Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — التحريم 66:1 – القلم 68:51

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. التحريم 66:1
  2. التحريم 66:2
  3. التحريم 66:4
  4. التحريم 66:5
  5. التحريم 66:6
  6. التحريم 66:8
  7. التحريم 66:10
  8. التحريم 66:11
  9. التحريم 66:12
  10. الملك 67:1
  11. الملك 67:2
  12. الملك 67:3
  13. الملك 67:4
  14. الملك 67:10
  15. الملك 67:11
  16. الملك 67:13
  17. الملك 67:14
  18. الملك 67:15
  19. الملك 67:19
  20. الملك 67:20
  21. الملك 67:21
  22. الملك 67:30
  23. القلم 68:1
  24. القلم 68:2
  25. القلم 68:3
  26. القلم 68:4
  27. القلم 68:6
  28. القلم 68:10
  29. القلم 68:11
  30. القلم 68:12
  31. القلم 68:17
  32. القلم 68:18
  33. القلم 68:35
  34. القلم 68:36
  35. القلم 68:39
  36. القلم 68:40
  37. القلم 68:42
  38. القلم 68:43
  39. القلم 68:48
  40. القلم 68:51

التحريم 66:1

(فائدة: في أن الطلاق ليس بتحريم) قال ابن القيم - بعد كلام -: ويدل على أن الطلاق ليس بتحريم أن الله تعالى أباحه ولم يبح قط تحريم الحلال، والتحريم ليس إلى العبد إنما إليه الأسباب والتحليل والتحريم يتبعها فهو كالعتق سواء وقد قال تعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثم فرض تحلة اليمين في تحريم الحلال وقد طلق ﷺ حفصة ولم يكن ذلك تحريما لها ولو كان الطلاق تحريما لشرعت فيه الكفارة كما شرعت في تحريم الحلال وكما شرعت في الظهار الذي هو تحريم. [فصل: حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَيَّنَهُ عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى فِيمَن حَرَّمَ أمَتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ أوْ مَتاعَهُ] قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ ": «أنَّهُ ﷺ شَرِبَ عَسَلًا مِن بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فاحْتالَتْ عَلَيْهِ عائشة وحَفْصَةُ حَتّى قالَ لَنْ أعُودَ لَهُ». وفي لَفْظٍ: (وَقَدْ حَلَفَتْ). وَفِي " سُنَنِ النَّسائِيِّ ": عَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَتْ لَهُ أمَةٌ يَطَؤُها، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عائشة وحفصة حَتّى حَرَّمَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾». وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنِ (ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ فَهي يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وقالَ: (لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)» وَفِي " جامِعِ التِّرْمِذِيِّ ": عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «آلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن نِسائِهِ وحَرَّمَ، فَجَعَلَ الحَرامَ حَلالًا، وجَعَلَ في اليَمِينِ كَفّارَةً» هَكَذا رَواهُ مسلمة بن علقمة، عَنْ داود، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مسروق، عَنْ عائشة، ورَواهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وغَيْرُهُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا وهو أصَحُّ، انْتَهى كَلامُ أبي عيسى. وَقَوْلُها: جَعَلَ الحَرامَ حَلالًا، أيْ جَعَلَ الشَّيْءَ الَّذِي حَرَّمَهُ وهو العَسَلُ، أوِ الجارِيَةُ، حَلالًا بَعْدَ تَحْرِيمِهِ إيّاهُ. وَقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، عَنْ عبد الله بن هبيرة، عَنْ (قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قالَ: سَألْتُ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، وابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَمَّنْ قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، فَقالا جَمِيعًا: كَفّارَةُ يَمِينٍ). وَقالَ عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد، عَنِ (ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ في التَّحْرِيمِ: هي يَمِينٌ يُكَفِّرُها). قالَ ابْنُ حَزْمٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِيقِ، وعائشة أُمِّ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَجّاجُ بْنُ مِنهالٍ، حَدَّثَنا (جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ قالَ: «سَألْتُ نافِعًا مَوْلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الحَرامِ أطَلاقٌ هُوَ؟ قالَ: لا، أوَلَيْسَ قَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جارِيَتَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، ولَمْ يُحَرِّمْها عَلَيْهِ». وَقالَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، وأيُّوبَ السَّخْتِيانِيِّ، كِلاهُما عَنْ عكرمة، أنَّ (عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: هي يَمِينٌ يَعْنِي التَّحْرِيمَ). وَقالَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنا المقدمي، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَّةَ، عَنْ نافع، عَنِ (ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: الحَرامُ يَمِينٌ). وَفِي " صَحِيحِ البُخارِيِّ ": عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَقُولُ: إذا حَرَّمَ امْرَأتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَقِيلَ هَذا رِوايَةٌ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ إنَّما أرادَ أنَّهُ لَيْسَ بِطَلاقٍ، وفِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، ولِهَذا احْتَجَّ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا الثّانِي أظْهَرُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها عِشْرُونَ مَذْهَبًا لِلنّاسِ، ونَحْنُ نَذْكُرُها، ونَذْكُرُ وُجُوهَها، ومَآخِذَها، والرّاجِحَ مِنها، بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ. أحَدُها: أنَّ التَّحْرِيمَ لَغْوٌ لا شَيْءَ فِيهِ، لا في الزَّوْجَةِ، ولا في غَيْرِها، لا طَلاقَ، ولا إيلاءَ، ولا يَمِينَ، ولا ظِهارَ، رَوى وكِيعٌ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مسروق: (ما أُبالِي حَرَّمْتُ امْرَأتِي أوْ قَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ) وَذَكَرَ عبد الرزاق عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ صالح بن مسلم، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ (قالَ في تَحْرِيمِ المَرْأةِ: لَهي أهْوَنُ عَلَيَّ مِن نَعْلِي) وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أخْبَرَنِي عبد الكريم، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنَّهُ قالَ: ما أُبالِي حَرَّمْتُها، يَعْنِي امْرَأتَهُ، أوْ حَرَّمْتُ ماءَ النَّهْرِ. وَقالَ قتادة: سَألَ رَجُلٌ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيَّ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ - وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧-٨] وَأنْتَ رَجُلٌ تَلْعَبُ، فاذْهَبْ فالعَبْ، هَذا قَوْلُ أهْلِ الظّاهِرِ كُلِّهِمْ. المَذْهَبُ الثّانِي: أنَّ التَّحْرِيمَ في الزَّوْجَةِ طَلاقٌ ثَلاثٌ. قالَ ابْنُ حَزْمٍ قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ عُمَرَ وهو قَوْلُ الحسن ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، ورُوِيَ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ. قُلْتُ: الثابت عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عُمَرَ ما رَواهُ هو مِن طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبي هبيرة عَنْ قبيصة، أنَّهُ سَألَ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، وابْنَ عُمَرَ، عَمَّنْ قالَ لِامْرَأتِهِ. أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، فَقالا جَمِيعًا: كَفّارَةُ يَمِينٍ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْهُما خِلافُ ذَلِكَ، وأمّا عَلِيٌّ، فَقَدْ رَوى أبو محمد ابن حزم مِن طَرِيقِ يَحْيى القَطّانِ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: يَقُولُ رِجالٌ في الحَرامِ، هي حَرامٌ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ولا واللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ علي، وإنَّما قالَ علي: (ما أنا بِمُحِلِّها، ولا بِمُحَرِّمِها عَلَيْكَ، إنْ شِئْتَ فَتَقَدَّمْ، وإنْ شِئْتَ فَتَأخَّرْ) وَأمّا الحسن، فَقَدْ رَوى أبو محمد مِن طَرِيقِ قتادة عَنْهُ أنَّهُ قالَ: (كُلُّ حَلالٍ عَلَيَّ حَرامٌ فَهو يَمِينٌ) ولَعَلَّ أبا محمد غَلِطَ عَلى علي وزيد، وابْنِ عُمَرَ، مِن مَسْألَةِ الخَلِيَّةِ والبَرِيَّةِ والبَتَّةِ، فَإنَّ أحمد حَكى عَنْهم أنَّها ثَلاثٌ. وَقالَ هو عَنْ علي وابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ، فَوَهِمَ أبو محمد وحَكاهُ فِي: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ وهو وهْمٌ ظاهِرٌ، فَإنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَ التَّحْرِيمِ فَأفْتَوْا فِيهِ بِأنَّهُ يَمِينٌ، وبَيْنَ الخَلِيَّةِ فَأفْتَوْا فِيها بِالثَّلاثِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قالَ إنَّهُ ثَلاثٌ بِكُلِّ حالٍ. المَذْهَبُ الثّالِثُ: أنَّهُ ثَلاثٌ في حَقِّ المَدْخُولِ بِها لا يُقْبَلُ مِنهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِها وقَعَ ما نَواهُ مِن واحِدَةٍ واثْنَتَيْنِ وثَلاثٍ، فَإنْ أطْلَقَ فَواحِدَةٌ، وإنْ قالَ لَمْ أُرِدْ طَلاقًا، فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ كَلامٌ يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَيْهِ قُبِلَ مِنهُ، وإنْ كانَ ابْتِداءً لَمْ يُقْبَلْ، وإنْ حَرَّمَ أمَتَهُ، أوْ طَعامَهُ، أوْ مَتاعَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذا مَذْهَبُ مالك. المَذْهَبُ الرّابِعُ: أنَّهُ إنْ نَوى الطَّلاقَ، كانَ طَلاقًا، ثُمَّ إنْ نَوى بِهِ الثَّلاثَ فَثَلاثٌ، وإنْ نَوى دُونَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وإنْ نَوى يَمِينًا فَهو يَمِينٌ فِيها كَفّارَةٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهو إيلاءٌ فِيهِ حُكْمُ الإيلاءِ. فَإنْ نَوى الكَذِبَ صُدِّقَ في الفُتْيا، ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ويَكُونُ في القَضاءِ إيلاءً، وإنْ صادَفَ غَيْرَ الزَّوْجَةِ الأمَةَ والطَّعامَ وغَيْرَهُ، فَهو يَمِينٌ فِيهِ كَفّارَتُها وهَذا مَذْهَبُ أبي حنيفة. المَذْهَبُ الخامِسُ: أنَّهُ إنْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ، كانَ طَلاقًا، ويَقَعُ ما نَواهُ فَإنْ أطْلَقَ، وقَعَتْ واحِدَةً، وإنْ نَوى الظِّهارَ كانَ ظِهارًا، وإنْ نَوى اليَمِينَ، كانَ يَمِينًا، وإنْ نَوى تَحْرِيمَ عَيْنِها مِن غَيْرِ طَلاقٍ ولا ظِهارٍ، فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. والثّانِي: يَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ. وإنْ صادَفَ جارِيَةً فَنَوى عِتْقَها، وقَعَ العِتْقُ، وإنْ نَوى تَحْرِيمَها، لَزِمَهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنْ نَوى الظِّهارَ مِنها، لَمْ يَصِحَّ، ولَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. والثّانِي: عَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ. وإنْ صادَفَ غَيْرَ الزَّوْجَةِ والأمَةِ لَمْ يَحْرُمْ، ولَمْ يَلْزَمْهُ بِهِ شَيْءٌ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. المَذْهَبُ السّادِسُ: أنَّهُ ظِهارٌ بِإطْلاقِهِ، نَواهُ أوْ لَمْ يَنْوِهِ، إلّا أنْ يَصْرِفَهُ بِالنِّيَّةِ إلى الطَّلاقِ أوِ اليَمِينِ، فَيَنْصَرِفُ إلى ما نَواهُ، هَذا ظاهِرُ مَذْهَبِ أحْمَدَ. وَعَنْهُ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ أنَّهُ بِإطْلاقِهِ يَمِينٌ إلّا أنْ يَصْرِفَهُ بِالنِّيَّةِ إلى الظِّهارِ أوِ الطَّلاقِ، فَيَنْصَرِفُ إلى ما نَواهُ، وعَنْهُ رِوايَةٌ أُخْرى ثالِثَةٌ، أنَّهُ ظِهارٌ بِكُلِّ حالٍ ولَوْ نَوى غَيْرَهُ، وفِيهِ رِوايَةٌ رابِعَةٌ، حَكاها أبُو الحُسَيْنِ في " فُرُوعِهِ " أنَّهُ طَلاقٌ بائِنٌ. ولَوْ وصَلَهُ بِقَوْلِهِ أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ، فَعَنْهُ فِيهِ رِوايَتانِ. إحْداهُما: أنَّهُ طَلاقٌ، فَعَلى هَذا، هَلْ تَلْزَمُهُ الثَّلاثُ، أوْ واحِدَةٌ؟ عَلى رِوايَتَيْنِ، والثّانِيَةُ أنَّهُ ظِهارٌ أيْضًا، كَما لَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي: أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ، هَذا تَلْخِيصُ مَذْهَبِهِ. المَذْهَبُ السّابِعُ: أنَّهُ إنْ نَوى بِهِ ثَلاثًا، فَهي ثَلاثٌ، وإنْ نَوى بِهِ واحِدَةً، فَهي واحِدَةٌ بائِنَةٌ، وإنْ نَوى بِهِ يَمِينًا، فَهي يَمِينٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهي كِذْبَةٌ لا شَيْءَ فِيها، وهَذا مَذْهَبُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، حَكاهُ عَنْهُ أبو محمد ابن حزم. المَذْهَبُ الثّامِنُ: أنَّهُ طَلْقَةٌ واحِدَةٌ بائِنَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وهَذا مَذْهَبُ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ. المَذْهَبُ التّاسِعُ: أنَّهُ إنْ نَوى ثَلاثًا فَثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدَةً، أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وهَذا مَذْهَبُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، حَكاهُ عَنْهُ أبو محمد ابن حزم. المَذْهَبُ العاشِرُ: أنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، حَكاهُ ابن الصباغ، وصاحِبُهُ أبُو بَكْرٍ الشّاشِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. المَذْهَبُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّها حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَقَطْ، ولَمْ يَذْكُرْ هَؤُلاءِ ظِهارًا، ولا طَلاقًا، ولا يَمِينًا، بَلْ ألْزَمُوهُ مُوجَبَ تَحْرِيمِهِ. قالَ ابْنُ حَزْمٍ صَحَّ هَذا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ورِجالٍ مِنَ الصَّحابَةِ لَمْ يُسَمَّوْا وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وَصَحَّ عَنِ الحسن وخِلاسِ بْنِ عَمْرٍو، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وقتادة، أنَّهم أمَرُوهُ بِاجْتِنابِها فَقَطْ. المَذْهَبُ الثّانِي عَشَرَ: التَّوَقُّفُ في ذَلِكَ لا يُحَرِّمُها المُفْتِي عَلى الزَّوْجِ، ولا يُحَلِّلُها لَهُ، كَما رَواهُ الشَّعْبِيُّ عَنْ علي أنَّهُ قالَ: (ما أنا بِمُحِلِّها ولا مُحَرِّمِها عَلَيْكَ، إنْ شِئْتَ فَتَقَدَّمْ، وإنْ شِئْتَ فَتَأخَّرْ) المَذْهَبُ الثّالِثَ عَشَرَ: الفَرْقُ بَيْنَ أنْ يُوقِعَ التَّحْرِيمَ مُنَجَّزًا أوْ مُعَلَّقًا تَعْلِيقًا مَقْصُودًا، وبَيْنَ أنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ اليَمِينِ، فالأوَّلُ ظِهارٌ بِكُلِّ حالٍ، ولَوْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ، ولَوْ وصَلَهُ بِقَوْلِهِ: أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ. والثّانِي: يَمِينٌ يَلْزَمُهُ بِهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، فَإذا قالَ أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوْ إذا دَخَلَ رَمَضانُ فَأنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، فَظِهارٌ، وإذا قالَ إنْ سافَرْتُ، أوْ إنْ أكَلْتُ هَذا الطَّعامَ، أوْ كَلَّمْتُ فُلانًا، فامْرَأتِي عَلَيَّ حَرامٌ، فَيَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، وهَذا اخْتِيارُ شَيْخِ الإسْلامِ ابن تيمية، فَهَذِهِ أُصُولُ المَذاهِبِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وتَتَفَرَّعُ إلى أكْثَرَ مِن عِشْرِينَ مَذْهَبًا. [فَصْلٌ: الِاخْتِلافُ في تَحْرِيمِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ] وَقَدْ تَبَيَّنَ بِما ذَكَرْنا أنَّ مَن حَرَّمَ شَيْئًا غَيْرَ الزَّوْجَةِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ واللِّباسِ أوْ أمَتِهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وفي هَذا خِلافٌ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ. أحَدُها: أنَّهُ لا يَحْرُمُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ أبو حنيفة: يَحْرُمُ تَحْرِيمًا مُقَيَّدًا تُزِيلُهُ الكَفّارَةُ، كَما إذا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ وطْؤُها حَتّى يُكَفِّرَ، ولِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى الكَفّارَةَ في ذَلِكَ تَحِلَّةً، وهي ما يُوجِبُ الحِلَّ، فَدَلَّ عَلى ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ قَبْلَها، ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ولِأنَّهُ تَحْرِيمٌ لِما أُبِيحَ لَهُ، فَيَحْرُمُ بِتَحْرِيمِهِ كَما لَوْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ. وَمُنازِعُوهُ يَقُولُونَ: إنَّما سُمِّيَتِ الكَفّارَةُ تَحِلَّةً مِنَ الحَلِّ الَّذِي هو ضِدُّ العَقْدِ، لا مِنَ الحِلِّ الَّذِي هو مُقابِلُ التَّحْرِيمِ، فَهي تَحِلُّ اليَمِينَ بَعْدَ عَقْدِها. وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ فالمُرادُ تَحْرِيمُ الأمَةِ أوِ العَسَلِ، ومَنعُ نَفْسِهِ مِنهُ، وذَلِكَ يُسَمّى تَحْرِيمًا، فَهو تَحْرِيمٌ بِالقَوْلِ لا إثْباتَ لِلتَّحْرِيمِ شَرْعًا. وَأمّا قِياسُهُ عَلى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِالظِّهارِ، أوْ بِقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيِّ حَرامٌ، فَلَوْ صَحَّ هَذا القِياسُ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ التَّكْفِيرِ عَلى الحِنْثِ قِياسًا عَلى الظِّهارِ، إذْ كانَ في مَعْناهُ، وعِنْدَهم لا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ إلّا بَعْدَ الحِنْثِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَلْزَمُ أحَدُ أمْرَيْنِ: ولا بُدَّ إمّا أنْ يَفْعَلَهُ حَرامًا، وقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَحِلَّةَ اليَمِينِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ المُحَرَّمِ مَفْرُوضًا أوْ مِن ضَرُورَةِ المَفْرُوضِ؛ لِأنَّهُ لا يَصِلُ إلى التَّحِلَّةِ إلّا بِفِعْلِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أوْ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى فِعْلِهِ حَلالًا؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ، فَيَسْتَفِيدُ بِها الحِلَّ، وإقْدامُهُ عَلَيْهِ، وهو حَرامٌ مُمْتَنِعٌ، هَذا ما قِيلَ في المَسْألَةِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وَبَعْدُ، فَلَها غَوْرٌ، وفِيها دِقَّةٌ وغُمُوضٌ، فَإنَّ مَن حَرَّمَ شَيْئًا، فَهو بِمَنزِلَةِ مَن حَلَفَ بِاللَّهِ عَلى تَرْكِهِ، ولَوْ حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ هَتْكُ حُرْمَةِ المَحْلُوفِ بِهِ بِفِعْلِهِ، إلّا بِالتِزامِ الكَفّارَةِ، فَإذا التَزَمَها جازَ لَهُ الإقْدامُ عَلى فِعْلِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَلَوْ عَزَمَ عَلى تَرْكِ الكَفّارَةِ، فَإنَّ الشّارِعَ لا يُبِيحُ لَهُ الإقْدامَ عَلى فِعْلِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، ويَأْذَنُ لَهُ فِيهِ، وإنَّما يَأْذَنُ لَهُ فِيهِ ويُبِيحُهُ، إذا التَزَمَ ما فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الكَفّارَةِ، فَيَكُونُ إذْنُهُ لَهُ فِيهِ وإباحَتُهُ بَعْدَ امْتِناعِهِ مِنهُ بِالحَلِفِ أوِ التَّحْرِيمِ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ، ونِعْمَةً مِنهُ عَلَيْهِ، بِسَبَبِ التِزامِهِ لِحُكْمِهِ الَّذِي فَرَضَ لَهُ مِنَ الكَفّارَةِ، فَإذا لَمْ يَلْتَزِمْهُ بَقِيَ المَنعُ الَّذِي عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ إصْرًا عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما رَفَعَ الآصارَ عَمَّنِ اتَّقاهُ، والتَزَمَ حُكْمَهُ، وقَدْ كانَتِ اليَمِينُ في شَرْعِ مَن قَبْلَنا يَتَحَتَّمُ الوَفاءُ بِها، ولا يَجُوزُ الحِنْثُ، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ وجَوَّزَ لَها الحِنْثَ بِشَرْطِ الكَفّارَةِ، فَإذا لَمْ يُكَفِّرْ لا قَبْلُ ولا بَعْدُ لَمْ يُوَسَّعْ لَهُ في الحِنْثِ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّهُ يَحْرُمُ حَتّى يُكَفِّرَ. وَلَيْسَ هَذا مِن مُفْرَداتِ أبي حنيفة، بَلْ هو أحَدُ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحمد، يُوَضِّحُهُ: أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ والحَلِفَ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ مَنعانِ: مَنعٌ مِن نَفْسِهِ لِفِعْلِهِ، ومَنعٌ مِنَ الشّارِعِ لِلْحِنْثِ بِدُونِ الكَفّارَةِ، فَلَوْ لَمْ يُحَرِّمْهُ تَحْرِيمُهُ أوْ يَمِينُهُ، لَمْ يَكُنْ لِمَنعِهِ نَفْسَهُ، ولا لِمَنعِ الشّارِعِ لَهُ أثَرٌ، بَلْ كانَ غايَةُ الأمْرِ أنَّ الشّارِعَ أوْجَبَ في ذِمَّتِهِ بِهَذا المَنعِ صَدَقَةً، أوْ عِتْقًا، أوْ صَوْمًا لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ حِلُّ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ ولا تَحْرِيمُهُ ألْبَتَّةَ، بَلْ هو قَبْلَ المَنعِ وبَعْدَهُ عَلى السَّواءِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ، فَلا يَكُونُ لِلْكَفّارَةِ أثَرٌ ألْبَتَّةَ، لا في المَنعِ مِنهُ، ولا في الإذْنِ، وهَذا لا يَخْفى فَسادُهُ. وَأمّا إلْزامُهُ بِالإقْدامِ عَلَيْهِ مَعَ تَحْرِيمِهِ حَيْثُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ، فَجَوابُهُ أنَّهُ إنَّما يَجُوزُ لَهُ الإقْدامُ عِنْدَ عَزْمِهِ عَلى التَّكْفِيرِ، فَعَزْمُهُ عَلى التَّكْفِيرِ مَنعٌ مِن بَقاءِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ، وإنَّما يَكُونُ التَّحْرِيمُ ثابِتًا إذا لَمْ يَلْتَزِمِ الكَفّارَةَ، ومَعَ التِزامِها لا يَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ. [فَصْلٌ: كَفّارَةُ التَّحْرِيمِ] الثّانِي: أنْ يَلْزَمَهُ كَفّارَةٌ بِالتَّحْرِيمِ، وهو بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، وهَذا قَوْلُ مَن سَمَّيْناهُ مِنَ الصَّحابَةِ، وقَوْلُ فُقَهاءِ الرَّأْيِ والحَدِيثِ، إلّا الشّافِعِيَّ ومالكا، فَإنَّهُما قالا: لا كَفّارَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. والَّذِينَ أوْجَبُوا الكَفّارَةَ أسْعَدُ بِالنَّصِّ مِنَ الَّذِينَ أسْقَطُوها، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ تَحِلَّةَ الأيْمانِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ قَدْ فُرِضَ فِيهِ تَحِلَّةُ الأيْمانِ، إمّا مُخْتَصًّا بِهِ، وإمّا شامِلًا لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخْلى سَبَبُ الكَفّارَةِ المَذْكُورَةِ في السِّياقِ عَنْ حُكْمِ الكَفّارَةِ ويُعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، وهَذا ظاهِرُ الِامْتِناعِ. وَأيْضًا فَإنَّ المَنعَ مِن فِعْلِهِ بِالتَّحْرِيمِ كالمَنعِ مِنهُ بِاليَمِينِ، بَلْ أقْوى، فَإنَّ اليَمِينَ إنْ تَضَمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ، فالتَّحْرِيمُ تَضَمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ شَرْعِهِ وأمْرِهِ، فَإنَّهُ إذا شَرَعَ الشَّيْءَ حَلالًا، فَحَرَّمَهُ المُكَلَّفُ، كانَ تَحْرِيمُهُ هَتْكًا لِحُرْمَةِ ما شَرَعَهُ، ونَحْنُ نَقُولُ: لَمْ يَتَضَمَّنِ الحِنْثُ في اليَمِينِ هَتْكَ حُرْمَةِ الِاسْمِ، ولا التَّحْرِيمُ هَتْكَ حُرْمَةِ الشَّرْعِ، كَما يَقُولُهُ مَن يَقُولُ مِنَ الفُقَهاءِ، وهو تَعْلِيلٌ فاسِدٌ جِدًّا، فَإنَّ الحِنْثَ إمّا جائِزٌ، وإمّا واجِبٌ، أوْ مُسْتَحَبٌّ، وما جَوَّزَ اللَّهُ لِأحَدٍ ألْبَتَّةَ أنْ يَهْتِكَ حُرْمَةَ اسْمِهِ، وقَدْ شَرَعَ لِعِبادِهِ الحِنْثَ مَعَ الكَفّارَةِ، وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ «إذا حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وأتى المَحْلُوفَ عَلَيْهِ» وَمَعْلُومٌ أنَّ هَتْكَ حُرْمَةِ اسْمِهِ تَبارَكَ وتَعالى لَمْ يُبَحْ في شَرِيعَةٍ قَطُّ، وإنَّما الكَفّارَةُ كَما سَمّاها اللَّهُ تَعالى تَحِلَّةً، وهي تَفْعِلَةٌ مِنَ الحَلِّ، فَهي تَحِلُّ ما عُقِدَ بِهِ اليَمِينُ لَيْسَ إلّا وهَذا العَقْدُ كَما يَكُونُ بِاليَمِينِ يَكُونُ بِالتَّحْرِيمِ، وظَهَرَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. [فَصْلٌ: الحَلِفُ بِالطَّلاقِ وبِالحَرامِ لَهُ صِيغَتانِ] قَدْ عُرِفَ أنَّ الحَلِفَ بِالطَّلاقِ لَهُ صِيغَتانِ؛ إحْداهُما: إنْ فَعَلْت كَذا وكَذا فَأنْتِ طالِقٌ، والثّانِيَةُ الطَّلاقُ يَلْزَمُنِي لا أفْعَلُ كَذا، وأنَّ الخِلافَ في الصِّيغَتَيْنِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهَكَذا الحَلِفُ بِالحَرامِ لَهُ صِيغَتانِ؛ إحْداهُما: إنْ فَعَلْت كَذا فَأنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوْ ما أحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرامٌ. والثّانِيَةُ: الحَرامُ يَلْزَمُنِي لا أفْعَلُ كَذا، فَمَن قالَ في " الطَّلاقِ يَلْزَمُنِي " إنّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ولا كِنايَةَ ولا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ فَفِي قَوْلِهِ " الحَرامُ يَلْزَمُنِي " أوْلى، ومَن قالَ إنّهُ كِنايَةٌ إنْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ كانَ طَلاقًا وإلّا فَلا فَهَكَذا يَقُولُ في " الحَرامِ يَلْزَمُنِي " إنْ نَوى بِهِ التَّحْرِيمَ كانَ كَما لَوْ نَوى بِالطَّلاقِ التَّطْلِيقَ، فَكَأنَّهُ التَزَمَ أنْ يُحَرِّمَ كَما التَزَمَ ذَلِكَ أنْ يُطَلِّقَ؛ فَهَذا التِزامٌ لِلتَّحْرِيمِ وذَلِكَ التِزامٌ لِلتَّطْلِيقِ، وإنْ نَوى بِهِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ يَلْزَمُنِي تَحْرِيمُهُ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ولا تَحْرِيمًا ولا طَلاقًا ولا ظِهارًا، ولا يَجُوزُ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المُسْلِمِ وبَيْنَ امْرَأتِهِ بِغَيْرِ لَفْظٍ لَمْ يُوضَعْ لِلطَّلاقِ ولا نَواهُ، وتَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينِ حُرْمَةٍ لِشِدَّةِ اليَمِينِ؛ إذْ لَيْسَتْ كالحَلِفِ بِالمَخْلُوقِ الَّتِي لا تَنْعَقِدُ ولا هي مِن لَغْوِ اليَمِينِ وهي يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ فَفِيها كَفّارَةُ يَمِينٍ. وَبِهَذا أفْتى ابْنُ عَبّاسٍ ورَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَصَحَّ عَنْهُ بِأصَحِّ إسْنادٍ «الحَرامُ يَمِينٌ يُكَفِّرُها» ثُمَّ قالَ: لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وَهَكَذا حُكْمُ قَوْلِهِ: " إنْ فَعَلْت كَذا فَأنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ " وهَذا أوْلى بِكَفّارَةِ يَمِينٍ مِن قَوْلِهِ: " أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ ". وَفِي قَوْلِهِ: " أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ " أوْ: " ما أحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرامٌ " أوْ: " أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ كالمَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ " مَذاهِبُ: أحَدُها: أنَّهُ لَغْوٌ وباطِلٌ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ مَسْرُوقٌ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَطاءٌ والشَّعْبِيُّ وداوُد وجَمِيعُ أهْلِ الظّاهِرِ وأكْثَرُ أصْحابِ الحَدِيثِ، وهو أحَدُ قَوْلَيْ المالِكِيَّةِ اخْتارَهُ أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ «سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: إذا حَرَّمَ امْرَأتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»، وصَحَّ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ: ما أُبالِي أحَرَّمْت امْرَأتِي أوْ قَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ، وصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ في تَحْرِيمِ المَرْأةِ: لَهو أهْوَنُ عَلَيَّ مِن نَعْلِي. وَقالَ أبُو سَلَمَةَ: ما أُبالِي أحَرَّمْت امْرَأتِي أوْ حَرَّمْت ماءَ النَّهْرِ. وَقالَ الحَجّاجُ بْنُ مِنهالٍ: إنّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ حَرامًا، فَسَألَ عَنْ ذَلِكَ حُمَيْدٍ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقالَ لَهُ حُمَيْدٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ (٧) وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾. وأنْتَ رَجُلٌ تَلْعَبُ فاذْهَبْ فالعَبْ. المَذْهَبُ الثّانِي: أنَّها ثَلاثُ تَطْلِيقاتٍ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، وقَضى فِيها أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ بِالثَّلاثِ في عَدِيِّ بْنِ قَيْسٍ الكِلابِيِّ وقالَ لَهُ: واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ مَسِسْتَها قَبْلَ أنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَك لَأرْجُمَنَّك، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّها لا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ إلّا بِالثَّلاثِ، فَكانَ وُقُوعُ الثَّلاثِ مِن ضَرُورَةِ كَوْنِها حَرامًا عَلَيْهِ. المَذْهَبُ الثّالِثُ: أنَّها بِهَذا القَوْلِ حَرامٌ عَلَيْهِ، صَحَّ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ وخِلاسِ بْنِ عَمْرٍو وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ هَؤُلاءِ طَلاقًا، بَلْ أمَرُوهُ بِاجْتِنابِها فَقَطْ. وَصَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَنْهُ رِوايَتانِ، أوْ يَكُونَ أرادَ تَحْرِيمَ الثَّلاثِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ لَفْظَهُ إنّما اقْتَضى التَّحْرِيمَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِعَدَدِ الطَّلاقِ؛ فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى تَحْرِيمِهِ. المَذْهَبُ الرّابِعُ: الوَقْفُ فِيها، صَحَّ ذَلِكَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ أيْضًا، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، قالَ: يَقُولُ رِجالٌ في " الحَلالُ حَرامٌ " إنّها حَرامٌ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ويَنْسُبُونَهُ إلى عَلِيٍّ، واللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ عَلِيٌّ، إنّما قالَ: ما أنا بِمُحِلِّها ولا بِمُحَرِّمِها عَلَيْك، إنْ شِئْت فَتَقَدَّمْ وإنْ شِئْت فَتَأخَّرْ. وحُجَّةُ هَؤُلاءِ أنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِطَلاقٍ، وهو لا يَمْلِكُ تَحْرِيمَ الحَلالِ، وإنَّما يَمْلِكُ إنْشاءَ السَّبَبِ الَّذِي يُحَرِّمُ بِهِ وهو الطَّلاقُ، وهَذا لَيْسَ بِصَرِيحٍ في الطَّلاقِ، ولا هو مِمّا ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فاشْتَبَهَ الأمْرُ فِيهِ. المَذْهَبُ الخامِسُ: إنْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ فَهو طَلاقٌ، وإلّا فَهو يَمِينٌ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ والزُّهْرِيِّ والشّافِعِيِّ ورِوايَةٌ عَنْ الحَسَنِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ كِنايَةٌ في الطَّلاقِ، فَإنْ نَواهُ بِهِ كانَ طَلاقًا، وإنْ لَمْ يَنْوِهِ كانَ يَمِينًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾. المَذْهَبُ السّادِسُ: أنَّهُ إنْ نَوى بِها الثَّلاثَ فَثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدَةً فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وإنْ نَوى يَمِينًا فَهو يَمِينٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهي كَذِبَةٌ لا شَيْءَ فِيها، قالَهُ سُفْيانُ وحَكاهُ النَّخَعِيُّ عَنْ أصْحابِهِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ لِما نَواهُ مِن ذَلِكَ فَيَتْبَعُ نِيَّتَهُ. المَذْهَبُ السّابِعُ: مِثْلُ هَذا، إلّا أنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهو يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ ظاهِرٌ قَوْله تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فَإذا نَوى بِهِ الطَّلاقَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، فَإذا طَلَّقَ ولَمْ يَنْوِ الطَّلاقَ كانَ يَمِينًا. المَذْهَبُ الثّامِنُ: مِثْلُ هَذا أيْضًا، إلّا أنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ إعْمالًا لِلَفْظِ التَّحْرِيمِ. المَذْهَبُ التّاسِعُ: أنَّ فِيهِ كَفّارَةَ الظِّهارِ، وصَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وأبِي قِلابَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعُثْمانَ التَّيْمِيِّ، وهو إحْدى الرِّواياتِ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ تَشْبِيهَ المَرْأةِ بِأُمِّهِ المُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ ظِهارًا، وجَعَلَهُ مُنْكَرًا مِن القَوْلِ وزُورًا، فَإذا كانَ التَّشْبِيهُ بِالمُحَرَّمَةِ يَجْعَلُهُ مُظاهِرًا فَإذا صَرَّحَ بِتَحْرِيمِها كانَ أوْلى بِالظِّهارِ. وَهَذا أقْيَسُ الأقْوالِ وأفْقَهُها، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُكَلَّفِ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ، وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى، وإنَّما جَعَلَ لَهُ مُباشَرَةَ الأفْعالِ والأقْوالِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها التَّحْرِيمُ والتَّحْلِيلُ، فالسَّبَبُ إلى العَبْدِ، وحُكْمُهُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَإذا قالَ " أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " أوْ قالَ " أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ " فَقَدْ قالَ المُنْكَرَ مِن القَوْلِ والزُّورَ، وكَذَبَ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْها كَظَهْرِ أُمِّهِ، ولا جَعَلَها عَلَيْهِ حَرامًا، فَأوْجَبَ عَلَيْهِ بِهَذا القَوْلِ مِن المُنْكَرِ والزُّورِ أغْلَظَ الكَفّارَتَيْنِ، وهي كَفّارَةُ الظِّهارِ. المَذْهَبُ العاشِرُ: أنَّها تَطْلِيقَةٌ واحِدَةٌ، وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وقَوْلِ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ شَيْخِ أبِي حَنِيفَةَ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ تَطْلِيقَ التَّحْرِيمِ لا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ بِالثَّلاثِ، بَلْ يَصْدُقُ بِأقَلِّهِ، والواحِدَةُ مُتَيَقَّنَةٌ؛ فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْها لِأنَّها اليَقِينُ؛ فَهو نَظِيرُ التَّحْرِيمِ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ. المَذْهَبُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّهُ يَنْوِي ما أرادَهُ مِن ذَلِكَ في إرادَةِ أصْلِ الطَّلاقِ وعَدَدِهِ، وإنْ نَوى تَحْرِيمًا بِغَيْرِ طَلاقٍ فَيَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ؛ فَلا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها إلّا بِالنِّيَّةِ، فَإنْ نَوى تَحْرِيمًا مُجَرَّدًا كانَ امْتِناعًا مِنها بِالتَّحْرِيمِ كامْتِناعِهِ بِاليَمِينِ، ولا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ في المَوْضِعَيْنِ. المَذْهَبُ الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ يَنْوِي أيْضًا في أصْلِ الطَّلاقِ وعَدَدِهِ، إلّا أنَّهُ إنْ نَوى واحِدَةً كانَتْ بائِنَةً، وإنْ لَمْ يَنْوِ طَلاقًا فَهو مُولٍ، وإنْ نَوى الكَذِبَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ احْتِمالُ اللَّفْظِ لِما ذَكَرَهُ، إلّا أنَّهُ إنْ نَوى واحِدَةً كانَتْ بائِنَةً؛ لِاقْتِضاءِ التَّحْرِيمِ لِلْبَيْنُونَةِ وهي صُغْرى وكُبْرى، والصُّغْرى هي المُتَحَقِّقَةُ فاعْتُبِرَتْ دُونَ الكُبْرى، وعَنْهُ رِوايَةٌ أُخْرى إنْ نَوى الكَذِبَ دُيِّنَ ولَمْ يُقْبَلْ في الحُكْمِ، بَلْ يَكُونُ مُولِيًا، ولا يَكُونُ مُظاهِرًا عِنْدَهُ نَواهُ أوْ لَمْ يَنْوِهِ، ولَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقالَ " أعْنِي بِهِ الظِّهارَ " لَمْ يَكُنْ مُظاهِرًا. المَذْهَبُ الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّهُ يَمِينٌ يُكَفِّرُهُ ما يُكَفِّرُ اليَمِينَ عَلى كُلِّ حالٍ، صَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ ومَكْحُولٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ونافِعٍ والأوْزاعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ وخَلْقٍ سِواهُمْ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ ظاهِرُ القُرْآنِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فَرْضَ تَحِلَّةِ الأيْمانِ عَقِبَ تَحْرِيمِ الحَلالِ، فَلا بُدَّ أنْ يَتَناوَلَهُ يَقِينًا؛ فَلا يَجُوزُ جَعْلُ تَحِلَّةِ الأيْمانِ لِغَيْرِ المَذْكُورِ قَبْلَها ويَخْرُجُ المَذْكُورُ عَنْ حُكْمِ التَّحِلَّةِ الَّتِي قُصِدَ ذِكْرُها لِأجْلِهِ. المَذْهَبُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّهُ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ يَتَعَيَّنُ فِيها عِتْقُ رَقَبَةٍ، صَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وجَماعَةٍ مِن التّابِعِينَ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ لَمّا كانَ يَمِينًا مُغَلَّظَةً غَلُظَتْ كَفّارَتُها بِتَحَتُّمِ العِتْقِ، ووَجْهُ تَغْلِيظِها تَضَمُّنُها تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللَّهُ ولَيْسَ إلى العَبْدِ، وقَوْلُ المُنْكَرِ والزُّورِ إنْ أرادَ الخَبَرَ فَهو كاذِبٌ في إخْبارِهِ مُعْتَدٍ في إقْسامِهِ؛ فَغَلُظَتْ كَفّارَتُهُ بِتَحَتُّمِ العِتْقِ كَما غَلُظَتْ كَفّارَةُ الظِّهارِ بِهِ أوْ بِصِيامِ شَهْرَيْنِ أوْ بِإطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا. المَذْهَبُ الخامِسَ عَشَرَ: أنَّهُ طَلاقٌ، ثُمَّ إنّها إنْ كانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِها فَهو ما نَواهُ مِن الواحِدَةِ وما فَوْقَها، وإنْ كانَتْ مَدْخُولًا بِها فَهو ثَلاثٌ، وإنْ نَوى أقَلَّ مِنها، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مالِكٍ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّفْظَ لَمّا اقْتَضى التَّحْرِيمَ وجَبَ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وغَيْرُ المَدْخُولِ بِها تُحَرَّمُ بِواحِدَةٍ، والمَدْخُولُ بِها لا تُحَرَّمُ إلّا بِالثَّلاثِ. [أقْوالُ المالِكِيَّةِ في المَسْألَةِ] وَبَعْدُ فَفي مَذْهَبِ مالِكٍ خَمْسَةُ أقْوالٍ، هَذا أحَدُها، وهو مَشْهُورُها، والثّانِي أنَّهُ ثَلاثٌ بِكُلِّ حالٍ نَوى الثَّلاثَ أوْ لَمْ يَنْوِها، اخْتارَها عَبْدُ المَلِكِ في مَبْسُوطِهِ، والثّالِثُ أنَّهُ واحِدَةٌ بائِنَةٌ مُطْلَقًا، حَكاهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادٍ رِوايَةً عَنْ مالِكٍ، الرّابِعُ أنَّهُ واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، الخامِسُ أنَّهُ ما نَواهُ مِن ذَلِكَ مُطْلَقًا، سَواءٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْدَهُ، وقَدْ عَرَفْت تَوْجِيهَ هَذِهِ الأقْوالِ. [تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في المَسْألَةِ]: وَأمّا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ فَإنَّهُ إنْ نَوى بِهِ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا، وإنْ نَوى بِهِ التَّحْرِيمَ كانَ تَحْرِيمًا لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلّا تَقَدُّمُ الكَفّارَةِ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ كانَ طَلاقًا وكانَ ما نَواهُ، وإنْ أطْلَقَ فَلِأصْحابِهِ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها: أنَّهُ صَرِيحٌ في إيجابِ الكَفّارَةِ، والثّانِي: لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ، والثّالِثُ: أنَّهُ في حَقِّ الأمَةِ صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ المُوجِبِ لِلْكَفّارَةِ وفي حَقِّ الحُرَّةِ كِنايَةٌ، قالُوا: لِأنَّ أصْلَ الآيَةِ إنّما ورَدَتْ في الأمَةِ، قالُوا: فَلَوْ قالَ " أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ " وقالَ " أرَدْت بِها الظِّهارَ والطَّلاقَ " فَقالَ ابْنُ الحَدّادِ: يُقالُ لَهُ عَيِّنْ أحَدَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَةَ الواحِدَةَ لا تَصْلُحُ لِلظِّهارِ والطَّلاقِ مَعًا، وقِيلَ: يَلْزَمُهُ ما بَدَأ بِهِ مِنهُما، قالُوا: ولَوْ ادَّعى رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ حَقًّا فَأنْكَرَهُ فَقالَ " الحِلُّ عَلَيْك حَرامٌ، والنِّيَّةُ نِيَّتِي لا نِيَّتُك، ما لِي عَلَيْك شَيْءٌ " فَقالَ: الحِلُّ عَلَيَّ حَرامٌ والنِّيَّةُ في ذَلِكَ نِيَّتُك ما لَك عِنْدِي شَيْءٌ، كانَتْ النِّيَّةُ نِيَّةَ الحالِفِ لا المُحَلِّفِ؛ لِأنَّ النِّيَّةَ إنّما تَكُونُ مِمَّنْ إلَيْهِ الإيقاعُ. [فَصْلٌ: تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ في المَسْألَةِ] وَأمّا تَحْرِيمُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ فَهو أنَّهُ ظِهارٌ بِمُطْلَقِهِ وإنْ لَمْ يَنْوِهِ، إلّا أنْ يَنْوِيَ بِهِ الطَّلاقَ أوْ اليَمِينَ فَيَلْزَمُهُ ما نَواهُ، وعَنْهُ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ أنَّهُ يَمِينٌ بِمُطْلَقِهِ إلّا أنْ يَنْوِيَ بِهِ الطَّلاقَ أوْ الظِّهارَ فَيَلْزَمُهُ ما نَواهُ، وعَنْهُ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ أنَّهُ ظِهارٌ بِكُلِّ حالٍ، ولَوْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ أوْ اليَمِينَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ولا طَلاقًا، كَما لَوْ نَوى الطَّلاقَ أوْ اليَمِينَ بِقَوْلِهِ " أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " فَإنَّ اللَّفْظَيْنِ صَرِيحانِ في الظِّهارِ، فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لَوْ وصَلَهُ بِقَوْلِهِ " أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ " فَهَلْ يَكُونُ طَلاقًا أوْ ظِهارًا؟ عَلى رِوايَتَيْنِ: إحْداهُما: يَكُونُ ظِهارًا كَما لَوْ قالَ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ أوْ التَّحْرِيمَ؛ إذْ التَّحْرِيمُ صَرِيحٌ في الظِّهارِ، والثّانِيَةُ أنَّهُ طَلاقٌ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِإرادَتِهِ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُهُ، وغايَتُهُ أنَّهُ كِنايَةٌ فِيهِ، فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ إنْ قالَ " أعْنِي بِهِ طَلاقًا " طَلُقَتْ واحِدَةً، وإنْ قالَ " أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ " فَهَلْ تَطْلُقُ ثَلاثًا أوْ واحِدَةً؟ عَلى رِوايَتَيْنِ مَأْخَذُهُما حَمْلُ اللّازِمِ عَلى الجِنْسِ أوْ العُمُومِ، هَذا تَحْرِيرُ مَذْهَبِهِ وتَقْرِيرُهُ. [مَذْهَبُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ في المَسْألَةِ] وَفِي المَسْألَةِ مَذْهَبٌ آخَرُ وراءَ هَذا كُلِّهِ، وهو أنَّهُ إنْ أوْقَعَ التَّحْرِيمَ كانَ ظِهارًا ولَوْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ، وإنْ حَلَفَ بِهِ كانَ يَمِينًا مُكَفِّرَةً، وهَذا اخْتِيارُ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ النَّصُّ والقِياسُ؛ فَإنَّهُ إذا أوْقَعَهُ كانَ قَدْ أتى مُنْكَرًا مِن القَوْلِ وزُورًا، وكانَ أوْلى بِكَفّارَةِ الظِّهارِ مِمَّنْ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِالمُحَرَّمَةِ، وإذا حَلَفَ بِهِ كانَ يَمِينًا مِن الأيْمانِ كَما لَوْ حَلَفَ بِالتِزامِ العِتْقِ والحَجِّ والصَّدَقَةِ، وهَذا مَحْضُ القِياسِ والفِقْهِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا قالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أُعْتِقَ، أوْ أحُجَّ، أوْ أصُومَ " لَزِمَهُ، ولَوْ قالَ: " إنْ كَلَّمْت فُلانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ ذَلِكَ " عَلى وجْهِ اليَمِينِ فَهو يَمِينٌ، وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: " هو يَهُودِيٌّ، أوْ نَصْرانِيٌّ " كَفَرَ بِذَلِكَ، ولَوْ قالَ: " إنْ فَعَلْت كَذا فَهو يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ " كانَ يَمِينًا، وطَرْدُ هَذا - بَلْ نَظِيرُهُ مِن كُلِّ وجْهٍ - أنَّهُ إذا قالَ: " أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " كانَ ظِهارًا؛ فَلَوْ قالَ: " إنْ فَعَلْت كَذا فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " كانَ يَمِينًا، وطَرْدُ هَذا أيْضًا إذا قالَ: " أنْتِ طالِقٌ " كانَ طَلاقًا، وإنْ قالَ: " إنْ فَعَلْت كَذا فَأنْتِ طالِقٌ " كانَ يَمِينَهُ، فَهَذِهِ هي الأُصُولُ الصَّحِيحَةُ المُطَّرِدَةُ المَأْخُوذَةُ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ والمِيزانِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

التحريم 66:2

(فائدة: في أن الطلاق ليس بتحريم) قال ابن القيم - بعد كلام -: ويدل على أن الطلاق ليس بتحريم أن الله تعالى أباحه ولم يبح قط تحريم الحلال، والتحريم ليس إلى العبد إنما إليه الأسباب والتحليل والتحريم يتبعها فهو كالعتق سواء وقد قال تعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثم فرض تحلة اليمين في تحريم الحلال وقد طلق ﷺ حفصة ولم يكن ذلك تحريما لها ولو كان الطلاق تحريما لشرعت فيه الكفارة كما شرعت في تحريم الحلال وكما شرعت في الظهار الذي هو تحريم. [فصل: حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَيَّنَهُ عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى فِيمَن حَرَّمَ أمَتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ أوْ مَتاعَهُ] قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ ": «أنَّهُ ﷺ شَرِبَ عَسَلًا مِن بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فاحْتالَتْ عَلَيْهِ عائشة وحَفْصَةُ حَتّى قالَ لَنْ أعُودَ لَهُ». وفي لَفْظٍ: (وَقَدْ حَلَفَتْ). وَفِي " سُنَنِ النَّسائِيِّ ": عَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَتْ لَهُ أمَةٌ يَطَؤُها، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عائشة وحفصة حَتّى حَرَّمَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾». وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنِ (ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ فَهي يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وقالَ: (لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)» وَفِي " جامِعِ التِّرْمِذِيِّ ": عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «آلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن نِسائِهِ وحَرَّمَ، فَجَعَلَ الحَرامَ حَلالًا، وجَعَلَ في اليَمِينِ كَفّارَةً» هَكَذا رَواهُ مسلمة بن علقمة، عَنْ داود، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مسروق، عَنْ عائشة، ورَواهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وغَيْرُهُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا وهو أصَحُّ، انْتَهى كَلامُ أبي عيسى. وَقَوْلُها: جَعَلَ الحَرامَ حَلالًا، أيْ جَعَلَ الشَّيْءَ الَّذِي حَرَّمَهُ وهو العَسَلُ، أوِ الجارِيَةُ، حَلالًا بَعْدَ تَحْرِيمِهِ إيّاهُ. وَقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، عَنْ عبد الله بن هبيرة، عَنْ (قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قالَ: سَألْتُ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، وابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَمَّنْ قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، فَقالا جَمِيعًا: كَفّارَةُ يَمِينٍ). وَقالَ عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد، عَنِ (ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ في التَّحْرِيمِ: هي يَمِينٌ يُكَفِّرُها). قالَ ابْنُ حَزْمٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِيقِ، وعائشة أُمِّ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَجّاجُ بْنُ مِنهالٍ، حَدَّثَنا (جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ قالَ: «سَألْتُ نافِعًا مَوْلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الحَرامِ أطَلاقٌ هُوَ؟ قالَ: لا، أوَلَيْسَ قَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جارِيَتَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، ولَمْ يُحَرِّمْها عَلَيْهِ». وَقالَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، وأيُّوبَ السَّخْتِيانِيِّ، كِلاهُما عَنْ عكرمة، أنَّ (عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: هي يَمِينٌ يَعْنِي التَّحْرِيمَ). وَقالَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنا المقدمي، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَّةَ، عَنْ نافع، عَنِ (ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: الحَرامُ يَمِينٌ). وَفِي " صَحِيحِ البُخارِيِّ ": عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَقُولُ: إذا حَرَّمَ امْرَأتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَقِيلَ هَذا رِوايَةٌ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ إنَّما أرادَ أنَّهُ لَيْسَ بِطَلاقٍ، وفِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، ولِهَذا احْتَجَّ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا الثّانِي أظْهَرُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها عِشْرُونَ مَذْهَبًا لِلنّاسِ، ونَحْنُ نَذْكُرُها، ونَذْكُرُ وُجُوهَها، ومَآخِذَها، والرّاجِحَ مِنها، بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ. أحَدُها: أنَّ التَّحْرِيمَ لَغْوٌ لا شَيْءَ فِيهِ، لا في الزَّوْجَةِ، ولا في غَيْرِها، لا طَلاقَ، ولا إيلاءَ، ولا يَمِينَ، ولا ظِهارَ، رَوى وكِيعٌ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مسروق: (ما أُبالِي حَرَّمْتُ امْرَأتِي أوْ قَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ) وَذَكَرَ عبد الرزاق عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ صالح بن مسلم، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ (قالَ في تَحْرِيمِ المَرْأةِ: لَهي أهْوَنُ عَلَيَّ مِن نَعْلِي) وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أخْبَرَنِي عبد الكريم، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنَّهُ قالَ: ما أُبالِي حَرَّمْتُها، يَعْنِي امْرَأتَهُ، أوْ حَرَّمْتُ ماءَ النَّهْرِ. وَقالَ قتادة: سَألَ رَجُلٌ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيَّ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ - وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧-٨] وَأنْتَ رَجُلٌ تَلْعَبُ، فاذْهَبْ فالعَبْ، هَذا قَوْلُ أهْلِ الظّاهِرِ كُلِّهِمْ. المَذْهَبُ الثّانِي: أنَّ التَّحْرِيمَ في الزَّوْجَةِ طَلاقٌ ثَلاثٌ. قالَ ابْنُ حَزْمٍ قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ عُمَرَ وهو قَوْلُ الحسن ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، ورُوِيَ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ. قُلْتُ: الثابت عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عُمَرَ ما رَواهُ هو مِن طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبي هبيرة عَنْ قبيصة، أنَّهُ سَألَ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، وابْنَ عُمَرَ، عَمَّنْ قالَ لِامْرَأتِهِ. أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، فَقالا جَمِيعًا: كَفّارَةُ يَمِينٍ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْهُما خِلافُ ذَلِكَ، وأمّا عَلِيٌّ، فَقَدْ رَوى أبو محمد ابن حزم مِن طَرِيقِ يَحْيى القَطّانِ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: يَقُولُ رِجالٌ في الحَرامِ، هي حَرامٌ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ولا واللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ علي، وإنَّما قالَ علي: (ما أنا بِمُحِلِّها، ولا بِمُحَرِّمِها عَلَيْكَ، إنْ شِئْتَ فَتَقَدَّمْ، وإنْ شِئْتَ فَتَأخَّرْ) وَأمّا الحسن، فَقَدْ رَوى أبو محمد مِن طَرِيقِ قتادة عَنْهُ أنَّهُ قالَ: (كُلُّ حَلالٍ عَلَيَّ حَرامٌ فَهو يَمِينٌ) ولَعَلَّ أبا محمد غَلِطَ عَلى علي وزيد، وابْنِ عُمَرَ، مِن مَسْألَةِ الخَلِيَّةِ والبَرِيَّةِ والبَتَّةِ، فَإنَّ أحمد حَكى عَنْهم أنَّها ثَلاثٌ. وَقالَ هو عَنْ علي وابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ، فَوَهِمَ أبو محمد وحَكاهُ فِي: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ وهو وهْمٌ ظاهِرٌ، فَإنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَ التَّحْرِيمِ فَأفْتَوْا فِيهِ بِأنَّهُ يَمِينٌ، وبَيْنَ الخَلِيَّةِ فَأفْتَوْا فِيها بِالثَّلاثِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قالَ إنَّهُ ثَلاثٌ بِكُلِّ حالٍ. المَذْهَبُ الثّالِثُ: أنَّهُ ثَلاثٌ في حَقِّ المَدْخُولِ بِها لا يُقْبَلُ مِنهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِها وقَعَ ما نَواهُ مِن واحِدَةٍ واثْنَتَيْنِ وثَلاثٍ، فَإنْ أطْلَقَ فَواحِدَةٌ، وإنْ قالَ لَمْ أُرِدْ طَلاقًا، فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ كَلامٌ يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَيْهِ قُبِلَ مِنهُ، وإنْ كانَ ابْتِداءً لَمْ يُقْبَلْ، وإنْ حَرَّمَ أمَتَهُ، أوْ طَعامَهُ، أوْ مَتاعَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذا مَذْهَبُ مالك. المَذْهَبُ الرّابِعُ: أنَّهُ إنْ نَوى الطَّلاقَ، كانَ طَلاقًا، ثُمَّ إنْ نَوى بِهِ الثَّلاثَ فَثَلاثٌ، وإنْ نَوى دُونَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وإنْ نَوى يَمِينًا فَهو يَمِينٌ فِيها كَفّارَةٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهو إيلاءٌ فِيهِ حُكْمُ الإيلاءِ. فَإنْ نَوى الكَذِبَ صُدِّقَ في الفُتْيا، ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ويَكُونُ في القَضاءِ إيلاءً، وإنْ صادَفَ غَيْرَ الزَّوْجَةِ الأمَةَ والطَّعامَ وغَيْرَهُ، فَهو يَمِينٌ فِيهِ كَفّارَتُها وهَذا مَذْهَبُ أبي حنيفة. المَذْهَبُ الخامِسُ: أنَّهُ إنْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ، كانَ طَلاقًا، ويَقَعُ ما نَواهُ فَإنْ أطْلَقَ، وقَعَتْ واحِدَةً، وإنْ نَوى الظِّهارَ كانَ ظِهارًا، وإنْ نَوى اليَمِينَ، كانَ يَمِينًا، وإنْ نَوى تَحْرِيمَ عَيْنِها مِن غَيْرِ طَلاقٍ ولا ظِهارٍ، فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. والثّانِي: يَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ. وإنْ صادَفَ جارِيَةً فَنَوى عِتْقَها، وقَعَ العِتْقُ، وإنْ نَوى تَحْرِيمَها، لَزِمَهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنْ نَوى الظِّهارَ مِنها، لَمْ يَصِحَّ، ولَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. والثّانِي: عَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ. وإنْ صادَفَ غَيْرَ الزَّوْجَةِ والأمَةِ لَمْ يَحْرُمْ، ولَمْ يَلْزَمْهُ بِهِ شَيْءٌ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. المَذْهَبُ السّادِسُ: أنَّهُ ظِهارٌ بِإطْلاقِهِ، نَواهُ أوْ لَمْ يَنْوِهِ، إلّا أنْ يَصْرِفَهُ بِالنِّيَّةِ إلى الطَّلاقِ أوِ اليَمِينِ، فَيَنْصَرِفُ إلى ما نَواهُ، هَذا ظاهِرُ مَذْهَبِ أحْمَدَ. وَعَنْهُ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ أنَّهُ بِإطْلاقِهِ يَمِينٌ إلّا أنْ يَصْرِفَهُ بِالنِّيَّةِ إلى الظِّهارِ أوِ الطَّلاقِ، فَيَنْصَرِفُ إلى ما نَواهُ، وعَنْهُ رِوايَةٌ أُخْرى ثالِثَةٌ، أنَّهُ ظِهارٌ بِكُلِّ حالٍ ولَوْ نَوى غَيْرَهُ، وفِيهِ رِوايَةٌ رابِعَةٌ، حَكاها أبُو الحُسَيْنِ في " فُرُوعِهِ " أنَّهُ طَلاقٌ بائِنٌ. ولَوْ وصَلَهُ بِقَوْلِهِ أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ، فَعَنْهُ فِيهِ رِوايَتانِ. إحْداهُما: أنَّهُ طَلاقٌ، فَعَلى هَذا، هَلْ تَلْزَمُهُ الثَّلاثُ، أوْ واحِدَةٌ؟ عَلى رِوايَتَيْنِ، والثّانِيَةُ أنَّهُ ظِهارٌ أيْضًا، كَما لَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي: أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ، هَذا تَلْخِيصُ مَذْهَبِهِ. المَذْهَبُ السّابِعُ: أنَّهُ إنْ نَوى بِهِ ثَلاثًا، فَهي ثَلاثٌ، وإنْ نَوى بِهِ واحِدَةً، فَهي واحِدَةٌ بائِنَةٌ، وإنْ نَوى بِهِ يَمِينًا، فَهي يَمِينٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهي كِذْبَةٌ لا شَيْءَ فِيها، وهَذا مَذْهَبُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، حَكاهُ عَنْهُ أبو محمد ابن حزم. المَذْهَبُ الثّامِنُ: أنَّهُ طَلْقَةٌ واحِدَةٌ بائِنَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وهَذا مَذْهَبُ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ. المَذْهَبُ التّاسِعُ: أنَّهُ إنْ نَوى ثَلاثًا فَثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدَةً، أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وهَذا مَذْهَبُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، حَكاهُ عَنْهُ أبو محمد ابن حزم. المَذْهَبُ العاشِرُ: أنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، حَكاهُ ابن الصباغ، وصاحِبُهُ أبُو بَكْرٍ الشّاشِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. المَذْهَبُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّها حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَقَطْ، ولَمْ يَذْكُرْ هَؤُلاءِ ظِهارًا، ولا طَلاقًا، ولا يَمِينًا، بَلْ ألْزَمُوهُ مُوجَبَ تَحْرِيمِهِ. قالَ ابْنُ حَزْمٍ صَحَّ هَذا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ورِجالٍ مِنَ الصَّحابَةِ لَمْ يُسَمَّوْا وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وَصَحَّ عَنِ الحسن وخِلاسِ بْنِ عَمْرٍو، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وقتادة، أنَّهم أمَرُوهُ بِاجْتِنابِها فَقَطْ. المَذْهَبُ الثّانِي عَشَرَ: التَّوَقُّفُ في ذَلِكَ لا يُحَرِّمُها المُفْتِي عَلى الزَّوْجِ، ولا يُحَلِّلُها لَهُ، كَما رَواهُ الشَّعْبِيُّ عَنْ علي أنَّهُ قالَ: (ما أنا بِمُحِلِّها ولا مُحَرِّمِها عَلَيْكَ، إنْ شِئْتَ فَتَقَدَّمْ، وإنْ شِئْتَ فَتَأخَّرْ) المَذْهَبُ الثّالِثَ عَشَرَ: الفَرْقُ بَيْنَ أنْ يُوقِعَ التَّحْرِيمَ مُنَجَّزًا أوْ مُعَلَّقًا تَعْلِيقًا مَقْصُودًا، وبَيْنَ أنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ اليَمِينِ، فالأوَّلُ ظِهارٌ بِكُلِّ حالٍ، ولَوْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ، ولَوْ وصَلَهُ بِقَوْلِهِ: أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ. والثّانِي: يَمِينٌ يَلْزَمُهُ بِهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، فَإذا قالَ أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوْ إذا دَخَلَ رَمَضانُ فَأنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، فَظِهارٌ، وإذا قالَ إنْ سافَرْتُ، أوْ إنْ أكَلْتُ هَذا الطَّعامَ، أوْ كَلَّمْتُ فُلانًا، فامْرَأتِي عَلَيَّ حَرامٌ، فَيَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، وهَذا اخْتِيارُ شَيْخِ الإسْلامِ ابن تيمية، فَهَذِهِ أُصُولُ المَذاهِبِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وتَتَفَرَّعُ إلى أكْثَرَ مِن عِشْرِينَ مَذْهَبًا. [فَصْلٌ: الِاخْتِلافُ في تَحْرِيمِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ] وَقَدْ تَبَيَّنَ بِما ذَكَرْنا أنَّ مَن حَرَّمَ شَيْئًا غَيْرَ الزَّوْجَةِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ واللِّباسِ أوْ أمَتِهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وفي هَذا خِلافٌ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ. أحَدُها: أنَّهُ لا يَحْرُمُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ أبو حنيفة: يَحْرُمُ تَحْرِيمًا مُقَيَّدًا تُزِيلُهُ الكَفّارَةُ، كَما إذا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ وطْؤُها حَتّى يُكَفِّرَ، ولِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى الكَفّارَةَ في ذَلِكَ تَحِلَّةً، وهي ما يُوجِبُ الحِلَّ، فَدَلَّ عَلى ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ قَبْلَها، ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ولِأنَّهُ تَحْرِيمٌ لِما أُبِيحَ لَهُ، فَيَحْرُمُ بِتَحْرِيمِهِ كَما لَوْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ. وَمُنازِعُوهُ يَقُولُونَ: إنَّما سُمِّيَتِ الكَفّارَةُ تَحِلَّةً مِنَ الحَلِّ الَّذِي هو ضِدُّ العَقْدِ، لا مِنَ الحِلِّ الَّذِي هو مُقابِلُ التَّحْرِيمِ، فَهي تَحِلُّ اليَمِينَ بَعْدَ عَقْدِها. وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ فالمُرادُ تَحْرِيمُ الأمَةِ أوِ العَسَلِ، ومَنعُ نَفْسِهِ مِنهُ، وذَلِكَ يُسَمّى تَحْرِيمًا، فَهو تَحْرِيمٌ بِالقَوْلِ لا إثْباتَ لِلتَّحْرِيمِ شَرْعًا. وَأمّا قِياسُهُ عَلى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِالظِّهارِ، أوْ بِقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيِّ حَرامٌ، فَلَوْ صَحَّ هَذا القِياسُ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ التَّكْفِيرِ عَلى الحِنْثِ قِياسًا عَلى الظِّهارِ، إذْ كانَ في مَعْناهُ، وعِنْدَهم لا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ إلّا بَعْدَ الحِنْثِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَلْزَمُ أحَدُ أمْرَيْنِ: ولا بُدَّ إمّا أنْ يَفْعَلَهُ حَرامًا، وقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَحِلَّةَ اليَمِينِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ المُحَرَّمِ مَفْرُوضًا أوْ مِن ضَرُورَةِ المَفْرُوضِ؛ لِأنَّهُ لا يَصِلُ إلى التَّحِلَّةِ إلّا بِفِعْلِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أوْ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى فِعْلِهِ حَلالًا؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ، فَيَسْتَفِيدُ بِها الحِلَّ، وإقْدامُهُ عَلَيْهِ، وهو حَرامٌ مُمْتَنِعٌ، هَذا ما قِيلَ في المَسْألَةِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وَبَعْدُ، فَلَها غَوْرٌ، وفِيها دِقَّةٌ وغُمُوضٌ، فَإنَّ مَن حَرَّمَ شَيْئًا، فَهو بِمَنزِلَةِ مَن حَلَفَ بِاللَّهِ عَلى تَرْكِهِ، ولَوْ حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ هَتْكُ حُرْمَةِ المَحْلُوفِ بِهِ بِفِعْلِهِ، إلّا بِالتِزامِ الكَفّارَةِ، فَإذا التَزَمَها جازَ لَهُ الإقْدامُ عَلى فِعْلِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَلَوْ عَزَمَ عَلى تَرْكِ الكَفّارَةِ، فَإنَّ الشّارِعَ لا يُبِيحُ لَهُ الإقْدامَ عَلى فِعْلِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، ويَأْذَنُ لَهُ فِيهِ، وإنَّما يَأْذَنُ لَهُ فِيهِ ويُبِيحُهُ، إذا التَزَمَ ما فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الكَفّارَةِ، فَيَكُونُ إذْنُهُ لَهُ فِيهِ وإباحَتُهُ بَعْدَ امْتِناعِهِ مِنهُ بِالحَلِفِ أوِ التَّحْرِيمِ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ، ونِعْمَةً مِنهُ عَلَيْهِ، بِسَبَبِ التِزامِهِ لِحُكْمِهِ الَّذِي فَرَضَ لَهُ مِنَ الكَفّارَةِ، فَإذا لَمْ يَلْتَزِمْهُ بَقِيَ المَنعُ الَّذِي عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ إصْرًا عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما رَفَعَ الآصارَ عَمَّنِ اتَّقاهُ، والتَزَمَ حُكْمَهُ، وقَدْ كانَتِ اليَمِينُ في شَرْعِ مَن قَبْلَنا يَتَحَتَّمُ الوَفاءُ بِها، ولا يَجُوزُ الحِنْثُ، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ وجَوَّزَ لَها الحِنْثَ بِشَرْطِ الكَفّارَةِ، فَإذا لَمْ يُكَفِّرْ لا قَبْلُ ولا بَعْدُ لَمْ يُوَسَّعْ لَهُ في الحِنْثِ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّهُ يَحْرُمُ حَتّى يُكَفِّرَ. وَلَيْسَ هَذا مِن مُفْرَداتِ أبي حنيفة، بَلْ هو أحَدُ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحمد، يُوَضِّحُهُ: أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ والحَلِفَ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ مَنعانِ: مَنعٌ مِن نَفْسِهِ لِفِعْلِهِ، ومَنعٌ مِنَ الشّارِعِ لِلْحِنْثِ بِدُونِ الكَفّارَةِ، فَلَوْ لَمْ يُحَرِّمْهُ تَحْرِيمُهُ أوْ يَمِينُهُ، لَمْ يَكُنْ لِمَنعِهِ نَفْسَهُ، ولا لِمَنعِ الشّارِعِ لَهُ أثَرٌ، بَلْ كانَ غايَةُ الأمْرِ أنَّ الشّارِعَ أوْجَبَ في ذِمَّتِهِ بِهَذا المَنعِ صَدَقَةً، أوْ عِتْقًا، أوْ صَوْمًا لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ حِلُّ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ ولا تَحْرِيمُهُ ألْبَتَّةَ، بَلْ هو قَبْلَ المَنعِ وبَعْدَهُ عَلى السَّواءِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ، فَلا يَكُونُ لِلْكَفّارَةِ أثَرٌ ألْبَتَّةَ، لا في المَنعِ مِنهُ، ولا في الإذْنِ، وهَذا لا يَخْفى فَسادُهُ. وَأمّا إلْزامُهُ بِالإقْدامِ عَلَيْهِ مَعَ تَحْرِيمِهِ حَيْثُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ، فَجَوابُهُ أنَّهُ إنَّما يَجُوزُ لَهُ الإقْدامُ عِنْدَ عَزْمِهِ عَلى التَّكْفِيرِ، فَعَزْمُهُ عَلى التَّكْفِيرِ مَنعٌ مِن بَقاءِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ، وإنَّما يَكُونُ التَّحْرِيمُ ثابِتًا إذا لَمْ يَلْتَزِمِ الكَفّارَةَ، ومَعَ التِزامِها لا يَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ. [فَصْلٌ: كَفّارَةُ التَّحْرِيمِ] الثّانِي: أنْ يَلْزَمَهُ كَفّارَةٌ بِالتَّحْرِيمِ، وهو بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، وهَذا قَوْلُ مَن سَمَّيْناهُ مِنَ الصَّحابَةِ، وقَوْلُ فُقَهاءِ الرَّأْيِ والحَدِيثِ، إلّا الشّافِعِيَّ ومالكا، فَإنَّهُما قالا: لا كَفّارَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. والَّذِينَ أوْجَبُوا الكَفّارَةَ أسْعَدُ بِالنَّصِّ مِنَ الَّذِينَ أسْقَطُوها، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ تَحِلَّةَ الأيْمانِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ قَدْ فُرِضَ فِيهِ تَحِلَّةُ الأيْمانِ، إمّا مُخْتَصًّا بِهِ، وإمّا شامِلًا لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخْلى سَبَبُ الكَفّارَةِ المَذْكُورَةِ في السِّياقِ عَنْ حُكْمِ الكَفّارَةِ ويُعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، وهَذا ظاهِرُ الِامْتِناعِ. وَأيْضًا فَإنَّ المَنعَ مِن فِعْلِهِ بِالتَّحْرِيمِ كالمَنعِ مِنهُ بِاليَمِينِ، بَلْ أقْوى، فَإنَّ اليَمِينَ إنْ تَضَمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ، فالتَّحْرِيمُ تَضَمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ شَرْعِهِ وأمْرِهِ، فَإنَّهُ إذا شَرَعَ الشَّيْءَ حَلالًا، فَحَرَّمَهُ المُكَلَّفُ، كانَ تَحْرِيمُهُ هَتْكًا لِحُرْمَةِ ما شَرَعَهُ، ونَحْنُ نَقُولُ: لَمْ يَتَضَمَّنِ الحِنْثُ في اليَمِينِ هَتْكَ حُرْمَةِ الِاسْمِ، ولا التَّحْرِيمُ هَتْكَ حُرْمَةِ الشَّرْعِ، كَما يَقُولُهُ مَن يَقُولُ مِنَ الفُقَهاءِ، وهو تَعْلِيلٌ فاسِدٌ جِدًّا، فَإنَّ الحِنْثَ إمّا جائِزٌ، وإمّا واجِبٌ، أوْ مُسْتَحَبٌّ، وما جَوَّزَ اللَّهُ لِأحَدٍ ألْبَتَّةَ أنْ يَهْتِكَ حُرْمَةَ اسْمِهِ، وقَدْ شَرَعَ لِعِبادِهِ الحِنْثَ مَعَ الكَفّارَةِ، وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ «إذا حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وأتى المَحْلُوفَ عَلَيْهِ» وَمَعْلُومٌ أنَّ هَتْكَ حُرْمَةِ اسْمِهِ تَبارَكَ وتَعالى لَمْ يُبَحْ في شَرِيعَةٍ قَطُّ، وإنَّما الكَفّارَةُ كَما سَمّاها اللَّهُ تَعالى تَحِلَّةً، وهي تَفْعِلَةٌ مِنَ الحَلِّ، فَهي تَحِلُّ ما عُقِدَ بِهِ اليَمِينُ لَيْسَ إلّا وهَذا العَقْدُ كَما يَكُونُ بِاليَمِينِ يَكُونُ بِالتَّحْرِيمِ، وظَهَرَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. [فَصْلٌ: الحَلِفُ بِالطَّلاقِ وبِالحَرامِ لَهُ صِيغَتانِ] قَدْ عُرِفَ أنَّ الحَلِفَ بِالطَّلاقِ لَهُ صِيغَتانِ؛ إحْداهُما: إنْ فَعَلْت كَذا وكَذا فَأنْتِ طالِقٌ، والثّانِيَةُ الطَّلاقُ يَلْزَمُنِي لا أفْعَلُ كَذا، وأنَّ الخِلافَ في الصِّيغَتَيْنِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهَكَذا الحَلِفُ بِالحَرامِ لَهُ صِيغَتانِ؛ إحْداهُما: إنْ فَعَلْت كَذا فَأنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوْ ما أحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرامٌ. والثّانِيَةُ: الحَرامُ يَلْزَمُنِي لا أفْعَلُ كَذا، فَمَن قالَ في " الطَّلاقِ يَلْزَمُنِي " إنّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ولا كِنايَةَ ولا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ فَفِي قَوْلِهِ " الحَرامُ يَلْزَمُنِي " أوْلى، ومَن قالَ إنّهُ كِنايَةٌ إنْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ كانَ طَلاقًا وإلّا فَلا فَهَكَذا يَقُولُ في " الحَرامِ يَلْزَمُنِي " إنْ نَوى بِهِ التَّحْرِيمَ كانَ كَما لَوْ نَوى بِالطَّلاقِ التَّطْلِيقَ، فَكَأنَّهُ التَزَمَ أنْ يُحَرِّمَ كَما التَزَمَ ذَلِكَ أنْ يُطَلِّقَ؛ فَهَذا التِزامٌ لِلتَّحْرِيمِ وذَلِكَ التِزامٌ لِلتَّطْلِيقِ، وإنْ نَوى بِهِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ يَلْزَمُنِي تَحْرِيمُهُ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ولا تَحْرِيمًا ولا طَلاقًا ولا ظِهارًا، ولا يَجُوزُ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المُسْلِمِ وبَيْنَ امْرَأتِهِ بِغَيْرِ لَفْظٍ لَمْ يُوضَعْ لِلطَّلاقِ ولا نَواهُ، وتَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينِ حُرْمَةٍ لِشِدَّةِ اليَمِينِ؛ إذْ لَيْسَتْ كالحَلِفِ بِالمَخْلُوقِ الَّتِي لا تَنْعَقِدُ ولا هي مِن لَغْوِ اليَمِينِ وهي يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ فَفِيها كَفّارَةُ يَمِينٍ. وَبِهَذا أفْتى ابْنُ عَبّاسٍ ورَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَصَحَّ عَنْهُ بِأصَحِّ إسْنادٍ «الحَرامُ يَمِينٌ يُكَفِّرُها» ثُمَّ قالَ: لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وَهَكَذا حُكْمُ قَوْلِهِ: " إنْ فَعَلْت كَذا فَأنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ " وهَذا أوْلى بِكَفّارَةِ يَمِينٍ مِن قَوْلِهِ: " أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ ". وَفِي قَوْلِهِ: " أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ " أوْ: " ما أحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرامٌ " أوْ: " أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ كالمَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ " مَذاهِبُ: أحَدُها: أنَّهُ لَغْوٌ وباطِلٌ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ مَسْرُوقٌ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَطاءٌ والشَّعْبِيُّ وداوُد وجَمِيعُ أهْلِ الظّاهِرِ وأكْثَرُ أصْحابِ الحَدِيثِ، وهو أحَدُ قَوْلَيْ المالِكِيَّةِ اخْتارَهُ أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ «سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: إذا حَرَّمَ امْرَأتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»، وصَحَّ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ: ما أُبالِي أحَرَّمْت امْرَأتِي أوْ قَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ، وصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ في تَحْرِيمِ المَرْأةِ: لَهو أهْوَنُ عَلَيَّ مِن نَعْلِي. وَقالَ أبُو سَلَمَةَ: ما أُبالِي أحَرَّمْت امْرَأتِي أوْ حَرَّمْت ماءَ النَّهْرِ. وَقالَ الحَجّاجُ بْنُ مِنهالٍ: إنّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ حَرامًا، فَسَألَ عَنْ ذَلِكَ حُمَيْدٍ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقالَ لَهُ حُمَيْدٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ (٧) وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾. وأنْتَ رَجُلٌ تَلْعَبُ فاذْهَبْ فالعَبْ. المَذْهَبُ الثّانِي: أنَّها ثَلاثُ تَطْلِيقاتٍ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، وقَضى فِيها أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ بِالثَّلاثِ في عَدِيِّ بْنِ قَيْسٍ الكِلابِيِّ وقالَ لَهُ: واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ مَسِسْتَها قَبْلَ أنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَك لَأرْجُمَنَّك، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّها لا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ إلّا بِالثَّلاثِ، فَكانَ وُقُوعُ الثَّلاثِ مِن ضَرُورَةِ كَوْنِها حَرامًا عَلَيْهِ. المَذْهَبُ الثّالِثُ: أنَّها بِهَذا القَوْلِ حَرامٌ عَلَيْهِ، صَحَّ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ وخِلاسِ بْنِ عَمْرٍو وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ هَؤُلاءِ طَلاقًا، بَلْ أمَرُوهُ بِاجْتِنابِها فَقَطْ. وَصَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَنْهُ رِوايَتانِ، أوْ يَكُونَ أرادَ تَحْرِيمَ الثَّلاثِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ لَفْظَهُ إنّما اقْتَضى التَّحْرِيمَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِعَدَدِ الطَّلاقِ؛ فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى تَحْرِيمِهِ. المَذْهَبُ الرّابِعُ: الوَقْفُ فِيها، صَحَّ ذَلِكَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ أيْضًا، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، قالَ: يَقُولُ رِجالٌ في " الحَلالُ حَرامٌ " إنّها حَرامٌ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ويَنْسُبُونَهُ إلى عَلِيٍّ، واللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ عَلِيٌّ، إنّما قالَ: ما أنا بِمُحِلِّها ولا بِمُحَرِّمِها عَلَيْك، إنْ شِئْت فَتَقَدَّمْ وإنْ شِئْت فَتَأخَّرْ. وحُجَّةُ هَؤُلاءِ أنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِطَلاقٍ، وهو لا يَمْلِكُ تَحْرِيمَ الحَلالِ، وإنَّما يَمْلِكُ إنْشاءَ السَّبَبِ الَّذِي يُحَرِّمُ بِهِ وهو الطَّلاقُ، وهَذا لَيْسَ بِصَرِيحٍ في الطَّلاقِ، ولا هو مِمّا ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فاشْتَبَهَ الأمْرُ فِيهِ. المَذْهَبُ الخامِسُ: إنْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ فَهو طَلاقٌ، وإلّا فَهو يَمِينٌ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ والزُّهْرِيِّ والشّافِعِيِّ ورِوايَةٌ عَنْ الحَسَنِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ كِنايَةٌ في الطَّلاقِ، فَإنْ نَواهُ بِهِ كانَ طَلاقًا، وإنْ لَمْ يَنْوِهِ كانَ يَمِينًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾. المَذْهَبُ السّادِسُ: أنَّهُ إنْ نَوى بِها الثَّلاثَ فَثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدَةً فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وإنْ نَوى يَمِينًا فَهو يَمِينٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهي كَذِبَةٌ لا شَيْءَ فِيها، قالَهُ سُفْيانُ وحَكاهُ النَّخَعِيُّ عَنْ أصْحابِهِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ لِما نَواهُ مِن ذَلِكَ فَيَتْبَعُ نِيَّتَهُ. المَذْهَبُ السّابِعُ: مِثْلُ هَذا، إلّا أنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهو يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ ظاهِرٌ قَوْله تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فَإذا نَوى بِهِ الطَّلاقَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، فَإذا طَلَّقَ ولَمْ يَنْوِ الطَّلاقَ كانَ يَمِينًا. المَذْهَبُ الثّامِنُ: مِثْلُ هَذا أيْضًا، إلّا أنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ إعْمالًا لِلَفْظِ التَّحْرِيمِ. المَذْهَبُ التّاسِعُ: أنَّ فِيهِ كَفّارَةَ الظِّهارِ، وصَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وأبِي قِلابَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعُثْمانَ التَّيْمِيِّ، وهو إحْدى الرِّواياتِ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ تَشْبِيهَ المَرْأةِ بِأُمِّهِ المُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ ظِهارًا، وجَعَلَهُ مُنْكَرًا مِن القَوْلِ وزُورًا، فَإذا كانَ التَّشْبِيهُ بِالمُحَرَّمَةِ يَجْعَلُهُ مُظاهِرًا فَإذا صَرَّحَ بِتَحْرِيمِها كانَ أوْلى بِالظِّهارِ. وَهَذا أقْيَسُ الأقْوالِ وأفْقَهُها، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُكَلَّفِ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ، وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى، وإنَّما جَعَلَ لَهُ مُباشَرَةَ الأفْعالِ والأقْوالِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها التَّحْرِيمُ والتَّحْلِيلُ، فالسَّبَبُ إلى العَبْدِ، وحُكْمُهُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَإذا قالَ " أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " أوْ قالَ " أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ " فَقَدْ قالَ المُنْكَرَ مِن القَوْلِ والزُّورَ، وكَذَبَ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْها كَظَهْرِ أُمِّهِ، ولا جَعَلَها عَلَيْهِ حَرامًا، فَأوْجَبَ عَلَيْهِ بِهَذا القَوْلِ مِن المُنْكَرِ والزُّورِ أغْلَظَ الكَفّارَتَيْنِ، وهي كَفّارَةُ الظِّهارِ. المَذْهَبُ العاشِرُ: أنَّها تَطْلِيقَةٌ واحِدَةٌ، وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وقَوْلِ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ شَيْخِ أبِي حَنِيفَةَ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ تَطْلِيقَ التَّحْرِيمِ لا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ بِالثَّلاثِ، بَلْ يَصْدُقُ بِأقَلِّهِ، والواحِدَةُ مُتَيَقَّنَةٌ؛ فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْها لِأنَّها اليَقِينُ؛ فَهو نَظِيرُ التَّحْرِيمِ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ. المَذْهَبُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّهُ يَنْوِي ما أرادَهُ مِن ذَلِكَ في إرادَةِ أصْلِ الطَّلاقِ وعَدَدِهِ، وإنْ نَوى تَحْرِيمًا بِغَيْرِ طَلاقٍ فَيَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ؛ فَلا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها إلّا بِالنِّيَّةِ، فَإنْ نَوى تَحْرِيمًا مُجَرَّدًا كانَ امْتِناعًا مِنها بِالتَّحْرِيمِ كامْتِناعِهِ بِاليَمِينِ، ولا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ في المَوْضِعَيْنِ. المَذْهَبُ الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ يَنْوِي أيْضًا في أصْلِ الطَّلاقِ وعَدَدِهِ، إلّا أنَّهُ إنْ نَوى واحِدَةً كانَتْ بائِنَةً، وإنْ لَمْ يَنْوِ طَلاقًا فَهو مُولٍ، وإنْ نَوى الكَذِبَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ احْتِمالُ اللَّفْظِ لِما ذَكَرَهُ، إلّا أنَّهُ إنْ نَوى واحِدَةً كانَتْ بائِنَةً؛ لِاقْتِضاءِ التَّحْرِيمِ لِلْبَيْنُونَةِ وهي صُغْرى وكُبْرى، والصُّغْرى هي المُتَحَقِّقَةُ فاعْتُبِرَتْ دُونَ الكُبْرى، وعَنْهُ رِوايَةٌ أُخْرى إنْ نَوى الكَذِبَ دُيِّنَ ولَمْ يُقْبَلْ في الحُكْمِ، بَلْ يَكُونُ مُولِيًا، ولا يَكُونُ مُظاهِرًا عِنْدَهُ نَواهُ أوْ لَمْ يَنْوِهِ، ولَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقالَ " أعْنِي بِهِ الظِّهارَ " لَمْ يَكُنْ مُظاهِرًا. المَذْهَبُ الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّهُ يَمِينٌ يُكَفِّرُهُ ما يُكَفِّرُ اليَمِينَ عَلى كُلِّ حالٍ، صَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ ومَكْحُولٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ونافِعٍ والأوْزاعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ وخَلْقٍ سِواهُمْ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ ظاهِرُ القُرْآنِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فَرْضَ تَحِلَّةِ الأيْمانِ عَقِبَ تَحْرِيمِ الحَلالِ، فَلا بُدَّ أنْ يَتَناوَلَهُ يَقِينًا؛ فَلا يَجُوزُ جَعْلُ تَحِلَّةِ الأيْمانِ لِغَيْرِ المَذْكُورِ قَبْلَها ويَخْرُجُ المَذْكُورُ عَنْ حُكْمِ التَّحِلَّةِ الَّتِي قُصِدَ ذِكْرُها لِأجْلِهِ. المَذْهَبُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّهُ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ يَتَعَيَّنُ فِيها عِتْقُ رَقَبَةٍ، صَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وجَماعَةٍ مِن التّابِعِينَ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ لَمّا كانَ يَمِينًا مُغَلَّظَةً غَلُظَتْ كَفّارَتُها بِتَحَتُّمِ العِتْقِ، ووَجْهُ تَغْلِيظِها تَضَمُّنُها تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللَّهُ ولَيْسَ إلى العَبْدِ، وقَوْلُ المُنْكَرِ والزُّورِ إنْ أرادَ الخَبَرَ فَهو كاذِبٌ في إخْبارِهِ مُعْتَدٍ في إقْسامِهِ؛ فَغَلُظَتْ كَفّارَتُهُ بِتَحَتُّمِ العِتْقِ كَما غَلُظَتْ كَفّارَةُ الظِّهارِ بِهِ أوْ بِصِيامِ شَهْرَيْنِ أوْ بِإطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا. المَذْهَبُ الخامِسَ عَشَرَ: أنَّهُ طَلاقٌ، ثُمَّ إنّها إنْ كانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِها فَهو ما نَواهُ مِن الواحِدَةِ وما فَوْقَها، وإنْ كانَتْ مَدْخُولًا بِها فَهو ثَلاثٌ، وإنْ نَوى أقَلَّ مِنها، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مالِكٍ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّفْظَ لَمّا اقْتَضى التَّحْرِيمَ وجَبَ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وغَيْرُ المَدْخُولِ بِها تُحَرَّمُ بِواحِدَةٍ، والمَدْخُولُ بِها لا تُحَرَّمُ إلّا بِالثَّلاثِ. [أقْوالُ المالِكِيَّةِ في المَسْألَةِ] وَبَعْدُ فَفي مَذْهَبِ مالِكٍ خَمْسَةُ أقْوالٍ، هَذا أحَدُها، وهو مَشْهُورُها، والثّانِي أنَّهُ ثَلاثٌ بِكُلِّ حالٍ نَوى الثَّلاثَ أوْ لَمْ يَنْوِها، اخْتارَها عَبْدُ المَلِكِ في مَبْسُوطِهِ، والثّالِثُ أنَّهُ واحِدَةٌ بائِنَةٌ مُطْلَقًا، حَكاهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادٍ رِوايَةً عَنْ مالِكٍ، الرّابِعُ أنَّهُ واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، الخامِسُ أنَّهُ ما نَواهُ مِن ذَلِكَ مُطْلَقًا، سَواءٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْدَهُ، وقَدْ عَرَفْت تَوْجِيهَ هَذِهِ الأقْوالِ. [تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في المَسْألَةِ]: وَأمّا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ فَإنَّهُ إنْ نَوى بِهِ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا، وإنْ نَوى بِهِ التَّحْرِيمَ كانَ تَحْرِيمًا لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلّا تَقَدُّمُ الكَفّارَةِ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ كانَ طَلاقًا وكانَ ما نَواهُ، وإنْ أطْلَقَ فَلِأصْحابِهِ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها: أنَّهُ صَرِيحٌ في إيجابِ الكَفّارَةِ، والثّانِي: لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ، والثّالِثُ: أنَّهُ في حَقِّ الأمَةِ صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ المُوجِبِ لِلْكَفّارَةِ وفي حَقِّ الحُرَّةِ كِنايَةٌ، قالُوا: لِأنَّ أصْلَ الآيَةِ إنّما ورَدَتْ في الأمَةِ، قالُوا: فَلَوْ قالَ " أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ " وقالَ " أرَدْت بِها الظِّهارَ والطَّلاقَ " فَقالَ ابْنُ الحَدّادِ: يُقالُ لَهُ عَيِّنْ أحَدَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَةَ الواحِدَةَ لا تَصْلُحُ لِلظِّهارِ والطَّلاقِ مَعًا، وقِيلَ: يَلْزَمُهُ ما بَدَأ بِهِ مِنهُما، قالُوا: ولَوْ ادَّعى رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ حَقًّا فَأنْكَرَهُ فَقالَ " الحِلُّ عَلَيْك حَرامٌ، والنِّيَّةُ نِيَّتِي لا نِيَّتُك، ما لِي عَلَيْك شَيْءٌ " فَقالَ: الحِلُّ عَلَيَّ حَرامٌ والنِّيَّةُ في ذَلِكَ نِيَّتُك ما لَك عِنْدِي شَيْءٌ، كانَتْ النِّيَّةُ نِيَّةَ الحالِفِ لا المُحَلِّفِ؛ لِأنَّ النِّيَّةَ إنّما تَكُونُ مِمَّنْ إلَيْهِ الإيقاعُ. [فَصْلٌ: تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ في المَسْألَةِ] وَأمّا تَحْرِيمُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ فَهو أنَّهُ ظِهارٌ بِمُطْلَقِهِ وإنْ لَمْ يَنْوِهِ، إلّا أنْ يَنْوِيَ بِهِ الطَّلاقَ أوْ اليَمِينَ فَيَلْزَمُهُ ما نَواهُ، وعَنْهُ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ أنَّهُ يَمِينٌ بِمُطْلَقِهِ إلّا أنْ يَنْوِيَ بِهِ الطَّلاقَ أوْ الظِّهارَ فَيَلْزَمُهُ ما نَواهُ، وعَنْهُ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ أنَّهُ ظِهارٌ بِكُلِّ حالٍ، ولَوْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ أوْ اليَمِينَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ولا طَلاقًا، كَما لَوْ نَوى الطَّلاقَ أوْ اليَمِينَ بِقَوْلِهِ " أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " فَإنَّ اللَّفْظَيْنِ صَرِيحانِ في الظِّهارِ، فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لَوْ وصَلَهُ بِقَوْلِهِ " أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ " فَهَلْ يَكُونُ طَلاقًا أوْ ظِهارًا؟ عَلى رِوايَتَيْنِ: إحْداهُما: يَكُونُ ظِهارًا كَما لَوْ قالَ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ أوْ التَّحْرِيمَ؛ إذْ التَّحْرِيمُ صَرِيحٌ في الظِّهارِ، والثّانِيَةُ أنَّهُ طَلاقٌ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِإرادَتِهِ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُهُ، وغايَتُهُ أنَّهُ كِنايَةٌ فِيهِ، فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ إنْ قالَ " أعْنِي بِهِ طَلاقًا " طَلُقَتْ واحِدَةً، وإنْ قالَ " أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ " فَهَلْ تَطْلُقُ ثَلاثًا أوْ واحِدَةً؟ عَلى رِوايَتَيْنِ مَأْخَذُهُما حَمْلُ اللّازِمِ عَلى الجِنْسِ أوْ العُمُومِ، هَذا تَحْرِيرُ مَذْهَبِهِ وتَقْرِيرُهُ. [مَذْهَبُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ في المَسْألَةِ] وَفِي المَسْألَةِ مَذْهَبٌ آخَرُ وراءَ هَذا كُلِّهِ، وهو أنَّهُ إنْ أوْقَعَ التَّحْرِيمَ كانَ ظِهارًا ولَوْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ، وإنْ حَلَفَ بِهِ كانَ يَمِينًا مُكَفِّرَةً، وهَذا اخْتِيارُ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ النَّصُّ والقِياسُ؛ فَإنَّهُ إذا أوْقَعَهُ كانَ قَدْ أتى مُنْكَرًا مِن القَوْلِ وزُورًا، وكانَ أوْلى بِكَفّارَةِ الظِّهارِ مِمَّنْ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِالمُحَرَّمَةِ، وإذا حَلَفَ بِهِ كانَ يَمِينًا مِن الأيْمانِ كَما لَوْ حَلَفَ بِالتِزامِ العِتْقِ والحَجِّ والصَّدَقَةِ، وهَذا مَحْضُ القِياسِ والفِقْهِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا قالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أُعْتِقَ، أوْ أحُجَّ، أوْ أصُومَ " لَزِمَهُ، ولَوْ قالَ: " إنْ كَلَّمْت فُلانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ ذَلِكَ " عَلى وجْهِ اليَمِينِ فَهو يَمِينٌ، وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: " هو يَهُودِيٌّ، أوْ نَصْرانِيٌّ " كَفَرَ بِذَلِكَ، ولَوْ قالَ: " إنْ فَعَلْت كَذا فَهو يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ " كانَ يَمِينًا، وطَرْدُ هَذا - بَلْ نَظِيرُهُ مِن كُلِّ وجْهٍ - أنَّهُ إذا قالَ: " أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " كانَ ظِهارًا؛ فَلَوْ قالَ: " إنْ فَعَلْت كَذا فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " كانَ يَمِينًا، وطَرْدُ هَذا أيْضًا إذا قالَ: " أنْتِ طالِقٌ " كانَ طَلاقًا، وإنْ قالَ: " إنْ فَعَلْت كَذا فَأنْتِ طالِقٌ " كانَ يَمِينَهُ، فَهَذِهِ هي الأُصُولُ الصَّحِيحَةُ المُطَّرِدَةُ المَأْخُوذَةُ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ والمِيزانِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

التحريم 66:4

(فائدة) قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ إن لغة العرب متنوعة في إفراد المضاف، وتثنيته وجمعه، بحسب أحوال المضاف إليه. فإن أضافوا الواحد المتصل إلى مفرد أفردوه. وإن أضافوه إلى اسم جمع ظاهر أو مضمر جمعوه. وإن أضافوه إلى اسم مثنى فالأصح في لغتهم جمعه. كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنما هما قلبان، وكقوله: {والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ وتقول العرب: اضرب أعناقهما. وهذا أفصح في استعمالهم.

التحريم 66:5

(من مناقب عمر - رضي الله عنه -) رَأى عُمَرُ في أُسارى بَدْرٍ أنْ تُضْرَبَ أعْناقُهم فَنَزَلَ القُرْآنُ بِمُوافَقَتِهِ، ورَأى أنْ تُحَجَّبَ نِساءُ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَ القُرْآنُ بِمُوافَقَتِهِ. وَرَأى أنْ يَتَّخِذَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلّى فَنَزَلَ القُرْآنُ بِمُوافَقَتِهِ. وَقالَ لِنِساءِ النَّبِيِّ ﷺ لَمّا اجْتَمَعْنَ في الغَيْرَةِ عَلَيْهِ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ بِمُوافَقَتِهِ. «وَلَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ عُمَرُ فَأخَذَ بِثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّهُ مُنافِقٌ، فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]». (فائدة) قوله تعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ قيل هذه واو الثمانية لمجيئها بعد الوصف السابع، وليس كذلك. ودخول الواو هاهنا متعين، لأن الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء. وأما وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما، فتعين العطف، لأن المقصود أنه يزوجه بالنوعين الثيبات والأبكار.

التحريم 66:6

(فصل) (ومن خط القاضي) قوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ قال: المراد الأمر في الدنيا لأن الآخرة ليس فيها أمر ولا نهي على الملائكة ولا غيرهم لأن التعبد زائل. وفي البخاري عن علي: "اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل". قلتُ: هذا وهمٌ منه رحمه الله تعالى فإن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة بأخذ الكفار والمجرمين إلى النار وسوقهم إليها وتعذيبهم فيها، ويأمر عباده بالسجود له فيخرون سجدا إلا من منعه الله من السجود، ويأمر المؤمنين فيعبرون الصراط ويأمر خزنة الجنة بفتحها لهم ويأمر خزنة النار بفتحها لأهلها، ويأمر ملائكة السماوات بالنزول إلى الأرض، ويأمر بشأن البعث كله وما بعده، فالأمر يومئذ لله ولا يعصى الله في ذلك اليوم طرفة عين، وأوامره ذلك اليوم للثواب والعقاب والشفاعة للملائكة والأنبياء وغيرهم تضبطها قدرة الخالق. فكيف يقال: ليس في الآخرة أمر ولا نهي حتى يقال لا يعصون الله تعالى ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون في الدنيا؟ أفترى الله عز وجل لا يأمرهم يوم القيامة في أمر النار بشيء فلا يعصون فيه، ويفعلون ما يؤمرون فيه. نعم ليست الآخرة دار حرث، وإنما هي دار حصاد. وأوامر الرب ونواهيه ثابتة في الدارين، وكذلك أوامر التكليف ثابتة في البرزخ ويوم القيامة. وحكاه أبو الحسن الأشعري في مقالاته عن أهل السنة في تكليف من لم تبلغه الدعوة في الدنيا أن يكلفوا يوم القيامة. فقول القائل: الآخرة ليست دار تكليف ولا أمر ولا نهي قول باطل ودعوى فاسدة والله تعالى الموفق. (فائدة) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل؟ فأجاب: بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية. فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر. وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة". وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه، فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف أسباب الفضل: أولا: ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعا. فرب صفة هي كمال لشخص وليست كمالا لغيره بل كمال غيره بسواها، فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا. فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل، وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعد من الهوى والغرض. وهاهنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصره الله، وهي أن كثيرا ممن يتكلم في التفضيل يستشعر نسبته وتعلقه بمن يفضِّله ولو على بُعدٍ، ثم يأخذ في تقريظه وتفضيله، وتكون تلك النسبة والتعلق مهيجة له على التفضيل والمبالغة فيه، واستقصاء محاسن المفضَّل، والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضل عليه بالعكس. ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب رأى غالبه غير سالم من هذا، وهذا مناف لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها، ولا يرضي غيرها. [فصل: اخْتِلافُ الفُقَهاءِ في تَعْيِينِ أحَدِ الأبَوَيْنِ لِمُقامِ البِنْتِ عِنْدَهُ] ثُمَّ هاهُنا حَصَلَ الِاجْتِهادُ في تَعْيِينِ أحَدِ الأبَوَيْنِ لِمُقامِها عِنْدَهُ وأيُّهُما أصْلَحُ لَها، فمالك وأبو حنيفة وأحمد في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ عَيَّنُوا الأُمَّ، وهو الصَّحِيحُ دَلِيلًا، وأحمد رَحِمَهُ اللَّهُ في المَشْهُورِ عَنْهُ، واخْتِيارُ عامَّةِ أصْحابِهِ عَيَّنُوا الأبَ. قالَ مَن رَجَّحَ الأُمَّ: قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ الأبَ يَتَصَرَّفُ في المَعاشِ، والخُرُوجِ، ولِقاءِ النّاسِ، والأُمُّ في خِدْرِها، مَقْصُورَةٌ في بَيْتِها، فالبِنْتُ عِنْدَها أصْوَنُ وأحْفَظُ بِلا شَكٍّ، وعَيْنُها عَلَيْها دائِمًا بِخِلافِ الأبِ، فَإنَّهُ في غالِبِ الأوْقاتِ غائِبٌ عَنِ البِنْتِ، أوْ في مَظِنَّةِ ذَلِكَ، فَجَعْلُها عِنْدَ أُمِّها أصْوَنُ لَها وأحْفَظُ. قالُوا: وكُلُّ مَفْسَدَةٍ يَعْرِضُ وُجُودُها عِنْدَ الأُمِّ فَإنَّها تَعْرِضُ أوْ أكْثَرُ مِنها عِنْدَ الأبِ، فَإنَّهُ إذا تَرَكَها في البَيْتِ وحْدَها لَمْ يَأْمَن عَلَيْها، وإنْ تَرَكَ عِنْدَها امْرَأتَهُ أوْ غَيْرَها فالأُمُّ أشْفَقُ عَلَيْها وأصْوَنُ لَها مِنَ الأجْنَبِيَّةِ. قالُوا: وأيْضًا فَهي مُحْتاجَةٌ إلى تَعَلُّمِ ما يَصْلُحُ لِلنِّساءِ مِنَ الغَزْلِ والقِيامِ بِمَصالِحِ البَيْتِ، وهَذا إنَّما تَقُومُ بِهِ النِّساءُ لا الرِّجالُ، فَهي أحْوَجُ إلى أُمِّها لِتُعَلِّمَها ما يَصْلُحُ لِلْمَرْأةِ، وفي دَفْعِها إلى أبِيها تَعْطِيلُ هَذِهِ المَصْلَحَةِ، وإسْلامُها إلى امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ تُعَلِّمُها ذَلِكَ، وتَرْدِيدُها بَيْنَ الأُمِّ وبَيْنَهُ، وفي ذَلِكَ تَمْرِينٌ لَها عَلى البُرُوزِ والخُرُوجِ، فَمَصْلَحَةُ البِنْتِ والأُمِّ والأبِ أنْ تَكُونَ عِنْدَ أُمِّها، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي لا نَخْتارُ سِواهُ. قالَ مَن رَجَّحَ الأبَ: الرِّجالُ أغْيَرُ عَلى البَناتِ مِنَ النِّساءِ، فَلا تَسْتَوِي غَيْرَةُ الرَّجُلِ عَلى ابْنَتِهِ وغَيْرَةُ الأُمِّ أبَدًا، وكَمْ مِن أُمٍّ تُساعِدُ ابْنَتَها عَلى ما تَهْواهُ، ويَحْمِلُها عَلى ذَلِكَ ضَعْفُ عَقْلِها، وسُرْعَةُ انْخِداعِها، وضَعْفُ داعِي الغَيْرَةِ في طَبْعِها، بِخِلافِ الأبِ؛ ولِهَذا المَعْنى وغَيْرِهِ جَعَلَ الشّارِعُ تَزْوِيجَها إلى أبِيها دُونَ أُمِّها، ولَمْ يَجْعَلْ لِأُمِّها وِلايَةً عَلى بُضْعِها ألْبَتَّةَ، ولا عَلى مالِها، فَكانَ مِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ أنْ تَكُونَ عِنْدَ أُمِّها ما دامَتْ مُحْتاجَةً إلى الحَضانَةِ والتَّرْبِيَةِ، فَإذا بَلَغَتْ حَدًّا تُشْتَهى فِيهِ وتَصْلُحُ لِلرِّجالِ، فَمِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ أنْ تَكُونَ عِنْدَ مَن هو أغْيَرُ عَلَيْها، وأحْرَصُ عَلى مَصْلَحَتِها، وأصْوَنُ لَها مِنَ الأُمِّ. قالُوا: ونَحْنُ نَرى في طَبِيعَةِ الأبِ وغَيْرِهِ مِنَ الرِّجالِ مِنَ الغَيْرَةِ، ولَوْ مَعَ فِسْقِهِ وفُجُورِهِ ما يَحْمِلُهُ عَلى قَتْلِ ابْنَتِهِ وأُخْتِهِ ومُوَلِّيَتِهِ إذا رَأى مِنها ما يُرِيبُهُ لِشِدَّةِ الغَيْرَةِ، ونَرى في طَبِيعَةِ النِّساءِ مِنَ الِانْحِلالِ والِانْخِداعِ ضِدَّ ذَلِكَ، قالُوا: فَهَذا هو الغالِبُ عَلى النَّوْعَيْنِ، ولا عِبْرَةَ بِما خَرَجَ عَنِ الغالِبِ، عَلى أنّا إذا قَدَّمْنا أحَدَ الأبَوَيْنِ فَلا بُدَّ أنْ نُراعِيَ صِيانَتَهُ وحِفْظَهُ لِلطِّفْلِ؛ ولِهَذا قالَ مالك والليث: إذا لَمْ تَكُنِ الأُمُّ في مَوْضِعِ حِرْزٍ وتَحْصِينٍ، أوْ كانَتْ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ، فَلِلْأبِ أخْذُ البِنْتِ مِنها، وكَذَلِكَ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ عَنْهُ، فَإنَّهُ يَعْتَبِرُ قُدْرَتَهُ عَلى الحِفْظِ والصِّيانَةِ. فَإنْ كانَ مُهْمِلًا لِذَلِكَ، أوْ عاجِزًا عَنْهُ، أوْ غَيْرَ مَرْضِيٍّ، أوْ ذا دِياثَةٍ، والأُمُّ بِخِلافِهِ - فَهي أحَقُّ بِالبِنْتِ بِلا رَيْبٍ، فَمَن قَدَّمْناهُ بِتَخْيِيرٍ أوْ قُرْعَةٍ أوْ بِنَفْسِهِ، فَإنَّما نُقَدِّمُهُ إذا حَصَلَتْ بِهِ مَصْلَحَةُ الوَلَدِ، ولَوْ كانَتِ الأُمُّ أصْوَنَ مِنَ الأبِ وأغْيَرَ مِنهُ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، ولا التِفاتَ إلى قُرْعَةٍ ولا اخْتِيارِ الصَّبِيِّ في هَذِهِ الحالَةِ، فَإنَّهُ ضَعِيفُ العَقْلِ يُؤْثِرُ البَطالَةَ واللَّعِبَ، فَإذا اخْتارَ مَن يُساعِدُهُ عَلى ذَلِكَ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلى اخْتِيارِهِ، وكانَ عِنْدَ مَن هو أنْفَعُ لَهُ وأخْيَرُ، ولا تَحْتَمِلُ الشَّرِيعَةُ غَيْرَ هَذا، والنَّبِيُّ ﷺ قَدْ قالَ: «مُرُوهم بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ، واضْرِبُوهم عَلى تَرْكِها لِعَشْرٍ، وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ»، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. وَقالَ الحسن: عَلِّمُوهم وأدِّبُوهم وفَقِّهُوهُمْ، فَإذا كانَتِ الأُمُّ تَتْرُكُهُ في المَكْتَبِ، وتُعَلِّمُهُ القُرْآنَ، والصَّبِيُّ يُؤْثِرُ اللَّعِبَ ومُعاشَرَةَ أقْرانِهِ، وأبُوهُ يُمَكِّنُهُ مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ أحَقُّ بِهِ بِلا تَخْيِيرٍ ولا قُرْعَةٍ، وكَذَلِكَ العَكْسُ، ومَتى أخَلَّ أحَدُ الأبَوَيْنِ بِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ في الصَّبِيِّ وعَطَّلَهُ، والآخَرُ مُراعٍ لَهُ فَهو أحَقُّ وأوْلى بِهِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَنا رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: تَنازَعَ أبَوانِ صَبِيًّا عِنْدَ بَعْضِ الحُكّامِ، فَخَيَّرَهُ بَيْنَهُما، فاخْتارَ أباهُ، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ: سَلْهُ لِأيِّ شَيْءٍ يَخْتارُ أباهُ، فَسَألَهُ فَقالَ: أُمِّي تَبْعَثُنِي كُلَّ يَوْمٍ لِلْكُتّابِ، والفَقِيهُ يَضْرِبُنِي، وأبِي يَتْرُكُنِي لِلَّعِبِ مَعَ الصِّبْيانِ، فَقَضى بِهِ لِلْأُمِّ، قالَ: أنْتِ أحَقُّ بِهِ. قالَ شَيْخُنا: وإذا تَرَكَ أحَدُ الأبَوَيْنِ تَعْلِيمَ الصَّبِيِّ، وأمْرَهُ الَّذِي أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهو عاصٍ، ولا وِلايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، بَلْ كُلُّ مَن لَمْ يَقُمْ بِالواجِبِ في وِلايَتِهِ، فَلا وِلايَةَ لَهُ، بَلْ إمّا أنْ تُرْفَعَ يَدُهُ عَنِ الوِلايَةِ ويُقامَ مَن يَفْعَلُ الواجِبَ، وإمّا أنْ يُضَمَّ إلَيْهِ مَن يَقُومُ مَعَهُ بِالواجِبِ؛ إذِ المَقْصُودُ طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِحَسَبِ الإمْكانِ. قالَ شَيْخُنا: ولَيْسَ هَذا الحَقُّ مِن جِنْسِ المِيراثِ الَّذِي يَحْصُلُ بِالرَّحِمِ والنِّكاحِ والوَلاءِ، سَواءٌ كانَ الوارِثُ فاسِقًا أوْ صالِحًا، بَلْ هَذا مِن جِنْسِ الوِلايَةِ الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ القُدْرَةِ عَلى الواجِبِ والعِلْمِ بِهِ، وفِعْلِهِ بِحَسَبِ الإمْكانِ. قالَ: فَلَوْ قُدِّرَ أنَّ الأبَ تَزَوَّجَ امْرَأةً لا تُراعِي مَصْلَحَةَ ابْنَتِهِ، ولا تَقُومُ بِها وأُمُّها أقْوَمُ بِمَصْلَحَتِها مِن تِلْكَ الضَّرَّةِ، فالحَضانَةُ هُنا لِلْأُمِّ قَطْعًا، قالَ: ومِمّا يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الشّارِعَ لَيْسَ عَنْهُ نَصٌّ عامٌّ في تَقْدِيمِ أحَدِ الأبَوَيْنِ مُطْلَقًا، ولا تَخْيِيرِ الوَلَدِ بَيْنَ الأبَوَيْنِ مُطْلَقًا، والعُلَماءُ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أحَدُهُما مُطْلَقًا، بَلْ لا يُقَدَّمُ ذُو العُدْوانِ والتَّفْرِيطِ عَلى البَرِّ العادِلِ المُحْسِنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الأدَبِ] [تَعْرِيفُ الأدَبِ] فَصْلٌ مَنزِلَةُ الأدَبِ وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الأدَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أدِّبُوهم وعَلِّمُوهم. وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مُؤْذِنَةٌ بِالِاجْتِماعِ. فالأدَبُ: اجْتِماعُ خِصالِ الخَيْرِ في العَبْدِ، ومِنهُ المَأْدُبَةُ. وَهِيَ الطَّعامُ الَّذِي يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النّاسُ. وَعِلْمُ الأدَبِ: هو عِلْمُ إصْلاحِ اللِّسانِ والخِطابِ، وإصابَةِ مَواقِعِهِ، وتَحْسِينِ ألْفاظِهِ، وصِيانَتِهِ عَنِ الخَطَأِ والخَلَلِ. وَهُوَ شُعْبَةٌ مِنَ الأدَبِ العامِّ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ أنْواعُ الأدَبِ] والأدَبُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أدَبٌ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأدَبٌ مَعَ رَسُولِهِ ﷺ وشَرْعِهِ. وأدَبٌ مَعَ خُلُقِهِ. فالأدَبُ مَعَ اللَّهِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُها: صِيانَةُ مُعامَلَتِهِ أنْ يَشُوبَها بِنَقِيصَةٍ. الثّانِي: صِيانَةُ قَلْبِهِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى غَيْرِهِ. الثّالِثُ: صِيانَةُ إرادَتِهِ أنْ تَتَعَلَّقَ بِما يَمْقُتُكَ عَلَيْهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: العَبْدُ يَصِلُ بِطاعَةِ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ، ويَصِلُ بِأدَبِهِ في طاعَتِهِ إلى اللَّهِ. وَقالَ: رَأيْتُ مَن أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ في الصَّلاةِ إلى أنْفِهِ فَقَبَضَ عَلى يَدِهِ. وَقالَ ابْنُ عَطاءٍ: الأدَبُ الوُقُوفُ مَعَ المُسْتَحْسَناتِ. فَقِيلَ لَهُ: وما مَعْناهُ؟ فَقالَ: أنْ تُعامِلَهُ سُبْحانَهُ بِالأدَبِ سِرًّا وعَلَنًا. ثُمَّ أنْشَدَ: ؎إذا نَطَقَتْ جاءَتْ بِكُلِّ مَلاحَةٍ ∗∗∗ وإنْ سَكَتَتْ جاءَتْ بِكُلِّ مَلِيحٍ وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن صاحَبَ المُلُوكَ بِغَيْرِ أدَبٍ أسْلَمَهُ الجَهْلُ إلى القَتْلِ. وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: إذا تَرَكَ العارِفُ أدَبَهُ مَعَ مَعْرُوفِهِ، فَقَدْ هَلَكَ مَعَ الهالِكِينَ. وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: تَرْكُ الأدَبِ يُوجِبُ الطَّرْدَ. فَمَن أساءَ الأدَبَ عَلى البِساطِ رُدَّ إلى البابِ. ومَن أساءَ الأدَبَ عَلى البابِ رُدَّ إلى سِياسَةِ الدَّوابِّ. وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: مَن تَأدَّبَ بِأدَبِ اللَّهِ صارَ مَن أهْلِ مَحَبَّةِ اللَّهِ. وَقالَ ابْنُ مُبارَكٍ: نَحْنُ إلى قَلِيلٍ مِنَ الأدَبِ أحْوَجُ مِنّا إلى كَثِيرٍ مِنَ العِلْمِ. وَسُئِلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أنْفَعَ الأدَبِ؟ فَقالَ: التَّفَقُّهُ في الدِّينِ. والزُّهْدُ في الدُّنْيا، والمَعْرِفَةُ بِما لِلَّهِ عَلَيْكَ. وَقالَ سَهْلٌ: القَوْمُ اسْتَعانُوا بِاللَّهِ عَلى مُرادِ اللَّهِ. وصَبَرُوا لِلَّهِ عَلى آدابِ اللَّهِ. وَقالَ ابْنُ المُبارَكِ: طَلَبْنا الأدَبَ حِينَ فاتَنا المُؤَدَّبُونَ. وَقالَ: الأدَبُ لِلْعارِفِ كالتَّوْبَةِ لِلْمُسْتَأْنِفِ. وَقالَ أبُو حَفْصٍ - لَمّا قالَ لَهُ الجُنَيْدُ: لَقَدْ أدَّبْتَ أصْحابَكَ أدَبَ السَّلاطِينِ - فَقالَ: حُسْنُ الأدَبِ في الظّاهِرِ عُنْوانُ حُسْنِ الأدَبِ في الباطِنِ. فالأدَبُ مَعَ اللَّهِ حُسْنُ الصُّحْبَةِ مَعَهُ، وبِإيقاعِ الحَرَكاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ عَلى مُقْتَضى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ والحَياءِ. كَحالِ مَجالِسِ المُلُوكِ ومُصاحِبِهِمْ. وَقالَ أبُو نَصْرٍ السَّرّاجُ: النّاسُ في الأدَبِ عَلى ثَلاثِ طَبَقاتٍ. أمّا أهْلُ الدُّنْيا: فَأكْبَرُ آدابِهِمْ: في الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ. وحِفْظِ العُلُومِ، وأسْمارِ المُلُوكِ، وأشْعارِ العَرَبِ. وَأمّا أهْلُ الدِّينِ: فَأكْبَرُ آدابِهِمْ: في طَهارَةِ القُلُوبِ، ومُراعاةِ الأسْرارِ، والوَفاءِ بِالعُهُودِ، وحِفْظِ الوَقْتِ، وقِلَّةِ الِالتِفاتِ إلى الخَواطِرِ، وحُسْنِ الأدَبِ، في مَواقِفِ الطَّلَبِ، وأوْقاتِ الحُضُورِ، ومَقاماتِ القُرْبِ. وَقالَ سَهْلٌ: مَن قَهَرَ نَفْسَهُ بِالأدَبِ فَهو يَعْبُدُ اللَّهَ بِالإخْلاصِ. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: قَدْ أكْثَرَ النّاسُ القَوْلَ في الأدَبِ ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ ورُعُوناتِها، وتَجَنُّبُ تِلْكَ الرُّعُوناتِ. وَقالَ الشِّبْلِيُّ: الِانْبِساطُ بِالقَوْلِ مَعَ الحَقِّ تَرْكُ الأدَبِ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: الحَقُّ سُبْحانَهُ يَقُولُ: مَن ألْزَمْتُهُ القِيامَ مَعَ أسْمائِي وصِفاتِي ألْزَمْتُهُ الأدَبَ ومَن كَشَفْتُ لَهُ عَنْ حَقِيقَةِ ذاتِي ألْزَمْتُهُ العَطَبَ فاخْتَرِ الأدَبَ أوِ العَطَبَ. وَيَشْهَدُ لِهَذا: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كَشَفَ لِلْجَبَلِ عَنْ ذاتِهِ ساخَ الجَبَلُ وتَدَكْدَكَ ولَمْ يَثْبُتْ عَلى عَظَمَةِ الذّاتِ. وَقالَ أبُو عُثْمانَ: إذا صَحَّتِ المَحَبَّةُ تَأكَّدَتْ عَلى المُحِبِّ مُلازَمَةُ الأدَبِ. وَقالَ النُّورِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن لَمْ يَتَأدَّبْ لِلْوَقْتِ فَوَقْتُهُ مَقْتٌ. وَقالَ ذُو النُّونِ: إذا خَرَجَ المُرِيدُ عَنِ اسْتِعْمالِ الأدَبِ: فَإنَّهُ يَرْجِعُ مِن حَيْثُ جاءَ. وَتَأمَّلْ أحْوالَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ مَعَ اللَّهِ، وخِطابَهم وسُؤالَهم. كَيْفَ تَجِدُها كُلَّها مَشْحُونَةً بِالأدَبِ قائِمَةً بِهِ؟ قالَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] وَلَمْ يَقُلْ: لَمْ أقُلْهُ. وَفَرْقٌ بَيْنَ الجَوابَيْنِ في حَقِيقَةِ الأدَبِ. ثُمَّ أحالَ الأمْرَ عَلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالحالِ وسِرِّهِ. فَقالَ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] ثُمَّ بَرَّأ نَفْسَهُ عَنْ عِلْمِهِ بِغَيْبِ رَبِّهِ وما يَخْتَصُّ بِهِ سُبْحانَهُ، فَقالَ ﴿وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ثُمَّ أثْنى عَلى رَبِّهِ. ووَصَفَهُ بِتَفَرُّدِهِ بِعِلْمِ الغُيُوبِ كُلِّها. فَقالَ ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ قالَ لَهم غَيْرَ ما أمَرَهُ رَبُّهُ بِهِ - وهو مَحْضُ التَّوْحِيدِ - فَقالَ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ شَهادَتِهِ عَلَيْهِمْ مُدَّةَ مُقامِهِ فِيهِمْ. وأنَّهُ بَعْدَ وفاتِهِ لا اطِّلاعَ لَهُ عَلَيْهِمْ، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ هو المُنْفَرِدُ بَعْدَ الوَفاةِ بِالِاطِّلاعِ عَلَيْهِمْ. فَقالَ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]. ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ فَوْقَ كُلِّ شَهادَةٍ وأعَمُّ. فَقالَ: ﴿وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] وهَذا مِن أبْلَغِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ. أيْ شَأْنُ السَّيِّدِ رَحْمَةُ عَبِيدِهِ والإحْسانُ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ عَبِيدُكَ لَيْسُوا عَبِيدًا لِغَيْرِكَ. فَإذا عَذَّبْتَهم - مَعَ كَوْنِهِمْ عَبِيدَكَ - فَلَوْلا أنَّهم عَبِيدُ سُوءٍ مِن أبْخَسِ العَبِيدِ، وأعْتاهم عَلى سَيِّدِهِمْ، وأعْصاهم لَهُ - لَمْ تُعَذِّبْهم. لِأنَّ قُرْبَةَ العُبُودِيَّةَ تَسْتَدْعِي إحْسانَ السَّيِّدِ إلى عَبْدِهِ ورَحْمَتَهُ. فَلِماذا يُعَذِّبُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وأجْوَدُ الأجْوَدِينَ، وأعْظَمُ المُحْسِنِينَ إحْسانًا عَبِيدَهُ؟ لَوْلا فَرْطُ عُتُوِّهِمْ، وإباؤُهم عَنْ طاعَتِهِ، وكَمالُ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] أيْ هم عِبادُكَ. وأنْتَ أعْلَمُ بِسِرِّهِمْ وعَلانِيَتِهِمْ. فَإذا عَذَّبْتَهُمْ: عَذَّبْتَهم عَلى عِلْمٍ مِنكَ بِما تُعَذِّبُهم عَلَيْهِ. فَهم عِبادُكَ وأنْتَ أعْلَمُ بِما جَنَوْهُ واكْتَسَبُوهُ. فَلَيْسَ في هَذا اسْتِعْطافٌ لَهُمْ، كَما يَظُنُّهُ الجُهّالُ. ولا تَفْوِيضٌ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ والمُلْكِ المُجَرَّدِ عَنِ الحِكْمَةِ، كَما تَظُنُّهُ القَدَرِيَّةُ. وَإنَّما هو إقْرارٌ واعْتِرافٌ وثَناءٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِحِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ، وكَمالِ عِلْمِهِ بِحالِهِمْ، واسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وَلَمْ يَقُلِ: الغَفُورُ الرَّحِيمُ وَهَذا مِن أبْلَغِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإنَّهُ قالَهُ في وقْتِ غَضَبِ الرَّبِّ عَلَيْهِمْ، والأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ. فَلَيْسَ هو مَقامَ اسْتِعْطافٍ ولا شَفاعَةٍ. بَلْ مَقامُ بَراءَةٍ مِنهم. فَلَوْ قالَ: فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ لَأشْعَرَ بِاسْتِعْطافِهِ رَبَّهُ عَلى أعْدائِهِ الَّذِينَ قَدِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ. فالمَقامُ مَقامُ مُوافَقَةٍ لِلرَّبِّ في غَضَبِهِ عَلى مَن غَضِبَ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ. فَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الصِّفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُسْألُ بِهِما عَطْفَهُ ورَحْمَتَهُ ومَغْفِرَتَهُ إلى ذِكْرِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، المُتَضَمِّنَتَيْنِ لِكَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ. والمَعْنى: إنْ غَفَرْتَ لَهم فَمُغْفِرَتُكَ تَكُونُ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ. لَيْسَتْ عَنْ عَجْزٍ عَنْ الِانْتِقامِ مِنهُمْ، ولا عَنْ خَفاءٍ عَلَيْكَ بِمِقْدارِ جَرائِمِهِمْ، وهَذا لِأنَّ العَبْدَ قَدْ يَغْفِرُ لِغَيْرِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ الِانْتِقامِ مِنهُ. ولِجَهْلِهِ بِمِقْدارِ إساءَتِهِ إلَيْهِ. والكَمالُ: هو مَغْفِرَةُ القادِرِ العالِمِ. وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ. وكانَ ذِكْرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في هَذا المَقامِ عَيْنَ الأدَبِ في الخِطابِ. وَفِي بَعْضِ الآثارِ حَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ: اثْنانِ يَقُولانِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ. لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ. واثْنانِ يَقُولانِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ. لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ. ولِهَذا يَقْتَرِنُ كُلٌّ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِالأُخْرى. كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]. وَكَذَلِكَ قَوْلُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ ﷺ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] ولَمْ يَقُلْ: وإذا أمْرَضَنِي. حِفْظًا لِلْأدَبِ مَعَ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩]. وَلَمْ يَقُلْ: فَأرادَ رَبُّكَ أنْ أعِيبَها. وقالَ في الغُلامَيْنِ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ [الكهف: ٨٢]. وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُؤْمِنِي الجِنِّ: ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ﴾ [الجن: ١٠] وَلَمْ يَقُولُوا: أرادَهُ بِهِمْ. ثُمَّ قالُوا: ﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. وَألْطَفُ مِن هَذا قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وَلَمْ يَقُلْ: أطْعِمْنِي. وَقَوْلُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ولَمْ يَقُلْ: رَبِّ قَدَرْتَ عَلَيَّ وقَضَيْتَ عَلَيَّ. وَقَوْلُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. ولَمْ يَقُلْ: فَعافِنِي واشْفِنِي. وَقَوْلُ يُوسُفَ لِأبِيهِ وإخْوَتِهِ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠] ولَمْ يَقُلْ: أخْرَجَنِي مِنَ الجُبِّ، حِفْظًا لِلْأدَبِ مَعَ إخْوَتِهِ. وتَفَتِّيًا عَلَيْهِمْ: أنْ لا يُخْجِلَهم بِما جَرى في الجُبِّ. وَقالَ ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وَلَمْ يَقُلْ: رَفَعَ عَنْكم جُهْدَ الجُوعِ والحاجَةَ. أدَبًا مَعَهم. وأضافَ ما جَرى إلى السَّبَبِ. ولَمْ يُضِفْهُ إلى المُباشِرِ الَّذِي هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِنهُ. فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠] فَأعْطى الفُتُوَّةَ والكَرْمَ والأدَبَ حَقَّهُ. ولِهَذا لَمْ يَكُنْ كَمالُ هَذا الخُلُقِ إلّا لِلرُّسُلِ والأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ. وَمِن هَذا أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلَ: أنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ، وإنْ كانَ خالِيًا لا يَراهُ أحَدٌ، أدَبًا مَعَ اللَّهِ، عَلى حَسَبِ القُرْبِ مِنهُ، وتَعْظِيمِهِ وإجْلالِهِ، وشِدَّةِ الحَياءِ مِنهُ، ومَعْرِفَةِ وقارِهِ. وَقالَ بَعْضُهُمُ: الزَمِ الأدَبَ ظاهِرًا وباطِنًا. فَما أساءَ أحَدٌ الأدَبَ في الظّاهِرِ إلّا عُوقِبَ ظاهِرًا. وما أساءَ أحَدٌ الأدَبَ باطِنًا إلّا عُوقِبَ باطِنًا. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن تَهاوَنَ بِالأدَبِ عُوقِبَ بِحِرْمانِ السُّنَنِ. ومَن تَهاوَنَ بِالسُّنَنِ. عُوقِبَ بِحِرْمانِ الفَرائِضِ. ومَن تَهاوَنَ بِالفَرائِضِ عُوقِبَ بِحِرْمانِ المَعْرِفَةِ. وَقِيلَ: الأدَبُ في العَمَلِ عَلامَةُ قَبُولِ العَمَلِ. وَحَقِيقَةُ الأدَبِ اسْتِعْمالُ الخُلُقِ الجَمِيلِ. ولِهَذا كانَ الأدَبُ: اسْتِخْراجَ ما في الطَّبِيعَةِ مِنَ الكَمالِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هَيَّأ الإنْسانَ لِقَبُولِ الكَمالِ بِما أعْطاهُ مِنَ الأهْلِيَّةِ والِاسْتِعْدادِ، الَّتِي جَعَلَها فِيهِ كامِنَةً كالنّارِ في الزِّنادِ. فَألْهَمَهُ ومَكَّنَهُ، وعَرَّفَهُ وأرْشَدَهُ. وأرْسَلَ إلَيْهِ رُسُلَهُ. وأنْزَلَ إلَيْهِ كَتَبَهُ لِاسْتِخْراجِ تِلْكَ القُوَّةِ الَّتِي أهَّلَهُ بِها لِكَمالِهِ إلى الفِعْلِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها - فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها - قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها - وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ٧-١٠]. فَعَبَّرَ عَنْ خُلُقِ النَّفْسِ بِالتَّسْوِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِدالِ والتَّمامِ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ قَبُولِها لِلْفُجُورِ والتَّقْوى. وأنَّ ذَلِكَ نالَها مِنهُ امْتِحانًا واخْتِبارًا. ثُمَّ خَصَّ بِالفَلاحِ مَن زَكّاها فَنَمّاها وعَلّاها. ورَفَعَها بِآدابِهِ الَّتِي أدَّبَ بِها رُسُلَهُ وأنْبِياءَهُ وأوْلِياءَهُ. وهي التَّقْوى. ثُمَّ حَكَمَ بِالشَّقاءِ عَلى مَن دَسّاها فَأخْفاها وحَقَّرَها. وصَغَّرَها وقَمَعَها بِالفُجُورِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. [فَصْلٌ: وصْفٌ لِأدَبِهِ ﷺ] وَجَرَتْ عادَةُ القَوْمِ: أنْ يَذْكُرُوا في هَذا المَقامِ قَوْلَهُ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ، حِينَ أراهُ ما أراهُ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] وَأبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ صَدَّرَ بابُ الأدَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وكَذَلِكَ غَيْرُهُ. وَكَأنَّهم نَظَرُوا إلى قَوْلِ مَن قالَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: إنَّ هَذا وصْفٌ لِأدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. إذْ لَمْ يَلْتَفِتْ جانِبًا. ولا تَجاوَزَ ما رَآهُ. وهَذا كَمالُ الأدَبِ. والإخْلالُ بِهِ: أنْ يَلْتَفِتَ النّاظِرُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، أوْ يَتَطَلَّعَ أمامَ المَنظُورِ. فالِالتِفاتُ زَيْغٌ. والتَّطَلُّعُ إلى ما أمامَ المَنظُورِ: طُغْيانٌ ومُجاوَزَةٌ. فَكَمالُ إقْبالِ النّاظِرِ عَلى المَنظُورِ: أنْ لا يَصْرِفَ بَصَرَهُ عَنْهُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً. ولا يَتَجاوَزَهُ. هَذا مَعْنى ما حَصَّلْتُهُ عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ أسْرارٌ عَجِيبَةٌ. وهي مِن غَوامِضِ الآدابِ اللّائِقَةِ بِأكْمَلِ البَشَرِ ﷺ: تَواطَأ هُناكَ بَصَرُهُ وبَصِيرَتُهُ. وتَوافَقا وتَصادَقا فِيما شاهَدَهُ بَصَرُهُ. فالبَصِيرَةُ مُواطِئَةٌ لَهُ. وما شاهَدَتْهُ بَصِيرَتُهُ فَهو أيْضًا حَقٌّ مَشْهُودٌ بِالبَصَرِ. فَتَواطَأ في حَقِّهِ مَشْهَدُ البَصَرِ والبَصِيرَةِ. وَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى - أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١١-١٢] أيْ ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَآهُ بِبَصَرِهِ. وَلِهَذا قَرَأها أبُو جَعْفَرٍ: ما كَذَّبَ الفُؤادُ ما رَأى - بِتَشْدِيدِ الذّالِ - أيْ لَمْ يُكَذِّبِ الفُؤادُ البَصَرَ. بَلْ صَدَّقَهُ وواطَأهُ. لِصِحَّةِ الفُؤادِ والبَصَرِ. أوِ اسْتِقامَةِ البَصِيرَةِ والبَصَرِ. وكَوْنُ المَرْئِيِّ المُشاهَدِ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ حَقًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ [النجم: ١١] بِالتَّخْفِيفِ. وهو مُتَعَدٍّ. و: ما رَأى مَفْعُولَهُ: أيْ ما كَذَبَ قَلْبُهُ ما رَأتْهُ عَيْناهُ. بَلْ واطَأهُ ووافَقَهُ. فَلِمُواطَأةِ قَلْبِهِ لِقالَبِهِ، وظاهِرِهِ لِباطِنِهِ. وبَصَرِهِ لِبَصِيرَتِهِ: لَمْ يَكْذِبِ الفُؤادُ البَصَرَ. ولَمْ يَتَجاوَزِ البَصَرُ حَدَّهُ فَيَطْغى. ولَمْ يَمِلْ عَنِ المَرْئِيِّ فَيَزِيغَ، بَلِ اعْتَدَلَ البَصَرُ نَحْوَ المَرْئِيِّ. ما جاوَزَهُ ولا مالَ عَنْهُ، كَما اعْتَدَلَ القَلْبُ في الإقْبالِ عَلى اللَّهِ، والإعْراضِ عَمّا سِواهُ. فَإنَّهُ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ بِكُلِّيَّتِهِ. ولِلْقَلْبِ زَيْغٌ وطُغْيانٌ. وكِلاهُما مُنْتَفٍ عَنْ قَلْبِهِ وبَصَرِهِ. فَلَمْ يَزِغْ قَلْبُهُ التِفاتًا عَنِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ. ولَمْ يَطْغَ بِمُجاوَزَتِهِ مَقامِهِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ. وَهَذا غايَةُ الكَمالِ والأدَبِ مَعَ اللَّهِ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ فِيهِ سِواهُ. فَإنَّ عادَةَ النُّفُوسِ، إذا أُقِيمَتْ في مَقامٍ عالٍ رَفِيعٍ: أنْ تَتَطَلَّعَ إلى ما هو أعْلى مِنهُ وفَوْقَهُ. ألا تَرى أنَّ مُوسى ﷺ لَمّا أُقِيمَ في مَقامِ التَّكْلِيمِ والمُناجاةِ: طَلَبَتْ نَفْسُهُ الرُّؤْيَةَ؟ ونَبِيُّنا ﷺ لَمّا أُقِيمَ في ذَلِكَ المَقامِ، وفّاهُ حَقَّهُ: فَلِمَ يَلْتَفِتْ بَصَرُهُ ولا قَلْبُهُ إلى غَيْرِ ما أُقِيمَ فِيهِ ألْبَتَّةَ؟ وَلِأجْلِ هَذا ما عاقَهُ عائِقٌ. ولا وقْفَ بِهِ مُرادٌ، حَتّى جاوَزَ السَّماواتِ السَّبْعِ حَتّى عاتَبَ مُوسى رَبَّهُ فِيهِ. وقالَ: يَقُولُ بَنُو إسْرائِيلَ: إنِّي كَرِيمُ الخُلُقِ عَلى اللَّهِ. وهَذا قَدْ جاوَزَنِي وخَلَّفَنِي عُلُوًّا. فَلَوْ أنَّهُ وحْدَهُ؟ ولَكِنْ مَعَهُ كُلُّ أُمَّتِهِ. وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ «فَلَمّا جاوَزْتُهُ بَكى. قِيلَ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: أبْكِي أنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِهِ أكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُها مِن أُمَّتِي». ثُمَّ جاوَزَهُ عُلُوًّا فَلَمْ تَعُقْهُ إرادَةٌ. ولَمْ تَقِفْ بِهِ دُونَ كَمالِ العُبُودِيَّةِ هِمَّةٌ. وَلِهَذا كانَ مَرْكُوبُهُ في مَسْراهُ يَسْبِقُ خَطْوَهُ الطَّرْفَ. فَيَضَعُ قَدَمَهُ عِنْدَ مُنْتَهى طَرْفِهِ، مُشاكِلًا لِحالِ راكِبِهِ، وبُعْدِ شَأْوِهِ، الَّذِي سَبَقَ العالَمَ أجْمَعَ في سَيْرِهِ، فَكانَ قَدَمُ البُراقِ لا يَخْتَلِفُ عَنْ مَوْضِعِ نَظَرِهِ. كَما كانَ قَدَمُهُ ﷺ لا يَتَأخَّرُ عَنْ مَحَلِّ مَعْرِفَتِهِ. فَلَمْ يَزَلْ ﷺ في حَفارَةِ كَمالِ أدَبِهِ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وتَكْمِيلِ مَراتِبِ عُبُودِيَّتِهِ لَهُ، حَتّى خَرَقَ حُجُبَ السَّماواتِ، وجاوَزَ السَّبْعَ الطِّباقَ. وجاوَزَ سِدْرَةَ المُنْتَهى. ووَصَلَ إلى مَحَلٍّ مِنَ القُرْبِ سَبَقَ بِهِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ. فانْصَبَّتْ إلَيْهِ هُناكَ أقْسامُ القُرْبِ انْصِبابًا. وانْقَشَعَتْ عَنْهُ سَحائِبُ الحُجُبِ ظاهِرًا وباطِنًا حِجابًا حِجابًا. وأُقِيمَ مَقامًا غَبَطَهُ بِهِ الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ. فَإذا كانَ في المَعادِ أُقِيمَ مَقامًا مِنَ القُرْبِ ثانِيًا، يَغْبِطُهُ بِهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ. واسْتَقامَ هُناكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مِن كَمالِ أدَبِهِ مَعَ اللَّهِ، ما زاغَ البَصَرُ عَنْهُ وما طَغى. فَأقامَهُ في هَذا العالَمِ عَلى أقْوَمَ صِراطٍ مِنَ الحَقِّ والهُدى. وأقْسَمَ بِكَلامِهِ عَلى ذَلِكَ في الذِّكْرِ الحَكِيمِ، فَقالَ تَعالى: ﴿يس - والقُرْآنِ الحَكِيمِ - إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ - عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١-٤] فَإذا كانَ يَوْمُ المَعادِ أقامَهُ عَلى الصِّراطِ يَسْألُهُ السَّلامَةَ لِأتْباعِهِ وأهْلِ سُنَّتِهِ، حَتّى يَجُوزُوهُ إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. [فَصْلٌ الأدَبُ هو الدِّينُ كُلُّهُ] والأدَبُ هو الدِّينُ كُلُّهُ. فَإنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ مِنَ الأدَبِ. والوُضُوءَ وغُسْلَ الجَنابَةِ مِنَ الأدَبِ. والتَّطَهُّرَ مِنَ الخُبْثِ مِنَ الأدَبِ. حَتّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ طاهِرًا. ولِهَذا كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَتَجَمَّلَ الرَّجُلُ في صَلاتِهِ. لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: أمَرَ اللَّهُ بِقَدْرٍ زائِدٍ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ. وهو أخْذُ الزِّينَةِ. فَقالَ تَعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] فَعَلَّقَ الأمْرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ، لا بِسَتْرِ العَوْرَةِ، إيذانًا بِأنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ: أنْ يَلْبَسَ أزْيَنَ ثِيابِهِ، وأجْمَلَها في الصَّلاةِ. وَكانَ لِبَعْضِ السَّلَفِ حُلَّةٌ بِمَبْلَغٍ عَظِيمٍ مِنَ المالِ. وكانَ يَلْبَسُها وقْتَ الصَّلاةِ. ويَقُولُ: رَبِّي أحَقُّ مَن تَجَمَّلْتُ لَهُ في صَلاتِي. وَمَعْلُومٌ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُحِبُّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ. لاسِيَّما إذا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَأحْسَنُ ما وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِمَلابِسِهِ ونِعْمَتِهِ الَّتِي ألْبَسَهُ إيّاها ظاهِرًا وباطِنًا. وَمِنَ الأدَبِ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ المُصَلِّيَ: «أنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ». فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: هَذا مِن كَمالِ أدَبِ الصَّلاةِ: أنْ يَقِفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مُطْرِقًا، خافِضًا طَرْفَهُ إلى الأرْضِ. ولا يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلى فَوْقٍ. قالَ: والجَهْمِيَّةُ - لَمّا لَمْ يَفْقَهُوا هَذا الأدَبَ، ولا عَرَفُوهُ - ظَنُّوا أنَّ هَذا دَلِيلٌ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ فَوْقَ سَمَواتِهِ عَلى عَرْشِهِ. كَما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ. واتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رُسُلُهُ وجَمِيعُ أهْلِ السُّنَّةِ. قالَ: وهَذا مِن جَهْلِهِمْ. بَلْ هَذا دَلِيلٌ لِمَن عَقَلَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ؛ إذْ مِنَ الأدَبِ مَعَ المُلُوكِ: أنَّ الواقِفَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَطْرُقُ إلى الأرْضِ. ولا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلَيْهِمْ. فَما الظَّنُّ بِمَلِكِ المُلُوكِ سُبْحانَهُ؟ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ - في نَهْيِهِ ﷺ عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ - إنَّ القُرْآنَ هو أشْرَفُ الكَلامِ. وهو كَلامُ اللَّهِ. وحالَتا الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حالَتا ذُلٍّ وانْخِفاضٍ مِنَ العَبْدِ. فَمِنَ الأدَبِ مَعَ كَلامِ اللَّهِ: أنْ لا يُقْرَأ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. ويَكُونَ حالُ القِيامِ والِانْتِصابِ أوْلى بِهِ. وَمِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ: أنْ لا يَسْتَقْبِلَ بَيْتَهُ ولا يَسْتَدْبِرَهُ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ. كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ وسَلْمانَ وأبِي هُرَيْرَةَ، وغَيْرِهِمْ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والصَّحِيحُ: أنَّ هَذا الأدَبَ: يَعُمُّ الفَضاءَ والبُنْيانَ. كَما ذَكَرْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. وَمِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ، في الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الصَّلاةِ: وضَعُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى حالَ قِيامِ القِراءَةِ، فَفي المُوَطَّأِ لِمالِكٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، وكانَ النّاسُ يُؤْمَرُونَ بِهِ ولا رَيْبَ أنَّهُ مِن أدَبِ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ المُلُوكِ والعُظَماءِ. فَعَظِيمُ العُظَماءِ أحَقُّ بِهِ. وَمِنها: السُّكُونُ في الصَّلاةِ. وهو الدَّوامُ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: أنَّ أبا الخَيْرِ أخْبَرَهُ قالَ: سَألْنا عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] أهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ دائِمًا؟ قالَ: لا. ولَكِنَّهُ إذا صَلّى لَمْ يَلْتَفِتْ عَنْ يَمِينِهِ، ولا عَنْ شِمالِهِ ولا خَلْفَهُ. قُلْتُ: هُما أمْرانِ. الدَّوامُ عَلَيْها. والمُداوَمَةُ عَلَيْها. فَهَذا الدَّوامُ. والمُداوَمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] وفُسِّرَ الدَّوامُ بِسُكُونِ الأطْرافِ والطُّمَأْنِينَةِ. وَأدَبِهِ في اسْتِماعِ القِراءَةِ: أنْ يُلْقِيَ السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ. وَأدَبُهُ في الرُّكُوعِ: أنْ يَسْتَوِيَ. ويُعَظِّمَ اللَّهَ تَعالى، حَتّى لا يَكُونَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ أعْظَمُ مِنهُ. ويَتَضاءَلَ ويَتَصاغَرَ في نَفْسِهِ. حَتّى يَكُونَ أقَلَّ مِنَ الهَباءِ. والمَقْصُودُ: أنَّ الأدَبَ مَعَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى: هو القِيامُ بِدِينِهِ، والتَّأدُّبُ بِآدابِهِ ظاهِرًا وباطِنًا. وَلا يَسْتَقِيمُ لِأحَدٍ قَطُّ الأدَبُ مَعَ اللَّهِ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَتُهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ومَعْرِفَتُهُ بِدِينِهِ وشَرْعِهِ، وما يُحِبُّ وما يَكْرَهُ. ونَفْسٌ مُسْتَعِدَّةٌ قابِلَةٌ لَيِّنَةٌ، مُتَهَيِّئَةٌ لِقَبُولِ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا وحالًا. واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ الأدَبُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ] وَأمّا الأدَبُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ: فالقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِهِ. فَرَأسُ الأدَبِ مَعَهُ: كَمالُ التَّسْلِيمِ لَهُ، والِانْقِيادُ لِأمْرِهِ. وتَلَقِّي خَبَرِهِ بِالقَبُولِ والتَّصْدِيقِ، دُونَ أنْ يُحَمِّلَهُ مُعارَضَةَ خَيالٍ باطِلٍ، يُسَمِّيهِ مَعْقُولًا. أوْ يُحَمِّلَهُ شُبْهَةً أوْ شَكًّا، أوْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ آراءَ الرِّجالِ، وزُبالاتِ أذْهانِهِمْ، فَيُوَحِّدُهُ بِالتَّحْكِيمِ والتَّسْلِيمِ، والِانْقِيادِ والإذْعانِ. كَما وحَّدَ المُرْسِلَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالعِبادَةِ والخُضُوعِ والذُّلِّ، والإنابَةِ والتَّوَكُّلِ. فَهُما تَوْحِيدانِ. لا نَجاةَ لِلْعَبْدِ مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا بِهِما: تَوْحِيدُ المُرْسِلِ. وتَوْحِيدُ مُتابَعَةِ الرَّسُولِ. فَلا يُحاكِمُ إلى غَيْرِهِ. ولا يَرْضى بِحُكْمِ غَيْرِهِ. ولا يَقِفُ تَنْفِيذُ أمْرِهِ. وتَصْدِيقُ خَبَرِهِ. عَلى عَرْضِهِ عَلى قَوْلِ شَيْخِهِ وإمامِهِ، وذَوِي مَذْهَبِهِ وطائِفَتِهِ، ومَن يُعَظِّمُهُ. فَإنْ أذِنُوا لَهُ نَفَّذَهُ وقَبِلَ خَبَرَهُ، وإلّا فَإنْ طَلَبَ السَّلامَةَ: أعْرَضَ عَنْ أمْرِهِ وخَبَرِهِ وفَوَّضَهُ إلَيْهِمْ، وإلّا حَرَّفَهُ عَنْ مَواضِعِهِ. وسَمّى تَحْرِيفَهُ: تَأْوِيلًا، وحَمْلًا. فَقالَ: نُؤَوِّلُهُ ونَحْمِلُهُ. فَلَأنْ يَلْقى العَبْدُ رَبَّهُ بِكُلِّ ذَنْبٍ عَلى الإطْلاقِ - ما خَلا الشِّرْكَ بِاللَّهِ - خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَلْقاهُ بِهَذِهِ الحالِ. وَلَقَدْ خاطَبْتُ يَوْمًا بَعْضَ أكابِرِ هَؤُلاءِ. فَقُلْتُ لَهُ: سَألْتُكَ بِاللَّهِ. لَوْ قُدِّرَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَيٌّ بَيْنَ أظْهُرِنا. وقَدْ واجَهَنا بِكَلامِهِ وبِخِطابِهِ. أكانَ فَرْضًا عَلَيْنا أنْ نَتْبَعَهُ مِن غَيْرِ أنْ نَعْرِضَهُ عَلى رَأْيِ غَيْرِهِ وكَلامِهِ ومَذْهَبِهِ، أمْ لا نَتْبَعَهُ حَتّى نَعْرِضَ ما سَمِعْناهُ مِنهُ عَلى آراءِ النّاسِ وعُقُولِهِمْ؟ فَقالَ: بَلْ كانَ الفَرْضُ المُبادَرَةَ إلى الِامْتِثالِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى سِواهُ. فَقُلْتُ: فَما الَّذِي نَسَخَ هَذا الفَرْضَ عَنّا؟ وبِأيِّ شَيْءٍ نُسِخَ؟ فَوَضَعَ إصْبَعَهُ عَلى فِيهِ. وبَقِيَ باهِتًا مُتَحَيِّرًا. وما نَطَقَ بِكَلِمَةٍ. هَذا أدَبُ الخَواصِّ مَعَهُ. لا مُخالَفَةِ أمْرِهِ والشِّرْكِ بِهِ. ورَفْعِ الأصْواتِ، وإزْعاجِ الأعْضاءِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمِ. وعَزْلِ كَلامِهِ عَنِ اليَقِينِ. وأنْ يُسْتَفادَ مِنهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ، أوْ يُتَلَقّى مِنهُ أحْكامُهُ. بَلِ المُعَوَّلُ في بابِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَلى العُقُولِ المُتَهَوِّكَةِ المُتَحَيِّرَةِ المُتَناقِضَةِ. وفي الأحْكامِ: عَلى تَقْلِيدِ الرِّجالِ وآرائِها. والقُرْآنُ والسُّنَّةُ إنَّما نَقْرَؤُهُما تَبَرُّكًا، لا أنّا نَتَلَقّى مِنهُما أُصُولَ الدِّينِ ولا فُرُوعَهُ. ومَن طَلَبَ ذَلِكَ ورامَهُ عادَيْناهُ وسَعَيْنا في قَطْعِ دابِرِهِ. واسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ - حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ - لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ - قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ - مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ - أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ - أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ - أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ - ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ - أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ - وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ - وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣-٧٤]. والنّاصِحُ لِنَفْسِهِ. العامِلُ عَلى نَجاتِها: يَتَدَبَّرُ هَذِهِ الآياتَ حَقَّ تَدَبُّرِها. ويَتَأمَّلُها حَقَّ تَأمُّلِها. ويُنْزِلُها عَلى الواقِعِ: فَيَرى العَجَبَ. ولا يَظُنُّها اخْتَصَّتْ بِقَوْمٍ كانُوا فَبانُوا. فالحَدِيثُ لَكِ. واسْمَعِي يا جارَةُ. واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَمِنَ الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ: أنْ لا يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأمْرٍ ولا نَهْيٍ، ولا إذَنٍ ولا تَصَرُّفٍ. حَتّى يَأْمُرَ هُوَ، ويَنْهى ويَأْذَنَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وهَذا باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُنْسَخْ. فالتَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْ سُنَّتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، كالتَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ في حَيّاتِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما عِنْدَ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ. قالَ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا تَفْتاتُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ: لا تُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ وبَيْنَ يَدَيِ الأبِ. أيْ لا تُعَجِّلُوا بِالأمْرِ والنَّهْيِ دُونَهُ. وَقالَ غَيْرُهُ: لا تَأْمُرُوا حَتّى يَأْمُرَ. ولا تَنْهُوا حَتّى يَنْهى. وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنْ لا تُرْفَعَ الأصْواتُ فَوْقَ صَوْتِهِ. فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحُبُوطِ الأعْمالِ فَما الظَّنُّ بِرَفْعِ الآراءِ، ونَتائِجِ الأفْكارِ عَلى سُنَّتِهِ وما جاءَ بِهِ؟ أتُرى ذَلِكَ مُوجِبًا لِقَبُولِ الأعْمالِ، ورَفْعُ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ مُوجِبٌ لِحُبُوطِها؟ وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنْ لا يَجْعَلَ دُعاءَهُ كَدُعاءِ غَيْرِهِ. قالَ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. وفِيهِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ. أحَدُهُما: أنَّكم لا تَدْعُونَهُ بِاسْمِهِ، كَما يَدْعُو بَعْضُكم بَعْضًا، بَلْ قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَعَلى هَذا: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، أيْ دُعاءَكُمُ الرَّسُولَ. الثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ لَكم بِمَنزِلَةِ دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا. إنْ شاءَ أجابَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ، بَلْ إذا دَعاكم لَمْ يَكُنْ لَكم بُدٌّ مِن إجابَتِهِ، ولَمْ يَسَعْكُمُ التَّخَلُّفُ عَنْها ألْبَتَّةَ. فَعَلى هَذا: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ. أيْ دُعاؤُهُ إيّاكم. وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنَّهم إذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ - مِن خُطْبَةٍ، أوْ جِهادٍ، أوْ رِباطٍ - لَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ مِنهم مَذْهَبًا في حاجَتِهِ حَتّى يَسْتَأْذِنَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]. فَإذا كانَ هَذا مَذْهَبًا مُقَيَّدًا بِحاجَةٍ عارِضَةٍ، ولَمْ يُوَسِّعْ لَهم فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ فَكَيْفَ بِمَذْهَبٍ مُطْلَقٍ في تَفاصِيلِ الدِّينِ: أُصُولِهِ، وفُرُوعِهِ، دَقِيقِهِ، وجَلِيلِهِ؟ هَلْ يُشْرَعُ الذَّهابُ إلَيْهِ بِدُونِ اسْتِئْذانِهِ؟ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنْ لا يُسْتَشْكَلَ قَوْلُهُ:. بَلْ تُسْتَشْكَلُ الآراءُ لِقَوْلِهِ: ولا يُعارَضُ نَصُّهُ بِقِياسٍ بَلْ تُهْدَرُ الأقْيِسَةُ وتُلْقى لِنُصُوصِهِ. ولا يُحَرَّفُ كَلامُهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِخَيالٍ يُسَمِّيهِ أصْحابُهُ مَعْقُولًا، نَعَمْ هو مَجْهُولٌ، وعَنِ الصَّوابِ مَعْزُولٌ، ولا يُوقَفُ قَبُولُ ما جاءَ بِهِ ﷺ عَلى مُوافَقَةِ أحَدٍ، فَكُلُّ هَذا مِن قِلَّةِ الأدَبِ مَعَهُ ﷺ. وهو عَيْنُ الجُرْأةِ. [فَصْلٌ الأدَبُ مَعَ الخَلْقِ] وَأمّا الأدَبُ مَعَ الخَلْقِ: فَهو مُعامَلَتُهم - عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ - بِما يَلِيقُ بِهِمْ. فَلِكُلِّ مَرْتَبَةٍ أدَبٌ. والمَراتِبُ فِيها أدَبٌ خاصٌّ. فَمَعَ الوالِدَيْنِ: أدَبٌ خاصٌّ ولِلْأبِ مِنهُما: أدَّبٌ هو أخُصُّ بِهِ، ومَعَ العالِمِ: أدَبٌ آخَرُ، ومَعَ السُّلْطانِ: أدَبٌ يَلِيقُ بِهِ، ولَهُ مَعَ الأقْرانِ أدَبٌ يَلِيقُ بِهِمْ. ومَعَ الأجانِبِ: أدَبٌ غَيْرُ أدَبِهِ مَعَ أصْحابِهِ وذَوِي أُنْسِهِ. ومَعَ الضَّيْفِ: أدَبٌ غَيْرُ أدَبِهِ مَعَ أهْلِ بَيْتِهِ. وَلِكُلِّ حالٍ أدَبٌ: فَلِلْأكْلِ آدابٌ. ولِلشُّرْبِ آدابٌ. ولِلرُّكُوبِ والدُّخُولِ والخُرُوجِ والسَّفَرِ والإقامَةِ والنَّوْمِ آدابٌ. ولِلْبَوْلِ آدابٌ. ولِلْكَلامِ آدابٌ. ولِلسُّكُوتِ والِاسْتِماعِ آدابٌ. وَأدَبُ المَرْءِ: عُنْوانُ سَعادَتِهِ وفَلاحِهِ. وقِلَّةُ أدَبِهِ: عُنْوانُ شَقاوَتِهِ وبَوارِهِ. فَما اسْتُجْلِبَ خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِمِثْلِ الأدَبِ، ولا اسْتُجْلِبَ حِرْمانُهُما بِمِثْلِ قِلَّةِ الأدَبِ. فانْظُرْ إلى الأدَبِ مَعَ الوالِدَيْنِ: كَيْفَ نَجّى صاحِبَهُ مِن حَبْسِ الغارِ حِينَ أطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ؟ والإخْلالُ بِهِ مَعَ الأُمِّ - تَأْوِيلًا وإقْبالًا عَلى الصَّلاةِ - كَيْفَ امْتُحِنَ صاحِبُهُ بِهَدْمِ صَوْمَعَتِهِ وضَرْبِ النّاسِ لَهُ، ورَمْيِهِ بِالفاحِشَةِ؟ وَتَأمَّلْ أحْوالَ كُلِّ شَقِيٍّ ومُغْتَرٍّ ومُدْبِرٍ: كَيْفَ تَجِدُ قِلَّةَ الأدَبِ هي الَّتِي ساقَتْهُ إلى الحِرْمانِ؟ وانْظُرْ قِلَّةَ أدَبِ عَوْفٍ مَعَ خالِدٍ: كَيْفَ حَرَمَهُ السَّلْبَ بَعْدَ أنْ بَرَدَ بِيَدَيْهِ؟ وانْظُرْ أدَبَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّلاةِ: أنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقالَ: ما كانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. كَيْفَ أوْرَثَهُ مَقامَهُ والإمامَةَ بِالأُمَّةِ بَعْدَهُ؟ فَكانَ ذَلِكَ التَّأخُّرُ إلى خَلْفِهِ - وقَدْ أوْمَأ إلَيْهِ أنِ اثْبُتْ مَكانَكَ - جَمْزًا، وسَعْيًا إلى قُدّامَ؟ بِكُلِّ خُطْوَةٍ إلى وراءَ مَراحِلُ إلى قُدّامَ. تَنْقَطِعُ فِيها أعْناقُ المَطِيِّ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ حَقِيقَةُ الأدَبِ] قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الأدَبُ: حِفْظُ الحَدِّ، بَيْنَ الغُلُوِّ والجَفاءِ، بِمَعْرِفَةِ ضَرَرِ العُدْوانِ. هَذا مِن أحْسَنِ الحُدُودِ. فَإنَّ الِانْحِرافَ إلى أحَدِ طَرَفَيِ الغُلُوِّ والجَفاءِ: هو قِلَّةُ الأدَبِ. والأدَبُ: الوُقُوفُ في الوَسَطِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَلا يُقَصِّرُ بِحُدُودِ الشَّرْعِ عَنْ تَمامِها. ولا يَتَجاوَزُ بِها ما جُعِلَتْ حُدُودًا لَهُ. فَكِلاهُما عُدْوانٌ. واللَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ. والعُدْوانُ: هو سُوءُ الأدَبِ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: دِينُ اللَّهِ بَيْنَ الغالِي فِيهِ والجافِي عَنْهُ. فَإضاعَةُ الأدَبِ بِالجَفاءِ: كَمَن لَمْ يُكْمِلْ أعْضاءَ الوُضُوءِ. ولَمْ يُوفِّ الصَّلاةَ آدابَها الَّتِي سَنَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفَعَلَها. وهي قَرِيبٌ مِن مِائَةِ أدَبٍ: ما بَيْنَ واجِبٍ ومُسْتَحَبٍّ. وَإضاعَتُهُ بِالغُلُوِّ: كالوَسْوَسَةِ في عَقْدِ النِّيَّةِ. ورَفَعِ الصَّوْتِ بِها. والجَهْرِ بِالأذْكارِ والدَّعَواتِ الَّتِي شُرِعَتْ سِرًّا. وتَطْوِيلِ ما السُّنَّةُ تَخْفِيفُهُ وحَذْفُهُ. كالتَّشَهُّدِ الأوَّلِ والسَّلامِ الَّذِي حَذْفُهُ سُنَّةٌ. وزِيادَةِ التَّطْوِيلِ عَلى ما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا عَلى ما يَظُنُّهُ سُرّاقُ الصَّلاةِ والنَّقّارُونَ لَها ويَشْتَهُونَهُ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَ بِأمْرٍ ويُخالِفَهُ. وقَدْ صانَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ. وكانَ يَأْمُرُهم بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّهم بِالصّافّاتِ، ويَأْمُرُهم بِالتَّخْفِيفِ وتُقامُ صَلاةُ الظُّهْرِ، فَيَذْهَبُ الذّاهِبُ إلى البَقِيعِ، فَيَقْضِي حاجَتَهُ. ويَأْتِي أهْلَهُ ويَتَوَضَّأُ. ويُدْرِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الرَّكْعَةِ الأُولى. فَهَذا هو التَّخْفِيفُ الَّذِي أمَرَ بِهِ. لا نَقْرَ الصَّلاةِ وسَرْقَها. فَإنَّ ذَلِكَ اخْتِصارٌ، بَلِ اقْتِصارٌ عَلى ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. ويُسَمّى بِهِ مُصَلِّيًا، وهو كَأكْلِ المُضْطَرِّ في المَخْمَصَةِ ما يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ: فَلَيْتَهُ شِبَعَ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، وهو كَجائِعٍ قُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ لَذِيذٌ جِدًّا. فَأكَلَ مِنهُ لُقْمَةً أوْ لُقْمَتَيْنِ. فَماذا يُغْنِيانِ عَنْهُ؟ ولَكِنْ لَوْ أحَسَّ بِجُوعِهِ لَما قامَ مِنَ الطَّعامِ حَتّى يَشْبَعَ مِنهُ وهو يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ. لَكِنَّ القَلْبَ شَبْعانُ مِن شَيْءٍ آخَرَ. وَمِثالُ هَذا التَّوَسُّطُ في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: أنْ لا يَغْلُوَ فِيهِمْ، كَما غَلَتِ النَّصارى في المَسِيحِ، ولا يَجْفُوَ عَنْهُمْ، كَما جَفَتِ اليَهُودُ. فالنَّصارى عَبَدُوهم. واليَهُودُ قَتَلُوهم وكَذَّبُوهم. والأُمَّةُ الوَسَطُ: آمَنُوا بِهِمْ، وعَزَّرُوهم ونَصَرُوهُمْ، واتَّبَعُوا ما جاءُوا بِهِ. وَمِثالُ ذَلِكَ في حُقُوقِ الخَلْقِ: أنْ لا يُفَرِّطَ في القِيامِ بِحُقُوقِهِمْ، ولا يَسْتَغْرِقَ فِيها، بِحَيْثُ يَشْتَغِلُ بِها عَنْ حُقُوقِ اللَّهِ، أوْ عَنْ تَكْمِيلِها، أوْ عَنْ مَصْلَحَةِ دِينِهِ وقَلْبِهِ، وأنْ لا يَجْفُوَ عَنْها حَتّى يُعَطِّلَها بِالكُلِّيَّةِ. فَإنَّ الطَّرَفَيْنِ مِنَ العُدْوانِ الضّارِّ. وعَلى هَذا الحَدِّ، فَحَقِيقَةُ الأدَبِ: هي العَدْلُ. واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل: في وجوب تَأْدِيب الأوْلاد وتعليمهم والعدْل بَينهم) قالَ الله تَعالى ﴿يا أيها الَّذين آمنُوا قوا أنفسكُم وأهليكم نارا وقودها النّاس والحِجارَة﴾ قالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ علموهم وأدبوهم وقالَ الحسن مُرُوهم بِطاعَة الله وعلموهم الخَيْر وفي المسند وسنَن أبي داوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أبِيه عَن جده قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ مروا أبناءكم بِالصَّلاةِ لسبع واضْرِبُوهم عَلَيْها لعشر وفرقُوا بَينهم في المضاجِع فَفي هَذا الحَدِيث ثَلاثَة آداب أمرهم بها وضربهم عَلَيْها والتفريق بَينهم في المضاجِع وَقد روى الحاكِم عَن أبي النَّضر الفَقِيه ثَنا مُحَمَّد بن حموية ثَنا أبي ثَنا النَّضر بن مُحَمَّد عَن الثَّوْريّ عَن إبْراهِيم بن مهاجر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبّاس عَن النَّبِي ﷺ قالَ افتحوا على صِبْيانكم أول كلمة بِلا إلَه إلّا الله ولقنوهم عند المَوْت لا إلَه إلّا الله وَفِي تارِيخ البُخارِيّ من رِوايَة بشر بن يُوسُف عَن عامر بن أبي عامر سمع أيُّوب بن مُوسى القرشِي عَن أبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ قالَ ما نحل والِد ولدا أفضل من أدب حسن قالَ البُخارِيّ ولم يَصح سَماع جده من النَّبِي ﷺ وَفِي مُعْجم الطَّبَرانِيّ من حَدِيث سماك عَن جابر بن سَمُرَة قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ لِأن يُؤَدب أحدكُم ولَده خير لَهُ من أم يتَصَدَّق كل يَوْم بِنصْف صاع على المَساكِين. وَذكر البَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن الفضل بن عَطِيَّة وهو ضَعِيف عَن أبِيه عَن عَطاء عَن ابْن عَبّاس قالَ قالُوا يا رَسُول الله قد علمنا ما حق الوالِد فَما حق الوَلَد قالَ أن يحسن اسْمه ويحسن أدبه قالَ سُفْيان الثَّوْريّ يَنْبَغِي للرجل أن يكره ولَده على طلب الحَدِيث فَإنَّهُ مسؤول عَنهُ وقالَ إن هَذا الحَدِيث عز من أرادَ بِهِ الدُّنْيا وجدها ومن أرادَ بِهِ الآخِرَة وجدها وقالَ عبد الله بن عمر أدب ابْنك فَإنّك مسؤول عَنهُ ماذا أدبته وماذا عَلمته وهو مسؤول عَن برك وطواعيته لَك. وَذكر البَيْهَقِيّ من حَدِيث مُسلم بن إبْراهِيم حَدثنا شَدّاد بن سعيد عَن الجريرِي عَن أبي سعيد وابْن عَبّاس قالا قالَ رَسُول الله ﷺ "من ولد لَهُ ولد فليحسن اسْمه وأدبه، فَإذا بلغ فليزوجه فَإن بلغ ولم يُزَوجهُ فَأصاب إثْمًا فَإنَّما إثمه على أبِيه" وَقالَ سعيد بن مَنصُور حَدثنا حزم قالَ سَمِعت الحسن وسَألَهُ كثير ابْن زِياد عَن قَوْله تَعالى ﴿رَبنا هَب لنا من أزواجنا وذُرِّيّاتنا قُرَّة أعين﴾ [الفرقان: ٧٤] فَقالَ يا أبا سعيد ما هَذِه القرة الأعْين أفِي الدُّنْيا أم في الآخِرَة؟ قالَ لا. بل والله في الدُّنْيا. قالَ وما هِيَ؟ قالَ والله أن يري الله العَبْد من زَوجته من أخِيه من حميمه طاعَة الله لا والله ما شَيْء أحب إلى المَرْء المُسلم من أن يرى ولدا أو والدا أو حميما أو أخا مُطيعًا لله عز وجل. وَقد روى البُخارِيّ في صَحِيحه من حَدِيث نافِع عَن ابْن عمر قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "كلكم راع وكلكم مسؤول عَن رَعيته فالأمير راع على النّاس وهو مسؤول عَن رَعيته والرجل راع على أهل بَيته وامْرَأة الرجل راعية على بَيت بَعْلها وولده وهِي مسؤولة عَنْهُم وعبد الرجل راع على مال سَيّده وهو مسؤول عَنهُ ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عَن رَعيته" (فصل) وَمن حُقُوق الأوْلاد العدْل بَينهم في العَطاء والمَنع فَفِي السّنَن ومسند أحْمد وصحيح ابْن حبان من حَدِيث النُّعْمان بن بشير قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "اعدلوا بَين أبْنائِكُم اعدلوا بَين أبْنائِكُم" وَفِي صَحِيح مُسلم "أن امْرَأة بشير قالَت لَهُ انحل ابْني غُلاما وأشْهد لي رَسُول الله ﷺ فَأتى رَسُول الله ﷺ فَقالَ: إن ابْنة فلان سَألتنِي أن أنحل ابْنها غلامي. قالَ لَهُ إخْوَة؟ قالَ نعم. قالَ أفكلهم أعْطَيْت مثل ما أعْطيته؟ قالَ لا. قالَ فَلَيْسَ يصلح هَذا وإنِّي لا أشهد إلّا على حق" وَرَواهُ الإمام أحْمد وقالَ فِيهِ "لا تشهدني على جور إن لبنيك عَلَيْك من الحق أن تعدل بَينهم". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النُّعْمان بن بشير أن أباهُ أتى بِهِ النَّبِي ﷺ فَقالَ: إنِّي نحلت ابْني هَذا غُلاما كانَ لي فَقالَ رَسُول ﷺ "أكل ولدك نحلت مثل هَذا؟ فَقالَ لا. فَقالَ أرجعه. وَفِي رِوايَة لمُسلم "فَقالَ أفعلتَ هَذا بولدك كلهم؟ قالَ لا. قالَ اتَّقوا الله واعدلوا في أوْلادكُم، فَرجع أبي في تِلْكَ الصَّدَقَة" وَفِي الصَّحِيح أشهد على هَذا غَيْرِي وهَذا أمر تهديد لا إباحَة فَإن تِلْكَ العَطِيَّة كانَت جورا بِنَصّ الحَدِيث ورَسُول الله ﷺ لا يَأْذَن لأحد أن يشْهد على صِحَة الجور. وَمن ذا الَّذِي كانَ يشْهد على تِلْكَ العَطِيَّة وقد أبى رَسُول الله ﷺ أن يشْهد عَلَيْها وأخْبر أنَّها لا تصلح وأنَّها جور وأنَّها خلاف العدْل. وَمن العجب أن يحمل قَوْله "اعدلوا بَين أوْلادكُم" على غير الوُجُوب، وهو أمر مُطلق مُؤَكد ثَلاث مَرّات، وقد أخبر الآمِر بِهِ أن خِلافه جور وأنه لا يصلح، وأنه لَيْسَ بِحَق وما بعد الحق إلّا الباطِل. هَذا والعدْل واحب في كل حال فَلَو كانَ الأمر بِهِ مُطلقًا لوَجَبَ حمله على الوُجُوب فَكيف وقد اقْترن بِهِ عشرَة أشْياء تؤكد وُجُوبه فتأملها في ألْفاظ القِصَّة. وَقد ذكر البَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي أحْمد بن عدي حَدثنا القاسِم بن مهْدي حَدثنا يَعْقُوب بن كاسب حَدثنا عبد الله بن معاذ عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس "أن رجلا كانَ جالِسا مَعَ النَّبِي ﷺ فجاء بني لَهُ فَقبله وأجْلسهُ في حجره، ثمَّ جاءَت بنية فَأخذها فأجلسها إلى جنبه. فَقالَ النَّبِي ﷺ فَما عدلت بَينهما" وَكانَ السّلف يستحبون أن يعدلُوا بَين الأوْلاد في القُبْلَة. وَقالَ بعض أهل العلم إن الله سُبْحانَهُ يسْأل الوالِد عَن ولَده يَوْم القِيامَة قبل أن يسْأل الوَلَد عَن والِده فانه كَما أن للْأب على ابنه حَقًا فللابن على أبِيه حق فَكَما قالَ تَعالى ﴿وَوَصينا الإنْسان بِوالِديهِ حسنا﴾ [العنكبوت: ٨] قالَ تَعالى ﴿قوا أنفسكُم وأهليكم نارا وقودها النّاس والحِجارَة﴾ [التحريم: ٦] قالَ عَليّ بن أبي طالب علموهم وأدبوهم وقالَ تَعالى ﴿واعبدوا الله ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحسانا وبذي القُرْبى﴾ [النساء: ٣٦] وَقالَ النَّبِي ﷺ "اعدلوا بَين أوْلادكُم" فوصية الله للآباء بأولادهم سابِقَة على وصِيَّة الأوْلاد بآبائهم قالَ الله تَعالى ﴿وَلا تقتلُوا أوْلادكُم خشيَة إملاق﴾ [الإسراء: ٣١] فَمن أهمل تَعْلِيم ولَده ما يَنْفَعهُ وتَركه سدى فقد أساءَ إلَيْهِ غايَة الإساءَة وأكْثر الأوْلاد إنَّما جاءَ فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لَهُم وترك تعليمهم فَرائض الدّين وسننه فأضاعوهم صغارًا فَلم ينتفعوا بِأنْفسِهِم ولم ينفعوا آباءَهُم كبارًا كَما عاتب بَعضهم ولَده على العقوق فَقالَ يا أبَت إنَّك عققتني صَغِيرا فعققتك كَبِيرا وأضعتني وليدا فأضعتك شَيخا (فُصُول نافعة في تربية الأطْفال تحمد عواقبها عند الكبر) (فصل) يَنْبَغِي أن يكون رضاع المَوْلُود من غير أمه بعد وضعه يَوْمَيْنِ أو ثَلاثَة وهو الأجود لما في لَبنها ذَلِك الوَقْت من الغلظ والأخلاط بِخِلاف لبن من قد اسْتَقَلت على الرَّضاع وكل العَرَب تعتني بذلك حَتّى تسترضع أوْلادها عند نساء البَوادِي كَما استرضع النَّبِي ﷺ في بني سعد. (فصل) وَيَنْبَغِي أن يمْنَع حملهمْ والطّواف بهم حَتّى يَأْتِي عَلَيْهِم ثَلاثَة أشهر فَصاعِدا لقرب عَهدهم ببطون الأُمَّهات وضعف أبدانهم. (فصل) وَيَنْبَغِي أن يقْتَصر بهم على اللَّبن وحده إلى نَبات أسنانهم لضعف معدتهم وقوتهم الهاضمة عَن الطَّعام فَإذا نَبتَت أسْنانه قويت معدته وتغذى بِالطَّعامِ، فَإن الله سُبْحانَهُ أخر إنباتها إلى وقت حاجته إلى الطَّعام لحكمته ولطفه ورَحْمَة مِنهُ بِالأُمِّ وحلمة ثديها فَلا يعضه الوَلَد بِأسْنانِهِ. (فصل) وَيَنْبَغِي تدريجهم في الغذاء فَأول ما يُطْعِمُونَهم الغذاء اللين فيطعمونهم الخبز المنقوع في الماء الحار واللَّبن والحليب ثمَّ بعد ذَلِك الطبيخ والأمراق الخالية من اللَّحْم ثمَّ بعد ذَلِك ما لطف جدا من اللَّحْم بعد إحكام مضغه أو رضه رضا ناعِمًا. (فصل) فَإذا قربوا من وقت التَّكَلُّم وأُرِيد تسهيل الكَلام عَلَيْهِم فليدلك ألسنتهم بالعسل والملح الاندراني لما فيهما من الجلاء للرطوبات الثَّقِيلَة المانِعَة من الكَلام فَإذا كانَ وقت نطقهم فليلقنوا لا إلَه إلّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفَة الله سُبْحانَهُ وتوحيده وأنه سُبْحانَهُ فَوق عَرْشه ينظر إلَيْهِم ويسمع كَلامهم وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا وكانَ بَنو إسْرائِيل كثيرا ما يسمون أوْلادهم ب عمانويل ومعنى هَذِه الكَلِمَة إلهنا مَعنا، ولِهَذا كانَ أحب الأسْماء إلى الله عبد الله وعبد الرَّحْمَن بِحَيْثُ إذا وعى الطِّفْل وعقل علم أنه عبد الله وأن الله هو سَيّده ومولاه. (فصل) فَإذا حضر وقت نَبات الأسْنان فَيَنْبَغِي أن يدلك لثاهم كل يَوْم بالزبد والسمن ويمرخ خرز العُنُق تمريخا كثيرا ويحذر عَلَيْهِم كل الحذر وقت نباتها إلى حِين تكاملها وقوتها من الأشْياء الصلبة ويمْنَعُونَ مِنها كل المَنع لما في التَّمَكُّن مِنها من تَعْرِيض الأسْنان لفسادها وتعويجها وخللها. (فصل) وَلا يَنْبَغِي أن يشق على الأبَوَيْنِ بكاء الطِّفْل وصراخه ولا سِيما لشربه اللَّبن إذا جاع فَإنَّهُ ينْتَفع بذلك البكاء انتفاعا عَظِيما فَإنَّهُ يروض أعضاءه ويوسع أمعاءه ويفسح صَدره ويسخن دماغه ويحمي مزاجه ويثير حرارته الغريزية ويحرك الطبيعة لدفع ما فِيها من الفضول ويدْفَع فضلات الدِّماغ من المخاط وغَيره. (فصل) وَيَنْبَغِي أن لا يهمل أمر قماطه ورباطه ولَو شقّ عَلَيْهِ إلى أن يصلب بدنه وتقوى أعضاؤه ويجْلس على الأرْض فَحِينَئِذٍ يمرن ويدرب على الحَرَكَة والقِيام قَلِيلا قَلِيلا إلى أن يصير لَهُ ملكة وقُوَّة يفعل ذَلِك بِنَفسِهِ. (فصل) وَيَنْبَغِي أن يوقى الطِّفْل كل أمر يفزعه من الأصْوات الشَّدِيدَة الشنيعة والمناظر الفظيعة والحركات المزعجة فَإن ذَلِك رُبما أدّى إلى فَساد قوته العاقِلَة لِضعْفِها فَلا ينْتَفع بها بعد كبره فَإذا عرض لَهُ عارض من ذَلِك فَيَنْبَغِي المُبادرَة إلى تلافيه بضده وإيناسه بِما ينسيه إيّاه وأن يلقم ثديه في الحال ويسارع إلى رضاعه ليزول عَنهُ ذَلِك المزعج لَهُ ولا يرتسم في قوته الحافظة فيعسر زَواله ويسْتَعْمل تمهيده بالحركة اللطيفة إلى أن ينام فينسى ذَلِك ولا يهمل هَذا الأمر فَإن في إهماله إسكان الفَزع والروع في قلبه فينشأ على ذَلِك ويعسر زَواله ويتعذر. (فصل) ويتغير حال المَوْلُود عند نَبات أسْنانه ويهيج بِهِ التقيء والحميات وسُوء الأخْلاق ولا سِيما إذا كانَ نباتها في وقت الشتاء والبرد أو في وقت الصَّيف وشدَّة الحر وأحمد أوْقات نباتها الرّبيع والخريف ووقت نباتها لسبعة أشهر وقد تنْبت في الخامِس وقد تتأخر إلى العاشِر فَيَنْبَغِي التلطف في تَدْبيره وقت نباتها وأن يُكَرر عَلَيْهِ دُخُول الحمام وأن يغذى غذاء يَسِيرا فَلا يمْلَأ بَطْنه من الطَّعام وقد يعرض لَهُ انطلاق البَطن فيعصب بِما يَكْفِيهِ مثل عِصابَة صوف عَلَيْها كمون ناعم وكرفس وأنيسون وتدلك لثته بِما تقدم ذكره، ومَعَ هَذا فانطلاق بَطْنه في ذَلِك الوَقْت خير لَهُ من اعتقاله فَإن كانَ بَطْنه معتقلا عند نَبات أسْنانه فَيَنْبَغِي أن يُبادر إلى تليين طَبِيعَته فَلا شَيْء أضرّ على الطِّفْل عند نَبات أسْنانه من اعتقال طَبِيعَته ولا شَيْء أنْفَع لَهُ من سهولتها باعتدال وَأحمد ما تلين بِهِ عسل مطبوخ يتَّخذ مِنهُ فتائل ويحمل بها أو حبق مسحوق معجون بِعَسَل يتَّخذ مِنهُ فتائل كَذَلِك ويَنْبَغِي للمرضع في ذَلِك الوَقْت تلطيف طعامها وشرابها وتجتنب الأغذية المضرَّة. (فصل) وَمِمّا يَنْبَغِي أن يحذر أن يحمل الطِّفْل على المَشْي قبل وقته لما يعرض في أرجُلهم بِسَبَب ذَلِك من الانفتال والاعوجاج بِسَبَب ضعفها وقبولها لذَلِك واحْذَرْ كل الحذر أن تحبس عَنهُ ما يحْتاج إلَيْهِ في قيء أو نوم أو طَعام أو شراب أو عطاس أو بَوْل أو إخْراج دم فَإن لحبس ذَلِك عواقب رديئه في حق الطِّفْل والكَبِير (فصل) وَمِمّا يحْتاج إلَيْهِ الطِّفْل غايَة الِاحْتِياج الاعتناء بِأمْر خلقه فَإنَّهُ ينشأ على ما عوده المربي في صغره من حرد وغَضب ولجاج وعجلة وخفة مَعَ هَواهُ وطيش وحدة وجشع فيصعب عَلَيْهِ في كبره تلافي ذَلِك وتصير هَذِه الأخْلاق صِفات وهيئات راسخة لَهُ فَلَو تحرز مِنها غايَة التَّحَرُّز فضحته ولا بُد يَوْمًا ما ولِهَذا تَجِد أكثر النّاس منحرفة أخْلاقهم وذَلِكَ من قبل التربية الَّتِي نَشأ عَلَيْها وكَذَلِكَ يجب أن يتَجَنَّب الصَّبِي إذا عقل مجالِس اللَّهْو والباطِل والغناء وسَماع الفُحْش والبدع ومنطق السوء فَإنَّهُ إذا علق بسمعه عسر عَلَيْهِ مُفارقَته في الكبر وعز على وليه استنقاذه مِنهُ فتغيير العوائد من أصعب الأُمُور يحْتاج صاحبه إلى استجداد طبيعة ثانِيَة والخُرُوج عَن حكم الطبيعة عسر جدا. وَيَنْبَغِي لوَلِيِّه أن يجنبه الأخْذ من غَيره غايَة التجنب فَإنَّهُ مَتى اعْتادَ الأخْذ صار لَهُ طبيعة ونَشَأ بِأن يَأْخُذ لا بِأن يُعْطي ويعوده البَذْل والإعطاء وإذا أرادَ الوَلِيّ أن يُعْطي شَيْئا أعطاهُ إيّاه على يَده ليذوق حلاوة الإعْطاء ويجنبه الكَذِب والخيانة أعظم مِمّا يجنبه السم الناقع فَإنَّهُ مَتى سهل لَهُ سَبِيل الكَذِب والخيانة أفسد عَلَيْهِ سَعادَة الدُّنْيا والآخِرَة وحرمه كل خير ويجنبه الكسل والبطالة والدعة والراحة بل يَأْخُذهُ بأضدادها ولا يريحه إلّا بِما يجم نَفسه وبدنه للشغل فَإن الكسل والبطالة عواقب سوء ومغبة نَدم وللجد والتعب عواقب حميدة إمّا في الدُّنْيا وإمّا في العقبى وإمّا فيهما فأروح النّاس أتعب النّاس وأتعب النّاس أروح النّاس فالسيادة في الدُّنْيا والسعادة في العقبى لا يُوصل إلَيْها إلّا على جسر من التَّعَب. قالَ يحيى بن أبي كثير لا ينال العلم براحة الجِسْم. ويعوده الانتباه آخر اللَّيْل فَإنَّهُ وقت قسم الغَنائِم وتفريق الجوائز فمستقل ومستكثر ومحروم فَمَتى اعْتادَ ذَلِك صَغِيرا سهل عَلَيْهِ كَبِيرا. (فصل) ويجنبه فضول الطَّعام والكَلام والمنام ومخالطة الأنام فَإن الخسارة في هَذِه الفضلات وهِي تفوت على العَبْد خير دُنْياهُ وآخرته ويجنبه مضار الشَّهَوات المُتَعَلّقَة بالبطن والفرج غايَة التجنب فَإن تَمْكِينه من أسبابها والفسح لَهُ فِيها يُفْسِدهُ فَسادًا يعز عَلَيْهِ بعده صَلاحه وكم مِمَّن أشْقى ولَده وفلذة كبده في الدُّنْيا والآخِرَة بإهماله وترك تأديبه وإعانته لَهُ على شهواته ويَزْعُم أنه يُكرمهُ وقد أهانه وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه ففاته انتفاعه بولده وفوت عَلَيْهِ حَظه في الدُّنْيا والآخِرَة وإذا اعْتبرت الفساد في الأوْلاد رَأيْت عامته من قبل الآباء (فصل) والحذر كل الحذر من تَمْكِينه من تناول ما يزِيل عقله من مُسكر وغَيره أو عشرَة من يخْشى فَساده أو كَلامه لَهُ أو الأخْذ في يَده فَإن ذَلِك الهَلاك كُله ومَتى سهل عَلَيْهِ ذَلِك فقد استسهل الدياثة ولا يدْخل الجنَّة ديوث فَما أفسد الأبْناء مثل تغفل الآباء وإهمالهم واستسهالهم شرر النّار بَين الثِّياب فَأكْثر الآباء يعتمدون مَعَ أوْلادهم أعظم ما يعْتَمد العَدو الشَّديد العَداوَة مَعَ عدوه وهم لا يَشْعُرُونَ فكم من والِد حرم والِده خير الدُّنْيا والآخِرَة وعرضه لهلاك الدُّنْيا والآخِرَة وكل هَذا عواقب تَفْرِيط الآباء في حُقُوق الله وإضاعتهم لَها وإعراضهم عَمّا أوجب الله عَلَيْهِم من العلم النافع والعَمَل الصّالح حرمهم الِانْتِفاع بأولادهم وحرم الأوْلاد خَيرهمْ ونفعهم لَهُم هو من عُقُوبَة الآباء. (فصل) ويجنبه لبس الحَرِير فَإنَّهُ مُفسد لَهُ ومخنث لطبيعته كَما يخنثه اللواط وشرب الخمر والسَّرِقَة والكذب وقد قالَ النَّبِي ﷺ يحرم الحَرِير والذَّهَب على ذُكُور أمتِي وأحل لإناثهم والصَّبِيّ وإن لم يكن مُكَلّفا فَوَلِيه مُكَلّف لا يحل لَهُ تَمْكِينه من المحرم فَإنَّهُ يعتاده ويعسر فطامه عَنهُ وهَذا أصح قولي العلماء واحْتج من لم يره حَرامًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ غير مُكَلّف فَلم يحرم لبسه للحرير كالدابة وهَذا من أفسد القياس فَإن الصَّبِي وإن لم يكن مُكَلّفا فَإنَّهُ مستعد للتكليف ولِهَذا لا يُمكن من الصَّلاة بِغَيْر وضوء ولا من الصَّلاة عُريانا ونجسا ولا من شرب الخمر والقمار واللواط (فصل) وَمِمّا يَنْبَغِي أن يعْتَمد حال الصَّبِي وما هو مستعد لَهُ من الأعْمال ومهيأ لَهُ مِنها، فَيعلم أنه مَخْلُوق لَهُ فَلا يحملهُ على غَيره ما كانَ مَأْذُونا فِيهِ شرعا فَإنَّهُ إن حمله على غير ما هو مستعد لَهُ لم يفلح فِيهِ وفاته ما هو مُهَيَّأ لَهُ فَإذا رَآهُ حسن الفَهم صَحِيح الإدْراك جيد الحِفْظ واعيا فَهَذِهِ من عَلامات قبُوله وتهيئه للْعلم لينقشه في لوح قلبه ما دامَ خالِيا فَإنَّهُ يتَمَكَّن فِيهِ ويستقر ويزكو مَعَه وإن رَآهُ بِخِلاف ذَلِك من كل وجه وهو مستعد للفروسية وأسبابها من الرّكُوب والرَّمْي واللعب بِالرُّمْحِ وأنه لا نَفاذ لَهُ في العلم ولم يخلق لَهُ مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عَلَيْها فَإنَّهُ أنْفَع لَهُ وللمسلمين وإن رَآهُ بِخِلاف ذَلِك وأنه لم يخلق لذَلِك ورَأى عينه مَفْتُوحَة إلى صَنْعَة من الصَّنائِع مستعدا لَها قابلا لَها وهِي صناعَة مُباحَة نافعة للنّاس فليمكنه مِنها هَذا كُله بعد تَعْلِيمه لَهُ ما يحْتاج إلَيْهِ في دينه فَإن ذَلِك ميسر على كل أحد لتقوم حجَّة الله على العَبْد فَإن لَهُ على عباد الحجَّة البالِغَة كَما لَهُ عَلَيْهِم النِّعْمَة السابغة. والله أعلم.

التحريم 66:8

[فَصْلٌ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ] قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَجَعَلَ وِقايَةَ شَرِّ السَّيِّئاتِ - وهو تَكْفِيرُها - بِزَوالِ ما يَكْرَهُ العَبْدُ، ودُخُولِ الجَنّاتِ - وهو حُصُولُ ما يُحِبُّ العَبْدُ - مَنُوطًا بِحُصُولِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، والنَّصُوحُ عَلى وزْنِ فَعُولٍ المَعْدُولِ بِهِ عَنْ فاعِلٍ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ، كالشَّكُورِ والصَّبُورِ، وأصْلُ مادَّةِ (ن ص ح) لِخَلاصِ الشَّيْءِ مِنَ الغِشِّ والشَّوائِبِ الغَرِيبَةِ، وهو مُلاقٍ في الِاشْتِقاقِ الأكْبَرِ لِنَصَحَ إذا خَلَصَ، فالنُّصْحُ في التَّوْبَةِ والعِبادَةِ والمَشُورَةِ تَخْلِيصُها مِن كُلِّ غِشٍّ ونَقْصٍ وفَسادٍ، وإيقاعُها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والنُّصْحُ ضِدُّ الغِشِّ. وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِباراتُ السَّلَفِ عَنْها، ومَرْجِعُها إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ لا يَعُودَ إلَيْهِ، كَما لا يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضِّرْعِ وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هي أنْ يَكُونَ العَبْدُ نادِمًا عَلى ما مَضى، مُجْمِعًا عَلى أنْ لا يَعُودَ فِيهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ يَسْتَغْفِرَ بِاللِّسانِ، ويَنْدَمَ بِالقَلْبِ، ويُمْسِكَ بِالبَدَنِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: تَوْبَةً نَصُوحًا، تَنْصَحُونَ بِها أنْفُسَكُمْ، جَعَلَها بِمَعْنى ناصِحَةٍ لِلتّائِبِ، كَضَرُوبِ المَعْدُولِ عَنْ ضارِبٍ. وَأصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ يَجْعَلُونَها بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ قَدْ نَصَحَ فِيها التّائِبُ ولَمْ يَشُبْها بِغِشٍّ، فَهي إمّا بِمَعْنى مَنصُوحٍ فِيها، كَرَكُوبَةٍ وحَلُوبَةٍ، بِمَعْنى مَرْكُوبَةٍ ومَحْلُوبَةٍ، أوْ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ ناصِحَةٌ كَخالِصَةٍ وصادِقَةٍ. وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: يَجْمَعُها أرْبَعَةُ أشْياءَ: الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ، والإقْلاعُ بِالأبْدانِ، وإضْمارُ تَرْكِ العَوْدِ بِالجِنانِ، ومُهاجَرَةُ سَيْءِ الإخْوانِ. قُلْتُ: النُّصْحُ في التَّوْبَةِ يَتَضَمَّنُ ثَلاثَةَ أشْياءَ: الأوَّلُ: تَعْمِيمُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ واسْتِغْراقُها بِها بِحَيْثُ لا تَدَعُ ذَنْبًا إلّا تَناوَلَتْهُ. والثّانِي: إجْماعُ العَزْمِ والصِّدْقِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْها، بِحَيْثُ لا يَبْقى عِنْدَهُ تَرَدُّدٌ، ولا تَلَوُّمٌ ولا انْتِظارٌ، بَلْ يَجْمَعُ عَلَيْها كُلَّ إرادَتِهِ وعَزِيمَتِهِ مُبادِرًا بِها. الثّالِثُ: تَخْلِيصُها مِنَ الشَّوائِبِ والعِلَلِ القادِحَةِ في إخْلاصِها، ووُقُوعُها لِمَحْضِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وخَشْيَتِهِ، والرَّغْبَةِ فِيما لَدَيْهِ، والرَّهْبَةِ مِمّا عِنْدَهُ، لا كَمَن يَتُوبُ لِحِفْظِ جاهِهِ وحُرْمَتِهِ، ومَنصِبِهِ ورِياسَتِهِ، ولِحِفْظِ حالِهِ، أوْ لِحِفْظِ قُوَّتِهِ ومالِهِ، أوِ اسْتِدْعاءِ حَمْدِ النّاسِ، أوِ الهَرَبِ مِن ذَمِّهِمْ، أوْ لِئَلّا يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ السُّفَهاءُ، أوْ لِقَضاءِ نَهْمَتِهِ مِنَ الدُّنْيا، أوْ لِإفْلاسِهِ وعَجْزِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العِلَلِ الَّتِي تَقْدَحُ في صِحَّتِها وخُلُوصِها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فالأوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِما يَتُوبُ مِنهُ، والثّالِثُ يَتَعَلَّقُ بِمَن يَتُوبُ إلَيْهِ، والأوْسَطُ يَتَعَلَّقُ بِذاتِ التّائِبِ ونَفْسِهِ، فَنُصْحُ التَّوْبَةِ الصِّدْقُ فِيها، والإخْلاصُ، وتَعْمِيمُ الذُّنُوبِ بِها، ولا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ تَسْتَلْزِمُ الِاسْتِغْفارَ وتَتَضَمَّنُهُ، وتَمْحُو جَمِيعَ الذُّنُوبِ، وهي أكْمَلُ ما يَكُونُ مِنَ التَّوْبَةِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.

التحريم 66:10

(فصل) ذكر ابن أبي داود في تفسيره عن وهب بن منبه قال إن الملائكة حين دخلوا على لوط ظن أنهم أضياف ضافوه فاحتفل لهم وحرص على كرامتهم وخالفته امرأته إلى فساق قومه فأخبرتهم أنه ضاف لوطا أحسن الناس وجها وأنضرهم جمالا وأطيبهم ريحا فكانت هذه خيانتها التي ذكر الله عز وجل في كتابه وفيه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿فخانتاهما﴾ قال: والله ما زنتا ولا بغت امرأة نبي قط فقيل له فما كانت خيانة امرأة نوح وامرأة لوط فقال أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون وأما امرأة لوط فإنها كانت تدل على الضيف. (فصل) اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى ثَلاثَةِ أمْثالٍ: مَثَلٌ لِلْكُفّارِ، ومِثْلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ. فَتَضَمَّنَ مَثَلُ الكُفّارِ أنَّ الكافِرَ يُعاقَبُ عَلى كُفْرِهِ وعَداوَتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ، ولا يَنْفَعُهُ مَعَ كُفْرِهِ ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِن لُحْمَةِ نَسَبٍ أوْ صِلَةِ صِهْرٍ أوْ سَبَبٍ مِن أسْبابِ الِاتِّصالِ. فَإنَّ الأسْبابَ كُلَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا ما كانَ مِنها مُتَّصِلًا بِاللَّهِ وحْدَهُ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، فَلَوْ نَفَعَتْ وصْلَةُ القَرابَةِ والمُصاهَرَةِ أوْ النِّكاحِ مَعَ عَدَمِ الإيمانِ لَنَفَعَتْ الوَصْلَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ لُوطٍ ونُوحٍ وامْرَأتَيْهِما، فَلَمّا لَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِن اللَّهِ شَيْئًا ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] قَطَعَتْ الآيَةُ حِينَئِذٍ طَمَعَ مَن رَكِبَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ وخالَفَ أمْرَهُ، ورَجا أنْ يَنْفَعَهُ صَلاحُ غَيْرِهِ مِن قَرِيبٍ أوْ أجْنَبِيٍّ، ولَوْ كانَ بَيْنَهُما في الدُّنْيا أشَدَّ الِاتِّصالِ، فَلا اتِّصالَ فَوْقَ اتِّصالِ البُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ والزَّوْجِيَّةِ، ولَمْ يُغْنِ نُوحٌ عَنْ ابْنِهِ، ولا إبْراهِيمُ عَنْ أبِيهِ، ولا نُوحٌ ولا لُوطٌ عَنْ امْرَأتَيْهِما مِن اللَّهِ شَيْئًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] وَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩]. وَقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] وَقالَ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣] وَهَذا كُلُّهُ تَكْذِيبٌ لِأطْماعِ المُشْرِكِينَ الباطِلَةِ أنَّ مَن تَعَلَّقُوا بِهِ مِن دُونِ اللَّهِ مِن قَرابَةٍ أوْ صِهْرٍ أوْ نِكاحٍ أوْ صُحْبَةٍ يَنْفَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يُجِيرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ، أوْ هو يَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا أصْلُ ضَلالِ بَنِي آدَمَ وشِرْكِهِمْ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وهو الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ رُسُلِهِ وأنْزَلَ جَمِيعَ كُتُبِهِ بِإبْطالِهِ، ومُحارَبَةِ أهْلِهِ ومُعاداتِهِمْ. (لطيفة) قوله ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ كأن الكون كله نطق بذلك وقاله لهم.

التحريم 66:11

(فائدة) وَقالَت امْرَأة فِرْعَوْن ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ فطلبت كَون البَيْت عِنْده قبل طلبَها أن يكون في الجنَّة، فَإن الجار قبل الدّار. (فَصْلٌ) وَأمّا المَثَلانِ اللَّذانِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَأحَدُهُما امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ووَجْهُ المَثَلِ أنَّ اتِّصالَ المُؤْمِنِ بِالكافِرِ لا يَضُرُّهُ شَيْئًا إذا فارَقَهُ في كُفْرِهِ وعَمَلِهِ، فَمَعْصِيَةُ الغَيْرِ لا تَضُرُّ المُؤْمِنَ المُطِيعَ شَيْئًا في الآخِرَةِ، وإنْ تَضَرَّرَ بِها في الدُّنْيا بِسَبَبِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِأهْلِ الأرْضِ إذا أضاعُوا أمْرَ اللَّهِ فَتَأْتِي عامَّةً، فَلَمْ يَضُرَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ اتِّصالُها بِهِ وهو مِن أكْفَرِ الكافِرِينَ، ولَمْ يَنْفَعْ امْرَأةَ نُوحٍ ولُوطٍ اتِّصالُهُما بِهِما وهُما رَسُولا رَبِّ العالَمِينَ. المَثَلُ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ مَرْيَمَ الَّتِي لا زَوْجَ لَها، لا مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ، فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ مِن النِّساءِ: المَرْأةَ الكافِرَةَ الَّتِي لَها وصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الصّالِحِ والمَرْأةَ الصّالِحَةَ الَّتِي لَها وصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الكافِرِ، والمَرْأةَ العَزَبَ الَّتِي لا وصْلَةَ بَيْنَها وبَيْنَ أحَدٍ: فالأوْلى لا تَنْفَعُها وصْلَتُها وسَبَبُها، والثّانِيَةُ لا تَضُرُّها وصْلَتُها وسَبَبُها، والثّالِثَةُ لا يَضُرُّها عَدَمُ الوَصْلَةِ شَيْئًا. ثُمَّ في هَذِهِ الأمْثالِ مِن الأسْرارِ البَدِيعَةِ ما يُناسِبُ سِياقَ السُّورَةِ؛ فَإنَّها سِيقَتْ في ذِكْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، والتَّحْذِيرِ مِن تَظاهُرِهِنَّ عَلَيْهِ، وأنَّهُنَّ إنْ لَمْ يُطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويُرِدْنَ الدّارَ الآخِرَةَ لَمْ يَنْفَعْهُنَّ اتِّصالُهُنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما لَمْ يَنْفَعْ امْرَأة نُوحٍ ولُوط اتِّصالهما بِهِما، ولِهَذا إنّما ضَرْب في هَذِهِ السُّورَةِ مَثَلَ اتِّصالَ النِّكاحِ دُونَ القَرابَةِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ الأوَّلَ يُحَذِّرُ عائِشَةَ وحَفْصَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما المَثَلَ الثّانِيَ يُحَرِّضُهُما عَلى التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ.

التحريم 66:12

(فَصْلٌ) وَفِي ضَرْبِ المَثَلِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْيَمَ أيْضًا اعْتِبارٌ آخَرُ وهو أنَّها لَمْ يَضُرَّها عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا قَذْفُ أعْداءِ اللَّهِ اليَهُودَ لَها، ونِسْبَتُهم إيّاها وابْنَها إلى ما بَرَّأهُما اللَّهُ عَنْهُ، مَعَ كَوْنِها الصِّدِّيقَةُ الكُبْرى المُصْطَفاةُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ؛ فَلا يَضُرُّ الرَّجُلُ الصّالِحُ قَدْحُ الفُجّارِ والفُسّاقِ فِيهِ. وَفِي هَذا تَسْلِيَةٌ لِعائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ إنْ كانَتْ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الإفْكِ، وتَوْطِينِ نَفْسِها عَلى ما قالَ فِيها الكاذِبُونَ إنْ كانَتْ قَبْلَها، كَما في ذِكْرِ التَّمْثِيلِ بِامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ تَحْذِيرٌ لَها ولِحَفْصَةَ مِمّا اعْتَمَدَتاهُ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ. فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الأمْثالُ التَّحْذِيرَ لَهُنَّ والتَّخْوِيفَ، والتَّحْرِيضَ لَهُنَّ عَلى الطّاعَةِ والتَّوْحِيدِ، والتَّسْلِيَةِ وتَوْطِينِ النَّفْسِ لِمَن أُوذِيَ مِنهُنَّ وكُذِبَ عَلَيْهِ. وَأسْرارُ التَّنْزِيلِ فَوْقَ هَذا وأجَلُّ مِنهُ، ولا سِيَّما أسْرارُ الأمْثالِ الَّتِي لا يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ. ((الجزء العشرون))

الملك 67:1

(فصل) وأما البركة: فكذلك نوعان أيضا: أحدهما: بركة هي فعله تبارك وتعالى، والفعل منها بارك ويتعدى بنفسه تارة، وبأداة على تارة، وبأداة في تارة. والمفعول منها: مبارك وهو ما جعل كذلك فكان مباركا بجعله تعالى. والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة والفعل، منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له عز وجل. فهو سبحانه المبارك وعبده ورسوله كما قال المسيح عليه السلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك وأما صفته تبارك فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾، ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ ﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾، ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾، ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ أفلا تراها كيف اطردت في القرآن جارية عليه مختصة به لا تطلق على غيره وجاءت على بناء السعة والمبالغة كتعالى وتعاظم ونحوهما فجاء بناء تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته فكذلك تبارك دال على كمال بركته وعظمها وسعتها. وهذا معنى قول من قال من السلف: "تبارك تعاظم" وقال آخر "معناه أن تجيء البركات من قبله فالبركة كلها منه" وقال غيره: "كثر خيره وإحسانه إلى خلقه" وقيل: "اتسعت رأفته ورحمته بهم" وقيل: "تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله" ومن هنا قيل: "معناه تعالى وتعاظم" وقيل: "تبارك تقدس والقدس الطهارة" وقيل: "تبارك أي باسمه يبارك في كل شيء" وقيل: "تبارك ارتفع والمبارك المرتفع ذكره البغوي" وقيل: "تبارك أي البركة تكتسب وتنال بذكره" وقال ابن عباس: "جاء بكل بركة" وقيل: "معناه ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال ذكره. البغوي أيضا" وحقيقة اللفظة: أن البركة كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفا وفعلا منه تبارك وتعالى. وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان لكن الأليق باللفظة معنى الوصف لا الفعل، فإنه فعل لازم مثل تعالى وتقدس وتعاظم ومثل هذه الألفاظ ليس معناها أنه جعل غيره عاليا ولا قدوسا ولا عظيما هذا مما لا يحتمله اللفظ بوجه وإنما معناها في نفس من نسبت إليه فهو المتعالي المتقدس. فكذلك تبارك لا يصح أن يكون معناها بارك في غيره وأين أحدهما من الآخر لفظا ومعنى، هذا لازم وهذا متعد، فعلمت أن من فسر تبارك بمعنى ألقى البركة وبارك في غيره لم يصب معناها وإن كان هذا من لوازم كونه متباركا فتبارك من باب مجد والمجد كثرة صفات الجلال والسعة والفضل وبارك من باب أعطى وأنعم، ولما كان المتعدي في ذلك يستلزم اللازم من غير عكس فسر من فسر من السلف اللفظة بالمتعدي لينتظم المعنيين فقال: مجيء البركة كلها من عنده أو البركة كلها من قبله وهذا فرع على تبارك في نفسه وقد أشبعنا القول في هذا في كتاب الفتح المكي وبينا هناك أن البركة كلها له تعالى، ومنه فهو المبارك ومن ألقى عليه بركته فهو المبارك، ولهذا كان كتابه مباركا وبيته مباركا والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة فليلة القدر مباركة وما حول الأقصى مبارك وأرض الشام وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة وتدبر قول النبي ﷺ في حديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه عند انصرافه من الصلاة: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام " رواه مسلم وأبو داود وأحمد. فتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعي الثناء أعني ثناء التنزيه والتسبيح وثناء الحمد والتمجيد بأبلغ لفظ وأوجزه وأتمه معنى فأخبر أنه السلام ومنه السلام فالسلام له وصفا وملكا وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام وأن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلها سلام وكذا الحمد كله له وصفا وملكا فهو المحمود في ذاته وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودا فيهبه حمدا من عنده وكذلك العزة كلها له وصفا وملكا وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه ومن عز من عباده فبإعزازه له وكذلك الرحمة كلها له وصفا وملكا وكذلك البركة فهو المتبارك في ذاته الذي يبارك فيمن شاء من خلقه وعليه فيصير بذلك مباركا ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وهذا بساط وإنما غاية معارف العلماء الدنو من أول حواشيه وأطرافه وأما ما وراء ذلك فكما قال أعلم الخلق بالله وأقربهم إلى الله وأعظمهم عنده جاها "لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" رواه مسلم.

الملك 67:2

قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: هو أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ. قالُوا: يا أبا عَلِيٍّ، ما أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ؟ فَقالَ: إنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا، ولَمْ يَكُنْ صَوابًا. لَمْ يُقْبَلْ. وإذا كانَ صَوابًا ولَمْ يَكُنْ خالِصًا: لَمْ يُقْبَلْ. حَتّى يَكُونَ خالِصًا صَوابًا، والخالِصُ: أنْ يَكُونَ لِلَّهِ، والصَّوابُ أنْ يَكُونَ عَلى السُّنَّةِ. ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]. أخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض العالم العلوي والسفلي ليبلونا أينا أحسن عملا. وأخبر أنه زين الأرض بما عليها من حيوان ونبات ومعادن وغيرها لهذا الابتلاء، وأنه خلق الموت والحياة لهذا الابتلاء. فكان هذا الابتلاء غاية الخلق والأمر، فلم يكن من بد من دار يقع فيها هذا الابتلاء، وهي دار التكليف. ولما سبق في حكمته أن الجنة دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان جعل قبلها دار الابتلاء جسرا يعبر عليه إليها، ومزرعة يبذر فيها وميناء يزود منها. وهذا هو الحق الذي خلق الخلق به ولأجله، وهو أن يعبد وحده بما أمر به على ألسنة رسله، فأمر ونهى على السنة ووعدنا بالثواب والعقاب، ولم يخلق خلقه سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يتركهم هملا لا يثيبهم ولا يعاقبهم، بل خلقوا للأمر والنهي والثواب والعقاب، ولا يليق بحكمته وحمده غير ذلك.

الملك 67:3

قوله تعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق، فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير فتأمل ذلك فإنه يزيل عنك الإشكال في قوله: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها. (فصل) ومما ينبغي أن يعلم أن الأشياء المكونة من موادها شيئا فشيئا كالنبات والحيوان أما أن يعرض لها النقص الذي هو شر في ابتدائها أو بعد تكونها. فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها ردية المزاج ناقصة الاستعداد فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب وليس ذلك بأن الفاعل حرمه وأذهب عنه أمرا وجوديا به كماله، بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال والتمام وعدم قبوله أمر عدمي ليس بالفاعل. وأما الذي بالفاعل فهو الخير الوجودي الذي يتقبل به كماله وتمامه ونقصه، والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال فبقي على العدم الأصلي. وبهذا يفهم سر قوله تعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه. وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله، وعدم القبول ليس أمرا مخلوقا يتعلق بفعل الفاعل، فالخلق الوجودي ليس فيه تفاوت. والتفاوت إنما حصل بسبب هذا الخلق، فإن الخالق سبحانه لم يخلق له استعدادا، فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق لا من نفس الخلق فتأمله. والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق. وأما العدم فليس هو بفاعل له فإذا لم يكمل في مادة الجنين في الرحم ما يقتضي كماله وسلامة أعضائه واعتدالها حصل فيه التفاوت وكذلك النبات. [فَصْلٌ: ذِكْرُ رُقْيَةٍ تَرُدُّ العَيْنَ] وَمِنَ الرُّقى الَّتِي تَرُدُّ العَيْنَ ما ذُكِرَ عَنْ أبي عبد الله الساجي أنَّهُ كانَ في بَعْضِ أسْفارِهِ لِلْحَجِّ أوِ الغَزْوِ عَلى ناقَةٍ فارِهَةٍ، وكانَ في الرُّفْقَةِ رَجُلٌ عائِنٌ، قَلَّما نَظَرَ إلى شَيْءٍ إلّا أتْلَفَهُ، فَقِيلَ لأبي عبد الله: احْفَظْ ناقَتَكَ مِنَ العائِنِ، فَقالَ: لَيْسَ لَهُ إلى ناقَتِي سَبِيلٌ، فَأُخْبِرَ العائِنُ بِقَوْلِهِ؛ فَتَحَيَّنَ غَيْبَةَ أبي عبد الله، فَجاءَ إلى رَحْلِهِ، فَنَظَرَ إلى النّاقَةِ فاضْطَرَبَتْ، وسَقَطَتْ؛ فَجاءَ أبو عبد الله فَأُخْبِرَ أنَّ العائِنَ قَدْ عانَها وهي كَما تَرى، فَقالَ: دِلُّونِي عَلَيْهِ فَدُلَّ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ حَبْسٌ حابِسٌ، وحَجَرٌ يابِسٌ، وشِهابٌ قابِسٌ، رَدَدْتُ عَيْنَ العائِنِ عَلَيْهِ وعَلى أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ - ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣،: ٤] فَخَرَجَتْ حَدَقَتا العائِنِ، وقامَتِ النّاقَةُ لا بَأْسَ بِها.

الملك 67:4

قوله تعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق، فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير فتأمل ذلك فإنه يزيل عنك الإشكال في قوله: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها. (فصل) ومما ينبغي أن يعلم أن الأشياء المكونة من موادها شيئا فشيئا كالنبات والحيوان أما أن يعرض لها النقص الذي هو شر في ابتدائها أو بعد تكونها. فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها ردية المزاج ناقصة الاستعداد فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب وليس ذلك بأن الفاعل حرمه وأذهب عنه أمرا وجوديا به كماله، بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال والتمام وعدم قبوله أمر عدمي ليس بالفاعل. وأما الذي بالفاعل فهو الخير الوجودي الذي يتقبل به كماله وتمامه ونقصه، والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال فبقي على العدم الأصلي. وبهذا يفهم سر قوله تعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه. وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله، وعدم القبول ليس أمرا مخلوقا يتعلق بفعل الفاعل، فالخلق الوجودي ليس فيه تفاوت. والتفاوت إنما حصل بسبب هذا الخلق، فإن الخالق سبحانه لم يخلق له استعدادا، فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق لا من نفس الخلق فتأمله. والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق. وأما العدم فليس هو بفاعل له فإذا لم يكمل في مادة الجنين في الرحم ما يقتضي كماله وسلامة أعضائه واعتدالها حصل فيه التفاوت وكذلك النبات. [فَصْلٌ: ذِكْرُ رُقْيَةٍ تَرُدُّ العَيْنَ] وَمِنَ الرُّقى الَّتِي تَرُدُّ العَيْنَ ما ذُكِرَ عَنْ أبي عبد الله الساجي أنَّهُ كانَ في بَعْضِ أسْفارِهِ لِلْحَجِّ أوِ الغَزْوِ عَلى ناقَةٍ فارِهَةٍ، وكانَ في الرُّفْقَةِ رَجُلٌ عائِنٌ، قَلَّما نَظَرَ إلى شَيْءٍ إلّا أتْلَفَهُ، فَقِيلَ لأبي عبد الله: احْفَظْ ناقَتَكَ مِنَ العائِنِ، فَقالَ: لَيْسَ لَهُ إلى ناقَتِي سَبِيلٌ، فَأُخْبِرَ العائِنُ بِقَوْلِهِ؛ فَتَحَيَّنَ غَيْبَةَ أبي عبد الله، فَجاءَ إلى رَحْلِهِ، فَنَظَرَ إلى النّاقَةِ فاضْطَرَبَتْ، وسَقَطَتْ؛ فَجاءَ أبو عبد الله فَأُخْبِرَ أنَّ العائِنَ قَدْ عانَها وهي كَما تَرى، فَقالَ: دِلُّونِي عَلَيْهِ فَدُلَّ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ حَبْسٌ حابِسٌ، وحَجَرٌ يابِسٌ، وشِهابٌ قابِسٌ، رَدَدْتُ عَيْنَ العائِنِ عَلَيْهِ وعَلى أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ - ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣،: ٤] فَخَرَجَتْ حَدَقَتا العائِنِ، وقامَتِ النّاقَةُ لا بَأْسَ بِها.

الملك 67:10

[فَصْلٌ: المَعاصِي تُفْسِدُ العَقْلَ] وَمِنها: أنَّ المَعاصِيَ تُفْسِدُ العَقْلَ، فَإنَّ لِلْعَقْلِ نُورًا، والمَعْصِيَةُ تُطْفِئُ نُورَ العَقْلِ ولا بُدَّ، وإذا طُفِئَ نُورُهُ ضَعُفَ ونَقَصَ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ما عَصى اللَّهَ أحَدٌ حَتّى يَغِيبَ عَقْلُهُ، وهَذا ظاهِرٌ، فَإنَّهُ لَوْ حَضَرَ عَقْلُهُ لَحَجَزَهُ عَنِ المَعْصِيَةِ وهو في قَبْضَةِ الرَّبِّ تَعالى، أوْ تَحْتَ قَهْرِهِ، وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، وفي دارِهِ عَلى بِساطِهِ ومَلائِكَتُهُ شُهُودٌ عَلَيْهِ ناظِرُونَ إلَيْهِ، وواعِظُ القُرْآنِ يَنْهاهُ، وواعِظُ المَوْتِ يَنْهاهُ، وواعِظُ النّارِ يَنْهاهُ، والَّذِي يَفُوتُهُ بِالمَعْصِيَةِ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أضْعافُ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ السُّرُورِ واللَّذَّةِ بِها، فَهَلْ يُقْدِمُ عَلى الِاسْتِهانَةِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، والِاسْتِخْفافِ بِهِ ذُو عَقْلٍ سَلِيمٍ؟ (فائدة) قوله تعالى: ﴿فاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقا لأصْحاب السعير﴾ والله تَعالى يَنْفِي تارَة عَن هَؤُلاءِ العقل والسمع والبَصَر، فإنها مدارك العلم وأسباب حُصُوله، وتارَة ينفي عَنْهُم السّمع والعقل. وَتارَة ينفي عَنْهُم السّمع والبَصَر، وتارَة ينفي عَنْهُم العقل والبَصَر، وتارَة ينفى عَنْهُم وحده. فنفي الثَّلاثَة نفي لمدارك العلم بطرِيق المُطابقَة، ونفي بَعْضها نفي لَهُ بالمطابقة، والآخر باللزوم. فإن القلب إذا فسد فسد السّمع والبَصَر، بل أصل فسادهما من فَساده. وَإذا فسد السّمع والبَصَر فسد القلب فَإذا أعْرض عَن سمع الحق وأبغض قائِله بِحَيْثُ لا يحب رُؤْيَته امْتنع وُصُول الهدى إلى القلب ففسد. وَإذا فسد السّمع والعقل تبعهما فَساد البَصَر، فَكل مدرك من هَذِه يَصح بِصِحَّة الآخر ويفْسد بفساده، فَلهَذا يَجِيء في القُرْآن نفي ذَلِك صَرِيحًا ولزوما

الملك 67:11

[فَصْلٌ: المَعاصِي تُفْسِدُ العَقْلَ] وَمِنها: أنَّ المَعاصِيَ تُفْسِدُ العَقْلَ، فَإنَّ لِلْعَقْلِ نُورًا، والمَعْصِيَةُ تُطْفِئُ نُورَ العَقْلِ ولا بُدَّ، وإذا طُفِئَ نُورُهُ ضَعُفَ ونَقَصَ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ما عَصى اللَّهَ أحَدٌ حَتّى يَغِيبَ عَقْلُهُ، وهَذا ظاهِرٌ، فَإنَّهُ لَوْ حَضَرَ عَقْلُهُ لَحَجَزَهُ عَنِ المَعْصِيَةِ وهو في قَبْضَةِ الرَّبِّ تَعالى، أوْ تَحْتَ قَهْرِهِ، وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، وفي دارِهِ عَلى بِساطِهِ ومَلائِكَتُهُ شُهُودٌ عَلَيْهِ ناظِرُونَ إلَيْهِ، وواعِظُ القُرْآنِ يَنْهاهُ، وواعِظُ المَوْتِ يَنْهاهُ، وواعِظُ النّارِ يَنْهاهُ، والَّذِي يَفُوتُهُ بِالمَعْصِيَةِ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أضْعافُ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ السُّرُورِ واللَّذَّةِ بِها، فَهَلْ يُقْدِمُ عَلى الِاسْتِهانَةِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، والِاسْتِخْفافِ بِهِ ذُو عَقْلٍ سَلِيمٍ؟ (فائدة) قوله تعالى: ﴿فاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقا لأصْحاب السعير﴾ والله تَعالى يَنْفِي تارَة عَن هَؤُلاءِ العقل والسمع والبَصَر، فإنها مدارك العلم وأسباب حُصُوله، وتارَة ينفي عَنْهُم السّمع والعقل. وَتارَة ينفي عَنْهُم السّمع والبَصَر، وتارَة ينفي عَنْهُم العقل والبَصَر، وتارَة ينفى عَنْهُم وحده. فنفي الثَّلاثَة نفي لمدارك العلم بطرِيق المُطابقَة، ونفي بَعْضها نفي لَهُ بالمطابقة، والآخر باللزوم. فإن القلب إذا فسد فسد السّمع والبَصَر، بل أصل فسادهما من فَساده. وَإذا فسد السّمع والبَصَر فسد القلب فَإذا أعْرض عَن سمع الحق وأبغض قائِله بِحَيْثُ لا يحب رُؤْيَته امْتنع وُصُول الهدى إلى القلب ففسد. وَإذا فسد السّمع والعقل تبعهما فَساد البَصَر، فَكل مدرك من هَذِه يَصح بِصِحَّة الآخر ويفْسد بفساده، فَلهَذا يَجِيء في القُرْآن نفي ذَلِك صَرِيحًا ولزوما

الملك 67:13

وهذا من أبلغ التقرير فإن الخالق لا بد أن يعلم مخلوقه، والصانع يعلم مصنوعه، وإذا كنتم مقرين بأنه خالقكم وخالق صدوركم وما تضمنته فكيف تخفى عليه وهي خلقه؟ وهذا التقرير مما يصعب على القدرية فهمه فإنه لم يخلق عندهم ما في الصدور فلم يكن في الآية على أصولهم دليل على علمه بها، ولهذا طرد غلاة القوم ذلك ونفوا علمه فأكفرهم السلف قاطبة. وهذا التقرير من الآية صحيح على التقديرين أعني تقدير أن تكون (مَن) في محل رفع على الفاعلية، وفي محل نصب على المفعولية. فعلى التقدير الأول ألا يعلم الخالق الذي شأنه الخلق؟ وعلى التقدير الثاني ألا يعلم الرب مخلوقه ومصنوعه؟ ثم ختم الحجة باسمين مقتضيين لثبوتها وهما (اللطيف) الذي لطف صنعه وحكمته ودق حتى عجزت عنه الأفهام. و (الخبير) الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها، كما أحاط بظواهرها. فكيف يخفى على اللطيف الخبير ما تحويه الضمائر وتخفيه الصدور؟!. وقال في (شفاء العليل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ (١٤)﴾ وذات الصدور كلمة لما يشتمل عليه الصدر من الاعتقادات والإرادات والحب والبغض أي صاحبة الصدور فإنها لما كانت فيها قائمة بها نسبت إليها نسبة الصحبة والملازمة. وقد اختلف في إعراب (مَن خلق) هو النصب أو الرفع. فإن كان مرفوعا فهو استدلال على علمه بذلك لخلقه له، والتقدير إنه يعلم ما تضمنته الصدور، وكيف لا يعلم الخالق ما خلقه. وهذا الاستدلال في غاية الظهور والصحة، فإن الخلق يستلزم حياة الخالق وقدرته وعلمه ومشيئته. وإن كان منصوبا فالمعنى ألا يعلم مخلوقه؟ وذكر لفظة (مَن) تغليبا ليتناول العلم العاقل وصفاته على التقديرين، فالآية دالة على خلق ما في الصدور كما هي على علمه سبحانه به. وأيضا فإنه سبحانه خلقه لما في الصدور دليلا على علمه بها فقال: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَق﴾ أي كيف يخفى عليه ما في الصدور وهو الذي خلقه فلو كان ذلك غير مخلوق له لبطل الاستدلال به على العلم، فخلقه سبحانه للشيء من أعظم الأدلة على علمه به فإذا انتفى الخلق انتفى دليل العلم، فلم يبق ما يدل على علمه بما ينطوي عليه الصدر إذا كان غير خالق لذلك. وهذا من أعظم الكفر برب العالمين، وجحد لما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وعلم بالضرورة أنهم ألقوه إلى الأمم كما ألقوا إليهم أنه إله واحد لا شريك له. (موعظة) وقال أبو أسماء دخل رجل غيضة فقال لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع صوتا ملأ ما بين لابتي الغيضة ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾.

الملك 67:14

وهذا من أبلغ التقرير فإن الخالق لا بد أن يعلم مخلوقه، والصانع يعلم مصنوعه، وإذا كنتم مقرين بأنه خالقكم وخالق صدوركم وما تضمنته فكيف تخفى عليه وهي خلقه؟ وهذا التقرير مما يصعب على القدرية فهمه فإنه لم يخلق عندهم ما في الصدور فلم يكن في الآية على أصولهم دليل على علمه بها، ولهذا طرد غلاة القوم ذلك ونفوا علمه فأكفرهم السلف قاطبة. وهذا التقرير من الآية صحيح على التقديرين أعني تقدير أن تكون (مَن) في محل رفع على الفاعلية، وفي محل نصب على المفعولية. فعلى التقدير الأول ألا يعلم الخالق الذي شأنه الخلق؟ وعلى التقدير الثاني ألا يعلم الرب مخلوقه ومصنوعه؟ ثم ختم الحجة باسمين مقتضيين لثبوتها وهما (اللطيف) الذي لطف صنعه وحكمته ودق حتى عجزت عنه الأفهام. و (الخبير) الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها، كما أحاط بظواهرها. فكيف يخفى على اللطيف الخبير ما تحويه الضمائر وتخفيه الصدور؟!. وقال في (شفاء العليل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ (١٤)﴾ وذات الصدور كلمة لما يشتمل عليه الصدر من الاعتقادات والإرادات والحب والبغض أي صاحبة الصدور فإنها لما كانت فيها قائمة بها نسبت إليها نسبة الصحبة والملازمة. وقد اختلف في إعراب (مَن خلق) هو النصب أو الرفع. فإن كان مرفوعا فهو استدلال على علمه بذلك لخلقه له، والتقدير إنه يعلم ما تضمنته الصدور، وكيف لا يعلم الخالق ما خلقه. وهذا الاستدلال في غاية الظهور والصحة، فإن الخلق يستلزم حياة الخالق وقدرته وعلمه ومشيئته. وإن كان منصوبا فالمعنى ألا يعلم مخلوقه؟ وذكر لفظة (مَن) تغليبا ليتناول العلم العاقل وصفاته على التقديرين، فالآية دالة على خلق ما في الصدور كما هي على علمه سبحانه به. وأيضا فإنه سبحانه خلقه لما في الصدور دليلا على علمه بها فقال: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَق﴾ أي كيف يخفى عليه ما في الصدور وهو الذي خلقه فلو كان ذلك غير مخلوق له لبطل الاستدلال به على العلم، فخلقه سبحانه للشيء من أعظم الأدلة على علمه به فإذا انتفى الخلق انتفى دليل العلم، فلم يبق ما يدل على علمه بما ينطوي عليه الصدر إذا كان غير خالق لذلك. وهذا من أعظم الكفر برب العالمين، وجحد لما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وعلم بالضرورة أنهم ألقوه إلى الأمم كما ألقوا إليهم أنه إله واحد لا شريك له. (موعظة) وقال أبو أسماء دخل رجل غيضة فقال لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع صوتا ملأ ما بين لابتي الغيضة ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾.

الملك 67:15

(فائِدَة جليلة) قَوْله تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جعل لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النشور﴾ أخبر سُبْحانَهُ أنه جعل الأرْض ذلولا منقادة للْوَطْء عَلَيْها، وحفرها وشقّها والبناء عَلَيْها، ولم يَجْعَلها مستصعبة ممتنعة على من أرادَ ذَلِك مِنها. وَأخْبر سُبْحانَهُ أنه جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا. وَأخْبر أنه دحاها وطحاها وأخرج مِنها ماءها ومرعاها، وثبَّتها بالجبال، ونهج فِيها الفجاج والطرق، وأجرى فِيها الأنْهار والعيون، وبارك فِيها وقدّر فِيها أقواتها. وَمن بركتها أن الحَيَوانات كلها وأرزاقها وأقواتها تخرج مِنها. وَمن بركاتها أنَّك تودع فِيها الحبّ فتخرجه لَك أضْعاف أضْعاف ما كانَ. وَمن بركاتها أنَّها تحمل الأذى على ظهرها وتخرج لَك من بَطنها أحسن الأشْياء وأنفعها، فتواري مِنهُ كل قَبِيح، وتخرج لَهُ كل مليح. وَمن بركتها أنَّها تستر قبائح العَبْد وفضلات بدنه وتواريها، وتضمّه وتؤويه وتخرج لَهُ طَعامه وشَرابه، فَهي أحمل شَيْء للأذى، وأعوده بالنفع، فَلا كانَ من التُّراب خير مِنهُ وأبْعد من الأذى وأقرب إلى الخَيْر. والمَقْصُود أنه سُبْحانَهُ جعل لنا الأرْض كالجمَلِ الذلول الَّذِي كَيْفَما يُقاد ينقاد وحسن التَّعْبِير بمناكبها عَن طرقها وفجاجها لما تقدّم من وصفها بِكَوْنِها ذلولا فالماشي عَلَيْها يطَأ على مناكبها وهو أعلى شَيْء فِيها، ولِهَذا فسرت المناكب بِالجَبَلِ كمناكب الإنْسان وهِي أعاليه. قالُوا وذَلِكَ تَنْبِيه على أن المَشْي في سهولها أيسر. وَقالَت طائِفَة بل المناكب الجوانب والنواحي، ومِنه مناكب الإنْسان لجوانبه. والَّذِي يظْهر أن المُراد بالمناكب الأعالي. وَهَذا الوَجْه الَّذِي يمشي عَلَيْهِ الحَيَوان هو العالي من الأرْض دون الوَجْه المُقابل لَهُ، فإن سطح الكرة أعْلاها، والمَشْي إنَّما يَقع في سطحها، وحسن التَّعْبِير عَنهُ بالمناكب لما تقدّم من وصفها بِأنَّها ذَلُول. ثمَّ أمرهم أن يَأْكُلُوا من رزقه الَّذِي أودعهُ فِيها فذلّلها لَهُم ووطّأها، وفتق فِيها السبل والطرق الَّتِي يَمْشُونَ فِيها، وأودعها رزقهم فَذكر تهيئة المسكن للِانْتِفاع والتقلب فِيهِ بالذهاب والمجيء والأكل مِمّا أودع فِيها للساكن. ثمَّ نبّه بقوله ﴿وَإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ على أنّا في هَذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين، بل دخلناه عابري سَبِيل فَلا يحسن أن نتخذه وطنا ومستقرّا، وإنَّما دخلناه لنتزوّد مِنهُ إلى دار القَرار، فَهو منزل عبور لا مُسْتَقر حبور، ومعبر وممر لا وطن ومستقر. فتضمّنت الآيَة الدّلالَة على ربوبيّته ووحدانيّته وقدرته وحكمته ولطفه، والتذكير بنعمه وإحسانه، والتحذير من الركون إلى الدُّنْيا واتخاذها وطنا ومستقرا، بل نسرع فِيها السّير إلى داره وجنّته. فالله في ما ضمن هَذِه الآيَة من مَعْرفَته وتوحيده، والتذكير بنعمه والحث على السّير إلَيْهِ والاستعداد للقائه والقدوم عَلَيْهِ والإعلام بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يطوي هَذِه الدّار كَأن لم تكن، وأنه يحي أهلها بعد ما أماتهم ﴿وَإلَيْهِ النشور﴾.

الملك 67:19

(موعظة) لما كان رزق الطائر اختلاسا لم يجعل له أسنان، لأن زمن الانتهاب لا يحتمل المضغ، وجعل له حوصلة كالمخلاة ينقل إليها ما يسلب، ثم تنقله إلى القانصة في زمن الإمكان، فإن كانت له أفراخ أسهمهم قبل النقل.

الملك 67:20

فجمع سبحانه بين النصر والرزق، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه بنصره، ويجلب له منافعه برزقه، فلا بد له من ناصر ورازق. والله وحده هو الذي ينصر ويرزق، فهو الرزاق ذو القوة المتين. ومن كمال فطنة العبد ومعرفته: أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يرفعه عنه غيره وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه. ويذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: "أدْرِكْ لِى لَطِيفَ الفِطْنَةِ، وخَفِي اللُّطْفِ، فَإنِّي أُحِبُّ ذلِكَ. قالَ: يا رب وما لَطِيفُ الفِطْنَةِ؟ قالَ: إنْ وقَعَتْ عَلَيْكَ ذُبابَةٌ فاعْلَمْ أنِّي أنا أوْقَعْتُها فاسْألْنِي أرْفَعْها. قالَ: وما خَفِيُّ اللُّطْفِ؟ قالَ: إذا أتَتْكَ حَبَّةٌ فاعْلَمْ أنِّي أنا ذَكَرْتُكَ بِها" وقد قال تعالى عن السحرة: ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بإذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فهو سبحانه وحده الذي يكفي عبده وينصره ويرزقه ويكلؤه. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: سمعت وهبا يقول: قال الله تعالى في بعض كتبه: "بِعِزَّتي، إنّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِي، فَإنْ كادَتْهُ السَّماواتُ بِمَن فِيهِنَّ، والأرَضُونَ بِمَن فِيهِنَّ، فَإنِّي أجْعَلُ لَهُ مِن ذلِكَ مَخْرَجًا، ومَن لَمْ يَعْتَصِمْ بِى، فَإنِّي أقْطَعُ يَدَيْهِ مِن أسْبابِ السَّماءِ وأخْسِفُ بِهِ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ الأرْضَ، فَأجْعَلُهُ في الهَواءِ، ثُمَّ أكِلُهُ إلى نَفْسِهِ، كَفِّى لِعَبْدِي مَلأى، إذا كانَ عَبْدِي في طاعَتِي أعْطِيِه قَبْلَ أنْ يَسْألَني، وأسْتَجِيبُ لَهُ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَنِي، فإنِّي أعْلَمُ بِحاجَتِهِ الَّتي تَرْفُقُ بِهِ مِنهُ". قال أحمد: وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه، وهو يطوف بالبيت، فقلت له: حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز، قال نعم: "أوْحى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى داوُدَ: يا داوُدُ، أما وعِزَّتِي وعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ بِي عَبْدٌ مِن عَبِيدِي دُونَ خَلْقِي - أعْرِفُ ذلِكَ مِن نِيتهِ - فَتَكِيدُهُ السَّماواتُ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ، والأرَضُونَ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ إلا جَعَلْتُ لَهُ مِن بَيْنِهنَّ مَخْرَجا؛ أما وعِزَّتِي وعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ عَبْدٌ مِن عِبادِي بِمَخْلُوقٍ دُوني - أعْرِفُ ذلِكَ مِن نِيَّتِهَ - إلا قَطَعْتُ أسبابَ السَّماءِ مِن يدِه، وأسَخْتُ الأرْضَ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ، ثُم لا أُبالِي بِأيِّ وادٍ هَلَكَ". وهذا الوجه أظهر للعامة من الذي قبله. ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول.

الملك 67:21

فجمع سبحانه بين النصر والرزق، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه بنصره، ويجلب له منافعه برزقه، فلا بد له من ناصر ورازق. والله وحده هو الذي ينصر ويرزق، فهو الرزاق ذو القوة المتين. ومن كمال فطنة العبد ومعرفته: أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يرفعه عنه غيره وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه. ويذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: "أدْرِكْ لِى لَطِيفَ الفِطْنَةِ، وخَفِي اللُّطْفِ، فَإنِّي أُحِبُّ ذلِكَ. قالَ: يا رب وما لَطِيفُ الفِطْنَةِ؟ قالَ: إنْ وقَعَتْ عَلَيْكَ ذُبابَةٌ فاعْلَمْ أنِّي أنا أوْقَعْتُها فاسْألْنِي أرْفَعْها. قالَ: وما خَفِيُّ اللُّطْفِ؟ قالَ: إذا أتَتْكَ حَبَّةٌ فاعْلَمْ أنِّي أنا ذَكَرْتُكَ بِها" وقد قال تعالى عن السحرة: ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بإذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فهو سبحانه وحده الذي يكفي عبده وينصره ويرزقه ويكلؤه. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: سمعت وهبا يقول: قال الله تعالى في بعض كتبه: "بِعِزَّتي، إنّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِي، فَإنْ كادَتْهُ السَّماواتُ بِمَن فِيهِنَّ، والأرَضُونَ بِمَن فِيهِنَّ، فَإنِّي أجْعَلُ لَهُ مِن ذلِكَ مَخْرَجًا، ومَن لَمْ يَعْتَصِمْ بِى، فَإنِّي أقْطَعُ يَدَيْهِ مِن أسْبابِ السَّماءِ وأخْسِفُ بِهِ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ الأرْضَ، فَأجْعَلُهُ في الهَواءِ، ثُمَّ أكِلُهُ إلى نَفْسِهِ، كَفِّى لِعَبْدِي مَلأى، إذا كانَ عَبْدِي في طاعَتِي أعْطِيِه قَبْلَ أنْ يَسْألَني، وأسْتَجِيبُ لَهُ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَنِي، فإنِّي أعْلَمُ بِحاجَتِهِ الَّتي تَرْفُقُ بِهِ مِنهُ". قال أحمد: وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه، وهو يطوف بالبيت، فقلت له: حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز، قال نعم: "أوْحى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى داوُدَ: يا داوُدُ، أما وعِزَّتِي وعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ بِي عَبْدٌ مِن عَبِيدِي دُونَ خَلْقِي - أعْرِفُ ذلِكَ مِن نِيتهِ - فَتَكِيدُهُ السَّماواتُ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ، والأرَضُونَ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ إلا جَعَلْتُ لَهُ مِن بَيْنِهنَّ مَخْرَجا؛ أما وعِزَّتِي وعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ عَبْدٌ مِن عِبادِي بِمَخْلُوقٍ دُوني - أعْرِفُ ذلِكَ مِن نِيَّتِهَ - إلا قَطَعْتُ أسبابَ السَّماءِ مِن يدِه، وأسَخْتُ الأرْضَ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ، ثُم لا أُبالِي بِأيِّ وادٍ هَلَكَ". وهذا الوجه أظهر للعامة من الذي قبله. ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول.

الملك 67:30

(من خط القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد) ﴿ماؤُكم غَوْرًا﴾ قال: "لا يناله الرشاء" ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قال: "على وجه الأرض". قلت: يحتمل تفسير أحد أمرين: أحدهما أن يكون معينا فعيلا من أمعن في الأرض إذا ذهب فيها. ويحتمل أن يكون مفعولا من العين أي مرئيا بالعين. وأصله معيون ثم أعل إعلال مبيع وبابه.

القلم 68:1

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿نْ والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ الصحيح أن ن وق وص من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانه بعض السور وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ولم تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن إما مقسمًا به وإما مخبرًا عنه ما خلا سورتين سورة كهيعص ون كقوله ﴿الم ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ﴿الم اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ ﴿المص كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ ﴿المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ وهكذا إلى آخره ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف وعظم قدرها وجلالتها إذ هي مباني كلامه وكتبه التي تكلم سبحانه بها وأنزلها على رسله وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه وأسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ووعيده ووعده وعرفهم بها الخير والشر والحسن والقبيح وأقدرهم على التكلم بها بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل طريق وقلة كلفة ومشقة وأوصله إلى المقصود وأدله عليه وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته ولهذا عاب سبحانه على من عبد إلهًا لا يتكلم وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته وكمال إحسانه وإنعامه فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامه وصدق رسله. وقد جمع سبحانه بين الأمرين أعني القرآن ونطق اللسان وجعل تعليمها من تمام نعمته وامتنانه كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ فبهذه الحروف علم القرآن وبها علم البيان وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان وبها أنزل كتبه وبها أرسل رسله وبها جمعت العلوم وحفظت وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد وبها يتميز الحق من الباطل والصحيح من الفاسد وبها جمعت أشتات العلوم وبها أمكن تنقلها في الأذهان وكم جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة وأقيلت بها من عثرة وأقيمت بها من حرمة وهدى بها من ضلالة وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل فآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة فينضم في الحلقوم وينفرش في أقصى الحلق ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا وفي الشفتين والخيشوم فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض وإذا هي كلام دال على أنواع المعاني أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا ونفيًا وإثباتًا وإقرارًا وإنكارًا وتصديقًا وتكذيبًا وإيجابا واستحبابا وسؤالا وجوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب نظمه ونثره ووجيزه ومطوله على اختلاف لغات الخلائق كل ذلك صنعه تبارك وتعالى في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه وتفصيله ثم تأليفه وتوصيله فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فهذا شأن الحرف المخلوق. وأما الحرف الذي به تكون المخلوقات فشأنه أعلى وأجل وإذا كان هذا شأن الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور كما افتتحت بالإقسام لما فيها من آيات الربوبية وأدلة الوحدانية فهي دالة على كمال قدرته سبحانه وكمال علمه وكمال حكمته وعنايته بخلقه ولطفه وإحسانه وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت بها على المبدأ والمعاد والخلق والأمر والتوحيد والرسالة فهي من أظهر أدلة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن القرآن كلام الله تكلم به حقًا وأنزله على رسوله وحيًا وبلغه كما أوحي إليه صدقًا ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها وبالله التوفيق. (فصل) ثم أقسم سبحانه ب ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ فأقسم بالكتاب وآلته وهو القلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به الوحي وقيد به الدين وأثبتت به الشريعة وحفظت به العلوم وقامت به مصالح العباد في المعاش والمعاد فوطدت به الممالك وأمنت به السبل والمسالك وأقام في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه وواعظًا تشفى مواعظه القلوب من السقم وطبيبًا يبرئ بإذنه من أنواع الألم يكسر العساكر العظيمة على أنه الضعيف الوحيد ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد بالأقلام تدبر الأقاليم وتساس الممالك والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع فينسج حلل المعاني في الطرفين فتعود أحسن من الوشي المرقوم ويودعها حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام الأفهام وكما أن اللسان يريد القلب فالقلم يريد اللسان ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم والقلم يريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت. (فصل) والأقلام متفاوتة في الرتب فأعلاها وأجلها قدرًا قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله يقول " إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال يا رب وما أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة " واختلف العلماء هل القلم أو المخلوقات أو العرش على قولين ذكرهما الحافظ أبو يعلى الهمداني أصحهما أن العرش قبل القلم لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام عرشه على الماء" فهذا صريح أن التقدير وقع قبل خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة هذا ولا يخلو قوله إن أول ما خلق الله القلم إلى آخره إما أن يكون جملة أو جملتين فإن كان جملة وهو الصحيح كان معناه أنه عند أول خلقه قال له أكتب كما في لفظ أول ما خلق الله القلم قال له أكتب بنصب أول والقلم فإن كانا جملتين وهو مروى برفع أول والقلم فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم ليتفق الحديثان إذ حديث عبد الله بن عمر صريح في أن العرش سابق على التقدير والتقدير مقارن لخلق القلم وفي اللفظ الآخر لما خلق الله القلم قال له اكتب فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير أنه القلم الذي أقسم الله به. (فصل) القلم الثاني قلم الوحي وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم والعالم خدم لهم وإليهم الحل والعقد والأقلام كلها خدم لأقلامهم وقد رفع النبي ليلة الإسراء إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي. (فصل) والقلم الثالث قلم التوقيع عن الله ورسوله وهو قلم الفقهاء والمفتين وهذا القلم أيضًا حاكم غير محكوم عليه فإليه التحاكم في الدماء والأموال والفروج والحقوق وأصحابه مخبرون عن الله بحكمه الذي حكم به بين عباده وأصحابه حكام وملوك على أرباب الأقلام وأقلام العالم خدم لهذا القلم (فصل) القلم الرابع قلم طب الأبدان التي تحفظ بها صحتها الموجودة وترد إليها صحتها المفقودة وتدفع به عنها آفاتها وعوارضها المضادة لصحتها وهذا القلم أنفع الأقلام بعد قلم طب الأديان وحاجة الناس إلى أهله تلتحق بالضرورة (فصل) القلم الخامس التوقيع عن الملوك ونوابهم وسياس الملك ولهذا كان أصحابه أعز أصحاب الأقلام والمشاركون للملوك في تدبير الدول فإن صلحت أقلامهم صلحت المملكة وإن فسدت أقلامهم فسدت المملكة وهم وسائط بين الملوك ورعاياهم (فصل) القلم السادس قلم الحساب وهو القلم الذي تضبط به الأموال مستخرجها ومصروفها ومقاديرها وهو قلم الأرزاق وهو قلم الكم المتصل والمنفصل الذي تضبط به المقادير وما بينها من التفاوت والتناسب ومبناه على الصدق والعدل فإذا كذب هذ القلم وظلم فسد أمر المملكة (فصل) القلم السابع قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق وتنفذ به القضايا وتراق به الدماء وتؤخذ به الأموال والحقوق من اليد العادية فترد إلى اليد المحقة ويثبت به الإنسان وتنقطع به الخصومات وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله عموم وخصوص فهذا له الفنوذ واللزوم وذاك له العموم والشمول وهو قلم قائم بالصدق فيما يثبته وبالعدل فيما يمضيه وينفذه (فصل) القلم الثامن قلم الشهادة وهو القلم الذي تحفظ به الحقوق وتصان به عن الإضاعة وتحول بين الفاجر وإنكاره ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويشهد للمحق بحقه وعلى المبطل بباطله وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والإنساب والحقوق ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد وباستقامته يستقيم أمر العالم ومبناه على العلم وعدم الكتمان (فصل) القلم التاسع قلم التعبير وهو كاتب وحي المنام وتفسيره وتعبيره وما أريد منه وهو قلم شريف جليل مترجم للوحي المنامي كاشف له وهو من الأقلام التي تصلح للدنيا والدين وهو يعتمد طهارة صاحبه ونزاهته وأمانته وتحريه للصدق والطرائق الحميدة والمناهج السديدة مع علم راسخ وصفاء باطن وحس مؤيد بالنور الإلهي ومعرفة بأحوال الخلق وهيآتهم وسيرهم وهو من ألطف الأقلام وأعمها جولانا وأوسعها تصرفًا وأشدها تشبثًا بسائر الموجودات علويها وسفليها وبالماضي والحال والمستقبل فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ولايته وكرسي مملكته وسلطانه. (فصل) القلم العاشر قلم تواريخ العالم ووقائعه وهو القلم الذي تضبط به الحوادث وتنقل من أمة إلى أمة ومن قرن إلى قرن فيحصر ما مضى من العالم وحوادثه في الخيال وينقشه في النفس حتى كأن السامع يرى ذلك ويشهده فهو قلم المعاد الروحاني وهذا القلم قلم العجائب فإنه يعيد لك العالم في صورة الخيال فتراه بقلبك وتشاهده ببصيرتك. (فصل) القلم الحادي عشر قلم اللغة وتفاصيلها من شرح معاني ألفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها وما يتبع ذلك من أحوالها ووجوهها وأنواع دلالتها على المعاني وكيفية الدلالة وهو قلم التعبير عن المعاني باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها وأسهلها وأوضحها وهذا القلم واسع التصرف جدًا بحسب سعة الألفاظ وكثرة مجاريها وتنوعها. (فصل) القلم الثاني عشر القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم وتهافتهم وخروجهم عن الحق ودخولهم في الباطل وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل المحاربون لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل وعدو لكل مخالف للرسل فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن فهذه الأقلام التي فيها انتظام مصالح العالم ويكفي في جلالة القلم أنه لم تكتب كتب الله إلا به وأن الله سبحانه أقسم به في كتابه وتعرف إلى غيره بأن علم بالقلم وإنما وصل إلينا ما بعث به نبينا بواسطة القلم ولقد أبدع أبو تمام إذ يقول في وصفه: ؎لك القلم الأعلى الذي بشباته ∗∗∗ يصاب من الأمر الكلى والمفاصل ؎له ريقة طل ولكن وقعها ∗∗∗ بآثاره في الغرب والشرق وابل ؎لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ∗∗∗ وأرى الجنا اشتارته أيد عواسل ؎له الخلوات اللاء لولا نجيها ∗∗∗ لما احتفلت للملك تلك المحافل ؎فصيح إذا استنطقته وهو راكب ∗∗∗ وأعجم إن خاطبته وهو راجل ؎إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ∗∗∗ عليه شعاب الفكر وهي حوافل ؎أطاعته أطراف القنا وتقوضت ∗∗∗ لنجواه تقويض الخيام الجحافل ؎إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ∗∗∗ أعاليه في القرطاس وهي أسافل ؎وقد رفدته الخنصران وسددت ∗∗∗ ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل ؎رايت جليلًا شأنه وهو مرهف ∗∗∗ ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل (فصل) والمقسم عليه بالقلم والكتابة في هذه السورة تنزيه نبيه ورسوله عما يقول فيه أعداؤه وهو قوله تعالى ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ وأنت إذا طابقت بين هذا القسم والمقسم به وجدته دالًا عليه أظهر دلالة وأبينها فإن ما سطر الكاتب بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقاها البشر بعضهم عن بعض لا تصدر من مجنون ولا تصدر إلا من عقل وافر فكيف يصدر ما جاء به الرسول من هذا الكتاب الذي هو في أعلى درجات العلوم بل العلوم التي تضمنها ليس في قوى البشر الإتيان بها ولا سيما من أمي لا يقرأ كتابًا ولا يخط بيمينه مع كونه في أعلى أنواع الفصاحة سليمًا من الاختلاف بريًا من التناقض يستحيل من العقلاء كلهم لو اجتمعوا في صعيد واحد أن يأتوا بمثله ولو كانوا في عقل رجل واحد منهم فكيف يتأتى ذلك من مجنون لا عقل له يميز به ما عسى كثير من الحيوان أن يميزه وهل هذا إلا من أقبح البهتان وأظهر الإفك. فتأمل شهادة هذا المقسم به للمقسم عليه ودلالته عليه أتم دلالة ولو أن رجلًا أنشأ رسالة واحدة بديعة منتظمة الأول والآخر متساوية الأجزاء يصدق بعضها بعضًا أو قال قصيدة كذلك أو صنف كتابًا كذلك لشهد له العقلاء بالعقل ولما استجاز أحد رميه بالجنون مع إمكان بل وقوع معارضتها ومشاكلتها والإتيان بمثلها أو أحسن منها فكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء كلهم قاطبة عن معارضته ومماثلته وعرفهم من الحق ما لا تهتدي عقولهم إليه بحيث أذعنت له عقول العقلاء وخضعت له ألباب الأولياء وتلاشت في جنب ما جاء به بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان طائعة مختارة وهي ترى عقولها أشد فقرًا وحاجة إلى ما جاء به ولا كمال لها إلا بما جاء به فهو الذي كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدي ولهذا فإن أتباعه أعقل الخلق على الإطلاق وهذه مؤلفاتهم وكتبهم في الفنون إذا وازنت بينها وبين مؤلفات مخالفيه ظهر لك التفاوت بينها ويكفي في عقولهم أنهم عمروا الدنيا بالعلم والعدل والقلوب بالإيمان والتقوى فكيف يكون متبوعهم مجنونًا وهذا حال كتابه وهديه وسيرته وحال أتباعه وهذا إنما حصل له ولأتباعه بنعمة الله عليه وعليهم فنفى عنه الجنون بنعمته عليه. وقد اختلف في تقدير الآية فقالت فرقة الباء في ﴿بنعمة ربك﴾ باء القسم فهو قسم آخر اعتراض بين المحكوم به والمحكوم عليه كما يقول ما أنت بالله بكاذب وهذا التقدير ضعيف جدًا لأنه قد تقدم القسم الأول فكيف يقع القسم الثاني في جوابه ولا يحسن أن تقول والله ما أنت بالله بقائم وليس هذا من فصيح الكلام ولا عهد في كلامهم وقالت فرقة العامل في بنعمة ربك أداة معنى النفي أو معنى أنفى عنك الجنون بنعمة ربك ورد أبو عمر ابن الحاجب وغيره هذا القول بأن الحروف لا تعمل معانيها وإنما تعمل ألفاظها وقال الزمخشري يتعلق ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ منفيًا كما يتعلق بعاقل مثبتًا في قولك أنت بنعمة الله عاقل يستويان في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرًا وما ضرب زيد عمرًا يعمل الفعل مثبتًا ومنفيًا إعمالًا واحدًا ومحله النصب على الحال أي ما أنت بمجنون منعمًا عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي واعترض عليه بأن العامل إذا تسلط على محكوم به وله معمول فإنه يجوز فيه وجهان أحدهما نفي ذلك المعمول فقط نحو قولك: ما زيد بذاهب مسرعًا فإنه ينتفى الإسراع دون القيام ولا يمتنع أن يثبت له ذهاب في غير إسراع والثاني ينفي المحكوم به فينتفي معموله بانتفائه فينتفي الذهاب في هذه الحال فينتفي الإسراع بانتفائه فإذا جعل بنعمة ربك معمولًا لمجنون لزم أحد الأمرين وكلاهما منتف جزمًا. وهذا الاعتراض هنا فاسد لأن المعنى إذا حصل ما أنت بمجنون منعما عليك لزم من صدق هذا الخبر نفيها قطعًا ولا يصح نفي المعمول وثبوت العامل في هذا الكلام ولا يفهم منه من له آلة الفهم وإنما يفهم الآدمي من هذا الكلام أن الجنون انتفى عنك بنعمة الله عليك وانتفى عنا ما فهمه هذا المعترض بنعمة الله علينا ثم أخبر سبحانه عن كمال حالتي نبيه في دنياه وأخراه فقال ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع بل هو دائم مستمر ونكر الأجر تنكير تعظيم كما قال ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ و ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَة﴾ و ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ و ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ و ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو كثير وإنما كان التنكير للتعظيم لأنه صور للسامع بمنزلة أمر عظيم لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير

القلم 68:2

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿نْ والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ الصحيح أن ن وق وص من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانه بعض السور وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ولم تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن إما مقسمًا به وإما مخبرًا عنه ما خلا سورتين سورة كهيعص ون كقوله ﴿الم ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ﴿الم اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ ﴿المص كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ ﴿المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ وهكذا إلى آخره ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف وعظم قدرها وجلالتها إذ هي مباني كلامه وكتبه التي تكلم سبحانه بها وأنزلها على رسله وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه وأسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ووعيده ووعده وعرفهم بها الخير والشر والحسن والقبيح وأقدرهم على التكلم بها بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل طريق وقلة كلفة ومشقة وأوصله إلى المقصود وأدله عليه وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته ولهذا عاب سبحانه على من عبد إلهًا لا يتكلم وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته وكمال إحسانه وإنعامه فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامه وصدق رسله. وقد جمع سبحانه بين الأمرين أعني القرآن ونطق اللسان وجعل تعليمها من تمام نعمته وامتنانه كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ فبهذه الحروف علم القرآن وبها علم البيان وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان وبها أنزل كتبه وبها أرسل رسله وبها جمعت العلوم وحفظت وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد وبها يتميز الحق من الباطل والصحيح من الفاسد وبها جمعت أشتات العلوم وبها أمكن تنقلها في الأذهان وكم جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة وأقيلت بها من عثرة وأقيمت بها من حرمة وهدى بها من ضلالة وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل فآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة فينضم في الحلقوم وينفرش في أقصى الحلق ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا وفي الشفتين والخيشوم فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض وإذا هي كلام دال على أنواع المعاني أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا ونفيًا وإثباتًا وإقرارًا وإنكارًا وتصديقًا وتكذيبًا وإيجابا واستحبابا وسؤالا وجوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب نظمه ونثره ووجيزه ومطوله على اختلاف لغات الخلائق كل ذلك صنعه تبارك وتعالى في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه وتفصيله ثم تأليفه وتوصيله فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فهذا شأن الحرف المخلوق. وأما الحرف الذي به تكون المخلوقات فشأنه أعلى وأجل وإذا كان هذا شأن الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور كما افتتحت بالإقسام لما فيها من آيات الربوبية وأدلة الوحدانية فهي دالة على كمال قدرته سبحانه وكمال علمه وكمال حكمته وعنايته بخلقه ولطفه وإحسانه وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت بها على المبدأ والمعاد والخلق والأمر والتوحيد والرسالة فهي من أظهر أدلة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن القرآن كلام الله تكلم به حقًا وأنزله على رسوله وحيًا وبلغه كما أوحي إليه صدقًا ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها وبالله التوفيق. (فصل) ثم أقسم سبحانه ب ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ فأقسم بالكتاب وآلته وهو القلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به الوحي وقيد به الدين وأثبتت به الشريعة وحفظت به العلوم وقامت به مصالح العباد في المعاش والمعاد فوطدت به الممالك وأمنت به السبل والمسالك وأقام في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه وواعظًا تشفى مواعظه القلوب من السقم وطبيبًا يبرئ بإذنه من أنواع الألم يكسر العساكر العظيمة على أنه الضعيف الوحيد ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد بالأقلام تدبر الأقاليم وتساس الممالك والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع فينسج حلل المعاني في الطرفين فتعود أحسن من الوشي المرقوم ويودعها حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام الأفهام وكما أن اللسان يريد القلب فالقلم يريد اللسان ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم والقلم يريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت. (فصل) والأقلام متفاوتة في الرتب فأعلاها وأجلها قدرًا قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله يقول " إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال يا رب وما أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة " واختلف العلماء هل القلم أو المخلوقات أو العرش على قولين ذكرهما الحافظ أبو يعلى الهمداني أصحهما أن العرش قبل القلم لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام عرشه على الماء" فهذا صريح أن التقدير وقع قبل خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة هذا ولا يخلو قوله إن أول ما خلق الله القلم إلى آخره إما أن يكون جملة أو جملتين فإن كان جملة وهو الصحيح كان معناه أنه عند أول خلقه قال له أكتب كما في لفظ أول ما خلق الله القلم قال له أكتب بنصب أول والقلم فإن كانا جملتين وهو مروى برفع أول والقلم فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم ليتفق الحديثان إذ حديث عبد الله بن عمر صريح في أن العرش سابق على التقدير والتقدير مقارن لخلق القلم وفي اللفظ الآخر لما خلق الله القلم قال له اكتب فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير أنه القلم الذي أقسم الله به. (فصل) القلم الثاني قلم الوحي وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم والعالم خدم لهم وإليهم الحل والعقد والأقلام كلها خدم لأقلامهم وقد رفع النبي ليلة الإسراء إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي. (فصل) والقلم الثالث قلم التوقيع عن الله ورسوله وهو قلم الفقهاء والمفتين وهذا القلم أيضًا حاكم غير محكوم عليه فإليه التحاكم في الدماء والأموال والفروج والحقوق وأصحابه مخبرون عن الله بحكمه الذي حكم به بين عباده وأصحابه حكام وملوك على أرباب الأقلام وأقلام العالم خدم لهذا القلم (فصل) القلم الرابع قلم طب الأبدان التي تحفظ بها صحتها الموجودة وترد إليها صحتها المفقودة وتدفع به عنها آفاتها وعوارضها المضادة لصحتها وهذا القلم أنفع الأقلام بعد قلم طب الأديان وحاجة الناس إلى أهله تلتحق بالضرورة (فصل) القلم الخامس التوقيع عن الملوك ونوابهم وسياس الملك ولهذا كان أصحابه أعز أصحاب الأقلام والمشاركون للملوك في تدبير الدول فإن صلحت أقلامهم صلحت المملكة وإن فسدت أقلامهم فسدت المملكة وهم وسائط بين الملوك ورعاياهم (فصل) القلم السادس قلم الحساب وهو القلم الذي تضبط به الأموال مستخرجها ومصروفها ومقاديرها وهو قلم الأرزاق وهو قلم الكم المتصل والمنفصل الذي تضبط به المقادير وما بينها من التفاوت والتناسب ومبناه على الصدق والعدل فإذا كذب هذ القلم وظلم فسد أمر المملكة (فصل) القلم السابع قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق وتنفذ به القضايا وتراق به الدماء وتؤخذ به الأموال والحقوق من اليد العادية فترد إلى اليد المحقة ويثبت به الإنسان وتنقطع به الخصومات وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله عموم وخصوص فهذا له الفنوذ واللزوم وذاك له العموم والشمول وهو قلم قائم بالصدق فيما يثبته وبالعدل فيما يمضيه وينفذه (فصل) القلم الثامن قلم الشهادة وهو القلم الذي تحفظ به الحقوق وتصان به عن الإضاعة وتحول بين الفاجر وإنكاره ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويشهد للمحق بحقه وعلى المبطل بباطله وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والإنساب والحقوق ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد وباستقامته يستقيم أمر العالم ومبناه على العلم وعدم الكتمان (فصل) القلم التاسع قلم التعبير وهو كاتب وحي المنام وتفسيره وتعبيره وما أريد منه وهو قلم شريف جليل مترجم للوحي المنامي كاشف له وهو من الأقلام التي تصلح للدنيا والدين وهو يعتمد طهارة صاحبه ونزاهته وأمانته وتحريه للصدق والطرائق الحميدة والمناهج السديدة مع علم راسخ وصفاء باطن وحس مؤيد بالنور الإلهي ومعرفة بأحوال الخلق وهيآتهم وسيرهم وهو من ألطف الأقلام وأعمها جولانا وأوسعها تصرفًا وأشدها تشبثًا بسائر الموجودات علويها وسفليها وبالماضي والحال والمستقبل فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ولايته وكرسي مملكته وسلطانه. (فصل) القلم العاشر قلم تواريخ العالم ووقائعه وهو القلم الذي تضبط به الحوادث وتنقل من أمة إلى أمة ومن قرن إلى قرن فيحصر ما مضى من العالم وحوادثه في الخيال وينقشه في النفس حتى كأن السامع يرى ذلك ويشهده فهو قلم المعاد الروحاني وهذا القلم قلم العجائب فإنه يعيد لك العالم في صورة الخيال فتراه بقلبك وتشاهده ببصيرتك. (فصل) القلم الحادي عشر قلم اللغة وتفاصيلها من شرح معاني ألفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها وما يتبع ذلك من أحوالها ووجوهها وأنواع دلالتها على المعاني وكيفية الدلالة وهو قلم التعبير عن المعاني باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها وأسهلها وأوضحها وهذا القلم واسع التصرف جدًا بحسب سعة الألفاظ وكثرة مجاريها وتنوعها. (فصل) القلم الثاني عشر القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم وتهافتهم وخروجهم عن الحق ودخولهم في الباطل وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل المحاربون لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل وعدو لكل مخالف للرسل فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن فهذه الأقلام التي فيها انتظام مصالح العالم ويكفي في جلالة القلم أنه لم تكتب كتب الله إلا به وأن الله سبحانه أقسم به في كتابه وتعرف إلى غيره بأن علم بالقلم وإنما وصل إلينا ما بعث به نبينا بواسطة القلم ولقد أبدع أبو تمام إذ يقول في وصفه: ؎لك القلم الأعلى الذي بشباته ∗∗∗ يصاب من الأمر الكلى والمفاصل ؎له ريقة طل ولكن وقعها ∗∗∗ بآثاره في الغرب والشرق وابل ؎لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ∗∗∗ وأرى الجنا اشتارته أيد عواسل ؎له الخلوات اللاء لولا نجيها ∗∗∗ لما احتفلت للملك تلك المحافل ؎فصيح إذا استنطقته وهو راكب ∗∗∗ وأعجم إن خاطبته وهو راجل ؎إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ∗∗∗ عليه شعاب الفكر وهي حوافل ؎أطاعته أطراف القنا وتقوضت ∗∗∗ لنجواه تقويض الخيام الجحافل ؎إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ∗∗∗ أعاليه في القرطاس وهي أسافل ؎وقد رفدته الخنصران وسددت ∗∗∗ ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل ؎رايت جليلًا شأنه وهو مرهف ∗∗∗ ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل (فصل) والمقسم عليه بالقلم والكتابة في هذه السورة تنزيه نبيه ورسوله عما يقول فيه أعداؤه وهو قوله تعالى ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ وأنت إذا طابقت بين هذا القسم والمقسم به وجدته دالًا عليه أظهر دلالة وأبينها فإن ما سطر الكاتب بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقاها البشر بعضهم عن بعض لا تصدر من مجنون ولا تصدر إلا من عقل وافر فكيف يصدر ما جاء به الرسول من هذا الكتاب الذي هو في أعلى درجات العلوم بل العلوم التي تضمنها ليس في قوى البشر الإتيان بها ولا سيما من أمي لا يقرأ كتابًا ولا يخط بيمينه مع كونه في أعلى أنواع الفصاحة سليمًا من الاختلاف بريًا من التناقض يستحيل من العقلاء كلهم لو اجتمعوا في صعيد واحد أن يأتوا بمثله ولو كانوا في عقل رجل واحد منهم فكيف يتأتى ذلك من مجنون لا عقل له يميز به ما عسى كثير من الحيوان أن يميزه وهل هذا إلا من أقبح البهتان وأظهر الإفك. فتأمل شهادة هذا المقسم به للمقسم عليه ودلالته عليه أتم دلالة ولو أن رجلًا أنشأ رسالة واحدة بديعة منتظمة الأول والآخر متساوية الأجزاء يصدق بعضها بعضًا أو قال قصيدة كذلك أو صنف كتابًا كذلك لشهد له العقلاء بالعقل ولما استجاز أحد رميه بالجنون مع إمكان بل وقوع معارضتها ومشاكلتها والإتيان بمثلها أو أحسن منها فكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء كلهم قاطبة عن معارضته ومماثلته وعرفهم من الحق ما لا تهتدي عقولهم إليه بحيث أذعنت له عقول العقلاء وخضعت له ألباب الأولياء وتلاشت في جنب ما جاء به بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان طائعة مختارة وهي ترى عقولها أشد فقرًا وحاجة إلى ما جاء به ولا كمال لها إلا بما جاء به فهو الذي كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدي ولهذا فإن أتباعه أعقل الخلق على الإطلاق وهذه مؤلفاتهم وكتبهم في الفنون إذا وازنت بينها وبين مؤلفات مخالفيه ظهر لك التفاوت بينها ويكفي في عقولهم أنهم عمروا الدنيا بالعلم والعدل والقلوب بالإيمان والتقوى فكيف يكون متبوعهم مجنونًا وهذا حال كتابه وهديه وسيرته وحال أتباعه وهذا إنما حصل له ولأتباعه بنعمة الله عليه وعليهم فنفى عنه الجنون بنعمته عليه. وقد اختلف في تقدير الآية فقالت فرقة الباء في ﴿بنعمة ربك﴾ باء القسم فهو قسم آخر اعتراض بين المحكوم به والمحكوم عليه كما يقول ما أنت بالله بكاذب وهذا التقدير ضعيف جدًا لأنه قد تقدم القسم الأول فكيف يقع القسم الثاني في جوابه ولا يحسن أن تقول والله ما أنت بالله بقائم وليس هذا من فصيح الكلام ولا عهد في كلامهم وقالت فرقة العامل في بنعمة ربك أداة معنى النفي أو معنى أنفى عنك الجنون بنعمة ربك ورد أبو عمر ابن الحاجب وغيره هذا القول بأن الحروف لا تعمل معانيها وإنما تعمل ألفاظها وقال الزمخشري يتعلق ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ منفيًا كما يتعلق بعاقل مثبتًا في قولك أنت بنعمة الله عاقل يستويان في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرًا وما ضرب زيد عمرًا يعمل الفعل مثبتًا ومنفيًا إعمالًا واحدًا ومحله النصب على الحال أي ما أنت بمجنون منعمًا عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي واعترض عليه بأن العامل إذا تسلط على محكوم به وله معمول فإنه يجوز فيه وجهان أحدهما نفي ذلك المعمول فقط نحو قولك: ما زيد بذاهب مسرعًا فإنه ينتفى الإسراع دون القيام ولا يمتنع أن يثبت له ذهاب في غير إسراع والثاني ينفي المحكوم به فينتفي معموله بانتفائه فينتفي الذهاب في هذه الحال فينتفي الإسراع بانتفائه فإذا جعل بنعمة ربك معمولًا لمجنون لزم أحد الأمرين وكلاهما منتف جزمًا. وهذا الاعتراض هنا فاسد لأن المعنى إذا حصل ما أنت بمجنون منعما عليك لزم من صدق هذا الخبر نفيها قطعًا ولا يصح نفي المعمول وثبوت العامل في هذا الكلام ولا يفهم منه من له آلة الفهم وإنما يفهم الآدمي من هذا الكلام أن الجنون انتفى عنك بنعمة الله عليك وانتفى عنا ما فهمه هذا المعترض بنعمة الله علينا ثم أخبر سبحانه عن كمال حالتي نبيه في دنياه وأخراه فقال ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع بل هو دائم مستمر ونكر الأجر تنكير تعظيم كما قال ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ و ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَة﴾ و ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ و ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ و ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو كثير وإنما كان التنكير للتعظيم لأنه صور للسامع بمنزلة أمر عظيم لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير

القلم 68:3

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿نْ والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ الصحيح أن ن وق وص من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانه بعض السور وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ولم تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن إما مقسمًا به وإما مخبرًا عنه ما خلا سورتين سورة كهيعص ون كقوله ﴿الم ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ﴿الم اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ ﴿المص كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ ﴿المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ وهكذا إلى آخره ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف وعظم قدرها وجلالتها إذ هي مباني كلامه وكتبه التي تكلم سبحانه بها وأنزلها على رسله وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه وأسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ووعيده ووعده وعرفهم بها الخير والشر والحسن والقبيح وأقدرهم على التكلم بها بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل طريق وقلة كلفة ومشقة وأوصله إلى المقصود وأدله عليه وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته ولهذا عاب سبحانه على من عبد إلهًا لا يتكلم وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته وكمال إحسانه وإنعامه فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامه وصدق رسله. وقد جمع سبحانه بين الأمرين أعني القرآن ونطق اللسان وجعل تعليمها من تمام نعمته وامتنانه كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ فبهذه الحروف علم القرآن وبها علم البيان وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان وبها أنزل كتبه وبها أرسل رسله وبها جمعت العلوم وحفظت وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد وبها يتميز الحق من الباطل والصحيح من الفاسد وبها جمعت أشتات العلوم وبها أمكن تنقلها في الأذهان وكم جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة وأقيلت بها من عثرة وأقيمت بها من حرمة وهدى بها من ضلالة وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل فآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة فينضم في الحلقوم وينفرش في أقصى الحلق ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا وفي الشفتين والخيشوم فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض وإذا هي كلام دال على أنواع المعاني أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا ونفيًا وإثباتًا وإقرارًا وإنكارًا وتصديقًا وتكذيبًا وإيجابا واستحبابا وسؤالا وجوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب نظمه ونثره ووجيزه ومطوله على اختلاف لغات الخلائق كل ذلك صنعه تبارك وتعالى في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه وتفصيله ثم تأليفه وتوصيله فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فهذا شأن الحرف المخلوق. وأما الحرف الذي به تكون المخلوقات فشأنه أعلى وأجل وإذا كان هذا شأن الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور كما افتتحت بالإقسام لما فيها من آيات الربوبية وأدلة الوحدانية فهي دالة على كمال قدرته سبحانه وكمال علمه وكمال حكمته وعنايته بخلقه ولطفه وإحسانه وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت بها على المبدأ والمعاد والخلق والأمر والتوحيد والرسالة فهي من أظهر أدلة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن القرآن كلام الله تكلم به حقًا وأنزله على رسوله وحيًا وبلغه كما أوحي إليه صدقًا ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها وبالله التوفيق. (فصل) ثم أقسم سبحانه ب ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ فأقسم بالكتاب وآلته وهو القلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به الوحي وقيد به الدين وأثبتت به الشريعة وحفظت به العلوم وقامت به مصالح العباد في المعاش والمعاد فوطدت به الممالك وأمنت به السبل والمسالك وأقام في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه وواعظًا تشفى مواعظه القلوب من السقم وطبيبًا يبرئ بإذنه من أنواع الألم يكسر العساكر العظيمة على أنه الضعيف الوحيد ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد بالأقلام تدبر الأقاليم وتساس الممالك والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع فينسج حلل المعاني في الطرفين فتعود أحسن من الوشي المرقوم ويودعها حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام الأفهام وكما أن اللسان يريد القلب فالقلم يريد اللسان ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم والقلم يريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت. (فصل) والأقلام متفاوتة في الرتب فأعلاها وأجلها قدرًا قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله يقول " إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال يا رب وما أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة " واختلف العلماء هل القلم أو المخلوقات أو العرش على قولين ذكرهما الحافظ أبو يعلى الهمداني أصحهما أن العرش قبل القلم لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام عرشه على الماء" فهذا صريح أن التقدير وقع قبل خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة هذا ولا يخلو قوله إن أول ما خلق الله القلم إلى آخره إما أن يكون جملة أو جملتين فإن كان جملة وهو الصحيح كان معناه أنه عند أول خلقه قال له أكتب كما في لفظ أول ما خلق الله القلم قال له أكتب بنصب أول والقلم فإن كانا جملتين وهو مروى برفع أول والقلم فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم ليتفق الحديثان إذ حديث عبد الله بن عمر صريح في أن العرش سابق على التقدير والتقدير مقارن لخلق القلم وفي اللفظ الآخر لما خلق الله القلم قال له اكتب فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير أنه القلم الذي أقسم الله به. (فصل) القلم الثاني قلم الوحي وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم والعالم خدم لهم وإليهم الحل والعقد والأقلام كلها خدم لأقلامهم وقد رفع النبي ليلة الإسراء إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي. (فصل) والقلم الثالث قلم التوقيع عن الله ورسوله وهو قلم الفقهاء والمفتين وهذا القلم أيضًا حاكم غير محكوم عليه فإليه التحاكم في الدماء والأموال والفروج والحقوق وأصحابه مخبرون عن الله بحكمه الذي حكم به بين عباده وأصحابه حكام وملوك على أرباب الأقلام وأقلام العالم خدم لهذا القلم (فصل) القلم الرابع قلم طب الأبدان التي تحفظ بها صحتها الموجودة وترد إليها صحتها المفقودة وتدفع به عنها آفاتها وعوارضها المضادة لصحتها وهذا القلم أنفع الأقلام بعد قلم طب الأديان وحاجة الناس إلى أهله تلتحق بالضرورة (فصل) القلم الخامس التوقيع عن الملوك ونوابهم وسياس الملك ولهذا كان أصحابه أعز أصحاب الأقلام والمشاركون للملوك في تدبير الدول فإن صلحت أقلامهم صلحت المملكة وإن فسدت أقلامهم فسدت المملكة وهم وسائط بين الملوك ورعاياهم (فصل) القلم السادس قلم الحساب وهو القلم الذي تضبط به الأموال مستخرجها ومصروفها ومقاديرها وهو قلم الأرزاق وهو قلم الكم المتصل والمنفصل الذي تضبط به المقادير وما بينها من التفاوت والتناسب ومبناه على الصدق والعدل فإذا كذب هذ القلم وظلم فسد أمر المملكة (فصل) القلم السابع قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق وتنفذ به القضايا وتراق به الدماء وتؤخذ به الأموال والحقوق من اليد العادية فترد إلى اليد المحقة ويثبت به الإنسان وتنقطع به الخصومات وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله عموم وخصوص فهذا له الفنوذ واللزوم وذاك له العموم والشمول وهو قلم قائم بالصدق فيما يثبته وبالعدل فيما يمضيه وينفذه (فصل) القلم الثامن قلم الشهادة وهو القلم الذي تحفظ به الحقوق وتصان به عن الإضاعة وتحول بين الفاجر وإنكاره ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويشهد للمحق بحقه وعلى المبطل بباطله وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والإنساب والحقوق ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد وباستقامته يستقيم أمر العالم ومبناه على العلم وعدم الكتمان (فصل) القلم التاسع قلم التعبير وهو كاتب وحي المنام وتفسيره وتعبيره وما أريد منه وهو قلم شريف جليل مترجم للوحي المنامي كاشف له وهو من الأقلام التي تصلح للدنيا والدين وهو يعتمد طهارة صاحبه ونزاهته وأمانته وتحريه للصدق والطرائق الحميدة والمناهج السديدة مع علم راسخ وصفاء باطن وحس مؤيد بالنور الإلهي ومعرفة بأحوال الخلق وهيآتهم وسيرهم وهو من ألطف الأقلام وأعمها جولانا وأوسعها تصرفًا وأشدها تشبثًا بسائر الموجودات علويها وسفليها وبالماضي والحال والمستقبل فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ولايته وكرسي مملكته وسلطانه. (فصل) القلم العاشر قلم تواريخ العالم ووقائعه وهو القلم الذي تضبط به الحوادث وتنقل من أمة إلى أمة ومن قرن إلى قرن فيحصر ما مضى من العالم وحوادثه في الخيال وينقشه في النفس حتى كأن السامع يرى ذلك ويشهده فهو قلم المعاد الروحاني وهذا القلم قلم العجائب فإنه يعيد لك العالم في صورة الخيال فتراه بقلبك وتشاهده ببصيرتك. (فصل) القلم الحادي عشر قلم اللغة وتفاصيلها من شرح معاني ألفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها وما يتبع ذلك من أحوالها ووجوهها وأنواع دلالتها على المعاني وكيفية الدلالة وهو قلم التعبير عن المعاني باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها وأسهلها وأوضحها وهذا القلم واسع التصرف جدًا بحسب سعة الألفاظ وكثرة مجاريها وتنوعها. (فصل) القلم الثاني عشر القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم وتهافتهم وخروجهم عن الحق ودخولهم في الباطل وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل المحاربون لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل وعدو لكل مخالف للرسل فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن فهذه الأقلام التي فيها انتظام مصالح العالم ويكفي في جلالة القلم أنه لم تكتب كتب الله إلا به وأن الله سبحانه أقسم به في كتابه وتعرف إلى غيره بأن علم بالقلم وإنما وصل إلينا ما بعث به نبينا بواسطة القلم ولقد أبدع أبو تمام إذ يقول في وصفه: ؎لك القلم الأعلى الذي بشباته ∗∗∗ يصاب من الأمر الكلى والمفاصل ؎له ريقة طل ولكن وقعها ∗∗∗ بآثاره في الغرب والشرق وابل ؎لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ∗∗∗ وأرى الجنا اشتارته أيد عواسل ؎له الخلوات اللاء لولا نجيها ∗∗∗ لما احتفلت للملك تلك المحافل ؎فصيح إذا استنطقته وهو راكب ∗∗∗ وأعجم إن خاطبته وهو راجل ؎إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ∗∗∗ عليه شعاب الفكر وهي حوافل ؎أطاعته أطراف القنا وتقوضت ∗∗∗ لنجواه تقويض الخيام الجحافل ؎إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ∗∗∗ أعاليه في القرطاس وهي أسافل ؎وقد رفدته الخنصران وسددت ∗∗∗ ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل ؎رايت جليلًا شأنه وهو مرهف ∗∗∗ ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل (فصل) والمقسم عليه بالقلم والكتابة في هذه السورة تنزيه نبيه ورسوله عما يقول فيه أعداؤه وهو قوله تعالى ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ وأنت إذا طابقت بين هذا القسم والمقسم به وجدته دالًا عليه أظهر دلالة وأبينها فإن ما سطر الكاتب بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقاها البشر بعضهم عن بعض لا تصدر من مجنون ولا تصدر إلا من عقل وافر فكيف يصدر ما جاء به الرسول من هذا الكتاب الذي هو في أعلى درجات العلوم بل العلوم التي تضمنها ليس في قوى البشر الإتيان بها ولا سيما من أمي لا يقرأ كتابًا ولا يخط بيمينه مع كونه في أعلى أنواع الفصاحة سليمًا من الاختلاف بريًا من التناقض يستحيل من العقلاء كلهم لو اجتمعوا في صعيد واحد أن يأتوا بمثله ولو كانوا في عقل رجل واحد منهم فكيف يتأتى ذلك من مجنون لا عقل له يميز به ما عسى كثير من الحيوان أن يميزه وهل هذا إلا من أقبح البهتان وأظهر الإفك. فتأمل شهادة هذا المقسم به للمقسم عليه ودلالته عليه أتم دلالة ولو أن رجلًا أنشأ رسالة واحدة بديعة منتظمة الأول والآخر متساوية الأجزاء يصدق بعضها بعضًا أو قال قصيدة كذلك أو صنف كتابًا كذلك لشهد له العقلاء بالعقل ولما استجاز أحد رميه بالجنون مع إمكان بل وقوع معارضتها ومشاكلتها والإتيان بمثلها أو أحسن منها فكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء كلهم قاطبة عن معارضته ومماثلته وعرفهم من الحق ما لا تهتدي عقولهم إليه بحيث أذعنت له عقول العقلاء وخضعت له ألباب الأولياء وتلاشت في جنب ما جاء به بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان طائعة مختارة وهي ترى عقولها أشد فقرًا وحاجة إلى ما جاء به ولا كمال لها إلا بما جاء به فهو الذي كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدي ولهذا فإن أتباعه أعقل الخلق على الإطلاق وهذه مؤلفاتهم وكتبهم في الفنون إذا وازنت بينها وبين مؤلفات مخالفيه ظهر لك التفاوت بينها ويكفي في عقولهم أنهم عمروا الدنيا بالعلم والعدل والقلوب بالإيمان والتقوى فكيف يكون متبوعهم مجنونًا وهذا حال كتابه وهديه وسيرته وحال أتباعه وهذا إنما حصل له ولأتباعه بنعمة الله عليه وعليهم فنفى عنه الجنون بنعمته عليه. وقد اختلف في تقدير الآية فقالت فرقة الباء في ﴿بنعمة ربك﴾ باء القسم فهو قسم آخر اعتراض بين المحكوم به والمحكوم عليه كما يقول ما أنت بالله بكاذب وهذا التقدير ضعيف جدًا لأنه قد تقدم القسم الأول فكيف يقع القسم الثاني في جوابه ولا يحسن أن تقول والله ما أنت بالله بقائم وليس هذا من فصيح الكلام ولا عهد في كلامهم وقالت فرقة العامل في بنعمة ربك أداة معنى النفي أو معنى أنفى عنك الجنون بنعمة ربك ورد أبو عمر ابن الحاجب وغيره هذا القول بأن الحروف لا تعمل معانيها وإنما تعمل ألفاظها وقال الزمخشري يتعلق ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ منفيًا كما يتعلق بعاقل مثبتًا في قولك أنت بنعمة الله عاقل يستويان في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرًا وما ضرب زيد عمرًا يعمل الفعل مثبتًا ومنفيًا إعمالًا واحدًا ومحله النصب على الحال أي ما أنت بمجنون منعمًا عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي واعترض عليه بأن العامل إذا تسلط على محكوم به وله معمول فإنه يجوز فيه وجهان أحدهما نفي ذلك المعمول فقط نحو قولك: ما زيد بذاهب مسرعًا فإنه ينتفى الإسراع دون القيام ولا يمتنع أن يثبت له ذهاب في غير إسراع والثاني ينفي المحكوم به فينتفي معموله بانتفائه فينتفي الذهاب في هذه الحال فينتفي الإسراع بانتفائه فإذا جعل بنعمة ربك معمولًا لمجنون لزم أحد الأمرين وكلاهما منتف جزمًا. وهذا الاعتراض هنا فاسد لأن المعنى إذا حصل ما أنت بمجنون منعما عليك لزم من صدق هذا الخبر نفيها قطعًا ولا يصح نفي المعمول وثبوت العامل في هذا الكلام ولا يفهم منه من له آلة الفهم وإنما يفهم الآدمي من هذا الكلام أن الجنون انتفى عنك بنعمة الله عليك وانتفى عنا ما فهمه هذا المعترض بنعمة الله علينا ثم أخبر سبحانه عن كمال حالتي نبيه في دنياه وأخراه فقال ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع بل هو دائم مستمر ونكر الأجر تنكير تعظيم كما قال ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ و ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَة﴾ و ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ و ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ و ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو كثير وإنما كان التنكير للتعظيم لأنه صور للسامع بمنزلة أمر عظيم لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير

القلم 68:4

وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته لمن منحه الله فهمًا ولقد سئلت أم المؤمنين عن خلقه ﷺ، فأجابت بما شفى وكفى فقالت كان خلقه القرآن فهم سائلها أن يقوم لا يسألها شيئًا بعد ذلك ومن هذا قال ابن عباس وغيره أي على دين عظيم وسمى الدين خلقًا لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة وأقوال مطابقة للحق تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقًا هي أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها فهذه كانت أخلاق رسول الله المقتبسة من مشكاة القرآن فكان كلامه مطابقًا للقرآن تفصيلاله وتبيينا وعلومه علوم القرآن وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن وإعراضه وتركه لما منع منه القرآن ورغبته فيما رغب فيه وزهده فيما زهد فيه وكراهته لما كرهه ومحبته لما أحبه وسعيه في تنفيذ أوامره وتبليغه والجهاد في إقامته فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها كان خلقه القرآن وفهم هذا السائل لها عن هذا المعنى فاكتفى به واشتفى. فإذا كانت أخلاق العباد وعلومهم وإراداتهم وأعمالهم مستفادة من القلم وما يسطرون وكان في خلق القلم والكتابة إنعام عليهم وإحسان إليهم إذ وصلوا به إلى ذلك فكيف ينكرون إنعامه وإحسانه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاق وأفضل العلوم والأعمال والإرادات التي لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها من غير قلم ولا كتابة فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوته وشواهد صدق رسالاته وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون هو أم هم وقد علموا هم والعقلاء ذلك في الدنيا ويزداد علمهم في البرزخ وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به. (فائِدَة جليلة) جمع النبي بَين تقوى الله وحسن الخلق، لِأن تقوى الله يصلح ما بَين العَبْد وبَين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بَينه وبَين خلقه. فتقوى الله توجب لَهُ محبَّة الله، وحسن الخلق يَدْعُو إلى محبته. [فَصْلٌ: المَحَبَّةُ أصْلُ كُلِّ دِينٍ] وَكَما أنَّ المَحَبَّةَ والإرادَةَ أصْلُ كُلِّ فِعْلٍ كَما تَقَدَّمَ، فَهي أصْلُ كُلِّ دِينٍ سَواءٌ أكانَ حَقًّا أوْ باطِلًا، فَإنَّ الدِّينَ هو مِنَ الأعْمالِ الباطِنَةِ والظّاهِرَةِ، والمَحَبَّةُ والإرادَةُ أصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ، والدِّينُ هو الطّاعَةُ والعِبادَةُ والخُلُقُ، فَهو الطّاعَةُ اللّازِمَةُ الدّائِمَةُ الَّتِي صارَتْ خُلُقًا وعادَةً، ولِهَذا فُسِّرَ الخُلُقُ بِالدِّينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلى دِينٍ عَظِيمٍ. «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: " كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ "». والدِّينُ فِيهِ مَعْنى الإذْلالِ والقَهْرِ، وفِيهِ مَعْنى الذُّلِّ والخُضُوعِ والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ، كَما يُقالُ: دِنْتُهُ فَدانَ، أيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُوَ دانَ الرَّبابَ إذْ كَرِهُوا الدِّ ∗∗∗ ينَ فَأضْحَوْا بِعِزَّةٍ وصِيالِ وَيَكُونُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، كَما يُقالُ: دِنْتُ اللَّهَ، ودِنْتُ لِلَّهِ، وفُلانٌ لا يَدِينُ اللَّهَ دِينًا، ولا يَدِينُ اللَّهَ بِدِينٍ، فَدانَ اللَّهَ: أيْ أطاعَ اللَّهَ وأحَبَّهُ وخافَهُ، ودانَ اللَّهَ: تَخَشَّعَ لَهُ وخَضَعَ وذَلَّ وانْقادَ. والدِّينُ الباطِنُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الحُبِّ والخُضُوعِ كالعِبادَةِ سَواءً، بِخِلافِ الدِّينِ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ الحُبَّ، وإنْ كانَ فِيهِ انْقِيادٌ وذُلٌّ في الظّاهِرِ. (فصل) وَمِمّا يحمد عَلَيْهِ ﷺ ما جبله الله عَلَيْهِ من مَكارِم الأخْلاق وكرائم الشيم، فَإن من نظر في أخلاقه وشيمه ﷺ علم أنَّها خير أخْلاق الخلق وأكْرم شمائل الخلق فَإنَّهُ ﷺ كانَ أعلم الخلق وأعظمهم أمانَة وأصدقهم حَدِيثا وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احْتِمالا، وأعظمهم عفوا ومغفرة، وكانَ لا يزِيدهُ شدَّة الجَهْل عَلَيْهِ إلّا حلمًا كَما روى البُخارِيّ في صَحِيحه عَن عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنْهُما أنه قالَ في صفة رَسُول الله ﷺ في التَّوْراة "مُحَمَّد عَبدِي ورسولي سميته المتَوَكل لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة ولَكِن يعْفُو ويصفح، ولنْ أقبضهُ حَتّى أقيم بِهِ الملَّة العوجاء بِأن يَقُولُوا لا إلَه إلّا الله، وأفتح بِهِ أعينًا عميا وآذانًا صمًّا وقُلُوبًا غلفًا" وأرحم الخلق وأرأفهم بهم وأعظم الخلق نفعا لَهُم في دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله، وأحْسَنهمْ تعبيرًا عَن المعانِي الكَثِيرَة بالألفاظ الوجيزة الدّالَّة على المُراد، وأصبرهم في مَواطِن الصَّبْر، وأصدقهم في مَواطِن اللِّقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة وأعظمهم مُكافَأة على الجَمِيل بأضعافه وأشدهم تواضعًا وأعظمهم إيثارًا على نَفسه وأشد الخلق ذبًا عَن أصْحابه وحماية لَهُم ودفاعًا عَنْهُم وأقوم الخلق بِما يَأْمر بِهِ وأتركهم لما يُنْهِي عَنهُ وأوصل الخلق لرحمه فَهو أحَق بقول القائِل ؎(برد على الأدْنى ومرحمة ∗∗∗ وعَلى الأعادي مارن جلد) قالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ "كانَ رَسُول الله ﷺ أجود النّاس صَدرا وأصدقهم لهجة وألينهم عَرِيكَة وأكْرمهمْ عشرَة من رَآهُ بديهة هابه، ومن خالطه معرفَة أحبه، يَقُول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ. فَقَوله (كانَ أجود النّاس صَدرا) أرادَ بِهِ بر الصَّدْر وكَثْرَة خَيره وأن الخَيْر يتفجر مِنهُ تفجيرًا وأنه منطو على كل خلق جميل وكل خير كَما قالَ بعض أهل العلم لَيْسَ في الدُّنْيا كلها مَحل كانَ أكثر خيرا من صدر رَسُول الله ﷺ قد جمع الخَيْر بحذافيره وأودع في صَدره ﷺ وَقَوله (أصدق النّاس لهجة) هَذا مِمّا أقرّ لَهُ بِهِ أعداؤه المحاربون لَهُ ولم يجرب عَلَيْهِ أحد من أعدائه كذبة واحِدَة قطّ دع شَهادَة أوليائه كلهم لَهُ بِهِ فقد حاربه أهل الأرْض بأنواع المحاربات مشركوهم وأهل الكتاب مِنهُم ولَيْسَ أحد مِنهُم يَوْمًا من الدَّهْر طعن فِيهِ بكذبة واحِدَة صَغِيرَة ولا كَبِيرَة قالَ المسور بن مخرمَة قلت لأبي جهل وكانَ خالِي يا خال هَل كُنْتُم تتهمون مُحَمَّدًا بِالكَذِبِ قبل أن يَقُول مقالَته؟ فَقالَ والله يا ابْن أُخْتِي لقد كانَ مُحَمَّد وهو شاب يدعى فِينا الأمين، فَلَمّا وخطه الشيب لم يكن ليكذب. قلت يا خال فَلم لا تتبعونه؟ فَقالَ يا ابْن أُخْتِي تنازعنا نَحن وبَنُو هاشم الشّرف فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا فَلَمّا تجاثينا على الركب وكُنّا كفرسي رهان قالُوا منا نَبِي فَمَتى نأتيهم بِهَذِهِ أو كَما قالَ. وَقالَ تَعالى يسليه ويهون عَلَيْهِ قَول أعدائه ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ وَقَوله ألينهم عَرِيكَة يَعْنِي سهل لين قريب من النّاس مُجيب لدَعْوَة من دَعاهُ قاض لحاجَة من استقضاه جابر لقلب من قَصده لا يحرمه ولا يردهُ خائبًا إذا أرادَ أصْحابه مِنهُ أمرا وافقهم عَلَيْهِ وتابعهم فِيهِ وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم بل يشاورهم ويؤامرهم وكانَ يقبل من محسنهم ويَعْفُو عَن مسيئهم وَقَوله (أكْرمهم عشرَة) يَعْنِي أنه لم يكن يعاشر جَلِيسا لَهُ إلّا أتم عشرَة وأحسنها وأكْرمها، فَكانَ لا يعبس في وجهه ولا يغلظ لَهُ في مقاله ولا يطوي عَنهُ بشره، ولا يمسك عَلَيْهِ فلتات لِسانه ولا يؤاخذه بِما يصدر مِنهُ من جفوة ونَحْوها بل يحسن إلى عشيره غايَة الإحْسان ويحْتَمل غايَة الِاحْتِمال فَكانَت عشرته لَهُم احْتِمال أذاهم وجفوتهم جملَة لا يُعاقب أحدا مِنهُم ولا يلومه ولا يباديه بِما يكره من خالطه يَقُول أنا أحب النّاس إلَيْهِ لما يرى من لطفه بِهِ وقربه مِنهُ وإقباله عَلَيْهِ واهتمامه بأمْره وتضحيته لَهُ وبذل إحسانه إلَيْهِ واحْتِمال جفوته فَأي عشرَة كانَت أو تكون أكْرم من هَذِه العشْرَة قالَ الحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ سَألت أبي عَن سيرة النَّبِي ﷺ في جُلَسائِهِ، فَقالَ كانَ النَّبِي ﷺ دائِم البشر سهل الخلق لين الجانِب لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عَمّا لا يَشْتَهِي ولا يؤيس مِنهُ راجيه ولا يخيب فِيهِ قد ترك نَفسه من ثَلاث المراء والإكثار وترك ما لا يعنيه كانَ لا يذم أحدا ولا يعِيبهُ ولا يطْلب عَوْرَته ولا يتَكَلَّم إلّا فِيما رجا ثَوابه وإذا تكلم أطرق جُلَساؤُهُ كَأنَّما على رؤوسهم الطير فَإذا سكت تكلمُوا لا يتنازعون عِنْده الحَدِيث ومن تكلم عِنْده أنْصتُوا لَهُ حَتّى يفرغ حَدِيثهمْ عند حَدِيث أوَّلهمْ يضْحك مِمّا يَضْحَكُونَ مِنهُ ويتعجب مِمّا يتعجبون مِنهُ ويصبر للغريب على الجفوة في مَنطِقه ومسألته حَتّى إن كانَ أصْحابه ليستجلبونهم ويَقُول إذا رَأيْتُمْ طالب حاجَة يطْلبها فأرفدوه ولا يقبل الثَّناء إلّا من مكافئ ولا يقطع على أحد حَدِيثه حَتّى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام. وَقَوله (من رَآهُ بديهة هابه، ومن خالطه معرفَة أحبه) وَصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدْق والإخْلاص وهما الإجلال والمحبة وكانَ قد ألْقى عَلَيْهِ هَيْبَة مِنهُ ومحبة فَكانَ كل من يراهُ يهابه ويجله ويملأ قلبه تَعْظِيمًا وإجلالًا وإن كانَ عدوا لَهُ فَإذا خالطه وعاشره كانَ أحب إلَيْهِ من كل مَخْلُوق فَهو المجل المُعظم المحبوب المكرم وهَذا كَمال المحبَّة أن تقرن بالتعظيم والهيبة، فالمحبة بِلا هَيْبَة ولا تَعْظِيم ناقِصَة والهيبة والتعظيم من غير محبَّة كَما تكون للغادر الظّالِم نقص أيْضا، والكمال أن تَجْتَمِع المحبَّة والود والتعظيم والإجلال وهَذا لا يُوجد إلّا إذا كانَ في المحبوب صِفات الكَمال الَّتِي يسْتَحق أن يعظم لأجلها ويُحب لأجلها ولما كانَ الله سُبْحانَهُ وتَعالى أحَق بِهَذا من كل أحد كانَ المُسْتَحق لِأن يعظم ويكبر ويهاب ويُحب ويَوَد بِكُل جُزْء من أجزاء القلب ولا يَجْعَل لَهُ شريك في ذَلِك وهَذا هو الشّرك الَّذِي لا يغفره الله سُبْحانَهُ أن يُسَوِّي بَينه وبَين غَيره في هَذا الحبّ قالَ تَعالى ﴿وَمن النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشد حبا لله﴾ فَأخْبر أن من أحب شَيْئا غير الله مثل حبه لله كانَ قد اتَّخذهُ ندا وقالَ أهل النّار في النّار لمعبودهم ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الخُلُقِ] [الخُلُقُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الخُلُقِ. قالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لَعَلى دِينٍ عَظِيمٍ، لا دِينَ أحَبُّ إلَيَّ ولا أرْضى عِنْدِي مِنهُ. وهو دِينُ الإسْلامِ. وَقالَ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو آدابُ القُرْآنِ. وَقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْمُرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ. ويَنْهى عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. والمَعْنى: إنَّكَ لَعَلى الخُلُقِ الَّذِي آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أنَّ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَتْ: كانَ خُلُقَهُ القُرْآنُ. فَقالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أقُومَ ولا أسْألَ شَيْئًا. وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ مَكارِمَ الأخْلاقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ. ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ ذُكِرَ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: «ما هَذا؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ، فَسَألَ. ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ. فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ». وَلا رَيْبَ أنَّ لِلْمُطاعِ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةَ أحْوالٍ. أحَدُها: أمْرُهم ونَهْيُهم بِما فِيهِ مَصْلَحَتُهم. الثّانِي: أخْذُهُ مِنهم ما يَبْذُلُونَهُ مِمّا عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعَةِ. الثّالِثُ: أنَّ النّاسَ مَعَهُ قِسْمانِ: مُوافِقٌ لَهُ مُوالٍ، ومُعادٍ لَهُ مُعارِضٌ. وعَلَيْهِ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ واجِبٌ. فَواجِبُهُ في أمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ: أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ. وهو المَعْرُوفُ الَّذِي بِهِ صَلاحُهم وصَلاحُ شَأْنِهِمْ. ويَنْهاهم عَنْ ضِدِّهِ. وَواجِبُهُ فِيما يَبْذُلُونَهُ لَهُ مِنَ الطّاعَةِ: أنْ يَأْخُذَ مِنهم ما سَهُلَ عَلَيْهِمْ، وطُوِّعَتْ لَهُ بِهِ أنْفُسُهُمْ، سَماحَةً واخْتِيارًا. ولا يَحْمِلَهم عَلى العَنَتِ والمَشَقَّةِ فَيُفْسِدَهم. وَواجِبُهُ عِنْدَ جَهْلِ الجاهِلِينَ عَلَيْهِ: الإعْراضُ عَنْهم. وعَدَمُ مُقابَلَتِهِمْ بِالمِثْلِ والِانْتِقامِ مِنهم لِنَفْسِهِ. فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي خُذِ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ تَخْسِيسٍ، مِثْلَ قَبُولِ الأعْذارِ، والعَفْوِ والمُساهَلَةِ، وتَرْكِ الِاسْتِقْصاءِ في البَحْثِ، والتَّفْتِيشِ عَنْ حَقائِقِ بَواطِنِهِمْ. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: خُذْ ما عَفا لَكَ مِن أمْوالِهِمْ. وهو الفاضِلُ عَنِ العِيالِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وهو كُلُّ مَعْرُوفٍ. وأعْرَفُهُ: التَّوْحِيدُ. ثُمَّ حُقُوقُ العُبُودِيَّةِ وحُقُوقُ العَبِيدِ. ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] يَعْنِي إذا سَفِهَ عَلَيْكَ الجاهِلُ فَلا تُقابِلْهُ بِالسَّفَهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وَعَلى هَذا فَلَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ. بَلْ يُعْرِضُ عَنْهُ مَعَ إقامَةِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ. ولا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ. وَهَكَذا كانَ خُلُقُهُ ﷺ. قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحْسَنَ النّاسِ خُلُقًا». وَقالَ: «ما مَسَسْتُ دِيباجًا ولا حَرِيرًا ألْيَنَ مِن كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولا شَمَمْتُ رائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِن رائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. فَما قالَ لِي قَطُّ: أُفٍّ. ولا قالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ ولا لِشَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: ألا فَعَلْتَ كَذا؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما. وَأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أنَّ البِرَّ: هو حُسْنُ الخُلُقِ». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِرِّ والإثْمِ؟ فَقالَ: البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ. والإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ. وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ». فَقابَلَ البِرَّ بِالإثْمِ. وَأخْبَرَ: أنَّ البِرَّ حُسْنُ الخُلُقِ. والإثْمَ: حَوازُ الصُّدُورِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُسْنَ الخُلُقِ: هو الدِّينُ كُلُّهُ. وهو حَقائِقُ الإيمانِ، وشَرائِعُ الإسْلامِ. ولِهَذا قابَلَهُ بِالإثْمِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «البِرُّ: ما اطْمَأنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، والإثْمُ ما حاكَ في الصَّدْرِ» وَقَدْ فُسِّرَ حُسْنُ الخُلُقِ بِأنَّهُ البِرُّ. فَدَلَّ عَلى أنَّ حُسْنَ الخُلُقِ: طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ والقَلْبِ. والإثْمُ حَوازُ الصُّدُورِ، وما حاكَ فِيها، واسْتَرابَتْ بِهِ. وَهَذا غَيْرُ حُسْنِ الخُلُقِ وسُوئِهِ في عُرْفِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ. كَما سَيَأْتِي في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «خِيارُكُمْ: أحاسِنُكم أخْلاقًا». وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ما مِن شَيْءٍ أثْقَلَ في مِيزانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حُسْنِ الخُلُقِ. وإنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُبْغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ.» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِيهِ أيْضًا - وصَحَّحَهُ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أكْثَرِ ما يُدْخِلُ النّاسَ الجَنَّةَ؟ فَقالَ: تَقْوى اللَّهِ، وحُسْنُ الخُلُقِ. وسُئِلَ عَنْ أكْثَرِ ما يُدْخِلُ النّاسَ النّارَ؟ فَقالَ: الفَمُ والفَرْجُ». وَفِيهِ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وصَحَّحَهُ - «إنَّ مِن أكْمَلِ المُؤْمِنِينَ إيمانًا: أحْسَنُهم خُلُقًا. وخِيارُكُمْ: خِيارُكم لِنِسائِهِمْ». وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ عَنْهُ ﷺ «إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ القائِمِ» رَواهُ أبُو داوُدَ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْهُ ﷺ «أنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ: لِمَن تَرَكَ المِراءَ وإنْ كانَ مُحِقًّا. وبِبَيْتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ: لِمَن تَرَكَ الكَذِبَ وإنْ كانَ مازِحًا، وبِبَيْتٍ في أعْلى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ» رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وإسْنادُهُ صَحِيحٌ. فَجَعَلَ البَيْتَ العُلْوِيَّ جَزاءً لِأعْلى المَقاماتِ الثَّلاثَةِ. وَهِيَ حُسْنُ الخُلُقِ. والأوْسَطَ لِأوْسَطِها. وهو تَرْكُ الكَذِبِ. والأدْنى لِأدْناها وهو تَرْكُ المُماراةِ، وإنْ كانَ مَعَهُ حَقٌّ. ولا رَيْبَ أنَّ حُسْنَ الخُلُقِ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذا كُلِّهِ. وَفِي التِّرْمِذِيَّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ ﷺ «إنَّ مِن أحَبِّكم إلَيَّ، وأقْرَبِكم مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيامَةِ: أحاسِنُكم أخْلاقًا. وإنَّ مِن أبْغَضِكم إلَيَّ وأبْعَدِكم مِنِّي يَوْمَ القِيامَةِ: الثَّرْثارُونَ والمُتَشَدِّقُونَ والمُتَفَيْهِقُونَ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ. قَدْ عَلِمْنا الثَّرْثارُونَ والمُتَشَدِّقُونَ. فَما المُتَفَيْهِقُونَ؟ قالَ: المُتَكَبِّرُونَ.» الثَّرْثارُ: هو كَثِيرُ الكَلامِ بِغَيْرِ فائِدَةٍ دِينِيَّةٍ. والمُتَشَدِّقُ: المُتَكَلِّمُ بِمِلْءِ فِيهِ تَفاصُحًا وتَعاظُمًا وتَطاوُلًا، وإظْهارًا لِفَضْلِهِ عَلى غَيْرِهِ. وأصْلُهُ مِنَ الفَهْقِ. وهو الِامْتِلاءُ. [فَصْلٌ: الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ] الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ. فَمَن زادَ عَلَيْكَ في الخُلُقِ: زادَ عَلَيْكَ في الدِّينِ. وكَذَلِكَ التَّصَوُّفُ. قالَ الكِنانِيُّ: التَّصَوُّفُ هو الخُلُقُ، فَمَن زادَ عَلَيْكَ في الخُلُقِ: فَقَدْ زادَ عَلَيْكَ في التَّصَوُّفِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ بَذْلُ النَّدى، وكَفُّ الأذى، واحْتِمالُ الأذى. وَقِيلَ: حُسْنُ الخُلُقِ: بَذْلُ الجَمِيلِ، وكَفُّ القَبِيحِ. وَقِيلَ: التَّخَلِّي مِنَ الرَّذائِلِ، والتَّحَلِّي بِالفَضائِلِ. وَحُسْنُ الخُلُقِ يَقُومُ عَلى أرْبَعَةِ أرْكانٍ لا يُتَصَوَّرُ قِيامُ ساقِهِ إلّا عَلَيْها: الصَّبْرُ، والعِفَّةُ، والشَّجاعَةُ، والعَدْلُ. فالصَّبْرُ: يَحْمِلُهُ عَلى الِاحْتِمالِ وكَظْمِ الغَيْظِ، وكَفِّ الأذى، والحِلْمِ والأناةِ والرِّفْقِ، وعَدَمِ الطَّيْشِ والعَجَلَةِ. والعِفَّةُ: تَحْمِلُهُ عَلى اجْتِنابِ الرَّذائِلِ والقَبائِحِ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ، وتَحْمِلُهُ عَلى الحَياءِ. وهو رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ. وتَمْنَعُهُ مِنَ الفَحْشاءِ، والبُخْلِ والكَذِبِ، والغَيْبَةِ والنَّمِيمَةِ. والشَّجاعَةُ: تَحْمِلُهُ عَلى عِزَّةِ النَّفْسِ، وإيثارِ مَعالِي الأخْلاقِ والشِّيَمِ، وعَلى البَذْلِ والنَّدى، الَّذِي هو شَجاعَةُ النَّفْسِ وقُوَّتُها عَلى إخْراجِ المَحْبُوبِ ومُفارَقَتِهِ. وتَحْمِلُهُ عَلى كَظْمِ الغَيْظِ والحِلْمِ. فَإنَّهُ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ وشَجاعَتِها يُمْسِكُ عِنانَها، ويَكْبَحُها بِلِجامِها عَنِ النَّزْغِ والبَطْشِ. كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ: الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» وَهُوَ حَقِيقَةُ الشَّجاعَةِ، وهي مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِها العَبْدُ عَلى قَهْرِ خَصْمِهِ. والعَدْلُ: يَحْمِلُهُ عَلى اعْتِدالِ أخْلاقِهِ، وتَوَسُّطِهِ فِيها بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. فَيَحْمِلُهُ عَلى خُلُقِ الجُودِ والسَّخاءِ الَّذِي هو تَوَسُّطٌ بَيْنَ الذُّلِّ والقِحَةِ. وعَلى خُلُقِ الشَّجاعَةِ، الَّذِي هو تَوَسُّطٌ بَيْنَ الجُبْنِ والتَّهَوُّرِ. وعَلى خُلُقِ الحِلْمِ، الَّذِي هو تَوَسُّطٌ بَيْنَ الغَضَبِ والمَهانَةِ وسُقُوطِ النَّفْسِ. وَمَنشَأُ جَمِيعِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ. وَمَنشَأُ جَمِيعِ الأخْلاقِ السّافِلَةِ، وبِناؤُها عَلى أرْبَعَةِ أرْكانٍ: الجَهْلُ. والظُّلْمُ. والشَّهْوَةُ. والغَضَبُ. فالجَهْلُ: يُرِيهِ الحَسَنَ في صُورَةِ القَبِيحِ، والقَبِيحَ في صُورَةِ الحَسَنِ. والكَمالَ نَقْصًا والنَّقْصَ كَمالًا. والظُّلْمُ: يَحْمِلُهُ عَلى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. فَيَغْضَبُ في مَوْضِعِ الرِّضا. ويَرْضى في مَوْضِعِ الغَضَبِ. ويَجْهَلُ في مَوْضِعِ الأناةِ. ويَبْخَلُ في مَوْضِعِ البَذْلِ. ويَبْذُلُ في مَوْضِعِ البُخْلِ. ويُحْجِمُ في مَوْضِعِ الإقْدامِ. ويُقْدِمُ في مَوْضِعِ الإحْجامِ. ويَلِينُ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ. ويَشْتَدُّ في مَوْضِعِ اللِّينِ. ويَتَواضَعُ في مَوْضِعِ العِزَّةِ. ويَتَكَبَّرُ في مَوْضِعِ التَّواضُعِ. والشَّهْوَةُ: تَحْمِلُهُ عَلى الحِرْصِ والشُّحِّ والبُخْلِ، وعَدَمِ العِفَّةِ والنَّهْمَةِ والجَشَعِ، والذُّلِّ والدَّناءاتِ كُلِّها. والغَضَبُ: يَحْمِلُهُ عَلى الكِبْرِ والحِقْدِ والحَسَدِ، والعُدْوانِ والسَّفَهِ. وَيَتَرَكَّبُ مِن بَيْنِ كُلِّ خُلُقَيْنِ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ: أخْلاقٌ مَذْمُومَةٌ. وَمِلاكُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ أصْلانِ: إفْراطُ النَّفْسِ في الضَّعْفِ، وإفْراطُها في القُوَّةِ. فَيَتَوَلَّدُ مِن إفْراطِها في الضَّعْفِ: المَهانَةُ والبُخْلُ، والخِسَّةُ واللُّؤْمُ، والذُّلُّ والحِرْصُ، والشُّحُّ وسَفْسافُ الأُمُورِ والأخْلاقِ. وَيَتَوَلَّدُ مِن إفْراطِها في القُوَّةِ: الظُّلْمُ والغَضَبُ والحِدَّةُ، والفُحْشُ والطَّيْشُ. وَيَتَوَلَّدُ مِن تَزَوُّجِ أحَدِ الخُلُقَيْنِ بِالآخَرِ أوْلادُ غِيَّةٍ كَثِيرُونَ. فَإنَّ النَّفْسَ قَدْ تَجْمَعُ قُوَّةً وضَعْفًا. فَيَكُونُ صاحِبُها أجْبَرَ النّاسِ إذا قَدَرَ، وأذَلَّهم إذا قُهِرَ، ظالِمًا عَنُوفًا جَبّارًا. فَإذا قُهِرَ صارَ أذَلَّ مِنِ امْرَأةٍ: جَبانًا عَنِ القَوِيِّ، جَرِيئًا عَلى الضَّعِيفِ. فالأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ: يُوَلِّدُ بَعْضُها بَعْضًا، كَما أنَّ الأخْلاقَ الحَمِيدَةَ: يُوَلِّدُ بَعْضُها بَعْضًا. وَكُلُّ خُلُقٍ مَحْمُودٍ مُكْتَنَفٌ بِخُلُقَيْنِ ذَمِيمَيْنِ. وهو وسَطٌ بَيْنَهُما. وطَرَفاهُ خُلُقانِ ذَمِيمانِ، كالجُودِ: الَّذِي يَكْتَنِفُهُ خُلُقا البُخْلِ والتَّبْذِيرِ. والتَّواضُعِ: الَّذِي يَكْتَنِفُهُ خُلُقا الذُّلِّ والمَهانَةِ. والكِبْرِ والعُلُوِّ. فَإنَّ النَّفْسَ مَتى انْحَرَفَتْ عَنِ التَّوَسُّطِ انْحَرَفَتْ إلى أحَدِ الخُلُقَيْنِ الذَّمِيمَيْنِ ولا بُدَّ، فَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ التَّواضُعِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى كِبْرٍ وعُلُوٍّ، وإمّا إلى ذُلٍّ ومَهانَةٍ وحَقارَةٍ. وإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الحَياءِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى قِحَةٍ وجُرْأةٍ، وإمّا إلى عَجْزٍ وخَوَرٍ ومَهانَةٍ، بِحَيْثُ يُطْمِعُ في نَفْسِهِ عَدُوَّهُ. ويَفُوتُهُ كَثِيرٌ مِن مَصالِحِهِ. ويَزْعُمُ أنَّ الحامِلَ لَهُ عَلى ذَلِكَ الحَياءُ. وإنَّما هو المَهانَةُ والعَجْزُ، ومَوْتُ النَّفْسِ. وَكَذَلِكَ إذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الصَّبْرِ المَحْمُودِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى جَزَعٍ وهَلَعٍ وجَشَعٍ وتَسَخُّطٍ، وإمّا إلى غِلْظَةِ كَبِدٍ، وقَسْوَةِ قَلْبٍ، وتَحَجُّرِ طَبْعٍ. كَما قالَ بَعْضُهُمْ: تَبْكِي عَلَيْنا. ولا نَبْكِي عَلى أحَدٍ فَنَحْنُ أغْلَظُ أكْبادًا مِنَ الإبِلِ. وإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الحِلْمِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى الطَّيْشِ والتَّرَفِ والحِدَّةِ والخِفَّةِ، وإمّا إلى الذُّلِّ والمَهانَةِ والحَقارَةِ. فَفَرْقٌ بَيْنَ مَن حِلْمُهُ حِلْمُ ذُلٍّ ومَهانَةٍ وحَقارَةٍ وعَجْزٍ، وبَيْنَ مَن حِلْمُهُ حِلْمُ اقْتِدارٍ وعَزَّةٍ وشَرَفٍ. كَما قِيلَ: ؎كُلُّ حِلْمٍ أتى بِغَيْرِ اقْتِدارٍ ∗∗∗ حُجَّةٌ لاجِئٌ إلَيْها اللِّئامُ وَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الأناةِ والرِّفْقِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى عَجَلَةٍ وطَيْشٍ وعُنْفٍ، وإمّا إلى تَفْرِيطٍ وإضاعَةٍ. والرِّفْقُ والأناةُ بَيْنَهُما. وَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ العِزَّةِ الَّتِي وهَبَها اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، انْحَرَفَتْ: إمّا إلى كِبْرٍ، وإمّا إلى ذُلٍّ. والعِزَّةُ المَحْمُودَةُ بَيْنَهُما. وَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الشَّجاعَةِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى تَهَوُّرٍ وإقْدامٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ، وإمّا إلى جُبْنٍ وتَأخُّرٍ مَذْمُومٍ. وَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ المُنافَسَةِ في المَراتِبِ العالِيَةِ والغِبْطَةِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى حَسَدٍ، وإمّا إلى مَهانَةٍ، وعَجْزٍ وذُلٍّ ورِضا بِالدُّونِ. وَإذا انْحَرَفَتْ عَنِ القَناعَةِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى حِرْصٍ وكَلَبٍ، وإمّا إلى خِسَّةٍ ومَهانَةٍ وإضاعَةٍ. وَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الرَّحْمَةِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى قَسْوَةٍ، وإمّا إلى ضَعْفِ قَلْبٍ وجُبْنِ نَفْسٍ، كَمَن لا يَقْدَمُ عَلى ذَبْحِ شاةٍ، ولا إقامَةِ حَدٍّ، وتَأْدِيبِ ولَدٍ. ويَزْعُمُ أنَّ الرَّحْمَةَ تَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ. وقَدْ ذَبَحَ أرْحَمُ الخَلْقِ ﷺ بِيَدِهِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ ثَلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً. وقَطَعَ الأيْدِيَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ. وضَرَبَ الأعْناقَ. وأقامَ الحُدُودَ ورَجَمَ بِالحِجارَةِ حَتّى ماتَ المَرْجُومُ. وكانَ أرْحَمَ خَلْقِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ وأرْأفَهم. وَكَذَلِكَ طَلاقَةُ الوَجْهِ، والبِشْرُ المَحْمُودُ. فَإنَّهُ وسَطٌ بَيْنَ التَّعْبِيسِ والتَّقْطِيبِ وتَصْعِيرِ الخَدِّ، وطَيِّ البِشْرِ عَنِ البَشَرِ، وبَيْنَ الِاسْتِرْسالِ بِذَلِكَ مَعَ كُلِّ أحَدٍ، بِحَيْثُ يُذْهِبُ الهَيْبَةَ، ويُزِيلُ الوَقارَ، ويُطْمِعُ في الجانِبِ، كَما أنَّ الِانْحِرافَ الأوَّلَ يُوقِعُ الوَحْشَةَ والبَغْضَةَ، والنُّفْرَةَ في قُلُوبِ الخَلْقِ. وَصاحِبُ الخُلُقِ الوَسَطِ: مَهِيبٌ مَحْبُوبٌ، عَزِيزٌ جانِبُهُ، حَبِيبٌ لِقاؤُهُ. وفي صِفَةِ نَبِيِّنا ﷺ مَن رَآهُ بَدِيهَةً هابَهُ. ومَن خالَطَهُ عِشْرَةً أحَبَّهُ واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ: تَغْيِيرُ الأخْلاقِ الَّتِي طُبِعَتِ النُّفُوسُ عَلَيْها] نافِعٌ جِدًّا عَظِيمُ النَّفْعِ لِلسّالِكِ. يُوصِلُهُ عَنْ قَرِيبٍ، ويُسَيِّرُهُ بِأخْلاقِهِ الَّتِي لا يُمْكِنُهُ إزالَتُها. فَإنَّ أصْعَبَ ما عَلى الطَّبِيعَةِ الإنْسانِيَّةِ: تَغْيِيرُ الأخْلاقِ الَّتِي طُبِعَتِ النُّفُوسُ عَلَيْها. وأصْحابُ الرِّياضاتِ الصَّعْبَةِ والمُجاهَداتِ الشّاقَّةِ إنَّما عَمِلُوا عَلَيْها، ولَمْ يَظْفَرْ أكْثَرُهم بِتَبْدِيلِها. لَكِنَّ النَّفْسَ اشْتَغَلَتْ بِتِلْكَ الرِّياضاتِ عَنْ ظُهُورِ سُلْطانِها. فَإذا جاءَ سُلْطانُ تِلْكَ الأخْلاقِ وبَرَزَ: كَسَرَ جُيُوشَ الرِّياضَةِ وشَتَّتَها. واسْتَوْلى عَلى مَمْلَكَةِ الطَّبْعِ. وَهَذا فَصْلٌ يَصِلُ بِهِ السّالِكُ مَعَ تِلْكَ الأخْلاقِ. ولا يَحْتاجُ إلى عِلاجِها وإزالَتِها. ويَكُونُ سَيْرُهُ أقْوى وأجَلَّ وأسْرَعَ مِن سَيْرِ العامِلِ عَلى إزالَتِها. وَنُقَدِّمُ قَبْلَ هَذا مَثَلًا نَضْرِبُهُ. مُطابِقًا لِما نُرِيدُهُ. وهُوَ: نَهْرٌ جارٍ في صَبَبِهِ ومُنْحَدَرِهِ، ومُنْتَهٍ إلى تَغْرِيقِ أرْضٍ وعُمْرانٍ ودُورٍ. وأصْحابُها يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَنْتَهِي حَتّى يُخَرِّبَ دُورَهم. ويُتْلِفَ أراضِيَهم وأمْوالَهم. فانْقَسَمُوا ثَلاثَ فِرَقٍ. فِرْقَةٌ صَرَفَتْ قُواها وقُوى أعْمالِها إلى سَكْرِهِ وحَبْسِهِ وإيقافِهِ. فَلا تَصْنَعُ هَذِهِ الفِرْقَةُ كَبِيرَ أمْرٍ. فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجْتَمِعَ ثُمَّ يَحْمِلَ عَلى السَّكْرِ، فَيَكُونُ إفْسادُهُ وتَخْرِيبُهُ أعْظَمَ. وَفِرْقَةٌ رَأتْ هَذِهِ الحالَةَ. وعَلِمَتْ أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْها شَيْئًا. فَقالَتْ: لا خَلاصَ مِن مَحْذُورِهِ إلّا بِقَطْعِهِ مِن أصْلِ اليَنْبُوعِ. فَرامَتْ قَطْعَهُ مِن أصْلِهِ. فَتَعَذَّرَ عَلَيْها ذَلِكَ غايَةَ التَّعَذُّرِ، وأبَتِ الطَّبِيعَةُ النَّهْرِيَّةُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أشَدَّ الإباءِ، فَهم دائِمًا في قَطْعِ اليَنْبُوعِ، وكُلَّما سَدُّوهُ مِن مَوْضِعٍ نَبَعَ مِن مَوْضِعٍ، فاشْتَغَلَ هَؤُلاءِ بِشَأْنِ هَذا النَّهْرِ عَنِ الزِّراعاتِ والعِماراتِ وغَرْسِ الأشْجارِ. فَجاءَتْ فِرْقَةٌ ثالِثَةٌ، خالَفَتْ رَأْيَ الفِرْقَتَيْنِ. وعَلِمُوا أنَّهم قَدْ ضاعَ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِن مَصالِحِهِمْ. فَأخَذُوا في صَرْفِ ذَلِكَ النَّهْرِ عَنْ مَجْراهُ المُنْتَهِي إلى العُمْرانِ، فَصَرَفُوهُ إلى مَوْضِعٍ يَنْتَفِعُونَ بِوُصُولِهِ إلَيْهِ. ولا يَتَضَرَّرُونَ بِهِ. فَصَرَفُوهُ إلى أرْضٍ قابِلَةٍ لِلنَّباتِ. وسَقَوْها بِهِ. فَأنْبَتَتْ أنْواعَ العُشْبِ والكَلَأِ والثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ الأصْنافِ، فَكانَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ هم أصْوَبَ الفِرَقِ في شَأْنِ هَذا النَّهْرِ. فَإذا تَبَيَّنَ هَذا المَثَلُ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ قَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ: أنْ رَكَّبَ الإنْسانَ - بَلْ وسائِرَ الحَيَوانِ - عَلى طَبِيعَةٍ مَحْمُولَةٍ عَلى قُوَّتَيْنِ: غَضَبِيَّةٍ. وشَهْوانِيَّةٍ. وهي الإرادِيَّةُ. وَهاتانِ القُوَّتانِ هُما الحامِلَتانِ لِأخْلاقِ النَّفْسِ وصِفاتِها. وَهُما مَرْكُوزَتانِ في جِبِلَّةِ كُلِّ حَيَوانٍ. فَبِقُوَّةِ الشَّهْوَةِ والإرادَةِ: يَجْذِبُ المَنافِعَ إلى نَفْسِهِ. وبِقُوَّةِ الغَضَبِ: يَدْفَعُ المَضارَّ عَنْها. فَإذا اسْتَعْمَلَ الشَّهْوَةَ في طَلَبِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ: تَوَلَّدَ مِنها الحِرْصُ. وَإذا اسْتَعْمَلَ الغَضَبَ في دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ نَفْسِهِ: تَوَلَّدَ مِنهُ القُوَّةُ والغَيْرَةُ. فَإذا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ الضّارِّ: أوْرَثَهُ قُوَّةَ الحِقْدِ. وَإنْ أعْجَزَهُ وُصُولُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، ورَأى غَيْرَهُ مُسْتَبِدًّا بِهِ: أوْرَثَهُ الحَسَدَ. فَإنْ ظَفِرَ بِهِ: أوْرَثَتْهُ شِدَّةُ شَهْوَتِهِ وإرادَتُهُ: خُلُقَ البُخْلِ والشُّحِّ. وإنِ اشْتَدَّ حِرْصُهُ وشَهْوَتُهُ عَلى الشَّيْءِ، ولَمْ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُهُ إلّا بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، فاسْتَعْمَلَها فِيهِ: أوْرَثَهُ ذَلِكَ العُدْوانَ، والبَغْيَ والظُّلْمَ. وَمِنهُ يَتَوَلَّدُ: الكِبْرُ والفَخْرُ والخُيَلاءُ. فَإنَّها أخْلاقٌ مُتَوَلَّدَةٌ مِن بَيْنِ قُوَّتَيِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، وتَزَوُّجِ أحَدِهِما بِصاحِبِهِ. فَإذا تَبَيَّنَ هَذا: فالنَّهْرُ مِثالُ هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ. وهو مُنْصَبٌّ في جَدْوَلِ الطَّبِيعَةِ ومَجْراها إلى دُورِ القَلْبِ وعُمْرانِهِ وحَواصِلِهِ، يُخَرِّبُها ويُتْلِفُها ولا بُدَّ. فالنُّفُوسُ الجاهِلَةُ الظّالِمَةُ تَرَكَتْهُ ومَجْراهُ. فَخَرَّبَ دِيارَ الإيمانِ. وقَلَعَ آثارَهُ. وهَدَمَ عُمْرانَهُ. وأنْبَتَ مَوْضِعَها كُلَّ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ، مِن حَنْظَلٍ وضَرِيعٍ وشَوْكٍ وزَقُّومٍ. وهو الَّذِي يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ المَعادِ. وَأمّا النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ الفاضِلَةُ: فَإنَّها رَأتْ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُ هَذا النَّهَرِ. فافْتَرَقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ. فَأصْحابُ الرِّياضاتِ والمُجاهَداتِ، والخَلَواتِ والتَّمْرِيناتِ: رامُوا قَطْعَهُ مِن يَنْبُوعِهِ. فَأبَتْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى، وما طَبَعَ عَلَيْهِ الجِبِلَّةَ البَشَرِيَّةَ. ولَمْ تَنْقَدْ لَهُ الطَّبِيعَةُ. فاشْتَدَّ القِتالُ. ودامَ الحَرْبُ. وحَمِيَ الوَطِيسُ. وصارَتِ الحَرْبُ دُوَلًا وسِجالًا. وَهَؤُلاءِ صَرَفُوا قُواهم إلى مُجاهَدَةِ النَّفْسِ عَلى إزالَةِ تِلْكَ الصِّفاتِ. وَفِرْقَةٌ أعْرَضُوا عَنْها. وشَغَلُوا نُفُوسَهم بِالأعْمالِ. ولَمْ يُجِيبُوا دَواعِيَ تِلْكَ الصِّفاتِ مَعَ تَخْلِيَتِهِمْ إيّاها عَلى مَجْراها، لَكِنْ لَمْ يُمَكِّنُوا نَهْرَها مِن إفْسادِ عُمْرانِهِمْ. بَلِ اشْتَغَلُوا بِتَحْصِينِ العُمْرانِ، وإحْكامِ بِنائِهِ وأساسِهِ ورَأوْا أنَّ ذَلِكَ النَّهْرَ لا بُدَّ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ. فَإذا وصَلَ وصَلَ إلى بِناءٍ مُحْكَمٍ فَلَمْ يَهْدِمْهُ. بَلْ أخَذَ عَنْهُ يَمِينًا وشِمالًا. فَهَؤُلاءِ صَرَفُوا قُوَّةَ عَزِيمَتِهِمْ وإرادَتِهِمْ في العِمارَةِ، وإحْكامِ البِناءِ. وَأُولَئِكَ صَرَفُوها في قَطْعِ المادَّةِ الفاسِدَةِ مِن أصْلِها، خَوْفًا مِن هَدْمِ البِناءِ. وَسَألْتُ يَوْمًا شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، وقَطْعِ الآفاتِ، والِاشْتِغالِ بِتَنْقِيَةِ الطَّرِيقِ وتَنْظِيفِها؟ فَقالَ لِي جُمْلَةَ كَلامِهِ: النَّفْسُ مِثْلُ الباطُوسِ - وهو جُبُّ القَذَرِ - كُلَّما نَبَشْتَهُ ظَهَرَ وخَرَجَ. ولَكِنْ إنْ أمْكَنَكَ أنْ تَسْقَفَ عَلَيْهِ، وتَعْبُرَهُ وتَجُوزَهُ، فافْعَلْ، ولا تَشْتَغِلْ بِنَبْشِهِ. فَإنَّكَ لَنْ تَصِلَ إلى قَرارِهِ. وكُلَّما نَبَشْتَ شَيْئًا ظَهَرَ غَيْرُهُ. فَقُلْتُ: سَألْتُ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ بَعْضَ الشُّيُوخِ؟ فَقالَ لِي: مِثالُ آفاتِ النَّفْسِ مِثالُ الحَيّاتِ والعَقارِبِ الَّتِي في طَرِيقِ المُسافِرِ. فَإنْ أقْبَلَ عَلى تَفْتِيشِ الطَّرِيقِ عَنْها، والِاشْتِغالِ بِقَتْلِها: انْقَطَعَ. ولَمْ يُمْكِنْهُ السَّفَرُ قَطُّ. ولَكِنْ لِتَكُنْ هِمَّتُكَ المَسِيرَ، والإعْراضَ عَنْها، وعَدَمَ الِالتِفاتِ إلَيْها. فَإذا عَرَضَ لَكَ فِيها ما يَعُوقُكَ عَنِ المَسِيرِ فاقْتُلْهُ. ثُمَّ امْضِ عَلى سَيْرِكَ. فاسْتَحْسَنَ شَيْخُ الإسْلامِ ذَلِكَ جِدًّا. وأثْنى عَلى قائِلِهِ. إذا تَبَيَّنَ هَذا. فَهَذِهِ الفِرْقَةُ الثّالِثَةُ: رَأتْ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ ما خُلِقَتْ سُدًى ولا عَبَثًا. وأنَّها بِمَنزِلَةِ ماءٍ يُسْقى بِهِ الوَرْدُ، والشَّوْكُ، والثِّمارُ، والحَطَبُ، وأنَّها صَوّانٌ وأصْدافٌ لِجَواهِرَ مُنْطَوِيَةٍ عَلَيْها. وأنَّ ما خافَ مِنها أُولَئِكَ هو نَفْسُ سَبَبِ الفَلاحِ والظَّفَرِ. فَرَأوْا أنَّ الكِبْرَ نَهْرٌ يُسْقى بِهِ العُلُوُّ والفَخْرُ، والبَطَرُ والظُّلْمُ والعُدْوانُ. ويُسْقى بِهِ عُلُوُّ الهِمَّةِ، والأنَفَةُ، والحَمِيَّةُ، والمُراغَمَةُ لِأعْداءِ اللَّهِ، وقَهْرُهم والعُلُوُّ عَلَيْهِمْ. وهَذِهِ دُرَّةٌ في صَدَفَتِهِ. فَصَرَفُوا مَجْراهُ إلى هَذا الغِراسِ. واسْتَخْرَجُوا هَذِهِ الدُّرَّةَ مِن صَدَفَتِهِ. وأبْقَوْهُ عَلى حالِهِ في نُفُوسِهِمْ. لَكِنِ اسْتَعْمَلُوهُ حَيْثُ يَكُونُ اسْتِعْمالُهُ أنْفَعَ. «وَقَدْ رَأى النَّبِيُّ ﷺ أبا دُجانَةَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. فَقالَ: إنَّها لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُها اللَّهُ، إلّا في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ». فانْظُرْ كَيْفَ خَلّى مَجْرى هَذِهِ الصِّفَةِ وهَذا الخُلُقِ يَجْرِي في أحْسَنِ مَواضِعِهِ. وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ - وأظُنُّهُ في المُسْنَدِ - «إنَّ مِنَ الخُيَلاءِ ما يُحِبُّها اللَّهُ. ومِنها ما يُبْغِضُها اللَّهُ. فالخُيَلاءُ الَّتِي يُحِبُّها اللَّهُ: اخْتِيالُ الرَّجُلِ في الحَرْبِ، وعِنْدَ الصَّدَقَةِ». فانْظُرْ كَيْفَ صارَتِ الصِّفَةُ المَذْمُومَةُ عُبُودِيَّةً؟ وكَيْفَ اسْتَحالَ القاطِعُ مُوصِلًا؟ فَصاحِبُ الرِّياضاتِ، والعامِلُ بِطَرِيقِ الرِّياضاتِ والمُجاهِداتِ، والخَلَواتِ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ، إنَّما يُوقِعُهُ ذَلِكَ في الآفاتِ، والشُّبُهاتِ، والضَّلالاتِ. فَإنَّ تَزْكِيَةَ النُّفُوسِ مُسَلَّمٌ إلى الرُّسُلِ. وإنَّما بَعَثَهُمُ اللَّهُ لِهَذِهِ التَّزْكِيَةِ ووَلّاهم إيّاها. وجَعَلَها عَلى أيْدِيهِمْ دَعْوَةً، وتَعْلِيمًا وبَيانًا، وإرْشادًا، لا خَلْقًا ولا إلْهامًا. فَهُمُ المَبْعُوثُونَ لِعِلاجِ نُفُوسِ الأُمَمِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] وَقالَ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ - فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١-١٥٢]. وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ: أصْعَبُ مِن عِلاجِ الأبْدانِ وأشَدُّ. فَمَن زَكّى نَفْسَهُ بِالرِّياضَةِ والمُجاهَدَةِ والخَلْوَةِ، الَّتِي لَمْ يَجِئْ بِها الرُّسُلُ: فَهو كالمَرِيضِ الَّذِي عالَجَ نَفْسَهُ بِرَأْيِهِ، وأيْنَ يَقَعُ رَأْيُهُ مِن مَعْرِفَةِ الطَّبِيبِ؟ فالرُّسُلُ أطِبّاءُ القُلُوبِ. فَلا سَبِيلَ إلى تَزْكِيَتِها وصَلاحِها إلّا مِن طَرِيقِهِمْ. وعَلى أيْدِيهِمْ، وبِمَحْضِ الِانْقِيادِ، والتَّسْلِيمِ لَهم. واللَّهُ المُسْتَعانُ. فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الخُلُقُ كَسْبِيًّا، أوْ هو أمْرٌ خارِجٌ عَنِ الكَسْبِ؟ قُلْتُ: يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ كَسْبِيًّا بِالتَّخَلُّقِ والتَّكَلُّفِ. حَتّى يَصِيرَ لَهُ سَجِيَّةً ومَلَكَةً وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إنْ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ: الحِلْمُ، والأناةُ. فَقالَ: أخُلُقَيْنَ تَخَلَّقْتُ بِهِما. أمْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِما؟ فَقالَ: بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِما. فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ ورَسُولُهُ». فَدَلَّ عَلى أنَّ مِنَ الخُلُقِ: ما هو طَبِيعَةٌ وجِبِلَّةٌ، وما هو مُكْتَسَبٌ. وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في دُعاءِ الِاسْتِفْتاحِ «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأحْسَنِ الأخْلاقِ. لا يَهْدِي لِأحْسَنِها إلّا أنْتَ، واصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَها، لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَها إلّا أنْتَ» فَذَكَرَ الكَسْبَ والقَدَرَ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ: مَعْنى الخُلُقِ] قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الخُلُقُ: ما يَرْجِعُ إلَيْهِ المُتَكَلِّفُ مِن نِعْمَتِهِ. أيْ خُلُقُ كُلِّ مُتَكَلِّفٍ: فَهو ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ نُعُوتُهُ. فَتَكَلُّفُهُ يَرُدُّهُ إلى خُلُقِهِ. كَما قِيلَ: إنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ. وَقالَ الآخَرُ: ؎يُرادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيانُكم ∗∗∗ وتَأْبى الطِّباعُ عَلى النّاقِلِ فَمُتَكَلِّفُ ما لَيْسَ مِن نَعْتِهِ ولا شِيمَتِهِ: يَرْجِعُ إلى شِيمَتِهِ، ونَعْتِهِ، وسَجِيَّتِهِ. فَذاكَ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ: هو الخُلُقُ. قالَ واجْتَمَعَتْ كَلِمَةُ النّاطِقِينَ في هَذا العِلْمِ: أنَّ التَّصَوُّفَ هو الخُلُقُ. وجَمِيعُ الكَلامِ فِيهِ يَدُورُ عَلى قُطْبٍ واحِدٍ. وهو بَذْلُ المَعْرُوفِ، وكَفُّ الأذى. قُلْتُ: مِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُها ثَلاثَةً: كَفُّ الأذى، واحْتِمالُ الأذى، وإيجادُ الرّاحَةِ. وَمِنهُمْ: مَن يَجْعَلُها اثْنَيْنِ - كَما قالَ الشَّيْخُ - بَذْلُ المَعْرُوفِ، وكَفُّ الأذى. وَمِنهم مَن يَرُدُّها إلى واحِدٍ. وهو بَذْلُ المَعْرُوفِ. والكُلُّ صَحِيحٌ. قالَ وإنَّما يُدْرَكُ إمْكانُ ذَلِكَ في ثَلاثَةِ أشْياءَ. فِي العِلْمِ، والجُودِ، والصَّبْرِ. فالعِلْمُ يُرْشِدُهُ إلى مَواقِعِ بَذْلِ المَعْرُوفِ، والفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُنْكَرِ، وتَرْتِيبِهِ في وضْعِهِ مَواضِعَهُ. فَلا يَضَعُ الغَضَبَ مَوْضِعَ الحِلْمِ. ولا بِالعَكْسِ، ولا الإمْساكَ مَوْضِعَ البَذْلِ، ولا بِالعَكْسِ. بَلْ يَعْرِفُ مَواقِعَ الخَيْرِ والشَّرِّ ومَراتِبَها، ومَوْضِعَ كُلِّ خُلُقٍ: أيْنَ يَضَعُهُ، وأيْنَ يُحْسِنُ اسْتِعْمالَهُ. والجُودُ يَبْعَثُهُ عَلى المُسامَحَةِ بِحُقُوقِ نَفْسِهِ، والِاسْتِقْصاءِ مِنها بِحُقُوقِ غَيْرِهِ. فالجُودُ هو قائِدُ جُيُوشِ الخَيْرِ. والصَّبْرُ يَحْفَظُ عَلَيْهِ اسْتِدامَةَ ذَلِكَ. ويَحْمِلُهُ عَلى الِاحْتِمالِ، وكَظْمِ الغَيْظِ، وكَفِّ الأذى، وعَدَمِ المُقابَلَةِ. وعَلى كُلِّ خَيْرٍ، كَما تَقَدَّمَ. وهو أكْبَرُ العَوْنِ عَلى نَيْلِ كُلِّ مَطْلُوبٍ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ أشْياءَ: بِها يُدْرَكُ التَّصَوُّفُ، والتَّصَوُّفُ: زاوِيَةٌ مِن زَوايا السُّلُوكِ الحَقِيقِيِّ، وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وتَهْذِيبِها. لِتَسْتَعِدَّ لِسَيْرِها إلى صُحْبَةِ الرَّفِيقِ الأعْلى، ومَعِيَّةِ مَن تُحِبُّهُ. فَإنَّ المَرْءَ مَعَ مَن أحَبَّ. كَما قالَ سُمْنُونُ: ذَهَبَ المُحِبُّونَ بِشَرَفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَإنَّ المَرْءَ مَعَ مَن أحَبَّ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ دَرَجاتُ الخَلْقِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى أنْ تَعْرِفَ مَقامَ الخَلْقِ] قالَ وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: أنْ تَعْرِفَ مَقامَ الخَلْقِ. وأنَّهم بِأقْدارِهِمْ مَرْبُوطُونَ. وفي طاقَتِهِمْ مَحْبُوسُونَ. وعَلى الحُكْمِ مَوْقُوفُونَ. فَتَسْتَفِيدَ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أمْنَ الخَلْقِ مِنكَ، حَتّى الكَلَبِ. ومَحَبَّةُ الخَلْقِ إيّاكَ، ونَجاةُ الخَلْقِ بِكَ. فَبِهَذِهِ الدَّرَجَةِ: يَكُونُ تَحْسِينُ الخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ في مُعامَلَتِهِمْ، وكَيْفِيَّةِ مُصاحَبَتِهِمْ. وَبِالثّانِيَةِ: تَحْسِينُ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ في مُعامَلَتِهِ. وَبِالثّالِثَةِ: دَرَجَةُ الفَناءِ عَلى قاعِدَتِهِ وأصْلِهِ. يَقُولُ: إذا عَرَفْتَ مَقامَ الخَلْقِ، ومَقادِيرَهُمْ، وجَرَيانَ الأحْكامِ القَدَرِيَّةِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم مُقَيَّدُونَ بِالقَدَرِ، لا خُرُوجَ لَهم عَنْهُ ألْبَتَّةَ، ومَحْبُوسُونَ في قُدْرَتِهِمْ وطاقَتِهِمْ. لا يُمْكِنُهم تَجاوُزُها إلى غَيْرِها، وأنَّهم مَوْقُوفُونَ عَلى الحُكْمِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ لا يَتَعَدَّوْنَهُ، اسْتَفَدْتَ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أمْنَ الخَلْقِ مِنكَ. وذَلِكَ: أنَّهُ إذا نَظَرَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ. لَمْ يُطالِبْهم بِما لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. وامْتَثَلَ فِيهِمْ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ بِأخْذِ العَفْوِ مِنهم. فَأمِنُوا مِن تَكْلِيفِهِ إيّاهم. وإلْزامِهِ لَهم ما لَيْسَ في قُواهم وقُدَرِهِمْ. وَأيْضًا فَإنَّهم يَأْمَنُونَ لائِمَتَهُ. فَإنَّهُ في هَذِهِ الحالِ عاذِرٌ لَهم فِيما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الأحْكامِ فِيما لَمْ يَأْمُرِ الشَّرْعُ بِإقامَتِهِ فِيهِمْ. لِأنَّهم إذا كانُوا مَحْبُوسِينَ في طاقَتِهِمْ فَيَنْبَغِي مُطالَبَتُهم بِما يُطالَبُ بِهِ المَحْبُوسُ، وعُذْرُهم بِما يُعْذَرُ بِهِ المَحْبُوسُ. وإذا بَدا مِنهم في حَقِّكَ تَقْصِيرٌ أوْ إساءَةٌ، أوْ تَفْرِيطٌ. فَلا تُقابِلْهم بِهِ ولا تُخاصِمْهم. بَلِ اغْفِرْ لَهم ذَلِكَ واعْذُرْهم. نَظَرًا إلى جَرَيانِ الأحْكامِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم آلَةٌ. وَهاهُنا يَنْفَعُكَ الفَناءُ بِشُهُودِ الحَقِيقَةِ عَنْ شُهُودِ جِنايَتِهِمْ عَلَيْكَ، كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ لِرَجُلٍ تَعَدّى عَلَيْهِ وظَلَمَهُ: إنْ كُنْتَ ظالِمًا فالَّذِي سَلَّطَكَ عَلَيَّ لَيْسَ بِظالِمٍ. [مَشاهِدُ العَبْدِ فِيما يُصِيبُهُ مِن أذى الخَلْقِ] [المَشْهَدُ الأوَّلُ مَشْهَدُ القَدَرِ] وَهاهُنا لِلْعَبْدِ أحَدَ عَشَرَ مَشْهَدًا فِيما يُصِيبُهُ مِن أذى الخَلْقِ وجِنايَتِهِمْ عَلَيْهِ. أحَدُها: المَشْهَدُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ. وهو مَشْهَدُ القَدَرِ وأنَّ ما جَرى عَلَيْهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ. فَيَراهُ كالتَّأذِّي بِالحَرِّ والبَرْدِ، والمَرَضِ والألَمِ، وهُبُوبِ الرِّياحِ، وانْقِطاعِ الأمْطارِ. فَإنَّ الكُلَّ أوْجَبَتْهُ مَشِيئَةُ اللَّهِ. فَما شاءَ اللَّهُ كانَ. ووَجَبَ وُجُودُهُ. وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وامْتَنَعَ وُجُودُهُ. وإذا شَهِدَ هَذا: اسْتَراحَ. وعَلِمَ أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. فَما لِلْجَزَعِ مِنهُ وجْهٌ. وهو كالجَزَعِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ والمَرَضِ والمَوْتِ. [فَصْلٌ المَشْهَدُ الثّانِي مَشْهَدُ الصَّبْرِ] المَشْهَدُ الثّانِي: مَشْهَدُ الصَّبْرِ فَيَشْهَدُهُ ويَشْهَدُ وُجُوبَهُ، وحُسْنَ عاقِبَتِهِ، وجَزاءَ أهْلِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الغِبْطَةِ والسُّرُورِ. ويُخَلِّصُهُ مِن نَدامَةِ المُقابَلَةِ والِانْتِقامِ. فَما انْتَقَمَ أحَدٌ لِنَفْسِهِ قَطُّ إلّا أعْقَبَهُ ذَلِكَ نَدامَةٌ. وعَلِمَ أنَّهُ إنْ لَمْ يَصْبِرِ اخْتِيارًا عَلى هَذا - وهو مَحْمُودٌ - صَبَرَ اضْطَرارًا عَلى أكْبَرَ مِنهُ. وهو مَذْمُومٌ. [فَصْلٌ المَشْهَدُ الثّالِثُ مَشْهَدُ العَفْوِ والصَّفْحِ والحِلْمِ] المَشْهَدُ الثّالِثُ: مَشْهَدُ العَفْوِ والصَّفْحِ والحِلْمِ فَإنَّهُ مَتى شَهِدَ ذَلِكَ وفَضْلَهُ وحَلاوَتَهُ وعِزَّتَهُ: لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ إلّا لِعَشًى في بَصِيرَتِهِ. فَإنَّهُ «ما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلّا عِزًّا» كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وعُلِمَ بِالتَّجْرِبَةِ والوُجُودِ. وما انْتَقَمَ أحَدٌ لِنَفْسِهِ إلّا ذَلَّ. هَذا، وفي الصَّفْحِ والعَفْوِ والحِلْمِ: مِنَ الحَلاوَةِ والطُّمَأْنِينَةِ والسَّكِينَةِ، وشَرَفِ النَّفْسِ، وعِزِّها ورِفْعَتِها عَنْ تَشَفِّيها بِالِانْتِقامِ: ما لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ في المُقابَلَةِ والِانْتِقامِ. [فَصْلٌ المَشْهَدُ الرّابِعُ مَشْهَدُ الرِّضا] المَشْهَدُ الرّابِعُ: مَشْهَدُ الرِّضا وهو فَوْقَ مَشْهَدِ العَفْوِ والصَّفْحِ وهَذا لا يَكُونُ إلّا لِلنُّفُوسِ المُطْمَئِنَّةِ، سِيَّما إنْ كانَ ما أُصِيبَتْ بِهِ سَبَبُهُ القِيامُ لِلَّهِ. فَإذا كانَ ما أُصِيبَ بِهِ في اللَّهِ، وفي مَرْضاتِهِ ومَحَبَّتِهِ: رَضِيَتْ بِما نالَها في اللَّهِ. وهَذا شَأْنُ كُلِّ مُحِبٍّ صادِقٍ، يَرْضى بِما يَنالُهُ في رِضا مَحْبُوبِهِ مِنَ المَكارِهِ. ومَتى تَسَخَّطَ بِهِ وتَشَكّى مِنهُ، كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِ في مَحَبَّتِهِ. والواقِعُ شاهِدٌ بِذَلِكَ، والمُحِبُّ الصّادِقُ كَما قِيلَ: ؎مِن أجْلِكَ جَعَلْتُ خَدِّيَ أرْضًا ∗∗∗ لِلشّامِتِ والحَسُودِ حَتّى تَرْضى وَمَن لَمْ يَرْضَ بِما يُصِيبُهُ في سَبِيلِ مَحْبُوبِهِ، فَلْيَنْزِلْ عَنْ دَرَجَةِ المَحَبَّةِ. ولْيَتَأخَّرْ فَلَيْسَ مِن ذا الشَّأْنِ. [فَصْلٌ المَشْهَدُ الخامِسُ مَشْهَدُ الإحْسانِ] المَشْهَدُ الخامِسُ: مَشْهَدُ الإحْسانِ وهو أرْفَعُ مِمّا قَبْلَهُ. وهو أنْ يُقابِلَ إساءَةَ المُسِيءِ إلَيْهِ بِالإحْسانِ. فَيُحْسِنَ إلَيْهِ كُلَّما أساءَ هو إلَيْهِ. ويُهَوِّنُ هَذا عَلَيْهِ عِلْمُهُ بِأنَّهُ قَدْ رَبِحَ عَلَيْهِ. وأنَّهُ قَدْ أهْدى إلَيْهِ حَسَناتِهِ، ومَحاها مِن صَحِيفَتِهِ. وأثْبَتَها في صَحِيفَةِ مَن أساءَ إلَيْهِ. فَيَنْبَغِي لَكَ أنْ تَشْكُرَهُ، وتُحْسِنَ إلَيْهِ بِما لا نِسْبَةَ لَهُ إلى ما أحْسَنَ بِهِ إلَيْكَ. وَهاهُنا يَنْفَعُ اسْتِحْضارُ مَسْألَةِ اقْتِضاءِ الهِبَةِ الثَّوابِ. وهَذا المِسْكِينُ قَدْ وهَبَكَ حَسَناتِهِ. فَإنْ كُنْتَ مِن أهْلِ الكَرَمِ فَأثِبْهُ عَلَيْها، لِتُثْبِتَ الهِبَةَ. وتَأْمَنَ رُجُوعَ الواهِبِ فِيها. وَفِي هَذا حِكاياتٌ مَعْرُوفَةٌ عَنْ أرْبابِ المَكارِمِ. وأهْلِ العَزائِمِ. وَيُهَوِّنُهُ عَلَيْكَ أيْضًا: عِلْمُكَ بِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ. فَإنْ كانَ هَذا عَمَلَكَ في إساءَةِ المَخْلُوقِ إلَيْكَ عَفَوْتَ عَنْهُ. وأحْسَنْتَ إلَيْهِ، مَعَ حاجَتِكَ وضَعْفِكَ وفَقْرِكَ وذَلِكَ. فَهَكَذا يَفْعَلُ المُحْسِنُ القادِرُ العَزِيزُ الغَنِيُّ بِكَ في إساءَتِكَ. يُقابِلُها بِما قابَلْتَ بِهِ إساءَةَ عَبْدِهِ إلَيْكَ. فَهَذا لا بُدَّ‍ مِنهُ. وشاهِدُهُ في السُّنَّةِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ لِمَن تَأمَّلَها. [فَصْلٌ المَشْهَدُ السّادِسُ مَشْهَدُ السَّلامَةِ وبَرْدِ القَلْبِ] المَشْهَدُ السّادِسُ: مَشْهَدُ السَّلامَةِ وبَرْدِ القَلْبِ وهَذا مَشْهَدٌ شَرِيفٌ جِدًّا لِمَن عَرَفَهُ، وذاقَ حَلاوَتَهُ. وهو أنْ لا يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ وسِرُّهُ بِما نالَهُ مِنَ الأذى، وطَلَبِ الوُصُولِ إلى دَرْكِ ثَأْرِهِ، وشِفاءِ نَفْسِهِ. بَلْ يُفَرِّغُ قَلْبَهُ مِن ذَلِكَ. ويَرى أنَّ سَلامَتَهُ وبَرْدَهُ وخُلُوَّهُ مِنهُ أنْفَعُ لَهُ. وألَذُّ وأطْيَبُ. وأعْوَنُ عَلى مَصالِحِهِ. فَإنَّ القَلْبَ إذا اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ فاتَهُ ما هو أهَمُّ عِنْدَهُ، وخَيْرٌ لَهُ مِنهُ. فَيَكُونُ بِذَلِكَ مَغْبُونًا. والرَّشِيدُ لا يَرْضى بِذَلِكَ. ويَرى أنَّهُ مِن تَصَرُّفاتِ السَّفِيهِ. فَأيْنَ سَلامَةُ القَلْبِ مِنِ امْتِلائِهِ بِالغِلِّ والوَساوِسِ، وإعْمالِ الفِكْرِ في إدْراكِ الِانْتِقامِ؟ [فَصْلٌ المَشْهَدُ السّابِعُ مَشْهَدُ الأمْنِ] المَشْهَدُ السّابِعُ: مَشْهَدُ الأمْنِ فَإنَّهُ إذا تَرَكَ المُقابَلَةَ والِانْتِقامَ: أمِنَ ماهُّو شَرٌّ مِن ذَلِكَ. وإذا انْتَقَمَ: واقَعَهُ الخَوْفُ ولا بُدَّ. فَإنَّ ذَلِكَ يَزْرَعُ العَداوَةَ. والعاقِلُ لا يَأْمَنُ عَدُوَّهُ، ولَوْ كانَ حَقِيرًا. فَكَمْ مِن حَقِيرٍ أرْدى عَدُوَّهُ الكَبِيرَ؟ فَإذا غَفَرَ، ولَمْ يَنْتَقِمْ، ولَمْ يُقابِلْ: أمِنَ مِن تَوَلُّدِ العَداوَةِ، أوْ زِيادَتِها. ولا بُدَّ أنَّ عَفْوَهُ وحِلْمَهُ وصَفْحَهُ يَكْسِرُ عَنْهُ شَوْكَةَ عَدُوِّهِ. ويَكُفُّ مِن جَزَعِهِ، بِعَكْسِ الِانْتِقامِ. والواقِعُ شاهِدٌ بِذَلِكَ أيْضًا. [فَصْلٌ المَشْهَدُ الثّامِنُ مَشْهَدُ الجِهادِ] المَشْهَدُ الثّامِنُ: مَشْهَدُ الجِهادِ وهو أنْ يَشْهَدَ تَوَلُّدَ أذى النّاسِ لَهُ مِن جِهادِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ. ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ. وإقامَةِ دِينِ اللَّهِ، وإعْلاءِ كَلِماتِهِ. وَصاحِبُ هَذا المَقامِ: قَدِ اشْتَرى اللَّهُ مِنهُ نَفْسَهُ ومالَهُ وعِرْضَهُ بِأعْظَمِ الثَّمَنِ. فَإنْ أرادَ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فَلْيُسَلِّمْ هو السِّلْعَةَ لِيَسْتَحِقَّ ثَمَنَها. فَلا حَقَّ لَهُ عَلى مَن آذاهُ. ولا شَيْءَ لَهُ قَبْلَهُ، إنْ كانَ قَدْ رَضِيَ بِعَقْدِ هَذا التَّبايُعِ. فَإنَّهُ قَدْ وجَبَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ. وَهَذا ثابِتٌ بِالنَّصِّ وإجْماعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ولِهَذا «مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ المُهاجِرِينَ مِن سُكْنى مَكَّةَ - أعَزَّها اللَّهُ - ولَمْ يَرُدَّ عَلى أحَدٍ مِنهم دارَهُ ولا مالَهُ الَّذِي أخَذَهُ الكُفّارُ. ولَمْ يُضَمِّنْهم دِيَةَ مَن قَتَلُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ». وَلَمّا عَزَمَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى تَضْمِينِ أهْلِ الرِّدَّةِ ما أتْلَفُوهُ مِن نُفُوسِ المُسْلِمِينَ وأمْوالِهِمْ. قالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - بِمَشْهَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - تِلْكَ دِماءٌ وأمْوالٌ ذَهَبَتْ في اللَّهِ. وأُجُورُها عَلى اللَّهِ، ولا دِيَةَ لِشَهِيدٍ فَأصْفَقَ الصَّحابَةُ عَلى قَوْلِ عُمَرَ. ووافَقَهُ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ. فَمَن قامَ لِلَّهِ حَتّى أُوذِيَ في اللَّهِ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الِانْتِقامَ. كَما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ ﴿وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. [فَصْلٌ المَشْهَدُ التّاسِعُ مَشْهَدُ النِّعْمَةِ] المَشْهَدُ التّاسِعُ: مَشْهَدُ النِّعْمَةِ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنْ يَشْهَدَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ في أنْ جَعَلَهُ مَظْلُومًا يَتَرَقَّبُ النَّصْرَ. ولَمْ يَجْعَلْهُ ظالِمًا يَتَرَقَّبُ المَقْتَ والأخْذَ. فَلَوْ خُيِّرَ العاقِلُ بَيْنَ الحالَتَيْنِ - ولا بُدَّ مِن إحْداهُما - لاخْتارَ أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا. وَمِنها: أنْ يَشْهَدَ نِعْمَةَ اللَّهِ في التَّكْفِيرِ بِذَلِكَ مِن خَطاياهُ. فَإنَّهُ ما أصابَ المُؤْمِنَ هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا أذًى إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ مِن خَطاياهُ. فَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ دَواءٌ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنهُ داءُ الخَطايا والذُّنُوبِ. ومَن رَضِيَ أنْ يَلْقى اللَّهَ بِأدْوائِهِ كُلِّها وأسْقامِهِ، ولَمْ يُداوِهِ في الدُّنْيا بِدَواءٍ يُوجِبُ لَهُ الشِّفاءَ: فَهو مَغْبُونٌ سَفِيهٌ. فَأذى الخَلْقِ لَكَ كالدَّواءِ الكَرِيهِ مِنَ الطَّبِيبِ المُشْفِقِ عَلَيْكَ. فَلا تَنْظُرْ إلى مَرارَةِ الدَّواءِ وكَراهَتِهِ ومَن كانَ عَلى يَدَيْهِ. وانْظُرْ إلى شَفَقَةِ الطَّبِيبِ الَّذِي رَكَّبَهُ لَكَ، وبَعَثَهُ إلَيْكَ عَلى يَدَيْ مَن نَفْعَكَ بِمَضَرَّتِهِ. وَمِنها: أنْ يَشْهَدَ كَوْنَ تِلْكَ البَلِيَّةِ أهْوَنَ وأسْهَلَ مِن غَيْرِها. فَإنَّهُ ما مِن مِحْنَةٍ إلّا وفَوْقَها ما هو أقْوى مِنها وأمَرُّ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَها مِحْنَةٌ في البَدَنِ والمالِ فَلْيَنْظُرْ إلى سَلامَةِ دِينِهِ وإسْلامِهِ وتَوْحِيدِهِ. وأنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ دُونَ مُصِيبَةِ الدِّينِ فَهَيِّنَةٌ. وأنَّها في الحَقِيقَةِ نِعْمَةٌ. والمُصِيبَةُ الحَقِيقِيَّةُ مُصِيبَةُ الدِّينِ. وَمِنها: تَوَفِيَةُ أجْرِها وثَوابِها يَوْمَ الفَقْرِ والفاقَةِ. وفي بَعْضِ الآثارِ: أنَّهُ يَتَمَنّى أُناسٌ يَوْمَ القِيامَةِ لَوْ أنَّ جُلُودَهم كانَتْ تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ، لِما يَرَوْنَ مِن ثَوابِ أهْلِ البَلاءِ. هَذا. وإنَّ العَبْدَ لَيَشْتَدُّ فَرَحُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما لَهُ قِبَلَ النّاسِ مِنَ الحُقُوقِ في المالِ والنَّفْسِ والعِرْضِ. فالعاقِلُ يَعُدُّ هَذا ذُخْرًا لِيَوْمِ الفَقْرِ والفاقَةِ. ولا يُبْطِلُهُ بِالِانْتِقامِ الَّذِي لا يُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا. [فَصْلٌ المَشْهَدُ العاشِرُ مَشْهَدُ الأُسْوَةِ] المَشْهَدُ العاشِرُ: مَشْهَدُ الأُسْوَةِ وهو مَشْهَدٌ شَرِيفٌ لَطِيفٌ جِدًّا. فَإنَّ العاقِلَ اللَّبِيبَ يَرْضى أنْ يَكُونَ لَهُ أُسْوَةٌ بِرُسُلِ اللَّهِ، وأنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، وخاصَّتِهِ مِن خَلْقِهِ. فَإنَّهُمْ أشَدُّ الخَلْقِ امْتِحانًا بِالنّاسِ، وأذى النّاسِ إلَيْهِمْ أسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ في الحُدُورِ. ويَكْفِي تَدَبُّرُ قَصَصِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعَ أُمَمِهِمْ وشَأْنِ نَبِيِّنا ﷺ وأذى أعْدائِهِ لَهُ بِما لَمْ يُؤْذَهُ مَن قَبْلَهُ. «وَقَدْ قالَ لَهُ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لَتُكَذَّبَنَّ ولَتُخْرَجَنَّ ولَتُؤْذَيَنَّ. وقالَ لَهُ: ما جاءَ أحَدٌ بِمِثْلِ ما جِئْتَ بِهِ إلّا عُودِيَ. وهَذا مُسْتَمِرٌّ في ورَثَتِهِ كَما كانَ في مُوَرِّثِهِمْ ﷺ.» أفَلا يَرْضى العَبْدُ أنْ يَكُونَ لَهُ أُسْوَةٌ بِخِيارِ خَلْقِ اللَّهِ، وخَواصِّ عِبادِهِ: الأمْثَلِ فالأمْثَلِ؟ وَمَن أحَبَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَلْيَقِفْ عَلى مِحَنِ العُلَماءِ، وأذى الجُهّالِ لَهم. وقَدْ صَنَّفَ في ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ كِتابًا سَمّاهُ مِحَنَ العُلَماءِ. [فَصْلٌ المَشْهَدُ الحادِيَ عَشَرَ مَشْهَدُ التَّوْحِيدِ] المَشْهَدُ الحادِيَ عَشَرَ: مَشْهَدُ التَّوْحِيدِ وهو أجَلُّ المَشاهِدِ وأرْفَعُها. فَإذا امْتَلَأ قَلْبُهُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، والإخْلاصِ لَهُ ومُعامَلَتِهِ، وإيثارِ مَرْضاتِهِ، والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، وقُرَّةِ العَيْنِ بِهِ، والأُنْسِ بِهِ، واطْمَأنَّ إلَيْهِ. وسَكَنَ إلَيْهِ. واشْتاقَ إلى لِقائِهِ، واتَّخَذَهُ ولِيًّا دُونَ مَن سِواهُ، بِحَيْثُ فَوَّضَ إلَيْهِ أُمُورَهُ كُلَّها. ورَضِيَ بِهِ وبِأقْضِيَتِهِ. وفَنِيَ بِحُبِّهِ وخَوْفِهِ ورَجائِهِ وذِكْرِهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، عَنْ كُلِّ ما سِواهُ: فَإنَّهُ لا يَبْقى في قَلْبِهِ مُتَّسَعٌ لِشُهُودِ أذى النّاسِ لَهُ ألْبَتَّةَ. فَضْلًا عَنْ أنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ وفِكْرُهُ وسِرُّهُ بِتَطَلُّبِ الِانْتِقامِ والمُقابَلَةِ. فَهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن قَلْبٍ لَيْسَ فِيهِ ما يُغْنِيهِ عَنْ ذَلِكَ ويُعَوِّضُهُ مِنهُ. فَهو قَلْبٌ جائِعٌ غَيْرُ شَبْعانَ. فَإذا رَأى أيَّ طَعامٍ رَآهُ هَفَّتْ إلَيْهِ نَوازِعُهُ. وانْبَعَثَتْ إلَيْهِ دَواعِيهِ. وأمّا مَنِ امْتَلَأ قَلْبُهُ بِأعْلى الأغْذِيَةِ وأشْرَفِها: فَإنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إلى ما دُونَها. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. (فَصْلٌ) وَأمّا قَوْلُهُ: أنْ يَسْتَفِيدَ بِمَعْرِفَةِ أقْدارِ النّاسِ، وجَرَيانِ الأحْكامِ عَلَيْهِمْ: مَحَبَّتَهم لَهُ، ونَجاتَهم بِهِ. فَلِأنَّهُ إذا عامَلَهم بِهَذِهِ المُعامَلَةِ: مِن إقامَةِ أعْذارِهِمْ، والعَفْوِ عَنْهُمْ، وتَرْكِ مُقابَلَتِهِمُ: اسْتَوَتْ كَراهَتُهم ومَحَبَّتُهم لَهُ. وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ أيْضًا. إذْ يُرْشِدُهم ذَلِكَ إلى القَبُولِ مِنهُ. وتَلَقِّي ما يَأْمُرُهم بِهِ ويَنْهاهم عَنْهُ أحْسَنَ التَّلَقِّي. هَذِهِ طِباعُ النّاسِ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ] قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ. وتَحْسِينُهُ مِنكَ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنكَ يُوجِبُ عُذْرًا، وأنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنَ الحَقِّ يُوجِبُ شُكْرًا، وأنْ لا تَرى لَهُ مِنَ الوَفاءِ بُدًّا. هَذِهِ الدَّرَجَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قاعِدَتَيْنِ. إحْداهُما: أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ ناقِصٌ. وكُلُّ ما يَأْتِي مِنَ النّاقِصِ ناقِصٌ. فَهو يُوجِبُ اعْتِذارَهُ مِنهُ لا مَحالَةَ. فَعَلى العَبْدِ أنْ يَتَعَذَّرَ إلى رَبِّهِ مِن كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. أمّا الشَّرُّ: فَظاهِرٌ. وأمّا الخَيْرُ: فَيَعْتَذِرُ مِن نُقْصانِهِ. ولا يَراهُ صالِحًا لِرَبِّهِ. فَهُوَ - مَعَ إحْسانِهِ - مُعْتَذِرٌ في إحْسانِهِ. ولِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِالوَجَلِ مِنهُ مَعَ إحْسانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويَتَصَدَّقُ. ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» فَإذا خافَ فَهو بِالِاعْتِذارِ أوْلى. والحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الِاعْتِذارِ أمْرانِ: أحَدُهُما: شُهُودُ تَقْصِيرِهِ ونُقْصانِهِ. والثّانِي: صِدْقُ مَحَبَّتِهِ. فَإنَّ المُحِبَّ الصّادِقَ يَتَقَرَّبُ إلى مَحْبُوبِهِ بِغايَةِ إمْكانِهِ. وهو مُعْتَذِرٌ إلَيْهِ، مُسْتَحْيٍ مِنهُ: أنْ يُواجِهَهُ بِما واجَهَهُ بِهِ. وهو يَرى أنَّ قَدْرَهُ فَوْقَهُ وأجَلُّ مِنهُ. وهَذا مُشاهَدٌ في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِينَ. القاعِدَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِعْظامُ كُلِّ ما يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ إلَيْكَ، والِاعْتِرافُ بِأنَّهُ يُوجِبُ الشُّكْرَ عَلَيْكَ، وأنَّكَ عاجِزٌ عَنْ شُكْرِهِ. ولا يَتَبَيَّنُ هَذا إلّا في المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ. فَإنَّ المُحِبَّ يَسْتَكْثِرُ مِن مَحْبُوبِهِ كُلَّ ما يَنالُهُ. فَإذا ذَكَرَهُ بِشَيْءٍ وأعْطاهُ إيّاهُ: كانَ سُرُورُهُ بِذِكْرِهِ لَهُ، وتَأْهِيلِهِ لِعَطائِهِ: أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن سُرُورِهِ بِذَلِكَ العَطاءِ بَلْ يَغِيبُ بِسُرُورِهِ بِذِكْرِهِ لَهُ عَنْ سُرُورِهِ بِالعَطِيَّةِ. وإنْ كانَ المُحِبُّ يَسُرُّهُ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ لَهُ، وإنْ نالَهُ بِمَساءَةٍ. كَما قالَ القائِلُ: ؎لَئِنْ ساءَنِي أنْ نِلْتَنِي بِمُساءَةٍ ∗∗∗ لَقَدْ سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ بِبالِكا فَكَيْفَ إذا نالَهُ مَحْبُوبُهُ بِمَسَرَّةٍ - وإنْ دَقَّتْ - فَإنَّهُ لا يَراها إلّا جَلِيلَةً خَطِيرَةً. فَكَيْفَ هَذا مَعَ الرَّبِّ تَعالى الَّذِي لا يَأْتِي أبَدًا إلّا بِالخَيْرِ؟ ويَسْتَحِيلُ خِلافُ ذَلِكَ في حَقِّهِ. كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلافُ كَمالِهِ. وقَدْ أفْصَحَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِرَبِّهِ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ: «والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ» أيْ لا يُضافُ إلَيْكَ. ولا يُنْسَبُ إلَيْكَ. ولا يَصْدُرُ مِنكَ. فَإنَّ أسْماءَهُ كُلَّها حُسْنى، وصِفاتِهِ كُلَّها كَمالٌ، وأفْعالَهُ كُلَّها فَضْلٌ وعَدْلٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ. فَبِأيِّ وجْهٍ يُنْسَبُ الشَّرُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَكُلُّ ما يَأْتِي مِنهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ. ولَهُ فِيهِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ. قَوْلُهُ: وأنْ لا يَرى مِنَ الوَفاءِ بُدًّا. يَعْنِي: أنَّ مُعامَلَتَكَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى الِاعْتِذارِ مِن كُلِّ ما مِنكَ، والشُّكْرِ عَلى ما مِنهُ - عَقْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لازِمٌ لَكَ أبَدًا، لا تَرى مِنَ الوَفاءِ بِهِ بُدًّا. فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأمْرٍ عارِضٍ، وحالٍ يُحَوَّلُ. بَلْ عَقْدٌ لازِمٌ عَلَيْكَ الوَفاءُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ التَّخَلُّقُ بِتَصْفِيَةِ الخُلُقِ] قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: التَّخَلُّقُ بِتَصْفِيَةِ الخُلُقِ. ثُمَّ الصُّعُودُ عَنْ تَفْرِقَةِ التَّخَلُّقِ. ثُمَّ التَّخَلُّقُ بِمُجاوَزَةِ الأخْلاقِ. هَذِهِ الدَّرَجَةُ ثَلاثَةُ أشْياءَ. أحَدُها: تَصْفِيَةُ الخُلُقِ بِتَكْمِيلِ ما ذُكِرَ في الدَّرَجَتَيْنِ قَبْلَهُ. فَيُصَفِّيهِ مِن كُلِّ شائِبَةٍ وقَذًى ومُشَوِّشٍ. فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ صَعِدْتَ مِن تَفْرِقَتِهِ إلى جَمْعِيَّتِكَ عَلى اللَّهِ. فَإنَّ التَّخَلُّقَ والتَّصَوُّفَ تَهْذِيبٌ واسْتِعْدادٌ لِلْجَمْعِيَّةِ. وإنَّما سَمّاهُ تَفْرِقَةً: لِأنَّهُ اشْتِغالٌ بِالغَيْرِ. والسُّلُوكُ يَقْتَضِي الإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ، والِاشْتِغالَ بِالرَّبِّ وحْدَهُ عَمّا سِواهُ. ثُمَّ يَصْعَدُ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ. وهو مُجاوَزَةُ الأخْلاقِ كُلِّها بِأنْ يَغِيبَ عَنِ الخَلْقِ والتَّخَلُّقِ. وهَذِهِ الغَيْبَةُ لَها مَرْتَبَتانِ عِنْدَهم. إحْداهُما: الِاشْتِغالُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ. والثّانِيَةُ: الفَناءُ في الفَرْدانِيَّةِ الَّتِي يُسَمُّونَها حَضْرَةَ الجَمْعِ وهي أعْلى الغاياتِ عِنْدَهم. وهي مَوْهِبِيَّةٌ لا كَسَبِيَّةٌ. لَكِنَّ العَبْدَ إذا تَعَرَّضَ وصَدَقَ في الطَّلَبِ: رُجِيَ لَهُ الظَّفَرُ بِمَطْلُوبِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ مَدارُ حُسْنِ الخُلُقِ مَعَ الحَقِّ] وَمَدارُ حُسْنِ الخُلُقِ مَعَ الحَقِّ، ومَعَ الخَلْقِ: عَلى حَرْفَيْنِ. ذَكَرَهُما عَبْدُ القادِرِ الكِيلانِيُّ فَقالَ: كُنْ مَعَ الحَقِّ بِلا خَلْقٍ. ومَعَ الخَلْقِ بِلا نَفْسٍ. فَتَأمَّلْ. ما أجَلَّ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ، مَعَ اخْتِصارِهِما، وما أجْمَعَهُما لِقَواعِدِ السُّلُوكِ ولِكُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ؟ وفَسادُ الخُلُقِ إنَّما يَنْشَأُ مِن تَوَسُّطِ الخَلْقِ بَيْنَكَ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى. وتَوَسُّطِ النَّفْسِ بَيْنَكَ وبَيْنَ خَلْقِهِ. فَمَتى عَزَلْتَ الخَلْقَ - حالَ كَوْنِكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى - وعَزَلْتَ النَّفْسَ - حالَ كَوْنِكَ مَعَ الخَلْقِ - فَقَدْ فُزْتَ بِكُلِّ ما أشارَ إلَيْهِ القَوْمُ. وشَمَّرُوا إلَيْهِ. وحامُوا حَوْلَهُ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.

القلم 68:6

وقد اختلف في تقدير قوله ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ فقال أبو عثمان المازني هو كلام مستأنف والمفتون عنده مصدر أي بأيكم الفتنة والاستفهام عن أمر دائر بين إثنين قد علم انتفاؤه عن أحدهما قطعًا فتعين حصوله للآخر والجمهور على خلاف هذا التقدير وهو عندهم متصل بما قبله ثم لهم فيه أربعة أوجه أحدها أن الباء زائدة والمعنى أيكم المفتون وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك بحسبك أن تفعل قاله أبو عبيد. الثاني أن المفتون بمعنى الفتنة أي ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة والباء على هذا ليست بزائدة قاله الأخفش. الثالث أن المفتون مفعول على بابه ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون المفتون وليست الباء زائدة قاله الأخفش أيضًا الرابع أن الباء بمعنى في والتقدير في أي فريق منكم النوع المفتون والباء على هذا ظرفية وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه وستبصر مضمن معنى تشعر وتعلم فعدى بالباء كما تقول ستشعر بكذا وتعلم به قال تعالى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب فلا تجب من دعاك إليه من مكان بعيد.

القلم 68:10

وأما تقدم (هماز) على (مشاء بنميم) فبالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العياب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه، بخلاف النميمة. وأما تقدم (مناع للخير) على (معتد) فبالرتبة أيضا لأن المناع يمنع من نفسه، والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره. معنى ثان في قوله ﴿كل معتد أثيم﴾ وهو أن العدوان مجاوزة الحد الذي حد للعبد فهو ظلم في القدر والوصف وأما الإثم فهو محرم الجنس، ومن تعاطى تعدي الحدود تخطى إلى الجنس الآخر وهو الإثم. معنى ثالث وهو أن المعتدي الظالم لعباد الله تعالى عدوانا عليهم، والأثيم الظالم لنفسه بالفجور فكان تقديمه هنا على الأثيم أولى لأنه في سياق ذمه والنهي عن طاعته، فمن كان معتديا على العباد ظالما لهم فهو أحرى بأن لا تطيعه وتوافقه. وفيه معنى رابع وهو أنه قدمه على الأثيم ليقترن بما قبله وهو وصف المنع للخير فوصفه بأنه لا خير فيه للناس وأنه مع ذلك معتد عليهم فهو متأخر عن المناع لأنه يمنع خيره أولا ثم يعتدي عليهم ثانيا ولهذا يحمد الناس من يوجد لهم الراحة ويكف عنهم الأذى وهذا هو حقيقة التصوف وهذا لا راحة يوجدها ولا أذى يكفه. تقديم ﴿هماز على مشاء بنميم﴾ وأما تقديم ﴿هماز على مشاء بنميم﴾ ففيه آخر غير ما ذكره [السهيلي] وهو أن همزه عيب للمهموز وإزراء به وإظهار لفساد حاله في نفسه. فإن قال يختص بالمهموز لا يتعداه إلى غيره، والمشي بالنميمة يتعداه إلى من ينم عنده فهو ضرر متعد، والهمز ضرره لازم للمهموز إذا شعر به ما ينقل من الأذى اللازم إلى الأذى المتعدي المنتشر.

القلم 68:11

وأما تقدم (هماز) على (مشاء بنميم) فبالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العياب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه، بخلاف النميمة. وأما تقدم (مناع للخير) على (معتد) فبالرتبة أيضا لأن المناع يمنع من نفسه، والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره. معنى ثان في قوله ﴿كل معتد أثيم﴾ وهو أن العدوان مجاوزة الحد الذي حد للعبد فهو ظلم في القدر والوصف وأما الإثم فهو محرم الجنس، ومن تعاطى تعدي الحدود تخطى إلى الجنس الآخر وهو الإثم. معنى ثالث وهو أن المعتدي الظالم لعباد الله تعالى عدوانا عليهم، والأثيم الظالم لنفسه بالفجور فكان تقديمه هنا على الأثيم أولى لأنه في سياق ذمه والنهي عن طاعته، فمن كان معتديا على العباد ظالما لهم فهو أحرى بأن لا تطيعه وتوافقه. وفيه معنى رابع وهو أنه قدمه على الأثيم ليقترن بما قبله وهو وصف المنع للخير فوصفه بأنه لا خير فيه للناس وأنه مع ذلك معتد عليهم فهو متأخر عن المناع لأنه يمنع خيره أولا ثم يعتدي عليهم ثانيا ولهذا يحمد الناس من يوجد لهم الراحة ويكف عنهم الأذى وهذا هو حقيقة التصوف وهذا لا راحة يوجدها ولا أذى يكفه. تقديم ﴿هماز على مشاء بنميم﴾ وأما تقديم ﴿هماز على مشاء بنميم﴾ ففيه آخر غير ما ذكره [السهيلي] وهو أن همزه عيب للمهموز وإزراء به وإظهار لفساد حاله في نفسه. فإن قال يختص بالمهموز لا يتعداه إلى غيره، والمشي بالنميمة يتعداه إلى من ينم عنده فهو ضرر متعد، والهمز ضرره لازم للمهموز إذا شعر به ما ينقل من الأذى اللازم إلى الأذى المتعدي المنتشر.

القلم 68:12

وأما تقدم (هماز) على (مشاء بنميم) فبالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العياب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه، بخلاف النميمة. وأما تقدم (مناع للخير) على (معتد) فبالرتبة أيضا لأن المناع يمنع من نفسه، والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره. معنى ثان في قوله ﴿كل معتد أثيم﴾ وهو أن العدوان مجاوزة الحد الذي حد للعبد فهو ظلم في القدر والوصف وأما الإثم فهو محرم الجنس، ومن تعاطى تعدي الحدود تخطى إلى الجنس الآخر وهو الإثم. معنى ثالث وهو أن المعتدي الظالم لعباد الله تعالى عدوانا عليهم، والأثيم الظالم لنفسه بالفجور فكان تقديمه هنا على الأثيم أولى لأنه في سياق ذمه والنهي عن طاعته، فمن كان معتديا على العباد ظالما لهم فهو أحرى بأن لا تطيعه وتوافقه. وفيه معنى رابع وهو أنه قدمه على الأثيم ليقترن بما قبله وهو وصف المنع للخير فوصفه بأنه لا خير فيه للناس وأنه مع ذلك معتد عليهم فهو متأخر عن المناع لأنه يمنع خيره أولا ثم يعتدي عليهم ثانيا ولهذا يحمد الناس من يوجد لهم الراحة ويكف عنهم الأذى وهذا هو حقيقة التصوف وهذا لا راحة يوجدها ولا أذى يكفه. تقديم ﴿هماز على مشاء بنميم﴾ وأما تقديم ﴿هماز على مشاء بنميم﴾ ففيه آخر غير ما ذكره [السهيلي] وهو أن همزه عيب للمهموز وإزراء به وإظهار لفساد حاله في نفسه. فإن قال يختص بالمهموز لا يتعداه إلى غيره، والمشي بالنميمة يتعداه إلى من ينم عنده فهو ضرر متعد، والهمز ضرره لازم للمهموز إذا شعر به ما ينقل من الأذى اللازم إلى الأذى المتعدي المنتشر.

القلم 68:17

إن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم بما بلاهم به في سورة (ن) وهم قوم كان للمساكين حق في أموالهم، إذا جذوا نهارًا، بأن يلتقط المساكين ما يتساقط من التمر، فأرادوا أن يجدوا ليلا ليسقط ذلك الحق لئلا يأتيهم مسكين، وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنتهم طائفًا وهم نائمون فأصبحت كالصريم. وذلك لما تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين بأن يصرموها مصبحين قبل مجئ المساكين. فكان في ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله تعالى، أو حقوق عباده.

القلم 68:18

إن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم بما بلاهم به في سورة (ن) وهم قوم كان للمساكين حق في أموالهم، إذا جذوا نهارًا، بأن يلتقط المساكين ما يتساقط من التمر، فأرادوا أن يجدوا ليلا ليسقط ذلك الحق لئلا يأتيهم مسكين، وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنتهم طائفًا وهم نائمون فأصبحت كالصريم. وذلك لما تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين بأن يصرموها مصبحين قبل مجئ المساكين. فكان في ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله تعالى، أو حقوق عباده.

القلم 68:35

فأنكر سبحانه على من سوى بين المسلمين والمجرمين، وبين المطيعين والمفسدين مع أن الكل تحت المراد الكوني والمشيئة العامة. وقال أيضا في (طريق الهجرتين) فأنكر عليهم الحكم بهذا وأخرجه مخرج الإنكار لا مخرج الإخبار لينبه العقول على هذا مما تحيله الفطر وتأْباه العقول السليمة، وقال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِيَ أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنّةِ أصْحابُ الجَنّةِ هُمُ الفَآئِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الّذِينَ آمَنُواْ وعَمِلُواْ الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص:٢٨]، وقال تعالى: ﴿قَلْ هَلْ يَسْتَوى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] بل الواحد من الخلق لا تستوى أعاليه وأسافله، فلا يستوي عقبه وعينه، ولا رأسه ورجلاه، ولا يصلح أحدهما لما يصلح له الآخر فالله عز وجل قد خلق الخبيث والطيب والسهل والحزن والضار والنافع، وهذه أجزاء الأرض: منها ما يصلح جلاءً للعين ومنها ما يصلح للأتون والنار. وبهذا ونحوه يعرف كمال القدرة وكمال الحكمة: فكمال القدرة بخلق الأضداد. وكمال الحكمة تنزيلها منازلها ووضع كل منها في موضعه والعالم من لا يلقى الحرب بين قدرة الله وحكمته - فإن آمن بالقدرة قدح في الحكمة وعطلها وإن آمن بالحكمة قدح في القدرة ونقصها - بل يربط القدرة بالحكمة، ويعلم شمولها لجميع ما خلقه الله ويخلقه، فكما أنه لا يكون إلا بقدرته ومشيئته فكذلك لا يكون إلا بحكمته. وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلًا، فيكفيها الإيمان بما تعلم وتشاهد منه، ثم تستدل على الغائب بالشاهد وتعتبر ما علمت بما لم تعلم.

القلم 68:36

فأنكر سبحانه على من سوى بين المسلمين والمجرمين، وبين المطيعين والمفسدين مع أن الكل تحت المراد الكوني والمشيئة العامة. وقال أيضا في (طريق الهجرتين) فأنكر عليهم الحكم بهذا وأخرجه مخرج الإنكار لا مخرج الإخبار لينبه العقول على هذا مما تحيله الفطر وتأْباه العقول السليمة، وقال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِيَ أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنّةِ أصْحابُ الجَنّةِ هُمُ الفَآئِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الّذِينَ آمَنُواْ وعَمِلُواْ الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص:٢٨]، وقال تعالى: ﴿قَلْ هَلْ يَسْتَوى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] بل الواحد من الخلق لا تستوى أعاليه وأسافله، فلا يستوي عقبه وعينه، ولا رأسه ورجلاه، ولا يصلح أحدهما لما يصلح له الآخر فالله عز وجل قد خلق الخبيث والطيب والسهل والحزن والضار والنافع، وهذه أجزاء الأرض: منها ما يصلح جلاءً للعين ومنها ما يصلح للأتون والنار. وبهذا ونحوه يعرف كمال القدرة وكمال الحكمة: فكمال القدرة بخلق الأضداد. وكمال الحكمة تنزيلها منازلها ووضع كل منها في موضعه والعالم من لا يلقى الحرب بين قدرة الله وحكمته - فإن آمن بالقدرة قدح في الحكمة وعطلها وإن آمن بالحكمة قدح في القدرة ونقصها - بل يربط القدرة بالحكمة، ويعلم شمولها لجميع ما خلقه الله ويخلقه، فكما أنه لا يكون إلا بقدرته ومشيئته فكذلك لا يكون إلا بحكمته. وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلًا، فيكفيها الإيمان بما تعلم وتشاهد منه، ثم تستدل على الغائب بالشاهد وتعتبر ما علمت بما لم تعلم.

القلم 68:39

(موعظة) كَيْفَ يُوَفَّقُ بِحُسْنِ الخاتِمَةِ مَن أغْفَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِهِ واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا. فَبَعِيدٌ مَن قَلْبُهُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، غافِلٌ عَنْهُ مُتَعَبِّدٌ لِهَواهُ أسِيرٌ لِشَهَواتِهِ، ولِسانُهُ يابِسٌ مِن ذِكْرِهِ، وجَوارِحُهُ مُعَطَّلَةٌ مِن طاعَتِهِ مُشْتَغِلَةٌ بِمَعْصِيَتِهِ - أنْ يُوَفَّقَ لِلْخاتِمَةِ بِالحُسْنى. وَلَقَدْ قَطَعَ خَوْفُ الخاتِمَةِ ظُهُورَ المُتَّقِينَ، وكَأنَّ المُسِيئِينَ الظّالِمِينَ قَدْ أخَذُوا تَوْقِيعًا بِالأمانِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ كَما قِيلَ: ؎يا آمِنًا مِن قَبِيحِ الفِعْلِ مِنهُ أهَلْ ∗∗∗ أتاكَ تَوْقِيعُ أمْنٍ أنْتَ تَمْلِكُهُ ؎جَمَعْتَ شَيْئَيْنِ أمْنًا واتِّباعَ هَوًى ∗∗∗ هَذا وإحْداهُما في المَرْءِ تُهْلِكُهُ ؎والمُحْسِنُونَ عَلى دَرْبِ المَخاوِفِ قَدْ ∗∗∗ سارُوا وذَلِكَ دَرْبٌ لَسْتَ تَسْلُكُهُ ؎فَرَّطْتَ في الزَّرْعِ وقْتَ البَذْرِ مِن سَفَهٍ ∗∗∗ فَكَيْفَ عِنْدَ حَصادِ النّاسِ تُدْرِكُهُ ؎هَذا وأعْجَبُ شَيْءٍ مِنكَ زُهْدُكَ في ∗∗∗ دارِ البَقاءِ بِعَيْشٍ سَوْفَ تَتْرُكُهُ ؎مَنِ السَّفِيهُ إذًا بِاللَّهِ أنْتَ أمِ ال ∗∗∗ مَغْبُونُ في البَيْعِ غَبْنًا سَوْفَ يُدْرِكُهُ

القلم 68:40

(موعظة) كَيْفَ يُوَفَّقُ بِحُسْنِ الخاتِمَةِ مَن أغْفَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِهِ واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا. فَبَعِيدٌ مَن قَلْبُهُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، غافِلٌ عَنْهُ مُتَعَبِّدٌ لِهَواهُ أسِيرٌ لِشَهَواتِهِ، ولِسانُهُ يابِسٌ مِن ذِكْرِهِ، وجَوارِحُهُ مُعَطَّلَةٌ مِن طاعَتِهِ مُشْتَغِلَةٌ بِمَعْصِيَتِهِ - أنْ يُوَفَّقَ لِلْخاتِمَةِ بِالحُسْنى. وَلَقَدْ قَطَعَ خَوْفُ الخاتِمَةِ ظُهُورَ المُتَّقِينَ، وكَأنَّ المُسِيئِينَ الظّالِمِينَ قَدْ أخَذُوا تَوْقِيعًا بِالأمانِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ كَما قِيلَ: ؎يا آمِنًا مِن قَبِيحِ الفِعْلِ مِنهُ أهَلْ ∗∗∗ أتاكَ تَوْقِيعُ أمْنٍ أنْتَ تَمْلِكُهُ ؎جَمَعْتَ شَيْئَيْنِ أمْنًا واتِّباعَ هَوًى ∗∗∗ هَذا وإحْداهُما في المَرْءِ تُهْلِكُهُ ؎والمُحْسِنُونَ عَلى دَرْبِ المَخاوِفِ قَدْ ∗∗∗ سارُوا وذَلِكَ دَرْبٌ لَسْتَ تَسْلُكُهُ ؎فَرَّطْتَ في الزَّرْعِ وقْتَ البَذْرِ مِن سَفَهٍ ∗∗∗ فَكَيْفَ عِنْدَ حَصادِ النّاسِ تُدْرِكُهُ ؎هَذا وأعْجَبُ شَيْءٍ مِنكَ زُهْدُكَ في ∗∗∗ دارِ البَقاءِ بِعَيْشٍ سَوْفَ تَتْرُكُهُ ؎مَنِ السَّفِيهُ إذًا بِاللَّهِ أنْتَ أمِ ال ∗∗∗ مَغْبُونُ في البَيْعِ غَبْنًا سَوْفَ يُدْرِكُهُ

القلم 68:42

وأما في عرصة القيامة فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ فهذا صريح في أن الله يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا التكليف، بما لا يطاق حينئذ حسًا عقوبة لهم، لأنهم كلفوا به في الدنيا وهم يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم لا يقدرون عليه حسرة عليهم وعقوبة لهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] يعني أصحابه لا أحد يمنعهم منه فلما تركوه وهم سالمون دعوا إليه في وقت حيل بينهم وبينه كما في الصحيح من حديث زيد ابن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد رضي الله عنه: "إن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا" - فذكر الحديث بطوله، إلى أن قال - "فيقول تتبع كل أُمه ما كانت تعبد فيقول المؤمنون: فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا - مرتين أو ثلاثًا - حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها" فيقولون نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره:" طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم" وذكر الحديث. وهذا التكليف نظير تكليف البرزخ بالمسألة، فمن أجاب في الدنيا طوعًا واختيارًا أجاب في البرزخ، ومن امتنع من الإجابة في الدنيا منع منها في البرزخ ولم يكن تكليفه في الحال وهو غير قادر قبيحًا، بل هو مقتضى الحكمة الإلهية، لأنه كلف وقت القدرة فأبى، فإذا كلف وقت العجز وقد حيل بينه وبين الفعل كان عقوبة له وحسرة. والمقصود أن التكليف لا ينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار، وقد تقدم أن حديث الأسود بن سريع صحيح، وفيه التكليف في عرصة القيامة. فهو مطابق لما ذكرنا من النصوص الصحيحة الصريحة. وقال في (اجتماع الجيوش الإسلامية) تَأمَّلْ ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الوُرُودِ فَقالَ: («نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ القِيامَةِ " عَلى تَلٍّ " فَوْقَ النّاسِ قالَ: فَتُدْعى الأُمَمُ بِأوْثانِها وما كانَتْ تَعْبُدُ الأوَّلَ فالأوَّلَ، ثُمَّ يَأْتِينا رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: مَن تَنْتَظِرُونَ؟ فَيَقُولُونَ نَنْتَظِرُ رَبَّنا. فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتّى نَنْظُرَ إلَيْكَ، فَيَتَجَلّى لَهم يَضْحَكُ، قالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ ويَتْبَعُونَهُ ويُعْطى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم مُنافِقٍ أوْ مُؤْمِنٍ نُورًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وعَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلالِيبَ وحَسَكٍ تَأْخُذُ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ المُنافِقِينَ ثُمَّ يَنْجُو المُؤْمِنُونَ فَيَنْجُو أوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ سَبْعُونَ ألْفًا لا يُحاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم كَأضْواءِ نَجْمٍ في السَّماءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ تُحَلُّ الشَّفاعَةُ ويُشَفَّعُونَ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ النّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ ما يَزِنُ شَعِيرَةً فَيُجْعَلُونَ بِفَناءِ الجَنَّةِ ويَجْعَلُ أهْلُ الجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الماءَ». وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ. فَتَأمَّلْ قَوْلَهُ: «فَيَنْطَلِقُ فَيَتْبَعُونَهُ ويُعْطى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم نُورًا المُنافِقِ والمُؤْمِنِ»، ثُمَّ تَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] الآيَةَ. وَتَأمَّلْ حالَهم إذا أُطْفِئَتْ أنْوارُهم فَبَقُوا في الظُّلْمَةِ وقَدْ ذَهَبَ المُؤْمِنُونَ في نُورِ إيمانِهِمْ يَتَّبِعُونَ رَبَّهم عَزَّ وجَلَّ، وتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ «لِتَتْبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ» " فَيَتْبَعُ كُلُّ " مُشْرِكٍ إلَهَهُ الَّذِي كانَ يَعْبُدُهُ. والمُوَحِّدُ حَقِيقٌ بِأنْ يَتْبَعَ الإلَهَ الحَقَّ الَّذِي كُلُّ مَعْبُودٍ سِواهُ باطِلٌ، وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] وذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ في هَذا المَوْضِعِ، وقَوْلَهُ في الحَدِيثِ: فَيُكْشَفُ عَنْ ساقِهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُبَيِّنُ المُرادَ بِالسّاقِ المَذْكُورِ في الآيَةِ. وَتَأمَّلْ ذِكْرِ الِانْطِلاقِ واتِّباعِهِ سُبْحانَهُ، بَعْدَ هَذا وذَلِكَ يَفْتَحُ لَكَ بابًا مِن أسْرارِ التَّوْحِيدِ وفَهْمِ القُرْآنِ ومُعامَلَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأهْلِ تَوْحِيدِهِ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وحْدَهُ ولَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، هَذِهِ المُعامَلَةُ الَّتِي عامَلَ بِمُقابِلِها أهْلَ الشِّرْكِ حَيْثُ ذَهَبَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ مَعْبُودِها فانْطَلَقَ بِها واتَّبَعَتْهُ إلى النّارِ، وانْطَلَقَ المَعْبُودُ الحَقُّ واتَّبَعَهُ أوْلِياؤُهُ وعابِدُوهُ فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي قَرَّتْ عُيُونُ أهْلِ التَّوْحِيدِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وفارَقُوا النّاسَ فِيهِ أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْهِمْ.

القلم 68:43

وأما في عرصة القيامة فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ فهذا صريح في أن الله يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا التكليف، بما لا يطاق حينئذ حسًا عقوبة لهم، لأنهم كلفوا به في الدنيا وهم يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم لا يقدرون عليه حسرة عليهم وعقوبة لهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] يعني أصحابه لا أحد يمنعهم منه فلما تركوه وهم سالمون دعوا إليه في وقت حيل بينهم وبينه كما في الصحيح من حديث زيد ابن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد رضي الله عنه: "إن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا" - فذكر الحديث بطوله، إلى أن قال - "فيقول تتبع كل أُمه ما كانت تعبد فيقول المؤمنون: فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا - مرتين أو ثلاثًا - حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها" فيقولون نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره:" طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم" وذكر الحديث. وهذا التكليف نظير تكليف البرزخ بالمسألة، فمن أجاب في الدنيا طوعًا واختيارًا أجاب في البرزخ، ومن امتنع من الإجابة في الدنيا منع منها في البرزخ ولم يكن تكليفه في الحال وهو غير قادر قبيحًا، بل هو مقتضى الحكمة الإلهية، لأنه كلف وقت القدرة فأبى، فإذا كلف وقت العجز وقد حيل بينه وبين الفعل كان عقوبة له وحسرة. والمقصود أن التكليف لا ينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار، وقد تقدم أن حديث الأسود بن سريع صحيح، وفيه التكليف في عرصة القيامة. فهو مطابق لما ذكرنا من النصوص الصحيحة الصريحة. وقال في (اجتماع الجيوش الإسلامية) تَأمَّلْ ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الوُرُودِ فَقالَ: («نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ القِيامَةِ " عَلى تَلٍّ " فَوْقَ النّاسِ قالَ: فَتُدْعى الأُمَمُ بِأوْثانِها وما كانَتْ تَعْبُدُ الأوَّلَ فالأوَّلَ، ثُمَّ يَأْتِينا رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: مَن تَنْتَظِرُونَ؟ فَيَقُولُونَ نَنْتَظِرُ رَبَّنا. فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتّى نَنْظُرَ إلَيْكَ، فَيَتَجَلّى لَهم يَضْحَكُ، قالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ ويَتْبَعُونَهُ ويُعْطى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم مُنافِقٍ أوْ مُؤْمِنٍ نُورًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وعَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلالِيبَ وحَسَكٍ تَأْخُذُ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ المُنافِقِينَ ثُمَّ يَنْجُو المُؤْمِنُونَ فَيَنْجُو أوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ سَبْعُونَ ألْفًا لا يُحاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم كَأضْواءِ نَجْمٍ في السَّماءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ تُحَلُّ الشَّفاعَةُ ويُشَفَّعُونَ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ النّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ ما يَزِنُ شَعِيرَةً فَيُجْعَلُونَ بِفَناءِ الجَنَّةِ ويَجْعَلُ أهْلُ الجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الماءَ». وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ. فَتَأمَّلْ قَوْلَهُ: «فَيَنْطَلِقُ فَيَتْبَعُونَهُ ويُعْطى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم نُورًا المُنافِقِ والمُؤْمِنِ»، ثُمَّ تَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] الآيَةَ. وَتَأمَّلْ حالَهم إذا أُطْفِئَتْ أنْوارُهم فَبَقُوا في الظُّلْمَةِ وقَدْ ذَهَبَ المُؤْمِنُونَ في نُورِ إيمانِهِمْ يَتَّبِعُونَ رَبَّهم عَزَّ وجَلَّ، وتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ «لِتَتْبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ» " فَيَتْبَعُ كُلُّ " مُشْرِكٍ إلَهَهُ الَّذِي كانَ يَعْبُدُهُ. والمُوَحِّدُ حَقِيقٌ بِأنْ يَتْبَعَ الإلَهَ الحَقَّ الَّذِي كُلُّ مَعْبُودٍ سِواهُ باطِلٌ، وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] وذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ في هَذا المَوْضِعِ، وقَوْلَهُ في الحَدِيثِ: فَيُكْشَفُ عَنْ ساقِهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُبَيِّنُ المُرادَ بِالسّاقِ المَذْكُورِ في الآيَةِ. وَتَأمَّلْ ذِكْرِ الِانْطِلاقِ واتِّباعِهِ سُبْحانَهُ، بَعْدَ هَذا وذَلِكَ يَفْتَحُ لَكَ بابًا مِن أسْرارِ التَّوْحِيدِ وفَهْمِ القُرْآنِ ومُعامَلَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأهْلِ تَوْحِيدِهِ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وحْدَهُ ولَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، هَذِهِ المُعامَلَةُ الَّتِي عامَلَ بِمُقابِلِها أهْلَ الشِّرْكِ حَيْثُ ذَهَبَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ مَعْبُودِها فانْطَلَقَ بِها واتَّبَعَتْهُ إلى النّارِ، وانْطَلَقَ المَعْبُودُ الحَقُّ واتَّبَعَهُ أوْلِياؤُهُ وعابِدُوهُ فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي قَرَّتْ عُيُونُ أهْلِ التَّوْحِيدِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وفارَقُوا النّاسَ فِيهِ أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْهِمْ.

القلم 68:48

قال ابن عباس: نهاه أن يتشبه بصاحب الحوت، حيث لم يصبر صبر أولي العزم. وهاهنا سؤال نافع، وهو أن يقال: العامل في الظرف، وهو قوله «إذ نادى» لا يمكن أن يكون المنهي عنه، إذ يصير المعنى: لا تكن مثله في ندائه. وقد أثنى الله سبحانه عليه في هذا النداء فأخبر أنه نجاه به. فقال: ﴿وَذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا، فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال «دعوة أخي ذي النون، إذ دعي في بطن الحوت: ما دعى بها مكروب إلا فرج الله عنه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» فلا يمكن أن ينهى عن التشبه به في هذه الدعوة، وهي النداء الذي نادى به ربه. وإنما نهي عن التشبه به في السبب الذي أفضى به إلى هذه المناداة، وهي مغاضبته التي أفضت به إلى حبسه في بطن الحوت، وشدة ذلك عليه حتى نادى ربه وهو مكظوم. والكظيم والكاظم الذي قد امتلأ غيظا وغضبا، أو هما وحزنا، وكظم عليه فلم يخرجه. فإن قيل: وعلى ذلك فما العامل في الظرف؟ قيل: ما في «صاحب الحوت» من معنى الفعل. فإن قيل: فالسؤال بعد قائم، فإنه إذا قيد المنهي بقيد أو زمن كان داخلا في حين النهي فإن كان المعنى: لا تكن مثل صاحب الحوت في هذه الحال، أو هذا الوقت. كان نهيا عن تلك الحالة. قيل: لما كان نداؤه مسببا عن كونه صاحب الحوت، فنهى أن يشبه به في الحال التي أفضت به إلى صحبته الحوت وألجأته إلى النداء، وهو ضعف العزيمة وعدم الصبر لحكمه تعالى، ولم يقل تعالى: ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضبا فالتقمه الحوت، فنادى، بل طوى القصة واختصرها، وأحال بها على ذكرها في الموضع الآخر، واكتفى بغايتها وما انتهت إليه. فإن قيل: فما منعك بتعويض الظرف بنفس الفعل المنهي عنه؟ أي لا تكن مثله في ندائه وهو ممتلئ غيظا وهما وغما، بل يكون نداؤك نداء راض بما قضى ربه عليه، قد تلقاه بالرضى والتسليم وسعة الصدر، لا نداء كظيم. قيل: هذا المعنى، وإن كان صحيحا، فلم يقع النهي عن التشبه به في مجرده. وإنما نهي عن التشبه به في الحال التي حملته على ذهابه مغاضبا، حتى سجن في بطن الحوت. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ ثم قال: ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ أي في ضعف صبره لحكم ربه. فإن الحالة التي نهى عنها هي ضد الحالة التي أمر بها. فإن قيل: فما منعك أن تصير إلى أنه أمر بالصبر لحكمه الكوني القدري الذي قدره عليه، ولا تكن كصاحب الحوت، حيث لم يصبر عليه، بل نادى وهو كظيم لكشفه. فلم يصبر على احتماله والسكون تحته. قيل: منع من ذلك: أن الله سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم إياه كشف ما بهم من ضر، وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله: ﴿وَذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ: أنْ لا إلهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ. فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ فكيف ينهي عن التشبه به فيما يثني به عليه ويمدحه به؟ وكذلك أثنى على أيوب بقوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وعلى يعقوب بقوله: (إنَّما أشْكُوا بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ} وعلى موسى بقوله: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وقد شكا إليه خاتم أنبيائه ورسله بقوله: «اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي - الحديث» فالشكوى إليه سبحانه لا تنافى الصبر الجميل، بل إعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة، وجعل الشكوى إليه وحده: هو الصبر. والله تعالى يبتلي عبده ليسمع شكواه، وتضرعه ودعاؤه. وقد ذم الله سبحانه من لم يتضرع إليه. ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾. والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه، بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه، وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه، ويحب من يشكو ما به إليه. وقيل لبعضهم: كيف تشتكي إليه ما ليس يخفى عليه؟ فقال: ربي يرضى ذل العبد إليه. والمقصود: أنه سبحانه أمر رسوله أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا لحكمه اختيارا. وهذا أكمل الصبر، ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء، حتى ردوها إلى أفضلهم وخيرهم، وأصبرهم لحكم الله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. (لطيفة) كان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل وقت ينظر فيها وفيها ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو كان الصبر والشكر بعيرين لم أبال أيهما ركبت وكان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء قال سحابة صيف ثم تنقشع.

القلم 68:51

وقد قال غير واحد من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ إنه الإصابة بالعين فأرادوا أن يصيبوا بها رسول الله ﷺ فنظر إليه قوم من العائنين، وقالوا ما رأينا مثله ولا مثل حجته وكان طائفة منهم تمر به الناقة والبقرة السمينة فيعينها ثم يقول لخادمه خذ المكتل والدرهم وآتنا بشيء من لحمها فما تبرح حتى تقع فتنحر وقال الكلبي: "كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل ثم يرفع جانب خبائة فتمر به الإبل فيقول لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها طائفة فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله ﷺ بالعين ويفعل به كفعله في غيره فعصم الله تعالى رسوله وحفظه وأنزل عليه: ﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ هذا قول طائفة وقالت طائفة أخرى منهم ابن قتيبة: ليس المراد أنهم يصيبونك بالعين كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن الكريم نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك قال الزجاج: "يعني من شدة العداوة يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك" وهذا مستعمل في الكلام يقول القائل: نظر إلي نظر قد كان يصرعني، قال: ويدل على صحة هذا المعنى أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن الكريم وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة فيحدون إليه النظر بالبغضاء النظر الذي يؤثر في المنظور قلت: النظر الذي يؤثر في المنظور قد يكون بسببه شده العداوة والحسد فيؤثر نظره في كما تؤثر نفسه بالحسد ويقوى تأثير النفس عند المقابلة فإن العدو إذا غاب عن عدوه قد يشغل نفسه عنه فإذا عاينه قبلا اجتمعت الهمة عليه وتوجهت النفس بكليتها إليه فيتأثر بنظره حتى إن من الناس من يسقط ومنهم من يحم ومنهم من يحمل إلى بيته وقد شاهد الناس من ذلك كثيرا. وقد يكون سببه الإعجاب وهو الذي يسمونه بإصابة العين، وهو أن الناظر يرى الشيء رؤية إعجاب به أو استعظام فتتكيف روحه بكيفية خاصة تؤثر في المعين وهذا هو الذي يعرفه الناس من رؤية المعين فإنهم يستحسنون الشيء ويعجبون منه فيصاب بذلك. قال عبد الرزاق بن معمر عن هشام بن قتيبة قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ "العين حق" رواه البخاري ومسلم "ونهى عن الوشم" رواه البخاري ومسلم. وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن عروة عن عامر عن عبيد بن رفاعة أن أسماء بنت عميس قالت يا رسول الله ﷺ "إن ابني جعفر تصيبهم العين أفتسترقي لهم؟ قال: نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين" (صحيح). فالكفار كانوا ينظرون إليه نظر حاسد شديد العدواة فهو نظر يكاد يزلقه لولا حفظ الله وعصمته، فهذا أشد من نظر العائن بل هو جنس من نظر العائن فمن قال إنه من الإصابة بالعين أراد هذا المعنى، ومن قال: ليس به أراد أن نظرهم لم يكن نظر استحسان وإعجاب فالقرآن الكريم حق. وقد روى الترمذي من حديث أبي سعيد: "أن النبي ﷺ كان يتعوذ من عين الإنسان" (صحيح). فلولا أن العين شر لم يتعوذ منها وفي الترمذي من حديث علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير حدثني حابس بن حبة التميمي حدثني أبي "أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا شيء في الهام والعين حق " (ضعيف) لكن قوله "والعين حق" (صحيح). وفيه أيضا من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: " كان رسول الله ﷺ يقول لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا " رواه مسلم.