعالى، حاكِيًا عَنْ أسْلافِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٣] ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والكَذِبِ، وأخْبَرَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾. فَهَذِهِ حالُ مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، يَزْعُمُ أنَّهُ يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ، وما أعَزَّ مَن يَخْلُصُ مِن هَذا؟ بَلْ ما أعَزَّ مَن لا يُعادِي مَن أنْكَرَهُ!. والَّذِي في قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وسَلَفِهِمْ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا عَيْنُ الشِّرْكِ، وقَدْ أنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في كِتابِهِ وأبْطَلَهُ، وأخْبَرَ أنَّ الشَّفاعَةَ كُلَّها لَهُ، وأنَّهُ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ أنْ يَشْفَعَ فِيهِ، ورَضِيَ قَوْلَهُ وعَمَلَهُ، وهم أهْلُ التَّوْحِيدِ، الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَأْذَنُ لِمَن شاءَ في الشَّفاعَةِ لَهُمْ، حَيْثُ لَمْ يَتَّخِذْهم شُفَعاءَ مِن دُونِهِ، فَيَكُونُ أسْعَدَ النّاسِ بِشَفاعَةِ مَن يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُ صاحِبُ التَّوْحِيدِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ شَفِيعًا مِن دُونِ اللَّهِ رَبِّهِ ومَوْلاهُ. والشَّفاعَةُ الَّتِي أثْبَتَها اللَّهُ ورَسُولُهُ هي الشَّفاعَةُ الصّادِرَةُ عَنْ إذْنِهِ لِمَن وحَّدَهُ، والَّتِي نَفاها اللَّهُ هي الشَّفاعَةُ الشِّرْكِيَّةُ، الَّتِي في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، المُتَّخِذِينَ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ، فَيُعامَلُونَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ مِن شُفَعائِهِمْ، ويَفُوزُ بِها المُوَحِّدُونَ. وَتَأمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِأبِي هُرَيْرَةَ - وقَدْ سَألَهُ مَن أسْعَدُ النّاسِ بِشَفاعَتِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ - قالَ «أسْعَدُ النّاسِ بِشَفاعَتِي مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ خالِصًا مِن قَلْبِهِ» كَيْفَ جَعَلَ أعْظَمَ الأسْبابِ الَّتِي تُنالُ بِها شَفاعَتُهُ تَجْرِيدَ التَّوْحِيدِ، عَكْسَ ما عِنْدَ المُشْرِكِينَ أنَّ الشَّفاعَةَ تُنالُ بِاتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَهم شُفَعاءَ، وعِبادَتِهِمْ ومُوالاتِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، فَقَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ ما في زَعْمِهِمُ الكاذِبِ، وأخْبَرَ أنَّ سَبَبَ الشَّفاعَةِ هو تَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ، فَحِينَئِذٍ يَأْذَنُ اللَّهُ لِلشّافِعِ أنْ يُشَفَّعَ. وَمِن جَهْلِ المُشْرِكِ اعْتِقادُهُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَهُ ولِيًّا أوْ شَفِيعًا أنَّهُ يَشْفَعُ لَهُ، ويَنْفَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، كَما يَكُونُ خَواصُّ المُلُوكِ والوُلاةِ تَنْفَعُ شَفاعَتُهم مَن والاهُمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ إلّا لِمَن رَضِيَ قَوْلَهُ وعَمَلَهُ، كَما قالَ تَعالى في الفَصْلِ الأوَّلِ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَفِي الفَصْلِ الثّانِي ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وبَقِيَ فَصْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّهُ لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ إلّا التَّوْحِيدَ، واتِّباعَ الرَّسُولِ، وعَنْ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ يَسْألُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، كَما قالَ أبُو العالِيَةِ: كَلِمَتانِ يُسْألُ عَنْهُما الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: ماذا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ وماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ؟ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أُصُولٍ، تَقْطَعُ شَجَرَةَ الشِّرْكِ مِن قَلْبِ مَن وعاها وعَقَلَها لا شَفاعَةَ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَأْذَنُ إلّا لِمَن رَضِيَ قَوْلَهُ وعَمَلَهُ، ولا يَرْضى مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ إلّا تَوْحِيدَهُ، واتِّباعَ رَسُولِهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ شِرْكَ العادِلِينَ بِهِ غَيْرَهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ والمُوالاةِ والمَحَبَّةِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ - إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨] وكَما في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وَتَرى المُشْرِكَ يُكَذِّبُ حالَهُ وعَمَلَهُ قَوْلُهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ: لا نُحِبُّهم كَحُبِّ اللَّهِ، ولا نُسَوِّيهِمْ بِاللَّهِ، ثُمَّ يَغْضَبُ لَهم ولِحُرُماتِهِمْ - إذا انْتُهِكَتْ - أعْظَمَ مِمّا يَغْضَبُ لِلَّهِ، ويَسْتَبْشِرُ بِذِكْرِهِمْ، ويَتَبَشْبَشُ بِهِ، سِيَّما إذا ذُكِرَ عَنْهم ما لَيْسَ فِيهِمْ مِن إغاثَةِ اللَّهَفاتِ، وكَشْفِ الكُرُباتِ، وقَضاءِ الحاجاتِ، وأنَّهُمُ البابُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِبادِهِ، فَإنَّكَ تَرى المُشْرِكَ يَفْرَحُ ويُسَرُّ ويَحِنُّ قَلْبُهُ، وتَهِيجُ مِنهُ لَواعِجُ التَّعْظِيمِ والخُضُوعِ لَهم والمُوالاةِ، وإذا ذَكَرْتَ لَهُ اللَّهَ وحْدَهُ، وجَرَّدْتَ تَوْحِيدَهُ لَحِقَتْهُ وحْشَةٌ، وضِيقٌ، وحَرَجٌ ورَماكَ بِنَقْصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لَهُ، ورُبَّما عاداكَ. رَأيْنا واللَّهِ مِنهم هَذا عِيانًا، ورَمَوْنا بِعَداوَتِهِمْ، وبَغَوْا لَنا الغَوائِلَ، واللَّهُ مُخْزِيهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَمْ تَكُنْ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا، كَما قالَ إخْوانُهُمْ: عابَ آلِهَتَنا، فَقالَ هَؤُلاءِ: تَنَقَّصْتُمْ مَشايِخَنا، وأبْوابَ حَوائِجِنا إلى اللَّهِ، وهَكَذا قالَ النَّصارى لِلنَّبِيِّ ﷺ، لَمّا قالَ لَهُمْ: إنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ، قالُوا: تَنَقَّصْتَ المَسِيحَ وعِبْتَهُ، وهَكَذا قالَ أشْباهُ المُشْرِكِينَ لِمَن مَنَعَ اتِّخاذَ القُبُورِ أوْثانًا تُعْبَدُ، ومَساجِدَ تُقْصَدُ، وأمَرَ بِزِيارَتِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي أذِنَ اللَّهُ فِيهِ ورَسُولُهُ، قالُوا: تَنَقَّصْتَ أصْحابَها. فانْظُرْ إلى هَذا التَّشابُهِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، حَتّى كَأنَّهم قَدْ تَواصَوْا بِهِ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. وَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ الأسْبابِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها المُشْرِكُونَ جَمِيعًا، قَطْعًا يَعْلَمُ مَن تَأمَّلَهُ وعَرَفَهُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، أوْ شَفِيعًا، فَهو كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ فَقالَ تَعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ - ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣]. فالمُشْرِكُ إنَّما يَتَّخِذُ مَعْبُودَهُ لِما يَعْتَقِدُ أنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ، والنَّفْعُ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِن هَذِهِ الأرْبَعِ إمّا مالِكٌ لِما يُرِيدُهُ عِبادُهُ مِنهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مالِكًا كانَ شَرِيكًا لِلْمالِكِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا لَهُ كانَ مُعِينًا لَهُ وظَهِيرًا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُعِينًا ولا ظَهِيرًا كانَ شَفِيعًا عِنْدَهُ. فَنَفى سُبْحانَهُ المَراتِبَ الأرْبَعَ نَفْيًا مُتَرَتِّبًا، مُتَنَقِّلًا مِنَ الأعْلى إلى ما دُونَهُ، فَنَفى المِلْكَ، والشِّرْكَةَ، والمُظاهَرَةَ، والشَّفاعَةَ، الَّتِي يَظُنُّها المُشْرِكُ، وأثْبَتَ شَفاعَةً لا نَصِيبَ فِيها لِمُشْرِكٍ، وهي الشَّفاعَةُ بِإذْنِهِ. فَكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ نُورًا، وبُرْهانًا ونَجاةً، وتَجْرِيدًا لِلتَّوْحِيدِ، وقَطْعًا لِأُصُولِ الشِّرْكِ ومُوَدّاهُ لِمَن عَقَلَها، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن أمْثالِها ونَظائِرِها، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْعُرُونَ بِدُخُولِ الواقِعِ تَحْتَهُ، وتَضَمُّنِهِ لَهُ، ويَظُنُّونَهُ في نَوْعٍ وفي قَوْمٍ قَدْ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَمْ يُعْقِبُوا وارِثًا، وهَذا هو الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ فَهْمِ القُرْآنِ. وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنْ كانَ أُولَئِكَ قَدْ خَلَوْا، فَقَدْ ورِثَهم مَن هو مِثْلُهُمْ، أوْ شَرٌّ مِنهُمْ، أوْ دُونَهُمْ، وتَناوُلُ القُرْآنِ لَهم كَتَناوُلِهِ لِأُولَئِكَ، ولَكِنَّ الأمْرَ كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما تُنْقَضُ عُرى الإسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إذا نَشَأ في الإسْلامِ مَن لا يَعْرِفُ الجاهِلِيَّةَ. وَهَذا لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْرِفِ الجاهِلِيَّةَ والشِّرْكَ، وما عابَهُ القُرْآنُ وذَمَّهُ وقَعَ فِيهِ وأقَرَّهُ، ودَعا إلَيْهِ وصَوَّبَهُ وحَسَّنَهُ، وهو لا يَعْرِفُ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، أوْ نَظِيرُهُ، أوْ شَرٌّ مِنهُ، أوْ دُونَهُ، فَيَنْقُضُ بِذَلِكَ عُرى الإسْلامِ عَنْ قَلْبِهِ، ويَعُودُ المَعْرُوفُ مُنْكَرًا، والمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، والبِدْعَةُ سُنَّةً، والسُّنَّةُ بِدْعَةً، ويَكْفُرُ الرَّجُلُ بِمَحْضِ الإيمانِ وتَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ، ويُبَدَّعُ بِتَجْرِيدِ مُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ ومُفارَقَةِ الأهْواءِ والبِدَعِ، ومَن لَهُ بَصِيرَةٌ وقَلْبٌ حَيٌّ يَرى ذَلِكَ عِيانًا، واللَّهُ المُسْتَعانُ. فَصْلٌ وأمّا الشِّرْكُ الأصْغَرُ فَكَيَسِيرِ الرِّياءِ، والتَّصَنُّعِ لِلْخَلْقِ، والحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ» وقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، وهَذا مِنَ اللَّهِ ومِنكَ، وإنّا بِاللَّهِ وبِكَ، وما لِي إلّا اللَّهُ وأنْتَ، وأنا مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ وعَلَيْكَ، ولَوْلا أنْتَ لَمْ يَكُنْ كَذا وكَذا، وقَدْ يَكُونُ هَذا شِرْكًا أكْبَرَ، بِحَسَبِ قائِلِهِ ومَقْصِدِهِ، وصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ قالَ لَهُ ما شاءَ اللَّهُ وما شِئْتَ: أجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ» وهَذا اللَّفْظُ أخَفُّ مِن غَيْرِهِ مِنَ الألْفاظِ. وَمِن أنْواعِ الشِّرْكِ سُجُودُ المُرِيدِ لِلشَّيْخِ، فَإنَّهُ شِرْكٌ مِنَ السّاجِدِ والمَسْجُودِ لَهُ، والعَجَبُ أنَّهم يَقُولُونَ: لَيْسَ هَذا بِسُجُودٍ، وإنَّما هو وضْعُ الرَّأْسِ قُدّامَ الشَّيْخِ احْتِرامًا وتَواضُعًا، فَيُقالُ لِهَؤُلاءِ: ولَوْ سَمَّيْتُمُوهُ ما سَمَّيْتُمُوهُ، فَحَقِيقَةُ السُّجُودِ وضْعُ الرَّأْسِ لِمَن يُسْجَدُ لَهُ، وكَذَلِكَ السُّجُودُ لِلصَّنَمِ، ولِلشَّمْسِ، ولِلنَّجْمِ، ولِلْحَجَرِ، كُلُّهُ وضْعُ الرَّأْسِ قُدّامَهُ. وَمِن أنْواعِهِ رُكُوعُ المُتَعَمِّمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدِ المُلاقاةِ، وهَذا سُجُودٌ في اللُّغَةِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤] أيْ مُنْحَنِينَ، وإلّا فَلا يُمْكِنُ الدُّخُولُ بِالجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: سَجَدَتِ الأشْجارُ، إذا أمالَتْها الرِّيحُ. وَمِن أنْواعِهِ حَلْقُ الرَّأْسِ لِلشَّيْخِ، فَإنَّهُ تَعَبُّدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولا يُتَعَبَّدُ بِحَلْقِ الرَّأْسِ إلّا في النُّسُكِ لِلَّهِ خاصَّةً. وَمِن أنْواعِهِ التَّوْبَةُ لِلشَّيْخِ، فَإنَّها شِرْكٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ التَّوْبَةَ لا تَكُونُ إلّا لِلَّهِ، كالصَّلاةِ، والصِّيامِ، والحَجِّ، والنُّسُكِ، فَهي خالِصُ حَقِّ اللَّهِ. وَفِي المُسْنَدِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِأسِيرٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ، ولا أتُوبُ إلى مُحَمَّدٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَرَفَ الحَقَّ لِأهْلِهِ». فالتَّوْبَةُ عِبادَةٌ لا تَنْبَغِي إلّا لِلَّهِ، كالسُّجُودِ والصِّيامِ. وَمِن أنْواعِهِ: النَّذْرُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ شِرْكٌ، وهو أعْظَمُ مِنَ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإذا كانَ مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ فَكَيْفَ بِمَن نَذَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؟ مَعَ أنَّ في السُّنَنِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنْهُ ﷺ «النَّذْرُ حَلْفَةٌ». وَمِن أنْواعِهِ: الخَوْفُ مِن غَيْرِ اللَّهِ، والتَّوَكُّلُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، والعَمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ، والإنابَةُ والخُضُوعُ، والذُّلُّ لِغَيْرِ اللَّهِ، وابْتِغاءُ الرِّزْقِ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ، وحَمَدُ غَيْرِهِ عَلى ما أعْطى، والغُنْيَةُ بِذَلِكَ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ، والذَّمُّ والسَّخَطُ عَلى ما لَمْ يَقْسِمْهُ، ولَمْ يَجْرِ بِهِ القَدَرُ، وإضافَةُ نِعَمِهِ إلى غَيْرِهِ، واعْتِقادُ أنْ يَكُونَ في الكَوْنِ ما لا يَشاؤُهُ. وَمِن أنْواعِهِ طَلَبُ الحَوائِجِ مِنَ المَوْتى، والِاسْتِغاثَةُ بِهِمْ، والتَّوَجُّهُ إلَيْهِمْ. وَهَذا أصْلُ شِرْكِ العالَمِ، فَإنَّ المَيِّتَ قَدِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وهو لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرّا ولا نَفْعًا، فَضْلًا عَمَّنِ اسْتَغاثَ بِهِ وسَألَهُ قَضاءَ حاجَتِهِ، أوْ سَألَهُ أنْ يَشْفَعَ لَهُ إلى اللَّهِ فِيها، وهَذا مِن جَهْلِهِ بِالشّافِعِ والمَشْفُوعِ لَهُ عِنْدَهُ، كَما تَقَدَّمَ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ، واللَّهُ لَمْ يَجْعَلِ اسْتِغاثَتَهُ وسُؤالَهُ سَبَبًا لِإذْنِهِ، وإنَّما السَّبَبُ لِإذْنِهِ كَمالُ التَّوْحِيدِ، فَجاءَ هَذا المُشْرِكُ بِسَبَبٍ يَمْنَعُ الإذْنَ، وهو بِمَنزِلَةِ مَنِ اسْتَعانَ في حاجَةٍ بِما يَمْنَعُ حُصُولَها، وهَذِهِ حالَةُ كُلِّ مُشْرِكٍ، والمَيِّتُ مُحْتاجٌ إلى مَن يَدْعُو لَهُ، ويَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، ويَسْتَغْفِرُ لَهُ، كَما أوْصانا النَّبِيُّ ﷺ إذا زُرْنا قُبُورَ المُسْلِمِينَ أنْ نَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ، ونَسْألَ لَهُمُ العافِيَةَ والمَغْفِرَةَ، فَعَكَسَ المُشْرِكُونَ هَذا، وزارُوهم زِيارَةَ العِبادَةِ، واسْتِقْضاءِ الحَوائِجِ، والِاسْتِغاثَةِ بِهِمْ، وجَعَلُوا قُبُورَهم أوْثانًا تُعْبَدُ، وسَمَّوْا قَصْدَها حَجًّا، واتَّخَذُوا عِنْدَها الوَقْفَةَ وحَلَقَ الرَّأْسِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الشِّرْكِ بِالمَعْبُودِ الحَقِّ، وتَغْيِيرِ دِينِهِ، ومُعاداةِ أهْلِ التَّوْحِيدِ، ونِسْبَةِ أهْلِهِ إلى التَّنَقُّصِ لِلْأمْواتِ، وهم قَدْ تَنَقَّصُوا الخالِقَ بِالشِّرْكِ، وأوْلِياءَهُ المُوَحِّدِينَ لَهُ، الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا بِذَمِّهِمْ وعَيْبِهِمْ ومُعاداتِهِمْ، وتَنَقَّصُوا مَن أشْرَكُوا بِهِ غايَةَ التَّنَقُّصِ، إذْ ظَنُّوا أنَّهم راضُونَ مِنهم بِهَذا، وأنَّهم أمَرُوهم بِهِ، وأنَّهم يُوالُونَهم عَلَيْهِ، وهَؤُلاءِ هم أعْداءُ الرُّسُلِ والتَّوْحِيدِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، وما أكْثَرَ المُسْتَجِيبِينَ لَهُمْ! ولِلَّهِ خَلِيلُهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ يَقُولُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ - رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥-٣٦]. وَما نَجا مِن شَرَكِ هَذا الشِّرْكِ الأكْبَرِ إلّا مَن جَرَّدَ تَوْحِيدَهُ لِلَّهِ، وعادى المُشْرِكِينَ في اللَّهِ، وتَقَرَّبَ بِمَقْتِهِمْ إلى اللَّهِ، واتَّخَذَ اللَّهَ وحْدَهُ ولِيَّهُ وإلَهَهُ ومَعْبُودَهُ، فَجَرَّدَ حُبَّهُ لِلَّهِ، وخَوْفَهُ لِلَّهِ، ورَجاءَهُ لِلَّهِ، وذُلَّهُ لِلَّهِ، وتَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ، واسْتِعانَتَهُ بِاللَّهِ، والتِجاءَهُ إلى اللَّهِ، واسْتِغاثَتَهُ بِاللَّهِ، وأخْلَصَ قَصْدَهُ لِلَّهِ، مُتَّبِعًا لِأمْرِهِ، مُتَطَلِّبًا لِمَرْضاتِهِ، إذا سَألَ سَألَ اللَّهَ، وإذا اسْتَعانَ اسْتَعانَ بِاللَّهِ، وإذا عَمِلَ عَمِلَ لِلَّهِ، فَهو لِلَّهِ، وبِاللَّهِ، ومَعَ اللَّهِ. والشِّرْكُ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ. وَلَوْ ذَهَبْنا نَذْكُرُ أنْواعَهُ لاتَّسَعَ الكَلامُ أعْظَمَ اتِّساعٍ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُساعِدَ بِوَضْعِ كِتابٍ فِيهِ، وفي أقْسامِهِ، وأسْبابِهِ ومَبادِيهِ، ومَضَرَّتِهِ، وما يَنْدَفِعُ بِهِ. فَإنَّ العَبْدَ إذا نَجا مِنهُ ومِنَ التَّعْطِيلِ وهُما الدّاءانِ اللَّذانِ هَلَكَتْ بِهِما الأُمَمُ فَما بَعْدَهُما أيْسَرُ مِنهُما، وإنْ هَلَكَ بِهِما فَبِسَبِيلِ مَن هَلَكَ، ولا آسى عَلى الهالِكِينَ.

الشعراء 26:189

وَهو سُبْحانَهُ يَذْكُرُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ما أوْقَعَ بِالمُشْرِكِينَ مِن أنْواعِ العُقُوباتِ، ويَذْكُرُ إنْجاءَهُ لِأهْلِ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ يَقُولُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَيَذْكُرُ شِرْكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا بِهِ الهَلاكَ، وتَوْحِيدَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا بِهِ النَّجاةَ. ثُمَّ يُخْبِرُ أنَّ في ذَلِكَ آيَةً وبُرْهانًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ يَذْكُرُ مَصْدَرَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنَّهُ عَنْ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَصُدُورُ هَذا الإهْلاكِ عَنْ عِزَّتِهِ، وذَلِكَ الإنْجاءِ عَنْ رَحْمَتِهِ.

الشعراء 26:190

وَهو سُبْحانَهُ يَذْكُرُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ما أوْقَعَ بِالمُشْرِكِينَ مِن أنْواعِ العُقُوباتِ، ويَذْكُرُ إنْجاءَهُ لِأهْلِ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ يَقُولُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَيَذْكُرُ شِرْكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا بِهِ الهَلاكَ، وتَوْحِيدَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا بِهِ النَّجاةَ. ثُمَّ يُخْبِرُ أنَّ في ذَلِكَ آيَةً وبُرْهانًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ يَذْكُرُ مَصْدَرَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنَّهُ عَنْ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَصُدُورُ هَذا الإهْلاكِ عَنْ عِزَّتِهِ، وذَلِكَ الإنْجاءِ عَنْ رَحْمَتِهِ.

الشعراء 26:191

وَهو سُبْحانَهُ يَذْكُرُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ما أوْقَعَ بِالمُشْرِكِينَ مِن أنْواعِ العُقُوباتِ، ويَذْكُرُ إنْجاءَهُ لِأهْلِ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ يَقُولُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَيَذْكُرُ شِرْكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا بِهِ الهَلاكَ، وتَوْحِيدَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا بِهِ النَّجاةَ. ثُمَّ يُخْبِرُ أنَّ في ذَلِكَ آيَةً وبُرْهانًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ يَذْكُرُ مَصْدَرَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنَّهُ عَنْ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَصُدُورُ هَذا الإهْلاكِ عَنْ عِزَّتِهِ، وذَلِكَ الإنْجاءِ عَنْ رَحْمَتِهِ.

الشعراء 26:205

(فصل: في قِصَرِ الأمَلِ) فَأمّا قِصَرُ الأمَلِ: فَهو العِلْمُ بِقُرْبِ الرَّحِيلِ، وسُرْعَةِ انْقِضاءِ مُدَّةِ الحَياةِ، وهو مِن أنْفَعِ الأُمُورِ لِلْقَلْبِ، فَإنَّهُ يَبْعَثُهُ عَلى مُعاصَفَةِ الأيّامِ، وانْتِهازِ الفُرَصِ الَّتِي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ، ومُبادَرَةِ طَيِّ صَحائِفِ الأعْمالِ، ويُثِيرُ ساكِنَ عَزَماتِهِ إلى دارِ البَقاءِ، ويَحُثُّهُ عَلى قَضاءِ جِهازِ سَفَرِهِ، وتَدارُكِ الفارِطِ، ويُزَهِّدُهُ في الدُّنْيا، ويُرَغِّبُهُ في الآخِرَةِ، فَيَقُومُ بِقَلْبِهِ إذا داوَمَ مُطالَعَةَ قِصَرِ الأمَلِ شاهِدٌ مِن شَواهِدِ اليَقِينِ، يُرِيدُ فَناءَ الدُّنْيا، وسُرْعَةَ انْقِضائِها، وقِلَّةَ ما بَقِيَ مِنها، وأنَّها قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، ولَمْ يَبْقَ مِنها إلّا صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الإناءِ يَتَصابُّها صاحِبُها، وإنَّها لَمْ يَبْقَ مِنها إلّا كَما بَقِيَ مِن يَوْمٍ صارَتْ شَمْسُهُ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ، ويُرِيهِ بَقاءَ الآخِرَةِ ودَوامَها، وأنَّها قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وقَدْ جاءَ أشْراطُها وعَلاماتُها، وأنَّهُ مِن لِقائِها كَمُسافِرٍ خَرَجَ صاحِبُهُ يَتَلَقّاهُ، فَكُلٌّ مِنهُما يَسِيرُ إلى الآخَرِ، فَيُوشِكُ أنْ يَلْتَقِيا سَرِيعًا. وَيَكْفِي في قِصَرِ الأمَلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ - ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ - ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥-٢٠٧] وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦] وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٣-١١٤] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا - نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٣-١٠٤] وخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ يَوْمًا والشَّمْسُ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ، فَقالَ «إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا فِيما مَضى مِنها إلّا كَما بَقِيَ مِن يَوْمِكم هَذا فِيما مَضى مِنهُ» ومَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ أصْحابِهِ، وهم يُعالِجُونَ خُصًّا لَهم قَدْ وهى. فَهم يُصْلِحُونَهُ، فَقالَ «ما هَذا؟ قالُوا: خُصٌّ لَنا قَدْ وهى فَنَحْنُ نُعالِجُهُ، فَقالَ: ما أرى الأمْرَ إلّا أعْجَلَ مِن هَذا». وَقِصَرُ الأمَلِ بِناؤُهُ عَلى أمْرَيْنِ: تَيَقُّنِ زَوالِ الدُّنْيا ومُفارَقَتِها، وتَيَقُّنِ لِقاءِ الآخِرَةِ وبَقائِها ودَوامِها، ثُمَّ يُقايِسُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ويُؤْثِرُ أوْلاهُما بِالإيثارِ.

الشعراء 26:206

(فصل: في قِصَرِ الأمَلِ) فَأمّا قِصَرُ الأمَلِ: فَهو العِلْمُ بِقُرْبِ الرَّحِيلِ، وسُرْعَةِ انْقِضاءِ مُدَّةِ الحَياةِ، وهو مِن أنْفَعِ الأُمُورِ لِلْقَلْبِ، فَإنَّهُ يَبْعَثُهُ عَلى مُعاصَفَةِ الأيّامِ، وانْتِهازِ الفُرَصِ الَّتِي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ، ومُبادَرَةِ طَيِّ صَحائِفِ الأعْمالِ، ويُثِيرُ ساكِنَ عَزَماتِهِ إلى دارِ البَقاءِ، ويَحُثُّهُ عَلى قَضاءِ جِهازِ سَفَرِهِ، وتَدارُكِ الفارِطِ، ويُزَهِّدُهُ في الدُّنْيا، ويُرَغِّبُهُ في الآخِرَةِ، فَيَقُومُ بِقَلْبِهِ إذا داوَمَ مُطالَعَةَ قِصَرِ الأمَلِ شاهِدٌ مِن شَواهِدِ اليَقِينِ، يُرِيدُ فَناءَ الدُّنْيا، وسُرْعَةَ انْقِضائِها، وقِلَّةَ ما بَقِيَ مِنها، وأنَّها قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، ولَمْ يَبْقَ مِنها إلّا صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الإناءِ يَتَصابُّها صاحِبُها، وإنَّها لَمْ يَبْقَ مِنها إلّا كَما بَقِيَ مِن يَوْمٍ صارَتْ شَمْسُهُ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ، ويُرِيهِ بَقاءَ الآخِرَةِ ودَوامَها، وأنَّها قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وقَدْ جاءَ أشْراطُها وعَلاماتُها، وأنَّهُ مِن لِقائِها كَمُسافِرٍ خَرَجَ صاحِبُهُ يَتَلَقّاهُ، فَكُلٌّ مِنهُما يَسِيرُ إلى الآخَرِ، فَيُوشِكُ أنْ يَلْتَقِيا سَرِيعًا. وَيَكْفِي في قِصَرِ الأمَلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ - ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ - ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥-٢٠٧] وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦] وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٣-١١٤] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا - نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٣-١٠٤] وخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ يَوْمًا والشَّمْسُ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ، فَقالَ «إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا فِيما مَضى مِنها إلّا كَما بَقِيَ مِن يَوْمِكم هَذا فِيما مَضى مِنهُ» ومَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ أصْحابِهِ، وهم يُعالِجُونَ خُصًّا لَهم قَدْ وهى. فَهم يُصْلِحُونَهُ، فَقالَ «ما هَذا؟ قالُوا: خُصٌّ لَنا قَدْ وهى فَنَحْنُ نُعالِجُهُ، فَقالَ: ما أرى الأمْرَ إلّا أعْجَلَ مِن هَذا». وَقِصَرُ الأمَلِ بِناؤُهُ عَلى أمْرَيْنِ: تَيَقُّنِ زَوالِ الدُّنْيا ومُفارَقَتِها، وتَيَقُّنِ لِقاءِ الآخِرَةِ وبَقائِها ودَوامِها، ثُمَّ يُقايِسُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ويُؤْثِرُ أوْلاهُما بِالإيثارِ.

الشعراء 26:207

(فصل: في قِصَرِ الأمَلِ) فَأمّا قِصَرُ الأمَلِ: فَهو العِلْمُ بِقُرْبِ الرَّحِيلِ، وسُرْعَةِ انْقِضاءِ مُدَّةِ الحَياةِ، وهو مِن أنْفَعِ الأُمُورِ لِلْقَلْبِ، فَإنَّهُ يَبْعَثُهُ عَلى مُعاصَفَةِ الأيّامِ، وانْتِهازِ الفُرَصِ الَّتِي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ، ومُبادَرَةِ طَيِّ صَحائِفِ الأعْمالِ، ويُثِيرُ ساكِنَ عَزَماتِهِ إلى دارِ البَقاءِ، ويَحُثُّهُ عَلى قَضاءِ جِهازِ سَفَرِهِ، وتَدارُكِ الفارِطِ، ويُزَهِّدُهُ في الدُّنْيا، ويُرَغِّبُهُ في الآخِرَةِ، فَيَقُومُ بِقَلْبِهِ إذا داوَمَ مُطالَعَةَ قِصَرِ الأمَلِ شاهِدٌ مِن شَواهِدِ اليَقِينِ، يُرِيدُ فَناءَ الدُّنْيا، وسُرْعَةَ انْقِضائِها، وقِلَّةَ ما بَقِيَ مِنها، وأنَّها قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، ولَمْ يَبْقَ مِنها إلّا صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الإناءِ يَتَصابُّها صاحِبُها، وإنَّها لَمْ يَبْقَ مِنها إلّا كَما بَقِيَ مِن يَوْمٍ صارَتْ شَمْسُهُ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ، ويُرِيهِ بَقاءَ الآخِرَةِ ودَوامَها، وأنَّها قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وقَدْ جاءَ أشْراطُها وعَلاماتُها، وأنَّهُ مِن لِقائِها كَمُسافِرٍ خَرَجَ صاحِبُهُ يَتَلَقّاهُ، فَكُلٌّ مِنهُما يَسِيرُ إلى الآخَرِ، فَيُوشِكُ أنْ يَلْتَقِيا سَرِيعًا. وَيَكْفِي في قِصَرِ الأمَلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ - ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ - ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥-٢٠٧] وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦] وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٣-١١٤] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا - نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٣-١٠٤] وخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ يَوْمًا والشَّمْسُ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ، فَقالَ «إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا فِيما مَضى مِنها إلّا كَما بَقِيَ مِن يَوْمِكم هَذا فِيما مَضى مِنهُ» ومَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ أصْحابِهِ، وهم يُعالِجُونَ خُصًّا لَهم قَدْ وهى. فَهم يُصْلِحُونَهُ، فَقالَ «ما هَذا؟ قالُوا: خُصٌّ لَنا قَدْ وهى فَنَحْنُ نُعالِجُهُ، فَقالَ: ما أرى الأمْرَ إلّا أعْجَلَ مِن هَذا». وَقِصَرُ الأمَلِ بِناؤُهُ عَلى أمْرَيْنِ: تَيَقُّنِ زَوالِ الدُّنْيا ومُفارَقَتِها، وتَيَقُّنِ لِقاءِ الآخِرَةِ وبَقائِها ودَوامِها، ثُمَّ يُقايِسُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ويُؤْثِرُ أوْلاهُما بِالإيثارِ.

الشعراء 26:214

[فَصْلٌ: في تَرْتِيبِ الدَّعْوَةِ ولَها مَراتِبُ] المَرْتَبَةُ الأُولى: النُّبُوَّةُ. الثّانِيَةُ: إنْذارُ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ. الثّالِثَةُ: إنْذارُ قَوْمِهِ. الرّابِعَةُ: إنْذارُ قَوْمٍ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِهِ وهُمُ العَرَبُ قاطِبَةً. الخامِسَةُ: إنْذارُ جَمِيعِ مَن بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.

الشعراء 26:227

وأما قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ وإجماعهم على أنها منصوبة بـ ﴿ينقلبون﴾ لا بـ ﴿سيعلم﴾ وقد كان يتصور فيها أن تكون منصوبة بـ ﴿سيعلم﴾ على جهة الاستفهام، ولكن تكون موصولة والجملة صلتها والعائد محذوف، ولكن منع من هذا أصل أصلناه ودليل أقمناه على أن الاسم الموصول إذا عني به المصدر، ووصل بفعل مشتق من ذلك المصدر لم يجز لعدم الفائدة المطلوبة من الصلة، وهي إيضاح الموصول وتبيينه. والمصدر لا يوضح فعله المشتق من لفظه، لأنه كأنه هو لفظا ومعنى إلا في المختلف الأنواع كما تقدم. قال ووجه آخر أقوى من هذا وهو أن (أيا) لا تكون بمعنى الذي حتى تضاف إلى معرفة فتقول لقيت أيهم في الدار إذ من المحال أن يكون بمعنى الذي وهو نكرة والذي لا ينكر وهذا أصل يبنى عليه في (أي).

النمل 27:10

قوله تعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلاّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فعلى تقدير عدم الدخول نفى الخوف عن المرسلين وأثبته لمن ظلم ثم تاب، وعلى تقدير الدخول يكون المعنى ولا غيرهم إلا من ظلم. وأما قول بعض الناس: إن (إلا) بمعنى الواو، والمعنى: ولا من ظلم، فخَبْطٌ منه؛ فإن هذا يرفع الأمان عن اللغة ويوقع اللبس في الخطاب، (والواو وإلا) متنافيتان فإحداهما تثبت للثاني نظير حكم الأول، والآخرى تنفى عن الثاني ذلك. فدعوى تعاقبتهما دعوى باطلة لغة وعرفا، والقاعدة أن الحروف لا ينوب بعضها عن بعض خوفا من اللبس وذهاب المعنى الذي قصد بالحرف، وإنما يضمن ويشرب معنى فعل آخر يقتضي ذلك الحرف فيكون ذكر الفعل مع الحرف الذي يقتضيه غيره قائما مقام الذكر الفعلين، وهذا من بديع اللغة وكمالها. ولو قدر تعاقب الحروف ونيابة بعضها عن بعض فإنما يكون ذلك إذا كان المعنى مكشوفا واللبس مأمونا فيكون من باب التفنن في الخطاب والتوسع فيه. فأما أن يدعى ذلك من غير قرينة في اللفظ فلا يصح. وسنشبع الكلام على هذا في فصل مفرد إن شاء الله تعالى. والذي حملهم على دعوى ذلك أنهم لما رأوا الخوف منتفيا عن المذكور بعد (إلا) ظنوا أنها بمعنى (الواو) لكون المعنى عليه وغلطوا في ذلك فإن الخوف ثابت له حال ظلمه وحال تبديله الحسن بعد السوء. أما حال ظلمه فظاهر، وأما حال التبديل فلأنه يخاف أنه لم يقم بالواجب وأنه لم يقبل منه ما أتى به. كما في الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت "قلت: يا رسول الله ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ هو الرجل يزني ويسرق ويخاف؟ قال: يا بنت الصديق هو الرجل يصوم ويصلي ويخاف أن لا يقبل منه" فمن ظلم ثم تاب فهو أولى بالخوف وإن لم يكن خوف عليه. وقد يجيء الانقطاع في هذا الاستثناء من وجه آخر وهو أن ما بعد إلا جملة مستقلة بنفسها فهي منقطعة مما قبلها انقطاع الجمل بعضها عن بعض فسمى منقطعا بهذا الاعتبار كما تقدم نظيره والله أعلم.

النمل 27:11

قوله تعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلاّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فعلى تقدير عدم الدخول نفى الخوف عن المرسلين وأثبته لمن ظلم ثم تاب، وعلى تقدير الدخول يكون المعنى ولا غيرهم إلا من ظلم. وأما قول بعض الناس: إن (إلا) بمعنى الواو، والمعنى: ولا من ظلم، فخَبْطٌ منه؛ فإن هذا يرفع الأمان عن اللغة ويوقع اللبس في الخطاب، (والواو وإلا) متنافيتان فإحداهما تثبت للثاني نظير حكم الأول، والآخرى تنفى عن الثاني ذلك. فدعوى تعاقبتهما دعوى باطلة لغة وعرفا، والقاعدة أن الحروف لا ينوب بعضها عن بعض خوفا من اللبس وذهاب المعنى الذي قصد بالحرف، وإنما يضمن ويشرب معنى فعل آخر يقتضي ذلك الحرف فيكون ذكر الفعل مع الحرف الذي يقتضيه غيره قائما مقام الذكر الفعلين، وهذا من بديع اللغة وكمالها. ولو قدر تعاقب الحروف ونيابة بعضها عن بعض فإنما يكون ذلك إذا كان المعنى مكشوفا واللبس مأمونا فيكون من باب التفنن في الخطاب والتوسع فيه. فأما أن يدعى ذلك من غير قرينة في اللفظ فلا يصح. وسنشبع الكلام على هذا في فصل مفرد إن شاء الله تعالى. والذي حملهم على دعوى ذلك أنهم لما رأوا الخوف منتفيا عن المذكور بعد (إلا) ظنوا أنها بمعنى (الواو) لكون المعنى عليه وغلطوا في ذلك فإن الخوف ثابت له حال ظلمه وحال تبديله الحسن بعد السوء. أما حال ظلمه فظاهر، وأما حال التبديل فلأنه يخاف أنه لم يقم بالواجب وأنه لم يقبل منه ما أتى به. كما في الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت "قلت: يا رسول الله ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ هو الرجل يزني ويسرق ويخاف؟ قال: يا بنت الصديق هو الرجل يصوم ويصلي ويخاف أن لا يقبل منه" فمن ظلم ثم تاب فهو أولى بالخوف وإن لم يكن خوف عليه. وقد يجيء الانقطاع في هذا الاستثناء من وجه آخر وهو أن ما بعد إلا جملة مستقلة بنفسها فهي منقطعة مما قبلها انقطاع الجمل بعضها عن بعض فسمى منقطعا بهذا الاعتبار كما تقدم نظيره والله أعلم.

النمل 27:15

وأما قوله تَعالى: ﴿وَورث سُلَيْمان داوُد﴾ فَهو مِيراث العلم والنبوة لا غير. وَهَذا بِاتِّفاق أهل العلم من المُفَسّرين وغَيرهم وهَذا لأن داوُد عَلَيْهِ السَّلام كانَ لَهُ أولاد كَثِيرَة سوى سُلَيْمان فَلَو كانَ المَوْرُوث هو المال لم يكن سُلَيْمان مُخْتَصًّا بِهِ. وأيضا فَإن كَلام الله يصان عَن الإخبار بِمثل هَذا فَإنَّهُ بِمَنزِلَة أن يُقال ماتَ فلان وورثه ابْنه ومن المَعْلُوم أن كل أحد يَرِثهُ ابْنه ولَيْسَ في الإخبار بِمثل هَذا فائِدَة وأيضا فَإن ما قبل الآية وما بعْدها يبين أن المُراد بِهَذِهِ الوراثة وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال قالَ تَعالى ﴿وَلَقَد آتَيْنا داوُود وسليمان علما وقالا الحَمد لله الَّذِي فضلنا على كثير من عباده المُؤمنِينَ وورث سُلَيْمان داوُود﴾ وَإنَّما سيق هَذا لبَيان فضل سُلَيْمان وما خصّه الله بِهِ من كرامته وميراثه ما كانَ لأبيه من أعلى المَواهِب وهو العلم والنبوة ﴿إن هَذا لَهو الفضل المُبين﴾ وكَذَلِكَ قَول زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام ﴿وَإنِّي خفت الموالِي من ورائي وكانَت أمرَأتي عاقرا فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي ويَرِث من آل يَعْقُوب واجعله رب رَضِيا﴾ فَهَذا مِيراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله وإلّا فَلا يظنّ بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله فَيسْأل الله العَظِيم ولدا يمنعهُم مِيراثه ويكون أحق بِهِ مِنهُم، وقد نزه الله أنبياءه ورُسُله عَن هَذا وأمْثاله فبعدا لمن حرف كتاب الله ورد على رَسُوله كَلامه ونسب الأنبياء إلى ما هم بُرَآء منزهون عَنهُ والحَمْد لله على توفيقه وهدايته.

النمل 27:16

وأما قوله تَعالى: ﴿وَورث سُلَيْمان داوُد﴾ فَهو مِيراث العلم والنبوة لا غير. وَهَذا بِاتِّفاق أهل العلم من المُفَسّرين وغَيرهم وهَذا لأن داوُد عَلَيْهِ السَّلام كانَ لَهُ أولاد كَثِيرَة سوى سُلَيْمان فَلَو كانَ المَوْرُوث هو المال لم يكن سُلَيْمان مُخْتَصًّا بِهِ. وأيضا فَإن كَلام الله يصان عَن الإخبار بِمثل هَذا فَإنَّهُ بِمَنزِلَة أن يُقال ماتَ فلان وورثه ابْنه ومن المَعْلُوم أن كل أحد يَرِثهُ ابْنه ولَيْسَ في الإخبار بِمثل هَذا فائِدَة وأيضا فَإن ما قبل الآية وما بعْدها يبين أن المُراد بِهَذِهِ الوراثة وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال قالَ تَعالى ﴿وَلَقَد آتَيْنا داوُود وسليمان علما وقالا الحَمد لله الَّذِي فضلنا على كثير من عباده المُؤمنِينَ وورث سُلَيْمان داوُود﴾ وَإنَّما سيق هَذا لبَيان فضل سُلَيْمان وما خصّه الله بِهِ من كرامته وميراثه ما كانَ لأبيه من أعلى المَواهِب وهو العلم والنبوة ﴿إن هَذا لَهو الفضل المُبين﴾ وكَذَلِكَ قَول زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام ﴿وَإنِّي خفت الموالِي من ورائي وكانَت أمرَأتي عاقرا فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي ويَرِث من آل يَعْقُوب واجعله رب رَضِيا﴾ فَهَذا مِيراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله وإلّا فَلا يظنّ بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله فَيسْأل الله العَظِيم ولدا يمنعهُم مِيراثه ويكون أحق بِهِ مِنهُم، وقد نزه الله أنبياءه ورُسُله عَن هَذا وأمْثاله فبعدا لمن حرف كتاب الله ورد على رَسُوله كَلامه ونسب الأنبياء إلى ما هم بُرَآء منزهون عَنهُ والحَمْد لله على توفيقه وهدايته.

النمل 27:17

[فصل: ذِكْرُ قَوْلِ النَّمْلِ] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ النَّمْلِ أنَّهُ رَكَّبَ فِيهِ مِثْلَ هَذا الشُّعُورِ والنُّطْقِ ولاسِيَّما هَذِهِ النَّمْلَةُ الَّتِي جَمَعَتْ في هَذا الخِطابِ بَيْنَ النِّداءِ والتَّعْيِينِ والتَّنْبِيهِ والتَّخْصِيصِ والأمْرِ، وإضافَةِ المَساكِنِ إلى أرْبابِها والتِجائِهِمْ إلى مَساكِنِهِمْ فَلا يَدْخُلُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الحَيَواناتِ مَساكِنَهُمْ، والتَّحْذِيرِ والِاعْتِذارِ بِأوْجَزِ خِطابٍ وأعْذَبِ لَفْظٍ. ولِذَلِكَ حَمَلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّعَجُّبُ مِن قَوْلِها عَلى التَّبَسُّمِ وأحْرى بِهَذِهِ النَّمْلَةِ وأخَواتِها مِنَ النَّمْلِ أنْ يَكُونُوا أعْرَفَ بِاللَّهِ مِنَ الجَهْمِيَّةِ. وَقَدْ دَلَّ هَذا عَلى ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في مُعْجَمِهِ قالَ: حَدَّثَنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ هو وأصْحابُهُ يَسْتَسْقُونَ فَرَأى نَمْلَةً قائِمَةً رافِعَةً أحَدَ قَوائِمِها تَسْتَسْقِي فَقالَ لِأصْحابِهِ: ارْجِعُوا لَقَدْ سُقِيتُمْ إنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ اسْتَسْقَتْ فاسْتُجِيبَ لَها، قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا وكِيعٌ قالَ: حَدَّثَنا مِسْعَرٌ عَنْ زَيْدٍ العَمِّيِّ عَنْ أبِي الصِّدِّيقِ النّاجِيِّ قالَ: خَرَجَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ يَسْتَسْقِي بِالنّاسِ فَمَرَّ عَلى نَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلى قَفاها رافِعَةٍ قَوائِمَها إلى السَّماءِ وهي تَقُولُ: اللَّهُمَّ إنّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ لَيْسَ بِنا غِنًى عَنْ رِزْقِكَ فَإمّا أنْ تَسْقِيَنا أوْ تُهْلِكَنا قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنّاسِ ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ، ورَواهُ الطَّحاوِيُّ والطَّبَرانِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي الصِّدِّيقِ النّاجِيِّ قالَ: خَرَجَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْتَسْقِي فَمَرَّ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلى ظَهْرِها رافِعَةٍ قَوائِمَها إلى السَّماءِ وهي تَقُولُ: اللَّهُمَّ إنّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ لَيْسَ بِنا غِنًى عَنْ سُقْياكَ ورِزْقِكَ اللَّهُمَّ فَإمّا أنْ تَسْقِيَنا وإمّا أنْ تُهْلِكَنا، فَقالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ، هَذا لَفْظُ رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ، ولَفْظُ الطَّحاوِيِّ فَإذا هو بِنَمْلَةٍ قائِمَةٍ عَلى رِجْلِها رافِعَةٍ يَدَيْها تَقُولُ: اللَّهُمَّ إنّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ لا غِنى بِنا عَنْ رِزْقِكَ فَلا تُهْلِكْنا بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ فَقالَ سُلَيْمانُ لِأصْحابِهِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ (بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ)، ورَواهُ الحافِظُ أبُو الحَسَنِ الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَسْتَسْقِي فَمَرَّ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلى ظَهْرِها رافِعَةٍ يَدَيْها إلى السَّماءِ تَسْتَسْقِي فَقالَ لِأصْحابِهِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ». وَفِي هَذا البابِ قِصَّةُ حُمُرِ الوَحْشِ المَشْهُورَةِ الَّتِي ذَكَرَها غَيْرُ واحِدٍ أنَّها انْتَهَتْ إلى الماءِ لِتَرِدَهُ فَوَجَدَتِ النّاسَ حَوْلَهُ فَتَأخَّرَتْ عَنْهُ فَلَمّا جَهَدَها العَطَشُ رَفَعَتْ رَأْسَها إلى السَّماءِ وجَأرَتْ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِصَوْتٍ واحِدٍ فَأرْسَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْها السَّماءَ بِالمَطَرِ حَتّى شَرِبَتْ وانْصَرَفَتْ. وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ الهَرَوِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وهْبٍ قالَ: أكْرِمُوا البَقَرَ فَإنَّها لَمْ تَرْفَعْ رَأْسَها إلى السَّماءِ مُنْذُ عُبِدَ العِجْلُ حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ يَحْيى بْنِ أيُّوبَ عَنْ أبِي هِنْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أكْرِمُوا البَقَرَ فَإنَّها سَيِّدَةُ البَهائِمِ، ما رَفَعَتْ طَرْفَها إلى السَّماءِ حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُنْذُ عُبِدَ العِجْلُ»، قُلْتُ: ولا يَثْبُتُ رَفْعُهُ فَإنَّ أبا هِنْدٍ مَجْهُولٌ. والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها الحَيَوانَ وغَيْرَهُ، حَتّى أبْلَدِ الحَيَواناتِ الَّذِي نَضْرِبُ بِبَلادَتِهِ المَثَلَ وهو البَقَرُ. (فصل) وهذه النمل من أهدى الحيوانات وهدايتها من أعجب شيء فإن النملة الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها وإن بعدت عليها الطريق فإذا ظفرت به حملته وساقته في طرق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل إلى بيوتها فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين لئلا ينبت فإن كان ينبت مع فلقه باثنتين فلقته بأربعة فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به يوما ذا شمس فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها ثم أعادته إليها ولا تتغذى منها نملة مما جمعه غيرها ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فاستفتحت خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته ثم أتت بالاسم المبهم ثم أتبعته بما يثبته من اسم الجنس إرادة للعموم ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم فيتحصنون من العسكر ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول وهو خشية أن يصيبهم معرة الجيش فيحطمهم سليمان وجنوده ثم اعتذرت عن نبي الله وجنوده بأنهم لا يشعرون بذلك وهذا من أعجب الهداية. وتأمل كيف عظم الله سبحانه شأن النمل بقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ثم قال: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي ودل على أن ذلك الوادي معروفا بالنمل كوادي السباع ونحوه ثم أخبر بما دل على شدة فطنة هذه النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم فقد عرفت هي والنمل أن لكل طائفة منها مسكنا لا يدخل عليهم فيه سواهم ثم قالت ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾ فجمعت بين اسمه وعينه وعرفته بهما وعرفت جنوده وقائدها ثم قالت ﴿وهم لا يشعرون﴾ فكأنها جمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش بكونهم لا يشعرون وبين لوم أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم ويدخلوا مساكنهم ولذلك تبسم نبي الله ضاحكا من قولها وإنه لموضع تعجب وتبسم. وقد روى الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عيينة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: "نهى عن قتل النمل والنحلة والهدهد والصرد" وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "نزل بني من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج وأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح فهلا نملة واحدة" وذكر هشام بن حسان: "أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدة فأمر الأحنف بكرسي فوضع عند تنورين فجلس عليه ثم تشهد ثم قال لتنتهن أو ليحرقن عليكن ونفعل ونفعل قال فذهبن" وروى عوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال قال أبو موسى الأشعري: "إن لكل شيء سادة حتى للنمل سادة. ومن عجيب هدايتها أنها تعرف ربها بأنه فوق سماواته على عرشه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد من حديث أبي هريرة يرفعه قال: "خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون فأذاهم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء تدعو مستلقية على ظهرها فقال ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم بغيركم" ولهذا الأثر عدة طرق ورواه الطحاوي في التهذيب وغيره وقال الإمام أحمد حدثنا قال: "خرج سليمان بن داؤد يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنا عن سقياك ورزقك فأما أن تسقينا وترزقنا وإما أن تهلكنا فقال ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم" ولقد حدثني أن نملة خرجت من بيتها فصادفت شق جرادة فحاولت أن تحمله فلم تطق فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها قال فرفعت ذلك من الأرض فطافت في مكانه فلم تجده فانصرفوا وتركوها قال فوضعته فعادت تحاول حمله فلم تقدر فذهبت وجاءت بهم فرفعته فطافت فلم تجده فانصرفوا قال فعلت ذلك مرارا فلما كان في المرة الأخرى استدار النمل حلقة ووضعوها في وسطها وقطعوها عضوا عضوا قال شيخنا وقد حكيت له هذه الحكاية فقال هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب وعقوبة الكذاب والنمل من أحرص الحيوان ويضرب بحرصه المثل ويذكر أن سليمان صلوات الله وسلامه عليه لما رأى حرص النملة وشدة ادخارها للغذاء استحضر نملة وسألها كم تأكل النملة من الطعام كل سنة قالت ثلاث حبات من الحنطة فأمر بإلقائها في قارورة وسد فم القارورة وجعل معها ثلاث حبات حنطة وتركها سنة بعد ما قالت ثم أمر بفتح القارورة عند فراغ السنة فوجد حبة ونصف حبة فقال أين زعمك أنت زعمت أن قوتك كل سنة ثلاث حبات فقالت: نعم ولكن لما رأيتك مشغولا بمصالح أبناء جنسك حسبت الذي بقي من عمري فوجدته أكثر من المدة المضروبة فاقتصرت على نصف القوت واستبقيت نصفه استبقاء لنفسي فعجب سليمان من شدة حرصها وهذا من أعجب الهداية والعطية ومن حرصها أنها تكد طوال الصيف وتجمع للشتاء علما منها بإعواز الطلب في الشتاء وتعذر الكسب فيه وهي على ضعفها شديدة القوى فإنها تحمل أضعاف أضعاف وزنها وتجره إلى بيتها. ومن عجيب أمرها أنك إذا أخذت عضو كزبرة يابس فأدنيته إلى أنفك لم تشم له رائحة فإذا وضعته على الأرض أقبلت النملة من مكان بعيد إليه فإن عجزت عن حمله ذهبت وأتت معها بصف من النمل يحتملونه فكيف وجدت رائحة ذلك من جوف بيتها حتى أقبلت بسرعة إليه فهي تدرك بالشم من البعد ما يدركه غيرها بالبصر أو بالسمع فتأتي من مكان بعيد إلى موضع أكل فيه الإنسان وبقي فيه فتات من الخبز أو غيره فتحلمه وتذهب به وإن كان أكبر منها فإن عجزت عن حمله ذهبت إلى جحرها وجاءت معها بطائفة من أصحابها فجاؤا كخيط أسود يتبع بعضهم بعضا حتى يتساعدوا على حمله ونقله وهي تأتي إلى السنبلة فتشمها فإن وجدتها حنطة قطعتها ومزقتها وحملتها وإن وجدتها شعيرا فلا ولها صدق الشم وبعد الهمة وشدة الحرص والجرأة على محاولة نقل ما هو أضعاف أضعاف وزنها وليس للنمل قائد ورئيس يدبرها كما يكون للنحل إلا أن لها رائدا يطلب الرزق فإذا وقف عليه أخبر أصحابه فيخرجن مجتمعات وكل نملة تجتهد في صلاح العامة منها غير مختلسة من الحب شيئا لنفسها دون صواحباتها. ومن عجيب أمرها أن الرجل إذا أراد أن يحترز من النمل لا يسقط في عسل أو نحوه فإنه يحفر حفيرة ويجعل حولها ماء أو يتخذ إناء كبيرا ويملأه ماء ثم يضع فيه ذلك الشيء فيأتي الذي يطيف به فلا يقدر عليه فيتسلق في الحائط ويمشي على السقف إلى أن يحاذي ذلك الشيء فتلقي نفسها عليه وجربنا نحن ذلك وأحمى صانع مرة طوقا بالنار ورماه على الأرض ليبرد واتفق أن اشتمل الطوق على نمل فتوجه في الجهات ليخرج فلحقه وهج النار فلزم المركز ووسط الطوق وكان ذلك مركزا له وهو أبعد مكان من المحيط. (فصل) ثمَّ تَأمل هَذِه النملة الضعيفة وما أعطيته من الفطنة أوْ لحيلة في جمع القُوت وادخاره وحفظه ودفع الآفة عَنهُ، فَإنّك ترى في ذَلِك عبرا وآيات فترى جماعَة النَّمْل إذا أرادَت إحْراز القُوت خرجت من أسرابها طالبة لَهُ، فَإذا ظَفرت بِهِ أخذت طَرِيقا من أسرابها إليه وشرعت في نَقله فتراها رفقتين رفْقَة حاملة تحمله إلى بيوتها سربا ذاهِبًا ورفقة خارِجَة من بيوتها إليه لا تخالط تِلْكَ في طريقها بل هما كالخيطين بِمَنزِلَة جماعَة النّاس الذاهبين في طَرِيق والجَماعَة الراجعين من جانبهم، فَإذا ثقل عَلَيْها حمل الشَّيْء من تِلْكَ اجْتمعت عَلَيْهِ جماعَة من النَّمْل وتساعدت على حَملَة بِمَنزِلَة الخَشَبَة والحجر الَّذِي تتساعد الفئة من النّاس عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الَّذِي ظفر بِهِ مِنهُنَّ وحدة ساعدها رفقتها عَلَيْهِ إلى بَيتها وخلوا بَينها وبَينه، وإن كانَ الَّذِي صادفه جماعَة تساعدن عَلَيْهِ ثمَّ تقاسمنه على باب البَيْت. وَلَقَد أخبر بعض العارفين أنه شاهد مِنهُنَّ يَوْمًا عجبا قالَ: رأيت نملة جاءَت إلى شقّ جَرادَة فزاولته فَلم تطق حمله من الأرض، فَذَهَبت غير بعيد ثمَّ جاءَت مَعها بِجَماعَة من النَّمْل قالَ فَرفعت ذَلِك الشق من الأرض، فَلَمّا وصلت النملة برفقتها إلى مَكانَهُ دارت حوله ودرن مَعها فَلم يجدن شَيْئا فرجعن فَوَضَعته ثمَّ جاءَت فصادفته فزاولته فَلم تطق رَفعه، فَذَهَبت غير بعيد ثمَّ جاءَت بِهن فَرَفَعته فدرن حول مَكانَهُ فَلم يجدن شَيْئا فَذَهَبت فَوَضَعته فَعادَت فَجاءَت بِهن فَرَفَعته فدرن حول المَكان، فَلَمّا لم يجدن شَيْئا تحلقن حَلقَة وجعلن تِلْكَ النملة في وسطها ثمَّ تحاملن عَلَيْها فقطعنها عضوا عضوا، وأنا أنْظُر. وَمن عَجِيب أمر الفطنة فِيها إذا نقلت الحبّ إلى مساكنها كَسرته، لِئَلّا ينْبت فَإن كانَ مِمّا ينْبت الفلقتان مِنهُ كَسرته أربعا، فَإذا أصابه ندى وبلل وخافت عَلَيْهِ الفساد أخرجته للشمس، ثمَّ ترده إلى بيوتها ولِهَذا ترى في بعض الأحيان حَبّا كثيرا على أبْواب مساكنها مكسرا ثمَّ تعود عَن قريب فَلا ترى مِنهُ واحِدَة. وَمن فطنتها أنها لا تتَّخذ قريتها إلّا على نشر من الأرض لِئَلّا يفِيض عَلَيْها السَّيْل فيغرقها، فَلا ترى قَرْيَة نمل في بطن واد ولَكِن في أعْلاهُ وما ارْتَفع عَن السَّيْل مِنهُ. وَيَكْفِي في فطنتها ما نَص الله عز وجل في كِتابه من قَوْلها لجَماعَة النَّمْل وقد رَأتْ سُلَيْمان عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام وجُنُوده ﴿ياأيها النَّمْل ادخُلُوا مَساكِنكم لا يحطمنكم سُلَيْمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾ فتكلمت بِعشْرَة أنواع من الخطاب في هَذِه النَّصِيحَة النداء والتنبيه والتَّسْمِيَة والأمر والنَّص والتحذير والتخصيص والتفهيم والتعميم والاعتذار. فاشتملت نصيحتها مَعَ الِاخْتِصار على هَذِه الأنواع العشْرَة، ولذَلِك أعجب سليمان قَوْلها وتَبَسم ضاحِكا مِنهُ وسأل الله أن يوزعه شكر نعْمَته عَلَيْهِ لما سمع كَلامها. وَلا تستبعد هَذِه الفطنة من أمة من الأمم تسبح بِحَمْد رَبها كَما في الصَّحِيح عَن النَّبِي قالَ "نزل نَبِي من الأنبياء تَحت شَجَرَة فلدغته نملة فَأمر بجهازه فَأخْرجهُ، ثمَّ أحرق قَرْيَة النَّمْل فَأوحى الله إلَيْهِ من أجل أن لدغتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح فَهَلا نملة واحِدَة"

النمل 27:18

[فصل: ذِكْرُ قَوْلِ النَّمْلِ] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ النَّمْلِ أنَّهُ رَكَّبَ فِيهِ مِثْلَ هَذا الشُّعُورِ والنُّطْقِ ولاسِيَّما هَذِهِ النَّمْلَةُ الَّتِي جَمَعَتْ في هَذا الخِطابِ بَيْنَ النِّداءِ والتَّعْيِينِ والتَّنْبِيهِ والتَّخْصِيصِ والأمْرِ، وإضافَةِ المَساكِنِ إلى أرْبابِها والتِجائِهِمْ إلى مَساكِنِهِمْ فَلا يَدْخُلُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الحَيَواناتِ مَساكِنَهُمْ، والتَّحْذِيرِ والِاعْتِذارِ بِأوْجَزِ خِطابٍ وأعْذَبِ لَفْظٍ. ولِذَلِكَ حَمَلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّعَجُّبُ مِن قَوْلِها عَلى التَّبَسُّمِ وأحْرى بِهَذِهِ النَّمْلَةِ وأخَواتِها مِنَ النَّمْلِ أنْ يَكُونُوا أعْرَفَ بِاللَّهِ مِنَ الجَهْمِيَّةِ. وَقَدْ دَلَّ هَذا عَلى ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في مُعْجَمِهِ قالَ: حَدَّثَنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ هو وأصْحابُهُ يَسْتَسْقُونَ فَرَأى نَمْلَةً قائِمَةً رافِعَةً أحَدَ قَوائِمِها تَسْتَسْقِي فَقالَ لِأصْحابِهِ: ارْجِعُوا لَقَدْ سُقِيتُمْ إنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ اسْتَسْقَتْ فاسْتُجِيبَ لَها، قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا وكِيعٌ قالَ: حَدَّثَنا مِسْعَرٌ عَنْ زَيْدٍ العَمِّيِّ عَنْ أبِي الصِّدِّيقِ النّاجِيِّ قالَ: خَرَجَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ يَسْتَسْقِي بِالنّاسِ فَمَرَّ عَلى نَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلى قَفاها رافِعَةٍ قَوائِمَها إلى السَّماءِ وهي تَقُولُ: اللَّهُمَّ إنّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ لَيْسَ بِنا غِنًى عَنْ رِزْقِكَ فَإمّا أنْ تَسْقِيَنا أوْ تُهْلِكَنا قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنّاسِ ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ، ورَواهُ الطَّحاوِيُّ والطَّبَرانِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي الصِّدِّيقِ النّاجِيِّ قالَ: خَرَجَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْتَسْقِي فَمَرَّ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلى ظَهْرِها رافِعَةٍ قَوائِمَها إلى السَّماءِ وهي تَقُولُ: اللَّهُمَّ إنّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ لَيْسَ بِنا غِنًى عَنْ سُقْياكَ ورِزْقِكَ اللَّهُمَّ فَإمّا أنْ تَسْقِيَنا وإمّا أنْ تُهْلِكَنا، فَقالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ، هَذا لَفْظُ رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ، ولَفْظُ الطَّحاوِيِّ فَإذا هو بِنَمْلَةٍ قائِمَةٍ عَلى رِجْلِها رافِعَةٍ يَدَيْها تَقُولُ: اللَّهُمَّ إنّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ لا غِنى بِنا عَنْ رِزْقِكَ فَلا تُهْلِكْنا بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ فَقالَ سُلَيْمانُ لِأصْحابِهِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ (بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ)، ورَواهُ الحافِظُ أبُو الحَسَنِ الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَسْتَسْقِي فَمَرَّ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلى ظَهْرِها رافِعَةٍ يَدَيْها إلى السَّماءِ تَسْتَسْقِي فَقالَ لِأصْحابِهِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ». وَفِي هَذا البابِ قِصَّةُ حُمُرِ الوَحْشِ المَشْهُورَةِ الَّتِي ذَكَرَها غَيْرُ واحِدٍ أنَّها انْتَهَتْ إلى الماءِ لِتَرِدَهُ فَوَجَدَتِ النّاسَ حَوْلَهُ فَتَأخَّرَتْ عَنْهُ فَلَمّا جَهَدَها العَطَشُ رَفَعَتْ رَأْسَها إلى السَّماءِ وجَأرَتْ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِصَوْتٍ واحِدٍ فَأرْسَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْها السَّماءَ بِالمَطَرِ حَتّى شَرِبَتْ وانْصَرَفَتْ. وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ الهَرَوِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وهْبٍ قالَ: أكْرِمُوا البَقَرَ فَإنَّها لَمْ تَرْفَعْ رَأْسَها إلى السَّماءِ مُنْذُ عُبِدَ العِجْلُ حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ يَحْيى بْنِ أيُّوبَ عَنْ أبِي هِنْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أكْرِمُوا البَقَرَ فَإنَّها سَيِّدَةُ البَهائِمِ، ما رَفَعَتْ طَرْفَها إلى السَّماءِ حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُنْذُ عُبِدَ العِجْلُ»، قُلْتُ: ولا يَثْبُتُ رَفْعُهُ فَإنَّ أبا هِنْدٍ مَجْهُولٌ. والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها الحَيَوانَ وغَيْرَهُ، حَتّى أبْلَدِ الحَيَواناتِ الَّذِي نَضْرِبُ بِبَلادَتِهِ المَثَلَ وهو البَقَرُ. (فصل) وهذه النمل من أهدى الحيوانات وهدايتها من أعجب شيء فإن النملة الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها وإن بعدت عليها الطريق فإذا ظفرت به حملته وساقته في طرق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل إلى بيوتها فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين لئلا ينبت فإن كان ينبت مع فلقه باثنتين فلقته بأربعة فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به يوما ذا شمس فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها ثم أعادته إليها ولا تتغذى منها نملة مما جمعه غيرها ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فاستفتحت خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته ثم أتت بالاسم المبهم ثم أتبعته بما يثبته من اسم الجنس إرادة للعموم ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم فيتحصنون من العسكر ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول وهو خشية أن يصيبهم معرة الجيش فيحطمهم سليمان وجنوده ثم اعتذرت عن نبي الله وجنوده بأنهم لا يشعرون بذلك وهذا من أعجب الهداية. وتأمل كيف عظم الله سبحانه شأن النمل بقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ثم قال: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي ودل على أن ذلك الوادي معروفا بالنمل كوادي السباع ونحوه ثم أخبر بما دل على شدة فطنة هذه النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم فقد عرفت هي والنمل أن لكل طائفة منها مسكنا لا يدخل عليهم فيه سواهم ثم قالت ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾ فجمعت بين اسمه وعينه وعرفته بهما وعرفت جنوده وقائدها ثم قالت ﴿وهم لا يشعرون﴾ فكأنها جمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش بكونهم لا يشعرون وبين لوم أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم ويدخلوا مساكنهم ولذلك تبسم نبي الله ضاحكا من قولها وإنه لموضع تعجب وتبسم. وقد روى الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عيينة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: "نهى عن قتل النمل والنحلة والهدهد والصرد" وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "نزل بني من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج وأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح فهلا نملة واحدة" وذكر هشام بن حسان: "أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدة فأمر الأحنف بكرسي فوضع عند تنورين فجلس عليه ثم تشهد ثم قال لتنتهن أو ليحرقن عليكن ونفعل ونفعل قال فذهبن" وروى عوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال قال أبو موسى الأشعري: "إن لكل شيء سادة حتى للنمل سادة. ومن عجيب هدايتها أنها تعرف ربها بأنه فوق سماواته على عرشه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد من حديث أبي هريرة يرفعه قال: "خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون فأذاهم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء تدعو مستلقية على ظهرها فقال ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم بغيركم" ولهذا الأثر عدة طرق ورواه الطحاوي في التهذيب وغيره وقال الإمام أحمد حدثنا قال: "خرج سليمان بن داؤد يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنا عن سقياك ورزقك فأما أن تسقينا وترزقنا وإما أن تهلكنا فقال ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم" ولقد حدثني أن نملة خرجت من بيتها فصادفت شق جرادة فحاولت أن تحمله فلم تطق فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها قال فرفعت ذلك من الأرض فطافت في مكانه فلم تجده فانصرفوا وتركوها قال فوضعته فعادت تحاول حمله فلم تقدر فذهبت وجاءت بهم فرفعته فطافت فلم تجده فانصرفوا قال فعلت ذلك مرارا فلما كان في المرة الأخرى استدار النمل حلقة ووضعوها في وسطها وقطعوها عضوا عضوا قال شيخنا وقد حكيت له هذه الحكاية فقال هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب وعقوبة الكذاب والنمل من أحرص الحيوان ويضرب بحرصه المثل ويذكر أن سليمان صلوات الله وسلامه عليه لما رأى حرص النملة وشدة ادخارها للغذاء استحضر نملة وسألها كم تأكل النملة من الطعام كل سنة قالت ثلاث حبات من الحنطة فأمر بإلقائها في قارورة وسد فم القارورة وجعل معها ثلاث حبات حنطة وتركها سنة بعد ما قالت ثم أمر بفتح القارورة عند فراغ السنة فوجد حبة ونصف حبة فقال أين زعمك أنت زعمت أن قوتك كل سنة ثلاث حبات فقالت: نعم ولكن لما رأيتك مشغولا بمصالح أبناء جنسك حسبت الذي بقي من عمري فوجدته أكثر من المدة المضروبة فاقتصرت على نصف القوت واستبقيت نصفه استبقاء لنفسي فعجب سليمان من شدة حرصها وهذا من أعجب الهداية والعطية ومن حرصها أنها تكد طوال الصيف وتجمع للشتاء علما منها بإعواز الطلب في الشتاء وتعذر الكسب فيه وهي على ضعفها شديدة القوى فإنها تحمل أضعاف أضعاف وزنها وتجره إلى بيتها. ومن عجيب أمرها أنك إذا أخذت عضو كزبرة يابس فأدنيته إلى أنفك لم تشم له رائحة فإذا وضعته على الأرض أقبلت النملة من مكان بعيد إليه فإن عجزت عن حمله ذهبت وأتت معها بصف من النمل يحتملونه فكيف وجدت رائحة ذلك من جوف بيتها حتى أقبلت بسرعة إليه فهي تدرك بالشم من البعد ما يدركه غيرها بالبصر أو بالسمع فتأتي من مكان بعيد إلى موضع أكل فيه الإنسان وبقي فيه فتات من الخبز أو غيره فتحلمه وتذهب به وإن كان أكبر منها فإن عجزت عن حمله ذهبت إلى جحرها وجاءت معها بطائفة من أصحابها فجاؤا كخيط أسود يتبع بعضهم بعضا حتى يتساعدوا على حمله ونقله وهي تأتي إلى السنبلة فتشمها فإن وجدتها حنطة قطعتها ومزقتها وحملتها وإن وجدتها شعيرا فلا ولها صدق الشم وبعد الهمة وشدة الحرص والجرأة على محاولة نقل ما هو أضعاف أضعاف وزنها وليس للنمل قائد ورئيس يدبرها كما يكون للنحل إلا أن لها رائدا يطلب الرزق فإذا وقف عليه أخبر أصحابه فيخرجن مجتمعات وكل نملة تجتهد في صلاح العامة منها غير مختلسة من الحب شيئا لنفسها دون صواحباتها. ومن عجيب أمرها أن الرجل إذا أراد أن يحترز من النمل لا يسقط في عسل أو نحوه فإنه يحفر حفيرة ويجعل حولها ماء أو يتخذ إناء كبيرا ويملأه ماء ثم يضع فيه ذلك الشيء فيأتي الذي يطيف به فلا يقدر عليه فيتسلق في الحائط ويمشي على السقف إلى أن يحاذي ذلك الشيء فتلقي نفسها عليه وجربنا نحن ذلك وأحمى صانع مرة طوقا بالنار ورماه على الأرض ليبرد واتفق أن اشتمل الطوق على نمل فتوجه في الجهات ليخرج فلحقه وهج النار فلزم المركز ووسط الطوق وكان ذلك مركزا له وهو أبعد مكان من المحيط. (فصل) ثمَّ تَأمل هَذِه النملة الضعيفة وما أعطيته من الفطنة أوْ لحيلة في جمع القُوت وادخاره وحفظه ودفع الآفة عَنهُ، فَإنّك ترى في ذَلِك عبرا وآيات فترى جماعَة النَّمْل إذا أرادَت إحْراز القُوت خرجت من أسرابها طالبة لَهُ، فَإذا ظَفرت بِهِ أخذت طَرِيقا من أسرابها إليه وشرعت في نَقله فتراها رفقتين رفْقَة حاملة تحمله إلى بيوتها سربا ذاهِبًا ورفقة خارِجَة من بيوتها إليه لا تخالط تِلْكَ في طريقها بل هما كالخيطين بِمَنزِلَة جماعَة النّاس الذاهبين في طَرِيق والجَماعَة الراجعين من جانبهم، فَإذا ثقل عَلَيْها حمل الشَّيْء من تِلْكَ اجْتمعت عَلَيْهِ جماعَة من النَّمْل وتساعدت على حَملَة بِمَنزِلَة الخَشَبَة والحجر الَّذِي تتساعد الفئة من النّاس عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الَّذِي ظفر بِهِ مِنهُنَّ وحدة ساعدها رفقتها عَلَيْهِ إلى بَيتها وخلوا بَينها وبَينه، وإن كانَ الَّذِي صادفه جماعَة تساعدن عَلَيْهِ ثمَّ تقاسمنه على باب البَيْت. وَلَقَد أخبر بعض العارفين أنه شاهد مِنهُنَّ يَوْمًا عجبا قالَ: رأيت نملة جاءَت إلى شقّ جَرادَة فزاولته فَلم تطق حمله من الأرض، فَذَهَبت غير بعيد ثمَّ جاءَت مَعها بِجَماعَة من النَّمْل قالَ فَرفعت ذَلِك الشق من الأرض، فَلَمّا وصلت النملة برفقتها إلى مَكانَهُ دارت حوله ودرن مَعها فَلم يجدن شَيْئا فرجعن فَوَضَعته ثمَّ جاءَت فصادفته فزاولته فَلم تطق رَفعه، فَذَهَبت غير بعيد ثمَّ جاءَت بِهن فَرَفَعته فدرن حول مَكانَهُ فَلم يجدن شَيْئا فَذَهَبت فَوَضَعته فَعادَت فَجاءَت بِهن فَرَفَعته فدرن حول المَكان، فَلَمّا لم يجدن شَيْئا تحلقن حَلقَة وجعلن تِلْكَ النملة في وسطها ثمَّ تحاملن عَلَيْها فقطعنها عضوا عضوا، وأنا أنْظُر. وَمن عَجِيب أمر الفطنة فِيها إذا نقلت الحبّ إلى مساكنها كَسرته، لِئَلّا ينْبت فَإن كانَ مِمّا ينْبت الفلقتان مِنهُ كَسرته أربعا، فَإذا أصابه ندى وبلل وخافت عَلَيْهِ الفساد أخرجته للشمس، ثمَّ ترده إلى بيوتها ولِهَذا ترى في بعض الأحيان حَبّا كثيرا على أبْواب مساكنها مكسرا ثمَّ تعود عَن قريب فَلا ترى مِنهُ واحِدَة. وَمن فطنتها أنها لا تتَّخذ قريتها إلّا على نشر من الأرض لِئَلّا يفِيض عَلَيْها السَّيْل فيغرقها، فَلا ترى قَرْيَة نمل في بطن واد ولَكِن في أعْلاهُ وما ارْتَفع عَن السَّيْل مِنهُ. وَيَكْفِي في فطنتها ما نَص الله عز وجل في كِتابه من قَوْلها لجَماعَة النَّمْل وقد رَأتْ سُلَيْمان عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام وجُنُوده ﴿ياأيها النَّمْل ادخُلُوا مَساكِنكم لا يحطمنكم سُلَيْمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾ فتكلمت بِعشْرَة أنواع من الخطاب في هَذِه النَّصِيحَة النداء والتنبيه والتَّسْمِيَة والأمر والنَّص والتحذير والتخصيص والتفهيم والتعميم والاعتذار. فاشتملت نصيحتها مَعَ الِاخْتِصار على هَذِه الأنواع العشْرَة، ولذَلِك أعجب سليمان قَوْلها وتَبَسم ضاحِكا مِنهُ وسأل الله أن يوزعه شكر نعْمَته عَلَيْهِ لما سمع كَلامها. وَلا تستبعد هَذِه الفطنة من أمة من الأمم تسبح بِحَمْد رَبها كَما في الصَّحِيح عَن النَّبِي قالَ "نزل نَبِي من الأنبياء تَحت شَجَرَة فلدغته نملة فَأمر بجهازه فَأخْرجهُ، ثمَّ أحرق قَرْيَة النَّمْل فَأوحى الله إلَيْهِ من أجل أن لدغتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح فَهَلا نملة واحِدَة"

النمل 27:19

قوله تعالى: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ قال ابن عباس والمفسرون بعده ألهمني. قال أبو إسحاق وتأويله في اللغة كُفَّنِي عن الأشياء إلا نفس شكر نعمتك، ولهذا يقال في تفسير الموزع المولع ومنه الحديث: "كان رسول الله ﷺ موزعا بالسؤال. أي مولعا به كأنه كف ومنع إلا منه" وقال في الصحاح وزعته أزعه وزعا كففته فاتزع عنه. أي كف، وأوزعته بالشيء أغريته به فأوزع به فهو موزع به واستوزعت الله شكره فأوزعني أي استلهمته فألهمني. فقد دار معنى اللفظة على معنى ألهمني ذلك واجعلني مغرى به وكُفَّنِي عما سواه. وعند القدرية إن هذا غير مقدور للرب بل هو غير مقدور العبد.

النمل 27:20

(فصل) وهذا الهدهد من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه غيره ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أن قال لنبي الله سليمان وقد فقده وتوعده فلما جاءه بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة وخاطبه خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه فقال أحطت بما لم تحط به وفي ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به وهو خبر عظيم له شأن فلذلك قال ﴿وجئتك من سبإ بنبإ يقين﴾ والنبأ هو الخبر الذي له شأن والنفوس متطلعة إلى معرفته ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد فقال إني وجدت امرأة تملكهم ثم أخبر عن شأن تلك الملكة وأنها من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها التي تجلس عليه وأنه عرش عظيم ثم أخبره بما يدعوهم إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال: ﴿وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وحذف أداة العطف من هذه الجملة وأتى بها مستقلة غير معطوفة على ما قبلها إيذانا بأنها هي المقصودة وما قبلها توطئة لها ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله وحده ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج الخبء في السماوات والأرض وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض وفي ذكر الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب تعالى بخصوصه إشعار بما خصه الله به من إخراج الماء المخبوء تحت الأرض قال صاحب الكشاف "وفي إخراج الخبء إمارة على أنه من كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله فما عمل آدمي عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله".

النمل 27:21

(فصل) وهذا الهدهد من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه غيره ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أن قال لنبي الله سليمان وقد فقده وتوعده فلما جاءه بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة وخاطبه خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه فقال أحطت بما لم تحط به وفي ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به وهو خبر عظيم له شأن فلذلك قال ﴿وجئتك من سبإ بنبإ يقين﴾ والنبأ هو الخبر الذي له شأن والنفوس متطلعة إلى معرفته ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد فقال إني وجدت امرأة تملكهم ثم أخبر عن شأن تلك الملكة وأنها من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها التي تجلس عليه وأنه عرش عظيم ثم أخبره بما يدعوهم إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال: ﴿وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وحذف أداة العطف من هذه الجملة وأتى بها مستقلة غير معطوفة على ما قبلها إيذانا بأنها هي المقصودة وما قبلها توطئة لها ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله وحده ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج الخبء في السماوات والأرض وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض وفي ذكر الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب تعالى بخصوصه إشعار بما خصه الله به من إخراج الماء المخبوء تحت الأرض قال صاحب الكشاف "وفي إخراج الخبء إمارة على أنه من كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله فما عمل آدمي عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله".

النمل 27:22

(فصل) وهذا الهدهد من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه غيره ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أن قال لنبي الله سليمان وقد فقده وتوعده فلما جاءه بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة وخاطبه خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه فقال أحطت بما لم تحط به وفي ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به وهو خبر عظيم له شأن فلذلك قال ﴿وجئتك من سبإ بنبإ يقين﴾ والنبأ هو الخبر الذي له شأن والنفوس متطلعة إلى معرفته ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد فقال إني وجدت امرأة تملكهم ثم أخبر عن شأن تلك الملكة وأنها من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها التي تجلس عليه وأنه عرش عظيم ثم أخبره بما يدعوهم إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال: ﴿وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وحذف أداة العطف من هذه الجملة وأتى بها مستقلة غير معطوفة على ما قبلها إيذانا بأنها هي المقصودة وما قبلها توطئة لها ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله وحده ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج الخبء في السماوات والأرض وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض وفي ذكر الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب تعالى بخصوصه إشعار بما خصه الله به من إخراج الماء المخبوء تحت الأرض قال صاحب الكشاف "وفي إخراج الخبء إمارة على أنه من كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله فما عمل آدمي عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله".

النمل 27:59

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي مالِكٍ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعالى ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] وَحَقِيقَةُ الِاصْطِفاءِ: افْتِعالٌ مِن التَّصْفِيَةِ، فَيَكُونُ قَدْ صَفّاهم مِن الأكْدارِ، والخَطَأُ مِن الأكْدارِ، فَيَكُونُونَ مُصَفَّيْنِ مِنهُ، ولا يُنْتَقَضُ هَذا بِما إذا اخْتَلَفُوا لِأنَّ الحَقَّ لَمْ يَعْدُهُمْ، فَلا يَكُونُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ كَدَرًا؛ لِأنَّ مُخالَفَتَهُ الكَدَرَ، وبَيانَهُ يُزِيلُ كَوْنَهُ كَدَرًا بِخِلافِ ما إذا قالَ بَعْضُهم قَوْلًا ولا يُخالِفُ فِيهِ فَلَوْ كانَ قَوْلًا باطِلًا، ولَمْ يَرُدَّهُ رادٌّ لَكانَ حَقِيقَةَ الكَدَرِ، وهَذا لِأنَّ خِلافَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِمَنزِلَةِ مُتابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أُمُورِهِ، فَإنَّها لا تُخْرِجُهُ عَنْ حَقِيقَةِ الِاصْطِفاءِ. (مسألة) قوله تعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ هل السلام من الله تعالى فيكون المأمور به الحمد والوقف التام عليه أو هو داخل في القول والأمر بهما جميعا؟ فالجواب عنه أن الكلام يحتمل الأمرين ويشهد لكل منهما ضرب من الترجيح فيرجح كونه داخلا في جملة القول بأمور منها اتصاله به وعطفه عليه من غير فاصل وهذا يقتضي أن يكون فعل القول واقعا على كل واحد منهما هذا هو الأصل ما لم يمنع منه مانع ولهذا إذا قلت الحمد لله وسبحان الله فإن التسبيح هنا داخل في المقول ومنها أنه إذا كان معطوفا على المقول كان عطف خبر على خبر وهو الأصل ولو كان منقطعا عنه كان عطفا على جملة الطلب وليس بالحسن عطف الخبر على الطلب ومنها أن قوله: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ ظاهر في أن المسلم هو القائل الحمد لله ولهذا أتى بالضمير بلفظ الغيبة ولم يقل سلام على عبادي ويشهد لكون السلام من الله تعالى أمور أحدها: مطابقته لنظائره في القرآن من سلامه تعالى بنفسه على عباده الذين اصطفى كقوله سلام على نوح في العالمين سلام على إبراهيم سلام على موسى وهارون سلام على آل ياسين. ومنها أن عباده الذين اصطفى هم المرسلون والله سبحانه يقرن بين تسبيحه لنفسه وسلامه عليهم وبين حمده لنفسه وسلامه عليهم أما الأول فقال تعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ وقد ذكر تنزيهه لنفسه عما لا يليق بجلاله ثم سلامه على رسله وفي اقتران السلام عليهم بتسبيحه لنفسه سر عظيم من أسرار القرآن يتضمن الرد على كل مبطل ومبتدع فإنه نزه نفسه تنزيها مطلقا كما نزه نفسه عما يقول خلقه فيه ثم سلم على المرسلين وهذا يقتضي سلامتهم من كل ما يقول المكذبون لهم المخالفون لهم وإذا سلموا من كل ما رماهم به أعداؤهم لزم سلامة كل ما جاءوا به من الكذب والفساد وأعظم ما جاءوا به التوحيد ومعرفة الله ووصفه بما يليق بجلاله مما وصف به نفسه على ألسنتهم وإذا سلم ذلك من الكذب والمحال والفساد فهو الحق المحض وما خالفه هو الباطل والكذب المحال وهذا المعنى بعينه في قوله: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ فإنه يتضمن حمده بما له من نعوت الكمال وأوصاف الجلال والأفعال الحميدة والأسماء الحسنى وسلامة رسله من كل عيب ونقص وكذب وذلك يتضمن سلامة ما جاءوا به من كل باطل فتأمل هذا السر في اقتران السلام على رسله بحمده وتسبيحه فهذا يشهد لكون السلام هنا من الله تعالى كما هو في آخر الصافات وأما عطف الخبر على الطلب فما أكثره فمنه قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ﴾ وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ وقوله: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ ونظائره كثيرة جدا. وفصل الخطاب: في ذلك أن يقال الآية تتضمن الأمرين جميعا وتنتظمهما انتظاما واحدا فإن الرسول هو المبلغ عن الله كلامه وليس فيه إلا البلاغ والكلام كلام الرب تبارك وتعالى فهو الذي حمد نفسه وسلم على عباده وأمر رسوله بتبليغ ذلك فإذا قال الرسول الحمد لله وسلام على عباده الذي اصطفى كان قد حمد الله وسلم على عباده بما حمد به نفسه وسلم به هو على عباده فهو سلام من الله ابتداء ومن المبلغ بلاغا ومن العباد اقتداء وطاعة فنحن نقول كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فهو توحيد منه لنفسه وأمر للمخاطب بتوحيده فإذا قال العبد ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ كان قد وحد الله بما وحد به نفسه وأتى بلفظة قل تحقيقا لهذا المعنى وأنه مبلغ محض قائل لما أمر بقوله والله أعلم. وهذا بخلاف قوله: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فإن هذا أمر محض بإنشاء الاستعاذة لا تبليغ لقوله: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فإن الله لا يستعيذ من أحد وذلك عليه محال بخلاف قوله: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فإنه خبر عن توحيده وهو سبحانه يخبر عن نفسه بأنه الواحد الأحد فتأمل هذه النكتة البديعة. والله المستعان. وقال في (طريق الهجرتين) قوله تعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ للهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ وكلمة "السلام" هنا تحتمل أن تكون داخلة في حيز القول، فتكون معطوفة على الجملة الخبرية وهي "الحمد لله"، ويكون الأمر بالقول متناولًا للجملتين معًا، وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة الأخيرة ويكون محلها النصب محكية بالقول، ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة مستقلة معطوفة على جملة الطلب، وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب. وهذا التقدير أرجح، وعليه يكون السلام من الله عليهم، وهو المطابق لما تقدم من سلامه سبحانه وتعالى على رسله عليهم السلام. وعلى التقدير الأول يكون أمرَ بالسلام عليهم، ولكن يقال على هذا: كيف يعطف الخبر على الطلب مع تنافر ما بينهما؟ فلا يحسن أن يقال: قم وذهب زيد، ولا: اخرج وقعد وعمرو، أو يجاب على هذا بأن جملة الطلب قد حكيت بجملة خبرية، ومع هذا لا يمتنع العطف فيه بالخبر على الجملة الطلبية لعدم تنافر الكلام فيه وتباينه. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿قُلْ انْظرُوا ماذا في السَّمَواتِ والأرْضِ، وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، فقوله تعالى: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ) ليس معطوفًا على القول وهو (انظروا) بل معطوف على الجملة الكبرى، على أن عطف الخبر على الطلب كثير كقوله تعالى: {قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] والمقصود أنه على هذا القول يكون الله سبحانه وتعالى قد سلم على المصطفين من عباده، والرسل أفضلهم، وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه أخلصهم: ﴿بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ وإنَّهم عِنْدَنا لِمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ [ص: ٤٦-٤٧] ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله سبحانه وتعالى اختصهم بوحيه، وجعلهم أمناءَ على رسالته وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته: فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم من كلمه تكليمًا، ومنهم من رفعه مكانًا عليًا على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولًا إليه إلا من طريقهم، ولا دخول إلى جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحدًا منهم بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم عليه. وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم، وبهم عرف الله، وبهم عبد وأُطيع، وبهم حصلت محابه الله تعالى في الأرض.

النمل 27:60

[فَصْلٌ] قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ - أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ. يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ مَن فَعَلَ لَهم هَذا وحْدَهُ فَهو الإلَهُ لَهم وحْدَهُ، فَإنْ كانَ مَعَهُ رَبٌّ فَعَلَ هَذا فَيَنْبَغِي أنْ تَعْبُدُوهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَبٌّ فَعَلَ هَذا فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؟ وَلِهَذا كانَ الصَّحِيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ في تَقْدِيرِ الآيَةِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ فَعَلَ هَذا؟ حَتّى يَتِمَّ الدَّلِيلُ، فَلا بُدَّ مِنَ الجَوابِ بِلا، فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَهٌ فَعَلَ كَفِعْلِهِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ آلِهَةً أُخْرى سِواهُ؟ فَعُلِمَ أنَّ إلَهِيَّةَ ما سِواهُ باطِلَةٌ، كَما أنَّ رُبُوبِيَّةَ ما سِواهُ باطِلَةٌ بِإقْرارِهِمْ وشَهادَتِكم. وَمَن قالَ: المَعْنى هَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ آخَرُ؟ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى " فَعَلَ هَذا " فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ أُخْرى، ولا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. الثّانِي: أنَّهُ لا يَتِمُّ الدَّلِيلُ، ولا يَحْصُلُ إفْحامُهم وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ إلّا بِهَذا التَّقْدِيرِ أيْ فَإذا كُنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهو عاجِزٌ؟ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وبِهِ تَتِمُّ الحُجَّةُ كَما تَبَيَّنَ. والمَقْصُودُ أنَّ العَبْدَ يَحْصُلُ لَهُ هَذا في المَشْهَدِ مِن مُطالَعَةِ الجِناياتِ والذُّنُوبِ، وجَرَيانِها عَلَيْهِ وعَلى الخَلِيقَةِ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، وأنَّهُ لا عاصِمَ مِن غَضَبِهِ وأسْبابِ سَخَطِهِ إلّا هُوَ، ولا سَبِيلَ إلى طاعَتِهِ إلّا بِمَعُونَتِهِ، ولا وُصُولَ إلى مَرْضاتِهِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ، فَمَوارِدُ الأُمُورِ كُلُّها مِنهُ، ومَصادِرُها إلَيْهِ، وأزِمَّةُ التَّوْفِيقِ جَمِيعُها بِيَدَيْهِ فَلا مُسْتَعانَ لِلْعِبادِ إلّا بِهِ، ولا مُتَّكَلَ إلّا عَلَيْهِ، كَما قالَ شُعَيْبٌ خَطِيبُ الأنْبِياءِ ﴿وَما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. ((الجزء الثاني عشر))

النمل 27:62

[فَصْلٌ: الدُّعاءُ مِن أنْفَعِ الأدْوِيَةِ] والدُّعاءُ مِن أنْفَعِ الأدْوِيَةِ، وهو عَدُوُّ البَلاءِ، يَدْفَعُهُ، ويُعالِجُهُ، ويَمْنَعُ نُزُولَهُ، ويَرْفَعُهُ، أوْ يُخَفِّفُهُ إذا نَزَلَ، وهو سِلاحُ المُؤْمِنِ. كَما رَوى الحاكِمُ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدُّعاءُ سِلاحُ المُؤْمِنِ، وعِمادُ الدِّينِ، ونُورُ السَّماواتِ والأرْضِ». لِلدُّعاءِ مَعَ البَلاءِ مَقاماتٌ. وَلَهُ مَعَ البَلاءِ ثَلاثُ مَقاماتٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ أقْوى مِنَ البَلاءِ فَيَدْفَعُهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ أضْعَفَ مِنَ البَلاءِ فَيَقْوى عَلَيْهِ البَلاءُ، فَيُصابُ بِهِ العَبْدُ، ولَكِنْ قَدْ يُخَفِّفُهُ، وإنْ كانَ ضَعِيفًا. الثّالِثُ: أنْ يَتَقاوَما ويَمْنَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ. وَقَدْ رَوى الحاكِمُ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُغْنِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ، والدُّعاءُ يَنْفَعُ مِمّا نَزَلَ ومِمّا لَمْ يَنْزِلْ، وإنَّ البَلاءَ لَيَنْزِلُ فَيَلْقاهُ الدُّعاءُ فَيَعْتَلِجانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ». وَفِيهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الدُّعاءُ يَنْفَعُ مِمّا نَزَلَ ومِمّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكم عِبادَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ». وَفِيهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لا يَرُدُّ القَدَرَ إلّا الدُّعاءُ، ولا يَزِيدُ في العُمُرِ إلّا البِرُّ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ». [فَصْلٌ: الإلْحاحُ في الدُّعاءِ] وَمِن أنْفَعِ الأدْوِيَةِ: الإلْحاحُ في الدُّعاءِ. وَقَدْ رَوى ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن لَمْ يَسْألِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ». وَفِي صَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَعْجِزُوا في الدُّعاءِ فَإنَّهُ لا يَهْلِكُ مَعَ الدُّعاءِ أحَدٌ». وَذَكَرَ الأوْزاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ». وَفِي كِتابِ الزُّهْدِ لِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ مُوَرِّقٌ: ما وجَدْتُ لِلْمُؤْمِنِ مَثَلًا إلّا رَجُلٌ في البَحْرِ عَلى خَشَبَةٍ، فَهو يَدْعُو: يا رَبِّ يا رَبِّ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُنْجِيَهُ. [فَصْلٌ: مِن آفاتِ الدُّعاءِ] وَمِنَ الآفاتِ الَّتِي تَمْنَعُ تَرَتُّبَ أثَرِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ: أنْ يَسْتَعْجِلَ العَبْدُ، ويَسْتَبْطِئَ الإجابَةَ، فَيَسْتَحْسِرُ ويَدَعُ الدُّعاءَ، وهو بِمَنزِلَةِ مَن بَذَرَ بَذْرًا أوْ غَرَسَ غَرْسًا، فَجَعَلَ يَتَعاهَدُهُ ويَسْقِيهِ، فَلَمّا اسْتَبْطَأ كَمالَهُ وإدْراكَهُ تَرَكَهُ وأهْمَلَهُ. وَفِي البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يُسْتَجابُ لِأحَدِكم ما لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ: «لا يَزالُ يُسْتَجابُ لِلْعَبْدِ، ما لَمْ يَدْعُ بِإثْمٍ أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ما لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الِاسْتِعْجالُ؟ قالَ يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أرَ يُسْتَجابُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ ويَدَعُ الدُّعاءَ». وَفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَزالُ العَبْدُ بِخَيْرٍ ما لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ؟ قالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي». [فَصْلٌ: أوْقاتُ الإجابَةِ] وَإذا جَمَعَ مَعَ الدُّعاءِ حُضُورَ القَلْبِ وجَمْعِيَّتَهُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المَطْلُوبِ، وصادَفَ وقْتًا مِن أوْقاتِ الإجابَةِ السِّتَّةِ، وهِيَ: الثُّلُثُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وعِنْدَ الأذانِ، وبَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، وأدْبارُ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، وعِنْدَ صُعُودِ الإمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلى المِنبَرِ حَتّى تُقْضى الصَّلاةُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، وآخِرُ ساعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ. وَصادَفَ خُشُوعًا في القَلْبِ، وانْكِسارًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وذُلًّا لَهُ، وتَضَرُّعًا، ورِقَّةً. واسْتَقْبَلَ الدّاعِي القِبْلَةَ. وَكانَ عَلى طَهارَةٍ. وَرَفَعَ يَدَيْهِ إلى اللَّهِ. وَبَدَأ بِحَمْدِ اللَّهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ثَنّى بِالصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ ﷺ. ثُمَّ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ حاجَتِهِ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ. ثُمَّ دَخَلَ عَلى اللَّهِ، وألَحَّ عَلَيْهِ في المَسْألَةِ، وتَمَلَّقَهُ ودَعاهُ رَغْبَةً ورَهْبَةً. وَتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ. وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ دُعائِهِ صَدَقَةً، فَإنَّ هَذا الدُّعاءَ لا يَكادُ يُرَدُّ أبَدًا، ولا سِيَّما إنْ صادَفَ الأدْعِيَةَ الَّتِي أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّها مَظَنَّةُ الإجابَةِ، أوْ أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلِاسْمِ الأعْظَمِ. أدْعِيَةٌ مَأْثُورَةٌ فَمِنها ما في السُّنَنِ (وَفِي) صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ، فَقالَ: لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إذا سُئِلَ بِهِ أعْطى، وإذا دُعِيَ بِهِ أجابَ وفي لَفْظٍ: لَقَدْ سَألْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ». وَفِي السُّنَنِ وصَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ أيْضًا مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جالِسًا ورَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعا فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ المَنّانُ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ، يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ دَعا اللَّهَ بِاسْمِهِ العَظِيمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى». أخْرَجَ الحَدِيثَيْنِ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ. وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ، مِن حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. وَفاتِحَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿الم - اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾،» قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ وصَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ ورَبِيعَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ألِظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ» - يَعْنِي: تَعَلَّقُوا بِها والزَمُوا وداوِمُوا عَلَيْها. وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أهَمَّهُ الأمْرُ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ، وإذا اجْتَهَدَ في الدُّعاءِ، قالَ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ». وَفِيهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ قالَ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ». وَفِي صَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في ثَلاثِ سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ: البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، وطَهَ، قالَ القاسِمُ: فالتَمَسْتُها فَإذا هي آيَةُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ)﴾». وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وصَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، إذْ دَعا وهو في بَطْنِ الحُوتِ " ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] إنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِها مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ أيْضًا مِن حَدِيثِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ألا أُخْبِرُكم بِشَيْءٍ إذا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنكم أمْرٌ مُهِمٌّ، فَدَعا بِهِ يُفَرِّجُ اللَّهُ عَنْهُ؟ دُعاءُ ذِي النُّونِ». وَفِي صَحِيحِهِ أيْضًا عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَقُولُ: «هَلْ أدُلُّكم عَلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ؟ دُعاءِ يُونُسَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ كانَ لِيُونُسَ خاصَّةً؟ فَقالَ ألا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] فَأيُّما مُسْلِمٍ دَعا بِها في مَرَضِهِ أرْبَعِينَ مَرَّةً فَماتَ في مَرَضِهِ ذَلِكَ أُعْطِيَ أجْرَ شَهِيدٍ، وإنْ بَرِئَ بَرِئَ مَغْفُورًا لَهُ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، ورَبُّ الأرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ. » وفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا نَزَلَ بِي كَرْبٌ أنْ أقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّهِ وتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ». وَفِي مَسْنَدِهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أصابَ أحَدًا قَطُّ هَمٌّ ولا حُزْنٌ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ صَدْرِي، وجِلاءَ حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّي؛ إلّا أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وحُزْنَهُ، وأبْدَلَهُ مَكانَهُ فَرَحًا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا نَتَعَلَّمُها؟ قالَ: بَلى يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَها أنْ يَتَعَلَّمَها». وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كَرَبَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ، إلّا اسْتَغاثَ بِالتَّسْبِيحِ. وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُجابِينَ، وفي الدُّعاءِ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الأنْصارِ يُكَنّى أبا مُعَلَّقٍ وكانَ تاجِرًا يَتَّجِرُ بِمالٍ لَهُ ولِغَيْرِهِ، يَضْرِبُ بِهِ في الآفاقِ، وكانَ ناسِكًا ورِعًا، فَخَرَجَ مَرَّةً فَلَقِيَهُ لِصٌّ مُقَنَّعٌ في السِّلاحِ، فَقالَ لَهُ: ضَعْ ما مَعَكَ فَإنِّي قاتِلُكَ، قالَ: فَما تُرِيدُهُ مِن دَمِي؟ شَأْنُكَ بِالمالِ، قالَ: أمّا المالُ فَلِي، ولَسْتُ أُرِيدُ إلّا دَمَكَ، قالَ: أما إذا أبَيْتَ فَذَرْنِي أُصَلِّي أرْبَعَ رَكَعاتٍ، قالَ صَلِّ ما بَدا لَكَ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فَكانَ مِن دُعائِهِ في آخِرِ سُجُودِهِ أنْ قالَ: يا ودُودُ يا ودُودُ، يا ذا العَرْشِ المَجِيدِ، يا فَعّالًا لِما تُرِيدُ، أسْألُكَ بِعِزِّكَ الَّذِي لا يُرامُ، وبِمُلْكِكَ الَّذِي لا يُضامُ، وبِنُورِكَ الَّذِي مَلَأ أرْكانَ عَرْشِكَ أنْ تَكْفِيَنِي شَرَّ هَذا اللِّصِّ، يا مُغِيثُ أغِثْنِي، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَإذا هو بِفارِسٍ قَدْ أقْبَلَ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ قَدْ وضَعَها بَيْنَ أُذُنَيْ فَرَسِهِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ اللِّصُّ أقْبَلَ نَحْوَهُ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: قُمْ، فَقالَ: مَن أنْتَ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي؟ فَقَدْ أغاثَنِي اللَّهُ بِكَ اليَوْمَ، فَقالَ: أنا مَلَكٌ مِن أهْلِ السَّماءِ الرّابِعَةِ، دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الأوَّلِ فَسَمِعْتُ لِأبْوابِ السَّماءِ قَعْقَعَةً، ثُمَّ دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الثّانِي، فَسَمِعْتُ لِأهْلِ السَّماءِ ضَجَّةً، ثُمَّ دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الثّالِثِ، فَقِيلَ لِي: دُعاءُ مَكْرُوبٍ فَسَألْتُ اللَّهَ أنْ يُوَلِّيَنِي قَتْلَهُ، قالَ الحَسَنُ: فَمَن تَوَضَّأ وصَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ودَعا بِهَذا الدُّعاءِ، اسْتُجِيبَ لَهُ، مَكْرُوبًا كانَ أوْ غَيْرَ مَكْرُوبٍ. [فَصْلٌ: ظُرُوفُ الدُّعاءِ] وَكَثِيرًا ما تَجِدُ أدْعِيَةً دَعا بِها قَوْمٌ فاسْتُجِيبَ لَهُمْ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَنَ بِالدُّعاءِ ضَرُورَةُ صاحِبِهِ وإقْبالُهُ عَلى اللَّهِ، أوْ حَسَنَةٌ تَقَدَّمَتْ مِنهُ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إجابَةَ دَعْوَتِهِ شُكْرًا لِحَسَنَتِهِ، أوْ صادَفَ وقْتَ إجابَةٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ السِّرَّ في لَفْظِ ذَلِكَ الدُّعاءِ فَيَأْخُذُهُ مُجَرَّدًا عَنْ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي قارَنَتْهُ مِن ذَلِكَ الدّاعِي، وهَذا كَما إذا اسْتَعْمَلَ رَجُلٌ دَواءً نافِعًا في الوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي اسْتِعْمالُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، فانْتَفَعَ بِهِ، فَظَنَّ غَيْرُهُ أنَّ اسْتِعْمالَ هَذا الدَّواءِ بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، كانَ غالِطًا، وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. وَمِن هَذا قَدْ يَتَّفِقُ دُعاؤُهُ بِاضْطِرارٍ عِنْدَ قَبْرٍ فَيُجابُ، فَيَظُنُّ الجاهِلُ أنَّ السِّرَّ لِلْقَبْرِ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ السِّرَّ لِلِاضْطِرارِ وصِدْقِ اللُّجْأِ إلى اللَّهِ، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ، كانَ أفْضَلَ وأحَبَّ إلى اللَّهِ.

النمل 27:65

تأمل كيف جاءت السماوات مجموعة في قوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلاّ اللَّهُ﴾ لما كان المراد نفي علم الغيب عن كل مَن هو في واحدة من السماوات أتى بها مجموعة. (فصل) قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرض الغَيْبَ إلاّ اللَّهُ﴾ قال الزمخشري: "هو استثناء منقطع جاء على لغة تميم لأن الله تعالى وإن صح الإخبار عنه بأنه في السماوات والأرض فإنما ذلك على المجاز لأنه مقدس عن الكون في المكان بخلاف غيره فإن الإخبار عنه أنه في السماء أو في الأرض ليس بمجاز وإنما هو حقيقة ولا يصح حمل اللفظ في حال واحد على الحقيقة والمجاز". قلت: وقوله على لغة تميم يريد أن من لغتهم أن الاستثناء المنقطع يجوز إتباعه كالمتصل إن صح الاستثناء به عن المستثنى به وقد صح هاهنا إذ يصح أن يقال لا يعلم الغيب إلا الله. قال ابن مالك: "والصحيح عندي أن الاستثناء في الآية متصل و (في) متعلقة بفعل غير استقر من الأفعال المنسوبة حقيقة إلى الله تعالى وإلى المخلوقين كذكر ويذكر ونحوه كأنه؟ قيل: لا يعلم من يذكر في السماوات والأرض الغيب إلا الله تعالى. قال: "ويجوز تعليق (في) بـ (استقر) مستند إلى مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه والأصل لا يعلم من استقر ذكره في السماوات والأرض الغيب إلا الله ثم حذف الفعل والمضاف واستتر المضمر لكونه مرفوعا وهذا على تسليم امتناع إرادة الحقيقة والمجاز في حال واحد وليس عندي ممتنعا لقولهم القلم أحد اللسانين والخال أحد الأبوين وقوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيّ﴾ وقوله ﷺ: "الأيدي ثلاثة يد الله ويد المعطى ويد السائل" تم كلامه. فهذا كلام هذين الفاضلين في هذه الآية. وأنت ترى ما فيه من التكلف الظاهر الذي لا حاجة بالآية إليه بل الأمر فيها أوضح من ذلك الصواب في الاستثناء في هذه الآية والصواب أن الاستثناء متصل، وليس في الآية استعمال اللفظ في حقيقة ومجازة لأن من في السماوات والأرض هاهنا أبلغ صيغ العموم وليس المراد بها معينا فهي في قوة أحد المنفي بقولك: لا يعلم أحد الغيب إلا الله وأتى في هذا بذكر السماوات والأرض أحد المنفي بقولك: لا يعلم أحد الغيب إلا الله وأتى في هذا بذكر السماوات والأرض تحقيقا لإرادة العموم والإحاطة فالكلام مؤد معنى لا يعلم أحد الغيب إلا الله وإنما نشأ الوهم في ظنهم أن الظرف هاهنا للتخصيص والتقييد وليس كذلك بل لتحقيق الاستغراق والإحاطة فهو نظير الصفة في قوله تعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ فإنها ليست للتخصيص والتقييد بل لتحقيق الطيران المدلول عليه بـ طائر فكذلك قوله: ﴿مَن في السَّماواتِ والأرض﴾ لتحقيق الاستغراق المقصود بالنفي ومن تأمل الآية علم أنه لم يقصد بها إلا ذلك وقد قيل أنه لا يمتنع أن يطلق عليه تعالى أنه في السماوات كما أطلقه على نفسه وأطلق عليه رسوله قالوا ولا يلزم أن يكون هذا الإطلاق مجاز بل له منه الحقيقة التي تليق بجلاله ولا يشابهه فيها شيء من مخلوقاته وهذا كما يطلق عليه أنه سميع بصير عليم قدير حي مريد حقيقة ويطلق ذلك على خلقه حقيقة والحقيقة المختصة به لا تماثل الحقيقة التي لخلقه فتناول الإطلاق بطريق الحقيقة لهما لا يستلزم تماثلهما حتى يفر منه إلى المجاز. وأما قوله: "إن الظرف متعلق بفعل غير استقر من الأفعال المنسوبة إلى الله وإلى المخلوقين حقيقة كذكر ويذكر" إلى آخره فيقال: حذف عامل الظرف لا يجوز إلا إذا كان كونا عاما أو استقرارا عاما فإذا كان استقرار أو كونا خاصا مقيدا لم يجز حذفه وعلى هذا جاء مصرحا به في قوله تعالى فلما رآه مستقرا عنده لأن المراد به الاستقرار الذي هو الثبات واللزوم لا مطلق الحصول عنده فكيف يسوغ حذف عامل الظرف في موضع ليس بمعهود حذفه فيه وأبعد من هذا التقدير ما ذكره في التقدير الثاني أن عامل الظرف استقرار مضاف إلى ذكر محذوف استغنى به عن المضاف إليه والتقدير استقر ذكره فإن هذا لا نظير له وهو حذف لا دليل عليه والمضاف يجوز أن يستغنى به عن المضاف إليه بشرطين أن يكون مذكورا وأن يكون معلوم الوضع مدلولا عليه لئلا يلزم اللبس. وأما ادعاء أضافه شيء محذوف إلى شيء محذوف ثم يضاف المضاف إليه إلى شيء آخر محذوف من غير دلالة في اللفظ عليه فهذا مما يصان عنه الكلام الفصيح فضلا عن كلام رب العالمين. وأما قوله على أنه لا يمتنع إرادة الحقيقة والمجاز معا واستدلاله على ذلك بقولهم القلم أحد اللسانين فلا حاجة فيه لأن اللسانين اسم مثنى فهو قائم مقام النطق باسمين أريد بأحدهما الحقيقة وبالآخر المجاز وكذلك الخال أحد الأبوين وكذلك الأيدي ثلاثة. وأما قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيّ﴾ فالاستدلال به أبعد من هذا كله فإن الصلاة على النبي ﷺ الله وملائكته حقيقة بلا ريب والحقيقة المضافة إلى الله من ذلك لا تماثل الحقيقة المضافة إلى الملائكة كما إذا قيل الله ورسوله والمؤمنون يعلمون أن القرآن كلام الله لم يجز أن يقال إن هذا استعمال اللفظ في حقيقتة ومجازه وإن كان العلم المضاف إلى الله غير مماثل للعلم المضاف إلى الرسول والمؤمنين فتأمل هذه النكت البديعة ولله الحمد والمنة.

النمل 27:72

(فصل) وأما سمع الله لمن حمده فقال السهيلي: مفعول سمع محذوف لأن السمع متعلق بالأقوال والأصوات دون غيرها فاللام على بابها إلا أنها تؤذن بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع فاجتمع في الكلمة الإيجاز والدلالة على الزائد وهي الاستجابة لمن حمده وهذا مثل قوله ﴿عسى أن يكون ردف لكم﴾ ليست اللام لام المفعول كما زعموا ولا هي زائدة ولكن (ردف) فعل متعد ومعموله غير هذا الاسم كما كان مفعول (سمع) غير المجرور. ومعنى (ردف) تبع وجاء على الأثر فلو حملته على الاسم المجرور لكان المعنى غير صحيح إذا تأملته، ولكن المعنى ردف لكم استعجالكم وقولكم لأنهم قالوا: متى هذا الوعد. ثم حذف المفعول الذي هو القول والاستعجال اتكالا على فهم السامع. ودلت اللام على الحذف لمنعها الاسم الذي دخلت عليه أن يكون مفعولا، وآذنت أيضا بفائدة أخرى وهي معنى عجل لكم، فهي متعلقة بهذا المعنى، فصار معنى الكلام قل عسى أن يكون عجل لكم بعض الذي تستعجلون فردف قولكم واستعجل لكم. فدلت (ردف) على أنهم قالوا واستعجلوا، ودلت اللام على المعنى الآخر فانتظم الكلام أحسن انتظام واجتمع مع الإيجاز معنى التمام.

النمل 27:79

أمر رسوله ﷺ بالتوكل عليه، وعقب هذا الأمر بما هو موجب للتوكل مصحح له مستدع لثبوته وتحققه، وهو قوله تعالى: "إنّك على الحقِّ المبين فإن كون العبد على الحق يقتضي تحقيق مقام التوكل على الله، والاكتفاء به، والإيواءَ إلى ركنه الشديد، فإن الله هو الحق، وهو ولى الحق وناصره ومؤيده، وكافي من قام به، مخلصًا للحق أن لا يتوكل عليه؟ وكيف يخاف وهو على الحق؟ كما قالت الرسل لقومهم: ﴿وَما لَنَآ ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ [إبراهيم: ١٢] فعجبوا من تركهم التوكل على الله وهو هداهم، وأقروا أن ذلك لا يكون أبدًا.

النمل 27:80

وقد يقال: نفي إسماع الصم مع نفي إسماع الموتى يدل على أن المراد عدم أهلية كل منهما للسماع، وأن قلوب هؤلاء لما كانت ميتة صماء كان إسماعها ممتنعا بمنزلة خطاب الميت والأصم. وهذا حق. ولكن لا ينفي إسماع الأرواح بعد الموت إسماع توبيخ وتقريع بواسطة تعلقها بالأبدان في وقت ما، فهذا غير الإسماع المنفي واللّه أعلم. وحقيقة المعنى إنك لا تستطيع أن تسمع من لم يشأ اللّه أن يسمعه، ﴿إن أنت إلا نذير﴾ أي إنما جعل اللّه لك الاستطاعة على الإنذار الذي كلفك إياه لا على إسماع من لم يشأ اللّه إسماعه.

النمل 27:88

وأما لفظ الصانع فلم يرد في أسماء الرب سبحانه ولا يمكن ورودها فإن الصانع من صنع شيئا عدلا كان أو ظلما سفها أو حكمة جائزا أو غير جائز وما انقسم مسماه إلى مدح وذم لم يجئ اسمه المطلق في الأسماء الحسنى كالفاعل والعامل والصانع والمريد والمتكلم لانقسام معاني هذه الأسماء إلى محمود ومذموم بخلاف العالم والقادر والحي والسميع والبصير وقد سمى النبي ﷺ العبد صانعا قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله ثنا مروان بن معاوية ثنا أبو مالك عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال قال النبي ﷺ: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" وقد أطلق سبحانه على فعله اسم الصنع فقال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وهو منصوب على المصدر لأن قوله تعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ يدل على الصنعة وقيل هو نصب على المفعولية أي انظروا صنع الله فعلى الأول يكون صنع الله مصدرا بمعنى الفعل وعلى الثاني يكون بمعنى المصنوع المفعول فإنه الذي يمكن وقوع النظر والرؤية عليه.

القصص 28:4

كما كاد فرعون بني إسرائيل: ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيى نِساءَهُمْ﴾ خشية أن يخرج فيهم من يكون زوال ملكه على يديه، فكاده الله سبحانه، بأن أخرج له هذا المولود، ورباه في بيته، وفي حجره، حتى وقع به منه ما كان يحذره، كما قيل: ؎وَإذا خَشيتَ مِنَ الأُمُورِ مُقَدَّرا ∗∗∗ وفَرَرْتَ منْهُ، فَنَحْوَهُ تَتَوَجَّهُ (فصل) وكيد الله سبحانه لا يخرج عن نوعين. أحدهما: أن يفعل سبحانه فعلا خارجًا عن قدرة العبد الذي كاد له، فيكون الكيد قدرا محضا، ليس من باب الشرع، كما كاد الذين كفروا، بأن انتقم منهم بأنواع العقوبات وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام، فإن يوسف أكثر ما قدر عليه أن ألقى الصواع في رحل أخيه، وأرسل مؤذنا يؤذن: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنّكم لَسارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] فلما أنكروا قال: ﴿فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتَمْ كاذِبينَ قالُوا جَزاؤُهُ مَن وجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤]. أي جزاؤه استعباد المسروق ماله للسارق، إما مطلقا، وإما إلى مدة. وهذه كانت شريعة آل يعقوب عليه السلام. النوع الثاني: أن يلهمه أمرا مباحا، أو مستحبا، أو واجبا، يوصله به إلى المقصود الحسن، فيكون على هذا إلهامه ليوسف عليه السلام أن يفعل ما فعل هو من كيده سبحانه أيضا، فيكون قد كاد له نوعي الكيد، ولهذا قال سبحانه: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ٧٦]. وفي ذلك تنبيه على أن العلم الدقيق بلطيف الحيل الموصلة إلى المقصود الشرعي الذي يحبه الله تعالى ورسوله، من نصر دينه وكسر أعدائه، ونصر المحق وقمع المبطل: صفة مدح يرفع الله تعالى بها درجة العبد، كما أن العلم الذي يخصم به المبطل، ويدحض حجته صفة مدح يرفع بها درجة عبده، كما قال سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام، ومناظرته قومه، وكسر حجتهم: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبراهيم عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]. وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع، ولكن ليس هو الكيد الذي تستحل به المحرمات، وتسقط به الواجبات، فإن هذا كيد لله تعالى ودينه، فالله سبحانه ودينه هو المكيد في هذا القسم، فمحال أن يشرع الله سبحانه هذا النوع من الكيد. وأيضا، فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يقصد به غير مقصوده الشرعى، ومحال أن يشرع الله تعالى لعبد أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له.

القصص 28:5

(فائدة) وَقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنَّ خِلَعَ النَّصْرِ وجَوائِزَهُ إنَّما تَفِيضُ عَلى أهْلِ الِانْكِسارِ، ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾.

القصص 28:6

(فائدة) وَقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنَّ خِلَعَ النَّصْرِ وجَوائِزَهُ إنَّما تَفِيضُ عَلى أهْلِ الِانْكِسارِ، ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾.

القصص 28:7

(فائدة) عشر حقائق لا تتعلق إلا بمعدوم: الشرط وجزاؤه والأمر والنهي والدعاء والوعد والوعيد والترجي والتمني والإباحة. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى] وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى. قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الثِّقَةُ: سَوادُ عَيْنِ التَّوَكُّلِ. ونُقْطَةُ دائِرَةِ التَّفْوِيضِ. وسُوَيْداءُ قَلْبِ التَّسْلِيمِ. وَصَدَّرَ البابَ بِقَوْلِهِ تَعالى لِأُمِّ مُوسى: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي﴾ [القصص: ٧]. فَإنَّ فِعْلَها هَذا هو عَيْنُ ثِقَتِها بِاللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْلا كَمالُ ثِقَتِها بِرَبِّها لَما ألْقَتْ بِوَلَدِها وفِلْذَةِ كَبِدِها في تَيّارِ الماءِ، تَتَلاعَبُ بِهِ أمْواجُهُ، وجَرْياتُهُ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي أوْ يَقِفُ. وَمُرادُهُ: أنَّ الثِّقَةَ خُلاصَةُ التَّوَكُّلِ ولُبُّهُ، كَما أنَّ سَوادَ العَيْنِ: أشْرَفُ ما في العَيْنِ. وَأشارَ بِأنَّهُ نُقْطَةُ دائِرَةِ التَّفْوِيضِ إلى أنَّ مَدارَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وهو في وسَطِهِ كَحالِ النُّقْطَةِ مِنَ الدّائِرَةِ. فَإنَّ النُّقْطَةَ هي المُرَكَّزُ الَّذِي عَلَيْهِ اسْتِدارَةُ المُحِيطِ، ونِسْبَةُ جِهاتِ المُحِيطِ إلَيْها نِسْبَةٌ واحِدَةٌ، وكُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ المُحِيطِ مُقابِلٌ لَها. كَذَلِكَ الثِّقَةُ هي النُّقْطَةُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها التَّفْوِيضُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: سُوَيْداءُ قَلْبِ التَّسْلِيمِ. فَإنَّ القَلْبَ أشْرَفُ ما فِيهِ سُوَيْداؤُهُ، وهي المُهْجَةُ الَّتِي تَكُونُ بِها الحَياةُ، وهي في وسَطِهِ. فَلَوْ كانَ التَّفْوِيضُ قَلْبًا لَكانَتِ الثِّقَةُ سُوَيْداءَهُ. ولَوْ كانَ عَيْنًا لَكانَتْ سَوادَها. ولَوْ كانَ دائِرَةً لَكانَتْ نُقْطَتَها. وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُفَسِّرُ التَّوَكُّلَ بِالثِّقَةِ. ويَجْعَلُهُ حَقِيقَتَها. ومِنهم مَن يُفَسِّرُهُ بِالتَّفْوِيضِ. ومِنهم مَن يُفَسِّرُهُ بِالتَّسْلِيمِ. فَعَلِمْتُ أنَّ مَقامَ التَّوَكُّلِ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ. فَكَأنَّ الثِّقَةَ عِنْدَ الشَّيْخِ هي رُوحٌ، والتَّوَكُّلَ كالبَدَنِ الحامِلِ لَها، ونِسْبَتَها إلى التَّوَكُّلِ كَنِسْبَةِ الإحْسانِ إلى الإيمانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ: دَرَجاتُ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى] قالَ: وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: الدَّرَجَةُ الأُولى: دَرَجَةُ الإياسِ. وَهُوَ إياسُ العَبْدِ عَنْ مُقاوَماتِ الأحْكامِ. لِيَقْعُدَ عَنْ مُنازَعَةِ الأقْسامِ، لِيَتَخَلَّصَ مِن قِحَةِ الإقْدامِ. يَعْنِي أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ لِاعْتِقادِهِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا حَكَمَ بِحُكْمٍ وقَضى أمْرًا. فَلا مَرَدَّ لِقَضائِهِ. ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. فَمَن حَكَمَ اللَّهُ لَهُ بِحُكْمٍ، وقَسَمَ لَهُ بِنَصِيبٍ مِنَ الرِّزْقِ، أوِ الطّاعَةِ أوِ الحالِ، أوِ العِلْمِ أوْ غَيْرِهِ: فَلا بُدَّ مِن حُصُولِهِ لَهُ. ومَن لَمْ يَقْسِمْ لَهُ ذَلِكَ: فَلا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ. كَما لا سَبِيلَ لَهُ إلى الطَّيَرانِ إلى السَّماءِ، وحَمْلِ الجِبالِ - فَبِهَذا القَدْرِ يَقْعُدُ عَنْ مُنازَعَةِ الأقْسامِ. فَما كانَ لَهُ مِنها فَسَوْفَ يَأْتِيهِ عَلى ضَعْفِهِ، وما لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنها فَلَنْ يَنالَهُ بِقُوَّتِهِ. والفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: مُقاوَمَةُ الأحْكامِ ومُنازَعَةُ الأقْسامِ، أنَّ مُقاوَمَةَ الأحْكامِ: أنْ تَتَعَلَّقَ إرادَتُهُ بِعَيْنِ ما في حُكْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ. فَإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِذَلِكَ جاذَبَ الخَلْقَ الأقْسامَ ونازَعَهم فِيها. وَقَوْلُهُ: يَتَخَلَّصُ مِن قِحَةِ الإقْدامِ؛ أيْ يَتَخَلَّصُ بِالثِّقَةِ بِاللَّهِ مِن هَذِهِ القِحَةِ والجُرْأةِ عَلى إقْدامِهِ عَلى ما لَمْ يَحْكم لَهُ بِهِ ولا قَسَمَ لَهُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ دَرَجَةُ الأمْنِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: دَرَجَةُ الأمْنِ. وهو أمْنُ العَبْدِ مِن فَوْتِ المَقْدُورِ. وانْتِقاضِ المَسْطُورِ. فَيَظْفَرُ بِرَوْحِ الرِّضا، وإلّا فَبِعَيْنِ اليَقِينِ. وإلّا فَبِلُطْفِ الصَّبْرِ. يَقُولُ: مَن حَصَلَ لَهُ الإياسُ المَذْكُورُ حَصَلَ لَهُ الأمْنُ. وذَلِكَ: أنَّ مِن تَحَقَّقَ بِمُعَرَّفَةِ اللَّهِ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ فَلا مَرَدَّ لَهُ ألْبَتَّةَ: أمِنَ مِن فَوْتِ نَصِيبِهِ الَّذِي قَسَمَهُ اللَّهُ لَهُ. وأمِنَ أيْضًا مِن نُقْصانِ ما كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ، وسَطَّرَهُ في الكِتابِ المَسْطُورِ. فَيَظْفَرُ بِرَوْحِ الرِّضا، أيْ بِراحَتِهِ ولَذَّتِهِ ونَعِيمِهِ؛ لِأنَّ صاحِبَ الرِّضا في راحَةٍ ولَذَّةٍ وسُرُورٍ. كَما في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ - بِعَدْلِهِ وقِسْطِهِ - جَعَلَ الرَّوْحَ والفَرَحَ في اليَقِينِ والرِّضا. وجَعَلَ الهَمَّ والحَزَنَ في الشَّكِّ والسُّخْطِ». فَإنْ لَمْ يَقْدِرِ العَبْدُ عَلى رَوْحِ الرِّضا ظَفِرَ بِعَيْنِ اليَقِينِ؛ وهو قُوَّةُ الإيمانِ، ومُباشَرَتُهُ لِلْقَلْبِ. بِحَيْثُ لا يَبْقى بَيْنَهُ وبَيْنَ العِيانِ إلّا كَشْفُ الحِجابِ المانِعِ مِن مُكافَحَةِ البَصَرِ. فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذا المَقامُ حَصَلَ عَلى لُطْفِ الصَّبْرِ وما فِيهِ مِن حُسْنِ العاقِبَةِ. كَما في الأثَرِ المَعْرُوفِ: إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضا مَعَ اليَقِينِ فافْعَلْ. فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ النَّفْسُ خَيْرًا كَثِيرًا. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ مُعايَنَةُ أزَلِيَّةِ الحَقِّ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: مُعايَنَةُ أزَلِيَّةِ الحَقِّ. لِيَتَخَلَّصَ مِن مِحَنِ القُصُودِ، وتَكالِيفِ الحِماياتِ، والتَّعْرِيجِ عَلى مَدارِجِ الوَسائِلِ. قَوْلُهُ: مُعايَنَةُ أزَلِيَّةِ الحَقِّ؛ أيْ مَتى شَهِدَ قَلْبُهُ تَفَرُّدَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالأزَلِيَّةِ، غابَ بِها عَنِ الطَّلَبِ، لِتَيَقُّنِهِ فَراغَ الرَّبِّ تَعالى مِنَ المَقادِيرِ، وسَبْقَ الأزَلِ بِها، وثُبُوتِ حُكْمِها هُناكَ. فَيَتَخَلَّصُ مِنَ المِحَنِ الَّتِي تُعْرَضُ لَهُ دُونَ المَقْصُودِ. ويَتَخَلَّصُ أيْضًا مِن تَعْرِيجِهِ والتِفاتِهِ، وحَبْسِ مَطِيَّتِهِ عَلى طُرُقِ الأسْبابِ الَّتِي يَتَوَسَّلُ بِها إلى المَطالِبِ. وَهَذا لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ. فَإنَّ مَدارِجَ الوَسائِلِ قِسْمانِ: وسائِلُ مُوصِلَةٌ إلى عَيْنِ الرِّضا. فالتَّعْرِيجُ عَلى مَدارِجِها - مَعْرِفَةً وعَمَلًا وحالًا وإيثارًا - هو مَحْضُ العُبُودِيَّةِ. ولَكِنْ لا يَجْعَلُ تَعْرِيجَهُ كُلَّهُ عَلى مَدارِجِها. بِحَيْثُ يَنْسى بِها الغايَةَ الَّتِي هي وسائِلُ إلَيْها. وَأمّا تَخَلُّصُهُ مِن تَكالِيفِ الحِماياتِ فَهو تَخَلُّصُهُ مِن طَلَبِ ما حَماهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدَرًا. فَلا يَتَكَلَّفُ طَلَبَهُ وقَدْ حُمِي عَنْهُ. وَوَجْهٌ آخَرُ: وهو أنْ يَتَخَلَّصَ بِمُشاهَدَةِ سَبْقِ الأزَلِيَّةِ مِن تَكالِيفِ احْتِرازاتِهِ، وشَدَّةِ احْتِمائِهِ مِنَ المَكارِهِ، لِعِلْمِهِ بِسَبْقِ الأزَلِ بِما كُتِبَ لَهُ مِنها. فَلا فائِدَةَ في تَكَلُّفِ الِاحْتِماءِ. نَعَمْ، يَحْتَمِي مِمّا نُهِيَ عَنْهُ، وما لا يَنْفَعُهُ في طَرِيقِهِ. ولا يُعِينُهُ عَلى الوُصُولِ.

القصص 28:8

وأما لام العاقبة ويسمونها لام الصيرورة في نحو: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ فهي في الحقيقة لام كي ولكنها تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة وهو الله سبحانه وتعالى أي فعل الله تعالى ذلك ليكون كذا وكذا وكذلك قولهم أعتق ليموت لم يعتق لقصد الموت ولم تتعلق اللام بالفعل وإنما المعنى قدر الله أنه يعتق ليموت فهي متعلقة بالمقدور وفعل الله. ونظيره «إنِّي أنْسى لِأسُنَّ» [ضعيفٌ] ومن رواه «أُنَسَّى» بالتشديد فقد كشف قناعَ المعنى. وسمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: يستحيل دخول لام العاقبة في فعل الله، فإنها حيث وردت في الكلام فهي لجهل الفاعل لعاقبة فعله كالتقاط آل فرعون لموسى، فإنهم لم يعلموا عاقبته، أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة نحو: لدوا للموت وابنوا للخراب فأما في فعل من لا يعزب عنه مثقال ذرة، ومن هو على كل شيء قدير فلا يكون قط إلا لام كي وهي لام التعليل. ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء. (فصل) الأصل الخامس: أنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئا عبثا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمه هي الغاية المقصودة بالفعل بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها فنذكر بعض أنواعها. النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه كقوله: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ وقوله: ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ وقوله: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا﴾ والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح وسمي حكمة لأن العلم والعمل قد تعلقا بمتعلقهما وأوصلا إلى غايتيهما وكذلك لا يكون الكلام حكمة حتى يكون موصلا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة فيكون مرشدا إلى العلم النافع والعمل الصالح فتحصل الغاية المطلوبة فإذا كان المتكلم به لم يقصد مصلحة المخاطبين ولا هداهم ولا إيصالهم إلى سعادتهم ودلالتهم على أسبابها وموانعها ولا كان ذلك هو الغاية المقصودة المطلوبة ولا تكلم لأجلها ولا أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها ولا نصب الثواب والعقاب لأجلها لم يكن حكيما ولا كلامه حكمة فضلا عن أن تكون بالغة. النوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا وأنه أمر بكذا لكذا كقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقوله: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ وقوله: ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي ليتمكنوا بهذا الحفظ والرصد من تبليغ رسالاته فيعلم الله ذلك واقعا وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ وقوله: ﴿وَيُبْطِلَ الباطِلَ﴾ وقوله: ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إلاّ بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: {وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا} وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ وقوله: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ وقوله: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا في القرآن. فإن قيل اللام في هذا كله لام العاقبة كقوله: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ وقوله: ﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية المطلوبة ولكن لما كان الفعل منتهيا إليه وكان عاقبة الفعل دخلت عليه لام التعليل وهي في الحقيقة لام العاقبة. فالجواب من وجهين. أحدهما: أن لام العاقبة إنما تكون في حق من هو جاهل أو هو عاجز عن دفعها فالأول: كقوله: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ والثاني: كقول الشاعر: ؎لدوا للموت وابنوا للخراب ∗∗∗ فكلكم يصير إلى ذهاب وأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فيستحيل في حقه دخول هذه اللام وإنما اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحكمة والغاية المطلوبة. الجواب الثاني: إفراد كل موضع من تلك المواضع بالجواب أما قوله: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ فهو تعليل لقضاء الله سبحانه بالتقاطه وتقديره له فإن التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره فهو سبحانه قدر ذلك وقضى به ليكون لهم عدوا وحزنا وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه حزنا لهم وحسرة عليهم فإن من اختار أخذ ما يكون هلاكه على يديه إذا أصيب به كان أعظم لحزنه وغمه وحسرته من أن لا يكون فيه صنع ولا اختيار فإنه سبحانه أراد أن يظهر لفرعون وقومه ولغيرهم من خلقه كمال قدرته وعلمه وحكمته الباهرة وأن هذا الذي يذبح فرعون إلا بناء في طلبه هو الذي يتولى تربيته في حجره وبيته باختياره وإرادته ويكون في قبضته وتحت تصرفه فذكر فعلهم به في هذا أبلغ وأعجب من أن يذكر القضاء والقدر وقد أعلمنا سبحانه أن أفعال عباده كلها واقعة بقضائه وقدره وأما قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ فلا ريب أن هذا تعليل لفعله المذكور وهو امتحان بعض خلقه ببعض، كما امتحن السادات والأشراف بالعبيد والضعفاء والموالي فإذا نظر الشريف والسيد إلى العبد والضعيف والمسكين قد أسلم أنف وحمى أن يسلم معه أو بعده، ويقول هذا يسبقني إلى الخير والفلاح وأتخلف أنا فلو كان ذلك خيرا وسعادة ما سبقنا هؤلاء إليه فهذا القول منهم هو بعض الحكم والغاية المطلوبة بهذا الامتحان فإن هذا القول دال على إباء واستكبار وترك الانقياد للحق بعد المعرفة التامة به وهذا وإن كان علة فهو مطلوب لغيره والعلل الغائية تارة تطلب لنفسها وتارة تطلب لغيرها فتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه، وقول هؤلاء ما قالوه وما يترتب عليه هذا القول موجب لآثار مطلوبة للفاعل من إظهار عدله وحكمته وعزه وقهره وسلطانه وعطائه من يستحق عطاءه ويحسن وضعه عنده ومنعه من يستحق المنع ولا يليق به غيره ولهذا قال تعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ الذين يعرفون قدر النعمة ويشكرون المنعم عليهم فيما من عليهم من بين من لا يعرفها ولا يشكر ربه عليها وكانت فتنة بعضهم ببعض لحصول هذا التمييز الذي ترتب عليه شكر هؤلاء وكفر هؤلاء.

القصص 28:9

(لطيفة) سبق العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسبق تابوته إلى بيتها، فجاء طفل بلا أم إلى امرأة بلا ولد.

القصص 28:10

أيْ فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن مُوسى لِفَرْطِ مَحَبَّتِها لَهُ، وتَعَلُّقِ قَلْبِها بِهِ.

القصص 28:12

(فصل) وأما التحريم الكوني فكقوله: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ وقوله: ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ وقوله: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ وأما التحريم الديني فكقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾.

القصص 28:14

قالَ الحسن من أحسن عبادَة الله في شيبته لقاه الله الحِكْمَة عند كبر سنه وذَلِكَ قَوْله: ﴿{وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ قوله: ﴿واسْتَوى﴾ أيِ انْتَهى شَبابُهُ واسْتَقَرَّ فَلَمْ يَكُنْ في شَبابِهِ مَزِيدٌ. وقيل: ارْتَفَعَ عَنْ حالِ النُّقْصانِ إلى حالِ الكَمالِ. (لطيفة) مداراة الضعفاء باللطف فإذا قووا شدد عليهم. مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر. كان الإسلام في بدايته كالنطفة فاقتنع بكلمة التوحيد فلما نفخ فيه الروح احتاج إلى الغذاء ففرضت الصلاة فلما تحرك وجبت الهجرة فلما اشتد وجبت الزكاة فلما قربت الولادة لزم الحج فلما ظهر طفلا حبا بلطف ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ فلما خاف من الزلل والعقاب جاءت بشارة ﴿لا تقنطوا﴾ فلما ترعرع قال المؤدب ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ فلما بلغ أشده واستوى جاء ﴿ويحذركم الله نفسه﴾.

القصص 28:19

(فائدة: الأمس واليوم والغد) هذا بحث في اليوم وأمس وغد وسبب اختصاص كل لفظ بمعناه. اعلم أن أقرب الأيام إليك يومك الذي أنت فيه فيقال فعلت اليوم فذكر الاسم العام ثم عرف بأداة العهد ولا شيء أعرف من يومك الحاضر فانصرف إليه ونظيره الآن من آن. وأما أمس وغد فلما كان كل واحد منهما متصلا بيومك اشتق له اسم من أقرب ساعة إليه الأمس، فاشتق لليوم الماضي أمس الملاقي للمساء، وهو أقرب إلى يومك من صباحه أعني صباح غد فقالوا: أمس. وكذلك غد فقد اشتق الاسم من الغد وهو أقرب إلى يومك من مسائه أعني مساء غد. وتأمل كيف بنو أمس وأعربوا غدا، لأن أمس صيغ من فعل ماض وهو أمسى، وذلك مبني فوضعوا أمس على وزن الأمر من أمسى يمسي. وأما الغد فإنه لم يؤخذ من مبني إذ لا يمكن أن يقال هو مأخوذ من غدا كما يمكن أن يقال أمس من أمسى بل أقصى ما يمكن فيه أن يكون من الغدو والغدوة وليستا بمبنيتين. وهذه العلة أحسن من علة النحاة أن أمس بني لتضمنه معنى اللام، وأصله الأمس قالوا لأنهم يقولون أمس الدابر فيصفونه بذي اللام، فدل على أنه معرفة ولا يمكن أن يكون معرفة إلا بتقدير اللام. وهذا أولا منقوض بقولهم غد الآتي فيلزم على طرد علتهم أن يبنوا غدا. وأيضا فإن أمس جرى مجرى الإعلام وهو - والله أعلم - بمنزلة أصمت وأطرق مما جاء منها بلفظ الأمر اسم علم لمكان يقول الرجل لصاحبه فيه "اصمت" إذا جاوره. فـ "اصمت" في المكان كـ "أمس" في الزمان. ولعله أخذ من قولهم أمس بخير وأمس معنا ونحوه ولا يقال كيف يدعي فيهم العلمية مع شيوعه لأنا نقول علميته ليست كعلمية زيد وعمرو بل كعلمية أسامة وذؤالة وبرة وفجار، وبابه مما جعل الجنس فيه بمنزلة الشخص في العلم الشخصي. فإن قيل فما الفرق بينه وهو اسم الجنس إذًا؟ قيل هذا ما أعضل على كثير من النحاة حتى جعلوا الفرق بينهما لفظيا فقط، وقالوا يظهر تأثيره في منع الصرف ووصفه بالمعرفة وانتصاب الحال عنه ونحو ذلك، ولم يهتدوا لسر الفرق بين أن موضع اللفظ لواحد منهم منكر شائع في الجنس ولمسمى الجنس المطلق. فهنا ثلاثة أمور تتبعها ثلاثة أوضاع: أحدها معرف معين من الجنس له العلم الشخصي كزيد. الثاني واحد منهم شائع في الجنس غير معرف، فله الاسم النكرة كأسد من الأسد. والثالث الجنس المتصور في الذهن المنطبق على كل فرد من أفراده، وله علم الجنس كأسامة، فنظير هذا أمس في الزمان، ولهذا وصف بالمعرفة فاعلق بهذه الفائدة التي لا تجدها في شيء من كتب القوم. والحمد لله الوهاب المان بفضله.

القصص 28:47

هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ سَبَبٌ لِنُزُولِ المُصِيبَةِ بِهِمْ، ولَوْلا قُبْحُهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا، لَكِنِ امْتَنَعَ إصابَةُ المُصِيبَةِ لِانْتِفاءِ شَرْطِها، وهو عَدَمُ مَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ، فَمُذْ جاءَ الرَّسُولُ انْعَقَدَ السَّبَبُ، ووُجِدَ الشَّرْطُ، فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا، وعُوقِبُوا بِالأوَّلِ والآخِرِ. (فصل) أخبر تعالى أن ما قدمت أيديهم قبل البعثة سبب لإصابتهم بالمصيبة. وأنه سبحانه لو أصابهم بما يستحقون من ذلك لاحتجوا عليه بأنه لم يرسل إليهم رسولا ولم ينزل عليهم كتابا. فقطع هذه الحجة بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وهذا صريح في أن أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحة، بحيث استحقوا أن يصابوا بها بالمصيبة. ولكنه سبحانه لا يعذب إلا بعد إرسال الرسل. وهذا هو فصل الخطاب. وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم: أن القبح ثابت للفعل في نفسه، وأنه لا يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة. وهذه النكتة هي التي فاتت المعتزلة والكلابية كليهما، فاستطالت كل طائفة منهما على الأخرى، لعدم جمعها بين هذين الأمرين. فاستطالت الكلابية على المعتزلة بإثباتهم العذاب قبل إرسال الرسل، وترتيبهم العقاب على مجرد القبح العقلي. وأحسنوا في رد ذلك عليهم. واستطالت المعتزلة عليهم في إنكارهم الحسن القبح العقليين جملة، وجعلهم انتفاء العذاب قبل البعثة دليلا على انتفاء القبح، واستواء الأفعال في أنفسها وأحسنوا في رد هذا عليهم. فكل طائفة استطالت على الأخرى لسبب إنكارها الصواب. وأما من سلك هذا المسلك الذي سلكناه فلا سبيل لواحدة من الطائفتين إلى رد قوله، ولا الظفر عليه أصلا. فإنه موافق لكل طائفة على ما معها من الحق مقرر له، مخالف لها في باطلها منكر له.

القصص 28:50

وأنت تجد تحت هذا الخطاب أن الله لا يهدي من اتبع هواه، وجعل سبحانه وتعالى المتع قسمين لا ثالث لهما إما ما جاء به الرسول، وإما الهوى فمن اتبع أحدهما لم يمكنه اتباع الآخر، والشيطان يطيف بالعبد من أين يدخل عليه فلا يجد عليه مدخلا ولا إليه طريقا إلا من هواه، فلذلك كان الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله، وإنما تطاق مخالفة الهوى بالرغبة في الله وثوابه والخشية من حجابه وعذابه، ووجد حلاوة الشفاء في مخالفة الهوى فإن متابعته الداء الأكبر، ومخالفته الشفاء الأعظم وقيل لأبي القاسم الجنيد متى تنال النفوس مناها؟ فقال إذا صار داؤها دواها. فقيل له ومتى يصير داؤها دواها؟ فقال إذا خالفت هواها. ومعنى قوله: يصير داؤها دواها أن داءها هو الهوى، فإذا خالفته تداوت منه بمخالفته. وقيل إنما سمي هوى لأنه يهوى بصاحبه إلى أسف السافلين والهوى ثلاثة أرباع الهوان، وهو شارع النار الأكبر كما أن مخالفته شارع الجنة الأعظم وقال أبو دلف العجلي ؎واسوأتا لفتى له أدب ∗∗∗ يضحى هواه قاهرا أدبه ؎يأتي الدنية وهو يعرفها ∗∗∗ فيشين عرضا صائنا أربه ؎فإذا ارعوى عادت بصيرته ∗∗∗ فبكى على الحين الذي سلبه وقال ابن المرتفق الهذلي ؎أين لي ما ترى والمرء يأتي ∗∗∗ عزيميته ويغلبه هواه ؎فيعمى ما يرى فيه عليه ∗∗∗ ويحسب من يراه لا يراه

القصص 28:55

وقد أثنى الله سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه نقال: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللغو أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾. وهذه الآية، وإن كان سبب نزولها خاصًا، فمعناها عام، متناول لكل من سمع لغوًا فأعرض عنه، وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم".

القصص 28:59

(فصل: في احتجاج بعض المذاهب بهذه الآية على أن أطفال المشركين في الجنة) قالوا: فإذا كان سبحانه لا يهلك القرى في الدنيا ويعذب أهلها إلا بظلمهم، فكيف يعذب في الآخرة العذاب الدائم من لم يصدر منه ظلم؟ ولا يقال: كما أهلكه في الدنيا تبعًا لأبويه وغيرهم، فكذلك يدخله النار تبعًا لهم، لأن مصائب الدنيا إذا وردت لا تخص الظالم وحده بل تصيب الظالم وغيره ويبعثون على نياتهم وأعمالهم كما قال تعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةٍ﴾ [الأنفال: ٢٥] وكالجيش الذي يخسف بهم جميعهم وفيهم المكره والمستبصر وغيره. فأما عذاب الآخرة فلا يكون إلا للظالمين خاصة، ولا يتبعهم فيه من لا ذنب له أصلًا. وقال تعالى في النار: ﴿كُلَّما أُلْقِى فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ قالوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ وقال تعالى لإبليس: ﴿لأملأنَ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّن تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وإذا امتلأت بإبليس وأتباعه فأين يستقر فيها من لم يتبعه؟ قالوا: وأيضًا فالقرآن مملوءُ من الأخبار بأن دخول النار إنما يكون بالأعمال كقوله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾.

القصص 28:68

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ أي سبحانه المتفرد بالخلق والاختيار مما خلق وهو الاصطفاء والاجتباء ولهذا كان الوقف التام عند قوله ويختار ثم نفى عنهم الاختيار الذي اقترحوه بإرادتهم وأن ذلك ليس إليهم بل إلى الخلاق العليم الذي هو أعلم بمحالّ الاختيار ومواضعه لا من قال: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ فأخبر سبحانه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم وأن البشر ليس لهم أن يختاروا على الله بل هو الذي يخلق ما يشاء ويختار ثم نفى سبحانه أن تكون لهم الخيرة كما ليس لهم الخلق ومن زعم أن ما مفعول يختار فقد غلط إذ لو كان هذا هو المراد لكانت الخيرة منصوبة على أنها خبر كان ولا يصح المعنى ما كان لهم الخيرة فيه وحذف العائد فإن العائد هاهنا مجرور بحرف لم يجر الموصول بمثله فلو حذف مع الحرف لم يكن عليه دليل فلا يجوز حذفه وكذلك لم يفهم معنى الآية من قال أن الاختيار هاهنا هو الإرادة كما يقوله المتكلمون أنه سبحانه فاعل بالاختيار فإن هذا الاصطلاح حادث منهم لا يحمل عليه كلام الله بل لفظ الاختيار في القرآن مطابق لمعناه في اللغة وهو اختيار الشيء على غيره وهو يقتضي ترجيح ذلك المختار وتخصيصه وتقديمه على غيره وهذا أمر أخص من مطلق الإرادة والمشيئة. قال في الصحاح: الخيرة الاسم من قولك خار الله لك في هذا الأمر، والخيرة أيضا يقول محمد خيرة الله من خلقه وخيرة الله أيضا بالتسكين والاختيار الاصطفاء، وكذلك التخيير والاستخارة طلب الخيرة يقال استخر الله يخر لك وخيرته بين الشيئين فوضت إليه الاختيار انتهى. فهذا هو الاختيار في اللغة وهو أخص مما اصطلح عليه أهل الكلام ومن هذا قوله: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ أي اختار منهم وبهذا يحصل جواب السؤال الذي تورده القدرية يقولون في الكفر والمعاصي هل هي واقعة باختيار الله أم بغير اختياره فإن قلتم باختياره فكل مختار مرضي مصطفى محبوب فتكون مرضية محبوبة له، وإن قلتم بغير اختياره لم يكن بمشيئته واختياره. وجوابه أن يقال ما تعنون بالاختيار العام في اصطلاح المتكلمين وهو المشيئة والإرادة. أم تعنون به الاختيار الخاص الواقع في القرآن والسنة وكلام العرب. وإن أردتم بالاختيار الأول فهي واقعة باختياره بهذا الاعتبار لكن لا يجوز أن يطلق ذلك عليها لما في لفظ الاختيار من معنى الاصطفاء والمحبة بل يقال واقعة بمشيئته وقدرته، وإن أردتم بالاختيار معناه في القرآن ولغة العرب فهي غير واقعة باختياره بهذا المعنى وإن كانت واقعة بمشيئته. (فصل) اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾. وَلَيْسَ المُرادُ هاهُنا بِالِاخْتِيارِ الإرادَةَ الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ - وهو سُبْحانَهُ - كَذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هاهُنا هَذا المَعْنى، وهَذا الِاخْتِيارُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ فَإنَّهُ لا يَخْلُقُ إلّا بِاخْتِيارِهِ، وداخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: (ما يَشاءُ) فَإنَّ المَشِيئَةَ هي الِاخْتِيارُ، وإنَّما المُرادُ بِالِاخْتِيارِ هاهُنا: الِاجْتِباءُ والِاصْطِفاءُ، فَهو اخْتِيارٌ بَعْدَ الخَلْقِ، والِاخْتِيارُ العامُّ اخْتِيارٌ قَبْلَ الخَلْقِ، فَهو أعَمُّ وأسْبَقُ، وهَذا أخَصُّ، وهو مُتَأخِّرٌ، فَهو اخْتِيارٌ مِنَ الخَلْقِ، والأوَّلُ اخْتِيارٌ لِلْخَلْقِ. وأصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ عَلى قَوْلِهِ: (وَيَخْتارُ). وَيَكُونُ ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ نَفْيًا، أيْ: لَيْسَ هَذا الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ، بَلْ هو إلى الخالِقِ وحْدَهُ، فَكَما أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ فَهو المُنْفَرِدُ بِالِاخْتِيارِ مِنهُ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخْلُقَ ولا أنْ يَخْتارَ سِواهُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ، ومَحالِّ رِضاهُ، وما يَصْلُحُ لِلِاخْتِيارِ مِمّا لا يَصْلُحُ لَهُ، وغَيْرُهُ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ مَن لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ ولا تَحْصِيلَ إلى أنَّ " ما " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ مَوْصُولَةٌ، وهي مَفْعُولٌ " ويَخْتارُ " أيْ: ويَخْتارُ الَّذِي لَهُمُ الخِيَرَةُ، وهَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّ الصِّلَةَ حِينَئِذٍ تَخْلُو مِنَ العائِدِ؛ لِأنَّ " الخِيرَةَ " مَرْفُوعٌ بِأنَّهُ اسْمُ " كانَ " والخَبَرُ " لَهم "، فَيَصِيرُ المَعْنى: ويَخْتارُ الأمْرَ الَّذِي كانَ الخِيَرَةَ لَهُمْ، وهَذا التَّرْكِيبُ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ. فَإنْ قِيلَ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأنْ يَكُونَ العائِدُ مَحْذُوفًا، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ فِيهِ، أيْ ويَخْتارُ الأمْرَ الَّذِي كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ في اخْتِيارِهِ. قِيلَ: هَذا يَفْسُدُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيها حَذْفُ العائِدِ، فَإنَّهُ إنَّما يُحْذَفُ مَجْرُورًا إذا جُرَّ بِحَرْفٍ جُرَّ المَوْصُولُ بِمِثْلِهِ مَعَ اتِّحادِ المَعْنى، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] وَنَظائِرِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: جاءَنِي الَّذِي مَرَرْتُ، ورَأيْتُ الَّذِي رَغِبْتُ، ونَحْوُهُ. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَنَصَبَ " الخِيَرَةَ " وشُغِلَ فِعْلُ الصِّلَةِ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةَ، أيِ: الَّذِي كانَ هو عَيْنَ الخِيَرَةِ لَهُمْ، وهَذا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ ألْبَتَّةَ، مَعَ أنَّهُ كانَ وجْهُ الكَلامِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ. الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْكِي عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَهم في الِاخْتِيارِ، وإرادَتَهم أنْ تَكُونَ الخِيَرَةُ لَهُمْ، ثُمَّ يَنْفِي هَذا سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، ويُبَيِّنُ تَفَرُّدَهُ هو بِالِاخْتِيارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ - أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣١-٣٢] فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ تَخَيُّرَهم عَلَيْهِ، وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ، بَلْ إلى الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم مَعايِشَهُمُ المُتَضَمِّنَةَ لِأرْزاقِهِمْ ومُدَدِ آجالِهِمْ، وكَذَلِكَ هو الَّذِي يَقْسِمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أهْلِ الفَضْلِ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَواقِعِ الِاخْتِيارِ، ومَن يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ، وهو الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، وقَسَمَ بَيْنَهم مَعايِشَهم ودَرَجاتِ التَّفْضِيلِ، فَهو القاسِمُ ذَلِكَ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ، وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ بَيَّنَ فِيها انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفائِهِ وكَرامَتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ دُونَ غَيْرِهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ عَمّا اقْتَضاهُ شِرْكُهم مِنَ اقْتِراحِهِمْ واخْتِيارِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وَلَمْ يَكُنْ شِرْكُهم مُقْتَضِيًا لِإثْباتِ خالِقٍ سِواهُ حَتّى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ في غايَةِ اللُّطْفِ. الخامِسُ: أنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في [الحج: ٧٣-٧٦]: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ - ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ - يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ وَهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في [القصص: ٦٩] ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وَنَظِيرُ قَوْلِهِ في [الأنعام: ١٢٤] ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ فَأخْبَرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ عِلْمِهِ المُتَضَمِّنِ لِتَخْصِيصِهِ مَحالَّ اخْتِيارِهِ بِما خَصَّصَها بِهِ، لِعِلْمِهِ بِأنَّها تَصْلُحُ لَهُ دُونَ غَيْرِها، فَتَدَبَّرِ السِّياقَ في هَذِهِ الآياتِ تَجِدْهُ مُتَضَمِّنًا لِهَذا المَعْنى، زائِدًا عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. السّادِسُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ - فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ - فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ - ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ فَكَما خَلَقَهم وحْدَهُ سُبْحانَهُ، اخْتارَ مِنهم مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَكانُوا صَفْوَتَهُ مِن عِبادِهِ، وخِيرَتَهُ مِن خَلْقِهِ، وكانَ هَذا الِاخْتِيارُ راجِعًا إلى حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ لِمَن هو أهْلٌ لَهُ، لا إلى اخْتِيارِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ واقْتِراحِهِمْ، فَسُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ. [فَصْلٌ: في ذكر ما اختار الله من مخلوقاته] [الِاخْتِيارُ دالٌّ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ] وَإذا تَأمَّلْتَ أحْوالَ هَذا الخَلْقِ، رَأيْتَ هَذا الِاخْتِيارَ والتَّخْصِيصَ فِيهِ دالًّا عَلى رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو فَلا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ، ويَخْتارُ كاخْتِيارِهِ، ويُدَبِّرُ كَتَدْبِيرِهِ، فَهَذا الِاخْتِيارُ والتَّدْبِيرُ والتَّخْصِيصُ المَشْهُودُ أثَرُهُ في هَذا العالَمِ مِن أعْظَمِ آياتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وأكْبَرِ شَواهِدِ وحْدانِيَّتِهِ، وصِفاتِ كَمالِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ، فَنُشِيرُ مِنهُ إلى يَسِيرٍ يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلى ما وراءَهُ دالًّا عَلى ما سِواهُ. فَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ سَبْعًا فاخْتارَ العُلْيا مِنها فَجَعَلَها مُسْتَقَرَّ المُقَرَّبِينَ مِن مَلائِكَتِهِ، واخْتَصَّها بِالقُرْبِ مِن كُرْسِيِّهِ ومِن عَرْشِهِ، وأسْكَنَها مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، فَلَها مَزِيَّةٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ السَّماواتِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قُرْبُها مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وَهَذا التَّفْضِيلُ والتَّخْصِيصُ مَعَ تَساوِي مادَّةِ السَّماواتِ مِن أبْيَنِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ. وَمِن هَذا تَفْضِيلُهُ سُبْحانَهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ عَلى سائِرِ الجِنانِ، وتَخْصِيصُها بِأنْ جَعَلَ عَرْشَهُ سَقْفَها، وفي بَعْضِ الآثارِ: " إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَرَسَها بِيَدِهِ واخْتارَها لِخِيرَتِهِ مِن خَلْقِهِ ". وَمِن هَذا اخْتِيارُهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُصْطَفَيْنَ مِنهم عَلى سائِرِهِمْ، كَجِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ، فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ». فَذَكَرَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ مِنَ المَلائِكَةِ لِكَمالِ اخْتِصاصِهِمْ، واصْطِفائِهِمْ، وقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ، وكَمْ مِن مَلَكٍ غَيْرِهِمْ في السَّماواتِ، فَلَمْ يُسَمِّ إلّا هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ. فَجِبْرِيلُ: صاحِبُ الوَحْيِ الَّذِي بِهِ حَياةُ القُلُوبِ والأرْواحِ، ومِيكائِيلُ: صاحِبُ القَطْرِ الَّذِي بِهِ حَياةُ الأرْضِ والحَيَوانِ والنَّباتِ، وإسْرافِيلُ: صاحِبُ الصُّورِ الَّذِي إذا نَفَخَ فِيهِ أحْيَتْ نَفْخَتُهُ بِإذْنِ اللَّهِ الأمْواتَ، وأخْرَجَتْهم مِن قُبُورِهِمْ. وَكَذَلِكَ اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ لِلْأنْبِياءِ مِن ولَدِ آدَمَ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهم مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، واخْتِيارُهُ الرُّسُلَ مِنهُمْ، وهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، عَلى ما في حَدِيثِ أبي ذر الَّذِي رَواهُ أحمد، وابْنُ حِبّانَ في " صَحِيحِهِ "، واخْتِيارُهُ أُولِي العَزْمِ مِنهُمْ، وهم خَمْسَةٌ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ (الأحْزابِ) و(الشُّورى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقالَ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، واخْتارَ مِنهُمُ الخَلِيلَيْنِ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وآلِهِما وسَلَّمَ. وَمِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ ولَدَ إسْماعِيلَ مِن أجْناسِ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ اخْتارَ مِنهم بَنِي كِنانَةَ مِن خُزَيْمَةَ، ثُمَّ اخْتارَ مِن ولَدِ كِنانَةَ قُرَيْشًا، ثُمَّ اخْتارَ مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، ثُمَّ اخْتارَ مِن بَنِي هاشِمٍ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ مُحَمَّدًا ﷺ. وَكَذَلِكَ اخْتارَ أصْحابَهُ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ، واخْتارَ مِنهُمُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ، واخْتارَ مِنهم أهْلَ بَدْرٍ، وأهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، واخْتارَ لَهم مِنَ الدِّينِ أكْمَلَهُ، ومِنَ الشَّرائِعِ أفْضَلَها، ومِنَ الأخْلاقِ أزْكاها وأطْيَبَها وأطْهَرَها. واخْتارَ أُمَّتَهُ ﷺ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، كَما في " مُسْنَدِ الإمامِ أحمد " وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنْتُمْ مُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ». قالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ وأحمد: حَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَحِيحٌ. وَظَهَرَ أثَرُ هَذا الِاخْتِيارِ في أعْمالِهِمْ، وأخْلاقِهِمْ، وتَوْحِيدِهِمْ، ومَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ، ومَقاماتِهِمْ في المَوْقِفِ، فَإنَّهم أعْلى مِنَ النّاسِ عَلى تَلٍّ فَوْقَهم يُشْرِفُونَ عَلَيْهِمْ، وفي الترمذي مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الحُصَيْبِ الأسْلَمِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ ومِائَةُ صَفٍّ، ثَمانُونَ مِنها مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وأرْبَعُونَ مِن سائِرِ الأُمَمِ» قالَ الترمذي: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. والَّذِي في " الصَّحِيحِ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ بَعْثِ النّارِ «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأطْمَعُ أنْ تَكُونُوا شَطْرَ أهْلِ الجَنَّةِ» وَلَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ. فَإمّا أنْ يُقالَ: هَذا أصَحُّ، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَمِعَ أنْ تَكُونَ أُمَّتُهُ شَطْرَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَأعْلَمَهُ رَبُّهُ فَقالَ: «إنَّهم ثَمانُونَ صَفًّا مِن مِائَةٍ وعِشْرِينَ صَفًّا»، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَمِن تَفْضِيلِ اللَّهِ لِأُمَّتِهِ واخْتِيارِهِ لَها أنَّهُ وهَبَها مِنَ العِلْمِ والحِلْمِ ما لَمْ يَهَبْهُ لِأُمَّةٍ سِواها، وفي " مُسْنَدِ البزار " وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ أبا القاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ: إنِّي باعِثٌ مِن بَعْدِكَ أُمَّةً إنْ أصابَهم ما يُحِبُّونَ حَمِدُوا وشَكَرُوا، وإنْ أصابَهم ما يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وصَبَرُوا، ولا حِلْمَ ولا عِلْمَ، قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ هَذا ولا حِلْمَ ولا عِلْمَ؟ قالَ: أُعْطِيهِمْ مِن حِلْمِي وعِلْمِي». [اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها] وَمِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها، وهي البَلَدُ الحَرامُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى اخْتارَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ، وجَعَلَهُ مَناسِكَ لِعِبادِهِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الإتْيانَ إلَيْهِ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، فَلا يَدْخُلُونَهُ إلّا مُتَواضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ كاشِفِي رُءُوسِهِمْ مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِباسِ أهْلِ الدُّنْيا، وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، ولا تُعْضَدُ بِهِ شَجَرَةٌ، وَلا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ، ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمْلِيكِ بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إلّا، وجَعَلَ قَصْدَهُ مُكَفِّرًا لِما سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ، ماحِيًا لِلْأوْزارِ، حاطًّا لِلْخَطايا، كَما في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أتى هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ»، ولَمْ يَرْضَ لِقاصِدِهِ مِنَ الثَّوابِ دُونَ الجَنَّةِ، فَفي " السُّنَنِ " مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإنَّهُما يَنْفِيانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوابٌ دُونَ الجَنَّةِ». وفي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفّارَةٌ لِما بَيْنَهُما، والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إلّا الجَنَّةَ»، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ البَلَدُ الأمِينُ خَيْرَ بِلادِهِ، وأحَبَّها إلَيْهِ، ومُخْتارَهُ مِنَ البِلادِ؛ لَما جَعَلَ عَرَصاتِها مَناسِكَ لِعِبادِهِ فَرَضَ عَلَيْهِمْ قَصْدَها، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن آكَدِ فُرُوضِ الإسْلامِ، وأقْسَمَ بِهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ في مَوْضِعَيْنِ مِنهُ فَقالَ تَعالى: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣]، وقالَ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ولَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ بُقْعَةٌ يَجِبُ عَلى كُلِّ قادِرٍ السَّعْيُ إلَيْها والطَّوافُ بِالبَيْتِ الَّذِي فِيها غَيْرَها، ولَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مَوْضِعٌ يُشْرَعُ تَقْبِيلُهُ واسْتِلامُهُ، وتُحَطُّ الخَطايا والأوْزارُ فِيهِ غَيْرَ الحَجَرِ الأسْوَدِ، والرُّكْنِ اليَمانِيِّ. وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ الصَّلاةَ في المَسْجِدِ الحَرامِ بِمِائَةِ ألْفِ صَلاةٍ، فَفي " سُنَنِ النَّسائِيِّ " و" المُسْنَدِ " بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ عبد الله بن الزبير، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا أفْضَلُ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ إلّا المَسْجِدَ الحَرامَ، وصَلاةٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ أفْضَلُ مِن صَلاةٍ في مَسْجِدِي هَذا بِمِائَةِ صَلاةٍ» وَرَواهُ ابْنُ حِبّانَ في " صَحِيحِهِ " وَهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ أفْضَلُ بِقاعِ الأرْضِ عَلى الإطْلاقِ، ولِذَلِكَ كانَ شَدُّ الرِّحالِ إلَيْهِ فَرْضًا، ولِغَيْرِهِ مِمّا يُسْتَحَبُّ ولا يَجِبُ، وفي " المُسْنَدِ " والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ عَنْ عبد الله بن عدي بن الحمراء، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو واقِفٌ عَلى راحِلَتِهِ بِالحَزْوَرَةِ مِن مَكَّةَ يَقُولُ: «واللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ اللَّهِ وأحَبُّ أرْضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، ولَوْلا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنكِ ما خَرَجْتُ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. بَلْ ومِن خَصائِصِها كَوْنُها قِبْلَةً لِأهْلِ الأرْضِ كُلِّهِمْ، فَلَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ قِبْلَةٌ غَيْرُها. وَمِن خَواصِّها أيْضًا أنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِقْبالُها واسْتِدْبارُها عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ دُونَ سائِرِ بِقاعِ الأرْضِ. وَأصَحُّ المَذاهِبِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الفَضاءِ والبُنْيانِ لِبِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا قَدْ ذُكِرَتْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولَيْسَ مَعَ المُفَرِّقِ ما يُقاوِمُها ألْبَتَّةَ مَعَ تَناقُضِهِمْ في مِقْدارِ الفَضاءِ والبُنْيانِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ اسْتِيفاءِ الحِجاجِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. وَمِن خَواصِّها أيْضًا أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ أوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ، كَما في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبي ذر قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ؟ فَقالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ المَسْجِدُ الأقْصى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟ قالَ أرْبَعُونَ عامًا» وَقَدْ أشْكَلَ هَذا الحَدِيثُ عَلى مَن لَمْ يَعْرِفِ المُرادَ بِهِ فَقالَ: مَعْلُومٌ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ هو الَّذِي بَنى المَسْجِدَ الأقْصى، وبَيْنَهُ وبَيْنَ إبْراهِيمَ أكْثَرُ مِن ألْفِ عامٍ، وهَذا مِن جَهْلِ هَذا القائِلِ، فَإنَّ سُلَيْمانَ إنَّما كانَ لَهُ مِنَ المَسْجِدِ الأقْصى تَجْدِيدُهُ لا تَأْسِيسُهُ، والَّذِي أسَّسَهُ هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وآلِهِما وسَلَّمَ بَعْدَ بِناءِ إبْراهِيمَ الكَعْبَةَ بِهَذا المِقْدارِ. وَمِمّا يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلِها أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّها أُمُّ القُرى، فالقُرى كُلُّها تَبَعٌ لَها وفَرْعٌ عَلَيْها، وهي أصْلُ القُرى، فَيَجِبُ ألّا يَكُونَ لَها في القُرى عَدِيلٌ، فَهي كَما أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ (الفاتِحَةِ) أنَّها أُمُّ القُرْآنِ، ولِهَذا لَمْ يَكُنْ لَها في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَدِيلٌ. وَمِن خَصائِصِها أنَّها لا يَجُوزُ دُخُولُها لِغَيْرِ أصْحابِ الحَوائِجِ المُتَكَرِّرَةِ إلّا بِإحْرامٍ، وهَذِهِ خاصِّيَّةٌ لا يُشارِكُها فِيها شَيْءٌ مِنَ البِلادِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ تَلَقّاها النّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِإسْنادٍ لا يُحْتَجُّ بِهِ مَرْفُوعًا «لا يَدْخُلُ أحَدٌ مَكَّةَ إلّا بِإحْرامٍ، مِن أهْلِها ومِن غَيْرِ أهْلِها» ذَكَرَهُ أبُو أحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، ولَكِنَّ الحَجّاجَ بْنَ أرْطاةَ في الطَّرِيقِ، وآخَرَ قَبْلَهُ مِنَ الضُّعَفاءِ. وَلِلْفُقَهاءِ في المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: النَّفْيُ، والإثْباتُ، والفَرْقُ بَيْنَ مَن هو داخِلُ المَواقِيتِ ومَن هو قَبْلَها، فَمَن قَبْلَها لا يُجاوِزُها إلّا بِإحْرامٍ، ومَن هو داخِلُها فَحُكْمُهُ حُكْمُ أهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُ أبي حنيفة، والقَوْلانِ الأوَّلانِ لِلشّافِعِيِّ وأحمد. وَمِن خَواصِّهِ أنَّهُ يُعاقَبُ فِيهِ عَلى الهَمِّ بِالسَّيِّئاتِ وإنْ لَمْ يَفْعَلْها، قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فَتَأمَّلْ كَيْفَ عَدّى فِعْلَ الإرادَةِ هاهُنا بِالباءِ، ولا يُقالُ: أرَدْتُ بِكَذا إلّا لِما ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلِ " هَمَّ " فَإنَّهُ يُقالُ: هَمَمْتُ بِكَذا، فَتَوَعَّدَ مَن هَمَّ بِأنْ يَظْلِمَ فِيهِ بِأنْ يُذِيقَهُ العَذابَ الألِيمَ. وَمِن هَذا تَضاعُفُ مَقادِيرِ السَّيِّئاتِ فِيهِ لا كَمِّيّاتِها، فَإنَّ السَّيِّئَةَ جَزاؤُها سَيِّئَةٌ، لَكِنْ سَيِّئَةٌ كَبِيرَةٌ جَزاؤُها مِثْلُها، وصَغِيرَةٌ جَزاؤُها مِثْلُها، فالسَّيِّئَةُ في حَرَمِ اللَّهِ وبَلَدِهِ وعَلى بِساطِهِ آكَدُ وأعْظَمُ مِنها في طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ، ولِهَذا لَيْسَ مَن عَصى المَلِكَ عَلى بِساطِ مُلْكِهِ كَمَن عَصاهُ في المَوْضِعِ البَعِيدِ مِن دارِهِ وبِساطِهِ، فَهَذا فَصْلُ النِّزاعِ في تَضْعِيفِ السَّيِّئاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَقَدْ ظَهَرَ سِرُّ هَذا التَّفْضِيلِ والِاخْتِصاصِ في انْجِذابِ الأفْئِدَةِ وهَوى القُلُوبِ وانْعِطافِها ومَحَبَّتِها لِهَذا البَلَدِ الأمِينِ، فَجَذْبُهُ لِلْقُلُوبِ أعْظَمُ مِن جَذْبِ المِغْناطِيسِ لِلْحَدِيدِ، فَهو الأوْلى بِقَوْلِ القائِلِ: ؎محاسِنُهُ هَيُولى كُلِّ حُسْنٍ ∗∗∗ ومِغْناطِيسُ أفْئِدَةِ الرِّجالِ وَلِهَذا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَثابَةٌ لِلنّاسِ، أيْ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ عَلى تَعاقُبِ الأعْوامِ مِن جَمِيعِ الأقْطارِ، ولا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا، بَلْ كُلَّما ازْدادُوا لَهُ زِيارَةً ازْدادُوا لَهُ اشْتِياقًا. ؎لا يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْها حِينَ يَنْظُرُها ∗∗∗ حَتّى يَعُودَ إلَيْها الطَّرْفُ مُشْتاقًا فَلَلَّهِ كَمْ لَها مِن قَتِيلٍ وسَلِيبٍ وجَرِيحٍ، وكَمْ أُنْفِقَ في حُبِّها مِنَ الأمْوالِ والأرْواحِ، ورَضِيَ المُحِبُّ بِمُفارَقَةِ فِلَذِ الأكْبادِ، والأهْلِ والأحْبابِ والأوْطانِ، مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ أنْواعَ المَخاوِفِ والمَتالِفِ والمَعاطِفِ والمَشاقِّ، وهو يَسْتَلِذُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَسْتَطِيبُهُ ويَراهُ - لَوْ ظَهَرَ سُلْطانُ المَحَبَّةِ في قَلْبِهِ- أطْيَبَ مِن نِعَمِ المُتَحَلِّيَةِ وتَرَفِهِمْ ولَذّاتِهِمْ. ؎وَلَيْسَ مُحِبًّا مَن يَعُدُّ شَقاءَهُ ∗∗∗ عَذابًا إذا ما كانَ يَرْضى حَبِيبُهُ وَهَذا كُلُّهُ سِرُّ إضافَتِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] فاقْتَضَتْ هَذِهِ الإضافَةُ الخاصَّةُ مِن هَذا الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ والمَحَبَّةِ ما اقْتَضَتْهُ، كَما اقْتَضَتْ إضافَتُهُ لِعَبْدِهِ ورَسُولِهِ إلى نَفْسِهِ ما اقْتَضَتْهُ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ إضافَتُهُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ كَسَتْهم مِنَ الجَلالِ والمَحَبَّةِ والوَقارِ ما كَسَتْهُمْ، فَكُلُّ ما أضافَهُ الرَّبُّ تَعالى إلى نَفْسِهِ فَلَهُ مِنَ المَزِيَّةِ والِاخْتِصاصِ عَلى غَيْرِهِ ما أوْجَبَ لَهُ الِاصْطِفاءَ والِاجْتِباءَ، ثُمَّ يَكْسُوهُ بِهَذِهِ الإضافَةِ تَفْضِيلًا آخَرَ، وتَخْصِيصًا وجَلالَةً زائِدًا عَلى ما كانَ لَهُ قَبْلَ الإضافَةِ، ولَمْ يُوَفَّقْ لِفَهْمِ هَذا المَعْنى مَن سَوّى بَيْنَ الأعْيانِ والأفْعالِ والأزْمانِ والأماكِنِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا مَزِيَّةَ لِشَيْءٍ مِنها عَلى شَيْءٍ، وإنَّما هو مُجَرَّدُ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجِّحٍ، وهَذا القَوْلُ باطِلٌ بِأكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ وجْهًا قَدْ ذُكِرَتْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ويَكْفِي تَصَوُّرُ هَذا المَذْهَبِ الباطِلِ في فَسادِهِ، فَإنَّ مَذْهَبَنا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ ذَواتُ الرُّسُلِ كَذَواتِ أعْدائِهِمْ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما التَّفْضِيلُ بِأمْرٍ لا يَرْجِعُ إلى اخْتِصاصِ الذَّواتِ بِصِفاتٍ ومَزايا لا تَكُونُ لِغَيْرِها، وكَذَلِكَ نَفْسُ البِقاعِ واحِدَةٌ بِالذّاتِ لَيْسَ لِبُقْعَةٍ عَلى بُقْعَةٍ مَزِيَّةٌ ألْبَتَّةَ، وإنَّما هو لِما يَقَعُ فِيها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَلا مَزِيَّةَ لِبُقْعَةِ البَيْتِ، والمَسْجِدِ الحَرامِ، ومِنًى، وعَرَفَةَ، والمَشاعِرِ عَلى أيِّ بُقْعَةٍ سَمَّيْتُها مِنَ الأرْضِ، وإنَّما التَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ أمْرٍ خارِجٍ عَنِ البُقْعَةِ لا يَعُودُ إلَيْها ولا إلى وصْفٍ قائِمٍ بِها، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ الباطِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ أيْ: لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ أهْلًا ولا صالِحًا لِتَحَمُّلِ رِسالَتِهِ، بَلْ لَها مَحالُّ مَخْصُوصَةٌ لا تَلِيقُ إلّا بِها، ولا تَصْلُحُ إلّا لَها، واللَّهُ أعْلَمُ بِهَذِهِ المَحالِّ مِنكم. ولَوْ كانَتِ الذَّواتُ مُتَساوِيَةً كَما قالَ هَؤُلاءِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] أيْ: هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَن يَشْكُرُهُ عَلى نِعْمَتِهِ، فَيَخْتَصُّهُ بِفَضْلِهِ ويَمُنُّ عَلَيْهِ مِمَّنْ لا يَشْكُرُهُ، فَلَيْسَ كُلُّ مَحَلٍّ يَصْلُحُ لِشُكْرِهِ، واحْتِمالِ مِنَّتِهِ، والتَّخْصِيصِ بِكَرامَتِهِ. فَذَواتُ ما اخْتارَهُ واصْطَفاهُ مِنَ الأعْيانِ والأماكِنِ والأشْخاصِ وغَيْرِها مُشْتَمِلَةٌ عَلى صِفاتٍ وأُمُورٍ قائِمَةٍ بِها لَيْسَتْ لِغَيْرِها، ولِأجْلِها اصْطَفاها اللَّهُ، وهو سُبْحانَهُ الَّذِي فَضَّلَها بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وخَصَّها بِالِاخْتِيارِ، فَهَذا خَلْقُهُ، وهَذا اخْتِيارُهُ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ وَما أبْيَنَ بُطْلانِ رَأْيٍ يَقْضِي بِأنَّ مَكانَ البَيْتِ الحَرامِ مُساوٍ لِسائِرِ الأمْكِنَةِ، وذاتَ الحَجَرِ الأسْوَدِ مُساوِيَةٌ لِسائِرِ حِجارَةِ الأرْضِ، وذاتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُساوِيَةٌ لِذاتِ غَيْرِهِ، وإنَّما التَّفْضِيلُ في ذَلِكَ بِأُمُورٍ خارِجَةٍ عَنِ الذّاتِ والصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، وهَذِهِ الأقاوِيلُ وأمْثالُها مِنَ الجِناياتِ الَّتِي جَناها المُتَكَلِّمُونَ عَلى الشَّرِيعَةِ ونَسَبُوها إلَيْها وهي بَرِيئَةٌ مِنها، ولَيْسَ مَعَهم أكْثَرُ مِنَ اشْتِراكِ الذَّواتِ في أمْرٍ عامٍّ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ تَساوِيها في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المُخْتَلِفاتِ قَدْ تَشْتَرِكُ في أمْرٍ عامٍّ مَعَ اخْتِلافِها في صِفاتِها النَّفْسِيَّةِ، وما سَوّى اللَّهُ تَعالى بَيْنَ ذاتِ المِسْكِ وذاتِ البَوْلِ أبَدًا، ولا بَيْنَ ذاتِ الماءِ وذاتِ النّارِ أبَدًا، والتَّفاوُتُ البَيِّنُ بَيْنَ الأمْكِنَةِ الشَّرِيفَةِ وأضْدادِها والذَّواتِ الفاضِلَةِ وأضْدادِها أعْظَمُ مِن هَذا التَّفاوُتِ بِكَثِيرٍ، فَبَيْنَ ذاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وذاتِ فرعون مِنَ التَّفاوُتِ أعْظَمُ مِمّا بَيْنَ المِسْكِ والرَّجِيعِ، وكَذَلِكَ التَّفاوُتُ بَيْنَ نَفْسِ الكَعْبَةِ وبَيْنَ بَيْتِ السُّلْطانِ أعْظَمُ مِن هَذا التَّفاوُتِ أيْضًا بِكَثِيرٍ، فَكَيْفَ تُجْعَلُ البُقْعَتانِ سَواءً في الحَقِيقَةِ والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ ما يَقَعُ هُناكَ مِنَ العِباداتِ والأذْكارِ والدَّعَواتِ؟!. وَلَمْ نَقْصِدِ اسْتِيفاءَ الرَّدِّ عَلى هَذا المَذْهَبِ المَرْدُودِ المَرْذُولِ، وإنَّما قَصَدْنا تَصْوِيرَهُ، وإلى اللَّبِيبِ العادِلِ العاقِلِ التَّحاكُمُ ولا يَعْبَأُ اللَّهُ وعِبادُهُ بِغَيْرِهِ شَيْئًا، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخَصِّصُ شَيْئًا، ولا يُفَضِّلُهُ ويُرَجِّحُهُ إلّا لِمَعْنًى يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ وتَفْضِيلَهُ، نَعَمْ هو مُعْطِي ذَلِكَ المُرَجِّحَ وواهِبُهُ، فَهو الَّذِي خَلَقَهُ، ثُمَّ اخْتارَهُ بَعْدَ خَلْقِهِ، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾. [فَصْلٌ: فيما اختاره الله من الأعمال وغيرها] والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى اخْتارَ مِن كُلِّ جِنْسٍ مِن أجْناسِ المَخْلُوقاتِ أطْيَبَهُ، واخْتَصَّهُ لِنَفْسِهِ وارْتَضاهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ تَعالى طَيِّبٌ لا يُحِبُّ إلّا الطَّيِّبَ، ولا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ والكَلامِ والصَّدَقَةِ إلّا الطَّيِّبَ، فالطَّيِّبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ هو مُخْتارُهُ تَعالى. وَأمّا خَلْقُهُ تَعالى فَعامٌّ لِلنَّوْعَيْنِ، وبِهَذا يُعْلَمُ عُنْوانُ سَعادَةِ العَبْدِ وشَقاوَتِهِ، فَإنَّ الطَّيِّبَ لا يُناسِبُهُ إلّا الطَّيِّبُ ولا يَرْضى إلّا بِهِ، ولا يَسْكُنُ إلّا إلَيْهِ، ولا يَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ إلّا بِهِ، فَلَهُ مِنَ الكَلامِ الكَلِمُ الطَّيِّبُ الَّذِي لا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا هُوَ، وهو أشَدُّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَنِ الفُحْشِ في المَقالِ، والتَّفَحُّشِ في اللِّسانِ والبَذاءِ والكَذِبِ والغِيبَةِ والنَّمِيمَةِ والبُهْتِ وقَوْلِ الزُّورِ وكُلِّ كَلامٍ خَبِيثٍ. وَكَذَلِكَ لا يَأْلَفُ مِنَ الأعْمالِ إلّا أطْيَبَها، وهي الأعْمالُ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عَلى حُسْنِها الفِطَرُ السَّلِيمَةُ مَعَ الشَّرائِعِ النَّبَوِيَّةِ، وزَكَّتْها العُقُولُ الصَّحِيحَةُ، فاتَّفَقَ عَلى حُسْنِها الشَّرْعُ والعَقْلُ والفِطْرَةُ، مِثْلَ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، ويُؤْثِرَ مَرْضاتَهُ عَلى هَواهُ، ويَتَحَبَّبَ إلَيْهِ جَهْدَهُ وطاقَتَهُ، ويُحْسِنَ إلى خَلْقِهِ ما اسْتَطاعَ، فَيَفْعَلَ بِهِمْ ما يُحِبُّ أنْ يَفْعَلُوا بِهِ، ويُعامِلُوهُ بِهِ، ويَدَعَهم مِمّا يُحِبُّ أنْ يَدَعُوهُ مِنهُ، ويَنْصَحَهم بِما يَنْصَحُ بِهِ نَفْسَهُ، ويَحْكُمَ لَهم بِما يُحِبُّ أنْ يُحْكَمَ لَهُ بِهِ، ويَحْمِلَ أذاهم ولا يُحَمِّلَهم أذاهُ، ويَكُفَّ عَنْ أعْراضِهِمْ ولا يُقابِلَهم بِما نالُوا مِن عِرْضِهِ، وإذا رَأى لَهم حَسَنًا أذاعَهُ، وإذا رَأى لَهم سَيِّئًا كَتَمَهُ، ويُقِيمَ أعْذارَهم ما اسْتَطاعَ فِيما لا يُبْطِلُ شَرِيعَةً، ولا يُناقِضُ لِلَّهِ أمْرًا ولا نَهْيًا. وَلَهُ أيْضًا مِنَ الأخْلاقِ أطْيَبُها وأزْكاها، كالحِلْمِ والوَقارِ والسَّكِينَةِ والرَّحْمَةِ والصَّبْرِ والوَفاءِ، وسُهُولَةِ الجانِبِ ولِينِ العَرِيكَةِ والصِّدْقِ، وسَلامَةِ الصَّدْرِ مِنَ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ، والتَّواضُعِ وخَفْضِ الجَناحِ لِأهْلِ الإيمانِ، والعِزَّةِ والغِلْظَةِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ، وصِيانَةِ الوَجْهِ عَنْ بَذْلِهِ وتَذَلُّلِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، والعِفَّةِ والشَّجاعَةِ والسَّخاءِ والمُرُوءَةِ، وكُلِّ خُلُقٍ اتَّفَقَتْ عَلى حُسْنِهِ الشَّرائِعُ والفِطَرُ والعُقُولُ. وَكَذَلِكَ لا يَخْتارُ مِنَ المَطاعِمِ إلّا أطْيَبَها، وهو الحَلالُ الهَنِيءُ المَرِيءُ الَّذِي يُغَذِّي البَدَنَ والرُّوحَ أحْسَنَ تَغْذِيَةٍ، مَعَ سَلامَةِ العَبْدِ مِن تَبِعَتِهِ. وَكَذَلِكَ لا يَخْتارُ مِنَ المَناكِحِ إلّا أطْيَبَها وأزْكاها، ومِنَ الرّائِحَةِ إلّا أطْيَبَها وأزْكاها، ومِنَ الأصْحابِ والعُشَراءِ إلّا الطَّيِّبِينَ مِنهُمْ، فَرُوحُهُ طَيِّبٌ، وبَدَنُهُ طَيِّبٌ، وخُلُقُهُ طَيِّبٌ وعَمَلُهُ طَيِّبٌ، وكَلامُهُ طَيِّبٌ، ومَطْعَمُهُ طَيِّبٌ، ومَشْرَبُهُ طَيِّبٌ، ومَلْبَسُهُ طَيِّبٌ، ومَنكَحُهُ طَيِّبٌ، ومَدْخَلُهُ طَيِّبٌ، ومَخْرَجُهُ طَيِّبٌ، ومُنْقَلَبُهُ طَيِّبٌ، ومَثْواهُ كُلُّهُ طَيِّبٌ. فَهَذا مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وَمِنَ الَّذِينَ يَقُولُ لَهم خَزَنَةُ الجَنَّةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] وهَذِهِ الفاءُ تَقْتَضِي السَّبَبِيَّةَ، أيْ: بِسَبَبِ طِيبِكُمُ ادْخُلُوها. وقالَ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦] وَقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ بِأنَّ الكَلِماتِ الخَبِيثاتِ لِلْخَبِيثِينَ والكَلِماتِ الطَّيِّباتِ لَلطَّيِّبِينَ، وفُسِّرَتْ بِأنَّ النِّساءَ الطَّيِّباتِ لِلرِّجالِ الطَّيِّبِينَ، والنِّساءَ الخَبِيثاتِ لِلرِّجالِ الخَبِيثِينَ، وهي تَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ، فالكَلِماتُ والأعْمالُ والنِّساءُ الطَّيِّباتُ لِمُناسِبِها مِنَ الطَّيِّبِينَ، والكَلِماتُ والأعْمالُ والنِّساءُ الخَبِيثَةُ لِمُناسِبِها مِنَ الخَبِيثِينَ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الطَّيِّبَ بِحَذافِيرِهِ في الجَنَّةِ، وجَعَلَ الخَبِيثَ بِحَذافِيرِهِ في النّارِ، فَجَعَلَ الدُّورَ ثَلاثَةً: دارًا أُخْلِصَتْ لَلطَّيِّبِينَ، وهي حَرامٌ عَلى غَيْرِ الطَّيِّبِينَ، وقَدْ جَمَعَتْ كُلَّ طَيِّبٍ وهي الجَنَّةُ. وَدارًا أُخْلِصَتْ لِلْخَبِيثِ والخَبائِثِ ولا يَدْخُلُها إلّا الخَبِيثُونَ وهي النّارُ. وَدارًا امْتَزَجَ فِيها الطَّيِّبُ والخَبِيثُ وخُلِطَ بَيْنَهُما وهي هَذِهِ الدّارُ؛ ولِهَذا وقَعَ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ بِسَبَبِ هَذا الِامْتِزاجِ والِاخْتِلاطِ، وذَلِكَ بِمُوجَبِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، فَإذا كانَ يَوْمُ مَعادِ الخَلِيقَةِ مَيَّزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَجَعَلَ الطَّيِّبَ وأهْلَهُ في دارٍ عَلى حِدَةٍ لا يُخالِطُهم غَيْرُهُمْ، وجَعَلَ الخَبِيثَ وأهْلَهُ في دارٍ عَلى حِدَةٍ لا يُخالِطُهم غَيْرُهُمْ، فَعادَ الأمْرُ إلى دارَيْنِ فَقَطْ: الجَنَّةِ وهي دارُ الطَّيِّبِينَ، والنّارِ وهي دارُ الخَبِيثِينَ، وأنْشَأ اللَّهُ تَعالى مِن أعْمالِ الفَرِيقَيْنِ ثَوابَهم وعِقابَهُمْ، فَجَعَلَ طَيِّباتِ أقْوالِ هَؤُلاءِ وأعْمالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ هي عَيْنَ نَعِيمِهِمْ ولَذّاتِهِمْ، أنْشَأ لَهم مِنها أكْمَلَ أسْبابِ النَّعِيمِ والسُّرُورِ، وجَعَلَ خَبِيثاتِ أقْوالِ الآخَرِينَ وأعْمالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ هي عَيْنَ عَذابِهِمْ وآلامِهِمْ، فَأنْشَأ لَهم مِنها أعْظَمَ أسْبابِ العِقابِ والآلامِ حِكْمَةً بالِغَةً وعِزَّةً باهِرَةً قاهِرَةً لِيُرِيَ عِبادَهُ كَمالَ رُبُوبِيَّتِهِ وكَمالَ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وعَدْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ولِيَعْلَمَ أعْداؤُهُ أنَّهم كانُوا هُمُ المُفْتَرِينَ الكَذّابِينَ لا رُسُلُهُ البَرَرَةُ الصّادِقُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨-٣٩]. والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَعَلَ لِلسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عُنْوانًا يُعْرَفانِ بِهِ، فالسَّعِيدُ الطَّيِّبُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا طَيِّبٌ، ولا يَأْتِي إلّا طَيِّبًا، ولا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا طَيِّبٌ، ولا يُلابِسُ إلّا طَيِّبًا، والشَّقِيُّ الخَبِيثُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الخَبِيثُ، ولا يَأْتِي إلّا خَبِيثًا، ولا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا الخَبِيثُ، فالخَبِيثُ يَتَفَجَّرُ مِن قَلْبِهِ الخُبْثُ عَلى لِسانِهِ وجَوارِحِهِ، والطَّيِّبُ يَتَفَجَّرُ مِن قَلْبِهِ الطِّيبُ عَلى لِسانِهِ وجَوارِحِهِ. وقَدْ يَكُونُ في الشَّخْصِ مادَّتانِ فَأيُّهُما غَلَبَ عَلَيْهِ كانَ مِن أهْلِها، فَإنْ أرادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا طَهَّرَهُ مِنَ المادَّةِ الخَبِيثَةِ قَبْلَ المُوافاةِ، فَيُوافِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُطَهَّرًا فَلا يَحْتاجُ إلى تَطْهِيرِهِ بِالنّارِ فَيُطَهِّرُهُ مِنها بِما يُوَفِّقُهُ لَهُ مِنَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، والحَسَناتِ الماحِيَةِ، والمَصائِبِ المُكَفِّرَةِ، حَتّى يَلْقى اللَّهَ وما عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، ويُمْسِكُ عَنِ الآخَرِ مَوادَّ التَّطْهِيرِ، فَيَلْقاهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمادَّةٍ خَبِيثَةٍ ومادَّةٍ طَيِّبَةٍ، وحِكْمَتُهُ تَعالى تَأْبى أنْ يُجاوِرَهُ أحَدٌ في دارِهِ بِخَبائِثِهِ فَيُدْخِلَهُ النّارَ طُهْرَةً لَهُ وتَصْفِيَةً وسَبْكًا، فَإذا خَلُصَتْ سَبِيكَةُ إيمانِهِ مِنَ الخَبَثِ صَلُحَ حِينَئِذٍ لِجِوارِهِ ومُساكَنَةِ الطَّيِّبِينَ مِن عِبادِهِ. وإقامَةُ هَذا النَّوْعِ مِنَ النّاسِ في النّارِ عَلى حَسَبِ سُرْعَةِ زَوالِ تِلْكَ الخَبائِثِ مِنهم وبُطْئِها، فَأسْرَعُهم زَوالًا وتَطْهِيرًا أسْرَعُهم خُرُوجًا، وأبْطَؤُهم أبْطَؤُهم خُرُوجًا، ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. وَلَمّا كانَ المُشْرِكُ خَبِيثَ العُنْصُرِ خَبِيثَ الذّاتِ لَمْ تُطَهِّرِ النّارُ خُبْثَهُ، بَلْ لَوْ خَرَجَ مِنها لَعادَ خَبِيثًا كَما كانَ، كالكَلْبِ إذا دَخَلَ البَحْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ، فَلِذَلِكَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلى المُشْرِكِ الجَنَّةَ. وَلَمّا كانَ المُؤْمِنُ الطَّيِّبُ المُطَيِّبُ مُبَرَّءًا مِنَ الخَبائِثِ كانَتِ النّارُ حَرامًا عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يَقْتَضِي تَطْهِيرَهُ بِها، فَسُبْحانَ مَن بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ العُقُولَ والألْبابَ، وشَهِدَتْ فِطَرُ عِبادِهِ وعُقُولُهم بِأنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ورَبُّ العالَمِينَ لا إلَهَ إلّا هو. (فصل) من ترك الِاخْتِيار والتَّدْبِير في رَجاء زِيادَة، أو خوف نُقْصان أو طلب صِحَة أو فرار من سقم. واعلم أن الله على كل شَيْء قدير وأنه المتفرد بِالِاخْتِيارِ والتَّدْبِير وأن تَدْبيره لعَبْدِهِ خير من تَدْبِير العَبْد لنَفسِهِ، وأنه أعلم بمصلحته من العَبْد وأقدر على جلبها وتحصيلها مِنهُ وأنصح للْعَبد مِنهُ لنَفسِهِ وأرحم مِنهُ بِنَفسِهِ وأبر بِهِ مِنهُ بِنَفسِهِ وعلم مَعَ ذَلِك أنه لا يَسْتَطِيع أن يتَقَدَّم بَين يَدي تَدْبيره خطْوَة واحِدَة ولا يتَأخَّر عَن تَدْبيره لَهُ خطْوَة واحِدَة فَلا مُتَقَدم لَهُ بَين يَدي قَضائِهِ وقدره ولا يتَأخَّر فَألْقى نَفسه بَين يَدَيْهِ وسلم الأمر كُله إلَيْهِ وانطرح بَين يَدَيْهِ انطراح عبد مَمْلُوك ضعف بَين يَدي ملك عَزِيز قاهر لَهُ التَّصَرُّف في عَبده بِكُل ما يَشاء ولَيْسَ للْعَبد التَّصَرُّف فِيهِ بِوَجْه من الوُجُوه فاستراح حِينَئِذٍ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات وحمل كُله حَوائِجه ومصالحه من لا يُبالِي بحملها ولا يثقله ولا يكترث بها فتولاها دونه وأراهُ لطفه وبره ورَحمته وإحسانه فِيها من غير تَعب من العَبْد ولا نصب ولا اهتمام مِنهُ لِأنَّهُ قد صرف اهتمامه كُله إلَيْهِ وجعله وحده همه فصرف عَنهُ اهتمامه بحوائجه ومصالح دُنْياهُ وفرغ قلبه مِنها فَما أطيب عيشه وما أنعم قلبه وأعظم سروره وفرحه وإن أبى إلّا تَدْبيره لنَفسِهِ واختياره لَها واهتمامه بحظه دون حق ربه خلاه وما اخْتارَهُ وولاه ما تولى فحضره الهم والغَم والحزن والنكد الخَوْف والتعب وكسف البال وسُوء الحال فَلا قلب يصفو ولا عمل يزكو ولا أمل يحصل ولا راحَة يفوز بها ولا لَذَّة بَينها بها بل بل قد حيل بَينه وبَين مسرته وفرحه وقرة عينه فَهو يكدح في الدُّنْيا كدح الوَحْش ولا يظفر مِنهُ بأمل ولا يتزود مِنها لِمَعاد والله سُبْحانَهُ أمر العَبْد بِأمْر وضمن لَهُ ضمانا فَإن قامَ بأمْره بالنصح والصدق والإخْلاص والِاجْتِهاد قامَ الله سُبْحانَهُ لَهُ بِما ضمنه لَهُ من الرزق والكفاية والنصر وقَضاء الحَوائِج، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ضمن الرزق لمن عَبده، والنصر لمن توكل عَلَيْهِ واستنصر بِهِ والكفاية لمن كانَ هو همه ومراده والمَغْفِرَة لمن استغفره وقَضاء الحَوائِج لمن صَدَقَه في طلبَها ووثق بِهِ وقَوي رجاؤه وطمعه في فَضله وجوده فالفطن الكيّس إنَّما يهتم بأمْره وإقامته وتوفيته لا بضمانه فَإنَّهُ الوفي الصّادِق ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَمن عَلامات السَّعادَة صرف اهتمامه إلى أمر الله دون ضَمانه ومن عَلامات الحرمان فراغ قلبه من الاهتمام بأمْره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه والله المُسْتَعان. قالَ بشر بن الحارِث أهل الآخِرَة ثَلاثَة عابِد وزاهد وصِدِّيق. فالعابد يعبد الله مَعَ العلائق، والزاهد يعبده على ترك العلائق، والصديق يعبده على الرِّضا والموافقة. إن أراهُ أخذ الدُّنْيا أخذها، وإن أراهُ تَركها تَركها، إذا كانَ الله ورَسُوله في جانب فاحذر أن تكون في الجانِب الآخر، فَإن ذَلِك يُفْضِي إلى المشاقة والمحادّة، وهَذا أصْلها ومِنه اشتقاقها فَإن المشاقة أن يكون في شقّ ومن يُخالِفهُ في شقّ، والمحادة أن يكون حد وهو في حد، ولا تستسهل هَذا فَإن مبادئه تجر إلى غايَته، وقليله يَدْعُو إلى كَثِيره وكن في الجانِب الَّذِي يكون فِيهِ الله ورَسُوله، وإن كانَ النّاس كلهم في الجانِب الآخر، فَإن لذَلِك عواقب هي أحْمد العواقب وأفضلها، ولَيْسَ للْعَبد أنْفَع من ذَلِك في دُنْياهُ قبل آخرته، وأكْثر الخلق إنَّما يكونُونَ من الجانِب الآخر ولاسيما إذا قويت الرَّغْبَة والرهبة فهناك لا تكاد تَجِد أحدا في الجانِب الَّذِي فِيهِ الله ورَسُوله، بل يعدّه النّاس ناقص العقل سيء الِاخْتِيار لنَفسِهِ، ورُبما نسبوه إلى الجُنُون، وذَلِكَ من مَوارِيث أعداء الرُّسُل فَإنَّهُم نسبوهم غلى الجُنُون لما كانُوا في شقّ وجانب، والنّاس في شقّ وجانب آخر، ولَكِن من وطّن نَفسه على ذَلِك فَإنَّهُ يحْتاج إلى علم راسخ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُول يكون يَقِينا لَهُ لا ريب عِنْده فِيهِ وإلى صَبر تامّ على معاداة من عاداهُ ولومة من لامه، ولا يتم لَهُ ذَلِك إلّا برغبة قَوِيَّة في الله والدّار والآخِرَة بِحَيْثُ تكون الآخِرَة أحب إلَيْهِ من الدُّنْيا وآثر عِنْده مِنها، ويكون الله ورَسُوله أحب إلَيْهِ مِمّا سواهُما، ولَيْسَ شَيْء أصعب على الإنْسان من ذَلِك في مبادئ الأمر، فَإن نَفسه وهواه وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشيره من ذَلِك الجانِب يدعنه إلى العاجل فَإذا خالفوهم تصدوا الحربة، فَإن صَبر وثَبت جاءَهُ العون من الله، وصارَ ذَلِك الصعب سهلا، وذَلِكَ الألَم لَذَّة، فَإن الرب شكور فَلا بُد أن يذيقه لَذَّة تحيزه إلى الله وإلى رَسُوله، ويريه كَرامَة ذَلِك فيشتد بِهِ سروره وغبطته، ويبتهج بِهِ قلبه، ويظفر بقوته وفرحه وسروره، ويبقى من كانَ مُحاربًا لَهُ على ذَلِك بَين هائب لَهُ مسالم لَهُ ومساعد وتارك، ويقوى جنده، ويضعف جند العَدو ولا تستصعب مُخالفَة النّاس والتحيز إلى الله ورَسُوله ولَو كنت وحدك، فَإن الله مَعَك وأنت بِعَيْنِه وكلاءته وحفظه لَك، وإنَّما امتحن يقينك وصبرك أعظم الأعوان لَك على بعد عون الله هَذا بعون الله التجرد من الطمع والفزع فَمَتى تجردت مِنهُما هان عَلَيْك التحيز إلى الله ورَسُوله، وكنت دائِما في الجانِب الَّذِي فِيهِ الله ورَسُوله، ومَتى قامَ بك الطمع فَلا تطمع في هَذا الأمر ولا تحدث نَفسك بِهِ. فَإن قلت فَبِأي شَيْء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفَزع؟ قلت بِالتَّوْحِيدِ والتوكل والثقة بِالله وعلمك بِأنَّهُ لا يَأْتِي بِالحَسَناتِ إلا هو، ولا يذهب بالسيآت إلّا هو وأن الأمر كُله لله لَيْسَ لأحد مَعَ الله شَيْء.

القصص 28:71

خص سبحانه النهار بذكر البصر، لأنه محله. وفيه سلطان البصر وتصرفه. وخص الليل بذكر السمع. لأن سلطان السمع يكون بالليل، وتسمع فيه الحيوانات ما لا تسمع في النهار. لأنه وقت هدوء الأصوات، وخمود الحركات، وقوة سلطان السمع وضعف سلطان البصر. والنهار بالعكس، فيه قوة سلطان البصر، وضعف سلطان السمع. فقوله: «أفَلا تَسْمَعُونَ» راجع إلى قوله «قل أرأيتم» أي إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم به؟ وقوله: «أفلا تبصرون» راجع إلى قوله «قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ».

القصص 28:72

خص سبحانه النهار بذكر البصر، لأنه محله. وفيه سلطان البصر وتصرفه. وخص الليل بذكر السمع. لأن سلطان السمع يكون بالليل، وتسمع فيه الحيوانات ما لا تسمع في النهار. لأنه وقت هدوء الأصوات، وخمود الحركات، وقوة سلطان السمع وضعف سلطان البصر. والنهار بالعكس، فيه قوة سلطان البصر، وضعف سلطان السمع. فقوله: «أفَلا تَسْمَعُونَ» راجع إلى قوله «قل أرأيتم» أي إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم به؟ وقوله: «أفلا تبصرون» راجع إلى قوله «قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ».

القصص 28:76

فالفَرَحُ مَتى كانَ بِاللَّهِ، وبِما مَنَّ اللَّهُ بِهِ، مُقارِنًا لِلْخَوْفِ والحَذَرِ: لَمْ يَضُرَّ صاحِبَهُ، ومَتى خَلا عَنْ ذَلِكَ: ضَرَّهُ ولا بُدَّ. وَقالَ قَوْمُ قارُونَ لَهُ ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾. (فصل) اعْلَمْ أنّ ما يَجْمَعُ أهْلُ الدُّنْيا مِنها. فَإنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلْفَرَحِ. لِأنَّهُ عُرْضَةٌ لِلْآفاتِ. ووَشِيكُ الزَّوالِ، ووَخِيمُ العاقِبَةِ، وهو طَيْفُ خَيالٍ زارَ الصَّبَّ في المَنامِ. ثُمَّ انْقَضى المَنامُ. ووَلّى الطَّيْفُ. وأعْقَبَ مَزارَهُ الهِجْرانَ. وَقَدْ جاءَ الفَرَحُ في القُرْآنِ عَلى نَوْعَيْنِ. مُطْلَقٌ ومُقَيَّدٌ. فالمُطْلَقُ: جاءَ في الذَّمِّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]. والمُقَيَّدُ: نَوْعانِ أيْضًا. مُقَيَّدٌ بِالدُّنْيا. يُنْسِي صاحِبَهُ فَضْلَ اللَّهِ ومِنَّتَهُ. فَهو مَذْمُومٌ. كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. والثّانِي: مُقَيَّدٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ. وهو نَوْعانِ أيْضًا. فَضْلٌ ورَحْمَةٌ بِالسَّبَبِ. وفَضْلٌ بِالمُسَبَّبِ، فالأوَّلُ: كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] والثّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠].

القصص 28:77

(لطيفة) قوله تَعالى ﴿وَأحْسِنْ كَما أحسن الله إلَيْك﴾ لا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بِقدر ما أحسن الله إلَيْهِ، وإنَّما أُرِيد بِهِ أصل الإحْسان لا قَدْره. (فائدة) العارِف لا يَأْمر النّاس بترك الدُّنْيا فَإنَّهُم لا يقدرُونَ على تَركها ولَكِن يَأْمُرهُم بترك الذُّنُوب مَعَ إقامتهم على دنياهم فَترك الدُّنْيا فَضِيلَة وترك الذُّنُوب فَرِيضَة فَكيف يُؤمر بالفضيلة من لم يقم الفَرِيضَة فَإن صَعب عَلَيْهِم ترك الذُّنُوب فاجتهد أن تحبب الله إلَيْهِم بِذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كَماله ونعوت جَلاله فَإن القُلُوب مفطورة على محبته فَإذا تعلّقت بحبه هان عَلَيْها ترك الذُّنُوب والاستقلال مِنها والإصرار عَلَيْها. وَقد قالَ يحيى بن معاذ طلب العاقِل للدنيا خير من ترك الجاهِل لَها العارِف يَدْعُو النّاس إلى الله من دنياهم فتسهل عَلَيْهِم الإجابَة والزاهد يَدعُوهُم إلى الله بترك الدُّنْيا فتشق عَلَيْهِم الإجابَة فَإن الفِطام عَن الثدي الَّذِي ما عقل الإنْسان نَفسه إلّا وهو يرتضع مِنهُ شَدِيد ولَكِن بِخَير من المرضعات أزكاهن وأفضلهن فَإن للبن تَأْثِيرا في طبيعة المرتضع ورضاع المَرْأة الحمقى يعود بحمق الوَلَد وأنفع الرضاعَة ما كانَ من المجاعة فَإن قويت على مرارَة الفِطام وإلّا فارتضع بِقدر فَإن من البشم ما يقتل. (فصل) المطلب الأعْلى مَوْقُوف حُصُوله على همة عالية ونِيَّة صَحِيحَة فَمن فقدهما تعذّر عَلَيْهِ الوُصُول إلَيْهِ فَإن الهمة إذا كانَت عالية تعلّقت بِهِ وحده دون غَيره، وإذا كانَت النِّيَّة صَحِيحَة سلك العَبْد الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ فالنية تفرد لَهُ الطَّرِيق والهمة تفرد لَهُ المَطْلُوب فَإذا توَحد مَطْلُوبه والطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ كانَ الوُصُول غايَته. وَإذا كانَت همته سافلة تعلّقت بالسفليات ولم تتعلّق بالمطلب الأعْلى، وإذا كانَت النِّيَّة غير صَحِيحَة كانَت طَرِيقه غير موصلة إلَيْهِ فمدار الشَّأْن على همة العَبْد ونِيَّته وهما مَطْلُوبه. وَلا يتم لَهُ إلّا بترك ثَلاثَة أشْياء العوائد والرسوم والأوضاع الَّتِي أحدثها النّاس. الثّانِي هجر العَوائِق الَّتِي تعوقه عَن إفْراد مَطْلُوبه وطَرِيقه وقطعها. الثّالِث قطع علائق القلب الَّتِي تحول بَينه وبَين تَجْرِيد التَّعَلُّق بالمطلوب. والفرق بينها أن العَوائِق هي الحَوادِث الخارجية، والعلائق هي التعلقات القلبية بالمباحات ونَحْوها. وأصل ذَلِك ترك الفضول الَّتِي تشغل عَن المَقْصُود من الطَّعام والشراب والمنام والخلطة، فَيَأْخُذ من ذَلِك ما يُعينهُ على طلبه ويرفض مِنهُ ما يقطعهُ عَنهُ أو يضعف طلبه والله المُسْتَعان. (موعظة) وخطب النبي ﷺ أصحابه يومًا، فلما كانت الشمس على روؤس الجبال وذلك عند الغروب قال: «إنه لم يبقى من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه» فليتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث، وليعلم أي شيء حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي في الدنيا بأسرها، ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بحظ خسيس لا يساوي شيئًا، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ موفورًا وأكمل منه. كما في بعض الآثار: ابن آدم بع الدنيا بالآخرة تربحهما جميعًا، ولا تبع الآخرة بالدنيا تخسرهما جميعًا. وقال بعض السلف: "ابن آدم انت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، إن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظامًا" وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول في خطبته: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثًا، ولم تتركوا سدى. وإن لكم معادًا يجمعكم الله عز وجل فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، فخاب وشقي عبد أخرجه الله عز وجل من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السماوات والأرض. وإنما يكون الأمان غدًا لمن خاف الله تعالى واتقى، وباع قليلًا بكثير، وفانيًا بباق، وشقاوة بسعادة. ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين، وسيخلفه بعدكم الباقون؟ ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديًا رائحًا إلى الله قد قضى نحبه، وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟ والمقصود أن الله عز وجل قد أمد العبد في هذه المدة اليسيرة بالجنود والعدد والأمداد، وبين له بماذا يحرز نفسه من عدوه، وبماذا يفتك نفسه إذا أسر. (نصيحة) هَلُمَّ إلى الدُّخُول على الله ومجاورته في دار السَّلام بِلا نصب ولا تَعب ولا عناء، بل من أقرب الطّرق وأسهلها وذَلِكَ أنَّك في وقت بَين وقْتَيْنِ، وهو في الحَقِيقَة عمرك وهو وقتك الحاضِر بَين ما مضى وما يسْتَقْبل، فالَّذِي مضى تصلحه بِالتَّوْبَةِ والندم والِاسْتِغْفار وذَلِكَ شَيْء لا تَعب عَلَيْك فِيهِ ولا نصب ولا معاناة، عمل شاق إنَّما هو عمل قلب وتمتنع فِيما يسْتَقْبل من الذُّنُوب وامتناعك ترك وراحة لَيْسَ هو عملا بالجوارح يشق عَلَيْك معاناته وإنَّما هو عزم ونِيَّة جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك فَما مضى تصلحه بِالتَّوْبَةِ، وما يسْتَقْبل تصلحه بالامتناع والعزم والنِّيَّة، ولَيْسَ للجوارح في هذَيْن نصب ولا تَعب ولَكِن الشَّأْن في عمرك وهو وقتك الَّذِي بَين الوَقْتَيْنِ فَإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك وإن حفظته مَعَ إصْلاح الوَقْتَيْنِ اللَّذين قبله وبعده بِما ذكرت نجوت وفزت بالراحة واللذة والنَّعِيم، وحفظه أشق من إصْلاح ما قبله وما بعده، فَإن حفظه أن تلْزم نَفسك بِما هو أولى بها وأنفع لَها وأعظم تحصيلا لسعادتها، وفي هَذا تفاوت النّاس أعظم تفاوت فَهي والله أيامك الخالية الَّتِي تجمع فِيها الزّاد لمعادك، إمّا إلى الجنَّة إمّا إلى النّار، فَإن اتَّخذت إلَيْها سَبِيلا إلى رَبك بلغت السَّعادَة العُظْمى والفوز الأكْبَر في هَذِه المدَّة اليَسِيرَة الَّتِي لا نِسْبَة لَها إلى الأبَد، وإن آثرت الشَّهَوات والراحات واللَّهْو واللعب انْقَضتْ عَنْك بِسُرْعَة وأعقبتك الألَم العَظِيم الدّائِم الَّذِي مقاساته ومعاناته أشق وأصعب وأدوم من معاناة الصَّبْر عَن محارم الله والصَّبْر على طاعَته ومُخالفَة الهوى لأجله.

القصص 28:78

(فصل) وَسبب الخذلان عدم صَلاحِية المحل وأهليته وقبوله للنعمة بِحَيْثُ لَو وافته النعم لقالَ هَذا لي وإنَّما أُوتِيتهُ لِأنِّي أهله ومستحقه كَما قالَ تَعالى ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي على علم علمه عِنْدِي أستحق بِهِ ذَلِك وأستوجبه وأستأهله قالَ الفراء أي على فضل عِنْدِي إنِّي كنت أهله ومستحقا لَهُ إذْ أعْطيته وَقالَ مقاتل يَقُول على خير علمه الله عِنْدِي وَذكر عبد الله بن الحارِث بن نَوْفَل سُلَيْمان بن داوُد فِيما أُوتِيَ من الملك ثمَّ قَرَأ قَوْله تَعالى ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكفر﴾ وَلم يقل هَذا من كَرامَتِي، ثمَّ ذكر قارون وقَوله ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى علم عِنْدِي﴾ يَعْنِي أن سُلَيْمان رأى ما أُوتِيتهُ من فضل الله عَلَيْهِ ومنته وأنه ابتلي بِهِ شكره، وقارُون رأى ذَلِك من نَفسه واستحقاقه. وَكَذَلِكَ قَوْله سُبْحانَهُ ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لي﴾ أي أنا أهله وحقيق بِهِ فاختصاصي بِهِ كاختصاص المالِك بِملكه والمُؤمن يري ذَلِك ملكا لرَبه وفضلا مِنهُ منّ بِهِ على عَبده من غير اسْتِحْقاق مِنهُ بل صَدَقَة تصدق بها على عَبده وله أن لا يتَصَدَّق بها فَلَو مَنعه إيّاها لم يكن قد مَنعه شَيْئا هو لَهُ يسْتَحقّهُ عَلَيْهِ فَإذا لم يشْهد ذَلِك رَأْي فِيهِ أهلا ومستحقا فأعجبه نَفسه وطغت بِالنعْمَةِ وعلت بها واستطالت على غَيرها فَكانَ حظها مِنها الفَرح والفَخْر كَما قالَ تَعالى ﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الأِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثمَّ نزعتاها مِنهُ إنَّه ليؤس كَفُورٌ ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لفرح فخور﴾ فذمه باليأس والكفْر عند الامتحان بالبلاء، وبالفرح والفَخْر عند الِابْتِلاء بالنعماء واستبدل بِحَمْد الله وشكره والثناء عَلَيْهِ إذْ كشف عَنهُ البلاء قَوْله ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عني لَو أنه قالَ أذهب الله السَّيِّئات عني برحمته ومِنه لما ذمّ على ذَلِك بل كانَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ ولكنه غفل عَن المُنعم بكشفها ونسب الذّهاب إلَيْها فَرح وافتخر فَإذا علم الله سُبْحانَهُ هَذا من قلب عبد فَذَلِك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عَنهُ فَإن مَحَله لا تناسبه النِّعْمَة المُطلقَة التّامَّة كَما قالَ تَعالى ﴿إن شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم معرضون﴾ فَأخْبر سُبْحانَهُ أن محلهم غير قابل لنعمته ومَعَ عدم القبُول ففيهم مانع آخر يمْنَع وصولها إلَيْهِم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها. وَمِمّا يَنْبَغِي أن يعلم أن أسباب الخذلان من بَقاء النَّفس على ما خلقت عَلَيْهِ في الأصْل وإهمالها وتخليتها فأسباب الخذلان مِنها وفيها وأسْباب التَّوْفِيق من جعل الله سُبْحانَهُ لَها قابِلَة للنعمة فأسباب التَّوْفِيق مِنهُ ومن فَضله وهو الخالِق لهَذِهِ وهَذِه كَما خلق أجزاء الأرْض هَذِه قابِلَة للنبات وهَذِه غير قابِلَة لَهُ وخلق الشّجر هَذِه تقبل الثَّمَرَة وهَذِه لا تقبلها وخلق النحلة قابِلَة لِأن يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه والزنبور غير قابل لذَلِك وخلق الأرْواح الطّيبَة قابِلَة لذكره وشكره وحجته وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده وخلق الأرْواح الخبيثة غير قابِلَة لذَلِك بل لضده وهو الحَكِيم العَلِيم. [فَصْلٌ: في ألْفاظٍ كانَ ﷺ يَكْرَهُ أنْ تُقالَ] فَمِنها: أنْ يَقُولَ خَبُثَتْ نَفْسِي، أوْ جاشَتْ نَفْسِي، ولْيَقُلْ: لَقِسَتْ. وَمِنها: أنْ يُسَمِّيَ شَجَرَ العِنَبِ كَرْمًا، نَهى عَنْ ذَلِكَ، وقالَ «لا تَقُولُوا: الكَرْمُ ولَكِنْ قُولُوا: العِنَبُ والحَبَلَةُ». وَكَرِهَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النّاسُ. وَقالَ: " «إذا قالَ ذَلِكَ فَهو أهْلَكُهُمْ». وفي مَعْنى هَذا: فَسَدَ النّاسُ، وفَسَدَ الزَّمانُ ونَحْوُهُ. وَنَهى أنْ يُقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، وشاءَ فُلانٌ بَلْ يُقالُ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شاءَ فُلانٌ. «فَقالَ لَهُ رَجُلٌ ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ. فَقالَ: أجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ». وَفِي مَعْنى هَذا: لَوْلا اللَّهُ وفُلانٌ، لَما كانَ كَذا، بَلْ وهو أقْبَحُ وأنْكَرُ، وكَذَلِكَ: أنا بِاللَّهِ وبِفُلانٍ، وأعُوذُ بِاللَّهِ وبِفُلانٍ، وأنا في حَسْبِ اللَّهِ وحَسْبِ فُلانٍ، وأنا مُتَّكِلٌ عَلى اللَّهِ وعَلى فُلانٍ، فَقائِلُ هَذا، قَدْ جَعَلَ فُلانًا نِدًّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وَمِنها: أنْ يُقالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، بَلْ يَقُولُ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ. وَمِنها: أنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ. صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ». وَمِنها: أنْ يَقُولَ في حَلِفِهِ: هو يَهُودِيٌّ، أوْ نَصْرانِيٌّ، أوْ كافِرٌ إنْ فَعَلَ كَذا. وَمِنها: أنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ: يا كافِرُ. وَمِنها: أنْ يَقُولَ لِلسُّلْطانِ: مَلِكُ المُلُوكِ. وعَلى قِياسِهِ قاضِي القُضاةِ. وَمِنها: أنْ يَقُولَ: السَّيِّدُ لِغُلامِهِ وجارِيَتِهِ: عَبْدِي، وأمَتِي، ويَقُولَ: الغُلامُ لِسَيِّدِهِ: رَبِّي، ولْيَقُلِ السَّيِّدُ: فَتايَ وفَتاتِي، ولْيَقُلِ الغُلامُ: سَيِّدِي وسَيِّدَتِي. وَمِنها: سَبُّ الرِّيحِ إذا هَبَّتْ، بَلْ يَسْألُ اللَّهَ خَيْرَها، وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، ويَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ. وَمِنها: سَبُّ الحُمّى، نَهى عَنْهُ، وقالَ «إنَّها تُذْهِبُ خَطايا بَنِي آدَمَ، كَما يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ». وَمِنها: النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدِّيكِ، صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلاةِ». وَمِنها: الدُّعاءُ بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ، والتَّعَزِّي بِعَزائِهِمْ، كالدُّعاءِ إلى القَبائِلِ والعَصَبِيَّةِ لَها ولِلْأنْسابِ، ومِثْلُهُ التَّعَصُّبُ لِلْمَذاهِبِ، والطَّرائِقِ، والمَشايِخِ، وتَفْضِيلُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ بِالهَوى والعَصَبِيَّةِ، وكَوْنُهُ مُنْتَسِبًا إلَيْهِ، فَيَدْعُو إلى ذَلِكَ ويُوالِي عَلَيْهِ، ويُعادِي عَلَيْهِ، ويَزِنُ النّاسَ بِهِ، كُلُّ هَذا مِن دَعْوى الجاهِلِيَّةِ. وَمِنها: تَسْمِيَةُ العِشاءِ بِالعَتَمَةِ تَسْمِيَةً غالِبَةً يُهْجَرُ فِيها لَفْظُ العِشاءِ. وَمِنها: النَّهْيُ عَنْ سِبابِ المُسْلِمِ، وأنْ يَتَناجى اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ. وأنْ تُخْبِرَ المَرْأةُ زَوْجَها بِمَحاسِنِ امْرَأةٍ أُخْرى. وَمِنها: أنْ يَقُولَ في دُعائِهِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ وارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ ". وَمِنها: الإكْثارُ مِنَ الحَلِفِ. وَمِنها: كَراهَةُ أنْ يَقُولَ: قَوْسُ قُزَحَ لِهَذا الَّذِي يُرى في السَّماءِ. وَمِنها: أنْ يَسْألَ أحَدًا بِوَجْهِ اللَّهِ. وَمِنها: أنْ يُسَمِّيَ المَدِينَةَ بِيَثْرِبَ. وَمِنها: أنْ يُسْألَ الرَّجُلُ فِيمَ ضَرَبَ امْرَأتَهُ إلّا إذا دَعَتِ الحاجَةُ إلى ذَلِكَ. وَمِنها أنْ يَقُولَ: صُمْتُ رَمَضانَ كُلَّهُ أوْ قُمْتُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. فَصْلٌ وَمِنَ الألْفاظِ المَكْرُوهَةِ الإفْصاحُ عَنِ الأشْياءِ الَّتِي يَنْبَغِي الكِنايَةُ عَنْها بِأسْمائِها الصَّرِيحَةِ. وَمِنها: أنْ يَقُولَ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ، وأدامَ أيّامَكَ، وعِشْتَ ألْفَ سَنَةٍ ونَحْوُ ذَلِكَ. وَمِنها: أنْ يَقُولَ الصّائِمُ: وحَقِّ الَّذِي خاتَمُهُ عَلى فَمِ الكافِرِ. وَمِنها: أنْ يَقُولَ لِلْمُكُوسِ: حُقُوقًا. وأنْ يَقُولَ لِما يُنْفِقُهُ في طاعَةِ اللَّهِ: غَرِمْتُ أوْ خَسِرْتُ كَذا وكَذا: وأنْ يَقُولَ أنْفَقْتُ في هَذِهِ الدُّنْيا مالًا كَثِيرًا. وَمِنها: أنْ يَقُولَ المُفْتِي: أحَلَّ اللَّهُ كَذا، وحَرَّمَ اللَّهُ كَذا في المَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ، وإنَّما يَقُولُهُ فِيما ورَدَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ. وَمِنها: أنْ يُسَمِّيَ أدِلَّةَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ ظَواهِرَ لَفْظِيَّةً ومَجازاتٍ، فَإنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ تُسْقِطُ حُرْمَتَها مِنَ القُلُوبِ، ولا سِيَّما إذا أضافَ إلى ذَلِكَ تَسْمِيَةَ شُبَهِ المُتَكَلِّمِينَ والفَلاسِفَةِ قَواطِعَ عَقْلِيَّةً، فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَمْ حَصَلَ بِهاتَيْنِ التَّسْمِيَتَيْنِ مِن فَسادٍ في العُقُولِ والأدْيانِ، والدُّنْيا والدِّينِ. وَمِنها: أنْ يُحَدِّثَ الرَّجُلُ بِجِماعِ أهْلِهِ، وما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها، كَما يَفْعَلُهُ السَّفَلَةُ. وَمِمّا يُكْرَهُ مِنَ الألْفاظِ: زَعَمُوا وذَكَرُوا، وقالُوا، ونَحْوُهُ. وَمِمّا يُكْرَهُ مِنها أنْ يَقُولَ لِلسُّلْطانِ: خَلِيفَةُ اللَّهِ أوْ نائِبُ اللَّهِ في أرْضِهِ، فَإنَّ الخَلِيفَةَ والنّائِبَ إنَّما يَكُونُ عَنْ غائِبٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلِيفَةُ الغائِبِ في أهْلِهِ، ووَكِيلُ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ. (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الحَذَرِ مِن طُغْيانِ " أنا "، " ولِي "، " وعِنْدِي " فَإنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ ابْتُلِيَ بِها إبْلِيسُ وفرعون، وقارون، (فَأنا خَيْرٌ مِنهُ) لِإبْلِيسَ، و﴿لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١] لفرعون، و﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] لقارون. وَأحْسَنُ ما وُضِعَتْ " أنا " في قَوْلِ العَبْدِ: أنا العَبْدُ المُذْنِبُ، المُخْطِئُ، المُسْتَغْفِرُ، المُعْتَرِفُ ونَحْوِهِ. " ولِي "، في قَوْلِهِ: لِيَ الذَّنْبُ، ولِيَ الجُرْمُ، ولِيَ المَسْكَنَةُ، ولِيَ الفَقْرُ والذُّلُّ: " وعِنْدِي " في قَوْلِهِ: " اغْفِرْ لِي جِدِّي، وهَزْلِي، وخَطَئِي، وعَمْدِي، وكُلَّ ذَلِكَ عِنْدِي ".

القصص 28:83

(قاعِدَة) طالب الله والدّار الآخِرَة لا يَسْتَقِيم لَهُ سيره وطَلَبه إلّا بحبسين، حبس قلبه في طلبه ومطلوبه وحبسه عَن الِالتِفات إلى غَيره وحبس لِسانه عَمّا لا يُفِيد وحبسه على ذكر الله وما يزِيد في إيمانه ومعرفته وحبس جوارحه عَن المعاصِي والشهوات وحبسها على الواجِبات والمندوبات فَلا يُفارق الحَبْس حَتّى يلقى ربه فيخلصه من السجْن إلى أوسع فضاء وأطيبه ومَتى لم يصبر على هذَيْن الحبسين وفر مِنهُما إلى فضاء الشَّهَوات أعقبه ذَلِك الحَبْس الفظيع عند خُرُوجه من الدُّنْيا فَكل خارج من الدُّنْيا إمّا متخلص من الحَبْس وإمّا ذاهِب إلى الحَبْس وبِاللَّهِ التَّوْفِيق. (فصل) أصل الأخْلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة، وأصل الأخْلاق المحمودة كلها الخُشُوع وعلو الهمة فالفخر والبطر والأشر والعجب والحسد والبَغي والخُيَلاء والظُّلم والقَسْوَة والتجبر والإعراض وإباء قبُول النَّصِيحَة والاستئثار وطلب العُلُوّ وحب الجاه والرئاسة وأن يحمد بِما لم يفعل وأمثال ذَلِك كلها ناشئة من الكبر وأما الكَذِب والخسة والخيانة والرياء والمَكْر والخديعة والطمع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل والذل لغير الله واستبدال الَّذِي هو أدنى بِالَّذِي هو خير ونَحْو ذَلِك فَإنَّها من المهانة والدناءة وصغر النَّفس. وَأما الأخْلاق الفاضلة كالصبر والشجاعة والعدْل والمروءة والعفة والصيانة والجود والحلم والعَفو والصفح والِاحْتِمال والإيثار وعزة النَّفس عَن الدناآت والتواضع والقناعة والصدق والأخلاق والمكافأة على الإحْسان بِمثلِهِ أو أفضل والتغافل عَن زلات النّاس وترك الانشغال بِما لا يعنيه وسلامة القلب من تِلْكَ الأخْلاق المذمومة ونَحْو ذَلِك فَكلها ناشئة عَن الخُشُوع وعلو الهمة والله سُبْحانَهُ أخبر عَن الأرْض بِأنَّها تكون خاشعة ثمَّ ينزل عَلَيْها الماء فتهتز وتربو وتَأْخُذ زينتها وبهجتها فَكَذَلِك المَخْلُوق مِنها إذا أصابَهُ حَظه من التَّوْفِيق. وَأما النّار فطبعها العُلُوّ والإفساد ثمَّ تخمد فَتَصِير أحْقَر شَيْء وأذله، وكَذَلِكَ المَخْلُوق مِنها فَهي دائِما بَين العُلُوّ إذا هاجَتْ واضطربت وبَين الخسة والدناءة إذا خمدت وسكنت، والأخلاق المذمومة تابِعَة للنار والمخلوق مِنها، والأخلاق الفاضلة تابِعَة للْأرْض والمخلوق مِنها فَمن علت همته وخشعت نَفسه اتّصف بِكُل خلق جميل ومن دنت همته وطغت نَفسه اتّصف بِكُل خلق رذيل.

القصص 28:86

[فَصْلٌ تَعْرِيفُ المُرادِ] قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": بابُ المُرادِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ في هَذا العِلْمِ جَعَلُوا المُرِيدَ والمُرادَ اثْنَيْنِ. وجَعَلُوا مَقامَ المُرادِ فَوْقَ مَقامِ المُرِيدِ وإنَّما أشارُوا بِاسْمِ المُرادِ إلى الضَّنائِنِ الَّذِينَ ورَدَ فِيهِمُ الخَبَرُ. قُلْتُ: وجْهُ اسْتِشْهادِهِ بِالآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ألْقى إلى رَسُولِهِ كِتابَهُ، وخَصَّهُ بِكَرامَتِهِ. وأهَّلَهُ لِرِسالَتِهِ ونُبُوَّتِهِ. مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ عَلى رَجاءٍ، أوْ نالَهُ بِكَسْبٍ، أوْ تَوَسَّلَ إلَيْهِ بِعَمَلٍ، بَلْ هو أمْرٌ أُرِيدَ بِهِ. فَهو المُرادُ حَقِيقَةً. وَقَوْلُهُ: إنْ أكْثَرَهم جَعَلُوا المُرِيدَ والمُرادَ اثْنَيْنِ فَهو تَعَرُّضٌ إلى أنَّ مِنهم مَنِ اكْتَفى عَنْ ذِكْرِ مَقامِ المُرادِ بِمَنزِلَةِ الإرادَةِ لِأنَّ صاحِبَها مُرِيدٌ مُرادٌ. وَقَدْ مَثَّلَ لِلْمُرِيدِ والمُرادِ بِقَوْمٍ بَعَثَ إلَيْهِمْ سُلْطانُهم يَسْتَدْعِيهِمْ إلى حَضْرَتِهِ مِن بِلادٍ نائِيَةٍ، وأرْسَلَ إلَيْهِمْ بِالأدِلَّةِ والأمْوالِ، والمَراكِبِ وأنْواعِ الزّادِ. وأمَرَهم بِأنْ يَتَجَشَّمُوا إلَيْهِ قَطْعَ السُّبُلِ والمَفاوِزِ. وأنْ يَجْتَهِدُوا في المَسِيرِ حَتّى يَلْحَقُوا بِهِ. وبَعَثَ خَيْلًا لَهُ ومَمالِيكَ إلى طائِفَةٍ مِنهم. فَقالَ: احْمِلُوهم عَلى هَذِهِ الخَيْلِ الَّتِي تَسْبِقُ الرِّكابَ. واخْدُمُوهم في طَرِيقِهِمْ. ولا تَدَعُوهم يُعانُونَ مُؤْنَةَ الشَّدِّ والرَّبْطِ، بَلْ إذا نَزَلُوا فَأرِيحُوهم. ثُمَّ احْمِلُوهم حَتّى تُقَدِّمُوهم عَلَيَّ. فَلَمْ يَجِدْ هَؤُلاءِ مِن مُجاهَدَةِ السَّيْرِ، ومُكابَدَتِهِ، ووَعْثاءِ السَّفَرِ ما وجَدَهُ غَيْرُهم. وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: المُرِيدُ يَنْتَقِلُ مِن مَنزِلَةِ الإرادَةِ إلى أنْ يَصِيرَ مُرادًا فَكانَ مُحِبًّا. فَصارَ مَحْبُوبًا. فَكُلُّ مُرِيدٍ صادِقٍ نِهايَةُ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ مُرادًا. وأكْثَرُهم عَلى هَذا. وَصاحِبُ " المَنازِلِ " كَأنَّ عِنْدَهُ المُرادَ هو المَجْذُوبُ، والمُرِيدَ هو السّالِكُ عَلى طَرِيقِ الجادَّةِ. [دَرَجاتُ المُرادِ] [فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الأُولى أنْ يَعْصِمَ العَبْدَ] قالَ: ولِلْمُرادِ ثَلاثُ دَرَجاتٍ: الأُولى: أنْ يَعْصِمَ العَبْدَ. وهو مُسْتَشْرِفٌ لِلْجَفاءِ، اضْطِرارًا بِتَنْغِيصِ الشَّهَواتِ، وتَعْوِيقِ المَلاذِ، وسَدِّ مَسالِكِ المَعاطِبِ عَلَيْهِ إكْراهًا. يَعْنِي: أنَّ العَبْدَ إذا اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ لِلْجَفاءِ بَيْنَهُ وبَيْنَ سَيِّدِهِ - بِمُوافَقَةِ شَهَواتِهِ - عَصَمَهُ سَيِّدُهُ اضْطِرارًا، بِأنْ يُنَغِّصَ عَلَيْهِ الشَّهَواتِ. فَلا تَصْفُو لَهُ ألْبَتَّةَ. بَلْ لا يَنالُ ما يَنالُ مِنها إلّا مَشُوبًا بِأنْواعِ التَّنْغِيصِ، الَّذِي رُبَّما أرْبى عَلى لَذَّتِها واسْتَهْلَكَها، بِحَيْثُ تَكُونُ اللَّذَّةُ في جَنْبِ التَّنْغِيصِ كالخِلْسَةِ والغَفْوَةِ، وكَذَلِكَ يَعُوقُ المَلاذَ عَلَيْهِ بِأنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَها، حَتّى لا يَرْكَنَ إلَيْها، ولا يَطْمَئِنَّ إلَيْها ويُساكِنَها. فَيَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أسْبابِها. فَإنْ هُيِّئَتْ لَهُ قُيِّضَ لَهُ مُدافِعٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اسْتِيفائِها، فَيَقُولُ: مِن أيْنَ دُهِيتَ؟ وإنَّما هي عَيْنُ العِنايَةِ والحَمِيَّةِ والصِّيانَةِ. وَكَذَلِكَ يَسُدُّ عَنْهُ طُرُقَ المَعاصِي. فَإنَّها طُرُقُ المَعاطِبِ. وإنْ كانَ كارِهًا، عِنايَةً بِهِ، وصِيانَةً لَهُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ أنْ يَضَعَ عَنِ العَبْدِ عَوارِضَ النَّقْصِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَضَعَ عَنِ العَبْدِ عَوارِضَ النَّقْصِ ويُعافِيَهُ مِن سِمَةِ اللّائِمَةِ. ويُمَلِّكَهُ عَواقِبَ الهَفَواتِ. كَما فَعَلَ بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قَتَلَ الخَيْلَ فَحَمَلَهُ عَلى الرِّيحِ الرُّخاءِ. فَأغْناهُ عَنِ الخَيْلِ. وفَعَلَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ. ولَمْ يَعْتِبْ عَلَيْهِ كَما عَتَبَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُوحٍ، وداوُدَ، ويُونُسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ والَّتِي قَبْلَها: أنَّ في الَّتِي قَبْلَها مَنعًا مِن مُواقَعَةِ أسْبابِ الجَفاءِ اضْطِرارًا. وَفِي هَذِهِ: إذا عَرَضَتْ لَهُ أسْبابُ النَّقِيصَةِ، الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْها اللّائِمَةَ، لَمْ يَعْتِبْهُ عَلَيْها ولَمْ يَلُمْهُ. وَهَذا نَوْعٌ مِنَ الدَّلالِ. وصاحِبُهُ مِن ضَنائِنِ اللَّهِ وأحْبابِهِ. فَإنَّ الحَبِيبَ يُسامِحُ بِما لا يُسامِحُ بِهِ سِواهُ. لِأنَّ المَحَبَّةَ أكْبَرُ شُفَعائِهِ. وإذا هَفا هَفْوَةً مَلَّكَهُ عاقِبَتَها، بِأنْ جَعَلَها سَبَبًا لِرِفْعَتِهِ، وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ. فَيَجْعَلَ تِلْكَ الهَفْوَةَ سَبَبًا لِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ. وذُلٍّ خاصٍّ، وانْكِسارٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأعْمالٍ صالِحَةٍ تَزِيدُ في قُرْبِهِ مِنهُ أضْعافَ ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الهَفْوَةِ. فَتَكُونُ تِلْكَ الهَفْوَةُ أنْفَعَ لَهُ مِن حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ. وهَذا مِن عَلاماتِ اعْتِناءِ اللَّهِ بِالعَبْدِ، وكَوْنِهِ مِن أحْبابِهِ وحِزْبِهِ. وَقَدِ اسْتَشْهَدَ الشَّيْخُ بِقِصَّةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ألْهَتْهُ الخَيْلُ عَنْ صَلاةِ العَصْرِ. فَأخَذَتْهُ الغَضْبَةُ لِلَّهِ والحَمِيَّةُ. فَحَمَلَتْهُ عَلى أنْ مَسَحَ عَراقِيبَها وأعْناقَها بِالسَّيْفِ. وأتْلَفَ مالًا شَغَلَهُ عَنِ اللَّهِ في اللَّهِ. فَعَوَّضَهُ اللَّهُ مِنهُ: أنْ حَمَلَهُ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ. فَمَلَّكَهُ اللَّهُ تَعالى عاقِبَةَ هَذِهِ الهَفْوَةِ. وجَعَلَها سَبَبًا لِنَيْلِ تِلْكَ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ. واسْتَشْهَدَ بِقِصَّةِ مُوسى ﷺ، حِينَ ألْقى الألْواحَ - وفِيها كَلامُ اللَّهِ - عَنْ رَأْسِهِ، وكَسَرَها، وجَرَّ بِلِحْيَةِ أخِيهِ. وهو نَبِيٌّ مِثْلُهُ، ولَمْ يُعاتِبْهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، كَما عَتَبَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْلِ لُقْمَةٍ مِنَ الشَّجَرَةِ، وعَلى نُوحٍ في ابْنِهِ حِينَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُنْجِيَهُ. وعَلى داوُدَ في شَأْنِ امْرَأةِ أُورْيا. وَعَلى يُونُسَ في شَأْنِ المُغاضَبَةِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: وكَذَلِكَ لَطَمَ مُوسى عَيْنَ مَلَكِ المَوْتِ فَفَقَأها. ولَمْ يَعْتِبْ عَلَيْهِ رَبُّهُ. وفي لَيْلَةِ الإسْراءِ عاتَبَ رَبَّهُ في النَّبِيِّ ﷺ. إذْ رَفَعَهُ فَوْقَهُ، ورَفَعَ صَوْتَهُ بِذَلِكَ. ولَمْ يَعْتِبْهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ. قالَ: لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قامَ تِلْكَ المَقاماتِ العَظِيمَةِ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُ هَذا الدِّلالَ. فَإنَّهُ قاوَمَ فِرْعَوْنَ أكْبَرَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى. وتَصَدّى لَهُ ولِقَوْمِهِ. وعالَجَ بَنِي إسْرائِيلَ أشَدَّ المُعالَجَةِ. وجاهَدَ في اللَّهِ أعْداءَ اللَّهِ أشَدَّ الجِهادِ. وكانَ شَدِيدَ الغَضَبِ لِرَبِّهِ، فاحْتَمَلَ لَهُ ما لَمْ يَحْتَمِلْهُ لِغَيْرِهِ. وَذُو النُّونِ لَمّا لَمْ يَكُنْ في هَذا المَقامِ: سَجَنَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِن غَضَبِهِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدَرًا. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ اجْتِباءُ الحَقِّ عَبْدَهُ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: اجْتِباءُ الحَقِّ عَبْدَهُ. واسْتِخْلاصُهُ إيّاهُ بِخالِصَتِهِ. كَما ابْتَدَأ مُوسى، وقَدْ خَرَجَ يَقْتَبِسُ نارًا، فاصْطَنَعَهُ لِنَفْسِهِ. وأبْقى مِنهُ رَسْمًا مُعارًا. قُلْتُ: الِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ، والإيثارُ. والتَّخْصِيصُ. وهو افْتِعالُ مِن جَبَيْتُ الشَّيْءَ: إذا حُزْتَهُ وأحْرَزْتَهُ إلَيْكَ. كَجِبايَةِ المالِ وغَيْرِهِ. والِاصْطِناعُ أيْضًا الِاصْطِفاءُ، والِاخْتِيارُ، يَعْنِي أنَّهُ اصْطَفى مُوسى واسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ. وجَعَلَهُ خالِصًا لَهُ مِن غَيْرِ سَبَبٍ كانَ مِن مُوسى، ولا وسِيلَةٍ. فَإنَّهُ خَرَجَ لِيَقْتَبِسَ النّارَ. فَرَجَعَ وهو كَلِيمُ الواحِدِ القَهّارِ. وأكْرَمُ الخَلْقِ عَلَيْهِ، ابْتِداءً مِنهُ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ سابِقَةِ اسْتِحْقاقٍ، ولا تَقَدُّمِ وسِيلَةٍ. وفي مِثْلِ هَذا قِيلَ: ؎أيُّها العَبْدُ، كُنْ لِما لَسْتَ تَرْجُو ∗∗∗ مِن صَلاحٍ أرْجى لِما أنْتَ راجِي ؎إنَّ مُوسى أتى لِيَقْبِسَ نارًا ∗∗∗ مِن ضِياءٍ رَآهُ واللَيْلُ داجِي ؎فانْثَنى راجِعًا، وقَدْ كَلَّمَهُ اللَّ ∗∗∗ هُ، وناجاهُ وهْوَ خَيْرُ مُناجِي وَقَوْلُهُ: وأبْقى مِنهُ رَسْمًا مُعارًا. يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالرَّسْمِ: البَقِيَّةَ الَّتِي تَقَدَّمَ بِها عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ. ورُفِعَ فَوْقَهُ بِدَرَجاتٍ لِأجْلِ بَقائِها مِنهُ. وَيُحْتَمَلُ - وهو الأظْهَرُ - أنَّهُ أخَذَهُ مِن نَفْسِهِ، واصْطَنَعَهُ لِنَفْسِهِ. واخْتارَهُ مِن بَيْنِ العالَمِينَ. وخَصَّهُ بِكَلامِهِ، ولَمْ يُبْقِ لَهُ مِن نَفْسِهِ إلّا رَسْمًا مُجَرَّدًا يَصْحَبُ بِهِ الخَلْقَ، وتَجْرِي عَلَيْهِ فِيهِ أحْكامُ البَشَرِيَّةِ. إتْمامًا لِحِكْمَتِهِ، وإظْهارًا لِقُدْرَتِهِ. فَهو عارِيَةٌ مَعَهُ. فَإذا قَضى ما عَلَيْهِ: اسْتَرَدَّ ذَلِكَ الرَّسْمَ. وجَعَلَهُ مِن مالِهِ. فَتَكَمَّلَتْ إذْ ذاكَ مَرْتَبَةُ الِاجْتِباءِ. ظاهِرًا وباطِنًا، حَقِيقَةً ورَسْمًا، ورَجَعَتِ العارِيَةُ إلى مالِكِها الحَقِّ، الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ الأمْرُ كُلُّهُ. فَكَما ابْتَدَأتْ مِنهُ عادَتْ إلَيْهِ. وَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ في مَظْهَرِ الجَلالِ، ولِهَذا كانَتْ شَرِيعَتُهُ شَرِيعَةَ جَلالٍ وقَهْرٍ. أُمِرُوا بِقَتْلِ نُفُوسِهِمْ، وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، وذَواتُ الظُّفُرِ وغَيْرُها مِنَ الطَّيِّباتِ، وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ. وعُجِّلَ لَهم مِنَ العُقُوباتِ ما عُجِّلَ وحُمِّلُوا مِنَ الآصارِ والأغْلالِ، ما لَمْ يَحْمِلْهُ غَيْرُهم. وَكانَ مُوسى ﷺ مَن أعْظَمِ خَلْقِ اللَّهِ هَيْبَةً ووَقارًا. وأشَدِّهِمْ بَأْسًا وغَضَبًا لِلَّهِ، وبَطْشًا بِأعْداءِ اللَّهِ، وكانَ لا يُسْتَطاعُ النَّظَرُ إلَيْهِ. وَعِيسى ﷺ: كانَ في مَظْهَرِ الجَمالِ. وكانَتْ شَرِيعَتُهُ شَرِيعَةَ فَضْلٍ وإحْسانٍ. وكانَ لا يُقاتِلُ، ولا يُحارِبُ. ولَيْسَ في شَرِيعَتِهِ قِتالٌ ألْبَتَّةَ. والنَّصارى يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ دِينُهُمُ القِتالَ. وهم بِهِ عُصاةٌ لِشَرْعِهِ. فَإنَّ الإنْجِيلَ يَأْمُرُهم فِيهِ: أنَّ مِن لَطَمَكَ عَلى خَدِّكَ الأيْمَنِ، فَأدِرْ لَهُ خَدَّكَ الأيْسَرَ. ومَن نازَعَكَ ثَوْبَكَ. فَأعْطِهِ رِداءَكَ. ومَن سَخَّرَكَ مِيلًا. فامْشِ مَعَهُ مِيلَيْنِ. ونَحْوَ هَذا. ولَيْسَ في شَرِيعَتِهِمْ مَشَقَّةٌ، ولا آصارٌ، ولا أغْلالٌ، وإنَّما النَّصارى ابْتَدَعُوا تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ. ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِمْ. وَأمّا نَبِيُّنا ﷺ: فَكانَ في مَظْهَرِ الكَمالِ، الجامِعِ لِتِلْكَ القُوَّةِ والعَدْلِ، والشِّدَّةِ في اللَّهِ. وهَذا اللِّينِ والرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ. وشَرِيعَتُهُ أكْمَلُ الشَّرائِعِ. فَهو نَبِيُّ الكَمالِ، وشَرِيعَتُهُ شَرِيعَةُ الكَمالِ. وأُمَّتُهُ أكْمَلُ الأُمَمِ. وأحْوالُهم ومَقاماتُهم أكْمَلُ الأحْوالِ والمَقاماتِ. ولِذَلِكَ تَأْتِي شَرِيعَتُهُ بِالعَدْلِ إيجابًا لَهُ وفَرْضًا. وبِالفَضْلِ نَدْبًا إلَيْهِ واسْتِحْبابًا. وبِالشِّدَّةِ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ. وبِاللِّينِ في مَوْضِعِ اللِّينِ. وَوُضِعَ السَّيْفُ مَوْضِعَهُ. ووُضِعَ النَّدى مَوْضِعَهُ. فَ يَذْكُرَ الظُّلْمَ. ويُحَرِّمَهُ. والعَدْلَ ويُوجِبُهُ. والفَضْلَ ويَنْدُبُ إلَيْهِ في بَعْضِ آياتٍ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَهَذا عَدْلٌ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فَهَذا فَضْلٌ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ فَهَذا تَحْرِيمٌ لِلظُّلْمِ. وَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فَهَذا إيجابٌ لِلْعَدْلِ، وتَحْرِيمٌ لِلظُّلْمِ ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ نَدَبَ إلى الفَضْلِ. وَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُؤُسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ تَحْرِيمٌ لِلظُّلْمِ. ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ عَدْلٌ. ﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَضْلٌ. وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ ما حَرَّمَ عَلى أُمَّتِهِ صِيانَةً وحِمْيَةً. حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ خَبِيثٍ وضارٍّ، وأباحَ لَهم كُلُّ طَيِّبٍ ونافِعٍ. فَتَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ، وعَلى مَن قَبْلَهم لَمْ يَخْلُ مِن عُقُوبَةٍ. وَهَداهم لِما ضَلَّتْ عَنْهُ الأُمَمُ قَبْلَهم. ووَهَبَ لَهم مِن عِلْمِهِ وحِلْمِهِ. وَجَعَلَهم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ. وكَمَّلَ لَهم مِنَ المَحاسِنِ ما فَرَّقَهُ في الأُمَمِ قَبْلَهم. كَما كَمَّلَ نَبِيَّهم ﷺ مِنَ المَحاسِنِ بِما فَرَّقَهُ في الأنْبِياءِ قَبْلَهُ. وَكَمَّلَ في كِتابِهِ مِنَ المَحاسِنِ بِما فَرَّقَها في الكُتُبِ قَبْلَهُ. وكَذَلِكَ في شَرِيعَتِهِ. فَهَؤُلاءِ الضَّنائِنُ وهُمُ المُجْتَبُونَ الأخْيارُ. كَما قالَ تَعالى ﴿هُوَ اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وجَعَلَهم شُهَداءَ عَلى النّاسِ. فَأقامَهم في ذَلِكَ مَقامَ الأنْبِياءِ الشّاهِدِينَ عَلى أُمَمِهِمْ. وَتَفْصِيلُ تَفْضِيلِ هَذِهِ الأُمَّةِ وخَصائِصِها يَسْتَدْعِي سِفْرًا. بَلْ أسْفارًا. وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.

العنكبوت 29:2

(فصل) وَقَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ - ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣] ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ - مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ - ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ - والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ - ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ - ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١-١١]. فَلْيَتَأمَّلِ العَبْدُ سِياقَ هَذِهِ الآياتِ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ العِبَرِ وكُنُوزِ الحِكَمِ، فَإنَّ النّاسَ إذا أُرْسِلَ إلَيْهِمِ الرُّسُلُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يَقُولَ أحَدُهُمْ: آمَنّا، وإمّا ألّا يَقُولَ ذَلِكَ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى السَّيِّئاتِ والكُفْرِ، فَمَن قالَ: آمَنّا امْتَحَنَهُ رَبُّهُ وابْتَلاهُ وفَتَنَهُ، والفِتْنَةُ الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ لِيَتَبَيَّنَ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، ومَن لَمْ يَقُلْ آمَنّا فَلا يَحْسِبْ أنَّهُ يُعْجِزُ اللَّهَ ويَفُوتُهُ ويَسْبِقُهُ، فَإنَّهُ إنَّما يَطْوِي المَراحِلَ في يَدَيْهِ. ؎وَكَيْفَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ ∗∗∗ إذا كانَ تُطْوى في يَدَيْهِ المَراحِلُ فَمَن آمَنَ بِالرُّسُلِ وأطاعَهم عاداهُ أعْداؤُهم وآذَوْهُ فابْتُلِيَ بِما يُؤْلِمُهُ، وإنْ لَمْ يُؤْمِن بِهِمْ ولَمْ يُطِعْهم عُوقِبَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَحَصَلَ لَهُ ما يُؤْلِمُهُ، وكانَ هَذا المُؤْلِمُ لَهُ أعْظَمَ ألَمًا وأدْوَمَ مِن ألَمِ اتِّباعِهِمْ، فَلا بُدَّ مِن حُصُولِ الألَمِ لِكُلِّ نَفْسٍ آمَنَتْ أوْ رَغِبَتْ عَنِ الإيمانِ، لَكِنَّ المُؤْمِنَ يَحْصُلُ لَهُ الألَمُ في الدُّنْيا ابْتِداءً، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمُعْرِضُ عَنِ الإيمانِ تَحْصُلُ لَهُ اللَّذَّةُ ابْتِداءً، ثُمَّ يَصِيرُ إلى الألَمِ الدّائِمِ. وَسُئِلَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أيُّما أفْضَلُ لِلرَّجُلِ، أنْ يُمَكَّنَ أوْ يُبْتَلى؟ فَقالَ: لا يُمَكَّنُ حَتّى يُبْتَلى، واللَّهُ تَعالى ابْتَلى أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَمّا صَبَرُوا مَكَّنَهُمْ، فَلا يَظُنُّ أحَدٌ أنَّهُ يَخْلُصُ مِنَ الألَمِ ألْبَتَّةَ، وإنَّما يَتَفاوَتُ أهْلُ الآلامِ في العُقُولِ، فَأعْقَلُهم مَن باعَ ألَمًا مُسْتَمِرًّا عَظِيمًا بِألَمٍ مُنْقَطِعٍ يَسِيرٍ، وأشْقاهم مَن باعَ الألَمَ المُنْقَطِعَ اليَسِيرَ بِالألَمِ العَظِيمِ المُسْتَمِرِّ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَخْتارُ العاقِلُ هَذا؟ قِيلَ: الحامِلُ لَهُ عَلى هَذا النَّقْدُ والنَّسِيئَةُ. والنَّفْسُ مُوَكَّلَةٌ بِحُبِّ العاجِلِ ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الدهر: ٢٧] وهَذا يَحْصُلُ لِكُلِّ أحَدٍ، فَإنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، لا بُدَّ لَهُ أنْ يَعِيشَ مَعَ النّاسِ، والنّاسُ لَهم إراداتٌ وتَصَوُّراتٌ، فَيَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُوافِقَهم عَلَيْها، فَإنْ لَمْ يُوافِقْهم آذَوْهُ وعَذَّبُوهُ، وإنْ وافَقَهُمْ، حَصَلَ لَهُ الأذى والعَذابُ، تارَةً مِنهم وتارَةً مِن غَيْرِهِمْ، كَمَن عِنْدَهُ دِينٌ وتُقًى حَلَّ بَيْنَ قَوْمٍ فُجّارٍ ظَلَمَةٍ ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن فُجُورِهِمْ وظُلْمِهِمْ إلّا بِمُوافَقَتِهِ لَهُمْ، أوْ سُكُوتِهِ عَنْهُمْ، فَإنْ وافَقَهم أوْ سَكَتَ عَنْهم سَلِمَ مِن شَرِّهِمْ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِ بِالإهانَةِ والأذى أضْعافَ ما كانَ يَخافُهُ ابْتِداءً لَوْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وخالَفَهُمْ، وإنْ سَلِمَ مِنهم فَلا بُدَّ أنْ يُهانَ ويُعاقَبَ عَلى يَدِ غَيْرِهِمْ، فالحَزْمُ كُلُّ الحَزْمِ في الأخْذِ بِما قالَتْ عائشة أُمُّ المُؤْمِنِينَ لمعاوية: (مَن أرْضى اللَّهَ بِسَخَطِ النّاسِ كَفاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النّاسِ، ومَن أرْضى النّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ لَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا). وَمَن تَأمَّلَ أحْوالَ العالَمِ رَأى هَذا كَثِيرًا، فِيمَن يُعِينُ الرُّؤَساءَ عَلى أغْراضِهِمِ الفاسِدَةِ، وفِيمَن يُعِينُ أهْلَ البِدَعِ عَلى بِدَعِهِمْ هَرَبًا مِن عُقُوبَتِهِمْ، فَمَن هَداهُ اللَّهُ وألْهَمَهُ رُشْدَهُ ووَقاهُ شَرَّ نَفْسِهِ امْتَنَعَ مِنَ المُوافَقَةِ عَلى فِعْلِ المُحَرَّمِ، وصَبَرَ عَلى عُدْوانِهِمْ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما كانَتْ لِلرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ كالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ومَنِ ابْتُلِيَ مِنَ العُلَماءِ والعُبّادِ وصالِحِي الوُلاةِ والتُّجّارِ، وغَيْرِهِمْ. وَلَمّا كانَ الألَمُ لا مَحِيصَ مِنهُ ألْبَتَّةَ، عَزّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مَنِ اخْتارَ الألَمَ اليَسِيرَ المُنْقَطِعَ عَلى الألَمِ العَظِيمِ المُسْتَمِرِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] فَضَرَبَ لِمُدَّةِ هَذا الألَمِ أجَلًا، لا بُدَّ أنْ يَأْتِيَ، وهو يَوْمُ لِقائِهِ، فَيَلْتَذَّ العَبْدُ أعْظَمَ اللَّذَّةِ بِما تَحَمَّلَ مِنَ الألَمِ مِن أجْلِهِ وفي مَرْضاتِهِ، وتَكُونُ لَذَّتُهُ وسُرُورُهُ وابْتِهاجُهُ بِقَدْرِ ما تَحَمَّلَ مِنَ الألَمِ في اللَّهِ ولِلَّهِ، وأكَّدَ هَذا العَزاءَ والتَّسْلِيَةَ بِرَجاءِ لِقائِهِ لِيَحْمِلَ العَبْدُ اشْتِياقَهُ إلى لِقاءِ رَبِّهِ ووَلِيِّهِ عَلى تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الألَمِ العاجِلِ، بَلْ رُبَّما غَيَّبَهُ الشَّوْقُ إلى لِقائِهِ عَنْ شُهُودِ الألَمِ والإحْساسِ بِهِ، ولِهَذا سَألَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ الشَّوْقَ إلى لِقائِهِ، فَقالَ في الدُّعاءِ الَّذِي رَواهُ أحمد وابْنُ حِبّانَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ عَلى الخَلْقِ، أحْيِنِي إذا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي، وأسْألُكَ خَشْيَتَكَ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضى، وأسْألُكَ القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنى، وأسْألُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وأسْألُكَ الرِّضى بَعْدَ القَضاءِ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، وأسْألُكَ الشَّوْقَ إلى لِقائِكَ في غَيْرِ ضَرّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنّا بِزِينَةِ الإيمانِ، واجْعَلْنا هُداةً مُهْتَدِينَ». فالشَّوْقُ يَحْمِلُ المُشْتاقَ عَلى الجِدِّ في السَّيْرِ إلى مَحْبُوبِهِ، ويُقَرِّبُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، ويَطْوِي لَهُ البَعِيدَ، ويُهَوِّنُ عَلَيْهِ الآلامَ والمَشاقَّ، وهو مِن أعْظَمِ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى عَبْدِهِ، ولَكِنْ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ أقْوالٌ وأعْمالٌ هُما السَّبَبُ الَّذِي تُنالُ بِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ سَمِيعٌ لِتِلْكَ الأقْوالِ، عَلِيمٌ بِتِلْكَ الأفْعالِ، وهو عَلِيمٌ بِمَن يَصْلُحُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ ويَشْكُرُها ويَعْرِفُ قَدْرَها ويُحِبُّ المُنْعِمَ عَلَيْهِ، فَتَصْلُحُ عِنْدَهُ هَذِهِ النِّعْمَةُ، ويَصْلُحُ بِها كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، فَإذا فاتَتِ العَبْدَ نَعْمَةٌ مِن نِعَمِ رَبِّهِ فَلْيَقْرَأْ عَلى نَفْسِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾. ثُمَّ عَزّاهم تَعالى بِعَزاءٍ آخَرَ، وهو أنَّ جِهادَهم فِيهِ إنَّما هو لِأنْفُسِهِمْ، وثَمَرَتُهُ عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، ومَصْلَحَةُ هَذا الجِهادِ تَرْجِعُ إلَيْهِمْ لا إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم بِجِهادِهِمْ وإيمانِهِمْ في زُمْرَةِ الصّالِحِينَ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِ الدّاخِلِ في الإيمانِ بِلا بَصِيرَةٍ، وأنَّهُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ لَهُ كَعَذابِ اللَّهِ، وهي أذاهم لَهُ، ونَيْلُهم إيّاهُ بِالمَكْرُوهِ والألَمِ الَّذِي لا بُدَّ أنْ يَنالَهُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم مِمَّنْ خالَفَهُمْ، جَعَلَ ذَلِكَ في فِرارِهِ مِنهم وتَرْكِهِ السَّبَبَ الَّذِي نالَهُ كَعَذابِ اللَّهِ الَّذِي فَرَّ مِنهُ المُؤْمِنُونَ بِالإيمانِ، فالمُؤْمِنُونَ لِكَمالِ بَصِيرَتِهِمْ فَرُّوا مِن ألَمِ عَذابِ اللَّهِ إلى الإيمانِ، وتَحَمَّلُوا ما فِيهِ مِنَ الألَمِ الزّائِلِ المُفارِقِ عَنْ قَرِيبٍ، وهَذا لِضَعْفِ بَصِيرَتِهِ فَرَّ مِن ألَمِ عَذابِ أعْداءِ الرُّسُلِ إلى مُوافَقَتِهِمْ ومُتابَعَتِهِمْ، فَفَرَّ مِن ألَمِ عَذابِهِمْ إلى ألَمِ عَذابِ اللَّهِ، فَجَعَلَ ألَمَ فِتْنَةِ النّاسِ في الفِرارِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ ألَمِ عَذابِ اللَّهِ، وغُبِنَ كُلَّ الغَبْنِ إذِ اسْتَجارَ مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ، وفَرَّ مِن ألَمِ ساعَةٍ إلى ألَمِ الأبَدِ، وإذا نَصَرَ اللَّهُ جُنْدَهُ وأوْلِياءَهُ قالَ: إنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ، واللَّهُ عَلِيمٌ بِما انْطَوى عَلَيْهِ صَدْرُهُ مِنَ النِّفاقِ. والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَمْتَحِنَ النُّفُوسَ ويَبْتَلِيَها، فَيُظْهِرُ بِالِامْتِحانِ طَيِّبَها مِن خَبِيثِها، ومَن يَصْلُحُ لِمُوالاتِهِ وكَراماتِهِ ومَن لا يَصْلُحُ، ولِيُمَحِّصَ النُّفُوسَ الَّتِي تَصْلُحُ لَهُ، ويُخَلِّصَها بِكِيرِ الِامْتِحانِ، كالذَّهَبِ الَّذِي لا يَخْلُصُ ولا يَصْفُو مِن غِشِّهِ إلّا بِالِامْتِحانِ، إذِ النَّفْسُ في الأصْلِ جاهِلَةٌ ظالِمَةٌ، وقَدْ حَصَلَ لَها بِالجَهْلِ والظُّلْمِ مِنَ الخُبْثِ ما يَحْتاجُ خُرُوجُهُ إلى السَّبْكِ والتَّصْفِيَةِ، فَإنْ خَرَجَ في هَذِهِ الدّارِ وإلّا فَفي كِيرِ جَهَنَّمَ، فَإذا هُذِّبَ العَبْدُ ونُقِّيَ أُذِنَ لَهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ. (فائدة) الفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتنّا الَّذِينَ مِن قَبْلهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. فالفتنة قسمت الناس، إلى صادقٍ وكاذبٍ ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ. فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها. (فصل) وقال في (شفاء العليل) اعلم أن أفضل العطاء وأجله على الإطلاق الإيمان وجزاؤه وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار قال تعالى: ﴿ألم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فذكر سبحانه في هذه السورة أنه لا بد أن يمتحن خلقه ويفتنهم ليتبين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر ومن يشكره ويعبده ممن يكفره ويعرض عنه ويعبد غيره وذكر أحوال الممتحنين في العاجل والآجل وذكر أئمة الممتحنين في الدنيا وهم الرسل وأتباعهم وعاقبة أمرهم وما صاروا إليه وافتتح بالإنكار على من يحسب أنه يتخلص من الامتحان والفتنة في هذه الدار إذا دعى الإيمان وأن حكمته سبحانه وشأنه في خلقه يأبى ذلك وأخبر عن سر هذه الفتنة والمحنة وهو تبيين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي العباد بمجرد علمه فيهم بل بمعلومه إذا وجد وتحقق والفتنة هي التي أظهرته وأخرجته إلى الوجود فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه. ثم أنكر سبحانه على من لم يلتزم الإيمان به ومتابعة رسله خوف الفتنة والمحنة التي يمتحن بها رسله وأتباعهم ظنه وحسبانه أنه بإعراضه عن الإيمان وتصديق رسله يتخلص من الفتنة والمحنة فإن بين يديه من الفتنة والمحنة والعذاب أعظم وأشق مما فر عنه. فإن المكلفين بعد إرسال الرسل إليهم بين أمرين: إما أن يقول أحدهم آمنت، وإما أن لا يقول بل يستمر على السيئات. فمن قال آمنا امتحنه الرب تعالى وابتلاه لتتحقق بالإيمان حجة إيمانه وثباته عليه، وأنه ليس بإيمان عافية ورخاء فقط بل إيمان ثابت في حالتي النعماء والبلاء. ومن لم يؤمن فلا يحسب أنه يعجز ربه تعالى ويفوته بل هو في قبضته وناصيته بيده فله من البلاء أعظم مما ابتلى به من قال آمنت فمن آمن به وبرسله فلا بد أن يبتلي من أعدائه وأعداء رسله بما يؤلمه ويشق عليه ومن لم يؤمن به وبرسله فلا بد أن يعاقبه فيحصل له من الألم والمشقة أضعاف ألم المؤمنين فلا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا أشد ثم ينقطع ويعقبه أعظم اللذة والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداء ثم ينقطع ويعقبه أعظم الألم والمشقة وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات فيلتذون بها ابتداء ثم تعقبها الآلام لم بحسب ما نالوه منها والذين يصبرون عنها ينالون بفقدها ابتداء ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنه وتركوه منها فالألم واللذة أمر ضروري لكل إنسان لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير والآجل الدائم العظيم بون ولهذا كان خاصة العقل النظر في العواقب والغايات فمن ظن أنه يتخلص من الألم بحيث لا يصيبه ألبتة فظنه أكذب الحديث فإن الإنسان خلق عرضة للذة والألم والسرور والحزن والفرح والغم وذلك من جهتين من جهة تركبه وطبيعته وهيئته فإنه مركب من أخلاط متفاوتة متضادة يمتنع أو يعز اعتدالها من كل وجه بل لا بد أن يبغي بعضها على بعض فيخرج عن حد الاعتدال، فيحصل الألم ومن جهة بني جنسه فإنه مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش وحده بل لا يعيش إلا معهم وله ولهم لذاذات ومطالب متضادة ومتعارضة لا يمكن الجمع بينها بل إذا حصل منها شيء فات منها أشياء فهو يريد منهم أن يوافقوه على مطالبه وإرادته وهم يريدون منه ذلك فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة بحسب ما فاته من إرادته وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه وسعوا في تعطيل مراداته كما لم يوافقهم على مراداتهم فيحصل له من الألم والتعذيب بحسب ذلك فهو في ألم ومشقة وعناء وافقهم أو خالفهم ولا سيما إذا كانت موافقتهم على أمور يعلم أنها عقائد باطلة وإرادات فاسدة وأعمال تضره في عواقبها ففي موافقتهم أعظم الألم وفي مخالفتهم حصول الألم فالعقل والدين والمروءة والعلم تأمره باحتمال أخف الألمين تخلصا من أشدهما وبإيثار المنقطع منهما لينجو من الدائم المستمر فمن كان ظهيرا للمجرمين من الظلمة على ظلمهم ومن أهل الأهواء والبدع على أهوائهم وبدعهم ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم وشهواتهم ليتخلص بمظاهرتهم من ألم أذاهم أصابه من ألم الموافقة لهم عاجلا وآجلا أضعاف أضعاف ما فر منه وسنة الله في خلقه أن يعذبهم بإنذار من إيمانهم وظاهرهم وإن صبر على ألم مخالفتهم ومجانبتهم أعقبه ذلك لذة عاجلة وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة وسنة الله في خلقه أن يرفعه عليهم ويذلهم به بحسب صبره وتقواه وتوكله وإخلاصه وإذا كان لا من الألم والعذاب فذلك في الله وفي مرضاته ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس ورضائهم وتحصيل مراداتهم ولما كان زمن التألم والعذاب فصبره طويل فأنفاسه ساعات وساعاته أيام وأيامه شهور وأعوام بلا سبحانه الممتحنين فيه بأن ذلك الابتلاء آجلا ثم ينقطع وضرب لأهله أجلا للقائه يسليهم به ويشكر نفوسهم ويهون عليهم أثقاله فقال: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فإذا تصور العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه وأجل لقاء المبتلي سبحانه وإثباته هان عليه ما هو فيه وخف عليه حمله ثم لما كان ذلك لا يحصل إلا بمجاهدة للنفس وللشيطان ولبني جنسه وكان العامل إذا علم أن ثمرة علمه وتعبه يعود عليه وحده لا يشكره فيه غيره كأن أتم اجتهادا وأوفر سعيا فقال تعالى: ﴿وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وأيضا فلا يتوهم متوهم أن منفعة هذه المجاهدة والصبر والاحتمال يعود على الله سبحانه فإنه غني عن العالمين لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم بل أمرهم بما يعود نفعه ومصلحته عليهم في معاشهم ومعادهم ونهاهم عما يعود مضرته وعتيه عليهم في معاشهم ومعادهم فكانت ثمرة هذا الابتلاء والامتحان مختصة بهم واقتضت حكمته أن نصب ذلك سببا مقضيا إلى يميز الخبيث من الطيب والشقي من الغوي ومن يصلح له ممن لا يصلح قال تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فابتلاهم سبحانه بإرسال الرسل إليهم بأوامره ونواهيه واختياره فامتاز برسله طيبهم من خبيثهم وجيدهم من رديئهم فوقع الثواب والعقاب على معلوم أظهره ذلك الابتلاء والامتحان ثم لما كان الممتحن لا بد أن ينحرف عن طريق الصبر والمجاهدة لدواعي طبيعته وهواه وضعفه عن مقاومة ما ابتلي به وعده سبحانه أن يتجاوز له عن ذلك ويكفره عنه لأنه لما أمر به والتزم طاعته اقتضت رحمته أن كفر عنه سيئاته وجازاه بأحسن أعماله ثم ذكر سبحانه ابتلاء العبد بأبويه وما أمر به من طاعتهما وصبره على مجاهدتهما له على أن لا يشرك به فيصبر على هذه المحنة والفتنة ولا يطيعهما بل يصاحبهما على هذه الحال معروفا ويعرض عنهما إلى متابعة سبيل رسله، وفي الإعراض عنهما وعن سبيلهما والإقبال على من خالفهما وعلى سبيله من الامتحان والابتلاء ما فيه ثم ذكر سبحانه حال من دخل في الإيمان على ضعف عزم وقلة صبر وعدم ثبات على المحنة والابتلاء وأنه إذا أوذي في الله كما جرت به سنة الله واقتضت حكمته من ابتلاء أوليائه بأعدائه وتسليطهم عليهم بأنواع المكاره والأذى لم يصبر على ذلك وجزع منه وفر منه ومن أسبابه كما يفر من عذاب الله فجعل فتنة الناس له على الإيمان وطاعة رسله كعذاب الله لمن يعذبه على الشرك ومخالفة رسله وهذا يدل على عدم البصيرة وأن الإيمان لم يدخل قلبه ولا ذاق حلاوته حتى سوى بين عذاب الله له على الإيمان بالله ورسوله وبين عذاب الله لمن لم يؤمن به وبرسله وهذا حال من يعبد الله على حرف واحد لم ترسخ قدمه في الإيمان وعبادة الله فهو من المفتونين المعذبين وإن فر من عذاب الناس له على الإيمان ثم ذكر حال هذا عند نصرة المؤمنين وأنهم إذا نصروا لجأ إليهم وقال كنت معكم والله سبحانه يعلم من قلبه خلاف قوله ثم ذكر سبحانه ابتلاء نوح بقومه ألف سنة إلا خمسين عاما وابتلاء قومه بطاعته فكذبوه فابتلاهم بالغرق ثم بعده بالخرق ثم ذكر ابتلاء إبراهيم بقومه وما ردوا عليه وابتلاهم بطاعته ومتابعته ثم ذكر ابتلاء لوط بقومه وابتلاءهم به وما صار إليه أمره وأمرهم ثم ذكر ابتلاء شعيب بقومه وابتلاءهم به وما انتهت إليه حالهم وحاله ثم ذكر ما ابتلى به عادا وثمودا وقارون وفرعون وهامان وجنودهم من الإيمان به وعبادته وحده ثم ما ابتلاهم به من أنواع العقوبات ثم ذكر ابتلاء رسوله محمد ﷺ بأنواع الكفار من المشركين وأهل الكتاب وأمره أن يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن ثم أمر عباده المبتلين بأعدائه أن يهاجروا من أرضهم إلى أرضه الواسعة فيعبدونه فيها ثم نبههم بالنقلة الكبرى من دار الدنيا إلى دار الآخرة على نقلتهم الصغرى من أرض إلى أرض وأخبرهم أن مرجعهم إليه فلا قرار لهم في هذه الدار دون لقائه ثم بين لهم حال الصابرين على الابتلاء فيه بأنه يبوؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها فسلاهم عن أرضهم ودارهم التي تركوها لأجله وكانت مباء لهم بأن بوأهم دارا أحسن منها وأجمع لكل خير ولذة ونعيم مع خلود الأبد وأن ذلك بصبرهم على الابتلاء وتوكلهم على ربهم ثم أخبرهم بأنه ضامن لرزقهم في غير أرضهم كما كان يرزقهم في أرضهم فلا يهتموا بحمل الرزق فكم من دابة سافرت من مكان إلى مكان لا تحمل رزقها ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء والامتحان في هذه الدار قصيرة جدا بالنسبة إلى دار الحيوان والبقاء ثم ذكر سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم يؤمن به وأن مقامهم في هذه الدار تمتع وسوف يعلمون عند النقلة منها ما فاتهم من النعيم المقيم وما حصلوا عليه من العذاب الأليم وذكر عاقبة أهل الابتلاء ممن آمن به وأطاع رسله وجاهد نفسه وعدوه في دار الابتلاء ما به هاديه وناصره فأخبر سبحانه أن أجل عطاه وأفضله في الدنيا والآخرة هو لأهل الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه وتوكلوا عليه وأخبر أن أعظم عذابه وأشقه هو للذين لم يصبروا على ابتلائه وفروا منه وآثروا النعيم العاجل عليه فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر فإنها سورة الابتلاء والامتحان وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمها وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان ووسطه صبر وتوكل وآخره هداية ونصر والله المستعان يوضحه.

العنكبوت 29:3

(فصل) وَقَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ - ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣] ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ - مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ - ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ - والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ - ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ - ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١-١١]. فَلْيَتَأمَّلِ العَبْدُ سِياقَ هَذِهِ الآياتِ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ العِبَرِ وكُنُوزِ الحِكَمِ، فَإنَّ النّاسَ إذا أُرْسِلَ إلَيْهِمِ الرُّسُلُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يَقُولَ أحَدُهُمْ: آمَنّا، وإمّا ألّا يَقُولَ ذَلِكَ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى السَّيِّئاتِ والكُفْرِ، فَمَن قالَ: آمَنّا امْتَحَنَهُ رَبُّهُ وابْتَلاهُ وفَتَنَهُ، والفِتْنَةُ الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ لِيَتَبَيَّنَ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، ومَن لَمْ يَقُلْ آمَنّا فَلا يَحْسِبْ أنَّهُ يُعْجِزُ اللَّهَ ويَفُوتُهُ ويَسْبِقُهُ، فَإنَّهُ إنَّما يَطْوِي المَراحِلَ في يَدَيْهِ. ؎وَكَيْفَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ ∗∗∗ إذا كانَ تُطْوى في يَدَيْهِ المَراحِلُ فَمَن آمَنَ بِالرُّسُلِ وأطاعَهم عاداهُ أعْداؤُهم وآذَوْهُ فابْتُلِيَ بِما يُؤْلِمُهُ، وإنْ لَمْ يُؤْمِن بِهِمْ ولَمْ يُطِعْهم عُوقِبَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَحَصَلَ لَهُ ما يُؤْلِمُهُ، وكانَ هَذا المُؤْلِمُ لَهُ أعْظَمَ ألَمًا وأدْوَمَ مِن ألَمِ اتِّباعِهِمْ، فَلا بُدَّ مِن حُصُولِ الألَمِ لِكُلِّ نَفْسٍ آمَنَتْ أوْ رَغِبَتْ عَنِ الإيمانِ، لَكِنَّ المُؤْمِنَ يَحْصُلُ لَهُ الألَمُ في الدُّنْيا ابْتِداءً، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمُعْرِضُ عَنِ الإيمانِ تَحْصُلُ لَهُ اللَّذَّةُ ابْتِداءً، ثُمَّ يَصِيرُ إلى الألَمِ الدّائِمِ. وَسُئِلَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أيُّما أفْضَلُ لِلرَّجُلِ، أنْ يُمَكَّنَ أوْ يُبْتَلى؟ فَقالَ: لا يُمَكَّنُ حَتّى يُبْتَلى، واللَّهُ تَعالى ابْتَلى أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَمّا صَبَرُوا مَكَّنَهُمْ، فَلا يَظُنُّ أحَدٌ أنَّهُ يَخْلُصُ مِنَ الألَمِ ألْبَتَّةَ، وإنَّما يَتَفاوَتُ أهْلُ الآلامِ في العُقُولِ، فَأعْقَلُهم مَن باعَ ألَمًا مُسْتَمِرًّا عَظِيمًا بِألَمٍ مُنْقَطِعٍ يَسِيرٍ، وأشْقاهم مَن باعَ الألَمَ المُنْقَطِعَ اليَسِيرَ بِالألَمِ العَظِيمِ المُسْتَمِرِّ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَخْتارُ العاقِلُ هَذا؟ قِيلَ: الحامِلُ لَهُ عَلى هَذا النَّقْدُ والنَّسِيئَةُ. والنَّفْسُ مُوَكَّلَةٌ بِحُبِّ العاجِلِ ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الدهر: ٢٧] وهَذا يَحْصُلُ لِكُلِّ أحَدٍ، فَإنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، لا بُدَّ لَهُ أنْ يَعِيشَ مَعَ النّاسِ، والنّاسُ لَهم إراداتٌ وتَصَوُّراتٌ، فَيَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُوافِقَهم عَلَيْها، فَإنْ لَمْ يُوافِقْهم آذَوْهُ وعَذَّبُوهُ، وإنْ وافَقَهُمْ، حَصَلَ لَهُ الأذى والعَذابُ، تارَةً مِنهم وتارَةً مِن غَيْرِهِمْ، كَمَن عِنْدَهُ دِينٌ وتُقًى حَلَّ بَيْنَ قَوْمٍ فُجّارٍ ظَلَمَةٍ ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن فُجُورِهِمْ وظُلْمِهِمْ إلّا بِمُوافَقَتِهِ لَهُمْ، أوْ سُكُوتِهِ عَنْهُمْ، فَإنْ وافَقَهم أوْ سَكَتَ عَنْهم سَلِمَ مِن شَرِّهِمْ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِ بِالإهانَةِ والأذى أضْعافَ ما كانَ يَخافُهُ ابْتِداءً لَوْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وخالَفَهُمْ، وإنْ سَلِمَ مِنهم فَلا بُدَّ أنْ يُهانَ ويُعاقَبَ عَلى يَدِ غَيْرِهِمْ، فالحَزْمُ كُلُّ الحَزْمِ في الأخْذِ بِما قالَتْ عائشة أُمُّ المُؤْمِنِينَ لمعاوية: (مَن أرْضى اللَّهَ بِسَخَطِ النّاسِ كَفاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النّاسِ، ومَن أرْضى النّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ لَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا). وَمَن تَأمَّلَ أحْوالَ العالَمِ رَأى هَذا كَثِيرًا، فِيمَن يُعِينُ الرُّؤَساءَ عَلى أغْراضِهِمِ الفاسِدَةِ، وفِيمَن يُعِينُ أهْلَ البِدَعِ عَلى بِدَعِهِمْ هَرَبًا مِن عُقُوبَتِهِمْ، فَمَن هَداهُ اللَّهُ وألْهَمَهُ رُشْدَهُ ووَقاهُ شَرَّ نَفْسِهِ امْتَنَعَ مِنَ المُوافَقَةِ عَلى فِعْلِ المُحَرَّمِ، وصَبَرَ عَلى عُدْوانِهِمْ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما كانَتْ لِلرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ كالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ومَنِ ابْتُلِيَ مِنَ العُلَماءِ والعُبّادِ وصالِحِي الوُلاةِ والتُّجّارِ، وغَيْرِهِمْ. وَلَمّا كانَ الألَمُ لا مَحِيصَ مِنهُ ألْبَتَّةَ، عَزّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مَنِ اخْتارَ الألَمَ اليَسِيرَ المُنْقَطِعَ عَلى الألَمِ العَظِيمِ المُسْتَمِرِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] فَضَرَبَ لِمُدَّةِ هَذا الألَمِ أجَلًا، لا بُدَّ أنْ يَأْتِيَ، وهو يَوْمُ لِقائِهِ، فَيَلْتَذَّ العَبْدُ أعْظَمَ اللَّذَّةِ بِما تَحَمَّلَ مِنَ الألَمِ مِن أجْلِهِ وفي مَرْضاتِهِ، وتَكُونُ لَذَّتُهُ وسُرُورُهُ وابْتِهاجُهُ بِقَدْرِ ما تَحَمَّلَ مِنَ الألَمِ في اللَّهِ ولِلَّهِ، وأكَّدَ هَذا العَزاءَ والتَّسْلِيَةَ بِرَجاءِ لِقائِهِ لِيَحْمِلَ العَبْدُ اشْتِياقَهُ إلى لِقاءِ رَبِّهِ ووَلِيِّهِ عَلى تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الألَمِ العاجِلِ، بَلْ رُبَّما غَيَّبَهُ الشَّوْقُ إلى لِقائِهِ عَنْ شُهُودِ الألَمِ والإحْساسِ بِهِ، ولِهَذا سَألَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ الشَّوْقَ إلى لِقائِهِ، فَقالَ في الدُّعاءِ الَّذِي رَواهُ أحمد وابْنُ حِبّانَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ عَلى الخَلْقِ، أحْيِنِي إذا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي، وأسْألُكَ خَشْيَتَكَ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضى، وأسْألُكَ القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنى، وأسْألُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وأسْألُكَ الرِّضى بَعْدَ القَضاءِ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، وأسْألُكَ الشَّوْقَ إلى لِقائِكَ في غَيْرِ ضَرّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنّا بِزِينَةِ الإيمانِ، واجْعَلْنا هُداةً مُهْتَدِينَ». فالشَّوْقُ يَحْمِلُ المُشْتاقَ عَلى الجِدِّ في السَّيْرِ إلى مَحْبُوبِهِ، ويُقَرِّبُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، ويَطْوِي لَهُ البَعِيدَ، ويُهَوِّنُ عَلَيْهِ الآلامَ والمَشاقَّ، وهو مِن أعْظَمِ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى عَبْدِهِ، ولَكِنْ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ أقْوالٌ وأعْمالٌ هُما السَّبَبُ الَّذِي تُنالُ بِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ سَمِيعٌ لِتِلْكَ الأقْوالِ، عَلِيمٌ بِتِلْكَ الأفْعالِ، وهو عَلِيمٌ بِمَن يَصْلُحُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ ويَشْكُرُها ويَعْرِفُ قَدْرَها ويُحِبُّ المُنْعِمَ عَلَيْهِ، فَتَصْلُحُ عِنْدَهُ هَذِهِ النِّعْمَةُ، ويَصْلُحُ بِها كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، فَإذا فاتَتِ العَبْدَ نَعْمَةٌ مِن نِعَمِ رَبِّهِ فَلْيَقْرَأْ عَلى نَفْسِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾. ثُمَّ عَزّاهم تَعالى بِعَزاءٍ آخَرَ، وهو أنَّ جِهادَهم فِيهِ إنَّما هو لِأنْفُسِهِمْ، وثَمَرَتُهُ عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، ومَصْلَحَةُ هَذا الجِهادِ تَرْجِعُ إلَيْهِمْ لا إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم بِجِهادِهِمْ وإيمانِهِمْ في زُمْرَةِ الصّالِحِينَ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِ الدّاخِلِ في الإيمانِ بِلا بَصِيرَةٍ، وأنَّهُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ لَهُ كَعَذابِ اللَّهِ، وهي أذاهم لَهُ، ونَيْلُهم إيّاهُ بِالمَكْرُوهِ والألَمِ الَّذِي لا بُدَّ أنْ يَنالَهُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم مِمَّنْ خالَفَهُمْ، جَعَلَ ذَلِكَ في فِرارِهِ مِنهم وتَرْكِهِ السَّبَبَ الَّذِي نالَهُ كَعَذابِ اللَّهِ الَّذِي فَرَّ مِنهُ المُؤْمِنُونَ بِالإيمانِ، فالمُؤْمِنُونَ لِكَمالِ بَصِيرَتِهِمْ فَرُّوا مِن ألَمِ عَذابِ اللَّهِ إلى الإيمانِ، وتَحَمَّلُوا ما فِيهِ مِنَ الألَمِ الزّائِلِ المُفارِقِ عَنْ قَرِيبٍ، وهَذا لِضَعْفِ بَصِيرَتِهِ فَرَّ مِن ألَمِ عَذابِ أعْداءِ الرُّسُلِ إلى مُوافَقَتِهِمْ ومُتابَعَتِهِمْ، فَفَرَّ مِن ألَمِ عَذابِهِمْ إلى ألَمِ عَذابِ اللَّهِ، فَجَعَلَ ألَمَ فِتْنَةِ النّاسِ في الفِرارِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ ألَمِ عَذابِ اللَّهِ، وغُبِنَ كُلَّ الغَبْنِ إذِ اسْتَجارَ مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ، وفَرَّ مِن ألَمِ ساعَةٍ إلى ألَمِ الأبَدِ، وإذا نَصَرَ اللَّهُ جُنْدَهُ وأوْلِياءَهُ قالَ: إنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ، واللَّهُ عَلِيمٌ بِما انْطَوى عَلَيْهِ صَدْرُهُ مِنَ النِّفاقِ. والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَمْتَحِنَ النُّفُوسَ ويَبْتَلِيَها، فَيُظْهِرُ بِالِامْتِحانِ طَيِّبَها مِن خَبِيثِها، ومَن يَصْلُحُ لِمُوالاتِهِ وكَراماتِهِ ومَن لا يَصْلُحُ، ولِيُمَحِّصَ النُّفُوسَ الَّتِي تَصْلُحُ لَهُ، ويُخَلِّصَها بِكِيرِ الِامْتِحانِ، كالذَّهَبِ الَّذِي لا يَخْلُصُ ولا يَصْفُو مِن غِشِّهِ إلّا بِالِامْتِحانِ، إذِ النَّفْسُ في الأصْلِ جاهِلَةٌ ظالِمَةٌ، وقَدْ حَصَلَ لَها بِالجَهْلِ والظُّلْمِ مِنَ الخُبْثِ ما يَحْتاجُ خُرُوجُهُ إلى السَّبْكِ والتَّصْفِيَةِ، فَإنْ خَرَجَ في هَذِهِ الدّارِ وإلّا فَفي كِيرِ جَهَنَّمَ، فَإذا هُذِّبَ العَبْدُ ونُقِّيَ أُذِنَ لَهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ. (فائدة) الفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتنّا الَّذِينَ مِن قَبْلهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. فالفتنة قسمت الناس، إلى صادقٍ وكاذبٍ ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ. فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها. (فصل) وقال في (شفاء العليل) اعلم أن أفضل العطاء وأجله على الإطلاق الإيمان وجزاؤه وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار قال تعالى: ﴿ألم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فذكر سبحانه في هذه السورة أنه لا بد أن يمتحن خلقه ويفتنهم ليتبين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر ومن يشكره ويعبده ممن يكفره ويعرض عنه ويعبد غيره وذكر أحوال الممتحنين في العاجل والآجل وذكر أئمة الممتحنين في الدنيا وهم الرسل وأتباعهم وعاقبة أمرهم وما صاروا إليه وافتتح بالإنكار على من يحسب أنه يتخلص من الامتحان والفتنة في هذه الدار إذا دعى الإيمان وأن حكمته سبحانه وشأنه في خلقه يأبى ذلك وأخبر عن سر هذه الفتنة والمحنة وهو تبيين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي العباد بمجرد علمه فيهم بل بمعلومه إذا وجد وتحقق والفتنة هي التي أظهرته وأخرجته إلى الوجود فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه. ثم أنكر سبحانه على من لم يلتزم الإيمان به ومتابعة رسله خوف الفتنة والمحنة التي يمتحن بها رسله وأتباعهم ظنه وحسبانه أنه بإعراضه عن الإيمان وتصديق رسله يتخلص من الفتنة والمحنة فإن بين يديه من الفتنة والمحنة والعذاب أعظم وأشق مما فر عنه. فإن المكلفين بعد إرسال الرسل إليهم بين أمرين: إما أن يقول أحدهم آمنت، وإما أن لا يقول بل يستمر على السيئات. فمن قال آمنا امتحنه الرب تعالى وابتلاه لتتحقق بالإيمان حجة إيمانه وثباته عليه، وأنه ليس بإيمان عافية ورخاء فقط بل إيمان ثابت في حالتي النعماء والبلاء. ومن لم يؤمن فلا يحسب أنه يعجز ربه تعالى ويفوته بل هو في قبضته وناصيته بيده فله من البلاء أعظم مما ابتلى به من قال آمنت فمن آمن به وبرسله فلا بد أن يبتلي من أعدائه وأعداء رسله بما يؤلمه ويشق عليه ومن لم يؤمن به وبرسله فلا بد أن يعاقبه فيحصل له من الألم والمشقة أضعاف ألم المؤمنين فلا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا أشد ثم ينقطع ويعقبه أعظم اللذة والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداء ثم ينقطع ويعقبه أعظم الألم والمشقة وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات فيلتذون بها ابتداء ثم تعقبها الآلام لم بحسب ما نالوه منها والذين يصبرون عنها ينالون بفقدها ابتداء ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنه وتركوه منها فالألم واللذة أمر ضروري لكل إنسان لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير والآجل الدائم العظيم بون ولهذا كان خاصة العقل النظر في العواقب والغايات فمن ظن أنه يتخلص من الألم بحيث لا يصيبه ألبتة فظنه أكذب الحديث فإن الإنسان خلق عرضة للذة والألم والسرور والحزن والفرح والغم وذلك من جهتين من جهة تركبه وطبيعته وهيئته فإنه مركب من أخلاط متفاوتة متضادة يمتنع أو يعز اعتدالها من كل وجه بل لا بد أن يبغي بعضها على بعض فيخرج عن حد الاعتدال، فيحصل الألم ومن جهة بني جنسه فإنه مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش وحده بل لا يعيش إلا معهم وله ولهم لذاذات ومطالب متضادة ومتعارضة لا يمكن الجمع بينها بل إذا حصل منها شيء فات منها أشياء فهو يريد منهم أن يوافقوه على مطالبه وإرادته وهم يريدون منه ذلك فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة بحسب ما فاته من إرادته وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه وسعوا في تعطيل مراداته كما لم يوافقهم على مراداتهم فيحصل له من الألم والتعذيب بحسب ذلك فهو في ألم ومشقة وعناء وافقهم أو خالفهم ولا سيما إذا كانت موافقتهم على أمور يعلم أنها عقائد باطلة وإرادات فاسدة وأعمال تضره في عواقبها ففي موافقتهم أعظم الألم وفي مخالفتهم حصول الألم فالعقل والدين والمروءة والعلم تأمره باحتمال أخف الألمين تخلصا من أشدهما وبإيثار المنقطع منهما لينجو من الدائم المستمر فمن كان ظهيرا للمجرمين من الظلمة على ظلمهم ومن أهل الأهواء والبدع على أهوائهم وبدعهم ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم وشهواتهم ليتخلص بمظاهرتهم من ألم أذاهم أصابه من ألم الموافقة لهم عاجلا وآجلا أضعاف أضعاف ما فر منه وسنة الله في خلقه أن يعذبهم بإنذار من إيمانهم وظاهرهم وإن صبر على ألم مخالفتهم ومجانبتهم أعقبه ذلك لذة عاجلة وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة وسنة الله في خلقه أن يرفعه عليهم ويذلهم به بحسب صبره وتقواه وتوكله وإخلاصه وإذا كان لا من الألم والعذاب فذلك في الله وفي مرضاته ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس ورضائهم وتحصيل مراداتهم ولما كان زمن التألم والعذاب فصبره طويل فأنفاسه ساعات وساعاته أيام وأيامه شهور وأعوام بلا سبحانه الممتحنين فيه بأن ذلك الابتلاء آجلا ثم ينقطع وضرب لأهله أجلا للقائه يسليهم به ويشكر نفوسهم ويهون عليهم أثقاله فقال: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فإذا تصور العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه وأجل لقاء المبتلي سبحانه وإثباته هان عليه ما هو فيه وخف عليه حمله ثم لما كان ذلك لا يحصل إلا بمجاهدة للنفس وللشيطان ولبني جنسه وكان العامل إذا علم أن ثمرة علمه وتعبه يعود عليه وحده لا يشكره فيه غيره كأن أتم اجتهادا وأوفر سعيا فقال تعالى: ﴿وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وأيضا فلا يتوهم متوهم أن منفعة هذه المجاهدة والصبر والاحتمال يعود على الله سبحانه فإنه غني عن العالمين لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم بل أمرهم بما يعود نفعه ومصلحته عليهم في معاشهم ومعادهم ونهاهم عما يعود مضرته وعتيه عليهم في معاشهم ومعادهم فكانت ثمرة هذا الابتلاء والامتحان مختصة بهم واقتضت حكمته أن نصب ذلك سببا مقضيا إلى يميز الخبيث من الطيب والشقي من الغوي ومن يصلح له ممن لا يصلح قال تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فابتلاهم سبحانه بإرسال الرسل إليهم بأوامره ونواهيه واختياره فامتاز برسله طيبهم من خبيثهم وجيدهم من رديئهم فوقع الثواب والعقاب على معلوم أظهره ذلك الابتلاء والامتحان ثم لما كان الممتحن لا بد أن ينحرف عن طريق الصبر والمجاهدة لدواعي طبيعته وهواه وضعفه عن مقاومة ما ابتلي به وعده سبحانه أن يتجاوز له عن ذلك ويكفره عنه لأنه لما أمر به والتزم طاعته اقتضت رحمته أن كفر عنه سيئاته وجازاه بأحسن أعماله ثم ذكر سبحانه ابتلاء العبد بأبويه وما أمر به من طاعتهما وصبره على مجاهدتهما له على أن لا يشرك به فيصبر على هذه المحنة والفتنة ولا يطيعهما بل يصاحبهما على هذه الحال معروفا ويعرض عنهما إلى متابعة سبيل رسله، وفي الإعراض عنهما وعن سبيلهما والإقبال على من خالفهما وعلى سبيله من الامتحان والابتلاء ما فيه ثم ذكر سبحانه حال من دخل في الإيمان على ضعف عزم وقلة صبر وعدم ثبات على المحنة والابتلاء وأنه إذا أوذي في الله كما جرت به سنة الله واقتضت حكمته من ابتلاء أوليائه بأعدائه وتسليطهم عليهم بأنواع المكاره والأذى لم يصبر على ذلك وجزع منه وفر منه ومن أسبابه كما يفر من عذاب الله فجعل فتنة الناس له على الإيمان وطاعة رسله كعذاب الله لمن يعذبه على الشرك ومخالفة رسله وهذا يدل على عدم البصيرة وأن الإيمان لم يدخل قلبه ولا ذاق حلاوته حتى سوى بين عذاب الله له على الإيمان بالله ورسوله وبين عذاب الله لمن لم يؤمن به وبرسله وهذا حال من يعبد الله على حرف واحد لم ترسخ قدمه في الإيمان وعبادة الله فهو من المفتونين المعذبين وإن فر من عذاب الناس له على الإيمان ثم ذكر حال هذا عند نصرة المؤمنين وأنهم إذا نصروا لجأ إليهم وقال كنت معكم والله سبحانه يعلم من قلبه خلاف قوله ثم ذكر سبحانه ابتلاء نوح بقومه ألف سنة إلا خمسين عاما وابتلاء قومه بطاعته فكذبوه فابتلاهم بالغرق ثم بعده بالخرق ثم ذكر ابتلاء إبراهيم بقومه وما ردوا عليه وابتلاهم بطاعته ومتابعته ثم ذكر ابتلاء لوط بقومه وابتلاءهم به وما صار إليه أمره وأمرهم ثم ذكر ابتلاء شعيب بقومه وابتلاءهم به وما انتهت إليه حالهم وحاله ثم ذكر ما ابتلى به عادا وثمودا وقارون وفرعون وهامان وجنودهم من الإيمان به وعبادته وحده ثم ما ابتلاهم به من أنواع العقوبات ثم ذكر ابتلاء رسوله محمد ﷺ بأنواع الكفار من المشركين وأهل الكتاب وأمره أن يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن ثم أمر عباده المبتلين بأعدائه أن يهاجروا من أرضهم إلى أرضه الواسعة فيعبدونه فيها ثم نبههم بالنقلة الكبرى من دار الدنيا إلى دار الآخرة على نقلتهم الصغرى من أرض إلى أرض وأخبرهم أن مرجعهم إليه فلا قرار لهم في هذه الدار دون لقائه ثم بين لهم حال الصابرين على الابتلاء فيه بأنه يبوؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها فسلاهم عن أرضهم ودارهم التي تركوها لأجله وكانت مباء لهم بأن بوأهم دارا أحسن منها وأجمع لكل خير ولذة ونعيم مع خلود الأبد وأن ذلك بصبرهم على الابتلاء وتوكلهم على ربهم ثم أخبرهم بأنه ضامن لرزقهم في غير أرضهم كما كان يرزقهم في أرضهم فلا يهتموا بحمل الرزق فكم من دابة سافرت من مكان إلى مكان لا تحمل رزقها ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء والامتحان في هذه الدار قصيرة جدا بالنسبة إلى دار الحيوان والبقاء ثم ذكر سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم يؤمن به وأن مقامهم في هذه الدار تمتع وسوف يعلمون عند النقلة منها ما فاتهم من النعيم المقيم وما حصلوا عليه من العذاب الأليم وذكر عاقبة أهل الابتلاء ممن آمن به وأطاع رسله وجاهد نفسه وعدوه في دار الابتلاء ما به هاديه وناصره فأخبر سبحانه أن أجل عطاه وأفضله في الدنيا والآخرة هو لأهل الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه وتوكلوا عليه وأخبر أن أعظم عذابه وأشقه هو للذين لم يصبروا على ابتلائه وفروا منه وآثروا النعيم العاجل عليه فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر فإنها سورة الابتلاء والامتحان وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمها وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان ووسطه صبر وتوكل وآخره هداية ونصر والله المستعان يوضحه.

العنكبوت 29:4

(فصل) وَقَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ - ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣] ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ - مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ - ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ - والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ - ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ - ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١-١١]. فَلْيَتَأمَّلِ العَبْدُ سِياقَ هَذِهِ الآياتِ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ العِبَرِ وكُنُوزِ الحِكَمِ، فَإنَّ النّاسَ إذا أُرْسِلَ إلَيْهِمِ الرُّسُلُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يَقُولَ أحَدُهُمْ: آمَنّا، وإمّا ألّا يَقُولَ ذَلِكَ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى السَّيِّئاتِ والكُفْرِ، فَمَن قالَ: آمَنّا امْتَحَنَهُ رَبُّهُ وابْتَلاهُ وفَتَنَهُ، والفِتْنَةُ الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ لِيَتَبَيَّنَ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، ومَن لَمْ يَقُلْ آمَنّا فَلا يَحْسِبْ أنَّهُ يُعْجِزُ اللَّهَ ويَفُوتُهُ ويَسْبِقُهُ، فَإنَّهُ إنَّما يَطْوِي المَراحِلَ في يَدَيْهِ. ؎وَكَيْفَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ ∗∗∗ إذا كانَ تُطْوى في يَدَيْهِ المَراحِلُ فَمَن آمَنَ بِالرُّسُلِ وأطاعَهم عاداهُ أعْداؤُهم وآذَوْهُ فابْتُلِيَ بِما يُؤْلِمُهُ، وإنْ لَمْ يُؤْمِن بِهِمْ ولَمْ يُطِعْهم عُوقِبَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَحَصَلَ لَهُ ما يُؤْلِمُهُ، وكانَ هَذا المُؤْلِمُ لَهُ أعْظَمَ ألَمًا وأدْوَمَ مِن ألَمِ اتِّباعِهِمْ، فَلا بُدَّ مِن حُصُولِ الألَمِ لِكُلِّ نَفْسٍ آمَنَتْ أوْ رَغِبَتْ عَنِ الإيمانِ، لَكِنَّ المُؤْمِنَ يَحْصُلُ لَهُ الألَمُ في الدُّنْيا ابْتِداءً، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمُعْرِضُ عَنِ الإيمانِ تَحْصُلُ لَهُ اللَّذَّةُ ابْتِداءً، ثُمَّ يَصِيرُ إلى الألَمِ الدّائِمِ. وَسُئِلَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أيُّما أفْضَلُ لِلرَّجُلِ، أنْ يُمَكَّنَ أوْ يُبْتَلى؟ فَقالَ: لا يُمَكَّنُ حَتّى يُبْتَلى، واللَّهُ تَعالى ابْتَلى أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَمّا صَبَرُوا مَكَّنَهُمْ، فَلا يَظُنُّ أحَدٌ أنَّهُ يَخْلُصُ مِنَ الألَمِ ألْبَتَّةَ، وإنَّما يَتَفاوَتُ أهْلُ الآلامِ في العُقُولِ، فَأعْقَلُهم مَن باعَ ألَمًا مُسْتَمِرًّا عَظِيمًا بِألَمٍ مُنْقَطِعٍ يَسِيرٍ، وأشْقاهم مَن باعَ الألَمَ المُنْقَطِعَ اليَسِيرَ بِالألَمِ العَظِيمِ المُسْتَمِرِّ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَخْتارُ العاقِلُ هَذا؟ قِيلَ: الحامِلُ لَهُ عَلى هَذا النَّقْدُ والنَّسِيئَةُ. والنَّفْسُ مُوَكَّلَةٌ بِحُبِّ العاجِلِ ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الدهر: ٢٧] وهَذا يَحْصُلُ لِكُلِّ أحَدٍ، فَإنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، لا بُدَّ لَهُ أنْ يَعِيشَ مَعَ النّاسِ، والنّاسُ لَهم إراداتٌ وتَصَوُّراتٌ، فَيَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُوافِقَهم عَلَيْها، فَإنْ لَمْ يُوافِقْهم آذَوْهُ وعَذَّبُوهُ، وإنْ وافَقَهُمْ، حَصَلَ لَهُ الأذى والعَذابُ، تارَةً مِنهم وتارَةً مِن غَيْرِهِمْ، كَمَن عِنْدَهُ دِينٌ وتُقًى حَلَّ بَيْنَ قَوْمٍ فُجّارٍ ظَلَمَةٍ ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن فُجُورِهِمْ وظُلْمِهِمْ إلّا بِمُوافَقَتِهِ لَهُمْ، أوْ سُكُوتِهِ عَنْهُمْ، فَإنْ وافَقَهم أوْ سَكَتَ عَنْهم سَلِمَ مِن شَرِّهِمْ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِ بِالإهانَةِ والأذى أضْعافَ ما كانَ يَخافُهُ ابْتِداءً لَوْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وخالَفَهُمْ، وإنْ سَلِمَ مِنهم فَلا بُدَّ أنْ يُهانَ ويُعاقَبَ عَلى يَدِ غَيْرِهِمْ، فالحَزْمُ كُلُّ الحَزْمِ في الأخْذِ بِما قالَتْ عائشة أُمُّ المُؤْمِنِينَ لمعاوية: (مَن أرْضى اللَّهَ بِسَخَطِ النّاسِ كَفاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النّاسِ، ومَن أرْضى النّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ لَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا). وَمَن تَأمَّلَ أحْوالَ العالَمِ رَأى هَذا كَثِيرًا، فِيمَن يُعِينُ الرُّؤَساءَ عَلى أغْراضِهِمِ الفاسِدَةِ، وفِيمَن يُعِينُ أهْلَ البِدَعِ عَلى بِدَعِهِمْ هَرَبًا مِن عُقُوبَتِهِمْ، فَمَن هَداهُ اللَّهُ وألْهَمَهُ رُشْدَهُ ووَقاهُ شَرَّ نَفْسِهِ امْتَنَعَ مِنَ المُوافَقَةِ عَلى فِعْلِ المُحَرَّمِ، وصَبَرَ عَلى عُدْوانِهِمْ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما كانَتْ لِلرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ كالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ومَنِ ابْتُلِيَ مِنَ العُلَماءِ والعُبّادِ وصالِحِي الوُلاةِ والتُّجّارِ، وغَيْرِهِمْ. وَلَمّا كانَ الألَمُ لا مَحِيصَ مِنهُ ألْبَتَّةَ، عَزّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مَنِ اخْتارَ الألَمَ اليَسِيرَ المُنْقَطِعَ عَلى الألَمِ العَظِيمِ المُسْتَمِرِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] فَضَرَبَ لِمُدَّةِ هَذا الألَمِ أجَلًا، لا بُدَّ أنْ يَأْتِيَ، وهو يَوْمُ لِقائِهِ، فَيَلْتَذَّ العَبْدُ أعْظَمَ اللَّذَّةِ بِما تَحَمَّلَ مِنَ الألَمِ مِن أجْلِهِ وفي مَرْضاتِهِ، وتَكُونُ لَذَّتُهُ وسُرُورُهُ وابْتِهاجُهُ بِقَدْرِ ما تَحَمَّلَ مِنَ الألَمِ في اللَّهِ ولِلَّهِ، وأكَّدَ هَذا العَزاءَ والتَّسْلِيَةَ بِرَجاءِ لِقائِهِ لِيَحْمِلَ العَبْدُ اشْتِياقَهُ إلى لِقاءِ رَبِّهِ ووَلِيِّهِ عَلى تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الألَمِ العاجِلِ، بَلْ رُبَّما غَيَّبَهُ الشَّوْقُ إلى لِقائِهِ عَنْ شُهُودِ الألَمِ والإحْساسِ بِهِ، ولِهَذا سَألَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ الشَّوْقَ إلى لِقائِهِ، فَقالَ في الدُّعاءِ الَّذِي رَواهُ أحمد وابْنُ حِبّانَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ عَلى الخَلْقِ، أحْيِنِي إذا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي، وأسْألُكَ خَشْيَتَكَ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضى، وأسْألُكَ القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنى، وأسْألُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وأسْألُكَ الرِّضى بَعْدَ القَضاءِ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، وأسْألُكَ الشَّوْقَ إلى لِقائِكَ في غَيْرِ ضَرّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنّا بِزِينَةِ الإيمانِ، واجْعَلْنا هُداةً مُهْتَدِينَ». فالشَّوْقُ يَحْمِلُ المُشْتاقَ عَلى الجِدِّ في السَّيْرِ إلى مَحْبُوبِهِ، ويُقَرِّبُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، ويَطْوِي لَهُ البَعِيدَ، ويُهَوِّنُ عَلَيْهِ الآلامَ والمَشاقَّ، وهو مِن أعْظَمِ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى عَبْدِهِ، ولَكِنْ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ أقْوالٌ وأعْمالٌ هُما السَّبَبُ الَّذِي تُنالُ بِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ سَمِيعٌ لِتِلْكَ الأقْوالِ، عَلِيمٌ بِتِلْكَ الأفْعالِ، وهو عَلِيمٌ بِمَن يَصْلُحُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ ويَشْكُرُها ويَعْرِفُ قَدْرَها ويُحِبُّ المُنْعِمَ عَلَيْهِ، فَتَصْلُحُ عِنْدَهُ هَذِهِ النِّعْمَةُ، ويَصْلُحُ بِها كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، فَإذا فاتَتِ العَبْدَ نَعْمَةٌ مِن نِعَمِ رَبِّهِ فَلْيَقْرَأْ عَلى نَفْسِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾. ثُمَّ عَزّاهم تَعالى بِعَزاءٍ آخَرَ، وهو أنَّ جِهادَهم فِيهِ إنَّما هو لِأنْفُسِهِمْ، وثَمَرَتُهُ عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، ومَصْلَحَةُ هَذا الجِهادِ تَرْجِعُ إلَيْهِمْ لا إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم بِجِهادِهِمْ وإيمانِهِمْ في زُمْرَةِ الصّالِحِينَ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِ الدّاخِلِ في الإيمانِ بِلا بَصِيرَةٍ، وأنَّهُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ لَهُ كَعَذابِ اللَّهِ، وهي أذاهم لَهُ، ونَيْلُهم إيّاهُ بِالمَكْرُوهِ والألَمِ الَّذِي لا بُدَّ أنْ يَنالَهُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم مِمَّنْ خالَفَهُمْ، جَعَلَ ذَلِكَ في فِرارِهِ مِنهم وتَرْكِهِ السَّبَبَ الَّذِي نالَهُ كَعَذابِ اللَّهِ الَّذِي فَرَّ مِنهُ المُؤْمِنُونَ بِالإيمانِ، فالمُؤْمِنُونَ لِكَمالِ بَصِيرَتِهِمْ فَرُّوا مِن ألَمِ عَذابِ اللَّهِ إلى الإيمانِ، وتَحَمَّلُوا ما فِيهِ مِنَ الألَمِ الزّائِلِ المُفارِقِ عَنْ قَرِيبٍ، وهَذا لِضَعْفِ بَصِيرَتِهِ فَرَّ مِن ألَمِ عَذابِ أعْداءِ الرُّسُلِ إلى مُوافَقَتِهِمْ ومُتابَعَتِهِمْ، فَفَرَّ مِن ألَمِ عَذابِهِمْ إلى ألَمِ عَذابِ اللَّهِ، فَجَعَلَ ألَمَ فِتْنَةِ النّاسِ في الفِرارِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ ألَمِ عَذابِ اللَّهِ، وغُبِنَ كُلَّ الغَبْنِ إذِ اسْتَجارَ مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ، وفَرَّ مِن ألَمِ ساعَةٍ إلى ألَمِ الأبَدِ، وإذا نَصَرَ اللَّهُ جُنْدَهُ وأوْلِياءَهُ قالَ: إنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ، واللَّهُ عَلِيمٌ بِما انْطَوى عَلَيْهِ صَدْرُهُ مِنَ النِّفاقِ. والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَمْتَحِنَ النُّفُوسَ ويَبْتَلِيَها، فَيُظْهِرُ بِالِامْتِحانِ طَيِّبَها مِن خَبِيثِها، ومَن يَصْلُحُ لِمُوالاتِهِ وكَراماتِهِ ومَن لا يَصْلُحُ، ولِيُمَحِّصَ النُّفُوسَ الَّتِي تَصْلُحُ لَهُ، ويُخَلِّصَها بِكِيرِ الِامْتِحانِ، كالذَّهَبِ الَّذِي لا يَخْلُصُ ولا يَصْفُو مِن غِشِّهِ إلّا بِالِامْتِحانِ، إذِ النَّفْسُ في الأصْلِ جاهِلَةٌ ظالِمَةٌ، وقَدْ حَصَلَ لَها بِالجَهْلِ والظُّلْمِ مِنَ الخُبْثِ ما يَحْتاجُ خُرُوجُهُ إلى السَّبْكِ والتَّصْفِيَةِ، فَإنْ خَرَجَ في هَذِهِ الدّارِ وإلّا فَفي كِيرِ جَهَنَّمَ، فَإذا هُذِّبَ العَبْدُ ونُقِّيَ أُذِنَ لَهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ. (فائدة) الفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتنّا الَّذِينَ مِن قَبْلهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. فالفتنة قسمت الناس، إلى صادقٍ وكاذبٍ ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ. فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها. (فصل) وقال في (شفاء العليل) اعلم أن أفضل العطاء وأجله على الإطلاق الإيمان وجزاؤه وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار قال تعالى: ﴿ألم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فذكر سبحانه في هذه السورة أنه لا بد أن يمتحن خلقه ويفتنهم ليتبين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر ومن يشكره ويعبده ممن يكفره ويعرض عنه ويعبد غيره وذكر أحوال الممتحنين في العاجل والآجل وذكر أئمة الممتحنين في الدنيا وهم الرسل وأتباعهم وعاقبة أمرهم وما صاروا إليه وافتتح بالإنكار على من يحسب أنه يتخلص من الامتحان والفتنة في هذه الدار إذا دعى الإيمان وأن حكمته سبحانه وشأنه في خلقه يأبى ذلك وأخبر عن سر هذه الفتنة والمحنة وهو تبيين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي العباد بمجرد علمه فيهم بل بمعلومه إذا وجد وتحقق والفتنة هي التي أظهرته وأخرجته إلى الوجود فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه. ثم أنكر سبحانه على من لم يلتزم الإيمان به ومتابعة رسله خوف الفتنة والمحنة التي يمتحن بها رسله وأتباعهم ظنه وحسبانه أنه بإعراضه عن الإيمان وتصديق رسله يتخلص من الفتنة والمحنة فإن بين يديه من الفتنة والمحنة والعذاب أعظم وأشق مما فر عنه. فإن المكلفين بعد إرسال الرسل إليهم بين أمرين: إما أن يقول أحدهم آمنت، وإما أن لا يقول بل يستمر على السيئات. فمن قال آمنا امتحنه الرب تعالى وابتلاه لتتحقق بالإيمان حجة إيمانه وثباته عليه، وأنه ليس بإيمان عافية ورخاء فقط بل إيمان ثابت في حالتي النعماء والبلاء. ومن لم يؤمن فلا يحسب أنه يعجز ربه تعالى ويفوته بل هو في قبضته وناصيته بيده فله من البلاء أعظم مما ابتلى به من قال آمنت فمن آمن به وبرسله فلا بد أن يبتلي من أعدائه وأعداء رسله بما يؤلمه ويشق عليه ومن لم يؤمن به وبرسله فلا بد أن يعاقبه فيحصل له من الألم والمشقة أضعاف ألم المؤمنين فلا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا أشد ثم ينقطع ويعقبه أعظم اللذة والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداء ثم ينقطع ويعقبه أعظم الألم والمشقة وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات فيلتذون بها ابتداء ثم تعقبها الآلام لم بحسب ما نالوه منها والذين يصبرون عنها ينالون بفقدها ابتداء ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنه وتركوه منها فالألم واللذة أمر ضروري لكل إنسان لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير والآجل الدائم العظيم بون ولهذا كان خاصة العقل النظر في العواقب والغايات فمن ظن أنه يتخلص من الألم بحيث لا يصيبه ألبتة فظنه أكذب الحديث فإن الإنسان خلق عرضة للذة والألم والسرور والحزن والفرح والغم وذلك من جهتين من جهة تركبه وطبيعته وهيئته فإنه مركب من أخلاط متفاوتة متضادة يمتنع أو يعز اعتدالها من كل وجه بل لا بد أن يبغي بعضها على بعض فيخرج عن حد الاعتدال، فيحصل الألم ومن جهة بني جنسه فإنه مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش وحده بل لا يعيش إلا معهم وله ولهم لذاذات ومطالب متضادة ومتعارضة لا يمكن الجمع بينها بل إذا حصل منها شيء فات منها أشياء فهو يريد منهم أن يوافقوه على مطالبه وإرادته وهم يريدون منه ذلك فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة بحسب ما فاته من إرادته وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه وسعوا في تعطيل مراداته كما لم يوافقهم على مراداتهم فيحصل له من الألم والتعذيب بحسب ذلك فهو في ألم ومشقة وعناء وافقهم أو خالفهم ولا سيما إذا كانت موافقتهم على أمور يعلم أنها عقائد باطلة وإرادات فاسدة وأعمال تضره في عواقبها ففي موافقتهم أعظم الألم وفي مخالفتهم حصول الألم فالعقل والدين والمروءة والعلم تأمره باحتمال أخف الألمين تخلصا من أشدهما وبإيثار المنقطع منهما لينجو من الدائم المستمر فمن كان ظهيرا للمجرمين من الظلمة على ظلمهم ومن أهل الأهواء والبدع على أهوائهم وبدعهم ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم وشهواتهم ليتخلص بمظاهرتهم من ألم أذاهم أصابه من ألم الموافقة لهم عاجلا وآجلا أضعاف أضعاف ما فر منه وسنة الله في خلقه أن يعذبهم بإنذار من إيمانهم وظاهرهم وإن صبر على ألم مخالفتهم ومجانبتهم أعقبه ذلك لذة عاجلة وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة وسنة الله في خلقه أن يرفعه عليهم ويذلهم به بحسب صبره وتقواه وتوكله وإخلاصه وإذا كان لا من الألم والعذاب فذلك في الله وفي مرضاته ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس ورضائهم وتحصيل مراداتهم ولما كان زمن التألم والعذاب فصبره طويل فأنفاسه ساعات وساعاته أيام وأيامه شهور وأعوام بلا سبحانه الممتحنين فيه بأن ذلك الابتلاء آجلا ثم ينقطع وضرب لأهله أجلا للقائه يسليهم به ويشكر نفوسهم ويهون عليهم أثقاله فقال: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فإذا تصور العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه وأجل لقاء المبتلي سبحانه وإثباته هان عليه ما هو فيه وخف عليه حمله ثم لما كان ذلك لا يحصل إلا بمجاهدة للنفس وللشيطان ولبني جنسه وكان العامل إذا علم أن ثمرة علمه وتعبه يعود عليه وحده لا يشكره فيه غيره كأن أتم اجتهادا وأوفر سعيا فقال تعالى: ﴿وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وأيضا فلا يتوهم متوهم أن منفعة هذه المجاهدة والصبر والاحتمال يعود على الله سبحانه فإنه غني عن العالمين لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم بل أمرهم بما يعود نفعه ومصلحته عليهم في معاشهم ومعادهم ونهاهم عما يعود مضرته وعتيه عليهم في معاشهم ومعادهم فكانت ثمرة هذا الابتلاء والامتحان مختصة بهم واقتضت حكمته أن نصب ذلك سببا مقضيا إلى يميز الخبيث من الطيب والشقي من الغوي ومن يصلح له ممن لا يصلح قال تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فابتلاهم سبحانه بإرسال الرسل إليهم بأوامره ونواهيه واختياره فامتاز برسله طيبهم من خبيثهم وجيدهم من رديئهم فوقع الثواب والعقاب على معلوم أظهره ذلك الابتلاء والامتحان ثم لما كان الممتحن لا بد أن ينحرف عن طريق الصبر والمجاهدة لدواعي طبيعته وهواه وضعفه عن مقاومة ما ابتلي به وعده سبحانه أن يتجاوز له عن ذلك ويكفره عنه لأنه لما أمر به والتزم طاعته اقتضت رحمته أن كفر عنه سيئاته وجازاه بأحسن أعماله ثم ذكر سبحانه ابتلاء العبد بأبويه وما أمر به من طاعتهما وصبره على مجاهدتهما له على أن لا يشرك به فيصبر على هذه المحنة والفتنة ولا يطيعهما بل يصاحبهما على هذه الحال معروفا ويعرض عنهما إلى متابعة سبيل رسله، وفي الإعراض عنهما وعن سبيلهما والإقبال على من خالفهما وعلى سبيله من الامتحان والابتلاء ما فيه ثم ذكر سبحانه حال من دخل في الإيمان على ضعف عزم وقلة صبر وعدم ثبات على المحنة والابتلاء وأنه إذا أوذي في الله كما جرت به سنة الله واقتضت حكمته من ابتلاء أوليائه بأعدائه وتسليطهم عليهم بأنواع المكاره والأذى لم يصبر على ذلك وجزع منه وفر منه ومن أسبابه كما يفر من عذاب الله فجعل فتنة الناس له على الإيمان وطاعة رسله كعذاب الله لمن يعذبه على الشرك ومخالفة رسله وهذا يدل على عدم البصيرة وأن الإيمان لم يدخل قلبه ولا ذاق حلاوته حتى سوى بين عذاب الله له على الإيمان بالله ورسوله وبين عذاب الله لمن لم يؤمن به وبرسله وهذا حال من يعبد الله على حرف واحد لم ترسخ قدمه في الإيمان وعبادة الله فهو من المفتونين المعذبين وإن فر من عذاب الناس له على الإيمان ثم ذكر حال هذا عند نصرة المؤمنين وأنهم إذا نصروا لجأ إليهم وقال كنت معكم والله سبحانه يعلم من قلبه خلاف قوله ثم ذكر سبحانه ابتلاء نوح بقومه ألف سنة إلا خمسين عاما وابتلاء قومه بطاعته فكذبوه فابتلاهم بالغرق ثم بعده بالخرق ثم ذكر ابتلاء إبراهيم بقومه وما ردوا عليه وابتلاهم بطاعته ومتابعته ثم ذكر ابتلاء لوط بقومه وابتلاءهم به وما صار إليه أمره وأمرهم ثم ذكر ابتلاء شعيب بقومه وابتلاءهم به وما انتهت إليه حالهم وحاله ثم ذكر ما ابتلى به عادا وثمودا وقارون وفرعون وهامان وجنودهم من الإيمان به وعبادته وحده ثم ما ابتلاهم به من أنواع العقوبات ثم ذكر ابتلاء رسوله محمد ﷺ بأنواع الكفار من المشركين وأهل الكتاب وأمره أن يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن ثم أمر عباده المبتلين بأعدائه أن يهاجروا من أرضهم إلى أرضه الواسعة فيعبدونه فيها ثم نبههم بالنقلة الكبرى من دار الدنيا إلى دار الآخرة على نقلتهم الصغرى من أرض إلى أرض وأخبرهم أن مرجعهم إليه فلا قرار لهم في هذه الدار دون لقائه ثم بين لهم حال الصابرين على الابتلاء فيه بأنه يبوؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها فسلاهم عن أرضهم ودارهم التي تركوها لأجله وكانت مباء لهم بأن بوأهم دارا أحسن منها وأجمع لكل خير ولذة ونعيم مع خلود الأبد وأن ذلك بصبرهم على الابتلاء وتوكلهم على ربهم ثم أخبرهم بأنه ضامن لرزقهم في غير أرضهم كما كان يرزقهم في أرضهم فلا يهتموا بحمل الرزق فكم من دابة سافرت من مكان إلى مكان لا تحمل رزقها ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء والامتحان في هذه الدار قصيرة جدا بالنسبة إلى دار الحيوان والبقاء ثم ذكر سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم يؤمن به وأن مقامهم في هذه الدار تمتع وسوف يعلمون عند النقلة منها ما فاتهم من النعيم المقيم وما حصلوا عليه من العذاب الأليم وذكر عاقبة أهل الابتلاء ممن آمن به وأطاع رسله وجاهد نفسه وعدوه في دار الابتلاء ما به هاديه وناصره فأخبر سبحانه أن أجل عطاه وأفضله في الدنيا والآخرة هو لأهل الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه وتوكلوا عليه وأخبر أن أعظم عذابه وأشقه هو للذين لم يصبروا على ابتلائه وفروا منه وآثروا النعيم العاجل عليه فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر فإنها سورة الابتلاء والامتحان وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمها وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان ووسطه صبر وتوكل وآخره هداية ونصر والله المستعان يوضحه.

العنكبوت 29:5

في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: «أنَّهُ صَلّى صَلاةً فَأوْجَزَ فِيها، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ أما إنِّي دَعَوْتُ فِيها بِدَعْواتٍ كانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَدْعُو بِهِنَّ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ عَلى الخَلْقِ، أحْيِنِي إذا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَشْيَتَكَ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا، وأسْألُكَ القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنى، وأسْألُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، وأسْألُكَ الشَّوْقَ إلى لِقائِكَ، في غَيْرِ ضَرّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنّا بِزِينَةِ الإيمانِ، واجْعَلْنا هُداةً مُهْتَدِينَ». وَفِي أثَرٍ آخَرَ: " «طالَ شَوْقُ الأبْرارِ إلى لِقائِي، وأنا إلى لِقائِهِمْ أشَدُّ شَوْقًا» ". وَهَذا هو المَعْنى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ». وَقالَ بَعْضُ أهْلِ البَصائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ شِدَّةَ شَوْقِ أوْلِيائِهِ إلى لِقائِهِ، وأنَّ قُلُوبَهم لا تَهْتَدِي دُونَ لِقائِهِ، ضَرَبَ لَهم أجَلًا ومَوْعِدًا لِلِقائِهِ، وتَسْكُنُ نُفُوسُهم بِهِ، وأطْيَبُ العَيْشِ وألَذُّهُ عَلى الإطْلاقِ عَيْشُ المُحِبِّينَ المُشْتاقِينَ المُسْتَأْنِسِينَ، فَحَياتُهم هي الحَياةُ الطَّيِّبَةُ الحَقِيقِيَّةُ، ولا حَياةَ لِلْقَلْبِ أطْيَبَ ولا أنْعَمَ ولا أهْنَأ مِنها، وهي الحَياةُ الطَّيِّبَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. (فصل) ؎يا من شكى شوقه من طول فرقته ∗∗∗ اصبر لعلك تلقى من تحب غدا ؎وسر إليه بنار الشوق مجتهدا ∗∗∗ عساك تلقى على نار الغرام هدى المحب الصادق كلما قرب من محبوبه زاد شوقا إليه ؎وأعظم ما يكون الشوق يوما ∗∗∗ إذا دنت الخيام من الخيام كلما وقع بصر المحب على محبوبه أحدثت له رؤيته شوقا على شوقه ؎ما يرجع الطرف عنه حين يبصره ∗∗∗ حتى يعود إليه الطرف مشتاقا المحب الصادق إذا سافر طرفه في الكون لم يجد له طريقا إلا على محبوبه فإذا انصرف بصره عنه رجع إليه خاسئا وهو حسير ؎ويسرح طرفي في الأنام وينثني ∗∗∗ وإنسان عيني بالدموع غريق ؎فيرجع مردودا إليك وماله ∗∗∗ على أحد إلا عليك طريق أقر شيء لعيون المحب خلوته بسره مع محبوبه حدثني من رأى شيخنا في عنفوان أمره خرج إلى البرية بكرة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم تمثل بقول الشاعر ؎وأخرج من بين البيوت لعلني ∗∗∗ أحدث عنك القلب بالسر خاليا [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الشَّوْقِ] وَمِن مَنازِلِ " إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ " مَنزِلَةُ الشَّوْقِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. قِيلَ: هَذا تَعْزِيَةٌ لِلْمُشْتاقِينَ، وتَسْلِيَةٌ لَهم. أيْ أنا أعْلَمُ أنَّ مَن كانَ يَرْجُو لِقائِي فَهو مُشْتاقٌ إلَيَّ. فَقَدْ أجَّلْتُ لَهُ أجَلًا يَكُونُ عَنْ قَرِيبٍ. فَإنَّهُ آتٍ لا مَحالَةَ. وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ. وَفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى. وهي تَعْلِيلُ المُشْتاقِينَ بِرَجاءِ اللِّقاءِ. ؎لَوْلا التَّعَلُّلُ بِالرَّجاءِ لَقُطِّعَتْ ∗∗∗ نَفْسُ المُحِبِّ صَبابَةً وتَشَوُّقًا ؎وَلَقَدْ يَكادُ يَذُوبُ مِنهُ قَلْبُهُ ∗∗∗ مِمّا يُقاسِي حَسْرَةً وتَحَرُّقا ؎حَتّى إذا رَوْحُ الرَّجاءِ أصابَهُ ∗∗∗ سَكَنَ الحَرِيقُ إذا تَعَلَّلَ بِاللِّقا وَقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في دُعائِهِ «أسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، والشَّوْقِ إلى لِقائِكَ». قالَ بَعْضُهُمْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ دائِمَ الشَّوْقِ إلى لِقاءِ اللَّهِ. لَمْ يَسْكُنْ شَوْقُهُ إلى لِقائِهِ قَطُّ. ولَكِنَّ الشَّوْقَ مائَةُ جُزْءٍ. تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ لَهُ. وجُزْءٌ مَقْسُومٌ عَلى الأُمَّةِ. فَأرادَ ﷺ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الجُزْءُ مُضافًا إلى ما لَهُ مِنَ الشَّوْقِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. [فَصْلٌ الشَّوْقُ أثَرٌ مِن آثارِ المَحَبَّةِ] والشَّوْقُ أثَرٌ مِن آثارِ المَحَبَّةِ، وحُكْمٌ مِن أحْكامِها. فَإنَّهُ سَفَرُ القَلْبِ إلى المَحْبُوبِ في كُلِّ حالٍ. وَقِيلَ: هو اهْتِياجُ القُلُوبِ إلى لِقاءِ المَحْبُوبِ. وَقِيلَ: هو احْتِراقُ الأحْشاءِ. ومِنها يَتَهَيَّجُ ويَتَوَلَّدُ، ويُلْهِبُ القُلُوبَ ويُقَطِّعُ الأكْبادَ. والمَحَبَّةُ أعْلى مِنهُ. لِأنَّ الشَّوْقَ عَنْها يَتَوَلَّدُ، وعَلى قَدْرِها يَقْوى ويَضْعُفُ. قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: عَلامَةُ الشَّوْقِ فِطامُ الجَوارِحِ عَنِ الشَّهَواتِ. وَقالَ أبُو عُثْمانَ: عَلامَتُهُ حُبُّ المَوْتِ مَعَ الرّاحَةِ والعافِيَةِ، كَحالِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ لَمْ يَقُلْ تَوَفَّنِي، ولَمّا أُدْخِلَ السِّجْنَ لَمْ يَقُلْ تَوَفَّنِي، ولَمّا تَمَّ لَهُ الأمْرُ والأمْنُ والنِّعْمَةُ، قالَ: " تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ". قالَ ابْنُ خَفِيفٍ: الشَّوْقُ ارْتِياحُ القُلُوبِ بِالوَجْدِ، ومَحَبَّةُ اللِّقاءِ بِالقُرْبِ. وَقِيلَ: هو لَهَبٌ يَنْشَأُ بَيْنَ أثْناءِ الحَشا، يَسْنَحُ عَنِ الفُرْقَةِ. فَإذا وقَعَ اللِّقاءُ طُفِئَ. قُلْتُ: هَذِهِ مَسْألَةُ نِزاعٍ بَيْنَ المُحِبِّينَ. وهِيَ: أنَّ الشَّوْقَ هَلْ يَزُولُ بِاللِّقاءِ أمْ لا؟ وَلا يَخْتَلِفُونَ أنَّ المَحَبَّةَ لا تَزُولُ بِاللِّقاءِ. فَمِنهم مَن قالَ: يَزُولُ بِاللِّقاءِ. لِأنَّ الشَّوْقَ هو سَفَرُ القَلْبِ إلى مَحْبُوبِهِ. فَإذا قَدِمَ عَلَيْهِ، ووَصَلَ إلَيْهِ، صارَ مَكانَ الشَّوْقِ قُرَّةُ عَيْنِهِ بِهِ. وهَذِهِ القُرَّةُ تُجامِعُ المَحَبَّةَ ولا تُنافِيها. قالَ هَؤُلاءِ: وإذا كانَ الغالِبُ عَلى القَلْبِ مُشاهَدَةَ المَحْبُوبِ، لَمْ يَطْرُقْهُ الشَّوْقُ. وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: هَلْ تَشْتاقُ إلَيْهِ؟ فَقالَ: لا. إنَّما الشَّوْقُ إلى غائِبٍ، وهو حاضِرٌ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ يَزِيدُ الشَّوْقُ بِالقُرْبِ والوُصُولِ، ولا يَزُولُ. لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ الوُصُولِ عَلى الخَبَرِ والعِلْمِ، وبَعْدَهُ: قَدْ صارَ عَلى العِيانِ والشُّهُودِ. ولِهَذا قِيلَ: ؎وَأبْرَحُ ما يَكُونُ الشَّوْقُ يَوْمًا ∗∗∗ إذا دَنَتِ الخِيامُ مِنَ الخِيامِ. قالَ الجُنَيْدُ: سَمِعْتُ السَّرِيَّ يَقُولُ: الشَّوْقُ أجَلُّ مَقامٍ لِلْعارِفِ إذا تَحَقَّقَ فِيهِ. وإذا تَحَقَّقَ في الشَّوْقِ لَها عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَشْغَلُهُ عَمَّنْ يَشْتاقُ إلَيْهِ، وعَلى هَذا: فَأهْلُ الجَنَّةِ دائِمًا في شَوْقٍ إلى اللَّهِ، مَعَ قُرْبِهِمْ مِنهُ، ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ. قالُوا: ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ الشَّوْقَ يَكُونُ حالَ اللِّقاءِ أعْظَمَ: أنّا نَرى المُحِبَّ يَبْكِي عِنْدَ لِقاءِ مَحْبُوبِهِ. وذَلِكَ البُكاءُ إنَّما هو مِن شِدَّةِ شَوْقِهِ إلَيْهِ، ووَجْدِهِ بِهِ، ولِذَلِكَ يَجِدُ عِنْدَ لِقائِهِ نَوْعًا مِنَ الشَّوْقِ لَمْ يَجِدْهُ في حالِ غَيْبَتِهِ عَنْهُ. [فَصْلٌ دَرَجاتُ الشَّوْقِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى شَوْقُ العابِدِ إلى الجَنَّةِ] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: شَوْقُ العابِدِ إلى الجَنَّةِ، لِيَأْمَنَ الخائِفُ ويَفْرَحَ الحَزِينُ. ويَظْفَرَ الآمِلُ. يَعْنِي: شَوْقَ العابِدِ إلى الجَنَّةِ فِيهِ هَذِهِ الحِكَمُ الثَّلاثُ. أحَدُها: حُصُولُ الأمْنِ الباعِثِ عَلى الأمَلِ. فَإنَّ الخَوْفَ المُجَرَّدَ عَنِ الأمْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ لا يَنْبَعِثُ صاحِبُهُ لِعَمَلٍ ألْبَتَّةَ إنْ لَمْ يُقارِنْهُ أمَلٌ. فَإنْ تَجَرَّدَ عَنْهُ قُطِعَ وصارَ قَنُوطًا. الثّانِي: فَرَحُ الحَزِينِ. فَإنَّ الحُزْنَ المُجَرَّدَ أيْضًا إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الفَرَحُ قَتَلَ صاحِبَهُ. فَلَوْلا رُوحُ الفَرَحِ لَتَعَطَّلَتْ قُوى الحَزِينِ وقَعَدَ حُزْنُهُ بِهِ، ولَكِنْ إذا قَعَدَ بِهِ الحُزْنُ قامَ بِهِ رُوحُ الفَرَحِ. الثّالِثُ: رُوحُ الظَّفَرِ. فَإنَّ الآمِلَ إنْ لَمْ يَصْحَبْهُ رُوحُ الظَّفَرِ ماتَ أمَلُهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ شَوْقٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: شَوْقٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ زَرَعَهُ الحُبُّ الَّذِي يَنْبُتُ عَلى حافّاتِ المِنَنِ فَعَلِقَ قَلْبُهُ بِصِفاتِهِ المُقَدَّسَةِ فاشْتاقَ إلى مُعايَنَةِ لِطائِفِ كَرَمِهِ وآياتِ بِرِّهِ وأعْلامِ فَضْلِهِ. وهَذا شَوْقٌ تَغْشاهُ المَبارُّ، وتُخالِجُهُ المَسارُّ، ويُقاوِمُهُ الِاصْطِبارُ. الشَّوْقُ إلى اللَّهِ لا يُنافِي الشَّوْقَ إلى الجَنَّةِ. فَإنَّ أطْيَبَ ما في الجَنَّةِ: قُرْبُهُ تَعالى، ورُؤْيَتُهُ، وسَماعُ كَلامِهِ ورِضاهُ. نَعَمْ. الشَّوْقُ إلى مُجَرَّدِ الأكْلِ والشُّرْبِ والحُورِ العِينِ في الجَنَّةِ ناقِصٌ جِدًّا، بِالنِّسْبَةِ إلى شَوْقِ المُحِبِّينَ إلى اللَّهِ تَعالى. بَلْ لا نِسْبَةَ لَهُ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ. وهَذا الشَّوْقُ دَرَجَتانِ. إحْداهُما: شَوْقٌ زَرَعَهُ الحُبُّ الَّذِي سَبَبُهُ الإحْسانُ والمِنَّةُ. وهو الَّذِي قالَ فِيهِ: يَنْبُتُ عَلى حافّاتِ المِنَنِ. فَسَبَبُهُ مُطالَعَةُ مِنَّةِ اللَّهِ وإحْسانِهِ ونِعَمِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في مَنزِلَةِ المَحَبَّةِ وتَبَيَّنَ أنَّ مَحَبَّةَ الأسْماءِ والصِّفاتِ أكْمَلُ وأقْوى مِن مَحَبَّةِ الإحْسانِ والآلاءِ. وَفِي قَوْلِهِ " تَنْبُتُ عَلى حافّاتِ المِنَنِ " أيْ جَوانِبِهِ: إشارَةٌ إلى عَدَمِ تَمَكُّنِها وقُوَّتِها، وأنَّها مِن نَباتِ الحافّاتِ الَّتِي هي جَوانِبُ المِنَنِ. لا مِن نَباتِ الأسْماءِ والصِّفاتِ. وَقَوْلُهُ " فَعَلِقَ قَلْبُهُ بِصِفاتِهِ المُقَدَّسَةِ " يَعْنِي الصِّفاتِ المُخْتَصَّةَ بِالمِنَنِ والإحْسانِ. كالبَرِّ والمَنّانِ، والمُحْسِنِ، والجَوادِ، والمُعْطِي، والغَفُورِ، ونَحْوِها. وَقَوْلُهُ " المُقَدَّسَةُ " يَعْنِي المُطَهَّرَةَ المُنَزَّهَةَ عَنْ تَأْوِيلِ المُحَرِّفِينَ وتَشْبِيهِ المُمَثِّلِينَ وتَعَطُّلِ المُعَطِّلِينَ. وَإنَّما قُلْنا: إنَّ مُرادَهُ هَذِهِ الصِّفاتُ الخاصَّةُ لِوَجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِالصِّفاتِ العامَّةِ: إنَّما يَكُونُ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ. الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ ثَمَرَةَ هَذا التَّعَلُّقِ شَوْقَ العَبْدِ إلى مُعايَنَةِ لَطائِفِ كَرَمِ الرَّبِّ ومِنَنِهِ وإحْسانِهِ وآياتِ بِرِّهِ. وهي عَلاماتُ بِرِّهِ بِالعَبْدِ وإحْسانِهِ إلَيْهِ، وكَذَلِكَ (أعْلامُ فَضْلِهِ) وهو ما يُفْضِلُ عَلَيْهِ بِهِ، ويُفَضِّلُهُ بِهِ عَلى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ " وهَذا شَوْقٌ تَغْشاهُ المَبارُّ " يَعْنِي: أنَّهُ شَوْقٌ مَعْلُولٌ. لَيْسَ خالِصًا لِذاتِ المَحْبُوبِ. بَلْ لِما يَنالُ مِنهُ مِنَ المَبارِّ " فَقَدْ غَشِيَتْهُ " أيْ أدْرَكَتْهُ المَبارُّ. قَوْلُهُ " وتُخالِجُهُ المَسارُّ " أيْ تَجاذَبُهُ. فَإنَّ المُخالَجَةَ هي المُجاذَبَةُ. فَإذا خالَطَ هَذا الشَّوْقَ الفَرَحُ: كانَ مَمْزُوجًا بِنَوْعٍ مِنَ الحَظِّ. وَقَوْلُهُ " ويُقاوِمُهُ الِاصْطِبارُ " أيْ أنَّ صاحِبَهُ يَقْوى عَلى الصَّبْرِ، فَيُقاوِمُ صَبْرُهُ شَوْقَهُ ولا يَغْلِبُهُ، بِخِلافِ الشَّوْقِ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ الشَّوْقُ الخالِصُ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: نارٌ أضْرَمَها صَفْوُ المَحَبَّةِ، فَنَغَّصَتِ العَيْشَ. وسَلَبَتِ السَّلْوَةُ. ولَمْ يُنَهْنِهْها مَعْزًى دُونَ اللِّقاءِ. يُرِيدُ: أنَّ الشَّوْقَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ: شَبِيهٌ بِالنّارِ الَّتِي أضْرَمَها صَفْوُ المَحَبَّةِ. وهو خالِصُها. وشَبَّهَهُ بِالنّارِ لِالتِهابِهِ في الأحْشاءِ. وَفِي قَوْلِهِ " صَفْوُ المَحَبَّةِ " إشارَةٌ إلى أنَّها مَحَبَّةٌ لَمْ تَكُنْ لِأجْلِ المِنَّةِ والنِّعَمِ. ولَكِنْ مَحَبَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالذّاتِ والصِّفاتِ. قَوْلُهُ " فَنَغَّصَتِ العَيْشَ " أيْ مَنَعَتْ صاحِبَها السُّكُونَ إلى لَذِيذِ العَيْشِ. و" التَّنْغِيصُ " قَرِيبٌ مِنَ التَّكْدِيرِ. قَوْلُهُ " وسَلَبَتِ السَّلْوَةَ " أيْ نَهَبَتِ السُّلُوَّ وأخَذَتْهُ قَهْرًا. و" السَّلْوَةُ " هي الخَلاصُ مِن كَرْبِ المَحَبَّةِ وإلْقاءُ حِمْلِها عَنِ الظَّهْرِ. والإعْراضُ عَنِ المَحْبُوبِ تَناسِيًا. وَقَوْلُهُ " لَمْ يُنَهْنِهْها مَعْزًى دُونَ اللِّقاءِ " أيْ لَمْ يَكْفِها ويَرُدَّها قَرارٌ دُونَ لِقاءِ المَحْبُوبِ. وهَذِهِ لا يُقاوِمُها الِاصْطِبارُ. لِأنَّهُ لا يَكُفُّها دُونَ لِقاءِ مَن يُحِبُّ قَرارٌ.

العنكبوت 29:25

وَقالَ خَلِيلُهُ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ وَهَذا شَأْنُ كُلِّ مُشْتَرِكِينَ في غَرَضٍ، يَتَوادُّونَ ما دامُوا مُتَساعِدِينَ عَلى حُصُولِهِ، فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ الغَرَضُ، أعْقَبَ نَدامَةً وحُزْنًا وألَمًا، وانْقَلَبَتْ تِلْكَ المَوَدَّةُ بُغْضًا ولَعْنَةً، وذَمًّا مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، لَمّا انْقَلَبَ ذَلِكَ الغَرَضُ حُزْنًا وعَذابًا، كَما يُشاهَدُ في هَذِهِ الدّارِ مِن أحْوالِ المُشْتَرِكِينَ في خِزْيِهِ، إذا أُخِذُوا وعُوقِبُوا، فَكُلُّ مُتَساعِدِينَ عَلى باطِلٍ، مُتَوادِّينَ عَلَيْهِ لا بُدَّ أنْ تَنْقَلِبَ مَوَدَّتُهُما بُغْضًا وعَداوَةً. والضّابِطُ النّافِعُ في أمْرِ الخُلْطَةِ أنْ يُخالِطَ النّاسَ في الخَيْرِ كالجُمُعَةِ والجَماعَةِ، والأعْيادِ والحَجِّ، وتَعَلُّمِ العِلْمِ، والجِهادِ، والنَّصِيحَةِ ويَعْتَزِلَهم في الشَّرِّ، وفُضُولِ المُباحاتِ، فَإنْ دَعَتِ الحاجَةُ إلى خُلْطَتِهِمْ في الشَّرِّ، ولَمْ يُمْكِنْهُ اعْتِزالُهم فالحَذَرَ الحَذَرَ أنْ يُوافِقَهُمْ، ولْيَصْبِرْ عَلى أذاهُمْ، فَإنَّهم لا بُدَّ أنْ يُؤْذُوهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُوَّةٌ ولا ناصِرٌ. وَلَكِنْ أذًى يَعْقُبُهُ عِزٌّ ومَحَبَّةٌ لَهُ وتَعْظِيمٌ، وثَناءٌ عَلَيْهِ مِنهم ومِنَ المُؤْمِنِينَ ومِن رَبِّ العالَمِينَ. ومُوافَقَتُهم يَعْقُبُها ذُلٌّ وبُغْضٌ لَهُ، ومَقْتٌ، وذَمٌّ مِنهم ومِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ. فالصَّبْرُ عَلى أذاهم خَيْرٌ وأحْسَنُ عاقِبَةً، وأحْمَدُ مَآلًا، وإنْ دَعَتِ الحاجَةُ إلى خُلْطَتِهِمْ في فُضُولِ المُباحاتِ، فَلْيَجْتَهِدْ أنْ يَقْلِبَ ذَلِكَ المَجْلِسَ طاعَةً لِلَّهِ إنْ أمْكَنَهُ، ويُشَجِّعَ نَفْسَهُ ويُقَوِّيَ قَلْبَهُ، ولا يَلْتَفِتْ إلى الوارِدِ الشَّيْطانِيِّ القاطِعِ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، بِأنَّ هَذا رِياءٌ ومَحَبَّةٌ لِإظْهارِ عِلْمِكَ وحالِكَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلْيُحارِبْهُ، ولْيَسْتَعِنْ بِاللَّهِ، ويُؤَثِّرْ فِيهِمْ مِنَ الخَيْرِ ما أمْكَنَهُ. فَإنْ أعْجَزَتْهُ المَقادِيرُ عَنْ ذَلِكَ، فَلْيَسُلَّ قَلْبَهُ مِن بَيْنِهِمْ كَسَلِّ الشَّعْرَةِ مِنَ العَجِينِ، ولْيَكُنْ فِيهِمْ حاضِرًا غائِبًا، قَرِيبًا بَعِيدًا، نائِمًا يَقْظانًا، يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ولا يُبْصِرُهُمْ، ويَسْمَعُ كَلامَهم ولا يَعِيهِ، لِأنَّهُ قَدْ أخَذَ قَلْبَهُ مِن بَيْنِهِمْ، ورَقى بِهِ إلى المَلَأِ الأعْلى، يَسْبَحُ حَوْلَ العَرْشِ مَعَ الأرْواحِ العُلْوِيَّةِ الزَّكِيَّةِ، وما أصْعَبَ هَذا وأشَقَّهُ عَلى النُّفُوسِ، وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَبَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَهُ أنْ يَصْدُقَ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى، ويُدِيمَ اللُّجْأ إلَيْهِ، ويُلْقِيَ نَفْسَهُ عَلى بابِهِ طَرِيحًا ذَلِيلًا، ولا يُعِينُ عَلى هَذا إلّا مَحَبَّةٌ صادِقَةٌ، والذِّكْرُ الدّائِمُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وتَجَنُّبُ المُفْسِداتِ الأرْبَعِ الباقِيَةِ الآتِي ذِكْرُها، ولا يَنالُ هَذا إلّا بِعُدَّةٍ صالِحَةٍ ومادَّةِ قُوَّةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَزِيمَةٍ صادِقَةٍ، وفَراغٍ مِنَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

العنكبوت 29:29

«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعالى ﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: كانُوا يَخْذِفُونَ أهْلَ الطَّرِيقِ، ويَسْخَرُونَ مِنهُمْ، وذَلِكَ المُنْكَرُ الَّذِي كانُوا يَأْتُونَهُ» ذَكَرَهُ أحْمَدُ.

العنكبوت 29:41

فَذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم ضُعَفاءُ، وأنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَهم أضْعَفُ مِنهُمْ، فَهم في ضَعْفِهِمْ وما قَصَدُوهُ مِن اتِّخاذِ الأوْلِياءِ كالعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، وهو أوْهَنُ البُيُوتِ وأضْعَفُها؛ وتَحْتَ هَذا المَثَلِ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أضْعَفُ ما كانُوا حِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ فَلَمْ يَسْتَفِيدُوا بِمَن اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ إلّا ضَعْفًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا (٨١) كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ وَقالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ - لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤-٧٥]. وَقالَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ إهْلاكَ الأُمَمِ المُشْرِكِينَ: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]. فَهَذِهِ أرْبَعَةُ مَواضِعَ في القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا يَتَعَزَّزُ بِهِ ويَتَكَبَّرُ بِهِ ويَسْتَنْصِرُ بِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِهِ إلّا ضِدُّ مَقْصُودِهِ، وفي القُرْآنِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، وهَذا مِن أحْسَنِ الأمْثالِ وأدَلِّها عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وخَسارَةِ صاحِبِهِ وحُصُولِهِ عَلى ضِدِّ مَقْصُودِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَهم يَعْلَمُونَ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَكَيْفَ نَفى عَنْهم عِلْمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾؟ فالجَوابُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَنْفِ عَنْهم عِلْمَهم بِوَهَنِ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وإنَّما نَفى عَنْهم عِلْمَهم بِأنَّ اتِّخاذَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ كالعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا فَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَما فَعَلُوهُ، ولَكِنْ ظَنُّوا أنَّ اتِّخاذَهم الأوْلِياءَ مِن دُونِهِ يُفِيدُهم عِزًّا، وقُدْرَةً، فَكانَ الأمْرُ بِخِلافِ ما ظَنُّوهُ. (فائدة) ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور التذكير والوعظ والحث والزجر والاعتبار والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره في صورة المحسوس بحيث يكون نسبته للعقل كنسبة المحسوس إلى الحس. وقد تأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر على المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر والله أعلم. (لطيفة) وَمن عَجِيب حيل العنكبوت أنه ينسج تِلْكَ الشبكة شركا للصَّيْد ثمَّ يكمن في جوفها فَإذا نشب فِيها البرغش والذباب وثب عَلَيْهِ وامتص دَمه فَهَذا يحْكى صيد الاشراك والشباك والأول يحْكى صيد الكلاب والفهود ولا تزدرين العبْرَة بالشَّيْء الحقير من الذّرة والبعوض فَإن المَعْنى النفيس يقتبس من الشَّيْء الحقير والازدراء بذلك مِيراث من الَّذين استنكرت عُقُولهمْ ضرب الله تَعالى ﴿فِي كِتابه المثل بالذباب والعَنْكَبُوت والكَلب والحمار فَأنْزل الله تَعالى {إن الله لا يستحيي أن يضْرب مثلا ما بعوضة فَما فَوْقها﴾ فَما أغزر الحكم وأكثرها في هَذِه الحَيَوانات الَّتِي تزدريها وتحتقرها وكم من دلالَة فِيها على الخالِق ولطفه ورَحمته وحكمته فسل المُعَطل من الهمها هَذِه الحِيَل والتلطف في اقتناص صيدها الَّذِي جعل قوتها ومن جعل هَذِه الحِيَل فِيها بدل ما سلبها من القُوَّة والقُدْرَة فأغناها ما أعطاها من الحِيلَة عَمّا سلبها من القُوَّة والقُدْرَة سوى اللَّطِيف الخَبِير.

العنكبوت 29:45

وقيل: المعنى: أنكم في الصلاة تذكرون الله، وهو ذاكركم ولذكر الله تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه. وهذا يروى عن ابن عباس وسلمان وأبي الدرداء وابن مسعود رضي الله عنهم. وذكر ابن أبي الدنيا عن فضيل بن مرزوق عن عطية «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ» قال: هو قوله تعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ فذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم إياه. وقال ابن زيد وقتادة: معناه، ولذكر الله أكبر من كل شيء. وقيل لسلمان: أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ. ويشهد لهذا حديث أبي الدرداء «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق - الحديث». كان شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الصحيح أن معنى الآية: أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر. فإنها تنهي عن الفحشاء والمنكر، وهي مشتملة على ذكر الله تعالى، ولما فيها من ذكر الله تعالى، أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر. وذكر ابن أبي الدنيا ابن عباس: أنه سئل أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر. (فصل) ٧ - وأمّا الإخْبارُ عَنْ ذِكْرِهِ بِأنَّهُ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ فَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ وَفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ فَهو أفْضَلُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالطّاعاتِ كُلِّها: إقامَةُ ذِكْرِهِ فَهو سِرُّ الطّاعاتِ ورُوحُها. الثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّكم إذا ذَكَرْتُمُوهُ ذَكَرَكم فَكانَ ذِكْرُهُ لَكم أكْبَرَ مِن ذِكْرِكم لَهُ. فَعَلى هَذا: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وعَلى الأوَّلِ: مُضافٌ إلى المَذْكُورِ. الثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن أنْ يَبْقى مَعَهُ فاحِشَةٌ ومُنْكَرٌ، بَلْ إذا تَمَّ الذِّكْرُ: مَحَقَ كُلَّ خَطِيئَةٍ ومَعْصِيَةٍ. هَذا ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ في الصَّلاةِ فائِدَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ. إحْداهُما: نَهْيُها عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكِرِ. والثّانِيَةُ: اشْتِمالُها عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وتَضَمُّنِها لَهُ ولَما تَضَمَّنَتْهُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ أعْظَمُ مِن نَهْيِها عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكِرِ. (فَصْلٌ) المَرْتَبَةُ العاشِرَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ الحَياةُ الدّائِمَةُ الباقِيَةُ بَعْدَ طَيِّ هَذا العالَمِ، وذَهابِ الدُّنْيا وأهْلِها في دارِ الحَيَوانِ، وهي الحَياةُ الَّتِي شَمَّرَ إلَيْها المُشَمِّرُونَ، وسابَقَ إلَيْها المُتَسابِقُونَ، ونافَسَ فِيها المُتَنافِسُونَ، وهي الَّتِي أجْرَيْنا الكَلامَ إلَيْها، ونادَتِ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ ورُسُلُ اللَّهِ جَمِيعُهم عَلَيْها، وهي الَّتِي يَقُولُ مَن فاتَهُ الِاسْتِعْدادُ لَها ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا - وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا - وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى - يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي - فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ - ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢١-٢٦]، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيها: ﴿وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. والحَياةُ المُتَقَدِّمَةُ كالنَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وكُلُّ ما تَقَدَّمَ مِن وصْفِ السَّيْرِ ومَنازِلِهِ، وأحْوالِ السّائِرِينَ، وعُبُودِيَّتِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ فَوَسِيلَةٌ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وإنَّما الحَياةُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يُدْخِلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟». وَكَما قِيلَ: تَنَفَّسَتِ الآخِرَةُ فَكانَتِ الدُّنْيا نَفَسًا مِن أنْفاسِها، فَأصابَ أهْلُ السَّعادَةِ نَفَسَ نَعِيمِها، فَهم عَلى هَذا النَّفَسِ يَعْمَلُونَ، وأصابَ أهْلُ الشَّقاوَةِ نَفَسَ عَذابِها، فَهم عَلى ذَلِكَ النَّفَسِ يَعْمَلُونَ. وَإذا كانَتْ حَياةُ أهْلِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ في هَذِهِ الدّارِ حَياةً طَيِّبَةً، فَما الظَّنُّ بِحَياتِهِمْ في البَرْزَخِ، وقَدْ تَخَلَّصُوا مِن سِجْنِ الدُّنْيا وضِيقِها؟ فَما الظَّنُّ بِحَياتِهِمْ في دارِ النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي لا يَزُولُ، وهم يَرَوْنَ وجْهَ رَبِّهِمْ تَبارَكَ وتَعالى بُكْرَةً وعَشِيًّا ويَسْمَعُونَ خِطابَهُ؟ فَإنْ قُلْتَ: ما سَبَبُ تَخَلُّفِ النَّفْسِ عَنْ طَلَبِ هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي لا خَطَرَ لَها، وما الَّذِي زَهَّدَها فِيها؟ وما سَبَبُ رَغْبَتِها في الحَياةِ الفانِيَةِ المُضْمَحِلَّةِ، الَّتِي هي كالخَيالِ والمَنامِ؟ أفَسادٌ في تَصَوُّرِها وشُعُورِها؟ أمْ تَكْذِيبٌ بِتِلْكَ الحَياةِ؟ أمْ لِآفَةٍ في العَقْلِ، وعَمًى هُناكَ؟ أمْ إيثارٌ لِلْحاضِرِ المَشْهُودِ بِالعِيانِ عَلى الغائِبِ المَعْلُومِ بِالإيمانِ؟ قِيلَ: بَلْ ذَلِكَ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ مُرَكَّبَةٍ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ. وَأقْوى الأسْبابِ في ذَلِكَ: ضَعْفُ الإيمانِ، فَإنَّ الإيمانَ هو رُوحُ الأعْمالِ، وهو الباعِثُ عَلَيْها، والآمِرُ بِأحْسَنِها، والنّاهِي عَنْ أقْبَحِها، وعَلى قَدْرِ قُوَّةِ الإيمانِ يَكُونُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ لِصاحِبِهِ، وائْتِمارُ صاحِبِهِ وانْتِهاؤُهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣]. وَبِالجُمْلَةِ: فَإذا قَوِيَ الإيمانُ قَوِيَ الشَّوْقُ إلى هَذِهِ الحَياةِ، واشْتَدَّ طَلَبُ صاحِبِهِ لَها. السَّبَبُ الثّانِي: جُثُومُ الغَفْلَةِ عَلى القَلْبِ، فَإنَّ الغَفْلَةَ نَوْمُ القَلْبِ، ولِهَذا تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الأيْقاظِ في الحِسِّ نِيامًا في الواقِعِ، فَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ، ضِدَّ حالِ مَن يَكُونُ يَقْظانَ القَلْبِ وهو نائِمٌ، فَإنَّ القَلْبَ إذا قَوِيَتْ فِيهِ الحَياةُ لا يَنامُ إذا نامَ البَدَنُ، وكَمالُ هَذِهِ الحَياةِ كانَ لِنَبِيِّنا ﷺ، ولِمَن أحْيا اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّتِهِ واتِّباعِ رِسالَتِهِ عَلى بَصِيرَةٍ مِن ذَلِكَ بِحَسْبِ نَصِيبِهِ مِنهُما. فالغَفْلَةُ واليَقَظَةُ يَكُونانِ في الحِسِّ والعَقْلِ والقَلْبِ، فَمُسْتَيْقِظُ القَلْبِ وغافِلُهُ كَمُسْتَيْقِظِ البَدَنِ ونائِمِهِ، وكَما أنَّ يَقَظَةَ الحِسِّ عَلى نَوْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ يَقَظَةُ القَلْبِ عَلى نَوْعَيْنِ. فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِن يَقَظَةِ الحِسِّ: أنَّ صاحِبَها يَنْفُذُ في الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ، ويَتَوَغَّلُ فِيها بِكَسْبِهِ وفَطانَتِهِ، واحْتِيالِهِ وحُسْنِ تَأتِّيهِ. والنَّوْعُ الثّانِي: أنْ يُقْبِلَ عَلى نَفْسِهِ وقَلْبِهِ وذاتِهِ، فَيَعْتَنِي بِتَحْصِيلِ كَمالِهِ، فَيَلْحَظُ عَوالِيَ الأُمُورِ وسَفْسافَها، فَيُؤْثِرُ الأعْلى عَلى الأدْنى، ويُقَدِّمُ خَيْرَ الخَيْرَيْنِ بِتَفْوِيتِ أدْناهُما، ويَرْتَكِبُ أخَفَّ الشَّرَّيْنِ خَشْيَةَ حُصُولِ أقْواهُما، ويَتَحَلّى بِمَكارِمِ الأخْلاقِ ومَعالِي الشِّيَمِ، فَيَكُونُ ظاهِرُهُ جَمِيلًا، وباطِنُهُ أجْمَلُ مِن ظاهِرِهِ، وسَرِيرَتُهُ خَيْرًا مِن عَلانِيَتِهِ، فَيُزاحِمُ أصْحابَ المَعالِي عَلَيْها كَما يَتَزاحَمُ أهْلُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ عَلَيْهِما، فَبِهَذِهِ اليَقَظَةِ يَسْتَعِدُّ لِلنَّوْعَيْنِ الآخَرَيْنِ مِنهُما. أحَدُهُما: يَقَظَةٌ تَبْعَثُهُ عَلى اقْتِباسِ الحَياةِ الدّائِمَةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا خَطَرَ لَها مِن هَذِهِ الحَياةِ الزّائِلَةِ الفانِيَةِ، الَّتِي لا قِيمَةَ لَها. فَإنْ قُلْتَ: مَثِّلْ لِي كَيْفَ تُقْتَبَسُ الحَياةُ الدّائِمَةُ مِنَ الحَياةِ الفانِيَةِ؟ وكَيْفَ يَكُونُ هَذا؟ فَإنِّي لا أفْهَمُهُ. قُلْتُ: وهَذا أيْضًا مِن نَوْمِ القَلْبِ بَلْ مِن مَوْتِهِ، وهَلْ تُقْتَبَسُ الحَياةُ الدّائِمَةُ إلّا مِن هَذِهِ الحَياةِ الزّائِلَةِ؟ وأنْتَ قَدْ تُشْعِلُ سِراجَكَ مِن سِراجٍ آخَرَ قَدْ أشَفى عَلى الِانْطِفاءِ، فَيَتَّقِدُ الثّانِي ويُضِيءُ غايَةَ الإضاءَةِ، ويَتَّصِلُ ضَوْءُهُ ويَنْطَفِئُ الأوَّلُ، والمُقْتَبِسُ لِحَياتِهِ الدّائِمَةِ مِن حَياتِهِ المُنْقَطِعَةِ إنَّما يَنْتَقِلُ مِن دارٍ مُنْقَطِعَةٍ إلى دارٍ باقِيَةٍ، وقَدْ تَوَسَّطَ المَوْتُ بَيْنَ الدّارَيْنِ، فَهو قَنْطَرَةٌ لا يُعْبَرُ إلى تِلْكَ الدّارِ إلّا عَلَيْها، وبابٌ لا يُدْخَلُ إلَيْها إلّا مِنهُ، فَهُما حَياتانِ في دارَيْنِ بَيْنَهُما المَوْتُ، وكَما أنَّ نُورَ تِلْكَ الدّارِ مُقْتَبَسٌ مِن نُورِ هَذِهِ الدّارِ، فَحَياتُها كَذَلِكَ مُقْتَبَسَةٌ مِن حَياتِها، فَعَلى قَدْرِ نُورِ الإيمانِ في هَذِهِ الدّارِ يَكُونُ نُورُ العَبْدِ في تِلْكَ الدّارِ، وعَلى قَدْرِ حَياتِهِ في هَذِهِ الدّارِ تَكُونُ حَياتُهُ هُناكَ. نَعَمْ؛ هَذا النُّورُ والحَياةُ الَّذِي يُقْتَبَسُ مِنهُ ذَلِكَ النُّورُ والحَياةُ لا يَنْقَطِعُ، بَلْ يُضِيءُ لِلْعَبْدِ في البَرْزَخِ وفي مَوْقِفِ القِيامَةِ، وعَلى الصِّراطِ، فَلا يُفارِقُهُ إلى دارِ الحَيَوانِ، يُطْفَأُ نُورُ الشَّمْسِ وهَذا النُّورُ لا يُطْفَأُ، وتَبْطُلُ الحَياةُ المَحْسُوسَةُ وهَذِهِ الحَياةُ لا تَبْطُلُ، هَذا أحَدُ نَوْعَيْ يَقَظَةِ القَلْبِ. النَّوْعُ الثّانِي: يَقَظَةٌ تَبْعَثُ عَلى حَياةٍ، لا تُدْرِكُها العِبارَةُ، ولا يَنالُها التَّوَهُّمُ، ولا يُطابِقُ فِيها اللَّفْظُ لِمَعْناهُ ألْبَتَّةَ، والَّذِي يُشارُ بِهِ إلَيْها حَياةُ المُحِبِّ مَعَ حَبِيبِهِ الَّذِي لا قِوامَ لِقَلْبِهِ ورُوحِهِ وحَياتِهِ إلّا بِهِ ولا غِنًى لَهُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولا قُرَّةَ لِعَيْنِهِ، ولا طُمَأْنِينَةَ لِقَلْبِهِ، ولا سُكُونَ لِرُوحِهِ إلّا بِهِ، فَهو أحْوَجُ إلَيْهِ مِن سَمْعِهِ وبَصَرِهِ وقُوَّتِهِ، بَلْ ومِن حَياتِهِ، فَإنَّ حَياتَهُ بِدُونِهِ عَذابٌ وآلامٌ، وهُمُومٌ وأحْزانٌ، فَحَياتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلى قُرْبِهِ وحُبِّهِ ومُصاحَبَتِهِ، وعَذابُ حِجابِهِ عَنْهُ أعْظَمُ مِنَ العَذابِ الآخَرِ، كَما أنَّ نَعِيمَ القَلْبِ والرُّوحِ بِإزالَةِ ذَلِكَ الحِجابِ أعْظَمُ مِنَ النَّعِيمِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ، والتَّمَتُّعِ بِالحُورِ العِينِ، فَهَكَذا عَذابُ الحِجابِ أعْظَمُ مِن عَذابِ الجَحِيمِ، ولِهَذا جَمَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأوْلِيائِهِ بَيْنَ النَّعِيمَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: رُؤْيَةُ وجْهِهِ الكَرِيمِ في جَنّاتِ عَدْنٍ، وجَمَعَ لِأعْدائِهِ بَيْنَ العَذابَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ - ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥-١٦]. والمَقْصُودُ: أنَّ الغَفْلَةَ هي نَوْمُ القَلْبِ عَنْ طَلَبِ هَذِهِ الحَياةِ، وهي حِجابٌ عَلَيْهِ، فَإنْ كُشِفَ هَذا الحِجابَ بِالذِّكْرِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ بِطالَةٍ ولَعِبٍ واشْتِغالٍ بِما لا يُفِيدُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ مَعاصٍ وذُنُوبٍ صِغارٍ تُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ كَبائِرٍ تُوجِبُ مَقْتَ الرَّبِّ تَعالى لَهُ وغَضَبَهُ ولَعْنَتَهُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ بِدَعٍ عَمَلِيَّةٍ يُعَذِّبُ العامِلُ فِيها نَفْسَهُ، ولا تُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ بِدَعٍ قَوْلِيَّةٍ اعْتِقادِيَّةٍ؛ تَتَضَمَّنُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، والتَّكْذِيبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ شَكٍّ وتَكْذِيبٍ؛ يَقْدَحُ في أُصُولِ الإيمانِ الخَمْسَةِ، وهِيَ: الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ولِقائِهِ، فَلِغِلَظِ حِجابِهِ وكَثافَتِهِ وظُلْمَتِهِ وسَوادِهِ لا يَرى حَقائِقَ الإيمانِ، ويَتَمَكَّنُ مِنهُ الشَّيْطانُ، يَعِدُهُ ويُمَنِّيهِ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ تَهْوى وتَشْتَهِي، وسُلْطانُ الطَّبْعِ قَدْ ظَفِرَ بِسُلْطانِ الإيمانِ، فَأسَرَهُ وسَجَنَهُ إنْ لَمْ يُهْلِكْهُ، وتَوَلّى تَدْبِيرَ المَمْلَكَةِ واسْتِخْدامَ جُنُودِ الشَّهَواتِ، وأقْطَعَها العَوائِدَ الَّتِي جَرى عَلَيْها العَمَلُ، وأغْلَقَ بابَ اليَقَظَةِ، وأقامَ عَلَيْهِ بَوّابَ الغَفْلَةِ، وقالَ: إيّاكَ أنْ نُؤْتى مِن قِبَلِكَ، واتَّخَذَ حاجِبًا مِنَ الهَوى، وقالَ: إيّاكَ أنْ تُمَكِّنَ أحَدًا يَدْخُلُ عَلَيَّ إلّا مَعَكَ، فَأمْرُ هَذِهِ المَمْلَكَةِ قَدْ صارَ إلَيْكَ وإلى البَوّابِ، فَيا بَوّابَ الغَفْلَةِ، ويا حاجِبَ الهَوى لِيَلْزَمْ كُلٌّ مِنكُما ثَغْرَهُ، فَإنْ أخْلَيْتُما فَسَدَ أمْرُ مَمْلَكَتِنا، وعادَتِ الدَّوْلَةُ لِغَيْرِنا، وسامَنا سُلْطانُ الإيمانِ شَرَّ الخِزْيِ والهَوانِ، ولا نَفْرَحُ بِهَذِهِ المَدِينَةِ أبَدًا. فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ! إذا اجْتَمَعَتْ عَلى القَلْبِ هَذِهِ العَساكِرُ مَعَ رِقَّةِ الإيمانِ وقِلَّةِ الأعْوانِ، والإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، والِانْخِراطِ في سِلْكِ أبْناءِ الزَّمانِ، وطُولِ الأمَلِ المُفْسِدِ لِلْإنْسانِ أنْ آثَرَ العاجِلَ الحاضِرَ عَلى الغائِبِ المَوْعُودِ بِهِ بَعْدَ طَيِّ هَذِهِ الأكْوانِ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.

العنكبوت 29:51

في مراسيل أبي داود أن الرسول ﷺ رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة فيها شيء من التوراة فقال: "كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أنزل على نبي غير نبيهم" فأنزل الله عز وجل ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وَقالَ تَعالى لِمَن طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ (٥٢)﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الكِتابَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ يَكْفِي عَنْ كُلِّ آيَةٍ، فَفِيهِ الحُجَّةُ والدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ وفِيهِ بَيانُ ما يُوجِبُ لِمَنِ اتَّبَعَهُ السَّعادَةَ، ويُنْجِيهِ مِنَ العَذابِ. ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإذا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ كانَتْ شَهادَتُهُ أصْدَقَ شَهادَةٍ وأعْدَلَها، فَإنَّها شَهادَةٌ بِعِلْمٍ تامٍّ، مُحِيطٍ بِالمَشْهُودِ بِهِ، فَيَكُونُ الشّاهِدُ بِهِ أعْدَلَ الشُّهَداءِ وأصْدَقَهُمْ، وهو سُبْحانَهُ يَذْكُرُ عِلْمَهُ عِنْدَ شَهادَتِهِ، وقُدْرَتَهُ ومُلْكَهُ عِنْدَ مُجازاتِهِ، وحِكْمَتَهُ عِنْدَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ، ورَحْمَتَهُ عِنْدَ ذِكْرِ إرْسالِ رَسُولِهِ، وحِلْمَهُ عِنْدَ ذِكْرِ ذُنُوبِ عِبادِهِ ومَعاصِيهِمْ، وسَمْعَهُ عِنْدَ ذِكْرِ دُعائِهِمْ، ومَسْألَتَهُ وعِزَّتَهُ وعِلْمَهُ عِنْدَ قَضائِهِ وقَدَرِهِ. فَتَأمَّلْ وُرُودَ أسْمائِهِ الحُسْنى في كِتابِهِ، وارْتِباطَها بِالخَلْقِ والأمْرِ، والثَّوابِ والعِقابِ.

العنكبوت 29:52

في مراسيل أبي داود أن الرسول ﷺ رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة فيها شيء من التوراة فقال: "كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أنزل على نبي غير نبيهم" فأنزل الله عز وجل ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وَقالَ تَعالى لِمَن طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ (٥٢)﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الكِتابَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ يَكْفِي عَنْ كُلِّ آيَةٍ، فَفِيهِ الحُجَّةُ والدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ وفِيهِ بَيانُ ما يُوجِبُ لِمَنِ اتَّبَعَهُ السَّعادَةَ، ويُنْجِيهِ مِنَ العَذابِ. ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإذا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ كانَتْ شَهادَتُهُ أصْدَقَ شَهادَةٍ وأعْدَلَها، فَإنَّها شَهادَةٌ بِعِلْمٍ تامٍّ، مُحِيطٍ بِالمَشْهُودِ بِهِ، فَيَكُونُ الشّاهِدُ بِهِ أعْدَلَ الشُّهَداءِ وأصْدَقَهُمْ، وهو سُبْحانَهُ يَذْكُرُ عِلْمَهُ عِنْدَ شَهادَتِهِ، وقُدْرَتَهُ ومُلْكَهُ عِنْدَ مُجازاتِهِ، وحِكْمَتَهُ عِنْدَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ، ورَحْمَتَهُ عِنْدَ ذِكْرِ إرْسالِ رَسُولِهِ، وحِلْمَهُ عِنْدَ ذِكْرِ ذُنُوبِ عِبادِهِ ومَعاصِيهِمْ، وسَمْعَهُ عِنْدَ ذِكْرِ دُعائِهِمْ، ومَسْألَتَهُ وعِزَّتَهُ وعِلْمَهُ عِنْدَ قَضائِهِ وقَدَرِهِ. فَتَأمَّلْ وُرُودَ أسْمائِهِ الحُسْنى في كِتابِهِ، وارْتِباطَها بِالخَلْقِ والأمْرِ، والثَّوابِ والعِقابِ.

العنكبوت 29:64

قوله تعالى: ﴿وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ والمراد الجنة عند أهل التفسير. قالوا: ﴿وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ يعني الجنة ﴿لَهِيَ الحَيَوانُ﴾ لهي دار الحياة التي لا موت فيها. قال الكلبي: هي حياة لا موت فيها. وقال وقال الزجاج هي دار الحياة الدائمة. وأهل اللغة على أن الحيوان بمعنى الحياة. وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: الحياة الحيوان. قال أبو عبيدة: الحياة والحيوان، والحي بكسر الحاء واحد. قال أبو علي يعني أنها مصادر، فالحياة فعلة كالحلبة، والحيوان كالنزوان والغليان، والحي كالعي قال العجاج: كنا بها إذا الحياة حي أي إذا الحياة حياة. وأما أبو زيد فخالفهم وقال: الحيوان ما فيه روح، والموتان والموات ما لا روح فيه. والصواب أن الحيوان يقع على ضربين: أحدهما مصدر كما حكاه أبو عبيدة. والثاني وصف كما حكاه أبو زيد. وعلى قول أبي زيد الحيوان مثل الحي خلاف الميت ورجح القول الأول بأن الفعلان بابه المصادر كالنزوان والغليان بخلاف الصفات فإن بابها فعلان كسكران وغضبان. وأجاب من رجح القول الثاني بأن فعلان قد جاء في الصفات أيضا، قالوا: رجل ضميان للسريع الخفيف، وزفيان. قال في الصحاح: ناقة زفيان سريعة وقوس زفيان سريعة الإرسال للسهم. فيحتمل قوله تعالى: ﴿وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ معنيين: أحدهما أن الحياة الآخرة هي الحياة لأنها لا تنغيص فيها، ولا نفاد لها. أي لا يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار فيكون الحيوان مصدرا على هذا. والثاني أن يكون المعنى أنها الدار التي تفنى ولا تنقطع ولا تبيد، كما يفنى الأحياء في هذه الدنيا، فهي أحق بهذا الاسم من الحيوان الذي يفنى ويموت.

العنكبوت 29:69

(فائِدَة) قَوله تَعالى ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ علق سُبْحانَهُ الهِدايَة بِالجِهادِ فأكمل النّاس هِدايَة أعظمهم جهادا، وأفضل الجِهاد جِهاد النَّفس وجِهاد الهوى وجِهاد الشَّيْطان وجِهاد الدُّنْيا. فَمن جاهد هَذِه الأرْبَعَة في الله هداه الله سبل رِضاهُ الموصلة إلى جنته. وَمن ترك الجِهاد فاتَهُ من الهدى بِحَسب ما عطل من الجِهاد. قالَ الجُنَيْد ﴿والَّذين جاهدوا﴾ أهواءهم ﴿فِينا﴾ بِالتَّوْبَةِ ﴿لنهدينهم﴾ سبل الإخْلاص. وَلا يتَمَكَّن من جِهاد عدوه في الظّاهِر إلّا من جاهد هَذِه الأعْداء باطِنا، فَمن نصر عَلَيْها نصر على عدوه. وَمن نصرت عَلَيْهِ نصر عَلَيْهِ عدوه. (لطيفة) قالَ الأوْزاعِيُّ وابْنُ المُبارَكِ: إذا اخْتَلَفَ النّاسُ في شَيْءٍ فانْظُرُوا ما عَلَيْهِ أهْلُ الثَّغْرِ، يَعْنِي أهْلَ الجِهادِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾. (فصل) اعلم أن حقيقة الصبر مع الله هو ثبات القلب بالاستقامة معه، وهو أن لا يروغ عنه روغان الثعالب هاهنا وهاهنا، فحقيقة هذا هو الاستقامة إليه وعكوف القلب عليه. وزاد بعضهم قسما آخر من أقسامه وسماه الصبر فيه. وهذا أيضا غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة، ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له، وهذا كما يقال فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب: ؎وذلك في ذات الإله وأن يشأ ∗∗∗ يبارك على أوصال شلو ممزع وقد قال تعالى ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ وقال ﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ وفي حديث جابر: "إن الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال يا رب أن ترجعني إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانية" وقال " ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد" وهذا يفهم منه معنيان أحدهما أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله وهذا فيما يفعله الإنسان باختياره كما في الحديث "تعلمت فيك العلم" والثاني إنه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره وغالب ما يأتي قولهم "ذلك في الله" في هذا المعنى. فتأمل قوله "ولقد أوذيت في الله" وقول خبيب وذلك "في ذات الإله" وقول عبد الله بن حرام "حتى أقتل فيك" وكذلك قوله ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه. وليست (في) ها هنا للظرفية ولا لمجرد السببية وإن كانت السببية هي أصلها فانظر إلى قوله "في نفس المؤمن مائة من الإبل" وقوله "دخلت امرأة النار في هرة" كيف تجد فيه معنى زائدا على السببية وليست في للوعاء في جميع معانيها فقولك "فعلت هذا في مرضاتك" فيه معنى زيد على قولك "فعلته لمرضاتك" وأنت إذا قلت "أوذيت في الله" لا يقوم مقام هذا اللفظ كقولك "أوذيت لله" ولا "بسبب الله" وإذا فهم المعنى طوى حكم العبارة والمقصود أن الصبر في الله إن أريد به هذا المعنى فهو حق، وإن أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره وعن نواهيه وله وبه لم يحصل. فالصابر في الله كالمجاهد في الله، والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله. والله الموفق.