Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — ص 38:1 – الزمر 39:75

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. ص 38:1
  2. ص 38:2
  3. ص 38:3
  4. ص 38:4
  5. ص 38:5
  6. ص 38:24
  7. ص 38:25
  8. ص 38:26
  9. ص 38:27
  10. ص 38:28
  11. ص 38:29
  12. ص 38:33
  13. ص 38:39
  14. ص 38:44
  15. ص 38:45
  16. ص 38:46
  17. ص 38:47
  18. ص 38:50
  19. ص 38:52
  20. ص 38:53
  21. ص 38:54
  22. ص 38:59
  23. ص 38:60
  24. ص 38:61
  25. ص 38:75
  26. ص 38:76
  27. ص 38:82
  28. ص 38:83
  29. ص 38:86
  30. الزمر 39:6
  31. الزمر 39:7
  32. الزمر 39:9
  33. الزمر 39:17
  34. الزمر 39:18
  35. الزمر 39:22
  36. الزمر 39:29
  37. الزمر 39:30
  38. الزمر 39:31
  39. الزمر 39:33
  40. الزمر 39:42
  41. الزمر 39:43
  42. الزمر 39:44
  43. الزمر 39:49
  44. الزمر 39:50
  45. الزمر 39:51
  46. الزمر 39:52
  47. الزمر 39:53
  48. الزمر 39:62
  49. الزمر 39:68
  50. الزمر 39:71
  51. الزمر 39:73
  52. الزمر 39:75

ص 38:1

قوله تعالى ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه وكونه حقًا من عند الله غير مفترى كما يقوله الكافرون. وهذا معنى قول كثير من المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق. وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك. وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ فاعترض بين القسم وجوابه بقوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله كم أنفقت مالًا وبالله كم أعتقت عبدًا. وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا. وأبعد من هذا قول من قال الجواب في قوله ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُل﴾ وأبعد منه قول من قال الجواب ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وأبعد منه قول من قال الجواب قوله ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وأقرب ما قيل في الجواب لفظًا وإن كان بعيدًا معنى عن قتاده وغيره إنه في قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كما قال ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ وشرح صاحب النظم هذا القول فقال معنى ﴿بل﴾ توكيد الخبر الذي بعده فصار كـ (إنّ) الشديدة في تثبيت ما بعدها. وقيل هاهنا بمنزلة (إن) لأنه يؤكد ما بعده من الخبر، وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز وجل قال: ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا في عزة وشقاق. كما تقول والله إن زيدًا لقائم. قال واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم، فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عز وجل لما بينا من احتمال أن تكون ﴿بل﴾ بمعنى (إنّ) اهـ وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن (بل) تقع في جواب القسم كما تقع (إنّ) لأن المراد بها توكيد الخبر. وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين. وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فلما قدم القسم ترك على حاله. قال الأخفش: وهذا يقوله الكوفيون وليس بجيد في العربية لو قلت: والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن. وقال النحاس: هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدًا عليه لم يكن بد من الجواب. وأجمعوا أنه لا يجوز والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله، لأن الكلام يعتمد على القسم. وذكر الأخفش وجهًا آخر في جواب القسم فقال يجوز أن يكون لـ (ص) معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو كأنه يقول الحق والله. قال أبو الحسن الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ﴿ص﴾ الصادق الله أو صدق محمد. وذكر الفراء هذا الوجه أيضًا فقال ﴿ص﴾ جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله ﴿والقرآن﴾. وذكر النحاس وغيره وجهًا آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر فالأمر كما يقوله هؤلاء الكفار، ودل على المحذوف قوله تعالى ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ مخالفًا لهذا المضمر فكأنه قيل: والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق أو كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا به في جواب القسم والله أعلم. (لطيفة) تأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك (ق) والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن، وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين، وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم وحقوق الوعيد. ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة، وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح. وإذا أردت زياة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلها واحد﴾ إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامة ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم. فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير (ص) وسورة (ق) غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف. والله أعلم. (فصل: في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام) كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا وإما اضطرارا. فالكريم يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه أن لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وأن المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء: "العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر" كما قيل وأن الأمر يفضي إلى آخر ... فيصير آخره أولا فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين. فصل: وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارا فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدى عليه شيئا فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن واللئيم يصبر في طاعة الشيطان فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم وأقل الناس صبرا في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء ويصبر في تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذى في الله بل يفر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله، ويبذل عرضه في هوى نفسه ومرضاته صابرا على ما يقال فيه، وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده، ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته، فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس، وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله. وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريما عند الله، ولا يقوم مع أهل الكرم إذا نودي بهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون؟

ص 38:2

قوله تعالى ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه وكونه حقًا من عند الله غير مفترى كما يقوله الكافرون. وهذا معنى قول كثير من المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق. وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك. وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ فاعترض بين القسم وجوابه بقوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله كم أنفقت مالًا وبالله كم أعتقت عبدًا. وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا. وأبعد من هذا قول من قال الجواب في قوله ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُل﴾ وأبعد منه قول من قال الجواب ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وأبعد منه قول من قال الجواب قوله ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وأقرب ما قيل في الجواب لفظًا وإن كان بعيدًا معنى عن قتاده وغيره إنه في قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كما قال ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ وشرح صاحب النظم هذا القول فقال معنى ﴿بل﴾ توكيد الخبر الذي بعده فصار كـ (إنّ) الشديدة في تثبيت ما بعدها. وقيل هاهنا بمنزلة (إن) لأنه يؤكد ما بعده من الخبر، وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز وجل قال: ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا في عزة وشقاق. كما تقول والله إن زيدًا لقائم. قال واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم، فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عز وجل لما بينا من احتمال أن تكون ﴿بل﴾ بمعنى (إنّ) اهـ وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن (بل) تقع في جواب القسم كما تقع (إنّ) لأن المراد بها توكيد الخبر. وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين. وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فلما قدم القسم ترك على حاله. قال الأخفش: وهذا يقوله الكوفيون وليس بجيد في العربية لو قلت: والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن. وقال النحاس: هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدًا عليه لم يكن بد من الجواب. وأجمعوا أنه لا يجوز والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله، لأن الكلام يعتمد على القسم. وذكر الأخفش وجهًا آخر في جواب القسم فقال يجوز أن يكون لـ (ص) معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو كأنه يقول الحق والله. قال أبو الحسن الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ﴿ص﴾ الصادق الله أو صدق محمد. وذكر الفراء هذا الوجه أيضًا فقال ﴿ص﴾ جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله ﴿والقرآن﴾. وذكر النحاس وغيره وجهًا آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر فالأمر كما يقوله هؤلاء الكفار، ودل على المحذوف قوله تعالى ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ مخالفًا لهذا المضمر فكأنه قيل: والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق أو كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا به في جواب القسم والله أعلم. (لطيفة) تأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك (ق) والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن، وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين، وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم وحقوق الوعيد. ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة، وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح. وإذا أردت زياة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلها واحد﴾ إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامة ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم. فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير (ص) وسورة (ق) غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف. والله أعلم. (فصل: في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام) كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا وإما اضطرارا. فالكريم يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه أن لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وأن المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء: "العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر" كما قيل وأن الأمر يفضي إلى آخر ... فيصير آخره أولا فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين. فصل: وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارا فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدى عليه شيئا فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن واللئيم يصبر في طاعة الشيطان فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم وأقل الناس صبرا في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء ويصبر في تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذى في الله بل يفر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله، ويبذل عرضه في هوى نفسه ومرضاته صابرا على ما يقال فيه، وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده، ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته، فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس، وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله. وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريما عند الله، ولا يقوم مع أهل الكرم إذا نودي بهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون؟

ص 38:3

قوله تعالى ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه وكونه حقًا من عند الله غير مفترى كما يقوله الكافرون. وهذا معنى قول كثير من المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق. وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك. وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ فاعترض بين القسم وجوابه بقوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله كم أنفقت مالًا وبالله كم أعتقت عبدًا. وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا. وأبعد من هذا قول من قال الجواب في قوله ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُل﴾ وأبعد منه قول من قال الجواب ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وأبعد منه قول من قال الجواب قوله ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وأقرب ما قيل في الجواب لفظًا وإن كان بعيدًا معنى عن قتاده وغيره إنه في قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كما قال ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ وشرح صاحب النظم هذا القول فقال معنى ﴿بل﴾ توكيد الخبر الذي بعده فصار كـ (إنّ) الشديدة في تثبيت ما بعدها. وقيل هاهنا بمنزلة (إن) لأنه يؤكد ما بعده من الخبر، وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز وجل قال: ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا في عزة وشقاق. كما تقول والله إن زيدًا لقائم. قال واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم، فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عز وجل لما بينا من احتمال أن تكون ﴿بل﴾ بمعنى (إنّ) اهـ وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن (بل) تقع في جواب القسم كما تقع (إنّ) لأن المراد بها توكيد الخبر. وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين. وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فلما قدم القسم ترك على حاله. قال الأخفش: وهذا يقوله الكوفيون وليس بجيد في العربية لو قلت: والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن. وقال النحاس: هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدًا عليه لم يكن بد من الجواب. وأجمعوا أنه لا يجوز والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله، لأن الكلام يعتمد على القسم. وذكر الأخفش وجهًا آخر في جواب القسم فقال يجوز أن يكون لـ (ص) معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو كأنه يقول الحق والله. قال أبو الحسن الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ﴿ص﴾ الصادق الله أو صدق محمد. وذكر الفراء هذا الوجه أيضًا فقال ﴿ص﴾ جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله ﴿والقرآن﴾. وذكر النحاس وغيره وجهًا آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر فالأمر كما يقوله هؤلاء الكفار، ودل على المحذوف قوله تعالى ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ مخالفًا لهذا المضمر فكأنه قيل: والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق أو كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا به في جواب القسم والله أعلم. (لطيفة) تأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك (ق) والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن، وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين، وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم وحقوق الوعيد. ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة، وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح. وإذا أردت زياة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلها واحد﴾ إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامة ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم. فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير (ص) وسورة (ق) غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف. والله أعلم. (فصل: في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام) كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا وإما اضطرارا. فالكريم يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه أن لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وأن المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء: "العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر" كما قيل وأن الأمر يفضي إلى آخر ... فيصير آخره أولا فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين. فصل: وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارا فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدى عليه شيئا فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن واللئيم يصبر في طاعة الشيطان فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم وأقل الناس صبرا في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء ويصبر في تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذى في الله بل يفر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله، ويبذل عرضه في هوى نفسه ومرضاته صابرا على ما يقال فيه، وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده، ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته، فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس، وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله. وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريما عند الله، ولا يقوم مع أهل الكرم إذا نودي بهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون؟

ص 38:4

قوله تعالى ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه وكونه حقًا من عند الله غير مفترى كما يقوله الكافرون. وهذا معنى قول كثير من المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق. وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك. وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ فاعترض بين القسم وجوابه بقوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله كم أنفقت مالًا وبالله كم أعتقت عبدًا. وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا. وأبعد من هذا قول من قال الجواب في قوله ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُل﴾ وأبعد منه قول من قال الجواب ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وأبعد منه قول من قال الجواب قوله ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وأقرب ما قيل في الجواب لفظًا وإن كان بعيدًا معنى عن قتاده وغيره إنه في قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كما قال ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ وشرح صاحب النظم هذا القول فقال معنى ﴿بل﴾ توكيد الخبر الذي بعده فصار كـ (إنّ) الشديدة في تثبيت ما بعدها. وقيل هاهنا بمنزلة (إن) لأنه يؤكد ما بعده من الخبر، وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز وجل قال: ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا في عزة وشقاق. كما تقول والله إن زيدًا لقائم. قال واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم، فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عز وجل لما بينا من احتمال أن تكون ﴿بل﴾ بمعنى (إنّ) اهـ وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن (بل) تقع في جواب القسم كما تقع (إنّ) لأن المراد بها توكيد الخبر. وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين. وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فلما قدم القسم ترك على حاله. قال الأخفش: وهذا يقوله الكوفيون وليس بجيد في العربية لو قلت: والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن. وقال النحاس: هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدًا عليه لم يكن بد من الجواب. وأجمعوا أنه لا يجوز والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله، لأن الكلام يعتمد على القسم. وذكر الأخفش وجهًا آخر في جواب القسم فقال يجوز أن يكون لـ (ص) معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو كأنه يقول الحق والله. قال أبو الحسن الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ﴿ص﴾ الصادق الله أو صدق محمد. وذكر الفراء هذا الوجه أيضًا فقال ﴿ص﴾ جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله ﴿والقرآن﴾. وذكر النحاس وغيره وجهًا آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر فالأمر كما يقوله هؤلاء الكفار، ودل على المحذوف قوله تعالى ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ مخالفًا لهذا المضمر فكأنه قيل: والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق أو كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا به في جواب القسم والله أعلم. (لطيفة) تأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك (ق) والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن، وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين، وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم وحقوق الوعيد. ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة، وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح. وإذا أردت زياة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلها واحد﴾ إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامة ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم. فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير (ص) وسورة (ق) غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف. والله أعلم. (فصل: في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام) كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا وإما اضطرارا. فالكريم يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه أن لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وأن المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء: "العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر" كما قيل وأن الأمر يفضي إلى آخر ... فيصير آخره أولا فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين. فصل: وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارا فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدى عليه شيئا فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن واللئيم يصبر في طاعة الشيطان فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم وأقل الناس صبرا في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء ويصبر في تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذى في الله بل يفر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله، ويبذل عرضه في هوى نفسه ومرضاته صابرا على ما يقال فيه، وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده، ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته، فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس، وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله. وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريما عند الله، ولا يقوم مع أهل الكرم إذا نودي بهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون؟

ص 38:5

قوله تعالى ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه وكونه حقًا من عند الله غير مفترى كما يقوله الكافرون. وهذا معنى قول كثير من المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق. وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك. وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ فاعترض بين القسم وجوابه بقوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله كم أنفقت مالًا وبالله كم أعتقت عبدًا. وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا. وأبعد من هذا قول من قال الجواب في قوله ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُل﴾ وأبعد منه قول من قال الجواب ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وأبعد منه قول من قال الجواب قوله ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وأقرب ما قيل في الجواب لفظًا وإن كان بعيدًا معنى عن قتاده وغيره إنه في قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كما قال ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ وشرح صاحب النظم هذا القول فقال معنى ﴿بل﴾ توكيد الخبر الذي بعده فصار كـ (إنّ) الشديدة في تثبيت ما بعدها. وقيل هاهنا بمنزلة (إن) لأنه يؤكد ما بعده من الخبر، وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز وجل قال: ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا في عزة وشقاق. كما تقول والله إن زيدًا لقائم. قال واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم، فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عز وجل لما بينا من احتمال أن تكون ﴿بل﴾ بمعنى (إنّ) اهـ وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن (بل) تقع في جواب القسم كما تقع (إنّ) لأن المراد بها توكيد الخبر. وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين. وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فلما قدم القسم ترك على حاله. قال الأخفش: وهذا يقوله الكوفيون وليس بجيد في العربية لو قلت: والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن. وقال النحاس: هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدًا عليه لم يكن بد من الجواب. وأجمعوا أنه لا يجوز والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله، لأن الكلام يعتمد على القسم. وذكر الأخفش وجهًا آخر في جواب القسم فقال يجوز أن يكون لـ (ص) معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو كأنه يقول الحق والله. قال أبو الحسن الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ﴿ص﴾ الصادق الله أو صدق محمد. وذكر الفراء هذا الوجه أيضًا فقال ﴿ص﴾ جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله ﴿والقرآن﴾. وذكر النحاس وغيره وجهًا آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر فالأمر كما يقوله هؤلاء الكفار، ودل على المحذوف قوله تعالى ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ مخالفًا لهذا المضمر فكأنه قيل: والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق أو كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا به في جواب القسم والله أعلم. (لطيفة) تأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك (ق) والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن، وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين، وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم وحقوق الوعيد. ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة، وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح. وإذا أردت زياة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلها واحد﴾ إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامة ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم. فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير (ص) وسورة (ق) غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف. والله أعلم. (فصل: في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام) كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا وإما اضطرارا. فالكريم يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه أن لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وأن المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء: "العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر" كما قيل وأن الأمر يفضي إلى آخر ... فيصير آخره أولا فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين. فصل: وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارا فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدى عليه شيئا فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن واللئيم يصبر في طاعة الشيطان فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم وأقل الناس صبرا في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء ويصبر في تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذى في الله بل يفر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله، ويبذل عرضه في هوى نفسه ومرضاته صابرا على ما يقال فيه، وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده، ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته، فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس، وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله. وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريما عند الله، ولا يقوم مع أهل الكرم إذا نودي بهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون؟

ص 38:24

وقوله عن نبيه داود: ﴿وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ والإنابة الرجوع إلى الله وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه، وهي تتضمن المحبة والخشية، فإن المنيب محب لمن أناب إليه خاضع له خاشع ذليل. والناس في إنابتهم على درجات متفاوتة فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي، وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد، والحامل عليها العلم والخشية والحذر، ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقربات، فهو ساع فيها بجهده وقد حبب إليه فعل الطاعات وأنواع القربات، وهذه الإنابة مصدرها الرجاءُ ومطالعة الوعد والثواب ومحبة الكرامة من الله وهؤلاء أبسط نفوسًا من أهل القسم الأول وأشرح صدورًا وجانب الرجاءِ ومطالعة الرحمة والمنة أغلب عليهم، وإلا فكل واحد من الفريقين منيب بالأمرين جميعًا، ولكن خوف هؤلاء اندرج في رجائهم فأنابوا بالعبادات، ورجاء الأولين اندرج تحت خوفهم فكانت إنابتهم بترك المخالفات ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاءِ والافتقار إليه والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه. ومصدر هذه الإنابة شهود الفضل والمنة والغنى والكرم والقدرة، فأنزلوا به حوائجهم وعلقوا به آمالهم، فإنابتهم إليه من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر والنهي، ولكن إنابتهم الخاصة إنما هي من هذه الجهة، وأما الأعمال فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة وأملهم المنيب إليه عند الشدائد والضراءِ فقط إنابة اضطرار لا إنابة اختيار كحال الذين قال الله في حقهم: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقوله تعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلُكِ دَعُوُا الله مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم ملتفتة عن الله سبحانه معرضة عنه إلى مأْلوف طبيعي نفساني قد حال بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق، فهي ملتفتة إلى غيره ولها إليه إنابة ما بحسب إيمانها به ومعرفتها له. فأعلى أنواع الإنابة إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة الغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم وحين أنابت إليه أرواحهم لم يختلف منهم شيء عن الإنابة، فإن الأعضاءَ كلها رعيتها وملكها تبع للروح فلما أنابت الروح بذاتها إليه إنابة محب صادق المحبة ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه أنابت جميع القوى والجوارح: فأناب القلب أيضًا بالمحبة والتضرع والذل والانكسار. وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه، وتسليمه لها، وتحكيمه إياها دون غيرها، فلم يبق فيه منازعة شبهة معترضة دونها، وأنابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة، وانقادت لللأمر خاضعة له وداعية فيه مؤثرة إياه على غيره، فلم يبق فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر، وخرجت عن تدبيرها واختيارها تفويضًا إلى مولاها ورضى بقضائه وتسليمًا لحكمه. وقد قيل: إن تدبير العبد لنفسه هو آخر الصفات المذمومة في النفس. وأناب الجسد بالأعمال والقيام بها فرضها وسننها على أكمل الوجوه. وأنابت كل جارحة وعضو إنابتها الخاصة فلم يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذي كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها، وإن كانت عذبة في مباديها فإنها عذاب في عواقبها، فإنابة العبد ولو ساعة من عمره هذه الإنابة الخالصة أنفع له وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة من غيره، فأين إنابة هذا من إنابة من قبله؟ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ، بل هذه روحه منيبة أبدًا، وإن توارى عنه شهود إنابتها باشتغال فهي كامنة فيها كمون النار في الزناد. وأما أصحاب الإنابات المتقدمة فإن أناب أحدهم ساعة بالدعاء والذكر والابتهال فلنفسه وروحه وقلبه وعقله التفاتات عمن قد أناب إليه، فهو ينيب ببعضه ساعة ثم يترك ذلك مقبلًا على دواعى نفسه وطبعه. والله الموفق المعين، لا رب غيره ولا إلَه سواه.

ص 38:25

قالَ تَعالى في حَقِّ نَبِيِّهِ داوُدَ: ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ فالزُّلْفى مَنزِلَةُ القُرْبِ، وحُسْنُ المَآبِ حُسْنُ الثَّوابِ والجَزاءِ. (فصل) قال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن الحسن حدثني عبد الله بن أبي بكر حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار في قوله عز وجل ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة أمر بمنبر رفيع فوضع في الجنة ثم نودي يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في دار الدنيا قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنان فذلك قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني علي بن مسلم الطوسي حدثني سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار: في قوله عز وجل: ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال يقيم الله سبحانه داود عند ساق العرش فيقول: "يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم، فيقول إلهي كيف أمجدك وقد سلبتنيه في دار الدنيا. قال فيقول الله عز وجل فإني أرده عليك، قال فيرده عليه فيزداد صوته. قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنة"

ص 38:26

[خَطَرُ تَوَلِّي القَضاءِ] وَلِهَذا جاءَ في القاضِي مِن الوَعِيدِ والتَّخْوِيفِ ما لَمْ يَأْتِ نَظِيرُهُ في المُفْتِي، كَما رَواهُ أبُو داوُد الطَّيالِسِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها ذُكِرَ عِنْدَها القُضاةُ فَقالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتى بِالقاضِي العَدْلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَلْقى مِن شِدَّةِ الحِسابِ ما يَتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ في تَمْرَةٍ قَطُّ» وَرَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَرْفَعُهُ: «ما مِن حاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ إلّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكٌ آخِذٌ بِقَفاهُ حَتّى يَقِفَ بِهِ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَيَرْفَعَ رَأْسَهُ إلى اللَّهِ فَإنْ أمَرَهُ أنْ يَقْذِفَهُ قَذَفَهُ في مَهْوى أرْبَعِينَ خَرِيفًا» وَفِي السُّنَنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «القُضاةُ ثَلاثَةٌ، اثْنانِ في النّارِ وواحِدٌ في الجَنَّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضى بِهِ فَهو في الجَنَّةِ، ورَجُلٌ قَضى بَيْنَ النّاسِ بِالجَهْلِ فَهو في النّارِ، ورَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَجارَ فَهو في النّارِ». وَقالَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ويْلٌ لِدَيّانِ مَن في الأرْضِ مِن دَيّانِ مَن في السَّماءِ، يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، إلّا مَن أمَرَ بِالعَدْلِ، وقَضى بِالحَقِّ، ولَمْ يَقْضِ عَلى هَوًى، ولا عَلى قَرابَةٍ، ولا عَلى رَغَبٍ ولا رَهَبٍ، وجَعَلَ كِتابَ اللَّهِ مِرْآةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ وفي سُنَنِ أبِي داوُد مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن طَلَبَ قَضاءَ المُسْلِمِينَ حَتّى يَنالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النّارُ» وَفِي سُنَنِ البَيْهَقِيّ مِن حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُ مَعَ القاضِي ما لَمْ يَجُرْ، فَإذا جارَ بَرِئَ اللَّهُ مِنهُ ولَزِمَهُ الشَّيْطانُ» وَفِيهِ مِن حَدِيثِ حُسَيْنِ المُعَلِّمِ عَنْ الشَّيْبانِيِّ عَنْ ابْنِ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنّ اللَّهَ مَعَ القاضِي ما لَمْ يَجُرْ، فَإذا جارَ وكَّلَهُ إلى نَفْسِهِ». وَفِي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قَعَّدَ قاضِيًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» وفي سُنَنِ البَيْهَقِيّ مِن حَدِيثِ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «وَيْلٌ لِلْأُمَراءِ، ووَيْلٌ لِلْعُرَفاءِ، ووَيْلٌ لِلْأُمَناءِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أقْوامٌ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ نَواصِيَهم كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيّا يَتَجَلْجَلُونَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّهم لَمْ يَلُوا عَمَلًا».

ص 38:27

والباطِلُ الَّذِي ظَنُّوهُ: لَيْسَ هو الجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، بَلِ الَّذِي ظَنُّوهُ: أنَّهُ لا شَرْعَ ولا جَزاءَ، ولا أمْرَ ولا نَهْيَ، ولا ثَوابَ ولا عِقابَ، فَأخْبَرَ أنَّ خَلْقَها لِغَيْرِ ذَلِكَ هو الباطِلُ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنْهُ، وذَلِكَ هو الحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ، وهو التَّوْحِيدُ، وحَقُّهُ وجَزاؤُهُ وجَزاءُ مَن جَحَدَهُ وأشْرَكَ بِرَبِّهِ.

ص 38:28

وَهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا قَبِيحٌ في نَفْسِهِ، مُنْكَرٌ تُنْكِرُهُ العُقُولُ والفِطَرُ، أفَتَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَلِيقُ بِنا أوْ يَحْسُنُ مِنّا فِعْلُهُ؟ فَأنْكَرَهُ سُبْحانَهُ إنْكارَ مُنَبِّهٍ لِلْعَقْلِ والفِطْرَةِ عَلى قُبْحِهِ، وأنَّهُ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ زَمانٍ وزَمانٍ ومَكانٍ ومَكانٍ في الفَضْل] وَأمّا قَوْلُهُ: " وخَصَّ بَعْضَ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، وفَضَّلَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، مَعَ تَساوِيها - إلَخْ " فالمُقَدِّمَةُ الأُولى صادِقَةٌ، والثّانِيَةُ كاذِبَةٌ. وَما فَضَّلَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ إلّا لِخَصائِصَ قامَتْ بِها اقْتَضَتْ التَّخْصِيصَ، وما خَصَّ سُبْحانَهُ شَيْئًا إلّا بِمُخَصَّصٍ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ظاهِرًا وقَدْ يَكُونُ خَفِيًّا، واشْتِراكُ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ في مُسَمًّى الزَّمانِ والمَكانِ كاشْتِراكِ الحَيَوانِ في مُسَمّى الحَيَوانِيَّةِ والإنْسانِ في مُسَمّى الإنْسانِيَّةِ، بَلْ وسائِرِ الأجْناسِ في المَعْنى الَّذِي يَعُمُّها. وَذَلِكَ لا يُوجِبُ اسْتِواءَها في أنْفُسِها، والمُخْتَلِفاتُ تَشْتَرِكُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، والمُتَّفِقاتُ تَتَبايَنُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ وأعْلَمُ مِن أنْ يُفَضِّلَ مِثْلًا عَلى مِثْلٍ مِن كُلِّ وجْهٍ بِلا صِفَةٍ تَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ، هَذا مُسْتَحِيلٌ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ فَحِكْمَتُهُ وعَدْلُهُ تَأْبى هَذا وهَذا. وَقَدْ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَمَّنْ يَظُنُّ بِهِ ذَلِكَ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ زَعْمَهُ الباطِلَ، وجَعَلَهُ حُكْمًا مُنْكَرًا، ولَوْ جازَ عَلَيْهِ ما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ لَبَطَلَتْ حُجَجُهُ وأدِلَّتُهُ؛ فَإنَّ مَبْناها عَلى أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وعَلى ألّا يُسَوِّيَ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ؛ فَلا يَجْعَلُ الأبْرارَ كالفُجّارِ، ولا المُؤْمِنِينَ كالكُفّارِ، ولا مَن أطاعَهُ كَمَن عَصاهُ، ولا العالِمُ كالجاهِلِ وعَلى هَذا مَبْنى الجَزاءِ؛ فَهو حُكْمُهُ الكَوْنِيُّ والدِّينِيُّ، وجَزاؤُهُ الَّذِي هو ثَوابُهُ وعِقابُهُ وبِذَلِكَ حَصَلَ الِاعْتِبارُ، ولِأجْلِهِ ضُرِبَتْ الأمْثالُ، وقُصَّتْ عَلَيْنا أخْبارُ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، ويَكْفِي في بُطْلانِ هَذا المَذْهَبِ المَتْرُوكِ الَّذِي هو مِن أفْسَدِ مَذاهِبِ العالَمِ أنَّهُ يَتَضَمَّنُ لِمُساواةِ ذاتِ جِبْرِيلَ لِذاتِ إبْلِيسَ وذاتِ الأنْبِياءِ لِذاتِ أعْدائِهِمْ، ومَكانِ البَيْتِ العَتِيقِ بِمَكانِ الحُشُوشِ وبُيُوتِ الشَّياطِينِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الذَّواتِ في الحَقِيقَةِ. وَإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ الذّاتُ عَنْ هَذِهِ الذّاتِ بِما خُصَّتْ بِهِ لِمَحْضِ المَشِيئَةِ المُرَجِّحَةِ مِثْلًا عَلى مِثْلٍ بِلا مُوجِبٍ، بَلْ قالُوا ذَلِكَ في جَمِيعِ الأجْسامِ، وأنَّها مُتَماثِلَةٌ، فَجِسْمُ المِسْكِ عِنْدَهم مُساوٍ لِجِسْمِ البَوْلِ والعَذِرَةِ، وإنَّما امْتازَ عَنْهُ بِصِفَةٍ عَرَضِيَّةٍ، وجِسْمُ الثَّلْجِ عِنْدَهم مُساوٍ لِجِسْمِ النّارِ في الحَقِيقَةِ، وهَذا مِمّا خَرَجُوا بِهِ عَنْ صَرِيحِ المَعْقُولِ، وكابَرُوا فِيهِ الحِسَّ، وخالَفَهم فِيهِ جُمْهُورُ العُقَلاءِ مِن أهْلِ المِلَلِ والنِّحَلِ، وما سِوى اللَّهِ بَيْنَ جِسْمِ السَّماءِ وجِسْمِ الأرْضِ، ولا بَيْنَ جِسْمِ النّارِ وجِسْمِ الماءِ، ولا بَيْنَ جِسْمِ الهَواءِ وجِسْمِ الحَجَرِ، ولَيْسَ مَعَ المُنازِعِينَ في ذَلِكَ إلّا الِاشْتِراكُ في أمْرِ عامٍّ، وهو قَبُولُ الِانْقِسامِ وقِيامُ الأبْعادِ الثَّلاثَةِ والإشارَةِ الحِسِّيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ التَّشابُهَ فَضْلًا عَنْ التَّماثُلِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

ص 38:29

[فَصْلٌ فَوائِدُ تَدَبُّرِ القُرْآنِ وتَأمُّلِ مَعانِيهِ] وَأمّا التَّأمُّلُ في القُرْآنِ فَهو تَحْدِيقُ ناظِرِ القَلْبِ إلى مَعانِيهِ، وجَمْعُ الفِكْرِ عَلى تَدَبُّرِهِ وتَعَقُّلِهِ، وهو المَقْصُودُ بِإنْزالِهِ، لا مُجَرَّدُ تِلاوَتِهِ بِلا فَهْمٍ ولا تَدَبُّرٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩] وَقالَ تَعالى ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] وَقالَ تَعالى ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] وَقالَ تَعالى ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] وَقالَ الحَسَنُ: نَزَلَ القُرْآنُ لِيُتَدَبَّرَ ويُعْمَلَ بِهِ. فاتَّخِذُوا تِلاوَتَهُ عَمَلًا. فَلَيْسَ شَيْءٌ أنْفَعَ لِلْعَبْدِ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ، وأقْرَبَ إلى نَجاتِهِ مِن تَدَبُّرِ القُرْآنِ، وإطالَةِ التَّأمُّلِ فِيهِ، وجَمْعِ الفِكْرِ عَلى مَعانِي آياتِهِ، فَإنَّها تُطْلِعُ العَبْدَ عَلى مَعالِمِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِحَذافِيرِهِما، وعَلى طُرُقاتِهِما وأسْبابِهِما وغاياتِهِما وثَمَراتِهِما، ومَآلِ أهْلِهِما، وتَتُلُّ في يَدِهِ مَفاتِيحَ كُنُوزِ السَّعادَةِ والعُلُومِ النّافِعَةِ، وتُثَبِّتُ قَواعِدَ الإيمانِ في قَلْبِهِ، وتُشَيِّدُ بُنْيانَهُ وتُوَطِّدُ أرْكانَهُ، وتُرِيهِ صُورَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ والجَنَّةِ والنّارِ في قَلْبِهِ، وتُحْضِرُهُ بَيْنَ الأُمَمِ، وتُرِيهِ أيّامَ اللَّهِ فِيهِمْ، وتُبَصِّرُهُ مَواقِعَ العِبَرِ، وتُشْهِدُهُ عَدْلَ اللَّهِ وفَضْلَهُ، وتُعَرِّفُهُ ذاتَهُ، وأسْماءَهُ وصِفاتِهِ وأفْعالَهُ، وما يُحِبُّهُ وما يُبْغِضُهُ، وصِراطَهُ المُوصِلَ إلَيْهِ، وما لِسالِكِيهِ بَعْدَ الوُصُولِ والقُدُومِ عَلَيْهِ، وقَواطِعَ الطَّرِيقِ وآفاتِها، وتُعَرِّفُهُ النَّفْسَ وصِفاتِها، ومُفْسِداتِ الأعْمالِ ومُصَحِّحاتِها وتُعَرِّفُهُ طَرِيقَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ وأعْمالَهُمْ، وأحْوالَهم وسِيماهُمْ، ومَراتِبَ أهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ، وأقْسامَ الخَلْقِ واجْتِماعَهم فِيما يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وافْتِراقَهم فِيما يَفْتَرِقُونَ فِيهِ. وَبِالجُمْلَةِ تُعَرِّفُهُ الرَّبَّ المَدْعُوَّ إلَيْهِ، وطَرِيقَ الوُصُولِ إلَيْهِ، وما لَهُ مِنَ الكَرامَةِ إذا قَدِمَ عَلَيْهِ. وَتُعَرِّفُهُ في مُقابِلِ ذَلِكَ ثَلاثَةً أُخْرى: ما يَدْعُو إلَيْهِ الشَّيْطانُ، والطَّرِيقَ المُوصِلَةَ إلَيْهِ، وما لِلْمُسْتَجِيبِ لِدَعْوَتِهِ مِنَ الإهانَةِ والعَذابِ بَعْدَ الوُصُولِ إلَيْهِ. فَهَذِهِ سِتَّةُ أُمُورٍ ضَرُورِيٌّ لِلْعَبْدِ مَعْرِفَتُها، ومُشاهَدَتُها ومُطالَعَتُها، فَتُشْهِدُهُ الآخِرَةَ حَتّى كَأنَّهُ فِيها، وتَغَيِّبُهُ عَنِ الدُّنْيا حَتّى كَأنَّهُ لَيْسَ فِيها، وتُمَيِّزُ لَهُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في كُلِّ ما اخْتَلَفَ فِيهِ العالَمُ. فَتُرِيهِ الحَقَّ حَقًّا، والباطِلَ باطِلًا، وتُعْطِيهِ فُرْقانًا ونُورًا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الهُدى والضَّلالِ، والغَيِّ والرَّشادِ، وتُعْطِيهِ قُوَّةً في قَلْبِهِ، وحَياةً، وسَعَةً وانْشِراحًا وبَهْجَةً وسُرُورًا، فَيَصِيرُ في شَأْنٍ والنّاسُ في شَأْنٍ آخَرَ. فَإنَّ مَعانِيَ القُرْآنِ دائِرَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ وبَراهِينِهِ، والعِلْمِ بِاللَّهِ وما لَهُ مِن أوْصافِ الكَمالِ، وما يُنَزَّهُ عَنْهُ مِن سِماتِ النَّقْصِ، وعَلى الإيمانِ بِالرُّسُلِ، وذِكْرِ بَراهِينِ صِدْقِهِمْ، وأدِلَّةِ صِحَّةِ نُبُوَّتِهِمْ، والتَّعْرِيفِ بِحُقُوقِهِمْ، وحُقُوقِ مُرْسِلِهِمْ، وعَلى الإيمانِ بِمَلائِكَتِهِ، وهم رُسُلُهُ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، وتَدْبِيرِهِمُ الأُمُورَ بِإذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ، وما جُعِلُوا عَلَيْهِ مِن أمْرِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وما يَخْتَصُّ بِالنَّوْعِ الإنْسانِيِّ مِنهُمْ، مِن حِينِ يَسْتَقِرُّ في رَحِمِ أُمِّهِ إلى يَوْمِ يُوافِي رَبَّهُ ويَقْدَمُ عَلَيْهِ، وعَلى الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ وما أعَدَّ اللَّهُ فِيهِ لِأوْلِيائِهِ مِن دارِ النَّعِيمِ المُطْلَقِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ فِيها بِألَمٍ ولا نَكَدٍ وتَنْغِيصٍ، وما أعَدَّ لِأعْدائِهِ مِن دارِ العِقابِ الوَبِيلِ الَّتِي لا يُخالِطُها سُرُورٌ ولا رَخاءٌ ولا راحَةٌ ولا فَرَحٌ. وَتَفاصِيلِ ذَلِكَ أتَمَّ تَفْصِيلٍ وأبْيَنَهُ، وعَلى تَفاصِيلِ الأمْرِ والنَّهْيِ، والشَّرْعِ والقَدَرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والمَواعِظِ والعِبَرِ، والقَصَصِ والأمْثالِ، والأسْبابِ والحِكَمِ، والمَبادِئِ والغاياتِ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ. فَلا تَزالُ مَعانِيهِ تُنْهِضُ العَبْدَ إلى رَبِّهِ بِالوَعْدِ الجَمِيلِ، وتُحَذِّرُهُ وتُخَوِّفُهُ بِوَعِيدِهِ مِنَ العَذابِ الوَبِيلِ، وتَحُثُّهُ عَلى التَّضَمُّرِ والتَّخَفُّفِ لِلِقاءِ اليَوْمِ الثَّقِيلِ، وتَهْدِيهِ في ظُلَمِ الآراءِ والمَذاهِبِ إلى سَواءِ السَّبِيلِ، وتَصُدُّهُ عَنِ اقْتِحامِ طُرُقِ البِدَعِ والأضالِيلِ وتَبْعَثُهُ عَلى الِازْدِيادِ مِنَ النِّعَمِ بِشُكْرِ رَبِّهِ الجَلِيلِ، وتُبَصِّرُهُ بِحُدُودِ الحَلالِ والحَرامِ، وتُوقِفُهُ عَلَيْها لِئَلّا يَتَعَدّاها فَيَقَعَ في العَناءِ الطَّوِيلِ، وتُثَبِّتُ قَلْبَهُ عَنِ الزَّيْغِ والمَيْلِ عَنِ الحَقِّ والتَّحْوِيلِ، وتُسَهِّلُ عَلَيْهِ الأُمُورَ الصِّعابَ والعَقَباتِ الشّاقَّةَ غايَةَ التَّسْهِيلِ، وتُنادِيهِ كُلَّما فَتَرَتْ عَزَماتُهُ ووَنى في سَيْرِهِ تَقَدَّمَ الرَّكْبُ وفاتَكَ الدَّلِيلُ، فاللِّحاقَ اللِّحاقَ، والرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، وتَحْدُو بِهِ وتَسِيرُ أمامَهُ سَيْرَ الدَّلِيلِ، وكُلَّما خَرَجَ عَلَيْهِ كَمِينٌ مِن كَمائِنِ العَدُوِّ، أوْ قاطِعٌ مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ نادَتْهُ: الحَذَرَ الحَذَرَ! فاعْتَصِمْ بِاللَّهِ، واسْتَعِنْ بِهِ، وقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وَفِي تَأمُّلِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ، وتَفَهُّمِهِ، أضْعافُ أضْعافِ ما ذَكَرْنا مِنَ الحِكَمِ والفَوائِدِ. وَبِالجُمْلَةِ فَهو أعْظَمُ الكُنُوزِ، طَلْسَمُهُ الغَوْصُ بِالفِكْرِ إلى قَرارِ مَعانِيهِ. ؎نَزِّهْ فُؤادَكَ عَنْ سِوى رَوْضاتِهِ ∗∗∗ فَرِياضُهُ حِلٌّ لِكُلِّ مُنَزَّهِ ؎والفَهْمُ طَلْسَمٌ لِكَنْزِ عُلُومِهِ ∗∗∗ فاقْصِدْ إلى الطَّلْسَمِ تَحْظَ بِكَنْزِهِ ؎لا تَخْشَ مِن بِدَعٍ لَهم وحَوادِثِ ∗∗∗ ما دُمْتَ في كَنَفِ الكِتابِ وحِرْزِهِ ؎مَن كانَ حارِسَهُ الكِتابُ ودِرْعَهُ ∗∗∗ لَمْ يَخْشَ مِن طَعْنِ العَدُوِّ ووَخْزِهِ ؎لا تَخْشَ مِن شُبُهاتِهِمْ واحْمِلْ إذا ∗∗∗ ما قابَلَتْكَ بِنَصْرِهِ وبِعِزِّهِ ؎واللَّهِ ما هابَ امْرُؤٌ شُبُهاتِهِمْ ∗∗∗ إلّا لِضَعْفِ القَلْبِ مِنهُ وعَجْزِهِ ؎يا ويْحَ تَيْسٍ ظالِعٍ يَبْغِي مُسا ∗∗∗ بَقَةَ الهِزَبْرِ بِعَدْوِهِ وبِجَمْزِهِ ؎وَدُخانِ زِبْلٍ يَرْتَقِي لِلشَّمْسِ يَسْ ∗∗∗ تُرُ عَيْنَها لَمّا سَرى في أزِّهِ ؎وَجَبانِ قَلْبٍ أعْزَلٍ قَدْ رامَ يَأْسِ ∗∗∗ رُ فارِسًا شاكِي السِّلاحِ بِهَزِّهِ

ص 38:33

[فَصْلٌ الغَيْرَةُ سُقُوطُ الِاحْتِمالِ ضَنًّا والضِّيقُ عَنِ الصَّبْرِ نَفاسَةً] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: بابُ الغَيْرَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى - حاكِيًا عَنْ نَبِيِّهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ [ص: ٣٣]. وَوَجْهُ اسْتِشْهادِهِ بِالآيَةِ: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحِبُّ الخَيْلَ. فَشَغَلَهُ اسْتِحْسانُها، والنَّظَرُ إلَيْها - لَمّا عُرِضَتْ عَلَيْهِ - عَنْ صَلاةِ النَّهارِ، حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ. فَلَحِقَتْهُ الغَيْرَةُ لِلَّهِ مِنَ الخَيْلِ، إذِ اسْتَغْرَقَهُ اسْتِحْسانُها، والنَّظَرُ إلَيْها عَنْ خِدْمَةِ مَوْلاهُ وحَقِّهِ. فَقالَ: رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وعَراقِيبَها بِالسَّيْفِ غَيْرَةً لِلَّهِ. قالَ: الغَيْرَةُ: سُقُوطُ الِاحْتِمالِ ضَنًّا، والضِّيقُ عَنِ الصَّبْرِ نَفاسَةً. أيْ عَجْزُ الغَيُورِ عَنِ احْتِمالِ ما يَشْغَلُهُ عَنْ مَحْبُوبِهِ، ويَحْجُبُهُ عَنْهُ ضَنًّا بِهِ - أيْ بُخْلًا بِهِ - أنْ يَعْتاضَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ. وهَذا البُخْلُ: هو مَحْضُ الكَرَمِ عِنْدَ المُحِبِّينَ الصّادِقِينَ. وَأمّا الضِّيقُ عَنِ الصَّبْرِ نَفاسَةً فَهو أنْ يَضِيقَ ذَرْعُهُ بِالصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِهِ. وهَذا هو الصَّبْرُ الَّذِي لا يُذَمُّ مِن أنْواعِ الصَّبْرِ سِواهُ، أوْ ما كانَ مِن وسِيلَتِهِ. والحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الضِّيقِ: مُغالاتُهُ بِمَحْبُوبِهِ. وهي النَّفاسَةُ. فَإنَّهُ - لِمُنافَسَتِهِ ورَغْبَتِهِ - لا يُسامِحُ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَنْهُ. والمُنافَسَةُ هي كَمالُ الرَّغْبَةِ في الشَّيْءِ، ومَنعُ الغَيْرِ مِنهُ: إنْ لَمْ يُمْدَحْ فِيهِ المُشارَكَةُ، والمُسابَقَةُ إلَيْهِ إنْ مُدِحَتْ فِيهِ المُشارَكَةُ. قالَ تَعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وَبَيْنَ المُنافَسَةِ والغِبْطَةِ جَمْعٌ وفَرْقٌ، وبَيْنَهُما وبَيْنَ الحَسَدِ أيْضًا جَمْعٌ وفَرْقٌ. فالمُنافَسَةُ تَتَضَمَّنُ مُسابَقَةً واجْتِهادًا وحِرْصًا. والحَسَدُ: يَدُلُّ عَلى مَهانَةِ الحاسِدِ وعَجْزِهِ، وإلّا فَنافِسْ مَن حَسَدْتَهُ. فَذَلِكَ أنْفَعُ لَكَ مِن حَسَدِهِ، كَما قِيلَ: ؎إذا أعْجَبَتْكَ خِلالُ امْرِئٍ ∗∗∗ فَكُنْهُ يَكُنْ مِنكَ ما يُعْجِبُكْ ؎فَلَيْسَ عَلى الجُودِ والمَكْرُما ∗∗∗ تِ إذا جِئْتَها حاجِبٌ يَحْجُبُكْ والغِبْطَةُ تَتَضَمَّنُ نَوْعَ تَعَجُّبٍ وفَرَحٍ لِلْمَغْبُوطِ واسْتِحْسانٍ لِحالِهِ.

ص 38:39

(فصل) وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الفَيْءِ، هَلْ كانَ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يُشاءُ، أوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحمد وغَيْرِهِ. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ وهَدْيُهُ أنَّهُ كانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالأمْرِ، فَيَضَعُهُ حَيْثُ أمَرَهُ اللَّهُ، ويَقْسِمُهُ عَلى مَن أُمِرَ بِقِسْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ بِشَهْوَتِهِ وإرادَتِهِ، يُعْطِي مَن أحَبَّ، ويَمْنَعُ مَن أحَبَّ، وإنَّما كانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ العَبْدِ المَأْمُورِ يُنَفِّذُ ما أمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ ومَوْلاهُ، فَيُعْطِي مَن أُمِرَ بِإعْطائِهِ، ويَمْنَعُ مَن أُمِرَ بِمَنعِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذا فَقالَ: «واللَّهِ إنِّي لا أُعْطِي أحَدًا ولا أمْنَعُهُ، إنَّما أنا قاسِمٌ أضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» فَكانَ عَطاؤُهُ ومَنعُهُ وقَسَمُهُ بِمُجَرَّدِ الأمْرِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ مَلِكًا رَسُولًا، فاخْتارَ أنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ العَبْدَ الرَّسُولَ لا يَتَصَرَّفُ إلّا بِأمْرِ سَيِّدِهِ ومُرْسِلِهِ، والمَلِكُ الرَّسُولُ لَهُ أنْ يُعْطِيَ مَن يُشاءُ، ويَمْنَعَ مَن يَشاءُ، كَما قالَ تَعالى لِلْمَلِكِ الرَّسُولِ سُلَيْمانَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [ص: ٣٩]. أيْ: أعْطِ مَن شِئْتَ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ، لا نُحاسِبُكَ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي الَّتِي عُرِضَتْ عَلى نَبِيِّنا ﷺ فَرَغِبَ عَنْها إلى ما هو أعْلى مِنها، وهي مَرْتَبَةُ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ الَّتِي تَصَرُّفُ صاحِبُها فِيها مَقْصُورٌ عَلى أمْرِ السَّيِّدِ في كُلِّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ.

ص 38:44

أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره فقال ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجده صابرا، وهذا يدل على أن من لم يصبر إذا ابتلي فإنه بئس العبد. (فائدة) الشكوى إلى اللّه سبحانه لا تنافي الصبر بوجه، فإن اللّه تعالى قال عن أيوب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ مع إخباره عنه بالشكوى إليه في قوله ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، وأخبر عن نبيه يعقوب أنه وعد من نفسه بالصبر الجميل والنبي إذا قال وفّى مع قوله ﴿إنَّما أشْكُوا بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾، ولم يجعل ذلك نقصا لصبره. ولا يلتف أن غير هذا من ترهات القوم، كما قال بعضهم لما قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ قال تعالى: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ ولم يقل صبورا حيث قال ﴿مسّني الضر﴾. وقال بعضهم لم يقل: ارحمني، وإنما قال ﴿أنت أرحم الراحمين﴾ فلم يزد على الإخبار بحاله ووصف ربه. وقال بعضهم إنما شكا مس ضر حين ضعف لسانه عن الذكر فشكا مس ضر ضعف الذكر لا ضر المرض والألم. وقال بعضهم استخرج منه هذا القول ليكون قدوة للضعفاء من هذه الأمة. وكأن هذا القائل رأى أن الشكوى إلى اللّه تنافي الصبر وغلط أقبح الغلط فالمنافي للصبر شكواه لا الشكوى إليه فاللّه يبتلي عبده ليسمع تضرعه ودعاءه والشكوى إليه ولا يحب التجلد عليه، وأحب ما إليه انكسار قلب عبده بين يديه وتذلله له وإظهار ضعفه وفاقته وعجزه وقلة صبره، فاحذر كل الحذر إظهار التجلد عليه وعليك بالتضرع والتمسكن وإبداء العجز والفاقة والذل والضعف، فرحمته أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم. (فصل: في استدلال البعض بهذه الآية على جواز الحيل) قالوا: وقد قال الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام، وقد حلف ليجلدن امرأته مائة. ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ قال سعيد عن قتادة: كانت امرأته قد عرضت له بأمر، وأرادها إبليس على شيء فقال لها: لو تكلمت بكذا وكذا؟ وإنما حملها عليها الجوع. فحلف نبي الله لئن شفاه الله تعالى ليجلدنها مائة جلدة. قال: فأمر بأصل فيه تسعة وتسعون قضيبًا، والأصل تكملة المائة، فيضربها به ضربة واحدة. فأبر الله تعالى نبيه. وخفف عن أمتَه. وقال عبد الرحمن بن جبير: لقيها إبليس فقال لها: والله لو تكلم صاحبك بكلمة واحدة لكشف عنه كل ضر، ولرجع إليه ماله وولده، فأخبرت أيوب فقال: ويلك، ذاك عدو الله، إنما مثلك المرأة الزانية، إذا جاءها صديقها بشيء قبلته وأدخلته. وإن لم يأتها بشيء طردته وأغلقت بابها عنه. لما أعطانا الله تعالى المال والولد آمنا به، وإذا قبض الذي له منا نكفر به. إن أقامني الله تعالى من مرضى لأجلدنك مائة. فأفتاه الله بما أخبر به: أن يأخذ ضغثًا، وهو الحزمة من الشيء، مثل الشماريخ الرطبة والعيدان ونحوها، مما هو قائم على ساق، فيضربها ضربة واحدة. وهذا تعليم منه سبحانه لعباده التخلص من الآثام، والمخرج من الحرج بأيسر شيء وهذا أصلنا في باب الحيل، فإنا قسنا على هذا وجعلناه أصلًا. (فصل) قال منكرو الحيل: الحيل ثلاثة أنواع: نوع هو قربة وطاعة، وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى. ونوع هو جائز مباح، لا حرج على فاعله، ولا على تاركه تركه، وترجح فعله على تركه أو عكس ذلك تابع لمصلحته. ونوع هو محرم ومخادعة لله تعالى ورسوله، متضمن لإسقاط ما أوجبه، وإبطال ما شرعه، وتحليل ما حرمه. وإنكار السلف والأئمة، وأهل الحديث إنما هو لهذا النوع. فإن الحيلة لا تذم مطلقًا، ولا تحمد مطلقًا، ولفظها لا يشعر بمدح ولا ذم، وإن غلب في العرف إطلاقها على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض، بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة. وأخص من هذا: تخصيصها بما يذم من ذلك، وهذا هو الغالب على عرف الفقهاء المنكرين للحيل، فإن أهل العرف لهم تصرف في تخصيص الألفاظ العامة ببعض موضوعاتها وتقييد مطلقها ببعض أنواعه. فإن الحيلة فعلة، من الحول، وهو التصرف من حال إلى حال، وهي من ذوات الواو، وأصلها "حولة" فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فقلبت ياء، كميزان، وميقات، وميعاد. قال في المحكَم: الحْولُ، والحَيلْ، والحِوَلُ، والحَوْلة، والحِيلة، والحوِيل، والمحالة، والمحال، والاحتيال، والتَّحوُّل، والتَّحيُّل: كل ذلك: الحذق، وجودة النظر، والقدرة على وجه التصرف. قال: والحول والحيل، والحيلات: جمع حيلة، ورجل حُوَل، وحُوَلةَ، وحول، وحُوَّلة، وحوالى، وحولول، وحُوَّلى: شديد الاحتيال. وما أحوله وأحيله، وهو أحول منك، وأحيل، انتهى. فالحيلة: فعلة من الحول، وهو التحول من حال إلى حال، وكل من حاول أمرًا يريد فعله أو الخلاص منه، فما يحاوله به حيلة يتوصل بها إليه. فالحيلة: معتبرة بالأمر المحتال بها عليه إطلاقًا ومنعا ومصلحة ومفسدة وطاعة ومعصية. فإن كان المقصود أمرا حسنًا كانت الحيلة حسنة. وإن كان قبيحًا كانت الحيلة قبيحة. وإن كان طاعة وقربة كانت الحيلة عليه كذلك. وإن كانت معصية وفسوقًا كانت الحيلة عليه كذلك. ولما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا تَرْتَكبُوا ما ارْتَكَبَتِ اليَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا محاَرِمَ اللهِ تَعالى بِأدْنى الحِيلِ". صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت: يقصد بها الحيل التي تستحل بها المحارم كحيل اليهود. وكل حيلة تتضمن إسقاط حق لله تعالى أو لآدمى، فهي مما يستحل بها المحارم. ونظير ذلك: لفظ الخداع، فإنه ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن كان بحق فهو محمود، وإن كان بباطل فهو مذموم. ومن النوع المحمود: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "الحرب خدعة" وقوله في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: "كُلُّ الكَذِبِ يُكْتَبُ عَلى ابْنِ آدَمَ، إلا ثَلاثَ خِصالٍ: رَجُل كَذَبَ عَلى امْرَأتِهِ لِيُرْضِيَها، ورَجُلٌ كَذَبَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِيُصْلِجَ بَيْنَهُما، ورَجُلٌ كَذَبَ في خِدْعَةِ حَرْبٍ". ومن النوع المذموم قوله في حديث عياض بن جمار، الذي رواه مسلم في صحيحه: "أهْلُ النّارِ خَمْسَةٌ، ذَكَرَ مِنهم رَجُلًا لا يُصْبِحُ ولا يُمْسِي إلا وهْوَ يَخادِعُكَ عَنْ أهْلِكَ ومِالِكَ". وقوله تعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] وقوله تعالى: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ [الأنفال: ٦٢]. (فصل) إذا عرف ذلك فلا إشكال أنه يجوز للإنسان أن يظهر قولًا أو فعلًا مقصوده به مقصود صالح، وإن كان ظاهره خلاف ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة دينية، مثل دفع الظلم عن نفسه أو غيره، أو إبطال حيلة محرمة. وإنما المحرم: أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعها الله تعالى ورسوله له. فيصير مخادعًا لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، كائدًا لدينه، ماكرًا بشرعه، فإن مقصوده حصول الشيء الذي حرمه الله تعالى ورسوله بتلك الحيلة، وإسقاط الذي أوجبه بتلك الحيلة. (فصل) وأما قوله تعالى لأيوب عليه السلام: ﴿وَخُذْ بيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. فمن العجب أن يحتج بهذه الآية من يقول إنه لو حلف ليضربنه عشرة أسواط، فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه. هذا قول أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأصحاب أحمد. وقال الشافعي: إن علم أنها مسته كلها بر في يمينه، وإن علم أنها لم تمسه لم يبر. وإن شك لم يحنث، ولو كان هذا موجبًا لبر الحالف لسقط عن الزاني والقاذف والشارب تعدد الضرب، بأن يجمع له مائة سوط، أو ثمانين، ويضرب بها ضربة واحدة. وهذا إنما يجزئ في حق المريض، كما قال الإمام أحمد في المريض عليه الحد "يضرب بعثكال يسقط عنه الحد". واحتج بما رواه عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: "كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدع، فلم يرع الحي إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها، قال: فَذَكَرَ ذلِكَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ لِرَسوِلِ الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلَم، وكانَ ذلِكَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا، فقالَ: "اضْرِبُوهُ حَدَّهُ"، فَقالُوا: يا رَسُولَ الله: إنّهُ أضْعَفُ مَّمِا تحْسبُ، لَوْ ضَرَبْناهُ مِائَةً قَتَلْناهُ، فقالَ: "خُذُوا له عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ، ثُمَّ اضْرِبُوهُ بهِ ضَرْبةً واحِدَةً، فَفَعَلُوا". وأما قصة أيوب فلها فقه دقيق، فإن امرأته كانت لشدة حرصها على عافيته وخلاصه من دائه تلتمس له الدواء بما تقدر عليه. فلما لقيها الشيطان وقال ما قال، أخبرت أيوب عليه السلام بذلك، فقال: إنه الشيطان، ثم حلف: لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة سوط، فكانت معذورة محسنة في شأنه، ولم يكن في شرعهم كفارة، فإنه لو كان في شرعهم كفارة لعدل إلى التكفير، ولم يحتج إلى ضربها، فكانت اليمين موجبة عندهم، كالحدود، وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذورًا خفف عنه، بأن يجمع له مائة شمراخ، أو مائة سوط، فيضرب بها ضربة واحدة، وامرأة أيوب كانت معذورة، لم تعلم أن الذي خاطبها الشيطان، وإنما قصدت الإحسان، فلم تكن تستحق العقوبة، فأفتى الله نبيه أيوب عليه السلام أن يعاملها معاملة المعذور، هذا مع رفقها به، وإحسانها إليه، فجمع الله له بين البر في يمينه، والرفق بامرأته المحسنة المعذورة التي لا تستحق العقوبة. فظهر موافقة نص القرآن في قصة أبوب عليه السلام لنص السنة في شأن الضعيف الذي زنى، فلا يتعدى بها عن محلها. فإن قيل: فقولوا هذا في نظير ذلك، ممن حلف ليضربن امرأته أو أمته مائة، وكانتا معذورتين، لا ذنب لهما: أنه يبر بجمع ذلك في ضربة بمائة شمراخ. قيل: قد جعل الله له مخرجًا بالكفارة، ويجب عليه أن يكفر عن يمينه، ولا يعصي الله بالبر في يمينه هاهنا، ولا يحل له أن يبر فيها، بل بره فيها هو حنثه مع الكفارة، ولا يحل له أن يضربها، لا مفرقًا ولا مجموعًا.

ص 38:45

فالأيدي: القوى والعزائم في ذات الله، والأبصار: البصائر في أمر الله. وعبارات السلف تدور على ذلك. قال ابن عباس "أولي القوة في طاعة الله، والمعرفة بالله". وقال الكلبى "أولي القوة في العبادة، والبصر فيها". وقال مجاهد "الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر في الحق". وقال سعيد بن جبير "الأيدي: القوة في العمل، والأبصار: بصرهم بما هم فيه من دينهم". وقد جاء في حديث مرسل "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات". فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة. والله المستعان. قوله تعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ أيْ: خَصَصْناهم بِخِصِّيصَةٍ، وهو الذِّكْرُ الجَمِيلُ الَّذِي يُذْكَرُونَ بِهِ في هَذِهِ الدّارِ، وهو لِسانُ الصِّدْقِ الَّذِي سَألَهُ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. وَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ وعَنْ بَنِيهِ: ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]. وَقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]. فَأتْباعُ الرُّسُلِ لَهم نَصِيبٌ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ مِيراثِهِمْ مِن طاعَتِهِمْ ومُتابَعَتِهِمْ، وكُلُّ مَن خالَفَهم فَإنَّهُ بَعِيدٌ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ مُخالَفَتِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ. وقال في (طريق الهجرتين) فهذه الآية يخبر فيها سبحانه عما أخلص له أنبياؤه ورسله من اختصاصهم بالآخرة، وفيها قولان: أحدهما أن المعنى نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وإيثارها والعمل بها. والقول الثاني: إنا أخلصناهم بأفضل ما في الدار الآخرة واختصصناهم به عن العالمين. [فَصْلٌ: المَعاصِي تُعْمِي القَلْبَ] وَمِن عُقُوباتِها أنَّها تُعْمِي القَلْبَ، فَإنْ لَمْ تُعْمِهِ أضْعَفَتْ بَصِيرَتَهُ ولابُدَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أنَّها تُضْعِفُهُ ولابُدَّ، فَإذا عَمِيَ القَلْبُ وضَعُفَ، فاتَهُ مِن مَعْرِفَةِ الهُدى وقُوَّتِهِ عَلى تَنْفِيذِهِ في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ، بِحَسَبِ ضَعْفِ بَصِيرَتِهِ وقُوَّتِهِ. فَإنَّ الكَمالَ الإنْسانِيَّ مَدارُهُ عَلى أصْلَيْنِ: مَعْرِفَةِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وإيثارِهِ عَلَيْهِ. وَما تَفاوَتَتْ مَنازِلُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا بِقَدْرِ تَفاوُتِ مَنازِلِهِمْ في هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهُما اللَّذانِ أثْنى اللَّهُ بِهِما سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ بِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ [ص: ٤٥]. فالأيْدِي: القُوَّةُ في تَنْفِيذِ الحَقِّ، والأبْصارُ: البَصائِرُ في الدِّينِ، فَوَصَفَهم بِكَمالِ إدْراكِ الحَقِّ وكَمالِ تَنْفِيذِهِ، وانْقَسَمَ النّاسُ في هَذا المَقامِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، فَهَؤُلاءِ أشْرَفُ الأقْسامِ مِنَ الخَلْقِ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ تَعالى. القِسْمُ الثّانِي: عَكْسُ هَؤُلاءِ، مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ في الدِّينِ، ولا قُوَّةَ عَلى تَنْفِيذِ الحَقِّ، وهم أكْثَرُ هَذا الخَلْقِ، وهُمُ الَّذِينَ رُؤْيَتُهم قَذى العُيُونِ وحُمّى الأرْواحِ وسَقَمُ القُلُوبِ، يُضَيِّقُونَ الدِّيارَ ويُغْلُونَ الأسْعارَ، ولا يُسْتَفادُ مِن صُحْبَتِهِمْ إلّا العارُ والشَّنارُ. القِسْمُ الثّالِثُ: مَن لَهُ بَصِيرَةٌ بِالحَقِّ ومَعْرِفَةٌ بِهِ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لا قُوَّةَ لَهُ عَلى تَنْفِيذِهِ ولا الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وهَذا حالُ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، والمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنهُ. القِسْمُ الرّابِعُ: مَن لَهُ قُوَّةٌ وهِمَّةٌ وعَزِيمَةٌ، لَكِنَّهُ ضَعِيفُ البَصِيرَةِ في الدِّينِ، لا يَكادُ يُمَيِّزُ بَيْنَ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وأوْلِياءِ الشَّيْطانِ، بَلْ يَحْسَبُ كُلَّ سَوْداءَ تَمْرَةً وكُلَّ بَيْضاءَ شَحْمَةً، يَحْسَبُ الوَرَمَ شَحْمًا والدَّواءَ النّافِعَ سُمًّا. وَلَيْسَ في هَؤُلاءِ مَن يَصْلُحُ لِلْإمامَةِ في الدِّينِ، ولا هو مَوْضِعٌ لَها سِوى القِسْمِ الأوَّلِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ بِالصَّبْرِ واليَقِينِ نالُوا الإمامَةَ في الدِّينِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن جُمْلَةِ الخاسِرِينَ، وأقْسَمَ بِالعَصْرِ - الَّذِي هو زَمَنُ سَعْيِ الخاسِرِينَ والرّابِحِينَ - عَلى أنَّ مَن عَداهم فَهو مِنَ الخاسِرِينَ، فَقالَ تَعالى ﴿والعَصْرِ - إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ - إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١-٣]. وَلَمْ يَكْتَفِ مِنهم بِمَعْرِفَةِ الحَقِّ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، حَتّى يُوصِيَ بَعْضُهم بَعْضًا بِهِ ويُرْشِدَهُ إلَيْهِ ويَحُضَّهُ عَلَيْهِ. وَإذا كانَ مَن عَدا هَؤُلاءِ فَهو خاسِرٌ، فَمَعْلُومٌ أنَّ المَعاصِيَ والذُّنُوبَ تُعْمِي بَصِيرَةَ القَلْبِ فَلا يُدْرِكُ الحَقَّ كَما يَنْبَغِي، وتَضْعُفُ قُوَّتُهُ وعَزِيمَتُهُ فَلا يَصْبِرُ عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ يَتَوارَدُ عَلى القَلْبِ حَتّى يَنْعَكِسَ إدْراكُهُ كَما يَنْعَكِسُ سَيْرُهُ، فَيُدْرِكُ الباطِلَ حَقًّا والحَقَّ باطِلًا، والمَعْرُوفَ مُنْكَرًا والمُنْكَرَ مَعْرُوفًا، فَيَنْتَكِسُ في سَيْرِهِ ويَرْجِعُ عَنْ سَفَرِهِ إلى اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، إلى سَفَرِهِ إلى مُسْتَقَرِّ النُّفُوسِ المُبْطِلَةِ الَّتِي رَضِيَتْ بِالحَياةِ الدُّنْيا، واطْمَأنَّتْ بِها، وغَفَلَتْ عَنِ اللَّهِ وآياتِهِ، وتَرَكَتْ الِاسْتِعْدادَ لِلِقائِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في عُقُوبَةِ الذُّنُوبِ إلّا هَذِهِ وحْدَها لَكانَتْ داعِيَةً إلى تَرْكِها والبُعْدِ مِنها، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَهَذا كَما أنَّ الطّاعَةَ تُنَوِّرُ القَلْبَ وتَجْلُوهُ وتَصْقُلُهُ، وتُقَوِّيهِ وتُثَبِّتُهُ حَتّى يَصِيرَ كالمِرْآةِ المَجْلُوَّةِ في جَلائِها وصَفائِها فَيَمْتَلِئَ نُورًا، فَإذا دَنا الشَّيْطانُ مِنهُ أصابَهُ مِن نُورِهِ ما يُصِيبُ مُسْتَرِقَ السَّمْعِ مِنَ الشُّهُبِ الثَّواقِبِ، فالشَّيْطانُ يَفْرَقُ مِن هَذا القَلْبِ أشَدَّ مِن فَرَقِ الذِّئْبِ مِنَ الأسَدِ، حَتّى إنَّ صاحِبَهُ لَيَصْرَعُ الشَّيْطانَ فَيَخِرُّ صَرِيعًا، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما شَأْنُهُ؟ فَيُقالُ: أصابَهُ إنْسِيٌّ، وبِهِ نَظْرَةٌ مِنَ الإنْسِ: ؎فَيا نَظْرَةً مِن قَلْبِ حُرٍّ مُنَوَّرٍ ∗∗∗ يَكادُ لَها الشَّيْطانُ بِالنُّورِ يُحْرَقُ أفَيَسْتَوِي هَذا القَلْبُ وقَلْبٌ مُظْلِمٌ أرْجاؤُهُ، مُخْتَلِفَةٌ أهْواؤُهُ، قَدِ اتَّخَذَهُ الشَّيْطانُ وطَنَهُ وأعَدَّهُ مَسْكَنَهُ، إذا تَصَبَّحَ بِطَلْعَتِهِ حَيّاهُ، وقالَ: فَدَيْتُ مَن لا يُفْلِحُ في دُنْياهُ ولا في أُخْراهُ؟ ؎قَرِينُكَ في الدُّنْيا وفي الحَشْرِ بَعْدَها ∗∗∗ فَأنْتَ قَرِينٌ لِي بِكُلِّ مَكانِ ؎فَإنْ كُنْتَ في دارِ الشَّقاءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ وأنْتَ جَمِيعًا في شَقا وهَوانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ - وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ - حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ - ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٩]. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الصَّفاءِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: بابُ الصَّفاءِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ الصَّفاءُ اسْمٌ لِلْبَراءَةِ مِنَ الكَدَرِ. وهو في هَذا البابِ سُقُوطُ التَّلْوِينِ. أمّا الِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ: فَوَجْهُهُ أنَّ المُصْطَفى مُفْتَعَلٌ مِنَ الصَّفْوَةِ. وَهِيَ خُلاصَةُ الشَّيْءِ، وتَصْفِيَتُهُ مِمّا يَشُوبُهُ. ومِنهُ: اصْطَفى الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ. أيْ خَلَّصَهُ مِن شَوْبِ شَرِكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِيهِ. ومِنهُ الصَّفِيُّ وهو السَّهْمُ الَّذِي كانَ يَصْطَفِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ مِنَ الغَنِيمَةِ. ومِنهُ: الشَّيْءُ الصّافِي. وهو الخالِصُ مِن كَدَرِ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: الصَّفاءُ: اسْمٌ لِلْبَراءَةِ مِنَ الكَدَرِ. البَراءَةُ: هي الخَلاصُ. والكَدَرُ امْتِزاجُ الطَّيِّبِ بِالخَبِيثِ. قَوْلُهُ: وهو في هَذا البابِ: سُقُوطُ التَّلْوِينِ. التَّلْوِينُ هو التَّرَدُّدُ والتَّذَبْذُبُ، كَما قِيلَ: ؎كُلَّ يَوْمٍ تَتَلَوَّنُ ∗∗∗ تَرْكُ هَذا بِكَ أجْمَلُ [دَرَجاتُ الصَّفاءِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى: صَفاءُ عِلْمٍ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: صَفاءُ عِلْمٍ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ. ويُبَصِّرُ غايَةَ الجِدِّ. ويُصَحِّحُ هِمَّةَ القاصِدِ. ذَكَرَ الشَّيْخُ لَهُ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلاثَ فَوائِدَ. الفائِدَةُ الأُولى: عِلْمٌ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ، وهَذا العِلْمُ الصّافِي - الَّذِي أشارَ إلَيْهِ - هو العِلْمُ الَّذِي جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَكانَ الجُنَيْدُ يَقُولُ دائِمًا: عِلْمُنا هَذا مُقَيَّدٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ. فَمَن لَمْ يَحْفَظِ القُرْآنَ، ويَكْتُبِ الحَدِيثَ، ولَمْ يَتَفَقَّهْ: لا يُقْتَدى بِهِ. وَقالَ غَيْرُهُ مِنَ العارِفِينَ: كُلُّ حَقِيقَةٍ لا تَتْبَعُها شَرِيعَةٌ فَهي كُفْرٌ. وَقالَ الجُنَيْدُ: عِلْمُنا هَذا مُتَشَبِّكٌ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: إنَّهُ لَتَمُرُّ بِقَلْبِي النُّكْتَةُ مِن نُكَتِ القَوْمِ. فَلا أقْبَلُها إلّا بِشاهِدَيْ عَدْلٍ، مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقالَ النَّصْرابادِيُّ: أصْلُ هَذا المَذْهَبِ: مُلازَمَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وتَرْكُ الأهْواءِ والبِدَعِ، والِاقْتِداءُ بِالسَّلَفِ، وتَرْكُ ما أحْدَثَهُ الآخَرُونَ. والإقامَةُ عَلى ما سَلَكَهُ الأوَّلُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ ذَلِكَ. فَهَذا العِلْمُ الصّافِي، المُتَلَقّى مِن مِشْكاةِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ: يُهَذِّبُ صاحِبَهُ لِسُلُوكِ طَرِيقِ العُبُودِيَّةِ. وحَقِيقَتُها: التَّأدُّبُ بِآدابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ باطِنًا وظاهِرًا. وتَحْكِيمُهُ باطِنًا وظاهِرًا. والوُقُوفُ مَعَهُ حَيْثُ وقَفَ بِكَ. والمَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سارَ بِكَ. بِحَيْثُ تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ شَيْخِكَ الَّذِي قَدْ ألْقَيْتَ إلَيْهِ أمْرَكَ كُلَّهُ سِرَّهُ وظاهِرَهُ، واقْتَدَيْتَ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِكَ. ووَقَفْتَ مَعَ ما يَأْمُرُكَ بِهِ. فَلا تُخالِفُهُ ألْبَتَّةَ. فَتَجْعَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَكَ شَيْخًا، وإمامًا وقُدْوَةً وحاكِمًا، وتُعَلِّقُ قَلْبَكَ بِقَلْبِهِ الكَرِيمِ، ورُوحانِيَّتَكَ بِرُوحانِيَّتِهِ، كَما يُعَلِّقُ المُرِيدُ رُوحانِيَّتَهُ بِرُوحانِيَّةِ شَيْخِهِ. فَتُجِيبُهُ إذا دَعاكَ. وتَقِفُ مَعَهُ إذا اسْتَوْقَفَكَ. وتَسِيرُ إذا سارَ بِكَ. وتُقِيلُ إذا قالَ، وتَنْزِلُ إذا نَزَلَ. وتَغْضَبُ لِغَضَبِهِ. وتَرْضى لِرِضاهُ. وإذا أخْبَرَكَ عَنْ شَيْءٍ أنْزَلْتَهُ مَنزِلَةَ ما تَراهُ بِعَيْنِكَ. وإذا أخْبَرَكَ عَنِ اللَّهِ بِخَبَرٍ أنْزَلْتَهُ مَنزِلَةَ ما تَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ بِأُذُنِكَ. وَبِالجُمْلَةِ: فَتَجْعَلُ الرَّسُولَ شَيْخَكَ وأُسْتاذَكَ، ومُعَلِّمَكَ ومُرَبِّيكَ ومُؤَدِّبَكَ. وتَسْقُطُ الوَسائِطَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ إلّا في التَّبْلِيغِ. كَما تَسْقُطُ الوَسائِلُ بَيْنَكَ وبَيْنَ المُرْسَلِ في العُبُودِيَّةِ. ولا تَثْبُتُ وساطَةٌ إلّا في وُصُولِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ورِسالَتِهِ إلَيْكَ. وَهَذانَ التَّجْرِيدانِ: هُما حَقِيقَةُ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. واللَّهُ وحْدَهُ هو المَعْبُودُ المَأْلُوهُ، الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ، ورَسُولُهُ: المُطاعُ المُتَّبَعُ، المُهْتَدى بِهِ، الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ الطّاعَةَ سِواهُ. ومَن سِواهُ: فَإنَّما يُطاعُ إذا أمَرَ الرَّسُولُ بِطاعَتِهِ. فَيُطاعُ تَبَعًا لِلْأصْلِ. وَبِالجُمْلَةِ: فالطَّرِيقُ مَسْدُودَةٌ إلّا عَلى مَنِ اقْتَفى آثارَ الرَّسُولِ ﷺ، واقْتَدى بِهِ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ. فَلا يَتَعَنّى السّالِكُ عَلى غَيْرِ هَذا الطَّرِيقِ. فَلَيْسَ حَظُّهُ مِن سُلُوكِهِ إلّا التَّعَبَ، وأعْمالُهُ ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩]. وَلا يَتَعَنّى السّالِكُ عَلى هَذا الطَّرِيقِ. فَإنَّهُ واصِلٌ ولَوْ زَحَفَ زَحْفًا. فَأتْباعُ الرَّسُولِ ﷺ: إذا قَعَدَتْ بِهِمْ أعْمالُهُمْ، قامَتْ بِهِمْ عَزائِمُهم وهِمَمُهم ومُتابَعَتُهم لِنَبِيِّهِمْ. كَما قِيلَ: ؎مَن لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ المُدَلَّلِ ∗∗∗ تَمْشِي رُوَيْدًا وتَجِي في الأوَّلِ والمُنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِهِ، إذا قامَتْ بِهِمْ أعْمالُهم واجْتِهاداتُهُمْ: قَعَدَ بِهِمْ عُدُولُهم عَنْ طَرِيقِهِ. ؎فَهم في السُّرى لَمْ يَبْرَحُوا مِن مَكانِهِمْ ∗∗∗ وما ظَعَنُوا في السَّيْرِ عَنْهُ وقَدْ كَلُّوا قَوْلُهُ " ويُبَصِّرُ غايَةَ الجِدِّ " الجِدُّ: الِاجْتِهادُ والتَّشْمِيرُ، والغايَةُ: النِّهايَةُ. يُرِيدُ: أنَّ صَفاءَ العِلْمِ يَهْدِي صاحِبَهُ إلى الغايَةِ المَقْصُودَةِ بِالِاجْتِهادِ والتَّشْمِيرِ. فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ السّالِكِينَ - بَلْ أكْثَرَهم - سالِكٌ بِجِدِّهِ واجْتِهادِهِ، غَيْرُ مُنْتَبِهٍ إلى المَقْصُودِ. وَأضْرِبُ لَكَ في هَذا مَثَلًا حَسَنًا جِدًّا، وهُوَ: أنَّ قَوْمًا قَدِمُوا مِن بِلادٍ بَعِيدَةٍ عَلَيْهِمْ أثَرُ النَّعِيمِ والبَهْجَةِ، والمَلابِسُ السَّنِيَّةُ، والهَيْئَةُ العَجِيبَةُ. فَعَجِبَ النّاسُ لَهم. فَسَألُوهم عَنْ حالِهِمْ؟ فَقالُوا: بِلادُنا مِن أحْسَنِ البِلادِ. وأجْمَعِها لِسائِرِ أنْواعِ النَّعِيمِ. وأرْخاها، وأكْثَرِها مِياهًا، وأصَحِّها هَواءً، وأكْثَرِها فاكِهَةً، وأعْظَمِها اعْتِدالًا، وأهْلُها كَذَلِكَ أحْسَنُ النّاسِ صُوَرًا وأبْشارًا. ومَعَ هَذا، فَمَلِكُها لا يَنالُهُ الوَصْفُ جَمالًا وكَمالًا، وإحْسانًا، وعِلْمًا وحِلْمًا، وجُودًا، ورَحْمَةً لِلرَّعِيَّةِ، وقُرْبًا مِنهم. ولَهُ الهَيْبَةُ والسَّطْوَةُ عَلى سائِرِ مُلُوكِ الأطْرافِ. فَلا يَطْمَعُ أحَدٌ مِنهم في مُقاوَمَتِهِ ومُحارَبَتِهِ. فَأهْلُ بَلَدِهِ في أمانٍ مِن عَدُوِّهِمْ. لا يَحِلُّ الخَوْفُ بِساحَتِهِمْ. ومَعَ هَذا: فَلَهُ أوْقاتٌ يَبْرُزُ فِيها لِرَعِيَّتِهِ، ويُسَهِّلُ لَهُمُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، ويَرْفَعُ الحِجابَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم. فَإذا وقَعَتْ أبْصارُهم عَلَيْهِ: تَلاشى عِنْدَهم كُلُّ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ واضْمَحَلَّ، حَتّى لا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنهُ. فَإذا أقْبَلَ عَلى واحِدٍ مِنهُمْ: أقْبَلَ عَلَيْهِ سائِرُ أهْلِ المَمْلَكَةِ بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ. ونَحْنُ رُسُلُهُ إلى أهْلِ البِلادِ، نَدْعُوهم إلى حَضْرَتِهِ. وهَذِهِ كُتُبُهُ إلى النّاسِ. ومَعَنا مِنَ الشُّهُودِ ما يُزِيلُ سُوءَ الظَّنِّ بِنا. ويَدْفَعُ اتِّهامَنا بِالكَذِبِ عَلَيْهِ. فَلَمّا سَمِعَ النّاسُ ذَلِكَ، وشاهَدُوا أحْوالَ الرُّسُلِ: انْقَسَمُوا أقْسامًا. فَطائِفَةٌ قالَتْ: لا نُفارِقُ أوْطانَنا، ولا نَخْرُجُ مِن دِيارِنا، ولا نَتَجَشَّمُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ البَعِيدِ، ونَتْرُكُ ما ألِفْناهُ مِن عَيْشِنا ومَنازِلِنا، ومُفارَقَةِ آبائِنا وأبْنائِنا، وإخْوانِنا لِأمْرٍ وُعِدْنا بِهِ في غَيْرِ هَذِهِ البِلادِ، ونَحْنُ لا نَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِ ما نَحْنُ فِيهِ إلّا بَعْدَ الجَهْدِ والمَشَقَّةِ. فَكَيْفَ نَنْتَقِلُ عَنْهُ؟ وَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ مُفارَقَتَها لِأوْطانِها وبِلادِها: كَمُفارَقَةِ أنْفُسِها لِأبْدانِها. فَإنَّ النَّفْسَ - لِشِدَّةِ إلْفِها لِلْبَدَنِ - أكْرَهُ ما إلَيْها مُفارَقَتُهُ. ولَوْ فارَقَتْهُ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ. فَهَذِهِ الطّائِفَةُ غَلَبَ عَلَيْها داعِي الحِسِّ والطَّبْعِ عَلى داعِي العَقْلِ والرُّشْدِ. والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا رَأتْ حالَ الرُّسُلِ، وما هم فِيهِ مِنَ البَهْجَةِوَحُسْنِ الحالِ، وعَلِمُوا صِدْقَهُمْ: تَأهَّبُوا لِلسَّيْرِ إلى بِلادِ المَلِكِ. فَأخَذُوا في المَسِيرِ. فَعارَضَهم أهْلُوهُمْ، وأصْحابُهُمْ، وعَشائِرُهم مِنَ القاعِدِينَ. وعارَضَهم إلْفُهم مَساكِنَهم ودُورَهم وبَساتِينَهم. فَجَعَلُوا يُقَدِّمُونَ رِجْلًا ويُؤَخِّرُونَ أُخْرى. فَإذا تَذَكَّرُوا طِيبَ بِلادِ المَلِكِ وما فِيها مِن سَلْوَةِ العَيْشِ: تَقَدَّمُوا نَحْوَها. وإذا عارَضَهم ما ألِفُوهُ واعْتادُوهُ مِن ظِلالِ بِلادِهِمْ وعَيْشِها، وصُحْبَةِ أهْلِهِمْ وأصْحابِهِمْ: تَأخَّرُوا عَنِ المَسِيرِ، والتَفَتُوا إلَيْهِمْ. فَهم دائِمًا بَيْنَ الدّاعِيَيْنِ والجاذِبَيْنِ، إلى أنْ يَغْلِبَ أحَدُهُما ويَقْوى عَلى الآخَرِ. فَيَصِيرُونَ إلَيْهِ. والطّائِفَةُ الثّالِثَةُ: رَكِبَتْ ظُهُورَ عَزائِمِها، ورَأتْ أنَّ بِلادَ المَلِكِ أوْلى بِها. فَوَطَّنَتْ أنْفُسَها عَلى قَصْدِها. ولَمْ يَثْنِها لَوْمُ اللُّوّامِ. لَكِنْ في سَيْرِها بُطْءٌ بِحَسَبِ ضَعْفِ ما كُشِفَ لَها مِن أحْوالِ تِلْكَ البِلادِ وحالِ المَلِكِ. والطّائِفَةُ الرّابِعَةُ: جَدَّتْ في السَّيْرِ وواصَلَتْهُ. فَسارَتْ سَيْرًا حَثِيثًا. فَهم كَما قِيلَ: ؎وَرَكْبٍ سَرَوْا واللَّيْلُ مُرْخٍ سُدُولَهُ ∗∗∗ عَلى كُلِّ مُغْبَرِّ المَطالِعِ قاتِمِ ؎حَدَوْا عَزَماتٍ ضاعَتِ الأرْضُ بَيْنَها ∗∗∗ فَصارَ سُراهم في ظُهُورِ العَزائِمِ ؎تُرِيهِمْ نُجُومُ اللَّيْلِ ما يَطْلُبُونَهُ ∗∗∗ عَلى عاتِقِ الشِّعْرى وهامِ النَّعائِمِ فَهَؤُلاءِ هِمَمُهم مَصْرُوفَةٌ إلى السَّيْرِ. وقُواهم مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَثْنِيَةٍ مِنهم إلى المَقْصُودِ الأعْظَمِ، والغايَةِ العُلْيا. والطّائِفَةُ الخامِسَةُ: أخَذُوا في الجِدِّ في المَسِيرِ. وهِمَّتُهم مُتَعَلِّقَةٌ بِالغايَةِ، فَهم في سَيْرِهِمْ ناظِرُونَ إلى المَقْصُودِ بِالمَسِيرِ. فَكَأنَّهم يُشاهِدُونَهُ مِن بُعْدٍ، وهو يَدْعُوهم إلى نَفْسِهِ وإلى بِلادِهِ. فَهم عامِلُونَ عَلى هَذا الشّاهِدِ الَّذِي قامَ بِقُلُوبِهِمْ. وَعَمَلُ كُلِّ أحَدٍ مِنهم عَلى قَدْرِ شاهِدِهِ. فَمَن شاهَدَ المَقْصُودَ بِالعَمَلِ في عِلْمِهِ كانَ نُصْحُهُ فِيهِ، وإخْلاصُهُ وتَحْسِينُهُ، وبَذْلُ الجُهْدِ فِيهِ أتَمَّ مِمَّنْ لَمْ يُشاهِدْهُ ولَمْ يُلاحِظْهُ. ولَمْ يَجِدْ مِن مَسِّ التَّعَبِ والنَّصَبِ ما يَجِدُهُ الغائِبُ، والوُجُودُ شاهِدٌ بِذَلِكَ. فَمَن عَمِلَ عَمَلًا لِمَلِكٍ بِحَضْرَتِهِ، وهو يُشاهِدُهُ: لَيْسَ حالُهُ كَحالِ مَن عَمِلَ في غَيْبَتِهِ وبُعْدِهِ عَنْهُ، وهو غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ وُصُولَهُ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ " ويُصَحِّحُ هِمَّةَ القاصِدِ " أيْ ويُصَحِّحُ لَهُ صَفاءُ هَذا العِلْمِ هِمَّتَهُ، ومَتى صَحَّتِ الهِمَّةُ عَلَتْ وارْتَفَعَتْ. فَإنَّ سُقُوطَها ودَناءَتَها مِن عِلَّتِها وسَقَمِها، وإلّا فَهي كالنّارِ تَطْلُبُ الصُّعُودَ والِارْتِفاعَ ما لَمْ تُمْنَعْ. وَأعْلى الهِمَمِ: هِمَّةٌ اتَّصَلَتْ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ طَلَبًا وقَصْدًا. وأوْصَلَتِ الخَلْقَ إلَيْهِ دَعْوَةً ونُصْحًا. وهَذِهِ هِمَّةُ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ. وصِحَّتُها: بِتَمْيِيزِها مِنِ انْقِسامِ طَلَبِها وانْقِسامِ مَطْلُوبِها وانْقِسامِ طَرِيقِها. بَلْ تَوَحَّدَ مَطْلُوبُها بِالإخْلاصِ، وطَلَبُها بِالصِّدْقِ، وطَرِيقُها بِالسُّلُوكِ خَلْفَ الدَّلِيلِ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ دَلِيلًا. لا مَن نَصَبَهُ هو دَلِيلًا لِنَفْسِهِ. وَلِلَّهِ الهِمَمُ! ما أعْجَبَ شَأْنَها، وأشَدَّ تَفاوُتَها. فَهِمَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَن فَوْقَ العَرْشِ. وهِمَّةٌ حائِمَةٌ حَوْلَ الأنْتانِ والحُشِّ. والعامَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يُحْسِنُهُ. والخاصَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ المَرْءِ ما يَطْلُبُهُ. وخاصَّةُ الخاصَّةِ تَقُولُ: هِمَّةُ المَرْءِ إلى مَطْلُوبِهِ. وَإذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ مَراتِبَ الهِمَمِ، فانْظُرْ إلى هِمَّةِ «رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأسْلَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلْنِي - فَقالَ: أسْألُكَ مُرافَقَتَكَ في الجَنَّةِ». وكانَ غَيْرُهُ يَسْألُهُ ما يَمْلَأُ بَطْنَهُ، أوْ يُوارِي جِلْدَهُ. وانْظُرْ إلى هِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ مَفاتِيحُ كُنُوزِ الأرْضِ - فَأباها. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ أخَذَها لِأنْفَقَها في طاعَةِ رَبِّهِ تَعالى. فَأبَتْ لَهُ تِلْكَ الهِمَّةُ العالِيَةُ: أنْ يَتَعَلَّقَ مِنها بِشَيْءٍ مِمّا سِوى اللَّهِ ومَحابِّهِ. وعُرِضَ عَلَيْهِ أنْ يَتَصَرَّفَ بِالمُلْكِ، فَأباهُ. واخْتارَ التَّصَرُّفَ بِالعُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ. فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، خالِقُ هَذِهِ الهِمَّةِ، وخالِقُ نَفْسٍ تَحْمِلُها، وخالِقُ هِمَمٍ لا تَعْدُو هِمَمَ أخَسِّ الحَيَواناتِ. [فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ صَفاءُ حالٍ يُشاهَدُ بِهِ شَواهِدُ التَّحْقِيقِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: صَفاءُ حالٍ، يُشاهَدُ بِهِ شَواهِدُ التَّحْقِيقِ. ويُذاقُ بِهِ حَلاوَةُ المُناجاةِ. ويُنْسى بِهِ الكَوْنُ. هَذِهِ الدَّرَجَةُ إنَّما كانَتْ أعْلى مِمّا قَبْلَها لِأنَّها هِمَّةُ حالٍ. والحالُ ثَمَرَةُ العِلْمِ، ولا يَصْفُو حالٌ إلّا بِصَفاءِ العِلْمِ المُثْمِرِ لَهُ. وعَلى حَسَبِ شَوْبِ العِلْمِ يَكُونُ شَوْبُ الحالِ. وإذا صَفا الحالُ: شاهَدَ العَبْدُ - بِصَفائِهِ - آثارَ الحَقائِقِ. وهي الشَّواهِدُ فِيهِ، وفي غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ، وعَلى غَيْرِهِ. ووَجَدَ حَلاوَةَ المُناجاةِ. وإذا تَمَكَّنَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ: نَسِيَ الكَوْنَ وما فِيهِ مِنَ المُكَوِّناتِ. وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ تَخْتَصُّ بِصَفاءِ الحالِ كَما اخْتَصَّتِ الأُولى بِصَفاءِ العِلْمِ. والحالُ هو تَكَيُّفُ القَلْبِ وانْصِباغُهُ بِحُكْمِ الوارِداتِ عَلى اخْتِلافِها، والحالُ يَدْعُو صاحِبَهُ إلى المَقامِ الَّذِي جاءَ مِنهُ الوارِدُ، كَما تَدْعُوهُ رائِحَةُ البُسْتانِ الطَّيِّبَةُ إلى دُخُولِهِ والمَقامِ فِيهِ. فَإذا كانَ الوارِدُ مِن حَضْرَةٍ صَحِيحَةٍ - وهي حَضْرَةُ الحَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ، لا الحَقِيقَةِ الخَيالِيَّةِ الذِّهْنِيَّةِ - شاهَدَ السّالِكُ بِصَفائِهِ شَواهِدَ التَّحْقِيقِ، وهي عَلاماتُهُ: والتَّحْقِيقُ هو حُكْمُ الحَقِيقَةِ، وتَأثُّرُ القَلْبِ والرُّوحِ بِها، والحَقِيقَةُ ما تَعَلَّقَ بِالحَقِّ المُبِينِ سُبْحانَهُ. فاللَّهُ هو الحَقُّ. والحَقِيقَةُ ما نُسِبَ إلَيْهِ وتَعَلَّقَ بِهِ. والتَّحْقِيقُ تَأثُّرُ القَلْبِ بِآثارِ الحَقِيقَةِ. ولِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةٌ، ولِكُلِّ حَقِيقَةٍ تَحْقِيقٌ يَقُومُ بِمُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ. قَوْلُهُ " ويُذاقُ بِهِ حَلاوَةُ المُناجاةِ " المُناجاةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ النَّجْوى. وهو الخِطابُ في سِرِّ العَبْدِ وباطِنِهِ. والشَّيْخُ ذَكَرَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ. أحَدُها: مُشاهَدَةُ شَواهِدِ التَّحْقِيقِ. الثّانِي: ذَوْقُ حَلاوَةَ المُناجاةِ. فَإنَّهُ مَتى صَفا لَهُ حالُهُ مِنَ الشَّوائِبِ، خَلُصَتْ لَهُ حَلاوَتُهُ مِن مَرارَةِ الأكْدارِ. فَذاقَ تِلْكَ الحَلاوَةَ في حالِ مُناجاتِهِ. فَلَوْ كانَ الحالُ مَشُوبًا مُكَدَّرًا لَمْ يَجِدْ حَلاوَةَ المُناجاةِ. والحالُ المُسْتَنِدَةُ إلى وارِدٍ تُذاقُ بِهِ حَلاوَةُ المُناجاةِ: هو مِن حَضْرَةِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، بِحَسَبِ ما يُصادِفُ القَلْبَ مِن ظُهُورِها وكَشْفِ مَعانِيها. فَمَن ظَهَرَ لَهُ اسْمُ الوَدُودِ - مَثَلًا - وكُشِفَ لَهُ عَنْ مَعانِي هَذا الِاسْمِ، ولُطْفِهِ، وتَعَلُّقِهِ بِظاهِرِ العَبْدِ وباطِنِهِ: كانَ الحالُ الحاصِلُ لَهُ مِن حَضْرَةِ هَذا الِاسْمِ مُناسِبًا لَهُ. فَكانَ حالَ اشْتِغالِ حُبٍّ وشَوْقٍ، ولَذَّةِ مُناجاةٍ، لا أحْلى مِنها ولا أطْيَبَ، بِحَسَبِ اسْتِغْراقِهِ في شُهُودِ مَعْنى هَذا الِاسْمِ. وحَظِّهِ مِن أثَرِهِ. فَإنَّ الوَدُودَ - وإنْ كانَ بِمَعْنى المَوْدُودِ، كَما قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: الوَدُودُ الحَبِيبُ - واسْتِغْراقُ العَبْدِ في مُطالَعَةِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي تَدْعُو العَبْدَ إلى حُبِّ المَوْصُوفِ بِها: أثْمَرَ لَهُ صَفاءَ عِلْمِهِ بِها، وصَفاءَ حالِهِ في تَعَبُّدِهِ بِمُقْتَضاها: ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وغَيْرِها. وَكَذَلِكَ إنْ كانَ اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى الوادِّ وهو المُحِبُّ: أثْمَرَتْ لَهُ مُطالَعَةُ ذَلِكَ حالًا تُناسِبُهُ. فَإنَّهُ إذا شاهَدَ بِقَلْبِهِ غَنِيًّا كَرِيمًا جَوادًا، عَزِيزًا قادِرًا، كُلُّ أحَدٍ مُحْتاجٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ. وهو غَنِيٌّ بِالذّاتِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ. وهو - مَعَ ذَلِكَ - يَوَدُّ عِبادَهُ ويُحِبُّهُمْ، ويَتَوَدَّدُ إلَيْهِمْ بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ وتَفَضُّلِهِ عَلَيْهِمْ -: كانَ لَهُ مِن هَذا الشُّهُودِ حالَةٌ صافِيَةٌ خالِصَةٌ مِنَ الشَّوائِبِ. وَكَذَلِكَ سائِرُ الأسْماءِ والصِّفاتِ. فَصَفاءُ الحالِ بِحَسَبِ صَفاءِ المَعْرِفَةِ بِها وخُلُوصِها مِن دَمِ التَّعْطِيلِ وفَرْثِ التَّمْثِيلِ. فَتَخْرُجُ المَعْرِفَةُ مِن بَيْنِ ذَلِكَ فِطْرَةً خالِصَةً سائِغَةً لِلْعارِفِينَ. كَما يَخْرُجُ اللَّبَنُ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ. والأمْرُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ " ويُنْسى بِهِ الكَوْنُ " أيْ يُنْسى الكَوْنُ بِما يَغْلِبُ عَلى قَلْبِهِ مِنِ اشْتِغالِهِ بِهَذِهِ الحالِ المَذْكُورَةِ. والمُرادُ بِالكَوْنِ: المَخْلُوقاتُ. أيْ يَشْتَغِلُ بِالحَقِّ عَنِ الخَلْقِ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ صَفاءُ اتِّصالٍ] فَصْلٌ قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: صَفاءُ اتِّصالٍ. يُدْرِجُ حَظَّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. ويُغْرِقُ نِهاياتِ الخَبَرِ في بِداياتِ العِيانِ، ويَطْوِي خِسَّةَ التَّكالِيفِ في عَيْنِ الأزَلِ. فِي هَذا اللَّفْظِ قَلَقٌ وسُوءُ تَعْبِيرٍ. يَجْبُرُهُ حُسْنُ حالِ صاحِبِهِ وصِدْقُهُ، وتَعْظِيمُهُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ. ولَكِنْ أبى اللَّهُ أنْ يَكُونَ الكَمالُ إلّا لَهُ. ولا رَيْبَ أنَّ بَيْنَ أرْبابِ الأحْوالِ وبَيْنَ أصْحابِ التَّمَكُّنِ تَفاوُتًا عَظِيمًا. وانْظُرْ إلى غَلَبَةِ الحالِ عَلى الكَلِيمِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا شاهَدَ آثارَ التَّجَلِّي الإلَهِيِّ عَلى الجَبَلِ، كَيْفَ خَرَّ صَعِقًا؟ وصاحِبُ التَّمَكُّنِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ورَأى ما رَأى: لَمْ يُصْعَقْ ولَمْ يَخِرَّ، بَلْ ثَبَتَ فُؤادُهُ وبَصَرُهُ. وَمُرادُ القَوْمِ بِالِاتِّصالِ والوُصُولِ: اتِّصالُ العَبْدِ بِرَبِّهِ، ووُصُولُهُ إلَيْهِ. لا بِمَعْنى اتِّصالِ ذاتِ العَبْدِ بِذاتِ الرَّبِّ، كَما تَتَّصِلُ الذّاتانِ إحْداهُما بِالأُخْرى. ولا بِمَعْنى انْضِمامِ إحْدى الذّاتَيْنِ إلى الأُخْرى والتِصاقِها بِها. وإنَّما مُرادُهم بِالِاتِّصالِ والوُصُولِ: إزالَةُ النَّفْسِ والخَلْقِ مِن طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ. ولا تَتَوَهَّمْ سِوى ذَلِكَ. فَإنَّهُ عَيْنُ المُحالِ. فَإنَّ السّالِكَ لا يَزالُ سائِرًا إلى اللَّهِ تَعالى حَتّى يَمُوتَ. فَلا يَنْقَطِعُ سَيْرُهُ إلّا بِالمَوْتِ. فَلَيْسَ في هَذِهِ الحَياةِ وُصُولٌ يَفْرَغُ مَعَهُ السِّرُّ ويَنْتَهِي. ولَيْسَ ثَمَّ اتِّصالٌ حِسِّيٌّ بَيْنَ ذاتِ العَبْدِ وذاتِ الرَّبِّ. فالأوَّلُ: تَعْطِيلٌ وإلْحادٌ. والثّانِي: حُلُولٌ واتِّحادٌ. وإنَّما حَقِيقَةُ الأمْرِ: تَنْحِيَةُ النَّفْسِ والخَلْقِ عَنِ الطَّرِيقِ. فَإنَّ الوُقُوفَ مَعَهُما: هو الِانْقِطاعُ. وتَنْحِيَتَهُما هو الِاتِّصالُ. وَأمّا المَلاحِدَةُ القائِلُونَ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ، فَإنَّهم قالُوا: العَبْدُ مِن أفْعالِ اللَّهِ، وأفْعالُهُ مِن صِفاتِهِ. وصِفاتُهُ مِن ذاتِهِ. فَأنْتَجَ لَهم هَذا التَّرْكِيبُ: أنَّ العَبْدَ مِن ذاتِ الرَّبِّ. تَعالى اللَّهُ وتَقَدَّسَ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَمَوْضِعُ الغَلَطِ: أنَّ العَبْدَ مِن مَفْعُولاتِ الرَّبِّ تَعالى، لا مِن أفْعالِهِ القائِمَةِ بِذاتِهِ. ومَفْعُولاتُهُ آثارُ أفْعالِهِ. وأفْعالُهُ مِن صِفاتِهِ القائِمَةِ بِذاتِهِ، فَذاتُهُ سُبْحانَهُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. ومَفْعُولاتُهُ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ، تِلْكَ مَخْلُوقَةٌ مُحْدَثَةٌ. والرَّبُّ تَعالى هو الخالِقُ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. فَإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ والألْفاظَ المُجْمَلَةَ المُشْتَبِهَةَ الَّتِي وقَعَ اصْطِلاحُ القَوْمِ عَلَيْها. فَإنَّها أصْلُ البَلاءِ. وهي مَوْرِدُ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ. فَإذا سَمِعَ الضَّعِيفُ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى لَفْظَ " اتِّصالٍ وانْفِصالٍ، ومُسامَرَةٍ، ومُكالَمَةٍ، وأنَّهُ لا وُجُودَ في الحَقِيقَةِ إلّا وُجُودُ اللَّهِ، وأنَّ وُجُودَ الكائِناتِ خَيالٌ ووَهْمٌ، وهو بِمَنزِلَةِ وُجُودِ الظِّلِّ القائِمِ بِغَيْرِهِ " فاسْمَعْ مِنهُ ما يَمْلَأُ الآذانَ مِن حُلُولٍ واتِّحادٍ وشَطَحاتٍ. والعارِفُونَ مِنَ القَوْمِ أطْلَقُوا هَذِهِ الألْفاظَ ونَحْوَها، وأرادُوا بِها مَعانِيَ صَحِيحَةً في أنْفُسِها. فَغَلِطَ الغالِطُونَ في فَهْمِ ما أرادُوهُ. ونَسَبُوهم إلى إلْحادِهِمْ وكُفْرِهِمْ. واتَّخَذُوا كَلِماتِهِمُ المُتَشابِهَةَ تُرْسًا لَهُ وجُنَّةً، حَتّى قالَ قائِلُهُمْ: ؎وَمِنكَ بَدا حُبٌّ بِعِزٍّ تَمازَجا ∗∗∗ بِنا ووِصالًا كُنْتَ أنْتَ وصَلْتَهُ ؎ظَهَرْتَ لِمَن أبْقَيْتَ بَعْدَ فَنائِهِ ∗∗∗ وكانَ بِلا كَوْنٍ لِأنَّكَ كُنْتَهُ فَيَسْمَعُ الغِرُّ " التَّمازُجَ والوِصالَ " فَيَظُنُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسُ كَوْنِ العَبْدِ. فَلا يَشُكُّ أنَّ هَذا هو غايَةُ التَّحْقِيقِ، ونِهايَةُ الطَّرِيقِ. ثُمَّ لِنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ. قَوْلُهُ: يُدْرِجُ حَظَّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. المَعْنى الصَّحِيحُ، الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ: أنَّ مَن تَمَكَّنَ في قَلْبِهِ شُهُودُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، وصَفا لَهُ عِلْمُهُ وحالُهُ: انْدَرَجَ عَمَلُهُ جَمِيعُهُ وأضْعافُهُ وأضْعافُ أضْعافِهِ في حَقِّ رَبِّهِ تَعالى ورَآهُ في جَنْبِ حَقِّهِ أقَلَّ مِن خَرْدَلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبالِ الدُّنْيا. فَسَقَطَ مِن قَلْبِهِ اقْتِضاءُ حَظِّهِ مِنَ المُجازاةِ عَلَيْهِ. لِاحْتِقارِهِ لَهُ، وقِلَّتِهِ عِنْدَهُ، وصِغَرِهِ في عَيْنِهِ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا هاشِمُ بْنُ القاسِمِ حَدَّثَنا صالِحٌ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ عَنْ أبِي الجِلْدِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى داوُدَ: يا داوُدَ، أنْذِرْ عِبادِيَ الصّادِقِينَ. فَلا يُعْجِبُنَّ بِأنْفُسِهِمْ، ولا يَتَّكِلُنَّ عَلى أعْمالِهِمْ. فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن عِبادِي أنْصِبُهُ لِلْحِسابِ، وأُقِيمُ عَلَيْهِ عَدْلِي إلّا عَذَّبْتَهُ، مِن غَيْرِ أنْ أظْلِمَهُ. وبَشِّرْ عِبادِيَ الخَطّائِينَ: أنَّهُ لا يَتَعاظَمُنِي ذَنْبٌ أنْ أغْفِرَهُ وأتَجاوَزَ عَنْهُ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: وحَدَّثَنا سَيّارٌ حَدَّثَنا جَعْفَرٌ حَدَّثَنا ثابِتٌ البُنانِيُّ قالَ: تَعَبَّدَ رَجُلٌ سَبْعِينَ سَنَةً. وكانَ يَقُولُ في دُعائِهِ: رَبِّ اجْزِنِي بِعَمَلِي. فَماتَ فَأُدْخِلَ الجَنَّةَ. فَكانَ فِيها سَبْعِينَ عامًا. فَلَمّا فَرَغَ وقْتُهُ، قِيلَ لَهُ: اخْرُجْ، فَقَدِ اسْتَوْفَيْتَ عَمَلَكَ، فَقَلَّبَ أمْرَهُ: أيُّ شَيْءٍ كانَ في الدُّنْيا أوْثَقَ في نَفْسِهِ؟ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا أوْثَقَ في نَفْسِهِ مِن دُعاءِ اللَّهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ. فَأقْبَلَ يَقُولُ في دُعائِهِ: رَبِّ سَمِعْتُكَ - وأنا في الدُّنْيا - وأنْتَ تُقِيلُ العَثَراتِ. فَأقِلِ اليَوْمَ عَثْرَتِي. فَتُرِكَ في الجَنَّةِ. وَقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنا هاشِمٌ حَدَّثَنا صالِحٌ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ عَنْ أبِي الجِلْدِ قالَ: قالَ مُوسى: إلَهِي، كَيْفَ أشْكُرُكَ، وأصْغَرُ نِعْمَةٍ وضَعْتَها عِنْدِي مِن نِعْمَتِكَ لا يُجازِيها عَمَلِي كُلُّهُ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا مُوسى، الآنَ شَكَرْتَنِي. فَهَذا المَعْنى الصَّحِيحُ مِنِ انْدِراجِ حَظِّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. وَلَهُ مَحْمَلٌ آخَرُ صَحِيحٌ أيْضًا، وهو أنَّ ذاتَ العَبْدِ وصِفاتِهِ وأفْعالَهُ وقُواهُ وحَرَكاتِهِ: كُلَّها مَفْعُولَةٌ لِلرَّبِّ، مَمْلُوكَةٌ لَهُ، لَيْسَ يَمْلِكُ العَبْدُ مِنها شَيْئًا. بَلْ هو مَحْضُ مُلْكِ اللَّهِ. فَهو المالِكُ لَها، المُنْعِمُ عَلى عَبْدِهِ بِإعْطائِهِ إيّاها. فالمالُ مالُهُ. والعَبْدُ عَبْدُهُ. والخِدْمَةُ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. وهي مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ. فالفَضْلُ كُلُّهُ لِلَّهِ، ومِنَ اللَّهِ، وبِاللَّهِ. قَوْلُهُ " ويَعْرِفُ نِهاياتِ الخَبَرِ في بِداياتِ العِيانِ " الخَبَرُ: مُتَعَلَّقُ الغَيْبِ. والعِيانُ مُتَعَلَّقُ الشَّهادَةِ. وهو إدْراكُ عَيْنِ البَصِيرَةِ لِصِحَّةِ الخَبَرِ، وثُبُوتِ مَخْبَرِهِ. وَمُرادُهُ بِ " بِداياتِ العِيانِ " أوائِلُ الكَشْفِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ إلى مَقامِ الفَناءِ. ومَقْصُودُهُ: أنْ يَرى الشّاهِدُ ما أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ بِقَلْبِهِ عِيانًا. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] وقالَ تَعالى ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] فَقَدْ قالَ: أفَمَن رَأى بِعَيْنِ قَلْبِهِ أنَّ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ هو الحَقُّ كَمَن هو أعْمى لا يُبْصِرُ ذَلِكَ؟ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَقامِ الإحْسانِ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» ولا رَيْبَ أنَّ تَصْدِيقَ الخَبَرِ واليَقِينَ بِهِ يُقَوِّي القَلْبَ، حَتّى يَصِيرَ الغَيْبُ بِمَنزِلَةِ المُشاهَدِ بِالعَيْنِ. فَصاحِبُ هَذا المَقامِ: كَأنَّهُ يَرى رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، مُطَّلِعًا عَلى عِبادِهِ ناظِرًا إلَيْهِمْ، يَسْمَعُ كَلامَهم. ويَرى ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم. وَكَأنَّهُ يَسْمَعُهُ وهو يَتَكَلَّمُ بِالوَحْيِ. ويُكَلِّمُ بِهِ عَبْدَهُ جِبْرِيلَ، ويَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ بِما يُرِيدُ، ويُدَبِّرُ أمْرَ المَمْلَكَةِ. وأمْلاكُهُ صاعِدَةٌ إلَيْهِ بِالأمْرِ، نازِلَةٌ مِن عِنْدِهِ بِهِ. وَكَأنَّهُ يُشاهِدُهُ، وهو يَرْضى ويَغْضَبُ، ويُحِبُّ ويُبْغِضُ، ويُعْطِي ويَمْنَعُ، ويَضْحَكُ ويَفْرَحُ، ويُثْنِي عَلى أوْلِيائِهِ بَيْنَ مَلائِكَتِهِ، ويَذُمُّ أعْداءَهُ. وَكَأنَّهُ يُشاهِدُهُ ويُشاهِدُ يَدَيْهِ الكَرِيمَتَيْنِ، وقَدْ قَبَضَتْ إحْداهُما السَّماواتِ السَّبْعَ، والأُخْرى الأرَضِينَ السَّبْعَ. وقَدْ طَوى السَّماواتِ السَّبْعَ بِيَمِينِهِ، كَما يُطْوى السِّجِلُّ عَلى أسْطُرِ الكِتابِ. وَكَأنَّهُ يُشاهِدُهُ، وقَدْ جاءَ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ عِبادِهِ. فَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِهِ. وَنادى - وهو مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ - بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَن بَعُدَ كَما يَسْمَعُهُ مَن قَرُبَ " وعِزَّتِي وجَلالِي: " «لا يُجاوِزُنِي اليَوْمَ ظُلْمُ ظالِمٍ» ". وَكَأنَّهُ يُسْمِعُ نِداءَهُ لِآدَمَ " «يا آدَمُ، قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ» " بِإذْنِهِ الآنَ، وكَذَلِكَ نِداؤُهُ لِأهْلِ المَوْقِفِ ﴿ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] وماذا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ وَبِالجُمْلَةِ: فَيُشاهِدُ بِقَلْبِهِ رَبًّا عَرَّفَتْ بِهِ الرُّسُلُ، كَما عَرَّفَتْ بِهِ الكُتُبُ، ودِينًا دَعَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ. وحَقائِقَ أخْبَرَتْ بِها الرُّسُلُ. فَقامَ شاهِدُ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ كَما قامَ شاهِدُ ما أخْبَرَ بِهِ أهْلُ التَّواتُرِ - وإنْ لَمْ يَرَهُ - مِنَ البِلادِ والوَقائِعِ. فَهَذا إيمانُهُ يَجْرِي مَجْرى العِيانِ، وإيمانُ غَيْرِهِ فَمَحْضُ تَقْلِيدِ العُمْيانِ. قَوْلُهُ " ويَطْوِي خِسَّةَ التَّكالِيفِ " لَيْتَ الشَّيْخَ عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِغَيْرِها. فَواللَّهِ إنَّها لَأقْبَحُ مِن شَوْكَةٍ في العَيْنِ، وشَجًى في الحَلْقِ. وحاشا التَّكالِيفَ أنْ تُوصَفَ بِخِسَّةٍ، أوْ تَلْحَقَها خِسَّةٌ. وإنَّما هي قُرَّةُ عَيْنٍ، وسُرُورُ قَلْبٍ، وحَياةُ رُوحٍ. صَدَرَ التَّكْلِيفُ بِها عَنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. فَهي أشْرَفُ ما وصَلَ إلى العَبْدِ مِن رَبِّهِ، وثَوابُهُ عَلَيْها أشْرَفُ ما أعْطاهُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ. نَعَمْ لَوْ قالَ: يَطْوِي ثِقَلَ التَّكالِيفِ ويُخَفِّفُ أعْباءَها ونَحْوَ ذَلِكَ. فَلَعَلَّهُ كانَ أوْلى، ولَوْلا مَقامُهُ في الإيمانِ والمَعْرِفَةِ والقِيامِ بِالأوامِرِ لَكُنّا نُسِيءُ بِهِ الظَّنَّ. والَّذِي يَحْتَمِلُ أنْ يُصَرَّفَ كَلامُهُ إلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّفاءَ - المَذْكُورَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ - لَمّا انْطَوَتْ في حُكْمِهِ الوَسائِطُ والأسْبابُ. وانْدَرَجَ فِيهِ حَظُّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ: انْطَوَتْ فِيهِ رُؤْيَةُ كَوْنِ العِبادَةِ تَكْلِيفًا. فَإنَّ رُؤْيَتَها تَكْلِيفًا خِسَّةٌ مِنَ الرّائِي. لِأنَّهُ رَآها بِعَيْنِ أنَفَتِهِ وقِيامِهِ بِها. ولَمْ يَرَها بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ. فَإنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلى مَقامِ " فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي " ولَوْ وصَلَ إلى ذَلِكَ لَرَآها بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، ولا خِسَّةَ فِيها هُناكَ ألْبَتَّةَ. فَإنَّ نَظَرَهُ قَدْ تَعَدّى مِن قِيامِهِ بِها إلى قِيامِها بِالقَيُّومِ الَّذِي قامَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ. فَكانَ لَها وجْهانِ. أحَدُهُما: هي بِهِ خَسِيسَةٌ. وهو وجْهُ قِيامِها بِالعَبْدِ، وصُدُورِها مِنهُ. والثّانِي: هي بِهِ شَرِيفَةٌ. وهو وجْهُ كَوْنِها بِالرَّبِّ تَعالى وأوَّلِيَّتِهِ، أمْرًا وتَكْوِينًا وإعانَةً. فالصَّفاءُ يَطْوِيها مِن ذَلِكَ الوَجْهِ خاصَّةً. والمَعْنى الثّانِي، الَّذِي يَحْتَمِلُهُ كَلامُهُ: أنْ يَكُونَ مُرادُهُ: أنَّ الصَّفاءَ يَشْهَدُهُ عَيْنُ الأزَلِ، وسَبْقُ الرَّبِّ تَعالى، وأوَّلِيَّتُهُ لِكُلِّ شَيْءٍ. فَتَنْطَوِي في هَذا المَشْهَدِ أعْمالُهُ الَّتِي عَمِلَها. ويَراها خَسِيسَةً جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْنِ الأزَلِ. فَكَأنَّهُ قالَ: تَنْطَوِي أعْمالُهُ، وتَصِيرُ - بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ العَيْنِ - خَسِيسَةً جِدًّا لا تُذْكَرُ. بَلْ تَكُونُ في عَيْنِ الأزَلِ هَباءً مَنثُورًا، لا حاصِلَ لَها. فَإنَّ الوَقْتَ الَّذِي هو ظَرْفُ التَّكْلِيفِ يَتَلاشى جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى الأزَلِ. وهو وقْتٌ خَسِيسٌ حَقِيرٌ، حَتّى كَأنَّهُ لا حاصِلَ لَهُ. ولا نِسْبَةَ لَهُ إلى الأزَلِ والأبَدِ في مِقْدارِ الأعْمالِ الواقِعَةِ فِيهِ. وهي يَسِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي هو يَسِيرٌ جِدًّا. بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ الزَّمانِ الَّذِي هو يَسِيرٌ جِدًّا. بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْنِ الأزَلِ. فَهَذا أقْرَبُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلامُهُ مَعَ قَلَقِهِ. وقَدِ اعْتَراهُ فِيهِ سُوءُ تَعْبِيرٍ. وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْها الخِسَّةَ لِقِلَّتِها وخِفَّتِها. بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ المُكَلِّفِ بِها سُبْحانَهُ. وما يَسْتَحِقُّهُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.

ص 38:46

فالأيدي: القوى والعزائم في ذات الله، والأبصار: البصائر في أمر الله. وعبارات السلف تدور على ذلك. قال ابن عباس "أولي القوة في طاعة الله، والمعرفة بالله". وقال الكلبى "أولي القوة في العبادة، والبصر فيها". وقال مجاهد "الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر في الحق". وقال سعيد بن جبير "الأيدي: القوة في العمل، والأبصار: بصرهم بما هم فيه من دينهم". وقد جاء في حديث مرسل "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات". فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة. والله المستعان. قوله تعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ أيْ: خَصَصْناهم بِخِصِّيصَةٍ، وهو الذِّكْرُ الجَمِيلُ الَّذِي يُذْكَرُونَ بِهِ في هَذِهِ الدّارِ، وهو لِسانُ الصِّدْقِ الَّذِي سَألَهُ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. وَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ وعَنْ بَنِيهِ: ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]. وَقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]. فَأتْباعُ الرُّسُلِ لَهم نَصِيبٌ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ مِيراثِهِمْ مِن طاعَتِهِمْ ومُتابَعَتِهِمْ، وكُلُّ مَن خالَفَهم فَإنَّهُ بَعِيدٌ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ مُخالَفَتِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ. وقال في (طريق الهجرتين) فهذه الآية يخبر فيها سبحانه عما أخلص له أنبياؤه ورسله من اختصاصهم بالآخرة، وفيها قولان: أحدهما أن المعنى نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وإيثارها والعمل بها. والقول الثاني: إنا أخلصناهم بأفضل ما في الدار الآخرة واختصصناهم به عن العالمين. [فَصْلٌ: المَعاصِي تُعْمِي القَلْبَ] وَمِن عُقُوباتِها أنَّها تُعْمِي القَلْبَ، فَإنْ لَمْ تُعْمِهِ أضْعَفَتْ بَصِيرَتَهُ ولابُدَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أنَّها تُضْعِفُهُ ولابُدَّ، فَإذا عَمِيَ القَلْبُ وضَعُفَ، فاتَهُ مِن مَعْرِفَةِ الهُدى وقُوَّتِهِ عَلى تَنْفِيذِهِ في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ، بِحَسَبِ ضَعْفِ بَصِيرَتِهِ وقُوَّتِهِ. فَإنَّ الكَمالَ الإنْسانِيَّ مَدارُهُ عَلى أصْلَيْنِ: مَعْرِفَةِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وإيثارِهِ عَلَيْهِ. وَما تَفاوَتَتْ مَنازِلُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا بِقَدْرِ تَفاوُتِ مَنازِلِهِمْ في هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهُما اللَّذانِ أثْنى اللَّهُ بِهِما سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ بِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ [ص: ٤٥]. فالأيْدِي: القُوَّةُ في تَنْفِيذِ الحَقِّ، والأبْصارُ: البَصائِرُ في الدِّينِ، فَوَصَفَهم بِكَمالِ إدْراكِ الحَقِّ وكَمالِ تَنْفِيذِهِ، وانْقَسَمَ النّاسُ في هَذا المَقامِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، فَهَؤُلاءِ أشْرَفُ الأقْسامِ مِنَ الخَلْقِ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ تَعالى. القِسْمُ الثّانِي: عَكْسُ هَؤُلاءِ، مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ في الدِّينِ، ولا قُوَّةَ عَلى تَنْفِيذِ الحَقِّ، وهم أكْثَرُ هَذا الخَلْقِ، وهُمُ الَّذِينَ رُؤْيَتُهم قَذى العُيُونِ وحُمّى الأرْواحِ وسَقَمُ القُلُوبِ، يُضَيِّقُونَ الدِّيارَ ويُغْلُونَ الأسْعارَ، ولا يُسْتَفادُ مِن صُحْبَتِهِمْ إلّا العارُ والشَّنارُ. القِسْمُ الثّالِثُ: مَن لَهُ بَصِيرَةٌ بِالحَقِّ ومَعْرِفَةٌ بِهِ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لا قُوَّةَ لَهُ عَلى تَنْفِيذِهِ ولا الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وهَذا حالُ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، والمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنهُ. القِسْمُ الرّابِعُ: مَن لَهُ قُوَّةٌ وهِمَّةٌ وعَزِيمَةٌ، لَكِنَّهُ ضَعِيفُ البَصِيرَةِ في الدِّينِ، لا يَكادُ يُمَيِّزُ بَيْنَ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وأوْلِياءِ الشَّيْطانِ، بَلْ يَحْسَبُ كُلَّ سَوْداءَ تَمْرَةً وكُلَّ بَيْضاءَ شَحْمَةً، يَحْسَبُ الوَرَمَ شَحْمًا والدَّواءَ النّافِعَ سُمًّا. وَلَيْسَ في هَؤُلاءِ مَن يَصْلُحُ لِلْإمامَةِ في الدِّينِ، ولا هو مَوْضِعٌ لَها سِوى القِسْمِ الأوَّلِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ بِالصَّبْرِ واليَقِينِ نالُوا الإمامَةَ في الدِّينِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن جُمْلَةِ الخاسِرِينَ، وأقْسَمَ بِالعَصْرِ - الَّذِي هو زَمَنُ سَعْيِ الخاسِرِينَ والرّابِحِينَ - عَلى أنَّ مَن عَداهم فَهو مِنَ الخاسِرِينَ، فَقالَ تَعالى ﴿والعَصْرِ - إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ - إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١-٣]. وَلَمْ يَكْتَفِ مِنهم بِمَعْرِفَةِ الحَقِّ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، حَتّى يُوصِيَ بَعْضُهم بَعْضًا بِهِ ويُرْشِدَهُ إلَيْهِ ويَحُضَّهُ عَلَيْهِ. وَإذا كانَ مَن عَدا هَؤُلاءِ فَهو خاسِرٌ، فَمَعْلُومٌ أنَّ المَعاصِيَ والذُّنُوبَ تُعْمِي بَصِيرَةَ القَلْبِ فَلا يُدْرِكُ الحَقَّ كَما يَنْبَغِي، وتَضْعُفُ قُوَّتُهُ وعَزِيمَتُهُ فَلا يَصْبِرُ عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ يَتَوارَدُ عَلى القَلْبِ حَتّى يَنْعَكِسَ إدْراكُهُ كَما يَنْعَكِسُ سَيْرُهُ، فَيُدْرِكُ الباطِلَ حَقًّا والحَقَّ باطِلًا، والمَعْرُوفَ مُنْكَرًا والمُنْكَرَ مَعْرُوفًا، فَيَنْتَكِسُ في سَيْرِهِ ويَرْجِعُ عَنْ سَفَرِهِ إلى اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، إلى سَفَرِهِ إلى مُسْتَقَرِّ النُّفُوسِ المُبْطِلَةِ الَّتِي رَضِيَتْ بِالحَياةِ الدُّنْيا، واطْمَأنَّتْ بِها، وغَفَلَتْ عَنِ اللَّهِ وآياتِهِ، وتَرَكَتْ الِاسْتِعْدادَ لِلِقائِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في عُقُوبَةِ الذُّنُوبِ إلّا هَذِهِ وحْدَها لَكانَتْ داعِيَةً إلى تَرْكِها والبُعْدِ مِنها، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَهَذا كَما أنَّ الطّاعَةَ تُنَوِّرُ القَلْبَ وتَجْلُوهُ وتَصْقُلُهُ، وتُقَوِّيهِ وتُثَبِّتُهُ حَتّى يَصِيرَ كالمِرْآةِ المَجْلُوَّةِ في جَلائِها وصَفائِها فَيَمْتَلِئَ نُورًا، فَإذا دَنا الشَّيْطانُ مِنهُ أصابَهُ مِن نُورِهِ ما يُصِيبُ مُسْتَرِقَ السَّمْعِ مِنَ الشُّهُبِ الثَّواقِبِ، فالشَّيْطانُ يَفْرَقُ مِن هَذا القَلْبِ أشَدَّ مِن فَرَقِ الذِّئْبِ مِنَ الأسَدِ، حَتّى إنَّ صاحِبَهُ لَيَصْرَعُ الشَّيْطانَ فَيَخِرُّ صَرِيعًا، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما شَأْنُهُ؟ فَيُقالُ: أصابَهُ إنْسِيٌّ، وبِهِ نَظْرَةٌ مِنَ الإنْسِ: ؎فَيا نَظْرَةً مِن قَلْبِ حُرٍّ مُنَوَّرٍ ∗∗∗ يَكادُ لَها الشَّيْطانُ بِالنُّورِ يُحْرَقُ أفَيَسْتَوِي هَذا القَلْبُ وقَلْبٌ مُظْلِمٌ أرْجاؤُهُ، مُخْتَلِفَةٌ أهْواؤُهُ، قَدِ اتَّخَذَهُ الشَّيْطانُ وطَنَهُ وأعَدَّهُ مَسْكَنَهُ، إذا تَصَبَّحَ بِطَلْعَتِهِ حَيّاهُ، وقالَ: فَدَيْتُ مَن لا يُفْلِحُ في دُنْياهُ ولا في أُخْراهُ؟ ؎قَرِينُكَ في الدُّنْيا وفي الحَشْرِ بَعْدَها ∗∗∗ فَأنْتَ قَرِينٌ لِي بِكُلِّ مَكانِ ؎فَإنْ كُنْتَ في دارِ الشَّقاءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ وأنْتَ جَمِيعًا في شَقا وهَوانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ - وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ - حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ - ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٩]. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الصَّفاءِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: بابُ الصَّفاءِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ الصَّفاءُ اسْمٌ لِلْبَراءَةِ مِنَ الكَدَرِ. وهو في هَذا البابِ سُقُوطُ التَّلْوِينِ. أمّا الِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ: فَوَجْهُهُ أنَّ المُصْطَفى مُفْتَعَلٌ مِنَ الصَّفْوَةِ. وَهِيَ خُلاصَةُ الشَّيْءِ، وتَصْفِيَتُهُ مِمّا يَشُوبُهُ. ومِنهُ: اصْطَفى الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ. أيْ خَلَّصَهُ مِن شَوْبِ شَرِكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِيهِ. ومِنهُ الصَّفِيُّ وهو السَّهْمُ الَّذِي كانَ يَصْطَفِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ مِنَ الغَنِيمَةِ. ومِنهُ: الشَّيْءُ الصّافِي. وهو الخالِصُ مِن كَدَرِ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: الصَّفاءُ: اسْمٌ لِلْبَراءَةِ مِنَ الكَدَرِ. البَراءَةُ: هي الخَلاصُ. والكَدَرُ امْتِزاجُ الطَّيِّبِ بِالخَبِيثِ. قَوْلُهُ: وهو في هَذا البابِ: سُقُوطُ التَّلْوِينِ. التَّلْوِينُ هو التَّرَدُّدُ والتَّذَبْذُبُ، كَما قِيلَ: ؎كُلَّ يَوْمٍ تَتَلَوَّنُ ∗∗∗ تَرْكُ هَذا بِكَ أجْمَلُ [دَرَجاتُ الصَّفاءِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى: صَفاءُ عِلْمٍ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: صَفاءُ عِلْمٍ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ. ويُبَصِّرُ غايَةَ الجِدِّ. ويُصَحِّحُ هِمَّةَ القاصِدِ. ذَكَرَ الشَّيْخُ لَهُ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلاثَ فَوائِدَ. الفائِدَةُ الأُولى: عِلْمٌ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ، وهَذا العِلْمُ الصّافِي - الَّذِي أشارَ إلَيْهِ - هو العِلْمُ الَّذِي جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَكانَ الجُنَيْدُ يَقُولُ دائِمًا: عِلْمُنا هَذا مُقَيَّدٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ. فَمَن لَمْ يَحْفَظِ القُرْآنَ، ويَكْتُبِ الحَدِيثَ، ولَمْ يَتَفَقَّهْ: لا يُقْتَدى بِهِ. وَقالَ غَيْرُهُ مِنَ العارِفِينَ: كُلُّ حَقِيقَةٍ لا تَتْبَعُها شَرِيعَةٌ فَهي كُفْرٌ. وَقالَ الجُنَيْدُ: عِلْمُنا هَذا مُتَشَبِّكٌ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: إنَّهُ لَتَمُرُّ بِقَلْبِي النُّكْتَةُ مِن نُكَتِ القَوْمِ. فَلا أقْبَلُها إلّا بِشاهِدَيْ عَدْلٍ، مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقالَ النَّصْرابادِيُّ: أصْلُ هَذا المَذْهَبِ: مُلازَمَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وتَرْكُ الأهْواءِ والبِدَعِ، والِاقْتِداءُ بِالسَّلَفِ، وتَرْكُ ما أحْدَثَهُ الآخَرُونَ. والإقامَةُ عَلى ما سَلَكَهُ الأوَّلُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ ذَلِكَ. فَهَذا العِلْمُ الصّافِي، المُتَلَقّى مِن مِشْكاةِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ: يُهَذِّبُ صاحِبَهُ لِسُلُوكِ طَرِيقِ العُبُودِيَّةِ. وحَقِيقَتُها: التَّأدُّبُ بِآدابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ باطِنًا وظاهِرًا. وتَحْكِيمُهُ باطِنًا وظاهِرًا. والوُقُوفُ مَعَهُ حَيْثُ وقَفَ بِكَ. والمَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سارَ بِكَ. بِحَيْثُ تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ شَيْخِكَ الَّذِي قَدْ ألْقَيْتَ إلَيْهِ أمْرَكَ كُلَّهُ سِرَّهُ وظاهِرَهُ، واقْتَدَيْتَ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِكَ. ووَقَفْتَ مَعَ ما يَأْمُرُكَ بِهِ. فَلا تُخالِفُهُ ألْبَتَّةَ. فَتَجْعَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَكَ شَيْخًا، وإمامًا وقُدْوَةً وحاكِمًا، وتُعَلِّقُ قَلْبَكَ بِقَلْبِهِ الكَرِيمِ، ورُوحانِيَّتَكَ بِرُوحانِيَّتِهِ، كَما يُعَلِّقُ المُرِيدُ رُوحانِيَّتَهُ بِرُوحانِيَّةِ شَيْخِهِ. فَتُجِيبُهُ إذا دَعاكَ. وتَقِفُ مَعَهُ إذا اسْتَوْقَفَكَ. وتَسِيرُ إذا سارَ بِكَ. وتُقِيلُ إذا قالَ، وتَنْزِلُ إذا نَزَلَ. وتَغْضَبُ لِغَضَبِهِ. وتَرْضى لِرِضاهُ. وإذا أخْبَرَكَ عَنْ شَيْءٍ أنْزَلْتَهُ مَنزِلَةَ ما تَراهُ بِعَيْنِكَ. وإذا أخْبَرَكَ عَنِ اللَّهِ بِخَبَرٍ أنْزَلْتَهُ مَنزِلَةَ ما تَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ بِأُذُنِكَ. وَبِالجُمْلَةِ: فَتَجْعَلُ الرَّسُولَ شَيْخَكَ وأُسْتاذَكَ، ومُعَلِّمَكَ ومُرَبِّيكَ ومُؤَدِّبَكَ. وتَسْقُطُ الوَسائِطَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ إلّا في التَّبْلِيغِ. كَما تَسْقُطُ الوَسائِلُ بَيْنَكَ وبَيْنَ المُرْسَلِ في العُبُودِيَّةِ. ولا تَثْبُتُ وساطَةٌ إلّا في وُصُولِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ورِسالَتِهِ إلَيْكَ. وَهَذانَ التَّجْرِيدانِ: هُما حَقِيقَةُ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. واللَّهُ وحْدَهُ هو المَعْبُودُ المَأْلُوهُ، الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ، ورَسُولُهُ: المُطاعُ المُتَّبَعُ، المُهْتَدى بِهِ، الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ الطّاعَةَ سِواهُ. ومَن سِواهُ: فَإنَّما يُطاعُ إذا أمَرَ الرَّسُولُ بِطاعَتِهِ. فَيُطاعُ تَبَعًا لِلْأصْلِ. وَبِالجُمْلَةِ: فالطَّرِيقُ مَسْدُودَةٌ إلّا عَلى مَنِ اقْتَفى آثارَ الرَّسُولِ ﷺ، واقْتَدى بِهِ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ. فَلا يَتَعَنّى السّالِكُ عَلى غَيْرِ هَذا الطَّرِيقِ. فَلَيْسَ حَظُّهُ مِن سُلُوكِهِ إلّا التَّعَبَ، وأعْمالُهُ ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩]. وَلا يَتَعَنّى السّالِكُ عَلى هَذا الطَّرِيقِ. فَإنَّهُ واصِلٌ ولَوْ زَحَفَ زَحْفًا. فَأتْباعُ الرَّسُولِ ﷺ: إذا قَعَدَتْ بِهِمْ أعْمالُهُمْ، قامَتْ بِهِمْ عَزائِمُهم وهِمَمُهم ومُتابَعَتُهم لِنَبِيِّهِمْ. كَما قِيلَ: ؎مَن لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ المُدَلَّلِ ∗∗∗ تَمْشِي رُوَيْدًا وتَجِي في الأوَّلِ والمُنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِهِ، إذا قامَتْ بِهِمْ أعْمالُهم واجْتِهاداتُهُمْ: قَعَدَ بِهِمْ عُدُولُهم عَنْ طَرِيقِهِ. ؎فَهم في السُّرى لَمْ يَبْرَحُوا مِن مَكانِهِمْ ∗∗∗ وما ظَعَنُوا في السَّيْرِ عَنْهُ وقَدْ كَلُّوا قَوْلُهُ " ويُبَصِّرُ غايَةَ الجِدِّ " الجِدُّ: الِاجْتِهادُ والتَّشْمِيرُ، والغايَةُ: النِّهايَةُ. يُرِيدُ: أنَّ صَفاءَ العِلْمِ يَهْدِي صاحِبَهُ إلى الغايَةِ المَقْصُودَةِ بِالِاجْتِهادِ والتَّشْمِيرِ. فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ السّالِكِينَ - بَلْ أكْثَرَهم - سالِكٌ بِجِدِّهِ واجْتِهادِهِ، غَيْرُ مُنْتَبِهٍ إلى المَقْصُودِ. وَأضْرِبُ لَكَ في هَذا مَثَلًا حَسَنًا جِدًّا، وهُوَ: أنَّ قَوْمًا قَدِمُوا مِن بِلادٍ بَعِيدَةٍ عَلَيْهِمْ أثَرُ النَّعِيمِ والبَهْجَةِ، والمَلابِسُ السَّنِيَّةُ، والهَيْئَةُ العَجِيبَةُ. فَعَجِبَ النّاسُ لَهم. فَسَألُوهم عَنْ حالِهِمْ؟ فَقالُوا: بِلادُنا مِن أحْسَنِ البِلادِ. وأجْمَعِها لِسائِرِ أنْواعِ النَّعِيمِ. وأرْخاها، وأكْثَرِها مِياهًا، وأصَحِّها هَواءً، وأكْثَرِها فاكِهَةً، وأعْظَمِها اعْتِدالًا، وأهْلُها كَذَلِكَ أحْسَنُ النّاسِ صُوَرًا وأبْشارًا. ومَعَ هَذا، فَمَلِكُها لا يَنالُهُ الوَصْفُ جَمالًا وكَمالًا، وإحْسانًا، وعِلْمًا وحِلْمًا، وجُودًا، ورَحْمَةً لِلرَّعِيَّةِ، وقُرْبًا مِنهم. ولَهُ الهَيْبَةُ والسَّطْوَةُ عَلى سائِرِ مُلُوكِ الأطْرافِ. فَلا يَطْمَعُ أحَدٌ مِنهم في مُقاوَمَتِهِ ومُحارَبَتِهِ. فَأهْلُ بَلَدِهِ في أمانٍ مِن عَدُوِّهِمْ. لا يَحِلُّ الخَوْفُ بِساحَتِهِمْ. ومَعَ هَذا: فَلَهُ أوْقاتٌ يَبْرُزُ فِيها لِرَعِيَّتِهِ، ويُسَهِّلُ لَهُمُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، ويَرْفَعُ الحِجابَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم. فَإذا وقَعَتْ أبْصارُهم عَلَيْهِ: تَلاشى عِنْدَهم كُلُّ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ واضْمَحَلَّ، حَتّى لا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنهُ. فَإذا أقْبَلَ عَلى واحِدٍ مِنهُمْ: أقْبَلَ عَلَيْهِ سائِرُ أهْلِ المَمْلَكَةِ بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ. ونَحْنُ رُسُلُهُ إلى أهْلِ البِلادِ، نَدْعُوهم إلى حَضْرَتِهِ. وهَذِهِ كُتُبُهُ إلى النّاسِ. ومَعَنا مِنَ الشُّهُودِ ما يُزِيلُ سُوءَ الظَّنِّ بِنا. ويَدْفَعُ اتِّهامَنا بِالكَذِبِ عَلَيْهِ. فَلَمّا سَمِعَ النّاسُ ذَلِكَ، وشاهَدُوا أحْوالَ الرُّسُلِ: انْقَسَمُوا أقْسامًا. فَطائِفَةٌ قالَتْ: لا نُفارِقُ أوْطانَنا، ولا نَخْرُجُ مِن دِيارِنا، ولا نَتَجَشَّمُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ البَعِيدِ، ونَتْرُكُ ما ألِفْناهُ مِن عَيْشِنا ومَنازِلِنا، ومُفارَقَةِ آبائِنا وأبْنائِنا، وإخْوانِنا لِأمْرٍ وُعِدْنا بِهِ في غَيْرِ هَذِهِ البِلادِ، ونَحْنُ لا نَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِ ما نَحْنُ فِيهِ إلّا بَعْدَ الجَهْدِ والمَشَقَّةِ. فَكَيْفَ نَنْتَقِلُ عَنْهُ؟ وَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ مُفارَقَتَها لِأوْطانِها وبِلادِها: كَمُفارَقَةِ أنْفُسِها لِأبْدانِها. فَإنَّ النَّفْسَ - لِشِدَّةِ إلْفِها لِلْبَدَنِ - أكْرَهُ ما إلَيْها مُفارَقَتُهُ. ولَوْ فارَقَتْهُ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ. فَهَذِهِ الطّائِفَةُ غَلَبَ عَلَيْها داعِي الحِسِّ والطَّبْعِ عَلى داعِي العَقْلِ والرُّشْدِ. والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا رَأتْ حالَ الرُّسُلِ، وما هم فِيهِ مِنَ البَهْجَةِوَحُسْنِ الحالِ، وعَلِمُوا صِدْقَهُمْ: تَأهَّبُوا لِلسَّيْرِ إلى بِلادِ المَلِكِ. فَأخَذُوا في المَسِيرِ. فَعارَضَهم أهْلُوهُمْ، وأصْحابُهُمْ، وعَشائِرُهم مِنَ القاعِدِينَ. وعارَضَهم إلْفُهم مَساكِنَهم ودُورَهم وبَساتِينَهم. فَجَعَلُوا يُقَدِّمُونَ رِجْلًا ويُؤَخِّرُونَ أُخْرى. فَإذا تَذَكَّرُوا طِيبَ بِلادِ المَلِكِ وما فِيها مِن سَلْوَةِ العَيْشِ: تَقَدَّمُوا نَحْوَها. وإذا عارَضَهم ما ألِفُوهُ واعْتادُوهُ مِن ظِلالِ بِلادِهِمْ وعَيْشِها، وصُحْبَةِ أهْلِهِمْ وأصْحابِهِمْ: تَأخَّرُوا عَنِ المَسِيرِ، والتَفَتُوا إلَيْهِمْ. فَهم دائِمًا بَيْنَ الدّاعِيَيْنِ والجاذِبَيْنِ، إلى أنْ يَغْلِبَ أحَدُهُما ويَقْوى عَلى الآخَرِ. فَيَصِيرُونَ إلَيْهِ. والطّائِفَةُ الثّالِثَةُ: رَكِبَتْ ظُهُورَ عَزائِمِها، ورَأتْ أنَّ بِلادَ المَلِكِ أوْلى بِها. فَوَطَّنَتْ أنْفُسَها عَلى قَصْدِها. ولَمْ يَثْنِها لَوْمُ اللُّوّامِ. لَكِنْ في سَيْرِها بُطْءٌ بِحَسَبِ ضَعْفِ ما كُشِفَ لَها مِن أحْوالِ تِلْكَ البِلادِ وحالِ المَلِكِ. والطّائِفَةُ الرّابِعَةُ: جَدَّتْ في السَّيْرِ وواصَلَتْهُ. فَسارَتْ سَيْرًا حَثِيثًا. فَهم كَما قِيلَ: ؎وَرَكْبٍ سَرَوْا واللَّيْلُ مُرْخٍ سُدُولَهُ ∗∗∗ عَلى كُلِّ مُغْبَرِّ المَطالِعِ قاتِمِ ؎حَدَوْا عَزَماتٍ ضاعَتِ الأرْضُ بَيْنَها ∗∗∗ فَصارَ سُراهم في ظُهُورِ العَزائِمِ ؎تُرِيهِمْ نُجُومُ اللَّيْلِ ما يَطْلُبُونَهُ ∗∗∗ عَلى عاتِقِ الشِّعْرى وهامِ النَّعائِمِ فَهَؤُلاءِ هِمَمُهم مَصْرُوفَةٌ إلى السَّيْرِ. وقُواهم مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَثْنِيَةٍ مِنهم إلى المَقْصُودِ الأعْظَمِ، والغايَةِ العُلْيا. والطّائِفَةُ الخامِسَةُ: أخَذُوا في الجِدِّ في المَسِيرِ. وهِمَّتُهم مُتَعَلِّقَةٌ بِالغايَةِ، فَهم في سَيْرِهِمْ ناظِرُونَ إلى المَقْصُودِ بِالمَسِيرِ. فَكَأنَّهم يُشاهِدُونَهُ مِن بُعْدٍ، وهو يَدْعُوهم إلى نَفْسِهِ وإلى بِلادِهِ. فَهم عامِلُونَ عَلى هَذا الشّاهِدِ الَّذِي قامَ بِقُلُوبِهِمْ. وَعَمَلُ كُلِّ أحَدٍ مِنهم عَلى قَدْرِ شاهِدِهِ. فَمَن شاهَدَ المَقْصُودَ بِالعَمَلِ في عِلْمِهِ كانَ نُصْحُهُ فِيهِ، وإخْلاصُهُ وتَحْسِينُهُ، وبَذْلُ الجُهْدِ فِيهِ أتَمَّ مِمَّنْ لَمْ يُشاهِدْهُ ولَمْ يُلاحِظْهُ. ولَمْ يَجِدْ مِن مَسِّ التَّعَبِ والنَّصَبِ ما يَجِدُهُ الغائِبُ، والوُجُودُ شاهِدٌ بِذَلِكَ. فَمَن عَمِلَ عَمَلًا لِمَلِكٍ بِحَضْرَتِهِ، وهو يُشاهِدُهُ: لَيْسَ حالُهُ كَحالِ مَن عَمِلَ في غَيْبَتِهِ وبُعْدِهِ عَنْهُ، وهو غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ وُصُولَهُ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ " ويُصَحِّحُ هِمَّةَ القاصِدِ " أيْ ويُصَحِّحُ لَهُ صَفاءُ هَذا العِلْمِ هِمَّتَهُ، ومَتى صَحَّتِ الهِمَّةُ عَلَتْ وارْتَفَعَتْ. فَإنَّ سُقُوطَها ودَناءَتَها مِن عِلَّتِها وسَقَمِها، وإلّا فَهي كالنّارِ تَطْلُبُ الصُّعُودَ والِارْتِفاعَ ما لَمْ تُمْنَعْ. وَأعْلى الهِمَمِ: هِمَّةٌ اتَّصَلَتْ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ طَلَبًا وقَصْدًا. وأوْصَلَتِ الخَلْقَ إلَيْهِ دَعْوَةً ونُصْحًا. وهَذِهِ هِمَّةُ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ. وصِحَّتُها: بِتَمْيِيزِها مِنِ انْقِسامِ طَلَبِها وانْقِسامِ مَطْلُوبِها وانْقِسامِ طَرِيقِها. بَلْ تَوَحَّدَ مَطْلُوبُها بِالإخْلاصِ، وطَلَبُها بِالصِّدْقِ، وطَرِيقُها بِالسُّلُوكِ خَلْفَ الدَّلِيلِ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ دَلِيلًا. لا مَن نَصَبَهُ هو دَلِيلًا لِنَفْسِهِ. وَلِلَّهِ الهِمَمُ! ما أعْجَبَ شَأْنَها، وأشَدَّ تَفاوُتَها. فَهِمَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَن فَوْقَ العَرْشِ. وهِمَّةٌ حائِمَةٌ حَوْلَ الأنْتانِ والحُشِّ. والعامَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يُحْسِنُهُ. والخاصَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ المَرْءِ ما يَطْلُبُهُ. وخاصَّةُ الخاصَّةِ تَقُولُ: هِمَّةُ المَرْءِ إلى مَطْلُوبِهِ. وَإذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ مَراتِبَ الهِمَمِ، فانْظُرْ إلى هِمَّةِ «رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأسْلَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلْنِي - فَقالَ: أسْألُكَ مُرافَقَتَكَ في الجَنَّةِ». وكانَ غَيْرُهُ يَسْألُهُ ما يَمْلَأُ بَطْنَهُ، أوْ يُوارِي جِلْدَهُ. وانْظُرْ إلى هِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ مَفاتِيحُ كُنُوزِ الأرْضِ - فَأباها. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ أخَذَها لِأنْفَقَها في طاعَةِ رَبِّهِ تَعالى. فَأبَتْ لَهُ تِلْكَ الهِمَّةُ العالِيَةُ: أنْ يَتَعَلَّقَ مِنها بِشَيْءٍ مِمّا سِوى اللَّهِ ومَحابِّهِ. وعُرِضَ عَلَيْهِ أنْ يَتَصَرَّفَ بِالمُلْكِ، فَأباهُ. واخْتارَ التَّصَرُّفَ بِالعُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ. فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، خالِقُ هَذِهِ الهِمَّةِ، وخالِقُ نَفْسٍ تَحْمِلُها، وخالِقُ هِمَمٍ لا تَعْدُو هِمَمَ أخَسِّ الحَيَواناتِ. [فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ صَفاءُ حالٍ يُشاهَدُ بِهِ شَواهِدُ التَّحْقِيقِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: صَفاءُ حالٍ، يُشاهَدُ بِهِ شَواهِدُ التَّحْقِيقِ. ويُذاقُ بِهِ حَلاوَةُ المُناجاةِ. ويُنْسى بِهِ الكَوْنُ. هَذِهِ الدَّرَجَةُ إنَّما كانَتْ أعْلى مِمّا قَبْلَها لِأنَّها هِمَّةُ حالٍ. والحالُ ثَمَرَةُ العِلْمِ، ولا يَصْفُو حالٌ إلّا بِصَفاءِ العِلْمِ المُثْمِرِ لَهُ. وعَلى حَسَبِ شَوْبِ العِلْمِ يَكُونُ شَوْبُ الحالِ. وإذا صَفا الحالُ: شاهَدَ العَبْدُ - بِصَفائِهِ - آثارَ الحَقائِقِ. وهي الشَّواهِدُ فِيهِ، وفي غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ، وعَلى غَيْرِهِ. ووَجَدَ حَلاوَةَ المُناجاةِ. وإذا تَمَكَّنَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ: نَسِيَ الكَوْنَ وما فِيهِ مِنَ المُكَوِّناتِ. وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ تَخْتَصُّ بِصَفاءِ الحالِ كَما اخْتَصَّتِ الأُولى بِصَفاءِ العِلْمِ. والحالُ هو تَكَيُّفُ القَلْبِ وانْصِباغُهُ بِحُكْمِ الوارِداتِ عَلى اخْتِلافِها، والحالُ يَدْعُو صاحِبَهُ إلى المَقامِ الَّذِي جاءَ مِنهُ الوارِدُ، كَما تَدْعُوهُ رائِحَةُ البُسْتانِ الطَّيِّبَةُ إلى دُخُولِهِ والمَقامِ فِيهِ. فَإذا كانَ الوارِدُ مِن حَضْرَةٍ صَحِيحَةٍ - وهي حَضْرَةُ الحَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ، لا الحَقِيقَةِ الخَيالِيَّةِ الذِّهْنِيَّةِ - شاهَدَ السّالِكُ بِصَفائِهِ شَواهِدَ التَّحْقِيقِ، وهي عَلاماتُهُ: والتَّحْقِيقُ هو حُكْمُ الحَقِيقَةِ، وتَأثُّرُ القَلْبِ والرُّوحِ بِها، والحَقِيقَةُ ما تَعَلَّقَ بِالحَقِّ المُبِينِ سُبْحانَهُ. فاللَّهُ هو الحَقُّ. والحَقِيقَةُ ما نُسِبَ إلَيْهِ وتَعَلَّقَ بِهِ. والتَّحْقِيقُ تَأثُّرُ القَلْبِ بِآثارِ الحَقِيقَةِ. ولِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةٌ، ولِكُلِّ حَقِيقَةٍ تَحْقِيقٌ يَقُومُ بِمُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ. قَوْلُهُ " ويُذاقُ بِهِ حَلاوَةُ المُناجاةِ " المُناجاةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ النَّجْوى. وهو الخِطابُ في سِرِّ العَبْدِ وباطِنِهِ. والشَّيْخُ ذَكَرَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ. أحَدُها: مُشاهَدَةُ شَواهِدِ التَّحْقِيقِ. الثّانِي: ذَوْقُ حَلاوَةَ المُناجاةِ. فَإنَّهُ مَتى صَفا لَهُ حالُهُ مِنَ الشَّوائِبِ، خَلُصَتْ لَهُ حَلاوَتُهُ مِن مَرارَةِ الأكْدارِ. فَذاقَ تِلْكَ الحَلاوَةَ في حالِ مُناجاتِهِ. فَلَوْ كانَ الحالُ مَشُوبًا مُكَدَّرًا لَمْ يَجِدْ حَلاوَةَ المُناجاةِ. والحالُ المُسْتَنِدَةُ إلى وارِدٍ تُذاقُ بِهِ حَلاوَةُ المُناجاةِ: هو مِن حَضْرَةِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، بِحَسَبِ ما يُصادِفُ القَلْبَ مِن ظُهُورِها وكَشْفِ مَعانِيها. فَمَن ظَهَرَ لَهُ اسْمُ الوَدُودِ - مَثَلًا - وكُشِفَ لَهُ عَنْ مَعانِي هَذا الِاسْمِ، ولُطْفِهِ، وتَعَلُّقِهِ بِظاهِرِ العَبْدِ وباطِنِهِ: كانَ الحالُ الحاصِلُ لَهُ مِن حَضْرَةِ هَذا الِاسْمِ مُناسِبًا لَهُ. فَكانَ حالَ اشْتِغالِ حُبٍّ وشَوْقٍ، ولَذَّةِ مُناجاةٍ، لا أحْلى مِنها ولا أطْيَبَ، بِحَسَبِ اسْتِغْراقِهِ في شُهُودِ مَعْنى هَذا الِاسْمِ. وحَظِّهِ مِن أثَرِهِ. فَإنَّ الوَدُودَ - وإنْ كانَ بِمَعْنى المَوْدُودِ، كَما قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: الوَدُودُ الحَبِيبُ - واسْتِغْراقُ العَبْدِ في مُطالَعَةِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي تَدْعُو العَبْدَ إلى حُبِّ المَوْصُوفِ بِها: أثْمَرَ لَهُ صَفاءَ عِلْمِهِ بِها، وصَفاءَ حالِهِ في تَعَبُّدِهِ بِمُقْتَضاها: ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وغَيْرِها. وَكَذَلِكَ إنْ كانَ اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى الوادِّ وهو المُحِبُّ: أثْمَرَتْ لَهُ مُطالَعَةُ ذَلِكَ حالًا تُناسِبُهُ. فَإنَّهُ إذا شاهَدَ بِقَلْبِهِ غَنِيًّا كَرِيمًا جَوادًا، عَزِيزًا قادِرًا، كُلُّ أحَدٍ مُحْتاجٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ. وهو غَنِيٌّ بِالذّاتِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ. وهو - مَعَ ذَلِكَ - يَوَدُّ عِبادَهُ ويُحِبُّهُمْ، ويَتَوَدَّدُ إلَيْهِمْ بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ وتَفَضُّلِهِ عَلَيْهِمْ -: كانَ لَهُ مِن هَذا الشُّهُودِ حالَةٌ صافِيَةٌ خالِصَةٌ مِنَ الشَّوائِبِ. وَكَذَلِكَ سائِرُ الأسْماءِ والصِّفاتِ. فَصَفاءُ الحالِ بِحَسَبِ صَفاءِ المَعْرِفَةِ بِها وخُلُوصِها مِن دَمِ التَّعْطِيلِ وفَرْثِ التَّمْثِيلِ. فَتَخْرُجُ المَعْرِفَةُ مِن بَيْنِ ذَلِكَ فِطْرَةً خالِصَةً سائِغَةً لِلْعارِفِينَ. كَما يَخْرُجُ اللَّبَنُ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ. والأمْرُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ " ويُنْسى بِهِ الكَوْنُ " أيْ يُنْسى الكَوْنُ بِما يَغْلِبُ عَلى قَلْبِهِ مِنِ اشْتِغالِهِ بِهَذِهِ الحالِ المَذْكُورَةِ. والمُرادُ بِالكَوْنِ: المَخْلُوقاتُ. أيْ يَشْتَغِلُ بِالحَقِّ عَنِ الخَلْقِ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ صَفاءُ اتِّصالٍ] فَصْلٌ قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: صَفاءُ اتِّصالٍ. يُدْرِجُ حَظَّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. ويُغْرِقُ نِهاياتِ الخَبَرِ في بِداياتِ العِيانِ، ويَطْوِي خِسَّةَ التَّكالِيفِ في عَيْنِ الأزَلِ. فِي هَذا اللَّفْظِ قَلَقٌ وسُوءُ تَعْبِيرٍ. يَجْبُرُهُ حُسْنُ حالِ صاحِبِهِ وصِدْقُهُ، وتَعْظِيمُهُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ. ولَكِنْ أبى اللَّهُ أنْ يَكُونَ الكَمالُ إلّا لَهُ. ولا رَيْبَ أنَّ بَيْنَ أرْبابِ الأحْوالِ وبَيْنَ أصْحابِ التَّمَكُّنِ تَفاوُتًا عَظِيمًا. وانْظُرْ إلى غَلَبَةِ الحالِ عَلى الكَلِيمِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا شاهَدَ آثارَ التَّجَلِّي الإلَهِيِّ عَلى الجَبَلِ، كَيْفَ خَرَّ صَعِقًا؟ وصاحِبُ التَّمَكُّنِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ورَأى ما رَأى: لَمْ يُصْعَقْ ولَمْ يَخِرَّ، بَلْ ثَبَتَ فُؤادُهُ وبَصَرُهُ. وَمُرادُ القَوْمِ بِالِاتِّصالِ والوُصُولِ: اتِّصالُ العَبْدِ بِرَبِّهِ، ووُصُولُهُ إلَيْهِ. لا بِمَعْنى اتِّصالِ ذاتِ العَبْدِ بِذاتِ الرَّبِّ، كَما تَتَّصِلُ الذّاتانِ إحْداهُما بِالأُخْرى. ولا بِمَعْنى انْضِمامِ إحْدى الذّاتَيْنِ إلى الأُخْرى والتِصاقِها بِها. وإنَّما مُرادُهم بِالِاتِّصالِ والوُصُولِ: إزالَةُ النَّفْسِ والخَلْقِ مِن طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ. ولا تَتَوَهَّمْ سِوى ذَلِكَ. فَإنَّهُ عَيْنُ المُحالِ. فَإنَّ السّالِكَ لا يَزالُ سائِرًا إلى اللَّهِ تَعالى حَتّى يَمُوتَ. فَلا يَنْقَطِعُ سَيْرُهُ إلّا بِالمَوْتِ. فَلَيْسَ في هَذِهِ الحَياةِ وُصُولٌ يَفْرَغُ مَعَهُ السِّرُّ ويَنْتَهِي. ولَيْسَ ثَمَّ اتِّصالٌ حِسِّيٌّ بَيْنَ ذاتِ العَبْدِ وذاتِ الرَّبِّ. فالأوَّلُ: تَعْطِيلٌ وإلْحادٌ. والثّانِي: حُلُولٌ واتِّحادٌ. وإنَّما حَقِيقَةُ الأمْرِ: تَنْحِيَةُ النَّفْسِ والخَلْقِ عَنِ الطَّرِيقِ. فَإنَّ الوُقُوفَ مَعَهُما: هو الِانْقِطاعُ. وتَنْحِيَتَهُما هو الِاتِّصالُ. وَأمّا المَلاحِدَةُ القائِلُونَ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ، فَإنَّهم قالُوا: العَبْدُ مِن أفْعالِ اللَّهِ، وأفْعالُهُ مِن صِفاتِهِ. وصِفاتُهُ مِن ذاتِهِ. فَأنْتَجَ لَهم هَذا التَّرْكِيبُ: أنَّ العَبْدَ مِن ذاتِ الرَّبِّ. تَعالى اللَّهُ وتَقَدَّسَ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَمَوْضِعُ الغَلَطِ: أنَّ العَبْدَ مِن مَفْعُولاتِ الرَّبِّ تَعالى، لا مِن أفْعالِهِ القائِمَةِ بِذاتِهِ. ومَفْعُولاتُهُ آثارُ أفْعالِهِ. وأفْعالُهُ مِن صِفاتِهِ القائِمَةِ بِذاتِهِ، فَذاتُهُ سُبْحانَهُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. ومَفْعُولاتُهُ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ، تِلْكَ مَخْلُوقَةٌ مُحْدَثَةٌ. والرَّبُّ تَعالى هو الخالِقُ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. فَإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ والألْفاظَ المُجْمَلَةَ المُشْتَبِهَةَ الَّتِي وقَعَ اصْطِلاحُ القَوْمِ عَلَيْها. فَإنَّها أصْلُ البَلاءِ. وهي مَوْرِدُ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ. فَإذا سَمِعَ الضَّعِيفُ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى لَفْظَ " اتِّصالٍ وانْفِصالٍ، ومُسامَرَةٍ، ومُكالَمَةٍ، وأنَّهُ لا وُجُودَ في الحَقِيقَةِ إلّا وُجُودُ اللَّهِ، وأنَّ وُجُودَ الكائِناتِ خَيالٌ ووَهْمٌ، وهو بِمَنزِلَةِ وُجُودِ الظِّلِّ القائِمِ بِغَيْرِهِ " فاسْمَعْ مِنهُ ما يَمْلَأُ الآذانَ مِن حُلُولٍ واتِّحادٍ وشَطَحاتٍ. والعارِفُونَ مِنَ القَوْمِ أطْلَقُوا هَذِهِ الألْفاظَ ونَحْوَها، وأرادُوا بِها مَعانِيَ صَحِيحَةً في أنْفُسِها. فَغَلِطَ الغالِطُونَ في فَهْمِ ما أرادُوهُ. ونَسَبُوهم إلى إلْحادِهِمْ وكُفْرِهِمْ. واتَّخَذُوا كَلِماتِهِمُ المُتَشابِهَةَ تُرْسًا لَهُ وجُنَّةً، حَتّى قالَ قائِلُهُمْ: ؎وَمِنكَ بَدا حُبٌّ بِعِزٍّ تَمازَجا ∗∗∗ بِنا ووِصالًا كُنْتَ أنْتَ وصَلْتَهُ ؎ظَهَرْتَ لِمَن أبْقَيْتَ بَعْدَ فَنائِهِ ∗∗∗ وكانَ بِلا كَوْنٍ لِأنَّكَ كُنْتَهُ فَيَسْمَعُ الغِرُّ " التَّمازُجَ والوِصالَ " فَيَظُنُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسُ كَوْنِ العَبْدِ. فَلا يَشُكُّ أنَّ هَذا هو غايَةُ التَّحْقِيقِ، ونِهايَةُ الطَّرِيقِ. ثُمَّ لِنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ. قَوْلُهُ: يُدْرِجُ حَظَّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. المَعْنى الصَّحِيحُ، الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ: أنَّ مَن تَمَكَّنَ في قَلْبِهِ شُهُودُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، وصَفا لَهُ عِلْمُهُ وحالُهُ: انْدَرَجَ عَمَلُهُ جَمِيعُهُ وأضْعافُهُ وأضْعافُ أضْعافِهِ في حَقِّ رَبِّهِ تَعالى ورَآهُ في جَنْبِ حَقِّهِ أقَلَّ مِن خَرْدَلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبالِ الدُّنْيا. فَسَقَطَ مِن قَلْبِهِ اقْتِضاءُ حَظِّهِ مِنَ المُجازاةِ عَلَيْهِ. لِاحْتِقارِهِ لَهُ، وقِلَّتِهِ عِنْدَهُ، وصِغَرِهِ في عَيْنِهِ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا هاشِمُ بْنُ القاسِمِ حَدَّثَنا صالِحٌ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ عَنْ أبِي الجِلْدِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى داوُدَ: يا داوُدَ، أنْذِرْ عِبادِيَ الصّادِقِينَ. فَلا يُعْجِبُنَّ بِأنْفُسِهِمْ، ولا يَتَّكِلُنَّ عَلى أعْمالِهِمْ. فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن عِبادِي أنْصِبُهُ لِلْحِسابِ، وأُقِيمُ عَلَيْهِ عَدْلِي إلّا عَذَّبْتَهُ، مِن غَيْرِ أنْ أظْلِمَهُ. وبَشِّرْ عِبادِيَ الخَطّائِينَ: أنَّهُ لا يَتَعاظَمُنِي ذَنْبٌ أنْ أغْفِرَهُ وأتَجاوَزَ عَنْهُ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: وحَدَّثَنا سَيّارٌ حَدَّثَنا جَعْفَرٌ حَدَّثَنا ثابِتٌ البُنانِيُّ قالَ: تَعَبَّدَ رَجُلٌ سَبْعِينَ سَنَةً. وكانَ يَقُولُ في دُعائِهِ: رَبِّ اجْزِنِي بِعَمَلِي. فَماتَ فَأُدْخِلَ الجَنَّةَ. فَكانَ فِيها سَبْعِينَ عامًا. فَلَمّا فَرَغَ وقْتُهُ، قِيلَ لَهُ: اخْرُجْ، فَقَدِ اسْتَوْفَيْتَ عَمَلَكَ، فَقَلَّبَ أمْرَهُ: أيُّ شَيْءٍ كانَ في الدُّنْيا أوْثَقَ في نَفْسِهِ؟ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا أوْثَقَ في نَفْسِهِ مِن دُعاءِ اللَّهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ. فَأقْبَلَ يَقُولُ في دُعائِهِ: رَبِّ سَمِعْتُكَ - وأنا في الدُّنْيا - وأنْتَ تُقِيلُ العَثَراتِ. فَأقِلِ اليَوْمَ عَثْرَتِي. فَتُرِكَ في الجَنَّةِ. وَقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنا هاشِمٌ حَدَّثَنا صالِحٌ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ عَنْ أبِي الجِلْدِ قالَ: قالَ مُوسى: إلَهِي، كَيْفَ أشْكُرُكَ، وأصْغَرُ نِعْمَةٍ وضَعْتَها عِنْدِي مِن نِعْمَتِكَ لا يُجازِيها عَمَلِي كُلُّهُ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا مُوسى، الآنَ شَكَرْتَنِي. فَهَذا المَعْنى الصَّحِيحُ مِنِ انْدِراجِ حَظِّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. وَلَهُ مَحْمَلٌ آخَرُ صَحِيحٌ أيْضًا، وهو أنَّ ذاتَ العَبْدِ وصِفاتِهِ وأفْعالَهُ وقُواهُ وحَرَكاتِهِ: كُلَّها مَفْعُولَةٌ لِلرَّبِّ، مَمْلُوكَةٌ لَهُ، لَيْسَ يَمْلِكُ العَبْدُ مِنها شَيْئًا. بَلْ هو مَحْضُ مُلْكِ اللَّهِ. فَهو المالِكُ لَها، المُنْعِمُ عَلى عَبْدِهِ بِإعْطائِهِ إيّاها. فالمالُ مالُهُ. والعَبْدُ عَبْدُهُ. والخِدْمَةُ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. وهي مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ. فالفَضْلُ كُلُّهُ لِلَّهِ، ومِنَ اللَّهِ، وبِاللَّهِ. قَوْلُهُ " ويَعْرِفُ نِهاياتِ الخَبَرِ في بِداياتِ العِيانِ " الخَبَرُ: مُتَعَلَّقُ الغَيْبِ. والعِيانُ مُتَعَلَّقُ الشَّهادَةِ. وهو إدْراكُ عَيْنِ البَصِيرَةِ لِصِحَّةِ الخَبَرِ، وثُبُوتِ مَخْبَرِهِ. وَمُرادُهُ بِ " بِداياتِ العِيانِ " أوائِلُ الكَشْفِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ إلى مَقامِ الفَناءِ. ومَقْصُودُهُ: أنْ يَرى الشّاهِدُ ما أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ بِقَلْبِهِ عِيانًا. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] وقالَ تَعالى ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] فَقَدْ قالَ: أفَمَن رَأى بِعَيْنِ قَلْبِهِ أنَّ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ هو الحَقُّ كَمَن هو أعْمى لا يُبْصِرُ ذَلِكَ؟ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَقامِ الإحْسانِ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» ولا رَيْبَ أنَّ تَصْدِيقَ الخَبَرِ واليَقِينَ بِهِ يُقَوِّي القَلْبَ، حَتّى يَصِيرَ الغَيْبُ بِمَنزِلَةِ المُشاهَدِ بِالعَيْنِ. فَصاحِبُ هَذا المَقامِ: كَأنَّهُ يَرى رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، مُطَّلِعًا عَلى عِبادِهِ ناظِرًا إلَيْهِمْ، يَسْمَعُ كَلامَهم. ويَرى ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم. وَكَأنَّهُ يَسْمَعُهُ وهو يَتَكَلَّمُ بِالوَحْيِ. ويُكَلِّمُ بِهِ عَبْدَهُ جِبْرِيلَ، ويَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ بِما يُرِيدُ، ويُدَبِّرُ أمْرَ المَمْلَكَةِ. وأمْلاكُهُ صاعِدَةٌ إلَيْهِ بِالأمْرِ، نازِلَةٌ مِن عِنْدِهِ بِهِ. وَكَأنَّهُ يُشاهِدُهُ، وهو يَرْضى ويَغْضَبُ، ويُحِبُّ ويُبْغِضُ، ويُعْطِي ويَمْنَعُ، ويَضْحَكُ ويَفْرَحُ، ويُثْنِي عَلى أوْلِيائِهِ بَيْنَ مَلائِكَتِهِ، ويَذُمُّ أعْداءَهُ. وَكَأنَّهُ يُشاهِدُهُ ويُشاهِدُ يَدَيْهِ الكَرِيمَتَيْنِ، وقَدْ قَبَضَتْ إحْداهُما السَّماواتِ السَّبْعَ، والأُخْرى الأرَضِينَ السَّبْعَ. وقَدْ طَوى السَّماواتِ السَّبْعَ بِيَمِينِهِ، كَما يُطْوى السِّجِلُّ عَلى أسْطُرِ الكِتابِ. وَكَأنَّهُ يُشاهِدُهُ، وقَدْ جاءَ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ عِبادِهِ. فَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِهِ. وَنادى - وهو مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ - بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَن بَعُدَ كَما يَسْمَعُهُ مَن قَرُبَ " وعِزَّتِي وجَلالِي: " «لا يُجاوِزُنِي اليَوْمَ ظُلْمُ ظالِمٍ» ". وَكَأنَّهُ يُسْمِعُ نِداءَهُ لِآدَمَ " «يا آدَمُ، قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ» " بِإذْنِهِ الآنَ، وكَذَلِكَ نِداؤُهُ لِأهْلِ المَوْقِفِ ﴿ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] وماذا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ وَبِالجُمْلَةِ: فَيُشاهِدُ بِقَلْبِهِ رَبًّا عَرَّفَتْ بِهِ الرُّسُلُ، كَما عَرَّفَتْ بِهِ الكُتُبُ، ودِينًا دَعَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ. وحَقائِقَ أخْبَرَتْ بِها الرُّسُلُ. فَقامَ شاهِدُ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ كَما قامَ شاهِدُ ما أخْبَرَ بِهِ أهْلُ التَّواتُرِ - وإنْ لَمْ يَرَهُ - مِنَ البِلادِ والوَقائِعِ. فَهَذا إيمانُهُ يَجْرِي مَجْرى العِيانِ، وإيمانُ غَيْرِهِ فَمَحْضُ تَقْلِيدِ العُمْيانِ. قَوْلُهُ " ويَطْوِي خِسَّةَ التَّكالِيفِ " لَيْتَ الشَّيْخَ عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِغَيْرِها. فَواللَّهِ إنَّها لَأقْبَحُ مِن شَوْكَةٍ في العَيْنِ، وشَجًى في الحَلْقِ. وحاشا التَّكالِيفَ أنْ تُوصَفَ بِخِسَّةٍ، أوْ تَلْحَقَها خِسَّةٌ. وإنَّما هي قُرَّةُ عَيْنٍ، وسُرُورُ قَلْبٍ، وحَياةُ رُوحٍ. صَدَرَ التَّكْلِيفُ بِها عَنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. فَهي أشْرَفُ ما وصَلَ إلى العَبْدِ مِن رَبِّهِ، وثَوابُهُ عَلَيْها أشْرَفُ ما أعْطاهُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ. نَعَمْ لَوْ قالَ: يَطْوِي ثِقَلَ التَّكالِيفِ ويُخَفِّفُ أعْباءَها ونَحْوَ ذَلِكَ. فَلَعَلَّهُ كانَ أوْلى، ولَوْلا مَقامُهُ في الإيمانِ والمَعْرِفَةِ والقِيامِ بِالأوامِرِ لَكُنّا نُسِيءُ بِهِ الظَّنَّ. والَّذِي يَحْتَمِلُ أنْ يُصَرَّفَ كَلامُهُ إلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّفاءَ - المَذْكُورَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ - لَمّا انْطَوَتْ في حُكْمِهِ الوَسائِطُ والأسْبابُ. وانْدَرَجَ فِيهِ حَظُّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ: انْطَوَتْ فِيهِ رُؤْيَةُ كَوْنِ العِبادَةِ تَكْلِيفًا. فَإنَّ رُؤْيَتَها تَكْلِيفًا خِسَّةٌ مِنَ الرّائِي. لِأنَّهُ رَآها بِعَيْنِ أنَفَتِهِ وقِيامِهِ بِها. ولَمْ يَرَها بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ. فَإنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلى مَقامِ " فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي " ولَوْ وصَلَ إلى ذَلِكَ لَرَآها بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، ولا خِسَّةَ فِيها هُناكَ ألْبَتَّةَ. فَإنَّ نَظَرَهُ قَدْ تَعَدّى مِن قِيامِهِ بِها إلى قِيامِها بِالقَيُّومِ الَّذِي قامَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ. فَكانَ لَها وجْهانِ. أحَدُهُما: هي بِهِ خَسِيسَةٌ. وهو وجْهُ قِيامِها بِالعَبْدِ، وصُدُورِها مِنهُ. والثّانِي: هي بِهِ شَرِيفَةٌ. وهو وجْهُ كَوْنِها بِالرَّبِّ تَعالى وأوَّلِيَّتِهِ، أمْرًا وتَكْوِينًا وإعانَةً. فالصَّفاءُ يَطْوِيها مِن ذَلِكَ الوَجْهِ خاصَّةً. والمَعْنى الثّانِي، الَّذِي يَحْتَمِلُهُ كَلامُهُ: أنْ يَكُونَ مُرادُهُ: أنَّ الصَّفاءَ يَشْهَدُهُ عَيْنُ الأزَلِ، وسَبْقُ الرَّبِّ تَعالى، وأوَّلِيَّتُهُ لِكُلِّ شَيْءٍ. فَتَنْطَوِي في هَذا المَشْهَدِ أعْمالُهُ الَّتِي عَمِلَها. ويَراها خَسِيسَةً جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْنِ الأزَلِ. فَكَأنَّهُ قالَ: تَنْطَوِي أعْمالُهُ، وتَصِيرُ - بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ العَيْنِ - خَسِيسَةً جِدًّا لا تُذْكَرُ. بَلْ تَكُونُ في عَيْنِ الأزَلِ هَباءً مَنثُورًا، لا حاصِلَ لَها. فَإنَّ الوَقْتَ الَّذِي هو ظَرْفُ التَّكْلِيفِ يَتَلاشى جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى الأزَلِ. وهو وقْتٌ خَسِيسٌ حَقِيرٌ، حَتّى كَأنَّهُ لا حاصِلَ لَهُ. ولا نِسْبَةَ لَهُ إلى الأزَلِ والأبَدِ في مِقْدارِ الأعْمالِ الواقِعَةِ فِيهِ. وهي يَسِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي هو يَسِيرٌ جِدًّا. بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ الزَّمانِ الَّذِي هو يَسِيرٌ جِدًّا. بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْنِ الأزَلِ. فَهَذا أقْرَبُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلامُهُ مَعَ قَلَقِهِ. وقَدِ اعْتَراهُ فِيهِ سُوءُ تَعْبِيرٍ. وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْها الخِسَّةَ لِقِلَّتِها وخِفَّتِها. بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ المُكَلِّفِ بِها سُبْحانَهُ. وما يَسْتَحِقُّهُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.

ص 38:47

فالأيدي: القوى والعزائم في ذات الله، والأبصار: البصائر في أمر الله. وعبارات السلف تدور على ذلك. قال ابن عباس "أولي القوة في طاعة الله، والمعرفة بالله". وقال الكلبى "أولي القوة في العبادة، والبصر فيها". وقال مجاهد "الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر في الحق". وقال سعيد بن جبير "الأيدي: القوة في العمل، والأبصار: بصرهم بما هم فيه من دينهم". وقد جاء في حديث مرسل "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات". فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة. والله المستعان. قوله تعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ أيْ: خَصَصْناهم بِخِصِّيصَةٍ، وهو الذِّكْرُ الجَمِيلُ الَّذِي يُذْكَرُونَ بِهِ في هَذِهِ الدّارِ، وهو لِسانُ الصِّدْقِ الَّذِي سَألَهُ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. وَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ وعَنْ بَنِيهِ: ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]. وَقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]. فَأتْباعُ الرُّسُلِ لَهم نَصِيبٌ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ مِيراثِهِمْ مِن طاعَتِهِمْ ومُتابَعَتِهِمْ، وكُلُّ مَن خالَفَهم فَإنَّهُ بَعِيدٌ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ مُخالَفَتِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ. وقال في (طريق الهجرتين) فهذه الآية يخبر فيها سبحانه عما أخلص له أنبياؤه ورسله من اختصاصهم بالآخرة، وفيها قولان: أحدهما أن المعنى نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وإيثارها والعمل بها. والقول الثاني: إنا أخلصناهم بأفضل ما في الدار الآخرة واختصصناهم به عن العالمين. [فَصْلٌ: المَعاصِي تُعْمِي القَلْبَ] وَمِن عُقُوباتِها أنَّها تُعْمِي القَلْبَ، فَإنْ لَمْ تُعْمِهِ أضْعَفَتْ بَصِيرَتَهُ ولابُدَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أنَّها تُضْعِفُهُ ولابُدَّ، فَإذا عَمِيَ القَلْبُ وضَعُفَ، فاتَهُ مِن مَعْرِفَةِ الهُدى وقُوَّتِهِ عَلى تَنْفِيذِهِ في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ، بِحَسَبِ ضَعْفِ بَصِيرَتِهِ وقُوَّتِهِ. فَإنَّ الكَمالَ الإنْسانِيَّ مَدارُهُ عَلى أصْلَيْنِ: مَعْرِفَةِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وإيثارِهِ عَلَيْهِ. وَما تَفاوَتَتْ مَنازِلُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا بِقَدْرِ تَفاوُتِ مَنازِلِهِمْ في هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهُما اللَّذانِ أثْنى اللَّهُ بِهِما سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ بِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ [ص: ٤٥]. فالأيْدِي: القُوَّةُ في تَنْفِيذِ الحَقِّ، والأبْصارُ: البَصائِرُ في الدِّينِ، فَوَصَفَهم بِكَمالِ إدْراكِ الحَقِّ وكَمالِ تَنْفِيذِهِ، وانْقَسَمَ النّاسُ في هَذا المَقامِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، فَهَؤُلاءِ أشْرَفُ الأقْسامِ مِنَ الخَلْقِ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ تَعالى. القِسْمُ الثّانِي: عَكْسُ هَؤُلاءِ، مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ في الدِّينِ، ولا قُوَّةَ عَلى تَنْفِيذِ الحَقِّ، وهم أكْثَرُ هَذا الخَلْقِ، وهُمُ الَّذِينَ رُؤْيَتُهم قَذى العُيُونِ وحُمّى الأرْواحِ وسَقَمُ القُلُوبِ، يُضَيِّقُونَ الدِّيارَ ويُغْلُونَ الأسْعارَ، ولا يُسْتَفادُ مِن صُحْبَتِهِمْ إلّا العارُ والشَّنارُ. القِسْمُ الثّالِثُ: مَن لَهُ بَصِيرَةٌ بِالحَقِّ ومَعْرِفَةٌ بِهِ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لا قُوَّةَ لَهُ عَلى تَنْفِيذِهِ ولا الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وهَذا حالُ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، والمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنهُ. القِسْمُ الرّابِعُ: مَن لَهُ قُوَّةٌ وهِمَّةٌ وعَزِيمَةٌ، لَكِنَّهُ ضَعِيفُ البَصِيرَةِ في الدِّينِ، لا يَكادُ يُمَيِّزُ بَيْنَ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وأوْلِياءِ الشَّيْطانِ، بَلْ يَحْسَبُ كُلَّ سَوْداءَ تَمْرَةً وكُلَّ بَيْضاءَ شَحْمَةً، يَحْسَبُ الوَرَمَ شَحْمًا والدَّواءَ النّافِعَ سُمًّا. وَلَيْسَ في هَؤُلاءِ مَن يَصْلُحُ لِلْإمامَةِ في الدِّينِ، ولا هو مَوْضِعٌ لَها سِوى القِسْمِ الأوَّلِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ بِالصَّبْرِ واليَقِينِ نالُوا الإمامَةَ في الدِّينِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن جُمْلَةِ الخاسِرِينَ، وأقْسَمَ بِالعَصْرِ - الَّذِي هو زَمَنُ سَعْيِ الخاسِرِينَ والرّابِحِينَ - عَلى أنَّ مَن عَداهم فَهو مِنَ الخاسِرِينَ، فَقالَ تَعالى ﴿والعَصْرِ - إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ - إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١-٣]. وَلَمْ يَكْتَفِ مِنهم بِمَعْرِفَةِ الحَقِّ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، حَتّى يُوصِيَ بَعْضُهم بَعْضًا بِهِ ويُرْشِدَهُ إلَيْهِ ويَحُضَّهُ عَلَيْهِ. وَإذا كانَ مَن عَدا هَؤُلاءِ فَهو خاسِرٌ، فَمَعْلُومٌ أنَّ المَعاصِيَ والذُّنُوبَ تُعْمِي بَصِيرَةَ القَلْبِ فَلا يُدْرِكُ الحَقَّ كَما يَنْبَغِي، وتَضْعُفُ قُوَّتُهُ وعَزِيمَتُهُ فَلا يَصْبِرُ عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ يَتَوارَدُ عَلى القَلْبِ حَتّى يَنْعَكِسَ إدْراكُهُ كَما يَنْعَكِسُ سَيْرُهُ، فَيُدْرِكُ الباطِلَ حَقًّا والحَقَّ باطِلًا، والمَعْرُوفَ مُنْكَرًا والمُنْكَرَ مَعْرُوفًا، فَيَنْتَكِسُ في سَيْرِهِ ويَرْجِعُ عَنْ سَفَرِهِ إلى اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، إلى سَفَرِهِ إلى مُسْتَقَرِّ النُّفُوسِ المُبْطِلَةِ الَّتِي رَضِيَتْ بِالحَياةِ الدُّنْيا، واطْمَأنَّتْ بِها، وغَفَلَتْ عَنِ اللَّهِ وآياتِهِ، وتَرَكَتْ الِاسْتِعْدادَ لِلِقائِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في عُقُوبَةِ الذُّنُوبِ إلّا هَذِهِ وحْدَها لَكانَتْ داعِيَةً إلى تَرْكِها والبُعْدِ مِنها، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَهَذا كَما أنَّ الطّاعَةَ تُنَوِّرُ القَلْبَ وتَجْلُوهُ وتَصْقُلُهُ، وتُقَوِّيهِ وتُثَبِّتُهُ حَتّى يَصِيرَ كالمِرْآةِ المَجْلُوَّةِ في جَلائِها وصَفائِها فَيَمْتَلِئَ نُورًا، فَإذا دَنا الشَّيْطانُ مِنهُ أصابَهُ مِن نُورِهِ ما يُصِيبُ مُسْتَرِقَ السَّمْعِ مِنَ الشُّهُبِ الثَّواقِبِ، فالشَّيْطانُ يَفْرَقُ مِن هَذا القَلْبِ أشَدَّ مِن فَرَقِ الذِّئْبِ مِنَ الأسَدِ، حَتّى إنَّ صاحِبَهُ لَيَصْرَعُ الشَّيْطانَ فَيَخِرُّ صَرِيعًا، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما شَأْنُهُ؟ فَيُقالُ: أصابَهُ إنْسِيٌّ، وبِهِ نَظْرَةٌ مِنَ الإنْسِ: ؎فَيا نَظْرَةً مِن قَلْبِ حُرٍّ مُنَوَّرٍ ∗∗∗ يَكادُ لَها الشَّيْطانُ بِالنُّورِ يُحْرَقُ أفَيَسْتَوِي هَذا القَلْبُ وقَلْبٌ مُظْلِمٌ أرْجاؤُهُ، مُخْتَلِفَةٌ أهْواؤُهُ، قَدِ اتَّخَذَهُ الشَّيْطانُ وطَنَهُ وأعَدَّهُ مَسْكَنَهُ، إذا تَصَبَّحَ بِطَلْعَتِهِ حَيّاهُ، وقالَ: فَدَيْتُ مَن لا يُفْلِحُ في دُنْياهُ ولا في أُخْراهُ؟ ؎قَرِينُكَ في الدُّنْيا وفي الحَشْرِ بَعْدَها ∗∗∗ فَأنْتَ قَرِينٌ لِي بِكُلِّ مَكانِ ؎فَإنْ كُنْتَ في دارِ الشَّقاءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ وأنْتَ جَمِيعًا في شَقا وهَوانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ - وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ - حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ - ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٩]. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الصَّفاءِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: بابُ الصَّفاءِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ الصَّفاءُ اسْمٌ لِلْبَراءَةِ مِنَ الكَدَرِ. وهو في هَذا البابِ سُقُوطُ التَّلْوِينِ. أمّا الِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ: فَوَجْهُهُ أنَّ المُصْطَفى مُفْتَعَلٌ مِنَ الصَّفْوَةِ. وَهِيَ خُلاصَةُ الشَّيْءِ، وتَصْفِيَتُهُ مِمّا يَشُوبُهُ. ومِنهُ: اصْطَفى الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ. أيْ خَلَّصَهُ مِن شَوْبِ شَرِكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِيهِ. ومِنهُ الصَّفِيُّ وهو السَّهْمُ الَّذِي كانَ يَصْطَفِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ مِنَ الغَنِيمَةِ. ومِنهُ: الشَّيْءُ الصّافِي. وهو الخالِصُ مِن كَدَرِ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: الصَّفاءُ: اسْمٌ لِلْبَراءَةِ مِنَ الكَدَرِ. البَراءَةُ: هي الخَلاصُ. والكَدَرُ امْتِزاجُ الطَّيِّبِ بِالخَبِيثِ. قَوْلُهُ: وهو في هَذا البابِ: سُقُوطُ التَّلْوِينِ. التَّلْوِينُ هو التَّرَدُّدُ والتَّذَبْذُبُ، كَما قِيلَ: ؎كُلَّ يَوْمٍ تَتَلَوَّنُ ∗∗∗ تَرْكُ هَذا بِكَ أجْمَلُ [دَرَجاتُ الصَّفاءِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى: صَفاءُ عِلْمٍ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: صَفاءُ عِلْمٍ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ. ويُبَصِّرُ غايَةَ الجِدِّ. ويُصَحِّحُ هِمَّةَ القاصِدِ. ذَكَرَ الشَّيْخُ لَهُ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلاثَ فَوائِدَ. الفائِدَةُ الأُولى: عِلْمٌ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ، وهَذا العِلْمُ الصّافِي - الَّذِي أشارَ إلَيْهِ - هو العِلْمُ الَّذِي جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَكانَ الجُنَيْدُ يَقُولُ دائِمًا: عِلْمُنا هَذا مُقَيَّدٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ. فَمَن لَمْ يَحْفَظِ القُرْآنَ، ويَكْتُبِ الحَدِيثَ، ولَمْ يَتَفَقَّهْ: لا يُقْتَدى بِهِ. وَقالَ غَيْرُهُ مِنَ العارِفِينَ: كُلُّ حَقِيقَةٍ لا تَتْبَعُها شَرِيعَةٌ فَهي كُفْرٌ. وَقالَ الجُنَيْدُ: عِلْمُنا هَذا مُتَشَبِّكٌ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: إنَّهُ لَتَمُرُّ بِقَلْبِي النُّكْتَةُ مِن نُكَتِ القَوْمِ. فَلا أقْبَلُها إلّا بِشاهِدَيْ عَدْلٍ، مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقالَ النَّصْرابادِيُّ: أصْلُ هَذا المَذْهَبِ: مُلازَمَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وتَرْكُ الأهْواءِ والبِدَعِ، والِاقْتِداءُ بِالسَّلَفِ، وتَرْكُ ما أحْدَثَهُ الآخَرُونَ. والإقامَةُ عَلى ما سَلَكَهُ الأوَّلُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ ذَلِكَ. فَهَذا العِلْمُ الصّافِي، المُتَلَقّى مِن مِشْكاةِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ: يُهَذِّبُ صاحِبَهُ لِسُلُوكِ طَرِيقِ العُبُودِيَّةِ. وحَقِيقَتُها: التَّأدُّبُ بِآدابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ باطِنًا وظاهِرًا. وتَحْكِيمُهُ باطِنًا وظاهِرًا. والوُقُوفُ مَعَهُ حَيْثُ وقَفَ بِكَ. والمَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سارَ بِكَ. بِحَيْثُ تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ شَيْخِكَ الَّذِي قَدْ ألْقَيْتَ إلَيْهِ أمْرَكَ كُلَّهُ سِرَّهُ وظاهِرَهُ، واقْتَدَيْتَ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِكَ. ووَقَفْتَ مَعَ ما يَأْمُرُكَ بِهِ. فَلا تُخالِفُهُ ألْبَتَّةَ. فَتَجْعَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَكَ شَيْخًا، وإمامًا وقُدْوَةً وحاكِمًا، وتُعَلِّقُ قَلْبَكَ بِقَلْبِهِ الكَرِيمِ، ورُوحانِيَّتَكَ بِرُوحانِيَّتِهِ، كَما يُعَلِّقُ المُرِيدُ رُوحانِيَّتَهُ بِرُوحانِيَّةِ شَيْخِهِ. فَتُجِيبُهُ إذا دَعاكَ. وتَقِفُ مَعَهُ إذا اسْتَوْقَفَكَ. وتَسِيرُ إذا سارَ بِكَ. وتُقِيلُ إذا قالَ، وتَنْزِلُ إذا نَزَلَ. وتَغْضَبُ لِغَضَبِهِ. وتَرْضى لِرِضاهُ. وإذا أخْبَرَكَ عَنْ شَيْءٍ أنْزَلْتَهُ مَنزِلَةَ ما تَراهُ بِعَيْنِكَ. وإذا أخْبَرَكَ عَنِ اللَّهِ بِخَبَرٍ أنْزَلْتَهُ مَنزِلَةَ ما تَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ بِأُذُنِكَ. وَبِالجُمْلَةِ: فَتَجْعَلُ الرَّسُولَ شَيْخَكَ وأُسْتاذَكَ، ومُعَلِّمَكَ ومُرَبِّيكَ ومُؤَدِّبَكَ. وتَسْقُطُ الوَسائِطَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ إلّا في التَّبْلِيغِ. كَما تَسْقُطُ الوَسائِلُ بَيْنَكَ وبَيْنَ المُرْسَلِ في العُبُودِيَّةِ. ولا تَثْبُتُ وساطَةٌ إلّا في وُصُولِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ورِسالَتِهِ إلَيْكَ. وَهَذانَ التَّجْرِيدانِ: هُما حَقِيقَةُ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. واللَّهُ وحْدَهُ هو المَعْبُودُ المَأْلُوهُ، الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ، ورَسُولُهُ: المُطاعُ المُتَّبَعُ، المُهْتَدى بِهِ، الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ الطّاعَةَ سِواهُ. ومَن سِواهُ: فَإنَّما يُطاعُ إذا أمَرَ الرَّسُولُ بِطاعَتِهِ. فَيُطاعُ تَبَعًا لِلْأصْلِ. وَبِالجُمْلَةِ: فالطَّرِيقُ مَسْدُودَةٌ إلّا عَلى مَنِ اقْتَفى آثارَ الرَّسُولِ ﷺ، واقْتَدى بِهِ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ. فَلا يَتَعَنّى السّالِكُ عَلى غَيْرِ هَذا الطَّرِيقِ. فَلَيْسَ حَظُّهُ مِن سُلُوكِهِ إلّا التَّعَبَ، وأعْمالُهُ ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩]. وَلا يَتَعَنّى السّالِكُ عَلى هَذا الطَّرِيقِ. فَإنَّهُ واصِلٌ ولَوْ زَحَفَ زَحْفًا. فَأتْباعُ الرَّسُولِ ﷺ: إذا قَعَدَتْ بِهِمْ أعْمالُهُمْ، قامَتْ بِهِمْ عَزائِمُهم وهِمَمُهم ومُتابَعَتُهم لِنَبِيِّهِمْ. كَما قِيلَ: ؎مَن لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ المُدَلَّلِ ∗∗∗ تَمْشِي رُوَيْدًا وتَجِي في الأوَّلِ والمُنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِهِ، إذا قامَتْ بِهِمْ أعْمالُهم واجْتِهاداتُهُمْ: قَعَدَ بِهِمْ عُدُولُهم عَنْ طَرِيقِهِ. ؎فَهم في السُّرى لَمْ يَبْرَحُوا مِن مَكانِهِمْ ∗∗∗ وما ظَعَنُوا في السَّيْرِ عَنْهُ وقَدْ كَلُّوا قَوْلُهُ " ويُبَصِّرُ غايَةَ الجِدِّ " الجِدُّ: الِاجْتِهادُ والتَّشْمِيرُ، والغايَةُ: النِّهايَةُ. يُرِيدُ: أنَّ صَفاءَ العِلْمِ يَهْدِي صاحِبَهُ إلى الغايَةِ المَقْصُودَةِ بِالِاجْتِهادِ والتَّشْمِيرِ. فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ السّالِكِينَ - بَلْ أكْثَرَهم - سالِكٌ بِجِدِّهِ واجْتِهادِهِ، غَيْرُ مُنْتَبِهٍ إلى المَقْصُودِ. وَأضْرِبُ لَكَ في هَذا مَثَلًا حَسَنًا جِدًّا، وهُوَ: أنَّ قَوْمًا قَدِمُوا مِن بِلادٍ بَعِيدَةٍ عَلَيْهِمْ أثَرُ النَّعِيمِ والبَهْجَةِ، والمَلابِسُ السَّنِيَّةُ، والهَيْئَةُ العَجِيبَةُ. فَعَجِبَ النّاسُ لَهم. فَسَألُوهم عَنْ حالِهِمْ؟ فَقالُوا: بِلادُنا مِن أحْسَنِ البِلادِ. وأجْمَعِها لِسائِرِ أنْواعِ النَّعِيمِ. وأرْخاها، وأكْثَرِها مِياهًا، وأصَحِّها هَواءً، وأكْثَرِها فاكِهَةً، وأعْظَمِها اعْتِدالًا، وأهْلُها كَذَلِكَ أحْسَنُ النّاسِ صُوَرًا وأبْشارًا. ومَعَ هَذا، فَمَلِكُها لا يَنالُهُ الوَصْفُ جَمالًا وكَمالًا، وإحْسانًا، وعِلْمًا وحِلْمًا، وجُودًا، ورَحْمَةً لِلرَّعِيَّةِ، وقُرْبًا مِنهم. ولَهُ الهَيْبَةُ والسَّطْوَةُ عَلى سائِرِ مُلُوكِ الأطْرافِ. فَلا يَطْمَعُ أحَدٌ مِنهم في مُقاوَمَتِهِ ومُحارَبَتِهِ. فَأهْلُ بَلَدِهِ في أمانٍ مِن عَدُوِّهِمْ. لا يَحِلُّ الخَوْفُ بِساحَتِهِمْ. ومَعَ هَذا: فَلَهُ أوْقاتٌ يَبْرُزُ فِيها لِرَعِيَّتِهِ، ويُسَهِّلُ لَهُمُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، ويَرْفَعُ الحِجابَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم. فَإذا وقَعَتْ أبْصارُهم عَلَيْهِ: تَلاشى عِنْدَهم كُلُّ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ واضْمَحَلَّ، حَتّى لا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنهُ. فَإذا أقْبَلَ عَلى واحِدٍ مِنهُمْ: أقْبَلَ عَلَيْهِ سائِرُ أهْلِ المَمْلَكَةِ بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ. ونَحْنُ رُسُلُهُ إلى أهْلِ البِلادِ، نَدْعُوهم إلى حَضْرَتِهِ. وهَذِهِ كُتُبُهُ إلى النّاسِ. ومَعَنا مِنَ الشُّهُودِ ما يُزِيلُ سُوءَ الظَّنِّ بِنا. ويَدْفَعُ اتِّهامَنا بِالكَذِبِ عَلَيْهِ. فَلَمّا سَمِعَ النّاسُ ذَلِكَ، وشاهَدُوا أحْوالَ الرُّسُلِ: انْقَسَمُوا أقْسامًا. فَطائِفَةٌ قالَتْ: لا نُفارِقُ أوْطانَنا، ولا نَخْرُجُ مِن دِيارِنا، ولا نَتَجَشَّمُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ البَعِيدِ، ونَتْرُكُ ما ألِفْناهُ مِن عَيْشِنا ومَنازِلِنا، ومُفارَقَةِ آبائِنا وأبْنائِنا، وإخْوانِنا لِأمْرٍ وُعِدْنا بِهِ في غَيْرِ هَذِهِ البِلادِ، ونَحْنُ لا نَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِ ما نَحْنُ فِيهِ إلّا بَعْدَ الجَهْدِ والمَشَقَّةِ. فَكَيْفَ نَنْتَقِلُ عَنْهُ؟ وَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ مُفارَقَتَها لِأوْطانِها وبِلادِها: كَمُفارَقَةِ أنْفُسِها لِأبْدانِها. فَإنَّ النَّفْسَ - لِشِدَّةِ إلْفِها لِلْبَدَنِ - أكْرَهُ ما إلَيْها مُفارَقَتُهُ. ولَوْ فارَقَتْهُ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ. فَهَذِهِ الطّائِفَةُ غَلَبَ عَلَيْها داعِي الحِسِّ والطَّبْعِ عَلى داعِي العَقْلِ والرُّشْدِ. والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا رَأتْ حالَ الرُّسُلِ، وما هم فِيهِ مِنَ البَهْجَةِوَحُسْنِ الحالِ، وعَلِمُوا صِدْقَهُمْ: تَأهَّبُوا لِلسَّيْرِ إلى بِلادِ المَلِكِ. فَأخَذُوا في المَسِيرِ. فَعارَضَهم أهْلُوهُمْ، وأصْحابُهُمْ، وعَشائِرُهم مِنَ القاعِدِينَ. وعارَضَهم إلْفُهم مَساكِنَهم ودُورَهم وبَساتِينَهم. فَجَعَلُوا يُقَدِّمُونَ رِجْلًا ويُؤَخِّرُونَ أُخْرى. فَإذا تَذَكَّرُوا طِيبَ بِلادِ المَلِكِ وما فِيها مِن سَلْوَةِ العَيْشِ: تَقَدَّمُوا نَحْوَها. وإذا عارَضَهم ما ألِفُوهُ واعْتادُوهُ مِن ظِلالِ بِلادِهِمْ وعَيْشِها، وصُحْبَةِ أهْلِهِمْ وأصْحابِهِمْ: تَأخَّرُوا عَنِ المَسِيرِ، والتَفَتُوا إلَيْهِمْ. فَهم دائِمًا بَيْنَ الدّاعِيَيْنِ والجاذِبَيْنِ، إلى أنْ يَغْلِبَ أحَدُهُما ويَقْوى عَلى الآخَرِ. فَيَصِيرُونَ إلَيْهِ. والطّائِفَةُ الثّالِثَةُ: رَكِبَتْ ظُهُورَ عَزائِمِها، ورَأتْ أنَّ بِلادَ المَلِكِ أوْلى بِها. فَوَطَّنَتْ أنْفُسَها عَلى قَصْدِها. ولَمْ يَثْنِها لَوْمُ اللُّوّامِ. لَكِنْ في سَيْرِها بُطْءٌ بِحَسَبِ ضَعْفِ ما كُشِفَ لَها مِن أحْوالِ تِلْكَ البِلادِ وحالِ المَلِكِ. والطّائِفَةُ الرّابِعَةُ: جَدَّتْ في السَّيْرِ وواصَلَتْهُ. فَسارَتْ سَيْرًا حَثِيثًا. فَهم كَما قِيلَ: ؎وَرَكْبٍ سَرَوْا واللَّيْلُ مُرْخٍ سُدُولَهُ ∗∗∗ عَلى كُلِّ مُغْبَرِّ المَطالِعِ قاتِمِ ؎حَدَوْا عَزَماتٍ ضاعَتِ الأرْضُ بَيْنَها ∗∗∗ فَصارَ سُراهم في ظُهُورِ العَزائِمِ ؎تُرِيهِمْ نُجُومُ اللَّيْلِ ما يَطْلُبُونَهُ ∗∗∗ عَلى عاتِقِ الشِّعْرى وهامِ النَّعائِمِ فَهَؤُلاءِ هِمَمُهم مَصْرُوفَةٌ إلى السَّيْرِ. وقُواهم مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَثْنِيَةٍ مِنهم إلى المَقْصُودِ الأعْظَمِ، والغايَةِ العُلْيا. والطّائِفَةُ الخامِسَةُ: أخَذُوا في الجِدِّ في المَسِيرِ. وهِمَّتُهم مُتَعَلِّقَةٌ بِالغايَةِ، فَهم في سَيْرِهِمْ ناظِرُونَ إلى المَقْصُودِ بِالمَسِيرِ. فَكَأنَّهم يُشاهِدُونَهُ مِن بُعْدٍ، وهو يَدْعُوهم إلى نَفْسِهِ وإلى بِلادِهِ. فَهم عامِلُونَ عَلى هَذا الشّاهِدِ الَّذِي قامَ بِقُلُوبِهِمْ. وَعَمَلُ كُلِّ أحَدٍ مِنهم عَلى قَدْرِ شاهِدِهِ. فَمَن شاهَدَ المَقْصُودَ بِالعَمَلِ في عِلْمِهِ كانَ نُصْحُهُ فِيهِ، وإخْلاصُهُ وتَحْسِينُهُ، وبَذْلُ الجُهْدِ فِيهِ أتَمَّ مِمَّنْ لَمْ يُشاهِدْهُ ولَمْ يُلاحِظْهُ. ولَمْ يَجِدْ مِن مَسِّ التَّعَبِ والنَّصَبِ ما يَجِدُهُ الغائِبُ، والوُجُودُ شاهِدٌ بِذَلِكَ. فَمَن عَمِلَ عَمَلًا لِمَلِكٍ بِحَضْرَتِهِ، وهو يُشاهِدُهُ: لَيْسَ حالُهُ كَحالِ مَن عَمِلَ في غَيْبَتِهِ وبُعْدِهِ عَنْهُ، وهو غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ وُصُولَهُ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ " ويُصَحِّحُ هِمَّةَ القاصِدِ " أيْ ويُصَحِّحُ لَهُ صَفاءُ هَذا العِلْمِ هِمَّتَهُ، ومَتى صَحَّتِ الهِمَّةُ عَلَتْ وارْتَفَعَتْ. فَإنَّ سُقُوطَها ودَناءَتَها مِن عِلَّتِها وسَقَمِها، وإلّا فَهي كالنّارِ تَطْلُبُ الصُّعُودَ والِارْتِفاعَ ما لَمْ تُمْنَعْ. وَأعْلى الهِمَمِ: هِمَّةٌ اتَّصَلَتْ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ طَلَبًا وقَصْدًا. وأوْصَلَتِ الخَلْقَ إلَيْهِ دَعْوَةً ونُصْحًا. وهَذِهِ هِمَّةُ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ. وصِحَّتُها: بِتَمْيِيزِها مِنِ انْقِسامِ طَلَبِها وانْقِسامِ مَطْلُوبِها وانْقِسامِ طَرِيقِها. بَلْ تَوَحَّدَ مَطْلُوبُها بِالإخْلاصِ، وطَلَبُها بِالصِّدْقِ، وطَرِيقُها بِالسُّلُوكِ خَلْفَ الدَّلِيلِ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ دَلِيلًا. لا مَن نَصَبَهُ هو دَلِيلًا لِنَفْسِهِ. وَلِلَّهِ الهِمَمُ! ما أعْجَبَ شَأْنَها، وأشَدَّ تَفاوُتَها. فَهِمَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَن فَوْقَ العَرْشِ. وهِمَّةٌ حائِمَةٌ حَوْلَ الأنْتانِ والحُشِّ. والعامَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يُحْسِنُهُ. والخاصَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ المَرْءِ ما يَطْلُبُهُ. وخاصَّةُ الخاصَّةِ تَقُولُ: هِمَّةُ المَرْءِ إلى مَطْلُوبِهِ. وَإذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ مَراتِبَ الهِمَمِ، فانْظُرْ إلى هِمَّةِ «رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأسْلَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلْنِي - فَقالَ: أسْألُكَ مُرافَقَتَكَ في الجَنَّةِ». وكانَ غَيْرُهُ يَسْألُهُ ما يَمْلَأُ بَطْنَهُ، أوْ يُوارِي جِلْدَهُ. وانْظُرْ إلى هِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ مَفاتِيحُ كُنُوزِ الأرْضِ - فَأباها. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ أخَذَها لِأنْفَقَها في طاعَةِ رَبِّهِ تَعالى. فَأبَتْ لَهُ تِلْكَ الهِمَّةُ العالِيَةُ: أنْ يَتَعَلَّقَ مِنها بِشَيْءٍ مِمّا سِوى اللَّهِ ومَحابِّهِ. وعُرِضَ عَلَيْهِ أنْ يَتَصَرَّفَ بِالمُلْكِ، فَأباهُ. واخْتارَ التَّصَرُّفَ بِالعُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ. فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، خالِقُ هَذِهِ الهِمَّةِ، وخالِقُ نَفْسٍ تَحْمِلُها، وخالِقُ هِمَمٍ لا تَعْدُو هِمَمَ أخَسِّ الحَيَواناتِ. [فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ صَفاءُ حالٍ يُشاهَدُ بِهِ شَواهِدُ التَّحْقِيقِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: صَفاءُ حالٍ، يُشاهَدُ بِهِ شَواهِدُ التَّحْقِيقِ. ويُذاقُ بِهِ حَلاوَةُ المُناجاةِ. ويُنْسى بِهِ الكَوْنُ. هَذِهِ الدَّرَجَةُ إنَّما كانَتْ أعْلى مِمّا قَبْلَها لِأنَّها هِمَّةُ حالٍ. والحالُ ثَمَرَةُ العِلْمِ، ولا يَصْفُو حالٌ إلّا بِصَفاءِ العِلْمِ المُثْمِرِ لَهُ. وعَلى حَسَبِ شَوْبِ العِلْمِ يَكُونُ شَوْبُ الحالِ. وإذا صَفا الحالُ: شاهَدَ العَبْدُ - بِصَفائِهِ - آثارَ الحَقائِقِ. وهي الشَّواهِدُ فِيهِ، وفي غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ، وعَلى غَيْرِهِ. ووَجَدَ حَلاوَةَ المُناجاةِ. وإذا تَمَكَّنَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ: نَسِيَ الكَوْنَ وما فِيهِ مِنَ المُكَوِّناتِ. وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ تَخْتَصُّ بِصَفاءِ الحالِ كَما اخْتَصَّتِ الأُولى بِصَفاءِ العِلْمِ. والحالُ هو تَكَيُّفُ القَلْبِ وانْصِباغُهُ بِحُكْمِ الوارِداتِ عَلى اخْتِلافِها، والحالُ يَدْعُو صاحِبَهُ إلى المَقامِ الَّذِي جاءَ مِنهُ الوارِدُ، كَما تَدْعُوهُ رائِحَةُ البُسْتانِ الطَّيِّبَةُ إلى دُخُولِهِ والمَقامِ فِيهِ. فَإذا كانَ الوارِدُ مِن حَضْرَةٍ صَحِيحَةٍ - وهي حَضْرَةُ الحَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ، لا الحَقِيقَةِ الخَيالِيَّةِ الذِّهْنِيَّةِ - شاهَدَ السّالِكُ بِصَفائِهِ شَواهِدَ التَّحْقِيقِ، وهي عَلاماتُهُ: والتَّحْقِيقُ هو حُكْمُ الحَقِيقَةِ، وتَأثُّرُ القَلْبِ والرُّوحِ بِها، والحَقِيقَةُ ما تَعَلَّقَ بِالحَقِّ المُبِينِ سُبْحانَهُ. فاللَّهُ هو الحَقُّ. والحَقِيقَةُ ما نُسِبَ إلَيْهِ وتَعَلَّقَ بِهِ. والتَّحْقِيقُ تَأثُّرُ القَلْبِ بِآثارِ الحَقِيقَةِ. ولِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةٌ، ولِكُلِّ حَقِيقَةٍ تَحْقِيقٌ يَقُومُ بِمُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ. قَوْلُهُ " ويُذاقُ بِهِ حَلاوَةُ المُناجاةِ " المُناجاةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ النَّجْوى. وهو الخِطابُ في سِرِّ العَبْدِ وباطِنِهِ. والشَّيْخُ ذَكَرَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ. أحَدُها: مُشاهَدَةُ شَواهِدِ التَّحْقِيقِ. الثّانِي: ذَوْقُ حَلاوَةَ المُناجاةِ. فَإنَّهُ مَتى صَفا لَهُ حالُهُ مِنَ الشَّوائِبِ، خَلُصَتْ لَهُ حَلاوَتُهُ مِن مَرارَةِ الأكْدارِ. فَذاقَ تِلْكَ الحَلاوَةَ في حالِ مُناجاتِهِ. فَلَوْ كانَ الحالُ مَشُوبًا مُكَدَّرًا لَمْ يَجِدْ حَلاوَةَ المُناجاةِ. والحالُ المُسْتَنِدَةُ إلى وارِدٍ تُذاقُ بِهِ حَلاوَةُ المُناجاةِ: هو مِن حَضْرَةِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، بِحَسَبِ ما يُصادِفُ القَلْبَ مِن ظُهُورِها وكَشْفِ مَعانِيها. فَمَن ظَهَرَ لَهُ اسْمُ الوَدُودِ - مَثَلًا - وكُشِفَ لَهُ عَنْ مَعانِي هَذا الِاسْمِ، ولُطْفِهِ، وتَعَلُّقِهِ بِظاهِرِ العَبْدِ وباطِنِهِ: كانَ الحالُ الحاصِلُ لَهُ مِن حَضْرَةِ هَذا الِاسْمِ مُناسِبًا لَهُ. فَكانَ حالَ اشْتِغالِ حُبٍّ وشَوْقٍ، ولَذَّةِ مُناجاةٍ، لا أحْلى مِنها ولا أطْيَبَ، بِحَسَبِ اسْتِغْراقِهِ في شُهُودِ مَعْنى هَذا الِاسْمِ. وحَظِّهِ مِن أثَرِهِ. فَإنَّ الوَدُودَ - وإنْ كانَ بِمَعْنى المَوْدُودِ، كَما قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: الوَدُودُ الحَبِيبُ - واسْتِغْراقُ العَبْدِ في مُطالَعَةِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي تَدْعُو العَبْدَ إلى حُبِّ المَوْصُوفِ بِها: أثْمَرَ لَهُ صَفاءَ عِلْمِهِ بِها، وصَفاءَ حالِهِ في تَعَبُّدِهِ بِمُقْتَضاها: ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وغَيْرِها. وَكَذَلِكَ إنْ كانَ اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى الوادِّ وهو المُحِبُّ: أثْمَرَتْ لَهُ مُطالَعَةُ ذَلِكَ حالًا تُناسِبُهُ. فَإنَّهُ إذا شاهَدَ بِقَلْبِهِ غَنِيًّا كَرِيمًا جَوادًا، عَزِيزًا قادِرًا، كُلُّ أحَدٍ مُحْتاجٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ. وهو غَنِيٌّ بِالذّاتِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ. وهو - مَعَ ذَلِكَ - يَوَدُّ عِبادَهُ ويُحِبُّهُمْ، ويَتَوَدَّدُ إلَيْهِمْ بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ وتَفَضُّلِهِ عَلَيْهِمْ -: كانَ لَهُ مِن هَذا الشُّهُودِ حالَةٌ صافِيَةٌ خالِصَةٌ مِنَ الشَّوائِبِ. وَكَذَلِكَ سائِرُ الأسْماءِ والصِّفاتِ. فَصَفاءُ الحالِ بِحَسَبِ صَفاءِ المَعْرِفَةِ بِها وخُلُوصِها مِن دَمِ التَّعْطِيلِ وفَرْثِ التَّمْثِيلِ. فَتَخْرُجُ المَعْرِفَةُ مِن بَيْنِ ذَلِكَ فِطْرَةً خالِصَةً سائِغَةً لِلْعارِفِينَ. كَما يَخْرُجُ اللَّبَنُ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ. والأمْرُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ " ويُنْسى بِهِ الكَوْنُ " أيْ يُنْسى الكَوْنُ بِما يَغْلِبُ عَلى قَلْبِهِ مِنِ اشْتِغالِهِ بِهَذِهِ الحالِ المَذْكُورَةِ. والمُرادُ بِالكَوْنِ: المَخْلُوقاتُ. أيْ يَشْتَغِلُ بِالحَقِّ عَنِ الخَلْقِ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ صَفاءُ اتِّصالٍ] فَصْلٌ قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: صَفاءُ اتِّصالٍ. يُدْرِجُ حَظَّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. ويُغْرِقُ نِهاياتِ الخَبَرِ في بِداياتِ العِيانِ، ويَطْوِي خِسَّةَ التَّكالِيفِ في عَيْنِ الأزَلِ. فِي هَذا اللَّفْظِ قَلَقٌ وسُوءُ تَعْبِيرٍ. يَجْبُرُهُ حُسْنُ حالِ صاحِبِهِ وصِدْقُهُ، وتَعْظِيمُهُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ. ولَكِنْ أبى اللَّهُ أنْ يَكُونَ الكَمالُ إلّا لَهُ. ولا رَيْبَ أنَّ بَيْنَ أرْبابِ الأحْوالِ وبَيْنَ أصْحابِ التَّمَكُّنِ تَفاوُتًا عَظِيمًا. وانْظُرْ إلى غَلَبَةِ الحالِ عَلى الكَلِيمِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا شاهَدَ آثارَ التَّجَلِّي الإلَهِيِّ عَلى الجَبَلِ، كَيْفَ خَرَّ صَعِقًا؟ وصاحِبُ التَّمَكُّنِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ورَأى ما رَأى: لَمْ يُصْعَقْ ولَمْ يَخِرَّ، بَلْ ثَبَتَ فُؤادُهُ وبَصَرُهُ. وَمُرادُ القَوْمِ بِالِاتِّصالِ والوُصُولِ: اتِّصالُ العَبْدِ بِرَبِّهِ، ووُصُولُهُ إلَيْهِ. لا بِمَعْنى اتِّصالِ ذاتِ العَبْدِ بِذاتِ الرَّبِّ، كَما تَتَّصِلُ الذّاتانِ إحْداهُما بِالأُخْرى. ولا بِمَعْنى انْضِمامِ إحْدى الذّاتَيْنِ إلى الأُخْرى والتِصاقِها بِها. وإنَّما مُرادُهم بِالِاتِّصالِ والوُصُولِ: إزالَةُ النَّفْسِ والخَلْقِ مِن طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ. ولا تَتَوَهَّمْ سِوى ذَلِكَ. فَإنَّهُ عَيْنُ المُحالِ. فَإنَّ السّالِكَ لا يَزالُ سائِرًا إلى اللَّهِ تَعالى حَتّى يَمُوتَ. فَلا يَنْقَطِعُ سَيْرُهُ إلّا بِالمَوْتِ. فَلَيْسَ في هَذِهِ الحَياةِ وُصُولٌ يَفْرَغُ مَعَهُ السِّرُّ ويَنْتَهِي. ولَيْسَ ثَمَّ اتِّصالٌ حِسِّيٌّ بَيْنَ ذاتِ العَبْدِ وذاتِ الرَّبِّ. فالأوَّلُ: تَعْطِيلٌ وإلْحادٌ. والثّانِي: حُلُولٌ واتِّحادٌ. وإنَّما حَقِيقَةُ الأمْرِ: تَنْحِيَةُ النَّفْسِ والخَلْقِ عَنِ الطَّرِيقِ. فَإنَّ الوُقُوفَ مَعَهُما: هو الِانْقِطاعُ. وتَنْحِيَتَهُما هو الِاتِّصالُ. وَأمّا المَلاحِدَةُ القائِلُونَ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ، فَإنَّهم قالُوا: العَبْدُ مِن أفْعالِ اللَّهِ، وأفْعالُهُ مِن صِفاتِهِ. وصِفاتُهُ مِن ذاتِهِ. فَأنْتَجَ لَهم هَذا التَّرْكِيبُ: أنَّ العَبْدَ مِن ذاتِ الرَّبِّ. تَعالى اللَّهُ وتَقَدَّسَ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَمَوْضِعُ الغَلَطِ: أنَّ العَبْدَ مِن مَفْعُولاتِ الرَّبِّ تَعالى، لا مِن أفْعالِهِ القائِمَةِ بِذاتِهِ. ومَفْعُولاتُهُ آثارُ أفْعالِهِ. وأفْعالُهُ مِن صِفاتِهِ القائِمَةِ بِذاتِهِ، فَذاتُهُ سُبْحانَهُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. ومَفْعُولاتُهُ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ، تِلْكَ مَخْلُوقَةٌ مُحْدَثَةٌ. والرَّبُّ تَعالى هو الخالِقُ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. فَإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ والألْفاظَ المُجْمَلَةَ المُشْتَبِهَةَ الَّتِي وقَعَ اصْطِلاحُ القَوْمِ عَلَيْها. فَإنَّها أصْلُ البَلاءِ. وهي مَوْرِدُ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ. فَإذا سَمِعَ الضَّعِيفُ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى لَفْظَ " اتِّصالٍ وانْفِصالٍ، ومُسامَرَةٍ، ومُكالَمَةٍ، وأنَّهُ لا وُجُودَ في الحَقِيقَةِ إلّا وُجُودُ اللَّهِ، وأنَّ وُجُودَ الكائِناتِ خَيالٌ ووَهْمٌ، وهو بِمَنزِلَةِ وُجُودِ الظِّلِّ القائِمِ بِغَيْرِهِ " فاسْمَعْ مِنهُ ما يَمْلَأُ الآذانَ مِن حُلُولٍ واتِّحادٍ وشَطَحاتٍ. والعارِفُونَ مِنَ القَوْمِ أطْلَقُوا هَذِهِ الألْفاظَ ونَحْوَها، وأرادُوا بِها مَعانِيَ صَحِيحَةً في أنْفُسِها. فَغَلِطَ الغالِطُونَ في فَهْمِ ما أرادُوهُ. ونَسَبُوهم إلى إلْحادِهِمْ وكُفْرِهِمْ. واتَّخَذُوا كَلِماتِهِمُ المُتَشابِهَةَ تُرْسًا لَهُ وجُنَّةً، حَتّى قالَ قائِلُهُمْ: ؎وَمِنكَ بَدا حُبٌّ بِعِزٍّ تَمازَجا ∗∗∗ بِنا ووِصالًا كُنْتَ أنْتَ وصَلْتَهُ ؎ظَهَرْتَ لِمَن أبْقَيْتَ بَعْدَ فَنائِهِ ∗∗∗ وكانَ بِلا كَوْنٍ لِأنَّكَ كُنْتَهُ فَيَسْمَعُ الغِرُّ " التَّمازُجَ والوِصالَ " فَيَظُنُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسُ كَوْنِ العَبْدِ. فَلا يَشُكُّ أنَّ هَذا هو غايَةُ التَّحْقِيقِ، ونِهايَةُ الطَّرِيقِ. ثُمَّ لِنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ. قَوْلُهُ: يُدْرِجُ حَظَّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. المَعْنى الصَّحِيحُ، الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ: أنَّ مَن تَمَكَّنَ في قَلْبِهِ شُهُودُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، وصَفا لَهُ عِلْمُهُ وحالُهُ: انْدَرَجَ عَمَلُهُ جَمِيعُهُ وأضْعافُهُ وأضْعافُ أضْعافِهِ في حَقِّ رَبِّهِ تَعالى ورَآهُ في جَنْبِ حَقِّهِ أقَلَّ مِن خَرْدَلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبالِ الدُّنْيا. فَسَقَطَ مِن قَلْبِهِ اقْتِضاءُ حَظِّهِ مِنَ المُجازاةِ عَلَيْهِ. لِاحْتِقارِهِ لَهُ، وقِلَّتِهِ عِنْدَهُ، وصِغَرِهِ في عَيْنِهِ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا هاشِمُ بْنُ القاسِمِ حَدَّثَنا صالِحٌ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ عَنْ أبِي الجِلْدِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى داوُدَ: يا داوُدَ، أنْذِرْ عِبادِيَ الصّادِقِينَ. فَلا يُعْجِبُنَّ بِأنْفُسِهِمْ، ولا يَتَّكِلُنَّ عَلى أعْمالِهِمْ. فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن عِبادِي أنْصِبُهُ لِلْحِسابِ، وأُقِيمُ عَلَيْهِ عَدْلِي إلّا عَذَّبْتَهُ، مِن غَيْرِ أنْ أظْلِمَهُ. وبَشِّرْ عِبادِيَ الخَطّائِينَ: أنَّهُ لا يَتَعاظَمُنِي ذَنْبٌ أنْ أغْفِرَهُ وأتَجاوَزَ عَنْهُ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: وحَدَّثَنا سَيّارٌ حَدَّثَنا جَعْفَرٌ حَدَّثَنا ثابِتٌ البُنانِيُّ قالَ: تَعَبَّدَ رَجُلٌ سَبْعِينَ سَنَةً. وكانَ يَقُولُ في دُعائِهِ: رَبِّ اجْزِنِي بِعَمَلِي. فَماتَ فَأُدْخِلَ الجَنَّةَ. فَكانَ فِيها سَبْعِينَ عامًا. فَلَمّا فَرَغَ وقْتُهُ، قِيلَ لَهُ: اخْرُجْ، فَقَدِ اسْتَوْفَيْتَ عَمَلَكَ، فَقَلَّبَ أمْرَهُ: أيُّ شَيْءٍ كانَ في الدُّنْيا أوْثَقَ في نَفْسِهِ؟ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا أوْثَقَ في نَفْسِهِ مِن دُعاءِ اللَّهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ. فَأقْبَلَ يَقُولُ في دُعائِهِ: رَبِّ سَمِعْتُكَ - وأنا في الدُّنْيا - وأنْتَ تُقِيلُ العَثَراتِ. فَأقِلِ اليَوْمَ عَثْرَتِي. فَتُرِكَ في الجَنَّةِ. وَقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنا هاشِمٌ حَدَّثَنا صالِحٌ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ عَنْ أبِي الجِلْدِ قالَ: قالَ مُوسى: إلَهِي، كَيْفَ أشْكُرُكَ، وأصْغَرُ نِعْمَةٍ وضَعْتَها عِنْدِي مِن نِعْمَتِكَ لا يُجازِيها عَمَلِي كُلُّهُ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا مُوسى، الآنَ شَكَرْتَنِي. فَهَذا المَعْنى الصَّحِيحُ مِنِ انْدِراجِ حَظِّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. وَلَهُ مَحْمَلٌ آخَرُ صَحِيحٌ أيْضًا، وهو أنَّ ذاتَ العَبْدِ وصِفاتِهِ وأفْعالَهُ وقُواهُ وحَرَكاتِهِ: كُلَّها مَفْعُولَةٌ لِلرَّبِّ، مَمْلُوكَةٌ لَهُ، لَيْسَ يَمْلِكُ العَبْدُ مِنها شَيْئًا. بَلْ هو مَحْضُ مُلْكِ اللَّهِ. فَهو المالِكُ لَها، المُنْعِمُ عَلى عَبْدِهِ بِإعْطائِهِ إيّاها. فالمالُ مالُهُ. والعَبْدُ عَبْدُهُ. والخِدْمَةُ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. وهي مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ. فالفَضْلُ كُلُّهُ لِلَّهِ، ومِنَ اللَّهِ، وبِاللَّهِ. قَوْلُهُ " ويَعْرِفُ نِهاياتِ الخَبَرِ في بِداياتِ العِيانِ " الخَبَرُ: مُتَعَلَّقُ الغَيْبِ. والعِيانُ مُتَعَلَّقُ الشَّهادَةِ. وهو إدْراكُ عَيْنِ البَصِيرَةِ لِصِحَّةِ الخَبَرِ، وثُبُوتِ مَخْبَرِهِ. وَمُرادُهُ بِ " بِداياتِ العِيانِ " أوائِلُ الكَشْفِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ إلى مَقامِ الفَناءِ. ومَقْصُودُهُ: أنْ يَرى الشّاهِدُ ما أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ بِقَلْبِهِ عِيانًا. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] وقالَ تَعالى ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] فَقَدْ قالَ: أفَمَن رَأى بِعَيْنِ قَلْبِهِ أنَّ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ هو الحَقُّ كَمَن هو أعْمى لا يُبْصِرُ ذَلِكَ؟ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَقامِ الإحْسانِ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» ولا رَيْبَ أنَّ تَصْدِيقَ الخَبَرِ واليَقِينَ بِهِ يُقَوِّي القَلْبَ، حَتّى يَصِيرَ الغَيْبُ بِمَنزِلَةِ المُشاهَدِ بِالعَيْنِ. فَصاحِبُ هَذا المَقامِ: كَأنَّهُ يَرى رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، مُطَّلِعًا عَلى عِبادِهِ ناظِرًا إلَيْهِمْ، يَسْمَعُ كَلامَهم. ويَرى ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم. وَكَأنَّهُ يَسْمَعُهُ وهو يَتَكَلَّمُ بِالوَحْيِ. ويُكَلِّمُ بِهِ عَبْدَهُ جِبْرِيلَ، ويَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ بِما يُرِيدُ، ويُدَبِّرُ أمْرَ المَمْلَكَةِ. وأمْلاكُهُ صاعِدَةٌ إلَيْهِ بِالأمْرِ، نازِلَةٌ مِن عِنْدِهِ بِهِ. وَكَأنَّهُ يُشاهِدُهُ، وهو يَرْضى ويَغْضَبُ، ويُحِبُّ ويُبْغِضُ، ويُعْطِي ويَمْنَعُ، ويَضْحَكُ ويَفْرَحُ، ويُثْنِي عَلى أوْلِيائِهِ بَيْنَ مَلائِكَتِهِ، ويَذُمُّ أعْداءَهُ. وَكَأنَّهُ يُشاهِدُهُ ويُشاهِدُ يَدَيْهِ الكَرِيمَتَيْنِ، وقَدْ قَبَضَتْ إحْداهُما السَّماواتِ السَّبْعَ، والأُخْرى الأرَضِينَ السَّبْعَ. وقَدْ طَوى السَّماواتِ السَّبْعَ بِيَمِينِهِ، كَما يُطْوى السِّجِلُّ عَلى أسْطُرِ الكِتابِ. وَكَأنَّهُ يُشاهِدُهُ، وقَدْ جاءَ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ عِبادِهِ. فَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِهِ. وَنادى - وهو مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ - بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَن بَعُدَ كَما يَسْمَعُهُ مَن قَرُبَ " وعِزَّتِي وجَلالِي: " «لا يُجاوِزُنِي اليَوْمَ ظُلْمُ ظالِمٍ» ". وَكَأنَّهُ يُسْمِعُ نِداءَهُ لِآدَمَ " «يا آدَمُ، قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ» " بِإذْنِهِ الآنَ، وكَذَلِكَ نِداؤُهُ لِأهْلِ المَوْقِفِ ﴿ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] وماذا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ وَبِالجُمْلَةِ: فَيُشاهِدُ بِقَلْبِهِ رَبًّا عَرَّفَتْ بِهِ الرُّسُلُ، كَما عَرَّفَتْ بِهِ الكُتُبُ، ودِينًا دَعَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ. وحَقائِقَ أخْبَرَتْ بِها الرُّسُلُ. فَقامَ شاهِدُ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ كَما قامَ شاهِدُ ما أخْبَرَ بِهِ أهْلُ التَّواتُرِ - وإنْ لَمْ يَرَهُ - مِنَ البِلادِ والوَقائِعِ. فَهَذا إيمانُهُ يَجْرِي مَجْرى العِيانِ، وإيمانُ غَيْرِهِ فَمَحْضُ تَقْلِيدِ العُمْيانِ. قَوْلُهُ " ويَطْوِي خِسَّةَ التَّكالِيفِ " لَيْتَ الشَّيْخَ عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِغَيْرِها. فَواللَّهِ إنَّها لَأقْبَحُ مِن شَوْكَةٍ في العَيْنِ، وشَجًى في الحَلْقِ. وحاشا التَّكالِيفَ أنْ تُوصَفَ بِخِسَّةٍ، أوْ تَلْحَقَها خِسَّةٌ. وإنَّما هي قُرَّةُ عَيْنٍ، وسُرُورُ قَلْبٍ، وحَياةُ رُوحٍ. صَدَرَ التَّكْلِيفُ بِها عَنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. فَهي أشْرَفُ ما وصَلَ إلى العَبْدِ مِن رَبِّهِ، وثَوابُهُ عَلَيْها أشْرَفُ ما أعْطاهُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ. نَعَمْ لَوْ قالَ: يَطْوِي ثِقَلَ التَّكالِيفِ ويُخَفِّفُ أعْباءَها ونَحْوَ ذَلِكَ. فَلَعَلَّهُ كانَ أوْلى، ولَوْلا مَقامُهُ في الإيمانِ والمَعْرِفَةِ والقِيامِ بِالأوامِرِ لَكُنّا نُسِيءُ بِهِ الظَّنَّ. والَّذِي يَحْتَمِلُ أنْ يُصَرَّفَ كَلامُهُ إلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّفاءَ - المَذْكُورَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ - لَمّا انْطَوَتْ في حُكْمِهِ الوَسائِطُ والأسْبابُ. وانْدَرَجَ فِيهِ حَظُّ العُبُودِيَّةِ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ: انْطَوَتْ فِيهِ رُؤْيَةُ كَوْنِ العِبادَةِ تَكْلِيفًا. فَإنَّ رُؤْيَتَها تَكْلِيفًا خِسَّةٌ مِنَ الرّائِي. لِأنَّهُ رَآها بِعَيْنِ أنَفَتِهِ وقِيامِهِ بِها. ولَمْ يَرَها بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ. فَإنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلى مَقامِ " فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي " ولَوْ وصَلَ إلى ذَلِكَ لَرَآها بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، ولا خِسَّةَ فِيها هُناكَ ألْبَتَّةَ. فَإنَّ نَظَرَهُ قَدْ تَعَدّى مِن قِيامِهِ بِها إلى قِيامِها بِالقَيُّومِ الَّذِي قامَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ. فَكانَ لَها وجْهانِ. أحَدُهُما: هي بِهِ خَسِيسَةٌ. وهو وجْهُ قِيامِها بِالعَبْدِ، وصُدُورِها مِنهُ. والثّانِي: هي بِهِ شَرِيفَةٌ. وهو وجْهُ كَوْنِها بِالرَّبِّ تَعالى وأوَّلِيَّتِهِ، أمْرًا وتَكْوِينًا وإعانَةً. فالصَّفاءُ يَطْوِيها مِن ذَلِكَ الوَجْهِ خاصَّةً. والمَعْنى الثّانِي، الَّذِي يَحْتَمِلُهُ كَلامُهُ: أنْ يَكُونَ مُرادُهُ: أنَّ الصَّفاءَ يَشْهَدُهُ عَيْنُ الأزَلِ، وسَبْقُ الرَّبِّ تَعالى، وأوَّلِيَّتُهُ لِكُلِّ شَيْءٍ. فَتَنْطَوِي في هَذا المَشْهَدِ أعْمالُهُ الَّتِي عَمِلَها. ويَراها خَسِيسَةً جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْنِ الأزَلِ. فَكَأنَّهُ قالَ: تَنْطَوِي أعْمالُهُ، وتَصِيرُ - بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ العَيْنِ - خَسِيسَةً جِدًّا لا تُذْكَرُ. بَلْ تَكُونُ في عَيْنِ الأزَلِ هَباءً مَنثُورًا، لا حاصِلَ لَها. فَإنَّ الوَقْتَ الَّذِي هو ظَرْفُ التَّكْلِيفِ يَتَلاشى جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى الأزَلِ. وهو وقْتٌ خَسِيسٌ حَقِيرٌ، حَتّى كَأنَّهُ لا حاصِلَ لَهُ. ولا نِسْبَةَ لَهُ إلى الأزَلِ والأبَدِ في مِقْدارِ الأعْمالِ الواقِعَةِ فِيهِ. وهي يَسِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي هو يَسِيرٌ جِدًّا. بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ الزَّمانِ الَّذِي هو يَسِيرٌ جِدًّا. بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْنِ الأزَلِ. فَهَذا أقْرَبُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلامُهُ مَعَ قَلَقِهِ. وقَدِ اعْتَراهُ فِيهِ سُوءُ تَعْبِيرٍ. وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْها الخِسَّةَ لِقِلَّتِها وخِفَّتِها. بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ المُكَلِّفِ بِها سُبْحانَهُ. وما يَسْتَحِقُّهُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.

ص 38:50

تأمل قوله ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ كيف تجد تحته معنى بديعا؟ وهو أنهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها عليهم، بل تبقى مفتحة كما هي. وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها. كما قال تعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة مغلقة. ومنه سمي الباب وصيدا. وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها. كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب. قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة. فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم. ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. وأيضا فإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوئهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت. وأيضا فيه إشارة إلى أنها دار أمن، لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب، كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا. وقد اختلف أهل العربية في الضمير العائد من الصفة على الموصوف في هذه الجملة. فقال الكوفيون: التقدير مفتحة لهم أبوابها. والعرب تعاقب بين الألف واللام والإضافة، فيقولون: مررت برجل حسن العين، أي عينه. ومنه قوله تعالى: {فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى أي مأواه. وقال بعض البصريين: التقدير مفتحة لهم الأبواب منها. فحذف الضمير وما اتصل به. قال: وهذا التقدير في العربية أجود من أن يجعل الألف واللام بدلا من الهاء والألف. لأن معنى الألف واللام ليس من معنى الهاء والألف في شيء. لأن الهاء والألف اسم، والألف واللام دخلتا للتعريف. فلا يبدل حرف من اسم، ولا ينوب عنه. قالوا: وأيضا لو كانت الألف واللام بدلا من الضمير لوجب أن يكون في «مفتحة» ضمير الجنات، ويكون المعنى: مفتحة هي، ثم أبدل منها الأبواب ولو كان كذلك لوجب نصب الأبواب، لكون «مفتحة» قد رفع ضمير الفاعل فلا يجوز أن يرفع به اسم آخر، لامتناع ارتفاع فاعلين بفعل واحد. فلما ارتفع «الأبواب» دل على أن «مفتحة» حال من ضمير، و «الأبواب» مرتفعة يه. وإذا كان في الصفة ضمير تعين نصب الثاني، كما تقول: مررت برجل حسن الوجه. ولو رفعت الوجه ونونت «حسنا» لم يجز. فالألف واللام إذا للتعريف ليس إلا، فلا بد من ضمير يعود على الموصوف الذي هو «جنات عدن» ولا ضمير في اللفظ. فهو محذوف، تقديره: الأبواب منها. وعندي أن هذا غير مبطل لقول الكوفيين. فإنهم لم يريدوا بالبدل إلا أن الألف واللام خلف وعوض عن الضمير تغني عنه. وإجماع العرب على قولهم: حسن الوجه، وحسن وجهه: شاهد بذلك. وقد قالوا: إن التنوين بدل من الألف واللام، بمعنى أنهما لا يجتمعان، وكذلك المضاف إليه يكون بدلا من التنوين والتنوين بدلا من الإضافة بمعنى التعاقب والتوارد. ولا يريدون بقولهم: هذا بدل من هذا: أن معنى البدل معنى المبدل منه، بل قد يكون في كل منهما معنى لا يكون في الآخر. فالكوفيون أرادوا أن الألف واللام في «الأبواب» أغنت عن الضمير أو قيل: أبوابها، وهذا صحيح. فإن المقصود الربط بين الصفة والموصوف بأمر يجعلها له، لا مستقلة. فلما كان الضمير عائدا على الموصوف نفي توهم الاستقلال وكذلك لام التعريف فإن كلا من الضمير واللام يعين صاحبه، هذا يعين مفسره وهذا يعين ما دخل عليه. وقد قالوا في زيد نعم الرجل: أن الألف واللام أغنت عن الضمير. والله أعلم. وقد أعرب الزمخشري هذه الآية إعرابا اعترض عليه فيه. فقال «جنات عدن» معرفة لقوله: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ وانتصابها على أنها عطف بيان لَحُسْنَ مَآبٍ و «مفتحة» حال، والعامل فيها ما في «المتقين» من معنى الفعل. وفي «مفتحة» ضمير الجنات، والأبواب بدل من الضمير، تقديره: مفتحة هي الأبواب، كقولهم: ضرب زيد اليد والرجل. وهو من بدل الاشتمال. هذا إعرابه. فاعترض عليه بأن «جنات عدن» ليس فيها ما يقتضي تعريفها. وأما قوله «التي وعد الرحمن عباده» فبدل لا صفة. وبأن جنات عدن لا يسهل أن يكون عطف بيان لحسن مآب، على قوله. لأن جريان المعرفة على النكرة عطف بيان لا قائل به. فإن القائل قائلان. أحدهما: أنه لا يكون إلا في المعارف، كقول البصريين. والثاني: أنه يكون في المعارف والنكرات، بشرط المطابقة، كقول الكوفيين وأبي علي الفارسي. وقوله: إن في «مفتحة» ضمير الجنات. فالظاهر خلافه. فإن الأبواب ترتفع به ولا ضمير فيه. وقوله: إن «الأبواب» بدل اشتمال. فبدل الاشتمال قد صرح هو وغيره: أنه لا بد فيه من الضمير. وإن نازعهم فيه آخرون، ولكن يجوز أن يكون الضمير ملفوظا به. وأن يكون مقدرا. وهاهنا لم يلفظ به. فلا بد من تقدير، أي الأبواب منها. فإذا كان التقدير: مفتحة لهم هي الأبواب منها: كان فيه تكثير للاضمار وتقليله أولى. (فصل) وفي الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله قال: "في الجنة ثمانية أبواب باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون" وفي الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله " من أنفق زوجين في شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان" فقال أبو بكر بأبي أنت وأمي يا رسول الله ﷺ ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها فقال نعم وأرجوا أن تكون منهم" وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال "ما منكم من أحد يتوضأ فيبالغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" زاد الترمذي بعد التشهد "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" زاد أبو داود والإمام أحمد "ثم رفع نظره إلى السماء فقال " وعند الإمام أحمد من رواية أنس يرفعه "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتح له أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل " وعن عتبة بن عبد الله السلمي قال سمعت رسول الله يقول "ما من مسلم يتوفى له ثلاثا من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل " رواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد عن ابن نمير ثنا إسحاق بن سليمان ثنا جرير بن عثمان عن شرحبيل بن شفعة عن عتبة. (فصل: في ذكر سعة أبوابها) عن أبي هريرة قال وضعت بين يدي رسول الله قصعة من ثريد ولحم فتناول الذراع وكان أحب الشاة إليه فنهش نهشة وقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة ثم نهش أخرى وقال أنا سيد الناس يوم القيامة فلما رأى أصحابه لا يسألونه قال ألا تقولون كيف" قالوا كيف يا رسول الله ﷺ قال يقوم الناس لرب العالمين فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر" فذكر حديث الشفاعة بطوله وقال في آخره "فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي فيقيمني رب العالمين مقاما لم يقمه أحدا قبلي ولن يقيمه أحد بعدي، فأقول يا رب أمتي أمتي فيقول يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصارع الجنة لكما بين مكة وهجر أو هجر ومكة" وفي لفظ "لكما بين مكة وهجر" أو "كما بين مكة وبصرى" متفق على صحته. وفي لفظ خارج الصحيح بإسناده إن ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر وعن خالد بن عمير العدوي قال خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الدنيا قد أذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يصطبها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم ولقد ذكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ من الزحام فهذا موقوف والذي قبله مرفوع فإن كان رسول الله ﷺ هو الذاكر له كان هذا ما بين باب من أبوابها ولعله الباب الأعظم وإن كان الذاكر لهم ذلك غير رسول الله ﷺ لم يقدم على حديث أبي هريرة المتقدم ولكن قد روى الإمام أحمد في مسنده من طريق حماد بن سلمة الجريري يحدث عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن رسول الله قال "أنتم توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله وما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما وليأتين عليه يوم وإنه لكظيظ " وقد رواه ابن أبي داود أنبأنا إسحاق بن شاهين أنبأنا خالد عن الجريري عن حكيم بن معاوية عن أبيه يرفعه "ما بين كل مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة سبع سنين" وروينا في مسند عبد بن حميد أنبأنا الحسن بن موسى أنبأنا ابن لهيعة أنبأنا دراج أبو السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله قال ما من مصراعين في الجنة لمسيرة أربعين سنة وحديث أبي هريرة أصح وهذه النسخة ضعيفة والله أعلم وروى أبو الشيخ أنبأنا جعفر بن أحمد بن فارس أنبأنا يعقوب بن حميد أنبأنا معن حدثنا خالد بن أبي بكر عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "الباب الذي يدخل منه أهل الجنة مسيرة الراكب المجود ثلاثا ثم انهم ليضطغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول" رواه أبو نعيم عنه وهذا مطابق للحديث المتفق عليه "إن ما بين المصراعين كما بين مكة وبصرى" فإن الراكب الموجد غاية الإجادة على أسرع هجين لا يفتر ليلا ولا نهارا يقطع هذه المسافة في هذا القدر أو قريب منه وأما حديث حكيم بن معاوية فقد اضطرب رواته فحماد بن سلمة ذكر عن الجريري التقدير بأربعين عاما وخالد ذكر عنه التقدير بسبع سنين وحديث أبي سعيد المرفوع فيه التقدير بأربعين عاما على طريقة دراج عن أبي الهيثم قال الإمام أحمد أحاديث دراج مناكير وقال أبو حاتم الرازي ضعيف، وقال النسائي، ليس بالقوي، فالصحيح المرفوع السالم عن الاضطراب والشذوذ والعلة حديث أبي هريرة المتفق على صحته على أن حديث حكيم بن معاوية ليس التقدير فيه بظاهر الرفع ويحتمل أنه مدرج في الحديث موقوف فيكون كحديث عتبة بن غزوان. (فصل: في صفة أبوابها وأنها ذات حلق) روى الوليد بن مسلم عن خليد عن الحسن ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ قال أبواب ترى وذكرا أيضا عن خليد عن قتادة قال أبواب يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها تتكلم وتكلم وتفهم ما يقال لها انفتحي انغلقي وقال أبو الشيخ أنبأنا محمد بن عبد الله بن محمد القيسي أنبأنا محمد بن إسحاق أنبأنا أحمد بن أبي الحواري أنبأنا عبد الله بن غياث عن الفزاري قال لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب فباب يدخل عليه منه زواره من الملائكة وباب يدخل عليه منه أزواجه من الحور العين وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه وباب فيما بينه وبين دار السلام يدخل منه على ربه إذا شاء وقد روى سهيل بن أبي صالح عن زياد النمري عن أنس بن مالك قال قال رسول الله "أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة ولا فخر" وفي حديث الشفاعة الطويل من رواية ابن عيينة عن علي بن زيد عن انس قال قال رسول الله "فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها" وهذا صريح في أنها حلقة حسية تحرك وتقعقع وروى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "آخذ بحلقة باب الجنة فيؤذن لي " ويذكر عن علي رضي الله عنه "من قال لا إله الله الملك الحق المبين في كل يوم مائة مرة كان له أمان من الفقر ومن وحشة القبر واستجلب به الغني واستقرع به باب الجنة" ولما كانت الجنات درجات بعضها فوق بعض كانت أبوابها كذلك وباب الجنة العالية فوق باب الجنة التي تحتها وكلما علت الجنة اتسعت فعاليها أوسع مما دونه وسعة الباب بحسب وسع الجنة ولعل هذا وجه الاختلاف الذي جاء في مسافة ما بين مصراعي الباب فإن أبوابها بعضها أعلى من بعض ولهذه الأمة باب مختص بهم يدخلون منه دون سائر الأمم كما في المسند من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال "باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة عرض مسيرة الراكب الجواد ثلاثا ثم أنهم ليضغطون حتى تكاد مناكبهم تزول" وفيه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي" الحديث .. وقال خلف بن هشام البزار ثنا أبو شهاب عن عمرو بن قيس الملائي عن أبي إسحاق عن عاصم بن حمزة عن علي بن أبي طالب قال إن أبواب الجنة هكذا بعضها فوق بعض ثم قرأ ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ إذا هم عندها بشجرة في أصلها عينان تجريان فيشربون من إحداهما فلا يترك في بطونهم قذى ولا أذى إلا رمته ويغتسلون من الأخرى فتجري عليهم نضرة النعيم فلا تشعث رؤسهم ولا تغير أبشارهم بعد هذا أبدا ثم قرأ ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ فيدخل الرجل وهو يعرف منزله ويتلقاها الولدان فيستبشرون برؤيتهم كما يستبشر الأهل بالحميم يقدم من الغيبة فينطلقون إلى أزواجهم فيخبرونهم بمعاناتهم فنقول أنت رايته فيقوم إلى الباب فيدخل إلى بيته فيتكيء على سريره فينظر إلى أساس بيته فإذا هو قد أسس على اللؤلؤ ثم ينظر في أخضر وأحمر وأصفر ثم يرفع رأسه إلى سماء بيته فلولا أنه خلق له لا لتمع بصره فيقول ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ والله أعلم.

ص 38:52

والمفسرون كلهم على أن المعنى قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يطمحن إلى غيرهم وقيل قصرن طرف أزواجهن كلهن فلا يدعهم حسنهن وجمالهن أن ينظروا إلى غيرهن وهذا صحيح من جهة المعنى وأما من جهة اللفظ فقاصرات صفة مضافة إلى الفاعل لحسان الوجوه وأصله قاصر طرفهن أي لبس بطامح متعد قال آدم: حدثنا ورقاء عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قال: يقول قاصرات الطرف على أزواجهن فلا يبغين غير أزواجهن قال آدم وحدثنا المبارك بن فضلة عن الحسن قال قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم والله ما هن متبرجات ولا متطلعات وقال منصور عن مجاهد قصرن أبصارهن وقلوبهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم وفي تفسير سعيد عن قتادة قال وقصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم وأما الأتراب فجمع ترب: وهو لذة الإنسان. قال أبو عبيدة: وأبو إسحاق أقران أسنانهن واحدة قال ابن عباس وسائر المفسرين مستويات على سن واحد وميلاد واحد وبنات ثلاث وثلاثين سنة. وقال مجاهد أتراب أمثال. قال إسحاق هن في غاية الشباب والحسن وسمي سن الإنسان وقرنه تربه لأنه مس تراب الأرض معه في وقت واحد والمعنى من الأخيار باستواء أسنانهن أنهن ليس فيهن عجائز قد فات حسنهن، ولا ولائد لا يطقن الوطء، بخلاف الذكور فإن فيهم الولدان وهم الخدم.

ص 38:53

والمفسرون كلهم على أن المعنى قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يطمحن إلى غيرهم وقيل قصرن طرف أزواجهن كلهن فلا يدعهم حسنهن وجمالهن أن ينظروا إلى غيرهن وهذا صحيح من جهة المعنى وأما من جهة اللفظ فقاصرات صفة مضافة إلى الفاعل لحسان الوجوه وأصله قاصر طرفهن أي لبس بطامح متعد قال آدم: حدثنا ورقاء عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قال: يقول قاصرات الطرف على أزواجهن فلا يبغين غير أزواجهن قال آدم وحدثنا المبارك بن فضلة عن الحسن قال قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم والله ما هن متبرجات ولا متطلعات وقال منصور عن مجاهد قصرن أبصارهن وقلوبهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم وفي تفسير سعيد عن قتادة قال وقصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم وأما الأتراب فجمع ترب: وهو لذة الإنسان. قال أبو عبيدة: وأبو إسحاق أقران أسنانهن واحدة قال ابن عباس وسائر المفسرين مستويات على سن واحد وميلاد واحد وبنات ثلاث وثلاثين سنة. وقال مجاهد أتراب أمثال. قال إسحاق هن في غاية الشباب والحسن وسمي سن الإنسان وقرنه تربه لأنه مس تراب الأرض معه في وقت واحد والمعنى من الأخيار باستواء أسنانهن أنهن ليس فيهن عجائز قد فات حسنهن، ولا ولائد لا يطقن الوطء، بخلاف الذكور فإن فيهم الولدان وهم الخدم.

ص 38:54

أهْلُ الجَنَّةِ في مَزِيدٍ دائِمٍ بِلا انْتِهاءٍ فَإنَّ نَعِيمَهم مُتَّصِلٌ مِمَّنْ لا نِهايَةَ لِفَضْلِهِ ولا لِعَطائِهِ، ولا لِمَزِيدِهِ ولا لِأوْصافِهِ. فَتَبارَكَ اللَّهُ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤]. «يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم قامُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ فَسَألُونِي فَأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مَسْألَتَهُ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِمّا عِنْدِي إلّا كَما يُنْقِصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحْرَ».

ص 38:59

قولهم: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ سَنَنْتُمُوهُ لَنا وشَرَعْتُمُوهُ: وقَوْلُهُمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ أيْ: دَخَلُوها كَما دَخَلْناها ومُقاسُونَ عَذابَها كَما نُقاسِيِهِ. فَأجابَهُمُ الأتْباعُ وقالُوا: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ وَفِي الضَّمِيرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ضَمِيرُ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ورَدُّ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ واسْتِبْدالُ غَيْرِهِ بِهِ، والمَعْنى: أنْتُمْ زَيَّنْتُمْ لَنا الكُفْرَ ودَعَوْتُمُونا إلَيْهِ وحَسَّنْتُمُوهُ لَنا، وقِيلَ عَلى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ قَوْلُ الأُمَمِ المُتَأخِّرِينَ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، والمَعْنى عَلى هَذا: أنْتُمْ شَرَعْتُمْ لَنا تَكْذِيبَ الرُّسُلِ ورَدَّ ما جاءُوا بِهِ والشِّرْكَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وبَدَأْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمْتُمُونا إلَيْهِ فَدَخَلْتُمُ النّارَ قَبْلَنا فَبِئْسَ القَرارُ، أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَنزِلُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ ضَمِيرُ العَذابِ وصِلِيِّ النّارِ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ، وهُما حَقٌّ. وَأمّا القائِلُونَ: ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأتْباعُ دَعَوْا عَلى سادَتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ وأئِمَّتِهِمْ بِهِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ حَمَلُوهم عَلَيْهِ ودَعَوْهم إلَيْهِ. وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ سَألُوا رَبَّهم أنْ يَزِيدَ مَن سَنَّ لَهُمُ الشِّرْكَ وتَكْذِيبَ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ ضِعْفًا، وهُمُ الشَّياطِينُ.

ص 38:60

قولهم: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ سَنَنْتُمُوهُ لَنا وشَرَعْتُمُوهُ: وقَوْلُهُمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ أيْ: دَخَلُوها كَما دَخَلْناها ومُقاسُونَ عَذابَها كَما نُقاسِيِهِ. فَأجابَهُمُ الأتْباعُ وقالُوا: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ وَفِي الضَّمِيرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ضَمِيرُ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ورَدُّ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ واسْتِبْدالُ غَيْرِهِ بِهِ، والمَعْنى: أنْتُمْ زَيَّنْتُمْ لَنا الكُفْرَ ودَعَوْتُمُونا إلَيْهِ وحَسَّنْتُمُوهُ لَنا، وقِيلَ عَلى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ قَوْلُ الأُمَمِ المُتَأخِّرِينَ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، والمَعْنى عَلى هَذا: أنْتُمْ شَرَعْتُمْ لَنا تَكْذِيبَ الرُّسُلِ ورَدَّ ما جاءُوا بِهِ والشِّرْكَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وبَدَأْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمْتُمُونا إلَيْهِ فَدَخَلْتُمُ النّارَ قَبْلَنا فَبِئْسَ القَرارُ، أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَنزِلُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ ضَمِيرُ العَذابِ وصِلِيِّ النّارِ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ، وهُما حَقٌّ. وَأمّا القائِلُونَ: ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأتْباعُ دَعَوْا عَلى سادَتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ وأئِمَّتِهِمْ بِهِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ حَمَلُوهم عَلَيْهِ ودَعَوْهم إلَيْهِ. وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ سَألُوا رَبَّهم أنْ يَزِيدَ مَن سَنَّ لَهُمُ الشِّرْكَ وتَكْذِيبَ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ ضِعْفًا، وهُمُ الشَّياطِينُ.

ص 38:61

قولهم: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ سَنَنْتُمُوهُ لَنا وشَرَعْتُمُوهُ: وقَوْلُهُمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ أيْ: دَخَلُوها كَما دَخَلْناها ومُقاسُونَ عَذابَها كَما نُقاسِيِهِ. فَأجابَهُمُ الأتْباعُ وقالُوا: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ وَفِي الضَّمِيرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ضَمِيرُ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ورَدُّ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ واسْتِبْدالُ غَيْرِهِ بِهِ، والمَعْنى: أنْتُمْ زَيَّنْتُمْ لَنا الكُفْرَ ودَعَوْتُمُونا إلَيْهِ وحَسَّنْتُمُوهُ لَنا، وقِيلَ عَلى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ قَوْلُ الأُمَمِ المُتَأخِّرِينَ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، والمَعْنى عَلى هَذا: أنْتُمْ شَرَعْتُمْ لَنا تَكْذِيبَ الرُّسُلِ ورَدَّ ما جاءُوا بِهِ والشِّرْكَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وبَدَأْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمْتُمُونا إلَيْهِ فَدَخَلْتُمُ النّارَ قَبْلَنا فَبِئْسَ القَرارُ، أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَنزِلُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ ضَمِيرُ العَذابِ وصِلِيِّ النّارِ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ، وهُما حَقٌّ. وَأمّا القائِلُونَ: ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأتْباعُ دَعَوْا عَلى سادَتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ وأئِمَّتِهِمْ بِهِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ حَمَلُوهم عَلَيْهِ ودَعَوْهم إلَيْهِ. وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ سَألُوا رَبَّهم أنْ يَزِيدَ مَن سَنَّ لَهُمُ الشِّرْكَ وتَكْذِيبَ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ ضِعْفًا، وهُمُ الشَّياطِينُ.

ص 38:75

فإن قيل: فكيف وقعت (ما) على مَن يعقل كقوله: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾، ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ وأمثال ذلك؟ قيل: هي في هذا كله على أصلها من الإبهام والوقوع على الجنس العام لما يراد بـ (ما) ما يراد بـ (مَن) من التعيين لما يعقل والاختصاص دون الشيوع، ومن فهم حقيقة الكلام وكان له ذوق عرف هذا واستبان له. وأما قوله تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ فهذا كلام ورد في معرض التوبيخ والتبكيت للعين على امتناعه من السجود، ولم يستحق هذا التبكيت والتوبيخ حيث كان السجود لمن يعقل، ولكن للمعصية والتكبر على ما لم يخلقه إذ لا ينبغي التكبر لمخلوق على مثله، إنما التكبر للخالق وحده، فكأنه يقول سبحانه: لم عصيتني وتكبرت على ما لم تخلقه وخلقتُه أنا وشرفته، وأمرتك بالسجود له؟! فهذا موضع (ما) لأن معناها أبلغ ولفظها أعم، وهو في الحجة أوقع وللعذر والشبهة أقطع. فلو قال: ما منعك أن تسجد لمن خلقت، لكان استفهاما مجردا من توبيخ وتبكيت، ولتوهم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل، ولعله موجود في ذاته وعينه، وليس المراد كذلك، وإنما المراد توبيخه وتبكيته على ترك سجوده لما خلق الله وأمره بالسجود له، ولهذا عدل عن اسم آدم العَلَم مع كونه أخص، وأتى بالاسم الموصول الدال على جهة التشريف المقتضية لسجوده له كونه خلقه بيديه. وأنت لو وضعت مكان (ما) لفظة (مَن) لما رأيت هذا المعنى المذكور في الصلة، وأن ما جيء بها وصلة إلى ذكر الصلة. فتأمل ذلك فلا معنى إذا للتعيين بالذكر إذ لو أريد التعيين لكان بالاسم العلم أولى وأحرى. وكذلك قوله: ﴿والسماء وما بناها﴾ لأن القسم تعظيم للمقسم به واستحقاقه للتعظيم من حيث (ما)، وأظهر هذا الخلق العظيم الذي هو السماء، ومن حيث سواها وزينها بحكمته فاستحق التعظيم وثبتت قدرته فلو قال: ومن بناها لم يكن في اللفظ دليل على استحقاقه للقسم من حيث اقتدر على بنائها ولكان المعنى مقصورا على ذاته ونفسه دون الإيماء إلى أفعاله الدالة على عظمته المنبئة عن حكمته المفصحة باستحقاقه للتعظيم من خليقته. وكذلك قولهم: سبحان ما يسبح الرعد بحمده" لأن الرعد صوت عظيم من جرم عظيم والمسبح به لا محالة أعظم فاستحقاقه للتسبيح من حيث يستحقه العظيمات من خلقه، لا من حيث كان يعلم، ولا تقل يعقل في هذا الموضع. فإذا تأملت ما ذكرناه استبان لك قصور من قال إن (ما) مع الفعل في هذا كله سوى الأول في تأويل المصدر، وأنه لم يقدر المعنى حق قدره، فلا لصناعة النحو وفق، ولا لفهم التفسير رزق، وأنه تابع الحز وأخطأ المفصل، وحام ولكن ما ورد المنهل. وقال في (الصواعق المرسلة) إن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع. مفردا، ومثنى، ومجموعا. فالمفرد: كقوله: ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ والمثنى كقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ والمجموع كقوله: ﴿عَمِلَتْ أيْدِينا﴾. فحيث ذكر اليد مثناة. أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعلى بالباء إليهما، وقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. وحيث ذكرها مجموعة أضاف الفعل إليها، ولم يعدّ الفعل بالباء. فهذه ثلاثة فروق: فلا يحتمل «خلقت بيدي» من المجاز ما يحتمله ﴿عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ فإن كل أحد يفهم من قوله: ﴿عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا، كما يفهم ذلك من قوله: ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وأما قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء؟ فكيف إذا ثنيت؟ وسرّ الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد، والمراد الإضافة إليه. كقوله: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى اليد مفردة أو مثناة، فهو مما باشرته يده. ولهذا قال عبد الله بن عمر «إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا خلق آدم بيده، وغرس جنة الفردوس بيده، وكتب التوراة بيده» فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على كل شيء مما خلق بالقدرة. وقد أخبر النبي ﷺ أن «أهل الموقف يأتونه يوم القيامة، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده» وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له «اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك الألواح بيده» وفي لفظ آخر «كتب لك التوراة بيده» وهو من أصح الأحاديث. وكذلك الحديث المشهور «أن الملائكة قالوا: يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون، وينكحون، ويركبون، فأجعل لهم الدنيا ولنا الأخرى، فقال الله تعالى: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن فكان». وهذا التخصيص إنما فهم من قوله «خلقت بيديّ» فلو كان مثل قوله: مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا لكان هو والأنعام في ذلك سواء. فلما فهم المسلمون أن قوله: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يوجب له تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له، وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه: كانت التسوية بينه وبين قوله: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ خطأ محضا.

ص 38:76

فإن قيل: فكيف وقعت (ما) على مَن يعقل كقوله: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾، ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ وأمثال ذلك؟ قيل: هي في هذا كله على أصلها من الإبهام والوقوع على الجنس العام لما يراد بـ (ما) ما يراد بـ (مَن) من التعيين لما يعقل والاختصاص دون الشيوع، ومن فهم حقيقة الكلام وكان له ذوق عرف هذا واستبان له. وأما قوله تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ فهذا كلام ورد في معرض التوبيخ والتبكيت للعين على امتناعه من السجود، ولم يستحق هذا التبكيت والتوبيخ حيث كان السجود لمن يعقل، ولكن للمعصية والتكبر على ما لم يخلقه إذ لا ينبغي التكبر لمخلوق على مثله، إنما التكبر للخالق وحده، فكأنه يقول سبحانه: لم عصيتني وتكبرت على ما لم تخلقه وخلقتُه أنا وشرفته، وأمرتك بالسجود له؟! فهذا موضع (ما) لأن معناها أبلغ ولفظها أعم، وهو في الحجة أوقع وللعذر والشبهة أقطع. فلو قال: ما منعك أن تسجد لمن خلقت، لكان استفهاما مجردا من توبيخ وتبكيت، ولتوهم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل، ولعله موجود في ذاته وعينه، وليس المراد كذلك، وإنما المراد توبيخه وتبكيته على ترك سجوده لما خلق الله وأمره بالسجود له، ولهذا عدل عن اسم آدم العَلَم مع كونه أخص، وأتى بالاسم الموصول الدال على جهة التشريف المقتضية لسجوده له كونه خلقه بيديه. وأنت لو وضعت مكان (ما) لفظة (مَن) لما رأيت هذا المعنى المذكور في الصلة، وأن ما جيء بها وصلة إلى ذكر الصلة. فتأمل ذلك فلا معنى إذا للتعيين بالذكر إذ لو أريد التعيين لكان بالاسم العلم أولى وأحرى. وكذلك قوله: ﴿والسماء وما بناها﴾ لأن القسم تعظيم للمقسم به واستحقاقه للتعظيم من حيث (ما)، وأظهر هذا الخلق العظيم الذي هو السماء، ومن حيث سواها وزينها بحكمته فاستحق التعظيم وثبتت قدرته فلو قال: ومن بناها لم يكن في اللفظ دليل على استحقاقه للقسم من حيث اقتدر على بنائها ولكان المعنى مقصورا على ذاته ونفسه دون الإيماء إلى أفعاله الدالة على عظمته المنبئة عن حكمته المفصحة باستحقاقه للتعظيم من خليقته. وكذلك قولهم: سبحان ما يسبح الرعد بحمده" لأن الرعد صوت عظيم من جرم عظيم والمسبح به لا محالة أعظم فاستحقاقه للتسبيح من حيث يستحقه العظيمات من خلقه، لا من حيث كان يعلم، ولا تقل يعقل في هذا الموضع. فإذا تأملت ما ذكرناه استبان لك قصور من قال إن (ما) مع الفعل في هذا كله سوى الأول في تأويل المصدر، وأنه لم يقدر المعنى حق قدره، فلا لصناعة النحو وفق، ولا لفهم التفسير رزق، وأنه تابع الحز وأخطأ المفصل، وحام ولكن ما ورد المنهل. وقال في (الصواعق المرسلة) إن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع. مفردا، ومثنى، ومجموعا. فالمفرد: كقوله: ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ والمثنى كقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ والمجموع كقوله: ﴿عَمِلَتْ أيْدِينا﴾. فحيث ذكر اليد مثناة. أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعلى بالباء إليهما، وقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. وحيث ذكرها مجموعة أضاف الفعل إليها، ولم يعدّ الفعل بالباء. فهذه ثلاثة فروق: فلا يحتمل «خلقت بيدي» من المجاز ما يحتمله ﴿عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ فإن كل أحد يفهم من قوله: ﴿عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا، كما يفهم ذلك من قوله: ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وأما قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء؟ فكيف إذا ثنيت؟ وسرّ الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد، والمراد الإضافة إليه. كقوله: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى اليد مفردة أو مثناة، فهو مما باشرته يده. ولهذا قال عبد الله بن عمر «إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا خلق آدم بيده، وغرس جنة الفردوس بيده، وكتب التوراة بيده» فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على كل شيء مما خلق بالقدرة. وقد أخبر النبي ﷺ أن «أهل الموقف يأتونه يوم القيامة، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده» وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له «اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك الألواح بيده» وفي لفظ آخر «كتب لك التوراة بيده» وهو من أصح الأحاديث. وكذلك الحديث المشهور «أن الملائكة قالوا: يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون، وينكحون، ويركبون، فأجعل لهم الدنيا ولنا الأخرى، فقال الله تعالى: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن فكان». وهذا التخصيص إنما فهم من قوله «خلقت بيديّ» فلو كان مثل قوله: مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا لكان هو والأنعام في ذلك سواء. فلما فهم المسلمون أن قوله: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يوجب له تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له، وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه: كانت التسوية بينه وبين قوله: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ خطأ محضا.

ص 38:82

ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ (٨٢) إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ (٨٣)﴾. فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، عز وجل، وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم.

ص 38:83

ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ (٨٢) إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ (٨٣)﴾. فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، عز وجل، وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم.

ص 38:86

وقد ذم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المتنطعين في الدين، وأخبر بمهلكهم حيث يقول: "ألا هَلَكَ المُتَنَطعُونَ، ألا هَلَكَ المُتَنَطعُونَ، ألا هَلَكَ المُتَنَطعُونَ". وقال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة عن مسعر قال: "أخرج إلى معن بن عبد الرحمن كتابًا، وحلف بالله أنه خط أبيه، فإذا فيه: قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره ما رأيت أحدًا كان أشد على المتنطعين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا رأيت بعده أحدًا أشد خوفًا عليهم من أبي بكر، وإني لأظن عمر رضي الله عنه كان أشد أهل الأرض خوفًا عليهم". وكان عليه الصلاة والسلام يبغض المتعمقين، حتى إنه لما واصل بهم ورأى الهلال. قال: "لَوْ تَأخّرَ الهِلالُ لَواصَلتُ وِصالا يَدَعُ المُتَعَمقُونَ تَعَمُّقَهُمْ، كالمَنكلِ بهِمْ". وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا، اقتداء بنبيهم صلى الله تعالى وسلم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَن كانَ مِنكم مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَن قَدْ ماتَ، فَإنَّ الحَيَّ لا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ: أبَرُّ هَذِهِ الأُمَّةِ قُلُوبًا، وأعْمَقُها عِلْمًا، وأقَلُّها تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، فاعْرِفُوا لَهم حَقَّهُمْ، وتَمَسَّكُوا بِهَدْيِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا عَلى الهَدْيِ المُسْتَقِيمِ". وقال أنس رضي الله عنه: "كنا عند عمر رضي الله عنه، فسمعته يقول: نهينا عن التكلف". وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها. من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا". وقال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب كان يقول: "سُنَّت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالًا". وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " يَحْمِلُ هذا العِلُمَ مِن كُل خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغالِينَ، وانْتِحالِ المُبْطِلِينَ، وتَأْوِيلَ الجاهِلِينَ". فأخبر أن الغالبين يحرفون ما جاء به. والمبطلون ينتحلون بباطلهم غير ما كان عليه. والجاهلون يتأولونه على غير تأويله. وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاثة. فلولا أن الله تعالى يقيم لدينه من ينفي عنه ذلك لجرى عليه ما جرى على أديان الأنبياء قبله من هؤلاء.

الزمر 39:6

قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ فَإن كل حجاب من هَذِه الحجب لَهُ ظلمَة تخصه فَذكر سُبْحانَهُ أطوار خلقه ونَقله فِيها من حال إلى حال وذكر ظلمات الحجب الَّتِي على الجَنِين فَقالَ أكثر المُفَسّرين: هِيَ ظلمَة البَطن، وظلمة الرَّحِم، وظلمة المشيمة، فَإن كل واحِد من هَذِه حجاب على الجَنِين. وَقالَ آخَرُونَ هي ظلمَة أصلاب الآباء، وظلمة بطُون الأُمَّهات، وظلمة المشيمة. وأضعف من هَذا القَوْل قَول من قالَ ظلمَة اللَّيْل، وظلمة البَطن، وظلمة الرَّحِم، فَإن اللَّيْل والنَّهار بِالنِّسْبَةِ إلى الجَنِين سَواء. وَقالَ بقراط إن المَرْأة إذا حبلت لم تألم من اجْتِماع الدَّم الَّذِي ينزل ويجتمع حول رَحمها ولا تحس بِضعْف كَما تحس إذا انحدر الطمث لِأنَّها لا يثور دَمها في كل شهر لكنه ينزل إلى الرَّحِم في كل يَوْم قَلِيلا قَلِيلا نزولا ساكِنا من غير وجع فَإذا أتى إلى الرَّحِم اغتذى مِنهُ الجَنِين ونما ثمَّ قالَ وعَلى غير بعيد من ذَلِك إذا خلق للجنين لحم وجسد تكون الحجب وإذا كبر كَبرت الحجب أيْضا وصارَ لَها تجويف خارج من الجَنِين فَإذا نزل الدَّم من الأُم جذبه الجَنِين واغتذى بِهِ فيزيد في لَحْمه والرديء من الدَّم الَّذِي لا يصلح للغذاء ينزل إلى مجاري الحجب وكَذَلِكَ تسمى الحجب الَّتِي إذا صار لَها تجويف يقبل الدَّم المشيمة وَقالَ إذا تمّ الجَنِين وكملت صورته واجتذب الدَّم لغذائه بالمقدار اتسعت الحجب وظَهَرت المشيمة الَّتِي تكون من الآلات الَّتِي ذكرنا فَإن اتَّسع داخلها اتَّسع خارِجها لِأنَّهُ أولى بذلك لِأن لَهُ موضعا يَمْتَد إلَيْهِ.

الزمر 39:7

إنه سبحانه يجب أن يشكر ويحب أن يشكر عقلا وشرعا وفطرة، فوجوب شكره أظهر من وجوب شكره أظهر من وجوب كل واجب، وكيف لا يجب على العباد حمده وتوحيده ومحبته وذكر آلائه وإحسانه وتعظيمه وتكبيره والخضوع له والتحدث بنعمته والإقرار بها بجميع طرق الوجوب، فالشكر أحب شيء إليه وأعظم ثوابا، وأنه خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع، وذلك يستلزم خلق الأسباب التي يكون الشكر بها أكمل، ومن جملتها أن فاوت بين عباده في صفاتهم الظاهرة والباطنة في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم وآجالهم. فإذا رأى المعافى المبتلى، والغني الفقير، والمؤمن الكافر عظم شكره لله، وعرف قدر نعمته عليه، وما خصه به وفضله به على غيره، فازداد شكرا وخضوعا واعترافا بالنعمة. وفي أثر ذكره الإمام أحمد في الزهد: "أن موسى قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكر". فإن قيل فقد كان من الممكن أن يسوي بينهم في النعم ويسوي بينهم في الشكر كما فعل بالملائكة؟ قيل لو فعل ذلك لكان الحاصل من الشكر نوع آخر غير النوع الحاصل منه على هذا الوجه، والشكر الواقع على التفضيل والتخصيص أعلى وأفضل من غيره، ولهذا كان شكر الملائكة وخضوعهم وذلهم لعظمته وجلاله بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له، ومن هاروت وماروت ما شاهدوه أعلى وأكمل مما كان قبله. وهذه حكمة الرب، ولهذا كان شكر الأنبياء وأتباعهم بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم، وانتقام الرب منهم، وما أنزل بهم من بأسه أعلى وأكمل. وكذلك شكر أهل الجنة في الجنة وهم يشاهدون أعداءه المكذبين لرسله المشركين به في ذلك العذاب، فلا ريب أن شكرهم حينئذ ورضاهم ومحبتهم لربهم أكمل وأعظم مما لو قدر اشتراك جميع الخلق في النعيم، فالمحبة الحاصلة من أوليائه له والرضا والشكر وهم يشاهدون بين جنسهم في ضد ذلك من كل وجه أكمل وأتم. فالضد يظهر حسنه الضد. وبضدها تتبين الأشياء. ولولا خلق القبيح لما عرفت فضيلة الجمال والحسن، ولولا خلق الظلام لما عرفت فضيلة النور، ولولا خلق أنواع البلاء لما عرف قدر العافية، ولولا الجحيم لما عرف قدر الجنة، ولو جعل الله سبحانه النهار سرمدا لما عرف قدره، ولو جعل الليل سرمدا لما عرف قدره، وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الفقر من قاسى مرائر الفقر والحاجة، ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عرف قدر الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عرف قدر الإيمان والنعمة به فتبارك من له في خلقه وأمره الحكم البوالغ والنعم السوابغ يوضحه. (مسألة) فإن قيل: فهل يرضى الرب سبحانه ما قضى به من الكفر والفسوق والعصيان بوجه من الوجوه؟ قيل هذا الموضع أشكل من الذي قبله. قال كثير من الأشعرية بل جمهورهم ومن اتّبعهم أن الرضا والمحبة والإرادة في حق الرب تعالى بمعنى واحد، وأن كل ما شاءه وأراده فقد أحبه ورضيه ثم أوردوا على أنفسهم هذا السؤال وأجابوا بأنه لا يمتنع أن يقال إنه يرضى بها، ولكن لا على وجه التخصيص بل يقال يرضى بكل ما خلقه وقضاه وقدره، ولا نفرد من ذلك الأمور المذمومة كما يقال هو رب كل شيء ولا يقال رب كذا وكذا للأشياء الحقيرة الخسيسة. وهذا تصريح منهم بأنه راض بها في نفس الأمر وإنما امتنع الإطلاق أدبا واحتراما فقط فلما أورد عليهم قوله: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ أجابوا عنه بجوابين: أحدهما ممن لم يقع منه وأما من وقع منه فهو يرضاه إذ هو بمشيئته وإرادته. والثاني لا يرضاه لهم دينا أي لا يشرعه لهم ولا يأمرهم به ويرضاه منهم كونا وعلى قولهم فيكون معنى الآية ولا يرضى لعباده الكفر حيث لم يوجد منهم فلو وجد منهم أحبه ورضيه وهذا في البطلان والفساد كما تراه وقد أخبر سبحانه أنه لا يرضى ما وجد من ذلك وإن وقع بمشيئته كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ فهذا قول واقع بمشيئته وتقديره وقد أخبر سبحانه أنه لا يرضاه. وكذلك قوله سبحانه: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ فهو سبحانه لا يحبه كونا ولا دينا وإن وقع بتقديره، كما لا يحب إبليس وجنوده وفرعون وحزبه وهو ربهم وخالقهم فمن جعل المحبة والرضا بمعنى الإرادة والمشيئة لزمه أن يكون الله سبحانه محبا لإبليس وجنوده وفرعون وهامان وقارون وجميع الكفار وكفرهم والظلمة وفعلهم وهذا كما أنه خلاف القرآن والسنة والإجماع المعلوم بالضرورة فهو خلاف ما عليه فطر العالمين التي لم تغير بالتواطي والتواصي بالأقوال الباطلة وقد أخبر سبحانه أنه يمقت أفعالا كثيرة ويكرهها ويبغضها ويسخطها فقال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ وقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ ومحال حمل هذه الكراهة على غير الكراهة الدينية الأمرية لأنه أمرهم بالجهاد. وقال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ فأخبر أنه يكره ويبغض ويمقت ويسخط ويعادي ويذم ويلعن ومحال أنه يحب ذلك ويرضى به وهو سبحانه يكره ويتقدس عن محبة ذلك وعن الرضا به بل لا يليق ذلك بعبده فإنه نقص وعيب في المخلوق أن يحب الفساد والشر والظلم والبغي والكفر ويرضاه فكيف يجوز نسبة ذلك إلى الله تبارك وتعالى. وهذا الأصل من أعظم ما غلط فيه كثير من مثبتي القدر، وغلطهم فيه يوازن غلط النفاة في إنكار القدر أو هو أقبح منه وبه وتسلط عليهم النفاة وتمادوا على قبح قولهم وأعظموا الشناعة عليهم به. فهؤلاء قالوا يحب الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي والفساد وأولئك قالوا لا يدخل تحت مشيئته وقدرته وخلقه وأولئك قالوا لا يكون في ملكه إلا ما يحبه ويرضاه وهؤلاء قالوا يكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون. فسبحان الله وتعالى عما يقول الفريقان علوا كبيرا، والحمد لله الذي هدانا لما أرسل به رسوله وأنزل به كتابه وفطر عليه عباده وبرأنا من بدع هؤلاء وهؤلاء فله الحمد والمنة والفضل والنعمة والثناء الحسن، ونسأله التوفيق لما يحبه يرضاه وأن يجنبنا مضلات البدع والفتن. (فصل) فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أمْرًا لا يَرْضاهُ ولا يُحِبُّهُ؟ وكَيْفَ يَشاؤُهُ ويُكَوِّنُهُ؟ وكَيْفَ تَجْتَمِعُ إرادَةُ اللَّهِ لَهُ وبُغْضُهُ وكَراهِيَتُهُ؟ قِيلَ: هَذا السُّؤالُ هو الَّذِي افْتَرَقَ النّاسُ لِأجْلِهِ فِرَقًا، وتَبايَنَتْ عِنْدَهُ طُرُقُهم وأقْوالُهم. فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ نَوْعانِ: مُرادٌ لِنَفْسِهِ. ومُرادٌ لِغَيْرِهِ. فالمُرادُ لِنَفْسِهِ: مَطْلُوبٌ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ ولِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ. فَهو مُرادُ إرادَةِ الغاياتِ والمَقاصِدِ. والمُرادُ لِغَيْرِهِ: قَدْ لا يَكُونُ في نَفْسِهِ مَقْصُودًا لِلْمُرِيدِ، ولا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ. وإنْ كانَ وسِيلَةً مَقْصُودَةً ومُرادَةً. فَهو مَكْرُوهٌ لَهُ مِن حَيْثُ نَفْسُهُ وذاتُهُ، مُرادٌ لَهُ مِن حَيْثُ إفْضاؤُهُ وإيصالُهُ إلى مُرادِهِ. فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الأمْرانِ: بُغْضُهُ، وإرادَتُهُ، ولا يَتَنافَيانِ. لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِهِما. وهَذا كالدَّواءِ المُتَناهِي في الكَراهَةِ، إذا عَلِمَ مُتَناوِلُهُ أنَّ فِيهِ شِفاءَهُ، وكَقَطْعِ العُضْوِ المُتَآكِلِ إذا عُلِمَ أنَّ في قَطْعِهِ بَقاءَ جَسَدِهِ، وكَقَطْعِ المَسافَةِ الشّاقَّةِ جِدًّا إذا عُلِمَ أنَّها تُوصِلُهُ إلى مُرادِهِ ومَحْبُوبِهِ. بَلِ العاقِلُ يَكْتَفِي في إيثارِ هَذا المَكْرُوهِ وإرادَتِهِ بِالظَّنِّ الغالِبِ، وإنْ خَفِيَتْ عَنْهُ عاقِبَتُهُ، وطُوِيَتْ عَنْهُ مَغَبَّتُهُ، فَكَيْفَ بِمَن لا تَخْفى عَلَيْهِ العَواقِبُ؟ فَهو سُبْحانَهُ وتَعالى يَكْرَهُ الشَّيْءَ ويُبْغِضُهُ في ذاتِهِ. ولا يُنافِي ذَلِكَ إرادَتَهُ لِغَيْرِهِ، وكَوْنَهُ سَبَبًا إلى ما هو أحَبُّ إلَيْهِ مِن فَوْتِهِ. مِثالُ ذَلِكَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ إبْلِيسَ، الَّذِي هو مادَّةٌ لِفَسادِ الأدْيانِ والأعْمالِ، والِاعْتِقاداتِ والإراداتِ، وهو سَبَبُ شَقاوَةِ العَبِيدِ، وعَمَلِهِمْ بِما يُغْضِبُ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى. وهو السّاعِي في وُقُوعِ خِلافِ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضاهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ وكُلِّ حِيلَةٍ. فَهو مَبْغُوضٌ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، مَسْخُوطٌ لَهُ. لَعَنَهُ اللَّهُ ومَقَتَهُ. وغَضِبَ عَلَيْهِ. ومَعَ هَذا فَهو وسِيلَةٌ إلى مَحابَّ كَثِيرَةٍ لِلرَّبِّ تَعالى تَرَتَّبَتْ عَلى خَلْقِهِ. وجُودُها أحَبُّ إلَيْهِ مِن عَدَمِها. مِنها: أنْ تَظْهَرَ لِلْعِبادِ قُدْرَةُ الرَّبِّ تَعالى عَلى خَلْقِ المُتَضادّاتِ المُتَقابِلاتِ فَخَلَقَ هَذِهِ الذّاتَ - الَّتِي هي أخْبَثُ الذَّواتِ وشَرُّها. وهي سَبَبُ كُلِّ شَرٍّ - في مُقابَلَةِ ذاتِ جِبْرِيلَ، الَّتِي هي أشْرَفُ الذَّواتِ، وأطْهَرُها وأزْكاها. وهي مادَّةُ كُلِّ خَيْرٍ. فَتَبارَكَ اللَّهُ خالِقُ هَذا وهَذا. كَما ظَهَرَتْ لَهم قُدْرَتُهُ التّامَّةُ في خَلْقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، والضِّياءِ والظَّلامِ، والدّاءِ والدَّواءِ، والحَياةِ والمَوْتِ، والحَرِّ والبَرْدِ، والحَسَنِ والقَبِيحِ، والأرْضِ والسَّماءِ، والذَّكَرِ والأُنْثى، والماءِ والنّارِ، والخَيْرِ والشَّرِّ. وَذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى كَمالِ قُدَرَتِهِ وعِزَّتِهِ، وسُلْطانِهِ ومُلْكِهِ. فَإنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ المُتَضادّاتِ. وقابَلَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. وسَلَّطَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ. وجَعَلَها مَحالَّ تَصَرُّفِهِ وتَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ. فَخُلُوُّ الوُجُودِ عَنْ بَعْضِها بِالكُلِّيَّةِ تَعْطِيلٌ لِحِكْمَتِهِ، وكَمالِ تَصَرُّفِهِ وتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ. وَمِنها: ظُهُورُ آثارِ أسْمائِهِ القَهْرِيَّةِ، مِثْلَ القَهّارِ، والمُنْتَقِمِ، والعَدْلِ، والضّارِّ، وشَدِيدِ العِقابِ، وسَرِيعِ الحِسابِ، وذِي البَطْشِ الشَّدِيدِ، والخافِضِ، والمُذِلِّ. فَإنَّ هَذِهِ الأسْماءَ والأفْعالَ كَمالٌ. فَلا بُدَّ مِن وُجُودِ مُتَعَلِّقِها. ولَوْ كانَ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى طَبِيعَةِ المَلَكِ لَمْ يَظْهَرْ أثَرُ هَذِهِ الأسْماءِ والأفْعالِ. وَمِنها: ظُهُورُ آثارِ أسْمائِهِ المُتَضَمِّنَةِ لِحِلْمِهِ وعَفْوِهِ، ومَغْفِرَتِهِ وسِتْرِهِ، وتَجاوُزِهِ عَنْ حَقِّهِ، وعِتْقِهِ لِمَن شاءَ مِن عَبِيدِهِ. فَلَوْلا خَلْقُ ما يَكْرَهُ مِنَ الأسْبابِ المُفْضِيَةِ إلى ظُهُورِ آثارِ هَذِهِ الأسْماءِ لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ الحِكَمُ والفَوائِدُ. وقَدْ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى هَذا بِقَوْلِهِ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، ولَجاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ. فَيَغْفِرُ لَهُمْ». وَمِنها: ظُهُورُ آثارِ أسْماءِ الحِكْمَةِ والخِبْرَةِ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الحَكِيمُ الخَبِيرُ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. ويُنْزِلُها مَنازِلَها اللّائِقَةَ بِها. فَلا يَضَعُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. ولا يُنْزِلُهُ غَيْرَ مَنزِلِهِ، الَّتِي يَقْتَضِيها كَمالُ عِلْمِهِ وحِكْمَتُهُ وخِبْرَتُهُ. فَلا يَضَعُ الحِرْمانَ والمَنعَ مَوْضِعَ العَطاءِ والفَضْلِ. ولا الفَضْلَ والعَطاءَ مَوْضِعَ الحِرْمانِ والمَنعِ. ولا الثَّوابَ مَوْضِعَ العِقابِ، ولا العِقابَ مَوْضِعَ الثَّوابِ، ولا الخَفْضَ مَوْضِعَ الرَّفْعِ، ولا الرَّفْعَ مَوْضِعَ الخَفْضِ، ولا العِزَّ مَكانَ الذُّلِّ، ولا الذُّلَّ مَكانَ العِزِّ، ولا يَأْمُرُ بِما يَنْبَغِي النَّهْيُ عَنْهُ، ولا يَنْهى عَمّا يَنْبَغِي الأمْرُ بِهِ. فَهُوَ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. وأعْلَمُ بِمَن يَصْلُحُ لِقَبُولِها. ويَشْكُرُهُ عَلى انْتِهائِها إلَيْهِ ووُصُولِها. وأعْلَمُ بِمَن لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ ولا يَسْتَأْهِلُهُ. وأحْكَمُ مِن أنْ يَمْنَعَها أهْلَها. وأنْ يَضَعَها عِنْدَ غَيْرِ أهْلِها. فَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ الأسْبابِ المَكْرُوهَةِ البَغِيضَةِ لَهُ لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ الآثارُ. ولَمْ تَظْهَرْ لِخَلْقِهِ. ولَفاتَتِ الحِكَمُ والمَصالِحُ المُتَرَتِّبَةُ عَلَيْها. وفَواتُها شَرٌّ مِن حُصُولِ تِلْكَ الأسْبابِ. فَلَوْ عُطِّلَتْ تِلْكَ الأسْبابُ - لِما فِيها مِنَ الشَّرِّ - لَتَعَطَّلَ الخَيْرُ الَّذِي هو أعْظَمُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي في تِلْكَ الأسْبابِ. وهَذا كالشَّمْسِ والمَطَرِ والرِّياحِ الَّتِي فِيها مِنَ المَصالِحِ ما هو أضْعافُ أضْعافِ ما يَحْصُلُ بِها مِنَ الشَّرِّ والضَّرَرِ. فَلَوْ قُدِّرَ تَعْطِيلُها - لِئَلّا يَحْصُلَ مِنها ذَلِكَ الشَّرُّ الجُزْئِيُّ - لَتَعَطَّلَ مِنَ الخَيْرِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ الشَّرِّ بِما لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ. (فَصْلٌ) وَمِنها: حُصُولُ العُبُودِيَّةِ المُتَنَوِّعَةِ الَّتِي لَوْلا خَلْقُ إبْلِيسَ لَما حَصَلَتْ. ولَكانَ الحاصِلُ بَعْضَها، لا كُلَّها. فَإنَّ عُبُودِيَّةَ الجِهادِ مِن أحَبِّ أنْواعِ العُبُودِيَّةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. ولَوْ كانَ النّاسُ كُلُّهم مُؤْمِنِينَ لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ العُبُودِيَّةُ وتَوابِعُها: مِنَ المُوالاةِ فِيهِ سُبْحانَهُ، والمُعاداةِ فِيهِ، والحُبِّ فِيهِ والبُغْضِ فِيهِ. وبَذْلِ النَّفْسِ لَهُ في مُحارَبَةِ عَدُوِّهِ، وعُبُودِيَّةُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وعُبُودِيَّةُ الصَّبْرِ ومُخالَفَةُ الهَوى، وإيثارُ مَحابِّ الرَّبِّ عَلى مَحابِّ النَّفْسِ. وَمِنها: عُبُودِيَّةُ التَّوْبَةِ، والرُّجُوعُ إلَيْهِ واسْتِغْفارُهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ التَّوّابِينَ. ويُحِبُّ تَوْبَتَهم. فَلَوْ عُطِّلَتِ الأسْبابُ الَّتِي يُتابُ مِنها لَتَعَطَّلَتْ عُبُودِيَّةُ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارُ مِنها. وَمِنها: عُبُودِيَّةُ مُخالَفَةِ عَدُوِّهِ، ومُراغَمَتِهِ في اللَّهِ، وإغاظَتِهِ فِيهِ. وهي مِن أحَبِّ أنْواعِ العُبُودِيَّةِ إلَيْهِ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ مِن ولِيِّهِ أنْ يَغِيظَ عَدُوَّهُ ويُراغِمَهُ ويَسُوءَهُ. وهَذِهِ عُبُودِيَّةٌ لا يَتَفَطَّنُ لَها إلّا الأكْياسُ. وَمِنها: أنْ يَتَعَبَّدَ لَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن عَدُوِّهِ، وسُؤالِهِ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ، ويَعْصِمَهُ مِن كَيْدِهِ وأذاهُ. وَمِنها: أنَّ عَبِيدَهُ يَشْتَدُّ خَوْفُهم وحَذَرُهم إذا رَأوْا ما حَلَّ بِعَدُوِّهِ بِمُخالَفَتِهِ، وسُقُوطِهِ مِنَ المَرْتَبَةِ المَلَكِيَّةِ إلى المَرْتَبَةِ الشَّيْطانِيَّةِ. فَلا يَخْلُدُونَ إلى غُرُورِ الأمَلِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمِنها: أنَّهم يَنالُونَ ثَوابَ مُخالَفَتِهِ ومُعاداتِهِ، الَّذِي حُصُولُهُ مَشْرُوطٌ بِالمُعاداةِ والمُخالَفَةِ. فَأكْثَرُ عِباداتِ القُلُوبِ والجَوارِحِ مُرَتَّبَةٌ عَلى مُخالَفَتِهِ. وَمِنها: أنَّ نَفْسَ اتِّخاذِهِ عَدُوًّا مِن أكْبَرِ أنْواعِ العُبُودِيَّةِ وأجَلِّها. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. فاتِّخاذُهُ عَدُوًّا أنْفَعُ شَيْءٍ لِلْعَبْدِ. وهو مَحْبُوبٌ لِلرَّبِّ. وَمِنها: أنَّ الطَّبِيعَةَ البَشَرِيَّةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، والطَّيِّبِ والخَبِيثِ. وذَلِكَ كامِنٌ فِيها كُمُونَ النّارِ في الزِّنادِ. فَخُلِقَ الشَّيْطانُ مُسْتَخْرِجًا لِما في طَبائِعِ أهْلِ الشَّرِّ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ. وأُرْسِلَتِ الرُّسُلُ تَسْتَخْرِجُ ما في طَبِيعَةِ أهْلِ الخَيْرِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ. فاسْتَخْرَجَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ما في قُوى هَؤُلاءِ مِنَ الخَيْرِ الكامِنِ فِيها، لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ آثارُهُ، وما في قُوى أُولَئِكَ مِنَ الشَّرِّ، لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ آثارُهُ، وتَظْهَرَ حِكْمَتُهُ في الفَرِيقَيْنِ. ويَنْفُذَ حُكْمُهُ فِيهِما. ويَظْهَرَ ما كانَ مَعْلُومًا لَهُ مُطابِقًا لِعِلْمِهِ السّابِقِ. وَهَذا هو السُّؤالُ الَّذِي سَألَتْهُ مَلائِكَتُهُ حِينَ قالُوا ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. فَظَنَّتِ المَلائِكَةُ أنَّ وُجُودَ مَن يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ويُطِيعُهُ ويَعْبُدُهُ أوْلى مِن وُجُودِ مَن يَعْصِيهِ ويُخالِفُهُ. فَأجابَهم سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يَعْلَمُ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ في خَلْقِ هَذا النَّوْعِ ما لا تَعْلَمُهُ المَلائِكَةُ. وَمِنها: أنَّ ظُهُورَ كَثِيرٍ مِن آياتِهِ وعَجائِبِ صُنْعِهِ: حَصَلَ بِسَبَبِ وُقُوعِ الكُفْرِ والشِّرْكِ مِنَ النُّفُوسِ الكافِرَةِ الظّالِمَةِ، كَآيَةِ الطُّوفانِ، وآيَةِ الرِّيحِ، وآيَةِ إهْلاكِ ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ، وآيَةِ انْقِلابِ النّارِ عَلى إبْراهِيمَ بَرْدًا وسَلامًا، والآياتِ الَّتِي أجْراها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ مُوسى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِهِ الَّتِي يَقُولُ سُبْحانَهُ عُقَيْبَ ذِكْرِ كُلِّ آيَةٍ مِنها في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٨]. فَلَوْلا كُفْرُ الكافِرِينَ. وعِنادُ الجاحِدِينَ، لَما ظَهَرَتْ هَذِهِ الآياتُ الباهِرَةُ، الَّتِي يَتَحَدَّثُ بِها النّاسُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ إلى الأبَدِ. وَمِنها: أنَّ خَلْقَ الأسْبابِ المُتَقابِلَةِ الَّتِي يَقْهَرُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَكْسِرُ بَعْضُها بَعْضًا: هو مِن شَأْنِ كَمالِ الرُّبُوبِيَّةِ، والقُدْرَةِ النّافِذَةِ، والحِكْمَةِ التّامَّةِ، والمُلْكِ الكامِلِ - وإنْ كانَ شَأْنُ الرُّبُوبِيَّةِ كامِلًا في نَفْسِهِ، ولَوْ لَمْ تُخْلَقْ هَذِهِ الأسْبابُ - لَكِنَّ خَلْقَها مِن لَوازِمِ كَمالِهِ ومُلْكِهِ، وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ. فَظُهُورُ تَأْثِيرِها وأحْكامِها في عالَمِ الشَّهادَةِ: تَحْقِيقٌ لِذَلِكَ الكَمالِ، ومُوجِبٌ مِن مُوجِباتِهِ. فَتَعْمِيرُ مَراتِبِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ بِأحْكامِ الصِّفاتِ مِن آثارِ الكَمالِ الإلَهِيِّ المُطْلَقِ بِجَمِيعِ وُجُوهِهِ وأقْسامِهِ وغاياتِهِ. وَبِالجُمْلَةِ: فالعُبُودِيَّةُ والآياتُ والعَجائِبُ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلى خَلْقِ ما لا يُحِبُّهُ ولا يَرْضاهُ وتَقْدِيرُهُ ومَشِيئَتُهُ: أحَبُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن فَواتِها وتَعْطِيلِها بِتَعْطِيلِ أسْبابِها. فَإنْ قُلْتَ: فَهَلْ كانَ يُمْكِنُ وُجُودُ تِلْكَ الحِكَمِ بِدُونِ هَذِهِ الأسْبابِ؟ قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ باطِلٌ. إذْ هو فَرْضُ وُجُودِ المَلْزُومِ بِدُونِ لازِمِهِ. كَفَرْضِ وُجُودِ الِابْنِ بِدُونِ الأبِ، والحَرَكَةِ بِدُونِ المُتَحَرِّكِ، والتَّوْبَةِ بِدُونِ التّائِبِ. فَإنْ قُلْتَ: فَإذا كانَتْ هَذِهِ الأسْبابُ مُرادَةً، لِما تُفْضِي إلَيْهِ مِنَ الحِكَمِ، فَهَلْ تَكُونُ مَرَضِيَّةً مَحْبُوبَةً مِن هَذا الوَجْهِ، أمْ هي مَسْخُوطَةٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ؟ قُلْتُ: هَذا السُّؤالُ يُورَدُ عَلى وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: مِن جِهَةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى. وهَلْ يَكُونُ مُحِبًّا لَها مِن جِهَةِ إفْضائِها إلى مَحْبُوبِهِ، وإنْ كانَ يُبْغِضُها لِذاتِها؟ الثّانِي: مِن جِهَةِ العَبْدِ. وهو أنَّهُ هَلْ يُسَوَّغُ لَهُ الرِّضا بِها مِن تِلْكَ الجِهَةِ أيْضًا؟ فَهَذا سُؤالٌ لَهُ شَأْنٌ. فاعْلَمْ أنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ يَرْجِعُ إلى العَدَمِ - أعْنِي عَدَمَ الخَيْرِ وأسْبابِهِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ - وهو مِن هَذِهِ الجِهَةِ شَرٌّ. وأمّا مِن جِهَةِ وُجُودِهِ المَحْضِ فَلا شَرَّ فِيهِ. مِثالُهُ: أنَّ النُّفُوسَ الشِّرِّيرَةَ وُجُودُها خَيْرٌ، مِن حَيْثُ هي مَوْجُودَةٌ. وإنَّما حَصَلَ لَها الشَّرُّ بِقَطْعِ مادَّةِ الخَيْرِ عَنْها. فَإنَّها خُلِقَتْ في الأصْلِ مُتَحَرِّكَةً لا تَسْكُنُ. فَإنْ أُعِينَتْ بِالعِلْمِ وإلْهامِ الخَيْرِ تَحَرَّكَتْ. وإنْ تُرِكَتْ تَحَرَّكَتْ بِطَبْعِها إلى خِلافِهِ، وحَرَكَتُها مِن حَيْثُ هي حَرَكَةُ خَيْرٍ. وإنَّما تَكُونُ شَرًّا بِالإضافَةِ، لا مِن حَيْثُ هي حَرَكَةٌ. والشَّرُّ كُلُّهُ ظُلْمٌ. وهو وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. فَلَوْ وُضِعَ في مَوْضِعِهِ لَمْ يَكُنْ شَرًّا. فَعُلِمَ أنَّ جِهَةَ الشَّرِّ فِيهِ: نِسْبَةٌ إضافِيَّةٌ. ولِهَذا كانَتِ العُقُوباتُ المَوْضُوعاتُ في مَحالِّها خَيْرًا في نَفْسِها. وإنْ كانَتْ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلى المَحَلِّ الَّذِي حَلَّتْ بِهِ، لِما أحْدَثَتْ فِيهِ مِنَ الألَمِ الَّذِي كانَتِ الطَّبِيعَةُ قابِلَةً لِضِدِّهِ مِنَ اللَّذَّةِ، مُسْتَعِدَّةً لَهُ. فَصارَ ذَلِكَ الألَمُ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها. وهو خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الفاعِلِ، حَيْثُ وضَعَهُ مَوْضِعَهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْلُقُ شَرًّا مَحْضًا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ والِاعْتِباراتِ، فَإنَّ حِكْمَتَهُ تَأْبى ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ شَرًّا ومَفْسَدَةً بِبَعْضِ الِاعْتِباراتِ، وفي خَلْقِهِ مَصالِحُ وحِكَمٌ بِاعْتِباراتٍ أُخَرَ، أرْجَحَ مِنِ اعْتِباراتِ مَفاسِدِهِ. بَلِ الواقِعُ مُنْحَصِرٌ في ذَلِكَ. فَلا يُمْكِنُ في جَنابِ الحَقِّ - جَلَّ جَلالُهُ - أنْ يُرِيدَ شَيْئًا يَكُونُ فَسادًا مِن كُلِّ وجْهٍ بِكُلِّ اعْتِبارٍ. لا مَصْلَحَةَ في خَلْقِهِ بِوَجْهٍ ما. هَذا مِن أبْيَنِ المُحالِ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بِيَدِهِ الخَيْرُ، والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْهِ. بَلْ كُلُّ ما إلَيْهِ فَخَيْرٌ. والشَّرُّ إنَّما حَصَلَ لِعَدَمِ هَذِهِ الإضافَةِ والنِّسْبَةِ إلَيْهِ. فَلَوْ كانَ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ شَرًّا. فَتَأمَّلْهُ. فانْقِطاعُ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ هو الَّذِي صَيَّرَهُ شَرًّا. فَإنْ قُلْتَ: لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ خَلْقًا ومَشِيئَةً؟ قُلْتُ: هو مِن هَذِهِ الجِهَةِ لَيْسَ بِشَرٍّ. فَإنَّ وُجُودَهُ هو المَنسُوبُ إلَيْهِ. وهو مِن هَذِهِ الجِهَةِ لَيْسَ بِشَرٍّ. والشَّرُّ الَّذِي فِيهِ: مِن عَدَمِ إمْدادِهِ بِالخَيْرِ وأسْبابِهِ، والعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، حَتّى يُنْسَبَ إلى مَن بِيَدِهِ الخَيْرُ. فَإنْ أرَدْتَ مَزِيدَ إيضاحٍ لِذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ أسْبابَ الخَيْرِ ثَلاثَةٌ: الإيجادُ، والإعْدادُ، والإمْدادُ. فَهَذِهِ هي الخَيْراتُ وأسْبابُها. فَإيجادُ السَّبَبِ خَيْرٌ. وهو إلى اللَّهِ. وإعْدادُهُ خَيْرٌ. وهو إلَيْهِ أيْضًا. وإمْدادُهُ خَيْرٌ. وهو إلَيْهِ أيْضًا. فَإذا لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ إعْدادٌ ولا إمْدادٌ حَصَلَ فِيهِ الشَّرُّ بِسَبَبِ هَذا العَدَمِ الَّذِي لَيْسَ إلى الفاعِلِ. وإنَّما إلَيْهِ ضِدُّهُ. فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا أمَدَّهُ إذْ أوْجَدَهُ؟ قُلْتُ: ما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجادَهُ وإمْدادَهُ. فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُوجِدُ ويُمِدُّهُ، وما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجادَهُ وتَرْكَ إمْدادِهِ: أوْجَدَهُ بِحِكْمَتِهِ ولَمْ يُمِدَّهُ بِحِكْمَتِهِ. فَإيجادُهُ خَيْرٌ. والشَّرُّ وقَعَ مِن عَدَمِ إمْدادِهِ. فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا أمَدَّ المَوْجُوداتِ كُلَّها؟ قُلْتُ: فَهَذا سُؤالٌ فاسِدٌ، يَظُنُّ مُورِدُهُ أنْ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المَوْجُوداتِ أبْلَغُ في الحِكْمَةِ. وهَذا عَيْنُ الجَهْلِ، بَلِ الحِكْمَةُ كُلُّ الحِكْمَةِ في هَذا التَّفاوُتِ العَظِيمِ الواقِعِ بَيْنَها. ولَيْسَ في خَلْقِ كُلِّ نَوْعٍ مِنها تَفاوُتٌ. فَكُلُّ نَوْعٍ مِنها لَيْسَ في خَلْقِهِ مِن تَفاوُتٍ. والتَّفاوُتُ إنَّما وقَعَ بِأُمُورٍ عَدْمِيَّةٍ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها الخَلْقُ. وإلّا فَلَيْسَ في الخَلْقِ مِن تَفاوُتٍ. فَإنِ اعْتاصَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، ولَمْ تَفْهَمْهُ حَقَّ الفَهْمِ. فَراجِعْ قَوْلَ القائِلِ: ؎إذا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ ∗∗∗ وجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطِيعُ كَما ذُكِرَ: أنَّ الأصْمَعِيَّ اجْتَمَعَ بِالخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ. وحَرَصَ عَلى فَهْمِ العَرُوضِ مِنهُ: فَأعْياهُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ الخَلِيلُ يَوْمًا: قَطِّعْ لِي هَذا البَيْتَ. وأنْشَدَهُ إذا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا - البَيْتَ فَفَهِمَ ما أرادَ. فَأمْسَكَ عَنْهُ ولَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ. وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنْ الرِّضا بِاللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الرِّضا بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأسْمائِهِ وأحْكامِهِ. ولا يَسْتَلْزِمُ الرِّضا بِمَفْعُولاتِهِ كُلِّها. بَلْ حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ: أنْ يُوافِقَهُ عَبْدُهُ في رِضاهُ وسَخَطِهِ. فَيَرْضى مِنها بِما يَرْضى بِهِ. ويَسْخَطُ مِنها ما سَخِطَهُ. فَإنْ قِيلَ: فَهو سُبْحانُهُ يَرْضى عُقُوبَةَ مَن يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ العَبْدَ أنْ يَرْضى بِعُقُوبَتِهِ لَهُ؟ قِيلَ: لَوْ وافَقَهُ في رِضاهُ بِعُقُوبَتِهِ لانْقَلَبَتْ لَذَّةً وسُرُورًا. ولَكِنْ لا يَقَعُ مِنهُ ذَلِكَ. فَإنَّهُ لَمْ يُوافِقْهُ في مَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، الَّتِي هي سُرُورُ النَّفْسِ، وقُرَّةُ العَيْنِ، وحَياةُ القَلْبِ. فَكَيْفَ يُوافِقُهُ في مَحَبَّتِهِ لِلْعُقُوبَةِ، الَّتِي هي أكْرَهُ شَيْءٍ إلَيْهِ، وأشَقُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ؟ بَلْ كانَ كارِهًا لِما يُحِبُّهُ مِن طاعَتِهِ وتَوْحِيدِهِ. فَلا يَكُونُ راضِيًا بِما يَخْتارُهُ مِن عُقُوبَتِهِ. ولَوْ قَبِلَ ذَلِكَ لارْتَفَعَتْ عَنْهُ العُقُوبَةُ. فَإنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الرِّضا بِالقَضاءِ الَّذِي يَكْرَهُهُ العَبْدُ - مِنَ المَرَضِ والفَقْرِ والألَمِ - مَعَ كَراهَتِهِ؟ قُلْتُ: لا تَنافِيَ في ذَلِكَ. فَإنَّهُ يَرْضى بِهِ مِن جِهَةِ إفْضائِهِ إلى ما يُحِبُّ. ويَكْرَهُهُ مِن جِهَةِ تَألُّمِهِ بِهِ، كالدَّواءِ الكَرِيهِ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ شِفاءَهُ. فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ رِضاهُ بِهِ، وكَراهَتُهُ لَهُ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَرْضى لِعَبْدِهِ شَيْئًا، ولا يُعِينُهُ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: لِأنَّ إعانَتَهُ عَلَيْهِ قَدْ تَسْتَلْزِمُ فَواتَ مَحْبُوبٍ لَهُ أعْظَمَ مِن حُصُولِ تِلْكَ الطّاعَةِ الَّتِي رَضِيَها لَهُ. وقَدْ يَكُونُ وُقُوعُ تِلْكَ الطّاعَةِ مِنهُ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَةً هي أكْرَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن مَحَبَّتِهِ لِتِلْكَ الطّاعَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ وُقُوعُها مِنهُ مُسْتَلْزِمًا لِمَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ، ومُفَوِّتًا لِمَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ - لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٦-٤٧]. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ: أنَّهُ كَرِهَ انْبِعاثَهم مَعَ رَسُولِهِ ﷺ لِلْغَزْوِ. وهو طاعَةٌ وقُرْبَةٌ، وقَدْ أمَرَهم بِهِ، فَلَمّا كَرِهَهُ مِنهم ثَبَّطَهم عَنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ المَفاسِدِ الَّتِي كانَتْ سَتَتَرَتَّبُ عَلى خُرُوجِهِمْ لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقالَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ فَسادًا وشَرًّا ﴿وَلَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ سَعَوْا فِيما بَيْنَكم بِالفَسادِ والشَّرِّ. ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]. أيْ قابِلُونِ مِنهم مُسْتَجِيبُونَ لَهم. فَيَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِ سَعْيِ هَؤُلاءِ بِالفَسادِ وقَبُولِ أُولَئِكَ مِنهم مَنِ الشَّرِّ ما هو أعْظَمُ مِن مَصْلَحَةِ خُرُوجِهِمْ. فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ والرَّحْمَةُ: أنْ مَنَعَهم مِنَ الخُرُوجِ، وأقْعَدَهم عَنْهُ. فاجْعَلْ هَذا المِثالَ أصْلًا لِهَذا البابِ. وقِسْ عَلَيْهِ. فَإنْ قُلْتَ: قَدْ يُتَصَوَّرُ لِي هَذا في رِضا الرَّبِّ تَعالى لِبَعْضِ ما يَخْلُقُهُ مِن وجْهٍ وكَراهَتِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ. فَكَيْفَ لِي بِأنْ يَجْتَمِعَ الأمْرانِ في حَقِّي بِالنِّسْبَةِ إلى المَعاصِي والفُسُوقِ؟ قُلْتُ: هو مُتَصَوَّرٌ مُمْكِنٌ، بَلْ واقِعٌ. فَإنَّ العَبْدَ يَسْخَطُ ذَلِكَ ويُبْغِضُهُ، ويَكْرَهُهُ مِن حَيْثُ هو فُعِلَ لَهُ بِسَبَبِهِ وواقِعٌ بِكَسْبِهِ وإرادَتِهِ، واخْتِيارِهِ. ويَرْضى بِعِلْمِ اللَّهِ وكِتابَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، وإذْنِهِ الكَوْنِيِّ فِيهِ. فَيَرْضى بِما مَنَّ اللَّهُ، ويَسْخَطُ ما هو مِنهُ، فَهَذا مَسْلَكُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِرْفانِ. وَطائِفَةٌ أُخْرى رَأوْا كَراهَةَ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وعَدَمَ الرِّضا بِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ. وَهَؤُلاءِ في الحَقِيقَةِ لا يُخالِفُونَ أُولَئِكَ. فَإنَّ العَبْدَ إذا كَرِهَها مُطْلَقًا، فَإنَّ الكَراهَةَ إنَّما تَقَعُ عَلى الِاعْتِبارِ المَكْرُوهِ مِنها. وهَؤُلاءِ لَمْ يَكْرَهُوا عِلْمَ الرَّبِّ وكِتابَتَهُ ومَشِيئَتَهُ، وإلْزامَهُ حُكْمَهُ الكَوْنِيَّ، وأُولَئِكَ لَمْ يَرْضَوْا بِها مِنَ الوَجْهِ الَّذِي سَخِطَها الرَّبُّ وأبْغَضَها لِأجْلِهِ. وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الَّذِي إلى الرَّبِّ مِنها غَيْرُ مَكْرُوهٍ. والَّذِي إلى العَبْدِ مِنها هو المَكْرُوهُ والمَسْخُوطُ. فَإنْ قُلْتَ: لَيْسَ إلى العَبْدِ شَيْءٌ مِنها؟ قُلْتُ: هَذا هو الجَبْرُ الباطِلُ، الَّذِي لا يُمْكِنُ صاحِبَهُ التَّخَلُّصُ مِن هَذا المَقامِ الضَّيِّقِ. والقَدَرِيُّ أقْرَبُ إلى التَّخَلُّصِ مِنهُ مِنَ الجَبْرِيِّ. وأهْلُ السُّنَّةِ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ القَدَرِيَّةِ والجَبْرِيَّةِ: هم أسْعَدُ بِالتَّخَلُّصِ مِنهُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَتَأتّى النَّدَمُ والتَّوْبَةُ، مَعَ شُهُودِ الحِكْمَةِ في التَّقْدِيرِ، ومَعَ شُهُودِ القَيُّومِيَّةِ والمَشِيئَةِ النّافِذَةِ؟ قُلْتُ: هَذا الَّذِي أوْقَعَ مَن عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ في شُهُودِ الأمْرِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ. فَرَأى تِلْكَ الأفْعالَ طاعاتٍ، لِمُوافَقَتِهِ فِيها المَشِيئَةَ والقَدَرَ. وقالَ: إنْ عَصَيْتُ أمْرَهُ. فَقَدْ أطَعْتُ إرادَتَهُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: ؎أصْبَحْتُ مُنْفَعِلًا لِما تَخْتارُهُ ∗∗∗ مِنِّي، فَفِعْلِي كُلُّهُ طاعاتٌ وَهَؤُلاءِ أعْمى الخَلْقِ بَصائِرَ، وأجْهَلُهم بِاللَّهِ وأحْكامِهِ الدِّينِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ. فَإنَّ الطّاعَةَ هي مُوافَقَةُ الأمْرِ. لا مُوافَقَةُ القَدَرِ والمَشِيئَةِ. ولَوْ كانَتْ مُوافَقَةُ القَدَرِ طاعَةً لِلَّهِ لَكانَ إبْلِيسُ مِن أعْظَمِ المُطِيعِينَ لِلَّهِ. وكانَ قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَوْمُ لُوطٍ، وقَوْمُ فِرْعَوْنَ كُلُّهم مُطِيعِينَ لَهُ. فَيَكُونُ قَدْ عَذَّبَهم أشَدَّ العَذابِ عَلى طاعَتِهِ، وانْتَقَمَ مِنهم لِأجْلِها. وهَذا غايَةُ الجَهْلِ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. فَإنْ قُلْتَ: ومَعَ ذَلِكَ، فاجْمَعْ لِي بَيْنَ النَّدَمِ والتَّوْبَةِ. وبَيْنَ مَشْهَدِ القَيُّومِيَّةِ والحِكْمَةِ؟ قُلْتُ: العَبْدُ إذا شَهِدَ عَجْزَ نَفْسِهِ، ونُفُوذَ الأقْدارِ فِيهِ، وكَمالَ فَقْرِهِ إلى رَبِّهِ، وعَدَمَ اسْتِغْنائِهِ عَنْ عِصْمَتِهِ وحِفْظِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ - كانَ بِاللَّهِ في هَذِهِ الحالِ، لا بِنَفْسِهِ فَوُقُوعُ الذَّنْبِ مِنهُ لا يَتَأتّى في هَذِهِ الحالِ ألْبَتَّةَ. فَإنَّ عَلَيْهِ حِصْنًا حَصِينًا مِن: فَبِي يَسْمَعُ وبِي يُبْصِرُ. وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي. فَلا يُتَصَوَّرُ مِنهُ الذَّنْبُ في هَذِهِ الحالِ. فَإذا حُجِبَ عَنْ هَذا المَشْهَدِ، وسَقَطَ إلى وُجُودِهِ الطَّبِيعِيِّ، وبَقِيَ بِنَفْسِهِ: اسْتَوْلى عَلَيْهِ حُكْمُ النَّفْسِ والطَّبْعُ والهَوى. وهَذا الوُجُودُ الطَّبِيعِيُّ قَدْ نُصِبَتْ فِيهِ الشِّباكُ والأشْراكُ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِ الصَّيّادُونَ. فَلا بُدَّ أنْ يَقَعَ في شَبَكَةٍ مِن تِلْكَ الشِّباكِ، وشَرَكٍ مِن تِلْكَ الأشْراكِ. وهَذا الوُجُودُ هو حِجابٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ الحِجابُ. ويَقْوى المُقْتَضى، ويَضْعُفُ المانِعُ. وتَشْتَدُّ الظُّلْمَةُ، وتَضْعُفُ القُوى، فَأنّى لَهُ بِالخَلاصِ مِن تِلْكَ الأشْراكِ والشِّبّاكِ؟ فَإذا انْقَشَعَ ضَبابُ ذَلِكَ الوُجُودِ الطَّبِيعِيِّ، وانْجابَ ظَلامُهُ، وزالَ قَتامُهُ، وصِرْتَ بِرَبِّكَ ذاهِبًا عَنْ نَفْسِكَ وطَبْعِكَ. ؎بَدا لَكَ سِرٌّ طالَ عَنْكَ اكْتِتامُهُ ∗∗∗ ولاحَ صَباحٌ كُنْتَ أنْتَ ظَلامَهُ ؎فَإنْ غِبْتَ عَنْهُ حَلَّ فِيهِ، وطَنَبَّتْ ∗∗∗ عَلى مِنكَبِ الكَشْفِ المَصُونِ خِيامُهُ ؎فَأنْتَ حِجابُ القَلْبِ عَنْ سِرِّ غَيْبِهِ ∗∗∗ ولَوْلاكَ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ خِتامُهُ ؎وَجاءَ حَدِيثٌ لا يُمَلُّ سَماعُهُ ∗∗∗ شَهِيٌّ إلَيْنا نَثْرُهُ ونِظامُهُ ؎إذا ذَكَرَتْهُ النَّفْسُ زالَ عَناؤُها ∗∗∗ وزالَ عَنِ القَلْبِ المُعَنّى قَتامُهُ فَهُنالِكَ يَحْضُرُهُ النَّدَمُ والتَّوْبَةُ والإنابَةُ. فَإنَّهُ كانَ في المَعْصِيَةِ بِنَفْسِهِ، مَحْجُوبًا فِيها عَنْ رَبِّهِ، وعَنْ طاعَتِهِ. فَلَمّا فارَقَ ذَلِكَ الوُجُودَ، وصارَ في وُجُودٍ آخَرَ: بَقِيَ بِرَبِّهِ لا بِنَفْسِهِ. وَإذا عُرِفَ هَذا، فالتَّوْبَةُ والنَّدَمُ يَكُونانِ في هَذا الوُجُودِ الَّذِي هو فِيهِ بِرَبِّهِ. وذَلِكَ لا يُنافِي مَشْهَدَ الحِكْمَةِ والقَيُّومِيَّةِ، بَلْ يُجامِعُهُ ويَسْتَمِدُّ مِنهُ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَوْلُهُ: ويَصِحُّ بِثَلاثَةِ شَرائِطَ: بِاسْتِواءِ الحالاتِ عِنْدَ العَبْدِ. وسُقُوطِ الخُصُومَةِ مَعَ الخَلْقِ، والخَلاصِ مِنَ المَسْألَةِ والإلْحاحِ. يَعْنِي: أنَّ الرِّضا عَنِ اللَّهِ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِهَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ. فَإنَّ الرِّضا المُوافِقَ تَسْتَوِي عِنْدَهُ الحالاتُ - مِنَ النِّعْمَةِ والبَلِيَّةِ - في رِضاهُ بِحُسْنِ اخْتِيارِ اللَّهِ لَهُ. وَلَيْسَ المُرادَ اسْتِواؤُها عِنْدَهُ في مُلاءَمَتِهِ ومُنافَرَتِهِ. فَإنَّ هَذا خِلافُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ، بَلْ خِلافُ الطَّبْعِ الحَيَوانِيِّ. وَلَيْسَ المُرادَ أيْضًا اسْتِواءُ الحالاتِ عِنْدَهُ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. فَإنَّ هَذا مُنافٍ لِلْعُبُودِيَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ. وإنَّما تَسْتَوِي النِّعْمَةُ والبَلِيَّةُ عِنْدَهُ في الرِّضا بِهِما لِوُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّهُ مُفَوَّضٌ. والمُفَوَّضُ راضٍ بِكُلِّ ما اخْتارَهُ لَهُ مَن فَوَّضَ إلَيْهِ. ولا سِيَّما إذا عَلِمَ كَمالَ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، ولُطْفِهِ وحُسْنِ اخْتِيارِهِ لَهُ. الثّانِي: أنَّهُ جازِمٌ بِأنَّهُ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، ولا رادَّ لِحُكْمِهِ. وأنَّهُ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. فَهو يَعْلَمُ أنَّ كُلًّا مِنَ البَلِيَّةِ والنِّعْمَةِ بِقَضاءٍ سابِقٍ، وقَدَرٍ حَتْمٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ عَبْدٌ مَحْضٌ. والعَبْدُ المَحْضُ لا يَسْخَطُ جَرَيانَ أحْكامِ سَيِّدِهِ المُشْفِقِ البارِّ النّاصِحِ المُحْسِنِ. بَلْ يَتَلَقّاها كُلَّها بِالرِّضا بِهِ وعَنْهُ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُحِبٌّ. والمُحِبُّ الصّادِقُ: مَن رَضِيَ بِما يُعامِلُهُ بِهِ حَبِيبُهُ. الخامِسُ: أنَّهُ جاهِلٌ بِعَواقِبِ الأُمُورِ. وسَيِّدُهُ أعْلَمُ بِمَصْلَحَتِهِ وبِما يَنْفَعُهُ. السّادِسُ: أنَّهُ لا يُرِيدُ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولَوْ عَرَفَ أسْبابَها. فَهو جاهِلٌ ظالِمٌ. ورَبُّهُ تَعالى يُرِيدُ مَصْلَحَتَهُ، ويَسُوقُ إلَيْهِ أسْبابَها. ومِن أعْظَمِ أسْبابِها: ما يَكْرَهُهُ العَبْدُ، فَإنَّ مَصْلَحَتَهُ فِيما يَكْرَهُ أضْعافُ أضْعافِ مَصْلَحَتِهِ فِيما يُحِبُّ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. السّابِعُ: أنَّهُ مُسْلِمٌ. والمُسْلِمُ مَن قَدْ سَلَّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ. ولَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ في جَرَيانِ أحْكامِهِ عَلَيْهِ. ولَمْ يَسْخَطْ ذَلِكَ. الثّامِنُ: أنَّهُ عارِفٌ بِرَبِّهِ. حَسَنُ الظَّنِّ بِهِ. لا يَتَّهِمُهُ فِيما يُجْرِيهِ عَلَيْهِ مِن أقَضَيْتِهِ وأقْدارِهِ. فَحُسْنُ ظَنِّهِ بِهِ يُوجِبُ لَهُ اسْتِواءَ الحالاتِ عِنْدَهُ، ورِضاهُ بِما يَخْتارُهُ لَهُ سَيِّدُهُ سُبْحانَهُ. التّاسِعُ: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ حَظَّهُ مِنَ المَقْدُورِ ما يَتَلَقّاهُ بِهِ مِن رِضًا وسَخَطٍ. فَلا بُدَّ لَهُ مِنهُ. فَإنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضا، وإنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ. العاشِرُ: عِلْمُهُ بِأنَّهُ إذا رَضِيَ انْقَلَبَ في حَقِّهِ نِعْمَةً ومِنحَةً، وخَفَّ عَلَيْهِ حَمْلُهُ، وأُعِينَ عَلَيْهِ. وإذا سَخِطَهُ تَضاعَفَ عَلَيْهِ ثِقَلُهُ وكَلَّهُ، ولَمْ يَزْدَدْ إلّا شِدَّةً. فَلَوْ أنَّ السُّخْطَ يُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا لَكانَ لَهُ فِيهِ راحَةٌ أنْفَعُ لَهُ مِنَ الرِّضا بِهِ. وَنُكْتَةُ المَسْألَةِ: إيمانُهُ بِأنَّ قَضاءَ الرَّبِّ تَعالى خَيْرٌ لَهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضاءً إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ. إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ. فَكانَ خَيْرًا لَهُ. وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ. ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلْمُؤْمِنِ». الحادِيَ عَشَرَ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ تَمامَ عُبُودِيَّتِهِ في جَرَيانِ ما يَكْرَهُهُ مِنَ الأحْكامِ عَلَيْهِ. ولَوْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِنها إلّا ما يُحِبُّ لَكانَ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنْ عُبُودِيَّةِ رَبِّهِ. فَلا تَتِمُّ لَهُ عُبُودِيَّتُهُ - مِنَ الصَّبْرِ، والتَّوَكُّلِ، والرِّضا، والتَّضَرُّعِ، والِافْتِقارِ، والذُّلِّ، والخُضُوعِ، وغَيْرِها - إلّا بِجَرَيانِ القَدَرِ لَهُ بِما يَكْرَهُهُ. ولَيْسَ الشَّأْنُ في الرِّضا بِالقَضاءِ المُلازِمِ لِلطَّبِيعَةِ. إنَّما الشَّأْنُ في القَضاءِ المُؤْلِمِ المُنافِرِ لِلطَّبْعِ. الثّانِي عَشَرَ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ رِضاهُ عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في جَمِيعِ الحالاتِ يُثْمِرُ رِضا رَبِّهِ عَنْهُ، فَإذا رَضِيَ عَنْهُ بِالقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ: رَضِيَ رَبُّهُ عَنْهُ بِالقَلِيلِ مِنَ العَمَلِ. وإذا رَضِيَ عَنْهُ في جَمِيعِ الحالاتِ واسْتَوَتْ عِنْدَهُ، وجَدَهُ أسْرَعَ شَيْءٍ إلى رِضاهُ إذا تَرَضّاهُ وتَمَلَّقَهُ. الثّالِثَ عَشَرَ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ أعْظَمَ راحَتِهِ، وسُرُورَهُ ونَعِيمَهُ: في الرِّضا عَنْ رَبِّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ في جَمِيعِ الحالاتِ. فَإنَّ الرِّضا بابُ اللَّهِ الأعْظَمُ، ومُسْتَراحُ العارِفِينَ، وجَنَّةُ الدُّنْيا. فَجَدِيرٌ بِمَن نَصَحَ نَفْسَهُ أنْ تَشْتَدَّ رَغْبَتُهُ فِيهِ. وأنْ لا يَسْتَبْدِلَ بِغَيْرِهِ مِنهُ. الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ السُّخْطَ بابُ الهَمِّ والغَمِّ والحُزْنِ، وشَتاتِ القَلْبِ، وكَسْفِ البالِ، وسُوءِ الحالِ، والظَّنِّ بِاللَّهِ خِلافَ ما هو أهْلُهُ. والرِّضا يُخَلِّصُهُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ ويَفْتَحُ لَهُ بابَ جَنَّةِ الدُّنْيا قَبْلَ جَنَّةِ الآخِرَةِ. الخامِسَ عَشَرَ: أنَّ الرِّضا يُوجِبُ لَهُ الطُّمَأْنِينَةَ، وبَرْدَ القَلْبِ، وسُكُونَهُ وقَرارَهُ. والسُّخْطَ يُوجِبُ اضْطِرابَ قَلْبِهِ، ورَيْبَتَهُ وانْزِعاجَهُ، وعَدَمَ قَرارِهِ. السّادِسَ عَشَرَ: أنَّ الرِّضا يُنْزِلُ عَلَيْهِ السَّكِينَةَ الَّتِي لا أنْفَعَ لَهُ مِنها. ومَتى نَزَلَتْ عَلَيْهِ السِّكِّينَةُ: اسْتَقامَ. وصَلَحَتْ أحْوالُهُ، وصَلَحَ بالُهُ. والسُّخْطُ يُبْعِدُهُ مِنها بِحَسَبِ قِلَّتِهِ وكَثْرَتِهِ. وإذا تَرَحَّلَتْ عَنْهُ السَّكِينَةُ تَرَحَّلَ عَنْهُ السُّرُورُ والأمْنُ والدَّعَةُ والرّاحَةُ، وطِيبُ العَيْشِ. فَمِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ: تَنَزُّلُ السَّكِينَةِ عَلَيْهِ. ومِن أعْظَمِ أسْبابِها: الرِّضا عَنْهُ في جَمِيعِ الحالاتِ. السّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الرِّضا يَفْتَحُ لَهُ بابَ السَّلامَةِ. فَيَجْعَلُ قَلْبَهُ سَلِيمًا نَقِيًّا مِنَ الغِشِّ والدَّغَلِ والغِلِّ. ولا يَنْجُو مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. كَذَلِكَ وتَسْتَحِيلُ سَلامَةُ القَلْبِ مَعَ السُّخْطِ وعَدَمِ الرِّضا. وكُلَّما كانَ العَبْدُ أشَدَّ رِضًا كانَ قَلْبُهُ أسْلَمَ. فالخُبْثُ والدَّغَلُ والغِشُّ: قَرِينُ السُّخْطِ. وسَلامَةُ القَلْبِ وبِرُّهُ ونُصْحُهُ: قَرِينُ الرِّضا. وكَذَلِكَ الحَسَدُ: هو مِن ثَمَراتِ السُّخْطِ. وسَلامَةُ القَلْبِ مِنهُ مِن ثَمَراتِ الرِّضا. الثّامِنَ عَشَرَ: أنْ السُّخْطَ يُوجِبُ تَلَوُّنَ العَبْدِ، وعَدَمَ ثَباتِهِ مَعَ اللَّهِ. فَإنَّهُ لا يَرْضى إلّا بِما يُلائِمُ طَبْعَهُ ونَفْسَهُ. والمَقادِيرُ تَجْرِي دائِمًا بِما يُلائِمُهُ وبِما لا يُلائِمُهُ. وكُلَّما جَرى عَلَيْهِ مِنها ما لا يُلائِمُهُ أسَخَطَهُ. فَلا تَثْبُتُ لَهُ قَدَمٌ عَلى العُبُودِيَّةِ. فَإذا رَضِيَ عَنْ رَبِّهِ في جَمِيعِ الحالاتِ، اسْتَقَرَّتْ قَدَمُهُ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ، فَلا يُزِيلُ التَّلَوُّنَ عَنِ العَبْدِ شَيْءٌ مِثْلُ الرِّضا. التّاسِعَ عَشَرَ: أنَّ السُّخْطَ يَفْتَحُ عَلَيْهِ بابَ الشَّكِّ في اللَّهِ، وقَضائِهِ وقَدَرِهِ وحِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ. فَقَلَّ أنْ يَسْلَمَ السّاخِطُ مِن شَكٍّ يُداخِلُ قَلْبَهُ ويَتَغَلْغَلُ فِيهِ، وإنْ كانَ لا يَشْعُرُ بِهِ. فَلَوْ فَتَّشَ نَفْسَهُ غايَةَ التَّفْتِيشِ لَوَجَدَ يَقِينَهُ مَعْلُولًا مَدْخُولًا. فَإنَّ الرِّضا واليَقِينَ أخَوانِ مُصْطَحَبانِ. والشَّكَّ والسُّخْطَ قَرِينانِ. وهَذا مَعْنى الحَدِيثِ الَّذِي في التِّرْمِذِيَّ - أوْ غَيْرِهِ «إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ بِالرِّضا مَعَ اليَقِينِ فافْعَلْ. فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ النَّفْسُ خَيْرًا كَثِيرًا.». العِشْرُونَ: أنَّ الرِّضا بِالمَقْدُورِ مِن سَعادَةِ ابْنِ آدَمَ، وسُخْطَهُ مِن شَقاوَتِهِ، كَما في المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مِن سَعادَةِ ابْنِ آدَمَ: اسْتِخارَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ومِن سَعادَةِ ابْنِ آدَمَ: رِضاهُ بِما قَضى اللَّهُ. ومِن شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ: سُخْطُهُ بِما قَضى اللَّهُ. ومِن شَقاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُ اسْتِخارَةِ اللَّهِ» فالرِّضا بِالقَضاءِ مِن أسْبابِ السَّعادَةِ. والتَّسَخُّطُ عَلى القَضاءِ مِن أسْبابِ الشَّقاوَةِ. الحادِيَ والعِشْرُونَ: أنَّ الرِّضا يُوجِبُ لَهُ أنْ لا يَأْسى عَلى ما فاتَهُ، ولا يَفْرَحَ بِما آتاهُ. وذَلِكَ مِن أفْضَلِ الإيمانِ. أمّا عَدَمُ أساهُ عَلى الفائِتِ: فَظاهِرٌ. وأمّا عَدَمُ فَرَحِهِ بِما آتاهُ: فَلِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المُصِيبَةَ فِيهِ مَكْتُوبَةٌ مِن قَبْلِ حُصُولِهِ. فَكَيْفَ يَفْرَحُ بِشَيْءٍ يَعْلَمُ أنَّ لَهُ فِيهِ مُصِيبَةً مُنْتَظَرَةً ولا بُدَّ؟ الثّانِي والعِشْرُونَ: أنَّ مَن مَلَأ قَلْبَهُ مِنَ الرِّضا بِالقَدَرِ: مَلَأ اللَّهُ صَدْرَهُ غِنًى وأمْنًا وقَناعَةً. وفَرَّغَ قَلْبَهُ لِمَحَبَّتِهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ. ومَن فاتَهُ حَظُّهُ مِنَ الرِّضا: امْتَلَأ قَلْبُهُ بِضِدِّ ذَلِكَ. واشْتَغَلَ عَمّا فِيهِ سَعادَتُهُ وفَلاحُهُ. فالرِّضا يُفَرِّغُ القَلْبَ لِلَّهِ، والسُّخْطُ يُفَرِّغُ القَلْبَ مِنَ اللَّهِ. الثّالِثُ والعِشْرُونَ: أنَّ الرِّضا يُثْمِرُ الشُّكْرَ، الَّذِي هو مِن أعْلى مَقاماتِ الإيمانِ، بَلْ هو حَقِيقَةُ الإيمانِ. والسُّخْطُ يُثْمِرُ ضِدَّهُ. وهو كُفْرُ النِّعَمِ. ورُبَّما أثْمَرَ لَهُ كُفْرَ المُنْعِمِ. فَإذا رَضِيَ العَبْدُ عَنْ رَبِّهِ في جَمِيعِ الحالاتِ: أوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ شُكْرَهُ. فَيَكُونُ مِنَ الرّاضِينَ الشّاكِرِينَ. وإذا فاتَهُ الرِّضا: كانَ مِنَ السّاخِطِينَ. وسَلَكَ سَبِيلَ الكافِرِينَ. الرّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ الرِّضا يَنْفِي عَنْهُ آفاتِ الحِرْصِ والكَلَبِ عَلى الدُّنْيا، وذَلِكَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وأصْلُ كُلِّ بَلِيَّةٍ. وأساسُ كُلِّ رَزِيَّةٍ. فَرِضاهُ عَنْ رَبِّهِ في جَمِيعِ الحالاتِ: يَنْفِي عَنْهُ مادَّةَ هَذِهِ الآفاتِ. الخامِسُ والعِشْرُونَ: أنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَظْفَرُ بِالإنْسانِ غالِبًا عِنْدَ السُّخْطِ والشَّهْوَةِ. فَهُناكَ يَصْطادُهُ. ولا سِيَّما إذا اسْتَحْكَمَ سُخْطُهُ. فَإنَّهُ يَقُولُ ما لا يُرْضِي الرَّبَّ. ويَفْعَلُ ما لا يُرْضِيهِ. ويَنْوِي ما لا يُرْضِيهِ. ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ ابْنِهِ إبْراهِيمَ «يَحْزَنُ القَلْبُ. وتَدْمَعُ العَيْنُ. ولا نَقُولُ إلّا ما يُرْضِي الرَّبَّ». فَإنَّ مَوْتَ البَنِينَ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي تُوجِبُ لِلْعَبْدِ السُّخْطَ عَلى القَدَرِ. فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ: أنَّهُ لا يَقُولُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ - الَّذِي يَسْخَطُهُ أكْثَرُ النّاسِ. فَيَتَكَلَّمُونَ بِما لا يُرْضِي اللَّهَ. ويَفْعَلُونَ ما لا يُرْضِيهِ - إلّا ما يُرْضِي رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى. ولِهَذا لَمّا ماتَ ابْنُ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ رُؤِيَ في الجِنازَةِ ضاحِكًا. فَقِيلَ لَهُ: أتَضْحَكُ وقَدْ ماتَ ابْنُكَ؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَضى بِقَضاءٍ فَأحْبَبْتُ أنْ أرْضى بِقَضائِهِ. فَأنْكَرَتْ طائِفَةٌ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى الفُضَيْلِ. وقالُوا: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكى يَوْمَ ماتَ ابْنُهُ. وأخْبَرَ أنَّ «القَلْبَ يَحْزَنُ، والعَيْنَ تَدْمَعُ». وهو في أعْلى مَقاماتِ الرِّضا. فَكَيْفَ يُعَدُّ هَذا مِن مَناقِبِ الفُضَيْلِ؟ والتَّحْقِيقُ: أنْ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتَّسَعَ لِتَكْمِيلِ جَمِيعِ المَراتِبِ، مِنَ الرِّضا عَنِ اللَّهِ، والبُكاءِ رَحْمَةً لِلصَّبِيِّ. فَكانَ لَهُ مَقامُ الرِّضا، ومَقامُ الرَّحْمَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ. والفُضَيْلُ لَمْ يَتَّسِعْ قَلْبُهُ لِمَقامِ الرِّضا ومَقامِ الرَّحْمَةِ. فَلَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ الأمْرانِ والنّاسُ في ذَلِكَ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ. أحَدُها: مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الرِّضا بِالقَضاءِ ورَحْمَةُ الطِّفْلِ. فَدَمَعَتْ عَيْناهُ رَحْمَةً والقَلْبُ راضٍ. الثّانِي: مَن غَيَّبَهُ الرِّضا عَنِ الرَّحْمَةِ. فَلَمْ يَتَّسِعْ لِلْأمْرَيْنِ. بَلْ غَيَّبَهُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ. الثّالِثُ: مَن غَيَّبَتْهُ الرَّحْمَةُ والرِّقَّةُ عَنِ الرِّضا فَلَمْ يَشْهَدْهُ، بَلْ فَنِيَ عَنِ الرِّضا. الرّابِعُ: مَن لا رِضا عِنْدَهُ ولا رَحْمَةَ. وإنَّما يَكُونُ حُزْنُهُ لِفَواتِ حَظِّهِ مِنَ المَيِّتِ. وهَذا حالُ أكْثَرِ الخَلْقِ. فَلا إحْسانَ. ولا رِضا عَنِ الرَّحْمَنِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ. فالأوَّلُ في أعْلى مَراتِبِ الرِّضا. والثّانِي دُونَهُ. والثّالِثُ دُونَ الثّانِي. والرّابِعُ هو السّاخِطُ. السّادِسُ والعِشْرُونَ: أنَّ الرِّضا هو اخْتِيارُ ما اخْتارَهُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ. والسُّخْطَ كَراهَةُ ما اخْتارَهُ اللَّهُ لَهُ، وهَذا نَوْعُ مُحادَّةٍ. فَلا يُتَخَلَّصُ مِنهُ إلّا بِالرِّضا عَنِ اللَّهِ في جَمِيعِ الحالاتِ. السّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ الرِّضا يُخْرِجُ الهَوى مِنَ القَلْبِ. فالرّاضِي هَواهُ تَبَعٌ لِمُرادِ رَبِّهِ مِنهُ. أعْنِي المُرادَ الَّذِي يُحِبُّهُ رَبُّهُ ويَرْضاهُ. فَلا يَجْتَمِعُ الرِّضا واتِّباعُ الهَوى في القَلْبِ أبَدًا، وإنْ كانَ مَعَهُ شُعْبَةٌ مِن هَذا وشُعْبَةٌ مِن هَذا، فَهو لِلْغالِبِ عَلَيْهِ مِنهُما. الثّامِنُ والعِشْرُونَ: أنَّ الرِّضا عَنِ اللَّهِ في جَمِيعِ الحالاتِ يُثْمِرُ لِلْعَبْدِ رِضا اللَّهِ عَنْهُ - كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الرِّضا بِهِ - فَإنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ. وفي أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ «أنَّ مُوسى ﷺ سَألَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ما يُدْنِي مِن رِضاهُ؟ فَقالَ: إنَّ رِضايَ في رِضاكَ بِقَضائِي». التّاسِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ الرِّضا بِالقَضاءِ أشَقُّ شَيْءٍ عَلى النَّفْسِ. بَلْ هو ذَبْحُها في الحَقِيقَةِ. فَإنَّهُ مُخالَفَةُ هَواها وطَبْعِها وإرادَتِها. ولا تَصِيرُ مُطَمَئِنَّةً قَطُّ حَتّى تَرْضى بِالقَضاءِ. فَحِينَئِذٍ تَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَها: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧]. الثَّلاثُونَ: أنَّ الرّاضِيَ مُتَلَقٍّ أوامِرَ رَبِّهِ - الدِّينِيَّةَ والقَدَرِيَّةَ - بِالِانْشِراحِ والتَّسْلِيمِ، وطِيبِ النَّفْسِ، والِاسْتِسْلامِ. والسّاخِطُ يَتَلَقّاها بِضِدِّ ذَلِكَ إلّا ما وافَقَ طَبْعَهُ. وإرادَتَهُ مِنها. وَقَدْ بَيَّنّا أنَّ الرِّضا بِذَلِكَ لا يَنْفَعُهُ ولا يُثابُ عَلَيْهِ. فَإنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ لِكَوْنِ اللَّهِ قَدَّرَهُ وقَضاهُ وأمَرَ بِهِ. وإنَّما رَضِيَ بِهِ لِمُوافَقَتِهِ هَواهُ وطَبْعَهُ. فَهو إنَّما رَضِيَ لِنَفْسِهِ وعَنْ نَفْسِهِ. لا بِرَبِّهِ، ولا عَنْ رَبِّهِ. الحادِي والثَّلاثُونَ: أنَّ المُخالَفاتِ كُلَّها أصْلُها مِن عَدَمِ الرِّضا. والطّاعاتِ كُلَّها أصْلُها مِنَ الرِّضا. وهَذا إنَّما يَعْرِفُهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ مَن عَرَفَ صِفاتِ نَفْسِهِ، وما يَتَوَلَّدُ عَنْها مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي. الثّانِي والثَّلاثُونَ: أنَّ عَدَمَ الرِّضا يَفْتَحُ بابَ البِدْعَةِ، والرِّضا يُغْلِقُ عَنْهُ ذَلِكَ البابَ. ولَوْ تَأمَّلْتَ بِدَعَ الرَّوافِضِ، والنَّواصِبِ، والخَوارِجِ. لَرَأيْتَها ناشِئَةً مِن عَدَمِ الرِّضا بِالحُكْمِ الكَوْنِيِّ، أوِ الدِّينِيِّ، أوْ كِلَيْهِما. الثّالِثُ والثَّلاثُونَ: أنَّ الرِّضا مَعْقِدُ نِظامِ الدِّينِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ. فَإنَّ القَضايا لا تَخْلُو مِن خَمْسَةِ أنْواعٍ: فَتَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: دِينِيَّةٍ، وكَوْنِيَّةٍ. وهي مَأْمُوراتٌ، ومَنهِيّاتٌ، ومُباحاتٌ، ونِعَمٌ مُلَذَّةٌ، وبَلايا مُؤْلِمَةٌ. فَإذا اسْتَعْمَلَ العَبْدُ الرِّضا في ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَدْ أخَذَ بِالحَظِّ الوافِرِ مِنَ الإسْلامِ، وفازَ بِالقِدْحِ المُعَلّى. الرّابِعُ والثَّلاثُونَ: أنَّ الرِّضا يُخَلِّصُ العَبْدَ مِن مُخاصَمَةِ الرَّبِّ تَعالى في أحْكامِهِ وأقْضِيَتِهِ. فَإنَّ السُّخْطَ عَلَيْهِ مُخاصَمَةٌ لَهُ فِيما لَمْ يَرْضَ بِهِ العَبْدُ. وأصْلُ مُخاصَمَةِ إبْلِيسَ لِرَبِّهِ: مِن عَدَمِ رِضاهُ بِأقْضِيَتِهِ وأحْكامِهِ الدِّينِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ. فَلَوْ رَضِيَ لَمْ يُمْسَخْ مِنَ الحَقِيقَةِ المَلَكِيَّةِ إلى الحَقِيقَةِ الشَّيْطانِيَّةِ الإبْلِيسِيَّةِ. الخامِسُ والثَّلاثُونَ: أنَّ جَمِيعَ ما في الكَوْنِ أوْجَبَتْهُ مَشِيئَةُ اللَّهِ، وحِكْمَتُهُ، ومُلْكُهُ. فَهُوَ مُوجِبُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ. فَمَن لَمْ يَرْضَ بِما رَضِيَ بِهِ رَبُّهُ، لَمْ يَرْضَ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ. فَلَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا. السّادِسُ والثَّلاثُونَ: أنَّ كُلَّ قَدَرٍ يَكْرَهُهُ العَبْدُ ولا يُلائِمُهُ. لا يَخْلُو: إمّا أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى الذَّنْبِ. فَهو دَواءٌ لِمَرَضٍ. لَوْلا تَدارُكُ الحَكِيمِ إيّاهُ بِالدَّواءِ لَتَرامى بِهِ المَرَضُ إلى الهَلاكِ. أوْ يَكُونَ سَبَبًا لِنِعْمَةٍ لا تُنالُ إلّا بِذَلِكَ المَكْرُوهِ. فالمَكْرُوهُ يَنْقَطِعُ ويَتَلاشى. وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ. فَإذا شَهِدَ العَبْدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ انْفَتَحَ لَهُ بابُ الرِّضا عَنْ رَبِّهِ في كُلِّ ما يَقْتَضِيهِ لَهُ ويُقَدِّرُهُ. السّابِعُ والثَّلاثُونَ: أنَّ حُكْمَ الرَّبِّ تَعالى ماضٍ في عَبْدِهِ، وقَضاؤُهُ عَدْلٌ فِيهِ. كَما في الحَدِيثِ «ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ» ومَن لَمْ يَرْضَ بِالعَدْلِ فَهو مِن أهْلِ الظُّلْمِ والجَوْرِ. وَقَوْلُهُ: عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، يَعُمُّ قَضاءَ الذَّنْبِ، وقَضاءَ أثَرِهِ وعُقُوبَتَهُ. فَإنَّ الأمْرَيْنِ مِن قَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ. وهو أعْدَلُ العادِلِينَ في قَضائِهِ بِالذَّنْبِ، وفي قَضائِهِ بِعُقُوبَتِهِ. أمّا عَدْلُهُ في العُقُوبَةِ: فَظاهِرٌ. وأمّا عَدْلُهُ في قَضائِهِ بِالذَّنْبِ: فَلِأنَّ الذَّنْبَ عُقُوبَةٌ عَلى غَفْلَتِهِ عَنْ رَبِّهِ. وإعْراضِ قَلْبِهِ عَنْهُ. فَإنَّهُ إذا غَفَلَ قَلْبُهُ عَنْ رَبِّهِ ووَلِيِّهِ، ونَقَصَ إخْلاصُهُ: اسْتَحَقَّ أنْ يُضْرَبَ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ. لِأنَّ قُلُوبَ الغافِلِينَ مَعْدِنُ الذُّنُوبِ. والعُقُوباتُ وارِدَةٌ عَلَيْها مِن كُلِّ جِهَةٍ. وإلّا فَمَعَ كَمالِ الإخْلاصِ والذِّكْرِ والإقْبالِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وذِكْرِهِ، يَسْتَحِيلُ صُدُورُ الذَّنْبِ. كَما قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. فَإنْ قُلْتَ: قَضاؤُهُ عَلى عَبْدِهِ بِإعْراضِهِ عَنْهُ، ونِسْيانِهِ إيّاهُ، وعَدَمِ إخْلاصِهِ: عُقُوبَةٌ عَلى ماذا؟ قُلْتُ: هَذا طَبْعُ النَّفْسِ وشَأْنُها، فَهو سُبْحانَهُ إذا لَمْ يُرِدِ الخَيْرَ بِعَبْدِهِ خَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ وطَبْعِهِ وهَواهُ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أثَرَها مِنَ الغَفْلَةِ والنِّسْيانِ، وعَدَمِ الإخْلاصِ واتِّباعِ الهَوى. وهَذِهِ الأسْبابُ تَقْتَضِي آثارَها مِنَ الآلامِ، وفَواتِ الخَيْراتِ واللَّذّاتِ. كاقْتِضاءِ سائِرِ الأسْبابِ لِمُسَبَّباتِها وآثارِها. فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا خَلَقَهُ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ؟ قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ فاسِدٌ، ومَضْمُونُهُ: هَلّا خَلَقَهُ مَلَكًا لا إنْسانًا. فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا أعْطاهُ التَّوْفِيقَ الَّذِي يَتَخَلَّصُ بِهِ مِن شَرِّ نَفْسِهِ، وظُلْمَةِ طَبْعِهِ؟ قُلْتُ: مَضْمُونُ هَذا السُّؤالِ: هَلّا سَوّى بَيْنِ جَمِيعِ خَلْقِهِ؟ ولِمَ خَلَقَ المُتَضادّاتِ والمُخْتَلِفاتِ؟ وهَذا مِن أفْسَدِ الأسْئِلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ اقْتِضاءِ حِكْمَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ ومُلْكِهِ لِخَلْقِ ذَلِكَ. الثّامِنُ والثَّلاثُونَ: أنَّ عَدَمَ الرِّضا إمّا أنْ يَكُونَ لِفَواتِ ما أخْطَأهُ مِمّا يُحِبُّهُ ويُرِيدُهُ. وإمّا لِإصابَةِ ما يَكْرَهُهُ ويَسْخَطُهُ. فَإذا تَيَقَّنَ أنَّ ما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. وما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ: فَلا فائِدَةَ في سَخَطِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا فَواتَ ما يَنْفَعُهُ وحُصُولَ ما يَضُرُّهُ. التّاسِعُ والثَّلاثُونَ: أنَّ الرِّضا مِن أعْمالِ القُلُوبِ، نَظِيرُ الجِهادِ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ. فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ذُرْوَةُ سَنامِ الإيمانِ. قالَ أبُو الدَّرْداءِ ذُرْوَةُ سَنامِ الإيمانِ: الصَّبْرُ لِلْحُكْمِ، والرِّضا بِالقَدَرِ. الأرْبَعُونَ: أنَّ أوَّلَ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِها في هَذا العالَمِ: إنَّما نَشَأتْ مِن عَدَمِ الرِّضا. فَإبْلِيسُ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ كَوْنًا، مِن تَفْضِيلِ آدَمَ وتَكْرِيمِهِ، ولا بِحُكْمِهِ الدِّينِيِّ، مِن أمْرِهِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وآدَمُ لَمْ يَرْضَ بِما أُبِيحَ لَهُ مِنَ الجَنَّةِ. حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ الأكْلَ مِن شَجَرَةِ الحُمّى. ثُمَّ تَرَتَّبَتْ مَعاصِي الذُّرِّيَّةِ عَلى عَدَمِ الصَّبْرِ وعَدَمِ الرِّضا. الحادِي والأرْبَعُونَ: أنَّ الرّاضِيَ واقِفٌ مَعَ اخْتِيارِ اللَّهِ لَهُ. مُعْرِضٌ عَنِ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ. وهَذا مِن قُوَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ تَعالى، ومَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ. وَقَدِ اجْتَمَعَ وُهَيْبُ بْنُ الوَرْدِ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، ويُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ. فَقالَ الثَّوْرِيُّ: قَدْ كُنْتُ أكْرَهُ مَوْتَ الفُجاءَةِ قَبْلَ اليَوْمِ. وأمّا اليَوْمَ: فَوَدِدْتُ أنِّي مَيِّتٌ. فَقالَ لَهُ يُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ: ولِمَ؟ فَقالَ: لِما أتَخَوَّفُ مِنَ الفِتْنَةِ. فَقالَ يُوسُفُ: لَكِنِّي لا أكْرَهُ طُولَ البَقاءِ. فَقالَ الثَّوْرِيُّ: ولِمَ تَكْرَهُ المَوْتَ؟ قالَ: لَعَلِّي أُصادِفُ يَوْمًا أتُوبُ فِيهِ وأعْمَلُ صالِحًا. فَقِيلَ لِوُهَيْبٍ: أيُّ شَيْءٍ تَقُولُ أنْتَ؟ فَقالَ: أنا لا أخْتارُ شَيْئًا، أحَبُّ ذَلِكَ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ. فَقَبَّلَ الثَّوْرِيُّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وقالَ: رُوحانِيَّةٌ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَهَذا حالُ عَبْدٍ قَدِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ حالَةُ الحَياةِ والمَوْتِ. وقَفَ مَعَ اخْتِيارِ اللَّهِ لَهُ مِنها. وقَدْ كانَ وُهَيْبٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ المَقامُ العالِي مِنَ الرِّضا وغَيْرِهِ. الثّانِي والأرْبَعُونَ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ مَنعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعَبْدِهِ المُؤْمِنَ المُحِبِّ عَطاءٌ، وابْتِلاءَهُ إيّاهُ عافِيَةٌ. قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: مَنعُهُ عَطاءٌ. وذَلِكَ: أنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ عَنْ بُخْلٍ ولا عَدَمٍ. وإنَّما نَظَرَ في خَيْرِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ فَمَنَعَهُ اخْتِيارًا وحُسَنَ نَظَرٍ. وَهَذا كَما قالَ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْضِي لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ قَضاءً إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ، ساءَهُ ذَلِكَ القَضاءُ أوْ سَرَّهُ. فَقَضاؤُهُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنَ المَنعَ عَطاءٌ. وإنْ كانَ في صُورَةِ المَنعِ. ونِعْمَةٌ. وإنْ كانَتْ في صُورَةِ مِحْنَةٍ. وبَلاؤُهُ عافِيَةٌ. وإنْ كانَ في صُورَةِ بَلِيَّةٍ. ولَكِنْ لِجَهْلِ العَبْدِ وظُلْمِهِ لا يَعُدُّ العَطاءَ والنِّعْمَةَ والعافِيَةَ إلّا ما التَذَّ بِهِ في العاجِلِ. وكانَ مُلائِمًا لِطَبْعِهِ. ولَوْ رُزِقَ مِنَ المَعْرِفَةِ حَظًّا وافِرًا لَعَدَّ المَنعَ نِعْمَةً، والبَلاءَ رَحْمَةً. وتَلَذَّذَ بِالبَلاءِ أكْثَرَ مِن لَذَّتِهِ بِالعافِيَةِ. وتَلَذَّذَ بِالفَقْرِ أكْثَرَ مِن لَذَّتِهِ بِالغِنى. وكانَ في حالِ القِلَّةِ أعْظَمَ شُكْرًا مِن حالِ الكَثْرَةِ. وَهَذِهِ كانَتْ حالَ السَّلَفِ. فالعاقِلُ الرّاضِي: مَن يَعُدُّ البَلاءَ عافِيَةً، والمَنعَ نِعْمَةً، والفَقْرَ غِنًى. وَأوْحى اللَّهُ إلى بَعْضِ أنْبِيائِهِ إذا رَأيْتَ الفَقْرَ مُقْبِلًا، فَقُلْ: مَرْحَبًا بِشِعارِ الصّالِحِينَ. وإذا رَأيْتَ الغِنى مُقْبِلًا. فَقُلْ: ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ. فالرّاضِي: هو الَّذِي يَعُدُّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيما يَكْرَهُهُ، أكْثَرَ وأعْظَمَ مِن نِعَمِهِ عَلَيْهِ فِيما يُحِبُّهُ، كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: يا ابْنَ آدَمَ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ فِيما تَكْرَهُ أعْظَمُ مِن نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ فِيما تُحِبُّ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقَدْ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: ارْضَ عَنِ اللَّهِ في جَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ بِكَ. فَإنَّهُ ما مَنَعَكَ إلّا لِيُعْطِيَكَ. ولا ابْتَلاكَ إلّا لِيُعافِيَكَ. ولا أمْرَضَكَ إلّا لِيَشْفِيَكَ. ولا أماتَكَ إلّا لِيُحْيِيَكَ. فَإيّاكَ أنْ تُفارِقَ الرِّضا عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَتَسْقُطَ مِن عَيْنِهِ. الثّالِثُ والأرْبَعُونَ: أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الأوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، والمُظْهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، والمالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وهو الَّذِي يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ. ولَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ اخْتِيارٌ. ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا. والعَبْدُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا. فَهو سُبْحانَهُ الَّذِي اخْتارَ وُجُودَهُ. واخْتارَ أنْ يَكُونَ كَما قَدَّرَهُ لَهُ وقَضاهُ: مِن عافِيَةٍ وبَلاءٍ، وغِنًى وفَقْرٍ، وعِزٍّ وذُلٍّ، ونَباهَةٍ وخُمُولٍ، فَكَما تَفَرَّدَ سُبْحانَهُ بِالخَلْقِ، تَفَرَّدَ بِالِاخْتِيارِ والتَّدْبِيرِ - ولَيْسَ لِلْعَبْدِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ - فَإنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ. وقَدْ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فَإذا تَيَقَّنَ العَبْدُ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، ولَيْسَ لَهُ مِنَ الأمْرِ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ. لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَوَّلٌ - بَعْدَ ذَلِكَ - غَيْرَ الرِّضا بِمَواقِعِ الأقْدارِ. وما يَجْرِي بِهِ مِن رَبِّهِ الِاخْتِيارُ. الرّابِعُ والأرْبَعُونَ: أنَّ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أكْبَرُ مِنَ الجَنَّةِ وما فِيها. لِأنَّ الرِّضا صِفَةُ اللَّهِ والجَنَّةَ خَلْقُهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وهَذا الرِّضا جَزاءٌ عَلى رِضاهم عَنْهُ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَ هَذا الجَزاءُ أفْضَلَ الجَزاءِ، كانَ سَبَبُهُ أفْضَلَ الأعْمالِ. الخامِسُ والأرْبَعُونَ: أنَّ العَبْدَ إذا رَضِيَ بِهِ وعَنْهُ في جَمِيعِ الحالاتِ: لَمْ يَتَخَيَّرْ عَلَيْهِ المَسائِلَ. وأغْناهُ رِضاهُ بِما يَقْسِمُهُ لَهُ ويُقَدِّرُهُ ويَفْعَلُهُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ. وجَعَلَ ذِكْرَهُ في مَحَلِّ سُؤالِهِ. بَلْ يَكُونُ مِن سُؤالِهِ لَهُ الإعانَةُ عَلى ذِكْرِهِ، وبُلُوغُ رِضاهُ. فَهَذا يُعْطى أفْضَلَ ما يُعْطاهُ سائِلٌ. كَما جاءَ في الحَدِيثِ «مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ». فَإنَّ السّائِلِينَ سَألُوهُ. فَأعْطاهُمُ الفَضْلَ الَّذِي سَألُوهُ. والرّاضُونَ رَضُوا عَنْهُ فَأعْطاهم رِضاهُ عَنْهُمْ، ولا يَمْنَعُ الرِّضا سُؤالُهُ أسْبابَ الرِّضا، بَلْ أصْحابُهُ مُلِحُّونَ في سُؤالِهِ ذَلِكَ. السّادِسُ والأرْبَعُونَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَنْدُبُ إلى أعْلى المَقاماتِ. فَإنْ عَجَزَ العَبْدُ عَنْهُ: حَطَّ إلى المَقامِ الوَسَطِ، كَما قالَ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» فَهَذا مَقامُ المُراقَبَةِ الجامِعُ لِمَقاماتِ الإسْلامِ والإيمانِ والإحْسانِ. ثُمَّ قالَ: «فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» فَحَطَّهُ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ المَقامِ الأوَّلِ إلى المَقامِ الثّانِي، وهو العِلْمُ بِاطِّلاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ ورُؤْيَتِهِ لَهُ، ومُشاهَدَتِهِ لِعَبْدِهِ في المَلَأِ والخَلاءِ، وكَذا الحَدِيثُ الآخَرُ: «إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضا مَعَ اليَقِينِ فافْعَلْ. فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا» فَرَفَعَهُ إلى أعْلى المَقاماتِ. ثُمَّ رَدَّهُ إلى أوْسَطِها إنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الأعْلى. فالأوَّلُ: مَقامُ الإحْسانِ. والَّذِي حَطَّهُ إلَيْهِ: مَقامُ الإيمانِ. ولَيْسَ دُونَ ذَلِكَ إلّا مَقامُ الخُسْرانِ. السّابِعُ والأرْبَعُونَ: أنَّهُ ﷺ أثْنى عَلى الرّاضِينَ بِمُرِّ القَضاءِ بِالحُكْمِ والعِلْمِ والفِقْهِ، والقُرْبِ مِن دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ. كَما في حَدِيثِ «الوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقالَ: ما أنْتُمْ؟ فَقالُوا: مُؤْمِنُونَ. فَقالَ: ما عَلامَةُ إيمانِكُمْ؟ فَقالُوا: الصَّبْرُ عِنْدَ البَلاءِ، والشُّكْرُ عِنْدَ الرَّخاءِ، والرِّضا بِمُرِّ القَضاءِ. والصِّدْقُ في مُواطِنِ اللِّقاءِ، وتَرْكُ الشَّماتَةِ بِالأعْداءِ. فَقالَ: حُكَماءُ عُلَماءُ. كادُوا مِن فِقْهِهِمْ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ». الثّامِنُ والأرْبَعُونَ: أنَّ الرِّضا آخِذٌ بِزِمامِ مَقاماتِ الدِّينِ كُلِّها. وهو رُوحُها وحَياتُها. فَإنَّهُ رُوحُ التَّوَكُّلِ وحَقِيقَتُهُ، ورُوحُ اليَقِينِ، ورُوحُ المَحَبَّةِ، وصِحَّةُ المُحِبِّ، ودَلِيلُ صِدْقِ المَحَبَّةِ، ورُوحُ الشُّكْرِ ودَلِيلُهُ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: عَلامَةُ حُبِّ اللَّهِ: كَثْرَةُ ذِكْرِهِ. فَإنَّكَ لا تُحِبُّ شَيْئًا إلّا أكْثَرْتَ مِن ذِكْرِهِ. وعَلامَةُ الدِّينِ: الإخْلاصُ لِلَّهِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ. وعَلامَةُ الشُّكْرِ، الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ والتَّسْلِيمُ لِقَضائِهِ. وَقالَ أحْمَدُ بْنُ أبِي الحِوارِيِّ: ذاكَرْتُ أبا سُلَيْمانَ في الخَبَرِ المَرْوِيِّ: أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ الحَمّادُونَ فَقالَ: ويْحَكَ، لَيْسَ هو أنْ تَحْمَدَهُ عَلى المُصِيبَةِ وقَلْبُكَ يَتَعَصّى عَلَيْكَ. إذا كُنْتَ كَذَلِكَ فارْجِعْ إلى الصّابِرِينَ. إنَّما الحَمْدُ: أنْ تَحْمَدَهُ وقَلْبُكَ مُسَلِّمٌ راضٍ. فَصارَ الرِّضا كالرُّوحِ لِهَذِهِ المَقاماتِ، والأساسِ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ. ولا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنها بِدُونِهِ ألْبَتَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ. التّاسِعُ والأرْبَعُونَ: أنَّ الرِّضا يَقُومُ مَقامَ كَثِيرٍ مِنَ التَّعَبُّداتِ الَّتِي تَشُقُّ عَلى البَدَنِ. فَيَكُونُ رِضاهُ أسْهَلَ عَلَيْهِ، وألَذَّ لَهُ، وأرْفَعَ في دَرَجَتِهِ. وقَدْ ذُكِرَ في أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ: أنَّ عابِدًا عَبَدَ اللَّهَ دَهْرًا طَوِيلًا، فَأُرِيَ في المَنامِ: أنَّ فُلانَةَ الرّاعِيَةَ رَفِيقَتُكَ في الجَنَّةِ، فَسَألَ عَنْها، إلى أنْ وجَدَها. فاسْتَضافَها ثَلاثًا لِيَنْظُرَ إلى عَمَلِها فَكانَ يَبِيتُ قائِمًا وتَبِيتُ نائِمَةً. ويَظَلُّ صائِمًا وتَظَلُّ مُفْطِرَةً. فَقالَ لَها: أما لَكِ عَمَلٌ غَيْرُ ما رَأيْتُ؟ قالَتْ: ما هو واللَّهِ غَيْرَ ما رَأيْتَ - أوْ قالَتْ: إلّا ما رَأيْتَ - لا أعْرِفُ غَيْرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ لَها: تَذَكَّرِي. حَتّى قالَتْ: خُصَيْلَةٌ واحِدَةٌ هي فِيَّ. وذَلِكَ: أنِّي إنْ كُنْتُ في شِدَّةٍ لَمْ أتَمَنَّ أنِّي في رَخاءٍ. وإنْ كُنْتُ في مَرَضٍ لَمْ أتَمَنَّ أنِّي في صِحَّةٍ. وإنْ كُنْتُ في شَمْسٍ لَمْ أتَمَنَّ أنِّي في الظِّلِّ. قالَ: فَوَضَعَ العابِدُ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ. وقالَ: أهَذِهِ خُصَيْلَةٌ؟ هَذِهِ واللَّهِ خَصْلَةٌ عَظِيمَةٌ يَعْجِزُ عَنْها العُبّادُ. وَقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن رَضِيَ بِما أُنْزِلَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ غُفِرَ لَهُ. وَفِي أثَرٍ مَرْفُوعٍ: «خَيْرُ ما أُعْطِيَ العَبْدُ: الرِّضا بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ». وَفِي أثَرٍ آخَرَ: «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلاهُ. فَإنْ صَبَرَ اجْتَباهُ، فَإنْ رَضِيَ اصْطَفاهُ». وَفِي أثَرٍ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ سَألُوا مُوسى أنْ يَسْألَ رَبَّهُ أمْرًا إذا هم فَعَلُوهُ رَضِيَ عَنْهم. فَقالَ مُوسى: رَبِّ، إنَّكَ تَسْمَعُ ما يَقُولُونَ. فَقالَ: قُلْ لَهم يَرْضَوْنَ عَنِّي حَتّى أرْضى عَنْهم. وَفِي أثَرٍ آخَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن أحَبَّ أنْ يَعْلَمَ ما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ. فَلْيَنْظُرْ ما لِلَّهِ عِنْدَهُ. فَإنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنهُ حَيْثُ يُنْزِلُهُ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ». وَفِي أثَرٍ آخَرَ: «مَن رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ، رَضِيَ اللَّهُ مِنهُ بِالقَلِيلِ مِنَ العَمَلِ». وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: أعْرِفُ في المَوْتى عالَمًا يَنْظُرُونَ إلى مَنازِلِهِمْ في الجِنانِ في قُبُورِهِمْ، يُغْدى عَلَيْهِمْ ويُراحُ بِرِزْقِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا. وهم في غُمُومٍ وكُرُوبٍ في البَرْزَخِ. لَوْ قُسِّمَتْ عَلى أهْلِ بَلَدٍ لَماتُوا أجْمَعِينَ. قِيلَ: وما كانَتْ أعْمالُهُمْ؟ قالَ: كانُوا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ، إلّا أنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم مِنَ التَّوَكُّلِ ولا مِنَ الرِّضا نَصِيبٌ. وَفِي وصِيَّةِ لُقْمانَ لِابْنِهِ: أُوصِيكَ بِخِصالٍ تُقَرِّبُكَ مِنَ اللَّهِ، وتُباعِدُكَ مِن سَخَطِهِ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ لا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا. وأنْ تَرْضى بِقَدَرِ اللَّهِ فِيما أحْبَبْتَ وكَرِهْتَ وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، ويَرْضَ بِقَدَرِ اللَّهِ، فَقَدْ أقامَ الإيمانَ، وفَرَّغَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ لِكَسْبِ الخَيْرِ، وأقامَ الأخْلاقَ الصّالِحَةَ الَّتِي تُصْلِحُ لِلْعَبْدِ أمْرَهُ. الخَمْسُونَ: أنْ الرِّضا يَفْتَحُ بابَ حُسْنِ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ تَعالى ومَعَ النّاسِ؛ فَإنَّ حُسْنَ الخُلُقِ مِنَ الرِّضا وسُوءَ الخُلُقِ مِنَ السَّخَطِ. وحُسْنُ الخُلُقِ يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ القائِمِ، وسُوءُ الخُلُقِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ النّارُ الحَطَبَ. الحادِي والخَمْسُونَ: أنَّ الرِّضا يُثْمِرُ سُرُورَ القَلْبِ بِالمَقْدُورِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، وطِيبَ النَّفْسِ وسُكُونَها في كُلِّ حالٍ، وطُمَأْنِينَةَ القَلْبِ عِنْدَ كُلِّ مُفْزِعٍ مُهْلِعٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وبِرَدِّ القَناعَةِ، واغْتِباطِ العَبْدِ بِقَسْمِهِ مِن رَبِّهِ، وفَرَحِهِ بِقِيامِ مَوْلاهُ عَلَيْهِ، واسْتِسْلامِهِ لِمَوْلاهُ في كُلِّ شَيْءٍ، ورِضاهُ مِنهُ بِما يُجْرِيهِ عَلَيْهِ، وتَسْلِيمِهِ لَهُ الأحْكامَ والقَضايا، واعْتِقادِ حُسْنَ تَدْبِيرِهِ، وكَمالَ حِكْمَتِهِ، ويُذْهِبُ عَنْهُ شَكْوى رَبِّهِ إلى غَيْرِهِ وتَبَرُّمَهُ بِأقْضِيَتِهِ. ولِهَذا سَمّى بَعْضُ العارِفِينَ الرِّضا: حُسْنَ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ. فَإنَّهُ يُوجِبُ تَرْكَ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ في مُلْكِهِ، وحَذْفَ فُضُولِ الكَلامِ الَّتِي تَقْدَحُ في حُسْنِ خُلُقِهِ. فَلا يَقُولُ: ما أحْوَجَ النّاسَ إلى مَطَرٍ؟ ولا يَقُولُ: هَذا يَوْمٌ شَدِيدُ الحَرِّ، أوْ شَدِيدُ البَرْدِ. ولا يَقُولُ: الفَقْرُ بَلاءٌ، والعِيالُ هَمٌّ وغَمٌّ، ولا يُسَمِّي شَيْئًا قَضاهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ باسِمٍ مَذْمُومٍ إذا لَمْ يَذُمَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. فَإنَّ هَذا كُلَّهُ يُنافِي رِضاهُ. وَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ: أصْبَحْتُ وما لِي سُرُورٌ إلّا في مَواقِعِ القَدَرِ. وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الفَقْرُ والغِنى مَطِيَّتانِ ما أُبالِي أيُّهُما رَكِبْتُ، إنْ كانَ الفَقْرَ فَإنَّ فِيهِ الصَّبْرَ، وإنْ كانَ الغِنى فَإنَّ فِيهِ البَذْلَ وَقالَ ابْنُ أبِي الحَوارِيِّ - أوْ قِيلَ لَهُ - إنَّ فُلانًا قالَ: ودِدْتُ أنَّ اللَّيْلَ أطْوَلُ مِمّا هو. فَقالَ: قَدْ أحْسَنَ. وقَدْ أساءَ. أحْسَنَ حَيْثُ تَمَنّى طُولَهُ لِلْعِبادَةِ والمُناجاةِ، وأساءَ حَيْثُ تَمَنّى ما لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ، وأحَبَّ ما لَمْ يُحِبَّهُ اللَّهُ. وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أُبالِي عَلى أيِّ حالٍ أصْبَحْتُ وأمْسَيْتُ: مِن شِدَّةٍ أوْ رَخاءِ. وَقالَ يَوْمًا لِامْرَأتِهِ عاتِكَةَ، أُخْتِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - وقَدْ غَضِبَ عَلَيْها - واللَّهِ لَأسُوأنَّكِ. فَقالَتْ: أتَسْتَطِيعُ أنْ تَصْرِفَنِي عَنِ الإسْلامِ، بَعْدَ إذْ هَدانِي اللَّهُ؟ قالَ: لا. فَقالَتْ: فَأيُّ شَيْءٍ تَسُوءُنِي بِهِ إذًا؟ تُرِيدُ أنَّها راضِيَةٌ بِمَواقِعِ القَدَرِ. لا يَسُوؤُها مِنهُ شَيْءٌ إلّا صَرْفُها عَنِ الإسْلامِ. ولا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ. وَقالَ الثَّوْرِيُّ يَوْمًا عِنْدَ رابِعَةَ: اللَّهُمَّ ارْضَ عَنّا. فَقالَتْ: أما تَسْتَحِي أنْ تَسْألَهُ الرِّضا عَنْكَ، وأنْتَ غَيْرُ راضٍ عَنْهُ؟ فَقالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ثُمَّ قالَ لَها جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ: مَتى يَكُونُ العَبْدُ راضِيًا عَنِ اللَّهِ؟ فَقالَتْ: إذا كانَ سُرُورُهُ بِالمُصِيبَةِ مِثْلَ سُرُورِهِ بِالنِّعْمَةِ. وَفِي أثَرٍ إلَهِيٍّ: ما لِأوْلِيائِي والهَمُّ بِالدُّنْيا؟ إنَّ الهَمَّ بِالدُّنْيا يُذْهِبُ حَلاوَةَ مُناجاتِي مِن قُلُوبِهِمْ. وَقِيلَ: أكْثَرُ النّاسِ هَمًّا بِالدُّنْيا أكْثَرُهم هَمًّا في الآخِرَةِ. وأقَلُّهم هَمًّا بِالدُّنْيا أقَلُّهم هَمًّا في الآخِرَةِ. فالإيمانُ بِالقَدَرِ، والرِّضا بِهِ: يُذْهِبُ عَنِ العَبْدِ الهَمَّ والغَمَّ والحَزَنَ. وَذُكِرَ عِنْدَ رابِعَةَ ولِيٌّ لِلَّهِ قُوتُهُ مِنَ المَزابِلِ. فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَها: ما ضَرَّ هَذا أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ رِزْقَهُ في غَيْرِ هَذا؟ فَقالَتِ: اسْكُتْ يا بَطّالُ. أما عَلِمْتَ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ هم أرْضى عَنْهُ مِن أنْ يَسْألُوهُ أنْ يَنْقُلَهم إلى مَعِيشَةٍ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَخْتارُ لَهُمْ؟ وَفِي أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ أنَّ مُوسى ﷺ: سَألَ رَبَّهُ عَمّا فِيهِ رِضاهُ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ رِضاهُ في كُرْهِكَ، وأنْتَ لا تَصْبِرُ عَلى ما تَكْرَهُ. فَقالَ: يا رَبِّ، دُلَّنِي عَلَيْهِ. فَقالَ: إنَّ رِضاهُ في رِضاكَ بِقَضائِي. وَفِي أثَرٍ آخَرَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ، أيُّ خَلْقِكَ أحَبُّ إلَيْكَ؟ فَقالَ: مَن إذا أخَذْتُ مِنهُ مَحْبُوبَهُ سالَمَنِي. قالَ: فَأيُّ خَلْقِكَ أنْتَ عَلَيْهِ ساخِطٌ؟ قالَ: مَنِ اسْتَخارَنِي في أمْرٍ فَإذا قَضَيْتُهُ لَهُ سَخِطَ قَضائِي. وَفِي أثَرٍ آخَرَ: أنا اللَّهُ. لا إلَهَ إلّا أنا، قَدَّرْتُ التَّقادِيرَ، ودَبَّرْتُ التَّدابِيرَ، وأحْكَمْتُ الصُّنْعَ. فَمَن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضا مِنِّي حَتّى يَلْقانِي. ومِن سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ حَتّى يَلْقانِي. الثّانِي والخَمْسُونَ: أنَّ أفْضَلَ الأحْوالِ: الرَّغْبَةُ في اللَّهِ ولَوازِمُها. وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِاليَقِينِ، والرِّضا عَنِ اللَّهِ. ولِهَذا قالَ سَهْلٌ: حَظُّ الخَلْقِ مِنَ اليَقِينِ عَلى قَدْرِ حَظِّهِمْ مِنَ الرِّضا. وحَظُّهم مِنَ الرِّضا عَلى قَدْرِ رَغْبَتِهِمْ في اللَّهِ. الثّالِثُ والخَمْسُونَ: أنَّ الرِّضا يُخَلِّصُهُ مِن عَيْبِ ما لَمْ يُعِبْهُ اللَّهُ. ومِن ذَمِّ ما لَمْ يَذُمَّهُ اللَّهُ. فَإنَّ العَبْدَ إذا لَمْ يَرْضَ بِالشَّيْءِ عابَهُ بِأنْواعِ المَعايِبِ. وذَمَّهُ بِأنْواعِ المَذامِّ. وذَلِكَ مِنهُ قِلَّةُ حَياءٍ مِنَ اللَّهِ. وذَمٌّ لِما لَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ، وعَيْبٌ لِخَلْقِهِ. وذَلِكَ يُسْقِطُ العَبْدَ مِن عَيْنِ رَبِّهِ. ولَوْ أنَّ رَجُلًا صَنَعَ لَكَ طَعامًا وقَدَّمَهُ إلَيْكَ فَعِبْتَهُ وذَمَمْتَهُ، لَكُنْتَ مُتَعَرِّضًا لِمَقْتِهِ وإهانَتِهِ، ومُسْتَدْعِيًا مِنهُ: أنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ عَنْكَ. وقَدْ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ ذَمَّ المَصْنُوعِ وعَيْبَهُ - إذا لَمْ يَذُمَّهُ صانِعُهُ - غِيبَةٌ لَهُ وقَدْحٌ فِيهِ. الرّابِعُ والخَمْسُونَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَألَ اللَّهَ الرِّضا بِالقَضاءِ. كَما في المُسْنَدِ والسُّنَنِ «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ عَلى الخَلْقِ، أحْيِنِي إذا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي. وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي. وأسْألُكَ خَشْيَتَكَ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ. وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا. وأسْألُكَ القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنى. وأسْألُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ. وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ. وأسْألُكَ الرِّضا بَعْدَ القَضاءِ. وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ. وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ الكَرِيمِ. وأسْألُكَ الشَّوْقَ إلى لِقائِكَ، في غَيْرِ ضَرّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ. اللَّهُمَّ زِيِّنّا بِزِينَةِ الإيمانِ. واجْعَلْنا هُداةً مُهْتَدِينَ». فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: سَألَهُ الرِّضا بَعْدَ القَضاءِ. لِأنَّهُ حِينَئِذٍ تَبَيَّنَ حَقِيقَةَ الرِّضا. وأمّا الرِّضا قَبْلَهُ: فَإنَّما هو عَزْمٌ عَلى أنَّهُ يَرْضى إذا أصابَهُ. وإنَّما يَتَحَقَّقُ الرِّضا بَعْدَهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: ورُوِّينا في دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الصِّحَّةَ، والعِفَّةَ، والأمانَةَ، وحُسْنَ الخُلُقِ، والرِّضا بِالقَدَرِ». الخامِسُ والخَمْسُونَ: أنَّ الرِّضا بِالقَدَرِ يُخَلِّصُ العَبْدَ مِن أنْ يُرْضِيَ النّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ. وأنْ يَذُمَّهم عَلى ما لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ. وأنْ يَحْمَدَهم عَلى ما هو عَيْنُ فَضْلِ اللَّهِ. فَيَكُونُ ظالِمًا لَهم في الأوَّلِ - وهو رِضاهم وذَمُّهم - مُشْرِكًا بِهِمْ في الثّانِي - وهو حَمْدُهم - فَإذا رَضِيَ بِالقَضاءِ تَخَلَّصَ مِن ذَمِّهِمْ وحَمْدِهِمْ. فَخَلَّصَهُ الرِّضا مِن ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ المُلائِيُّ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ مِن ضَعْفِ اليَقِينِ: أنْ تُرْضِيَ النّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وأنْ تَحْمَدَهم عَلى رِزْقِ اللَّهِ، وأنْ تَذُمَّهم عَلى ما لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ. إنَّ رِزْقَ اللَّهِ لا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، ولا يَرُدُّهُ كُرْهُ كارِهٍ. وإنَّ اللَّهَ - بِحِكْمَتِهِ - جَعَلَ الرُّوحَ والفَرَحَ في الرِّضا واليَقِينِ. وجَعَلَ الهَمَّ والحَزَنَ في الشَّكِّ والسُّخْطِ» وقَدْ رَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. السّادِسُ والخَمْسُونَ: أنَّ الرِّضا يُفَرِّغُ قَلْبَ العَبْدِ. ويُقَلِّلُ هَمَّهُ وغَمَّهُ. فَيَتَفَرَّغُ لِعِبادَةِ رَبِّهِ بِقَلْبٍ خَفِيفٍ مِن أثْقالِ الدُّنْيا وهُمُومِها وغُمُومِها. كَما ذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ بِشْرِ بْنِ بَشّارٍ المُجاشِعِيِّ - وكانَ مِنَ العُلَماءِ - قالَ: قُلْتُ لِعابِدٍ: أوْصِنِي. قالَ: ألْقِ نَفْسَكَ مَعَ القَدَرِ حَيْثُ ألْقاكَ. فَهو أحْرى أنْ يُفَرِّغَ قَلْبَكَ. ويُقَلِّلَ هَمَّكَ. وإيّاكَ أنْ تَسْخَطَ ذَلِكَ، فَيَحِلَّ بِكَ السَّخَطُ وأنْتَ عَنْهُ في غَفْلَةٍ لا تَشْعُرُ بِهِ. فَيُلْقِيَكَ مَعَ الَّذِي سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ذَرُوا التَّدْبِيرَ والِاخْتِيارَ تَكُونُوا في طِيبٍ مِنَ العَيْشِ. فَإنَّ التَّدْبِيرَ والِاخْتِيارَ يُكَدِّرُ عَلى النّاسِ عَيْشَهم. وَقالَ أبُو العَبّاسِ بْنُ عَطاءٍ: الفَرَحُ في تَدْبِيرِ اللَّهِ لَنا. والشَّقاءُ كُلُّهُ في تَدْبِيرِنا. وَقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَن لَمْ يَصْلُحْ عَلى تَقْدِيرِ اللَّهِ لَمْ يَصْلُحْ عَلى تَقْدِيرِ نَفْسِهِ. وَقالَ أبُو العَبّاسِ الطُّوسِيُّ: مَن تَرَكَ التَّدْبِيرَ عاشَ في راحَةٍ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَجِدِ السَّلامَةَ حَتّى تَكُونَ في التَّدْبِيرِ كَأهْلِ القُبُورِ. وَقالَ: الرِّضاءُ تَرْكُ الخِلافِ عَلى الرَّبِّ فِيما يُجْرِيهِ عَلى العَبْدِ. وَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ تَرَكَتْنِي هَؤُلاءِ الدَّعَواتُ، وما لِي في شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ كُلِّها أرَبٌ، إلّا في مَواقِعِ قَدَرِ اللَّهِ، وكانَ كَثِيرًا ما يَدْعُو: اللَّهُمَّ رَضِّنِي بِقَضائِكَ، وبارِكْ لِي في قَدَرِكَ، حَتّى لا أُحِبَّ تَعْجِيلَ شَيْءٍ أخَّرْتَهُ. ولا تَأْخِيرَ شَيْءٍ عَجَّلْتَهُ. وَقالَ: ما أصْبَحَ لِي هَوًى في شَيْءٍ سِوى ما قَضى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وَقالَ شُعْبَةُ: قالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: ما تَمَنَّيْتُ شَيْئًا قَطُّ. وَقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: الرّاضِي لا يَتَمَنّى فَوْقَ مَنزِلَتِهِ. وَقالَ ذُو النُّونِ: ثَلاثَةٌ مِن أعْلامِ التَّسْلِيمِ: مُقابَلَةُ القَضاءِ بِالرِّضا، والصَّبْرُ عِنْدَ البَلاءِ، والشُّكْرُ عِنْدَ الرَّخاءِ. وثَلاثَةٌ مِن أعْلامِ التَّفْوِيضِ: تَعْطِيلُ إرادَتِكَ لِمُرادِهِ، والنَّظَرُ إلى ما يَقَعُ مِن تَدْبِيرِهِ لَكَ، وتَرْكُ الِاعْتِراضِ عَلى الحُكْمِ، وثَلاثَةٌ مِن أعْلامِ التَّوْحِيدِ: رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، وقَبُولُ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، وإضافَةُ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ. وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: أصْلُ العِبادَةِ ثَلاثَةٌ: لا تَرُدَّ مِن أحْكامِهِ شَيْئًا، ولا تَسْألْ غَيْرَهُ حاجَةً، ولا تَدَّخِرْ عَنْهُ شَيْئًا. وَسُئِلَ ابْنُ شَمْعُونٍ عَنِ الرِّضا؟ فَقالَ: أنْ تَرْضى بِهِ مُدَبِّرًا ومُخْتارًا. وتَرْضى عَنْهُ قاسِمًا ومُعْطِيًا ومانِعًا. وتَرْضاهُ إلَهًا ومَعْبُودًا ورَبًّا. وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: الرِّضا تَرْكُ الِاخْتِيارِ، وسُرُورُ القَلْبِ بِمُرِّ القَضاءِ، وإسْقاطُ التَّدْبِيرِ مِنَ النَّفْسِ، حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ لَها أوْ عَلَيْها. وَقِيلَ: الرّاضِي مَن لَمْ يَنْدَمْ عَلى فائِتٍ مِنَ الدُّنْيا، ولَمْ يَتَأسَّفْ عَلَيْها. وَلِلَّهِ دَرُّ القائِلِ: ؎العَبْدُ ذُو ضَجَرٍ. والرَّبُّ ذُو قَدَرٍ ∗∗∗ والدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ. والرِّزْقُ مَقْسُومُ ؎والخَيْرُ أجْمَعُ فِيما اخْتارَ خالِقُنا ∗∗∗ وفي اخْتِيارِ سِواهُ اللَّوْمُ والشُّومُ السّابِعُ والخَمْسُونَ: أنَّهُ إذا لَمْ يَرْضَ بِالقَدَرِ وقَعَ في لَوْمِ المَقادِيرِ. إمّا بِقالَبِهِ، وإمّا بِقَلْبِهِ وحالِهِ. ولَوْمُ المَقادِيرِ لَوْمٌ لِمُقَدِّرِها، وكَذَلِكَ يَقَعُ في لَوْمِ الخَلْقِ. واللَّهُ والنّاسُ يَلُومُونَهُ، فَلا يَزالُ لائِمًا مَلُومًا. وهَذا مُنافٍ لِلْعُبُودِيَّةِ. «قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. فَما قالَ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ ولا لِشَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: ألا فَعَلْتَهُ؟ ولا قالَ لِي لِشَيْءٍ كانَ: لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ. ولا لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ: لَيْتَهُ كانَ. وكانَ بَعْضُ أهْلِهِ إذا لامَنِي يَقُولُ: دَعُوهُ. فَلَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكانَ». وَقَوْلُهُ: لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكانَ. يَتَناوَلُ أمْرَيْنِ. أحَدُهُما: ما لَمْ يُوجَدْ مِن مُرادِ العَبْدِ. والثّانِي: ما وُجِدَ مِمّا يَكْرَهُهُ. وهو يَتَناوَلُ فَواتَ المَحْبُوبِ، وحُصُولَ المَكْرُوهِ، فَلَوْ قُضِيَ الأوَّلُ لَكانَ. ولَوْ قُضِيَ خِلافُ الآخَرِ لَكانَ. فَإذا اسْتَوَتِ الحالَتانِ بِالنِّسْبَةِ إلى القَضاءِ. فَعُبُودِيَّةُ العَبْدِ: أنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَهُ الحالَتانِ بِالنِّسْبَةِ إلى رِضاهُ. وهَذا مُوجَبُ العُبُودِيَّةِ ومُقْتَضاها. يُوَضِّحُهُ: الثّامِنُ والخَمْسُونَ: أنَّهُ إذا اسْتَوى الأمْرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى رِضا الرَّبِّ تَعالى. فَهَذا رَضِيَهُ لِعَبْدِهِ فَقَدَّرَهُ. وهَذا لَمْ يَرْضَهُ لَهُ فَلَمْ يُقَدِّرْهُ. فَكَمالُ المُوافَقَةِ: أنْ يَسْتَوِيا بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ. فَيَرْضى ما رَضِيَهُ لَهُ رَبُّهُ في الحالَيْنِ. التّاسِعُ والخَمْسُونَ: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ ويَدَيْ رَسُولِهِ في حُكْمِهِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ. وذَلِكَ عُبُودِيَّةُ هَذا الأمْرِ. فَعُبُودِيَّةُ أمْرِهِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ: أنْ لا يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ إلّا حَيْثُ كانَتِ المَصْلَحَةُ الرّاجِحَةُ في ذَلِكَ. فَيَكُونَ التَّقَدُّمُ أيْضًا بِأمْرِهِ الكَوْنِيِّ والدِّينِيِّ. فَإذا كانَ فَرْضُهُ الصَّبْرَ أوْ نَدْبُهُ. أوْ فَرْضُهُ الرِّضا حَتّى تَرَكَ ذَلِكَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ شَرْعِهِ وقَدَرِهِ. السِّتُّونَ: أنَّ المَحَبَّةَ والإخْلاصَ والإنابَةَ: لا تَقُومُ إلّا عَلى ساقِ الرِّضا. فالمُحِبُّ راضٍ عَنْ حَبِيبِهِ في كُلِّ حالَةٍ. وقَدْ كانَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتُسْقِيَ بَطْنُهُ، فَبَقِيَ مُلْقًى عَلى ظَهْرِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، لا يَقُومُ ولا يَقْعُدُ. وقَدْ نُقِبَ لَهُ في سَرِيرِهِ مَوْضِعٌ لِحاجَتِهِ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّخِّيرُ. فَجَعَلَ يَبْكِي لِما رَأى مِن حالِهِ. فَقالَ لَهُ عِمْرانُ: لِمَ تَبْكِي؟ فَقالَ: لِأنِّي أراكَ عَلى هَذِهِ الحالِ الفَظِيعَةِ. فَقالَ: لا تَبْكِ. فَإنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلَيْهِ. وقالَ: أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَنْفَعَكَ بِهِ، واكْتُمْ عَلَيَّ حَتّى أمُوتَ. إنَّ المَلائِكَةَ تَزُورُنِي فَآنَسُ بِها. وتُسَلِّمُ عَلَيَّ فَأسْمَعُ تَسْلِيمَها. وَلَمّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى مَكَّةَ - وقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ - جَعَلَ النّاسُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ لِيَدْعُوَ لَهم. فَجَعَلَ يَدْعُو لَهم. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السّائِبِ: فَأتَيْتُهُ وأنا غُلامٌ. فَتَعَرَّفْتُ إلَيْهِ. فَعَرَفَنِي. فَقُلْتُ: يا عَمُّ، أنْتَ تَدْعُو لِلنّاسِ فَيُشْفَوْنَ. فَلَوْ دَعَوْتَ لِنَفْسِكَ لَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بَصَرَكَ. فَتَبَسَّمَ. ثُمَّ قالَ: يا بُنَيَّ، قَضاهُ اللَّهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن بَصَرِي. وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: ذَنْبٌ أذْنَبْتُهُ. أنا أبْكِي عَلَيْهِ ثَلاثِينَ سَنَةً. قِيلَ: وما هُوَ؟ قالَ: قُلْتُ لِشَيْءٍ قَضاءُ اللَّهِ: لَيْتَهُ لَمْ يَقْضِهِ، أوْ لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَوْ قُرِضَ لَحْمِي بِالمَقارِيضِ كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أقُولَ لِشَيْءٍ قَضاهُ اللَّهُ: لَيْتَهُ لَمْ يَقْضِهِ. وَقِيلَ لِعَبْدِ الواحِدِ بْنِ زَيْدٍ: هاهُنا رَجُلٌ قَدْ تَعَبَّدَ خَمْسِينَ سَنَةً. فَقَصَدَهُ. فَقالَ لَهُ: حَبِيبِي، أخْبِرْنِي عَنْكَ، هَلْ قَنَعْتَ بِهِ؟ قالَ: لا. قالَ: فَهَلْ أنْتَ بِهِ؟ قالَ: لا. قالَ: فَهَلْ رَضِيتَ عَنْهُ؟ قالَ: لا. قالَ: فَإنَّما مَزِيدُكَ مِنَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: لَوْلا أنِّي أسْتَحِي مِنكَ لَأخْبَرْتُكَ: أنَّ مُعامَلَتَكَ خَمْسِينَ سَنَةً مَدْخُولَةٌ. يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يُقَرِّبْهُ فَجَعَلَهُ في مَقامِ المُقَرَّبِينَ. فَيُوجِدَهُ مَواجِيدَ العارِفِينَ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَزِيدُهُ لَدَيْهِ: أعْمالَ القُلُوبِ. الَّتِي يَسْتَعْمِلُ بِها كُلُّ مَحْبُوبٍ مَطْلُوبٍ، لِأنَّ القَناعَةَ: حالُ المُوَفَّقِ، والأُنْسَ بِهِ: مَقامُ المُحِبِّ، والرِّضا: وصْفُ المُتَوَكِّلِ. يَعْنِي أنْتَ عِنْدَهُ في طَبَقاتِ أصْحابِ اليَمِينِ. فَمَزِيدُكَ عِنْدَهُ مَزِيدُ العُمُومِ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ. وَقَوْلُهُ: إنَّ مُعامَلَتَهُ مَدْخُولَةٌ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها ناقِصَةٌ عَنْ مُعامَلَةِ المُقَرَّبِينَ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهم هَذِهِ الأحْوالَ. الثّانِي: أنَّها لَوْ كانَتْ صَحِيحَةً سالِمَةً، لا عِلَّةَ فِيها ولا غِشَّ: لَأثْمَرَتْ لَهُ الأُنْسَ والرِّضا والمَحَبَّةَ، والأحْوالَ العَلِيَّةَ. فَإنَّ الرَّبَّ تَعالى شَكُورٌ. إذا وصَلَ إلَيْهِ عَمَلُ عَبْدِهِ جَمَّلَ بِهِ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ. وأثابَهُ عَلَيْهِ مِن حَقائِقِ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِحَسَبِ عَمَلِهِ. فَحَيْثُ لَمْ يَجِدْ أثَرًا في قَلْبِهِ، مِنَ الأُنْسِ والرِّضا والمَحَبَّةِ: اسْتَدَلَّ عَلى أنَّهُ مَدْخُولٌ، غَيْرُ سالِمٍ مِنَ الآفاتِ. الحادِي والسِّتُّونَ: أنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ تُضاعَفُ إلى حَدٍّ مَعْلُومٍ مَحْسُوبٍ. وأمّا أعْمالُ القَلْبِ: فَلا يَنْتَهِي تَضْعِيفُها. وذَلِكَ لِأنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ: لَها حَدٌّ تَنْتَهِي إلَيْهِ. وتَقِفُ عِنْدَهُ. فَيَكُونُ جَزاؤُها بِحَسَبِ حَدِّها. وأمّا أعْمالُ القُلُوبِ: فَهي دائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ. وإنْ تَوارى شُهُودُ العَبْدِ لَها. مِثالُهُ: أنَّ المَحَبَّةَ والرِّضا حالُ المُحِبِّ الرّاضِي، لا تُفارِقُهُ أصْلًا. وإنْ تَوارى حُكْمُها. فَصاحِبُها في مَزِيدٍ مُتَّصِلٍ. فَمَزِيدُ المُحِبِّ الرّاضِي: مُتَّصِلٌ بِدَوامِ هَذِهِ الحالِ لَهُ. فَهو في مَزِيدٍ، ولَوْ فَتَرَتْ جَوارِحُهُ. بَلْ قَدْ يَكُونُ مَزِيدُهُ في حالِ سُكُونِهِ وفُتُورِهِ أكْثَرَ مِن مَزِيدِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ النَّوافِلِ بِما لا نِسْبَةَ بَيْنَهُما. ويَبْلُغُ ذَلِكَ بِصاحِبِهِ إلى أنْ يَكُونَ مَزِيدُهُ في حالِ نَوْمِهِ أكْثَرَ مِن مَزِيدِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ القِيامِ. وأكْلُهُ أكْثَرَ مِن مَزِيدِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الصِّيامِ والجُوعِ. فَإنْ أنْكَرْتَ هَذا فَتَأمَّلْ مَزِيدَ نائِمٍ بِاللَّهِ، وقِيامَ غافِلٍ عَنِ اللَّهِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يَنْظُرُ إلى القُلُوبِ، والهِمَمِ والعَزائِمِ، لا إلى صُوَرِ الأعْمالِ. وقِيمَةُ العَبْدِ: هِمَّتُهُ وإرادَتُهُ. فَمَن لا يُرْضِيهِ غَيْرُ اللَّهِ - ولَوْ أُعْطِيَ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها - لَهُ شَأْنٌ. ومَن يُرْضِيهِ أدْنى حَظٍّ مِن حُظُوظِها لَهُ شَأْنٌ. وإنْ كانَتْ أعْمالُهُما في الصُّورَةِ الواحِدَةِ. وقَدْ تَكُونُ أعْمالُ المُلْتَفِتِ إلى الحُظُوظِ أكْثَرَ وأشَقَّ. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا الشَّأْنِ في مَسْألَةٍ. وهِيَ: هَلْ لِلرِّضا حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ؟ فَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: ثَلاثُ مَقاماتٍ لا حَدَّ لَها: الزُّهْدُ، والوَرَعُ، والرِّضا. وَخالَفَهُ سُلَيْمانُ ابْنُهُ - وكانَ عارِفًا، حَتّى إنَّ مِنَ النّاسِ مَن كانَ يُقَدِّمُهُ عَلى أبِيهِ - فَقالَ: بَلْ مَن تَوَرَّعَ في كُلِّ شَيْءٍ: فَقَدْ بَلَغَ حَدَّ الوَرَعِ. ومَن زَهِدَ في غَيْرِ اللَّهِ: فَقَدْ بَلَغَ حَدَّ الزُّهْدِ. ومَن رَضِيَ عَنِ اللَّهِ في كُلِّ شَيْءٍ: فَقَدْ بَلَغَ حَدَّ الرِّضا. وَقَدِ اخْتَلَفُوا في مَسْألَةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. وهِيَ: أهْلُ مَقاماتٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُهُمْ: يُحِبُّ المَوْتَ شَوْقًا إلى اللَّهِ ولِقائِهِ. والثّانِي: يُحِبُّ البَقاءَ لِلْخِدْمَةِ والتَّقَرُّبِ. وَقالَ الثّالِثُ: لا أخْتارُ. بَلْ أرْضى بِما يَخْتارُ لِي مَوْلايَ، إنْ شاءَ أحْيانِي، وإنْ شاءَ أماتَنِي. فَتَحاكَمُوا إلى بَعْضِ العارِفِينَ. فَقالَ: صاحِبُ الرِّضا أفْضَلُهم. لِأنَّهُ أقَلُّهم فُضُولًا، وأقْرَبُهم إلى السَّلامَةِ. وَلا رَيْبَ أنَّ مَقامَ الرِّضا فَوْقَ مَقامِ الشَّوْقِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا. بَقِيَ النَّظَرُ في مَقامَيِ الآخَرِينَ: أيُّهُما أعْلى؟ فَرَجَّحَتْ طائِفَةٌ مَقامَ مَن أحَبَّ المَوْتَ. لِأنَّهُ في مَقامِ الشَّوْقِ إلى لِقاءِ اللَّهِ ومَحَبَّةِ لِقائِهِ. ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ. وَرَجَّحَتْ طائِفَةٌ مَقامَ مُرِيدِ البَقاءِ لِتَنْفِيذِ أوامِرِ الرَّبِّ تَعالى. واحْتَجُّوا بِأنَّ الأوَّلَ مُحِبٌّ لِحَظِّهِ مِنَ اللَّهِ. وهَذا مُحِبٌّ لِمُرادِ اللَّهِ مِنهُ. لَمْ يَشْبَعْ مِنهُ، ولَمْ يَقْضِ مِنهُ وطَرًا. قالُوا: وهَذا حالُ مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - حِينَ لَطَمَ وجْهَ مَلَكِ المَوْتِ. فَفَقَأ عَيْنَهُ، لا مَحَبَّةً لِلدُّنْيا، ولَكِنْ لِيُنَفِّذَ أوامِرَ رَبِّهِ. ومَراضِيهِ في النّاسِ. فَكَأنَّهُ قالَ: أنْتَ عَبْدُهُ، وأنا عَبْدُهُ. وأنْتَ في طاعَتِهِ. وأنا في طاعَتِهِ وتَنْفِيذِ أوامِرِهِ. وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ في الوَجْهِ الثّانِي والسِّتِّينَ: إنَّ حالَ الرّاضِي المُسَلِّمِ يَنْتَظِمُ حالَيْهِما جَمِيعًا، مَعَ زِيادَةِ التَّسْلِيمِ، وتَرْكِ الِاخْتِيارِ، فَإنَّهُ قَدْ غابَ بِمُرادِ رَبِّهِ مِنهُ - مِن إحْيائِهِ وإماتَتِهِ - عَنْ مُرادِهِ هو مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ. وكُلُّ مُحِبٍّ فَهو مُشْتاقٌ إلى لِقاءِ حَبِيبِهِ، مُؤْثِرٌ لِمَراضِيهِ. فَقَدْ أخَذَ بِزِمامِ كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ، واتَّصَفَ بِالحالَيْنِ. وقالَ: أحَبُّ ذَلِكَ إلَيَّ أحَبُّهُ إلَيْهِ لا أتَمَنّى غَيْرَ رِضاهُ. ولا أتَخَيَّرُ عَلَيْهِ إلّا ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ. وهَذا القَدْرُ كافٍ في هَذا المَوْضِعِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ. قالَ: الثّانِي: سُقُوطُ الخُصُومَةِ عَنِ الخَلْقِ. يَعْنِي أنَّ الرِّضا إنَّما يَصِحُّ بِسُقُوطِ الخُصُومَةِ مَعَ الخَلْقِ. فَإنَّ الخُصُومَةَ تُنافِي حالَ الرِّضا. وتُنافِي نِسْبَةَ الأشْياءِ كُلِّها إلى مَن بِيَدِهِ أزِمَّةُ القَضاءِ والقَدَرِ. فَفي الخُصُومَةِ آفاتٌ. أحَدُها: المُنازَعَةُ الَّتِي تُضادُّ الرِّضا. الثّانِي: نَقْصُ التَّوْحِيدِ بِنِسْبَةِ ما يُخاصَمُ فِيهِ إلى عَبْدٍ دُونَ الخالِقِ لِكُلِّ شَيْءٍ. الثّالِثُ: نِسْيانُ المُوجِبِ والسَّبَبِ الَّذِي جَرَّ إلى الخُصُومَةِ. فَلَوْ رَجَعَ العَبْدُ إلى السَّبَبِ والمُوجِبِ لَكانَ اشْتِغالُهُ بِدَفْعِهِ أجْدى عَلَيْهِ، وأنْفَعَ لَهُ مِن خُصُومَةِ مَن جَرى عَلى يَدَيْهِ. فَإنَّهُ - وإنْ كانَ ظالِمًا - فَهو الَّذِي سَلَّطَهُ عَلى نَفْسِهِ بِظُلْمِهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] فَأخْبَرَ عَنْ أذى عَدُوِّهِمْ لَهُمْ، وغَلَبَتِهِمْ لَهُمْ: إنَّما هو بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. فَإذا اجْتَمَعَتْ بَصِيرَةُ العَبْدِ عَلى مَشاهِدِ القَدَرِ والتَّوْحِيدِ والحِكْمَةِ والعَدْلِ: انْسَدَّ عَنْهُ بابُ خُصُومَةِ الخَلْقِ، إلّا فِيما كانَ حَقًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ. فالرّاضِي لا يُخاصِمُ ولا يُعاتِبُ إلّا فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ. وهَذِهِ كانَتْ حالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُخاصِمُ أحَدًا ولا يُعاتِبُهُ إلّا فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ. كَما أنَّهُ كانَ لا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ. فَإذا انْتُهِكَتْ مَحارِمُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ. فالمُخاصَمَةُ لِحَظِّ النَّفْسِ تُطْفِئُ نُورَ الرِّضا، وتُذْهِبُ بَهْجَتَهُ. وتُبَدِّلُ بِالمَرارَةِ حَلاوَتَهُ. وتُكَدِّرُ صَفْوَهُ. قالَ: الشَّرْطُ الثّالِثُ: الخَلاصُ مِنَ المَسْألَةِ لِلْخَلْقِ والإلْحاحِ. وَذَلِكَ: لِأنَّ المَسْألَةَ: فِيها ضَرْبٌ مِنَ الخُصُومَةِ، والمُنازَعَةِ والمُحارَبَةِ، والرُّجُوعِ عَنْ مالِكِ الضَّرِّ والنَّفْعِ إلى مَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا بِرَبِّهِ. وفِيها الغَيْبَةُ عَنِ المُعْطِي المانِعِ. والإلْحاحُ يُنافِي حالَ الرِّضا ووَصْفَهُ. وقَدْ أثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الَّذِينَ لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا. فَقالَ تَعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. فَقالَتْ طائِفَةٌ: يَسْألُونَ النّاسَ ما تَدْعُو حاجَتُهم إلى سُؤالِهِ. ولَكِنْ لا يُلْحِفُونَ. فَنَفى اللَّهُ عَنْهم سُؤالَ الإلْحافِ، لا مُطْلَقَ السُّؤالِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا كانَ عِنْدَهُ غَداءٌ لَمْ يَسْألْ عَشاءً. وإذا كانَ عِنْدَهُ عَشاءٌ لَمْ يَسْألْ غَداءً. وَقالَتْ طائِفَةٌ - مِنهُمُ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ وغَيْرُهُما - بَلِ الآيَةُ اقْتَضَتْ تَرْكَ السُّؤالِ مُطْلَقًا. لِأنَّهم وُصِفُوا بِالتَّعَفُّفِ، والمَعْرِفَةِ بِسِيماهُمْ، دُونَ الإفْصاحِ بِالمَسْألَةِ. لِأنَّهم لَوْ أفْصَحُوا بِالسُّؤالِ لَمْ يَحْسَبْهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ.

الزمر 39:9

(فائدة) وَنَظِيرُ انْقِسامِ العُبُودِيَّةِ إلى خاصَّةٍ وعامَّةٍ انْقِسامُ القُنُوتِ إلى خاصٍّ وعامٍّ، والُسُجُودُ كَذَلِكَ، قالَ تَعالى في القُنُوتِ الخاصِّ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] وَقالَ في حَقِّ مَرْيَمَ ﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وَقالَ في القُنُوتِ العامِّ ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] أيْ خاضِعُونَ أذِلّاءُ. وَقالَ في السُّجُودِ الخاصِّ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وَقالَ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وَهُوَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وَقالَ في السُّجُودِ العامِّ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥]. وَلِهَذا كانَ هَذا السُّجُودُ الكُرْهُ غَيْرَ السُّجُودِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ١٨] فَخَصَّ بِالسُّجُودِ هُنا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ وعَمَّهم بِالسُّجُودِ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٤٩] وَهُوَ سُجُودُ الذُّلِّ والقَهْرِ والخُضُوعِ، فَكُلُّ أحَدٍ خاضِعٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، ذَلِيلٌ لِعِزَّتِهِ، مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ تَعالى. (فصل) قال تعالى: ﴿قَلْ هَلْ يَسْتَوى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألْبابِ﴾ بل الواحد من الخلق لا تستوى أعاليه وأسافله، فلا يستوي عقبه وعينه، ولا رأسه ورجلاه، ولا يصلح أحدهما لما يصلح له الآخر فالله عز وجل قد خلق الخبيث والطيب والسهل والحزن والضار والنافع، وهذه أجزاء الأرض: منها ما يصلح جلاءً للعين ومنها ما يصلح للأتون والنار. وبهذا ونحوه يعرف كمال القدرة وكمال الحكمة: فكمال القدرة بخلق الأضداد. وكمال الحكمة تنزيلها منازلها ووضع كل منها في موضعه والعالم من لا يلقى الحرب بين قدرة الله وحكمته - فإن آمن بالقدرة قدح في الحكمة وعطلها وإن آمن بالحكمة قدح في القدرة ونقصها - بل يربط القدرة بالحكمة، ويعلم شمولها لجميع ما خلقه الله ويخلقه، فكما أنه لا يكون إلا بقدرته ومشيئته فكذلك لا يكون إلا بحكمته. وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلًا، فيكفيها الإيمان بما تعلم وتشاهد منه، ثم تستدل على الغائب بالشاهد وتعتبر ما علمت بما لم تعلم. (فصل) اعلم أن الله سُبْحانَهُ نفى التَّسْوِيَة بَين العالم وغَيره، كَما نفى التَّسْوِيَة بَين الخَبيث والطّيب، وبَين الأعمى والبصير، وبَين النُّور والظلمة، وبَين الظل والحرور، وبَين أصحاب الجنَّة وأصحاب النّار، وبَين الأبكم العاجِز الَّذِي لا يقدر على شَيْء، ومن يأمر بِالعَدْلِ وهو على صِراط مُسْتَقِيم، وبَين المُؤمنِينَ والكفّار، وبَين الَّذين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحات والمفسدين في الأرض، وبَين المُتَّقِينَ والفجار. فَهَذِهِ عشرَة مَواضِع في القُرْآن نفى فِيها التَّسْوِيَة بَين هَؤُلاءِ الأصناف، وهَذا يدل على أن منزلَة العالم من الجاهِل كمنزلة النُّور من الظلمَة، والظل من الحرور، والطّيب من الخَبيث. ومنزلة كل واحِد من هَذِه الأصناف مَعَ مُقابلِه. وَهَذا كاف في شرف العلم وأهله، بل إذا تَأمَّلت هَذِه الأصناف كلها وجدت نفي التَّسْوِيَة بَينها راجعا إلى العلم وموجبه فِيهِ وقع التَّفْضِيل وانتفت المُساواة.

الزمر 39:17

(فصل: في عقد مجلس يتضمن مناظرةً بين صاحب غناءٍ وصاحب قرآن) أدلى كل واحد منهما بحجته، ورضيا بتحكيم مَن آثر عقلَه ودينَه على هواه، وكان الحق الذي بعث الله به رسوله أحبَّ إليه مما سواه. فجلس مجلسَ الحكم بين الخصمين، ونظر بعين النصيحة لنفسه في كل واحد من المحتجَّين، وعزلَ حميةَ الجاهلية وعصبية الفرقة الباطنية، ووالى مَن والاه الله ورسوله وعباده المؤمنون، ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. وهذا أول المناظرة: قال صاحب الغناء: قد أمر الله رسولَه أن يُبشِّر مَن استمع القول واتّبع أحسنَه، فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨]. قال: والألف واللام في القول تقتضي العموم والاستغراق، والدليل عليه أنه مدحهم باتّباع الحسن من القول، وهذا يعمُّ كلَّ قول، فيدخل فيه قول السماع وغيره. قال صاحب القرآن: قد كان ينبغي لك أن تُوقِّر كلامَ الله وتُجِلَّه أن تُنزِّلَه على أقوال المغنين والمغنيات وإخوانهم من النائحين والنائحات، وأن يُحمَل على رقية الزنا ومُنبِتِ النفاق وداعي الغيّ والهوى، فيكفي في فساد القول أنه لم يقله قبلك أحد من أئمة التفسير على اختلاف طبقاتهم. ويدل على بطلانه وأنه يمتنع أن يُراد بكلام مَن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وجوه عديدة: أحدها: أن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بل لا يأذن في استماع كل قول، حتى يقال: اللام للاستغراق والعموم، بل من القول ما يَحرُمُ استماعه، ومنه ما يُكْرَه، قال تعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. فأمر سبحانه وتعالى بالإعراض عن سماع هذا القول، ونهى عن القعود مع قائليه. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. فجعل سبحانه المستمعَ لهذا الحديث مثلَ قائله، فكيف سبحانه يمدح مستمعَ كل قولٍ؟ وقال تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٣]. وقال تعالى في وصف عباده: ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، أي أكرموا أنفسهم عن استماعه. وروي أن ابن مسعود - رضي الله عنه - سمع صوت لهو فأعرض عنه فقال النبي ﷺ: "إن كان ابن مسعود لكريمًا". فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أثنى على مَن أعرض عن اللغو ومرّ به كريمًا، فأكرم نفسه عن استماعه، فكيف يجوز أن يقال: إن الألف واللام للاستغراق؟ ويُنسَب إلى الله سبحانه أنه مدح مستمع كل قول؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. فقد أخبر سبحانه أنه يسأل العبدَ عن سمعه وبصره وفؤاده، ونهاه أن يَقفُوَ أي يتبع ما ليس له به علم. وإذا كان السمع والبصر والكلام والفؤاد منقسمًا إلى ما يؤمر به ويُنهى عنه، والعبد مسؤول عن ذلك كله، فكيف يجوز أن يقال: كلُّ قول في العالم فالعبد ممدوح على استماعه؟ ونظير هذا أن يقال: كل مرئي في العالم فالعبد ممدوح على النظر إليه، لقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقوله: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. ولهذا دخل الشيطان عليكم وعلى كثير من النسّاك من هذين المدخلين، إذ توسعتم في النظر إلى الصور المنهيِّ عن النظر إليها، وفي استماع الأقوال والأصوات التي نُهِيتم عن استماعها. ولم يَكتفِ الشيطان بذلك منكم حتى زَيّنَ لكم أن جعلتم ما نهيتم عنه عبادةً وقربةً وطاعة، وهذه هي لطيفة إبليس فيكم التي تقدم ذكرها. وهي قوله: "لي فيكم لطيفةُ السماع وصحبةُ الأحداث". الوجه الثاني: أن المراد بالقول في هذه الآية التي احتججتم بها القرآن، كما جاء ذلك في قوله: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ [القصص: ٥١]. فالقول الذي بشَّر مستمعيه ومتبعي أحسِنه هو القول الذي وصَّلَه وحضَّ على تدبره، وكلام الله يُفسِّر بعضُه بعضا، ويُحمَل بعضُه على بعض. الوجه الثالث: أن الألف واللام هنا لتعريف العهد، وهو القول الذي دُعِيَ إليه المخاطب وأُمِرَ بتدبره، وأُخبِر بتوصيله له، وهو كالكتاب والقرآن. والألف واللام فيه كالألف واللام في الكتاب سواء، وكذلك الألف واللام في الرسول في قوله: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠] وفي قوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، وقوله: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] فهل يجوز أن يقال: إن اللام في الكتاب والرسول للاستغراق، فتُحمل على كل كتاب وعلى كل رسول؟ الوجه الرابع: أنها وإن كانت للعموم في قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨]، فهي إنما تعمُّ القولَ الذي أنزل الله ومدحَه وأثنى عليه، وأمرَ باتّباعه واستماعه وتدبره وفهمه، فهي تقتضي العمومَ والاستغراق في جميع هذا القول، فإنها تقتضي عمومَ ما عرفته وقصْدَ مصحوبها. الوجه الخامس: أن السياق كله من أول السورة إلى هذه الآية إنما هو في القرآن، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ (١) إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ١-٣]. فذكر في أول السورة كتابه ودينه والكلم الطيب والعمل الصالح، فخير الكلام كتابه، وخير العمل إخلاص الدين له، ثم أعاد ذكر الأصلين في قوله: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ [الزمر: ١٧] فهذا إخلاص الدين له، ثم قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] فهذا كتابه. فتضمنت ذكر كتابه ودينه كما تضمنت أولُ السورة، فما لأقوال المغنين والمغنيات ههنا؟ ثم قال: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢-٢٣]. فأثنى على أهل السماع والوجد للقول والحديث الذي أنزله، ولم يُثْنِ سبحانه على مطلق الحديث ومستمعيه، بل يتضمن السياقُ الثناءَ على أهل ذكره والاستماع لحديثه، كما جمع بينهما في قوله: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] وفي قوله: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وهو سبحانه ذكر وبيَّن في الفرقان الأمثالَ والحجج، لنتذكر به ونتعظ ونتدبره ونتفهمه، فأمرنا باستماعه واتّباعه، وحضَّ على تدبره، وبشَّر من استمعه واتّبع أحسنَه، وأخبر أنه وصَّلَه ليتذكر به، وأخبر أن مَن لم يتدبره فقلبه من القلوب التي عليها أقفالها، فما لأقوال المغنين والمغنيات وهذا الشأن؟ ثمّ أعاد سبحانه ذكر القرآن في قوله: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، قال البخاري في صحيحه عن مجاهد قال: الذي جاء بالصدق: القرآن، وصدَّق به: المؤمنُ، يجيء يوم القيامة يقول: هذا الذي أعطيتَني عملتُ بما فيه. فذكر سبحانه الصادق والمصدِّق به مُثنِيًا عليهما، ثم ذكر ضدَّهما وهما الكاذب والمكذِّب بالحق، وهما نوعان ملعونان من القول، أعني الكذب والتكذيب بالحق، فكيف يكون مَن استمعهما ممدوحًا مستحقًّا للثناء؟ ولا ريبَ أن البدع القولية والسماعية المخالفة لما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق تتضمن أصلين: الكذب على الله، والتكذيب بالحق، بل الانتصار لما خالف ذلك سواء كان سماعًا أو غيره يتضمن الأصلين الباطلين. الوجه السادس: أنه سبحانه قال بعد ذلك: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ [الزمر: ٥٣-٥٥]. فهذا الأحسن الذي أمَر باتباعه هنا هو الأحسن الذي بشَّر من اتبعه في أول السورة، وهو أحسنُ المنزَّل في الموضعين. ونظير هذا قوله تعالى لموسى في التوراة: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ [الأعراف: ١٤٥]. فهذا كله إذا تدبره المؤمن الناصح لنفسه، علم علمًا يقينيًّا أنّ الكتاب والقول والحديث الذي أمر الله باستماعه وتدبره وفهمه واتباع أحسنِه هو كلامه المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وأما مدح الاستماع لكل قول فهذا لا يليق نسبته إلى العقلاء، فضلًا عن رب الأرض والسماء. يُوضِّحه الوجه السابع: وهو أنّ الله سبحانه في كتابه إنما أثنى على المستمعين للقرآن، وحَمِد هذا السماعَ، وذمَّ المعرضين عنه، وجعلهم أهلَ الكفر والجهل، الصُّمَّ البكمَ الذين لا يعقلون، قال تعالى: ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال تعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. وقال تعالى في حق المنعم عليهم: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]. وقال في ذم المعرضين عن هذا السماع: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٢-٢٣]، وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]، وقال: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]. وهذا كثير في القرآن، وكتابُ الله يُبيِّن بعضُه بعضًا. الوجه الثامن: أنّ المعروف في القرآن إنما هو ذم استماع القول الذي هو الغناء، كما قال تعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ (٦٠) وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩-٦١]. قال غير واحد من السلف: هو الغناء، يقال: سَمَدَ لنا أي غنّى لنا. فذمّ المعرضين عن سماع القرآن المتعوضين عنه بسماع الغناء، كما هو حال السماعاتية المُؤْثِرين لسماع المكاء والتصدية على سماع القرآن، المتعوضين عنه بسماع الغناء. وهو نظير الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وقال غير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]: إنه الغناء. الوجه التاسع: أنكم معاشرَ السماعاتية المحتجين بهذه الآية لا تَستحسِنون استماعَ كل منظوم ومنثور، بل أنتم من أعظم الناس كراهةً لما لا تحبونه من الأقوال منثورِها ومنظومها، وأشدِّهم نفرةً عن ذلك، ونفورُكم عما لا تحبونه وتهوَونه من الأقوال أعظم من نفور المنازع لكم عن سماع المكاء والتصدية، فهلّا أدخلتم الأقوال التي تخالف أهواءكم وما تحبونه في القول الذي أثنى الله على من استمعه واتبع أحسنه؟ هذا مع أنّه قطعًا أحسنُ من أقوال المغنين وأنفعُ للقلب في الدنيا والآخرة، ولكن ذنب هذا القول مخالفته لهواكم وما ابتدعتموه. فإن كان العموم في الآية مرادًا فقد بطلتْ حجتكم، وإن لم يكن مرادًا فقد بطلتْ أيضًا، فتبين بطلان استدلالكم على التقديرين، وبالله التوفيق. الوجه العاشر: أنّه سبحانه قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، فمدحهم باستماع القول واتباع أحسنه، ومن المعلوم أنّ كثيرًا من القول بل أكثره ليس فيه حُسْنٌ فضلًا عن أن يكون أحسنَ، بل غالب القول يَكُبُّ قائلَهُ في النار على مَنخَرِه. والأقوال التي ذمَّها الله في كتابه أكثر من أن تُعَدَّ، كالكلام الخبيث، والقول الباطل، والقول عليه بما لا يعلم القائل، والكذب، والافتراء، والغيبة، والتنابز بالألقاب، والتناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وتبييت ما لا يرضى من القول، وقول العبد بلسانه ما ليس في قلبه، وقوله ما لا يفعله، وقول اللغو، وقول ما لم يُنزِّل به سلطانًا، والقول المتضمن للشفاعة السيئة، والقول المتضمن للمعاونة على الإثم والعدوان، وأمثال ذلك من الأقوال المسخوطة والمبغوضة للرب تعالى، التي كلها قبيحة لا حَسَنَ فيها ولا أحَسَنَ. فادعاء العموم في الآية في غير القول الذي أنزله الله على رسوله من الكتاب والسنة من أبطل الباطل. الوجه الحادي عشر: أنه سبحانه علَّق الهدايةَ على اتباع أحسن هذا القول، فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧-١٨]. ومن المعلوم بالاضطرار أن الهداية إنما حصلتْ لمن اتبع القرآن، فهو الذي هداه الله، فأين الهدى في أقوال المغنين والمغنيات؟ وبالجملة ففساد هذا القول الذي حملتم عليه كتابَ الله وألصقتموه به وهو منه بريء، وحمَّلتموه إياه وليس خليقًا بحمله، معلوم لكل من في قلبه حياة ونور، ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].

الزمر 39:18

(فصل: في عقد مجلس يتضمن مناظرةً بين صاحب غناءٍ وصاحب قرآن) أدلى كل واحد منهما بحجته، ورضيا بتحكيم مَن آثر عقلَه ودينَه على هواه، وكان الحق الذي بعث الله به رسوله أحبَّ إليه مما سواه. فجلس مجلسَ الحكم بين الخصمين، ونظر بعين النصيحة لنفسه في كل واحد من المحتجَّين، وعزلَ حميةَ الجاهلية وعصبية الفرقة الباطنية، ووالى مَن والاه الله ورسوله وعباده المؤمنون، ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. وهذا أول المناظرة: قال صاحب الغناء: قد أمر الله رسولَه أن يُبشِّر مَن استمع القول واتّبع أحسنَه، فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨]. قال: والألف واللام في القول تقتضي العموم والاستغراق، والدليل عليه أنه مدحهم باتّباع الحسن من القول، وهذا يعمُّ كلَّ قول، فيدخل فيه قول السماع وغيره. قال صاحب القرآن: قد كان ينبغي لك أن تُوقِّر كلامَ الله وتُجِلَّه أن تُنزِّلَه على أقوال المغنين والمغنيات وإخوانهم من النائحين والنائحات، وأن يُحمَل على رقية الزنا ومُنبِتِ النفاق وداعي الغيّ والهوى، فيكفي في فساد القول أنه لم يقله قبلك أحد من أئمة التفسير على اختلاف طبقاتهم. ويدل على بطلانه وأنه يمتنع أن يُراد بكلام مَن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وجوه عديدة: أحدها: أن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بل لا يأذن في استماع كل قول، حتى يقال: اللام للاستغراق والعموم، بل من القول ما يَحرُمُ استماعه، ومنه ما يُكْرَه، قال تعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. فأمر سبحانه وتعالى بالإعراض عن سماع هذا القول، ونهى عن القعود مع قائليه. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. فجعل سبحانه المستمعَ لهذا الحديث مثلَ قائله، فكيف سبحانه يمدح مستمعَ كل قولٍ؟ وقال تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٣]. وقال تعالى في وصف عباده: ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، أي أكرموا أنفسهم عن استماعه. وروي أن ابن مسعود - رضي الله عنه - سمع صوت لهو فأعرض عنه فقال النبي ﷺ: "إن كان ابن مسعود لكريمًا". فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أثنى على مَن أعرض عن اللغو ومرّ به كريمًا، فأكرم نفسه عن استماعه، فكيف يجوز أن يقال: إن الألف واللام للاستغراق؟ ويُنسَب إلى الله سبحانه أنه مدح مستمع كل قول؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. فقد أخبر سبحانه أنه يسأل العبدَ عن سمعه وبصره وفؤاده، ونهاه أن يَقفُوَ أي يتبع ما ليس له به علم. وإذا كان السمع والبصر والكلام والفؤاد منقسمًا إلى ما يؤمر به ويُنهى عنه، والعبد مسؤول عن ذلك كله، فكيف يجوز أن يقال: كلُّ قول في العالم فالعبد ممدوح على استماعه؟ ونظير هذا أن يقال: كل مرئي في العالم فالعبد ممدوح على النظر إليه، لقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقوله: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. ولهذا دخل الشيطان عليكم وعلى كثير من النسّاك من هذين المدخلين، إذ توسعتم في النظر إلى الصور المنهيِّ عن النظر إليها، وفي استماع الأقوال والأصوات التي نُهِيتم عن استماعها. ولم يَكتفِ الشيطان بذلك منكم حتى زَيّنَ لكم أن جعلتم ما نهيتم عنه عبادةً وقربةً وطاعة، وهذه هي لطيفة إبليس فيكم التي تقدم ذكرها. وهي قوله: "لي فيكم لطيفةُ السماع وصحبةُ الأحداث". الوجه الثاني: أن المراد بالقول في هذه الآية التي احتججتم بها القرآن، كما جاء ذلك في قوله: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ [القصص: ٥١]. فالقول الذي بشَّر مستمعيه ومتبعي أحسِنه هو القول الذي وصَّلَه وحضَّ على تدبره، وكلام الله يُفسِّر بعضُه بعضا، ويُحمَل بعضُه على بعض. الوجه الثالث: أن الألف واللام هنا لتعريف العهد، وهو القول الذي دُعِيَ إليه المخاطب وأُمِرَ بتدبره، وأُخبِر بتوصيله له، وهو كالكتاب والقرآن. والألف واللام فيه كالألف واللام في الكتاب سواء، وكذلك الألف واللام في الرسول في قوله: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠] وفي قوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، وقوله: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] فهل يجوز أن يقال: إن اللام في الكتاب والرسول للاستغراق، فتُحمل على كل كتاب وعلى كل رسول؟ الوجه الرابع: أنها وإن كانت للعموم في قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨]، فهي إنما تعمُّ القولَ الذي أنزل الله ومدحَه وأثنى عليه، وأمرَ باتّباعه واستماعه وتدبره وفهمه، فهي تقتضي العمومَ والاستغراق في جميع هذا القول، فإنها تقتضي عمومَ ما عرفته وقصْدَ مصحوبها. الوجه الخامس: أن السياق كله من أول السورة إلى هذه الآية إنما هو في القرآن، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ (١) إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ١-٣]. فذكر في أول السورة كتابه ودينه والكلم الطيب والعمل الصالح، فخير الكلام كتابه، وخير العمل إخلاص الدين له، ثم أعاد ذكر الأصلين في قوله: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ [الزمر: ١٧] فهذا إخلاص الدين له، ثم قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] فهذا كتابه. فتضمنت ذكر كتابه ودينه كما تضمنت أولُ السورة، فما لأقوال المغنين والمغنيات ههنا؟ ثم قال: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢-٢٣]. فأثنى على أهل السماع والوجد للقول والحديث الذي أنزله، ولم يُثْنِ سبحانه على مطلق الحديث ومستمعيه، بل يتضمن السياقُ الثناءَ على أهل ذكره والاستماع لحديثه، كما جمع بينهما في قوله: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] وفي قوله: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وهو سبحانه ذكر وبيَّن في الفرقان الأمثالَ والحجج، لنتذكر به ونتعظ ونتدبره ونتفهمه، فأمرنا باستماعه واتّباعه، وحضَّ على تدبره، وبشَّر من استمعه واتّبع أحسنَه، وأخبر أنه وصَّلَه ليتذكر به، وأخبر أن مَن لم يتدبره فقلبه من القلوب التي عليها أقفالها، فما لأقوال المغنين والمغنيات وهذا الشأن؟ ثمّ أعاد سبحانه ذكر القرآن في قوله: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، قال البخاري في صحيحه عن مجاهد قال: الذي جاء بالصدق: القرآن، وصدَّق به: المؤمنُ، يجيء يوم القيامة يقول: هذا الذي أعطيتَني عملتُ بما فيه. فذكر سبحانه الصادق والمصدِّق به مُثنِيًا عليهما، ثم ذكر ضدَّهما وهما الكاذب والمكذِّب بالحق، وهما نوعان ملعونان من القول، أعني الكذب والتكذيب بالحق، فكيف يكون مَن استمعهما ممدوحًا مستحقًّا للثناء؟ ولا ريبَ أن البدع القولية والسماعية المخالفة لما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق تتضمن أصلين: الكذب على الله، والتكذيب بالحق، بل الانتصار لما خالف ذلك سواء كان سماعًا أو غيره يتضمن الأصلين الباطلين. الوجه السادس: أنه سبحانه قال بعد ذلك: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ [الزمر: ٥٣-٥٥]. فهذا الأحسن الذي أمَر باتباعه هنا هو الأحسن الذي بشَّر من اتبعه في أول السورة، وهو أحسنُ المنزَّل في الموضعين. ونظير هذا قوله تعالى لموسى في التوراة: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ [الأعراف: ١٤٥]. فهذا كله إذا تدبره المؤمن الناصح لنفسه، علم علمًا يقينيًّا أنّ الكتاب والقول والحديث الذي أمر الله باستماعه وتدبره وفهمه واتباع أحسنِه هو كلامه المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وأما مدح الاستماع لكل قول فهذا لا يليق نسبته إلى العقلاء، فضلًا عن رب الأرض والسماء. يُوضِّحه الوجه السابع: وهو أنّ الله سبحانه في كتابه إنما أثنى على المستمعين للقرآن، وحَمِد هذا السماعَ، وذمَّ المعرضين عنه، وجعلهم أهلَ الكفر والجهل، الصُّمَّ البكمَ الذين لا يعقلون، قال تعالى: ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال تعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. وقال تعالى في حق المنعم عليهم: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]. وقال في ذم المعرضين عن هذا السماع: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٢-٢٣]، وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]، وقال: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]. وهذا كثير في القرآن، وكتابُ الله يُبيِّن بعضُه بعضًا. الوجه الثامن: أنّ المعروف في القرآن إنما هو ذم استماع القول الذي هو الغناء، كما قال تعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ (٦٠) وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩-٦١]. قال غير واحد من السلف: هو الغناء، يقال: سَمَدَ لنا أي غنّى لنا. فذمّ المعرضين عن سماع القرآن المتعوضين عنه بسماع الغناء، كما هو حال السماعاتية المُؤْثِرين لسماع المكاء والتصدية على سماع القرآن، المتعوضين عنه بسماع الغناء. وهو نظير الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وقال غير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]: إنه الغناء. الوجه التاسع: أنكم معاشرَ السماعاتية المحتجين بهذه الآية لا تَستحسِنون استماعَ كل منظوم ومنثور، بل أنتم من أعظم الناس كراهةً لما لا تحبونه من الأقوال منثورِها ومنظومها، وأشدِّهم نفرةً عن ذلك، ونفورُكم عما لا تحبونه وتهوَونه من الأقوال أعظم من نفور المنازع لكم عن سماع المكاء والتصدية، فهلّا أدخلتم الأقوال التي تخالف أهواءكم وما تحبونه في القول الذي أثنى الله على من استمعه واتبع أحسنه؟ هذا مع أنّه قطعًا أحسنُ من أقوال المغنين وأنفعُ للقلب في الدنيا والآخرة، ولكن ذنب هذا القول مخالفته لهواكم وما ابتدعتموه. فإن كان العموم في الآية مرادًا فقد بطلتْ حجتكم، وإن لم يكن مرادًا فقد بطلتْ أيضًا، فتبين بطلان استدلالكم على التقديرين، وبالله التوفيق. الوجه العاشر: أنّه سبحانه قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، فمدحهم باستماع القول واتباع أحسنه، ومن المعلوم أنّ كثيرًا من القول بل أكثره ليس فيه حُسْنٌ فضلًا عن أن يكون أحسنَ، بل غالب القول يَكُبُّ قائلَهُ في النار على مَنخَرِه. والأقوال التي ذمَّها الله في كتابه أكثر من أن تُعَدَّ، كالكلام الخبيث، والقول الباطل، والقول عليه بما لا يعلم القائل، والكذب، والافتراء، والغيبة، والتنابز بالألقاب، والتناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وتبييت ما لا يرضى من القول، وقول العبد بلسانه ما ليس في قلبه، وقوله ما لا يفعله، وقول اللغو، وقول ما لم يُنزِّل به سلطانًا، والقول المتضمن للشفاعة السيئة، والقول المتضمن للمعاونة على الإثم والعدوان، وأمثال ذلك من الأقوال المسخوطة والمبغوضة للرب تعالى، التي كلها قبيحة لا حَسَنَ فيها ولا أحَسَنَ. فادعاء العموم في الآية في غير القول الذي أنزله الله على رسوله من الكتاب والسنة من أبطل الباطل. الوجه الحادي عشر: أنه سبحانه علَّق الهدايةَ على اتباع أحسن هذا القول، فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧-١٨]. ومن المعلوم بالاضطرار أن الهداية إنما حصلتْ لمن اتبع القرآن، فهو الذي هداه الله، فأين الهدى في أقوال المغنين والمغنيات؟ وبالجملة ففساد هذا القول الذي حملتم عليه كتابَ الله وألصقتموه به وهو منه بريء، وحمَّلتموه إياه وليس خليقًا بحمله، معلوم لكل من في قلبه حياة ونور، ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].

الزمر 39:22

فأهل الهدى والإيمان لهم شرح الصدر واتساعه وانفساحه، وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والحرج. وقال تعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. فأهل الإيمان في النور وانشراح الصدور، وأهل الضلال في الظلمة وضيق الصدور. والمقصود: أن حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه. (فصل) ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عَن الله. خلقت النّار لإذابة القُلُوب القاسية. أبعد القُلُوب من الله القلب القاسي. إذا قسي القلب قحطت العين. قسوة القلب من أرْبَعَة أشْياء إذا جاوَزت قدر الحاجة الأكل والنَّوْم والكَلام والمخالطة، كَما أن البدن إذا مرض لم ينفع فِيهِ الطَّعام والشراب، فَكَذَلِك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فِيهِ المواعظ. وَمن أرادَ صفاء قلبه فليؤثر الله على شَهْوَته. القُلُوب المُتَعَلّقَة بالشهوات محجوبة عَن الله بِقدر تعلقها بها. القُلُوب آنِية الله في أرضه فأحبها إلَيْهِ أرقها وأصلبها وأصفاها. شغلوا قُلُوبهم بالدنيا ولَو شغلوها بِالله والدّار الآخِرَة لجالت في مَعاني كَلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصْحابها بِغَرائِب الحكم وطرف الفَوائِد. إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكّر ونقي من الدغل رأى العَجائِب، وألهم الحِكْمَة لَيْسَ كل من تحلى بالمعرفة والحكمَة وانتحلها كانَ من أهلها بل أهل المعرفَة والحكمَة الَّذين أحيوا قُلُوبهم بقتل الهوى. وَأما من قتل قلبه فأحيى الهوى المعرفَة والحكمَة عارِية على لِسانه. خراب القلب من الأمْن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر. إذا زهدت القُلُوب في مَوائِد الدُّنْيا قعدت على مَوائِد الآخِرَة بَين أهل تِلْكَ الدعْوَة، وإذا رضيت بموائد الدُّنْيا فاتتها تِلْكَ الموائد. (فائدة) للقلب سِتَّة مَواطِن يجول فِيها لا سابِع لَها ثَلاثَة سافلة، وثَلاثَة عالية. فالسافلة دنيا تزين لَهُ ونَفس تحدثه، وعدو يوسوس لَهُ فَهَذِهِ مَواطِن الأرْواح السافلة الَّتِي لا تزال تجول فِيها. والثَّلاثَة العالِيَة علم يتَبَيَّن لَهُ، وعقل يرشده، وإله يعبده. والقلوب جوّالة في هَذِه المواطن. [فَصْلٌ: في أسْبابِ شَرْحِ الصُّدُورِ وحُصُولِها عَلى الكَمالِ لَهُ ﷺ] فَأعْظَمُ أسْبابِ شَرْحِ الصَّدْرِ: التَّوْحِيدُ، وعَلى حَسَبِ كَمالِهِ وقُوَّتِهِ وزِيادَتِهِ يَكُونُ انْشِراحُ صَدْرِ صاحِبِهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وَقالَ تَعالى : ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. فالهُدى والتَّوْحِيدُ مِن أعْظَمِ أسْبابِ شَرْحِ الصّدْرِ، والشِّرْكُ والضَّلالُ مِن أعْظَمِ أسْبابِ ضِيقِ الصَّدْرِ وانْحِراجِهِ، ومِنها: النُّورُ الَّذِي يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِ العَبْدِ، وهو نُورُ الإيمانِ، فَإنَّهُ يَشْرَحُ الصَّدْرَ ويُوَسِّعُهُ ويُفْرِحُ القَلْبَ. فَإذا فُقِدَ هَذا النُّورُ مِن قَلْبِ العَبْدِ ضاقَ وحَرَجَ، وصارَ في أضْيَقِ سِجْنٍ وأصْعَبِهِ. وَقَدْ رَوى الترمذي في " جامِعِهِ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْفَسَحَ وانْشَرَحَ. قالُوا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ». فَيُصِيبُ العَبْدَ مِنِ انْشِراحِ صَدْرِهِ بِحَسَبِ نَصِيبِهِ مِن هَذا النُّورِ، وكَذَلِكَ النُّورُ الحِسِّيُّ، والظُّلْمَةُ الحِسِّيَّةُ، هَذِهِ تَشْرَحُ الصَّدْرَ، وهَذِهِ تُضَيِّقُهُ. وَمِنها: العِلْمُ، فَإنَّهُ يَشْرَحُ الصَّدْرَ، ويُوَسِّعُهُ حَتّى يَكُونَ أوْسَعَ مِنَ الدُّنْيا، والجَهْلُ يُورِثُهُ الضِّيقَ والحَصْرَ والحَبْسَ، فَكُلَّما اتَّسَعَ عِلْمُ العَبْدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ واتَّسَعَ، ولَيْسَ هَذا لِكُلِّ عِلْمٍ، بَلْ لِلْعِلْمِ المَوْرُوثِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، وهو العِلْمُ النّافِعُ، فَأهْلُهُ أشْرَحُ النّاسِ صَدْرًا، وأوْسَعُهم قُلُوبًا، وأحْسَنُهم أخْلاقًا، وأطْيَبُهم عَيْشًا. وَمِنها: الإنابَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَحَبَّتُهُ بِكُلِّ القَلْبِ والإقْبالُ عَلَيْهِ والتَّنَعُّمُ بِعِبادَتِهِ، فَلا شَيْءَ أشْرَحُ لِصَدْرِ العَبْدِ مِن ذَلِكَ. حَتّى إنَّهُ لَيَقُولُ أحْيانًا: إنْ كُنْتُ في الجَنَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ فَإنِّي إذًا في عَيْشٍ طَيِّبٍ. وَلِلْمَحَبَّةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في انْشِراحِ الصَّدْرِ وطِيبِ النَّفْسِ ونَعِيمِ القَلْبِ، لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن لَهُ حِسٌّ بِهِ، وكُلَّما كانَتِ المَحَبَّةُ أقْوى وأشَدَّ كانَ الصَّدْرُ أفْسَحَ وأشْرَحَ، ولا يَضِيقُ إلّا عِنْدَ رُؤْيَةِ البَطّالِينَ الفارِغِينَ مِن هَذا الشَّأْنِ، فَرُؤْيَتُهم قَذى عَيْنِهِ، ومُخالَطَتُهم حُمّى رُوحِهِ. وَمِن أعْظَمِ أسْبابِ ضِيقِ الصَّدْرِ الإعْراضُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وتَعَلُّقُ القَلْبِ بِغَيْرِهِ، والغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ، ومَحَبَّةُ سِواهُ، فَإنَّ مَن أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ عُذِّبَ بِهِ، وسُجِنَ قَلْبُهُ في مَحَبَّةِ ذَلِكَ الغَيْرِ، فَما في الأرْضِ أشْقى مِنهُ، ولا أكْسَفُ بالًا، ولا أنْكَدُ عَيْشًا، ولا أتْعَبُ قَلْبًا، فَهُما مَحَبَّتانِ، مَحَبَّةٌ هي جَنَّةُ الدُّنْيا، وسُرُورُ النَّفْسِ، ولَذَّةُ القَلْبِ، ونَعِيمُ الرُّوحِ وغِذاؤُها ودَواؤُها، بَلْ حَياتُها وقُرَّةُ عَيْنِها، وهي مَحَبَّةُ اللَّهِ وحْدَهُ بِكُلِّ القَلْبِ، وانْجِذابُ قُوى المَيْلِ والإرادَةِ، والمَحَبَّةُ كُلُّها إلَيْهِ. وَمَحَبَّةٌ هي عَذابُ الرُّوحِ، وغَمُّ النَّفْسِ، وسِجْنُ القَلْبِ، وضِيقُ الصَّدْرِ، وهي سَبَبُ الألَمِ والنَّكَدِ والعَناءِ، وهي مَحَبَّةُ ما سِواهُ سُبْحانَهُ. وَمِن أسْبابِ شَرْحِ الصَّدْرِ دَوامُ ذِكْرِهِ عَلى كُلِّ حالٍ، وفي كُلِّ مَوْطِنٍ، فَلِلذِّكْرِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في انْشِراحِ الصَّدْرِ ونَعِيمِ القَلْبِ، ولِلْغَفْلَةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في ضِيقِهِ وحَبْسِهِ وعَذابِهِ. وَمِنها: الإحْسانُ إلى الخَلْقِ ونَفْعُهم بِما يُمْكِنُهُ مِنَ المالِ والجاهِ والنَّفْعِ بِالبَدَنِ وأنْواعِ الإحْسانِ، فَإنَّ الكَرِيمَ المُحْسِنَ أشْرَحُ النّاسِ صَدْرًا، وأطْيَبُهم نَفْسًا، وأنْعَمُهم قَلْبًا، والبَخِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إحْسانٌ أضْيَقُ النّاسِ صَدْرًا، وأنْكَدُهم عَيْشًا، وأعْظَمُهم همًّا وغَمًّا. وقَدْ «ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الصَّحِيحِ مَثَلًا لِلْبَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيُنِ عَلَيْهِما جُنَّتانِ مِن حَدِيدٍ، كُلَّما هَمَّ المُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ وانْبَسَطَتْ حَتّى يَجُرَّ ثِيابَهُ ويُعْفِيَ أثَرَهُ، وكُلَّما هَمَّ البَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكانَها ولَمْ تَتَّسِعْ عَلَيْهِ» فَهَذا مَثَلُ انْشِراحِ صَدْرِ المُؤْمِنِ المُتَصَدِّقِ، وانْفِساحِ قَلْبِهِ، ومَثَلُ ضِيقِ صَدْرِ البَخِيلِ، وانْحِصارِ قَلْبِهِ. وَمِنها الشَّجاعَةُ، فَإنَّ الشُّجاعَ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ، واسِعُ البِطانِ، مُتَّسِعُ القَلْبِ، والجَبانُ أضْيَقُ النّاسِ صَدْرًا، وأحْصَرُهم قَلْبًا، لا فَرْحَةٌ لَهُ ولا سُرُورٌ، ولا لَذَّةٌ لَهُ، ولا نَعِيمٌ إلّا مِن جِنْسِ ما لِلْحَيَوانِ البَهِيمِيِّ، وأمّا سُرُورُ الرُّوحِ ولَذَّتُها ونَعِيمُها وابْتِهاجُها فَمُحَرَّمٌ عَلى كُلِّ جَبانٍ، كَما هو مُحَرَّمٌ عَلى كُلِّ بَخِيلٍ، وعَلى كُلِّ مُعْرِضٍ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، غافِلٍ عَنْ ذِكْرِهِ، جاهِلٍ بِهِ وبِأسْمائِهِ تَعالى وصِفاتِهِ ودِينِهِ، مُتَعَلِّقِ القَلْبِ بِغَيْرِهِ. وَإنَّ هَذا النَّعِيمَ والسُّرُورَ يَصِيرُ في القَبْرِ رِياضًا وجَنَّةً، وذَلِكَ الضِّيقُ والحَصْرُ يَنْقَلِبُ في القَبْرِ عَذابًا وسِجْنًا. فَحالُ العَبْدِ في القَبْرِ كَحالِ القَلْبِ في الصَّدْرِ نَعِيمًا وعَذابًا، وسِجْنًا وانْطِلاقًا، ولا عِبْرَةَ بِانْشِراحِ صَدْرِ هَذا لِعارِضٍ، ولا بِضِيقِ صَدْرِ هَذا لِعارِضٍ، فَإنَّ العَوارِضَ تَزُولُ بِزَوالِ أسْبابِها، وإنَّما المُعَوَّلُ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي قامَتْ بِالقَلْبِ تُوجِبُ انْشِراحَهُ وحَبْسَهُ، فَهي المِيزانُ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَمِنها بَلْ مِن أعْظَمِها: إخْراجُ دَغَلِ القَلْبِ مِنَ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ الَّتِي تُوجِبُ ضِيقَهُ وعَذابَهُ، وتَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ حُصُولِ البُرْءِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أتى الأسْبابَ الَّتِي تَشْرَحُ صَدْرَهُ، ولَمْ يُخْرِجْ تِلْكَ الأوْصافَ المَذْمُومَةَ مِن قَلْبِهِ، لَمْ يَحْظَ مِنَ انْشِراحِ صَدْرِهِ بِطائِلٍ، وغايَتُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مادَّتانِ تَعْتَوِرانِ عَلى قَلْبِهِ، وهو لِلْمادَّةِ الغالِبَةِ عَلَيْهِ مِنهُما. وَمِنها: تَرْكُ فُضُولِ النَّظَرِ والكَلامِ والِاسْتِماعِ والمُخالَطَةِ والأكْلِ والنَّوْمِ، فَإنَّ هَذِهِ الفُضُولَ تَسْتَحِيلُ آلامًا وغُمُومًا وهُمُومًا في القَلْبِ، تَحْصُرُهُ وتَحْبِسُهُ وتُضَيِّقُهُ ويَتَعَذَّبُ بِها، بَلْ غالِبُ عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنها، فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ما أضْيَقَ صَدْرَ مَن ضَرَبَ في كُلِّ آفَةٍ مِن هَذِهِ الآفاتِ بِسَهْمٍ، وما أنْكَدَ عَيْشَهُ، وما أسْوَأ حالَهُ، وما أشَدَّ حَصْرِ قَلْبِهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ ما أنْعَمَ عَيْشَ مَن ضَرَبَ في كُلِّ خَصْلَةٍ مِن تِلْكَ الخِصالِ المَحْمُودَةِ بِسَهْمٍ، وكانَتْ هِمَّتُهُ دائِرَةً عَلَيْها، حائِمَةً حَوْلَها، فَلِهَذا نَصِيبٌ وافِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، ولِذَلِكَ نَصِيبٌ وافِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] وَبَيْنَهُما مَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى. والمَقْصُودُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أكْمَلَ الخَلْقِ في كُلِّ صِفَةٍ يَحْصُلُ بِها انْشِراحُ الصَّدْرِ، واتِّساعُ القَلْبِ، وقُرَّةُ العَيْنِ، وحَياةُ الرُّوحِ، فَهو أكْمَلُ الخَلْقِ في هَذا الشَّرْحِ والحَياةِ وقُرَّةِ العَيْنِ مَعَ ما خُصَّ بِهِ مِنَ الشَّرْحِ الحِسِّيِّ، وأكْمَلُ الخَلْقِ مُتابَعَةً لَهُ، أكْمَلُهُمُ انْشِراحًا ولَذَّةً وقُرَّةَ عَيْنٍ، وعَلى حَسَبِ مُتابَعَتِهِ يَنالُ العَبْدُ مِنَ انْشِراحِ صَدْرِهِ وقُرَّةِ عَيْنِهِ ولَذَّةِ رُوحِهِ ما يَنالُ، فَهو ﷺ في ذُرْوَةِ الكَمالِ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ ورَفْعِ الذِّكْرِ ووَضْعِ الوِزْرِ، ولِأتْباعِهِ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ نَصِيبِهِمْ مِنَ اتِّباعِهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَهَكَذا لِأتْباعِهِ نَصِيبٌ مِن حِفْظِ اللَّهِ لَهُمْ، وعِصْمَتِهِ إيّاهُمْ، ودِفاعِهِ عَنْهُمْ، وإعْزازِهِ لَهُمْ، ونَصْرِهِ لَهُمْ، بِحَسَبِ نَصِيبِهِمْ مِنَ المُتابَعَةِ، فَمُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ. فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ. ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ.

الزمر 39:29

يَعْنِي إذا كانَ المَمْلُوك فِيكُم لَهُ ملاك مشتركون فِيهِ وهم متنازعون ومملوك آخر لَهُ مالك واحِد فَهَل يكون هَذا وهَذا سَواء فَإذا كانَ هَذا لَيْسَ عنْدكم كمن لَهُ رب واحِد ومالك واحِد فَكيف ترْضونَ أن تجْعَلُوا لأنفسكم آلِهَة مُتعَدِّدَة تجعلونها شُرَكاء لله تحبونها كَما يحبونه وتخافونها كَما يخافونه وترجونها كَما يرجونه. (فصل) احْتَجَّ سُبْحانَهُ عَلى قُبْحِ الشِّرْكِ بِما تَعْرِفُهُ العُقُولُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ حالِ مَمْلُوكٍ يَمْلِكُهُ أرْبابٌ مُتَعاسِرُونَ سَيِّئُوا المِلْكَةِ، وحالِ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ سَيِّدٌ واحِدٌ قَدْ سَلِمَ كُلُّهُ لَهُ، فَهَلْ يَصِحُّ في العُقُولِ اسْتِواءُ حالِ العَبْدَيْنِ؟ فَكَذَلِكَ حالُ المُشْرِكِ والمُوَحِّدِ الَّذِي قَدْ سَلِمَتْ عُبُودِيَّتُهُ لِإلَهِهِ الحَقِّ لا يَسْتَوِيانِ. (فصل) قَوْلُهُ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ؛ فالمُشْرِكُ بِمَنزِلَةِ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ جَماعَةٌ مُتَنازِعُونَ مُخْتَلِفُونَ مُتَشاحُّونَ، والرَّجُلُ المُتَشاكِسُ: الضَّيِّقُ الخُلُقِ، فالمُشْرِكُ، لَمّا كانَ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى شُبِّهَ بِعَبْدٍ يَمْلِكُهُ جَماعَةٌ مُتَنافِسُونَ في خِدْمَتِهِ، لا يُمْكِنُهُ أنْ يَبْلُغَ رِضاهم أجْمَعِينَ، والمُوَحِّدُ لَمّا كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ عَبْدٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ، قَدْ سَلَمَ لَهُ، وعَلِمَ مَقاصِدَهُ، وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضاهُ، فَهو في راحَةٍ مِن تَشاحُنِ الخُلَطاءِ فِيهِ، بَلْ هو سالِمٌ لِمالِكِهِ مِن غَيْرِ تَنازُعٍ فِيهِ، مَعَ رَأْفَةِ مالِكِهِ بِهِ، ورَحْمَتِهِ لَهُ، وشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وإحْسانِهِ إلَيْهِ، وتَوَلِّيهِ لِمَصالِحِهِ، فَهَلْ يَسْتَوِي هَذانِ العَبْدانِ؟ وَهَذا مِن أبْلَغِ الأمْثالِ؛ فَإنَّ الخالِصَ لِمالِكٍ واحِدٍ يَسْتَحِقُّ مِن مَعُونَتِهِ وإحْسانِهِ والتِفاتِهِ إلَيْهِ وقِيامِهِ بِمَصالِحِهِ ما لا يَسْتَحِقُّ صاحِبُ الشُّرَكاءِ المُتَشاكِسِينَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾.

الزمر 39:30

(فائدة) فأما إماتة الأنبياء والمرسلين فلم يكن ذلك لهوانهم عليه، ولكن ليصلوا إلى محل كرامته ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم، وليحي الرسل بعدهم يرى رسولا بعد رسول. فإماتتهم أصلح لهم وللأمة. أما هم فلراحتهم من الدنيا ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور، ولا سيما وقد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به. وأما الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة، بل أطاعوهم بعد مماتهم كما أطاعوهم في حياتهم، وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم، بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم، والله هو الحي الذي لا يموت. فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمم. هذا وهم بشر ولم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام، بل جعلهم خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضا، فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف، ولضاقت بهم الأرض. فالموت كمال لكل مؤمن، ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا، ولا هناء لأهلها بها. فالحكمة في الموت كالحكمة في الحياة.

الزمر 39:31

(فائدة) فأما إماتة الأنبياء والمرسلين فلم يكن ذلك لهوانهم عليه، ولكن ليصلوا إلى محل كرامته ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم، وليحي الرسل بعدهم يرى رسولا بعد رسول. فإماتتهم أصلح لهم وللأمة. أما هم فلراحتهم من الدنيا ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور، ولا سيما وقد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به. وأما الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة، بل أطاعوهم بعد مماتهم كما أطاعوهم في حياتهم، وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم، بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم، والله هو الحي الذي لا يموت. فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمم. هذا وهم بشر ولم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام، بل جعلهم خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضا، فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف، ولضاقت بهم الأرض. فالموت كمال لكل مؤمن، ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا، ولا هناء لأهلها بها. فالحكمة في الموت كالحكمة في الحياة.

الزمر 39:33

فالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: هو مِن شَأْنِهِ الصِّدْقُ في قَوْلِهِ وعَمَلِهِ وحالِهِ. فالصِّدْقُ: في هَذِهِ الثَّلاثَةِ. فالصِّدْقُ في الأقْوالِ: اسْتِواءُ اللِّسانِ عَلى الأقْوالِ، كاسْتِواءِ السُّنْبُلَةِ عَلى ساقِها. والصِّدْقُ في الأعْمالِ: اسْتِواءُ الأفْعالِ عَلى الأمْرِ والمُتابَعَةِ. كاسْتِواءِ الرَّأْسِ عَلى الجَسَدِ. والصِّدْقُ في الأحْوالِ: اسْتِواءُ أعْمالِ القَلْبِ والجَوارِحِ عَلى الإخْلاصِ. واسْتِفْراغُ الوُسْعِ، وبَذْلُ الطّاقَةِ، فَبِذَلِكَ يَكُونُ العَبْدُ مِنَ الَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ. وَبِحَسَبِ كَمالِ هَذِهِ الأُمُورِ فِيهِ وقِيامِها بِهِ: تَكُونُ صِدِّيقِيَّتُهُ. وَلِذَلِكَ كانَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ: ذُرْوَةُ سَنامِ الصِّدِّيقِيَّةِ، سُمِّيَ الصِّدِّيقَ عَلى الإطْلاقِ. والصِّدِّيقُ أبْلَغُ مِنَ الصَّدُوقِ، والصَّدُوقُ أبْلَغُ مِنَ الصّادِقِ. فَأعْلى مَراتِبِ الصِّدْقِ: مَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ. وَهِيَ كَمالُ الِانْقِيادِ لِلرَّسُولِ ﷺ، مَعَ كَمالِ الإخْلاصِ لِلْمُرْسِلِ. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الرِّياضَةِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الرِّياضَةِ. هِيَ تَمْرِينُ النَّفْسِ عَلى الصِّدْقِ والإخْلاصِ. قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: هي تَمْرِينُ النَّفْسِ عَلى قَبُولِ الصِّدْقِ. وَهَذا يُرادُ بِهِ أمْرانِ: تَمْرِينُها عَلى قَبُولِ الصِّدْقِ إذا عَرَضَهُ عَلَيْها في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وإرادَتِهِ، فَإذا عَرَضَ عَلَيْها الصِّدْقَ قَبِلَتْهُ وانْقادَتْ لَهُ وأذْعَنَتْ لَهُ. والثّانِي: قَبُولُ الحَقِّ مِمَّنْ عَرَضَهُ عَلَيْهِ، قالَ اللَّهُ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] فَلا يَكْفِي صِدْقُكَ، بَلْ لا بُدَّ مِن صِدْقِكَ وتَصْدِيقِكَ لِلصّادِقِينَ، فَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَصْدُقُ، ولَكِنْ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّصْدِيقِ كِبْرٌ أوْ حَسَدٌ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ. قالَ: وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: رِياضَةٌ عامَّةٌ، وهي تَهْذِيبُ الأخْلاقِ بِالعِلْمِ، وتَصْفِيَةُ الأعْمالِ بِالإخْلاصِ، وتَوْفِيرُ الحُقُوقِ في المُعامَلَةِ. أمّا تَهْذِيبُ الأخْلاقِ بِالعِلْمِ فالمُرادُ بِهِ إصْلاحُها وتَصْفِيَتُها بِمُوجَبِ العِلْمِ، فَلا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةٍ ظاهِرَةٍ أوْ باطِنَةٍ إلّا بِمُقْتَضى العِلْمِ، فَتَكُونُ حَرَكاتٌ ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ مَوْزُونَةٌ بِمِيزانِ الشَّرْعِ. وَأمّا تَصْفِيَةُ الأعْمالِ بِالإخْلاصِ فَهو تَجْرِيدُها عَنْ أنْ يَشُوبَها باعِثٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهي عِبارَةٌ عَنْ تَوْحِيدِ المُرادِ، وتَجْرِيدِ الباعِثِ إلَيْهِ. وَأمّا تَوْفِيرُ الحُقُوقِ في المُعامَلَةِ فَهو أنْ تُعْطِيَ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن حَقِّ اللَّهِ وحُقُوقِ العِبادِ كامِلًا مُوَفَّرًا، قَدْ نَصَحْتَ فِيهِ صاحِبَ الحَقِّ غايَةَ النُّصْحِ، وأرْضَيْتَهُ كُلَّ الرِّضا، فَفُزْتَ بِحَمْدِهِ لَكَ وشُكْرِهِ. وَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ شاقَّةً عَلى النَّفْسِ جِدًّا كانَ تَكَلُّفُها رِياضَةً، فَإذا اعْتادَها صارَتْ خُلُقًا.

الزمر 39:42

(فائدة) إمساكه سبحانه التي قضى عليها الموت لا ينافي ردها إلى جسدها الميت في وقت ما ردا عارضا لا يوجب له الحياة المعهودة في الدنيا. وإذا كان النائم روحه في جسده وهو حي وحياته غير حياة المستيقظ، فإن النوم شقيق الموت، فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى جسده كانت حاله متوسطة بين الحي والميت الذي لم ترد روحه إلى بدنه، كحال النائم المتوسطة بين الحي والميت، فتأمل هذا يزيح عنك إشكالات كثيرة. [فصل: الرؤيا] ومما ينبغي أن يعلم أن ما ذكرنا من شأن الروح يختلف بحسب حال من الأرواح من القوة والضعف، والكبر والصغر، فالروح العظيمة الكبيرة ذلك ما ليس لمن هو دونها، وأنت ترى أحكام الأرواح في الدنيا كيف تتفاوت أعظم تفاوت، بحسب تفارق الأرواح وكيفياتها وقواها وإبطائها وإسراعها والمعاونة لها، فالروح المطلقة من أسر البدن وعلائقه وعوائقه التصرف والقوة والنفاذ والهمة وسرعة من الصعود إلى اللّه والتعلق باللّه ما ليس للروح المهينة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه، فإن كان هذا وهي محبوسة في بدنها فكيف إذا تجردت وفارقته واجتمعت فيها قواها وكانت في أصل شأنها روحا علية زكية كبيرة ذات همة عالية فهذه لها بعد مفارقة البدن شأن آخر وفعل آخر. وقد تواترت الرؤيا من أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها ما لا تقدر على مثله حال اتصالها بالبدن من هزيمة الجيوش الكبيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك، وكم قد رئي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومعه أبو بكر وعمر في النوم قد هزمت أرواحهم عساكر الكفر والظلم، فإذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عددهم وعدتهم ضعف المؤمنين وقتلهم. ومن العجب أرواح المؤمنين المتحابين المتعارفين تتلاقى وبينها أعظم مسافة وأبعدها، فتألف وتتعارف، فيعرف بعضها بعضا كأنه جليسه وعشيره، فإذا رآه طابق ذلك ما كان عرفته روحه قبل رؤيته. (قال) عبد اللّه بن عمرو: إن أرواح المؤمنين تتلاقى على مسيرة يوم، وما رأى أحدهما قط، ورفعه بعضهم إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم. (وقال) عكرمة ومجاهد: إذا نام الإنسان فإن له سببا يجري فيه الروح وأصله في الجسد، فتبلغ حيث شاء اللّه ما دام ذاهبا، فالإنسان نائم، فإذا رجع إلى البدن انتبه الإنسان وكان بمنزلة شعاع الشمس الذي هو ساقط بالأرض فأصله متصل بالشمس. وقد ذكر أبو عبد اللّه بن منده عن بعض أهل العلم أنه قال: إن الروح تمتد من منخر الإنسان ومركبه وأصله في بدنه، فلو خرج الروح بالكلية لمات، كما أن السراج لو فرق بينه وبين الفتيلة، ألا ترى أن مركب النار في الفتيلة وضوؤها وشعاعها يملأ البيت، فكذلك الروح تمتد من منخر الإنسان في منامه، حتى تأتي السماء وتجول في البلدان وتلتقي مع أرواح الموتى، فإذا أراه الملك الموكل بأرواح العباد ما أحب أن يريه، وكان المرئي في اليقظة عاقلا ذكيا صدوقا لا يلتفت في يقظته إلى شيء من الباطل رجع إليه روحه فأدى إلى قلبه الصدق مما أراه اللّه عز وجل على حسب خلقه، وإن كان خفيا نزقا يحب الباطل والنظر إليه فإذا نام وأراه اللّه أمرا من خير أو شر رجعت روحه إليه فحيث ما رأى شيئا من مخاريق الشيطان أو الباطل وقفت روحه عليه كما يقظته، فكذلك لا يؤدي إلى قلبه، فلا يعقل ما رأى، لأنه خلط الحق بالباطل، فلا يمكن معبر أن يعبر له وقد خلط الحق بالباطل. وهذا من أحسن الكلام، وهو دليل على معرفة قائله وبصيرته بالأرواح وأحكامها. وأنت ترى الرجل يسمع العلم والحكمة وما هو أنفع شيء له، ثم يمر بباطل ولهو من غناء وشبهة أو زور أو غيره فيصغي إليه، ويفتح له قلبه حتى يتأدى إليه، فيتخبط عليه ذلك الذي سمعه من العلم والحكمة، ويلتبس عليه الحق بالباطل فهكذا شأن الأرواح عند النوم، وأما بعد المفارقة فإنها تعذب بتلك الاعتقادات والشبه الباطلة التي كانت حظها حال اتصالها بالبدن، وينضاف إلى ذلك عذابها بتلك الإرادات والشهوات التي حيل بينهما وبينها ويضاف إلى ذلك عذاب آخر ينشئه اللّه ولبدنها من الأعمال التي اشتركت معه فيها، وهذه هي المعيشة الضنك في البرزخ والزاد الذي تزود به إليه. والروح الزكية العلوية المحقة التي لا تحب الباطل ولا تألفه بضد ذلك كله، تنعم بتلك الاعتقادات الصحيحة والعلوم والمعارف التي تلقتها من النبوة وتلك الإرادات والهمم الزكية، وينشئ اللّه سبحانه لها من أعمالها نعيما ينعمها به في البرزخ فتصير لها روضة من رياض الجنة ولتلك حفرة من حفر النار. [مسألة: هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات أم لا؟] شواهد هذه المسألة وأدلتها أكثر من يحصيها إلا اللّه تعالى، والحس والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء والأموات كما تلتقي أرواح الأحياء، وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. (قال) أبو عبد اللّه بن منده: حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا عبد اللّه بن حسين الحراني وحدثنا جدي أحمد بن شعيب حدثنا موسى بن أعين عن مطرف عن جعفر أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك اللّه أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا عبد اللّه بن سليمان، حدثنا الحسين، حدثنا عامر، حدثنا أسباط عن السدي وفي قوله تعالى: {والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها قال: يتوفاها في منامها فيلتقي روح الحي وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان. قال: فترجع روح الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجلها، وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس. وهذا أحد القولين في الآية: وهو أن الممسكة من توفيت وفاة الموت أولا، والمرسلة من توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا القول أنه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى. والقول الثاني في الآية: إن الممسكة والمرسلة في الآية كلاهما توفى وفاة النوم، فمن استكملت أجلها أمسكها عنده، فلا يردها إلى جسدها، ومن لم تستكمل أجلها ردها إلى جسدها لتستكلمه، واختار شيخ الإسلام} هذا القول وقال: عليه يدل القرآن والسنّة قال: فإنه سبحانه ذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها وفاة النوم، وأما التي توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا بإرسال بل هي قسم ثالث. والذي يترجح هو القول الأول، لأنه سبحانه أخبر بوفاتين: وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم، وقسم الأرواح قسمين قسما قضى عليها بالموت فأمسكها عنده وهي التي توفاها وفاة الموت، وقسما لها بقية أجل فردها إلى جسدها إلى استكمال أجلها، وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولا، فهذه ممسكة وهذه مرسلة، وأخبر أن التي لم تمت هي التي توفاها في منامها، فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين وفاة موت ووفاة نوم لم يقل والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فإنها من حين قبضت ماتت وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾. ولمن أبصر هذا القول أن يقول قوله تعالى ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾ بعد أن توفاها وفاة النوم فهو سبحانه توفاها أولا وفاة نوم ثم قضى عليها الموت بعد ذلك، والتحقيق أن الآية تتناول النوعين، فإنه سبحانه ذكر وفاتين، وفاة نوم ووفاة موت، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى، ومعلوم أنه سبحانه يمسك نفس كل ميت سواء مات في النوم أو في اليقظة، ويرسل نفس من لم يمت فقوله: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ يتناول من مات في اليقظة ومن مات في المنام. وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره ويخبره الميت بما لا يعلم الحي، فيصادف خبره كما أخبر في الماضي والمستقبل، وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدين عليه وذكر له شواهده وأدلته. وأبلغ من هذا أنه يخبر بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر، وربما أخبره عن أمور يقطع الحي أنه لم يكن يعرفها غيره، وقد ذكرنا قصة الصعب بن جثامة وقوله لعوف بن مالك ما قال له، وذكرنا قصة ثابت بن قيس بن شماس وإخباره لمن رآه تدعه وما عليه من الدين. وقصة صدقة بن سليمان الجعفري وإخبار ابنه له بما عمل من بعده. وقصة شبيب بن شيبة، وقول أمه له بعد الموت: جزاك اللّه خيرا حيث لقنها (لا إله إلا اللّه). وقصة الفضل بن الموفق مع ابنه وإخباره إياه بعلمه بزيارته. وقال سعيد بن المسيب: التقى عبد اللّه بن سلام وسلمان الفارسي فقال أحدهما للآخر: إن مت قبلي فالقني فأخبرني ما لقيت من ربك، وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك، فقال الآخر: وهل تلتقي الأموات والأحياء؟ قال: نعم أرواحهم في الجنة تذهب حيث تشاء، قال: فمات فلان فلقيه في المنام فقال: توكل وأبشر فلم أر مثل التوكل قط. وقال العامر بن عبد المطلب: كنت أشتهي أن أرى عمر في المنام فما رأيته إلا عند قرب الحول فرأيته يمسح العرق عن جبينه وهو يقول: هذا أوان فراغي إن كاد عرشي ليهد لولا أن لقيت رءوفا رحيما. ولما حضرت شريح بن عابد الثمالي الوفاة دخل عليه غضيف بن الحارث وهو يجود بنفسه فقال: يا أبا الحجاج إن قدرت على أن تأتينا بعد الموت فتخبرنا بما ترى فافعل قال: وكانت كلمة مقبولة في أهل الفقه قال: فمكث زمانا لا يراه ثم رآه في منامه فقال له: أليس قد مت؟ قال: بلى، قال: فكيف حالك؟ قال: تجاوز ربنا عن الذنوب فلم يهلك منا إلا الأحراض، قلت: وما الأحراض؟ قال: الذين يشار إليهم بالأصابع في الشيء. وقال عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز: رأيت أبي في النوم بعد موته كأنه في حديقة، فدفع إلي تفاحات فأولتهن الولد، فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ فقال: الاستغفار أي بني. ورأى مسلمة بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز بعد موته فقال: يا أمير المؤمنين ليت شعري إلى أي الحالات صرت بعد الموت؟ قال: يا مسلمة هذا أوان فراغي، واللّه ما استرحت إلا الآن، قال: قلت: فأين أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: مع أئمة الهدى في جنة عدن. (قال) صالح البراد: رأيت زرارة بن أوفى بعد موته فقلت: رحمك اللّه ماذا قيل لك وما ذا قلت؟ فأعرض عني، قلت: فما صنع اللّه بك؟ قال: تفضل عليَّ بجوده وكرمه، قلت: فأبو العلاء بن يزيد أخو مطرف؟ قال: ذاك في الدرجات العلى، قلت: فأي الأعمال أبلغ فيما عندكم؟ قال: التوكل وقصر الأمل. (قال) مالك بن دينار: رأيت مسلم بن يسار بعد موته فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فقلت: ما يمنعك أن ترد السلام؟ قال: أنا ميت فكيف أرد عليك السلام، فقلت له: ماذا لقيت بعد الموت؟ قال: لقيت واللّه أهوالا وزلازل عظاما شدادا، قال: قلت له: فما كان بعد ذلك؟ قال: وما تراه يكون من الكريم، قبل منا الحسنات، وعفا لنا عن السيئات، وضمن عنا التبعات، قال: ثم شهق مالك شهقة خر مغشيا عليه، قال: فلبث بعد ذلك أياما مريضا، ثم انصدع قلبه فمات. (وقال) سهيل أخو حزم: رأيت مالك بن دينار بعد موته فقلت: يا أبا يحيى ليت شعري ما ذا قدمت به على اللّه؟ قال: قدمت بذنوب كثيرة محاها عني، حسن الظن باللّه عز وجل. (ولما مات) رجاء بن حياة رأته امرأة عابدة فقالت: يا أبا المقدام إلى ما صرتم؟ قال: إلى خير، ولكن فزعنا بعدكم فزعة ظننا أن القيامة قد قامت، قالت: قلت ومم ذلك؟ قال: دخل الجراح وأصحابه الجنة بأثقالهم حتى ازدحموا على بابها. (وقال) جميل بن مرة: كان مورق العجلي لي أخا وصديقا فقلت له ذات يوم: أينا مات قبل صاحبه فليأت صاحبه فليخبره بالذي صار إليه. قال: فمات مورق فرأت أهلي في منامها كأنه أتانا كما كان يأتي، فقرع الباب كما كان يقرع، قالت: فقمت ففتحت له كما كنت أفتح، وقلت: أدخل يا أبا المعتمر إلى باب أخيك، فقال: كيف أدخل وقد ذقت الموت، إنما جئت لأعلم جميلا بما صنع اللّه بي، أعلميه أنه جعلني في المقربين. (ولما مات) محمد بن سيرين حزن عليه بعض أصحابه حزنا شديدا فرآه في المنام في حال حسنة فقال: يا أخي قد أراك في حال يسرني فما صنع الحَسَن؟ قال: رفع فوقي بسبعين درجة، قلت: ولم ذاك وقد كنا نرى أنك أفضل منه؟ قال: ذاك بطول حزنه. (وقال) ابن عيينة: رأيت سفيان الثوري في النوم فقلت: أوصني، قال: أقلل من معرفة الناس. (وقال) عمار بن سيف: رأيت الحسن بن صالح في منامي فقلت: قد كنت متمنيا للقائك فماذا عندك فتخبرنا به؟ فقال: أبشر فإني لم أر مثل حسن الظن باللّه شيئا. (ولما مات) ضيغم العابد رآه بعض أصحابه في المنام فقال: أما صليت علي؟ قال: فذكرت علة كانت، فقال: أما لو كنت صليت علي ربحت رأسك. (ولما ماتت) رابعة رأتها امرأة من أصحابها وعليها حلة إستبرق وخمار من سندس وكانت كفنت في جبة وخمار من صوف، فقالت لها: ما فعلت الجبة التي كفنتك فيها وخمار الصوف؟ قالت: واللّه إنه نزع عني وأبدلت به هذا الذي ترين علي، وطويت أكفاني وختم عليها ورفعت في عليين ليكمل لي ثوابها يوم القيامة، قالت: فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا! فقالت: وما هذا عند ما رأيت من كرامة اللّه لأوليائه. فقلت لها: فما فعلت عبدة بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات سبقتنا واللّه إلى الدرجات العلى. قالت: قلت: وبم وقد كنت عند الناس أعبد منها! فقالت: إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا أو أمست. فقلت: فما فعل أبو مالك (تعني ضيغما) فقالت: يزور اللّه تبارك وتعالى متى شاء. قالت: قلت: فما فعل بشر بن منصور! قالت: بخ بخ أعطيَ واللّه فوق ما كان يأمل. قالت: قلت: مريني بأمر أتقرب به إلى اللّه تعالى. قالت: عليك بكثرة ذكر اللّه فيوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك. (ولما مات) عبد العزيز بن سلمان العابد رآه بعض أصحابه وعليه ثياب خضر، وعلى رأسه إكليل من لؤلؤ، فقال: كيف كنت بعدنا، وكيف وجدت طعم الموت، وكيف رأيت الأمر هناك! قال: أما الموت فلا تسأل عن شدة كربه وغمه إلا أن رحمة اللّه وارث عنا كل عيب وما تلقانا إلا بفضله. (وقال) صالح بن بشر: لما مات عطاء السلمي رأيته في منامي فقلت: يا أبا محمد ألست في زمرة الموتى! قال: بلى، قلت: فما ذا صرت إليه بعد الموت! قال: صرت واللّه إلى خير كثير ورب غفور شكور، قال: قلت: أما واللّه لقد كنت طويل الحزن في دار الدنيا، فتبسم وقال: واللّه لقد أعقبني ذلك راحة طويلة وفرحا دائما، قلت: ففي أي الدرجات أنت! قال: ﴿مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾. (ولما مات) عاصم الجحدري رآه بعض أهله في المنام فقال: أليس قد مت! قال: بلى، قال: فأين أنت! قال: أنا واللّه في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي، نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد اللّه المزني فنتلقى أخباركم، قال: قلت: أجسادكم أم أرواحكم! قال: هيهات بليت الأجساد وإنما تتلاقى الأرواح. (ورئي) الفضيل بن عياض بعد موته فقال: لم أر للعبد خيرا من ربه. (وكان مرة الهمداني) قد سجد حتى أكل التراب جبهته، فلما مات رآه رجل من أهله في منامه وكأن موضع سجوده كهيئة الكوكب الدري، فقال: ما هذا الأثر الذي أرى بوجهك؟ قال: كسى موضع السجود بأكل التراب له نورا، قال: قلت: فما منزلتك في الآخرة؟ قال: خير منزل، دار لا ينتقل عنها أهلها ولا يموتون. (وقال) أبو يعقوب القارئ: رأيت في منامي رجلا آدما طوالا والناس يتبعونه، قلت: من هذا! قالوا: أويس القرني، فاتبعته فقلت أوصني يرحمك اللّه، فكلح في وجهي، فقلت: مسترشد فأرشدني رحمك اللّه، فأقبل علي فقال: ابتغ رحمة اللّه عند محبته؛ واحذر نقمته عند معصيته، ولا تقطع رجاءك منه في خلال ذلك، ثم ولى وتركني. (وقال) ابن السماك: رأيت مسعرا في النوم فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل! قال: مجالس الذكر (وقال الأجلح) رأيت سلمة بن كهيل في النوم فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل! قال: قيام الليل. (وقال) أبو بكر بن أبي مريم: رأيت وفاء بن بشر بعد موته فقلت: ما فعلت يا وفاء! قال: نجوت بعد كل جهد، قلت: فأي الأعمال وجدتموها أفضل، قال: البكاء من خشية اللّه عز وجل. (وقال) الليث بن سعد عن موسى بن وردان أنه رأى عبد اللّه بن أبي حبيبة بعد موته فقال: عرضت علي حسناتي وسيئاتي، فرأيت في حسناتي حبات رمان التقطتهن فأكلتهن، ورأيت في سيئاتي خيطي حرير كانا في قلنسوتي. (وقال) سعيد بن داود: حدثني ابن داود أخي جويرية بن أسماء قال: كنا بعبادان، فقدم علينا شاب من أهل الكوفة متعبد، فمات بها في يوم شديد الحر، فقلت: نبرد ثم نأخذ في جهازه فنمت، فرأيت كأني في المقابر، فإذا بقية جوهر تتلألأ حسنا وأنا أنظر إليها، فأشرفت منها جارية ما رأيت مثل حسنها، فأقبلت علي فقالت: باللّه لا تحبسه عنا إلى الظهر، قال: فانتبهت فزعا وأخذت في جهازه وحفرت له قبرا في الموضع الذي رأيت فيه القبة فدفنته فيه. وقال عبد الملك بن عتاب الليثي: رأيت عامر بن عبد قيس في النوم فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل! قال: ما أريد به وجه اللّه عز وجل. وقال يزيد بن هارون: رأيت أبا العلاء أيوب بن أبي مسكين في المنام فقلت: ما فعل بك ربك! قال: غفر لي، قلت: بماذا! قال: بالصوم والصلاة، قلت: أرأيت منصور بن زاذان؟ قال: هيهات ذاك نرى قصره من بعيد. وقال يزيد بن نعامة: هلكت جارية في طاعون الجارف، فلقيها أبوها بعد موتها فقال لها: يا بنية أخبريني عن الآخرة، قالت: يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل، وتعلمون ولا تعملون، واللّه لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في صحيفة عملي أحب إلي من الدنيا وما فيها. وقال كثير بن مرة: رأيت في منامي كأني دخلت درجة علياء في الجنة، فجعلت أطوف بها وأتعب منها، فإذا أنا بنساء من نساء المسجد في ناحية منها، فذهب حتى سلمت عليهم ثم قلت: بما بلغتن هذه الدرجة؟ قلن: سجدات وتكبيرات. وقال مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز عن فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر بن عبد العزيز قالت: انتبه عمر بن عبد العزيز ليلة فقال: لقد رأيت رؤيا معجبة! قالت: فقلت: جعلت فداك فأخبرني بها؟ فقال: ما كنت لأخبرك بها حتى أصبح، فلما طلع الفجر خرج فصلى ثم عاد إلى مجلسه، قالت: فاغتنمت خلوته فقلت: أخبرني بالرؤيا التي رأيت؟ قال: رأيت كأني رفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنها بساط أخضر، وإذا فيها قصر أبيض كأنه الفضة، وإذا خارج قد خرج من ذلك القصر فهتف بأعلى صوته يقول: أين محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، أين رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، إذا أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى دخل القصر، قال: ثم إن آخر خرج من ذلك القصر فنادى: أين أبو بكر الصديق أين ابن أبي قحافة؟ إذا أقبل أبو بكر حتى دخل تلك القصر، ثم خرج آخر فنادى: أين عمر بن الخطاب، فأقبل عمر حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فنادى: أين عثمان بن عفان؟ فأقبل حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فنادى: أين علي بن أبي طالب، فأقبل حتى دخل ذلك القصر، ثم إن آخر خرج فنادى: أين عمر بن عبد العزيز؟ قال: قال عمر: فقمت حتى دخلت ذلك القصر، قال: فدفعت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم والقوم حوله، فقلت بيني وبين نفسي: أين أجلس؟ فجلست إلى جنب أبي عمر بن الخطاب، فنظرت فإذا أبو بكر عن يمين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإذا عمر عن يساره، فتأملت فإذا بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وبين أبي بكر رجل، فقلت: من هذا الرجل الذي بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وبين أبي بكر؟ فقال: هذا عيسى ابن مريم، فسمعت هاتفا يهتف وبيني وبينه ستر: نور يا عمر بن عبد العزيز، تمسك بما أنت عليه واثبت على ما أنت عليه، ثم كأنه أذن لي في الخروج فخرجت من ذلك القصر، فالتفت خلفي فإذا أنا بعثمان بن عفان وهو خارج من ذلك القصر يقول: الحمد للّه الذي نصرني، وإذا علي بن أبي طالب في دائرة خارج من ذلك القصر وهو يقول: الحمد للّه الذي غفر لي. (وقال) سعيد بن أبي عروة عن عمر بن عبد العزيز قال رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت وجلست، فبينا أنا جالس إذ أتي بعلي ومعاوية فأدخلا بيتا وأحيف عليهما الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن يخرج علي وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة، وما كان بأسرع من أن خرج معاوية على أثره وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة. (وقال) حماد بن أبي هاشم: جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فقال: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في المنام وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله، وأقبل رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس، فقال لك: يا عمر، إذا عملت فاعمل بعمل هذين أبي بكر وعمر، فاستحلفه عمر باللّه أرأيت هذه الرؤيا؟ فحلف، فبكى عمر. (وقال) عبد الرحمن بن غنم: رأيت معاذ بن جبل بعد وفاته بثلاث على فرس أبلق وخلفه رجال بيض عليهم ثياب خضر على خيل بلق وهو قدامهم وهو يقول: ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ ثم التفت عن يمينه وشماله يقول: يا ابن رواحة يا ابن مظعون ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ ثم صافحني وسلّم علي. (وقال) قبيصة بن عقبة: رأيت سفيان الثوري في المنام بعد موته فقلت: ما فعل اللّه بك، فقال: ؎نظرت إلى ربي عيانا فقال لي ∗∗∗ هنيئا رضانا عنك يا ابن سعيد ؎فقد كنت قواما إذا الليل قد دجا ∗∗∗ بعيرة محزون وقلب عميد ؎فدونك فاختر أي قصر تريده ∗∗∗ وزرني فإني منك غير بعيد وقال سفيان بن عيينة: رأيت سفيان الثوري بعد موته يطير في الجنة من نخلة إلى شجرة ومن شجرة إلى نخلة وهو يقول: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فقيل له: بما أدخلت الجنة؟ قال: بالورع بالورع، قيل له: فما فعل علي بن عاصم؟ قال: ما نراه إلا مثل الكوكب. (وكان) شعبة بن الحجاج ومسعر بن كدام حافظين وكانا جليلين، قال أبو أحمد البريدي: فرأيتهما بعد موتها، فقلت: أبا بسطام ما فعل اللّه بك؟ فقال: وفقك اللّه لحفظ ما أقول: ؎حباني إلهي في الجنان بقية ∗∗∗ لها ألف باب من لجين وجوهرا ؎وقال لي الرحمن يا شعبة الذي ∗∗∗ تبحر في جمع العلوم فأكثرا ؎تنعم بقربي إنني عنك ذو رضا ∗∗∗ وعن عبدي القوام في الليل مسعرا ؎كفا مسعرا عزا بأن سيزورني ∗∗∗ واكشف عن وجهي الكريم لينظرا ؎وهذا فعالي بالذين تنسكوا ∗∗∗ ولم يألفوا في سالف الدهر منكرا قال أحمد بن محمد اللبدي: رأيت أحمد بن حنبل في النوم فقلت: يا أبا عبد اللّه ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي، قال: يا أحمد ضربت فيّ ستين سوطا؟ قلت: نعم يا رب، قال: هذا وجهي قد أبحتك فانظر إليه. وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج: حدثني رجل من أهل طرطوس قال: دعوت اللّه عز وجل أن يريني أهل القبور حتى أسألهم عن أحمد بن حنبل ما فعل اللّه به؟ فرأيت بعد عشر سنين في المنام كأن أهل القبور قد قاموا على قبورهم فبادروني بالكلام فقالوا: يا هذا كم تدعو اللّه عز وجل أن يريك إيانا تسألنا عن رجل لم يزل منذ فارقكم تحليه الملائكة تحت شجرة طوبى. قال أبو محمد عبد الحق: وهذا الكلام من أهل القبور إنما هو إخبار عن علو درجة أحمد بن حنبل وارتفاع مكانه وعظم منزلته، فلم يقدروا أو يعبروا عن صفة حاله وعن ما هو فيه إلا بهذا وما هو في معناه. وقال أبو جعفر السقاء صاحب بشر بن الحارث: رأيت بشرا الحافي ومعروفا الكرخي وهما جائيان فقلت: من أين؟ قالا: من جنة الفردوس زرنا كليم اللّه موسى. وقال عاصم الجزري: رأيت في النوم كأني لقيت بشر بن الحارث، فقلت: من أين أبا نصر؟ قال: من عليين، قلت: فما فعل أحمد بن حنبل. قال: تركته الساعة مع عبد الوهاب الوراق بين يدي اللّه عز وجل يأكلان ويشربان، قلت له: فأنت؟ قال: علم قلة رغبتي في الطعام فأباحني النظر إليه. وقال أبو جعفر السقاء: رأيت بشر بن الحارث في النوم بعد موته فقلت: أبا نصر ما فعل اللّه بك؟ قال: ألطفني ورحمني وقال لي: يا بشر لو سجدت لي في الدنيا على الجمر ما أديت شكر ما حشوت قلوب عبادي منك، وأباح لي نصف الجنة فأسرح فيها حيث شئت، ووعدني أن يغفر لمن تبع جنازتي، فقلت: ما فعل أبو نصر التمار؟ فقال: ذاك فوق الناس بصبره على بلائه وفقره، قال عبد الحق: لعله أراد بقوله: نصف الجنة، نصف نعيمها، لأن نعيمها نصفان، نصف روحاني ونصف جسماني، فيتنعمون أولا بالروحاني، فإذا ردت الأرواح إلى الأجساد أضيف لهم النعيم الجسماني إلى الروحاني، وقال غيره: نعيم الجنة مرتب على العلم والعمل، وحظ بشر من العمل كان أوفى من حظه في العلم، واللّه أعلم. وقال بعض الصالحين: رأيت أبا بكر الشبلي في المنام وكأنه قاعد في مجلس الرصافة بالموضع الذي كان يقعد فيه، وإذا به قد أقبل وعليه ثياب حسان، فقمت إليه وسلمت عليه وجلست بين يديه، فقلت له: من أقرب أصحابك إليك؟ قال: أكثرهم لذكر اللّه، وأقومهم بحق اللّه، وأسرعهم مبادرة في مرضاة اللّه. وقال أبو عبد الرحمن الساحلي: رأيت ميسرة بن سليم في المنام بعد موته فقلت له: طالت غيبتك! فقال: السفر الطويل، فقلت له: فما الذي قدمت عليه؟ فقال: رخص لي لأنا كنا نفتي بالرخص، فقلت: فما تأمرني به؟ قال: إتباع الآثار، وصحبة الأخيار، ينجيان من النار، ويقربان من الجبار. وقال أبو جعفر الضرير: رأيت عيسى بن زاذان بعد موته، فقلت: ما فعل اللّه بك؟ فأنشأ يقول: ؎لو رأيت الحسان في الخلد حولي ∗∗∗ وأكاويب معها للشراب ؎يترنمن بالكتاب جميعا ∗∗∗ يتمشين مسبلات الثياب وقال بعض أصحاب ابن جريج: رأيت كأني جئت إلى المقبرة التي بمكة، فرأيت على عامتها سرادقا، ورأيت منها قبرا عليه سرادق وفسطاط وسدرة فجئت حتى دخلت، فسلمت عليه، فإذا بمسلم بن الرنجي، فسلمت عليه وقلت: يا أبا خالد ما بال هذه القبور عليها سرادق وقبرك عليه سرادق وفسطاط وفيه سدرة؟ فقال: إني كنت كثير الصيام، فقلت: فأين قبر ابن جريج وأين محله؟ فقد كنت أجالسه وأنا أحب أن أسلم عليه، فقال: هكذا، بيده هيهات وأدار إصبعه السبابة، وأين قبر ابن جريج رفعت صحفته في عليين. ورأي حماد بن سلمة في النوم أصحابه، فقال له: ما فعل اللّه بك؟ فقال: قال لي: طالما كدت نفسك في الدنيا فاليوم أطيل راحتك وراحة المتعبين. وهذا باب طويل جدا، فإن لم تسمح نفسك بتصديقه وقلت: هذه منامات، وهي غير معصومة، فتأمل من رأى صاحبا له أو قريبا أو غيره فأخبره بأمر لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا، أو أخبره بمال دفنه أو حذره من أمر يقع أو بشره بأمر يوجد فوقع كما قال، أو أخبره بأنه يموت هو أو بعض أهله إلى كذا وكذا فيقع كما أخبره، أو أخبره بخصب أو جدب أو عدو أو نازلة أو مرض أو بغرض له فوقع كما أخبره، والواقع من ذلك لا يحصيه إلا اللّه، والناس مشتركون فيه، وقد رأينا نحن وغيرنا من ذلك عجائب. وأبطل من قال أن هذه كلها علوم وعقائد في النفس تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم، وهذا من الباطل والمحال، فإن النفس لم يكن لها معرفة قط بهذه الأمور التي يخبر بها الميت، ولا خطرت ببالها ولا عندها علامة عليها، ولا إمارة بوجه ما، ونحن لا ننكر أن الأمر قد يقع كذلك. وإن من الرؤيا ما يكون من حديث النفس وصورة الاعتقاد، بل كثير من مرائي الناس إنما هي من مجرد صور اعتقادهم المطابق وغير المطابق. فإن الرؤيا على ثلاثة أنواع: رؤيا من اللّه، ورؤيا الشيطان، ورؤيا من حديث النفس. والرؤيا الصحيحة أقسام: منها إلهام يلقيه اللّه سبحانه في قلب العبد وهو كلام يكلم به الرب عبده في المنام كما قال عبادة بن الصامت وغيره. ومنها مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها. ومنها التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم كما ذكرنا. ومنها عروج روحه إلى اللّه سبحانه وخطابها له. ومنها دخول روحه إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك، فالتقاء الأرواح الأحياء والموتى نوع من أنواع الرؤيا الصحيحة التي هي عند الناس من جنس المحسوسات.

الزمر 39:43

أخبر تبارك وتعالى أن الشفاعة لمن له ملك السماوات والأرض، وهو الله وحده. فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده. فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه. فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده. وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهي التي أبطلها الله سبحانه في كتابه، بقوله تعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] وقوله ﴿يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا أنُفْقِوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه ولا خُلّةُ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقال تعالى: ﴿وَأنْذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِى ولا شَفِيعٌ لَعَلّهم يَتّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] وقال: ﴿اللهُ الّذِي خَلَقَ السَّموات والأرْضَ بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثم اسْتَوى عَلى العَرْشِ مالَكم مِن دُونِهِ مِن ولِىٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]. فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه. كما قال تعالى: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]. وقال: ﴿مَن ذا الّذِي يَشْفَعَ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِه﴾ [البقرة: ٢٥٥] فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه. والفرق بين الشفيعين، كالفرق بين الشريك والعبد المأمور. فالشفاعة التي أبطلها الله: شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له. ويقول: اشفع في فلان. ولهذا كان أسعد الناس بشفاعته سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلا لَمِنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحمنُ ورَضِى لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة. وسر ذلك: أن الله له الأمر كله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده: هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض، لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئًا إلا بعد إذنه لهم، وأمرهم. ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه. فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظنًا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج. وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي. والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والمملوك، والغنى والفقير، والذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره. فالشفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم، الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم، وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم، فتنتقض طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم. فلا يجدون بدًا من قبول شفاعتهم على الكره والرضى. فأما الغني الذي غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته. وكل من في السماوات والأرض عبد له، مقهورون بقهره، مصرفون. بمشيئته. لو أهلكهم جميعًا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ الَمْسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا وللهِ مُلْكُ السَّمواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يخلق ما يشاء واللهُ عَلى كَل شَئٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال سبحانه في سيدة آي القرآن: آية الكرسى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿قل لله الشّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤]. فأخبر أن حال ملكه للسماوات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده، وأن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه، فإنه ليس بشريك، بل مملوك محض، بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض. فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس، ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة، بناءً على أنها هي المعروفة المتعاهدة عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد إذنه، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه، فإنه الذي أذن، والذي قبل، والذي رضى عن المشفوع والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله. فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه، ومرجوه، ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رجاءه، ويتباعد من سخطه هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه. قال تعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ للهِ الشّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣-٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لاَ يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ الله قُلْ أتُنَبئُونَ اللهَ بما لا يعْلمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم هم، وإنما تحصل بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع. وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده، لا خلقًا، ولا أمرًا، ولا إذنًا، بل هو سبب محرك له من خارج، كسائر الأسباب التي تحرك الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه فى أمر يكرهه، ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض، فيقبل شفاعة الشافع. وقد يكون المعارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع، فيردها ولا يقبلها، وقد يتعارض عنده الأمران، فيبقى مترددًا بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد، وبين الشفاعة التي تقتضى القبول، فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح، فشفاعة الإنسان عند المخلوق مثله: هي سعى في سبب منفصل عن المشفوع إليه يحركه به، ولو على كره منه، فمنزلة الشفاعة عنده منزلة من يشفع يأمر غيره، أو يكرهه على الفعل، إما بقوة وسلطان، وإما يرغبه شفاعته، فلا بد أن يحصل للمشفوع إليه من الشافع إما رغبة ينتفع بها، وإما رهبة منه تندفع عنه بشفاعته. وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه، فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع، ويأذن له فيها، ويحبها منه، ويرضى عن الشافع، لم يمكن أن توجد، والشافع لا يشفع عنده لحاجة الرب إليه، ولا لرهبته منه، ولا لرغبته فيما لزمه، وإنما يشفع عنده مجرد امتثال أمره وطاعته له، فهو مأمور بالشفاعة، مطيع بامتثال الأمر، فإن أحدًا من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله تعالى، وخلقه، فالرب سبحانه وتعالى هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع، والشفيع عند المخلوق هو الذي يحرك المشفوع إليه حتى يقبل، والشافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره، وهو في الحقيقة شريكه، ولو كان مملوكه وعبده. فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النفع بالنصر، والمعاونة وغير ذلك، كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله منه: من رزق، أو نصر، أو غيره، فكل منهما محتاج إلى الآخر. ومن وفقه الله تعالى لفهم هذا الموضع ومعرفته، تبين له حقيقة التوحيد والشرك، والفرق بين ما أثبته الله تعالى من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله، ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نورًا فماله مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].

الزمر 39:44

أخبر تبارك وتعالى أن الشفاعة لمن له ملك السماوات والأرض، وهو الله وحده. فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده. فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه. فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده. وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهي التي أبطلها الله سبحانه في كتابه، بقوله تعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] وقوله ﴿يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا أنُفْقِوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه ولا خُلّةُ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقال تعالى: ﴿وَأنْذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِى ولا شَفِيعٌ لَعَلّهم يَتّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] وقال: ﴿اللهُ الّذِي خَلَقَ السَّموات والأرْضَ بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثم اسْتَوى عَلى العَرْشِ مالَكم مِن دُونِهِ مِن ولِىٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]. فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه. كما قال تعالى: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]. وقال: ﴿مَن ذا الّذِي يَشْفَعَ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِه﴾ [البقرة: ٢٥٥] فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه. والفرق بين الشفيعين، كالفرق بين الشريك والعبد المأمور. فالشفاعة التي أبطلها الله: شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له. ويقول: اشفع في فلان. ولهذا كان أسعد الناس بشفاعته سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلا لَمِنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحمنُ ورَضِى لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة. وسر ذلك: أن الله له الأمر كله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده: هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض، لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئًا إلا بعد إذنه لهم، وأمرهم. ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه. فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظنًا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج. وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي. والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والمملوك، والغنى والفقير، والذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره. فالشفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم، الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم، وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم، فتنتقض طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم. فلا يجدون بدًا من قبول شفاعتهم على الكره والرضى. فأما الغني الذي غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته. وكل من في السماوات والأرض عبد له، مقهورون بقهره، مصرفون. بمشيئته. لو أهلكهم جميعًا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ الَمْسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا وللهِ مُلْكُ السَّمواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يخلق ما يشاء واللهُ عَلى كَل شَئٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال سبحانه في سيدة آي القرآن: آية الكرسى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿قل لله الشّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤]. فأخبر أن حال ملكه للسماوات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده، وأن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه، فإنه ليس بشريك، بل مملوك محض، بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض. فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس، ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة، بناءً على أنها هي المعروفة المتعاهدة عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد إذنه، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه، فإنه الذي أذن، والذي قبل، والذي رضى عن المشفوع والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله. فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه، ومرجوه، ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رجاءه، ويتباعد من سخطه هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه. قال تعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ للهِ الشّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣-٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لاَ يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ الله قُلْ أتُنَبئُونَ اللهَ بما لا يعْلمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم هم، وإنما تحصل بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع. وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده، لا خلقًا، ولا أمرًا، ولا إذنًا، بل هو سبب محرك له من خارج، كسائر الأسباب التي تحرك الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه فى أمر يكرهه، ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض، فيقبل شفاعة الشافع. وقد يكون المعارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع، فيردها ولا يقبلها، وقد يتعارض عنده الأمران، فيبقى مترددًا بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد، وبين الشفاعة التي تقتضى القبول، فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح، فشفاعة الإنسان عند المخلوق مثله: هي سعى في سبب منفصل عن المشفوع إليه يحركه به، ولو على كره منه، فمنزلة الشفاعة عنده منزلة من يشفع يأمر غيره، أو يكرهه على الفعل، إما بقوة وسلطان، وإما يرغبه شفاعته، فلا بد أن يحصل للمشفوع إليه من الشافع إما رغبة ينتفع بها، وإما رهبة منه تندفع عنه بشفاعته. وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه، فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع، ويأذن له فيها، ويحبها منه، ويرضى عن الشافع، لم يمكن أن توجد، والشافع لا يشفع عنده لحاجة الرب إليه، ولا لرهبته منه، ولا لرغبته فيما لزمه، وإنما يشفع عنده مجرد امتثال أمره وطاعته له، فهو مأمور بالشفاعة، مطيع بامتثال الأمر، فإن أحدًا من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله تعالى، وخلقه، فالرب سبحانه وتعالى هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع، والشفيع عند المخلوق هو الذي يحرك المشفوع إليه حتى يقبل، والشافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره، وهو في الحقيقة شريكه، ولو كان مملوكه وعبده. فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النفع بالنصر، والمعاونة وغير ذلك، كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله منه: من رزق، أو نصر، أو غيره، فكل منهما محتاج إلى الآخر. ومن وفقه الله تعالى لفهم هذا الموضع ومعرفته، تبين له حقيقة التوحيد والشرك، والفرق بين ما أثبته الله تعالى من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله، ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نورًا فماله مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].

الزمر 39:49

قال البغوي: "على علم من الله أني له أهل" وقال مقاتل: "على خير علمه الله عندي" ومضمون هذا القول أن الله آتانيه على علمه بأني أهله. وقال آخرون: "بل العلم له نفسه ومعناه أوتيته على علم مني بوجوه المكاسب" قاله قتادة وغيره. وقيل: المعنى قد علمت أني لما أوتيت هذا في الدنيا فلي عند الله منزلة وشرف. وهذا معنى قول مجاهد "أوتيته على شرف" قال تعالى: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أي النعم التي أوتيتها فتنة نختبره فيها ومحنة نمتحنه بها لا يدل على اصطفائه واجتبائه وأنه محبوب لنا مقرب عندنا ولهذا قال في قصة قارون: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعا﴾ فلو كان إعطاء المال والقوة والجاه يدل على رضاء الله سبحانه عمن آتاه ذلك وشرف قدره وعلو منزلته عنده لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطته علم أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة لا محبة ورضا واصطفاء لهم على غيرهم. ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ هي فِتْنَة﴾ أي النعمة فتنة لا كرامة ولكن أكثرهم لا يعلمون. ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي قد قال هذه المقالة الذين من قبلهم لما آتيناهم نعمنا قال قال ابن عباس: "كانوا قد بطروا نعمة الله إذ آتاهم الدنيا وفرحوا بها وطغوا وقالوا هذه كرامة من الله لنا" وقوله: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المعنى أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا ولم يكن كذلك لأنهم وقعوا في العذاب، ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا وتبين أن تلك النعم لم تكن لكرامتهم علينا، وهو أن من منعناه إياها. وقال أبو إسحاق: "معنى الآية أن قولهم إنما آتانا الله ذلك لكرامتنا عليه وإنا أهله أحبط أعمالهم فكنى عن إحباط العمل بقوله: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ثم أبطل سبحانه هذا الظن الكاذب منهم بقوله: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ " والمقصود أن قوله ﴿على علم﴾ إن أريد به علمه نفسه كان المعنى أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة والمعرفة التي توصلت بها إلى ذلك وحصلته بها. وإن أريد به علم الله كان المعنى أوتيته على ما علم الله عندي من الخير والاستحقاق وإني أهله وذلك من كرامتي عليه وقد يترجح هذا القول بقوله أوتيته ولم يقل حصلته واكتسبته بعلمي ومعرفتي فدل على اعترافه بأن غيره آتاه إياه ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أي محنة واختبار. والمعنى أنه لم يؤت هذا لكرامته علينا بل أوتيه امتحانا منا وابتلاء واختبارا هل يشكر فيه أم يكفر. وأيضا فهذا يوافق قوله: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ فهو قد اعترف بأن ربه هو الذي آتاه ذلك، ولكن ظن أنه لكرامته عليه. فالآية على التقدير الأول تتضمن ذم من أضاف النعم إلى نفسه وعلمه وقوته، ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه، وذلك محض الكفر بها، فإن رأس الشكر الاعتراف بالنعمة، وأنها من المنعم وحده، فإذا أضيفت إلى غيره كان جحدا لها، فإذا قال أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي حصلت بها ذلك فقد أضافها إلى نفسه، وأعجب بها، كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا ﴿من أشد منا قوة﴾ فهؤلاء اغتروا بقوتهم، وهذا اغتر بعلمه، فما أغنى عن هؤلاء قوتهم، ولا عن هذا علمه. وعلى التقدير الثاني يتضمن ذم من اعتقد أن إنعام الله عليه لكونه أهلا ومستحقا لها، فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق بها على الله أن ينعم عليه، وأن تلك النعمة جزاء له على إحسانه وخيره، فقد جعل سببها ما اتصف به هو لا ما قام بربه من الجود والإحسان والفضل والمنة، ولم يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له أيشكر أم يكفر، ليس ذلك جزاء على ما هو منه، ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به فالله سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب، فهو المنعم بالمسبب والجزاء والكل محض منته وفضله وجوده، وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير. وعلى التقديرين فهو لم يضف النعمة إلى الرب من كل وجه، وإن أضافها إليه من وجه دون وجه، وهو سبحانه وحده هو المنعم من جميع الوجوه على الحقيقة بالنعم وأسبابها فأسبابها من نعمه على العبد، وإن حصلت بكسبه فكسبه من نعمه فكل نعمة فمن الله وحده حتى الشكر فإنه نعمة وهي منه سبحانه، فلا يطيق أحد أن يشكره إلا بنعمته، وشكره نعمة منه عليه كما قال داود: "يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة من نعمك علي تستوجب شكرا آخر فقال: الآن شكرتني يا داود" ذكره الإمام أحمد. وذكر أيضا عن الحسن قال: قال داود: "إلهي لو أن لكل شعرة من شعري لسانين يذكرانك بالليل والنهار والدهر كله لما أدّوا مالك علي من حق نعمة واحدة" والمقصود أن حال الشاكر ضد حال القائل إنما أوتيته على علم عندي.

الزمر 39:50

قال البغوي: "على علم من الله أني له أهل" وقال مقاتل: "على خير علمه الله عندي" ومضمون هذا القول أن الله آتانيه على علمه بأني أهله. وقال آخرون: "بل العلم له نفسه ومعناه أوتيته على علم مني بوجوه المكاسب" قاله قتادة وغيره. وقيل: المعنى قد علمت أني لما أوتيت هذا في الدنيا فلي عند الله منزلة وشرف. وهذا معنى قول مجاهد "أوتيته على شرف" قال تعالى: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أي النعم التي أوتيتها فتنة نختبره فيها ومحنة نمتحنه بها لا يدل على اصطفائه واجتبائه وأنه محبوب لنا مقرب عندنا ولهذا قال في قصة قارون: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعا﴾ فلو كان إعطاء المال والقوة والجاه يدل على رضاء الله سبحانه عمن آتاه ذلك وشرف قدره وعلو منزلته عنده لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطته علم أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة لا محبة ورضا واصطفاء لهم على غيرهم. ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ هي فِتْنَة﴾ أي النعمة فتنة لا كرامة ولكن أكثرهم لا يعلمون. ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي قد قال هذه المقالة الذين من قبلهم لما آتيناهم نعمنا قال قال ابن عباس: "كانوا قد بطروا نعمة الله إذ آتاهم الدنيا وفرحوا بها وطغوا وقالوا هذه كرامة من الله لنا" وقوله: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المعنى أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا ولم يكن كذلك لأنهم وقعوا في العذاب، ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا وتبين أن تلك النعم لم تكن لكرامتهم علينا، وهو أن من منعناه إياها. وقال أبو إسحاق: "معنى الآية أن قولهم إنما آتانا الله ذلك لكرامتنا عليه وإنا أهله أحبط أعمالهم فكنى عن إحباط العمل بقوله: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ثم أبطل سبحانه هذا الظن الكاذب منهم بقوله: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ " والمقصود أن قوله ﴿على علم﴾ إن أريد به علمه نفسه كان المعنى أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة والمعرفة التي توصلت بها إلى ذلك وحصلته بها. وإن أريد به علم الله كان المعنى أوتيته على ما علم الله عندي من الخير والاستحقاق وإني أهله وذلك من كرامتي عليه وقد يترجح هذا القول بقوله أوتيته ولم يقل حصلته واكتسبته بعلمي ومعرفتي فدل على اعترافه بأن غيره آتاه إياه ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أي محنة واختبار. والمعنى أنه لم يؤت هذا لكرامته علينا بل أوتيه امتحانا منا وابتلاء واختبارا هل يشكر فيه أم يكفر. وأيضا فهذا يوافق قوله: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ فهو قد اعترف بأن ربه هو الذي آتاه ذلك، ولكن ظن أنه لكرامته عليه. فالآية على التقدير الأول تتضمن ذم من أضاف النعم إلى نفسه وعلمه وقوته، ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه، وذلك محض الكفر بها، فإن رأس الشكر الاعتراف بالنعمة، وأنها من المنعم وحده، فإذا أضيفت إلى غيره كان جحدا لها، فإذا قال أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي حصلت بها ذلك فقد أضافها إلى نفسه، وأعجب بها، كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا ﴿من أشد منا قوة﴾ فهؤلاء اغتروا بقوتهم، وهذا اغتر بعلمه، فما أغنى عن هؤلاء قوتهم، ولا عن هذا علمه. وعلى التقدير الثاني يتضمن ذم من اعتقد أن إنعام الله عليه لكونه أهلا ومستحقا لها، فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق بها على الله أن ينعم عليه، وأن تلك النعمة جزاء له على إحسانه وخيره، فقد جعل سببها ما اتصف به هو لا ما قام بربه من الجود والإحسان والفضل والمنة، ولم يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له أيشكر أم يكفر، ليس ذلك جزاء على ما هو منه، ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به فالله سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب، فهو المنعم بالمسبب والجزاء والكل محض منته وفضله وجوده، وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير. وعلى التقديرين فهو لم يضف النعمة إلى الرب من كل وجه، وإن أضافها إليه من وجه دون وجه، وهو سبحانه وحده هو المنعم من جميع الوجوه على الحقيقة بالنعم وأسبابها فأسبابها من نعمه على العبد، وإن حصلت بكسبه فكسبه من نعمه فكل نعمة فمن الله وحده حتى الشكر فإنه نعمة وهي منه سبحانه، فلا يطيق أحد أن يشكره إلا بنعمته، وشكره نعمة منه عليه كما قال داود: "يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة من نعمك علي تستوجب شكرا آخر فقال: الآن شكرتني يا داود" ذكره الإمام أحمد. وذكر أيضا عن الحسن قال: قال داود: "إلهي لو أن لكل شعرة من شعري لسانين يذكرانك بالليل والنهار والدهر كله لما أدّوا مالك علي من حق نعمة واحدة" والمقصود أن حال الشاكر ضد حال القائل إنما أوتيته على علم عندي.

الزمر 39:51

قال البغوي: "على علم من الله أني له أهل" وقال مقاتل: "على خير علمه الله عندي" ومضمون هذا القول أن الله آتانيه على علمه بأني أهله. وقال آخرون: "بل العلم له نفسه ومعناه أوتيته على علم مني بوجوه المكاسب" قاله قتادة وغيره. وقيل: المعنى قد علمت أني لما أوتيت هذا في الدنيا فلي عند الله منزلة وشرف. وهذا معنى قول مجاهد "أوتيته على شرف" قال تعالى: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أي النعم التي أوتيتها فتنة نختبره فيها ومحنة نمتحنه بها لا يدل على اصطفائه واجتبائه وأنه محبوب لنا مقرب عندنا ولهذا قال في قصة قارون: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعا﴾ فلو كان إعطاء المال والقوة والجاه يدل على رضاء الله سبحانه عمن آتاه ذلك وشرف قدره وعلو منزلته عنده لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطته علم أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة لا محبة ورضا واصطفاء لهم على غيرهم. ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ هي فِتْنَة﴾ أي النعمة فتنة لا كرامة ولكن أكثرهم لا يعلمون. ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي قد قال هذه المقالة الذين من قبلهم لما آتيناهم نعمنا قال قال ابن عباس: "كانوا قد بطروا نعمة الله إذ آتاهم الدنيا وفرحوا بها وطغوا وقالوا هذه كرامة من الله لنا" وقوله: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المعنى أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا ولم يكن كذلك لأنهم وقعوا في العذاب، ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا وتبين أن تلك النعم لم تكن لكرامتهم علينا، وهو أن من منعناه إياها. وقال أبو إسحاق: "معنى الآية أن قولهم إنما آتانا الله ذلك لكرامتنا عليه وإنا أهله أحبط أعمالهم فكنى عن إحباط العمل بقوله: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ثم أبطل سبحانه هذا الظن الكاذب منهم بقوله: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ " والمقصود أن قوله ﴿على علم﴾ إن أريد به علمه نفسه كان المعنى أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة والمعرفة التي توصلت بها إلى ذلك وحصلته بها. وإن أريد به علم الله كان المعنى أوتيته على ما علم الله عندي من الخير والاستحقاق وإني أهله وذلك من كرامتي عليه وقد يترجح هذا القول بقوله أوتيته ولم يقل حصلته واكتسبته بعلمي ومعرفتي فدل على اعترافه بأن غيره آتاه إياه ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أي محنة واختبار. والمعنى أنه لم يؤت هذا لكرامته علينا بل أوتيه امتحانا منا وابتلاء واختبارا هل يشكر فيه أم يكفر. وأيضا فهذا يوافق قوله: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ فهو قد اعترف بأن ربه هو الذي آتاه ذلك، ولكن ظن أنه لكرامته عليه. فالآية على التقدير الأول تتضمن ذم من أضاف النعم إلى نفسه وعلمه وقوته، ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه، وذلك محض الكفر بها، فإن رأس الشكر الاعتراف بالنعمة، وأنها من المنعم وحده، فإذا أضيفت إلى غيره كان جحدا لها، فإذا قال أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي حصلت بها ذلك فقد أضافها إلى نفسه، وأعجب بها، كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا ﴿من أشد منا قوة﴾ فهؤلاء اغتروا بقوتهم، وهذا اغتر بعلمه، فما أغنى عن هؤلاء قوتهم، ولا عن هذا علمه. وعلى التقدير الثاني يتضمن ذم من اعتقد أن إنعام الله عليه لكونه أهلا ومستحقا لها، فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق بها على الله أن ينعم عليه، وأن تلك النعمة جزاء له على إحسانه وخيره، فقد جعل سببها ما اتصف به هو لا ما قام بربه من الجود والإحسان والفضل والمنة، ولم يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له أيشكر أم يكفر، ليس ذلك جزاء على ما هو منه، ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به فالله سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب، فهو المنعم بالمسبب والجزاء والكل محض منته وفضله وجوده، وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير. وعلى التقديرين فهو لم يضف النعمة إلى الرب من كل وجه، وإن أضافها إليه من وجه دون وجه، وهو سبحانه وحده هو المنعم من جميع الوجوه على الحقيقة بالنعم وأسبابها فأسبابها من نعمه على العبد، وإن حصلت بكسبه فكسبه من نعمه فكل نعمة فمن الله وحده حتى الشكر فإنه نعمة وهي منه سبحانه، فلا يطيق أحد أن يشكره إلا بنعمته، وشكره نعمة منه عليه كما قال داود: "يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة من نعمك علي تستوجب شكرا آخر فقال: الآن شكرتني يا داود" ذكره الإمام أحمد. وذكر أيضا عن الحسن قال: قال داود: "إلهي لو أن لكل شعرة من شعري لسانين يذكرانك بالليل والنهار والدهر كله لما أدّوا مالك علي من حق نعمة واحدة" والمقصود أن حال الشاكر ضد حال القائل إنما أوتيته على علم عندي.

الزمر 39:52

قال البغوي: "على علم من الله أني له أهل" وقال مقاتل: "على خير علمه الله عندي" ومضمون هذا القول أن الله آتانيه على علمه بأني أهله. وقال آخرون: "بل العلم له نفسه ومعناه أوتيته على علم مني بوجوه المكاسب" قاله قتادة وغيره. وقيل: المعنى قد علمت أني لما أوتيت هذا في الدنيا فلي عند الله منزلة وشرف. وهذا معنى قول مجاهد "أوتيته على شرف" قال تعالى: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أي النعم التي أوتيتها فتنة نختبره فيها ومحنة نمتحنه بها لا يدل على اصطفائه واجتبائه وأنه محبوب لنا مقرب عندنا ولهذا قال في قصة قارون: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعا﴾ فلو كان إعطاء المال والقوة والجاه يدل على رضاء الله سبحانه عمن آتاه ذلك وشرف قدره وعلو منزلته عنده لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطته علم أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة لا محبة ورضا واصطفاء لهم على غيرهم. ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ هي فِتْنَة﴾ أي النعمة فتنة لا كرامة ولكن أكثرهم لا يعلمون. ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي قد قال هذه المقالة الذين من قبلهم لما آتيناهم نعمنا قال قال ابن عباس: "كانوا قد بطروا نعمة الله إذ آتاهم الدنيا وفرحوا بها وطغوا وقالوا هذه كرامة من الله لنا" وقوله: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المعنى أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا ولم يكن كذلك لأنهم وقعوا في العذاب، ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا وتبين أن تلك النعم لم تكن لكرامتهم علينا، وهو أن من منعناه إياها. وقال أبو إسحاق: "معنى الآية أن قولهم إنما آتانا الله ذلك لكرامتنا عليه وإنا أهله أحبط أعمالهم فكنى عن إحباط العمل بقوله: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ثم أبطل سبحانه هذا الظن الكاذب منهم بقوله: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ " والمقصود أن قوله ﴿على علم﴾ إن أريد به علمه نفسه كان المعنى أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة والمعرفة التي توصلت بها إلى ذلك وحصلته بها. وإن أريد به علم الله كان المعنى أوتيته على ما علم الله عندي من الخير والاستحقاق وإني أهله وذلك من كرامتي عليه وقد يترجح هذا القول بقوله أوتيته ولم يقل حصلته واكتسبته بعلمي ومعرفتي فدل على اعترافه بأن غيره آتاه إياه ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أي محنة واختبار. والمعنى أنه لم يؤت هذا لكرامته علينا بل أوتيه امتحانا منا وابتلاء واختبارا هل يشكر فيه أم يكفر. وأيضا فهذا يوافق قوله: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ فهو قد اعترف بأن ربه هو الذي آتاه ذلك، ولكن ظن أنه لكرامته عليه. فالآية على التقدير الأول تتضمن ذم من أضاف النعم إلى نفسه وعلمه وقوته، ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه، وذلك محض الكفر بها، فإن رأس الشكر الاعتراف بالنعمة، وأنها من المنعم وحده، فإذا أضيفت إلى غيره كان جحدا لها، فإذا قال أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي حصلت بها ذلك فقد أضافها إلى نفسه، وأعجب بها، كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا ﴿من أشد منا قوة﴾ فهؤلاء اغتروا بقوتهم، وهذا اغتر بعلمه، فما أغنى عن هؤلاء قوتهم، ولا عن هذا علمه. وعلى التقدير الثاني يتضمن ذم من اعتقد أن إنعام الله عليه لكونه أهلا ومستحقا لها، فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق بها على الله أن ينعم عليه، وأن تلك النعمة جزاء له على إحسانه وخيره، فقد جعل سببها ما اتصف به هو لا ما قام بربه من الجود والإحسان والفضل والمنة، ولم يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له أيشكر أم يكفر، ليس ذلك جزاء على ما هو منه، ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به فالله سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب، فهو المنعم بالمسبب والجزاء والكل محض منته وفضله وجوده، وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير. وعلى التقديرين فهو لم يضف النعمة إلى الرب من كل وجه، وإن أضافها إليه من وجه دون وجه، وهو سبحانه وحده هو المنعم من جميع الوجوه على الحقيقة بالنعم وأسبابها فأسبابها من نعمه على العبد، وإن حصلت بكسبه فكسبه من نعمه فكل نعمة فمن الله وحده حتى الشكر فإنه نعمة وهي منه سبحانه، فلا يطيق أحد أن يشكره إلا بنعمته، وشكره نعمة منه عليه كما قال داود: "يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة من نعمك علي تستوجب شكرا آخر فقال: الآن شكرتني يا داود" ذكره الإمام أحمد. وذكر أيضا عن الحسن قال: قال داود: "إلهي لو أن لكل شعرة من شعري لسانين يذكرانك بالليل والنهار والدهر كله لما أدّوا مالك علي من حق نعمة واحدة" والمقصود أن حال الشاكر ضد حال القائل إنما أوتيته على علم عندي.

الزمر 39:53

(فائدة) وَقَدْ يُقالُ: إنَّما سَمّاهم عِبادَهُ إذْ لَمْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِهِ، وأنابُوا إلَيْهِ، واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، فَيَكُونُوا مِن عَبِيدِ الإلَهِيَّةِ والطّاعَةِ. (فصل) إنه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح يقدر أو يخطر ببال أو يدور في خلد وحصول هذا الفرح موقوف على التوبة الموقوفة على وجود ما يتاب منه وما يتوقف عليه الشيء لا يوجد بدونه فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال، ولا ريب أن وجود الفرح أكمل من عدمه فمن تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه. وقد نبه أعلم الخلق بالله على هذا المعنى بعينه حيث يقول في الحديث الصحيح: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم" فلو لم يقدر الذنوب والمعاصي فلمن يغفر؟ وعلى من يتوب؟ وعمن يعفو ويسقط حقه؟ ويظهر فضله وجوده وحلمه وكرمه؟ وهو واسع المغفرة. فكيف يعطل هذه الصفة؟ أم كيف يتحقق بدون ما يغفر؟ ومن يغفر له؟ ومن يتوب وما يتاب عنه؟ فلو لم يكن في تقدير الذنوب والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده لكفى به حكمة وغاية محمودة. فكيف والحكم والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا التقدير فوق ما يخطر بالبال. وكان بعض العباد يدعو في طوافه "اللهم اعصمني من المعاصي، ويكرر ذلك. فقيل له في المنام أنت سألتني العصمة وعبادي يسألوني العصمة، فإذا عصمتكم من الذنوب فلمن أغفر؟ وعلى من أتوب؟ وعمن أعفو؟ " [فَصْلٌ: هَلِ المُطِيعُ الَّذِي لَمْ يَعْصِ خَيْرٌ مِنَ العاصِي الَّذِي تابَ إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا، أوْ هَذا التّائِبُ أفْضَلُ مِنهُ؟] اخْتُلِفَ في ذَلِكَ. فَطائِفَةٌ رَجَّحَتْ مَن لَمْ يَعْصِ عَلى مَن عَصى وتابَ تَوْبَةً نَصُوحًا، واحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أكْمَلَ الخَلْقِ وأفْضَلَهم أطْوَعُهم لِلَّهِ، وهَذا الَّذِي لَمْ يَعْصِ أطْوَعُ، فَيَكُونُ أفْضَلَ. الثّانِي: أنَّ في زَمَنِ اشْتِغالِ العاصِي بِمَعْصِيَتِهِ يَسْبِقُهُ المُطِيعُ عِدَّةَ مَراحِلَ إلى فَوْقُ، فَتَكُونُ دَرَجَتُهُ أعْلى مِن دَرَجَتِهِ، وغايَتُهُ أنَّهُ إذا تابَ اسْتَقْبَلَ سَيْرَهُ لِيَلْحَقَهُ، وذاكَ في سَيْرٍ آخَرَ، فَأنّى لَهُ بِلَحاقِهِ؟ فَهُما بِمَنزِلَةِ رَجُلَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ في الكَسْبِ، كُلَّما كَسَبَ أحَدُهُما شَيْئًا كَسَبَ الآخَرُ مِثْلَهُ، فَعَمَدَ أحَدُهُما إلى كَسْبِهِ فَأضاعَهُ، وأمْسَكَ عَنِ الكَسْبِ المُسْتَأْنَفِ، والآخَرُ مُجِدٌّ في الكَسْبِ، فَإذا أدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ المُنافَسَةِ، وعادَ إلى الكَسْبِ وجَدَ صاحِبَهُ قَدْ كَسَبَ في تِلْكَ المُدَّةِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَلا يَكْسِبُ شَيْئًا إلّا كَسَبَ صاحِبُهُ نَظِيرَهُ، فَأنّى لَهُ بِمُساواتِهِ؟ الثّالِثُ: أنَّ غايَةَ التَّوْبَةِ أنْ تَمْحُوَ عَنْ هَذا سَيِّئاتِهِ، ويَصِيرَ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَعْمَلْها، فَيَكُونَ سَعْيُهُ في مُدَّةِ المَعْصِيَةِ لا لَهُ ولا عَلَيْهِ، فَأيْنَ هَذا السَّعْيُ مِن سَعْيِ مَن هو كاسِبٌ رابِحٌ؟ الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلى مَعاصِيهِ ومُخالَفَةِ أوامِرِهِ، فَفي مُدَّةِ اشْتِغالِ هَذا بِالذُّنُوبِ كانَ حَظُّهُ المَقْتَ، وحَظُّ المُطِيعِ الرِّضا، فاللَّهُ لَمْ يَزَلْ عَنْهُ راضِيًا، ولا رَيْبَ أنَّ هَذا خَيْرٌ مِمَّنْ كانَ اللَّهُ راضِيًا عَنْهُ ثُمَّ مَقَتَهُ، ثُمَّ رَضِيَ عَنْهُ، فَإنَّ الرِّضا المُسْتَمِرَّ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي تَخَلَّلَهُ المَقْتُ. الخامِسُ: أنْ الذَّنْبَ بِمَنزِلَةِ شُرْبِ السُّمِّ، والتَّوْبَةَ تِرْياقُهُ ودَواؤُهُ، والطّاعَةَ هي الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وصِحَّةٌ وعافِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ خَيْرٌ مِن صِحَّةٍ تَخَلَّلَها مَرَضٌ وشُرْبُ سُمٍّ أفاقَ مِنهُ، ورُبَّما أدَّيا بِهِ إلى التَّلَفِ أوِ المَرَضِ أبَدًا. السّادِسُ: أنَّ العاصِيَ عَلى خَطَرٍ شَدِيدٍ، فَإنَّهُ دائِرٌ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: أحَدُها: العَطَبُ والهَلاكُ بِشُرْبِ السُّمِّ. الثّانِي: النُّقْصانُ مِنَ القُوَّةِ وضَعْفُها إنْ سَلِمَ مِنَ الهَلاكِ. والثّالِثُ: عَوْدُ قُوَّتِهِ إلَيْهِ كَما كانَتْ أوْ خَيْرًا مِنها بَعِيدٌ. والأكْثَرُ إنَّما هو القِسْمانِ الأوَّلانِ، ولَعَلَّ الثّالِثَ نادِرٌ جِدًّا، فَهو عَلى يَقِينٍ مِن ضَرَرِ السُّمِّ، وعَلى رَجاءٍ مِن حُصُولِ العافِيَةِ، بِخِلافِ مَن لَمْ يَتَناوَلْ ذَلِكَ. السّابِعُ: أنَّ المُطِيعَ قَدْ أحاطَ عَلى بُسْتانِ طاعَتِهِ حائِطًا حَصِينًا لا يَجِدُ الأعْداءُ إلَيْهِ سَبِيلًا، فَثَمَرَتُهُ وزَهْرَتُهُ وخُضْرَتُهُ وبَهْجَتُهُ في زِيادَةٍ ونُمُوٍّ أبَدًا، والعاصِي قَدْ فَتَحَ فِيهِ ثَغْرًا، وثَلَمَ فِيهِ ثُلْمَةً، ومَكَّنَ مِنهُ السُّرّاقَ والأعْداءَ، فَدَخَلُوا فَعاثُوا فِيهِ يَمِينًا وشَمالًا، أفْسَدُوا أغْصانَهُ، وخَرَّبُوا حِيطانَهُ، وقَطَّعُوا ثَمَراتِهِ، وأحْرَقُوا في نَواحِيهِ، وقَطَعُوا ماءَهُ، ونَقَصُوا سَقْيَهُ، فَمَتى يَرْجِعُ هَذا إلى حالِهِ الأوَّلِ؟ فَإذا تَدارَكَهُ قَيَّمَهُ ولَمَّ شَعَثَهُ، وأصْلَحَ ما فَسَدَ مِنهُ، وفَتَحَ طُرُقَ مائِهِ، وعَمَّرَ ما خَرِبَ مِنهُ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَعُودَ كَما كانَ، أوْ أنْقَصَ، أوْ خَيْرًا، ولَكِنْ لا يَلْحَقُ بُسْتانَ صاحِبِهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلى نَضارَتِهِ وحُسْنِهِ، بَلْ في زِيادَةٍ ونُمُوٍّ، وتَضاعُفِ ثَمَرَةٍ، وكَثْرَةِ غَرْسٍ. والثّامِنُ: أنَّ طَمَعَ العَدُوِّ في هَذا العاصِي إنَّما كانَ لِضَعْفِ عِلْمِهِ وضَعْفِ عَزِيمَتِهِ، ولِذَلِكَ يُسَمّى جاهِلًا. قالَ قَتادَةُ: أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ كُلَّ ما عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهو جَهالَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ آدَمَ ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وقالَ في حَقِّ غَيْرِهِ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وَأمّا مَن قَوِيَتْ عَزِيمَتُهُ، وكَمَلَ عِلْمُهُ، وقَوِيَ إيمانُهُ لَمْ يَطْمَعْ فِيهِ عَدُوُّهُ، وكانَ أفْضَلَ. التّاسِعُ: أنَّ المَعْصِيَةَ لا بُدَّ أنْ تُؤَثِّرَ أثَرًا سَيِّئًا ولا بُدَّ إمّا هَلاكًا كُلِّيًا، وإمّا خُسْرانًا وعِقابًا يَعْقُبُهُ إمّا عَفْوٌ ودُخُولُ الجَنَّةِ، وإمّا نَقْصُ دَرَجَةٍ، وإمّا خُمُودُ مِصْباحِ الإيمانِ، وعَمَلُ التّائِبِ في رَفْعِ هَذِهِ الآثارِ والتَّكْفِيرِ، وعَمَلُ المُطِيعِ في الزِّيادَةِ، ورَفْعِ الدَّرَجاتِ. وَلِهَذا كانَ قِيامُ اللَّيْلِ نافِلَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، فَإنَّهُ يَعْمَلُ في زِيادَةِ الدَّرَجاتِ، وغَيْرُهُ يَعْمَلُ في تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وأيْنَ هَذا مِن هَذا؟ العاشِرُ: أنَّ المُقْبِلَ عَلى اللَّهِ المُطِيعَ لَهُ يَسِيرُ بِجُمْلَةِ أعْمالِهِ، وكُلَّما زادَتْ طاعاتُهُ وأعْمالُهُ ازْدادَ كَسْبُهُ بِها وعَظُمَ، وهو بِمَنزِلَةِ مَن سافَرَ فَكَسَبَ عَشْرَةَ أضْعافِ رَأْسِ مالِهِ، فَسافَرَ ثانِيًا بِرَأْسِ مالِهِ الأوَّلِ وكَسْبِهِ، فَكَسَبَ عَشْرَةَ أضْعافِهِ أيْضًا، فَسافَرَ ثالِثًا أيْضًا بِهَذا المالِ كُلِّهِ، وكانَ رِبْحُهُ كَذَلِكَ، وهَلُمَّ جَرّا، فَإذا فَتَرَ عَنِ السَّفَرِ في آخِرِ أمْرِهِ، مَرَّةً واحِدَةً، فاتَهُ مِنَ الرِّبْحِ بِقَدْرِ جَمِيعِ ما رَبِحَ أوْ أكْثَرَ مِنهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الجُنَيْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ أقْبَلَ صادِقٌ عَلى اللَّهِ ألْفَ عامٍ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ لَحْظَةً واحِدَةً كانَ ما فاتَهُ أكْثَرَ مِمّا نالَهُ، وهو صَحِيحٌ بِهَذا المَعْنى، فَإنَّهُ قَدْ فاتَهُ في مُدَّةِ الإعْراضِ رِبْحُ تِلْكَ الأعْمالِ كُلِّها، وهو أزْيَدُ مِنَ الرِّبْحِ المُتَقَدِّمِ، فَإذا كانَ هَذا حالَ مَن أعْرَضَ، فَكَيْفَ مَن عَصى وأذْنَبَ؟ وفي هَذا الوَجْهِ كِفايَةٌ. (فَصْلٌ) وَطائِفَةٌ رَجَّحَتِ التّائِبَ، وإنْ لَمْ تُنْكِرْ كَوْنَ الأوَّلِ أكْثَرَ حَسَناتٍ مِنهُ، واحْتَجَّتْ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ عُبُودِيَّةَ التَّوْبَةِ مِن أحَبِّ العُبُودِيّاتِ إلى اللَّهِ، وأكْرَمِها عَلَيْهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ التَّوّابِينَ، ولَوْ لَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْهِ لَما ابْتُلِيَ بِالذَّنْبِ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلَيْهِ، فَلِمَحَبَّتِهِ لِتَوْبَةِ عَبْدِهِ ابْتَلاهُ بِالذَّنْبِ الَّذِي يُوجِبُ وُقُوعَ مَحْبُوبِهِ مِنَ التَّوْبَةِ، وزِيادَةَ مَحَبَّتِهِ لِعَبْدِهِ، فَإنَّ لِلتّائِبِينَ عِنْدَهُ مَحَبَّةً خاصَّةً، يُوَضِّحُ ذَلِكَ: الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ لِلتَّوْبَةِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ مَنزِلَةً لَيْسَتْ لِغَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، ولِهَذا يَفْرَحُ سُبْحانَهُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ أعْظَمَ فَرَحٍ يُقَدَّرُ، كَما مَثَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفَرَحِ الواجِدِ لِراحِلَتِهِ الَّتِي عَلَيْها طَعامُهُ وشَرابُهُ في الأرْضِ الدَّوِيَّةِ المُهْلِكَةِ، بَعْدَ ما فَقَدَها، وأيِسَ مِن أسْبابِ الحَياةِ، ولَمْ يَجِئْ هَذا الفَرَحُ في شَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ سِوى التَّوْبَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ لِهَذا الفَرَحِ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في حالِ التّائِبِ وقَلْبِهِ، ومَزِيدُهُ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ، وهو مِن أسْرارِ تَقْدِيرِ الذُّنُوبِ عَلى العِبادِ، فَإنَّ العَبْدَ يَنالُ بِالتَّوْبَةِ دَرَجَةَ المَحْبُوبِيَّةِ، فَيَصِيرُ حَبِيبًا لِلَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ العَبْدَ المُفَتَّنَ التَّوّابَ، ويُوَضِّحُهُ: الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ عُبُودِيَّةَ التَّوْبَةِ فِيها مِنَ الذُّلِّ والِانْكِسارِ، والخُضُوعِ، والتَّمَلُّقِ لِلَّهِ، والتَّذَلُّلِ لَهُ، ما هو أحَبُّ إلَيْهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وإنْ زادَتْ في القَدْرِ والكَمِّيَّةِ عَلى عُبُودِيَّةِ التَّوْبَةِ، فَإنَّ الذُّلَّ والِانْكِسارَ رُوحُ العُبُودِيَّةِ، ومُخُّها ولُبُّها، يُوَضِّحُهُ: الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ حُصُولَ مَراتِبِ الذُّلِّ والِانْكِسارِ لِلتّائِبِ أكْمَلُ مِنها لِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ قَدْ شارَكَ مَن لَمْ يُذْنِبْ في ذُلِّ الفَقْرِ، والعُبُودِيَّةِ، والمَحَبَّةِ، وامْتازَ عَنْهُ بِانْكِسارِ قَلْبِهِ كَما في الأثَرِ الإسْرائِيلِيِّ: يا رَبِّ أيْنَ أجِدُكَ؟ قالَ: عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم مِن أجْلِي، ولِأجْلِ هَذا كانَ أقْرَبَ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ لِأنَّهُ مَقامُ ذُلٍّ وانْكِسارٍ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ. وَتَأمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ «أنَّهُ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أما لَوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ أسْقِيكَ، وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: اسْتَسْقاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أما لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ، وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: أما إنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أما لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» فَقالَ في عِيادَةِ المَرِيضِ " لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ " وَقالَ في الإطْعامِ، والإسْقاءِ " لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي " فَفَرَّقَ بَيْنَهُما، فَإنَّ المَرِيضَ مَكْسُورُ القَلْبِ ولَوْ كانَ مَن كانَ، فَلا بُدَّ أنْ يَكْسِرَهُ المَرَضُ فَإذا كانَ مُؤْمِنًا قَدِ انْكَسَرَ قَلْبُهُ بِالمَرَضِ كانَ اللَّهُ عِنْدَهُ. وَهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - هو السِّرُّ في اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ الثَّلاثَةِ: المَظْلُومِ، والمُسافِرِ، والصّائِمِ، لِلْكَسْرَةِ الَّتِي في قَلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، فَإنَّ غُرْبَةَ المُسافِرِ وكَسْرَتَهُ مِمّا يَجِدُهُ العَبْدُ في نَفْسِهِ، وكَذَلِكَ الصَّوْمُ، فَإنَّهُ يَكْسِرُ سُورَةَ النَّفْسِ السَّبْعِيَّةِ الحَيَوانِيَّةِ، ويُذِلُّها. والقَصْدُ: أنَّ شَمْعَةَ الجَبْرِ والفَضْلِ والعَطايا، إنَّما تَنْزِلُ في شَمْعِدانِ الِانْكِسارِ، ولِلْعاصِي التّائِبِ مِن ذَلِكَ أوْفَرُ نَصِيبٍ، يُوَضِّحُهُ: الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ الذَّنْبَ قَدْ يَكُونُ أنْفَعَ لِلْعَبْدِ إذا اقْتَرَنَتْ بِهِ التَّوْبَةُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الطّاعاتِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ: قَدْ يَعْمَلُ العَبْدُ الذَّنْبَ فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، ويَعْمَلُ الطّاعَةَ فَيَدْخُلُ بِها النّارَ، قالُوا: وكَيْفَ ذَلِكَ؟ قالَ: يَعْمَلُ الذَّنْبَ فَلا يَزالُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، إنْ قامَ وإنْ قَعَدَ وإنْ مَشى ذَكَرَ ذَنْبَهُ، فَيُحْدِثُ لَهُ انْكِسارًا، وتَوْبَةً، واسْتِغْفارًا، ونَدَمًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ نَجاتِهِ، ويَعْمَلُ الحَسَنَةَ، فَلا تَزالُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، إنْ قامَ وإنْ قَعَدَ وإنْ مَشى، كُلَّما ذَكَرَها أوْرَثَتْهُ عُجْبًا وكِبْرًا ومِنَّةً، فَتَكُونُ سَبَبَ هَلاكِهِ، فَيَكُونُ الذَّنْبُ مُوجِبًا لِتَرَتُّبِ طاعاتٍ وحَسَناتٍ، ومُعامَلاتٍ قَلْبِيَّةٍ، مِن خَوْفِ اللَّهِ والحَياءِ مِنهُ، والإطْراقِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ خَجَلًا، باكِيًا نادِمًا، مُسْتَقِيلًا رَبَّهُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الآثارِ أنْفَعُ لِلْعَبْدِ مِن طاعَةٍ تُوجِبُ لَهُ صَوْلَةً، وكِبْرًا، وازْدِراءً بِالنّاسِ، ورُؤْيَتَهم بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ، ولا رَيْبَ أنَّ هَذا الذَّنْبَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأقْرَبُ إلى النَّجاةِ والفَوْزِ مِن هَذا المُعْجَبِ بِطاعَتِهِ، الصّائِلِ بِها، المانِّ بِها، وبِحالِهِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعِبادِهِ، وإنْ قالَ بِلِسانِهِ خِلافَ ذَلِكَ، فاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما في قَلْبِهِ، ويَكادُ يُعادِي الخَلْقَ إذا لَمْ يُعَظِّمُوهُ ويَرْفَعُوهُ، ويَخْضَعُوا لَهُ، ويَجِدُ في قَلْبِهِ بَغْضَةً لِمَن لَمْ يَفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ، ولَوْ فَتَّشَ نَفْسَهُ حَقَّ التَّفْتِيشِ لَرَأى فِيها ذَلِكَ كامِنًا، ولِهَذا تَراهُ عاتِبًا عَلى مَن لَمْ يُعَظِّمْهُ ويَعْرِفْ لَهُ حَقَّهُ، مُتَطَلِّبًا لِعَيْبِهِ في قالَبِ حَمِيَّةٍ لِلَّهِ، وغَضَبٍ لَهُ، وإذا قامَ بِمَن يُعَظِّمُهُ ويَحْتَرِمُهُ، ويَخْضَعُ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ أضْعافَ ما قامَ بِهَذا فَتَحَ لَهُ بابَ المَعاذِيرِ والرَّجاءِ، وأغْمَضَ عَنْهُ عَيْنَهُ وسَمْعَهُ، وكَفَّ لِسانَهُ وقَلْبَهُ، وقالَ: بابُ العِصْمَةِ عَنْ غَيْرِ الأنْبِياءِ مَسْدُودٌ، ورُبَّما ظَنَّ أنَّ ذُنُوبَ مَن يُعَظِّمُهُ تُكَفَّرُ بِإجْلالِهِ وتَعْظِيمِهِ وإكْرامِهِ إيّاهُ. فَإذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا العَبْدِ خَيْرًا ألْقاهُ في ذَنْبٍ يَكْسِرُهُ بِهِ، ويُعَرِّفُهُ قَدْرَهُ، ويَكْفِي بِهِ عِبادَهُ شَرَّهُ، ويُنَكِّسُ بِهِ رَأْسَهُ، ويَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنهُ داءَ العُجْبِ والكِبْرِ والمِنَّةِ عَلَيْهِ وعَلى عِبادِهِ، فَيَكُونُ هَذا الذَّنْبُ أنْفَعَ لِهَذا مِن طاعاتٍ كَثِيرَةٍ، ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ شُرْبِ الدَّواءِ لِيَسْتَخْرِجَ بِهِ الدّاءَ العُضالَ، كَما قِيلَ بِلِسانِ الحالِ في قِصَّةِ آدَمَ وخُرُوجِهِ مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبِهِ: يا آدَمُ، لا تَجْزَعْ مِن كَأْسِ زَلَلٍ كانَتْ سَبَبَ كَيْسِكَ، فَقَدِ اسْتُخْرِجَ بِها مِنكَ داءٌ لا يَصْلُحُ أنْ تَجاوِرَنا بِهِ، وأُلْبِسْتَ بِها حُلَّةَ العُبُودِيَّةِ. ؎لَعَلَّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَواقِبُهُ ∗∗∗ ورُبَّما صَحَّتِ الأجْسامُ بِالعِلَلِ يا آدَمُ، إنَّما ابْتَلَيْتُكَ بِالذَّنْبِ لِأنِّي أُحِبُّ أنْ أُظْهِرَ فَضْلِي، وجُودِي وكَرَمِي، عَلى مَن عَصانِي «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، ولَجاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ». يا آدَمُ، كُنْتَ تَدْخُلُ عَلَيَّ دُخُولَ المُلُوكِ عَلى المُلُوكِ، واليَوْمَ تَدْخُلُ عَلَيَّ دُخُولَ العَبِيدِ عَلى المُلُوكِ. يا آدَمُ، إذا عَصَمْتُكَ وعَصَمْتُ بَنِيكَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَعَلى مَن أجُودُ بِحِلْمِي؟ وعَلى مَن أجُودُ بِعَفْوِي ومَغْفِرَتِي، وتَوْبَتِي، وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ؟ يا آدَمُ، لا تَجْزَعْ مِن قَوْلِي لَكَ ﴿اخْرُجْ مِنها﴾ [الأعراف: ١٨] فَلَكَ خَلَقْتُها، ولَكِنِ اهْبِطْ إلى دارِ المُجاهَدَةِ، وابْذُرْ بِذْرَ التَّقْوى، وأمْطِرْ عَلَيْكَ سَحائِبَ الجُفُونِ، فَإذا اشْتَدَّ الحُبُّ واسْتَغْلَظَ، واسْتَوى عَلى سُوقِهِ، فَتَعالَ فاحْصُدْهُ. يا آدَمُ، ما أهْبَطْتُكَ مِنَ الجَنَّةِ إلّا لِتَتَوَسَّلَ إلَيَّ في الصُّعُودِ، وما أخْرَجْتُكَ مِنها نَفْيًا لَكَ عَنْها، ما أخْرَجْتُكَ مِنها إلّا لِتَعُودَ. ؎إنْ جَرى بَيْنَنا وبَيْنَكَ عَتْبٌ ∗∗∗ وتَناءَتْ مِنّا ومِنكَ الدِّيارُ ؎فالوِدادُ الَّذِي عَهِدْتَ مُقِيمٌ ∗∗∗ والعَثارُ الَّذِي أصَبْتَ جُبارُ يا آدَمُ، ذَنْبٌ تَذِلُّ بِهِ لَدَيْنا، أحَبُّ إلَيْنا مِن طاعَةٍ تُدِلُّ بِها عَلَيْنا. يا آدَمُ، أنِينُ المُذْنِبِينَ، أحَبُّ إلَيْنا مِن تَسْبِيحِ المُدِلِّينَ. " يا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلى ما كانَ مِنكَ ولا أُبالِي، يا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، يا ابْنَ آدَمَ، لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا أتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً ". يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ العِبادِ أنَّهُ كانَ يَسْألُ رَبَّهُ في طَوافِهِ بِالبَيْتِ أنْ يَعْصِمَهُ ثُمَّ غَلَبَتْهُ عَيْناهُ فَنامَ، فَسَمِعَ قائِلًا يَقُولُ: أنْتَ تَسْألُنِي العِصْمَةَ، وكُلُّ عِبادِي يَسْألُونَنِي العِصْمَةَ، فَإذا عَصَمْتُهم فَعَلى مَن أتَفَضَّلُ وأجُودُ بِمَغْفِرَتِي وعَفْوِي؟ وعَلى مَن أتُوبُ؟ وأيْنَ كَرَمِي وعَفْوِي ومَغْفِرَتِي وفَضْلِي؟ ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ. يا ابْنَ آدَمَ، إذا آمَنتَ بِي ولَمْ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، أقَمْتُ حَمَلَةَ عَرْشِي ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِي ويَسْتَغْفِرُونَ لَكَ وأنْتَ عَلى فِراشِكَ، وفي الحَدِيثِ العَظِيمِ الإلَهِيِّ حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ «يا عِبادِي، إنَّكم تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وأنا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَمَن عَلِمَ أنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلى المَغْفِرَةِ غَفَرْتُ لَهُ ولا أُبالِي» ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. يا عَبْدِي! لا تَعْجِزْ، فَمِنكَ الدُّعاءُ وعَلَيَّ الإجابَةُ، ومِنكَ الِاسْتِغْفارُ وعَلَيَّ المَغْفِرَةُ، ومِنكَ التَّوْبَةُ وعَلَيَّ تَبْدِيلُ سَيِّئاتِكَ حَسَناتٍ " يُوَضِّحُهُ: الوَجْهُ السّادِسُ: وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] وهَذا مِن أعْظَمِ البِشارَةِ لِلتّائِبِينَ إذا اقْتَرَنَ بِتَوْبَتِهِمْ إيمانٌ وعَمَلٌ صالِحٌ، وهو حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَرِحَ بِشَيْءٍ قَطُّ فَرَحَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ لَمّا أُنْزِلَتْ، وفَرَحُهُ بِنُزُولِ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ١-٢]. واخْتَلَفُوا في صِفَةِ هَذا التَّبْدِيلِ، وهَلْ هو في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأصْحابُهُ: هو تَبْدِيلُهم بِقَبائِحِ أعْمالِهِمْ مَحاسِنَها، فَبَدَّلَهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِالزِّنا عِفَّةً وإحْصانًا، وبِالكَذِبِ صِدْقًا، وبِالخِيانَةِ أمانَةً. فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ أنَّ صِفاتِهِمُ القَبِيحَةَ، وأعْمالَهُمُ السَّيِّئَةَ، بُدِّلُوا عِوَضَها صِفاتٍ جَمِيلَةً، وأعْمالًا صالِحَةً، كَما يُبَدَّلُ المَرِيضُ بِالمَرَضِ صِحَّةً، والمُبْتَلى بِبَلائِهِ عافِيَةً. وَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وغَيْرُهُ مِنَ التّابِعِينَ: هو تَبْدِيلُ اللَّهِ سَيِّئاتِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها بِحَسَناتٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُعْطِيهِمْ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ بِما رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ قالَ: حَدَّثَنا الأعْمَشُ عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي لَأعْلَمُ آخِرَ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ، يُؤْتى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ، ويُخَبَّأُ عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا كَذا وكَذا، وهو مُقِرٌّ لا يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِن كِبارِها، فَيُقالُ: أعْطُوهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلَها حَسَنَةً، فَيَقُولُ: إنَّ لِي ذُنُوبًا ما أراها هاهُنا، قالَ أبُو ذَرٍّ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ». فَهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، ولَكِنْ في الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ نَظَرٌ، فَإنَّ هَذا قَدْ عُذِّبَ بِسَيِّئاتِهِ ودَخَلَ بِها النّارَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أُخْرِجَ مِنها، وأُعْطِيَ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، صَدَقَةً تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ابْتِداءً بِعَدَدِ ذُنُوبِهِ، ولَيْسَ في هَذا تَبْدِيلُ تِلْكَ الذُّنُوبِ بِحَسَناتٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما عُوقِبَ عَلَيْها كَما لَمْ يُعاقَبِ التّائِبُ، والكَلامُ إنَّما هو في تائِبٍ أُثْبِتَ لَهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةٌ، فَزادَتْ حَسَناتُهُ، فَأيْنَ في هَذا الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؟ والنّاسُ اسْتَقْبَلُوا هَذا الحَدِيثَ مُسْتَدِلِّينَ بِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ، وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ، لَكِنْ لِلسَّلَفِ غَوْرٌ ودِقَّةُ فَهْمٍ لا يُدْرِكُها كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ. فالِاسْتِدْلالُ بِهِ صَحِيحٌ، بَعْدَ تَمْهِيدِ قاعِدَةٍ، إذا عَرَفْتَ عُرْفَ لُطْفِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ودِقَّتِهِ، وهي أنَّ الذَّنْبَ لا بُدَّ لَهُ مِن أثَرٍ، وأثَرُهُ يَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ تارَةً، وبِالحَسَناتِ الماحِيَةِ تارَةً، وبِالمَصائِبِ المُكَفِّرَةِ تارَةً، وبِدُخُولِ النّارِ لِيَتَخَلَّصَ مِن أثَرِهِ تارَةً، وكَذَلِكَ إذا اشْتَدَّ أثَرُهُ، ولَمْ تَقْوَ تِلْكَ الأُمُورُ عَلى مَحْوِهِ، فَلا بُدَّ إذًا مِن دُخُولِ النّارِ لِأنَّ الجَنَّةَ لا يَكُونُ فِيها ذَرَّةٌ مِنَ الخَبِيثِ، ولا يَدْخُلُها إلّا مَن طابَ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَإذا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن خُبْثِ الذُّنُوبِ أُدْخِلَ كِيرَ الِامْتِحانِ، لِيُخَلِّصَ ذَهَبَ إيمانِهِ مِن خُبْثِهِ، فَيَصْلُحُ حِينَئِذٍ لِدارِ المُلْكِ. إذا عُلِمَ هَذا فَزَوالُ مُوجَبِ الذَّنْبِ وأثَرُهُ تارَةً يَكُونُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وهي أقْوى الأسْبابِ، وتارَةً يَكُونُ بِاسْتِيفاءِ الحَقِّ مِنهُ وتَطْهِيرِهِ في النّارِ، فَإذا تَطَهَّرَ بِالنّارِ، وزالَ أثَرُ الوَسَخِ والخَبَثِ عَنْهُ، أُعْطِيَ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَإذا تَطَهَّرَ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وزالَ عَنْها بِها أثَرُ وسَخِ الذُّنُوبِ وخُبْثِها، كانَ أوْلى بِأنْ يُعْطى مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، لِأنَّ إزالَةَ التَّوْبَةِ لِهَذا الوَسَخِ والخَبَثِ أعْظَمُ مِن إزالَةِ النّارِ، وأحَبُّ إلى اللَّهِ، وإزالَةُ النّارِ بَدَلٌ مِنها، وهي الأصْلُ، فَهي أوْلى بِالتَّبْدِيلِ مِمّا بَعْدَ الدُّخُولِ، يُوَضِّحُهُ: الوَجْهُ التّاسِعُ: وهو أنَّ التّائِبَ قَدْ بُدِّلَ كُلَّ سَيِّئَةٍ بِنَدَمِهِ عَلَيْها حَسَنَةً، إذْ هو تَوْبَةُ تِلْكَ السَّيِّئَةِ، والنَّدَمُ تَوْبَةٌ، والتَّوْبَةُ مِن كُلِّ ذَنْبٍ حَسَنَةٌ، فَصارَ كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلَهُ زائِلًا بِالتَّوْبَةِ الَّتِي حَلَّتْ مَحَلَّهُ وهي حَسَنَةٌ، فَصارَ لَهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ مِن ألْطَفِ الوُجُوهِ. وَعَلى هَذا فَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الحَسَنَةُ مُساوِيَةً في القَدْرِ لِتِلْكَ السَّيِّئَةِ، وقَدْ تَكُونُ دُونَها، وقَدْ تَكُونُ فَوْقَها، وهَذا بِحَسَبِ نُصْحِ هَذِهِ التَّوْبَةِ، وصِدْقِ التّائِبِ فِيها، وما يَقْتَرِنُ بِها مِن عَمَلِ القَلْبِ الَّذِي تَزِيدُ مَصْلَحَتُهُ ونَفْعُهُ عَلى مَفْسَدَةِ تِلْكَ السَّيِّئَةِ، وهَذا مِن أسْرارِ مَسائِلِ التَّوْبَةِ ولَطائِفِها، يُوَضِّحُهُ: الوَجْهُ العاشِرُ: أنَّ ذَنْبَ العارِفِ بِاللَّهِ وبِأمْرِهِ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حَسَناتٌ أكْبَرُ مِنهُ وأكْثَرُ، وأعْظَمُ نَفْعًا، وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِن عِصْمَتِهِ مِن ذَلِكَ الذَّنْبِ مَن ذُلٍّ وانْكِسارٍ وخَشْيَةٍ، وإنابَةٍ ونَدَمٍ، وتَدارُكٍ بِمُراغَمَةِ العَدُوِّ بِحَسَنَةٍ أوْ حَسَناتٍ أعْظَمَ مِنهُ، حَتّى يَقُولَ الشَّيْطانُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوقِعْهُ فِيما أوْقَعْتُهُ فِيهِ، ويَنْدَمُ الشَّيْطانُ عَلى إيقاعِهِ في الذَّنْبِ، كَنَدامَةِ فاعِلِهِ عَلى ارْتِكابِهِ، لَكِنْ شَتّانَ ما بَيْنَ النَّدَمَيْنِ، واللَّهُ تَعالى يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ مُراغَمَةَ عَدُوِّهِ وغَيْظَهُ، كَما تَقَدَّمَ أنَّ هَذا مِنَ العُبُودِيَّةِ مِن أسْرارِ التَّوْبَةِ، فَيَحْصُلُ مِنَ العَبْدِ مُراغَمَةُ العَدُوِّ بِالتَّوْبَةِ والتَّدارُكِ، وحُصُولُ مَحْبُوبِ اللَّهِ مِنَ التَّوْبَةِ، وما يَتْبَعُها مِن زِيادَةِ الأعْمالِ هُنا، ما يُوجِبُ جَعْلَ مَكانِ السَّيِّئَةِ حَسَنَةً بَلْ حَسَناتٍ. وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ مَكانَ كُلِّ واحِدَةٍ واحِدَةً فَهَذا يَجُوزُ أنْ يُبَدِّلَ السَّيِّئَةَ الواحِدَةَ بِعِدَّةِ حَسَناتٍ بِحَسَبِ حالِ المُبَدِّلِ. وَأمّا في الحَدِيثِ فَإنَّ الَّذِي عُذِّبَ عَلى ذُنُوبِهِ لَمْ يُبَدَّلْها في الدُّنْيا بِحَسَناتٍ مِنَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ وتَوابِعِها، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَجْعَلُ مَكانَ السَّيِّئَةِ حَسَناتٍ، فَأُعْطَيَ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً واحِدَةً، وسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كِبارِ ذُنُوبِهِ، ولَمّا انْتَهى إلَيْها ضَحِكَ، ولَمْ يُبَيِّنْ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِها، وأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُ مَكانَ كُلِّ صَغِيرَةٍ حَسَنَةً، ولَكِنْ في الحَدِيثِ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى أنَّ هَذا التَّبْدِيلَ يَعُمُّ كِبارَها وصِغارَها مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: أخْبِئُوا عَنْهُ كِبارَها، فَهَذا إشْعارٌ بِأنَّهُ إذا رَأى تَبْدِيلَ الصَّغائِرِ ذَكَرَها وطَمِعَ في تَبْدِيلِها، فَيَكُونُ تَبْدِيلُها أعْظَمَ مَوْقِعًا عِنْدَهُ مِن تَبْدِيلِ الصَّغائِرِ، وهو بِهِ أشَدُّ فَرَحًا واغْتِباطًا. والثّانِي: ضَحِكُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ، وهَذا الضَّحِكُ مُشْعِرٌ بِالتَّعَجُّبِ مِمّا يُفْعَلُ بِهِ مِنَ الإحْسانِ، وما يُقِرُّ بِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، مِن غَيْرِ أنْ يُقَرَّرَ عَلَيْها ولا يُسْألَ عَنْها، وإنَّما عُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّغائِرُ. فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، وأجْوَدُ الأجْوَدِينَ، وأكْرَمُ الأكْرَمِينَ، البَرُّ اللَّطِيفُ، المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِأنْواعِ الإحْسانِ، وإيصالِهِ إلَيْهِمْ مِن كُلِّ طَرِيقٍ بِكُلِّ نَوْعٍ، لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. (فَصْلٌ) وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إنَّما يُفَسِّرُ التَّوْبَةَ بِالعَزْمِ عَلى أنْ لا يُعاوِدَ الذَّنْبَ، وبِالإقْلاعِ عَنْهُ في الحالِ، وبِالنَّدَمِ عَلَيْهِ في الماضِي، وإنْ كانَ في حَقِّ آدَمِيٍّ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ رابِعٍ، وهو التَّحَلُّلُ مِنهُ. وَهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ بَعْضُ مُسَمّى التَّوْبَةِ بَلْ شَرْطُها، وإلّا فالتَّوْبَةُ في كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ - كَما تَتَضَمَّنُ ذَلِكَ - تَتَضَمَّنُ العَزْمَ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ والتِزامِهِ فَلا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الإقْلاعِ والعَزْمِ والنَّدَمِ تائِبًا، حَتّى يُوجَدَ مِنهُ العَزْمُ الجازِمُ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ، والإتْيانِ بِهِ، هَذا حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، وهي اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، لَكِنَّها إذا قُرِنَتْ بِفِعْلِ المَأْمُورِ كانَتْ عِبارَةً عَمّا ذَكَرُوهُ، فَإذا أُفْرِدَتْ تَضَمَّنَتِ الأمْرَيْنِ، وهي كَلَفْظَةِ التَّقْوى الَّتِي تَقْتَضِي عِنْدَ إفْرادِها فِعْلَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وتَرْكَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، وتَقْتَضِي عِنْدَ اقْتِرانِها بِفِعْلِ المَأْمُورِ الِانْتِهاءَ عَنِ المَحْظُورِ. فَإنَّ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ بِالتِزامِ فَعْلِ ما يُحِبُّ، وتَرْكِ ما يَكْرَهُ، فَهي رُجُوعٌ مِن مَكْرُوهٍ إلى مَحْبُوبٍ، فالرُّجُوعُ إلى المَحْبُوبِ جُزْءُ مُسَمّاها، والرُّجُوعُ عَنِ المَكْرُوهِ الجُزْءُ الآخَرُ، ولِهَذا عَلَّقَ سُبْحانَهُ الفَلاحَ المُطْلَقَ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ وتَرْكِ المَحْظُورِ بِها، فَقالَ ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] فَكُلُّ تائِبٍ مُفْلِحٌ، ولا يَكُونُ مُفْلِحًا إلّا مَن فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ وتَرَكَ ما نُهِيَ عَنْهُ، وقالَ تَعالى ﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] وَتارِكُ المَأْمُورِ ظالِمٌ، كَما أنَّ فاعِلَ المَحْظُورِ ظالِمٌ، وزَوالُ اسْمِ الظُّلْمِ عَنْهُ إنَّما يَكُونُ بِالتَّوْبَةِ الجامِعَةِ لِلْأمْرَيْنِ، فالنّاسُ قِسْمانِ: تائِبٌ وظالِمٌ لَيْسَ إلّا، فالتّائِبُونَ هُمُ ﴿العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢] فَحِفْظُ حُدُودِ اللَّهِ جُزْءُ التَّوْبَةِ، والتَّوْبَةُ هي مَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ، وإنَّما سُمِّيَ تائِبًا لِرُجُوعِهِ إلى أمْرِ اللَّهِ مِن نَهْيِهِ، وإلى طاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ، كَما تَقَدَّمَ. فَإذًا التَّوْبَةُ هي حَقِيقَةُ دِينِ الإسْلامِ، والدِّينُ كُلُّهُ داخِلٌ في مُسَمّى التَّوْبَةِ وبِهَذا اسْتَحَقَّ التّائِبُ أنْ يَكُونَ حَبِيبَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ، وإنَّما يُحِبُّ اللَّهُ مَن فَعَلَ ما أمَرَ بِهِ، وتَرَكَ ما نَهى عَنْهُ. فَإذًا التَّوْبَةُ هي الرُّجُوعُ مِمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ ظاهِرًا وباطِنًا إلى ما يُحِبُّهُ ظاهِرًا وباطِنًا، ويَدْخُلُ في مُسَمّاها الإسْلامُ، والإيمانُ، والإحْسانُ، وتَتَناوَلُ جَمِيعَ المَقاماتِ، ولِهَذا كانَتْ غايَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وبِدايَةَ الأمْرِ وخاتِمَتَهُ، كَما تَقَدَّمَ، وهي الغايَةُ الَّتِي وُجِدَ لِأجْلِها الخَلْقُ، والأمْرُ والتَّوْحِيدُ جُزْءٌ مِنها، بَلْ هو جُزْؤُها الأعْظَمُ الَّذِي عَلَيْهِ بِناؤُها. وَأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْرِفُونَ قَدْرَ التَّوْبَةِ ولا حَقِيقَتَها، فَضْلًا عَنِ القِيامِ بِها عِلْمًا وعَمَلًا وحالًا، ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَعالى مَحَبَّتَهُ لِلتَّوّابِينَ إلّا وهم خَواصُّ الخَلْقِ لَدَيْهِ. وَلَوْلا أنَّ التَّوْبَةَ اسْمٌ جامِعٌ لِشَرائِعِ الإسْلامِ وحَقائِقِ الإيمانِ لَمْ يَكُنِ الرَّبُّ تَعالى يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ ذَلِكَ الفَرَحَ العَظِيمَ، فَجَمِيعُ ما يَتَكَلَّمُ فِيهِ النّاسُ مِنَ المَقاماتِ والأحْوالِ هو تَفاصِيلُ التَّوْبَةِ وآثارُها. (فَصْلٌ) قال في (هداية الحيارى) قالَ السّائِلُ: نَرى في دِينِكم أكْثَرَ الفَواحِشِ فِيمَن هو أعْلَمُ وأفْقَهُ في دِينِكم كالزِّنى واللِّواطِ والخِيانَةِ، والحَسَدِ والبُخْلِ، والغَدْرِ والجُبْنِ، والكِبْرِ والخُيَلاءِ، وقِلَّةِ الوَرَعِ واليَقِينِ، وقِلَّةِ الرَّحْمَةِ والمُرُوءَةِ والحَمِيَّةِ، وكَثْرَةِ الهَلَعِ، والتَّكالُبِ عَلى الدُّنْيا والكَسَلِ في الخَيْراتِ، وهَذا الحالُ يُكَذِّبُ لِسانَ المَقالِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يُقالَ: ماذا عَلى الرُّسُلِ الكِرامِ مِن مَعاصِي أُمَمِهِمْ وأتْباعِهِمْ؟ وَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ شَيْئًا في نُبُوَّتِهِمْ، أوْ يُوجِبُ تَغَيُّرًا في وجْهِ رِسالَتِهِمْ؟! وَهَلْ سَلِمَ مِنَ الذُّنُوبِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها وأجْناسِها إلّا الرُّسُلُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ رَدُّ رِسالَتِهِمْ وتَكْذِيبُهم بِمَعْصِيَةِ بَعْضِ أتْباعِهِمْ لَهُمْ؟ وَهَلْ هَذا إلّا مِن أقْبَحِ التَّعَنُّتِ؟ وَهُوَ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ مَرِيضٍ دَعاهُ طَبِيبٌ ناصِحٌ إلى سَبَبٍ يَنالُ بِهِ غايَةَ عافِيَتِهِ، فَقالَ: لَوْ كُنْتُ طَبِيبًا لَمْ يَكُنْ فُلانٌ وفُلانٌ مَرْضى. وَهَلْ يَلْزَمُ الرُّسُلَ أنْ يَشْفُوا جَمِيعَ المَرْضى بِحَيْثُ لا يَبْقى في العالَمِ مَرِيضٌ؟ وَهَلْ تَعَنَّتَ أحَدٌ عَلى الرُّسُلِ بِمِثْلِ هَذا التَّعَنُّتِ؟ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الذُّنُوبَ أوِ المَعاصِيَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأُمَمِ، لَمْ يَزَلْ في العالَمِ مِن طَبَقاتِ بَنِي آدَمَ عالِمِهِمْ وجاهِلِهِمْ، وزاهِدِهِمْ في الدُّنْيا وراغِبِهِمْ، وأمِيرِهِمْ ومَأْمُورِهِمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ أمْرًا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةُ حَتّى يُقْدَحَ بِهِ فِيها وفي نَبِيِّها. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ لا تُنافِي الإيمانَ بِالرُّسُلِ، بَلْ يَجْتَمِعُ في العَبْدِ الإسْلامُ والإيمانُ، والذُّنُوبُ والمَعاصِي، فَيَكُونُ فِيهِ هَذا وهَذا. فالمَعاصِي لا تُنافِي الإيمانَ بِالرُّسُلِ وإنْ قَدَحَتْ في كَمالِهِ وتَمامِهِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الذُّنُوبَ تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ العَبْدِ عَنانَ السَّماءِ، وعَدَدَ الرَّمْلِ والحَصى، ثُمَّ تابَ مِنها تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: {قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. فَهَذا في حَقِّ التّائِبِ، وأنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ ما قَبْلَها، والتّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، والتَّوْحِيدُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ابْنَ آدَمَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَقِيتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً فالمُسْلِمُونَ ذُنُوبُهم ذُنُوبُ مُوَحِّدٍ، إنْ قَوِيَ التَّوْحِيدُ عَلى مَحْوِ آثارِها بِالكُلِّيَّةِ وإلّا فَما مَعَهم مِنَ التَّوْحِيدِ يُخْرِجُهم مِنَ النّارِ إذا عُذِّبُوا بِذُنُوبِهِمْ. وَأمّا المُشْرِكُونَ والكُفّارُ فَإنَّ شِرْكَهم وكُفْرَهم مُحْبِطٌ حَسَناتِهِمْ، فَلا يَلْقَوْنَ رَبَّهم بِحَسَنَةٍ يَرْجُونَ بِها النَّجاةَ، ولا يَعْقُبُ لَهم شَيْءٌ مِن مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ، قالَ تَبارَكَ وتَعالى: {إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ: وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أبى اللَّهُ أنْ يَقْبَلَ مِن مُشْرِكٍ عَمَلًا. فالذُّنُوبُ تَزُولُ آثارُها بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، والتَّوْحِيدِ الخالِصِ، والحَسَناتِ الماحِيَةِ، والمَصائِبِ المُكَفِّرَةِ لَها، وشَفاعَةِ الشّافِعِينَ في المُوَحِّدِينَ، وآخِرُ ذَلِكَ إذا عُذِّبَ بِما يَبْقى عَلَيْهِ مِنها أخْرَجَهُ تَوْحِيدُهُ مِنَ النّارِ، وأمّا الشِّرْكُ بِاللَّهِ والكُفْرُ بِالرَّسُولِ، فَإنَّهُ يُحْبِطُ جَمِيعَ الحَسَناتِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَهُ حَسَنَةٌ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يُقالَ لِمُورِدِ هَذا السُّؤالِ - إنَّ كانَ مِنَ الأُمَّةِ الغَضَبِيَّةِ إخْوانِ القِرَدَةِ - ألا يَسْتَحِي مِن إيرادِ هَذا السُّؤالِ، مَن آباؤُهُ وأسْلافُهُ كانُوا يَشْهَدُونَ في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الآياتِ ما لَمْ يَرَهُ غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ؟ وفَلَقَ اللَّهُ لَهُمُ البَحْرَ فَأنْجاهم مِن عَدُوِّهِمْ، وما جَفَّتْ أقْدامُهم مِن ماءِ البَحْرِ حَتّى قالُوا لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. وَلَمّا ذَهَبَ لِمِيقاتِ رَبِّهِ لَمْ يُمْهِلُوهُ أنْ عَبَدُوا بَعْدَ ذَهابِهِ العِجْلَ المَصُوغَ، وغُلِبَ أخُوهُ هارُونُ مَعَهُمْ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا مَعَ مُشاهَدَتِهِمُ العَجائِبَ يَهُمُّونَ بِرَجْمِ مُوسى وأخِيهِ هارُونَ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ، والوَحْيُ بَيْنَ أظْهُرِهُمْ، ولَمّا نَدَبَهم إلى الجِهادِ، قالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ وَآذَوْا مُوسى أنْواعَ الأذى، حَتّى قالُوا: إنَّهُ آدَرُ وهَذا لِكَوْنِهِ كانَ يَغْتَسِلُ وحْدَهُ، فاغْتَسَلَ يَوْمًا ووَضَعَ ثَوْبَهُ عَلى حَجَرٍ فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ وعَدا خَلْفَهُ عُرْيانًا حَتّى نَظَرَ بَنُو إسْرائِيلَ إلى عَوْرَتِهِ، فَرَأوْهُ أحْسَنَ خَلْقِ اللَّهِ مُتَجَرِّدًا. وَلَمّا ماتَ أخُوهُ هارُونَ قالُوا: مُوسى قَتَلَهُ وغَيَّبَهُ، فَرَفَعَتِ المَلائِكَةُ لَهم تابُوتَهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ حَتّى عايَنُوهُ مَيِّتًا، وآثَرُوا العَوْدَ إلى مِصْرَ وإلى العُبُودِيَّةِ، لِيَشْبَعُوا مِن أكْلِ اللَّحْمِ والبَصَلِ والقِثّاءِ والعَدَسِ، هَكَذا عِنْدَهم. والَّذِي حَكّاهُ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم آثَرُوا ذَلِكَ عَلى المَنِّ والسَّلْوى، وانْهِماكُهم عَلى الزِّنى، ومُوسى بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وعَدُوُّهم بِإزائِهِمْ، حَتّى ضَعُفُوا عَنْهم ولَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ، وعِبادَتُهُمُ الأصْنامَ بَعْدَ عَصْرِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ، وتَحَيُّلُهم عَلى صَيْدِ الحِيتانِ في يَوْمِ السَّبْتِ لا تَنْسَهُ، حَتّى مُسِخُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، وقَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ حَتّى قَتَلُوا في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا في أوَّلِ النَّهارِ، وأقامُوا السُّوقَ آخِرَهُ كَأنَّهم جَزَرُوا غَنَمًا، أمْرٌ مَعْرُوفٌ. وَقَتْلُهم يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، ونَشْرُهم إيّاهُ في المِنشارِ. وَإصْرارُهم عَلى العَظائِمِ، واتِّفاقُهم عَلى تَغْيِيرِ كَثِيرٍ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، ورَمْيُهم لُوطًا بِأنَّهُ وطِئَ ابْنَتَيْهِ وأوْلَدَهُما. وَرَمْيُهم يُوسُفَ بِأنَّهُ حَلَّ سَراوِيلَهُ وجَلَسَ مِنَ امْرَأةِ العَزِيزِ مَجْلِسَ المَرْأةِ مِنَ القابِلَةِ حَتّى انْشَقَّ الحائِطُ، وخَرَجَتْ لَهُ كَفُّ يَعْقُوبَ وهو عاضٌّ عَلى أنامِلِهِ، فَقامَ وهَرَبَ، وهَذا لَوْ رَآهُ أفْسَقُ النّاسِ وأفْجَرُهم لَقامَ ولَمْ يَقْضِ غَرَضَهُ. وَطاعَتُهم لِلْخارِجِ عَلى ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ لَمّا وضَعَ لَهم كَبْشَيْنِ مِن ذَهَبٍ، فَعَكَفَتْ جُمْلَتُهم عَلى عِبادَتِها، إلى أنْ جَرَتِ الحَرْبُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ ولَدِ سُلَيْمانَ، وقُتِلَ مِنهم في مَعْرَكَةٍ واحِدَةٍ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ. أفَلا يَسْتَحِي عُبّادُ الكِباشِ والبَقَرِ مِن تَعْيِيرِ المُوَحِّدِينَ بِذُنُوبِهِمْ؟ أوَلا يَسْتَحِي ذُرِّيَّةُ قَتَلَةِ الأنْبِياءِ مِن تَعْيِيرِ المُجاهِدِينَ لِأعْداءِ اللَّهِ؟ فَأيْنَ ذُرِّيَّةُ مَن سُيُوفُ آبائِهِمْ تَقْطُرُ مِن دِماءِ الأنْبِياءِ مِمَّنْ تَقْطُرُ سُيُوفُهم مِن دِماءِ الكُفّارِ المُشْرِكِينَ؟ أوَلا يَسْتَحِي مَن يَقُولُ في صَلاتِهِ لِرَبِّهِ: انْتَبِهْ كَمْ تَنامُ، اسْتَيْقِظْ مِن رَقْدَتِكَ، يُنَخِّيهِ بِذَلِكَ ويَحْمِيهِ، مِن تَعْيِيرِ مَن يَقُولُ في صَلاتِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ المُسْلِمِينَ عَدَدَ الحَصى والرَّمْلِ، والتُّرابِ والأنْفاسِ، ما بَلَغَتْ مَبْلَغَ قَتْلِ نَبِيٍّ واحِدٍ، ولا وصَلَتْ إلى قَوْلِ إخْوانِ القِرَدَةِ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، وقَوْلِهِمْ ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ بَكى عَلى الطُّوفانِ حَتّى رَمَدَتْ عَيْناهُ مِنَ البُكاءِ وجَعَلَتِ المَلائِكَةُ تَعُودُهُ، وقَوْلِهُمْ: إنَّهُ عَضَّ أنامِلَهُ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ نَدِمَ عَلى خَلْقِ البَشَرِ وشَقَّ عَلَيْهِ لَمّا رَأى مِن مَعاصِيهِمْ وظُلْمِهِمْ. وَأعْظَمُ مِن ذَلِكَ نِسْبَةُ هَذا كُلِّهِ إلى التَّوْراةِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى كَلِيمِهِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ المُسْلِمِينَ ما بَلَغَتْ لَكانَتْ في جَنْبٍ ذَلِكَ كَتَفْلَةٍ في بَحْرٍ، ولا تَنْسَ قِصَّةَ أسْلافِهِمْ مَعَ شاءُولَ الخارِجَ عَلى داوُدَ، فَإنَّ سَوادَهُمُ الأعْظَمَ انْضَمَّ إلَيْهِ، وشَهِدُوا مَعَهُ عَلى حَرْبِ داوُدَ، ثُمَّ لَمّا عادُوا إلى طاعَةَ داوُدَ، وجاءَتْ وُفُودُهم وعَساكِرُهم مُسْتَغْفِرِينَ مُعْتَذِرِينَ بِحَيْثُ اخْتَصَمُوا في السَّبْقِ إلَيْهِ، فَتَتَبَّعُ مِنهم شَخْصٌ ونادى بِأعْلى صَوْتِهِ: لا نَصِيبَ لَنا في داوُدَ ولا حَظَّ في شاءُولَ، لِيَمْضِ كُلٌّ مِنكم إلى خِبائِهِ يا إسْرائِيلِيِّينَ فَلَمْ يَكُنْ بِأوْشَكَ مِن أنْ ذَهَبَ جَمِيعُ عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى أخْبِيَتِهِمْ بِسَبَبِ كَلِمَتِهِ، ولَمّا قُتِلَ هَذا الصّائِحُ، عادَتِ العَساكِرُ جَمِيعُها إلى خِدْمَةِ داوُدَ، فَما كانَ القَوْمُ إلّا مِثْلَ هَمَجٍ رِعاعٍ يَجْمَعُهم طَبْلٌ ويُفَرِّقُهم عَصا.

الزمر 39:62

(فائدة عزيزة الوجود) احتج المعتزلة على مخلوقية القرآن بقوله تعالى: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ونحو ذلك من الآيات. فأجاب الأكثرون بأنه عام مخصوص يخص محل النزاع كسائر الصفات من العلم ونحوه. قال ابن عقيل في الإرشاد: "ووقع لي أن القرآن لا يتناوله هذا الإخبار ولا يصلح لتناوله" قال: "لأن به حصل عقد الإعلام بكونه خالقا لكل شيء، وما حصل به عقد الإعلام والإخبار لم يكن داخلا تحت الخبر" قال: "ولو أن شخصا قال: لا أتكلم اليوم كلاما إلا كان كذبا لم يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر به". قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكورا في قوله تعالى: في قصة مريم ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ وإنما أمرت بذلك لئلا تسأل عن ولدها، فقولها ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ به حصل إخبار بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلا تحت الخبر، وإلا كان قولها هذا مخالفا لنذرها. (فصل) والتَّحْقِيقُ: أنَّ صِفاتِ الرَّبِّ - جَلَّ جَلالُهُ - داخِلَةٌ في مُسَمّى اسْمِهِ، فَلَيْسَ اسْمُهُ اللَّهُ، والرَّبُّ، والإلَهُ أسْماءً لِذاتٍ مُجَرَّدَةٍ، لا صِفَةً لَها ألْبَتَّةَ، فَإنَّ هَذِهِ الذّاتَ المُجَرَّدَةِ وُجُودُها مُسْتَحِيلٌ، وإنَّما يَفْرِضُها الذِّهْنُ فَرْضَ المُمْتَنِعاتِ، ثُمَّ يَحْكُمُ عَلَيْها، واسْمُ " اللَّهِ " سُبْحانَهُ، " والرَّبِّ، والإلَهِ " - اسْمٌ لِذاتٍ لَها جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ، كالعِلْمِ، والقُدْرَةِ، والحَياةِ، والإرادَةِ، والكَلامِ، والسَّمْعِ، والبَصَرِ، والبَقاءِ، والقِدَمِ، وسائِرِ الكَمالِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ لِذاتِهِ، فَصِفاتُهُ داخِلَةٌ في مُسَمّى اسْمِهِ، فَتَجْرِيدُ الصِّفاتِ عَنِ الذّاتِ، والذّاتِ عَنِ الصِّفاتِ فَرْضٌ وخَيالٌ ذِهْنِيٌّ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ لا فائِدَةَ فِيهِ، ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةٌ، ولا إيمانٌ، ولا هو عِلْمٌ في نَفْسِهِ، وبِهَذا أجابَ السَّلَفُ الجَهْمِيَّةَ لَمّا اسْتَدَلُّوا عَلى خَلْقِ القُرْآنِ، بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قالُوا: والقُرْآنُ شَيْءٌ. فَأجابَهُمُ السَّلَفُ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وكَلامُهُ مِن صِفاتِهِ، وصِفاتُهُ داخِلَةٌ في مُسَمّى اسْمِهِ - كَعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحَياتِهِ، وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ، ووَجْهِهِ ويَدَيْهِ - فَلَيْسَ اللَّهُ اسْمًا لِذاتٍ لا نَعْتَ لَها، ولا صِفَةَ، ولا فِعْلَ، ولا وجْهَ، ولا يَدَيْنِ، ذَلِكَ إلَهٌ مَعْدُومٌ مَفْرُوضٌ في الأذْهانِ، لا وُجُودَ لَهُ في الأعِيانِ، كَإلَهِ الجَهْمِيَّةِ، الَّذِي فَرَضُوهُ غَيْرِ خارِجٍ عَنِ العالَمِ ولا داخِلٍ فِيهِ، ولا مُتَّصِلٍ بِهِ ولا مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، ولا مُحايِثٍ لَهُ ولا مُبايِنٍ، وكَإلَهِ الفَلاسِفَةِ الَّذِي فَرَضُوهُ وُجُودًا مُطْلَقًا لا يَتَخَصَّصُ بِصِفَةٍ ولا نَعْتٍ، ولا لَهُ مَشِيئَةٌ ولا قُدْرَةٌ، ولا إرادَةٌ ولا كَلامٌ، وكَإلَهِ الِاتِّحادِيَّةِ الَّذِي فَرَضُوهُ وُجُودًا سارِيًا في المَوْجُوداتِ ظاهِرًا فِيها، هو عَيْنُ وُجُودِها، وكَإلَهِ النَّصارى الَّذِي فَرَضُوهُ قَدِ اتَّخَذَ صاحِبَةً ووَلَدًا، وتَدَرَّعَ بِناسُوتِ ولَدِهِ، واتَّخَذَ مِنهُ حِجابًا. فَكُلُّ هَذِهِ الآلِهَةِ مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِي أفْكارِها، وإلَهُ العالَمِينَ الحَقُّ: هو الَّذِي دَعَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ وعَرَّفُوهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، مَوْصُوفٌ بِكُلِّ كَمالٍ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، لا مِثالَ لَهُ، ولا شَرِيكَ، ولا ظَهِيرَ، ولا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ، ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] غَنِيٌ بِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ بِذاتِهِ. (فصل) المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي خلق الله تعالى لأفعال المكلفين ودخولها تحت قدرته ومشيئته كما دخلت تحت علمه وكتابه قال تعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ وهذا عام محفوظ لا يخرج عنه شيء من العالم أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته، وليس مخصوصا بذاته وصفاته فإنه الخالق بذاته وصفاته، وما سواه مخلوق له. واللفظ قد فرق بين الخالق والمخلوق، وصفاته سبحانه داخله في مسمى اسمه، فإن (الله) سبحانه اسم للإله الموصوف بكل صفة كمال، المنزه عن كل صفة نقص ومثال. والعالم قسمان أعيان وأفعال، وهو الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من الأفعال، كما أنه العالم بتفاصيل ذلك، فلا يخرج شيء منه عن علمه، ولا عن قدرته، ولا عن خلقه ومشيئته. قالت القدرية: نحن نقول إن الله خالق أفعال العباد لا على أنه محدثها ومخترعها لكن على معنى أنه مقدرها فإن الخلق التقدير كما قال تعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ وقال الشاعر: ؎ولأنت تفري ما خلقت ∗∗∗ وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى أي لأنت تمضي ما قدرته وتنفذه بعزمك وقدرتك وبعض القوم يقدر ثم لا قوة له ولا عزيمة على إنفاذ ما قدره وإمضائه فالله تعالى مقدر أفعال العباد وهم الذين أوجدوها وأحدثوها. قال أهل السنة: قدماؤكم ينكرون تقدير الله سبحانه لأعمال العباد ألبتة فلا يمكنهم أن يجيبوا بذلك ومن اعترف منكم بالتقدير فهو تقدير لا يرجع إلى تأثير وإنما هو مجرد العلم بها والخبر عنها ليس التقدير عندكم جعلها على قدر كذا وكذا فإن هذا عندكم غير مقدور للرب ولا مصنوع له وإنما هو صنع العبد وإحداثه فرجع التقدير إلى مجرد العلم والخبر. وهذا لا يسمى خلقا في لغة أمة من الأمم ولو كان هذا خلقا لكان من علم شيئا وعلم أسمائه وصفاته وأخبر عنه بذلك خالقا له فالتقدير الذي أثبتموه إن كان متضمنا للتأثير في إيجاد الفعل فهو خلاف مذهبكم وإن لم يتضمن تأثيرا في إيجاده فهو راجع إلى محض العلم والخبر. قالت القدرية قوله: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من العام المراد به الخاص ولا سيما فإنكم قلتم إن القرآن لم يدخل في هذا العموم وهو من أعظم الأشياء وأجلها فخصصنا مه أفعال العباد بالأدلة الدالة على كونها فعلهم ومنعهم. قالت أهل السنة: القرآن كلام الله سبحانه وكلامه صفة من صفاته وصفات الخالق وذاته لم تدخل في المخلوق فإن الخالق غير المخلوق فليس هاهنا تخصيصا ألبتة بل الله سبحانه بذاته وصفاته الخالق وكل ما عداه مخلوق وذلك عموم لا تخصيص فيه بوجه إذ ليس إلا الخالق والمخلوق والله وحده الخالق وما سواه كله مخلوق وأما الأدلة الدالة على أن أفعال العباد صنع لهم وإنما أفعالهم القائمة بهم وأنهم هم الذين فعلوها فكلها حق نقول بموجبها ولكن لا ينبغي أن تكون أفعالا لهم ومخلوقة مفعولة لله فإن الفعل غير المفعول ولا نقول أنها فعل لله والعبد مضطر مجبور عليها ولا نقول أنها فعل للعبد والله غير قادر عليها ولا جاعل للعبد فاعلا لها ولا نقول أنها مخلوقة بين مخلوقين مستقلين بالإيجاد والتأثير. وهذه الأقوال كلها باطلة. قالت القدرية يعني قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما لا يقدر عليه غيره وأما أفعال العباد التي يقدر عليها العباد فإضافتها إليهم ينفي إضافتها إليه والألزم وقوع مفعولين بين فاعلين وهو محال. قالت أهل السنة: إضافتها إليهم فعلا وكسبا لا ينفي إضافتها إليه سبحانه خلقا ومشيئة فهو سبحانه الذي شاءها وخلقها وهم الذين فعلوها وكسبوها حقيقة فلو لم تكن مضافة إلى مشيئته وقدرته وخلقه لاستحال وقوعها منهم إذ العباد أعجز وأضعف من أن يفعلوا ما لم يشأه الله ولم يقدر عليه ولا خلقه.

الزمر 39:68

فإن قيل: فعند النفخ في الصور هل تبقى الأرواح حية كما هي أو تموت ثم تحيا؟ قيل: قد قال تعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ فقد استثنى اللّه سبحانه بعض من في السماوات ومن في الأرض من هذا الصعق. فقيل: هم الشهداء، هذا قول أبي هريرة وابن عباس وابن جبير. وقيل: هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وهذا قول مقاتل وغيره. وقيل: هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم، ومن في الناس من أهل العذاب وخزنتها، قاله أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا. وقد نص الإمام أحمد على أن: الحور العين والولدان لا يمتن عند النفخ في الصور، وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾. وهذا نص على أنهم لا يموتون غير تلك الموتة الأولى، فلو ماتوا مرة ثانية لكانت موتتان. وأما قول أهل النار: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ فتفسيره هذه الآية التي في البقرة وهي قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فكانوا أمواتا وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة وإلا كانت ثلاث موتات، وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها، ففي الحديث الصحيح أن «الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور». فهذا صعق في موقف القيامة إذ جاء اللّه تعالى لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذ تصعق الخلائق كلهم، قال تعالى: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ولو كان هذا الصعق موتا لكانت موتة أخرى، وقد تنبه لهذا جماعة من الفضلاء، فقال أبو عبد اللّه القرطبي: ظاهر هذا الحديث أن هذه صعقة غشي تكون يوم القيامة، لا صعقة الموت الحادثة عن نفخ الصور، قال: قد قال شيخنا أحمد بن عمرو: ظاهر حديث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يدل على أن هذه الصعقة إنما هي بعد النفخة الثانية نفخة البعث، ونص القرآن يقتضي أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق، ولما كان هذا قول فيحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا باطل، وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشور حين تنشق السماوات والأرض، قال: فتستقل الأحاديث والآثار، ورد عليه أبو العباس القرطبي فقال: يرد هذا قوله في الحديث الصحيح أنه حين يخرج من قبره يلقى موسى آخذا بقائمة العرش، قال: وهذا إنما هو عند نفخة الفزع. قال أبو عبد اللّه: وقال شيخنا أحمد بن عمرو: الذي يزيح هذا الإشكال إن شاء اللّه تعالى أن الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه قد صح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء، وخصوصا بموسى، وقد أخبر بأنه ما من مسلم يسلم عليه إلا رد اللّه عليه روحه حتى يرد عليه السلام، إلى غير ذلك مما يحصل من حملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو رجع إلى أن غيبوا عنا، بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم أحياء موجودون ولا تراهم، وإذا تقرر أنهم أحياء، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق، صعق كل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي، ومن غشي عليه أفاق، ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحديث المتفق على صحته: «فأكون أول من يفيق، فنبينا أول من يخرج من قبره قبل جميع الناس إلا موسى»، فإنه حصل فيه تردد: هل بعث قبله من غشيته أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق مفيقا لأنه حوسب بصعقة يوم الطور، وهذه فضيلة عظيمة لموسى، ولا يلزم من فضيلة واحدة أفضليته على نبينا مطلقا، لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمرا كليا، انتهى. قال أبو عبد اللّه القرطبي: إن حمل الحديث على صعقة الخلق يوم القيامة فلا إشكال، وإن حمل على صعقة الموت عند النفخ في الصور فيكون ذكر يوم القيامة يراد به أوائله، فالمعنى: إذا نفخ في الصور نفخة البعث كنت أول من يرفع رأسه، فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبل أم جوزي بصعقة الطور. قلت: وحمل الحديث على هذا يصح، لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم تردد: هل أفاق موسى قبله أم لم يصعق بل جوزي بصعقة الطور؟ فالمعنى: لا أدري أصعق أم لم يصعق، وقد قال في الحديث: «فأكون أول من يفيق» وهذا يدل على أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم يصعق فيمن يصعق، وأن التردد حصل في موسى: هل يصعق وأفاق قبله من صعقته أم لم يصعق. ولو كان المراد به الصفة الأولى وهي صعقة الموت لكان صلى اللّه عليه وآله وسلم قد جزم بموته، وتردد هل مات موسى أم لم يمت، وهذا باطل لوجوه كثيرة، فعلم أنها صعقة فزع لا صعقة موت، وحينئذ فلا تدل الآية على أن الأرواح كلها تموت عند النفخة الأولى، نعم تدل على أن موت الخلائق عند النفخة الأولى، وكل من لم يذق الموت قبلها فإنه يذوقه حينئذ، وأما من ذاق الموت أو من لم يكتب عليه الموت فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية واللّه أعلم. (فإن قيل): فكيف تصنعون بقوله في الحديث: «إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش»؟ قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين فجاء هذا والحديثان هكذا: (أحدهما) أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق. (والثاني) هكذا: أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة. ففي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر، وكان شيخنا أبو الحجاج الحافظ يقول ذلك. فإن قيل: فما تصنعون بقوله: «فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى اللّه عز وجل» والذين استثناهم اللّه إنما هم مستثنون من صعقة النفخة لا من صعقة يوم القيامة كما قال اللّه تعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾»، ولم يقع الاستثناء من صعقة الخلائق يوم القيامة. قيل: هذا واللّه أعلم غير محفوظ، وهو وهم من بعض الرواة، والمحفوظ ما تواطأت الروايات الصحيحة من قوله: «فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» فظن بعض الرواة أن هذه الصعقة هي صعقة النفخة، وأن موسى داخل فيمن استثنى منها، وهذا لا يلتئم على مساق الحديث قطعا، فإن الإفاقة حينئذ هي إفاقة البعث، فكيف يقول: «لا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور» فتأمله. وهذا بخلاف الصعقة التي يصعقها الخلائق يوم القيامة إذا جاء اللّه سبحانه لفصل القضاء بين العباد وتجلى لهم فإنهم يصعقون جميعا، وأما موسى عليه السلام فإن كان لم يصعق معهم فيكون قد حوسب بصعقته يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكا، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضا من صعقة الخلائق لتجلي الرب يوم القيامة، فتأمل هذا المعنى العظيم ولو لم يكن في الجواب إلا كشف هذا الحديث وشأنه لكان حقيقا أن يعض عليه بالنواجذ وللّه الحمد والمنّة وبه التوفيق.

الزمر 39:71

وأما النار فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب ودار الخبيثين، فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشيء لتراكب بعضه على بعض، ثم يجعله في جهنم مع أهله فليس فيها إلا خبيث. (فصل) قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ ففاجأهم وبغتهم عذابها وما أعد الله تعالى فيها، فهم بمنزلة من وقف على باب لا يدري بما يفتح له من أنواع الشر إلا أنه متوقع منه شرا عظيما ففتح في وجهه وفاجأه ما كان يتوقعه. وهذا كما تجد في الدنيا من يساق إلى السجن فإنه يساق إليه وبابه مغلق حتى إذا جاءه فتح الباب في وجهه ففاجأته روعته وألمه بخلاف ما لو فتح له قبل مجيئه، وهذا بخلاف أهل الجنة فإنهم لما كانوا مساقين إلى دار الكرامة وكان من تمام إكرام المدعو الزائر أن يفتح له باب الدار فيجيء فيلقاه مفتوحا فلا يلحقه ألم الانتظار فقال في أهل الجنة ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وحذف الجواب تفخيما لأمره وتعظيما لشأنه على عادتهم في حذف الجوابات لهذا المقصد وهذه الطريقة تريحك من دعوى زيادة الواو، ومن دعوى كونها واو الثمانية لأن أبواب الجنة ثمانية، فإن هذا لو صح فإنما يكون إذا كانت الثمانية منسوقة في اللفظ واحدا بعد واحد فينتهون إلى السبعة، ثم يستأنفون العدد من الثمانية بالواو. وهنا لا ذكر للفظ الثمانية في الآية ولا عدها فتأمله. على أن في كون الواو تجيء للثمانية كلام آخر قد ذكرناه في الفتح المكي وبينا المواضع التي ادعى فيها أن الواو للثمانية، وأين يمكن دعوى ذلك وأين يستحيل. فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بأن سيد الخلائق ﷺ يأتي باب الجنة فيلقاه مغلقا حتى يستفتحه؟ قلنا هذا من تمام إظهار شرفه وفضله على الخلائق أن الجنة تكون مغلقة فلا تفتح لأهلها إلا على يديه فلو جاءها وصادفها مفتوحة فدخلها هو وأهلها لم يعلم الداخلون أن فتحها كان على يديه وأنه هو الذي استفتحها لهم ألا ترى أن الخلق إذا راموا دخول باب مدينة أو حصن وعجزوا ولم يمكنهم فتحه حتى جاء رجل ففتحه لهم أحوج ما كانوا إلى فتحه كان في ذلك من ظهور سيادته عليهم وفضله وشرفه ما لا يعلم لو جاء هو وهم فوجدوه مفتوحا. وقد خرجنا عن المقصود وما أبعدنا. ولا تستطل هذه النكت فإنك لا تكاد تجدها في غير هذا التعليق. والله تعالى المان بفضله وكرمه.

الزمر 39:73

عقّب دخولها على الطيب بحرف الفاء، الذين يؤذن بأنه سبب للدخول، أي بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها - فإنها دار الطبيين لا يدخلها إلا طيب. وقال في (حادي الأرواح) قال لأهل الجنة: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ بالواو. وقال في صفة النار: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ بغير واو. فقالت طائفة: هذه واو الثمانية. دخلت في أبواب الجنة لكونها ثمانية، وأبواب النار سبعة، فلم تدخلها الواو. وهذا قول ضعيف لا دليل عليه، ولا تعرفه العرب، ولا أئمة العربية. وإنما هو من استنباط بعض المتأخرين. وقالت طائفة أخرى: الواو زائدة. والجواب الفعل الذي بعدها، كما هو في الآية الثانية. وهذا أيضا ضعيف. فإن زيادة الواو غير معروف في كلامهم، ولا يليق بأسفه الكلام أن يكون فيه حرف زائد لغير معنى ولا فائدة. وقالت طائفة ثالثة: الجواب محذوف. وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ عطف على قوله: ﴿جاءُوها﴾ وهذا اختيار أبي عبيدة والمبرد والزجاج وغيرهم. قال المبرد: وحذف الجواب أبلغ عند أهل العلم. وقال أبو الفتح ابن جنّي: وأصحابنا يدفعون زيادة الواو، ولا يجيزونه، ويرون أن الجواب محذوف للعلم به. بقي أن يقال: فما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة، وذكره في آية أهل النار؟ فيقال: هذا أبلغ في الموضعين. فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها، وأبوابها مغلقة، حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم، فيفجؤهم العذاب بغتة فحين انتهوا إليها فتحت أبوابها بلا مهلة. فإن هذا شأن الجزاء المرتب على الشرط: أن يكون عقيبه. والنار دار الإهانة والخزي، فلم يستأذن لهم في دخولها، ويطلب إلى خزنتها أن يمكنوهم من الدخول. وأما الجنة فإنها دار الله، ودار كرامته، ومحل خواصه وأوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة، فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتتحها ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله، وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم. فيقول «أنا لها» فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجدا حربه فيدعه ربه ساجدا ما شاء أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه، وأن يسأل حاجته، فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها، فيشفعه، ويفتحها تعظيما لخاطرها، وإظهارا لمنزلة رسوله وكرامته عليه، وأن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك ورب العالمين إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة، التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها، وما ركبه من الأطباق طبقا بعد طبق، وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة، حتى أذن الله تعالى لخاتم أنبيائه ورسله، وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم. وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدّر بخلاف ذلك، لئلا يتوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء. فجنة الله عالية غالية، وبين الناس وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلّا به. فما لمن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار؟ فليعد عنها إلى ما أولى به. وقد خلق له وهيئ له. وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمرا: من فرحة هؤلاء بإخوانهم وسيرهم معهم، كل زمرة على حدة، كمشتركين في عمل متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم، مستبشرين أقوياء القلوب، كما كانوا في الدنيا وقت إجماعهم على الخير كذلك يؤنس بعضهم بعضا، ويفرح بعضهم ببعض. وكذلك أصحاب الدار الأخرى: النار يساقون إليها زمرا يلعن بعضهم بعضا، ويتأذى بعضهم ببعض. وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهتيكة. من أن يساقوا واحدا واحدا. فلا تهمل وتدبر قوله: «زُمَرًا» وقول خزنة الجنة لأهلها «سَلامٌ عَلَيْكُمْ» فبدءوهم بالسلام المتضمن للسلامة من كل شر ومكروه، أي سلمتم فلا يلحقكم بعد اليوم ما تكرهون، ثم قالوا لهم «طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ» أي سلامتكم ودخولكم الجنة بطيبكم، فإن الله حرمها إلا على الطيبين، فبشروهم بالسلامة والطيب، والدخول والخلود. أما أهل النار فإنهم حين انتهوا إليها على تلك الحال من الهم والغم والحزن، فتحت لهم أبوابها وقفوا عليها، وزيدوا على ما هم عليه: توبيخ خزنتها وتبكيتهم لهم بقولهم «ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكُمْ، ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هذا؟» فاعترفوا وقالوا «بلى» فبشروهم بدخول النار والخلود فيها، وأنها بئس المثوى والمآب لهم. وتأمل قول خزنة الجنة لأهلها «ادخلوها» وقول خزنة النار لأهلها «ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ» تجد تحته سرا لطيفا، ومعنى بديعا، لا يخفى على المتأمل. وهو أنه لما كانت النار دار العقوبة وأبوابها أفظع شيء وأشده حرا، وأعظمه غما، يستقبل الداخل فيها من العذاب ما هو أشد منها، ويدنو من الغم والخزي والحزن والكرب بدخول الأبواب. فقيل «ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ» صغارا لهم، وإذلالا وخزيا. ثم قيل لهم: لا يقتصر بكم العذاب على مجرد دخول الأبواب الفظيعة، ولكن وراءها الخلود في النار. وأما الجنة: فهي دار الكرامة، والمنزل الذي أعده الله لأوليائه، فبشّروا من أول وهلة بالدخول إلى الأرائك والمنازل والخلود فيها. (فصل) قال عبد الله بن محمد البغوي حدثنا علي أنبأنا زهير عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي رضي الله عنه قال ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان فعمدوا إلى إحداهما فكأنما أمروا به فشربوا منها، فأذهب الله ما في بطونهم من قذى أو أذى أو بأس ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم ولم تتغير أشعارهم بعدها أبدا ولم تشعث رؤوسهم كأنما ادهنوا بالدهان ثم انتهوا إلى خزنة الجنة فقالوا ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ ثم تلقاهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم عليهم من غيبته فيقولون له أبشر بما أعد الله تعالى لك من الكرامة، ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين فيقول: جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا. قالت أنت رأيته؟ قال أنا رأيته وهو بأثري، فيستخف إحداهن الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه، فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أخضر وأحمر وأصفر من كل لون، ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق، ولولا أن الله عز وجل قدره لألم أن يذهب بصره، ثم طأطأ رأسه فإذا أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة، ثم اتكأوا فقالوا ﴿الحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ ثم ينادي مناد تحيون فلا تموتون أبدا، وتقيمون فلا تظعنون أبدا، وتصحون فلا تمرضون أبدا" (فصل) حرم الله سبحانه الجنة على من في قلبه نجاسة وخبث، ولا يدخلها إلا بعد طيبه وطهره. فإنها دار الطيبين. ولهذا يقال لهم: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. أي ادخلوها بسبب طيبكم. والبشارة عند الموت لهؤلاء دون غيرهم، كما قال تعالى: ﴿الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجنَّةَ بِما كُنْتمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. فالجنة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شيء من الخبث. فمن تطهر في الدنيا ولقي الله طاهرًا من نجاساته دخلها بغير معوق، ومن لم يتطهر في الدنيا فإن كانت نجاسته عينية، كالكافر، لم يدخلها بحال. وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر في النار من تلك النجاسة، ثم يخرج منها، حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيهَذَّبون وينقَّون من بقايا بقيت عليهم، قصرت بهم عن الجنة، ولم توجب لهم دخول النار، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة، فلا يدخل المصلى عليه حتى يتطهر. وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب والطهارة، فلا يدخلها إلا طيب طاهر. فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب. ولهذا شرع للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه: "أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحّمدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ". فطهارة القلب بالتوبة، وطهارة البدن بالماء. فلما اجتمع له الطهران صلح للدخول على الله تعالى، والوقوف بين يديه ومناجاته.

الزمر 39:75

قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فحذف فاعل القول، لأنه غير معين، بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم به، فيحمده السماوات وأهل الأرض: الأبرار، والفجار، والإنس والجن، حتى أهل النار. قال الحسن: وغيره: لقد دخلوا النار، وإن حمده لفي قلوبهم، ما وجدوا لهم عليه سبيلا. وهذا - والله أعلم - هو السر الذي الذي حذف لأجله الفاعل في قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ وفي قوله: ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ كأن الكون كله نطق بذلك، وقال لهم ذلك، والله أعلم بالصواب. (لطيفة) قالَ تعالى عقيب إخْباره عَن الحكم بَين عباده ومصير أهل السَّعادَة إلى الجنَّة وأهل الشَّقاء إلى النّار ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمد لله رب العالَمِينَ﴾ فَحذف فاعل القَوْل إشعارا بِالعُمُومِ وأن الكَوْن كُله قالَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لما شاهدوا من حِكْمَة الحق وعدله وفضله. وَلِهَذا قالَ في حق أهل النّار ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّم﴾ كَأن الكَوْن كُله يَقُول ذَلِك حَتّى تَقوله أعضاؤهم وأرواحهم وأرضهم وسماؤهم. ((الجزء الخامس عشر))