Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الحديد 57:3 – الحشر 59:24

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الحديد 57:3
  2. الحديد 57:13
  3. الحديد 57:14
  4. الحديد 57:16
  5. الحديد 57:18
  6. الحديد 57:19
  7. الحديد 57:20
  8. الحديد 57:21
  9. الحديد 57:22
  10. الحديد 57:23
  11. الحديد 57:27
  12. الحديد 57:28
  13. المجادلة 58:1
  14. المجادلة 58:2
  15. المجادلة 58:5
  16. المجادلة 58:7
  17. المجادلة 58:10
  18. المجادلة 58:11
  19. الحشر 59:2
  20. الحشر 59:7
  21. الحشر 59:9
  22. الحشر 59:16
  23. الحشر 59:17
  24. الحشر 59:18
  25. الحشر 59:19
  26. الحشر 59:21
  27. الحشر 59:23
  28. الحشر 59:24

الحديد 57:3

(فائدة بديعة) القاعدة: أن الشيء لا يعطف على نفسه لأن حروف العطف بمنزلة تكرار العامل لأنك إذا قلت قام زيد وعمرو فهي بمعنى قام زيد وقام عمرو والثاني غير الأول فإذا وجدت مثل قولهم كذبا ومينا فهو لمعنى زائد في اللفظ الثاني وإن خفي عنك ولهذا يبعد جدا أن يجيء في كلامهم جاءني عمر وأبو حفص ورضي الله عن أبي بكر وعتيقه فإن الواو إنما تجمع بين الشيئين لا بين الشيء الواحد فإذا كان في الاسم الثاني فائدة زائدة على معنى الاسم الأول كنت مخيرا في العطف وتركه فإن عطفت فمن حيث قصدت تعداد الصفات وهي متغايرة وإن لم تعطف فمن حيث كان في كل منهما ضمير هو الأول فعلى الوجه الأول تقول زيد فقيه شاعر كاتب وعلى الثاني فقيه وشاعر وكاتب كأنك عطفت بالواو الكتابة على الشعر وحيث لم تعطف أتبعت الثاني الأول لأنه هو من حيث اتحد الحامل للصفات. وأما في أسماء الرب تبارك وتعالى فأكثر ما يجيء في القرآن الكريم بغير عطف نحو السميع العليم العزيز الحكيم الغفور الرحيم (الملك القدوس السلام) إلى آخرها. وجاءت معطوفة في موضعين أحدهما في أربعة أسماء وهي (الأول والآخر والظاهر والباطن) والثاني في بعض الصفات بالاسم الموصول مثل قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ونظيره: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ فأما ترك العطف في الغالب فلتناسب معاني تلك الأسماء وقرب بعضها من بعض، وشعور الذهن بالثاني منها شعوره بالأول. ألا ترى أنك إذا شعرت بصفة المغفرة انتقل ذهنك منها إلى الرحمة، وكذلك إذا شعرت بصفة السمع انتقل الذهن إلى البصر وكذلك: ﴿الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ وأما تلك الأسماء الأربعة فهي ألفاظ متباينة المعاني متضادة الحقائق في أصل موضوعها، وهي متفقة المعاني متطابقة في حق الرب تعالى لا يبقى منها معنى بغيره، بل هو (أول) كما أنه (آخر) و (ظاهر) كما أنه (باطن) ولا يناقض بعضها بعضا في حقه. فكان دخول الواو صرفا لوهم المخاطب قبل التفكر والنظر عن توهم المحال، واحتمال الأضداد لأن الشيء لا يكون ظاهرا باطنا من وجه واحد، وإنما يكون ذلك باعتبارين. فكان العطف هاهنا أحسن من تركه لهذه الحكمة. هذا جواب السهيلي. وأحسن منه أن يقال لما كانت هذه الألفاظ دالة على معاني متباينة، وأن الكمال في الاتصاف بها على تباينها أتى بحرف العطف الدال على التغاير بين المعطوفات إيذانا بأن هذه المعاني مع تباينها فهي ثابتة للموصوف بها. ووجه آخر وهو أحسن منها وهو أن الواو تقتضي تحقيق الوصف المتقدم وتقريره يكون في الكلام متضمنا لنوع مع التأكيد من مزيد التقرير. وبيان ذلك بمثال نذكره مرقاة إلى فهم ما نحن فيه: إذا كان لرجل مثلا أربع صفات هي عالم وجواد وشجاع وغني، وكان المخاطب لا يعلم ذلك أو لا يقر به ويعجب من اجتماع هذه الصفات في رجل فإذا قلت: زيد عالم. وكأن ذهنه استبعد ذلك فتقول وجواد. أي وهو مع ذلك جواد. فإذا قدرت استبعاده لذلك قلت وشجاع أي وهو مع ذلك شجاع وغني فيكون في العطف مزيد تقرير وتوكيد لا يحصل بدونه. تدرأ به توهم الإنكار. وإذا عرفت هذا فالوهم قد يعتريه إنكار لاجتماع هذه المقابلات في موصوف واحد. فإذا قيل: هو الأول ربما سرى الوهم إلى أن كونه أولا يقتضي أن يكون الآخر غيره لأن الأولية والآخرية من المتضايفات وكذلك الظاهر والباطن إذا قيل هو ظاهر ربما سرى الوهم إلى أن الباطن مقابله، فقطع هذا الوهم بحرف العطف الدال على أن الموصوف بالأولية هو الموصوف بالآخرية فكأنه قيل: هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن لا سواه. فتأمل ذلك فإنه من لطيف العربية ودقيقها. والذي يوضح لك ذلك أنه إذا كان للبلد مثلا قاض وخطيب وأمير فاجتمعت في رجل، حسن أن تقول زيد هو الخطيب والقاضي والأمير. وكان للعطف هنا مزية ليست للنعت المجرد فعطف الصفات هاهنا أحسن قطعا لوهم متوهم أن الخطيب غيره وأن الأمير غيره. (فائدة) «وَأرْشَدَ ﷺ مَن بُلِيَ بِشَيْءٍ مِن وسْوَسَةِ التَّسَلْسُلِ في الفاعِلِينَ، إذا قِيلَ لَهُ: هَذا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَن خَلَقَ اللَّهَ؟ أنْ يَقْرَأ: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]». كَذَلِكَ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لأبي زميل سماك بن الوليد الحنفي، وقَدْ سَألَهُ: ما شَيْءٌ أجِدُهُ في صَدْرِي؟ قالَ: ما هُوَ؟ قالَ: قُلْتُ: واللَّهِ لا أتَكَلَّمُ بِهِ. قالَ فَقالَ لِي: أشَيْءٌ مِن شَكٍّ؟ قُلْتُ: بَلى، فَقالَ لِي: ما نَجا مِن ذَلِكَ أحَدٌ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] قالَ: فَقالَ لِي: فَإذا وجَدْتَ في نَفْسِكَ شَيْئًا، فَقُلْ: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾» فَأرْشَدَهم بِهَذِهِ الآيَةِ إلى بُطْلانِ التَّسَلْسُلِ الباطِلِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، وأنَّ سِلْسِلَةَ المَخْلُوقاتِ في ابْتِدائِها تَنْتَهِي إلى أوَّلَ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، كَما تَنْتَهِي في آخِرِها إلى آخِرٍ لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، كَما أنَّ ظُهُورَهُ هو العُلُوُّ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وبُطُونَهُ هو الإحاطَةُ الَّتِي لا يَكُونُ دُونَهُ فِيها شَيْءٌ، ولَوْ كانَ قَبْلَهُ شَيْءٌ يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ لَكانَ ذَلِكَ هو الرَّبَّ الخَلّاقَ، ولا بُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى خالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ وغَنِيٍّ عَنْ غَيْرِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إلَيْهِ قائِمٌ بِنَفْسِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ قائِمٌ بِهِ مَوْجُودٌ بِذاتِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ مَوْجُودٌ بِهِ. قَدِيمٌ لا أوَّلَ لَهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَوُجُودُهُ بَعْدَ عَدَمِهِ باقٍ بِذاتِهِ، وبَقاءُ كُلِّ شَيْءٍ بِهِ فَهو الأوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، والآخِرُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، الظّاهِرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، الباطِنُ الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ. وَقالَ ﷺ: «لا يَزالُ النّاسُ يَتَساءَلُونَ حَتّى يَقُولَ قائِلُهُمْ: هَذا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ فَمَن خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَن وجَدَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ ولْيَنْتَهِ) وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]». (فصل) والمقصود أن التعبد باسمه (الظاهر) يجمع القلب على المعبود، ويجعل له ربًا يقصده وصمدًا يصمد إليه في حوائجه وملجأً يلجأُ إليه فإذا استقر ذلك في قلبه وعرف ربه باسمه الظاهر استقامت له عبوديته وصار له معقل وموئل يلجأُ إليه ويهرب إليه ويفر كل وقت إليه. وأما تعبده باسمه الباطن فأمر يضيق نطاق التعبير عن حقيقته، ويكلّ اللسان عن وصفه، وتصطلم الإشارة إليه وتجفو العبارة عنه، فإنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل مخلصة من فرث التشبيه، منزهة عن رجس الحلول والاتحاد وعبارة مؤدية للمعنى كاشفة عنه، وذوقًا صحيحًا سليمًا من أذواق أهل الانحراف. فمن رزق هذا فهم معنى اسمه الباطن وصح له التعبد به. وسبحان الله كم زلت في هذا المقام أقدام وضلت فيه أفهام، ونظم فيه الزنديق بلسان الصديق، فاشتبه فيه إخوان النصارى بالحنفاء المخلصين، لنبو الأفهام عنه وعزة تخلص الحق من الباطل فيه، والتباس ما في الذهن بما في الخارج إلا على من رزقه الله بصيرة في الحق، ونورًا يميز به بين الهدى والضلال، وفرقانًا يفرق به بين الحق والباطل، ورزق مع ذلك اطلاعًا على أسباب الخطأْ وتفرق الطرق ومثار الغلط، فكان له بصيرة في الحق والباطل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم. وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إحاطة الرب [تبارك وتعالى] بالعالم وعظمته، وأن العوالم كلها في قبضته، وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد، قال تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لَكَ إنّ رَبّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وقال: ﴿واللهُ مِن ورَآئِهِمْ مُحِيطُ﴾ [البروج: ٢٠]، ولهذا يقرن سبحانه بينَ هذين الاسمين الدالين على هذين المعنيين: اسم العلو الدال على أنه (الظاهر) وأنه لا شيء فوقه، واسم العظمة الدال على الإحاطة وأنه لا شيء دونه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وقال: ﴿وَللهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلّواْ فَثَمّ وجْهُ اللهِ إنّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] هو تبارك وتعالى كما أنه العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شيء، فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء، بل ظهر على كل شيء فكان فوقه، وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه، وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه وكل شيء في قبضته وليس شيء في قبضة نفسه، فهذا أقرب لإحاطة العامة. وأما القرب المذكور في القرآن والسُّنَّة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه، وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن قال تعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنّي فَإنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] فهذا قربه من داعيه، وقال تعالى: ﴿إنّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مّنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] فوجد الخبر وهو قريب عن لفظ الرحمة وهي مؤنثة إيذانًا بقربه تعالى من المحسنين، فكأنه قال: إن الله برحمته قريب من المحسنين. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ"، و"أقْرَبُ ما يَكُونُ الرَّبُّ مِن عَبْدِهِ في جَوْفِ اللَّيْلِ"، فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب البطون. وفي الصحيح من حديث أبي موسى أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فارتفعت أصواتهم بالتكبير فقال: "أيُّها النّاسُ ارْبَعُوا عَلى أنْفُسكم فإنكم لا تَدْعُونَ أصمَّ ولا غاَئِبًا، إنَّ الَّذِى تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أقْرَبُ إلى أحدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ" فهذا قربه من داعيه وذاكره، يعني فأي حاجة بكم إلى رفع الأصوات وهو لقربه يسمعها وإن خفضت، كما يسمعها إذا رفعت، فإنه سميع قريب. وهذا القرب هو من لوازم المحبة فكلما كان الحب أعظم كان القرب أكثر، وقد استولت محبة المحبوب على قلب محبه بحيث يفنى بها عن غيرها، ويغلب محبوبه على قلبه حتى كأنه يراه ويشاهده. إن لم يكن عنده معرفه صحيحة بالله وما يجب له ويستحيل عليه وإلا طرق باب الحلول إن لم يلجه، وسببه ضعف تمييزه وقوة سلطان المحبة، واستيلاءُ المحبوب على قلبه بحيث يغيب عن ملاحظة سواه، وفي مثل هذه الحال يقول: سبحانى، أو: ما في الجبة إلا الله. ونحو هذا من الشطحات التي نهايتها أن يغفر له ويعذر لسكره وعدم تمييزه في تلك الحال. فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد، وأن يكون الإله أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرًا ليس فوقه شيء، ومن كيف ذهنه وغلظ طبعه عن فهم هذا فليضرب عنه صفحًا إلى ما هو أولى به، فقد قيل: ؎إذا لَمْ تَسْتَطعْ شَيئًا فَدَعْه ∗∗∗ وجاوزه إلى ما تستطيع فمن لم يكن له ذوق من قرب المحبة، ومعرفة بقرب المحبوب من محبة غاية القرب، وإن كان بينهما غاية المسافة - ولا سيما إذا كانت المحبة من الطرفين، وهي محبة بريئة من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها - فإن المحب كثيرًا ما يستولى محبوبه على قلبه وذكره ويفنى عن غيره ويرق قلبه وتتجرد نفسه، فيشاهد محبوبه كالحاضر معه القريب إليه وبينهما من البعد ما بينهما، وفي هذه الحال يكون في قلبه وجوده العلمى، وفي لسانه وجوده اللفظى، فيستولى هذا الشهود عليه ويغيب به، فيظن أن في عينه وجوده الخارجى للغلبة حكم القلب والروح، كما قيل: ؎خيالك في عيني وذكرك في فمي ∗∗∗ ومثواك في قلبي فأين تغيب هذا ويكون ذلك المحبوب بعينه بينه وبين عدوه من البعد وما بينهما وإن قربت الأبدان وتلاصقت الديار. والمقصود أن المثال العلمى غير الحقيقة الخارجية وإن كان مطابقًا لها لكن المثال العلمى محله القلب والحقيقة الخارجية محلها الخارج فمعرفة هذه الأسماءِ الأربعة وهي: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهى به قواه وفهمه. واعلم أن لك أنت أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، بل كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن، حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر. فأولية الله عَزَّ وجَلَّ سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه فأوليته سبقه لكل شيء، وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه. وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون. فمدار هذه الأسماءِ الأربعة على الإحاطة وهي إحاطتان زمانيه ومكانيه فأحاطت أوليته وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه وما من أول إلا والله قبله وما من آخر إلا والله بعده فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاؤه والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه. فسبق كل شيء بأوليته وبقى بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه فلا توارى منه سماء سماء ولا أرض أرضا، ولا يحجب عنه ظاهر باطن بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، فهذه الأسماءُ الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره، لم يزل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا. والتعبد بهذه الأسماءِ رتبتان: الرتبة الأولى أن تشهد الأولية منه تعالى في كل شيء والآخرية بعد كل شيء والعلو والفوقية فوق كل شيء والقرب والدنو دون كل شيء، فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب، والرب جل جلاله ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه والمرتبة الثانية من التعبد أن يعامل كل اسم بمقتضاه، فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء وسبقه بفضله وإحسانه الأسباب كلها بما يقتضيه ذلك من إفراده وعدم الالتفات إلى غيره والوثوق بسواه والتوكل على غيره، فمن ذا الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئًا مذكورًا حتى سماك باسم الإسلام، ووسمك بسمة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة اليمين، وأقطعك في ذلك الغيب عمالات المؤمنين، فعصمك عن العبادة للعبيد، وأعتقك من التزام الرق لمن له شكل ونديد، ثم وجه وجهة قلبك إليه تبارك وتعالى دون ما سواه، فاضرع إلى الذي عصمك من السجود للصنم، وقضى لك بقدم الصدق في القدم، أن يتم عليك نعمة هو ابتدأها وكانت أوليتها منه بلا سبب منك، واسمُ بهمتك عن ملاحظة الاختيار ولا تركنن إلى الرسوم والآثار، ولا تقنع بالخسيس الدون، وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله. فإن الله عز وجل قضى أن لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد، فمن أقبل إليه تلقاه من بعيد ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد، ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن أراد مراده الديني أراد ما يريد. ثم اسم بسرك إلى المطلب، واقصر حبك وتقربك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك، بل هو الذي جاد عليك بالأسباب، وهيأ لك وصرف عنك موانعها وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة. فتوكل عليه وحده وعامله وحده وآثر رضاه وحده. وأجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفًا بها. مستلمًا لأركانها، واقفًا بملتزمها، فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك، ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخلع أفضاله: "اللَّهُمَّ لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك وبحمدك" ثم تعبد له باسمه الآخر بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه، ولا مطلوب لك وراءَه فكما انتهت إليه الأواخر، وكان بعد كل آخر فكذلك اجعل نهايتك إليه، فإن إلى ربك المنتهى، إليه انتهت الأسباب والغايات فليس وراءَه مرمى ينتهى إليه. وقد تقدم التنبيه على ذلك وعلى التعبد باسمه الظاهر. وأما التعبد باسمه الباطن، فإذا شهدت إحاطته بالعوالم وقرب العبيد منه وظهور البواطن له وبدوِّ السرائر له وأنه لا شيء بينه وبينها فعامله بمقتضى هذا الشهود، وطهر له سريرتك فإنها عنده علانية وأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة وزكِّ له باطنك فإنه عنده ظاهر. فانظر كيف كانت هذه الأسماءُ الأربعة جماع المعرفة بالله، وجماع العبودية له. فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته فلا يرى لغيره شيئًا إلا به وبحوله وقوته، وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع ما منه هو مما كان يستند إليه أو يتحلى به أو يتخذه عقدة أو يراه ليوم فاقته أو يعتمد عليه في مهم من مهماته، فكل ذلك من قصور نظره وانعكاسه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب والفروع كما هو شأن الطبيعة والهوى وموجب الظلم والجهل، والإنسان ظلوم جهول فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته وكمَّل فطرته وأوقفه على مبادئ الأُمور وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كمفلس حقًا من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه يقول: أستغفر الله من علمى ومن عملى، أي من انتسابى إليهما وغيبتى بهما عن فضل من ذكرنى بهما وابتدأنى بإعطائهما من غير تقدم سبب منى يوجب ذلك. فهو لا يشهد غير فضل مولاه وسبق منته ودوامه، فيثيبه مولاه على هذه الشهادة العالية بحقيقة الفقر الأوسط بين الفقرين الأدنى والأعلى ثوابين: أحدهما الخلاص من رؤية الأعمال حيث كان يراها ويمتدح بها ويستكثرها فيستغرق بمطالعة الفضل غائبًا عنها ذاهبًا عنها فانيًا عن رؤيتها، الثواب الثاني أن يقطعه عن شهود الأحوال - أي عن شهود نفسه فيها متكثرة بها - فإن الحال محله الصدر والصدر بيت القلب والنفس، فإذا نزل العطاءُ في الصدر للقلب وثبتت النفس لتأْخذ نصيبها من العطاءِ فتتمدح به وتدل به وتزهو وتستطيل وتقرر إنيتها لأنها جاهلة ظالمة وهذا مقتضى الجهل والظلم. فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة، وشهد معنى اسمه المنان، وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه الأول، ذهل القلب والنفس به وصار العبد فقيرًا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، فصار مقطوعًا عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه بحيث يكون بشهادته لحاله مفصومًا مقطوعًا عن رؤية عزة مولاه وفاطره وملاحظة صفاته. فصاحب شهود الأحوال منقطع عن رؤية منة خالقه وفضله ومشاهدة سبق الأولية للأسباب كلها، وغائب بمشاهدة عزة نفسه عن عزة مولاه، فينعكس هذا الأمر في حق هذا العبد الفقير وتشغله رؤية عزة مولاه ومنته ومشاهدة سبقه بالأولية عن حال يعتز بها العبد أو يشرف بها. وكذلك الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يمحص من أدناس مطالعات المقامات، فالمقام ما كان راسخًا فيه، والحال ما كان عارضًا لا يدوم. فمطالعات المقامات وشرفه بها وكونه يرى نفسه صاحب مقام قد حققه وكمله فاستحق أن ينسب إليه ويوصف به مثل أن يقال زاهد صابر خائف راج محب راض، فكونه يرى نفسه مستحقًا بأن تضاف المقامات إليه وبأن يوصف بها - على وجه الاستحقاق لها - خروج عن الفقر إلى الغنى، وتعد لطور العبودية، وجهل بحق الربوبية فالرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يستغرق همة العبد ويمحصه ويطهره من مثل هذه الأدناس، فيصير مصفّى بنور الله - عز وجل - عن رذائل هذه الأرجاس.

الحديد 57:13

قيل المَعْنى ارْجعُوا إلى الدُّنْيا فَخُذُوا من الإيمان نورا تجوزون بِهِ كَما فعل المُؤْمِنُونَ وَقيل ارْجعُوا وراءكم حَيْثُ قسمت الأنْوار فالتمسوا هُناكَ نورا تجوزن بِهِ ثمَّ ضرب بَينهم وبَين أهل الإيمان بسور لَهُ باب باطِنه الَّذِي يَلِي المُؤمنِينَ ﴿فِيهِ الرَّحْمَة وظاهره﴾ الَّذِي يليهم ﴿من قبله العَذاب﴾ فَإذا جاوز المُؤْمِنُونَ الصِّراط ولا يجوزه إلّا مُؤمن أمنُوا من دُخُول النّار فيحبسون هُناكَ على قنطرة بَين الجنَّة والنّار فيقتص لبَعْضهِم من بعض مظالم كانَت بَينهم في دار الدُّنْيا حَتّى إذا هذبوا أذن لَهُم في دُخُول الجنَّة فَإذا اسْتَقر أهل الجنَّة في الجنَّة وأهل النّار في النّار أنِّي بِالمَوْتِ في صُورَة كَبْش أمْلَح فَيُوقف بَين الجنَّة والنّار ثمَّ يُقال يا أهل الجنَّة فيطلعون وجلين، ثمَّ يُقال يا أهل النّار فيطلعون مستبشرين فَيُقال هَل تعرفُون هَذا فَيَقُولُونَ نعم وكلهمْ قد عرفه فَيُقال هَذا المَوْت فَيذْبَح بَين الجنَّة والنّار ثمَّ يُقال يا أهل الجنَّة خُلُود ولا موت ويا أهل النّار خُلُود ولا موت فَهَذا آخر أحْوال هَذِه النُّطْفَة الَّتِي هي مبدأ الإنْسان وما بَين هَذا المبدإ وهَذِه الغايَة أحْوال وأطباق قدر العَزِيز العَلِيم تنقل الإنْسان فِيها وركوبة لَها طبقًا بعد طبق حَتّى يصل إلى غايَته من السَّعادَة والشقاوة. ﴿قتل الإنْسان ما أكفره﴾ (موعظة) كَيْفَ بِهِمْ إذا حُشِرُوا إلى جِسْرِ جَهَنَّمَ؟ وهو أدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وأحَدُّ مِنَ الحُسامِ، وهو دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، مُظْلِمٌ لا يَقْطَعُهُ أحَدٌ إلّا بِنُورٍ يُبْصِرُ بِهِ مَواطِئَ الأقْدامِ، فَقُسِّمَتْ بَيْنَ النّاسِ الأنْوارُ، وهم عَلى قَدْرِ تَفاوُتِها في المُرُورِ والذَّهابِ، وأُعْطُوا نُورًا ظاهِرًا مَعَ أهْلِ الإسْلامِ، كَما كانُوا بَيْنَهم في هَذِهِ الدّارِ يَأْتُونَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والصِّيامِ، فَلَمّا تَوَسَّطُوا الجِسْرَ عَصَفَتْ عَلى أنْوارِهِمْ أهْوِيَةُ النِّفاقِ، فَأطْفَأتْ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ المَصابِيحِ، فَوَقَفُوا حَيارى لا يَسْتَطِيعُونَ المُرُورَ، فَضُرِبَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الإيمانِ بِسُورٍ لَهُ بابٌ، ولَكِنْ قَدْ حِيلَ بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ المَفاتِيحِ، باطِنُهُ الَّذِي يَلِي المُؤْمِنِينَ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وما يَلِيهِمْ مِن قِبَلِهِمُ العَذابُ والنِّقْمَةُ، يُنادُونَ مَن تَقَدَّمَهم مِن وفْدِ الإيمانِ، ومَشاعِلُ الرَّكْبِ تَلُوحُ عَلى بُعْدٍ كالنُّجُومِ، تَبْدُو لِناظِرِ الإنْسانِ ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ لِنَتَمَكَّنَ في هَذا المَضِيقِ مِنَ العُبُورِ، فَقَدْ طُفِئَتْ أنْوارُنا، ولا جَوازَ اليَوْمَ إلّا بِمِصْباحٍ مِنَ النُّورِ ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ حَيْثُ قُسِّمَتِ الأنْوارُ، فَهَيْهاتَ الوُقُوفُ لِأحَدٍ في مِثْلِ هَذا المِضْمارِ! كَيْفَ نَلْتَمِسُ الوُقُوفَ في هَذا المَضِيقِ؟ فَهَلْ يَلْوِي اليَوْمَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ في هَذا الطَّرِيقِ؟ وَهَلْ يَلْتَفِتُ اليَوْمَ رَفِيقٌ إلى رَفِيقٍ؟ فَذَكَّرُوهم بِاجْتِماعِهِمْ مَعَهم وصُحْبَتِهِمْ لَهم في هَذِهِ الدّارِ، كَما يُذَكِّرُ الغَرِيبُ صاحِبَ الوَطَنِ بِصُحْبَتِهِ لَهُ في الأسْفارِ ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نَصُومُ كَما تَصُومُونَ، ونُصَلِّي كَما تُصَلُّونَ، ونَقْرَأُ كَما تَقْرَءُونَ، ونَتَصَدَّقُ كَما تَتَصَدَّقُونَ، ونَحُجُّ كَما تَحُجُّونَ؟ فَما الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَنا اليَوْمَ، حَتّى انْفَرَدْتُمْ دُونَنا بِالمُرُورِ؟ ﴿قالُوا بَلى﴾ ولَكِنَّكم كانَتْ ظَواهِرُكم مَعَنا وبَواطِنُكم مَعَ كُلِّ مُلْحِدٍ، وكُلِّ ظَلُومٍ كَفُورٍ ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ - فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٤-١٥].

الحديد 57:14

(موعظة) عشاق الدنيا بين مقتول ومأسور فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر. يا طالبي العلم قد كتبتم ودرستم فلو طلبكم العلم في بيت العمل فلستم وإن ناقشكم على الإخلاص أفلستم. [فَصْلٌ: الِاغْتِرارُ بِالدُّنْيا] وَأعْظَمُ الخَلْقِ غُرُورًا مَنِ اغْتَرَّ بِالدُّنْيا وعاجَلَها، فَآثَرَها عَلى الآخِرَةِ، ورَضِيَ بِها مِنَ الآخِرَةِ، حَتّى يَقُولَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: الدُّنْيا نَقْدٌ، والآخِرَةُ نَسِيئَةٌ، والنَّقْدُ أحْسَنُ مِنَ النَّسِيئَةِ. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: ذَرَّةٌ مَنقُودَةٌ، ولا دُرَّةٌ مَوْعُودَةٌ. وَيَقُولُ آخَرُ مِنهُمْ: لَذّاتُ الدُّنْيا مُتَيَقَّنَةٌ، ولَذّاتُ الآخِرَةِ مَشْكُوكٌ فِيها، ولا أدَعُ اليَقِينَ بِالشَّكِّ. وَهَذا مِن أعْظَمِ تَلْبِيسِ الشَّيْطانِ وتَسْوِيلِهِ، والبَهائِمُ العُجْمُ أعْقَلُ مِن هَؤُلاءِ؛ فَإنَّ البَهِيمَةَ إذا خافَتْ مَضَرَّةَ شَيْءٍ لَمْ تُقْدِمْ عَلَيْهِ ولَوْ ضُرِبَتْ، وهَؤُلاءِ يُقْدِمُ أحَدُهم عَلى ما فِيهِ عَطَبُهُ، وهو بَيْنَ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ. فَهَذا الضَّرْبُ إنْ آمَنَ أحَدُهم بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ولِقائِهِ والجَزاءِ، فَهو مِن أعْظَمِ النّاسِ حَسْرَةً، لِأنَّهُ أقْدَمَ عَلى عِلْمٍ، وإنْ لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَأبْعَدُ لَهُ. وَقَوْلُ هَذا القائِلِ: النَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ. جَوابُهُ أنَّهُ إذا تَساوى النَّقْدُ والنَّسِيئَةُ فالنَّقْدُ خَيْرٌ، وإنْ تَفاوَتا وكانَتِ النَّسِيئَةُ أكْبَرَ وأفْضَلَ فَهي خَيْرٌ، فَكَيْفَ والدُّنْيا كُلُّها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَنَفَسٍ واحِدٍ مِن أنْفاسِ الآخِرَةِ؟ كَما في مُسْنَدِ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ المُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يُدْخِلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟» فَإيثارُ هَذا النَّقْدِ عَلى هَذِهِ النَّسِيئَةِ، مِن أعْظَمِ الغَبْنِ وأقْبَحِ الجَهْلِ، وإذا كانَ هَذا نِسْبَةَ الدُّنْيا بِمَجْمُوعِها إلى الآخِرَةِ، فَما مِقْدارُ عُمُرِ الإنْسانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ، فَأيُّما أوْلى بِالعاقِلِ؟ إيثارُ العاجِلِ في هَذِهِ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، وحِرْمانُ الخَيْرِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، أمْ تَرْكُ شَيْءٍ حَقِيرٍ صَغِيرٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ قُرْبٍ، لِيَأْخُذَ ما لا قِيمَةَ لَهُ ولا خَطَرَ لَهُ، ولا نِهايَةَ لِعَدَدِهِ، ولا غايَةَ لِأمَدِهِ؟ وَأمّا قَوْلُ الآخَرِ: لا أتْرُكُ مُتَيَقَّنًا لِمَشْكُوكٍ فِيهِ، فَيُقالُ لَهُ: إمّا أنْ تَكُونَ عَلى شَكٍّ مِن وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ، أوْ تَكُونَ عَلى يَقِينٍ مِن ذَلِكَ، فَإنْ كُنْتَ عَلى اليَقِينِ فَما تَرَكْتَ إلّا ذَرَّةً عاجِلَةً مُنْقَطِعَةً فانِيَةً عَنْ قُرْبٍ، لِأنَّهُ مُتَيَقَّنٌ لا شَكَّ فِيهِ ولا انْقِطاعَ لَهُ. وَإنْ كُنْتَ عَلى شَكٍّ فَراجِعْ آياتِ الرَّبِّ تَعالى الدّالَّةَ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ووَحْدانِيَّتِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ، وتَجَرَّدْ وقُمْ لِلَّهِ ناظِرًا أوْ مُناظِرًا، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ أنَّ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ فَهو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وأنَّ خالِقَ هَذا العالَمِ ورَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ يَتَعالى ويَتَقَدَّسُ ويَتَنَزَّهُ عَنْ خِلافِ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَنْهُ، ومَن نَسَبَهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ شَتَمَهُ وكَذَّبَهُ، وأنْكَرَ رُبُوبِيَّتَهُ ومُلْكَهُ. إذْ مِنَ المُحالِ المُمْتَنِعِ عِنْدَ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ، أنْ يَكُونَ المَلِكُ الحَقُّ عاجِزًا أوْ جاهِلًا، لا يَعْلَمُ شَيْئًا، ولا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَتَكَلَّمُ، ولا يَأْمُرُ ولا يَنْهى، ولا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ، ولا يُعِزُّ مَن يَشاءُ، ولا يُذِلُّ مَن يَشاءُ، ولا يُرْسِلُ رُسُلَهُ إلى أطْرافِ مَمْلَكَتِهِ ونَواحِيها، ولا يَعْتَنِي بِأحْوالِ رَعِيَّتِهِ، بَلْ يَتْرُكُهم سُدًى ويُخَلِّيهِمْ هَمَلًا، وهَذا يَقْدَحُ في مُلْكِ آحادِ مُلُوكِ البَشَرِ ولا يَلِيقُ بِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ نِسْبَةُ المَلِكِ الحَقِّ المُبِينِ إلَيْهِ؟ وَإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ حالَهُ مِن مَبْدَأِ كَوْنِهِ نُطْفَةً إلى حِينِ كَمالِهِ واسْتِوائِهِ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ مَن عُنِيَ بِهِ هَذِهِ العِنايَةَ، ونَقَلَهُ إلى هَذِهِ الأحْوالِ، وصَرَّفَهُ في هَذِهِ الأطْوارِ، لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُهْمِلَهُ ويَتْرُكَهُ سُدًى، لا يَأْمُرُهُ ولا يَنْهاهُ ولا يُعَرِّفُهُ بِحُقُوقِهِ عَلَيْهِ، ولا يُثِيبُهُ ولا يُعاقِبُهُ، ولَوْ تَأمَّلَ العَبْدُ حَقَّ التَّأمُّلِ لَكانَ كُلُّ ما يُبْصِرُهُ وما لا يُبْصِرُهُ دَلِيلًا لَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ في كِتابِ (أيمانِ القُرْآنِ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ - وما لا تُبْصِرُونَ - إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨-٤٠]. وَذَكَرْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. وَأنَّ الإنْسانَ دَلِيلُ نَفْسِهِ عَلى وُجُودِ خالِقِهِ وتَوْحِيدِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ، وإثْباتِ صِفاتِ كَمالِهِ. فَقَدْ بانَ أنَّ المُضَيِّعَ مَغْرُورٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ: تَقْدِيرِ تَصْدِيقِهِ ويَقِينِهِ، وتَقْدِيرِ تَكْذِيبِهِ وشَكِّهِ. كَيْفَ يَجْتَمِعُ اليَقِينُ بِالمَعادِ، والتَّخَلُّفُ عَنِ العَمَلِ؟ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ التَّصْدِيقُ الجازِمُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ بِالمَعادِ والجَنَّةِ والنّارِ ويَتَخَلَّفُ العَمَلُ؟ وهَلْ في الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّهُ مَطْلُوبٌ غَدًا إلى بَيْنِ يَدَيْ بَعْضِ المُلُوكِ لِيُعاقِبَهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ، أوْ يُكْرِمَهُ أتَمَّ كَرامَةٍ، ويَبِيتُ ساهِيًا غافِلًا لا يَتَذَكَّرُ مَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ولا يَسْتَعِدُّ لَهُ، ولا يَأْخُذُ لَهُ أُهْبَتَهُ؟ قِيلَ: هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ سُؤالٌ صَحِيحٌ وارِدٌ عَلى أكْثَرِ هَذا الخَلْقِ، فاجْتِماعُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِن أعْجَبِ الأشْياءِ وهَذا التَّخَلُّفُ لَهُ عِدَّةُ أسْبابٍ: أحَدُها: ضَعْفُ العِلْمِ، ونُقْصانُ اليَقِينِ، ومَن ظَنَّ أنَّ العِلْمَ لا يَتَفاوَتُ، فَقَوْلُهُ مِن أفْسَدِ الأقْوالِ وأبْطَلِها. وَقَدْ سَألَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى عِيانًا بَعْدَ عِلْمِهِ بِقُدْرَةِ الرَّبِّ عَلى ذَلِكَ، لِيَزْدادَ طُمَأْنِينَةً، ويَصِيرَ المَعْلُومُ غَيْبًا شَهادَةً. وَقَدْ رَوى أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ». فَإذا اجْتَمَعَ إلى ضَعْفِ العِلْمِ عَدَمُ اسْتِحْضارِهِ، أوْ غَيْبَتُهُ عَنِ القَلْبِ في كَثِيرٍ مِن أوْقاتِهِ أوْ أكْثَرِها لِاشْتِغالِهِ بِما يُضادُّهُ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ تَقاضِي الطَّبْعِ، وغَلَباتُ الهَوى، واسْتِيلاءُ الشَّهْوَةِ، وتَسْوِيلُ النَّفْسِ، وغُرُورُ الشَّيْطانِ، واسْتِبْطاءُ الوَعْدِ، وطُولُ الأمَلِ، ورَقْدَةُ الغَفْلَةِ، وحُبُّ العاجِلَةِ، ورُخَصُ التَّأْوِيلِ وإلْفُ العَوائِدِ، فَهُناكَ لا يُمْسِكُ الإيمانَ إلّا الَّذِي يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا، وبِهَذا السَّبَبِ يَتَفاوَتُ النّاسُ في الإيمانِ والأعْمالِ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى أدْنى مِثْقالِ ذَرَّةٍ في القَلْبِ. وَجِماعُ هَذِهِ الأسْبابِ يَرْجِعُ إلى ضَعْفِ البَصِيرَةِ والصَّبْرِ، ولِهَذا مَدَحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ الصَّبْرِ واليَقِينِ، وجَعَلَهم أئِمَّةً في الدِّينِ، فَقالَ تَعالى: ﴿مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. [فَصْلٌ: الفَرْقُ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ والغُرُورِ] وَقَدْ تَبَيَّنَ الفَرْقُ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ والغُرُورِ، وأنَّ حُسْنَ الظَّنِّ إنْ حَمَلَ عَلى العَمَلِ، وحَثَّ عَلَيْهِ، وساقَ إلَيْهِ، فَهو صَحِيحٌ، وإنْ دَعا إلى البِطالَةِ والِانْهِماكِ في المَعاصِي فَهو غُرُورٌ، وحُسْنُ الظَّنِّ هو الرَّجاءُ، فَمَن كانَ رَجاؤُهُ هادِيًا لَهُ إلى الطّاعَةِ، زاجِرًا لَهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَهو رَجاءٌ صَحِيحٌ، ومَن كانَتْ بِطالَتُهُ رَجاءً، ورَجاؤُهُ بِطالَةً وتَفْرِيطًا، فَهو المَغْرُورُ. وَلَوْ أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ أرْضٌ يُؤَمِّلُ أنْ يَعُودَ عَلَيْهِ مِن مَغْلِها ما يَنْفَعُهُ فَأهْمَلَها ولَمْ يَبْذُرْها ولَمْ يَحْرُثْها، وحَسُنَ ظَنُّهُ بِأنَّهُ يَأْتِي مِن مَغْلِها ما يَأْتِي مَن حَرَثَ وبَذَرَ وسَقى وتَعاهَدَ الأرْضَ لَعَدَّهُ النّاسُ مِن أسْفَهِ السُّفَهاءِ. وَكَذَلِكَ لَوْ حَسُنَ ظَنُّهُ وقَوِيَ رَجاؤُهُ بِأنْ يَجِيئَهُ ولَدٌ مِن غَيْرِ جِماعٍ أوْ يَصِيرَ أعْلَمَ أهْلِ زَمانِهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ العِلْمِ، وحِرْصٍ تامٍّ عَلَيْهِ، وأمْثالُ ذَلِكَ. فَكَذَلِكَ مَن حَسُنَ ظَنُّهُ وقَوِيَ رَجاؤُهُ في الفَوْزِ بِالدَّرَجاتِ العُلا والنَّعِيمِ المُقِيمِ، مِن غَيْرِ طاعَةٍ ولا تَقَرُّبٍ إلى اللَّهِ تَعالى بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، واجْتِنابِ نَواهِيهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]. فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ رَجاءَهم إتْيانَهم بِهَذِهِ الطّاعاتِ؟ وَقالَ المُغْتَرُّونَ: إنَّ المُفَرِّطِينَ المُضَيِّعِينَ لِحُقُوقِ اللَّهِ المُعَطِّلِينَ لِأوامِرِهِ، الباغِينَ عَلى عِبادِهِ، المُتَجَرِّئِينَ عَلى مَحارِمِهِ، أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ. وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الرَّجاءَ وحُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإتْيانُ بِالأسْبابِ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ في شَرْعِهِ وقَدَرِهِ وثَوابِهِ وكَرامَتِهِ، فَيَأْتِي العَبْدُ بِها ثُمَّ يُحْسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، ويَرْجُوهُ أنْ لا يَكِلَهُ إلَيْها، وأنْ يَجْعَلَها مُوصِلَةً إلى ما يَنْفَعُهُ، ويَصْرِفَ ما يُعارِضُها ويُبْطِلَ أثَرَها.

الحديد 57:16

وَلَمّا كانَ الإيمانُ مُوجِبًا لِلْخُشُوعِ، وداعِيًا إلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ دَعاهم مِن مَقامِ الإيمانِ إلى مَقامِ الإحْسانِ. يَعْنِي: أما آنَ لَهم أنْ يَصِلُوا إلى الإحْسانِ بِالإيمانِ؟ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِخُشُوعِهِمْ لِذِكْرِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْهِمْ؟ [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الخُشُوعِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الخُشُوعِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عاتَبَنا اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ، فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ وقالَ تَعالى ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾. والخُشُوعُ في أصْلِ اللُّغَةِ الِانْخِفاضُ، والذُّلُّ، والسُّكُونُ، قالَ تَعالى ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨] أيْ سَكَنَتْ، وذَلَّتْ، وخَضَعَتْ، ومِنهُ وصْفُ الأرْضِ بِالخُشُوعِ، وهو يُبْسُها، وانْخِفاضُها، وعَدَمُ ارْتِفاعِها بِالرَّيِّ والنَّباتِ، قالَ تَعالى ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩]. والخُشُوعُ: قِيامُ القَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ بِالخُضُوعِ والذُّلِّ، والجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ وَقِيلَ: الخُشُوعُ الِانْقِيادُ لِلْحَقِّ، وهَذا مِن مُوجِباتِ الخُشُوعِ. فَمِن عَلاماتِهِ أنَّ العَبْدَ إذا خُولِفَ ورُدَّ عَلَيْهِ بِالحَقِّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِالقَبُولِ والِانْقِيادِ. وَقِيلَ: الخُشُوعُ خُمُودُ نِيرانِ الشَّهْوَةِ، وسُكُونُ دُخانِ الصُّدُورُ، وإشْراقُ نُورِ التَّعْظِيمِ في القَلْبِ. وَقالَ الجُنَيْدُ: الخُشُوعُ تَذَلُّلُ القُلُوبِ لِعَلّامِ الغُيُوبِ. وَأجْمَعَ العارِفُونَ عَلى أنَّ الخُشُوعَ مَحَلُّهُ القَلْبُ، وثَمَرَتُهُ عَلى الجَوارِحِ، وهي تُظْهِرُهُ، «وَرَأى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ في الصَّلاةِ، فَقالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذا لَخَشَعَتْ جَوارِحُهُ» «قالَ النَّبِيُّ ﷺ التَّقْوى هاهُنا وأشارَ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ» وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: حُسْنُ أدَبِ الظّاهِرِ عُنْوانُ أدَبِ الباطِنِ، ورَأى بَعْضُهم رَجُلًا خاشِعَ المَنكِبَيْنِ والبَدَنِ، فَقالَ: يا فُلانُ، الخُشُوعُ هاهُنا، وأشارَ إلى صَدْرِهِ، لا هاهُنا، وأشارَ إلى مَنكِبَيْهِ. وَكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهو حُذَيْفَةُ، يَقُولُ: إيّاكم وخُشُوعَ النِّفاقِ، فَقِيلَ لَهُ: وما خُشُوعُ النِّفاقِ؟ قالَ: أنْ تَرى الجَسَدَ خاشِعًا والقَلْبُ لَيْسَ بِخاشِعٍ، ورَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا طَأْطَأ رَقَبَتَهُ في الصَّلاةِ، فَقالَ: يا صاحِبَ الرَّقَبَةِ، ارْفَعْ رَقَبَتَكَ، لَيْسَ الخُشُوعُ في الرِّقابِ، إنَّما الخُشُوعُ في القُلُوبِ، ورَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها شَبابًا يَمْشُونَ ويَتَمارَوْنَ في مِشْيَتِهِمْ، فَقالَتْ لِأصْحابِها: مَن هَؤُلاءِ؟ فَقالُوا: نُسّاكٌ، فَقالَتْ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إذا مَشى أسْرَعَ، وإذا قالَ أسْمَعَ، وإذا ضَرَبَ أوْجَعَ، وإذا أطْعَمَ أشْبَعَ، وكانَ هو النّاسِكَ حَقًّا، وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: كانَ يُكْرَهُ أنْ يُرِيَ الرَّجُلُ مِنَ الخُشُوعِ أكْثَرَ مِمّا في قَلْبِهِ، وقالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الخُشُوعُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الصَّلاةُ، ورُبَّ مُصَلٍّ لا خَيْرَ فِيهِ، ويُوشِكُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الجَماعَةِ فَلا تَرى فِيهِمْ خاشِعًا، وقالَ سَهْلٌ: مَن خَشَعَ قَلْبُهُ لَمْ يَقْرَبْ مِنهُ الشَّيْطانُ. (فَصْلٌ) قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: الخُشُوعُ: خُمُودُ النَّفْسِ، وهُمُودُ الطِّباعِ لِمُتَعاظِمٍ، أوْ مُفْزِعٍ. يَعْنِي انْقِباضَ النَّفْسِ والطَّبْعِ، وهو خُمُودُ قُوى النَّفْسِ عَنِ الِانْبِساطِ لِمَن لَهُ في القُلُوبِ عَظَمَةٌ ومَهابَةٌ، أوْ لِما يَفْزَعُ مِنهُ القَلْبُ. والحَقُّ أنَّ الخُشُوعَ مَعْنًى يَلْتَئِمُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والمَحَبَّةِ، والذُّلِّ والِانْكِسارِ. قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ، الدَّرَجَةُ الأُولى: التَّذَلُّلُ لِلْأمْرِ، والِاسْتِسْلامُ لِلْحُكْمِ، والِاتِّضاعُ لِنَظَرِ الحَقِّ. التَّذَلُّلُ لِلْأمْرِ تَلَقِّيهِ بِذِلَّةِ القَبُولِ والِانْقِيادِ والِامْتِثالِ. ومُواطَأةُ الظّاهِرِ الباطِنَ، مَعَ إظْهارِ الضَّعْفِ، والِافْتِقارِ إلى الهِدايَةِ لِلْأمْرِ قَبْلَ الفِعْلِ، والإعانَةِ عَلَيْهِ حالَ الفِعْلِ، وقَبُولِهِ بَعْدَ الفِعْلِ. وَأمّا الِاسْتِسْلامُ لِلْحُكْمِ فَيَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الحُكْمَ الدِّينِيَّ الشَّرْعِيَّ، فَيَكُونُ مَعْناهُ عَدَمَ مُعارَضَتِهِ بِرَأْيٍ أوْ شَهْوَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الِاسْتِسْلامَ لِلْحُكْمِ القَدَرِيِّ، وهو عَدَمُ تَلَقِّيهِ بِالتَّسَخُّطِ والكَراهَةِ والِاعْتِراضِ. والحَقُّ أنَّ الخُشُوعَ هو الِاسْتِسْلامُ لِلْحُكْمَيْنِ، وهو الِانْقِيادُ بِالمَسْكَنَةِ والذُّلِّ لِأمْرِ اللَّهِ وقَضائِهِ. وَأمّا الِاتِّضاعُ لِنَظَرِ الحَقِّ فَهو اتِّضاعُ القَلْبِ والجَوارِحِ، وانْكِسارُها لِنَظَرِ الرَّبِّ إلَيْها، واطِّلاعِهِ عَلى تَفاصِيلِ ما في القَلْبِ والجَوارِحِ، وهَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ [النازعات: ٤٠] وَهُوَ مَقامُ الرَّبِّ عَلى عَبْدِهِ بِالِاطِّلاعِ والقُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَخَوْفُهُ مِن هَذا المَقامِ يُوجِبُ لَهُ خُشُوعَ القَلْبِ لا مَحالَةَ، وكُلَّما كانَ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لَهُ كانَ أشَدَّ خُشُوعًا، وإنَّما يُفارِقُ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنِ اطِّلاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَظَرِهِ إلَيْهِ. والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ مَقامُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عِنْدَ لِقائِهِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ. وَعَلى الثّانِي وهو ألْيَقُ بِالآيَةِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المُخَوِّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فَصْلٌ) قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: تَرَقُّبُ آفاتِ النَّفْسِ والعَمَلِ، ورُؤْيَةُ فَضْلِ كُلِّ ذِي فَضْلٍ عَلَيْكَ، وتَنَسُّمُ نَسِيمِ الفَناءِ. يُرِيدُ انْتِظارَ ظُهُورِ نَقائِصِ نَفْسِكِ وعَمَلِكَ وعُيُوبِهِما لَكَ، فَإنَّهُ يَجْعَلُ القَلْبَ خاشِعًا لا مَحالَ، لِمُطالَعَةِ عُيُوبِ نَفْسِهِ وأعْمالِهِ ونَقائِصِهِما مِنَ الكِبْرِ، والعُجْبِ، والرِّياءِ، وضَعْفِ الصِّدْقِ، وقِلَّةِ اليَقِينِ، وتَشَتُّتِ النِّيَّةِ، وعَدَمِ تَجَرُّدِ الباعِثِ مِنَ الهَوى النَّفْسانِيِّ، وعَدَمِ إيقاعِ العَمَلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَرْضاهُ لِرَبِّكَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عُيُوبِ النَّفْسِ، ومُفْسِداتِ الأعْمالِ. وَأمّا رُؤْيَةُ فَضْلِ كُلِّ ذِي فَضْلٍ عَلَيْكَ فَهو أنْ تُراعِيَ حُقُوقَ النّاسِ فَتُؤَدِّيَها، ولا تَرى أنَّ ما فَعَلُوهُ مِن حُقُوقِكَ عَلَيْهِمْ، فَلا تُعاوِضَهم عَلَيْها. فَإنَّ هَذا مِن رُعُوناتِ النَّفْسِ وحَماقاتِها. ولا تُطالِبُهم بِحُقُوقِ نَفْسِكَ، وتَعْتَرِفُ بِفَضْلِ ذِي الفَضْلِ مِنهُمْ، وتَنْسى فَضْلَ نَفْسِكَ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: العارِفُ لا يَرى لَهُ عَلى أحَدٍ حَقًّا، ولا يَشْهَدُ عَلى غَيْرِهِ فَضْلًا، ولِذَلِكَ لا يُعاتِبُ، ولا يُطالِبُ، ولا يُضارِبُ. وَأمّا تَنَسُّمُ نَسِيمِ الفَناءِ فَلَمّا كانَ الفَناءُ عِنْدَهُ غايَةً، جَعَلَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ كالنَّسِيمِ لِرِقَّتِهِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالنَّسِيمِ لِلُطْفِ مَوْقِعِهِ مِنَ الرُّوحِ، وشَدَّةِ تَشَبُّثِها بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ الخُشُوعَ سَبَبٌ مُوصِلٌ إلى الفَناءِ، فاضِلَهُ ومَفْضُولَهُ. (فَصْلٌ) قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: حِفْظُ الحُرْمَةِ عِنْدَ المُكاشَفَةِ، وتَصْفِيَةُ الوَقْتِ مِن مُراءاةِ الخَلْقِ، وتَجْرِيدُ رُؤْيَةِ الفَضْلِ. أمّا حِفْظُ الحُرْمَةِ عِنْدَ المُكاشَفَةِ فَهو ضَبْطُ النَّفْسِ بِالذُّلِّ والِانْكِسارِ عَنِ البَسْطِ والإدْلالِ، الَّذِي تَقْتَضِيهِ المُكاشَفَةُ، فَإنَّ المُكاشَفَةَ تُوجِبُ بَسْطًا، ويُخافُ مِنهُ شَطْحٌ، إنْ لَمْ يَصْحَبْهُ خُشُوعٌ يَحْفَظُ الحُرْمَةَ. وَأمّا تَصْفِيَةُ الوَقْتِ مِن مُراءاةِ الخَلْقِ فَلا يُرِيدُ بِهِ أنْ يُصَفِّيَ وقْتَهُ عَنِ الرِّياءِ، فَإنَّ أصْحابَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ أجَلُّ قَدْرًا وأعْلى مِن ذَلِكَ. وَإنَّما المُرادُ أنْ يُخْفِيَ أحْوالَهُ عَنِ الخَلْقِ جُهْدَهُ، كَخُشُوعِهِ وذُلِّهِ وانْكِسارِهِ، لِئَلّا يَراها النّاسُ فَيُعْجِبُهُ اطِّلاعُهم عَلَيْها، ورُؤْيَتُهم لَها، فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ وقْتَهُ وقَلْبَهُ وحالَهُ مَعَ اللَّهِ، وكَمْ قَدِ اقْتَطَعَ في هَذِهِ المَفازَةِ مِن سالِكٍ؟ والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ، فَلا شَيْءَ أنْفَعُ لِلصّادِقِ مِنَ التَّحَقُّقِ بِالمَسْكَنَةِ والفاقَةِ والذُّلِّ، وأنَّهُ لا شَيْءَ، وأنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَصِحَّ لَهُ بَعْدُ الإسْلامُ حَتّى يَدَّعِيَ الشَّرَفَ فِيهِ. وَلَقَدْ شاهَدْتُ مِن شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ مِن ذَلِكَ أمْرًا لَمْ أُشاهِدْهُ مِن غَيْرِهِ، وكانَ يَقُولُ كَثِيرًا: ما لِي شَيْءٌ، ولا مِنِّي شَيْءٌ، ولا فِيَّ شَيْءٌ، وكانَ كَثِيرًا ما يَتَمَثَّلُ بِهَذا البَيْتِ: ؎أنا المُكَدِّي وابْنُ المُكَدِّي ∗∗∗ وهَكَذا كانَ أبِي وجَدِّي وَكانَ إذا أُثْنِي عَلَيْهِ في وجْهِهِ يَقُولُ: واللَّهِ إنِّي إلى الآنِ أُجَدِّدُ إسْلامِي كُلَّ وقْتٍ، وما أسْلَمْتُ بَعْدُ إسْلامًا جَيِّدًا. وَبَعَثَ إلَيَّ في آخِرِ عُمُرِهِ قاعِدَةً في التَّفْسِيرِ بِخَطِّهِ، وعَلى ظَهْرِها أبْياتٌ بِخَطِّهِ مِن نَظْمِهِ: ؎أنا الفَقِيرُ إلى رَبِّ البَرِيّاتِ ∗∗∗ أنا المُسَيْكِينُ في مَجْمُوعِ حالاتِي ؎أنا الظَّلُومُ لِنَفْسِي وهي ظالِمَتِي ∗∗∗ والخَيْرُ إنْ يَأْتِنا مِن عِنْدِهِ يَأْتِي ؎لا أسْتَطِيعُ لِنَفْسِي جَلْبَ مَنفَعَةٍ ∗∗∗ ولا عَنِ النَّفْسِ لِي دَفْعُ المَضَرّاتِ ؎وَلَيْسَ لِي دُونَهُ مَوْلًى يُدَبِّرُنِي ∗∗∗ ولا شَفِيعٌ إذا حاطَتْ خَطِيئاتِي ؎إلّا بِإذْنٍ مِنَ الرَّحْمَنِ خالِقِنا ∗∗∗ إلى الشَّفِيعِ كَما قَدْ جاءَ في الآياتِ ؎وَلَسْتُ أمْلِكُ شَيْئًا دُونَهُ أبَدًا ∗∗∗ ولا شَرِيكٌ أنا في بَعْضِ ذَرّاتِ ؎وَلا ظُهَيْرٌ لَهُ كَيْ يَسْتَعِينَ بِهِ ∗∗∗ كَما يَكُونُ لِأرْبابِ الوِلاياتِ ؎والفَقْرُ لِي وصْفُ ذاتِ لازِمٍ أبَدًا ∗∗∗ كَما الغِنى أبَدًا وصْفٌ لَهُ ذاتِي ؎وَهَذِهِ الحالُ حالُ الخَلْقِ أجْمَعِهِمْ ∗∗∗ وكُلُّهم عِنْدَهُ عَبْدٌ لَهُ آتِي ؎فَمَن بَغى مَطْلَبًا مِن غَيْرِ خالِقِهِ ∗∗∗ فَهو الجَهُولُ الظَّلُومُ المُشْرِكُ العاتِي ؎والحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءَ الكَوْنِ أجْمَعِهِ ∗∗∗ ما كانَ مِنهُ وما مِن بَعْدُ قَدْ ياتِي وَأمّا تَجْرِيدُ رُؤْيَةِ الفَضْلِ فَهو أنْ لا يَرى الفَضْلَ والإحْسانَ إلّا مِنَ اللَّهِ، فَهو المانُّ بِهِ بِلا سَبَبٍ مِنكَ، ولا شَفِيعٍ لَكَ تَقَدَّمَ إلَيْهِ بِالشَّفاعَةِ، ولا وسِيلَةٍ سَبَقَتْ مِنكَ تَوَسَّلْتَ بِها إلى إحْسانِهِ. والتَّجْرِيدُ هو تَخْلِيصُ شُهُودِ الفَضْلِ لِوَلِيِّهِ، حَتّى لا يَنْسُبَهُ إلى غَيْرِهِ، وإلّا فَهو في نَفْسِهِ مُجَرَّدٌ عَنِ النِّسْبَةِ إلى سِواهُ، وإنَّما الشَّأْنُ في تَجْرِيدِهِ في الشُّهُودِ، لِيُطابِقَ الشُّهُودُ الحَقَّ في نَفْسِ الأمْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الحديد 57:18

(فصل) الصدقة والإحسان والإعطاء وصف الرب تعالى، وأحب عباده إليه من اتصف بذلك كما قال النبي: "الخلق عيال الله فأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله" قالوا وقد ذكر الله سبحانه اصناف السعداء فبدأ بالمتصدقين أولهم فقال تعالى ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم المصدقين والمصدقات. قالوا وفي الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها إلا الله فمنها أنها تقي مصارع السوء، وتدفع البلاء حتى إنها لتدفع عن الظالم. قال إبراهيم النخعي وكانوا يرون أن الصدقة تدفع عن الرجل المظلوم وتطفئ الخطيئة، وتحفظ المال وتجلب الرزق وتفرح القلب، وتوجب الثقة بالله وحسن الظن به، كما أن البخل سوء الظن بالله. وترغم الشيطان يعني الصدقة وتزكي النفس وتنميها وتحبب العبد إلى الله وإلى خلقه، وتستر عليه كل عيب كما أن البخل يغطي عليه كل حسنة، وتزيد في العمر، وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم، وتدفع عن صاحبها عذاب القبر، وتكون عليه ظلا يوم القيامة، وتشفع له عند الله، وتهون عليه شدائد الدنيا والآخرة، وتدعوه إلى سائر أعمال البر فلا تستعصي عليه. وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك. قالوا ولو لم يكن في النفع والإحسان إلا أنه صفة الله وهو سبحانه يحب من اتصف بموجب صفاته وآثارها، فيحب العليم والجواد والحيي والستير، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر والكريم فصفته الغنى والجود ويحب الغني الجواد قالوا: ويكفي في فضل النفع المتعدي بالمال أن الجزاء عليه من جنس العمل فمن كسى مؤمنا كساه الله من حلل الجنة. ومن أشبع جائعا أشبعه الله من ثمار الجنة. ومن سقى ظمآنا سقاه الله من شراب الجنة. ومن أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار حتى فرجه بفرجه. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. (فصل) اعلمْ أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطبًا بذكره، فإنه اتقاه في أمره ونهيه وجعل ذكره شعاره. فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا هو الثواب والأجر. والذكر يوجب له القرب من الله عز وجل والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة. وعمال الآخرة على قسمين: منهم من يعمل على الأجر والثواب، ومنهم من يعمل على المنزلة والدرجة، فهو ينافس غيره في الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى ويسابق إلى القرب منه. وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قول الله تعالى: ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعف لهم ولهم أجر كريم﴾ فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب، ثم قال: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾ فهؤلاء أصحاب المنزلة والقرب ثم قال: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ فقيل هذا عطف على الخبر من ﴿الذين آمنوا بالله ورسله﴾ أخبر عنهم بأنهم هم الصديقون وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم، ثم أخبر عنهم أن لهم أجرًا وهو قوله تعالى ﴿لهم أجرهم ونورهم﴾ فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور: أنهم صديقون، وشهداء. فهذه هي المرتبة والمنزلة. قيل: تم الكلام عند قوله تعالى: ﴿الصديقون﴾ ثم ذكر بعد ذلك حال الشهداء فقال: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ فيكون قد ذكر المتصدقين أهل البر والإحسان ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلأوا منه، فهم الصديقون وهم أهل العلم والعمل، والأولون أهل البر والإحسان، ولكن هؤلاء أكمل صديقية منهم. ثم ذكر الشهداء وأنه تعالى يجري عليهم رزقهم ونورهم لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أثابهم الله تعالى عليها أن جعلهم أحياء عنده يرزقون فيجري عليهم رزقهم ونورهم فهؤلاء السعداء. ثم ذكر الأشقياء فقال: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ والمقصود أنه سبحانه وتعالى ذكر أصحاب الأجور والمراتب، وهذان الأمران هما اللذان وعدهما فرعون السحرة إن غلبوا موسى عليه الصلاة والسلام فقالوا: ﴿إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين﴾ أي أجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني. فالعمال عملوا على الأجور، والعارفون عملوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله. وأعمال هؤلاء القلبية أكثر من أعمال أولئك، وأعمال أولئك البدنية قد تكون أكثر من أعمال هؤلاء. (فصل) قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ، والشُّهَداءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ قيل: إن الوقف على قوله تعالى: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم يبتدئ (والشُّهَداءُ عِندَ رَبِّهِمْ) فيكون الكلام جملتين أخبر في إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون، والإيمان التام يستلزم العلم والعمل والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر عليه. وأخبر في الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداءِ، ولهذا قدمهم عليهم في الآيتين، هنا وفي سورة النساء، وهكذا جاءَ ذكرهم مقدمًا على الشهداءِ في كلام النبي ﷺ في قوله: "اثبت أُحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيد" ولهذا كان نعت الصديقية وصفًا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر الصديق [رضي الله عنه] ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتًا له رضي الله عنه. وقيل: إن الكلام كله جملة واحدة وأخبر عن المؤمنين بأنهم هم الصديقون والشهداءُ عند ربهم. وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشدهم الله على الناس يوم القيامة وهو قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وهم المؤمنون، فوصفهم بأنهم صديقون في الدنيا وشهداءُ على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداء وصفًا لجملة المؤمنين الصديقين. وقيل: الشهداء هم الذين قتلوا في سبيل الله، وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين ويكون قوله: (والشهداءُ) مبتدأ خبره ما بعده، لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيدًا في سبيل الله. ويرجحه أيضًا أنه لو كان الشهداء داخلًا في جملة الخبر عند المؤمنين لكان قوله تعالى: ﴿لَهُم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] داخلًا أيضًا في جملة الخبر عنهم ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنهم هم الصديقون، والثاني: أنهم هم الشهداءُ، والثالث: أن لهم أجرهم ونورهم. وذلك يتضمن عطف الخبر الثاني على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجردًا عن العطف، وهذا كما تقول: زيد كريم وعالم له مال والأحسن في هذا تناسب الأخبار بأن تجردها كلها من العطف أو تعطفها جميعًا فتقول: زيد كريم عالم له مال، أو كريم وعالم وله مال فتأمله. ويرجحه أيضًا أن الكلام يصير جملًا مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء وهم الصديقون والشهداء والصالحون وهم المذكورون في الآية وهم المتصدقون الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا، فهؤلاء ثلاثة أصناف ثم ذكر الرسل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء، فهؤلاء هم السعداء، ثم ذكر الأشقياء وهم نوعان: كفار، ومنافقون، فقال تعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩]، وذكر المنافقون في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فهؤلاء أصناف العالم كلهم، وترك سبحانه وتعالى ذكر المخلط صاحب الشائبتين على طريقة القرآن في ذكر السعداء والأشقياء دون المخلصين غالبًا لسر اقتضته حكمته سبحانه وتعالى. فليحذر صاحب التخليط، فإنه لا ضمان له على الله، ولا هو من أهل وعده المطلق، ولا ييأس من روح الله فإنه ليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار واقف بين الوعد والوعيد كل منهما يدعوه إلى موجبه لأنه أتى بسببه. وهذا هو الذي لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين، ولكن غلطوا في تخليده في النار، ولو نزلوه منزلة بين المنزلتين ووكلوه إلى المشيئة وقالوا بأنه يخرج من النار بتوحيده وإيمانه لأصابوا، ولكن منزلة بين منزلتين وصاحبهما مخلد في النار مما لا يقتضيه عقل ولا سمع، بل النصوص الصريحة المعلومة الصحة تشهد ببطلان قولهم. والله أعلم.

الحديد 57:19

(فصل) الصدقة والإحسان والإعطاء وصف الرب تعالى، وأحب عباده إليه من اتصف بذلك كما قال النبي: "الخلق عيال الله فأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله" قالوا وقد ذكر الله سبحانه اصناف السعداء فبدأ بالمتصدقين أولهم فقال تعالى ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم المصدقين والمصدقات. قالوا وفي الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها إلا الله فمنها أنها تقي مصارع السوء، وتدفع البلاء حتى إنها لتدفع عن الظالم. قال إبراهيم النخعي وكانوا يرون أن الصدقة تدفع عن الرجل المظلوم وتطفئ الخطيئة، وتحفظ المال وتجلب الرزق وتفرح القلب، وتوجب الثقة بالله وحسن الظن به، كما أن البخل سوء الظن بالله. وترغم الشيطان يعني الصدقة وتزكي النفس وتنميها وتحبب العبد إلى الله وإلى خلقه، وتستر عليه كل عيب كما أن البخل يغطي عليه كل حسنة، وتزيد في العمر، وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم، وتدفع عن صاحبها عذاب القبر، وتكون عليه ظلا يوم القيامة، وتشفع له عند الله، وتهون عليه شدائد الدنيا والآخرة، وتدعوه إلى سائر أعمال البر فلا تستعصي عليه. وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك. قالوا ولو لم يكن في النفع والإحسان إلا أنه صفة الله وهو سبحانه يحب من اتصف بموجب صفاته وآثارها، فيحب العليم والجواد والحيي والستير، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر والكريم فصفته الغنى والجود ويحب الغني الجواد قالوا: ويكفي في فضل النفع المتعدي بالمال أن الجزاء عليه من جنس العمل فمن كسى مؤمنا كساه الله من حلل الجنة. ومن أشبع جائعا أشبعه الله من ثمار الجنة. ومن سقى ظمآنا سقاه الله من شراب الجنة. ومن أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار حتى فرجه بفرجه. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. (فصل) اعلمْ أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطبًا بذكره، فإنه اتقاه في أمره ونهيه وجعل ذكره شعاره. فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا هو الثواب والأجر. والذكر يوجب له القرب من الله عز وجل والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة. وعمال الآخرة على قسمين: منهم من يعمل على الأجر والثواب، ومنهم من يعمل على المنزلة والدرجة، فهو ينافس غيره في الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى ويسابق إلى القرب منه. وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قول الله تعالى: ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعف لهم ولهم أجر كريم﴾ فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب، ثم قال: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾ فهؤلاء أصحاب المنزلة والقرب ثم قال: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ فقيل هذا عطف على الخبر من ﴿الذين آمنوا بالله ورسله﴾ أخبر عنهم بأنهم هم الصديقون وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم، ثم أخبر عنهم أن لهم أجرًا وهو قوله تعالى ﴿لهم أجرهم ونورهم﴾ فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور: أنهم صديقون، وشهداء. فهذه هي المرتبة والمنزلة. قيل: تم الكلام عند قوله تعالى: ﴿الصديقون﴾ ثم ذكر بعد ذلك حال الشهداء فقال: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ فيكون قد ذكر المتصدقين أهل البر والإحسان ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلأوا منه، فهم الصديقون وهم أهل العلم والعمل، والأولون أهل البر والإحسان، ولكن هؤلاء أكمل صديقية منهم. ثم ذكر الشهداء وأنه تعالى يجري عليهم رزقهم ونورهم لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أثابهم الله تعالى عليها أن جعلهم أحياء عنده يرزقون فيجري عليهم رزقهم ونورهم فهؤلاء السعداء. ثم ذكر الأشقياء فقال: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ والمقصود أنه سبحانه وتعالى ذكر أصحاب الأجور والمراتب، وهذان الأمران هما اللذان وعدهما فرعون السحرة إن غلبوا موسى عليه الصلاة والسلام فقالوا: ﴿إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين﴾ أي أجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني. فالعمال عملوا على الأجور، والعارفون عملوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله. وأعمال هؤلاء القلبية أكثر من أعمال أولئك، وأعمال أولئك البدنية قد تكون أكثر من أعمال هؤلاء. (فصل) قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ، والشُّهَداءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ قيل: إن الوقف على قوله تعالى: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم يبتدئ (والشُّهَداءُ عِندَ رَبِّهِمْ) فيكون الكلام جملتين أخبر في إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون، والإيمان التام يستلزم العلم والعمل والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر عليه. وأخبر في الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداءِ، ولهذا قدمهم عليهم في الآيتين، هنا وفي سورة النساء، وهكذا جاءَ ذكرهم مقدمًا على الشهداءِ في كلام النبي ﷺ في قوله: "اثبت أُحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيد" ولهذا كان نعت الصديقية وصفًا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر الصديق [رضي الله عنه] ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتًا له رضي الله عنه. وقيل: إن الكلام كله جملة واحدة وأخبر عن المؤمنين بأنهم هم الصديقون والشهداءُ عند ربهم. وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشدهم الله على الناس يوم القيامة وهو قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وهم المؤمنون، فوصفهم بأنهم صديقون في الدنيا وشهداءُ على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداء وصفًا لجملة المؤمنين الصديقين. وقيل: الشهداء هم الذين قتلوا في سبيل الله، وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين ويكون قوله: (والشهداءُ) مبتدأ خبره ما بعده، لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيدًا في سبيل الله. ويرجحه أيضًا أنه لو كان الشهداء داخلًا في جملة الخبر عند المؤمنين لكان قوله تعالى: ﴿لَهُم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] داخلًا أيضًا في جملة الخبر عنهم ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنهم هم الصديقون، والثاني: أنهم هم الشهداءُ، والثالث: أن لهم أجرهم ونورهم. وذلك يتضمن عطف الخبر الثاني على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجردًا عن العطف، وهذا كما تقول: زيد كريم وعالم له مال والأحسن في هذا تناسب الأخبار بأن تجردها كلها من العطف أو تعطفها جميعًا فتقول: زيد كريم عالم له مال، أو كريم وعالم وله مال فتأمله. ويرجحه أيضًا أن الكلام يصير جملًا مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء وهم الصديقون والشهداء والصالحون وهم المذكورون في الآية وهم المتصدقون الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا، فهؤلاء ثلاثة أصناف ثم ذكر الرسل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء، فهؤلاء هم السعداء، ثم ذكر الأشقياء وهم نوعان: كفار، ومنافقون، فقال تعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩]، وذكر المنافقون في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فهؤلاء أصناف العالم كلهم، وترك سبحانه وتعالى ذكر المخلط صاحب الشائبتين على طريقة القرآن في ذكر السعداء والأشقياء دون المخلصين غالبًا لسر اقتضته حكمته سبحانه وتعالى. فليحذر صاحب التخليط، فإنه لا ضمان له على الله، ولا هو من أهل وعده المطلق، ولا ييأس من روح الله فإنه ليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار واقف بين الوعد والوعيد كل منهما يدعوه إلى موجبه لأنه أتى بسببه. وهذا هو الذي لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين، ولكن غلطوا في تخليده في النار، ولو نزلوه منزلة بين المنزلتين ووكلوه إلى المشيئة وقالوا بأنه يخرج من النار بتوحيده وإيمانه لأصابوا، ولكن منزلة بين منزلتين وصاحبهما مخلد في النار مما لا يقتضيه عقل ولا سمع، بل النصوص الصريحة المعلومة الصحة تشهد ببطلان قولهم. والله أعلم.

الحديد 57:20

فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدا لأولي البصائر وأنها لعب ولهب تلهو بها النفوس وتلعب بها الأبدان واللعب واللهو لا حقيقة لهما وأنهما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون فيذهب ضائعا في غير شيء ثم أخبر أنها زينة زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون والنفوس استحسانا ومحبة، ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الآخرة ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى. قال الإمام حدثنا وكيع حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي قال: "ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها". وفى جامع الترمذي من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء قال الترمذي حديث صحيح. وفى صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال رسول الله: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع وأشار بالسبابة". وفى الترمذي من حديثه قال: "كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله على السخلة الميتة فقال رسول الله: "أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا ومن هوانها ألقوها يا رسول الله قال فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها" وفى الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما" والحديثان حسنان. قال الإمام أحمد حدثنا هيثم بن خارجة أنبأنا إسماعيل بن عياش بن عبد الله بن دينار النهراني قال قال عيسى عليه السلام للحواريين: "بحق أقول لكم إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق أقول لكم إن شركم عملا عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة، إنه لو يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله". وقال أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق قال أخبرني سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال قال عيسى ابن مريم عليه السلام "يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارا؟ قالوا يا روح الله ومن يقدر على ذلك؟ قال إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا". وفى كتاب الزهد لأحمد أن عيسى ابن مريم عليه السلام كان يقول "بحق أقول لكم إن أكل الخبز وشرب الماء العذب ونوما على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس" وفى المسند عنه: "إن الله ضرب طعام ابن آدم مَثَلًا لِلدُّنْيا، وإنْ قَزَّحَهُ، ومَلَّحَهُ فانْظُرُوا إلى ما يَصِيرُ " . (فصل) ثم أخبر سبحانه وتعالى عنها أنها يفاخر بعضنا بعضا بها فيطلبها ليفخر بها على صاحبه. وهذا حال كل من طلب شيئا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد والمفاخرة نوعان مذمومة ومحمودة فالمذمومة مفاخرة أهل الدنيا بها والمحمودة أن يطلب المفاخرة في الآخرة، فهذه من جنس المنافسة المأمور بها وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغار أن يناله دونه ويأنف من ذلك ويحمى أنفه له يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه دونك والتنافس تفاعل من ذلك كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه إليه وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة إلى الشيء النفيس. (فصل) ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد فيحب كل واحد أن يكاثر بني جنسه في ذلك ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالا وولدا وأن يقال فيه ذلك، وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن الله والدار الآخرة كما قال تعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ والتكاثر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم فيجمعه تكاثرا وتفاخرا وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها (فصل) ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته والصحيح إن شاء الله أن الكفار هم الكفار بالله. وذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به كما ذكرهم به في قوله يعجب الزراع وإنما خص الكفار به لأنهم أشد اعجابا بالدنيا فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون فهم أشد اعجابا بزينتها وما فيها من المؤمنين. ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه وهذا آخر الدنيا ومصيرها ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك فإذا كانت الآخرة انقلبت الدنيا واستحالت إلى عذاب شديد أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه كما قال علي بن أبي طالب الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عفها ومطلب نجح لمن سالم فيها مساجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه فيها اكتسبوا الرحمة وربحوا فيها العافية فمن ذا يذمها وقد آذنت بنيها ونعت نفسها وأهلها فتمثلت ببلائها وشوقت بسرورها إلى السرور تخويفا وتحذيرا وترغيبا فذمها قوم غداة الندامة وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا فيا أيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت إليك بل متى غرتك أبمنازل آبائك في الثرى أم بمضاجع أمهاتك في البلاء كم رأيت موروثا؟ كم عللت بكفيك عليلا؟ كم مرضت مريضا بيديك تبتغى له الشفاء وتستوصف له الأطباء، ثم لم تنفعه شفاعتك، ولم تسعفه طلبتك. مثلت لك الدنيا غداة مصرعه مصرعك ومضجعه مضجعك، ثم التفت إلى المقابر فقال يا أهل الغربة ويا أهل التربة أما الدور فسكنت، وأما الأموال فقسمت، وأما الأزواج فنكحت. فهذا خبر ما عندنا فهاتوا خبر ما عندكم. ثم التفت إلينا فقال: أما لو أذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى فالدنيا في الحقيقة لا تذم وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وهي قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار، ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة، فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها وهو الغالب على اسمها صار لها اسم الذم عند الإطلاق، وإلا فهى مبنى الآخرة ومزرعتها، ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الإيمان ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة إنما كان بما زرعوه فيها، وكفى بها مدحا وفضلا لأولياء الله فيها من قرة العيون وسرور القلوب وبهجة النفوس ولذة الأرواح والنعيم الذي لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والأنس به والفرح بقربه، والتذلل له ولذة مناجاته والإقبال عليه والاشتغال به عمن سواه، وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذي ألقاه من أمره، فأخبر به من شاء من عباده، ولهذا فضل ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة. وقالوا هذا حق الله عليهم، وذاك حظهم ونعيمهم، وحقه أفضل من حقهم. قالوا والإيمان والطاعة أفضل من جزائه. والتحقيق أنه لا يصح التفضيل بين أمرين في دارين مختلفين، ولو أمكن اجتماعهما في دار واحدة لأمكن طلب التفضيل. والإيمان والطاعة في هذه الدار أفضل ما فيها، ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما في الآخرة. فهذا أفضل ما في هذه الدار، وهذا أفضل ما في الدار الأخرى. ولا يصح أن يقال فأي الأمرين أفضل؟ فهذا أفضل الأسباب وهذا أفضل الغايات. وبالله التوفيق.

الحديد 57:21

[فصل: الفرق بين المبادرة والعجلة] والفرق بين المبادرة والعجلة أن المبادرة انتهاز الفرصة في وقتها ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها، لا يطلب الأمور في إدبارها ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته، فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضجها وإدراكها. والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها. فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين أحدهما التفريط والإضاعة. والثاني الاستعجال قبل الوقت، ولهذا كانت العجلة من الشيطان فإنها خفّة وطيش وحدّة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعا من الشرور، وتمنعه أنواعا من الخير، وهي قرين الندامة، فقلّ من استعجل إلا ندم، كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة.

الحديد 57:22

أخبر سبحانه أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع. وهو الأحسن. ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه وأنه يسير عليه، وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته، ولا بد قد كتبت قبل خلقهم هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه، ولم يفرحوا بالحاصل لعلهم أن المصيبة مقدرة في كل ما على الأرض. فكيف يفرح بشيء قد قدرت المصيبة فيه قبل خلقه؟ ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب أو خوف فواته، أو حصول مكروه، أو خوف حصوله نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله، وعلى فوته حيث لم يحصل. ونبه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعها، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع. وهذه هي أنواع المصائب فإذا تيقن العبد أنها مكتوبة مقدرة، وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه هانت عليه، وخف حملها، وأنزلها منزلة الحر والبرد. (فصل) وقال أبو داود الطيالسي ثنا عبد المؤمن هو ابن عبد الله قال كنا عند الحسن فأتاه يزيد بن أبي مريم السلولي يتوكأ على عصا فقال يا أبا سعيد أخبرني عن قول الله عز وجل: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلاَّ في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ فقال الحسن: نعم والله إن الله ليقضي القضية في السماء ثم يضرب لها أجلا أنه كائن في يوم كذا وكذا في ساعة كذا وكذا في الخاصة والعامة حتى إن الرجل ليأخذ العصا ما يأخذها إلا بقضاء وقدر. قال: يا أبا سعيد والله لقد أخذتها وإني عنها لغني ثم لا صبر لي عنها. قال الحسن: أوَلا ترى. واختلف في الضمير قوله ﴿من قبل أن نبرأها﴾ فقيل هو عائد على الأنفس لقربها منه. وقيل هو عائد على الأرض. وقيل عائد على المصيبة. والتحقيق أن يقال هو عائد على البرية التي تعم هذا كله، ودل عليه السياق. وقوله ﴿نبرأها﴾ فينتظم التقادير الثلاثة انتظاما واحدا. والله أعلم. (فصل) وَقَدْ أكْثَرَ النّاسُ مِنَ الكَلامِ في الزُّهْدِ وكَلٌّ أشارَ إلى ذَوْقِهِ. ونَطَقَ عَنْ حالِهِ وشاهِدِهِ. فَإنَّ غالِبَ عِباراتِ القَوْمِ عَنْ أذْواقِهِمْ وأحْوالِهِمْ. والكَلامُ بِلِسانِ العِلْمِ أوْسَعُ مِنَ الكَلامِ بِلِسانِ الذَّوْقِ، وأقْرَبُ إلى الحُجَّةِ والبُرْهانِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: الزُّهْدُ تَرْكُ ما لا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ. والوَرَعُ تَرْكَ ما تَخافُ ضَرَرُهُ في الآخِرَةِ. وَهَذِهِ العِبارَةُ مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في الزُّهْدِ والوَرَعِ وأجْمَعِها. وَقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الزُّهْدُ في الدُّنْيا قِصَرُ الأمَلِ. لَيْسَ بِأكْلِ الغَلِيظِ، ولا لُبْسِ العَباءِ. وَقالَ الجُنَيْدُ: سَمِعْتُ سَرِيًّا يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ سَلَبَ الدُّنْيا عَنْ أوْلِيائِهِ وحَماها عَنْ أصْفِيائِهِ، وأخْرَجَها مِن قُلُوبِ أهْلِ وِدادِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرْضَها لَهم. وَقالَ: الزُّهْدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ فالزّاهِدُ لا يَفْرَحُ مِنَ الدُّنْيا بِمَوْجُودٍ. ولا يَأْسَفُ مِنها عَلى مَفْقُودٍ. وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الزُّهْدُ يُورِثُ السَّخاءَ بِالمُلْكِ، والحُبُّ يُورِثُ السَّخاءَ بِالرُّوحِ. وَقالَ ابْنُ الجَلاءِ: الزُّهْدُ هو النَّظَرُ إلى الدُّنْيا بِعَيْنِ الزَّوالِ، فَتَصْغُرُ في عَيْنَيْكَ، فَيَسْهُلُ عَلَيْكَ الإعْراضُ عَنْها. وَقالَ ابْنُ خَفِيفٍ: الزُّهْدُ وُجُودُ الرّاحَةِ في الخُرُوجِ مِنَ المُلْكِ. وَقالَ أيْضًا: الزُّهْدُ سُلُوُّ القَلْبِ عَنِ الأسْبابِ، ونَفُضُّ الأيْدِي مِنَ الأمْلاكِ. وَقِيلَ: هو عُزُوفُ القَلْبِ عَنِ الدُّنْيا بِلا تَكَلُّفٍ. وَقالَ الجُنَيْدُ: الزُّهْدُ خُلُوُّ القَلْبِ عَمّا خَلَتْ مِنهُ اليَدُ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: الزُّهْدُ في الدُّنْيا قِصَرُ الأمَلِ. وَعَنْهُ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّهُ عَدَمُ فَرَحِهِ بِإقْبالِها. ولا حُزْنِهِ عَلى إدْبارِها. فَإنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ مَعَهُ ألْفُ دِينارٍ. هَلْ يَكُونُ زاهِدًا؟ فَقالَ: نَعَمْ. عَلى شَرِيطَةِ أنْ لا يَفْرَحَ إذا زادَتْ، ولا يَحْزَنَ إذا نَقَصَتْ.

الحديد 57:23

أخبر سبحانه أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع. وهو الأحسن. ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه وأنه يسير عليه، وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته، ولا بد قد كتبت قبل خلقهم هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه، ولم يفرحوا بالحاصل لعلهم أن المصيبة مقدرة في كل ما على الأرض. فكيف يفرح بشيء قد قدرت المصيبة فيه قبل خلقه؟ ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب أو خوف فواته، أو حصول مكروه، أو خوف حصوله نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله، وعلى فوته حيث لم يحصل. ونبه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعها، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع. وهذه هي أنواع المصائب فإذا تيقن العبد أنها مكتوبة مقدرة، وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه هانت عليه، وخف حملها، وأنزلها منزلة الحر والبرد. (فصل) وقال أبو داود الطيالسي ثنا عبد المؤمن هو ابن عبد الله قال كنا عند الحسن فأتاه يزيد بن أبي مريم السلولي يتوكأ على عصا فقال يا أبا سعيد أخبرني عن قول الله عز وجل: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلاَّ في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ فقال الحسن: نعم والله إن الله ليقضي القضية في السماء ثم يضرب لها أجلا أنه كائن في يوم كذا وكذا في ساعة كذا وكذا في الخاصة والعامة حتى إن الرجل ليأخذ العصا ما يأخذها إلا بقضاء وقدر. قال: يا أبا سعيد والله لقد أخذتها وإني عنها لغني ثم لا صبر لي عنها. قال الحسن: أوَلا ترى. واختلف في الضمير قوله ﴿من قبل أن نبرأها﴾ فقيل هو عائد على الأنفس لقربها منه. وقيل هو عائد على الأرض. وقيل عائد على المصيبة. والتحقيق أن يقال هو عائد على البرية التي تعم هذا كله، ودل عليه السياق. وقوله ﴿نبرأها﴾ فينتظم التقادير الثلاثة انتظاما واحدا. والله أعلم. (فصل) وَقَدْ أكْثَرَ النّاسُ مِنَ الكَلامِ في الزُّهْدِ وكَلٌّ أشارَ إلى ذَوْقِهِ. ونَطَقَ عَنْ حالِهِ وشاهِدِهِ. فَإنَّ غالِبَ عِباراتِ القَوْمِ عَنْ أذْواقِهِمْ وأحْوالِهِمْ. والكَلامُ بِلِسانِ العِلْمِ أوْسَعُ مِنَ الكَلامِ بِلِسانِ الذَّوْقِ، وأقْرَبُ إلى الحُجَّةِ والبُرْهانِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: الزُّهْدُ تَرْكُ ما لا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ. والوَرَعُ تَرْكَ ما تَخافُ ضَرَرُهُ في الآخِرَةِ. وَهَذِهِ العِبارَةُ مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في الزُّهْدِ والوَرَعِ وأجْمَعِها. وَقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الزُّهْدُ في الدُّنْيا قِصَرُ الأمَلِ. لَيْسَ بِأكْلِ الغَلِيظِ، ولا لُبْسِ العَباءِ. وَقالَ الجُنَيْدُ: سَمِعْتُ سَرِيًّا يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ سَلَبَ الدُّنْيا عَنْ أوْلِيائِهِ وحَماها عَنْ أصْفِيائِهِ، وأخْرَجَها مِن قُلُوبِ أهْلِ وِدادِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرْضَها لَهم. وَقالَ: الزُّهْدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ فالزّاهِدُ لا يَفْرَحُ مِنَ الدُّنْيا بِمَوْجُودٍ. ولا يَأْسَفُ مِنها عَلى مَفْقُودٍ. وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الزُّهْدُ يُورِثُ السَّخاءَ بِالمُلْكِ، والحُبُّ يُورِثُ السَّخاءَ بِالرُّوحِ. وَقالَ ابْنُ الجَلاءِ: الزُّهْدُ هو النَّظَرُ إلى الدُّنْيا بِعَيْنِ الزَّوالِ، فَتَصْغُرُ في عَيْنَيْكَ، فَيَسْهُلُ عَلَيْكَ الإعْراضُ عَنْها. وَقالَ ابْنُ خَفِيفٍ: الزُّهْدُ وُجُودُ الرّاحَةِ في الخُرُوجِ مِنَ المُلْكِ. وَقالَ أيْضًا: الزُّهْدُ سُلُوُّ القَلْبِ عَنِ الأسْبابِ، ونَفُضُّ الأيْدِي مِنَ الأمْلاكِ. وَقِيلَ: هو عُزُوفُ القَلْبِ عَنِ الدُّنْيا بِلا تَكَلُّفٍ. وَقالَ الجُنَيْدُ: الزُّهْدُ خُلُوُّ القَلْبِ عَمّا خَلَتْ مِنهُ اليَدُ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: الزُّهْدُ في الدُّنْيا قِصَرُ الأمَلِ. وَعَنْهُ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّهُ عَدَمُ فَرَحِهِ بِإقْبالِها. ولا حُزْنِهِ عَلى إدْبارِها. فَإنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ مَعَهُ ألْفُ دِينارٍ. هَلْ يَكُونُ زاهِدًا؟ فَقالَ: نَعَمْ. عَلى شَرِيطَةِ أنْ لا يَفْرَحَ إذا زادَتْ، ولا يَحْزَنَ إذا نَقَصَتْ.

الحديد 57:27

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الرِّعايَةِ] وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الرِّعايَةِ. وَهِيَ مُراعاةُ العِلْمِ وحِفْظُهُ بِالعَمَلِ. ومُراعاةُ العَمَلِ بِالإحْسانِ والإخْلاصِ. وحِفْظُهُ مِنَ المُفْسِداتِ. ومُراعاةُ الحالِ بِالمُوافَقَةِ. وحِفْظُهُ بِقَطْعِ التَّفْرِيقِ. فالرِّعايَةُ صِيانَةٌ وحِفْظٌ. وَمَراتِبُ العِلْمِ والعَمَلِ ثَلاثَةٌ: رِوايَةٌ: وهي مُجَرَّدُ النَّقْلِ وحَمْلِ المُرْوِيِّ. ودِرايَةٌ: وهي فَهْمُهُ وتَعَقُّلُ مَعْناهُ. ورِعايَةٌ: وهي العَمَلُ بِمُوجِبِ ما عَلِمَهُ ومُقْتَضاهُ. فالنَّقَلَةُ هَمَّتْهُمُ الرِّوايَةُ. والعُلَماءُ هَمَّتْهُمُ الدِّرايَةُ. والعارِفُونَ هَمَّتْهُمُ الرِّعايَةُ. وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ مَن لَمْ يَرْعَ ما اخْتارَهُ وابْتَدَعَهُ مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ حَقَّ رِعايَتِهِ. فَقالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ [الحديد: ٢٧]. " رَهْبانِيَّةً " مَنصُوبٌ بِ " ابْتَدَعُوها " عَلى الِاشْتِغالِ. إمّا بِنَفْسِ الفِعْلِ المَذْكُورِ - عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ - وإمّا بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ مُفَسَّرٌ بِهَذا المَذْكُورِ - عَلى قَوْلِ البَصْرِيِّينَ - أيْ: وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً. ولَيْسَ مَنصُوبًا بِوُقُوعِ الجَعْلِ عَلَيْهِ. فالوُقُوفُ التّامُّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَرَحْمَةً﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ أيْ: لَمْ نَشْرَعْها لَهم. بَلْ هُمُ ابْتَدَعُوها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ولَمْ نَكْتُبْها عَلَيْهِمْ. وَفِي نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ لَمْ نَكْتُبْها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ. وهَذا فاسِدٌ. فَإنَّهُ لَمْ يَكْتُبْها عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ. كَيْفَ وقَدْ أخْبَرَ: أنَّهم هُمُ ابْتَدَعُوها. فَهي مُبْتَدَعَةٌ غَيْرُ مَكْتُوبَةٍ. وأيْضًا فَإنَّ المَفْعُولَ لِأجْلِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِفِعْلِ الفاعِلِ المَذْكُورِ مَعَهُ. فَيَتَّحِدُ السَّبَبُ والغايَةُ. نَحْوُ: قُمْتُ إكْرامًا. فالقائِمُ هو المُكْرِمُ. وفِعْلُ الفاعِلِ المُعَلَّلِ هاهُنا هو الكِتابَةُ و" ﴿ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ " فِعْلُهُمْ، لا فِعْلُ اللَّهِ. فَلا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِفِعْلِ اللَّهِ. لِاخْتِلافِ الفاعِلِ. وَقِيلَ: بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ " كَتَبْناها "؛ أيْ ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ. وَهُوَ فاسِدٌ أيْضًا؛ إذْ لَيْسَ ابْتِغاءُ رِضْوانِ اللَّهِ عَيْنَ الرَّهْبانِيَّةِ، فَتَكُونُ بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ. ولا بَعْضَها، فَتَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. ولا أحَدُهُما مُشْتَمِلٌ عَلى الآخَرِ. فَتَكُونُ بَدَلَ اشْتِمالٍ. ولَيْسَ بَدَلَ غَلَطٍ. فالصَّوابُ أنَّهُ مَنصُوبٌ نَصْبَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ. أيْ لَمْ يَفْعَلُوها ولَمْ يَبْتَدِعُوها إلّا لِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ. ودَلَّ عَلى هَذا قَوْلُهُ " ابْتَدَعُوها " ثُمَّ ذَكَرَ الحامِلَ لَهم والباعِثَ عَلى ابْتِداعِ هَذِهِ الرَّهْبانِيَّةِ، وأنَّهُ هو طَلَبُ الرِّضْوانِ. ثُمَّ ذَمَّهم بِتَرْكِ رِعايَتِها؛ إذْ مَنِ التَزَمَ لِلَّهِ شَيْئًا لَمْ يُلْزِمْهُ اللَّهُ إيّاهُ مِن أنْواعِ القُرَبِ لَزِمَهُ رِعايَتَهُ وإتْمامَهُ. حَتّى ألْزَمَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ مَن شَرَعَ في طاعَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ حُكْمُهُ بِإتْمامِها. وجَعَلُوا التِزامَها بِالشُّرُوعِ كالتِزامِها بِالنَّذْرِ. كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وأحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ وهو إجْماعٌ - أوْ كالإجْماعِ - في أحَدِ النُّسُكَيْنِ. قالُوا: والِالتِزامُ بِالشُّرُوعِ أقْوى مِنَ الِالتِزامِ بِالقَوْلِ. فَكَما يَجِبُ عَلَيْهِ ما التَزَمَهُ بِالنَّذْرِ وفاءً، يَجِبُ عَلَيْهِ رِعايَةُ ما التَزَمَهُ بِالفِعْلِ إتْمامًا. وَلَيْسَ هَذا مَوْضِعَ اسْتِقْصاءِ هَذِهِ المَسْألَةِ. والقَصْدُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَمَّ مَن لَمْ يَرْعَ قُرْبَةً ابْتَدَعَها لِلَّهِ تَعالى حَقَّ رِعايَتِها؛ فَكَيْفَ بِمَن لَمْ يَرْعَ قُرْبَةً شَرَعَها اللَّهُ لِعِبادِهِ، وأذِنَ بِها وحَثَّ عَلَيْها؟! [فَصْلٌ دَرَجاتُ الرِّعايَةِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى رِعايَةُ الأعْمالِ] قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الرِّعايَةُ صَوْنٌ بِالعِنايَةِ. وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ دَرَجاتُ الرِّعايَةِ. الدَّرَجَةُ الأُولى: رِعايَةُ الأعْمالِ. والثّانِيَةُ: رِعايَةُ الأحْوالِ. والثّالِثَةُ: رِعايَةُ الأوْقاتِ. فَأمّا رِعايَةُ الأعْمالِ فَتَوْفِيرُها بِتَحْقِيرِها. والقِيامُ بِها مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلَيْها. وإجْراؤُها عَلى مَجْرى العِلْمِ، لا عَلى التَّزَيُّنِ بِها. أمّا قَوْلُهُ: صَوْنٌ بِالعِنايَةِ أيْ حِفْظٌ بِالِاعْتِناءِ، والقِيامِ بِحَقِّ الشَّيْءِ الَّذِي يَرْعاهُ. ومِنهُ راعِي الغَنَمِ. وَقَوْلُهُ: أمّا رِعايَةُ الأعْمالِ: فَتَوْفِيرُها بِتَحْقِيرِها. فالتَّوْفِيرُ: سَلامَةٌ مِن طَرَفَيِ التَّفْرِيطِ بِالنَّقْصِ، والإفْراطِ بِالزِّيادَةِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ في حُدُودِها وصِفاتِها وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وَأمّا تَحْقِيرُها فاسْتِصْغارُها في عَيْنِهِ. واسْتِقْلالُها، وأنَّ ما يَلِيقُ بِعَظْمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ وحُقُوقِ عُبُودِيَّتِهِ أمْرٌ آخَرُ. وأنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ. وأنَّهُ لا يَرْضى لِرَبِّهِ بِعَمَلِهِ، ولا بِشَيْءٍ مِنهُ. وَقَدْ قِيلَ: عَلامَةُ رِضا اللَّهِ عَنِ الإنْسانِ عَنْكَ إعْراضُكَ عَنْ نَفْسِكَ. وعَلامَةُ قَبُولِ عَمَلِكَ عَلامَةُ قَبُولِ العَمَلِ احْتِقارُهُ واسْتِقْلالُهُ، وصِغَرُهُ في قَلْبِكَ. حَتّى إنَّ العارِفَ لَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عُقَيْبَ طاعَتِهِ. وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلاثًا. وَأمَرَ اللَّهُ عِبادَهُ بِالِاسْتِغْفارِ عُقَيْبَ الحَجِّ. ومَدَحَهم عَلى الِاسْتِغْفارِ عُقَيْبَ قِيامِ اللَّيْلِ. وشَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ عُقَيْبَ الطُّهُورِ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ. فَمَن شَهِدَ واجِبَ رَبِّهِ ومِقْدارَ عَمَلِهِ، وعَيْبَ نَفْسِهِ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ اسْتِغْفارِ رَبِّهِ مِنهُ، واحْتِقارِهِ إيّاهُ واسْتِصْغارِهِ. وَأمّا القِيامُ بِها فَهو تَوْفِيَتُها حَقَّها، وجَعْلُها قائِمَةً كالشَّهادَةِ القائِمَةِ، والصَّلاةِ القائِمَةِ، والشَّجَرَةِ القائِمَةِ عَلى ساقِها الَّتِي لَيْسَتْ بِساقِطَةٍ. وَقَوْلُهُ: مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلَيْها؛ أيْ مِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْها ويُعَدِّدَها ويَذْكُرَها مَخافَةَ العَجَبِ والمِنَّةِ بِها. فَيَسْقُطُ مِن عَيْنِ اللَّهِ. ويَحْبَطُ عَمَلُهُ. وَقَوْلُهُ: وإجْراؤُها عَلى مَجْرى العِلْمِ هو أنْ يَكُونَ العَمَلُ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ المَأْخُوذِ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، إخْلاصًا لِلَّهِ. وإرادَةً لِوَجْهِهِ. وطَلَبًا لِمَرْضاتِهِ، لا عَلى وجْهِ التَّزَيُّنِ بِها عِنْدَ النّاسِ. [الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ رِعايَةُ الأحْوالِ] قالَ: وأمّا رِعايَةُ الأحْوالِ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الرِّعايَةِ فَهو أنْ يَعُدَّ الِاجْتِهادَ مُراءاةً، واليَقِينَ تَشَبُّعًا، والحالَ دَعْوى. أيْ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ في اجْتِهادِهِ أنَّهُ راءى النّاسَ. فَلا يَطْغى بِهِ. ولا يَسْكُنُ إلَيْهِ. ولا يَعْتَدُّ بِهِ. وَأمّا عَدُّهُ اليَقِينَ تَشَبُّعًا. فالتَّشَبُّعُ: افْتِخارُ الإنْسانِ بِما لا يَمْلِكُهُ. وَمِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ». وَعَدُّ اليَقِينِ تَشَبُّعًا: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ اليَقِينِ لَمْ يَكُنْ بِهِ، ولا مِنهُ، ولا اسْتَحَقَّهُ بَعِوَضٍ. وإنَّما هو فَضْلُ اللَّهِ وعَطاؤُهُ، ووَدِيعَتُهُ عِنْدَهُ، ومُجَرَّدُ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ. فَهو خُلْعَةٌ خَلَعَها سَيِّدُهُ عَلَيْهِ. والعَبْدُ وخُلْعَتُهُ مِلْكُهُ ولَهُ. فَما لِلْعَبْدِ في اليَقِينِ مَدْخَلٌ. وإنَّما هو مُتَشَبِّعٌ بِما هو مِلْكٌ لِلَّهِ وفَضْلُهُ ومِنَّتُهُ عَلى عَبْدِهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَتَّهِمَ يَقِينَهُ، وأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اليَقِينُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، بَلْ ما حَصَلَ لَهُ مِنهُ هو كالعارِيَّةِ لا المِلْكِ المُسْتَقِرِّ، فَهو مُتَشَبِّعٌ بِزَعْمِ نَفْسِهِ بِأنَّ اليَقِينَ مِلْكُهُ ولَهُ. ولَيْسَ كَذَلِكَ. وهَذا لا يَخْتَصُّ بِاليَقِينِ، بَلْ بِسائِرِ الأحْوالِ. فالصّادِقُ يَعُدُّ صِدْقَهُ تَشَبُّعًا. وكَذا المُخْلِصُ يَعُدُّ إخْلاصَهُ. وكَذا العالَمُ. لِاتِّهامِهِ لِصِدْقِهِ وإخْلاصِهِ وعِلْمِهِ. وأنَّهُ لَمْ تَرْسَخْ قَدَمُهُ في ذَلِكَ. ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ فِيهِ مِلْكَةً. فَهو كالمُتَشَبِّعِ بِهِ. وَلَمّا كانَ اليَقِينُ رُوحَ الأعْمالِ وعَمُودَها، وذُرْوَةَ سِنامِها خَصَّهُ بِالذِّكْرِ. تَنْبِيهًا عَلى ما دُونَهُ. والحاصِلُ أنَّهُ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ في حُصُولِ اليَقِينِ. فَإذا حَصَلَ فَلَيْسَ حُصُولُهُ بِهِ ولا مِنهُ، ولا لَهُ فِيهِ شَيْءٌ، فَهو يَذُمُّ نَفْسَهُ في عَدَمِ حُصُولِهِ. ولا يَحْمَدُها عِنْدَ حُصُولِهِ. وَأمّا عَدُّ الحالِ دَعْوى؛ أيْ دَعْوى كاذِبَةً، اتِّهامًا لِنَفْسِهِ، وتَطْهِيرًا لَها مِن رُعُونَةِ الدَّعْوى، وتَخْلِيصًا لِلْقَلْبِ مِن نَصِيبِ الشَّيْطانِ. فَإنَّ الدَّعْوى مِن نَصِيبِ الشَّيْطانِ. وَكَذَلِكَ القَلْبُ السّاكِنُ إلى الدَّعْوى مَأْوى الشَّيْطانِ. أعاذَنا اللَّهُ مِنَ الدَّعْوى ومِنَ الشَّيْطانِ. [فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ رِعايَةُ الأوْقاتِ] قالَ وأمّا: رِعايَةُ الأوْقاتِ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ مِن دَرَجاتِ الرِّعايَةِ فَأنْ يَقِفَ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ. ثُمَّ أنْ يَغِيبَ عَنْ حُضُورِهِ بِالصَّفاءِ مِن رَسْمِهِ. ثُمَّ أنْ يَذْهَبَ عَنْ شُهُودِ صَفْوِ صَفْوِهِ. أيْ يَقِفَ مَعَ حَرَكَةِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ بِمِقْدارِ تَصْحِيحِها نِيَّةً وقَصْدًا وإخْلاصًا ومُتابَعَةً، فَلا يَخْطُوَ هَجْمًا وهَمَجًا، بَلْ يَقِفَ قَبْلَ الخَطْوِ حَتّى يُصَحِّحَ الخُطْوَةَ، ثُمَّ يَنْقُلَ قَدَمَ عَزْمِهِ. فَإذا صَحَّتْ لَهُ ونَقَلَ قَدَمَهُ انْفَصَلَ عَنْها. وقَدْ صَحَّتِ الغَيْبَةُ عَنْ شُهُودِها ورُؤْيَتِها. فَيَغِيبُ عَنْ شُهُودِ تَقَدُّمِهِ بِنَفْسِهِ. فَإنَّ رَسْمَهُ هو نَفْسُهُ. فَإذا غابَ عَنْ شُهُودِ نَفْسِهِ وتَقَدُّمِهِ بِها في كُلِّ خُطْوَةٍ. فَذَلِكَ عَيْنُ الصَّفاءِ مِن رَسْمِهِ الَّذِي هو نَفْسُهُ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يُشاهِدُ فَضْلَ رَبِّهِ. وَلَمّا كانَتِ النَّفْسُ مَحَلَّ الأكْدارِ. سُمِّيَ انْفِصالُهُ عَنْها صَفاءً. وهَذِهِ الأُمُورُ تَسْتَدْعِي لُطْفَ إدْراكٍ، واسْتِعْدادًا مِنَ العَبْدِ. وذَلِكَ عَيْنُ المِنَّةُ عَلَيْهِ. وَأمّا ذَهابُهُ عَنْ شُهُودِ صَفْوِهِ أيْ لا يَسْتَحْضِرُهُ في قَلْبِهِ. ويَشْهَدُ ذَلِكَ الصَّفْوَ المَطْلُوبَ. ويَقِفُ عِنْدَهُ. فَإنَّ ذَلِكَ مِن بَقايا النَّفْسِ وأحْكامِها، وهو كَدَرٌ. فَإذا تَخَلَّصَ مِنَ الكَدَرِ لا يَنْبَغِي لَهُ الِالتِفاتُ والرُّجُوعُ إلَيْهِ. فَيَصْفُوَ مِنَ الرَّسْمِ. ويَغِيبَ عَنِ الصَّفْوِ بِمُشاهَدَةِ المَطْلَبِ الأعْلى. والمَقْصِدِ الأسْنى.

الحديد 57:28

وَفي قَوْلِهِ: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ تَصَرُّفَهم وتَقَلُّبَهُمُ الَّذِي يَنْفَعُهم إنَّما هو النُّورُ، وأنَّ مَشْيَهم بِغَيْرِ النُّورِ غَيْرُ مُجْدٍ عَلَيْهِمْ، ولا نافِعٌ لَهم بَلْ ضَرَرُهُ أكْثَرُ مِن نَفْعِهِ. وَفِيهِ: أنَّ أهْلَ النُّورِ هم أهْلُ المَشْيِ في النّاسِ، ومَن سِواهم أهْلُ الزَّمانَةِ والِانْقِطاعِ فَلا مَشْيَ لِقُلُوبِهِمْ ولا لِأحْوالِهِمْ، ولا لِأقْوالِهِمْ، ولا لِأقْدامِهِمْ إلى الطّاعاتِ. وكَذَلِكَ لا تَمْشِي عَلى الصِّراطِ إذا مَشَتْ بِأهْلِ الأنْوارِ أقْدامُهم. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ وهِيَ: أنَّهم يَمْشُونَ عَلى الصِّراطِ بِأنْوارِهِمْ كَما يَمْشُونَ بِها بَيْنَ النّاسِ في الدُّنْيا، ومَن لا نُورَ لَهُ فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْقُلَ قَدَمًا عَنْ قَدَمٍ عَلى الصِّراطِ، فَلا يَسْتَطِيعُ المَشْيَ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ.

المجادلة 58:1

(فصل) «وَسَألَهُ ﷺ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ البَياضِيُّ فَقالَ: ظاهَرْت مِن امْرَأتِي حَتّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضانَ؛ فَبَيْنَما هي تَخْدُمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذْ انْكَشَفَ لِي مِنها شَيْءٌ، فَلَمْ ألْبَثْ أنْ نَزَوْتُ عَلَيْها، فَقالَ أنْتَ بِذاكَ يا سَلَمَةُ فَقُلْت: أنا بِذاكَ فَأنا صابِرٌ لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فاحْكم في بِما أراك اللَّهُ، قالَ حَرِّرْ رَقَبَةً قُلْتُ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَها، وضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي، قالَ فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ فَقُلْتُ: وهَلْ أصَبْتُ الَّذِي أصَبْتُ إلّا مِن الصِّيامِ؟ قالَ فَأطْعِمْ وسْقًا مِن تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قُلْتُ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا لَقَدْ بِتْنا وحْشِيَّيْنِ ما لَنا مِن طَعامٍ، قالَ فانْطَلِقْ إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْها إلَيْكَ، فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ، وكُلْ أنْتَ وعِيالَكَ بَقِيَّتَها فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي، فَقُلْتُ: وجَدَتْ عِنْدَكم الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأْي، ووَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّعَةَ وحُسْنَ الرَّأْيِ، وأمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ» ذَكَرَهُ أحْمَدُ. «وَسَألَتْهُ ﷺ خَوْلَةُ بِنْتُ مالِكٍ، فَقالَتْ: إنّ زَوْجَها أوْسَ بْنَ الصّامِتِ ظاهَرَ مِنها، وشَكَتْهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجادِلُها فِيهِ بِقَوْلِهِ اتَّقِي اللَّهَ فَإنَّهُ ابْنُ عَمِّكَ فَما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ الآياتُ. فَقالَ يَعْتِقُ رَقَبَةً قالَتْ: لا يَجِدُ، قالَ، فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ قالَتْ: إنّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ما بِهِ مِن صِيامٍ، قالَ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا قالَتْ: ما عِنْدَهُ مِن شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَأتى ساعَتَهُ بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قالَ أحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأطْعِمِي بِها عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وارْجِعِي إلى ابْنِ عَمِّكِ» ذَكَرَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُد، ولَفْظُ أحْمَدَ: «قالَتْ في واللَّهِ وفي أوْسِ بْنِ الصّامِتِ أنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ المُجادَلَةِ، قالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُهُ وضَجِرَ، قالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا، فَراجَعْتُهُ بِشَيْءٍ، فَغَضِبَ فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ في نادِي قَوْمِهِ ساعَةً ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإذا هو يُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي، قالَتْ: قُلْتُ: كَلا واَلَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لا تَخْلُصُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِينا بِحُكْمٍ، قالَتْ: فَواثَبَنِي، فامْتَنَعْتُ مِنهُ، فَغَلَبْتُهُ بِما تَغْلِبُ المَرْأةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَألْقَيْتُهُ عَنِّي، ثُمَّ خَرَجْتُ إلى بَعْضِ جاراتِي، فاسْتَعَرْتُ مِنها ثِيابَها، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ما لَقِيتُ مِنهُ، فَجَعَلْتُ أشْكُو إلَيْهِ ما ألْقى مِن سُوءِ خُلُقِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ؛ يا خُوَيْلَةُ ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فاتَّقِي اللَّهَ فِيهِ، قالَتْ: فَواللَّهِ ما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ، فَتَغَشّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يَتَغَشّاهُ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقالَ: يا خُوَيْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ، ثُمَّ قَرَأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] قالَتْ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ. وَعِنْدَ ابْنِ ماجَهْ «أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلَ شَبابِي ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتّى إذا كَبِرَ سِنِي وانْقَطَعَ ولَدِي ظاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ، فَما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ جَبْرائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَؤُلاءِ الآياتِ». (فصل) وأما سمع الله لمن حمده فقال السهيلي: مفعول سمع محذوف لأن السمع متعلق بالأقوال والأصوات دون غيرها فاللام على بابها إلا أنها تؤذن بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع فاجتمع في الكلمة الإيجاز والدلالة على الزائد وهي الاستجابة لمن حمده. وهذا مثل قوله ﴿عسى أن يكون ردف لكم﴾ ليست اللام لام المفعول كما زعموا ولا هي زائدة ولكن (ردف) فعل متعد ومعموله غير هذا الاسم كما كان مفعول سمع غير المجرور ومعنى ردف تبع وجاء على الأثر فلو حملته على الاسم المجرور لكان المعنى غير صحيح إذا تأملته ولكن المعنى ردف لكم استعجالكم وقولكم لأنهم قالوا: متى هذا الوعد ثم حذف المفعول الذي هو القول والاستعجال اتكالا على فهم السامع ودلت اللام على الحذف لمنعها الاسم الذي دخلت عليه أن يكون مفعولا وآذنت أيضا بفائدة أخرى وهي معنى عجل لكم فهي متعلقة بهذا المعنى فصار معنى الكلام قل عسى أن يكون عجل لكم بعض الذي تستعجلون فردف قولكم واستعجل لكم فدلت ردف على أنهم قالوا واستعجلوا ودلت اللام على المعنى الآخر فانتظم الكلام أحسن انتظام واجتمع مع الإيجاز معنى التمام. قلت: فعل السمع يراد به أربعة معان: أحدهما: سمع إدراك ومتعلقه الأصوات الثاني: سمع فهم وعقل ومتعلقه المعاني الثالث: سمع إجابة وإعطاء ما سئل الرابع: سمع قبول وانقياد فمن الأول: ﴿سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ و ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾ ومن الثاني قوله: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا﴾ ليس المراد سمع مجرد الكلام بل سمع الفهم والعقل، ومنه ﴿سمعنا وأطعنا﴾. ومن الثالث سمع الله لمن حمده وفي الدعاء المأثور "اللهم اسمع" أي أجب وأعط ما سألتك. ومن الرابع قوله تعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي قابلون له ومنقادون غير منكرين له ومنه على أصح القولين: ﴿وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي قابلون ومنقادون. وقيل: عيون وجواسيس. وليس بشيء فإن العيون والجواسيس إنما تكون بين الفئتين غير المختلطتين فيحتاج إلى الجواسيس والعيون وهذه الآية إنما هي في حق المنافقين وهم كانوا مختلطين بالصحابة بينهم فلم يكونوا محتاجين إلى عيون وجواسيس. وإذا عرف هذا فسمْعُ الإدراك يتعدى بنفسه، وسمع القبول يتعدى باللام تارة وبـ (مِن) أخرى. وهذا بحسب المعنى، فإذا كان السياق يقتضي القبول عدي بـ (مِن) وإذا كان يقتضي الانقياد عدي باللام. وأما سمْع الإجابة فيتعدى باللام نحو سمع الله لمن حمده لتضمنه معنى استجاب له ولا حذف هناك، وإنما هو مضمن، وأما سمع الفهم فيتعدى بنفسه لأن مضمونه يتعدى بنفسه.

المجادلة 58:2

فإن قيل: فما تقولون في قول المظاهر: أنت عليّ كظهر أمي: هل هو إنشاء أو إخبار؟ فإن قلتم: إنشاء كان باطلا من وجوه: أحدها: أن الإنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب. والله سبحانه قد كذبهم هنا في ثلاثة مواضع. أحدها: في قوله «ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ» فنفي ما أثبتوه. وهذا حقيقة التكذيب. ومن طلق امرأته، لا يحسن أن يقال: ما هي مطلقته والثاني: في قوله «إنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ» والإنشاء لا يكون منكرا من القول، وإنما يكون المنكر هو الخبر. والثاني: أنه سماه «زورا» والزور: هو الكذب. وإذا كذبهم الله دل على أن الظهار إخبار لا إنشاء. الثالث: أن الظهار محرم، وليس جهة تحريمه إلّا كونه كذبا. والدليل على تحريمه: خمسة أشياء. أحدها: وصفه بالمنكر. والثاني وصفه بالزور. والثالث: أنه شرع فيه الكفارة. ولو كان مباحا لم يكن فيه كفارة. والرابع: أن الله قال: ﴿ذلِكم تُوعَظُونَ بِهِ﴾ والوعظ إنما يكون في غير المباحات. والخامس: قوله: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ والعفو والمغفرة: إنما يكونان عن الذنب. وإن قلتم: هو إخبار، فهو باطل من وجوه. أحدها: أن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فجعله الله في الإسلام تحريما تزيله الكفارة. وهذا متفق عليه بين أهل العلم. ولو كان خبرا لم يوجب التحريم. فإنه إن كان صدقا فظاهر. وإن كان كذبا: فأبعد له من أن يترتب عليه التحريم. والثاني: أنه لفظ الظهار يوجب حكمه الشرعي بنفسه، وهو التحريم. وهذا حقيقة الإنشاء، بخلاف الخبر. فإنه لا يوجب حكمه بنفسه. فسلب كونه إنشاء مع ثبوت حقيقة الإنشاء فيه: جمع بين النقيضين. والثالث: أن إفادة قوله: أنت علي كظهر أمي: للتحريم، كإفادة قوله: أنت حرة، وأنت طالق. وبعتك ورهنتك، وتزوجتك، ونحوها: لأحكامها. فكيف يقولون: هذه إنشاءات دون الظهار؟ وما الفرق؟ قيل: أما الفقهاء فيقولون: الظهار إنشاء. ونازعهم بعض المتأخرين في ذلك. وقال: الصواب أنه إخبار. وأجاب عما احتجوا به من كونه إنشاء. قال: أما قولهم: كان طلاقا في الجاهلية: فهذا لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق، بل يقتضي أنهم كانوا يزيلون به العصمة عند النطق به. فجاز أن يكون زوالها لكونه إنشاء، كما زعمتم، أو لكونه كذبا، وجرت عادتهم أن من أخبر بهذا الكذب زالت عصمة نكاحه. وهذا كما التزموا تحريم الناقة إذا جاءت بعشرة من الولد. ونحو ذلك. قال: وأما قولكم: إنه يوجب التحريم المؤقت. وهذا حقيقة الإنشاء، لا الإخبار - فلا نسلم أن ثم تحريما ألبتة - والذي دل عليه القرآن: وجوب تقديم الكفارة على الوطء، كتقديم الطهارة على الصلاة. فإذا قال الشارع: لا تصل حتى تتطهر: ولا يدل ذلك على تحريم الصلاة عليه، بل ذلك نوع ترتيب. سلمنا أن الظهار ترتب عليه تحريم، لكن التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له، ودلالته عليه. وهذا هو الإنشاء. وقد يكون عقوبة محضة، كترتيب حرمان الإرث على القتل. وليس القتل إنشاء للتحريم، وكترتيب التعزير على الكذب، وإسقاط العدالة به. فهذا ترتيب بالوضع الشرعي، لا بدلالة اللفظ. وحقيقة الإنشاء: أن يكون ذلك اللفظ وضع لذلك الحكم. ويدل عليه، كصيغ العقود. فسببية القول أعم من كونه سببا بالإنشاء أو بغيره. فكل إنشاء سبب، وليس كل سبب إنشاء. فالسببية أعم. فلا يستدل بمطلقها على الإنشاء. فإن الأعم لا يستلزم الأخص. فظهر الفرق بين ترتب التحريم على الطلاق، وترتبه على الظهار. قال: وأما قولكم: إنه كالتكلم بالطلاق والعتاق والبيع ونحوها: فقياس في الأسباب. فلا نقبله. ولو سلمناه نص القرآن يدفعه. وهذه الاعتراضات عليهم باطلة. وأما قوله: إن كونه طلاقا في الجاهلية فلا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق إلخ فكلام باطل قطعا. فإنهم لم يكونوا يقصدون الإخبار بالكذب ليترتب عليه التحريم، بل كانوا إذا أرادوا الطلاق أتوا بلفظ الظهار إرادة للطلاق. ولم يكونوا عند أنفسهم كاذبين ولا مخبرين. وإنما كانوا منشئين للطلاق به. ولهذا كان هذا ثابتا في أول الإسلام. حتى نسخه الله بالكفارة في قصة خولة بنت ثعلبة وكانت تحت عبادة بن الصامت. فقال لها «أنت علي كظهر أمي. فأتت رسول الله ﷺ، فسألته عن ذلك. فقال رسول الله ﷺ حرمت عليه. فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق، وإنه أبو ولدي. وأحب الناس إلي. فقال: حرمت عليه. فقالت: أشكو إلى الله فاقتي وحدتي. فقال رسول الله ﷺ: ما أراك إلا قد حرمت عليه. ولم أومر في شأنك بشيء. فجعلت تراجع رسول الله ﷺ. وإذا قال لها: حرمت عليه. هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وأن لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا. وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكوا إليك. وكان هذا أول ظهار في الإسلام. فنزل الوحي على رسول الله ﷺ فلما قضي الوحي. قال رسول الله ﷺ: ادعي زوجك، فتلا عليه رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ الآيات. فهذا يدل على أن الظهار كان إنشاء للتحريم الحاصل بالطلاق في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بالطلاق. وبهذا يبطل ما نظر به من تحريم الناقة عند ولادها عشرة أبطن ونحوه. فإنه ليس هناك لفظ إنشاء يقتضي التحريم، بل هو شرع منهم لهذا التحريم عند هذا السبب. وأما قوله: إنا لا نسلم أنه يوجب تحريما: فكلام باطل. فإنه لا نزاع بين الفقهاء أن الظهار يقتضي تحريما تزيله الكفارة. فلو وطئها قبل التكفير أثم بالإجماع المعروف من الدين. والتحريم المؤقت هنا كالتحريم بالإحرام، وبالصيام وبالحيض. وأما تنظيره بالصلاة مع الطهر ففاسد. فإن الله أوجب على المصلي أن يصلي صلاة بطهر. فإذا لم يأت بالطهر ترك ما أوجب الله عليه، فأستحق الإثم. وأما المظاهر فإنه حرم على نفسه امرأته وشبّهها بمن تحرم عليه. فمنعه الله من قربانها حتى يكفر. فهنا تحريم مستند إلى كفارة. وفي الصلاة لا تجزئ منه بغير طهر. لأنها صلاة غير مشروعة أصلا. وقوله: التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له، وقد يكون عقوبة إلخ. جوابه: أنهما غير متنافيين في الظهار، فإنه حرام، وتحرم المرأة به تحريما مؤقتا حتى يكفر. وهذا لا يمنع كون اللفظ إنشاء، كجمع الثلاث عند من يوقعها، والطلاق في الحيض، فإنه يحرم ويعقبه التحريم. وقد قلتم: إن طلاق السكران يقع عقوبة له، مع أنه لم يقصد إنشاء سبب تطلق به امرأته اتفاقا. فكون التحريم عقوبة لا ينفي أن يستند إلى أسبابها التي تكون إنشاءات لها. وقوله: السببية أعم من الإنشاء. جوابه: أن السبب نوعان. فعل وقول، فمتى كان قولا لم يكن إلا إنشاء. فإن أردتم بالعموم: أن سببية القول أعم من كونها إنشاء وإخبارا فممنوع. وإن أردتم أن مطلق السببية أعم من كونها سببية بالفعل وبالقول. فمسلم. ولا يفيدكم شيئا. وفصل الخطاب: أن قوله: أنت علي كظهر أمي: يتضمن إنشاء وإخبارا. فهو إنشاء من حيث قصد التحريم بهذا اللفظ، وإخبار من حيث تشبيهها بظهر أمه. ولهذا جعله الله منكرا من القول زورا. فهو منكر باعتبار الإنشاء، وزور باعتبار الإخبار. وأما قوله: إن المنكر هو الخبر الكاذب من النّكر. والنكر أعم منه. فالإنكار في الإنشاء والإخبار. فإنه ضد المعروف. فما لم يؤذن فيه من الإنشاء فهو منكر. وما لم يكن صدقا من الأخبار فهو زور. [حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الظِّهارِ، وبَيانُ ما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَعْنى العَوْدِ المُوجِبِ لِلْكَفّارَةِ] قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ - والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ - فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٢-٤]. ثَبَتَ في السُّنَنِ والمَسانِيدِ: أنَّ أوس بن الصامت ظاهَرَ مِن زَوْجَتِهِ خولة بنت مالك بن ثعلبة، وهي الَّتِي جادَلَتْ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واشْتَكَتْ إلى اللَّهِ، وسَمِعَ اللَّهُ شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، فَقالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أوس بن الصامت تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيَّ، فَلَمّا خَلا سِنِّي، ونَثَرَتْ لَهُ بَطْنِي، جَعَلَنِي كَأُمِّهِ عِنْدَهُ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما عِنْدِي في أمْرِكِ شَيْءٌ، فَقالَتْ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ» ورُوِيَ أنَّها قالَتْ: «إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا، إنْ ضَمَّهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، فَنَزَلَ القُرْآنُ.» وَقالَتْ عائشة: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ جاءَتْ خولة بنت ثعلبة تَشْكُو إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا في كِسْرِ البَيْتِ يَخْفى عَلَيَّ بَعْضُ كَلامِها فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾». فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِيُعْتِقْ رَقَبَةً، قالَتْ: لا يَجِدُ، قالَ: فَيَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ما بِهِ مِن صِيامٍ، قالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قالَتْ: ما عِنْدَهُ مِن شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ، قالَتْ: فَأُتِيَ ساعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: أحْسَنْتِ فَأطْعِمِي عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وارْجِعِي إلى ابْنِ عَمِّكِ» وَفِي السُّنَنِ أنَّ «سلمة بن صخر البياضي ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ مُدَّةَ شَهْرِ رَمَضانَ، ثُمَّ واقَعَها لَيْلَةً قَبْلَ انْسِلاخِهِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أنْتَ بِذاكَ يا سلمة "، قالَ: قُلْتُ: أنا بِذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ وأنا صابِرٌ لِأمْرِ اللَّهِ، فاحْكم فِيَّ بِما أراكَ اللَّهُ، قالَ: " حَرِّرْ رَقَبَةً " قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا ما أمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَها، وضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي، قالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، قالَ: وهَلْ أصَبْتُ الَّذِي أصَبْتُ إلّا في الصِّيامِ، قالَ: فَأطْعِمْ وسْقًا مِن تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ بِتْنا وحْشَيْنِ ما لَنا طَعامٌ، قالَ فانْطَلِقْ إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْها إلَيْكَ، فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ، وكُلْ أنْتَ وعِيالُكَ بَقِيَّتَها. قالَ: فَرُحْتُ إلى قَوْمِي فَقُلْتُ: وجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأْيِ، ووَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّعَةَ وحُسْنَ الرَّأْيِ، وقَدْ أمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ» وَفِي " جامِعِ الترمذي " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، قالَ: وما حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قالَ رَأيْتُ خَلْخالَها في ضَوْءِ القَمَرِ، قالَ فَلا تَقْرَبْها حَتّى تَفْعَلَ ما أمَرَكَ اللَّهُ» قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَفِيهِ أيْضًا: عَنْ سلمة بن صخر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في المُظاهِرِ يُواقِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، فَقالَ: (كَفّارَةٌ واحِدَةٌ) وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ انْتَهى، وفِيهِ انْقِطاعٌ بَيْنَ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ وسَلَمَةَ بن صخر. وَفِي مُسْنَدِ البزار، عَنْ إسماعيل بن مسلم، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ طاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: «أتى رَجُلٌ إلى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي، ثُمَّ وقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣]؟ فَقالَ: أعْجَبَتْنِي، فَقالَ: أمْسِكْ عَنْها حَتّى تُكَفِّرَ» قالَ البزار: لا نَعْلَمُهُ يُرْوى بِإسْنادٍ أحْسَنَ مِن هَذا، عَلى أنَّ إسماعيل بن مسلم قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ، ورَوى عَنْهُ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الأحْكامُ أُمُورًا. أحَدُها: إبْطالُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، وفي صَدْرِ الإسْلامِ مِن كَوْنِ الظِّهارِ طَلاقًا، ولَوْ صَرَّحَ بِنِيَّتِهِ لَهُ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ، لَمْ يَكُنْ طَلاقًا، وكانَ ظِهارًا، وهَذا بِالِاتِّفاقِ، إلّا ما عَساهُ مِن خِلافٍ شاذٍّ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أحمد والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما. قالَ الشّافِعِيُّ: ولَوْ ظاهَرَ يُرِيدُ طَلاقًا كانَ ظِهارًا، أوْ طَلَّقَ يُرِيدُ ظِهارًا كانَ طَلاقًا، هَذا لَفْظُهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ إلى مَذْهَبِهِ خِلافُ هَذا، ونَصَّ أحمد: عَلى أنَّهُ إذا قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ، أنَّهُ ظِهارٌ ولا تَطْلُقُ بِهِ، وهَذا لِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ فَنُسِخَ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُعادَ إلى الحُكْمِ المَنسُوخِ. وَأيْضًا فأوس بن الصامت إنَّما نَوى بِهِ الطَّلاقَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ، وأجْرى عَلَيْهِ حُكْمَ الظِّهارِ دُونَ الطَّلاقِ. وَأيْضًا فَإنَّهُ صَرِيحٌ في حُكْمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ جَعْلُهُ كِنايَةً في الحُكْمِ الَّذِي أبْطَلَهُ عَزَّ وجَلَّ بِشَرْعِهِ، وقَضاءُ اللَّهِ أحَقُّ، وحُكْمُ اللَّهِ أوْجَبُ. وَمِنها أنَّ الظِّهارَ حَرامٌ لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ، وكِلاهُما حَرامٌ، والفَرْقُ بَيْنَ جِهَةِ كَوْنِهِ مُنْكَرًا، وجِهَةِ كَوْنِهِ زُورًا، أنَّ قَوْلَهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَتَضَمَّنُ إخْبارَهُ عَنْها بِذَلِكَ وإنْشاءَهُ تَحْرِيمَها، فَهو يَتَضَمَّنُ إخْبارًا وإنْشاءً، فَهو خَبَرٌ زُورٌ، وإنْشاءٌ مُنْكَرٌ، فَإنَّ الزُّورَ هو الباطِلُ خِلافُ الحَقِّ الثّابِتِ، والمُنْكَرَ خِلافُ المَعْرُوفِ، وخَتَمَ سُبْحانَهُ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢] وفِيهِ إشْعارٌ بِقِيامِ سَبَبِ الإثْمِ الَّذِي لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ ومَغْفِرَتُهُ لَآخَذَ بِهِ. وَمِنها: أنَّ الكَفّارَةَ لا تَجِبُ بِنَفْسِ الظِّهارِ، وإنَّما تَجِبُ بِالعَوْدِ. وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ طاوُوسٍ قالَ: إذا تَكَلَّمَ بِالظِّهارِ فَقَدْ لَزِمَهُ، وهَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، ورَوى معمر، عَنْ طاوُوسٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قالَ: جَعَلَها عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَطَؤُها فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. وَحَكى النّاسُ عَنْ مجاهد: أنَّهُ تَجِبُ الكَفّارَةُ بِنَفْسِ الظِّهارِ، وحَكاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وعُثْمانَ البَتِّيِّ، وهَؤُلاءِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أنَّ العَوْدَ شَرْطٌ في الكَفّارَةِ، ولَكِنِ العَوْدُ عِنْدَهم هو العَوْدُ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّظاهُرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في جَزاءِ الصَّيْدِ: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أيْ عادَ إلى الِاصْطِيادِ بَعْدَ نُزُولِ تَحْرِيمِهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ قالُوا: ولِأنَّ الكَفّارَةَ إنَّما وجَبَتْ في مُقابَلَةِ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِنَ المُنْكَرِ والزُّورِ، وهو الظِّهارُ دُونَ الوَطْءِ، أوِ العَزْمِ عَلَيْهِ، قالُوا: ولِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا حَرَّمَ الظِّهارَ ونَهى عَنْهُ كانَ العَوْدُ هو فِعْلُ المَنهِيِّ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ إنْ عُدْتُمْ إلى الذَّنْبِ عُدْنا إلى العُقُوبَةِ؟ فالعَوْدُ هُنا نَفْسُ فِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ. قالُوا: ولِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنُقِلَ حُكْمُهُ مِنَ الطَّلاقِ إلى الظِّهارِ، ورَتَّبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرَ، وتَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ حَتّى يُكَفِّرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُعْتَبَرًا بِلَفْظِهِ كالطَّلاقِ. وَنازَعَهُمُ الجُمْهُورُ في ذَلِكَ، وقالُوا: إنَّ العَوْدَ أمْرٌ وراءَ مُجَرَّدِ لَفْظِ الظِّهارِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى العَوْدِ إلَيْهِ في الإسْلامِ؛ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَيانٌ لِحُكْمِ مَن يُظاهِرُ في الإسْلامِ، ولِهَذا أتى فِيها بِلَفْظِ الفِعْلِ مُسْتَقْبَلًا، فَقالَ: يُظاهِرُونَ، وإذا كانَ هَذا بَيانًا لِحُكْمِ ظِهارِ الإسْلامِ، فَهو عِنْدَكم نَفْسُ العَوْدِ، فَكَيْفَ يَقُولُ بَعْدَهُ: ثُمَّ يَعُودُونَ، وأنَّ مَعْنى هَذا العَوْدِ غَيْرُ الظِّهارِ عِنْدَكُمْ؟ الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ العَوْدُ ما ذَكَرْتُمْ، وكانَ المُضارِعُ بِمَعْنى الماضِي، كانَ تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ ظاهَرُوا مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ عادُوا في الإسْلامِ، ولَما وجَبَتِ الكَفّارَةُ إلّا عَلى مَن تَظاهَرَ في الجاهِلِيَّةِ، ثُمَّ عادَ في الإسْلامِ، فَمِن أيْنَ تُوجِبُونَها عَلى مَنِ ابْتَدَأ الظِّهارَ في الإسْلامِ غَيْرَ عائِدٍ؟ فَإنَّ هُنا أمْرَيْنِ: ظِهارٌ سابِقٌ، وعَوْدٌ إلَيْهِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ حُكْمَ الظِّهارِ الآنَ بِالكُلِّيَّةِ، إلّا أنْ تَجْعَلُوا " يُظاهِرُونَ " لِفُرْقَةٍ، ويَعُودُونَ لِفُرْقَةٍ، ولَفْظُ المُضارِعِ نائِبًا عَنْ لَفْظِ الماضِي، وذَلِكَ مُخالِفٌ لِلنَّظْمِ، ومُخْرِجٌ عَنِ الفَصاحَةِ. الثّالِثُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ أوس بن الصامت، وسلمة بن صخر بِالكَفّارَةِ، ولَمْ يَسْألْهُما: هَلْ تَظاهَرا في الجاهِلِيَّةِ أمْ لا؟ فَإنْ قُلْتُمْ: ولَمْ يَسْألْهُما عَنِ العَوْدِ الَّذِي تَجْعَلُونَهُ شَرْطًا، ولَوْ كانَ شَرْطًا لَسَألَهُما عَنْهُ. قِيلَ: أمّا مَن يَجْعَلُ العَوْدَ نَفْسَ الإمْساكِ بَعْدَ الظِّهارِ زَمَنًا، يُمْكِنُ وُقُوعُ الطَّلاقِ فِيهِ، فَهَذا جارٍ عَلى قَوْلِهِ وهو نَفْسُ حُجَّتِهِ، ومَن جَعَلَ العَوْدَ هو الوَطْءُ والعَزْمُ، قالَ: سِياقُ القِصَّةِ بَيِّنٌ في أنَّ المُتَظاهِرِينَ كانَ قَصْدُهُمُ الوَطْءَ، وإنَّما أمْسَكُوا لَهُ، وسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَأمّا كَوْنُ الظِّهارِ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا فَنَعَمْ هو كَذَلِكَ ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إنَّما أوْجَبَ الكَفّارَةَ في هَذا المُنْكَرِ والزُّورِ بِأمْرَيْنِ: بِهِ، وبِالعَوْدِ، كَما أنَّ حُكْمَ الإيلاءِ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وعَلى الوَطْءِ لا عَلى أحَدِهِما. [فَصْلٌ: قَوْلُ الظّاهِرِيَّةِ بِأنَّ مَعْنى العَوْدِ أيْ إعادَةُ اللَّفْظِ] وَقالَ الجُمْهُورُ: لا تَجِبُ الكَفّارَةُ إلّا بِالعَوْدِ بَعْدَ الظِّهارِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مَعْنى العَوْدِ، هَلْ هو إعادَةُ لَفْظِ الظِّهارِ بِعَيْنِهِ، أوْ أمْرٌ وراءَهُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: فَقالَ أهْلُ الظّاهِرِ كُلُّهُمْ: هو إعادَةُ لَفْظِ الظِّهارِ، ولَمْ يَحْكُوا هَذا عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ألْبَتَّةَ، وهو قَوْلٌ لَمْ يُسْبَقُوا إلَيْهِ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ الشَّكاةُ لا يَكادُ مَذْهَبٌ مِنَ المَذاهِبِ يَخْلُو عَنْها. قالُوا: فَلَمْ يُوجِبِ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكَفّارَةَ إلّا بِالظِّهارِ المُعادِ لا المُبْتَدَأِ. قالُوا: والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ أحَدُها: أنَّ العَرَبَ لا يُعْقَلُ في لُغاتِها العَوْدُ إلى الشَّيْءِ إلّا فِعْلُ مِثْلِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، قالُوا: وهَذا كِتابُ اللَّهِ وكَلامُ رَسُولِهِ وكَلامُ العَرَبِ بَيْنَنا وبَيْنَكم. قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فَهَذا نَظِيرُ الآيَةِ سَواءٌ في أنَّهُ عَدّى فِعْلَ العَوْدِ بِاللّامِ، وهو إتْيانُهم مَرَّةً ثانِيَةً بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ أوَّلًا، وقالَ تَعالى: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ إنْ كَرَّرْتُمُ الذَّنْبَ كَرَّرْنا العُقُوبَةَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] وهَذا في سُورَةِ الظِّهارِ نَفْسِها، وهو يُبَيِّنُ المُرادَ مِنَ العَوْدِ فِيهِ، فَإنَّهُ نَظِيرُهُ فِعْلًا وإرادَةً، والعَهْدُ قَرِيبٌ بِذِكْرِهِ. قالُوا: وأيْضًا، فالَّذِي قالُوهُ: هو لَفْظُ الظِّهارِ، فالعَوْدُ إلى القَوْلِ هو الإتْيانُ بِهِ مَرَّةً ثانِيَةً لا تَعْقِلُ العَرَبُ غَيْرَ هَذا. قالُوا: وأيْضًا فَما عَدا تَكْرارَ اللَّفْظِ إمّا إمْساكٌ، وإمّا عَزْمٌ، وإمّا فِعْلٌ، ولَيْسَ واحِدٌ مِنها بِقَوْلٍ، فَلا يَكُونُ الإتْيانُ بِهِ عَوْدًا، لا لَفْظًا ولا مَعْنى، ولِأنَّ العَزْمَ والوَطْءَ والإمْساكَ لَيْسَ ظِهارًا، فَيَكُونَ الإتْيانُ بِها عَوْدًا إلى الظِّهارِ. قالُوا: ولَوْ أُرِيدَ بِالعَوْدِ الرُّجُوعُ في الشَّيْءِ الَّذِي مَنَعَ مِنهُ نَفْسَهُ كَما يُقالُ: عادَ في الهِبَةِ، لَقالَ: ثُمَّ يَعُودُونَ فِيما قالُوا، كَما في الحَدِيثِ: «العائِدُ في هِبَتِهِ، كالعائِدِ في قَيْئِهِ» واحْتَجَّ أبو محمد ابن حزم بِحَدِيثِ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ أوس بن الصامت كانَ بِهِ لَمَمٌ فَكانَ إذا اشْتَدَّ بِهِ لَمَمُهُ ظاهَرَ مِن زَوْجَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ كَفّارَةَ الظِّهارِ. فَقالَ: هَذا يَقْتَضِي التَّكْرارَ، ولا بُدَّ. قالَ: ولا يَصِحُّ في الظِّهارِ إلّا هَذا الخَبَرُ وحْدَهُ. قالَ: وأمّا تَشْنِيعُكم عَلَيْنا بِأنَّ هَذا القَوْلَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَأرُونا مِنَ الصَّحابَةِ مَن قالَ: إنَّ العَوْدَ هو الوَطْءُ، أوِ العَزْمُ، أوِ الإمْساكُ، أوْ هو العَوْدُ إلى الظِّهارِ في الجاهِلِيَّةِ، ولَوْ عَنْ رَجُلٍ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ، فَلا تَكُونُونَ أسْعَدَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنّا أبَدًا. [فَصْلٌ: رَدُّ الجُمْهُورِ عَلى الظّاهِرِيَّةِ] وَنازَعَهُمُ الجُمْهُورُ في ذَلِكَ، وقالُوا: لَيْسَ مَعْنى العَوْدِ إعادَةَ اللَّفْظِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ هو العَوْدَ، لَقالَ: ثُمَّ يُعِيدُونَ ما قالُوا؛ لِأنَّهُ يُقالُ أعادَ كَلامَهُ بِعَيْنِهِ، وأمّا عادَ، فَإنَّما هو في الأفْعالِ، كَما يُقالُ: عادَ في فِعْلِهِ، وفي هِبَتِهِ، فَهَذا اسْتِعْمالُهُ بِ " في ". ويُقالُ عادَ إلى عَمَلِهِ، وإلى وِلايَتِهِ، وإلى حالِهِ، وإلى إحْسانِهِ وإساءَتِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وعادَ لَهُ أيْضًا. وَأمّا القَوْلُ: فَإنَّما يُقالُ: أعادَهُ كَما «قالَ ضماد بن ثعلبة لِلنَّبِيِّ ﷺ أعِدْ عَلَيَّ كَلِماتِكَ» وَكَما «قالَ أبو سعيد " أعِدْها عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ» وَهَذا لَيْسَ بِلازِمٍ فَإنَّهُ يُقالُ: أعادَ مَقالَتَهُ، وعادَ لِمَقالَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: (فَعادَ لِمَقالَتِهِ) بِمَعْنى أعادَها، سَواءٌ، وأفْسَدُ مِن هَذا رَدُّ مَن رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ إعادَةَ القَوْلِ مُحالٌ كَإعادَةِ أمْسِ. قالَ: لِأنَّهُ لا يَتَهَيَّأُ اجْتِماعُ زَمانَيْنِ وهَذا في غايَةِ الفَسادِ، فَإنَّ إعادَةَ القَوْلِ مِن جِنْسِ إعادَةِ الفِعْلِ، وهي الإتْيانُ بِمِثْلِ الأوَّلِ لا بِعَيْنِهِ، والعَجَبُ مِن مُتَعَصِّبٍ يَقُولُ: لا يُعْتَدُّ بِخِلافِ الظّاهِرِيَّةِ، ويُبْحَثُ مَعَهم بِمِثْلِ هَذِهِ البُحُوثِ، ويُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذا الرَّدِّ، وكَذَلِكَ رَدُّ مَن رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ العائِدِ في هِبَتِهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ نَظِيرَ الآيَةِ، وإنَّما نَظِيرُها ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] ومَعَ هَذا فَهَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ المُرادَ مِن آيَةِ الظِّهارِ، فَإنَّ عَوْدَهم لِما نُهُوا عَنْهُ هو رُجُوعُهم إلى نَفْسِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وهو النَّجْوى، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ إعادَةَ تِلْكَ النَّجْوى بِعَيْنِها، بَلْ رُجُوعُهم إلى المَنهِيِّ عَنْهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الظِّهارِ ﴿يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أيْ لِقَوْلِهِمْ. فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وهو تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ بِتَشْبِيهِها بِالمُحَرَّمَةِ، فالعَوْدُ إلى المُحَرَّمِ هو العَوْدُ إلَيْهِ، وهو فِعْلُهُ، فَهَذا مَأْخَذُ مَن قالَ إنَّهُ الوَطْءُ. وَنُكْتَةُ المَسْألَةِ أنَّ القَوْلَ في مَعْنى المَقُولِ، والمَقُولُ هو التَّحْرِيمُ والعَوْدُ لَهُ هو العَوْدُ إلَيْهِ، وهو اسْتِباحَتُهُ عائِدًا إلَيْهِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، وهَذا جارٍ عَلى قَواعِدِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ واسْتِعْمالِها، وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ والخَلَفِ، كَما قالَ قتادة وطاووس والحسن والزُّهْرِيُّ ومالك وغَيْرُهُمْ، ولا يُعْرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِإعادَةِ اللَّفْظِ ألْبَتَّةَ لا مِنَ الصَّحابَةِ، ولا مِنَ التّابِعِينَ، ولا مَن بَعْدَهُمْ، وهاهُنا أمْرٌ خَفِيَ عَلى مَن جَعَلَهُ إعادَةَ اللَّفْظِ، وهو أنَّ العَوْدَ إلى الفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ مُفارَقَةَ الحالِ الَّتِي هو عَلَيْها الآنَ، وعَوْدَهُ إلى الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها أوَّلًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] ألا تَرى أنَّ عَوْدَهم مُفارَقَةُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإحْسانِ وعَوْدُهم إلى الإساءَةِ وكَقَوْلِ الشّاعِرِ وَإنْ عادَ لِلْإحْسانِ فالعَوْدُ أحْمَدُ والحالُ الَّتِي هو عَلَيْها الآنَ التَّحْرِيمُ بِالظِّهارِ والَّتِي كانَ عَلَيْها إباحَةُ الوَطْءِ بِالنِّكاحِ المُوجِبِ لِلْحِلَّ، فَعَوْدُ المُظاهِرِ عَوْدٌ إلى حِلٍّ كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الظِّهارِ، وذَلِكَ هو المُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ فَتَأمَّلْهُ، فالعَوْدُ يَقْتَضِي أمْرًا يَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ، وظَهَرَ سِرُّ الفَرْقِ بَيْنَ العَوْدِ في الهِبَةِ وبَيْنَ العَوْدِ لِما قالَ المُظاهِرُ، فَإنَّ الهِبَةَ بِمَعْنى المَوْهُوبِ وهو عَيْنٌ يَتَضَمَّنُ عَوْدُهُ فِيهِ إدْخالَهُ في مِلْكِهِ وتَصَرُّفَهُ فِيهِ كَما كانَ أوَّلًا بِخِلافِ المُظاهِرِ فَإنَّهُ بِالتَّحْرِيمِ قَدْ خَرَجَ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وبِالعَوْدِ قَدْ طَلَبَ الرُّجُوعَ إلى الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مَعَها قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَكانَ الألْيَقُ أنْ يُقالَ عادَ لِكَذا يَعْنِي: عادَ إلَيْهِ. وَفِي الهِبَةِ عادَ إلَيْها، وقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أوس بن الصامت، وسلمة بن صخر، بِكَفّارَةِ الظِّهارِ، ولَمْ يَتَلَفَّظا بِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنَّهُما لَمْ يُخْبِرا بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِما، ولا أخْبَرَ بِهِ أزْواجُهُما عَنْهُما، ولا أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، ولا سَألَهُما النَّبِيُّ ﷺ، هَلْ قُلْتُما ذَلِكَ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ؟ ومِثْلُ هَذا لَوْ كانَ شَرْطًا لَما أهْمَلَ بَيانَهُ. وَسِرُّ المَسْألَةِ أنَّ العَوْدَ يَتَضَمَّنُ أمْرَيْنِ: أمْرًا يَعُودُ إلَيْهِ، وأمْرًا يَعُودُ عَنْهُ، ولا بُدَّ مِنهُما، فالَّذِي يَعُودُ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ نَقْضَهُ وإبْطالَهُ، والَّذِي يَعُودُ إلَيْهِ يَتَضَمَّنُ إيثارَهُ وإرادَتَهُ، فَعَوْدُ المُظاهِرِ يَقْتَضِي نَقْضَ الظِّهارِ وإبْطالَهُ، وإيثارَ ضِدِّهِ وإرادَتَهُ، وهَذا عَيْنُ فَهْمِ السَّلَفِ مِنَ الآيَةِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ العَوْدَ هو الإصابَةُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: الوَطْءُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: اللَّمْسُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: العَزْمُ. وَأمّا قَوْلُكُمْ: إنَّهُ إنَّما أوْجَبَ الكَفّارَةَ في الظِّهارِ المُعادِ إنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُعادَ لَفْظُهُ، فَدَعْوى بِحَسَبِ ما فَهِمْتُمُوهُ، وإنْ أرَدْتُمْ بِهِ الظِّهارَ المُعادَ فِيهِ لِما قالَ المُظاهِرُ، لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ إعادَةَ اللَّفْظِ الأوَّلِ. وَأمّا حَدِيثُ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في ظِهارِ أوس بن الصامت، فَما أصَحَّهُ، وما أبْعَدَ دَلالَتُهُ عَلى مَذْهَبِكم. [فَصْلٌ: مَن عَجَزَ عَنِ الكَفّارَةِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ] وَمِنها: أنَّ مَن عَجَزَ عَنِ الكَفّارَةِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعانَ أوس بن الصامت بِعَرَقٍ مَن تَمْرٍ، وأعانَتْهُ امْرَأتُهُ بِمِثْلِهِ حَتّى كَفَّرَ، وأمَرَ سلمة بن صخر أنْ يَأْخُذَ صَدَقَةَ قَوْمِهِ فَيُكَفِّرَ بِها عَنْ نَفْسِهِ، ولَوْ سَقَطَتْ بِالعَجْزِ لَما أمَرَهُما بِإخْراجِها، بَلْ تَبْقى في ذِمَّتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأحَدُ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحمد. وَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى سُقُوطِها بِالعَجْزِ كَما تَسْقُطُ الواجِباتُ بِعَجْزِهِ عَنْها، وعَنْ إبْدالِها. وَذَهَبَتْ طائِفَةٌ أنَّ كَفّارَةَ رَمَضانَ لا تَبْقى في ذِمَّتِهِ، بَلْ تَسْقُطُ، وغَيْرَها مِنَ الكَفّاراتِ لا تَسْقُطُ، وهَذا الَّذِي صَحَّحَهُ أبُو البَرَكاتِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. واحْتَجَّ مَن أسْقَطَها بِأنَّها لَوْ وجَبَتْ مَعَ العَجْزِ لَما صُرِفَتْ إلَيْهِ، فَإنَّ الرَّجُلَ لا يَكُونُ مَصْرِفًا لِكَفّارَتِهِ، كَما لا يَكُونُ مَصْرِفًا لِزَكاتِهِ، وأرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ يَقُولُونَ إذا عَجَزَ عَنْها، وكَفَّرَ الغَيْرُ عَنْهُ، جازَ أنْ يَصْرِفَها إلَيْهِ، كَما صَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ كَفّارَةَ مَن جامَعَ في رَمَضانَ إلَيْهِ وإلى أهْلِهِ، وكَما أباحَ لسلمة بن صخر أنْ يَأْكُلَ هو وأهْلُهُ مِن كَفّارَتِهِ الَّتِي أخْرَجَها عَنْهُ مِن صَدَقَةِ قَوْمِهِ، وهَذا مَذْهَبُ أحمد، رِوايَةً واحِدَةً عَنْهُ في كَفّارَةِ مَن وطِئَ أهْلَهُ في رَمَضانَ، وعَنْهُ في سائِرِ الكَفّاراتِ رِوايَتانِ. والسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا أعْسَرَ بِالكَفّارَةِ وكَفَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ جازَ صَرْفُ كَفّارَتِهِ إلَيْهِ وإلى أهْلِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ إذا كانَ فَقِيرًا لَهُ عِيالٌ وعَلَيْهِ زَكاةٌ يَحْتاجُ إلَيْها أنْ يَصْرِفَها إلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ؟ قِيلَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِعَدَمِ الإخْراجِ المُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، ولَكِنْ لِلْإمامِ أوِ السّاعِي أنْ يَدْفَعَ زَكاتَهُ إلَيْهِ بَعْدَ قَبْضِها مِنهُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحمد. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ لَهُ أنْ يُسْقِطَها عَنْهُ؟ قِيلَ لا نَصَّ عَلَيْهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما واضِحٌ. فَإنْ قِيلَ: فَإذا أذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ في التَّكْفِيرِ بِالعِتْقِ فَهَلْ لَهُ أنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ؟ قِيلَ: اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فِيما إذا أذِنَ لَهُ في التَّكْفِيرِ بِالمالِ، هَلْ لَهُ أنْ يَنْتَقِلَ عَنِ الصِّيامِ إلَيْهِ؟ عَلى رِوايَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وفَرْضُهُ الصِّيامُ، والثّانِيَةُ لَهُ الِانْتِقالُ إلَيْهِ، ولا يَلْزَمُهُ لِأنَّ المَنعَ لِحَقِّ السَّيِّدِ وقَدْ أذِنَ فِيهِ، فَإذا قُلْنا: لَهُ ذَلِكَ فَهَلْ لَهُ العِتْقُ؟ اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ فَعَنْهُ في ذَلِكَ رِوايَتانِ، ووَجْهُ المَنعِ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الوَلاءِ، والعِتْقُ يَعْتَمِدُ الوَلاءَ، واخْتارَ أبُو بَكْرٍ وغَيْرُهُ أنَّ لَهُ الإعْتاقَ، فَعَلى هَذا هَلْ لَهُ عِتْقُ نَفْسِهِ؟ فِيهِ قَوْلانِ في المَذْهَبِ، ووَجْهُ الجَوازِ إطْلاقُ الإذْنِ، ووَجْهُ المَنعِ أنَّ الإذْنَ في الإعْتاقِ يَنْصَرِفُ إلى إعْتاقِ غَيْرِهِ، كَما لَوْ أذِنَ لَهُ في الصَّدَقَةِ انْصَرَفَ الإذْنُ إلى الصَّدَقَةِ عَلى غَيْرِهِ. [فَصْلٌ: لا يَجُوزُ وطْءُ المُظاهَرِ مِنها قَبْلَ التَّكْفِيرِ] وَمِنها: أنَّهُ لا يَجُوزُ وطْءُ المُظاهَرِ مِنها قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وقَدِ اخْتُلِفَ هاهُنا في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَلْ لَهُ مُباشَرَتُها دُونَ الفَرْجِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ أمْ لا؟ والثّانِي: أنَّهُ إذا كانَتْ كَفّارَتُهُ الإطْعامَ فَهَلْ لَهُ الوَطْءُ قَبْلَهُ أمْ لا؟ وفي المَسْألَتَيْنِ قَوْلانِ لِلْفُقَهاءِ، وهُما رِوايَتانِ عَنْ أحمد، وقَوْلانِ لِلشّافِعِيِّ. وَوَجْهُ مَنعِ الِاسْتِمْتاعِ بِغَيْرِ الوَطْءِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣]؛ ولِأنَّهُ شَبَّهَها بِمَن يَحْرُمُ وطْؤُها، ودَواعِيهِ، ووَجْهُ الجَوازِ أنَّ التَّماسَّ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَحْرِيمِ الجِماعِ تَحْرِيمُ دَواعِيهِ، فَإنَّ الحائِضَ يَحْرُمُ جِماعُها دُونَ دَواعِيهِ، والصّائِمَ يَحْرُمُ مِنهُ الوَطْءُ دُونَ دَواعِيهِ، والمَسْبِيَّةَ يَحْرُمُ وطْؤُها دُونَ دَواعِيهِ، وهَذا قَوْلُ أبي حنيفة. وَأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي وطْؤُها قَبْلَ التَّكْفِيرِ: إذا كانَ بِالإطْعامِ، فَوَجْهُ الجَوازِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَيَّدَ التَّكْفِيرَ بِكَوْنِهِ قَبْلَ المَسِيسِ في العِتْقِ والصِّيامِ، وأطْلَقَهُ في الإطْعامِ، ولِكُلٍّ مِنهُما حِكْمَةٌ، فَلَوْ أرادَ التَّقْيِيدَ في الإطْعامِ لَذَكَرَهُ كَما ذَكَرَهُ في العِتْقِ والصِّيامِ، وهو سُبْحانَهُ لَمْ يُقَيِّدْ هَذا ويُطْلِقْ هَذا عَبَثًا بَلْ لِفائِدَةٍ مَقْصُودَةٍ، ولا فائِدَةَ إلّا تَقْيِيدُ ما قَيَّدَهُ وإطْلاقُ ما أطْلَقَهُ. ووَجْهُ المَنعِ اسْتِفادَةُ حُكْمِ ما أطْلَقَهُ مِمّا قَيَّدَهُ، إمّا بَيانًا عَلى الصَّحِيحِ، وإمّا قِياسًا، قَدْ أُلْغِيَ فِيهِ الفارِقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وهو سُبْحانُهُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ مَرَّتَيْنِ، فَلَوْ أعادَهُ ثالِثًا لَطالَ بِهِ الكَلامُ، ونَبَّهَ بِذِكْرِهِ مَرَّتَيْنِ عَلى تَكَرُّرِ حُكْمِهِ في الكَفّاراتِ، ولَوْ ذَكَرَهُ في آخِرِ الكَلامِ مَرَّةً واحِدَةً، لَأوْهَمَ اخْتِصاصَهُ بِالكَفّارَةِ الأخِيرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ لَأوْهَمَ اخْتِصاصَهُ بِالأُولى، وإعادَتُهُ في كُلِّ كَفّارَةٍ تَطْوِيلٌ، وكانَ أفْصَحَ الكَلامِ وأبْلَغَهُ وأوْجَزَهُ ما وقَعَ. وأيْضًا فَإنَّهُ نَبَّهَ بِالتَّكْفِيرِ قَبْلَ المَسِيسِ بِالصَّوْمِ، مَعَ تَطاوُلِ زَمَنِهِ وشِدَّةِ الحاجَةِ إلى مَسِيسِ الزَّوْجَةِ عَلى أنَّ اشْتِراطَ تَقَدُّمِهِ في الإطْعامِ الَّذِي لا يَطُولُ زَمَنُهُ أوْلى. [فَصْلٌ: لا تُدْفَعُ الكَفّارَةُ إلّا إلى المَساكِينِ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الفُقَراءُ] وَمِنها: أنَّهُ لا يُجْزِئُهُ دَفْعُ الكَفّارَةِ إلّا إلى المَساكِينِ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الفُقَراءُ كَما يَدْخُلُ المَساكِينُ في لَفْظِ الفُقَراءِ عِنْدَ الإطْلاقِ، وعَمَّمَ أصْحابُنا وغَيْرُهُمُ الحُكْمَ في كُلِّ مَن يَأْخُذُ مِنَ الزَّكاةِ لِحاجَتِهِ وهم أرْبَعَةٌ: الفُقَراءُ والمَساكِينُ وابْنُ السَّبِيلِ والغارِمُ لِمَصْلَحَتِهِ والمُكاتَبُ. وظاهِرُ القُرْآنِ اخْتِصاصُها بِالمَساكِينِ فَلا يَتَعَدّاهم. [فَصْلٌ: لا تَسْقُطُ الكَفّارَةُ بِالوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ولا تَتَضاعَفُ] وَمِنها: أنَّ الكَفّارَةَ لا تَسْقُطُ بِالوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، ولا تَتَضاعَفُ، بَلْ هِيَ بِحالِها كَفّارَةٌ واحِدَةٌ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي تَقَدَّمَ، قالَ الصلت بن دينار: سَألْتُ عَشْرَةً مِنَ الفُقَهاءِ عَنِ المُظاهِرِ يُجامِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، فَقالُوا: كَفّارَةٌ واحِدَةٌ. قالَ: وهُمُ الحسن، وابْنُ سِيرِينَ، ومسروق، وبكر، وقتادة، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة. قالَ: والعاشِرُ أُراهُ نافِعًا، وهَذا قَوْلُ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ. وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعَمْرِو بْنِ العاصِ، أنَّ عَلَيْهِ كَفّارَتَيْنِ، وذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ الحسن، وإبراهيم، في الَّذِي يُظاهِرُ ثُمَّ يَطَؤُها قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ: عَلَيْهِ ثَلاثُ كَفّاراتٍ. وَذَكَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبي يوسف أنَّ الكَفّارَةَ تَسْقُطُ. وَوَجْهُ هَذا أنَّهُ فاتَ وقْتُها، ولَمْ يَبْقَ لَهُ سَبِيلٌ إلى إخْراجِها قَبْلَ المَسِيسِ. وَجَوابُ هَذا أنَّ فَواتَ وقْتِ الأداءِ لا يُسْقِطُ الواجِبَ في الذِّمَّةِ، كالصَّلاةِ، والصِّيامِ، وسائِرِ العِباداتِ، ووَجْهُ وُجُوبِ الكَفّارَتَيْنِ، أنَّ إحْداهُما لِلظِّهارِ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ العَوْدُ، والثّانِيَةَ لِلْوَطْءِ المُحَرَّمِ كالوَطْءِ في نَهارِ رَمَضانَ، وكَوَطْءِ المُحْرِمِ، ولا يُعْلَمُ لِإيجابِ الثَّلاثِ وجْهٌ، إلّا أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى إقْدامِهِ عَلى الحَرامِ، وحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلى خِلافِ هَذِهِ الأقْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المجادلة 58:5

والكَبْتُ: الإذْلالُ والخِزْيُ والتَّصْرِيعُ عَلى الوَجْهِ. قالَ النَّضْرُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الغَيْظُ والحُزْنُ. وَقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: كُبِتُوا أُهْلِكُوا وأُخْزُوا وحَزِنُوا، وإذا كانَ المُحادُّ مَكْبُوتًا فَلَوْ كانَ آمِنًا عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ لَمْ يَكُنْ مَكْبُوتًا بَلْ مَسْرُورًا جَذِلًا يَشْفِي صَدْرَهُ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ آمِنًا عَلى دَمِهِ ومالِهِ، فَأيْنَ الكَبْتُ إذَنْ؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فَخَوْفُهم بِكَبْتٍ نَظِيرَ كَبْتِ مَن قَبْلَهُمْ، وهو الإهْلاكُ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِي عِبادِهِ وأوْلِيائِهِ.

المجادلة 58:7

(فائدة) المَعِيَّةَ نَوْعانِ: عامَّةٌ. وهِيَ: مَعِيَّةُ العِلْمِ والإحاطَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وَقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧]. وَخاصَّةٌ: وهي مَعِيَّةُ القُرْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فَهَذِهِ مَعِيَّةُ قُرْبٍ. تَتَضَمَّنُ المُوالاةَ، والنَّصْرَ، والحِفْظَ. وَكِلا المَعْنَيَيْنِ مُصاحَبَةٌ مِنهُ لِلْعَبْدِ. لَكِنَّ هَذِهِ مُصاحَبَةُ اطِّلاعٍ وإحاطَةٍ. وَهَذِهِ مُصاحَبَةُ مُوالاةٍ ونَصْرٍ وإعانَةٍ. فَـ "مَعَ" في لُغَةِ العَرَبِ تُفِيدُ الصُّحْبَةَ اللّائِقَةَ، لا تُشْعِرُ بِامْتِزاجٍ ولا اخْتِلاطٍ، ولا مُجاوَرَةٍ، ولا مُجانَبَةٍ. فَمَن ظَنَّ مِنها شَيْئًا مِن هَذا فَمِن سُوءِ فَهْمِهِ أُتِيَ. وَأمّا القُرْبُ: فَلا يَقَعُ القُرْآنُ إلّا خاصًّا. وَهُوَ نَوْعانِ: قُرْبُهُ مِن داعِيهِ بِالإجابَةِ. وقُرْبُهُ مِن عابِدِهِ بِالإثابَةِ.

المجادلة 58:10

وفى الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "اللَّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال". فاستعاذ ﷺ من ثمانية أشياء كل شيئين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان، وهما الألم الوارد على القلب، فإن كان على ما مضى فهو الحزن، وإن كان على ما يستقبل فهو الهم. فالألم الوارد إن كان مصدره فوت الماضي أثر الحزن، وإن كان مصدره خوف الآتي أثر الهم. والعجز والكسل قرينان، فإن تخلف مصلحة العبد وبعدها عنه إن كان من عدم القدرة فهو عجز، وإن كان من عدم الإرادة فهو كسل. والجبن والبخل قرينان، فإن الإحسان يفرح القلب ويشرح الصدر ويجلب النعم ويدفع النقم، وتركه يوجب الضيم والضيق ويمنع وصول النعم إليه، فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال. وضلع الدين وغلبة الرجال قرينان، فإن القهر والغلبة الحاصلة للعبد إما منه وإما من غيره. وإن شئت قلت: إما بحق وإما بباطل من غيره. والمقصود أن النبي ﷺ جعل الحزن مما يستعاذ منه. وذلك لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره، كالمرض والألم ونحوهما. وأما أن يكون عبادة مأْمورًا بتحصيلها وطلبها فلا، ففرق بين ما يثاب عليه العبد من المأمورات، وما يثاب عليه من البليات. ولكن يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته، فإن المؤمن إما أن يحزن على تفريطه وتقصيره في خدمة ربه وعبوديته. وإما أن يحزن على تورّطه في مخالفته ومعصيه وضياع أيامه وأوقاته. وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه وعلى حياته، حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه، ولو كان قلبه ميتًا لم يحس بذلك ولم يحزن ولم يتألم، فما لجرح بميت إيلام، وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم أقوى، ولكن الحزن لا يجدى عليه، فإنه يضعفه كما تقدم. بل الذي ينفعه أن يستقبل السير ويجد ويشمر، ويبذل جهده، وهذا نظير من انقطع عن رفقته في السفر، فجلس في الطريق حزينًا كئيبًا يشهد انقطاعه ويحدث نفسه باللحاق بالقوم. فكلما فتر وحزن حدث نفسه باللحاق برفقته، ووعدها إن صبرت أن تلحق بهم، ويزول عنها وحشة الانقطاع. فهكذا السالك إلى منازل الأبرار، وديار المقربين وأخص من هذا الحزن حزنه على قطع الوقت بالتفرقة المضعفة للقلب عن تمام سيره وجده في سلوكه، فإن التفرقة من أعظم البلاء على السالك، ولا سيما في ابتداء أمره، فالأول حزن على التفريط في الأعمال، وهذا حزن على نقص حاله مع الله وتفرقة قلبه وكيف صار ظرفًا لتفرقة حاله، واشتغال قلبه بغير معبوده. وأخص من هذا الحزن حزنه على جزءٍ من أجزاءِ قلبه كيف هو خال من محبة الله؟ وعلى جزءٍ من أجزاءِ بدنه كيف هو منصرف في غير محاب الله؟ فهذا حزن الخاصة، ويدخل في هذا حزنهم على كل معارض يشغلهم عما هم بصدده من خاطر أو إرادة أو شاغل من خارج. فهذه المراتب من الحزن لا بد منها في الطريق ولكن الكيس من لا يدعها تملكه وتقعده، بل يجعل عوض فكرته فيها فكرته فيما يدفعها به، فإن المكروه إذا ورد على النفس، فإن كانت صغيرة اشتغلت بفكرها فيه وفي حصوله عن الفكرة في الأسباب التي يدفعها به فأورثها الحزن، وإن كانت نفسًا كبيرة شريفة لم تفكر فيه، بل تصرف فكرها إلى ما ينفعها فإن علمت منه مخرجًا فكرت في طريق ذلك المخرج وأسبابه وإن علمت أنه لا مخرج منه، فكرت في عبودية الله فيه. وكان ذلك عوضًا لها من الحزن، فعلى كل حال لا فائدة لها في الحزن أصلًا والله أعلم.

المجادلة 58:11

(لطيفة) وَقد أخبر سُبْحانَهُ في كِتابه بِرَفْع الدَّرَجات في أربعة مَواضِع: أحدها هَذا [يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ]. والثّانِي قَوْله ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ والثّالِث قوله تَعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى (٧٥)﴾ والرّابِع قوله تَعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ فَهَذِهِ أربعة مَواضِع في ثَلاثَة مِنها الرّفْعَة بالدرجات لأهل الإيمان الَّذِي هو العلم النافع والعَمَل الصّالح. والرّابِع الرّفْعَة بِالجِهادِ، فَعادَت رفْعَة الدَّرَجات كلها إلى العلم والجهاد اللَّذين بهما قوام الدّين. (فصل) وَمِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيبًا، وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأ، فَطُوبى لِلْغُرَباءِ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الغُرَباءُ؟ قالَ: الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي ويُعَلِّمُونَها عِبادَ اللَّهِ» وكانَ يُقالُ: العُلَماءُ غُرَباءُ لِكَثْرَةِ الجُهّالِ. ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ مالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قالَ: بِالعِلْمِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ قالَ: يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن المُؤْمِنِينَ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوْا العِلْمَ دَرَجاتٍ. وقال في (مفتاح دار السعادة) قالَ التِّرْمِذِيّ حَدثنا مُحَمَّد بن عبد الأعلى حَدثنا سَلمَة بن رَجاء حَدثنا الوَلِيد بن حميد حَدثنا القاسِم عَن أبي أمامة الباهِلِيّ قالَ ذكر لرَسُول الله رجلانِ أحدهما عالم والآخر عابِد فَقالَ رَسُول الله فصل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" ثمَّ قالَ رَسُول الله: "إن الله ومَلائِكَته واهل السَّماوات والأرض حَتّى النملة في جحرها وحَتّى الحُوت في البَحْر ليصلون على معلمي النّاس الخَيْر" قالَ التِّرْمِذِيّ هَذا حَدِيث حسن غَرِيب. سَمِعت أبا عمار الحُسَيْن ابْن حُرَيْث الخُزاعِيّ قالَ سَمِعت الفضيل بن عِياض يَقُول "عالم عامل معلم يدعى كَبِيرا في ملكوت السَّماوات" وَهَذا مروي عَن الصَّحابَة. قالَ ابْن عَبّاس عُلَماء هَذِه الأمة رجلانِ فَرجل أعطاه الله علما فبذله للنّاس ولم يَأْخُذ عَلَيْهِ صفدا ولم يشتر بِهِ ثمنا أولئك يصلي عَلَيْهِم طير السَّماء وحيتان البَحْر ودواب الأرض والكرام الكاتبون. وَرجل آتاهُ الله علما فضن بِهِ عَن عباده وأخذ بِهِ صفدا واشْترى بِهِ ثمنا فَذَلِك يأتي يَوْم القِيامَة يلجم بلجام من نار" ذكره ابْن عبد البر مَرْفُوعا، وفي رَفعه نظر. وَقَوله "إن الله ومَلائِكَته وأهل السَّماوات والأرض يصلونَ على معلم النّاس الخَيْر" لما كانَ تَعْلِيمه للنّاس الخَيْر سَببا لنجاتهم وسعادتهم وزَكاة نُفُوسهم جازاه الله من جنس عمله بأن جعل عَلَيْهِ من صلاته وصَلاة مَلائكَته وأهل الأرض ما يكون سَببا لنجاته وسعادته وفلاحه. وأيضا فَإن معلم النّاس الخَيْر لما كانَ مظْهرا لدين الرب وأحكامه ومعرفا لَهُم بأسمائه وصِفاته جعل الله من صلاته وصَلاة أهل سماواته وأرضه عَلَيْهِ ما يكون تنويها بِهِ وتشريفا لَهُ وإظهارا للثناء عَلَيْهِ بَين أهل السماء والأرض. ورَوى أبو داوُد والتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي الدَّرْداء رضى الله عَنهُ قالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول: «مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وإنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَها رِضاءً لِطالِبِ العِلْمِ، وإنَّ العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَن في السَّمَواتِ ومَن في الأرْضِ حَتّى الحِيتانُ في الماءِ، وفَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ، كَفَضْلِ القَمَرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ، إنَّ العُلَماءَ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، إنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا إنَّما ورَّثُوا العِلْمَ، فَمَن أخَذَ بِهِ أخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ» وَقد رَواهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَن خالِدٍ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ أيْمَنَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «مَن غَدا لِعِلْمٍ يَتَعَلَّمُهُ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وفَرَشَتْ لَهُ المَلائِكَةُ أكْنافَها، وصَلَّتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ السَّماءِ، وحِيتانُ البَحْرِ، ولِلْعالِمِ مِنَ الفَضْلِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ، والعُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، إنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا، إنَّما ورَّثُوا العِلْمَ، فَمَن أخَذَ العِلْمَ أخَذَ بِحَظِّهِ، ومَوْتُ العالِمِ مُصِيبَةٌ لا تُجْبَرُ، وثُلْمَةٌ لا تُسَدُّ، ونَجْمٌ طُمِسَ، ومَوْتُ قَبِيلَةٍ أيْسَرُ مِن مَوْتِ عالِمٍ» وَهَذا حَدِيث حسن والطَّرِيق الَّتِي يسلكها إلى الجنَّة جَزاء على سلوكه في الدُّنْيا طَرِيق العلم الموصلة إلى رضا ربه، ووضع المَلائِكَة أجنحتها لَهُ تواضعا لَهُ وتوقيرا وإكراما لما يحملهُ من مِيراث النُّبُوَّة ويطلبه، وهو يدل على المحبَّة والتعظيم فَمن محبَّة المَلائِكَة لَهُ وتعظيمه تضع أجنحتها لَهُ لِأنَّهُ طالب لما بِهِ حَياة العالم ونجاته، فَفِيهِ شبه من المَلائِكَة، وبَينه وبينهمْ تناسب فإن المَلائِكَة أنصح خلق الله وأنفعهم لبني آدم، وعَلى أيديهم حصل لَهُم كل سَعادَة وعلم وهدى، ومن نفعهم لبني آدم ونصحهم أنهم يَسْتَغْفِرُونَ لمسيئهم ويثنون على مؤمنيهم ويعينونهم على أعدائهم من الشَّياطِين، ويحرصون على مصالح العَبْد أضعاف حرصه على مصلحَة نَفسه، بل يُرِيدُونَ لَهُ من خير الدُّنْيا والآخرة ما لا يُريدهُ العَبْد ولا يخْطر بِبالِهِ، كَما قالَ بعض التّابِعين وجدنا المَلائِكَة أنصح خلق الله لِعِبادِهِ ووجدنا الشَّياطِين أغش الخلق للعباد وقالَ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (٨) وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ (٩)﴾ فَأي نصح للعباد مثل هَذا إلا نصح الأنبياء. فَإذا طلب العَبْد العلم فقد سعى في أعظم ما ينصح بِهِ عباد الله فَلذَلِك تحبه المَلائِكَة وتعظمه حَتّى تضع أجنحتها لَهُ رضا ومحبة وتعظيما. وَقالَ أبو حاتِم الرّازِيّ سَمِعت ابْن أبي أويس يَقُول سَمِعت مالك بن أنس يَقُول معنى قَول رَسُول الله "تضع أجنحتها" يَعْنِي تبسطها بِالدُّعاءِ لطالب العلم بَدَلا من الأيدي. وَقالَ أحْمَد بن مَرْوان المالِكِي في كتاب المجالسة لَهُ حَدثنا زَكَرِيّا بن عبد الرَّحْمَن البَصْرِيّ قالَ سَمِعت أحْمَد بن شُعَيْب يَقُول كُنّا عند بعض المُحدثين بِالبَصْرَةِ فحدثنا بِحَدِيث النَّبِي أن المَلائِكَة لتَضَع أجنحتها لطالب العلم، وفي المجْلس مَعنا رجل من المُعْتَزلَة فَجعل يستهزئ بِالحَدِيثِ فَقالَ والله لأطرقن غَدا نَعْلي بمسامير فأطأ بها أجْنِحَة المَلائِكَة، فَفعل ومَشى في النَّعْلَيْنِ فجفت رِجْلاهُ جَمِيعًا ووَقعت فيهما الأكلة. وَقالَ الطَّبَرانِيّ سَمِعت أبا يحيى زَكَرِيّا بن يحيى السّاجِي قالَ كُنّا نمشي في بعض أزقة البَصْرَة إلى باب بعض المُحدثين فأسرعنا المَشْي وكانَ مَعنا رجل ماجن مِنهُم في دينه فَقالَ ارْفَعُوا أرجلكم عَن أجنحة المَلائِكَة لا تكسروها كالمستهزئ فَما زالَ من مَوْضِعه حَتّى جَفتْ رِجْلاهُ وسقط. وَفِي السّنَن والمَسانِيد من حَدِيث صَفْوان ابْن عَسّال بعسال قالَ قلت: "يا رَسُول الله إنِّي جِئْت أطلب العلم قالَ "مرْحَبًا بطالب العلم إن طالب العلم لتحف بِهِ المَلائِكَة وتظله بأجنحتها، فيركب بَعضهم بَعْضًا حَتّى تبلغ السَّماء الدنيا من حبهم لما يطْلب" (فائِدَة عَظِيمَة) أفضل ما اكتسبته النُّفُوس وحصلته القُلُوب العَبْد ونال بِهِ العَبْد الرّفْعَة في الدُّنْيا والآخِرَة هو العلم والإيمان ولِهَذا قرن بَينهما سُبْحانَهُ في قَوْله ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والأِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْم البَعْث﴾ وَقَوله ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجات﴾ وهؤلا هم خُلاصَة الوُجُود ولبه والمؤهلون للمراتب العالِيَة ولَكِن أكثر النّاس غالطون في حَقِيقَة مُسَمّى العلم والإيمان اللَّذين بهما السَّعادَة والرفقة، وفي حقيقتهما حَتّى أن كل طائِفَة تظن أن ما مَعها من العلم والإيمان هو هَذا الَّذِي بِهِ تنال السَّعادَة، ولَيْسَ كَذَلِك بل أكْثَرهم لَيْسَ مَعَهم إيمان يُنجي ولا علم يرفع بل قد سدوا على نُفُوسهم طرق العلم والإيمان اللَّذين جاءَ بهما الرَّسُول ودعا إلَيْهِما الأمة، وكانَ عَلَيْهِما هو وأصْحابه من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم فَكل طائِفَة اعتقدت أن العلم ما مَعها وفرحت و ﴿تقطعوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لديهم فَرِحُونَ﴾ وَأكْثر ما عِنْدهم كَلام وآراء وخرص والعلم وراء الكَلام، كَما قالَ حمّاد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليَوْم أكثر أو فِيما تقدّم؟ فَقالَ الكَلام اليَوْم أكثر والعلم فِيما تقدم أكثر. فَفرق هَذا الراسخ بَين العلم والكَلام، فالكتب كَثِيرَة جدا، والكَلام والجدال والمقدرات الذهنية كَثِيرَة، والعلم بمعزل عَن أكْثَرها وهو ما جاءَ بِهِ الرَّسُول عَن الله قالَ تَعالى ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ من العلم﴾ وَقالَ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَك من العلم﴾ وقالَ في القُرْآن ﴿أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي وفِيه علمه وَلما بعد العَهْد بِهَذا العلم آل الأمر بِكَثِير من النّاس إلى أن اتَّخذُوا هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما، ووَضَعُوا فِيها الكتب، وأنفقوا فِيها الأنفاس فضيعوا فِيها الزَّمان وملأوا بها الصُّحُف مدادا، والقلوب سوادا حَتّى صرح كثير مِنهُم أنه لَيْسَ في القُرْآن والسّنة علم، وأن أدلتها لفظية لا تفِيد يَقِينا ولا علما، وصرخ الشَّيْطان بِهَذِهِ الكَلِمَة فيهم، وأذَّن بها بَين أظهرهم حَتّى أسمعها دانيهم لقاصيهم، فانسلخت بها القُلُوب من العلم والإيمان كانسلاخ الحَيَّة من قشرها، والثَّوْب عَن لابسه. قالَ الإمام العَلامَة شمس الدّين ابْن القيم ولَقَد أخْبرنِي بعض أصْحابنا عَن بعض أتباع أتباع تلاميذ هَؤُلاءِ أنه رَآهُ يشْتَغل في بعض كتبهمْ ولم يحفظ القُرْآن فَقالَ لَهُ لَو حفظت القُرْآن أولا كانَ أولى فَقالَ وهل في القُرْآن علم؟ قالَ ابْن القيم: وقالَ لي بعض أئِمَّة هَؤُلاءِ إنَّما نسْمع الحَدِيث لأجل البركَة لا لنستفيد مِنهُ العلم، لِأن غَيرنا قد كفانا هَذِه المؤونة فعمدتنا على ما فهموه قرروه ولا شكّ أن من كانَ هَذا مبلغه من العلم فَهو كَما قالَ القائِل ؎نزلُوا بِمَكَّة في قبائل هاشم ∗∗∗ ونزلت بالبطحاء أبعد منزل قالَ: وقالَ لي شَيخنا مرّة في وصف هَؤُلاءِ أنهم طافوا على أرْباب المذاهب ففازوا بأخس المطالب ويَكْفِيك دَلِيلا على أن هَذا الَّذِي عِنْدهم لَيْسَ من عند الله ما ترى فِيهِ من التنقائض والِاخْتِلاف ومصادمة بعضه لبَعض قالَ تَعالى ﴿وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كثيرا﴾ وهَذا يدل على أن ما كانَ من عِنْده سُبْحانَهُ لا يخْتَلف وأن ما اخْتلف وتناقض فَلَيْسَ من عِنْده وكَيف تكون الآراء والخيالات وسوانح الأفكار دينا يدان بِهِ ويحكم بِهِ على الله ورَسُوله سُبْحانَكَ هَذا بهتان عَظِيم وَقد كانَ علم الصَّحابَة الَّذِي يتذاكرون فِيهِ غير عُلُوم هَؤُلاءِ المُخْتَلِفين الخرّاصين كَما حكى الحاكِم في تَرْجَمَة أبي عبد الله البُخارِيّ قالَ كانَ أصْحاب رَسُول الله إذا اجْتَمعُوا إنَّما يتذاكرون كتاب رَبهم وسنة نَبِيّهم لَيْسَ بَينهم رَأْي ولا قِياس ولَقَد أحسن القائِل ؎العلم قالَ الله قالَ رَسُوله ∗∗∗ قالَ الصَّحابَة لَيْسَ بالتمويه ؎ما العلم نصبك للْخلاف سفاهة ∗∗∗ بَين الرَّسُول وبَين رَأْي فَقِيه ؎كلا ولا جحد الصِّفات ونفيها ∗∗∗ حذرا من التَّمْثِيل والتشبيه فصل وَأما الإيمان فَأكْثر النّاس أو كلهم يَدعُونَهُ ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بمؤمنين﴾ وَأكْثر المُؤمنِينَ إنَّما عِنْدهم إيمان مُجمل. وَأما الإيمان المفصل بِما جاءَ بِهِ الرَّسُول معرفَة وعلما وإقرارا ومحبة ومَعْرِفَة بضده وكراهيته وبغضه، فَهَذا إيمان خَواص الأمة وخاصة الرَّسُول وهو إيمان الصدّيق وحزبه وكثير من النّاس حظهم من الإيمان الإقْرار بِوُجُود الصّانِع وأنه وحده الَّذِي خلق السَّماوات والأرْض وما بَينهما، وهَذا لم يكن يُنكره عبّاد الأصْنام من قُرَيْش ونَحْوهم. وَآخَرُونَ الإيمان عِنْدهم هو التَّكَلُّم بِالشَّهادَتَيْنِ سَواء كانَ مَعَه عمل أو لم يكن وسَواء وافق تَصْدِيق القلب أو خالفه وآخَرُونَ عِنْدهم الإيمان مُجَرّد تَصْدِيق القلب بِأن الله سُبْحانَهُ خالق السَّماوات والأرْض، وأن مُحَمَّدًا عَبده ورَسُوله وإن لم يقر بِلِسانِهِ ولم يعْمل شَيْئا، بل ولَو سبّ الله ورَسُوله وأتى بِكُل عَظِيمَة وهو يعْتَقد وحدانية الله ونبوة رَسُوله فَهو مُؤمن. وَآخَرُونَ عِنْدهم الإيمان هو جحد صِفات الرب تَعالى من علوه على عَرْشه وتكلمه بكلماته وكتبه وسَمعه وبصره ومشيئته وقدرته وإرادته وحبه وبغضه وغير ذَلِك مِمّا وصف بِهِ نَفسه ووَصفه بِهِ رَسُوله. فالإيمان عِنْدهم إنْكار حقائق ذَلِك كُله وجحده، والوُقُوف مَعَ ما تَقْتَضِيه آراء المتهوكين وأفكار المخرصين الَّذين يرد بَعضهم على بعض وينقض بَعضهم قَول بعض، الَّذين هم كَما قالَ عمر بن الخطاب والإمام أحْمد: مُخْتَلفُونَ في الكتاب مخالفون للْكتاب متفقون على مُفارقَة الكتاب. وَآخَرُونَ عِنْدهم الإيمان عبادَة الله بِحكم أذواقهم ومواجيدهم وما تهواه نُفُوسهم من غير تَقْيِيد بِما جاءَ بِهِ الرَّسُول. وَآخَرُونَ الإيمان عِنْدهم ما وجدوا عَلَيْهِ آباءَهُم وأسلافهم بِحكم الِاتِّفاق كائِنا ما كانَ بل إيمانهم مَبْنِيّ على مقدمتين: إحْداهما أن هَذا قَول أسلافنا وآبائِنا. والثّانية أن ما قالُوهُ فَهو الحق. وَآخَرُونَ عِنْدهم الإيمان مَكارِم الأخْلاق وحسن المُعامَلَة وطلاقة الوَجْه وإحسان الظَّن بِكُل أحد وتخلية النّاس وغفلاتهم. وَآخَرُونَ عِنْدهم الإيمان التجرد من الدُّنْيا وعلائقها وتفريغ القلب مِنها والزهد فِيها، فَإذا رَأوْا رجلا هَكَذا جَعَلُوهُ من سادات أهل الإيمان وإن كانَ منسلخا من الإيمان علما وعَملا، وأعْلى من هَؤُلاءِ من جعل الإيمان هو مُجَرّد العلم وإن لم يقارنه عمل. وكل هَؤُلاءِ لم يعرفوا حَقِيقَة الإيمان ولا قامُوا بِهِ ولا قامَ بهم وهم أنْواع مِنهُم من جعل الإيمان ما يضاد الإيمان. وَمِنهُم من جعل الإيمان ما لا يعْتَبر في الإيمان ومِنهُم من جعله ما هو شَرط فِيهِ ولا يَكْفِي في حُصُوله. وَمِنهُم من اشْترط في ثُبُوته ما يناقضه ويضاده. وَمِنهُم من اشْترط فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ بِوَجْه الإيمان. والإيمان وراء ذَلِك كُله وهو حَقِيقَة مركبة من معرفَة ما جاءَ بِهِ الرَّسُول علما والتصديق بِهِ عقدا، والإقْرار بِهِ نطقا، والانقياد لَهُ محبَّة وخضوعا، والعَمَل بِهِ باطِنا وظاهرا، وتنفيذه والدعوة إلَيْهِ بِحَسب الإمْكان، وكماله في الحبّ في الله، والبغض في الله والعطاء لله، والمَنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده. والطَّرِيق إلَيْهِ تَجْرِيد مُتابعَة رَسُوله ظاهرا وباطنا، وتغميض عين القلب عَن الِالتِفات إلى سوى الله ورَسُوله. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.

الحشر 59:2

[فصل: في نَقْضُ بَنِي النَّضِيرِ العَهْدَ] ثُمَّ نَقَضَ العَهْدَ بَنُو النَّضِيرِ، قالَ البُخارِيُّ: وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، قالَهُ عروة وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ ﷺ خَرَجَ إلَيْهِمْ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، وكَلَّمَهم أنْ يُعِينُوهُ في دِيَةِ الكِلابِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَقالُوا: نَفْعَلُ يا أبا القاسِمِ، اجْلِسْ هاهُنا حَتّى نَقْضِيَ حاجَتَكَ، وخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وسَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ الشَّقاءَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِمْ، فَتَآمَرُوا بِقَتْلِهِ ﷺ، وقالُوا: أيُّكم يَأْخُذُ هَذِهِ الرَّحا ويَصْعَدُ، فَيُلْقِيها عَلى رَأْسِهِ يَشْدَخُهُ بِها؟ فَقالَ: أشْقاهم عمرو بن جحاش: أنا، فَقالَ: لَهم سلام بن مشكم: لا تَفْعَلُوا فَواللَّهِ لَيُخْبَرَنَّ بِما هَمَمْتُمْ بِهِ، وإنَّهُ لَنَقْضُ العَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، وجاءَ الوَحْيُ عَلى الفَوْرِ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى بِما هَمُّوا بِهِ، فَنَهَضَ مُسْرِعًا، وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ، ولَحِقَهُ أصْحابُهُ، فَقالُوا: نَهَضْتَ ولَمْ نَشْعُرْ بِكَ، فَأخْبَرَهم بِما هَمَّتْ يَهُودُ بِهِ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنِ اخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، ولا تُساكِنُونِي بِها، وقَدْ أجَّلْتُكم عَشْرًا، فَمَن وجَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِها، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَأقامُوا أيّامًا يَتَجَهَّزُونَ، وأرْسَلَ إلَيْهِمُ المُنافِقُ عبد الله بن أبي: أنْ لا تَخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ، فَإنَّ مَعِيَ ألْفَيْنِ يَدْخُلُونَ مَعَكم حِصْنَكُمْ، فَيَمُوتُونَ دُونَكُمْ، وتَنْصُرُكم قُرَيْظَةُ وحُلَفاؤُكم مِن غَطَفانَ، وطَمِعَ رَئِيسُهم حيي بن أخطب فِيما قالَ لَهُ، وبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنّا لا نَخْرُجُ مِن دِيارِنا، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ، ونَهَضُوا إلَيْهِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يَحْمِلُ اللِّواءَ، فَلَمّا انْتَهى إلَيْهِمْ، قامُوا عَلى حُصُونِهِمْ يَرْمُونَ بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ، واعْتَزَلَتْهم قُرَيْظَةُ، وخانَهُمُ ابن أبي وحُلَفاؤُهم مِن غَطَفانَ، ولِهَذا شَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قِصَّتَهُمْ، وجَعَلَ مَثَلَهم ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ [الحشر: ١٦]، فَإنَّ سُورَةَ الحَشْرِ هي سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وفِيها مَبْدَأُ قِصَّتِهِمْ ونِهايَتُها فَحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَطَعَ نَخْلَهم وحُرِّقَ، فَأرْسَلُوا إلَيْهِ: نَحْنُ نَخْرُجُ عَنِ المَدِينَةِ، فَأنْزَلَهم عَلى أنْ يَخْرُجُوا عَنْها بِنُفُوسِهِمْ وذَرارِيِّهِمْ، وأنَّ لَهم ما حَمَلَتِ الإبِلُ إلّا السِّلاحَ، وقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ الأمْوالَ والحَلْقَةَ، وهي السِّلاحُ، وكانَتْ بَنُو النَّضِيرِ خالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِنَوائِبِهِ ومَصالِحِ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُخَمِّسْها لِأنَّ اللَّهَ أفاءَها عَلَيْهِ، ولَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْها بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ. وخَمَّسَ قُرَيْظَةَ. قالَ مالك: خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْظَةَ، ولَمْ يُخَمِّسْ بَنِي النَّضِيرِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا بِخَيْلِهِمْ ولا رِكابِهِمْ عَلى بَنِي النَّضِيرِ، كَما أوْجَفُوا عَلى قُرَيْظَةَ وأجْلاهم إلى خَيْبَرَ، وفِيهِمْ حيي بن أخطب كَبِيرُهُمْ، وقَبَضَ السِّلاحَ، واسْتَوْلى عَلى أرْضِهِمْ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَوَجَدَ مِنَ السِّلاحِ خَمْسِينَ دِرْعًا، وخَمْسِينَ بَيْضَةً، وثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ سَيْفًا، وقالَ: «هَؤُلاءِ في قَوْمِهِمْ بِمَنزِلَةِ بَنِي المُغِيرَةِ في قُرَيْشٍ» وكانَتْ قِصَّتُهم في رَبِيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ.

الحشر 59:7

(فصل) قال ابن القيم - بعد كلام -: وقد استعاذ رسول الله من الفقر وقرنه بالكفر فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر" فإن الخير نوعان خير الآخرة والكفر مضاده، وخير الدنيا والفقر مضاده. فالفقر سبب عذاب الدنيا، والكفر سبب عذاب الآخرة، والله سبحانه وتعالى جعل إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء وأخذها وظيفة الفقراء، وفرق بين اليدين شرعا وقدرا. وجعل يد المعطي أعلى من الآخذ، وجعل الزكاة أوساخ المال، ولذلك حرمها على أطيب خلقه، وعلى آله صيانة لهم وتشريفا ورفعا لأقدارهم. ونحن لا ننكر أن رسول الله كان فقيرا ثم أغناه الله، والله فتح عليه وخوله ووسع عليه وكان يدخر لأهله قوت سنة، ويعطي العطايا التي لم يعطها أحد غيره، وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ومات عن وفَدَك والنَّضِيرِ، وأموال خصه الله بها وقال تعالى ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُول﴾ فنزهه ربه سبحانه عن الفقر الذي يسوغ الصدقة، وعوضه عما نزهه عنه بأشرف المال وأحله وأفضله، وهو ما أخذه بظل رمحه وقائم سيفه من أعداء الله الذين كان مال الله بأيديهم ظلما وعدوانا، فإنه خَلَق المال ليستعان به على طاعته، وهو بأيدي الكفار والفجار ظلما وعدوانا، فإذا رجع إلى أوليائه وأهل طاعته فاء إليهم ما خلق لهم، ولكن لم يكن غنى رسول الله وملكه من جنس غنى بني الدنيا وأملاكهم، فإن غناهم بالشيء، وغناه عن الشيء وهو الغنى العالي، وملكهم ملك يتصرفون فيه بحسب إرادتهم، وهو إنما يتصرف في ملكه تصرف العبد الذي لا يتصرف إلا بأمر سيده. وقد اختلف الفقهاء في الفيء هل كان ملكا للنبي ﷺ؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد. والتحقيق أن ملكه له كان نوعا آخر من الملك وهو ملك يتصرف فيه بالأمر كما قال: "والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا إنما أنا قاسم اضع حيث أمرت" ذلك من كمال مرتبة عبوديته ولأجل ذلك لم يورث فإنه عبد محض من كل وجه لربه عز وجل، والعبد لا مال له فيورث عنه فجمع الله له سبحانه بين أعلى أنواع الغنى وأشرف أنواع الفقر، فكمل له مراتب الكمال فليست إحدى الطائفتين بأحق به من الأخرى. فكان في فقره أصبر خلق الله وأشكرهم، وكذلك في غناه والله تعالى جعله قدوة للأغنياء والفقراء. وأي غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض وعرض عليه أن يجعل له الصفا ذهبا وخير بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا، فاختار أن يكون عبدا نبيا، ومع هذا فجيبت إليه أموال جزيرة العرب واليمن فأنفقها كلها ولم يستأثر منها بشيء بل تحمل عيال المسلمين ودينهم فقال "من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلًّا فإليَّ وعليَّ" فرفع الله سبحانه قدره أن يكون من جملة الفقراء الذين تحل لهم الصدقة، كما نزهه أن يكون من جملة الأغنياء الذين أغناهم بالأموال الموروثة، بل أغناه به عن سواه، وأغنى قلبه كل الغنى، ووسع عليه غاية السعة، فأنفق غاية الإنفاق، وأعطى أجل العطايا، ولا استأثر بالمال ولا اتخذ منه عقارا ولا أرضا، ولا ترك شاة ولا بعيرا ولا عبدا ولا أمة ولا دينارا ولا درهما. [فَصْلٌ: في حُكْمِهِ ﷺ في قِسْمَةِ الأمْوالِ] الأمْوالُ الَّتِي كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُها ثَلاثَةٌ: الزَّكاةُ، والغَنائِمُ، والفَيْءُ. فَأمّا الزَّكاةُ والغَنائِمُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُما، وبَيَّنّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَوْعِبُ الأصْنافَ الثَّمانِيَةَ، وأنَّهُ كانَ رُبَّما وضَعَها في واحِدٍ. وَأمّا حُكْمُهُ في الفَيْءِ فَثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ ﷺ قَسَمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم مِنَ الفَيْءِ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ شَيْئًا فَعَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُمْ: «ألا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاءِ والبَعِيرِ، وتَنْطَلِقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقُودُونَهُ إلى رِحالِكُمْ، فَواللَّهِ لَما تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِصَّةِ وفَوائِدُها في مَوْضِعِها. والقِصَّةُ هُنا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أباحَ لِرَسُولِهِ مِنَ الحُكْمِ في مالِ الفَيْءِ ما لَمْ يُبِحْهُ لِغَيْرِهِ. وَفِي " الصَّحِيحِ " عَنْهُ ﷺ: «إنِّي لَأُعْطِي أقْوامًا، وأدَعُ غَيْرَهُمْ، والَّذِي أدَعُ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي». وَفِي " الصَّحِيحِ " عَنْهُ «إنِّي لَأُعْطِي أقْوامًا أخافُ ظَلْعَهم وجَزَعَهُمْ، وأكِلُ أقْوامًا إلى ما جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنى والخَيْرِ، مِنهُمْ: عمرو بن تغلب). قالَ عمرو بن تغلب: فَما أُحِبُّ أنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ». وَفِي " الصَّحِيحِ: «أنَّ عليا بُعِثَ إلَيْهِ بِذُهَيْبَةٍ مِنَ اليَمَنِ، فَقَسَمَها أرْباعًا، فَأعْطى الأقرع بن حابس، وأعْطى زيد الخيل، وأعْطى علقمة بن علاثة، وعيينة بن حصن، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ غائِرُ العَيْنَيْنِ، ناتِئُ الجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ويْلَكَ أوَلَسْتُ أحَقَّ أهْلِ الأرْضِ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ؟!» الحَدِيثَ. وَفِي " السُّنَنِ ": «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وضَعَ سَهْمَ ذِي القُرْبى في بَنِي هاشِمٍ، وفي بَنِي المُطَّلِبِ، وتَرَكَ بَنِي نَوْفَلٍ، وبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فانْطَلَقَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلَيْهِ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نُنْكِرُ فَضْلَ بَنِي هاشِمٍ لِمَوْضِعِهِمْ مِنكَ، فَما بالُ إخْوانِنا بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وتَرَكَتْنا، وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنّا وبَنُو المُطَّلِبِ لا نَفْتَرِقُ في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ، إنَّما نَحْنُ وهم شَيْءٌ واحِدٌ، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ». وَذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ هَذا الحُكْمَ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى يُصْرَفُ بَعْدَهُ في بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وبَنِي نَوْفَلٍ كَما يُصْرَفُ في بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ، قالَ: لِأنَّ عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا إخْوَةٌ، وهم أوْلادُ عبد مناف. ويُقالُ: إنَّ عبد شمس وهاشما تَوْأمانِ. والصَّوابُ: اسْتِمْرارُ هَذا الحُكْمِ النَّبَوِيِّ، وأنَّ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى لِبَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ، حَيْثُ خَصَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ، وقَوْلُ هَذا القائِلِ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ باطِلٌ، فَإنَّهُ بَيَّنَ مَواضِعَ الخُمُسِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِذَوِي القُرْبى، فَلا يُتَعَدّى بِهِ تِلْكَ المَواضِعُ، ولا يُقَصَّرُ عَنْها، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَقْسِمُهُ بَيْنَهم عَلى السَّواءِ بَيْنَ أغْنِيائِهِمْ وفُقَرائِهِمْ، ولا كانَ يَقْسِمُهُ قِسْمَةَ المِيراثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، بَلْ كانَ يَصْرِفُهُ فِيهِمْ بِحَسْبِ المَصْلَحَةِ والحاجَةِ، فَيُزَوِّجُ مِنهُ عَزَبَهُمْ، ويَقْضِي مِنهُ عَنْ غارِمِهِمْ، ويُعْطِي مِنهُ فَقِيرَهم كِفايَتَهُ. وَفِي " سُنَنِ أبي داود ": عَنْ «عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ولّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُمُسَ الخُمُسِ فَوَضَعْتُهُ مَواضِعَهُ حَياةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحَياةَ أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وحَياةَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ». وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ كانَ يُصْرَفُ في مَصارِفِهِ الخَمْسَةِ، ولا يَقْوى هَذا الِاسْتِدْلالُ، إذْ غايَةُ ما فِيهِ أنَّهُ صَرَفَهُ في مَصارِفِهِ الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُهُ فِيها، ولَمْ يُعَدِّها إلى سِواها، فَأيْنَ تَعْمِيمُ الأصْنافِ الخَمْسَةِ بِهِ؟ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأحْكامُهُ أنَّهُ كانَ يَجْعَلُ مَصارِفَ الخُمُسِ كَمَصارِفِ الزَّكاةِ، ولا يَخْرُجُ بِها عَنِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ، لا أنَّهُ يَقْسِمُهُ بَيْنَهم كَقِسْمَةِ المِيراثِ، ومَن تَأمَّلَ سِيرَتَهُ وهَدْيَهُ حَقَّ التَّأمُّلِ لَمْ يَشُكَّ في ذَلِكَ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِمّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً يُنْفِقُ مِنها عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وفي لَفْظٍ: " يَحْبِسُ لِأهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، ويَجْعَلُ ما بَقِيَ في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ». وَفِي " السُّنَنِ ": عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتاهُ الفَيْءُ قَسَمَهُ مِن يَوْمِهِ، فَأعْطى الآهِلَ حَظَّيْنِ، وأعْطى العَزَبَ حَظًّا». فَهَذا تَفْضِيلٌ مِنهُ لِلْآهِلِ بِحَسْبِ المَصْلَحَةِ والحاجَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ زَوْجُهُ مِن ذَوِي القُرْبى. وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الفَيْءِ، هَلْ كانَ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يُشاءُ، أوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحمد وغَيْرِهِ. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ وهَدْيُهُ أنَّهُ كانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالأمْرِ، فَيَضَعُهُ حَيْثُ أمَرَهُ اللَّهُ، ويَقْسِمُهُ عَلى مَن أُمِرَ بِقِسْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ بِشَهْوَتِهِ وإرادَتِهِ، يُعْطِي مَن أحَبَّ، ويَمْنَعُ مَن أحَبَّ، وإنَّما كانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ العَبْدِ المَأْمُورِ يُنَفِّذُ ما أمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ ومَوْلاهُ، فَيُعْطِي مَن أُمِرَ بِإعْطائِهِ، ويَمْنَعُ مَن أُمِرَ بِمَنعِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذا فَقالَ: «واللَّهِ إنِّي لا أُعْطِي أحَدًا ولا أمْنَعُهُ، إنَّما أنا قاسِمٌ أضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» فَكانَ عَطاؤُهُ ومَنعُهُ وقَسَمُهُ بِمُجَرَّدِ الأمْرِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ مَلِكًا رَسُولًا، فاخْتارَ أنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ العَبْدَ الرَّسُولَ لا يَتَصَرَّفُ إلّا بِأمْرِ سَيِّدِهِ ومُرْسِلِهِ، والمَلِكُ الرَّسُولُ لَهُ أنْ يُعْطِيَ مَن يُشاءُ، ويَمْنَعَ مَن يَشاءُ، كَما قالَ تَعالى لِلْمَلِكِ الرَّسُولِ سُلَيْمانَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [ص: ٣٩]. أيْ: أعْطِ مَن شِئْتَ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ، لا نُحاسِبُكَ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي الَّتِي عُرِضَتْ عَلى نَبِيِّنا ﷺ فَرَغِبَ عَنْها إلى ما هو أعْلى مِنها، وهي مَرْتَبَةُ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ الَّتِي تَصَرُّفُ صاحِبُها فِيها مَقْصُورٌ عَلى أمْرِ السَّيِّدِ في كُلِّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ. والمَقْصُودُ: أنَّ تَصَرُّفَهُ في الفَيْءِ بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَهو مَلِكٌ يُخالِفُ حُكْمَ غَيْرِهِ مِنَ المالِكِينَ، ولِهَذا كانَ يُنْفِقُ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِمّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بَخِيلٍ ولا رِكابٍ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ، ويَجْعَلُ الباقِيَ في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الأمْوالِ هو السَّهْمُ الَّذِي وقَعَ بَعْدَهُ فِيهِ مِنَ النِّزاعِ ما وقَعَ إلى اليَوْمِ. فَأمّا الزَّكَواتُ والغَنائِمُ وقِسْمَةُ المَوارِيثِ فَإنَّها مُعَيَّنَةٌ لِأهْلِها لا يَشْرُكُهم غَيْرُهم فِيها، فَلَمْ يُشْكِلْ عَلى وُلاةِ الأمْرِ بَعْدَهُ مِن أمْرِها ما أشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الفَيْءِ، ولَمْ يَقَعْ فِيها مِنَ النِّزاعِ ما وقَعَ فِيهِ، ولَوْلا إشْكالُ أمْرِهِ عَلَيْهِمْ لَما طَلَبَتْ فاطمة بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِيراثَها مِن تَرِكَتِهِ، وظَنَّتْ أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ ما كانَ مَلِكًا لَهُ كَسائِرِ المالِكِينَ، وخَفِيَ عَلَيْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها حَقِيقَةُ المِلْكِ الَّذِي لَيْسَ مِمّا يُورَثُ عَنْهُ، بَلْ هو صَدَقَةٌ بَعْدَهُ، ولَمّا عَلِمَ ذَلِكَ خَلِيفَتُهُ الرّاشِدُ البارُّ الصِّدِّيقُ ومَن بَعْدَهُ مِنَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ لَمْ يَجْعَلُوا ما خَلَّفَهُ مِنَ الفَيْءِ مِيراثًا يُقْسَمُ بَيْنَ ورَثَتِهِ، بَلْ دَفَعُوهُ إلى علي والعباس يَعْمَلانِ فِيهِ عَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتّى تَنازَعا فِيهِ وتَرافَعا إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعمر ولَمْ يَقْسِمْ أحَدٌ مِنهُما ذَلِكَ مِيراثًا، ولا مَكَّنا مِنهُ عباسا وعليا، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ - لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ - والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٧-٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] إلى آخِرِ الآيَةِ [الحشر: ٧-١٠]. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ ما أفاءَ عَلى رَسُولِهِ بِجُمْلَتِهِ لِمَن ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ، ولَمْ يَخُصَّ مِنهُ خُمُسَهُ بِالمَذْكُورِينَ، بَلْ عَمَّمَ وأطْلَقَ واسْتَوْعَبَ. ويُصْرَفُ عَلى المَصارِفِ الخاصَّةِ، وهم أهْلُ الخُمُسِ، ثُمَّ عَلى المَصارِفِ العامَّةِ، وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ وأتْباعُهم إلى يَوْمِ الدِّينِ. فالَّذِي عَمِلَ بِهِ هو وخُلَفاؤُهُ الرّاشِدُونَ هو المُرادُ مِن هَذِهِ الآياتِ، ولِذَلِكَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما رَواهُ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ وغَيْرُهُ عَنْهُ: (ما أحَدٌ أحَقَّ بِهَذا المالِ مِن أحَدٍ، وما أنا أحَقَّ بِهِ مِن أحَدٍ، واللَّهِ ما مِنَ المُسْلِمِينَ أحَدٌ إلّا ولَهُ في هَذا المالِ نَصِيبٌ إلّا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، ولَكِنّا عَلى مَنازِلِنا مِن كِتابِ اللَّهِ، وقَسَمِنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فالرَّجُلُ وبَلاؤُهُ في الإسْلامِ، والرَّجُلُ وقِدَمُهُ في الإسْلامِ، والرَّجُلُ وغِناؤُهُ في الإسْلامِ، والرَّجُلُ وحاجَتُهُ، وواللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهم لَيَأْتِيَنَّ الرّاعِيَ بِجَبَلِ صَنْعاءَ حَظُّهُ مِن هَذا المالِ، وهو يَرْعى مَكانَهُ). فَهَؤُلاءِ المُسَمَّوْنَ في آيَةِ الفَيْءِ هُمُ المُسَمَّوْنَ في آيَةِ الخُمُسِ، ولَمْ يَدْخُلِ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ وأتْباعُهم في آيَةِ الخُمُسِ؛ لِأنَّهُمُ المُسْتَحِقُّونَ لِجُمْلَةِ الفَيْءِ، وأهْلُ الخُمُسِ لَهُمُ اسْتِحْقاقانِ: اسْتِحْقاقٌ خاصٌّ مِنَ الخُمُسِ، واسْتِحْقاقٌ عامٌّ مِن جُمْلَةِ الفَيْءِ، فَإنَّهم داخِلُونَ في النَّصِيبَيْنِ. وَكَما أنَّ قِسْمَتَهُ مِن جُمْلَةِ الفَيْءِ بَيْنَ مَن جُعِلَ لَهُ لَيْسَ قِسْمَةَ الأمْلاكِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيها المالِكُونَ، كَقِسْمَةِ المَوارِيثِ والوَصايا والأمْلاكِ المُطْلَقَةِ، بَلْ بِحَسَبِ الحاجَةِ والنَّفْعِ والغِناءِ في الإسْلامِ والبَلاءِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ قِسْمَةُ الخُمُسِ في أهْلِهِ، فَإنَّ مَخْرَجَهُما واحِدٌ في كِتابِ اللَّهِ، والتَّنْصِيصُ عَلى الأصْنافِ الخَمْسَةِ يُفِيدُ تَحْقِيقَ إدْخالِهِمْ، وأنَّهم لا يَخْرُجُونَ مِن أهْلِ الفَيْءِ بِحالٍ، وأنَّ الخُمُسَ لا يَعْدُوهم إلى غَيْرِهِمْ، كَأصْنافِ الزَّكاةِ لا تَعْدُوهم إلى غَيْرِهِمْ، كَما أنَّ الفَيْءَ العامَّ في آيَةِ الحَشْرِ لِلْمَذْكُورِينَ فِيها لا يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ، ولِهَذا أفْتى أئِمَّةُ الإسْلامِ كمالك والإمامِ أحْمَدَ وغَيْرِهِما أنَّ الرّافِضَةَ لا حَقَّ لَهم في الفَيْءِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُهاجِرِينَ، ولا مِنَ الأنْصارِ، ولا مِنَ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِي سَبَقُونا بِالإيمانِ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ المَدِينَةِ، واخْتِيارُ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ القُرْآنُ، وفِعْلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وخُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في آيَةِ الزَّكاةِ وآيَةِ الخُمُسِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ: تَجِبُ قِسْمَةُ الزَّكاةِ والخُمُسِ عَلى الأصْنافِ كُلِّها، ويُعْطِي مِن كُلِّ صِنْفٍ مَن يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجَمْعِ. وَقالَ مالك رَحِمَهُ اللَّهُ وأهْلُ المَدِينَةِ: بَلْ يُعْطِي في الأصْنافِ المَذْكُورَةِ فِيهِما، ولا يَعْدُوهم إلى غَيْرِهِمْ، ولا تَجِبُ قِسْمَةُ الزَّكاةِ ولا الفَيْءِ في جَمِيعِهِمْ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ وأبو حنيفة: بِقَوْلِ مالك رَحِمَهُمُ اللَّهُ في آيَةِ الزَّكاةِ، وبِقَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في آيَةِ الخُمُسِ. وَمَن تَأمَّلَ النُّصُوصَ وعَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخُلَفائِهِ، وجَدَهُ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ أهْلِ المَدِينَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ أهْلَ الخُمُسِ هم أهْلُ الفَيْءِ، وعَيَّنَهُمُ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِمْ وتَقْدِيمًا لَهُمْ، ولِمّا كانَتِ الغَنائِمُ خاصَّةً بِأهْلِها لا يَشْرُكُهم فِيها سِواهم نَصَّ عَلى خُمُسِها لِأهْلِ الخُمُسِ، ولَمّا كانَ الفَيْءُ لا يَخْتَصُّ بِأحَدٍ دُونَ أحَدٍ جَعَلَ جُمْلَتَهُ لَهم ولِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ وتابِعِيهِمْ، فَسَوّى بَيْنَ الخُمُسِ وبَيْنَ الفَيْءِ في المَصْرِفِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ سَهْمَ اللَّهِ وسَهْمَهُ في مَصالِحِ الإسْلامِ، وأرْبَعَةَ أخْماسِ الخُمُسِ في أهْلِها مُقَدِّمًا لِلْأهَمِّ فالأهَمِّ، والأحْوَجِ فالأحْوَجِ، فَيُزَوِّجُ مِنهُ عُزّابَهُمْ، ويَقْضِي مِنهُ دُيُونَهُمْ، ويُعِينُ ذا الحاجَةِ مِنهُمْ، ويُعْطِي عَزَبَهم حَظًّا، ومُتَزَوِّجَهم حَظَّيْنِ، ولَمْ يَكُنْ هو ولا أحَدٌ مِن خُلَفائِهِ يَجْمَعُونَ اليَتامى والمَساكِينَ وأبْناءَ السَّبِيلِ وذَوِي القُرْبى، ويَقْسِمُونَ أرْبَعَةَ أخْماسِ الفَيْءِ بَيْنَهم عَلى السَّوِيَّةِ ولا عَلى التَّفْضِيلِ، كَما لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في الزَّكاةِ، فَهَذا هَدْيُهُ وسِيرَتُهُ، وهو فَصْلُ الخِطابِ، ومَحْضُ الصَّوابِ. (فصل) قال ابن القيم - بعد كلام -: وهذا الزبير وعبد الرحمن بن عوف أفضل من جمهور الصحابة مع الغنى الوافر وتأثيرهما في الدين أعظم من تأثير أهل الصفة وقد نهى رسول الله عن إضاعته وأخبر أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير له من تركهم فقراء وأخبر أن صاحب المال لن ينفق نفقة يبتغي بها وجه الله إلا ازداد بها درجة ورفعة وقد استعاذ رسول الله من الفقر وقرنه بالكفر فقال اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر فإن الخير نوعان خير الآخرة والكفر مضاده، وخير الدنيا والفقر مضاده فالفقر سبب عذاب الدنيا والكفر سبب عذاب الآخرة والله سبحانه وتعالى جعل إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء وأخذها وظيفة الفقراء وفرق بين اليدين شرعا وقدرا وجعل يد المعطي أعلى من الآخذ، وجعل الزكاة أوساخ المال، ولذلك حرمها على أطيب خلقه وعلى آله صيانة لهم وتشريفا ورفعا لأقدارهم ونحن لا ننكر أن رسول الله كان فقيرا ثم أغناه الله والله فتح عليه وخوله ووسع عليه وكان يدخر لأهله قوت سنة ويعطي العطايا التي لم يعطها أحد غيره وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ومات عن فدك والنضير وأموال خصه الله بها وقال تعالى ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُول﴾ فنزهه ربه سبحانه عن الفقر الذي يسوغ الصدقة وعوضه عما نزهه عنه بأشرف المال وأحله وأفضله وهو ما أخذه بظل رمحه وقائم سيفه من أعداء الله الذين كان مال الله بأيديهم ظلما وعدوانا فإنه خلق المال ليستعان به على طاعته وهو بأيدي الكفار والفجار ظلما وعدوانا فإذا رجع إلى أوليائه وأهل طاعته فاء إليهم ما خلق لهم ولكن لم يكن غنى رسول الله وملكه من جنس غنى بني الدنيا وأملاكهم فإن غناهم بالشيء، وغناه عن الشيء وهو الغنى العالي، وملكهم ملك يتصرفون فيه بحسب إرادتهم وهو إنما يتصرف في ملكه تصرف العبد الذي لا يتصرف إلا بأمر سيده.

الحشر 59:9

(فائدة) كان عبد الرحمن بن عوف - أو سعد بن أبي وقاص - يطوف بالبيت وليس له دأب إلا هذه الدعوة: رب قني شح نفسي، رب قني شح نفسي. فقيل له: أما تدعو بغير هذه الدعوة؟ فقال: إذا وقيت شح نفسي فقد أفلحت. والفرق بين الشح والبخل أن الشح هو شدة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه. والبخل منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله. فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل، والشح كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووقي شره، وذلك هو المفلح ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾. [فصل: الفرق بين الموجدة والحقد] والفرق بين الموجدة والحقد: أن الوجد الإحساس بالمؤلم والعلم به وتحرك النفس في رفعه فهو كمال. وأما الحقد فهو إضمار الشر وتوقعه كل وقت فيمن وجدت عليه فلا يزايل القلب أثره. وفرق آخر وهو أن الموجودة لما ينالك منه، والحقد لما يناله منك، فالموجودة وجود ما نالك من أذاه، والحقد توقع وجود ما يناله من المقابلة فالموجودة سريعة الزوال والحقد بطيء الزوال، والحقد يجيء مع ضيق القلب واستيلاء ظلمة النفس ودخانها عليه، بخلاف الموجدة فإنها تكون مع قوته وصلابته وقوة نوره وإحساسه. (فصل) قال أبو العباس بن العريف - رحمه الله -: "وقيل: المحبة إيثار المحبوب على غيره" وهذا الحد أيضًا من جنس ما قبله، فإن إيثار المحبوب على غيره موجب المحبة ومقتضاها، فإذا استقرت المحبة في القلب استدعت من المحب إيثار محبوبه على غيره، وهذا الإيثار علامة ثبوتها وصحتها، فإذا آثر غير المحبوب عليه لم يكن محبًا له، وإن زعم أنه محب فإنما هو محب لنفسه ولحظه ممن يحبه، فإذا رأى حظًا آخر هو أحب إليه من حظه الذي يريده من محبوبه آثر ذلك الحظ المحبوب إليه. فهذا موضع يغلط فيه الناس كثيرًا إذ أكثرهم إنما هو يحب لحظِّه ومراده، فإذا علم أنه عند غيره أحب ذلك الغير حب الوسائل لا حبًا له لذاته، ويظهر هذا عند حالتين: إحداهما: أنه يرى حظًا له آخر عند غيره فيؤثر ذلك الحظ ويترك محبوبه. الثانية: أنه إذا نال ذلك الحظ من محبوبه فترت محبته وسكن قلبه وترحل قاطن المحبة من قلبه، كما قيل: من ودَّك لأمر ولّى عند انقضائه. فهذه محبة مشوبة بالعلل. بل المحبة الخالصة أن يحب المحبوب لكماله، وأنه أهل أن يحب لذاته وصفاته. وأن الذي يوجب هذه المحبة فناءُ العبد عن إرادته لمراد محبوبه، فيكون عاملًا على مراد محبوبه منه لا على مراده هو من محبوبه. فهذه هي المحبة الخالصة من درن العلل وشوائب النفس، وهي التي تستلزم إيثار المحبوب على غيره ولا بد وكلما كان سلطان هذه المحبة أقوى كان هذا الإيثار أتم تتزايد، وفي مثل هذا قيل: ؎تعصي الإله وأنت تزعم حبه ∗∗∗ هذا لعمرك في القياس شنيع ؎لو كان حبك صادقًا لأطعته ∗∗∗ إن المحب لمن يحب مطيع وهاهنا دقيقة ينبغي التفطن لها، وهي أن إيثار المحبوب نوعان: إيثار معاوضة ومتاجرة، وإيثار حب وإرادة. فالأول: يؤثر محبوبه على غيره طلبًا لحظه منه، فهو يبذل ما يؤثره ليعاوضه بخير منه. والثاني: يؤثره إجابة لداعي محبته، فإن المحبة الصادقة تدعوه دائمًا إلى إيثار محبوبه، فإيثاره هو أجلّ حظوظه، فحظه في نفس الإيثار لا في العوض المطلوب بالإيثار، وهذا لا تفهمه إلا النفس اللطيفة الورعة المشرقة، وأما النفس الكثيفة فلا خبر عندها من هذا، وما هو بعشها فتلدرج. والدين كله والمعاملة في الإيثار، فإنه تقديم وتخصيص لمن تؤثره بما تؤثره به على نفسك، حتى قيل إن من شرطه الاحتياج من جهة المؤثر، إذ لو لم يكن محتاجًا إليه لكان بذله سخاءً وكرمًا. وهذا إنما يصح في إيثار المخلوق، والله سبحانه يؤثر عبده على غيره من غير احتياج منه سبحانه فإنه الغني الحميد، وفي الدعاء المرفوع: "اللَّهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنا". وقيل: من آثره الله على غيره آثره الله على غيره. والفرق بين الإيثار والأثرة أن الإيثار تخصيص الغير بما تريده لنفسك والأثرة اختصاصك به على الغير. وفي الحديث: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا". فإذا عرف هذا، فالإيثار إما أن يتعلق بالخلق، وإما أن يتعلق بالخالق. وإن تعلق بالخلق فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتًا، ولا يفسد عليك حالًا، ولا يهضم لك دينًا ولا يسد عليك طريقًا، ولا يمنع لك واردًا. فإن كان في إيثارهم شيء من ذلك، فإيثار نفسك عليهم أولى، فإن الرجل من لا يؤثر بنصيبه من الله أحدًا كائنًا من كان. وهذا في غاية الصعوبة على السالك، والأول أسهل منه. فإن الإيثار المحمود الذي أثنى الله على فاعله: الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب. قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنفَسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. فأخبر أن إيثارهم إنما هو بالشيء الذي إذا وقى الرجل الشح به كان من المفلحين، وهذا إنما هو فضول الدنيا لا الأوقات المصروفة في الطاعات. فإن الفلاح كل الفلاح في الشح بها فمن لم يكن شحيحًا بوقته تركه الناس على الأرض عيانًا مفلسًا، فالشح بالوقت هو عمارة القلب وحفظ رأْس ماله. ومما يدل على هذا أنه سبحانه أمر بالمسابقة في أعمال البر والتنافس فيها والمبادرة إليها، وهذا ضد الإيثار بها. قال الله تعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿فاسْتَبقُوا الخَيْراتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وقال النبي ﷺ: "لو يعلم الناس ما في النداءِ والصف الأول لكانت قرعة". والقرعة إنما تكون عند التزاحم والتنافس لا عند الإيثار فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلًا للإيثار، بل محلًا للتنافس والمسابقة، ولهذا قال الفقهاءُ: لا يستحب الإيثار بالقربات والسر فيه - والله أعلم - أن الإيثار إنما يكون بالشيء الذي يضيق عن الاشتراك فيه، فلا يسع المؤثر والمؤثر، بل لا يسع إلا أحدهما، وأما أعمال البر والطاعات فلا ضيق على العباد فيها، فلو اشترك الألوف المؤلفة في الطاعة الواحدة لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم ووسعتهم كلهم، وإن قدِّر التزاحم في عمل واحد أو مكان لا يمكن أن يفعله الجميع - بحيث إذا فعله واحد فات على غيره، فإن في العزم والنية الجازمة على فعله من الثواب ما لفاعله كما ثبت عن النبي ﷺ في غير حديث، فإذا قدر فوت مباشرته له فلا يفوت عليه عزمه ونيته لفعله. وأيضًا فإنه إذا فات عليه كان في غيره من الطاعات والقربات عوض منه: إما مساوٍ له، وإما أزيد، وإما دونه. فمتى أتى بالعوض وعلم الله من نيته وعزيمته الصادقة إرادته لذلك العمل الفائت أعطاه الله ثوابه وثواب ما تعوض به عنه فجمع له الأمرين. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم. وأيضًا فإن المقصود رغبة العبد في التقرب إلى الله، وابتغاء الوسيلة إليه والمنافسة في محابه، والإيثار بهذا التقرب يدل على رغبته عنه وتركه له، وعدم المنافسة فيه، وهذا بخلاف ما يحتاج إليه العبد من طعامه وشرابه ولباسه إذا كان أخوه محتاجًا إليه، فإذا اختص به أحدهما فات الآخر، فندب الله سبحانه عبده إذا وجد من نفسه قوة وصبرًا على الإيثار به ما لم يخرم عليه دينًا، أو يجلب له مفسدة، أو يقطع عليه طريقًا عزم على سلوكه إلى ربه، أو شوش عليه قلبه، بحيث يجعله متعلقًا بالخلق، فمفسدة إيثار هذا أرجح من مصلحته، فإذا ترجحت مصلحة الإيثار، بحيث تتضمن إنقاذ نفسه من هلكة أو عطب أو شدة ضرورة - وليس للمؤثر نظيرها - تعين عليه الإيثار، فإن كان به نظيرها لم يتعين عليه الإيثار، ولكن لو فعله لكان غاية الكرم والسخاءِ والإحسان، فإنه من آثر حياة غيره على حياته وضرورته على ضرورته فقد استولى على أمد الكرم والسخاء وجاوز أقصاه وضرب فيه بأوفر الحظ. وفى هذا الموضع مسائل فقهية ليس هذا موضع ذكرها. فإن قيل: فما الذي يسهل على النفس هذا الإيثار، فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار؟ قيل: يسهله أُمور: أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها، فإن من أفضل أخلاق الرجل وأشرفها وأعلاها الإيثار، وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته، كما جبلها على بغض المستأثر ومقته، لا تبديل لخلق الله. والأخلاق ثلاثة: خلق الإيثار، وهو خلق الفضل. وخلق القسمة والتسوية، وهو خلق العدل. وخلق الاستئثار والاستبداد وهو خلق الظلم. فصاحب الإيثار محبوب مطاع مهيب، وصاحب العدل لا سبيل للنفوس إلى أذاه والتسلط عليه ولكنها لا تنقاد إليه انقيادها لمن يؤثرها، وصاحب الاستئثار النفوس إلى أذاه والتسلط عليه أسرع من السيل في حدوره. وهل أزال الممالك وقلعها إلا الاستئثار؟ فإن النفوس لا صبر لها عليه. ولهذا أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالسمع والطاعة لولاة الأمر وإن استأْثروا عليهم، لما في طاعة المستأْثر من المشقة والكره. الثاني: النفرة من أخلاق اللئام، ومقت الشح وكراهته له. الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله سبحانه وتعالى للمسلمين بعضهم على بعض، فهو يرعاها حق رعايتها، ويخاف من تضييعها، ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف مع حده، فإن ذلك عسر جدًا، بل لا بد من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم، فهو لخوفه من تضييع الحق والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا وجزيل الأجر في الآخرة، مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه، فيعود عليه من إيثاره أفضل مما بذله. ومن جرب هذا عرفه، ومن لم يجربه فليستقر أحوال العالم. والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. (فصل) والإيثار المتعلق بالخالق أجل من هذا وأفضل، وهو إيثار رضاه على رضى غيره، وإيثار حبه على حب غيره، وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه، وإيثار الذل له والخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره. وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره، فالأول آثر بعض العبيد على نفسه فيما هو محبوب له، وهذا آثر الله على غيره ونفسه من أعظم الأغيار. فآثر الله عليها فترك محبوبها لمحبوب الله. وعلامة هذا الإيثار شيئان: أحدهما: فعل ما يحب الله إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه. الثاني: ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبه وتهواه، فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار، ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع، فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيه شديدة والنفس عنه ضعيفة، ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به، وأنه ليسير على من يسره الله عليه، فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى، وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المنحة، ويحمل فيه خطرًا يسيرًا لملك عظيم وفوز كبير، فإن ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال، ويسير منه يرقى العبد ويسيره ما لا يرقى غيره إليه في المدد المتطاولة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ، ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار. والذي يسهله على العبد أُمور: أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة. الثاني: أن يكون إيمانه راسخًا ويقينه قويًا، فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته. الثالث: قوة صبره وثباته. فبهذه الأمور الثلاثة الأُمور ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه. والنقص والتخلف في النفس عن هذا يكون من أمرين: أن تكون جامدة غير سريعة الإدراك، بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشيء إلا بعد عسر، وإن رأتها اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات، فلا يتخلص له رؤيتها وعيانها. الثاني أن تكون القريحة وقادة دراكة، لكن النفس ضعيفة مهينة إذا أبصرت الحق والرشد ضعفت عن إيثاره، فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض، كلما ساقه خطوة وقف خطوة، أو كسوق الطفل الصغير الذي تعلقت نفسه بشهواته ومأْلوفاته، فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا كرهًا. فإذا رزق العبد قريحة وقادة، وطبيعة منقادة: إذا زجرها انزجرت وإذا قادها انقادت بسهولة وسرعة ولين، وأُيد مع ذلك بعلم نافع وإيمان راسخ، أقبلت إليه وفود السعادة من كل جانب. ولما كانت هذه القرائح والطبائع ثابتة للصحابة رضي الله عنهم، وكملها الله لهم بنور الإسلام وقوة اليقين ومباشرة الإيمان لقلوبهم، كانوا أفضل العالمين بعد الأنبياء والمرسلين وكان من بعدهم لو أنفق مثل جبل أُحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. ومن تصور هذا الموضع حق تصوره علم من أين يلزمه النقص والتأخر، ومن أين يتقدم ويتأخر ويترقى في درجات السعادة وبالله التوفيق. والله أعلم. [فصل: في كَمالُ مَحَبَّةِ الصِّدِّيقِ لَهُ ﷺ] وَمِنها: كَمالُ مَحَبَّةِ الصِّدِّيقِ لَهُ، وقَصْدُهُ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ والتَّحَبُّبَ بِكُلِّ ما يُمْكِنُهُ، ولِهَذا ناشَدَ المغيرة أنْ يَدَعَهُ هو يُبَشِّرُ النَّبِيَّ ﷺ بِقُدُومِ وفْدِ الطّائِفِ، لِيَكُونَ هو الَّذِي بَشَّرَهُ وفَرَّحَهُ بِذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْألَ أخاهُ أنْ يُؤْثِرَهُ بِقُرْبَةٍ مِنَ القُرَبِ، وأنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يُؤْثِرَ بِها أخاهُ، وقَوْلُ مَن قالَ مِنَ الفُقَهاءِ: لا يَجُوزُ الإيثارُ بِالقُرَبِ لا يَصِحُّ. وَقَدْ آثَرَتْ عائشة عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ بِدَفْنِهِ في بَيْتِها جِوارَ النَّبِيِّ ﷺ، وسَألَها عمر ذَلِكَ فَلَمْ تَكْرَهْ لَهُ السُّؤالَ، ولا لَها البَذْلَ. وَعَلى هَذا فَإذا سَألَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ أنْ يُؤْثِرَهُ بِمَقامِهِ في الصَّفِّ الأوَّلِ، لَمْ يُكْرَهُ لَهُ السُّؤالُ، ولا لِذَلِكَ البَذْلُ ونَظائِرُهُ. وَمَن تَأمَّلَ سِيرَةَ الصَّحابَةِ، وجَدَهم غَيْرَ كارِهِينَ لِذَلِكَ، ولا مُمْتَنِعِينَ مِنهُ، وهَلْ هَذا إلّا كَرَمٌ وسَخاءٌ، وإيثارٌ عَلى النَّفْسِ، بِما هو أعْظَمُ مَحْبُوباتِها، تَفْرِيحًا لِأخِيهِ المُسْلِمِ، وتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ، وإجابَةً لَهُ إلى ما سَألَهُ، وتَرْغِيبًا لَهُ في الخَيْرِ. وَقَدْ يَكُونُ ثَوابُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ راجِحًا عَلى ثَوابِ تِلْكَ القُرْبَةِ، فَيَكُونُ المُؤْثِرُ بِها مِمَّنْ تاجَرَ فَبَذَلَ قُرْبَةً وأخَذَ أضْعافَها، وعَلى هَذا فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُؤْثِرَ صاحِبُ الماءِ بِمائِهِ أنْ يَتَوَضَّأ بِهِ ويَتَيَمَّمَ هو إذا كانَ لا بُدَّ مِن تَيَمُّمِ أحَدِهِما، فَآثَرَ أخاهُ وحازَ فَضِيلَةَ الإيثارِ وفَضِيلَةَ الطُّهْرِ بِالتُّرابِ، ولا يَمْنَعُ هَذا كِتابٌ ولا سُنَّةٌ، ولا مَكارِمُ أخْلاقٍ، وعَلى هَذا، فَإذا اشْتَدَّ العَطَشُ بِجَماعَةٍ وعايَنُوا التَّلَفَ، ومَعَ بَعْضِهِمْ ماءٌ، فَآثَرَ عَلى نَفْسِهِ واسْتَسْلَمَ لِلْمَوْتِ كانَ ذَلِكَ جائِزًا، ولَمْ يُقَلْ إنَّهُ قاتِلٌ لِنَفْسِهِ، ولا أنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا، بَلْ هَذا غايَةُ الجُودِ والسَّخاءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وقَدْ جَرى هَذا بِعَيْنِهِ لِجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ في فُتُوحِ الشّامِ، وعُدَّ ذَلِكَ مِن مَناقِبِهِمْ وفَضائِلِهِمْ، وهَلْ إهْداءُ القُرَبِ المُجْمَعِ عَلَيْها والمُتَنازَعِ فِيها إلى المَيِّتِ إلّا إيثارٌ بِثَوابِها، وهو عَيْنُ الإيثارِ بِالقُرَبِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أنْ يُؤْثِرَهُ بِفِعْلِها لِيُحْرِزَ ثَوابَها، وبَيْنَ أنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يُؤْثِرَهُ بِثَوابِها، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الإيثارِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الإيثارِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. فالإيثارُ ضِدَّ الشُّحِّ. فَإنَّ المُؤْثِرَ عَلى نَفْسِهِ تارِكٌ لِما هو مُحْتاجٌ إلَيْهِ. والشَّحِيحُ: حَرِيصٌ عَلى ما لَيْسَ بِيَدِهِ. فَإذا حَصَلَ بِيَدِهِ شَيْءٌ شَحَّ عَلَيْهِ. وبَخِلَ بِإخْراجِهِ. فالبُخْلُ ثَمَرَةُ الشُّحِّ. والشُّحُّ يَأْمُرُ بِالبُخْلِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إيّاكم والشُّحَّ. فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم. أمَرَهم بِالبُخْلِ فَبَخِلُوا. وأمَرَهم بِالقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا». فالبَخِيلُ: مَن أجابَ داعِيَ الشُّحِّ. والمُؤْثِرُ: مَن أجابَ داعِيَ الجُودِ. كَذَلِكَ السَّخاءُ عَمّا في أيْدِي النّاسِ هو السَّخاءُ. وهو أفْضَلُ مِن سَخاءِ البَذْلِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: سَخاءُ النَّفْسِ عَمّا في أيْدِي النّاسِ أفْضَلُ مِن سَخاءِ النَّفْسِ بِالبَذْلِ. وَهَذا المَنزِلُ: هو مَنزِلُ الجُودِ والسَّخاءِ والإحْسانِ. وَسُمِّيَ بِمَنزِلِ الإيثارِ لِأنَّهُ أعْلى مَراتِبِهِ، فَإنَّ المَراتِبَ ثَلاثَةٌ. إحْداها: أنْ لا يَنْقُصَهُ البَذْلُ، ولا يَصْعُبَ عَلَيْهِ. فَهو مَنزِلَةُ السَّخاءِ. الثّانِيَةُ: أنْ يُعْطِيَ الأكْثَرَ، ويُبْقِيَ لَهُ شَيْئًا، أوْ يُبْقِيَ مِثْلَ ما أعْطى. فَهو الجُودُ. الثّالِثَةُ: أنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بِالشَّيْءِ مَعَ حاجَتِهِ إلَيْهِ، وهو مَرْتَبَةُ الإيثارِ وعَكْسُها الأثَرَةُ وهو اسْتِئْثارُهُ عَنْ أخِيهِ بِما هو مُحْتاجٌ إلَيْهِ. وَهِيَ المَرْتَبَةُ الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: «إنَّكم سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً. فاصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْنِي عَلى الحَوْضِ» والأنْصارُ: هُمُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإيثارِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ فَوَصَفَهم بِأعْلى مَراتِبِ السَّخاءِ، وكانَ ذَلِكَ فِيهِمْ مَعْرُوفًا. وَكانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِنَ الأجْوادِ المَعْرُوفِينَ. حَتّى إنَّهُ مَرِضَ مَرَّةً، فاسْتَبْطَأ إخْوانَهُ في العِيادَةِ. فَسَألَ عَنْهُمْ؟ فَقالُوا: إنَّهم كانُوا يَسْتَحْيُونَ مِمّا لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّيْنِ. فَقالَ: أخْزى اللَّهُ مالًا يَمْنَعُ الإخْوانَ مِنَ الزِّيارَةِ. ثُمَّ أمَرَ مُنادِيًا يُنادِي: مَن كانَ لِقَيْسٍ عَلَيْهِ مالٌ فَهو مِنهُ في حِلٍّ. فَما أمْسى حَتّى كُسِرَتْ عَتَبَةُ بابِهِ، لِكَثْرَةِ مَن عادَهُ. وَقالُوا لَهُ يَوْمًا: هَلْ رَأيْتَ أسْخى مِنكَ؟ قالَ: نَعَمْ. نَزَلْنا بِالبادِيَةِ عَلى امْرَأةٍ. فَحَضَرَ زَوْجُها. فَقالَتْ: إنَّهُ نَزَلَ بِكَ ضَيْفانِ. فَجاءَ بِناقَةٍ فَنَحَرَها، وقالَ: شَأْنُكُمْ؟ فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ جاءَ بِأُخْرى فَنَحَرَها. فَقُلْنا: ما أكَلْنا مِنَ الَّتِي نَحَرْتَ البارِحَةَ إلّا اليَسِيرَ. فَقالَ: إنِّي لا أُطْعِمُ ضَيْفانِي البائِتَ. فَبَقِينا عِنْدَهُ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثَةً، والسَّماءُ تُمْطِرُ. وهو يَفْعَلُ ذَلِكَ. فَلَمّا أرَدْنا الرَّحِيلَ وضَعْنا مِائَةَ دِينارٍ في بَيْتِهِ، وقُلْنا لِلْمَرْأةِ: اعْتَذِرِي لَنا إلَيْهِ. ومَضَيْنا. فَلَمّا طَلَعَ النَّهارُ إذا نَحْنُ بَرَجُلٍ يَصِيحُ خَلْفَنا: قِفُوا. أيُّها الرَّكْبُ اللِّئامُ. أعْطَيْتُمُونِي ثَمَنَ قِرايَ؟ ثُمَّ إنَّهُ لَحِقَنا، وقالَ: لَتَأْخُذُنَّهُ أوْ لَأُطاعِنَنَّكم بِرُمْحِي. فَأخَذْناهُ وانْصَرَفَ. فَتَأمَّلْ سِرَّ التَّقْدِيرِ، حَيْثُ قَدَّرَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ - سُبْحانَهُ - اسْتِئْثارَ النّاسِ عَلى الأنْصارِ بِالدُّنْيا - وهم أهْلُ الإيثارِ - لِيُجازِيَهم عَلى إيثارِهِمْ إخْوانَهم في الدُّنْيا عَلى نُفُوسِهِمْ بِالمَنازِلِ العالِيَةِ في جَنّاتِ عَدْنٍ عَلى النّاسِ. فَتَظْهَرُ حِينَئِذٍ فَضِيلَةُ إيثارِهِمْ ودَرَجَتُهُ ويَغْبِطُهم مَنِ اسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ بِالدُّنْيا أعْظَمَ غِبْطَةٍ. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. فَإذا رَأيْتَ النّاسَ يَسْتَأْثِرُونَ عَلَيْكَ - مَعَ كَوْنِكَ مِن أهْلِ الإيثارِ - فاعْلَمْ أنَّهُ لِخَيْرٍ يُرادُ بِكَ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. [فَصْلٌ مَراتِبُ الجُودِ] والجُودُ عَشْرُ مَراتِبَ. إحْداها: الجُودُ بِالنَّفْسِ. وهو أعْلى مَراتِبِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَجُودُ بِالنَّفْسِ، إذْ ضَنَّ البَخِيلُ بِها ∗∗∗ والجُودُ بِالنَّفْسِ أقْصى غايَةِ الجُودِ الثّانِيَةُ: الجُودُ بِالرِّياسَةِ. وهو ثانِي مَراتِبِ الجُودِ. فَيَحْمِلُ الجَوادَ جُودُهُ عَلى امْتِهانِ رِياسَتِهِ، والجُودِ بِها. والإيثارِ في قَضاءِ حاجاتِ المُلْتَمِسِ. الثّالِثَةُ: الجُودُ بِراحَتِهِ ورَفاهِيَتِهِ، وإجْمامِ نَفْسِهِ. فَيَجُودُ بِها تَعَبًا وكَدًّا في مَصْلَحَةِ غَيْرِهِ. ومِن هَذا جُودُ الإنْسانِ بِنَوْمِهِ ولَذَّتِهِ لِمُسامِرِهِ، كَما قِيلَ: ؎مُتَيَّمٌ بِالنَّدى، لَوْ قالَ سائِلُهُ: ∗∗∗ هَبْ لِي جَمِيعَ كَرى عَيْنَيْكَ، لَمْ يَنَمِ الرّابِعَةُ: الجُودُ بِالعِلْمِ وبَذْلِهِ. وهو مِن أعْلى مَراتِبِ الجُودِ. والجُودُ بِهِ أفْضَلُ مِنَ الجُودِ بِالمالِ. لِأنَّ العِلْمَ أشْرَفُ مِنَ المالِ. والنّاسُ في الجُودِ بِهِ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ. وقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ وتَقْدِيرُهُ النّافِذُ: أنْ لا يَنْفَعَ بِهِ بَخِيلًا أبَدًا. وَمِنَ الجُودِ بِهِ: أنْ تَبْذُلَهُ لِمَن يَسْألُكَ عَنْهُ، بَلْ تَطْرَحُهُ عَلَيْهِ طَرْحًا. وَمِنَ الجُودِ بِالعِلْمِ: أنَّ السّائِلَ إذا سَألَكَ عَنْ مَسْألَةٍ: اسْتَقْصَيْتَ لَهُ جَوابَها جَوابًا شافِيًا، لا يَكُونُ جَوابُكَ لَهُ بِقَدْرِ ما تُدْفَعُ بِهِ الضَّرُورَةُ، كَما كانَ بَعْضُهم يَكْتُبُ في جَوابِ الفُتْيا: نَعَمْ، أوْ: لا. مُقْتَصِرًا عَلَيْها. وَلَقَدْ شاهَدْتُ مِن شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - في ذَلِكَ أمْرًا عَجِيبًا: كانَ إذا سُئِلَ عَنْ مَسْألَةٍ حُكْمِيَّةٍ، ذَكَرَ في جَوابِها مَذاهِبَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، إذا قَدَرَ، ومَأْخَذَ الخِلافِ، وتَرْجِيحَ القَوْلِ الرّاجِحِ. وذَكَرَ مُتَعَلَّقاتِ المَسْألَةِ الَّتِي رُبَّما تَكُونُ أنْفَعَ لِلسّائِلِ مِن مَسْألَتِهِ. فَيَكُونُ فَرَحُهُ بِتِلْكَ المُتَعَلَّقاتِ، واللَّوازِمِ: أعْظَمَ مِن فَرَحِهِ بِمَسْألَتِهِ. وَهَذِهِ فَتاوِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيْنَ النّاسِ. فَمَن أحَبَّ الوُقُوفَ عَلَيْها رَأى ذَلِكَ. فَمِن جُودِ الإنْسانِ بِالعِلْمِ: أنَّهُ لا يَقْتَصِرُ عَلى مَسْألَةِ السّائِلِ. بَلْ يَذْكُرُ لَهُ نَظائِرَها ومُتَعَلِّقَها ومَأْخَذَها، بِحَيْثُ يَشْفِيهِ ويَكْفِيهِ. وَقَدْ سَألَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المُتَوَضِّئِ بِماءِ البَحْرِ؟ فَقالَ «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مِيتَتُهُ» فَأجابَهم عَنْ سُؤالِهِمْ. وجادَ عَلَيْهِمْ بِما لَعَلَّهم في بَعْضِ الأحْيانِ إلَيْهِ أحْوَجُ مِمّا سَألُوهُ عَنْهُ. وَكانُوا إذا سَألُوهُ عَنِ الحُكْمِ نَبَّهَهم عَلى عِلَّتِهِ وحِكْمَتِهِ. كَما سَألُوهُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ؟ فَقالَ: «أيُنْقُصُ الرُّطَبُ إذا جَفَّ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فَلا إذَنْ» ولَمْ يَكُنْ يَخْفى عَلَيْهِ ﷺ نُقْصانُ الرُّطَبِ بِجَفافِهِ، ولَكِنْ نَبَّهَهم عَلى عِلَّةِ الحُكْمِ. وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا في أجْوِبَتِهِ ﷺ. مِثْلَ قَوْلِهِ: «إنْ بِعْتَ مِن أخِيكَ ثَمَرَةً. فَأصابَتْها جائِحَةٌ فَلا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَأْخُذَ مِن مالِ أخِيكَ شَيْئًا. بِمَ يَأْخُذُ أحَدُكم مالَ أخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؟» وفي لَفْظٍ: «أرَأيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ: بِمَ يَأْخُذُ أحَدُكم مالَ أخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؟» فَصَرَّحَ بِالعِلَّةِ الَّتِي يَحْرُمُ لِأجْلِها إلْزامُهُ بِالثَّمَنِ. وهي مَنعُ اللَّهِ الثَّمَرَةَ الَّتِي لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي فِيها صُنْعٌ. وَكانَ خُصُومُهُ - يَعْنِي شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ - يَعِيبُونَهُ بِذَلِكَ. ويَقُولُونَ: سَألَهُ السّائِلُ عَنْ طَرِيقِ مِصْرَ - مَثَلًا - فَيَذْكُرُ لَهُ مَعَها طَرِيقَ مَكَّةَ، والمَدِينَةِ، وخُراسانَ، والعِراقِ، والهِنْدِ. وأيُّ حاجَةٍ بِالسّائِلِ إلى ذَلِكَ؟ وَلَعَمْرُ اللَّهِ لَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ، وإنَّما العَيْبُ: الجَهْلُ والكِبْرُ. وهَذا مَوْضِعُ المَثَلِ المَشْهُورِ: ؎لَقَّبُوهُ بِحامِضٍ وهْوَ خَلٌّ ∗∗∗ مِثْلَ مَن لَمْ يَصِلْ إلى العُنْقُودِ الخامِسَةُ: الجُودُ بِالنَّفْعِ بِالجاهِ. كالشَّفاعَةِ والمَشْيِ مَعَ الرَّجُلِ إلى ذِي سُلْطانٍ ونَحْوِهِ. وذَلِكَ زَكاةُ الجاهِ المُطالَبُ بِها العَبْدُ. كَما أنَّ التَّعْلِيمَ وبَذْلَ العِلْمِ زَكاتُهُ. السّادِسَةُ: الجُودُ بِنَفْعِ البَدَنِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ. كَما قالَ ﷺ: «يُصْبِحُ عَلى كُلِّ سُلامى مِن أحَدِكم صَدَقَةٌ. كُلُّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ: صَدَقَةٌ. ويُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ، فَيَحْمِلُهُ عَلَيْها، أوْ يَرْفَعُ لَهُ عَلَيْها مَتاعَهُ: صَدَقَةٌ. والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ: صَدَقَةٌ، وبِكُلِّ خُطْوَةٍ يُمْشِيها الرَّجُلُ إلى الصَّلاةِ: صَدَقَةٌ. ويُمِيطُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ: صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. السّابِعَةُ: الجُودُ بِالعِرْضِ، كَجُودِ «أبِي ضَمْضَمٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. كانَ إذا أصْبَحَ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّهُ لا مالَ لِي أتَصَدَّقُ بِهِ عَلى النّاسِ. وقَدْ تَصَدَّقْتُ عَلَيْهِمْ بِعِرْضِي، فَمَن شَتَمَنِي، أوْ قَذَفَنِي: فَهو في حِلٍّ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن يَسْتَطِيعُ مِنكم أنْ يَكُونَ كَأبِي ضَمْضَمٍ؟». وَفِي هَذا الجُودِ مِن سَلامَةِ الصَّدْرِ، وراحَةِ القَلْبِ، والتَّخَلُّصِ مِن مُعاداةِ الخَلْقِ ما فِيهِ. الثّامِنَةُ: الجُودُ بِالصَّبْرِ، والِاحْتِمالِ، والإغْضاءِ. وَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ شَرِيفَةٌ مِن مَراتِبِهِ. وهي أنْفَعُ لِصاحِبِها مِنَ الجُودِ بِالمالِ، وأعَزُّ لَهُ وأنْصَرُ، وأمَلَكُ لِنَفْسِهِ، وأشْرَفُ لَها. ولا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا النُّفُوسُ الكِبارُ. فَمَن صَعُبَ عَلَيْهِ الجُودُ بِمالِهِ فَعَلَيْهِ بِهَذا الجُودِ. فَإنَّهُ يَجْتَنِي ثَمَرَةَ عَواقِبِهِ الحَمِيدَةِ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ. وهَذا جُودُ الفُتُوَّةِ. قالَ تَعالى ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وفي هَذا الجُودِ قالَ تَعالى ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] فَذَكَرَ المَقاماتِ الثَّلاثَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: مَقامَ العَدْلِ، وأذِنَ فِيهِ. ومَقامَ الفَضْلِ، ونَدَبَ إلَيْهِ. ومَقامَ الظُّلْمِ، وحَرَّمَهُ. التّاسِعَةُ: الجُودُ بِالخُلُقِ والبِشْرِ والبَسْطَةِ. وهو فَوْقَ الجُودِ بِالصَّبْرِ، والِاحْتِمالِ والعَفْوِ. وهو الَّذِي بَلَغَ بِصاحِبِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ القائِمِ. وهو أثْقَلُ ما يُوضَعُ في المِيزانِ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، ولَوْ أنْ تَلْقى أخاكَ ووَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إلَيْهِ» وفي هَذا الجُودِ مِنَ المَنافِعِ والمَسارِّ، وأنْواعِ المَصالِحِ ما فِيهِ. والعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَسَعَهم بِخُلُقِهِ واحْتِمالِهِ. العاشِرَةُ: الجُودُ بِتَرْكِهِ ما في أيْدِي النّاسِ عَلَيْهِمْ. فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ. ولا يَسْتَشْرِفُ لَهُ بِقَلْبِهِ، ولا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِحالِهِ، ولا لِسانِهِ. وهَذا الَّذِي قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن سَخاءِ النَّفْسِ بِالبَذْلِ. فَلِسانُ حالِ القَدَرِ يَقُولُ لِلْفَقِيرِ الجَوادِ: وإنْ لَمْ أُعْطِكَ ما تَجُودُ بِهِ عَلى النّاسِ، فَجُدْ عَلَيْهِمْ بِزُهْدِكَ في أمْوالِهِمْ. وما في أيْدِيهِمْ، تُفَضَّلْ عَلَيْهِمْ، وتُزاحِمْهم في الجُودِ، وتَنْفَرِدْ عَنْهم بِالرّاحَةِ. وَلِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ الجُودِ مَزِيدٌ وتَأْثِيرٌ خاصٌّ في القَلْبِ والحالِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ ضَمِنَ المَزِيدَ لِلْجَوادِ، والإتْلافَ لِلْمُمْسِكِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ مَعْنى الإيثارِ والأثَرَةِ] فَصْلٌ قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " رَحِمَهُ اللَّهُ: الإيثارُ: تَخْصِيصٌ واخْتِيارٌ. والأثَرَةُ: تَحْسُنُ طَوْعًا. وتَصِحُّ كَرْهًا. فَرَّقَ الشَّيْخُ بَيْنَ الإيثارِ والأثَرَةِ وجَعَلَ الإيثارَ اخْتِيارًا والأثَرَةَ مُنْقَسِمَةً إلى اخْتِيارِيَّةٍ، واضْطِرارِيَّةٍ. وبِالفَرْقِ بَيْنَهُما يُعْلَمُ مَعْنى كَلامِهِ. فَإنَّ الإيثارَ هو البَذْلُ، وتَخْصِيصُكَ لِمَن تُؤْثِرُهُ عَلى نَفْسِكَ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا اخْتِيارًا. وَأمّا الأثَرَةُ فَهي اسْتِئْثارُ صاحِبِ الشَّيْءِ بِهِ عَلَيْكَ، وحَوْزُهُ لِنَفْسِهِ دُونَكَ. فَهَذِهِ لا يُحْمَدُ عَلَيْها المُسْتَأْثِرُ عَلَيْهِ. إلّا إذا كانَتْ طَوْعًا. مِثْلَ أنْ يَقْدِرَ عَلى مُنازَعَتِهِ ومُجاذَبَتِهِ، فَلا يَفْعَلُ. ويَدَعُهُ وأثَرَتَهُ طَوْعًا. فَهَذا حَسَنٌ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ كانَتْ أثَرَةَ كَرْهٍ. وَيَعْنِي بِالصِّحَّةِ: الوُجُودَ، أيْ تُوجَدُ كَرْهًا. ولَكِنْ إنَّما تَحْسُنُ إذا كانَتْ طَوْعًا مِنَ المُسْتَأْثِرِ عَلَيْهِ. فَحَقِيقَةُ الإيثارِ بَذْلُ صاحِبِهِ وإعْطاؤُهُ. والأثَرَةُ اسْتِبْدالُهُ هو بِالمُؤْثَرِ بِهِ. فَيَتْرُكُهُ وما اسْتُبْدِلَ بِهِ: إمّا طَوْعًا، وإمّا كَرْهًا. فَكَأنَّكَ آثَرْتَهُ بِاسْتِئْثارِهِ حَيْثُ خَلَّيْتَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، ولَمْ تُنازِعْهُ. «قالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، في عُسْرِنا، ويُسْرِنا، ومَنشَطِنا، ومَكْرَهِنا، وأثَرَةٍ عَلَيْنا، وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ». فالسَّمْعُ والطّاعَةُ في العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنشَطِ والمَكْرَهِ: لَهم مَعَهُ ومَعَ الأئِمَّةِ بَعْدَهُ، والأثَرَةُ: عَدَمُ مُنازَعَةِ الأمْرِ مَعَ الأئِمَّةِ بَعْدَهُ خاصَّةً، فَإنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَأْثِرْ عَلَيْهِمْ. [فَصْلٌ دَرَجاتُ الإيثارِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى أنْ تُؤْثِرَ الخَلْقَ عَلى نَفْسِكَ] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: أنْ تُؤْثِرَ الخَلْقَ عَلى نَفْسِكَ فِيما لا يَخْرِمُ عَلَيْكَ دِينًا. ولا يَقْطَعُ عَلَيْكَ طَرِيقًا، ولا يُفْسِدُ عَلَيْكَ وقْتًا. يَعْنِي: أنْ تُقَدِّمَهم عَلى نَفْسِكَ في مَصالِحِهِمْ. مِثْلَ أنْ تُطْعِمَهم وتَجُوعَ. وتَكْسُوَهم وتَعْرى، وتَسْقِيَهم وتَظْمَأ، بِحَيْثُ لا يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى ارْتِكابِ إتْلافٍ لا يَجُوزُ في الدِّينِ. ومِثْلَ أنْ تُؤْثِرَهم بِمالِكَ وتَقْعُدَ كَلًّا مُضْطَرًّا، مُسْتَشْرِفًا لِلنّاسِ أوْ سائِلًا. وكَذَلِكَ إيثارُهم بِكُلِّ ما يُحَرِّمُهُ عَلى المُؤْثِرِ دِينُهُ. فَإنَّهُ سَفَهٌ وعَجْزٌ. يُذَمُّ المُؤْثِرُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ النّاسِ. وَأمّا قَوْلُهُ: ولا يَقْطَعُ عَلَيْكَ طَرِيقًا أيْ لا يَقْطَعُ عَلَيْكَ طَرِيقَ الطَّلَبِ والمَسِيرَ إلى اللَّهِ تَعالى، مِثْلَ أنْ تُؤْثِرَ جَلِيسَكَ عَلى ذِكْرِكَ، وتَوَجُّهِكَ وجَمْعِيَّتِكَ عَلى اللَّهِ. فَتَكُونَ قَدْ آثَرْتَهُ عَلى اللَّهِ. وآثَرْتَ بِنَصِيبِكَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَسْتَحِقُّ الإيثارَ. فَيَكُونَ مَثَلُكَ كَمَثَلِ مُسافِرٍ سائِرٍ عَلى الطَّرِيقِ لَقِيَهُ رَجُلٌ فاسْتَوْقَفَهُ، وأخَذَ يُحَدِّثُهُ ويُلْهِيهِ حَتّى فاتَهُ الرِّفاقُ. وهَذا حالُ أكْثَرِ الخَلْقِ مَعَ الصّادِقِ السّائِرِ إلى اللَّهِ تَعالى. فَإيثارُهم عَلَيْهِ عَيْنُ الغُبْنِ. وما أكْثَرَ المُؤْثِرِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى غَيْرَهُ. وما أقَلَّ المُؤْثِرِينَ اللَّهَ عَلى غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ الإيثارُ بِما يُفْسِدُ عَلى المُؤْثِرِ وقْتَهُ قَبِيحٌ أيْضًا. مِثْلَ أنْ يُؤْثِرَ بِوَقْتِهِ ويُفَرِّقَ قَلْبَهُ في طَلَبِ خَلَفِهِ، أوْ يُؤْثِرَ بِأمْرٍ قَدْ جَمَعَ قَلْبَهُ وهَمَّهُ عَلى اللَّهِ. فَيُفَرِّقَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ جَمْعِيَّتِهِ. ويُشَتِّتَ خاطِرَهُ. فَهَذا أيْضًا إيثارٌ غَيْرُ مَحْمُودٍ. وَكَذَلِكَ الإيثارُ بِاشْتِغالِ القَلْبِ والفِكْرِ في مُهِمّاتِهِمْ ومَصالِحِهِمُ الَّتِي لا تَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ. عَلى الفِكْرِ النّافِعِ، واشْتِغالِ القَلْبِ بِاللَّهِ، ونَظائِرُ ذَلِكَ لا تَخْفى. بَلْ ذَلِكَ حالُ الخَلْقِ، والغالِبُ عَلَيْهِمْ. وَكُلُّ سَبَبٍ يَعُودُ عَلَيْكَ بِصَلاحِ قَلْبِكَ ووَقْتِكَ وحالِكَ مَعَ اللَّهِ: فَلا تُؤْثِرْ بِهِ أحَدًا. فَإنْ آثَرْتَ بِهِ فَإنَّما تُؤْثِرُ الشَّيْطانَ عَلى اللَّهِ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ. وَتَأمَّلْ أحْوالَ أكْثَرِ الخَلْقِ في إيثارِهِمْ عَلى اللَّهِ مَن يَضُرُّهم إيثارُهم لَهُ ولا يَنْفَعُهم. وأيُّ جَهالَةٍ وسَفَهٍ فَوْقَ هَذا؟ وَمِن هَذا تَكَلَّمَ الفُقَهاءُ في الإيثارِ بِالقُرْبِ. وقالُوا: إنَّهُ مَكْرُوهٌ أوْ حَرامٌ. كَمَن يُؤْثِرُ بِالصَّفِّ الأوَّلِ غَيْرَهُ ويَتَأخَّرُ هُوَ، أوْ يُؤْثِرُهُ بِقُرْبِهِ مِنَ الإمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، أوْ يُؤْثِرُ غَيْرَهُ بِالأذانِ والإقامَةِ، أوْ يُؤْثِرُهُ بِعِلْمٍ يَحْرِمُهُ نَفْسَهُ، ويَرْفَعُهُ عَلَيْهِ، فَيَفُوزُ بِهِ دُونَهُ. وَتَكَلَّمُوا في إيثارِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَفْنِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حُجْرَتِها. وَأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ المَيِّتَ يَنْقَطِعُ عَمَلُهُ بِمَوْتِهِ وبِقُرْبِهِ. فَلا يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ الإيثارُ بِالقُرْبِ بَعْدَ المَوْتِ. إذْ لا تَقَرُّبَ في حَقِّ المَيِّتِ. وإنَّما هَذا إيثارٌ بِمَسْكَنٍ شَرِيفٍ فاضِلٍ لِمَن هو أوْلى بِهِ مِنها. فالإيثارُ بِهِ قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْثِرِ. واللَّهُ أعْلَمُ. (فَصْلٌ) قالَ ولا يُسْتَطاعُ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِتَعْظِيمِ الحُقُوقِ، ومَقْتِ الشُّحِّ، والرَّغْبَةِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ. ذِكْرُ ما يُعِينُ عَلى الإيثارِ فَيَبْعَثُ عَلَيْهِ. وهو ثَلاثَةُ أشْياءَ. تَعْظِيمُ الحُقُوقِ. فَإنَّ مَن عَظُمَتِ الحُقُوقُ عِنْدَهُ قامَ بِواجِبِها. ورَعاها حَقَّ رِعايَتِها. واسْتَعْظَمَ إضاعَتَها. وعَلِمَ أنَّهُ إنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الإيثارِ لَمْ يُؤَدِّها كَما يَنْبَغِي. فَيَجْعَلَ إيثارَهُ احْتِياطًا لِأدائِها. الثّانِي: مَقْتُ الشُّحِّ. فَإنَّهُ إذا مَقَتَهُ وأبْغَضَهُ التَزَمَ الإيثارَ. فَإنَّهُ يَرى أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِن هَذا المَقْتِ البَغِيضِ إلّا بِالإيثارِ. الثّالِثُ: الرَّغْبَةُ في مَكارِمِ الأخْلاقِ. وبِحَسَبِ رَغْبَتِهِ فِيها: يَكُونُ إيثارُهُ. لِأنَّ الإيثارَ أفْضَلُ دَرَجاتِ مَكارِمِ الأخْلاقِ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ إيثارُ رِضا اللَّهِ عَلى رِضا غَيْرِهِ] قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: إيثارُ رِضا اللَّهِ عَلى رِضا غَيْرِهِ. وإنْ عَظُمَتْ فِيهِ المِحَنُ. وثَقُلَتْ فِيهِ المُؤَنُ، وضَعُفَ عَنْهُ الطَّوْلُ والبَدَنُ. إيثارُ رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى غَيْرِهِ: هو أنْ يُرِيدَ ويَفْعَلَ ما فِيهِ مَرْضاتُهُ، ولَوْ أغْضَبَ الخَلْقَ. وهي دَرَجَةُ الأنْبِياءِ. وأعْلاها لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ. وأعْلاها لِأُولِي العَزْمِ مِنهم. وأعْلاها لِنَبِيِّنا ﷺ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ. فَإنَّهُ قاوَمَ العالَمَ كُلَّهُ. وتَجَرَّدَ لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ. واحْتَمَلَ عَداوَةَ البَعِيدِ والقَرِيبِ في اللَّهِ تَعالى. وآثَرَ رِضا اللَّهِ عَلى رِضا الخَلْقِ مِن كُلِّ وجْهٍ. ولَمْ يَأْخُذْهُ في إيثارِ رِضاهُ لَوْمَةُ لائِمٍ. بَلْ كانَ هَمُّهُ وعَزْمُهُ وسَعْيُهُ كُلُّهُ مَقْصُورًا عَلى إيثارِ مَرْضاةِ اللَّهِ، وتَبْلِيغِ رِسالاتِهِ، وإعْلاءِ كَلِماتِهِ، وجِهادِ أعْدائِهِ. حَتّى ظَهَرَ دِينُ اللَّهِ عَلى كُلِّ دِينٍ. وقامَتْ حُجَّتُهُ عَلى العالَمِينَ. وتَمَّتْ نِعْمَتُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ. فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ. وأدّى الأمانَةَ. ونَصَحَ الأُمَّةَ. وجاهَدَ في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ. وعَبَدَ اللَّهَ حَتّى أتاهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ. فَلَمْ يَنَلْ أحَدٌ مِن دَرَجَةِ هَذا الإيثارِ ما نالَ. صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ. وَأمّا قَوْلُهُ: وإنْ عَظُمَتْ فِيهِ المِحَنُ. وثَقُلَتْ فِيهِ المُؤَنُ. فَإنَّ المِحْنَةَ تَعْظُمُ فِيهِ أوْلًا، لِيَتَأخَّرَ مَن لَيْسَ مِن أهْلِهِ. فَإذا احْتَمَلَها وتَقَدَّمَ انْقَلَبَتْ تِلْكَ المِحَنُ مِنَحًا. وصارَتْ تِلْكَ المُؤَنُ عَوْنًا. وهَذا مَعْرُوفٌ بِالتَّجْرِبَةِ الخاصَّةِ والعامَّةِ. فَإنَّهُ ما آثَرَ عَبْدٌ مَرْضاةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مَرْضاةِ الخَلْقِ، وتَحَمَّلَ ثِقَلَ ذَلِكَ ومُؤْنَتَهُ، وصَبَرَ عَلى مِحْنَتِهِ: إلّا أنْشَأ اللَّهُ مِن تِلْكَ المِحْنَةِ والمُؤْنَةِ نِعْمَةً ومَسَرَّةً، ومَعُونَةٍ بِقَدْرِ ما تَحَمَّلَ مِن مَرْضاتِهِ. فانْقَلَبَتْ مَخاوِفُهُ أمانًا، ومَظانُّ عَطَبِهِ نَجاةً، وتَعَبُهُ راحَةً، ومُؤْنَتُهُ مَعُونَةً، وبَلِيَّتُهُ نِعْمَةً، ومِحْنَتُهُ مِنحَةً، وسُخْطُهُ رِضًا. فَيا خَيْبَةَ المُتَخَلِّفِينَ، ويا ذِلَّةَ المُتَهَيِّبِينَ. هَذا، وقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ - الَّتِي لا تَبْدِيلَ لَها - أنَّ مَن آثَرَ مَرْضاةَ الخَلْقِ عَلى مَرْضاتِهِ: أنْ يُسْخِطَ عَلَيْهِ مَن آثَرَ رِضاهُ، ويَخْذُلَهُ مِن جِهَتِهِ. ويَجْعَلَ مِحْنَتَهُ عَلى يَدَيْهِ. فَيَعُودَ حامِدُهُ ذامًّا. ومَن آثَرَ مَرْضاتَهُ ساخِطًا. فَلا عَلى مَقْصُودِهِ مِنهم حَصَلَ، ولا إلى ثَوابِ مَرْضاةِ رَبِّهِ وصَلَ. وهَذا أعْجَزُ الخَلْقِ وأحْمَقُهم. هَذا مَعَ أنَّ رِضا الخَلْقِ: لا مَقْدُورٌ، ولا مَأْمُورٌ، ولا مَأْثُورٌ. فَهو مُسْتَحِيلٌ. بَلْ لا بُدَّ مِن سُخْطِهِمْ عَلَيْكَ. فَلَأنْ يَسْخَطُوا عَلَيْكَ وتَفُوزَ بِرِضا اللَّهِ عَنْكَ أحَبُّ إلَيْكَ وأنْفَعُ لَكَ مِن أنْ يَسْخَوْا عَلَيْكَ واللَّهُ عَنْكَ غَيْرُ راضٍ. فَإذا كانَ سُخْطُهم لا بُدَّ مِنهُ - عَلى التَّقْدِيرَيْنِ - فَآثِرْ سُخْطَهُمُ الَّذِي يُنالُ بِهِ رِضا اللَّهِ. فَإنْ هم رَضُوا عَنْكَ بَعْدَ هَذا، وإلّا فَأهْوَنُ شَيْءٍ رِضا مَن لا يَنْفَعُكَ رِضاهُ، ولا يَضُرُّكَ سُخْطُهُ في دِينِكَ، ولا في إيمانِكَ، ولا في آخِرَتِكَ. فَإنْ ضَرَّكَ في أمْرٍ يَسِيرٍ في الدُّنْيا فَمَضَرَّةُ سُخْطِ اللَّهِ أعْظَمُ وأعْظَمُ. وخاصَّةً العَقْلُ: احْتِمالُ أدْنى المَفْسَدَتَيْنِ لِدَفْعِ أعْلاهُما. وتَفْوِيتُ أدْنى المَصْلَحَتَيْنِ لِتَحْصِيلِ أعْلاهُما. فَوازِنْ بِعَقْلِكَ. ثُمَّ انْظُرْ أيَّ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ فَآثِرْهُ، وأيَّهُما شَرٌّ فابْعُدْ عَنْهُ. فَهَذا بُرْهانٌ قَطْعِيٌّ ضَرُورِيٌّ في إيثارِ رِضا اللَّهِ عَلى رِضا الخَلْقِ. هَذا مَعَ أنَّهُ إذا آثَرَ رِضا اللَّهِ كَفاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ غَضَبِ الخَلْقِ. وإذا آثَرَ رِضاهم لَمْ يَكْفُوهُ مُؤْنَةَ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ. قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَمُصانَعَةُ وجْهٍ واحِدٍ أيْسَرُ عَلَيْكَ مِن مُصانَعَةِ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. إنَّكَ إذا صانَعْتَ ذَلِكَ الوَجْهَ الواحِدَ كَفاكَ الوُجُوهَ كُلَّها. وَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رِضا النّاسِ غايَةٌ لا تُدْرَكُ. فَعَلَيْكَ بِما فِيهِ صَلاحُ نَفْسِكَ فالزَمْهُ. وَمَعْلُومٌ: أنَّهُ لا صَلاحَ لِلنَّفْسِ إلّا بِإيثارِ رِضا رَبِّها ومَوْلاها عَلى غَيْرِهِ. وَلَقَدْ أحْسَنَ أبُو فِراسٍ في هَذا المَعْنى - إلّا أنَّهُ أساءَ كُلَّ الإساءَةِ في قَوْلِهِ، إذْ يَقُولُهُ لِمَخْلُوقٍ لا يَمْلِكُ لَهُ ولا لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا ضَرًّا: ؎فَلَيْتَكَ تَحْلُو، والحَياةُ مَرِيرَةٌ ∗∗∗ ولَيْتَكَ تَرْضى. والأنامُ غِضابُ ؎وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وبَيْنَكَ عامِرٌ ∗∗∗ وبَيْنِي وبَيْنَ العالَمِينَ خَرابُ ؎إذا صَحَّ مِنكَ الوُدُّ فالكُلُّ هَيِّنٌ ∗∗∗ وكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرابِ تُرابُ ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما يُسْتَطاعُ بِهِ هَذا الإيثارُ العَظِيمُ الشَّأْنِ. فَقالَ: وَيُسْتَطاعُ هَذا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِطِيبِ العَوْدِ. وحُسْنِ الإسْلامِ. وقُوَّةِ الصَّبْرِ. مِنَ المَعْلُومِ: أنَّ المُؤْثِرَ لِرِضا اللَّهِ مُتَصَدٍّ لِمُعاداةِ الخَلْقِ وأذاهُمْ، وسَعْيِهِمْ في إتْلافِهِ ولا بُدَّ. هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ. وإلّا فَما ذَنْبُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. والَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ، والقائِمِينَ بِدِينِ اللَّهِ، الذّابِّينَ عَنْ كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ عِنْدَهُمْ؟ فَمَن آثَرَ رِضا اللَّهِ فَلا بُدَّ أنْ يُعادِيَهُ رَذالَةُ العالَمِ وسَقْطُهُمْ، وغَرْثاهم وجُهّالُهُمْ، وأهْلُ البِدَعِ والفُجُورِ مِنهُمْ، وأهْلُ الرِّياساتِ الباطِلَةِ، وكُلُّ مَن يُخالِفُ هَدْيُهُ هَدْيَهُ. فَما يَقْدَمُ عَلى مُعاداةِ هَؤُلاءِ إلّا طالِبُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، عامِلٌ عَلى سَماعِ خِطابِ ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ - ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨] ومِن إسْلامِهِ صُلْبٌ كامِلٌ لا تُزَعْزِعُهُ الرِّجالُ. ولا تُقَلْقِلُهُ الجِبالُ، ومِن عَقْدَ عَزِيمَةِ صَبْرِهِ مُحْكَمٌ لا تَحُلُّهُ المِحَنُ والشَّدائِدُ والمَخاوِفُ. قُلْتُ: ومِلاكُ ذَلِكَ أمْرانِ: الزُّهْدُ في الحَياةِ والثَّناءُ. فَما ضَعُفَ مَن ضَعُفَ، وتَأخَّرَ مَن تَأخَّرَ إلّا بِحُبِّهِ لِلْحَياةِ والبَقاءِ، وثَناءِ النّاسِ عَلَيْهِ، ونُفْرَتِهِ مِن ذَمِّهِمْ لَهُ. فَإذا زَهِدَ في هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ، تَأخَّرَتْ عَنْهُ العَوارِضُ كُلُّها. وانْغَمَسَ حِينَئِذٍ في العَساكِرِ. وَمِلاكُ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ: صِحَّةِ اليَقِينِ. وقُوَّةِ المَحَبَّةِ. وَمِلاكُ هَذَيْنِ بِشَيْئَيْنِ أيْضًا: بِصِدْقِ اللَّجَأِ والطَّلَبِ، والتَّصَدِّي لِلْأسْبابِ المُوصِلَةِ إلَيْهِما. فَإلى هاهُنا تَنْتَهِي مَعْرِفَةُ الخَلْقِ وقُدْرَتُهم. والتَّوْفِيقُ بَعْدُ بَيْدِ مَن أزِمَّةُ الأُمُورِ كُلِّها بِيَدِهِ ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا - يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠-٣١]. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ إيثارُ إيثارِ اللَّهِ] قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: إيثارُ إيثارِ اللَّهِ. فَإنَّ الخَوْضَ في الإيثارِ دَعْوى في المِلْكِ. ثُمَّ تَرْكُ شُهُودِ رُؤْيَتِكَ إيثارَ اللَّهِ. ثُمَّ غَيْبَتُكَ عَنِ التَّرْكِ. يَعْنِي بِإيثارِ إيثارِ اللَّهِ: أنْ تَنْسِبَ إيثارَكَ إلى اللَّهِ دُونَ نَفْسِكَ. وأنَّهُ هو الَّذِي تَفَرَّدَ بِالإيثارِ، لا أنْتَ. فَكَأنَّكَ سَلَّمْتَ الإيثارَ إلَيْهِ. فَإذا آثَرْتَ غَيْرَكَ بِشَيْءٍ فَإنَّ الَّذِي آثَرَهُ هو الحَقُّ، لا أنْتَ. فَهو المُؤْثِرُ حَقِيقَةً. إذْ هو المُعْطِي حَقِيقَةً. ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ السَّبَبَ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ نِسْبَةُ الإيثارِ إلى اللَّهِ، وتَرْكِ نِسْبَتِهِ إلى نَفْسِكَ، فَقالَ فَإنَّ الخَوْضَ في الإيثارِ: دَعْوى في المِلْكِ. فَإذا ادَّعى العَبْدُ: أنَّهُ مُؤْثِرٌ فَقَدِ ادَّعى مِلْكَ ما آثَرَ بِهِ غَيْرَهُ. والمِلْكُ في الحَقِيقَةِ: إنَّما هو لِلَّهِ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ. فَإذا خَرَجَ العَبْدُ عَنْ دَعْوى المِلْكِ فَقَدْ آثَرَ إيثارَ اللَّهِ - وهو إعْطاؤُهُ - عَلى إيثارِ نَفْسِهِ. وشَهِدَ أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ هو المُؤْثِرُ بِمِلْكِهِ. وأمّا مَن لا مِلْكَ لَهُ: فَأيُّ إيثارٍ لَهُ؟ وَقَوْلُهُ: ثُمَّ تَرْكُ شُهُودِ رُؤْيَتِكَ إيثارَ اللَّهِ. يَعْنِي أنَّكَ إذا آثَرْتَ إيثارَ اللَّهِ بِتَسْلِيمِكَ مَعْنى الإيثارِ إلَيْهِ: بَقِيَتْ عَلَيْكَ مِن نَفْسِكَ بَقِيَّةٌ أُخْرى لا بُدَّ مِنَ الخُرُوجِ عَنْها. وهي أنْ تَعْرِضَ عَنْ شُهُودِكَ رُؤْيَتَكَ أنَّكَ آثَرْتَ الحَقَّ بِإيثارِكَ، وأنَّكَ نَسَبْتَ الإيثارَ إلَيْهِ لا إلَيْكَ. فَإنَّ في شُهُودِكَ ذَلِكَ، ورُؤْيَتِكَ لَهُ: دَعْوى أُخْرى. هي أعْظَمُ مِن دَعْوى المِلْكِ. وهي أنَّكَ ادَّعَيْتَ أنَّ لَكَ شَيْئًا آثَرْتَ بِهِ اللَّهَ. وقَدَّمْتَهُ عَلى نَفْسِكَ فِيهِ، بَعْدَ أنْ كانَ لَكَ. وهَذِهِ الدَّعْوى أصْعَبُ مِنَ الأُولى. فَإنَّها تَتَضَمَّنُ ما تَضَمَّنَتْهُ الأُولى مِنَ المِلْكِ. وتَزِيدُ عَلَيْها بِرُؤْيَةِ الإيثارِ بِهِ فالأوَّلُ: مُدَّعٍ لِلْمِلْكِ مُؤْثِرٌ بِهِ. وهَذا مُدَّعٍ لِلْمِلْكِ ومُدَّعٍ لِلْإيثارِ بِهِ. فَإذَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ شُهُودِ رُؤْيَتِهِ لِهَذا الإيثارِ. فَلا يَعْتَقِدُ أنَّهُ آثَرَ اللَّهَ بِهَذا الإيثارِ. بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَكَ. فَإنَّ الأثَرَةَ واجِبَةٌ لَهُ بِإيجابِهِ إيّاها بِنَفْسِهِ. لا بِإيجابِ العَبْدِ إيّاها لَهُ. قَوْلُهُ: ثُمَّ غَيْبَتُكَ عَنِ التَّرْكِ. يُرِيدُ: أنَّكَ إذا نَزَلْتَ هَذا الشُّهُودَ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةَ: بَقِيَتْ عَلَيْكَ بَقِيَّةٌ أُخْرى. وَهِيَ رُؤْيَتُكَ لِهَذا التَّرْكِ المُتَضَمِّنَةُ لِدَعْوى مِلْكِكَ لِلتَّرْكِ. وهي دَعْوى كاذِبَةٌ. إذْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ شَيْءٌ مِنَ الأمْرِ. ولا بِيَدِهِ فِعْلٌ ولا تَرْكٌ. وإنَّما الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ. وَقَدْ تَبَيَّنَ في الكَشْفِ والشُّهُودِ والعِلْمِ والمَعْرِفَةِ: أنَّ العَبْدَ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ أصْلًا والعَبْدُ لا يَمْلِكُ حَقِيقَةً. إنَّما المالِكُ بِالحَقِيقَةِ سَيِّدُهُ. فالأثَرَةُ والإيثارُ والِاسْتِئْثارُ كُلُّها لِلَّهِ ومِنهُ وإلَيْهِ. سَواءً اخْتارَ العَبْدُ ذَلِكَ وعَلِمَهُ، أوْ جَهِلَهُ، أمْ لَمْ يَخْتَرْهُ. فالأثَرَةُ واقِعَةٌ. كَرِهَ العَبْدُ أمْ رَضِيَ. فَإنَّها اسْتِئْثارُ المالِكِ الحَقِّ بِمِلْكِهِ تَعالى. وقَدْ فَهِمْتُ مِن هَذا قَوْلَهُ: فَإنَّ الأثَرَةَ تَحْسُنُ طَوْعًا. وتَصِحُّ كَرْهًا واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

الحشر 59:16

(فصل) قال عدي ابن ثابت كان في زمن بني إسرائيل راهب يعبد الله حتى كان يؤتى بالمجانين يعوذهم فيبرأون على يديه وإنه أتي بامرأة ذات شرف من قومها قد جنت وكان لها إخوة فأتوه بها فلم يزل الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت فلما استبان حملها لم يزل يخوفه ويزين له قتلها حتى قتلها ودفنها فذهب الشيطان في صورة رجل حتى أتى بعض إخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب ثم أتى بقية إخوتها رجلا رجلا فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول والله لقد أتاني آت فذكر لي شيئا كبر علي ذكره فذكر ذلك بعضهم لبعض حتى رفعوا ذلك إلى ملكهم فسار الناس إليه حتى استنزلوه من صومعته فأقر لهم بالذي فعل فأمر به فصلب فلما رفع على الخشبة تمثل له الشيطان فقال أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه فهل أنت مطيعي فيما أقول لك وأخلصك قال نعم قال تسجد لي سجدة واحدة، فسجد له وقتل الرجل فهو قول الله تعالى ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾. (فائدة) وهذا السياق لا يختص بالذي ذكرت عنه هذه القصة، بل هو عام في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر، لينصره ويقضي حاجته، فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة في النار، ويقول لهم: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة. (فصل: في آفة العابد الجاهِل) وَأما العابد الجاهِل فآفته من إعراضه عَن العلم وأحْكامه وغَلَبَة خياله وذوقه ووجده وما تهواه نَفسه، ولِهَذا قالَ سُفْيان ابْن عُيَيْنَة وغَيره احْذَرُوا فتْنَة العالم الفاجِر وفتنة العابد الجاهِل فَإن فتنتهما فتْنَة لكل مفتون فَهَذا بجهله يصد عَن العلم وموجبه وذاكَ بغيّه يَدْعُو إلى الفُجُور وقد ضرب الله سُبْحانَهُ مثل النَّوْع الآخر بقوله ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ وقصته مَعْرُوفَة فَإنَّهُ بنى أساس أمره على عبادَة الله بِجَهْل فأوقعه الشَّيْطان بجهله وكفّره بجهله فَهَذا إمام كل عابِد جاهِل يكفر ولا يدْرِي وذاكَ إمام كل عالم فاجر يخْتار الدُّنْيا على الآخِرَة. وَقد جعل سُبْحانَهُ رضى العَبْد بالدنيا وطمأنينته وغفلته عَن معرفَة آياته وتدبرها والعَمَل بها سَبَب شقائه وهلاكه ولا يجْتَمع هَذانِ أعني الرضى بالدنيا والغفلة عَن آيات الرب إلّا في قلب من لا يُؤمن بالمعاد ولا يَرْجُو لِقاء رب العباد وإلّا فَلَو رسخ قدمه في الإيمان بالمعاد لما رَضِي الدُّنْيا ولا اطْمَأن إلَيْها ولا أعرض عَن آيات الله. وَأنت إذا تَأمَّلت أحْوال النّاس وجدت هَذا الضَّرْب هو الغالِب على النّاس وهم عمّار الدُّنْيا وأقل النّاس عددا من هو على خلاف ذَلِك وهو من أشد النّاس غربَة بَينهم لَهُم شَأْن وله شَأْن علمه غير علومهم وإرادته غير إرادتهم، وطَرِيقه غير طريقهم، فَهو في واد وهم في واد قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ثمَّ ذكر وصف ضد هَؤُلاءِ ومآلهم وعاقبتهم بقوله ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جنّات النَّعيم﴾ فَهَؤُلاءِ إيمانهم بلقاء الله أورثهم عدم الرِّضا بالدنيا والطمأنينة إلَيْها ودوام ذكر آياته. فَهَذِهِ مَوارِيث الإيمان بالمعاد وتلك مَوارِيث عدم الإيمان بِهِ والغفلة عَنهُ.

الحشر 59:17

(فصل) قال عدي ابن ثابت كان في زمن بني إسرائيل راهب يعبد الله حتى كان يؤتى بالمجانين يعوذهم فيبرأون على يديه وإنه أتي بامرأة ذات شرف من قومها قد جنت وكان لها إخوة فأتوه بها فلم يزل الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت فلما استبان حملها لم يزل يخوفه ويزين له قتلها حتى قتلها ودفنها فذهب الشيطان في صورة رجل حتى أتى بعض إخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب ثم أتى بقية إخوتها رجلا رجلا فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول والله لقد أتاني آت فذكر لي شيئا كبر علي ذكره فذكر ذلك بعضهم لبعض حتى رفعوا ذلك إلى ملكهم فسار الناس إليه حتى استنزلوه من صومعته فأقر لهم بالذي فعل فأمر به فصلب فلما رفع على الخشبة تمثل له الشيطان فقال أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه فهل أنت مطيعي فيما أقول لك وأخلصك قال نعم قال تسجد لي سجدة واحدة، فسجد له وقتل الرجل فهو قول الله تعالى ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾. (فائدة) وهذا السياق لا يختص بالذي ذكرت عنه هذه القصة، بل هو عام في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر، لينصره ويقضي حاجته، فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة في النار، ويقول لهم: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة. (فصل: في آفة العابد الجاهِل) وَأما العابد الجاهِل فآفته من إعراضه عَن العلم وأحْكامه وغَلَبَة خياله وذوقه ووجده وما تهواه نَفسه، ولِهَذا قالَ سُفْيان ابْن عُيَيْنَة وغَيره احْذَرُوا فتْنَة العالم الفاجِر وفتنة العابد الجاهِل فَإن فتنتهما فتْنَة لكل مفتون فَهَذا بجهله يصد عَن العلم وموجبه وذاكَ بغيّه يَدْعُو إلى الفُجُور وقد ضرب الله سُبْحانَهُ مثل النَّوْع الآخر بقوله ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ وقصته مَعْرُوفَة فَإنَّهُ بنى أساس أمره على عبادَة الله بِجَهْل فأوقعه الشَّيْطان بجهله وكفّره بجهله فَهَذا إمام كل عابِد جاهِل يكفر ولا يدْرِي وذاكَ إمام كل عالم فاجر يخْتار الدُّنْيا على الآخِرَة. وَقد جعل سُبْحانَهُ رضى العَبْد بالدنيا وطمأنينته وغفلته عَن معرفَة آياته وتدبرها والعَمَل بها سَبَب شقائه وهلاكه ولا يجْتَمع هَذانِ أعني الرضى بالدنيا والغفلة عَن آيات الرب إلّا في قلب من لا يُؤمن بالمعاد ولا يَرْجُو لِقاء رب العباد وإلّا فَلَو رسخ قدمه في الإيمان بالمعاد لما رَضِي الدُّنْيا ولا اطْمَأن إلَيْها ولا أعرض عَن آيات الله. وَأنت إذا تَأمَّلت أحْوال النّاس وجدت هَذا الضَّرْب هو الغالِب على النّاس وهم عمّار الدُّنْيا وأقل النّاس عددا من هو على خلاف ذَلِك وهو من أشد النّاس غربَة بَينهم لَهُم شَأْن وله شَأْن علمه غير علومهم وإرادته غير إرادتهم، وطَرِيقه غير طريقهم، فَهو في واد وهم في واد قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ثمَّ ذكر وصف ضد هَؤُلاءِ ومآلهم وعاقبتهم بقوله ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جنّات النَّعيم﴾ فَهَؤُلاءِ إيمانهم بلقاء الله أورثهم عدم الرِّضا بالدنيا والطمأنينة إلَيْها ودوام ذكر آياته. فَهَذِهِ مَوارِيث الإيمان بالمعاد وتلك مَوارِيث عدم الإيمان بِهِ والغفلة عَنهُ.

الحشر 59:18

قوله تعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ فهؤلاء نسوا نفوسهم لا من جميع الوجوه بل من الوجه الذي به مصالحها وكمالها وسعاداتها، وإن لم ينسوها من الوجه الذي منه شهوتها وحظها وإراداتها فأنساهم مصالح نفوسهم أن يفعلوها ويطلبوها، وعيوبها ونقائصها أن يزيلوها ويجتنبوها وكمالها الذي خلقت له أن يعرفوه ويطلبوه، فهم جاهلون بحقائق أنفسهم من هذه الوجهة، وإن كانوا عالمين بها من وجوه. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ عاقبهم على نسيانهم له بأن أنساهم أنفسهم فنسوا مصالحها أن يفعلوها وعيوبها أن يصلحوها وحظوظها أن يتناولوها ومن أعظم مصالحها وأنفع حظوظها ذكرها لربها وفاطرها وهي لا نعيم لها ولا سرور ولا فلاح ولا صلاح إلا بذكره وحبه وطاعته والإقبال عليه والإعراض عما سواه فأنساهم ذلك لما نسوه وأحدث لهم هذا النسيان نسيانا آخر وهذا ضد حال الذين ذكروه ولم ينسوه فذكرهم مصالح نفوسهم ففعلوها وأوقفهم على عيوبها فأصلحوها وعرفهم حظوظها العالية فبادروا إليها فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم الإيمان ومحبته وذكره وشكره، فلما خلت قلوبهم من ذلك لم يجدوا عن ضده محيصا. وهذا يبين لك كمال عدله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها، وإذا كان قضاؤه عليها بالكفر والذنوب عدلا منه عليها فقضاؤه عليها بالعقوبة أعدل وأعدل، فهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه قضاؤه. وله فيها قضاآن قضاء السبب وقضاء المسبب، وكلاهما عدل فيه، فإنه لما ترك ذكره وترك فعل ما يحبه عاقبه بنسيان نفسه فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه ويسخطه بقضائه الذي هو عدل فترتب له على هذا الفعل والترك عقوبات وآلام لم يكن له منها بد، بل هي مترتبة عليه ترتب المسببات على أسبابها فهو عدل محض من الرب تعالى، فعدل في العبد أولا وآخرا فهو محسن في عدله محبوب عليه محمود فيه يحمده من عدل فيه طوعا وكرها. قال الحسن: "لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا" (فائدة) وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فائدة) وَأمّا الِاعْتِرافُ بِالخالِقِ فَإنَّهُ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ لازِمٌ لِلْإنْسانِ لا يَغْفُلُ عَنْهُ أحَدٌ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُهُ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهُ، وإنْ قُدِّرَ أنَّهُ نَسِيَهُ. ولِهَذا يُسَمّى التَّعْرِيفُ بِذَلِكَ تَذْكِيرًا، فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِعُلُومٍ فِطْرِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وقَدْ يَنْساها العَبْدُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يَقُولُ اللَّهُ لِلْكافِرِ: فاليَوْمَ أنْساكَ كَما نَسِيتَنِي». (فصل) وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الرب تعالى شهد بصحة ما أخبر به وهو أصدق الصادقين وأقسم عليه وهو أبر المقسمين وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشك بوجه وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينًا مشاهدًا بالبصائر وإن لم يعاين بالأبصار، ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه لا تستعد له ولا تأخذ له أهبة والمستعد له الآخذ له أهبة لا يعطيه حقه منهم إلا الفرد بعد الفرد، فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور، ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها، ولا إلى أين يرحلون وأين يستقرون، قد ملكهم الحس وقل نصيبهم من العقل وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني التي هي كالسراب، وخدعهم طول الأمل، وكأن المقيم لا يرحل وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه والفوز بجزيل ثوابه فأما اللذات الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فإنهم حصلوها ومن أي وجه لاحت أخذوها غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة يسعون لما يدركون ويتركون ماهم به مطالبون ويعمرون ما هم عنه منتقلون ويخربون ما هم إليه صائرون وهم عن الآخرة هم غافلون ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في مصالحها ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ والعجب كل العجب من غفلة من تعد عليه لحظاته وتحصى عليه أنفاسه ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ولا إلى أي منزل ينقل: ؎وكيف تنام العين وهي قريرة ∗∗∗ ولم تدر في أي المحلين تنزل وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته ولا لسوء منقلبه بعد مماته فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله وسار بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده ولنظرت عين الراحل إلى الطريق، ولأخذ المسافر في التزود، والمريض في التداوي، والحازم ما يجوز أن يأتي. فما الظن بأمر متيقن كما أنه لصدق إيمانه وقوة إيقانهم وكأنهم يعاينون الأمر، فأضحت ربوع الأيمان من أهلها خالية، ومعالمه على عروشها خاوية. قال ابن وهب أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال: " كان السلف إذا طلع الفجر أو قبله كأنما على رؤسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حبيبا لأحدهم غاب عنه حينًا ثم قدم لما التفت إليه، فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس، ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يأخذون في الفقه". (فصل) اعلم أن دوام ذكر الرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده، فإن نسيان الرب سبحانه وتعالى يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون﴾ وإذا نسي العبد نفسه أعرض عن مصالحها ونسيها، واشتغل عنها فهلكت وفسدت ولا بد، كمن له زرع أو بستان أو ماشية أو غير ذلك، ومما صلاحه وفلاحه بتعاهده والقيام عليه، فأهمله ونسيه واشتغل عنه بغيره، وضيع مصالحه، فإنه يفسد ولا بد. هذا مع إمكان قيام غيره مقامه فيه، فكيف الظن بفساد نفسه وهلاكها وشقائها إذا أهملها ونسيها، واشتغل عن مصالحها، وعطل مراعاتها، وترك القيام عليها بما يصلحها، فما شئت من فساد وهلاك وخيبة وحرمان. وهذا هو الذي صار أمره كله فرطًا، فانفرط عليه أمره وضاعت مصالحه، وأحاطت به أسباب القطوع والخيبة والهلاك. ولا سبيل إلى الأمان من ذلك إلا بدوام ذكر الله تعالى واللهج به، وأن لا يزال اللسان رطبًا به، وأن يتولى منزلة حياته التي لا غنى له عنها، ومنزلة غذائه الذي إذا فقده فسد جسمه وهلك، وبمنزلة الماء عند شدة العطش، وبمنزلة اللباس في الحر والبرد، وبمنزلة الكن في شدة الشتاء والسموم. فحقيق بالعبد أن ينزل ذكر الله منه بهذه المنزلة وأعظم، فأين هلاك الروح والقلب وفسادهما من هلاك البدن وفساده؟ هذا هلاك لا بد منه وقد يعقبه صلاح لا بد، وأما هلاك القلب والروح فهلاك لا يرجى معه صلاح ولا فلاح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [فَصْلٌ: المَعاصِي تُنْسِي اللَّهَ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تَسْتَدْعِي نِسْيانَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ، وتَرْكَهُ وتَخْلِيَتَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ وشَيْطانِهِ، وهُنالِكَ الهَلاكُ الَّذِي لا يُرْجى مَعَهُ نَجاةٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ - ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٨-١٩]. فَأمَرَ بِتَقْواهُ ونَهى أنْ يَتَشَبَّهَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ بِمَن نَسِيَهُ بِتَرْكِ تَقْواهُ، وأخْبَرَ أنَّهُ عاقَبَ مَن تَرَكَ التَّقْوى بِأنْ أنْساهُ نَفْسَهُ، أيْ أنْساهُ مَصالِحَها، وما يُنْجِيها مِن عَذابِهِ، وما يُوجِبُ لَهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ، وكَمالَ لَذَّتِها وسُرُورِها ونَعِيمِها، فَأنْساهُ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ جَزاءً لِما نَسِيَهُ مِن عَظَمَتِهِ وخَوْفِهِ، والقِيامِ بِأمْرِهِ، فَتَرى العاصِيَ مُهْمِلًا لِمَصالِحِ نَفْسِهِ مُضَيِّعًا لَها، قَدْ أغْفَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِهِ، واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا، قَدِ انْفَرَطَتْ عَلَيْهِ مَصالِحُ دُنْياهُ وآخِرَتِهِ، وقَدْ فَرَّطَ في سَعادَتِهِ الأبَدِيَّةِ، واسْتَبْدَلَ بِها أدْنى ما يَكُونُ مِن لَذَّةٍ، إنَّما هي سَحابَةُ صَيْفٍ، أوْ خَيالُ طَيْفٍ كَما قِيلَ: ؎أحْلامُ نَوْمٍ أوْ كَظِلٍّ زائِلٍ ∗∗∗ إنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِها لا يُخْدَعُ وَأعْظَمُ العُقُوباتِ نِسْيانُ العَبْدِ لِنَفْسِهِ، وإهْمالُهُ لَها، وإضاعَتُهُ حَظَّها ونَصِيبَها مِنَ اللَّهِ، وبَيْعُها ذَلِكَ بِالغَبْنِ والهَوانِ وأبْخَسِ الثَّمَنِ، فَضَيَّعَ مَن لا غِنى لَهُ عَنْهُ، ولا عِوَضَ لَهُ مِنهُ، واسْتَبْدَلَ بِهِ مَن عَنْهُ كُلُّ الغِنى أوْ مِنهُ كُلُّ العِوَضِ: ؎مِن كُلِّ شَيْءٍ إذا ضَيَّعْتَهُ عِوَضٌ ∗∗∗ وما مِنَ اللَّهِ إنْ ضَيَّعْتَ مِن عِوَضِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ يُعَوِّضُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ما سِواهُ ولا يُعَوِّضُ مِنهُ شَيْءٌ، ويُغْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ولا يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ، ويُجِيرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولا يُجِيرُ مِنهُ شَيْءٌ، ويَمْنَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولا يَمْنَعُ مِنهُ شَيْءٌ، كَيْفَ يَسْتَغْنِي العَبْدُ عَنْ طاعَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ؟ وَكَيْفَ يَنْسى ذِكْرَهُ ويُضَيِّعُ أمْرَهُ حَتّى يُنْسِيَهُ نَفْسَهُ، فَيَخْسَرُها ويَظْلِمُها أعْظَمَ الظُّلْمِ؟ فَما ظَلَمَ العَبْدُ رَبَّهُ ولَكِنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وما ظَلَمَهُ رَبُّهُ ولَكِنْ هو الَّذِي ظَلَمَ نَفْسَهُ. [فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ تُنْسِي العَبْدَ نَفْسَهُ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تُنْسِي العَبْدَ نَفْسَهُ، وإذا نَسِيَ نَفْسَهُ أهْمَلَها وأفْسَدَها وأهْلَكَها، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْسى العَبْدُ نَفْسَهُ؟ وإذا نَسِيَ نَفْسَهُ فَأيُّ شَيْءٍ يَذْكُرُ؟ وما مَعْنى نِسْيانِهِ نَفْسَهُ؟ قِيلَ: نَعَمْ يَنْسى نَفْسَهُ أعْظَمَ نِسْيانٍ، قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]. فَلَمّا نَسُوا رَبَّهم سُبْحانَهُ نَسِيَهم وأنْساهم أنْفُسَهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. فَعاقَبَ سُبْحانَهُ مَن نَسِيَهُ عُقُوبَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ نَسِيَهُ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ أنْساهُ نَفْسَهُ. وَنِسْيانُهُ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ: إهْمالُهُ، وتَرْكُهُ، وتَخَلِّيهِ عَنْهُ، وإضاعَتُهُ، فالهَلاكُ أدْنى إلَيْهِ مِنَ اليَدِ لِلْفَمِ، وأمّا إنْساؤُهُ نَفْسَهُ، فَهُوَ: إنْساؤُهُ لِحُظُوظِها العالِيَةِ، وأسْبابِ سَعادَتِها وفَلاحِها، وإصْلاحِها، وما تَكْمُلُ بِهِ بِنَسْيِهِ ذَلِكَ كُلِّهِ جَمِيعِهِ فَلا يَخْطُرُ بِبالِهِ، ولا يَجْعَلُهُ عَلى ذِكْرِهِ، ولا يَصْرِفُ إلَيْهِ هِمَّتَهُ فَيَرْغَبُ فِيهِ، فَإنَّهُ لا يَمُرُّ بِبالِهِ حَتّى يَقْصِدَهُ ويُؤْثِرَهُ. وَأيْضًا فَيُنْسِيهِ عُيُوبَ نَفْسِهِ ونَقْصَها وآفاتِها، فَلا يَخْطُرُ بِبالِهِ إزالَتُها. وَأيْضًا فَيُنْسِيهِ أمْراضَ نَفْسِهِ وقَلْبِهِ وآلامَها، فَلا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ مُداواتُها، ولا السَّعْيُ في إزالَةِ عِلَلِها وأمْراضِها الَّتِي تَئُولُ بِها إلى الفَسادِ والهَلاكِ، فَهو مَرِيضٌ مُثْخَنٌ بِالمَرَضِ، ومَرَضُهُ مُتَرامٍ بِهِ إلى التَّلَفِ، ولا يَشْعُرُ بِمَرَضِهِ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ مُداواتُهُ، وهَذا مِن أعْظَمِ العُقُوبَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ. فَأيُّ عُقُوبَةٍ أعْظَمُ مِن عُقُوبَةِ مَن أهْمَلَ نَفْسَهُ وضَيَّعَها، ونَسِيَ مَصالِحَها وداءَها ودَواءَها، وأسْبابَ سَعادَتِها وفَلاحِها وصَلاحِها وحَياتِها الأبَدِيَّةِ في النَّعِيمِ المُقِيمِ؟ ومَن تَأمَّلَ هَذا المَوْضِعَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ أكْثَرَ هَذا الخَلْقِ قَدْ نَسُوا حَقِيقَةَ أنْفُسِهِمْ وضَيَّعُوها وأضاعُوا حَظَّها مِنَ اللَّهِ، وباعُوها رَخِيصَةً بِثَمَنٍ بَخْسٍ بَيْعَ الغَبْنِ، وإنَّما يَظْهَرُ لَهم هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ويَظْهَرُ هَذا كُلَّ الظُّهُورِ يَوْمَ التَّغابُنِ، يَوْمَ يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ أنَّهُ غُبِنَ في العَقْدِ الَّذِي عَقَدَهُ لِنَفْسِهِ في هَذِهِ الدّارِ، والتِّجارَةِ الَّتِي اتَّجَرَ فِيها لِمَعادِهِ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَّجِرُ في هَذِهِ الدُّنْيا لِآخِرَتِهِ. فالخاسِرُونَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أهْلُ الرِّبْحِ والكَسْبِ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا وحَظَّهم فِيها ولَذّاتِهِمْ، بِالآخِرَةِ وحَظِّهِمْ فِيها، فَأذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا، واسْتَمْتَعُوا بِها، ورَضُوا بِها، واطْمَأنُّوا إلَيْها، وكانَ سَعْيُهم لِتَحْصِيلِها، فَباعُوا واشْتَرَوْا واتَّجَرُوا وباعُوا آجِلًا بِعاجِلٍ، ونَسِيئَةً بِنَقْدٍ، وغائِبًا بِناجِزٍ، وقالُوا: هَذا هو الحَزْمُ، ويَقُولُ أحَدُهُمْ: خُذْ ما تَراهُ ودَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ فَكَيْفَ أبِيعُ حاضِرًا نَقْدًا مُشاهَدًا في هَذِهِ الدّارِ بِغائِبٍ نَسِيئَةً في دارٍ أُخْرى غَيْرِ هَذِهِ؟ ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ ضَعْفُ الإيمانِ وقُوَّةُ داعِي الشَّهْوَةِ، ومَحَبَّةُ العاجِلَةِ والتَّشَبُّهُ بِبَنِي الجِنْسِ، فَأكْثَرُ الخَلْقِ في هَذِهِ التِّجارَةِ الخاسِرَةِ الَّتِي قالَ اللَّهُ في أهْلِها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] وَقالَ فِيهِمْ: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] فَإذا كانَ يَوْمُ التَّغابُنِ ظَهَرَ لَهُمُ الغَبْنُ في هَذِهِ التِّجارَةِ، فَتَتَقَطَّعُ عَلَيْهِمُ النُّفُوسُ حَسَراتٍ. وَأمّا الرّابِحُونَ فَإنَّهم باعُوا فانِيًا بِباقٍ، وخَسِيسًا بِنَفِيسٍ، وحَقِيرًا بِعَظِيمٍ، وقالُوا: ما مِقْدارُ هَذِهِ الدُّنْيا مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، حَتّى نَبِيعَ حَظَّنا مِنَ اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ بِها؟ فَكَيْفَ يَنالُ العَبْدُ مِنها في هَذا الزَّمَنِ القَصِيرِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ كَغَفْوَةِ حُلْمٍ، لا نِسْبَةَ لَهُ إلى دّارِ القَرارِ ألْبَتَّةَ: قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]. وَقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها - فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها - إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها - إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها - كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٢-٤٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وَقالَ تَعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ - قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنين: ١١٢-١١٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا - يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا - نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢-١٠٤]. فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الدُّنْيا عِنْدَ مُوافاةِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَمّا عَلِمُوا قِلَّةَ لُبْثِهِمْ فِيها، وأنَّ لَهم دارًا غَيْرَ هَذِهِ الدّارِ، هي دارُ الحَيَوانِ ودارُ البَقاءِ - رَأوْا مِن أعْظَمِ الغَبْنِ بَيْعَ دارِ البَقاءِ بِدارِ الفَناءِ، فاتَّجَرُوا تِجارَةَ الأكْياسِ، ولَمْ يَغْتَرُّوا بِتِجارَةِ السُّفَهاءِ مِنَ النّاسِ، فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ التَّغابُنِ رِبْحُ تِجارَتِهِمْ ومِقْدارُ ما اشْتَرَوْهُ، وكُلُّ أحَدٍ في هَذِهِ الدُّنْيا بائِعٌ مُشْتَرٍ مُتَّجِرٌ، وكُلُّ النّاسِ يَغْدُو فَبائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها أوْ مَوْبِقُها. ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. فَهَذا أوَّلُ نَقْدٍ مِن ثَمَنِ هَذِهِ التِّجارَةِ، فَتاجِرُوا أيُّها المُفْلِسُونَ، ويا مَن لا يَقْدِرُ عَلى هَذا الثَّمَنِ، هُنا ثَمَنٌ آخَرُ، فَإنْ كُنْتَ مِن أهْلِ هَذِهِ التِّجارَةِ فَأعْطِ هَذا الثَّمَنَ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]. ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠-١١]. والمَقْصُودُ أنَّ الذُّنُوبَ تُنْسِي العَبْدَ حَظَّهُ مِن هَذِهِ التِّجارَةِ الرّابِحَةِ، وتَشْغَلُهُ بِالتِّجارَةِ الخاسِرَةِ، وكَفى بِذَلِكَ عُقُوبَةً، واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ المُحاسَبَةِ] [مِن مَنزِلَةِ المُحاسَبَةِ يَصِحُّ لَهُ نُزُولُ مَنزِلَةِ التَّوْبَةِ] فَصْلٌ مَنزِلَةُ المُحاسَبَةِ فَلْنَرْجِعْ إلى ذِكْرِ مَنازِلِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " الَّتِي لا يَكُونُ العَبْدُ مِن أهْلِها حَتّى يَنْزِلَ مَنازِلَها. فَذَكَرْنا مِنها اليَقَظَةَ والبَصِيرَةَ والفِكْرَةَ والعَزْمَ. وَهَذِهِ المَنازِلُ الأرْبَعَةُ لِسائِرِ المَنازِلِ كالأساسِ لِلْبُنْيانِ، وعَلَيْها مَدارُ مَنازِلِ السَّفَرِ إلى اللَّهِ، ولا يُتَصَوَّرُ السَّفَرُ إلَيْهِ بِدُونِ نُزُولِها ألْبَتَّةَ، وهي عَلى تَرْتِيبِ السَّيْرِ الحِسِّيِّ، فَإنَّ المُقِيمَ في وطَنِهِ لا يَتَأتّى مِنهُ السَّفَرُ حَتّى يَسْتَيْقِظَ مِن غَفْلَتِهِ عَنِ السَّفَرِ، ثُمَّ يَتَبَصَّرَ في أمْرِ سَفَرِهِ وخَطَرِهِ، وما فِيهِ مِنَ المَنفَعَةِ لَهُ والمَصْلَحَةِ، ثُمَّ يُفَكِّرُ في أُهْبَةِ السَّفَرِ والتَّزَوُّدِ وإعْدادِ عُدَّتِهِ، ثُمَّ يَعْزِمُ عَلَيْهِ، فَإذا عَزَمَ عَلَيْهِ وأجْمَعَ قَصْدَهُ انْتَقَلَ إلى مَنزِلَةِ المُحاسِبَةِ وهي التَّمْيِيزُ بَيْنَ ما لَهُ وعَلَيْهِ، فَيَسْتَصْحِبُ ما لَهُ، ويُؤَدِّي ما عَلَيْهِ، لِأنَّهُ مُسافِرٌ سَفَرَ مَن لا يَعُودُ. وَمِن مَنزِلَةِ المُحاسَبَةِ يَصِحُّ لَهُ نُزُولُ مَنزِلَةِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ إذا حاسَبَ نَفْسَهُ، عَرَفَ ما عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَخَرَجَ مِنهُ، وتَنَصَّلُ مِنهُ إلى صاحِبِهِ، وهي حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ فَكانَ تَقْدِيمُ المُحاسَبَةِ عَلَيْها لِذَلِكَ أوْلى. وَلِتَأْخِيرِها عَنْها وجْهٌ أيْضًا، وهو أنَّ المُحاسَبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّوْبَةِ. والتَّحْقِيقُ أنْ التَّوْبَةَ بَيْنَ مُحاسَبَتَيْنِ، مُحاسَبَةٍ قَبْلَها، تَقْتَضِي وُجُوبَها، ومُحاسَبَةٍ بَعْدَها، تَقْتَضِي حِفْظَها، فالتَّوْبَةُ مَحْفُوفَةٌ بِمُحاسَبَتَيْنِ، وقَدْ دَلَّ عَلى المُحاسَبَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] فَأمَرَ سُبْحانَهُ العَبْدَ أنْ يَنْظُرَ ما قَدَّمَ لِغَدٍ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مُحاسَبَةَ نَفْسِهِ عَلى ذَلِكَ، والنَّظَرَ هَلْ يَصْلُحُ ما قَدَّمَهُ أنْ يَلْقى اللَّهَ بِهِ أوْ لا يَصْلُحُ؟ والمَقْصُودُ مِن هَذا النَّظَرِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ، مِن كَمالِ الِاسْتِعْدادِ لِيَوْمِ المَعادِ، وتَقْدِيمِ ما يُنْجِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ويُبَيِّضُ وجْهَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، وتُزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] أوْ قالَ: عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم. [أرْكانُ المُحاسَبَةِ] [الرُّكْنُ الأوَّلُ المُقايَسَةُ بَيْنَ ما لِلْعَبْدِ وما لِلَّهِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: المُحاسَبَةُ لَها ثَلاثَةُ أرْكانٍ: أحَدُها: أنْ تُقايِسَ بَيْنَ نِعْمَتِهِ وجِنايَتِكَ. يَعْنِي تُقايِسَ بَيْنَ ما مِنَ اللَّهِ وما مِنكَ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَكَ التَّفاوُتُ، وتَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا عَفْوُهُ ورَحْمَتُهُ، أوِ الهَلاكُ والعَطَبُ. وَبِهَذِهِ المُقايَسَةِ تَعْلَمُ أنَّ الرَّبَّ رَبٌّ والعَبْدَ عَبْدٌ، ويَتَبَيَّنُ لَكَ حَقِيقَةُ النَّفْسِ وصِفاتُها، وعَظْمَةُ جَلالِ الرُّبُوبِيَّةِ، وتَفَرُّدِ الرَّبِّ بِالكَمالِ والإفْضالِ، وأنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنهُ فَضْلٌ، وكُلَّ نِقْمَةٍ مِنهُ عَدْلٌ، وأنْتَ قَبْلَ هَذِهِ المُقايَسَةِ جاهِلٌ بِحَقِيقَةِ نَفْسِكَ، وبِرُبُوبِيَّةِ فاطِرِها وخالِقِها، فَإذا قايَسْتَ ظَهَرَ لَكَ أنَّها مَنبَعُ كُلِّ شَرٍّ، وأساسُ كُلِّ نَقْصٍ، وأنَّ حَدَّها الجاهِلَةُ الظّالِمَةُ، وأنَّهُ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ بِتَزْكِيَتِهِ لَها ما زَكَتْ أبَدًا، ولَوْلا هُداهُ ما اهْتَدَتْ، ولَوْلا إرْشادُهُ وتَوْفِيقُهُ لَما كانَ لَها وُصُولٌ إلى خَيْرٍ ألْبَتَّةَ، وأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ لَها مِن بارِئِها وفاطِرِها، وتَوَقُّفَهُ عَلَيْهِ كَتَوَقُّفِ وُجُودِها عَلى إيجادِهِ، فَكَما أنَّها لَيْسَ لَها مِن ذاتِها وُجُودٌ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَها مِن ذاتِها كَمالُ الوُجُودِ، فَلَيْسَ لَها مِن ذاتِها إلّا العَدَمُ - عَدَمُ الذّاتِ، وعَدَمُ الكَمالِ - فَهُناكَ تَقُولُ حَقًّا «أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وأبُوءُ بِذَنْبِي». ثُمَّ تُقايِسُ بَيْنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، فَتَعْلَمُ بِهَذِهِ المُقايَسَةِ أيُّهُما أكْثَرُ وأرْجَحُ قَدْرًا وصِفَةً. وَهَذِهِ المُقايَسَةُ الثّانِيَةُ مُقايَسَةٌ بَيْنَ أفْعالِكَ وما مِنكَ خاصَّةً. قالَ: وهَذِهِ المُقايَسَةُ تَشُقُّ عَلى مَن لَيْسَ لَهُ ثَلاثَةُ أشْياءَ: نُورُ الحِكْمَةِ، وسُوءُ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ، وتَمْيِيزُ النِّعْمَةِ مِنَ الفِتْنَةِ. يَعْنِي أنَّ هَذِهِ المُقايَسَةَ والمُحاسَبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلى نُورِ الحِكْمَةِ، وهو النُّورُ الَّذِي نَوَّرَ اللَّهُ بِهِ قُلُوبَ أتْباعِ الرُّسُلِ، وهو نُورُ الحِكْمَةِ، فَبِقَدْرِهِ تَرى التَّفاوُتَ، وتَتَمَكَّنُ مِنَ المُحاسَبَةِ. وَنُورُ الحِكْمَةِ هاهُنا: هو العِلْمُ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ العَبْدُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والهُدى والضَّلالِ، والضّارِّ والنّافِعِ، والكامِلِ والنّاقِصِ، والخَيْرِ والشَّرِّ، ويُبْصِرُ بِهِ مَراتِبَ الأعْمالِ، راجِحَها ومَرْجُوحَها، ومَقْبُولَها ومَرْدُودَها، وكُلَّما كانَ حَظُّهُ مِن هَذا النُّورِ أقْوى كانَ حَظُّهُ مِنَ المُحاسَبَةِ أكْمَلَ وأتَمَّ. وَأمّا سُوءُ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ فَإنَّما احْتاجَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ يَمْنَعُ مِن كَمالِ التَّفْتِيشِ ويُلَبِّسُ عَلَيْهِ، فَيَرى المَساوِئَ مَحاسِنَ، والعُيُوبَ كَمالًا، فَإنَّ المُحِبَّ يَرى مَساوِئَ مَحْبُوبِهِ وعُيُوبَهُ كَذَلِكَ. ؎فَعَيْنُ الرِّضى عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ∗∗∗ كَما أنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَساوِيا وَلا يُسِيءُ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ إلّا مَن عَرَفَها، ومَن أحْسَنَ ظَنَّهُ بِنَفْسِهِ فَهو مِن أجْهَلِ النّاسِ بِنَفْسِهِ. وَأمّا تَمْيِيزُ النِّعْمَةِ مِنَ الفِتْنَةِ: فَلْيُفَرِّقْ بَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي يُرى بِها الإحْسانُ واللُّطْفُ، ويُعانُ بِها عَلى تَحْصِيلِ سَعادَتِهِ الأبَدِيَّةِ، وبَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي يُرى بِها الِاسْتِدْراجُ، فَكَمْ مِن مُسْتَدْرَجٍ بِالنِّعَمِ وهو لا يَشْعُرُ، مَفْتُونٍ بِثَناءِ الجُهّالِ عَلَيْهِ، مَغْرُورٍ بِقَضاءِ اللَّهِ حَوائِجَهُ وسَتْرِهِ عَلَيْهِ! وأكْثَرُ الخَلْقِ عِنْدَهم أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ عَلامَةُ السَّعادَةِ والنَّجاحِ، ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ. فَإذا كَمَلَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ فِيهِ عَرَفَ حِينَئِذٍ أنَّ ما كانَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِجَمْعِهِ عَلى اللَّهِ فَهو نِعْمَةٌ حَقِيقَةٌ، وما فَرَّقَهُ عَنْهُ وأخَذَهُ مِنهُ فَهو البَلاءُ في صُورَةِ النِّعْمَةِ، والمِحْنَةُ في صُورَةِ المِنحَةِ، فَلْيَحْذَرْ فَإنَّما هو مُسْتَدْرَجٌ، ويُمَيِّزْ بِذَلِكَ أيْضًا بَيْنَ المِنَّةِ والحُجَّةِ، فَكَمْ تَلْتَبِسُ إحْداهُما عَلَيْهِ بِالأُخْرى!. فَإنَّ العَبْدَ بَيْنَ مِنَّةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وحُجَّةٍ مِنهُ عَلَيْهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُما، فالحُكْمُ الدِّينِيُّ مُتَضَمِّنٌ لِمِنَّتِهِ وحُجَّتِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقالَ ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وقالَ ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. والحُكْمُ الكَوْنِيُّ أيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِمِنَّتِهِ وحُجَّتِهِ، فَإذا حَكَمَ لَهُ كَوْنًا حُكْمًا مَصْحُوبًا بِاتِّصالِ الحُكْمِ الدِّينِيِّ بِهِ فَهو مِنَّةٌ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَصْحَبْهُ الدِّينِيُّ فَهو حُجَّةٌ مِنهُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ الدِّينِيُّ إذا اتَّصَلَ بِهِ حُكْمُهُ الكَوْنِيُّ، فَتَوْفِيقُهُ لِلْقِيامِ بِهِ مِنَّةٌ مِنهُ عَلَيْهِ، وإنْ تَجَرَّدَ عَنْ حُكْمِهِ الكَوْنِيِّ صارَ حُجَّةً مِنهُ عَلَيْهِ، فالمِنَّةُ بِاقْتِرانِ أحَدِ الحُكْمَيْنِ بِصاحِبِهِ، والحُجَّةُ في تَجَرُّدِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، فَكُلُّ عِلْمٍ صَحِبَهُ عَمَلٌ يُرْضِي اللَّهَ سُبْحانَهُ فَهو مِنَّةٌ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ قُوَّةٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ صَحِبَها تَنْفِيذٌ لِمَرْضاتِهِ وأوامِرِهِ فَهي مِنَّةٌ، وإلّا فَهي حُجَّةٌ. وَكُلُّ حالٍ صَحِبَهُ تَأْثِيرٌ في نُصْرَةِ دِينِهِ، والدَّعْوَةِ إلَيْهِ فَهو مِنَّةٌ مِنهُ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ مالٍ اقْتَرَنَ بِهِ إنْفاقٌ في سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، لا لِطَلَبِ الجَزاءِ ولا الشَّكُورِ، فَهو مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ فَراغٍ اقْتَرَنَ بِهِ اشْتِغالٌ بِما يُرِيدُ الرَّبُّ مِن عَبْدِهِ فَهو مِنَّةٌ عَلَيْهِ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ قَبُولٍ في النّاسِ، وتَعْظِيمٍ ومَحَبَّةٍ لَهُ، اتَّصَلَ بِهِ خُضُوعٌ لِلرَّبِّ، وذُلٌّ وانْكِسارٌ، ومَعْرِفَةٌ بِعَيْبِ النَّفْسِ والعَمَلِ، وبَذْلِ النَّصِيحَةِ لِلْخَلْقِ فَهو مِنَّةٌ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٍ، وتَذْكِيرٍ وتَعْرِيفٍ مِن تَعْرِيفاتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ إلى العَبْدِ، اتَّصَلَ بِهِ عِبْرَةٌ ومَزِيدٌ في العَقْلِ، ومَعْرِفَةٌ في الإيمانِ فَهي مِنَّةٌ، وإلّا فَهي حُجَّةٌ. وَكُلُّ حالٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مَقامٍ اتَّصَلَ بِهِ السَّيْرُ إلى اللَّهِ، وإيثارُ مُرادِهِ عَلى مُرادِ العَبْدِ، فَهو مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وإنْ صَحِبَهُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ والرِّضى بِهِ، وإيثارُ مُقْتَضاهُ، مِن لَذَّةِ النَّفْسِ بِهِ وطُمَأْنِينَتِها إلَيْها، ورُكُونِها إلَيْهِ، فَهو حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَلْيَتَأمَّلِ العَبْدُ هَذا المَوْضِعَ العَظِيمَ الخَطَرِ، ويُمَيِّزْ بَيْنَ مَواقِعِ المِنَنِ والمِحَنِ، والحُجَجِ والنِّعَمِ، فَما أكْثَرَ ما يَلْتَبِسُ ذَلِكَ عَلى خَواصِّ النّاسِ وأرْبابِ السُّلُوكِ، واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. [فَصْلٌ الرُّكْنُ الثّانِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ ما لِلْعَبْدِ وما عَلَيْهِ] فَصْلٌ الرُّكْنُ الثّانِي مِن أرْكانِ المُحاسَبَةِ: وَهِيَ أنْ تُمَيِّزَ ما لِلْحَقِّ عَلَيْكَ وبَيْنَ ما لَكَ وما عَلَيْكَ مِن وُجُوبِ العُبُودِيَّةِ، والتِزامِ الطّاعَةِ، واجْتِنابِ المَعْصِيَةِ، وبَيْنَ ما لَكَ وما عَلَيْكَ، فالَّذِي لَكَ: هو المُباحُ الشَّرْعِيُّ، فَعَلَيْكَ حَقٌّ، ولَكَ حَقٌّ، فَأدِّ ما عَلَيْكَ يُؤْتِكَ ما لَكَ. وَلابُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ ما لَكَ وما عَلَيْكَ، وإعْطاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَجْعَلُ كَثِيرًا مِمّا عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ مِن قَسْمِ ما لَهُ، فَيَتَحَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وتَرْكِهِ، وإنْ فَعَلَهُ رَأى أنَّهُ فَضْلٌ قامَ بِهِ لا حَقٌّ أدّاهُ. وَبِإزاءِ هَؤُلاءِ مَن يَرى كَثِيرًا مِمّا لَهُ فِعْلُهُ وتَرْكُهُ مِن قَسْمِ ما عَلَيْهِ فِعْلُهُ أوْ تَرْكُهُ، فَيَتَعَبَّدُ بِتَرْكِ ما لَهُ فِعْلُهُ، كَتَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ المُباحاتِ، ويَظُنُّ ذَلِكَ حَقًّا عَلَيْهِ، أوْ يَتَعَبَّدُ بِفِعْلِ ما لَهُ تَرْكُهُ ويَظُنُّ ذَلِكَ حَقًّا عَلَيْهِ. مِثالُ الأوَّلِ: مَن يَتَعَبَّدُ بِتَرْكِ النِّكاحِ، أوْ تَرْكِ أكْلِ اللَّحْمِ، أوِ الفاكِهَةِ مَثَلًا، أوِ الطَّيِّباتِ مِنَ المَطاعِمِ والمَلابِسِ، ويَرى - لِجَهْلِهِ - أنَّ ذَلِكَ مِمّا عَلَيْهِ، فَيُوجِبُ عَلى نَفْسِهِ تَرْكَهُ، أوْ يَرى تَرْكَهُ مِن أفْضَلِ القُرَبِ، وأجَلِّ الطّاعاتِ، وقَدْ أنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى مَن زَعَمَ ذَلِكَ، فَفي الصَّحِيحِ «أنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ سَألُوا عَنْ عِبادَتِهِ في السِّرِّ فَكَأنَّهم تَقالُّوها، فَقالَ أحَدُهُمْ: أمّا أنا فَلا آكُلُ اللَّحْمَ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا أنامُ عَلى فِراشٍ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ مَقالَتُهُمْ، فَخَطَبَ، وقالَ: ما بالُ أقْوامٍ يَقُولُ أحَدُهُمْ: أمّا أنا فَلا آكُلُ اللَّحْمَ، ويَقُولُ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا أتَزَوَّجُ، ويَقُولُ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا أنامُ عَلى فِراشٍ؟ لَكِنِّي أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وآكُلُ اللَّحْمَ، وأنامُ وأقُومُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» فَتَبَرَّأ مِمَّنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ، وتَعَبَّدَ لِلَّهِ بِتَرْكِ ما أباحَهُ لِعِبادِهِ مِنَ الطَّيِّباتِ، رَغْبَةً عَنْهُ، واعْتِقادًا أنَّ الرَّغْبَةَ عَنْهُ وهَجْرَهُ عِبادَةٌ، فَهَذا لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ ما عَلَيْهِ وما لَهُ. وَمِثالُ الثّانِي: مَن يَتَعَبَّدُ بِالعِباداتِ البِدْعِيَّةِ الَّتِي يَظُنُّها جالِبَةً لِلْحالِ، والكَشْفِ والتَّصَرُّفِ، ولِهَذِهِ الأُمُورِ لَوازِمُ لا تَحْصُلُ بِدُونِها ألْبَتَّةَ، فَيَتَعَبَّدُ بِالتِزامِ تِلْكَ اللَّوازِمِ فِعْلًا وتَرْكًا، ويَراها حَقًّا عَلَيْهِ، وهي حَقٌّ لَهُ، ولَهُ تَرْكُها، كَفِعْلِ الرِّياضاتِ، والأوْضاعِ الَّتِي رَسَمَها كَثِيرٌ مِنَ السّالِكِينَ بِأذْواقِهِمْ ومَواجِيدِهِمْ واصْطِلاحاتِهِمْ، مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ ما فِيها مِن حَظِّ العَبْدِ والحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، فَهَذا لَوْنٌ وهَذا لَوْنٌ. [فَصْلٌ الرُّكْنُ الثّالِثُ الرِّضا بِالطّاعَةِ والتَّعْيِيرُ بِالمَعْصِيَةِ] وَمِن أرْكانِ المُحاسَبَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المَنازِلِ، فَقالَ: الثّالِثُ: أنْ تَعْرِفَ أنَّ كُلَّ طاعَةٍ رَضِيتَها مِنكَ فَهي عَلَيْكَ، وكُلَّ مَعْصِيَةٍ عَيَّرْتَ بِها أخاكَ فَهي إلَيْكَ. رِضاءُ العَبْدِ بِطاعَتِهِ دَلِيلٌ عَلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، وجَهْلِهِ بِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ، وعَدَمِ عَمَلِهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ جَلَّ جَلالُهُ ويَلِيقُ أنْ يُعامَلَ بِهِ. وَحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ جَهْلَهُ بِنَفْسِهِ وصِفاتِها وآفاتِها وعُيُوبِ عَمَلِهِ، وجَهْلَهُ بِرَبِّهِ وحُقُوقِهِ وما يَنْبَغِي أنْ يُعامَلَ بِهِ، يَتَوَلَّدُ مِنهُما رِضاهُ بِطاعَتِهِ، وإحْسانُ ظَنِّهِ بِها، ويَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ مِنَ العَجَبِ والكِبْرِ والآفاتِ ما هو أكْبَرُ مِنَ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ مِنَ الزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ، والفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ ونَحْوِها. فالرِّضا بِالطّاعَةِ مِن رَعُوناتِ النَّفْسِ وحَماقَتِها. وَأرْبابُ العَزائِمِ والبَصائِرِ أشَدُّ ما يَكُونُونَ اسْتِغْفارًا عُقَيْبَ الطّاعاتِ، لِشُهُودِهِمْ تَقْصِيرَهم فِيها، وتَرْكَ القِيامِ لِلَّهِ بِها كَما يَلِيقُ بِجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، وأنَّهُ لَوْلا الأمْرُ لَما أقْدَمَ أحَدُهم عَلى مَثَلِ هَذِهِ العُبُودِيَّةِ، ولا رَضِيَها لِسَيِّدِهِ. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى وفْدَهُ وحُجّاجَ بَيْتِهِ بِأنْ يَسْتَغْفِرُوهُ عُقَيْبَ إفاضَتِهِمْ مِن عَرَفاتٍ، وهو أجَلُّ المَواقِفِ وأفْضَلُها، فَقالَ ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ - ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨-١٩٩] وَقالَ تَعالى ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] قالَ الحَسَنُ: مَدُّوا الصَّلاةَ إلى السَّحَرِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وفي الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ إذا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ اسْتَغَفْرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ، تَبارَكْتَ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ» وأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ بَعْدَ أداءِ الرِّسالَةِ، والقِيامِ بِما عَلَيْهِ مِن أعْبائِها، وقَضاءِ فَرْضِ الحَجِّ، واقْتِرابِ أجَلِهِ، فَقالَ في آخِرِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١-٣]. وَمِن هاهُنا فَهِمَ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أنَّ هَذا أجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْلَمَهُ بِهِ، فَأمَرَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ عُقَيْبَ أداءِ ما كانَ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ إعْلامٌ بِأنَّكَ قَدْ أدَّيْتَ ما عَلَيْكَ، ولَمْ يَبْقَ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فاجْعَلْ خاتِمَتَهُ الِاسْتِغْفارَ، كَما كانَ خاتِمَةَ الصَّلاةِ والحَجِّ وقِيامِ اللَّيْلِ، وخاتِمَةُ الوُضُوءِ أيْضًا أنْ يَقُولَ بَعْدَ فَراغِهِ " «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ، واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» ". فَهَذا شَأْنُ مَن عَرَفَ ما يَنْبَغِي لِلَّهِ، ويَلِيقُ بِجَلالِهِ مِن حُقُوقِ العُبُودِيَّةِ وشَرائِطِها، لا جَهْلَ أصْحابِ الدَّعاوِي وشَطَحاتِهِمْ. وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مَتى رَضِيتَ نَفْسَكَ وعَمَلَكَ لِلَّهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ غَيْرُ راضٍ بِهِ، ومَن عَرَفَ أنَّ نَفْسَهُ مَأْوى كُلِّ عَيْبٍ وشَرٍّ، وعَمَلَهُ عُرْضَةٌ لِكُلِّ آفَةٍ ونَقْصٍ، كَيْفَ يَرْضى لِلَّهِ نَفْسَهُ وعَمَلَهُ؟ وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّيْخِ أبِي مَدْيَنَ حَيْثُ يَقُولُ: مَن تَحَقَّقَ بِالعُبُودِيَّةِ نَظَرَ أفْعالَهُ بِعَيْنِ الرِّياءِ، وأحْوالَهُ بِعَيْنِ الدَّعْوى، وأقْوالَهُ بِعَيْنِ الِافْتِراءِ، وكُلَّما عَظُمَ المَطْلُوبُ في قَلْبِكَ، صَغُرَتْ نَفْسُكَ عِنْدَكَ، وتَضاءَلَتِ القِيمَةُ الَّتِي تَبْذُلُها في تَحْصِيلِهِ، وكُلَّما شَهِدْتَ حَقِيقَةَ الرُّبُوبِيَّةِ وحَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، وعَرَفْتَ اللَّهَ، وعَرَفْتَ النَّفْسَ، وتَبَيَّنَ لَكَ أنَّ ما مَعَكَ مِنَ البِضاعَةِ لا يَصْلُحُ لِلْمَلِكِ الحَقِّ، ولَوْ جِئْتَ بِعَمَلِ الثَّقَلَيْنِ خَشِيتَ عاقِبَتَهُ وإنَّما يَقْبَلُهُ بِكَرَمِهِ وجُودِهِ وتَفَضُّلِهِ، ويُثِيبُكَ عَلَيْهِ أيْضًا بِكَرَمِهِ وجُودِهِ وتَفَضُّلِهِ. وَقَوْلُهُ: وكُلُّ مَعْصِيَةٍ عَيَّرْتَ بِها أخاكَ فَهي إلَيْكَ. يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: أنَّها صائِرَةٌ إلَيْكَ ولا بُدَّ أنْ تَعْمَلَها، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن عَيَّرَ أخاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتّى يَعْمَلَهُ» قالَ الإمامُ أحْمَدُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَدِيثِ: مِن ذَنْبٍ قَدْ تابَ مِنهُ. وَأيْضًا فَفي التَّعْيِيرِ ضَرْبٌ خَفِيٌّ مِنَ الشَّماتَةِ بِالمُعَيَّرِ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ أيْضًا مَرْفُوعًا «لا تُظْهِرِ الشَّماتَةَ لِأخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ ويَبْتَلِيَكَ». وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: أنَّ تَعْيِيرَكَ لِأخِيكَ بِذَنْبِهِ أعْظَمُ إثْمًا مِن ذَنْبِهِ وأشَدُّ مِن مَعْصِيَتِهِ، لِما فِيهِ مِن صَوْلَةِ الطّاعَةِ، وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وشُكْرِها، والمُناداةِ عَلَيْها بِالبَراءَةِ مِنَ الذَّنْبِ، وأنَّ أخاكَ باءَ بِهِ، ولَعَلَّ كَسْرَتَهُ بِذَنْبِهِ، وما أحْدَثَ لَهُ مِنَ الذِّلَّةِ والخُضُوعِ، والإزْراءِ عَلى نَفْسِهِ، والتَّخَلُّصِ مِن مَرَضِ الدَّعْوى، والكِبْرِ والعُجْبِ، ووُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ناكِسَ الرَّأْسِ، خاشِعَ الطَّرْفِ، مُنْكَسِرَ القَلْبِ أنْفَعُ لَهُ، وخَيْرٌ مِن صَوْلَةِ طاعَتِكَ، وتَكَثُّرِكَ بِها والِاعْتِدادِ بِها، والمِنَّةِ عَلى اللَّهِ وخَلْقِهِ بِها، فَما أقْرَبَ هَذا العاصِيَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ! وما أقْرَبَ هَذا المُدِلَّ مِن مَقْتِ اللَّهِ، فَذَنْبٌ تَذِلُّ بِهِ لَدَيْهِ، أحَبُّ إلَيْهِ مِن طاعَةٍ تُدِلُّ بِها عَلَيْهِ، وإنَّكَ أنْ تَبِيتَ نائِمًا وتُصْبِحَ نادِمًا، خَيْرٌ مِن أنْ تَبِيتَ قائِمًا وتُصْبِحَ مُعْجَبًا، فَإنَّ المُعْجَبَ لا يَصْعَدُ لَهُ عَمَلٌ، وإنَّكَ إنْ تَضْحَكْ وأنْتَ مُعْتَرِفٌ، خَيْرٌ مِن أنْ تَبْكِيَ وأنْتَ مُدِلٌّ، وأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ المُدِلِّينَ، ولَعَلَّ اللَّهَ أسْقاهُ بِهَذا الذَّنْبِ دَواءً اسْتَخْرَجَ بِهِ داءً قاتِلًا هو فِيكَ ولا تَشْعُرُ. فَلِلَّهِ في أهْلِ طاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ أسْرارٌ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ، ولا يُطالِعُها إلّا أهْلُ البَصائِرِ، فَيَعْرِفُونَ مِنها بِقَدْرِ ما تَنالُهُ مَعارِفُ البَشَرِ، ووَراءَ ذَلِكَ ما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الكِرامُ الكاتِبُونَ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكُمْ، فَلْيُقِمْ عَلَيْها الحَدَّ ولا يُثَرِّبْ» أيْ لا يُعَيِّرْ، مِن قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإخْوَتِهِ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] فَإنَّ المِيزانَ بِيَدِ اللَّهِ، والحُكْمَ لِلَّهِ، فالسَّوْطُ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ هَذا العاصِي بِيَدِ مُقَلِّبِ القُلُوبِ، والقَصْدُ إقامَةُ الحَدِّ لا التَّعْيِيرُ والتَّثْرِيبُ، ولا يَأْمَنُ كَرّاتِ القَدَرِ وسَطْوَتَهُ إلّا أهْلُ الجَهْلِ بِاللَّهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِأعْلَمِ الخَلْقِ بِهِ، وأقْرَبِهِمْ إلَيْهِ وسِيلَةً ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ﴿وَإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] وَكانْتَ عامَّةُ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لا، ومُقَلِّبِ القُلُوبِ» وَقالَ: «ما مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ، وإنْ شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ» ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ، اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنا عَلى طاعَتِكَ».

الحشر 59:19

قوله تعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ فهؤلاء نسوا نفوسهم لا من جميع الوجوه بل من الوجه الذي به مصالحها وكمالها وسعاداتها، وإن لم ينسوها من الوجه الذي منه شهوتها وحظها وإراداتها فأنساهم مصالح نفوسهم أن يفعلوها ويطلبوها، وعيوبها ونقائصها أن يزيلوها ويجتنبوها وكمالها الذي خلقت له أن يعرفوه ويطلبوه، فهم جاهلون بحقائق أنفسهم من هذه الوجهة، وإن كانوا عالمين بها من وجوه. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ عاقبهم على نسيانهم له بأن أنساهم أنفسهم فنسوا مصالحها أن يفعلوها وعيوبها أن يصلحوها وحظوظها أن يتناولوها ومن أعظم مصالحها وأنفع حظوظها ذكرها لربها وفاطرها وهي لا نعيم لها ولا سرور ولا فلاح ولا صلاح إلا بذكره وحبه وطاعته والإقبال عليه والإعراض عما سواه فأنساهم ذلك لما نسوه وأحدث لهم هذا النسيان نسيانا آخر وهذا ضد حال الذين ذكروه ولم ينسوه فذكرهم مصالح نفوسهم ففعلوها وأوقفهم على عيوبها فأصلحوها وعرفهم حظوظها العالية فبادروا إليها فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم الإيمان ومحبته وذكره وشكره، فلما خلت قلوبهم من ذلك لم يجدوا عن ضده محيصا. وهذا يبين لك كمال عدله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها، وإذا كان قضاؤه عليها بالكفر والذنوب عدلا منه عليها فقضاؤه عليها بالعقوبة أعدل وأعدل، فهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه قضاؤه. وله فيها قضاآن قضاء السبب وقضاء المسبب، وكلاهما عدل فيه، فإنه لما ترك ذكره وترك فعل ما يحبه عاقبه بنسيان نفسه فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه ويسخطه بقضائه الذي هو عدل فترتب له على هذا الفعل والترك عقوبات وآلام لم يكن له منها بد، بل هي مترتبة عليه ترتب المسببات على أسبابها فهو عدل محض من الرب تعالى، فعدل في العبد أولا وآخرا فهو محسن في عدله محبوب عليه محمود فيه يحمده من عدل فيه طوعا وكرها. قال الحسن: "لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا" (فائدة) وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فائدة) وَأمّا الِاعْتِرافُ بِالخالِقِ فَإنَّهُ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ لازِمٌ لِلْإنْسانِ لا يَغْفُلُ عَنْهُ أحَدٌ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُهُ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهُ، وإنْ قُدِّرَ أنَّهُ نَسِيَهُ. ولِهَذا يُسَمّى التَّعْرِيفُ بِذَلِكَ تَذْكِيرًا، فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِعُلُومٍ فِطْرِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وقَدْ يَنْساها العَبْدُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يَقُولُ اللَّهُ لِلْكافِرِ: فاليَوْمَ أنْساكَ كَما نَسِيتَنِي». (فصل) وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الرب تعالى شهد بصحة ما أخبر به وهو أصدق الصادقين وأقسم عليه وهو أبر المقسمين وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشك بوجه وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينًا مشاهدًا بالبصائر وإن لم يعاين بالأبصار، ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه لا تستعد له ولا تأخذ له أهبة والمستعد له الآخذ له أهبة لا يعطيه حقه منهم إلا الفرد بعد الفرد، فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور، ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها، ولا إلى أين يرحلون وأين يستقرون، قد ملكهم الحس وقل نصيبهم من العقل وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني التي هي كالسراب، وخدعهم طول الأمل، وكأن المقيم لا يرحل وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه والفوز بجزيل ثوابه فأما اللذات الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فإنهم حصلوها ومن أي وجه لاحت أخذوها غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة يسعون لما يدركون ويتركون ماهم به مطالبون ويعمرون ما هم عنه منتقلون ويخربون ما هم إليه صائرون وهم عن الآخرة هم غافلون ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في مصالحها ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ والعجب كل العجب من غفلة من تعد عليه لحظاته وتحصى عليه أنفاسه ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ولا إلى أي منزل ينقل: ؎وكيف تنام العين وهي قريرة ∗∗∗ ولم تدر في أي المحلين تنزل وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته ولا لسوء منقلبه بعد مماته فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله وسار بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده ولنظرت عين الراحل إلى الطريق، ولأخذ المسافر في التزود، والمريض في التداوي، والحازم ما يجوز أن يأتي. فما الظن بأمر متيقن كما أنه لصدق إيمانه وقوة إيقانهم وكأنهم يعاينون الأمر، فأضحت ربوع الأيمان من أهلها خالية، ومعالمه على عروشها خاوية. قال ابن وهب أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال: " كان السلف إذا طلع الفجر أو قبله كأنما على رؤسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حبيبا لأحدهم غاب عنه حينًا ثم قدم لما التفت إليه، فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس، ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يأخذون في الفقه". (فصل) اعلم أن دوام ذكر الرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده، فإن نسيان الرب سبحانه وتعالى يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون﴾ وإذا نسي العبد نفسه أعرض عن مصالحها ونسيها، واشتغل عنها فهلكت وفسدت ولا بد، كمن له زرع أو بستان أو ماشية أو غير ذلك، ومما صلاحه وفلاحه بتعاهده والقيام عليه، فأهمله ونسيه واشتغل عنه بغيره، وضيع مصالحه، فإنه يفسد ولا بد. هذا مع إمكان قيام غيره مقامه فيه، فكيف الظن بفساد نفسه وهلاكها وشقائها إذا أهملها ونسيها، واشتغل عن مصالحها، وعطل مراعاتها، وترك القيام عليها بما يصلحها، فما شئت من فساد وهلاك وخيبة وحرمان. وهذا هو الذي صار أمره كله فرطًا، فانفرط عليه أمره وضاعت مصالحه، وأحاطت به أسباب القطوع والخيبة والهلاك. ولا سبيل إلى الأمان من ذلك إلا بدوام ذكر الله تعالى واللهج به، وأن لا يزال اللسان رطبًا به، وأن يتولى منزلة حياته التي لا غنى له عنها، ومنزلة غذائه الذي إذا فقده فسد جسمه وهلك، وبمنزلة الماء عند شدة العطش، وبمنزلة اللباس في الحر والبرد، وبمنزلة الكن في شدة الشتاء والسموم. فحقيق بالعبد أن ينزل ذكر الله منه بهذه المنزلة وأعظم، فأين هلاك الروح والقلب وفسادهما من هلاك البدن وفساده؟ هذا هلاك لا بد منه وقد يعقبه صلاح لا بد، وأما هلاك القلب والروح فهلاك لا يرجى معه صلاح ولا فلاح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [فَصْلٌ: المَعاصِي تُنْسِي اللَّهَ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تَسْتَدْعِي نِسْيانَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ، وتَرْكَهُ وتَخْلِيَتَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ وشَيْطانِهِ، وهُنالِكَ الهَلاكُ الَّذِي لا يُرْجى مَعَهُ نَجاةٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ - ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٨-١٩]. فَأمَرَ بِتَقْواهُ ونَهى أنْ يَتَشَبَّهَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ بِمَن نَسِيَهُ بِتَرْكِ تَقْواهُ، وأخْبَرَ أنَّهُ عاقَبَ مَن تَرَكَ التَّقْوى بِأنْ أنْساهُ نَفْسَهُ، أيْ أنْساهُ مَصالِحَها، وما يُنْجِيها مِن عَذابِهِ، وما يُوجِبُ لَهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ، وكَمالَ لَذَّتِها وسُرُورِها ونَعِيمِها، فَأنْساهُ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ جَزاءً لِما نَسِيَهُ مِن عَظَمَتِهِ وخَوْفِهِ، والقِيامِ بِأمْرِهِ، فَتَرى العاصِيَ مُهْمِلًا لِمَصالِحِ نَفْسِهِ مُضَيِّعًا لَها، قَدْ أغْفَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِهِ، واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا، قَدِ انْفَرَطَتْ عَلَيْهِ مَصالِحُ دُنْياهُ وآخِرَتِهِ، وقَدْ فَرَّطَ في سَعادَتِهِ الأبَدِيَّةِ، واسْتَبْدَلَ بِها أدْنى ما يَكُونُ مِن لَذَّةٍ، إنَّما هي سَحابَةُ صَيْفٍ، أوْ خَيالُ طَيْفٍ كَما قِيلَ: ؎أحْلامُ نَوْمٍ أوْ كَظِلٍّ زائِلٍ ∗∗∗ إنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِها لا يُخْدَعُ وَأعْظَمُ العُقُوباتِ نِسْيانُ العَبْدِ لِنَفْسِهِ، وإهْمالُهُ لَها، وإضاعَتُهُ حَظَّها ونَصِيبَها مِنَ اللَّهِ، وبَيْعُها ذَلِكَ بِالغَبْنِ والهَوانِ وأبْخَسِ الثَّمَنِ، فَضَيَّعَ مَن لا غِنى لَهُ عَنْهُ، ولا عِوَضَ لَهُ مِنهُ، واسْتَبْدَلَ بِهِ مَن عَنْهُ كُلُّ الغِنى أوْ مِنهُ كُلُّ العِوَضِ: ؎مِن كُلِّ شَيْءٍ إذا ضَيَّعْتَهُ عِوَضٌ ∗∗∗ وما مِنَ اللَّهِ إنْ ضَيَّعْتَ مِن عِوَضِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ يُعَوِّضُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ما سِواهُ ولا يُعَوِّضُ مِنهُ شَيْءٌ، ويُغْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ولا يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ، ويُجِيرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولا يُجِيرُ مِنهُ شَيْءٌ، ويَمْنَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولا يَمْنَعُ مِنهُ شَيْءٌ، كَيْفَ يَسْتَغْنِي العَبْدُ عَنْ طاعَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ؟ وَكَيْفَ يَنْسى ذِكْرَهُ ويُضَيِّعُ أمْرَهُ حَتّى يُنْسِيَهُ نَفْسَهُ، فَيَخْسَرُها ويَظْلِمُها أعْظَمَ الظُّلْمِ؟ فَما ظَلَمَ العَبْدُ رَبَّهُ ولَكِنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وما ظَلَمَهُ رَبُّهُ ولَكِنْ هو الَّذِي ظَلَمَ نَفْسَهُ. [فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ تُنْسِي العَبْدَ نَفْسَهُ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تُنْسِي العَبْدَ نَفْسَهُ، وإذا نَسِيَ نَفْسَهُ أهْمَلَها وأفْسَدَها وأهْلَكَها، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْسى العَبْدُ نَفْسَهُ؟ وإذا نَسِيَ نَفْسَهُ فَأيُّ شَيْءٍ يَذْكُرُ؟ وما مَعْنى نِسْيانِهِ نَفْسَهُ؟ قِيلَ: نَعَمْ يَنْسى نَفْسَهُ أعْظَمَ نِسْيانٍ، قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]. فَلَمّا نَسُوا رَبَّهم سُبْحانَهُ نَسِيَهم وأنْساهم أنْفُسَهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. فَعاقَبَ سُبْحانَهُ مَن نَسِيَهُ عُقُوبَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ نَسِيَهُ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ أنْساهُ نَفْسَهُ. وَنِسْيانُهُ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ: إهْمالُهُ، وتَرْكُهُ، وتَخَلِّيهِ عَنْهُ، وإضاعَتُهُ، فالهَلاكُ أدْنى إلَيْهِ مِنَ اليَدِ لِلْفَمِ، وأمّا إنْساؤُهُ نَفْسَهُ، فَهُوَ: إنْساؤُهُ لِحُظُوظِها العالِيَةِ، وأسْبابِ سَعادَتِها وفَلاحِها، وإصْلاحِها، وما تَكْمُلُ بِهِ بِنَسْيِهِ ذَلِكَ كُلِّهِ جَمِيعِهِ فَلا يَخْطُرُ بِبالِهِ، ولا يَجْعَلُهُ عَلى ذِكْرِهِ، ولا يَصْرِفُ إلَيْهِ هِمَّتَهُ فَيَرْغَبُ فِيهِ، فَإنَّهُ لا يَمُرُّ بِبالِهِ حَتّى يَقْصِدَهُ ويُؤْثِرَهُ. وَأيْضًا فَيُنْسِيهِ عُيُوبَ نَفْسِهِ ونَقْصَها وآفاتِها، فَلا يَخْطُرُ بِبالِهِ إزالَتُها. وَأيْضًا فَيُنْسِيهِ أمْراضَ نَفْسِهِ وقَلْبِهِ وآلامَها، فَلا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ مُداواتُها، ولا السَّعْيُ في إزالَةِ عِلَلِها وأمْراضِها الَّتِي تَئُولُ بِها إلى الفَسادِ والهَلاكِ، فَهو مَرِيضٌ مُثْخَنٌ بِالمَرَضِ، ومَرَضُهُ مُتَرامٍ بِهِ إلى التَّلَفِ، ولا يَشْعُرُ بِمَرَضِهِ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ مُداواتُهُ، وهَذا مِن أعْظَمِ العُقُوبَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ. فَأيُّ عُقُوبَةٍ أعْظَمُ مِن عُقُوبَةِ مَن أهْمَلَ نَفْسَهُ وضَيَّعَها، ونَسِيَ مَصالِحَها وداءَها ودَواءَها، وأسْبابَ سَعادَتِها وفَلاحِها وصَلاحِها وحَياتِها الأبَدِيَّةِ في النَّعِيمِ المُقِيمِ؟ ومَن تَأمَّلَ هَذا المَوْضِعَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ أكْثَرَ هَذا الخَلْقِ قَدْ نَسُوا حَقِيقَةَ أنْفُسِهِمْ وضَيَّعُوها وأضاعُوا حَظَّها مِنَ اللَّهِ، وباعُوها رَخِيصَةً بِثَمَنٍ بَخْسٍ بَيْعَ الغَبْنِ، وإنَّما يَظْهَرُ لَهم هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ويَظْهَرُ هَذا كُلَّ الظُّهُورِ يَوْمَ التَّغابُنِ، يَوْمَ يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ أنَّهُ غُبِنَ في العَقْدِ الَّذِي عَقَدَهُ لِنَفْسِهِ في هَذِهِ الدّارِ، والتِّجارَةِ الَّتِي اتَّجَرَ فِيها لِمَعادِهِ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَّجِرُ في هَذِهِ الدُّنْيا لِآخِرَتِهِ. فالخاسِرُونَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أهْلُ الرِّبْحِ والكَسْبِ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا وحَظَّهم فِيها ولَذّاتِهِمْ، بِالآخِرَةِ وحَظِّهِمْ فِيها، فَأذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا، واسْتَمْتَعُوا بِها، ورَضُوا بِها، واطْمَأنُّوا إلَيْها، وكانَ سَعْيُهم لِتَحْصِيلِها، فَباعُوا واشْتَرَوْا واتَّجَرُوا وباعُوا آجِلًا بِعاجِلٍ، ونَسِيئَةً بِنَقْدٍ، وغائِبًا بِناجِزٍ، وقالُوا: هَذا هو الحَزْمُ، ويَقُولُ أحَدُهُمْ: خُذْ ما تَراهُ ودَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ فَكَيْفَ أبِيعُ حاضِرًا نَقْدًا مُشاهَدًا في هَذِهِ الدّارِ بِغائِبٍ نَسِيئَةً في دارٍ أُخْرى غَيْرِ هَذِهِ؟ ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ ضَعْفُ الإيمانِ وقُوَّةُ داعِي الشَّهْوَةِ، ومَحَبَّةُ العاجِلَةِ والتَّشَبُّهُ بِبَنِي الجِنْسِ، فَأكْثَرُ الخَلْقِ في هَذِهِ التِّجارَةِ الخاسِرَةِ الَّتِي قالَ اللَّهُ في أهْلِها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] وَقالَ فِيهِمْ: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] فَإذا كانَ يَوْمُ التَّغابُنِ ظَهَرَ لَهُمُ الغَبْنُ في هَذِهِ التِّجارَةِ، فَتَتَقَطَّعُ عَلَيْهِمُ النُّفُوسُ حَسَراتٍ. وَأمّا الرّابِحُونَ فَإنَّهم باعُوا فانِيًا بِباقٍ، وخَسِيسًا بِنَفِيسٍ، وحَقِيرًا بِعَظِيمٍ، وقالُوا: ما مِقْدارُ هَذِهِ الدُّنْيا مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، حَتّى نَبِيعَ حَظَّنا مِنَ اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ بِها؟ فَكَيْفَ يَنالُ العَبْدُ مِنها في هَذا الزَّمَنِ القَصِيرِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ كَغَفْوَةِ حُلْمٍ، لا نِسْبَةَ لَهُ إلى دّارِ القَرارِ ألْبَتَّةَ: قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]. وَقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها - فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها - إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها - إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها - كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٢-٤٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وَقالَ تَعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ - قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنين: ١١٢-١١٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا - يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا - نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢-١٠٤]. فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الدُّنْيا عِنْدَ مُوافاةِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَمّا عَلِمُوا قِلَّةَ لُبْثِهِمْ فِيها، وأنَّ لَهم دارًا غَيْرَ هَذِهِ الدّارِ، هي دارُ الحَيَوانِ ودارُ البَقاءِ - رَأوْا مِن أعْظَمِ الغَبْنِ بَيْعَ دارِ البَقاءِ بِدارِ الفَناءِ، فاتَّجَرُوا تِجارَةَ الأكْياسِ، ولَمْ يَغْتَرُّوا بِتِجارَةِ السُّفَهاءِ مِنَ النّاسِ، فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ التَّغابُنِ رِبْحُ تِجارَتِهِمْ ومِقْدارُ ما اشْتَرَوْهُ، وكُلُّ أحَدٍ في هَذِهِ الدُّنْيا بائِعٌ مُشْتَرٍ مُتَّجِرٌ، وكُلُّ النّاسِ يَغْدُو فَبائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها أوْ مَوْبِقُها. ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. فَهَذا أوَّلُ نَقْدٍ مِن ثَمَنِ هَذِهِ التِّجارَةِ، فَتاجِرُوا أيُّها المُفْلِسُونَ، ويا مَن لا يَقْدِرُ عَلى هَذا الثَّمَنِ، هُنا ثَمَنٌ آخَرُ، فَإنْ كُنْتَ مِن أهْلِ هَذِهِ التِّجارَةِ فَأعْطِ هَذا الثَّمَنَ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]. ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠-١١]. والمَقْصُودُ أنَّ الذُّنُوبَ تُنْسِي العَبْدَ حَظَّهُ مِن هَذِهِ التِّجارَةِ الرّابِحَةِ، وتَشْغَلُهُ بِالتِّجارَةِ الخاسِرَةِ، وكَفى بِذَلِكَ عُقُوبَةً، واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ المُحاسَبَةِ] [مِن مَنزِلَةِ المُحاسَبَةِ يَصِحُّ لَهُ نُزُولُ مَنزِلَةِ التَّوْبَةِ] فَصْلٌ مَنزِلَةُ المُحاسَبَةِ فَلْنَرْجِعْ إلى ذِكْرِ مَنازِلِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " الَّتِي لا يَكُونُ العَبْدُ مِن أهْلِها حَتّى يَنْزِلَ مَنازِلَها. فَذَكَرْنا مِنها اليَقَظَةَ والبَصِيرَةَ والفِكْرَةَ والعَزْمَ. وَهَذِهِ المَنازِلُ الأرْبَعَةُ لِسائِرِ المَنازِلِ كالأساسِ لِلْبُنْيانِ، وعَلَيْها مَدارُ مَنازِلِ السَّفَرِ إلى اللَّهِ، ولا يُتَصَوَّرُ السَّفَرُ إلَيْهِ بِدُونِ نُزُولِها ألْبَتَّةَ، وهي عَلى تَرْتِيبِ السَّيْرِ الحِسِّيِّ، فَإنَّ المُقِيمَ في وطَنِهِ لا يَتَأتّى مِنهُ السَّفَرُ حَتّى يَسْتَيْقِظَ مِن غَفْلَتِهِ عَنِ السَّفَرِ، ثُمَّ يَتَبَصَّرَ في أمْرِ سَفَرِهِ وخَطَرِهِ، وما فِيهِ مِنَ المَنفَعَةِ لَهُ والمَصْلَحَةِ، ثُمَّ يُفَكِّرُ في أُهْبَةِ السَّفَرِ والتَّزَوُّدِ وإعْدادِ عُدَّتِهِ، ثُمَّ يَعْزِمُ عَلَيْهِ، فَإذا عَزَمَ عَلَيْهِ وأجْمَعَ قَصْدَهُ انْتَقَلَ إلى مَنزِلَةِ المُحاسِبَةِ وهي التَّمْيِيزُ بَيْنَ ما لَهُ وعَلَيْهِ، فَيَسْتَصْحِبُ ما لَهُ، ويُؤَدِّي ما عَلَيْهِ، لِأنَّهُ مُسافِرٌ سَفَرَ مَن لا يَعُودُ. وَمِن مَنزِلَةِ المُحاسَبَةِ يَصِحُّ لَهُ نُزُولُ مَنزِلَةِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ إذا حاسَبَ نَفْسَهُ، عَرَفَ ما عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَخَرَجَ مِنهُ، وتَنَصَّلُ مِنهُ إلى صاحِبِهِ، وهي حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ فَكانَ تَقْدِيمُ المُحاسَبَةِ عَلَيْها لِذَلِكَ أوْلى. وَلِتَأْخِيرِها عَنْها وجْهٌ أيْضًا، وهو أنَّ المُحاسَبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّوْبَةِ. والتَّحْقِيقُ أنْ التَّوْبَةَ بَيْنَ مُحاسَبَتَيْنِ، مُحاسَبَةٍ قَبْلَها، تَقْتَضِي وُجُوبَها، ومُحاسَبَةٍ بَعْدَها، تَقْتَضِي حِفْظَها، فالتَّوْبَةُ مَحْفُوفَةٌ بِمُحاسَبَتَيْنِ، وقَدْ دَلَّ عَلى المُحاسَبَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] فَأمَرَ سُبْحانَهُ العَبْدَ أنْ يَنْظُرَ ما قَدَّمَ لِغَدٍ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مُحاسَبَةَ نَفْسِهِ عَلى ذَلِكَ، والنَّظَرَ هَلْ يَصْلُحُ ما قَدَّمَهُ أنْ يَلْقى اللَّهَ بِهِ أوْ لا يَصْلُحُ؟ والمَقْصُودُ مِن هَذا النَّظَرِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ، مِن كَمالِ الِاسْتِعْدادِ لِيَوْمِ المَعادِ، وتَقْدِيمِ ما يُنْجِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ويُبَيِّضُ وجْهَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، وتُزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] أوْ قالَ: عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم. [أرْكانُ المُحاسَبَةِ] [الرُّكْنُ الأوَّلُ المُقايَسَةُ بَيْنَ ما لِلْعَبْدِ وما لِلَّهِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: المُحاسَبَةُ لَها ثَلاثَةُ أرْكانٍ: أحَدُها: أنْ تُقايِسَ بَيْنَ نِعْمَتِهِ وجِنايَتِكَ. يَعْنِي تُقايِسَ بَيْنَ ما مِنَ اللَّهِ وما مِنكَ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَكَ التَّفاوُتُ، وتَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا عَفْوُهُ ورَحْمَتُهُ، أوِ الهَلاكُ والعَطَبُ. وَبِهَذِهِ المُقايَسَةِ تَعْلَمُ أنَّ الرَّبَّ رَبٌّ والعَبْدَ عَبْدٌ، ويَتَبَيَّنُ لَكَ حَقِيقَةُ النَّفْسِ وصِفاتُها، وعَظْمَةُ جَلالِ الرُّبُوبِيَّةِ، وتَفَرُّدِ الرَّبِّ بِالكَمالِ والإفْضالِ، وأنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنهُ فَضْلٌ، وكُلَّ نِقْمَةٍ مِنهُ عَدْلٌ، وأنْتَ قَبْلَ هَذِهِ المُقايَسَةِ جاهِلٌ بِحَقِيقَةِ نَفْسِكَ، وبِرُبُوبِيَّةِ فاطِرِها وخالِقِها، فَإذا قايَسْتَ ظَهَرَ لَكَ أنَّها مَنبَعُ كُلِّ شَرٍّ، وأساسُ كُلِّ نَقْصٍ، وأنَّ حَدَّها الجاهِلَةُ الظّالِمَةُ، وأنَّهُ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ بِتَزْكِيَتِهِ لَها ما زَكَتْ أبَدًا، ولَوْلا هُداهُ ما اهْتَدَتْ، ولَوْلا إرْشادُهُ وتَوْفِيقُهُ لَما كانَ لَها وُصُولٌ إلى خَيْرٍ ألْبَتَّةَ، وأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ لَها مِن بارِئِها وفاطِرِها، وتَوَقُّفَهُ عَلَيْهِ كَتَوَقُّفِ وُجُودِها عَلى إيجادِهِ، فَكَما أنَّها لَيْسَ لَها مِن ذاتِها وُجُودٌ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَها مِن ذاتِها كَمالُ الوُجُودِ، فَلَيْسَ لَها مِن ذاتِها إلّا العَدَمُ - عَدَمُ الذّاتِ، وعَدَمُ الكَمالِ - فَهُناكَ تَقُولُ حَقًّا «أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وأبُوءُ بِذَنْبِي». ثُمَّ تُقايِسُ بَيْنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، فَتَعْلَمُ بِهَذِهِ المُقايَسَةِ أيُّهُما أكْثَرُ وأرْجَحُ قَدْرًا وصِفَةً. وَهَذِهِ المُقايَسَةُ الثّانِيَةُ مُقايَسَةٌ بَيْنَ أفْعالِكَ وما مِنكَ خاصَّةً. قالَ: وهَذِهِ المُقايَسَةُ تَشُقُّ عَلى مَن لَيْسَ لَهُ ثَلاثَةُ أشْياءَ: نُورُ الحِكْمَةِ، وسُوءُ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ، وتَمْيِيزُ النِّعْمَةِ مِنَ الفِتْنَةِ. يَعْنِي أنَّ هَذِهِ المُقايَسَةَ والمُحاسَبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلى نُورِ الحِكْمَةِ، وهو النُّورُ الَّذِي نَوَّرَ اللَّهُ بِهِ قُلُوبَ أتْباعِ الرُّسُلِ، وهو نُورُ الحِكْمَةِ، فَبِقَدْرِهِ تَرى التَّفاوُتَ، وتَتَمَكَّنُ مِنَ المُحاسَبَةِ. وَنُورُ الحِكْمَةِ هاهُنا: هو العِلْمُ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ العَبْدُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والهُدى والضَّلالِ، والضّارِّ والنّافِعِ، والكامِلِ والنّاقِصِ، والخَيْرِ والشَّرِّ، ويُبْصِرُ بِهِ مَراتِبَ الأعْمالِ، راجِحَها ومَرْجُوحَها، ومَقْبُولَها ومَرْدُودَها، وكُلَّما كانَ حَظُّهُ مِن هَذا النُّورِ أقْوى كانَ حَظُّهُ مِنَ المُحاسَبَةِ أكْمَلَ وأتَمَّ. وَأمّا سُوءُ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ فَإنَّما احْتاجَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ يَمْنَعُ مِن كَمالِ التَّفْتِيشِ ويُلَبِّسُ عَلَيْهِ، فَيَرى المَساوِئَ مَحاسِنَ، والعُيُوبَ كَمالًا، فَإنَّ المُحِبَّ يَرى مَساوِئَ مَحْبُوبِهِ وعُيُوبَهُ كَذَلِكَ. ؎فَعَيْنُ الرِّضى عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ∗∗∗ كَما أنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَساوِيا وَلا يُسِيءُ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ إلّا مَن عَرَفَها، ومَن أحْسَنَ ظَنَّهُ بِنَفْسِهِ فَهو مِن أجْهَلِ النّاسِ بِنَفْسِهِ. وَأمّا تَمْيِيزُ النِّعْمَةِ مِنَ الفِتْنَةِ: فَلْيُفَرِّقْ بَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي يُرى بِها الإحْسانُ واللُّطْفُ، ويُعانُ بِها عَلى تَحْصِيلِ سَعادَتِهِ الأبَدِيَّةِ، وبَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي يُرى بِها الِاسْتِدْراجُ، فَكَمْ مِن مُسْتَدْرَجٍ بِالنِّعَمِ وهو لا يَشْعُرُ، مَفْتُونٍ بِثَناءِ الجُهّالِ عَلَيْهِ، مَغْرُورٍ بِقَضاءِ اللَّهِ حَوائِجَهُ وسَتْرِهِ عَلَيْهِ! وأكْثَرُ الخَلْقِ عِنْدَهم أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ عَلامَةُ السَّعادَةِ والنَّجاحِ، ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ. فَإذا كَمَلَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ فِيهِ عَرَفَ حِينَئِذٍ أنَّ ما كانَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِجَمْعِهِ عَلى اللَّهِ فَهو نِعْمَةٌ حَقِيقَةٌ، وما فَرَّقَهُ عَنْهُ وأخَذَهُ مِنهُ فَهو البَلاءُ في صُورَةِ النِّعْمَةِ، والمِحْنَةُ في صُورَةِ المِنحَةِ، فَلْيَحْذَرْ فَإنَّما هو مُسْتَدْرَجٌ، ويُمَيِّزْ بِذَلِكَ أيْضًا بَيْنَ المِنَّةِ والحُجَّةِ، فَكَمْ تَلْتَبِسُ إحْداهُما عَلَيْهِ بِالأُخْرى!. فَإنَّ العَبْدَ بَيْنَ مِنَّةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وحُجَّةٍ مِنهُ عَلَيْهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُما، فالحُكْمُ الدِّينِيُّ مُتَضَمِّنٌ لِمِنَّتِهِ وحُجَّتِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقالَ ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وقالَ ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. والحُكْمُ الكَوْنِيُّ أيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِمِنَّتِهِ وحُجَّتِهِ، فَإذا حَكَمَ لَهُ كَوْنًا حُكْمًا مَصْحُوبًا بِاتِّصالِ الحُكْمِ الدِّينِيِّ بِهِ فَهو مِنَّةٌ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَصْحَبْهُ الدِّينِيُّ فَهو حُجَّةٌ مِنهُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ الدِّينِيُّ إذا اتَّصَلَ بِهِ حُكْمُهُ الكَوْنِيُّ، فَتَوْفِيقُهُ لِلْقِيامِ بِهِ مِنَّةٌ مِنهُ عَلَيْهِ، وإنْ تَجَرَّدَ عَنْ حُكْمِهِ الكَوْنِيِّ صارَ حُجَّةً مِنهُ عَلَيْهِ، فالمِنَّةُ بِاقْتِرانِ أحَدِ الحُكْمَيْنِ بِصاحِبِهِ، والحُجَّةُ في تَجَرُّدِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، فَكُلُّ عِلْمٍ صَحِبَهُ عَمَلٌ يُرْضِي اللَّهَ سُبْحانَهُ فَهو مِنَّةٌ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ قُوَّةٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ صَحِبَها تَنْفِيذٌ لِمَرْضاتِهِ وأوامِرِهِ فَهي مِنَّةٌ، وإلّا فَهي حُجَّةٌ. وَكُلُّ حالٍ صَحِبَهُ تَأْثِيرٌ في نُصْرَةِ دِينِهِ، والدَّعْوَةِ إلَيْهِ فَهو مِنَّةٌ مِنهُ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ مالٍ اقْتَرَنَ بِهِ إنْفاقٌ في سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، لا لِطَلَبِ الجَزاءِ ولا الشَّكُورِ، فَهو مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ فَراغٍ اقْتَرَنَ بِهِ اشْتِغالٌ بِما يُرِيدُ الرَّبُّ مِن عَبْدِهِ فَهو مِنَّةٌ عَلَيْهِ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ قَبُولٍ في النّاسِ، وتَعْظِيمٍ ومَحَبَّةٍ لَهُ، اتَّصَلَ بِهِ خُضُوعٌ لِلرَّبِّ، وذُلٌّ وانْكِسارٌ، ومَعْرِفَةٌ بِعَيْبِ النَّفْسِ والعَمَلِ، وبَذْلِ النَّصِيحَةِ لِلْخَلْقِ فَهو مِنَّةٌ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٍ، وتَذْكِيرٍ وتَعْرِيفٍ مِن تَعْرِيفاتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ إلى العَبْدِ، اتَّصَلَ بِهِ عِبْرَةٌ ومَزِيدٌ في العَقْلِ، ومَعْرِفَةٌ في الإيمانِ فَهي مِنَّةٌ، وإلّا فَهي حُجَّةٌ. وَكُلُّ حالٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مَقامٍ اتَّصَلَ بِهِ السَّيْرُ إلى اللَّهِ، وإيثارُ مُرادِهِ عَلى مُرادِ العَبْدِ، فَهو مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وإنْ صَحِبَهُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ والرِّضى بِهِ، وإيثارُ مُقْتَضاهُ، مِن لَذَّةِ النَّفْسِ بِهِ وطُمَأْنِينَتِها إلَيْها، ورُكُونِها إلَيْهِ، فَهو حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَلْيَتَأمَّلِ العَبْدُ هَذا المَوْضِعَ العَظِيمَ الخَطَرِ، ويُمَيِّزْ بَيْنَ مَواقِعِ المِنَنِ والمِحَنِ، والحُجَجِ والنِّعَمِ، فَما أكْثَرَ ما يَلْتَبِسُ ذَلِكَ عَلى خَواصِّ النّاسِ وأرْبابِ السُّلُوكِ، واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. [فَصْلٌ الرُّكْنُ الثّانِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ ما لِلْعَبْدِ وما عَلَيْهِ] فَصْلٌ الرُّكْنُ الثّانِي مِن أرْكانِ المُحاسَبَةِ: وَهِيَ أنْ تُمَيِّزَ ما لِلْحَقِّ عَلَيْكَ وبَيْنَ ما لَكَ وما عَلَيْكَ مِن وُجُوبِ العُبُودِيَّةِ، والتِزامِ الطّاعَةِ، واجْتِنابِ المَعْصِيَةِ، وبَيْنَ ما لَكَ وما عَلَيْكَ، فالَّذِي لَكَ: هو المُباحُ الشَّرْعِيُّ، فَعَلَيْكَ حَقٌّ، ولَكَ حَقٌّ، فَأدِّ ما عَلَيْكَ يُؤْتِكَ ما لَكَ. وَلابُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ ما لَكَ وما عَلَيْكَ، وإعْطاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَجْعَلُ كَثِيرًا مِمّا عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ مِن قَسْمِ ما لَهُ، فَيَتَحَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وتَرْكِهِ، وإنْ فَعَلَهُ رَأى أنَّهُ فَضْلٌ قامَ بِهِ لا حَقٌّ أدّاهُ. وَبِإزاءِ هَؤُلاءِ مَن يَرى كَثِيرًا مِمّا لَهُ فِعْلُهُ وتَرْكُهُ مِن قَسْمِ ما عَلَيْهِ فِعْلُهُ أوْ تَرْكُهُ، فَيَتَعَبَّدُ بِتَرْكِ ما لَهُ فِعْلُهُ، كَتَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ المُباحاتِ، ويَظُنُّ ذَلِكَ حَقًّا عَلَيْهِ، أوْ يَتَعَبَّدُ بِفِعْلِ ما لَهُ تَرْكُهُ ويَظُنُّ ذَلِكَ حَقًّا عَلَيْهِ. مِثالُ الأوَّلِ: مَن يَتَعَبَّدُ بِتَرْكِ النِّكاحِ، أوْ تَرْكِ أكْلِ اللَّحْمِ، أوِ الفاكِهَةِ مَثَلًا، أوِ الطَّيِّباتِ مِنَ المَطاعِمِ والمَلابِسِ، ويَرى - لِجَهْلِهِ - أنَّ ذَلِكَ مِمّا عَلَيْهِ، فَيُوجِبُ عَلى نَفْسِهِ تَرْكَهُ، أوْ يَرى تَرْكَهُ مِن أفْضَلِ القُرَبِ، وأجَلِّ الطّاعاتِ، وقَدْ أنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى مَن زَعَمَ ذَلِكَ، فَفي الصَّحِيحِ «أنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ سَألُوا عَنْ عِبادَتِهِ في السِّرِّ فَكَأنَّهم تَقالُّوها، فَقالَ أحَدُهُمْ: أمّا أنا فَلا آكُلُ اللَّحْمَ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا أنامُ عَلى فِراشٍ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ مَقالَتُهُمْ، فَخَطَبَ، وقالَ: ما بالُ أقْوامٍ يَقُولُ أحَدُهُمْ: أمّا أنا فَلا آكُلُ اللَّحْمَ، ويَقُولُ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا أتَزَوَّجُ، ويَقُولُ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا أنامُ عَلى فِراشٍ؟ لَكِنِّي أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وآكُلُ اللَّحْمَ، وأنامُ وأقُومُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» فَتَبَرَّأ مِمَّنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ، وتَعَبَّدَ لِلَّهِ بِتَرْكِ ما أباحَهُ لِعِبادِهِ مِنَ الطَّيِّباتِ، رَغْبَةً عَنْهُ، واعْتِقادًا أنَّ الرَّغْبَةَ عَنْهُ وهَجْرَهُ عِبادَةٌ، فَهَذا لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ ما عَلَيْهِ وما لَهُ. وَمِثالُ الثّانِي: مَن يَتَعَبَّدُ بِالعِباداتِ البِدْعِيَّةِ الَّتِي يَظُنُّها جالِبَةً لِلْحالِ، والكَشْفِ والتَّصَرُّفِ، ولِهَذِهِ الأُمُورِ لَوازِمُ لا تَحْصُلُ بِدُونِها ألْبَتَّةَ، فَيَتَعَبَّدُ بِالتِزامِ تِلْكَ اللَّوازِمِ فِعْلًا وتَرْكًا، ويَراها حَقًّا عَلَيْهِ، وهي حَقٌّ لَهُ، ولَهُ تَرْكُها، كَفِعْلِ الرِّياضاتِ، والأوْضاعِ الَّتِي رَسَمَها كَثِيرٌ مِنَ السّالِكِينَ بِأذْواقِهِمْ ومَواجِيدِهِمْ واصْطِلاحاتِهِمْ، مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ ما فِيها مِن حَظِّ العَبْدِ والحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، فَهَذا لَوْنٌ وهَذا لَوْنٌ. [فَصْلٌ الرُّكْنُ الثّالِثُ الرِّضا بِالطّاعَةِ والتَّعْيِيرُ بِالمَعْصِيَةِ] وَمِن أرْكانِ المُحاسَبَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المَنازِلِ، فَقالَ: الثّالِثُ: أنْ تَعْرِفَ أنَّ كُلَّ طاعَةٍ رَضِيتَها مِنكَ فَهي عَلَيْكَ، وكُلَّ مَعْصِيَةٍ عَيَّرْتَ بِها أخاكَ فَهي إلَيْكَ. رِضاءُ العَبْدِ بِطاعَتِهِ دَلِيلٌ عَلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، وجَهْلِهِ بِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ، وعَدَمِ عَمَلِهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ جَلَّ جَلالُهُ ويَلِيقُ أنْ يُعامَلَ بِهِ. وَحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ جَهْلَهُ بِنَفْسِهِ وصِفاتِها وآفاتِها وعُيُوبِ عَمَلِهِ، وجَهْلَهُ بِرَبِّهِ وحُقُوقِهِ وما يَنْبَغِي أنْ يُعامَلَ بِهِ، يَتَوَلَّدُ مِنهُما رِضاهُ بِطاعَتِهِ، وإحْسانُ ظَنِّهِ بِها، ويَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ مِنَ العَجَبِ والكِبْرِ والآفاتِ ما هو أكْبَرُ مِنَ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ مِنَ الزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ، والفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ ونَحْوِها. فالرِّضا بِالطّاعَةِ مِن رَعُوناتِ النَّفْسِ وحَماقَتِها. وَأرْبابُ العَزائِمِ والبَصائِرِ أشَدُّ ما يَكُونُونَ اسْتِغْفارًا عُقَيْبَ الطّاعاتِ، لِشُهُودِهِمْ تَقْصِيرَهم فِيها، وتَرْكَ القِيامِ لِلَّهِ بِها كَما يَلِيقُ بِجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، وأنَّهُ لَوْلا الأمْرُ لَما أقْدَمَ أحَدُهم عَلى مَثَلِ هَذِهِ العُبُودِيَّةِ، ولا رَضِيَها لِسَيِّدِهِ. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى وفْدَهُ وحُجّاجَ بَيْتِهِ بِأنْ يَسْتَغْفِرُوهُ عُقَيْبَ إفاضَتِهِمْ مِن عَرَفاتٍ، وهو أجَلُّ المَواقِفِ وأفْضَلُها، فَقالَ ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ - ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨-١٩٩] وَقالَ تَعالى ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] قالَ الحَسَنُ: مَدُّوا الصَّلاةَ إلى السَّحَرِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وفي الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ إذا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ اسْتَغَفْرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ، تَبارَكْتَ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ» وأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ بَعْدَ أداءِ الرِّسالَةِ، والقِيامِ بِما عَلَيْهِ مِن أعْبائِها، وقَضاءِ فَرْضِ الحَجِّ، واقْتِرابِ أجَلِهِ، فَقالَ في آخِرِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١-٣]. وَمِن هاهُنا فَهِمَ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أنَّ هَذا أجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْلَمَهُ بِهِ، فَأمَرَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ عُقَيْبَ أداءِ ما كانَ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ إعْلامٌ بِأنَّكَ قَدْ أدَّيْتَ ما عَلَيْكَ، ولَمْ يَبْقَ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فاجْعَلْ خاتِمَتَهُ الِاسْتِغْفارَ، كَما كانَ خاتِمَةَ الصَّلاةِ والحَجِّ وقِيامِ اللَّيْلِ، وخاتِمَةُ الوُضُوءِ أيْضًا أنْ يَقُولَ بَعْدَ فَراغِهِ " «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ، واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» ". فَهَذا شَأْنُ مَن عَرَفَ ما يَنْبَغِي لِلَّهِ، ويَلِيقُ بِجَلالِهِ مِن حُقُوقِ العُبُودِيَّةِ وشَرائِطِها، لا جَهْلَ أصْحابِ الدَّعاوِي وشَطَحاتِهِمْ. وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مَتى رَضِيتَ نَفْسَكَ وعَمَلَكَ لِلَّهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ غَيْرُ راضٍ بِهِ، ومَن عَرَفَ أنَّ نَفْسَهُ مَأْوى كُلِّ عَيْبٍ وشَرٍّ، وعَمَلَهُ عُرْضَةٌ لِكُلِّ آفَةٍ ونَقْصٍ، كَيْفَ يَرْضى لِلَّهِ نَفْسَهُ وعَمَلَهُ؟ وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّيْخِ أبِي مَدْيَنَ حَيْثُ يَقُولُ: مَن تَحَقَّقَ بِالعُبُودِيَّةِ نَظَرَ أفْعالَهُ بِعَيْنِ الرِّياءِ، وأحْوالَهُ بِعَيْنِ الدَّعْوى، وأقْوالَهُ بِعَيْنِ الِافْتِراءِ، وكُلَّما عَظُمَ المَطْلُوبُ في قَلْبِكَ، صَغُرَتْ نَفْسُكَ عِنْدَكَ، وتَضاءَلَتِ القِيمَةُ الَّتِي تَبْذُلُها في تَحْصِيلِهِ، وكُلَّما شَهِدْتَ حَقِيقَةَ الرُّبُوبِيَّةِ وحَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، وعَرَفْتَ اللَّهَ، وعَرَفْتَ النَّفْسَ، وتَبَيَّنَ لَكَ أنَّ ما مَعَكَ مِنَ البِضاعَةِ لا يَصْلُحُ لِلْمَلِكِ الحَقِّ، ولَوْ جِئْتَ بِعَمَلِ الثَّقَلَيْنِ خَشِيتَ عاقِبَتَهُ وإنَّما يَقْبَلُهُ بِكَرَمِهِ وجُودِهِ وتَفَضُّلِهِ، ويُثِيبُكَ عَلَيْهِ أيْضًا بِكَرَمِهِ وجُودِهِ وتَفَضُّلِهِ. وَقَوْلُهُ: وكُلُّ مَعْصِيَةٍ عَيَّرْتَ بِها أخاكَ فَهي إلَيْكَ. يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: أنَّها صائِرَةٌ إلَيْكَ ولا بُدَّ أنْ تَعْمَلَها، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن عَيَّرَ أخاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتّى يَعْمَلَهُ» قالَ الإمامُ أحْمَدُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَدِيثِ: مِن ذَنْبٍ قَدْ تابَ مِنهُ. وَأيْضًا فَفي التَّعْيِيرِ ضَرْبٌ خَفِيٌّ مِنَ الشَّماتَةِ بِالمُعَيَّرِ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ أيْضًا مَرْفُوعًا «لا تُظْهِرِ الشَّماتَةَ لِأخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ ويَبْتَلِيَكَ». وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: أنَّ تَعْيِيرَكَ لِأخِيكَ بِذَنْبِهِ أعْظَمُ إثْمًا مِن ذَنْبِهِ وأشَدُّ مِن مَعْصِيَتِهِ، لِما فِيهِ مِن صَوْلَةِ الطّاعَةِ، وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وشُكْرِها، والمُناداةِ عَلَيْها بِالبَراءَةِ مِنَ الذَّنْبِ، وأنَّ أخاكَ باءَ بِهِ، ولَعَلَّ كَسْرَتَهُ بِذَنْبِهِ، وما أحْدَثَ لَهُ مِنَ الذِّلَّةِ والخُضُوعِ، والإزْراءِ عَلى نَفْسِهِ، والتَّخَلُّصِ مِن مَرَضِ الدَّعْوى، والكِبْرِ والعُجْبِ، ووُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ناكِسَ الرَّأْسِ، خاشِعَ الطَّرْفِ، مُنْكَسِرَ القَلْبِ أنْفَعُ لَهُ، وخَيْرٌ مِن صَوْلَةِ طاعَتِكَ، وتَكَثُّرِكَ بِها والِاعْتِدادِ بِها، والمِنَّةِ عَلى اللَّهِ وخَلْقِهِ بِها، فَما أقْرَبَ هَذا العاصِيَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ! وما أقْرَبَ هَذا المُدِلَّ مِن مَقْتِ اللَّهِ، فَذَنْبٌ تَذِلُّ بِهِ لَدَيْهِ، أحَبُّ إلَيْهِ مِن طاعَةٍ تُدِلُّ بِها عَلَيْهِ، وإنَّكَ أنْ تَبِيتَ نائِمًا وتُصْبِحَ نادِمًا، خَيْرٌ مِن أنْ تَبِيتَ قائِمًا وتُصْبِحَ مُعْجَبًا، فَإنَّ المُعْجَبَ لا يَصْعَدُ لَهُ عَمَلٌ، وإنَّكَ إنْ تَضْحَكْ وأنْتَ مُعْتَرِفٌ، خَيْرٌ مِن أنْ تَبْكِيَ وأنْتَ مُدِلٌّ، وأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ المُدِلِّينَ، ولَعَلَّ اللَّهَ أسْقاهُ بِهَذا الذَّنْبِ دَواءً اسْتَخْرَجَ بِهِ داءً قاتِلًا هو فِيكَ ولا تَشْعُرُ. فَلِلَّهِ في أهْلِ طاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ أسْرارٌ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ، ولا يُطالِعُها إلّا أهْلُ البَصائِرِ، فَيَعْرِفُونَ مِنها بِقَدْرِ ما تَنالُهُ مَعارِفُ البَشَرِ، ووَراءَ ذَلِكَ ما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الكِرامُ الكاتِبُونَ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكُمْ، فَلْيُقِمْ عَلَيْها الحَدَّ ولا يُثَرِّبْ» أيْ لا يُعَيِّرْ، مِن قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإخْوَتِهِ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] فَإنَّ المِيزانَ بِيَدِ اللَّهِ، والحُكْمَ لِلَّهِ، فالسَّوْطُ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ هَذا العاصِي بِيَدِ مُقَلِّبِ القُلُوبِ، والقَصْدُ إقامَةُ الحَدِّ لا التَّعْيِيرُ والتَّثْرِيبُ، ولا يَأْمَنُ كَرّاتِ القَدَرِ وسَطْوَتَهُ إلّا أهْلُ الجَهْلِ بِاللَّهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِأعْلَمِ الخَلْقِ بِهِ، وأقْرَبِهِمْ إلَيْهِ وسِيلَةً ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ﴿وَإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] وَكانْتَ عامَّةُ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لا، ومُقَلِّبِ القُلُوبِ» وَقالَ: «ما مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ، وإنْ شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ» ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ، اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنا عَلى طاعَتِكَ».

الحشر 59:21

ذكر الحافظ أبو موسى عن الحسن بن علي قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين الآية أن يعصمه الله تعالى من كل شيطان ظالم، ومن كل شيطان مريد، ومن كل سبع ضار، ومن كل لص عاد: آية الكرسي وثلاث آيات من الأعراف ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض﴾ وعشرًا من الصافات وثلاث آيات من الرحمن ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ وخاتمة سورة الحشر ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وقال محمد بن أبان: بينما رجل يصلي في المسجد إذا هو بشيء إلى جنبه فجفل منه فقال: ليس عليك مني بأس إنما جئتك في الله تعالى، ائت عروة فسله: ما الذي يتعوذه؟ يعني من إبليس الأباليس. قال: قل آمنت بالله العظيم وحده، وكفرت بالجبت والطاغوت، واعتصمت بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم. حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى. وقال بشر بن منصور عن وهيب ابن الورد قال: خرج رجل إلى الجبانة بعد ساعة من الليل، قال: فسمعت حسًا - أو صوتًا - شديدًا، وجيء بسرير حتى وضع، وجاء شيء حتى جلس عليه. قال: واجتمعت إليه جنوده، ثم صرخ فقال: من لي بعروة بن الزبير؟ فلم يجبه أحد حتى تتابع ما شاء الله من الأصوات، فقال واحد: انا أكفيكه، قال: فتوجه نحو المدينة وأنا ناظر، ثم أوشك الرجعة فقال: لا سبيل إلى عروة، وقال: ويلكم وجدته يقول كلمات إذا أصبح وإذا أمسى فلا نخلص إليه معهن. قال الرجل: فلما أصبحت قلت لأهلي جهزوني، فأتيت المدينة فسألت عنه حتى دللت عليه، فإذا بشيخ كبير، فقلت: شيئًا تقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت؟ فأبى أن يخبرني، فأخبرته بما رأيت وما سمعت، فقال: ما أدري، غير أني أقول إذا أصبحت: آمنت بالله العظيم وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم. وإذا أصبحت قلت ثلاث مرات، وإذا أمسيت قلت ثلاث مرات. وذكر أبو موسى عن مسلم البطين قال: قال جبريل للنبي ﷺ: إن عفريتًا من الجن يكيدك، فإذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ من الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن. وقد ثبت في الصحيح أن الشيطان يهرب من الأذان، قال سهل بن أبي صالح: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام - أو صاحب - لنا فنادى مناد من حائط باسمه، فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئًا، فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتًا فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص» وفي رواية «إذا سمع النداء ولى وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين» الحديث. وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ «استكثروا من لا إله إلا الله والاستغفار، فإن الشيطان قال: قد أهلكتهم بالذنوب وأهلكوني بقول لا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك منهم أهلكتهم بالأهواء حتى يحسبون مهتدون فلا يستغفرون» وذكر أيضًا عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: بينا رجل مسافر إذ مر برجل نائم ورأى عنده شياطين، فسمع المسافر أحد الشياطين يقول لصاحبه: اذهب فأفسد على هذا النائم قلبه، فلما دنا منه رجع إلى صاحبه فقال: لقد نام على آية ما لنا إليه سبيل، فذهب إلى النائم فلما دنا منه رجع قال: صدقت. فذهب. ثم إن المسافر أيقظه وأخبره بما رأى من الشياطين فقال: أخبرني على أي آية نمت، قال: على هذه الآية ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ (٥٤)﴾. وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: كنت أرى في داري ... فقيل: يا أبا النضر تحول عن جوارنا. قال: فاشتد ذلك علي، فكتبت إلى الكوفة إلى ابن إدريس والمحاربي وأبي أسامة، فكتب إلي المحاربي: إن بئرًا بالمدينة كان يقطع رشاؤها، فنزل بهم ركب، فشكوا ذلك إليهم، فدعوا بدلو من ماء ثم تكلموا بهذا الكلام فصبوه في البئر فخرجت نار من البئر فطفئت على رأس البئر. قال أبو النضر: فأخذت تورًا من ماء، ثم تكلمت فيه بهذا الكلام، ثم تتبعت به زوايا الدار فرششته، فصاحوا بي: أحرقتنا، نحن نتحول عنك وهو: بسم الله، أمسينا بالله الذي ليس منه شيء ممتنع، وبعزة الله التي لا ترام ولا تضام، وبسلطان الله المنيع نحتجب، وبأسمائه الحسنى كلها عائذ من الأبالسة، ومن شر شياطين الإنس والجن، ومن شر معلن أو مسر، ومن شر ما يخرج بالليل ويكمن بالنهار، ويكمن بالليل ويخرج بالنهار، ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر إبليس وجنوده، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. أعوذ بالله بما استعاذ به موسى وعيسى وإبراهيم الذي وفي، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر إبليس وجنوده، ومن شر ما يبغي. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿والصّافّاتِ صَفًّا (١) فالزّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فالتّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ (٥) إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ (٦) وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ (٩) إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)﴾ فهذا بعض ما يتعلق بقوله ﷺ لذلك العبد «يحرز نفسه من الشيطان بذكر الله تعالى».

الحشر 59:23

(فصل) من أسمائه (الملك) ومعنى الملك الحقيقي ثابت له سبحانه بكل وجه وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا فعل اختياري يقوم به وكيف يوصف بالملك من لا يأمر ولا ينهى ولا يثيب ولا يعاقب ولا يعطي ولا يمنع ولا يعز ويذل ويهين ويكرم وينعم وينتقم ويخفض ويرفع ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته ويتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك وهذا يبين أن المعطلين لأسمائه وصفاته جعلوا مماليكه أكمل منه ويأنف أحدهم أن يقال في أمره وملكه ما يقوله هو في ربه فصفة ملكية الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم التصرف إلا به والكل منه سبحانه فلم يتوقف كمال ملكه على غيره فإن كل ما سواه مسند إليه متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه. (فصل) قال ابن القيم - بعد كلام -: وإذا عرفت هذان فإطلاق السلام على الله تعالى اسما من أسمائه هو أولى من هذا كله وأحق بهذا الاسم من كل مسمى به لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار والمخلوق سلام بالإضافة فهو سبحانه سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله، وهو سلام في صفاته من كل عيب ونقص وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه ونزهه به رسوله فهو السلام من الصاحبة والولد والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل، والسلام من الشريك، ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلاما مما يضاد كمالها فحياته سلام من الموت، ومن السنة والنوم، وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة وكلماته سلام من الكذب والظلم بل تمت كلماته صدقا وعدلا وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما بل كل ما سواه محتاج إليه وهو غني عن كل ما سواه وملكه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاون مظاهر أو شافع عنده بدون إذنه وإلهيته سلام من مشارك له فيها بل هو الله الذي لا إله إلا هو وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذلك أو مصانعة كما يكون من غيره بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلما أو تشفيا أو غلظة أو قسوة بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء مواضعها وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه علي إحسانه وثوابه ونعمه بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضا لحكمته ولعزته، فوضعه العقوبة موضعها هو من عدله وحكمته وعزته. فهو سلام مما يتوهم أعداؤه والجاهلون به من خلاف حكمته وقضاؤه وقدره. سلام من العبث والجور والظلم ومن توهم وقوعه على خلاف الحكمة البالغة وشرعه ودينه. سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته، بل شرعه كله حكمة ورحمة ومصلحة وعدل، وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطي، ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز. واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجا إلى ما يحمله أو يستوي عليه بل العرش محتاج إليه وحملته محتاجون إليه فهو الغني عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به سبحانه وتعالى، بل كان سبحانه ولا عرش ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرض ولا غيره بوجه ما، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يضاد علوه، وسلام مما يضاد غناه، وكماله سلام من كل ما يتوهم معطل أو مشبه، وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصورا في شيء. تعالى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله وغناه وسمعه وبصره، سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل وموالاته لأوليائه. سلام من أن تكون عن ذلك كما يوالي المخلوق المخلوق بل هي موالاة رحمة وخير وإحسان وبر كما قال: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ فلم ينف أن يكون له ولي مطلقا بل نفي أن يكون له ولي من الذل، وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تملق له أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوله المعطلون فيها وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه، فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل. فتأمل كيف تضمن اسمه السلام كل ما نزه عنه تبارك وتعالى، وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني والله المستعان المسئول أن يوفق للتعليق على الأسماء الحسنى على هذا النمط إنه قريب مجيب. (فصل) وَمِن أسْمائِهِ تَعالى (المُؤْمِنُ) وهو - في أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ - المُصَدِّقُ الَّذِي يُصَدِّقُ الصّادِقِينَ بِما يُقِيمُ لَهم مِن شَواهِدِ صِدْقِهِمْ، فَهو الَّذِي صَدَّقَ رُسُلَهُ وأنْبِياءَهُ فِيما بَلَّغُوا عَنْهُ، وشَهِدَ لَهم بِأنَّهم صادِقُونَ بِالدَّلائِلِ الَّتِي دَلَّ بِها عَلى صِدْقِهِمْ قَضاءً وخَلْقًا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ - وخَبَرُهُ الصِّدْقُ، وقَوْلُهُ الحَقُّ - أنَّهُ لابُدَّ أنْ يَرى العِبادُ مِنَ الآياتِ الأُفُقِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ ما يُبَيِّنُ لَهم أنَّ الوَحْيَ الَّذِي بَلَّغَتْهُ رُسُلُهُ حَقٌّ، فَقالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أيِ القُرْآنُ، فَإنَّهُ هو المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢] ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] فَشَهِدَ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِ: أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ، ووَعَدَهُ أنْ يُرِيَ العِبادَ مِن آياتِهِ الفِعْلِيَّةِ الخَلْقَيَّةِ ما يَشْهَدُ بِذَلِكَ أيْضًا، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وأجَلُّ، وهو شَهادَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَإنَّ مِن أسْمائِهِ الشَّهِيدَ الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، بَلْ هو مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُشاهِدٌ لَهُ، عَلِيمٌ بِتَفاصِيلِهِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، والأوَّلُ اسْتِدْلالٌ بِقَوْلِهِ وكَلِماتِهِ، والِاسْتِدْلالُ بِالآياتِ الأُفُقِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ اسْتِدْلالٌ بِأفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ. فَإنْ قُلْتَ: قَدْ فَهِمْتُ الِاسْتِدْلالَ بِكَلِماتِهِ والِاسْتِدْلالَ بِمَخْلُوقاتِهِ، فَبَيِّنْ لِي كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا عَهْدَ لَنا بِهِ في تَخاطُبِنا وكُتُبِنا. قُلْتُ: أجَلْ! هو لَعَمْرُ اللَّهِ كَما ذَكَرْتَ، وشَأْنُهُ أجَلُّ وأعْلى، فَإنَّ الرَّبَّ تَعالى هو المَدْلُولُ عَلَيْهِ، وآياتُهُ هي الدَّلِيلُ والبُرْهانُ. فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في الحَقِيقَةِ هو الدّالُّ عَلى نَفْسِهِ بِآياتِهِ، فَهو الدَّلِيلُ لِعِبادِهِ في الحَقِيقَةِ بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الدَّلالاتِ والآياتِ، وقَدْ أوْدَعَ في الفِطَرِ الَّتِي لَمْ تَتَنَجَّسْ بِالتَّعْطِيلِ والجُحُودِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ الكامِلُ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وأنَّهُ المَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمالٍ، المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ ونَقْصٍ، فالكَمالُ كُلُّهُ، والجَمالُ والجَلالُ والبَهاءُ، والعِزَّةُ والعَظَمَةُ والكِبْرِياءُ: كُلُّهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالحَياةُ كُلُّها لَهُ، والعِلْمُ كُلُّهُ لَهُ، والقُدْرَةُ كُلُّها لَهُ، والسَّمْعُ والبَصَرُ والإرادَةُ، والمَشِيئَةُ والرَّحْمَةُ والغِنى، والجُودُ والإحْسانُ والبِرُّ، كُلُّهُ خاصُّ لَهُ قائِمٌ بِهِ، وما خَفِيَ عَلى الخَلْقِ مِن كَمالِهِ أعْظَمُ وأعْظَمُ مِمّا عَرَفُوهُ مِنهُ، بَلْ لا نِسْبَةَ لِما عَرَفُوهُ مِن ذَلِكَ إلى ما لَمْ يَعْرِفُوهُ. وَمِن كَمالِهِ المُقَدَّسِ: اطِّلاعُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وشَهادَتُهُ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لا يَغِيبُ عَنْهُ وجْهٌ مِن وُجُوهِ تَفاصِيلِهِ، ولا ذَرَّةٌ مِن ذَرّاتِهِ، باطِنًا وظاهِرًا، ومَن هَذا شَأْنُهُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِالعِبادِ أنْ يُشْرِكُوا بِهِ، وأنْ يَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ؟ وأنْ يَجْعَلُوا مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؟ وكَيْفَ يَلِيقُ بِكَمالِهِ أنْ يُقِرَّ مَن يَكْذِبُ عَلَيْهِ أعْظَمَ الكَذِبِ، ويُخْبِرُ عَنْهُ بِخِلافِ ما الأمْرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصُرُهُ عَلى ذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ، ويُعْلِي كَلِمَتَهُ، ويَرْفَعُ شَأْنَهُ، ويُجِيبُ دَعْوَتَهُ، ويُهْلِكُ عَدُوَّهُ، ويُظْهِرُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الآياتِ والبَراهِينِ والأدِلَّةِ ما تَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهِ قُوى البَشَرِ، وهو - مَعَ ذَلِكَ - كاذِبٌ عَلَيْهِ مُفْتَرٍ، ساعٍ في الأرْضِ بِالفَسادِ؟ وَمَعْلُومٌ أنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وحِكْمَتُهُ وعِزَّتُهُ وكَمالُهُ المُقَدَّسُ يَأْبى ذَلِكَ كُلَّ الإباءِ، ومَن ظَنَّ ذَلِكَ بِهِ، وجَوَّزَهُ عَلَيْهِ؛ فَهو مِن أبْعَدِ الخَلْقِ مِن مَعْرِفَتِهِ، وإنْ عُرِفَ مِنهُ بَعْضُ صِفاتِهِ، كَصِفَةِ القُدْرَةِ وصِفَةِ المَشِيئَةِ. والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ، وهي طَرِيقُ الخاصَّةِ، بَلْ خاصَّةُ الخاصَّةِ هم الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِاللَّهِ عَلى أفْعالِهِ، وما يَلِيقُ بِهِ أنْ يَفْعَلَهُ وما لا يَفْعَلُهُ. وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤] أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] هاهُنا انْتَهى جَوابُ الشَّرْطِ، ثُمَّ أخْبَرَ خَبَرًا جازِمًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ: أنَّهُ ﴿يَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] وَقالَ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فَأخْبَرَ أنَّ مَن نَفى عَنْهُ الإرْسالَ والكَلامَ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، ولا عَرَفَهُ كَما يَنْبَغِي، ولا عَظَّمَهُ كَما يَسْتَحِقُّ، فَكَيْفَ مَن ظَنَّ أنَّهُ يَنْصُرُ الكاذِبَ المُفْتَرِيَ عَلَيْهِ ويُؤَيِّدُهُ؟ ويُظْهِرُ عَلى يَدَيْهِ الآياتِ والأدِلَّةَ؟ وهَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ جِدًّا، يُسْتَدَلُّ بِكَمالِهِ المُقَدَّسِ، وأوْصافِهِ وجَلالِهِ عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ، وعَلى وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، ويَدْعُو عِبادَهُ إلى ذَلِكَ، كَما يُسْتَدَلُّ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وعَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وَأضْعافُ أضْعافِ ذَلِكَ في القُرْآنِ. (فصل) وأما الجبار من أسماء الرب تعالى فقد فسره بأنه الذي يجبر الكسير ويغني الفقير والرب سبحانه كذلك ولكن ليس هذا معنى اسمه الجبار ولهذا قرنه باسمه المتكبر وإنما هو الجبروت وكان النبي ﷺ يقول: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" فالجبار اسم من أسماء التعظيم كالمتكبر والملك والعظيم والقهار قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ هو العظيم وجبروت الله عظمته والجبار من أسماء الملوك والجبر الملك والجبابرة الملوك قال الشاعر: وأنعم صباحا أيها الجبر أي أيها الملك. وقال السدي: "هو الذي يجبر الناس ويقهرهم على ما يريد" وعلى هذا فالجبار معناه القهار. وقال محمد بن كعب: "إنما سمي الجبار لأنه جبر الخلق على ما أراد، والخلق أدق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بمشيئته" قال الزجاج: "الجبار الذي جبر الخلق على ما أراد" وقال ابن الأنباري: "الجبار في صفة الرب سبحانه الذي لا ينال" ومنه قولهم نخلة جبارة إذا فاتت يد المتناول فالجبار في صفة الرب سبحانه ترجع إلى ثلاثة معان: (الملك والقهر والعلو) فإن النخلة إذا طالت وارتفعت وفاتت الأيدي سميت جبارة ولهذا جعل سبحانه اسمه الجبار مقرونا بالعزيز والمتكبر وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين. وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة وهي (الخالق البارئ المصور) فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق فالجبار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك ولهذا كان من أسمائه الحسنى. وأما المخلوق فاتصافه بالجبار ذم له ونقص كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ وقال تعالى لرسوله ﷺ: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّار﴾ أي مسلط تقهرهم وتكرههم على الإيمان وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ: "يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطأهم الناس". وأما (الخالق والمصور) فإن استعملا مطلقين غير مقيدين لم يطلقا إلا على الرب كقوله ﴿الخالق البارئ المصور﴾ وإن استعملا مقيدين أطلقا على العبد كما يقال لمن قدر شيئا في نفيه أنه خلقه قال: ؎ولأنت تفري ما خلقت ∗∗∗ وبعض القوم يخلق ثم لا يفر أي لك قدرة تمضي وتنفذ بها ما قدرته في نفسك وغيرك يقدر أشياء وهو عاجز عن إنفاذها وإمضائها وبهذا الاعتبار صح إطلاق خالق على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أي أحسن المصورين والمقدرين والعرب تقول قدرت الأديم وخلقته إذا قسته لتقطع منه مزادة أو قربة ونحوها قال مجاهد: "يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين" وقال الليث: "رجل خالق أي صانع وهن الخالقات للنساء" وقال مقاتل: "يقول تعالى هو أحسن خلقا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء وأما البارئ فلا يصح إطلاقه إلا عليه سبحانه فإنه الذي برأ الخليقة وأوجدها بعد عدمها والعبد لا تتعلق قدرته بذلك إذ غاية مقدوره التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب تعالى وبراه وتغييرها من حال إلى حال على وجه مخصوص لا تتعداه قدرته. ليس من هذا بريت القلم لأنه معتل لا مهموز ولا برأت من المرض لأنه فعل لازم غير متعد، وكذلك مبدع الشيء وبديعه لا يصح إطلاقه إلا على الرب كقوله: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والإبداع إيجاد المبدع على غير مثال سبق والعبد يسمى مبتدعا لكونه أحدث قولا لم تمض به سنة، ثم يقال لمن اتبعه عليه مبتدع أيضا. (فائدة) اعلمْ أنّهُ سُبْحانَهُ يسْتَدلّ بأسمائه على توحيده ونفي الشّرك عَنهُ ولَو كانَت أسماء لا معنى لَها لم تدل على ذَلِك كَقَوْل هارُون لعبدة العجل ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] وَقَوله سُبْحانَهُ في القِصَّة ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَه إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] وَقَوله تَعالى ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وَقَوله سُبْحانَهُ في آخر سُورَة الحَشْر ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَه إلّا هو عالم الغَيْب والشَّهادَة هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَه إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٢: ٢٣] فـ (سبح) نزه نَفسه عَن شرك المُشْركين بِهِ عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المُقْتَضِيَة لتوحيده واستحالة إثْبات شريك لَهُ. وَمن تدبر هَذا المَعْنى في القُرْآن هَبَط بِهِ على رياض من العلم حماها الله عَن كل أفاك معرض عَن كتاب الله واقتباس الهدى مِنهُ ولَو لم يكن في كتابنا هَذا إلّا هَذا الفَصْل وحده لكفى من لَهُ ذوق ومَعْرِفَة والله المُوفق للصَّواب. ((الجزء التاسع عشر))

الحشر 59:24

(فصل) من أسمائه (الملك) ومعنى الملك الحقيقي ثابت له سبحانه بكل وجه وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا فعل اختياري يقوم به وكيف يوصف بالملك من لا يأمر ولا ينهى ولا يثيب ولا يعاقب ولا يعطي ولا يمنع ولا يعز ويذل ويهين ويكرم وينعم وينتقم ويخفض ويرفع ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته ويتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك وهذا يبين أن المعطلين لأسمائه وصفاته جعلوا مماليكه أكمل منه ويأنف أحدهم أن يقال في أمره وملكه ما يقوله هو في ربه فصفة ملكية الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم التصرف إلا به والكل منه سبحانه فلم يتوقف كمال ملكه على غيره فإن كل ما سواه مسند إليه متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه. (فصل) قال ابن القيم - بعد كلام -: وإذا عرفت هذان فإطلاق السلام على الله تعالى اسما من أسمائه هو أولى من هذا كله وأحق بهذا الاسم من كل مسمى به لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار والمخلوق سلام بالإضافة فهو سبحانه سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله، وهو سلام في صفاته من كل عيب ونقص وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه ونزهه به رسوله فهو السلام من الصاحبة والولد والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل، والسلام من الشريك، ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلاما مما يضاد كمالها فحياته سلام من الموت، ومن السنة والنوم، وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة وكلماته سلام من الكذب والظلم بل تمت كلماته صدقا وعدلا وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما بل كل ما سواه محتاج إليه وهو غني عن كل ما سواه وملكه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاون مظاهر أو شافع عنده بدون إذنه وإلهيته سلام من مشارك له فيها بل هو الله الذي لا إله إلا هو وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذلك أو مصانعة كما يكون من غيره بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلما أو تشفيا أو غلظة أو قسوة بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء مواضعها وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه علي إحسانه وثوابه ونعمه بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضا لحكمته ولعزته، فوضعه العقوبة موضعها هو من عدله وحكمته وعزته. فهو سلام مما يتوهم أعداؤه والجاهلون به من خلاف حكمته وقضاؤه وقدره. سلام من العبث والجور والظلم ومن توهم وقوعه على خلاف الحكمة البالغة وشرعه ودينه. سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته، بل شرعه كله حكمة ورحمة ومصلحة وعدل، وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطي، ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز. واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجا إلى ما يحمله أو يستوي عليه بل العرش محتاج إليه وحملته محتاجون إليه فهو الغني عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به سبحانه وتعالى، بل كان سبحانه ولا عرش ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرض ولا غيره بوجه ما، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يضاد علوه، وسلام مما يضاد غناه، وكماله سلام من كل ما يتوهم معطل أو مشبه، وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصورا في شيء. تعالى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله وغناه وسمعه وبصره، سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل وموالاته لأوليائه. سلام من أن تكون عن ذلك كما يوالي المخلوق المخلوق بل هي موالاة رحمة وخير وإحسان وبر كما قال: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ فلم ينف أن يكون له ولي مطلقا بل نفي أن يكون له ولي من الذل، وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تملق له أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوله المعطلون فيها وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه، فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل. فتأمل كيف تضمن اسمه السلام كل ما نزه عنه تبارك وتعالى، وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني والله المستعان المسئول أن يوفق للتعليق على الأسماء الحسنى على هذا النمط إنه قريب مجيب. (فصل) وَمِن أسْمائِهِ تَعالى (المُؤْمِنُ) وهو - في أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ - المُصَدِّقُ الَّذِي يُصَدِّقُ الصّادِقِينَ بِما يُقِيمُ لَهم مِن شَواهِدِ صِدْقِهِمْ، فَهو الَّذِي صَدَّقَ رُسُلَهُ وأنْبِياءَهُ فِيما بَلَّغُوا عَنْهُ، وشَهِدَ لَهم بِأنَّهم صادِقُونَ بِالدَّلائِلِ الَّتِي دَلَّ بِها عَلى صِدْقِهِمْ قَضاءً وخَلْقًا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ - وخَبَرُهُ الصِّدْقُ، وقَوْلُهُ الحَقُّ - أنَّهُ لابُدَّ أنْ يَرى العِبادُ مِنَ الآياتِ الأُفُقِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ ما يُبَيِّنُ لَهم أنَّ الوَحْيَ الَّذِي بَلَّغَتْهُ رُسُلُهُ حَقٌّ، فَقالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أيِ القُرْآنُ، فَإنَّهُ هو المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢] ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] فَشَهِدَ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِ: أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ، ووَعَدَهُ أنْ يُرِيَ العِبادَ مِن آياتِهِ الفِعْلِيَّةِ الخَلْقَيَّةِ ما يَشْهَدُ بِذَلِكَ أيْضًا، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وأجَلُّ، وهو شَهادَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَإنَّ مِن أسْمائِهِ الشَّهِيدَ الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، بَلْ هو مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُشاهِدٌ لَهُ، عَلِيمٌ بِتَفاصِيلِهِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، والأوَّلُ اسْتِدْلالٌ بِقَوْلِهِ وكَلِماتِهِ، والِاسْتِدْلالُ بِالآياتِ الأُفُقِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ اسْتِدْلالٌ بِأفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ. فَإنْ قُلْتَ: قَدْ فَهِمْتُ الِاسْتِدْلالَ بِكَلِماتِهِ والِاسْتِدْلالَ بِمَخْلُوقاتِهِ، فَبَيِّنْ لِي كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا عَهْدَ لَنا بِهِ في تَخاطُبِنا وكُتُبِنا. قُلْتُ: أجَلْ! هو لَعَمْرُ اللَّهِ كَما ذَكَرْتَ، وشَأْنُهُ أجَلُّ وأعْلى، فَإنَّ الرَّبَّ تَعالى هو المَدْلُولُ عَلَيْهِ، وآياتُهُ هي الدَّلِيلُ والبُرْهانُ. فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في الحَقِيقَةِ هو الدّالُّ عَلى نَفْسِهِ بِآياتِهِ، فَهو الدَّلِيلُ لِعِبادِهِ في الحَقِيقَةِ بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الدَّلالاتِ والآياتِ، وقَدْ أوْدَعَ في الفِطَرِ الَّتِي لَمْ تَتَنَجَّسْ بِالتَّعْطِيلِ والجُحُودِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ الكامِلُ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وأنَّهُ المَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمالٍ، المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ ونَقْصٍ، فالكَمالُ كُلُّهُ، والجَمالُ والجَلالُ والبَهاءُ، والعِزَّةُ والعَظَمَةُ والكِبْرِياءُ: كُلُّهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالحَياةُ كُلُّها لَهُ، والعِلْمُ كُلُّهُ لَهُ، والقُدْرَةُ كُلُّها لَهُ، والسَّمْعُ والبَصَرُ والإرادَةُ، والمَشِيئَةُ والرَّحْمَةُ والغِنى، والجُودُ والإحْسانُ والبِرُّ، كُلُّهُ خاصُّ لَهُ قائِمٌ بِهِ، وما خَفِيَ عَلى الخَلْقِ مِن كَمالِهِ أعْظَمُ وأعْظَمُ مِمّا عَرَفُوهُ مِنهُ، بَلْ لا نِسْبَةَ لِما عَرَفُوهُ مِن ذَلِكَ إلى ما لَمْ يَعْرِفُوهُ. وَمِن كَمالِهِ المُقَدَّسِ: اطِّلاعُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وشَهادَتُهُ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لا يَغِيبُ عَنْهُ وجْهٌ مِن وُجُوهِ تَفاصِيلِهِ، ولا ذَرَّةٌ مِن ذَرّاتِهِ، باطِنًا وظاهِرًا، ومَن هَذا شَأْنُهُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِالعِبادِ أنْ يُشْرِكُوا بِهِ، وأنْ يَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ؟ وأنْ يَجْعَلُوا مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؟ وكَيْفَ يَلِيقُ بِكَمالِهِ أنْ يُقِرَّ مَن يَكْذِبُ عَلَيْهِ أعْظَمَ الكَذِبِ، ويُخْبِرُ عَنْهُ بِخِلافِ ما الأمْرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصُرُهُ عَلى ذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ، ويُعْلِي كَلِمَتَهُ، ويَرْفَعُ شَأْنَهُ، ويُجِيبُ دَعْوَتَهُ، ويُهْلِكُ عَدُوَّهُ، ويُظْهِرُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الآياتِ والبَراهِينِ والأدِلَّةِ ما تَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهِ قُوى البَشَرِ، وهو - مَعَ ذَلِكَ - كاذِبٌ عَلَيْهِ مُفْتَرٍ، ساعٍ في الأرْضِ بِالفَسادِ؟ وَمَعْلُومٌ أنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وحِكْمَتُهُ وعِزَّتُهُ وكَمالُهُ المُقَدَّسُ يَأْبى ذَلِكَ كُلَّ الإباءِ، ومَن ظَنَّ ذَلِكَ بِهِ، وجَوَّزَهُ عَلَيْهِ؛ فَهو مِن أبْعَدِ الخَلْقِ مِن مَعْرِفَتِهِ، وإنْ عُرِفَ مِنهُ بَعْضُ صِفاتِهِ، كَصِفَةِ القُدْرَةِ وصِفَةِ المَشِيئَةِ. والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ، وهي طَرِيقُ الخاصَّةِ، بَلْ خاصَّةُ الخاصَّةِ هم الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِاللَّهِ عَلى أفْعالِهِ، وما يَلِيقُ بِهِ أنْ يَفْعَلَهُ وما لا يَفْعَلُهُ. وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤] أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] هاهُنا انْتَهى جَوابُ الشَّرْطِ، ثُمَّ أخْبَرَ خَبَرًا جازِمًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ: أنَّهُ ﴿يَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] وَقالَ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فَأخْبَرَ أنَّ مَن نَفى عَنْهُ الإرْسالَ والكَلامَ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، ولا عَرَفَهُ كَما يَنْبَغِي، ولا عَظَّمَهُ كَما يَسْتَحِقُّ، فَكَيْفَ مَن ظَنَّ أنَّهُ يَنْصُرُ الكاذِبَ المُفْتَرِيَ عَلَيْهِ ويُؤَيِّدُهُ؟ ويُظْهِرُ عَلى يَدَيْهِ الآياتِ والأدِلَّةَ؟ وهَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ جِدًّا، يُسْتَدَلُّ بِكَمالِهِ المُقَدَّسِ، وأوْصافِهِ وجَلالِهِ عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ، وعَلى وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، ويَدْعُو عِبادَهُ إلى ذَلِكَ، كَما يُسْتَدَلُّ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وعَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وَأضْعافُ أضْعافِ ذَلِكَ في القُرْآنِ. (فصل) وأما الجبار من أسماء الرب تعالى فقد فسره بأنه الذي يجبر الكسير ويغني الفقير والرب سبحانه كذلك ولكن ليس هذا معنى اسمه الجبار ولهذا قرنه باسمه المتكبر وإنما هو الجبروت وكان النبي ﷺ يقول: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" فالجبار اسم من أسماء التعظيم كالمتكبر والملك والعظيم والقهار قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ هو العظيم وجبروت الله عظمته والجبار من أسماء الملوك والجبر الملك والجبابرة الملوك قال الشاعر: وأنعم صباحا أيها الجبر أي أيها الملك. وقال السدي: "هو الذي يجبر الناس ويقهرهم على ما يريد" وعلى هذا فالجبار معناه القهار. وقال محمد بن كعب: "إنما سمي الجبار لأنه جبر الخلق على ما أراد، والخلق أدق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بمشيئته" قال الزجاج: "الجبار الذي جبر الخلق على ما أراد" وقال ابن الأنباري: "الجبار في صفة الرب سبحانه الذي لا ينال" ومنه قولهم نخلة جبارة إذا فاتت يد المتناول فالجبار في صفة الرب سبحانه ترجع إلى ثلاثة معان: (الملك والقهر والعلو) فإن النخلة إذا طالت وارتفعت وفاتت الأيدي سميت جبارة ولهذا جعل سبحانه اسمه الجبار مقرونا بالعزيز والمتكبر وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين. وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة وهي (الخالق البارئ المصور) فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق فالجبار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك ولهذا كان من أسمائه الحسنى. وأما المخلوق فاتصافه بالجبار ذم له ونقص كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ وقال تعالى لرسوله ﷺ: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّار﴾ أي مسلط تقهرهم وتكرههم على الإيمان وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ: "يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطأهم الناس". وأما (الخالق والمصور) فإن استعملا مطلقين غير مقيدين لم يطلقا إلا على الرب كقوله ﴿الخالق البارئ المصور﴾ وإن استعملا مقيدين أطلقا على العبد كما يقال لمن قدر شيئا في نفيه أنه خلقه قال: ؎ولأنت تفري ما خلقت ∗∗∗ وبعض القوم يخلق ثم لا يفر أي لك قدرة تمضي وتنفذ بها ما قدرته في نفسك وغيرك يقدر أشياء وهو عاجز عن إنفاذها وإمضائها وبهذا الاعتبار صح إطلاق خالق على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أي أحسن المصورين والمقدرين والعرب تقول قدرت الأديم وخلقته إذا قسته لتقطع منه مزادة أو قربة ونحوها قال مجاهد: "يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين" وقال الليث: "رجل خالق أي صانع وهن الخالقات للنساء" وقال مقاتل: "يقول تعالى هو أحسن خلقا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء وأما البارئ فلا يصح إطلاقه إلا عليه سبحانه فإنه الذي برأ الخليقة وأوجدها بعد عدمها والعبد لا تتعلق قدرته بذلك إذ غاية مقدوره التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب تعالى وبراه وتغييرها من حال إلى حال على وجه مخصوص لا تتعداه قدرته. ليس من هذا بريت القلم لأنه معتل لا مهموز ولا برأت من المرض لأنه فعل لازم غير متعد، وكذلك مبدع الشيء وبديعه لا يصح إطلاقه إلا على الرب كقوله: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والإبداع إيجاد المبدع على غير مثال سبق والعبد يسمى مبتدعا لكونه أحدث قولا لم تمض به سنة، ثم يقال لمن اتبعه عليه مبتدع أيضا. (فائدة) اعلمْ أنّهُ سُبْحانَهُ يسْتَدلّ بأسمائه على توحيده ونفي الشّرك عَنهُ ولَو كانَت أسماء لا معنى لَها لم تدل على ذَلِك كَقَوْل هارُون لعبدة العجل ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] وَقَوله سُبْحانَهُ في القِصَّة ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَه إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] وَقَوله تَعالى ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وَقَوله سُبْحانَهُ في آخر سُورَة الحَشْر ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَه إلّا هو عالم الغَيْب والشَّهادَة هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَه إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٢: ٢٣] فـ (سبح) نزه نَفسه عَن شرك المُشْركين بِهِ عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المُقْتَضِيَة لتوحيده واستحالة إثْبات شريك لَهُ. وَمن تدبر هَذا المَعْنى في القُرْآن هَبَط بِهِ على رياض من العلم حماها الله عَن كل أفاك معرض عَن كتاب الله واقتباس الهدى مِنهُ ولَو لم يكن في كتابنا هَذا إلّا هَذا الفَصْل وحده لكفى من لَهُ ذوق ومَعْرِفَة والله المُوفق للصَّواب. ((الجزء التاسع عشر))