Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — غافر 40:2 – فصلت 41:53

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. غافر 40:2
  2. غافر 40:3
  3. غافر 40:7
  4. غافر 40:8
  5. غافر 40:9
  6. غافر 40:11
  7. غافر 40:13
  8. غافر 40:19
  9. غافر 40:28
  10. غافر 40:32
  11. غافر 40:33
  12. غافر 40:36
  13. غافر 40:37
  14. غافر 40:38
  15. غافر 40:39
  16. غافر 40:44
  17. غافر 40:45
  18. غافر 40:46
  19. غافر 40:51
  20. غافر 40:55
  21. غافر 40:56
  22. غافر 40:57
  23. غافر 40:60
  24. فصلت 41:6
  25. فصلت 41:7
  26. فصلت 41:16
  27. فصلت 41:17
  28. فصلت 41:22
  29. فصلت 41:23
  30. فصلت 41:24
  31. فصلت 41:25
  32. فصلت 41:30
  33. فصلت 41:31
  34. فصلت 41:32
  35. فصلت 41:33
  36. فصلت 41:34
  37. فصلت 41:35
  38. فصلت 41:36
  39. فصلت 41:39
  40. فصلت 41:40
  41. فصلت 41:44
  42. فصلت 41:49
  43. فصلت 41:50
  44. فصلت 41:53

غافر 40:2

وأما قوله تعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلاّ هُوَ﴾ فعطف في الاسمين الأولين دون الآخرين فقال السهيلي: إنما حسن العطف بين الاسمين الأولين لكونهما من صفات الأفعال" وفعله سبحانه في غيره لا في نفسه فدخل حرف العطف للمغايرة الصحيحة بين المعنيين ولتنزلهما منزلة الجملتين لأنه يريد تنبيه العباد على أنه يفعل هذا ويفعل هذا ليرجوه ويؤملوه" ثم قال: ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ بغير واو لأن الشدة راجعة إلى معنى القوة والقدرة وهو معنى خارج عن صفات الأفعال فصار بمنزلة قوله: ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وكذلك قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ لأن لفظ ذي عبارة عن ذاته هذا جوابه وهو كما ترى غير شاف ولا كاف فإن شدة عقابه من صفات الأفعال، وطوله من صفات الأفعال. ولفظة (ذي) فيه لا تخرجه عن كونه صفة فعل كقوله: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ بل لفظ الوصف بـ (غافر) و (قابل) أدل على الذات من الوصف بـ (ذي) لأنها بمعنى صاحب، كذا فالوصف المشتق أدل على الذات من الوصف بها. فلم يشف جوابه بل زاد السؤال سؤالا. فاعلم أن هذه الجملة مشتملة على ستة أسماء كل اثنين منها قسم، فابتدأها بـ (العزيز العليم) وهما اسمان مطلقان وصفتان من صفات ذاته وهما مجردان عن العطف، ثم ذكر بعدهما اسمين من صفات أفعاله فأدخل بينهما العاطف، ثم ذكر اسمين آخرين بعدهما وجردهما من العاطف. فأما الأولان فتجردهما من العاطف لكونهما مفردين صفتين جاريتين على اسم الله، وهما متلازمان فتجريدهما عن العطف هو الأصل، وهو موافق لبيان ما في الكتاب العزيز من ذلك، كالعزيز العليم والسميع البصير والغفور الرحيم. وأما: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ فدخل العاطف بينهما لأنهما في معنى الجملتين، وإن كانا مفردين لفظا فهما يعطيان معنى يغفر الذنب، ويقبل التوب. أي هذا شأنه ووصفه في كل وقت، فأتى بالاسم الدال على أن هذا وصفه ونعته المتضمن لمعنى الفعل الدال على أنه لا يزال يفعل ذلك، فعطف أحدهما على الآخر على نحو عطف الجمل بعضها على بعض، ولا كذلك الاسمان الأولان. ولما لم يكن الفعل ملحوظا في قوله: ﴿شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ إذ لا يحسن وقوع الفعل فيهما وليس في لفظ ﴿ذِي﴾ ما يصاغ منه فعل جرى مجرى المفردين من كل وجه ولم يعطف أحدهما على الآخر كما لم يعطف في العزيز العليم، فتأمله فإنه واضح. (فصل: وقوع الشدة بين رحمتين) تتمة: تأمل كيف وقع الوصف بشديد العقاب بين صفة رحمة قبله وصفة رحمة بعده فقبله ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ وبعده ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ففي هذا تصديق الحديث الصحيح وشاهد له وهو قوله ﷺ: "إن الله كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ": سبقت غضبي " وقد سبقت صفة الرحمة هنا وغلبت. وتأمل كيف افتتح الآية بقوله: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ والتنزيل يستلزم علو المنزل من عنده لا تعقل العرب من لغتها بل ولا غيرها من الأمم السليمة الفطرة إلا ذلك. وقد أخبر أن تنزيل الكتاب منه، فهذا يدل على شيئين: أحدهما علوه تعالى على خلقه. والثاني أنه هو المتكلم بالكتاب المنزل من عنده لا غيره، فإنه أخبر أنه منه، وهذا يقتضي أن يكون منه قولا كما أنه منه تنزيلا. فإن غيره لو كان هو المتكلم به لكان الكتاب من ذلك الغير، فإن الكلام فإنما يضاف إلى المتكلم به ومثل هذا ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ ومثله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾ ومثله: ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فاستمسك بحرف (مِن) في هذه المواضع فإنه يقطع حجج شعب المعتزلة والجهمية وتأمل كيف قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِن﴾ ولم يقل تنزيله؟ فتضمنت الآية إثبات علوه ومكانه وثبوت الرسالة. ثم قال: ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ فتضمن هذان الاسمان صفتي القدرة والعلم وخلق أعمال العباد وحدوث كل ما سوى الله، لأن القدرة هي قدرة الله كما قال أحمد بن حنبل: فتضمنت إثبات القدر، ولأن عزته تمنع أن يكون في ملكه ما لا يشاؤه، أو أن يشاء ما لا يكون، فكانت عزته تبطل ذلك. وكذلك كمال قدرته توجب أن يكون خالق كل شيء، وذلك ينفي أن يكون في العالم شيء قديم لا يتعلق به خلقه، لأن كمال قدرته وعزته يبطل ذلك. ثم قال: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ والذنب مخالفة شرعه وأمره، فتضمن هذان الاسمان إثبات شرعه وإحسانه وفضله ثم قال: ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ وهذا جزاؤه للمذنبين وذو الطول جزاؤه للمحسنين، فتضمنت الثواب والعقاب. ثم قال: ﴿لا إلَهَ إلاّ هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فتضمن ذلك التوحيد والمعاد. فتضمنت الآيتان إثبات صفة العلو والكلام والقدرة والعلم والقدر وحدوث العالم والثواب والعقاب والتوحيد والمعاد، وتنزيل الكتاب منه على لسان رسوله يتضمن الرسالة والنبوة. فهذه عشرة قواعد الإسلام والإيمان تجلى على سمعك في هذه الآية العظيمة. ولكن: خود تزف إلى ضرير مقعد. فهل خطر ببالك قط أن هذه الآية تتضمن هذه العلوم والمعارف مع كثرة قراءتك لها وسماعك إياها، وهكذا سائر آيات القرآن. فما أشدها من حسرة، وأعظمها من غبنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم، ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن، ولا باشر قلبه أسراره ومعانيه. فالله المستعان. (فصل) اعلم أن الصفات إذا ذكرت في مقام التعداد فتارة يتوسط بينها حرف العطف لتغايرها في نفسها، وللإيذان بأن المراد ذكر كل صفة بمفردها. وتارة لا يتوسطها العاطف لاتحاد موصوفها وتلازمها في نفسها، وللإيذان بأنها في تلازمها كالصفة الواحدة. وتارة يتوسط العاطف بين بعضها ويحذف مع بعض بحسب هذين المقامين، فإذا كان المقام مقام تعداد الصفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد حسن إسقاط حرف العطف. وإن أريد الجمع بين الصفات، أو التنبيه على تغايرها حسن إدخال حرف العطف. فمثال الأول: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ﴾ وقوله: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ﴾ ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخر والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ وتأمل كيف اجتمع النوعان في قوله تعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فأتي بالواو في الوصفين الأولين، وحذفها في الوصفين الآخرين، لأن غفران الذنب وقبول التوب، قد يظن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما، فمن غفر الذنب قبل التوب. فكان في عطف أحدهما على الآخر ما يدل على أنهما صفتان وفعلان متغايران، ومفهومان مختلفان لكل منهما حكمة: أحدهما: يتعلق بالإساءة والإعراض وهو المغفرة. والثاني: يتعلق بالإحسان والإقبال على الله تعالى والرجوع إليه وهو التوبة فتقبل هذه الحسنة وتغفر تلك السيئة، وحسن العطف هاهنا هذا التغاير الظاهر، وكلما كان التغاير أبين كان العطف أحسن، ولهذا جاء العطف في قوله: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخر والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ وترك في قوله: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ﴾ وقوله: ﴿الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ وأما: ﴿شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فترك العطف بينهما لنكته بديعة وهي الدلالة على اجتماع هذين الأمرين في ذاته سبحانه، وأنه حال كونه شديد العقاب فهو ذو الطول وطوله لا ينافي شدة عقابه بل هما مجتمعان له بخلاف الأول والآخر فإن الأولية لا تجامع الآخرية، ولهذا فسرها النبي ﷺ بقوله "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء" فأوليته أزليته وآخريته أبديته.

غافر 40:3

وأما قوله تعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلاّ هُوَ﴾ فعطف في الاسمين الأولين دون الآخرين فقال السهيلي: إنما حسن العطف بين الاسمين الأولين لكونهما من صفات الأفعال" وفعله سبحانه في غيره لا في نفسه فدخل حرف العطف للمغايرة الصحيحة بين المعنيين ولتنزلهما منزلة الجملتين لأنه يريد تنبيه العباد على أنه يفعل هذا ويفعل هذا ليرجوه ويؤملوه" ثم قال: ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ بغير واو لأن الشدة راجعة إلى معنى القوة والقدرة وهو معنى خارج عن صفات الأفعال فصار بمنزلة قوله: ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وكذلك قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ لأن لفظ ذي عبارة عن ذاته هذا جوابه وهو كما ترى غير شاف ولا كاف فإن شدة عقابه من صفات الأفعال، وطوله من صفات الأفعال. ولفظة (ذي) فيه لا تخرجه عن كونه صفة فعل كقوله: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ بل لفظ الوصف بـ (غافر) و (قابل) أدل على الذات من الوصف بـ (ذي) لأنها بمعنى صاحب، كذا فالوصف المشتق أدل على الذات من الوصف بها. فلم يشف جوابه بل زاد السؤال سؤالا. فاعلم أن هذه الجملة مشتملة على ستة أسماء كل اثنين منها قسم، فابتدأها بـ (العزيز العليم) وهما اسمان مطلقان وصفتان من صفات ذاته وهما مجردان عن العطف، ثم ذكر بعدهما اسمين من صفات أفعاله فأدخل بينهما العاطف، ثم ذكر اسمين آخرين بعدهما وجردهما من العاطف. فأما الأولان فتجردهما من العاطف لكونهما مفردين صفتين جاريتين على اسم الله، وهما متلازمان فتجريدهما عن العطف هو الأصل، وهو موافق لبيان ما في الكتاب العزيز من ذلك، كالعزيز العليم والسميع البصير والغفور الرحيم. وأما: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ فدخل العاطف بينهما لأنهما في معنى الجملتين، وإن كانا مفردين لفظا فهما يعطيان معنى يغفر الذنب، ويقبل التوب. أي هذا شأنه ووصفه في كل وقت، فأتى بالاسم الدال على أن هذا وصفه ونعته المتضمن لمعنى الفعل الدال على أنه لا يزال يفعل ذلك، فعطف أحدهما على الآخر على نحو عطف الجمل بعضها على بعض، ولا كذلك الاسمان الأولان. ولما لم يكن الفعل ملحوظا في قوله: ﴿شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ إذ لا يحسن وقوع الفعل فيهما وليس في لفظ ﴿ذِي﴾ ما يصاغ منه فعل جرى مجرى المفردين من كل وجه ولم يعطف أحدهما على الآخر كما لم يعطف في العزيز العليم، فتأمله فإنه واضح. (فصل: وقوع الشدة بين رحمتين) تتمة: تأمل كيف وقع الوصف بشديد العقاب بين صفة رحمة قبله وصفة رحمة بعده فقبله ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ وبعده ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ففي هذا تصديق الحديث الصحيح وشاهد له وهو قوله ﷺ: "إن الله كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ": سبقت غضبي " وقد سبقت صفة الرحمة هنا وغلبت. وتأمل كيف افتتح الآية بقوله: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ والتنزيل يستلزم علو المنزل من عنده لا تعقل العرب من لغتها بل ولا غيرها من الأمم السليمة الفطرة إلا ذلك. وقد أخبر أن تنزيل الكتاب منه، فهذا يدل على شيئين: أحدهما علوه تعالى على خلقه. والثاني أنه هو المتكلم بالكتاب المنزل من عنده لا غيره، فإنه أخبر أنه منه، وهذا يقتضي أن يكون منه قولا كما أنه منه تنزيلا. فإن غيره لو كان هو المتكلم به لكان الكتاب من ذلك الغير، فإن الكلام فإنما يضاف إلى المتكلم به ومثل هذا ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ ومثله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾ ومثله: ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فاستمسك بحرف (مِن) في هذه المواضع فإنه يقطع حجج شعب المعتزلة والجهمية وتأمل كيف قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِن﴾ ولم يقل تنزيله؟ فتضمنت الآية إثبات علوه ومكانه وثبوت الرسالة. ثم قال: ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ فتضمن هذان الاسمان صفتي القدرة والعلم وخلق أعمال العباد وحدوث كل ما سوى الله، لأن القدرة هي قدرة الله كما قال أحمد بن حنبل: فتضمنت إثبات القدر، ولأن عزته تمنع أن يكون في ملكه ما لا يشاؤه، أو أن يشاء ما لا يكون، فكانت عزته تبطل ذلك. وكذلك كمال قدرته توجب أن يكون خالق كل شيء، وذلك ينفي أن يكون في العالم شيء قديم لا يتعلق به خلقه، لأن كمال قدرته وعزته يبطل ذلك. ثم قال: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ والذنب مخالفة شرعه وأمره، فتضمن هذان الاسمان إثبات شرعه وإحسانه وفضله ثم قال: ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ وهذا جزاؤه للمذنبين وذو الطول جزاؤه للمحسنين، فتضمنت الثواب والعقاب. ثم قال: ﴿لا إلَهَ إلاّ هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فتضمن ذلك التوحيد والمعاد. فتضمنت الآيتان إثبات صفة العلو والكلام والقدرة والعلم والقدر وحدوث العالم والثواب والعقاب والتوحيد والمعاد، وتنزيل الكتاب منه على لسان رسوله يتضمن الرسالة والنبوة. فهذه عشرة قواعد الإسلام والإيمان تجلى على سمعك في هذه الآية العظيمة. ولكن: خود تزف إلى ضرير مقعد. فهل خطر ببالك قط أن هذه الآية تتضمن هذه العلوم والمعارف مع كثرة قراءتك لها وسماعك إياها، وهكذا سائر آيات القرآن. فما أشدها من حسرة، وأعظمها من غبنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم، ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن، ولا باشر قلبه أسراره ومعانيه. فالله المستعان. (فصل) اعلم أن الصفات إذا ذكرت في مقام التعداد فتارة يتوسط بينها حرف العطف لتغايرها في نفسها، وللإيذان بأن المراد ذكر كل صفة بمفردها. وتارة لا يتوسطها العاطف لاتحاد موصوفها وتلازمها في نفسها، وللإيذان بأنها في تلازمها كالصفة الواحدة. وتارة يتوسط العاطف بين بعضها ويحذف مع بعض بحسب هذين المقامين، فإذا كان المقام مقام تعداد الصفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد حسن إسقاط حرف العطف. وإن أريد الجمع بين الصفات، أو التنبيه على تغايرها حسن إدخال حرف العطف. فمثال الأول: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ﴾ وقوله: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ﴾ ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخر والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ وتأمل كيف اجتمع النوعان في قوله تعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فأتي بالواو في الوصفين الأولين، وحذفها في الوصفين الآخرين، لأن غفران الذنب وقبول التوب، قد يظن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما، فمن غفر الذنب قبل التوب. فكان في عطف أحدهما على الآخر ما يدل على أنهما صفتان وفعلان متغايران، ومفهومان مختلفان لكل منهما حكمة: أحدهما: يتعلق بالإساءة والإعراض وهو المغفرة. والثاني: يتعلق بالإحسان والإقبال على الله تعالى والرجوع إليه وهو التوبة فتقبل هذه الحسنة وتغفر تلك السيئة، وحسن العطف هاهنا هذا التغاير الظاهر، وكلما كان التغاير أبين كان العطف أحسن، ولهذا جاء العطف في قوله: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخر والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ وترك في قوله: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ﴾ وقوله: ﴿الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ وأما: ﴿شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فترك العطف بينهما لنكته بديعة وهي الدلالة على اجتماع هذين الأمرين في ذاته سبحانه، وأنه حال كونه شديد العقاب فهو ذو الطول وطوله لا ينافي شدة عقابه بل هما مجتمعان له بخلاف الأول والآخر فإن الأولية لا تجامع الآخرية، ولهذا فسرها النبي ﷺ بقوله "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء" فأوليته أزليته وآخريته أبديته.

غافر 40:7

وأما قوله تعالى حكاية عن ملائكته: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً﴾ فهذه رحمة الصفة التي وسعت كل شيء كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وسعتها عموم تعلقها بكل شيء كما أن سعة علمه تعالى عموم تعلقه بكل معلوم. (فائدة) وهو سبحانه يقرن بين سعة العلم والرحمة كما يقرن بين العلم والحلم فمن الأول قوله: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ ومن الثاني: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم ومن رحمة إلى علم. وحملة العرش أربعة اثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك فاقتران العفو بالقدرة كاقتران الحلم والرحمة بالعلم لأن العفو إنما يحسن عند القدرة وكذلك الحلم والرحمة إنما يحسنان مع العلم.

غافر 40:8

(فصل) وَمِن دُعاءِ المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَوْلُهُمْ: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر: ٩]. فَهَذا يَتَضَمَّنُ طَلَبَ وِقايَتِهِمْ مِن سَيِّئاتِ الأعْمالِ وعُقُوباتِها الَّتِي تَسُوءُ صاحِبَها، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مَتى وقاهم عَمَلَ السَّيِّئِ وقاهم جَزاءَ السَّيِّئِ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أظْهَرَ في عُقُوباتِ الأعْمالِ المَطْلُوبِ وِقايَتُها يَوْمَئِذٍ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ سَألُوهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقِيَهم عَذابَ الجَحِيمِ، وهَذا هو وِقايَةُ العُقُوباتِ السَّيِّئَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي سَألُوا وِقايَتَها، الأعْمالُ السَّيِّئَةُ، يَكُونُ الَّذِي سَألَهُ المَلائِكَةُ نَظِيرَ ما اسْتَعاذَ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ. وَلا يَرِدُ عَلى هَذا قَوْلُهُ: " يَوْمَئِذٍ " فَإنَّ المَطْلُوبَ وِقايَةُ شُرُورِ سَيِّئاتِ الأعْمالِ ذَلِكَ اليَوْمَ، وهي سَيِّئاتٌ في أنْفُسِها. قِيلَ: وِقايَةُ السَّيِّئاتِ نَوْعانِ. أحَدُهُما: وِقايَةُ فِعْلِها بِالتَّوْفِيقِ فَلا تَصْدُرُ مِنهُ. والثّانِي: وِقايَةُ جَزائِها بِالمَغْفِرَةِ، فَلا يُعاقَبُ عَلَيْها، فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ سُؤالَ الأمْرَيْنِ، والظَّرْفُ تَقْيِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لا لِلْجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ. وَتَأمَّلْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الخَبَرُ عَنِ المَلائِكَةِ مِن مَدْحِهِمْ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، وقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اسْتِغْفارِهِمْ تَوَسُّلَهم إلى اللَّهِ تَعالى بِسَعَةِ عِلْمِهِ وسَعَةِ رَحْمَتِهِ، فَسَعَةُ عِلْمِهِ يَتَضَمَّنُ عِلْمَهُ بِذُنُوبِهِمْ وأسْبابِها وضَعْفِهِمْ عَنِ العِصْمَةِ، واسْتِيلاءِ عَدُوِّهِمْ وأنْفُسِهِمْ وهَواهم وطِباعِهِمْ وما زُيِّنَ لَهم مِنَ الدُّنْيا وزِينَتِها، وعِلْمَهُ بِهِمْ إذْ أنْشَأهم مِنَ الأرْضِ، وإذْ هم أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، وعِلْمَهُ السّابِقَ بِأنَّهم لا بُدَّ أنْ يَعْصُوهُ، وأنَّهُ يُحِبُّ العَفْوَ والمَغْفِرَةَ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن سَعَةِ عِلْمِهِ الَّذِي لا يُحِيطُ بِهِ أحَدٌ سِواهُ. وَسَعَةُ رَحْمَتِهِ تَتَضَمَّنُ أنَّهُ لا يَهْلَكُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ أهْلِ تَوْحِيدِهِ ومَحَبَّتِهِ، فَإنَّهُ واسِعُ الرَّحْمَةِ لا يُخْرِجُ عَنْ دائِرَةِ رَحِمَتِهِ إلّا الأشْقِياءَ، ولا أشْقى مِمَّنْ لَمْ تَسَعْهُ رَحْمَتُهُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ سَألُوهُ أنْ يَغْفِرَ لِلتّائِبِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سَبِيلَهُ، وهو صِراطُهُ المُوَصِّلُ إلَيْهِ الَّذِي هو مَعْرِفَتُهُ ومَحَبَّتُهُ وطاعَتُهُ، فَتابُوا مِمّا يَكْرَهُ، واتَّبَعُوا السَّبِيلَ الَّتِي يُحِبُّها، ثُمَّ سَألُوهُ أنْ يَقِيَهم عَذابَ الجَحِيمِ، وأنْ يُدْخِلَهم والمُؤْمِنِينَ مِن أُصُولِهِمْ وفُرُوعِهِمْ وأزْواجِهِمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَهم بِها، وهو سُبْحانَهُ، وإنْ كانَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، فَإنَّهُ وعَدَهم بِها بِأسْبابٍ، ومِن جُمْلَتِها: دُعاءُ مَلائِكَتِهِ لَهم أنْ يُدْخِلَهم إيّاها بِرَحْمَتِهِ الَّتِي مِنها أنْ وفَّقَهم لِأعْمالِهِمْ وأقامَ مَلائِكَتَهُ يَدْعُونَ لَهم بِها. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ مَلائِكَتِهِ أنَّهم قالُوا عَقِيبَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨]. أيْ مَصْدَرُ ذَلِكَ وسَبَبُهُ وغايَتُهُ صادِرٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِكَ وكَمالِ عِلْمِكَ، فَإنَّ العِزَّةَ كَمالُ القُدْرَةِ، والحِكْمَةَ كَمالُ العِلْمِ، وبِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ يَقْضِي سُبْحانَهُ وتَعالى ما شاءَ، ويَأْمُرُ ويَنْهى ويُثِيبُ ويُعاقِبُ، فَهاتانِ الصِّفَتانِ مَصْدَرُ الخَلْقِ والأمْرِ. والمَقْصُودُ أنَّ عُقُوباتِ السَّيِّئاتِ تَتَنَوَّعُ إلى عُقُوباتٍ شَرْعِيَّةٍ، وعُقُوباتٍ قَدَرِيَّةٍ، وهي إمّا في القَلْبِ، وإمّا في البَدَنِ، وإمّا فِيهِما، وعُقُوباتٍ في دارِ البَرْزَخِ بَعْدَ المَوْتِ، وعُقُوباتٍ يَوْمَ عَوْدِ الأجْسادِ، فالذَّنْبُ لا يَخْلُو مِن عُقُوبَةٍ ألْبَتَّةَ، ولَكِنْ لِجَهْلِ العَبْدِ لا يَشْعُرُ بِما فِيهِ مِنَ العُقُوبَةِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ السَّكْرانِ والمُخَدَّرِ والنّائِمِ الَّذِي لا يَشْعُرُ بِالألَمِ، فَتَرَتُّبُ العُقُوباتِ عَلى الذُّنُوبِ كَتَرَتُّبِ الإحْراقِ عَلى النّارِ، والكَسْرِ عَلى الِانْكِسارِ، والغَرَقِ عَلى الماءِ، وفَسادِ البَدَنِ عَلى السُّمُومِ، والأمْراضِ عَلى الأسْبابِ الجالِبَةِ لَها، وقَدْ تُقارِنُ المَضَرَّةُ الذَّنْبَ وقَدْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ، إمّا يَسِيرًا وإمّا مُدَّةً، كَما يَتَأخَّرُ المَرَضُ عَنْ سَبَبِهِ أنْ يُقارِنَهُ، وكَثِيرًا ما يَقَعُ الغَلَطُ لِلْعَبْدِ في هَذا المَقامِ ويُذْنِبُ الذَّنْبَ فَلا يَرى أثَرَهُ عَقِبَهُ، ولا يَدْرِي أنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ عَلى التَّدْرِيجِ شَيْئًا فَشَيْئًا، كَما تَعْمَلُ السُّمُومُ والأشْياءُ الضّارَّةُ حَذْوَ القَذَّةِ بِالقَذَّةِ، فَإنْ تَدارَكَ العَبْدُ نَفْسَهُ بِالأدْوِيَةِ والِاسْتِفْراغِ والحِمْيَةِ، وإلّا فَهو صائِرٌ إلى الهَلاكِ، هَذا إذا كانَ ذَنْبًا واحِدًا لَمْ يَتَدارَكْهُ بِما يُزِيلُ أثَرَهُ، فَكَيْفَ بِالذَّنْبِ عَلى الذَّنْبِ كُلَّ يَوْمٍ وكُلَّ ساعَةٍ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ.

غافر 40:9

(فصل) وَمِن دُعاءِ المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَوْلُهُمْ: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر: ٩]. فَهَذا يَتَضَمَّنُ طَلَبَ وِقايَتِهِمْ مِن سَيِّئاتِ الأعْمالِ وعُقُوباتِها الَّتِي تَسُوءُ صاحِبَها، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مَتى وقاهم عَمَلَ السَّيِّئِ وقاهم جَزاءَ السَّيِّئِ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أظْهَرَ في عُقُوباتِ الأعْمالِ المَطْلُوبِ وِقايَتُها يَوْمَئِذٍ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ سَألُوهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقِيَهم عَذابَ الجَحِيمِ، وهَذا هو وِقايَةُ العُقُوباتِ السَّيِّئَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي سَألُوا وِقايَتَها، الأعْمالُ السَّيِّئَةُ، يَكُونُ الَّذِي سَألَهُ المَلائِكَةُ نَظِيرَ ما اسْتَعاذَ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ. وَلا يَرِدُ عَلى هَذا قَوْلُهُ: " يَوْمَئِذٍ " فَإنَّ المَطْلُوبَ وِقايَةُ شُرُورِ سَيِّئاتِ الأعْمالِ ذَلِكَ اليَوْمَ، وهي سَيِّئاتٌ في أنْفُسِها. قِيلَ: وِقايَةُ السَّيِّئاتِ نَوْعانِ. أحَدُهُما: وِقايَةُ فِعْلِها بِالتَّوْفِيقِ فَلا تَصْدُرُ مِنهُ. والثّانِي: وِقايَةُ جَزائِها بِالمَغْفِرَةِ، فَلا يُعاقَبُ عَلَيْها، فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ سُؤالَ الأمْرَيْنِ، والظَّرْفُ تَقْيِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لا لِلْجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ. وَتَأمَّلْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الخَبَرُ عَنِ المَلائِكَةِ مِن مَدْحِهِمْ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، وقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اسْتِغْفارِهِمْ تَوَسُّلَهم إلى اللَّهِ تَعالى بِسَعَةِ عِلْمِهِ وسَعَةِ رَحْمَتِهِ، فَسَعَةُ عِلْمِهِ يَتَضَمَّنُ عِلْمَهُ بِذُنُوبِهِمْ وأسْبابِها وضَعْفِهِمْ عَنِ العِصْمَةِ، واسْتِيلاءِ عَدُوِّهِمْ وأنْفُسِهِمْ وهَواهم وطِباعِهِمْ وما زُيِّنَ لَهم مِنَ الدُّنْيا وزِينَتِها، وعِلْمَهُ بِهِمْ إذْ أنْشَأهم مِنَ الأرْضِ، وإذْ هم أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، وعِلْمَهُ السّابِقَ بِأنَّهم لا بُدَّ أنْ يَعْصُوهُ، وأنَّهُ يُحِبُّ العَفْوَ والمَغْفِرَةَ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن سَعَةِ عِلْمِهِ الَّذِي لا يُحِيطُ بِهِ أحَدٌ سِواهُ. وَسَعَةُ رَحْمَتِهِ تَتَضَمَّنُ أنَّهُ لا يَهْلَكُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ أهْلِ تَوْحِيدِهِ ومَحَبَّتِهِ، فَإنَّهُ واسِعُ الرَّحْمَةِ لا يُخْرِجُ عَنْ دائِرَةِ رَحِمَتِهِ إلّا الأشْقِياءَ، ولا أشْقى مِمَّنْ لَمْ تَسَعْهُ رَحْمَتُهُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ سَألُوهُ أنْ يَغْفِرَ لِلتّائِبِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سَبِيلَهُ، وهو صِراطُهُ المُوَصِّلُ إلَيْهِ الَّذِي هو مَعْرِفَتُهُ ومَحَبَّتُهُ وطاعَتُهُ، فَتابُوا مِمّا يَكْرَهُ، واتَّبَعُوا السَّبِيلَ الَّتِي يُحِبُّها، ثُمَّ سَألُوهُ أنْ يَقِيَهم عَذابَ الجَحِيمِ، وأنْ يُدْخِلَهم والمُؤْمِنِينَ مِن أُصُولِهِمْ وفُرُوعِهِمْ وأزْواجِهِمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَهم بِها، وهو سُبْحانَهُ، وإنْ كانَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، فَإنَّهُ وعَدَهم بِها بِأسْبابٍ، ومِن جُمْلَتِها: دُعاءُ مَلائِكَتِهِ لَهم أنْ يُدْخِلَهم إيّاها بِرَحْمَتِهِ الَّتِي مِنها أنْ وفَّقَهم لِأعْمالِهِمْ وأقامَ مَلائِكَتَهُ يَدْعُونَ لَهم بِها. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ مَلائِكَتِهِ أنَّهم قالُوا عَقِيبَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨]. أيْ مَصْدَرُ ذَلِكَ وسَبَبُهُ وغايَتُهُ صادِرٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِكَ وكَمالِ عِلْمِكَ، فَإنَّ العِزَّةَ كَمالُ القُدْرَةِ، والحِكْمَةَ كَمالُ العِلْمِ، وبِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ يَقْضِي سُبْحانَهُ وتَعالى ما شاءَ، ويَأْمُرُ ويَنْهى ويُثِيبُ ويُعاقِبُ، فَهاتانِ الصِّفَتانِ مَصْدَرُ الخَلْقِ والأمْرِ. والمَقْصُودُ أنَّ عُقُوباتِ السَّيِّئاتِ تَتَنَوَّعُ إلى عُقُوباتٍ شَرْعِيَّةٍ، وعُقُوباتٍ قَدَرِيَّةٍ، وهي إمّا في القَلْبِ، وإمّا في البَدَنِ، وإمّا فِيهِما، وعُقُوباتٍ في دارِ البَرْزَخِ بَعْدَ المَوْتِ، وعُقُوباتٍ يَوْمَ عَوْدِ الأجْسادِ، فالذَّنْبُ لا يَخْلُو مِن عُقُوبَةٍ ألْبَتَّةَ، ولَكِنْ لِجَهْلِ العَبْدِ لا يَشْعُرُ بِما فِيهِ مِنَ العُقُوبَةِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ السَّكْرانِ والمُخَدَّرِ والنّائِمِ الَّذِي لا يَشْعُرُ بِالألَمِ، فَتَرَتُّبُ العُقُوباتِ عَلى الذُّنُوبِ كَتَرَتُّبِ الإحْراقِ عَلى النّارِ، والكَسْرِ عَلى الِانْكِسارِ، والغَرَقِ عَلى الماءِ، وفَسادِ البَدَنِ عَلى السُّمُومِ، والأمْراضِ عَلى الأسْبابِ الجالِبَةِ لَها، وقَدْ تُقارِنُ المَضَرَّةُ الذَّنْبَ وقَدْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ، إمّا يَسِيرًا وإمّا مُدَّةً، كَما يَتَأخَّرُ المَرَضُ عَنْ سَبَبِهِ أنْ يُقارِنَهُ، وكَثِيرًا ما يَقَعُ الغَلَطُ لِلْعَبْدِ في هَذا المَقامِ ويُذْنِبُ الذَّنْبَ فَلا يَرى أثَرَهُ عَقِبَهُ، ولا يَدْرِي أنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ عَلى التَّدْرِيجِ شَيْئًا فَشَيْئًا، كَما تَعْمَلُ السُّمُومُ والأشْياءُ الضّارَّةُ حَذْوَ القَذَّةِ بِالقَذَّةِ، فَإنْ تَدارَكَ العَبْدُ نَفْسَهُ بِالأدْوِيَةِ والِاسْتِفْراغِ والحِمْيَةِ، وإلّا فَهو صائِرٌ إلى الهَلاكِ، هَذا إذا كانَ ذَنْبًا واحِدًا لَمْ يَتَدارَكْهُ بِما يُزِيلُ أثَرَهُ، فَكَيْفَ بِالذَّنْبِ عَلى الذَّنْبِ كُلَّ يَوْمٍ وكُلَّ ساعَةٍ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ.

غافر 40:11

(فصل) قال أبو محمد بن حزم في كتاب (الملل والنحل) له: وأما من ظن أن الميت يحيا في قبره قبل يوم القيامة فخطأ، إن الآيات التي ذكرناها تمنع من ذلك، يعني قوله تعالى ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وقوله تعالى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ قال: ولو كان الميت يحيا في قبره لكان تعالى قد أماتنا ثلاثا ثم أحيانا ثلاثا، وهذا باطل وخلاف القرآن إلا من أحياه اللّه تعالى آية لنبي من الأنبياء كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم اللّه موتوا، ثم أحياهم، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، ومن خصه نص، وكذلك قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فصح بنص القرآن أن أرواح سائر من ذكرنا لا ترجع إلى جسده إلا إلى الأجل المسمى وهو يوم القيامة، وكذلك أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه رأى الأرواح ليلة أسري به عند سماء الدنيا من عن يمين آدم أرواح أهل السعادة، وعن شماله أرواح أهل الشقاوة، وأخبر يوم بدر إذ خاطب الموتى أنهم قد سمعوا قوله قبل أن تكون لهم قبور، ولم ينكر على الصحابة قولهم قد جيفوا، واعلم أنهم سامعون قوله مع ذلك، فصح أن الخطاب والسماع لأرواحهم فقط بلا شك، وأما الجسد فلا حس له وقد قال تعالى ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ فنفي السمع عمن في القبور وهي الأجساد بلا شك، ولا يشك مسلم أن الذي نفى اللّه عز وجل عنه السمع هو غير الذي أثبت له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم السمع. قال: ولم يأت قط عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في خبر صحيح أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند المسألة، ولو صح ذلك عنه لقلنا به قال وإنما تفرد بهذه الزيادة من رد الأرواح في القبور إلى الأجساد منهال بن عمرو وحده، وليس بالقوي، تركه شعبة وغيره، وقال فيه المغيرة بن مقسم الضبي وهو أحد الأئمة: ما جازت للمنهال بن عمرو قط شهادة في الإسلام، على ما قد نقل وسائر الأخبار الثابتة على خلاف ذلك. قال: وهذا الذي قلنا هو الذي صح أيضا عن الصحابة. ثم ذكر من طريق ابن عيينة عن منصور بن صفية عن أمه صفية بنت شيبة قالت: دخل ابن عمر المسجد، فأبصر ابن الزبير مطروحا قبل أن يقبر، فقيل له: هذه أسماء بنت أبي بكر الصديق، فمال ابن عمر إليها فعزاها، وقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وإن الأرواح عند اللّه، فقالت أمه: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. (قلت) ما ذكره أبو محمد فيه حق وباطل، وأما قوله: من ظن أن الميت يحيا في قبره فخطأ، فهذا فيه إجمال إن أراد به الحياة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه ويحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس فهذا خطأ كما قال والحس والعقل يكذبه كما يكذبه النص. وإن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ليسأل ويمتحن في قبره فهذا حق ونفيه خطأ، وقد دل عليه النص الصحيح الصريح وهو قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «فتعاد في جسده»، وسنذكر الجواب عن تضعيفه للحديث إن شاء اللّه تعالى. وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ فلا ينفي هذه الإعادة العارضة للروح في الجسد، كما أن قتيل بني إسرائيل الذي أحياه اللّه بعد قتله ثم أماته لم تكن تلك الحياة العارضة له للمسألة معتدا بها، فإنه حي لحظة بحيث قال: فلان قتلني ثم خرّ ميتا} على أن قوله: ثم تعاد روحه في جسده لا يدل على حياة مستقرة، وإنما يدل على إعادة لها إلى البدر وتعلق به الروح لم تزل متعلقة ببدنها وإن بلي وتمزق. وسر ذلك أن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق مغايرة الأحكام: (أحدها) تعلقها به في بطن الأم جنينا. (الثاني) تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. (الثالث) تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه. (الرابع) تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة، وقد ذكرنا في أول الجواب من الأحاديث والآثار ما يدل على ردها إليه وقت سلام المسلم، وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة. (الخامس) تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا. وأما قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فإمساكه سبحانه التي قضى عليها الموت لا ينافي ردها إلى جسدها الميت في وقت ما ردا عارضا لا يوجب له الحياة المعهودة في الدنيا. وإذا كان النائم روحه في جسده وهو حي وحياته غير حياة المستيقظ، فإن النوم شقيق الموت، فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى جسده كانت حاله متوسطة بين الحي والميت الذي لم ترد روحه إلى بدنه، كحال النائم المتوسطة بين الحي والميت، فتأمل هذا يزيح عنك إشكالات كثيرة. وأما إخبار النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن رؤية الأنبياء ليلة أسري به، فقد زعم بعض أهل الحديث أن الذي رآه أشباحهم وأرواحهم قال: فإنهم أحياء عند ربهم، وقد رأى إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور ورأى موسى قائما في قبره يصلي، وقد نعت الأنبياء لما رآهم نعت الأشباح فرأى موسى آدما ضربا طوالا كأنه من رجال شنوءة، ورأى عيسى يقطر رأسه كأنما أخرج من ديماس. ورأى إبراهيم فشبهه بنفسه. ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: هذه الرؤية إنما هي لأرواحهم دون أجسادهم، والأجساد في الأرض قطعا، إنما تبعث يوم بعث الأجساد، ولم تبعث قبل ذلك، إذ لو بعثت قبل ذلك لكانت قد انشقت عنها الأرض قبل يوم القيامة، وكانت تذوق الموت عند نفخة الصور، وهذه موتة ثالثة، وهذا باطل قطعا، ولو كانت قد بعثت الأجساد من القبور لم يعدهم اللّه إليها بل كانت في الجنة، وقد صح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن اللّه حرم الجنة على الأنبياء حتى يدخلها هو، وهو أول من يستفتح باب الجنة، وهو أول من تنشق عنه الأرض على الإطلاق لم تنشق عن أحد قبله». ومعلوم بالضرورة أن جسده صلى اللّه عليه وآله وسلم في الأرض طري مطرا، وقد سأله الصحابة: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: «إن اللّه قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب. وقد صح عنه أن اللّه وكّل بقبره ملائكة يبلغونه عن أمته السلام. وصح عنه أنه خرج بين أبي بكر وعمر وقال: «هكذا نبعث». هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى عليين مع أرواح الأنبياء. وقد صح عنه أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره ليلة الإسراء، ورآه في السماء السادسة أو السابعة، فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به بحيث يصلي في قبره ويرد سلام من سلّم عليه، وهي في الرفيق الأعلى. ولا تنافي بين الأمرين، فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان، وأنت تجد الروحين المتماثلتين المناسبتين في غاية التجاور والقرب، ولو كان بينهما بعد المشرقين، وتجد الروحين المتنافرتين المتباغضتين بينهما غاية البعد، وإن كان جسداهما متجاورين متلاصقين. وليس نزول الروح وصعودها وقربها وبعدها من جنس ما للبدن، فإنها تصعد إلى ما فوق السماوات ثم تهبط على الأرض ما بين قبضها ووضع الميت في قبره وهو زمن يسير لا يصعد البدن وينزل في مثله، وكذلك صعودها وعودها إلى البدن في النوم واليقظة، وقد مثلها بعضهم بالشمس وشعاعها، فإنها في السماء وشعاعها في الأرض، وقال شيخنا: وليس هذا مثلا مطابقا، فإن نفس الشمس لا تنزل من السماء، والشعاع الذي على الأرض ليس هو الشمس ولا صفتها، بل هو عرض حصل بسبب الشمس والجرم المقابل لها، والروح نفسها تصعد وتنزل، وأما قول الصحابة للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في قتلى بدر: كيف تخاطب أقواما قد جيفوا؟ مع إخباره بسماعهم كلامه، فلا ينفي ذلك رد أرواحهم إلى أجسادهم ذلك الوقت ردا يسمعون به خطابه والأجساد قد جيفت، فالخطاب للأرواح المتعلقة بتلك الأجساد التي قد فسدت. وأما قوله تعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ فسياق الآية يدل على أن المراد منها أن الكافر الميت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعا ينتفع به، كما أن من في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعا ينتفعون به، ولم يرد سبحانه أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئا البتة، كيف وقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنهم يسمعون خفق نعال المشيعين. وأخبر أن قتلى بدر سمعوا كلامه وخطابه وشرع السلام عليهم بصيغة الخطاب للحاضر الذي يسمع، وأخبر أن من سلم على أخيه المؤمن رد عليه السلام. هذه الآية نظير قوله: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ وقد يقال: نفي إسماع الصم مع نفي إسماع الموتى يدل على أن المراد عدم أهلية كل منهما للسماع، وأن قلوب هؤلاء لما كانت ميتة صماء كان إسماعها ممتنعا بمنزلة خطاب الميت والأصم، وهذا حق. ولكن لا ينفي إسماع الأرواح بعد الموت إسماع توبيخ وتقريع بواسطة تعلقها بالأبدان في وقت ما، فهذا غير الإسماع المنفي واللّه أعلم. وحقيقة المعنى أنك لا تستطيع أن تسمع من لم يشأ اللّه أن يسمعه إن أنت إلا نذير أي إنما جعل اللّه لك الاستطاعة على الإنذار الذي كلفك إياه لا على إسماع من لم يشأ اللّه إسماعه. وأما قوله: إن الحديث لا يصح لتفرد المنهال بن عمرو وحده به وليس بالقوي، فهذا من مجازفته رحمه اللّه، فالحديث صحيح لا شك فيه، وقد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير زاذان، منهم عدي بن ثابت، ومحمد بن عقبة، ومجاهد. (قال) الحافظ أبو عبد اللّه بن منده في كتاب (الروح والنفس) أخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف، حدثنا محمد بن إسحاق الصفار، أنبأنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلسنا وجلس كأن على أكتافنا فلق الصخر، وعلى رءوسنا الطير فأرم قليلا، والإرمام السكوت، فلما رفع رأسه قال: } «إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة ودبر من الدنيا وحضره ملك الموت نزلت عليه ملائكة معهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة فجلسوا مد البصر، وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه ثم قال: أخرجي أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى رحمة اللّه ورضوانه، فتنسل نفسه كما تقطر القطرة من السقاء، فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل من بين السماء والأرض إلا الثقلين، ثم يصعد به إلى السماء فتفتح له السماء ويشيعه مقربوها إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى العرش مقربو كل سماء، فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين ويقول الرب عز وجل: ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدته أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فيرد إلى مضجعه فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما، ويفحصان الأرض بأشعارهما فيجلسانه ثم يقال له: يا هذا من ربك؟ فيقول: ربي اللّه، فيقولان: صدقت، ثم يقال له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: صدقت، ثم يقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد رسول اللّه، فيقولان: صدقت، ثم يفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول: جزاك اللّه خيرا، فو اللّه ما علمت إن كنت لسريعا في طاعة اللّه بطيئا عن معصية اللّه، فيقول: وأنت فجزاك اللّه خيرا فمن أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، ثم يفتح له باب إلى الجنة فينظر إلى مقعده ومنزله منها حتى تقوم الساعة، وإن الكافر إذا كان في دبر من الدنيا وقبل من الآخرة وحضره الموت، نزلت عليه من السماء ملائكة معهم كفن النار وحنوط من نار قال: فيجلسون منه مد بصره، وجاء ملك فيجلس عند رأسه ثم يقول: أخرجي أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى غضب اللّه وسخطه، فتفرق روحه في جسده كراهية أن تخرج لما ترى وتعاين، فيستخرجها كما يستخرج السفود من الصوف المبلول، فإذا خرجت نفسه لعنه كل شيء بين السماء والأرض إلا الثقلين. ثم يصعد به إلى السماء فتعلق دونه، فيقول الرب عز وجل: ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فترد روحه إلى مضجعه، فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيجلسانه ثم يقولان: يا هذا من ربك؟ فيقول: لا أدري، فينادي من جانب القبر لا دريت، فيضربانه بمرزبة من حديد، لو اجتمع عليها من بين الخافقين. لم تقل، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: جزاك اللّه شرا، فو اللّه ما علمت إن كنت لبطيئا عن طاعة اللّه سريعا في معصية اللّه، فيقول: ومن أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، ثم يفتح له باب إلى النار فينظر في مقعده فيها حتى تقوم الساعة» رواه الإمام أحمد ومحمود بن أبي غيلان وغيرهما عن أبي النضر. ففيه أن الأرواح تعاد إلى القبر، وأن الملكين يجلسان الميت ويستنطقانه (ثم ساقه) ابن منده من طريق محمد بن سلمة عن خصيف الجزري عن مجاهد عن البراء بن عازب قال: كنا في جنازة رجل من الأنصار، ومعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فانتهينا إلى القبر ولم يلحد، ووضعت الجنازة، وجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: «إن المؤمن إذا احتضر أتاه ملك الموت في أحسن صورة وأطيبه ريحا فجلس عنده لقبض روحه، وأتاه ملكان بحنوط من الجنة، وكفن من الجنة، وكانا منه على بعيد، فاستخرج ملك الموت روحه من جسده رشحا، فإذا صارت إلى ملك الموت ابتدرها الملكان، فأخذاها منه فحنطاها بحنوط من الجنة، وكفناها بكفن من الجنة، ثم عرجا به إلى الجنة، فتفتح له أبواب السماء، وتستبشر الملائكة بها، ويقولون: لمن هذه الروح الطيبة التي فتحت لها أبواب السماء؟ ويسمى بأحسن الأسماء التي كان يسمى بها في الدنيا، فيقال: هذه روح فلان، فإذا صعد بها إلى السماء شيعها مقربو كل سماء، حتى توضع بين يدي اللّه عند العرش، فيخرج عملها من عليين، فيقول اللّه عز وجل للمقربين: اشهدوا أني قد غفرت لصاحب هذا العمل ويختم كتابه فيرد في عليين، فيقول اللّه عز وجل: ردوا روح عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني أردهم فيها، ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ فإذا وضع المؤمن في قبره فتح له باب عند رجليه إلى الجنة، فيقال له: أنظر إلى ما أعد اللّه لك من الثواب، ويفتح له باب عند رأسه إلى النار، فيقال له: انظر ما صرف اللّه عنك من العذاب، ثم يقال له: نم قرير العين فليس شيء أحب إليه من قيام الساعة» وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إذا وضع المؤمن في لحده تقول له الأرض: إن كنت لحبيبا إلي وأنت على ظهري فكيف إذا صرت اليوم في بطني، سأريك ما أصنع بك، فيفسح له في قبره مد بصره» وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إذا وضع الكافر في قبر أتاه منكر ونكير فيجلسانه فيقولان له من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان له: لا دريت، فيضربانه ضربة فيصير رمادا، ثم يعاد فيجلس، فيقال له: ما قوله في هذا الرجل؟ فيقول: أي رجل، فيقولان محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فيقول: قال الناس إنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فيضربانه ضربة فيصير رمادا». هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفّاظ، ولا نعلم أحد من ائمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه، ومساءلة منكر ونكير، وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي اللّه، ثم رجوعها إلى القبر، وقول أبي محمد لم يروه غير زاذان فوهم منه، بل رواه عن البراء غير زاذان، ورواه عنه عدي بن ثابت، ومجاهد بن جبير، ومحمد بن عقبة وغيرهم. وقد جمع الدار قطني طرقه في مصنف مفرد، وزاذان من الثقات، روي عن أكابر الصحابة كعمر وغيره، وروى له مسلم في صحيحه، قال يحيى بن معين: ثقة حميد بن هلال. وقد سئل عنه هو ثقة لا تسأل عن مثل هؤلاء، وقال ابن عدي: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عن ثقة. وقوله أن المنهال بن عمرو تفرد بهذه الزيادة وهي قوله فتعاد روحه في جسده وضعفه. فالمنهال أحد الثقات العدول، قال ابن معين: المنهال ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة. وأعظم ما قيل فيه أنه سمع من بيته صوت غناء، وهذا لا يوجب القدح في روايته، واطراح حديثه وتضعيف ابن حزم له لا شيء فإنه لم يذكر موجبا لتضعيفه غير تفرده بقوله: فتعاد روحه في جسده، وقد بينا أنه لم يتفرد بها بل قد رواها غيره. وقد روى ما هو أبلغ منها أو نظيرها كقوله: فترد إليه روحه، وقوله: فتصير إلى قبر فيستوي جالسا، وقوله فيجلسانه، وقوله: فيجلس في قبره، وكلها أحاديث صحاح لا مغمز فيها، وقد أعله غيره بأن زاذان لم يسمعه من البراء، وهذه العلة باطلة، فإن أبا عوانة الأسفرائيني رواه في صحيحه بإسناد، وقال عن أبي عمرو زاذان الكندي قال: سمعت البراء بن عازب، وقال الحافظ أبو عبد اللّه بن منده هذا إسناد مشهور رواه جماعة عن البراء. ولو نزلنا عن حديث البراء فسائر الأحاديث الصحيحة صريحة في ذلك مثل حديث ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قال: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، قال: فيقول ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد، ادخلي حميدة وابشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها اللّه عز وجل، وإذا كان الرجل السوء قال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لن تفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا معوق، ثم يقال: فما كنت تقول في الإسلام؟ ما هذا الرجل؟ فيقول محمد رسول اللّه جاءنا بالبينات من قبل اللّه فآمنا وصدقنا وذكر تمام الحديث. قال الحافظ أبو نعيم: هذا حديث متفق على عدالة ناقليه، اتفق الإمامان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج على أن أبي ذئب ومحمد بن عمرو ابن عطاء وسعيد بن يسار وهم من شرطها، ورواه المتقدمون الكبار عن ابن أبي ذئب مثل ابن أبي فديك وعبد الرحيم بن إبراهيم، انتهى. ورواه عن ابن أبي ذئب غير واحد. وقد احتج أبو عبد اللّه بن منده على إعادة الروح إلى البدن بأن قال: حدثنا محمد بن الحسين بن الحسن، حدثنا محمد بن يزيد النيسابوري، حدثنا حماد بن قيراط، حدثنا محمد بن الفضل، عن يزيد بن عبد الرحمن الصائغ البلخي. عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس أنه قال: بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ذات يوم قاعد تلا هذه الآية: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِمْ﴾ الآية. قال: «والذي نفس محمد بيده، ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة والنار»، ثم قال: «فإذا كان عند ذلك صف له صفان من الملائكة، ينتظمان ما بين الخافقين، كأن وجوههم الشمس فينظر إليهم ما نرى غيرهم، وإن كنتم ترون أنهم ينظرون إليكم، مع كل منهم أكفان وحنوط، فإن كان مؤمنا بشروه بالجنة، وقالوا: أخرجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان اللّه وجنته، فقد أعد اللّه لك من الكرامة ما هو خير من الدنيا وما فيها، فلا يزالون يبشرونه ويحفون به، فهم ألطف وأرأف من الوالدة بولدها، ثم يسلمون روحه من تحت كل ظفر ومفصل، ويموت الأول فالأول، ويهون عليهم، وكم كنتم ترونه شديدا حتى تبلغ ذقنه، قال: فلهي أشد كراهية للخروج من الجسد من الولد حتى يخرج من الرحم، فيبتدرها كل ملك منهم: أيهم يقبضها، فيتولى قبضها ملك الموت، ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ فيتلقاها بأكفان بيض، ثم يحتضنها إليه، فهو أشد لزوما لها من المرأة إذا ولدتها، ثم يفوح منها ريح أطيب من المسك، فيستنشقون ريحها ويتباشرون بها، ويقولون: مرحبا بالروح الطيبة والروح الطيب، اللهم صل عليه روحا وعلى جسد خرجت منه، قال: فيصعدون بها، وللّه عز وجل خلق في الهواء لا يعلم عدتهم إلا هو، فيفوح لهم منها ريح أطيب من المسك، فيصلون عليها ويتباشرون، ويفتح لهم أبواب السماء، فيصلي عليها كل ملك في كل سماء تمر بهم، حتى ينتهي بها بين يدي الملك الجبار جل جلاله، مرحبا بالنفس الطيبة وبجسد خرجت منه، وإذا قال الرب عز وجل للشيء مرحبا رحب له كل شيء، ويذهب عنه كل ضيق، ثم يقول لهذه النفس الطيبة: أدخلوها الجنة وأروها مقعدها من الجنة وأعرضوا عليها ما أعددت لها من الكرامة والنعيم، ثم اذهبوا بها إلى الأرض، فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فوالذي نفس محمد بيده لهي أشد كراهية للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد، وتقول: أين تذهبون بي إلى ذلك الجسد الذي كنت فيه؟ قال: فيقولون: إنا مأمورون بهذا، فلا بد لك منه، فيهبطون به على قدر فراغهم من غسله وأكفانه، فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه. فدل هذا الحديث أن الروح تعاد بين الجسد والأكفان، وهذا عود غير التعلق الذي كان لها في الدنيا بالبدن، وهو نوع آخر، وغير تعلقها به حال النوم، وغير تعلقها به وهي في مقرها، بل هو عود خاص للمسألة. وقال شيخ الإسلام: الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عودة الروح إلى البدن وقت السؤال، وسؤال البدن بلا روح قول قاله طائفة من الناس وأنكره الجمهور، وقابلهم آخرون فقالوا: السؤال للروح بلا بدن، وهذا قاله ابن مرة وابن حزم، وكلاهما غلط، والأحاديث الصحيحة ترده، ولو كان ذلك على الروح فقط لم يكن للقبر بالروح اختصاص.

غافر 40:13

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ التَّذَكُّرِ] قالَ: ثُمَّ يَنْزِلُ القَلْبُ مَنزِلَ التَّذَكُّرِ وهو قَرِينُ الإنابَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] وَقالَ ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨] وهو مِن خَواصِّ أُولِي الألْبابِ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] وَقالَ تَعالى ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. والتَّذَكُّرُ والتَّفَكُّرُ مَنزِلانِ يُثْمِرانِ أنْواعَ المَعارِفِ، وحَقائِقَ الإيمانِ والإحْسانِ، والعارِفُ لا يَزالُ يَعُودُ بِتَفَكُّرِهِ عَلى تَذَكُّرِهِ، وبِتَذَكُّرِهِ عَلى تَفَكُّرِهِ، حَتّى يُفْتَحَ قُفْلُ قَلْبِهِ بِإذْنِ الفَتّاحِ العَلِيمِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يَعُودُونَ بِالتَّذَكُّرِ عَلى التَّفَكُّرِ، وبِالتَّفَكُّرِ عَلى التَّذَكُّرِ، ويُناطِقُونَ القُلُوبَ حَتّى نَطَقَتْ. قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: التَّذَكُّرُ فَوْقَ التَّفَكُّرِ، لِأنَّ التَّفَكُّرَ طَلَبٌ، والتَّذَكُّرَ وُجُودٌ. يُرِيدُ أنَّ التَّفَكُّرَ التِماسُ الغاياتِ مِن مَبادِيها، كَما قالَ: التَّفَكُّرُ تَلَمُّسُ البَصِيرَةِ لِاسْتِدْراكِ البُغْيَةِ. وَأمّا قَوْلُهُ: التَّذَكُّرُ وُجُودٌ، فَلِأنَّهُ يَكُونُ فِيما قَدْ حَصَلَ بِالتَّفَكُّرِ، ثُمَّ غابَ عَنْهُ بِالنِّسْيانِ، فَإذا تَذَكَّرَهُ وجَدَهُ فَظَفِرَ بِهِ. والتَّذَكُّرُ تَفَعُّلٌ مِنَ الذِّكْرِ، وهو ضِدُّ النِّسْيانِ، وهو حُضُورُ صُورَةِ المَذْكُورِ العِلْمِيَّةِ في القَلْبِ، واخْتِيرَ لَهُ بِناءُ التَّفَعُّلِ لِحُصُولِهِ بَعْدَ مُهْلَةٍ وتَدَرُّجٍ، كالتَّبَصُّرِ والتَّفَهُّمِ والتَّعَلُّمِ. فَمَنزِلَةُ التَّذَكُّرِ مِنَ التَّفَكُّرِ مَنزِلَةُ حُصُولِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بَعْدَ التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ، ولِهَذا كانَتْ آياتُ اللَّهِ المَتْلُوَّةُ والمَشْهُودَةُ ذِكْرى، كَما قالَ في المَتْلُوَّةِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [غافر: ٥٣] وَقالَ عَنِ القُرْآنِ ﴿وَإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨] وَقالَ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦]. فالتَّبْصِرَةُ آلَةُ البَصَرِ، والتَّذْكِرَةُ آلَةُ الذِّكْرِ، وقَرَنَ بَيْنَهُما وجَعَلَهُما لِأهْلِ الإنابَةِ، لِأنَّ العَبْدَ إذا أنابَ إلى اللَّهِ أبْصَرَ مَواقِعَ الآياتِ والعِبَرَ، فاسْتَدَلَّ بِها عَلى ما هي آياتٌ لَهُ، فَزالَ عَنْهُ الإعْراضُ بِالإنابَةِ، والعَمى بِالتَّبْصِرَةِ، والغَفْلَةُ بِالتَّذْكِرَةِ، لِأنَّ التَّبْصِرَةَ تُوجِبُ لَهُ حُصُولَ صُورَةِ المَدْلُولِ في القَلْبِ بَعْدَ غَفْلَتِهِ عَنْها، فَتَرْتِيبُ المَنازِلِ الثَّلاثَةِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنها يَمُدُّ صاحِبَهُ ويُقَوِّيهِ ويُثَمِّرُهُ. وَقالَ تَعالى في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٦]. والنّاسُ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ قَلْبُهُ مَيِّتٌ، فَذَلِكَ الَّذِي لا قَلْبَ لَهُ، فَهَذا لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ ذِكْرى في حَقِّهِ. الثّانِي: رَجُلٌ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ مُسْتَعِدٌّ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِلْآياتِ المَتْلُوَّةِ الَّتِي يُخْبِرُ بِها اللَّهُ عَنِ الآياتِ المَشْهُودَةِ إمّا لِعَدَمِ وُرُودِها، أوْ لِوُصُولِها إلَيْهِ ولَكِنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْها بِغَيْرِها، فَهو غائِبُ القَلْبِ، لَيْسَ حاضِرًا، فَهَذا أيْضًا لا تَحْصُلُ لَهُ الذِّكْرى مَعَ اسْتِعْدادِهِ ووُجُودِ قَلْبِهِ. الثّالِثُ: رَجُلٌ حَيُّ القَلْبِ مُسْتَعِدٌّ، تُلِيَتْ عَلَيْهِ الآياتُ، فَأصْغى بِسَمْعِهِ، وألْقى السَّمْعَ وأحْضَرَ قَلْبَهُ، ولَمْ يَشْغَلْهُ بِغَيْرِ فَهْمِ ما يَسْمَعُهُ، فَهو شاهِدُ القَلْبِ، مُلْقٍ السَّمْعَ، فَهَذا القِسْمُ هو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِالآياتِ المَتْلُوَّةِ والمَشْهُودَةِ. فالأوَّلُ: بِمَنزِلَةِ الأعْمى الَّذِي لا يُبْصِرُ. والثّانِي: بِمَنزِلَةِ البَصِيرِ الطّامِحِ بِبَصَرِهِ إلى غَيْرِ جِهَةِ المَنظُورِ إلَيْهِ، فَكِلاهُما لا يَراهُ. والثّالِثُ: بِمَنزِلَةِ البَصِيرِ الَّذِي قَدْ حَدَّقَ إلى جِهَةِ المَنظُورِ، وأتْبَعَهُ بَصَرَهُ، وقابَلَهُ عَلى تَوَسُّطٍ مِنَ البُعْدِ والقُرْبِ، فَهَذا هو الَّذِي يَراهُ. فَسُبْحانَ مَن جَعَلَ كَلامَهُ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ. قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: أبْنِيَةُ التَّذَكُّرِ ثَلاثَةٌ: الِانْتِفاعُ بِالعِظَةِ، والِاسْتِبْصارُ بِالعِبْرَةِ، والظَّفَرُ بِثَمَرَةِ الفِكْرَةِ. الِانْتِفاعُ بِالعِظَةِ: هو أنْ يَقْدَحَ في القَلْبِ قادِحُ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَيَتَحَرَّكَ لِلْعَمَلِ، طَلَبًا لِلْخَلاصِ مِنَ الخَوْفِ، ورَغْبَةً في حُصُولِ المَرْجُوِّ. والعِظَةُ هي الأمْرُ والنَّهْيُ، المَقْرُونُ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. والعِظَةُ نَوْعانِ: عِظَةٌ بِالمَسْمُوعِ، وعِظَةٌ بِالمَشْهُودِ، فالعِظَةُ بِالمَسْمُوعِ الِانْتِفاعُ بِما يَسْمَعُهُ مِنَ الهُدى والرُّشْدِ، والنَّصائِحِ الَّتِي جاءَتْ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ وما أُوحِيَ إلَيْهِمْ، وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِالعِظَةِ مِن كُلِّ ناصِحٍ ومُرْشِدٍ في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. والعِظَةُ بِالمَشْهُودِ الِانْتِفاعُ بِما يَراهُ ويَشْهَدُهُ في العالَمِ مِن مَواقِعِ العِبَرِ، وأحْكامِ القَدَرِ، ومَجارِيهِ، وما يُشاهِدُهُ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ. وَأمّا اسْتِبْصارُ العِبْرَةِ فَهو زِيادَةُ البَصِيرَةِ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ في مَنزِلِ التَّفَكُّرِ بِقُوَّةِ الِاسْتِحْضارِ، لِأنَّ التَّذَكُّرَ يَعْتَقِلُ المَعانِي الَّتِي حَصَلَتْ بِالتَّفَكُّرِ في مَواقِعِ الآياتِ والعِبَرِ، فَهو يَظْفَرُ بِها بِالتَّفَكُّرِ، وتَنْصَقِلُ لَهُ وتَنْجَلِي بِالتَّذَكُّرِ، فَيَقْوى العَزْمُ عَلى السَّيْرِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الِاسْتِبْصارِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ تَحْدِيدَ النَّظَرِ فِيما يُحَرِّكُ المَطْلَبَ إذِ الطَّلَبُ فَرْعُ الشُّعُورِ، فَكُلَّما قَوِيَ الشُّعُورُ بِالمَحْبُوبِ اشْتَدَّ سَفَرُ القَلْبِ إلَيْهِ، وكُلَّما اشْتَغَلَ الفِكْرُ بِهِ ازْدادَ الشُّعُورُ بِهِ والبَصِيرَةُ فِيهِ، والتَّذَكُّرُ لَهُ. وَأمّا الظَّفَرُ بِثَمَرَةِ الفِكْرَةِ فَهَذا مَوْضِعٌ لَطِيفٌ. وَلِلْفِكْرَةِ ثَمَرَتانِ: حُصُولُ المَطْلُوبِ تامًّا بِحَسَبِ الإمْكانِ، والعَمَلُ بِمَوْجِبِهِ رِعايَةً لِحَقِّهِ، فَإنَّ القَلْبَ حالَ التَّفَكُّرِ كانَ قَدْ كَلَّ بِأعْمالِهِ في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهُ المَعانِي وتَخَمَّرَتْ في القَلْبِ، واسْتَراحَ العَقْلُ عادَ فَتَذَكَّرَ ما كانَ حَصَّلَهُ وطالَعَهُ، فابْتَهَجَ بِهِ وفَرِحَ بِهِ، وصَحَّحَ في هَذا المَنزِلِ ما كانَ فاتَهُ في مَنزِلِ التَّفَكُّرِ، لِأنَّهُ قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِ في مَقامِ التَّذَكُّرِ، الَّذِي هو أعْلى مِنهُ، فَأخَذَ حِينَئِذٍ في الثَّمَرَةِ المَقْصُودَةِ، وهي العَمَلُ بِمُوجَبِهِ مُراعاةً لِحَقِّهِ، فَإنَّ العَمَلَ الصّالِحَ هو ثَمَرَةُ العِلْمِ النّافِعِ، الَّذِي هو ثَمَرَةُ التَّفَكُّرِ. وَإذا أرَدْتَ فَهْمَ هَذا بِمِثالٍ حِسِّيٍّ. فَطالِبُ المالِ ما دامَ جادًّا في طَلَبِهِ، فَهو في كَلالٍ وتَعَبٍ، حَتّى إذا ظَفِرَ بِهِ اسْتَراحَ مِن كَدِّ الطَّلَبِ، وقَدِمَ مِن سَفَرِ التِّجارَةِ، فَطالَعَ ما حَصَّلَهُ وأبْصَرَهُ، وصَحَّحَ في هَذا الحالِ ما عَساهُ غَلِطَ فِيهِ في حالِ اشْتِغالِهِ بِالطَّلَبِ، فَإذا صَحَّ لَهُ وبَرَدَتْ غَنِيمَتُهُ لَهُ أخَذَ في صَرْفِ المالِ في وُجُوهِ الِانْتِفاعِ المَطْلُوبَةِ مِنهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فَصْلٌ) قالَ: وإنَّما يَنْتَفِعُ بِالعِظَةِ بَعْدَ حُصُولِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: شِدَّةِ الِافْتِقارِ إلَيْها، والعَمى عَنْ عَيْبِ الواعِظِ، وتَذَكُّرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ. إنَّما يَشْتَدُّ افْتِقارُ العَبْدِ إلى العِظَةِ وهي التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ إذا ضَعُفَتْ إنابَتُهُ وتَذَكُّرُهُ، وإلّا فَمَتى قَوِيَتْ إنابَتُهُ وتَذَكُّرُهُ لَمْ تَشْتَدَّ حاجَتُهُ إلى التَّذْكِيرِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ولَكِنْ تَكُونُ الحاجَةُ مِنهُ شَدِيدَةً إلى مَعْرِفَةِ الأمْرِ والنَّهْيِ. والعِظَةُ يُرادُ بِها أمْرانِ: الأمْرُ والنَّهْيُ المَقْرُونانِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، ونَفْسُ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ. فالمُنِيبُ المُتَذَكِّرُ شَدِيدُ الحاجَةِ إلى الأمْرِ والنَّهْيِ، والمُعْرِضُ الغافِلُ شَدِيدُ الحاجَةِ إلى التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، والمُعارِضُ المُتَكَبِّرُ شَدِيدُ الحاجَةِ إلى المُجادَلَةِ فَجاءَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ في حَقِّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] أطْلَقَ الحِكْمَةَ ولَمْ يُقَيِّدْها بِوَصْفِ الحَسَنَةِ، إذْ كُلُّها حَسَنَةٌ، ووَصْفُ الحُسْنِ لَها ذاتِيٌّ. وَأمّا المَوْعِظَةُ فَقَيَّدَها بِوَصْفِ الإحْسانِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَوْعِظَةٍ حَسَنَةً. وَكَذَلِكَ الجَدَلُ قَدْ يَكُونُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى حالِ المُجادِلِ وغِلْظَتِهِ، ولِينِهِ وحِدَّتِهِ ورِفْقِهِ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِمُجادَلَتِهِمْ بِالحالِ الَّتِي هي أحْسَنُ. وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِما يُجادَلُ بِهِ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، والكَلِماتِ الَّتِي هي أحْسَنُ شَيْءٍ وأبْيَنُهُ، وأدَلُّهُ عَلى المَقْصُودِ، وأوْصَلُهُ إلى المَطْلُوبِ. والتَّحْقِيقُ: أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُ النَّوْعَيْنِ. وَأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى أنْواعِ القِياساتِ فالحِكْمَةُ هي طَرِيقَةُ البُرْهانِ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ هي طَرِيقَةُ الخَطابَةِ، والمُجادَلَةُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ طَرِيقَةُ الجَدَلِ، فالأوَّلُ: بِذِكْرِ المُقَدِّماتِ البُرْهانِيَّةِ لِمَن لا يَرْضى إلّا بِالبُرْهانِ، ولا يَنْقادُ إلّا لَهُ، وهم خَواصُّ النّاسِ. والثّانِي: بِذِكْرِ المُقَدِّماتِ الخَطابِيَّةِ الَّتِي تُثِيرُ رَغْبَةً ورَهْبَةً لِمَن يَقْنَعُ بِالخَطابَةِ وهُمُ الجُمْهُورُ، والثّالِثُ: بِذِكْرِ المُقَدِّماتِ الجَدَلِيَّةِ لِلْمُعارِضِ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِالجَدَلِ، وهُمُ المُخالِفُونَ فَتَنْزِيلُ القُرْآنِ عَلى قَوانِينِ أهْلِ المَنطِقِ اليُونانِيِّ واصْطِلاحِهِمْ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها، وإنَّما ذُكِرَ هَذا اسْتِطْرادًا لِذِكْرِ العِظَةِ، وأنَّ المُنِيبَ المُتَذَكِّرَ لا تَشْتَدُّ حاجَتُهُ إلَيْها كَحاجَةِ الغافِلِ المُعْرِضِ، فَإنَّهُ شَدِيدُ الحاجَّةِ جِدًّا إلى العِظَةِ لِيَتَذَكَّرَ ما قَدْ نَسِيَهُ، فَيَنْتَفِعَ بِالتَّذَكُّرِ. وَأمّا العَمى عَنْ عَيْبِ الواعِظِ فَإنَّهُ إذا اشْتَغَلَ بِهِ حُرِمَ الِانْتِفاعَ بِمَوْعِظَتِهِ، لِأنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلى عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِكَلامِ مَن لا يَعْمَلُ بِعَمَلِهِ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ، وهَذا بِمَنزِلَةِ مَن يَصِفُ لَهُ الطَّبِيبُ دَواءً لِمَرَضٍ بِهِ مِثْلُهُ، والطَّبِيبُ مُعْرِضٌ عَنْهُ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ، بَلِ الطَّبِيبُ المَذْكُورُ عِنْدَهم أحْسَنُ حالًا مِن هَذا الواعِظِ المُخالِفِ لِما يَعِظُ بِهِ، لِأنَّهُ قَدْ يَقُومُ دَواءٌ آخَرُ عِنْدَهُ مَقامَ هَذا الدَّواءِ، وقَدْ يَرى أنَّ بِهِ قُوَّةً عَلى تَرْكِ التَّداوِي، وقَدْ يَقْنَعُ بِعَمَلِ الطَّبِيعَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِخِلافِ هَذا الواعِظِ، فَإنَّ ما يَعِظُ بِهِ طَرِيقٌ مُعَيَّنٌ لِلنَّجاةِ لا يَقُومُ غَيْرُها مَقامَها، ولا بُدَّ مِنها، ولِأجْلِ هَذِهِ النُّفْرَةِ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا أرَدْتَ أنْ يُقْبَلَ مِنكَ الأمْرُ والنَّهْيُ فَإذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ فَكُنْ أوَّلَ الفاعِلِينَ لَهُ، المُؤْتَمِرِينَ بِهِ، وإذا نَهَيْتَ عَنْ شَيْءٍ، فَكُنْ أوَّلَ المُنْتَهِينَ عَنْهُ، وقَدْ قِيلَ: ؎يا أيُّها الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيْرَهُ ∗∗∗ هَلّا لِنَفْسِكَ كانَ ذا التَّعْلِيمُ؟ ؎تَصِفُ الدَّواءَ لِذِي السِّقامِ مِنَ الضَّنى ∗∗∗ ومِنَ الضَّنى تُمْسِي وأنْتَ سَقِيمُ ؎لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ∗∗∗ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ ذَمِيمُ ؎ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها ∗∗∗ فَإذا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمُ ؎هُناكَ يُقْبَلُ ما تَقُولُ ويُقْتَدى ∗∗∗ بِالقَوْلِ مِنكَ ويَنْفَعُ التَّعْلِيمُ فالعَمى عَنْ عَيْبِ الواعِظِ مِن شُرُوطِ تَمامِ الِانْتِفاعِ بِمَوْعِظَتِهِ. وَأمّا تَذَكُّرُ الوَعْدِ والوَعِيدِ فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ خَشْيَتَهُ والحَذَرَ مِنهُ، ولا تَنْفَعُ المَوْعِظَةُ إلّا لِمَن آمَنَ بِهِ، وخافَهُ ورَجاهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣] وقالَ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] وقالَ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] فالإيمانُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وذِكْرُهُ: شَرْطٌ في الِانْتِفاعِ بِالعِظاتِ والآياتِ والعِبَرِ، يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ بِدُونِهِ. قالَ: وإنَّما تُسْتَبْصَرُ العِبْرَةُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِحَياةِ العَقْلِ، ومَعْرِفَةِ الأيّامِ، والسَّلامَةِ مِنَ الأغْراضِ. إنَّما تَتَمَيَّزُ العِبْرَةُ وتُرى وتَتَحَقَّقُ بِحَياةِ العَقْلِ، والعِبْرَةُ هي الِاعْتِبارُ، وحَقِيقَتُها العُبُورُ مِن حُكْمِ الشَّيْءِ إلى حُكْمِ مِثْلِهِ، فَإذا رَأى مَن قَدْ أصابَتْهُ مِحْنَةٌ وبَلاءٌ لِسَبَبٍ ارْتَكَبَهُ، عَلِمَ أنَّ حُكْمَ مَنِ ارْتَكَبَ ذَلِكَ السَّبَبَ كَحُكْمِهِ. وَحَياةُ العَقْلِ هي صِحَّةُ الإدْراكِ، وقُوَّةُ الفَهْمِ وجَوْدَتُهُ، وتَحَقُّقُ الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ والتَّضَرُّرِ بِهِ، وهو نُورٌ يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ، وبِحَسَبِ تَفاوُتِ النّاسِ في قُوَّةِ ذَلِكَ النُّورِ وضَعْفِهِ ووُجُودِهِ وعَدَمِهِ يَقَعُ تَفاوُتُ أذْهانِهِمْ وأفْهامِهِمْ وإدْراكاتِهِمْ. ونِسْبَتُهُ إلى القَلْبِ كَنِسْبَةِ النُّورِ الباصِرِ إلى العَيْنِ. وَمِن تَجْرِيباتِ السّالِكِينَ الَّتِي جَرَّبُوها فَألْفَوْها صَحِيحَةً أنَّ مَن أدْمَنَ يا حَيُّ يا قَيُّومُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ أوْرَثَهُ ذَلِكَ حَياةَ القَلْبِ والعَقْلِ. وَكانَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ شَدِيدَ اللَّهْجِ بِها جِدًّا، وقالَ لِي يَوْمًا: لِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ وهُما الحَيُّ القَيُّومُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ في حَياةِ القَلْبِ، وكانَ يُشِيرُ إلى أنَّهُما الِاسْمُ الأعْظَمُ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَن واظَبَ عَلى أرْبَعِينَ مَرَّةً كُلَّ يَوْمٍ بَيْنَ سُنَّةِ الفَجْرِ وصَلاةِ الفَجْرِ يا حَيُّ يا قَيُّومُ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ حَصَلَتْ لَهُ حَياةُ القَلْبِ، ولَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ. وَمَن عَلِمَ عُبُودِيّاتِ الأسْماءِ الحُسْنى والدُّعاءَ بِها، وسِرَّ ارْتِباطِها بِالخَلْقِ والأمْرِ، وبِمَطالِبِ العَبْدِ وحاجاتِهِ عَرَفَ ذَلِكَ وتَحَقَّقَهُ، فَإنَّ كُلَّ مَطْلُوبٍ يُسْألُ بِالمُناسِبِ لَهُ، فَتَأمَّلْ أدْعِيَةَ القُرْآنِ والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ تَجِدْها كَذَلِكَ.

غافر 40:19

جَمَعَ بَيْنَ اللَّحَظاتِ والخَطَراتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. (فائدة) قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ "هو الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فليحظها بصره. وقد سئل النبي ﷺ نظرة الفجأة فقال: "اصرف بصرك عنها"

غافر 40:28

(فائدة) منع كثير من النحاة أن يقال (البعض والكل) لأنهما اسمان لا يستعملان إلا مضافان. ووقع في كلام الزجاج وغيره بدل البعض من الكل. وجوز أبو عبيدة أن يكون بمعنى الكل، كما جوز ذلك في الأكثر فالأول كقوله: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ والثاني كقوله: ﴿وَأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ ولا دليل له في ذلك لأن قوله: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ من خطاب التلطف، والقول اللين. وأما ﴿وَأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ فلا يمتنع أن يكون فيهم من يصدق في كثير من أقواله. إذا عرف هذا فقالت طائفة البعض للجزء القليل والكثير والمساوي. وفي هذا نظر إذ إطلاق لفظ بعض العشرة على التسعة مما يحتاج إلى نقل واستعمال. والظاهر أنه قريب من البعض معنى، كما هو قريب منه لفظا. وليس في عرف اللغة والتخاطب إذا قال: خذ بعض هذه الصبرة أن يأخذها كلها إلا حفنة منها، ولا لمن يجيئك في أيام الشهر كلها إلا يوما واحدا هو يجيء في بعض أيام الشهر.

غافر 40:32

قال مجاهد: فارّين غير معجزين. وقال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندّوا هربًا، فلا يأْتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفًا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] وقوله تعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ إن اسْتَطَعْتُمْ أن تَنفُذُوا مِن أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ فانفذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] وهذا القول أظهر، والله أعلم.

غافر 40:33

قال مجاهد: فارّين غير معجزين. وقال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندّوا هربًا، فلا يأْتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفًا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] وقوله تعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ إن اسْتَطَعْتُمْ أن تَنفُذُوا مِن أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ فانفذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] وهذا القول أظهر، والله أعلم.

غافر 40:36

قرأ أهل الكوفة «وَصُدَّ» على البناء للمفعول، حملا على «زُيِّنَ» وقرأه الباقون «وَصَدَّ» بفتح الصاد، ويحتمل معنيين. أحدهما: أعرض، فيكون لازما. والثاني: يكون صد ومنع غيره، فيكون متعديا، والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان. وأما الشد على القلب ففي قوله تعالى: {وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ... (٨٩). فهذا الشد على القلب: هو الصد والمنع. ولهذا قال ابن عباس: يريد منعها، والمعنى قسّها واطبع عليها، حتى لا تلين، ولا تنشرح للإيمان. وهذا مطابق لما في التوراة: إن الله سبحانه قال لموسى: اذهب إلى فرعون، فإني سأقسي قلبه، فلا يؤمن حتى أظهر آياتي وعجائبي بمصر. وهذا الشد والتقسية، من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه، فإنه جعله عقوبة لهم على كفرهم وإعراضهم، كعقوبته لهم بالمصائب، ولهذا كان محمودا، فهو حسن منه، وأقبح شيء منهم، فإنه عدل منه وحكمة، وهو ظلم منهم وسفه. فالقضاء والقدر فعل عادل حكيم غني عليم، يضع الخير والشر في أليق المواضع لهما والمقضي المقدر يكون من العبد ظلما وجورا وسفها، وهو فعل جاهل ظالم سفيه. (فصل) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ دَلَّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ: إلَهِي في السَّماءِ وفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كاذِبًا، فَإنِ احْتَجَّ أحَدٌ عَلَيْنا فِيما قَدَّمْناهُ. وَقالَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأشْبَهَ المَخْلُوقاتِ لَأنَّ ما أحاطَتْ بِهِ الأمْكِنَةُ واحْتَوَتْهُ فَهو مَخْلُوقٌ، فَشَيْءٌ لا يَلْزَمُ ولا مَعْنى لَهُ لِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مِن خَلْقِهِ ولا يُقاسُ بِشَيْءٍ مِن بَرِّيَّتِهِ، ولا يُدْرَكُ بِقِياسٍ ولا يُقاسُ بِالنّاسِ كانَ قَبْلَ الأمْكِنَةِ ويَكُونُ بَعْدَها لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا شَرِيكَ لَهُ، وقَدِ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ وكُلُّ ذِي لُبٍّ أنَّهُ لا يَعْقِلُ كائِنٌ إلّا في مَكانٍ ما وما لَيْسَ في مَكانٍ فَهو عَدَمٌ وقَدْ صَحَّ في العُقُولِ وثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّهُ كانَ في الأزَلِ لا في مَكانٍ ولَيْسَ بِمَعْدُومٍ فَكَيْفَ يُقاسُ عَلى شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ؟ أوْ يَجْرِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم تَمْثِيلٌ أوْ تَشْبِيهٌ؟ تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا وصَفْنا رَبَّنا تَعالى أنَّهُ كانَ في الأزَلِ لا في مَكانٍ ثُمَّ خَلَقَ الأماكِنَ فَصارَ في مَكانٍ وفي ذَلِكَ إقْرارٌ مِنّا بِالتَّغْيِيرِ والِانْتِقالِ إذْ زالَ عَنْ صِفَتِهِ في الأزَلِ وصارَ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. قِيلَ لَهُ: وكَذَلِكَ " زَعَمْتَ " أنْتَ أنَّهُ كانَ لا في مَكانٍ ثُمَّ صارَ في كُلِّ مَكانٍ فَنَقَلَ صِفَتَهُ مِنَ الكَوْنِ لا في مَكانٍ إلى صِفَةٍ هي الكَوْنُ في كُلِّ مَكانٍ فَقَدْ تَغَيَّرَ عِنْدَكَ مَعْبُودٌ وانْتَقَلَ مِن لا مَكانَ إلى كُلِّ مَكانٍ فَإنْ قالَ: إنَّهُ كانَ في الأزَلِ في كُلِّ مَكانٍ كَما هو الآنَ فَقَدْ أوْجَبَ الأماكِنَ والأشْياءَ مَوْجُودَةً مَعَهُ في أزَلِيَّتِهِ وهَذا فاسِدٌ. فَإنْ قالَ: فَهَلْ يَجُوزُ عِنْدَكَ أنْ يَنْتَقِلَ مَن لا مَكانَ في الأزَلِ إلى مَكانٍ. قِيلَ لَهُ: أمّا الِانْتِقالُ وتَغَيُّرُ الحالِ فَلا سَبِيلَ إلى إطْلاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّ كَوْنَهُ في الأزَلِ لا يُوجِبُ مَكانًا وكَذَلِكَ نَقْلَتُهُ لا تُوجِبُ مَكانًا ولَيْسَ في ذَلِكَ كالخَلْقِ لِأنَّ كَوْنَ ما كَوْنُهُ يُوجِبُ " مَكانًا " مِنَ الخَلْقِ ونَقْلَتُهُ تُوجِبُ مَكانًا ويَصِيرُ مُنْتَقِلًا مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ واللَّهُ تَعالى لَيْسَ كَذَلِكَ. . . ولَكِنّا نَقُولُ: اسْتَوى مِن لا مَكانَ إلى مَكانٍ ولا نَقُولُ: انْتَقَلَ وإنْ كانَ المَعْنى في ذَلِكَ واحِدًا. كَما نَقُولُ: لَهُ عَرْشٌ ولا نَقُولُ: لَهُ سَرِيرٌ، ونَقُولُ: هو الحَكِيمُ ولا نَقُولُ: هو العاقِلُ، ونَقُولُ: خَلِيلُ إبْراهِيمَ ولا نَقُولُ: صَدِيقُ إبْراهِيمَ، وإنْ كانَ المَعْنى في ذَلِكَ واحِدًا لِأنّا لا نُسَمِّيهِ ولا نَصِفُهُ ولا نُطْلِقُ عَلَيْهِ إلّا ما سَمّى بِهِ نَفْسَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ، ولا نَدْفَعُ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ لِأنَّهُ دَفْعٌ لِلْقُرْآنِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَلَيْسَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً ولا زَوالًا ولا انْتِقالًا لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ الجائِيُ جِسْمًا أوْ جَوْهَرًا فَلَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ لَمْ يَجِبْ أنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً ولا نَقْلَةً، ولَوِ اعْتَبَرْتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ جاءَتْ فُلانًا قِيامَتُهُ، وجاءَهُ المَوْتُ، وجاءَهُ المَرَضُ، وشِبْهُ ذَلِكَ مِمّا هو مَوْجُودٌ نازِلٌ بِهِ ولا مَجِيءَ، لَبانَ لَكَ وبِاللَّهِ العِصْمَةُ والتَّوْفِيقُ. فَإنْ قالَ: إنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَوِيًا عَلى مَكانٍ إلّا مَقْرُونًا بِالكَيْفِ قِيلَ لَهُ: قَدْ يَكُونُ الِاسْتِواءُ واجِبًا والتَّكْيِيفُ مُرْتَفِعٌ ولَيْسَ رَفْعُ التَّكْيِيفِ يُوجِبُ رَفْعَ الِاسْتِواءِ ولَوْ لَزِمَ هَذا لَزِمَ التَّكْيِيفُ في الأزَلِ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ كائِنًا في مَكانٍ ولا مَقْرُونًا بِالتَّكْيِيفِ. فَإنْ قالَ إنَّهُ كانَ ولا مَكانَ وهو غَيْرُ مَقْرُونٍ بِالتَّكْيِيفِ وقَدْ عَقَلْنا وأدْرَكْنا بِحَواسِّنا أنَّ لَنا أرْواحًا في أبْدانِنا ولا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ ولَيْسَ جَهْلُنا بِكَيْفِيَّةِ الأرْواحِ يُوجِبُ أنْ لَيْسَ لَنا أرْواحٌ وكَذَلِكَ لَيْسَ جَهْلُنا بِكَيْفِيَّتِهِ عَلى عَرْشِهِ يُوجِبُ أنَّهُ لَيْسَ عَلى عَرْشِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كانَ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ؟ قالَ كانَ في عَماءٍ ما فَوْقَهُ هَواءٌ». قالَ أبُو القاسِمِ العَماءُ: مَمْدُودٌ وهو السَّحابُ، والعَمى مَقْصُورٌ: الظُّلْمَةُ، وقَدْ رُوِيَ الحَدِيثُ بِالمَدِّ والقَصْرِ فَمَن رَواهُ بِالمَدِّ فَمَعْناهُ عِنْدَهُ كانَ في عَماءِ سَحابٍ ما تَحْتَهُ وما فَوْقَهُ هَواءٌ والهاءُ راجِعَةٌ عَلى العَماءِ ومَن رَواهُ بِالقَصْرِ فَمَعْناهُ عِنْدَهُ كانَ في عَمى عَنْ خَلْقِهِ لِأنَّهُ مِن عَمِيَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ أظْلَمَ عَنْهُ. قالَ سُنَيْدٌ بِسَنَدِهِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّ بَيْنَ العَرْشِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ لَسَبْعِينَ حِجابًا مِن نُورٍ وحِجابًا مِن ظُلْمَةٍ، ورَوى أيْضًا سُنَيْدٌ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما بَيْنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى الأُخْرى مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى الكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، " وما بَيْنَ الكُرْسِيِّ إلى الماءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ "، والعَرْشُ عَلى الماءِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العَرْشِ ويَعْلَمُ أعْمالَكم. وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا: إنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم. قالَ أبُو القاسِمِ: يُرِيدُ فَوْقَ العَرْشِ، لِأنَّ العَرْشَ آخِرُ المَخْلُوقاتِ لَيْسَ فَوْقَهُ مَخْلُوقٌ واللَّهُ تَعالى عَلى المَخْلُوقاتِ دُونَ تَكْيِيفٍ ولا مُماسَّةٍ ولا أعْلَمُ في هَذا البابِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا إلّا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنِ الأحْنَفِ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إلى سَحابَةٍ فَقالَ ما تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ قالُوا: السَّحابُ، قالَ: والمُزْنُ. قالُوا: والمُزْنُ. قالَ: والعَنانُ. قالُوا: والعَنانُ قالَ: كَمْ تَرَوْنَ بَيْنَكم وبَيْنَ السَّماءِ؟ قالُوا لا نَدْرِي، قالَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ إمّا واحِدٌ أوِ اثْنانِ أوْ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ سَنَةً والسَّماءُ فَوْقَها كَذَلِكَ بَيْنَهُما مِثْلُ ذَلِكَ حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ ثُمَّ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ بَحْرٌ أعْلاهُ وأسْفَلُهُ كَما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمانِيَةُ أوْعالٍ بَيْنَ أظْلافِهِمْ ورُكَبِهِمْ مِثْلُ ما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ عَلى ظُهُورِهِمُ العَرْشُ بَيْنَ أسْفَلِهِ وأعْلاهُ مِثْلُ ما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ ثُمَّ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ ذَلِكَ» هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.

غافر 40:37

قرأ أهل الكوفة «وَصُدَّ» على البناء للمفعول، حملا على «زُيِّنَ» وقرأه الباقون «وَصَدَّ» بفتح الصاد، ويحتمل معنيين. أحدهما: أعرض، فيكون لازما. والثاني: يكون صد ومنع غيره، فيكون متعديا، والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان. وأما الشد على القلب ففي قوله تعالى: {وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ... (٨٩). فهذا الشد على القلب: هو الصد والمنع. ولهذا قال ابن عباس: يريد منعها، والمعنى قسّها واطبع عليها، حتى لا تلين، ولا تنشرح للإيمان. وهذا مطابق لما في التوراة: إن الله سبحانه قال لموسى: اذهب إلى فرعون، فإني سأقسي قلبه، فلا يؤمن حتى أظهر آياتي وعجائبي بمصر. وهذا الشد والتقسية، من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه، فإنه جعله عقوبة لهم على كفرهم وإعراضهم، كعقوبته لهم بالمصائب، ولهذا كان محمودا، فهو حسن منه، وأقبح شيء منهم، فإنه عدل منه وحكمة، وهو ظلم منهم وسفه. فالقضاء والقدر فعل عادل حكيم غني عليم، يضع الخير والشر في أليق المواضع لهما والمقضي المقدر يكون من العبد ظلما وجورا وسفها، وهو فعل جاهل ظالم سفيه. (فصل) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ دَلَّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ: إلَهِي في السَّماءِ وفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كاذِبًا، فَإنِ احْتَجَّ أحَدٌ عَلَيْنا فِيما قَدَّمْناهُ. وَقالَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأشْبَهَ المَخْلُوقاتِ لَأنَّ ما أحاطَتْ بِهِ الأمْكِنَةُ واحْتَوَتْهُ فَهو مَخْلُوقٌ، فَشَيْءٌ لا يَلْزَمُ ولا مَعْنى لَهُ لِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مِن خَلْقِهِ ولا يُقاسُ بِشَيْءٍ مِن بَرِّيَّتِهِ، ولا يُدْرَكُ بِقِياسٍ ولا يُقاسُ بِالنّاسِ كانَ قَبْلَ الأمْكِنَةِ ويَكُونُ بَعْدَها لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا شَرِيكَ لَهُ، وقَدِ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ وكُلُّ ذِي لُبٍّ أنَّهُ لا يَعْقِلُ كائِنٌ إلّا في مَكانٍ ما وما لَيْسَ في مَكانٍ فَهو عَدَمٌ وقَدْ صَحَّ في العُقُولِ وثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّهُ كانَ في الأزَلِ لا في مَكانٍ ولَيْسَ بِمَعْدُومٍ فَكَيْفَ يُقاسُ عَلى شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ؟ أوْ يَجْرِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم تَمْثِيلٌ أوْ تَشْبِيهٌ؟ تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا وصَفْنا رَبَّنا تَعالى أنَّهُ كانَ في الأزَلِ لا في مَكانٍ ثُمَّ خَلَقَ الأماكِنَ فَصارَ في مَكانٍ وفي ذَلِكَ إقْرارٌ مِنّا بِالتَّغْيِيرِ والِانْتِقالِ إذْ زالَ عَنْ صِفَتِهِ في الأزَلِ وصارَ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. قِيلَ لَهُ: وكَذَلِكَ " زَعَمْتَ " أنْتَ أنَّهُ كانَ لا في مَكانٍ ثُمَّ صارَ في كُلِّ مَكانٍ فَنَقَلَ صِفَتَهُ مِنَ الكَوْنِ لا في مَكانٍ إلى صِفَةٍ هي الكَوْنُ في كُلِّ مَكانٍ فَقَدْ تَغَيَّرَ عِنْدَكَ مَعْبُودٌ وانْتَقَلَ مِن لا مَكانَ إلى كُلِّ مَكانٍ فَإنْ قالَ: إنَّهُ كانَ في الأزَلِ في كُلِّ مَكانٍ كَما هو الآنَ فَقَدْ أوْجَبَ الأماكِنَ والأشْياءَ مَوْجُودَةً مَعَهُ في أزَلِيَّتِهِ وهَذا فاسِدٌ. فَإنْ قالَ: فَهَلْ يَجُوزُ عِنْدَكَ أنْ يَنْتَقِلَ مَن لا مَكانَ في الأزَلِ إلى مَكانٍ. قِيلَ لَهُ: أمّا الِانْتِقالُ وتَغَيُّرُ الحالِ فَلا سَبِيلَ إلى إطْلاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّ كَوْنَهُ في الأزَلِ لا يُوجِبُ مَكانًا وكَذَلِكَ نَقْلَتُهُ لا تُوجِبُ مَكانًا ولَيْسَ في ذَلِكَ كالخَلْقِ لِأنَّ كَوْنَ ما كَوْنُهُ يُوجِبُ " مَكانًا " مِنَ الخَلْقِ ونَقْلَتُهُ تُوجِبُ مَكانًا ويَصِيرُ مُنْتَقِلًا مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ واللَّهُ تَعالى لَيْسَ كَذَلِكَ. . . ولَكِنّا نَقُولُ: اسْتَوى مِن لا مَكانَ إلى مَكانٍ ولا نَقُولُ: انْتَقَلَ وإنْ كانَ المَعْنى في ذَلِكَ واحِدًا. كَما نَقُولُ: لَهُ عَرْشٌ ولا نَقُولُ: لَهُ سَرِيرٌ، ونَقُولُ: هو الحَكِيمُ ولا نَقُولُ: هو العاقِلُ، ونَقُولُ: خَلِيلُ إبْراهِيمَ ولا نَقُولُ: صَدِيقُ إبْراهِيمَ، وإنْ كانَ المَعْنى في ذَلِكَ واحِدًا لِأنّا لا نُسَمِّيهِ ولا نَصِفُهُ ولا نُطْلِقُ عَلَيْهِ إلّا ما سَمّى بِهِ نَفْسَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ، ولا نَدْفَعُ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ لِأنَّهُ دَفْعٌ لِلْقُرْآنِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَلَيْسَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً ولا زَوالًا ولا انْتِقالًا لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ الجائِيُ جِسْمًا أوْ جَوْهَرًا فَلَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ لَمْ يَجِبْ أنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً ولا نَقْلَةً، ولَوِ اعْتَبَرْتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ جاءَتْ فُلانًا قِيامَتُهُ، وجاءَهُ المَوْتُ، وجاءَهُ المَرَضُ، وشِبْهُ ذَلِكَ مِمّا هو مَوْجُودٌ نازِلٌ بِهِ ولا مَجِيءَ، لَبانَ لَكَ وبِاللَّهِ العِصْمَةُ والتَّوْفِيقُ. فَإنْ قالَ: إنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَوِيًا عَلى مَكانٍ إلّا مَقْرُونًا بِالكَيْفِ قِيلَ لَهُ: قَدْ يَكُونُ الِاسْتِواءُ واجِبًا والتَّكْيِيفُ مُرْتَفِعٌ ولَيْسَ رَفْعُ التَّكْيِيفِ يُوجِبُ رَفْعَ الِاسْتِواءِ ولَوْ لَزِمَ هَذا لَزِمَ التَّكْيِيفُ في الأزَلِ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ كائِنًا في مَكانٍ ولا مَقْرُونًا بِالتَّكْيِيفِ. فَإنْ قالَ إنَّهُ كانَ ولا مَكانَ وهو غَيْرُ مَقْرُونٍ بِالتَّكْيِيفِ وقَدْ عَقَلْنا وأدْرَكْنا بِحَواسِّنا أنَّ لَنا أرْواحًا في أبْدانِنا ولا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ ولَيْسَ جَهْلُنا بِكَيْفِيَّةِ الأرْواحِ يُوجِبُ أنْ لَيْسَ لَنا أرْواحٌ وكَذَلِكَ لَيْسَ جَهْلُنا بِكَيْفِيَّتِهِ عَلى عَرْشِهِ يُوجِبُ أنَّهُ لَيْسَ عَلى عَرْشِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كانَ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ؟ قالَ كانَ في عَماءٍ ما فَوْقَهُ هَواءٌ». قالَ أبُو القاسِمِ العَماءُ: مَمْدُودٌ وهو السَّحابُ، والعَمى مَقْصُورٌ: الظُّلْمَةُ، وقَدْ رُوِيَ الحَدِيثُ بِالمَدِّ والقَصْرِ فَمَن رَواهُ بِالمَدِّ فَمَعْناهُ عِنْدَهُ كانَ في عَماءِ سَحابٍ ما تَحْتَهُ وما فَوْقَهُ هَواءٌ والهاءُ راجِعَةٌ عَلى العَماءِ ومَن رَواهُ بِالقَصْرِ فَمَعْناهُ عِنْدَهُ كانَ في عَمى عَنْ خَلْقِهِ لِأنَّهُ مِن عَمِيَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ أظْلَمَ عَنْهُ. قالَ سُنَيْدٌ بِسَنَدِهِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّ بَيْنَ العَرْشِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ لَسَبْعِينَ حِجابًا مِن نُورٍ وحِجابًا مِن ظُلْمَةٍ، ورَوى أيْضًا سُنَيْدٌ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما بَيْنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى الأُخْرى مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى الكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، " وما بَيْنَ الكُرْسِيِّ إلى الماءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ "، والعَرْشُ عَلى الماءِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العَرْشِ ويَعْلَمُ أعْمالَكم. وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا: إنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم. قالَ أبُو القاسِمِ: يُرِيدُ فَوْقَ العَرْشِ، لِأنَّ العَرْشَ آخِرُ المَخْلُوقاتِ لَيْسَ فَوْقَهُ مَخْلُوقٌ واللَّهُ تَعالى عَلى المَخْلُوقاتِ دُونَ تَكْيِيفٍ ولا مُماسَّةٍ ولا أعْلَمُ في هَذا البابِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا إلّا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنِ الأحْنَفِ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إلى سَحابَةٍ فَقالَ ما تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ قالُوا: السَّحابُ، قالَ: والمُزْنُ. قالُوا: والمُزْنُ. قالَ: والعَنانُ. قالُوا: والعَنانُ قالَ: كَمْ تَرَوْنَ بَيْنَكم وبَيْنَ السَّماءِ؟ قالُوا لا نَدْرِي، قالَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ إمّا واحِدٌ أوِ اثْنانِ أوْ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ سَنَةً والسَّماءُ فَوْقَها كَذَلِكَ بَيْنَهُما مِثْلُ ذَلِكَ حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ ثُمَّ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ بَحْرٌ أعْلاهُ وأسْفَلُهُ كَما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمانِيَةُ أوْعالٍ بَيْنَ أظْلافِهِمْ ورُكَبِهِمْ مِثْلُ ما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ عَلى ظُهُورِهِمُ العَرْشُ بَيْنَ أسْفَلِهِ وأعْلاهُ مِثْلُ ما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ ثُمَّ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ ذَلِكَ» هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.

غافر 40:38

فَأخْبَرَهم أنَّ الدُّنْيا يُسْتَمْتَعُ بِها إلى غَيْرِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي المُسْتَقَرُّ. وَإذا عَرَفْتَ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ونَعِيمَها مَتاعٌ، ووَسِيلَةٌ إلى لَذّاتِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ خُلِقَتِ الدُّنْيا ولَذّاتُها، فَكُلُّ لَذَّةٍ أعانَتْ عَلى لَذَّةِ الآخِرَةِ وأوْصَلَتْ إلَيْها لَمْ يُذَمَّ تَناوُلُها، بَلْ يُحْمَدُ بِحَسَبِ إيصالِها إلى لَذَّةِ الآخِرَةِ. إذا عُرِفَ هَذا فَأعْظَمُ نَعِيمِ الآخِرَةِ ولَذّاتِها: هو النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وسَماعُ كَلامِهِ مِنهُ، والقُرْبُ مِنهُ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ في حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ: «فَواللَّهِ ما أعْطاهم شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «إنَّهُ إذا تَجَلّى لَهم ورَأوْهُ؛ نَسُوا ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ». (فصل) والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لدار القرار وجعل اللذة كلها بأسرها فيها كما قال الله تعالى ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ وقال تعالى ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ﴾ وقال النبي ﷺ "يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ ما أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ". أي غير ما اطلعتم عليه. وهذا هو الذي قصده الناصح لقومه الشفيق عليهم حيث قال ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ فأخبرهم أن الدنيا متاع يتمتع بها إلى غيرها والآخرة هي المستقر والغاية فصل: وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الدار الآخرة ولذلك خلقت كما قال النبي ﷺ "الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة " فكل لذة أعانت على لذات الدار الآخرة فهي محبوبة مرضية للرب تعالى فصاحبها يلتذ بها من وجهين من جهة تنعمه وقرة عينه بها ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه وإفضائها إلى لذة أكمل منها فهذه هي اللذة التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها لا اللذة التي تعقبه غاية الألم وتفوت عليه أعظم اللذات ولهذا يثاب المؤمن على كل ما يلتذ به من المباحات إذا قصد به الإعانة والتوصل إلى لذة الآخرة ونعيمها فلا نسبة بين لذة صاحب الزوجة أو الأمة الجميلة التي يحبها وعينه قد قرت بها فإنه إذا باشرها والتذ قلبه وبدنه ونفسه بوصالها أثيب على تلك اللذة في مقابلة عقوبة صاحب اللذة المحرمة على لذته كما قال النبي ﷺ " وفي بضع أحدكم أجر. قالوا يا رسول الله ﷺ: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ قالوا نعم. قال فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر " واعلم أن هذه اللذة تتضاعف وتتزايد بحسب ما عند العبد من الإقبال على الله وإخلاص العمل له والرغبة في الدار الآخرة فإن الشهوة والإرادة المنقسمة في الصور اجتمعت له في صورة واحدة والخوف والهم والغم الذي في اللذة المحرمة معدوم في لذته فإذا اتفق له مع هذا صورة جميلة ورزق حبها ورزقت حبه وانصرفت دواعي شهوته إليها وقصرت بصره عن النظر إلى سواها ونفسه عن التطلع إلى غيرها فلا مناسبة بين لذته ولذة صاحب الصورة المحرمة وهذا أطيب نعيم ينال من الدنيا وجعله النبي ﷺ ثالث ثلاثة بها ينال خير الدنيا والآخرة وهي قلب شاكر ولسان ذاكر وزوجة حسناء إن نظر إليها سرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله فالله المستعان.

غافر 40:39

فَأخْبَرَهم أنَّ الدُّنْيا يُسْتَمْتَعُ بِها إلى غَيْرِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي المُسْتَقَرُّ. وَإذا عَرَفْتَ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ونَعِيمَها مَتاعٌ، ووَسِيلَةٌ إلى لَذّاتِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ خُلِقَتِ الدُّنْيا ولَذّاتُها، فَكُلُّ لَذَّةٍ أعانَتْ عَلى لَذَّةِ الآخِرَةِ وأوْصَلَتْ إلَيْها لَمْ يُذَمَّ تَناوُلُها، بَلْ يُحْمَدُ بِحَسَبِ إيصالِها إلى لَذَّةِ الآخِرَةِ. إذا عُرِفَ هَذا فَأعْظَمُ نَعِيمِ الآخِرَةِ ولَذّاتِها: هو النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وسَماعُ كَلامِهِ مِنهُ، والقُرْبُ مِنهُ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ في حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ: «فَواللَّهِ ما أعْطاهم شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «إنَّهُ إذا تَجَلّى لَهم ورَأوْهُ؛ نَسُوا ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ». (فصل) والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لدار القرار وجعل اللذة كلها بأسرها فيها كما قال الله تعالى ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ وقال تعالى ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ﴾ وقال النبي ﷺ "يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ ما أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ". أي غير ما اطلعتم عليه. وهذا هو الذي قصده الناصح لقومه الشفيق عليهم حيث قال ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ فأخبرهم أن الدنيا متاع يتمتع بها إلى غيرها والآخرة هي المستقر والغاية فصل: وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الدار الآخرة ولذلك خلقت كما قال النبي ﷺ "الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة " فكل لذة أعانت على لذات الدار الآخرة فهي محبوبة مرضية للرب تعالى فصاحبها يلتذ بها من وجهين من جهة تنعمه وقرة عينه بها ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه وإفضائها إلى لذة أكمل منها فهذه هي اللذة التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها لا اللذة التي تعقبه غاية الألم وتفوت عليه أعظم اللذات ولهذا يثاب المؤمن على كل ما يلتذ به من المباحات إذا قصد به الإعانة والتوصل إلى لذة الآخرة ونعيمها فلا نسبة بين لذة صاحب الزوجة أو الأمة الجميلة التي يحبها وعينه قد قرت بها فإنه إذا باشرها والتذ قلبه وبدنه ونفسه بوصالها أثيب على تلك اللذة في مقابلة عقوبة صاحب اللذة المحرمة على لذته كما قال النبي ﷺ " وفي بضع أحدكم أجر. قالوا يا رسول الله ﷺ: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ قالوا نعم. قال فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر " واعلم أن هذه اللذة تتضاعف وتتزايد بحسب ما عند العبد من الإقبال على الله وإخلاص العمل له والرغبة في الدار الآخرة فإن الشهوة والإرادة المنقسمة في الصور اجتمعت له في صورة واحدة والخوف والهم والغم الذي في اللذة المحرمة معدوم في لذته فإذا اتفق له مع هذا صورة جميلة ورزق حبها ورزقت حبه وانصرفت دواعي شهوته إليها وقصرت بصره عن النظر إلى سواها ونفسه عن التطلع إلى غيرها فلا مناسبة بين لذته ولذة صاحب الصورة المحرمة وهذا أطيب نعيم ينال من الدنيا وجعله النبي ﷺ ثالث ثلاثة بها ينال خير الدنيا والآخرة وهي قلب شاكر ولسان ذاكر وزوجة حسناء إن نظر إليها سرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله فالله المستعان.

غافر 40:44

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ التَّفْوِيضِ] وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ التَّفْوِيضِ. قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": وَهُوَ ألْطَفُ إشارَةً، وأوْسَعُ مَعْنًى مِنَ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ التَّوَكُّلَ بَعْدَ وُقُوعِ السَّبَبِ، والتَّفْوِيضُ قَبْلَ وُقُوعِهِ وبَعْدَهُ. وهو عَيْنُ الِاسْتِسْلامِ. والتَّوَكُّلُ شُعْبَةٌ مِنهُ. يَعْنِي أنَّ المُفَوِّضَ يَتَبَرَّأُ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، ويُفَوِّضُ الأمْرَ إلى صاحِبِهِ، مِن غَيْرِ أنْ يُقِيمَهُ مَقامَ نَفْسِهِ في مَصالِحِهِ. بِخِلافَ التَّوَكُّلِ. فَإنَّ الوِكالَةَ تَقْتَضِي أنْ يَقُومَ الوَكِيلُ مَقامَ المُوَكِّلِ. فالتَّفْوِيضُ: بَراءَةٌ وخُرُوجٌ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وتَسْلِيمُ الأمْرِ كُلِّهِ إلى مالِكِهِ. فَيُقالُ: وكَذَلِكَ التَّوَكُّلُ أيْضًا. وما قَدَحْتُمْ بِهِ في التَّوَكُّلِ يَرِدُ عَلَيْكم نَظِيرُهُ في التَّفْوِيضِ سَواءٌ. فَإنَّكَ كَيْفَ تُفَوِّضُ شَيْئًا لا تَمْلِكُهُ ألْبَتَّةَ إلى مالِكِهِ؟ وهَلْ يَصِحُّ أنْ يُفَوِّضَ واحِدٌ مِن آحادِ الرَّعِيَّةِ المُلْكَ إلى مَلِكِ زَمانِهِ؟ فالعِلَّةُ إذَنْ في التَّفْوِيضِ أعْظَمُ مِنها في التَّوَكُّلِ. بَلْ لَوْ قالَ القائِلُ: التَّوَكُّلُ فَوْقَ التَّفْوِيضِ وأجَلُّ مِنهُ وأرْفَعُ، لَكانَ مُصِيبًا. ولِهَذا كانَ القُرْآنُ مَمْلُوءًا بِهِ أمْرًا، وإخْبارًا عَنْ خاصَّةِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ، وصَفْوَةِ المُؤْمِنِينَ، بِأنَّ حالَهُمُ التَّوَكُّلُ. وأمَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، وسَمّاهُ المُتَوَكِّلَ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قَرَأْتُ في التَّوْراةِ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، سَمَّيْتُهُ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ بِالأسْواقِ. وَأخْبَرَ عَنْ رُسُلِهِ بِأنَّ حالَهم كانَ التَّوَكُّلَ. وبِهِ انْتَصَرُوا عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ أنَّهم أهْلُ مَقامِ التَّوَكُّلِ. وَلَمْ يَجِئِ التَّفْوِيضُ في القُرْآنِ إلّا فِيما حَكاهُ عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤]. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَتَّخِذَهُ وكِيلًا. فَقالَ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. وَهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ مِن جَهَلَةِ القَوْمِ: إنَّ تَوْكِيلَ الرَّبِّ فِيهِ جَسارَةٌ عَلى البارِّي؛ لِأنَّ التَّوَكُّلَ يَقْتَضِي إقامَةَ الوَكِيلِ مَقامَ المُوَكِّلِ. وذَلِكَ عَيْنُ الجَسارَةِ. قالَ: ولَوْلا أنَّ اللَّهَ أباحَ ذَلِكَ ونَدَبَ إلَيْهِ: لَما جازَ لِلْعَبْدِ تَعاطِيهِ. وَهَذا مِن أعْظَمِ الجَهْلِ. فَإنَّ اتِّخاذَهُ وكِيلًا هو مَحْضُ العُبُودِيَّةِ، وخالِصُ التَّوْحِيدِ، إذا قامَ بِهِ صاحِبُهُ حَقِيقَةً. وَلِلَّهِ دَرُّ سَيِّدِ القَوْمِ، وشَيْخِ الطّائِفَةِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ؛ إذْ يَقُولُ: العِلْمُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ التَّعَبُّدِ. والتَّعَبُّدُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ الوَرَعِ. والوَرَعُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ الزُّهْدِ، والزُّهْدُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ التَّوَكُّلِ. فالَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ: أنَّ التَّوَكُّلَ أوْسَعُ مِنَ التَّفْوِيضِ، وأعْلى وأرْفَعُ. [التَّفْوِيضُ أعَمُّ مِنَ التَّوَكُّلِ] قَوْلُهُ: فَإنَّ التَّوَكُّلَ بَعْدَ وُقُوعِ السَّبَبِ، والتَّفْوِيضِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وبَعْدَهُ. يَعْنِي بِالسَّبَبِ: الِاكْتِسابَ. فالمُفَوَّضُ قَدْ فَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ قَبْلَ اكْتِسابِهِ وبَعْدَهُ. والمُتَوَكِّلُ قَدْ قامَ بِالسَّبَبِ. وتَوَكَّلَ فِيهِ عَلى اللَّهِ. فَصارَ التَّفْوِيضُ أوْسَعُ. فَيُقالُ: والتَّوَكُّلُ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ السَّبَبِ ومَعَهُ وبَعْدَهُ. فَيَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ أنْ يُقِيمَهُ في سَبَبٍ يُوَصِّلُهُ إلى مَطْلُوبِهِ. فَإذا قامَ بِهِ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ حالَ مُباشَرَتِهِ. فَإذا أتَمَّهُ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في حُصُولِ ثَمَراتِهِ. فَيَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ قَبْلَهُ، ومَعَهُ، وبَعْدَهُ. فَعَلى هَذا: هو أوْسَعُ مِنَ التَّفْوِيضِ عَلى ما ذَكَرَ. قَوْلُهُ: وهو عَيْنُ الِاسْتِسْلامِ؛ أيِ التَّفْوِيضُ عَيْنُ الِانْقِيادِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ. ولا يُبالِي أكانَ ما يَقْضِي لَهُ الخَيْرَ. أمْ خِلافَهُ؟ والمُتَوَكِّلُ يَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ في مَصالِحِهِ. وَهَذا القَدْرُ هو الَّذِي لَحَظَهُ القَوْمُ في هَضْمِ مَقامِ التَّوَكُّلِ، ورَفَعِ مَقامِ التَّفْوِيضِ عَلَيْهِ. وَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ المُفَوِّضَ لا يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ إلّا لِإرادَتِهِ أنْ يَقْضِيَ لَهُ ما هو خَيْرٌ لَهُ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ. وإنْ كانَ المَقْضِيُّ لَهُ خِلافَ ما يَظُنُّهُ خَيْرًا. فَهو راضٍ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ خَيْرٌ لَهُ. وإنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ جِهَةُ المَصْلَحَةِ فِيهِ. وهَكَذا حالُ المُتَوَكِّلِ سَواءٌ، بَلْ هو أرْفَعُ مِنَ المُفَوِّضِ؛ لِأنَّ مَعَهُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ما لَيْسَ مَعَ المُفَوِّضِ. فَإنَّ المُتَوَكِّلَ مُفَوِّضٌ وزِيادَةٌ. فَلا يَسْتَقِيمُ مَقامَ التَّوَكُّلِ إلّا بِالتَّفْوِيضِ. فَإنَّهُ إذا فَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ اعْتَمَدَ بِقَلْبِهِ كُلِّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَفْوِيضِهِ. وَنَظِيرُ هَذا: أنَّ مَن فَوَّضَ أمَرَهُ إلى رَجُلٍ، وجَعَلَهُ إلَيْهِ. فَإنَّهُ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ - بَعْدَ تَفْوِيضِهِ - اعْتِمادًا خاصًّا، وسُكُونًا وطُمَأْنِينَةً إلى المُفَوَّضِ إلَيْهِ أكْثَرَ مِمّا كانَ قَبْلَ التَّفْوِيضِ. وهَذا هو حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أهَمَّ مَصالِحِ المُتَوَكِّلِ: حُصُولُ مَراضِي مَحْبُوبِهِ ومَحابِّهِ. فَهو يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في تَحْصِيلِها لَهُ. فَأيُّ مَصْلَحَةٍ أعْظَمُ مِن هَذِهِ؟ وَأمّا التَّفْوِيضُ: فَهو تَفْوِيضُ حاجاتِ العَبْدِ المَعِيشِيَّةِ وأسْبابِها إلى اللَّهِ. فَإنَّهُ لا يُفَوِّضُ إلَيْهِ مَحابَّهُ. والمُتَوَكِّلُ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في مَحابِّهِ. والوَهْمُ إنَّما دَخَلَ مِن حَيْثُ يَظُنُّ الظّانُّ: أنَّ التَّوَكُّلَ مَقْصُورٌ عَلى مَعْلُومِ الرِّزْقِ، وقُوَّةِ البَدَنِ، وصِحَّةِ الجِسْمِ. ولا رَيْبَ أنَّ هَذا التَّوَكُّلَ ناقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّوَكُّلِ في إقامَةِ الدِّينِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ. [دَرَجاتُ التَّفْوِيضِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى أنْ يَعْلَمَ أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ قَبْلَ عَمَلِهِ اسْتِطاعَةً] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: الأُولى: أنْ يَعْلَمَ أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ قَبْلَ عَمَلِهِ اسْتِطاعَةً. فَلا يَأْمَنُ مِن مَكْرٍ، ولا يَيْأسُ مِن مَعُونَةٍ، ولا يُعَوِّلُ عَلى نِيَّةٍ. أيْ يَتَحَقَّقُ أنَّ اسْتِطاعَتَهُ بِيَدِ اللَّهِ، لا بِيَدِهِ، فَهو مالِكُها دُونَهُ. فَإنَّهُ إنْ لَمْ يُعْطِهِ الِاسْتِطاعَةَ فَهو عاجِزٌ. فَهو لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِاللَّهِ، لا بِنَفْسِهِ. فَكَيْفَ يَأْمَنُ المَكْرَ، وهو مُحَرَّكٌ لا مُحَرِّكٌ؟ يُحَرِّكُهُ مَن حَرَكَتُهُ بِيَدِهِ، فَإنْ شاءَ ثَبَّطَهُ وأقْعَدَهُ مَعَ القاعِدِينَ. كَما قالَ فِيمَن مَنَعَهُ هَذا التَّوْفِيقَ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]. فَهَذا مَكْرُ اللَّهِ بِالعَبْدِ: أنْ يَقْطَعَ عَنْهُ مَوادَّ تَوْفِيقِهِ. ويُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، ولا يَبْعَثَ دَواعِيهِ، ولا يُحَرِّكَهُ إلى مِراضَيْهِ ومَحابِّهِ. ولَيْسَ هَذا حَقًّا عَلى اللَّهِ. فَيَكُونُ ظالِمًا بِمَنعِهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. بَلْ هو مُجَرَّدُ فَضْلِهِ الَّذِي يُحْمَدُ عَلى بَذْلِهِ لِمَن بَذَلَهُ، وعَلى مَنعِهِ لِمَن مَنعَهُ إيّاهُ. فَلَهُ الحَمْدُ عَلى هَذا وهَذا. وَمَن فَهِمَ هَذا فَهِمَ بابًا عَظِيمًا مِن سِرِّ القَدَرِ، وانْجَلَتْ لَهُ إشْكالاتٌ كَثِيرَةٌ. فَهو سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ مِن نَفْسِهِ فِعْلًا يَفْعَلُهُ بِعَبْدِهِ يَقَعُ مِنهُ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ. فَيَمْنَعُهُ فِعْلَ نَفْسِهِ بِهِ، وهو تَوْفِيقُهُ؛ لِأنَّهُ يَكْرَهُهُ، ويَقْهَرُهُ عَلى فِعْلِ مَساخِطِهِ، بَلْ يَكِلُهُ إلى نَفْسِهِ وحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، ويَتَخَلّى عَنْهُ. فَهَذا هو المَكْرُ. قَوْلُهُ: ولا يَيْأسُ مِن مَعُونَةٍ، يَعْنِي إذا كانَ المُحَرِّكُ لَهُ هو الرَّبُّ جَلَّ جَلالُهُ. وهو أقْدَرُ القادِرِينَ. وهو الَّذِي تَفَرَّدَ بِخَلْقِهِ ورِزْقِهِ. وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ. فَكَيْفَ يَيْأسُ مِن مَعُونَتِهِ لَهُ؟ قَوْلُهُ: ولا يُعَوِّلُ عَلى نِيَّةٍ، أيْ لا يَعْتَمِدُ عَلى نِيَّتِهِ وعَزْمِهِ، ويَثِقُ بِها. فَإنَّ نِيَّتَهُ وعَزْمَهُ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا بِيَدِهِ. وهي إلى اللَّهِ لا إلَيْهِ. فَلْتَكُنْ ثِقَتُهُ بِمَن هي في يَدِهِ حَقًّا، لا بِمَن هي جارِيَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مُعايَنَةُ الِاضْطِرارِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: مُعايَنَةُ الِاضْطِرارِ. فَلا يَرى عَمَلًا مُنْجِيًا، ولا ذَنْبًا مُهْلِكًا، ولا سَبَبًا حامِلًا. أيْ يُعايِنُ فَقْرَهُ وفاقَتَهُ وضَرُورَتَهُ التّامَّةَ إلى اللَّهِ، بِحَيْثُ إنَّهُ يَرى في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ الباطِنَةِ والظّاهِرَةِ ضَرُورَةً، وفاقَةً تامَّةً إلى اللَّهِ. فَنَجاتُهُ إنَّما هي بِاللَّهِ لا بِعَمَلِهِ. وأمّا قَوْلُهُ: ولا ذَنْبًا مُهْلِكًا، فَإنْ أرادَ بِهِ: أنَّ هَلاكَهُ بِاللَّهِ لا بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ: فَباطِلٌ، مَعاذَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ. وإنْ أرادَ بِهِ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ وسَعَتَهُ ومَغْفِرَتَهُ ورَحْمَتَهُ، ومُشاهَدَةَ شِدَّةِ ضَرُورَتِهِ وفاقَتِهِ إلَيْهِ يُوجِبُ لَهُ أنْ لا يَرى ذَنْبًا مُهْلِكًا، فَإنَّ افْتِقارَهُ وفاقَتَهُ وضَرُورَتَهُ تَمْنَعُهُ مِنَ الهَلاكِ بِذُنُوبِهِ، بَلْ تَمْنَعُهُ مِنَ اقْتِحامِ الذُّنُوبِ المُهْلِكَةِ؛ إذْ صاحِبُ هَذا المَقامِ لا يُصِرُّ عَلى ذُنُوبٍ تُهْلِكُهُ. وهَذا حالُهُ - فَهَذا حَقٌّ. وهو مِن مَشاهِدِ أهْلِ المَعْرِفَةِ. وَقَوْلُهُ: ولا سَبَبًا حامِلًا. أيْ: يَشْهَدُ أنَّ الحامِلَ لَهُ هو الحَقُّ تَعالى، لا الأسْبابُ الَّتِي يَقُومُ بِها. فَإنَّهُ وإيّاها مَحْمُولانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ شُهُودُ انْفِرادِ الحَقِّ بِمِلْكِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: شُهُودُ انْفِرادِ الحَقِّ بِمِلْكِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، والقَبْضِ والبَسْطِ، ومَعْرِفَتِهِ بِتَصْرِيفِ التَّفْرِقَةِ والجَمْعِ. هَذِهِ الدَّرَجَةُ تَتَعَلَّقُ بِشُهُودِ وصْفِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى وشَأْنِهِ. والَّتِي قَبْلَها تَتَعَلَّقُ بِشُهُودِ حالِ العَبْدِ ووَصْفِهِ. أيْ يَشْهَدُ حَرَكاتِ العالَمِ وسُكُونَهُ صادِرَةً عَنِ الحَقِّ تَعالى في كُلِّ مُتَحَرِّكٍ وساكِنٍ، فَيَشْهَدُ تَعَلُّقَ الحَرَكَةِ بِاسْمِهِ الباسِطِ وتَعَلُّقَ السُّكُونِ بِاسْمِهِ القابِضِ فَيَشْهَدُ تَفَرُّدَهُ سُبْحانَهُ بِالبَسْطِ والقَبْضِ. وَأمّا مَعْرِفَتُهُ بِتَصْرِيفِ التَّفْرِقَةِ والجَمْعِ فَأنْ يَكُونَ المُشاهِدُ عارِفًا بِمَواضِعِ التَّفْرِقَةِ والجَمْعِ. والمُرادُ بِالتَّفْرِقَةِ: نَظَرُ الِاعْتِبارِ، ونِسْبَةُ الأفْعالِ إلى الخَلْقِ. والمُرادُ بِالجَمْعِ: شُهُودُ الأفْعالِ مَنسُوبَةً إلى مُوجِدِها الحَقِّ تَعالى. وَقَدْ يُرِيدُونَ بِالتَّفْرِقَةِ والجَمْعِ مَعْنًى وراءَ هَذا الشُّهُودِ. وهو حالُ التَّفْرِقَةِ والجَمْعِ. فَحالُ التَّفْرِقَةِ: تَفَرُّقُ القَلْبِ في أوْدِيَةِ الإراداتِ وشِعابِها. وحالُ الجَمْعِ: جَمْعِيَّتُهُ عَلى مُرادِ الحَقِّ وحْدَهُ. فالأوَّلُ: عِلْمُ التَّفْرِقَةِ والجَمْعِ. والثّانِي: حالُهُما. واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:45

(فائدة) (الآل) إن أفرد دخل فِيهِ المُضاف إلَيْهِ كَقَوْلِه تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] وَلا ريب في دُخُوله في آله هُنا. وَقَوله تَعالى ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ونظائره. وَقَول النَّبِي ﷺ "اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى" وَلا ريب في دُخُول أبي أوفى نَفسه في ذَلِك. وَقَوله "اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم" هَذِه أكثر رِوايات البُخارِيّ وإبْراهِيم هُنا داخل في آله ولَعَلَّ هَذا مُراد من قالَ آل الرجل نَفسه وَأما إن ذكر الرجل ثمَّ ذكر آله لم يدْخل فيهم. فَفرق بَين المُجَرّد والمقرون. فَإذا قلت أعْط لزيد وآل زيد. لم يكن زيد هُنا داخِلا في آله. وَإذا قلت أعْطه لآل زيد. تناول زيدا وآله. وَهَذا لَهُ نَظائِر كَثِيرَة قد ذَكرناها في غير هَذا الموضع، وهِي أن اللَّفْظ تخْتَلف دلالَته بالتجريد والاقتران، كالفقير والمسكين هما صنفان إذا قرن بَينهما، وصنف واحِد إذا أفرد كل مِنهُما. وَلِهَذا كانا في الزَّكاة صنفين، وفي الكَفّارات صنف واحِد. وكالإيمان والإسْلام، والبر والتَّقوى، والفحشاء والمُنكر، والفسوق والعصيان. ونظائر ذَلِك كَثِيرَة ولا سِيما في القُرْآن. (فصل) وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَنازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، فانْتَهَيْنا إلى القَبْرِ ولَمّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجَلَسْنا حَوْلَهُ كَأنَّ عَلى رُءُوسِنا الطَّيْرَ، وفي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ في الأرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِن عَذابِ القَبْرِ - مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا - ثُمَّ قالَ: إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا كانَ في انْقِطاعٍ مِنَ الدُّنْيا، وإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّماءِ بِيضُ الوُجُوهِ كَأنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهم كَفَنٌ مِن أكْفانِ أهْلِ الجَنَّةِ، وحَنُوطٌ مِن حَنُوطِ الجَنَّةِ، حَتّى يَجْلِسُوا مِنهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حَتّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ، اخْرُجِي إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ، فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَما تَسِيلُ القَطْرَةُ مِن في السِّقاءِ، فَيَأْخُذُها، فَإذا أخَذَها لَمْ يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتّى يَأْخُذُوها، فَيَجْعَلُوها في ذَلِكَ الكَفَنِ، وفي ذَلِكَ الحَنُوطِ، ويَخْرُجُ مِنها كَأطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِها، فَلا يَمُرُّونَ بِها عَلى مَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا قالُوا: ما هَذِهِ الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ؟ فَيَقُولُونَ: رُوحُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ، بِأحْسَنِ أسْمائِهِ الَّتِي كانُوا يُسَمُّونَهُ بِها في الدُّنْيا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُ، فَيُشُيِّعُهُ مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبُوها إلى السَّماءِ الَّتِي تَلِيها حَتّى يُنْتَهى بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: اكْتُبُوا كِتابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ، وأعِيدُوهُ إلى الأرْضِ، فَإنِّي مِنها خَلَقْتُهُمْ، وفِيها أُعِيدُهم ومِنها أُخْرِجُهم تارَةً أُخْرى، فَقالَ: فَتُعادُ رُوحُهُ إلى الأرْضِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ، فَيُجْلِسانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينَيَ الإسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما هَذا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: وما عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَآمَنتُ بِهِ وصَدَّقْتُ، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عَبْدِي، فافْرِشُوا لَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وألْبِسُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وافْتَحُوا لَهُ بابًا إلى الجَنَّةِ قالَ: فَيَأْتِيهِ مِن رُوحِها وطِيبِها، ويُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قالَ: ويَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَن أنْتَ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالخَيْرِ، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أقِمِ السّاعَةَ رَبِّ أقِمِ السّاعَةَ، حَتّى أرْجِعَ إلى أهْلِي ومالِي، قالَ: وإنَّ العَبْدَ الكافِرَ إذا كانَ في انْقِطاعٍ مِنَ الدُّنْيا، وإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّماءِ، سُودُ الوُجُوهِ، مَعَهُمُ المُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حَتّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إلى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وغَضَبٍ، قالَ: فَتَغْرَقُ في جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُها، كَما يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المُبْتَلِّ، فَيَأْخُذُها، فَإذا أخَذَها لَمْ يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتّى يَجْعَلُونَها في تِلْكَ المُسُوحِ، ويَخْرُجُ مِنها كَأنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِها، فَلا يَمُرُّونَ بِها عَلى مَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا قالُوا: ما هَذِهِ الرُّوحُ الخَبِيثَةُ. فَيَقُولُونَ: رُوحُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ، بِأقْبَحِ أسْمائِهِ الَّتِي كانَ يُسَمّى بِها في الدُّنْيا، فَيُسْتَفْتَحُ فَلا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: اكْتُبُوا كِتابَهُ في سِجِّينٍ في الأرْضِ السُّفْلى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] فَتُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، ويَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ لا أدْرِي، فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ لا أدْرِي، فَيَقُولانِ لَهُ: ما هَذا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ لا أدْرِي، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ كَذَبَ عَبْدِي، فافْرِشُوا لَهُ مِنَ النّارِ، وافْتَحُوا لَهُ بابًا إلى النّارِ، فَيَأْتِيهِ مِن حَرِّها وسَمُومِها، ويُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، حَتّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أضْلاعُهُ، ويَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤُكَ، هَذا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: ومَن أنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لا تُقِمِ السّاعَةَ». وَفِي لَفْظٍ لِأحْمَدَ أيْضًا «ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أعْمى أصَمُّ أبْكَمُ، في يَدِهِ مِرْزَبَّةٌ، لَوْ ضَرَبَ بِها جَبَلًا كانَ تُرابًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما كانَ، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرى، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُها كُلُّ شَيْءٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ، قالَ البَراءُ: ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى النّارِ ويُمَدُّ لَهُ مِن فِراشِ النّارِ». وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا عَنْهُ، قالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ بَصُرَ بِجَماعَةٍ، فَقالَ: «عَلامَ اجْتَمَعَ هَؤُلاءِ؟ قِيلَ: عَلى قَبْرٍ يَحْفِرُونَهُ، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبَدَرَ بَيْنَ يَدَيْ أصْحابِهِ مُسْرِعًا، حَتّى انْتَهى إلى القَبْرِ، فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ، فاسْتَقْبَلْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأنْظُرَ ما يَصْنَعُ، فَبَكى حَتّى بَلَّ الثَّرى مِن دُمُوعِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنا، فَقالَ: أيْ إخْوانِي، لِمِثْلِ هَذا اليَوْمِ فَأعِدُّوا». وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قالَ: «خَرَجَ إلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَنادى ثَلاثَ مَرّاتٍ: يا أيُّها النّاسُ، أتَدْرُونَ ما مَثَلِي ومَثَلُكُمْ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ إنَّما مَثَلِي ومَثَلُكم مَثَلُ قَوْمٍ خافُوا عَدُوًّا يَأْتِيهِمْ فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَراءى لَهُمْ، فَأبْصَرَ العَدُوَّ، فَأقْبَلَ لِيُنْذِرَهُمْ، وخَشِيَ أنْ يُدْرِكَهُ العَدُوُّ قَبْلَ أنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ، فَأهْوى بِثَوْبِهِ: أيُّها النّاسُ أُتِيتُمْ، أيُّها النّاسُ أُتِيتُمْ، ثَلاثَ مَرّاتٍ». وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا وعَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» قالَ أبُو ذَرٍّ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ. وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَنازَةٍ فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى القَبْرِ قَعَدَ عَلى ساقَيْهِ، فَجَعَلَ يُرَدِّدُ بَصَرَهُ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: يُضْغَطُ المُؤْمِنُ فِيهِ ضَغْطَةً تَزُولُ مِنها حَمائِلُهُ ويُمْلَأُ عَلى الكافِرِ نارًا، والحَمائِلُ عُرُوقُ الأُنْثَيَيْنِ». وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ حِينَ تُوُفِّيَ، فَلَمّا صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووُضِعَ في قَبْرِهِ، وسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّحْنا طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ، فَكَبَّرْنا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ سَبَّحْتَ، ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ فَقالَ: لَقَدْ تَضايَقَ عَلى هَذا العَبْدِ الصّالِحِ قَبْرُهُ حَتّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ». وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا وُضِعَتِ الجَنازَةُ، واحْتَمَلَها الرِّجالُ عَلى أعْناقِهِمْ، فَإنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ، قالَتْ: يا ويْلَها، أيْنَ تَذْهَبُونَ بِها؟ يَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ شَيْءٍ إلّا الإنْسانَ، ولَوْ سَمِعَها الإنْسانُ لَصُعِقَ». وَفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَدْنُو الشَّمْسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى قَدْرِ مِيلٍ، ويُزادُ في حَرِّها كَذا وكَذا، تَغْلِي مِنها الرُّءُوسُ كَما تَغْلِي القُدُورُ، يَعْرَقُونَ فِيها عَلى قَدْرِ خَطاياهُمْ، مِنهم مَن يَبْلُغُ إلى كَعْبِهِ، ومِنهم مَن يَبْلُغُ إلى ساقَيْهِ، ومِنهم مَن يَبْلُغُ إلى وسَطِهِ، ومِنهم مَن يُلْجِمُهُ العَرَقُ». وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ؟ وحَنى جَبْهَتَهُ يَسْمَعُ مَتى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ. فَقالَ أصْحابُهُ: كَيْفَ نَقُولُ؟ قالَ: قُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا». وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ: «مَن تَعَظَّمَ في نَفْسِهِ، أوِ اخْتالَ في مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانٌ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُصَوِّرِينَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُقالُ لَهم أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ». وَفِيهِما أيْضًا عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، فَيُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ». وَفِيهِما أيْضًا عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إذا صارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، جِيءَ بِالمَوْتِ حَتّى يُوقَفَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، ثُمَّ يُذْبَحَ، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إلى فَرَحِهِمْ، ويَزْدادُ أهْلُ النّارِ حُزْنًا إلى حُزْنِهِمْ». [فصل: عذاب القبر وعلاقة البدن والروح به] وهذا يتضح بجواب المسألة وهي قول السائل: هل عذاب القبر على النفس والبدن أو على النفس دون البدن أو على البدن دون النفس. وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب أم لا؟ وقد سئل شيخ الإسلام عن هذه المسألة، ونحن نذكر لفظ جوابه فقال: بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنّة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما تكون على الروح منفردة عن البدن، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنّة وأهل الكلام، وفي المسألة أقوال شاذّة ليست من أقوال أهل السنّة والحديث، قول من يقول: إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على أرواح، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان لكي يقولون لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور، لكن هؤلاء ينكرون عذاب البدن في البرزخ فقط، ويقولون: إن الأرواح هي المنعمة أو المعذبة في البرزخ، فإذا كان يوم القيامة عذبت الروح والبدن معا. وهذا القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم، وهو اختيار ابن حزم وابن مرة، فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة، بل هو مضاف إلى قول من يقول بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح، ولكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال: إحداها: أنه على الروح فقط. والثاني: أنه عليها وعلى البدن بواسطتها. والثالث: أنه على البدن فقط، وقد يضم إلى ذلك القول الثاني وهو قول من يثبت عذاب القبر ويجعل الروح هي الحياة، ويجعل الشاذ قول منكر عذاب الأبدان مطلقا، وقول من ينكر عذاب الروح مطلقا، فإذا جعلت الأقوال الشاذة ثلاثة فالقول الثاني الشاذ قول من يقول إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب، وإنما الروح هي الحياة، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره، وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن، وهذا قول باطل قد خالف أصحابه أبو المعالي الجويني وغيره بل قد ثبت بالكتاب والسنّة واتفاق الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة، والفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك. ولكن ينكرون معاد الأبدان، وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان، لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان، وكلا القولين خطأ وضلال، لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام، وإن كان يوافقهم عليه من يعتقد أنه متمسك بدين الإسلام، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام. والقول الثالث الشاذ قول من يقول: إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه، بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ لكنهم خير من الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى. [فصل: مذهب السلف في عذاب الميت] فإذا عرفت هذه الأقوال الباطلة، فلتعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد قاموا من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى. ونحن نثبت ما ذكرناه. فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير فكثيرة متواترة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، كما في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين فقال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» «١». (وفي صحيح مسلم) عن زيد بن ثابت قال: بينا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في حائط لبني النجار على بغلته ونحن معه، إذ حادت} «١» به فكادت تلقيه، فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر»؟ فقال رجل: أنا، قال: «فمتى مات هؤلاء»؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: «إن هذه الأمة تبتلي} «٢» في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا} «٣» لدعوت اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه» «٤» ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوذوا باللّه من عذاب النار»، قالوا: نعوذ باللّه من عذاب النار، فقال: «تعوذوا باللّه من عذاب القبر»، قالوا: نعوذ باللّه من عذاب القبر. قال: «تعوذوا باللّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، قالوا: نعوذ باللّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: «تعوذوا باللّه من فتنة الدجال»، قالوا نعوذ باللّه من فتنة الدجال} «٥». (وفي صحيح مسلم) وجميع السنن عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ باللّه من أربع: من عذاب جهم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا «٦» والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» «٧». (وفي صحيح مسلم) أيضا وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال» «٨». (وفي الصحيحين) عن أبي أيوب قال: خرج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد غربت الشمس، فسمع صوتا فقال: «يهود تعذب في قبورها» «١». (وفي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: دخلت عليّ عجوز من عجائز يهود المدينة فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتها ولم أصدقها، قالت: فخرجت ودخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول اللّه إن عجوزا من عجائز يهود أهل المدينة دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم! قال: «صدقت إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها» قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر «٢». (وفي صحيح ابن حبان) عن أم مبشر قالت: دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأنا في حائط من حوائط بني النجار فيه قبور منهم «٣» وهو يقول: «تعوذوا باللّه من عذاب القبر» «٤»، فقلت: يا رسول اللّه وللقبر عذاب؟ قال: «إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم». (قال) بعض أهل العلم، ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت «٥» إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين كالإسماعيلية «٦» والنصيرية والقرامطة من بني عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام، فإن أصحاب الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما يقصدون قبور اليهود والنصارى، قال: فإذا سمعت الخيل عذاب القبر أحدث لها ذلك فزعا وحرارة تذهب بالمغل. (وقد قال) عبد الحق الإشبيلي «١»، حدثني الفقيه أبو الحكم بن برجان وكان من أهل العلم والعمل أنهم دفنوا ميتا بقريتهم في شرف أشبيلية «٢»، فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحية يتحدثون، ودابة ترعى قريبا منهم، فإذا بالدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر، فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ثم ولت فارة، ثم عادت إلى القبر فجعلت أذنها عليها كأنها تسمع ثم ولت فارة، فعلت ذلك مرة بعد أخرى. قال أبو الحكم: فذكرت عذاب القبر وقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم «أنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم». ذكر لنا هذه الحكاية ونحن نسمع عليه كتاب مسلم لما انتهى القارئ إلى قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم} «إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم». وهذا السماع واقع على أصوات المعذبين، قال هناد بن السري «٣» في كتاب (الزهد) حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: دخلت عليّ يهودية، فذكرت عذاب القبر، فكذبتها، فدخل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم علي، فذكرت ذلك له، فقال: «و الذي نفسي بيده أنهم ليعذبون في قبورهم حتى تسمع البهائم أصواتهم». (قلت) وأحاديث المسألة في القبر كثيرة كما في الصحيحين والسنن، عن البراء بن عازب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «المسلم إذا سئل في قبره فشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه فذلك قول اللّه يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ «٢» وفي لفظ: نزلت في عذاب القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: اللّه ربي ومحمد نبي، فذلك قول اللّه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ «٣». والحديث قد رواه أهل السنن والمسانيد مطولا كما تقدم. وقد صرح في هذا الحديث بإعادة الروح إلى البدن وباختلاف أضلاعه، وهذا بين في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين. وقد روى مثل حديث البراء قبض الروح والمسألة والنعيم والعذاب أبو هريرة (وحديثه) في المسند، وصحيح أبي حاتم، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن الميت إذا وضع في قبره أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي ما دخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول: فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان ما قبلي مدخل، فيقال: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد أخذت الغروب، فيقال له: هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وما ذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني أصلي، فيقولون إنك ستصلي، أخبرنا عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وما تشهد عليه؟ فيقول محمد؟ أشهد أنه رسول اللّه، جاء بالحق من عند اللّه، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء اللّه، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وما أعد اللّه لك فيها، فيزداد غبطة وسرورا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا، وينور له فيه، ويعاد الجسد لما بدي ء منه، وتجعل نسمته من النسم الطيب وهي طير معلق في شجرة الجنة، قال: فذلك قول اللّه تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ «١» وذكر في الكافر ضد ذلك إلى أن قال: ثم يضيق عليه في قبره إلى أن تختلف فيه أضلاعه فتلك المعيشة الضنك التي قال اللّه تعالى ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ «٢». (وفي الصحيحين) من حديث قتادة: عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه ليسمع خفق نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اللّه ورسوله، قال: فيقول أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك اللّه به مقعدا من الجنة»، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «فيراهما جميعا». قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون «٣». ثم رجع إلى حديث أنس قال: فأما الكافر والمنافق فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقولان: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين. (وفي صحيح أبي حاتم) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر النكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ صلى اللّه عليه وآله وسلم، فهو قائل ما كان يقول، فإن كان مؤمنا قال: هو عبد اللّه ورسوله، أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان له: إنا كنا لنعلم أنك تقول ذلك، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراع، وينور له فيه، ويقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي ومالي فأخبرهم، فيقولان نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه اللّه من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: لا أدري كنت أسمع الناس يقولون شيئا فكنت أقوله، فيقولان له: كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه، فلا يزال معذبا حتى يبعثه اللّه من مضجعه ذلك». وهذا صريح في أن البدن يعذب. (وعن أبي هريرة) أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إذا احتضر المؤمن أتته الملائكة بحريرة بيضاء فيقولون: أخرجي أيتها الروح الطيبة راضية مرضيا عنك إلى روح «١» وريحان «٢» ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب من ريح المسك حتى أنه ليناوله بعضهم بعضا حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحا به من أحدكم بغائبة يقدم عليه، فيسألونه ما ذا فعل فلان؟ قال: فيقول دعوه يستريح فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال أتاكم فيقولون إنه ذهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: أخرجي مسخوطا عليك إلى عذاب اللّه فتخرج كأنتن روح جيفة حتى يأتوا به باب الأرض، فيقولون: فما أنتن هذه الروح حتى يأتوا به أرواح الكفار» رواه النسائي والبزار ومسلم مختصرا. (وأخرجه أبو حاتم في صحيحه) وقال: «إن المؤمن إذا حضره الموت حضرته ملائكة الرحمة، فإذا قبض جعلت روحه في حريرة بيضاء، فينطلق بها إلى باب السماء، فيقولون: ما وجدنا ريحا أطيب من هذه، فيقال: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقال: دعوه يستريح، فإنه كان في غم الدنيا، وأما الكافر إذا قبضت نفسه ذهب بها إلى الأرض فتقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحا أنتن من هذه، فيبلغ بها إلى الأرض السفلى». (وروى) النسائي في سننه من حديث عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهد له سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه»، قال النسائي «١» يعني سعد بن معاذ «٢». (وروى) من حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ»، رواه من حديث شعبة. وقال هناد بن السري: حدثنا محمد بن الفضيل عن أبيه عن ابن أبي مليكة قال: «ما أجير من ضغطة القبر أحد ولا سعد بن معاذ الذي منديل من مناديله خير من الدنيا وما فيها» «٣». وقال: وحدثنا عبدة من عبيد اللّه بن عمر عن نافع قال: لقد بلغني أنه شهد جنازة سعد بن معاذ سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قط، لقد بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «ضم صاحبكم في القبر ضمة». وقال: علي بن معبد، حدثنا عبيد اللّه عن زيد بن أبي أنيسة، عن جابر، عن نافع قال: أتينا صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد اللّه بن عمر وهي فزعة، فقلنا: ما شأنك؟ فقالت: جئت من عند بعض نساء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، قالت: فحدثني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن كنت لأرى لو أن أحدا أعفي من عذاب القبر لأعفي منه سعد بن معاذ لقد ضم فيه ضمة». (وحدثنا) مروان بن معاوية عن علاء بن المسيب عن معاوية العبسي عن زاذان بن عمرو قال: لما دفن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ابنته فجلس عند القبر فتربد} «١» وجهه، ثم سرى عنه «٢»، فقال له أصحابه: رأينا وجهك آنفا ثم سرى، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ذكرت ابنتي وضعفها وعذاب القبر، فدعوت اللّه ففرج عنها، وأيم اللّه لقد ضمت ضمة سمعها من بين الخافقين». وحدثنا شعيب عن ابن دينار عن إبراهيم الغنوي عن رجل قال: كنت عند عائشة رضي اللّه عنها فمرت جنازة صبي صغير فبكت، فقلت لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين، فقالت: هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر. ومعلوم أن هذا كله بواسطة الروح. [فصل: الإيمان بعذاب القبر] وهذا كما أنه مقتضى السنّة الصحيحة فهو متفق عليه بين أهل السنّة. قال المروزي: قال أبو عبد اللّه: عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل، قال حنبل: قلت لأبي عبد اللّه في عذاب القبر فقال: هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها، كلما جاء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إسناد جيد أقررنا به. إذا لم نقر بما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ودفعناه ورددناه رددنا على اللّه أمره، قال اللّه تعالى ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ قلت له: وعذاب القبر حق؟ قال: حق يعذبون في القبر. قال: وسمعت أبا عبد اللّه يقول: نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير وأن العبد يسأل في قبره فيثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة في القبر. (وقال) أحمد بن القاسم: قلت: يا أبا عبد اللّه، تقر بمنكر ونكير، وما يروى في عذاب القبر؟ فقال: سبحان اللّه نعم، نقر بذلك ونقوله، قلت: هذه اللفظة تقول: منكر ونكير هكذا أو تقول ملكين؟ قال: منكر ونكير؟ قلت: يقولون ليس في حديث منكر ونكير، قال: هو هكذا، يعني أنهما منكر ونكير. وأما أقوال أهل البدع والضلال، فقال أبو الهذيل والمريسي: من خرج عن صفة الإيمان فإنه يعذب بين النفحتين، والمسألة في القبر إنما تقع في ذلك الوقت. وأثبت الجبائي وابنه البلجي عذاب القبر ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه لأصحاب التخليد من الكفار والفسّاق على أصولهم. (وقال) كثير من المعتزلة: لا يجوز تسمية ملائكة اللّه بمنكر ونكير، وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، والنكير تقريع الملكين له. وقال الصالحي: وصالح فيه عذاب القبر يجري على المؤمن من غير رد الأرواح إلى الأجساد، والميت يجوز أن يتألم ويحس ويعلم بلا روح، وهذا قول جماعة من الكرامية. (وقال) بعض المعتزلة: إن اللّه سبحانه يعذب الموتى في قبورهم ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا أوجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، قالوا: وسبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران والمغشى عليه لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب. وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسا مثل ضرار بن عمرو «١» ويحيى بن كامل وهو قول المريبي، فهذه أقوال أهل الخزي والضلالة. [فصل: الرد على منكري عذاب القبر] وهي قول السائل: ما جوابنا للملاحدة والزنادقة المنكرين لعذاب القبر وسعته وضيقه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، وكون الميت لا يجلس ولا يقعد فيه. قالوا: فإنا نكشف القبر فلا نجد فيه ملائكة عميا صما يضربون الموتى بمطارق من حديد، ولا نجد هناك حيات ولا ثعابين ولا نيرانا تأجج، ولو كشفنا حاله في حالة من الأحوال لوجدناه لم يتغير، ولو وضعنا على عينيه الزئبق وعلى صدره الخردل لوجدناه على حاله، وكيف يفسح مد بصره أو يضيق عليه، ونحن نجده بحاله، ونجد مساحته على حد ما حفرناها، لم يزد ولم ينقص، وكيف يسع ذلك اللحد الضيق له وللملائكة وللصورة التي تؤنسه أو توحشه؟ قال إخوانهم من أهل البدع والضلال، وكل حديث يخالف مقتضى القول والحس يقطع بتخطئة قائلة، قالوا: ونحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يسأل ولا يجيب ولا يتحرك ولا يتوقد جسمه نارا، ومن افترسته السباع ونهشته الطيور وتفرقت أجزاؤه في أجواف السباع وحواصل الطيور وبطون الحيتان ومدارج الرياح كيف تسأل أجزاؤه مع تفرقها، وكيف يتصور مسألة الملكين لمن هذا وصفه، وكيف يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وكيف يضيق عليه حتى تلتئمه أضلاعه، ونحن نذكر أمورا يعلم بها الجواب. الأمر الأول: أن يعلم أن الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله العقول وتقطع باستحالته، بل أخبارهم قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر. والثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر وتفاصيل الثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالا في العقول أصلا، وكل خبر يظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون الخبر كذبا عليهم، أو يكون ذلك العقل فاسدا، وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقولة صريحة قال تعالى: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ والنفوس لا تفرح بالمحال، وقال تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ والمحال لا يشفى ولا يحصل به هدى ولا رحمة ولا يفرح به. فهذا أمر من لم يستقر في قلبه خير ولم يثبت له على الإسلام قدم وكان أحسن أحواله الحيرة والشك. الأمر الثاني: أن يفهم عن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم مراده غير علو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده، وما قصده من الهدى والبيان. وقد حصل بإهمال ذلك، والعدل عنه من الضلال، والعدول عن الصواب ما لا يعلمه، إلا اللّه، بل سوء الفهم عن اللّه ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما أن أضيف إليه سوء القصد، فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده، وسوء القصد من التابع في محنة الدين وأهله واللّه المستعان. وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن اللّه ورسوله حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام، والذي فهمه الصحابة ومن تتبعهم عن اللّه ورسوله فمهجور لا يلتفت إليه ولا يرفع هؤلاء به رأسا، ولكثرة أمثلة هذه القاعدة تركناها، فإننا لو ذكرناها لزادت على عشرة ألوف، حتى أنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن اللّه ورسوله ومراده كما ينبغي في موضع واحد. وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس وعرضه على ما جاء به الرسول، وأما من عكس الأمر بعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده وانتحله وقلد فيه من أحسن به الظن فليس يجدي الكلام معه شيئا فدعه، وما اختاره لنفسه وعليه ما تولى وأحمد الذي عافاك مما ابتلاه به. الأمر الثالث: أن اللّه سبحانه جعل الدور ثلاثا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعا لها، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية. والأبدان كالقبور لها، والأرواح هناك ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها، تجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيما أو عذابا، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري إلى أرواحها نعيما أو عذابا، فأحط بهذا الموضع علما وأعرفه كما ينبغي يزيل عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج. وقد أرانا اللّه سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجا في الدنيا من حال النائم، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلا والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والظمأ. وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس، فإذا كانت الروح تتألم وتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم، فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى، وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع، فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب في الأرواح والأجساد ظاهرا باديا أصلا. ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه، وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وأن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أتى كما قيل: ؎وكم من عائب قولا صحيحا ∗∗∗ وآفته من الفهم السقيم وأعجب من ذلك أنك تجد النائم في فراش واحد، وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه، وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه، وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر، فأمر البرزخ أعجب من ذلك. الأمر الرابع: أن اللّه سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريبا منه ويشاهدهم عيانا ويتحدثون عنده، ومعهم الأكفان والحنوط، إما من الجنة، وإما من النار، ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر، وقد يسلمون على المحتضر، ويرد عليهم تارة بلفظة، وتارة بإشارته، وتارة بقلبه، حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة. وقد سمع بعض المحتضرين يقول: أهلا وسهلا ومرحبا بهذه الوجوه. (وأخبرني) شيخنا عن بعض المحتضرين، فلا أدري أشاهده وأخبره عنه أنه سمع وهو يقول: عليك السلام هاهنا فأجلس، وعليك السلام هاهنا فاجلس». (وقصة) خبر النساج رحمه اللّه مشهورة حيث قال عند الموت: اصبر عافاك اللّه، فإن ما أمرت به لا يفوت، وما أمرت به يفوت، ثم استدعى بماء فتوضأ وصلى ثم قال: امض لما أمرت به، ومات. [فصل: ماهية النار والخضرة في القبر] الأمر الخامس والسادس: أن النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا، فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشد من نار الدنيا، فلا يحس به أهل الدنيا، فإن اللّه سبحانه يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظم حرا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفنان، أحدهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره، وذلك في روضة من رياض الجنة لا يصل روحها ونعيمها إلى جاره. وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك، وقد أرانا اللّه من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير، ولكن النفوس مولعة التكذيب بما لم تحط به علما إلا من وفقه اللّه وعصمه. فيفرش للكافر لوحان من نار، فيشتعل عليه قبره بهما كما يشتعل التنور، فإذا شاء اللّه سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه وغيبه عن غيره، إذ لو اطلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس كما في الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لو لا أن لا تدافنوا لدعوت اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع». و لما كانت هذه الحكمة منفية في حق البهائم سمعت ذلك وأدركته كما حادث برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بلغته وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره. (وحدثني) صاحبنا أبو عبد اللّه محمد بن الرزيز الحراني أنه خرج من داره بعد العصر بآمد إلى بستان، قال: فلما كان قبل غروب الشمس توسطت القبور، فإذا بقبر منها وهو جمرة نار مثل كوز الزجاج، والميت في وسطه، فجعلت أمسح عيني وأقول: أنائم أنا أم يقظان؟ ثم التفت إلى سور المدينة وقلت: واللّه ما أنا بنائم، ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش «١»، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل، ثم دخلت البلد، فسألت عن صاحب القبر، فإذا به مكاس «٢» قد توفي ذلك اليوم. فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة، والجن تقع أحيانا لمن شاء اللّه أن يريه ذلك. (وقد ذكر) ابن أبي الدنيا في كتاب (القبور) عن الشعبي أنه ذكر رجلا، قال للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج فيفعل ذلك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ذلك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة». (وذكر) من حديث حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد اللّه عن أبيه قال: بينا أنا أسير بين مكة والمدينة على راحلة وأنا محقب إدارة، إذ مررت بمقبرة، فإذا رجل خارج من قبره يلتهب نارا وفي عنقه سلسلة يجرها، فقال: يا عبد اللّه انضح، يا عبد اللّه انضح، فو اللّه ما أدري أعرفني باسمي أم كما تدعو الناس، قال: فخرج آخر، فقال: يا عبد اللّه لا تنضح ثم اجتذب السلسلة فأعاده في قبره. (وقال) ابن أبي الدنيا، وحدثني أبي، وحدثنا موسى بن داود، وحدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: بينما راكب يسير بين مكة والمدينة إذ مر بمقبرة، فإذا برجل قد خرج من قبره يلتهب نارا مصفدا في الحديد، فقال: يا عبد اللّه انضح، يا عبد اللّه انضح، يا عبد اللّه انضح، قال: وخرج آخر يتلوه فقال: يا عبد اللّه لا تنضح يا عبد اللّه لا تنضح قال: وغشي على الراكب وعدلت به راحلته إلى العرج، قال: وأصبح قد ابيض شعره، فأخبر عثمان بذلك، فنهى أن يسافر الرجل وحده. (وذكر) من حديث سفيان، حدثنا داود بن شابور عن أبي قزعة قال: مررنا في بعض المياه التي بيننا وبين البصرة، فسمعنا نهيق حمار، فقلنا لهم: ما هذا النهيق؟ قالوا: هذا رجل كان عندنا كانت أمه تكلمه بالشيء فيقول لها: انهقي نهيقك، فلما مات سمع هذا النهيق من قبره كل ليلة. (وذكر) أيضا عن عمرو بن دينار قال: كان رجل من أهل المدينة وكانت له أخت في ناحية المدينة، فاشتكت، وكان يأتيها يعودها، ثم ماتت فدفنها، فلما رجع ذكر أنه نسي شيئا في القبر كان معه، فاستعان برجل من أصحابه، قال: فنبشنا القبر ووجدت ذلك المتاع، فقال للرجل: تنح حتى أنظر على أي حال أختي، فرفع بعض ما على اللحد فإذا القبر مشتعل نارا فرده وسوى القبر، فرجع إلى أمه فقال: ما كان حال أختي؟ فقال: ما تسأل عنها وقد هلكت، فقال: لتخبريني، قالت: كانت تؤخر الصلاة ولا تصلي فيما أظن بوضوء، وتأتي أبواب الجيران فتلقم أذنها أبوابهم وتخرج حديثهم. (وذكر) عن حصين الأسدي قال: سمعت مرثد بن حوشب قال: كنت جالسا عند يوسف بن عمر، وإلى جنبه رجل كأن شقة وجهه صفحة من حديد، فقال له يوسف: حدث مرثدا بما رأيت؟، فقال: كنت شابا قد أتيت هذه الفواحش، فلما وقع الطاعون قلت: أخرج إلى ثغر من هذه الثغور، ثم رأيت أن أحفر القبور، فإذا بي ليلة بين المغرب والعشاء قد حفرت وأنا متكئ على تراب قبر آخر، إذ جي ء بجنازة رجل حتى دفن في ذلك وسووا عليه، فأقبل طائران أبيضان من المغرب مثل البعيرين، حتى سقط أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، ثم أثاراه، ثم تدلى أحدهما في القبر والآخر على شفيره، فجئت حتى جلست على شفير القبر، وكنت رجلا لا يملأ جوفي شيء، قال: فسمعته يقول: ألست الزائر أصهارك في ثوبين ممصرين «١» تسحبهما كبرا تمشيا لخيلاء فقال: أنا أضعف من ذلك، قال: فضربه ضربة امتلأ القبر حتى فاض ماء ودهنا، ثم عاد فأعاد إليه القول حتى ضربه ثلاث ضربات كل ذلك يقول ذلك ويذكر أن القبر يفيض ماء ودهنا، قال: ثم رفع رأسه فنظر إلي فقال: انظر أين هو جالس بلسه} «١» اللّه، قال: ثم ضرب جانب وجهي فسقطت، فمكثت ليلتي حتى أصبحت، قال: ثم أخذت أنظر إلى القبر فإذا هو على حاله. فهذا الماء والدهن في رأي العين لهذا الرائي وهو نار تأجج للميت كما أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الدجال أنه يأتي معه بماء ونار، فالنار ماء بارد والماء نار تأجج} «٢». (وذكر) ابن أبي الدنيا أن رجلا سأل أبا إسحاق الفزاري عن النباش} «٣» هل له توبة؟ فقال: نعم إن صحت نيته وعلم اللّه منه الصدق، فقال له الرجل: كنت أنبش القبور وكنت أجد قوما وجوههم لغير القبلة، فلم يكن عند الفزاري في ذلك شيء، فكتب إلى الأوزاعي يخبره بذلك، فكتب إليه الأوزاعي: تقبل توبته إذا صحت نيته وعلم اللّه الصدق من قلبه، وأما قوله أنه كان يجد قوما وجوههم لغير القبلة: فأولئك قوم ماتوا على غير السنّة. (وقال) ابن أبي الدنيا حدثني عبد المؤمن بن عبد اللّه بن عيسى القيسي أنه قيل لنباش تاب: ما أعجب ما رأيت؟ قال: نبشت رجلا فإذا هو مسمر بالمسامير في سائر جسده ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه. (وقيل) وقيل لنباش آخر: ما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت جمجمة إنسان مصبوب فيها رصاصا. (قال) وقيل لنباش آخر: ما كان سبب توبتك؟ قال: عامة من كنت أنبش كنت أراه محول الوجه عن القبلة. (قلت) وحدثني صاحبنا أبو عبد اللّه محمد بن مساب السلامي وكان من خيار عباد اللّه وكان يتحرى الصدق قال: جاء رجل إلى سوق الحدادين ببغداد فباع مسامير صغار المسمار برأسين، فأخذها الحداد وجعل يحمي عليها فلا تلين معه حتى عجز عن ضربها، فطلب البائع فوجده، فقال: من أين لك هذه المسامير؟ فقال: لقيتها، فلم يزل به حتى أخبره أنه وجد قبرا مفتوحا وفيه عظام ميت منظومة بهذه المسامير، قال: فعالجتها على أن أخرجها فلم أقدر، فأخذت حجرا فكسرت عظامه وجمعتها، وقال: وأنا رأيت تلك المسامير، قلت له: فكيف صفتها؟ قال المسمار صغير برأسين. (قال) ابن أبي الدنيا، وحدثني عن أبي بن جريش عن أمه، قالت: لما حفر أبو جعفر خندق الكوفة حوّل الناس موتاهم، فرأينا شابا ممن حولنا عاضا على يده. (وذكر) عن سماك بن حرب قال: مر أبو الدرداء بين القبور فقال: ما أسكن ظواهرك وفي داخلك الدواهي. (وقال) ثابت البناني «١»: بينما أنا أمشي في المقابر وإذا صوت خلفي وهو يقول: يا ثابت لا يغرنك سكوتها فكم من مغموم فيها، فالتفت فلم أر أحدا. (ومر) الحسن على مقبرة فقال: يا لهم من عسكر ما أسكنهم، وكم فيهم من مكروب. (وذكر) ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة بن عبد الملك: يا مسلمة من دفن أباك؟ قال: مولاي فلان، قال: فمن دفن الوليد؟ قال: مولاي فلان، قال: فأنا أحدثك ما حدثني به، إنه لما دفن أباك الوليد فوضعهما في قبورهما وذهب ليحل العقد عنهما وجد وجوههما قد حولت في أقفيتهما، فانظر يا مسلمة إذا أنا مت، فالتمس وجهي فانظر: هل نزل بي ما نزل بالقوم، أو هل عوفيت من ذلك، قال مسلمة: فلما مات عمر وضعته في قبره فلمست وجهه فإذا هو مكانه. (وذكر) ابن أبي الدنيا عن بعض السلف قال: ماتت ابنة لي فأنزلتها القبر، فذهبت أصلح اللبنة فإذا هي قد حولت عن القبلة، فاغتممت لذلك غما شديدا، فأريتها في النوم فقالت: يا أبت اغتممت لما رأيت، فإن عامة من حولي محولين عن القبلة، قال: كأنها تريد الذين ماتوا مصرين على الكبائر. (وقال) عمرو بن ميمون: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: كنت في من دلى الوليد بن عبد الملك في قبره، فنظرت إلى ركبتيه قد جمعتا في عنقه، فقال ابنه: عاش أبي ورب الكعبة، فقالت: عوجل أبوك ورب الكعبة فاتعظ بها عمر بعده. (وقال) عمر بن عبد العزيز ليزيد بن المهلب لما استعمله على العراق: يا يزيد اتق اللّه، فإني حين وضعت الوليد في لحده فإذا هو يركض في أكفانه. (وقال) يزيد بن هارون: أخبر هشام بن حسان عن واصل مولى أبي عيينة عن عمر بن زهدم عن عبد الحميد بن محمود قال: كنت جالسا عند ابن عباس، فأقبل قوم، فقالوا: إنا خرجنا حجاجا ومعنا صاحب لنا، إذ أتينا فإذا الصفاح مات، فهيأناه، ثم انطلقنا فحفرنا له ولحدنا له، فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسْود قد ملأ اللحد، فحفرنا له آخر فإذا به قد ملأ لحده، فحفرنا له آخر فإذا به، فقال: ابن عباس: ذاك الغل الذي يغل به، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالذي نفسي بيده لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيه، فانطلقنا فوضعناه في بعضها، فلما رجعنا أتينا أهله بمتاع له معنا، فقلنا لامرأته: ما كان يعمل زوجك؟ قالت: كان يبيع الطعام فيأخذ منه كل يوم قوت أهله، ثم يقرض الفضل مثله فيلقيه فيه. (وقال) ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني أبو إسحاق صاحب الشاط قال: دعيت إلى ميت لأغسله، فلما كشفت الثوب عن وجهه إذا بحية قد تطوقت على حلقة فذكر من غلظها، قال: فخرجت فلم أغسله، فذكروا أنه كان يسب الصحابة رضي اللّه عنهم «١». (وذكر) ابن أبي الدنيا عن سعيد بن خالد بن يزيد الأنصاري عن رجل من أهل البصرة كان يحفر القبور قال: حفرت قبرا ذات يوم ووضعت رأسي قريبا منه، فأتتني امرأتان في منامي، فقالت إحداهما: يا عبد اللّه ناشدتك باللّه إلا صرفت عنا هذه المرأة ولم تجاورنا بها، فاستيقظت فزعا، فإذا بجنازة امرأة قد جي ء بها، فقلت: القبر وراءكم فصرفتهم عن ذلك القبر، فلما كان بالليل إذا أنا بالمرأتين في منامي، تقول إحداهما: جزاك ٢ اللّه عنا خيرا فلقد صرفت عنا شرا طويلا، قلت: ما لصاحبتك لا تكلمني كما تكلميني أنت؟ قالت: إن هذه ماتت عن غير وصية، وحق لمن مات عن غير وصية أن لا يتكلم إلى يوم القيامة. وهذه الأخبار وأضعافها وأضاف أضعافها مما لا يتسع لها الكتاب مما أراه اللّه سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانا. وأما رؤية المنام فلو ذكرناها لجاءت عدة أسفار، ومن أراد الوقوف عليها فعليه بكتاب (المنامات) لابن أبي الدنيا وكتاب (البستان) للقيرواني وغيرهما من الكتب المتضمنة لذلك، وليس عند الملاحدة والزنادقة إلا التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه. الأمر السابع: أن اللّه سبحانه وتعالى يحدث في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك، فهذا جبريل كان ينزل على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ويتمثل له رجلا فيكلمه بكلام يسمعه، ومن إلى جانب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يراه ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء وأحيانا يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس، ولا يسمعه غيره من الحاضرين، وهؤلاء الجن يتحدثون ويتكلمون بالأصوات المرتفعة، بيننا ونحن لا نسمعهم، وقد كانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط، وتضرب رقابهم وتصيح بهم، والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم، واللّه سبحانه قد حجب بني آدم عن كثير مما يحدثه في الأرض وهو بينهم، وقد كان جبريل يقرئ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ويدارسه القرآن والحاضرون لا يسمعونه. وكيف يستنكر من يعرف اللّه سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم، لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها، والبعد أضعف بصرا وسمعا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر، وكثيرا ممن أشهده اللّه ذلك صعق وغشي عليه ولم ينتفع بالعيش زمنا، وبعضهم كشف قناع قلبه فمات، فكيف ينكر في الحكمة الإلهية أسبال غطاء يحول بين المكلفين وبين مشاهدة ذلك، حتى إذا كشف الغطاء رأوه وشاهدوه عيانا. ثم إن العبد قادر على أن يزيل الزئبق والخردل عن عين الميت وصدره ثم يرده بسرعة، فكيف يعجز عنه الملك، وكيف لا يقدر عليه من هو على كل شيء قدير، وكيف تعجز قدرته على إبقائه في عينيه وعلى صدره لا يسقط عنه، وهل قياس أمر البرزخ على ما يشاهده الناس في الدنيا إلا محض الجهل والضلال، وتكذيب أصدق الصادقين، وتعجيز رب العالمين وذلك غاية الجهل والظلم. وإذا كان أحدنا يمكنه توسعة القبر عشرة أذرع ومائة ذراع وأكثر طولا وعرضا وعمقا، ويستر توسيعه عن الناس، ويطلع عليه من يشاء، فكيف يعجز رب العالمين أن يوسعه ما يشاء على من يشاء، ويستر ذلك على أعين بني آدم، فيراه بنو آدم عميقا، وهو أوسع شيء وأطيبه ريحا وأعظمه إضاءة ونورا، وهم لا يرون ذلك. وسر المسألة: أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم، واللّه سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل عليه الغطاء ليكون الإقرار والإيمان به سببا لسعادتهم، فإذا كان كشف عنهم الغطاء صار عيانا مشاهدا، فلو كان الميت بين الناس موضوعا لم يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألانه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه، ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربه، وهذا الواحد منا ينام إلى جنب صاحبه فيعذب في النوم ويضرب ويألم، وليس عند المستيقظ خبر من ذلك البتة، وقد سرى أثر الضرب والألم إلى جسده. ومن أعظم الجهل استبعاد شق الملك الأرض والحجر وقد جعلهما اللّه سبحانه له كالهواء للطير، ولا يلزم من حجبها للأجسام الكثيفة أن تتولج حجبها للأرواح اللطيفة، وهل هَذا إلَّا من أفسد القياس، وبِهَذا وأمْثاله كذبت الرُّسُل صلوات اللّه وسلامه عليهم. الأمر الثامن: أنه غير ممتنع أن ترد الروح إلى المصلوب والغريق والمحرق ونحن لا نشعر بها، لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود، فهذا المغمي عليه والمسكوت والمبهوت أحياء، وأرواحهم معهم ولا تشعر بحياتهم، ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالا بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه، ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من الألم واللذة، وإذا كان اللّه سبحانه وتعالى قد جعل للجمادات شعورا وإدراكا تسبح ربها به، وتسقط الحجارة من خشيته، وتسجد له الجبال والشجر وتسبحه الحصى والمياه والنبات قال تعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْ ءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ولو كان التسبيح هو مجرد دلالتها على صانعها لم يقل: ﴿ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فإن كان عاقل يفقه دلالتها على صانعها، وقال تعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ والدلالة على الصانع لا تختص بهذين الوقتين، وكذلك قوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ والدلالة لا تختص معيته وحده وكذب على اللّه من قال: التأويب رجع الصدى، فإن هذا يكون لكل مصوت، وقال تعالى: ﴿أ لَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ والدلالة على الصانع لا تختص بكثير من الناس، وقد قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ فهذه صلاة وتسبيح حقيقة يعلمها اللّه، وإن جحدها الجاهلون المكذبون، وقد أخبر تعالى عن الحجارة أن بعضها يزول عن مكانه ويسقط من خشيته، وقد أخبر عن الأرض والسماء أنهما يأذنان له وقولهما ذلك أي يستمعان كلامه، وأنه خاطبهما فسمعا خطابه وأحسنا جوابه، فقال لهما: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ وقد كان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل، وسمعوا حنين الجذع اليابس في المسجد، فإذا كانت هذه الأجسام فيها الإحساس والشعور، فالأجسام التي كانت فيها الروح والحياة أولى بذلك، وقد أشهد اللّه سبحانه عباده في هذه الدار إعادة حياة كاملة إلى بدن قد فارقته الروح، فتكلم ومشى وأكل وشرب وتزوج وولد له الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ} وكقتيل بني إسرائيل أو كالذين قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأماتهم اللّه ثم بعثهم من بعد موتهم، وكأصحاب الكهف وقصة إبراهيم في الطيور الأربعة، فإذا أعاد الحياة التامة إلى هذه الأجساد بعد ما بردت بالموت فكيف تمتنع على قدرته الباهرة أن يعيد إليها بعد موتها حياة غير مستقرة يقضي بها ما أمره فيها ويستنطقها بها ويعذبها أو ينعمها بأعمالها، وهل إنكار ذلك إلا مجرد تكذيب وعناد وجحود وباللّه التوفيق. [فصل: عدم ذكر القرآن لعذاب القبر] وهي قول السائل: ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به ليحذر ويتقي؟ فالجواب من وجهين: مجمل، ومفصل. أما المجمل: فهو أن اللّه سبحانه وتعالى أنزل على رسوله وحيين، وأوجب على عباده الإيمان بهما، والعمل بما فيهما، وهما الكتاب والحكمة، وقال تعالى وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ} وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ وقال تعالى ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾. والكتاب: هو القرآن، والحكمة: هي السنّة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول عن اللّه فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكر، إلا من ليس منهم. وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إني أوتيت الكتاب ومثله معه». وأما الجواب المفصل: فهو أن نعيم البرزخ وعذابه مذكور في القرآن في غير موضع. فمنها قوله تعالى ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وهذا خطاب لهم عند الموت، وقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون، ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون. ومنها: قوله تعالى ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ. النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ فذكر عذاب الدارين ذكرا صريحا لا يحتمل غيره. (ومنها) قوله تعالى فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ. يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ. وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ ولكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ} «٣» وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا، وقد يقال وهو أظهر: إن من مات منهم عذاب في البرزخ، ومن بقي منها عذب في الدنيا بالقتل وغيره، فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ. (ومنها) قوله تعالى ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ وقد احتج بهذه الآية جماعة منهم عبد اللّه بن عباس على عذاب القبر وفي الاحتجاج بها شيء، لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعي به رجوعهم عن الكفر، ولم يكن هذا مما يخفى على حبر الأمة وترجمان القرآن، ولكن فقهه في القرآن ودقة فهمه فيه فهم منها عذاب القبر، فإنه سبحانه أخبر أن له فيهم عذابين أدنى وأكبر، فأخبر أنه يذيقهم بعض الأدنى ليرجعوا، فدل على أنه بقي لهم من الأدنى بقية يعذبون بها بعد عذاب الدنيا، ولهذا قال: من العذاب الأدنى، ولم يقل ولنذيقنهم العذاب الأدنى فتأمله. وهذا نظير قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها»، ولم يقل: فيأتيه حرها وسمومها، فإن الذي وصل إليه بعض ذلك وبقي له أكثره، والذي ذاقه أعداء اللّه في الدنيا بعض العذاب وبقي لهم ما هو أعظم منه. (ومنها) قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ (٨٣) وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ (٩١) وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ (٩٣) وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ (٩٦)﴾. فذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية، إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام. (ومنها) قوله تعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وقد اختلف السلف: متى يقال لها ذلك؟ فقالت طائفة: يقال لها عند الموت، وظاهر اللفظ مع هؤلاء، فإنه خطاب للنفس التي تجردت عن البدن وخرجت منه، وقد فسر ذلك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بقوله في حديث البراء وغيره: فيقال لها اخرجي راضية مرضيا عنك، وسيأتي تمام تقرير في هذا في المسألة التي يذكر فيها مستقر الأرواح في البرزخ إن شاء اللّه تعالى وقوله تعالى فادْخُلِي في عِبادِي مطابق لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اللهم الرفيق الأعلى». وأنت إذا تأملت أحاديث عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلا وتفسيرا لما دل عليه القرآن وباللّه التوفيق.

غافر 40:46

(فائدة) (الآل) إن أفرد دخل فِيهِ المُضاف إلَيْهِ كَقَوْلِه تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] وَلا ريب في دُخُوله في آله هُنا. وَقَوله تَعالى ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ونظائره. وَقَول النَّبِي ﷺ "اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى" وَلا ريب في دُخُول أبي أوفى نَفسه في ذَلِك. وَقَوله "اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم" هَذِه أكثر رِوايات البُخارِيّ وإبْراهِيم هُنا داخل في آله ولَعَلَّ هَذا مُراد من قالَ آل الرجل نَفسه وَأما إن ذكر الرجل ثمَّ ذكر آله لم يدْخل فيهم. فَفرق بَين المُجَرّد والمقرون. فَإذا قلت أعْط لزيد وآل زيد. لم يكن زيد هُنا داخِلا في آله. وَإذا قلت أعْطه لآل زيد. تناول زيدا وآله. وَهَذا لَهُ نَظائِر كَثِيرَة قد ذَكرناها في غير هَذا الموضع، وهِي أن اللَّفْظ تخْتَلف دلالَته بالتجريد والاقتران، كالفقير والمسكين هما صنفان إذا قرن بَينهما، وصنف واحِد إذا أفرد كل مِنهُما. وَلِهَذا كانا في الزَّكاة صنفين، وفي الكَفّارات صنف واحِد. وكالإيمان والإسْلام، والبر والتَّقوى، والفحشاء والمُنكر، والفسوق والعصيان. ونظائر ذَلِك كَثِيرَة ولا سِيما في القُرْآن. (فصل) وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَنازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، فانْتَهَيْنا إلى القَبْرِ ولَمّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجَلَسْنا حَوْلَهُ كَأنَّ عَلى رُءُوسِنا الطَّيْرَ، وفي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ في الأرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِن عَذابِ القَبْرِ - مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا - ثُمَّ قالَ: إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا كانَ في انْقِطاعٍ مِنَ الدُّنْيا، وإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّماءِ بِيضُ الوُجُوهِ كَأنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهم كَفَنٌ مِن أكْفانِ أهْلِ الجَنَّةِ، وحَنُوطٌ مِن حَنُوطِ الجَنَّةِ، حَتّى يَجْلِسُوا مِنهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حَتّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ، اخْرُجِي إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ، فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَما تَسِيلُ القَطْرَةُ مِن في السِّقاءِ، فَيَأْخُذُها، فَإذا أخَذَها لَمْ يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتّى يَأْخُذُوها، فَيَجْعَلُوها في ذَلِكَ الكَفَنِ، وفي ذَلِكَ الحَنُوطِ، ويَخْرُجُ مِنها كَأطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِها، فَلا يَمُرُّونَ بِها عَلى مَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا قالُوا: ما هَذِهِ الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ؟ فَيَقُولُونَ: رُوحُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ، بِأحْسَنِ أسْمائِهِ الَّتِي كانُوا يُسَمُّونَهُ بِها في الدُّنْيا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُ، فَيُشُيِّعُهُ مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبُوها إلى السَّماءِ الَّتِي تَلِيها حَتّى يُنْتَهى بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: اكْتُبُوا كِتابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ، وأعِيدُوهُ إلى الأرْضِ، فَإنِّي مِنها خَلَقْتُهُمْ، وفِيها أُعِيدُهم ومِنها أُخْرِجُهم تارَةً أُخْرى، فَقالَ: فَتُعادُ رُوحُهُ إلى الأرْضِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ، فَيُجْلِسانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينَيَ الإسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما هَذا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: وما عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَآمَنتُ بِهِ وصَدَّقْتُ، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عَبْدِي، فافْرِشُوا لَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وألْبِسُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وافْتَحُوا لَهُ بابًا إلى الجَنَّةِ قالَ: فَيَأْتِيهِ مِن رُوحِها وطِيبِها، ويُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قالَ: ويَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَن أنْتَ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالخَيْرِ، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أقِمِ السّاعَةَ رَبِّ أقِمِ السّاعَةَ، حَتّى أرْجِعَ إلى أهْلِي ومالِي، قالَ: وإنَّ العَبْدَ الكافِرَ إذا كانَ في انْقِطاعٍ مِنَ الدُّنْيا، وإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّماءِ، سُودُ الوُجُوهِ، مَعَهُمُ المُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حَتّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إلى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وغَضَبٍ، قالَ: فَتَغْرَقُ في جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُها، كَما يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المُبْتَلِّ، فَيَأْخُذُها، فَإذا أخَذَها لَمْ يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتّى يَجْعَلُونَها في تِلْكَ المُسُوحِ، ويَخْرُجُ مِنها كَأنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِها، فَلا يَمُرُّونَ بِها عَلى مَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا قالُوا: ما هَذِهِ الرُّوحُ الخَبِيثَةُ. فَيَقُولُونَ: رُوحُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ، بِأقْبَحِ أسْمائِهِ الَّتِي كانَ يُسَمّى بِها في الدُّنْيا، فَيُسْتَفْتَحُ فَلا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: اكْتُبُوا كِتابَهُ في سِجِّينٍ في الأرْضِ السُّفْلى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] فَتُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، ويَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ لا أدْرِي، فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ لا أدْرِي، فَيَقُولانِ لَهُ: ما هَذا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ لا أدْرِي، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ كَذَبَ عَبْدِي، فافْرِشُوا لَهُ مِنَ النّارِ، وافْتَحُوا لَهُ بابًا إلى النّارِ، فَيَأْتِيهِ مِن حَرِّها وسَمُومِها، ويُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، حَتّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أضْلاعُهُ، ويَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤُكَ، هَذا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: ومَن أنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لا تُقِمِ السّاعَةَ». وَفِي لَفْظٍ لِأحْمَدَ أيْضًا «ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أعْمى أصَمُّ أبْكَمُ، في يَدِهِ مِرْزَبَّةٌ، لَوْ ضَرَبَ بِها جَبَلًا كانَ تُرابًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما كانَ، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرى، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُها كُلُّ شَيْءٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ، قالَ البَراءُ: ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى النّارِ ويُمَدُّ لَهُ مِن فِراشِ النّارِ». وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا عَنْهُ، قالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ بَصُرَ بِجَماعَةٍ، فَقالَ: «عَلامَ اجْتَمَعَ هَؤُلاءِ؟ قِيلَ: عَلى قَبْرٍ يَحْفِرُونَهُ، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبَدَرَ بَيْنَ يَدَيْ أصْحابِهِ مُسْرِعًا، حَتّى انْتَهى إلى القَبْرِ، فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ، فاسْتَقْبَلْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأنْظُرَ ما يَصْنَعُ، فَبَكى حَتّى بَلَّ الثَّرى مِن دُمُوعِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنا، فَقالَ: أيْ إخْوانِي، لِمِثْلِ هَذا اليَوْمِ فَأعِدُّوا». وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قالَ: «خَرَجَ إلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَنادى ثَلاثَ مَرّاتٍ: يا أيُّها النّاسُ، أتَدْرُونَ ما مَثَلِي ومَثَلُكُمْ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ إنَّما مَثَلِي ومَثَلُكم مَثَلُ قَوْمٍ خافُوا عَدُوًّا يَأْتِيهِمْ فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَراءى لَهُمْ، فَأبْصَرَ العَدُوَّ، فَأقْبَلَ لِيُنْذِرَهُمْ، وخَشِيَ أنْ يُدْرِكَهُ العَدُوُّ قَبْلَ أنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ، فَأهْوى بِثَوْبِهِ: أيُّها النّاسُ أُتِيتُمْ، أيُّها النّاسُ أُتِيتُمْ، ثَلاثَ مَرّاتٍ». وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا وعَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» قالَ أبُو ذَرٍّ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ. وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَنازَةٍ فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى القَبْرِ قَعَدَ عَلى ساقَيْهِ، فَجَعَلَ يُرَدِّدُ بَصَرَهُ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: يُضْغَطُ المُؤْمِنُ فِيهِ ضَغْطَةً تَزُولُ مِنها حَمائِلُهُ ويُمْلَأُ عَلى الكافِرِ نارًا، والحَمائِلُ عُرُوقُ الأُنْثَيَيْنِ». وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ حِينَ تُوُفِّيَ، فَلَمّا صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووُضِعَ في قَبْرِهِ، وسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّحْنا طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ، فَكَبَّرْنا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ سَبَّحْتَ، ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ فَقالَ: لَقَدْ تَضايَقَ عَلى هَذا العَبْدِ الصّالِحِ قَبْرُهُ حَتّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ». وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا وُضِعَتِ الجَنازَةُ، واحْتَمَلَها الرِّجالُ عَلى أعْناقِهِمْ، فَإنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ، قالَتْ: يا ويْلَها، أيْنَ تَذْهَبُونَ بِها؟ يَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ شَيْءٍ إلّا الإنْسانَ، ولَوْ سَمِعَها الإنْسانُ لَصُعِقَ». وَفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَدْنُو الشَّمْسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى قَدْرِ مِيلٍ، ويُزادُ في حَرِّها كَذا وكَذا، تَغْلِي مِنها الرُّءُوسُ كَما تَغْلِي القُدُورُ، يَعْرَقُونَ فِيها عَلى قَدْرِ خَطاياهُمْ، مِنهم مَن يَبْلُغُ إلى كَعْبِهِ، ومِنهم مَن يَبْلُغُ إلى ساقَيْهِ، ومِنهم مَن يَبْلُغُ إلى وسَطِهِ، ومِنهم مَن يُلْجِمُهُ العَرَقُ». وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ؟ وحَنى جَبْهَتَهُ يَسْمَعُ مَتى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ. فَقالَ أصْحابُهُ: كَيْفَ نَقُولُ؟ قالَ: قُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا». وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ: «مَن تَعَظَّمَ في نَفْسِهِ، أوِ اخْتالَ في مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانٌ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُصَوِّرِينَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُقالُ لَهم أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ». وَفِيهِما أيْضًا عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، فَيُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ». وَفِيهِما أيْضًا عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إذا صارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، جِيءَ بِالمَوْتِ حَتّى يُوقَفَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، ثُمَّ يُذْبَحَ، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إلى فَرَحِهِمْ، ويَزْدادُ أهْلُ النّارِ حُزْنًا إلى حُزْنِهِمْ». [فصل: عذاب القبر وعلاقة البدن والروح به] وهذا يتضح بجواب المسألة وهي قول السائل: هل عذاب القبر على النفس والبدن أو على النفس دون البدن أو على البدن دون النفس. وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب أم لا؟ وقد سئل شيخ الإسلام عن هذه المسألة، ونحن نذكر لفظ جوابه فقال: بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنّة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما تكون على الروح منفردة عن البدن، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنّة وأهل الكلام، وفي المسألة أقوال شاذّة ليست من أقوال أهل السنّة والحديث، قول من يقول: إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على أرواح، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان لكي يقولون لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور، لكن هؤلاء ينكرون عذاب البدن في البرزخ فقط، ويقولون: إن الأرواح هي المنعمة أو المعذبة في البرزخ، فإذا كان يوم القيامة عذبت الروح والبدن معا. وهذا القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم، وهو اختيار ابن حزم وابن مرة، فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة، بل هو مضاف إلى قول من يقول بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح، ولكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال: إحداها: أنه على الروح فقط. والثاني: أنه عليها وعلى البدن بواسطتها. والثالث: أنه على البدن فقط، وقد يضم إلى ذلك القول الثاني وهو قول من يثبت عذاب القبر ويجعل الروح هي الحياة، ويجعل الشاذ قول منكر عذاب الأبدان مطلقا، وقول من ينكر عذاب الروح مطلقا، فإذا جعلت الأقوال الشاذة ثلاثة فالقول الثاني الشاذ قول من يقول إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب، وإنما الروح هي الحياة، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره، وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن، وهذا قول باطل قد خالف أصحابه أبو المعالي الجويني وغيره بل قد ثبت بالكتاب والسنّة واتفاق الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة، والفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك. ولكن ينكرون معاد الأبدان، وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان، لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان، وكلا القولين خطأ وضلال، لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام، وإن كان يوافقهم عليه من يعتقد أنه متمسك بدين الإسلام، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام. والقول الثالث الشاذ قول من يقول: إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه، بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ لكنهم خير من الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى. [فصل: مذهب السلف في عذاب الميت] فإذا عرفت هذه الأقوال الباطلة، فلتعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد قاموا من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى. ونحن نثبت ما ذكرناه. فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير فكثيرة متواترة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، كما في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين فقال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» «١». (وفي صحيح مسلم) عن زيد بن ثابت قال: بينا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في حائط لبني النجار على بغلته ونحن معه، إذ حادت} «١» به فكادت تلقيه، فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر»؟ فقال رجل: أنا، قال: «فمتى مات هؤلاء»؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: «إن هذه الأمة تبتلي} «٢» في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا} «٣» لدعوت اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه» «٤» ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوذوا باللّه من عذاب النار»، قالوا: نعوذ باللّه من عذاب النار، فقال: «تعوذوا باللّه من عذاب القبر»، قالوا: نعوذ باللّه من عذاب القبر. قال: «تعوذوا باللّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، قالوا: نعوذ باللّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: «تعوذوا باللّه من فتنة الدجال»، قالوا نعوذ باللّه من فتنة الدجال} «٥». (وفي صحيح مسلم) وجميع السنن عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ باللّه من أربع: من عذاب جهم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا «٦» والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» «٧». (وفي صحيح مسلم) أيضا وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال» «٨». (وفي الصحيحين) عن أبي أيوب قال: خرج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد غربت الشمس، فسمع صوتا فقال: «يهود تعذب في قبورها» «١». (وفي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: دخلت عليّ عجوز من عجائز يهود المدينة فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتها ولم أصدقها، قالت: فخرجت ودخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول اللّه إن عجوزا من عجائز يهود أهل المدينة دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم! قال: «صدقت إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها» قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر «٢». (وفي صحيح ابن حبان) عن أم مبشر قالت: دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأنا في حائط من حوائط بني النجار فيه قبور منهم «٣» وهو يقول: «تعوذوا باللّه من عذاب القبر» «٤»، فقلت: يا رسول اللّه وللقبر عذاب؟ قال: «إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم». (قال) بعض أهل العلم، ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت «٥» إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين كالإسماعيلية «٦» والنصيرية والقرامطة من بني عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام، فإن أصحاب الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما يقصدون قبور اليهود والنصارى، قال: فإذا سمعت الخيل عذاب القبر أحدث لها ذلك فزعا وحرارة تذهب بالمغل. (وقد قال) عبد الحق الإشبيلي «١»، حدثني الفقيه أبو الحكم بن برجان وكان من أهل العلم والعمل أنهم دفنوا ميتا بقريتهم في شرف أشبيلية «٢»، فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحية يتحدثون، ودابة ترعى قريبا منهم، فإذا بالدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر، فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ثم ولت فارة، ثم عادت إلى القبر فجعلت أذنها عليها كأنها تسمع ثم ولت فارة، فعلت ذلك مرة بعد أخرى. قال أبو الحكم: فذكرت عذاب القبر وقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم «أنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم». ذكر لنا هذه الحكاية ونحن نسمع عليه كتاب مسلم لما انتهى القارئ إلى قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم} «إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم». وهذا السماع واقع على أصوات المعذبين، قال هناد بن السري «٣» في كتاب (الزهد) حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: دخلت عليّ يهودية، فذكرت عذاب القبر، فكذبتها، فدخل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم علي، فذكرت ذلك له، فقال: «و الذي نفسي بيده أنهم ليعذبون في قبورهم حتى تسمع البهائم أصواتهم». (قلت) وأحاديث المسألة في القبر كثيرة كما في الصحيحين والسنن، عن البراء بن عازب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «المسلم إذا سئل في قبره فشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه فذلك قول اللّه يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ «٢» وفي لفظ: نزلت في عذاب القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: اللّه ربي ومحمد نبي، فذلك قول اللّه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ «٣». والحديث قد رواه أهل السنن والمسانيد مطولا كما تقدم. وقد صرح في هذا الحديث بإعادة الروح إلى البدن وباختلاف أضلاعه، وهذا بين في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين. وقد روى مثل حديث البراء قبض الروح والمسألة والنعيم والعذاب أبو هريرة (وحديثه) في المسند، وصحيح أبي حاتم، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن الميت إذا وضع في قبره أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي ما دخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول: فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان ما قبلي مدخل، فيقال: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد أخذت الغروب، فيقال له: هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وما ذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني أصلي، فيقولون إنك ستصلي، أخبرنا عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وما تشهد عليه؟ فيقول محمد؟ أشهد أنه رسول اللّه، جاء بالحق من عند اللّه، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء اللّه، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وما أعد اللّه لك فيها، فيزداد غبطة وسرورا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا، وينور له فيه، ويعاد الجسد لما بدي ء منه، وتجعل نسمته من النسم الطيب وهي طير معلق في شجرة الجنة، قال: فذلك قول اللّه تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ «١» وذكر في الكافر ضد ذلك إلى أن قال: ثم يضيق عليه في قبره إلى أن تختلف فيه أضلاعه فتلك المعيشة الضنك التي قال اللّه تعالى ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ «٢». (وفي الصحيحين) من حديث قتادة: عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه ليسمع خفق نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اللّه ورسوله، قال: فيقول أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك اللّه به مقعدا من الجنة»، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «فيراهما جميعا». قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون «٣». ثم رجع إلى حديث أنس قال: فأما الكافر والمنافق فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقولان: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين. (وفي صحيح أبي حاتم) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر النكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ صلى اللّه عليه وآله وسلم، فهو قائل ما كان يقول، فإن كان مؤمنا قال: هو عبد اللّه ورسوله، أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان له: إنا كنا لنعلم أنك تقول ذلك، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراع، وينور له فيه، ويقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي ومالي فأخبرهم، فيقولان نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه اللّه من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: لا أدري كنت أسمع الناس يقولون شيئا فكنت أقوله، فيقولان له: كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه، فلا يزال معذبا حتى يبعثه اللّه من مضجعه ذلك». وهذا صريح في أن البدن يعذب. (وعن أبي هريرة) أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إذا احتضر المؤمن أتته الملائكة بحريرة بيضاء فيقولون: أخرجي أيتها الروح الطيبة راضية مرضيا عنك إلى روح «١» وريحان «٢» ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب من ريح المسك حتى أنه ليناوله بعضهم بعضا حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحا به من أحدكم بغائبة يقدم عليه، فيسألونه ما ذا فعل فلان؟ قال: فيقول دعوه يستريح فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال أتاكم فيقولون إنه ذهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: أخرجي مسخوطا عليك إلى عذاب اللّه فتخرج كأنتن روح جيفة حتى يأتوا به باب الأرض، فيقولون: فما أنتن هذه الروح حتى يأتوا به أرواح الكفار» رواه النسائي والبزار ومسلم مختصرا. (وأخرجه أبو حاتم في صحيحه) وقال: «إن المؤمن إذا حضره الموت حضرته ملائكة الرحمة، فإذا قبض جعلت روحه في حريرة بيضاء، فينطلق بها إلى باب السماء، فيقولون: ما وجدنا ريحا أطيب من هذه، فيقال: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقال: دعوه يستريح، فإنه كان في غم الدنيا، وأما الكافر إذا قبضت نفسه ذهب بها إلى الأرض فتقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحا أنتن من هذه، فيبلغ بها إلى الأرض السفلى». (وروى) النسائي في سننه من حديث عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهد له سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه»، قال النسائي «١» يعني سعد بن معاذ «٢». (وروى) من حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ»، رواه من حديث شعبة. وقال هناد بن السري: حدثنا محمد بن الفضيل عن أبيه عن ابن أبي مليكة قال: «ما أجير من ضغطة القبر أحد ولا سعد بن معاذ الذي منديل من مناديله خير من الدنيا وما فيها» «٣». وقال: وحدثنا عبدة من عبيد اللّه بن عمر عن نافع قال: لقد بلغني أنه شهد جنازة سعد بن معاذ سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قط، لقد بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «ضم صاحبكم في القبر ضمة». وقال: علي بن معبد، حدثنا عبيد اللّه عن زيد بن أبي أنيسة، عن جابر، عن نافع قال: أتينا صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد اللّه بن عمر وهي فزعة، فقلنا: ما شأنك؟ فقالت: جئت من عند بعض نساء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، قالت: فحدثني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن كنت لأرى لو أن أحدا أعفي من عذاب القبر لأعفي منه سعد بن معاذ لقد ضم فيه ضمة». (وحدثنا) مروان بن معاوية عن علاء بن المسيب عن معاوية العبسي عن زاذان بن عمرو قال: لما دفن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ابنته فجلس عند القبر فتربد} «١» وجهه، ثم سرى عنه «٢»، فقال له أصحابه: رأينا وجهك آنفا ثم سرى، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ذكرت ابنتي وضعفها وعذاب القبر، فدعوت اللّه ففرج عنها، وأيم اللّه لقد ضمت ضمة سمعها من بين الخافقين». وحدثنا شعيب عن ابن دينار عن إبراهيم الغنوي عن رجل قال: كنت عند عائشة رضي اللّه عنها فمرت جنازة صبي صغير فبكت، فقلت لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين، فقالت: هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر. ومعلوم أن هذا كله بواسطة الروح. [فصل: الإيمان بعذاب القبر] وهذا كما أنه مقتضى السنّة الصحيحة فهو متفق عليه بين أهل السنّة. قال المروزي: قال أبو عبد اللّه: عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل، قال حنبل: قلت لأبي عبد اللّه في عذاب القبر فقال: هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها، كلما جاء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إسناد جيد أقررنا به. إذا لم نقر بما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ودفعناه ورددناه رددنا على اللّه أمره، قال اللّه تعالى ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ قلت له: وعذاب القبر حق؟ قال: حق يعذبون في القبر. قال: وسمعت أبا عبد اللّه يقول: نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير وأن العبد يسأل في قبره فيثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة في القبر. (وقال) أحمد بن القاسم: قلت: يا أبا عبد اللّه، تقر بمنكر ونكير، وما يروى في عذاب القبر؟ فقال: سبحان اللّه نعم، نقر بذلك ونقوله، قلت: هذه اللفظة تقول: منكر ونكير هكذا أو تقول ملكين؟ قال: منكر ونكير؟ قلت: يقولون ليس في حديث منكر ونكير، قال: هو هكذا، يعني أنهما منكر ونكير. وأما أقوال أهل البدع والضلال، فقال أبو الهذيل والمريسي: من خرج عن صفة الإيمان فإنه يعذب بين النفحتين، والمسألة في القبر إنما تقع في ذلك الوقت. وأثبت الجبائي وابنه البلجي عذاب القبر ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه لأصحاب التخليد من الكفار والفسّاق على أصولهم. (وقال) كثير من المعتزلة: لا يجوز تسمية ملائكة اللّه بمنكر ونكير، وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، والنكير تقريع الملكين له. وقال الصالحي: وصالح فيه عذاب القبر يجري على المؤمن من غير رد الأرواح إلى الأجساد، والميت يجوز أن يتألم ويحس ويعلم بلا روح، وهذا قول جماعة من الكرامية. (وقال) بعض المعتزلة: إن اللّه سبحانه يعذب الموتى في قبورهم ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا أوجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، قالوا: وسبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران والمغشى عليه لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب. وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسا مثل ضرار بن عمرو «١» ويحيى بن كامل وهو قول المريبي، فهذه أقوال أهل الخزي والضلالة. [فصل: الرد على منكري عذاب القبر] وهي قول السائل: ما جوابنا للملاحدة والزنادقة المنكرين لعذاب القبر وسعته وضيقه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، وكون الميت لا يجلس ولا يقعد فيه. قالوا: فإنا نكشف القبر فلا نجد فيه ملائكة عميا صما يضربون الموتى بمطارق من حديد، ولا نجد هناك حيات ولا ثعابين ولا نيرانا تأجج، ولو كشفنا حاله في حالة من الأحوال لوجدناه لم يتغير، ولو وضعنا على عينيه الزئبق وعلى صدره الخردل لوجدناه على حاله، وكيف يفسح مد بصره أو يضيق عليه، ونحن نجده بحاله، ونجد مساحته على حد ما حفرناها، لم يزد ولم ينقص، وكيف يسع ذلك اللحد الضيق له وللملائكة وللصورة التي تؤنسه أو توحشه؟ قال إخوانهم من أهل البدع والضلال، وكل حديث يخالف مقتضى القول والحس يقطع بتخطئة قائلة، قالوا: ونحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يسأل ولا يجيب ولا يتحرك ولا يتوقد جسمه نارا، ومن افترسته السباع ونهشته الطيور وتفرقت أجزاؤه في أجواف السباع وحواصل الطيور وبطون الحيتان ومدارج الرياح كيف تسأل أجزاؤه مع تفرقها، وكيف يتصور مسألة الملكين لمن هذا وصفه، وكيف يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وكيف يضيق عليه حتى تلتئمه أضلاعه، ونحن نذكر أمورا يعلم بها الجواب. الأمر الأول: أن يعلم أن الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله العقول وتقطع باستحالته، بل أخبارهم قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر. والثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر وتفاصيل الثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالا في العقول أصلا، وكل خبر يظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون الخبر كذبا عليهم، أو يكون ذلك العقل فاسدا، وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقولة صريحة قال تعالى: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ والنفوس لا تفرح بالمحال، وقال تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ والمحال لا يشفى ولا يحصل به هدى ولا رحمة ولا يفرح به. فهذا أمر من لم يستقر في قلبه خير ولم يثبت له على الإسلام قدم وكان أحسن أحواله الحيرة والشك. الأمر الثاني: أن يفهم عن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم مراده غير علو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده، وما قصده من الهدى والبيان. وقد حصل بإهمال ذلك، والعدل عنه من الضلال، والعدول عن الصواب ما لا يعلمه، إلا اللّه، بل سوء الفهم عن اللّه ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما أن أضيف إليه سوء القصد، فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده، وسوء القصد من التابع في محنة الدين وأهله واللّه المستعان. وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن اللّه ورسوله حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام، والذي فهمه الصحابة ومن تتبعهم عن اللّه ورسوله فمهجور لا يلتفت إليه ولا يرفع هؤلاء به رأسا، ولكثرة أمثلة هذه القاعدة تركناها، فإننا لو ذكرناها لزادت على عشرة ألوف، حتى أنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن اللّه ورسوله ومراده كما ينبغي في موضع واحد. وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس وعرضه على ما جاء به الرسول، وأما من عكس الأمر بعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده وانتحله وقلد فيه من أحسن به الظن فليس يجدي الكلام معه شيئا فدعه، وما اختاره لنفسه وعليه ما تولى وأحمد الذي عافاك مما ابتلاه به. الأمر الثالث: أن اللّه سبحانه جعل الدور ثلاثا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعا لها، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية. والأبدان كالقبور لها، والأرواح هناك ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها، تجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيما أو عذابا، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري إلى أرواحها نعيما أو عذابا، فأحط بهذا الموضع علما وأعرفه كما ينبغي يزيل عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج. وقد أرانا اللّه سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجا في الدنيا من حال النائم، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلا والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والظمأ. وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس، فإذا كانت الروح تتألم وتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم، فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى، وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع، فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب في الأرواح والأجساد ظاهرا باديا أصلا. ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه، وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وأن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أتى كما قيل: ؎وكم من عائب قولا صحيحا ∗∗∗ وآفته من الفهم السقيم وأعجب من ذلك أنك تجد النائم في فراش واحد، وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه، وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه، وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر، فأمر البرزخ أعجب من ذلك. الأمر الرابع: أن اللّه سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريبا منه ويشاهدهم عيانا ويتحدثون عنده، ومعهم الأكفان والحنوط، إما من الجنة، وإما من النار، ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر، وقد يسلمون على المحتضر، ويرد عليهم تارة بلفظة، وتارة بإشارته، وتارة بقلبه، حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة. وقد سمع بعض المحتضرين يقول: أهلا وسهلا ومرحبا بهذه الوجوه. (وأخبرني) شيخنا عن بعض المحتضرين، فلا أدري أشاهده وأخبره عنه أنه سمع وهو يقول: عليك السلام هاهنا فأجلس، وعليك السلام هاهنا فاجلس». (وقصة) خبر النساج رحمه اللّه مشهورة حيث قال عند الموت: اصبر عافاك اللّه، فإن ما أمرت به لا يفوت، وما أمرت به يفوت، ثم استدعى بماء فتوضأ وصلى ثم قال: امض لما أمرت به، ومات. [فصل: ماهية النار والخضرة في القبر] الأمر الخامس والسادس: أن النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا، فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشد من نار الدنيا، فلا يحس به أهل الدنيا، فإن اللّه سبحانه يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظم حرا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفنان، أحدهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره، وذلك في روضة من رياض الجنة لا يصل روحها ونعيمها إلى جاره. وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك، وقد أرانا اللّه من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير، ولكن النفوس مولعة التكذيب بما لم تحط به علما إلا من وفقه اللّه وعصمه. فيفرش للكافر لوحان من نار، فيشتعل عليه قبره بهما كما يشتعل التنور، فإذا شاء اللّه سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه وغيبه عن غيره، إذ لو اطلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس كما في الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لو لا أن لا تدافنوا لدعوت اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع». و لما كانت هذه الحكمة منفية في حق البهائم سمعت ذلك وأدركته كما حادث برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بلغته وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره. (وحدثني) صاحبنا أبو عبد اللّه محمد بن الرزيز الحراني أنه خرج من داره بعد العصر بآمد إلى بستان، قال: فلما كان قبل غروب الشمس توسطت القبور، فإذا بقبر منها وهو جمرة نار مثل كوز الزجاج، والميت في وسطه، فجعلت أمسح عيني وأقول: أنائم أنا أم يقظان؟ ثم التفت إلى سور المدينة وقلت: واللّه ما أنا بنائم، ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش «١»، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل، ثم دخلت البلد، فسألت عن صاحب القبر، فإذا به مكاس «٢» قد توفي ذلك اليوم. فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة، والجن تقع أحيانا لمن شاء اللّه أن يريه ذلك. (وقد ذكر) ابن أبي الدنيا في كتاب (القبور) عن الشعبي أنه ذكر رجلا، قال للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج فيفعل ذلك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ذلك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة». (وذكر) من حديث حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد اللّه عن أبيه قال: بينا أنا أسير بين مكة والمدينة على راحلة وأنا محقب إدارة، إذ مررت بمقبرة، فإذا رجل خارج من قبره يلتهب نارا وفي عنقه سلسلة يجرها، فقال: يا عبد اللّه انضح، يا عبد اللّه انضح، فو اللّه ما أدري أعرفني باسمي أم كما تدعو الناس، قال: فخرج آخر، فقال: يا عبد اللّه لا تنضح ثم اجتذب السلسلة فأعاده في قبره. (وقال) ابن أبي الدنيا، وحدثني أبي، وحدثنا موسى بن داود، وحدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: بينما راكب يسير بين مكة والمدينة إذ مر بمقبرة، فإذا برجل قد خرج من قبره يلتهب نارا مصفدا في الحديد، فقال: يا عبد اللّه انضح، يا عبد اللّه انضح، يا عبد اللّه انضح، قال: وخرج آخر يتلوه فقال: يا عبد اللّه لا تنضح يا عبد اللّه لا تنضح قال: وغشي على الراكب وعدلت به راحلته إلى العرج، قال: وأصبح قد ابيض شعره، فأخبر عثمان بذلك، فنهى أن يسافر الرجل وحده. (وذكر) من حديث سفيان، حدثنا داود بن شابور عن أبي قزعة قال: مررنا في بعض المياه التي بيننا وبين البصرة، فسمعنا نهيق حمار، فقلنا لهم: ما هذا النهيق؟ قالوا: هذا رجل كان عندنا كانت أمه تكلمه بالشيء فيقول لها: انهقي نهيقك، فلما مات سمع هذا النهيق من قبره كل ليلة. (وذكر) أيضا عن عمرو بن دينار قال: كان رجل من أهل المدينة وكانت له أخت في ناحية المدينة، فاشتكت، وكان يأتيها يعودها، ثم ماتت فدفنها، فلما رجع ذكر أنه نسي شيئا في القبر كان معه، فاستعان برجل من أصحابه، قال: فنبشنا القبر ووجدت ذلك المتاع، فقال للرجل: تنح حتى أنظر على أي حال أختي، فرفع بعض ما على اللحد فإذا القبر مشتعل نارا فرده وسوى القبر، فرجع إلى أمه فقال: ما كان حال أختي؟ فقال: ما تسأل عنها وقد هلكت، فقال: لتخبريني، قالت: كانت تؤخر الصلاة ولا تصلي فيما أظن بوضوء، وتأتي أبواب الجيران فتلقم أذنها أبوابهم وتخرج حديثهم. (وذكر) عن حصين الأسدي قال: سمعت مرثد بن حوشب قال: كنت جالسا عند يوسف بن عمر، وإلى جنبه رجل كأن شقة وجهه صفحة من حديد، فقال له يوسف: حدث مرثدا بما رأيت؟، فقال: كنت شابا قد أتيت هذه الفواحش، فلما وقع الطاعون قلت: أخرج إلى ثغر من هذه الثغور، ثم رأيت أن أحفر القبور، فإذا بي ليلة بين المغرب والعشاء قد حفرت وأنا متكئ على تراب قبر آخر، إذ جي ء بجنازة رجل حتى دفن في ذلك وسووا عليه، فأقبل طائران أبيضان من المغرب مثل البعيرين، حتى سقط أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، ثم أثاراه، ثم تدلى أحدهما في القبر والآخر على شفيره، فجئت حتى جلست على شفير القبر، وكنت رجلا لا يملأ جوفي شيء، قال: فسمعته يقول: ألست الزائر أصهارك في ثوبين ممصرين «١» تسحبهما كبرا تمشيا لخيلاء فقال: أنا أضعف من ذلك، قال: فضربه ضربة امتلأ القبر حتى فاض ماء ودهنا، ثم عاد فأعاد إليه القول حتى ضربه ثلاث ضربات كل ذلك يقول ذلك ويذكر أن القبر يفيض ماء ودهنا، قال: ثم رفع رأسه فنظر إلي فقال: انظر أين هو جالس بلسه} «١» اللّه، قال: ثم ضرب جانب وجهي فسقطت، فمكثت ليلتي حتى أصبحت، قال: ثم أخذت أنظر إلى القبر فإذا هو على حاله. فهذا الماء والدهن في رأي العين لهذا الرائي وهو نار تأجج للميت كما أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الدجال أنه يأتي معه بماء ونار، فالنار ماء بارد والماء نار تأجج} «٢». (وذكر) ابن أبي الدنيا أن رجلا سأل أبا إسحاق الفزاري عن النباش} «٣» هل له توبة؟ فقال: نعم إن صحت نيته وعلم اللّه منه الصدق، فقال له الرجل: كنت أنبش القبور وكنت أجد قوما وجوههم لغير القبلة، فلم يكن عند الفزاري في ذلك شيء، فكتب إلى الأوزاعي يخبره بذلك، فكتب إليه الأوزاعي: تقبل توبته إذا صحت نيته وعلم اللّه الصدق من قلبه، وأما قوله أنه كان يجد قوما وجوههم لغير القبلة: فأولئك قوم ماتوا على غير السنّة. (وقال) ابن أبي الدنيا حدثني عبد المؤمن بن عبد اللّه بن عيسى القيسي أنه قيل لنباش تاب: ما أعجب ما رأيت؟ قال: نبشت رجلا فإذا هو مسمر بالمسامير في سائر جسده ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه. (وقيل) وقيل لنباش آخر: ما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت جمجمة إنسان مصبوب فيها رصاصا. (قال) وقيل لنباش آخر: ما كان سبب توبتك؟ قال: عامة من كنت أنبش كنت أراه محول الوجه عن القبلة. (قلت) وحدثني صاحبنا أبو عبد اللّه محمد بن مساب السلامي وكان من خيار عباد اللّه وكان يتحرى الصدق قال: جاء رجل إلى سوق الحدادين ببغداد فباع مسامير صغار المسمار برأسين، فأخذها الحداد وجعل يحمي عليها فلا تلين معه حتى عجز عن ضربها، فطلب البائع فوجده، فقال: من أين لك هذه المسامير؟ فقال: لقيتها، فلم يزل به حتى أخبره أنه وجد قبرا مفتوحا وفيه عظام ميت منظومة بهذه المسامير، قال: فعالجتها على أن أخرجها فلم أقدر، فأخذت حجرا فكسرت عظامه وجمعتها، وقال: وأنا رأيت تلك المسامير، قلت له: فكيف صفتها؟ قال المسمار صغير برأسين. (قال) ابن أبي الدنيا، وحدثني عن أبي بن جريش عن أمه، قالت: لما حفر أبو جعفر خندق الكوفة حوّل الناس موتاهم، فرأينا شابا ممن حولنا عاضا على يده. (وذكر) عن سماك بن حرب قال: مر أبو الدرداء بين القبور فقال: ما أسكن ظواهرك وفي داخلك الدواهي. (وقال) ثابت البناني «١»: بينما أنا أمشي في المقابر وإذا صوت خلفي وهو يقول: يا ثابت لا يغرنك سكوتها فكم من مغموم فيها، فالتفت فلم أر أحدا. (ومر) الحسن على مقبرة فقال: يا لهم من عسكر ما أسكنهم، وكم فيهم من مكروب. (وذكر) ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة بن عبد الملك: يا مسلمة من دفن أباك؟ قال: مولاي فلان، قال: فمن دفن الوليد؟ قال: مولاي فلان، قال: فأنا أحدثك ما حدثني به، إنه لما دفن أباك الوليد فوضعهما في قبورهما وذهب ليحل العقد عنهما وجد وجوههما قد حولت في أقفيتهما، فانظر يا مسلمة إذا أنا مت، فالتمس وجهي فانظر: هل نزل بي ما نزل بالقوم، أو هل عوفيت من ذلك، قال مسلمة: فلما مات عمر وضعته في قبره فلمست وجهه فإذا هو مكانه. (وذكر) ابن أبي الدنيا عن بعض السلف قال: ماتت ابنة لي فأنزلتها القبر، فذهبت أصلح اللبنة فإذا هي قد حولت عن القبلة، فاغتممت لذلك غما شديدا، فأريتها في النوم فقالت: يا أبت اغتممت لما رأيت، فإن عامة من حولي محولين عن القبلة، قال: كأنها تريد الذين ماتوا مصرين على الكبائر. (وقال) عمرو بن ميمون: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: كنت في من دلى الوليد بن عبد الملك في قبره، فنظرت إلى ركبتيه قد جمعتا في عنقه، فقال ابنه: عاش أبي ورب الكعبة، فقالت: عوجل أبوك ورب الكعبة فاتعظ بها عمر بعده. (وقال) عمر بن عبد العزيز ليزيد بن المهلب لما استعمله على العراق: يا يزيد اتق اللّه، فإني حين وضعت الوليد في لحده فإذا هو يركض في أكفانه. (وقال) يزيد بن هارون: أخبر هشام بن حسان عن واصل مولى أبي عيينة عن عمر بن زهدم عن عبد الحميد بن محمود قال: كنت جالسا عند ابن عباس، فأقبل قوم، فقالوا: إنا خرجنا حجاجا ومعنا صاحب لنا، إذ أتينا فإذا الصفاح مات، فهيأناه، ثم انطلقنا فحفرنا له ولحدنا له، فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسْود قد ملأ اللحد، فحفرنا له آخر فإذا به قد ملأ لحده، فحفرنا له آخر فإذا به، فقال: ابن عباس: ذاك الغل الذي يغل به، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالذي نفسي بيده لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيه، فانطلقنا فوضعناه في بعضها، فلما رجعنا أتينا أهله بمتاع له معنا، فقلنا لامرأته: ما كان يعمل زوجك؟ قالت: كان يبيع الطعام فيأخذ منه كل يوم قوت أهله، ثم يقرض الفضل مثله فيلقيه فيه. (وقال) ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني أبو إسحاق صاحب الشاط قال: دعيت إلى ميت لأغسله، فلما كشفت الثوب عن وجهه إذا بحية قد تطوقت على حلقة فذكر من غلظها، قال: فخرجت فلم أغسله، فذكروا أنه كان يسب الصحابة رضي اللّه عنهم «١». (وذكر) ابن أبي الدنيا عن سعيد بن خالد بن يزيد الأنصاري عن رجل من أهل البصرة كان يحفر القبور قال: حفرت قبرا ذات يوم ووضعت رأسي قريبا منه، فأتتني امرأتان في منامي، فقالت إحداهما: يا عبد اللّه ناشدتك باللّه إلا صرفت عنا هذه المرأة ولم تجاورنا بها، فاستيقظت فزعا، فإذا بجنازة امرأة قد جي ء بها، فقلت: القبر وراءكم فصرفتهم عن ذلك القبر، فلما كان بالليل إذا أنا بالمرأتين في منامي، تقول إحداهما: جزاك ٢ اللّه عنا خيرا فلقد صرفت عنا شرا طويلا، قلت: ما لصاحبتك لا تكلمني كما تكلميني أنت؟ قالت: إن هذه ماتت عن غير وصية، وحق لمن مات عن غير وصية أن لا يتكلم إلى يوم القيامة. وهذه الأخبار وأضعافها وأضاف أضعافها مما لا يتسع لها الكتاب مما أراه اللّه سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانا. وأما رؤية المنام فلو ذكرناها لجاءت عدة أسفار، ومن أراد الوقوف عليها فعليه بكتاب (المنامات) لابن أبي الدنيا وكتاب (البستان) للقيرواني وغيرهما من الكتب المتضمنة لذلك، وليس عند الملاحدة والزنادقة إلا التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه. الأمر السابع: أن اللّه سبحانه وتعالى يحدث في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك، فهذا جبريل كان ينزل على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ويتمثل له رجلا فيكلمه بكلام يسمعه، ومن إلى جانب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يراه ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء وأحيانا يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس، ولا يسمعه غيره من الحاضرين، وهؤلاء الجن يتحدثون ويتكلمون بالأصوات المرتفعة، بيننا ونحن لا نسمعهم، وقد كانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط، وتضرب رقابهم وتصيح بهم، والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم، واللّه سبحانه قد حجب بني آدم عن كثير مما يحدثه في الأرض وهو بينهم، وقد كان جبريل يقرئ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ويدارسه القرآن والحاضرون لا يسمعونه. وكيف يستنكر من يعرف اللّه سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم، لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها، والبعد أضعف بصرا وسمعا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر، وكثيرا ممن أشهده اللّه ذلك صعق وغشي عليه ولم ينتفع بالعيش زمنا، وبعضهم كشف قناع قلبه فمات، فكيف ينكر في الحكمة الإلهية أسبال غطاء يحول بين المكلفين وبين مشاهدة ذلك، حتى إذا كشف الغطاء رأوه وشاهدوه عيانا. ثم إن العبد قادر على أن يزيل الزئبق والخردل عن عين الميت وصدره ثم يرده بسرعة، فكيف يعجز عنه الملك، وكيف لا يقدر عليه من هو على كل شيء قدير، وكيف تعجز قدرته على إبقائه في عينيه وعلى صدره لا يسقط عنه، وهل قياس أمر البرزخ على ما يشاهده الناس في الدنيا إلا محض الجهل والضلال، وتكذيب أصدق الصادقين، وتعجيز رب العالمين وذلك غاية الجهل والظلم. وإذا كان أحدنا يمكنه توسعة القبر عشرة أذرع ومائة ذراع وأكثر طولا وعرضا وعمقا، ويستر توسيعه عن الناس، ويطلع عليه من يشاء، فكيف يعجز رب العالمين أن يوسعه ما يشاء على من يشاء، ويستر ذلك على أعين بني آدم، فيراه بنو آدم عميقا، وهو أوسع شيء وأطيبه ريحا وأعظمه إضاءة ونورا، وهم لا يرون ذلك. وسر المسألة: أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم، واللّه سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل عليه الغطاء ليكون الإقرار والإيمان به سببا لسعادتهم، فإذا كان كشف عنهم الغطاء صار عيانا مشاهدا، فلو كان الميت بين الناس موضوعا لم يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألانه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه، ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربه، وهذا الواحد منا ينام إلى جنب صاحبه فيعذب في النوم ويضرب ويألم، وليس عند المستيقظ خبر من ذلك البتة، وقد سرى أثر الضرب والألم إلى جسده. ومن أعظم الجهل استبعاد شق الملك الأرض والحجر وقد جعلهما اللّه سبحانه له كالهواء للطير، ولا يلزم من حجبها للأجسام الكثيفة أن تتولج حجبها للأرواح اللطيفة، وهل هَذا إلَّا من أفسد القياس، وبِهَذا وأمْثاله كذبت الرُّسُل صلوات اللّه وسلامه عليهم. الأمر الثامن: أنه غير ممتنع أن ترد الروح إلى المصلوب والغريق والمحرق ونحن لا نشعر بها، لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود، فهذا المغمي عليه والمسكوت والمبهوت أحياء، وأرواحهم معهم ولا تشعر بحياتهم، ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالا بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه، ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من الألم واللذة، وإذا كان اللّه سبحانه وتعالى قد جعل للجمادات شعورا وإدراكا تسبح ربها به، وتسقط الحجارة من خشيته، وتسجد له الجبال والشجر وتسبحه الحصى والمياه والنبات قال تعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْ ءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ولو كان التسبيح هو مجرد دلالتها على صانعها لم يقل: ﴿ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فإن كان عاقل يفقه دلالتها على صانعها، وقال تعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ والدلالة على الصانع لا تختص بهذين الوقتين، وكذلك قوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ والدلالة لا تختص معيته وحده وكذب على اللّه من قال: التأويب رجع الصدى، فإن هذا يكون لكل مصوت، وقال تعالى: ﴿أ لَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ والدلالة على الصانع لا تختص بكثير من الناس، وقد قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ فهذه صلاة وتسبيح حقيقة يعلمها اللّه، وإن جحدها الجاهلون المكذبون، وقد أخبر تعالى عن الحجارة أن بعضها يزول عن مكانه ويسقط من خشيته، وقد أخبر عن الأرض والسماء أنهما يأذنان له وقولهما ذلك أي يستمعان كلامه، وأنه خاطبهما فسمعا خطابه وأحسنا جوابه، فقال لهما: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ وقد كان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل، وسمعوا حنين الجذع اليابس في المسجد، فإذا كانت هذه الأجسام فيها الإحساس والشعور، فالأجسام التي كانت فيها الروح والحياة أولى بذلك، وقد أشهد اللّه سبحانه عباده في هذه الدار إعادة حياة كاملة إلى بدن قد فارقته الروح، فتكلم ومشى وأكل وشرب وتزوج وولد له الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ} وكقتيل بني إسرائيل أو كالذين قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأماتهم اللّه ثم بعثهم من بعد موتهم، وكأصحاب الكهف وقصة إبراهيم في الطيور الأربعة، فإذا أعاد الحياة التامة إلى هذه الأجساد بعد ما بردت بالموت فكيف تمتنع على قدرته الباهرة أن يعيد إليها بعد موتها حياة غير مستقرة يقضي بها ما أمره فيها ويستنطقها بها ويعذبها أو ينعمها بأعمالها، وهل إنكار ذلك إلا مجرد تكذيب وعناد وجحود وباللّه التوفيق. [فصل: عدم ذكر القرآن لعذاب القبر] وهي قول السائل: ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به ليحذر ويتقي؟ فالجواب من وجهين: مجمل، ومفصل. أما المجمل: فهو أن اللّه سبحانه وتعالى أنزل على رسوله وحيين، وأوجب على عباده الإيمان بهما، والعمل بما فيهما، وهما الكتاب والحكمة، وقال تعالى وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ} وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ وقال تعالى ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾. والكتاب: هو القرآن، والحكمة: هي السنّة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول عن اللّه فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكر، إلا من ليس منهم. وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إني أوتيت الكتاب ومثله معه». وأما الجواب المفصل: فهو أن نعيم البرزخ وعذابه مذكور في القرآن في غير موضع. فمنها قوله تعالى ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وهذا خطاب لهم عند الموت، وقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون، ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون. ومنها: قوله تعالى ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ. النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ فذكر عذاب الدارين ذكرا صريحا لا يحتمل غيره. (ومنها) قوله تعالى فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ. يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ. وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ ولكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ} «٣» وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا، وقد يقال وهو أظهر: إن من مات منهم عذاب في البرزخ، ومن بقي منها عذب في الدنيا بالقتل وغيره، فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ. (ومنها) قوله تعالى ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ وقد احتج بهذه الآية جماعة منهم عبد اللّه بن عباس على عذاب القبر وفي الاحتجاج بها شيء، لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعي به رجوعهم عن الكفر، ولم يكن هذا مما يخفى على حبر الأمة وترجمان القرآن، ولكن فقهه في القرآن ودقة فهمه فيه فهم منها عذاب القبر، فإنه سبحانه أخبر أن له فيهم عذابين أدنى وأكبر، فأخبر أنه يذيقهم بعض الأدنى ليرجعوا، فدل على أنه بقي لهم من الأدنى بقية يعذبون بها بعد عذاب الدنيا، ولهذا قال: من العذاب الأدنى، ولم يقل ولنذيقنهم العذاب الأدنى فتأمله. وهذا نظير قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها»، ولم يقل: فيأتيه حرها وسمومها، فإن الذي وصل إليه بعض ذلك وبقي له أكثره، والذي ذاقه أعداء اللّه في الدنيا بعض العذاب وبقي لهم ما هو أعظم منه. (ومنها) قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ (٨٣) وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ (٩١) وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ (٩٣) وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ (٩٦)﴾. فذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية، إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام. (ومنها) قوله تعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وقد اختلف السلف: متى يقال لها ذلك؟ فقالت طائفة: يقال لها عند الموت، وظاهر اللفظ مع هؤلاء، فإنه خطاب للنفس التي تجردت عن البدن وخرجت منه، وقد فسر ذلك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بقوله في حديث البراء وغيره: فيقال لها اخرجي راضية مرضيا عنك، وسيأتي تمام تقرير في هذا في المسألة التي يذكر فيها مستقر الأرواح في البرزخ إن شاء اللّه تعالى وقوله تعالى فادْخُلِي في عِبادِي مطابق لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اللهم الرفيق الأعلى». وأنت إذا تأملت أحاديث عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلا وتفسيرا لما دل عليه القرآن وباللّه التوفيق.

غافر 40:51

اعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص. وكذلك ولاية الله تعالى لعبده هي بحسب إيمانه قال تعالى: ﴿واللهُ ولِى المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] وقال الله تعالى: ﴿اللهُ ولِى الّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وكذلك معيته الخاصة هي لأهل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]. فإذا نقص الإيمان وضعف، كان حظ العبد من ولاية الله له ومعيته الخاصة بقدر حظه من الإيمان. وكذلك النصر والتأييد الكامل. إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] وقال ﴿فَأيَّدْنا الّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]. فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم وهو من نقص إيمانه. وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الآخرة، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الحجة. والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات، وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى. فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفى، مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته، ظاهرا وباطنا. وقد قال تعالى للمؤمنين: ﴿وَلاَ تَهِنُوا ولا تحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] وقال تعالى ﴿فَلاَ تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمٌ الأعْلَوْنَ واللهُ مَعَكمْ ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جند من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، فيبطلها عليهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره. وأما المقام الثاني الذي وقع فيه الغلط، فكثير من الناس يظن أن أهل الدين الحق يكونون في الدنيا أذلاء مقهورين مغلوبين دائما، بخلاف من فارقهم إلى سبيل أخرى وطاعة أخرى، فلا يثق بوعد الله بنصر دينه وعباده، بل إما أن يجعل ذلك خاصا بطائفة دون طائفة، أو بزمان دون زمان أو يجعله معلقا بالمشيئة، وإن لم يصرح بها. وهذا من عدم الوثوق بوعد الله تعالى، ومن سوء الفهم في كتابه. والله سبحانه قد بين في كتابه أنه ناصر المؤمنين في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿إنّ الّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولئِكَ في الأذَلَّينَ * كَتَبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢٠-٢١] وهذا كثير في القرآن. وقد بين سبحانه فيه أن ما أصاب العبد من مصيبة، أو إدالة عدو، أو كسر، وغير ذلك فبذنوبه. فبين سبحانه في كتابه كلا المقدمتين، فإذا جمعت بينهما تبين لك حقيقة الأمر، وزال الإشكال بالكلية، واستغنيت عن تلك التكليفات الباردة، والتأويلات البعيدة.

غافر 40:55

(فائدة) بالاستغفار تتم الطاعة. وبالصبر يتم اليقين بالوعد. وقد جمع الله سبحانه بينهما في قوله: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللهِ حَق واستْغَفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِي والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥]. وقد ذكر الله سبحانه في كتابه قصص الأنبياء وأتباعهم، وكيف نجاهم بالصبر والطاعة، ثم قال: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِى الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١].

غافر 40:56

ولما كان المستعاذ منه في سورة "حم المؤمن" هو شر مجادلة الكفار في آياته، وما ترتب عليها من أفعالهم المرئية بالبصر قال: ﴿إنَّ الَّذِينَ يجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغيهِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنّهُ هو السَّمِيعُ البَصيرُ﴾ [غافر: ٥٦]. فإنه لما كان المستعاذ منه كلامه وأفعالهم المشاهدة عيانا قال: ﴿إنه هو السميع البصير﴾ وهناك المستعاذ منه غير مشاهد لنا، فإنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراه. بل هو معلوم بالإيمان وإخبار الله ورسوله.

غافر 40:57

(فصل) وَأما الِاسْتِدْلال بقوله تَعالى: ﴿لخلق السَّماوات والأرْض أكبر من خلق النّاس﴾ وَأن المُراد بِهِ كبر القدر والشرف لا كبر الجثة، فَفي غايَة الفساد، فَإن المُراد من الخلق هاهُنا الفِعْل لأنفس المَفْعُول وهَذا من أبلغ الأدِلَّة على المعاد أي أن الذي خلق السَّماوات والأرْض وخلقها أكبر من خَلقكُم كَيفَ يعجزه خَلقكُم بَعْدَما تموتون خلقا جَدِيدا ونَظِير هَذا في قَوْله في سُورَة يس ﴿أوليس الَّذِي خلق السَّماوات والأرْض بِقادِر على أن يخلق مثلهم﴾ أي مثل هَؤُلاءِ المنكرين فَهَذا اسْتِدْلال بشمول القدر للنوعين وأنَّها صالِحَة لَهما فَلا يجوز أن يثبت تعلقها بِأحد المقدورين دون الآخر فَكَذَلِك قَوْله لخلق السَّماوات والأرْض أكبر من خلق النّاس أي من لم تعجز قدرته عَن خلق العالم العلوِي والسفلي كَيفَ يعجز عَن خلق النّاس خلقا جَدِيدا بعد ما أماتهم ولا تعرض في هَذا لأحكام النُّجُوم بِوَجْه قطّ ولا لتأثير الكَواكِب وأما قوله تَعالى: {ويتفكرون في خلق السَّماوات والأرْض رَبنا ما خلقت هَذا باطِلا فَلا ريب أن خلق السَّماوات والأرْض من أعظم الأدِلَّة على وجود فاطرهما وكَمال قدرته وعلمه وحكمته وانفراده بالربوبية والوحدانية ومن سوى بَين ذَلِك وبَين البقة وجعل العبْرَة والدّلالَة والعلم بِوُجُود الرب الخالِق البارئ المصور مِنهُما سَواء فقد كابر والله سُبْحانَهُ إنَّما يَدْعُو عباده على النّظر والفكر في مخلوقاته العِظام لظُهُور أثر الدّلالَة فِيها وبديع عجائب الصَّنْعَة والحكمَة فِيها واتساع مجال الفِكر والنَّظَر في أرجائها وألا ؎فَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ∗∗∗ تدل على أنه واحِد ... وَلَكِن أيْن الآيَة والدّلالَة في خلق العالم العلوِي والسفلي إلى خلق القملة والبرغوث والبقة؟ فَكيف يسمح لعاقل عقله أن يُسَوِّي بَينهما، ويجْعَل الدّلالَة من هَذا كالدلالة من الآخر؟ والله سُبْحانَهُ إنَّما يذكر من مخلوقاته للدلالة عَلَيْهِ أشرفها وأظهرها للحس والعقل وأبينها دلالَة وأعجبها صَنْعَة كالسماء والأرْض والشَّمْس والقَمَر واللَّيْل والنَّهار والنجوم والجِبال والسحاب والمطر وغير ذَلِك من آياته، ولا يَدْعُو عباده إلى التفكر في القمل والبراغيث والبعوض والبق والكلاب والحشرات ونَحْوها إنَّما يذكر ما يذكر من ذَلِك في سِياق ضرب الأمْثال مُبالغَة في الاحتقار والضعف كَقوله تَعالى: ﴿إن الَّذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولَو اجْتَمعُوا لَهُ وإن يسلبهم الذُّباب شَيْئا لا يستنفذوه مِنهُ﴾ فَهُنا لم يذكر الذُّباب في سِياق الدّلالَة على إثْبات الصّانِع تَعالى وكَذَلِكَ قَوْله ﴿إن الله لا يستحيي أن يضْرب مثلا ما بعوضة فَما فَوْقها﴾ وكَذَلِكَ قَوْله ﴿مثل الَّذين اتَّخذُوا من دون الله أوْلِياء كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا وإن أوهن البيُوت لبيت العنكبوت﴾ فَتَأمل ذكر هَذِه المَخْلُوقات الحقيرة في أي سِياق وذكر المَخْلُوقات العَظِيمَة في أي سِياق. وَأما قَول من قالَ من المُتَكَلِّمين المتكلفين إن دلالَة حُصُول الحَياة في الأبدان الحيوانية أقوى من دلالَة السَّماوات والأرْض على وجود الصّانِع تَعالى فبناء هَذا القائِل على الأصْل الفاسِد وهو إثْبات الجَوْهَر الفَرد وأن تَأْثِير الصّانِع تَعالى في خلق العالم العلوِي والسفلي هو تركيب تِلْكَ الجَواهِر وتأليفها، هَذا التَّأْلِيف الخاص والتركيب جنسه مَقْدُور للبشر وغَيرهم. وَأما الإحْداث والاختراع فَلا يقدر عَلَيْهِ إلّا الله والقَوْل بالجوهر الفَرد وبِناء المبدأ والمعاد عَلَيْهِ مِمّا هو من أصول المُتَكَلِّمين الفاسِدَة الَّتِي نازعهم فِيها جُمْهُور العُقَلاء. قالُوا وخلق الله تَعالى وإحداثه لما يحدثه من أجسام العالم هو إحْداث لأجزائها وذواتها لا مُجَرّد تركيب الجَواهِر مُنْفَرِدَة، ثمَّ قد فرغ من خلقها وصنعه وإبداعه الآن إنَّما هو في تأليفها وتركيبها. وَهَذا من أقوال أهل البدع الَّتِي ابتدعوها في الإسْلام وبنوا عَلَيْها المعاد وحدوث العالم فسلطوا عَلَيْهِم أعداء الإسْلام ولم يُمكنهُم كسرهم لما بنوا المبدأ والمعاد على أمر وهمي خيالي، وظنوا أنه لا يتم لَهُم القَوْل بحدوث العالم وإعادة الأجْسام إلّا بِهِ، وأقام منازعوهم حجَجًا كَثِيرَة جدا على بطلان القَوْل بالجوهر واعترافهم بِقُوَّة كثير مِنها وصِحَّته، فأوقع ذَلِك شكا لكثير مِنهُم في أمر المبدأ والمعاد لبنائه على شفا جرف هار. وَأما أئمة الإسْلام وفحول النظار فَلم يعتمدوا على هَذِه الطَّرِيقَة وهِي عِنْدهم أضْعَف وأوهى من أن يبنوا عَلَيْها شَيْئا من الدّين فضلا عَن حُدُوث العالم وإعادة الأجْسام، وإنَّما اعتمدوا على الطّرق الَّتِي أرشد الله سُبْحانَهُ إلَيْها في كِتابه وهِي حُدُوث ذات الحَيَوان والنبات وخلق نفس العالم العلوِي والسفلي، وحدوث السَّحاب والمطر والرياح وغَيرها من الأجْسام الَّتِي يُشاهد حدوثها بذواتها لامجرد حُدُوث تأليفها وتركيبها فَعِنْدَ القائِلين بالجوهر لا يشْهد أن الله أحدث في هَذا العالم شَيْئا من الجَواهِر وإنَّما أحدث تأليفها وتركيبها فَقَط وإن كانَ إحداثه بجواهره سابِقًا مُتَقَدما قبل ذَلِك. وَأما الآن فَإنَّما تحدث الأعْراض من الِاجْتِماع والافتراق والحَرَكَة والسكون فَقَط وهِي الأكوان عِنْدهم، وكَذَلِكَ المعاد فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يفرق أجزاء العالم وهو إعدامه ثمَّ يؤلفها ويجمعها، وهو المعاد وهَؤُلاء احتاجوا إلى أن يستدلوا على كَون عين الإنْسان وجواهره مخلوقة إذْ المشاهد عِنْدهم بالحس دائِما هو حُدُوث أعْراض في تِلْكَ الجَواهِر من التَّأْلِيف الخالِص وزَعَمُوا أن كل ما يحدثه الله من السَّحاب والمطر والزروع والثِّمار والحَيَوان فَإنَّما يحدث فِيهِ أعراضا، وهِي جمع الجَواهِر الَّتِي كانَت مَوْجُودَة وتفريقها، وزَعَمُوا أن أحدا لا يعلم حُدُوث عين من الأعْيان بِالمُشاهَدَةِ ولا بضرورة العقل وإنَّما يعلم ذَلِك بالاستدلال. وَجُمْهُور العُقَلاء من الطوائف يخالفون هَؤُلاءِ ويَقُولُونَ الرب لا يزال يحدث الأعْيان كَما دلّ على ذَلِك الحس والعقل والقُرْآن فَإن الأجْسام الحادِثَة بِالمُشاهَدَةِ ذواتها وأجزاؤها حادِثَة بعد أن لم تكن جَواهِر مفرقة فاجتمعت. وَمن قالَ غير ذَلِك فقد كابر الحس والعقل، فَإن كَون الإنْسان والحَيَوان مخلوقا مُحدثا كائِنا بعد إن لم يكن أمر مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لجَمِيع النّاس، وكل أحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد أن لم يكن وإن عينه حدثت كَما قالَ الله تَعالى ﴿وَقد خلقتك من قبل ولم تَكُ شَيْئا﴾ ولَيْسَ هَذا عِنْدهم مِمّا يسْتَدلّ عَلَيْهِ بل يسْتَدلّ بِهِ كَما هي طَريقَة القُرْآن فَإنَّهُ جعل حُدُوث الإنْسان وخلقه دَلِيلا لا مدلولا عَلَيْهِ وَقَوْلهمْ إن الحادِث أعْراض فَقَط وأنه مركب من الجَواهِر المفردة قَولانِ باطلان بل يعلم حُدُوث عين الإنْسان وذاته وبطلان الجَوْهَر الفَرد ولَو كانَ القَوْل بالجوهر صَحِيحا لم يكن مَعْلُوما إلّا بأدلة خُفْيَة دقيقة فَلا يكون من أصُول الدّين بل ولا مُقَدّمَة فِيها فطريقتهم تَتَضَمَّن جحد المَعْلُوم وهو حُدُوث الأعْيان الحادِثَة وذواتها وإثْبات ما لَيْسَ بِمَعْلُوم بل هو باطِل وهو إثْبات الجَوْهَر الفَرد ولَيْسَ هَذا مَوضِع استقصاء هَذِه المسئلة والمَقْصُود الكَلام على قَوْله إن الِاسْتِدْلال بِحُصُول الحَياة في بنية الحَيَوان على وجود الصّانِع أقوى من دلالَة تركيب الأجرام الفلكية وهو مبْني على هَذا الأصْل الفاسِد.

غافر 40:60

والدُّعاء نَوْعانِ دُعاء عبادَة، ودُعاء مَسْألَة، والعابِد داع كَما أن السّائِل داع، وبِهِما فسر قَوْله تَعالى ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قيل أطِيعُونِي أثبكم. وَقيل سلوني أعطكم، وفسّر بهما قَوْله تَعالى ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] والصَّواب أن الدُّعاء يعم النَّوْعَيْنِ وهَذا لفظ متواطئ لا اشْتِراك فِيهِ. [الدُّعاءُ يَدْفَعُ المَكْرُوهَ] وَكَذَلِكَ الدُّعاءُ، فَإنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ في دَفْعِ المَكْرُوهِ، وحُصُولِ المَطْلُوبِ، ولَكِنْ قَدْ يَتَخَلَّفُ أثَرُهُ عَنْهُ، إمّا لِضَعْفِهِ في نَفْسِهِ - بِأنْ يَكُونَ دُعاءً لا يُحِبُّهُ اللَّهُ، لِما فِيهِ مِنَ العُدْوانِ - وإمّا لِضَعْفِ القَلْبِ وعَدَمِ إقْبالِهِ عَلى اللَّهِ وجَمْعِيَّتِهِ عَلَيْهِ وقْتَ الدُّعاءِ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ القَوْسِ الرِّخْوِ جِدًّا، فَإنَّ السَّهْمَ يَخْرُجُ مِنهُ خُرُوجًا ضَعِيفًا، وإمّا لِحُصُولِ المانِعِ مِنَ الإجابَةِ: مِن أكْلِ الحَرامِ، والظُّلْمِ، ورَيْنِ الذُّنُوبِ عَلى القُلُوبِ، واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ والشَّهْوَةِ واللَّهْوِ، وغَلَبَتِها عَلَيْها. كَما في مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ادْعُوا اللَّهَ وأنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجابَةِ». «واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ دُعاءً مِن قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ» فَهَذا دَواءٌ نافِعٌ مُزِيلٌ لِلدّاءِ، ولَكِنَّ غَفْلَةَ القَلْبِ عَنِ اللَّهِ تُبْطِلُ قُوَّتَهُ، وكَذَلِكَ أكْلُ الحَرامِ يُبْطِلُ قُوَّتَهُ ويُضْعِفُها. كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ، لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِّيَ بِالحَرامِ، فَأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ؟». وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِ الزُّهْدِ لِأبِيهِ: أصابَ بَنِي إسْرائِيلَ بَلاءٌ، فَخَرَجُوا مَخْرَجًا، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى نَبِيِّهِمْ أنْ أخْبِرْهُمْ: إنَّكم تَخْرُجُونَ إلى الصَّعِيدِ بِأبْدانٍ نَجِسَةٍ، وتَرْفَعُونَ إلَيَّ أكُفًّا قَدْ سَفَكْتُمْ بِها الدِّماءَ، ومَلَأْتُمْ بِها بُيُوتَكم مِنَ الحَرامِ، الآنَ حِينَ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلَيْكُمْ؟ ولَنْ تَزْدادُوا مِنِّي إلّا بُعْدًا. وَقالَ أبُو ذَرٍّ: يَكْفِي مِنَ الدُّعاءِ مَعَ البِرِّ، ما يَكْفِي الطَّعامَ مِنَ المِلْحِ. وَهاهُنا سُؤالٌ مَشْهُورٌ وهُوَ: أنَّ المَدْعُوَّ بِهِ إنْ كانَ قَدْ قُدِّرَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن وُقُوعِهِ، دَعا بِهِ العَبْدُ أوْ لَمْ يَدْعُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قُدِّرَ لَمْ يَقَعْ، سَواءٌ سَألَهُ العَبْدُ أوْ لَمْ يَسْألْهُ. فَظَنَّتْ طائِفَةٌ صِحَّةَ هَذا السُّؤالِ، فَتَرَكَتِ الدُّعاءَ وقالَتْ: لا فائِدَةَ فِيهِ، وهَؤُلاءِ مَعَ فَرْطِ جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ، مُتَناقِضُونَ فَإنَّ طَرْدَ مَذْهَبِهِمْ يُوجِبُ تَعْطِيلَ جَمِيعِ الأسْبابِ فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ: إنْ كانَ الشِّبَعُ والرِّيُّ قَدْ قُدِّرا لَكَ فَلابُدَّ مِن وُقُوعِهِما، أكَلْتَ أوْ لَمْ تَأْكُلْ، وإنْ لَمْ يُقَدَّرا لَمْ يَقَعا أكَلْتَ أوْ لَمْ تَأْكُلْ. وَإنْ كانَ الوَلَدُ قُدِّرَ لَكَ فَلابُدَّ مِنهُ، وطِئْتَ الزَّوْجَةَ أوِ الأمَةَ أوْ لَمْ تَطَأْ، وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَكُنْ، فَلا حاجَةَ إلى التَّزْوِيجِ والتَّسَرِّي، وهَلُمَّ جَرّا. فَهَلْ يَقُولُ هَذا عاقِلٌ أوْ آدَمِيٌّ؟ بَلِ الحَيَوانُ البَهِيمُ مَفْطُورٌ عَلى مُباشَرَةِ الأسْبابِ الَّتِي بِها قِوامُهُ وحَياتُهُ، فالحَيَواناتُ أعْقَلُ وأفْهَمُ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا. وَتَكايَسَ بَعْضُهم وقالَ: الِاشْتِغالُ بِالدُّعاءِ مِن بابِ التَّعَبُّدِ المَحْضِ يُثِيبُ اللَّهُ عَلَيْهِ الدّاعِيَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في المَطْلُوبِ بِوَجْهٍ ما ولا فَرْقَ عِنْدَ هَذا المُتَكَيِّسِ بَيْنَ الدُّعاءِ والإمْساكِ عَنْهُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ في التَّأْثِيرِ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، وارْتِباطُ الدُّعاءِ عِنْدَهم بِهِ كارْتِباطِ السُّكُوتِ ولا فَرْقَ. وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى أكْيَسُ مِن هَؤُلاءِ: بَلِ الدُّعاءُ عَلامَةٌ مُجَرَّدَةٌ نَصَبَها اللَّهُ سُبْحانَهُ أمارَةً عَلى قَضاءِ الحاجَةِ، فَمَتى وُفِّقَ العَبْدُ لِلدُّعاءِ كانَ ذَلِكَ عَلامَةً لَهُ وأمارَةً عَلى أنَّ حاجَتَهُ قَدِ انْقَضَتْ، وهَذا كَما إذا رَأيْتَ غَيْمًا أسْوَدَ بارِدًا في زَمَنِ الشِّتاءِ، فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ وعَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يُمْطِرُ. قالُوا: وهَكَذا حُكْمُ الطّاعاتِ مَعَ الثَّوابِ، والكُفْرُ والمَعاصِي مَعَ العِقابِ، هي أماراتٌ مَحْضَةٌ لِوُقُوعِ الثَّوابِ والعِقابِ لا أنَّها أسْبابٌ لَهُ. وَهَكَذا عِنْدَهُمُ الكَسْرُ مَعَ الِانْكِسارِ، والحَرْقُ مَعَ الإحْراقِ، والإزْهاقُ مَعَ القَتْلِ لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ سَبَبًا ألْبَتَّةَ، ولا ارْتِباطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، إلّا مُجَرَّدُ الِاقْتِرانِ العادِيِّ، لا التَّأْثِيرُ السَّبَبِيُّ وخالَفُوا بِذَلِكَ الحِسَّ والعَقْلَ، والشَّرْعَ والفِطْرَةَ، وسائِرَ طَوائِفِ العُقَلاءِ، بَلْ أضْحَكُوا عَلَيْهِمُ العُقَلاءَ. وَلِلصَّوابِ أنَّ هاهُنا قِسْمًا ثالِثًا، غَيْرَ ما ذَكَرَهُ السّائِلُ، وهو أنَّ هَذا المَقْدُورَ قُدِّرَ بِأسْبابٍ، ومِن أسْبابِهِ الدُّعاءُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ مُجَرَّدًا عَنْ سَبَبِهِ، ولَكِنْ قُدِّرَ بِسَبَبِهِ، فَمَتى أتى العَبْدُ بِالسَّبَبِ، وقَعَ المَقْدُورُ، ومَتى لَمْ يَأْتِ بِالسَّبَبِ انْتَفى المَقْدُورُ، وهَذا كَما قُدِّرَ الشِّبَعُ والرِّيُّ بِالأكْلِ والشُّرْبِ وقُدِّرَ الوَلَدُ بِالوَطْءِ، وقُدِّرَ حُصُولُ الزَّرْعِ بِالبَذْرِ، وقُدِّرَ خُرُوجُ نَفْسِ الحَيَوانِ بِذَبْحِهِ، وكَذَلِكَ قُدِّرَ دُخُولُ الجَنَّةِ بِالأعْمالِ، ودُخُولُ النّارِ بِالأعْمالِ، وهَذا القِسْمُ هو الحَقُّ، وهَذا الَّذِي حُرِمَهُ السّائِلُ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ. الدُّعاءُ مِن أقْوى الأسْبابِ وَحِينَئِذٍ فالدُّعاءُ مِن أقْوى الأسْبابِ، فَإذا قُدِّرَ وُقُوعُ المَدْعُوِّ بِهِ بِالدُّعاءِ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: لا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، كَما لا يُقالُ: لا فائِدَةَ في الأكْلِ والشُّرْبِ وجَمِيعِ الحَرَكاتِ والأعْمالِ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الأسْبابِ أنْفَعَ مِنَ الدُّعاءِ، ولا أبْلَغَ في حُصُولِ المَطْلُوبِ. عُمَرُ يَسْتَنْصِرُ بِالدُّعاءِ وَلَمّا كانَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أعْلَمَ الأُمَّةِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وأفْقَهَهم في دِينِهِ، كانُوا أقْوَمَ بِهَذا السَّبَبِ وشُرُوطِهِ وآدابِهِ مِن غَيْرِهِمْ. وَكانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَسْتَنْصِرُ بِهِ عَلى عَدُوِّهِ، وكانَ أعْظَمَ جُنْدَيْهِ، وكانَ يَقُولُ لِأصْحابِهِ: لَسْتُمْ تُنْصَرُونَ بِكَثْرَةٍ، وإنَّما تُنْصَرُونَ مِنَ السَّماءِ، وكانَ يَقُولُ: إنِّي لا أحْمِلُ هَمَّ الإجابَةِ، ولَكِنْ هَمَّ الدُّعاءِ، فَإذا أُلْهِمْتُمُ الدُّعاءَ، فَإنَّ الإجابَةَ مَعَهُ، وأخَذَ الشّاعِرُ هَذا المَعْنى فَنَظَمَهُ فَقالَ: ؎لَوْ لَمْ تُرِدْ نَيْلَ ما أرْجُو وأطْلُبُهُ ∗∗∗ مِن جُودِ كَفَّيْكَ ما عَلَّمْتَنِي الطَّلَبا فَمَن أُلْهِمَ الدُّعاءَ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الإجابَةُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقالَ: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن لَمْ يَسْألِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ». وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رِضاءَهُ في سُؤالِهِ وطاعَتِهِ، وإذا رَضِيَ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى فَكُلُّ خَيْرٍ في رِضاهُ، كَما أنَّ كُلَّ بَلاءٍ ومُصِيبَةٍ في غَضَبِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ أثَرًا «أنا اللَّهُ، لا إلَهَ إلّا أنا، إذا رَضِيتُ بارَكْتُ، ولَيْسَ لِبَرَكَتِي مُنْتَهًى وإذا غَضِبْتُ لَعَنْتُ، ولَعْنَتِي تَبْلُغُ السّابِعَ مِنَ الوَلَدِ». وَقَدْ دَلَّ العَقْلُ والنَّقْلُ والفِطْرَةُ وتَجارِبُ الأُمَمِ - عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها ومِلَلِها ونِحَلِها - عَلى أنَّ التَّقَرُّبَ إلى رَبِّ العالَمِينَ، وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، والبِرِّ والإحْسانِ إلى خَلْقِهِ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ الجالِبَةِ لِكُلِّ خَيْرٍ، وأضْدادَها مِن أكْبَرِ الأسْبابِ الجالِبَةِ لِكُلِّ شَرٍّ، فَما اسْتُجْلِبَتْ نِعَمُ اللَّهِ، واسْتُدْفِعَتْ نِقْمَتُهُ، بِمِثْلِ طاعَتِهِ، والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، والإحْسانِ إلى خَلْقِهِ. ارْتِباطُ الخَيْرِ والشَّرِّ بِالعَمَلِ وَقَدْ رَتَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حُصُولَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وحُصُولَ السُّرُورِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ في كِتابِهِ عَلى الأعْمالِ، تُرَتُّبَ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، والمَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ، والمُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وهَذا في القُرْآنِ يَزِيدُ عَلى ألْفِ مَوْضِعٍ. وَبِالجُمْلَةِ فالقُرْآنُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ صَرِيحٌ في تُرَتُّبِ الجَزاءِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ والأحْكامِ الكَوْنِيَّةِ والأمْرِيَّةِ عَلى الأسْبابِ، بَلْ تَرْتِيبِ أحْكامِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ومَصالِحِهِما ومَفاسِدِهِما عَلى الأسْبابِ والأعْمالِ. وَمَن تَفَقَّهَ في هَذِهِ المَسْألَةِ وتَأمَّلَها حَقَّ التَّأمُّلِ انْتَفَعَ بِها غايَةَ النَّفْعِ، ولَمْ يَتَّكِلْ عَلى القَدَرِ جَهْلًا مِنهُ، وعَجْزًا وتَفْرِيطًا وإضاعَةً، فَيَكُونُ تَوَكُّلُهُ عَجْزًا، وعَجْزُهُ تَوَكُّلًا، بَلِ الفَقِيهُ كُلَّ الفِقْهِ الَّذِي يَرُدُّ القَدَرَ بِالقَدَرِ، ويَدْفَعُ القَدَرَ بِالقَدَرِ، ويُعارِضُ القَدَرَ بِالقَدَرِ، بَلْ لا يُمْكِنُ لِإنْسانٍ أنْ يَعِيشَ إلّا بِذَلِكَ، فَإنَّ الجُوعَ والعَطَشَ والبَرْدَ وأنْواعَ المَخاوِفِ والمَحاذِيرِ هي مِنَ القَدَرِ. والخَلْقُ كُلُّهم ساهُونَ في دَفْعِ هَذا القَدَرِ بِالقَدَرِ، وهَكَذا مَن وفَّقَهُ اللَّهُ وألْهَمَهُ رُشْدَهُ يَدْفَعُ قَدَرَ العُقُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ بِقَدَرِ التَّوْبَةِ والإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَهَذا وِزانُ القَدَرِ المُخَوِّفِ في الدُّنْيا وما يُضادُّهُ سَواءٌ، فَرَبُّ الدّارَيْنِ واحِدٌ وحِكْمَتُهُ واحِدَةٌ لا يُناقِضُ بَعْضُها بَعْضًا، ولا يُبْطِلُ بَعْضُها بَعْضًا، فَهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أشْرَفِ المَسائِلِ لِمَن عَرَفَ قَدْرَها، ورَعاها حَقَّ رِعايَتِها، واللَّهُ المُسْتَعانُ. (فائدة) سمع بعض أهل العلم رجلا يدعوا بالعافية فقال له: "يا هذا استعمل الأدوية وادع بالعافية فإن الله تعالى إذا كان قد جعل إلى العافية طريقا وهو التداوي ودعوته بالعافية ربما كان جوابه قد عافيتك بما جعلته ووضعته سببا للعافية، وما هذا إلا بمثابة من بين زرعه وبين الماء ثلمة يدخل منها الماء يسقي زرعه فجعل يصلي ويستسقي لزرعه، ويطلب المطر مع قدرته على فتح تلك الثلمة لسقي زرعة فإن ذلك لا يحسن منه شرعا ولا عقلا ولم يكن ذلك إلا لأنه سبق بإعطاء الأسباب فهو إعطاء بأحد الطريقين وله أن يعطي بسبب وبغير سبب وبالسبب ليتبين به ما أفاض من صنعه وما أودع في مخلوقاته من القوى والطبائع والمنافع، وإعطاؤه لغير سبب ليتبين للعباد أن القدرة غير مفتقرة إلى واسطة في فعله فإذا دعوته بالعافية فاستنقذ ما أعطاك من العتائد والأرزاق فإن وصلت بها وإلا فاطلب طلب من أفلس من مطلوبه فرغب إلى المعدن كما قال سيد الخلائق: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". قلت: هذا كلام حسن وأكمل منه أن يبذل الأسباب ويسأل سؤال من لم يدل بشيء ألبتة. والناس في هذا المقام أربعة أقسام: - فأعجزهم من لم يبذل السبب ولم يكثر الطلب فذاك أمهن الخلق. - والثاني: مقابلة وهو أحزم الناس من أدلى بالأسباب التي نصبها الله تعالى مفضية إلى المطلوب وسأل سؤال من لم يدل بسبب أصلا بل سؤال مفلس بائس ليس له حيلة ولا وسيلة. - والثالث: من استعمل الأسباب وصرف همته إليها وقصر نظره عليها فهذا وإن كان له حظ مما رتبه الله تعالى عليها لكنه منقوص منقطع نصب الآفات والمعارضات لا يحصل له إلا بعد جهد فإذا حصل فهو وشيك الزوال سريع الانتقال غير معقب له توحيدا ولا معرفة ولا كان سببا لفتح الباب بينه وبين معبوده. - الرابع: مقابلة وهو رجل نبذ الأسباب وراء ظهره وأقبل على الطلب والدعاء والابتهال فهذا يحمد في موضع ويذم في موضع ويشينه الأمر في موضع فيحمد عند كون تلك الأسباب غير مأمور بها إذ فيها مضرة عليه في دينه فإذا تركها وأقبل على السؤال والابتهال والتضرع لله كان محمودا ويذم حيث كانت الأسباب مأمورا بها فتركها وأقبل على الدعاء، كمن حصره العدو وأمر بجهاده فترك جهاده وأقبل على الدعاء والتضرع أن يصرفه الله عنه وكمن جهده العطش وهو قادر على تناول الماء فتركه وأقبل يسأل الله تعالى أن يرويه وكمن أمكنه التداوي الشرعي فتركه وأقبل يسأل العافية ونظائر هذا. ويشتبه الأمر في الأسباب التي لا يتبين له عواقبها وفيها بعض الاشتباه ولها لوازم قد يعجز عنها وقد يتولد عنها ما يعود بنقصان دينه فهذا موضع اشتباه وخطر والحاكم في ذلك كله الأمر فإن خفي فالاستخارة وأمر الله وراء ذلك.

فصلت 41:6

قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفى إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهيته سبحانه؛ وهو أصل كل زكاة ونماء. فإن التزكي - وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة - فإنما يحصل بإزالة الشر. فلهذا صار التزكي ينتظم الأمرين جمعيًا. فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح. هو التوحيد: والتزكية جعل الشيء زكيا، إما في ذاته، وإما في الاعتقاد والخبر عنه، كما يقال: عدَّلته وفسَّقته، إذا جعلته كذلك في الخارج، أو في الاعتقاد والخبر.

فصلت 41:7

قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفى إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهيته سبحانه؛ وهو أصل كل زكاة ونماء. فإن التزكي - وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة - فإنما يحصل بإزالة الشر. فلهذا صار التزكي ينتظم الأمرين جمعيًا. فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح. هو التوحيد: والتزكية جعل الشيء زكيا، إما في ذاته، وإما في الاعتقاد والخبر عنه، كما يقال: عدَّلته وفسَّقته، إذا جعلته كذلك في الخارج، أو في الاعتقاد والخبر.

فصلت 41:16

لا ريب أن الأيام التي أوقع الله سبحانه فيها العقوبة بأعدائه وأعداء رسله كانت أياما نحسات عليهم، لأن النحس أصابهم فيها، وإن كانت أيام خير لأوليائه المؤمنين، فهي نحس على المكذبين، سعد للمؤمنين. وهذا كيوم القيامة، فإنه عسير على الكافرين، يوم نحس لهم، يسير على المؤمنين، يوم سعد لهم. قال مجاهد: أيام نحسات مشائيم. وقال الضحاك: معناه شديد، أي شديد البرد، حتى كان البرد هذابا لهم. وقال أبو على: وأنشد الأصمعي في النحس بمعنى البرد: ؎كأن سلافة عرضت بنحس ∗∗∗ يحيل شفيفها الماء الزلالا وقال ابن عباس: نحسات متتابعات. وكذلك قوله: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾. وكان اليوم نحسا عليهم لإرسال العذاب عليهم فيه، أي لا يقلع فيه، أي لا يقلع عنهم، كما تقلع مصائب الدنيا التي تأتي وتذهب، بل هذا النحس دائم على هؤلاء المكذبين للرسل. و «مستمر» صفة للنحس، لا لليوم، ومن ظن أنه صفة لليوم، وأنه كان يوم أربعاء آخر شهر، وأن هذا اليوم نحس أبدا. فقد غلط وأخطأ فهم القرآن، فإن اليوم المذكور بحسب ما يقع فيه، فكم لله من نعمة على أوليائه في هذا اليوم، وكم له فيه من بلايا ونقم على أعدائه، كما يقع ذلك في غيره من الأيام، فسعود الأيام ونحوسها: إنما هو لسعود الأعمال، وموافقتها لمرضاة الرب، ونحوس الأعمال: إنما هو بمخالفتها لما جاءت به الرسل. واليوم الواحد يكون يوم سعد لطائفة، ونحس لطائفة، كما كان يوم بدر يوم سعد للمؤمنين، ويوم نحس على الكافرين.

فصلت 41:17

يَعْنِي بَينا لَهُم وعرفناهم فعرفوا الحق وتيقنوه وآثروا العَمى عَلَيْهِ فَكانَ كفر هَؤُلاءِ عَن جهل. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ فَهَذا هُدًى بَعْدَ البَيانِ والدِّلالَةِ، وهو شَرْطٌ لا مُوجِبٌ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ هُدًى آخَرُ بَعْدَهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ كَمالُ الِاهْتِداءِ، وهو هُدى التَّوْفِيقِ والإلْهامِ. وَهَذا البَيانُ نَوْعانِ: بَيانٌ بِالآياتِ المَسْمُوعَةِ المَتْلُوَّةِ، وبَيانٌ بِالآياتِ المَشْهُودَةِ المَرْئِيَّةِ، وكِلاهُما أدِلَّةٌ وآياتٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وكَمالِهِ، وصِدْقِ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَنْهُ، ولِهَذا يَدْعُو عِبادَهُ بِآياتِهِ المَتْلُوَّةِ إلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ويَحُضُّهم عَلى التَّفْكِيرِ في هَذِهِ وهَذِهِ، وهَذا البَيانُ هو الَّذِي بُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وجُعِلَ إلَيْهِمْ وإلى العُلَماءِ بَعْدَهُمْ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] فالرُّسُلُ تُبَيِّنُ، واللَّهُ هو الَّذِي يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ. (فَصْلٌ) قال ابن القيم - بعد كلام -: قَوْلُهُ: " ويُوجَدُ بِتَبْصِيرِ الحَقِّ، وُجُوبُ الشَّيْءِ شَرْعًا لا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَهُ حِسًّا، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ ما يُوجَدُ بِهِ بَعْدَ ذِكْرِ ما يَجِبُ بِهِ، وهو تَبْصِيرُ الحَقِّ تَعالى، ومُرادُهُ: التَّبْصِيرُ التّامُّ الَّذِي لا تَخْتَلِفُ عَنْهُ الهِدايَةُ، وإلّا فَقَدْ يُبْصِرُ العَبْدُ الحَقَّ ولا تُوجَدُ مِنهُ الهِدايَةُ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] فَهُوَ - سُبْحانَهُ - بَصَّرَهُمْ، فَآثَرُوا الضَّلالَ عَلى الهُدى، وقالَ تَعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] وقالَ تَعالى ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وَقالَ تَعالى عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] فَهَذا التَّبْصِيرُ لَمْ يُوجِبْ وُجُودَ الهِدايَةِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُرِدْ وُجُودَها، وإنَّما أرادَ وُجُودَ مُجَرَّدِ البَصِيرَةِ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَأمّا التَّبْصِيرُ التّامُّ: فَإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الهِدايَةِ، وهو الَّذِي أمَرَنا أنْ نَسْألَهُ إيّاهُ في كُلِّ صَلاةٍ، وقالَ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] وَقالَ تَعالى ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] فَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ البَيانَ والدَّلالَةَ، وخَصَّ بِهِدايَتِهِ التَّوْفِيقَ والإلْهامَ، فَلَوْ قالَ الشَّيْخُ: ويُوجَدُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ بَعْدَ تَبْصِيرِهِ، لَكانَ أحْسَنَ، ولَعَلَّهُ هو مُرادُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

فصلت 41:22

هؤلاء ظنوا أنه لا يعلم بعض الجزئيات فكيف بمن ظن أنه لا علم له، ولا سمع ولا بصر، ولا تكلم، ولا يتكلم، ولا استوى على عرشه، ولا له فعل حقيقة يدبر به الأمر، ولا له حكمة يفعل ما يفعل لأجلها؟! وأولئك جوزوا عليه أن لا ينصر رسوله، وأن يجعل الدائرة عليه وعلى المؤمنين. (فصل) قال ابن القيم - بعد كلام طويل -: وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ ﷺ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ «أنا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ» يَعْنِي ما كانَ في ظَنِّهِ فَإنِّي فاعِلُهُ بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإحْسانِ، فَإنَّ المُحْسِنَ حَسَنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى إحْسانِهِ ولا يُخْلِفَ وعْدَهُ، ويَقْبَلَ تَوْبَتَهُ. وَأمّا المُسِيءُ المُصِرُّ عَلى الكَبائِرِ والظُّلْمِ والمُخالَفاتِ فَإنَّ وحْشَةَ المَعاصِي والظُّلْمِ والحَرامِ تَمْنَعُهُ مِن حُسْنِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، وهَذا مَوْجُودٌ في الشّاهِدِ، فَإنَّ العَبْدَ الآبِقَ الخارِجَ عَنْ طاعَةِ سَيِّدِهِ لا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، ولا يُجامِعُ وحْشَةَ الإساءَةِ إحْسانُ الظَّنِّ أبَدًا، فَإنَّ المُسِيءَ مُسْتَوْحِشٌ بِقَدْرِ إساءَتِهِ، وأحْسَنُ النّاسِ ظَنًّا بِرَبِّهِ أطْوَعُهم لَهُ. كَما قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأحْسَنَ العَمَلَ وإنَّ الفاجِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ. وَكَيْفَ يَكُونُ مُحْسِنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ مَن هو شارِدٌ عَنْهُ، حالٌّ مُرْتَحِلٌ في مَساخِطِهِ وما يُغْضِبُهُ، مُتَعَرِّضٌ لِلَعْنَتِهِ قَدْ هانَ حَقُّهُ وأمْرُهُ عَلَيْهِ فَأضاعَهُ، وهانَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ فارْتَكَبَهُ وأصَرَّ عَلَيْهِ؟ وكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن بارَزَهُ بِالمُحارَبَةِ، وعادى أوْلِياءَهُ، ووالى أعْداءَهُ، وجَحَدَ صِفاتَ كَمالِهِ، وأساءَ الظَّنَّ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وظَنَّ بِجَهْلِهِ أنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ ضَلالٌ وكُفْرٌ؟ وَكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَأْمُرُ ولا يَنْهى ولا يَرْضى ولا يَغْضَبُ؟ وَقَدْ قالَ اللَّهُ في حَقِّ مَن شَكَّ في تَعَلُّقِ سَمْعِهِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ، وهو السِّرُّ مِنَ القَوْلِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]. فَهَؤُلاءِ لَمّا ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا يَعْمَلُونَ، كانَ هَذا إساءَةً لِظَنِّهِمْ بِرَبِّهِمْ، فَأرْداهم ذَلِكَ الظَّنُّ، وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَن جَحَدَ صِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتَ جَلالِهِ، ووَصَفَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، فَإذا ظَنَّ هَذا أنَّهُ يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ كانَ هَذا غُرُورًا وخِداعًا مِن نَفْسِهِ، وتَسْوِيلًا مِنَ الشَّيْطانِ، لا إحْسانَ ظَنٍّ بِرَبِّهِ. فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ، وتَأمَّلْ شِدَّةَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وكَيْفَ يَجْتَمِعُ في قَلْبِ العَبْدِ تَيَقُّنُهُ بِأنَّهُ مُلاقٍ اللَّهَ، وأنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ويَرى مَكانَهُ، ويَعْلَمُ سِرَّهُ وعَلانِيَتَهُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن أمْرِهِ، وأنَّهُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، ومَسْئُولٌ عَنْ كُلِّ ما عَمِلَ، وهو مُقِيمٌ عَلى مَساخِطِهِ مُضَيِّعٌ لِأوامِرِهِ، مُعَطِّلٌ لِحُقُوقِهِ، وهو مَعَ هَذا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، وهَلْ هَذا إلّا مِن خِدَعِ النُّفُوسِ، وغُرُورِ الأمانِيِّ؟ وَقَدْ قالَ أبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: دَخَلْتُ أنا وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَقالَتْ «لَوْ رَأيْتُما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضٍ لَهُ، وكانَتْ عِنْدِي سِتَّةُ دَنانِيرَ، أوْ سَبْعَةٌ، فَأمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أُفَرِّقَها، قالَتْ: فَشَغَلَنِي وجَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى عافاهُ اللَّهُ، ثُمَّ سَألَنِي عَنْها فَقالَ: ما فَعَلْتِ؟ أكُنْتِ فَرَّقَتِ السِّتَّةَ الدَّنانِيرَ؟ فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لَقَدْ شَغَلَنِي وجَعُكَ، قالَتْ فَدَعا بِها، فَوَضَعَها في كَفِّهِ، فَقالَ: ما ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وهَذِهِ عِنْدَهُ؟ وفي لَفْظٍ: ما ظَنُّ مُحَمَّدٍ بِرَبِّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وهَذِهِ عِنْدَهُ». فَيا لَلَّهِ ما ظَنُّ أصْحابِ الكَبائِرِ والظَّلَمَةِ بِاللَّهِ إذا لَقَوْهُ ومَظالِمُ العِبادِ عِنْدَهُمْ؟ فَإنْ كانَ يَنْفَعُهم قَوْلُهُمْ: حَسَّنّا ظُنُونَنا بِكَ، إنَّكَ لَنْ تُعَذِّبَ ظالِمًا ولا فاسِقًا، فَلْيَصْنَعِ العَبْدُ ما شاءَ، ولِيَرْتَكِبْ كُلَّ ما نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولِيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النّارَ لا تَمَسُّهُ، فَسُبْحانَ اللَّهِ! ما يَبْلُغُ الغُرُورُ بِالعَبْدِ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ - فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦-٨٧]. أيْ ما ظَنُّكم أنْ يَفْعَلَ بِكم إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. وَمَن تَأمَّلَ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ عَلِمَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ هو حُسْنُ العَمَلِ نَفْسُهُ، فَإنَّ العَبْدَ إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى حُسْنِ العَمَلِ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى أعْمالِهِ ويُثِيبَهُ عَلَيْها ويَتَقَبَّلَها مِنهُ، فالَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَمَلِ حُسْنُ الظَّنِّ، فَكُلَّما حَسُنَ ظَنُّهُ حَسُنَ عَمَلُهُ، وإلّا فَحُسْنُ الظَّنِّ مَعَ اتِّباعِ الهَوى عَجْزٌ، كَما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ والمُسْنَدِ مِن حَدِيثِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللَّهِ». وَبِالجُمْلَةِ فَحُسْنُ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ النَّجاةِ، وأمّا مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ الهَلاكِ فَلا يَتَأتّى إحْسانُ الظَّنِّ.

فصلت 41:23

هؤلاء ظنوا أنه لا يعلم بعض الجزئيات فكيف بمن ظن أنه لا علم له، ولا سمع ولا بصر، ولا تكلم، ولا يتكلم، ولا استوى على عرشه، ولا له فعل حقيقة يدبر به الأمر، ولا له حكمة يفعل ما يفعل لأجلها؟! وأولئك جوزوا عليه أن لا ينصر رسوله، وأن يجعل الدائرة عليه وعلى المؤمنين. (فصل) قال ابن القيم - بعد كلام طويل -: وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ ﷺ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ «أنا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ» يَعْنِي ما كانَ في ظَنِّهِ فَإنِّي فاعِلُهُ بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإحْسانِ، فَإنَّ المُحْسِنَ حَسَنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى إحْسانِهِ ولا يُخْلِفَ وعْدَهُ، ويَقْبَلَ تَوْبَتَهُ. وَأمّا المُسِيءُ المُصِرُّ عَلى الكَبائِرِ والظُّلْمِ والمُخالَفاتِ فَإنَّ وحْشَةَ المَعاصِي والظُّلْمِ والحَرامِ تَمْنَعُهُ مِن حُسْنِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، وهَذا مَوْجُودٌ في الشّاهِدِ، فَإنَّ العَبْدَ الآبِقَ الخارِجَ عَنْ طاعَةِ سَيِّدِهِ لا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، ولا يُجامِعُ وحْشَةَ الإساءَةِ إحْسانُ الظَّنِّ أبَدًا، فَإنَّ المُسِيءَ مُسْتَوْحِشٌ بِقَدْرِ إساءَتِهِ، وأحْسَنُ النّاسِ ظَنًّا بِرَبِّهِ أطْوَعُهم لَهُ. كَما قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأحْسَنَ العَمَلَ وإنَّ الفاجِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ. وَكَيْفَ يَكُونُ مُحْسِنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ مَن هو شارِدٌ عَنْهُ، حالٌّ مُرْتَحِلٌ في مَساخِطِهِ وما يُغْضِبُهُ، مُتَعَرِّضٌ لِلَعْنَتِهِ قَدْ هانَ حَقُّهُ وأمْرُهُ عَلَيْهِ فَأضاعَهُ، وهانَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ فارْتَكَبَهُ وأصَرَّ عَلَيْهِ؟ وكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن بارَزَهُ بِالمُحارَبَةِ، وعادى أوْلِياءَهُ، ووالى أعْداءَهُ، وجَحَدَ صِفاتَ كَمالِهِ، وأساءَ الظَّنَّ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وظَنَّ بِجَهْلِهِ أنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ ضَلالٌ وكُفْرٌ؟ وَكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَأْمُرُ ولا يَنْهى ولا يَرْضى ولا يَغْضَبُ؟ وَقَدْ قالَ اللَّهُ في حَقِّ مَن شَكَّ في تَعَلُّقِ سَمْعِهِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ، وهو السِّرُّ مِنَ القَوْلِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]. فَهَؤُلاءِ لَمّا ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا يَعْمَلُونَ، كانَ هَذا إساءَةً لِظَنِّهِمْ بِرَبِّهِمْ، فَأرْداهم ذَلِكَ الظَّنُّ، وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَن جَحَدَ صِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتَ جَلالِهِ، ووَصَفَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، فَإذا ظَنَّ هَذا أنَّهُ يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ كانَ هَذا غُرُورًا وخِداعًا مِن نَفْسِهِ، وتَسْوِيلًا مِنَ الشَّيْطانِ، لا إحْسانَ ظَنٍّ بِرَبِّهِ. فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ، وتَأمَّلْ شِدَّةَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وكَيْفَ يَجْتَمِعُ في قَلْبِ العَبْدِ تَيَقُّنُهُ بِأنَّهُ مُلاقٍ اللَّهَ، وأنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ويَرى مَكانَهُ، ويَعْلَمُ سِرَّهُ وعَلانِيَتَهُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن أمْرِهِ، وأنَّهُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، ومَسْئُولٌ عَنْ كُلِّ ما عَمِلَ، وهو مُقِيمٌ عَلى مَساخِطِهِ مُضَيِّعٌ لِأوامِرِهِ، مُعَطِّلٌ لِحُقُوقِهِ، وهو مَعَ هَذا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، وهَلْ هَذا إلّا مِن خِدَعِ النُّفُوسِ، وغُرُورِ الأمانِيِّ؟ وَقَدْ قالَ أبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: دَخَلْتُ أنا وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَقالَتْ «لَوْ رَأيْتُما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضٍ لَهُ، وكانَتْ عِنْدِي سِتَّةُ دَنانِيرَ، أوْ سَبْعَةٌ، فَأمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أُفَرِّقَها، قالَتْ: فَشَغَلَنِي وجَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى عافاهُ اللَّهُ، ثُمَّ سَألَنِي عَنْها فَقالَ: ما فَعَلْتِ؟ أكُنْتِ فَرَّقَتِ السِّتَّةَ الدَّنانِيرَ؟ فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لَقَدْ شَغَلَنِي وجَعُكَ، قالَتْ فَدَعا بِها، فَوَضَعَها في كَفِّهِ، فَقالَ: ما ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وهَذِهِ عِنْدَهُ؟ وفي لَفْظٍ: ما ظَنُّ مُحَمَّدٍ بِرَبِّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وهَذِهِ عِنْدَهُ». فَيا لَلَّهِ ما ظَنُّ أصْحابِ الكَبائِرِ والظَّلَمَةِ بِاللَّهِ إذا لَقَوْهُ ومَظالِمُ العِبادِ عِنْدَهُمْ؟ فَإنْ كانَ يَنْفَعُهم قَوْلُهُمْ: حَسَّنّا ظُنُونَنا بِكَ، إنَّكَ لَنْ تُعَذِّبَ ظالِمًا ولا فاسِقًا، فَلْيَصْنَعِ العَبْدُ ما شاءَ، ولِيَرْتَكِبْ كُلَّ ما نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولِيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النّارَ لا تَمَسُّهُ، فَسُبْحانَ اللَّهِ! ما يَبْلُغُ الغُرُورُ بِالعَبْدِ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ - فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦-٨٧]. أيْ ما ظَنُّكم أنْ يَفْعَلَ بِكم إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. وَمَن تَأمَّلَ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ عَلِمَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ هو حُسْنُ العَمَلِ نَفْسُهُ، فَإنَّ العَبْدَ إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى حُسْنِ العَمَلِ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى أعْمالِهِ ويُثِيبَهُ عَلَيْها ويَتَقَبَّلَها مِنهُ، فالَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَمَلِ حُسْنُ الظَّنِّ، فَكُلَّما حَسُنَ ظَنُّهُ حَسُنَ عَمَلُهُ، وإلّا فَحُسْنُ الظَّنِّ مَعَ اتِّباعِ الهَوى عَجْزٌ، كَما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ والمُسْنَدِ مِن حَدِيثِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللَّهِ». وَبِالجُمْلَةِ فَحُسْنُ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ النَّجاةِ، وأمّا مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ الهَلاكِ فَلا يَتَأتّى إحْسانُ الظَّنِّ.

فصلت 41:24

أي إن يطلبوا إعتابنا وإزالة عتبنا عليهم، ويقال عتب عليه إذا أعرض عنه وغضب عليه. ثم يقال استعتب السيد عبده أي طلب منه أن يزيل عتب نفسه عنه بعوده إلى رضاه. فأعتبته عبده أي أزال عتبه بطاعته ويقال استعتب العبد سيده أي طلب منه أن يزيل غضبه وعتبه عنه فأعتعه سيده. أي فأزال عتب نفسه عنه وعلى هذا فقوله تعالى ﴿وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين﴾ أي وإن يطلبوا إعتابنا وهو إزالة عتبنا عنهم فما هم من المزال عتبهم، لأن الآخرة لا تقال فيها عثراتهم، ولا يقبل فيها توبتهم.

فصلت 41:25

قال الكلبي: "ألزمناهم قرناء من الشياطين". وقال مقاتل: "هيأنا لهم قرناء من الشياطين". وقال ابن عباس: "ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة". والمعنى: زينوا لهم الدنيا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة والإعراض عنها. وقال الكلبى: "زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث، وما خلفهم من أمر الدنيا: ما هم عليه من الضلالة". وهذا اختيار الفراء. وقال ابن زيد: "زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم، وما يستقبلون منها". والمعنى: على هذا زينوا لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه وما يعزمون عليه فلا ينوون تركه.

فصلت 41:30

وهذا التنزل يكون عند الموت، ويكون في القبر، ويكون عند البعث، وأول بشارة الآخرة عند الموت. (فصل) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ابْتَدَرَهُ المَلَكُ والشَّيْطانُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ وكَبَّرَهُ وحَمِدَهُ وهَلَّلَهُ، طُرِدَ الشَّيْطانُ وتَوَلّاهُ المَلَكُ، وإنِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ذَهَبَ المَلَكُ عَنْهُ وتَوَلّاهُ الشَّيْطانُ. وَلا يَزالُ المَلَكُ يَقْرُبُ مِنَ العَبْدِ حَتّى يَصِيرَ الحُكْمُ والطّاعَةُ والغَلَبَةُ لَهُ، فَتَتَوَلّاهُ المَلائِكَةُ في حَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وعِنْدَ بَعْثِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠-٣١]. وَإذا تَوَلّاهُ المَلَكُ تَوَلّاهُ أنْصَحُ الخَلْقِ وأنْفَعُهم وأبَرُّهُمْ، فَثَبَّتَهُ وعَلَّمَهُ، وقَوّى جَنانَهُ، وأيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. فَيَقُولُ المَلَكُ عِنْدَ المَوْتِ: لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ وأبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، ويُثَبِّتُهُ بِالقَوْلِ الثّابِتِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وعِنْدَ المَوْتِ، وفي القَبْرِ عِنْدَ المَسْألَةِ. فَلَيْسَ أحَدٌ أنْفَعَ لِلْعَبْدِ مِن صُحْبَةِ المَلَكِ لَهُ، وهو ولِيُّهُ في يَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وحَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وفي قَبْرِهِ، ومُؤْنِسُهُ في وحْشَتِهِ، وصاحِبُهُ في خَلْوَتِهِ، ومُحَدِّثُهُ في سِرِّهِ، ويُحارِبُ عَنْهُ عَدُوَّهُ، ويُدافِعُ عَنْهُ ويُعِينُهُ عَلَيْهِ، ويَعِدُهُ بِالخَيْرِ ويُبَشِّرُهُ بِهِ، ويُحِثُّهُ عَلى التَّصْدِيقِ بِالحَقِّ، كَما جاءَ في الأثَرِ الَّذِي يُرْوى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: «إنَّ لِلْمَلَكِ بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةً، ولِلشَّيْطانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ المَلَكِ: إيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالوَعْدِ، ولَمَّةُ الشَّيْطانِ: إيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ». وَإذا اشْتَدَّ قُرْبُ المَلَكِ مِنَ العَبْدِ تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلى لِسانِهِ القَوْلَ السَّدِيدَ، وإذا بَعُدَ مِنهُ وقَرُبَ الشَّيْطانُ، تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلَيْهِ قَوْلَ الزُّورِ والفُحْشِ، حَتّى يُرى الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ المَلَكُ والرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ الشَّيْطانُ وَفِي الحَدِيثِ: «إنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ أحَدُهم يَسْمَعُ الكَلِمَةَ الصّالِحَةَ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ فَيَقُولُ: ما ألْقاهُ عَلى لِسانِكَ إلّا المَلَكُ، ويَسْمَعُ ضِدَّها فَيَقُولُ: ما ألْقاها عَلى لِسانِكَ إلّا الشَّيْطانُ، فالمَلَكُ يُلْقِي بِالقَلْبِ الحَقَّ ويُلْقِيهِ عَلى اللِّسانِ، والشَّيْطانُ يُلْقِي الباطِلَ في القَلْبِ ويُجْرِيهِ عَلى اللِّسانِ. فَمِن عُقُوبَةِ المَعاصِي أنَّها تُبْعِدُ مِنَ العَبْدِ ولِيَّهُ الَّذِي سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ ومُجاوَرَتِهِ ومُوالاتِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ الَّذِي شَقاؤُهُ وهَلاكُهُ وفَسادُهُ في قُرْبِهِ ومُوالاتِهِ، حَتّى إنَّ المَلَكَ لَيُنافِحُ عَنِ العَبْدِ، ويَرُدُّ عَنْهُ إذا سَفِهَ عَلَيْهِ السَّفِيهُ وسَبَّهُ، كَما اخْتَصَمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلانِ، فَجَعَلَ أحَدُهُما يَسُبُّ الآخَرَ وهو ساكِتٌ، فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يَرُدُّ بِها عَلى صاحِبِهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ قُمْتَ، فَقالَ: «كانَ المَلَكُ يُنافِحُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ جاءَ الشَّيْطانُ فَلَمْ أكُنْ لِأجْلِسَ». وَإذا دَعا العَبْدُ المُسْلِمُ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ أمَّنَ المَلَكُ عَلى دُعائِهِ، وقالَ: «وَلَكَ بِمِثْلٍ». وَإذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ الفاتِحَةِ أمَّنَتِ المَلائِكَةُ عَلى دُعائِهِ. وَإذا أذْنَبَ العَبْدُ المُوَحِّدُ المُتَّبِعُ لِسَبِيلِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ. وَإذا نامَ العَبْدُ عَلى وُضُوءٍ باتَ في شِعارِ مَلَكٍ. فَمَلَكُ المُؤْمِنِ يَرُدُّ عَنْهُ ويُحارِبُ ويُدافِعُ عَنْهُ، ويُعَلِّمُهُ ويُثَبِّتُهُ ويُشَجِّعُهُ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُسِيءَ جِوارَهُ ويُبالِغَ في أذاهُ وطَرْدِهِ عَنْهُ وإبْعادِهِ، فَإنَّهُ ضَيْفُهُ وجارُهُ. وَإذا كانَ إكْرامُ الضَّيْفِ مِنَ الآدَمِيِّينَ والإحْسانُ إلى الجارِ مِن لَوازِمِ الإيمانِ ومُوجِباتِهِ، فَما الظَّنُّ بِإكْرامِ أكْرَمِ الأضْيافِ، وخَيْرِ الجِيرانِ وأبَرِّهِمْ؟ وإذا آذى العَبْدُ المَلَكَ بِأنْواعِ المَعاصِي والظُّلْمِ والفَواحِشِ دَعا عَلَيْهِ رَبَّهُ، وقالَ: لا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، كَما يَدْعُو لَهُ إذا أكْرَمَهُ بِالطّاعَةِ والإحْسانِ. قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّ مَعَكم مَن لا يُفارِقُكُمْ، فاسْتَحْيُوا مِنهم وأكْرِمُوهم. وَلا ألْأمَ مِمَّنْ لا يَسْتَحِي مِنَ الكَرِيمِ العَظِيمِ القَدْرِ، ولا يُجِلُّهُ ولا يُوَقِّرُهُ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ - كِرامًا كاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢] أيِ اسْتَحْيُوا مِن هَؤُلاءِ الحافِظِينَ الكِرامِ وأكْرِمُوهُمْ، وأجِلُّوهم أنْ يَرَوْا مِنكم ما تَسْتَحْيُونَ أنْ يَراكم عَلَيْهِ مَن هو مِثْلُكُمْ، والمَلائِكَةُ تَتَأذّى مِمّا يَتَأذّى مِنهُ بَنُو آدَمَ، وإذا كانَ ابْنُ آدَمَ يَتَأذّى مِمَّنْ يَفْجُرُ ويَعْصِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وإنْ كانَ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَما الظَّنُّ بِأذى المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ. (فصل) وباعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال: إحداها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيرد جيش الهوى مغلولا وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة وهم الذين قالوا ﴿رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ وهم الذين تقول لهم الملائكة عند الموت ﴿ألاَّ تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ وهم الذين نالوا معية الله مع الصابرين وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده وخصهم بهدايته دون من عداهم. الحالة الثانية أن تكون القوة والغلبة لداعي الهوى فيسقط منازعه باعث الدين بالكلية فيستسلم البائس للشيطان وجنده فيقودونه حيث شاءوا وله معهم حالتان إحداهما أن يكون من جندهم وأتباعهم وهذه حال العاجز الضعيف الثانية أن يصير الشيطان من جنده وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع كما قال القائل: ؎وكنت امرءا من جند إبليس فارتقى ∗∗∗ بي الحال حتى صار إبليس من جندي فيصير إبليس وجنده من أعوإنه وأتباعه وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء وجند أصحابها المكر والخداع والأماني الباطلة والغرور والتسويف بالعمل وطول الأمل وإيثار العاجل على الآجل، وهي التي قال في صاحبها النبي: "العاجز من أتبع نفسه هواها وتمني على الله الأماني" وأصحاب هذه الحال أنواع شتى: فمنهم المحارب لله ورسوله الساعي في أبطال ما جاء به الرسول ﷺ يصد عن سبيل الله ويبغيها جهده عوجا وتحريفا ليصد الناس عنها. ومنهم المعرض عما جاء به الرسول المقبل على دنياه وشهواتها فقط. ومنهم المنافق ذو الوجهين الذي يأكل بالكفر والإسلام. ومنهم الماجن المتلاعب الذي قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب. ومنهم من إذا وعظ قال واشواقاه إلى التوبة ولكنها قد تعذرت عليَّ فلا مطمع لي فيها. ومنهم من يقول ليس الله محتاجا إلى صلاتي وصيامي، وأنا لا أنجو بعملي، والله غفور رحيم. ومنهم من يقول ترك المعاصي استهانة بعفو الله ومغفرته. ؎فكثر ما استطعت من الخطايا ∗∗∗ إذا كان القدوم على كريم ومنهم من يقول ماذا تقع طاعتي في جنب ما عملت، وما قد ينفع الغريق خلاص أصبعه وباقي بدنه غريق. ومنهم من يقول سوف أتوب، وإذا جاء الموت ونزل بساحتي تبت وقُبلت توبتي .. إلى غير ذلك من أصناف المغترين الذين صارت عقولهم في أيدي شهواتهم، فلا يستعمل أحدهم عقله إلا في دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته. فعقله مع الشيطان كالأسير في يد الكافر يستعمله في رعاية الخنازير، وعصر الخمر، وحمل الصليب، وهو بقهره عقله وتسليمه إلى أعدائه عند الله بمنزلة رجل قهر مسلما وباعه للكفار وسلمه إليهم، وجعله أسيرا عندهم. (فصل) وهاهنا نكتة بديعة يجب التفطن لها وينبغي إخلاء القلب لتأملها وهو أن هذا المغرور لما أذل سلطان الله الذي أعزه به وشرفه ورفع به قدره، وسلمه في يد أبغض أعدائه إليه وجعله أسيرا له تحت قهره وتصرفه وسلطانه سلط الله عليه من كان حقه هو أن يتسلط عليه، فجعله تحت قهره وتصرفه وسلطانه يسخره حيث شاء، ويسخر منه، ويسخر منه جنده وحزبه، فكما أذل سلطان الله وسلمه إلى عدوه أذله الله وسلط عليه عدوه الذي أمره أن يتسلط هو عليه ويذله ويقهره، فصار بمنزلة من سلم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه سوء العذاب، وقد كان بصدد أن يستأسره ويقهره ويشفي غيظه منه، فلما ترك مقاومته ومحاربته واستسلم له سلط عليه عقوبة له قال الله تعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الِاسْتِقامَةِ] [حَقِيقَةُ الِاسْتِقامَةِ] فَصْلٌ مَنزِلَةُ الِاسْتِقامَةِ وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَنزِلَةُ الِاسْتِقامَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]. وَقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. فَبَيَّنَ أنَّ الِاسْتِقامَةَ ضِدُّ الطُّغْيانِ. وهو مُجاوَزَةُ الحُدُودِ في كُلِّ شَيْءٍ. وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَألَّوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٦]. سُئِلَ صِدِّيقُ الأمَةِ وأعْظَمُها اسْتِقامَةً - أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ الِاسْتِقامَةِ؟ فَقالَ: أنْ لا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا. يُرِيدُ الِاسْتِقامَةَ عَلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ. وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِقامَةُ: أنْ تَسْتَقِيمَ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ. ولا تَرُوغُ رَوَغانَ الثَّعالِبِ. وَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اسْتَقامُوا: أخْلَصُوا العَمَلَ لِلَّهِ. وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: اسْتَقامُوا: أدَّوُا الفَرائِضَ. وَقالَ الحَسَنُ: اسْتَقامُوا عَلى أمْرِ اللَّهِ فَعَمِلُوا بِطاعَتِهِ، واجْتَنَبُوا مَعْصِيَتَهُ. وَقالَ مُجاهِدٌ: اسْتَقامُوا عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى لَحِقُوا بِاللَّهِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: اسْتَقامُوا عَلى مَحَبَّتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْهُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنَتْ بِاللَّهِ. ثُمَّ اسْتَقِمْ». وَفِيهِ عَنْ ثَوْبانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا. واعْلَمُوا أنَّ خَيْرَ أعْمالِكُمُ الصَّلاةُ. ولا يُحافِظُ عَلى الوُضُوءِ إلّا مُؤْمِنٌ». والمَطْلُوبُ مِنَ العَبْدِ الِاسْتِقامَةُ. وهي السَّدادُ. فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها فالمُقارَبَةُ. فَإنْ نَزَلَ عَنْها: فالتَّفْرِيطُ والإضاعَةُ. كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «سَدِّدُوا وقارِبُوا. واعْلَمُوا أنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أحَدٌ مِنكم بِعَمَلِهِ. قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ». فَجَمَعَ في هَذا الحَدِيثِ مَقاماتِ الدِّينِ كُلَّها. فَأمَرَ بِالِاسْتِقامَةِ، وهي السَّدادُ والإصابَةُ في النِّيّاتِ والأقْوالِ والأعْمالِ. وَأخْبَرَ في حَدِيثِ ثَوْبانَ: أنَّهم لا يُطِيقُونَها. فَنَقَلَهم إلى المُقارَبَةِ. وهي أنْ يَقْرَبُوا مِن الِاسْتِقامَةِ بِحَسَبِ طاقَتِهِمْ. كالَّذِي يَرْمِي إلى الغَرَضِ، فَإنْ لَمْ يُصِبْهُ يُقارِبْهُ. ومَعَ هَذا فَأخْبَرَهم أنَّ الِاسْتِقامَةَ والمُقارَبَةَ لا تُنْجِي يَوْمَ القِيامَةِ. فَلا يَرْكَنُ أحَدٌ إلى عَمَلِهِ. ولا يُعْجَبُ بِهِ. ولا يَرى أنَّ نَجاتَهُ بِهِ، بَلْ إنَّما نَجاتُهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وعَفْوِهِ وفَضْلِهِ. فالِاسْتِقامَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، آخِذَةٌ بِمَجامِعِ الدِّينِ. وهي القِيامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَلى حَقِيقَةِ الصِّدْقِ، والوَفاءِ بِالعَهْدِ. والِاسْتِقامَةُ تَتَعَلَّقُ بِالأقْوالِ، والأفْعالِ، والأحْوالِ، والنِّيّاتِ. فالِاسْتِقامَةُ فِيها: وُقُوعُها لِلَّهِ، وبِاللَّهِ، وعَلى أمْرِ اللَّهِ. قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: كُنْ صاحِبَ الِاسْتِقامَةِ، لا طالِبَ الكَرامَةِ. فَإنَّ نَفْسَكَ مُتَحَرِّكَةٌ في طَلَبِ الكَرامَةِ. ورَبَّكَ يُطالِبُكَ بِالِاسْتِقامَةِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى رَوْحَهُ - يَقُولُ: أعْظَمُ الكَرامَةِ لُزُومُ الِاسْتِقامَةِ. [فَصْلٌ دَرَجاتُ الِاسْتِقامَةِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى الِاسْتِقامَةُ عَلى الِاجْتِهادِ في الِاقْتِصادِ] قالَ: وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: الِاسْتِقامَةُ عَلى الِاجْتِهادِ في الِاقْتِصادِ. لا عادِيًا رَسْمَ العِلْمِ، ولا مُتَجاوِزًا حَدَّ الإخْلاصِ، ولا مُخالِفًا نَهْجَ السُّنَّةِ. هَذِهِ دَرَجَةٌ تَتَضَمَّنُ سِتَّةَ أُمُورٍ: عَمَلًا واجْتِهادًا فِيهِ، وهو بَذْلُ المَجْهُودِ، واقْتِصادًا، وَهُوَ السُّلُوكُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ، وهو الجَوْرُ عَلى النُّفُوسِ، والتَّفْرِيطُ بِالإضاعَةِ، ووُقُوفًا مَعَ ما يَرْسُمُهُ العِلْمُ، لا وُقُوفًا مَعَ داعِي الحالِ. وإفْرادُ المَعْبُودِ بِالإرادَةِ، وهو الإخْلاصُ، ووُقُوعُ الأعْمالِ عَلى الأمْرِ، وهو مُتابَعَةُ السُّنَّةِ. فَبِهَذِهِ الأُمُورِ السِّتَّةِ تَتِمُّ لِأهْلِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ اسْتِقامَتُهم. وبِالخُرُوجِ عَنْ واحِدٍ مِنها يَخْرُجُونَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ: إمّا خُرُوجًا كُلِّيًّا، وإمّا خُرُوجًا جُزْئِيًّا. والسَّلَفُ يَذْكُرُونَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ كَثِيرًا - وهُما الِاقْتِصادُ في الأعْمالِ، والِاعْتِصامُ بِالسُّنَّةِ - فَإنَّ الشَّيْطانَ يَشُمُّ قَلْبَ العَبْدِ ويَخْتَبِرُهُ. فَإنْ رَأى فِيهِ داعِيَةً لِلْبِدْعَةِ، وإعْراضًا عَنْ كَمالِ الِانْقِيادِ لِلسُّنَّةِ: أخْرَجَهُ عَنِ الِاعْتِصامِ بِها. وإنْ رَأى فِيهِ حِرْصًا عَلى السُّنَّةِ، وشِدَّةَ طَلَبِ لَها: لَمْ يَظْفَرْ بِهِ مِن بابِ اقْتِطاعِهِ عَنْها، فَأمَرَهُ بِالِاجْتِهادِ، والجَوْرِ عَلى النَّفْسِ، ومُجاوَزَةِ حَدِّ الِاقْتِصادِ فِيها، قائِلًا لَهُ: إنَّ هَذا خَيْرٌ وطاعَةٌ. والزِّيادَةُ والِاجْتِهادُ فِيها أكْمَلُ. فَلا تَفْتُرْ مَعَ أهْلِ الفُتُورِ. ولا تَنَمْ مَعَ أهْلِ النَّوْمِ، فَلا يَزالُ يَحُثُّهُ ويُحَرِّضُهُ، حَتّى يُخْرِجَهُ عَنِ الِاقْتِصادِ فِيها، فَيَخْرُجَ عَنْ حَدِّها. كَما أنَّ الأوَّلَ خارِجُ هَذا الحَدِّ. فَكَذا هَذا الآخَرُ خارِجٌ عَنِ الحَدِّ الآخَرِ. وَهَذا حالُ الخَوارِجِ الَّذِينَ يَحْقِرُ أهْلُ الِاسْتِقامَةِ صَلاتَهم مَعَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهم مَعَ صِيامِهِمْ. وقِراءَتَهم مَعَ قِراءَتِهِمْ. وكِلا الأمْرَيْنِ خُرُوجٌ عَنِ السُّنَّةِ إلى البِدْعَةِ. لَكِنَّ هَذا إلى بِدْعَةِ التَّفْرِيطِ، والإضاعَةِ، والآخَرَ إلى بِدْعَةِ المُجاوَزَةِ والإسْرافِ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ما أمَرَ اللَّهُ بِأمْرٍ إلّا ولِلشَّيْطانِ فِيهِ نَزَعَتانِ، إمّا إلى تَفْرِيطٍ، وإمّا إلى مُجاوَزَةٍ، وهي الإفْراطُ، ولا يُبالِي بِأيِّهِما ظَفَرَ: زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ. وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، إنَّ لِكُلِّ عامِلٍ شِرَّةً، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً. فَمَن كانَتْ فَتْرَتُهُ إلى سُنَّةٍ أفْلَحَ، ومَن كانَتْ فَتْرَتُهُ إلى بِدْعَةٍ خابَ وخَسِرَ». قالَ لَهُ ذَلِكَ حِينَ أمَرَهُ بِالِاقْتِصادِ في العَمَلِ. فَكُلُّ الخَيْرِ في اجْتِهادٍ بِاقْتِصادٍ، وإخْلاصٍ مَقْرُونٍ بِالِاتِّباعِ. كَما قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: اقْتِصادٌ في سَبِيلٍ وسُنَّةٍ، خَيْرٌ مِنَ اجْتِهادٍ في خِلافِ سَبِيلٍ وسُنَّةٍ، فاحْرِصُوا أنْ تَكُونَ أعْمالُكم عَلى مِنهاجِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وسُنَّتِهِمْ. وَكَذَلِكَ الرِّياءُ في الأعْمالِ يُخْرِجُهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ. والفُتُورُ والتَّوانِي يُخْرِجُهُ عَنْها أيْضًا. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ اسْتِقامَةُ الأحْوالِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِقامَةُ الأحْوالِ. وهي شُهُودُ الحَقِيقَةِ لا كَسْبًا. ورَفَضُ الدَّعْوى لا عِلْمًا. والبَقاءُ مَعَ نُورِ اليَقَظَةِ لا تَحَفُّظًا. يَعْنِي أنَّ اسْتِقامَةَ الحالِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ. أمّا شُهُودُ الحَقِيقَةِ فالحَقِيقَةُ حَقِيقَتانِ: حَقِيقَةٌ كَوْنِيَّةٌ، وحَقِيقَةٌ دِينِيَّةٌ، يَجْمَعُهُما حَقِيقَةٌ ثالِثَةٌ، وهي مَصْدَرُهُما ومَنشَؤُهُما، وغايَتُهُما. وأكْثَرُ أرْبابِ السُّلُوكِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ: إنَّما يُرِيدُونَ بِالحَقِيقَةِ الحَقِيقَةَ الكَوْنِيَّةَ. وشُهُودُها هو شُهُودُ تَفَرُّدِ الرَّبِّ بِالفِعْلِ. وأنَّ ما سِواهُ مَحَلُّ جَرَيانِ أحْكامِهِ وأفْعالِهِ. فَهو كالحَفِيرِ الَّذِي هو مَحَلٌّ لِجَرَيانِ الماءِ حَسْبُ. وَعِنْدَهم أنَّ شُهُودَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ والفَناءِ فِيها غايَةُ السّالِكِينَ. وَمِنهم مَن يَشْهَدُ حَقِيقَةَ الأزَلِيَّةِ والدَّوامِ، وفَناءَ الحادِثاتِ وطَيَّها في ضِمْنِ بِساطِ الأزَلِيَّةِ والأبَدِيَّةِ، وتَلاشِيها في ذَلِكَ. فَيَشْهَدُها مَعْدُومَةً، ويَشْهَدُ تَفَرُّدَ مُوجِدِها بِالوُجُودِ الحَقِّ بِالحَقِّ، وأنَّ وُجُودَ ما سِواهُ رُسُومٌ وظِلالٌ. فالأوَّلُ: شَهِدَ تَفَرُّدَهُ بِالأفْعالِ. وهَذا شَهِدَ تَفَرُّدَهُ بِالوُجُودِ. وَصاحِبُ الحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ في طَوْرٍ آخَرَ. فَإنَّهُ في مَشْهَدِ الأمْرِ والنَّهْيِ، والثَّوابِ والعِقابِ، والمُوالاةِ والمُعاداةِ، والفِرَقُ بَيْنَ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضاهُ، وبَيْنَ ما يُبْغِضُهُ ويَسْخَطُهُ. فَهو في مَقامِ الفَرْقِ الثّانِي الَّذِي لا يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ دَرَجَةُ الإسْلامِ - فَضْلًا عَنْ مَقامِ الإحْسانِ - إلّا بِهِ. فالمُعْرِضُ عَنْهُ صَفْحًا لا نَصِيبَ لَهُ في الإسْلامِ ألْبَتَّةَ، وهو كالَّذِي كانَ الجُنَيْدُ يُوصِي بِهِ أصْحابَهُ، فَيَقُولُ: عَلَيْكم بِالفَرْقِ الثّانِي. وإنَّما سُمِّيَ ثانِيًا لِأنَّ الفَرْقَ الأوَّلَ: فَرْقٌ بِالطَّبْعِ والنَّفْسِ. وهَذا فَرْقٌ بِالأمْرِ. والجَمْعُ أيْضًا جَمْعانِ: جَمْعٌ في فَرْقٍ، وهو جَمْعُ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ والتَّوْحِيدِ. وجَمْعٌ بِلا فَرْقٍ، وهو جَمْعُ أهْلِ الزَّنْدَقَةِ والإلْحادِ. فالنّاسُ ثَلاثَةٌ: صاحِبُ فَرْقٍ بِلا جَمْعٍ، فَهو مَذْمُومٌ ناقِصٌ مَخْذُولٌ. وَصاحِبُ جَمْعٍ بِلا فَرْقٍ. وهو جَمْعُ أهْلِ الزَّنْدَقَةِ، والإلْحادِ. فَصاحِبُهُ مُلْحِدٌ زِنْدِيقٌ. وَصاحِبُ فَرْقٍ وجَمْعٍ. يَشْهَدُ الفَرْقَ في الجَمْعِ، والكَثْرَةَ في الوَحْدَةِ. فَهو المُسْتَقِيمُ المُوَحِّدُ الفارِقُ. وهَذا صاحِبُ الحَقِيقَةِ الثّالِثَةِ، الجامِعَةُ لِلْحَقِيقَتَيْنِ الدِّينِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ. فَشُهُودُ هَذِهِ الحَقِيقَةِ الجامِعَةِ: هو عَيْنُ الِاسْتِقامَةِ. وَأمّا شُهُودُ الحَقِيقَةِ الكَوْنِيَّةِ، أوِ الأزَلِيَّةِ، والفَناءُ فِيها: فَأمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. فَإنَّ الكافِرَ مُقِرٌّ بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، وأزَلِيَّتِهِ وأبَدِيَّتِهِ. فَإذا اسْتَغْرَقَ في هَذا الشُّهُودِ وفَنِيَ بِهِ عَنْ سِواهُ: فَقَدْ شَهِدَ الحَقِيقَةَ. وَأمّا قَوْلُهُ: لا كَسْبًا. أيْ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ أنَّ شُهُودَها لَمْ يَكُنْ بِالكَسْبِ؛ لِأنَّ الكَسْبَ مِن أعْمالِ النَّفْسِ. فالحَقِيقَةُ لا تَبْدُو مَعَ بَقاءِ النَّفْسِ؛ إذِ الحَقِيقَةُ فَرْدانِيَّةٌ أحَدِيَّةٌ نُورانِيَّةٌ. فَلا بُدَّ مِن زَوالِ ظُلْمَةِ النَّفْسِ، ورُؤْيَةِ كَسْبِها، وإلّا لَمْ يَشْهَدِ الحَقِيقَةَ. وَأمّا رَفْضُ الدَّعْوى لا عِلْمًا، فالدَّعْوى نِسْبَةُ الحالِ وغَيْرِهِ إلى نَفْسِكَ وإنِّيَتِكَ. فالِاسْتِقامَةُ لا تَصِحُّ إلّا بِتَرْكِها، سَواءٌ كانَتْ حَقًّا أوْ باطِلًا. فَإنَّ الدَّعْوى الصّادِقَةَ تُطْفِئُ نُورَ المَعْرِفَةِ. فَكَيْفَ بِالكاذِبَةِ؟ وَأمّا قَوْلُهُ: لا عِلْمًا؛ أيْ لا يَكُونُ الحامِلُ لَهُ عَلى تَرْكِ الدَّعْوى مُجَرَّدَ عِلْمِهِ بِفَسادِ الدَّعْوى، ومُنافاتِها لِلِاسْتِقامَةِ. فَإذا تَرَكَها يَكُونُ تَرْكُها لِكَوْنِ العِلْمِ قَدْ نَهى عَنْها. فَيَكُونُ تارِكًا لَها ظاهِرًا لا حَقِيقَةً، أوْ تارِكًا لَها لَفْظًا، قائِمًا بِها حالًا؛ لِأنَّهُ يَرى أنَّهُ قَدْ قامَ بِحَقِّ العِلْمِ في تَرْكِها. فَيَتْرُكُها تَواضُعًا، بَلْ يَتْرُكُها حالًا وحَقِيقَةً. كَما يَتْرُكُ مَن أحَبَّ شَيْئًا تَضُرُّهُ مَحَبَّتُهُ حُبَّهُ حالًا وحَقِيقَةً. وإذا تَحَقَّقَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ - كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِخَيْرِ خَلْقِهِ عَلى الإطْلاقِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]- تَرَكَ الدَّعْوى شُهُودًا وحَقِيقَةً وحالًا. وَأمّا البَقاءُ مَعَ نُورِ اليَقَظَةِ فَهو الدَّوامُ في اليَقَظَةِ، وأنْ لا يُطْفِئَ نُورَها بِظُلْمَةِ الغَفْلَةِ. بَلْ يَسْتَدِيمُ يَقَظَتَهُ. ويَرى أنَّهُ في ذَلِكَ كالمَجْذُوبِ المَأْخُوذِ عَنْ نَفْسِهِ، حِفْظًا مِنَ اللَّهِ لَهُ. لا أنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِتَحَفُّظِهِ واحْتِرازِهِ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورٍ: يَقَظَةٌ، واسْتِدامَةٌ لَها، وشُهُودٌ أنَّ ذَلِكَ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ لا بِكَ. فَلَيْسَ سَبَبُ بَقائِهِ في نُورِ اليَقَظَةِ بِحِفْظِهِ. بَلْ بِحِفْظِ اللَّهِ لَهُ. وَكَأنَّ الشَّيْخَ يُشِيرُ إلى أنَّ الِاسْتِقامَةَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ لا تَحْصُلُ بِكَسْبٍ. وإنَّما هو مُجَرَّدُ مَوْهِبَةٍ مِنَ اللَّهِ. فَإنَّهُ قالَ في الأُولى " الِاسْتِقامَةَ عَلى الِاجْتِهادِ " وفي الثّانِيَةِ " اسْتِقامَةُ الأحْوالِ، لا كَسْبًا ولا تَحَفُّظًا ". وَمُنازَعَتُهُ في ذَلِكَ مُتَوَجِّهَةٌ. وأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ كَسْبًا يَتَعاطى الأسْبابَ الَّتِي تَهْجُمُ بِصاحِبِها عَلى هَذا المَقامِ. نَعَمْ، الَّذِي يُنْفى في هَذا المَقامِ: شُهُودُ الكَسْبِ، وأنَّ هَذا حَصَلَ لَهُ بِكَسْبِهِ. فَنَفْيُ الكَسْبِ شَيْءٌ ونَفْيُ شُهُودِهِ شَيْءٌ آخَرَ. وَلَعَلَّ أنْ نُشْبِعَ الكَلامَ في هَذا فِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ اسْتِقامَةٌ بِتَرْكِ رُؤْيَةِ الِاسْتِقامَةِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: اسْتِقامَةٌ بِتَرْكِ رُؤْيَةِ الِاسْتِقامَةِ. وبِالغَيْبَةِ عَنْ تَطَلُّبِ الِاسْتِقامَةِ بِشُهُودِ إقامَةٍ، وتَقْوِيمُهُ الحَقُّ. هَذِهِ الِاسْتِقامَةُ مَعْناها: الذُّهُولُ بِمَشْهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِ. فَيَغِيبُ بِالمَشْهُودِ المَقْصُودُ سُبْحانَهُ عَنْ رُؤْيَةِ اسْتِقامَتِهِ في طَلَبِهِ. فَإنَّ رُؤْيَةَ الِاسْتِقامَةِ تَحْجُبُهُ عَنْ حَقِيقَةِ الشُّهُودِ. وَأمّا الغَيْبَةُ عَنْ تَطَلُّبِ الِاسْتِقامَةِ فَهو غَيْبَتُهُ عَنْ طَلَبِها بِشُهُودِ إقامَةِ الحَقِّ لِلْعَبْدِ، وتَقْوِيمِهِ إيّاهُ، فَإنَّهُ إذا شَهِدَ أنَّ اللَّهَ هو المُقِيمُ لَهُ والمُقَوِّمُ، وأنَّ اسْتِقامَتَهُ وقِيامَهُ بِاللَّهِ، لا بِنَفْسِهِ ولا بِطَلَبِهِ: غابَ بِهَذا الشُّهُودِ عَنِ اسْتِشْعارِ طَلَبِهِ لَها. وَهَذا القَدْرُ مِن مُوجِباتِ شُهُودِ مَعْنًى اسْمُهُ القَيُّومُ، وهو الَّذِي قامَ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى أحَدٍ. وقامَ كُلُّ شَيْءٍ بِهِ. فَكُلُّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ. ولَيْسَتْ حاجَتُهُ إلَيْهِ مُعَلَّلَةً بِحُدُوثٍ، كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ. ولا بِإمْكانٍ، كَما يَقُولُ الفَلاسِفَةُ المَشّاءُونَ. بَلْ حاجَتُهُ إلَيْهِ ذاتِيَّةٌ، وما بِالذّاتِ لا يُعَلَّلُ. نَعَمْ، الحُدُوثُ والإمْكانُ دَلِيلانِ عَلى الحاجَةِ. فالتَّعْلِيلُ بِهِما مِن بابِ التَّعْرِيفِ، لا مِن بابِ العِلَلِ المُؤَثِّرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

فصلت 41:31

وهذا التنزل يكون عند الموت، ويكون في القبر، ويكون عند البعث، وأول بشارة الآخرة عند الموت. (فصل) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ابْتَدَرَهُ المَلَكُ والشَّيْطانُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ وكَبَّرَهُ وحَمِدَهُ وهَلَّلَهُ، طُرِدَ الشَّيْطانُ وتَوَلّاهُ المَلَكُ، وإنِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ذَهَبَ المَلَكُ عَنْهُ وتَوَلّاهُ الشَّيْطانُ. وَلا يَزالُ المَلَكُ يَقْرُبُ مِنَ العَبْدِ حَتّى يَصِيرَ الحُكْمُ والطّاعَةُ والغَلَبَةُ لَهُ، فَتَتَوَلّاهُ المَلائِكَةُ في حَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وعِنْدَ بَعْثِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠-٣١]. وَإذا تَوَلّاهُ المَلَكُ تَوَلّاهُ أنْصَحُ الخَلْقِ وأنْفَعُهم وأبَرُّهُمْ، فَثَبَّتَهُ وعَلَّمَهُ، وقَوّى جَنانَهُ، وأيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. فَيَقُولُ المَلَكُ عِنْدَ المَوْتِ: لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ وأبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، ويُثَبِّتُهُ بِالقَوْلِ الثّابِتِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وعِنْدَ المَوْتِ، وفي القَبْرِ عِنْدَ المَسْألَةِ. فَلَيْسَ أحَدٌ أنْفَعَ لِلْعَبْدِ مِن صُحْبَةِ المَلَكِ لَهُ، وهو ولِيُّهُ في يَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وحَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وفي قَبْرِهِ، ومُؤْنِسُهُ في وحْشَتِهِ، وصاحِبُهُ في خَلْوَتِهِ، ومُحَدِّثُهُ في سِرِّهِ، ويُحارِبُ عَنْهُ عَدُوَّهُ، ويُدافِعُ عَنْهُ ويُعِينُهُ عَلَيْهِ، ويَعِدُهُ بِالخَيْرِ ويُبَشِّرُهُ بِهِ، ويُحِثُّهُ عَلى التَّصْدِيقِ بِالحَقِّ، كَما جاءَ في الأثَرِ الَّذِي يُرْوى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: «إنَّ لِلْمَلَكِ بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةً، ولِلشَّيْطانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ المَلَكِ: إيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالوَعْدِ، ولَمَّةُ الشَّيْطانِ: إيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ». وَإذا اشْتَدَّ قُرْبُ المَلَكِ مِنَ العَبْدِ تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلى لِسانِهِ القَوْلَ السَّدِيدَ، وإذا بَعُدَ مِنهُ وقَرُبَ الشَّيْطانُ، تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلَيْهِ قَوْلَ الزُّورِ والفُحْشِ، حَتّى يُرى الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ المَلَكُ والرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ الشَّيْطانُ وَفِي الحَدِيثِ: «إنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ أحَدُهم يَسْمَعُ الكَلِمَةَ الصّالِحَةَ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ فَيَقُولُ: ما ألْقاهُ عَلى لِسانِكَ إلّا المَلَكُ، ويَسْمَعُ ضِدَّها فَيَقُولُ: ما ألْقاها عَلى لِسانِكَ إلّا الشَّيْطانُ، فالمَلَكُ يُلْقِي بِالقَلْبِ الحَقَّ ويُلْقِيهِ عَلى اللِّسانِ، والشَّيْطانُ يُلْقِي الباطِلَ في القَلْبِ ويُجْرِيهِ عَلى اللِّسانِ. فَمِن عُقُوبَةِ المَعاصِي أنَّها تُبْعِدُ مِنَ العَبْدِ ولِيَّهُ الَّذِي سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ ومُجاوَرَتِهِ ومُوالاتِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ الَّذِي شَقاؤُهُ وهَلاكُهُ وفَسادُهُ في قُرْبِهِ ومُوالاتِهِ، حَتّى إنَّ المَلَكَ لَيُنافِحُ عَنِ العَبْدِ، ويَرُدُّ عَنْهُ إذا سَفِهَ عَلَيْهِ السَّفِيهُ وسَبَّهُ، كَما اخْتَصَمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلانِ، فَجَعَلَ أحَدُهُما يَسُبُّ الآخَرَ وهو ساكِتٌ، فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يَرُدُّ بِها عَلى صاحِبِهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ قُمْتَ، فَقالَ: «كانَ المَلَكُ يُنافِحُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ جاءَ الشَّيْطانُ فَلَمْ أكُنْ لِأجْلِسَ». وَإذا دَعا العَبْدُ المُسْلِمُ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ أمَّنَ المَلَكُ عَلى دُعائِهِ، وقالَ: «وَلَكَ بِمِثْلٍ». وَإذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ الفاتِحَةِ أمَّنَتِ المَلائِكَةُ عَلى دُعائِهِ. وَإذا أذْنَبَ العَبْدُ المُوَحِّدُ المُتَّبِعُ لِسَبِيلِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ. وَإذا نامَ العَبْدُ عَلى وُضُوءٍ باتَ في شِعارِ مَلَكٍ. فَمَلَكُ المُؤْمِنِ يَرُدُّ عَنْهُ ويُحارِبُ ويُدافِعُ عَنْهُ، ويُعَلِّمُهُ ويُثَبِّتُهُ ويُشَجِّعُهُ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُسِيءَ جِوارَهُ ويُبالِغَ في أذاهُ وطَرْدِهِ عَنْهُ وإبْعادِهِ، فَإنَّهُ ضَيْفُهُ وجارُهُ. وَإذا كانَ إكْرامُ الضَّيْفِ مِنَ الآدَمِيِّينَ والإحْسانُ إلى الجارِ مِن لَوازِمِ الإيمانِ ومُوجِباتِهِ، فَما الظَّنُّ بِإكْرامِ أكْرَمِ الأضْيافِ، وخَيْرِ الجِيرانِ وأبَرِّهِمْ؟ وإذا آذى العَبْدُ المَلَكَ بِأنْواعِ المَعاصِي والظُّلْمِ والفَواحِشِ دَعا عَلَيْهِ رَبَّهُ، وقالَ: لا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، كَما يَدْعُو لَهُ إذا أكْرَمَهُ بِالطّاعَةِ والإحْسانِ. قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّ مَعَكم مَن لا يُفارِقُكُمْ، فاسْتَحْيُوا مِنهم وأكْرِمُوهم. وَلا ألْأمَ مِمَّنْ لا يَسْتَحِي مِنَ الكَرِيمِ العَظِيمِ القَدْرِ، ولا يُجِلُّهُ ولا يُوَقِّرُهُ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ - كِرامًا كاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢] أيِ اسْتَحْيُوا مِن هَؤُلاءِ الحافِظِينَ الكِرامِ وأكْرِمُوهُمْ، وأجِلُّوهم أنْ يَرَوْا مِنكم ما تَسْتَحْيُونَ أنْ يَراكم عَلَيْهِ مَن هو مِثْلُكُمْ، والمَلائِكَةُ تَتَأذّى مِمّا يَتَأذّى مِنهُ بَنُو آدَمَ، وإذا كانَ ابْنُ آدَمَ يَتَأذّى مِمَّنْ يَفْجُرُ ويَعْصِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وإنْ كانَ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَما الظَّنُّ بِأذى المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ. (فصل) وباعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال: إحداها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيرد جيش الهوى مغلولا وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة وهم الذين قالوا ﴿رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ وهم الذين تقول لهم الملائكة عند الموت ﴿ألاَّ تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ وهم الذين نالوا معية الله مع الصابرين وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده وخصهم بهدايته دون من عداهم. الحالة الثانية أن تكون القوة والغلبة لداعي الهوى فيسقط منازعه باعث الدين بالكلية فيستسلم البائس للشيطان وجنده فيقودونه حيث شاءوا وله معهم حالتان إحداهما أن يكون من جندهم وأتباعهم وهذه حال العاجز الضعيف الثانية أن يصير الشيطان من جنده وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع كما قال القائل: ؎وكنت امرءا من جند إبليس فارتقى ∗∗∗ بي الحال حتى صار إبليس من جندي فيصير إبليس وجنده من أعوإنه وأتباعه وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء وجند أصحابها المكر والخداع والأماني الباطلة والغرور والتسويف بالعمل وطول الأمل وإيثار العاجل على الآجل، وهي التي قال في صاحبها النبي: "العاجز من أتبع نفسه هواها وتمني على الله الأماني" وأصحاب هذه الحال أنواع شتى: فمنهم المحارب لله ورسوله الساعي في أبطال ما جاء به الرسول ﷺ يصد عن سبيل الله ويبغيها جهده عوجا وتحريفا ليصد الناس عنها. ومنهم المعرض عما جاء به الرسول المقبل على دنياه وشهواتها فقط. ومنهم المنافق ذو الوجهين الذي يأكل بالكفر والإسلام. ومنهم الماجن المتلاعب الذي قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب. ومنهم من إذا وعظ قال واشواقاه إلى التوبة ولكنها قد تعذرت عليَّ فلا مطمع لي فيها. ومنهم من يقول ليس الله محتاجا إلى صلاتي وصيامي، وأنا لا أنجو بعملي، والله غفور رحيم. ومنهم من يقول ترك المعاصي استهانة بعفو الله ومغفرته. ؎فكثر ما استطعت من الخطايا ∗∗∗ إذا كان القدوم على كريم ومنهم من يقول ماذا تقع طاعتي في جنب ما عملت، وما قد ينفع الغريق خلاص أصبعه وباقي بدنه غريق. ومنهم من يقول سوف أتوب، وإذا جاء الموت ونزل بساحتي تبت وقُبلت توبتي .. إلى غير ذلك من أصناف المغترين الذين صارت عقولهم في أيدي شهواتهم، فلا يستعمل أحدهم عقله إلا في دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته. فعقله مع الشيطان كالأسير في يد الكافر يستعمله في رعاية الخنازير، وعصر الخمر، وحمل الصليب، وهو بقهره عقله وتسليمه إلى أعدائه عند الله بمنزلة رجل قهر مسلما وباعه للكفار وسلمه إليهم، وجعله أسيرا عندهم. (فصل) وهاهنا نكتة بديعة يجب التفطن لها وينبغي إخلاء القلب لتأملها وهو أن هذا المغرور لما أذل سلطان الله الذي أعزه به وشرفه ورفع به قدره، وسلمه في يد أبغض أعدائه إليه وجعله أسيرا له تحت قهره وتصرفه وسلطانه سلط الله عليه من كان حقه هو أن يتسلط عليه، فجعله تحت قهره وتصرفه وسلطانه يسخره حيث شاء، ويسخر منه، ويسخر منه جنده وحزبه، فكما أذل سلطان الله وسلمه إلى عدوه أذله الله وسلط عليه عدوه الذي أمره أن يتسلط هو عليه ويذله ويقهره، فصار بمنزلة من سلم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه سوء العذاب، وقد كان بصدد أن يستأسره ويقهره ويشفي غيظه منه، فلما ترك مقاومته ومحاربته واستسلم له سلط عليه عقوبة له قال الله تعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الِاسْتِقامَةِ] [حَقِيقَةُ الِاسْتِقامَةِ] فَصْلٌ مَنزِلَةُ الِاسْتِقامَةِ وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَنزِلَةُ الِاسْتِقامَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]. وَقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. فَبَيَّنَ أنَّ الِاسْتِقامَةَ ضِدُّ الطُّغْيانِ. وهو مُجاوَزَةُ الحُدُودِ في كُلِّ شَيْءٍ. وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَألَّوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٦]. سُئِلَ صِدِّيقُ الأمَةِ وأعْظَمُها اسْتِقامَةً - أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ الِاسْتِقامَةِ؟ فَقالَ: أنْ لا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا. يُرِيدُ الِاسْتِقامَةَ عَلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ. وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِقامَةُ: أنْ تَسْتَقِيمَ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ. ولا تَرُوغُ رَوَغانَ الثَّعالِبِ. وَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اسْتَقامُوا: أخْلَصُوا العَمَلَ لِلَّهِ. وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: اسْتَقامُوا: أدَّوُا الفَرائِضَ. وَقالَ الحَسَنُ: اسْتَقامُوا عَلى أمْرِ اللَّهِ فَعَمِلُوا بِطاعَتِهِ، واجْتَنَبُوا مَعْصِيَتَهُ. وَقالَ مُجاهِدٌ: اسْتَقامُوا عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى لَحِقُوا بِاللَّهِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: اسْتَقامُوا عَلى مَحَبَّتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْهُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنَتْ بِاللَّهِ. ثُمَّ اسْتَقِمْ». وَفِيهِ عَنْ ثَوْبانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا. واعْلَمُوا أنَّ خَيْرَ أعْمالِكُمُ الصَّلاةُ. ولا يُحافِظُ عَلى الوُضُوءِ إلّا مُؤْمِنٌ». والمَطْلُوبُ مِنَ العَبْدِ الِاسْتِقامَةُ. وهي السَّدادُ. فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها فالمُقارَبَةُ. فَإنْ نَزَلَ عَنْها: فالتَّفْرِيطُ والإضاعَةُ. كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «سَدِّدُوا وقارِبُوا. واعْلَمُوا أنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أحَدٌ مِنكم بِعَمَلِهِ. قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ». فَجَمَعَ في هَذا الحَدِيثِ مَقاماتِ الدِّينِ كُلَّها. فَأمَرَ بِالِاسْتِقامَةِ، وهي السَّدادُ والإصابَةُ في النِّيّاتِ والأقْوالِ والأعْمالِ. وَأخْبَرَ في حَدِيثِ ثَوْبانَ: أنَّهم لا يُطِيقُونَها. فَنَقَلَهم إلى المُقارَبَةِ. وهي أنْ يَقْرَبُوا مِن الِاسْتِقامَةِ بِحَسَبِ طاقَتِهِمْ. كالَّذِي يَرْمِي إلى الغَرَضِ، فَإنْ لَمْ يُصِبْهُ يُقارِبْهُ. ومَعَ هَذا فَأخْبَرَهم أنَّ الِاسْتِقامَةَ والمُقارَبَةَ لا تُنْجِي يَوْمَ القِيامَةِ. فَلا يَرْكَنُ أحَدٌ إلى عَمَلِهِ. ولا يُعْجَبُ بِهِ. ولا يَرى أنَّ نَجاتَهُ بِهِ، بَلْ إنَّما نَجاتُهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وعَفْوِهِ وفَضْلِهِ. فالِاسْتِقامَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، آخِذَةٌ بِمَجامِعِ الدِّينِ. وهي القِيامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَلى حَقِيقَةِ الصِّدْقِ، والوَفاءِ بِالعَهْدِ. والِاسْتِقامَةُ تَتَعَلَّقُ بِالأقْوالِ، والأفْعالِ، والأحْوالِ، والنِّيّاتِ. فالِاسْتِقامَةُ فِيها: وُقُوعُها لِلَّهِ، وبِاللَّهِ، وعَلى أمْرِ اللَّهِ. قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: كُنْ صاحِبَ الِاسْتِقامَةِ، لا طالِبَ الكَرامَةِ. فَإنَّ نَفْسَكَ مُتَحَرِّكَةٌ في طَلَبِ الكَرامَةِ. ورَبَّكَ يُطالِبُكَ بِالِاسْتِقامَةِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى رَوْحَهُ - يَقُولُ: أعْظَمُ الكَرامَةِ لُزُومُ الِاسْتِقامَةِ. [فَصْلٌ دَرَجاتُ الِاسْتِقامَةِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى الِاسْتِقامَةُ عَلى الِاجْتِهادِ في الِاقْتِصادِ] قالَ: وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: الِاسْتِقامَةُ عَلى الِاجْتِهادِ في الِاقْتِصادِ. لا عادِيًا رَسْمَ العِلْمِ، ولا مُتَجاوِزًا حَدَّ الإخْلاصِ، ولا مُخالِفًا نَهْجَ السُّنَّةِ. هَذِهِ دَرَجَةٌ تَتَضَمَّنُ سِتَّةَ أُمُورٍ: عَمَلًا واجْتِهادًا فِيهِ، وهو بَذْلُ المَجْهُودِ، واقْتِصادًا، وَهُوَ السُّلُوكُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ، وهو الجَوْرُ عَلى النُّفُوسِ، والتَّفْرِيطُ بِالإضاعَةِ، ووُقُوفًا مَعَ ما يَرْسُمُهُ العِلْمُ، لا وُقُوفًا مَعَ داعِي الحالِ. وإفْرادُ المَعْبُودِ بِالإرادَةِ، وهو الإخْلاصُ، ووُقُوعُ الأعْمالِ عَلى الأمْرِ، وهو مُتابَعَةُ السُّنَّةِ. فَبِهَذِهِ الأُمُورِ السِّتَّةِ تَتِمُّ لِأهْلِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ اسْتِقامَتُهم. وبِالخُرُوجِ عَنْ واحِدٍ مِنها يَخْرُجُونَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ: إمّا خُرُوجًا كُلِّيًّا، وإمّا خُرُوجًا جُزْئِيًّا. والسَّلَفُ يَذْكُرُونَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ كَثِيرًا - وهُما الِاقْتِصادُ في الأعْمالِ، والِاعْتِصامُ بِالسُّنَّةِ - فَإنَّ الشَّيْطانَ يَشُمُّ قَلْبَ العَبْدِ ويَخْتَبِرُهُ. فَإنْ رَأى فِيهِ داعِيَةً لِلْبِدْعَةِ، وإعْراضًا عَنْ كَمالِ الِانْقِيادِ لِلسُّنَّةِ: أخْرَجَهُ عَنِ الِاعْتِصامِ بِها. وإنْ رَأى فِيهِ حِرْصًا عَلى السُّنَّةِ، وشِدَّةَ طَلَبِ لَها: لَمْ يَظْفَرْ بِهِ مِن بابِ اقْتِطاعِهِ عَنْها، فَأمَرَهُ بِالِاجْتِهادِ، والجَوْرِ عَلى النَّفْسِ، ومُجاوَزَةِ حَدِّ الِاقْتِصادِ فِيها، قائِلًا لَهُ: إنَّ هَذا خَيْرٌ وطاعَةٌ. والزِّيادَةُ والِاجْتِهادُ فِيها أكْمَلُ. فَلا تَفْتُرْ مَعَ أهْلِ الفُتُورِ. ولا تَنَمْ مَعَ أهْلِ النَّوْمِ، فَلا يَزالُ يَحُثُّهُ ويُحَرِّضُهُ، حَتّى يُخْرِجَهُ عَنِ الِاقْتِصادِ فِيها، فَيَخْرُجَ عَنْ حَدِّها. كَما أنَّ الأوَّلَ خارِجُ هَذا الحَدِّ. فَكَذا هَذا الآخَرُ خارِجٌ عَنِ الحَدِّ الآخَرِ. وَهَذا حالُ الخَوارِجِ الَّذِينَ يَحْقِرُ أهْلُ الِاسْتِقامَةِ صَلاتَهم مَعَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهم مَعَ صِيامِهِمْ. وقِراءَتَهم مَعَ قِراءَتِهِمْ. وكِلا الأمْرَيْنِ خُرُوجٌ عَنِ السُّنَّةِ إلى البِدْعَةِ. لَكِنَّ هَذا إلى بِدْعَةِ التَّفْرِيطِ، والإضاعَةِ، والآخَرَ إلى بِدْعَةِ المُجاوَزَةِ والإسْرافِ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ما أمَرَ اللَّهُ بِأمْرٍ إلّا ولِلشَّيْطانِ فِيهِ نَزَعَتانِ، إمّا إلى تَفْرِيطٍ، وإمّا إلى مُجاوَزَةٍ، وهي الإفْراطُ، ولا يُبالِي بِأيِّهِما ظَفَرَ: زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ. وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، إنَّ لِكُلِّ عامِلٍ شِرَّةً، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً. فَمَن كانَتْ فَتْرَتُهُ إلى سُنَّةٍ أفْلَحَ، ومَن كانَتْ فَتْرَتُهُ إلى بِدْعَةٍ خابَ وخَسِرَ». قالَ لَهُ ذَلِكَ حِينَ أمَرَهُ بِالِاقْتِصادِ في العَمَلِ. فَكُلُّ الخَيْرِ في اجْتِهادٍ بِاقْتِصادٍ، وإخْلاصٍ مَقْرُونٍ بِالِاتِّباعِ. كَما قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: اقْتِصادٌ في سَبِيلٍ وسُنَّةٍ، خَيْرٌ مِنَ اجْتِهادٍ في خِلافِ سَبِيلٍ وسُنَّةٍ، فاحْرِصُوا أنْ تَكُونَ أعْمالُكم عَلى مِنهاجِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وسُنَّتِهِمْ. وَكَذَلِكَ الرِّياءُ في الأعْمالِ يُخْرِجُهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ. والفُتُورُ والتَّوانِي يُخْرِجُهُ عَنْها أيْضًا. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ اسْتِقامَةُ الأحْوالِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِقامَةُ الأحْوالِ. وهي شُهُودُ الحَقِيقَةِ لا كَسْبًا. ورَفَضُ الدَّعْوى لا عِلْمًا. والبَقاءُ مَعَ نُورِ اليَقَظَةِ لا تَحَفُّظًا. يَعْنِي أنَّ اسْتِقامَةَ الحالِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ. أمّا شُهُودُ الحَقِيقَةِ فالحَقِيقَةُ حَقِيقَتانِ: حَقِيقَةٌ كَوْنِيَّةٌ، وحَقِيقَةٌ دِينِيَّةٌ، يَجْمَعُهُما حَقِيقَةٌ ثالِثَةٌ، وهي مَصْدَرُهُما ومَنشَؤُهُما، وغايَتُهُما. وأكْثَرُ أرْبابِ السُّلُوكِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ: إنَّما يُرِيدُونَ بِالحَقِيقَةِ الحَقِيقَةَ الكَوْنِيَّةَ. وشُهُودُها هو شُهُودُ تَفَرُّدِ الرَّبِّ بِالفِعْلِ. وأنَّ ما سِواهُ مَحَلُّ جَرَيانِ أحْكامِهِ وأفْعالِهِ. فَهو كالحَفِيرِ الَّذِي هو مَحَلٌّ لِجَرَيانِ الماءِ حَسْبُ. وَعِنْدَهم أنَّ شُهُودَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ والفَناءِ فِيها غايَةُ السّالِكِينَ. وَمِنهم مَن يَشْهَدُ حَقِيقَةَ الأزَلِيَّةِ والدَّوامِ، وفَناءَ الحادِثاتِ وطَيَّها في ضِمْنِ بِساطِ الأزَلِيَّةِ والأبَدِيَّةِ، وتَلاشِيها في ذَلِكَ. فَيَشْهَدُها مَعْدُومَةً، ويَشْهَدُ تَفَرُّدَ مُوجِدِها بِالوُجُودِ الحَقِّ بِالحَقِّ، وأنَّ وُجُودَ ما سِواهُ رُسُومٌ وظِلالٌ. فالأوَّلُ: شَهِدَ تَفَرُّدَهُ بِالأفْعالِ. وهَذا شَهِدَ تَفَرُّدَهُ بِالوُجُودِ. وَصاحِبُ الحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ في طَوْرٍ آخَرَ. فَإنَّهُ في مَشْهَدِ الأمْرِ والنَّهْيِ، والثَّوابِ والعِقابِ، والمُوالاةِ والمُعاداةِ، والفِرَقُ بَيْنَ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضاهُ، وبَيْنَ ما يُبْغِضُهُ ويَسْخَطُهُ. فَهو في مَقامِ الفَرْقِ الثّانِي الَّذِي لا يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ دَرَجَةُ الإسْلامِ - فَضْلًا عَنْ مَقامِ الإحْسانِ - إلّا بِهِ. فالمُعْرِضُ عَنْهُ صَفْحًا لا نَصِيبَ لَهُ في الإسْلامِ ألْبَتَّةَ، وهو كالَّذِي كانَ الجُنَيْدُ يُوصِي بِهِ أصْحابَهُ، فَيَقُولُ: عَلَيْكم بِالفَرْقِ الثّانِي. وإنَّما سُمِّيَ ثانِيًا لِأنَّ الفَرْقَ الأوَّلَ: فَرْقٌ بِالطَّبْعِ والنَّفْسِ. وهَذا فَرْقٌ بِالأمْرِ. والجَمْعُ أيْضًا جَمْعانِ: جَمْعٌ في فَرْقٍ، وهو جَمْعُ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ والتَّوْحِيدِ. وجَمْعٌ بِلا فَرْقٍ، وهو جَمْعُ أهْلِ الزَّنْدَقَةِ والإلْحادِ. فالنّاسُ ثَلاثَةٌ: صاحِبُ فَرْقٍ بِلا جَمْعٍ، فَهو مَذْمُومٌ ناقِصٌ مَخْذُولٌ. وَصاحِبُ جَمْعٍ بِلا فَرْقٍ. وهو جَمْعُ أهْلِ الزَّنْدَقَةِ، والإلْحادِ. فَصاحِبُهُ مُلْحِدٌ زِنْدِيقٌ. وَصاحِبُ فَرْقٍ وجَمْعٍ. يَشْهَدُ الفَرْقَ في الجَمْعِ، والكَثْرَةَ في الوَحْدَةِ. فَهو المُسْتَقِيمُ المُوَحِّدُ الفارِقُ. وهَذا صاحِبُ الحَقِيقَةِ الثّالِثَةِ، الجامِعَةُ لِلْحَقِيقَتَيْنِ الدِّينِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ. فَشُهُودُ هَذِهِ الحَقِيقَةِ الجامِعَةِ: هو عَيْنُ الِاسْتِقامَةِ. وَأمّا شُهُودُ الحَقِيقَةِ الكَوْنِيَّةِ، أوِ الأزَلِيَّةِ، والفَناءُ فِيها: فَأمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. فَإنَّ الكافِرَ مُقِرٌّ بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، وأزَلِيَّتِهِ وأبَدِيَّتِهِ. فَإذا اسْتَغْرَقَ في هَذا الشُّهُودِ وفَنِيَ بِهِ عَنْ سِواهُ: فَقَدْ شَهِدَ الحَقِيقَةَ. وَأمّا قَوْلُهُ: لا كَسْبًا. أيْ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ أنَّ شُهُودَها لَمْ يَكُنْ بِالكَسْبِ؛ لِأنَّ الكَسْبَ مِن أعْمالِ النَّفْسِ. فالحَقِيقَةُ لا تَبْدُو مَعَ بَقاءِ النَّفْسِ؛ إذِ الحَقِيقَةُ فَرْدانِيَّةٌ أحَدِيَّةٌ نُورانِيَّةٌ. فَلا بُدَّ مِن زَوالِ ظُلْمَةِ النَّفْسِ، ورُؤْيَةِ كَسْبِها، وإلّا لَمْ يَشْهَدِ الحَقِيقَةَ. وَأمّا رَفْضُ الدَّعْوى لا عِلْمًا، فالدَّعْوى نِسْبَةُ الحالِ وغَيْرِهِ إلى نَفْسِكَ وإنِّيَتِكَ. فالِاسْتِقامَةُ لا تَصِحُّ إلّا بِتَرْكِها، سَواءٌ كانَتْ حَقًّا أوْ باطِلًا. فَإنَّ الدَّعْوى الصّادِقَةَ تُطْفِئُ نُورَ المَعْرِفَةِ. فَكَيْفَ بِالكاذِبَةِ؟ وَأمّا قَوْلُهُ: لا عِلْمًا؛ أيْ لا يَكُونُ الحامِلُ لَهُ عَلى تَرْكِ الدَّعْوى مُجَرَّدَ عِلْمِهِ بِفَسادِ الدَّعْوى، ومُنافاتِها لِلِاسْتِقامَةِ. فَإذا تَرَكَها يَكُونُ تَرْكُها لِكَوْنِ العِلْمِ قَدْ نَهى عَنْها. فَيَكُونُ تارِكًا لَها ظاهِرًا لا حَقِيقَةً، أوْ تارِكًا لَها لَفْظًا، قائِمًا بِها حالًا؛ لِأنَّهُ يَرى أنَّهُ قَدْ قامَ بِحَقِّ العِلْمِ في تَرْكِها. فَيَتْرُكُها تَواضُعًا، بَلْ يَتْرُكُها حالًا وحَقِيقَةً. كَما يَتْرُكُ مَن أحَبَّ شَيْئًا تَضُرُّهُ مَحَبَّتُهُ حُبَّهُ حالًا وحَقِيقَةً. وإذا تَحَقَّقَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ - كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِخَيْرِ خَلْقِهِ عَلى الإطْلاقِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]- تَرَكَ الدَّعْوى شُهُودًا وحَقِيقَةً وحالًا. وَأمّا البَقاءُ مَعَ نُورِ اليَقَظَةِ فَهو الدَّوامُ في اليَقَظَةِ، وأنْ لا يُطْفِئَ نُورَها بِظُلْمَةِ الغَفْلَةِ. بَلْ يَسْتَدِيمُ يَقَظَتَهُ. ويَرى أنَّهُ في ذَلِكَ كالمَجْذُوبِ المَأْخُوذِ عَنْ نَفْسِهِ، حِفْظًا مِنَ اللَّهِ لَهُ. لا أنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِتَحَفُّظِهِ واحْتِرازِهِ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورٍ: يَقَظَةٌ، واسْتِدامَةٌ لَها، وشُهُودٌ أنَّ ذَلِكَ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ لا بِكَ. فَلَيْسَ سَبَبُ بَقائِهِ في نُورِ اليَقَظَةِ بِحِفْظِهِ. بَلْ بِحِفْظِ اللَّهِ لَهُ. وَكَأنَّ الشَّيْخَ يُشِيرُ إلى أنَّ الِاسْتِقامَةَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ لا تَحْصُلُ بِكَسْبٍ. وإنَّما هو مُجَرَّدُ مَوْهِبَةٍ مِنَ اللَّهِ. فَإنَّهُ قالَ في الأُولى " الِاسْتِقامَةَ عَلى الِاجْتِهادِ " وفي الثّانِيَةِ " اسْتِقامَةُ الأحْوالِ، لا كَسْبًا ولا تَحَفُّظًا ". وَمُنازَعَتُهُ في ذَلِكَ مُتَوَجِّهَةٌ. وأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ كَسْبًا يَتَعاطى الأسْبابَ الَّتِي تَهْجُمُ بِصاحِبِها عَلى هَذا المَقامِ. نَعَمْ، الَّذِي يُنْفى في هَذا المَقامِ: شُهُودُ الكَسْبِ، وأنَّ هَذا حَصَلَ لَهُ بِكَسْبِهِ. فَنَفْيُ الكَسْبِ شَيْءٌ ونَفْيُ شُهُودِهِ شَيْءٌ آخَرَ. وَلَعَلَّ أنْ نُشْبِعَ الكَلامَ في هَذا فِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ اسْتِقامَةٌ بِتَرْكِ رُؤْيَةِ الِاسْتِقامَةِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: اسْتِقامَةٌ بِتَرْكِ رُؤْيَةِ الِاسْتِقامَةِ. وبِالغَيْبَةِ عَنْ تَطَلُّبِ الِاسْتِقامَةِ بِشُهُودِ إقامَةٍ، وتَقْوِيمُهُ الحَقُّ. هَذِهِ الِاسْتِقامَةُ مَعْناها: الذُّهُولُ بِمَشْهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِ. فَيَغِيبُ بِالمَشْهُودِ المَقْصُودُ سُبْحانَهُ عَنْ رُؤْيَةِ اسْتِقامَتِهِ في طَلَبِهِ. فَإنَّ رُؤْيَةَ الِاسْتِقامَةِ تَحْجُبُهُ عَنْ حَقِيقَةِ الشُّهُودِ. وَأمّا الغَيْبَةُ عَنْ تَطَلُّبِ الِاسْتِقامَةِ فَهو غَيْبَتُهُ عَنْ طَلَبِها بِشُهُودِ إقامَةِ الحَقِّ لِلْعَبْدِ، وتَقْوِيمِهِ إيّاهُ، فَإنَّهُ إذا شَهِدَ أنَّ اللَّهَ هو المُقِيمُ لَهُ والمُقَوِّمُ، وأنَّ اسْتِقامَتَهُ وقِيامَهُ بِاللَّهِ، لا بِنَفْسِهِ ولا بِطَلَبِهِ: غابَ بِهَذا الشُّهُودِ عَنِ اسْتِشْعارِ طَلَبِهِ لَها. وَهَذا القَدْرُ مِن مُوجِباتِ شُهُودِ مَعْنًى اسْمُهُ القَيُّومُ، وهو الَّذِي قامَ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى أحَدٍ. وقامَ كُلُّ شَيْءٍ بِهِ. فَكُلُّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ. ولَيْسَتْ حاجَتُهُ إلَيْهِ مُعَلَّلَةً بِحُدُوثٍ، كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ. ولا بِإمْكانٍ، كَما يَقُولُ الفَلاسِفَةُ المَشّاءُونَ. بَلْ حاجَتُهُ إلَيْهِ ذاتِيَّةٌ، وما بِالذّاتِ لا يُعَلَّلُ. نَعَمْ، الحُدُوثُ والإمْكانُ دَلِيلانِ عَلى الحاجَةِ. فالتَّعْلِيلُ بِهِما مِن بابِ التَّعْرِيفِ، لا مِن بابِ العِلَلِ المُؤَثِّرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

فصلت 41:32

وهذا التنزل يكون عند الموت، ويكون في القبر، ويكون عند البعث، وأول بشارة الآخرة عند الموت. (فصل) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ابْتَدَرَهُ المَلَكُ والشَّيْطانُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ وكَبَّرَهُ وحَمِدَهُ وهَلَّلَهُ، طُرِدَ الشَّيْطانُ وتَوَلّاهُ المَلَكُ، وإنِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ذَهَبَ المَلَكُ عَنْهُ وتَوَلّاهُ الشَّيْطانُ. وَلا يَزالُ المَلَكُ يَقْرُبُ مِنَ العَبْدِ حَتّى يَصِيرَ الحُكْمُ والطّاعَةُ والغَلَبَةُ لَهُ، فَتَتَوَلّاهُ المَلائِكَةُ في حَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وعِنْدَ بَعْثِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠-٣١]. وَإذا تَوَلّاهُ المَلَكُ تَوَلّاهُ أنْصَحُ الخَلْقِ وأنْفَعُهم وأبَرُّهُمْ، فَثَبَّتَهُ وعَلَّمَهُ، وقَوّى جَنانَهُ، وأيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. فَيَقُولُ المَلَكُ عِنْدَ المَوْتِ: لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ وأبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، ويُثَبِّتُهُ بِالقَوْلِ الثّابِتِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وعِنْدَ المَوْتِ، وفي القَبْرِ عِنْدَ المَسْألَةِ. فَلَيْسَ أحَدٌ أنْفَعَ لِلْعَبْدِ مِن صُحْبَةِ المَلَكِ لَهُ، وهو ولِيُّهُ في يَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وحَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وفي قَبْرِهِ، ومُؤْنِسُهُ في وحْشَتِهِ، وصاحِبُهُ في خَلْوَتِهِ، ومُحَدِّثُهُ في سِرِّهِ، ويُحارِبُ عَنْهُ عَدُوَّهُ، ويُدافِعُ عَنْهُ ويُعِينُهُ عَلَيْهِ، ويَعِدُهُ بِالخَيْرِ ويُبَشِّرُهُ بِهِ، ويُحِثُّهُ عَلى التَّصْدِيقِ بِالحَقِّ، كَما جاءَ في الأثَرِ الَّذِي يُرْوى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: «إنَّ لِلْمَلَكِ بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةً، ولِلشَّيْطانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ المَلَكِ: إيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالوَعْدِ، ولَمَّةُ الشَّيْطانِ: إيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ». وَإذا اشْتَدَّ قُرْبُ المَلَكِ مِنَ العَبْدِ تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلى لِسانِهِ القَوْلَ السَّدِيدَ، وإذا بَعُدَ مِنهُ وقَرُبَ الشَّيْطانُ، تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلَيْهِ قَوْلَ الزُّورِ والفُحْشِ، حَتّى يُرى الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ المَلَكُ والرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ الشَّيْطانُ وَفِي الحَدِيثِ: «إنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ أحَدُهم يَسْمَعُ الكَلِمَةَ الصّالِحَةَ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ فَيَقُولُ: ما ألْقاهُ عَلى لِسانِكَ إلّا المَلَكُ، ويَسْمَعُ ضِدَّها فَيَقُولُ: ما ألْقاها عَلى لِسانِكَ إلّا الشَّيْطانُ، فالمَلَكُ يُلْقِي بِالقَلْبِ الحَقَّ ويُلْقِيهِ عَلى اللِّسانِ، والشَّيْطانُ يُلْقِي الباطِلَ في القَلْبِ ويُجْرِيهِ عَلى اللِّسانِ. فَمِن عُقُوبَةِ المَعاصِي أنَّها تُبْعِدُ مِنَ العَبْدِ ولِيَّهُ الَّذِي سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ ومُجاوَرَتِهِ ومُوالاتِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ الَّذِي شَقاؤُهُ وهَلاكُهُ وفَسادُهُ في قُرْبِهِ ومُوالاتِهِ، حَتّى إنَّ المَلَكَ لَيُنافِحُ عَنِ العَبْدِ، ويَرُدُّ عَنْهُ إذا سَفِهَ عَلَيْهِ السَّفِيهُ وسَبَّهُ، كَما اخْتَصَمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلانِ، فَجَعَلَ أحَدُهُما يَسُبُّ الآخَرَ وهو ساكِتٌ، فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يَرُدُّ بِها عَلى صاحِبِهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ قُمْتَ، فَقالَ: «كانَ المَلَكُ يُنافِحُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ جاءَ الشَّيْطانُ فَلَمْ أكُنْ لِأجْلِسَ». وَإذا دَعا العَبْدُ المُسْلِمُ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ أمَّنَ المَلَكُ عَلى دُعائِهِ، وقالَ: «وَلَكَ بِمِثْلٍ». وَإذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ الفاتِحَةِ أمَّنَتِ المَلائِكَةُ عَلى دُعائِهِ. وَإذا أذْنَبَ العَبْدُ المُوَحِّدُ المُتَّبِعُ لِسَبِيلِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ. وَإذا نامَ العَبْدُ عَلى وُضُوءٍ باتَ في شِعارِ مَلَكٍ. فَمَلَكُ المُؤْمِنِ يَرُدُّ عَنْهُ ويُحارِبُ ويُدافِعُ عَنْهُ، ويُعَلِّمُهُ ويُثَبِّتُهُ ويُشَجِّعُهُ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُسِيءَ جِوارَهُ ويُبالِغَ في أذاهُ وطَرْدِهِ عَنْهُ وإبْعادِهِ، فَإنَّهُ ضَيْفُهُ وجارُهُ. وَإذا كانَ إكْرامُ الضَّيْفِ مِنَ الآدَمِيِّينَ والإحْسانُ إلى الجارِ مِن لَوازِمِ الإيمانِ ومُوجِباتِهِ، فَما الظَّنُّ بِإكْرامِ أكْرَمِ الأضْيافِ، وخَيْرِ الجِيرانِ وأبَرِّهِمْ؟ وإذا آذى العَبْدُ المَلَكَ بِأنْواعِ المَعاصِي والظُّلْمِ والفَواحِشِ دَعا عَلَيْهِ رَبَّهُ، وقالَ: لا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، كَما يَدْعُو لَهُ إذا أكْرَمَهُ بِالطّاعَةِ والإحْسانِ. قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّ مَعَكم مَن لا يُفارِقُكُمْ، فاسْتَحْيُوا مِنهم وأكْرِمُوهم. وَلا ألْأمَ مِمَّنْ لا يَسْتَحِي مِنَ الكَرِيمِ العَظِيمِ القَدْرِ، ولا يُجِلُّهُ ولا يُوَقِّرُهُ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ - كِرامًا كاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢] أيِ اسْتَحْيُوا مِن هَؤُلاءِ الحافِظِينَ الكِرامِ وأكْرِمُوهُمْ، وأجِلُّوهم أنْ يَرَوْا مِنكم ما تَسْتَحْيُونَ أنْ يَراكم عَلَيْهِ مَن هو مِثْلُكُمْ، والمَلائِكَةُ تَتَأذّى مِمّا يَتَأذّى مِنهُ بَنُو آدَمَ، وإذا كانَ ابْنُ آدَمَ يَتَأذّى مِمَّنْ يَفْجُرُ ويَعْصِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وإنْ كانَ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَما الظَّنُّ بِأذى المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ. (فصل) وباعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال: إحداها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيرد جيش الهوى مغلولا وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة وهم الذين قالوا ﴿رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ وهم الذين تقول لهم الملائكة عند الموت ﴿ألاَّ تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ وهم الذين نالوا معية الله مع الصابرين وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده وخصهم بهدايته دون من عداهم. الحالة الثانية أن تكون القوة والغلبة لداعي الهوى فيسقط منازعه باعث الدين بالكلية فيستسلم البائس للشيطان وجنده فيقودونه حيث شاءوا وله معهم حالتان إحداهما أن يكون من جندهم وأتباعهم وهذه حال العاجز الضعيف الثانية أن يصير الشيطان من جنده وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع كما قال القائل: ؎وكنت امرءا من جند إبليس فارتقى ∗∗∗ بي الحال حتى صار إبليس من جندي فيصير إبليس وجنده من أعوإنه وأتباعه وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء وجند أصحابها المكر والخداع والأماني الباطلة والغرور والتسويف بالعمل وطول الأمل وإيثار العاجل على الآجل، وهي التي قال في صاحبها النبي: "العاجز من أتبع نفسه هواها وتمني على الله الأماني" وأصحاب هذه الحال أنواع شتى: فمنهم المحارب لله ورسوله الساعي في أبطال ما جاء به الرسول ﷺ يصد عن سبيل الله ويبغيها جهده عوجا وتحريفا ليصد الناس عنها. ومنهم المعرض عما جاء به الرسول المقبل على دنياه وشهواتها فقط. ومنهم المنافق ذو الوجهين الذي يأكل بالكفر والإسلام. ومنهم الماجن المتلاعب الذي قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب. ومنهم من إذا وعظ قال واشواقاه إلى التوبة ولكنها قد تعذرت عليَّ فلا مطمع لي فيها. ومنهم من يقول ليس الله محتاجا إلى صلاتي وصيامي، وأنا لا أنجو بعملي، والله غفور رحيم. ومنهم من يقول ترك المعاصي استهانة بعفو الله ومغفرته. ؎فكثر ما استطعت من الخطايا ∗∗∗ إذا كان القدوم على كريم ومنهم من يقول ماذا تقع طاعتي في جنب ما عملت، وما قد ينفع الغريق خلاص أصبعه وباقي بدنه غريق. ومنهم من يقول سوف أتوب، وإذا جاء الموت ونزل بساحتي تبت وقُبلت توبتي .. إلى غير ذلك من أصناف المغترين الذين صارت عقولهم في أيدي شهواتهم، فلا يستعمل أحدهم عقله إلا في دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته. فعقله مع الشيطان كالأسير في يد الكافر يستعمله في رعاية الخنازير، وعصر الخمر، وحمل الصليب، وهو بقهره عقله وتسليمه إلى أعدائه عند الله بمنزلة رجل قهر مسلما وباعه للكفار وسلمه إليهم، وجعله أسيرا عندهم. (فصل) وهاهنا نكتة بديعة يجب التفطن لها وينبغي إخلاء القلب لتأملها وهو أن هذا المغرور لما أذل سلطان الله الذي أعزه به وشرفه ورفع به قدره، وسلمه في يد أبغض أعدائه إليه وجعله أسيرا له تحت قهره وتصرفه وسلطانه سلط الله عليه من كان حقه هو أن يتسلط عليه، فجعله تحت قهره وتصرفه وسلطانه يسخره حيث شاء، ويسخر منه، ويسخر منه جنده وحزبه، فكما أذل سلطان الله وسلمه إلى عدوه أذله الله وسلط عليه عدوه الذي أمره أن يتسلط هو عليه ويذله ويقهره، فصار بمنزلة من سلم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه سوء العذاب، وقد كان بصدد أن يستأسره ويقهره ويشفي غيظه منه، فلما ترك مقاومته ومحاربته واستسلم له سلط عليه عقوبة له قال الله تعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الِاسْتِقامَةِ] [حَقِيقَةُ الِاسْتِقامَةِ] فَصْلٌ مَنزِلَةُ الِاسْتِقامَةِ وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَنزِلَةُ الِاسْتِقامَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]. وَقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. فَبَيَّنَ أنَّ الِاسْتِقامَةَ ضِدُّ الطُّغْيانِ. وهو مُجاوَزَةُ الحُدُودِ في كُلِّ شَيْءٍ. وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَألَّوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٦]. سُئِلَ صِدِّيقُ الأمَةِ وأعْظَمُها اسْتِقامَةً - أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ الِاسْتِقامَةِ؟ فَقالَ: أنْ لا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا. يُرِيدُ الِاسْتِقامَةَ عَلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ. وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِقامَةُ: أنْ تَسْتَقِيمَ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ. ولا تَرُوغُ رَوَغانَ الثَّعالِبِ. وَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اسْتَقامُوا: أخْلَصُوا العَمَلَ لِلَّهِ. وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: اسْتَقامُوا: أدَّوُا الفَرائِضَ. وَقالَ الحَسَنُ: اسْتَقامُوا عَلى أمْرِ اللَّهِ فَعَمِلُوا بِطاعَتِهِ، واجْتَنَبُوا مَعْصِيَتَهُ. وَقالَ مُجاهِدٌ: اسْتَقامُوا عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى لَحِقُوا بِاللَّهِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: اسْتَقامُوا عَلى مَحَبَّتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْهُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنَتْ بِاللَّهِ. ثُمَّ اسْتَقِمْ». وَفِيهِ عَنْ ثَوْبانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا. واعْلَمُوا أنَّ خَيْرَ أعْمالِكُمُ الصَّلاةُ. ولا يُحافِظُ عَلى الوُضُوءِ إلّا مُؤْمِنٌ». والمَطْلُوبُ مِنَ العَبْدِ الِاسْتِقامَةُ. وهي السَّدادُ. فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها فالمُقارَبَةُ. فَإنْ نَزَلَ عَنْها: فالتَّفْرِيطُ والإضاعَةُ. كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «سَدِّدُوا وقارِبُوا. واعْلَمُوا أنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أحَدٌ مِنكم بِعَمَلِهِ. قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ». فَجَمَعَ في هَذا الحَدِيثِ مَقاماتِ الدِّينِ كُلَّها. فَأمَرَ بِالِاسْتِقامَةِ، وهي السَّدادُ والإصابَةُ في النِّيّاتِ والأقْوالِ والأعْمالِ. وَأخْبَرَ في حَدِيثِ ثَوْبانَ: أنَّهم لا يُطِيقُونَها. فَنَقَلَهم إلى المُقارَبَةِ. وهي أنْ يَقْرَبُوا مِن الِاسْتِقامَةِ بِحَسَبِ طاقَتِهِمْ. كالَّذِي يَرْمِي إلى الغَرَضِ، فَإنْ لَمْ يُصِبْهُ يُقارِبْهُ. ومَعَ هَذا فَأخْبَرَهم أنَّ الِاسْتِقامَةَ والمُقارَبَةَ لا تُنْجِي يَوْمَ القِيامَةِ. فَلا يَرْكَنُ أحَدٌ إلى عَمَلِهِ. ولا يُعْجَبُ بِهِ. ولا يَرى أنَّ نَجاتَهُ بِهِ، بَلْ إنَّما نَجاتُهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وعَفْوِهِ وفَضْلِهِ. فالِاسْتِقامَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، آخِذَةٌ بِمَجامِعِ الدِّينِ. وهي القِيامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَلى حَقِيقَةِ الصِّدْقِ، والوَفاءِ بِالعَهْدِ. والِاسْتِقامَةُ تَتَعَلَّقُ بِالأقْوالِ، والأفْعالِ، والأحْوالِ، والنِّيّاتِ. فالِاسْتِقامَةُ فِيها: وُقُوعُها لِلَّهِ، وبِاللَّهِ، وعَلى أمْرِ اللَّهِ. قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: كُنْ صاحِبَ الِاسْتِقامَةِ، لا طالِبَ الكَرامَةِ. فَإنَّ نَفْسَكَ مُتَحَرِّكَةٌ في طَلَبِ الكَرامَةِ. ورَبَّكَ يُطالِبُكَ بِالِاسْتِقامَةِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى رَوْحَهُ - يَقُولُ: أعْظَمُ الكَرامَةِ لُزُومُ الِاسْتِقامَةِ. [فَصْلٌ دَرَجاتُ الِاسْتِقامَةِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى الِاسْتِقامَةُ عَلى الِاجْتِهادِ في الِاقْتِصادِ] قالَ: وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: الِاسْتِقامَةُ عَلى الِاجْتِهادِ في الِاقْتِصادِ. لا عادِيًا رَسْمَ العِلْمِ، ولا مُتَجاوِزًا حَدَّ الإخْلاصِ، ولا مُخالِفًا نَهْجَ السُّنَّةِ. هَذِهِ دَرَجَةٌ تَتَضَمَّنُ سِتَّةَ أُمُورٍ: عَمَلًا واجْتِهادًا فِيهِ، وهو بَذْلُ المَجْهُودِ، واقْتِصادًا، وَهُوَ السُّلُوكُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ، وهو الجَوْرُ عَلى النُّفُوسِ، والتَّفْرِيطُ بِالإضاعَةِ، ووُقُوفًا مَعَ ما يَرْسُمُهُ العِلْمُ، لا وُقُوفًا مَعَ داعِي الحالِ. وإفْرادُ المَعْبُودِ بِالإرادَةِ، وهو الإخْلاصُ، ووُقُوعُ الأعْمالِ عَلى الأمْرِ، وهو مُتابَعَةُ السُّنَّةِ. فَبِهَذِهِ الأُمُورِ السِّتَّةِ تَتِمُّ لِأهْلِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ اسْتِقامَتُهم. وبِالخُرُوجِ عَنْ واحِدٍ مِنها يَخْرُجُونَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ: إمّا خُرُوجًا كُلِّيًّا، وإمّا خُرُوجًا جُزْئِيًّا. والسَّلَفُ يَذْكُرُونَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ كَثِيرًا - وهُما الِاقْتِصادُ في الأعْمالِ، والِاعْتِصامُ بِالسُّنَّةِ - فَإنَّ الشَّيْطانَ يَشُمُّ قَلْبَ العَبْدِ ويَخْتَبِرُهُ. فَإنْ رَأى فِيهِ داعِيَةً لِلْبِدْعَةِ، وإعْراضًا عَنْ كَمالِ الِانْقِيادِ لِلسُّنَّةِ: أخْرَجَهُ عَنِ الِاعْتِصامِ بِها. وإنْ رَأى فِيهِ حِرْصًا عَلى السُّنَّةِ، وشِدَّةَ طَلَبِ لَها: لَمْ يَظْفَرْ بِهِ مِن بابِ اقْتِطاعِهِ عَنْها، فَأمَرَهُ بِالِاجْتِهادِ، والجَوْرِ عَلى النَّفْسِ، ومُجاوَزَةِ حَدِّ الِاقْتِصادِ فِيها، قائِلًا لَهُ: إنَّ هَذا خَيْرٌ وطاعَةٌ. والزِّيادَةُ والِاجْتِهادُ فِيها أكْمَلُ. فَلا تَفْتُرْ مَعَ أهْلِ الفُتُورِ. ولا تَنَمْ مَعَ أهْلِ النَّوْمِ، فَلا يَزالُ يَحُثُّهُ ويُحَرِّضُهُ، حَتّى يُخْرِجَهُ عَنِ الِاقْتِصادِ فِيها، فَيَخْرُجَ عَنْ حَدِّها. كَما أنَّ الأوَّلَ خارِجُ هَذا الحَدِّ. فَكَذا هَذا الآخَرُ خارِجٌ عَنِ الحَدِّ الآخَرِ. وَهَذا حالُ الخَوارِجِ الَّذِينَ يَحْقِرُ أهْلُ الِاسْتِقامَةِ صَلاتَهم مَعَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهم مَعَ صِيامِهِمْ. وقِراءَتَهم مَعَ قِراءَتِهِمْ. وكِلا الأمْرَيْنِ خُرُوجٌ عَنِ السُّنَّةِ إلى البِدْعَةِ. لَكِنَّ هَذا إلى بِدْعَةِ التَّفْرِيطِ، والإضاعَةِ، والآخَرَ إلى بِدْعَةِ المُجاوَزَةِ والإسْرافِ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ما أمَرَ اللَّهُ بِأمْرٍ إلّا ولِلشَّيْطانِ فِيهِ نَزَعَتانِ، إمّا إلى تَفْرِيطٍ، وإمّا إلى مُجاوَزَةٍ، وهي الإفْراطُ، ولا يُبالِي بِأيِّهِما ظَفَرَ: زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ. وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، إنَّ لِكُلِّ عامِلٍ شِرَّةً، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً. فَمَن كانَتْ فَتْرَتُهُ إلى سُنَّةٍ أفْلَحَ، ومَن كانَتْ فَتْرَتُهُ إلى بِدْعَةٍ خابَ وخَسِرَ». قالَ لَهُ ذَلِكَ حِينَ أمَرَهُ بِالِاقْتِصادِ في العَمَلِ. فَكُلُّ الخَيْرِ في اجْتِهادٍ بِاقْتِصادٍ، وإخْلاصٍ مَقْرُونٍ بِالِاتِّباعِ. كَما قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: اقْتِصادٌ في سَبِيلٍ وسُنَّةٍ، خَيْرٌ مِنَ اجْتِهادٍ في خِلافِ سَبِيلٍ وسُنَّةٍ، فاحْرِصُوا أنْ تَكُونَ أعْمالُكم عَلى مِنهاجِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وسُنَّتِهِمْ. وَكَذَلِكَ الرِّياءُ في الأعْمالِ يُخْرِجُهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ. والفُتُورُ والتَّوانِي يُخْرِجُهُ عَنْها أيْضًا. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ اسْتِقامَةُ الأحْوالِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِقامَةُ الأحْوالِ. وهي شُهُودُ الحَقِيقَةِ لا كَسْبًا. ورَفَضُ الدَّعْوى لا عِلْمًا. والبَقاءُ مَعَ نُورِ اليَقَظَةِ لا تَحَفُّظًا. يَعْنِي أنَّ اسْتِقامَةَ الحالِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ. أمّا شُهُودُ الحَقِيقَةِ فالحَقِيقَةُ حَقِيقَتانِ: حَقِيقَةٌ كَوْنِيَّةٌ، وحَقِيقَةٌ دِينِيَّةٌ، يَجْمَعُهُما حَقِيقَةٌ ثالِثَةٌ، وهي مَصْدَرُهُما ومَنشَؤُهُما، وغايَتُهُما. وأكْثَرُ أرْبابِ السُّلُوكِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ: إنَّما يُرِيدُونَ بِالحَقِيقَةِ الحَقِيقَةَ الكَوْنِيَّةَ. وشُهُودُها هو شُهُودُ تَفَرُّدِ الرَّبِّ بِالفِعْلِ. وأنَّ ما سِواهُ مَحَلُّ جَرَيانِ أحْكامِهِ وأفْعالِهِ. فَهو كالحَفِيرِ الَّذِي هو مَحَلٌّ لِجَرَيانِ الماءِ حَسْبُ. وَعِنْدَهم أنَّ شُهُودَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ والفَناءِ فِيها غايَةُ السّالِكِينَ. وَمِنهم مَن يَشْهَدُ حَقِيقَةَ الأزَلِيَّةِ والدَّوامِ، وفَناءَ الحادِثاتِ وطَيَّها في ضِمْنِ بِساطِ الأزَلِيَّةِ والأبَدِيَّةِ، وتَلاشِيها في ذَلِكَ. فَيَشْهَدُها مَعْدُومَةً، ويَشْهَدُ تَفَرُّدَ مُوجِدِها بِالوُجُودِ الحَقِّ بِالحَقِّ، وأنَّ وُجُودَ ما سِواهُ رُسُومٌ وظِلالٌ. فالأوَّلُ: شَهِدَ تَفَرُّدَهُ بِالأفْعالِ. وهَذا شَهِدَ تَفَرُّدَهُ بِالوُجُودِ. وَصاحِبُ الحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ في طَوْرٍ آخَرَ. فَإنَّهُ في مَشْهَدِ الأمْرِ والنَّهْيِ، والثَّوابِ والعِقابِ، والمُوالاةِ والمُعاداةِ، والفِرَقُ بَيْنَ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضاهُ، وبَيْنَ ما يُبْغِضُهُ ويَسْخَطُهُ. فَهو في مَقامِ الفَرْقِ الثّانِي الَّذِي لا يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ دَرَجَةُ الإسْلامِ - فَضْلًا عَنْ مَقامِ الإحْسانِ - إلّا بِهِ. فالمُعْرِضُ عَنْهُ صَفْحًا لا نَصِيبَ لَهُ في الإسْلامِ ألْبَتَّةَ، وهو كالَّذِي كانَ الجُنَيْدُ يُوصِي بِهِ أصْحابَهُ، فَيَقُولُ: عَلَيْكم بِالفَرْقِ الثّانِي. وإنَّما سُمِّيَ ثانِيًا لِأنَّ الفَرْقَ الأوَّلَ: فَرْقٌ بِالطَّبْعِ والنَّفْسِ. وهَذا فَرْقٌ بِالأمْرِ. والجَمْعُ أيْضًا جَمْعانِ: جَمْعٌ في فَرْقٍ، وهو جَمْعُ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ والتَّوْحِيدِ. وجَمْعٌ بِلا فَرْقٍ، وهو جَمْعُ أهْلِ الزَّنْدَقَةِ والإلْحادِ. فالنّاسُ ثَلاثَةٌ: صاحِبُ فَرْقٍ بِلا جَمْعٍ، فَهو مَذْمُومٌ ناقِصٌ مَخْذُولٌ. وَصاحِبُ جَمْعٍ بِلا فَرْقٍ. وهو جَمْعُ أهْلِ الزَّنْدَقَةِ، والإلْحادِ. فَصاحِبُهُ مُلْحِدٌ زِنْدِيقٌ. وَصاحِبُ فَرْقٍ وجَمْعٍ. يَشْهَدُ الفَرْقَ في الجَمْعِ، والكَثْرَةَ في الوَحْدَةِ. فَهو المُسْتَقِيمُ المُوَحِّدُ الفارِقُ. وهَذا صاحِبُ الحَقِيقَةِ الثّالِثَةِ، الجامِعَةُ لِلْحَقِيقَتَيْنِ الدِّينِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ. فَشُهُودُ هَذِهِ الحَقِيقَةِ الجامِعَةِ: هو عَيْنُ الِاسْتِقامَةِ. وَأمّا شُهُودُ الحَقِيقَةِ الكَوْنِيَّةِ، أوِ الأزَلِيَّةِ، والفَناءُ فِيها: فَأمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. فَإنَّ الكافِرَ مُقِرٌّ بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، وأزَلِيَّتِهِ وأبَدِيَّتِهِ. فَإذا اسْتَغْرَقَ في هَذا الشُّهُودِ وفَنِيَ بِهِ عَنْ سِواهُ: فَقَدْ شَهِدَ الحَقِيقَةَ. وَأمّا قَوْلُهُ: لا كَسْبًا. أيْ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ أنَّ شُهُودَها لَمْ يَكُنْ بِالكَسْبِ؛ لِأنَّ الكَسْبَ مِن أعْمالِ النَّفْسِ. فالحَقِيقَةُ لا تَبْدُو مَعَ بَقاءِ النَّفْسِ؛ إذِ الحَقِيقَةُ فَرْدانِيَّةٌ أحَدِيَّةٌ نُورانِيَّةٌ. فَلا بُدَّ مِن زَوالِ ظُلْمَةِ النَّفْسِ، ورُؤْيَةِ كَسْبِها، وإلّا لَمْ يَشْهَدِ الحَقِيقَةَ. وَأمّا رَفْضُ الدَّعْوى لا عِلْمًا، فالدَّعْوى نِسْبَةُ الحالِ وغَيْرِهِ إلى نَفْسِكَ وإنِّيَتِكَ. فالِاسْتِقامَةُ لا تَصِحُّ إلّا بِتَرْكِها، سَواءٌ كانَتْ حَقًّا أوْ باطِلًا. فَإنَّ الدَّعْوى الصّادِقَةَ تُطْفِئُ نُورَ المَعْرِفَةِ. فَكَيْفَ بِالكاذِبَةِ؟ وَأمّا قَوْلُهُ: لا عِلْمًا؛ أيْ لا يَكُونُ الحامِلُ لَهُ عَلى تَرْكِ الدَّعْوى مُجَرَّدَ عِلْمِهِ بِفَسادِ الدَّعْوى، ومُنافاتِها لِلِاسْتِقامَةِ. فَإذا تَرَكَها يَكُونُ تَرْكُها لِكَوْنِ العِلْمِ قَدْ نَهى عَنْها. فَيَكُونُ تارِكًا لَها ظاهِرًا لا حَقِيقَةً، أوْ تارِكًا لَها لَفْظًا، قائِمًا بِها حالًا؛ لِأنَّهُ يَرى أنَّهُ قَدْ قامَ بِحَقِّ العِلْمِ في تَرْكِها. فَيَتْرُكُها تَواضُعًا، بَلْ يَتْرُكُها حالًا وحَقِيقَةً. كَما يَتْرُكُ مَن أحَبَّ شَيْئًا تَضُرُّهُ مَحَبَّتُهُ حُبَّهُ حالًا وحَقِيقَةً. وإذا تَحَقَّقَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ - كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِخَيْرِ خَلْقِهِ عَلى الإطْلاقِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]- تَرَكَ الدَّعْوى شُهُودًا وحَقِيقَةً وحالًا. وَأمّا البَقاءُ مَعَ نُورِ اليَقَظَةِ فَهو الدَّوامُ في اليَقَظَةِ، وأنْ لا يُطْفِئَ نُورَها بِظُلْمَةِ الغَفْلَةِ. بَلْ يَسْتَدِيمُ يَقَظَتَهُ. ويَرى أنَّهُ في ذَلِكَ كالمَجْذُوبِ المَأْخُوذِ عَنْ نَفْسِهِ، حِفْظًا مِنَ اللَّهِ لَهُ. لا أنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِتَحَفُّظِهِ واحْتِرازِهِ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورٍ: يَقَظَةٌ، واسْتِدامَةٌ لَها، وشُهُودٌ أنَّ ذَلِكَ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ لا بِكَ. فَلَيْسَ سَبَبُ بَقائِهِ في نُورِ اليَقَظَةِ بِحِفْظِهِ. بَلْ بِحِفْظِ اللَّهِ لَهُ. وَكَأنَّ الشَّيْخَ يُشِيرُ إلى أنَّ الِاسْتِقامَةَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ لا تَحْصُلُ بِكَسْبٍ. وإنَّما هو مُجَرَّدُ مَوْهِبَةٍ مِنَ اللَّهِ. فَإنَّهُ قالَ في الأُولى " الِاسْتِقامَةَ عَلى الِاجْتِهادِ " وفي الثّانِيَةِ " اسْتِقامَةُ الأحْوالِ، لا كَسْبًا ولا تَحَفُّظًا ". وَمُنازَعَتُهُ في ذَلِكَ مُتَوَجِّهَةٌ. وأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ كَسْبًا يَتَعاطى الأسْبابَ الَّتِي تَهْجُمُ بِصاحِبِها عَلى هَذا المَقامِ. نَعَمْ، الَّذِي يُنْفى في هَذا المَقامِ: شُهُودُ الكَسْبِ، وأنَّ هَذا حَصَلَ لَهُ بِكَسْبِهِ. فَنَفْيُ الكَسْبِ شَيْءٌ ونَفْيُ شُهُودِهِ شَيْءٌ آخَرَ. وَلَعَلَّ أنْ نُشْبِعَ الكَلامَ في هَذا فِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ اسْتِقامَةٌ بِتَرْكِ رُؤْيَةِ الِاسْتِقامَةِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: اسْتِقامَةٌ بِتَرْكِ رُؤْيَةِ الِاسْتِقامَةِ. وبِالغَيْبَةِ عَنْ تَطَلُّبِ الِاسْتِقامَةِ بِشُهُودِ إقامَةٍ، وتَقْوِيمُهُ الحَقُّ. هَذِهِ الِاسْتِقامَةُ مَعْناها: الذُّهُولُ بِمَشْهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِ. فَيَغِيبُ بِالمَشْهُودِ المَقْصُودُ سُبْحانَهُ عَنْ رُؤْيَةِ اسْتِقامَتِهِ في طَلَبِهِ. فَإنَّ رُؤْيَةَ الِاسْتِقامَةِ تَحْجُبُهُ عَنْ حَقِيقَةِ الشُّهُودِ. وَأمّا الغَيْبَةُ عَنْ تَطَلُّبِ الِاسْتِقامَةِ فَهو غَيْبَتُهُ عَنْ طَلَبِها بِشُهُودِ إقامَةِ الحَقِّ لِلْعَبْدِ، وتَقْوِيمِهِ إيّاهُ، فَإنَّهُ إذا شَهِدَ أنَّ اللَّهَ هو المُقِيمُ لَهُ والمُقَوِّمُ، وأنَّ اسْتِقامَتَهُ وقِيامَهُ بِاللَّهِ، لا بِنَفْسِهِ ولا بِطَلَبِهِ: غابَ بِهَذا الشُّهُودِ عَنِ اسْتِشْعارِ طَلَبِهِ لَها. وَهَذا القَدْرُ مِن مُوجِباتِ شُهُودِ مَعْنًى اسْمُهُ القَيُّومُ، وهو الَّذِي قامَ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى أحَدٍ. وقامَ كُلُّ شَيْءٍ بِهِ. فَكُلُّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ. ولَيْسَتْ حاجَتُهُ إلَيْهِ مُعَلَّلَةً بِحُدُوثٍ، كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ. ولا بِإمْكانٍ، كَما يَقُولُ الفَلاسِفَةُ المَشّاءُونَ. بَلْ حاجَتُهُ إلَيْهِ ذاتِيَّةٌ، وما بِالذّاتِ لا يُعَلَّلُ. نَعَمْ، الحُدُوثُ والإمْكانُ دَلِيلانِ عَلى الحاجَةِ. فالتَّعْلِيلُ بِهِما مِن بابِ التَّعْرِيفِ، لا مِن بابِ العِلَلِ المُؤَثِّرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

فصلت 41:33

(هِدايَة الخلق ودعوتهم إلى الله ورَسُوله) قالَ تَعالى ﴿وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعا إلى الله وعمل صالحا وقالَ إنَّنِي من المُسلمين﴾ قالَ الحسن البَصْرِيّ هَذا حبيب الله، هَذا ولي الله، أسلم لله، وعمل بِطاعَتِهِ، ودعا الخلق إلَيْهِ. فَهَذا النَّوْع أفضل أنْواع الإنْسان وأعْلاهم دَرَجَة عند الله يَوْم القِيامَة.

فصلت 41:34

قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِى الحسَنَةُ ولا السيَّئِّةُ ادْفَعْ بِالتِي هي أحْسَنُ فَإذا الّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَه عَداوَةٌ كَأنّهُ ولِى حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. فهذا لدفع شر شياطين الإنس ثم قال: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيم﴾ [فصلت: ٣٦] وقال هاهنا: ﴿إنه هو السميع العليم﴾ [فصلت: ٣٦]، فأكد بـ (إن) وبضمير الفصل وأتى باللام في ﴿السميع العليم﴾ [فصلت: ٣٦]. وقال في الأعراف: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وسر ذلك - والله أعلم - أنه حيث اقتصر على مجرد الاسم ولم يؤكده أريد إثبات مجرد الوصف الكافي في الاستعاذة والإخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم، فيسمع استعاذتك فيجيبك ويعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك، فالسمع لكلام المستعيذ والعلم بالفعل المستعاذ منه، وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة، وهذا المعنى شامل للموضعين، وامتاز المذكور في سورة فصلت بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص؛ لأن سياق ذلك بعد إنكاره سبحانه على الذين شكوا في سمعه لقولهم وعلمهم به، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: "اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فقالوا: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، فقال الآخر: إن سمع بعضه سمع كله، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصاَرُكم ولا جُلُودُكم ولِكنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مما تَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢-٢٣]. فجاء التوكيد في قوله: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. فى سياق هذا الإنكار: أي هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا وأنه لا يعلم كثيرا مما يعملون، وحسن ذلك أيضا: أن المأمور به في سورة فصلت دفع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم، وذلك أشق على النفوس من مجرد الإعراض عنهم ولهذا عقبه بقوله: ﴿وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. فحسن التأكيد لحاجة المستعيذ. وأيضا فإن السياق هاهنا لإثبات صفات كماله وأدلة ثبوتها وآيات ربوبيته وشواهد توحيده ولهذا عقب ذلك بقوله: ﴿وَمِن آياتِهِ الليْلُ والنَّهارُ﴾ [فصلت: ٣٧] وبقوله: ﴿وَمِن آياتِهِ أنك تَرى الأرْضَ خاشِعَة﴾ [فصلت: ٣٩]. فأتى بأداة التعريف الدالة على أن من أسمائه "السميع العليم" كما جاءت الأسماء الحسنى كلها معرفة، والذي في الأعراف في سياق وعيد المشركين وإخوانهم من الشياطين ووعد المستعيذ بأن له ربا يسمع ويعلم، وآلهة المشركين التي عبدوها من دونه ليس لهم أعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها، فإنه سميع عليم، وآلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم، فكيف تُسَوُّونها به في العبادة، فعلمت أنه لا يليق بهذا السياق غير التنكير، كما لا يليق بذلك غير التعريف، والله أعلم بأسرار كلامه. ولما كان المستعاذ منه في سورة "حم المؤمن" هو شر مجادلة الكفار في آياته وما ترتب عليها من أفعالهم المرئية بالبصر قال: ﴿إنَّ الَّذِينَ يجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغيهِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنّهُ هو السَّمِيعُ البَصيرُ﴾ [غافر: ٥٦]. فإنه لما كان المستعاذ منه كلامه وأفعالهم المشاهدة عيانا قال: ﴿إنه هو السميع البصير﴾ [غافر: ٥٦] وهناك المستعاذ منه غير مشاهد لنا، فإنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراه. بل هو معلوم بالإيمان وإخبار الله ورسوله. (فصل) قال تعالى: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وفي موضع آخر ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد تقدم أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع التام. وتأمل سر القرآن الكريم كيف أكد الوصف بالسميع العليم بذكر صيغة هو الدال على تأكيد النسبة واختصاصها وعرف الوصف بالألف واللام في سورة (حم) لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركه في سورة الأعراف لاستغناء المقام عنه فإن الأمر بالاستعاذة في سورة حم وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس وهو مقابلة إساءة المسيء بالإحسان إليه وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم كما قال الله تعالى والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا بل يريه أن هذا ذل وعجز ويسلط عليه عدوه فيدعوه إلى الانتقام ويزينه له فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه وأن لا يسيء إليه ولا يحسن فلا يؤثر الإحسان إلى المسيء إلا من خالفه وآثر الله تعالى وما عنده على حظه العاجل فكان المقام مقام تأكيد وتحريض فقال فيه: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وأما في سورة الأعراف فإنه أمره أن يعرض عن الجاهلين وليس فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان بل بالإعراض. وهذا سهل على النفوس غير مستعص عليها فليس حرص الشيطان وسعيه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان فقال: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

فصلت 41:35

قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِى الحسَنَةُ ولا السيَّئِّةُ ادْفَعْ بِالتِي هي أحْسَنُ فَإذا الّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَه عَداوَةٌ كَأنّهُ ولِى حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. فهذا لدفع شر شياطين الإنس ثم قال: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيم﴾ [فصلت: ٣٦] وقال هاهنا: ﴿إنه هو السميع العليم﴾ [فصلت: ٣٦]، فأكد بـ (إن) وبضمير الفصل وأتى باللام في ﴿السميع العليم﴾ [فصلت: ٣٦]. وقال في الأعراف: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وسر ذلك - والله أعلم - أنه حيث اقتصر على مجرد الاسم ولم يؤكده أريد إثبات مجرد الوصف الكافي في الاستعاذة والإخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم، فيسمع استعاذتك فيجيبك ويعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك، فالسمع لكلام المستعيذ والعلم بالفعل المستعاذ منه، وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة، وهذا المعنى شامل للموضعين، وامتاز المذكور في سورة فصلت بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص؛ لأن سياق ذلك بعد إنكاره سبحانه على الذين شكوا في سمعه لقولهم وعلمهم به، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: "اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فقالوا: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، فقال الآخر: إن سمع بعضه سمع كله، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصاَرُكم ولا جُلُودُكم ولِكنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مما تَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢-٢٣]. فجاء التوكيد في قوله: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. فى سياق هذا الإنكار: أي هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا وأنه لا يعلم كثيرا مما يعملون، وحسن ذلك أيضا: أن المأمور به في سورة فصلت دفع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم، وذلك أشق على النفوس من مجرد الإعراض عنهم ولهذا عقبه بقوله: ﴿وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. فحسن التأكيد لحاجة المستعيذ. وأيضا فإن السياق هاهنا لإثبات صفات كماله وأدلة ثبوتها وآيات ربوبيته وشواهد توحيده ولهذا عقب ذلك بقوله: ﴿وَمِن آياتِهِ الليْلُ والنَّهارُ﴾ [فصلت: ٣٧] وبقوله: ﴿وَمِن آياتِهِ أنك تَرى الأرْضَ خاشِعَة﴾ [فصلت: ٣٩]. فأتى بأداة التعريف الدالة على أن من أسمائه "السميع العليم" كما جاءت الأسماء الحسنى كلها معرفة، والذي في الأعراف في سياق وعيد المشركين وإخوانهم من الشياطين ووعد المستعيذ بأن له ربا يسمع ويعلم، وآلهة المشركين التي عبدوها من دونه ليس لهم أعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها، فإنه سميع عليم، وآلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم، فكيف تُسَوُّونها به في العبادة، فعلمت أنه لا يليق بهذا السياق غير التنكير، كما لا يليق بذلك غير التعريف، والله أعلم بأسرار كلامه. ولما كان المستعاذ منه في سورة "حم المؤمن" هو شر مجادلة الكفار في آياته وما ترتب عليها من أفعالهم المرئية بالبصر قال: ﴿إنَّ الَّذِينَ يجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغيهِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنّهُ هو السَّمِيعُ البَصيرُ﴾ [غافر: ٥٦]. فإنه لما كان المستعاذ منه كلامه وأفعالهم المشاهدة عيانا قال: ﴿إنه هو السميع البصير﴾ [غافر: ٥٦] وهناك المستعاذ منه غير مشاهد لنا، فإنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراه. بل هو معلوم بالإيمان وإخبار الله ورسوله. (فصل) قال تعالى: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وفي موضع آخر ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد تقدم أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع التام. وتأمل سر القرآن الكريم كيف أكد الوصف بالسميع العليم بذكر صيغة هو الدال على تأكيد النسبة واختصاصها وعرف الوصف بالألف واللام في سورة (حم) لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركه في سورة الأعراف لاستغناء المقام عنه فإن الأمر بالاستعاذة في سورة حم وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس وهو مقابلة إساءة المسيء بالإحسان إليه وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم كما قال الله تعالى والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا بل يريه أن هذا ذل وعجز ويسلط عليه عدوه فيدعوه إلى الانتقام ويزينه له فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه وأن لا يسيء إليه ولا يحسن فلا يؤثر الإحسان إلى المسيء إلا من خالفه وآثر الله تعالى وما عنده على حظه العاجل فكان المقام مقام تأكيد وتحريض فقال فيه: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وأما في سورة الأعراف فإنه أمره أن يعرض عن الجاهلين وليس فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان بل بالإعراض. وهذا سهل على النفوس غير مستعص عليها فليس حرص الشيطان وسعيه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان فقال: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

فصلت 41:36

قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِى الحسَنَةُ ولا السيَّئِّةُ ادْفَعْ بِالتِي هي أحْسَنُ فَإذا الّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَه عَداوَةٌ كَأنّهُ ولِى حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. فهذا لدفع شر شياطين الإنس ثم قال: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيم﴾ [فصلت: ٣٦] وقال هاهنا: ﴿إنه هو السميع العليم﴾ [فصلت: ٣٦]، فأكد بـ (إن) وبضمير الفصل وأتى باللام في ﴿السميع العليم﴾ [فصلت: ٣٦]. وقال في الأعراف: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وسر ذلك - والله أعلم - أنه حيث اقتصر على مجرد الاسم ولم يؤكده أريد إثبات مجرد الوصف الكافي في الاستعاذة والإخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم، فيسمع استعاذتك فيجيبك ويعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك، فالسمع لكلام المستعيذ والعلم بالفعل المستعاذ منه، وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة، وهذا المعنى شامل للموضعين، وامتاز المذكور في سورة فصلت بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص؛ لأن سياق ذلك بعد إنكاره سبحانه على الذين شكوا في سمعه لقولهم وعلمهم به، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: "اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فقالوا: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، فقال الآخر: إن سمع بعضه سمع كله، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصاَرُكم ولا جُلُودُكم ولِكنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مما تَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢-٢٣]. فجاء التوكيد في قوله: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. فى سياق هذا الإنكار: أي هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا وأنه لا يعلم كثيرا مما يعملون، وحسن ذلك أيضا: أن المأمور به في سورة فصلت دفع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم، وذلك أشق على النفوس من مجرد الإعراض عنهم ولهذا عقبه بقوله: ﴿وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. فحسن التأكيد لحاجة المستعيذ. وأيضا فإن السياق هاهنا لإثبات صفات كماله وأدلة ثبوتها وآيات ربوبيته وشواهد توحيده ولهذا عقب ذلك بقوله: ﴿وَمِن آياتِهِ الليْلُ والنَّهارُ﴾ [فصلت: ٣٧] وبقوله: ﴿وَمِن آياتِهِ أنك تَرى الأرْضَ خاشِعَة﴾ [فصلت: ٣٩]. فأتى بأداة التعريف الدالة على أن من أسمائه "السميع العليم" كما جاءت الأسماء الحسنى كلها معرفة، والذي في الأعراف في سياق وعيد المشركين وإخوانهم من الشياطين ووعد المستعيذ بأن له ربا يسمع ويعلم، وآلهة المشركين التي عبدوها من دونه ليس لهم أعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها، فإنه سميع عليم، وآلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم، فكيف تُسَوُّونها به في العبادة، فعلمت أنه لا يليق بهذا السياق غير التنكير، كما لا يليق بذلك غير التعريف، والله أعلم بأسرار كلامه. ولما كان المستعاذ منه في سورة "حم المؤمن" هو شر مجادلة الكفار في آياته وما ترتب عليها من أفعالهم المرئية بالبصر قال: ﴿إنَّ الَّذِينَ يجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغيهِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنّهُ هو السَّمِيعُ البَصيرُ﴾ [غافر: ٥٦]. فإنه لما كان المستعاذ منه كلامه وأفعالهم المشاهدة عيانا قال: ﴿إنه هو السميع البصير﴾ [غافر: ٥٦] وهناك المستعاذ منه غير مشاهد لنا، فإنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراه. بل هو معلوم بالإيمان وإخبار الله ورسوله. (فصل) قال تعالى: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وفي موضع آخر ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد تقدم أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع التام. وتأمل سر القرآن الكريم كيف أكد الوصف بالسميع العليم بذكر صيغة هو الدال على تأكيد النسبة واختصاصها وعرف الوصف بالألف واللام في سورة (حم) لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركه في سورة الأعراف لاستغناء المقام عنه فإن الأمر بالاستعاذة في سورة حم وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس وهو مقابلة إساءة المسيء بالإحسان إليه وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم كما قال الله تعالى والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا بل يريه أن هذا ذل وعجز ويسلط عليه عدوه فيدعوه إلى الانتقام ويزينه له فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه وأن لا يسيء إليه ولا يحسن فلا يؤثر الإحسان إلى المسيء إلا من خالفه وآثر الله تعالى وما عنده على حظه العاجل فكان المقام مقام تأكيد وتحريض فقال فيه: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وأما في سورة الأعراف فإنه أمره أن يعرض عن الجاهلين وليس فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان بل بالإعراض. وهذا سهل على النفوس غير مستعص عليها فليس حرص الشيطان وسعيه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان فقال: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

فصلت 41:39

جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها نَظِيرَ إحْياءِ الأمْواتِ، وإخْراجَ النَّباتِ مِنها نَظِيرَ إخْراجِهِمْ مِن القُبُورِ، ودَلَّ بِالنَّظِيرِ عَلى نَظِيرِهِ. [فَصْلٌ: قِياسُ الدَّلالَةِ] وَأمّا قِياسُ الدَّلالَةِ فَهو الجَمْعُ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ بِدَلِيلِ العِلَّةِ ومَلْزُومِها؛ ومِنهُ قَوْله تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] فَدَلَّ سُبْحانَهُ عِبادَهُ بِما أراهم مِن الإحْياءِ الَّذِي تَحَقَّقُوهُ وشاهَدُوهُ عَلى الإحْياءِ الَّذِي اسْتَبْعَدُوهُ، وذَلِكَ قِياسُ إحْياءٍ عَلى إحْياءٍ، واعْتِبارُ الشَّيْءِ بِنَظِيرِهِ؛ والعِلَّةُ المُوجِبَةُ هي عُمُومُ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، وكَمالُ حِكْمَتِهِ؛ وإحْياءُ الأرْضِ دَلِيلُ العِلَّةِ.

فصلت 41:40

(لطيفة) قال ابن القيم: أخْبَرَنِي بَعْضُ أصْحابِنا أنَّهُ قالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ أذِنْت لَك في الخُرُوجِ إلى الحَمّامِ فَأنْتِ طالِقٌ، فَتَهَيَّأتْ لِلْخُرُوجِ إلى الحَمّامِ، فَقالَ لَها: اخْرُجِي وابْصُرِي، فاسْتَفْتى بَعْضَ النّاسِ، فَأفْتَوْهُ بِأنَّها قَدْ طَلُقَتْ مِنهُ. فَقالَ لِلْمُفْتِي: بِأيِّ شَيْءٍ أوْقَعْت عَلَيَّ الطَّلاقَ؟ قالَ: بِقَوْلِك لَها اخْرُجِي، فَقالَ: إنِّي لَمْ أقُلْ لَها ذَلِكَ إذْنًا، وإنَّما قُلْته تَهْدِيدًا، أيْ: إنّك لا يُمْكِنُك الخُرُوجُ. وَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] فَهَلْ هَذا إذْنٌ لَهم أنْ يَعْمَلُوا ما شاءُوا؟ فَقالَ: لا أدْرِي، أنْتَ لَفَظْت بِالإذْنِ، فَقالَ لَهُ: ما أرَدْت الإذْنَ. فَلَمْ يَفْقَهْ المُفْتِي هَذا، وغَلُظَ حِجابُهُ عَنْ إدْراكِهِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ بِما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا أحَدٌ مِن أئِمَّةِ الإسْلامِ.

فصلت 41:44

قال ابن عباس: "في آذانهم صمم عن استماع القرآن وهو عليهم عمى أعمى الله قلوبهم فلا يفقهون أولئك ينادون من مكان بعبد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء" وقال مجاهد: "بعيد من قلوبهم" وقال الفراء: "تقول للرجل الذي لا يفهم كذلك أنت تنادي من مكان بعيد قال: وجاء في التفسير كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون" انتهى. والمعنى أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دُعيَ من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قال مجاهد بعيد من قلوبهم فهم ما يتلى عليهم. وقال الفراء تقول للرجل الذي لا يفهم كلامك أنت تنادي من مكان بعيد. وقال صاحب النظم أي أنهم لا يسمعون ولا يفهمون، كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم. وهذا حال هؤلاء الذين لا يستفيدون من كلام الله ورسوله يقينا ولا علما. وهذه أيضا حال الجهال، ومن نشأ بالبوادي، ومن لا فهم له من أهل البله والبلادة، وأمثال هؤلاء فإن هؤلاء لا يستفيدون من كلام الله ورسوله علما ولا يقينا.

فصلت 41:49

قوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ قال ابن عباس: "يريد من عندي" وقال مقاتل: "يعني أنا أحق بهذا" وقال مجاهد: "هذا بعملي وأنا محقوق به" وقال الزجاج: "هذا واجب بعملي استحقيته" فوصف الإنسان بأقبح صفتين إن مسه الشر صار إلى حال القانط ووجم وجوم الآيس فإذا مسه الخير نسي أن الله هو المنعم عليه المفضل بما أعطاه فبطر وظن أنه هو المستحق لذلك ثم أضاف إلى ذلك تكذيبه بالبعث فقال: ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ ثم أضاف إلى ذلك ظنه الكاذب أنه إن بعث كان له عند الله الحسنى فلم يدع هذا للجهل والغرور موضعا.

فصلت 41:50

قوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ قال ابن عباس: "يريد من عندي" وقال مقاتل: "يعني أنا أحق بهذا" وقال مجاهد: "هذا بعملي وأنا محقوق به" وقال الزجاج: "هذا واجب بعملي استحقيته" فوصف الإنسان بأقبح صفتين إن مسه الشر صار إلى حال القانط ووجم وجوم الآيس فإذا مسه الخير نسي أن الله هو المنعم عليه المفضل بما أعطاه فبطر وظن أنه هو المستحق لذلك ثم أضاف إلى ذلك تكذيبه بالبعث فقال: ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ ثم أضاف إلى ذلك ظنه الكاذب أنه إن بعث كان له عند الله الحسنى فلم يدع هذا للجهل والغرور موضعا.

فصلت 41:53

أي أن القُرْآن حق، فَأخْبر أنّه لا بُد من أن يُرِيهم من آياته المشهودة ما يبيّن لَهُم أن آياته المتلوّة حق. ثمَّ أخبر بكفاية شَهادَته على صِحَة خَبره بِما أقامَ من الدَّلائِل والبراهين على صدق رَسُوله فآياته شاهدة بصدقه وهو شاهد بِصدق رَسُوله بآياته وهو الشّاهِد والمشهود لَهُ، وهو الدَّلِيل والمدلول عَلَيْهِ. فَهُوَ الدَّلِيل بِنَفسِهِ على نَفسه، كَما قالَ بعض العارفين: كَيفَ أطلب الدَلِيل على من هو دَلِيل على كل شَيْء، فَأي دَلِيل طلبته عَلَيْهِ فَوُجُودُهُ أظهر مِنهُ. وَلِهَذا قالَ الرُّسُل لقومهم ﴿أفِي اللَّهِ شَكّ﴾ فَهو أعرف من كل مَعْرُوف، وأبين من كل دَلِيل، فالأشياء عُرفت بِهِ في الحَقِيقَة، وإن كانَ عُرف بها في النّظر والِاسْتِدْلال بأفعاله وأحْكامه عَلَيْهِ. (فصل) أخْبَرَ سُبْحانَهُ - وخَبَرُهُ الصِّدْقُ، وقَوْلُهُ الحَقُّ - أنَّهُ لابُدَّ أنْ يَرى العِبادُ مِنَ الآياتِ الأُفُقِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ ما يُبَيِّنُ لَهم أنَّ الوَحْيَ الَّذِي بَلَّغَتْهُ رُسُلُهُ حَقٌّ، فَقالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أيِ القُرْآنُ، فَإنَّهُ هو المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢] ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] فَشَهِدَ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِ: أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ، ووَعَدَهُ أنْ يُرِيَ العِبادَ مِن آياتِهِ الفِعْلِيَّةِ الخَلْقَيَّةِ ما يَشْهَدُ بِذَلِكَ أيْضًا، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وأجَلُّ، وهو شَهادَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. فَإنَّ مِن أسْمائِهِ الشَّهِيدَ الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، بَلْ هو مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُشاهِدٌ لَهُ، عَلِيمٌ بِتَفاصِيلِهِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، والأوَّلُ اسْتِدْلالٌ بِقَوْلِهِ وكَلِماتِهِ، والِاسْتِدْلالُ بِالآياتِ الأُفُقِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ اسْتِدْلالٌ بِأفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ. فَإنْ قُلْتَ: قَدْ فَهِمْتُ الِاسْتِدْلالَ بِكَلِماتِهِ والِاسْتِدْلالَ بِمَخْلُوقاتِهِ، فَبَيِّنْ لِي كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا عَهْدَ لَنا بِهِ في تَخاطُبِنا وكُتُبِنا. قُلْتُ: أجَلْ! هو لَعَمْرُ اللَّهِ كَما ذَكَرْتَ، وشَأْنُهُ أجَلُّ وأعْلى، فَإنَّ الرَّبَّ تَعالى هو المَدْلُولُ عَلَيْهِ، وآياتُهُ هي الدَّلِيلُ والبُرْهانُ. فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في الحَقِيقَةِ هو الدّالُّ عَلى نَفْسِهِ بِآياتِهِ، فَهو الدَّلِيلُ لِعِبادِهِ في الحَقِيقَةِ بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الدَّلالاتِ والآياتِ، وقَدْ أوْدَعَ في الفِطَرِ الَّتِي لَمْ تَتَنَجَّسْ بِالتَّعْطِيلِ والجُحُودِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ الكامِلُ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وأنَّهُ المَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمالٍ، المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ ونَقْصٍ، فالكَمالُ كُلُّهُ، والجَمالُ والجَلالُ والبَهاءُ، والعِزَّةُ والعَظَمَةُ والكِبْرِياءُ: كُلُّهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالحَياةُ كُلُّها لَهُ، والعِلْمُ كُلُّهُ لَهُ، والقُدْرَةُ كُلُّها لَهُ، والسَّمْعُ والبَصَرُ والإرادَةُ، والمَشِيئَةُ والرَّحْمَةُ والغِنى، والجُودُ والإحْسانُ والبِرُّ، كُلُّهُ خاصُّ لَهُ قائِمٌ بِهِ، وما خَفِيَ عَلى الخَلْقِ مِن كَمالِهِ أعْظَمُ وأعْظَمُ مِمّا عَرَفُوهُ مِنهُ، بَلْ لا نِسْبَةَ لِما عَرَفُوهُ مِن ذَلِكَ إلى ما لَمْ يَعْرِفُوهُ. وَمِن كَمالِهِ المُقَدَّسِ: اطِّلاعُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وشَهادَتُهُ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لا يَغِيبُ عَنْهُ وجْهٌ مِن وُجُوهِ تَفاصِيلِهِ، ولا ذَرَّةٌ مِن ذَرّاتِهِ، باطِنًا وظاهِرًا، ومَن هَذا شَأْنُهُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِالعِبادِ أنْ يُشْرِكُوا بِهِ، وأنْ يَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ؟ وأنْ يَجْعَلُوا مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؟ وكَيْفَ يَلِيقُ بِكَمالِهِ أنْ يُقِرَّ مَن يَكْذِبُ عَلَيْهِ أعْظَمَ الكَذِبِ، ويُخْبِرُ عَنْهُ بِخِلافِ ما الأمْرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصُرُهُ عَلى ذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ، ويُعْلِي كَلِمَتَهُ، ويَرْفَعُ شَأْنَهُ، ويُجِيبُ دَعْوَتَهُ، ويُهْلِكُ عَدُوَّهُ، ويُظْهِرُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الآياتِ والبَراهِينِ والأدِلَّةِ ما تَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهِ قُوى البَشَرِ، وهو - مَعَ ذَلِكَ - كاذِبٌ عَلَيْهِ مُفْتَرٍ، ساعٍ في الأرْضِ بِالفَسادِ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وحِكْمَتُهُ وعِزَّتُهُ وكَمالُهُ المُقَدَّسُ يَأْبى ذَلِكَ كُلَّ الإباءِ، ومَن ظَنَّ ذَلِكَ بِهِ، وجَوَّزَهُ عَلَيْهِ؛ فَهو مِن أبْعَدِ الخَلْقِ مِن مَعْرِفَتِهِ، وإنْ عُرِفَ مِنهُ بَعْضُ صِفاتِهِ، كَصِفَةِ القُدْرَةِ وصِفَةِ المَشِيئَةِ. والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ، وهي طَرِيقُ الخاصَّةِ، بَلْ خاصَّةُ الخاصَّةِ هم الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِاللَّهِ عَلى أفْعالِهِ، وما يَلِيقُ بِهِ أنْ يَفْعَلَهُ وما لا يَفْعَلُهُ.