Tafsir Ibn Al-Qayyim — المنافقون 63:1 – الطلاق 65:12
المحتويات
المنافقون 63:1
(فائدة)
سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن رجل سمع مؤذنا يقول: أشهد أن محمدا رسول الله فقال: كذبت هل يكفر؟
فقال: "لا. لا يكفر لجواز أن يكون قصده تكذيب القائل فيما قال (لا) في أصل الكلمة فكأنه قال: أنت لا تشهد هذه الشهادة كقوله: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾.
المنافقون 63:2
تَسْبِقُ يَمِينُ أحَدِهِمْ كَلامَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِ أنَّ قُلُوبَ أهْلِ الإيمانِ لا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ، فَيَتَبَرَّأُ بِيَمِينِهِ مِن سُوءِ الظَّنِّ بِهِ وكَشْفِ ما لَدَيْهِ، وكَذَلِكَ أهْلُ الرِّيبَةِ يَكْذِبُونَ، ويَحْلِفُونَ لِيَحْسَبَ السّامِعُ أنَّهم صادِقُونَ، قَدِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢].
تَبًّا لَهُمْ! بَرَزُوا إلى البَيْداءِ مَعَ رَكْبِ الإيمانِ، فَلَمّا رَأوْا طُولَ الطَّرِيقِ وبُعْدَ الشُّقَّةِ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ ورَجَعُوا، وظَنُّوا أنَّهم يَتَمَتَّعُونَ بِطِيبِ العَيْشِ ولَذَّةِ المَنامِ في دِيارِهِمْ، فَما مُتِّعُوا بِهِ ولا بِتِلْكَ الهَجْعَةِ انْتَفَعُوا، فَما هو إلّا أنْ صاحَ بِهِمُ الصّائِحُ فَقامُوا عَنْ مَوائِدِ أطْعِمَتِهِمْ والقَوْمُ جِياعٌ ما شَبِعُوا، فَكَيْفَ حالُهم عِنْدَ اللِّقاءِ؟
وَقَدْ عَرَفُوا ثُمَّ أنْكَرُوا، وعَمُوا بَعْدَما عايَنُوا الحَقَّ وأبْصَرُوا ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣].
المنافقون 63:3
تَسْبِقُ يَمِينُ أحَدِهِمْ كَلامَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِ أنَّ قُلُوبَ أهْلِ الإيمانِ لا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ، فَيَتَبَرَّأُ بِيَمِينِهِ مِن سُوءِ الظَّنِّ بِهِ وكَشْفِ ما لَدَيْهِ، وكَذَلِكَ أهْلُ الرِّيبَةِ يَكْذِبُونَ، ويَحْلِفُونَ لِيَحْسَبَ السّامِعُ أنَّهم صادِقُونَ، قَدِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢].
تَبًّا لَهُمْ! بَرَزُوا إلى البَيْداءِ مَعَ رَكْبِ الإيمانِ، فَلَمّا رَأوْا طُولَ الطَّرِيقِ وبُعْدَ الشُّقَّةِ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ ورَجَعُوا، وظَنُّوا أنَّهم يَتَمَتَّعُونَ بِطِيبِ العَيْشِ ولَذَّةِ المَنامِ في دِيارِهِمْ، فَما مُتِّعُوا بِهِ ولا بِتِلْكَ الهَجْعَةِ انْتَفَعُوا، فَما هو إلّا أنْ صاحَ بِهِمُ الصّائِحُ فَقامُوا عَنْ مَوائِدِ أطْعِمَتِهِمْ والقَوْمُ جِياعٌ ما شَبِعُوا، فَكَيْفَ حالُهم عِنْدَ اللِّقاءِ؟
وَقَدْ عَرَفُوا ثُمَّ أنْكَرُوا، وعَمُوا بَعْدَما عايَنُوا الحَقَّ وأبْصَرُوا ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣].
المنافقون 63:4
أحْسَنُ النّاسِ أجْسامًا، وأخْلَبُهم لِسانًا، وألْطَفُهم بَيانًا، وأخْبَثُهم قُلُوبًا، وأضْعَفُهم جَنانًا، فَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ الَّتِي لا ثَمَرَ لَها، قَدْ قُلِعَتْ مِن مَغارِسِها فَتَسانَدَتْ إلى حائِطٍ يُقِيمُها، لِئَلّا يَطَأها السّالِكُونَ ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].
يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وقْتِها الأوَّلِ إلى شَرَقِ المَوْتى فالصُّبْحُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ والعَصْرُ عِنْدَ الغُرُوبِ، ويَنْقُرُونَها نَقْرَ الغُرابِ، إذْ هي صَلاةُ الأبْدانِ، لا صَلاةُ القُلُوبِ، ويَلْتَفِتُونَ فِيها التِفاتَ الثَّعْلَبِ، إذْ يَتَيَقَّنُ أنَّهُ مَطْرُودٌ مَطْلُوبٌ، ولا يَشْهَدُونَ الجَماعَةَ، بَلْ إنْ صَلّى أحَدُهم فَفي البَيْتِ أوِ الدُّكّانِ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ، هَذِهِ مُعامَلَتُهم لِلْخَلْقِ، وتِلْكَ مُعامَلَتُهم لِلْخالِقِ، فَخُذْ وصْفَهم مِن أوَّلِ المُطَفِّفِينَ، وآخِرِ والسَّماءِ والطّارِقِ فَلا يُنْبِئُكُ عَنْ أوْصافِهِمْ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] فَما أكْثَرَهُمْ! وهُمُ الأقَلُّونَ، وما أجْبَرَهُمْ! وهُمُ الأذَلُّونَ، وما أجْهَلَهُمْ! وهُمُ المُتَعالِمُونَ، وما أغَرَّهم بِاللَّهِ! إذْ هم بِعَظَمَتِهِ جاهِلُونَ ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦].
(فائدة)
قيل: في قوله ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾
إن المراد به عبد الله بن أبي وكان من أحسن الناس جسما والصواب أن اللفظ عام في من اتصف بهذه الصفات وهي صحة الجسم وتمامه وحسن الكلام وخلوه من روح الإيمان ومحبة الهدى وإيثاره كـ خُلُوِّ الخشب المقطوعة التي قد تساند بعضها إلى بعض من روح الحياة التي يعطيها النمو أو الزيادة والثمرة واتصافهم بالجبن والخور الذي يحسب صاحبه أن كل صيحة عليه.
فمن التقصير الزائد أن يقال إن المراد بهذا اللفظ هو عبد الله بن أبي.
(فصل: في طبقة الزنادقة)
وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسوله.
وهؤلاء المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، ولَن تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]
فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، وهم فوقهم في دركات النار. لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق، وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقهم: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]
ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر، أي لا عدو إلا هم، ولكن لم يرد هاهنا حصر العداوة فيهم وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم بل هذا] من إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا وموالاتهم لهم] ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعدواة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها.
فإن ضرر هؤلاءِ المخالطين لهم المعاشرين لهم - وهم في الباطن على خلاف دينهم - أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم ينقضى ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْوهُمْ﴾
لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوًا من الكفار المجاهرين.
ونظير ذلك قول النبي ﷺ:
"ليس المسكين الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه"
فليس هذا نفيًا لاسم المسكين عن الطواف، بل إخبار بأن هذا القانع الذي لا يسمونه مسكينًا أحق بهذا الاسم من الطواف الذي يسمونه مسكينًا.
والمقصود أن هذه الطبقة أشقى الأشقياءِ، ولهذا يستهزأُ بهم في الآخرة، وتعطى نورًا يتوسطون به على الصراط ثم يطفيء الله نورهم ويقال لهم: ﴿ارْجَعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]،
ويضرب بينهم وبين المؤمنين: ﴿بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قَبْلِهِ العَذابُ يُنادُونَهم ألَمْ نَكُن مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُم وغَرَّتْكُمُ الأمانِي حَتّى جاءَ أمْرُ اللهِ وغرَّكم بِاللهِ الغرُورِ﴾
وهذا أشد ما يكون من الحسرة والبلاءِ أن يفتح للعبد طريق النجاة والفلاح، حتى إذا ظن أنه ناج ورأى منازل السعداءِ اقتطع عنهم وضربت عليه الشقوة ونعوذ بالله من غضبه وعقابه.
وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداءُ، ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفرًا وأخبث قلوبًا، وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداءِ عنهم، وإن كان البعداء متصدين لحرب المسلمين.
ولهذا قال تعالى [فى المنافقين]: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُم لا يَفْقَهُونَ﴾
وقال تعالى فيهم: ﴿صُم بُكْمُّ عُمِى فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٨]،
وقال تعالى في الكفار: ﴿صُم بُكْم عُمْى فَهم لا يرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]،
فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثم عمي وعرف ثم تجاهل وأقر ثم أنكر وآمن، ثم كفر، ومن كان هكذا كان أشد كفرًا وأخبث قلبًا وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل.
[فَصْلٌ: المَعاصِي تُلْقِي الرُّعْبَ والخَوْفَ في القُلُوبِ]
وَمِن عُقُوباتِها ما يُلْقِيهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الرُّعْبِ والخَوْفِ في قَلْبِ العاصِي، فَلا تَراهُ إلّا خائِفًا مَرْعُوبًا.
فَإنَّ الطّاعَةَ حِصْنُ اللَّهِ الأعْظَمُ، مَن دَخَلَهُ كانَ مِنَ الآمِنِينَ مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن خَرَجَ عَنْهُ أحاطَتْ بِهِ المَخاوِفُ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَمَن أطاعَ اللَّهَ انْقَلَبَتِ المَخاوِفُ في حَقِّهِ أمانًا، ومَن عَصاهُ انْقَلَبَتْ مَآمِنُهُ مَخاوِفَ، فَلا تَجِدُ العاصِيَ إلّا وقَلْبُهُ كَأنَّهُ بَيْنَ جَناحَيْ طائِرٍ، إنْ حَرَّكَتِ الرِّيحُ البابَ قالَ: جاءَ الطَّلَبُ، وإنْ سَمِعَ وقْعَ قَدَمٍ خافَ أنْ يَكُونَ نَذِيرًا بِالعَطَبِ، يَحْسَبُ أنَّ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِ، وكُلَّ مَكْرُوهٍ قاصِدٌ إلَيْهِ، فَمَن خافَ اللَّهَ آمَنَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ومَن لَمْ يَخَفِ اللَّهَ أخافَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ:
؎بِذا قَضى اللَّهُ بَيْنَ الخَلْقِ مُذْ خُلِقُوا ∗∗∗ أنَّ المَخاوِفَ والأجْرامَ في قَرَنِ
المَعاصِي تُوقِعُ في الوَحْشَةِ
وَمِن عُقُوباتِها أنَّها تُوقِعُ الوَحْشَةَ العَظِيمَةَ في القَلْبِ فَيَجِدُ المُذْنِبُ نَفْسَهُ مُسْتَوْحِشًا، قَدْ وقَعَتِ الوَحْشَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، وبَيْنَ الخَلْقِ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وكُلَّما كَثُرَتِ الذُّنُوبُ اشْتَدَّتِ الوَحْشَةُ، وأمَرُّ العَيْشِ عَيْشُ المُسْتَوْحِشِينَ الخائِفِينَ، وأطْيَبُ العَيْشِ عَيْشُ المُسْتَأْنِسِينَ، فَلَوْ نَظَرَ العاقِلُ ووازَنَ لَذَّةَ المَعْصِيَةِ وما تُوقِعُهُ مِنَ الخَوْفِ والوَحْشَةِ، لَعَلِمَ سُوءَ حالِهِ، وعَظِيمَ غَبْنِهِ، إذْ باعَ أُنْسَ الطّاعَةِ وأمْنَها وحَلاوَتَها بِوَحْشَةِ المَعْصِيَةِ وما تُوجِبُهُ مِنَ الخَوْفِ والضَّرَرِ الدّاعِي لَهُ.
كَما قِيلَ:
؎فَإنْ كُنْتَ قَدْ أوْحَشَتْكَ الذُّنُوبُ ∗∗∗ فَدَعْها إذا شِئْتَ واسْتَأْنِسِ
وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ القُرْبَ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، فَكُلَّما اشْتَدَّ القُرْبُ قَوِيَ الأُنْسُ، والمَعْصِيَةُ تُوجِبُ البُعْدَ مِنَ الرَّبِّ، وكُلَّما زادَ البُعْدُ قَوِيَتِ الوَحْشَةُ.
وَلِهَذا يَجِدُ العَبْدُ وحْشَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ لِلْبُعْدِ الَّذِي بَيْنَهُما، وإنْ كانَ مُلابِسًا لَهُ، قَرِيبًا مِنهُ، ويَجِدُ أُنْسًا قَوِيًّا بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُحِبُّ، وإنْ كانَ بَعِيدًا عَنْهُ.
والوَحْشَةُ سَبَبُها الحِجابُ، وكُلَّما غَلُظَ الحِجابُ زادَتِ الوَحْشَةُ، فالغَفْلَةُ تُوجِبُ الوَحْشَةَ، وأشَدُّ مِنها وحْشَةُ المَعْصِيَةِ، وأشَدُّ مِنها وحْشَةُ الشِّرْكِ والكُفْرِ، ولا تَجِدُ أحَدًا مُلابِسًا شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا ويَعْلُوهُ مِنَ الوَحْشَةِ بِحَسْبِ ما لابَسَهُ مِنهُ، فَتَعْلُو الوَحْشَةُ وجْهَهُ وقَلْبَهُ فَيَسْتَوْحِشُ ويُسْتَوْحَشُ مِنهُ.
المنافقون 63:8
(فائدة)
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ العِزَّ قَرِينَ طاعَتِهِ، والذُّلَّ قَرِينَ مَعْصِيَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وَقالَ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
والإيمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ، ظاهِرٌ وباطِنٌ، وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
أيْ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَطْلُبْها بِطاعَةِ اللَّهِ وذِكْرِهِ مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَفِي دُعاءِ القُنُوتِ: "إنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ، ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ"
وَمَن أطاعَ اللَّهَ فَقَدْ والاهُ فِيما أطاعَهُ فِيهِ، ولَهُ مِنَ العِزِّ بِحَسَبِ طاعَتِهِ، ومَن عَصاهُ فَقَدْ عاداهُ فِيما عَصاهُ فِيهِ، ولَهُ مِنَ الذُّلِّ بِحَسَبِ مَعْصِيَتِهِ.
وقال في (إغاثة اللهفان)
وقال بعض السلف: "الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله"
وقال الحسن: "وإن هَمْلَجَتْ بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبي الله عز وجل إلا أن يُذِلَّ من عصاه، وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه، ولا يذل من والاه الله، كما في دعاء القنوت.
(فائدة)
للعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ ولِرَسُوِلهِ ولِلْمُؤْمِنِين﴾ [المنافقون: ٨].
فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا ظاهرا وباطنا.
(فصل)
والعز ضد الذل، والذل أصله الضعف والعجز فالعز يقتضي كمال القدرة والعزة، ولهذا يوصف به المؤمن ولا يكون ذمًا له بخلاف الكبر.
قال رجل للحسن البصري: إنك متكبر. فقال: لست متكبرًا، ولكني عزيز.
وقال تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينِ﴾ [المنافقون: ٨]
وقال ابن مسعود: ما زِلْنا أعِزَّةً مُنْذُ أسْلَمَ عُمَرُ.
وقال النبي ﷺ
"اللهم أعز بأحد هذيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عُمَرَ بْن الخَطّاب، أو أبِي جَهْل بْن هِشام"
وفي بعض الآثار: إن الناس يطلبون العزة في أبواب الملوك، ولا يجدونها إلا في طاعة الله عز وجل.
وفي الحديث: "اللَّهُمَّ أعِزَّنا بِطاعَتِكَ ولا تُذِلَّنا بِمعْصِيتكَ"
وقال بعضهم: من أراد عزًا بلا سلطان، وكثرة بلا عشيرة، وغنى بلا مال، فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة.
فالعزة من جنس القدرة والقوة.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
"المُؤْمِنُ القَوِى خَيْر وأحَبُّ إلى اللهُ مَنَ المُؤْمِنِ الضعيف، وفي كل خير".
فالقدرة إن لم يكن معها حكمة بل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر في العاقبة، ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله، كان فعله فسادًا كصاحب شهوات الغي والظلم، الذي يفعله بقوته ما يريده من شهوات الغي في بطنه وفرجه ومن ظلم الناس، فإن هذا وإن كان له قوة وعزة لكن لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده.
المنافقون 63:9
قال ابن جريج: سمعت عطاء ابن أبي رباح يقول هي الصلاة المكتوبة.
ووجه الاستدلال بالآية أن الله حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح يوضحه أنه سبحانه وتعالى أكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد:
أحدهما: إتيانه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه دون الفعل الدال على التجدد والحدوث.
الثاني: تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم، فإنك إذا قلت: زيد العالم الصالح أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له بخلاف قولك عالم صالح.
الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ونظائره.
الرابع: إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين قوة الإسناد واختصاص المسند إليه بالمسند كقوله: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾، وقوله: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾، وقوله: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
ونظائر ذلك.
(فصل)
المقصود: أن دوام الذكر لما كان سببا لدوام المحبة، وكان الله سبحانه أحق بكمال الحب والعبودية والتعظيم والإجلال، كان كثرة ذكره من أنفع ما للعبد. وكان عدوه حقا هو الصاد له عن ذكر ربه، وعبوديته.
ولهذا أمر سبحانه بكثرة ذكره في القرآن. وجعله سببا للفلاح. فقال تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
وقال: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾
وقال: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾
وقال: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. ومَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
وقال: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾
وقال النبي ﷺ «سبق المفردون. قالوا: يا رسول الله وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا»
وفي الترمذي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله»
وهو في الموطأ موقوف على أبي الدرداء.
وقال معاذ بن جبل «ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله».
وذكر رسول الله ﷺ تبع لذكره.
والمقصود: أن دوام الذكر سبب لدوام المحبة.
فالذكر للقلب كالماء للزرع، بل كالماء للسمك، لا حياة له إلا به.
وهو أنواع: ذكره بأسمائه وصفاته، والثناء عليه بها.
الثاني: تسبيحه وتحميده، وتكبيره وتهليله، وتمجيده، وهو الغالب من استعمال لفظ الذكر عند المتأخرين.
الثالث: ذكره بأحكامه وأوامره ونواهيه. وهو ذكر أهل العلم، بل الأنواع الثلاثة هي ذكرهم لربهم.
ومن أفضل ذكره: ذكره بكلامه. قال تعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾
فذكره هاهنا هو كلامه الذي أنزله على رسوله، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ. ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾.
ومن ذكره سبحانه: دعاؤه واستغفاره والتضرع إليه.
فهذه خمسة أنواع من الذكر.
(فصل)
إن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلو الذكر لله عز وجل، قال الله عز وجل في المنافقين: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلًا﴾
وقال كعب: من أكثر ذكر الله عز وجل برئ من النفاق ولهذا - والله أعلم - ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾.
فإن في ذلك تحذيرًا من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله عز وجل فوقعوا في النفاق.
وسئل بعض الصحابة رضي الله عنهم عن الخوارج: منافقون هم؟
قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا.
فهذا من علامة النفاق قلة ذكر الله عز وجل، وكثرة ذكره أمان من النفاق، والله عز وجل أكرم من أن يبتلي قلبًا ذاكرًا بالنفاق، وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله عز وجل.
(فصل: في بيان منفعة الحق، ومنفعة الخلق، وما بينهما من التباين)
قال ابن القيم - بعد كلام -
إذا تبين هذا ظهر أن أحدًا من المخلوقين لا يقصد منفعتك بالمقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وقد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل، فإذا دعوته فقد دعوت من ضرُّه أقرب من نفعه.
وأما الرب تبارك وتعالى فهو يريدك لك ولمنفعتك لا لينتفع بك، وذلك منفعة لك محضة لا ضرر فيها، فتدبر هذا حق التدبر وراعه حق المراعاة، فملاحظة تمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعته لك فإنه لا يريد ذلك ألبتة بالقصد الأول، بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلًا أو آجلًا، فهو يريد نفسه لا يريدك، ويريد نفع نفسه بك لا نفعك بنفسه، فتأمل ذلك فإن فيه منفعة عظيمة وراحة ويأْسًا من المخلوقين، سدًا لباب عبوديتهم وفتحًا لباب عبودية الله وحده، فما أعظم حظ من عرف هذه المسألة ورعاها حق رعايتها.
ولا يحملنك هذا على جفوة الناس وترك الإحسان إليهم واحتمال أذاهم، بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم.
فكما لا تخافهم فلا ترجوهم، ومما يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك وإن كان ذلك ضررًا عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءَها، فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجتهم، بل لو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك.
وهذا إذا تدبره العاقل علم أنه عداوة في صورة صداقة، وأنه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة، فهم يريدون أن يصيروك كالكير ينفخ بطنك ويعصر أضلاعك في نفعهم ومصالحهم، بل لو أبيح لهم أكلك لجزروك كما يجزرون الشاة، وكم يذبحونك كل وقت بغير سكين لمصالحهم، وكم اتخذوك جسرًا ومعبرًا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر، وكم بعت آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم، وربما علمت.
وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك، ورحت صفر اليدين، وكم فَوَّتُوا عليك من مصالح الدارين وقطعوك عنها وحالوا بينك وبينها، وقطعوا طريق سفرك إلى منازلك الأُولى ودارك التي دعيت إليها وقالوا: نحن أحبابك وخدمك، وشيعتك وأعوانك، والساعون في مصالحك. وكذبوا والله إنهم لأعداءٌ في صورة أولياءَ، وحرب في صورة مسالمين، وقطاع طريق في صورة أعوان.
فواغوثاه ثم واغوثاه بالله الذي يغيث ولا يغاث ﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ إنّ مِن أزْواجِكم وأوْلاَدِكم عَدُوًّا لّكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]
﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكم أمْوالُكم ولاَ أوْلاَدُكم عَن ذِكْرِ اللهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم ولم يعاملهم في الله، وخاف الله فيهم ولم يخفهم في الله وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم بسخط الله، وراقب الله فيهم ولم يراقبهم في الله، وآثر الله عليهم ولم يؤثرهم في الله، وأمات خوفهم ورجاءَهم وحبهم من قلبه وأحيا حب الله وخوفه ورجاءَه فيه، فهذا هو الذي يكتب عليهم، وتكون معاملته لهم كلها ربحًا، بشرط أن يصبر على أذاهم ويتخذه مغنمًا لا مغرمًا وربحًا لا خسرانًا.
ومما يوضح الأمر أن الخلق لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة ألبتة إلا بإذن الله ومشيئته وقضائه وقدره فهو في الحقيقة الذي لا يأْتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو: ﴿وَإن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرّ فَلاَ كاشِفَ لَهُ إلاّ هو وإن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]، قال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس:
"واعْلَمْ أنَّ الخَليقَةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيءٍ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ ولَوْ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يضروك لم يضروكَ إلا بِشَيءٍ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ"
وإذا كانت هذه حال الخلقة، فتعليق الخوف والرجاء بهم ضار غير نافع. والله أعلم.
التغابن 64:1
(فصل)
اعلم أن كمال ملكه بأن يكون مقارنا بحمده فله الملك وله الحمد، والناس في هذا المقام ثلاث فرق فالرسل وأتباعهم أثبتوا له الملك والحمد.
وهذا مذهب من أثبت له القدرة والحكمة، وحقائق الأسماء والصفات، ونزهه عن النقائص ومشابهة المخلوقات.
ويوحشك في هذا المقام جميع الطوائف غير أهل السنة الذين لم يتحيزوا إلى نحلة ولا مقالة ولا متبوع من أهل الكلام.
الفرقة الثانية: الذين أثبتوا له الملك، وعطلوا حقيقة الحمد وهم الجبرية نفاة الحكمة والتعليل القائلين بأنه يجوز عليه كل ممكن ولا ينزه عن فعل قبيح، بل كل ممكن فإنه لا يقبح منه، وإنما القبيح المستحيل لذاته كالجمع بين النقيضين.
فيجوز عليه تعذيب ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل طاعته، وإكرام إبليس وجنوده، وجعلهم فوق أوليائه في النعيم المقيم أبدا.
ولا سبيل لنا إلى العلم باستحالة ذلك إلا من نفي الخُلْف في خبره فقط.
فيجوز أن يأمر بمشيئته ومشيئة أنبيائه، والسجود للأصنام وبالكذب والفجور وسفك ونهب الأموال، وينهى عن البر والصدق والإحسان والعفاف، ولا فرق في نفس الأمر بين ما أمر به ونهى عنه إلا التحكم بمحض المشيئة، وأنه أمر بهذا ونهى عن هذا من غير أن يكون فيما أمر به صفة حسن تقتضي محبته والأمر به ولا فيما نهى عنه صفة قبح تقتضي كراهته والنهي عنه.
فهؤلاء عطلوا حمده في الحقيقة، وأثبتوا له ملكا بلا حمد مع أنهم في الحقيقة لم يثبتوا له ملكا فإنهم جعلوه معطلا في الأزل والأبد لا يقوم به فعل ألبتة.
وكثير منهم عطله عن صفات الكمال التي لا يتحقق كونه ملكا وربا وإلها إلا بها فلا ملكا أثبتوا ولا حمدا.
الفرقة الثالثة: أثبتوا له نوعا من الحمد وعطلوا كمال ملكه، وهم القدرية الذين أثبتوا نوعا من الحكمة ونفوا لأجلها كمال قدرته فحافظوا على نوع من الحمد عطلوا له كمال الملك.
وفي الحقيقة لم يثبتوا لا هذا ولا هذا، فإن الحكمة التي أثبتوها جعلوها راجعة إلى المخلوق لا يعود إليه سبحانه حكمها والملك الذي أثبتوه فإنهم في الحقيقة إنما قرروا نفيه لنفي قيام الصفات التي لا يكون ملكا حقا إلا بها
ونفي قيام الأفعال الاختيارية فلم يقم به عندهم وصف ولا فعل ولا له إرادة ولا كلام ولا سمع ولا بصر ولا فعل ولا له حب ولا بغض معطل عن حقيقة الملك والحمد.
والمقصود أن عموم ملكه يستلزم إثبات القدرة، وأن لا يكون في ملكه شيء بغير مشيئته فالله أكبر من ذلك وأجل وعموم حمده يستلزم أن لا يكون في خلقه وأمره ما لا حكمة فيه ولا غاية محمودة يفعل لأجلها ويأمر لأجلها فالله أكبر وأجل من ذلك يوضحه الوجه الخامس عشر أن مجرد الفعل من غير قصد ولا حكمة ولا مصلحة يقصده الفاعل لأجلها لا يكون متعلقا للحمد، فلا يحمد عليه حتى لو حصلت به مصلحة من غير قصد الفاعل لحصولها لم يستحق الحمد عليها كما تقدم تقريره، بل الذي يقصد الفعل لمصلحة وحكمة وغاية محمودة وهو عاجز عن تنفيذ مراده أحق بالحمد من قادر لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لقصد الإحسان.
هذا المستقر في فطر الخلق والرب سبحانه حمده قد ملأ السماوات والأرض وما بينهما وما بعد ذلك، فملأ العالم العلوي والسفلي والدنيا والآخرة، ووسع حمده ما وسع علمه، فله الحمد التام على جميع خلقه ولا حكم يحكم إلا بحمده ولا قامت السماوات والأرض إلا بحمده ولا يتحول شيء في العالم العلوي والسفلي من حال إلى حال إلا بحمده، ولا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار إلا بحمده، كما قال الحسن رحمة الله عليه:
"لقد دخل أهل النار النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا" وهو سبحانه إنما أنزل الكتاب بحمده، وأرسل الرسل بحمده وأمات خلقه بحمده ويحييهم بحمده ولهذا حمد نفسه على ربوبيته الشاملة لذلك كله فالحمد لله رب العالمين وحمد نفسه على إنزال كتبه فالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وحمد نفسه على خلق السماوات والأرض: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾
وحمد نفسه على كمال ملكه: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾
فحمد ملأ الزمان والمكان والأعيان وعم الأقوال كلها: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
وكيف لا يحمد على خلقه كله وهو الذي أحسن كل شيء خلقه وعلى صنعه وقد أتقنه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
وعلى أمره وكله حكمة ورحمة وعدل ومصلحة وعلى نهيه وكل ما نهى عنه شر وفساد وعلى ثوابه وكله رحمة وإحسان وعلى عقابه وكله عدل وحق فلله الحمد كله وله الملك كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله والمقصود أنه كلما كان الفاعل أعظم حكمة كان أعظم حمدا وإذا عدم الحكمة ولم يقصدها بفعله وأمره عدم الحمد.
التغابن 64:7
(فائدة)
وقد أمر نبيه أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات فقال تعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنّ﴾
وقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾
وقال تعالى ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
وهذا لأن المعاد إنما يعلمه عامة الناس بإخبار الأنبياء، وإن كان من الناس من قد يعلمه بالنظر.
وقد تنازع النظار في ذلك:
فقالت طائفة: إنه لا يمكن علمه إلا بالسمع، وهو الخبر.
وهو قول من لا يرى تعليل الأفعال، ويقولون لا ندري ما يفعل الله إلا بعادة أو خبر، كما يقوله جهم بن صفوان ومن اتبعه، والأشعري وأتباعه، وكثير من أهل الكلام في الفقه والحديث من أتباع الأئمة الأربعة.
بخلاف العلم بالصانع فإن الناس متفقون على أنه لا يعلم إلا بالعقل، وإن كان ذلك مما نبهت الرسل عليه، وصفاته قد تعلم بالعقل وتعلم بالسمع أيضا كما قد بسط في موضع آخر.
التغابن 64:9
(موعظة)
اشْتَرِ نَفسك اليَوْم فَإن السُّوق قائِمَة والثمن مَوْجُود والبضائع رخيصة، وسَيَأْتِي على تِلْكَ السُّوق والبضائع يَوْم لا تصل فِيها إلى قَلِيل ولا كثير .. ذَلِكَ يَوْم التغابن.
التغابن 64:11
(فائدة)
قيل إذا اسْتكْمل العَبْد حَقِيقَة اليَقِين صار البلاء عِنْده نعْمَة، والمحنة منحة، فالعلم أول دَرَجات اليَقِين.
وَلِهَذا قيل العلم يستعملك، واليَقِين يحملك.
فاليقين أفضل مواهب الرب لعَبْدِهِ، ولا تثبت قدم الرضاء إلا على دَرَجَة اليَقِين قالَ تَعالى ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾
قالَ ابْن مَسْعُود: هو العَبْد تصيبه المُصِيبَة فَيعلم أنها من الله، فيرضى ويسلم.
فَلهَذا لم يحصل لَهُ هِدايَة القلب والرِّضا والتَّسْلِيم إلا بيقينه.
التغابن 64:14
(فصل)
قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه:
"ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر"
ولذلك حذر الله عباده من فتنة المال والأزواج والأولاد فقال تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾
وليس المراد من هذه العداوة ما يفهمه كثير من الناس أنها عداوة البغضاء والمحادة بل إنما هي عداوة المحبة الصادة للآباء عن الهجرة والجهاد وتعلم العلم والصدقة وغير ذلك من أمور الدين وأعمال البر كما في جامع الترمذي من حديث إسرائيل حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية يا أيها الذين آمنوا أن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم قال هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة فأرادوا أن يأتو النبي فأبي أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله فلما أتوا رسول الله ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ الآية.
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وما أكثر ما فات العبد من الكمال والفلاح بسبب زوجته وولده.
وفي الحديث:
" الولد مبخلة مجبنة"
وقال الإمام أحمد حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني زيد بن واقد قال حدثني عبد الله بن بريدة قال سمعت أبي يقول:
"كان رسول الله يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله عن المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال صدق الله ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما"
وهذا من كمال رحمته ولطفه بالصغار وشفقته
عليهم وهو تعليم منه للأمة الرحمة والشفقة واللطف بالصغار.
(فائدة)
وإنما كان الصبر على السراء شديدا لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره.
وكذلك الشبق عند غيبة المرأة أصبر منه عند حضورها.
التغابن 64:15
قال مقاتل "أى بلاء، وشغل عن الآخرة".
وقال ابن عباس: "فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى".
وقال الزجاج: أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به.
وهذا عام في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه، تناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم، إلا من عصمه الله تعالى.
(لطيفة)
روي أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ رَجُلًا: كَيْفَ أنْتَ؟
فَقالَ: مِمَّنْ يُحِبُّ الفِتْنَةَ، ويَكْرَهُ الحَقَّ، ويَشْهَدُ عَلى ما لَمْ يَرَهُ، فَأمَرَ بِهِ إلى السِّجْنِ.
فَأمَرَ عَلِيٌّ بِرَدِّهِ، وقالَ: صَدَقَ، قالَ: كَيْفَ صَدَّقْته؟ قالَ: يُحِبُّ المالَ والوَلَدَ.
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]
وَيَكْرَهُ المَوْتَ، وهو حَقٌّ، ويَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَرَهُ، فَأمَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإطْلاقِهِ، قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
التغابن 64:16
[فَصْلٌ: مَنزِلَةُ السَّماعِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ السَّماعِ.
وَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ كالنَّباتِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ، وأثْنى عَلى أهْلِهِ، وأخْبَرَ أنَّ البُشْرى لَهُمْ، فَقالَ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ [المائدة: ١٠٨]
وَقالَ ﴿واسْمَعُوا وأطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]
وَقالَ ﴿وَلَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦]
وَقالَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٧]
وَقالَ ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]
وَقالَ ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣].
وَجَعَلَ الإسْماعَ مِنهُ والسَّماعَ مِنهم دَلِيلًا عَلى عِلْمِ الخَيْرِ فِيهِمْ، وعَدَمَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الخَيْرِ فِيهِمْ، فَقالَ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
وَأخْبَرَ عَنْ أعْدائِهِ أنَّهم هَجَرُوا السَّماعَ ونَهَوْا عَنْهُ، فَقالَ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦].
فالسَّماعُ رَسُولُ الإيمانِ إلى القَلْبِ وداعِيهِ ومُعْلِمُهُ، وكَمْ في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦]
وَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الحج: ٤٦] الآيَةَ.
فالسَّماعُ أصْلُ العَقْلِ، وأساسُ الإيمانِ الَّذِي انْبَنى عَلَيْهِ، وهو رائِدُهُ وجَلِيسُهُ ووَزِيرُهُ، ولَكِنَّ الشَّأْنَ كُلَّ الشَّأْنِ في المَسْمُوعِ، وفِيهِ وقَعَ خَبْطُ النّاسِ واخْتِلافُهُمْ، وغَلِطَ مِنهم مَن غَلِطَ.
وَحَقِيقَةُ السَّماعِ تَنْبِيهُ القَلْبِ عَلى مَعانِي المَسْمُوعِ، وتَحْرِيكُهُ عَنْها طَلَبًا وهَرَبًا وحُبًّا وبُغْضًا، فَهو حادٍ يَحْدُو بِكُلِّ أحَدٍ إلى وطَنِهِ ومَأْلَفِهِ.
وَأصْحابُ السَّماعِ، مِنهُمْ: مَن يَسْمَعُ بِطَبْعِهِ ونَفْسِهِ وهَواهُ، فَهَذا حَظُّهُ مِن مَسْمُوعِهِ ما وافَقَ طَبْعَهُ.
وَمِنهم مَن يَسْمَعُ بِحالِهِ وإيمانِهِ ومَعْرِفَتِهِ وعَقْلِهِ، فَهَذا يُفْتَحُ لَهُ مِنَ المَسْمُوعِ بِحَسَبَ اسْتِعْدادِهِ وقُوَّتِهِ ومادَّتِهِ.
وَمِنهم مَن يَسْمَعُ بِاللَّهِ، لا يَسْمَعُ بِغَيْرِهِ، كَما في الحَدِيثِ الإلَهِيِّ الصَّحِيحِ " فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ " وهَذا أعْلى سَماعًا، وأصَحُّ مِن كُلِّ أحَدٍ.
والكَلامُ في السَّماعِ مَدْحًا وذَمًّا يُحْتاجُ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ صُورَةِ المَسْمُوعِ، وحَقِيقَتِهِ وسَبَبِهِ، والباعِثِ عَلَيْهِ، وثَمَرَتِهِ وغايَتِهِ، فَبِهَذِهِ الفُصُولِ الثَّلاثَةِ يَتَحَرَّرُ أمْرُ السَّماعِ ويَتَمَيَّزُ النّافِعُ مِنهُ والضّارُّ، والحَقُّ والباطِلُ، والمَمْدُوحُ والمَذْمُومُ.
فَأمّا المَسْمُوعُ فَعَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ:
أحَدُها: مَسْمُوعٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضاهُ، وأمَرَ بِهِ عِبادَهُ، وأثْنى عَلى أهْلِهِ، ورَضِيَ عَنْهم بِهِ.
الثّانِي: مَسْمُوعٌ يُبْغِضُهُ ويَكْرَهُهُ، ونَهى عَنْهُ، ومَدَحَ المُعْرِضِينَ عَنْهُ.
الثّالِثُ: مَسْمُوعٌ مُباحٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، لا يُحِبُّهُ ولا يُبْغِضُهُ، ولا مَدَحَ صاحِبَهُ ولا ذَمَّهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ سائِرِ المُباحاتِ مِنَ المَناظِرِ، والمَشامِّ، والمَطْعُوماتِ، والمَلْبُوساتِ المُباحَةِ، فَمَن حَرَّمَ هَذا النَّوْعَ الثّالِثَ فَقَدْ قالَ عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُ، وحَرَّمَ ما أحَلَّ اللَّهُ، ومَن جَعَلَهُ دِينًا وقُرْبَةً يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ، فَقَدْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، وشَرَعَ دِينًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، وضاهَأ بِذَلِكَ المُشْرِكِينَ.
[فَصْلٌ: السَّماعُ الَّذِي يَمْدَحُهُ اللَّهُ]
فَأمّا النَّوْعُ الأوَّلُ فَهو السَّماعُ الَّذِي مَدَحَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وأمَرَ بِهِ وأثْنى عَلى أصْحابِهِ، وذَمَّ المُعْرِضِينَ عَنْهُ ولَعَنَهُمْ، وجَعَلَهم أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ سَبِيلًا، وهُمُ القائِلُونَ في النّارِ ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]
وَهُوَ سَماعُ آياتِهِ المَتْلُوَّةِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رَسُولِهِ، فَهَذا السَّماعُ أساسُ الإيمانِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ بِناؤُهُ، وهو عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ، سَماعِ إدْراكٍ بِحاسَّةِ الأُذُنِ، وسَماعِ فَهْمٍ وعَقْلٍ، وسَماعِ فَهْمٍ وإجابَةٍ وقَبُولٍ، والثَّلاثَةُ في القُرْآنِ.
فَأمّا سَماعُ الإدْراكِ فَفي قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُؤْمِنِي الجِنِّ قَوْلَهم ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١] وقَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] الآيَةَ، فَهَذا سَماعُ إدْراكٍ اتَّصَلَ بِهِ الإيمانُ والإجابَةُ
وَأمّا سَماعُ الفَهْمِ فَهو المَنفِيُّ عَنْ أهْلِ الإعْراضِ والغَفْلَةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [الروم: ٥٢]
وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
فالتَّخْصِيصُ هاهُنا لِإسْماعِ الفَهْمِ والعَقْلِ، وإلّا فالسَّمْعُ العامُّ الَّذِي قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]
أيْ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ في هَؤُلاءِ الكُفّارِ قَبُولًا وانْقِيادًا لَأفْهَمَهُمْ، وإلّا فَهم قَدْ سَمِعُوا سَمْعَ الإدْراكِ ﴿وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]
أيْ ولَوْ أفْهَمَهم لَما انْقادُوا ولا انْتَفَعُوا بِما فَهِمُوا؛ لِأنَّ في قُلُوبِهِمْ مِن داعِي التَّوَلِّي والإعْراضِ ما يَمْنَعُهم عَنِ الِانْتِفاعِ بِما سَمِعُوهُ.
وَأمّا سَماعُ القَبُولِ والإجابَةِ فَفي قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم قالُوا ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَإنَّ هَذا سَمْعُ قَبُولٍ وإجابَةٍ مُثْمِرٌ لِلطّاعَةِ.
والتَّحْقِيقُ: أنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْأنْواعِ الثَّلاثَةِ، وأنَّهم أخْبَرُوا بِأنَّهم أدْرَكُوا المَسْمُوعَ وفَهِمُوهُ، واسْتَجابُوا لَهُ.
وَمِن سَمْعِ القَبُولِ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]
أيْ قابِلُونَ مِنهم مُسْتَجِيبُونَ لَهُمْ، هَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ في الآيَةِ.
وَأمّا قَوْلُ مَن قالَ: عُيُونٌ لَهم وجَواسِيسُ فَضَعِيفٌ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْ حِكْمَتِهِ في تَثْبِيطِهِمْ عَنِ الخُرُوجِ بِأنَّ خُرُوجَهم يُوجِبُ الخَبالَ والفَسادَ، والسَّعْيَ بَيْنَ العَسْكَرِ بِالفِتْنَةِ، وفي العَسْكَرِ مَن يَقْبَلُ مِنهُمْ، ويَسْتَجِيبُ لَهُمْ، فَكانَ في إقْعادِهِمْ عَنْهم لُطْفًا بِهِمْ ورَحْمَةً، حَتّى لا يَقَعُوا في عَنَتِ القَبُولِ مِنهم.
أمّا اشْتِمالُ العَسْكَرِ عَلى جَواسِيسَ وعُيُونٍ لَهم فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِحِكْمَةِ التَّثْبِيطِ والإقْعادِ، ومَعْلُومٌ أنَّ جَواسِيسَهم وعُيُونَهم مِنهُمْ، وهو سُبْحانُهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ أقْعَدَهم لِئَلّا يَسْعَوْا بِالفَسادِ في العَسْكَرِ، ولِئَلّا يَبْغُوهُمُ الفِتْنَةَ، وهَذِهِ الفِتْنَةُ إنَّما تَنْدَفِعُ بِإقْعادِهِمْ، وإقْعادِ جَواسِيسِهِمْ وعُيُونِهِمْ.
وَأيْضًا فَإنَّ الجَواسِيسَ إنَّما تُسَمّى عُيُونًا هَذا المَعْرُوفُ في الِاسْتِعْمالِ لا تُسَمّى سَمّاعِينَ.
وَأيْضًا فَإنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في إخْوانِهِمُ اليَهُودِ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] أيْ قابِلُونَ لَهُ.
والمَقْصُودُ أنَّ سَماعَ خاصَّةِ الخاصَّةِ المُقَرَّبِينَ هو سَماعُ القُرْآنِ بِالِاعْتِباراتِ الثَّلاثَةِ: إدْراكًا وفَهْمًا، وتَدَبُّرًا، وإجابَةً. وكُلُّ سَماعٍ في القُرْآنِ مَدَحَ اللَّهُ أصْحابَهُ وأثْنى عَلَيْهِمْ، وأمَرَ بِهِ أوْلِياءَهُ فَهو هَذا السَّماعُ.
وَهُوَ سَماعُ الآياتِ، لا سَماعَ الأبْياتِ، وسَماعُ القُرْآنِ، لا سَماعَ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ، وسَماعُ كَلامِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ لا سَماعَ قَصائِدِ الشُّعَراءِ، وسَماعُ المَراشِدِ، لا سَماعَ القَصائِدِ، وسَماعُ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، لا سَماعَ المُغَنِّينَ والمُطْرِبِينَ.
فَهَذا السَّماعُ حادٍ يَحْدُو القُلُوبَ إلى جِوارِ عَلّامِ الغُيُوبِ، وسائِقٌ يَسُوقُ الأرْواحَ إلى دِيارِ الأفْراحِ، ومُحَرِّكٌ يُثِيرُ ساكِنَ العَزَماتِ إلى أعْلى المَقاماتِ وأرْفَعِ الدَّرَجاتِ، ومُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ، ودَلِيلٌ يَسِيرُ بِالرَّكْبِ في طَرِيقِ الجِنانِ، وداعٍ يَدْعُو القُلُوبَ بِالمَساءِ والصَّباحِ، مِن قِبَلِ فالِقِ الإصْباحِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ.
فَلَمْ يُعْدَمْ مَنِ اخْتارَ هَذا السَّماعَ إرْشادًا لِحُجَّةٍ، وتَبْصِرَةً لِعِبْرَةٍ، وتَذْكِرَةً لِمَعْرِفَةٍ، وفِكْرَةً في آيَةٍ، ودَلالَةً عَلى رُشْدٍ، ورَدًّا عَلى ضَلالَةٍ، وإرْشادًا مِن غَيٍّ، وبَصِيرَةً مِن عَمًى، وأمْرًا بِمَصْلَحَةٍ، ونَهْيًا عَنْ مَضَرَّةٍ ومَفْسَدَةٍ، وهِدايَةً إلى نُورٍ، وإخْراجًا مِن ظُلْمَةٍ، وزَجْرًا عَنْ هَوًى، وحَثًّا عَلى تُقًى، وجَلاءً لِبَصِيرَةٍ، وحَياةً لِقَلْبٍ، وغِذاءً ودَواءً وشِفاءً، وعِصْمَةً ونَجاةً، وكَشْفَ شُبْهَةٍ، وإيضاحَ بُرْهانٍ، وتَحْقِيقَ حَقٍّ، وإبْطالَ باطِلٍ.
وَنَحْنُ نَرْضى بِحُكْمِ أهْلِ الذَّوْقِ في سَماعِ الأبْياتِ والقَصائِدِ، ونُناشِدُهم بِالَّذِي أنْزَلَ القُرْآنَ هُدًى وشِفاءً ونُورًا وحَياةً هَلْ وجَدُوا ذَلِكَ أوْ شَيْئًا مِنهُ في الدُّفِّ والمِزْمارِ؟ ونَغَمَةِ الشّادِنِ ومُطْرِباتِ الألْحانِ؟ والغِناءُ المُشْتَمِلُ عَلى تَهْيِيجِ الحُبِّ المُطْلَقِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ مُحِبُّ الرَّحْمَنِ، ومُحِبُّ الأوْطانِ، ومُحِبُّ الإخْوانِ، ومُحِبُّ العِلْمِ والعِرْفانِ، ومُحِبُّ الأمْوالِ والأثْمانِ، ومُحِبُّ النِّسْوانِ والمُرْدانِ، ومُحِبُّ الصُّلْبانِ، فَهو يُثِيرُ مِن قَلْبِ كُلِّ مُشْتاقٍ ومُحِبٍّ لِشَيْءٍ ساكِنَهُ، ويُزْعِجُ قاطِنَهُ، فَيَثُورُ وجْدُهُ، ويَبْدُو شَوْقُهُ، فَيَتَحَرَّكُ عَلى حَسَبِ ما في قَلْبِهِ مِنَ الحُبِّ والشَّوْقِ والوَجْدِ بِذَلِكَ المَحْبُوبِ كائِنًا ما كانَ، ولِهَذا تَجِدُ لِهَؤُلاءِ كُلِّهِمْ ذَوْقًا في السَّماعِ، وحالًا ووَجْدًا وبُكاءً.
وَيا لَلَّهِ العَجَبُ! أيُّ إيمانٍ ونُورٍ وبَصِيرَةٍ وهُدًى ومَعْرِفَةٍ تَحْصُلُ بِاسْتِماعِ أبْياتٍ بِألْحانٍ وتَوْقِيعاتٍ، لَعَلَّ أكْثَرَها قِيلَتْ فِيما هو مُحَرَّمٌ يُبْغِضُهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، ويُعاقِبُ عَلَيْهِ مِن غَزَلٍ وتَشْبِيبٍ بِمَن لا يَحِلُّ لَهُ مَن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى؟ فَإنَّ غالِبَ التَّغَزُّلِ والتَّشْبِيبِ إنَّما هو في الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ، ومِن أنْدَرِ النّادِرِ تَغَزُّلُ الشّاعِرِ وتَشْبِيبُهُ في امْرَأتِهِ، وأمَتِهِ وأُمِّ ولَدِهِ، مَعَ أنَّ هَذا واقِعٌ لَكِنَّهُ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، فَكَيْفَ يَقَعُ لِمَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ وحَياةِ قَلْبٍ أنْ يَتَقَرَّبَ إلى اللَّهِ، ويَزْدادَ إيمانًا وقُرْبًا مِنهُ وكَرامَةً عَلَيْهِ، بِالتِذاذِهِ بِما هو بَغِيضٌ إلَيْهِ، مَقِيتٌ عِنْدَهُ، يَمْقُتُ قائِلَهُ والرّاضِيَ بِهِ؟ وتَتَرَقّى بِهِ الحالُ حَتّى يَزْعُمَ أنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ لِقَلْبِهِ مِن سَماعِ القُرْآنِ والعِلْمِ النّافِعِ، وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ؟!.
يا لَلَّهِ! إنَّ هَذا القَلْبَ مَخْسُوفٌ بِهِ، مَمْكُورٌ بِهِ مَنكُوسٌ، لَمْ يَصْلُحْ لِحَقائِقِ القُرْآنِ وأذْواقِ مَعانِيهِ، ومُطالَعَةِ أسْرارِهِ، فَبَلاهُ بِقُرْآنِ الشَّيْطانِ، كَما في مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ وغَيْرِهِ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا
«إنَّ الشَّيْطانَ قالَ: يا رَبِّ، اجْعَلْ لِي قُرْآنًا، قالَ: قُرْآنُكَ الشِّعْرُ، قالَ: اجْعَلْ لِي كِتابًا، قالَ: كِتابُكَ الوَشْمُ، قالَ: اجْعَلْ لِي مُؤَذِّنًا، قالَ: مُؤَذِّنُكَ المِزْمارُ، قالَ: اجْعَلْ لِي بَيْتًا، قالَ: بَيْتُكَ الحَمّامُ، قالَ: اجْعَلْ لِي مَصائِدَ، قالَ: مَصائِدُكَ النِّساءُ، قالَ: اجْعَلْ لِي طَعامًا، قالَ: طَعامُكُ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمِي»
واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
[فَصْلٌ ما يُبْغِضُهُ اللَّهُ ويَكْرَهُهُ مِنَ السَّماعِ]
القِسْمُ الثّانِي مِنَ السَّماعِ
ما يُبْغِضُهُ اللَّهُ ويَكْرَهُهُ، ويَمْدَحُ المُعْرِضَ عَنْهُ، وهو سَماعُ كُلِّ ما يَضُرُّ العَبْدَ في قَلْبِهِ ودِينِهِ، كَسَماعِ الباطِلِ كُلِّهِ، إلّا إذا تَضَمَّنَ رَدَّهُ وإبْطالَهُ والِاعْتِبارَ بِهِ وقَصَدَ أنْ يُعْلِمَ بِهِ حُسْنَ ضِدِّهِ، فَإنَّ الضِّدَّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ، كَما قِيلَ:
؎وَإذا سَمِعْتُ إلى حَدِيثِكَ زادَنِي ∗∗∗ حُبًّا لَهُ سَمْعِي حَدِيثَ سِواكا
وَكَسَماعِ اللَّغْوِ الَّذِي مَدَحَ التّارِكِينَ لِسَماعِهِ، والمُعْرِضِينَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]
قالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو الغِناءُ، وقالَ الحَسَنُ أوْ غَيْرُهُ: أكْرَمُوا نُفُوسَهم عَنْ سَماعِهِ
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ، وهَذا كَلامُ عارِفٍ بِأثَرِ الغِناءِ وثَمَرَتِهِ، فَإنَّهُ ما اعْتادَهُ أحَدٌ إلّا نافَقَ قَلْبُهُ وهو لا يَشْعُرُ، ولَوْ عَرَفَ حَقِيقَةَ النِّفاقِ وغايَتَهُ لَأبْصَرَهُ في قَلْبِهِ، فَإنَّهُ ما اجْتَمَعَ في قَلْبِ عَبْدٍ قَطُّ مَحَبَّةُ الغِناءِ ومَحَبَّةُ القُرْآنِ إلّا طَرَدَتْ إحْداهُما الأُخْرى، وقَدْ شاهَدْنا نَحْنُ وغَيْرُنا ثِقَلَ القُرْآنِ عَلى أهْلِ الغِناءِ وسَماعِهِ، وتَبَرُّمَهم بِهِ، وصِياحَهم بِالقارِئِ إذا طَوَّلَ عَلَيْهِمْ، وعَدَمَ انْتِفاعِ قُلُوبِهِمْ بِما يَقْرَؤُهُ، فَلا تَتَحَرَّكُ ولا تَطْرَبُ، ولا تُهَيِّجُ مِنها بَواعِثَ الطَّلَبِ، فَإذا جاءَ قُرْآنُ الشَّيْطانِ فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَيْفَ تَخْشَعُ مِنهُمُ الأصْواتُ، وتَهْدَأُ الحَرَكاتُ، وتَسْكُنُ القُلُوبُ وتَطْمَئِنُ، ويَقَعُ البُكاءُ والوَجْدُ، والحَرَكَةُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، والسَّماحَةُ بِالأثْمانِ والثِّيابِ، وطِيبُ السَّهَرِ، وتَمَنِّي طُولِ اللَّيْلِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا نِفاقًا فَهو آخِيَّةُ النِّفاقِ وأساسُهُ.
؎تُلِيَ الكِتابُ فَأطْرَقُوا لا خِيفَةً ∗∗∗ لَكِنَّهُ إطْراقُ ساهٍ لاهِي
؎وَأتى الغِناءُ فَكالَذُّبابِ تَراقَصُوا ∗∗∗ واللَّهِ ما رَقَصُوا مِن أجْلِ اللَّهِ
؎دُفٌّ ومِزْمارٌ ونَغْمَةُ شاهِدٍ ∗∗∗ فَمَتى شَهِدْتَ عِبادَةً بِمَلاهِي
؎ثَقُلَ الكِتابُ عَلَيْهِمُ لَمّا رَأوْا ∗∗∗ تَقْيِيدَهُ بِأوامِرٍ ونَواهِي
؎وَعَلَيْهِمُ خَفَّ الغِنا لَمّا رَأوْا ∗∗∗ إطْلاقَهُ في اللَّهْوِ دُونَ مَناهِي
؎يا فِرْقَةً ما ضَرَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ وجَنى عَلَيْهِ ومَلَّهُ إلّا هِي
؎سَمِعُوا لَهُ رَعْدًا وبَرْقًا إذْ حَوى ∗∗∗ زَجْرًا وتَخْوِيفًا بِفِعْلِ مَناهِي
؎وَرَأوْهُ أعْظَمَ قاطِعٍ لِلنَّفْسِ عَنْ ∗∗∗ شَهَواتِها يا ويْحَها المُتَناهِي
؎وَأتى السَّماعُ مُوافِقًا أغْراضَها ∗∗∗ فَلِأجْلِ ذاكَ غَدًا عَظِيمَ الجاهِ
؎أيْنَ المُساعِدُ لِلْهَوى مِن قاطَعٍ ∗∗∗ أسْبابَهُ عِنْدَ الجَهُولِ السّاهِي
؎إنْ لَمْ يَكُنْ خَمْرَ الجُسُومِ فَإنَّهُ ∗∗∗ خَمْرُ العُقُولِ مُماثِلٌ ومُضاهِي
؎فانْظُرْ إلى النَّشْوانِ عِنْدَ شَرابِهِ ∗∗∗ وانْظُرْ إلى النَّشْوانِ عِنْدَ تَلاهِي
؎وانْظُرْ إلى تَمْزِيقِ ذا أثْوابَهُ ∗∗∗ مِن بَعْدِ تَمْزِيقِ الفُؤادِ اللّاهِي
؎فاحْكم بِأيِّ الخَمْرَتَيْنِ أحَقُّ بِال ∗∗∗ تَّحْرِيمِ والتَّأْثِيمِ عِنْدَ اللَّهِ
وَكَيْفَ يَكُونُ السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُهُ العَبْدُ بِطَبْعِهِ وهَواهُ أنْفَعَ لَهُ مِنَ الَّذِي يَسْمَعُهُ بِاللَّهِ ولِلَّهِ وعَنِ اللَّهِ؟ فَإنْ زَعَمُوا أنَّهم يَسْمَعُونَ هَذا السَّماعَ الغِنائِيَّ الشِّعْرِيَّ كَذَلِكَ، فَهَذا غايَةُ اللَّبْسِ عَلى القَوْمِ، فَإنَّهُ إنَّما يَسْمَعُ بِاللَّهِ ولِلَّهِ وعَنِ اللَّهِ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضاهُ، ولِهَذا قُلْنا: إنَّهُ لا يَتَحَرَّرُ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ صُورَةِ المَسْمُوعِ وحَقِيقَتِهِ ومَرْتَبَتِهِ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ مَن شُرْبُهُ ونَصِيبُهُ وذَوْقُهُ ووَجْدُهُ مِن سَماعِ الآياتِ البَيِّناتِ كَمَن نَصِيبُهُ وشُرْبُهُ وذَوْقُهُ ووَجْدُهُ مِن سَماعِ الغِناءِ والأبِيّاتِ.
وَمِن أعْجَبِ العَجائِبِ اسْتِدْلالُ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا السَّماعَ مِن طَرِيقِ القَوْمِ، وأنَّهُ مُباحٌ بِكَوْنِهِ مُسْتَلَذًّا طَبْعًا، تَسْتَلِذُّهُ النُّفُوسُ، وتَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ، وأنَّ الطِّفْلَ يَسْكُنُ إلى الصَّوْتِ الطَّيِّبِ، والجَمَلَ يُقاسِي تَعَبَ السَّيْرِ ومَشَقَّةَ الحُمُولَةِ فَيُهَوَّنُ عَلَيْهِ بِالحِداءِ، وبِأنَّ
الصَّوْتَ الطَّيِّبَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى صاحِبِهِ، وزِيادَةٌ في خَلْقِهِ، وبِأنَّ اللَّهَ ذَمَّ الصَّوْتَ الفَظِيعَ، فَقالَ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]
وَبِأنَّ اللَّهَ وصَفَ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَقالَ فِيهِ ﴿فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]
وَبِأنَّ ذَلِكَ هو السَّماعُ الطَّيِّبُ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَرامًا وهو في الجَنَّةِ؟ وبِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما أذِنَ لِشَيْءٍ كَأِذْنِهِ أيْ كاسْتِماعِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ، وبِأنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ اسْتَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ إلى صَوْتِهِ وأثْنى عَلَيْهِ بِحُسْنِ الصَّوْتِ، وقالَ
«لَقَدْ أُوتِيَ هَذا مِزْمارًا مِن مَزامِيرِ آلِ داوُدَ فَقالَ لَهُ أبُو مُوسى: لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ اسْتَمَعْتَ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا،»
أيْ زَيَّنْتُهُ لَكَ وحَسَّنْتُهُ، وبُقُولِهِ ﷺ «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْواتِكُمْ».
وَبِقَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ» والصَّحِيحُ أنَّهُ مِنَ التَّغَنِّي بِمَعْنى
تَحْسِينِ الصَّوْتِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقالَ: يُحَسِّنُهُ بِصَوْتِهِ ما اسْتَطاعَ.
وَبِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقَرَّ عائِشَةَ عَلى غِناءِ القَيْنَتَيْنِ يَوْمَ العِيدِ، وقالَ لِأبِي بَكْرٍ
«دَعْهُما، فَإنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وهَذا عِيدُنا أهْلَ الإسْلامِ».
وَبِأنَّهُ ﷺ أذِنَ في العُرْسِ في الغِناءِ وسَمّاهُ لَهْوًا، وقَدْ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحِداءَ، وأذِنَ فِيهِ، وكانَ يَسْمَعُ أنَسًا والصَّحابَةَ وهم يَرْتَجِزُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ في حَفْرِ الخَنْدَقِ:
؎نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدًا ∗∗∗ عَلى الجِهادِ ما بَقِينا أبَدًا
وَدَخَلَ مَكَّةَ والمُرْتَجِزُ يَرْتَجِزُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِشِعْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وحَدا بِهِ الحادِي في مُنْصَرَفِهِ مِن خَيْبَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ:
؎واللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ما اهْتَدَيْنا ∗∗∗ ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا
؎فَأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وثَبِّتِ الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا
؎إنَّ الَّذِينَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنا ∗∗∗ إذا أرادُوا فِتْنَةً أبَيْنا
؎وَنَحْنُ إنْ صِيحَ بِنا أتَيْنا ∗∗∗ وبِالصِّياحِ عَوَّلُوا عَلَيْنا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ ما اسْتَغْنَيْنا
فَدَعا لِقائِلِهِ.
وَسَمِعَ قَصِيدَةَ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، وأجازَهُ بِبُرْدَةٍ.
واسْتَنْشَدَ الأسْوَدَ بْنَ سَرِيعٍ قَصائِدَ حَمِدَ بِها رَبَّهُ.
واسْتَنْشَدَ مِن شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ مِائَةَ قافِيَةٍ.
وَأنْشَدَهُ الأعْشى شَيْئًا مِن شِعْرِهِ فَسَمِعَهُ.
وَصَدَّقَ لَبِيدًا في قَوْلِهِ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ.
وَدَعا لِحَسّانَ أنْ يُؤَيِّدَهُ اللَّهُ بِرُوحِ القُدُسِ ما دامَ يُنافِحُ عَنْهُ، وكانَ يُعْجِبُهُ شِعْرُهُ،
وَقالَ لَهُ «اهْجُهُمْ، ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ».
وَأنْشَدَتْهُ عائِشَةُ قَوْلَ أبِي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ:
؎وَمُبَرَّإٍ مِن كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغْيِلِ
؎وَإذا نَظَرْتَ إلى أسِرَّةِ وجْهِهِ ∗∗∗ بَرَقَتْ كَبَرْقِ العارِضِ المُتَهَلِّلِ
وَقالَتْ: أنْتَ أحَقُّ بِهَذا البَيْتِ، فَسُّرَ بِقَوْلِها.
وَبِأنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما رَخَّصَ فِيهِ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، وأهْلَ المَدِينَةِ، وبِأنَّ كَذا وكَذا ولِيًّا لِلَّهِ حَضَرُوهُ وسَمِعُوهُ، فَمَن حَرَّمَهُ فَقَدْ قَدَحَ في هَؤُلاءِ السّادَةِ القُدْوَةِ الأعْلامِ.
وَبِأنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى إباحَةِ أصْواتِ الطُّيُورِ المُطْرِبَةِ الشَّجِيَّةِ، فَلَذَّةُ سَماعِ صَوْتِ الآدَمِيِّ أوْلى بِالإباحَةِ، أوْ مُساوِيَةٌ.
وَبِأنَّ السَّماعَ يَحْدُو رُوحَ السّامِعِ وقَلْبَهُ إلى نَحْوِ مَحْبُوبِهِ، فَإنْ كانَ مَحْبُوبُهُ حَرامًا كانَ السَّماعُ مُعِينًا لَهُ عَلى الحَرامِ، وإنْ كانَ مُباحًا كانَ السَّماعُ في حَقِّهِ مُباحًا، وإنْ كانَتْ مَحَبَّتُهُ رَحْمانِيَّةً كانَ السَّماعُ في حَقِّهِ قُرْبَةً وطاعَةً، لِأنَّهُ يُحَرِّكُ المَحَبَّةَ الرَّحْمانِيَّةَ ويُقَوِّيها ويُهَيِّجُها.
وَبِأنَّ التِذاذَ الأُذُنِ بِالصَّوْتِ الطَّيِّبِ كالتِذاذِ العَيْنِ بِالمَنظَرِ الحَسَنِ، والشَّمِّ بِالرَّوائِحِ الطَّيِّبَةِ، والفَمِ بِالطُّعُومِ الطَّيِّبَةِ، فَإنْ كانَ هَذا حَرامًا كانَتْ جَمِيعُ هَذِهِ اللَّذّاتِ والإدْراكاتِ مُحَرَّمَةً.
فالجَوابُ أنَّ هَذِهِ حَيْدَةٌ عَنِ المَقْصُودِ، ورَوَغانٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزاعِ، وتَعَلُّقٌ بِما لا مُتَعَلَّقَ بِهِ، فَإنَّ جِهَةَ كَوْنِ الشَّيْءِ مُسْتَلَذًا لِلْحاسَّةِ مُلائِمًا لَها، لا يَدُلُّ عَلى إباحَتِهِ ولا تَحْرِيمِهِ، ولا كَراهَتِهِ ولا اسْتِحْبابِهِ، فَإنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ تَكُونُ فِيما فِيهِ الأحْكامُ الخَمْسَةُ تَكُونُ في الحَرامِ، والواجِبِ، والمَكْرُوهِ، والمُسْتَحَبِّ، والمُباحِ، فَكَيْفَ يَسْتَدِلُّ بِها عَلى الإباحَةِ مَن يَعْرِفُ شُرُوطَ الدَّلِيلِ، ومَواقِعَ الِاسْتِدْلالِ؟
وَهَلْ هَذا إلّا بِمَنزِلَةِ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلى إباحَةِ الزِّنا بِما يَجِدُهُ فاعِلُهُ مِنَ اللَّذَّةِ، وأنَّ لَذَّتَهُ لا يُنْكِرُها مَن لَهُ طَبْعٌ سَلِيمٌ، وهَلْ يَسْتَدِلُّ بِوُجُودِ اللَّذَّةِ والمُلاءَمَةِ عَلى حِلِّ اللَّذِيذِ المُلائِمِ أحَدٌ؟ وهَلْ خَلَتَ غالِبُ المُحَرَّماتِ مِنَ اللَّذّاتِ؟ وهَلْ أصْواتُ المَعازِفِ الَّتِي صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْرِيمُها، وأنَّ في أُمَّتِهِ مَن سَيَسْتَحِلُّها بِأصَحِّ إسْنادٍ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى تَحْرِيمِ بَعْضِها، وقالَ جُمْهُورُهم بِتَحْرِيمِ جُمْلَتِها إلّا لَذِيذَةً تُلِذُّ السَّمْعَ؟ وهَلْ في التِذاذِ الجَمَلِ والطِّفْلِ بِالصَّوْتِ الطَّيِّبِ دَلِيلٌ عَلى حُكْمِهِ مِن إباحَةٍ، أوْ تَحْرِيمٍ؟
وَأعْجَبُ مِن هَذا: الِاسْتِدْلالُ عَلى الإباحَةِ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الصَّوْتَ الطَّيِّبَ، وهو زِيادَةُ نِعْمَةٍ مِنهُ لِصاحِبِهِ.
فَيُقالُ: والصُّورَةُ الحَسَنَةُ الجَمِيلَةُ، ألَيْسَتْ زِيادَةً في النِّعْمَةِ، واللَّهُ خالِقُها. ومُعْطِي حُسْنِها؟ أفَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى إباحَةِ التَّمَتُّعِ بِها، والِالتِذاذِ عَلى الإطْلاقِ بِها؟
وَهَلْ هَذا إلّا مَذْهَبُ أهْلِ الإباحَةِ الجارِينَ مَعَ رُسُومِ الطَّبِيعَةِ؟
وَهَلْ في ذَمِّ اللَّهِ لِصَوْتِ الحِمارِ ما يَدُلُّ عَلى إباحَةِ الأصْواتِ المُطْرِباتِ بِالنَّغَماتِ المَوْزُوناتِ، والألْحانِ اللَّذِيذاتِ، مِنَ الصُّوَرِ المُسْتَحْسَناتِ، بِأنْواعِ القَصائِدِ المُنَغَّماتِ بِالدُّفُوفِ والشَّبّاباتِ؟!.
وَأعْجَبُ مِن هَذا: الِاسْتِدْلالُ عَلى الإباحَةِ بِسَماعِ أهْلِ الجَنَّةِ، وما أجْدَرَ صاحِبَهُ أنْ يَسْتَدِلَّ عَلى إباحَةِ الخَمْرِ بِأنَّ في الجَنَّةِ خَمْرًا، وعَلى حِلِّ لِباسِ الحَرِيرِ بِأنَّ لِباسَ أهْلِها حَرِيرٌ، وعَلى حِلِّ أوانِي الذَّهَبِ والفِضَّةِ والتَّحَلِّي بِهِما لِلرِّجالِ بِكَوْنِ ذَلِكَ ثابِتًا بِوُجُودِ النَّعِيمِ بِهِ في الجَنَّةِ.
فَإنْ قالَ: قَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى تَحْرِيمِ هَذا، ولَمْ يَقُمْ عَلى تَحْرِيمِ السَّماعِ.
قِيلَ: هَذا اسْتِدْلالٌ آخَرُ غَيْرُ الِاسْتِدْلالِ بِإباحَتِهِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، فَعُلِمَ أنَّ اسْتِدْلالَكم بِإباحَتِهِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اسْتِدْلالٌ باطِلٌ، لا يَرْضى بِهِ مُحَصِّلٌ.
وَأمّا قَوْلُكُمْ: لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ السَّماعِ.
فَيُقالُ لَكَ: أيَّ السَّماعاتِ تَعْنِي؟ وأيَّ المَسْمُوعاتِ تُرِيدُ؟ فالسَّماعاتُ والمَسْمُوعاتُ مِنها المُحَرَّمُ، والمَكْرُوهُ، والمُباحُ، والواجِبُ، والمُسْتَحَبُّ، فَعَيِّنْ نَوْعًا يَقَعُ الكَلامُ فِيهِ نَفْيًا وإثْباتًا.
فَإنْ قُلْتَ: سَماعُ القَصائِدِ، قِيلَ لَكَ: أيَّ القَصائِدِ تَعْنِي؟ ما مُدِحَ بِهِ اللَّهُ ورَسُولُهُ ودِينُهُ وكِتابُهُ، وهُجِيَ بِهِ أعْداؤُهُ؟
فَهَذِهِ لَمْ يَزَلِ المُسْلِمُونَ يَرْوُونَها ويَسْمَعُونَها ويَتَدارَسُونَها، وهي الَّتِي سَمِعَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ وأثابَ عَلَيْها، وحَرَّضَ حَسّانَ عَلَيْها، وهي الَّتِي غَرَّتْ أصْحابَ السَّماعِ الشَّيْطانِيِّ، فَقالُوا: تِلْكَ قَصائِدُ، وسَماعُنا قَصائِدُ، فَنَعَمْ إذَنْ، والسُّنَّةُ كَلامٌ، والبِدْعَةُ كَلامٌ، والتَّسْبِيحُ كَلامٌ، والغِيبَةُ كَلامٌ، والدُّعاءُ كَلامٌ، والقَذْفُ كَلامٌ، ولَكِنْ هَلْ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ سَماعَكم هَذا الشَّيْطانِيَّ المُشْتَمِلَ عَلى أكْثَرَ مِن مَفْسَدَةٍ مَذْكُورَةٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ أشَرْنا فِيما تَقَدَّمَ إلى بَعْضِها؟
وَنَظِيرُ هَذا: ما غَرَّهم مِنَ اسْتِحْسانِهِ ﷺ الصَّوْتَ الحَسَنَ بِالقُرْآنِ، وأذَنِهِ لَهُ وإذْنِهِ فِيهِ، ومَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ.
فَنَقَلُوا هَذا الِاسْتِحْسانَ إلى صَوْتِ النِّسْوانِ والمُرْدانِ وغَيْرِهِمْ، بِالغَناءِ المَقْرُونِ بِالمَعازِفِ والشّاهِدِ، وذِكْرِ القَدِّ والنَّهْدِ والخَصْرِ، ووَصْفِ العُيُونِ وفِعْلِها، والشَّعْرِ الأسْوَدِ، ومَحاسِنِ الشَّبابِ، وتَوْرِيدِ الخُدُودِ، وذِكْرِ الوَصْلِ والصَّدِّ، والتَّجَنِّي والهِجْرانِ، والعِتابِ والِاسْتِعْطافِ، والِاشْتِياقِ، والقَلَقِ والفِراقِ، وما جَرى هَذا المَجْرى، مِمّا هو أفْسَدُ لِلْقَلْبِ مِن شُرْبِ الخَمْرِ، بِما لا نِسْبَةَ بَيْنَهُما، وأيُّ نِسْبَةٍ لِمَفْسَدَةِ سُكْرِ يَوْمٍ ونَحْوِهِ إلى سَكْرَةِ العِشْقِ الَّتِي لا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صاحِبُها إلّا في عَسْكَرِ الهالِكِينَ، سَلِيبًا حَرْبِيًّا، أسِيرًا قَتِيلًا؟
وَهَلْ تُقاسُ سَكْرَةُ الشَّرابِ بِسَكْرَةِ الأرْواحِ بِالسَّماعِ؟ وهَلْ يُظَنُّ بِحَكِيمٍ أنْ يُحَرِّمَ سُكْرًا لِمَفْسَدَةٍ فِيهِ مَعْلُومَةٍ، ويُبِيحَ سُكْرًا مَفْسَدَتُهُ أضْعافُ أضْعافِ مَفْسَدَةِ الشَّرابِ؟ حاشا أحْكَمَ الحاكِمِينَ.
فَإنْ نازَعُوا في سُكْرِ السَّماعِ، وتَأْثِيرِهِ في العُقُولِ والأرْواحِ خَرَجُوا عَنِ الذَّوْقِ والحِسِّ، وظَهَرَتْ مُكابَرَةُ القَوْمِ، فَكَيْفَ يَحْمِي الطَّبِيبُ المَرِيضَ عَمّا يُشَوِّشُ عَلَيْهِ صِحَّتَهُ، ويُبِيحُ لَهُ ما فِيهِ أعْظَمُ السُّقْمِ؟ والمُنْصِفُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا نِسْبَةَ بَيْنَ سُقْمِ الأرْواحِ بِسُكْرِ الشَّرابِ، وسُقْمِها بِسُكْرِ السَّماعِ. وكَلامُنا مَعَ واجِدٍ لا فاقِدٍ، فَهو المَقْصُودُ بِالخِطابِ.
وَأعْجَبُ مِن هَذا: اسْتِدْلالُكم عَلى إباحَةِ السَّماعِ المُرَكَّبِ مِمّا ذَكَرْنا مِنَ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ بِغِناءِ بُنَيَّتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ دُونَ البُلُوغِ، عِنْدَ امْرَأةٍ صَبِيَّةٍ في يَوْمِ عِيدٍ وفَرَحٍ، بِأبْياتٍ مِن أبْياتِ العَرَبِ، في وصْفِ الشَّجاعَةِ والحُرُوبِ، ومَكارِمِ الأخْلاقِ والشِّيَمِ، فَأيْنَ هَذا مِن هَذا؟
والعَجَبُ أنَّ هَذا الحَدِيثَ مِن أكْبَرِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ الصِّدِّيقَ الأكْبَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمّى ذَلِكَ مَزْمُورًا مِن مَزامِيرِ الشَّيْطانِ وأقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ ورَخَّصَ فِيهِ لِجُوَيْرِيَّتَيْنِ غَيْرِ مُكَلَّفَتَيْنِ، ولا مَفْسَدَةَ في إنْشادِهِما، ولا اسْتِماعِهِما، أفَيَدُلُّ هَذا عَلى إباحَةِ ما تَعْمَلُونَهُ وتَعْلَمُونَهُ مِنَ السَّماعِ المُشْتَمِلِ عَلى ما لا يَخْفى؟ فَيا سُبْحانَ اللَّهِ! كَيْفَ ضَلَّتِ العُقُولُ والأفْهامُ؟
وَأعْجَبُ مِن هَذا كُلِّهِ: الِاسْتِدْلالُ عَلى إباحَتِهِ بِما سَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحِداءِ المُشْتَمِلِ عَلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ؟! وهَلْ حَرَّمَ أحَدٌ مُطْلَقَ الشِّعْرِ، وقَوْلَهُ واسْتِماعَهُ؟ فَكَمْ في هَذا التَّعَلُّقِ بِبُيُوتِ العَنْكَبُوتِ؟
وَأعْجَبُ مِن هَذا: الِاسْتِدْلالُ عَلى إباحَتِهِ بِإباحَةِ أصْواتِ الطُّيُورِ اللَّذِيذَةِ، وهَلْ هَذا إلّا مِن جِنْسِ قِياسِ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
وَأيْنَ أصْواتُ الطُّيُورِ إلى نَغَماتِ الغِيدِ الحِسانِ، والأوْتارِ والعِيدانِ، وأصْواتِ أشْباهِ النِّساءِ مَنِ المُرْدانِ، والغِناءِ بِما يَحْدُو الأرْواحَ والقُلُوبَ إلى مُواصَلَةِ كُلِّ مَحْبُوبَةٍ ومَحْبُوبٍ؟ وأيْنَ الفِتْنَةُ بِهَذا إلى الفِتْنَةِ بِصَوْتِ القُمْرِيِّ والبُلْبُلِ والهَزارِ ونَحْوِها؟
بَلْ نَقُولُ: لَوْ كانا سَواءً لَكانَ اتِّخاذُ هَذا السَّماعِ قُرْبَةً وطاعَةً تُسْتَنْزَلُ بِهِ المَعارِفُ والأذْواقُ والمَواجِيدُ، وتُحَرَّكُ بِهِ الأحْوالُ بِمَنزِلَةِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِأصْواتِ الطُّيُورِ، ومَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونا سَواءً.
والَّذِي يَفْصِلُ النِّزاعَ في حُكْمِ هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثُ قَواعِدَ، مِن أهَمِّ قَواعِدِ الإيمانِ والسُّلُوكِ، فَمَن لَمْ يَبْنِ عَلَيْها فَبِناؤُهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ.
التغابن 64:17
(فصل)
وأما تسميته سبحانه بالشكور فهو في حديث أبي هريرة، وفي القرآن تسميته شاكرا قال الله تعالى ﴿وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ وتسميته أيضا شكور.
قال الله تعالى ﴿واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾
فجمع لهم سبحانه بين الأمرين أن شكر سعيهم وأثابهم عليه والله تعالى يشكر عبده إذا أحسن طاعته ويغفر له إذا تاب إليه فيجمع للعبد بين شكره لإحسانه ومغفرته لاساءته إنه غفور شكور
وقد تقدم في الباب العشرين ذكر حقيقة شكر العبد وأسبابه ووجوهه وأما شكر الرب تعالى فله شأن آخر كشأن صبره فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور بل هو الشكور على الحقيقة فإنه يعطي
العبد ويوفقه لما يشكره عليه ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، ويشكر عبده بقوله بأن يثني عليه بين ملائكته، وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده، ويشكره بفعله فإذا ترك له شيئا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئا رده عليه أضعافا مضاعفة.
وهو الذي وفقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك.
ولما عقر نبيه سليمان الخيل غضبا له إذ شغلته عن ذكره فأراد ألا تشغله مرة أخرى أعاضه عنها متن الريح.
ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم.
ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.
ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقها أعداؤه شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرا خضرا أقر أرواحهم فيها، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث فيردها عليهم أكمل ما تكون، وأجمله وأبهاه.
ولما بذل رسله أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سماواته وبين خلقه فأخلصهم بخالصة ذكري الدار.
ومن شكره سبحانه أنه يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا ويخفف به عنه يوم القيامة فلا يضيع عليه ما يعمله من الإحسان وهو من أبغض خلقه إليه، ومن شكره أنه غفر للمرأة البغي بسقيها كلبا كان قد جهده العطش حتى أكل الثرى، وغفر لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين.
فهو سبحانه يشكر العبد على إحسانه لنفسه.
والمخلوق إنما يشكر من أحسن إليه، وأبلغ من ذلك أنه سبحانه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه، وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة التي لا نسبة لإحسان العبد إليها فهو المحسن بإعطاء الإحسان وإعطاء الشكر فمن أحق باسم (الشكور) منه سبحانه!.
الطلاق 65:1
[فصل: في استدلال مَن فَسَّرَ الأقْراءَ بِالأطْهارِ بهذه الآية]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ: أنَّ اللّامَ هي لامُ الوَقْتِ، أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ في وقْتِ عِدَّتِهِنَّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ: وقْتَ الدُّلُوكِ.
وَتَقُولُ العَرَبُ: جِئْتُكَ لِثَلاثٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، أيْ: في ثَلاثٍ بَقِينَ مِنهُ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا التَّفْسِيرِ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ ": «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ، أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُراجِعَها، ثُمَّ يُطَلِّقَها، وهي طاهِرٌ، قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، ثُمَّ قالَ: فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ»
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ العِدَّةَ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ هي الطُّهْرُ الَّذِي بَعْدَ الحَيْضَةِ، ولَوْ كانَ القُرْءُ هو الحَيْضَ كانَ قَدْ طَلَّقَها قَبْلَ العِدَّةِ لا في العِدَّةِ، وكانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا عَلَيْها، وهو غَيْرُ جائِزٍ، كَما لَوْ طَلَّقَها في الحَيْضِ.
[فصل في حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُوافِقِ لِكِتابِ اللَّهِ أنَّهُ لا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ ولا سُكْنى]
رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " «عَنْ فاطمة بنت قيس: أنَّ أبا عمرو بن حفص طَلَّقَها ألْبَتَّةَ وهو غائِبٌ، فَأرْسَلَ إلَيْها وكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقالَ: واللَّهِ ما لَكِ عَلَيْنا مِن شَيْءٍ، فَجاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وما قالَ، فَقالَ: " لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ " فَأمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ أم شريك، ثُمَّ قالَ " تِلْكَ امْرَأةٌ يَغْشاها أصْحابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنَّهُ رَجُلٌ أعْمى تَضَعِينَ ثِيابَكِ، فَإذا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ".
قالَتْ: فَلَمّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ وأبا جهم خَطَبانِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمّا أبو جهم فَلا يَضَعُ عَصاهُ عَنْ عاتِقِهِ، وأمّا معاوية فَصُعْلُوكٌ لا مالَ لَهُ، انْكِحِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قالَ: " انْكِحِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا واغْتَبَطْتُ»
وَفِي " صَحِيحِهِ " أيْضًا: عَنْها «أنَّها طَلَّقَها زَوْجُها في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ أنْفَقَ عَلَيْها نَفَقَةً دُونًا فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ قالَتْ: واللَّهِ لَأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ كانَتْ لِي نَفَقَةٌ أخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي، وإنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ مِنهُ شَيْئًا، قالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ (لا نَفَقَةَ لَكِ ولا سُكْنى)».
[ذِكْرُ مُوافَقَةِ هَذا الحُكْمِ لِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ]
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا - فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ١-٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ١-٣]
فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأزْواجَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ بُلُوغِ الأجَلِ الإمْساكُ والتَّسْرِيحُ بِأنْ لا يُخْرِجُوا أزْواجَهم مِن بُيُوتِهِمْ، وأمَرَ أزْواجَهُنَّ أنْ لا يَخْرُجْنَ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ إخْراجِ مَن لَيْسَ لِزَوْجِها إمْساكُها بَعْدَ الطَّلاقِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِهَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ أحْكامًا مُتَلازِمَةً لا يَنْفَكُّ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ.
أحَدُها: أنَّ الأزْواجَ لا يُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ لا يَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِ أزْواجِهِنَّ.
والثّالِثُ: أنَّ لِأزْواجِهِنَّ إمْساكَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ قَبْلَ انْقِضاءِ الأجَلِ، وتَرْكَ الإمْساكِ، فَيُسَرِّحُوهُنَّ بِإحْسانٍ.
والرّابِعُ: إشْهادُ ذَوَيْ عَدْلٍ، وهو إشْهادٌ عَلى الرَّجْعَةِ إمّا وُجُوبًا وإمّا اسْتِحْبابًا، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى حِكْمَةِ ذَلِكَ، وأنَّهُ في الرَّجْعِيّاتِ خاصَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾
والأمْرُ الَّذِي يُرْجى إحْداثُهُ هاهُنا: هو المُراجَعَةُ.
هَكَذا قالَ السَّلَفُ ومَن بَعْدَهُمْ، قالَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنا أبو معاوية عَنْ داود الأودي عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾
قالَ: لَعَلَّكَ تَنْدَمُ فَيَكُونَ لَكَ سَبِيلٌ إلى الرَّجْعَةِ.
وَقالَ الضحاك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ: لَعَلَّهُ أنْ يُراجِعَها في العِدَّةِ، وقالَهُ عطاء وقتادة والحسن، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ فاطمة بنت قيس: أيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ؟
فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّلاقَ المَذْكُورَ هو الرَّجْعِيُّ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ هَذِهِ الأحْكامُ، وأنَّ حِكْمَةَ أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ اقْتَضَتْهُ؛ لَعَلَّ الزَّوْجَ أنْ يَنْدَمَ ويَزُولَ الشَّرُّ الَّذِي نَزَغَهُ الشَّيْطانُ بَيْنَهُما فَتَتْبَعَها نَفْسُهُ فَيُراجِعَها كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ أنَّ النّاسَ أخَذُوا بِأمْرِ اللَّهِ في الطَّلاقِ ما تَتَبَّعَ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأةً يُطَلِّقُها أبَدًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأمْرَ بِإسْكانِ هَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ فَقالَ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]
فالضَّمائِرُ كُلُّها يَتَّحِدُ مُفَسِّرُها وأحْكامُها كُلُّها مُتَلازِمَةٌ، وكانَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّما النَّفَقَةُ والسُّكْنى لِلْمَرْأةِ إذا كانَ لِزَوْجِها عَلَيْها رَجْعَةٌ» مُشْتَقًّا مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومُفَسِّرًا لَهُ وبَيانًا لِمُرادِ المُتَكَلِّمِ بِهِ مِنهُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ اتِّحادُ قَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمِيزانُ العادِلُ مَعَهُما أيْضًا لا يُخالِفُهُما، فَإنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَكُونُ لِلزَّوْجَةِ، فَإذا بانَتْ مِنهُ صارَتْ أجْنَبِيَّةً، حُكْمُها حُكْمُ سائِرِ الأجْنَبِيّاتِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ اعْتِدادِها مِنهُ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ لَها نَفَقَةً كالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أوْ زِنًى، ولِأنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ في مُقابَلَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ، وهَذا لا يُمْكِنُ اسْتِمْتاعُهُ بِها بَعْدَ بَيْنُونَتِها، ولِأنَّ النَّفَقَةَ لَوْ وجَبَتْ لَها عَلَيْهِ لِأجْلِ عِدَّتِها لَوَجَبَتْ لِلْمُتَوَفّى عَنْها مِن مالِهِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما ألْبَتَّةَ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ بانَتْ عَنْهُ وهي مُعْتَدَّةٌ مِنهُ قَدْ تَعَذَّرَ مِنهُما الِاسْتِمْتاعُ، ولِأنَّها لَوْ وجَبَتْ لَها السُّكْنى لَوَجَبَتْ لَها النَّفَقَةُ كَما يَقُولُهُ مَن يُوجِبُها.
فَأمّا أنْ تَجِبَ لَها السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ فالنَّصُّ والقِياسُ يَدْفَعُهُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وفاطمة بنت قيس إحْدى فُقَهاءِ نِساءِ الصَّحابَةِ، وكانَتْ فاطمة تُناظِرُ عَلَيْهِ، وبِهِ يَقُولُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأصْحابُهُ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأصْحابُهُ وداود بن علي وأصْحابُهُ وسائِرُ أهْلِ الحَدِيثِ.
وَلِلْفُقَهاءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ وهي ثَلاثُ رِواياتٍ عَنْ أحمد: أحَدُها: هَذا.
والثّانِي: أنَّ لَها النَّفَقَةَ والسُّكْنى، وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ مَسْعُودٍ وفُقَهاءِ الكُوفَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ لَها السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ المَدِينَةِ وبِهِ يَقُولُ مالك والشّافِعِيُّ.
(لطيفة)
وقعت حادثة في أيام ابن جرير وهي أن رجلا تزوج امرأة فأحبها حبا شديدا وأبغضته بغضا شديدا فكانت تواجهه بالشتم والدعاء عليه فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا لا تخاطبيني بشيء إلا خاطبتك بمثله فقالت له في الحال: أنت طالق ثلاثا بتاتا، فأبلس الرجل ولم يدر ما يصنع فاستفتى جماعة من الفقهاء فكلهم قال: لا بد أن تطلق فإنه إن أجابها بمثل كلامها طلقت وإن لم يجبها حنث وطلقت فإن بر طلقت وإن حنث طلقت. فأرشد به إلى ابن جرير فقال لها: "امض ولا تعاود الأيمان وأقم على زوجتك بعد أن تقول لها: أنت طالق ثلاثا إن أنا طلقتك فتكون قد خاطبتها بمثل خطابها لك فوفيت بيمينك ولم تطلق منك لما وصلت به الطلاق من الشرط" فذكر ذلك لابن عقيل فاستحسنه
وقال: "وفيه وجه آخر لم يذكره ابن جرير وهو أنها قالت له: أنتَ طالق ثلاثا بفتح التاء وهو خطاب تذكير.
فإذا قال لها أنتَ بفتح التاء لم يقع به طلاق".
قلت: وفيه وجه آخر أحسن من الوجهين، وهو جار على أصول المذهب وهو تخصيص اللفظ العام بالنية كما إذا حلف لا يتغدى ونيته غذاء يومه قصر عليه، وإذا حلف لا يكلمه ونيته تخصيص الكلام بما يكرهه لم يحنث إذا كلمه بما يحبه ونظائره كثيرة وعلى هذا فنياط الكلام صريح أو كالصريح في أنه إنما أراد لا تكلم بشتم أو سب أو دعاء أو ما كان من هذا الباب إلا كلمها بمثله، ولم يرد أنها قالت له اشتر لي مقنعة أو ثوبا أن يقول لها اشتري لي ثوبا أو مقنعة.
وإذا قالت له لا تشتر لي كذا فإني لا أحبه أن يقول لها مثله هذا مما يقطع أن الحالف لم يرده فإذا لم يخاطبها بمثله لم يحنث وهكذا يقطع بأن هذه الصورة المسؤول عنها لم يردها ولا كان بساط الكلام يقتضيها ولا خطرت بباله وإنما أراد ما كان من الكلام الذي هيج يمينه وبعثه على الحلف ومثل هذا يعتبر عندنا في الأيمان.
(فائدة)
سئل ابن عقيل عن رجل قالت له زوجته: طلقني فقال: إن الله قد طلقك؟
فقال: "يقع الطلاق، لأنه كناية استندت إلى دلالة الحال وهي ذكر الطلاق وسؤالها إياه"
وأجاب بعض الشافعية بأنه إن نوى وقع الطلاق وإلا لم يقع"
قلت: وهذا هو الصواب إن قوله "إن الله قد طلقك" إن أراد به شرع طلاقك وأباحه لم يقع.
وإن أراد أن الله قد أوقع عليك الطلاق وأراده وشاءه، فهذا يكون
طلاقا لأن ضرورة صدقة أن يكون الطلاق واقعا، وإذا احتمل الأمرين فلا يقع إلا بالنية.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَخْرَجًا مِن كُلِّ شِدَّةٍ، وهَذا جامِعٌ لِشَدائِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَضايِقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لِلْمُتَّقِي مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَخْرَجًا، وقالَ الحَسَنُ: مَخْرَجًا مِمّا نَهاهُ عَنْهُ.
(فائدة)
وقد روى ابن ماجه وابن أبي الدنيا عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:
"لَوْ عَمِلَ النّاسُ كُلُّهمْ بِهذِهِ الآية لَوَسِعَتْهُمْ"
(فصل)
اعلم أن من اتقى الله في طلاقه، فطلق كما أمره الله ورسوله، وشرعه له. أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال تعالى، بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
فلو اتقى الله عامة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال، فإن الطلاق الذي شرعه الله سبحانه: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. فإن بدا له أن يمسكها في العدة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أمكنه أن تستقبل عليها من غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل هذا لم يندم، ولم يحتج إلى حيلة بزوج ولا تحليل.
ولهذا سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة؟
فقال: "عصيت ربك، وفارقت امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا".
وقال سعيد بن جبير: "جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، فقال: أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر، اتخذت آيات الله هزوا".
وقال مجاهد: "كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا. فسكت، حتى ظننت أنه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله تعالى قال: ﴿وَمَن يَتَّق اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ذكره أبو داود.
وقد روى النسائي عن محمود بن لبيد قال: " أُخْبِرَ رسُولُ الله ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلّقَ امْرأتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ جَمِيعًا، فقامَ غَضْبانَ، ثُمَّ قالَ: أيُلْعَبُ بِكِتاب اللهِ وأنَآ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟ حَتّى قامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ألا أقْتُلهُ؟ ".
قَوْله تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
أيْ كافِي مَن يَثِقُ بِهِ في نَوائِبِهِ ومُهِمّاتِهِ، يَكْفِيهِ كُلَّ ما أهَمَّهُ، والحَسْبُ الكافِي ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ كافِينا اللَّهُ.
وَكُلَّما كانَ العَبْدُ حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، حَسَنَ الرَّجاءِ لَهُ، صادِقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخَيِّبُ أمَلَهُ فِيهِ ألْبَتَّةَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخَيِّبُ أمَلَ آمِلٍ، ولا يُضَيِّعُ عَمَلَ عامِلٍ.
(فائدة)
قَوْله تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
لَمّا ذَكَرَ كِفايَتَهُ لِلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ فَرُبَّما أوْهَمَ ذَلِكَ تَعْجِيلَ الكِفايَةِ وقْتَ التَّوَكُّلِ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
أيْ وقْتًا لا يَتَعَدّاهُ فَهو يَسُوقُهُ إلى وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ.
فَلا يَسْتَعْجِلُ المُتَوَكِّلُ ويَقُولُ: قَدْ تَوَكَّلْت، ودَعَوْت فَلَمْ أرَ شَيْئًا ولَمْ تَحْصُلْ لِي الكِفايَةُ، فاللَّهُ بالِغُ أمْرِهِ في وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ، وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وهو بابٌ لَطِيفٌ مِن أبْوابِ فَهْمِ النُّصُوصِ.
(فصل)
قالَ في التَّوَكُّلِ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾.
فانْظُرْ إلى هَذا الجَزاءِ الَّذِي حَصَلَ لِلْمُتَوَكِّلِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهِ.
وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ أقْوى السُّبُلَ عِنْدَهُ وأحَبُّها إلَيْهِ. ولَيْسَ كَوْنُهُ وكَلَ الأُمُورَ إلى نَفْسِهِ بِمُنافٍ لِتَوَكُّلِ العَبْدِ عَلَيْهِ، بَلْ هَذا تَحْقِيقُ كَوْنِ الأُمُورِ كُلِّها مَوْكُولَةً إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ العَبْدَ إذا عَلِمَ ذَلِكَ وتَحَقَّقَهُ مَعْرِفَةً صارَتْ حالُهُ التَّوَكُّلَ - قَطْعًا - عَلى مَن هَذا شَأْنُهُ، لِعِلْمِهِ بِأنَّ الأُمُورَ كُلَّها مَوْكُولَةٌ إلَيْهِ، وأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنها. فَهو لا يَجِدُ بُدًّا مِنَ اعْتِمادِهِ عَلَيْهِ. وتَفْوِيضِهِ إلَيْهِ. وثِقَتِهِ بِهِ مِنَ الوَجْهَيْنِ:
مِن جِهَةِ فَقْرِهِ، وعَدَمِ مِلْكِهِ شَيْئًا ألْبَتَّةَ.
وَمِن جِهَةِ كَوْنِ الأمْرِ كُلِّهِ بِيَدِهِ وإلَيْهِ.
والتَّوَكُّلُ يَنْشَأُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ.
(فائدة)
من اشْتغل بِالله عَن نَفسه كفاه الله مؤونة نَفسه.
وَمن اشْتغل بِالله عَن النّاس كَفاهُ الله مؤونة النّاس.
وَمن اشْتغل بِنَفسِهِ عَن الله وكله الله إلى نَفسه.
وَمن اشْتغل بِالنّاسِ عَن الله وكله الله إلَيْهِم.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه، والقدر يكون علميا ويكون عينيا.
فالأول هو التقدير العلمي وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب، كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا.
ومن هذا تقدير الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها، ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه.
فالقدر الإلهي نوعان:
أحدهما: في العلم والكتابة.
والثاني: خلقها وبرأها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء.
والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا.
والمقصود أن كل موجد فله قدر، والعباد لا يقدرون الخالق قدره، والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره، ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلا في حقهم قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
[فصل: التَّوَكُّلُ]
وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأصْحابُهُ، يَوْمَ أُحُدٍ، لَمّا قِيلَ لَهم بَعْدَ انْصِرافِهِمْ مِن أُحُدٍ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]
فَتَجَهَّزُوا وخَرَجُوا لِلِقاءِ عَدُوِّهِمْ، وأعْطَوْهُمُ الكَيْسَ مِن نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فَأثَّرَتِ الكَلِمَةُ أثَرَها، واقْتَضَتْ مُوجَبَها، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢]
فَجَعَلَ التَّوَكُّلَ بَعْدَ التَّقْوى الَّذِي هو قِيامُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، فَحِينَئِذٍ إنْ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، فَهو حَسْبُهُ، وكَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]
فالتَّوَكُّلُ والحَسْبُ بِدُونِ قِيامِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها عَجْزٌ مَحْضٌ، فَإنْ كانَ مَشُوبًا بِنَوْعٍ مِنَ التَّوَكُّلِ، فَهو تَوَكُّلُ عَجْزٍ، فَلا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا، ولا يَجْعَلَ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، بَلْ يَجْعَلُ تَوَكُّلَهُ مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها الَّتِي لا يَتِمُّ المَقْصُودُ إلّا بِها كُلِّها.
وَمِن هاهُنا غَلِطَ طائِفَتانِ مِنَ النّاسِ: إحْداهُما: زَعَمَتْ أنَّ التَّوَكُّلَ وحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ كافٍ في حُصُولِ المُرادِ، فَعُطِّلَتْ لَهُ الأسْبابُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ المُوصِلَةُ إلى مُسَبِّباتِها، فَوَقَعُوا في نَوْعِ تَفْرِيطٍ وعَجْزٍ، بِحَسَبِ ما عَطَّلُوا مِنَ الأسْبابِ، وضَعُفَ تَوَكُّلُهم مِن حَيْثُ ظَنُّوا قُوَّتَهُ بِانْفِرادِهِ عَنِ الأسْبابِ، فَجَمَعُوا الهَمَّ كُلَّهُ، وصَيَّرُوهُ هَمًّا واحِدًا، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ قُوَّةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، فَكُلَّما قَوِيَ جانِبُ التَّوَكُّلِ بِإفْرادِهِ أضْعَفَهُ التَّفْرِيطُ في السَّبَبِ الَّذِي هو مَحَلُّ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الأسْبابُ، وكَمالُهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ فِيها، وهَذا كَتَوَكُّلِ الحَرّاثِ الَّذِي شَقَّ الأرْضَ، وألْقى فِيها البِذْرَ، فَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في زَرْعِهِ وإنْباتِهِ، فَهَذا قَدْ أعْطى التَّوَكُّلَ حَقَّهُ، ولَمْ يَضْعُفْ تَوَكُّلُهُ بِتَعْطِيلِ الأرْضِ، وتَخْلِيَتِها بُورًا، وكَذَلِكَ تَوَكُّلُ المُسافِرِ في قَطْعِ المَسافَةِ مَعَ جِدِّهِ في السَّيْرِ، وتَوَكُّلُ الأكْياسِ مِنَ النَّجاةِ مِن عَذابِ اللَّهِ، والفَوْزِ بِثَوابِهِ، مَعَ اجْتِهادِهِمْ في طاعَتِهِ، فَهَذا هو التَّوَكُّلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَ مَن قامَ بِهِ.
وَأمّا تَوَكُّلُ العَجْزِ والتَّفْرِيطِ، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ولَيْسَ اللَّهُ حَسْبَ صاحِبِهِ، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما يَكُونُ حَسْبَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ إذا اتَّقاهُ، وتَقْواهُ فِعْلُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، لا إضاعَتُها.
والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: الَّتِي قامَتْ بِالأسْبابِ، ورَأتِ ارْتِباطَ المُسَبِّباتِ بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وأعْرَضَتْ عَنْ جانِبِ التَّوَكُّلِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ وإنْ نالَتْ بِما فَعَلَتْهُ مِنَ الأسْبابِ ما نالَتْهُ، فَلَيْسَ لَها قُوَّةُ أصْحابِ التَّوَكُّلِ، ولا عَوْنُ اللَّهِ لَهم وكِفايَتُهُ إيّاهم ودِفاعُهُ عَنْهُمْ، بَلْ هي مَخْذُولَةٌ عاجِزَةٌ، بِحَسَبِ ما فاتَها مِنَ التَّوَكُّلِ.
فالقُوَّةُ كُلُّ القُوَّةِ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أقْوى النّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، فالقُوَّةُ مَضْمُونَةٌ لِلْمُتَوَكِّلِ، والكِفايَةُ والحَسْبُ والدَّفْعُ عَنْهُ، وإنَّما يَنْقُصُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ بِقَدْرِ ما يَنْقُصُ مِنَ التَّقْوى والتَّوَكُّلِ، وإلّا فَمَعَ تَحَقُّقِهِ بِهِما، لا بُدَّ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَهُ وكافِيَهُ.
والمَقْصُودُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْشَدَ العَبْدَ إلى ما فِيهِ غايَةُ كَمالِهِ، ونَيْلُ مَطْلُوبِهِ، أنْ يَحْرِصَ عَلى ما يَنْفَعُهُ، ويَبْذُلَ فِيهِ جَهْدَهُ، وحِينَئِذٍ يَنْفَعُهُ التَّحَسُّبُ، وقَوْلُ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» بِخِلافِ مَن عَجَزَ وفَرَّطَ، حَتّى فاتَتْهُ مَصْلَحَتُهُ، ثُمَّ قالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَإنَّ اللَّهَ يَلُومُهُ، ولا يَكُونُ في هَذا الحالِ حَسْبَهُ، فَإنَّما هو حَسْبُ مَنِ اتَّقاهُ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
[أقْسامِ الحِيَلِ ومَراتِبِها]
[القِسْمُ الأوَّلُ مِن الحِيَلِ]
فَصْلٌ قالَ أرْبابُ الحِيَلِ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
والحِيَلُ مَخارِجٌ مِن المَضائِقِ.
والجَوابُ إنّما يَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ قاعِدَةٍ في أقْسامِ الحِيَلِ ومَراتِبِها، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ هي أقْسامٌ.
[القِسْمُ الأوَّلُ مِن الحِيَلِ طُرُقٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى ما هو حَرامٌ]
القِسْمُ الأوَّلُ: الطُّرُقُ الخَفِيَّةُ الَّتِي يُتَوَصَّل بِها إلى ما هو مُحَرَّمٌ في نَفْسِهِ، بِحَيْثُ لا يَحِلُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ بِحالٍ، فَمَتى كانَ المَقْصُودُ بِها مُحَرَّمٌ في نَفْسِهِ فَهي حَرامٌ بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ كالحِيَلِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ وظُلْمِهِمْ في نُفُوسِهِمْ وسَفْكِ دِمائِهِمْ وإبْطالِ حُقُوقِهِمْ وإفْسادِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وهي مِن جِنْسِ حِيَلِ الشَّياطِينِ عَلى إغْواءِ بَنِي آدَمَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وهم يَتَحَيَّلُونَ عَلَيْهِمْ لِيُوقِعُوهم في واحِدَةٍ مِن سِتَّةٍ ولا بُدَّ؛ فَيَتَحَيَّلُونَ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ أنْ يُوقِعُوهم في الكُفْرِ والنِّفاقِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، فَإذا عَمِلَتْ حِيَلُهم في ذَلِكَ قَرَّتْ عُيُونُهُمْ، فَإنْ عَجَزَتْ حِيَلُهم عَنْ مَن صَحَّتْ فِطْرَتُهُ وتَلاها شاهِدُ الإيمانِ مِن رَبِّهِ بِالوَحْيِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ أعْمَلُوا الحِيلَةَ في إلْقائِهِ في البِدْعَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها وقَبُولِ القَلْبِ لَها وتَهْيِئَتِهِ واسْتِعْدادِهِ.
فَإنْ تَمَّتْ حِيَلُهم كانَ ذَلِكَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن المَعْصِيَةِ، وإنْ كانَتْ كَبِيرَةً، ثُمَّ يَنْظُرُونَ في حالِ مَن اسْتَجابَ لَهم إلى البِدْعَةِ؛ فَإنْ كانَ مُطاعًا مَتْبُوعًا في النّاسِ أمَرُوهُ بِالزُّهْدِ والتَّعَبُّدِ ومَحاسِنِ الأخْلاقِ والشِّيَمِ، ثُمَّ أطارُوا لَهُ الثَّناءَ بَيْنَ النّاسِ لِيَصْطادُوا عَلَيْهِ الجُهّالَ ومَن لا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالسُّنَّةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ جَعَلُوا بِدْعَتَهُ عَوْنًا لَهُ عَلى ظُلْمِهِ أهْلَ السُّنَّةِ وأذاهم والنِّيلِ مِنهُمْ، وزَيَّنُوا لَهُ أنَّ هَذا انْتِصارٌ لِما هم عَلَيْهِ مِن الحَقِّ، فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ ومَنَّ اللَّهُ عَلى العَبْدِ بِتَحْكِيمِ السُّنَّةِ ومَعْرِفَتِها والتَّمْيِيزِ بَيْنَها وبَيْنَ البِدْعَةِ ألْقَوْهُ في الكَبائِرِ، وزَيَّنُوا لَهُ فِعْلَها بِكُلِّ طَرِيقٍ، وقالُوا لَهُ: أنْتَ عَلى السُّنَّةِ، وفُسّاقُ أهْلِ السُّنَّةِ أوْلِياءُ اللَّهِ، وعُبّادُ أهْلِ البِدْعَةِ أعْداءُ اللَّهِ، وقُبُورُ فُسّاقِ أهْلِ السُّنَّةِ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، وقُبُورُ عُبّادِ أهْلِ البِدَعِ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ، والتَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ يُكَفِّرُ الكَبائِرَ، كَما أنَّ مُخالَفَةَ السُّنَّةِ تُحْبِطُ الحَسَناتِ، وأهْلُ السُّنَّةِ إنْ قَعَدَتْ بِهِمْ أعْمالُهم قامَتْ بِهِمْ عَقائِدُهُمْ، وأهْلُ البِدَعِ إذا قامَتْ بِهِمْ أعْمالُهم قَعَدَتْ بِهِمْ عَقائِدُهُمْ، وأهْلُ السُّنَّةِ هم الَّذِينَ أحْسَنُوا الظَّنَّ بِرَبِّهِمْ إذْ وصَفُوهُ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ووَصَفُوهُ بِكُلِّ كَمالٍ وجَلالٍ ونَزَّهُوهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، واللَّهُ تَعالى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ، وأهْلُ البِدَعِ هم الَّذِينَ يَظُنُّونَ بِرَبِّهِمْ ظَنَّ السُّوءِ؛ إذْ يُعَطِّلُونَهُ عَنْ صِفاتِ كَمالِهِ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْها، وإذا عَطَّلُوهُ عَنْها لَزِمَ اتِّصافُهُ بِأضْدادِها ضَرُورَةً؛ ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مَن أنْكَرَ صِفَةً واحِدَةً مِن صِفاتِهِ وهي صِفَةُ العِلْمِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] وأخْبَرَهم عَنْ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ أنَّ عَلَيْهِمْ دائِرَةَ السَّوْءِ، وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولَعَنَهُمْ، وأعَدَّ لَهم جَهَنَّم وساءَتْ مَصِيرًا، فَلَمْ يَتَوَعَّدْ بِالعِقابِ أحَدًا أعْظَمَ مِمَّنْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السُّوءَ، وأنْتَ لا تَظُنُّ بِهِ ظَنَّ السُّوءِ، فَما لَك ولِلْعِقابِ؟ وأمْثالُ هَذا مِن الحَقِّ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ وصْلَةً لَهُمْ، وحِيلَةً إلى الِاسْتِهانَةِ بِالكَبائِرِ، وأخْذِهِ الأمْنَ لِنَفْسِهِ.
وَهَذِهِ حِيلَةٌ لا يَنْجُو مِنها إلّا الرّاسِخُ في العِلْمِ، العارِفُ بِأسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَإنَّهُ كُلَّما كانَ بِاللَّهِ أعْرَفَ كانَ لَهُ أشَدَّ خَشْيَةً، وكُلَّما كانَ بِهِ أجْهَلَ كانَ أشَدَّ غُرُورًا بِهِ وأقَلَّ خَشْيَةً.
فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ وعَظُمَ وقارُ اللَّهِ في قَلْبِ العَبْدِ هَوَّنُوا عَلَيْهِ الصَّغائِرَ، وقالُوا لَهُ: إنّها تَقَعُ مُكَفِّرَةً بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ حَتّى كَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ورُبَّما مَنَّوْهُ أنَّهُ إذا تابَ مِنها - كَبائِرَ كانَتْ أوْ صَغائِرَ - كُتِبَ لَهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةٌ، فَيَقُولُونَ لَهُ: كَثِّرْ مِنها ما اسْتَطَعْت، ثُمَّ ارْبَحْ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً بِالتَّوْبَةِ، ولَوْ قَبْلَ المَوْتِ بِساعَةٍ؛ فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ وخَلَّصَ اللَّهُ عَبْدَهُ مِنها نَقَلُوهُ إلى الفُضُولِ مِن أنْواعِ المُباحاتِ والتَّوَسُّعِ فِيها، وقالُوا لَهُ: قَدْ كانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ إلّا واحِدَةً ثُمَّ أرادَ تَكْمِيلَها بِالمِائَةِ، وكانَ لِسُلَيْمانَ ابْنِهِ مِائَةُ امْرَأةٍ، وكانَ لِلزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ مِن الأمْوالِ ما هو مَعْرُوفٌ، وكانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مِن الدُّنْيا وسَعَةِ المالِ ما لا يُجْهَلُ، ويُنْسُوهُ ما كانَ لِهَؤُلاءِ مِن الفَضْلِ، وأنَّهم لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنْ اللَّهِ بِدُنْياهُمْ، بَلْ سارُوا بِها إلَيْهِ، فَكانَتْ طَرِيقًا لَهم إلى اللَّهِ.
فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ - بِأنْ تَفْتَحَ بَصِيرَةَ قَلْبِ العَبْدِ حَتّى كَأنَّهُ يُشاهِدُ بِها الآخِرَةَ وما أعَدَّ اللَّهُ فِيها لِأهْلِ طاعَتِهِ وأهْلِ مَعْصِيَتِهِ، فَأخَذَ حَذَرَهُ، وتَأهَّبَ لِلِّقاءِ رَبِّهِ، واسْتَقْصَرَ مُدَّةَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا في جَنْبِ الحَياةَ الباقِيَةَ الدّائِمَةَ - نَقَلُوهُ إلى الطّاعاتِ المَفْضُولَةِ الصَّغِيرَةِ الثَّوابِ لِيَشْغَلُوهُ بِها عَنْ الطّاعاتِ الفاضِلَةِ الكَثِيرَةِ الثَّوابِ، فَيُعْمِلُ حِيلَتَهُ في تَرْكِهِ كُلَّ طاعَةٍ كَبِيرَةٍ إلى ما هو دُونَها، فَيُعْمِلُ حِيلَتَهُ في تَفْوِيتِ الفَضِيلَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ - وهَيْهاتَ - لَمْ يَبْقَ لَهم إلّا حِيلَةٌ واحِدَةٌ، وهي تَسْلِيطُ أهْلِ الباطِلِ والبِدَعِ والظَّلَمَةِ عَلَيْهِ يُؤْذُونَهُ، ويُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْهُ، ويَمْنَعُونَهم مِن الِاقْتِداءِ بِهِ؛ لِيُفَوِّتُوا عَلَيْهِ مَصْلَحَةَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وعَلَيْهِمْ مَصْلَحَةَ الإجابَةِ.
فَهَذِهِ مَجامِعُ أنْواعِ حِيَلِ الشَّيْطانِ، ولا يُحْصِي أفْرادَها إلّا اللَّهُ، ومَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن العَقْلِ يَعْرِفُ الحِيلَةَ الَّتِي تَمَّتْ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الحِيَلِ، فَإنْ كانَتْ لَهُ هِمَّةٌ إلى التَّخَلُّصِ مِنها، وإلّا فَيَسْألُ مَن تَمَّتْ عَلَيْهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[مِن حِيَلِ شَياطِينِ الإنْسِ]
وَهَذِهِ الحِيَلُ مِن شَياطِينِ الجِنِّ نَظِيرُ حِيَلِ شَياطِينِ الإنْسِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ويَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى أغْراضِهِمْ الفاسِدَةِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وذَلِكَ كَحِيَلِ القَرامِطَةِ الباطِنِيَّةِ عَلى إفْسادِ الشَّرائِعِ، وحِيَلِ الرُّهْبانِ عَلى أشْباهِ الحَمِيرِ مِن عابِدِ الصَّلِيبِ بِما يُمَوِّهُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن المَخارِيقِ والحِيَلِ كالنُّورِ المَصْنُوعِ وغَيْرِهِ مِمّا هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ الإشاراتِ مِن الإذْنَ والتَّسْيِيرِ والتَّغْيِيرِ وإمْساكِ الحَيّاتِ ودُخُولِ النّارِ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ، وأمْثالِ ذَلِكَ مِن حِيَلِ أشْباهِ النَّصارى الَّتِي تَرُوجُ عَلى أشْباهِ الأنْعامِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ الدَّكِّ وخِفَّةِ اليَدِ الَّتِي تَخْفى عَلى النّاظِرِينَ أسْبابُها ولا يَتَفَطَّنُونَ لَها، وكَحِيَلِ السَّحَرَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِ السِّحْرِ؛ فَإنَّ سِحْرَ البَيانِ هو مِن أنْواعِ التَّحَيُّلِ: إمّا لِكَوْنِهِ بَلَغَ مِن اللُّطْفِ والحُسْنِ إلى حَدِّ اسْتِمالَةِ القُلُوبِ فَأشْبَهَ السِّحْرَ مِن هَذا الوَجْهِ، وإمّا لِكَوْنِ القادِرِ عَلى البَيانِ يَكُونُ قادِرًا عَلى تَحْسِينِ القَبِيحِ وتَقْبِيحِ الحَسَنِ فَهو أيْضًا يُشْبِهُ السِّحْرَ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا.
وَكَذَلِكَ سِحْرُ الوَهْمِ أيْضًا هو حِيلَةٌ وهْمِيَّةٌ، والواقِعُ شاهِدٌ بِتَأْثِيرِ الوَهْمِ والإيهامِ، ألا تَرى أنَّ الخَشَبَةَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن المَشْيِ عَلَيْها إذا كانَتْ قَرِيبَةً مِن الأرْضِ لا يُمْكِنُ المَشْيُ عَلَيْها إذا كانَتْ عَلى مَهْواةٍ بَعِيدَةِ القَعْرِ؟ والأطِبّاءُ تَنْهى صاحِبَ الرُّعافِ عَنْ النَّظَرِ إلى الشَّيْءِ الأحْمَرِ، وتَنْهى المَصْرُوعَ عَنْ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ القَوِيَّةِ اللَّمَعانِ أوْ الدَّوْرانِ، فَإنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مَطِيَّةَ الأوْهامِ، والطَّبِيعَةُ فَعّالَةٌ، والأحْوالُ الجُسْمانِيَّةُ تابِعَةٌ لِلْأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ السِّحْرُ بِالِاسْتِعانَةِ بِالأرْواحِ الخَبِيثَةِ إنّما هو بِالتَّحَيُّلِ عَلى اسْتِخْدامِها بِالإشْراكِ بِها والِاتِّصافِ بِهَيْئاتِها الخَبِيثَةِ؛ ولِهَذا لا يَعْمَلُ السِّحْرُ إلّا مَعَ الأنْفُسِ الخَبِيثَةِ المُناسِبَةِ لِتِلْكَ الأرْواحِ، وكُلَّما كانَتْ النَّفْسُ أخْبَثَ كانَ سِحْرُها أقْوى، وكَذَلِكَ سِحْرُ التَّمْزِيجاتِ - وهو أقْوى ما يَكُونُ مِن السِّحْرِ - أنْ يُمْزَجَ بَيْنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الخَبِيثَةِ الفَعّالَةِ والقُوى الطَّبِيعِيَّةِ المُنْفَعِلَةِ، والمَقْصُودُ أنَّ السِّحْرَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الحِيَلِ الَّتِي يَنالُ بِها السّاحِرُ غَرَضَهُ، وحِيَلُ السّاحِرِ مِن أضْعَفِ الحِيَلِ وأقْواها، ولَكِنْ لا تُؤَثِّرُ تَأْثِيرًا مُسْتَقِرًّا إلّا في الأنْفُسِ الباطِلَةِ المُنْفَعِلَةِ لِلشَّهَواتِ الضَّعِيفَةِ تَعَلُّقِها بِفاطِرِ الأرْضِ والسَّمَواتِ المُنْقَطِعَةِ عَنْ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ؛ فَهَذِهِ النُّفُوسُ مَحَلُّ تَأْثِيرِ السِّحْرِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ المَلاهِي والطَّرِبِ عَلى اسْتِمالَةِ النُّفُوسِ إلى مَحَبَّةِ الصُّوَرِ والوُصُولِ إلى الِالتِذاذِ بِها؛ فَحِيلَةُ السَّماعِ الشَّيْطانِيِّ عَلى ذَلِكَ مِن أدْنى الحِيَلِ عَلَيْهِ، حَتّى قِيلَ: أوَّلُ ما وقَعَ الزِّنا في العالَمِ فَإنَّما كانَ بِحِيلَةِ اليَراعِ والغِناءِ، لَمّا أرادَ الشَّيْطانُ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ حِيلَةً أدْنى مِن المَلاهِي.
وَكَحِيَلِ اللُّصُوصِ والسُّرّاقِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ، وهم أنْواعٌ لا تُحْصى؛ فَمِنهم السُّرّاقُ بِأيْدِيهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِأقْلامِهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِأمانَتِهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِما يُظْهِرُونَهُ مِن الدِّينِ والفَقْرِ والصَّلاحِ والزُّهْدِ وهم في الباطِنِ بِخِلافِهِ، ومِنهم السُّرّاقُ بِمَكْرِهِمْ وخِداعِهِمْ وغِشِّهِمْ، وبِالجُمْلَةِ فَحِيَلُ هَذا الضَّرْبِ مِن النّاسِ مِن أكْثَرِ الحِيَلِ، وتَلِيها حِيَلُ عُشّاقِ الصُّوَرِ عَلى الوُصُولِ إلى أغْراضِهِمْ فَإنَّها تَقَعُ في الغالِبِ خَفِيَّةً، وإنَّما تَتِمُّ غالِبًا عَلى النُّفُوسِ القابِلَةِ المُنْفَعِلَةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وكَحِيَلِ التَّتارِ الَّتِي مَلَكُوا بِها البِلادَ وقَهَرُوا بِها العِبادَ وسَفَكُوا بِها الدِّماءَ واسْتَباحُوا بِها الأمْوالَ، وكَحِيَلِ اليَهُودِ وإخْوانِهِمْ مِن الرّافِضَةِ فَإنَّهم بَيْتُ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، ولِهَذا ضُرِبَتْ عَلى الطّائِفَتَيْنِ الذِّلَّةُ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في كُلِّ مُخادِعٍ مُحْتالٍ بِالباطِلِ.
[أرْبابُ الحِيَلِ نَوْعانِ]
ثُمَّ أرْبابُ هَذِهِ الحِيَلِ نَوْعانِ: نَوْعُ يُقْصَدُ بِهِ حُصُولُ مَقْصُودِهِ، ولا يَظْهَرُ أنَّهُ حَلالٌ، كَحِيَلِ اللُّصُوصِ وعُشّاقِ الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ ونَحْوِهِما، ونَوْعٌ يُظْهِرُ صاحِبُهُ أنَّ مَقْصُودَهُ خَيْرٌ وصَلاحٌ ويُبْطِنُ خِلافَهُ.
وَأرْبابُ النَّوْعِ الأوَّلِ أسْلَمُ عاقِبَةً مِن هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهم أتَوْا البُيُوتَ مِن أبْوابِها والأمْرَ مِن طَرِيقِهِ ووَجْهِهِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَقَلَبُوا مَوْضُوعَ الشَّرْعِ والدِّينِ، ولَمّا كانَ أرْبابُ هَذا النَّوْعِ إنّما يُباشِرُونَ الأسْبابَ الجائِزَةَ ولا يُظْهِرُونَ مَقاصِدَهم أعْضَلَ أمْرُهُمْ، وعَظُمَ الخَطْبُ بِهِمْ، وصَعُبَ الِاحْتِرازُ مِنهُمْ، وعَزَّ عَلى العالَمِ اسْتِنْقاذُ قَتْلاهُمْ، فاسْتُبِيحَتْ بِحِيَلِهِمْ الفُرُوجُ، وأُخِذَتْ بِها الأمْوالُ مِن أرْبابِها فَأُعْطِيَتْ لِغَيْرِ أهْلِها، وعُطِّلَتْ بِها الواجِباتُ، وضُيِّعَتْ بِها الحُقُوقُ، وعَجَّتْ الفُرُوجُ والأمْوالُ والحُقُوقُ إلى رَبِّها عَجِيجًا، وضَجَّتْ مِمّا حَلَّ بِها إلَيْهِ ضَجِيجًا، ولا يَخْتَلِفُ المُسْلِمُونَ أنَّ تَعْلِيمَ هَذِهِ الحِيَلِ حَرامٌ، والإفْتاءُ بِها حَرامٌ، والشَّهادَةُ عَلى مَضْمُونِها حَرامٌ، والحُكْمُ بِها مَعَ العِلْمِ بِحالِها حَرامٌ، واَلَّذِي جَوَّزُوا مِنها ما جَوَّزُوا مِن الأئِمَّةِ لا يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ بِهِمْ أنَّهم جَوَّزُوهُ عَلى وجْهِ الحِيلَةِ إلى المُحَرَّمِ، وإنَّما جَوَّزُوا صُورَةَ ذَلِكَ الفِعْلِ.
ثُمَّ إنّ المُتَحَيِّلَ المُخادِعَ المَكّارَ أخَذَ صُورَةَ ما أفْتَوْا بِهِ فَتَوَسَّلَ بِهِ إلى ما مَنَعُوا مِنهُ، ورَكَّبَ ذَلِكَ عَلى أقْوالِهِمْ وفَتاواهُمْ، وهَذا فِيهِ الكَذِبُ عَلَيْهِمْ وعَلى الشّارِعِ، مِثالُهُ أنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - يُجَوِّزُ إقْرارَ المَرِيضِ لِوارِثِهِ؛ فَيَتَّخِذُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يُوصِيَ لِوارِثِهِ وسِيلَةً إلى الوَصِيَّةِ لَهُ بِصُورَةِ الإقْرارِ.
وَيَقُولُ: هَذا جائِزٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وهَذا كَذِبٌ عَلى الشّافِعِيِّ؛ فَإنَّهُ لا يُجَوِّزُ الوَصِيَّةَ لِلْوارِثِ بِالتَّحَيُّلِ عَلَيْها بِالإقْرارِ؛ فَكَذَلِكَ الشّافِعِيُّ يُجَوِّزُ لِلرَّجُلِ إذا اشْتَرى مِن غَيْرِهِ سِلْعَةً بِثَمَنٍ أنْ يَبِيعَهُ إيّاها بِأقَلَّ مِمّا اشْتَراها مِنهُ بِناءً عَلى ظاهِرِ السَّلامَةِ. ولا يَجُوزُ ذَلِكَ حِيلَةً عَلى بَيْعِ مِائَةٍ بِمِائَةٍ وخَمْسِينَ إلى سَنَةٍ؛ فاَلَّذِي يَسُدُّ الذَّرائِعَ يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَقُولُ: هو يُتَّخَذُ حِيلَةً إلى ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَلا يَقْبَلُ إقْرارَ المَرِيضِ لِوارِثِهِ، ولا يَصِحُّ هَذا البَيْعَ. ولا سِيَّما فَإنَّ إقْرارَ المَرْءِ شَهادَةٌ عَلى نَفْسِهِ، فَإذا تَطَرَّقَ إلَيْها التُّهْمَةُ بَطَلَتْ كالشَّهادَةِ عَلى غَيْرِهِ. والشّافِعِيُّ يَقُولُ: أقْبَلُ إقْرارَهُ إحْسانًا لِلظَّنِّ بِالمُقِرِّ، وحَمْلًا لِإقْرارِهِ عَلى السَّلامَةِ، ولا سِيَّما عِنْدَ الخاتِمَةِ.
وَمِن هَذا البابِ احْتِيالُ المَرْأةِ عَلى فَسْخِ نِكاحِ الزَّوْجِ بِما يُعْلِمُهُ إيّاها أرْبابُ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، بِأنْ تُنْكِرَ أنْ تَكُونَ أذِنَتْ لِلْوَلِيِّ، أوْ بِأنَّ النِّكاحَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ أوْ الشُّهُودَ جَلَسُوا وقْتُ العَقْدِ عَلى فِراشِ حَرِيرٍ، أوْ اسْتَنَدُوا إلى وِسادَةِ حَرِيرٍ.
وَقَدْ رَأيْت مَن يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الحِيلَةَ إذا طَلَّقَ الزَّوْجُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، وأرادَ تَخْلِيصَهُ مِن عارِ التَّحْلِيلِ وشَنارِهِ أرْشَدَهُ إلى القَدْحِ في صِحَّةِ النِّكاحِ بِفِسْقِ الوَلِيِّ أوْ الشُّهُودِ، فَلا يَصِحُّ الطَّلاقُ في النِّكاحِ الفاسِدِ. وقَدْ كانَ النِّكاحُ صَحِيحًا لَمّا كانَ مُقِيمًا مَعَها عِدَّةَ سِنِينَ، فَلَمّا أوْقَعَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ فَسَدَ النِّكاحُ.
وَمِن هَذا احْتِيالُ البائِعِ عَلى فَسْخِ البَيْعِ بِدَعْواهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا وقْتَ العَقْدِ، أوْ لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا، أوْ كانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، أوْ لَمْ يَكُنْ المَبِيعُ مِلْكًا لَهُ ولا مَأْذُونًا لَهُ في بَيْعِهِ
فَهَذِهِ الحِيَلُ وأمْثالُها لا يَسْتَرِيبُ مُسْلِمٌ في أنَّها مِن كَبائِرِ الإثْمِ وأقْبَحِ المُحَرَّماتِ، وهي مِن التَّلاعُبِ بِدِينِ اللَّهِ، واتِّخاذِ آياتِهِ هُزُوًا، وهي حَرامٌ مِن جِهَتِها في نَفْسِها لِكَوْنِها كَذِبًا وزُورًا، وحَرامٌ مِن جِهَةِ المَقْصُودِ بِها، وهو إبْطالُ حَقٍّ وإثْباتُ باطِلٍ؛ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ:
[الحِيَلُ المُحَرَّمَةُ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ]
أحَدُها: أنْ تَكُونَ الحِيلَةُ مُحَرَّمَةً ويُقْصَدُ بِها المُحَرَّمُ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ مُباحَةً في نَفْسِها ويُقْصَدُ بِها المُحَرَّمُ؛ فَيَصِيرُ حَرامًا تَحْرِيمَ الوَسائِلِ كالسَّفَرِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ وقَتْلِ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ.
وَهَذانِ القِسْمانِ تَكُونُ الحِيلَةُ فِيهِما مَوْضُوعَةً لِلْمَقْصُودِ الباطِلِ المُحَرَّمِ، ومُفْضِيَةً إلَيْهِ، كَما هي مَوْضُوعَةٌ لِلْمَقْصُودِ الصَّحِيحِ الجائِزِ ومُفْضِيَةٌ إلَيْهِ؛ فَإنَّ السَّفَرَ طَرِيقٌ صالِحٌ لِهَذا وهَذا.
الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ لَمْ تُوضَعْ لِلْإفْضاءِ إلى المُحَرَّمِ، وإنَّما وُضِعَتْ مُفْضِيَةً إلى المَشْرُوعِ كالإقْرارِ والبَيْعِ والنِّكاحِ والهِبَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَيَتَّخِذُها المُتَحَيِّلُ سُلَّمًا وطَرِيقًا إلى الحَرامِ، وهَذا مُعْتَرَكُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وهو الَّذِي قَصَدْنا الكَلامَ فِيهِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ.
[نَوْعٌ رابِعٌ مِن الحِيَلِ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ يُقْصَدُ بِها أخْذُ حَقٍّ]
القِسْمُ الرّابِعُ: أنْ يُقْصَدَ بِالحِيلَةِ أخْذِ حَقٍّ أوْ دَفْعُ باطِلٍ، وهَذا القِسْمُ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ أيْضًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مُحَرَّمًا في نَفْسِهِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِهِ حَقًّا، مِثْلُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَلى رَجُلٍ حَقٌّ فَيَجْحَدَهُ، ولا يُبَيِّنُهُ لَهُ، فَيُقِيمَ صاحِبُهُ شاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدانِ بِهِ، ولا يَعْلَمانِ ثُبُوتَ ذَلِكَ الحَقِّ، ومِثْلُ أنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، ويَجْحَدَ الطَّلاقَ، ولا يُبَيِّنُهُ لَها، فَتُقِيمَ شاهِدَيْنِ يَشْهَدانِ أنَّهُ طَلَّقَها، ولَمْ يَسْمَعا الطَّلاقَ مِنهُ، ومِثْلُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ، ولَهُ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ، فَيَجْحَدَ الوَدِيعَةَ، فَيَجْحَدَ هو الدَّيْنَ، أوْ بِالعَكْسِ، ويَحْلِفَ ما لَهُ عِنْدِي حَقٌّ، أوْ ما أوْدَعَنِي شَيْئًا، وإنْ كانَ يُجِيزُ هَذا مَن يُجِيزُ مَسْألَةَ الظَّفَرِ.
وَمِثْلُ أنْ تَدَّعِيَ عَلَيْهِ المَرْأةُ كِسْوَةً أوْ نَفَقَةً ماضِيَةً كَذِبًا وباطِلًا، فَيُنْكِرَ أنْ تَكُونَ مَكَّنَتْهُ مِن نَفْسِها أوْ سَلَّمَتْ نَفْسَها إلَيْهِ، أوْ يُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ أنَّها كانَتْ ناشِزًا؛ فَلا نَفَقَةَ لَها ولا كِسْوَةَ، ومِثْلُ أنْ يَقْتُلَ رَجُلٌ ولِيَّهُ فَيُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ ولَمْ يَشْهَدا القَتْلَ فَيَشْهَدا أنَّهُ قَتَلَهُ، ومِثْلُ أنْ يَمُوتَ مَوْرُوثُهُ فَيُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ أنَّهُ ماتَ وأنَّهُ وارِثُهُ، وهُما لا يَعْلَمانِ ذَلِكَ، ونَظائِرُهُ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ لا شاهِدَ لَهُ بِهِ فَيُقِيمُ شاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدانِ لَهُ بِهِ؛ فَهَذا يَأْثَمُ عَلى الوَسِيلَةِ دُونَ المَقْصُودِ، وفي مِثْلِ هَذا جاءَ الحَدِيثُ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَن ائْتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَن خانَك».
[فَصْلٌ: القِسْمُ الثّانِي مِن أنْواعِ الحِيَلِ]
فَصْلٌ القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مَشْرُوعَةً، وما يُفْضِي إلَيْهِ مَشْرُوعٌ، وهَذِهِ هي الأسْبابُ الَّتِي نَصَبَها الشّارِعُ مُفْضِيَةً إلى مُسَبَّباتِها كالبَيْعِ والإجارَةِ والمُساقاةِ والمُزارِعَةِ والوَكالَةِ، بَلْ الأسْبابُ مَحَلُّ حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وهي في اقْتِضائِها لِمُسَبَّباتِها شَرْعًا عَلى وِزانِ الأسْبابِ الحِسِّيَّةِ في اقْتِضائِها لِمُسَبَّباتِها قَدَرًا؛ فَهَذا شَرْعُ الرَّبِّ تَعالى وذَلِكَ قَدَرُهُ، وهُما خَلْقُهُ وأمْرُهُ، واللَّهُ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ولا تَغْيِيرَ لِحُكْمِهِ، فَكَما لا يُخالِفُ سُبْحانَهُ بِالأسْبابِ القَدَرِيَّةِ أحْكامَها بَلْ يُجْرِيها عَلى أسْبابِها وما خُلِقَتْ لَهُ؛ فَهَكَذا الأسْبابُ الشَّرْعِيَّةُ لا يُخْرِجُها عَنْ سَبَبِها وما شُرِعَتْ لَهُ، بَلْ هَذِهِ سُنَّتُهُ شَرْعًا وأمْرًا، وتِلْكَ سُنَّتُهُ قَضاءً وقَدَرًا، وسُنَّتُهُ الأمْرِيَّةُ قَدْ تُبَدَّلُ وتَتَغَيَّرُ كَما يُعْصى أمْرُهُ ويُخالَفُ، وأمّا سُنَّتُهُ القَدَرِيَّةُ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا، كَما لا يُعْصى أمْرُهُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ.
وَيَدْخُلُ في هَذا القِسْمِ التَّحَيُّلُ عَلى جَلْبِ المَنافِعِ وعَلى دَفْعِ المَضارِّ، وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِكُلِّ حَيَوانٍ؛ فَلِأنْواعِ الحَيَواناتِ مِن أنْواعِ الحِيَلِ والمَكْرِ ما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ بَنُو آدَمَ.
وَلَيْسَ كَلامُنا ولا كَلامُ السَّلَفِ في ذَمِّ الحِيَلِ مُتَناوِلًا لِهَذا القِسْمِ. بَلْ العاجِزُ مَن عَجَزَ عَنْهُ، والكَيِّسُ مَن كانَ بِهِ أفْطَنَ وعَلَيْهِ أقْدَرَ، ولا سِيَّما في الحَرْبِ فَإنَّها خَدْعَةٌ. والعَجْزُ كُلُّ العَجْزِ تَرْكُ هَذِهِ الحِيلَةِ. والإنْسانُ مَندُوبٌ إلى اسْتِعاذَتِهِ بِاللَّهِ تَعالى مِن العَجْزِ والكَسَلِ؛ فالعَجْزُ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى الحِيلَةِ النّافِعَةِ. والكَسَلُ عَدَمُ الإرادَةِ لِفِعْلِها؛ فالعاجِزُ لا يَسْتَطِيعُ الحِيلَةَ، والكَسْلانُ لا يُرِيدُها. ومَن لَمْ يَحْتَلْ وقَدْ أمْكَنَتْهُ هَذِهِ الحِيلَةُ أضاعَ فُرْصَتَهُ وفَرَّطَ في مَصالِحِهِ، كَما قالَ:
؎إذا المَرْءُ لَمْ يَحْتَلْ وقَدْ جَدَّ جِدُّهُ ∗∗∗ أضاعَ وقاسى أمْرَهُ وهو مُدْبِرُ
وَفِي هَذا قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الأمْرُ أمْرانِ: أمْرٌ فِيهِ حِيلَةٌ فَلا يُعْجَزُ عَنْهُ، وأمْرٌ لا حِيلَةَ فِيهِ فَلا يُجْزَعُ مِنهُ.
[فَصْلٌ: القِسْمُ الثّالِثُ مِن أنْواعِ الحِيَلِ]
[المِثالُ الأوَّلُ اسْتَأْجَرَ مِنهُ دارًا مُدَّةَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَخافَ أنْ يَغْدِرَ بِهِ المُكْرِي في آخِرِ المُدَّةِ]
فَصْلٌ [الِاحْتِيالُ عَلى الوُصُولِ إلى الحَقِّ بِطَرِيقٍ مُباحَةٍ لَكِنَّها لَمْ تُشْرَعْ لَهُ].
القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَحْتالَ عَلى التَّوَصُّلِ إلى حَقٍّ أوْ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ بِطَرِيقٍ مُباحَةٍ لَمْ تُوضَعْ مُوَصِّلَةً إلى ذَلِكَ، بَلْ وُضِعَتْ لِغَيْرِهِ، فَيَتَّخِذُها هو طَرِيقًا إلى هَذا المَقْصُودِ الصَّحِيحِ، أوْ قَدْ يَكُونُ قَدْ وُضِعَتْ لَهُ لَكِنْ تَكُونُ خَفِيَّةً ولا يَفْطِنُ لَها، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القِسْمِ واَلَّذِي قَبْلَهُ أنَّ الطَّرِيقَ في الَّذِي قَبْلَهُ نُصِبَتْ مُفْضِيَةً إلى مَقْصُودِها ظاهِرًا، فَسالِكُها سالِكٌ لِلطَّرِيقِ المَعْهُودِ، والطَّرِيقُ في هَذا القِسْمِ نُصِبَتْ مُفْضِيَةً إلى غَيْرِهِ فَيَتَوَصَّلُ بِها إلى ما لَمْ تُوضَعْ لَهُ؛ فَهي في الفِعالِ كالتَّعْرِيضِ الجائِزِ في المَقالِ، أوْ تَكُونُ مُفْضِيَةً إلَيْهِ لَكِنْ بِخَفاءٍ، ونَذْكُرُ لِذَلِكَ أمْثِلَةً يُنْتَفَعُ بِها في هَذا البابِ.
المِثالُ الأوَّلُ: إذا اسْتَأْجَرَ مِنهُ دارًا مُدَّةَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَخافَ أنْ يَغْدِرَ بِهِ المُكْرِي في آخِرِ المُدَّةِ ويَتَسَبَّبَ إلى فَسْخِ الإجارَة بِأنْ يَظْهَرَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلايَةُ الإيجارِ أوْ أنَّ المُؤَجَّرَ مِلْكٌ لِابْنِهِ أوْ امْرَأتِهِ أوْ أنَّهُ كانَ مُؤَجَّرًا قَبْلَ إيجارِهِ، ويَتَبَيَّنُ أنَّ المَقْبُوضَ أُجْرَةُ المِثْلِ لِما اسْتَوْفاهُ مِن المُدَّةِ ويَنْتَزِعُ المُؤَجَّرَ لَهُ مِنهُ؛ فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن هَذِهِ الحِيلَةِ أنْ يُضَمِّنَهُ المُسْتَأْجِرُ دَرَكَ العَيْنِ المُؤَجَّرَةِ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، فَإذا اسْتُحِقَّتْ أوْ ظَهَرَتْ الإجارَةُ فاسِدَةً رَجَعَ عَلَيْهِ بِما قَبَضَهُ مِنهُ، أوْ يَأْخُذُ إقْرارَ مَن يَخافُ مِنهُ بِأنَّهُ لا حَقَّ لَهُ في العَيْنِ وأنَّ كُلَّ دَعْوى يَدَّعِيها بِسَبَبِها فَهي باطِلَةٌ، أوْ يَسْتَأْجِرُها مِنهُ بِمِائَةِ دِينارٍ مَثَلًا ثُمَّ يُصارِفَهُ كُلَّ دِينارٍ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، فَإذا طالَبَهُ بِأُجْرَةِ المِثْلِ طالَبَهُ هو بِالدَّنانِيرِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها العَقْدُ، فَإنَّهُ لَمْ يَخَفْ مِن ذَلِكَ، ولَكِنْ يَخافُ أنْ يَغْدِرَ بِهِ في آخِرِ المُدَّةِ، فَلْيُقَسِّطْ مَبْلَغَ الأُجْرَةِ عَلى عَدَدِ السِّنِينَ، ويَجْعَلْ مُعْظَمَها لِلسَّنَةِ الَّتِي يَخْشى غَدْرَهُ فِيها.
وَكَذَلِكَ إذا خافَ المُؤَجِّرُ أنْ يَغْدِرَ المُسْتَأْجِرُ ويَرْحَلَ في آخِرِ المُدَّةِ، فَلْيَجْعَلْ مُعْظَمَ الأُجْرَةِ عَلى المُدَّةِ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها مِن رَحِيلِهِ، والقَدْرَ اليَسِيرَ مِنها لِآخِرِ المُدَّةِ.
[المِثالُ السّابِعُ تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها]
تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها] المِثالُ السّابِعُ: إذا خاصَمَتْهُ امْرَأتُهُ وقالَتْ: قُلْ " كُلُّ جارِيَةٍ أشْتَرِيها فَهي حُرَّةٌ، وكُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ " فالحِيلَةُ في خَلاصِهِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ويَعْنِي بِالجارِيَةِ السَّفِينَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ويُمْسِكُ بِيَدِهِ حَصاةً أوْ خِرْقَةً ويَقُولُ: " فَهي طالِقٌ " فَيَرُدُّ الكِنايَةَ إلَيْها، فَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ وقالَتْ: قُلْ: " كُلُّ رَقِيقَةٍ أوْ أمَةٍ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولْيَعْنِ فَهي حُرَّةُ الخِصالِ غَيْرُ فاجِرَةٍ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ ذَلِكَ لَمْ تُعْتَقْ كَما لَوْ قالَ لَهُ رَجُلٌ: " غُلامُك فاجِرٌ زانٍ " فَقالَ: ما أعْرِفُهُ إلّا حُرًّا عَفِيفًا، ولَمْ يُرِدْ العِتْقَ، لَمْ يُعْتَقْ.
وَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ وقالَتْ: قُلْ: " فَهي عَتِيقَةٌ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولِيَنْوِ ضِدَّ الجَدِيدَةِ، أيْ عَتِيقَةٌ في الرِّقِّ، فَإنْ تَفَقَّهَتْ وقالَتْ: قُلْ: " فَهي مَعْتُوقَةٌ " و: " قَدْ أعْتَقْتها إنْ مَلَكْتها " فَلْيَرُدَّ الكِنايَةَ إلى حَصاةٍ في يَدِهِ أوْ خِرْقَةٍ، فَإنْ لَمْ تَدَعْهُ أنْ يَمْسِكَ شَيْئًا فَلْيَرُدَّها إلى نَفْسِهِ، ويَعْنِي أنْ قَدْ أعْتَقَها مِن النّارِ بِالإسْلامِ، أوْ فَهي حُرَّةٌ لَيْسَتْ رَقِيقَةً لِأحَدٍ، ويَجْعَلُ الكَلامَ جُمْلَتَيْنِ، فَإنْ حَضَرَتْهُ وقالَتْ: قُلْ: " فالجارِيَةُ الَّتِي أشْتَرِيها مَعْتُوقَةٌ " فَلْيُقَيِّدْ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، أوْ مَكان مُعَيَّنٍ في نِيَّتِهِ، ولا يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ، فَإنْ حَضَرَتْهُ وقالَتْ: مِن غَيْرِ تَوْرِيَةٍ ولا كِنايَةٍ ولا نِيَّةٍ تُخالِفُ قَوْلِي، وهَذا آخِرُ التَّشْدِيدِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِن التَّوْرِيَةِ والكِنايَةِ.
وَإنْ قالَ بِلِسانِهِ: " لا أُوَرِّي ولا أُكَنِّي " والتَّوْرِيَةُ والكِنايَةُ في قَلْبِهِ، كَما لَوْ قالَ: " لا أسْتَثْنِي " بِلِسانِهِ ومِن نِيَّتِهِ الِاسْتِثْناءُ، ثُمَّ اسْتَثْنى فَإنَّهُ يَنْفَعُهُ، حَتّى لَوْ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ عَزَمَ عَلَيْهِ واسْتَثْنى نَفَعَهُ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لا مُعارِضَ لَها بِوَجْهٍ في غَيْرِ حَدِيثٍ، كَقَوْلِ المَلَكِ لِسُلَيْمانَ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إلّا الإذْخِرَ» بَعْدَ أنْ ذَكَّرَهُ بِهِ العَبّاسُ، وقَوْلِهِ: «إنْ شاءَ اللَّهُ» بَعْدَ أنْ قالَ: «لَأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثَلاثَ مَرّاتٍ» ثُمَّ قالَ بَعْدَ الثّالِثَةِ وسُكُوتِهِ: «إنْ شاءَ اللَّهُ».
والقُرْآنُ صَرِيحٌ في نَفْعِ الِاسْتِثْناءِ إذا نَسِيَهُ ولَمْ يَنْوِهِ في أوَّلِ كَلامِهِ ولا أثْناءَهُ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]، وهَذا إمّا أنْ يَخْتَصَّ بِالِاسْتِثْناءِ إذا نَسِيَهُ كَما فَسَّرَهُ بِهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، أوْ يَعُمَّهُ ويَعُمَّ غَيْرَهُ وهو الصَّوابُ؛ فَأمّا أنْ يُخْرِجَ مِنهُ الِاسْتِثْناءَ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ ويَرُدَّ إلى غَيْرِهِ فَلا يَجُوزُ، ولِأنَّ الكَلامَ الواحِدَ لا يُعْتَبَرُ في صِحَّتِهِ نِيَّةُ كُلِّ جُمْلَةٍ مِن جُمَلِهِ وبَعْضٍ مِن أبْعاضِهِ؛ فالنَّصُّ والقِياسُ يَقْتَضِي نَفْعَ الِاسْتِثْناءِ، وإنْ خَطَر لَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ الكَلامِ، وهَذا هو الصَّوابُ المَقْطُوعُ بِهِ.
[المِثالُ الثّالِثَ عَشَرَ الحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن طَلاقِ امْرَأتِهِ]
حِيلَةٌ في التَّخَلُّصِ مِن طَلاقِ امْرَأتِهِ]
المِثالُ الثّالِثَ عَشَرَ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: " الطَّلاقُ يَلْزَمُنِي لا تَقُولِينَ لِي شَيْئًا إلّا قُلْت لَك مِثْلَهُ " فَقالَتْ لَهُ: أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا.
فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن أنْ يَقُولَ لَها مِثْلَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَها: قُلْت لِي: أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا.
قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: وفي هَذِهِ الحِيلَةِ نَظَرٌ لا يَخْفى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَها مِثْلَ ما قالَتْ لَهُ، وإنَّما حَكى كَلامَها مِن غَيْرِ أنْ يَقُولَ لَها نَظِيرَهُ. ولَوْ أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا فَقالَ لَهُ المَسْبُوبُ: " أنْتِ قُلْت لِي كَذا وكَذا " لَمْ يَكُنْ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أحَدٍ، لا لُغَةً ولا عُرْفًا؛ فَهَذِهِ الحِيلَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: الحِيلَةُ أنْ يَقُولَ لَها: " أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا " - بِفَتْحِ التّاءِ - فَلا تَطْلُقُ، وهَذا نَظِيرُ ما قالَتْ لَهُ سَواءٌ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ أقْرَبَ مِن الأُولى؛ فَإنَّ المَفْهُومَ المُتَعارَفَ لُغَةً وعَقْلًا وعُرْفًا مِن الرَّدِّ عَلى المَرْأةِ أنْ يُخاطِبَها خِطابَ المُؤَنَّثِ، فَإذا خاطَبَها خِطابَ المُذَكَّرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَدًّا ولا جَوابًا، ولَوْ فُرِضَ أنَّهُ رَدٌّ لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ الطَّلاقِ بِالمُواجَهَةِ وإنْ فَتَحَ التّاءَ، كَأنَّهُ قالَ: أيُّها الشَّخْصُ أوْ الإنْسانُ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: الحِيلَةُ في ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا إنْ شاءَ اللَّهُ، أوْ إنْ كَلَّمْت السُّلْطانَ، أوْ إنْ سافَرْت، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيَكُونَ قَدْ قالَ لَها نَظِيرَ ما قالَتْ، ولا يَضُرُّهُ زِيادَةُ الشَّرْطِ، وهَذِهِ الحِيلَةُ أقْرَبُ مِن الَّتِي قَبْلَها، ولَكِنْ في كَوْنِ المُتَكَلِّمِ بِها رادًّا أوْ مُجِيبًا نَظَرٌ لا يَخْفى؛ لِأنَّ الشَّرْطَ وإنْ تَضَمَّنَ زِيادَةً في الكَلامِ لَكِنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ نَظِيرًا لِكَلامِها، ومِثْلًا لَهُ، وهو إنّما حَلَفَ أنْ يَقُولَ لَها مِثْلَ ما قالَتْ لَهُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لَيْسَتْ مِثْلَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، بَلْ الشَّرْطُ يَدْخُلُ عَلى الكَلامِ التّامِّ فَيُصَيِّرُهُ ناقِصًا يَحْتاجُ إلى الجَوابِ، ويَدْخُلُ عَلى الخَبَرِ فَيَقْلِبُهُ إنْشاءً، ويُغَيِّرُ صُورَةَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ ومَعْناها، ولَوْ قالَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ: " لَعَنَك اللَّهُ "، فَقالَ لَهُ: " لَعَنَك اللَّهُ إنْ بَدَّلْت دِينَك أوْ ارْتَدَدْت عَنْ الإسْلامِ " لَمْ يَكُنْ سابًّا لَهُ.
وَلَوْ قالَ لَهُ: " يا زانٍ " فَقالَ: " بَلْ أنْتَ زانٍ إنْ وطِئْت فَرْجًا حَرامًا " لَمْ يَكُنْ الثّانِي قاذِفًا لَهُ. ولَوْ بَذَلَتْ لَهُ مالًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها، فَقالَ: أنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْت السُّلْطانَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ المالَ، ولَمْ يَكُنْ مُطَلِّقًا.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: لا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والحالِفُ لَمْ تَدْخُلْ هَذِهِ الصُّورَةُ في عُمُومِ كَلامِهِ، وإنْ دَخَلَتْ فَهي مِن المَخْصُوصِ بِالعُرْفِ والعادَةِ والعَقْلِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَذِهِ الصُّورَةَ قَطْعًا، ولا خَطَرَتْ بِبالِهِ، ولا تَناوَلَها لَفْظُهُ؛ فَإنَّهُ إنّما تَناوَلَ لَفْظُهُ القَوْلَ الَّذِي يَصِحُّ " أنْتِ امْرَأتِي " وبِمَنزِلَةِ قَوْلِ الأمَةِ لِسَيِّدِها: " أنْتِ أمَتِي وجارِيَتِي " ونَحْوِ هَذا مِن الكَلامِ اللَّغْوِ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ لَفْظِ الحالِفِ ولا إرادَتِهِ، أمّا عَدَمُ دُخُولِهِ تَحْتَ إرادَتِهِ فَلا إشْكالَ فِيهِ، وأمّا عَدَمُ تَناوُلِ لَفْظِهِ لَهُ؛ فَإنَّ اللَّفْظَ العامَّ إنّما يَكُونُ عامًّا فِيما يَصْلُحُ لَهُ وفِيما سِيقَ لِأجْلِهِ.
وَهَذا أقْوى مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، وغايَتُهُ تَخْصِيصُ العامِّ بِالعُرْفِ والعادَةِ، وهَذا أقْرَبُ لُغَةً وعُرْفًا وعَقْلًا وشَرْعًا مِن جَعْلِ ما تَقَدَّمَ مُطابِقًا ومُماثِلًا لِكَلامِها مِثْلَهُ، فَتَأمَّلْهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
[المِثالُ الرّابِعَ عَشَرَ الإحْرامُ وقَدْ ضاقَ الوَقْتُ]
[الإحْرامُ وقَدْ ضاقَ الوَقْتُ]
المِثالُ الرّابِعَ عَشَرَ: إذا خافَ الرَّجُلُ لِضِيقِ الوَقْتِ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ فَيَفُوتَهُ فَيَلْزَمَهُ القَضاءُ ودَمُ الفَواتِ؛ فالحِيلَةُ أنْ يُحْرِمَ إحْرامًا مُطْلَقًا ولا يُعَيِّنَهُ؛ فَإنْ اتَّسَعَ لَهُ الوَقْتُ جَعَلَهُ حَجًّا أوْ قِرانًا أوْ تَمَتُّعًا، وإنْ ضاقَ عَلَيْهِ الوَقْتُ جَعَلَهُ عُمْرَةً، ولا يَلْزَمُهُ غَيْرُها.
[المِثالُ الخامِسَ عَشَرَ مَن جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ]
[مَن جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ]
المِثالُ الخامِسَ عَشَرَ: إذا جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ الإحْرامُ ودَمٌ لِمُجاوَزَتِهِ لِلْمِيقاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فالحِيلَةُ في سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ أنْ لا يُحْرِمَ مِن مَوْضِعِهِ، بَلْ يَرْجِعَ إلى المِيقاتِ فَيُحْرِمَ مِنهُ؛ فَإنْ أحْرَمَ مِن مَوْضِعِهِ لَزِمَهُ الدَّمُ، ولا يَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ إلى المِيقاتِ.
[المِثال السّادِسَ عَشْر الحِيلَة لِلْبِرِّ في يَمِينٍ]
[حِيلَةٌ لِلْبِرِّ في يَمِينٍ]
المِثالُ السّادِسَ عَشَرَ: إذا سُرِقَ لَهُ مَتاعٌ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ لَمْ تُخْبِرِينِي مَن أخَذَهُ فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، والمَرْأةُ لا تَعْلَمُ مَن أخَذَهُ.
فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن هَذِهِ اليَمِينِ أنْ تَذْكُرَ الأشْخاصَ الَّتِي لا يَخْرُجُ المَأْخُوذُ عَنْهُمْ، ثُمَّ تُفْرِدَ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ، وتَقُولَ: هو أخَذَهُ؛ فَإنَّها تَكُونُ مُخْبِرَةً عَنْ الآخِذِ وعَنْ غَيْرِهِ فَيَبَرُّ في يَمِينِهِ ولا تَطْلُقُ.
[المِثالُ الثّانِي والأرْبَعُونَ الحِيلَةُ في عَدَمِ حِنْثِ الحالِفِ]
[حِيلَةٌ في عَدَمِ حِنْثِ الحالِفِ]
المِثالُ الثّانِي والأرْبَعُونَ: إذا اسْتُحْلِفَ عَلى شَيْءٍ، فَأحَبَّ أنْ يَحْلِفَ ولا يَحْنَثَ؛ فالحِيلَةُ أنْ يُحَرِّكَ لِسانَهُ بِقَوْلِ: " إنْ شاءَ اللَّهُ " وهَلْ يُشْتَرَطُ أنْ يُسْمِعَها نَفْسَهُ؟ فَقِيلَ: لا بُدَّ أنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وقالَ شَيْخُنا: هَذا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ مَتى حَرَّكَ لِسانَهُ بِذَلِكَ كانَ مُتَكَلِّمًا، وإنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ، وهَكَذا حُكْمُ الأقْوالِ الواجِبَةِ والقِراءَةِ الواجِبَةِ، قُلْت: وكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُطْبِقُ شَفَتَيْهِ ويُحَرِّكُ لِسانَهُ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ذاكِرًا، وإنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ؛ فَإنَّهُ لا حَظَّ لِلشَّفَتَيْنِ في حُرُوفِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، بَلْ كُلُّها حَلْقِيَّةٌ لِسانِيَّةٌ؛ فَيُمْكِنُ الذّاكِرُ أنْ يُحَرِّكَ لِسانَهُ بِها ولا يُسْمِعَ نَفْسَهُ ولا أحَدًا مِن النّاسِ، ولا تَراهُ العَيْنُ يَتَكَلَّمُ، وهَكَذا التَّكَلُّمُ يَقُولُ: " إنْ شاءَ اللَّهُ " يُمْكِنُ مَعَ إطْباقِ الفَمِ؛ فَلا يَسْمَعُهُ أحَدٌ ولا يَراهُ، وإنْ أطْبَقَ أسْنانَهُ وفَتَحَ شَفَتَيْهِ أدْنى شَيْءٍ سَمِعَتْهُ أُذُناهُ بِجُمْلَتِهِ.
[حِيلَةٌ في إبْطالِ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنى]
المِثالُ الخامِسُ والخَمْسُونَ: إذا رَفَعَ إلى الإمامِ وادَّعى عَلَيْهِ أنَّهُ زَنى، فَخافَ إنْ أنْكَرَ أنْ تَقُومَ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ فَيُحَدَّ؛ فالحِيلَةُ في إبْطالِ شَهادَتِهِمْ أنْ يُقِرَّ إذا سُئِلَ مَرَّةً واحِدَةً، ولا يَزِيدَ عَلَيْها؛ فَلا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ مَعَ الإقْرارِ، ولَيْسَ لِلْحاكِمِ ولا لِلْإمامِ أنْ يُقَرِّرَهُ تَمامَ النِّصابِ، بَلْ إذا سَكَتَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ؛ فَإنْ كانَ الإمامُ مِمَّنْ يَرى وُجُوبَ الحَدِّ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ؛ فالحِيلَةُ أنْ يَرْجِعَ عَنْ إقْرارِهِ فَيَسْقُطَ عَنْهُ الحَدُّ؛ فَإذا خافَ مِن إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلَيْهِ أقَرَّ أيْضًا ثُمَّ رَجَعَ، وهَكَذا أبَدًا، وهَذِهِ الحِيلَةُ جائِزَةٌ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ الحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ، وأنْ يُخْلِدَ إلى التَّوْبَةِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّحابَةِ لَمّا فَرَّ ماعِزٌ مِن الحَدِّ: «هَلّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» فَإذا فَرَّ مِن الحَدِّ إلى التَّوْبَةِ فَقَدْ أحْسَنَ.
[المِثالُ السّادِسُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في الخَلاصِ مِن الحِنْثِ]
[حِيلَةٌ في الخَلاصِ مِن الحِنْثِ]
المِثالُ السّادِسُ والخَمْسُونَ: إذا حَلَفَ لِغادِرٍ أوْ جاسُوسٍ أوْ سارِقٍ أنْ لا يُخْبِرَ بِهِ أحَدًا، ولا يَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَأرادَ التَّخَلُّصَ مِن هَذِهِ اليَمِينِ وأنْ لا يُخْفِيَهُ؛ فالحِيلَةُ أنْ يَسْألَ عَنْ أقْوامٍ هو مِن جُمْلَتِهِمْ؛ فَإذا سُئِلَ عَنْ غَيْرِهِ قالَ: لا، فَإذا انْتَهَتْ النَّوْبَةُ إلَيْهِ سَكَتَ؛ فَإنَّهُ لا يَحْنَثُ ولا يَأْثَمُ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ وإيوائِهِ، وسُئِلَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَيْنِها، قالَ لَهُ السّائِلُ: نَزَلَ بِي اللُّصُوصُ؛ فَأخَذُوا مالِي واسْتَحْلَفُونِي بِالطَّلاقِ ألّا أُخْبِرَ أحَدًا بِهِمْ؛ فَخَرَجْت فَرَأيْتُهم يَبِيعُونَ مَتاعِي في السُّوقِ جَهْرَةً، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى الوالِي فَقُلْ لَهُ يَجْمَعُ أهْلَ المَحَلَّةِ أوْ السِّكَّةِ الَّذِينَ هم فِيهِ ثُمَّ يُحْضِرُهم ثُمَّ يَسْألُك عَنْهم واحِدًا واحِدًا؛ فَإذا سَألَك عَمَّنْ لَيْسَ مِنهُمْ، فَقُلْ: لَيْسَ مِنهُمْ، وإذا سَألَك عَمَّنْ هو مِنهم فاسْكُتْ؛ فَفَعَلَ الرَّجُلُ؛ فَأخَذَ الوالِي مَتاعَهُ مِنهُمْ، وسَلَّمَهُ إلَيْهِ؛ فَلَوْ عُمِلَتْ هَذِهِ الحِيلَةُ مَعَ مَظْلُومٍ لَمْ تَنْفَعْ، وحَنِثَ الحالِفُ؛ فَإنَّ المَقْصُودَ الدَّفْعُ عَنْهُ، وبِالسُّكُوتِ قَدْ أعانَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ.
[المِثالُ السّابِعُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في بِرِّ زَوْجٍ وزَوْجَتِهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنهُما]
[حِيلَةٌ في بِرِّ زَوْجٍ وزَوْجَتِهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنهُما]
المِثالُ السّابِعُ والخَمْسُونَ: ما سُئِلَ عَنْهُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ امْرَأةٍ قالَ لَها زَوْجُها: أنْتِ طالِقٌ إذا سَألْتَينِي الخُلْعَ إنْ لَمْ أخْلَعْك، وقالَتْ المَرْأةُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ إنْ لَمْ أسْألْك الخَلْع اليَوْمَ؛ فَجاءَ الزَّوْجُ إلى أبِي حَنِيفَةَ فَقالَ: أحْضِرْ المَرْأةَ؛ فَأحْضَرَها، فَقالَ لَها أبُو حَنِيفَةَ: سَلِيهِ الخُلْعَ، فَقالَتْ: سَألَتْك أنْ تَخْلَعَنِي، فَقالَ لَهُ أبُو حَنِيفَةَ: قُلْ لَها قَدْ خَلَعْتُك عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ تُعْطِينِيها، فَقالَ لَها ذَلِكَ، فَقالَ لَها قَوْلِي: لا أقْبَلُ، فَقالَتْ: لا أقْبَلُ، فَقالَ: قَوْمِي مَعَ زَوْجِك فَقَدْ بَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ولَمْ يَحْنَثْ في شَيْءٍ، ذَكَرَها مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في كِتابِ الحِيَلِ لَهُ.
وَإنَّما تَتِمُّ هَذِهِ الحِيلَةُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ فَلَوْ قالَتْ لَهُ: " أسْألُك الخُلْعَ عَلى ألْفٌ دِرْهَمٍ حالَّةً، أوْ إلى شَهْرٍ " فَقالَ: " قَدْ خَلَعْتُك عَلى ذَلِكَ " وقَعَ الخُلْعُ؛ بِخِلافِ ما إذا قالَتْ لَهُ: " اخْلَعْنِي " قالَ: " خَلَعْتُك عَلى ألْفٍ " فَإنَّ هَذا لا يَكُونُ خُلْعًا حَتّى تَقْبَلَ وتَرْضى، وهي لَمْ تَرْضَ بِالألْفِ؛ فَلا يَقَعُ الخُلْعُ.
[فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ إذًا لَمْ يَقَعْ الخُلْعُ؟]
قِيلَ: هو إنّما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ لا عَلى قَبُولِها؛ فَإذا قالَ: " قَدْ خَلَعْتُك عَلى ألْفٍ " فَقَدْ وُجِدَ الخُلْعُ مِن جِهَتِهِ؛ فانْحَلَّتْ يَمِينُهُ، ولَمْ يَقِفْ حَلُّ اليَمِينِ عَلى قَبُولِها، كَما إذا حَلَفَ لا يَبِيعُ، فَباعَ، ولَمْ يَقْبَلْ المُشْتَرِي، ولا بَيِّنَةَ لَهُ؛ فَإنَّهُ يَحْنَثُ.
[المِثالُ الثّامِنُ والخَمْسُونَ أخَوانِ زُفَّتْ لِكُلٍّ مِنهُما زَوْجَةُ الآخَرِ]
[أخَوانِ زُفَّتْ لِكُلٍّ مِنهُما زَوْجَةُ الآخَرِ]
المِثالُ الثّامِنُ والخَمْسُونَ: ما ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ في كِتابِهِ أيْضًا عَنْهُ أتاهُ أخَوانِ قَدْ تَزَوَّجا بِأُخْتَيْنِ؛ فَزُفَّتْ كُلُّ امْرَأةٍ مِنهُما إلى زَوْجِ أُخْتِها؛ فَدَخَلَ بِها ولَمْ يَعْلَمْ، ثُمَّ عَلِمَ الحالَ لَمّا أصْبَحا؛ فَذَكَرا لَهُ ذَلِكَ، وسَألاهُ المَخْرَجَ، فَقالَ لَهُما: كُلٌّ مِنكُما راضٍ بِاَلَّتِي دَخَلَ بِها؟ فَقالا: نَعَمْ، فَقالَ: لِيُطَلِّقْ كُلٌّ مِنكُما امْرَأتَهُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْها تَطْلِيقَةً؛ فَفَعَلا، فَقالَ: لِيَعْقِدْ كُلٌّ مِنكُما عَلى المَرْأةِ الَّتِي دَخَلَ بِها، فَفَعَلا، فَقالَ: لِيَمْضِ كُلٌّ مِنكُما إلى أهْلِهِ، وهَذِهِ الحِيلَةُ في غايَةِ اللُّطْفِ؛ فَإنَّ المَرْأةَ الَّتِي دَخَلَ بِها كُلٌّ مِنهُما قَدْ وطِئَها بِشُبْهَةٍ؛ فَلَهُ أنْ يَنْكِحَها في عِدَّتِها؛ فَإنَّهُ لا يُصانُ ماؤُهُ عَنْ مائِهِ، وأمَرَهُ أنْ يُطَلِّقَ واحِدَةً فَإنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِاَلَّتِي طَلَّقَها فالواحِدَةُ تُبِينُها، ولا عِدَّةَ عَلَيْها مِنهُ، فَلِلْآخَرِ أنْ يَتَزَوَّجَها.
[المِثالُ التّاسِعُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في تَخَلُّصِ المَرْأة مِن الزَّوْجِ الَّذِي لا تَرْضى بِهِ]
حِيلَةٌ في تَخَلُّصِ المَرْأةِ مِن الزَّوْجِ الَّذِي لا تَرْضى بِهِ]
المِثالُ التّاسِعُ والخَمْسُونَ: إذا تَزَوَّجَتْ المَرْأةُ وخافَتْ أنْ يُسافِرَ عَنْها الزَّوْجُ ويَدَعَها أوْ يُسافِرَ بِها ولا تُرِيدُ الخُرُوجَ مِن دارِها أوْ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها أوْ يَتَسَرّى أوْ يَشْرَبَ المُسْكِرَ أوْ يَضْرِبَها مِن غَيْرِ جُرْمٍ أوْ يَتَبَيَّنَ فَقِيرًا وقَدْ ظَنَّتْهُ غَنِيًّا أوْ مَعِيبًا وقَدْ ظَنَّتْهُ سَلِيمًا أوْ أُمِّيًّا وقَدْ ظَنَّتْهُ قارِئًا أوْ جاهِلًا وقَدْ ظَنَّتْهُ عالِمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلا يُمْكِنُها التَّخَلُّصُ، فالحِيلَةُ لَها في ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَتى وُجِدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَأمْرُها بِيَدِها، إنْ شاءَتْ أقامَتْ مَعَهُ وإنْ شاءَتْ فارَقَتْهُ، وتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإنْ خافَتْ أنْ لا تَشْتَرِطَ ذَلِكَ بَعْدَ لُزُومِ العَقْدِ فَلا يُمْكِنُها إلْزامُهُ بِالشَّرْطِ فَلا تَأْذَنُ لِوَلِيِّها أنْ يُزَوِّجَها مِنهُ إلّا عَلى هَذا الشَّرْطِ، فَيَقُولَ: زَوَّجْتُكُما عَلى أنَّ أمْرَها بِيَدِها إنْ كانَ الأمْرُ كَيْتَ وكَيْتَ؛ فَمَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ مَلَكَتْ تَطْلِيقَ نَفْسِها، ولا بَأْسَ بِهَذِهِ الحِيلَةِ، فَإنَّ المَرْأةَ تَتَخَلَّصُ بِها مِن نِكاحِ مَن لَمْ تَرْضَ بِنِكاحِهِ، وتَسْتَغْنِي بِها عَنْ رَفْعِ أمْرِها إلى الحاكِمِ لِيَفْسَخَ نِكاحَها بِالغَيْبَةِ والإعْسارِ ونَحْوِهِما.
[المِثالُ الحادِي والسِّتُّونَ الحِيلَةُ في الخَلاصِ مِمّا سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ]
[حِيلَةٌ في الخَلاصِ مِمّا سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ]
المِثالُ الحادِي والسِّتُّونَ: إذا سَبَقَ لِسانُهُ بِما يُؤاخَذُ بِهِ في الظّاهِرِ ولَمْ يُرِدْ مَعْناهُ، أوْ أرادَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وتابَ مِنهُ، أوْ خافَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ شُهُودُ زُورٍ ولَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، فَرُفِعَ إلى الحاكِمِ وادُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ، فَإنْ أنْكَرَ شَهِدُوا عَلَيْهِ، وإنْ أقَرَّ حَكَمَ عَلَيْهِ، ولا سِيَّما إنْ كانَ لا يَرى قَبُولَ التَّوْبَةِ مِن ذَلِكَ، فالحِيلَةُ في الخَلاصِ أنْ لا يُقِرَّ بِهِ ولا يُنْكِرَ، فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ، بَلْ يَكْفِيه في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَقَدْ رَجَعْت عَنْهُ، وأنا تائِبٌ إلى اللَّهِ مِنهُ " ولَيْسَ لِلْحاكِمِ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: لا أكْتَفِي مِنك بِهَذا الجَوابِ، بَلْ لا بُدَّ مِن الإقْرارِ أوْ الإنْكارِ، فَإنَّ هَذا جَوابٌ كافٍ في مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى، وتَكْلِيفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ خُطَّةَ الخَسْفِ بِالإقْرارِ - وقَدْ يَكُونُ كاذِبًا فِيهِ، أوْ الإنْكارِ وقَدْ تابَ مِنهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الشُّهُودُ - ظُلْمٌ وباطِلٌ؛ فَلا يَحِلُّ لِلْحاكِمِ أنْ يَسْألَهُ بَعْدَ هَذا هَلْ وقَعَ مِنك ذَلِكَ أوْ لَمْ يَقَعْ؟ بَلْ أبْلَغُ مِن هَذا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَقالَ: " لَمْ أزَلْ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ لا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُنْذُ عَقَلْت وإلى الآنَ " لَمْ يُسْتَكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ، ولَمْ يُسْألْ لا هو ولا الشُّهُودُ عَنْ سَبَبِ رِدَّتِهِ، كَما ذَكَرَهُ الخِرَقِيِّ في مُخْتَصَرِهِ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ، فَإذا ادَّعى عَلَيْهِ بِأنَّهُ قالَ كَذا وكَذا فَقالَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَأنا تائِبٌ إلى اللَّهِ مِنهُ " أوْ " قَدْ تُبْت مِنهُ " فَقَدْ اكْتُفِيَ مِنهُ بِهَذا الجَوابِ، ولَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
[المِثالُ الثّانِي والثَّمانُونَ حِيلَةٌ في عَدَمِ الحِنْثِ في يَمِينٍ]
[حِيلَةٌ في عَدَمِ الحِنْثِ في يَمِينٍ]
المِثالُ الثّانِي والثَّمانُونَ: لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلاقِ أنَّهُ لا يَضْمَنُ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا فَحَلَفَ آخَرُ بِالطَّلاقِ أنْ لا بُدَّ أنْ تَضْمَنَ عَنِّي؛ فالحِيلَةُ في أنْ يَضْمَنَ عَنْهُ، ولا يَحْنَثُ، أنْ يُشارِكَهُ ويَشْتَرِيَ مَتاعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ شَرِيكِهِ.
قالَ القاضِي: فَإنَّهُ يَضْمَنُ عَنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ الثَّمَنِ، ولا يَحْنَثُ الحالِفُ في يَمِينِهِ؛ لِأنَّ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَقْدُ الضَّمانِ، وما يَلْزَمُهُ في مَسْألَتِنا لا يَلْزَمُهُ بِعَقْدِ الضَّمانِ، وإنَّما يَلْزَمُهُ بِالوَكالَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن الشَّرِيكَيْنِ وكِيلُ صاحِبِهِ فِيما يَشْتَرِيهِ، فَلِهَذا لَمْ يَحْنَثْ في يَمِينِهِ، فَإنْ كانَتْ بِحالِها، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ شَرِكَةٌ، لَكِنَّهُ وكَّلَهُ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ فاشْتَراها لَمْ يَحْنَثْ أيْضًا لِما بَيَّنّا.
[المِثالُ الرّابِعُ والثَّمانُونَ تَحَيُّلُ المَظْلُومِ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِلظّالِمِ]
[تَحَيُّلُ المَظْلُومِ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِلظّالِمِ]
المِثالُ الرّابِعُ والثَّمانُونَ: لا بَأْسَ لِلْمَظْلُومِ أنْ يَتَحَيَّلَ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِظالِمِهِ، والدُّعاءِ عَلَيْهِ والأخْذِ مِن عِرْضِهِ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ؛ إذْ لَعَلَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن الإقامَةِ عَلى ظُلْمِهِ، وهَذا كَما لَوْ أخَذَ مالَهُ فَلَبِسَ أرَثَّ الثِّيابِ بَعْدَ أحْسَنِها، وأظْهَرَ البُكاءَ والنَّحِيبَ والتَّأوُّهَ، أوْ آذاهُ في جِوارِهِ فَخَرَجَ مِن دارِهِ، وطَرَحَ مَتاعَهُ عَلى الطَّرِيقِ، أوْ أخَذَ دابَّتَهُ فَطَرَحَ حِمْلَهُ عَلى الطَّرِيقِ وجَلَسَ يَبْكِي، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذا مِمّا يَدْعُو النّاسَ إلى لَعْنِ الظّالِمِ لَهُ وسَبِّهِ والدُّعاءِ عَلَيْهِ، وقَدْ أرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ المَظْلُومَ بِأذى جارِهِ لَهُ إلى نَحْوِ ذَلِكَ، فَفي السُّنَنِ ومُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن جارِهِ، فَقالَ: اذْهَبْ فاصْبِرْ، فَأتاهُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَقالَ: اذْهَبْ فاطْرَحْ مَتاعَك في الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتاعَهُ في الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النّاسُ يَسْألُونَهُ فَيُخْبِرُهم خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وفَعَلَ، فَجاءَ إلَيْهِ جارُهُ فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ لا تَرى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ» هَذا لَفْظُ أبِي داوُد.
[المِثالُ الخامِسُ والثَّمانُونَ مِن لَطائِفِ حِيَلِ أبِي حَنِيفَةَ]
[مِن لَطائِفِ حِيَلِ أبِي حَنِيفَةَ]
المِثالُ الخامِسُ والثَّمانُونَ: ما ذُكِرَ في مَناقِبِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - أنَّ رَجُلًا أتاهُ بِاللَّيْلِ فَقالَ: أدْرِكْنِي قَبْلَ الفَجْرِ، وإلّا طَلَّقْت امْرَأتِي، فَقالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: تَرَكَتْ اللَّيْلَةَ كَلامِي، فَقُلْت لَها: إنْ طَلَعَ الفَجْرُ، ولَمْ تُكَلِّمِينِي فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، وقَدْ تَوَسَّلْت إلَيْها بِكُلِّ أمْرٍ أنْ تُكَلِّمَنِي فَلَمْ تَفْعَلْ، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ فَمُرْ مُؤَذِّنَ المَسْجِدِ أنْ يَنْزِلَ فَيُؤَذِّنَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلَعَلَّها إذا سَمِعَتْهُ أنْ تُكَلِّمَك، واذْهَبْ إلَيْها وناشِدْها أنْ تُكَلِّمَك قَبْلَ أنْ يُؤَذِّنَ المُؤَذِّنُ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ، وجَلَسَ يُناشِدُها، وأذَّنَ المُؤَذِّنُ، فَقالَتْ: قَدْ طَلَعَ الفَجْرُ وتَخَلَّصْت مِنك، فَقالَ: قَدْ كَلَّمْتِنِي قَبْلَ الفَجْرِ وتَخَلَّصْت مِن اليَمِينِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الحِيَلِ.
[حِيلَةٌ أُخْرى لَهُ]
المِثالُ السّادِسُ والثَّمانُونَ: قالَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ: كانَ في جِوارِ أبِي حَنِيفَةَ فَتًى يَغْشى مَجْلِسَهُ، فَقالَ لَهُ يَوْمًا: إنِّي أُرِيدُ التَّزَوُّجَ بِامْرَأةٍ، وقَدْ طَلَبُوا مِنِّي مِن المَهْرِ فَوْقَ طاقَتِي، وقَدْ تَعَلَّقْت بِالمَرْأةِ، فَقالَ لَهُ: أعْطِهِمْ ما طَلَبُوا مِنك، فَفَعَلَ، فَلَمّا عَقَدَ العَقْدَ جاءَ إلَيْهِ فَقالَ: قَدْ طَلَبُوا مِنِّي المَهْرَ، فَقالَ: احْتَلْ واقْتَرِضْ وأعْطِهِمْ فَفَعَلَ، فَلَمّا دَخَلَ بِأهْلِهِ قالَ: إنِّي أخافُ المُطالَبِينَ بِالدَّيْنِ، ولَيْسَ عِنْدِي ما أُوَفِّيهِمْ، فَقالَ: أظْهِرْ أنَّك تُرِيدُ سَفَرًا بَعِيدًا، وأنَّك تُرِيدُ الخُرُوجَ بِأهْلِك، فَفَعَلَ، واكْتَرى جِمالًا، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المَرْأةِ، وأوْلِيائِها، فَجاءُوا إلى أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَسَألُوهُ، فَقالَ: لَهُ أنْ يَذْهَبَ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ، فَقالُوا: نَحْنُ نُرْضِيهِ ونَرُدُّ إلَيْهِ ما أخَذْناهُ مِنهُ، ولا يُسافِرُ، فَلَمّا سَمِعَ الزَّوْجُ طَمِعَ فَقالَ: لا واللَّهِ حَتّى يَزِيدُونِي، فَقالَ لَهُ: إنْ رَضِيت بِهَذا، وإلّا أقَرَّتْ المَرْأةُ أنَّ عَلَيْها دَيْنًا لِرَجُلٍ، فَلا يُمْكِنُك أنْ تُخْرِجَها حَتّى تُوَفِّيَهُ فَقالَ: بِاللَّهِ لا يَسْمَعُ أهْلُ المَرْأةِ ذَلِكَ مِنك، أنا أرْضى بِاَلَّذِي أعْطَيْتهمْ.
[فصل: الحِيَلُ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ]
وَحِيَلُ هَذا البابِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: حِيلَةٌ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ والمَكْرِ حَتّى لا يَقَعَ، وحِيلَةٌ عَلى رَفْعِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وحِيلَةٌ عَلى مُقابَلَتِهِ بِمِثْلِهِ حَيْثُ لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ؛ فالنَّوْعانِ الأوَّلانِ جائِزانِ، وفي الثّالِثِ تَفْصِيلٌ، فَلا يُمْكِنُ القَوْلُ بِجَوازِهِ عَلى الإطْلاقِ، ولا بِالمَنعِ مِنهُ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ إنْ كانَ المُتَحَيَّلُ بِهِ حَرامًا لِحَقِّ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، كَما لَوْ جَرَّعَهُ الخَمْرَ أوْ زَنى بِحُرْمَتِهِ، وإنْ كانَ حَرامًا؛ لِكَوْنِهِ ظُلْمًا لَهُ في مالِهِ، وقَدَرَ عَلى ظُلْمِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَهي مَسْألَةُ الظَّفَرِ، وقَدْ تَوَسَّعَ فِيها قَوْمٌ حَتّى أفْرَطُوا وجَوَّزُوا قَلْعَ البابِ، ونَقْبَ الحائِطِ وخَرْقَ السَّقْفِ، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ لِمُقابَلَتِهِ بِأخْذِ نَظِيرِ مالِهِ، ومَنَعَها قَوْمٌ بِالكُلِّيَّةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ أوْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَسْتَوْفِيَ مِنهُ قَدْرَ حَقِّهِ إلّا بِإعْلامِهِ بِهِ، وتَوَسَّطَ آخَرُونَ وقالُوا: إنْ كانَ سَبَبُ الحَقِّ ظاهِرًا كالزَّوْجِيَّةِ والأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ ومِلْكِ اليَمِينِ المُوجِبِ لِلْإنْفاقِ فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ مِن غَيْرِ إعْلامِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا كالقَرْضِ وثَمَنِ المَبِيعِ، ونَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الأخْذُ إلّا بِإعْلامِهِ، وهَذا أعْدَلُ الأقْوالِ في المَسْألَةِ، وعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَّةُ دَلالَةً صَرِيحَةً؛ والقائِلُونَ بِهِ أسْعَدُ بِها، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَإنْ كانَ بَهْتًا لَهُ وكَذِبًا عَلَيْهِ أوْ قَذْفًا لَهُ أوْ شَهادَةً عَلَيْهِ بِالزُّورِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، وإنْ كانَ دُعاءً عَلَيْهِ أوْ لَعْنًا أوْ مَسَبَّةً فَلَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، وإنْ مَنَعَهُ كَثِيرٌ مِن النّاسِ، وإنْ كانَ إتْلافُ مالٍ لَهُ فَإنْ كانَ مُحْتَرَمًا كالعَبْدِ والحَيَوانِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ فَإنْ خافَ تَعَدِّيَهُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ كَما لَوْ حَرَقَ دارِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَحْرِقَ دارِهِ، وإنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ - بَلْ كانَ يَفْعَلُ بِهِ نَظِيرَ ما فَعَلَ بِهِ سَواءٌ كَما لَوْ قَطَعَ شَجَرَتَهُ أوْ كَسَرَ إناءَهُ أوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طائِرِهِ أوْ حَلَّ وِكاءَ مائِعٍ لَهُ أوْ أرْسَلَ الماءَ عَلى مِسْطاحِهِ فَذَهَبَ بِما فِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأمْكَنَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِ ما فَعَلَ سَواءٌ - فَهَذا مَحَلُّ اجْتِهادٍ لَمْ يَدُلَّ عَلى المَنعِ مِنهُ كِتابٌ، ولا سُنَّةٌ، ولا إجْماعٌ، ولا قِياسٌ صَحِيحٌ، بَلْ الأدِلَّةُ المَذْكُورَةُ تَقْتَضِي جَوازَهُ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في أوَّلِ الكِتابِ.
وَكانَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُرَجِّحُ هَذا ويَقُولُ: هو أوْلى بِالجَوازِ مِن إتْلافِ طَرَفِهِ بِطَرَفِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الطلاق 65:2
[فصل: في استدلال مَن فَسَّرَ الأقْراءَ بِالأطْهارِ بهذه الآية]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ: أنَّ اللّامَ هي لامُ الوَقْتِ، أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ في وقْتِ عِدَّتِهِنَّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ: وقْتَ الدُّلُوكِ.
وَتَقُولُ العَرَبُ: جِئْتُكَ لِثَلاثٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، أيْ: في ثَلاثٍ بَقِينَ مِنهُ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا التَّفْسِيرِ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ ": «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ، أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُراجِعَها، ثُمَّ يُطَلِّقَها، وهي طاهِرٌ، قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، ثُمَّ قالَ: فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ»
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ العِدَّةَ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ هي الطُّهْرُ الَّذِي بَعْدَ الحَيْضَةِ، ولَوْ كانَ القُرْءُ هو الحَيْضَ كانَ قَدْ طَلَّقَها قَبْلَ العِدَّةِ لا في العِدَّةِ، وكانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا عَلَيْها، وهو غَيْرُ جائِزٍ، كَما لَوْ طَلَّقَها في الحَيْضِ.
[فصل في حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُوافِقِ لِكِتابِ اللَّهِ أنَّهُ لا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ ولا سُكْنى]
رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " «عَنْ فاطمة بنت قيس: أنَّ أبا عمرو بن حفص طَلَّقَها ألْبَتَّةَ وهو غائِبٌ، فَأرْسَلَ إلَيْها وكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقالَ: واللَّهِ ما لَكِ عَلَيْنا مِن شَيْءٍ، فَجاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وما قالَ، فَقالَ: " لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ " فَأمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ أم شريك، ثُمَّ قالَ " تِلْكَ امْرَأةٌ يَغْشاها أصْحابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنَّهُ رَجُلٌ أعْمى تَضَعِينَ ثِيابَكِ، فَإذا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ".
قالَتْ: فَلَمّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ وأبا جهم خَطَبانِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمّا أبو جهم فَلا يَضَعُ عَصاهُ عَنْ عاتِقِهِ، وأمّا معاوية فَصُعْلُوكٌ لا مالَ لَهُ، انْكِحِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قالَ: " انْكِحِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا واغْتَبَطْتُ»
وَفِي " صَحِيحِهِ " أيْضًا: عَنْها «أنَّها طَلَّقَها زَوْجُها في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ أنْفَقَ عَلَيْها نَفَقَةً دُونًا فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ قالَتْ: واللَّهِ لَأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ كانَتْ لِي نَفَقَةٌ أخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي، وإنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ مِنهُ شَيْئًا، قالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ (لا نَفَقَةَ لَكِ ولا سُكْنى)».
[ذِكْرُ مُوافَقَةِ هَذا الحُكْمِ لِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ]
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا - فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ١-٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ١-٣]
فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأزْواجَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ بُلُوغِ الأجَلِ الإمْساكُ والتَّسْرِيحُ بِأنْ لا يُخْرِجُوا أزْواجَهم مِن بُيُوتِهِمْ، وأمَرَ أزْواجَهُنَّ أنْ لا يَخْرُجْنَ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ إخْراجِ مَن لَيْسَ لِزَوْجِها إمْساكُها بَعْدَ الطَّلاقِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِهَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ أحْكامًا مُتَلازِمَةً لا يَنْفَكُّ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ.
أحَدُها: أنَّ الأزْواجَ لا يُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ لا يَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِ أزْواجِهِنَّ.
والثّالِثُ: أنَّ لِأزْواجِهِنَّ إمْساكَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ قَبْلَ انْقِضاءِ الأجَلِ، وتَرْكَ الإمْساكِ، فَيُسَرِّحُوهُنَّ بِإحْسانٍ.
والرّابِعُ: إشْهادُ ذَوَيْ عَدْلٍ، وهو إشْهادٌ عَلى الرَّجْعَةِ إمّا وُجُوبًا وإمّا اسْتِحْبابًا، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى حِكْمَةِ ذَلِكَ، وأنَّهُ في الرَّجْعِيّاتِ خاصَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾
والأمْرُ الَّذِي يُرْجى إحْداثُهُ هاهُنا: هو المُراجَعَةُ.
هَكَذا قالَ السَّلَفُ ومَن بَعْدَهُمْ، قالَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنا أبو معاوية عَنْ داود الأودي عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾
قالَ: لَعَلَّكَ تَنْدَمُ فَيَكُونَ لَكَ سَبِيلٌ إلى الرَّجْعَةِ.
وَقالَ الضحاك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ: لَعَلَّهُ أنْ يُراجِعَها في العِدَّةِ، وقالَهُ عطاء وقتادة والحسن، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ فاطمة بنت قيس: أيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ؟
فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّلاقَ المَذْكُورَ هو الرَّجْعِيُّ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ هَذِهِ الأحْكامُ، وأنَّ حِكْمَةَ أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ اقْتَضَتْهُ؛ لَعَلَّ الزَّوْجَ أنْ يَنْدَمَ ويَزُولَ الشَّرُّ الَّذِي نَزَغَهُ الشَّيْطانُ بَيْنَهُما فَتَتْبَعَها نَفْسُهُ فَيُراجِعَها كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ أنَّ النّاسَ أخَذُوا بِأمْرِ اللَّهِ في الطَّلاقِ ما تَتَبَّعَ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأةً يُطَلِّقُها أبَدًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأمْرَ بِإسْكانِ هَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ فَقالَ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]
فالضَّمائِرُ كُلُّها يَتَّحِدُ مُفَسِّرُها وأحْكامُها كُلُّها مُتَلازِمَةٌ، وكانَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّما النَّفَقَةُ والسُّكْنى لِلْمَرْأةِ إذا كانَ لِزَوْجِها عَلَيْها رَجْعَةٌ» مُشْتَقًّا مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومُفَسِّرًا لَهُ وبَيانًا لِمُرادِ المُتَكَلِّمِ بِهِ مِنهُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ اتِّحادُ قَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمِيزانُ العادِلُ مَعَهُما أيْضًا لا يُخالِفُهُما، فَإنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَكُونُ لِلزَّوْجَةِ، فَإذا بانَتْ مِنهُ صارَتْ أجْنَبِيَّةً، حُكْمُها حُكْمُ سائِرِ الأجْنَبِيّاتِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ اعْتِدادِها مِنهُ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ لَها نَفَقَةً كالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أوْ زِنًى، ولِأنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ في مُقابَلَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ، وهَذا لا يُمْكِنُ اسْتِمْتاعُهُ بِها بَعْدَ بَيْنُونَتِها، ولِأنَّ النَّفَقَةَ لَوْ وجَبَتْ لَها عَلَيْهِ لِأجْلِ عِدَّتِها لَوَجَبَتْ لِلْمُتَوَفّى عَنْها مِن مالِهِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما ألْبَتَّةَ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ بانَتْ عَنْهُ وهي مُعْتَدَّةٌ مِنهُ قَدْ تَعَذَّرَ مِنهُما الِاسْتِمْتاعُ، ولِأنَّها لَوْ وجَبَتْ لَها السُّكْنى لَوَجَبَتْ لَها النَّفَقَةُ كَما يَقُولُهُ مَن يُوجِبُها.
فَأمّا أنْ تَجِبَ لَها السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ فالنَّصُّ والقِياسُ يَدْفَعُهُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وفاطمة بنت قيس إحْدى فُقَهاءِ نِساءِ الصَّحابَةِ، وكانَتْ فاطمة تُناظِرُ عَلَيْهِ، وبِهِ يَقُولُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأصْحابُهُ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأصْحابُهُ وداود بن علي وأصْحابُهُ وسائِرُ أهْلِ الحَدِيثِ.
وَلِلْفُقَهاءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ وهي ثَلاثُ رِواياتٍ عَنْ أحمد: أحَدُها: هَذا.
والثّانِي: أنَّ لَها النَّفَقَةَ والسُّكْنى، وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ مَسْعُودٍ وفُقَهاءِ الكُوفَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ لَها السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ المَدِينَةِ وبِهِ يَقُولُ مالك والشّافِعِيُّ.
(لطيفة)
وقعت حادثة في أيام ابن جرير وهي أن رجلا تزوج امرأة فأحبها حبا شديدا وأبغضته بغضا شديدا فكانت تواجهه بالشتم والدعاء عليه فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا لا تخاطبيني بشيء إلا خاطبتك بمثله فقالت له في الحال: أنت طالق ثلاثا بتاتا، فأبلس الرجل ولم يدر ما يصنع فاستفتى جماعة من الفقهاء فكلهم قال: لا بد أن تطلق فإنه إن أجابها بمثل كلامها طلقت وإن لم يجبها حنث وطلقت فإن بر طلقت وإن حنث طلقت. فأرشد به إلى ابن جرير فقال لها: "امض ولا تعاود الأيمان وأقم على زوجتك بعد أن تقول لها: أنت طالق ثلاثا إن أنا طلقتك فتكون قد خاطبتها بمثل خطابها لك فوفيت بيمينك ولم تطلق منك لما وصلت به الطلاق من الشرط" فذكر ذلك لابن عقيل فاستحسنه
وقال: "وفيه وجه آخر لم يذكره ابن جرير وهو أنها قالت له: أنتَ طالق ثلاثا بفتح التاء وهو خطاب تذكير.
فإذا قال لها أنتَ بفتح التاء لم يقع به طلاق".
قلت: وفيه وجه آخر أحسن من الوجهين، وهو جار على أصول المذهب وهو تخصيص اللفظ العام بالنية كما إذا حلف لا يتغدى ونيته غذاء يومه قصر عليه، وإذا حلف لا يكلمه ونيته تخصيص الكلام بما يكرهه لم يحنث إذا كلمه بما يحبه ونظائره كثيرة وعلى هذا فنياط الكلام صريح أو كالصريح في أنه إنما أراد لا تكلم بشتم أو سب أو دعاء أو ما كان من هذا الباب إلا كلمها بمثله، ولم يرد أنها قالت له اشتر لي مقنعة أو ثوبا أن يقول لها اشتري لي ثوبا أو مقنعة.
وإذا قالت له لا تشتر لي كذا فإني لا أحبه أن يقول لها مثله هذا مما يقطع أن الحالف لم يرده فإذا لم يخاطبها بمثله لم يحنث وهكذا يقطع بأن هذه الصورة المسؤول عنها لم يردها ولا كان بساط الكلام يقتضيها ولا خطرت بباله وإنما أراد ما كان من الكلام الذي هيج يمينه وبعثه على الحلف ومثل هذا يعتبر عندنا في الأيمان.
(فائدة)
سئل ابن عقيل عن رجل قالت له زوجته: طلقني فقال: إن الله قد طلقك؟
فقال: "يقع الطلاق، لأنه كناية استندت إلى دلالة الحال وهي ذكر الطلاق وسؤالها إياه"
وأجاب بعض الشافعية بأنه إن نوى وقع الطلاق وإلا لم يقع"
قلت: وهذا هو الصواب إن قوله "إن الله قد طلقك" إن أراد به شرع طلاقك وأباحه لم يقع.
وإن أراد أن الله قد أوقع عليك الطلاق وأراده وشاءه، فهذا يكون
طلاقا لأن ضرورة صدقة أن يكون الطلاق واقعا، وإذا احتمل الأمرين فلا يقع إلا بالنية.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَخْرَجًا مِن كُلِّ شِدَّةٍ، وهَذا جامِعٌ لِشَدائِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَضايِقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لِلْمُتَّقِي مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَخْرَجًا، وقالَ الحَسَنُ: مَخْرَجًا مِمّا نَهاهُ عَنْهُ.
(فائدة)
وقد روى ابن ماجه وابن أبي الدنيا عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:
"لَوْ عَمِلَ النّاسُ كُلُّهمْ بِهذِهِ الآية لَوَسِعَتْهُمْ"
(فصل)
اعلم أن من اتقى الله في طلاقه، فطلق كما أمره الله ورسوله، وشرعه له. أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال تعالى، بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
فلو اتقى الله عامة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال، فإن الطلاق الذي شرعه الله سبحانه: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. فإن بدا له أن يمسكها في العدة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أمكنه أن تستقبل عليها من غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل هذا لم يندم، ولم يحتج إلى حيلة بزوج ولا تحليل.
ولهذا سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة؟
فقال: "عصيت ربك، وفارقت امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا".
وقال سعيد بن جبير: "جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، فقال: أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر، اتخذت آيات الله هزوا".
وقال مجاهد: "كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا. فسكت، حتى ظننت أنه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله تعالى قال: ﴿وَمَن يَتَّق اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ذكره أبو داود.
وقد روى النسائي عن محمود بن لبيد قال: " أُخْبِرَ رسُولُ الله ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلّقَ امْرأتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ جَمِيعًا، فقامَ غَضْبانَ، ثُمَّ قالَ: أيُلْعَبُ بِكِتاب اللهِ وأنَآ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟ حَتّى قامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ألا أقْتُلهُ؟ ".
قَوْله تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
أيْ كافِي مَن يَثِقُ بِهِ في نَوائِبِهِ ومُهِمّاتِهِ، يَكْفِيهِ كُلَّ ما أهَمَّهُ، والحَسْبُ الكافِي ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ كافِينا اللَّهُ.
وَكُلَّما كانَ العَبْدُ حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، حَسَنَ الرَّجاءِ لَهُ، صادِقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخَيِّبُ أمَلَهُ فِيهِ ألْبَتَّةَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخَيِّبُ أمَلَ آمِلٍ، ولا يُضَيِّعُ عَمَلَ عامِلٍ.
(فائدة)
قَوْله تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
لَمّا ذَكَرَ كِفايَتَهُ لِلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ فَرُبَّما أوْهَمَ ذَلِكَ تَعْجِيلَ الكِفايَةِ وقْتَ التَّوَكُّلِ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
أيْ وقْتًا لا يَتَعَدّاهُ فَهو يَسُوقُهُ إلى وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ.
فَلا يَسْتَعْجِلُ المُتَوَكِّلُ ويَقُولُ: قَدْ تَوَكَّلْت، ودَعَوْت فَلَمْ أرَ شَيْئًا ولَمْ تَحْصُلْ لِي الكِفايَةُ، فاللَّهُ بالِغُ أمْرِهِ في وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ، وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وهو بابٌ لَطِيفٌ مِن أبْوابِ فَهْمِ النُّصُوصِ.
(فصل)
قالَ في التَّوَكُّلِ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾.
فانْظُرْ إلى هَذا الجَزاءِ الَّذِي حَصَلَ لِلْمُتَوَكِّلِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهِ.
وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ أقْوى السُّبُلَ عِنْدَهُ وأحَبُّها إلَيْهِ. ولَيْسَ كَوْنُهُ وكَلَ الأُمُورَ إلى نَفْسِهِ بِمُنافٍ لِتَوَكُّلِ العَبْدِ عَلَيْهِ، بَلْ هَذا تَحْقِيقُ كَوْنِ الأُمُورِ كُلِّها مَوْكُولَةً إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ العَبْدَ إذا عَلِمَ ذَلِكَ وتَحَقَّقَهُ مَعْرِفَةً صارَتْ حالُهُ التَّوَكُّلَ - قَطْعًا - عَلى مَن هَذا شَأْنُهُ، لِعِلْمِهِ بِأنَّ الأُمُورَ كُلَّها مَوْكُولَةٌ إلَيْهِ، وأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنها. فَهو لا يَجِدُ بُدًّا مِنَ اعْتِمادِهِ عَلَيْهِ. وتَفْوِيضِهِ إلَيْهِ. وثِقَتِهِ بِهِ مِنَ الوَجْهَيْنِ:
مِن جِهَةِ فَقْرِهِ، وعَدَمِ مِلْكِهِ شَيْئًا ألْبَتَّةَ.
وَمِن جِهَةِ كَوْنِ الأمْرِ كُلِّهِ بِيَدِهِ وإلَيْهِ.
والتَّوَكُّلُ يَنْشَأُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ.
(فائدة)
من اشْتغل بِالله عَن نَفسه كفاه الله مؤونة نَفسه.
وَمن اشْتغل بِالله عَن النّاس كَفاهُ الله مؤونة النّاس.
وَمن اشْتغل بِنَفسِهِ عَن الله وكله الله إلى نَفسه.
وَمن اشْتغل بِالنّاسِ عَن الله وكله الله إلَيْهِم.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه، والقدر يكون علميا ويكون عينيا.
فالأول هو التقدير العلمي وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب، كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا.
ومن هذا تقدير الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها، ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه.
فالقدر الإلهي نوعان:
أحدهما: في العلم والكتابة.
والثاني: خلقها وبرأها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء.
والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا.
والمقصود أن كل موجد فله قدر، والعباد لا يقدرون الخالق قدره، والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره، ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلا في حقهم قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
[فصل: التَّوَكُّلُ]
وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأصْحابُهُ، يَوْمَ أُحُدٍ، لَمّا قِيلَ لَهم بَعْدَ انْصِرافِهِمْ مِن أُحُدٍ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]
فَتَجَهَّزُوا وخَرَجُوا لِلِقاءِ عَدُوِّهِمْ، وأعْطَوْهُمُ الكَيْسَ مِن نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فَأثَّرَتِ الكَلِمَةُ أثَرَها، واقْتَضَتْ مُوجَبَها، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢]
فَجَعَلَ التَّوَكُّلَ بَعْدَ التَّقْوى الَّذِي هو قِيامُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، فَحِينَئِذٍ إنْ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، فَهو حَسْبُهُ، وكَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]
فالتَّوَكُّلُ والحَسْبُ بِدُونِ قِيامِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها عَجْزٌ مَحْضٌ، فَإنْ كانَ مَشُوبًا بِنَوْعٍ مِنَ التَّوَكُّلِ، فَهو تَوَكُّلُ عَجْزٍ، فَلا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا، ولا يَجْعَلَ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، بَلْ يَجْعَلُ تَوَكُّلَهُ مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها الَّتِي لا يَتِمُّ المَقْصُودُ إلّا بِها كُلِّها.
وَمِن هاهُنا غَلِطَ طائِفَتانِ مِنَ النّاسِ: إحْداهُما: زَعَمَتْ أنَّ التَّوَكُّلَ وحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ كافٍ في حُصُولِ المُرادِ، فَعُطِّلَتْ لَهُ الأسْبابُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ المُوصِلَةُ إلى مُسَبِّباتِها، فَوَقَعُوا في نَوْعِ تَفْرِيطٍ وعَجْزٍ، بِحَسَبِ ما عَطَّلُوا مِنَ الأسْبابِ، وضَعُفَ تَوَكُّلُهم مِن حَيْثُ ظَنُّوا قُوَّتَهُ بِانْفِرادِهِ عَنِ الأسْبابِ، فَجَمَعُوا الهَمَّ كُلَّهُ، وصَيَّرُوهُ هَمًّا واحِدًا، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ قُوَّةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، فَكُلَّما قَوِيَ جانِبُ التَّوَكُّلِ بِإفْرادِهِ أضْعَفَهُ التَّفْرِيطُ في السَّبَبِ الَّذِي هو مَحَلُّ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الأسْبابُ، وكَمالُهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ فِيها، وهَذا كَتَوَكُّلِ الحَرّاثِ الَّذِي شَقَّ الأرْضَ، وألْقى فِيها البِذْرَ، فَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في زَرْعِهِ وإنْباتِهِ، فَهَذا قَدْ أعْطى التَّوَكُّلَ حَقَّهُ، ولَمْ يَضْعُفْ تَوَكُّلُهُ بِتَعْطِيلِ الأرْضِ، وتَخْلِيَتِها بُورًا، وكَذَلِكَ تَوَكُّلُ المُسافِرِ في قَطْعِ المَسافَةِ مَعَ جِدِّهِ في السَّيْرِ، وتَوَكُّلُ الأكْياسِ مِنَ النَّجاةِ مِن عَذابِ اللَّهِ، والفَوْزِ بِثَوابِهِ، مَعَ اجْتِهادِهِمْ في طاعَتِهِ، فَهَذا هو التَّوَكُّلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَ مَن قامَ بِهِ.
وَأمّا تَوَكُّلُ العَجْزِ والتَّفْرِيطِ، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ولَيْسَ اللَّهُ حَسْبَ صاحِبِهِ، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما يَكُونُ حَسْبَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ إذا اتَّقاهُ، وتَقْواهُ فِعْلُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، لا إضاعَتُها.
والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: الَّتِي قامَتْ بِالأسْبابِ، ورَأتِ ارْتِباطَ المُسَبِّباتِ بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وأعْرَضَتْ عَنْ جانِبِ التَّوَكُّلِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ وإنْ نالَتْ بِما فَعَلَتْهُ مِنَ الأسْبابِ ما نالَتْهُ، فَلَيْسَ لَها قُوَّةُ أصْحابِ التَّوَكُّلِ، ولا عَوْنُ اللَّهِ لَهم وكِفايَتُهُ إيّاهم ودِفاعُهُ عَنْهُمْ، بَلْ هي مَخْذُولَةٌ عاجِزَةٌ، بِحَسَبِ ما فاتَها مِنَ التَّوَكُّلِ.
فالقُوَّةُ كُلُّ القُوَّةِ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أقْوى النّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، فالقُوَّةُ مَضْمُونَةٌ لِلْمُتَوَكِّلِ، والكِفايَةُ والحَسْبُ والدَّفْعُ عَنْهُ، وإنَّما يَنْقُصُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ بِقَدْرِ ما يَنْقُصُ مِنَ التَّقْوى والتَّوَكُّلِ، وإلّا فَمَعَ تَحَقُّقِهِ بِهِما، لا بُدَّ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَهُ وكافِيَهُ.
والمَقْصُودُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْشَدَ العَبْدَ إلى ما فِيهِ غايَةُ كَمالِهِ، ونَيْلُ مَطْلُوبِهِ، أنْ يَحْرِصَ عَلى ما يَنْفَعُهُ، ويَبْذُلَ فِيهِ جَهْدَهُ، وحِينَئِذٍ يَنْفَعُهُ التَّحَسُّبُ، وقَوْلُ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» بِخِلافِ مَن عَجَزَ وفَرَّطَ، حَتّى فاتَتْهُ مَصْلَحَتُهُ، ثُمَّ قالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَإنَّ اللَّهَ يَلُومُهُ، ولا يَكُونُ في هَذا الحالِ حَسْبَهُ، فَإنَّما هو حَسْبُ مَنِ اتَّقاهُ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
[أقْسامِ الحِيَلِ ومَراتِبِها]
[القِسْمُ الأوَّلُ مِن الحِيَلِ]
فَصْلٌ قالَ أرْبابُ الحِيَلِ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
والحِيَلُ مَخارِجٌ مِن المَضائِقِ.
والجَوابُ إنّما يَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ قاعِدَةٍ في أقْسامِ الحِيَلِ ومَراتِبِها، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ هي أقْسامٌ.
[القِسْمُ الأوَّلُ مِن الحِيَلِ طُرُقٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى ما هو حَرامٌ]
القِسْمُ الأوَّلُ: الطُّرُقُ الخَفِيَّةُ الَّتِي يُتَوَصَّل بِها إلى ما هو مُحَرَّمٌ في نَفْسِهِ، بِحَيْثُ لا يَحِلُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ بِحالٍ، فَمَتى كانَ المَقْصُودُ بِها مُحَرَّمٌ في نَفْسِهِ فَهي حَرامٌ بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ كالحِيَلِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ وظُلْمِهِمْ في نُفُوسِهِمْ وسَفْكِ دِمائِهِمْ وإبْطالِ حُقُوقِهِمْ وإفْسادِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وهي مِن جِنْسِ حِيَلِ الشَّياطِينِ عَلى إغْواءِ بَنِي آدَمَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وهم يَتَحَيَّلُونَ عَلَيْهِمْ لِيُوقِعُوهم في واحِدَةٍ مِن سِتَّةٍ ولا بُدَّ؛ فَيَتَحَيَّلُونَ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ أنْ يُوقِعُوهم في الكُفْرِ والنِّفاقِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، فَإذا عَمِلَتْ حِيَلُهم في ذَلِكَ قَرَّتْ عُيُونُهُمْ، فَإنْ عَجَزَتْ حِيَلُهم عَنْ مَن صَحَّتْ فِطْرَتُهُ وتَلاها شاهِدُ الإيمانِ مِن رَبِّهِ بِالوَحْيِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ أعْمَلُوا الحِيلَةَ في إلْقائِهِ في البِدْعَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها وقَبُولِ القَلْبِ لَها وتَهْيِئَتِهِ واسْتِعْدادِهِ.
فَإنْ تَمَّتْ حِيَلُهم كانَ ذَلِكَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن المَعْصِيَةِ، وإنْ كانَتْ كَبِيرَةً، ثُمَّ يَنْظُرُونَ في حالِ مَن اسْتَجابَ لَهم إلى البِدْعَةِ؛ فَإنْ كانَ مُطاعًا مَتْبُوعًا في النّاسِ أمَرُوهُ بِالزُّهْدِ والتَّعَبُّدِ ومَحاسِنِ الأخْلاقِ والشِّيَمِ، ثُمَّ أطارُوا لَهُ الثَّناءَ بَيْنَ النّاسِ لِيَصْطادُوا عَلَيْهِ الجُهّالَ ومَن لا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالسُّنَّةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ جَعَلُوا بِدْعَتَهُ عَوْنًا لَهُ عَلى ظُلْمِهِ أهْلَ السُّنَّةِ وأذاهم والنِّيلِ مِنهُمْ، وزَيَّنُوا لَهُ أنَّ هَذا انْتِصارٌ لِما هم عَلَيْهِ مِن الحَقِّ، فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ ومَنَّ اللَّهُ عَلى العَبْدِ بِتَحْكِيمِ السُّنَّةِ ومَعْرِفَتِها والتَّمْيِيزِ بَيْنَها وبَيْنَ البِدْعَةِ ألْقَوْهُ في الكَبائِرِ، وزَيَّنُوا لَهُ فِعْلَها بِكُلِّ طَرِيقٍ، وقالُوا لَهُ: أنْتَ عَلى السُّنَّةِ، وفُسّاقُ أهْلِ السُّنَّةِ أوْلِياءُ اللَّهِ، وعُبّادُ أهْلِ البِدْعَةِ أعْداءُ اللَّهِ، وقُبُورُ فُسّاقِ أهْلِ السُّنَّةِ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، وقُبُورُ عُبّادِ أهْلِ البِدَعِ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ، والتَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ يُكَفِّرُ الكَبائِرَ، كَما أنَّ مُخالَفَةَ السُّنَّةِ تُحْبِطُ الحَسَناتِ، وأهْلُ السُّنَّةِ إنْ قَعَدَتْ بِهِمْ أعْمالُهم قامَتْ بِهِمْ عَقائِدُهُمْ، وأهْلُ البِدَعِ إذا قامَتْ بِهِمْ أعْمالُهم قَعَدَتْ بِهِمْ عَقائِدُهُمْ، وأهْلُ السُّنَّةِ هم الَّذِينَ أحْسَنُوا الظَّنَّ بِرَبِّهِمْ إذْ وصَفُوهُ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ووَصَفُوهُ بِكُلِّ كَمالٍ وجَلالٍ ونَزَّهُوهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، واللَّهُ تَعالى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ، وأهْلُ البِدَعِ هم الَّذِينَ يَظُنُّونَ بِرَبِّهِمْ ظَنَّ السُّوءِ؛ إذْ يُعَطِّلُونَهُ عَنْ صِفاتِ كَمالِهِ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْها، وإذا عَطَّلُوهُ عَنْها لَزِمَ اتِّصافُهُ بِأضْدادِها ضَرُورَةً؛ ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مَن أنْكَرَ صِفَةً واحِدَةً مِن صِفاتِهِ وهي صِفَةُ العِلْمِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] وأخْبَرَهم عَنْ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ أنَّ عَلَيْهِمْ دائِرَةَ السَّوْءِ، وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولَعَنَهُمْ، وأعَدَّ لَهم جَهَنَّم وساءَتْ مَصِيرًا، فَلَمْ يَتَوَعَّدْ بِالعِقابِ أحَدًا أعْظَمَ مِمَّنْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السُّوءَ، وأنْتَ لا تَظُنُّ بِهِ ظَنَّ السُّوءِ، فَما لَك ولِلْعِقابِ؟ وأمْثالُ هَذا مِن الحَقِّ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ وصْلَةً لَهُمْ، وحِيلَةً إلى الِاسْتِهانَةِ بِالكَبائِرِ، وأخْذِهِ الأمْنَ لِنَفْسِهِ.
وَهَذِهِ حِيلَةٌ لا يَنْجُو مِنها إلّا الرّاسِخُ في العِلْمِ، العارِفُ بِأسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَإنَّهُ كُلَّما كانَ بِاللَّهِ أعْرَفَ كانَ لَهُ أشَدَّ خَشْيَةً، وكُلَّما كانَ بِهِ أجْهَلَ كانَ أشَدَّ غُرُورًا بِهِ وأقَلَّ خَشْيَةً.
فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ وعَظُمَ وقارُ اللَّهِ في قَلْبِ العَبْدِ هَوَّنُوا عَلَيْهِ الصَّغائِرَ، وقالُوا لَهُ: إنّها تَقَعُ مُكَفِّرَةً بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ حَتّى كَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ورُبَّما مَنَّوْهُ أنَّهُ إذا تابَ مِنها - كَبائِرَ كانَتْ أوْ صَغائِرَ - كُتِبَ لَهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةٌ، فَيَقُولُونَ لَهُ: كَثِّرْ مِنها ما اسْتَطَعْت، ثُمَّ ارْبَحْ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً بِالتَّوْبَةِ، ولَوْ قَبْلَ المَوْتِ بِساعَةٍ؛ فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ وخَلَّصَ اللَّهُ عَبْدَهُ مِنها نَقَلُوهُ إلى الفُضُولِ مِن أنْواعِ المُباحاتِ والتَّوَسُّعِ فِيها، وقالُوا لَهُ: قَدْ كانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ إلّا واحِدَةً ثُمَّ أرادَ تَكْمِيلَها بِالمِائَةِ، وكانَ لِسُلَيْمانَ ابْنِهِ مِائَةُ امْرَأةٍ، وكانَ لِلزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ مِن الأمْوالِ ما هو مَعْرُوفٌ، وكانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مِن الدُّنْيا وسَعَةِ المالِ ما لا يُجْهَلُ، ويُنْسُوهُ ما كانَ لِهَؤُلاءِ مِن الفَضْلِ، وأنَّهم لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنْ اللَّهِ بِدُنْياهُمْ، بَلْ سارُوا بِها إلَيْهِ، فَكانَتْ طَرِيقًا لَهم إلى اللَّهِ.
فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ - بِأنْ تَفْتَحَ بَصِيرَةَ قَلْبِ العَبْدِ حَتّى كَأنَّهُ يُشاهِدُ بِها الآخِرَةَ وما أعَدَّ اللَّهُ فِيها لِأهْلِ طاعَتِهِ وأهْلِ مَعْصِيَتِهِ، فَأخَذَ حَذَرَهُ، وتَأهَّبَ لِلِّقاءِ رَبِّهِ، واسْتَقْصَرَ مُدَّةَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا في جَنْبِ الحَياةَ الباقِيَةَ الدّائِمَةَ - نَقَلُوهُ إلى الطّاعاتِ المَفْضُولَةِ الصَّغِيرَةِ الثَّوابِ لِيَشْغَلُوهُ بِها عَنْ الطّاعاتِ الفاضِلَةِ الكَثِيرَةِ الثَّوابِ، فَيُعْمِلُ حِيلَتَهُ في تَرْكِهِ كُلَّ طاعَةٍ كَبِيرَةٍ إلى ما هو دُونَها، فَيُعْمِلُ حِيلَتَهُ في تَفْوِيتِ الفَضِيلَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ - وهَيْهاتَ - لَمْ يَبْقَ لَهم إلّا حِيلَةٌ واحِدَةٌ، وهي تَسْلِيطُ أهْلِ الباطِلِ والبِدَعِ والظَّلَمَةِ عَلَيْهِ يُؤْذُونَهُ، ويُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْهُ، ويَمْنَعُونَهم مِن الِاقْتِداءِ بِهِ؛ لِيُفَوِّتُوا عَلَيْهِ مَصْلَحَةَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وعَلَيْهِمْ مَصْلَحَةَ الإجابَةِ.
فَهَذِهِ مَجامِعُ أنْواعِ حِيَلِ الشَّيْطانِ، ولا يُحْصِي أفْرادَها إلّا اللَّهُ، ومَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن العَقْلِ يَعْرِفُ الحِيلَةَ الَّتِي تَمَّتْ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الحِيَلِ، فَإنْ كانَتْ لَهُ هِمَّةٌ إلى التَّخَلُّصِ مِنها، وإلّا فَيَسْألُ مَن تَمَّتْ عَلَيْهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[مِن حِيَلِ شَياطِينِ الإنْسِ]
وَهَذِهِ الحِيَلُ مِن شَياطِينِ الجِنِّ نَظِيرُ حِيَلِ شَياطِينِ الإنْسِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ويَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى أغْراضِهِمْ الفاسِدَةِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وذَلِكَ كَحِيَلِ القَرامِطَةِ الباطِنِيَّةِ عَلى إفْسادِ الشَّرائِعِ، وحِيَلِ الرُّهْبانِ عَلى أشْباهِ الحَمِيرِ مِن عابِدِ الصَّلِيبِ بِما يُمَوِّهُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن المَخارِيقِ والحِيَلِ كالنُّورِ المَصْنُوعِ وغَيْرِهِ مِمّا هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ الإشاراتِ مِن الإذْنَ والتَّسْيِيرِ والتَّغْيِيرِ وإمْساكِ الحَيّاتِ ودُخُولِ النّارِ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ، وأمْثالِ ذَلِكَ مِن حِيَلِ أشْباهِ النَّصارى الَّتِي تَرُوجُ عَلى أشْباهِ الأنْعامِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ الدَّكِّ وخِفَّةِ اليَدِ الَّتِي تَخْفى عَلى النّاظِرِينَ أسْبابُها ولا يَتَفَطَّنُونَ لَها، وكَحِيَلِ السَّحَرَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِ السِّحْرِ؛ فَإنَّ سِحْرَ البَيانِ هو مِن أنْواعِ التَّحَيُّلِ: إمّا لِكَوْنِهِ بَلَغَ مِن اللُّطْفِ والحُسْنِ إلى حَدِّ اسْتِمالَةِ القُلُوبِ فَأشْبَهَ السِّحْرَ مِن هَذا الوَجْهِ، وإمّا لِكَوْنِ القادِرِ عَلى البَيانِ يَكُونُ قادِرًا عَلى تَحْسِينِ القَبِيحِ وتَقْبِيحِ الحَسَنِ فَهو أيْضًا يُشْبِهُ السِّحْرَ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا.
وَكَذَلِكَ سِحْرُ الوَهْمِ أيْضًا هو حِيلَةٌ وهْمِيَّةٌ، والواقِعُ شاهِدٌ بِتَأْثِيرِ الوَهْمِ والإيهامِ، ألا تَرى أنَّ الخَشَبَةَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن المَشْيِ عَلَيْها إذا كانَتْ قَرِيبَةً مِن الأرْضِ لا يُمْكِنُ المَشْيُ عَلَيْها إذا كانَتْ عَلى مَهْواةٍ بَعِيدَةِ القَعْرِ؟ والأطِبّاءُ تَنْهى صاحِبَ الرُّعافِ عَنْ النَّظَرِ إلى الشَّيْءِ الأحْمَرِ، وتَنْهى المَصْرُوعَ عَنْ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ القَوِيَّةِ اللَّمَعانِ أوْ الدَّوْرانِ، فَإنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مَطِيَّةَ الأوْهامِ، والطَّبِيعَةُ فَعّالَةٌ، والأحْوالُ الجُسْمانِيَّةُ تابِعَةٌ لِلْأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ السِّحْرُ بِالِاسْتِعانَةِ بِالأرْواحِ الخَبِيثَةِ إنّما هو بِالتَّحَيُّلِ عَلى اسْتِخْدامِها بِالإشْراكِ بِها والِاتِّصافِ بِهَيْئاتِها الخَبِيثَةِ؛ ولِهَذا لا يَعْمَلُ السِّحْرُ إلّا مَعَ الأنْفُسِ الخَبِيثَةِ المُناسِبَةِ لِتِلْكَ الأرْواحِ، وكُلَّما كانَتْ النَّفْسُ أخْبَثَ كانَ سِحْرُها أقْوى، وكَذَلِكَ سِحْرُ التَّمْزِيجاتِ - وهو أقْوى ما يَكُونُ مِن السِّحْرِ - أنْ يُمْزَجَ بَيْنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الخَبِيثَةِ الفَعّالَةِ والقُوى الطَّبِيعِيَّةِ المُنْفَعِلَةِ، والمَقْصُودُ أنَّ السِّحْرَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الحِيَلِ الَّتِي يَنالُ بِها السّاحِرُ غَرَضَهُ، وحِيَلُ السّاحِرِ مِن أضْعَفِ الحِيَلِ وأقْواها، ولَكِنْ لا تُؤَثِّرُ تَأْثِيرًا مُسْتَقِرًّا إلّا في الأنْفُسِ الباطِلَةِ المُنْفَعِلَةِ لِلشَّهَواتِ الضَّعِيفَةِ تَعَلُّقِها بِفاطِرِ الأرْضِ والسَّمَواتِ المُنْقَطِعَةِ عَنْ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ؛ فَهَذِهِ النُّفُوسُ مَحَلُّ تَأْثِيرِ السِّحْرِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ المَلاهِي والطَّرِبِ عَلى اسْتِمالَةِ النُّفُوسِ إلى مَحَبَّةِ الصُّوَرِ والوُصُولِ إلى الِالتِذاذِ بِها؛ فَحِيلَةُ السَّماعِ الشَّيْطانِيِّ عَلى ذَلِكَ مِن أدْنى الحِيَلِ عَلَيْهِ، حَتّى قِيلَ: أوَّلُ ما وقَعَ الزِّنا في العالَمِ فَإنَّما كانَ بِحِيلَةِ اليَراعِ والغِناءِ، لَمّا أرادَ الشَّيْطانُ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ حِيلَةً أدْنى مِن المَلاهِي.
وَكَحِيَلِ اللُّصُوصِ والسُّرّاقِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ، وهم أنْواعٌ لا تُحْصى؛ فَمِنهم السُّرّاقُ بِأيْدِيهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِأقْلامِهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِأمانَتِهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِما يُظْهِرُونَهُ مِن الدِّينِ والفَقْرِ والصَّلاحِ والزُّهْدِ وهم في الباطِنِ بِخِلافِهِ، ومِنهم السُّرّاقُ بِمَكْرِهِمْ وخِداعِهِمْ وغِشِّهِمْ، وبِالجُمْلَةِ فَحِيَلُ هَذا الضَّرْبِ مِن النّاسِ مِن أكْثَرِ الحِيَلِ، وتَلِيها حِيَلُ عُشّاقِ الصُّوَرِ عَلى الوُصُولِ إلى أغْراضِهِمْ فَإنَّها تَقَعُ في الغالِبِ خَفِيَّةً، وإنَّما تَتِمُّ غالِبًا عَلى النُّفُوسِ القابِلَةِ المُنْفَعِلَةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وكَحِيَلِ التَّتارِ الَّتِي مَلَكُوا بِها البِلادَ وقَهَرُوا بِها العِبادَ وسَفَكُوا بِها الدِّماءَ واسْتَباحُوا بِها الأمْوالَ، وكَحِيَلِ اليَهُودِ وإخْوانِهِمْ مِن الرّافِضَةِ فَإنَّهم بَيْتُ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، ولِهَذا ضُرِبَتْ عَلى الطّائِفَتَيْنِ الذِّلَّةُ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في كُلِّ مُخادِعٍ مُحْتالٍ بِالباطِلِ.
[أرْبابُ الحِيَلِ نَوْعانِ]
ثُمَّ أرْبابُ هَذِهِ الحِيَلِ نَوْعانِ: نَوْعُ يُقْصَدُ بِهِ حُصُولُ مَقْصُودِهِ، ولا يَظْهَرُ أنَّهُ حَلالٌ، كَحِيَلِ اللُّصُوصِ وعُشّاقِ الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ ونَحْوِهِما، ونَوْعٌ يُظْهِرُ صاحِبُهُ أنَّ مَقْصُودَهُ خَيْرٌ وصَلاحٌ ويُبْطِنُ خِلافَهُ.
وَأرْبابُ النَّوْعِ الأوَّلِ أسْلَمُ عاقِبَةً مِن هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهم أتَوْا البُيُوتَ مِن أبْوابِها والأمْرَ مِن طَرِيقِهِ ووَجْهِهِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَقَلَبُوا مَوْضُوعَ الشَّرْعِ والدِّينِ، ولَمّا كانَ أرْبابُ هَذا النَّوْعِ إنّما يُباشِرُونَ الأسْبابَ الجائِزَةَ ولا يُظْهِرُونَ مَقاصِدَهم أعْضَلَ أمْرُهُمْ، وعَظُمَ الخَطْبُ بِهِمْ، وصَعُبَ الِاحْتِرازُ مِنهُمْ، وعَزَّ عَلى العالَمِ اسْتِنْقاذُ قَتْلاهُمْ، فاسْتُبِيحَتْ بِحِيَلِهِمْ الفُرُوجُ، وأُخِذَتْ بِها الأمْوالُ مِن أرْبابِها فَأُعْطِيَتْ لِغَيْرِ أهْلِها، وعُطِّلَتْ بِها الواجِباتُ، وضُيِّعَتْ بِها الحُقُوقُ، وعَجَّتْ الفُرُوجُ والأمْوالُ والحُقُوقُ إلى رَبِّها عَجِيجًا، وضَجَّتْ مِمّا حَلَّ بِها إلَيْهِ ضَجِيجًا، ولا يَخْتَلِفُ المُسْلِمُونَ أنَّ تَعْلِيمَ هَذِهِ الحِيَلِ حَرامٌ، والإفْتاءُ بِها حَرامٌ، والشَّهادَةُ عَلى مَضْمُونِها حَرامٌ، والحُكْمُ بِها مَعَ العِلْمِ بِحالِها حَرامٌ، واَلَّذِي جَوَّزُوا مِنها ما جَوَّزُوا مِن الأئِمَّةِ لا يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ بِهِمْ أنَّهم جَوَّزُوهُ عَلى وجْهِ الحِيلَةِ إلى المُحَرَّمِ، وإنَّما جَوَّزُوا صُورَةَ ذَلِكَ الفِعْلِ.
ثُمَّ إنّ المُتَحَيِّلَ المُخادِعَ المَكّارَ أخَذَ صُورَةَ ما أفْتَوْا بِهِ فَتَوَسَّلَ بِهِ إلى ما مَنَعُوا مِنهُ، ورَكَّبَ ذَلِكَ عَلى أقْوالِهِمْ وفَتاواهُمْ، وهَذا فِيهِ الكَذِبُ عَلَيْهِمْ وعَلى الشّارِعِ، مِثالُهُ أنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - يُجَوِّزُ إقْرارَ المَرِيضِ لِوارِثِهِ؛ فَيَتَّخِذُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يُوصِيَ لِوارِثِهِ وسِيلَةً إلى الوَصِيَّةِ لَهُ بِصُورَةِ الإقْرارِ.
وَيَقُولُ: هَذا جائِزٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وهَذا كَذِبٌ عَلى الشّافِعِيِّ؛ فَإنَّهُ لا يُجَوِّزُ الوَصِيَّةَ لِلْوارِثِ بِالتَّحَيُّلِ عَلَيْها بِالإقْرارِ؛ فَكَذَلِكَ الشّافِعِيُّ يُجَوِّزُ لِلرَّجُلِ إذا اشْتَرى مِن غَيْرِهِ سِلْعَةً بِثَمَنٍ أنْ يَبِيعَهُ إيّاها بِأقَلَّ مِمّا اشْتَراها مِنهُ بِناءً عَلى ظاهِرِ السَّلامَةِ. ولا يَجُوزُ ذَلِكَ حِيلَةً عَلى بَيْعِ مِائَةٍ بِمِائَةٍ وخَمْسِينَ إلى سَنَةٍ؛ فاَلَّذِي يَسُدُّ الذَّرائِعَ يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَقُولُ: هو يُتَّخَذُ حِيلَةً إلى ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَلا يَقْبَلُ إقْرارَ المَرِيضِ لِوارِثِهِ، ولا يَصِحُّ هَذا البَيْعَ. ولا سِيَّما فَإنَّ إقْرارَ المَرْءِ شَهادَةٌ عَلى نَفْسِهِ، فَإذا تَطَرَّقَ إلَيْها التُّهْمَةُ بَطَلَتْ كالشَّهادَةِ عَلى غَيْرِهِ. والشّافِعِيُّ يَقُولُ: أقْبَلُ إقْرارَهُ إحْسانًا لِلظَّنِّ بِالمُقِرِّ، وحَمْلًا لِإقْرارِهِ عَلى السَّلامَةِ، ولا سِيَّما عِنْدَ الخاتِمَةِ.
وَمِن هَذا البابِ احْتِيالُ المَرْأةِ عَلى فَسْخِ نِكاحِ الزَّوْجِ بِما يُعْلِمُهُ إيّاها أرْبابُ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، بِأنْ تُنْكِرَ أنْ تَكُونَ أذِنَتْ لِلْوَلِيِّ، أوْ بِأنَّ النِّكاحَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ أوْ الشُّهُودَ جَلَسُوا وقْتُ العَقْدِ عَلى فِراشِ حَرِيرٍ، أوْ اسْتَنَدُوا إلى وِسادَةِ حَرِيرٍ.
وَقَدْ رَأيْت مَن يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الحِيلَةَ إذا طَلَّقَ الزَّوْجُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، وأرادَ تَخْلِيصَهُ مِن عارِ التَّحْلِيلِ وشَنارِهِ أرْشَدَهُ إلى القَدْحِ في صِحَّةِ النِّكاحِ بِفِسْقِ الوَلِيِّ أوْ الشُّهُودِ، فَلا يَصِحُّ الطَّلاقُ في النِّكاحِ الفاسِدِ. وقَدْ كانَ النِّكاحُ صَحِيحًا لَمّا كانَ مُقِيمًا مَعَها عِدَّةَ سِنِينَ، فَلَمّا أوْقَعَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ فَسَدَ النِّكاحُ.
وَمِن هَذا احْتِيالُ البائِعِ عَلى فَسْخِ البَيْعِ بِدَعْواهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا وقْتَ العَقْدِ، أوْ لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا، أوْ كانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، أوْ لَمْ يَكُنْ المَبِيعُ مِلْكًا لَهُ ولا مَأْذُونًا لَهُ في بَيْعِهِ
فَهَذِهِ الحِيَلُ وأمْثالُها لا يَسْتَرِيبُ مُسْلِمٌ في أنَّها مِن كَبائِرِ الإثْمِ وأقْبَحِ المُحَرَّماتِ، وهي مِن التَّلاعُبِ بِدِينِ اللَّهِ، واتِّخاذِ آياتِهِ هُزُوًا، وهي حَرامٌ مِن جِهَتِها في نَفْسِها لِكَوْنِها كَذِبًا وزُورًا، وحَرامٌ مِن جِهَةِ المَقْصُودِ بِها، وهو إبْطالُ حَقٍّ وإثْباتُ باطِلٍ؛ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ:
[الحِيَلُ المُحَرَّمَةُ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ]
أحَدُها: أنْ تَكُونَ الحِيلَةُ مُحَرَّمَةً ويُقْصَدُ بِها المُحَرَّمُ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ مُباحَةً في نَفْسِها ويُقْصَدُ بِها المُحَرَّمُ؛ فَيَصِيرُ حَرامًا تَحْرِيمَ الوَسائِلِ كالسَّفَرِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ وقَتْلِ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ.
وَهَذانِ القِسْمانِ تَكُونُ الحِيلَةُ فِيهِما مَوْضُوعَةً لِلْمَقْصُودِ الباطِلِ المُحَرَّمِ، ومُفْضِيَةً إلَيْهِ، كَما هي مَوْضُوعَةٌ لِلْمَقْصُودِ الصَّحِيحِ الجائِزِ ومُفْضِيَةٌ إلَيْهِ؛ فَإنَّ السَّفَرَ طَرِيقٌ صالِحٌ لِهَذا وهَذا.
الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ لَمْ تُوضَعْ لِلْإفْضاءِ إلى المُحَرَّمِ، وإنَّما وُضِعَتْ مُفْضِيَةً إلى المَشْرُوعِ كالإقْرارِ والبَيْعِ والنِّكاحِ والهِبَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَيَتَّخِذُها المُتَحَيِّلُ سُلَّمًا وطَرِيقًا إلى الحَرامِ، وهَذا مُعْتَرَكُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وهو الَّذِي قَصَدْنا الكَلامَ فِيهِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ.
[نَوْعٌ رابِعٌ مِن الحِيَلِ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ يُقْصَدُ بِها أخْذُ حَقٍّ]
القِسْمُ الرّابِعُ: أنْ يُقْصَدَ بِالحِيلَةِ أخْذِ حَقٍّ أوْ دَفْعُ باطِلٍ، وهَذا القِسْمُ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ أيْضًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مُحَرَّمًا في نَفْسِهِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِهِ حَقًّا، مِثْلُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَلى رَجُلٍ حَقٌّ فَيَجْحَدَهُ، ولا يُبَيِّنُهُ لَهُ، فَيُقِيمَ صاحِبُهُ شاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدانِ بِهِ، ولا يَعْلَمانِ ثُبُوتَ ذَلِكَ الحَقِّ، ومِثْلُ أنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، ويَجْحَدَ الطَّلاقَ، ولا يُبَيِّنُهُ لَها، فَتُقِيمَ شاهِدَيْنِ يَشْهَدانِ أنَّهُ طَلَّقَها، ولَمْ يَسْمَعا الطَّلاقَ مِنهُ، ومِثْلُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ، ولَهُ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ، فَيَجْحَدَ الوَدِيعَةَ، فَيَجْحَدَ هو الدَّيْنَ، أوْ بِالعَكْسِ، ويَحْلِفَ ما لَهُ عِنْدِي حَقٌّ، أوْ ما أوْدَعَنِي شَيْئًا، وإنْ كانَ يُجِيزُ هَذا مَن يُجِيزُ مَسْألَةَ الظَّفَرِ.
وَمِثْلُ أنْ تَدَّعِيَ عَلَيْهِ المَرْأةُ كِسْوَةً أوْ نَفَقَةً ماضِيَةً كَذِبًا وباطِلًا، فَيُنْكِرَ أنْ تَكُونَ مَكَّنَتْهُ مِن نَفْسِها أوْ سَلَّمَتْ نَفْسَها إلَيْهِ، أوْ يُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ أنَّها كانَتْ ناشِزًا؛ فَلا نَفَقَةَ لَها ولا كِسْوَةَ، ومِثْلُ أنْ يَقْتُلَ رَجُلٌ ولِيَّهُ فَيُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ ولَمْ يَشْهَدا القَتْلَ فَيَشْهَدا أنَّهُ قَتَلَهُ، ومِثْلُ أنْ يَمُوتَ مَوْرُوثُهُ فَيُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ أنَّهُ ماتَ وأنَّهُ وارِثُهُ، وهُما لا يَعْلَمانِ ذَلِكَ، ونَظائِرُهُ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ لا شاهِدَ لَهُ بِهِ فَيُقِيمُ شاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدانِ لَهُ بِهِ؛ فَهَذا يَأْثَمُ عَلى الوَسِيلَةِ دُونَ المَقْصُودِ، وفي مِثْلِ هَذا جاءَ الحَدِيثُ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَن ائْتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَن خانَك».
[فَصْلٌ: القِسْمُ الثّانِي مِن أنْواعِ الحِيَلِ]
فَصْلٌ القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مَشْرُوعَةً، وما يُفْضِي إلَيْهِ مَشْرُوعٌ، وهَذِهِ هي الأسْبابُ الَّتِي نَصَبَها الشّارِعُ مُفْضِيَةً إلى مُسَبَّباتِها كالبَيْعِ والإجارَةِ والمُساقاةِ والمُزارِعَةِ والوَكالَةِ، بَلْ الأسْبابُ مَحَلُّ حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وهي في اقْتِضائِها لِمُسَبَّباتِها شَرْعًا عَلى وِزانِ الأسْبابِ الحِسِّيَّةِ في اقْتِضائِها لِمُسَبَّباتِها قَدَرًا؛ فَهَذا شَرْعُ الرَّبِّ تَعالى وذَلِكَ قَدَرُهُ، وهُما خَلْقُهُ وأمْرُهُ، واللَّهُ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ولا تَغْيِيرَ لِحُكْمِهِ، فَكَما لا يُخالِفُ سُبْحانَهُ بِالأسْبابِ القَدَرِيَّةِ أحْكامَها بَلْ يُجْرِيها عَلى أسْبابِها وما خُلِقَتْ لَهُ؛ فَهَكَذا الأسْبابُ الشَّرْعِيَّةُ لا يُخْرِجُها عَنْ سَبَبِها وما شُرِعَتْ لَهُ، بَلْ هَذِهِ سُنَّتُهُ شَرْعًا وأمْرًا، وتِلْكَ سُنَّتُهُ قَضاءً وقَدَرًا، وسُنَّتُهُ الأمْرِيَّةُ قَدْ تُبَدَّلُ وتَتَغَيَّرُ كَما يُعْصى أمْرُهُ ويُخالَفُ، وأمّا سُنَّتُهُ القَدَرِيَّةُ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا، كَما لا يُعْصى أمْرُهُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ.
وَيَدْخُلُ في هَذا القِسْمِ التَّحَيُّلُ عَلى جَلْبِ المَنافِعِ وعَلى دَفْعِ المَضارِّ، وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِكُلِّ حَيَوانٍ؛ فَلِأنْواعِ الحَيَواناتِ مِن أنْواعِ الحِيَلِ والمَكْرِ ما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ بَنُو آدَمَ.
وَلَيْسَ كَلامُنا ولا كَلامُ السَّلَفِ في ذَمِّ الحِيَلِ مُتَناوِلًا لِهَذا القِسْمِ. بَلْ العاجِزُ مَن عَجَزَ عَنْهُ، والكَيِّسُ مَن كانَ بِهِ أفْطَنَ وعَلَيْهِ أقْدَرَ، ولا سِيَّما في الحَرْبِ فَإنَّها خَدْعَةٌ. والعَجْزُ كُلُّ العَجْزِ تَرْكُ هَذِهِ الحِيلَةِ. والإنْسانُ مَندُوبٌ إلى اسْتِعاذَتِهِ بِاللَّهِ تَعالى مِن العَجْزِ والكَسَلِ؛ فالعَجْزُ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى الحِيلَةِ النّافِعَةِ. والكَسَلُ عَدَمُ الإرادَةِ لِفِعْلِها؛ فالعاجِزُ لا يَسْتَطِيعُ الحِيلَةَ، والكَسْلانُ لا يُرِيدُها. ومَن لَمْ يَحْتَلْ وقَدْ أمْكَنَتْهُ هَذِهِ الحِيلَةُ أضاعَ فُرْصَتَهُ وفَرَّطَ في مَصالِحِهِ، كَما قالَ:
؎إذا المَرْءُ لَمْ يَحْتَلْ وقَدْ جَدَّ جِدُّهُ ∗∗∗ أضاعَ وقاسى أمْرَهُ وهو مُدْبِرُ
وَفِي هَذا قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الأمْرُ أمْرانِ: أمْرٌ فِيهِ حِيلَةٌ فَلا يُعْجَزُ عَنْهُ، وأمْرٌ لا حِيلَةَ فِيهِ فَلا يُجْزَعُ مِنهُ.
[فَصْلٌ: القِسْمُ الثّالِثُ مِن أنْواعِ الحِيَلِ]
[المِثالُ الأوَّلُ اسْتَأْجَرَ مِنهُ دارًا مُدَّةَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَخافَ أنْ يَغْدِرَ بِهِ المُكْرِي في آخِرِ المُدَّةِ]
فَصْلٌ [الِاحْتِيالُ عَلى الوُصُولِ إلى الحَقِّ بِطَرِيقٍ مُباحَةٍ لَكِنَّها لَمْ تُشْرَعْ لَهُ].
القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَحْتالَ عَلى التَّوَصُّلِ إلى حَقٍّ أوْ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ بِطَرِيقٍ مُباحَةٍ لَمْ تُوضَعْ مُوَصِّلَةً إلى ذَلِكَ، بَلْ وُضِعَتْ لِغَيْرِهِ، فَيَتَّخِذُها هو طَرِيقًا إلى هَذا المَقْصُودِ الصَّحِيحِ، أوْ قَدْ يَكُونُ قَدْ وُضِعَتْ لَهُ لَكِنْ تَكُونُ خَفِيَّةً ولا يَفْطِنُ لَها، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القِسْمِ واَلَّذِي قَبْلَهُ أنَّ الطَّرِيقَ في الَّذِي قَبْلَهُ نُصِبَتْ مُفْضِيَةً إلى مَقْصُودِها ظاهِرًا، فَسالِكُها سالِكٌ لِلطَّرِيقِ المَعْهُودِ، والطَّرِيقُ في هَذا القِسْمِ نُصِبَتْ مُفْضِيَةً إلى غَيْرِهِ فَيَتَوَصَّلُ بِها إلى ما لَمْ تُوضَعْ لَهُ؛ فَهي في الفِعالِ كالتَّعْرِيضِ الجائِزِ في المَقالِ، أوْ تَكُونُ مُفْضِيَةً إلَيْهِ لَكِنْ بِخَفاءٍ، ونَذْكُرُ لِذَلِكَ أمْثِلَةً يُنْتَفَعُ بِها في هَذا البابِ.
المِثالُ الأوَّلُ: إذا اسْتَأْجَرَ مِنهُ دارًا مُدَّةَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَخافَ أنْ يَغْدِرَ بِهِ المُكْرِي في آخِرِ المُدَّةِ ويَتَسَبَّبَ إلى فَسْخِ الإجارَة بِأنْ يَظْهَرَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلايَةُ الإيجارِ أوْ أنَّ المُؤَجَّرَ مِلْكٌ لِابْنِهِ أوْ امْرَأتِهِ أوْ أنَّهُ كانَ مُؤَجَّرًا قَبْلَ إيجارِهِ، ويَتَبَيَّنُ أنَّ المَقْبُوضَ أُجْرَةُ المِثْلِ لِما اسْتَوْفاهُ مِن المُدَّةِ ويَنْتَزِعُ المُؤَجَّرَ لَهُ مِنهُ؛ فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن هَذِهِ الحِيلَةِ أنْ يُضَمِّنَهُ المُسْتَأْجِرُ دَرَكَ العَيْنِ المُؤَجَّرَةِ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، فَإذا اسْتُحِقَّتْ أوْ ظَهَرَتْ الإجارَةُ فاسِدَةً رَجَعَ عَلَيْهِ بِما قَبَضَهُ مِنهُ، أوْ يَأْخُذُ إقْرارَ مَن يَخافُ مِنهُ بِأنَّهُ لا حَقَّ لَهُ في العَيْنِ وأنَّ كُلَّ دَعْوى يَدَّعِيها بِسَبَبِها فَهي باطِلَةٌ، أوْ يَسْتَأْجِرُها مِنهُ بِمِائَةِ دِينارٍ مَثَلًا ثُمَّ يُصارِفَهُ كُلَّ دِينارٍ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، فَإذا طالَبَهُ بِأُجْرَةِ المِثْلِ طالَبَهُ هو بِالدَّنانِيرِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها العَقْدُ، فَإنَّهُ لَمْ يَخَفْ مِن ذَلِكَ، ولَكِنْ يَخافُ أنْ يَغْدِرَ بِهِ في آخِرِ المُدَّةِ، فَلْيُقَسِّطْ مَبْلَغَ الأُجْرَةِ عَلى عَدَدِ السِّنِينَ، ويَجْعَلْ مُعْظَمَها لِلسَّنَةِ الَّتِي يَخْشى غَدْرَهُ فِيها.
وَكَذَلِكَ إذا خافَ المُؤَجِّرُ أنْ يَغْدِرَ المُسْتَأْجِرُ ويَرْحَلَ في آخِرِ المُدَّةِ، فَلْيَجْعَلْ مُعْظَمَ الأُجْرَةِ عَلى المُدَّةِ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها مِن رَحِيلِهِ، والقَدْرَ اليَسِيرَ مِنها لِآخِرِ المُدَّةِ.
[المِثالُ السّابِعُ تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها]
تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها] المِثالُ السّابِعُ: إذا خاصَمَتْهُ امْرَأتُهُ وقالَتْ: قُلْ " كُلُّ جارِيَةٍ أشْتَرِيها فَهي حُرَّةٌ، وكُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ " فالحِيلَةُ في خَلاصِهِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ويَعْنِي بِالجارِيَةِ السَّفِينَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ويُمْسِكُ بِيَدِهِ حَصاةً أوْ خِرْقَةً ويَقُولُ: " فَهي طالِقٌ " فَيَرُدُّ الكِنايَةَ إلَيْها، فَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ وقالَتْ: قُلْ: " كُلُّ رَقِيقَةٍ أوْ أمَةٍ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولْيَعْنِ فَهي حُرَّةُ الخِصالِ غَيْرُ فاجِرَةٍ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ ذَلِكَ لَمْ تُعْتَقْ كَما لَوْ قالَ لَهُ رَجُلٌ: " غُلامُك فاجِرٌ زانٍ " فَقالَ: ما أعْرِفُهُ إلّا حُرًّا عَفِيفًا، ولَمْ يُرِدْ العِتْقَ، لَمْ يُعْتَقْ.
وَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ وقالَتْ: قُلْ: " فَهي عَتِيقَةٌ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولِيَنْوِ ضِدَّ الجَدِيدَةِ، أيْ عَتِيقَةٌ في الرِّقِّ، فَإنْ تَفَقَّهَتْ وقالَتْ: قُلْ: " فَهي مَعْتُوقَةٌ " و: " قَدْ أعْتَقْتها إنْ مَلَكْتها " فَلْيَرُدَّ الكِنايَةَ إلى حَصاةٍ في يَدِهِ أوْ خِرْقَةٍ، فَإنْ لَمْ تَدَعْهُ أنْ يَمْسِكَ شَيْئًا فَلْيَرُدَّها إلى نَفْسِهِ، ويَعْنِي أنْ قَدْ أعْتَقَها مِن النّارِ بِالإسْلامِ، أوْ فَهي حُرَّةٌ لَيْسَتْ رَقِيقَةً لِأحَدٍ، ويَجْعَلُ الكَلامَ جُمْلَتَيْنِ، فَإنْ حَضَرَتْهُ وقالَتْ: قُلْ: " فالجارِيَةُ الَّتِي أشْتَرِيها مَعْتُوقَةٌ " فَلْيُقَيِّدْ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، أوْ مَكان مُعَيَّنٍ في نِيَّتِهِ، ولا يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ، فَإنْ حَضَرَتْهُ وقالَتْ: مِن غَيْرِ تَوْرِيَةٍ ولا كِنايَةٍ ولا نِيَّةٍ تُخالِفُ قَوْلِي، وهَذا آخِرُ التَّشْدِيدِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِن التَّوْرِيَةِ والكِنايَةِ.
وَإنْ قالَ بِلِسانِهِ: " لا أُوَرِّي ولا أُكَنِّي " والتَّوْرِيَةُ والكِنايَةُ في قَلْبِهِ، كَما لَوْ قالَ: " لا أسْتَثْنِي " بِلِسانِهِ ومِن نِيَّتِهِ الِاسْتِثْناءُ، ثُمَّ اسْتَثْنى فَإنَّهُ يَنْفَعُهُ، حَتّى لَوْ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ عَزَمَ عَلَيْهِ واسْتَثْنى نَفَعَهُ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لا مُعارِضَ لَها بِوَجْهٍ في غَيْرِ حَدِيثٍ، كَقَوْلِ المَلَكِ لِسُلَيْمانَ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إلّا الإذْخِرَ» بَعْدَ أنْ ذَكَّرَهُ بِهِ العَبّاسُ، وقَوْلِهِ: «إنْ شاءَ اللَّهُ» بَعْدَ أنْ قالَ: «لَأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثَلاثَ مَرّاتٍ» ثُمَّ قالَ بَعْدَ الثّالِثَةِ وسُكُوتِهِ: «إنْ شاءَ اللَّهُ».
والقُرْآنُ صَرِيحٌ في نَفْعِ الِاسْتِثْناءِ إذا نَسِيَهُ ولَمْ يَنْوِهِ في أوَّلِ كَلامِهِ ولا أثْناءَهُ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]، وهَذا إمّا أنْ يَخْتَصَّ بِالِاسْتِثْناءِ إذا نَسِيَهُ كَما فَسَّرَهُ بِهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، أوْ يَعُمَّهُ ويَعُمَّ غَيْرَهُ وهو الصَّوابُ؛ فَأمّا أنْ يُخْرِجَ مِنهُ الِاسْتِثْناءَ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ ويَرُدَّ إلى غَيْرِهِ فَلا يَجُوزُ، ولِأنَّ الكَلامَ الواحِدَ لا يُعْتَبَرُ في صِحَّتِهِ نِيَّةُ كُلِّ جُمْلَةٍ مِن جُمَلِهِ وبَعْضٍ مِن أبْعاضِهِ؛ فالنَّصُّ والقِياسُ يَقْتَضِي نَفْعَ الِاسْتِثْناءِ، وإنْ خَطَر لَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ الكَلامِ، وهَذا هو الصَّوابُ المَقْطُوعُ بِهِ.
[المِثالُ الثّالِثَ عَشَرَ الحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن طَلاقِ امْرَأتِهِ]
حِيلَةٌ في التَّخَلُّصِ مِن طَلاقِ امْرَأتِهِ]
المِثالُ الثّالِثَ عَشَرَ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: " الطَّلاقُ يَلْزَمُنِي لا تَقُولِينَ لِي شَيْئًا إلّا قُلْت لَك مِثْلَهُ " فَقالَتْ لَهُ: أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا.
فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن أنْ يَقُولَ لَها مِثْلَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَها: قُلْت لِي: أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا.
قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: وفي هَذِهِ الحِيلَةِ نَظَرٌ لا يَخْفى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَها مِثْلَ ما قالَتْ لَهُ، وإنَّما حَكى كَلامَها مِن غَيْرِ أنْ يَقُولَ لَها نَظِيرَهُ. ولَوْ أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا فَقالَ لَهُ المَسْبُوبُ: " أنْتِ قُلْت لِي كَذا وكَذا " لَمْ يَكُنْ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أحَدٍ، لا لُغَةً ولا عُرْفًا؛ فَهَذِهِ الحِيلَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: الحِيلَةُ أنْ يَقُولَ لَها: " أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا " - بِفَتْحِ التّاءِ - فَلا تَطْلُقُ، وهَذا نَظِيرُ ما قالَتْ لَهُ سَواءٌ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ أقْرَبَ مِن الأُولى؛ فَإنَّ المَفْهُومَ المُتَعارَفَ لُغَةً وعَقْلًا وعُرْفًا مِن الرَّدِّ عَلى المَرْأةِ أنْ يُخاطِبَها خِطابَ المُؤَنَّثِ، فَإذا خاطَبَها خِطابَ المُذَكَّرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَدًّا ولا جَوابًا، ولَوْ فُرِضَ أنَّهُ رَدٌّ لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ الطَّلاقِ بِالمُواجَهَةِ وإنْ فَتَحَ التّاءَ، كَأنَّهُ قالَ: أيُّها الشَّخْصُ أوْ الإنْسانُ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: الحِيلَةُ في ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا إنْ شاءَ اللَّهُ، أوْ إنْ كَلَّمْت السُّلْطانَ، أوْ إنْ سافَرْت، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيَكُونَ قَدْ قالَ لَها نَظِيرَ ما قالَتْ، ولا يَضُرُّهُ زِيادَةُ الشَّرْطِ، وهَذِهِ الحِيلَةُ أقْرَبُ مِن الَّتِي قَبْلَها، ولَكِنْ في كَوْنِ المُتَكَلِّمِ بِها رادًّا أوْ مُجِيبًا نَظَرٌ لا يَخْفى؛ لِأنَّ الشَّرْطَ وإنْ تَضَمَّنَ زِيادَةً في الكَلامِ لَكِنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ نَظِيرًا لِكَلامِها، ومِثْلًا لَهُ، وهو إنّما حَلَفَ أنْ يَقُولَ لَها مِثْلَ ما قالَتْ لَهُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لَيْسَتْ مِثْلَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، بَلْ الشَّرْطُ يَدْخُلُ عَلى الكَلامِ التّامِّ فَيُصَيِّرُهُ ناقِصًا يَحْتاجُ إلى الجَوابِ، ويَدْخُلُ عَلى الخَبَرِ فَيَقْلِبُهُ إنْشاءً، ويُغَيِّرُ صُورَةَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ ومَعْناها، ولَوْ قالَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ: " لَعَنَك اللَّهُ "، فَقالَ لَهُ: " لَعَنَك اللَّهُ إنْ بَدَّلْت دِينَك أوْ ارْتَدَدْت عَنْ الإسْلامِ " لَمْ يَكُنْ سابًّا لَهُ.
وَلَوْ قالَ لَهُ: " يا زانٍ " فَقالَ: " بَلْ أنْتَ زانٍ إنْ وطِئْت فَرْجًا حَرامًا " لَمْ يَكُنْ الثّانِي قاذِفًا لَهُ. ولَوْ بَذَلَتْ لَهُ مالًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها، فَقالَ: أنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْت السُّلْطانَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ المالَ، ولَمْ يَكُنْ مُطَلِّقًا.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: لا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والحالِفُ لَمْ تَدْخُلْ هَذِهِ الصُّورَةُ في عُمُومِ كَلامِهِ، وإنْ دَخَلَتْ فَهي مِن المَخْصُوصِ بِالعُرْفِ والعادَةِ والعَقْلِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَذِهِ الصُّورَةَ قَطْعًا، ولا خَطَرَتْ بِبالِهِ، ولا تَناوَلَها لَفْظُهُ؛ فَإنَّهُ إنّما تَناوَلَ لَفْظُهُ القَوْلَ الَّذِي يَصِحُّ " أنْتِ امْرَأتِي " وبِمَنزِلَةِ قَوْلِ الأمَةِ لِسَيِّدِها: " أنْتِ أمَتِي وجارِيَتِي " ونَحْوِ هَذا مِن الكَلامِ اللَّغْوِ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ لَفْظِ الحالِفِ ولا إرادَتِهِ، أمّا عَدَمُ دُخُولِهِ تَحْتَ إرادَتِهِ فَلا إشْكالَ فِيهِ، وأمّا عَدَمُ تَناوُلِ لَفْظِهِ لَهُ؛ فَإنَّ اللَّفْظَ العامَّ إنّما يَكُونُ عامًّا فِيما يَصْلُحُ لَهُ وفِيما سِيقَ لِأجْلِهِ.
وَهَذا أقْوى مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، وغايَتُهُ تَخْصِيصُ العامِّ بِالعُرْفِ والعادَةِ، وهَذا أقْرَبُ لُغَةً وعُرْفًا وعَقْلًا وشَرْعًا مِن جَعْلِ ما تَقَدَّمَ مُطابِقًا ومُماثِلًا لِكَلامِها مِثْلَهُ، فَتَأمَّلْهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
[المِثالُ الرّابِعَ عَشَرَ الإحْرامُ وقَدْ ضاقَ الوَقْتُ]
[الإحْرامُ وقَدْ ضاقَ الوَقْتُ]
المِثالُ الرّابِعَ عَشَرَ: إذا خافَ الرَّجُلُ لِضِيقِ الوَقْتِ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ فَيَفُوتَهُ فَيَلْزَمَهُ القَضاءُ ودَمُ الفَواتِ؛ فالحِيلَةُ أنْ يُحْرِمَ إحْرامًا مُطْلَقًا ولا يُعَيِّنَهُ؛ فَإنْ اتَّسَعَ لَهُ الوَقْتُ جَعَلَهُ حَجًّا أوْ قِرانًا أوْ تَمَتُّعًا، وإنْ ضاقَ عَلَيْهِ الوَقْتُ جَعَلَهُ عُمْرَةً، ولا يَلْزَمُهُ غَيْرُها.
[المِثالُ الخامِسَ عَشَرَ مَن جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ]
[مَن جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ]
المِثالُ الخامِسَ عَشَرَ: إذا جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ الإحْرامُ ودَمٌ لِمُجاوَزَتِهِ لِلْمِيقاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فالحِيلَةُ في سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ أنْ لا يُحْرِمَ مِن مَوْضِعِهِ، بَلْ يَرْجِعَ إلى المِيقاتِ فَيُحْرِمَ مِنهُ؛ فَإنْ أحْرَمَ مِن مَوْضِعِهِ لَزِمَهُ الدَّمُ، ولا يَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ إلى المِيقاتِ.
[المِثال السّادِسَ عَشْر الحِيلَة لِلْبِرِّ في يَمِينٍ]
[حِيلَةٌ لِلْبِرِّ في يَمِينٍ]
المِثالُ السّادِسَ عَشَرَ: إذا سُرِقَ لَهُ مَتاعٌ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ لَمْ تُخْبِرِينِي مَن أخَذَهُ فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، والمَرْأةُ لا تَعْلَمُ مَن أخَذَهُ.
فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن هَذِهِ اليَمِينِ أنْ تَذْكُرَ الأشْخاصَ الَّتِي لا يَخْرُجُ المَأْخُوذُ عَنْهُمْ، ثُمَّ تُفْرِدَ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ، وتَقُولَ: هو أخَذَهُ؛ فَإنَّها تَكُونُ مُخْبِرَةً عَنْ الآخِذِ وعَنْ غَيْرِهِ فَيَبَرُّ في يَمِينِهِ ولا تَطْلُقُ.
[المِثالُ الثّانِي والأرْبَعُونَ الحِيلَةُ في عَدَمِ حِنْثِ الحالِفِ]
[حِيلَةٌ في عَدَمِ حِنْثِ الحالِفِ]
المِثالُ الثّانِي والأرْبَعُونَ: إذا اسْتُحْلِفَ عَلى شَيْءٍ، فَأحَبَّ أنْ يَحْلِفَ ولا يَحْنَثَ؛ فالحِيلَةُ أنْ يُحَرِّكَ لِسانَهُ بِقَوْلِ: " إنْ شاءَ اللَّهُ " وهَلْ يُشْتَرَطُ أنْ يُسْمِعَها نَفْسَهُ؟ فَقِيلَ: لا بُدَّ أنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وقالَ شَيْخُنا: هَذا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ مَتى حَرَّكَ لِسانَهُ بِذَلِكَ كانَ مُتَكَلِّمًا، وإنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ، وهَكَذا حُكْمُ الأقْوالِ الواجِبَةِ والقِراءَةِ الواجِبَةِ، قُلْت: وكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُطْبِقُ شَفَتَيْهِ ويُحَرِّكُ لِسانَهُ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ذاكِرًا، وإنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ؛ فَإنَّهُ لا حَظَّ لِلشَّفَتَيْنِ في حُرُوفِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، بَلْ كُلُّها حَلْقِيَّةٌ لِسانِيَّةٌ؛ فَيُمْكِنُ الذّاكِرُ أنْ يُحَرِّكَ لِسانَهُ بِها ولا يُسْمِعَ نَفْسَهُ ولا أحَدًا مِن النّاسِ، ولا تَراهُ العَيْنُ يَتَكَلَّمُ، وهَكَذا التَّكَلُّمُ يَقُولُ: " إنْ شاءَ اللَّهُ " يُمْكِنُ مَعَ إطْباقِ الفَمِ؛ فَلا يَسْمَعُهُ أحَدٌ ولا يَراهُ، وإنْ أطْبَقَ أسْنانَهُ وفَتَحَ شَفَتَيْهِ أدْنى شَيْءٍ سَمِعَتْهُ أُذُناهُ بِجُمْلَتِهِ.
[حِيلَةٌ في إبْطالِ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنى]
المِثالُ الخامِسُ والخَمْسُونَ: إذا رَفَعَ إلى الإمامِ وادَّعى عَلَيْهِ أنَّهُ زَنى، فَخافَ إنْ أنْكَرَ أنْ تَقُومَ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ فَيُحَدَّ؛ فالحِيلَةُ في إبْطالِ شَهادَتِهِمْ أنْ يُقِرَّ إذا سُئِلَ مَرَّةً واحِدَةً، ولا يَزِيدَ عَلَيْها؛ فَلا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ مَعَ الإقْرارِ، ولَيْسَ لِلْحاكِمِ ولا لِلْإمامِ أنْ يُقَرِّرَهُ تَمامَ النِّصابِ، بَلْ إذا سَكَتَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ؛ فَإنْ كانَ الإمامُ مِمَّنْ يَرى وُجُوبَ الحَدِّ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ؛ فالحِيلَةُ أنْ يَرْجِعَ عَنْ إقْرارِهِ فَيَسْقُطَ عَنْهُ الحَدُّ؛ فَإذا خافَ مِن إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلَيْهِ أقَرَّ أيْضًا ثُمَّ رَجَعَ، وهَكَذا أبَدًا، وهَذِهِ الحِيلَةُ جائِزَةٌ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ الحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ، وأنْ يُخْلِدَ إلى التَّوْبَةِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّحابَةِ لَمّا فَرَّ ماعِزٌ مِن الحَدِّ: «هَلّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» فَإذا فَرَّ مِن الحَدِّ إلى التَّوْبَةِ فَقَدْ أحْسَنَ.
[المِثالُ السّادِسُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في الخَلاصِ مِن الحِنْثِ]
[حِيلَةٌ في الخَلاصِ مِن الحِنْثِ]
المِثالُ السّادِسُ والخَمْسُونَ: إذا حَلَفَ لِغادِرٍ أوْ جاسُوسٍ أوْ سارِقٍ أنْ لا يُخْبِرَ بِهِ أحَدًا، ولا يَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَأرادَ التَّخَلُّصَ مِن هَذِهِ اليَمِينِ وأنْ لا يُخْفِيَهُ؛ فالحِيلَةُ أنْ يَسْألَ عَنْ أقْوامٍ هو مِن جُمْلَتِهِمْ؛ فَإذا سُئِلَ عَنْ غَيْرِهِ قالَ: لا، فَإذا انْتَهَتْ النَّوْبَةُ إلَيْهِ سَكَتَ؛ فَإنَّهُ لا يَحْنَثُ ولا يَأْثَمُ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ وإيوائِهِ، وسُئِلَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَيْنِها، قالَ لَهُ السّائِلُ: نَزَلَ بِي اللُّصُوصُ؛ فَأخَذُوا مالِي واسْتَحْلَفُونِي بِالطَّلاقِ ألّا أُخْبِرَ أحَدًا بِهِمْ؛ فَخَرَجْت فَرَأيْتُهم يَبِيعُونَ مَتاعِي في السُّوقِ جَهْرَةً، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى الوالِي فَقُلْ لَهُ يَجْمَعُ أهْلَ المَحَلَّةِ أوْ السِّكَّةِ الَّذِينَ هم فِيهِ ثُمَّ يُحْضِرُهم ثُمَّ يَسْألُك عَنْهم واحِدًا واحِدًا؛ فَإذا سَألَك عَمَّنْ لَيْسَ مِنهُمْ، فَقُلْ: لَيْسَ مِنهُمْ، وإذا سَألَك عَمَّنْ هو مِنهم فاسْكُتْ؛ فَفَعَلَ الرَّجُلُ؛ فَأخَذَ الوالِي مَتاعَهُ مِنهُمْ، وسَلَّمَهُ إلَيْهِ؛ فَلَوْ عُمِلَتْ هَذِهِ الحِيلَةُ مَعَ مَظْلُومٍ لَمْ تَنْفَعْ، وحَنِثَ الحالِفُ؛ فَإنَّ المَقْصُودَ الدَّفْعُ عَنْهُ، وبِالسُّكُوتِ قَدْ أعانَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ.
[المِثالُ السّابِعُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في بِرِّ زَوْجٍ وزَوْجَتِهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنهُما]
[حِيلَةٌ في بِرِّ زَوْجٍ وزَوْجَتِهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنهُما]
المِثالُ السّابِعُ والخَمْسُونَ: ما سُئِلَ عَنْهُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ امْرَأةٍ قالَ لَها زَوْجُها: أنْتِ طالِقٌ إذا سَألْتَينِي الخُلْعَ إنْ لَمْ أخْلَعْك، وقالَتْ المَرْأةُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ إنْ لَمْ أسْألْك الخَلْع اليَوْمَ؛ فَجاءَ الزَّوْجُ إلى أبِي حَنِيفَةَ فَقالَ: أحْضِرْ المَرْأةَ؛ فَأحْضَرَها، فَقالَ لَها أبُو حَنِيفَةَ: سَلِيهِ الخُلْعَ، فَقالَتْ: سَألَتْك أنْ تَخْلَعَنِي، فَقالَ لَهُ أبُو حَنِيفَةَ: قُلْ لَها قَدْ خَلَعْتُك عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ تُعْطِينِيها، فَقالَ لَها ذَلِكَ، فَقالَ لَها قَوْلِي: لا أقْبَلُ، فَقالَتْ: لا أقْبَلُ، فَقالَ: قَوْمِي مَعَ زَوْجِك فَقَدْ بَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ولَمْ يَحْنَثْ في شَيْءٍ، ذَكَرَها مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في كِتابِ الحِيَلِ لَهُ.
وَإنَّما تَتِمُّ هَذِهِ الحِيلَةُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ فَلَوْ قالَتْ لَهُ: " أسْألُك الخُلْعَ عَلى ألْفٌ دِرْهَمٍ حالَّةً، أوْ إلى شَهْرٍ " فَقالَ: " قَدْ خَلَعْتُك عَلى ذَلِكَ " وقَعَ الخُلْعُ؛ بِخِلافِ ما إذا قالَتْ لَهُ: " اخْلَعْنِي " قالَ: " خَلَعْتُك عَلى ألْفٍ " فَإنَّ هَذا لا يَكُونُ خُلْعًا حَتّى تَقْبَلَ وتَرْضى، وهي لَمْ تَرْضَ بِالألْفِ؛ فَلا يَقَعُ الخُلْعُ.
[فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ إذًا لَمْ يَقَعْ الخُلْعُ؟]
قِيلَ: هو إنّما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ لا عَلى قَبُولِها؛ فَإذا قالَ: " قَدْ خَلَعْتُك عَلى ألْفٍ " فَقَدْ وُجِدَ الخُلْعُ مِن جِهَتِهِ؛ فانْحَلَّتْ يَمِينُهُ، ولَمْ يَقِفْ حَلُّ اليَمِينِ عَلى قَبُولِها، كَما إذا حَلَفَ لا يَبِيعُ، فَباعَ، ولَمْ يَقْبَلْ المُشْتَرِي، ولا بَيِّنَةَ لَهُ؛ فَإنَّهُ يَحْنَثُ.
[المِثالُ الثّامِنُ والخَمْسُونَ أخَوانِ زُفَّتْ لِكُلٍّ مِنهُما زَوْجَةُ الآخَرِ]
[أخَوانِ زُفَّتْ لِكُلٍّ مِنهُما زَوْجَةُ الآخَرِ]
المِثالُ الثّامِنُ والخَمْسُونَ: ما ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ في كِتابِهِ أيْضًا عَنْهُ أتاهُ أخَوانِ قَدْ تَزَوَّجا بِأُخْتَيْنِ؛ فَزُفَّتْ كُلُّ امْرَأةٍ مِنهُما إلى زَوْجِ أُخْتِها؛ فَدَخَلَ بِها ولَمْ يَعْلَمْ، ثُمَّ عَلِمَ الحالَ لَمّا أصْبَحا؛ فَذَكَرا لَهُ ذَلِكَ، وسَألاهُ المَخْرَجَ، فَقالَ لَهُما: كُلٌّ مِنكُما راضٍ بِاَلَّتِي دَخَلَ بِها؟ فَقالا: نَعَمْ، فَقالَ: لِيُطَلِّقْ كُلٌّ مِنكُما امْرَأتَهُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْها تَطْلِيقَةً؛ فَفَعَلا، فَقالَ: لِيَعْقِدْ كُلٌّ مِنكُما عَلى المَرْأةِ الَّتِي دَخَلَ بِها، فَفَعَلا، فَقالَ: لِيَمْضِ كُلٌّ مِنكُما إلى أهْلِهِ، وهَذِهِ الحِيلَةُ في غايَةِ اللُّطْفِ؛ فَإنَّ المَرْأةَ الَّتِي دَخَلَ بِها كُلٌّ مِنهُما قَدْ وطِئَها بِشُبْهَةٍ؛ فَلَهُ أنْ يَنْكِحَها في عِدَّتِها؛ فَإنَّهُ لا يُصانُ ماؤُهُ عَنْ مائِهِ، وأمَرَهُ أنْ يُطَلِّقَ واحِدَةً فَإنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِاَلَّتِي طَلَّقَها فالواحِدَةُ تُبِينُها، ولا عِدَّةَ عَلَيْها مِنهُ، فَلِلْآخَرِ أنْ يَتَزَوَّجَها.
[المِثالُ التّاسِعُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في تَخَلُّصِ المَرْأة مِن الزَّوْجِ الَّذِي لا تَرْضى بِهِ]
حِيلَةٌ في تَخَلُّصِ المَرْأةِ مِن الزَّوْجِ الَّذِي لا تَرْضى بِهِ]
المِثالُ التّاسِعُ والخَمْسُونَ: إذا تَزَوَّجَتْ المَرْأةُ وخافَتْ أنْ يُسافِرَ عَنْها الزَّوْجُ ويَدَعَها أوْ يُسافِرَ بِها ولا تُرِيدُ الخُرُوجَ مِن دارِها أوْ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها أوْ يَتَسَرّى أوْ يَشْرَبَ المُسْكِرَ أوْ يَضْرِبَها مِن غَيْرِ جُرْمٍ أوْ يَتَبَيَّنَ فَقِيرًا وقَدْ ظَنَّتْهُ غَنِيًّا أوْ مَعِيبًا وقَدْ ظَنَّتْهُ سَلِيمًا أوْ أُمِّيًّا وقَدْ ظَنَّتْهُ قارِئًا أوْ جاهِلًا وقَدْ ظَنَّتْهُ عالِمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلا يُمْكِنُها التَّخَلُّصُ، فالحِيلَةُ لَها في ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَتى وُجِدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَأمْرُها بِيَدِها، إنْ شاءَتْ أقامَتْ مَعَهُ وإنْ شاءَتْ فارَقَتْهُ، وتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإنْ خافَتْ أنْ لا تَشْتَرِطَ ذَلِكَ بَعْدَ لُزُومِ العَقْدِ فَلا يُمْكِنُها إلْزامُهُ بِالشَّرْطِ فَلا تَأْذَنُ لِوَلِيِّها أنْ يُزَوِّجَها مِنهُ إلّا عَلى هَذا الشَّرْطِ، فَيَقُولَ: زَوَّجْتُكُما عَلى أنَّ أمْرَها بِيَدِها إنْ كانَ الأمْرُ كَيْتَ وكَيْتَ؛ فَمَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ مَلَكَتْ تَطْلِيقَ نَفْسِها، ولا بَأْسَ بِهَذِهِ الحِيلَةِ، فَإنَّ المَرْأةَ تَتَخَلَّصُ بِها مِن نِكاحِ مَن لَمْ تَرْضَ بِنِكاحِهِ، وتَسْتَغْنِي بِها عَنْ رَفْعِ أمْرِها إلى الحاكِمِ لِيَفْسَخَ نِكاحَها بِالغَيْبَةِ والإعْسارِ ونَحْوِهِما.
[المِثالُ الحادِي والسِّتُّونَ الحِيلَةُ في الخَلاصِ مِمّا سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ]
[حِيلَةٌ في الخَلاصِ مِمّا سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ]
المِثالُ الحادِي والسِّتُّونَ: إذا سَبَقَ لِسانُهُ بِما يُؤاخَذُ بِهِ في الظّاهِرِ ولَمْ يُرِدْ مَعْناهُ، أوْ أرادَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وتابَ مِنهُ، أوْ خافَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ شُهُودُ زُورٍ ولَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، فَرُفِعَ إلى الحاكِمِ وادُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ، فَإنْ أنْكَرَ شَهِدُوا عَلَيْهِ، وإنْ أقَرَّ حَكَمَ عَلَيْهِ، ولا سِيَّما إنْ كانَ لا يَرى قَبُولَ التَّوْبَةِ مِن ذَلِكَ، فالحِيلَةُ في الخَلاصِ أنْ لا يُقِرَّ بِهِ ولا يُنْكِرَ، فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ، بَلْ يَكْفِيه في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَقَدْ رَجَعْت عَنْهُ، وأنا تائِبٌ إلى اللَّهِ مِنهُ " ولَيْسَ لِلْحاكِمِ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: لا أكْتَفِي مِنك بِهَذا الجَوابِ، بَلْ لا بُدَّ مِن الإقْرارِ أوْ الإنْكارِ، فَإنَّ هَذا جَوابٌ كافٍ في مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى، وتَكْلِيفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ خُطَّةَ الخَسْفِ بِالإقْرارِ - وقَدْ يَكُونُ كاذِبًا فِيهِ، أوْ الإنْكارِ وقَدْ تابَ مِنهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الشُّهُودُ - ظُلْمٌ وباطِلٌ؛ فَلا يَحِلُّ لِلْحاكِمِ أنْ يَسْألَهُ بَعْدَ هَذا هَلْ وقَعَ مِنك ذَلِكَ أوْ لَمْ يَقَعْ؟ بَلْ أبْلَغُ مِن هَذا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَقالَ: " لَمْ أزَلْ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ لا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُنْذُ عَقَلْت وإلى الآنَ " لَمْ يُسْتَكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ، ولَمْ يُسْألْ لا هو ولا الشُّهُودُ عَنْ سَبَبِ رِدَّتِهِ، كَما ذَكَرَهُ الخِرَقِيِّ في مُخْتَصَرِهِ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ، فَإذا ادَّعى عَلَيْهِ بِأنَّهُ قالَ كَذا وكَذا فَقالَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَأنا تائِبٌ إلى اللَّهِ مِنهُ " أوْ " قَدْ تُبْت مِنهُ " فَقَدْ اكْتُفِيَ مِنهُ بِهَذا الجَوابِ، ولَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
[المِثالُ الثّانِي والثَّمانُونَ حِيلَةٌ في عَدَمِ الحِنْثِ في يَمِينٍ]
[حِيلَةٌ في عَدَمِ الحِنْثِ في يَمِينٍ]
المِثالُ الثّانِي والثَّمانُونَ: لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلاقِ أنَّهُ لا يَضْمَنُ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا فَحَلَفَ آخَرُ بِالطَّلاقِ أنْ لا بُدَّ أنْ تَضْمَنَ عَنِّي؛ فالحِيلَةُ في أنْ يَضْمَنَ عَنْهُ، ولا يَحْنَثُ، أنْ يُشارِكَهُ ويَشْتَرِيَ مَتاعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ شَرِيكِهِ.
قالَ القاضِي: فَإنَّهُ يَضْمَنُ عَنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ الثَّمَنِ، ولا يَحْنَثُ الحالِفُ في يَمِينِهِ؛ لِأنَّ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَقْدُ الضَّمانِ، وما يَلْزَمُهُ في مَسْألَتِنا لا يَلْزَمُهُ بِعَقْدِ الضَّمانِ، وإنَّما يَلْزَمُهُ بِالوَكالَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن الشَّرِيكَيْنِ وكِيلُ صاحِبِهِ فِيما يَشْتَرِيهِ، فَلِهَذا لَمْ يَحْنَثْ في يَمِينِهِ، فَإنْ كانَتْ بِحالِها، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ شَرِكَةٌ، لَكِنَّهُ وكَّلَهُ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ فاشْتَراها لَمْ يَحْنَثْ أيْضًا لِما بَيَّنّا.
[المِثالُ الرّابِعُ والثَّمانُونَ تَحَيُّلُ المَظْلُومِ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِلظّالِمِ]
[تَحَيُّلُ المَظْلُومِ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِلظّالِمِ]
المِثالُ الرّابِعُ والثَّمانُونَ: لا بَأْسَ لِلْمَظْلُومِ أنْ يَتَحَيَّلَ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِظالِمِهِ، والدُّعاءِ عَلَيْهِ والأخْذِ مِن عِرْضِهِ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ؛ إذْ لَعَلَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن الإقامَةِ عَلى ظُلْمِهِ، وهَذا كَما لَوْ أخَذَ مالَهُ فَلَبِسَ أرَثَّ الثِّيابِ بَعْدَ أحْسَنِها، وأظْهَرَ البُكاءَ والنَّحِيبَ والتَّأوُّهَ، أوْ آذاهُ في جِوارِهِ فَخَرَجَ مِن دارِهِ، وطَرَحَ مَتاعَهُ عَلى الطَّرِيقِ، أوْ أخَذَ دابَّتَهُ فَطَرَحَ حِمْلَهُ عَلى الطَّرِيقِ وجَلَسَ يَبْكِي، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذا مِمّا يَدْعُو النّاسَ إلى لَعْنِ الظّالِمِ لَهُ وسَبِّهِ والدُّعاءِ عَلَيْهِ، وقَدْ أرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ المَظْلُومَ بِأذى جارِهِ لَهُ إلى نَحْوِ ذَلِكَ، فَفي السُّنَنِ ومُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن جارِهِ، فَقالَ: اذْهَبْ فاصْبِرْ، فَأتاهُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَقالَ: اذْهَبْ فاطْرَحْ مَتاعَك في الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتاعَهُ في الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النّاسُ يَسْألُونَهُ فَيُخْبِرُهم خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وفَعَلَ، فَجاءَ إلَيْهِ جارُهُ فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ لا تَرى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ» هَذا لَفْظُ أبِي داوُد.
[المِثالُ الخامِسُ والثَّمانُونَ مِن لَطائِفِ حِيَلِ أبِي حَنِيفَةَ]
[مِن لَطائِفِ حِيَلِ أبِي حَنِيفَةَ]
المِثالُ الخامِسُ والثَّمانُونَ: ما ذُكِرَ في مَناقِبِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - أنَّ رَجُلًا أتاهُ بِاللَّيْلِ فَقالَ: أدْرِكْنِي قَبْلَ الفَجْرِ، وإلّا طَلَّقْت امْرَأتِي، فَقالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: تَرَكَتْ اللَّيْلَةَ كَلامِي، فَقُلْت لَها: إنْ طَلَعَ الفَجْرُ، ولَمْ تُكَلِّمِينِي فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، وقَدْ تَوَسَّلْت إلَيْها بِكُلِّ أمْرٍ أنْ تُكَلِّمَنِي فَلَمْ تَفْعَلْ، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ فَمُرْ مُؤَذِّنَ المَسْجِدِ أنْ يَنْزِلَ فَيُؤَذِّنَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلَعَلَّها إذا سَمِعَتْهُ أنْ تُكَلِّمَك، واذْهَبْ إلَيْها وناشِدْها أنْ تُكَلِّمَك قَبْلَ أنْ يُؤَذِّنَ المُؤَذِّنُ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ، وجَلَسَ يُناشِدُها، وأذَّنَ المُؤَذِّنُ، فَقالَتْ: قَدْ طَلَعَ الفَجْرُ وتَخَلَّصْت مِنك، فَقالَ: قَدْ كَلَّمْتِنِي قَبْلَ الفَجْرِ وتَخَلَّصْت مِن اليَمِينِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الحِيَلِ.
[حِيلَةٌ أُخْرى لَهُ]
المِثالُ السّادِسُ والثَّمانُونَ: قالَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ: كانَ في جِوارِ أبِي حَنِيفَةَ فَتًى يَغْشى مَجْلِسَهُ، فَقالَ لَهُ يَوْمًا: إنِّي أُرِيدُ التَّزَوُّجَ بِامْرَأةٍ، وقَدْ طَلَبُوا مِنِّي مِن المَهْرِ فَوْقَ طاقَتِي، وقَدْ تَعَلَّقْت بِالمَرْأةِ، فَقالَ لَهُ: أعْطِهِمْ ما طَلَبُوا مِنك، فَفَعَلَ، فَلَمّا عَقَدَ العَقْدَ جاءَ إلَيْهِ فَقالَ: قَدْ طَلَبُوا مِنِّي المَهْرَ، فَقالَ: احْتَلْ واقْتَرِضْ وأعْطِهِمْ فَفَعَلَ، فَلَمّا دَخَلَ بِأهْلِهِ قالَ: إنِّي أخافُ المُطالَبِينَ بِالدَّيْنِ، ولَيْسَ عِنْدِي ما أُوَفِّيهِمْ، فَقالَ: أظْهِرْ أنَّك تُرِيدُ سَفَرًا بَعِيدًا، وأنَّك تُرِيدُ الخُرُوجَ بِأهْلِك، فَفَعَلَ، واكْتَرى جِمالًا، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المَرْأةِ، وأوْلِيائِها، فَجاءُوا إلى أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَسَألُوهُ، فَقالَ: لَهُ أنْ يَذْهَبَ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ، فَقالُوا: نَحْنُ نُرْضِيهِ ونَرُدُّ إلَيْهِ ما أخَذْناهُ مِنهُ، ولا يُسافِرُ، فَلَمّا سَمِعَ الزَّوْجُ طَمِعَ فَقالَ: لا واللَّهِ حَتّى يَزِيدُونِي، فَقالَ لَهُ: إنْ رَضِيت بِهَذا، وإلّا أقَرَّتْ المَرْأةُ أنَّ عَلَيْها دَيْنًا لِرَجُلٍ، فَلا يُمْكِنُك أنْ تُخْرِجَها حَتّى تُوَفِّيَهُ فَقالَ: بِاللَّهِ لا يَسْمَعُ أهْلُ المَرْأةِ ذَلِكَ مِنك، أنا أرْضى بِاَلَّذِي أعْطَيْتهمْ.
[فصل: الحِيَلُ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ]
وَحِيَلُ هَذا البابِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: حِيلَةٌ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ والمَكْرِ حَتّى لا يَقَعَ، وحِيلَةٌ عَلى رَفْعِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وحِيلَةٌ عَلى مُقابَلَتِهِ بِمِثْلِهِ حَيْثُ لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ؛ فالنَّوْعانِ الأوَّلانِ جائِزانِ، وفي الثّالِثِ تَفْصِيلٌ، فَلا يُمْكِنُ القَوْلُ بِجَوازِهِ عَلى الإطْلاقِ، ولا بِالمَنعِ مِنهُ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ إنْ كانَ المُتَحَيَّلُ بِهِ حَرامًا لِحَقِّ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، كَما لَوْ جَرَّعَهُ الخَمْرَ أوْ زَنى بِحُرْمَتِهِ، وإنْ كانَ حَرامًا؛ لِكَوْنِهِ ظُلْمًا لَهُ في مالِهِ، وقَدَرَ عَلى ظُلْمِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَهي مَسْألَةُ الظَّفَرِ، وقَدْ تَوَسَّعَ فِيها قَوْمٌ حَتّى أفْرَطُوا وجَوَّزُوا قَلْعَ البابِ، ونَقْبَ الحائِطِ وخَرْقَ السَّقْفِ، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ لِمُقابَلَتِهِ بِأخْذِ نَظِيرِ مالِهِ، ومَنَعَها قَوْمٌ بِالكُلِّيَّةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ أوْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَسْتَوْفِيَ مِنهُ قَدْرَ حَقِّهِ إلّا بِإعْلامِهِ بِهِ، وتَوَسَّطَ آخَرُونَ وقالُوا: إنْ كانَ سَبَبُ الحَقِّ ظاهِرًا كالزَّوْجِيَّةِ والأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ ومِلْكِ اليَمِينِ المُوجِبِ لِلْإنْفاقِ فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ مِن غَيْرِ إعْلامِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا كالقَرْضِ وثَمَنِ المَبِيعِ، ونَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الأخْذُ إلّا بِإعْلامِهِ، وهَذا أعْدَلُ الأقْوالِ في المَسْألَةِ، وعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَّةُ دَلالَةً صَرِيحَةً؛ والقائِلُونَ بِهِ أسْعَدُ بِها، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَإنْ كانَ بَهْتًا لَهُ وكَذِبًا عَلَيْهِ أوْ قَذْفًا لَهُ أوْ شَهادَةً عَلَيْهِ بِالزُّورِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، وإنْ كانَ دُعاءً عَلَيْهِ أوْ لَعْنًا أوْ مَسَبَّةً فَلَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، وإنْ مَنَعَهُ كَثِيرٌ مِن النّاسِ، وإنْ كانَ إتْلافُ مالٍ لَهُ فَإنْ كانَ مُحْتَرَمًا كالعَبْدِ والحَيَوانِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ فَإنْ خافَ تَعَدِّيَهُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ كَما لَوْ حَرَقَ دارِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَحْرِقَ دارِهِ، وإنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ - بَلْ كانَ يَفْعَلُ بِهِ نَظِيرَ ما فَعَلَ بِهِ سَواءٌ كَما لَوْ قَطَعَ شَجَرَتَهُ أوْ كَسَرَ إناءَهُ أوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طائِرِهِ أوْ حَلَّ وِكاءَ مائِعٍ لَهُ أوْ أرْسَلَ الماءَ عَلى مِسْطاحِهِ فَذَهَبَ بِما فِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأمْكَنَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِ ما فَعَلَ سَواءٌ - فَهَذا مَحَلُّ اجْتِهادٍ لَمْ يَدُلَّ عَلى المَنعِ مِنهُ كِتابٌ، ولا سُنَّةٌ، ولا إجْماعٌ، ولا قِياسٌ صَحِيحٌ، بَلْ الأدِلَّةُ المَذْكُورَةُ تَقْتَضِي جَوازَهُ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في أوَّلِ الكِتابِ.
وَكانَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُرَجِّحُ هَذا ويَقُولُ: هو أوْلى بِالجَوازِ مِن إتْلافِ طَرَفِهِ بِطَرَفِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الطلاق 65:3
[فصل: في استدلال مَن فَسَّرَ الأقْراءَ بِالأطْهارِ بهذه الآية]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ: أنَّ اللّامَ هي لامُ الوَقْتِ، أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ في وقْتِ عِدَّتِهِنَّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ: وقْتَ الدُّلُوكِ.
وَتَقُولُ العَرَبُ: جِئْتُكَ لِثَلاثٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، أيْ: في ثَلاثٍ بَقِينَ مِنهُ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا التَّفْسِيرِ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ ": «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ، أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُراجِعَها، ثُمَّ يُطَلِّقَها، وهي طاهِرٌ، قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، ثُمَّ قالَ: فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ»
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ العِدَّةَ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ هي الطُّهْرُ الَّذِي بَعْدَ الحَيْضَةِ، ولَوْ كانَ القُرْءُ هو الحَيْضَ كانَ قَدْ طَلَّقَها قَبْلَ العِدَّةِ لا في العِدَّةِ، وكانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا عَلَيْها، وهو غَيْرُ جائِزٍ، كَما لَوْ طَلَّقَها في الحَيْضِ.
[فصل في حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُوافِقِ لِكِتابِ اللَّهِ أنَّهُ لا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ ولا سُكْنى]
رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " «عَنْ فاطمة بنت قيس: أنَّ أبا عمرو بن حفص طَلَّقَها ألْبَتَّةَ وهو غائِبٌ، فَأرْسَلَ إلَيْها وكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقالَ: واللَّهِ ما لَكِ عَلَيْنا مِن شَيْءٍ، فَجاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وما قالَ، فَقالَ: " لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ " فَأمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ أم شريك، ثُمَّ قالَ " تِلْكَ امْرَأةٌ يَغْشاها أصْحابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنَّهُ رَجُلٌ أعْمى تَضَعِينَ ثِيابَكِ، فَإذا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ".
قالَتْ: فَلَمّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ وأبا جهم خَطَبانِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمّا أبو جهم فَلا يَضَعُ عَصاهُ عَنْ عاتِقِهِ، وأمّا معاوية فَصُعْلُوكٌ لا مالَ لَهُ، انْكِحِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قالَ: " انْكِحِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا واغْتَبَطْتُ»
وَفِي " صَحِيحِهِ " أيْضًا: عَنْها «أنَّها طَلَّقَها زَوْجُها في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ أنْفَقَ عَلَيْها نَفَقَةً دُونًا فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ قالَتْ: واللَّهِ لَأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ كانَتْ لِي نَفَقَةٌ أخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي، وإنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ مِنهُ شَيْئًا، قالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ (لا نَفَقَةَ لَكِ ولا سُكْنى)».
[ذِكْرُ مُوافَقَةِ هَذا الحُكْمِ لِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ]
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا - فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ١-٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ١-٣]
فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأزْواجَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ بُلُوغِ الأجَلِ الإمْساكُ والتَّسْرِيحُ بِأنْ لا يُخْرِجُوا أزْواجَهم مِن بُيُوتِهِمْ، وأمَرَ أزْواجَهُنَّ أنْ لا يَخْرُجْنَ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ إخْراجِ مَن لَيْسَ لِزَوْجِها إمْساكُها بَعْدَ الطَّلاقِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِهَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ أحْكامًا مُتَلازِمَةً لا يَنْفَكُّ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ.
أحَدُها: أنَّ الأزْواجَ لا يُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ لا يَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِ أزْواجِهِنَّ.
والثّالِثُ: أنَّ لِأزْواجِهِنَّ إمْساكَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ قَبْلَ انْقِضاءِ الأجَلِ، وتَرْكَ الإمْساكِ، فَيُسَرِّحُوهُنَّ بِإحْسانٍ.
والرّابِعُ: إشْهادُ ذَوَيْ عَدْلٍ، وهو إشْهادٌ عَلى الرَّجْعَةِ إمّا وُجُوبًا وإمّا اسْتِحْبابًا، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى حِكْمَةِ ذَلِكَ، وأنَّهُ في الرَّجْعِيّاتِ خاصَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾
والأمْرُ الَّذِي يُرْجى إحْداثُهُ هاهُنا: هو المُراجَعَةُ.
هَكَذا قالَ السَّلَفُ ومَن بَعْدَهُمْ، قالَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنا أبو معاوية عَنْ داود الأودي عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾
قالَ: لَعَلَّكَ تَنْدَمُ فَيَكُونَ لَكَ سَبِيلٌ إلى الرَّجْعَةِ.
وَقالَ الضحاك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ: لَعَلَّهُ أنْ يُراجِعَها في العِدَّةِ، وقالَهُ عطاء وقتادة والحسن، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ فاطمة بنت قيس: أيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ؟
فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّلاقَ المَذْكُورَ هو الرَّجْعِيُّ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ هَذِهِ الأحْكامُ، وأنَّ حِكْمَةَ أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ اقْتَضَتْهُ؛ لَعَلَّ الزَّوْجَ أنْ يَنْدَمَ ويَزُولَ الشَّرُّ الَّذِي نَزَغَهُ الشَّيْطانُ بَيْنَهُما فَتَتْبَعَها نَفْسُهُ فَيُراجِعَها كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ أنَّ النّاسَ أخَذُوا بِأمْرِ اللَّهِ في الطَّلاقِ ما تَتَبَّعَ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأةً يُطَلِّقُها أبَدًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأمْرَ بِإسْكانِ هَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ فَقالَ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]
فالضَّمائِرُ كُلُّها يَتَّحِدُ مُفَسِّرُها وأحْكامُها كُلُّها مُتَلازِمَةٌ، وكانَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّما النَّفَقَةُ والسُّكْنى لِلْمَرْأةِ إذا كانَ لِزَوْجِها عَلَيْها رَجْعَةٌ» مُشْتَقًّا مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومُفَسِّرًا لَهُ وبَيانًا لِمُرادِ المُتَكَلِّمِ بِهِ مِنهُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ اتِّحادُ قَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمِيزانُ العادِلُ مَعَهُما أيْضًا لا يُخالِفُهُما، فَإنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَكُونُ لِلزَّوْجَةِ، فَإذا بانَتْ مِنهُ صارَتْ أجْنَبِيَّةً، حُكْمُها حُكْمُ سائِرِ الأجْنَبِيّاتِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ اعْتِدادِها مِنهُ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ لَها نَفَقَةً كالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أوْ زِنًى، ولِأنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ في مُقابَلَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ، وهَذا لا يُمْكِنُ اسْتِمْتاعُهُ بِها بَعْدَ بَيْنُونَتِها، ولِأنَّ النَّفَقَةَ لَوْ وجَبَتْ لَها عَلَيْهِ لِأجْلِ عِدَّتِها لَوَجَبَتْ لِلْمُتَوَفّى عَنْها مِن مالِهِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما ألْبَتَّةَ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ بانَتْ عَنْهُ وهي مُعْتَدَّةٌ مِنهُ قَدْ تَعَذَّرَ مِنهُما الِاسْتِمْتاعُ، ولِأنَّها لَوْ وجَبَتْ لَها السُّكْنى لَوَجَبَتْ لَها النَّفَقَةُ كَما يَقُولُهُ مَن يُوجِبُها.
فَأمّا أنْ تَجِبَ لَها السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ فالنَّصُّ والقِياسُ يَدْفَعُهُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وفاطمة بنت قيس إحْدى فُقَهاءِ نِساءِ الصَّحابَةِ، وكانَتْ فاطمة تُناظِرُ عَلَيْهِ، وبِهِ يَقُولُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأصْحابُهُ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأصْحابُهُ وداود بن علي وأصْحابُهُ وسائِرُ أهْلِ الحَدِيثِ.
وَلِلْفُقَهاءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ وهي ثَلاثُ رِواياتٍ عَنْ أحمد: أحَدُها: هَذا.
والثّانِي: أنَّ لَها النَّفَقَةَ والسُّكْنى، وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ مَسْعُودٍ وفُقَهاءِ الكُوفَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ لَها السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ المَدِينَةِ وبِهِ يَقُولُ مالك والشّافِعِيُّ.
(لطيفة)
وقعت حادثة في أيام ابن جرير وهي أن رجلا تزوج امرأة فأحبها حبا شديدا وأبغضته بغضا شديدا فكانت تواجهه بالشتم والدعاء عليه فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا لا تخاطبيني بشيء إلا خاطبتك بمثله فقالت له في الحال: أنت طالق ثلاثا بتاتا، فأبلس الرجل ولم يدر ما يصنع فاستفتى جماعة من الفقهاء فكلهم قال: لا بد أن تطلق فإنه إن أجابها بمثل كلامها طلقت وإن لم يجبها حنث وطلقت فإن بر طلقت وإن حنث طلقت. فأرشد به إلى ابن جرير فقال لها: "امض ولا تعاود الأيمان وأقم على زوجتك بعد أن تقول لها: أنت طالق ثلاثا إن أنا طلقتك فتكون قد خاطبتها بمثل خطابها لك فوفيت بيمينك ولم تطلق منك لما وصلت به الطلاق من الشرط" فذكر ذلك لابن عقيل فاستحسنه
وقال: "وفيه وجه آخر لم يذكره ابن جرير وهو أنها قالت له: أنتَ طالق ثلاثا بفتح التاء وهو خطاب تذكير.
فإذا قال لها أنتَ بفتح التاء لم يقع به طلاق".
قلت: وفيه وجه آخر أحسن من الوجهين، وهو جار على أصول المذهب وهو تخصيص اللفظ العام بالنية كما إذا حلف لا يتغدى ونيته غذاء يومه قصر عليه، وإذا حلف لا يكلمه ونيته تخصيص الكلام بما يكرهه لم يحنث إذا كلمه بما يحبه ونظائره كثيرة وعلى هذا فنياط الكلام صريح أو كالصريح في أنه إنما أراد لا تكلم بشتم أو سب أو دعاء أو ما كان من هذا الباب إلا كلمها بمثله، ولم يرد أنها قالت له اشتر لي مقنعة أو ثوبا أن يقول لها اشتري لي ثوبا أو مقنعة.
وإذا قالت له لا تشتر لي كذا فإني لا أحبه أن يقول لها مثله هذا مما يقطع أن الحالف لم يرده فإذا لم يخاطبها بمثله لم يحنث وهكذا يقطع بأن هذه الصورة المسؤول عنها لم يردها ولا كان بساط الكلام يقتضيها ولا خطرت بباله وإنما أراد ما كان من الكلام الذي هيج يمينه وبعثه على الحلف ومثل هذا يعتبر عندنا في الأيمان.
(فائدة)
سئل ابن عقيل عن رجل قالت له زوجته: طلقني فقال: إن الله قد طلقك؟
فقال: "يقع الطلاق، لأنه كناية استندت إلى دلالة الحال وهي ذكر الطلاق وسؤالها إياه"
وأجاب بعض الشافعية بأنه إن نوى وقع الطلاق وإلا لم يقع"
قلت: وهذا هو الصواب إن قوله "إن الله قد طلقك" إن أراد به شرع طلاقك وأباحه لم يقع.
وإن أراد أن الله قد أوقع عليك الطلاق وأراده وشاءه، فهذا يكون
طلاقا لأن ضرورة صدقة أن يكون الطلاق واقعا، وإذا احتمل الأمرين فلا يقع إلا بالنية.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَخْرَجًا مِن كُلِّ شِدَّةٍ، وهَذا جامِعٌ لِشَدائِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَضايِقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لِلْمُتَّقِي مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَخْرَجًا، وقالَ الحَسَنُ: مَخْرَجًا مِمّا نَهاهُ عَنْهُ.
(فائدة)
وقد روى ابن ماجه وابن أبي الدنيا عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:
"لَوْ عَمِلَ النّاسُ كُلُّهمْ بِهذِهِ الآية لَوَسِعَتْهُمْ"
(فصل)
اعلم أن من اتقى الله في طلاقه، فطلق كما أمره الله ورسوله، وشرعه له. أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال تعالى، بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
فلو اتقى الله عامة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال، فإن الطلاق الذي شرعه الله سبحانه: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. فإن بدا له أن يمسكها في العدة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أمكنه أن تستقبل عليها من غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل هذا لم يندم، ولم يحتج إلى حيلة بزوج ولا تحليل.
ولهذا سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة؟
فقال: "عصيت ربك، وفارقت امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا".
وقال سعيد بن جبير: "جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، فقال: أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر، اتخذت آيات الله هزوا".
وقال مجاهد: "كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا. فسكت، حتى ظننت أنه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله تعالى قال: ﴿وَمَن يَتَّق اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ذكره أبو داود.
وقد روى النسائي عن محمود بن لبيد قال: " أُخْبِرَ رسُولُ الله ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلّقَ امْرأتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ جَمِيعًا، فقامَ غَضْبانَ، ثُمَّ قالَ: أيُلْعَبُ بِكِتاب اللهِ وأنَآ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟ حَتّى قامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ألا أقْتُلهُ؟ ".
قَوْله تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
أيْ كافِي مَن يَثِقُ بِهِ في نَوائِبِهِ ومُهِمّاتِهِ، يَكْفِيهِ كُلَّ ما أهَمَّهُ، والحَسْبُ الكافِي ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ كافِينا اللَّهُ.
وَكُلَّما كانَ العَبْدُ حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، حَسَنَ الرَّجاءِ لَهُ، صادِقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخَيِّبُ أمَلَهُ فِيهِ ألْبَتَّةَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخَيِّبُ أمَلَ آمِلٍ، ولا يُضَيِّعُ عَمَلَ عامِلٍ.
(فائدة)
قَوْله تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
لَمّا ذَكَرَ كِفايَتَهُ لِلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ فَرُبَّما أوْهَمَ ذَلِكَ تَعْجِيلَ الكِفايَةِ وقْتَ التَّوَكُّلِ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
أيْ وقْتًا لا يَتَعَدّاهُ فَهو يَسُوقُهُ إلى وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ.
فَلا يَسْتَعْجِلُ المُتَوَكِّلُ ويَقُولُ: قَدْ تَوَكَّلْت، ودَعَوْت فَلَمْ أرَ شَيْئًا ولَمْ تَحْصُلْ لِي الكِفايَةُ، فاللَّهُ بالِغُ أمْرِهِ في وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ، وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وهو بابٌ لَطِيفٌ مِن أبْوابِ فَهْمِ النُّصُوصِ.
(فصل)
قالَ في التَّوَكُّلِ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾.
فانْظُرْ إلى هَذا الجَزاءِ الَّذِي حَصَلَ لِلْمُتَوَكِّلِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهِ.
وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ أقْوى السُّبُلَ عِنْدَهُ وأحَبُّها إلَيْهِ. ولَيْسَ كَوْنُهُ وكَلَ الأُمُورَ إلى نَفْسِهِ بِمُنافٍ لِتَوَكُّلِ العَبْدِ عَلَيْهِ، بَلْ هَذا تَحْقِيقُ كَوْنِ الأُمُورِ كُلِّها مَوْكُولَةً إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ العَبْدَ إذا عَلِمَ ذَلِكَ وتَحَقَّقَهُ مَعْرِفَةً صارَتْ حالُهُ التَّوَكُّلَ - قَطْعًا - عَلى مَن هَذا شَأْنُهُ، لِعِلْمِهِ بِأنَّ الأُمُورَ كُلَّها مَوْكُولَةٌ إلَيْهِ، وأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنها. فَهو لا يَجِدُ بُدًّا مِنَ اعْتِمادِهِ عَلَيْهِ. وتَفْوِيضِهِ إلَيْهِ. وثِقَتِهِ بِهِ مِنَ الوَجْهَيْنِ:
مِن جِهَةِ فَقْرِهِ، وعَدَمِ مِلْكِهِ شَيْئًا ألْبَتَّةَ.
وَمِن جِهَةِ كَوْنِ الأمْرِ كُلِّهِ بِيَدِهِ وإلَيْهِ.
والتَّوَكُّلُ يَنْشَأُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ.
(فائدة)
من اشْتغل بِالله عَن نَفسه كفاه الله مؤونة نَفسه.
وَمن اشْتغل بِالله عَن النّاس كَفاهُ الله مؤونة النّاس.
وَمن اشْتغل بِنَفسِهِ عَن الله وكله الله إلى نَفسه.
وَمن اشْتغل بِالنّاسِ عَن الله وكله الله إلَيْهِم.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه، والقدر يكون علميا ويكون عينيا.
فالأول هو التقدير العلمي وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب، كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا.
ومن هذا تقدير الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها، ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه.
فالقدر الإلهي نوعان:
أحدهما: في العلم والكتابة.
والثاني: خلقها وبرأها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء.
والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا.
والمقصود أن كل موجد فله قدر، والعباد لا يقدرون الخالق قدره، والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره، ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلا في حقهم قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
[فصل: التَّوَكُّلُ]
وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأصْحابُهُ، يَوْمَ أُحُدٍ، لَمّا قِيلَ لَهم بَعْدَ انْصِرافِهِمْ مِن أُحُدٍ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]
فَتَجَهَّزُوا وخَرَجُوا لِلِقاءِ عَدُوِّهِمْ، وأعْطَوْهُمُ الكَيْسَ مِن نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فَأثَّرَتِ الكَلِمَةُ أثَرَها، واقْتَضَتْ مُوجَبَها، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢]
فَجَعَلَ التَّوَكُّلَ بَعْدَ التَّقْوى الَّذِي هو قِيامُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، فَحِينَئِذٍ إنْ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، فَهو حَسْبُهُ، وكَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]
فالتَّوَكُّلُ والحَسْبُ بِدُونِ قِيامِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها عَجْزٌ مَحْضٌ، فَإنْ كانَ مَشُوبًا بِنَوْعٍ مِنَ التَّوَكُّلِ، فَهو تَوَكُّلُ عَجْزٍ، فَلا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا، ولا يَجْعَلَ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، بَلْ يَجْعَلُ تَوَكُّلَهُ مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها الَّتِي لا يَتِمُّ المَقْصُودُ إلّا بِها كُلِّها.
وَمِن هاهُنا غَلِطَ طائِفَتانِ مِنَ النّاسِ: إحْداهُما: زَعَمَتْ أنَّ التَّوَكُّلَ وحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ كافٍ في حُصُولِ المُرادِ، فَعُطِّلَتْ لَهُ الأسْبابُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ المُوصِلَةُ إلى مُسَبِّباتِها، فَوَقَعُوا في نَوْعِ تَفْرِيطٍ وعَجْزٍ، بِحَسَبِ ما عَطَّلُوا مِنَ الأسْبابِ، وضَعُفَ تَوَكُّلُهم مِن حَيْثُ ظَنُّوا قُوَّتَهُ بِانْفِرادِهِ عَنِ الأسْبابِ، فَجَمَعُوا الهَمَّ كُلَّهُ، وصَيَّرُوهُ هَمًّا واحِدًا، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ قُوَّةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، فَكُلَّما قَوِيَ جانِبُ التَّوَكُّلِ بِإفْرادِهِ أضْعَفَهُ التَّفْرِيطُ في السَّبَبِ الَّذِي هو مَحَلُّ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الأسْبابُ، وكَمالُهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ فِيها، وهَذا كَتَوَكُّلِ الحَرّاثِ الَّذِي شَقَّ الأرْضَ، وألْقى فِيها البِذْرَ، فَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في زَرْعِهِ وإنْباتِهِ، فَهَذا قَدْ أعْطى التَّوَكُّلَ حَقَّهُ، ولَمْ يَضْعُفْ تَوَكُّلُهُ بِتَعْطِيلِ الأرْضِ، وتَخْلِيَتِها بُورًا، وكَذَلِكَ تَوَكُّلُ المُسافِرِ في قَطْعِ المَسافَةِ مَعَ جِدِّهِ في السَّيْرِ، وتَوَكُّلُ الأكْياسِ مِنَ النَّجاةِ مِن عَذابِ اللَّهِ، والفَوْزِ بِثَوابِهِ، مَعَ اجْتِهادِهِمْ في طاعَتِهِ، فَهَذا هو التَّوَكُّلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَ مَن قامَ بِهِ.
وَأمّا تَوَكُّلُ العَجْزِ والتَّفْرِيطِ، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ولَيْسَ اللَّهُ حَسْبَ صاحِبِهِ، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما يَكُونُ حَسْبَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ إذا اتَّقاهُ، وتَقْواهُ فِعْلُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، لا إضاعَتُها.
والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: الَّتِي قامَتْ بِالأسْبابِ، ورَأتِ ارْتِباطَ المُسَبِّباتِ بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وأعْرَضَتْ عَنْ جانِبِ التَّوَكُّلِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ وإنْ نالَتْ بِما فَعَلَتْهُ مِنَ الأسْبابِ ما نالَتْهُ، فَلَيْسَ لَها قُوَّةُ أصْحابِ التَّوَكُّلِ، ولا عَوْنُ اللَّهِ لَهم وكِفايَتُهُ إيّاهم ودِفاعُهُ عَنْهُمْ، بَلْ هي مَخْذُولَةٌ عاجِزَةٌ، بِحَسَبِ ما فاتَها مِنَ التَّوَكُّلِ.
فالقُوَّةُ كُلُّ القُوَّةِ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أقْوى النّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، فالقُوَّةُ مَضْمُونَةٌ لِلْمُتَوَكِّلِ، والكِفايَةُ والحَسْبُ والدَّفْعُ عَنْهُ، وإنَّما يَنْقُصُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ بِقَدْرِ ما يَنْقُصُ مِنَ التَّقْوى والتَّوَكُّلِ، وإلّا فَمَعَ تَحَقُّقِهِ بِهِما، لا بُدَّ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَهُ وكافِيَهُ.
والمَقْصُودُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْشَدَ العَبْدَ إلى ما فِيهِ غايَةُ كَمالِهِ، ونَيْلُ مَطْلُوبِهِ، أنْ يَحْرِصَ عَلى ما يَنْفَعُهُ، ويَبْذُلَ فِيهِ جَهْدَهُ، وحِينَئِذٍ يَنْفَعُهُ التَّحَسُّبُ، وقَوْلُ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» بِخِلافِ مَن عَجَزَ وفَرَّطَ، حَتّى فاتَتْهُ مَصْلَحَتُهُ، ثُمَّ قالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَإنَّ اللَّهَ يَلُومُهُ، ولا يَكُونُ في هَذا الحالِ حَسْبَهُ، فَإنَّما هو حَسْبُ مَنِ اتَّقاهُ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
[أقْسامِ الحِيَلِ ومَراتِبِها]
[القِسْمُ الأوَّلُ مِن الحِيَلِ]
فَصْلٌ قالَ أرْبابُ الحِيَلِ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
والحِيَلُ مَخارِجٌ مِن المَضائِقِ.
والجَوابُ إنّما يَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ قاعِدَةٍ في أقْسامِ الحِيَلِ ومَراتِبِها، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ هي أقْسامٌ.
[القِسْمُ الأوَّلُ مِن الحِيَلِ طُرُقٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى ما هو حَرامٌ]
القِسْمُ الأوَّلُ: الطُّرُقُ الخَفِيَّةُ الَّتِي يُتَوَصَّل بِها إلى ما هو مُحَرَّمٌ في نَفْسِهِ، بِحَيْثُ لا يَحِلُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ بِحالٍ، فَمَتى كانَ المَقْصُودُ بِها مُحَرَّمٌ في نَفْسِهِ فَهي حَرامٌ بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ كالحِيَلِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ وظُلْمِهِمْ في نُفُوسِهِمْ وسَفْكِ دِمائِهِمْ وإبْطالِ حُقُوقِهِمْ وإفْسادِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وهي مِن جِنْسِ حِيَلِ الشَّياطِينِ عَلى إغْواءِ بَنِي آدَمَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وهم يَتَحَيَّلُونَ عَلَيْهِمْ لِيُوقِعُوهم في واحِدَةٍ مِن سِتَّةٍ ولا بُدَّ؛ فَيَتَحَيَّلُونَ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ أنْ يُوقِعُوهم في الكُفْرِ والنِّفاقِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، فَإذا عَمِلَتْ حِيَلُهم في ذَلِكَ قَرَّتْ عُيُونُهُمْ، فَإنْ عَجَزَتْ حِيَلُهم عَنْ مَن صَحَّتْ فِطْرَتُهُ وتَلاها شاهِدُ الإيمانِ مِن رَبِّهِ بِالوَحْيِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ أعْمَلُوا الحِيلَةَ في إلْقائِهِ في البِدْعَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها وقَبُولِ القَلْبِ لَها وتَهْيِئَتِهِ واسْتِعْدادِهِ.
فَإنْ تَمَّتْ حِيَلُهم كانَ ذَلِكَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن المَعْصِيَةِ، وإنْ كانَتْ كَبِيرَةً، ثُمَّ يَنْظُرُونَ في حالِ مَن اسْتَجابَ لَهم إلى البِدْعَةِ؛ فَإنْ كانَ مُطاعًا مَتْبُوعًا في النّاسِ أمَرُوهُ بِالزُّهْدِ والتَّعَبُّدِ ومَحاسِنِ الأخْلاقِ والشِّيَمِ، ثُمَّ أطارُوا لَهُ الثَّناءَ بَيْنَ النّاسِ لِيَصْطادُوا عَلَيْهِ الجُهّالَ ومَن لا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالسُّنَّةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ جَعَلُوا بِدْعَتَهُ عَوْنًا لَهُ عَلى ظُلْمِهِ أهْلَ السُّنَّةِ وأذاهم والنِّيلِ مِنهُمْ، وزَيَّنُوا لَهُ أنَّ هَذا انْتِصارٌ لِما هم عَلَيْهِ مِن الحَقِّ، فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ ومَنَّ اللَّهُ عَلى العَبْدِ بِتَحْكِيمِ السُّنَّةِ ومَعْرِفَتِها والتَّمْيِيزِ بَيْنَها وبَيْنَ البِدْعَةِ ألْقَوْهُ في الكَبائِرِ، وزَيَّنُوا لَهُ فِعْلَها بِكُلِّ طَرِيقٍ، وقالُوا لَهُ: أنْتَ عَلى السُّنَّةِ، وفُسّاقُ أهْلِ السُّنَّةِ أوْلِياءُ اللَّهِ، وعُبّادُ أهْلِ البِدْعَةِ أعْداءُ اللَّهِ، وقُبُورُ فُسّاقِ أهْلِ السُّنَّةِ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، وقُبُورُ عُبّادِ أهْلِ البِدَعِ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ، والتَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ يُكَفِّرُ الكَبائِرَ، كَما أنَّ مُخالَفَةَ السُّنَّةِ تُحْبِطُ الحَسَناتِ، وأهْلُ السُّنَّةِ إنْ قَعَدَتْ بِهِمْ أعْمالُهم قامَتْ بِهِمْ عَقائِدُهُمْ، وأهْلُ البِدَعِ إذا قامَتْ بِهِمْ أعْمالُهم قَعَدَتْ بِهِمْ عَقائِدُهُمْ، وأهْلُ السُّنَّةِ هم الَّذِينَ أحْسَنُوا الظَّنَّ بِرَبِّهِمْ إذْ وصَفُوهُ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ووَصَفُوهُ بِكُلِّ كَمالٍ وجَلالٍ ونَزَّهُوهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، واللَّهُ تَعالى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ، وأهْلُ البِدَعِ هم الَّذِينَ يَظُنُّونَ بِرَبِّهِمْ ظَنَّ السُّوءِ؛ إذْ يُعَطِّلُونَهُ عَنْ صِفاتِ كَمالِهِ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْها، وإذا عَطَّلُوهُ عَنْها لَزِمَ اتِّصافُهُ بِأضْدادِها ضَرُورَةً؛ ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مَن أنْكَرَ صِفَةً واحِدَةً مِن صِفاتِهِ وهي صِفَةُ العِلْمِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] وأخْبَرَهم عَنْ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ أنَّ عَلَيْهِمْ دائِرَةَ السَّوْءِ، وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولَعَنَهُمْ، وأعَدَّ لَهم جَهَنَّم وساءَتْ مَصِيرًا، فَلَمْ يَتَوَعَّدْ بِالعِقابِ أحَدًا أعْظَمَ مِمَّنْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السُّوءَ، وأنْتَ لا تَظُنُّ بِهِ ظَنَّ السُّوءِ، فَما لَك ولِلْعِقابِ؟ وأمْثالُ هَذا مِن الحَقِّ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ وصْلَةً لَهُمْ، وحِيلَةً إلى الِاسْتِهانَةِ بِالكَبائِرِ، وأخْذِهِ الأمْنَ لِنَفْسِهِ.
وَهَذِهِ حِيلَةٌ لا يَنْجُو مِنها إلّا الرّاسِخُ في العِلْمِ، العارِفُ بِأسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَإنَّهُ كُلَّما كانَ بِاللَّهِ أعْرَفَ كانَ لَهُ أشَدَّ خَشْيَةً، وكُلَّما كانَ بِهِ أجْهَلَ كانَ أشَدَّ غُرُورًا بِهِ وأقَلَّ خَشْيَةً.
فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ وعَظُمَ وقارُ اللَّهِ في قَلْبِ العَبْدِ هَوَّنُوا عَلَيْهِ الصَّغائِرَ، وقالُوا لَهُ: إنّها تَقَعُ مُكَفِّرَةً بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ حَتّى كَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ورُبَّما مَنَّوْهُ أنَّهُ إذا تابَ مِنها - كَبائِرَ كانَتْ أوْ صَغائِرَ - كُتِبَ لَهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةٌ، فَيَقُولُونَ لَهُ: كَثِّرْ مِنها ما اسْتَطَعْت، ثُمَّ ارْبَحْ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً بِالتَّوْبَةِ، ولَوْ قَبْلَ المَوْتِ بِساعَةٍ؛ فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ وخَلَّصَ اللَّهُ عَبْدَهُ مِنها نَقَلُوهُ إلى الفُضُولِ مِن أنْواعِ المُباحاتِ والتَّوَسُّعِ فِيها، وقالُوا لَهُ: قَدْ كانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ إلّا واحِدَةً ثُمَّ أرادَ تَكْمِيلَها بِالمِائَةِ، وكانَ لِسُلَيْمانَ ابْنِهِ مِائَةُ امْرَأةٍ، وكانَ لِلزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ مِن الأمْوالِ ما هو مَعْرُوفٌ، وكانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مِن الدُّنْيا وسَعَةِ المالِ ما لا يُجْهَلُ، ويُنْسُوهُ ما كانَ لِهَؤُلاءِ مِن الفَضْلِ، وأنَّهم لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنْ اللَّهِ بِدُنْياهُمْ، بَلْ سارُوا بِها إلَيْهِ، فَكانَتْ طَرِيقًا لَهم إلى اللَّهِ.
فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ - بِأنْ تَفْتَحَ بَصِيرَةَ قَلْبِ العَبْدِ حَتّى كَأنَّهُ يُشاهِدُ بِها الآخِرَةَ وما أعَدَّ اللَّهُ فِيها لِأهْلِ طاعَتِهِ وأهْلِ مَعْصِيَتِهِ، فَأخَذَ حَذَرَهُ، وتَأهَّبَ لِلِّقاءِ رَبِّهِ، واسْتَقْصَرَ مُدَّةَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا في جَنْبِ الحَياةَ الباقِيَةَ الدّائِمَةَ - نَقَلُوهُ إلى الطّاعاتِ المَفْضُولَةِ الصَّغِيرَةِ الثَّوابِ لِيَشْغَلُوهُ بِها عَنْ الطّاعاتِ الفاضِلَةِ الكَثِيرَةِ الثَّوابِ، فَيُعْمِلُ حِيلَتَهُ في تَرْكِهِ كُلَّ طاعَةٍ كَبِيرَةٍ إلى ما هو دُونَها، فَيُعْمِلُ حِيلَتَهُ في تَفْوِيتِ الفَضِيلَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ - وهَيْهاتَ - لَمْ يَبْقَ لَهم إلّا حِيلَةٌ واحِدَةٌ، وهي تَسْلِيطُ أهْلِ الباطِلِ والبِدَعِ والظَّلَمَةِ عَلَيْهِ يُؤْذُونَهُ، ويُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْهُ، ويَمْنَعُونَهم مِن الِاقْتِداءِ بِهِ؛ لِيُفَوِّتُوا عَلَيْهِ مَصْلَحَةَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وعَلَيْهِمْ مَصْلَحَةَ الإجابَةِ.
فَهَذِهِ مَجامِعُ أنْواعِ حِيَلِ الشَّيْطانِ، ولا يُحْصِي أفْرادَها إلّا اللَّهُ، ومَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن العَقْلِ يَعْرِفُ الحِيلَةَ الَّتِي تَمَّتْ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الحِيَلِ، فَإنْ كانَتْ لَهُ هِمَّةٌ إلى التَّخَلُّصِ مِنها، وإلّا فَيَسْألُ مَن تَمَّتْ عَلَيْهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[مِن حِيَلِ شَياطِينِ الإنْسِ]
وَهَذِهِ الحِيَلُ مِن شَياطِينِ الجِنِّ نَظِيرُ حِيَلِ شَياطِينِ الإنْسِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ويَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى أغْراضِهِمْ الفاسِدَةِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وذَلِكَ كَحِيَلِ القَرامِطَةِ الباطِنِيَّةِ عَلى إفْسادِ الشَّرائِعِ، وحِيَلِ الرُّهْبانِ عَلى أشْباهِ الحَمِيرِ مِن عابِدِ الصَّلِيبِ بِما يُمَوِّهُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن المَخارِيقِ والحِيَلِ كالنُّورِ المَصْنُوعِ وغَيْرِهِ مِمّا هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ الإشاراتِ مِن الإذْنَ والتَّسْيِيرِ والتَّغْيِيرِ وإمْساكِ الحَيّاتِ ودُخُولِ النّارِ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ، وأمْثالِ ذَلِكَ مِن حِيَلِ أشْباهِ النَّصارى الَّتِي تَرُوجُ عَلى أشْباهِ الأنْعامِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ الدَّكِّ وخِفَّةِ اليَدِ الَّتِي تَخْفى عَلى النّاظِرِينَ أسْبابُها ولا يَتَفَطَّنُونَ لَها، وكَحِيَلِ السَّحَرَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِ السِّحْرِ؛ فَإنَّ سِحْرَ البَيانِ هو مِن أنْواعِ التَّحَيُّلِ: إمّا لِكَوْنِهِ بَلَغَ مِن اللُّطْفِ والحُسْنِ إلى حَدِّ اسْتِمالَةِ القُلُوبِ فَأشْبَهَ السِّحْرَ مِن هَذا الوَجْهِ، وإمّا لِكَوْنِ القادِرِ عَلى البَيانِ يَكُونُ قادِرًا عَلى تَحْسِينِ القَبِيحِ وتَقْبِيحِ الحَسَنِ فَهو أيْضًا يُشْبِهُ السِّحْرَ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا.
وَكَذَلِكَ سِحْرُ الوَهْمِ أيْضًا هو حِيلَةٌ وهْمِيَّةٌ، والواقِعُ شاهِدٌ بِتَأْثِيرِ الوَهْمِ والإيهامِ، ألا تَرى أنَّ الخَشَبَةَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن المَشْيِ عَلَيْها إذا كانَتْ قَرِيبَةً مِن الأرْضِ لا يُمْكِنُ المَشْيُ عَلَيْها إذا كانَتْ عَلى مَهْواةٍ بَعِيدَةِ القَعْرِ؟ والأطِبّاءُ تَنْهى صاحِبَ الرُّعافِ عَنْ النَّظَرِ إلى الشَّيْءِ الأحْمَرِ، وتَنْهى المَصْرُوعَ عَنْ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ القَوِيَّةِ اللَّمَعانِ أوْ الدَّوْرانِ، فَإنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مَطِيَّةَ الأوْهامِ، والطَّبِيعَةُ فَعّالَةٌ، والأحْوالُ الجُسْمانِيَّةُ تابِعَةٌ لِلْأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ السِّحْرُ بِالِاسْتِعانَةِ بِالأرْواحِ الخَبِيثَةِ إنّما هو بِالتَّحَيُّلِ عَلى اسْتِخْدامِها بِالإشْراكِ بِها والِاتِّصافِ بِهَيْئاتِها الخَبِيثَةِ؛ ولِهَذا لا يَعْمَلُ السِّحْرُ إلّا مَعَ الأنْفُسِ الخَبِيثَةِ المُناسِبَةِ لِتِلْكَ الأرْواحِ، وكُلَّما كانَتْ النَّفْسُ أخْبَثَ كانَ سِحْرُها أقْوى، وكَذَلِكَ سِحْرُ التَّمْزِيجاتِ - وهو أقْوى ما يَكُونُ مِن السِّحْرِ - أنْ يُمْزَجَ بَيْنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الخَبِيثَةِ الفَعّالَةِ والقُوى الطَّبِيعِيَّةِ المُنْفَعِلَةِ، والمَقْصُودُ أنَّ السِّحْرَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الحِيَلِ الَّتِي يَنالُ بِها السّاحِرُ غَرَضَهُ، وحِيَلُ السّاحِرِ مِن أضْعَفِ الحِيَلِ وأقْواها، ولَكِنْ لا تُؤَثِّرُ تَأْثِيرًا مُسْتَقِرًّا إلّا في الأنْفُسِ الباطِلَةِ المُنْفَعِلَةِ لِلشَّهَواتِ الضَّعِيفَةِ تَعَلُّقِها بِفاطِرِ الأرْضِ والسَّمَواتِ المُنْقَطِعَةِ عَنْ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ؛ فَهَذِهِ النُّفُوسُ مَحَلُّ تَأْثِيرِ السِّحْرِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ المَلاهِي والطَّرِبِ عَلى اسْتِمالَةِ النُّفُوسِ إلى مَحَبَّةِ الصُّوَرِ والوُصُولِ إلى الِالتِذاذِ بِها؛ فَحِيلَةُ السَّماعِ الشَّيْطانِيِّ عَلى ذَلِكَ مِن أدْنى الحِيَلِ عَلَيْهِ، حَتّى قِيلَ: أوَّلُ ما وقَعَ الزِّنا في العالَمِ فَإنَّما كانَ بِحِيلَةِ اليَراعِ والغِناءِ، لَمّا أرادَ الشَّيْطانُ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ حِيلَةً أدْنى مِن المَلاهِي.
وَكَحِيَلِ اللُّصُوصِ والسُّرّاقِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ، وهم أنْواعٌ لا تُحْصى؛ فَمِنهم السُّرّاقُ بِأيْدِيهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِأقْلامِهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِأمانَتِهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِما يُظْهِرُونَهُ مِن الدِّينِ والفَقْرِ والصَّلاحِ والزُّهْدِ وهم في الباطِنِ بِخِلافِهِ، ومِنهم السُّرّاقُ بِمَكْرِهِمْ وخِداعِهِمْ وغِشِّهِمْ، وبِالجُمْلَةِ فَحِيَلُ هَذا الضَّرْبِ مِن النّاسِ مِن أكْثَرِ الحِيَلِ، وتَلِيها حِيَلُ عُشّاقِ الصُّوَرِ عَلى الوُصُولِ إلى أغْراضِهِمْ فَإنَّها تَقَعُ في الغالِبِ خَفِيَّةً، وإنَّما تَتِمُّ غالِبًا عَلى النُّفُوسِ القابِلَةِ المُنْفَعِلَةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وكَحِيَلِ التَّتارِ الَّتِي مَلَكُوا بِها البِلادَ وقَهَرُوا بِها العِبادَ وسَفَكُوا بِها الدِّماءَ واسْتَباحُوا بِها الأمْوالَ، وكَحِيَلِ اليَهُودِ وإخْوانِهِمْ مِن الرّافِضَةِ فَإنَّهم بَيْتُ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، ولِهَذا ضُرِبَتْ عَلى الطّائِفَتَيْنِ الذِّلَّةُ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في كُلِّ مُخادِعٍ مُحْتالٍ بِالباطِلِ.
[أرْبابُ الحِيَلِ نَوْعانِ]
ثُمَّ أرْبابُ هَذِهِ الحِيَلِ نَوْعانِ: نَوْعُ يُقْصَدُ بِهِ حُصُولُ مَقْصُودِهِ، ولا يَظْهَرُ أنَّهُ حَلالٌ، كَحِيَلِ اللُّصُوصِ وعُشّاقِ الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ ونَحْوِهِما، ونَوْعٌ يُظْهِرُ صاحِبُهُ أنَّ مَقْصُودَهُ خَيْرٌ وصَلاحٌ ويُبْطِنُ خِلافَهُ.
وَأرْبابُ النَّوْعِ الأوَّلِ أسْلَمُ عاقِبَةً مِن هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهم أتَوْا البُيُوتَ مِن أبْوابِها والأمْرَ مِن طَرِيقِهِ ووَجْهِهِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَقَلَبُوا مَوْضُوعَ الشَّرْعِ والدِّينِ، ولَمّا كانَ أرْبابُ هَذا النَّوْعِ إنّما يُباشِرُونَ الأسْبابَ الجائِزَةَ ولا يُظْهِرُونَ مَقاصِدَهم أعْضَلَ أمْرُهُمْ، وعَظُمَ الخَطْبُ بِهِمْ، وصَعُبَ الِاحْتِرازُ مِنهُمْ، وعَزَّ عَلى العالَمِ اسْتِنْقاذُ قَتْلاهُمْ، فاسْتُبِيحَتْ بِحِيَلِهِمْ الفُرُوجُ، وأُخِذَتْ بِها الأمْوالُ مِن أرْبابِها فَأُعْطِيَتْ لِغَيْرِ أهْلِها، وعُطِّلَتْ بِها الواجِباتُ، وضُيِّعَتْ بِها الحُقُوقُ، وعَجَّتْ الفُرُوجُ والأمْوالُ والحُقُوقُ إلى رَبِّها عَجِيجًا، وضَجَّتْ مِمّا حَلَّ بِها إلَيْهِ ضَجِيجًا، ولا يَخْتَلِفُ المُسْلِمُونَ أنَّ تَعْلِيمَ هَذِهِ الحِيَلِ حَرامٌ، والإفْتاءُ بِها حَرامٌ، والشَّهادَةُ عَلى مَضْمُونِها حَرامٌ، والحُكْمُ بِها مَعَ العِلْمِ بِحالِها حَرامٌ، واَلَّذِي جَوَّزُوا مِنها ما جَوَّزُوا مِن الأئِمَّةِ لا يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ بِهِمْ أنَّهم جَوَّزُوهُ عَلى وجْهِ الحِيلَةِ إلى المُحَرَّمِ، وإنَّما جَوَّزُوا صُورَةَ ذَلِكَ الفِعْلِ.
ثُمَّ إنّ المُتَحَيِّلَ المُخادِعَ المَكّارَ أخَذَ صُورَةَ ما أفْتَوْا بِهِ فَتَوَسَّلَ بِهِ إلى ما مَنَعُوا مِنهُ، ورَكَّبَ ذَلِكَ عَلى أقْوالِهِمْ وفَتاواهُمْ، وهَذا فِيهِ الكَذِبُ عَلَيْهِمْ وعَلى الشّارِعِ، مِثالُهُ أنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - يُجَوِّزُ إقْرارَ المَرِيضِ لِوارِثِهِ؛ فَيَتَّخِذُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يُوصِيَ لِوارِثِهِ وسِيلَةً إلى الوَصِيَّةِ لَهُ بِصُورَةِ الإقْرارِ.
وَيَقُولُ: هَذا جائِزٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وهَذا كَذِبٌ عَلى الشّافِعِيِّ؛ فَإنَّهُ لا يُجَوِّزُ الوَصِيَّةَ لِلْوارِثِ بِالتَّحَيُّلِ عَلَيْها بِالإقْرارِ؛ فَكَذَلِكَ الشّافِعِيُّ يُجَوِّزُ لِلرَّجُلِ إذا اشْتَرى مِن غَيْرِهِ سِلْعَةً بِثَمَنٍ أنْ يَبِيعَهُ إيّاها بِأقَلَّ مِمّا اشْتَراها مِنهُ بِناءً عَلى ظاهِرِ السَّلامَةِ. ولا يَجُوزُ ذَلِكَ حِيلَةً عَلى بَيْعِ مِائَةٍ بِمِائَةٍ وخَمْسِينَ إلى سَنَةٍ؛ فاَلَّذِي يَسُدُّ الذَّرائِعَ يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَقُولُ: هو يُتَّخَذُ حِيلَةً إلى ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَلا يَقْبَلُ إقْرارَ المَرِيضِ لِوارِثِهِ، ولا يَصِحُّ هَذا البَيْعَ. ولا سِيَّما فَإنَّ إقْرارَ المَرْءِ شَهادَةٌ عَلى نَفْسِهِ، فَإذا تَطَرَّقَ إلَيْها التُّهْمَةُ بَطَلَتْ كالشَّهادَةِ عَلى غَيْرِهِ. والشّافِعِيُّ يَقُولُ: أقْبَلُ إقْرارَهُ إحْسانًا لِلظَّنِّ بِالمُقِرِّ، وحَمْلًا لِإقْرارِهِ عَلى السَّلامَةِ، ولا سِيَّما عِنْدَ الخاتِمَةِ.
وَمِن هَذا البابِ احْتِيالُ المَرْأةِ عَلى فَسْخِ نِكاحِ الزَّوْجِ بِما يُعْلِمُهُ إيّاها أرْبابُ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، بِأنْ تُنْكِرَ أنْ تَكُونَ أذِنَتْ لِلْوَلِيِّ، أوْ بِأنَّ النِّكاحَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ أوْ الشُّهُودَ جَلَسُوا وقْتُ العَقْدِ عَلى فِراشِ حَرِيرٍ، أوْ اسْتَنَدُوا إلى وِسادَةِ حَرِيرٍ.
وَقَدْ رَأيْت مَن يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الحِيلَةَ إذا طَلَّقَ الزَّوْجُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، وأرادَ تَخْلِيصَهُ مِن عارِ التَّحْلِيلِ وشَنارِهِ أرْشَدَهُ إلى القَدْحِ في صِحَّةِ النِّكاحِ بِفِسْقِ الوَلِيِّ أوْ الشُّهُودِ، فَلا يَصِحُّ الطَّلاقُ في النِّكاحِ الفاسِدِ. وقَدْ كانَ النِّكاحُ صَحِيحًا لَمّا كانَ مُقِيمًا مَعَها عِدَّةَ سِنِينَ، فَلَمّا أوْقَعَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ فَسَدَ النِّكاحُ.
وَمِن هَذا احْتِيالُ البائِعِ عَلى فَسْخِ البَيْعِ بِدَعْواهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا وقْتَ العَقْدِ، أوْ لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا، أوْ كانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، أوْ لَمْ يَكُنْ المَبِيعُ مِلْكًا لَهُ ولا مَأْذُونًا لَهُ في بَيْعِهِ
فَهَذِهِ الحِيَلُ وأمْثالُها لا يَسْتَرِيبُ مُسْلِمٌ في أنَّها مِن كَبائِرِ الإثْمِ وأقْبَحِ المُحَرَّماتِ، وهي مِن التَّلاعُبِ بِدِينِ اللَّهِ، واتِّخاذِ آياتِهِ هُزُوًا، وهي حَرامٌ مِن جِهَتِها في نَفْسِها لِكَوْنِها كَذِبًا وزُورًا، وحَرامٌ مِن جِهَةِ المَقْصُودِ بِها، وهو إبْطالُ حَقٍّ وإثْباتُ باطِلٍ؛ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ:
[الحِيَلُ المُحَرَّمَةُ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ]
أحَدُها: أنْ تَكُونَ الحِيلَةُ مُحَرَّمَةً ويُقْصَدُ بِها المُحَرَّمُ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ مُباحَةً في نَفْسِها ويُقْصَدُ بِها المُحَرَّمُ؛ فَيَصِيرُ حَرامًا تَحْرِيمَ الوَسائِلِ كالسَّفَرِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ وقَتْلِ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ.
وَهَذانِ القِسْمانِ تَكُونُ الحِيلَةُ فِيهِما مَوْضُوعَةً لِلْمَقْصُودِ الباطِلِ المُحَرَّمِ، ومُفْضِيَةً إلَيْهِ، كَما هي مَوْضُوعَةٌ لِلْمَقْصُودِ الصَّحِيحِ الجائِزِ ومُفْضِيَةٌ إلَيْهِ؛ فَإنَّ السَّفَرَ طَرِيقٌ صالِحٌ لِهَذا وهَذا.
الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ لَمْ تُوضَعْ لِلْإفْضاءِ إلى المُحَرَّمِ، وإنَّما وُضِعَتْ مُفْضِيَةً إلى المَشْرُوعِ كالإقْرارِ والبَيْعِ والنِّكاحِ والهِبَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَيَتَّخِذُها المُتَحَيِّلُ سُلَّمًا وطَرِيقًا إلى الحَرامِ، وهَذا مُعْتَرَكُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وهو الَّذِي قَصَدْنا الكَلامَ فِيهِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ.
[نَوْعٌ رابِعٌ مِن الحِيَلِ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ يُقْصَدُ بِها أخْذُ حَقٍّ]
القِسْمُ الرّابِعُ: أنْ يُقْصَدَ بِالحِيلَةِ أخْذِ حَقٍّ أوْ دَفْعُ باطِلٍ، وهَذا القِسْمُ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ أيْضًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مُحَرَّمًا في نَفْسِهِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِهِ حَقًّا، مِثْلُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَلى رَجُلٍ حَقٌّ فَيَجْحَدَهُ، ولا يُبَيِّنُهُ لَهُ، فَيُقِيمَ صاحِبُهُ شاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدانِ بِهِ، ولا يَعْلَمانِ ثُبُوتَ ذَلِكَ الحَقِّ، ومِثْلُ أنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، ويَجْحَدَ الطَّلاقَ، ولا يُبَيِّنُهُ لَها، فَتُقِيمَ شاهِدَيْنِ يَشْهَدانِ أنَّهُ طَلَّقَها، ولَمْ يَسْمَعا الطَّلاقَ مِنهُ، ومِثْلُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ، ولَهُ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ، فَيَجْحَدَ الوَدِيعَةَ، فَيَجْحَدَ هو الدَّيْنَ، أوْ بِالعَكْسِ، ويَحْلِفَ ما لَهُ عِنْدِي حَقٌّ، أوْ ما أوْدَعَنِي شَيْئًا، وإنْ كانَ يُجِيزُ هَذا مَن يُجِيزُ مَسْألَةَ الظَّفَرِ.
وَمِثْلُ أنْ تَدَّعِيَ عَلَيْهِ المَرْأةُ كِسْوَةً أوْ نَفَقَةً ماضِيَةً كَذِبًا وباطِلًا، فَيُنْكِرَ أنْ تَكُونَ مَكَّنَتْهُ مِن نَفْسِها أوْ سَلَّمَتْ نَفْسَها إلَيْهِ، أوْ يُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ أنَّها كانَتْ ناشِزًا؛ فَلا نَفَقَةَ لَها ولا كِسْوَةَ، ومِثْلُ أنْ يَقْتُلَ رَجُلٌ ولِيَّهُ فَيُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ ولَمْ يَشْهَدا القَتْلَ فَيَشْهَدا أنَّهُ قَتَلَهُ، ومِثْلُ أنْ يَمُوتَ مَوْرُوثُهُ فَيُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ أنَّهُ ماتَ وأنَّهُ وارِثُهُ، وهُما لا يَعْلَمانِ ذَلِكَ، ونَظائِرُهُ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ لا شاهِدَ لَهُ بِهِ فَيُقِيمُ شاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدانِ لَهُ بِهِ؛ فَهَذا يَأْثَمُ عَلى الوَسِيلَةِ دُونَ المَقْصُودِ، وفي مِثْلِ هَذا جاءَ الحَدِيثُ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَن ائْتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَن خانَك».
[فَصْلٌ: القِسْمُ الثّانِي مِن أنْواعِ الحِيَلِ]
فَصْلٌ القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مَشْرُوعَةً، وما يُفْضِي إلَيْهِ مَشْرُوعٌ، وهَذِهِ هي الأسْبابُ الَّتِي نَصَبَها الشّارِعُ مُفْضِيَةً إلى مُسَبَّباتِها كالبَيْعِ والإجارَةِ والمُساقاةِ والمُزارِعَةِ والوَكالَةِ، بَلْ الأسْبابُ مَحَلُّ حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وهي في اقْتِضائِها لِمُسَبَّباتِها شَرْعًا عَلى وِزانِ الأسْبابِ الحِسِّيَّةِ في اقْتِضائِها لِمُسَبَّباتِها قَدَرًا؛ فَهَذا شَرْعُ الرَّبِّ تَعالى وذَلِكَ قَدَرُهُ، وهُما خَلْقُهُ وأمْرُهُ، واللَّهُ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ولا تَغْيِيرَ لِحُكْمِهِ، فَكَما لا يُخالِفُ سُبْحانَهُ بِالأسْبابِ القَدَرِيَّةِ أحْكامَها بَلْ يُجْرِيها عَلى أسْبابِها وما خُلِقَتْ لَهُ؛ فَهَكَذا الأسْبابُ الشَّرْعِيَّةُ لا يُخْرِجُها عَنْ سَبَبِها وما شُرِعَتْ لَهُ، بَلْ هَذِهِ سُنَّتُهُ شَرْعًا وأمْرًا، وتِلْكَ سُنَّتُهُ قَضاءً وقَدَرًا، وسُنَّتُهُ الأمْرِيَّةُ قَدْ تُبَدَّلُ وتَتَغَيَّرُ كَما يُعْصى أمْرُهُ ويُخالَفُ، وأمّا سُنَّتُهُ القَدَرِيَّةُ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا، كَما لا يُعْصى أمْرُهُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ.
وَيَدْخُلُ في هَذا القِسْمِ التَّحَيُّلُ عَلى جَلْبِ المَنافِعِ وعَلى دَفْعِ المَضارِّ، وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِكُلِّ حَيَوانٍ؛ فَلِأنْواعِ الحَيَواناتِ مِن أنْواعِ الحِيَلِ والمَكْرِ ما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ بَنُو آدَمَ.
وَلَيْسَ كَلامُنا ولا كَلامُ السَّلَفِ في ذَمِّ الحِيَلِ مُتَناوِلًا لِهَذا القِسْمِ. بَلْ العاجِزُ مَن عَجَزَ عَنْهُ، والكَيِّسُ مَن كانَ بِهِ أفْطَنَ وعَلَيْهِ أقْدَرَ، ولا سِيَّما في الحَرْبِ فَإنَّها خَدْعَةٌ. والعَجْزُ كُلُّ العَجْزِ تَرْكُ هَذِهِ الحِيلَةِ. والإنْسانُ مَندُوبٌ إلى اسْتِعاذَتِهِ بِاللَّهِ تَعالى مِن العَجْزِ والكَسَلِ؛ فالعَجْزُ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى الحِيلَةِ النّافِعَةِ. والكَسَلُ عَدَمُ الإرادَةِ لِفِعْلِها؛ فالعاجِزُ لا يَسْتَطِيعُ الحِيلَةَ، والكَسْلانُ لا يُرِيدُها. ومَن لَمْ يَحْتَلْ وقَدْ أمْكَنَتْهُ هَذِهِ الحِيلَةُ أضاعَ فُرْصَتَهُ وفَرَّطَ في مَصالِحِهِ، كَما قالَ:
؎إذا المَرْءُ لَمْ يَحْتَلْ وقَدْ جَدَّ جِدُّهُ ∗∗∗ أضاعَ وقاسى أمْرَهُ وهو مُدْبِرُ
وَفِي هَذا قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الأمْرُ أمْرانِ: أمْرٌ فِيهِ حِيلَةٌ فَلا يُعْجَزُ عَنْهُ، وأمْرٌ لا حِيلَةَ فِيهِ فَلا يُجْزَعُ مِنهُ.
[فَصْلٌ: القِسْمُ الثّالِثُ مِن أنْواعِ الحِيَلِ]
[المِثالُ الأوَّلُ اسْتَأْجَرَ مِنهُ دارًا مُدَّةَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَخافَ أنْ يَغْدِرَ بِهِ المُكْرِي في آخِرِ المُدَّةِ]
فَصْلٌ [الِاحْتِيالُ عَلى الوُصُولِ إلى الحَقِّ بِطَرِيقٍ مُباحَةٍ لَكِنَّها لَمْ تُشْرَعْ لَهُ].
القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَحْتالَ عَلى التَّوَصُّلِ إلى حَقٍّ أوْ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ بِطَرِيقٍ مُباحَةٍ لَمْ تُوضَعْ مُوَصِّلَةً إلى ذَلِكَ، بَلْ وُضِعَتْ لِغَيْرِهِ، فَيَتَّخِذُها هو طَرِيقًا إلى هَذا المَقْصُودِ الصَّحِيحِ، أوْ قَدْ يَكُونُ قَدْ وُضِعَتْ لَهُ لَكِنْ تَكُونُ خَفِيَّةً ولا يَفْطِنُ لَها، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القِسْمِ واَلَّذِي قَبْلَهُ أنَّ الطَّرِيقَ في الَّذِي قَبْلَهُ نُصِبَتْ مُفْضِيَةً إلى مَقْصُودِها ظاهِرًا، فَسالِكُها سالِكٌ لِلطَّرِيقِ المَعْهُودِ، والطَّرِيقُ في هَذا القِسْمِ نُصِبَتْ مُفْضِيَةً إلى غَيْرِهِ فَيَتَوَصَّلُ بِها إلى ما لَمْ تُوضَعْ لَهُ؛ فَهي في الفِعالِ كالتَّعْرِيضِ الجائِزِ في المَقالِ، أوْ تَكُونُ مُفْضِيَةً إلَيْهِ لَكِنْ بِخَفاءٍ، ونَذْكُرُ لِذَلِكَ أمْثِلَةً يُنْتَفَعُ بِها في هَذا البابِ.
المِثالُ الأوَّلُ: إذا اسْتَأْجَرَ مِنهُ دارًا مُدَّةَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَخافَ أنْ يَغْدِرَ بِهِ المُكْرِي في آخِرِ المُدَّةِ ويَتَسَبَّبَ إلى فَسْخِ الإجارَة بِأنْ يَظْهَرَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلايَةُ الإيجارِ أوْ أنَّ المُؤَجَّرَ مِلْكٌ لِابْنِهِ أوْ امْرَأتِهِ أوْ أنَّهُ كانَ مُؤَجَّرًا قَبْلَ إيجارِهِ، ويَتَبَيَّنُ أنَّ المَقْبُوضَ أُجْرَةُ المِثْلِ لِما اسْتَوْفاهُ مِن المُدَّةِ ويَنْتَزِعُ المُؤَجَّرَ لَهُ مِنهُ؛ فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن هَذِهِ الحِيلَةِ أنْ يُضَمِّنَهُ المُسْتَأْجِرُ دَرَكَ العَيْنِ المُؤَجَّرَةِ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، فَإذا اسْتُحِقَّتْ أوْ ظَهَرَتْ الإجارَةُ فاسِدَةً رَجَعَ عَلَيْهِ بِما قَبَضَهُ مِنهُ، أوْ يَأْخُذُ إقْرارَ مَن يَخافُ مِنهُ بِأنَّهُ لا حَقَّ لَهُ في العَيْنِ وأنَّ كُلَّ دَعْوى يَدَّعِيها بِسَبَبِها فَهي باطِلَةٌ، أوْ يَسْتَأْجِرُها مِنهُ بِمِائَةِ دِينارٍ مَثَلًا ثُمَّ يُصارِفَهُ كُلَّ دِينارٍ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، فَإذا طالَبَهُ بِأُجْرَةِ المِثْلِ طالَبَهُ هو بِالدَّنانِيرِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها العَقْدُ، فَإنَّهُ لَمْ يَخَفْ مِن ذَلِكَ، ولَكِنْ يَخافُ أنْ يَغْدِرَ بِهِ في آخِرِ المُدَّةِ، فَلْيُقَسِّطْ مَبْلَغَ الأُجْرَةِ عَلى عَدَدِ السِّنِينَ، ويَجْعَلْ مُعْظَمَها لِلسَّنَةِ الَّتِي يَخْشى غَدْرَهُ فِيها.
وَكَذَلِكَ إذا خافَ المُؤَجِّرُ أنْ يَغْدِرَ المُسْتَأْجِرُ ويَرْحَلَ في آخِرِ المُدَّةِ، فَلْيَجْعَلْ مُعْظَمَ الأُجْرَةِ عَلى المُدَّةِ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها مِن رَحِيلِهِ، والقَدْرَ اليَسِيرَ مِنها لِآخِرِ المُدَّةِ.
[المِثالُ السّابِعُ تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها]
تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها] المِثالُ السّابِعُ: إذا خاصَمَتْهُ امْرَأتُهُ وقالَتْ: قُلْ " كُلُّ جارِيَةٍ أشْتَرِيها فَهي حُرَّةٌ، وكُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ " فالحِيلَةُ في خَلاصِهِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ويَعْنِي بِالجارِيَةِ السَّفِينَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ويُمْسِكُ بِيَدِهِ حَصاةً أوْ خِرْقَةً ويَقُولُ: " فَهي طالِقٌ " فَيَرُدُّ الكِنايَةَ إلَيْها، فَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ وقالَتْ: قُلْ: " كُلُّ رَقِيقَةٍ أوْ أمَةٍ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولْيَعْنِ فَهي حُرَّةُ الخِصالِ غَيْرُ فاجِرَةٍ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ ذَلِكَ لَمْ تُعْتَقْ كَما لَوْ قالَ لَهُ رَجُلٌ: " غُلامُك فاجِرٌ زانٍ " فَقالَ: ما أعْرِفُهُ إلّا حُرًّا عَفِيفًا، ولَمْ يُرِدْ العِتْقَ، لَمْ يُعْتَقْ.
وَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ وقالَتْ: قُلْ: " فَهي عَتِيقَةٌ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولِيَنْوِ ضِدَّ الجَدِيدَةِ، أيْ عَتِيقَةٌ في الرِّقِّ، فَإنْ تَفَقَّهَتْ وقالَتْ: قُلْ: " فَهي مَعْتُوقَةٌ " و: " قَدْ أعْتَقْتها إنْ مَلَكْتها " فَلْيَرُدَّ الكِنايَةَ إلى حَصاةٍ في يَدِهِ أوْ خِرْقَةٍ، فَإنْ لَمْ تَدَعْهُ أنْ يَمْسِكَ شَيْئًا فَلْيَرُدَّها إلى نَفْسِهِ، ويَعْنِي أنْ قَدْ أعْتَقَها مِن النّارِ بِالإسْلامِ، أوْ فَهي حُرَّةٌ لَيْسَتْ رَقِيقَةً لِأحَدٍ، ويَجْعَلُ الكَلامَ جُمْلَتَيْنِ، فَإنْ حَضَرَتْهُ وقالَتْ: قُلْ: " فالجارِيَةُ الَّتِي أشْتَرِيها مَعْتُوقَةٌ " فَلْيُقَيِّدْ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، أوْ مَكان مُعَيَّنٍ في نِيَّتِهِ، ولا يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ، فَإنْ حَضَرَتْهُ وقالَتْ: مِن غَيْرِ تَوْرِيَةٍ ولا كِنايَةٍ ولا نِيَّةٍ تُخالِفُ قَوْلِي، وهَذا آخِرُ التَّشْدِيدِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِن التَّوْرِيَةِ والكِنايَةِ.
وَإنْ قالَ بِلِسانِهِ: " لا أُوَرِّي ولا أُكَنِّي " والتَّوْرِيَةُ والكِنايَةُ في قَلْبِهِ، كَما لَوْ قالَ: " لا أسْتَثْنِي " بِلِسانِهِ ومِن نِيَّتِهِ الِاسْتِثْناءُ، ثُمَّ اسْتَثْنى فَإنَّهُ يَنْفَعُهُ، حَتّى لَوْ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ عَزَمَ عَلَيْهِ واسْتَثْنى نَفَعَهُ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لا مُعارِضَ لَها بِوَجْهٍ في غَيْرِ حَدِيثٍ، كَقَوْلِ المَلَكِ لِسُلَيْمانَ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إلّا الإذْخِرَ» بَعْدَ أنْ ذَكَّرَهُ بِهِ العَبّاسُ، وقَوْلِهِ: «إنْ شاءَ اللَّهُ» بَعْدَ أنْ قالَ: «لَأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثَلاثَ مَرّاتٍ» ثُمَّ قالَ بَعْدَ الثّالِثَةِ وسُكُوتِهِ: «إنْ شاءَ اللَّهُ».
والقُرْآنُ صَرِيحٌ في نَفْعِ الِاسْتِثْناءِ إذا نَسِيَهُ ولَمْ يَنْوِهِ في أوَّلِ كَلامِهِ ولا أثْناءَهُ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]، وهَذا إمّا أنْ يَخْتَصَّ بِالِاسْتِثْناءِ إذا نَسِيَهُ كَما فَسَّرَهُ بِهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، أوْ يَعُمَّهُ ويَعُمَّ غَيْرَهُ وهو الصَّوابُ؛ فَأمّا أنْ يُخْرِجَ مِنهُ الِاسْتِثْناءَ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ ويَرُدَّ إلى غَيْرِهِ فَلا يَجُوزُ، ولِأنَّ الكَلامَ الواحِدَ لا يُعْتَبَرُ في صِحَّتِهِ نِيَّةُ كُلِّ جُمْلَةٍ مِن جُمَلِهِ وبَعْضٍ مِن أبْعاضِهِ؛ فالنَّصُّ والقِياسُ يَقْتَضِي نَفْعَ الِاسْتِثْناءِ، وإنْ خَطَر لَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ الكَلامِ، وهَذا هو الصَّوابُ المَقْطُوعُ بِهِ.
[المِثالُ الثّالِثَ عَشَرَ الحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن طَلاقِ امْرَأتِهِ]
حِيلَةٌ في التَّخَلُّصِ مِن طَلاقِ امْرَأتِهِ]
المِثالُ الثّالِثَ عَشَرَ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: " الطَّلاقُ يَلْزَمُنِي لا تَقُولِينَ لِي شَيْئًا إلّا قُلْت لَك مِثْلَهُ " فَقالَتْ لَهُ: أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا.
فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن أنْ يَقُولَ لَها مِثْلَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَها: قُلْت لِي: أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا.
قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: وفي هَذِهِ الحِيلَةِ نَظَرٌ لا يَخْفى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَها مِثْلَ ما قالَتْ لَهُ، وإنَّما حَكى كَلامَها مِن غَيْرِ أنْ يَقُولَ لَها نَظِيرَهُ. ولَوْ أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا فَقالَ لَهُ المَسْبُوبُ: " أنْتِ قُلْت لِي كَذا وكَذا " لَمْ يَكُنْ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أحَدٍ، لا لُغَةً ولا عُرْفًا؛ فَهَذِهِ الحِيلَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: الحِيلَةُ أنْ يَقُولَ لَها: " أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا " - بِفَتْحِ التّاءِ - فَلا تَطْلُقُ، وهَذا نَظِيرُ ما قالَتْ لَهُ سَواءٌ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ أقْرَبَ مِن الأُولى؛ فَإنَّ المَفْهُومَ المُتَعارَفَ لُغَةً وعَقْلًا وعُرْفًا مِن الرَّدِّ عَلى المَرْأةِ أنْ يُخاطِبَها خِطابَ المُؤَنَّثِ، فَإذا خاطَبَها خِطابَ المُذَكَّرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَدًّا ولا جَوابًا، ولَوْ فُرِضَ أنَّهُ رَدٌّ لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ الطَّلاقِ بِالمُواجَهَةِ وإنْ فَتَحَ التّاءَ، كَأنَّهُ قالَ: أيُّها الشَّخْصُ أوْ الإنْسانُ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: الحِيلَةُ في ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا إنْ شاءَ اللَّهُ، أوْ إنْ كَلَّمْت السُّلْطانَ، أوْ إنْ سافَرْت، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيَكُونَ قَدْ قالَ لَها نَظِيرَ ما قالَتْ، ولا يَضُرُّهُ زِيادَةُ الشَّرْطِ، وهَذِهِ الحِيلَةُ أقْرَبُ مِن الَّتِي قَبْلَها، ولَكِنْ في كَوْنِ المُتَكَلِّمِ بِها رادًّا أوْ مُجِيبًا نَظَرٌ لا يَخْفى؛ لِأنَّ الشَّرْطَ وإنْ تَضَمَّنَ زِيادَةً في الكَلامِ لَكِنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ نَظِيرًا لِكَلامِها، ومِثْلًا لَهُ، وهو إنّما حَلَفَ أنْ يَقُولَ لَها مِثْلَ ما قالَتْ لَهُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لَيْسَتْ مِثْلَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، بَلْ الشَّرْطُ يَدْخُلُ عَلى الكَلامِ التّامِّ فَيُصَيِّرُهُ ناقِصًا يَحْتاجُ إلى الجَوابِ، ويَدْخُلُ عَلى الخَبَرِ فَيَقْلِبُهُ إنْشاءً، ويُغَيِّرُ صُورَةَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ ومَعْناها، ولَوْ قالَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ: " لَعَنَك اللَّهُ "، فَقالَ لَهُ: " لَعَنَك اللَّهُ إنْ بَدَّلْت دِينَك أوْ ارْتَدَدْت عَنْ الإسْلامِ " لَمْ يَكُنْ سابًّا لَهُ.
وَلَوْ قالَ لَهُ: " يا زانٍ " فَقالَ: " بَلْ أنْتَ زانٍ إنْ وطِئْت فَرْجًا حَرامًا " لَمْ يَكُنْ الثّانِي قاذِفًا لَهُ. ولَوْ بَذَلَتْ لَهُ مالًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها، فَقالَ: أنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْت السُّلْطانَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ المالَ، ولَمْ يَكُنْ مُطَلِّقًا.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: لا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والحالِفُ لَمْ تَدْخُلْ هَذِهِ الصُّورَةُ في عُمُومِ كَلامِهِ، وإنْ دَخَلَتْ فَهي مِن المَخْصُوصِ بِالعُرْفِ والعادَةِ والعَقْلِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَذِهِ الصُّورَةَ قَطْعًا، ولا خَطَرَتْ بِبالِهِ، ولا تَناوَلَها لَفْظُهُ؛ فَإنَّهُ إنّما تَناوَلَ لَفْظُهُ القَوْلَ الَّذِي يَصِحُّ " أنْتِ امْرَأتِي " وبِمَنزِلَةِ قَوْلِ الأمَةِ لِسَيِّدِها: " أنْتِ أمَتِي وجارِيَتِي " ونَحْوِ هَذا مِن الكَلامِ اللَّغْوِ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ لَفْظِ الحالِفِ ولا إرادَتِهِ، أمّا عَدَمُ دُخُولِهِ تَحْتَ إرادَتِهِ فَلا إشْكالَ فِيهِ، وأمّا عَدَمُ تَناوُلِ لَفْظِهِ لَهُ؛ فَإنَّ اللَّفْظَ العامَّ إنّما يَكُونُ عامًّا فِيما يَصْلُحُ لَهُ وفِيما سِيقَ لِأجْلِهِ.
وَهَذا أقْوى مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، وغايَتُهُ تَخْصِيصُ العامِّ بِالعُرْفِ والعادَةِ، وهَذا أقْرَبُ لُغَةً وعُرْفًا وعَقْلًا وشَرْعًا مِن جَعْلِ ما تَقَدَّمَ مُطابِقًا ومُماثِلًا لِكَلامِها مِثْلَهُ، فَتَأمَّلْهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
[المِثالُ الرّابِعَ عَشَرَ الإحْرامُ وقَدْ ضاقَ الوَقْتُ]
[الإحْرامُ وقَدْ ضاقَ الوَقْتُ]
المِثالُ الرّابِعَ عَشَرَ: إذا خافَ الرَّجُلُ لِضِيقِ الوَقْتِ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ فَيَفُوتَهُ فَيَلْزَمَهُ القَضاءُ ودَمُ الفَواتِ؛ فالحِيلَةُ أنْ يُحْرِمَ إحْرامًا مُطْلَقًا ولا يُعَيِّنَهُ؛ فَإنْ اتَّسَعَ لَهُ الوَقْتُ جَعَلَهُ حَجًّا أوْ قِرانًا أوْ تَمَتُّعًا، وإنْ ضاقَ عَلَيْهِ الوَقْتُ جَعَلَهُ عُمْرَةً، ولا يَلْزَمُهُ غَيْرُها.
[المِثالُ الخامِسَ عَشَرَ مَن جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ]
[مَن جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ]
المِثالُ الخامِسَ عَشَرَ: إذا جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ الإحْرامُ ودَمٌ لِمُجاوَزَتِهِ لِلْمِيقاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فالحِيلَةُ في سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ أنْ لا يُحْرِمَ مِن مَوْضِعِهِ، بَلْ يَرْجِعَ إلى المِيقاتِ فَيُحْرِمَ مِنهُ؛ فَإنْ أحْرَمَ مِن مَوْضِعِهِ لَزِمَهُ الدَّمُ، ولا يَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ إلى المِيقاتِ.
[المِثال السّادِسَ عَشْر الحِيلَة لِلْبِرِّ في يَمِينٍ]
[حِيلَةٌ لِلْبِرِّ في يَمِينٍ]
المِثالُ السّادِسَ عَشَرَ: إذا سُرِقَ لَهُ مَتاعٌ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ لَمْ تُخْبِرِينِي مَن أخَذَهُ فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، والمَرْأةُ لا تَعْلَمُ مَن أخَذَهُ.
فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن هَذِهِ اليَمِينِ أنْ تَذْكُرَ الأشْخاصَ الَّتِي لا يَخْرُجُ المَأْخُوذُ عَنْهُمْ، ثُمَّ تُفْرِدَ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ، وتَقُولَ: هو أخَذَهُ؛ فَإنَّها تَكُونُ مُخْبِرَةً عَنْ الآخِذِ وعَنْ غَيْرِهِ فَيَبَرُّ في يَمِينِهِ ولا تَطْلُقُ.
[المِثالُ الثّانِي والأرْبَعُونَ الحِيلَةُ في عَدَمِ حِنْثِ الحالِفِ]
[حِيلَةٌ في عَدَمِ حِنْثِ الحالِفِ]
المِثالُ الثّانِي والأرْبَعُونَ: إذا اسْتُحْلِفَ عَلى شَيْءٍ، فَأحَبَّ أنْ يَحْلِفَ ولا يَحْنَثَ؛ فالحِيلَةُ أنْ يُحَرِّكَ لِسانَهُ بِقَوْلِ: " إنْ شاءَ اللَّهُ " وهَلْ يُشْتَرَطُ أنْ يُسْمِعَها نَفْسَهُ؟ فَقِيلَ: لا بُدَّ أنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وقالَ شَيْخُنا: هَذا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ مَتى حَرَّكَ لِسانَهُ بِذَلِكَ كانَ مُتَكَلِّمًا، وإنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ، وهَكَذا حُكْمُ الأقْوالِ الواجِبَةِ والقِراءَةِ الواجِبَةِ، قُلْت: وكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُطْبِقُ شَفَتَيْهِ ويُحَرِّكُ لِسانَهُ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ذاكِرًا، وإنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ؛ فَإنَّهُ لا حَظَّ لِلشَّفَتَيْنِ في حُرُوفِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، بَلْ كُلُّها حَلْقِيَّةٌ لِسانِيَّةٌ؛ فَيُمْكِنُ الذّاكِرُ أنْ يُحَرِّكَ لِسانَهُ بِها ولا يُسْمِعَ نَفْسَهُ ولا أحَدًا مِن النّاسِ، ولا تَراهُ العَيْنُ يَتَكَلَّمُ، وهَكَذا التَّكَلُّمُ يَقُولُ: " إنْ شاءَ اللَّهُ " يُمْكِنُ مَعَ إطْباقِ الفَمِ؛ فَلا يَسْمَعُهُ أحَدٌ ولا يَراهُ، وإنْ أطْبَقَ أسْنانَهُ وفَتَحَ شَفَتَيْهِ أدْنى شَيْءٍ سَمِعَتْهُ أُذُناهُ بِجُمْلَتِهِ.
[حِيلَةٌ في إبْطالِ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنى]
المِثالُ الخامِسُ والخَمْسُونَ: إذا رَفَعَ إلى الإمامِ وادَّعى عَلَيْهِ أنَّهُ زَنى، فَخافَ إنْ أنْكَرَ أنْ تَقُومَ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ فَيُحَدَّ؛ فالحِيلَةُ في إبْطالِ شَهادَتِهِمْ أنْ يُقِرَّ إذا سُئِلَ مَرَّةً واحِدَةً، ولا يَزِيدَ عَلَيْها؛ فَلا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ مَعَ الإقْرارِ، ولَيْسَ لِلْحاكِمِ ولا لِلْإمامِ أنْ يُقَرِّرَهُ تَمامَ النِّصابِ، بَلْ إذا سَكَتَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ؛ فَإنْ كانَ الإمامُ مِمَّنْ يَرى وُجُوبَ الحَدِّ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ؛ فالحِيلَةُ أنْ يَرْجِعَ عَنْ إقْرارِهِ فَيَسْقُطَ عَنْهُ الحَدُّ؛ فَإذا خافَ مِن إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلَيْهِ أقَرَّ أيْضًا ثُمَّ رَجَعَ، وهَكَذا أبَدًا، وهَذِهِ الحِيلَةُ جائِزَةٌ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ الحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ، وأنْ يُخْلِدَ إلى التَّوْبَةِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّحابَةِ لَمّا فَرَّ ماعِزٌ مِن الحَدِّ: «هَلّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» فَإذا فَرَّ مِن الحَدِّ إلى التَّوْبَةِ فَقَدْ أحْسَنَ.
[المِثالُ السّادِسُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في الخَلاصِ مِن الحِنْثِ]
[حِيلَةٌ في الخَلاصِ مِن الحِنْثِ]
المِثالُ السّادِسُ والخَمْسُونَ: إذا حَلَفَ لِغادِرٍ أوْ جاسُوسٍ أوْ سارِقٍ أنْ لا يُخْبِرَ بِهِ أحَدًا، ولا يَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَأرادَ التَّخَلُّصَ مِن هَذِهِ اليَمِينِ وأنْ لا يُخْفِيَهُ؛ فالحِيلَةُ أنْ يَسْألَ عَنْ أقْوامٍ هو مِن جُمْلَتِهِمْ؛ فَإذا سُئِلَ عَنْ غَيْرِهِ قالَ: لا، فَإذا انْتَهَتْ النَّوْبَةُ إلَيْهِ سَكَتَ؛ فَإنَّهُ لا يَحْنَثُ ولا يَأْثَمُ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ وإيوائِهِ، وسُئِلَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَيْنِها، قالَ لَهُ السّائِلُ: نَزَلَ بِي اللُّصُوصُ؛ فَأخَذُوا مالِي واسْتَحْلَفُونِي بِالطَّلاقِ ألّا أُخْبِرَ أحَدًا بِهِمْ؛ فَخَرَجْت فَرَأيْتُهم يَبِيعُونَ مَتاعِي في السُّوقِ جَهْرَةً، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى الوالِي فَقُلْ لَهُ يَجْمَعُ أهْلَ المَحَلَّةِ أوْ السِّكَّةِ الَّذِينَ هم فِيهِ ثُمَّ يُحْضِرُهم ثُمَّ يَسْألُك عَنْهم واحِدًا واحِدًا؛ فَإذا سَألَك عَمَّنْ لَيْسَ مِنهُمْ، فَقُلْ: لَيْسَ مِنهُمْ، وإذا سَألَك عَمَّنْ هو مِنهم فاسْكُتْ؛ فَفَعَلَ الرَّجُلُ؛ فَأخَذَ الوالِي مَتاعَهُ مِنهُمْ، وسَلَّمَهُ إلَيْهِ؛ فَلَوْ عُمِلَتْ هَذِهِ الحِيلَةُ مَعَ مَظْلُومٍ لَمْ تَنْفَعْ، وحَنِثَ الحالِفُ؛ فَإنَّ المَقْصُودَ الدَّفْعُ عَنْهُ، وبِالسُّكُوتِ قَدْ أعانَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ.
[المِثالُ السّابِعُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في بِرِّ زَوْجٍ وزَوْجَتِهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنهُما]
[حِيلَةٌ في بِرِّ زَوْجٍ وزَوْجَتِهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنهُما]
المِثالُ السّابِعُ والخَمْسُونَ: ما سُئِلَ عَنْهُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ امْرَأةٍ قالَ لَها زَوْجُها: أنْتِ طالِقٌ إذا سَألْتَينِي الخُلْعَ إنْ لَمْ أخْلَعْك، وقالَتْ المَرْأةُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ إنْ لَمْ أسْألْك الخَلْع اليَوْمَ؛ فَجاءَ الزَّوْجُ إلى أبِي حَنِيفَةَ فَقالَ: أحْضِرْ المَرْأةَ؛ فَأحْضَرَها، فَقالَ لَها أبُو حَنِيفَةَ: سَلِيهِ الخُلْعَ، فَقالَتْ: سَألَتْك أنْ تَخْلَعَنِي، فَقالَ لَهُ أبُو حَنِيفَةَ: قُلْ لَها قَدْ خَلَعْتُك عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ تُعْطِينِيها، فَقالَ لَها ذَلِكَ، فَقالَ لَها قَوْلِي: لا أقْبَلُ، فَقالَتْ: لا أقْبَلُ، فَقالَ: قَوْمِي مَعَ زَوْجِك فَقَدْ بَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ولَمْ يَحْنَثْ في شَيْءٍ، ذَكَرَها مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في كِتابِ الحِيَلِ لَهُ.
وَإنَّما تَتِمُّ هَذِهِ الحِيلَةُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ فَلَوْ قالَتْ لَهُ: " أسْألُك الخُلْعَ عَلى ألْفٌ دِرْهَمٍ حالَّةً، أوْ إلى شَهْرٍ " فَقالَ: " قَدْ خَلَعْتُك عَلى ذَلِكَ " وقَعَ الخُلْعُ؛ بِخِلافِ ما إذا قالَتْ لَهُ: " اخْلَعْنِي " قالَ: " خَلَعْتُك عَلى ألْفٍ " فَإنَّ هَذا لا يَكُونُ خُلْعًا حَتّى تَقْبَلَ وتَرْضى، وهي لَمْ تَرْضَ بِالألْفِ؛ فَلا يَقَعُ الخُلْعُ.
[فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ إذًا لَمْ يَقَعْ الخُلْعُ؟]
قِيلَ: هو إنّما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ لا عَلى قَبُولِها؛ فَإذا قالَ: " قَدْ خَلَعْتُك عَلى ألْفٍ " فَقَدْ وُجِدَ الخُلْعُ مِن جِهَتِهِ؛ فانْحَلَّتْ يَمِينُهُ، ولَمْ يَقِفْ حَلُّ اليَمِينِ عَلى قَبُولِها، كَما إذا حَلَفَ لا يَبِيعُ، فَباعَ، ولَمْ يَقْبَلْ المُشْتَرِي، ولا بَيِّنَةَ لَهُ؛ فَإنَّهُ يَحْنَثُ.
[المِثالُ الثّامِنُ والخَمْسُونَ أخَوانِ زُفَّتْ لِكُلٍّ مِنهُما زَوْجَةُ الآخَرِ]
[أخَوانِ زُفَّتْ لِكُلٍّ مِنهُما زَوْجَةُ الآخَرِ]
المِثالُ الثّامِنُ والخَمْسُونَ: ما ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ في كِتابِهِ أيْضًا عَنْهُ أتاهُ أخَوانِ قَدْ تَزَوَّجا بِأُخْتَيْنِ؛ فَزُفَّتْ كُلُّ امْرَأةٍ مِنهُما إلى زَوْجِ أُخْتِها؛ فَدَخَلَ بِها ولَمْ يَعْلَمْ، ثُمَّ عَلِمَ الحالَ لَمّا أصْبَحا؛ فَذَكَرا لَهُ ذَلِكَ، وسَألاهُ المَخْرَجَ، فَقالَ لَهُما: كُلٌّ مِنكُما راضٍ بِاَلَّتِي دَخَلَ بِها؟ فَقالا: نَعَمْ، فَقالَ: لِيُطَلِّقْ كُلٌّ مِنكُما امْرَأتَهُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْها تَطْلِيقَةً؛ فَفَعَلا، فَقالَ: لِيَعْقِدْ كُلٌّ مِنكُما عَلى المَرْأةِ الَّتِي دَخَلَ بِها، فَفَعَلا، فَقالَ: لِيَمْضِ كُلٌّ مِنكُما إلى أهْلِهِ، وهَذِهِ الحِيلَةُ في غايَةِ اللُّطْفِ؛ فَإنَّ المَرْأةَ الَّتِي دَخَلَ بِها كُلٌّ مِنهُما قَدْ وطِئَها بِشُبْهَةٍ؛ فَلَهُ أنْ يَنْكِحَها في عِدَّتِها؛ فَإنَّهُ لا يُصانُ ماؤُهُ عَنْ مائِهِ، وأمَرَهُ أنْ يُطَلِّقَ واحِدَةً فَإنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِاَلَّتِي طَلَّقَها فالواحِدَةُ تُبِينُها، ولا عِدَّةَ عَلَيْها مِنهُ، فَلِلْآخَرِ أنْ يَتَزَوَّجَها.
[المِثالُ التّاسِعُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في تَخَلُّصِ المَرْأة مِن الزَّوْجِ الَّذِي لا تَرْضى بِهِ]
حِيلَةٌ في تَخَلُّصِ المَرْأةِ مِن الزَّوْجِ الَّذِي لا تَرْضى بِهِ]
المِثالُ التّاسِعُ والخَمْسُونَ: إذا تَزَوَّجَتْ المَرْأةُ وخافَتْ أنْ يُسافِرَ عَنْها الزَّوْجُ ويَدَعَها أوْ يُسافِرَ بِها ولا تُرِيدُ الخُرُوجَ مِن دارِها أوْ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها أوْ يَتَسَرّى أوْ يَشْرَبَ المُسْكِرَ أوْ يَضْرِبَها مِن غَيْرِ جُرْمٍ أوْ يَتَبَيَّنَ فَقِيرًا وقَدْ ظَنَّتْهُ غَنِيًّا أوْ مَعِيبًا وقَدْ ظَنَّتْهُ سَلِيمًا أوْ أُمِّيًّا وقَدْ ظَنَّتْهُ قارِئًا أوْ جاهِلًا وقَدْ ظَنَّتْهُ عالِمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلا يُمْكِنُها التَّخَلُّصُ، فالحِيلَةُ لَها في ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَتى وُجِدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَأمْرُها بِيَدِها، إنْ شاءَتْ أقامَتْ مَعَهُ وإنْ شاءَتْ فارَقَتْهُ، وتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإنْ خافَتْ أنْ لا تَشْتَرِطَ ذَلِكَ بَعْدَ لُزُومِ العَقْدِ فَلا يُمْكِنُها إلْزامُهُ بِالشَّرْطِ فَلا تَأْذَنُ لِوَلِيِّها أنْ يُزَوِّجَها مِنهُ إلّا عَلى هَذا الشَّرْطِ، فَيَقُولَ: زَوَّجْتُكُما عَلى أنَّ أمْرَها بِيَدِها إنْ كانَ الأمْرُ كَيْتَ وكَيْتَ؛ فَمَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ مَلَكَتْ تَطْلِيقَ نَفْسِها، ولا بَأْسَ بِهَذِهِ الحِيلَةِ، فَإنَّ المَرْأةَ تَتَخَلَّصُ بِها مِن نِكاحِ مَن لَمْ تَرْضَ بِنِكاحِهِ، وتَسْتَغْنِي بِها عَنْ رَفْعِ أمْرِها إلى الحاكِمِ لِيَفْسَخَ نِكاحَها بِالغَيْبَةِ والإعْسارِ ونَحْوِهِما.
[المِثالُ الحادِي والسِّتُّونَ الحِيلَةُ في الخَلاصِ مِمّا سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ]
[حِيلَةٌ في الخَلاصِ مِمّا سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ]
المِثالُ الحادِي والسِّتُّونَ: إذا سَبَقَ لِسانُهُ بِما يُؤاخَذُ بِهِ في الظّاهِرِ ولَمْ يُرِدْ مَعْناهُ، أوْ أرادَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وتابَ مِنهُ، أوْ خافَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ شُهُودُ زُورٍ ولَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، فَرُفِعَ إلى الحاكِمِ وادُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ، فَإنْ أنْكَرَ شَهِدُوا عَلَيْهِ، وإنْ أقَرَّ حَكَمَ عَلَيْهِ، ولا سِيَّما إنْ كانَ لا يَرى قَبُولَ التَّوْبَةِ مِن ذَلِكَ، فالحِيلَةُ في الخَلاصِ أنْ لا يُقِرَّ بِهِ ولا يُنْكِرَ، فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ، بَلْ يَكْفِيه في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَقَدْ رَجَعْت عَنْهُ، وأنا تائِبٌ إلى اللَّهِ مِنهُ " ولَيْسَ لِلْحاكِمِ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: لا أكْتَفِي مِنك بِهَذا الجَوابِ، بَلْ لا بُدَّ مِن الإقْرارِ أوْ الإنْكارِ، فَإنَّ هَذا جَوابٌ كافٍ في مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى، وتَكْلِيفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ خُطَّةَ الخَسْفِ بِالإقْرارِ - وقَدْ يَكُونُ كاذِبًا فِيهِ، أوْ الإنْكارِ وقَدْ تابَ مِنهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الشُّهُودُ - ظُلْمٌ وباطِلٌ؛ فَلا يَحِلُّ لِلْحاكِمِ أنْ يَسْألَهُ بَعْدَ هَذا هَلْ وقَعَ مِنك ذَلِكَ أوْ لَمْ يَقَعْ؟ بَلْ أبْلَغُ مِن هَذا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَقالَ: " لَمْ أزَلْ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ لا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُنْذُ عَقَلْت وإلى الآنَ " لَمْ يُسْتَكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ، ولَمْ يُسْألْ لا هو ولا الشُّهُودُ عَنْ سَبَبِ رِدَّتِهِ، كَما ذَكَرَهُ الخِرَقِيِّ في مُخْتَصَرِهِ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ، فَإذا ادَّعى عَلَيْهِ بِأنَّهُ قالَ كَذا وكَذا فَقالَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَأنا تائِبٌ إلى اللَّهِ مِنهُ " أوْ " قَدْ تُبْت مِنهُ " فَقَدْ اكْتُفِيَ مِنهُ بِهَذا الجَوابِ، ولَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
[المِثالُ الثّانِي والثَّمانُونَ حِيلَةٌ في عَدَمِ الحِنْثِ في يَمِينٍ]
[حِيلَةٌ في عَدَمِ الحِنْثِ في يَمِينٍ]
المِثالُ الثّانِي والثَّمانُونَ: لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلاقِ أنَّهُ لا يَضْمَنُ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا فَحَلَفَ آخَرُ بِالطَّلاقِ أنْ لا بُدَّ أنْ تَضْمَنَ عَنِّي؛ فالحِيلَةُ في أنْ يَضْمَنَ عَنْهُ، ولا يَحْنَثُ، أنْ يُشارِكَهُ ويَشْتَرِيَ مَتاعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ شَرِيكِهِ.
قالَ القاضِي: فَإنَّهُ يَضْمَنُ عَنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ الثَّمَنِ، ولا يَحْنَثُ الحالِفُ في يَمِينِهِ؛ لِأنَّ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَقْدُ الضَّمانِ، وما يَلْزَمُهُ في مَسْألَتِنا لا يَلْزَمُهُ بِعَقْدِ الضَّمانِ، وإنَّما يَلْزَمُهُ بِالوَكالَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن الشَّرِيكَيْنِ وكِيلُ صاحِبِهِ فِيما يَشْتَرِيهِ، فَلِهَذا لَمْ يَحْنَثْ في يَمِينِهِ، فَإنْ كانَتْ بِحالِها، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ شَرِكَةٌ، لَكِنَّهُ وكَّلَهُ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ فاشْتَراها لَمْ يَحْنَثْ أيْضًا لِما بَيَّنّا.
[المِثالُ الرّابِعُ والثَّمانُونَ تَحَيُّلُ المَظْلُومِ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِلظّالِمِ]
[تَحَيُّلُ المَظْلُومِ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِلظّالِمِ]
المِثالُ الرّابِعُ والثَّمانُونَ: لا بَأْسَ لِلْمَظْلُومِ أنْ يَتَحَيَّلَ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِظالِمِهِ، والدُّعاءِ عَلَيْهِ والأخْذِ مِن عِرْضِهِ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ؛ إذْ لَعَلَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن الإقامَةِ عَلى ظُلْمِهِ، وهَذا كَما لَوْ أخَذَ مالَهُ فَلَبِسَ أرَثَّ الثِّيابِ بَعْدَ أحْسَنِها، وأظْهَرَ البُكاءَ والنَّحِيبَ والتَّأوُّهَ، أوْ آذاهُ في جِوارِهِ فَخَرَجَ مِن دارِهِ، وطَرَحَ مَتاعَهُ عَلى الطَّرِيقِ، أوْ أخَذَ دابَّتَهُ فَطَرَحَ حِمْلَهُ عَلى الطَّرِيقِ وجَلَسَ يَبْكِي، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذا مِمّا يَدْعُو النّاسَ إلى لَعْنِ الظّالِمِ لَهُ وسَبِّهِ والدُّعاءِ عَلَيْهِ، وقَدْ أرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ المَظْلُومَ بِأذى جارِهِ لَهُ إلى نَحْوِ ذَلِكَ، فَفي السُّنَنِ ومُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن جارِهِ، فَقالَ: اذْهَبْ فاصْبِرْ، فَأتاهُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَقالَ: اذْهَبْ فاطْرَحْ مَتاعَك في الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتاعَهُ في الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النّاسُ يَسْألُونَهُ فَيُخْبِرُهم خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وفَعَلَ، فَجاءَ إلَيْهِ جارُهُ فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ لا تَرى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ» هَذا لَفْظُ أبِي داوُد.
[المِثالُ الخامِسُ والثَّمانُونَ مِن لَطائِفِ حِيَلِ أبِي حَنِيفَةَ]
[مِن لَطائِفِ حِيَلِ أبِي حَنِيفَةَ]
المِثالُ الخامِسُ والثَّمانُونَ: ما ذُكِرَ في مَناقِبِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - أنَّ رَجُلًا أتاهُ بِاللَّيْلِ فَقالَ: أدْرِكْنِي قَبْلَ الفَجْرِ، وإلّا طَلَّقْت امْرَأتِي، فَقالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: تَرَكَتْ اللَّيْلَةَ كَلامِي، فَقُلْت لَها: إنْ طَلَعَ الفَجْرُ، ولَمْ تُكَلِّمِينِي فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، وقَدْ تَوَسَّلْت إلَيْها بِكُلِّ أمْرٍ أنْ تُكَلِّمَنِي فَلَمْ تَفْعَلْ، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ فَمُرْ مُؤَذِّنَ المَسْجِدِ أنْ يَنْزِلَ فَيُؤَذِّنَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلَعَلَّها إذا سَمِعَتْهُ أنْ تُكَلِّمَك، واذْهَبْ إلَيْها وناشِدْها أنْ تُكَلِّمَك قَبْلَ أنْ يُؤَذِّنَ المُؤَذِّنُ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ، وجَلَسَ يُناشِدُها، وأذَّنَ المُؤَذِّنُ، فَقالَتْ: قَدْ طَلَعَ الفَجْرُ وتَخَلَّصْت مِنك، فَقالَ: قَدْ كَلَّمْتِنِي قَبْلَ الفَجْرِ وتَخَلَّصْت مِن اليَمِينِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الحِيَلِ.
[حِيلَةٌ أُخْرى لَهُ]
المِثالُ السّادِسُ والثَّمانُونَ: قالَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ: كانَ في جِوارِ أبِي حَنِيفَةَ فَتًى يَغْشى مَجْلِسَهُ، فَقالَ لَهُ يَوْمًا: إنِّي أُرِيدُ التَّزَوُّجَ بِامْرَأةٍ، وقَدْ طَلَبُوا مِنِّي مِن المَهْرِ فَوْقَ طاقَتِي، وقَدْ تَعَلَّقْت بِالمَرْأةِ، فَقالَ لَهُ: أعْطِهِمْ ما طَلَبُوا مِنك، فَفَعَلَ، فَلَمّا عَقَدَ العَقْدَ جاءَ إلَيْهِ فَقالَ: قَدْ طَلَبُوا مِنِّي المَهْرَ، فَقالَ: احْتَلْ واقْتَرِضْ وأعْطِهِمْ فَفَعَلَ، فَلَمّا دَخَلَ بِأهْلِهِ قالَ: إنِّي أخافُ المُطالَبِينَ بِالدَّيْنِ، ولَيْسَ عِنْدِي ما أُوَفِّيهِمْ، فَقالَ: أظْهِرْ أنَّك تُرِيدُ سَفَرًا بَعِيدًا، وأنَّك تُرِيدُ الخُرُوجَ بِأهْلِك، فَفَعَلَ، واكْتَرى جِمالًا، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المَرْأةِ، وأوْلِيائِها، فَجاءُوا إلى أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَسَألُوهُ، فَقالَ: لَهُ أنْ يَذْهَبَ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ، فَقالُوا: نَحْنُ نُرْضِيهِ ونَرُدُّ إلَيْهِ ما أخَذْناهُ مِنهُ، ولا يُسافِرُ، فَلَمّا سَمِعَ الزَّوْجُ طَمِعَ فَقالَ: لا واللَّهِ حَتّى يَزِيدُونِي، فَقالَ لَهُ: إنْ رَضِيت بِهَذا، وإلّا أقَرَّتْ المَرْأةُ أنَّ عَلَيْها دَيْنًا لِرَجُلٍ، فَلا يُمْكِنُك أنْ تُخْرِجَها حَتّى تُوَفِّيَهُ فَقالَ: بِاللَّهِ لا يَسْمَعُ أهْلُ المَرْأةِ ذَلِكَ مِنك، أنا أرْضى بِاَلَّذِي أعْطَيْتهمْ.
[فصل: الحِيَلُ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ]
وَحِيَلُ هَذا البابِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: حِيلَةٌ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ والمَكْرِ حَتّى لا يَقَعَ، وحِيلَةٌ عَلى رَفْعِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وحِيلَةٌ عَلى مُقابَلَتِهِ بِمِثْلِهِ حَيْثُ لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ؛ فالنَّوْعانِ الأوَّلانِ جائِزانِ، وفي الثّالِثِ تَفْصِيلٌ، فَلا يُمْكِنُ القَوْلُ بِجَوازِهِ عَلى الإطْلاقِ، ولا بِالمَنعِ مِنهُ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ إنْ كانَ المُتَحَيَّلُ بِهِ حَرامًا لِحَقِّ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، كَما لَوْ جَرَّعَهُ الخَمْرَ أوْ زَنى بِحُرْمَتِهِ، وإنْ كانَ حَرامًا؛ لِكَوْنِهِ ظُلْمًا لَهُ في مالِهِ، وقَدَرَ عَلى ظُلْمِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَهي مَسْألَةُ الظَّفَرِ، وقَدْ تَوَسَّعَ فِيها قَوْمٌ حَتّى أفْرَطُوا وجَوَّزُوا قَلْعَ البابِ، ونَقْبَ الحائِطِ وخَرْقَ السَّقْفِ، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ لِمُقابَلَتِهِ بِأخْذِ نَظِيرِ مالِهِ، ومَنَعَها قَوْمٌ بِالكُلِّيَّةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ أوْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَسْتَوْفِيَ مِنهُ قَدْرَ حَقِّهِ إلّا بِإعْلامِهِ بِهِ، وتَوَسَّطَ آخَرُونَ وقالُوا: إنْ كانَ سَبَبُ الحَقِّ ظاهِرًا كالزَّوْجِيَّةِ والأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ ومِلْكِ اليَمِينِ المُوجِبِ لِلْإنْفاقِ فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ مِن غَيْرِ إعْلامِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا كالقَرْضِ وثَمَنِ المَبِيعِ، ونَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الأخْذُ إلّا بِإعْلامِهِ، وهَذا أعْدَلُ الأقْوالِ في المَسْألَةِ، وعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَّةُ دَلالَةً صَرِيحَةً؛ والقائِلُونَ بِهِ أسْعَدُ بِها، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَإنْ كانَ بَهْتًا لَهُ وكَذِبًا عَلَيْهِ أوْ قَذْفًا لَهُ أوْ شَهادَةً عَلَيْهِ بِالزُّورِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، وإنْ كانَ دُعاءً عَلَيْهِ أوْ لَعْنًا أوْ مَسَبَّةً فَلَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، وإنْ مَنَعَهُ كَثِيرٌ مِن النّاسِ، وإنْ كانَ إتْلافُ مالٍ لَهُ فَإنْ كانَ مُحْتَرَمًا كالعَبْدِ والحَيَوانِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ فَإنْ خافَ تَعَدِّيَهُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ كَما لَوْ حَرَقَ دارِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَحْرِقَ دارِهِ، وإنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ - بَلْ كانَ يَفْعَلُ بِهِ نَظِيرَ ما فَعَلَ بِهِ سَواءٌ كَما لَوْ قَطَعَ شَجَرَتَهُ أوْ كَسَرَ إناءَهُ أوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طائِرِهِ أوْ حَلَّ وِكاءَ مائِعٍ لَهُ أوْ أرْسَلَ الماءَ عَلى مِسْطاحِهِ فَذَهَبَ بِما فِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأمْكَنَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِ ما فَعَلَ سَواءٌ - فَهَذا مَحَلُّ اجْتِهادٍ لَمْ يَدُلَّ عَلى المَنعِ مِنهُ كِتابٌ، ولا سُنَّةٌ، ولا إجْماعٌ، ولا قِياسٌ صَحِيحٌ، بَلْ الأدِلَّةُ المَذْكُورَةُ تَقْتَضِي جَوازَهُ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في أوَّلِ الكِتابِ.
وَكانَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُرَجِّحُ هَذا ويَقُولُ: هو أوْلى بِالجَوازِ مِن إتْلافِ طَرَفِهِ بِطَرَفِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الطلاق 65:4
[ذِكْرُ حُكْمِهِ ﷺ في العِدَدِ]
[عِدَّةُ الحامِلِ]
هَذا البابُ قَدْ تَوَلّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَيانَهُ في كِتابِهِ أتَمَّ بَيانٍ، وأوْضَحَهُ، وأجْمَعَهُ بِحَيْثُ لا تَشِذُّ عَنْهُ مُعْتَدَّةٌ، فَذَكَرَ أرْبَعَةَ أنْواعٍ مِنَ العِدَدِ، وهي جُمْلَةُ أنْواعِها.
النَّوْعُ الأوَّلُ: عِدَّةُ الحامِلِ بِوَضْعِ الحَمْلِ مُطْلَقًا بائِنَةً كانَتْ أوْ رَجْعِيَّةً، مُفارِقَةً في الحَياةِ، أوْ مُتَوَفًّى عَنْها، فَقالَ: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
وَهَذا فِيهِ عُمُومٌ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ.
أحَدُها: عُمُومُ المُخْبَرِ عَنْهُ، وهو أُولاتُ الأحْمالِ، فَإنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَهُنَّ.
الثّانِي: عُمُومُ الأجَلِ، فَإنَّهُ أضافَهُ إلَيْهِنَّ، وإضافَةُ اسْمِ الجَمْعِ إلى المَعْرِفَةِ يَعُمُّ، فَجَعَلَ وضْعَ الحَمْلِ جَمِيعَ أجَلِهِنَّ، فَلَوْ كانَ لِبَعْضِهِنَّ أجَلٌ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ جَمِيعَ أجَلِهِنَّ.
الثّالِثُ: أنَّ المُبْتَدَأ والخَبَرَ مَعْرِفَتانِ، أمّا المُبْتَدَأُ: فَظاهِرٌ.
وَأمّا الخَبَرُ - وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَفي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مُضافٍ.
أيْ أجَلُهُنَّ وضْعُ حَمْلِهِنَّ، والمُبْتَدَأُ والخَبَرُ إذا كانا مَعْرِفَتَيْنِ، اقْتَضى ذَلِكَ حَصْرَ الثّانِي في الأوَّلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
وَبِهَذا احْتَجَّ جُمْهُورُ الصِّحابَةِ عَلى أنَّ الحامِلَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها عِدَّتُها وضْعُ حَمْلِها، ولَوْ وضَعَتْهُ والزَّوْجُ عَلى المُغْتَسَلِ كَما أفْتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِسُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ، وكانَ هَذا الحَكَمُ والفَتْوى مِنهُ مُشْتَقًّا مِن كِتابِ اللَّهِ، مُطابِقًا لَهُ.
[عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ الَّتِي تَحِيضُ]
فَصْلٌ النَّوْعُ الثّانِي: عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ الَّتِي تَحِيضُ، وهي ثَلاثَةُ قُرُوءٍ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
[عِدَّةُ الَّتِي لا حَيْضَ لَها]
النَّوْعُ الثّالِثُ: عِدَّةُ الَّتِي لا حَيْضَ لَها، وهي نَوْعانِ: صَغِيرَةٌ لا تَحِيضُ، وكَبِيرَةٌ قَدْ يَئِسَتْ مِنَ الحَيْضِ. فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِدَّةَ النَّوْعَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾
أيْ: فَعِدَّتُهُنَّ كَذَلِكَ.
[فصل: عِدَّةُ الآيِسَةِ والَّتِي لَمْ تَحِضْ]
وَأمّا عِدَّةُ الآيِسَةِ والَّتِي لَمْ تَحِضْ، فَقَدْ بَيَّنَها سُبْحانَهُ في كِتابِهِ فَقالَ ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾
وَقَدِ اضْطَرَبَ النّاسُ في حَدِّ الإياسِ اضْطِرابًا شَدِيدًا فَمِنهم مَن حَدَّهُ بِخَمْسِينَ سَنَةً، وقالَ لا تَحِيضُ المَرْأةُ بَعْدَ الخَمْسِينَ، وهَذا قَوْلُ إسحاق ورِوايَةٌ عَنْ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ، واحْتَجَّ أرْبابُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: (إذا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِن حَدِّ الحُيَّضِ)
وَحَدَّهُ طائِفَةٌ بِسِتِّينَ سَنَةً وقالُوا: لا تَحِيضُ بَعْدَ السِّتِّينَ وهَذِهِ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ عَنْ أحمد.
وَعَنْهُ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ الفَرْقُ بَيْنَ نِساءِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ فَحَدُّهُ سِتُّونَ في نِساءِ العَرَبِ وخَمْسُونَ في نِساءِ العَجَمِ.
وَعَنْهُ رِوايَةٌ رابِعَةٌ أنَّ ما بَيْنَ الخَمْسِينَ والسِّتِّينَ دَمٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ تَصُومُ وتُصَلِّي وتَقْضِي الصَّوْمَ المَفْرُوضَ وهَذِهِ اخْتِيارُ الخرقي.
وَعَنْهُ رِوايَةٌ خامِسَةٌ أنَّ الدَّمَ إنْ عاوَدَ بَعْدَ الخَمْسِينَ وتَكَرَّرَ فَهو حَيْضٌ وإلّا فَلا.
وَأمّا الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلا نَصَّ لَهُ في تَقْدِيرِ الإياسِ بِمُدَّةٍ، ولَهُ قَوْلانِ بَعْدُ. أحَدُهُما: أنَّهُ يُعْرَفُ بِيَأْسِ أقارِبِها. والثّانِي: أنَّهُ يُعْتَبَرُ بِيَأْسِ جَمِيعِ النِّساءِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ هَلِ المُعْتَبَرُ جَمِيعُ أقارِبِها، أوْ نِساءُ عَصَباتِها، أوْ نِساءُ بَلَدِها خاصَّةً؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، ثُمَّ إذا قِيلَ: يُعْتَبَرُ بِالأقارِبِ فاخْتَلَفَتْ عادَتُهُنَّ فَهَلْ يُعْتَبَرُ بِأقَلِّ عادَةٍ مِنهُنَّ، أوْ بِأكْثَرِهِنَّ عادَةً، أوْ بِأقْصَرِ امْرَأةٍ في العالَمِ عادَةً؟ عَلى
ثَلاثَةِ أوْجُهٍ
والقَوْلُ الثّانِي لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ المُعْتَبَرَ جَمِيعُ النِّساءِ.، ثُمَّ اخْتَلَفَ أصْحابُهُ هَلْ لِذَلِكَ حَدٌّ أمْ لا؟ عَلى وجْهَيْنِ
أحَدُهُما: لَيْسَ لَهُ حَدٌّ، وهو ظاهِرُ نَصِّهِ.
والثّانِي: لَهُ حَدٌّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ
أحَدُهُما: أنَّهُ سِتُّونَ سَنَةً قالَهُ أبو العباس بن القاص، والشَّيْخُ أبو حامد.
والثّانِي: اثْنانِ وسِتُّونَ سَنَةً قالَهُ الشَّيْخُ أبو إسحاق في "" المُهَذَّبِ ""، وابن الصباغ في "" الشّامِلِ "".
وَأمّا أصْحابُ مالك رَحِمَهُ اللَّهُ فَلَمْ يَحُدُّوا سِنَّ الإياسِ بِحَدٍّ ألْبَتَّةَ.
وَقالَ آخَرُونَ مِنهم شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اليَأْسُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ النِّساءِ ولَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَتَّفِقُ فِيهِ النُّساءُ. والمُرادُ بِالآيَةِ أنَّ يَأْسَ كُلِّ امْرَأةٍ مِن نَفْسِها؛ لِأنَّ اليَأْسَ ضِدُّ الرَّجاءِ، فَإذا كانَتِ المَرْأةُ قَدْ يَئِسَتْ مِنَ الحَيْضِ ولَمْ تَرْجُهُ فَهي آيِسَةٌ وإنْ كانَ لَها أرْبَعُونَ أوْ نَحْوُها، وغَيْرُها لا تَيْأسُ مِنهُ وإنْ كانَ لَها خَمْسُونَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ: أنَّ بَعْضَهم قالَ: لا تَلِدُ لِخَمْسِينَ سَنَةً إلّا عَرَبِيَّةٌ، ولا تَلِدُ لِسِتِّينَ سَنَةً إلّا قُرَشِيَّةٌ.، وقالَ: إنَّ هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن ربيعة ولَدَتْ موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ولَها سِتُّونَ سَنَةً.
وَقَدْ صَحَّ (، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في امْرَأةٍ طُلِّقَتْ فَحاضَتْ حَيْضَةً، أوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَيْضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَهُ، أنَّها تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ فَإنِ اسْتَبانَ بِها حَمْلٌ وإلّا اعْتَدَّتْ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ) وقَدْ وافَقَهُ الأكْثَرُونَ عَلى هَذا مِنهم مالك، وأحمد، والشّافِعِيُّ في القَدِيمِ. قالُوا: تَتَرَبَّصُ غالِبَ مُدَّةِ الحَمْلِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الآيِسَةِ، ثُمَّ تَحِلُّ لِلْأزْواجِ ولَوْ كانَتْ بِنْتَ ثَلاثِينَ سَنَةً، أوْ أرْبَعِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَن وافَقَهُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ تَكُونُ المَرْأةُ آيِسَةً عِنْدَهم قَبْلَ الخَمْسِينَ وقَبْلَ الأرْبَعِينَ، وأنَّ اليَأْسَ عِنْدَهم لَيْسَ وقْتًا مَحْدُودًا لِلنِّساءِ، بَلْ مِثْلُ هَذِهِ تَكُونُ آيِسَةً وإنْ كانَتْ بِنْتَ ثَلاثِينَ، وغَيْرُها لا تَكُونُ آيِسَةً وإنْ بَلَغَتْ خَمْسِينَ. وإذا كانُوا فِيمَنِ ارْتَفَعَ حَيْضُها، ولا تَدْرِي ما رَفَعَهُ جَعَلُوها آيِسَةً بَعْدَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ فالَّتِي تَدْرِي ما رَفَعَهُ إمّا بِدَواءٍ يُعْلَمُ أنَّهُ لا يَعُودُ مَعَهُ، وإمّا بِعادَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ لَها مِن أهْلِها وأقارِبِها أوْلى أنْ تَكُونَ آيِسَةً. وإنْ لَمْ تَبْلُغِ الخَمْسِينَ، وهَذا بِخِلافِ ما إذا ارْتَفَعَ لِمَرَضٍ، أوْ رَضاعٍ، أوْ حَمْلٍ، فَإنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ آيِسَةً، فَإنَّ ذَلِكَ يَزُولُ.
فالمَراتِبُ ثَلاثَةٌ. أحَدُها: أنْ تَرْتَفِعَ لِيَأْسٍ مَعْلُومٍ مُتَيَقَّنٍ، بِأنْ تَنْقَطِعَ عامًا بَعْدَ عامٍ ويَتَكَرَّرَ انْقِطاعُهُ أعْوامًا مُتَتابِعَةً، ثُمَّ يُطْلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ تَتَرَبَّصُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ بِنَصِّ القُرْآنِ سَواءٌ كانَتْ بِنْتَ أرْبَعِينَ، أوْ أقَلَّ، أوْ أكْثَرَ، وهي أوْلى بِالتَّرَبُّصِ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ مِنَ الَّتِي حَكَمَ فِيها الصَّحابَةُ والجُمْهُورُ بِتَرَبُّصِها تِسْعَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ ثَلاثَةً، فَإنَّ تِلْكَ كانَتْ تَحِيضُ وطُلِّقَتْ وهي حائِضٌ، ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيْضُها بَعْدَ طَلاقِها لا تَدْرِي ما رَفَعَهُ، فَإذا حُكِمَ فِيها بِحُكْمِ الآيِساتِ بَعْدَ انْقِضاءِ غالِبِ مُدَّةِ الحَمْلِ فَكَيْفَ بِهَذِهِ؟، ولِهَذا قالَ القاضي إسماعيل في " أحْكامِ القُرْآنِ ": إذا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ ذَكَرَ اليَأْسَ مَعَ الرِّيبَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾
ثُمَّ جاءَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَفْظٌ مُوافِقٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ لِأنَّهُ قالَ (أيُّما امْرَأةٍ طُلِّقَتْ فَحاضَتْ حَيْضَةً، أوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ ارْتَفَعَتْ حَيْضَتُها لا تَدْرِي ما رَفَعَها فَإنَّها تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ تَعْتَدُّ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ).
فَلَمّا كانَتْ لا تَدْرِي ما الَّذِي رَفَعَ الحَيْضَةَ كانَ مَوْضِعَ الِارْتِيابِ فَحُكِمَ فِيها بِهَذا الحُكْمِ، وكانَ اتِّباعُ ذَلِكَ ألْزَمَ وأوْلى مِن قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّ الرَّجُلَ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَةً أوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَيَرْتَفِعُ حَيْضُها وهي شابَّةٌ أنَّها تَبْقى ثَلاثِينَ سَنَةً مُعْتَدَّةً وإنْ جاءَتْ بِوَلَدٍ لِأكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ، فَخالَفَ ما كانَ مِن إجْماعِ المُسْلِمِينَ الَّذِي مَضَوْا لِأنَّهم كانُوا مُجْمِعِينَ عَلى أنَّ الوَلَدَ يَلْحَقُ بِالأبِ ما دامَتِ المَرْأةُ في عِدَّتِها، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ قائِلٌ إنَّ الرَّجُلَ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَةً أوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ويَكُونُ بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها أحْكامُ الزّوْجاتِ ما دامَتْ في عِدَّتِها مِنَ المُوارَثَةِ وغَيْرِها؟ فَإنْ جاءَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ، وظاهِرُ عِدَّةِ الطَّلاقِ أنَّها جُعِلَتْ مِنَ الدُّخُولِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ فَكَيْفَ تَكُونُ المَرْأةُ مُعْتَدَّةً والوَلَدُ لا يَلْزَمُ؟
قُلْتُ: هَذا إلْزامٌ مِنهُ لأبي حنيفة، فَإنَّ عِنْدَهُ أقْصَرُ مُدَّةِ الحَمْلِ سَنَتانِ والمُرْتابَةُ في أثْناءِ عِدَّتِها لا تَزالُ في عِدَّةٍ حَتّى تَبْلُغَ سِنَّ الإياسِ فَتَعْتَدَّ بِهِ، وهو يَلْزَمُ الشّافِعِيَّ في قَوْلِهِ الجَدِيدِ سَواءً، إلّا أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ عِنْدَهُ أرْبَعُ سِنِينَ. فَإذا جاءَتْ بِهِ بَعْدَها لَمْ يَلْحَقْهُ وهي في عِدَّتِها مِنهُ.
قالَ القاضي إسماعيل: واليَأْسُ يَكُونُ بَعْضُهُ أكْثَرَ مِن بَعْضٍ وكَذَلِكَ القُنُوطُ وكَذَلِكَ الرَّجاءُ وكَذَلِكَ الظَّنُّ، ومِثْلُ هَذا يَتَّسِعُ الكَلامُ فِيهِ، فَإذا قِيلَ مِنهُ شَيْءٌ أُنْزِلَ عَلى قَدْرِ ما يَظْهَرُ مِنَ المَعْنى فِيهِ، فَمِن ذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ يَقُولُ قَدْ يَئِسْتُ مِن مَرِيضِي إذا كانَ الأغْلَبُ عِنْدَهُ أنَّهُ لا يَبْرَأُ، ويَئِسْتُ مِن غائِبِي إذا كانَ الأغْلَبُ عِنْدَهُ أنَّهُ لا يَقْدَمُ، ولَوْ قالَ إذا ماتَ غائِبُهُ أوْ ماتَ مَرِيضُهُ قَدْ يَئِسْتُ مِنهُ لَكانَ الكَلامُ عِنْدَ النّاسِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ إلّا أنْ يَتَبَيَّنَ مَعْنى ما قَصَدَ لَهُ في كَلامِهِ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ كُنْتُ وجِلًا في مَرَضِهِ مَخافَةَ أنْ يَمُوتَ فَلَمّا ماتَ وقَعَ اليَأْسُ فَيَنْصَرِفُ الكَلامُ عَلى هَذا وما أشْبَهَهُ.
إلّا أنَّ أكْثَرَ ما يُلْفَظُ بِاليَأْسِ إنَّما يَكُونُ فِيما هو الأغْلَبُ عِنْدَ اليَأْسِ أنَّهُ لا يَكُونُ، ولَيْسَ واحِدٌ مِنَ اليائِسِ والطّامِعِ يَعْلَمُ يَقِينًا أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَكُونُ، أوْ لا يَكُونُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]
والرَّجاءُ ضِدُّ اليَأْسِ، والقاعِدَةُ مِنَ النِّساءِ قَدْ يُمْكِنُ أنْ تُزَوَّجَ، غَيْرَ أنَّ الأغْلَبَ عِنْدَ النّاسِ فِيها أنَّ الأزْواجَ لا يَرْغَبُونَ فِيها.، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]
والقُنُوطُ شِبْهُ اليَأْسِ، ولَيْسَ يَعْلَمُونَ يَقِينًا أنَّ المَطَرَ لا يَكُونُ، ولَكِنَّ اليَأْسَ دَخَلَهم حِينَ تَطاوَلَ إبْطاؤُهُ.، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠]
فَلَمّا ذَكَرَ أنَّ الرُّسُلَ هُمُ الَّذِينَ اسْتَيْأسُوا كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم دَخَلَ قُلُوبَهم يَأْسٌ مِن غَيْرِ يَقِينٍ اسْتَيْقَنُوهُ؛ لِأنَّ اليَقِينَ في ذَلِكَ إنَّما يَأْتِيهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما قالَ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦]، وقالَ اللَّهُ تَعالى في قِصَّةِ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]
فَدَلَّ الظّاهِرُ عَلى أنَّ يَأْسَهم لَيْسَ بِيَقِينٍ، وقَدْ حَدَّثَنا ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنا مالك، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ أنَّ (عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: تَعْلَمُنَّ أيُّها النّاسُ أنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ وأنَّ اليَأْسَ غِنًى وأنَّ المَرْءَ إذا يَئِسَ مِن شَيْءٍ اسْتَغْنى عَنْهُ) فَجَعَلَ عمر اليَأْسَ بِإزاءِ الطَّمَعِ، وسَمِعْتُ أحمد بن المعدل يُنْشِدُ شِعْرًا لِرَجُلٍ مِنَ القُدَماءِ يَصِفُ ناقَةً
؎صَفْراءُ مِن تَلْدِ بَنِي العَبّاسِ ∗∗∗ صَيَّرْتُها كالظَّبْيِ في الكِناسِ
؎تَدِرُّ أنْ تَسْمَعَ بِالإبْساسِ ∗∗∗ فالنَّفْسُ بَيْنَ طَمَعٍ وياسِ
فَجَعَلَ الطَّمَعَ بِإزاءِ اليَأْسِ.
وَحَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ سلام بن شرحبيل قالَ «سَمِعَ (حبة بن خالد وسواء بن خالد أنَّهُما أتَيا النَّبِيَّ ﷺ قالا: عَلِّمْنا شَيْئًا، ثُمَّ قالَ " لا تَيْأسا مِنَ الخَيْرِ ما تَهَزْهَزَتْ رُءُوسُكُما، فَإنَّ كُلَّ عَبْدٍ يُولَدُ أحْمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ، ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللَّهُ ويُعْطِيهِ)
» وحَدَّثَنا علي بن عبد الله حَدَّثَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ قالَ قالَ هِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ لأبي حازم يا أبا حازم ما مالُكَ. قالَ خَيْرُ مالٍ ثِقَتِي بِاللَّهِ ويَأْسِي مِمّا في أيْدِي النّاسِ. قالَ: وهَذا أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى انْتَهى.
قالَ شَيْخُنا: ولَيْسَ لِلنِّساءِ في ذَلِكَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ بَلْ فِيهِنَّ مَن لا تَحِيضُ وإنْ بَلَغَتْ وفِيهِنَّ مَن تَحِيضُ حَيْضًا يَسِيرًا يَتَباعَدُ ما بَيْنَ أقْرائِها حَتّى تَحِيضَ في السَّنَةِ مَرَّةً، ولِهَذا اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ أكْثَرَ الطُّهْرِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ لا حَدَّ لَهُ، وغالِبُ النِّساءِ يَحِضْنَ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً ويَحِضْنَ رُبُعَ الشَّهْرِ ويَكُونُ طُهْرُهُنَّ ثَلاثَةَ أرْباعِهِ. ومِنهُنَّ مَن تَطْهُرُ الشُّهُورَ المُتَعَدِّدَةَ لِقِلَّةِ رُطُوبَتِها ومِنهُنَّ مَن يُسْرِعُ إلَيْها الجَفافُ فَيَنْقَطِعُ حَيْضُها وتَيْأسُ مِنهُ وإنْ كانَ لَها دُونَ الخَمْسِينَ بَلْ والأرْبَعِينَ. ومِنهُنَّ مَن لا يُسْرِعُ إلَيْها الجَفافُ فَتُجاوِزُ الخَمْسِينَ وهي تَحِيضُ. قالَ ولَيْسَ في الكِتابِ ولا السُّنَّةِ تَحْدِيدُ اليَأْسِ بِوَقْتٍ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِالآيِسَةِ مِنَ المَحِيضِ مَن لَها خَمْسُونَ سَنَةً، أوْ سِتُّونَ سَنَةً، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ لَقِيلَ: واللّائِي يَبْلُغْنَ مِنَ السِّنِّ كَذا وكَذا ولَمْ يَقُلْ يَئِسْنَ.
وَأيْضًا، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم جَعَلُوا مَنِ ارْتَفَعَ حَيْضُها قَبْلَ ذَلِكَ يائِسَةً كَما تَقَدَّمَ. والوُجُودُ مُخْتَلِفٌ في وقْتِ يَأْسِهِنَّ غَيْرُ مُتَّفِقٍ، وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ ولَوْ كانَ لَهُ وقْتٌ مَحْدُودٌ لَكانَتِ المَرْأةُ وغَيْرُها سَواءً في مَعْرِفَةِ يَأْسِهِنَّ، وهو سُبْحانُهُ قَدْ خَصَّ النِّساءَ بِأنَّهُنَّ اللّائِي يَئِسْنَ كَما خَصَّهُنَّ بِقَوْلِهِ ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فالَّتِي تَحِيضُ هي الَّتِي تَيْأسُ، وهَذا بِخِلافِ الِارْتِيابِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ إنِ ارْتَبْتُمْ ولَمْ يَقُلْ إنِ ارْتَبْنَ، أيْ إنِ ارْتَبْتُمْ في حُكْمِهِنَّ وشَكَكْتُمْ فِيهِ فَهو هَذا لا، هَذا الَّذِي عَلَيْهِ جَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ مِن حَدِيثِ جرير ومُوسى بْنِ أعْيَنَ واللَّفْظُ لَهُ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عمرو بن سالم، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ناسًا بِالمَدِينَةِ يَقُولُونَ في عِدَدِ النِّساءِ ما لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ في القُرْآنِ الصِّغارَ والكِبارَ وأُولاتِ الأحْمالِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾»
فَأجَلُ إحْداهُنَّ أنْ تَضَعَ حَمْلَها، فَإذا وضَعَتْ فَقَدْ قَضَتْ عِدَّتَها.
وَلَفْظُ جرير: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ناسًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في البَقَرَةِ في عِدَّةِ النِّساءِ قالُوا: لَقَدْ بَقِيَ مِن عِدَدِ النِّساءِ عِدَدٌ لَمْ يُذْكَرْنَ في القُرْآنِ الصِّغارُ والكِبارُ الَّتِي قَدِ انْقَطَعَ عَنْها الحَيْضُ وذَواتُ الحَمْلِ، قالَ: فَأُنْزِلَتِ الَّتِي في النِّساءِ القُصْرى ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ﴾» ثُمَّ رُوِيَ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكُمْ﴾
يَعْنِي الآيِسَةَ العَجُوزَ الَّتِي لا تَحِيضُ، أوِ المَرْأةَ الَّتِي قَعَدَتْ عَنِ الحَيْضَةِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنَ القُرُوءِ في شَيْءٍ).
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في الآيَةِ يَعْنِي إنْ شَكَكْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، وعَنْ مجاهد: إنِ ارْتَبْتُمْ لَمْ تَعْلَمُوا عِدَّةَ الَّتِي قَعَدَتْ عَنِ الحَيْضِ، أوِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يَعْنِي: إنْ سَألْتُمْ عَنْ حُكْمِهِنَّ ولَمْ تَعْلَمُوا حُكْمَهُنَّ وشَكَكْتُمْ فِيهِ، فَقَدْ بَيَّنّاهُ لَكم فَهو بَيانٌ لِنِعْمَتِهِ عَلى مَن طَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِيَزُولَ ما عِنْدَهُ مِنَ الشَّكِّ والرَّيْبِ بِخِلافِ المُعْرِضِ عَنْ طَلَبِ العِلْمِ. وأيْضًا، فَإنَّ النِّساءَ لا يَسْتَوِينَ في ابْتِداءِ الحَيْضِ، بَلْ مِنهُنَّ مَن تَحِيضُ لِعَشْرٍ، أوِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، أوْ خَمْسَ عَشْرَةَ، أوْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لا يَسْتَوِينَ في آخِرِ سِنِّ الحَيْضِ الَّذِي هو سِنُّ اليَأْسِ، والوُجُودُ شاهِدٌ بِذَلِكَ. وأيْضًا فَإنَّهم تَنازَعُوا فِيمَن بَلَغَتْ ولَمْ تَحِضْ هَلْ تَعْتَدُّ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ أوْ بِالحَوْلِ كالَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَهُ؟ وفِيهِ رِوايَتانِ عَنْ أحمد.
قُلْتُ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّها تَعْتَدُّ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ ولَمْ يَجْعَلُوا لِلصِّغَرِ المُوجِبِ لِلِاعْتِدادِ بِها حَدًّا، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ لِلْكِبَرِ المُوجِبِ لِلِاعْتِدادِ بِالشُّهُورِ حَدٌّ، وهو ظاهِرٌ ولِلَّهِ الحَمْدُ.
الطلاق 65:6
قال ابن القيم - بعد كلام -:
فَإنْ قِيلَ: بَقِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ واحِدٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ إنَّما هو في البَوائِنِ لا في الرَّجْعِيّاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَقِيبَهُ: ﴿وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
فَهَذا في البائِنِ؛ إذْ لَوْ كانَتْ رَجْعِيَّةً لَما قَيَّدَ النَّفَقَةَ عَلَيْها بِالحَمْلِ ولَكانَ عَدِيمَ التَّأْثِيرِ، فَإنَّها تَسْتَحِقُّها حائِلًا كانَتْ أوْ حامِلًا، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (أسْكِنُوهُنَّ) هو والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وَإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ واحِدٌ.
فالجَوابُ: أنَّ مَوْرِدَ هَذا السُّؤالِ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ المُوجِبِينَ النَّفَقَةَ والسُّكْنى، أوْ مِمَّنْ يُوجِبُ السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ: فالآيَةُ عَلى زَعْمِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَطَ في إيجابِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ كَوْنَهُنَّ حَوامِلَ، والحُكْمُ المُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفائِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّ البائِنَ الحائِلَ لا نَفَقَةَ لَها.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ دَلالَةٌ عَلى المَفْهُومِ ولا يَقُولُ بِها.
قِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ المَفْهُومِ، بَلْ مِنِ انْتِفاءِ الحُكْمِ عِنْدَ انْتِفاءِ شَرْطِهِ، فَلَوْ بَقِيَ الحُكْمُ بَعْدَ انْتِفائِهِ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا، وإنْ كانَ مِمَن يُوجِبُ السُّكْنى وحْدَها فَيُقالُ لَهُ: لَيْسَ في الآيَةِ ضَمِيرٌ واحِدٌ يَخُصُّ البائِنَ، بَلْ ضَمائِرُها نَوْعانِ: نَوْعٌ يَخُصُّ الرَّجْعِيَّةَ قَطْعًا، كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾
وَنَوْعٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْبائِنِ وأنْ يَكُونَ لِلرَّجْعِيَّةِ وأنْ يَكُونَ لَهُما وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ﴾
وَقَوْلُهُ ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾
فَحَمْلُهُ عَلى الرَّجْعِيَّةِ هو المُتَعَيَّنُ لِتَتَّحِدَ الضَّمائِرُ ومُفَسِّرُها، فَلَوْ حُمِلَ عَلى غَيْرِها لَزِمَ اخْتِلافُ الضَّمائِرِ ومُفَسِّرِها وهو خِلافُ الأصْلِ والحَمْلُ عَلى الأصْلِ أوْلى.
فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ نَفَقَةِ الرَّجْعِيَّةِ بِكَوْنِها حامِلًا؟
قِيلَ: لَيْسَ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ لا نَفَقَةَ لِلرَّجْعِيَّةِ الحائِلِ، بَلِ الرَّجْعِيَّةُ نَوْعانِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُما في كِتابِهِ: حائِلٌ: فَلَها النَّفَقَةُ بِعَقْدِ الزَّوْجِيَّةِ إذْ حُكْمُها حُكْمُ الأزْواجِ، أوْ حامِلٌ: فَلَها النَّفَقَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى أنْ تَضَعَ حَمْلَها، فَتَصِيرُ النَّفَقَةُ بَعْدَ الوَضْعِ نَفَقَةَ قَرِيبٍ لا نَفَقَةَ زَوْجٍ، فَيُخالِفُ حالُها قَبْلَ الوَضْعِ حالَها بَعْدَهُ، فَإنَّ الزَّوْجَ يُنْفِقُ عَلَيْها وحْدَهُ إذا كانَتْ حامِلًا، فَإذا وضَعَتْ صارَتْ نَفَقَتُها عَلى مَن تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الطِّفْلِ، ولا يَكُونُ حالُها في حالِ حَمْلِها كَذَلِكَ، بِحَيْثُ تَجِبُ نَفَقَتُها عَلى مَن تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الطِّفْلِ، فَإنَّهُ في حالِ حَمْلِها جُزْءٌ مِن أجْزائِها، فَإذا انْفَصَلَ كانَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ، وانْتَقَلَتِ النَّفَقَةُ مِن حُكْمٍ إلى حُكْمٍ، فَظَهَرَتْ فائِدَةُ التَّقْيِيدِ وسِرُّ الِاشْتِراطِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما أرادَ مِن كَلامِهِ.
الطلاق 65:12
أخبر أنه خلق العالم ليعرف عباده كمال قدرته وإحاطة علمه وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده.
(فائدة)
سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن تفسير قوله تعالى الله الذي ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾
فقال للسائل: ما يُؤَمِّنُكَ أنْ لَوْ أخْبَرْتُكَ بِها لَكَفَرْتَ .... يَعْنِي لَوْ أخْبَرْتُكَ بِتَفْسِيرِها لَكَفَرْتَ بِها، وكُفْرُكَ بِها تَكْذِيبُكَ بِها.
فالمسألة الدقيقة اللطيفة التي تبذل لغير أهلها كالمرأة الحسناء التي تهدى إلى ضرير مقعد كما قيل
خود تزف إلى ضرير مقعد
وكان أبو علي إذا وقع شيء في خلال مجلسه من تشويش الوقت يقول هذا من غيرة الحق يريد أن لا يجري ما يجري من صفاء الوقت.
(فصل: جمع السماء واشتقاقها)
فإن قلت: فلم جمعوا السماء فقالوا: سماوات وهلا راعوا فيها ما راعوا في الأرض فإنها مقابلة فما الفرق بينهما؟
قيل: بينهما فرقان فرق لفظي وفرق معنوي.
أما اللفظي فإن الأرض على وزن ألفاظ المصادر الثلاثة وهو فعل كضرب.
وأما السماوات كان نظيرها في المصادر التلاء والجلاء فهي بأبنية الأسماء أشبه، وإنما الذي يماثل الأرض في معناها ووزنها السفل والتحت وهما لا يثنيان ولا يجمعان، وفي مقابلتهما الفوق والعلو وهما كذلك لا يجمعان.
على أنه قد قيل: إن السماوات ليس جمع سماء، وإنما هي جمع سماوة وسماوة كل شيء أعلاه وأما جمع سماء فقياسه أسمية كأكسية وأغطية أو سماوات، وليس هذا بشيء فإن السماوة هي أعلى الشيء خاصة ليست باسم لشيء عال وإنما هي اسم لجزئه العالي.
وأما السماء فاسم لهذا السقف الرفيع بجملته فالسماوات جمعه لا جمع أجزاء عالية منه على أنه كل عال.
وأحسن من هذا الفرق أن يقال لو جمعوا أرضا على قياس جموع التكسير لقالوا آرض كأفلس أو آراض كأجمال أو أروض كفلوس فاستثقلوا هذا اللفظ إذ ليس فيه من الفصاحة والحسن والعذوبة ما في لفظ السماوات وأنت تجد السمع ينبو عنه بقدر ما يستحسن لفظ السماوات ولفظ السماوات يلج في السمع بغير استئذان لنصاعته وعذوبته ولفظ الأراضي لا يأذن له السمع إلا على كره ولهذا تفادوا من جمعه إذا أرادوه بثلاثة ألفاظ تدل على التعدد كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾
كل هذا تفاديا من أن يقال أراض وآرض الفرق المعنوي، فإن الكلام متى اعتمد به على السماء المحسوسة التي هي السقف وقصد به إلى ذاتها دون معنى الوصف صح جمعها جمع السلامة، لأن العدد قليل، وجمع السلامة بالقليل أولى لما تقدم من قربه من التثنية القريبة من الواحد، ومتى اعتمد الكلام على الوصف ومعنى العلى والرفعة جرى اللفظ مجرى المصدر الموصوف به في قولك: قول عدول وزور.
وأما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودا بها معنى التحت والسفل دون أن يقصد ذواتها وأعدادها وحيث جاءت مقصودا بها الذات والعدد أتي بلفظ يدل على البعد كقوله: ﴿وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾
وفرق ثان وهو أن الأرض لها نسبة لا إلى السماوات وسعتها بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء فهي وإن تعددت وتكبرت فهي بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل فاختير لها اسم الجنس وفرق ثالث أن الأرض هي دار الدنيا التي بالإضافة إلى الآخرة كما يدخل الإنسان إصبعه في اليم فما تعلق بها هو مثال الدنيا من الآخرة والله سبحانه لم يذكر الدنيا إلا مقللا لها محقرا لشأنها وأما السماوات فليست من الدنيا هذا على أحد القولين في الدنيا فإنه اسم للمكان فإن السماوات مقر ملائكة الرب تعالى ومحل دار جزائه ومهبط ملائكته ووحيه فإذا اعتمد التعبير عبر عنها بلفظ الجمع إذ المقصود ذواتها لا مجرد العلو والفوق.
وأما إذا أريد الوصف الشامل للسماوات وهو معنى العلو والفوق أفردوا ذلك بحسب ما يتصل به من الكلام والسياق فتأمل قوله: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ (١٦) أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾
كيف أفردت هنا لما كان المراد الوصف الشامل والفوق المطلق، ولم يرد سماء معينة مخصوصة.
ولما لم تفهم الجهمية هذا المعنى أخذوا في تحريف الآية عن مواضعها.