Tafsir Ibn Al-Qayyim — القمر 54:13 – الواقعة 56:91
المحتويات
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:24
- القمر 54:33
- القمر 54:34
- القمر 54:49
- القمر 54:52
- القمر 54:54
- القمر 54:55
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:2
- الرحمن 55:3
- الرحمن 55:4
- الرحمن 55:6
- الرحمن 55:12
- الرحمن 55:17
- الرحمن 55:18
- الرحمن 55:26
- الرحمن 55:29
- الرحمن 55:31
- الرحمن 55:35
- الرحمن 55:39
- الرحمن 55:46
- الرحمن 55:47
- الرحمن 55:54
- الرحمن 55:56
- الرحمن 55:58
- الرحمن 55:60
- الرحمن 55:66
- الرحمن 55:68
- الرحمن 55:70
- الرحمن 55:72
- الرحمن 55:76
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:17
- الواقعة 56:18
- الواقعة 56:19
- الواقعة 56:21
- الواقعة 56:22
- الواقعة 56:23
- الواقعة 56:25
- الواقعة 56:26
- الواقعة 56:27
- الواقعة 56:28
- الواقعة 56:29
- الواقعة 56:30
- الواقعة 56:34
- الواقعة 56:35
- الواقعة 56:37
- الواقعة 56:39
- الواقعة 56:40
- الواقعة 56:57
- الواقعة 56:58
- الواقعة 56:59
- الواقعة 56:60
- الواقعة 56:61
- الواقعة 56:62
- الواقعة 56:65
- الواقعة 56:71
- الواقعة 56:72
- الواقعة 56:73
- الواقعة 56:74
- الواقعة 56:75
- الواقعة 56:76
- الواقعة 56:77
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:80
- الواقعة 56:81
- الواقعة 56:82
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:84
- الواقعة 56:85
- الواقعة 56:86
- الواقعة 56:87
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:89
- الواقعة 56:90
- الواقعة 56:91
القمر 54:13
(مسألة)
قال [السهيلي] ومن فوائد هذه المسألة أن نسأل كيف وردت الآية الأولى بـ على والآية الثانية بالياء؟
الجواب لا بد أن نسأل عن المعنى الذي لأجله قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ بحرف على
وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ و ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ بحرف الباء وما الفرق؟
إن الفرق أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيا وإبداء ما كان مكتوما، فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون سرا، فلما أراد أن يصنع موسى عليه السلام ويغذى ويربى على حال أمن وظهور لا تحت خوف واستسرار دخلت (على) في اللفظ تنبيها على المعنى لأنها تعطي الاستعلاء، والاستعلاء ظهور وإبداء فكأنه يقول سبحانه وتعالى ولتصنع على أمنٍ لا تحت خوف.
وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة.
وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ فإنه إنما يريد برعاية منا وحفظ، ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم، فلم يحتج في الكلام إلى معنى (على) بخلاف ما تقدم هذا كلامه.
ولم يتعرض رحمه الله تعالى لوجه الإفراد هناك والجمع هنا، وهو من ألطف معاني الآية.
والفرق بينهما يظهر من الاختصاص الذي خص به موسى في قوله تعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾
فاقتضى هذا الاختصاص الاختصاص الآخر في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ فإن هذه الإضافة إضافة تخصيص.
وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ فليس فيه من الاختصاص ما في صنع موسى على عينه سبحانه وتعالى واصطناعه إياه لنفسه.
وما يسنده سبحانه إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع قد يريد به ملائكته كقوله تعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾
وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ ونظائره فتأمله.
القمر 54:14
(مسألة)
قال [السهيلي] ومن فوائد هذه المسألة أن نسأل كيف وردت الآية الأولى بـ على والآية الثانية بالياء؟
الجواب لا بد أن نسأل عن المعنى الذي لأجله قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ بحرف على
وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ و ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ بحرف الباء وما الفرق؟
إن الفرق أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيا وإبداء ما كان مكتوما، فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون سرا، فلما أراد أن يصنع موسى عليه السلام ويغذى ويربى على حال أمن وظهور لا تحت خوف واستسرار دخلت (على) في اللفظ تنبيها على المعنى لأنها تعطي الاستعلاء، والاستعلاء ظهور وإبداء فكأنه يقول سبحانه وتعالى ولتصنع على أمنٍ لا تحت خوف.
وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة.
وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ فإنه إنما يريد برعاية منا وحفظ، ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم، فلم يحتج في الكلام إلى معنى (على) بخلاف ما تقدم هذا كلامه.
ولم يتعرض رحمه الله تعالى لوجه الإفراد هناك والجمع هنا، وهو من ألطف معاني الآية.
والفرق بينهما يظهر من الاختصاص الذي خص به موسى في قوله تعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾
فاقتضى هذا الاختصاص الاختصاص الآخر في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ فإن هذه الإضافة إضافة تخصيص.
وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ فليس فيه من الاختصاص ما في صنع موسى على عينه سبحانه وتعالى واصطناعه إياه لنفسه.
وما يسنده سبحانه إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع قد يريد به ملائكته كقوله تعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾
وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ ونظائره فتأمله.
القمر 54:24
قوله ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ لما كان الإنكار متوجها إلى كون المتبوع بشرا وأنه منهم وأنه واحد، وردوه ولم يقع إنكارهم على مجرد الاتباع في قوة كلامهم أنه لو كان ملكا أو من غيرنا لا تلحقنا غضاضة برئاسته علينا، أو عصبة كثيرة لا يمتنع من متابعتهم لاتبعناهم.
القمر 54:33
(فائدة: في احتجاج من يرى أن آل النَّبِي ﷺ أمته وأتْباعه)
قال - رحمه الله -:
وَأما القَوْل الثّالِث وهو أن آل النَّبِي ﷺ أمته وأتْباعه إلى يَوْم القِيامَة
فقد احْتج لَهُ بِأن آل المُعظم المَتْبُوع هم أتْباعه على دينه وأمره قريبهم وبعيدهم
قالُوا واشتقاق هَذِه اللَّفْظَة تدل عَلَيْهِ فَإنَّهُ من آل يؤول إذا رَجَعَ ومرجع الأتباع إلى متبوعهم لِأنَّهُ إمامهمْ وموئلهم
قالُوا: ولِهَذا كانَ قَوْله تَعالى ﴿إلا آلَ لوط نجيناهم بِسحر﴾ [القمر: ٣٤] المُراد بِهِ أتْباعه وشيعته المُؤْمِنُونَ بِهِ من أقاربه وغَيرهم
وَقَوله تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذاب﴾ [غافر: ٤٦] المُراد بِهِ أتْباعه.
(فصل)
(سَحَر) على قسمين
أحدهما: يراد به سحر يوم بعينه معرفة كان اليوم أو نكرة وهو في هذا ظرف غير منون بشرط أن يكون اليوم ظرفا لا فاعلا ولا مفعولا وفيه وجهان:
أحدهما: أن تعريفه لما فيه من معنى الإضافة فإنك تريد سحر ذلك اليوم فحذف التنوين منه كما حذف في أجمع وأكتع لما كان مضافا في المعنى.
الوجه الثاني: وهو اختيار سيبويه أن تعريفه باللام المقدرة كأنك حين ذكرت يوما قبله وجعلته ظرفا ثم ذكرت سحر فكأنك أردت السحر الذي
من ذلك اليوم فاستغنيت عن الألف واللام بذكر اليوم.
وهذا القول أصح للفرق الذي بين (سحر) وبين (أجمع) فإن (أجمع) توكيد بمنزلة كله ونفسه فهو مضاف في المعنى إلى ضمير المؤكد، واستغنى عن إظهار الضمير بذكر المؤكد لأن (أجمع) لا يكون إلا تابعا له ولا يكون مخبرا عنه بحال.
وليس كذلك (السَّحَر) لأنه بمنزلة الفرس والجمل فإن أضفته لم يكن بد من إظهار المضاف إليه، وإنما هو معرف باللام كما قال سيبويه:
"وهذا كله لما كان اليوم ظرفا لا مفعولا" فلو قلت: كرهت يوم السبت سحر. كان بدلا كما تقول أكلت الشاة رأسها.
فإن قيل: فهلا قلتم إنه بدل إذا كان ما قبله ظرفا أيضا لأنه بعض اليوم فيكون بدل البعض من الكل كما كان ذلك إذا كان اليوم مفعولا؟
قيل: الفرق بينهما أن البدل يعتمد عليه ويكون المبدل منه في حكم الطرح ويكون الفعل مخصوصا بالبدل بعدما كان عموما في المبدل منه.
فإذا قلت: أكلت السمكة رأسها. لم يتناول الأكل إلا رأسها وخرج سائرها من أن يكون مأكولا.
وليس كذلك خرجت يوم الجمعة سحر، لأن الظرف مقدر بـ (في) وجعل ﴿سحر﴾ ظرفا لا يخرج اليوم عن أن يكون ظرفا بل يبقى على حاله لأنه ليس من شرط الظرف أن يملأه ما يوضع فيه.
فالكلام معتمد عليه كما كان قبل ذكر (سحر)
نعم وما هو أوسع من اليوم في المعنى نحو الشهر والعام الذي فيه ذكر اليوم، وما هو أوسع من العام كالزمان كل واحد من هذه ظرف للفعل الذي وقع في (سحر) بالذكر فذكر (سحر) لا يخرج شيء منها أن يكون ظرفا للفعل، فلذلك اعتمد الكلام على اليوم واستغنى به عن تجديد آلة التعريف، بخلاف: كرهت يوم السبت سحرا.
أو السحر منه لا بد من البدل فيه.
فقد بانَ الفرق، وبانت علة ارتفاع التنوين لأنه لا يجامع الألف واللام ولا معناها، وإن كان في حكم المضاف كما زعم بعضهم فلذلك أيضا امتنع تنوينه.
وأما مانع تصرفه وتمكنه فإنك لما أردته ليوم هو ظرف فلو تمكن خرج عن أن يكون من ذلك اليوم لأن الظرفية كانت رابطة بينهما ومشعرة بأن السحر من ذلك اليوم، فإذا قلت سير بزيد يوم الجمعة سحر.
وجعلته مفعولا على السعة لم يجز لعدم الرابط بينه وبين اليوم.
فإن أردت هذا المعنى فقل: سير بزيد يوم الجمعة سحر، أو السحر منه.
حتى يرتبط به، لأنك لا تقدر الألف واللام من غير أن يلفظ بهما إلا إذا كان في الكلام ما يغني عنهما.
وأما إذا كان اسما متمكنا كسائر الأسماء فلا بد من تعريفه بما تعرف به الأسماء، أو تجعله نكرة فلا يكون من ذلك اليوم.
فإن قلت: فقد أجازوا: سير بزيد يومُ الجمعة سحر. برفع (اليوم) ونصب (سحر) فلم لا يجوز أيضا يوم الجمعة سحر بنصب اليوم ورفع سحر؟
قيل: لأن اليوم وإن اتسع فيه فهو ظرف في معناه، وهو يشتمل على السحر، ولا يشتمل السحر عليه.
فلا يجوز إذا أن يتعرف السحر تعريفا معنويا حتى يكون ظرفا بمنزلة اليوم الذي هو منه ليكون تقديم اليوم مع كونه ظرفا مغنيا عن آلة التعريف.
القمر 54:34
(فائدة: في احتجاج من يرى أن آل النَّبِي ﷺ أمته وأتْباعه)
قال - رحمه الله -:
وَأما القَوْل الثّالِث وهو أن آل النَّبِي ﷺ أمته وأتْباعه إلى يَوْم القِيامَة
فقد احْتج لَهُ بِأن آل المُعظم المَتْبُوع هم أتْباعه على دينه وأمره قريبهم وبعيدهم
قالُوا واشتقاق هَذِه اللَّفْظَة تدل عَلَيْهِ فَإنَّهُ من آل يؤول إذا رَجَعَ ومرجع الأتباع إلى متبوعهم لِأنَّهُ إمامهمْ وموئلهم
قالُوا: ولِهَذا كانَ قَوْله تَعالى ﴿إلا آلَ لوط نجيناهم بِسحر﴾ [القمر: ٣٤] المُراد بِهِ أتْباعه وشيعته المُؤْمِنُونَ بِهِ من أقاربه وغَيرهم
وَقَوله تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذاب﴾ [غافر: ٤٦] المُراد بِهِ أتْباعه.
(فصل)
(سَحَر) على قسمين
أحدهما: يراد به سحر يوم بعينه معرفة كان اليوم أو نكرة وهو في هذا ظرف غير منون بشرط أن يكون اليوم ظرفا لا فاعلا ولا مفعولا وفيه وجهان:
أحدهما: أن تعريفه لما فيه من معنى الإضافة فإنك تريد سحر ذلك اليوم فحذف التنوين منه كما حذف في أجمع وأكتع لما كان مضافا في المعنى.
الوجه الثاني: وهو اختيار سيبويه أن تعريفه باللام المقدرة كأنك حين ذكرت يوما قبله وجعلته ظرفا ثم ذكرت سحر فكأنك أردت السحر الذي
من ذلك اليوم فاستغنيت عن الألف واللام بذكر اليوم.
وهذا القول أصح للفرق الذي بين (سحر) وبين (أجمع) فإن (أجمع) توكيد بمنزلة كله ونفسه فهو مضاف في المعنى إلى ضمير المؤكد، واستغنى عن إظهار الضمير بذكر المؤكد لأن (أجمع) لا يكون إلا تابعا له ولا يكون مخبرا عنه بحال.
وليس كذلك (السَّحَر) لأنه بمنزلة الفرس والجمل فإن أضفته لم يكن بد من إظهار المضاف إليه، وإنما هو معرف باللام كما قال سيبويه:
"وهذا كله لما كان اليوم ظرفا لا مفعولا" فلو قلت: كرهت يوم السبت سحر. كان بدلا كما تقول أكلت الشاة رأسها.
فإن قيل: فهلا قلتم إنه بدل إذا كان ما قبله ظرفا أيضا لأنه بعض اليوم فيكون بدل البعض من الكل كما كان ذلك إذا كان اليوم مفعولا؟
قيل: الفرق بينهما أن البدل يعتمد عليه ويكون المبدل منه في حكم الطرح ويكون الفعل مخصوصا بالبدل بعدما كان عموما في المبدل منه.
فإذا قلت: أكلت السمكة رأسها. لم يتناول الأكل إلا رأسها وخرج سائرها من أن يكون مأكولا.
وليس كذلك خرجت يوم الجمعة سحر، لأن الظرف مقدر بـ (في) وجعل ﴿سحر﴾ ظرفا لا يخرج اليوم عن أن يكون ظرفا بل يبقى على حاله لأنه ليس من شرط الظرف أن يملأه ما يوضع فيه.
فالكلام معتمد عليه كما كان قبل ذكر (سحر)
نعم وما هو أوسع من اليوم في المعنى نحو الشهر والعام الذي فيه ذكر اليوم، وما هو أوسع من العام كالزمان كل واحد من هذه ظرف للفعل الذي وقع في (سحر) بالذكر فذكر (سحر) لا يخرج شيء منها أن يكون ظرفا للفعل، فلذلك اعتمد الكلام على اليوم واستغنى به عن تجديد آلة التعريف، بخلاف: كرهت يوم السبت سحرا.
أو السحر منه لا بد من البدل فيه.
فقد بانَ الفرق، وبانت علة ارتفاع التنوين لأنه لا يجامع الألف واللام ولا معناها، وإن كان في حكم المضاف كما زعم بعضهم فلذلك أيضا امتنع تنوينه.
وأما مانع تصرفه وتمكنه فإنك لما أردته ليوم هو ظرف فلو تمكن خرج عن أن يكون من ذلك اليوم لأن الظرفية كانت رابطة بينهما ومشعرة بأن السحر من ذلك اليوم، فإذا قلت سير بزيد يوم الجمعة سحر.
وجعلته مفعولا على السعة لم يجز لعدم الرابط بينه وبين اليوم.
فإن أردت هذا المعنى فقل: سير بزيد يوم الجمعة سحر، أو السحر منه.
حتى يرتبط به، لأنك لا تقدر الألف واللام من غير أن يلفظ بهما إلا إذا كان في الكلام ما يغني عنهما.
وأما إذا كان اسما متمكنا كسائر الأسماء فلا بد من تعريفه بما تعرف به الأسماء، أو تجعله نكرة فلا يكون من ذلك اليوم.
فإن قلت: فقد أجازوا: سير بزيد يومُ الجمعة سحر. برفع (اليوم) ونصب (سحر) فلم لا يجوز أيضا يوم الجمعة سحر بنصب اليوم ورفع سحر؟
قيل: لأن اليوم وإن اتسع فيه فهو ظرف في معناه، وهو يشتمل على السحر، ولا يشتمل السحر عليه.
فلا يجوز إذا أن يتعرف السحر تعريفا معنويا حتى يكون ظرفا بمنزلة اليوم الذي هو منه ليكون تقديم اليوم مع كونه ظرفا مغنيا عن آلة التعريف.
القمر 54:49
[فَصْلٌ دَفْعُ القَدَرِ بِالقَدَرِ]
وَدَفْعُ القَدَرِ بِالقَدَرِ نَوْعانِ:
أحَدُهُما: دَفْعُ القَدَرِ الَّذِي قَدِ انْعَقَدَتْ بِأسْبابِهِ - ولَمّا يَقَعْ - بِأسْبابٍ أُخْرى مِنَ القَدَرِ تُقابِلُهُ، فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ، كَدَفْعِ العَدُوِّ بِقِتالِهِ، ودَفْعِ الحَرِّ والبَرْدِ ونَحْوِهِ.
الثّانِي: دَفْعُ القَدَرِ الَّذِي قَدْ وقَعَ واسْتَقَرَّ بِقَدَرٍ آخَرَ يَرْفَعُهُ ويُزِيلُهُ، كَدَفْعِ قَدَرِ المَرَضِ بِقَدَرِ التَّداوِي، ودَفْعِ قَدَرِ الذَّنْبِ بِقَدَرِ التَّوْبَةِ، ودَفْعِ قَدَرِ الإساءَةِ بِقَدَرِ الإحْسانِ.
فَهَذا شَأْنُ العارِفِينَ وشَأْنُ الأقْدارِ، لا الِاسْتِسْلامُ لَها، وتَرْكُ الحَرَكَةِ والحِيلَةِ، فَإنَّهُ عَجْزٌ، واللَّهُ تَعالى يَلُومُ عَلى العَجْزِ، فَإذا غَلَبَ العَبْدُ، وضاقَتْ بِهِ الحِيَلُ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ مَجالٌ، فَهُنالِكَ الِاسْتِسْلامُ لِلْقَدَرِ، والِانْطِراحُ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الغاسِلِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشاءُ، وهُنا يَنْفَعُ الفَناءُ في القَدَرِ، عِلْمًا وحالًا وشُهُودًا، وأمّا في حالِ القُدْرَةِ، وحُصُولِ الأسْبابِ، فالفَناءُ النّافِعُ: أنْ يَفْنى عَنِ الخَلْقِ بِحُكْمِ اللَّهِ، وعَنْ هَواهُ بِأمْرِ اللَّهِ، وعَنْ إرادَتِهِ ومَحَبَّتِهِ بِإرادَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ، وعَنْ حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ بِحَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ وإعانَتِهِ، فَهَذا الَّذِي قامَ بِحَقِيقَةِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " عِلْمًا وحالًا، وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ.
(فصل: في قوله تعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾)
قال سفيان عن زياد بن إسماعيل المخزومي ثنا محمد بن عباد بن جعفر ثنا أبو هريرة قال جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﷺ يخاصمون في القدر فنزلت هذه الآية: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾
رواه مسلم وقد روى الدارقطني من حديث حبيب بن عمرو الأنصاري عن أبيه قال قال رسول الله تعالى ﷺ:
"إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين خصماء الله وهم القدرية"
ولكن حبيب هذا قال الدارقطني: مجهول والحديث مضطرب الإسناد ولا يثبت.
والمخاصمون في القدر نوعان:
أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره كالذين قالوا ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾.
والثاني: من ينكر قضاءه وقدره السابق.
والطائفتان خصماء الله قال عوف: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام.
إن الله تبارك وتعالى قدر أقدارا وخلق الخلق بقدر وقسم الآجال بقدر وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر، وأمر ونهى.
وقال الإمام أحمد: القدر قدرة الله.
واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين.
وهو كما قال أبو الوفاء: فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها، وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله.
وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماء﴾
قال: "الذين يقولون إن الله على كل شيء قدير.
وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات فإن أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها ولو كانوا يقرون فمنكرو القدر، وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها.
ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها بل يصرحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به.
ومن لا يقر بأن الله سبحانه ﴿كل يوم هو في شأن﴾ يفعل ما يشاء لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومن لا يقر بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء يقيم القلب أقامه.
وإن شاء أن يزيغه أزاغه، لا يقر بأن الله على كل شيء قدير.
ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى كلمه منها، وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها، وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده، وأنه يتجلى لهم يضحك، وأنه يريهم نفسه المقدسة، وأنه يضع رجله على النار فيضيق بها أهلها وينزوي بعضها إلى بعض .. إلى غير ذلك من شؤنه وأفعاله التي من لم يقر بها لم يقر بأنه على كل شيء قدير"
فيا لها كلمة من حبر الأمة وترجمان القرآن.
وقد كان ابن عباس شديدا على القدرية وكذلك الصحابة - رضي الله عنهم -.
(فصل)
قال البخاري: وحدثنا عمرو بن محمد حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن طاووس عن ابن عمر:
"كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك"
قال البخاري: وحدثني إسماعيل قال حدثني مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاووس قال:
"أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون كل شيء بقدر حتى العجز والكيس"
ورواه مسلم في صحيحه عن طاووس.
وقال سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ:
"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس"
قال البخاري: وقال ليث عن طاووس عن ابن عباس ": ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ حتى العجز والكيس"
قال البخاري: سمعت عبيد الله بن سعيد يقول سمعت يحيى بن سعيد يقول: "ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة" قال البخاري: "حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة"
وقال جابر بن عبد الله:
"كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسره لي ثم بارك لي فيه.
وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به. قال: ويسمى حاجته" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
فقوله: "إذا هم أحدكم بالأمر"
صريح في أنه الفعل الاختياري المتعلق بإرادة العبد.
وإذا علم ذلك فقوله "أستقدرك بقدرتك"
أي أسألك أن تقدرني على فعله بقدرتك، ومعلوم أنه لم يسأل القدرة المصححة التي هي سلامة الأعضاء وصحة البنية، وإنما سأل القدرة التي توجب الفعل فعلم أنها مقدورة لله ومخلوقة له، وأكد ذلك بقوله: "فإنك تقدر ولا أقدر"
أي تقدر أن تجعلني قادرا فاعلا ولا أقدر أن أجعل نفسي كذلك
وكذلك قوله: "تعلم ولا أعلم" أي حقيقة العلم بعواقب الأمور ومآلها والنافع منها والضار عندك وليس عندي.
وقوله يسره لي أو اصرفه عني فإنه طلب من الله تيسيره إن كان له فيه مصلحة وصرفه عنه إن كان فيه مفسدة.
وهذا التيسير والصرف متضمن إلقاء داعية الفعل في القلب أو إلقاء داعية الترك فيه، ومتى حصلت داعية الفعل حصل الفعل وداعية الترك امتنع الفعل.
وعند القدرية ترجيح فاعلية العبد على الترك منه ليس للرب فيه صنع ولا تأثير، فطلب هذ التيسير منه لا معنى له عندهم فإن تيسير الأسباب التي لا قدرة للعبد عليها موجود ولم يسأله العبد.
وقوله: "ثم رضني به"
يدل على أن حصول الرضا وهو فعل اختياري من أفعال القلوب أمر وقدور للرب تعالى وهو الذي يجعل نفسه راضيا
وقوله: "فاصرفه عني واصرفني عنه"
صريح في أنه سبحانه هو الذي يصرف عبده عن فعله الاختياري إذا شاء صرفه عنه كما قال تعالى في حق يوسف الصديق: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاء﴾ وصرف السوء والفحشاء هو صرف دواعي القلب وميله إليهما فينصرفان عنه بصرف دواعيهما
وقوله "وأقدر لي الخير حيث كان"
يعم الخير المقدور للعبد من طاعته وغير المقدور له، فعلم أن فعل العبد للطاعة والخير أمر مقدور لله إن لم يقدره الله لعبده لم يقع من العبد.
ففي هذا الحديث الشفاء في مسألة القدر.
وأمر النبي ﷺ الداعي به أن يقدم بين يدي هذا الدعاء ركعتين عبودية منه بين يدي نجواه وأن يكونا من غير الفريضة ليتجرد فعلهما لهذا الغرض المطلوب.
ولما كان الفعل الاختياري متوقفا على العلم والقدرة والإرادة لا يحصل إلا بها توسل الداعي إلى الله بعلمه وقدرته وإرادته التي يؤتيه بها من فضله، وأكد هذا المعنى بتجرده وبراءته من ذلك فقال "إنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر"
وأمر الداعي أن يعلق التيسير بالخير والصرف بالشر وهو علم الله سبحانه تحقيقا للتفويض إليه واعترافا بجهل العبد بعواقب الأمور كما اعترف بعجزه ففي هذا الدعاء إعطاء العبودية حقها وإعطاء الربوبية حقها وبالله المستعان.
(فصل)
وقال في (طريق الهجرتين)
وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]،
خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق الخير والشر، فخير الخير السعادة وشر الشر الشقاوة.
وفى صحيح مسلم عن أبي الأسود الدؤلى قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون، أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون ممن أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة؟ قال: قلت: لا، بل فيما قضى عليهم ومضى قال: أفيكون ذلك ظلمًا؟ قال: ففزعت فزعًا شديدًا، وقلت: إنه ليس شيء إلا خلقه وملكه: ﴿وَلا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]
فقال: سددك الله إنما سَألتك لأُحرز عقلك. إن رجلًا من مزينة - أو جهينة - أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه، أشيء قضى عليهم ومضى، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم؟ قال: فيما قضى عليهم ومضى. فقال الرجل: ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ: "من كان خلقه الله لإحدى المنزلتين فسيستعمله لها"، وتصديق ذلك في كتاب الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها فَألْهَمَها فُجُ ورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٧-٨]
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إنَنِّى أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُون﴾ [البقرة: ٣٠]
قال: علم إبليس المعصية وخلقه لها. وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]
قال ابن عباس: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكُم مُّؤْمِن﴾ [التغابن: ٢]
ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمن وكافر.
وقال سعيد بن جبير: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]
قال: يحول بين المؤمن والكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله. وقال ابن عباس ومالك وجماعة من السَلَف في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨-١١٩]
قالوا: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ﴿وَلَوْ شِئْنا لاَتَيْنا كُلّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة:١٣]، ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدَي﴾ [الأنعام: ٣٥]، ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]
وقال تعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمّنِ افْتَرىَ عَلى اللهِ كَذِبًا أوْ كَذّبَ بِآياتِهِ أُوْلَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهُم مّنَ الكِتابِ﴾ [الأعراف: ٣٧]
أي نصيبهم مما كتب لهم. وقال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠]
قال الحسن وغيره: الشرك والتكذيب.
وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجّين﴾ [المطففين: ٧]
قال محمد بن كعب القرظي: رقم الله سبحانه كتاب الفجار في أسفل الأرض، فهم عاملون بما قدر رقم عليهم في ذلكَ الكتاب ورقم كتاب الأبرار فجعله في عليين، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قدر رقم عليهم في ذلك الكتاب.
وقال ابن عباس: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]
بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِن بَيْنَ أيْدِيَهِمْ سَدًَّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًَّا﴾ [يس: ٩]
قال: عن الحق.
وفي قوله: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّة﴾ [الإسراء: ٤٦]
قال: فالجعبة فيها السهام، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وأضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْم﴾ [الجاثية: ٢٣]
قال: أضله في سابق علمه، وقال في قوله تعالى حكاية عن عدوه إبليس: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦]
قال: أضللتني، وقال في قوله: ﴿مَآ أنتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٢-١٦٣]
قال: من قضيت له أنه صال الجحيم. وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس، وقد فصل لكم وبين لكم ما أنتم عليه بفاتنين إلا من قدَّر أن يصلى الجحيم. وقال وهيب بن خالد: أنبأنا خالد قال: قلت للحسن: ألهذه خلق آدم - يعني السماءَ - أم للأرض؟ فقال: لا بل للأرض.
قال: قلت أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها، أكان ترك في الجنة؟
قال: سبحان الله أكان له بد من أن يعملها؟
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنبياء:٧٣]
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١]، وقال: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]
أي أئمة يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضالين يدعون إلى النار، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]
وقال: ﴿وَنُقَلّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أوّلَ مَرّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقال: ﴿وَلَوْ أنّنا نَزّلْنَآ إلَيْهِمُ المَلآئِكَةَ وكَلّمَهُمُ المَوْتىَ وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْءٍ قُبُلًا مّا كانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إلاّ أن يَشَآءَ اللهُ﴾ [الأنعام: ١١١]
وقال زيد بن أسلم: والله ما قالت القدرية كما قال الله ولا كما قال رسله ولا كمال قال أهل الجنة ولا كما قال أهل النار ولا كما قال أخوهم إبليس، قال الله عز وجل: ﴿وَما تَشاءُون إلا أن يَشاءَ الله﴾ [التكوير: ٢٩]،
وقالت الملائكة: ﴿لا عِلمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢]،
وقال شعيب: ﴿وَما يَكُونُ لَنَآ أن نّعُودَ فِيهَآ إلاّ أن يَشَآءَ اللهُ﴾ [الأعراف: ٨٩]،
وقال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ للهِ الّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلآ أنْ هَدانا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]،
وقال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]،
وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَآ أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩]،
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَكُلّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طَآئِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]،
قال: مكتوب في عنقه شقي أو سعيد.
وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]
يقول: ومن يرد الله ضلالته لم تغن عنه شيئًا. وذكر الطبري وغيره من حديث سويد بن سعدٍ عن سوار بن مصعب عن أبي حمزة عن مقسم عن ابن عباس: صعد النبي ﷺ المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم بسط يده اليمنى فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من الله الرحمن الرحيم لأهل الجنة بأسمائهم، وأسماءِ آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، فجمل أولهم على آخرهم، لا ينقص منهم ولا يزاد فيهم، فرغ ربكم وقد يسلك بأهل السعادة طريق الشقاءِ حتى يقال لا ينقض منهم ولا يزاد فيهم. فرغ ربكم.
وقد يسلك بأهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال كأنهم هم بل هم هم، ما أشبههم بهم بل هم هم فيردهم ما سبق لهم من الله من السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها قبل موته بفواق ناقة، وقد يسلك بأهل الشقاءِ طريق السعادة حتى يقال كأنهم هم بل هم هم، ما أشبههم بهم بل هم هم، فيردهم ما سبق لهم من الله، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ولو قبل موته بفواق ناقة، فصاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة وإن عمل عمل أهل النار، وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار وإن عمل بعمل أهل الجنة، ثم قال رسول الله: "الأعمال بخواتيمها"، وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنّ الّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أأنذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]،
وفي قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدىَ﴾ [الأنعام:٣٥]، وفي قوله {فَمَن يُرِدِ اللهُ أن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلاَمِ ومَن يُرِدْ أن يُضِلّهُ
يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا} [الأنعام: ١٢٥]،
وفي قوله: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أن يَشَآءَ الله﴾ [الأنعام: ١١١]،
وفي قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]،
وقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨]،
وقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنا﴾ [الكهف: ٢٨]،
ونحو هذا من القرآن، إن رسول الله كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ثم قال لنبيه: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَّفْسَكَ أن لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]،
ويقول: ﴿إن نّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السّمَآءِ آيَةً فَظَلّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]،
ثم قال: ﴿مّا يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]،
ويقول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وفي صحيح مسلم عن طاووس: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله يقولون: كل شيء بقدر. وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ:
"كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس"
وفي صحيح مسلم أيضًا عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماءِ"
وفي صحيحه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
"المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. فاحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنى فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاءَ الله فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان"
وفي صحيحه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
"إنَّ النّذْرَ لا يُقَدِّرُ لابن آدمَ شَيئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرَهُ ولَكِنِ النَّذْرُ يُوافِقُ القَدَرَ فَيُخْرِجُ ذَلِكَ مِنَ البَخِيلِ ما لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَهُ"
وفي حديث جبرائيل وسؤاله النبي ﷺ عن الإيمان قال:
"الإيمانُ أنْ تُؤمنَ باللهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ"
وفي الصحيحين حديث ابن مسعود في التخليق وفيه:
"فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" وذكر الطبري الحسن بن على الطوسي أنبأنا محمد بن يزيد الأسفاطي البصري محدِّث البصرة قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله، حديث عبد الله بن مسعود حدثني الصادق المصدوق - أعني حديث القدر - فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو حدثت به. رحم الله عبد الله بن مسعود حيث حدث به، ورحم الله حيث حدث به، ورحم الله الأعمش حيث حدث به، ورحم الله من حدث به قبل الأعمش، ورحم الله من يحدث به بعد الأعمش.
وفى صحيح مسلم عن ابن مسعود:
"الشقي من شقي في بطن أُمه، والسعيد من وعظ بغيره"
وقد روى حديث تقدير السعادة والشقاوة في بطن الأُم من حديث عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعائشة أُم المؤمنين، وحذيفة بن أُسيد، وأبي هريرة.
وقال أبو الحسن بن عبيد الحافظ: سمعت أبا عبد الله بن أبي خيثمة يقول: سمعت عمرو بن علي الفلاس يقول: انحدرت من سُرَّ من رأى إلى بغداد في حاجة لي فبينما أنا أمشي في بعض الطريق إذا بجمجة قد نخِرت فأخذتها، فإذا على الجبهة مكتوب (شقي) والياء مكسورة إلى خلف".
وهؤلاءِ كلهم أئمة حفاظ، ذكره الطبري في السنة.
وفي الصحيحين حديث على عن النبي ﷺ:
"ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة"، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له: أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة"
ثم قرأ: ﴿فأمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَي﴾ [الليل: ٥-١٠]
وفى الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ سئل: أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: "نعم"، قيل له: ففيم يعمل العالمون؟ قال: "نعم، كل ميسر لما خلق له".
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: "دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يدرك السوءَ ولم يعمله، قال: "أو غير ذلك، إن الله تعالى خلق للجنة أهلا، خلقهم
لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم"
وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أُبى بن كعب عن النبي ﷺ قال:
"الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا"
وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ ثم ألقى عليهم من نوره وفي لفظ فجعلهم في واحِدَةٍ، فَأخَذَ مِن نُورِهِ فَألْقاهُ عَلى تِلْكَ الظُّلْمَةِ، فَمَن أصابَهُ النُّورُ اهْتَدى، ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أقُولُ: جَفَّ القَلَمُ عَلى عِلْم الله" وذكر راشد بن سعد عن أبي عبد الرحمن السلمي أن أبا قتادة سمع النبي ﷺ يقول: "خَلَقَ اللهُ آدَمَ وأخْرَجَ الخَلْقَ مِن ظهْرِهِ فَقالَ: هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَؤُلاءِ في النّارِ ولا أُبالِي"، قال: قيل: على ما نعمل؟ قال: "عَلى مَواقعِ القَدَرِ"
وذكر أبو داود في كتاب القدر عن عبد الله بن مسعود أنه مر على رجل فقالوا: هذا هذا .. ونالوا منه، فقال عبد الله: أرأيتم لو قطعتم يده، كنتم تستطيعون أن تخلقوا له يدًا؟ قالوا: لا قال فلو قطع رجله أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رجلًا؟ قالوا لا.
قال: فلو قطع رأْسه، كنتم تستطيعون أن تخلقوا له رأسًا؟
قالوا: لا، قال: فكما لا تستطيعون أن تغيروا خلقه لا تستطيعون أن تغيروا خُلقه، إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث الله ملكًا فكتب أجله وعمله ورزقه وشقى أو سعيد. وذكر فيه عن ابن مسعود مرفوعًا: " إنَّما هُما اثْنَتان: الهَدْى والكَلام فَأحْسَنُ الكَلامِ كَلامُ اللهِ، وأحْسَنُ الهَدْى هَدْى مُحَمَّد، وشَرُّ الأُمُورِ مُحَدَثاتُها، وإنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وإنَّ كُلَّ ما هو آتِ قَرِيب وإنَّ الشَّقِى مَن شَقِى في بَطْن أُمِّهِ والسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ "، وقال ابن وهب: أخبرنى يونس عن ابن شهاب أن عبد الرحمن ابن هنيدة حدثه أن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أراد اللهُ أنْ يَخْلُقَ النَّسَمَة قالَ مَلَكُ الأرْحام تَعْرُّفًا: يا رَبّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ فَيَقْضِى اللهُ أمْرَهُ ثم يقول: يا رب أشقى أم سعيد؟ فيقضي الله أمره، ثُمَّ يَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ما هو لاقٍ حَتّى النَّكْبَةُ يُنْكَبُها"
وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب: أخبرنى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله ﷺ قال: فذكره سواء.
قال الزهري: وحدثني
عبد الرحمن بن أُذينة عن ابن عمر .. مثل ذلك.
فإن قيل فما الفرق بين كون القدر خيرا وشرا وكونه حلوا ومرا؟
قيل الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل والخير والشر يرجع إلى حسن العاقبة وسوئها فهو حلو ومر في مبدأه وأوله وخير وشر في منتهاه وعاقبته، وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارة في الآجل ومرارتها تعقب الحلاوة فحلو الدنيا مر الآخرة ومر الدنيا حلو الآخرة وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر الآلام والآلام تثمر اللذات، والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاما لا يخرج عنه شئ ألبتة، والشر مرجعه إلى اللذات وأسبابها والخير المطلوب هو اللذات الدائمة، والشر المرهوب هو الآلام الدائمة، فأسباب هذه الشرور وإن اشتملت على لذة ما وأسباب تلك خيرات وإن اشتملت على ألم ما فألم يعقب اللذة الدائمة أولى بالإيثار والتحمل من لذة تعقب الألم الدائم فلذة ساعة في جنب ألم طويل كلا لذة وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم.
القمر 54:52
قال عطاء ومقاتل: "كل شيء فعلوه مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ"
وروى حماد بن زيد عن داود بن أبي هند عن الشعبي: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾
قال: "كتب عليهم قبل أن يعملوه"
وقالت طائفة: "المعنى أنه يحصى عليهم في كتب أعمالهم"
وجمع أبو إسحاق بين القولين فقال: "مكتوب عليهم قبل أن يفعلوه، ومكتوب عليهم إذا فعلوه للجزاء"
وهذا أصح. وبالله التوفيق.
القمر 54:54
فسمى الجنة مقعد صدق لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها كما يقال: مودة صادقة إذا كانت ثابتة تامة وحلاوة صادقة وجملة صادقة ومنه الكلام الصدق لحصول مقصوده منه.
وموضع هذه اللفظة في كلامهم الصحة والكمال، ومنه الصدق في الحديث والصدق في العمل والصديق الذي يصدق قوله بالعمل والصدق بالفتح الصلب من الرماح ويقال للرجل الشجاع إنه لذو مصدق. أي صادق الجملة، وهذا مصداق هذا: أي ما يصدقه ومنه الصداقة لصفاء المودة والمخالة، ومنه صدقني القتال وصدقني المودة.
ومنه قدم صدق ولسان صدق ومدخل صدق ومخرج صدق.
وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يرغب فيه بخلاف الكذب الباطل الذي لا شيء تحته ولا يتضمن أمرا ثابتا.
وفسر قوم (قدم صدق) بالجنة وفسر بالأعمال التي تنال بها الجنة وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله، وفسر بالرسول الذي على يده وهدايته نالوا ذلك.
والتحقيق أن الجميع حق فإنهم سبقت لهم من الله الحسنى بتلك السابقة أي بالأسباب التي قدرها لهم على يد رسوله وأدخر لهم جزاءها يوم لقائه ولسان الصدق وهو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال وجميل الطرائق وفي كونه لسان صدق إشارة إلى مطابقته للواقع وأنه ثناء بحق لا بباطل ومدخل الصدق ومخرج الصدق هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنا على الله وهو دخول وخروج بالله ولله.
وهذه الدعوة من أنفع الدعاء للعبد فإنه لا يزال داخلا في أمر وخارجا من أمر فمتى كان دخوله لله وبالله وخروجه كذلك كان قد أدخل مدخل صدق واخرج مخرج صدق والله المستعان.
((الجزء الثامن عشر))
القمر 54:55
فسمى الجنة مقعد صدق لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها كما يقال: مودة صادقة إذا كانت ثابتة تامة وحلاوة صادقة وجملة صادقة ومنه الكلام الصدق لحصول مقصوده منه.
وموضع هذه اللفظة في كلامهم الصحة والكمال، ومنه الصدق في الحديث والصدق في العمل والصديق الذي يصدق قوله بالعمل والصدق بالفتح الصلب من الرماح ويقال للرجل الشجاع إنه لذو مصدق. أي صادق الجملة، وهذا مصداق هذا: أي ما يصدقه ومنه الصداقة لصفاء المودة والمخالة، ومنه صدقني القتال وصدقني المودة.
ومنه قدم صدق ولسان صدق ومدخل صدق ومخرج صدق.
وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يرغب فيه بخلاف الكذب الباطل الذي لا شيء تحته ولا يتضمن أمرا ثابتا.
وفسر قوم (قدم صدق) بالجنة وفسر بالأعمال التي تنال بها الجنة وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله، وفسر بالرسول الذي على يده وهدايته نالوا ذلك.
والتحقيق أن الجميع حق فإنهم سبقت لهم من الله الحسنى بتلك السابقة أي بالأسباب التي قدرها لهم على يد رسوله وأدخر لهم جزاءها يوم لقائه ولسان الصدق وهو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال وجميل الطرائق وفي كونه لسان صدق إشارة إلى مطابقته للواقع وأنه ثناء بحق لا بباطل ومدخل الصدق ومخرج الصدق هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنا على الله وهو دخول وخروج بالله ولله.
وهذه الدعوة من أنفع الدعاء للعبد فإنه لا يزال داخلا في أمر وخارجا من أمر فمتى كان دخوله لله وبالله وخروجه كذلك كان قد أدخل مدخل صدق واخرج مخرج صدق والله المستعان.
((الجزء الثامن عشر))
الرحمن 55:1
دلّت هَذِه الكَلِمات على إعْطائِهِ سُبْحانَهُ مَراتِب الوُجُود بأسرها، فَقَوله ﴿خلق الإنسان﴾ إخْبار عَن الإيجاد الخارِجِي العَيْنِيّ.
وَخص الإنسان بالخلق لما تقدم.
وَقَوله ﴿علم القُرْآن﴾ إخْبار عَن إعْطاء الوُجُود العلمي الذهْنِي، فَإنَّما تعلم الإنسان القُرْآن بتعليمه كَما أنه إنَّما صار إنْسانا بخلقه فَهو الَّذِي خلقه وعلمه.
ثمَّ قالَ ﴿علمه البَيان﴾
والبَيان يتَناوَل مَراتِب راتب ثَلاثَة كل مِنها يُسمى بَيانا:
أحدها: البَيان الذهْنِي الَّذِي يُمَيّز فِيهِ بَين المعلومات
الثّانِي: البَيان
اللَّفْظِيّ الَّذِي يعبر بِهِ عَن تِلْكَ المعلومات ويترجم عَنْها فِيهِ لغيره.
الثّالِث: البَيان الرسمي الخطي الَّذِي يرسم بِهِ تِلْكَ الألفاظ فيتبين النّاظر مَعانِيها كَما يتَبَيَّن للسامع مَعاني الألفاظ.
فَهَذا بَيان للعين، وذاكَ بَيان للسمع.
والأول بَيان للقلب وكَثِيرًا ما يجمع سُبْحانَهُ بَين هَذِه الثَّلاثَة كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسئولا﴾
وَقَوله ﴿والله أخرجكم من بطُون أُمَّهاتكُم لا تعلمُونَ شَيْئا وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكم تشكرون﴾
ويذم من عدم الِانْتِفاع بها في اكْتِساب الهدى والعلم النافع كَقَوْلِه ﴿صم بكم عمي﴾ وقَوله ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أبْصارهم غشاوة﴾.
الرحمن 55:2
دلّت هَذِه الكَلِمات على إعْطائِهِ سُبْحانَهُ مَراتِب الوُجُود بأسرها، فَقَوله ﴿خلق الإنسان﴾ إخْبار عَن الإيجاد الخارِجِي العَيْنِيّ.
وَخص الإنسان بالخلق لما تقدم.
وَقَوله ﴿علم القُرْآن﴾ إخْبار عَن إعْطاء الوُجُود العلمي الذهْنِي، فَإنَّما تعلم الإنسان القُرْآن بتعليمه كَما أنه إنَّما صار إنْسانا بخلقه فَهو الَّذِي خلقه وعلمه.
ثمَّ قالَ ﴿علمه البَيان﴾
والبَيان يتَناوَل مَراتِب راتب ثَلاثَة كل مِنها يُسمى بَيانا:
أحدها: البَيان الذهْنِي الَّذِي يُمَيّز فِيهِ بَين المعلومات
الثّانِي: البَيان
اللَّفْظِيّ الَّذِي يعبر بِهِ عَن تِلْكَ المعلومات ويترجم عَنْها فِيهِ لغيره.
الثّالِث: البَيان الرسمي الخطي الَّذِي يرسم بِهِ تِلْكَ الألفاظ فيتبين النّاظر مَعانِيها كَما يتَبَيَّن للسامع مَعاني الألفاظ.
فَهَذا بَيان للعين، وذاكَ بَيان للسمع.
والأول بَيان للقلب وكَثِيرًا ما يجمع سُبْحانَهُ بَين هَذِه الثَّلاثَة كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسئولا﴾
وَقَوله ﴿والله أخرجكم من بطُون أُمَّهاتكُم لا تعلمُونَ شَيْئا وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكم تشكرون﴾
ويذم من عدم الِانْتِفاع بها في اكْتِساب الهدى والعلم النافع كَقَوْلِه ﴿صم بكم عمي﴾ وقَوله ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أبْصارهم غشاوة﴾.
الرحمن 55:3
دلّت هَذِه الكَلِمات على إعْطائِهِ سُبْحانَهُ مَراتِب الوُجُود بأسرها، فَقَوله ﴿خلق الإنسان﴾ إخْبار عَن الإيجاد الخارِجِي العَيْنِيّ.
وَخص الإنسان بالخلق لما تقدم.
وَقَوله ﴿علم القُرْآن﴾ إخْبار عَن إعْطاء الوُجُود العلمي الذهْنِي، فَإنَّما تعلم الإنسان القُرْآن بتعليمه كَما أنه إنَّما صار إنْسانا بخلقه فَهو الَّذِي خلقه وعلمه.
ثمَّ قالَ ﴿علمه البَيان﴾
والبَيان يتَناوَل مَراتِب راتب ثَلاثَة كل مِنها يُسمى بَيانا:
أحدها: البَيان الذهْنِي الَّذِي يُمَيّز فِيهِ بَين المعلومات
الثّانِي: البَيان
اللَّفْظِيّ الَّذِي يعبر بِهِ عَن تِلْكَ المعلومات ويترجم عَنْها فِيهِ لغيره.
الثّالِث: البَيان الرسمي الخطي الَّذِي يرسم بِهِ تِلْكَ الألفاظ فيتبين النّاظر مَعانِيها كَما يتَبَيَّن للسامع مَعاني الألفاظ.
فَهَذا بَيان للعين، وذاكَ بَيان للسمع.
والأول بَيان للقلب وكَثِيرًا ما يجمع سُبْحانَهُ بَين هَذِه الثَّلاثَة كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسئولا﴾
وَقَوله ﴿والله أخرجكم من بطُون أُمَّهاتكُم لا تعلمُونَ شَيْئا وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكم تشكرون﴾
ويذم من عدم الِانْتِفاع بها في اكْتِساب الهدى والعلم النافع كَقَوْلِه ﴿صم بكم عمي﴾ وقَوله ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أبْصارهم غشاوة﴾.
الرحمن 55:4
دلّت هَذِه الكَلِمات على إعْطائِهِ سُبْحانَهُ مَراتِب الوُجُود بأسرها، فَقَوله ﴿خلق الإنسان﴾ إخْبار عَن الإيجاد الخارِجِي العَيْنِيّ.
وَخص الإنسان بالخلق لما تقدم.
وَقَوله ﴿علم القُرْآن﴾ إخْبار عَن إعْطاء الوُجُود العلمي الذهْنِي، فَإنَّما تعلم الإنسان القُرْآن بتعليمه كَما أنه إنَّما صار إنْسانا بخلقه فَهو الَّذِي خلقه وعلمه.
ثمَّ قالَ ﴿علمه البَيان﴾
والبَيان يتَناوَل مَراتِب راتب ثَلاثَة كل مِنها يُسمى بَيانا:
أحدها: البَيان الذهْنِي الَّذِي يُمَيّز فِيهِ بَين المعلومات
الثّانِي: البَيان
اللَّفْظِيّ الَّذِي يعبر بِهِ عَن تِلْكَ المعلومات ويترجم عَنْها فِيهِ لغيره.
الثّالِث: البَيان الرسمي الخطي الَّذِي يرسم بِهِ تِلْكَ الألفاظ فيتبين النّاظر مَعانِيها كَما يتَبَيَّن للسامع مَعاني الألفاظ.
فَهَذا بَيان للعين، وذاكَ بَيان للسمع.
والأول بَيان للقلب وكَثِيرًا ما يجمع سُبْحانَهُ بَين هَذِه الثَّلاثَة كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسئولا﴾
وَقَوله ﴿والله أخرجكم من بطُون أُمَّهاتكُم لا تعلمُونَ شَيْئا وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكم تشكرون﴾
ويذم من عدم الِانْتِفاع بها في اكْتِساب الهدى والعلم النافع كَقَوْلِه ﴿صم بكم عمي﴾ وقَوله ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أبْصارهم غشاوة﴾.
الرحمن 55:6
(فصل)
تَأمل الحِكْمَة في خلق الوَرق فَإنّك ترى في الورقة الواحِدَة من جملَة العُرُوق الممتدة فِيها المبثوثة فِيها ما يبهر النّاظر فَمِنها غِلاظ ممتدة في الطول والعرض ومِنها دقاق تتخلل تِلْكَ الغِلاظ منسوجة نسجا دَقِيقًا معجبا لَو كانَ مِمّا يتَوَلّى البشر صنع مثله بِأيْدِيهِم لما فرغوا من ورقة في عام كامِل ولاحتاجوا فِيهِ إلى آلات وحركات وعلاج تعجز قدرتهم عَن تَحْصِيله فَبَثَّ الخلاق العَلِيم في أيّام قَلائِل من ذَلِك ما يمْلَأ الأرض سهلها وجبالها بِلا آلات ولا معِين ولا معالجة أن هي إلّا أرادته النافذة في كل شَيْء وقدرته الَّتِي لا يمْتَنع مِنها شَيْء إنَّما أمره إذا أراد شَيْئا أن يَقُول لَهُ كن فَيكون فَتَأمل الحِكْمَة في تِلْكَ العُرُوق المتخللة الورقة باسرها لتسقيها وتوصل إليها المادَّة فتحفظ عَلَيْها حَياتها ونضارتها بِمَنزِلَة العُرُوق المبثوثة في الأبدان الَّتِي توصل الغذاء إلى كل جُزْء مِنهُ وتَأمل ما في العُرُوق الغِلاظ من إمْساكها الوَرق بصلابتها ومتانتها لِئَلّا تتمزق وتضمحل فَهي بِمَنزِلَة الأعصاب لبدن الحَيَوان فتراها قد أحكمت صنعتها ومدت العُرُوق في طولها وعرضها لتتماسك فَلا يعرض لَها التمزق ثمَّ تَأمل حِكْمَة اللَّطِيف الخَبِير في كَونها جعلت زِينَة للشجر وسترا ولباسا للثمرة ووقاية لَها من الآفات الَّتِي تمنع كمالها.
وَلِهَذا إذا جردت الشَّجَرَة عَن ورقها فَسدتْ الثَّمَرَة ولم ينْتَفع بها وانْظُر كَيفَ جعلت وقاية لمنبت الثَّمَرَة الضعيفة من اليبس فَإذا ذهبت الثَّمَرَة بَقِي الوَرق وقاية لتلك الافنان الضعيفة من الحر حَتّى إذا طفئت تِلْكَ الجَمْرَة ولم يضر الأفنان عراها من ورقها وسلبها إيّاه لتكتسى لباسا جَدِيدا أحسن مِنهُ فتبارك الله رب العالمين الَّذِي يعلم مساقط تِلْكَ الأوراق ومنابتها، فَلا تخرج مِنها ورقة إلا بإذنه ولا تسْقط إلا بِعِلْمِهِ.
وَمَعَ هَذا فَلَو شاهدها العبادعلى كثرتها وتنوعها وهِي تسبح بِحَمْد رَبها مَعَ الثِّمار والأفنان والأشجار لشاهدوا من جمالها أمرًا آخر ولرأوا خلقتها بِعَين أخرى، ولعلموا أنها لشأن عَظِيم خلقت، وأنَّها لم تخلق سدى قالَ تَعالى ﴿والنجم والشَّجر يسجدان﴾
فالنجم ما لَيْسَ لَهُ ساق من النَّبات والشَّجر ما له ساق، وكلها ساجِدَة لله مسبحة بِحَمْدِهِ ﴿وَإن من شَيْء إلّا يسبح بِحَمْدِهِ ولَكِن لا تفقهون تسبيحهم إنَّه كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾
ولعلك أن تكون مِمَّن غلظ حجابه فَذهب إلى أن التَّسْبِيح دلالتها على صانعها فَقَط فاعْلَم أن هَذا القَوْل يظْهر بُطْلانه من أكثر من ثَلاثِينَ وجها قد ذكرنا أكثرها في مَوضِع آخر.
الرحمن 55:12
(فصل)
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
«مَن عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحانٌ، فَلا يَرُدَّهُ، فَإنَّهُ خَفِيفُ المَحْمِلِ، طَيِّبُ الرّائِحَةِ»
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ ": مِن حَدِيثِ أسامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«ألا مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ، فَإنَّ الجَنَّةَ لا خَطَرَ لَها، هي ورَبِّ الكَعْبَةِ، نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، ورَيْحانَةٌ تَهْتَزُّ، وقَصْرٌ مَشِيدٌ، ونَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وزَوْجَةٌ حَسْناءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَلٌ كَثِيرَةٌ في مَقامٍ أبَدًا، في حِبَرَةٍ ونَضْرَةٍ، في دُورٍ عالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ، قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَها قالَ: قُولُوا: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ القَوْمُ: إنْ شاءَ اللَّهُ»
الرَّيْحانُ كُلُّ نَبْتٍ طَيِّبِ الرِّيحِ، فَكُلُّ أهْلِ بَلَدٍ يَخُصُّونَهُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأهْلُ الغَرْبِ يَخُصُّونَهُ بِالآسِ، وهو الَّذِي يَعْرِفُهُ العَرَبُ مِنَ الرَّيْحانِ، وأهْلُ العِراقِ والشّامِ يَخُصُّونَهُ بِالحَبَقِ.
فَأمّا الآسُ، فَمِزاجُهُ بارِدٌ في الأُولى، يابِسٌ في الثّانِيَةِ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُرَكَّبٌ مِن قُوًى مُتَضادَّةٍ، والأكْثَرُ فِيهِ الجَوْهَرُ الأرْضِيُّ البارِدُ، وفِيهِ شَيْءٌ حارٌّ لَطِيفٌ، وهو يُجَفِّفُ تَجْفِيفًا قَوِيًّا، وأجْزاؤُهُ مُتَقارِبَةُ القُوَّةِ، وهي قُوَّةٌ قابِضَةٌ حابِسَةٌ مِن داخِلٍ وخارِجٍ مَعًا.
وَهُوَ قاطِعٌ لِلْإسْهالِ الصَّفْراوِيِّ، دافِعٌ لِلْبُخارِ الحارِّ الرَّطْبِ إذا شُمَّ، مُفْرِحٌ لِلْقَلْبِ تَفْرِيحًا شَدِيدًا، وشَمُّهُ مانِعٌ لِلْوَباءِ، وكَذَلِكَ افْتِراشُهُ في البَيْتِ.
وَيُبْرِئُ الأوْرامَ الحادِثَةَ في الحالِبَيْنِ إذا وُضِعَ عَلَيْها، وإذا دُقَّ ورَقُهُ وهو غَضٌّ وضُرِبَ بِالخَلِّ، ووُضِعَ عَلى الرَّأْسِ، قَطَعَ الرُّعافَ، وإذا سُحِقَ ورَقُهُ اليابِسُ، وذُرَّ عَلى القُرُوحِ ذَواتِ الرُّطُوبَةِ نَفَعَها، ويُقَوِّي الأعْضاءَ الواهِيَةَ إذا ضُمِّدَ بِهِ، ويَنْفَعُ داءَ الدّاحِسِ، وإذا ذُرَّ عَلى البُثُورِ والقُرُوحِ الَّتِي في اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، نَفَعَها.
وَإذا دُلِّكَ بِهِ البَدَنُ قَطَعَ العَرَقَ، ونَشَّفَ الرُّطُوباتِ الفَضْلِيَّةَ، وأذْهَبَ نَتْنَ الإبِطِ، وإذا جُلِسَ في طَبِيخِهِ، نَفَعَ مِن خَرارِيجِ المَقْعَدَةِ والرَّحِمِ، ومِنِ اسْتِرْخاءِ المَفاصِلِ، وإذا صُبَّ عَلى كُسُورِ العِظامِ الَّتِي لَمْ تَلْتَحِمْ، نَفَعَها.
وَيَجْلُو قُشُورَ الرَّأْسِ وقُرُوحَهُ الرَّطْبَةَ، وبُثُورَهُ، ويُمْسِكُ الشَّعْرَ المُتَساقِطَ ويُسَوِّدُهُ، وإذا دُقَّ ورَقُهُ وصُبَّ عَلَيْهِ ماءٌ يَسِيرٌ، وخُلِطَ بِهِ شَيْءٌ مِن زَيْتٍ أوْ دُهْنِ الوَرْدِ، وضُمِّدَ بِهِ وافَقَ القُرُوحَ الرَّطْبَةَ والنَّمْلَةَ والحُمْرَةَ، والأوْرامَ الحادَّةَ، والشَّرى والبَواسِيرَ.
وَحَبُّهُ نافِعٌ مَن نَفْثِ الدَّمِ العارِضِ في الصَّدْرِ والرِّئَةِ، دابِغٌ لِلْمَعِدَةِ ولَيْسَ بِضارٍّ لِلصَّدْرِ ولا الرِّئَةِ لِجَلاوَتِهِ، وخاصِّيَّتُهُ النَّفْعُ مِنِ اسْتِطْلاقِ البَطْنِ مَعَ السُّعالِ، وذَلِكَ نادِرٌ في الأدْوِيَةِ، وهو مُدِرٌّ لِلْبَوْلِ، نافِعٌ مَن لَذْعِ المَثانَةِ وعَضِّ الرُّتَيْلاءِ، ولَسْعِ العَقارِبِ، والتَّخَلُّلُ بِعِرْقِهِ مُضِرٌّ، فَلْيُحْذَرْ.
وَأمّا الرَّيْحانُ الفارِسِيُّ الَّذِي يُسَمّى الحَبَقَ، فَحارٌّ في أحَدِ القَوْلَيْنِ، يَنْفَعُ شَمُّهُ مِنَ الصُّداعِ الحارِّ إذا رُشَّ عَلَيْهِ الماءُ، ويُبَرِّدُ، ويُرَطِّبُ بِالعَرَضِ، وبارِدٌ في الآخَرِ، وهَلْ هو رَطْبٌ أوْ يابِسٌ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
والصَّحِيحُ: أنَّ فِيهِ مِنَ الطَّبائِعِ الأرْبَعِ، ويَجْلِبُ النَّوْمَ، وبَزْرُهُ حابِسٌ لِلْإسْهالِ الصَّفْراوِيِّ، ومُسَكِّنٌ لِلْمَغَصِ، مُقَوٍّ لِلْقَلْبِ، نافِعٌ لِلْأمْراضِ السَّوْداوِيَّةِ.
الرحمن 55:17
(فصل: المشرق والمغرب بين الجمع والتثنية والإفراد)
ومن هذا المعنى مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة مجموعين وتارة مثنيين وتارة مفردين لاختصاص كل محل بما يقتضيه من ذلك فالأول كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾
والثاني كقوله: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
والثالث كقوله: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلاّ هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾
فتأمل هذه الحكمة البالغة في تغاير هذه المواضع في الإفراد والجمع والتثنية بحسب موادها يطلعك على عظمة القرآن الكريم وجلالته وأنه تنزيل من حكيم حميد فحيث جمعت كان المراد بها مشارق الشمس ومغاربها في أيام السنة وهي متعددة وحيث أفردت كان المراد أفقي المشرق والمغرب وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وهبوطها ومغربيهما فإنها تبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء: فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا، ويقابلها مغرباها فهذا وجه اختلاف هذه في الإفراد والتثنية والجمع.
وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه فلم أر أحدا تعرض له ولا فتح بابه وهو بحمد الله بين من السياق.
فتأمل وروده مثنى في سورة الرحمن لما كان مساق السورة مساق المثاني المزدوجات فذكر أولا نوعي الإيجاد وهما الخلق والتعظيم، ثم ذكر سراجي العالم ومظهري نوره وهما الشمس والقمر، ثم ذكر نوعي النبات ما قام منه على ساق وما انبسط منه على وجه الأرض وهما النجم والشجر، ثم ذكر نوعي السماء المرفوعة والأرض الموضوعة، وأخبر أنه رفع هذه ووضع هذه، ووسط بينهما ذكر الميزان، ثم ذكر العدل والظلم في الميزان، فأمر بالعدل ونهى عن الظلم، ذكر نوعي الخارج من الأرض وهما الحبوب والثمار، ثم ذكر خلق نوعي المكلفين وهما نوع الإنسان ونوع الجان، ثم ذكر نوعي المشرقين ونوعي المغربين،
ثم ذكر بعد ذلك البحرين الملح والعذب، فتأمل حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة وجلالة ورودهما لذلك، وقدر موضعهما اللفظ مفردا ومجموعا تجد السمع ينبو عنه ويشهد العقل بمنافرته للنظم.
ثم تأمل ورودهما مفردين في سورة المزمل لما تقدمهما ذكر الليل والنهار، فأمر رسوله علي الصلاة والسلام بقيام الليل، ثم أخبره أن له في النهار سبحا طويلا، فلما تقدم ذكر الليل وما أمر به فيه، وذكر النهار وما يكون منه فيه عقب ذلك بذكر المشرق والمغرب اللذين هما مظهر الليل والنهار فكان ورودهما مفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع، لأن ظهور الليل والنهار هما واحد، فالنهار أبدا يظهر من المشرق، والليل أبدا يظهر من المغرب.
ثم تأمل مجيئهما مجموعين في سورة المعارج في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾
لما كان هذا القسم في سياق سعة ربوبيته وإحاطة قدرته والمقسم عليه أرباب هؤلاء والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب لتضمنهما انتقال الشمس التي هي أحد آياته العظيمة الكبيرة ونقله سبحانه لها وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب فمن فعل هذا كيف يعجزه أن يبدل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم وأيضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهور وقد جعل الله تعالى ذلك بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات وأحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى غيره ويبدل الحر بالبرد والبرد بالحر والصيف بالشتاء والشتاء بالصيف إلى سائر تبدل أحوال الحيوان والنبات والرياح والأمطار والثلوج وغير ذلك من التبدلات والتغيرات الواقعة في العالم بسبب اختلاف مشارق الشمس ومغاربها كان ذلك تقدير العزيز العليم فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه من ذلك على أن يبدل خيرا منهم، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظة الجمع.
ثم تأمل كيف جاءت أيضا في سورة الصافات مجموعة في قوله: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾
لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة وهي السماوات والأرض وما بينهما كان الأحسن مجيئها مجموعة لينتظم مع ما تقدم من الجمع والتعدد ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب لاقتضاء الحال لذلك فإن المشارق مظهر الأنوار وأسباب انتشار الحيوان وحياته وتصرفه ومعاشه وانبساطه، فهو إنشاء مشهود فقدمه بين يدي الرد على منكري البعث، ثم ذكر تعجب بنيه من تكذيبهم واستبعادهم البعث بعد الموت ثم قدر الموت وحالهم فيه وكان الاقتصار على ذكر المشارق هاهنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب والله أعلم ...
(فصل)
وقال في (التبيان في أقسام القرآن)
قوله تعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾
قيل هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما يناسبه فجاء في سورة الرحمن ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾
لأنها سورة ذكرت فيها المزدوجات، فذكر فيها الخلق والتعليم، والشمس والقمر، والنجوم والشجر، والسماء والأرض، والحب والثمر، والجن والإنس، ومادة أبي البشر، وأبي الجن، والبحرين، والجنة والنار، وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين، وجنتين دونهما.
وأخبر أن في كل جنة عينين.
فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين.
(فصل)
وذكر الترمذي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
"خرج رسول الله على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد"
الرحمن 55:18
(فصل: المشرق والمغرب بين الجمع والتثنية والإفراد)
ومن هذا المعنى مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة مجموعين وتارة مثنيين وتارة مفردين لاختصاص كل محل بما يقتضيه من ذلك فالأول كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾
والثاني كقوله: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
والثالث كقوله: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلاّ هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾
فتأمل هذه الحكمة البالغة في تغاير هذه المواضع في الإفراد والجمع والتثنية بحسب موادها يطلعك على عظمة القرآن الكريم وجلالته وأنه تنزيل من حكيم حميد فحيث جمعت كان المراد بها مشارق الشمس ومغاربها في أيام السنة وهي متعددة وحيث أفردت كان المراد أفقي المشرق والمغرب وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وهبوطها ومغربيهما فإنها تبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء: فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا، ويقابلها مغرباها فهذا وجه اختلاف هذه في الإفراد والتثنية والجمع.
وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه فلم أر أحدا تعرض له ولا فتح بابه وهو بحمد الله بين من السياق.
فتأمل وروده مثنى في سورة الرحمن لما كان مساق السورة مساق المثاني المزدوجات فذكر أولا نوعي الإيجاد وهما الخلق والتعظيم، ثم ذكر سراجي العالم ومظهري نوره وهما الشمس والقمر، ثم ذكر نوعي النبات ما قام منه على ساق وما انبسط منه على وجه الأرض وهما النجم والشجر، ثم ذكر نوعي السماء المرفوعة والأرض الموضوعة، وأخبر أنه رفع هذه ووضع هذه، ووسط بينهما ذكر الميزان، ثم ذكر العدل والظلم في الميزان، فأمر بالعدل ونهى عن الظلم، ذكر نوعي الخارج من الأرض وهما الحبوب والثمار، ثم ذكر خلق نوعي المكلفين وهما نوع الإنسان ونوع الجان، ثم ذكر نوعي المشرقين ونوعي المغربين،
ثم ذكر بعد ذلك البحرين الملح والعذب، فتأمل حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة وجلالة ورودهما لذلك، وقدر موضعهما اللفظ مفردا ومجموعا تجد السمع ينبو عنه ويشهد العقل بمنافرته للنظم.
ثم تأمل ورودهما مفردين في سورة المزمل لما تقدمهما ذكر الليل والنهار، فأمر رسوله علي الصلاة والسلام بقيام الليل، ثم أخبره أن له في النهار سبحا طويلا، فلما تقدم ذكر الليل وما أمر به فيه، وذكر النهار وما يكون منه فيه عقب ذلك بذكر المشرق والمغرب اللذين هما مظهر الليل والنهار فكان ورودهما مفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع، لأن ظهور الليل والنهار هما واحد، فالنهار أبدا يظهر من المشرق، والليل أبدا يظهر من المغرب.
ثم تأمل مجيئهما مجموعين في سورة المعارج في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾
لما كان هذا القسم في سياق سعة ربوبيته وإحاطة قدرته والمقسم عليه أرباب هؤلاء والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب لتضمنهما انتقال الشمس التي هي أحد آياته العظيمة الكبيرة ونقله سبحانه لها وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب فمن فعل هذا كيف يعجزه أن يبدل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم وأيضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهور وقد جعل الله تعالى ذلك بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات وأحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى غيره ويبدل الحر بالبرد والبرد بالحر والصيف بالشتاء والشتاء بالصيف إلى سائر تبدل أحوال الحيوان والنبات والرياح والأمطار والثلوج وغير ذلك من التبدلات والتغيرات الواقعة في العالم بسبب اختلاف مشارق الشمس ومغاربها كان ذلك تقدير العزيز العليم فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه من ذلك على أن يبدل خيرا منهم، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظة الجمع.
ثم تأمل كيف جاءت أيضا في سورة الصافات مجموعة في قوله: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾
لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة وهي السماوات والأرض وما بينهما كان الأحسن مجيئها مجموعة لينتظم مع ما تقدم من الجمع والتعدد ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب لاقتضاء الحال لذلك فإن المشارق مظهر الأنوار وأسباب انتشار الحيوان وحياته وتصرفه ومعاشه وانبساطه، فهو إنشاء مشهود فقدمه بين يدي الرد على منكري البعث، ثم ذكر تعجب بنيه من تكذيبهم واستبعادهم البعث بعد الموت ثم قدر الموت وحالهم فيه وكان الاقتصار على ذكر المشارق هاهنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب والله أعلم ...
(فصل)
وقال في (التبيان في أقسام القرآن)
قوله تعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾
قيل هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما يناسبه فجاء في سورة الرحمن ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾
لأنها سورة ذكرت فيها المزدوجات، فذكر فيها الخلق والتعليم، والشمس والقمر، والنجوم والشجر، والسماء والأرض، والحب والثمر، والجن والإنس، ومادة أبي البشر، وأبي الجن، والبحرين، والجنة والنار، وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين، وجنتين دونهما.
وأخبر أن في كل جنة عينين.
فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين.
(فصل)
وذكر الترمذي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
"خرج رسول الله على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد"
الرحمن 55:26
لم يقل «فيها» لأن عند الفناء ليس الحال حال القرار والتمكين.
[فَصْلٌ: الفَناءُ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: (بابُ الفَناءِ) قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]. ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].
الفَناءُ المَذْكُورُ في الآيَةِ: لَيْسَ هو الفَناءَ الَّذِي تُشِيرُ إلَيْهِ الطّائِفَةُ، فَإنَّ الفَناءَ في الآيَةِ الهَلاكُ والعَدَمُ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ كُلَّ مَن عَلى الأرْضِ يُعْدَمُ ويَمُوتُ، ويَبْقى وجْهُهُ سُبْحانَهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]
وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]
قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأرْضِ، فَلَمّا قالَ تَعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]
أيْقَنَتِ المَلائِكَةُ بِالهَلاكِ، قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا قَرَأْتَ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]
فَلا تَسْكُتْ حَتّى تَقْرَأ ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧]
وَهَذا مِن فِقْهِهِ في القُرْآنِ وكَمالِ عِلْمِهِ، إذِ المَقْصُودُ: الإخْبارُ بِفَناءِ مَن عَلَيْها مَعَ بَقاءِ وجْهِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِتَمْدَحَهُ بِالبَقاءِ وحْدَهُ، ومُجَرَّدُ فَناءِ الخَلِيقَةِ لَيْسَ فِيهِ مَدْحُهُ، إنَّما المَدْحُ في بَقائِهِ بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، فَهي نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وَأمّا الفَناءُ الَّذِي تُتَرْجِمُ عَنْهُ الطّائِفَةُ: فَأمْرٌ غَيْرُ هَذا، ولَكِنْ وُجِدَ الإشارَةُ بِالآيَةِ: أنَّ الفَناءَ المُشارَ إلَيْهِ هو ذَهابُ القَلْبِ، وخُرُوجُهُ مِن هَذا العالَمِ وتَعَلُّقُهُ بِالعَلِيِّ الكَبِيرِ الَّذِي لَهُ البَقاءُ فَلا يُدْرِكُهُ الفَناءُ، ومَن فَنِيَ في مَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ وإرادَةِ وجْهِهِ أوْصَلَهُ هَذا الفَناءُ إلى مَنزِلِ البَقاءِ، فالآيَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ العَبْدَ حَقِيقٌ أنْ لا يَتَعَلَّقَ بِمَن هو فانٍ، ويَذَرَ مَن لَهُ البَقاءُ، وهو ذُو الجَلالِ والإكْرامِ، فَكَأنَّها تَقُولُ: إذا تَعَلَّقْتَ بِمَن هو فانٍ انْقَطَعَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ عِنْدَ فَنائِهِ أحْوَجُ ما تَكُونُ إلَيْهِ، وإذا تَعَلَّقْتَ بِمَن هو باقٍ لا يَفْنى لَمْ يَنْقَطِعْ تَعَلُّقُكَ ودامَ بِدَوامِهِ.
والفَناءُ الَّذِي يُتَرْجَمُ عَلَيْهِ هو غايَةُ التَّعَلُّقِ ونِهايَتُهُ، فَإنَّهُ انْقِطاعٌ عَمّا سِوى الرَّبِّ تَعالى مِن كُلِّ وجْهٍ، ولِذَلِكَ قالَ:
" الفَناءُ في هَذا البابِ: اضْمِحْلالُ ما دُونَ الحَقِّ عِلْمًا، ثُمَّ جَحْدًا، ثُمَّ حَقًّا ".
قُلْتُ: " الفَناءُ " ضِدُّ " البَقاءِ "، والباقِي: إمّا باقٍ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى مَن يُبْقِيهِ، بَلْ بَقاؤُهُ مِن لَوازِمِ نَفْسِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ، وما سِواهُ فَبَقاؤُهُ بِبَقاءِ الرَّبِّ، ولَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ بَقاءٌ، كَما أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ وُجُودٌ، فَإيجادُهُ وإبْقاؤُهُ مِن رَبِّهِ وخالِقِهِ، وإلّا فَهو لَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ إلّا العَدَمُ قَبْلَ إيجادِهِ، والفَناءُ بَعْدَ إيجادِهِ.
وَلَيْسَ المَعْنى: أنَّ نَفْسَهُ وذاتَهُ اقْتَضَتْ عَدَمَهُ وفَناءَهُ، وإنَّما الفَناءُ أنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى ذاتِهِ - بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إيجادِ مُوجِدِهِ لَهُ - كانَ مَعْدُومًا، وإذا نَظَرْتَ إلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِهِ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إبْقاءِ مُوجِدِهِ لَهُ - اسْتَحالَ بَقاؤُهُ، فَإنَّهُ إنَّما يَبْقى بِإبْقائِهِ، كَما أنَّهُ إنَّما يُوجَدُ بِإيجادِهِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِنا: إنَّهُ نَفْسَهُ مَعْدُومٌ وفانٍ، فافْهَمْهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ: هَلْ إفْناءُ المَوْجُودِ وإعْدامُهُ بِخَلْقِ عَرَضٍ فِيهِ يُسَمّى الفَناءُ والإعْدامُ؟ أمْ بِإمْساكِ خَلْقِ البَقاءِ لَهُ، إذْ هو في كُلِّ وقْتٍ مُحْتاجٌ إلى أنْ يَخْلُقَ لَهُ بَقاءً يُبْقِيهِ؟ وهي مَسْألَةُ الإعْدامِ المَشْهُورَةُ.
والتَّحْقِيقُ فِيها: أنَّ ذاتَهُ لا تَقْتَضِي الوُجُودَ، وهو مَعْدُومٌ بِنَفْسِهِ، فَإذا قَدَّرَ الرَّبُّ تَعالى لِوُجُودِهِ أجَلًا ووَقْتًا انْتَهى وُجُودُهُ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ، فَرَجَعَ إلى أصْلِهِ وهو العَدَمُ، نَعَمْ قَدْ يُقَدِّرُ لَهُ وقْتًا ثُمَّ يَمْحُو سُبْحانَهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، ويُرِيدُ إعْدامَهُ قَبْلَ وقْتِهِ، كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ يَمْحُو ما يَشاءُ، ويُرِيدُ اسْتِمْرارَ وجُودِهِ بَعْدَ الوَقْتِ المُقَدَّرِ إلى أمَدٍ آخَرَ، فَإنَّهُ يَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، قالَ اللَّهُ تَعالى حاكِيًا عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ - أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ - يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٢-٤] فَإذا أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إبْقاءَ الشَّيْءِ أبْقاهُ إلى حِينِ يَشاءُ، وإذا أرادَ إفْناءَهُ أعْدَمَهُ بِمَشِيئَتِهِ، كَما يُوجِدُهُ بِمَشِيئَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: مُتَعَلِّقُ المَشِيئَةِ لابُدَّ أنْ يَكُونَ أمْرًا وُجُودِيًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ العَدَمُ مُتَعَلِّقَ المَشِيئَةِ؟
قِيلَ: مُتَعَلِّقُ المَشِيئَةِ أمْرانِ: إيجادٌ، وإعْدامٌ، وكِلاهُما مُمْكِنٌ، فَقَوْلُ القائِلِ لابُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ المَشِيئَةِ أمْرًا وُجُودِيًا دَعْوى باطِلَةٌ، نَعَمُ، العَدَمُ المَحْضُ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ المَشِيئَةُ، وأمّا الإعْدامُ: فَهو أخَصُّ مِنَ العَدَمِ.
وَلَوْلا أنّا في أمْرٍ أخَصَّ مِن هَذا لَبَسَطْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وذَكَرْنا أوْهامَ النّاسِ وأغْلاطَهم فِيها.
وَقَوْلُهُ " الفَناءُ اسْمٌ لِاضْمِحْلالِ ما دُونَ الحَقِّ عِلْمًا " يَعْنِي: يَضْمَحِلُّ عَنِ القَلْبِ والشُّهُودِ عِلْمًا، وإنْ لَمْ تَكُنْ ذاتُهُ فانِيَةً في الحالِ مُضْمَحِلَّةً، فَتَغِيبُ صُوَرُ المَوْجُوداتِ في شُهُودِ العَبْدِ، بِحَيْثُ تَكُونُ كَأنَّها دَخَلَتْ في العَدَمِ، كَما كانَتْ قَبْلَ أنْ تُوجَدَ، ويَبْقى الحَقُّ تَعالى ذُو الجَلالِ والإكْرامِ وحْدَهُ في قَلْبِ الشّاهِدِ، كَما كانَ وحْدَهُ قَبْلَ إيجادِ العَوالِمِ.
قَوْلُهُ " عِلْمًا، ثُمَّ جَحْدًا، ثُمَّ حَقًّا " هَذِهِ الثَّلاثَةُ هي مَراتِبُ الِاضْمِحْلالِ إذا ورَدَ عَلى العَبْدِ عَلى التَّرْتِيبِ، فَإذا جاءَ وهْلَةً واحِدَةً لَمْ يَشْهَدْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ يَعْرِفُ ذَلِكَ إذا عادَ إلى عِلْمِهِ وشُهُودِهِ، فَإنَّ الرَّبَّ سُبْحانَهُ إذا رَقّى عَبْدَهُ بِالتَّدْرِيجِ نَوَّرَ باطِنَهُ وعَقْلَهُ بِالعِلْمِ، فَرَأى أنَّهُ لا خالِقَ سِواهُ، ولا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا يَمْلِكُ الضُّرَّ والنَّفْعَ والعَطاءَ والمَنعَ غَيْرُهُ، وأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ - بِنِهايَةِ الخُضُوعِ والحُبِّ - سِواهُ، وكُلُّ مَعْبُودٍ سِوى وجْهِهِ الكَرِيمِ فَباطِلٌ، فَهَذا تَوْحِيدُ العِلْمِ.
ثُمَّ إذا رَقّاهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ دَرَجَةً أُخْرى فَوْقَ هَذِهِ أشْهَدَهُ عَوْدَ المَفْعُولاتِ إلى أفْعالِهِ سُبْحانَهُ، وعَوْدَ أفْعالِهِ إلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وقِيامَ صِفاتِهِ بِذاتِهِ، فَيَضْمَحِلُّ شُهُودُ غَيْرِهِ مِن قَلْبِهِ، وجَحَدَ أنْ يَكُونَ لِسِواهُ مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ، ولَمْ يَجْحَدِ السَّوِيُّ كَما يَجْحَدُهُ المَلاحِدَةُ، فَإنَّ هَذا الجُحُودَ عَيْنُ الإلْحادِ.
ثُمَّ إذا رَقّاهُ دَرَجَةً أُخْرى؛ أشْهَدَهُ قِيامَ العَوالِمِ كُلِّها - جَواهِرِها وأعْراضِها، ذَواتِها وصِفاتِها - بِهِ وحْدَهُ، أيْ بِإقامَتِهِ لَها وإمْساكِهِ لَها، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا، ويُمْسِكُ البِحارَ أنْ تَغِيضَ أوْ تَفِيضَ عَلى العالَمِ، ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ، ويُمْسِكُ الطَّيْرَ في الهَواءِ صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ، ويُمْسِكُ القُلُوبَ المُوقِنَةَ أنْ تَزِيغَ عَنِ الإيمانِ، ويُمْسِكُ حَياةَ الحَيَوانِ أنْ تُفارِقَهُ إلى الأجَلِ المَحْدُودِ، ويُمْسِكُ عَلى المَوْجُوداتِ وُجُودَها، ولَوْلا ذَلِكَ لاضْمَحَلَّتْ وتَلاشَتْ، والكُلُّ قائِمٌ بِأفْعالِهِ وصِفاتِهِ الَّتِي هي مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، فَلَيْسَ الوُجُودُ الحَقِيقِيُّ إلّا لَهُ، أعْنِي الوُجُودَ الَّذِي هو مُسْتَغْنٍ فِيهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ، لا قِيامَ لَهُ بِنَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
وَلَمّا كانَ لِلْفَناءِ مَبْدَأٌ وتَوَسُّطٌ وغايَةٌ؛ أشارَ إلى مَراتِبِهِ الثَّلاثَةِ، فالمَرْتَبَةُ الأُولى: فَناءُ أهْلِ العِلْمِ المُتَحَقِّقِينَ بِهِ، والثّانِيَةُ: فَناءُ أهْلِ السُّلُوكِ والإرادَةِ، والثّالِثَةُ: فَناءُ أهْلِ المَعْرِفَةِ، المُسْتَغْرِقِينَ في شُهُودِ الحَقِّ سُبْحانَهُ.
فَأوَّلُ الأمْرِ، أنْ تَفْنى قُوَّةُ عِلْمِهِ وشُعُورِهِ بِالمَخْلُوقِينَ في جَنْبِ عَلَمِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ وحُقُوقِهِ، ثُمَّ يَقْوى ذَلِكَ حَتّى يَعُدَّهم كالأمْواتِ وكالعَدَمِ، ثُمَّ يَقْوى ذَلِكَ حَتّى يَغِيبَ عَنْهُمْ، بِحَيْثُ يُكَلَّمُ ولا يَسْمَعُ، ويُمَرُّ بِهِ ولا يَرى، وذَلِكَ أبْلَغُ مِن حالِ السُّكْرِ، ولَكِنْ لا تَدُومُ لَهُ هَذِهِ الحالُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعِيشَ عَلَيْها.
[دَرَجاتُ الفَناءِ]
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الأُولى فَناءُ المَعْرِفَةِ في المَعْرُوفِ]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ، الدَّرَجَةُ الأُولى: فَناءُ المَعْرِفَةِ في المَعْرُوفِ، وهو الفَناءُ عِلْمًا، وفَناءُ العِيانِ في المُعايَنِ، وهو الفَناءُ جَحْدًا، وفَناءُ الطَّلَبِ في الوُجُودِ، وهو الفَناءُ حَقًّا.
هَذا تَفْصِيلُ ما أجْمَلَهُ أوَّلًا، ونُبَيِّنُ ما أرادُوا بِالعِلْمِ، والجَحْدِ، والحَقِّ.
فَفَناءُ المَعْرِفَةِ في المَعْرُوفِ: هو غَيْبَةُ العارِفِ بِمَعْرُوفِهِ عَنْ شُعُورِهِ بِمَعْرِفَتِهِ ومَعانِيها فَيَفْنى بِهِ سُبْحانَهُ عَنْ وصْفِهِ هُنا وما قامَ بِهِ، فَإنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُهُ ووَصْفُهُ، فَإذا اسْتَغْرَقَ في شُهُودِ المَعْرُوفِ فَنِيَ عَنْ صِفَةِ نَفْسِهِ وفِعْلِها، ولَمّا كانَتِ المَعْرِفَةُ فَوْقَ العِلْمِ وأخَصَّ مِنهُ كانَ فَناءُ المَعْرِفَةِ في المَعْرُوفِ مُسْتَلْزِمًا لِفَناءِ العِلْمِ في المَعْرِفَةِ، فَيَفْنى أوَّلًا في المَعْرِفَةِ ثُمَّ تَفْنى المَعْرِفَةُ في المَعْرُوفِ.
وَأمّا فَناءُ العِيانِ في المُعايَنِ: فالعِيانُ فَوْقَ المَعْرِفَةِ، فَإنَّ المَعْرِفَةَ مَرْتَبَةٌ فَوْقَ العِلْمِ ودُونَ العِيانِ، فَإذا انْتَقَلَ مِنَ المَعْرِفَةِ إلى العِيانِ فَنِيَ عِيانُهُ في مُعايَنِهِ، كَما فَنِيَتْ مَعْرِفَتُهُ في مَعْرُوفِهِ.
وَأمّا فَناءُ الطَّلَبِ في الوُجُودِ: فَهو أنْ لا يَبْقى لِصاحِبِ هَذا الفَناءِ طَلَبٌ؛ لِأنَّهُ ظَفِرَ بِالمَطْلُوبِ المُشاهَدِ، وصارَ واجِدًا بَعْدَ أنْ كانَ طالِبًا، فَكانَ إدْراكُهُ أوَّلًا عِلْمًا، ثُمَّ قَوِيَ فَصارَ مَعْرِفَةً، ثُمَّ قَوِيَ فَصارَ عِيانًا، ثُمَّ تَمَكَّنَ فَصارَ مَعْرِفَةً، ثُمَّ تَمَكَّنَ فَصارَ وُجُودًا.
وَلَعَلَّكَ أنَّ تَسْتَنْكِرَ - أوْ تَسْتَبْعِدَ - هَذِهِ الألْفاظَ ومَعانِيها، فاسْمَعْ ضَرْبَ مَثَلٍ يُهَوِّنُ عَلَيْكَ ذَلِكَ، ويُقَرِّبُهُ مِنكَ: مِثْلَ مَلِكٍ - عَظِيمِ السُّلْطانِ، شَدِيدِ السَّطْوَةِ، تامِّ الهَيْبَةِ، قَوِيِّ البَأْسِ - اسْتَدْعى رَجُلًا مِن رَعِيَّتِهِ قَدِ اشْتَدَّ جُرْمُهُ وعِصْيانُهُ لَهُ، فَحَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ إتْلافُهُ، فَأحْوالُهُ في حالِ حُضُورِهِ مُخْتَلِفَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُشاهِدُهُ، فَتارَةً يَتَذَكَّرُ جُرْمَهُ وسَطْوَةَ السُّلْطانِ وقُدْرَتَهُ عَلَيْهِ، فَيُفَكِّرُ فِيما سَيَلْقاهُ، وتارَةً تَقْهَرُهُ الحالُ الَّتِي هو فِيها، فَلا يَذْكُرُ ما كانَ مِنهُ ولا ما أُحْضِرَ مِن أجْلِهِ، لِغَلَبَةِ الخَوْفِ عَلى قَلْبِهِ ويَأْسِهِ مِنَ الخَلاصِ، ولَكِنَّ عَقْلَهُ وذِهْنَهُ مَعَهُ، وتارَةً يَغِيبُ قَلْبُهُ وذِهْنُهُ بِالكُلِّيَّةِ فَلا يَشْعُرُ أيْنَ هُوَ؟ ولا مَن إلى جانِبِهِ، ولا بِما يُرادُ بِهِ، ورُبَّما جَرى عَلى لِسانِهِ في هَذِهِ الحالِ ما لا يُرِيدُهُ، فَهَذا فَناءُ الخَوْفِ.
وَمِثالٌ ثانٍ في فَناءِ الحُبِّ: مُحِبٌّ اسْتَغْرَقَتْ مَحَبَّتُهُ شَخْصًا في غايَةِ الجَمالِ والبَهاءِ، وأكْبَرُ أُمْنِيَّتِهِ الوُصُولُ إلَيْهِ، ومُحادَثَتُهُ ورُؤْيَتُهُ، فَبَيْنا هو عَلى حالِهِ قَدْ مَلَأ الحُبُّ قَلْبَهُ، وقَدِ اسْتَغْرَقَ فِكْرُهُ في مَحْبُوبِهِ، وإذا بِهِ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَحْبُوبُهُ بَغْتَةً عَلى أحْسَنِ هَيْئَةٍ، فَقابَلَهُ قَرِيبًا مِنهُ، ولَيْسَ دُونَهُ سِواهُ، أفَلَيْسَ هَذا حَقِيقًا أنْ يَفْنى عَنْ شُهُودِهِ بَمَشْهُودِهِ، بَلْ وعَنْ حُبِّهِ بِمَحْبُوبِهِ؟ فَيَمْلِكُ عَلَيْهِ المَحْبُوبُ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ وإرادَتَهُ وإحْساسَهُ، ويَغِيبُ بِهِ عَنْ ذاتِهِ وصِفاتِهِ؟ وانْظُرْ إلى النِّسْوَةِ كَيْفَ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ لَمّا طَلَعَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ، وشاهَدْنَ ذَلِكَ الجَمالَ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُنَّ مِن عِشْقِهِ ومَحَبَّتِهِ ما تَقَدَّمَ لِامْرَأةِ العَزِيزِ، فَأفْناهُنَّ شُهُودُ جَمالِهِ عَنْ حالِهِنَّ حَتّى قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ.
وَأمّا امْرَأةُ العَزِيزِ: فَإنَّها - وإنْ كانَتْ صاحِبَةَ المَحَبَّةِ - فَإنَّها كانَتْ قَدْ ألِفَتْ رُؤْيَتَهُ ومُشاهَدَتَهُ، فَلَمّا خَرَجَ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَيْها حالُها كَما تَغَيَّرَ عَلى العَواذِلِ، فَكانَ مَقامَها البَقاءُ ومَقامَهُنَّ الفَناءُ، وحَصَلَ لَهُنَّ الفَناءُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: ذُهُولُهُنَّ عَنِ الشُّعُورِ بِقَطْعِ ما في أيْدِيهِنَّ حَتّى تَخَطّاهُ القَطْعُ إلى الأيْدِي.
الثّانِي: فَناؤُهُنَّ عَنِ الإحْساسِ بِألَمِ القَطْعِ، وهَكَذا الفَناءُ بِالمَخُوفِ، والفَرَحُ بِالمَحْبُوبِ يُفْنِي صاحِبَهُ عَنْ شُعُورِهِ وعَنْ إحْساسِهِ بِالكَيْفِيّاتِ النَّفْسانِيَّةِ.
هَذا في مُشاهَدَةِ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٍ لَهُ أشْباهٌ وأمْثالٌ، ولَهُ مَن يُقارِبُهُ ويُدانِيهِ في الجَمالِ، وإنَّما فاقَ بَنِي جِنْسِهِ في الحُسْنِ والجَمالِ بِبَعْضِ الصِّفاتِ، وامْتازَ بِبَعْضِ المَعانِي المَخْلُوقَةِ المَصْنُوعَةِ، فَما الظَّنُّ بِمَن لَهُ الجَمالُ كُلُّهُ، والكَمالُ كُلُّهُ، والإحْسانُ والإجْمالُ، ونِسْبَةُ كُلِّ جَمالٍ في الوُجُودِ إلى جَمالِهِ وجَلالِهِ أقَلُّ مِن نِسْبَةِ سِراجٍ ضَعِيفٍ إلى عَيْنِ الشَّمْسِ، ولَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ قُوى البَشَرِ لا تَحْتَمِلُ - في هَذِهِ الدّارِ - رُؤْيَتَهُ؛ احْتَجَبَ عَنْ عِبادِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُنْشِئُهم نَشْأةً يَتَمَكَّنُونَ بِها مِن مُشاهَدَةِ جَمالِهِ ورُؤْيَةِ وجْهِهِ، وأنْتَ تَرى بَعْضَ آياتِهِ ومَخْلُوقاتِهِ ومُبْدَعاتِهِ كَيْفَ يَفْنى فِيها مُشاهِدُها عَنْ غَيْرِها؟ ولَكِنَّ هَذا كُلَّهُ في المُشاهَداتِ العِيانِيَّةِ، والوارِداتِ الوِجْدانِيَّةِ.
وَأمّا المَعارِفُ الإلَهِيَّةُ: فَإنَّ حالَةَ " البَقاءِ " فِيها أكْمَلُ مِن حالَةِ " الفَناءِ " وهي حالَةُ نَبِيِّنا صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، وحالُ الكُمَّلِ مِن أتْباعِهِ، ولِهَذا رَأى ما رَأى لَيْلَةَ الإسْراءِ والمِعْراجِ وهو ثابِتُ القَلْبِ، رابِطُ الجَأْشِ، حاضِرُ الإدْراكِ، تامُّ التَّمْيِيزِ، ولَوْ رَأى غَيْرُهُ بَعْضَ ذَلِكَ لَما تَمالَكَ.
فَإنْ قُلْتَ: رُبَّما أفْهَمُ مَعْنى فَناءِ المَعْرِفَةِ في المَعْرُوفِ وفَناءِ العِيانِ في المُعايَنِ، فَما مَعْنى فَناءِ الطَّلَبِ في الوُجُودِ، حَتّى يَكُونَ هو الفَناءَ حَقًّا؟ قُلْتُ: مَتى فَهِمْتَ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ فَهِمْتَ مَعْناهُ، فَإنَّ الواجِدَ لَمّا ظَفِرَ بِمَوْجُودِهِ فَنِيَ طَلَبُهُ لَهُ واضْمَحَلَّ، وهَذا مَشْهُودٌ في الشّاهِدِ، فَإنَّكَ تَرى طالِبَ أمْرٍ مُهِمٍّ، فَإذا ظَفِرَتْ يَداهُ بِهِ وأدْرَكَهُ كَيْفَ يَبْرُدُ طَلَبُهُ، ويَفْنى في وُجُودِهِ؟ لَكِنَّ هَذا مُحالٌ في حَقِّ العارِفِ، فَإنَّ طَلَبَهُ لا يُفارِقُهُ، بَلْ إذا وجَدَ اشْتَدَّ طَلَبُهُ، فَلا يَزالُ طالِبًا، فَكُلَّما كانَ أوْجَدَ كانَ أطْلَبَ، نَعَمُ، الَّذِي يَفْنى طَلَبُ حَظِّهِ في طَلَبِ مَحْبُوبِهِ وطَلَبِ مَراضِيهِ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا غايَةٌ، ولَكِنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ القَوْمُ: أنَّ العَبْدَ يَصِلُ في مَنزِلَةِ المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ والِاسْتِغْراقِ في المُشاهَدَةِ إلى حالَةٍ تَسْتَوْلِي فِيها عَلَيْهِ أنْواعُ القُرْبِ وآثارُ الصِّفاتِ، بِحَيْثُ يَذْهَلُ لُبُّهُ عَنْ شُعُورِهِ بِطَلَبِهِ وإرادَتِهِ ومَحَبَّتِهِ.
وَإيضاحُ ذَلِكَ: أنَّ العَبْدَ إذا أقْبَلَ عَلى رَبِّهِ، وتَفَقَّدَ أحْوالَهُ، وتَمَكَّنَ مِن شُهُودِ قِيامِ رَبِّهِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ في أوَّلِ أمْرِهِ: مُكابِدًا وصابِرًا ومُرابِطًا، فَإذا صَبَرَ وصابَرَ ورابَطَ - صَبَرَ في نَفْسِهِ وصابَرَ عَدُوَّهُ، ورابَطَ عَلى ثَغْرِ قَلْبِهِ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ خاطِرٌ لا يُحِبُّهُ ولَيُّهُ الحَقُّ - ظَهَرَ حِينَئِذٍ في قَلْبِهِ نُورٌ مِن إقْبالِهِ عَلى رَبِّهِ، فَإذا قَوِيَ ذَلِكَ النُّورُ غَيَّبَهُ عَنْ وُجُودِهِ الذِّهْنِيِّ، وسَرى بِهِ في مَطاوِي الغَيْبِ، فَحِينَئِذٍ يَصْفُو لَهُ إقْبالُهُ عَلى رَبِّهِ، فَإذا صَفا لَهُ ذَلِكَ غابَ عَنْ وُجُودِهِ العَيْنِيِّ والذِّهْنِيِّ، فَغابَ بِنُورِ إقْبالِهِ عَلى رَبِّهِ بِوُصُولِ خالِصِ الذِّكْرِ وصافِيهِ إلى قَلْبِهِ، حَيْثُ خَلا مِن كُلِّ شاغِلٍ مِنَ الوُجُودِ العَيْنِيِّ والذِّهْنِيِّ، وصارَ واحِدًا لِواحِدٍ، فَيَسْتَوْلِي نُورُ المُراقَبَةِ عَلى أجْزاءِ باطِنِهِ، فَيَمْتَلِئُ قَلْبُهُ مِن نُورِ التَّوَجُّهِ، بِحَيْثُ يَغْمُرُ قَلْبَهُ، ويَسْتُرُهُ عَمّا سِواهُ، ثُمَّ يَسْرِي ذَلِكَ النُّورُ مِن باطِنِهِ فَيَعُمُّ أجْزاءَ ظاهِرِهِ، فَيَتَشابَهُ الظّاهِرُ والباطِنُ فِيهِ، وحِينَئِذٍ يَفْنى العَبْدُ عَمّا سِواهُ، ويَبْقى بِالمَشْهَدِ الرُّوحِيِّ الذّاتِيِّ المُوجِبِ لِلْمَحَبَّةِ الخاصَّةِ المُلْهِبَةِ لِلرُّوحِ.
فَمِنهم مَن يَضْعُفُ لِقِلَّةِ الوارِدِ، فَلا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَّسِعَ لِغَيْرِ ما باشَرَ سِرُّهُ وقَلْبُهُ مِن آثارِ الحُبِّ الخاصِّ، ومِنهم مَن يَقْوى ويَتَّسِعُ نَظَرُهُ، فَيَجِدُ آثارَ الجَلالِ والجَمالِ المُقَدَّسِ في قَلْبِهِ ورُوحِهِ، ويَجِدُ العُبُودِيَّةَ والمَحَبَّةَ، والدُّعاءَ والِافْتِقارَ، والتَّوَكُّلَ والخَوْفَ والرَّجاءَ، وسائِرَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ قائِمَةً بِقَلْبِهِ، لا تَشْغَلُهُ عَنْ مَشْهَدِ الرُّوحِ، ولا تَسْتَغْرِقُ مَشْهَدَ الرُّوحِ عَنْهُ، ويَجِدُ مُلاحَظَتَهُ لِلْأوامِرِ والنَّواهِي حاضِرًا في جِذْرِ قَلْبِهِ حَيْثُ نَزَلَتِ الأمانَةُ، فَلا يَشْغَلُهُ مَشْهَدُ الرُّوحِ المُسْتَغْرِقُ، ولا مَشْهَدُ القَلْبِ عَنْ مُلاحَظَةِ مَراضِي الرَّبِّ تَعالى ومَحابِّهِ وحَقِّهِ عَلى عَبْدِهِ، ويَجِدُ تَرْكَ التَّدْبِيرِ والِاخْتِيارِ وصِحَّةَ التَّفْوِيضِ مَوْجُودًا في مَحَلِّ نَفْسِهِ، فَيُعامِلُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، بِحَيْثُ لا تَشْغَلُهُ مُشاهَدَةُ الأُولى عَنْهُ، ويَقُومُ بِمُلاحَظَةِ عَقْلِهِ لِأسْرارِ حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، ولا يَحْجُبُهُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ مُلاحَظَةِ عُبُودِيَّتِهِ، فَيَبْقى مَغْمُورَ الرُّوحِ بِمُلاحَظَةِ الفَرْدانِيَّةِ وجَلالِها وكَمالِها وجَمالِها، قَدِ اسْتَغْرَقَتْهُ مَحَبَّتُهُ والشَّوْقُ إلَيْهِ، مَعْمُورَ القَلْبِ بِعِباداتِ القُلُوبِ مَعْمُورَ القَلْبِ بِمُلاحَظَةِ الحِكْمَةِ ومَعانِي الخِطابِ، طاهِرَ القَلْبِ عَنْ سَفْسافِ الأخْلاقِ، مَعَ اللَّهِ تَعالى ومَعَ الخَلْقِ، قَدْ صارَ عَبْدًا مَحْضًا لِرَبِّهِ بِرُوحِهِ وقَلْبِهِ وعَقْلِهِ، ونَفْسِهِ وبَدَنِهِ وجَوارِحِهِ، قَدْ قامَ كُلٌّ بِما عَلَيْهِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، بِحَيْثُ لا تَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ بَعْضِهِ عَنْ عُبُودِيَّةِ البَعْضِ الآخَرِ، قَدْ فَنِيَ عَنْ نَفْسِهِ وبَقِيَ بِرَبِّهِ، كَما قالَ أبُو بَكْرٍ الكِتّانِيُّ: جَرَتْ مَسْألَةٌ بِمَكَّةَ أيّامَ المَوْسِمِ في المَحَبَّةِ، فَتَكَلَّمَ الشُّيُوخُ فِيها، وكانَ الجُنَيْدُ أصْغَرَهم سِنًّا، فَقالُوا لَهُ: هاتِ ما عِنْدَكَ يا عِراقِيُّ، فَأطْرَقَ ساعَةً، ودَمَعَتْ عَيْناهُ، ثُمَّ قالَ: عَبْدٌ ذاهِبٌ عَنْ نَفْسِهِ، ومُتَّصِلٌ بِذِكْرِ رَبِّهِ، قائِمٌ بِأداءِ حُقُوقِهِ، ناظِرٌ إلَيْهِ بِقَلْبِهِ، أحْرَقَ قَلْبَهُ أنْوارُ هَيْبَتِهِ، وصَفا شُرْبُهُ مِن كَأْسِ وُدِّهِ، وانْكَشَفَ لَهُ الجَبّارُ مِن أسْتارِ غَيْبِهِ، فَإنْ تَكَلَّمَ فَبِاللَّهِ، وإنْ نَطَقَ فَعَنِ اللَّهِ، وإنْ عَمِلَ فَبِأمْرِ اللَّهِ، وإنْ سَكَنَ فَمَعَ اللَّهِ، فَهو لِلَّهِ، وبِاللَّهِ، ومَعَ اللَّهِ.
فَبَكى الشُّيُوخُ، وقالُوا: ما عَلى هَذا مَزِيدٌ جَبَرَكَ اللَّهُ يا تاجَ العارِفِينَ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ فَناءُ شُهُودِ الطَّلَبِ لِإسْقاطِهِ]
قالَ الشَّيْخُ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: فَناءُ شُهُودِ الطَّلَبِ لِإسْقاطِهِ، وفَناءُ شُهُودِ العِلْمِ لِإسْقاطِهِ، وفَناءُ شُهُودِ العِيانِ لِإسْقاطِهِ.
إنَّما كانَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الفَناءِ أعْلى عِنْدَهُ مِمّا قَبْلَها؛ لِأنَّها أبْلَغُ في الفَناءِ مِن جِهَةِ فَناءِ أرْبابِها عَنْ فَنائِهِمْ، فَقَدْ سَقَطَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ذِكْرُ أحْوالِهِمْ ومَقاماتِهِمْ لِما هم فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ بِرَبِّهِمْ.
وَقَوْلُهُ " لِإسْقاطِهِ " أيْ لِإسْقاطِ الشُّهُودِ، لا إسْقاطِ المَشْهُودِ، فالطَّلَبُ والعِلْمُ والعِيانُ قائِمٌ، وقَدْ سَقَطَ الشُّهُودُ، لِاسْتِغْراقِ صاحِبِهِ في المَطْلُوبِ المُعايَنِ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ الفَناءُ عَنْ شُهُودِ الفَناءِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: الفَناءُ عَنْ شُهُودِ الفَناءِ، وهو الفَناءُ حَقًّا، شائِمًا بَرْقَ العَيْنِ، راكِبًا بَحْرَ الجَمْعِ، سالِكًا سَبِيلَ البَقاءِ.
الفَرْقُ بَيْنَ الفَناءِ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ والَّتِي قَبْلَها أنَّهُ في الَّتِي قَبْلَها قَدْ فَنِيَ عَنْ شُهُودِ طَلَبِهِ وعِلْمِهِ وعِيانِهِ، مَعَ شُعُورِهِ بِفَنائِهِ عَنْ ذَلِكَ، وفي هَذِهِ الدَّرَجَةِ قَدْ فَنِيَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وفَنِيَ عَنْ شُهُودِ فَنائِهِ، كَما يُقالُ: آخِرُ مَن يَمُوتُ مَلَكُ المَوْتِ.
وَإنَّما كانَ هَذا الفَناءُ عِنْدَهُ هو الفَناءَ حَقًّا؛ لِأنَّهُ قَدْ فَنِيَ فِيهِ كُلُّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يَشْهَدُ الفَناءَ قَدْ فَنِيَ، فَلَمْ يَبْقَ سِوى الواحِدِ القَهّارِ.
وَقَوْلُهُ " شائِمًا بَرْقَ العَيْنِ " الشّائِمُ النّاظِرُ مِن بُعْدٍ، وبَرْقُ العَيْنِ نُورُ الحَقِيقَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَلُّقِ هَذا بِالنُّورِ الخارِجِيِّ، وإنَّما هو أنْوارُ القُرْبِ والمُراقَبَةِ والحُضُورِ مَعَ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ " راكِبًا بَحْرَ الجَمْعِ " " الجَمْعُ " الَّذِي يُشِيرُونَ إلَيْهِ: عِبارَةٌ عَنْ شُخُوصِ البَصِيرَةِ إلى مُجَرَّدِ مَصْدَرِ المُتَفَرِّقاتِ كُلِّها، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ في بابِهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ورُكُوبُ لُجَّةِ هَذا الجَمْعِ هو فَناؤُهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ " سالِكًا سَبِيلَ البَقاءِ " يَعْنِي: أنَّ مَن فَنِيَ فَقَدْ تَأهَّلَ لِلْبَقاءِ بِالحَقِّ، وهَذا البَقاءُ هو بَعْدَ الفَناءِ، فَإنَّهُ إذا تَحَقَّقَ بِالفَناءِ رُفِعَ لَهُ عَلَمُ الحَقِيقَةِ، فَشَمَّرَ إلَيْهِ سالِكًا في طَرِيقِ البَقاءِ، وهي القِيامُ بِالأوْرادِ، وحِفْظُ الوارِداتِ، فَحِينَئِذٍ يُرْجى لَهُ الوُصُولُ.
(فَصْلٌ)
لَمْ يَرِدْ في الكِتابِ، ولا في السُّنَّةِ، ولا في كَلامِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ مَدْحُ لَفْظِ الفَناءِ ولا ذَمُّهُ، ولا اسْتَعْمَلُوا لَفْظَهُ في هَذا المَعْنى المُشارِ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ، ولا ذَكَرَهُ مَشايِخُ الطَّرِيقِ المُتَقَدِّمُونَ، ولا جَعَلُوهُ غايَةً ولا مَقامًا، وقَدْ كانَ القَوْمُ أحَقَّ بِكُلِّ كَمالٍ، وأسْبَقَ إلى كُلِّ غايَةٍ مَحْمُودَةٍ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ هَذا اللَّفْظَ مُطْلَقًا، ولا نَقْبَلُهُ مُطْلَقًا.
وَلابُدَّ فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ، وبَيانِ صَحِيحِهِ مِن مَعْلُولِهِ، ووَسِيلَتِهِ مِن غايَتِهِ، فَنَقُولُ - وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ:
حَقِيقَةُ " الفَناءِ " المُشارِ إلَيْهِ هو اسْتِهْلاكُ الشَّيْءِ في الوُجُودِ العِلْمِيِّ الذِّهْنِيِّ، وهاهُنا تَقَسَّمَهُ أهْلُ الِاسْتِقامَةِ وأهْلُ الزَّيْغِ والإلْحادِ، فَزَعَمَ أهْلُ الِاتِّحادِ - القائِلُونَ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ - أنَّ الفَناءَ هو غايَةُ الفَناءِ عَنْ وُجُودِ السِّوى، فَلا يَثْبُتُ لِلسِّوى وُجُودٌ ألْبَتَّةَ، لا في الشُّهُودِ ولا في العِيانِ، بَلْ يَتَحَقَّقُ بِشُهُودِ وحْدَةِ الوُجُودِ، فَيَعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّ وُجُودَ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ هو عَيْنُ وُجُودِ الحَقِّ، فَما ثَمَّ وُجُودانِ، بَلِ المَوْجُودُ واحِدٌ، وحَقِيقَةُ الفَناءِ عِنْدَهم أنْ يَفْنى عَمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ هو وهْمٌ وخَيالٌ، فَيَفْنى عَمّا هو فانٍ في نَفْسِهِ، لا وُجُودَ لَهُ، فَيَشْهَدُ فَناءَ وُجُودِ كُلِّ ما سِواهُ في وُجُودِهِ، وهَذا تَعْبِيرٌ مَحْضٌ، وإلّا فَفي الحَقِيقَةِ لَيْسَ عِنْدَ القَوْمِ " سِوى " ولا " غَيْرُ " وإنَّما السِّوى والغَيْرُ في الوَهْمِ والخَيالِ، فَحَوْلَ هَذا الفَناءِ يُدَنْدِنُونَ وعَلَيْهِ يَحُومُونَ.
وَأمّا أهْلُ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ: فَيُشِيرُونَ بِالفَناءِ إلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما أرْفَعُ مِنَ الآخَرِ.
الأمْرُ الأوَّلُ: الفَناءُ في شُهُودِ الرُّبُوبِيَّةِ والقَيُّومِيَّةِ، فَيَشْهَدُ تَفَرُّدَ الرَّبِّ تَعالى بِالقَيُّومِيَّةِ والتَّدْبِيرِ، والخَلْقِ والرِّزْقِ، والعَطاءِ والمَنعِ، والضُّرِّ والنَّفْعِ، وأنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ مُنْفَعِلَةٌ لا فاعِلَةٌ، وما لَهُ مِنها فِعْلٌ فَهو مُنْفَعِلٌ في فِعْلِهِ، مَحَلُّ مَحْضٍ لِجَرَيانِ أحْكامِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِ، لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنها لِنَفْسِهِ ولا لِغَيْرِهِ، فَلا يَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَإذا تَحَقَّقَ العَبْدُ بِهَذا المَشْهَدِ؛ خَمَدَتْ مِنهُ الخَواطِرُ والإراداتُ، نَظَرًا إلى القَيُّومِ الَّذِي بِيَدِهِ تَدْبِيرُ الأُمُورِ، وشَخُوصًا مِنهُ إلى مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ فَهو ناظِرٌ مِنهُ بِهِ إلَيْهِ، فانٍ بِشُهُودِهِ عَنْ شُهُودِ ما سِواهُ، ومَعَ هَذا فَهو ساعٍ في طَلَبِ الوُصُولِ إلَيْهِ، قائِمًا بِالواجِباتِ والنَّوافِلِ.
الأمْرُ الثّانِي: الفَناءُ في مَشْهَدِ الإلَهِيَّةِ، وحَقِيقَتُهُ " الفَناءُ " عَنْ إرادَةِ ما سِوى اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وخَوْفِهِ ورَجائِهِ، فَيَفْنى بِحُبِّهِ عَنْ حُبِّ ما سِواهُ، وبِخَوْفِهِ ورَجائِهِ عَنْ خَوْفِ ما سِواهُ ورَجائِهِ، وحَقِيقَةُ هَذا الفَناءِ إفْرادُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ بِالمَحَبَّةِ، والخَوْفِ والرَّجاءِ، والتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، ونَحْنُ نُشِيرُ إلى مَبادِئِ ذَلِكَ وتَوَسُّطِهِ وغايَتِهِ، فَنَقُولُ:
اعْلَمْ أنَّ القَلْبَ إذا خَلا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالدُّنْيا والتَّعَلُّقِ بِما فِيها مِن مالٍ، أوْ رِياسَةٍ أوْ صُورَةٍ، وتَعَلَّقَ بِالآخِرَةِ، والِاهْتِمامِ بِها مِن تَحْصِيلِ العُدَّةِ، والتَّأهُّبِ لِلْقُدُومِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَذَلِكَ أوَّلُ فُتُوحِهِ، وتَباشِيرُ فَجْرِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَحَرَّكُ قَلْبُهُ لِمَعْرِفَةِ ما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ مِنهُ، فَيَفْعَلُهُ ويَتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ، وما يُسْخِطُهُ مِنهُ، فَيَجْتَنِبُهُ، وهَذا عُنْوانُ صِدْقِ إرادَتِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن أيْقَنَ بِلِقاءِ اللَّهِ، وأنَّهُ سائِلُهُ عَنْ كَلِمَتَيْنِ - يُسْألُ عَنْهُمُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ - ماذا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ وماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ؟ لابُدَّ أنْ يَتَنَبَّهَ لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ مَعْبُودِهِ، والطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إلَيْهِ، فَإذا تَمَكَّنَ في ذَلِكَ فَتَحَ لَهُ بابَ الأُنْسِ بِالخَلْوَةِ والوَحْدَةِ والأماكِنِ الخالِيَةِ الَّتِي تَهْدَأُ فِيها الأصْواتُ والحَرَكاتُ، فَلا شَيْءَ أشْوَقُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، فَإنَّها تَجْمَعُ عَلَيْهِ قُوى قَلْبِهِ وإرادَتِهِ، وتَسُدُّ عَلَيْهِ الأبْوابَ الَّتِي تُفَرِّقُ هَمَّهُ وتَشِتُّ قَلْبَهُ، فَيَأْنَسُ بِها ويَسْتَوْحِشُ مِنَ الخَلْقِ.
ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُ بابَ حَلاوَةِ العِبادَةِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَشْبَعُ مِنها، ويَجِدُ فِيها مِنَ اللَّذَّةِ والرّاحَةِ أضْعافَ ما كانَ يَجِدُهُ في لَذَّةِ اللَّهْوِ، واللَّعِبِ، ونَيْلِ الشَّهَواتِ، بِحَيْثُ إنَّهُ إذا دَخَلَ في الصَّلاةِ، ودَّ أنْ لا يَخْرُجَ مِنها، ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُ بابَ حَلاوَةِ اسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ فَلا يَشْبَعُ مِنهُ، وإذا سَمِعَهُ هَدَأ قَلْبُهُ بِهِ كَما يَهْدَأُ الصَّبِيُّ إذا أُعْطِيَ ما هو شَدِيدُ المَحَبَّةِ لَهُ، ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُ بابَ شُهُودِ عَظَمَةِ اللَّهِ المُتَكَلَّمِ بِهِ وجَلالِهِ، وكَمالِ نُعُوتِهِ وصِفاتِهِ وحِكْمَتِهِ، ومَعانِي خِطابِهِ، بِحَيْثُ يَسْتَغْرِقُ قَلْبُهُ في ذَلِكَ حَتّى يَغِيبَ فِيهِ، ويُحِسُّ بِقَلْبِهِ وقَدْ دَخَلَ في عالَمٍ آخَرَ غَيْرِ ما النّاسُ فِيهِ.
ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُ بابَ الحَياءِ مِنَ اللَّهِ، وهو أوَّلُ شَواهِدِ المَعْرِفَةِ، وهو نُورٌ يَقَعُ في القَلْبِ، يُرِيهِ ذَلِكَ النُّورُ أنَّهُ واقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَسْتَحِي مِنهُ في خَلَواتِهِ، وجَلَواتِهِ، ويُرْزَقُ عِنْدَ ذَلِكَ دَوامَ المُراقَبَةِ لِلرَّقِيبِ، ودَوامَ التَّطَلُّعِ إلى حَضْرَةِ العَلِيِّ الأعْلى، حَتّى كَأنَّهُ يَراهُ ويُشاهِدُهُ فَوْقَ سَماواتِهِ، مُسْتَوِيًا عَلى عَرْشِهِ، ناظِرًا إلى خَلْقِهِ، سامِعًا لِأصْواتِهِمْ، مُشاهِدًا لِبَواطِنِهِمْ، فَإذا اسْتَوْلى عَلَيْهِ هَذا الشّاهِدُ غَطّى عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنَ الهُمُومِ بِالدُّنْيا وما فِيها، فَهو في وُجُودٍ والنّاسُ في وُجُودٍ آخَرَ، هو في وُجُودٍ بَيْنِ يَدَيْ رَبِّهِ ووَلِيِّهِ، ناظِرًا إلَيْهِ بِقَلْبِهِ، والنّاسُ في حِجابِ عالَمِ الشَّهادَةِ في الدُّنْيا، فَهو يَراهم وهم لا يَرَوْنَهُ، ولا يَرَوْنَ مِنهُ إلّا ما يُناسِبُ عالَمَهم ووُجُودَهم.
ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُ بابَ الشُّعُورِ بِمَشْهَدِ القَيُّومِيَّةِ، فَيَرى سائِرَ التَّقَلُّباتِ الكَوْنِيَّةِ وتَصارِيفَ الوُجُودِ بِيَدِهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ، فَيَشْهَدُهُ مالِكَ الضُّرِّ والنَّفْعِ، والخَلْقِ والرِّزْقِ، والإحْياءِ والإماتَةِ، فَيَتَّخِذُهُ وحْدَهُ وكِيلًا، ويَرْضى بِهِ رَبًّا ومُدَبِّرًا وكافِيًا، وعِنْدَ ذَلِكَ إذا وقَعَ نَظَرُهُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ دَلَّهُ عَلى خالِقِهِ وبارِئِهِ، وصِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ، فَلا يَحْجُبُهُ خَلْقُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ، بَلْ يُنادِيهِ كُلٌّ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِلِسانِ حالِهِ: اسْمَعْ شَهادَتِي لِمَن أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَأنا صُنْعُ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
فَإذا اسْتَمَرَّ لَهُ ذَلِكَ فَتَحَ عَلَيْهِ بابَ القَبْضِ والبَسْطِ، فَيَقْبِضُ عَلَيْهِ حَتّى يَجِدَ ألَمَ القَبْضِ لِقُوَّةِ وارِدِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُ وِعاءَهُ بِأنْوارِ الوُجُودِ، فَيَفْنى عَنْ وُجُودِهِ، ويَنْمَحِي كَما يَمْحُو نُورُ الشَّمْسِ نُورَ الكَواكِبِ، ويَطْوِي الكَوْنَ عَنْ قَلْبِهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، وتَفِيضُ أنْوارُ المَعْرِفَةِ والمُعامَلَةِ والصِّدْقِ والإخْلاصِ والمَحَبَّةِ مِن قَلْبِهِ، كَما يَفِيضُ نُورُ الشَّمْسِ عَنْ جِرْمِها، فَيَغْرَقُ حِينَئِذٍ في الأنْوارِ كَما يَغْرَقُ راكِبُ البَحْرِ في البَحْرِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الرِّياضَةِ والمُجاهَدَةِ، وزَوالِ أحْكامِ الطَّبِيعَةِ، وطُولِ الوُقُوفِ في البابِ.
وَهَذا هو مِن عِلْمِ اليَقِينِ، لا مِن عَيْنِ اليَقِينِ، ولا مِن حَقِّ اليَقِينِ، إذْ لا سَبِيلَ إلَيْهِما في الدّارِ، فَإنَّ عَيْنَ اليَقِينِ مُشاهَدَةٌ، وحَقَّ اليَقِينِ مُباشَرَةٌ، نَعَمْ قَدْ يَكُونُ حَقُّ اليَقِينِ في هَذِهِ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ، وما يَقُومُ بِالقُلُوبِ فَقَطْ، لَيْسَ إلّا، كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مِرارًا، ونَحْنُ لا تَأْخُذُنا في ذَلِكَ لَوْمَةُ لائِمٍ، وهم لا تَأْخُذُهم في كَوْنِ ذَلِكَ في العِيانِ لَوْمَةُ لائِمٍ وهم عِنْدَنا صادِقُونَ مَلْبُوسٌ عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ عِنْدَهم مَحْجُوبُونَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُ واصِلِينَ إلَيْهِ.
فَإنِ اسْتَمَرَّ عَلى حالِهِ واقِفًا بِبابِ مَوْلاهُ، لا يَلْتَفِتُ عَنْهُ يَمِينًا ولا شِمالًا، ولا يُجِيبُ غَيْرَ مَن يَدْعُوهُ إلَيْهِ، ويَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ وراءَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ، ومَتى تَوَهَّمَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ انْقَطَعَ عَنْهُ المَزِيدُ - رُجِيَ أنْ يُفْتَحَ لَهُ فَتْحٌ آخَرُ، هو فَوْقَ ما كانَ فِيهِ، مُسْتَغْرِقًا قَلْبُهُ في أنْوارِ مُشاهَدَةِ الجَلالِ بَعْدَ ظُهُورِ أنْوارِ الوُجُودِ الحَقِّ، ومَحْوِ وُجُودِهِ هُوَ، ولا يَتَوَهَّمُ أنَّ وُجُودَ صِفاتِهِ وذاتِهِ تَبْطُلُ، بَلِ الَّذِي يَبْطُلُ هو وُجُودُهُ النَّفْسانِيُّ الطَّبْعِيُّ، ويَبْقى لَهُ وُجُودٌ قَلْبِيٌّ رُوحانِيٌّ مَلَكِيٌّ، فَيَبْقى قَلْبُهُ سابِحًا في بَحْرٍ مِن أنْوارِ آثارِ الجَلالِ، فَتَنْبُعُ الأنْوارُ مِن باطِنِهِ، كَما يَنْبُعُ الماءُ مِنَ العَيْنِ، حَتّى يَجِدَ المَلَكُوتَ الأعْلى كَأنَّهُ في باطِنِهِ وقَلْبِهِ، ويَجِدُ قَلْبَهُ عالِيًا عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ، صاعِدًا إلى مَن لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ يُرَقِّيهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَيُشْهِدُهُ أنْوارَ الإكْرامِ بَعْدَ ما شَهِدَ أنْوارَ الجَلالِ، فَيَسْتَغْرِقُ في نُورٍ مِن أنْوارِ أشِعَّةِ الجَمالِ، وفي هَذا المَشْهَدِ يَذُوقُ المَحَبَّةَ الخاصَّةَ المُلْهِبَةَ لِلْأرْواحِ والقُلُوبِ، فَيَبْقى القَلْبُ مَأْسُورًا في يَدِ حَبِيبِهِ ووَلِيِّهِ، مَمْتَحَنًا بِحُبِّهِ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَفْهَمَ ذَلِكَ تَقْرِيبًا، فانْظُرْ إلَيْكَ وإلى غَيْرِكَ - وقَدِ امْتُحِنْتَ بِصُورَةٍ بَدِيعَةِ الجَمالِ ظاهِرًا وباطِنًا - فَمَلَكَتْ عَلَيْكَ قَلْبَكَ وفِكْرَكَ، ولَيْلَكَ ونَهارَكَ، فَيَحْصُلُ لَكَ نارٌ مِنَ المَحَبَّةِ، فَتُضْرَمُ في أحْشائِكَ يَعِزُّ مَعَها الِاصْطِبارُ، وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.
فَيا لَهُ مِن قَلْبٍ مُمْتَحَنٍ مَغْمُورٍ مُسْتَغْرِقٌ بِما ظَهَرَ لَهُ مِن أشِعَّةِ أنْوارِ الجَمالِ الأحَدِىِّ، والنّاسُ مَفْتُونُونَ مُمْتَحَنُونَ بِما يَفْنى مِنَ المالِ والصُّوَرِ والرِّياسَةِ، مُعَذَّبُونَ بِذَلِكَ قَبْلَ حُصُولِهِ، وحالَ حُصُولِهِ، وبَعْدَ حُصُولِهِ، وأعْلاهم مَرْتَبَةً مَن يَكُونُ مَفْتُونًا بِالحُورِ العِيْنِ، أوْ عامِلًا عَلى تَمَتُّعِهِ في الجَنَّةِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ واللِّباسِ والنِّكاحِ، وهَذا المُحِبُّ قَدْ تَرَقّى في دَرَجاتِ المَحَبَّةِ عَلى أهْلِ المَقاماتِ، يَنْظُرُونَ إلَيْهِ في الجَنَّةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ الغابِرِ في الأُفُقِ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وقُرْبِ مَنزِلَتِهِ مِن حَبِيبِهِ، ومَعِيَّتِهِ مَعَهُ، فَإنَّ المَرْءَ مَعَ مَن أحَبَّ ولِكُلِّ عَمَلٍ جَزاءٌ، وجَزاءُ المَحَبَّةِ المَحَبَّةُ والوُصُولُ والِاصْطِناعُ والقُرْبُ، فَهَذا هو الَّذِي يَصْلُحُ، وكَفى بِذَلِكَ شَرَفًا وفَخْرًا في عاجِلِ الدُّنْيا، فَما ظَنُّكَ بِمَقاماتِهِمُ العالِيَةِ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ؟ فَكَيْفَ إذا رَأيْتَهم في مَوْقِفِ القِيامَةِ، وقَدْ أسْمَعَهُمُ المُنادِي " لِيَنْطَلِقْ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ ما كانُوا يَعْبُدُونَ " فَيَبْقَوْنَ في مَكانِهِمْ يَنْتَظِرُونَ مَعْبُودَهم وحَبِيبَهُمُ الَّذِي هو أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْهِمْ، حَتّى يَأْتِيَهُمْ، فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَتَجَلّى لَهم ضاحِكًا.
والمَقْصُودُ: أنَّ هَذا العَبْدَ لا يَزالُ اللَّهُ يُرَقِّيهِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ، ومَنزِلًا بَعْدَ مَنزِلٍ، إلى أنْ يُوصِلَهُ إلَيْهِ، ويُمَكِّنَ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ يَمُوتَ في الطَّرِيقِ، فَيَقَعُ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فالسَّعِيدُ كُلُّ السَّعِيدِ، والمُوَفَّقُ كُلُّ المُوَفَّقِ مَن لَمْ يَلْتَفِتْ عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى يَمِينًا ولا شَمالًا، ولا اتَّخَذَ سِواهُ رَبًّا ولا وكِيلًا، ولا حَبِيبًا ولا مُدَبِّرًا، ولا حَكَمًا ولا ناصِرًا ولا رازِقًا.
وَجَمِيعُ ما تَقَدَّمَ مِن مَراتِبِ الوُصُولِ إنَّما هي شَواهِدُ وأمْثِلَةٌ إذا تَجَلَّتْ لَهُ الحَقائِقُ في الغَيْبِ - بِحَسْبِ اسْتِعْدادِهِ ولُطْفِهِ ورِقَّتِهِ مِن حَيْثُ لا يَراها - ظَهَرَ مِن تَجَلِّيها شاهِدٌ في قَلْبِهِ، وذَلِكَ الشّاهِدُ دالٌّ عَلَيْها لَيْسَ هو عَيْنَها، فَإنَّ نُورَ الجَلالِ في القَلْبِ لَيْسَ هو نُورَ ذِي الجَلالِ في الخارِجِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا تَقُومُ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ، ولَوْ ظَهَرَ لِلْوُجُودِ لَتَدَكْدَكَ، لَكِنَّهُ شاهِدٌ دالٌّ عَلى ذَلِكَ، كَما أنَّ المَثَلَ الأعْلى شاهِدٌ دالٌّ عَلى الذّاتِ، والحَقُّ وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ، مُنَزَّهٌ عَنْ حُلُولٍ واتِّحادٍ، ومُمازَجَةٍ لِخَلْقِهِ، وإنَّما تِلْكَ رَقائِقُ وشَواهِدُ تَقُومُ بِقَلْبِ العارِفِ، تَدُلُّ عَلى قُرْبِ الألْطافِ مِنهُ في عالَمِ الغَيْبِ حَيْثُ يَراها، وإذا فَنِيَ فَإنَّما يَفْنى بِحالِ نَفْسِهِ لا بِاللَّهِ ولا فِيهِ، وإذا بَقِيَ فَإنَّما يَبْقى بِحالِهِ هو ووَصْفِهِ، لا بِبَقاءِ رَبِّهِ وصِفاتِهِ، ولا يَبْقى بِاللَّهِ إلّا اللَّهُ، ومَعَ ذَلِكَ فالوُصُولُ حَقٌّ، يَجِدُ الواصِلُ آثارَ تَجَلِّي الصِّفاتِ في قَلْبِهِ، وآثارَ تَجَلِّي الحَقِّ في قَلْبِهِ، ويُوقِفُ القَلْبَ فَوْقَ الأكْوانِ كُلِّها بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ تَعالى، وهو عَلى عَرْشِهِ، ومِن هُناكَ يُكاشَفُ بِآثارِ الجَلالِ والإكْرامِ، فَيَجِدُ العَرْشَ والكُرْسِيَّ تَحْتَ مَشْهَدِ قَلْبِهِ حُكْمًا، ولَيْسَ الَّذِي يَجِدُهُ تَحْتَ قَلْبِهِ حَقِيقَةً العَرْشَ والكُرْسِيَّ، بَلْ شاهِدٌ ومِثالٌ عِلْمِيٌّ، يَدُلُّ عَلى قُرْبِ قَلْبِهِ مِن رَبِّهِ، وقُرْبِ رَبِّهِ مِن قَلْبِهِ، وبَيْنَ الذَّوْقَيْنِ تَفاوُتٌ، فَإذا قَرُبَ الرَّبُّ تَعالى مِن قَلْبِ عَبْدِهِ بَقِيَتِ الأكْوانُ كُلُّها تَحْتَ مَشْهَدِ قَلْبِهِ، وحِينَئِذٍ يَطْلُعُ في أُفُقِهِ شَمْسُ التَّوْحِيدِ، فَيَنْقَشِعُ بِها ضَبابُ وُجُودِهِ ويَضْمَحِلُّ ويَتَلاشى، وذاتُهُ وحَقِيقَتُهُ مَوْجُودَةٌ بائِنَةٌ عَنْ رَبِّهِ، ورَبُّهُ بائِنٌ عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ يَغِيبُ العَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ ويَفْنى، وفي الحَقِيقَةِ هو باقٍ، غَيْرُ فانٍ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ في سِرِّهِ غَيْرُ اللَّهِ، قَدْ فَنِيَ فِيهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
نَعَمْ قَدْ يَتَّفِقُ لَهُ في هَذِهِ الحالَةِ أنْ لا يَجِدَ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ فَذَلِكَ لِاسْتِغْراقِ قَلْبِهِ في مَشْهُودِهِ ومَوْجُودِهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ؛ لَكانَ العَبْدُ في هَذِهِ الحالِ خالِقًا بارِئًا مُصَوِّرًا أزَلِيًّا أبَدِيًّا.
فَعَلَيْكَ بِهَذا الفُرْقانِ، واحْذَرْ فَرِيقَيْنِ هُما أعْدى عَدُوٍّ لِهَذا الشَّأْنِ: فَرِيقَ الجَهْمِيَّةِ المُعَطِّلَةِ، الَّتِي لَيْسَ عِنْدَها فَوْقَ العَرْشِ إلّا العَدَمُ المَحْضُ، فَشَمُّ رائِحَةِ هَذا المَقامِ مِن أبْعَدِ الأمْكِنَةِ حَرامٌ عَلَيْها، وفَرِيقَ أهْلِ الِاتِّحادِ القائِلِينَ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ وأنَّ العَبْدَ يَنْتَهِي في هَذا السَّفَرِ إلى أنْ يَشْهَدَ وُجُودَهُ هو عَيْنَ وُجُودِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، وعَيْشُكَ بِجَهْلِكَ خَيْرٌ مِن مَعْرِفَةِ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، وانْقِطاعُكَ مَعَ الشَّهَواتِ خَيْرُكَ مَعَهُما، واللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.
الرحمن 55:29
يغفر ذنبًا، ويفرج همًا، ويكشف كربًا، ويجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويعلم جاهلًا، ويهدي ضالًا، ويرشد حيران، ويغيث لهفان، ويفك عانيًا، ويشبع جائعًا، ويكسو عاريًا، ويشفي مريضًا، ويعافي مبتل، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، وينصر مظلومًا، ويقصم جبارًا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويؤمن روعة، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل.
حجابه النور: لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه، ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار.
أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه.
قلوب العباد ونواصيهم بيده، وأزمة الأمور معقودة بقضائه وقدره.
(فصل)
وقال في (طريق الهجرتين)
يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه وجرى به قلمه ونفذ فيه حكمه وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة فلا يخرج تصرفه عن ذلك. وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث الحمانى: حدثنا إسحق بن سليمان عن معاوية بن يحيى عن يونس ابن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمِ هو في شَأْن﴾ [الرحمن: ٢٩]، فقال: سئل عنها رسول الله ﷺ فقال: "مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ويُفَرِّجَ كَرْبًا ويَرْفَعَ قَوْمًا ويَضَعَ آخَرِينَ، وفيه أيضًا من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير أبو عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه. أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة: تعرض عليه أعمالكم بالأمس ثلاث ساعات من أول النهار، فيطلع منها على ما يكره فيغضب فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش، فتسبح حملة العرش وسراداقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة، وينفخ جبريل في القرن فلا يبقى خلق لله في السماوات ولا في الأرض إلا سمعه إلا الثقلين، ويسبحون ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات ثم يدعو بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات: ﴿يُصَوّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إلَهَ إلاّ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، ﴿يَهَبُ لِمَن يشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، فتلك تسع ساعات. ثم يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾
فتلك اثنتا عشرة ساعة.
ثم قرأ عبد الله: ﴿كُلَّ يومٍ هو في شَأْن﴾ ثم قال: هذا شأْنكم وشأْن ربكم عز وجل.
وذكره الطبراني في المعجم الكبير من وجه آخر.
وهذا من تمام تصرفه في ملكه سبحانه، فلو قصر تصرفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن تصرفًا تامًا.
الرحمن 55:31
وقوله في هذه السورة: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمُ أيُّهَ الثَّقَلان﴾ وعيد للصنفين المكلفين بالشرائع.
قال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها ومجيء الآخرة والجزاءُ فيها، والله سبحانه لا يشغله شيء عن شيء.
والفراغ في اللغة على وجهين:
فراغ من الشغل، وفراغ بمعنى القصد.
وهو في هذا الموضع بالمعنى الثاني، وهو قصد لمجازاتهم بأعمالهم يوم الجزاءِ.
وقوله: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أن تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]
فيها قولان: أحدهما إن استطعتم أن تنفذوا ما في السماوات والأرض علمًا - أي أن تعلموا ما فيها - فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان أي إلا ببينة من الله، وعلى هذا فالنفوذ هاهنا نفوذ علم الثقلين في السماوات والأرض.
والثاني: إن استطعتم أن تخرجوا عن قهر الله ومحل سلطانه ومملكته بنفوذكم من أقطار السماوات والأرض وخروجكم عن محل حكم الله وسلطانه فافعلوا، ومعلوم أن هذا من الممتنع عليكم، فإنكم تحت سلطانى وفي محل ملكى وقدرتى أين كنتم.
وقال الضحاك: معنى الآية إن استطعتم أن تهربوا عند الموت فاهربوا فإنه مدرككم. هذه الأقوال على أن يكون الخطاب لهم بهذا القول في الدنيا.
وفى الآية تقرير آخر، وهو أن يكون هذا الخطاب في الآخرة إذا أحاطت الملائكة بأقطار الأرض وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون مهربًا ولا منفذًا، كما قال تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ إنِّى أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّناد يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]، قال مجاهد: فارّين غير معجزين، وقال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندّوا هربًا، فلا يأْتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفًا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ إن اسْتَطَعْتُمْ أن تَنفُذُوا مِن أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ فانفذُوا﴾
وهذا القول أظهر، والله أعلم.
فإذا بده الخلائق ولوا مدبرين يقال لهم: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾
أي إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم فافعلوا، وكأن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على هذا القول، فإن قبلها: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ [الرحمن: ٣١] الآية وهذا في الآخرة، وبعدها: ﴿فَإذا انشَقَّتِ السّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، وهذا في الآخرة.
وأيضًا فإن هذا خطاب لجميع الإنس والجن، فإنه أتى فيه بصيغة العموم وهي قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ﴾
فلا بد أن يشترك الكل في سماع هذا الخطاب ومضمونه.
وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر.
وقال تعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل إن استطعتما، لإرادة الجماعة كما في آية أُخرى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]
الرحمن 55:35
وقال تعالى: ﴿يُرْسِلُ عَلَيْكُما﴾ [الرحمن: ٣٥]، ولم يقل يرسل عليكم لإرادة الصنفين أي لا يختص به صنف عن صنف، بل يرسل ذلك على الصنفين معًا.
وهذا وإن كان مرادًا بقوله تعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣] فخطاب الجماعة في ذلك بلفظ الجمع أحسن، أي من استطاع منكم.
وحسن الخطاب بالتثنية في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُما﴾ [الرحمن: ٣٥] أمر آخر.
وهو موافقة رؤوس الآي، فاتصلت التثنية بالتثنية. وفيه التسوية بين الصنفين في العذاب بالتنصيص عليهما، فلا يحتمل اللفظ إرادة أحدهما والله أعلم.
قال ابن عباس: الشواط اللهب الذي لا دخان فيه والنحاس الدخان الذي لا لهب فيه.
الرحمن 55:39
وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنبِهِ إنسٌ ولا جانٌ﴾
فأضاف الذنوب إلى الثقلين، وهذا دليل على أنهما سويًا في التكليف.
واختلف في هذا السؤال المنفي، فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف لا يسألون حينئذ ويسألون بعد إطالة الوقوف واستشفاعهم إلى الله أن يحاسبهم ويريحهم من مقابلهم ذلك.
وقيل: المنفى سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة، أي قد علم الله ذنوبهم فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها، وإنما يحاسبهم عليها.
الرحمن 55:46
﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦)﴾
قيل هو العبد يهوى المعصية فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا ومقامه بين يديه في الآخرة فيتركها لله.
(لطيفة)
وقال يحيى بن أيوب كان بالمدينة فتى يعجب عمر بن الخطاب رضي الله عنه شأنه فانصرف ليلة من صلاة العشاء فتمثلت له امرأة بين يديه فعرضت له بنفسها ففتن بها ومضت، فاتبعها حتى وقف على بابها فأبصر وجلا عن قلبه وحضرته هذه الآية ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾
فخر مغشيا عليه فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت فلم تزل هي وجارية لها يتعاونان عليه حتى ألقياه على باب داره، فخرج أبوه فرآه ملقى على باب الدار لما به فحمله وأدخله فأفاق فسأله ما أصابك يا بُني فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره فلما تلا الآية شهق شهقة فخرجت نفسه فبلغ عمر رضي الله عنه قصته فقال:
ألا آذنتموني بموته، فذهب حتى وقف على قبره فنادى يا فلان ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾
فسمع صوتا من داخل القبر "قد أعطاني ربي يا عمر".
وذكر الحسن هذه القصة عن عمر رضي الله عنه على وجه آخر قال كان شاب على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازما للمسجد والعبادة فهويته جارية فحدث نفسه بها ثم إنه تذكر وأبصر فشهق شهقة فغشي عليه منها فجاء عم له فحمله إلى بيته فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له ما جزاء من خاف مقام ربه فأخبر عمر فأتاه وقد مات فقال لك جنتان.
وفي جامع الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ: "كان ذو الكفل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال ما يبكيك أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا وأنت لم تفعليه قط ثم قال اذهبي والدنانير لك ثم قال والله لا يعصي الله ذوالكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لذي الكفل" قال الترمذي هذا حديث حسن.
وقال أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهم خطب رسول الله ﷺ قبل وفاته فقال في خطبته: "ومن قدر على امرأة أو جارية حراما فتركها مخافة من الله أمنه الله يوم الفزع الأكبر وحرمه على النار وأدخله الجنة "
وقال مالك بن دينار جنات النعيم بين الفردوس وبين جنات عدن فيها جوار خلقن من ورد الجنة يسكنها الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا الله عز وجل راقبوه فانثنت رقابهم من خشية الله عز وجل
قال ميمون بن مهران الذكر ذكران فذكر الله عز وجل باللسان حسن وأفضل منه أن تذكر الله عز وجل عندما تشرف على معاصيه
وقال قتادة رضي الله عنه ذكر لنا أن نبي الله كان يقول لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله عز وجل إلا أبدله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك
وقال عبيد بن عمير صدق الإيمان وبره أن يخلو الرجل بالمرأة الحسناء فيدعها لا يدعها إلا لله عز وجل.
(فصل)
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ أنه قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن، وقد قال تعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فذكرهما ثم قال ﴿ومن دونهما جنتان﴾.
فهذه أربع وقد اختلف في قوله ﴿ومن دونهما﴾ هل المراد به أنهما فوقهما، أو تحتهما؟
على قولين:
فقالت طائفة من دونهما أي أقرب منهما إلى العرش فيكونان فوقهما
وقالت:"طائفة بل معنى من دونهما تحتهما.
قالوا وهذا المنقول في لغة العرب إذا قالوا: هذا دون هذا. أي دونه في المنزلة كما قال بعضهم لمن بالغ في مدحه:
أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.
وفي الصحاح دون نقيض فوق.
وهو تقصير عن الغاية، ثم قال ويقال هذا دون هذا أي أقرب منه.
والسياق يدل على تفضيل الجنتين الأوليين من عشرة أوجه: أحدها: قوله: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وفيه قولان أحدهما أنه جمع فنن وهو الغصن والثاني أنه جمع فن وهو الصنف أي ذواتا أصناف شتى من الفواكه وغيرها ولم يذكر ذلك في اللتين بعدهما.
الثاني قوله: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾
وفي الآخريين فيهما عينان نضاختان والنضاخة هي الفوارة والجارية السارحة وهي أحسن من الفوارة فإنها تضمن الفوران والجريان.
الثالث: أنه قال ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ وفي الآخريين ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ ولا ريب أن وصف الأوليين أكمل
واختلف في هذين الزوجين بعد الاتفاق على أنهما صنفان
فقالت: طائفة الزوجان الرطب واليابس الذي لا يقصر في فضله وجودته عن الرطب وهو متمتع به كما متمتع باليابس.
وفيه نظر لا يخفى.
وقالت: طائفة الزوجان صنف معروف وصنف من شكله غريب.
وقالت: طائفة نوعان ولم تزد والظاهر والله أعلم أنه الحلو والحامض والأبيض والأحمر، وذلك لأن اختلاف أصناف الفاكهة أعجب وأشهى، وألذ للعين والفم.
الرابع: أنه قال ﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾
وهذا تنبية على فضل الظهائر وخطرها وفي الأخريين قال ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾ وفسر الرفرف بالمحابس والبسط وفسر بالفرش وفسر بالمحابس فوقها.
وعلى كل قول فلم يصفه بما وصف به فرش الجنتين الأوليين
الخامس: أنه قال ﴿وجنى الجنتين دان﴾ أي قريب وسهل يتناولونه كيف شاءوا ولم يذكر ذلك في الآخريين السادس: أنه قال ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾
أي قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يرون غيرهم لرضاهن بهم ومحبتهن لهم وذلك يتضمن قصرهن أطرافهن أزواجهن عليهن فلا يدعهم حسنهن أن ينظروا إلى غيرهن
وقال في الآخريين ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ ومن قصرت طرفها على زوجها باختيارها أكمل ممن قصرت بغيرها
السابع: أنه وصفهن بشبه الياقوت والمرجان في صفاء اللون وإشراقه وحسنه ولم يذكر ذلك في التي بعدها
الثامن أنه قال سبحانه وتعالى في الجنتين الأوليين: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ وهذا يقتضي أن أصحابهما من أهل الإحسان المطلق الكامل فكان جزاؤهم بإحسان كامل
التاسع: أنه بدأ بوصف الجنتين الأوليين وجعلهما جزءا لمن خاف مقامه وهذا يدل على أنهما أعلى جزاء الخائف لمقامه فرتب الجزاء المذكور على الخوف ترتيب المسبب على سببه ولما كان الخائفون على نوعين مقربين وأصحاب يمين ذكر جنتي المقربين ثم ذكر جنتي أصحاب اليمين
العاشر: أنه قال ﴿ومن دونهما جنتان﴾ والسياق يدل على أنه نقيض فوق كما قال الجوهري.
فإن قيل فكيف انقسمت هذه الجنان الأربع على من خاف مقام ربه؟
قيل لما كان الخائفون نوعين كما ذكرنا كان للمقربين منهم الجنتان العاليتان ولأصحاب اليمين الجنتان اللتان دونهما فإن قيل فهل الجنتان لمجموع الخائفين يشتركون فيهما أم لكل واحد جنتان وهما البستانان.
قيل هذا فيه قولان للمفسرين.
ورجح القول الثاني بوجهين:
أحدهما من جهة النقل والثاني من جهة المعنى، فأما الذي من جهة النقل فإن أصحاب هذا القول رووا عن رسول الله ﷺ قال: "هما بستانين في رياض الجنة"
وأما الذي من جهة المعنى فإن إحدى الجنتين جزاء أداء الأوامر والثانية جزاء اجتناب المحارم
فإن قيل فكيف قال في ذكر النساء فيهن في الموضعين ولما ذكر غيرهن قال فيهما
قيل لما ذكر الفرش قال بعدها ﴿فيهن خيرات حسان﴾
ثم أعاده في الجنتين الأخريين بهذا اللفظ ليتشاكل اللفظ والمعنى والله أعلم.
(فصل: في أن مؤمني الجن في الجنة)
قوله تعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦)﴾
وذكر ما في الجنتين إلى قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جان﴾
وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من وجوه:
أحدها: أن "منْ" صيغ العموم، فتتناول كل خائف.
الثاني: أنه رتب الجزاءَ المذكور على خوف مقامه، فدل على استحقاقه به. وقد اختلف في إضافة المقام إلى الرب هل هي من إضافة المصدر إلى فاعله، أو إلى مفعوله؟ على قولين: أحدهما: أن المعنى ولمن خاف مقامه بين يدي ربه، فعلى هذا هو من إضافة المصدر إلى المفعول.
والثاني: أن المعنى ولمن خاف مقام ربه عليه واطلاعه عليه، فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
وكذلك القولان في قوله تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوِى﴾ [النازعات: ٤٠]، ونظيره قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِى وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]، فهذه ثلاثة مواضع.
وقد يقال: الراجح هو الأول، وأن المعنى خاف مقامه بين يدي ربه لوجوه:
أحدها: أن طريقة القرآن في التخويف أن يخوفهم بالله وباليوم الآخر، فإذا خوفهم به علق الخوف به لا بقيامه عليهم كقوله تعالى: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُون﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمنْ خَشِى رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، وقوله تعالى: ﴿يَخافُونَ رَبّهُم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشُونَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾
[الملك: ١٢]، ففى هذا كله لم يذكر خشية مقامه عليهم، وإنما مدحهم بخوفه وخشيته.
وقد يذكر الخوف متعلقًا بعذابه كقوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
وأما خوف مقامه عليهم فهو وإن كان كذلك فليس طريقة القرآن.
الثاني: أن هذا نظير قوله تعالى: ﴿وَأنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أن يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١]، فخوفهم أن يحشروا إليه هو خوفهم من مقامهم بين يديه، والقرآن يفسر بعضه بعضًا.
الثالث: أن خوف مقام العبد بين يدي ربه في الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمن بلقائه وباليوم الآخر وبالبعث بعد الموت. وهذا هو الذي يستحق الجنتين المذكورتين، فإنه لا يؤمن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل، وهو من الإيمان بالغيب الذي جاءَت به الرسل.
وأما مقام الله على عبده في الدنيا واطلاعه عليه وقدرته عليه فهذا يقر به المؤمن والكافر والبر والفاجر وأكثر
الكفار يخافون جزاءَ الله لهم في الدنيا لما عاينوه من مجازاة الظالم بظلمه والمحسن بإحسانه، وأما مقام العبد بين يدي ربه في الآخرة فلا يؤمن به إلا المؤمن بالرسل.
فإن قيل: إذا كان المعنى أنه خاف مقام ربه عليه في الآخرة بالجزاءِ فقد استوى التقديران، فمن أين رجحتم أحدهما؟
قيل: التخويف بمقام العبد بين يدي ربه أبلغ من التخويف بمقام الرب على العبد، ولهذا خوفنا تعالى في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومَ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِين﴾ [المطففين: ٦]، ولأنه مقام مخصوص مضاف إلى الله وذلك في يوم القيامة، بخلاف مقام الله على العبد فإنه كل وقت. وأيضًا فإنه لا يقال لقدرة الله على العبد واطلاعه عليه وعلمه به: مقام الله، ولا هذا من المأْلوف إطلاقه على الرب.
وأيضًا فإن المقام في القرآن والسنة إنما يطلق على المكان كقوله: ﴿عَسى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿كَمْ ترَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وزُرُوع ٍوَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥-٢٦]، وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ ندِيًا﴾ [مريم: ٧٣]، والمقصود أن قوله تعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَتانِ﴾ يتناول الصنفين من وجوه تقدم منها وجهان:
الثالث: قوله عقيب هذا الوعد: ﴿فَبِأى آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.
الرابع: أنه ذكر في وصف نسائهم أنهن: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] وهذا والله أعلم معناه أنه لم يطمث نساءَ الإنس إنس قبلهم ولا نساءَ الجن جن قبلهم.
ومما يدل على أن ثوابهم الجنة قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضيعُ أجْرَ مَن أحْسنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [الكهف: ٣٠-٣١]، وأمثال هذه من العمومات.
وقد ثبت أن منهم المؤمنين فيدخلون في العموم، كما أن كافرهم يدخل في الكافرين المستحقين للوعيد ودخول مؤمنهم في آيات الوعد أولى من دخول كافرهم في آيات الوعيد، فإن الوعد فضله والوعيد عدله، وفضله من رحمته وهي تغلب غضبه.
وأيضًا فإن دخول عاصيهم النار إنما كان لمخالفته أمر الله، فإذا أطاع الله أُدخل الجنة، وأيضًا فإنه لا دار للمكلفين سوى الجنة والنار، وكل من لم يدخل النار من المكلفين فالجنة مثواه.
وأيضًا فقد ثبت أنهم إذا أجابوا داعي الله غفر لهم وأجارهم من عذابه، وكل من غفر له دخل الجنة ولا بد، وليس فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار، وأيضًا فإنه قد ثبت أن الرسول مبعوث إليهم وأنهم مكلفون باتباعه وأن مطيعهم لله ورسوله مع الذين أنعم الله عليهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُطَعَ اللهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وقد أخبر سبحانه عن ملائكته حملة العرش ومن حولهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا وأنهم يقولون: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبعُوا سبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجحِيمَ رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٧-٨]
فدل على أن كل مؤمن غفر الله له ووقاه عذاب الجحيم، فقد وعده الجنة. وقد ثبت في حق مؤمنهم الإيمان ومغفرة الذنب ووقاية النار كما تقدم، فتعين دخولهم الجنة، والله أعلم.
وإذا ثبت تكليفهم بانقسامهم إلى المسلمين والكفار والصالحين ودون ذلك، فهم في الموازنة على نحو طبقات الإنس المتقدمة، إلا أنهم ليس فيهم رسول. وأفضل درجاتهم درجة الصالحين، ولو كان لهم درجة أفضل منها لذكروها.
فقد دل القرآن على انقسامهم إلى ثلاثة أقسام: صالحين، ودونهم، وكفار.
وزاد عليهم الإنس بدرجة الرسالة والنبوة، ودرجة المقربين، والله أعلم.
الرحمن 55:47
﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦)﴾
قيل هو العبد يهوى المعصية فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا ومقامه بين يديه في الآخرة فيتركها لله.
(لطيفة)
وقال يحيى بن أيوب كان بالمدينة فتى يعجب عمر بن الخطاب رضي الله عنه شأنه فانصرف ليلة من صلاة العشاء فتمثلت له امرأة بين يديه فعرضت له بنفسها ففتن بها ومضت، فاتبعها حتى وقف على بابها فأبصر وجلا عن قلبه وحضرته هذه الآية ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾
فخر مغشيا عليه فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت فلم تزل هي وجارية لها يتعاونان عليه حتى ألقياه على باب داره، فخرج أبوه فرآه ملقى على باب الدار لما به فحمله وأدخله فأفاق فسأله ما أصابك يا بُني فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره فلما تلا الآية شهق شهقة فخرجت نفسه فبلغ عمر رضي الله عنه قصته فقال:
ألا آذنتموني بموته، فذهب حتى وقف على قبره فنادى يا فلان ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾
فسمع صوتا من داخل القبر "قد أعطاني ربي يا عمر".
وذكر الحسن هذه القصة عن عمر رضي الله عنه على وجه آخر قال كان شاب على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازما للمسجد والعبادة فهويته جارية فحدث نفسه بها ثم إنه تذكر وأبصر فشهق شهقة فغشي عليه منها فجاء عم له فحمله إلى بيته فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له ما جزاء من خاف مقام ربه فأخبر عمر فأتاه وقد مات فقال لك جنتان.
وفي جامع الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ: "كان ذو الكفل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال ما يبكيك أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا وأنت لم تفعليه قط ثم قال اذهبي والدنانير لك ثم قال والله لا يعصي الله ذوالكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لذي الكفل" قال الترمذي هذا حديث حسن.
وقال أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهم خطب رسول الله ﷺ قبل وفاته فقال في خطبته: "ومن قدر على امرأة أو جارية حراما فتركها مخافة من الله أمنه الله يوم الفزع الأكبر وحرمه على النار وأدخله الجنة "
وقال مالك بن دينار جنات النعيم بين الفردوس وبين جنات عدن فيها جوار خلقن من ورد الجنة يسكنها الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا الله عز وجل راقبوه فانثنت رقابهم من خشية الله عز وجل
قال ميمون بن مهران الذكر ذكران فذكر الله عز وجل باللسان حسن وأفضل منه أن تذكر الله عز وجل عندما تشرف على معاصيه
وقال قتادة رضي الله عنه ذكر لنا أن نبي الله كان يقول لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله عز وجل إلا أبدله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك
وقال عبيد بن عمير صدق الإيمان وبره أن يخلو الرجل بالمرأة الحسناء فيدعها لا يدعها إلا لله عز وجل.
(فصل)
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ أنه قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن، وقد قال تعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فذكرهما ثم قال ﴿ومن دونهما جنتان﴾.
فهذه أربع وقد اختلف في قوله ﴿ومن دونهما﴾ هل المراد به أنهما فوقهما، أو تحتهما؟
على قولين:
فقالت طائفة من دونهما أي أقرب منهما إلى العرش فيكونان فوقهما
وقالت:"طائفة بل معنى من دونهما تحتهما.
قالوا وهذا المنقول في لغة العرب إذا قالوا: هذا دون هذا. أي دونه في المنزلة كما قال بعضهم لمن بالغ في مدحه:
أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.
وفي الصحاح دون نقيض فوق.
وهو تقصير عن الغاية، ثم قال ويقال هذا دون هذا أي أقرب منه.
والسياق يدل على تفضيل الجنتين الأوليين من عشرة أوجه: أحدها: قوله: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وفيه قولان أحدهما أنه جمع فنن وهو الغصن والثاني أنه جمع فن وهو الصنف أي ذواتا أصناف شتى من الفواكه وغيرها ولم يذكر ذلك في اللتين بعدهما.
الثاني قوله: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾
وفي الآخريين فيهما عينان نضاختان والنضاخة هي الفوارة والجارية السارحة وهي أحسن من الفوارة فإنها تضمن الفوران والجريان.
الثالث: أنه قال ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ وفي الآخريين ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ ولا ريب أن وصف الأوليين أكمل
واختلف في هذين الزوجين بعد الاتفاق على أنهما صنفان
فقالت: طائفة الزوجان الرطب واليابس الذي لا يقصر في فضله وجودته عن الرطب وهو متمتع به كما متمتع باليابس.
وفيه نظر لا يخفى.
وقالت: طائفة الزوجان صنف معروف وصنف من شكله غريب.
وقالت: طائفة نوعان ولم تزد والظاهر والله أعلم أنه الحلو والحامض والأبيض والأحمر، وذلك لأن اختلاف أصناف الفاكهة أعجب وأشهى، وألذ للعين والفم.
الرابع: أنه قال ﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾
وهذا تنبية على فضل الظهائر وخطرها وفي الأخريين قال ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾ وفسر الرفرف بالمحابس والبسط وفسر بالفرش وفسر بالمحابس فوقها.
وعلى كل قول فلم يصفه بما وصف به فرش الجنتين الأوليين
الخامس: أنه قال ﴿وجنى الجنتين دان﴾ أي قريب وسهل يتناولونه كيف شاءوا ولم يذكر ذلك في الآخريين السادس: أنه قال ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾
أي قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يرون غيرهم لرضاهن بهم ومحبتهن لهم وذلك يتضمن قصرهن أطرافهن أزواجهن عليهن فلا يدعهم حسنهن أن ينظروا إلى غيرهن
وقال في الآخريين ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ ومن قصرت طرفها على زوجها باختيارها أكمل ممن قصرت بغيرها
السابع: أنه وصفهن بشبه الياقوت والمرجان في صفاء اللون وإشراقه وحسنه ولم يذكر ذلك في التي بعدها
الثامن أنه قال سبحانه وتعالى في الجنتين الأوليين: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ وهذا يقتضي أن أصحابهما من أهل الإحسان المطلق الكامل فكان جزاؤهم بإحسان كامل
التاسع: أنه بدأ بوصف الجنتين الأوليين وجعلهما جزءا لمن خاف مقامه وهذا يدل على أنهما أعلى جزاء الخائف لمقامه فرتب الجزاء المذكور على الخوف ترتيب المسبب على سببه ولما كان الخائفون على نوعين مقربين وأصحاب يمين ذكر جنتي المقربين ثم ذكر جنتي أصحاب اليمين
العاشر: أنه قال ﴿ومن دونهما جنتان﴾ والسياق يدل على أنه نقيض فوق كما قال الجوهري.
فإن قيل فكيف انقسمت هذه الجنان الأربع على من خاف مقام ربه؟
قيل لما كان الخائفون نوعين كما ذكرنا كان للمقربين منهم الجنتان العاليتان ولأصحاب اليمين الجنتان اللتان دونهما فإن قيل فهل الجنتان لمجموع الخائفين يشتركون فيهما أم لكل واحد جنتان وهما البستانان.
قيل هذا فيه قولان للمفسرين.
ورجح القول الثاني بوجهين:
أحدهما من جهة النقل والثاني من جهة المعنى، فأما الذي من جهة النقل فإن أصحاب هذا القول رووا عن رسول الله ﷺ قال: "هما بستانين في رياض الجنة"
وأما الذي من جهة المعنى فإن إحدى الجنتين جزاء أداء الأوامر والثانية جزاء اجتناب المحارم
فإن قيل فكيف قال في ذكر النساء فيهن في الموضعين ولما ذكر غيرهن قال فيهما
قيل لما ذكر الفرش قال بعدها ﴿فيهن خيرات حسان﴾
ثم أعاده في الجنتين الأخريين بهذا اللفظ ليتشاكل اللفظ والمعنى والله أعلم.
(فصل: في أن مؤمني الجن في الجنة)
قوله تعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦)﴾
وذكر ما في الجنتين إلى قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جان﴾
وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من وجوه:
أحدها: أن "منْ" صيغ العموم، فتتناول كل خائف.
الثاني: أنه رتب الجزاءَ المذكور على خوف مقامه، فدل على استحقاقه به. وقد اختلف في إضافة المقام إلى الرب هل هي من إضافة المصدر إلى فاعله، أو إلى مفعوله؟ على قولين: أحدهما: أن المعنى ولمن خاف مقامه بين يدي ربه، فعلى هذا هو من إضافة المصدر إلى المفعول.
والثاني: أن المعنى ولمن خاف مقام ربه عليه واطلاعه عليه، فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
وكذلك القولان في قوله تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوِى﴾ [النازعات: ٤٠]، ونظيره قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِى وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]، فهذه ثلاثة مواضع.
وقد يقال: الراجح هو الأول، وأن المعنى خاف مقامه بين يدي ربه لوجوه:
أحدها: أن طريقة القرآن في التخويف أن يخوفهم بالله وباليوم الآخر، فإذا خوفهم به علق الخوف به لا بقيامه عليهم كقوله تعالى: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُون﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمنْ خَشِى رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، وقوله تعالى: ﴿يَخافُونَ رَبّهُم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشُونَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾
[الملك: ١٢]، ففى هذا كله لم يذكر خشية مقامه عليهم، وإنما مدحهم بخوفه وخشيته.
وقد يذكر الخوف متعلقًا بعذابه كقوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
وأما خوف مقامه عليهم فهو وإن كان كذلك فليس طريقة القرآن.
الثاني: أن هذا نظير قوله تعالى: ﴿وَأنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أن يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١]، فخوفهم أن يحشروا إليه هو خوفهم من مقامهم بين يديه، والقرآن يفسر بعضه بعضًا.
الثالث: أن خوف مقام العبد بين يدي ربه في الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمن بلقائه وباليوم الآخر وبالبعث بعد الموت. وهذا هو الذي يستحق الجنتين المذكورتين، فإنه لا يؤمن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل، وهو من الإيمان بالغيب الذي جاءَت به الرسل.
وأما مقام الله على عبده في الدنيا واطلاعه عليه وقدرته عليه فهذا يقر به المؤمن والكافر والبر والفاجر وأكثر
الكفار يخافون جزاءَ الله لهم في الدنيا لما عاينوه من مجازاة الظالم بظلمه والمحسن بإحسانه، وأما مقام العبد بين يدي ربه في الآخرة فلا يؤمن به إلا المؤمن بالرسل.
فإن قيل: إذا كان المعنى أنه خاف مقام ربه عليه في الآخرة بالجزاءِ فقد استوى التقديران، فمن أين رجحتم أحدهما؟
قيل: التخويف بمقام العبد بين يدي ربه أبلغ من التخويف بمقام الرب على العبد، ولهذا خوفنا تعالى في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومَ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِين﴾ [المطففين: ٦]، ولأنه مقام مخصوص مضاف إلى الله وذلك في يوم القيامة، بخلاف مقام الله على العبد فإنه كل وقت. وأيضًا فإنه لا يقال لقدرة الله على العبد واطلاعه عليه وعلمه به: مقام الله، ولا هذا من المأْلوف إطلاقه على الرب.
وأيضًا فإن المقام في القرآن والسنة إنما يطلق على المكان كقوله: ﴿عَسى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿كَمْ ترَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وزُرُوع ٍوَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥-٢٦]، وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ ندِيًا﴾ [مريم: ٧٣]، والمقصود أن قوله تعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَتانِ﴾ يتناول الصنفين من وجوه تقدم منها وجهان:
الثالث: قوله عقيب هذا الوعد: ﴿فَبِأى آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.
الرابع: أنه ذكر في وصف نسائهم أنهن: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] وهذا والله أعلم معناه أنه لم يطمث نساءَ الإنس إنس قبلهم ولا نساءَ الجن جن قبلهم.
ومما يدل على أن ثوابهم الجنة قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضيعُ أجْرَ مَن أحْسنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [الكهف: ٣٠-٣١]، وأمثال هذه من العمومات.
وقد ثبت أن منهم المؤمنين فيدخلون في العموم، كما أن كافرهم يدخل في الكافرين المستحقين للوعيد ودخول مؤمنهم في آيات الوعد أولى من دخول كافرهم في آيات الوعيد، فإن الوعد فضله والوعيد عدله، وفضله من رحمته وهي تغلب غضبه.
وأيضًا فإن دخول عاصيهم النار إنما كان لمخالفته أمر الله، فإذا أطاع الله أُدخل الجنة، وأيضًا فإنه لا دار للمكلفين سوى الجنة والنار، وكل من لم يدخل النار من المكلفين فالجنة مثواه.
وأيضًا فقد ثبت أنهم إذا أجابوا داعي الله غفر لهم وأجارهم من عذابه، وكل من غفر له دخل الجنة ولا بد، وليس فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار، وأيضًا فإنه قد ثبت أن الرسول مبعوث إليهم وأنهم مكلفون باتباعه وأن مطيعهم لله ورسوله مع الذين أنعم الله عليهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُطَعَ اللهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وقد أخبر سبحانه عن ملائكته حملة العرش ومن حولهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا وأنهم يقولون: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبعُوا سبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجحِيمَ رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٧-٨]
فدل على أن كل مؤمن غفر الله له ووقاه عذاب الجحيم، فقد وعده الجنة. وقد ثبت في حق مؤمنهم الإيمان ومغفرة الذنب ووقاية النار كما تقدم، فتعين دخولهم الجنة، والله أعلم.
وإذا ثبت تكليفهم بانقسامهم إلى المسلمين والكفار والصالحين ودون ذلك، فهم في الموازنة على نحو طبقات الإنس المتقدمة، إلا أنهم ليس فيهم رسول. وأفضل درجاتهم درجة الصالحين، ولو كان لهم درجة أفضل منها لذكروها.
فقد دل القرآن على انقسامهم إلى ثلاثة أقسام: صالحين، ودونهم، وكفار.
وزاد عليهم الإنس بدرجة الرسالة والنبوة، ودرجة المقربين، والله أعلم.
الرحمن 55:54
وقال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾.
فوصف الفرش بكونها مبطنة بالإستبرق. وهذا يدل على أمرين.
أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها. لأن بطائنها للأرض، وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة.
قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي هبيرة ابن مريم عن ابن مسعود في قوله: بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ قال: هذه البطائن قد أخبرتم بها.
فكيف بالظهائر؟
الثاني: يدل على أنها فرش عالية، لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة وقد روي في سمكها وارتفاعها آثار - إن كانت محفوظة - فالمراد:
ارتفاع محلها، كما
رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله: وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام»
قال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد.
قيل: ومعناه: أن الارتفاع المذكور للدرجات والفرش عليها.
قلت: رشدين بن سعد عنده مناكير. قال الدارقطني: ليس بالقوي.
وقال أحمد: لا يبالي عمن يروي. وليس به بأس في الرقاق. وقال: أرجو أنه صالح الحديث. وقال يحي بن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف.
وقال الجوزجاني: عنده مناكير. لا ريب أنه كان سيئ الحفظ.
فلا يعتمد على ما ينفرد به.
وقال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن درّاج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال:
«ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض».
وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ. فالله أعلم.
وقال الطبراني: حدثنا المقدام بن داوود حدثنا أسد بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير عن كعب في قوله عز وجل: وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال
«مسيرة أربعين سنة» وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن نائلة حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال:
«سئل رسول الله ﷺ عن الفرش المرفوعة؟ فقال:
لو طرح فراش من أعلاها لهوى إلى قرارها مائة خريف».
وفي رفع هذا الحديث نظر.
فقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا معاذ بن هشام قال: وجدت في كتاب أبي عن القاسم عن أبي أمامة في قوله عز وجل: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: «لو أن أعلاها سقط ما بلغ أسفلها بعد أربعين خريفا».
(فصل)
وأما الفرش فقد قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾
وقال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ فوصف الفرش بكونها مبطنة بالإستبرق وهذا يدل على أمرين:
أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها، لأن بطائنها للأرض، وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة.
قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي هبيرة ابن مريم عن عبد الله في قوله ﴿بطائنها من إستبرق﴾
قال هذه البطائن قد خبرتم بها فكيف بالظهائر؟
الثاني: يدل على أنها فرش عالية لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة.
وقد روى في سمكها وارتفاعها آثار إن كانت محفوظة فالمراد ارتفاع محلها كما رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله ﴿وفرش مرفوعة﴾
قال "ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام"
قال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد.
قيل ومعناه إن ارتفاع المذكور للدرجات والفرش عليها.
قلت رشدين بن سعد عنده مناكير: قال الدارقطني: ليس بالقوي
وقال أحمد: لا يبالي عمن روى وليس به بأس في الرقاق.
وقال أرجو أنه صالح الحديث.
وقال يحيى بن معين: ليس بشيء.
وقال أبو زرعة: ضعيف.
وقال الجوزجاني عنده مناكير، ولا ريب أنه كان سيئ الحفظ فلا يعتمد على ما ينفرد به.
وقد قال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال:
"ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض "
وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ فالله أعلم.
الرحمن 55:56
وصفهن سبحانه بقصر في ثلاثة مواضع. أحدها: هذا.
والثاني: قوله تعالى في الصافات: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾.
والثالث: قوله تعالى في ص: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾.
وأجمع المفسرون كلهم على أن المعنى: أنهن قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يطمحن إلى غيرهم.
وقيل: قصرن طرف أزواجهن عليهن. فلا يدعهم حسنهن وجمالهن أن ينظروا إلى غيرهن.
وهذا صحيح من جهة المعنى.
وأما من جهة اللفظ: فقاصرات صفة مضافة إلى الفاعل لحسان الوجوه.
وأصله قاصر طرفهن، أي ليس بطامح متعد.
قال آدم: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾
قال: يقول قاصرات الطرف على أزواجهن، فلا يبغين غير أزواجهن.
وقال آدم: حدثنا المبارك بن فضالة «١» عن الحسن قال:
قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم. والله ما هن متبرجات، ولا متطلعات.
وقال منصور عن مجاهد: قصرن أبصارهن وقلوبهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم.
وفي تفسير سعيد عن قتادة قال: قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم.
وأما «الأتراب» فجمع ترب، وهو لدة الإنسان.
قال أبو عبيدة، وأبو إسحاق: أقران، أسنانهن واحدة.
قال ابن عباس. وسائر المفسرين: مستويات على سن واحدة، وميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين سنة.
وقال مجاهد «أتراب» أمثال.
وقال أبو إسحاق: هن في غاية الشباب والحسن، وسمي ندّ الإنسان وقرنه: تربة. لأنه مسّ تراب الأرض معه في وقت واحد.
والمعنى من الأخبار باستواء أسنانهن: أنهن ليس فيهن عجائز، قد فات حسنهن، ولا ولائد لا يطقن الوطء، بخلاف الذكور، فإن فيهم الولدان، وهم الخدم.
وقد اختلف في مفسر الضمير في قوله: «فيهن».
فقالت طائفة: مفسره الجنتان، وما حوتاه من القصور والغرف والخيام.
وقالت طائفة: مفسره الفرش المذكورة في قوله: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ و «في» هنا بمعنى «على».
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾
قال أبو عبيدة:
لم يمسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسّه.
وقال يونس: تقول العرب: هذا جمل ما طمثه حبل قط، أي ما مسه.
وقال الفراء: الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية. والطمث هو الدم.
وفيه لغات. طمث: يطمث، ويطمث.
قال الليث: طمثت الجارية، إذا افترعتها، والطامث في لغتهم هي الحائض.
وقال أبو الهيثم: يقال للمرأة طمثت تطمث، إذا أدميت بالافتضاض. وطمثت عليّ - فعلت - تطمث، إذا حاضت أول ما تحيض، فهي طامث.
وقال في قول الفرزدق:
؎خرجن إليّ لم يطمثن قبلي ∗∗∗ وهن أصح من بيض النعام
أي لم يمسسن.
قال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن. هذه ألفاظهم. وهم مختلفون في هؤلاء. فبعضهم يقول: هن اللواتي أنشئن في الجنة من حورها. وبعضهم يقول: يعني نساء الدنيا أنشئن خلقا آخر أبكارا. كما وصفن.
قال الشعبي: نساء من نساء الدنيا، لم يمسسن منذ أنشئن خلقا.
وقال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة.
وقال عطاء، عن ابن عباس: هن الآدميات اللاتي متن أبكارا.
وقال الكلبي: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان.
قلت: ظاهر القرآن. أن هؤلاء النسوة لسن من نساء الدنيا وإنما هن من الحور العين.
وأما نساء الدنيا فنساء الإنس قد طمثهن الإنس، ونساء الجن قد طمثهن الجن. والآية تدل على ذلك.
قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل على أن الجني يغشى كما أن الإنسي يغشى.
ويدل على أنهن الحور اللاتي خلقن في الجنة: أنه سبحانه جعلهن مما أعده الله في الجنة لأهلها، من الفواكه والثمار والأنهار والملابس وغيرها.
ويدل عليه أيضا الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ ثم قال: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾
قال الإمام أحمد: والحور العين لا يمتن عند النفخ في الصور، لأنهن خلقهن للبقاء.
وفي الآية دليل لما ذهب إليه الجمهور: أن مؤمني الجن في الجنة، كما أن كافرهم في النار.
وبوب عليه البخاري في صحيحه فقال «باب ثواب الجن وعقابهم» ونص عليه غير واحد من السلف.
قال ضمرة بن حبيب - وقد سئل: هل للجن ثواب؟ فقال: نعم. وقرأ هذه الآية.
ثم قال: الإنسيات للإنس، والجنيات للجن. وقال مجاهد في هذه الآية: إذا جامع الرجل ولم يسمّ انطوى الجان على إحليله فجامع معه.
والضمير في قوله: «قبلهم» للمعنيين بقوله «متكئين» وهم أزواج هؤلاء النسوة.
(فائدة: في تقديم الإنس على الجن في بعض المواضع)
قال السهيلي:
وأما قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾
وقوله: ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾
وقوله: ﴿وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾
فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال لنزاهتهم عن العيوب، وأنه لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب فلما لم يتناولهم عموم لفظ هذه القرينة بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم.
قال ابن القيم:
وأما تقديم الإنس على الجن في قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾
فلحكمة أخرى سوى ما ذكره وهو أن النفي تابع لما تعقله القلوب من الإثبات فيرد النفي عليه وعلم النفوس بطمث الإنس ونفرتها ممن طمثها الرجال هو المعروف فجاء النفي على مقتضى ذلك وكان تقديم الإنس في هذا النفي أهم وأما قوله: ﴿وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فهذا يعرف سره من السياق فإن هذا حكاية كلام مؤمني الجن حين سماع القرآن كما قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ الآيات.
وكان القرآن أول ما خوطب به الإنس ونزل على نبيهم وهم أول من بدأ بالتصديق والتكذيب قبل الجن فجاء قول مؤمني الجن: ﴿وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بتقديم الإنس لتقدمهم في الخطاب بالقرآن وتقديمهم في التصديق والتكذيب.
وفائدة أخرى وهي أن هذا حكاية كلام مؤمني الجن لقومهم بعد أن رجعوا إليهم فأخبروهم بما سمعوا من القرآن وعظمته وهدايته إلى الرشد ثم اعتذروا عما كانوا يعتقدونه أولا بخلاف ما سمعوه من الرشد بأنهم لم يكونوا يظنون أن الإنس والجن يقولون على الله كذبا فذكرهم الإنس هنا في التقديم أحسن في الدعوة وأبلغ في عدم التهمة فإنهم خالفوا ما كانوا يسمعونه من الإنس والجن لما تبين لهم كذبهم فبداءتهم بذكر الإنس أبلغ في نفي الغرض والتهمة وأن لا يظن بهم قومهم أنهم ظاهروا الإنس عليهم فإنهم أول ما أقروا بتقولهم الكذب على الله تعالى وهذا من ألطف المعاني وأدقها ومن تأمل مواقعه في الخطاب عرف صحته.
الرحمن 55:58
وقوله: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾
قال الحسن وعامة المفسرين: أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان، شبههن في صفاء اللون وبياضه بالياقوت والمرجان، ويدل عليه ما قاله عبد الله
«إن المرأة من نساء أهل الجنة لتلبس عليها سبعين حلة من حرير، فيرى بياض ساقيها من ورائهن، ذلك بأن الله يقول: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾
ألا وإن الياقوت حجر، لو جعلت فيه سلكا ثم استصفيته لنظرت إلى السلك من وراء الحجر».
وقال ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾
قال: "ينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك"
الرحمن 55:60
يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه.
قال ابن عباس: "هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد إلا الجنة"
وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال:
"قرأ رسول الله ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلاّ الإحْسانُ﴾
ثم قال: هل تدرون ما قال ربكم؟
قالوا الله ورسوله أعلم.
قال: يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة ".
[فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الإحْسانِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الإحْسانِ.
وَهِيَ لُبُّ الإيمانِ، ورُوحُهُ وكَمالُهُ، وهَذِهِ المَنزِلَةُ تَجْمَعُ جَمِيعَ المَنازِلِ. فَجَمِيعُها مُنْطَوِيَةٌ فِيها. وكُلُّ ما قِيلَ مِن أوَّلِ الكِتابِ إلى هاهُنا فَهو مِنَ الإحْسانِ.
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " رَحِمَهُ اللَّهُ - وقَدِ اسْتَشْهَدَ عَلى هَذِهِ المَنزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
فالإحْسانُ: جامِعٌ لِجَمِيعِ أبْوابِ الحَقائِقِ. وهو أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ.
أمّا الآيَةُ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والمُفَسِّرُونَ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وعَمَلَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ إلّا الجَنَّةُ؟
وَقَدْ «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأ ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾
ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: يَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ؟».
وَأمّا الحَدِيثُ: فَإشارَةٌ إلى كَمالِ الحُضُورِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ومُراقَبَتِهِ الجامِعَةِ لِخَشْيَتِهِ، ومَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والإخْلاصِ لَهُ، ولِجَمِيعِ مَقاماتِ الإيمانِ.
[دَرَجاتُ الإحْسانِ]
[الدَّرَجَةُ الأوْلى الإحْسانُ في القَصْدِ بِتَهْذِيبِهِ عِلْمًا]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: الإحْسانُ في القَصْدِ بِتَهْذِيبِهِ عِلْمًا، وإبْرامِهِ عَزْمًا، وتَصْفِيَتِهِ حالًا.
يَعْنِي: إحْسانُ القَصْدِ يَكُونُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ.
أحَدُها: تَهْذِيبُهُ عِلْمًا، بِأنْ يَجْعَلَهُ تابِعًا لِلْعِلْمِ عَلى مُقْتَضاهُ مُهَذَّبًا بِهِ. مُنَقًّى مِن شَوائِبِ الحُظُوظِ، فَلا يَقْصِدُ إلّا ما يَجُوزُ في العِلْمِ. والعِلْمُ هو اتِّباعُ الأمْرِ والشَّرْعِ.
والثّانِي: إبْرامُهُ عَزْمًا. والإبْرامُ: الإحْكامُ والقُوَّةُ.
أيْ يُقارِنُهُ عَزْمٌ يُمْضِيهِ، ولا يَصْحَبُهُ فُتُورٌ وتَوانٍ يُضْعِفُهُ ويُوهِنُهُ.
الثّالِثُ: تَصْفِيَتُهُ حالًا.
أيْ يَكُونُ حالُ صاحِبِهِ صافِيًا مِنَ الأكْدارِ والشَّوائِبِ، الَّتِي تَدُلُّ عَلى كَدَرِ قَصْدِهِ.
فَإنَّ الحالَ مَظْهَرُ القَصْدِ وثَمَرَتُهُ. وهو أيْضًا مادَّتُهُ وباعِثُهُ. فَكُلٌّ مِنهُما يَنْفَعِلُ عَنِ الآخَرِ.
فَصَفاؤُهُ وتَخْلِيصُهُ مِن تَمامِ صَفاءِ الآخَرِ وتَخْلِيصِهِ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ الإحْسانُ في الأحْوالِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: الإحْسانُ في الأحْوالِ. وهو أنْ تُراعِيَها غَيْرَةً. وتَسْتُرَها
تَظَرُّفًا، وتُصَحِّحَها تَحَقِيقًا.
يُرِيدُ بِمُراعاتِها: حِفْظَها وصَوْنَها، غَيْرَةً عَلَيْها أنْ تَحُولَ. فَإنَّها تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ. فَإنْ لَمْ يَرْعَ حُقُوقَها حالَتْ. ومُراعاتُها: بِدَوامِ الوَفاءِ، وتَجَنُّبِ الجَفاءِ.
وَيُراعِيها أيْضًا بِإكْرامِ نُزُلِها. فَإنَّها ضَيْفٌ. والضَّيْفُ إنْ لَمْ تُكَرِمْ نُزُلَهُ ارْتَحَلَ.
وَيُراعِيها أيْضًا بِضَبْطِها مَلَكَةً. وشَدِّ يَدِهِ عَلَيْها، وأنْ لا يَسْمَحَ بِها لِقاطِعِ طَرِيقٍ ولا ناهِبٍ.
وَيُراعِيها أيْضًا: بِالِانْقِيادِ إلى حُكْمِها، والإذْعانِ لِسُلْطانِها إذا وافَقَ الأمْرَ.
وَيُراعِيها أيْضًا: بِسَتْرِها تَظَرُّفًا، وهو أنْ يَسْتُرَها عَنِ النّاسِ ما أمْكَنَهُ. لِئَلّا يَعْلَمُوا بِها. ولا يُظْهِرَها إلّا لِحُجَّةٍ. أوْ حاجَةٍ، أوْ مَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ. فَإنَّ في إظْهارِها بِدُونِ ذَلِكَ آفاتٍ عَدِيدَةً. مَعَ تَعْرِيضِها لِلُّصُوصِ والسُّرّاقِ والمُغِيرِينَ.
وَإظْهارُ الحالِ لِلنّاسِ عِنْدَ الصّادِقِينَ: حُمْقٌ وعَجْزٌ. وهو مِن حُظُوظِ النَّفْسِ والشَّيْطانِ. وأهْلُ الصِّدْقِ والعَزْمِ لَها أسْتَرُ، وأكْتَمُ مِن أرْبابِ الكُنُوزِ مِنَ الأمْوالِ لِأمْوالِهِمْ، حَتّى إنَّ مِنهم مَن يُظْهِرُ أضْدادَها نَفْيًا وجَحْدًا. وهم أصْحابُ المَلامَتِيَّةِ، ولَهم طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ. وكانَ شَيْخُ هَذِهِ الطّائِفَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَنازِلَ.
واتَّفَقَتِ الطّائِفَةُ عَلى أنَّ مَن أطْلَعَ النّاسَ عَلى حالِهِ مَعَ اللَّهِ: فَقَدْ دَنَّسَ طَرِيقَتَهُ. إلّا لِحُجَّةٍ أوْ حاجَةٍ أوْ ضَرُورَةٍ.
وَقَوْلُهُ: وتَصْحِيحُها تَحْقِيقًا
أيْ يَجْتَهِدُ في تَحْقِيقِ أحْوالِهِ، وتَصْحِيحِها وتَخْلِيصِها.
فَإنَّ الحالَ قَدْ يَمْتَزِجُ بِحَقٍّ وباطِلٍ. ولا يُمَيِّزُهُ إلّا أُولُو البَصائِرِ والعِلْمِ.
وَأهْلُ هَذِهِ الطَّرِيقِ يَقُولُونَ: إنَّ الوارِدَ الَّذِي يَبْتَدِئُ العَبْدُ مِن جانِبِهِ الأيْمَنِ والهَواتِفَ والخِطابَ: يَكُونُ في الغالِبِ حَقًّا.
والَّذِي يَبْتَدِئُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ: يَكُونُ في الغالِبِ باطِلًا وكَذِبًا.
فَإنَّ أهْلَ اليَمِينِ: هم أهْلُ الحَقِّ. وبِأيْمانِهِمْ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم. ونُورُهُمُ الظّاهِرُ عَلى الصِّراطِ بِأيْمانِهِمْ.
وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وتَرَجُّلِهِ، وطَهُورِهِ وشَأْنِهِ كُلِّهِ.
واللَّهُ ومَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلى مَيامِنِ الصُّفُوفِ.
وَأخْبَرَ أنَّ الشَّيْطانَ يَأْكُلُ بِشِمالِهِ ويَشْرَبُ بِشِمالِهِ. وحَظُّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ جِهَةُ الشِّمالِ.
وَلِهَذا تَكُونُ اليَدُ الشِّمالِ لِلِاسْتِجْمارِ، وإزالَةِ النَّجاسَةِ والأذى. ويُبْدَأُ بِالرِّجْلِ الشِّمالِ عِنْدَ دُخُولِ الخَلاءِ.
وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ وارِدٍ يَبْقى الإنْسانُ بَعْدَ انْفِصالِهِ نَشِيطًا مَسْرُورًا نَشْوانًا: فَإنَّهُ وارِدٌ مَلَكِيٌّ، وكُلُّ وارِدٍ يُبْقِي الإنْسانَ بَعْدَ انْفِصالِهِ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ، ثَقِيلَ الأعْضاءِ والرُّوحِ، يَجْنَحُ إلى فُتُورٍ - فَهو وارِدٌ شَيْطانِيٌّ.
وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ وارِدٍ أعْقَبَ صاحِبُهُ تَقَدُّمًا إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ، وحُضُورًا فِيها، حَتّى كَأنَّهُ يُشاهِدُ الجَنَّةَ قَدْ أُزْلِفَتْ، والجَحِيمَ قَدْ سُعِّرَتْ - فَهو إلَهِيٌّ مَلَكِيٌّ، وخِلافُهُ شَيْطانِيٌّ نَفْسانِيٌّ.
وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ وارِدٍ كانَ سَبَبُهُ النَّصِيحَةَ في امْتِثالِ الأمْرِ، والإخْلاصِ والصِّدْقِ فِيهِ - فَهو إلَهِيٌّ مَلَكِيٌّ. وإلّا فَهو شَيْطانِيٌّ.
وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ وارِدٍ اسْتَنارَ بِهِ القَلْبُ، وانْشَرَحَ لَهُ الصَّدْرُ، وقَوِيَ بِهِ القَلْبُ - إلَهِيٌّ مَلَكِيٌّ. وإلّا فَهو شَيْطانِيٌّ.
وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ وارِدٍ جَمَعَكَ عَلى اللَّهِ فَهو مِنهُ. وكُلَّ وارِدٍ فَرَّقَكَ عَنْهُ، وأخَذَكَ عَنْهُ: فَمِنَ الشَّيْطانِ.
وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ الوارِدَ الإلَهِيِّ لا يُصْرَفُ إلّا في قُرْبَةٍ وطاعَةٍ، ولا يَكُونُ سَبَبُهُ إلّا قُرْبَةً وطاعَةً، فَمُسْتَخْرِجُهُ الأمْرُ. ومُصَرِّفُهُ الأمْرُ، والشَّيْطانِيُّ بِخِلافِهِ.
وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ الوارِدَ الرَّحْمانِيَّ لا يَتَناقَضُ، ولا يَتَفاوَتُ ولا يَخْتَلِفُ. بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشَّيْطانِيَّ بِخِلافِهِ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ الإحْسانُ في الوَقْتِ]
فَصْلٌ
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: الإحْسانُ في الوَقْتِ. وهو أنْ لا تُزايِلَ المُشاهَدَةَ أبَدًا. ولا تَخْلِطَ بِهِمَّتِكَ أحَدًا. وتَجْعَلَ هِجْرَتَكَ إلى الحَقِّ سَرْمَدًا.
أيْ لا تُفارِقُ حالَ الشُّهُودِ.
وَهَذا إنَّما يَقْدِرُ عَلَيْهِ أهْلُ التَّمَكُّنِ الَّذِينَ ظَفِرُوا بِنُفُوسِهِمْ وقَطَعُوا المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَ النَّفْسِ وبَيْنَ القَلْبِ. والمَسافاتِ الَّتِي بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ اللَّهِ، بِمُجاهِدَةِ القُطّاعِ الَّتِي عَلى تِلْكَ المَسافاتِ.
قَوْلُهُ: ولا تَخْلِطَ بِهِمَّتِكَ أحَدًا.
يَعْنِي: أنْ تُعَلِّقَ هِمَّتَكَ بِالحَقِّ وحْدَهُ. ولا تُعَلِّقَ هِمَّتَكَ بِأحَدٍ غَيْرِهِ. فَإنَّ ذَلِكَ شِرْكٌ في طَرِيقِ الصّادِقِينَ.
قَوْلُهُ: وأنْ تَجْعَلَ هِجْرَتَكَ إلى الحَقِّ سَرْمَدًا.
يَعْنِي: أنَّ كُلَّ مُتَوَجِّهٍ إلى اللَّهِ بِالصِّدْقِ والإخْلاصِ، فَإنَّهُ مِنَ المُهاجِرِينَ إلَيْهِ.
فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الهِجْرَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَصْحَبَها سَرْمَدًا. حَتّى يَلْحَقَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
؎فَما هي إلّا ساعَةٌ. ثُمَّ تَنْقَضِي ∗∗∗ ويَحْمَدُ غِبَّ السَّيْرِ مَن هو سائِرٌ
وَلِلَّهِ عَلى كُلِّ قَلْبٍ هِجْرَتانِ. وهُما فَرْضٌ لازِمٌ لَهُ عَلى الأنْفاسِ:
هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، والإنابَةِ والحُبِّ، والخَوْفِ والرَّجاءِ والعُبُودِيَّةِ.
وَهِجْرَةٌ إلى رَسُولِهِ ﷺ: بِالتَّحْكِيمِ لَهُ والتَّسْلِيمِ والتَّفْوِيضِ، والِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ، وتَلَقِّي أحْكامِ الظّاهِرِ والباطِنِ مِن مِشْكاتِهِ. فَيَكُونُ تَعَبُّدُهُ بِهِ أعْظَمَ مِن تَعَبُّدِ الرَّكْبِ بِالدَّلِيلِ الماهِرِ في ظُلَمِ اللَّيْلِ، ومَتاهاتِ الطَّرِيقِ.
فَما لَمْ يَكُنْ لِقَلْبِهِ هاتانِ الهِجْرَتانِ فَلْيَحْثُ عَلى رَأْسِهِ الرَّمادَ.
وَلْيُراجِعِ الإيمانَ مِن أصْلِهِ. فَيَرْجِعَ وراءَهُ لِيَقْتَبِسَ نُورًا، قَبْلَ أنْ يُحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، ويُقالَ لَهُ ذَلِكَ عَلى الصِّراطِ مِن وراءِ السُّورِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
الرحمن 55:66
قال ابن أبي شيبة حدثنا يحيى بن يمان عن أشعب عن جعفر عن سعيد قال (نضاختان) بالماء والفواكه.
وحدثنا ابن يمان عن أبي إسحاق عن أبان عن أنس قال (نضاختان) بالمسك والعنبر ينضخان على دور أهل الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا.
وحدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء قال اللتان تجريان أفضل من النضاختين.
الرحمن 55:68
(فصل)
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا:
«ما مِن رُمّانٍ مِن رُمّانِكم هَذا إلّا وهو مُلَقَّحٌ بِحَبَّةٍ مِن رُمّانِ الجَنَّةِ»
والمَوْقُوفُ أشْبَهُ.
وَذَكَرَ حرب وغَيْرُهُ عَنْ علي أنَّهُ قالَ: كُلُوا الرُّمّانَ بِشَحْمِهِ، فَإنَّهُ دِباغُ المَعِدَةِ.
حُلْوُ الرُّمّانِ حارٌّ رَطْبٌ، جَيِّدٌ لِلْمَعِدَةِ، مُقَوٍّ لَها بِما فِيهِ مِن قَبْضٍ لَطِيفٍ، نافِعٌ لِلْحَلْقِ والصَّدْرِ والرِّئَةِ، جَيِّدٌ لِلسُّعالِ، ماؤُهُ مُلَيِّنٌ لِلْبَطْنِ، يَغْذُو البَدَنَ غِذاءً فاضِلًا يَسِيرًا، سَرِيعُ التَّحَلُّلِ لِرِقَّتِهِ ولَطافَتِهِ، ويُوَلِّدُ حَرارَةً يَسِيرَةً في المَعِدَةِ ورِيحًا، ولِذَلِكَ يُعِينُ عَلى الباهِ، ولا يَصْلُحُ لِلْمَحْمُومِينَ، ولَهُ خاصِّيَّةٌ عَجِيبَةٌ إذا أُكِلَ بِالخُبْزِ يَمْنَعُهُ مِنَ الفَسادِ في المَعِدَةِ.
وَحامِضُهُ بارِدٌ يابِسٌ، قابِضٌ لَطِيفٌ، يَنْفَعُ المَعِدَةَ المُلْتَهِبَةَ، ويُدِرُّ البَوْلَ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ مِنَ الرُّمّانِ، ويُسَكِّنُ الصَّفْراءَ، ويَقْطَعُ الإسْهالَ، ويَمْنَعُ القَيْءَ، ويُلَطِّفُ الفُضُولَ.
وَيُطْفِئُ حَرارَةَ الكَبِدِ ويُقَوِّي الأعْضاءَ، نافِعٌ مِنَ الخَفَقانِ الصَّفْراوِيِّ، والآلامِ العارِضَةِ لِلْقَلْبِ، وفَمِ المَعِدَةِ، ويُقَوِّي المَعِدَةَ، ويَدْفَعُ الفُضُولَ عَنْها، ويُطْفِئُ المِرَّةَ الصَّفْراءَ والدَّمَ.
وَإذا اسْتُخْرِجَ ماؤُهُ بِشَحْمِهِ، وطُبِخَ بِيَسِيرٍ مِنَ العَسَلِ حَتّى يَصِيرَ كالمَرْهَمِ واكْتُحِلَ بِهِ، قَطَعَ الصَّفْرَةَ مِنَ العَيْنِ، ونَقّاها مِنَ الرُّطُوباتِ الغَلِيظَةِ، وإذا لُطِّخَ عَلى اللِّثَةِ، نَفَعَ مِنَ الأكَلَةِ العارِضَةِ لَها، وإنِ اسْتُخْرِجَ ماؤُهُما بِشَحْمِهِما، أطْلَقَ البَطْنَ، وأحْدَرَ الرُّطُوباتِ العَفِنَةَ المُرِّيَّةَ، ونَفَعَ مِن حُمَّياتِ الغِبِّ المُتَطاوِلَةِ.
وَأمّا الرُّمّانُ المُزُّ، فَمُتَوَسِّطٌ طَبْعًا وفِعْلًا بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وهَذا أمْيَلُ إلى لَطافَةِ الحامِضِ قَلِيلًا، وحَبُّ الرُّمّانِ مَعَ العَسَلِ طِلاءٌ لِلدّاحِسِ والقُرُوحِ الخَبِيثَةِ، وأقْماعُهُ لِلْجِراحاتِ، قالُوا: ومَنِ ابْتَلَعَ ثَلاثَةً مِن جُنْبُذِ الرُّمّانِ في كُلِّ سَنَةٍ، أمِنَ مِنَ الرَّمَدِ سَنَتَهُ كُلَّها.
الرحمن 55:70
فالخيرات: جمع خيرة، وهي مخففة، من خيّرة كسيّدة ولينة، و «حسان» جمع حسنة.
فهن خيرات الصفات والأخلاق والشيم، حسان الوجوه. قال وكيع: حدثنا سفيان عن جابر عن القاسم عن أبي برزة عن أبي عبيدة عن مسروق عن عبد الله قال:
«لكل مسلم خيّرة، ولكل خيّرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، يدخل عليها في كل يوم من كل باب تحفة وهدية وكرامة، لم تكن قبل ذلك. لا ترحات ولا ذفرات، ولا بخرات ولا طماحات».
(فصل)
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سَألَتْهُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنْ قَوْله تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾
قالَ: خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ.
الرحمن 55:72
المقصورات: المحبوسات.
قال أبو عبيدة: خدرن في الخيام.
وكذلك قال مقاتل في الخيام. وفيه معنى آخر. هو أن يكون المراد أنهن محبوسات على أزواجهن لا يرين غيرهم، وهم في الخيام. وهذا معنى قول من قال: قصرن على أزواجهن، فلا يرين غيرهم، ولا يطمحن إلى من سواهم، وذكره الفراء.
قلت: وهذا معنى «قاصرات الطرف» لكن أولئك قاصرات بأنفسهن، وهؤلاء مقصورات.
وقوله: «في الخيام» على هذا القول: صفة لحور.
أي هن في الخيام. وليس معمول لمقصورات، وكأن أرباب هذا القول فسروه بأن يكن محبوسات في الخيام لا يفارقنها إلى الغرف والبساتين.
وأصحاب القول الأول: يجيبون عن هذا: بأن الله سبحانه وصفهن بصفات النساء المخدرات المصونات. وذلك أجمل في الوصف. ولا يلزم من ذلك أنهن لا يفارقن الخيام إلى الغرف والبساتين، كما أن نساء الملوك ومن دونهن من النساء المخدرات المصونات يمنعن أن يخرجن في سفر وغيره إلى متنزه وبستان ونحوه فوصفهن اللازم لهن: هو القصر في البيت، وإن كان يعرض لهن مع الخدم الخروج إلى البساتين ونحوها.
وأما مجاهد فقال: مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ.
وقد تقدم وصف النسوة الأول. بكونهن قاصرات الطرف، وهؤلاء بكونهن مقصورات.
والوصفان لكلا النوعين، فإنهما صفتا كمال.
فتلك الصفة قصر الطرف عن طموحه إلى غير الأزواج، وهذه الصفة قصرهن عن التبرج والبروز والظهور للرجال.
(فصل: في ذكر خيامهم وسررهم وأرائكهم وبشخاناتهم)
قال تعالى ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال:
"إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا"
وفي لفظ لهما: "في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن"
وفي لفظ آخر لهما أيضا: "الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون"
وللبخاري وحده في لفظ: "طولها ثلاثون ميلا" وهذه الخيم غير الغرف والقصور بل هي خيام في البساتين وعلى شواطئ الأنهار
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا الحسين بن عبد الرحمن عن أحمد بن أبي الحوري قال سمعت أبا سليمان قال: ينشأ خلق الحور العين إنشأ فإذا تكامل خلقهن ضربت عليهم الملائكة الخيام
وقال بعضهم: لما كن أبكارا وعادة البكر أن تكون مقصورة في خدرها حتى يأخذها بعلها أنشأ الله تعالى الحور وقصرهن في خدور الخيام حتى يجمع بينهن وبين أوليائه في الجنة.
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن جابر عن القاسم بن أبي بزة عن أبي عبيدة عن مسروق عن عبد الله قال: لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليها كل يوم من كل باب تحفة وهدية وكرامة لم تكن قبل ذلك لا مزجات ولا زفرات ولا بخرات ولا طماحات حور عين عين كأنهن بيض مكنون.
حدثنا علي بن الجعد حدثنا شعبة عن عبد الله بن ميسرة قال سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾
قال: در مجوف.
وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا سليمان التيمي عن قتادة عن خليد القصري عن أبي الدرداء قال الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون بابا كلها من درة.
قال ابن المبارك وأخبرنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ لها أربعة الآف مصراع من ذهب.
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا فضيل بن عبد الوهاب حدثنا شريك عن منصور عن مجاهد ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾
قال: في خيام اللؤلؤ والخيمة لؤلؤة واحدة
حدثني محمد بن جعفر حدثنا منصور حدثنا يوسف بن الصباح عن أبي صالح عن ابن عباس حور مقصورات في الخيام قال الخيمة درة من لؤلؤة مجوفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ ولها ألف باب من ذهب حولها سرادق دوره خمسون فرسخا يدخل عليه من كل باب منها ملك بهديه من عند الله عز وجل وذلك قوله ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾
والله أعلم.
الرحمن 55:76
وقال تعالى: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾.
وذكر هشام عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: الرفرف رياض الجنة. والعبقري: عتاق الزرابي.
وذكر إسماعيل بن عليّة عن أبي رجاء عن الحسن. في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾
قال: هي البسط. قال: وأهل المدينة يقولون: هي البسط.
وأما النمارق. فقال الواحدي: هي الوسائد في قول الجميع، واحدتها: نمرقة. بضم النون.
وحكى الفراء نمرقة بكسرها، وأنشد أبو عبيدة:
؎إذا ما بساط اللهو مدّ وقربت ∗∗∗ للذاته أنماطه ونمارقه
وقال الكلبي: وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض.
وقال مقاتل: هي الوسائد مصفوفة على الطنافس.
والزرابي بمعنى البسط، والطنافس.
واحدتها: زربية. في قول جميع أهل اللغة والتعبير، و «مبثوثة» مبسوطة ومنشورة.
(فصل)
وأما «الرفرف» فقال الليث: هو ضرب من الثياب خضر تبسط.
الواحد رفرفة.
وقال أبو عبيدة: الرفارف: البسط وأنشد لابن مقبل:
؎وإنا لنزّالون تغشى نعالنا ∗∗∗ سواقط من أصناف ريط ورفرف
وقال أبو إسحاق، قالوا، الرفرف هاهنا رياض الجنة.
وقالوا: الرفرف الوسائد. وقالوا: الرفرف المحابس. وقالوا: فضول المحابس للفرش.
وقال المبرد: هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره.
قال الواحدي: وكأن الأقرب هذا. لأن العرب تسمى كسر الخباء والخرقة التي تخلط في أسفل الخباء رفرفا. ومنه
الحديث في وفاة النبي ﷺ «فرفع الرفرف، فرأينا وجهه كأنه ورقة».
قال ابن الأعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط. فشبه ما فضل من المحابس عما تحته بطرف الفسطاط، فسمي رفرفا.
قلت: أصل هذه الكلمة من الطرف أو الجانب، فمنه الرفرف في الحائط، ومنه الرفرف، وهو كسر الخباء، وجوانب الدرع، وما تدلى منها، الواحدة رفرفة.
ومنه: رفرف الطير إذا حرك جناحه حول الشيء، يريد أن يقع عليه.
والرفرف: ثياب خضر يتخذ منها المحابس. الواحدة رفرفة، وكل ما فضل من شيء فثني وعطف: فهو رفرف، وفي حديث ابن مسعود في قول الله عز وجل: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى قال: «رأى رفرفا أخضر سدّ الأفق» وهو في الصحيحين.
(فصل)
وأما «العبقري» فقال أبو عبيدة: كل شيء من البسط عبقري. قال:
ويرون أنها أرض توشّى البسط فيها، وقال الليث: عبقر: موضع بالبادية كثير الجن، يقال: كأنه جن عبقر.
قال أبو عبيدة، في
حديث النبي ﷺ، حين ذكر عمر «فلم أر عبقريا يفري فريه»
وإنما أصل هذا، فيما يقال: أنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن، فصار مثلا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير:
؎تخيل عليها جنة عبقرية ∗∗∗ جديرون يوما أن ينالوا فيستعملوا
وقال أبو الحسن الواحدي: وهذا القول هو الصحيح في العبقري.
وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن، أو شبهته بهم.
ومنه قول لبيد:
جن الردى رواسيا أقدامها وقال آخر يصف امرأة:
؎جنية، ولها جن يعلمها ∗∗∗ رمى القلوب بقوس ما لها وتر
وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون كل أمر عجيب ولما كان «عبقر» معروفا بسكناهم نسبوا كل شيء يبالغ فيه إليه، يريدون بذلك أنه من عملهم وصنعهم، هذا هو الأصل، ثم صار العبقري نعتا لكل ما بولغ في صفته.
ويشهد لما ذكرنا: بيت زهير، فإنه نسب الجن إلى عبقر.
ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب، كقوله في صفة عمر «عبقريا» وروى سلمة عن الفراء قال: العبقري الرشيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر، فلو كانت «عبقر» مخصوصة بالوشي، لما نسب إليها غير الموشّى وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة الصنعة، كما ذكرنا. كما نسب إليها كل شيء ما بولغ في وصفه، قال ابن عباس: وعبقري، يريد البسط والطنافس، وقال الكلبي: هي الطنافس المجمّلة، وقال قتادة: هي عتاق الزرابي، وقال مجاهد: الديباج الغليظ.
وعبقري، جمع، واحده عبقرية، ولها وصف بالجمع فتأمل كيف وصف الله سبحانه وتعالى الفرش بأنها مرفوعة، والزرابي بأنها مبثوثة، والنمارق بأنها مصفوفة، فرفع الفرش دال على سمكها ولينها.
وبث الزرابي دال على كثرتها، وأنها في كل موضع، لا يختص بها صدر المجلس دون مؤخره، ووصف المساند يدل على أنها مهيأة للاستناد إليها دائما، ليست مخبأة تصف في وقت دون وقت.
(فصل)
وللجنة عدة أسماء، باعتبار صفاتها، ومسماها واحد باعتبار الذات. فهي مترادفة من هذا الوجه، وتختلف باعتبار الصفات. فهي متباينة من هذا الوجه. وهكذا أسماء الرب سبحانه وتعالى، وأسماء الرب سبحانه وتعالى، وأسماء كتابه. وأسماء رسله. وأسماء اليوم الآخر. وأسماء النار.
فالاسم الأول: «الجنة» وهو الاسم العام المتناول لتلك الدار، وما اشتملت عليه من أنواع النعيم واللذة، والبهجة والسرور، وقرة الأعين.
وأصل اشتقاق هذه اللفظة: من التسر والتغطية. ومنه الجنين، لاستتاره في البطن، والجان لاستتاره عن العيون، والمجنّ لستره ووقايته الوجه. والمجنون لاستتار عقله وتواريه عنه. والجان، وهي الحية الصغيرة الرقيقة.
ومنه قول الشاعر:
؎فدقّت وجلت واسبكرّت وأكملت ∗∗∗ فلو جنّ إنسان من الحسن جنت
أي لو غطي وستر عن العيون لفعل بها ذلك. ومنه سمي البستان جنة.
لأنه يستر داخله بالأشجار ويغطيه. ولا يستحق هذا الاسم إلا الموضع الكثير الأشجار المختلفة الأنواع.
والجنة - بالضم - ما يستجن به، من ترس أو غيره. ومنه قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً يستترون بها من إنكار المؤمنين عليهم. ومنه الجنة - بالكسر - وهم الجن، كما قال تعالى: مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ.
وذهبت طائفة من المفسرين إلى أن الملائكة يسمون جنة. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾
قالوا: وهذا النسب قولهم: الملائكة بنات الله. ورجحوا هذا القول بوجهين.
أحدهما: أن النسب الذي جعلوه إنما زعموا أنه بين الملائكة وبينه لا بين الجن وبينه.
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أي قد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا القول محضرون للعذاب.
والصحيح: خلاف ما ذهب إليه هؤلاء، وأن الجنة هم الجن أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾
وعلى هذا ففي الآية قولان.
أحدهما: قول مجاهد: قال: قالت كفار قريش: الملائكة بنات الله.
فقال لهم أبو بكر: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن.
وقال الكلبي: قالوا تزوج من الجن، فخرج من بينهما الملائكة.
وقال قتادة، قالوا: صاهر الجن.
والقول الثاني: هو قول الحسن. قال: أشركوا الشياطين في عبادة الله. فهو النسب الذي جعلوه.
والصحيح قول مجاهد وغيره.
وما احتج به أصحاب القول الأول ليس بمستلزم لصحة قولهم. فإنهم لما قالوا: الملائكة بنات الله، وهم من الجن، عقدوا بينه وبين الجنة نسبا بهذا الإيلاد وجعلوا هذا النسب متولدا بينه وبين الجن.
وأما قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾
فالضمير يرجع إلى الجنة، أي قد علمت الجنة أنهم محضرون الحساب. قاله مجاهد، أي لو كان بينه وبينهم نسب لم يحضروا الحساب، كما قال تعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
فجعل سبحانه عقوبتهم بذنوبهم وإحضارهم للعذاب مبطلا لدعواهم الكاذبة.
وهذا التقدير في الآية أبلغ في إبطال قولهم من التقدير الأول فتأمله.
الاسم الثاني: دار السلام، وقد سماها الله تعالى بهذا الاسم في قوله: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وقوله: ﴿واللَّهُ يَدْعُوا إلى دارِ السَّلامِ﴾
وهي أحق بهذا الاسم. فإنها دار السلامة من كل بلية وآفة ومكروه. وهي دار الله. واسمه سبحانه وتعالى «السلام» الذي سلمها وسلم أهلها، وتحيتهم فيها سلام والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ والرب تعالى يسلم عليهم من فوقهم، كما قال تعالى: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ. سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾
وحديث جابر في سلام الرب تعالى على أهل الجنة. وكلامهم كله فيها سلام، أي لا لغو فيها، ولا فحش ولا باطل، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا﴾.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾
فأكثر المفسرين حاموا حول المعنى، وما وردوه. وقالوا أقوالا لا يخفي بعدها عن المقصود.
وإنما معنى الآية - والله أعلم - فسلام لك أيها الراحل عن الدنيا حال كونك من أصحاب اليمين، أي فسلام لك كائنا من أصحاب اليمين الذين سلموا من الدنيا وأنكادها، ومن النار وعذابها، فبشر بالسلامة عند ارتحاله من الدنيا وقدومه على الله، كما يبشر الملك روحه عند أخذها، بقوله:
«أبشري بروح وريحان ورب غير غضبان».
وهذا أول البشرى التي للمؤمن في الآخرة.
الاسم الثالث: دار الخلد. وسميت بذلك. لأن أهلها، لا يظعنون عنها أبدا كما قال تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
وقال: ﴿إنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾
وقال: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وقال: ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾.
الاسم الرابع: دار المقامة. قال تعالى حكاية عن أهلها ﴿وَقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ. لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾
قال مقاتل: أنزلنا دار الخلود، أقاموا فيها أبدا، لا يموتون ولا يتحولون منها أبدا.
قال الفراء والزجاج: المقامة: مثل الإقامة. يقال: أقمت بالمكان إقامة، ومقامة، ومقاما.
الاسم الخامس: جنة المأوى. قال تعالى: ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾.
الاسم السادس: جنات عدن. فقيل: هي اسم لجنة من الجنان:
والصحيح أنه اسم لجملة الجنان، وكلها جنات عدن. قال تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾
وقال تعالى ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾
وقال تعالى: ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾
والاشتقاق يدل على أن جميعها جنات عدن. فإنه من الإقامة والدوام.
يقال: عدن بالمكان: إذا أقام به. وعدنت البلد: توطنته. وعدنت الإبل بمكان كذا: لزمته فلم تبرح منه.
وقال الجوهري: ومنه جنات عدن، أي إقامة.
ومنه سمي المعدن - بكسر الدال - لأن الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء. ومركز كل شيء: معدنه. والعادن: الناقة المقيمة في المرعى.
الاسم السابع: دار الحيوان. قال تعالى: ﴿وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾
والمراد: الجنة عند أهل التفسير.
قالوا: وإن الآخرة. يعني الجنة، لهي الحيوان. لهي دار الحياة التي لا موت فيها.
وقال الكلبي: هي حياة لا موت فيها.
وقال الزجاج: هي دار الحياة الدائمة وأهل اللغة: على أن «الحيوان» بمعنى الحياة.
قال أبو عبيدة وابن قتيبة: الحياة الحيوان.
وقال أبو عبيدة: الحياة، والحيوان، والحي - بكسر الحاء - قال أبو علي: يعني أنها مصادر.
فالحياة: فعلة. كالجلبة، والحيوان: كالنّزوان والغليان، والحيّ: كالعي
قال العجاج:
كنا بها إذا الحياة حيّ
أي إذا الحياة حياة. وأما أبو زيد: فخالفهم، وقال: الحيوان: لما فيه روح. والموتان الموت: مما لا روح فيه.
والصواب: أن الحيوان يقع على ضربين.
أحدهما: كما حكاه أبو عبيدة.
والثاني: وصف، كما حكاه أبو زيد.
وعلى قول أبي زيد: الحيوان مثل الحي، خلاف الميت.
ورجح القول الأول: بأن الفعلان: بابه المصادر، كالنزوان، والغليان، بخلاف الصفات. فإن بابها: فعلان، كسكران وغضبان.
وأجاب من رجح القول الثاني: بأن فعلان قد جاء في الصفات أيضا.
قالوا: رجل ضميان للسريع الخفيف، وزفيان.
قال في الصحاح: ناقة زفيان سريعة. وقوس زفيان: سريعة الإرسال للسهم.
فيحتمل قوله تعالى: {وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ معنيين.
أحدهما: أن حياة الآخرة هي الحياة، لأنها لا تنغيص فيها، ولا نفاد لها، أي لا يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار.
فيكون «الحيوان» مصدرا على هذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أنها الدار التي لا تفنى، ولا تنقطع، ولا تبيد، كما يفنى الأحياء في هذه الدنيا. فهي أحق بهذا الاسم من الحيوان الذي يفنى ويموت.
الاسم الثامن: الفردوس. قال تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا. خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾.
الاسم التاسع: جنات النعيم. قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾.
وهذا أيضا اسم جامع لجميع الجنات، لما تضمنته، من الأنواع التي يتنعم بها أهلها: من المأكول، والمشروب، والملبوس، والصور الجميلة، والرائحة الطيبة، والمنظر البهيج، والمساكن الواسعة وغير ذلك من النعيم الظاهر والباطن.
الاسم العاشر: المقام الأمين. قال تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾.
الاسم الحادي عشر والثاني عشر: مقعد الصدق، وقدم الصدق.
قال تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ. في مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾
فسمي جنته: مقعد صدق، لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها، كما يقال: مودة صادقة، إذا كانت ثابتة تامة. وحلاوة صادقة وحملة صادقة. ومنه الكلام الصدق، لحصول مقصوده منه.
وموضع هذه اللفظة في كلامهم: الصحة والكمال.
ومنه: الصدق في الحديث، والصدق في العمل. والصدّيق: الذي يصدق قوله بالعمل.
والصّدق - بفتح الصاد والدال - الصلب من الرماح، ويقال للرجل الشجاع:
إنه لذو صدق أي صادق الحملة. وهذا مصداق هذا: أي ما يصدّقه. ومنه الصداقة: لصفاء المودة والمخالّة. ومنه: صدقني القتال: وصدقني المودة. ومنه: قدم صدق. ولسان صدق. ومدخل صدق. ومخرج صدق. وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يرغب فيه. بخلاف الكذب الباطل، الذي لا شيء تحته. وهو لا يتضمن أمرا ثابتا قط.
وفسر قوم «قدم صدق» بالجنة، وفسرها آخرون بالأعمال التي تنال بها الجنة. وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله. وفسر بالرسول الذي على يده، وبهدايته نالوا ذلك.
والتحقيق: أن الجميع حق. فإنهم سبقت لهم من الله الحسنى بتلك السابقة أي بالأسباب التي قدمها لهم على يد رسله، وادخر لهم جزاءها يوم القيامة. ولسان الصدق: وهو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال وجميل الطرائق.
وفي كونه لسان صدق: إشارة إلى مطابقته للواقع، وأنه ثناء بحق لا بباطل ومدخل الصدق، ومخرج الصدق: هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنا على الله. وهو دخوله وخروجه بالله ولله، وهذه الدعو من أنفع الدعاء للعبد. فإنه لا يزال داخلا في أمر، فمتى كان دخوله لله وبالله وخروجه كذلك، كان قد أدخل مدخل صدق، وأخرج مخرج صدق، والله المستعان.
الواقعة 56:10
ولما ذكر الله تعالى أصناف بني آدم سعيدهم وشقيهم قسم سعداءهم إلى قسمين:
سابقين وأصحاب يمين، فقال: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾
واختلف في تقريرها على ثلاثة أقوال: أحدها أنه من باب التوكيد اللفظي ويكون الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾
والثاني أن يكون السابقون الأول مبتدأ والثاني خبر له على حد قولك: زيد زيد أي زيد الذي سمعت به هو زيد كما قال:
وكقول الآخر:
؎أنا أبو النجم وشعري شعري ∗∗∗ إذ الناس ناس والزمان زمان
قال ابن عطية وهذا قول سيبويه
والثالث أن يكون الأول غير الثاني ويكون المعنى السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنات والسابقون إلى الإيمان هم السابقون إلى الجنان وهذا أظهر والله أعلم.
فإن قيل: فما تقول في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه
من حديث بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلال فقال:
"يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟
فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، ودخلت البارحة فسمعت خشخشتك أمامي، فأتيت على قصر مريع مشرف من ذهب فقلت لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل عربي.
قلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، قلت: أنا قرشي ولمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد.
قلت أنا محمد لمن هذا القصر قالوا لعمر بن الخطاب، فقال بلال: يا رسول الله ﷺ ما أذَّنت قط إلا وصليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها، ورأيت أن لله عليَّ ركعتين فقال رسول الله ﷺ: " بهما".
قيل: نتلقاه بالقبول والتصديق، ولا يدل على أن أحدا يسبق رسول الله إلى الجنة.
وأما تقدم بلال بين يدي رسول الله ﷺ في الجنة فلأن بلالا كان يدعو إلى الله أولا في الأذان، فيتقدم أذانه بين يدي رسول الله ﷺ فتقدم دخوله بين يديه كالحاجب والخادم.
وقد روى في حديث " أن النبي ﷺ يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه ينادي بالأذان"
فتقدمه بين يديه كرامة لرسوله وإظهارا لشرفه وفضله، لا سبقا من بلال، بل هذا السبق من جنس سبقه إلى الوضوء ودخول المسجد ونحوه والله أعلم.
الواقعة 56:11
ولما ذكر الله تعالى أصناف بني آدم سعيدهم وشقيهم قسم سعداءهم إلى قسمين:
سابقين وأصحاب يمين، فقال: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾
واختلف في تقريرها على ثلاثة أقوال: أحدها أنه من باب التوكيد اللفظي ويكون الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾
والثاني أن يكون السابقون الأول مبتدأ والثاني خبر له على حد قولك: زيد زيد أي زيد الذي سمعت به هو زيد كما قال:
وكقول الآخر:
؎أنا أبو النجم وشعري شعري ∗∗∗ إذ الناس ناس والزمان زمان
قال ابن عطية وهذا قول سيبويه
والثالث أن يكون الأول غير الثاني ويكون المعنى السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنات والسابقون إلى الإيمان هم السابقون إلى الجنان وهذا أظهر والله أعلم.
فإن قيل: فما تقول في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه
من حديث بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلال فقال:
"يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟
فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، ودخلت البارحة فسمعت خشخشتك أمامي، فأتيت على قصر مريع مشرف من ذهب فقلت لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل عربي.
قلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، قلت: أنا قرشي ولمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد.
قلت أنا محمد لمن هذا القصر قالوا لعمر بن الخطاب، فقال بلال: يا رسول الله ﷺ ما أذَّنت قط إلا وصليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها، ورأيت أن لله عليَّ ركعتين فقال رسول الله ﷺ: " بهما".
قيل: نتلقاه بالقبول والتصديق، ولا يدل على أن أحدا يسبق رسول الله إلى الجنة.
وأما تقدم بلال بين يدي رسول الله ﷺ في الجنة فلأن بلالا كان يدعو إلى الله أولا في الأذان، فيتقدم أذانه بين يدي رسول الله ﷺ فتقدم دخوله بين يديه كالحاجب والخادم.
وقد روى في حديث " أن النبي ﷺ يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه ينادي بالأذان"
فتقدمه بين يديه كرامة لرسوله وإظهارا لشرفه وفضله، لا سبقا من بلال، بل هذا السبق من جنس سبقه إلى الوضوء ودخول المسجد ونحوه والله أعلم.
الواقعة 56:17
أيْ قَدْ خُلِقُوا لِلْبَقاءِ؛ لِذَلِكَ لا يَتَغَيَّرُونَ ولا يَكْبَرُونَ، وهم عَلى سِنٍّ واحِدٍ أبَدًا.
وَقِيلَ: هم المُقَرَّطُونَ في آذانِهِمْ والمُسَوَّرُونَ في أيْدِيهِمْ، وأصْحابُ هَذا القَوْلِ فَسَّرُوا اللَّفْظَةَ بِبَعْضِ
لَوازِمِها، وذَلِكَ أمارَةُ التَّخْلِيدِ عَلى ذَلِكَ السِّنِّ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ.
الواقعة 56:18
وقال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا عبد الله ابن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾
يقول الخمر لا فيها غول ويقول ليس فيها صداع.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ يقول لا تذهب عقولهم.
وقال أبو عبيد الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها قال أبو إسحاق وإحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له وقال ابن عباس هي الأباريق التي ليست لها آذان وقال مقاتل هي أوان مستديرة الرأس ليس لها عرى وقال البخاري في صحيحه الأكواب والأباريق التي لها خراطيم وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾
الأباريق هي الأكواب التي لها خراطيم فإن لم يكن لها خراطيم ولا عرى فهي أكواب وإبريق إفعيل من البريق وهو الصفاء فهو الذي يبرق لونه من صفائه ثم سمى كل ما كان علىشكله إبريقا وإن لم يكن صافيا وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير يرى من ظاهرها ما في باطنها والعرب تسمي السيف إبريقا لبريق لونه ومنه قول ابن أحمر:
؎تعلقت إبريقا وعلقت جفنه ∗∗∗ ليهلك حيا ذا زهاء وخامل
وفي نوادر اللحياني امرأة إبريق إذا كانت براقة.
(فصل)
وأما الكأس فقال أبو عبيدة: هو الإناء بما فيه.
وقال أبو إسحاق الكأس: الإناء إذا كان فيه خمر ويقع الكأس لكل إناء مع شرابه.
والمفسرون فسروا الكأس بالخمر وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل حتى قال الضحاك كل كأس في القرآن فإنما عني به الخمر.
وهذا نظر منهم إلى المعنى والمقصود، فإن المقصود ما في الكأس لا الإناء نفسه.
وأيضا فإن من الأسماء ما يكون اسما للحال والمحل مجتمعين ومنفردين، كالنهر والكأس.
فإن النهر اسم للماء ولمحلة معا ولكل منهما على انفراده، وكذلك الكأس والقرية ولهذا يجيء لفظ القرية مرادا به الساكن فقط والمسكن فقط والأمران معا.
الواقعة 56:19
وقال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا عبد الله ابن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾
يقول الخمر لا فيها غول ويقول ليس فيها صداع.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ يقول لا تذهب عقولهم.
وقال أبو عبيد الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها قال أبو إسحاق وإحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له وقال ابن عباس هي الأباريق التي ليست لها آذان وقال مقاتل هي أوان مستديرة الرأس ليس لها عرى وقال البخاري في صحيحه الأكواب والأباريق التي لها خراطيم وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾
الأباريق هي الأكواب التي لها خراطيم فإن لم يكن لها خراطيم ولا عرى فهي أكواب وإبريق إفعيل من البريق وهو الصفاء فهو الذي يبرق لونه من صفائه ثم سمى كل ما كان علىشكله إبريقا وإن لم يكن صافيا وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير يرى من ظاهرها ما في باطنها والعرب تسمي السيف إبريقا لبريق لونه ومنه قول ابن أحمر:
؎تعلقت إبريقا وعلقت جفنه ∗∗∗ ليهلك حيا ذا زهاء وخامل
وفي نوادر اللحياني امرأة إبريق إذا كانت براقة.
(فصل)
وأما الكأس فقال أبو عبيدة: هو الإناء بما فيه.
وقال أبو إسحاق الكأس: الإناء إذا كان فيه خمر ويقع الكأس لكل إناء مع شرابه.
والمفسرون فسروا الكأس بالخمر وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل حتى قال الضحاك كل كأس في القرآن فإنما عني به الخمر.
وهذا نظر منهم إلى المعنى والمقصود، فإن المقصود ما في الكأس لا الإناء نفسه.
وأيضا فإن من الأسماء ما يكون اسما للحال والمحل مجتمعين ومنفردين، كالنهر والكأس.
فإن النهر اسم للماء ولمحلة معا ولكل منهما على انفراده، وكذلك الكأس والقرية ولهذا يجيء لفظ القرية مرادا به الساكن فقط والمسكن فقط والأمران معا.
الواقعة 56:21
[فَصْلٌ: في لُحُومِ الطَّيْرِ]
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾
وَفِي " مُسْنَدِ البزار " وغَيْرِهِ مَرْفُوعًا: «إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ، فَتَشْتَهِيهِ، فَيَخِرُّ مَشْوِيًّا بَيْنَ يَدَيْكَ».
وَمِنهُ حَلالٌ، ومِنهُ حَرامٌ. فالحَرامُ: ذُو المِخْلَبِ، كالصَّقْرِ والبازِيِّ والشّاهِينِ، وما يَأْكُلُ الجِيَفَ كالنَّسْرِ والرَّخَمِ واللَّقْلَقِ والعَقْعَقِ والغُرابِ الأبْقَعِ والأسْوَدِ الكَبِيرِ، وما نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ كالهُدْهُدِ والصُّرَدِ، وما أُمِرَ بِقَتْلِهِ كالحِدَأةِ والغُرابِ.
والحَلالُ أصْنافٌ كَثِيرَةٌ، فَمِنهُ الدَّجاجُ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِن حَدِيثِ أبي موسى، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أكَلَ لَحْمَ الدَّجاجِ)».
وَهُوَ حارٌّ رَطْبٌ في الأوْلى، خَفِيفٌ عَلى المَعِدَةِ، سَرِيعُ الهَضْمِ، جَيِّدُ الخَلْطِ، يَزِيدُ في الدِّماغِ والمَنِيِّ، ويُصَفِّي الصَّوْتَ، ويُحَسِّنُ اللَّوْنَ، ويُقَوِّي العَقْلَ، ويُوَلِّدُ دَمًا جَيِّدًا، وهو مائِلٌ إلى الرُّطُوبَةِ، ويُقالُ: إنَّ مُداوَمَةَ أكْلِهِ تُورِثُ النِّقْرِسَ، ولا يَثْبُتُ ذَلِكَ.
وَلَحْمُ الدِّيكِ أسْخَنُ مِزاجًا، وأقَلُّ رُطُوبَةً، والعَتِيقُ مِنهُ دَواءٌ يَنْفَعُ القُولَنْجَ والرَّبْوَ والرِّياحَ الغَلِيظَةَ إذا طُبِخَ بِماءِ القُرْطُمِ والشَّبْثِ، وخَصِيُّها مَحْمُودُ الغِذاءِ، سَرِيعُ الِانْهِضامِ، والفَرارِيجُ سَرِيعَةُ الهَضْمِ، مُلَيِّنَةٌ لِلطَّبْعِ، والدَّمُ المُتَوَلِّدُ مِنها دَمٌ لَطِيفٌ جَيِّدٌ.
لَحْمُ الدُّرّاجِ: حارٌّ يابِسٌ في الثّانِيَةِ، خَفِيفٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الِانْهِضامِ، مُوَلِّدٌ لِلدَّمِ المُعْتَدِلِ، والإكْثارُ مِنهُ يُحِدُّ البَصَرَ.
لَحْمُ الحَجَلِ: يُوَلِّدُ الدَّمَ الجَيِّدَ سَرِيعُ الِانْهِضامِ.
لَحْمُ الإوَزِّ: حارٌّ يابِسٌ، رَدِيءُ الغِذاءِ إذا اعْتِيدَ ولَيْسَ بِكَثِيرِ الفُضُولِ.
لَحْمُ البَطِّ: حارٌّ رَطْبٌ كَثِيرُ الفُضُولِ، عَسِرُ الِانْهِضامِ، غَيْرُ مُوافِقٍ لِلْمَعِدَةِ.
لَحْمُ الحُبارى: في " السُّنَنِ " مِن حَدِيثِ بريه بن عمر بن سفينة، عَنْ أبِيهِ
عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْمَ حُبارى».
وَهُوَ حارٌّ يابِسٌ، عَسِرُ الِانْهِضامِ، نافِعٌ لِأصْحابِ الرِّياضَةِ والتَّعَبِ.
لَحْمُ الكُرْكِيِّ: يابِسٌ خَفِيفٌ، وفي حَرِّهِ وبَرْدِهِ خِلافٌ، يُوَلِّدُ دَمًا سَوْداوِيًّا، ويَصْلُحُ لِأصْحابِ الكَدِّ والتَّعَبِ، ويَنْبَغِي أنْ يُتْرَكَ بَعْدَ ذَبْحِهِ يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يُؤْكَلُ.
لَحْمُ العَصافِيرِ والقَنابِرِ: رَوى النَّسائِيُّ في " سُنَنِهِ ": مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما مِن إنْسانٍ يَقْتُلُ عُصْفُورًا فَما فَوْقَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ إلّا سَألَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْها. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما حَقُّهُ؟ قالَ " تَذْبَحُهُ فَتَأْكُلُهُ، ولا تَقْطَعُ رَأْسَهُ وتَرْمِي بِهِ».
وَفِي " سُنَنِهِ " أيْضًا: عَنْ عمرو بن الشريد، عَنْ أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إلى اللَّهِ يَقُولُ: يا رَبِّ إنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا، ولَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنفَعَةٍ».
وَلَحْمُهُ حارٌّ يابِسٌ، عاقِلٌ لِلطَّبِيعَةِ، يَزِيدُ في الباهِ، ومَرَقُهُ يُلَيِّنُ الطَّبْعَ، ويَنْفَعُ المَفاصِلَ، وإذا أُكِلَتْ أدْمِغَتُها بِالزَّنْجَبِيلِ والبَصَلِ، هَيَّجَتْ شَهْوَةَ الجِماعِ، وخَلْطُها غَيْرُ مَحْمُودٍ.
لَحْمُ الحَمامِ: حارٌّ رَطْبٌ، وحْشِيُّهُ أقَلُّ رُطُوبَةً، وفِراخُهُ أرْطَبُ خاصِّيَّةً، وما رُبِّيَ في الدُّورِ وناهِضُهُ أخَفُّ لَحْمًا وأحْمَدُ غِذاءً، ولَحْمُ ذُكُورِها شِفاءٌ مِنَ الِاسْتِرْخاءِ والخَدَرِ والسَّكْتَةِ والرَّعْشَةِ، وكَذَلِكَ شَمُّ رائِحَةِ أنْفاسِها، وأكْلُ فِراخِها مُعِينٌ عَلى النِّساءِ، وهو جَيِّدٌ لِلْكُلى، يَزِيدُ في الدَّمِ، وقَدْ رُوِيَ فِيها حَدِيثٌ باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلَيْهِ الوَحْدَةَ، فَقالَ: " اتَّخِذْ زَوْجًا مِنَ الحَمامِ» ". وأجْوَدُ مِن هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ «رَأى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمامَةً، فَقالَ: شَيْطانٌ يَتْبَعُ شَيْطانَةً».
وَكانَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في خُطْبَتِهِ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الكِلابِ وذَبْحِ الحَمامِ.
لَحْمُ القَطا: يابِسٌ يُوَلِّدُ السَّوْداءَ ويَحْبِسُ الطَّبْعَ وهو مِن شَرِّ الغِذاءِ إلّا أنَّهُ يَنْفَعُ مِنَ الِاسْتِسْقاءِ.
لَحْمُ السُّمانى: حارٌّ يابِسٌ يَنْفَعُ المَفاصِلَ، ويَضُرُّ بِالكَبِدِ الحارِّ، ودَفْعُ مَضَرَّتِهِ بِالخَلِّ والكُسْفَرَةِ، ويَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ مِن لُحُومِ الطَّيْرِ ما كانَ في الآجامِ والمَواضِعِ العَفِنَةِ، ولُحُومُ الطَّيْرِ كُلُّها أسْرَعُ انْهِضامًا مِنَ المَواشِي، وأسْرَعُها انْهِضامًا، أقَلُّها غِذاءً، وهي الرِّقابُ والأجْنِحَةُ، وأدْمِغَتُها أحْمَدُ مِن أدْمِغَةِ المَواشِي.
الجَرادُ: في " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ نَأْكُلُ الجَرادَ».
وَفِي " المُسْنَدِ " عَنْهُ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ: الحُوتُ والجَرادُ، والكَبِدُ والطِّحالُ» يُرْوى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَهُوَ حارٌّ يابِسٌ قَلِيلُ الغِذاءِ، وإدامَةُ أكْلِهِ تُورِثُ الهُزالَ، وإذا تُبُخِّرَ بِهِ نَفَعَ مِن تَقْطِيرِ البَوْلِ وعُسْرِهِ، وخُصُوصًا لِلنِّساءِ، ويُتَبَخَّرُ بِهِ لِلْبَواسِيرِ وسِمانُهُ يُشْوى ويُؤْكَلُ لِلَسْعِ العَقْرَبِ، وهو ضارٌّ لِأصْحابِ الصَّرْعِ، رَدِيءُ الخَلْطِ، وفي إباحَةِ مَيْتَتِهِ بِلا سَبَبٍ قَوْلانِ، فالجُمْهُورُ عَلى حِلِّهِ، وحَرَّمَهُ مالِكٌ، ولا خِلافَ في إباحَةِ مَيْتَتِهِ إذا ماتَ بِسَبَبٍ كالكَبْسِ والتَّحْرِيقِ ونَحْوِهِ.
(فائدة)
سأل سائل فقال: إذا كانت الجنة لا موت فيها فكيف يأكلون فيها لحم الطير وهو حيوان قد فارقته الروح؟
فأجيب بأنه يجوز أن لا يكون ميتا.
وهذا جواب
في غايه الغثاثة.
قال ابن عقيل: "وما الذي أحوجه إلى هذا والجنة دار لا يخلق فيها أذى ولا نصب لا مطلقا بل لا يدخل الدخل إليها ذلك على طريق الإكرام كما قال تعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألاّ تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾
وذلك مشروط بالطاعة فإذا جاز ذلك في حق آدم علم أنه ليس بواجب في حق الطير ولا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يكون هذا الطائر مشويا لا عن روح خرجت منه أو عن روح خرجت خارج الجنة وولج الجنة وهو لحم مشوي.
قلت: وما الذي أوجب هذا التكلف كله؟
فالجنة دار الخلود لأهلها وسكانها.
وأما الطير فهو نوع من أنواع الأطعمة التي يحدثها الله لهم شيئا بعد شيء، فهو دائم النوع وإن آحاده منصرمة كالفاكهة وغيرها.
وقد ثبت عن النبي ﷺ
"أن المؤمنين ينحر لهم يوم القيامة ثور الجنة الذي كان يأكل منها فيكون نزلهم"
فهذا حيوان قد كان يأكل من الجنة فينحر نزلا لأهلها. والله أعلم.
الواقعة 56:22
وَفي مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سَألَتْهُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]
قالَ حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخامُ العُيُونِ، شَعْرُ الحَوْراءِ بِمَنزِلَةِ جَناحِ النَّسْرِ.
قُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣]
فَقالَ صَفاؤُهُنَّ صَفاءُ الدُّرِّ الَّذِي في الأصْدافِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
الواقعة 56:23
وَفي مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سَألَتْهُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]
قالَ حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخامُ العُيُونِ، شَعْرُ الحَوْراءِ بِمَنزِلَةِ جَناحِ النَّسْرِ.
قُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣]
فَقالَ صَفاؤُهُنَّ صَفاءُ الدُّرِّ الَّذِي في الأصْدافِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
الواقعة 56:25
قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا إلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾
وهذا فيه نفي لسماع اللغو والتأثيم وإثبات لضده وهو السلام المنافي لهما، فالمقصود به نفي شيء وإثبات ضده.
وعلى هذا فلا حاجة إلى تكلف دخوله تحت المستثنى منه، لأنه يتضمن زوال هذه الفائدة من الكلام.
ومن رده إلى الأول قال لما نفى عنهم سماع اللغو والتأثيم وهما مما يقال فكأن النفس تشوفت إلى أنه هل يسمع فيها شيء غيره فقال: ﴿إلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾
فعاد المعنى إلى لا يسمعون فيها شيئا إلا قيلا سلاما سلاما.
وأنت إذا تأملت هذين التقديرين رأيت الأول أصوب، فإنه نفى سماع شيء وأثبت ضده.
وعلى الثاني نفى سماع كل شيء إلا السلام، وليس المعنى عليه فإنهم يسمعون السلام وغيره فتأمله.
الواقعة 56:26
قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا إلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾
وهذا فيه نفي لسماع اللغو والتأثيم وإثبات لضده وهو السلام المنافي لهما، فالمقصود به نفي شيء وإثبات ضده.
وعلى هذا فلا حاجة إلى تكلف دخوله تحت المستثنى منه، لأنه يتضمن زوال هذه الفائدة من الكلام.
ومن رده إلى الأول قال لما نفى عنهم سماع اللغو والتأثيم وهما مما يقال فكأن النفس تشوفت إلى أنه هل يسمع فيها شيء غيره فقال: ﴿إلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾
فعاد المعنى إلى لا يسمعون فيها شيئا إلا قيلا سلاما سلاما.
وأنت إذا تأملت هذين التقديرين رأيت الأول أصوب، فإنه نفى سماع شيء وأثبت ضده.
وعلى الثاني نفى سماع كل شيء إلا السلام، وليس المعنى عليه فإنهم يسمعون السلام وغيره فتأمله.
الواقعة 56:27
(فصل: في أشجار الجنة وبساتينها وظلالها)
قال تعالى: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ في سِدْرٍ مَخْضُودٍ وطَلْحٍ مَنضُودٍ وظِلٍّ مَمْدُودٍ وماءٍ مَسْكُوبٍ وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾
وقال تعالى: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وهو جمع فنن وهو الغصن
وقال ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾
والمخضود: الذي قد خضد شوكة أي نزع وقطع فلا شوك فيه.
وهذا قول بن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة وأبي الأحوص وقسامة بن زهير وجماعة واحتج هؤلاء بحجتين:
أحدهما: أن الخضد في اللغة القطع، وكل رطب قضيته فقد خضدته وخضدت الشجر إذا قطعت شوكة فهو خضيد ومخضود.
ومنه الخضد على مثال الثمر، وهو كل ما قطع من عود رطب خضد بمعنى مخضود كقبض وسلب
والخضاد شجر: رخو لا شوك له.
الحجة الثانية: قال ابن أبي داود حدثنا محمد بن مصفى حدثنا محمد بن المبارك حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا ثور ابن يزيد حدثني حبيب بن عبيد عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسا مع رسول الله فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها.
يعني الطلح، فقال رسول الله ﷺ:
"إن الله جعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود، فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون آخر"
(الملبود) الذي قد اجتمع شعره بعضه على بعض.
وقال عبد الله بن المبارك: أنبأنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون
"إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم"
أقبل أعرابي يوما فقال يا رسول الله ﷺ ذكر الله في الجنة شجرة مؤذية وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها قال رسول الله ﷺ:
"وما هي؟
قال السدر فإن له شوكا مؤذيا.
قال أليس الله يقول (في سدر مخضود)؟ خضد الله شوكة فجعل مكان كل شوكة ثمرة"
وقالت طائفة: المخضود هو الموقر حملا وأنكر عليهم هذا القول وقالوا لا يعرف في اللغة الخضد بمعنى الحمل.
ولم يصب هؤلاء الذين أنكروا هذا القول بل هو قول صحيح وأربابه ذهبوا إلى أن الله سبحانه وتعالى لما خضد شوكة وأذهبه وجعل مكان كل شوكة ثمرة أوقرت بالحمل.
والحديثان المذكوران يجمعان القولين.
وكذلك قول من قال (المخضود) الذي لا يعقر اليد، ولا يرد اليد عنه شوك ولا أذى فيه.
فسره بلازم المعنى، وهكذا غالب المفسرين يذكرون لازم المعنى المقصود تارة، وفردا من أفراده تارة، ومثالا من أمثلته فيحكيها الجماعون للغث والسمين أقوالا مختلفة ولا اختلاف بينها.
الواقعة 56:28
(فصل: في أشجار الجنة وبساتينها وظلالها)
قال تعالى: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ في سِدْرٍ مَخْضُودٍ وطَلْحٍ مَنضُودٍ وظِلٍّ مَمْدُودٍ وماءٍ مَسْكُوبٍ وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾
وقال تعالى: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وهو جمع فنن وهو الغصن
وقال ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾
والمخضود: الذي قد خضد شوكة أي نزع وقطع فلا شوك فيه.
وهذا قول بن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة وأبي الأحوص وقسامة بن زهير وجماعة واحتج هؤلاء بحجتين:
أحدهما: أن الخضد في اللغة القطع، وكل رطب قضيته فقد خضدته وخضدت الشجر إذا قطعت شوكة فهو خضيد ومخضود.
ومنه الخضد على مثال الثمر، وهو كل ما قطع من عود رطب خضد بمعنى مخضود كقبض وسلب
والخضاد شجر: رخو لا شوك له.
الحجة الثانية: قال ابن أبي داود حدثنا محمد بن مصفى حدثنا محمد بن المبارك حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا ثور ابن يزيد حدثني حبيب بن عبيد عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسا مع رسول الله فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها.
يعني الطلح، فقال رسول الله ﷺ:
"إن الله جعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود، فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون آخر"
(الملبود) الذي قد اجتمع شعره بعضه على بعض.
وقال عبد الله بن المبارك: أنبأنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون
"إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم"
أقبل أعرابي يوما فقال يا رسول الله ﷺ ذكر الله في الجنة شجرة مؤذية وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها قال رسول الله ﷺ:
"وما هي؟
قال السدر فإن له شوكا مؤذيا.
قال أليس الله يقول (في سدر مخضود)؟ خضد الله شوكة فجعل مكان كل شوكة ثمرة"
وقالت طائفة: المخضود هو الموقر حملا وأنكر عليهم هذا القول وقالوا لا يعرف في اللغة الخضد بمعنى الحمل.
ولم يصب هؤلاء الذين أنكروا هذا القول بل هو قول صحيح وأربابه ذهبوا إلى أن الله سبحانه وتعالى لما خضد شوكة وأذهبه وجعل مكان كل شوكة ثمرة أوقرت بالحمل.
والحديثان المذكوران يجمعان القولين.
وكذلك قول من قال (المخضود) الذي لا يعقر اليد، ولا يرد اليد عنه شوك ولا أذى فيه.
فسره بلازم المعنى، وهكذا غالب المفسرين يذكرون لازم المعنى المقصود تارة، وفردا من أفراده تارة، ومثالا من أمثلته فيحكيها الجماعون للغث والسمين أقوالا مختلفة ولا اختلاف بينها.
الواقعة 56:29
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، هو المَوْزُ. والمَنضُودُ: هو الَّذِي قَدْ نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، كالمُشْطِ.
وَقِيلَ: الطَّلْحُ: الشَّجَرُ ذُو الشَّوْكِ، نُضِّدَ مَكانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةٌ، فَثَمَرُهُ قَدْ نُضِّدَ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، فَهو مِثْلُ المَوْزِ.
وَهَذا القَوْلُ أصَحُّ، ويَكُونُ مِن ذِكْرِ المَوْزِ مِنَ السَّلَفِ أرادَ التَّمْثِيلَ لا التَّخْصِيصَ واللَّهُ أعْلَمُ.
وَهُوَ حارٌّ رَطْبٌ، أجْوَدُهُ النَّضِيجُ الحُلْوُ، يَنْفَعُ مِن خُشُونَةِ الصَّدْرِ والرِّئَةِ والسُّعالِ، وقُرُوحِ الكُلْيَتَيْنِ، والمَثانَةِ، ويُدِرُّ البَوْلَ، ويَزِيدُ في المَنِيِّ ويُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ لِلْجِماعِ، ويُلَيِّنُ البَطْنَ، ويُؤْكَلُ قَبْلَ الطَّعامِ، ويَضُرُّ المَعِدَةَ، ويَزِيدُ في الصَّفْراءِ والبَلْغَمِ، ودَفْعُ ضَرَرِهِ بِالسُّكَّرِ أوِ العَسَلِ.
(فصل)
وقال في (حادي الأرواح)
وأما الطلح فأكثر المفسرين قالوا إنه شجرة الموز قال مجاهد أعجبهم طلح وج وحسنه فقيل لهم ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾
وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وقالت طائفة أخرى بل هو شجر عظام طوال وهو شجر البوادي الكثير الشوك عند العرب قال حاديهم:
؎بشرها دليلها وقالا ∗∗∗ غدا ترين الطلح والجبالا
ولهذا الشجر نور ورائحة وظل ظليل وقد نضد بالحمل والثمر مكان الشوك.
وقال ابن قتيبة هو الذي نضدا بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلى آخره فليس له ساق بارز.
وقال مسروق ورق الجنة نضيد من أسفلها إلى أعلاها وأنهارها تجري من غير أخدود
وقال الليث الطلح شجر أم غيلان ليس له شوك أحجن من أعظم العضاة شوكا، وآصله عودا وأجوده صمغا.
قال أبو إسحاق: يجوز أن يعني به شجر أم غَيْلان، لأن لَهُ نَوْرًا طَيِّبَ الرّائِحَةِ جِدًّا، فَخُوطِبُوا بِهِ ووُعِدُوا بِما يُحِبُّونَ مِثْلَهُ، إلا أن فَضْلَهُ عَلى ما في الدُّنْيا كَفَضْلِ سائِرِ ما في الجَنَّةِ عَلى سائِرِ ما في الدُّنْيا، فإنه ليس في الجنة إلا الأسامي.
والظاهر أن من فسر الطلح المنضود بالموز إنما أراد التمثيل به الحسن لحسن نضده، وإلا فالطلح في اللغة هو الشجر العظام من شجر البوادي والله أعلم.
الواقعة 56:30
وفي الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ:
"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها فاقرؤا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾.
وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد عن رسول الله إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها قال ابو حازم فحدثنا به النعمان بن أبي عياش الزرقي فقال حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها"
وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن أبي الضحاك سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله
"إن في الجنة شجرة يسير فيها الراكب في ظلها سبعين أو مائة سنة هي شجرة جنة الخلد"
وقال وكيع حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن زياد مولى بني مخزوم عن الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه:
"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام اقرؤا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾
فبلغ ذلك وكعبا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على لسان موسى، والفرقان على لسان محمد ﷺ لو أن رجلا ركب جذعة أو جذعا ثم دار بأصل تلك الشجرة مائة عام ما بلغها حتى يسقط هرما
إن الله غرسها بيده، ونفخ فيها، وإن أصلها من وراء سور الجنة، ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة" وقال ابن أبي الدنيا حدثنا إبراهيم عن سعيد الجوهري حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا ربيعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال:
(الظل الممدود) شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام في كل نواحيها فيخرج إليها أهل الجنة وأهل الغرف وغيرهم يتحدثون في ظلها
قال فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فتتحرك تلك الشجرة لكل لهو كان في الدنيا.
وفي جامع الترمذي من حديث أبي حامد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ:
" ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب"
قال هذا حديث حسن وعن أبي هريرة قال قال رسول الله يقول الله:
"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اقرؤا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرؤا إن شئتم ﴿وظل ممدود﴾
وموضع سوط من الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرؤا إن شئتم ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ "
رواه بهذا اللفظ والسياق الترمذي والنسائي وابن ماجه
وصدره في الصحيحين وفي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:
"إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها وإن شئتم فاقرؤا ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾
وقال ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث أن درّاجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رجل: يا رسول الله ﷺ ما طوبى؟ قال ﷺ:
"شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها"
وقد رواه عنه حرملة بزيادة وقال أخبرني ابن وهب أخبرني عمرو أن دراجا حدثه أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد الخدري إن رجلا قال يا رسول الله ﷺ طوبى لمن رآك وآمن بك.
فقال: "طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني"
فقال رجل يا رسول الله ﷺ وما طوبى؟
قال شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها"
قلت وأول هذا الحديث في المسند ولفظه: " طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات"
وقال ابن المبارك: حدثنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
"نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم".
الواقعة 56:34
وقد قال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾
قال: "ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض "
وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ فالله أعلم.
وقال الطبراني: حدثنا المقدام بن داود حدثنا أسد بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرف عن عبد الله بن الشخير عن كعب في قوله عز وجل: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال مسيرة أربعين سنة"
قال الطبراني حدثنا إبراهيم بن نائلة حدثنا إسماعيل بن عمرو والبجلي حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال سئل رسول الله ﷺ عن الفرش المرفوعة قال: "لو طرح فراش من أعلاها إلى قرارها مائة عام " وفي رفع هذا الحديث نظر فقد قال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا معاذ ابن هشام قال وجدت في كتاب أبي القاسم عن أبي أمامة في قوله عز وجل ﴿وفرش مرفوعة﴾ قال:
"لو أن أعلاها سقط ما بلغ أسفلها أربعين خريفا"
الواقعة 56:35
أعاد الضمير إلى النساء، ولم يجر لهن ذكر. لأن الفرش دلت عليهن، إذ هي محلهن.
وقيل: الفرش في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ كناية عن النساء، كما يكنى عنهن بالقوارير والأزر وغيرها، ولكن قوله:
«مرفوعة» يأبى هذا إلا أن يقال: المراد رفعة القدر.
وقد تقدم تفسير النبي ﷺ للفرش وارتفاعها.
فالصواب: أنها الفرش نفسها، ودلت على النساء لأنها محلهن غالبا.
قال قتادة وسعيد بن جبير: خلقناهن خلقا جديدا.
وقال ابن عباس: يريد نساء الآدميات.
وقال الكلبي، ومقاتل: يعني نساء أهل الدنيا العجّز الشّمط.
يقول الله: خلقناهن بعد الكبر والهرم بعد الخلق الأول في الدنيا.
ويؤيد هذا التفسير: حديث أنس المرفوع «هن عجائزكم العمش الرمص»
رواه الثوري عن موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عنه.
ويؤيده أيضا ما رواه يحيى الحماني حدثنا ابن إدريس عن ليث عن مجاهد عن عائشة
«أن رسول الله ﷺ دخل عليها، وعندها عجوز.
فقال: من هذه؟ فقالت: إحدى خالاتي، فقال: أما إنه لا يدخل الجنة عجوز، فدخل على العجوز من ذلك ما شاء الله، فقال النبي ﷺ: إنا أنشأهن إنشاء خلقا آخر، يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا، وأول من يكسي إبراهيم خليل الله، ثم قرأ النبي ﷺ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً.
قال آدم بن أبي إياس: حدثنا شيبان عن الزهري عن جابر الجعفي عن يزيد بن مرة عن سلمة بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله:
إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً «يعني الثيبات والأبكار اللاتي كن في الدنيا».
قال آدم: وحدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ:
«لا يدخل الجنة العجز»
فبكت عجوز، فقال رسول الله ﷺ:
«أخبروها أنها يومئذ ليست بعجوز، إنها يومئذ شابة.
إن الله عز وجل يقول: إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً».
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا أحمد بن طارق حدثنا مسعدة بن اليسع حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة «أن النبي ﷺ أتته عجوز من الأنصار، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة.
فقال النبي ﷺ: إن الجنة لا يدخلها عجوز. فذهب نبي الله ﷺ، فصلى. ثم رجع إلى عائشة، فقالت عائشة: لقد لقيت من كلمتك مشقة وشدة.
فقال ﷺ: إن ذلك كذلك إن الله تعالى إذا أدخلهن الجنة حوّلهن أبكارا».
وذكر مقاتل قولا آخر، وهو اختيار الزجاج: أنهن الحور العين اللاتي ذكرهن قبل، أنشأهن الله عز وجل لأوليائه لم يقع عليهن ولادة.
والظاهر: أن المراد أنشأهن الله في الجنة إنشاء.
ويدل عليه وجوه:
أحدها: أنه قد قال في حق السابقين يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأكْوابٍ - إلى قوله - كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ فذكر سدرهم، وآنيتهم، وشرابهم، وفاكهتهم وطعامهم، وأزواجهم من الحور العين. ثم ذكر أصحاب الميمنة، وطعامهم، وشرابهم، وفرشهم، ونساءهم.
والظاهر أنهن مثل نساء من قبلهم، خلقن في الجنة.
الثاني: أنه سبحانه قال: إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً وهذا ظاهر: أنه إنشاء أول لا ثان. لأنه سبحانه حيث يريد الإنشاء الثاني يقيده بذلك، كقوله: ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾.
الثالث: أن الخطاب بقوله: وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً إلى آخره:
للذكور والإناث.
والنشأة الثانية أيضا عامة للنوعين.
قوله: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ظاهره اختصاصهن بهذا الإنشاء.
وتأمل تأكيده بالمصدر.
والحديث لا يدل على اختصاص العجائز المذكورات بهذا الوصف، بل يدل على مشاركتهن للحور العين في هذه الصفات المذكورة.
فلا يتوهم انفراد الحور العين عنهن بما ذكر من الصفات، بل هن أحق به منهن فالإنشاء واقع على الصنفين. والله أعلم.
الواقعة 56:37
وقوله: «عربا» جمع عروب. وهن المتحببات إلى أزواجهن.
قال ابن الأعرابي: العروب من النساء: المطيعة لزوجها، المتحببة إليه.
وقال أبو عبيدة: العروب الحسنة التبعّل.
قلت: يريد حسن موافقتها وملاطفتها لزوجها عند الجماع.
وقال المبرد: هي العاشقة لزوجها.
وأنشد للبيد:
؎وفي الحدوج عروب غير فاحشة ∗∗∗ ربّا الروادف يعشى دونها البصر
وذكر المفسرون في تفسير العرب: أنهن العواشق، المتحببات، الغنجات، الشّكلات، المتعشقات، الغلمات، المغنوجات.
كل ذلك من ألفاظهم.
وقال البخاري في صحيحه «عربا» مثقلة، واحدها: عروب، مثل صبور وصبر.
تسميها أهل مكة العربة وأهل المدينة: الغنجة. وأهل العراق: الشّكلة. والعرب المتحببات إلى أزواجهن»
هكذا ذكره في كتاب بدء الخلق.
وقال في كتاب التفسير في سورة الواقعة! عربا مثقلة - أي مضمومة الراء - واحدها عروب. مثل صبور وصبر.
تسميها أهل مكة: العربة، وأهل المدينة الغنجة، وأهل العراق: الشكلة.
قلت: فجمع سبحانه بين حسن صورتها وحسن عشرتها.
وهذا غاية ما يطلب من النساء، وبه تكمل لذة الرجل بهن.
وفي قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ إعلام بكمال اللذة بهن.
فإن لذة الرجل بالمرأة التي لم يطأها سواه لها فضل على لذته بغيرها. وكذلك هي أيضا.
وقال في (روضة المحبين)
وأما العُرُب فجمع عروب وهي التي جمعت إلى حلاوة الصورة حسن التأني والتبعل والتحبب إلى الزوج بدلها وحديثها وحلاوة منطقها وحسن حركاتها.
قال البخاري في صحيحه وأما الأتراب فجمع ترب يقال فلان تربي إذا كنتما في سن واحد فهن مستويات في سن الشباب لم يقصر بهن الصغر ولم يزر بهن الكبر بل سنهن سن الشباب وشبههن تعالى باللؤلؤ المكنون وبالبيض المكنون وبالياقوت والمرجان.
فخذ من اللؤلؤ صفاء لونه وحسن بياضه ونعومة ملمسه وخذ من البيض المكنون وهو المصون الذي لم تنله الأيدي اعتدال بياضه وشوبه بما يحسنه من قليل صفرة بخلاف الأبيض الأمهق المتجاوز في البياض وخذ من الياقوت والمرجان حسن لونه في صفائه وإشرابه بيسير من الحمرة
(فصل)
فاسمع الآن وصفهن عن الصادق المصدوق فإن مالت النفس وحدثتك بالخطبة وإلا فالإيمان مدخول فروى مسلم في صحيحه من حديث أيوب عن محمد بن سيرين قال إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء فقال أبو هريرة رضي الله عنه أو لم يقل أبو القاسم:
"إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء إضاءة لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب"
وقال الطبراني في معجمه حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي القسوي قال حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا فضل بن مرزوق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال:
"أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم صورة القمر ليلة البدر.
والزمرة الثانية على أحسن كوكب دري في السماء لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء"
قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي هذا عندي على شرط الصحيح.
وفي الصحيحين من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ
"أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشية "
وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده حدثنا يونس بن محمد حدثنا الخزرج بن عثمان السعدي حدثنا أبو أيوب مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ
"قيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها "
قال قلت يا أبا هريرة وما النصيف؟
قال الخمار فإذا كان هذا قدر الخمار فما قدر لابسه!
وقال ابن وهب أخبرنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ
"إن الرجل في الجنة لتأتيه امرأة تضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد عليها السلام ويسألها من أنت؟
فتقول أنا المزيد، وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليهم التيجان وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب"
وبعض هذا الحديث في جامع الترمذي وهو على شرطه.
وفي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال
"لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده يعني سوطه خير من الدنيا وما فيها
ولو اطلعت امرأة من نساء الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا، وأضاءت ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها"
وفي المسند من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ
"للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب"
وقال ابن وهب حدثنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال "إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء" رواه الترمذي.
وفي معجم الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال "خلق الحور العين من الزعفران"
(فصل)
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سَألَتْهُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنْ قَوْله تَعالى: ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧]
قالَ هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في دارِ الدُّنْيا عَجائِزَ رُمْصًا شُمْطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الكِبَرِ فَجَعَلَهُنَّ اللَّهُ عَذارى، عُرُبًا مُتَعَشَّقاتٍ مُتَحَبِّباتٍ، أتْرابًا عَلى مِيلادٍ واحِدٍ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ نِساءُ الدُّنْيا أفْضَلُ أمْ الحُورُ العِينُ؟ قالَ بَلْ نِساءُ الدُّنْيا أفْضَلُ مِن الحُورِ العِينِ كَفَضْلِ الظِّهارَةِ عَلى البِطانَةِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وبِمَ ذاكَ؟ قالَ بِصَلاتِهِنَّ وصِيامِهِنَّ وعِبادَتِهِنَّ اللَّهَ تَعالى، ألْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ وأجْسادَهُنَّ الحَرِيرَ، بِيضَ الألْوانِ، خُضْرَ الثِّيابِ، صُفْرَ الحُلِيِّ، مَجامِرُهُنَّ الدُّرُّ، وأمْشاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الخالِداتُ فَلا نَمُوتُ، ونَحْنُ النّاعِماتُ فَلا نَبْأسُ أبَدًا، ونَحْنُ المُقِيماتُ فَلا نَظْعَنُ أبَدًا، ونَحْنُ الرّاضِياتُ فَلا نَسْخَطُ أبَدًا، طُوبى لِمَن كُنّا لَهُ وكانَ لَنا قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ المَرْأةُ مِنّا تَتَزَوَّجُ الزَّوْجَيْنِ والثَّلاثَةَ والأرْبَعَةَ ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الجَنَّةَ ويَدْخُلُونَ مَعَها مَن يَكُونُ زَوْجُها؟
قالَ يا أُمَّ سَلَمَةَ إنّها تُخَيَّرُ فَتَخْتارُ أحْسَنَهم خُلُقًا، فَتَقُولُ: يا رَبِّ إنّ هَذا كانَ أحْسَنَهم مَعِي خُلُقًا في دارِ الدُّنْيا فَزَوِّجْنِيهِ، يا أُمَّ سَلَمَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ».
وقال في (روضة المحبين)
ووصفهن سبحانه بقوله ﴿أبْكارًا عُرُبًا أتْرابًا﴾
وذلك لفضل وطء البكر وحلاوته ولذاذته على وطء الثيب قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله ﷺ لو مررت بشجرة قد رعي منها وشجرة لم يرع منها ففي أيهما كنت ترتع بعيرك فقال: "في التي لم يرع منها"
تعني أنه لم يتزوج بكرا غيرها.
وصح عنه أنه قال لجابر لما تزوج امرأة ثيبا
"هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك"
فإن قيل فهذه الصفة تزول بأول وطء فتعود ثيبا؟
قيل: الجواب من وجهين:
أحدهما أن المقصود من وطء البكر أنها لم تذق أحدا قبل وطئها فتزرع محبته في قلبها.
وذلك أكمل لدوام العشرة، فهذه بالنسبة إليها.
وأما بالنسبة إلى الواطئ فإنه يرعى روضة أنفا لم يرعها أحد قبله.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾
ثم بعد هذا تستمر له لذة الوطء حال زوال البكارة.
والثاني أنه قد روي "أن أهل الجنة كلما وطئ أحدهم امرأة عادت بكرا كما كانت، فكلما أتاها وجدها بكرا"
(موعظة)
فإن تقاصرت همتك الدنية عن ترك الفواحش محبة لهذا المحبوب الأعلى ولست هناك فاتركها محبة للنساء اللاتي وصفهن الله في كتابه وبعث رسوله داعيا إلى وصالهن في جنة المأوى وقد تقدم ذكر بعض صفاتهن ولذة وصالهن فإن تقاصرت همتك عنهن ولم تكن كفؤا لخطبتهن ودعتك نفسك إلى إيثار ما هاهنا عليهن، فكن من عقوبته العاجلة والآجلة على حذر.
واعلم أن العقوبات تختلف فتارة تعجل وتارة توخر وتارة يجمع الله على العاصي بينهما وأشد العقوبات العقوبة بسلب الإيمان ودونها العقوبة بموت القلب ومحو لذة الذكر والقراءة والدعاء والمناجاة منه وربما دبت عقوبة القلب فيه دبيب الظلمة إلى أن يمتلئ القلب بهما فتعمى البصيرة وأهون العقوبة ما كان واقعا بالبدن في الدنيا، وأهون منها ما وقع بالمال وربما كانت عقوبة النظر في البصيرة أو في البصر أو فيهما.
قال الفضيل يقول الله تعالى:
ابن آدم إذا كنت أقلبك في نعمتي وأنت تتقلب في معصيتي فاحذر لئلا أصرعك بين معاصيك.
ابن آدم اتقني ونم حيث شئت، إنك إن ذكرتني ذكرتك، وإن نسيتني نسيتك، والساعة التي لا تذكرني فيها عليك لا لك
وقال الفضيل أيضا: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله تعالى بعمل مقتك عليه فأغلق عنك أبواب المغفرة وأنت تضحك.
وقال علقمة بن مرثد بينا رجل يطوف بالبيت إذ برق له ساعد امرأة فوضع ساعده على ساعدها فالتذ به، فلصقت ساعداهما
فأتى بعض أولئك الشيوخ فقال: ارجع إلى المكان الذي فعلت هذا فيه فعاهد رب البيت أن لا تعود، ففعل فخلي عنه.
الواقعة 56:39
(فصل: في أن أكثر أهل الجنة هم أمة محمد ﷺ
في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال ﷺ
"أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ فكبرنا ثم قال: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال أني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة وسأخبركم عن ذلك ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود أو كشعرة سوداء في ثور أبيض"
هذا لفظ مسلم
وعند البخاري "وكشعرة سوداء في ثور أبيض بغير ألف"
وعن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ:
"أهل الجنة عشرون ومائة صف هذه الأمة منها ثمانون صفا"
رواه الإمام أحمد والترمذي وإسناده على شرط الصحيح.
ورواه الطبراني في معجمه من حديث عبد الله بن عباس وفي إسناده خالد بن يزيد البجلي وقد تكلم فيه.
ورواه أيضا من حديث القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال قال
"كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها؟
قالوا الله ورسوله أعلم.
قال كيف أنتم وثلثها؟
قالوا ذاك أكثر.
قال كيف أنتم والشطر لكم؟
قالوا ذاك أكثر.
فقال رسول الله وسلم أهل الجنة عشرون ومائة صف لكم منها ثمانون صفا".
قال الطبراني لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن عبد الرحمن إلا الحرث بن خضيرة تفرد به عبد الواحد بن زياد
وقال عبد الله بن أحمد حدثنا موسى بن غيلان بن هاشم بن مخلد حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن أبي عمرو عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ (٣٩) وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ (٤٠)﴾
قال رسول الله ﷺ: "أنتم ربع أهل الجنة أنتم ثلث أهل الجنة أنتم نصف أهل الجنة أنتم ثلثا أهل الجنة" قال الطبراني تفرد برفعه ابن المبارك عن الثوري.
وقال خيثمة بن سليمان القرشي حدثنا أبو قلابة هو عبد الملك بن محمد بن بكار الصيرفي حدثنا حماد بن عيسى حدثنا سفيان الثوري عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال:
"أهل الجنة عشرون ومائة صف أنتم منها ثمانون صفا".
وهذه الأحاديث قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها وصح سند بعضها ولا تنافي بينها وبين حديث الشطر لأنه رجا أولا أن يكونوا شطر أهل الجنة فأعطاه الله سبحانه رجاءه وزاد عليه سدسا آخر.
وقد روى أحمد في مسنده من حديث أبي الزبير أنه سمع جابرا يقول سمعت رسول الله يقول:
"أرجو أن يكون من يتبعني من أمتي يوم القيامة ربع أهل الجنة.
قال فكبرنا، ثم قال فأرجو أن تكونوا الشطر"
وإسناده على شرط مسلم.
الواقعة 56:40
(فصل: في أن أكثر أهل الجنة هم أمة محمد ﷺ
في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال ﷺ
"أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ فكبرنا ثم قال: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال أني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة وسأخبركم عن ذلك ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود أو كشعرة سوداء في ثور أبيض"
هذا لفظ مسلم
وعند البخاري "وكشعرة سوداء في ثور أبيض بغير ألف"
وعن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ:
"أهل الجنة عشرون ومائة صف هذه الأمة منها ثمانون صفا"
رواه الإمام أحمد والترمذي وإسناده على شرط الصحيح.
ورواه الطبراني في معجمه من حديث عبد الله بن عباس وفي إسناده خالد بن يزيد البجلي وقد تكلم فيه.
ورواه أيضا من حديث القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال قال
"كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها؟
قالوا الله ورسوله أعلم.
قال كيف أنتم وثلثها؟
قالوا ذاك أكثر.
قال كيف أنتم والشطر لكم؟
قالوا ذاك أكثر.
فقال رسول الله وسلم أهل الجنة عشرون ومائة صف لكم منها ثمانون صفا".
قال الطبراني لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن عبد الرحمن إلا الحرث بن خضيرة تفرد به عبد الواحد بن زياد
وقال عبد الله بن أحمد حدثنا موسى بن غيلان بن هاشم بن مخلد حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن أبي عمرو عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ (٣٩) وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ (٤٠)﴾
قال رسول الله ﷺ: "أنتم ربع أهل الجنة أنتم ثلث أهل الجنة أنتم نصف أهل الجنة أنتم ثلثا أهل الجنة" قال الطبراني تفرد برفعه ابن المبارك عن الثوري.
وقال خيثمة بن سليمان القرشي حدثنا أبو قلابة هو عبد الملك بن محمد بن بكار الصيرفي حدثنا حماد بن عيسى حدثنا سفيان الثوري عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال:
"أهل الجنة عشرون ومائة صف أنتم منها ثمانون صفا".
وهذه الأحاديث قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها وصح سند بعضها ولا تنافي بينها وبين حديث الشطر لأنه رجا أولا أن يكونوا شطر أهل الجنة فأعطاه الله سبحانه رجاءه وزاد عليه سدسا آخر.
وقد روى أحمد في مسنده من حديث أبي الزبير أنه سمع جابرا يقول سمعت رسول الله يقول:
"أرجو أن يكون من يتبعني من أمتي يوم القيامة ربع أهل الجنة.
قال فكبرنا، ثم قال فأرجو أن تكونوا الشطر"
وإسناده على شرط مسلم.
الواقعة 56:57
وهم كانوا مصدقين بأنه خالقهم ولكن احتج عليهم بخلقه لهم على توحيده ومعرفته وصدق رسله فدعاهم منهم ومن خلقه إلى الإقرار بأسمائه وصفاته وتوحيده وصدق رسله والإيمان بالمعاد.
وهو سبحانه يذكر عباده بنعمه عليهم، ويدعوهم بها إلى معرفته ومحبته وتصديق رسله والإيمان بلقائه، كما تضمنته سورة النعم وهي سورة النحل من قوله: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَة﴾ إلى قوله: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾
فذكرهم بأصول النعم وفروعها وعددها عليهم نعمة نعمة، وأخبر أنه أنعم بذلك عليهم ليسلموا له فتكمل نعمه عليهم بالإسلام الذي هو رأس النعم.
الواقعة 56:58
(فصل)
قال ابن القيم - رحمه الله -:
ورأيت لبعض الأطباء كلاما ذكر فيه سبب تفاوت زمن الولادة فأذكره وأذكر ما فيه
قال إذا تم خلق الجنين في مدة معينة، فإنها إذا زاد عليها مثلها تحرك الجنين.
فإذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.
قال فإذا تم خلقه في ثلاثين يومًا فإذا صار له ستون يومًا تحرك، فإذا انضاف إلى الستين مثلاها صارت مائة وثمانين يومًا وهي ستة أشهر، وهي مدة ينفصل لها الحمل.
وإذا تم خلقه في خمسة وثلاثين يومًا تحرك لسبعين، وانفصل لسبعة أشهر.
وإذا تم خلقه لأربعين تحرك لثمانين وانفصل لثمانية أشهر.
وإذا تم لخمسة وأربعين تحرك لتسعين وانفصل لتسعة أشهر وعلى هذا الحساب أبدًا.
وهذا الذي ذكره هذا القائل يقتضي حركة الجنين قبل الأربعين وهذا خطأ قطعًا فإن الروح إنما تتعلق به بعد الأربعين الثالثة وحينئذ يتحرك فلا تثبت له حركة قبل مائة وعشرين يومًا وما يقدر من حركة قبل ذلك فليست حركة ذاتية اختيارية بل لعلها حركة عارضة بسبب الأغشية والرطوبات وما ذكره من الحساب لا يقوم عليه دليل ولا تجربة مطردة فربما زاد على ذلك أو نقص منه ولكن الذي نقطع به أن الروح لا تتعلق به إلا بعد الأربعين الثالثة وما يقدر من حركة قبل ذلك إن صحت لم تكن بسبب الروح والله أعلم.
الواقعة 56:59
(فصل)
قال ابن القيم - رحمه الله -:
ورأيت لبعض الأطباء كلاما ذكر فيه سبب تفاوت زمن الولادة فأذكره وأذكر ما فيه
قال إذا تم خلق الجنين في مدة معينة، فإنها إذا زاد عليها مثلها تحرك الجنين.
فإذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.
قال فإذا تم خلقه في ثلاثين يومًا فإذا صار له ستون يومًا تحرك، فإذا انضاف إلى الستين مثلاها صارت مائة وثمانين يومًا وهي ستة أشهر، وهي مدة ينفصل لها الحمل.
وإذا تم خلقه في خمسة وثلاثين يومًا تحرك لسبعين، وانفصل لسبعة أشهر.
وإذا تم خلقه لأربعين تحرك لثمانين وانفصل لثمانية أشهر.
وإذا تم لخمسة وأربعين تحرك لتسعين وانفصل لتسعة أشهر وعلى هذا الحساب أبدًا.
وهذا الذي ذكره هذا القائل يقتضي حركة الجنين قبل الأربعين وهذا خطأ قطعًا فإن الروح إنما تتعلق به بعد الأربعين الثالثة وحينئذ يتحرك فلا تثبت له حركة قبل مائة وعشرين يومًا وما يقدر من حركة قبل ذلك فليست حركة ذاتية اختيارية بل لعلها حركة عارضة بسبب الأغشية والرطوبات وما ذكره من الحساب لا يقوم عليه دليل ولا تجربة مطردة فربما زاد على ذلك أو نقص منه ولكن الذي نقطع به أن الروح لا تتعلق به إلا بعد الأربعين الثالثة وما يقدر من حركة قبل ذلك إن صحت لم تكن بسبب الروح والله أعلم.
الواقعة 56:60
وتأمل قوله تعالى في الواقعة ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْت﴾
كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلًا بها على النشأة الثانية بقولة ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان.
وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن)
وقد وقع الإخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم، وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع وأتقى له منهم في الدنيا وذلك قوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ يعني بل يكونوا خيرًا منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرًا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم.
وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾
وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾
قال كثير من المفسرين المعنى إنا إذا أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك.
وفي قوله ﴿وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلًا منهم
قال المهدوي قومًا موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل.
ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول.
وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِين﴾ فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا.
ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية.
والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها.
وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى.
ثم قال: وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بـ (إنْ) لا بـ (إذا) كقوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾.
قلت وإتيانه بـ (إذا) التي لا تكون إلا للمحقق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾
واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقًا جديدًا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون.
فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت، وإن قلت هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
فهذا الخلق الجديد هو المتضمن لكونهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقًا جديدًا وهو مثل الخلق الأول كما قال ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّل بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وسماه أمثالًا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضًا وبين بعضها بعضًا.
وبهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه.
فهذا خطأ قطعًا معاذ الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم.
(فصل)
وتأمل قوله تعالى في الواقعة ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْت﴾
كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلًا بها على النشأة الثانية بقولة ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان
وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾
فهذه النشأة الأولى ثم قال ﴿وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ فهذه النشأة الأخرى.
ونظير هذا ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى﴾ وهذا في القرآن كثيرا جدًا يقرن بين النشأتين مذكرًا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق.
(قاعدة نافعة)
العبد من حين استقرت قدمه في هذا الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه تعالى، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره: فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهى السفر. فالكيس الفَطنِ هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالمًا غانمًا، فإذا قطعها جعل الأُخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضر بالتسويف والوعد والتأْخير والمطل، بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته، فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوَّعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته، فإذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذ يحمد سراه وينجل عنه كراه، فما أحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه.
ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان: قسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاءِ، فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداة رسله وأوليائه ودينه والسعي في إطفاءِ نوره وإٍبطال دعوته وإقامة دعوة غيرها، فهؤلاء جعلت أيامهم يسافرون فيها إلى الدار التي خلقوا لها واستعملوا بها، فهم مصحبون فيها بالشياطين الموكلة بهم يسوقونهم إلى منازلهم سوقًا كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تُؤُزُّهم أزًَّا﴾ [مريم: ٨٣]، أي تزعجهم، إلى المعاصي والكفر إزعاجًا وتسوقهم سوقًا.
القسم الثاني: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام.
وهم ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجعّ إلى الله، ولكن متفاوتون في التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفس السير وسرعته وبطئه.
فالظالم لنفسه مقصر في الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا في قدره ولا في صفته، بل مفرط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده، ومع ذلك فهو متزود ما يتأذى به في طريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضار.
والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشدَّ مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة.
والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأرباح، وشد أحمال التجارات لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجاراتهم، فهو كرجل قد علم أن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر، وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهيئ به تجارة إلى ذلك البلد لفعل، فهكذا حال السابق بالخيرات بإذن ربه يرى خسرانًا بينًا أن يمر عليه وقت في غير متجر.
الواقعة 56:61
وتأمل قوله تعالى في الواقعة ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْت﴾
كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلًا بها على النشأة الثانية بقولة ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان.
وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن)
وقد وقع الإخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم، وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع وأتقى له منهم في الدنيا وذلك قوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ يعني بل يكونوا خيرًا منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرًا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم.
وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾
وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾
قال كثير من المفسرين المعنى إنا إذا أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك.
وفي قوله ﴿وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلًا منهم
قال المهدوي قومًا موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل.
ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول.
وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِين﴾ فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا.
ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية.
والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها.
وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى.
ثم قال: وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بـ (إنْ) لا بـ (إذا) كقوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾.
قلت وإتيانه بـ (إذا) التي لا تكون إلا للمحقق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾
واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقًا جديدًا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون.
فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت، وإن قلت هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
فهذا الخلق الجديد هو المتضمن لكونهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقًا جديدًا وهو مثل الخلق الأول كما قال ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّل بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وسماه أمثالًا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضًا وبين بعضها بعضًا.
وبهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه.
فهذا خطأ قطعًا معاذ الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم.
(فصل)
وتأمل قوله تعالى في الواقعة ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْت﴾
كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلًا بها على النشأة الثانية بقولة ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان
وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾
فهذه النشأة الأولى ثم قال ﴿وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ فهذه النشأة الأخرى.
ونظير هذا ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى﴾ وهذا في القرآن كثيرا جدًا يقرن بين النشأتين مذكرًا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق.
(قاعدة نافعة)
العبد من حين استقرت قدمه في هذا الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه تعالى، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره: فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهى السفر. فالكيس الفَطنِ هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالمًا غانمًا، فإذا قطعها جعل الأُخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضر بالتسويف والوعد والتأْخير والمطل، بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته، فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوَّعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته، فإذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذ يحمد سراه وينجل عنه كراه، فما أحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه.
ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان: قسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاءِ، فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداة رسله وأوليائه ودينه والسعي في إطفاءِ نوره وإٍبطال دعوته وإقامة دعوة غيرها، فهؤلاء جعلت أيامهم يسافرون فيها إلى الدار التي خلقوا لها واستعملوا بها، فهم مصحبون فيها بالشياطين الموكلة بهم يسوقونهم إلى منازلهم سوقًا كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تُؤُزُّهم أزًَّا﴾ [مريم: ٨٣]، أي تزعجهم، إلى المعاصي والكفر إزعاجًا وتسوقهم سوقًا.
القسم الثاني: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام.
وهم ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجعّ إلى الله، ولكن متفاوتون في التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفس السير وسرعته وبطئه.
فالظالم لنفسه مقصر في الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا في قدره ولا في صفته، بل مفرط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده، ومع ذلك فهو متزود ما يتأذى به في طريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضار.
والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشدَّ مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة.
والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأرباح، وشد أحمال التجارات لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجاراتهم، فهو كرجل قد علم أن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر، وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهيئ به تجارة إلى ذلك البلد لفعل، فهكذا حال السابق بالخيرات بإذن ربه يرى خسرانًا بينًا أن يمر عليه وقت في غير متجر.
الواقعة 56:62
وتأمل قوله تعالى في الواقعة ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْت﴾
كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلًا بها على النشأة الثانية بقولة ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان.
وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن)
وقد وقع الإخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم، وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع وأتقى له منهم في الدنيا وذلك قوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ يعني بل يكونوا خيرًا منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرًا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم.
وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾
وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾
قال كثير من المفسرين المعنى إنا إذا أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك.
وفي قوله ﴿وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلًا منهم
قال المهدوي قومًا موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل.
ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول.
وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِين﴾ فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا.
ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية.
والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها.
وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى.
ثم قال: وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بـ (إنْ) لا بـ (إذا) كقوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾.
قلت وإتيانه بـ (إذا) التي لا تكون إلا للمحقق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾
واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقًا جديدًا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون.
فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت، وإن قلت هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
فهذا الخلق الجديد هو المتضمن لكونهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقًا جديدًا وهو مثل الخلق الأول كما قال ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّل بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وسماه أمثالًا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضًا وبين بعضها بعضًا.
وبهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه.
فهذا خطأ قطعًا معاذ الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم.
(فصل)
وتأمل قوله تعالى في الواقعة ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْت﴾
كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلًا بها على النشأة الثانية بقولة ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان
وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾
فهذه النشأة الأولى ثم قال ﴿وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ فهذه النشأة الأخرى.
ونظير هذا ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى﴾ وهذا في القرآن كثيرا جدًا يقرن بين النشأتين مذكرًا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق.
(قاعدة نافعة)
العبد من حين استقرت قدمه في هذا الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه تعالى، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره: فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهى السفر. فالكيس الفَطنِ هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالمًا غانمًا، فإذا قطعها جعل الأُخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضر بالتسويف والوعد والتأْخير والمطل، بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته، فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوَّعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته، فإذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذ يحمد سراه وينجل عنه كراه، فما أحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه.
ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان: قسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاءِ، فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداة رسله وأوليائه ودينه والسعي في إطفاءِ نوره وإٍبطال دعوته وإقامة دعوة غيرها، فهؤلاء جعلت أيامهم يسافرون فيها إلى الدار التي خلقوا لها واستعملوا بها، فهم مصحبون فيها بالشياطين الموكلة بهم يسوقونهم إلى منازلهم سوقًا كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تُؤُزُّهم أزًَّا﴾ [مريم: ٨٣]، أي تزعجهم، إلى المعاصي والكفر إزعاجًا وتسوقهم سوقًا.
القسم الثاني: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام.
وهم ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجعّ إلى الله، ولكن متفاوتون في التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفس السير وسرعته وبطئه.
فالظالم لنفسه مقصر في الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا في قدره ولا في صفته، بل مفرط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده، ومع ذلك فهو متزود ما يتأذى به في طريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضار.
والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشدَّ مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة.
والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأرباح، وشد أحمال التجارات لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجاراتهم، فهو كرجل قد علم أن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر، وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهيئ به تجارة إلى ذلك البلد لفعل، فهكذا حال السابق بالخيرات بإذن ربه يرى خسرانًا بينًا أن يمر عليه وقت في غير متجر.
الواقعة 56:65
قيل معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى، وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه، وإذا زال التفكه خلقه ضده.
يقال: تحنث إذا زال الحنث عنه، وتحرج وتحوب، وتأثم، ومنه تفكه.
وهذا البناء يقال للداخل في الشيء كتعلم وتحلم، وللخارج منه كتحرج وتأثم.
الواقعة 56:71
(فائدة)
جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها تذكرة بنار الآخرة قال تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾
وأخبر النبي ﷺ:
"إن شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم فلا بد أن يشهد عباده جنته وما يذكرهم بها"
والله المستعان.
(فصل: الحكمة في خلق النار)
وكذلك الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها، فإنها لو كانت ظاهرة كالهواء والماء والتراب لأحرقت العالم وما فيه، ولم يكن بد من ظهورها في الأحايين للحاجة إليها، فجعلت مخزونة في الأجسام توري عند الحاجة إليها فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها، ثم تخبوا إذا استغني عنها.
فجعلت على خلقة وتقدير وتدبير حصل به الاستمتاع بها والانتفاع مع السلامة من ضررها.
ثم في النار خلة أخرى وهي أنها مما خص به الإنسان دون سائر الحيوان فإن الحيوانات لا تستعمل النار ولا تستمتع بها.
ولما اقتضت الحكمة الباهرة ذلك اغتنت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها فأعطيت من الشعور والأوبار ما يغنيها عنها وجعلت أغذيتها بالمفردات التي لا تحتاج إلى طبخ وخبز ولما كانت الحاجة إليها شديدة جعل من الآلات والأسباب ما يتمكن به من إثارتها إذا شاء ومن إبطالها ومن حكمها هذه المصابيح التي يوقدها الناس فيتمكنون بها من كثير حاجاتهم، ولولاها لكان نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب القبور.
وأما منافعها في إنضاج الأغذية والأدوية والدفء فلا يخفى.
وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾
أي تذكر بنار الآخرة فيحترز منها ويستمتع بها المقوون وهم النازلون بالفيفاء وهي الأرض الخالية.
وخص هؤلاء بالذكر لشدة حاجتهم إليها في خبزهم وطبخهم حيث لا يجدون ما يشترونه فيغنيهم عن ما يصنعونه بالنار.
(فصل)
وقال في (طريق الهجرتين)
وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضًا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك، مع أن ذلك من آثار النفسين الشتاء والصيف اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما، فاقتضى ذانك النفسان آثارًا ظهرت في هذه الدار كانت دليلًا عليها وعبرة.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله في نار الدنيا: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]، تذكرة تذكر بها الآخرة ومنفعة للنازلين بالقواءِ وهم المسافرون، يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالقِى والقَوى وهي الأرض
الخالية، وخص المقوين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين تنبيهًا لعباده - والله أعلم بمراده من كلامه - على أنهم كلهم مسافرون وأنهم في هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر. والمقصود أنه سبحانه أشهد في هذه الدار ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر، وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطًا يسوق بها عباده المؤمنين.
فإذا رأوها حذروا كل الحذر واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات، وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم وإحسانًا إليهم وتذكرة وتنبيهًا.
ولما كانت هذه الدار ممزوجًا خيرها بشرها وأذاها براحتها ونعيمها بعذابها اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن خلص خيرها من شرها وخصه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة ودار السرر المحضة، فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط وخلط فيها بين الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة، حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة.
فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه، بل العبد الواحد جمع فيه بين أسباب الخير والشر، وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك. فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بدارين ومحلين، وجعل لكل دار ما يناسبها، وأسكن فيها من يناسبها، وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته، وأعداءه الكافرين لنقمته، والمخلصين للأمرين: فهؤلاء أهل الرحمة وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل النقمة والرحمة.
وقسم آخر لا يستحقون ثوابًا ولا عقابًا.
ورتب على كل قسم من هذه الأقسام الخمسة حكمه اللائق به، وأظهر فيه حكمته الباهرة، ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته وأنه يخلق ما يشاءُ، ويختار من خلقه من يصلح للاختيار، وأنه يضع ثوابه موضعه، ويجمع بينهما في المحل المقتضي لذلك، ولا يظلم أحدًا ولا يبخسه شيئًا من حقه ولا يعاقبه بغير جنايته.
هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى العبيد أنفسهم: من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم، واستخراج كمالاتهم الكامنة في نفسهم من القوة إلى الفعل، ودفع الأسباب بعضها ببعض، وكسر كل شيء بمقابلة ومصادمته بضده، لتظهر عليه آثار القهر وسمات الضعف والعجز ويتيقن العبد أن القهار لا يكون إلا واحدًا، وأنه يستحيل أن يكون له شريك، بل القهر والوحدة متلازمان: فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار، ومن سواه مربوب مقهور، له ضد ومناف ومشارك.
فخلق الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر سورتها وتذهب بها، وخلق الماءَ وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار وسلط عليها الماءَ يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد، وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلا منها على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل والنهار وقهر كلا منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب، فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد وأن من تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه وربط بعضه على بعض وإحواج بعضه إلى بعض وقهر بعضه ببعض وابتلاءِ بعضه ببعض وامتزاج خيره بشره، وجعل شره لخيره الفداءِ، ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر فيقال له: هذا فداؤك من النار، وهكذا المؤمن في الدنيا يسلط عليه من الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله، وقد تكون تلك الأسباب فداءً له من شرور أكثر منها في هذا العالم أيضًا، فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر يتبين له حكمة اللطيف الخبير.
الواقعة 56:72
(فائدة)
جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها تذكرة بنار الآخرة قال تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾
وأخبر النبي ﷺ:
"إن شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم فلا بد أن يشهد عباده جنته وما يذكرهم بها"
والله المستعان.
(فصل: الحكمة في خلق النار)
وكذلك الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها، فإنها لو كانت ظاهرة كالهواء والماء والتراب لأحرقت العالم وما فيه، ولم يكن بد من ظهورها في الأحايين للحاجة إليها، فجعلت مخزونة في الأجسام توري عند الحاجة إليها فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها، ثم تخبوا إذا استغني عنها.
فجعلت على خلقة وتقدير وتدبير حصل به الاستمتاع بها والانتفاع مع السلامة من ضررها.
ثم في النار خلة أخرى وهي أنها مما خص به الإنسان دون سائر الحيوان فإن الحيوانات لا تستعمل النار ولا تستمتع بها.
ولما اقتضت الحكمة الباهرة ذلك اغتنت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها فأعطيت من الشعور والأوبار ما يغنيها عنها وجعلت أغذيتها بالمفردات التي لا تحتاج إلى طبخ وخبز ولما كانت الحاجة إليها شديدة جعل من الآلات والأسباب ما يتمكن به من إثارتها إذا شاء ومن إبطالها ومن حكمها هذه المصابيح التي يوقدها الناس فيتمكنون بها من كثير حاجاتهم، ولولاها لكان نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب القبور.
وأما منافعها في إنضاج الأغذية والأدوية والدفء فلا يخفى.
وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾
أي تذكر بنار الآخرة فيحترز منها ويستمتع بها المقوون وهم النازلون بالفيفاء وهي الأرض الخالية.
وخص هؤلاء بالذكر لشدة حاجتهم إليها في خبزهم وطبخهم حيث لا يجدون ما يشترونه فيغنيهم عن ما يصنعونه بالنار.
(فصل)
وقال في (طريق الهجرتين)
وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضًا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك، مع أن ذلك من آثار النفسين الشتاء والصيف اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما، فاقتضى ذانك النفسان آثارًا ظهرت في هذه الدار كانت دليلًا عليها وعبرة.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله في نار الدنيا: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]، تذكرة تذكر بها الآخرة ومنفعة للنازلين بالقواءِ وهم المسافرون، يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالقِى والقَوى وهي الأرض
الخالية، وخص المقوين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين تنبيهًا لعباده - والله أعلم بمراده من كلامه - على أنهم كلهم مسافرون وأنهم في هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر. والمقصود أنه سبحانه أشهد في هذه الدار ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر، وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطًا يسوق بها عباده المؤمنين.
فإذا رأوها حذروا كل الحذر واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات، وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم وإحسانًا إليهم وتذكرة وتنبيهًا.
ولما كانت هذه الدار ممزوجًا خيرها بشرها وأذاها براحتها ونعيمها بعذابها اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن خلص خيرها من شرها وخصه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة ودار السرر المحضة، فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط وخلط فيها بين الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة، حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة.
فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه، بل العبد الواحد جمع فيه بين أسباب الخير والشر، وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك. فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بدارين ومحلين، وجعل لكل دار ما يناسبها، وأسكن فيها من يناسبها، وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته، وأعداءه الكافرين لنقمته، والمخلصين للأمرين: فهؤلاء أهل الرحمة وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل النقمة والرحمة.
وقسم آخر لا يستحقون ثوابًا ولا عقابًا.
ورتب على كل قسم من هذه الأقسام الخمسة حكمه اللائق به، وأظهر فيه حكمته الباهرة، ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته وأنه يخلق ما يشاءُ، ويختار من خلقه من يصلح للاختيار، وأنه يضع ثوابه موضعه، ويجمع بينهما في المحل المقتضي لذلك، ولا يظلم أحدًا ولا يبخسه شيئًا من حقه ولا يعاقبه بغير جنايته.
هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى العبيد أنفسهم: من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم، واستخراج كمالاتهم الكامنة في نفسهم من القوة إلى الفعل، ودفع الأسباب بعضها ببعض، وكسر كل شيء بمقابلة ومصادمته بضده، لتظهر عليه آثار القهر وسمات الضعف والعجز ويتيقن العبد أن القهار لا يكون إلا واحدًا، وأنه يستحيل أن يكون له شريك، بل القهر والوحدة متلازمان: فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار، ومن سواه مربوب مقهور، له ضد ومناف ومشارك.
فخلق الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر سورتها وتذهب بها، وخلق الماءَ وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار وسلط عليها الماءَ يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد، وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلا منها على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل والنهار وقهر كلا منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب، فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد وأن من تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه وربط بعضه على بعض وإحواج بعضه إلى بعض وقهر بعضه ببعض وابتلاءِ بعضه ببعض وامتزاج خيره بشره، وجعل شره لخيره الفداءِ، ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر فيقال له: هذا فداؤك من النار، وهكذا المؤمن في الدنيا يسلط عليه من الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله، وقد تكون تلك الأسباب فداءً له من شرور أكثر منها في هذا العالم أيضًا، فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر يتبين له حكمة اللطيف الخبير.
الواقعة 56:73
(فائدة)
جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها تذكرة بنار الآخرة قال تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾
وأخبر النبي ﷺ:
"إن شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم فلا بد أن يشهد عباده جنته وما يذكرهم بها"
والله المستعان.
(فصل: الحكمة في خلق النار)
وكذلك الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها، فإنها لو كانت ظاهرة كالهواء والماء والتراب لأحرقت العالم وما فيه، ولم يكن بد من ظهورها في الأحايين للحاجة إليها، فجعلت مخزونة في الأجسام توري عند الحاجة إليها فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها، ثم تخبوا إذا استغني عنها.
فجعلت على خلقة وتقدير وتدبير حصل به الاستمتاع بها والانتفاع مع السلامة من ضررها.
ثم في النار خلة أخرى وهي أنها مما خص به الإنسان دون سائر الحيوان فإن الحيوانات لا تستعمل النار ولا تستمتع بها.
ولما اقتضت الحكمة الباهرة ذلك اغتنت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها فأعطيت من الشعور والأوبار ما يغنيها عنها وجعلت أغذيتها بالمفردات التي لا تحتاج إلى طبخ وخبز ولما كانت الحاجة إليها شديدة جعل من الآلات والأسباب ما يتمكن به من إثارتها إذا شاء ومن إبطالها ومن حكمها هذه المصابيح التي يوقدها الناس فيتمكنون بها من كثير حاجاتهم، ولولاها لكان نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب القبور.
وأما منافعها في إنضاج الأغذية والأدوية والدفء فلا يخفى.
وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾
أي تذكر بنار الآخرة فيحترز منها ويستمتع بها المقوون وهم النازلون بالفيفاء وهي الأرض الخالية.
وخص هؤلاء بالذكر لشدة حاجتهم إليها في خبزهم وطبخهم حيث لا يجدون ما يشترونه فيغنيهم عن ما يصنعونه بالنار.
(فصل)
وقال في (طريق الهجرتين)
وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضًا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك، مع أن ذلك من آثار النفسين الشتاء والصيف اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما، فاقتضى ذانك النفسان آثارًا ظهرت في هذه الدار كانت دليلًا عليها وعبرة.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله في نار الدنيا: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]، تذكرة تذكر بها الآخرة ومنفعة للنازلين بالقواءِ وهم المسافرون، يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالقِى والقَوى وهي الأرض
الخالية، وخص المقوين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين تنبيهًا لعباده - والله أعلم بمراده من كلامه - على أنهم كلهم مسافرون وأنهم في هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر. والمقصود أنه سبحانه أشهد في هذه الدار ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر، وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطًا يسوق بها عباده المؤمنين.
فإذا رأوها حذروا كل الحذر واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات، وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم وإحسانًا إليهم وتذكرة وتنبيهًا.
ولما كانت هذه الدار ممزوجًا خيرها بشرها وأذاها براحتها ونعيمها بعذابها اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن خلص خيرها من شرها وخصه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة ودار السرر المحضة، فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط وخلط فيها بين الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة، حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة.
فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه، بل العبد الواحد جمع فيه بين أسباب الخير والشر، وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك. فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بدارين ومحلين، وجعل لكل دار ما يناسبها، وأسكن فيها من يناسبها، وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته، وأعداءه الكافرين لنقمته، والمخلصين للأمرين: فهؤلاء أهل الرحمة وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل النقمة والرحمة.
وقسم آخر لا يستحقون ثوابًا ولا عقابًا.
ورتب على كل قسم من هذه الأقسام الخمسة حكمه اللائق به، وأظهر فيه حكمته الباهرة، ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته وأنه يخلق ما يشاءُ، ويختار من خلقه من يصلح للاختيار، وأنه يضع ثوابه موضعه، ويجمع بينهما في المحل المقتضي لذلك، ولا يظلم أحدًا ولا يبخسه شيئًا من حقه ولا يعاقبه بغير جنايته.
هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى العبيد أنفسهم: من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم، واستخراج كمالاتهم الكامنة في نفسهم من القوة إلى الفعل، ودفع الأسباب بعضها ببعض، وكسر كل شيء بمقابلة ومصادمته بضده، لتظهر عليه آثار القهر وسمات الضعف والعجز ويتيقن العبد أن القهار لا يكون إلا واحدًا، وأنه يستحيل أن يكون له شريك، بل القهر والوحدة متلازمان: فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار، ومن سواه مربوب مقهور، له ضد ومناف ومشارك.
فخلق الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر سورتها وتذهب بها، وخلق الماءَ وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار وسلط عليها الماءَ يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد، وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلا منها على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل والنهار وقهر كلا منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب، فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد وأن من تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه وربط بعضه على بعض وإحواج بعضه إلى بعض وقهر بعضه ببعض وابتلاءِ بعضه ببعض وامتزاج خيره بشره، وجعل شره لخيره الفداءِ، ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر فيقال له: هذا فداؤك من النار، وهكذا المؤمن في الدنيا يسلط عليه من الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله، وقد تكون تلك الأسباب فداءً له من شرور أكثر منها في هذا العالم أيضًا، فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر يتبين له حكمة اللطيف الخبير.
الواقعة 56:74
اللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال - مثلا - له حقيقة متميزة متحصلة، فاستحق أن يوضع له لفظ يدل عليه، لأنه شيء موجود في اللسان، مسموع بالأذان. فاللفظ المؤلف من همزة الوصل والسين والميم:
عبارة عن اللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال، مثلا.
واللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال: عبارة عن الشخص الموجود في الأعيان والأذهان.
وهذا المسمى والمعنى. واللفظ الدال عليه، الذي هو الزاي والياء والدال: هو الاسم.
وهذا اللفظ أيضا قد صار مسمى، من حيث كان لفظ الهمزة والسين والميم: عبارة عنه.
فقد بان لك أن «الاسم» في أصل الوضع ليس هو المسمى. ولهذا تقول: سميت هذا الشخص بهذا الاسم، كما تقول: حلّيته بهذه الحلية.
والحلية غير المحلى، فكذلك الاسم غير المسمى.
وقد صرح بذلك سيبويه. وأخطأ نسب إليه غير هذا، وادعى أن مذهبه: اتحادهما.
والذي غرّ من ادعي ذلك: قوله: الأفعال أمثلة، أخذت من لفظ أحداث الأسماء.
وهذا لا يعارض نصه قبل هذا. فإنه نص على أن الاسم غير المسمى.
فقال «الكلم اسم، وفعل، وحرف» فقد صرح بأن الاسم كلمة. فكيف تكون الكلمة هي المسمى. والمسمى شخص؟ ثم قال بعد هذا: تقول سميت زيدا بهذا الاسم، كما تقول: علمته بهذه العلامة.
وفي كتابه قريب من ألف موضع: أن الاسم هو اللفظ الدال على المسمى. ومتى ذكر الخفض أو النصب، أو التنوين، أو اللام، أو جميع ما يلحق الاسم من زيادة ونقصان، وتصغير وتكبير، وإعراب وبناء - فذلك كله من عوارض الاسم: تعلق لشيء من ذلك بالمسمى أصلا.
وما قال نحوي قط ولا عربي: إن الاسم هو المسمى.
ويقولون: أجل مسمى. ولا يقولون أجل اسم. ويقولون: مسمى هذا الاسم كذا.
ولا يقول أحد: اسم هذا الاسم، ويقولون: هذا مسمى بزيد. ولا يقولون: هذا الرجل اسم زيد.
ويقولون: باسم الله، ولا يقولون: بمسمى الله.
وقال رسول الله ﷺ «لي خمسة أسماء»
ولا يصح أن يقال: لي خمس مسميات.
وقال: «فتسموا باسمي»
ولا يصح أن يقال: تسموا بمسمياتي.
وقال «لله تسعة وتسعون اسما»
ولا يصح أن يقال: لله تسعة وتسعون مسمى.
وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمى.
فبقي هاهنا التسمية. وهي التي اعتبرها من قال: باتحاد الاسم والمسمى. والتسمية: عبارة عن فعل المسمّي ووضعه الاسم للمسمّي، كما أن التحلية: عبارة عن فعل المحلّى، ووضعه الحلية على المحلّى.
فهنا ثلاث، حقائق: اسم ومسمى، وتسمية، كحلية، ومحلّى، وتحلية. وعلامة ومعلم، وتعليم.
ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها. وإذا جعلت الاسم هو المسمى: بطل واحد من هذه الحقائق الثلاث ولا بد.
فإن قيل: فحلوا لنا شبهة من قال: باتحادهما ليتم الدليل. فإنكم أقمتم الدليل فعليكم الجواب عن المعارض.
فمنها: أن الله وحده هو الخالق، وما سواه مخلوق. فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة. وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل، ولا صفة. لأن أسماءه صفات.
وهذا هو السؤال الأعظم، الذي قاد متكلمي الإثبات إلى أن يقولوا: الاسم هو المسمى. فما عندكم في دفعه؟
والجواب: أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق اللفظة مجملة لمعنيين. صحيح وباطل. فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها. ولا ريب أن الله تبارك وتعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها. فلم يزل بأسمائه وصفاته: رب واحد، وإله واحد، له الأسماء الحسنى والصفات العلا. وأسماؤه وصفاته داخلة في مسمى اسمه، وإن كان لا يطلق على الصفة أنها إله يخلق ويرزق. فليست صفاته وأسماؤه غيره. وليست هي نفس الإله، وبلاء القوم من لفظة «الغير» فإنها يراد بها معنيين.
أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بـ (الله).
وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار. فلا يكون إلا مخلوقا.
ويراد بها: مغايرة الذات إذا خرجت عنها.
فإذا قيل: علم الله، وكلام الله غيره: وعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم، والكلام: كان المعنى صحيحا. ولكن الإطلاق باطل.
وإذا العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره: كان باطلا لفظا ومعنى.
وبهذا أجاب أهل السنة المعتزلة القائلين بخلق القرآن، وقالوا: كلامه تعالى داخل في مسمى اسمه.
فـ «الله» اسم للذات الموصوفة بصفات الكمال. ومن تلك الصفات: صفة الكلام، كما أن علمه وقدرته وحياته، وسمعه وبصره: غير مخلوقة. وإذا كان القرآن كلامه، وهو صفة من صفاته. فهو متضمن لأسمائه الحسنى.
فإذا كان القرآن غير مخلوق، ولا يقال: إنه غير الله، فكيف يقال: إن بعض ما تضمنه - وهو أسماؤه - مخلوقة، وهي غيره؟
فقد حصحص الحق بحمد الله وانحسم الإشكال، وإن أسماءه الحسنى التي في القرآن من كلامه. وكلامه غير مخلوق.
ولا يقال: هو غيره، ولا هو هو.
وهذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون: أسماؤه تعالى غيره. وهي مخلوقة، ولمذهب من رد عليهم ممن يقول: اسمه نفس ذاته، لا غيره.
وبالتفصيل تزول الشبه ويتبين الصواب والحمد الله.
حجة ثانية لهم: قالوا: قال تبارك وتعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ و ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾.
وهذه الحجة عليهم في لا لهم الحقيقة. لأن النبي ﷺ امتثل هذا الأمر
وقال: «سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم»
ولو كان الأمر كما زعموا لقال: سبحان اسم ربي العظيم.
ثم إن الأمة كلهم لا يجوز أحد منهم أن يقول: عبدت اسم ربي، ولا سجدت لاسم ربي، ولا ركعت لاسم ربي، ولا اسم ربي ارحمني. وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى، لا بالاسم.
وأما الجواب عن تعلق الذكر والتسبيح المأمور به ب «اسم» فقد قيل فيه: إن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم قد تعظم ما هو من سببه، ومتعلق به، كما يقال: سلام على الحضرة العالية، والباب السامي، والمجلس الكريم. ونحوه. وهذا جواب غير مرض لوجهين.
أحدهما: أن الرسول ﷺ لم يفهم هذا المعنى، وإنما قال «سبحان ربي» فلم يعرج على ما ذكرتموه.
الثاني: أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل، وسائر ما يطلق على المسمى، فيقال: الحمد لاسم الله. ولا إله إلا اسم الله، ونحوه. وهذا مما لم يقله أحد.
بل الجواب الصحيح: أن الذكر الحقيقي حله القلب، لأنه ضد النسيان. والتسبيح نوع من الذكر. فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك، دون اللفظ باللسان. والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعا، ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما.
فصار معنى الآيتين: سبح ربك بقلبك ولسانك. واذكر ربك بقلبك ولسانك. فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى. حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان: لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم، دون ما سواه. والذكر باللسان: متعلقه اللفظ مع مدلوله. لأن اللفظ لا يراد لنفسه. فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح، دون ما يدل عليه من المعنى.
وعبر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن هذا المعنى بعبارة لطيفة وجيزة، فقال: المعنى سبح ناطقا باسم ربك، متكلما به.
وكذا سبح اسم ربك: المعنى: سبح ربك ذاكرا اسمه.
وهذه الفائدة تساوي رحلة، ولكن لمن يعرف قدرها. فالحمد لله المنان بفضله ونسأله تمام نعمته.
حجة ثالثة لهم: قالوا: قال تعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ وإنما عبدوا مسمياتها.
والجواب: أنه كما قلتم: إنهم إنما عبدوا المسميات، ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة، كاللاتي والعزى، وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة، لا مسمى لها في الحقيقة. فإنهم سموها آلهة. وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها.
وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء، لا حقيقة المسمى.
فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها.
وهذا كمن سمى قشور البصل لحما، وأكلها، فيقال له: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه.
وكمن سمى التراب خبزا، وأكله. يقال: ما أكلت إلّا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في نفي الإلهية آلهتهم.
فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه. وما الحكمة ثمّ إلّا مجرد الاسم.
فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى.
فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ولم تدخل في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾؟
قيل: التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد، دون معنى آخر. ويراد به مع ذلك الصلاة. وهو ذكر وتنزيه مع عمل.
ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا.
فإذا أريد التسبيح المجرد، فلا معنى للباء. لأنه لا يتعدى بحرف جر، لا تقول: سبحت بالله.
وإذا أردت المقرون بالفعل، وهو الصلاة، أدخلت الباء، تنبها على ذلك المراد، كأنك قلت: سبح مفتتحا باسم ربك، أو ناطقا باسم ربك. كما تقول: صلّ مفتتحا، أو ناطقا باسمه، ولهذا السر - والله أعلم - دخلت اللام في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾
والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة، ولم يقل في موضع: سبح الله ما في السماوات والأرض، كما قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾.
وتأمل قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾
فكيف قال: «ويسبحونه» لما ذكر السجود باسمه الخاص، فصار التسبيح: ذكرهم له، وتنزيههم إياه.
الواقعة 56:75
(فائدة)
لما كان المقصود بهذا القسم نفي ما قاله الكفار في القرآن: من أنه شعر أو كهانه أو أساطير الأولين، صدر القول بأداة النفي ثم أثبت له ما قالوه. فتضمنت الآية أن ليس الأمر كما يزعمون ولكنه قرآن كريم.
ولهذا صرح بالأمرين: النفي والإثبات.
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
ذكر سبحانه هذا القسم عقيب ذكر القيامة الكبرى وأقسام الخلق فيها ثم ذكر الأدلة القاطعة على قدرته وعلى المعاد بالنشأة الأولى وإخراج النبات من الأرض وإنزال الماء من السماء وخلق النار ثم ذكر بعد ذلك أحوال الناس في القيامة الصغرى عند مفارقة الروح للبدن وأقسم بمواقع النجوم على ثبوت القرآن وأنه تنزيله
وقد اختلف في النجوم التي أقسم بمواقعها فقيل هي آيات القرآن ومواقعها نزولها شيئًا بعد شيء.
وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء وقول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل وقتادة.
وقيل النجوم هي الكواكب ومواقعها مساقطها عند غروبها.
هذا قول أبي عبيدة وغيره.
وقيل مواقعها انتشارها وانكدارها يوم القيامة.
وهذا قول الحسن.
ومن حجة هذا القول أن لفظ (مواقع) تقتضيه فإنه مفاعل من الوقوع، وهو السقوط فلكل نجم موقع وجمعها مواقع.
ومن حجة قول من قال هي مساقطها عند الغروب أن الرب تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها وجريانها وغروبها إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة كما تقدم في قوله تعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ وقال ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ وقال ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾
ويرجح هذا القول أيضًا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ وقوله ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ﴾
وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو القرآن من وجوه أحدها أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فتلك هداية في الظلمات الحسية وآيات القرآن في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس.
والجن والنجوم آياته المشهودة المعاينة والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول
ومن قرأ بموقع النجوم على الأفراد فلدلالة الواحد المضاف إلى الجمع على التعدد والمواقع اسم جنس والمصادر إذا اختلفت جمعت وإذا كان النوع واحدًا أفردت قال تعالى (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} فجمع الأصوات لتعدد النوع وأفرد صوت الحمير لوحدته فإفراد موقع النجوم لوحدة المضاف إليه وتعدد المواقع لتعدده إذ لكل نجم موقع.
الواقعة 56:76
(فائدة)
لما كان المقصود بهذا القسم نفي ما قاله الكفار في القرآن: من أنه شعر أو كهانه أو أساطير الأولين، صدر القول بأداة النفي ثم أثبت له ما قالوه. فتضمنت الآية أن ليس الأمر كما يزعمون ولكنه قرآن كريم.
ولهذا صرح بالأمرين: النفي والإثبات.
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
ذكر سبحانه هذا القسم عقيب ذكر القيامة الكبرى وأقسام الخلق فيها ثم ذكر الأدلة القاطعة على قدرته وعلى المعاد بالنشأة الأولى وإخراج النبات من الأرض وإنزال الماء من السماء وخلق النار ثم ذكر بعد ذلك أحوال الناس في القيامة الصغرى عند مفارقة الروح للبدن وأقسم بمواقع النجوم على ثبوت القرآن وأنه تنزيله
وقد اختلف في النجوم التي أقسم بمواقعها فقيل هي آيات القرآن ومواقعها نزولها شيئًا بعد شيء.
وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء وقول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل وقتادة.
وقيل النجوم هي الكواكب ومواقعها مساقطها عند غروبها.
هذا قول أبي عبيدة وغيره.
وقيل مواقعها انتشارها وانكدارها يوم القيامة.
وهذا قول الحسن.
ومن حجة هذا القول أن لفظ (مواقع) تقتضيه فإنه مفاعل من الوقوع، وهو السقوط فلكل نجم موقع وجمعها مواقع.
ومن حجة قول من قال هي مساقطها عند الغروب أن الرب تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها وجريانها وغروبها إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة كما تقدم في قوله تعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ وقال ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ وقال ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾
ويرجح هذا القول أيضًا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ وقوله ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ﴾
وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو القرآن من وجوه أحدها أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فتلك هداية في الظلمات الحسية وآيات القرآن في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس.
والجن والنجوم آياته المشهودة المعاينة والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول
ومن قرأ بموقع النجوم على الأفراد فلدلالة الواحد المضاف إلى الجمع على التعدد والمواقع اسم جنس والمصادر إذا اختلفت جمعت وإذا كان النوع واحدًا أفردت قال تعالى (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} فجمع الأصوات لتعدد النوع وأفرد صوت الحمير لوحدته فإفراد موقع النجوم لوحدة المضاف إليه وتعدد المواقع لتعدده إذ لكل نجم موقع.
الواقعة 56:77
(فصل)
والمقسم عليه هاهنا قوله ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾
ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعًا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدًا أو تنبيهًا أو احترازًا كقوله تعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾
وهذا أحسن من قول من قال إنه خبر عن الذين آمنوا، ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منها وتعطيل هذه الفائدة الجليلة.
(فصل)
ثم قال ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء أحسنه وأفضله والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه ووصف به عرشه ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن قال الكلبي إنه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل كرمه الله وأعزه لأنه كلامه وقال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم جميل الفعال وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة وبالجملة فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس واللئيم.
(فصل)
ثم قال تعالى ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾
اختلف المفسرون في هذا فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾
ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر
والأول أرجح لوجوه:
أحدها أن الآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ فنفي الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منه وقد يليق بمن
لا يقدر عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾
فوصف محله بهذه الصفات بيانًا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به.
وتقرير هذا المعنى أهم وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر.
الوجه الثاني أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية
الثالث إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول الله وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون اعتبار ما يأتي، فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الإخبار يوضحه
الوجه الرابع وهو قوله في كتاب مكنون والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ وهكذا قال السلف قال الكلبي مكنون من الشياطين وقال مقاتل مستور وقال مجاهد لا يصيبه تراب ولا غبار وقال أبو إسحاق مصون في السماء يوضحه
الوجه الخامس أن وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا فقوله ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ في كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ كقوله ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ يوضحه
الوجه السادس أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وابلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه محدث
الوجه السابع قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بالرفع فهذا خبر لفظًا ومعنى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا.
ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس هاهنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي.
الوجه الثامن أنه قال إلا المطهرون ولم يقل إلا المتطهرون ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾
وفي الحديث
"اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"
فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون
الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونًا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونًا في كتاب لا يستلزم ثبوته فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونًا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان
بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة الوجه العاشر ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك في قوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾
قال المطهرون الملائكة.
وهذا عند طائفة من أهل الحديث في الحكم المرفوع وقال الحاكم تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم وقال حرب في مسائله سمعت إسحاق في قوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة
وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية
وقوله "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر"
رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات
"أن لا يمس القرآن إلا طاهر"
قال أحمد أرجو أن يكون صحيحًا.
وقال أيضا: لا أشك أن رسول الله كتبه وقال أبو عمر بن عبد البر هو كتاب مشهور عند اهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطئه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع.
(فصل)
ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي قال البخاري في صحيحه في هذه الآية لا يجد طعمه إلا من آمن به وهذا أيضًا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم بها حقا وأنزله على رسوله وحيًا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج ومن لم يؤمن بأن الله سبحانه تكلم به وحيًا وليس مخلوقًا من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له باطنًا يخالف ظاهره وإن له تأويلًا يخالف ما يفهم منه ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له تأويلًا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج، ومن جعله تابعا لنحلته ومذهبه وقول من قلده دينه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج ومن لم يحكمه ظاهرًا وباطنًا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه منه حرج
ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم أمره ونهيه وخبره ويرد له كل أمر ونهي وخبر خالفه ففي قلبه منه حرج وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم ولا يجدون من لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم.
وأنت إذا تأملت قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ﴾ وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن فهمت هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق.
(فصل)
وَأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ قَوْله تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) في كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾
وَجَدْتَ الآيَةَ مِن أظْهَرْ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وأنَّ هَذا القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ رُوحٌ مُطَهَّرٌ، فَما لِلْأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ ووَجَدْتَ الآيَةَ أُخْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١]،
وَوَجَدْتَها دالَّةً بِأحْسَنِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلّا طاهِرٌ، ووَجَدْتَها دالَّةً أيْضًا بِألْطَفِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِدُ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِهِ، كَما فَهِمَهُ البُخارِيَّ مِن الآيَةِ فَقالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾
" لا يَمَسُّهُ " لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلّا المُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥]
وَتَجِدُ تَحْتَهُ أيْضًا أنَّهُ لا يَنالُ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُهُ كَما يَنْبَغِي إلّا القُلُوبُ الطّاهِرَةُ، وأنَّ القُلُوبَ النَّجِسَةَ مَمْنُوعَةٌ مِن فَهْمِهِ مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ هَذا النَّسَبَ القَرِيبَ وعَقْدَ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي وبَيْنَ المَعْنى الظّاهِرِ مِن الآيَةِ واسْتِنْباطُ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها مِن الآيَةِ بِأحْسَنِ وجْهٍ وأبْيَنِهِ.
﴿لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾
(فصل)
قالَ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ:
والصَّحِيحُ في الآيَةِ، أنَّ المُرادَ بِهِ: الصُّحُفُ الَّتِي بِأيْدِي المَلائِكَةِ. لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ.
مِنها: أنَّهُ وصَفَهُ بِأنَّهُ مَكْنُونٌ والمَكْنُونُ: المَسْتُورُ عَنِ العُيُونِ. وهَذا إنَّما هو في الصُّحُفِ الَّتِي بِأيْدِي المَلائِكَةِ.
وَمِنها: أنَّهُ قالَ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهُمُ المَلائِكَةُ. ولَوْ أرادَ المُتَوَضِّئِينَ لَقالَ: لا يَمَسُّهُ إلّا المُتَطَهِّرُونَ. كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالمَلائِكَةُ مُطَهَّرُونَ. والمُؤْمِنُونَ مُتَطَهِّرُونَ.
وَمِنها: أنَّ هَذا إخْبارٌ. ولَوْ كانَ نَهْيًا لَقالَ: لا يَمْسَسْهُ بِالجَزْمِ، والأصْلُ في الخَبَرِ: أنْ يَكُونَ خَبَرًا صُورَةً ومَعْنًى.
وَمِنها: أنَّ هَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ الشَّيْطانَ جاءَ بِهَذا القُرْآنِ. فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا تَنالُهُ الشَّياطِينُ. ولا وُصُولَ لَها إلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى في آيَةِ الشُّعَراءِ ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ - وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١١] وإنَّما تَنالُهُ الأرْواحُ المُطَهَّرَةُ. وهُمُ المَلائِكَةُ.
وَمِنها: أنَّ هَذا نَظِيرُ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ عَبَسَ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ - في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ - مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ - بِأيْدِي سَفَرَةٍ - كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢-١٦].
قالَ مالِكٌ في مَوَطَّئِهِ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أنَّها مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ عَبَسَ.
وَمِنها: أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ مِن سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ. تَتَضَمَّنُ تَقْرِيرَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وإثْباتِ الصّانِعِ، والرَّدَّ عَلى الكُفّارِ. وهَذا المَعْنى ألْيَقُ بِالمَقْصُودِ مِن فَرْعٍ عَمَلِيٍّ. وهو حُكْمُ مَسِّ المُحْدِثِ المُصْحَفَ.
وَمِنها: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الكِتابُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ: لَمْ يَكُنْ في الإقْسامِ عَلى ذَلِكَ بِهَذا القَسَمِ العَظِيمِ كَثِيرُ فائِدَةٍ. إذْ مِنَ المَعْلُومِ: أنَّ كُلَّ كَلامٍ فَهو قابِلٌ لِأنَّ يَكُونَ في كِتابٍ حَقًّا أوْ باطِلًا. بِخِلافِ ما إذا وقَعَ القَسَمُ عَلى أنَّهُ في كِتابٍ مَصُونٍ، مَسْتُورٍ عَنِ العُيُونِ عِنْدَ اللَّهِ. لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْطانٌ. ولا يَنالُ مِنهُ. ولا يَمَسُّهُ إلّا الأرْواحُ الطّاهِرَةُ الزَّكِيَّةُ.
فَهَذا المَعْنى ألْيَقُ وأجَلُّ وأخْلَقُ بِالآيَةِ وأوْلى بِلا شَكٍّ.
فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: لَكِنْ تَدُلُّ الآيَةَ بِإشارَتِها عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفُ إلّا طاهِرٌ. لِأنَّهُ إذا كانَتْ تِلْكَ الصُّحُفُ لا يَمَسُّها إلّا المُطَهِّرُونَ، لِكَرامَتِها عَلى اللَّهِ. فَهَذِهِ الصُّحُفُ أوْلى أنْ لا يَمَسَّها إلّا طاهِرٌ.
وَسَمِعَتْهُ يَقُولُ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ» إذا كانَتِ المَلائِكَةُ المَخْلُوقُونَ يَمْنَعُها الكَلْبُ والصُّورَةُ عَنْ دُخُولِ البَيْتِ. فَكَيْفَ تَلِجُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَحَبَّتُهُ وحَلاوَةُ ذِكْرِهِ، والأُنْسُ بِقُرْبِهِ، في قَلْبٍ مُمْتَلِئٍ بِكِلابِ الشَّهَواتِ وصُوَرِها؟ فَهَذا مِن إشارَةِ اللَّفْظِ الصَّحِيحَةِ.
الواقعة 56:78
(فصل)
والمقسم عليه هاهنا قوله ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾
ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعًا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدًا أو تنبيهًا أو احترازًا كقوله تعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾
وهذا أحسن من قول من قال إنه خبر عن الذين آمنوا، ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منها وتعطيل هذه الفائدة الجليلة.
(فصل)
ثم قال ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء أحسنه وأفضله والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه ووصف به عرشه ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن قال الكلبي إنه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل كرمه الله وأعزه لأنه كلامه وقال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم جميل الفعال وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة وبالجملة فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس واللئيم.
(فصل)
ثم قال تعالى ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾
اختلف المفسرون في هذا فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾
ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر
والأول أرجح لوجوه:
أحدها أن الآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ فنفي الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منه وقد يليق بمن
لا يقدر عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾
فوصف محله بهذه الصفات بيانًا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به.
وتقرير هذا المعنى أهم وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر.
الوجه الثاني أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية
الثالث إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول الله وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون اعتبار ما يأتي، فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الإخبار يوضحه
الوجه الرابع وهو قوله في كتاب مكنون والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ وهكذا قال السلف قال الكلبي مكنون من الشياطين وقال مقاتل مستور وقال مجاهد لا يصيبه تراب ولا غبار وقال أبو إسحاق مصون في السماء يوضحه
الوجه الخامس أن وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا فقوله ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ في كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ كقوله ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ يوضحه
الوجه السادس أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وابلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه محدث
الوجه السابع قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بالرفع فهذا خبر لفظًا ومعنى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا.
ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس هاهنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي.
الوجه الثامن أنه قال إلا المطهرون ولم يقل إلا المتطهرون ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾
وفي الحديث
"اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"
فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون
الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونًا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونًا في كتاب لا يستلزم ثبوته فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونًا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان
بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة الوجه العاشر ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك في قوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾
قال المطهرون الملائكة.
وهذا عند طائفة من أهل الحديث في الحكم المرفوع وقال الحاكم تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم وقال حرب في مسائله سمعت إسحاق في قوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة
وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية
وقوله "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر"
رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات
"أن لا يمس القرآن إلا طاهر"
قال أحمد أرجو أن يكون صحيحًا.
وقال أيضا: لا أشك أن رسول الله كتبه وقال أبو عمر بن عبد البر هو كتاب مشهور عند اهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطئه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع.
(فصل)
ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي قال البخاري في صحيحه في هذه الآية لا يجد طعمه إلا من آمن به وهذا أيضًا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم بها حقا وأنزله على رسوله وحيًا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج ومن لم يؤمن بأن الله سبحانه تكلم به وحيًا وليس مخلوقًا من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له باطنًا يخالف ظاهره وإن له تأويلًا يخالف ما يفهم منه ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له تأويلًا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج، ومن جعله تابعا لنحلته ومذهبه وقول من قلده دينه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج ومن لم يحكمه ظاهرًا وباطنًا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه منه حرج
ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم أمره ونهيه وخبره ويرد له كل أمر ونهي وخبر خالفه ففي قلبه منه حرج وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم ولا يجدون من لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم.
وأنت إذا تأملت قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ﴾ وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن فهمت هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق.
(فصل)
وَأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ قَوْله تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) في كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾
وَجَدْتَ الآيَةَ مِن أظْهَرْ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وأنَّ هَذا القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ رُوحٌ مُطَهَّرٌ، فَما لِلْأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ ووَجَدْتَ الآيَةَ أُخْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١]،
وَوَجَدْتَها دالَّةً بِأحْسَنِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلّا طاهِرٌ، ووَجَدْتَها دالَّةً أيْضًا بِألْطَفِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِدُ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِهِ، كَما فَهِمَهُ البُخارِيَّ مِن الآيَةِ فَقالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾
" لا يَمَسُّهُ " لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلّا المُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥]
وَتَجِدُ تَحْتَهُ أيْضًا أنَّهُ لا يَنالُ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُهُ كَما يَنْبَغِي إلّا القُلُوبُ الطّاهِرَةُ، وأنَّ القُلُوبَ النَّجِسَةَ مَمْنُوعَةٌ مِن فَهْمِهِ مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ هَذا النَّسَبَ القَرِيبَ وعَقْدَ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي وبَيْنَ المَعْنى الظّاهِرِ مِن الآيَةِ واسْتِنْباطُ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها مِن الآيَةِ بِأحْسَنِ وجْهٍ وأبْيَنِهِ.
﴿لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾
(فصل)
قالَ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ:
والصَّحِيحُ في الآيَةِ، أنَّ المُرادَ بِهِ: الصُّحُفُ الَّتِي بِأيْدِي المَلائِكَةِ. لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ.
مِنها: أنَّهُ وصَفَهُ بِأنَّهُ مَكْنُونٌ والمَكْنُونُ: المَسْتُورُ عَنِ العُيُونِ. وهَذا إنَّما هو في الصُّحُفِ الَّتِي بِأيْدِي المَلائِكَةِ.
وَمِنها: أنَّهُ قالَ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهُمُ المَلائِكَةُ. ولَوْ أرادَ المُتَوَضِّئِينَ لَقالَ: لا يَمَسُّهُ إلّا المُتَطَهِّرُونَ. كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالمَلائِكَةُ مُطَهَّرُونَ. والمُؤْمِنُونَ مُتَطَهِّرُونَ.
وَمِنها: أنَّ هَذا إخْبارٌ. ولَوْ كانَ نَهْيًا لَقالَ: لا يَمْسَسْهُ بِالجَزْمِ، والأصْلُ في الخَبَرِ: أنْ يَكُونَ خَبَرًا صُورَةً ومَعْنًى.
وَمِنها: أنَّ هَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ الشَّيْطانَ جاءَ بِهَذا القُرْآنِ. فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا تَنالُهُ الشَّياطِينُ. ولا وُصُولَ لَها إلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى في آيَةِ الشُّعَراءِ ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ - وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١١] وإنَّما تَنالُهُ الأرْواحُ المُطَهَّرَةُ. وهُمُ المَلائِكَةُ.
وَمِنها: أنَّ هَذا نَظِيرُ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ عَبَسَ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ - في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ - مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ - بِأيْدِي سَفَرَةٍ - كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢-١٦].
قالَ مالِكٌ في مَوَطَّئِهِ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أنَّها مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ عَبَسَ.
وَمِنها: أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ مِن سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ. تَتَضَمَّنُ تَقْرِيرَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وإثْباتِ الصّانِعِ، والرَّدَّ عَلى الكُفّارِ. وهَذا المَعْنى ألْيَقُ بِالمَقْصُودِ مِن فَرْعٍ عَمَلِيٍّ. وهو حُكْمُ مَسِّ المُحْدِثِ المُصْحَفَ.
وَمِنها: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الكِتابُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ: لَمْ يَكُنْ في الإقْسامِ عَلى ذَلِكَ بِهَذا القَسَمِ العَظِيمِ كَثِيرُ فائِدَةٍ. إذْ مِنَ المَعْلُومِ: أنَّ كُلَّ كَلامٍ فَهو قابِلٌ لِأنَّ يَكُونَ في كِتابٍ حَقًّا أوْ باطِلًا. بِخِلافِ ما إذا وقَعَ القَسَمُ عَلى أنَّهُ في كِتابٍ مَصُونٍ، مَسْتُورٍ عَنِ العُيُونِ عِنْدَ اللَّهِ. لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْطانٌ. ولا يَنالُ مِنهُ. ولا يَمَسُّهُ إلّا الأرْواحُ الطّاهِرَةُ الزَّكِيَّةُ.
فَهَذا المَعْنى ألْيَقُ وأجَلُّ وأخْلَقُ بِالآيَةِ وأوْلى بِلا شَكٍّ.
فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: لَكِنْ تَدُلُّ الآيَةَ بِإشارَتِها عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفُ إلّا طاهِرٌ. لِأنَّهُ إذا كانَتْ تِلْكَ الصُّحُفُ لا يَمَسُّها إلّا المُطَهِّرُونَ، لِكَرامَتِها عَلى اللَّهِ. فَهَذِهِ الصُّحُفُ أوْلى أنْ لا يَمَسَّها إلّا طاهِرٌ.
وَسَمِعَتْهُ يَقُولُ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ» إذا كانَتِ المَلائِكَةُ المَخْلُوقُونَ يَمْنَعُها الكَلْبُ والصُّورَةُ عَنْ دُخُولِ البَيْتِ. فَكَيْفَ تَلِجُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَحَبَّتُهُ وحَلاوَةُ ذِكْرِهِ، والأُنْسُ بِقُرْبِهِ، في قَلْبٍ مُمْتَلِئٍ بِكِلابِ الشَّهَواتِ وصُوَرِها؟ فَهَذا مِن إشارَةِ اللَّفْظِ الصَّحِيحَةِ.
الواقعة 56:79
(فصل)
والمقسم عليه هاهنا قوله ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾
ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعًا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدًا أو تنبيهًا أو احترازًا كقوله تعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾
وهذا أحسن من قول من قال إنه خبر عن الذين آمنوا، ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منها وتعطيل هذه الفائدة الجليلة.
(فصل)
ثم قال ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء أحسنه وأفضله والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه ووصف به عرشه ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن قال الكلبي إنه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل كرمه الله وأعزه لأنه كلامه وقال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم جميل الفعال وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة وبالجملة فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس واللئيم.
(فصل)
ثم قال تعالى ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾
اختلف المفسرون في هذا فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾
ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر
والأول أرجح لوجوه:
أحدها أن الآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ فنفي الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منه وقد يليق بمن
لا يقدر عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾
فوصف محله بهذه الصفات بيانًا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به.
وتقرير هذا المعنى أهم وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر.
الوجه الثاني أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية
الثالث إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول الله وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون اعتبار ما يأتي، فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الإخبار يوضحه
الوجه الرابع وهو قوله في كتاب مكنون والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ وهكذا قال السلف قال الكلبي مكنون من الشياطين وقال مقاتل مستور وقال مجاهد لا يصيبه تراب ولا غبار وقال أبو إسحاق مصون في السماء يوضحه
الوجه الخامس أن وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا فقوله ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ في كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ كقوله ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ يوضحه
الوجه السادس أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وابلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه محدث
الوجه السابع قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بالرفع فهذا خبر لفظًا ومعنى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا.
ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس هاهنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي.
الوجه الثامن أنه قال إلا المطهرون ولم يقل إلا المتطهرون ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾
وفي الحديث
"اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"
فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون
الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونًا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونًا في كتاب لا يستلزم ثبوته فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونًا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان
بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة الوجه العاشر ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك في قوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾
قال المطهرون الملائكة.
وهذا عند طائفة من أهل الحديث في الحكم المرفوع وقال الحاكم تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم وقال حرب في مسائله سمعت إسحاق في قوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة
وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية
وقوله "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر"
رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات
"أن لا يمس القرآن إلا طاهر"
قال أحمد أرجو أن يكون صحيحًا.
وقال أيضا: لا أشك أن رسول الله كتبه وقال أبو عمر بن عبد البر هو كتاب مشهور عند اهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطئه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع.
(فصل)
ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي قال البخاري في صحيحه في هذه الآية لا يجد طعمه إلا من آمن به وهذا أيضًا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم بها حقا وأنزله على رسوله وحيًا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج ومن لم يؤمن بأن الله سبحانه تكلم به وحيًا وليس مخلوقًا من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له باطنًا يخالف ظاهره وإن له تأويلًا يخالف ما يفهم منه ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له تأويلًا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج، ومن جعله تابعا لنحلته ومذهبه وقول من قلده دينه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج ومن لم يحكمه ظاهرًا وباطنًا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه منه حرج
ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم أمره ونهيه وخبره ويرد له كل أمر ونهي وخبر خالفه ففي قلبه منه حرج وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم ولا يجدون من لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم.
وأنت إذا تأملت قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ﴾ وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن فهمت هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق.
(فصل)
وَأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ قَوْله تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) في كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾
وَجَدْتَ الآيَةَ مِن أظْهَرْ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وأنَّ هَذا القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ رُوحٌ مُطَهَّرٌ، فَما لِلْأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ ووَجَدْتَ الآيَةَ أُخْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١]،
وَوَجَدْتَها دالَّةً بِأحْسَنِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلّا طاهِرٌ، ووَجَدْتَها دالَّةً أيْضًا بِألْطَفِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِدُ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِهِ، كَما فَهِمَهُ البُخارِيَّ مِن الآيَةِ فَقالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾
" لا يَمَسُّهُ " لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلّا المُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥]
وَتَجِدُ تَحْتَهُ أيْضًا أنَّهُ لا يَنالُ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُهُ كَما يَنْبَغِي إلّا القُلُوبُ الطّاهِرَةُ، وأنَّ القُلُوبَ النَّجِسَةَ مَمْنُوعَةٌ مِن فَهْمِهِ مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ هَذا النَّسَبَ القَرِيبَ وعَقْدَ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي وبَيْنَ المَعْنى الظّاهِرِ مِن الآيَةِ واسْتِنْباطُ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها مِن الآيَةِ بِأحْسَنِ وجْهٍ وأبْيَنِهِ.
﴿لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾
(فصل)
قالَ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ:
والصَّحِيحُ في الآيَةِ، أنَّ المُرادَ بِهِ: الصُّحُفُ الَّتِي بِأيْدِي المَلائِكَةِ. لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ.
مِنها: أنَّهُ وصَفَهُ بِأنَّهُ مَكْنُونٌ والمَكْنُونُ: المَسْتُورُ عَنِ العُيُونِ. وهَذا إنَّما هو في الصُّحُفِ الَّتِي بِأيْدِي المَلائِكَةِ.
وَمِنها: أنَّهُ قالَ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهُمُ المَلائِكَةُ. ولَوْ أرادَ المُتَوَضِّئِينَ لَقالَ: لا يَمَسُّهُ إلّا المُتَطَهِّرُونَ. كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالمَلائِكَةُ مُطَهَّرُونَ. والمُؤْمِنُونَ مُتَطَهِّرُونَ.
وَمِنها: أنَّ هَذا إخْبارٌ. ولَوْ كانَ نَهْيًا لَقالَ: لا يَمْسَسْهُ بِالجَزْمِ، والأصْلُ في الخَبَرِ: أنْ يَكُونَ خَبَرًا صُورَةً ومَعْنًى.
وَمِنها: أنَّ هَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ الشَّيْطانَ جاءَ بِهَذا القُرْآنِ. فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا تَنالُهُ الشَّياطِينُ. ولا وُصُولَ لَها إلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى في آيَةِ الشُّعَراءِ ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ - وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١١] وإنَّما تَنالُهُ الأرْواحُ المُطَهَّرَةُ. وهُمُ المَلائِكَةُ.
وَمِنها: أنَّ هَذا نَظِيرُ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ عَبَسَ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ - في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ - مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ - بِأيْدِي سَفَرَةٍ - كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢-١٦].
قالَ مالِكٌ في مَوَطَّئِهِ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أنَّها مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ عَبَسَ.
وَمِنها: أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ مِن سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ. تَتَضَمَّنُ تَقْرِيرَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وإثْباتِ الصّانِعِ، والرَّدَّ عَلى الكُفّارِ. وهَذا المَعْنى ألْيَقُ بِالمَقْصُودِ مِن فَرْعٍ عَمَلِيٍّ. وهو حُكْمُ مَسِّ المُحْدِثِ المُصْحَفَ.
وَمِنها: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الكِتابُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ: لَمْ يَكُنْ في الإقْسامِ عَلى ذَلِكَ بِهَذا القَسَمِ العَظِيمِ كَثِيرُ فائِدَةٍ. إذْ مِنَ المَعْلُومِ: أنَّ كُلَّ كَلامٍ فَهو قابِلٌ لِأنَّ يَكُونَ في كِتابٍ حَقًّا أوْ باطِلًا. بِخِلافِ ما إذا وقَعَ القَسَمُ عَلى أنَّهُ في كِتابٍ مَصُونٍ، مَسْتُورٍ عَنِ العُيُونِ عِنْدَ اللَّهِ. لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْطانٌ. ولا يَنالُ مِنهُ. ولا يَمَسُّهُ إلّا الأرْواحُ الطّاهِرَةُ الزَّكِيَّةُ.
فَهَذا المَعْنى ألْيَقُ وأجَلُّ وأخْلَقُ بِالآيَةِ وأوْلى بِلا شَكٍّ.
فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: لَكِنْ تَدُلُّ الآيَةَ بِإشارَتِها عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفُ إلّا طاهِرٌ. لِأنَّهُ إذا كانَتْ تِلْكَ الصُّحُفُ لا يَمَسُّها إلّا المُطَهِّرُونَ، لِكَرامَتِها عَلى اللَّهِ. فَهَذِهِ الصُّحُفُ أوْلى أنْ لا يَمَسَّها إلّا طاهِرٌ.
وَسَمِعَتْهُ يَقُولُ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ» إذا كانَتِ المَلائِكَةُ المَخْلُوقُونَ يَمْنَعُها الكَلْبُ والصُّورَةُ عَنْ دُخُولِ البَيْتِ. فَكَيْفَ تَلِجُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَحَبَّتُهُ وحَلاوَةُ ذِكْرِهِ، والأُنْسُ بِقُرْبِهِ، في قَلْبٍ مُمْتَلِئٍ بِكِلابِ الشَّهَواتِ وصُوَرِها؟ فَهَذا مِن إشارَةِ اللَّفْظِ الصَّحِيحَةِ.
الواقعة 56:80
(فصل)
ثم أكد ذلك وقرره وأطده بقوله ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
وكما أنه لازم لكونه قرآنًا كريمًا في كتاب مكنون فهو ملزوم له فهو دليل عليه مدلول له
وأفاد كونه تنزيلًا من رب العالمين مطلوبين عظيمين من أجل
مطالب الدين.
أحدهما أنه المتكلم وأنه منه نزل ومنه بدأ وهو الذي تكلم به ومن هنا قال السلف منه بدأ ونظيره ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ وقوله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾
والثاني علو الله سبحانه فوق خلقه فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول وتعرفه الفطر هو وصول الشيء من أعلا إلى أسفل والرب تعالى إنما يخاطب عباده بما تعرفه فطرهم وتشهد به عقولهم وذكر التنزيل مضافًا إلى ربوبيته للعالمين المستلزمة تملكه لهم وتصرفه فيهم وحكمه عليهم وإحسانه وإنعامه عليهم وأن من هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى ويدعهم هملًا ويخلقهم عبثا لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم فمن أقر بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به وهذا الاستدلال اقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس وتلك إنما تكون لخواص العقلاء
وقد أشار سبحانه إلى الطريقين في غير موضع من كتابه كقوله ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ فهذا استدلال بالآيات المعاينة المخلوقة ثم قال ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
فهذا استدلال بكمال ربوبيته وكمال أوصافه على صدق رسوله فيما جاء به وهذه الطريق أخص وأقوى وأكمل وأعلى والأول أعم واشمل وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ وأين الاستدلال بأوصاف الرب تعالى وكماله المقدس على ثبوت النبي وبعثه من الاستدلال عليه ببعض مخلوقاته
وتأمل فرق ما بين استدلال سيدة نساء العالمين خديجة رضي الله عنها بصفات الرب تعالى وصفات محمد واستنتاجها من بين هذين الأمرين صحة نبوته وأنه رسول الله حقًا وأن من كانت هذه صفات ربه وخالقه تأبى أن يخزيه وأنه يؤيده ويعليه ويتم نعمته عليه
وأنت إذا تأملت هذه الطريقة وهذا الاستدلال وجدت بينها وبين طريقة المتكلمين من الفرق ما لا يخفى وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات انتفع به في باب معرفة الحق والباطل من
الأقوال والطرائق والمذاهب والعقائد أعظم انتفاع وأتمه وقد بد بينا في كتابنا المعالم بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوبية من أسماء الرب وصفاته وأنه يستحيل على الحكيم أن يحرم الشيء وبتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع التحيلات فأين ذلك الوعد الشديد وجواز التوصل إليه بالطريق البعيد إذ ليست حكمة الرب تعالى وكمال علمه وأسمائه وصفاته تنتقض بإحالة ذلك وامتناعه عليه فهذا استدلال بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات على الفقه العملي في باب الأمر والنهي وهذا باب حرام على الجهمي المعطل أن يلجه إلى الجنة حرام عليه ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة والله العزيز الوهاب لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وبه التوفيق.
الواقعة 56:81
(فصل)
ثم وبخهم سبحانه على وضعهم الادهان في غير موضعه، وأنهم يداهنون بما حقه أن يصدع به ويفرق به ويعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر وتعقد عليه القلوب والأفئدة ويحارب ويسالم لأجله ولا يلتوي عنه لا يمنة ولا يسرة ولا يكون للقلب التفات إلى غيره ولا محاكمة إلا إليه ولا مخاصمة إلا به ولا اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره ولا شفاء إلا به فهو روح الوجود وحياة العالم ومدار السعادة وقائد الفلاح وطريق النجاة وسبيل الرشاد ونور البصائر فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه ولم ينزل للمداهنة وإنما أنزل بالحق وللحق والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته أو في حق ضعيف لا يمكن إقامته فيحتاج المداهن إلى أنه يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يدهن به
ثم قال سبحانه ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾
لما كان قوام كل واحد من البدن والقلب إنما هو بالرزق فرزق البدن الطعام والشراب ورزق القلب الإيمان والمعرفة بربه وفاطره ومحبته والشوق إليه والإنس بقربه والابتهاج بذكره وكان لا حياة له إلا بذلك كما أن البدن لا حياة له إلا بالطعام والشراب أنعم سبحانه على عبادة بهذين النوعين من الرزق وجعل قيام أبدانهم وقلوبهم بهما ثم فاوت سبحانه بينهم في قسمة هذين الرزقين بحسب ما اقتضاه علمه وحكمته فمنهم من وفر حظه من الرزقين ووسع عليه فيهما ومنهم من قتر عليه في الرزقين ومنهم من وسع عليه رزق البدن وقتر عليه رزق القلب وبالعكس وهذا الرزق إنما يتم ويكمل بالشكر والشكر مادة زيادته وسبب حفظه وبقائه وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد فإن الله تعالى تأذن أنه لا بد أن يزيد الشكور من نعمه ولا بد أن يسلبها من لم يشكرها فلما وضعوا الكفر والتكذيب موضع
الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيبًا فإن التصديق والشكر لما كانا سبب زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة فهؤلاء جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب والكفر فجعلوا رزقهم التكذيب وهذا المعنى هو الذي حام حوله من قال التقدير وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وقال آخرون التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون فحذف مضافين معًا وهؤلاء أطالوا اللفظ وقصروا بالمعنى ومن بعض معنى الآية قوله مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا يصح أن تدل عليه الآية ويراد بها وإلا فمعناها أوسع منه وأعم وأعلى والله أعلم.
(فائدة)
قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أي تجعلونه حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به.
قال الحسن: "تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون.
قال: وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به".
الواقعة 56:82
(فصل)
ثم وبخهم سبحانه على وضعهم الادهان في غير موضعه، وأنهم يداهنون بما حقه أن يصدع به ويفرق به ويعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر وتعقد عليه القلوب والأفئدة ويحارب ويسالم لأجله ولا يلتوي عنه لا يمنة ولا يسرة ولا يكون للقلب التفات إلى غيره ولا محاكمة إلا إليه ولا مخاصمة إلا به ولا اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره ولا شفاء إلا به فهو روح الوجود وحياة العالم ومدار السعادة وقائد الفلاح وطريق النجاة وسبيل الرشاد ونور البصائر فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه ولم ينزل للمداهنة وإنما أنزل بالحق وللحق والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته أو في حق ضعيف لا يمكن إقامته فيحتاج المداهن إلى أنه يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يدهن به
ثم قال سبحانه ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾
لما كان قوام كل واحد من البدن والقلب إنما هو بالرزق فرزق البدن الطعام والشراب ورزق القلب الإيمان والمعرفة بربه وفاطره ومحبته والشوق إليه والإنس بقربه والابتهاج بذكره وكان لا حياة له إلا بذلك كما أن البدن لا حياة له إلا بالطعام والشراب أنعم سبحانه على عبادة بهذين النوعين من الرزق وجعل قيام أبدانهم وقلوبهم بهما ثم فاوت سبحانه بينهم في قسمة هذين الرزقين بحسب ما اقتضاه علمه وحكمته فمنهم من وفر حظه من الرزقين ووسع عليه فيهما ومنهم من قتر عليه في الرزقين ومنهم من وسع عليه رزق البدن وقتر عليه رزق القلب وبالعكس وهذا الرزق إنما يتم ويكمل بالشكر والشكر مادة زيادته وسبب حفظه وبقائه وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد فإن الله تعالى تأذن أنه لا بد أن يزيد الشكور من نعمه ولا بد أن يسلبها من لم يشكرها فلما وضعوا الكفر والتكذيب موضع
الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيبًا فإن التصديق والشكر لما كانا سبب زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة فهؤلاء جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب والكفر فجعلوا رزقهم التكذيب وهذا المعنى هو الذي حام حوله من قال التقدير وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وقال آخرون التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون فحذف مضافين معًا وهؤلاء أطالوا اللفظ وقصروا بالمعنى ومن بعض معنى الآية قوله مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا يصح أن تدل عليه الآية ويراد بها وإلا فمعناها أوسع منه وأعم وأعلى والله أعلم.
(فائدة)
قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أي تجعلونه حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به.
قال الحسن: "تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون.
قال: وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به".
الواقعة 56:83
(فائدة)
ذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية، إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام.
(فصل)
ثم ختم السورة بأحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في القيامة الكبرى وقسمهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنهم مربوبون مدبرون مملوكون فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ أي وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت والحياة كما أنها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الإنس ولكنهم لا يبصرون بهم فلولا تردونها إلى مكانها من البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب
فإن قيل أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما؟
قيل هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك فإن أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ندًا ولا شريكًا وهذا هو الذي جاءهم به رسوله ونزل عليه به كتابه وإن أنكروا ذلك وقالوا إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وأن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منه ذلك بخلاف المحكوم عليه المتصرف فيه غير المدبر له سواء الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنه ولا مدفع له ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان انتفع به غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ولله ما أحسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب
البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في معرفة الروح وأنها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ثانيًا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانه اقتضاء واحدًا وذكر الشرطين مع الفصل بينهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى والثانية والشرط الأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه
فتضمنت الآيتان تقريرًا وتوبيخًا واستدلالًا على أصول الإيمان من وجود الخالق سبحانه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته وتصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة ويجمع بينها وبينهما تارة وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما اخبر به عنه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين منتظمة أحسن الانتظام ومتداخلة أحسن التداخل متعلقًا بعضها ببعض.
وهذا كلام لا يقدر البشر على مثل نظمه ومعناه.
قال الفراء وأجيبت ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ و ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ بجواب واحد وهو ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
قال ومثله قوله تعالى ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني قوله ترجعونها جواب قوله فلولا المتقدمة والمتأخرة على تأويل فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون يقول تعالى إن كان الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله إلا هو وقال أبو اسحق معناه فهلا ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين فهلا إن كان الأمر كما تزعمون في كما يقول قائلكم ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ و ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلًا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت؟
قلت: وكأن هذا يلتفت إلى قوله تعالى ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم﴾
أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقًا جديدا فكونوا خلقا لا يفنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ذلك ووجه الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربًا متصرفًا فيكم ومالكًا لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقًا جديدًا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون لكم رب قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقًا لا يقبل الفناء والموت فإذا لم تستطيعوا إن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من جعلكم خلقًا يموت ويحيا أن يحييكم بعد ما أماتكم فهذا استدلال يعجزهم عن كونهم خلقًا لا يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح إلى مكانها إذا قاربت الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو الكفر والعناد.
الواقعة 56:84
(فائدة)
ذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية، إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام.
(فصل)
ثم ختم السورة بأحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في القيامة الكبرى وقسمهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنهم مربوبون مدبرون مملوكون فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ أي وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت والحياة كما أنها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الإنس ولكنهم لا يبصرون بهم فلولا تردونها إلى مكانها من البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب
فإن قيل أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما؟
قيل هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك فإن أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ندًا ولا شريكًا وهذا هو الذي جاءهم به رسوله ونزل عليه به كتابه وإن أنكروا ذلك وقالوا إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وأن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منه ذلك بخلاف المحكوم عليه المتصرف فيه غير المدبر له سواء الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنه ولا مدفع له ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان انتفع به غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ولله ما أحسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب
البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في معرفة الروح وأنها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ثانيًا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانه اقتضاء واحدًا وذكر الشرطين مع الفصل بينهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى والثانية والشرط الأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه
فتضمنت الآيتان تقريرًا وتوبيخًا واستدلالًا على أصول الإيمان من وجود الخالق سبحانه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته وتصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة ويجمع بينها وبينهما تارة وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما اخبر به عنه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين منتظمة أحسن الانتظام ومتداخلة أحسن التداخل متعلقًا بعضها ببعض.
وهذا كلام لا يقدر البشر على مثل نظمه ومعناه.
قال الفراء وأجيبت ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ و ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ بجواب واحد وهو ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
قال ومثله قوله تعالى ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني قوله ترجعونها جواب قوله فلولا المتقدمة والمتأخرة على تأويل فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون يقول تعالى إن كان الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله إلا هو وقال أبو اسحق معناه فهلا ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين فهلا إن كان الأمر كما تزعمون في كما يقول قائلكم ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ و ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلًا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت؟
قلت: وكأن هذا يلتفت إلى قوله تعالى ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم﴾
أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقًا جديدا فكونوا خلقا لا يفنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ذلك ووجه الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربًا متصرفًا فيكم ومالكًا لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقًا جديدًا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون لكم رب قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقًا لا يقبل الفناء والموت فإذا لم تستطيعوا إن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من جعلكم خلقًا يموت ويحيا أن يحييكم بعد ما أماتكم فهذا استدلال يعجزهم عن كونهم خلقًا لا يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح إلى مكانها إذا قاربت الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو الكفر والعناد.
الواقعة 56:85
(فائدة)
ذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية، إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام.
(فصل)
ثم ختم السورة بأحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في القيامة الكبرى وقسمهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنهم مربوبون مدبرون مملوكون فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ أي وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت والحياة كما أنها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الإنس ولكنهم لا يبصرون بهم فلولا تردونها إلى مكانها من البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب
فإن قيل أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما؟
قيل هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك فإن أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ندًا ولا شريكًا وهذا هو الذي جاءهم به رسوله ونزل عليه به كتابه وإن أنكروا ذلك وقالوا إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وأن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منه ذلك بخلاف المحكوم عليه المتصرف فيه غير المدبر له سواء الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنه ولا مدفع له ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان انتفع به غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ولله ما أحسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب
البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في معرفة الروح وأنها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ثانيًا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانه اقتضاء واحدًا وذكر الشرطين مع الفصل بينهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى والثانية والشرط الأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه
فتضمنت الآيتان تقريرًا وتوبيخًا واستدلالًا على أصول الإيمان من وجود الخالق سبحانه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته وتصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة ويجمع بينها وبينهما تارة وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما اخبر به عنه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين منتظمة أحسن الانتظام ومتداخلة أحسن التداخل متعلقًا بعضها ببعض.
وهذا كلام لا يقدر البشر على مثل نظمه ومعناه.
قال الفراء وأجيبت ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ و ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ بجواب واحد وهو ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
قال ومثله قوله تعالى ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني قوله ترجعونها جواب قوله فلولا المتقدمة والمتأخرة على تأويل فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون يقول تعالى إن كان الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله إلا هو وقال أبو اسحق معناه فهلا ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين فهلا إن كان الأمر كما تزعمون في كما يقول قائلكم ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ و ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلًا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت؟
قلت: وكأن هذا يلتفت إلى قوله تعالى ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم﴾
أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقًا جديدا فكونوا خلقا لا يفنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ذلك ووجه الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربًا متصرفًا فيكم ومالكًا لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقًا جديدًا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون لكم رب قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقًا لا يقبل الفناء والموت فإذا لم تستطيعوا إن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من جعلكم خلقًا يموت ويحيا أن يحييكم بعد ما أماتكم فهذا استدلال يعجزهم عن كونهم خلقًا لا يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح إلى مكانها إذا قاربت الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو الكفر والعناد.
الواقعة 56:86
أيْ هَلّا تَرُدُّونَ الرُّوحَ إلى مَكانِها إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ ولا مَجْزِيِّينَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ، فَإنَّها سِيقَتْ لِلِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ والحِسابَ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ مُسْتَلْزِمًا لِمَدْلُولِهِ، بِحَيْثُ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنهُ إلى المَدْلُولِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ، فَيَكُونُ المَلْزُومُ دَلِيلًا عَلى لازِمِهِ، ولا يَجِبُ العَكْسُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّهم إذا أنْكَرُوا البَعْثَ والجَزاءَ فَقَدْ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وأنْكَرُوا قُدْرَتَهُ ورُبُوبِيَّتَهُ وحِكْمَتَهُ، فَإمّا أنْ يُقِرُّوا بِأنَّ لَهم رَبًّا قاهِرًا مُتَصَرِّفًا فِيهِمْ، كَما سَيُمِيتُهم إذا شاءَ ويُحْيِيهِمْ إذا شاءَ، ويَأْمُرُهم ويَنْهاهُمْ، ويُثِيبُ مُحْسِنَهم ويُعاقِبُ مُسِيئَهُمْ، وإمّا أنْ لا يُقِرُّوا بِرَبٍّ هَذا شَأْنُهُ، فَإنْ أقَرُّوا بِهِ آمَنُوا بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، والدِّينِ الأمْرِيِّ والجَزائِيِّ، وإنْ أنْكَرُوهُ كَفَرُوا بِهِ، فَقَدْ زَعَمُوا أنَّهم غَيْرُ مَرْبُوبِينَ ولا مَحْكُومٍ عَلَيْهِمْ، ولا لَهم رَبٌّ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما أرادَ، فَهَلّا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ المَوْتِ عَنْهم إذا جاءَهُمْ، وعَلى رَدِّ الرُّوحِ إلى مُسْتَقَرِّها إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، وهَذا خِطابٌ لِلْحاضِرِينَ وهم عِنْدَ المُحْتَضِرِ، وهم يُعايِنُونَ مَوْتَهُ، أيْ: فَهَلّا تَرُدُّونَ الرُّوحَ إلى مَكانِها إنْ كانَ لَكم قُدْرَةٌ وتَصَرُّفٌ، ولَسْتُمْ بِمَرْبُوبِينَ ولا بِمَقْهُورِينَ لِقاهِرٍ قادِرٍ، تَمْضِي عَلَيْكم أحْكامُهُ، وتَنْفُذُ أوامِرُهُ، وهَذِهِ غايَةُ التَّعْجِيزِ لَهُمْ، إذْ بَيَّنَ عَجْزَهم عَنْ رَدِّ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى مَكانِها، ولَوِ اجْتَمَعَ عَلى ذَلِكَ الثَّقَلانِ، فَيا لَها مِن آيَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدانِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وتَصَرُّفِهِ في عِبادِهِ، ونُفُوذِ أحْكامِهِ فِيهِمْ، وجَرَيانِها عَلَيْهِمْ.
الواقعة 56:87
أيْ هَلّا تَرُدُّونَ الرُّوحَ إلى مَكانِها إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ ولا مَجْزِيِّينَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ، فَإنَّها سِيقَتْ لِلِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ والحِسابَ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ مُسْتَلْزِمًا لِمَدْلُولِهِ، بِحَيْثُ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنهُ إلى المَدْلُولِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ، فَيَكُونُ المَلْزُومُ دَلِيلًا عَلى لازِمِهِ، ولا يَجِبُ العَكْسُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّهم إذا أنْكَرُوا البَعْثَ والجَزاءَ فَقَدْ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وأنْكَرُوا قُدْرَتَهُ ورُبُوبِيَّتَهُ وحِكْمَتَهُ، فَإمّا أنْ يُقِرُّوا بِأنَّ لَهم رَبًّا قاهِرًا مُتَصَرِّفًا فِيهِمْ، كَما سَيُمِيتُهم إذا شاءَ ويُحْيِيهِمْ إذا شاءَ، ويَأْمُرُهم ويَنْهاهُمْ، ويُثِيبُ مُحْسِنَهم ويُعاقِبُ مُسِيئَهُمْ، وإمّا أنْ لا يُقِرُّوا بِرَبٍّ هَذا شَأْنُهُ، فَإنْ أقَرُّوا بِهِ آمَنُوا بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، والدِّينِ الأمْرِيِّ والجَزائِيِّ، وإنْ أنْكَرُوهُ كَفَرُوا بِهِ، فَقَدْ زَعَمُوا أنَّهم غَيْرُ مَرْبُوبِينَ ولا مَحْكُومٍ عَلَيْهِمْ، ولا لَهم رَبٌّ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما أرادَ، فَهَلّا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ المَوْتِ عَنْهم إذا جاءَهُمْ، وعَلى رَدِّ الرُّوحِ إلى مُسْتَقَرِّها إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، وهَذا خِطابٌ لِلْحاضِرِينَ وهم عِنْدَ المُحْتَضِرِ، وهم يُعايِنُونَ مَوْتَهُ، أيْ: فَهَلّا تَرُدُّونَ الرُّوحَ إلى مَكانِها إنْ كانَ لَكم قُدْرَةٌ وتَصَرُّفٌ، ولَسْتُمْ بِمَرْبُوبِينَ ولا بِمَقْهُورِينَ لِقاهِرٍ قادِرٍ، تَمْضِي عَلَيْكم أحْكامُهُ، وتَنْفُذُ أوامِرُهُ، وهَذِهِ غايَةُ التَّعْجِيزِ لَهُمْ، إذْ بَيَّنَ عَجْزَهم عَنْ رَدِّ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى مَكانِها، ولَوِ اجْتَمَعَ عَلى ذَلِكَ الثَّقَلانِ، فَيا لَها مِن آيَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدانِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وتَصَرُّفِهِ في عِبادِهِ، ونُفُوذِ أحْكامِهِ فِيهِمْ، وجَرَيانِها عَلَيْهِمْ.
الواقعة 56:88
(فصل)
فلما قام الدليل ووضح السبيل وتم البرهان على أنهم مملوكون مربوبون مجزيون محاسبون ذكر طبقاتهم عند الحشر الأول والقيامة الصغرى وهي ثلاث طبقات طبقة المقربين، وطبقة أصحاب اليمين، وطبقة المكذبين فجعل تحية المقربين عند الوفاة الروح والريحان والجنة.
وهذه الكرامات الثلاثة التي يعطونها بعد الموت نظير الثلاث التي يعطونها يوم القيامة فالروح الفرح والسرور والإبتهاج ولذة الروح فهي كلمة جامعة لنعيم الروح ولذتها وذلك قوتها وغذاؤها والريحان الرزق وهو الأكل والشرب والجنة المسكن الجامع لذلك كله فيعطون هذه الثلاث في البرزخ وفي المعاد الثاني
ثم ذكر الطبقة الثانية وهي طبقة أصحاب اليمين ولما كانوا دون المقربين في المرتبة جعل تحيتهم عند القدوم عليه السلامة من الآفات والشرور التي تحصل للمكذبين الضالين فقال ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾
والسلام مصدر من سلم أي فلك السلامة والخطاب له نفسه. أي يقال لك السلامة، كما يقال للقادم لك الهناء ولك السلامة ولك البشرى ونحو ذلك من الألفاظ.
كما يقولون خير مقدم ونحو ذلك، فهذه تحية عند اللقاء.
قال مقاتل يسلم الله لهم أمرهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويتقبل حسناتهم.
وقال الكلبي يسلم عليه أهل الجنة ويقولون السلامة لك.
وعلى هذا فقوله ﴿مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ أي هذه التحية حاصلة لك من إخوانك أصحاب اليمين، فإنه إذا قدم عليهم حيوه بهذه التحية وقالوا السلامة لك.
وفي الآية أقوال أخر فيها تكلف وتعسف، فلا حاجة إلى ذكرها.
ثم ذكر الطبقة الثالثة وهي طبقة الضال في نفسه المكذب لأهل الحق وإن له عند الموافاة نزل الحميم وسكنى الجحيم ثم أكد هذا الجزاء بما جعله كأنه رأى العين لمن آمن بالله ورسوله فقال ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ فرفع شأنه عن درجة الظن والعلم إلى اليقين وعن درجة اليقين إلى حقه
ثم أمره أن ينزه اسمه تبارك وتعالى عما لا يليق به وتنزيه الاسم متضمن لتنزيه المسمى عما يقوله الكاذبون والجاحدون.
(فَصْلٌ)
المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ: حَياةُ الأرْواحِ بَعْدَ مُفارَقَتِها الأبْدانَ وخَلاصِها مِن هَذا السِّجْنِ وضِيقِهِ، فَإنَّ مِن ورائِهِ فَضاءً ورَوْحًا ورَيْحانًا وراحَةً، نِسْبَةُ هَذِهِ الدّارِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ بَطْنِ الأُمِّ إلى هَذِهِ الدّارِ، أوْ أدْنى مِن ذَلِكَ.
قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لِتَكُنْ مُبادَرَتُكَ إلى الخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيا كَمُبادَرَتِكَ إلى الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ الضَّيِّقِ إلى أحِبَّتِكَ، والِاجْتِماعِ بِهِمْ في البَساتِينِ المُونِقَةِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الحَياةِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨].
وَيَكْفِي في طِيبِ هَذِهِ الحَياةِ: مُرافَقَةُ الرَّفِيقِ الأعْلى، ومُفارَقَةُ الرَّفِيقِ المُؤْذِي المُنَكِّدِ، الَّذِي تُنَغِّصُ رُؤْيَتُهُ ومُشاهَدَتُهُ الحَياةَ، فَضْلًا عَنْ مُخالَطَتِهِ وعِشْرَتِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، في جِوارِ الرَّبِّ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
؎قَدْ قُلْتُ إذْ مَدَحُوا الحَياةَ فَأسْرَفُوا ∗∗∗ في المَوْتِ ألْفُ فَضِيلَةٍ لا تُعْرَفُ
؎مِنها أمانُ لِقائِهِ بِلِقائِهِ ∗∗∗ وفِراقُ كُلِّ مُعاشِرٍ لا يُنْصِفُ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ في المَوْتِ مِنَ الخَيْرِ إلّا أنَّهُ بابُ الدُّخُولِ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وجِسْرٌ يُعْبَرُ مِنهُ إلَيْها: لَكَفى بِهِ تُحْفَةً لِلْمُؤْمِنِ.
؎جَزى اللَّهُ عَنّا المَوْتَ خَيْرًا فَإنَّهُ ∗∗∗ أبَرُّ بِنا مِن كُلِّ بِرٍّ وألْطَفُ
؎يُعَجِّلُ تَخْلِيصَ النُّفُوسِ مِنَ الأذى ∗∗∗ ويُدْنِي إلى الدّارِ الَّتِي هي أشْرَفُ
فالِاجْتِهادُ في هَذا العُمْرِ القَصِيرِ، والمُدَّةِ القَلِيلَةِ، والسَّعْيِ والكَدْحِ، وتَحَمُّلِ الأثْقالِ، والتَّعَبِ والمَشَقَّةِ إنَّما هو لِهَذِهِ الحَياةِ، والعُلُومُ والأعْمالُ وسِيلَةٌ إلَيْها، وهي يَقَظَةٌ، وما قَبْلَها مِنَ الحَياةِ نَوْمٌ، وهي عَيْنٌ، وما قَبْلَها أثَرٌ، وهي حَياةٌ جامِعَةٌ بَيْنَ فَقْدِ المَكْرُوهِ، وحُصُولِ المَحْبُوبِ في مَقامِ الأُنْسِ، وحَضْرَةِ القُدْسِ، حَيْثُ لا يَتَعَذَّرُ مَطْلُوبٌ، ولا يُفْقَدُ مَحْبُوبٌ؛ حَيْثُ الطُّمَأْنِينَةُ والرّاحَةُ، والبَهْجَةُ والسُّرُورُ، حَيْثُ لا عِبارَةَ لِلْعَبْدِ عَنْ حَقِيقَةِ كُنْهِها؛ لِأنَّها في بَلَدٍ لا عَهْدَ لَنا بِهِ، ولا إلْفَ بَيْنَنا وبَيْنَ ساكِنِهِ، فالنَّفْسُ لِإلْفِها لِهَذا السِّجْنِ الضَّيِّقِ النَّكِدِ زَمانًا طَوِيلًا تَكْرَهُ الِانْتِقالَ مِنهُ إلى ذَلِكَ البَلَدِ، وتَسْتَوْحِشُ إذا اسْتَشْعَرَتْ مُفارَقَتَهُ.
وَحُصُولُ العِلْمِ بِهَذِهِ الحَياةِ إنَّما وصَلَ إلَيْنا بِخَبَرٍ إلَهِيٍّ عَلى يَدِ أكْمَلِ الخَلْقِ وأعْلَمِهِمْ وأنْصَحِهِمْ ﷺ، فَقامَتْ شَواهِدُها في قُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ، حَتّى صارَتْ لَهم بِمَنزِلَةِ العِيانِ، فَفَرَّتْ نُفُوسُهم مِن هَذا الظِّلِّ الزّائِلِ، والخَيالِ المُضْمَحِلِّ، والعَيْشِ الفانِي المَشُوبِ بِالتَّنْغِيصِ وأنْواعِ الغَصَصِ، رَغْبَةً عَنْ هَذِهِ الحَياةِ، وشَوْقًا إلى ذَلِكَ المَلَكُوتِ، ووَجْدًا بِهَذا السُّرُورِ، وطَرَبًا عَلى هَذا الحَدِّ، واشْتِياقًا لِهَذا النَّسِيمِ الوارِدِ مِن مَحَلِّ النَّعِيمِ المُقِيمِ.
وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ مَن سافَرَ إلى بَلَدِ العَدْلِ والخِصْبِ والأمْنِ والسُّرُورِ صَبَرَ في طَرِيقِهِ عَلى كُلِّ مَشَقَّةٍ وإعْوازٍ وجَدْبٍ، وفارَقَ المُتَخَلِّفِينَ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِمْ، وأجابَ المُنادِي إذا نادى بِهِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، وبَذَلَ نَفْسَهُ في الوُصُولِ بَذْلَ المُحِبِّ بِالرِّضا والسَّماحِ، وواصَلَ السَّيْرَ بِالغُدُوِّ والرَّواحِ، فَحَمِدَ عِنْدَ الوُصُولِ مَسْراهُ، وإنَّما يَحْمَدُ المُسافِرُ السُّرى عِنْدَ الصَّباحِ.
؎عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى ∗∗∗ وفي المَماتِ يَحْمَدُ القَوْمُ اللِّقا
وَما هَذا واللَّهِ بِالصَّعْبِ ولا بِالشَّدِيدِ، مَعَ هَذا العُمْرِ القَصِيرِ، الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الدّارِ كَساعَةٍ مِن نَهارٍ ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ - قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢-١١٤]
فَلَوْ أنَّ أحَدَنا يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ يَتَّقِي بِهِ الشَّوْكَ والحِجارَةَ إلى هَذِهِ الحَياةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَثِيرًا ولا غَبْنًا في جَنْبِ ما يُوَقّاهُ.
فَواحَسْرَتاهُ عَلى بَصِيرَةٍ شاهَدَتْ هاتَيْنِ الحَياتَيْنِ عَلى ما هُما عَلَيْهِ، وعَلى هِمَّةٍ تُؤْثِرُ الأدْنى عَلى الأعْلى، وما ذاكَ إلّا بِتَوْفِيقِ مَن أزِمَّةُ الأُمُورِ بِيَدَيْهِ، ومِنهُ ابْتِداءُ كُلِّ شَيْءٍ وانْتِهاؤُهُ إلَيْهِ، أقْعَدَ نُفُوسَ مَن غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقاوَةُ عَنِ السَّفَرِ إلى هَذِهِ الدّارِ، وجَذَبَ قُلُوبَ مَن سَبَقَتْ لَهم مِنهُ الحُسْنى، وأقامَهم في الطَّرِيقِ، وسَهَّلَ عَلَيْهِمْ رُكُوبَ الأخْطارِ، فَأضاعَ أُولَئِكَ مَراحِلَ أعْمارِهِمْ مَعَ المُتَخَلِّفِينَ وقَطَعَ هَؤُلاءِ مَراحِلَ أعْمارِهِمْ مَعَ السّائِرِينَ، وعُقِدَتِ الغَبَرَةُ وثارَ العَجاجُ، فَتَوارى عَنْهُ السّائِرُونَ والمُتَخَلِّفُونَ.
وَسَيَنْجَلِي عَنْ قَرِيبٍ، فَيَفُوزُ العامِلُونَ، ويَخْسِرُ المُبْطِلُونَ.
وَمِن طِيبِ هَذِهِ الحَياةِ ولَذَّتِها: قالَ النَّبِيُّ ﷺ «ما مِن نَفْسٍ تَمُوتُ لَها عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّها أنْ تَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، وأنَّ لَها الدُّنْيا وما فِيها، إلّا الشَّهِيدُ، فَإنَّهُ يَتَمَنّى الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، لِما يَرى مِن كَرامَةِ اللَّهِ لَهُ» يَعْنِي لِيُقْتَلَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرى.
وَسَمِعَ بَعْضُ العارِفِينَ مُنْشِدًا يُنْشِدُ:
؎إنَّما العَيْشُ في بَهِيمِيَّةِ اللَّ ∗∗∗ ذَةِ وهو ما يَقُولُهُ الفَلْسَفِيُّ
؎حُكْمُ كَأْسِ المَنُونِ أنْ يَتَساوى ∗∗∗ في حِساها البَلِيدُ والألْمَعِيُّ
؎وَيَصِيرُ الغَبِيُّ تَحْتَ ثَرى الأرْ ∗∗∗ ضِ كَما صارَ تَحْتَها اللَّوْذَعِيُّ
؎فَسَلِ الأرْضَ عَنْهُما إنْ أزالَ الشَّ ∗∗∗ كَّ والشُّبْهَةَ السُّؤالُ الجَلِيُّ
فَقالَ: قاتَلَهُ اللَّهُ، ما أشَدَّ مُعانَدَتَهُ لِلدِّينِ والعَقْلِ! هَذا نَفْسُ عَدُوِّ الفِطْرَةِ والشَّرِيعَةِ والعَقْلِ والإيمانِ والحِكْمَةِ، يا مِسْكِينُ أمِن أجْلِ أنَّ المَوْتَ تَساوى فِيهِ الصّالِحُ والطّالِحُ، والعالِمُ والجاهِلُ، وصارُوا جَمِيعًا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، أيَجِبُ أنْ يَتَساوَوْا في العاقِبَةِ؟ أما تَساوى قَوْمٌ سافَرُوا مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ في الطَّرِيقِ؟ فَلَمّا بَلَغُوا القَصْدَ نَزَلَ كُلُّ واحِدٍ في مَكانٍ كانَ مُعَدًّا لَهُ، وتُلُقِّي بِغَيْرِ ما تُلُقِّيَ بِهِ رَفِيقُهُ في الطَّرِيقِ؟ أما لِكُلِّ قَوْمٍ دارٌ فَأُجْلِسَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم حَيْثُ يَلِيقُ بِهِ؟ وقُوبِلَ هَذا بِشَيْءٍ، وهَذا بِضِدِّهِ؟ أما قَدِمَ عَلى المَلِكِ مَن جاءَهُ بِما يُحِبُّهُ فَأكْرَمَهُ عَلَيْهِ، ومَن جاءَهُ بِما يُسْخِطُهُ فَعاقَبَهُ عَلَيْهِ؟ أما قَدِمَ رَكْبُ المَدِينَةِ فَنَزَلَ بَعْضُهم في قُصُورِها وبَساتِينِها وأماكِنِها الفاضِلَةِ، ونَزَلَ قَوْمٌ عَلى قَوارِعِ الطَّرِيقِ بَيْنَ الكِلابِ؟ أما قَدِمَ اثْنانِ مِن بَطْنِ الأُمِّ الواحِدَةِ، فَصارَ هَذا إلى المُلْكِ، وهَذا إلى الأسْرِ والعَناءِ؟
وَقَوْلُكَ " سَلِ الأرْضَ عَنْهُما " أما إنّا قَدْ سَألْناها، فَأخْبَرَتْنا أنَّها قَدْ ضَمَّتْ أجْسادَهم وجُثَثَهم وأوْصالَهُمْ، لا كُفْرَهم وإيمانَهُمْ، ولا أنْسابَهم وأحْسابَهُمْ، ولا حِلْمَهم وسَفَهَهُمْ، ولا طاعَتَهم ومَعْصِيَتَهُمْ، ولا يَقِينَهم وشَكَّهُمْ، ولا تَوْحِيدَهم وشِرْكَهُمْ، ولا جَوْرَهم وعَدْلَهُمْ، ولا عِلْمَهم وجَهْلَهُمْ، فَأخْبَرَتْنا عَنْ هَذِهِ الجُثَثِ البالِيَةِ والأبْدانِ المُتَلاشِيَةِ، والأوْصالِ المُتَمَزِّقَةِ، وقالَتْ هَذا خَبْرُ ما عِنْدِي.
وَأمّا خَبْرُ تِلْكَ الأرْواحِ وما صارَتْ إلَيْهِ، فَسَلُوا عَنْها كُتُبَ رَبِّ العالَمِينَ، ورُسُلَهُ الصّادِقِينَ، وخُلَفاءَهُمُ الوارِثِينَ، سَلُوا القُرْآنَ فَعِنْدَهُ الخَبَرُ اليَقِينُ، وسَلُوا مَن جاءَ بِهِ فَهو بِذَلِكَ أعْرَفُ العارِفِينَ، وسَلُوا العِلْمَ والإيمانَ فَهُما الشّاهِدانِ المَقْبُولانِ، وسَلُوا العُقُولَ والفِطَرَ فَعِنْدَها حَقِيقَةُ الخَبَرِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]
تَعالى اللَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ عَنْ هَذا الظَّنِّ والحُسْبانِ، الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِأجْهَلِ الجاهِلِينَ.
ثُمَّ قالَ: النّاظِرُ في هَذا البابِ رَجُلانِ، رَجُلٌ يَنْظُرُ إلى الأشْياءِ، ورَجُلٌ يَنْظُرُ في الأشْياءِ، فالأوَّلُ: يَحارُ فِيها، فَإنَّ صُوَرَها وأشْكالَها وتَخاطِيطَها تَسْتَفْرِغُ ذِهْنَهُ وحِسَّهُ، وتُبَدِّدُ فِكْرَهُ وقَلْبَهُ، فَنَظَرُهُ إلَيْها بِعَيْنِ حِسِّهِ، لا يُفِيدُهُ مِنها ثَمَرَةَ الِاعْتِبارِ، ولا زُبْدَةَ الِاخْتِبارِ؛ لِأنَّهُ لَمّا فَقَدَ الِاعْتِبارَ أوَّلًا، فَإنَّهُ فَقَدَ الِاخْتِيارَ ثانِيًا.
وَأمّا النّاظِرُ في الأشْياءِ: فَإنَّ نَظَرَهُ يَبْعَثُهُ عَلى العُبُورِ مِن صُوَرِها إلى حَقائِقِها والمُرادِ بِها، وما اقْتَضى وُجُودُها مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ والعِلْمِ التّامِّ، فَيُفِيدُهُ هَذا النَّظَرُ تَمْيِيزَ مَراتِبِها، ومَعْرِفَةَ نافِعِها مِن ضارِّها، وصَحِيحِها مِن سَقِيمِها، وباقِيها مِن فانِيها، وقِشْرِها مِن لُبِّها، ويُمَيِّزُ بَيْنَ الوَسِيلَةِ والغايَةِ، وبَيْنَ وسِيلَةِ الشَّيْءِ ووَسِيلَةِ ضِدِّهِ، فَيَعْرِفُ حِينَئِذٍ أنَّ الدُّنْيا قِشْرُهُ والآخِرَةَ لُبُّهُ، وأنَّ الدُّنْيا مَحَلُّ الزَّرْعِ، والآخِرَةَ وقْتُ الحَصادِ، وأنَّ الدُّنْيا مَعْبَرٌ ومَمَرٌّ، والآخِرَةَ دارُ مُسْتَقَرٍّ.
وَإذا عَرَفَ أنَّ الدُّنْيا طَرِيقٌ ومَمَرٌّ كانَ حَرِيًّا بِتَهْيِئَةِ الزّادِ لِقَرارِهِ، ويَعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّهُ لَمْ يَنْشَأْ في هَذِهِ الدّارِ لِلِاسْتِيطانِ والخُلُودِ، ولَكِنْ لِلْجَوازِ إلى مَكانٍ آخَرَ، هو المَنزِلُ والمُتَبَوَّأُ، وأنَّ الإنْسانَ دُعِيَ إلى ذَلِكَ بِكُلِّ شَرِيعَةٍ، وعَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيٍّ، وبِكُلِّ إشارَةٍ ودَلِيلٍ، ونُصِبَ لَهُ عَلى ذَلِكَ عِلْمٌ، وضُرِبَ لِأجَلِهِ كُلُّ مَثَلٍ، ونُبِّهَ عَلَيْهِ بِنَشْأتِهِ الأُولى ومَبادِئِهِ، وسائِرِ أحْوالِهِ، وأحْوالِ طَعامِهِ وشَرابِهِ، وأرْضِهِ وسَمائِهِ، بِحَيْثُ أُزِيلَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ، وأُوْضِحَتْ لَهُ المَحَجَّةُ، وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، وأُعْذِرَ إلَيْهِ غايَةَ الإعْذارِ، وأُمْهِلَ أتَمَّ الإمْهالِ، فاسْتَبانَ لِذِي العَقْلِ الصَّحِيحِ والفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ أنَّ الظَّعْنَ عَنْ هَذا المَكانِ ضَرُورِيٌّ، والِانْتِقالَ عَنْهُ حَقٌّ لا مِرْيَةَ فِيهِ، وأنَّ لَهُ مَحَلًّا آخَرَ لَهُ قَدْ أُنْشِئَ ولِأجْلِهِ قَدْ خُلِقَ ولَهُ هُيِّئَ، فَمَصِيرُهُ إلَيْهِ وقُدُومُهُ بِلا رَيْبٍ عَلَيْهِ، وأنَّ دارَهُ هَذِهِ مَنزِلُ عُبُورٍ، لا مَنزِلُ قَرارٍ.
وَبِالجُمْلَةِ: مَن نَظَرَ في المَوْجُوداتِ، ولَمْ يَقْنَعْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلَيْها وحْدَها: وجَدَها دالَّةً عَلى أنَّ وراءَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أُخْرى أكْمَلَ مِنها، وأنَّ هَذِهِ الحَياةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالمَنامِ بِالنِّسْبَةِ إلى اليَقَظَةِ، وكالظِّلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّخْصِ، وسَمِعَها كُلَّها تُنادِي بِما نادى بِهِ رَبُّها وخالِقُها وفاطِرُها ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] وتُنادِي بِلِسانِ الحالِ، بِما نادى بِهِ رَبُّها بِصَرِيحِ المَقالِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] ثُمَّ نَدَبَهم إلى المُسابَقَةِ إلى الدّارِ الآخِرَةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا زَوالَ لَها: فَقالَ ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
الواقعة 56:89
(فصل)
فلما قام الدليل ووضح السبيل وتم البرهان على أنهم مملوكون مربوبون مجزيون محاسبون ذكر طبقاتهم عند الحشر الأول والقيامة الصغرى وهي ثلاث طبقات طبقة المقربين، وطبقة أصحاب اليمين، وطبقة المكذبين فجعل تحية المقربين عند الوفاة الروح والريحان والجنة.
وهذه الكرامات الثلاثة التي يعطونها بعد الموت نظير الثلاث التي يعطونها يوم القيامة فالروح الفرح والسرور والإبتهاج ولذة الروح فهي كلمة جامعة لنعيم الروح ولذتها وذلك قوتها وغذاؤها والريحان الرزق وهو الأكل والشرب والجنة المسكن الجامع لذلك كله فيعطون هذه الثلاث في البرزخ وفي المعاد الثاني
ثم ذكر الطبقة الثانية وهي طبقة أصحاب اليمين ولما كانوا دون المقربين في المرتبة جعل تحيتهم عند القدوم عليه السلامة من الآفات والشرور التي تحصل للمكذبين الضالين فقال ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾
والسلام مصدر من سلم أي فلك السلامة والخطاب له نفسه. أي يقال لك السلامة، كما يقال للقادم لك الهناء ولك السلامة ولك البشرى ونحو ذلك من الألفاظ.
كما يقولون خير مقدم ونحو ذلك، فهذه تحية عند اللقاء.
قال مقاتل يسلم الله لهم أمرهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويتقبل حسناتهم.
وقال الكلبي يسلم عليه أهل الجنة ويقولون السلامة لك.
وعلى هذا فقوله ﴿مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ أي هذه التحية حاصلة لك من إخوانك أصحاب اليمين، فإنه إذا قدم عليهم حيوه بهذه التحية وقالوا السلامة لك.
وفي الآية أقوال أخر فيها تكلف وتعسف، فلا حاجة إلى ذكرها.
ثم ذكر الطبقة الثالثة وهي طبقة الضال في نفسه المكذب لأهل الحق وإن له عند الموافاة نزل الحميم وسكنى الجحيم ثم أكد هذا الجزاء بما جعله كأنه رأى العين لمن آمن بالله ورسوله فقال ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ فرفع شأنه عن درجة الظن والعلم إلى اليقين وعن درجة اليقين إلى حقه
ثم أمره أن ينزه اسمه تبارك وتعالى عما لا يليق به وتنزيه الاسم متضمن لتنزيه المسمى عما يقوله الكاذبون والجاحدون.
(فَصْلٌ)
المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ: حَياةُ الأرْواحِ بَعْدَ مُفارَقَتِها الأبْدانَ وخَلاصِها مِن هَذا السِّجْنِ وضِيقِهِ، فَإنَّ مِن ورائِهِ فَضاءً ورَوْحًا ورَيْحانًا وراحَةً، نِسْبَةُ هَذِهِ الدّارِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ بَطْنِ الأُمِّ إلى هَذِهِ الدّارِ، أوْ أدْنى مِن ذَلِكَ.
قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لِتَكُنْ مُبادَرَتُكَ إلى الخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيا كَمُبادَرَتِكَ إلى الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ الضَّيِّقِ إلى أحِبَّتِكَ، والِاجْتِماعِ بِهِمْ في البَساتِينِ المُونِقَةِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الحَياةِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨].
وَيَكْفِي في طِيبِ هَذِهِ الحَياةِ: مُرافَقَةُ الرَّفِيقِ الأعْلى، ومُفارَقَةُ الرَّفِيقِ المُؤْذِي المُنَكِّدِ، الَّذِي تُنَغِّصُ رُؤْيَتُهُ ومُشاهَدَتُهُ الحَياةَ، فَضْلًا عَنْ مُخالَطَتِهِ وعِشْرَتِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، في جِوارِ الرَّبِّ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
؎قَدْ قُلْتُ إذْ مَدَحُوا الحَياةَ فَأسْرَفُوا ∗∗∗ في المَوْتِ ألْفُ فَضِيلَةٍ لا تُعْرَفُ
؎مِنها أمانُ لِقائِهِ بِلِقائِهِ ∗∗∗ وفِراقُ كُلِّ مُعاشِرٍ لا يُنْصِفُ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ في المَوْتِ مِنَ الخَيْرِ إلّا أنَّهُ بابُ الدُّخُولِ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وجِسْرٌ يُعْبَرُ مِنهُ إلَيْها: لَكَفى بِهِ تُحْفَةً لِلْمُؤْمِنِ.
؎جَزى اللَّهُ عَنّا المَوْتَ خَيْرًا فَإنَّهُ ∗∗∗ أبَرُّ بِنا مِن كُلِّ بِرٍّ وألْطَفُ
؎يُعَجِّلُ تَخْلِيصَ النُّفُوسِ مِنَ الأذى ∗∗∗ ويُدْنِي إلى الدّارِ الَّتِي هي أشْرَفُ
فالِاجْتِهادُ في هَذا العُمْرِ القَصِيرِ، والمُدَّةِ القَلِيلَةِ، والسَّعْيِ والكَدْحِ، وتَحَمُّلِ الأثْقالِ، والتَّعَبِ والمَشَقَّةِ إنَّما هو لِهَذِهِ الحَياةِ، والعُلُومُ والأعْمالُ وسِيلَةٌ إلَيْها، وهي يَقَظَةٌ، وما قَبْلَها مِنَ الحَياةِ نَوْمٌ، وهي عَيْنٌ، وما قَبْلَها أثَرٌ، وهي حَياةٌ جامِعَةٌ بَيْنَ فَقْدِ المَكْرُوهِ، وحُصُولِ المَحْبُوبِ في مَقامِ الأُنْسِ، وحَضْرَةِ القُدْسِ، حَيْثُ لا يَتَعَذَّرُ مَطْلُوبٌ، ولا يُفْقَدُ مَحْبُوبٌ؛ حَيْثُ الطُّمَأْنِينَةُ والرّاحَةُ، والبَهْجَةُ والسُّرُورُ، حَيْثُ لا عِبارَةَ لِلْعَبْدِ عَنْ حَقِيقَةِ كُنْهِها؛ لِأنَّها في بَلَدٍ لا عَهْدَ لَنا بِهِ، ولا إلْفَ بَيْنَنا وبَيْنَ ساكِنِهِ، فالنَّفْسُ لِإلْفِها لِهَذا السِّجْنِ الضَّيِّقِ النَّكِدِ زَمانًا طَوِيلًا تَكْرَهُ الِانْتِقالَ مِنهُ إلى ذَلِكَ البَلَدِ، وتَسْتَوْحِشُ إذا اسْتَشْعَرَتْ مُفارَقَتَهُ.
وَحُصُولُ العِلْمِ بِهَذِهِ الحَياةِ إنَّما وصَلَ إلَيْنا بِخَبَرٍ إلَهِيٍّ عَلى يَدِ أكْمَلِ الخَلْقِ وأعْلَمِهِمْ وأنْصَحِهِمْ ﷺ، فَقامَتْ شَواهِدُها في قُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ، حَتّى صارَتْ لَهم بِمَنزِلَةِ العِيانِ، فَفَرَّتْ نُفُوسُهم مِن هَذا الظِّلِّ الزّائِلِ، والخَيالِ المُضْمَحِلِّ، والعَيْشِ الفانِي المَشُوبِ بِالتَّنْغِيصِ وأنْواعِ الغَصَصِ، رَغْبَةً عَنْ هَذِهِ الحَياةِ، وشَوْقًا إلى ذَلِكَ المَلَكُوتِ، ووَجْدًا بِهَذا السُّرُورِ، وطَرَبًا عَلى هَذا الحَدِّ، واشْتِياقًا لِهَذا النَّسِيمِ الوارِدِ مِن مَحَلِّ النَّعِيمِ المُقِيمِ.
وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ مَن سافَرَ إلى بَلَدِ العَدْلِ والخِصْبِ والأمْنِ والسُّرُورِ صَبَرَ في طَرِيقِهِ عَلى كُلِّ مَشَقَّةٍ وإعْوازٍ وجَدْبٍ، وفارَقَ المُتَخَلِّفِينَ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِمْ، وأجابَ المُنادِي إذا نادى بِهِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، وبَذَلَ نَفْسَهُ في الوُصُولِ بَذْلَ المُحِبِّ بِالرِّضا والسَّماحِ، وواصَلَ السَّيْرَ بِالغُدُوِّ والرَّواحِ، فَحَمِدَ عِنْدَ الوُصُولِ مَسْراهُ، وإنَّما يَحْمَدُ المُسافِرُ السُّرى عِنْدَ الصَّباحِ.
؎عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى ∗∗∗ وفي المَماتِ يَحْمَدُ القَوْمُ اللِّقا
وَما هَذا واللَّهِ بِالصَّعْبِ ولا بِالشَّدِيدِ، مَعَ هَذا العُمْرِ القَصِيرِ، الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الدّارِ كَساعَةٍ مِن نَهارٍ ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ - قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢-١١٤]
فَلَوْ أنَّ أحَدَنا يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ يَتَّقِي بِهِ الشَّوْكَ والحِجارَةَ إلى هَذِهِ الحَياةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَثِيرًا ولا غَبْنًا في جَنْبِ ما يُوَقّاهُ.
فَواحَسْرَتاهُ عَلى بَصِيرَةٍ شاهَدَتْ هاتَيْنِ الحَياتَيْنِ عَلى ما هُما عَلَيْهِ، وعَلى هِمَّةٍ تُؤْثِرُ الأدْنى عَلى الأعْلى، وما ذاكَ إلّا بِتَوْفِيقِ مَن أزِمَّةُ الأُمُورِ بِيَدَيْهِ، ومِنهُ ابْتِداءُ كُلِّ شَيْءٍ وانْتِهاؤُهُ إلَيْهِ، أقْعَدَ نُفُوسَ مَن غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقاوَةُ عَنِ السَّفَرِ إلى هَذِهِ الدّارِ، وجَذَبَ قُلُوبَ مَن سَبَقَتْ لَهم مِنهُ الحُسْنى، وأقامَهم في الطَّرِيقِ، وسَهَّلَ عَلَيْهِمْ رُكُوبَ الأخْطارِ، فَأضاعَ أُولَئِكَ مَراحِلَ أعْمارِهِمْ مَعَ المُتَخَلِّفِينَ وقَطَعَ هَؤُلاءِ مَراحِلَ أعْمارِهِمْ مَعَ السّائِرِينَ، وعُقِدَتِ الغَبَرَةُ وثارَ العَجاجُ، فَتَوارى عَنْهُ السّائِرُونَ والمُتَخَلِّفُونَ.
وَسَيَنْجَلِي عَنْ قَرِيبٍ، فَيَفُوزُ العامِلُونَ، ويَخْسِرُ المُبْطِلُونَ.
وَمِن طِيبِ هَذِهِ الحَياةِ ولَذَّتِها: قالَ النَّبِيُّ ﷺ «ما مِن نَفْسٍ تَمُوتُ لَها عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّها أنْ تَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، وأنَّ لَها الدُّنْيا وما فِيها، إلّا الشَّهِيدُ، فَإنَّهُ يَتَمَنّى الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، لِما يَرى مِن كَرامَةِ اللَّهِ لَهُ» يَعْنِي لِيُقْتَلَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرى.
وَسَمِعَ بَعْضُ العارِفِينَ مُنْشِدًا يُنْشِدُ:
؎إنَّما العَيْشُ في بَهِيمِيَّةِ اللَّ ∗∗∗ ذَةِ وهو ما يَقُولُهُ الفَلْسَفِيُّ
؎حُكْمُ كَأْسِ المَنُونِ أنْ يَتَساوى ∗∗∗ في حِساها البَلِيدُ والألْمَعِيُّ
؎وَيَصِيرُ الغَبِيُّ تَحْتَ ثَرى الأرْ ∗∗∗ ضِ كَما صارَ تَحْتَها اللَّوْذَعِيُّ
؎فَسَلِ الأرْضَ عَنْهُما إنْ أزالَ الشَّ ∗∗∗ كَّ والشُّبْهَةَ السُّؤالُ الجَلِيُّ
فَقالَ: قاتَلَهُ اللَّهُ، ما أشَدَّ مُعانَدَتَهُ لِلدِّينِ والعَقْلِ! هَذا نَفْسُ عَدُوِّ الفِطْرَةِ والشَّرِيعَةِ والعَقْلِ والإيمانِ والحِكْمَةِ، يا مِسْكِينُ أمِن أجْلِ أنَّ المَوْتَ تَساوى فِيهِ الصّالِحُ والطّالِحُ، والعالِمُ والجاهِلُ، وصارُوا جَمِيعًا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، أيَجِبُ أنْ يَتَساوَوْا في العاقِبَةِ؟ أما تَساوى قَوْمٌ سافَرُوا مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ في الطَّرِيقِ؟ فَلَمّا بَلَغُوا القَصْدَ نَزَلَ كُلُّ واحِدٍ في مَكانٍ كانَ مُعَدًّا لَهُ، وتُلُقِّي بِغَيْرِ ما تُلُقِّيَ بِهِ رَفِيقُهُ في الطَّرِيقِ؟ أما لِكُلِّ قَوْمٍ دارٌ فَأُجْلِسَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم حَيْثُ يَلِيقُ بِهِ؟ وقُوبِلَ هَذا بِشَيْءٍ، وهَذا بِضِدِّهِ؟ أما قَدِمَ عَلى المَلِكِ مَن جاءَهُ بِما يُحِبُّهُ فَأكْرَمَهُ عَلَيْهِ، ومَن جاءَهُ بِما يُسْخِطُهُ فَعاقَبَهُ عَلَيْهِ؟ أما قَدِمَ رَكْبُ المَدِينَةِ فَنَزَلَ بَعْضُهم في قُصُورِها وبَساتِينِها وأماكِنِها الفاضِلَةِ، ونَزَلَ قَوْمٌ عَلى قَوارِعِ الطَّرِيقِ بَيْنَ الكِلابِ؟ أما قَدِمَ اثْنانِ مِن بَطْنِ الأُمِّ الواحِدَةِ، فَصارَ هَذا إلى المُلْكِ، وهَذا إلى الأسْرِ والعَناءِ؟
وَقَوْلُكَ " سَلِ الأرْضَ عَنْهُما " أما إنّا قَدْ سَألْناها، فَأخْبَرَتْنا أنَّها قَدْ ضَمَّتْ أجْسادَهم وجُثَثَهم وأوْصالَهُمْ، لا كُفْرَهم وإيمانَهُمْ، ولا أنْسابَهم وأحْسابَهُمْ، ولا حِلْمَهم وسَفَهَهُمْ، ولا طاعَتَهم ومَعْصِيَتَهُمْ، ولا يَقِينَهم وشَكَّهُمْ، ولا تَوْحِيدَهم وشِرْكَهُمْ، ولا جَوْرَهم وعَدْلَهُمْ، ولا عِلْمَهم وجَهْلَهُمْ، فَأخْبَرَتْنا عَنْ هَذِهِ الجُثَثِ البالِيَةِ والأبْدانِ المُتَلاشِيَةِ، والأوْصالِ المُتَمَزِّقَةِ، وقالَتْ هَذا خَبْرُ ما عِنْدِي.
وَأمّا خَبْرُ تِلْكَ الأرْواحِ وما صارَتْ إلَيْهِ، فَسَلُوا عَنْها كُتُبَ رَبِّ العالَمِينَ، ورُسُلَهُ الصّادِقِينَ، وخُلَفاءَهُمُ الوارِثِينَ، سَلُوا القُرْآنَ فَعِنْدَهُ الخَبَرُ اليَقِينُ، وسَلُوا مَن جاءَ بِهِ فَهو بِذَلِكَ أعْرَفُ العارِفِينَ، وسَلُوا العِلْمَ والإيمانَ فَهُما الشّاهِدانِ المَقْبُولانِ، وسَلُوا العُقُولَ والفِطَرَ فَعِنْدَها حَقِيقَةُ الخَبَرِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]
تَعالى اللَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ عَنْ هَذا الظَّنِّ والحُسْبانِ، الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِأجْهَلِ الجاهِلِينَ.
ثُمَّ قالَ: النّاظِرُ في هَذا البابِ رَجُلانِ، رَجُلٌ يَنْظُرُ إلى الأشْياءِ، ورَجُلٌ يَنْظُرُ في الأشْياءِ، فالأوَّلُ: يَحارُ فِيها، فَإنَّ صُوَرَها وأشْكالَها وتَخاطِيطَها تَسْتَفْرِغُ ذِهْنَهُ وحِسَّهُ، وتُبَدِّدُ فِكْرَهُ وقَلْبَهُ، فَنَظَرُهُ إلَيْها بِعَيْنِ حِسِّهِ، لا يُفِيدُهُ مِنها ثَمَرَةَ الِاعْتِبارِ، ولا زُبْدَةَ الِاخْتِبارِ؛ لِأنَّهُ لَمّا فَقَدَ الِاعْتِبارَ أوَّلًا، فَإنَّهُ فَقَدَ الِاخْتِيارَ ثانِيًا.
وَأمّا النّاظِرُ في الأشْياءِ: فَإنَّ نَظَرَهُ يَبْعَثُهُ عَلى العُبُورِ مِن صُوَرِها إلى حَقائِقِها والمُرادِ بِها، وما اقْتَضى وُجُودُها مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ والعِلْمِ التّامِّ، فَيُفِيدُهُ هَذا النَّظَرُ تَمْيِيزَ مَراتِبِها، ومَعْرِفَةَ نافِعِها مِن ضارِّها، وصَحِيحِها مِن سَقِيمِها، وباقِيها مِن فانِيها، وقِشْرِها مِن لُبِّها، ويُمَيِّزُ بَيْنَ الوَسِيلَةِ والغايَةِ، وبَيْنَ وسِيلَةِ الشَّيْءِ ووَسِيلَةِ ضِدِّهِ، فَيَعْرِفُ حِينَئِذٍ أنَّ الدُّنْيا قِشْرُهُ والآخِرَةَ لُبُّهُ، وأنَّ الدُّنْيا مَحَلُّ الزَّرْعِ، والآخِرَةَ وقْتُ الحَصادِ، وأنَّ الدُّنْيا مَعْبَرٌ ومَمَرٌّ، والآخِرَةَ دارُ مُسْتَقَرٍّ.
وَإذا عَرَفَ أنَّ الدُّنْيا طَرِيقٌ ومَمَرٌّ كانَ حَرِيًّا بِتَهْيِئَةِ الزّادِ لِقَرارِهِ، ويَعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّهُ لَمْ يَنْشَأْ في هَذِهِ الدّارِ لِلِاسْتِيطانِ والخُلُودِ، ولَكِنْ لِلْجَوازِ إلى مَكانٍ آخَرَ، هو المَنزِلُ والمُتَبَوَّأُ، وأنَّ الإنْسانَ دُعِيَ إلى ذَلِكَ بِكُلِّ شَرِيعَةٍ، وعَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيٍّ، وبِكُلِّ إشارَةٍ ودَلِيلٍ، ونُصِبَ لَهُ عَلى ذَلِكَ عِلْمٌ، وضُرِبَ لِأجَلِهِ كُلُّ مَثَلٍ، ونُبِّهَ عَلَيْهِ بِنَشْأتِهِ الأُولى ومَبادِئِهِ، وسائِرِ أحْوالِهِ، وأحْوالِ طَعامِهِ وشَرابِهِ، وأرْضِهِ وسَمائِهِ، بِحَيْثُ أُزِيلَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ، وأُوْضِحَتْ لَهُ المَحَجَّةُ، وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، وأُعْذِرَ إلَيْهِ غايَةَ الإعْذارِ، وأُمْهِلَ أتَمَّ الإمْهالِ، فاسْتَبانَ لِذِي العَقْلِ الصَّحِيحِ والفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ أنَّ الظَّعْنَ عَنْ هَذا المَكانِ ضَرُورِيٌّ، والِانْتِقالَ عَنْهُ حَقٌّ لا مِرْيَةَ فِيهِ، وأنَّ لَهُ مَحَلًّا آخَرَ لَهُ قَدْ أُنْشِئَ ولِأجْلِهِ قَدْ خُلِقَ ولَهُ هُيِّئَ، فَمَصِيرُهُ إلَيْهِ وقُدُومُهُ بِلا رَيْبٍ عَلَيْهِ، وأنَّ دارَهُ هَذِهِ مَنزِلُ عُبُورٍ، لا مَنزِلُ قَرارٍ.
وَبِالجُمْلَةِ: مَن نَظَرَ في المَوْجُوداتِ، ولَمْ يَقْنَعْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلَيْها وحْدَها: وجَدَها دالَّةً عَلى أنَّ وراءَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أُخْرى أكْمَلَ مِنها، وأنَّ هَذِهِ الحَياةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالمَنامِ بِالنِّسْبَةِ إلى اليَقَظَةِ، وكالظِّلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّخْصِ، وسَمِعَها كُلَّها تُنادِي بِما نادى بِهِ رَبُّها وخالِقُها وفاطِرُها ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] وتُنادِي بِلِسانِ الحالِ، بِما نادى بِهِ رَبُّها بِصَرِيحِ المَقالِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] ثُمَّ نَدَبَهم إلى المُسابَقَةِ إلى الدّارِ الآخِرَةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا زَوالَ لَها: فَقالَ ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
الواقعة 56:90
﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾
فأكثر المفسرون حاموا حول المعنى وما وردوه وقالوا أقوالا لا يخفى بعدها عن المقصود.
وإنما معنى الآية والله أعلم فسلام لك أيها الراحل عن الدنيا حال كونك من أصحاب اليمين.
أي فسلامه لك كائنا من أصحاب اليمين الذين سلموا من الدنيا وأنكادها، ومن النار وعذابها.
فبشر بالسلامة عند ارتحاله من الدنيا وقدومه على الله، كما يبشر الملك روحه عند أخذها بقوله:
ابشري بروح وريحان ورب غير غضبان.
وهذا أول البشرى التي للمؤمن في الآخرة.
(فصل)
وأما قوله تعالى: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾
فليس هذا سلام تحية ولو كان تحية لقال فسلام عليه كما قال: ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾، ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾
ولكن الآية تضمنت ذكر مراتب الناس وأقسامهم عند القيامة الصغرى حال القدوم على الله فذكر أنهم ثلاثة أقسام مقرب له الروح والريحان وجنة النعيم ومقتصد من أصحاب اليمين له السلامة فوعده بالسلامة ووعد المقرب بالغنيمة والفوز وإن كان كل منهما سالما غانما وظالم بتكذيبه وضلاله فأوعده بنزل من حميم وتصلية جحيم فلما لم يكن المقام مقام تحية وإنما هو مقام إخبار عن حاله ذكر ما يحصل له من السلامة.
فإن قيل: فهذا فرق صحيح لكن ما معنى اللام في قوله (لك) ومن هو المخاطب بهذا الخطاب وما معنى حرف من في قوله: ﴿مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾
فهذه ثلاثة أسئلة في الآية؟
قيل: قد وفينا بحمد الله تعالى بذكر الفرق بين هذا السلام في الآية وبين سلام التحية وهو الذي كان المقصود وهذه الأسئلة وإن كانت متعلقة بالآية فهي خارجة عن مقصودنا ولكن نجيب عنها إكمالا للفائدة بحول الله وقوته وإن كنا لم نر أحدا من المفسرين شفى في هذا الموضع الغليل ولا كشف حقيقة المعنى واللفظ بل منهم من يقول المعنى فمسلم لك إنك من أصحاب اليمين ومنهم من يقول غير ذلك مما هو حوم على معناها من غير ورود فاعلم أن المدعو به من الخير والشر مضاف إلى صاحبه بلام الإضافة الدالة على حصوله له ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ ولم يقل عليهم اللعنة إيذانا بحصول معناها وثبوته لهم وكذلك قوله: ﴿وَلَكُمُ الوَيْلُ يمِمّا تَصِفُونَ﴾
ويقول في ضد هذا لك الرحمة ولك التحية ولك السلام ومنه هذه الآية ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أي ثبت لك السلام وحصل لك وعلى هذا فالخطاب لكل من هو من هذا الضرب فهو خطاب للجنس أي فسلام لك يا من هو من أصحاب اليمين كما تقول هنيئا لك يا من هو منهم.
ولهذا - والله أعلم - أتى بحرف من في قوله: ﴿مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ والجار والمجرور في موضع حال أي سلام لك كائنا من أصحاب اليمين كما تقول هنيئا لك من اتباع رسول الله ﷺ وحزبه أي كائنا منهم والجار والمجرور بعد المعرفة ينتصب على الحال كما تقول أحببتك من أهل الدين والعلم أي كائنا منهم فهذا معنى هذه الآية وهو وإن خلت عنه كتب أهل التفسير فقد حام عليه منهم من حام وما ورد ولا كشف المعنى ولا أوضحه فراجع ما قالوه والله تعالى الموفق المان بفضله.
[مسألة: مستقر الأرواح]
وهي أين مستقر الأرواح ما بين الموت إلى يوم القيامة: هل هي في السماء أم في الأرض؟ وهل هي في الجنة أم لا؟ وهل تودع في أجساد غير أجسادها التي كانت فيها فتنعم وتعذب فيها أم تكون مجردة؟
هذه مسألة عظيمة تكلم فيها الناس واختلفوا فيها، وهي إنما تتلقى من السمع فقط، واختلف في ذلك، فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند اللّه في الجنة شهداء كانوا أم غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين، وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم، وهذا مذهب أبي هريرة وعبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهم.
وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها، يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها.
وقالت طائفة: الأرواح على أفنية قبورها.
وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت.
(وقال) الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللّه: أرواح الكفار في النار وأرواح المؤمنين في الجنة.
(وقال) أبو عبد اللّه بن منده: وقال طائفة من الصحابة والتابعين: أرواح المؤمنين عند اللّه عز وجل ولم يزيدوا على ذلك، قال: روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أن أرواح المؤمنين بالجابية وأرواح الكفار ببرهوت بئر بحضرموت.
وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد اللّه أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟
فقال: إن الأرض التي يقول اللّه تعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾
قال هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. وقالوا: هي الأرض التي يورثها اللّه المؤمنين في الدنيا وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة تحت جند إبليس.
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر برهوت.
وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض، تذهب حيث شاءت وأرواح الكفار في سجين، وفي لفظ عنه: نسمة المؤمن تذهب في الأرض حيث شاءت.
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله.
وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها.
قال: والذي نقول به في مستقر الأرواح هو ما قاله اللّه عز وجل ونبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا نتعداه، فهو البرهان الواضح وهو أن اللّه عز وجل قال: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا: بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾
فصح أن اللّه تعالى خلق الأرواح جملة، وكذلك أخبر صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
وأخذ اللّه عهدها وشهادتها له بالربوبية وهي مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم وقبل أن يدخلها في الأجساد، والأجساد يومئذ تراب وماء، ثم أقرها حيث شاء هو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت، ثم لا يزال يبعث منها الجملة بعد الجملة فينفخها في الأجساد المتولدة من المنى، إلى أن قال: فصح أن الأرواح أجساد حاملة لأعراضها من التعارف والتناكر وأنها عارفة مميزة فيبلوهم اللّه في الدنيا كما يشاء ثم يتوفاهم فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ليلة أسري به عند سماء الدنيا أرواح أهل السعادة عن يمين آدم وأرواح أهل الشقاوة عن يساره وذلك عند منقطع العناصر ويعجل أرواح الأنبياء والشهداء إلى الجنة.
قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه، قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم.
قال ابن حزم وهو قول جميع أهل الإسلام قال: وهذا هو قول اللّه تعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ، وأصْحابُ المَشْئَمَةِ ما أصْحابُ المَشْئَمَةِ، والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾
وقوله تعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ إلى آخرها.
فلا تزال الأرواح هنالك حتى يتم عدد الأرواح كلها بنفخها في الأجساد، ثم برجوعها إلى البرزخ فتقوم الساعة ويعيد اللّه عز وجل الأرواح إلى أجسادها ثانية، وهي الحياة الثانية يحاسب الخلق فريق في الجنة، وفريق في السعير مخلدين أبدا. انتهى.
وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم، ونحن نذكر كلامه وما احتج به ونبين ما فيه.
(وقال) ابن المبارك عن ابن جريج فيما قرئ عليه عن مجاهد: ليس هي في الجنة ولكن يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها.
وذكر معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد أنه سأل ابن شهاب عن أزواج المؤمنين فقال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدو وتروح إلى رياض الجنة تأتي ربها في كل يوم تسلم عليه.
(وقال) أبو عمر بن عبد البر في شرح حديث ابن عمر: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه إلى يوم القيامة، قال: وقد استدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور، وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك واللّه أعلم، لأن الأحاديث بذلك أحسن مجيئا وأثبت نقلا من غيرها.
قال: والمعنى عندي أنها تكون على أفنية قبورها لا على أنها تلزم ولا تفارق أفنية القبور كما قال مالك رحمه اللّه أنه بلغنا أن الأرواح تسرح حيث شاءت.
قال: وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارق ذلك، واللّه أعلم.
وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض، وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن كحياته وإدراكه، فتعدم بموت البدن كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته، وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنّة وإجماع الصحابة والتابعين كما سنذكر ذلك إن شاء اللّه، والمقصود أن عند هذه الفرقة المبطلة أن مستقر الأرواح بعد الموت العدم المحض.
وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أرواح أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الأرواح فتصير النفس السبعية إلى أبدان السباع، والكلبية إلى أبدان الكلاب، والبهيمية إلى أبدان البهائم، والدنية والسفلية إلى أبدان الحشرات، وهذا قول المتناسخة منكري المعاد، وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلهم.
فهذا ما تلخص لي من جمع أقوال الناس في مصير أرواحهم بعد الموت ولا تظفر به مجموعا في كتاب واحد غير هذا البتة، ونحن نذكر ما أخذ هذه الأقوال وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دل عليه الكتاب والسنّة على طريقتنا التي منّ اللّه بها وهو مرجو الإعانة والتوفيقة.
[فصل: مكان الروح]
فأما من قال هي الجنة: فاحتج بقوله تعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾
قال: وهذا ذكره سبحانه عقيب ذكر خروجها من البدن بالموت وقسم الأرواح إلى ثلاثة أقسام:
مقربين: وأخبر أنها في جنة النعيم.
وأصحاب يمين: حكم لها بالإسلام وهو يتضمن سلامتها من العذاب.
ومكذبة ضالة، وأخبر أن لها نزلا من حميم وتصلية جحيم، قالوا: وهذا بعد مفارقتها للبدن قطعا، وقد ذكر سبحانه حالها يوم القيامة في أول السورة فذكر حالها بعد الموت وبعد البعث واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً. فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾
وقد قال غير واحد من الصحابة والتابعين أن هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا يبشرها الملك بذلك، ولا ينافي ذلك قول من قال: إن هذا يقال لها في الآخرة فإنه يقال لها عند الموت وعند البعث وهذه من البشرى التي قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
وهذا التنزل يكون عند الموت ويكون في القبر ويكون عند البعث، وأول بشارة الآخرة عند الموت.
وقد تقدم في حديث البراء بن عازب أن الملك يقول لها عند قبضها:
أبشري بروح وريحان، وهذا من ريحان الجنة.
واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال:
«إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجرة الجنة حتى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه} «١».
قال أبو عمرو في رواية مالك هذه بيان سماع الزهري لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكذا رواه يونس عن الزهري قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه، وكذلك رواه الأوزاعي عن الزهري حدثني عبد الرحمن بن كعب وقد أعل محمد بن يحيى الذهلي هذا الحديث بأن شعيب بن أبي حمزة ومحمد بن أخي الزهري وصالح بن كيسان رووه عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك عن جده كعب فيكون منقطعا، وقال صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عبد الرحمن أنه بلغه أن كعبا بن مالك كان يحدث، قال الذهلي: وهذا المحفوظ عندنا وهو الذي يشبهه حديث صالح وشعيب وابن أخي الزهري وخالفه في هذا غير من الحفّاظ فحكموا لمالك والأوزاعي.
قال أبو عمر: فاتفق مالك ويونس بن يزيد والأوزاعي والحارث بن فضيل على رواية هذا الحديث عن الزهري عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه وصححه الترمذي وغيره.
(وقال) أبو عمرو: لا وجه عندي لما قاله محمد بن يحيى من ذلك ولا دليل عليه، واتفاق مالك ويونس بن زيد والأوزاعي ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب والنفس إلى قولهم: وروايتهم أسكن وهم من الحفظ والإتقان بحيث لا يقاس بهم من خالف في هذا الحديث. انتهى.
وقد قال محمد الذهلي: سمعت علي ابن المديني يقول: ولد كعب خمسة:
عبد اللّه، وعبيد اللّه، ومعبد، وعبد الرحمن، ومحمد.
قال الذهلي: فسمع الزهري من عبد اللّه بن كعب، وكان قائد أبيه حين عمي، وسمع من عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب، وروي عن بشير بن عبد الرحمن بن كعب، ولا أراه سمع منه. انتهى.
فالحديث إن كان لعبد الرحمن عن أبيه عن كعب كما قال مالك ومن معه، فظاهر، وإن كان لعبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب عن جده كما قال شعيب ومن معه فنهايته أن يكون مرسلا من هذا الطريق وموصولا من الأخرى والذين وصلوه ليسوا بدون الذين أرسلوه قدرا ولا عددا فالحديث عن صحاح الأحاديث، وإنما لم يخرجه صاحبا الصحيح لهذه العلة، واللّه أعلم.
(قال) أبو عمر: وأما قوله نسمة المؤمن، فالنسمة هاهنا الروح، يدل على ذلك قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحديث نفسه، حتى يرجعه إلى اللّه جسده يوم يبعثه، وقيل: النسمة الروح والنفس والبدن، وأصل هذه اللفظة أعني النسمة الإنسان بعينه.
وإنما قيل للروح نسمة واللّه أعلم، لأن حياة الإنسان بروحه، وإذا فارقه عدم أو صار كالمعدوم.
والدليل على أن النسمة الإنسان قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ومن أعتق نسمة مؤمنة»
وقول علي رضي اللّه عنه: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وقال الشاعر:
؎بأعظم منك تقي في الحساب ∗∗∗ إذا النسمات نفضن الغبارا
يعني إذا بعث الناس من قبورهم يوم القيامة، وقال الخليل بن أحمد:
النسمة الإنسان، قال: والنسمة الروح، والنسيم هبوب الريح، وقوله تعالى في شجر الجنة يروى بفتح اللام وهو الأكثر، ويروى بضم اللام والمعنى واحد وهو الأكل والرعي، يقول: تأكل من ثمار الجنة وتسرح بين أشجارها، والعلوقة والعلوق الأكل والرعي، تقول العرب: ما ذاق اليوم علوقا أي طعاما، قال الربيع بن أبي زياد يصف الخيل:
؎ومجنبات ما يذقن علوقة ∗∗∗ يمصعن بالمهرات والأمهار
وقال الأعشى:
؎وفلاة كأنها ظهر ترس ∗∗∗ ليس فيها إلا الرجيع علاق
قلت: ومنه قول عائشة: والنساء إذ ذاك خفاف لم يغشهن «١» اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، وأصل اللفظة من التعليق وهو ما يتعلق بالقلب والنفس من الغذاء.
قال: واختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال قائلون منهم: أرواح المؤمنين عند اللّه في الجنة شهداء كانوا أم غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين، وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم.
قال: واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخص فيه شهيدا من غير شهيد.
واحتجوا أيضا بما روي عن أبي هريرة:
«أن أرواح الأبرار في عليين وأرواح الفجار في سجين»
وعن عبد اللّه بن عمرو مثل ذلك.
قال أبو عمر: وهذا قول يعارضه من السنة ما لا مدفع في صحة نقله، وهو قوله:
«إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه إليه يوم القيامة».
وقال آخرون: إنما معنى هذا الحديث في الشهداء دون غيرهم، لأن القرآن والسنّة إنما يدلان على ذلك. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
وأما الآثار فذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه من طريق بقي بن مخلد مرفوعا:
«الشهداء يغدون ويروحون ثم يكون مأواهم إلى قناديل معلقة بالعرش فيقول لهم الرب تبارك وتعالى: {هل تعلمون كرامة أفضل من كرامة أكرمتكموها، فيقولون: لا، غير أنا وددنا أنك عدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى فنقتل في سبيلك». رواه عن هناد عن إسماعيل بن المختار عن المختار عن عطية عنه.
(ثم ساق حديث) ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لما أصيب إخوانكم (يعني يوم أحد) جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب مدلاة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقبلهم قالوا: ومن يبلغ إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ويزهدوا في الجهاد؟ قال:
فقال اللّه عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل اللّه تعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
والحديث في مسند أحمد وسنن أبي داود.
ثم ذكر حديث الأعمش عن عبد اللّه بن مرة عن مسروق قال: سأل عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن هذه الآية: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في الجنة في أيها شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربك اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: وأي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا! فعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا». والحديث في صحيح مسلم.
قلت: وفي صحيح البخاري عن أنس أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بنت سراقة أتت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت: يا نبي اللّه ألا تحدثني عن حارثة؟ (وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب) فإن كان في الجنة صبرت وإن كان في غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: «يا أم جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» «١».
ثم ساق: من طريق بقي بن مخلد حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا ابن عيينة عن عبيد اللّه بن أبي يزيد أنه سمع ابن عباس يقول: أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمرة الجنة.
ثم ذكر: عن معمر عن قتادة قال: بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة.
(ومن طريق) أبي عاصم النبيل عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد اللّه بن عمرو: أرواح الشهداء في طير كالزراير «١» يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة.
قال أبو عمر: هذه الآثار كلها تدل على أنهم الشهداء دون غيرهم، وفي بعضها في صور طير، وفي بعضها في أجواف طير، وفي بعضها كطير خضر، قال:
والذي يشبه عندي واللّه أعلم أن يكون القول قول من قال كطير أو صور طير لمطابقته لحديثنا المذكور (يريد حديث كعب بن مالك) وقوله: فيه نسمة المؤمن كطائر، ولم يقل في جوف طائر.
قال: وروى عيسى بن يونس حديث ابن مسعود عن الأعمش عن عبد اللّه بن مرة عن مسروق عن عبد اللّه كطير خضر.
قلت: والذي في صحيح مسلم في أجواف طير خضر.
قال أبو عمر: فعلى هذا التأويل كأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر يعلق في شجر الجنة.
قلت: لا تنافي بين قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«نسمة المؤمن من طائر يعلق في شجر الجنة»، وبين قوله: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعد، بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار»
وهذا الخطاب يتناول الميت على فراشه والشهيد، كما أن قوله: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة»، يتناول الشهيد وغيره، ومع كونه يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ترد روحه أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها.
وأما المقعد الخاص به والبيت الذي أعد له فإنه إنما يدخله يوم القيامة، ويدل عليه أن منازل الشهداء ودورهم وقصورهم التي أعدّ اللّه لهم ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعا، فهم يرون منازلهم ومقاعدهم من الجنة ويكون مستقرهم في تلك القناديل المعلقة بالعرش، فإن الدخول التام الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك.
ونظير هذا أهل الشقاء، تعرض أرواحهم على النار غدوا وعشيا، فإذا كان يوم القيامة دخلوا منازلهم ومقاعدهم التي كانوا يعرضون عليها في البرزخ فتنعم الأرواح بالجنة في البرزخ شيء، وتنعمها مع الأبدان يوم القيامة بها شيء آخر، فغذاء الروح من الجنة في البرزخ دون غذائها مع بدنها يوم البعث، ولهذا قال:
«تعلق في شجر الجنة» أي تأكل العلقة، وتمام الأكل والشرب واللبس والتمتع فإنما يكون إذا ردت إلى أجسادها يوم القيامة، فظهر أنه لا يعارض هذا القول من السنن شيء، وإنما تعاضده السنّة وتوافقه.
وأما قول من قال: إن حديث كعب في الشهداء دون غيرهم، فتخصيص ليس في اللفظ ما يدل عليه وهو محل اللفظ العام على أقل مسمياته: فإن الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين قليل جدا، والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم علق هذا الجزاء بوصف الإيمان، فهو المقتضي له ولم يعلقه بوصف الشهادة، ألا ترى أن الحكم الذي اختص بالشهداء علق بوصف الشهادة كقوله في حديث المقدام بن معد يكرب: «للشهيد عند اللّه ست خصال، يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين، وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه»، فلما كان هذا يختص بالشهيد قال: إن للشهيد ولم يقل إن للمؤمن، كذلك قوله في حديث قيس الجذامي يعطي الشهيد ست خصال، وكذلك سائر الأحاديث والنصوص التي علّق فيها الجزاء بالشهادة.
وأما ما علق فيه الجزاء بالإيمان فإنه يتناول كل مؤمن شهيدا كان أم غير شهيد.
وأما النصوص والآثار التي ذكرت في رزق الشهداء وكون أرواحهم في الجنة فكلها حق، وهي لا تدل على انتفاء دخول أرواح المؤمنين الجنة، ولا سيما الصديقين الذين هم أفضل الشهداء بلا نزاع بين الناس، فيقال لهؤلاء: ما تقولون في أرواح الصديقين هل هي في الجنة أم لا؟
فإن قالوا أنها في الجنة - لا يسوغ لهم غير هذا القول- فثبت أن هذه النصوص لا تدل على اختصاص أرواح الشهداء بذلك، وإن قالوا: ليست في الجنة لزمهم من ذلك أن تكون أرواح سادات الصحابة كأبي بكر الصديق وأبي بن كعب وعبد اللّه بن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة بن اليمان وأشباههم رضي اللّه عنهم ليست في الجنة، وأرواح شهداء زماننا في الجنة، وهذا معلوم البطلان ضرورة.
فإن قيل: فإذا كان هذا حكما لا يختص بالشهداء فما الموجب لتخصيصهم بالذكر في هذه النصوص؟
قلت: التنبيه على فضل الشهادة وعلو درجتها، وإن هذا مضمون لأهلها ولا بد وأن لهم منه أوفر نصيب، فنصيبهم من هذا النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فراشهم، وإن كان الميت على فراشه أعلى درجة منهم فله نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه.
ويدل على هذا أن اللّه سبحانه جعل أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، فإنهم لما بذلوا أنفسهم للّه حتى أتلفها أعداؤه فيه أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرا منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير، وتأمل لفظ الحديثين فإنه قال: «نسمة المؤمن طير»
فهذا يعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال: «و هي في جوف طير»
ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فصلوات اللّه وسلامه على من يصدق كلامه بعضه بعضا، ويدل على أنه حق من عند اللّه، وهذا الجمع أحسن من جمع أبو عمرو وترجيحة رواية من روى أرواحهم كطير خضر، بل الروايتان حق وصواب، فهي كطير خضر وفي أجواف طير خضر.
الواقعة 56:91
﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾
فأكثر المفسرون حاموا حول المعنى وما وردوه وقالوا أقوالا لا يخفى بعدها عن المقصود.
وإنما معنى الآية والله أعلم فسلام لك أيها الراحل عن الدنيا حال كونك من أصحاب اليمين.
أي فسلامه لك كائنا من أصحاب اليمين الذين سلموا من الدنيا وأنكادها، ومن النار وعذابها.
فبشر بالسلامة عند ارتحاله من الدنيا وقدومه على الله، كما يبشر الملك روحه عند أخذها بقوله:
ابشري بروح وريحان ورب غير غضبان.
وهذا أول البشرى التي للمؤمن في الآخرة.
(فصل)
وأما قوله تعالى: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾
فليس هذا سلام تحية ولو كان تحية لقال فسلام عليه كما قال: ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾، ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾
ولكن الآية تضمنت ذكر مراتب الناس وأقسامهم عند القيامة الصغرى حال القدوم على الله فذكر أنهم ثلاثة أقسام مقرب له الروح والريحان وجنة النعيم ومقتصد من أصحاب اليمين له السلامة فوعده بالسلامة ووعد المقرب بالغنيمة والفوز وإن كان كل منهما سالما غانما وظالم بتكذيبه وضلاله فأوعده بنزل من حميم وتصلية جحيم فلما لم يكن المقام مقام تحية وإنما هو مقام إخبار عن حاله ذكر ما يحصل له من السلامة.
فإن قيل: فهذا فرق صحيح لكن ما معنى اللام في قوله (لك) ومن هو المخاطب بهذا الخطاب وما معنى حرف من في قوله: ﴿مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾
فهذه ثلاثة أسئلة في الآية؟
قيل: قد وفينا بحمد الله تعالى بذكر الفرق بين هذا السلام في الآية وبين سلام التحية وهو الذي كان المقصود وهذه الأسئلة وإن كانت متعلقة بالآية فهي خارجة عن مقصودنا ولكن نجيب عنها إكمالا للفائدة بحول الله وقوته وإن كنا لم نر أحدا من المفسرين شفى في هذا الموضع الغليل ولا كشف حقيقة المعنى واللفظ بل منهم من يقول المعنى فمسلم لك إنك من أصحاب اليمين ومنهم من يقول غير ذلك مما هو حوم على معناها من غير ورود فاعلم أن المدعو به من الخير والشر مضاف إلى صاحبه بلام الإضافة الدالة على حصوله له ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ ولم يقل عليهم اللعنة إيذانا بحصول معناها وثبوته لهم وكذلك قوله: ﴿وَلَكُمُ الوَيْلُ يمِمّا تَصِفُونَ﴾
ويقول في ضد هذا لك الرحمة ولك التحية ولك السلام ومنه هذه الآية ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أي ثبت لك السلام وحصل لك وعلى هذا فالخطاب لكل من هو من هذا الضرب فهو خطاب للجنس أي فسلام لك يا من هو من أصحاب اليمين كما تقول هنيئا لك يا من هو منهم.
ولهذا - والله أعلم - أتى بحرف من في قوله: ﴿مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ والجار والمجرور في موضع حال أي سلام لك كائنا من أصحاب اليمين كما تقول هنيئا لك من اتباع رسول الله ﷺ وحزبه أي كائنا منهم والجار والمجرور بعد المعرفة ينتصب على الحال كما تقول أحببتك من أهل الدين والعلم أي كائنا منهم فهذا معنى هذه الآية وهو وإن خلت عنه كتب أهل التفسير فقد حام عليه منهم من حام وما ورد ولا كشف المعنى ولا أوضحه فراجع ما قالوه والله تعالى الموفق المان بفضله.
[مسألة: مستقر الأرواح]
وهي أين مستقر الأرواح ما بين الموت إلى يوم القيامة: هل هي في السماء أم في الأرض؟ وهل هي في الجنة أم لا؟ وهل تودع في أجساد غير أجسادها التي كانت فيها فتنعم وتعذب فيها أم تكون مجردة؟
هذه مسألة عظيمة تكلم فيها الناس واختلفوا فيها، وهي إنما تتلقى من السمع فقط، واختلف في ذلك، فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند اللّه في الجنة شهداء كانوا أم غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين، وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم، وهذا مذهب أبي هريرة وعبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهم.
وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها، يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها.
وقالت طائفة: الأرواح على أفنية قبورها.
وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت.
(وقال) الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللّه: أرواح الكفار في النار وأرواح المؤمنين في الجنة.
(وقال) أبو عبد اللّه بن منده: وقال طائفة من الصحابة والتابعين: أرواح المؤمنين عند اللّه عز وجل ولم يزيدوا على ذلك، قال: روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أن أرواح المؤمنين بالجابية وأرواح الكفار ببرهوت بئر بحضرموت.
وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد اللّه أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟
فقال: إن الأرض التي يقول اللّه تعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾
قال هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. وقالوا: هي الأرض التي يورثها اللّه المؤمنين في الدنيا وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة تحت جند إبليس.
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر برهوت.
وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض، تذهب حيث شاءت وأرواح الكفار في سجين، وفي لفظ عنه: نسمة المؤمن تذهب في الأرض حيث شاءت.
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله.
وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها.
قال: والذي نقول به في مستقر الأرواح هو ما قاله اللّه عز وجل ونبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا نتعداه، فهو البرهان الواضح وهو أن اللّه عز وجل قال: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا: بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾
فصح أن اللّه تعالى خلق الأرواح جملة، وكذلك أخبر صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
وأخذ اللّه عهدها وشهادتها له بالربوبية وهي مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم وقبل أن يدخلها في الأجساد، والأجساد يومئذ تراب وماء، ثم أقرها حيث شاء هو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت، ثم لا يزال يبعث منها الجملة بعد الجملة فينفخها في الأجساد المتولدة من المنى، إلى أن قال: فصح أن الأرواح أجساد حاملة لأعراضها من التعارف والتناكر وأنها عارفة مميزة فيبلوهم اللّه في الدنيا كما يشاء ثم يتوفاهم فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ليلة أسري به عند سماء الدنيا أرواح أهل السعادة عن يمين آدم وأرواح أهل الشقاوة عن يساره وذلك عند منقطع العناصر ويعجل أرواح الأنبياء والشهداء إلى الجنة.
قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه، قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم.
قال ابن حزم وهو قول جميع أهل الإسلام قال: وهذا هو قول اللّه تعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ، وأصْحابُ المَشْئَمَةِ ما أصْحابُ المَشْئَمَةِ، والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾
وقوله تعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ إلى آخرها.
فلا تزال الأرواح هنالك حتى يتم عدد الأرواح كلها بنفخها في الأجساد، ثم برجوعها إلى البرزخ فتقوم الساعة ويعيد اللّه عز وجل الأرواح إلى أجسادها ثانية، وهي الحياة الثانية يحاسب الخلق فريق في الجنة، وفريق في السعير مخلدين أبدا. انتهى.
وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم، ونحن نذكر كلامه وما احتج به ونبين ما فيه.
(وقال) ابن المبارك عن ابن جريج فيما قرئ عليه عن مجاهد: ليس هي في الجنة ولكن يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها.
وذكر معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد أنه سأل ابن شهاب عن أزواج المؤمنين فقال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدو وتروح إلى رياض الجنة تأتي ربها في كل يوم تسلم عليه.
(وقال) أبو عمر بن عبد البر في شرح حديث ابن عمر: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه إلى يوم القيامة، قال: وقد استدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور، وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك واللّه أعلم، لأن الأحاديث بذلك أحسن مجيئا وأثبت نقلا من غيرها.
قال: والمعنى عندي أنها تكون على أفنية قبورها لا على أنها تلزم ولا تفارق أفنية القبور كما قال مالك رحمه اللّه أنه بلغنا أن الأرواح تسرح حيث شاءت.
قال: وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارق ذلك، واللّه أعلم.
وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض، وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن كحياته وإدراكه، فتعدم بموت البدن كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته، وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنّة وإجماع الصحابة والتابعين كما سنذكر ذلك إن شاء اللّه، والمقصود أن عند هذه الفرقة المبطلة أن مستقر الأرواح بعد الموت العدم المحض.
وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أرواح أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الأرواح فتصير النفس السبعية إلى أبدان السباع، والكلبية إلى أبدان الكلاب، والبهيمية إلى أبدان البهائم، والدنية والسفلية إلى أبدان الحشرات، وهذا قول المتناسخة منكري المعاد، وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلهم.
فهذا ما تلخص لي من جمع أقوال الناس في مصير أرواحهم بعد الموت ولا تظفر به مجموعا في كتاب واحد غير هذا البتة، ونحن نذكر ما أخذ هذه الأقوال وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دل عليه الكتاب والسنّة على طريقتنا التي منّ اللّه بها وهو مرجو الإعانة والتوفيقة.
[فصل: مكان الروح]
فأما من قال هي الجنة: فاحتج بقوله تعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾
قال: وهذا ذكره سبحانه عقيب ذكر خروجها من البدن بالموت وقسم الأرواح إلى ثلاثة أقسام:
مقربين: وأخبر أنها في جنة النعيم.
وأصحاب يمين: حكم لها بالإسلام وهو يتضمن سلامتها من العذاب.
ومكذبة ضالة، وأخبر أن لها نزلا من حميم وتصلية جحيم، قالوا: وهذا بعد مفارقتها للبدن قطعا، وقد ذكر سبحانه حالها يوم القيامة في أول السورة فذكر حالها بعد الموت وبعد البعث واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً. فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾
وقد قال غير واحد من الصحابة والتابعين أن هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا يبشرها الملك بذلك، ولا ينافي ذلك قول من قال: إن هذا يقال لها في الآخرة فإنه يقال لها عند الموت وعند البعث وهذه من البشرى التي قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
وهذا التنزل يكون عند الموت ويكون في القبر ويكون عند البعث، وأول بشارة الآخرة عند الموت.
وقد تقدم في حديث البراء بن عازب أن الملك يقول لها عند قبضها:
أبشري بروح وريحان، وهذا من ريحان الجنة.
واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال:
«إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجرة الجنة حتى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه} «١».
قال أبو عمرو في رواية مالك هذه بيان سماع الزهري لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكذا رواه يونس عن الزهري قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه، وكذلك رواه الأوزاعي عن الزهري حدثني عبد الرحمن بن كعب وقد أعل محمد بن يحيى الذهلي هذا الحديث بأن شعيب بن أبي حمزة ومحمد بن أخي الزهري وصالح بن كيسان رووه عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك عن جده كعب فيكون منقطعا، وقال صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عبد الرحمن أنه بلغه أن كعبا بن مالك كان يحدث، قال الذهلي: وهذا المحفوظ عندنا وهو الذي يشبهه حديث صالح وشعيب وابن أخي الزهري وخالفه في هذا غير من الحفّاظ فحكموا لمالك والأوزاعي.
قال أبو عمر: فاتفق مالك ويونس بن يزيد والأوزاعي والحارث بن فضيل على رواية هذا الحديث عن الزهري عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه وصححه الترمذي وغيره.
(وقال) أبو عمرو: لا وجه عندي لما قاله محمد بن يحيى من ذلك ولا دليل عليه، واتفاق مالك ويونس بن زيد والأوزاعي ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب والنفس إلى قولهم: وروايتهم أسكن وهم من الحفظ والإتقان بحيث لا يقاس بهم من خالف في هذا الحديث. انتهى.
وقد قال محمد الذهلي: سمعت علي ابن المديني يقول: ولد كعب خمسة:
عبد اللّه، وعبيد اللّه، ومعبد، وعبد الرحمن، ومحمد.
قال الذهلي: فسمع الزهري من عبد اللّه بن كعب، وكان قائد أبيه حين عمي، وسمع من عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب، وروي عن بشير بن عبد الرحمن بن كعب، ولا أراه سمع منه. انتهى.
فالحديث إن كان لعبد الرحمن عن أبيه عن كعب كما قال مالك ومن معه، فظاهر، وإن كان لعبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب عن جده كما قال شعيب ومن معه فنهايته أن يكون مرسلا من هذا الطريق وموصولا من الأخرى والذين وصلوه ليسوا بدون الذين أرسلوه قدرا ولا عددا فالحديث عن صحاح الأحاديث، وإنما لم يخرجه صاحبا الصحيح لهذه العلة، واللّه أعلم.
(قال) أبو عمر: وأما قوله نسمة المؤمن، فالنسمة هاهنا الروح، يدل على ذلك قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحديث نفسه، حتى يرجعه إلى اللّه جسده يوم يبعثه، وقيل: النسمة الروح والنفس والبدن، وأصل هذه اللفظة أعني النسمة الإنسان بعينه.
وإنما قيل للروح نسمة واللّه أعلم، لأن حياة الإنسان بروحه، وإذا فارقه عدم أو صار كالمعدوم.
والدليل على أن النسمة الإنسان قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ومن أعتق نسمة مؤمنة»
وقول علي رضي اللّه عنه: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وقال الشاعر:
؎بأعظم منك تقي في الحساب ∗∗∗ إذا النسمات نفضن الغبارا
يعني إذا بعث الناس من قبورهم يوم القيامة، وقال الخليل بن أحمد:
النسمة الإنسان، قال: والنسمة الروح، والنسيم هبوب الريح، وقوله تعالى في شجر الجنة يروى بفتح اللام وهو الأكثر، ويروى بضم اللام والمعنى واحد وهو الأكل والرعي، يقول: تأكل من ثمار الجنة وتسرح بين أشجارها، والعلوقة والعلوق الأكل والرعي، تقول العرب: ما ذاق اليوم علوقا أي طعاما، قال الربيع بن أبي زياد يصف الخيل:
؎ومجنبات ما يذقن علوقة ∗∗∗ يمصعن بالمهرات والأمهار
وقال الأعشى:
؎وفلاة كأنها ظهر ترس ∗∗∗ ليس فيها إلا الرجيع علاق
قلت: ومنه قول عائشة: والنساء إذ ذاك خفاف لم يغشهن «١» اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، وأصل اللفظة من التعليق وهو ما يتعلق بالقلب والنفس من الغذاء.
قال: واختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال قائلون منهم: أرواح المؤمنين عند اللّه في الجنة شهداء كانوا أم غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين، وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم.
قال: واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخص فيه شهيدا من غير شهيد.
واحتجوا أيضا بما روي عن أبي هريرة:
«أن أرواح الأبرار في عليين وأرواح الفجار في سجين»
وعن عبد اللّه بن عمرو مثل ذلك.
قال أبو عمر: وهذا قول يعارضه من السنة ما لا مدفع في صحة نقله، وهو قوله:
«إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه إليه يوم القيامة».
وقال آخرون: إنما معنى هذا الحديث في الشهداء دون غيرهم، لأن القرآن والسنّة إنما يدلان على ذلك. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
وأما الآثار فذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه من طريق بقي بن مخلد مرفوعا:
«الشهداء يغدون ويروحون ثم يكون مأواهم إلى قناديل معلقة بالعرش فيقول لهم الرب تبارك وتعالى: {هل تعلمون كرامة أفضل من كرامة أكرمتكموها، فيقولون: لا، غير أنا وددنا أنك عدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى فنقتل في سبيلك». رواه عن هناد عن إسماعيل بن المختار عن المختار عن عطية عنه.
(ثم ساق حديث) ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لما أصيب إخوانكم (يعني يوم أحد) جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب مدلاة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقبلهم قالوا: ومن يبلغ إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ويزهدوا في الجهاد؟ قال:
فقال اللّه عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل اللّه تعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
والحديث في مسند أحمد وسنن أبي داود.
ثم ذكر حديث الأعمش عن عبد اللّه بن مرة عن مسروق قال: سأل عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن هذه الآية: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في الجنة في أيها شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربك اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: وأي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا! فعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا». والحديث في صحيح مسلم.
قلت: وفي صحيح البخاري عن أنس أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بنت سراقة أتت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت: يا نبي اللّه ألا تحدثني عن حارثة؟ (وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب) فإن كان في الجنة صبرت وإن كان في غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: «يا أم جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» «١».
ثم ساق: من طريق بقي بن مخلد حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا ابن عيينة عن عبيد اللّه بن أبي يزيد أنه سمع ابن عباس يقول: أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمرة الجنة.
ثم ذكر: عن معمر عن قتادة قال: بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة.
(ومن طريق) أبي عاصم النبيل عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد اللّه بن عمرو: أرواح الشهداء في طير كالزراير «١» يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة.
قال أبو عمر: هذه الآثار كلها تدل على أنهم الشهداء دون غيرهم، وفي بعضها في صور طير، وفي بعضها في أجواف طير، وفي بعضها كطير خضر، قال:
والذي يشبه عندي واللّه أعلم أن يكون القول قول من قال كطير أو صور طير لمطابقته لحديثنا المذكور (يريد حديث كعب بن مالك) وقوله: فيه نسمة المؤمن كطائر، ولم يقل في جوف طائر.
قال: وروى عيسى بن يونس حديث ابن مسعود عن الأعمش عن عبد اللّه بن مرة عن مسروق عن عبد اللّه كطير خضر.
قلت: والذي في صحيح مسلم في أجواف طير خضر.
قال أبو عمر: فعلى هذا التأويل كأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر يعلق في شجر الجنة.
قلت: لا تنافي بين قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«نسمة المؤمن من طائر يعلق في شجر الجنة»، وبين قوله: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعد، بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار»
وهذا الخطاب يتناول الميت على فراشه والشهيد، كما أن قوله: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة»، يتناول الشهيد وغيره، ومع كونه يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ترد روحه أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها.
وأما المقعد الخاص به والبيت الذي أعد له فإنه إنما يدخله يوم القيامة، ويدل عليه أن منازل الشهداء ودورهم وقصورهم التي أعدّ اللّه لهم ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعا، فهم يرون منازلهم ومقاعدهم من الجنة ويكون مستقرهم في تلك القناديل المعلقة بالعرش، فإن الدخول التام الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك.
ونظير هذا أهل الشقاء، تعرض أرواحهم على النار غدوا وعشيا، فإذا كان يوم القيامة دخلوا منازلهم ومقاعدهم التي كانوا يعرضون عليها في البرزخ فتنعم الأرواح بالجنة في البرزخ شيء، وتنعمها مع الأبدان يوم القيامة بها شيء آخر، فغذاء الروح من الجنة في البرزخ دون غذائها مع بدنها يوم البعث، ولهذا قال:
«تعلق في شجر الجنة» أي تأكل العلقة، وتمام الأكل والشرب واللبس والتمتع فإنما يكون إذا ردت إلى أجسادها يوم القيامة، فظهر أنه لا يعارض هذا القول من السنن شيء، وإنما تعاضده السنّة وتوافقه.
وأما قول من قال: إن حديث كعب في الشهداء دون غيرهم، فتخصيص ليس في اللفظ ما يدل عليه وهو محل اللفظ العام على أقل مسمياته: فإن الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين قليل جدا، والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم علق هذا الجزاء بوصف الإيمان، فهو المقتضي له ولم يعلقه بوصف الشهادة، ألا ترى أن الحكم الذي اختص بالشهداء علق بوصف الشهادة كقوله في حديث المقدام بن معد يكرب: «للشهيد عند اللّه ست خصال، يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين، وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه»، فلما كان هذا يختص بالشهيد قال: إن للشهيد ولم يقل إن للمؤمن، كذلك قوله في حديث قيس الجذامي يعطي الشهيد ست خصال، وكذلك سائر الأحاديث والنصوص التي علّق فيها الجزاء بالشهادة.
وأما ما علق فيه الجزاء بالإيمان فإنه يتناول كل مؤمن شهيدا كان أم غير شهيد.
وأما النصوص والآثار التي ذكرت في رزق الشهداء وكون أرواحهم في الجنة فكلها حق، وهي لا تدل على انتفاء دخول أرواح المؤمنين الجنة، ولا سيما الصديقين الذين هم أفضل الشهداء بلا نزاع بين الناس، فيقال لهؤلاء: ما تقولون في أرواح الصديقين هل هي في الجنة أم لا؟
فإن قالوا أنها في الجنة - لا يسوغ لهم غير هذا القول- فثبت أن هذه النصوص لا تدل على اختصاص أرواح الشهداء بذلك، وإن قالوا: ليست في الجنة لزمهم من ذلك أن تكون أرواح سادات الصحابة كأبي بكر الصديق وأبي بن كعب وعبد اللّه بن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة بن اليمان وأشباههم رضي اللّه عنهم ليست في الجنة، وأرواح شهداء زماننا في الجنة، وهذا معلوم البطلان ضرورة.
فإن قيل: فإذا كان هذا حكما لا يختص بالشهداء فما الموجب لتخصيصهم بالذكر في هذه النصوص؟
قلت: التنبيه على فضل الشهادة وعلو درجتها، وإن هذا مضمون لأهلها ولا بد وأن لهم منه أوفر نصيب، فنصيبهم من هذا النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فراشهم، وإن كان الميت على فراشه أعلى درجة منهم فله نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه.
ويدل على هذا أن اللّه سبحانه جعل أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، فإنهم لما بذلوا أنفسهم للّه حتى أتلفها أعداؤه فيه أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرا منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير، وتأمل لفظ الحديثين فإنه قال: «نسمة المؤمن طير»
فهذا يعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال: «و هي في جوف طير»
ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فصلوات اللّه وسلامه على من يصدق كلامه بعضه بعضا، ويدل على أنه حق من عند اللّه، وهذا الجمع أحسن من جمع أبو عمرو وترجيحة رواية من روى أرواحهم كطير خضر، بل الروايتان حق وصواب، فهي كطير خضر وفي أجواف طير خضر.